المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذائقة نورانية العقيدة الاسلامية


السعيد
06-15-2018, 02:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الاول )


الموضوع : القوة الإدراكية وهي بحاجة لعالم داخلي وخارجي بينهما



الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا انك أنت العليم الحكيم , اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علما , وأرنا الحق حقا , وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلا , وارزقنا اجتنابه.
من أصول العقيدة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/01.jpg
العقيدة تعد من أصول الإسلام والفقه من الـفروع, فإذا صحت العقيدة صح العمل, وإذا فسدت العقيدة فسد العمل، فإذا اعتقدت أن الله تعالى قبض قبضة، وقال: هذه إلى الجنة ولا أبالي وهذه إلى النار ولا أبالي والقضية انتهت هذه العقيدة تثبط همة المؤمن.
فـالبحث في العقيدة مهم جداً بل هو خطير جداً، وهذا لا يعني أنني لم أبحث موضوعات العقيدة خلال مدة طويلة بـل بحثنـاها مئـات المرات، ولكن بمواضيع متفرقة في: الخطب، والتفسير، والحديث، والسيرة وفي الدروس، أما بحثها على شكل موضوعات متكاملة ومتتابعة فسنبدأ الآن أول مرة.



1- النفس:
جاء في بعض الأحاديث الشريفة أنه " من عرف نفسه عرف ربه "، فلنبدأ بالحديث عن النفس, التي هي بين جوانحنا والتي في الصدور، قال الله تعالى:
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
(سورة الملك الآية: 13)
هذه النفس التي هي ذات الإنسان, نتعرف بها أن الإنسان مخلوق من نوع خاص، فالكون كـلـه مــا فـي السموات ومـا في الأرض مسخرٌ له, فإذا كان الكون كله مسـخراً له فأيهمـا أكـرم عنـد الله، الكـون بأكملـه أم هذا الإنسان الذي سّـخر لـه الكون بأكملـه ؟ فـالعقل يقول: المسخرُ له أكرم من الشـيء المسـخر، فقال الله تعالى عن الإنسان:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 70)
وأيضاً:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 72)
هذا الإنسان المكرم زوده الله بوسائل التكريم ومنها:
طرق تكريم الله للإنسان:
1- القوة الإدراكية:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/02.jpg
للإنـسان قوة إدراكية، فالحائط، والطاولة، والأحجار، والأشـجار هـذه الأشياء لا تدرك، فالإنسان مميز، ومفضل، ومكرم بهذه القوة الإدراكية.
مثلاً: مجتمـع الـقرود منذ وجودهم على الأرض وحتى الآن، هل طرأ على حياتهم تطور؟ فهل سكنوا في البيوت؟ وهل اخترعـوا أجـهزة ؟ وهل نظموا مجتمعهم ؟ فالقرد هو القرد، لم يتغير ولم يتبدل، فالفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان هو القوة الإدراكية.




2- الإدراك:
فالإنسان إذا عـطل إدراكـه عطـل إنسـانيته، أي إذا عـطل إدراكـه جعل نفسـه فـي صف الحيوان، وهذا قول لا يحتمل المناقشة لشدة وضوحه ولشدة تشعّب الموضوع، فلْنَبْقَ في القـوة الإدراكـية التـي خصـهـا الله للإنـسان والتـي يتميز بها عن سائر المخلوقات ولاسيمـا الحيوان، و لها مشكلة، أنها عالة على العالم الخارجي والعالم الداخلي، وهي مـن دون عالـم خـارجـي وعالم داخلي لا قيمة لها، حيث تتعطل وظيفتها.
نوافذ الإدراك:
3- العالم الخارجي:
الله تعالى جعـل لنـا نوافـذ تطل عليه، فالبصر نافذة، والشم، والسمع، والذوق، والإحسـاس بالحرارة والبرودة، وكذلك الضغط وجميع الأعصاب والحواس هي نوافـذ القوة الإدراكية على العالم الخارجي، ولو تخيلنا أن إنساناً أوتي من الذكاء ما لم يؤت أحـد من العـالمين وكان كفيف البصر، فهل يستطيع أن يعـرف الـلون الأحمر، وما الفرق بينه وبين اللون الأخضر ؟ نرى أن كـلمة أحمـر, وأخضـر, وأزرق, وبنفسـجي، وأبيـض وغيـره من هذه الكلمات لا معنى لـها إطلاقاً عندَ هذا الكفيف، فهذه القوة الإدراكيـة تستعين بهذه النوافذ، لذلك ربنا عز وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/03.jpg

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾
(سورة البقرة الآية: 171)
إن القوة الإدراكية تحتاج إلى سمع وبصر وإلى نطق، فأي كائن أصم، وأبكم، وأعمى فهو لا يعقل، وهنا نجد أن هذه الآية تشير إلى ذلك، قال تعالى:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
(سورة الأنفال الآية: 22)
فهذا الذي خُلق أصـم اسـألـه ؟ هل صـوت البلبل أعذب أم صوت الغراب ؟ فيقول لك: لا أعلم، وما نوعه ؟ فهو لا يدري، لأنه لم يسمع صوت البلبل ولا الغراب، فمهما كان متميزاً بالذكاء، والنـوافذ المطلة على العالم الخارجي مغلقة فـالإدراك منعـدم.
محدودية الحواس بقدر الله:
هذه الحواس خلقها الله سبحانه وتعالى بقدَر، قال الله تعالى:
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
(سورة القمر الآية: 49)
فإنـك عنـدمـا تريد شُـرب المـاء تـراه صـافياً نقيـاً، فلو وضعت منه قطرة تحت المجهر لرأيت آلافاً، بل مئات الألوف من الجراثيم والبكتريات والـعصيات، فماذا تستنتج ؟ إن هذه القوة الإبصارية محدودة، فإنك تستطيع أن ترى الأشياء على بُعد مئة متر أو مئتين، ثم بعد ذلك لا ترى شيئاً، كذلك طبيب العيون يضع لك لوحاً على بعد خمسة أمتار أو أكثر، فترى فتحـات الـدوائـر الكبيرة، حتى تصل إلى الـحلقات الصغيرة فتقول له: لا أعـرف، ويضـع لـك عـلامـة " 8/10 - 5/10 - 3/ 10"، حيث إنك لا ترى أصغر من ذلك، إذاً القوة الإبصارية لـها حدود قال تعالى:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
( سورة القمر الآية: 49)
وحدودها من تقدير عزيز، عليم، خبير، بصير، حكيم، ولو زادت قوة الإبصار أكثر من ذلك لما رأينا في الأرض جمالاً، وبعـض الأمـاكـن في أنعـم جـلد بشـري تـرى جبـالاً ووديـاناً ونتوءات، وعندما تم تـكبير أنعـم جـلـد بشـري تحت مجهر يكبر 300000 مرة كان المنظر لا يُحتمل، فلو أن هذه العين كـانـت قـوة إبصـارهـا أكبـر ممـا هـي عليه لما كان في الأرض جمال، فقوة الإبصار المحدودة تعتبر نعمة من نِعَم الله عز وجل.
الاستشهاد بأمثلة للتوضيح:
الهواء مثلاً يحتوي على صور، ومن يرى تـلك الصـور ؟ الـدليـل علـى ذلـك فـي أجهزة التلفزة الذي يلتقط الصور التي لا تستطيع عيناك أن تراها, الفضـاء مملوء بالصور، فقوة الإبصار محدودة وكذلك الهواء مملوء بالأصوات, فالبث الإذاعي في العالم العربي متعدد، وكل هذه الإذاعات أمواجها الصوتية مبثوثة في الفضاء، فجهاز المذياع يلتقط هذه الأصـوات أمـا الأذن فلا تستطيع ذلك، وهذه من نِعم الله عز وجل.
الحكمة الربانية في تحديد الأشياء:
فلو كان الـسمعُ غيرَ محـدود لسـمعت كـل الإذاعـات دون أن تـدخل إرادتك في أن تسمع أو لا تسمع, لذلك فإن الله عـز وجـل مـن حكمته جعلنا لا نستطيع أن نسمع تلك الأمواج الصوتية، فلنفرض لـو كان هنـاك سـوق مليء بالضجيج، أو كان كل شيء على وجه الأرض يسمعه الإنسان لكانت حيـاته مـستحيلة، فتصـور أنـك تسمع أصوات أمواج البحر، وكل محرك يعمل، وكل انفجار، وكل صـوت فـي الـكرة الأرضيـة، مـن شمـالها إلى جنـوبها، ومن شـرقـها إلى غـربها، مهما دق ذلك الصوت ‍! ولو تفكرنا في ذلك لعرفنا حكمة الله، ولعرفنا نعمته في جعل السمع لدينا محدوداً، ندرك معنى الآية الكريمة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/04.jpg

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
( سورة القمر الآية: 49)
فالموجة الصوتية عندما تضعف وتتلاشى، هذه نعمة كبيرة لا تقدر بثمن, الدليل: هناك موجة لا تتلاشى, فهم بعثـوا مـركبة إلـى المشـتري تسـير بسرعة 40000كم في الساعة، وهي أسرع مركبة صنعها الإنسـان، وبقيـت فـي مسـيرهـا إلـى المشتري ست سنوات، وهو أحد كواكب المجموعة الشمسية، ومـع ذلـك مِن هناك بثت صوراً إلـى الأرض، وهذه الصور بثت على شكل أمواج، وهذه الأمواج بقيت على حـالتـها، وسـعة المـوجـة لم تقل، فإنّ الله قادر على خلق موجات تحافظ على سعتها، ولـو أن المـوجـات الصـوتية التـي في الأرض بقيت محافظة على سعتها لأصبحت الحياة على وجه الأرض مستحيلة.
َ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
( سورة القمر الآية: 49)
وهـكذا الســمع، والبصـر، والشـم، فالشـم محـدود أيضـاً، فـلو أن الإنسـان يشـم الروائـح الكريـهة لمســـافـات بعيـدة كرائحـة دابـة ميتة فـي بلد آخر لأصبحت الحياة في بلدك مستحيلة، ولكن حكمة رب العالمين إذا كانت رائحة كريهة على بعد 200 م فإنها تنتهي وتتلاشى، فـراكب السـيارة قد يشم رائحة كريهة في طريقه وبعد لحظات يبتعد عنها وتنتهي الرائحة، إذاً هنـاك محـدودية للحواس.
إنكار الأشياء غير المحسوسة أمر غير علمي:
فهل ننكر الأشياء الغير محسوسة ؟ فمثلاً هناك أجهزة تطرد البعوض والذباب بواسطة أصوات يصدرها الجهـاز تزعج البعوض والذباب ولكن لا يسمعها الإنسان، وتكون هذه الأصوات دون عتبة السمع, كمـا أن هنــاك أجهـزة حـديثـة لـلقوارض تصـدر أصـواتاً لا يسمعها الإنسان ولكن القوارض تســمعها، فـإذا سـمعتْه هـربتْ، ويسـتخـدم فـي المستودعات، فهل يجـوز للعـاقل أن ينكـرهـا لعدم استماعه لها ؟ فتقول: إذاً إن الحواس محدودة لدى الإنسان، وهـذه النقطـة هي التـي يجـب أن نصـل إليـها، وقد قال عـلماء التوحيد: " عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ".
1- الدليل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/05.jpg
هنـاك أجهـزة تـلتقط الصور التي لا نراها، فهل تستطيع أن تنكر ذلك ؟ فإذا قال أحد: إني لا أرى الله، فأيـن هو ؟ فـتقول لـه: إنَّ هذا هو الغباء والجهل بعينه, لأن عـدم الوجـدان لا يعني عـدم الـوجود، ولأن حواسنا محدودة لحكمة بالغة، ونستنبط من ذلك أيضاً أن الشيء الذي لا نراه يمكن أن يكون موجوداً، ويمكن أن يكون وجوده أخطر من وجودك أنت لكنك لا تراه, ومن ينكـر أن هناك قوة جذب بيـن الأرض والشمس حسب قانون الجاذبية، فهناك تجاذب بين الكتل المادية بحسب حجم الكتلة، فكلما كبرت الكتلة زاد الجذب، وكلما صغرت قلَّ الجذب, وهذه حقيقة مسلَّم بها.
مثال: معلم أراد أن يـبث الإلحـاد بينَ طلابه فقال: نحن لم نشاهد الخالق، فإذاً هو غير موجود، فتكلم طفل وقال لهذا الأستاذ: نحن جميعاً لا نرى عقلك الذي تفكر به، فإذاً أنت لا عقل لك، إن قياساً على هذه القاعدة الواهية أن العقل لا يُرى, ولكن نرى آثاره، وهذا شـيء آخـر فـي الـقوة الإدراكية.
2- العالم الداخلي:
إنك تكوِّن بعض الحقائق من العالم الداخلي، ذلك لأن النفس تغضب، وتـخاف، وترجو، وتفرح، وتحزن، وتقلق، وتستكبر، هذه المشاعر يدركها الإنسان عن طريق العالم الداخلي وليـس عـن طريق العالم الخارجي، إذاً هناك نوافذ داخلية ونوافذ خارجية، كالبيوت مثلاً فقـد يـكون لـها نـوافـذ تطـل عـلـى ساحة البيت و نوافذ تطل على الشارع، كذلك الإنسان له نوافذ تطل على العالم الخارجي منها يكوِّن مدركاته، وله نوافذ تطل على العالم الداخلي ومنها يكوّن أحاسيسه.
3- الخيال:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/06.jpg
ما هو الخيال ؟ هو القدرة علـى التصور، يتصور الإنسان أن له بيتاً يطل على حديقة وعلى جنبيها أشجار سرو, وأشجار مثمرة متنوعة، وفـي الـحقيقـة لا يـوجد عنده شيء من ذلك، فما هذا الخيال ؟ فـلو قلنـا لإنسـان: تخيـل أن لك بيتاً، فإنـه يتخيل مسكناً له سقف، وجدران، وأرض، فهل يسـتطيـع أن يتخيل غـير ذلـك ؟ وكـذلـك لـو قلنـا لـه: تصور حورية نصفها امرأة ونصفها سـمكة، فـإنـه يسـتطيع تصور ذلـك، لأنه يعرف المرأة ويعرف السمكة فيتصور ذلك، فالخيال البشري لا يستطيع أن يتصوَّر شيئاً من لا شيء، إنما يستطيـع أن يـتصوّر شيئاً من شيء، من الممكن أن نتخيل شجرة لها أوراق، وتحمل بدلَ الثمـار كـؤوساً من شراب التفاح مثلاً، فالكؤوس موجودة وشراب التفاح مـوجود, الـخيـال فـي الـحقيقـة مـرتبط بالواقع، فأحياناً يتصورون إنسانَ المريخ فلا يزيدون على أن له رأساً، وجـذعاً، ويديْن، ورِجلين، إلا أنـه قـد يغيـر مـوضع العينين أو يكبر الرأس قليلاً، أو قد يغير في شكل الأيدي والأرجل، فهل يستطيـع الإنـسان أن يتصور رجـلَ المـريخ من دون رأس ورجليـن ؟.
محدودية الخيال ليس دليلاً علمياً على رؤية الغيبيات:
إذا كنت لا تستطيع أن توجد صورة خيالية من لا شيء، فكيف بإمكان الإنسان أن يتخيل الجنة وهو لم يرها ؟ فالخوض في الغيبيات ليس من العقل، ففي الحديث القدسي عن الله عز وجل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ:
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) ))
( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح )
فـالخيال يـجب ألاّ يجول في العالم الآخر، وذلك لأن الخيال لا يأتي إلا لشيء من شيء، أما من الجنة فلا نرى منها شيئاً، وقد قال العلماء: " نحن نكتفي بعالم الغيب بالخبر الصادق الذي ورد في كتاب الله ", لا أقل من ذلك ولا أكثر، فإذا كـنت عـاجـزاً عـن تخيـل الجنة فهل تستطيع أن تتخيل ذات الله عز وجل ؟ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((تفكروا في المخلوقات ولا تفكروا في الخالق فتهلكوا))
4- العقل:
عقلك مـربـوط بـحواسـك وخيـالـك مرتبط بالواقع ولن تستطيع التجاوز، وهذا الكلام يراد منه أن العقل أو الفكر البشري عندما يعجز عن الوصول إلى شيء فهذا لا يعني أن الشيء غير موجود، ولكن العقل الذي وهبنا الله إياه له طاقة محدودة، لحكمة بالغة أرادها الله عز وجل، مثلاً: ميزان يزن 30 كغ تضع عليه سـيارة، ينكسر ويتحطم، فهل نقول: إن هذا الميزان ليس جيداً ؟ لا بل هو ميزان جيد ولكن مخَصَّص للأوزان التـي لا تـتجاوز 30 كغ وليس لسيارة، مِن هذا المثـل يتضـح لـنا أن الإنسـان عندمـا يكلف عقله فوق طاقته، ثم يخفق فالخطأ ليس في عقله بل في سوء اسـتخدام العقل، لأن العقل مربوط بالواقع، والواقع فيه زمان ومكان، مثلاً يقال: إن هناك جريمة وقعت، فنقول مباشرة: متى وأين ؟ فالعقل البشري ليس عنده إمكانية أن يتصور حدثاً إلا ولـه زمـان ومكـان, ولـكـن الخـالـق ليـس كمثلـه شيء ولا يسأل عنه أين هو ؟ لأنه خالق المكان ولا يسـأل عنه: متـى كـان، لأنه خـالق الـزمان، فكلمة (متى) و(أين) في حق الله مستحيلة، لأنه خالق الـزمان والـمكان، فعدد السـنين هـذه مـن اختصـاصنـا نحن البشر، أما بالنسبة لله فالزمان صفر، لا يقيده زمان ولا مكان.
محدودية العقل:
فالكون غير محدود, ولكن العقل لابد من أن يـكون محدوداً فأبعد مجرة توصلوا لها تبعد 18000 مليون ســنة ضوئية, وقد يكـون هنـاك مـجرات أخـرى وبالنهايـة فالكـون غير محـدود, ولكن العقل كيف يستطيع أن يدرك اللامحدود وهو الله عز وجل ؟ لذلك قال:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
(سورة البقرة الآية: 255)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/175/07.jpg
يقول الإمام الشافعي: ((إن للعقل حداً ينتهي إليه، كما أن للبصر حداً ينتهي إليه))، والإمام الغزالي يقول: ((لا تستبعد أيها المتكلف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه مالا يظهر في العقل)), لـذلك فالـكرامـات مـوجـودة، ولـكن الـعقل بصددها محدود الزمان والمكان، فلا يمكن للعقل إدراكه ولكنه موجود، مثلاً قال الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾
( سورة النمل الآية: 40)
أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، هـذا عـن عـرش بلقيس فكيف يتصور العقل ذلك ؟ تصور أنك تريد أن تنقله، فكم تستغرق من الوقت والجهد ومقدار الإمكانيات اللازمة لذلك ؟ فالإنسان العاقل يعقل الحقائق التي ذكرناها سابقاً: " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود"، إذاً إن الفكـر البشـري محدود بالحواس، وخيـاله يمده من الواقع والواقع محـدود، فـأنـَّى لـهذا الفكـر البشـري المـحـدود بالحواس والحـواس يحـدُّهـا الواقـع أن يـدرك الـلامحـدود، معرفة الله لا تـكون إلا من معرفة آثاره فقط أمَّا معرفة ذاته فمستحيلة، ومعرفة الذات كما لو وضعت ورقة رقيقة جداً في فرن لصهر الـحديد، وقلت: ماذا حل بها ؟ فالإنسان عاجز عن معرفة ذات الله, وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ: ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحـاديثه:
((إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا ))
لا تبحثوا ً في ذات الله عـز وجل وبعلمه فهو يعـلم بلا كيف, وهذا اختصار للبحث فـي علـم الله الـذي لا يمكـن أن يدركه عقـل أي إن هنـاك أسئـلة خـطيرة فـي العـقيدة ينبغي أن نقف عندها ونقرأ:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾
(سورة الإخلاص الآية: 1-4)
فهنـاك مـوضـوعـات مـن اختصـاص الـفكر البشـري، وهناك موضوعات فوق الفكر البشري يجب عدم الخوض فيها، وإذا عجز الفكر عن إدراكها فلا ينبغي أن ننكرها، لأنه كما قلنا: " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود ".









والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 02:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية (https://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9150)

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : عالم الغيب والشهادة





الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم , اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما , وأرنا الحق حقا , وارزقنا ا تباعه , وأرنا الباطل باطلا , وارزقنا اجتنابه. مصادر المعرفة في العقيدة الإسلامية:
1- التفريق بين عالم الشهادة وعالم الغيب:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/218/01.jpg
الموضوع الثاني من مواضيع العقيدة أن العالم الذي خلقه الله عز وجل يقسـم قسمين:
1- عالم غيبي.
2- وعالم مشهود.
فكل شيء يقع تحت حواسنا فهو عالم مشهود، كالمرئيات، والمسموعات، و المشمومات، وكل شيء يقع تحت حواسنا الخمس أو تدركه حواسنا فهو عالم مشهود.
لكن هناك عالماً لا تدركه حواسنا ولكننا نستطيع أن نتبيّن أثره، الكهرباء لا نستـطيع أن نـرى الكـهرباء بـالعين، لكن دوران المروحة وإضاءة المصباح أثر من آثار الكهرباء، كذلك حرارة المدفأة الكهربائية أثر من آثار الكهرباء، وكذلك المذياع والتلفاز، فالكهرباء تبدو على شكل صوت أو حرارة أو تبريد، فتقول: إن الكهرباء لا تستطيع حواسنا أن تدركها ولكننا ندرك آثارها، وما دمنا قد أدركنا آثارها فإننا نحكم بوجودها، وهناك أشياء موجودة لا تستطيع حواسنا إدراكها لكن آثارها دالة عليها, وهذا عالم آخر غابت عنا ماهيته، وظهرت لنا آثاره، فنحن نحكمُ بوجوده.
الاستشهاد بأمثلة على آثار علم الغيب:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/218/02.jpg
قطعتان من الحديد بقياس واحد، وحجم واحد، ووزن ولون وتشكيل واحد، هذه العين لن تستطيع التفريق بينهما، إحداهما مشحونة بقوة مغناطيسية والثانية غير مشحونة، فإذا قربنا قطعة معدن صغيرة من القطعة المشحونة تجذبها، إذاً نحكم بوجود قوة في القطعة الأولى، ونحن بحواسنا الخمس لا نستطيع أن ندرك هذه القوة، ولكن بجذب المعدن الصغير لها, نستنتج أن في هذه القطعة قوة قطعية الثبوت ولكننا لا نستطيع بحواسنا الخمس أن ندركها، إذاً فالعالَم عالَم مشهود، وعالَم غيبي، ووجود العالم الغيبي ليس أقل من وجود العالم المشهود، بل ربما كان العام الغيبي أكثر وجوداً من العالم المشهود، فالحيوانات تتعامل مع العالم المشهود، لكن الإنسان بما أُوتي من فكر يستطيع أن يتعامل مع العالم الغيبي، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز:
﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 1-3)
وذلك يعني أن الشيء الذي غاب عنهم يؤمنون به إيماناً يقينياً، إذا رأيت غديراً، فالماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدُلاَّنِ على الحكيم الخبير ؟!.
من دلائل آثار علم ا لغيب:
1- الإيمان بالله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/218/03.jpg
الإيمان بالله هو إيمان تحقيقي وتستطيع أن تصل إلى درجة من الإيمان اليقيني بالله عز وجل:
وعن عَامِرٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ
((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فِي غَيْرِ صُورَتِهِ يَحْسِبُهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ ثُمَّ وَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلامُ فَقَالَ أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ وَأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتُ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ مَا الإِيمَانُ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ مَا الإِحْسَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ لا تَرَاهُ فَهُوَ يَرَاكَ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنْتُ))
( أخرجه الإمام أحمد في المسند)
ولشدة يقينك بوجوده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا الذي يجب أن نعرفه جميعاً ؛ أن الإيمان بالغيب لا يعني أن تؤمن بشيء احتمالُ وجوده قليلٌ لأن ذلك من ترهات الشياطين, فالكون كله دال عليه.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
المؤمن القوي يرى الله في كل شيء، في الفواكه، وفي كأس الماء، وفي العصفور، وفي حبة العنب، وفي جسمه، وسمعه، وفي بصره، وفي القمر، والنجوم، وفي السموات، و الأمطار، والجبال، و الصحارى، و السهول وكل شيء، وحيثما وقعت عيناه على شيء يرى الله مِن خلاله، فيقول: من صممّهُ ؟ و كوّنهُ ؟ وخلقهُ ؟ و صوّره ؟ ويتفكر الإنسان في تلك الأشياء التي حوله ليرى الله فيها، وأحياناً الإنسان يتعامى عن حقائق كثيرة.
آثار الصنعة تدل على الصانع:
معدن الرصاص من يفكر مثلاً بقيمته، وبصيغته، ومهمته، فإذا أردنا أن نثبّت حديداً بحجر فما الطريقة ؟ وإذا كان لدينا سور حجر نريد أن نضع فوقه سور حديد، فما كيفية تثبيت هذا الحديد بهذا الحجر ؟ إن الرصاص يذوب بدرجة مئة، أيْ على موقد غاز عادي نضعه فيذوب، يُصَبُّ في حفرة يوضع فيها وتدُ المعدن وبعد أن يبرد هذا المعدن فإنه من المستحيل أن تقلع السور الحديدي من الحجر ويحتاج الأمر إلى نشر الحديد بالمنشار فيما لو أُريد قلعه من مكانه، وكذلك حشوة الأسنان تستعمل من الرصاص لوجود هذه المادة الخاصة، وهذا المعدن يعاكس المعادن في هذه الخاصة, طبيب الأسنان يحاول أن يحفر في السن حفرًا جانبية، وعندما تبرد الحشوة وتتمدد وتدخل ضمن هذه الحُفَرِ، وهذا معناه أن الكون كامل، فما هذه الحكمة البالغة ‍‍‍!.
إذاً يجب أن نفكر في كل ما يحيط بنا، والآيات التي تدور حولنا ونراها يجب أن نفكر فيها لأننا لو نظرنا إلى كل شيء لرأَيْنا الله فيه، فالمؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعره الآخرون، وهذه ميّزة المؤمن عن غيره.
2- الروح:
هناك علم يُدعَى علماً يقينياً وهو علم استدلالي، فأنت من أثر الشيء تستنتج وجوده، فإذا رأيت مروحة تدور فهذا يقنعك بوجود الكهرباء فيها، كم بالمئة ؟ الواقع هي 100 % يقين قطعي مع أنك لم ترها، وإذا كنت تحكم بوجود القوة المغناطيسية قطعاً مع أنك لم ترها، فالروح وهي أقرب شيء لنا من العالم الغيبي.
فلو نظرت إلى ميت وزنه 73.5 كغ وقد خرجت منه الروح فلا يقل وزنه غراماً واحداً، ولكنه كان يرى بعينه، و يسمع بأذنه، ويتحرك، وينطق، ويفكر، ويفرح، ويغضب فإذا هو جثة هامدة لا يتحرك، ولا يتكلم، ولا يقنع، ولا يرضى، ولا يتألم، ولا يستطيع أن يعمل شيئاً، فما الذي فَقَدَه ؟ هو الروح، هل يستطيع أحد منا أن ينكر وجود الروح ؟ فلو أنكرنا وجود الروح لأنكرنا وجودنا، ومع أن الروح موجودة بالبداهة في يقين كل منا فلا نستطيع أن نلمسها بيدنا ولا أن نراها، ولا أن نسمع صوتها ولا نشمَّها، لا صوت لها ولا رائحة ولا شكل، ومع ذلك فهي موجودة، فالعالم الغيبي الذي لا تراه عينك موجود قطعاً وجوداً حقيقياً أوله الروح، إذاً العالم عالم مشهود ندركه بحواسنا الخمس، وعالم غيبي ندركه بعقولنا.
دعوى وردها:
يقولون: إن فلاناً غيبي أي يؤمن بالغيبيات، فالملحدون والماديون والفجّار إذا أرادوا أن ينتقصوا من إنسان مؤمن قالوا عنه: غيبي مع أن الإيمان بالغيب هو إيمان بوجود الإنسان، وقد قال ديكارت كلمة: أنا أفكر فأنا موجود، استنتج حقيقة وجوده من تفكيره، فالإيمان بالغيبيات إيمان قوي، وإيمان متين، وإيمان عميق، وهذه نقطة هامة جداً.
2- طريق الإيمان بالغيبيات هو الخبر الصادق:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/218/04.jpg
وهناك الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، واليوم الآخر، فإن الإيمان بتلك الأشياء وسيلةُ معرفتها الخبرُ الصادق فقط، فالإيمان بالله عز وجل إيمان تحقيقي، ولكن الإيمان بالملائكة إيمان تصديقي، لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عنهم، وما إلى ذلك من عوالم الغيب البعيدة عن إدراك الحواس، إذا آمنت بالله إيماناً صحيحاً وأخبرك عن الجنة, و النار, و الملائكة, و عن الجن، و عن الشياطين، فهذا هو الطريق الوحيد لمعرفة هذه الأشياء المغيبة عنا بكنها وآثارها, هناك أشياء عينها موجودة وأشياء آثارها موجودة، وهناك أشياء لا عينها ولا آثارها موجودة، وهذه الأشياء تعرفها بالخبر الصادق.
فالوحي: هو الطريق الوحيدة لتعريفنا بحقائق الأشياء الداخلة في عالم الغيب.
أقسام عالم الغيب:
1- قسم مغيب عن طريق العلم واكتشافاته يظهر:
هناك أشياء يجب أن لا نتفاجأ بها لأن في عالم الغيب أيضاً قسمين:
1 - قسم استأثر الله بعلمه.
2 - قسم يمكن أن ينتقل من عالَم الغيب إلى عالَم الشهادة.
فمَن منا يعرف وجه القمر الآخر، فلما وصل العلماء إلى سطح القمر، و هبطت المركبة على الوجه الآخر والتقطت صوراً له، فهذا المكان انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وهناك أشياء كثيرة تنتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة حسب الاكتشافات العلمية والتقدم العلمي، وهذا لا يمنع أن نفاجأ بكشفٍ من قبل من عالم الغيب، فأصبح الآن في عالم الشهود قال الله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾
(سورة الحشر الآية: 22)
وقال أيضاً:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ *عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾
(سورة الرعد الآية: 8-9)
قد يكون هناك أشياء بالنسبة إلينا من عالم الغيب، فالجن بالنسبة لنا من عالم الغيب، فقد أخبرنا الله بوجوده، أما الجن فبالنسبة لبعضهم هو مِن عالم الشهادة، أي إن هناك أشياء إذا قيست بالنسبة للإنسان فهي مِن عالم الغيب، وإذا قيست بالنسبة للجن فهي من عالم الشهود، فالعالَم الغيبي بعضه يمكن أن يصبح من عالم الشهود، وبعضه مما استأثر الله بعلمه وهو ما سيكون، أما الكائن فهو معروف.
2- قسم لا يعلمه إلا الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/218/05.jpg
وأمَّا ما سيكون فهو من العلم الذي لا يعلمه إلا الله، قال تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
(سورة النمل الآية: 65)
أي مَن أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، لأن الكاهن حشر نفسه في مجال الله سبحانه وتعالى الذي استأثر به عالم الغيب بمعنى ما سيكون وهو ممّا لا يعلمه إلا الله، فعَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))
( أخرجه مسلم عن صفية زوجة النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح)
إذاً عالم الغيب بعضه يمكن أن ينتقل إلى عالم الشهود، وبعضه الآخر مما استأثر الله بعلمه ولا يُطلِّع عليه أحداً إلا مَن اختارهم مِن بعض أنبيائه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 02:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : أهمية العقيدة ودورها الخطير في حياة الإنسان






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أسرار الله في مخلوقاته:

1- هداية الله للحيوان إلى طعامه وشرابه من دون تفكير منه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/219/01.jpg
بادئ ذي بدء نتحدث عن الحيوان:فالحيوان تحكمه مجموعة من الدوافع والغرائز، أي أن الله عز وجل خلق في الحيوان دافعاً نحو الطعام ألا وهو الجوع، وخلق في الحيوان دافعاً نحو التناسل ألا وهو الجنس، فالحيوان تحكمه مجموعة غرائز ومجموعة دوافع، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه لم يكلفه ولم يقبل الأمانة ولم يتصدَّ لها، جعل هذه الدوافع وتلك الغرائز منضبطة لمصلحته، فالحيوان قلّما يمرض لأنه لا يأكل فوق حاجته أبداً، والحيوان يشرب الماء مصاً ولا يعبه عباً، فغريزته تأمره بهذه الطريقة، قال الله تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

(سورة طه الآية:49- 50)

وقد سماها الأجانب غريزة وسماها الله سبحانه وتعالى هداية، فالحيوان يقوم بأعمال بالغة التعقيد بشكل غريزي عفوي فطري من دون تعلم، لأن الله زوده بدوافع وزوده بغرائز واسمها الإسلامي هداية الله, فالدافع نحو الأنثى في أكثر الحيوانات ليس دائماً إلا في مواسم معينة لكي لا يضر نفسه، طعام من نوع واحد وكمية الطعام ثابتة.

ذكر بعض الأمثلة على غريزة الحيوان:
أحدهم كان مدعواً في أحد أحياء دمشق، وكانت الدعوة على طعام اليقطين فأكل وشبع فدعَوْه وقالوا:تطييبًا لخاطرنا كُلْ هذه, وترجُّوه لكي يأكل أكثر فأكلها حتى كاد ينفجر وبعدها ركب الدابة، وهو يمشي على الطريق كان هناك مكان ماء، فوقفت دابتُه وشربت، فقال لها:تطييبًا خاطري اشربي فلم تشرب، فقال:هذه الدابة أعقلُ مني, فالحيوان غريزته لها حدود في الجنس و الطعام و الشراب فهي منضبطة لمصلحته، نرى الحيوان إذا مرض يدع الطعام والشراب من تلقاء نفسه، فهو يعالج نفسه بحشائش يهديه الله إليها.
أحدهم راقب قطة مريضة، فإذا هي تنطلق إلى حشيشة على طرف النهر فأكلتها وكان فيها الشفاء، فالحيوان فيه مجموعة دوافع، ومجموعة غرائز منضبطة فطرياً لمصلحته.

2- تكريم الله للإنسان بأن جعله صاحب إرادة وفكر:

الإنسان نوع آخر مكرم:هو عبارة عن مجموعة دوافع سماها علماء النفس:حاجات, الحاجة إلى الطعام والشراب والجنس و التكاثر والحركة والحاجة للشعور بالأهمية, لا يعرف حاجة الحركة إلا من قيّدت حركته، لكن هذه الحاجات و الدوافع عند الإنسان ليست منضبطة فطرياً، لأن الله عز وجل أكرمه، وأعطاه إرادة حرة و فكراً، لحكمة بالغة فهذه الدوافع أو الغرائز والميول جعلها الله مفتوحة وليست محدودة فالإنسان يستطيع أن يأكل متى شاء، وأن يتصل بالجنس الآخر في كل أشهر السنة لا كبعض الحيوانات، والانضباط هنا يجب أن ينبع من قناعته ومن اختياره، فالآن تبدأ خطورة الإنسان.

ابتلاء الله للإنسان بالشهوات وأعطاه الوسيلة على ضبطها:
الحيوان يمضي حياته في طمأنينة وفي دعة وفي سلامة، لأن عملية غرائزه منضبطة فطرياً أما الإنسان فشهواته، وغرائزه، وميوله ليس لها حدود, فالوحش في الغابة إذا كان جائعاً يأكل فريسة وحينما يشعر بالشبع يكف عن افتراس الحيوانات الأخرى، أما حب الإنسان للمال فليس له حدود، فإذا غرق في الجنس قد ينتحر وانغماسه في الشهوات، وحبه لجمع المال، وحبه للاستعلاء يدفعه أن يستعلي على حياة الناس أو على حساب فقرهم، ذلك لأن شهوات الإنسان غير منضبطة فطرياً، فقد أوكل الله له ضبط هذه الشهوات وأعطاه وسائل الضبط، فوسائل هذا الضبط:فكر سليم، وحرية اختيار، وقد عبر عنها بعض العلماء بالإرادة الحرة، من هنا تأتي خطورة العقيدة من أن القناعة، أو الفهم، أو العقيدة هي التي تحرك هذه الطاقات و الشهوات و السلوك، فإذا كانت المفاهيم صحيحة كان السلوك صحيحاً، وإذا كانت مغلوطة كان السلوك مغلوطاً، وهذا الذي أحب أن أوضحه، إذاً من أنت ؟ أنت مجموعة مفاهيم فإن كانت صحيحة عشت في حياة سعيدة وانتقلت إلى حياة أبدية.

نشأة المفاهيم عند الإنسان:

1- انتقال الطفل من المحسوسات إلى المجردات:

أحياناً الطفل الصغير يتعامل مع أمه فأي امرأة يراها في صغره يقول:هذه أمي وهذه أول مرحلة، فكل أنثى هي أمه، وكل رجل هو أبوه، وعندئذ ينتقل إلى مرحلة ثانية كل رجل عمه وكل أنثى خالته، وبعد مرحلة يتكون عنده مفهوم أن المرأة كائن حي لها خصائص معينة غير أمه وخالته وعمته و جارته، فالمرأة لها مفهوم عنده فيقول:هذه امرأة، وهذا رجل، وهذه شجرة، وهذه المرحلة اسمها انتقال الطفل من المحسوسات إلى المجردات ومن المجسدات إلى المفاهيم.

2- تكوين المفهوم لديه:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/219/02.jpg
أول علامات النضوج يتعامل الطفل بالمفاهيم، ثم يتكون لدى الطفل مفاهيم مركبة، مثلاً إن النار تحرق, هذا المفهوم من خلال إحساسه بالنار إذا لمست يده المدفأة فاحترقت عرف أن النار تحرق, ومرة رأى النار لهيباً وأخرى رآها جمراً وأخرى مدفأة ترسل الحرارة فيتكون عنده مفهوم النار تحرق, هذا المفهوم يتوضح بخبراته العميقة، إذا شاهد ناراً فإنه يبتعد عنها، لماذا ابتعد عنها ؟ لأنه يملك مفهوماً مركباً أن النار تحرق، وإذا قيل له:إن هذا الطعام النفيس سم فلا يأكله مع أنه جائع، لأنه يكون لديه مفهوم أن السم قاتل، وكل واحد منا عنده ملايين المفاهيم، فالحديد قاسٍ، والنار تحرق، والعقرب يلدغ، وهذا الحيوان وديع, في النهاية فمجموعة المفاهيم أساسها حسي، ثم إدراك، ثم مفهوم, والإدراك هنا إن صح التعبير هو العقل، قال الله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج الآية:46)

الاستشهاد بأمثلة على مرحلة تكوين المفهوم عند الإنسان:
فلو جئت بطفل رضيع عمره سنة ونصف ومر أمامه ثعبان كبير فإنه يراه وتنطبع صورته على شبكيته لكنه لا يخاف منه، لأنه لا يعرف ماذا يعني الثعبان ؟ ومفهوم الثعبان لم يتكون لديه، وفي مرحلة لاحقة يتعلم أو يعرف عن الثعبان من المدرسة، ويعلم أنه من الزواحف فيتعلمها تعليماً، وقد يراها في حديقة حيوان أو في زجاجة، فيتكون لديه مفهوم عن الثعبان بأنه من الزواحف ولَدْغتُه قاتلة، إذا شاهد ثعباناً فوراً يصيح ويركض لأنه صار عنده مفهوم, هذا المفهوم هو الذي يحدد سلوكه، هل هناك إنسان له فكر يرى ثعباناً ويبقى واقفاً ؟ فهذا مستحيل لأن المفهوم عنده أصبح واضحاً بأن هذا الحيوان مؤذٍ و لدْغتُه قاتلة، فإما أن يقتله أو يهرب ولكنه في جميع الأحوال يضطرب، وأحد أسباب اضطرابه وجود مفهوم عنده.

الفرق بين المؤمن وغيره هو تملكه العقائد الصحيحة الناتجة عن رؤية صحيحة:
يأتي المرابي فيقول لك:أنا لا أجمد المال، فهذا المال يجب أن ينمو، فإذا أقرضتُه يجب أن آخذ على هذا المال فائدة، هو ينطلق من مفهوم الربا، ويأتي المؤمن فيقول:إن المال مال الله، وهناك موت وبعد الموت حساب، وهناك سعادة أبدية أو شقاء أبدي فيطيع الله عز وجل، ولهذا أؤكد لكم أنه ما من إنسان على وجه الأرض يتحرك أي حركة صالحة أو طالحة، لمصلحته أو خلاف مصلحته إلا وينطلق من مفهوم، وإذا استطعنا أن نصحح المفاهيم دخلنا الجنة.
أيها الإنسان إنما يحركك مفهوم فهذا المفهوم نسميه عقيدة، ترسخ المفهوم والتعمق وانطلق إلى درجة تشبه الرؤية فإنه ينقلب إلى عقيدة، فإذا صحت العقيدة صح العمل، وإذا صح العمل سعد الإنسان في الدنيا والآخرة, فأخطر شيء في الحياة هو العقيدة، الذي يأكل الربا أو هذا الذي يتيح لنفسه أن يعمل ما يشاء و يعتدي على أعراض الناس، إنه ينطلق من مفهوم خاطئ تسرب إليه عن طريق إنسان مضل، أما هذا الذي يرى أن هناك إلهاً عظيماً بيده كل شيء، خَلَقَه في الدنيا ليسعد لحياة أبدية يدوم نعيمها تراه ينضبط، إذاً الفرق الوحيد بين المؤمن وغير المؤمن هي هذه العقائد الصحيحة التي لا يملكها إلا المؤمن، وتلك المفاهيم الخاطئة التي يملكها الكافر.

العقائد الإسلامية أساس نجاحها أنها درست واقع الإنسان التي فقدته الديانات الأخرى:
فإذا درسنا العقيدة الدينية فقد درسنا المحرك الذي يحركنا، فالإنسان الذي يغش ينطلق من مفهوم أن عنده أولاداً، والناس كلها تغش، والغش مسموح به لأن الغش عامٌّ وأصبح عدم الغش صعباً ويقولون:إنه حلال على الشاطر، فهذا الإنسان ينطلق من مجموع مفاهيم كلها خاطئة، وعبارة عن ظنون وخرافات, وأما المؤمن يرى أن هناك إلهاً عظيماً يطلّع على كل شيء، فإذا استقام على أمره في معاملة الخلق بارك الله له في صحته، وفي أهله، وفي حاله، وفي دنياه، وفي شيخوخته، وفي موته، وفي الجنة، فعندما ترى رجلاً منحرفاً فتأكدْ أنه يحمل مفاهيم خاطئة، وإذا وجدت إنساناً مستقيماً فإن عقيدته صحيحة، إذاً فأساس الاستقامة أنْ تملك عقيدة صحيحة, وهناك إنسان فَهِمَ الآية الكريمة:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾

(سورة الأحزاب الآية:33)

حركة الإنسان تسير وفق معتقده:
" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ " أنه من الوقار، أن المرأة وقور لذلك أمر بناته ألا يخرجن من البيت، من هنا تبدو أهمية العقيدة، فالعقيدة هي التي تحرك سلوكنا في حياتنا اليومية، ففي حياتك الصحيحة إذا كان عندك قناعة معينة فبذل الجهد ضروري, وهناك شخص يظن أنه كلما استراح كان أحسن، لا يتحرك بحركة ويتفاجأ بمرضٍ في القلب أو في الشرايين، ولكن متى يفاجأ ؟ بعْد فوات الأوان، أما الذي يملك مفاهيم صحيحة أن القلب سلامته في بذل الجهد، وفي الحركة، وفي المشي، وفي الرياضة، وفي بذل الطاقة، فهذا الذي يصون قلبه يملك مفهوماً صحيحاً, " أعدى أعداء الإنسان هو الجهل " أو أن تمتلك مفاهيم خاطئة, إنْ في شأن الصحة أو بشأن العلاقات الاجتماعية، يكون الخضري قد أخطأ معه بـ 25 ليرة فيبقى المشتري ساكتاً ويظن نفسه ذكياً بهذه العملية، أما المؤمن فقد يكون قاطعاً عنه مسافة 30 كم بالسيارة فيرجع ويعطيه حقه، فهناك ديَّان لا يغفل ولا ينام عن كل حركاتك وحساباتك وتصرفاتك وأعمالك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/219/03.jpg
مثلاً:أن أنام حتى الساعة التاسعة، فهذا يرى أن النوم شيء ثمين، أما المؤمن فلديه مفهوم أن الحياة محدودة كلها أيام معدودة، فمثلاً ساعة الصبح لا تعدلها أيَّة ساعة, فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

(أخرجه البخاري عن أبي هريرة)

فرغم أنه قام متأخراً ينزع عنه اللحاف وينطلق من فراشه، وحينئذٍ ينطبق عليه قوله تعالى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

(سورة السجدة الآية:16)

لو أن إنساناً يحب النوم، ويرى إنساناً يستيقظ باكراً لاتَّهمه بالجنون، وهذا الذي يحب أن يلقى الله عز وجل في صلاة الصبح أن يتصل به وأن يقف بين يديه يناجيه في هذا الوقت المبارك، يرى الناسَ النيام في هذا الوقت مجانين، فالذي ينام ولا يصلي لماذا ينام ؟ لأنه ينطلق من مفهوم خاطئ، وهذا الذي استيقظ لماذا استيقظ ؟ لأنه ينطلق من مفهوم صحيح.

سر سعادة الإنسان وشقائه هو المفهوم أو المعتقد الذي يتملكه:
إذاً لو استطعنا ألاّ نُدخل إلى عقولنا إلا المفاهيم الصحيحة لانتهت كل مشاكلنا وأمورنا، فهذا الذي يكاد ينفجر حقداً أو غيظاً مَن الذي قهره ؟ مفاهيم مغلوطة، المؤمن الموحد لا يرى مع الله أحداً يرى يد الله فوق أيديهم، فهذا الذي ضربه يرى يد الله فوق هذه اليد هي التي أذنت والله عادل فالذنب ذنبي، فترى المؤمن ليس عنده حقد لأحد، لأنه يعلم علم اليقين أن كل شيء وقع لابد أن يقع، ووقع وَفق العدالة الإلهية المطلقة والرحمة المطلقة، واللطف، والخبرة، والعلم، وهذا التقديم أردت منه أن أنبئكم أن الذي يملك العقيدة الصحيحة هو الذي يحقق السعادة الأبدية، والذي ينطلق من عقائد زائغة أو مغلوطة يعيش حياة ضنكًا.

الاستشهاد بأمثلة على فساد الرؤية عند الإنسان نتيجة المفاهيم المغلوطة:
رجل يقول: الله عز وجل لما يهدني وحتى يهديني أصلي فهذه عقيدة خطيرة جداً، الله تعالى قد هداك ولم يبق لك إلا الإجابة.
يقولون: يذهب المطيع بين أرجل العاصي وهذه عقيدة فاسدة، فهناك آية قرآنية تقول:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾

(سورة الإسراء الآية:15)

يقولون: نظر الولي الفلاني إلى فلان من الناس فهداه بتلك النظرة فهذه القصة غير صحيحة بل كاذبة، لأن الله تعالى قال:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

(سورة القصص الآية:56)

رجل يقول لك: إنه سوف يأتيك دفعة أموال ولك عدو يترصدك، وهذا كلام فارغ لأن الله تعالى قال:
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية:50)

لا يعلم الغيب إلا الله، فإذا قرأ الإنسان القرآن صحَّتْ مفاهيمه.
ويقال: هذا الرجل شاهد الجن، فذلك كاذب، لأن الله عز وجل قال:

﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

(سورة الأعراف الآية:27)

قضيَ الأمر فهم يروننا من حيث لا نراهم فكل إنسان يدعي أنه رأى الجن فهو كاذب، وعلى كل إنسان أن يبحث عن العقيدة الصحيحة، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم, وفي الأثر:
((ابن عمر، دينَك دينَكَ، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا))

الحال الذي يعيشه الغرب نتيجة فقدهم للعقائد الصحيحة:
ولذلك بعض المجتمعات الغربية يشعرون أن هناك حاجة ماسة إلى العقائد، فالإنسان الغربي إنسان بلا عقيدة، فليس عنده حلال وحرام ولا عنده قيم، يفعل ما بدا له ويحقق لذَّاته كلَّها دون أيِّ قيدٍ، فعندما انعدمت القيود ضاع الإنسان، ومبدأ اللذة نفسه انقلب إلى مبدأ الألم، فالحقيقة عندما يطلق الإنسان لشهواته العنان أيْ من دون قيد ينتهي به الأمر إلى الشقاء ويشعر بتفاهته، فالعالم الغربي أدرك أنهم يفتقرون إلى عقيدة فتجد فيهم الوحشة، لأنه لا يوجد عنده هدف، فالمرأة هناك تلد مثلاً خمسة أولاد وتنتظر من سنة إلى سنة لتتلقى من أحدهم بطاقة تهنئة بعيدِ ميلادها، إنه مجتمع بلا عقيدة و نهايته الدمار.

مصادر العقيدة:

1- الحس المادي:

أكدنا أننا أمام عالَم حسي ندركه بحواسنا، فبالعين نرى الشمس، وبالآذان نسمع الأصوات، وبالأنف نشم رائحة الأزهار, فالحواس تنقل إليك ما في العالم الخارجي وهذا النقل المستمر, هذا الإدراك ينقلب إلى مفهوم والمفهوم إذا ترسخ ينقلب إلى عقيدة، وأول مصدر للعقيدة هو الأحاسيس المادية، فنحن نعتقد أن النار تحرق، وأن الماء سائل، ومن خلال حواس الإنسان اليومية ترتكز مجموعة عقائد، ولكن هذه العقائد مادية.

2- الدليل الاستدلالي:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/219/04.jpg
الطريق الاستدلالي:وهو عن طريق الأثر تعرف المؤثِّر، ومن خلال " الأقدام تعرف المسير، ومن خلال الماء تعرف الغدير، ومن خلال البعر تعرف البعير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألاَ تَدُلاَّن على الحكيم الخبير " ؟
تسأل: أيهما أكبر، أهذه الآلة أم هذه ؟ يقول لك:هذه الآلة لأنه شيء بدهي، وقيل:إن المُسَلَّمات لا تحتاج إلى برهان لشدة وضوحها، أما الطريق الثاني وهو طريق الإيمان بالغيب فقال تعالى:

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
( سورة البقرة الآية:1-3)

من خلال دوران المروحة عندك علم يقيني بأنه في أسلاك الكهرباء لهذه المروحة طاقة كهربائية والدليل حركة المروحة، وعندك دليل يقيني يبلغ درجة يقينية 100% أن في هذه الأسلاك الأخرى طاقة كهربائية والدليل تألق المصابيح، وأنه في هذه المسجلة بطارية والدليل حركتها من دون مأخذ كهربائي فاليقين قطعي، فهناك كثير من الأشياء في حياتنا اليومية تبلغ درجة اليقين عن طريق الاستدلال، لذلك هناك أشياء ندركها بفكرنا عن طريق الآثار المادية لها.

3- الأمور التي تتعلق بالغيب طريقها الخبر الصادق:
أما إذا كان الشيء مغيباً عن حواسنا بذاته وآثاره فليس لمعرفته إلا طريق واحد وهو طريق الخبر الصادق، إذاً للعقيدة ثلاث قنوات تغذيها:
1. قناة الحواس الخمس، وما يتبعها من إدراك ومفهوم ثم عقيدة.
2. قناة الاستدلال الفكري، وهذا الطريق لا يقلُّ في قوته وصحته عن الطريق الحسي
3. أما إذا كان الشيء الذي تبحث عنه غائباً عنك وكانت آثاره أيضاً غائبة ولا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الخبر الصادق.
من الاستدلال العقلي والإدراك الحسي وتصديق الأخبار الصادقة يتكون مجموعة مفاهيم، وهذه المفاهيم مع التكرار والممارسة ومع الامتحان تنقلب إلى عقائد وبمعنى آخر إلى معقولات، قال تعالى:
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

(سورة الحج الآية:46)

صورة عملية التفكير في ذهن الإنسان:
أنت تحس صور الأشياء بالعين أما الإدراك فيعطى بالفكر، إذ ندرك صورة الأفعى فإذا لُدِغتَ بالأفعى مرة تكون عندك تجربة مرة وعندئذ تعقل خطرها، فالإحساس صورة والإدراك فكرة، أما العقل فتجربة أو رؤية، وهو نوع من المعرفة لا يرقى إليها الشك إن صح التعبير، وإذا بقي الشيء في الإحساس فيعني ذلك أن العين رأته، أما إذا بقي ووصل إلى الدماغ فأدركَهُ, أحست العين به وأدركه الدماغ وعَقَلَهُ القلب، وإذا وصل شيء إلى القلب فهذا أعلى درجات المعرفة، عندنا أحياناً مجموعة الأفكار.

مراتب العلم:
ومجموعة المعتقدات يمكن أن تصنف ثلاث درجات:
1. مرتبة اليقين.
2. مرتبة الظن.
3. مرتبة الشك.
وهناك أشياء مشكوك بها، وأشياء يغلب الظن أنها صحيحة، وأشياء يقطع بأنها يقينية، فإذا كان ربنا عز وجل قال مثلاً:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(سورة المائدة الآية:3)

يوجد نص صريح واضح محكَم لا سبيل إلى إنكاره هذا يقين, هناك موضوعات في الفقه، هل يجوز تحديد النسل أو لا يجوز، فهناك علماء استنبطوا هذا من آية معينة، وهناك علماء رفضوا ذلك، وهذا موضوع لما يُقطع به، أما إذا حكى أحدهم لك عن الجن، وقال لك:اكتب هذه الكلمة وضعها في كأس ماء واشربها تفهم الكتاب فوراً وتأخذ العلامة التامة فهذه خرافة، وأحدهم يأخذ حجاباً ويحمله ليفهم كتاب الفيزياء وحده، وهناك أشياء في مستوى الخرافات، و أشياء في مستوى الأفكار القابلة للتصديق، وأشياء في مستوى اليقينيات.
إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع العقيدة على مستوى أن هذا الخبر كيف يكون صادقاً ؟ وما مقياس صدقه ؟ وربما نبني مجموعة كبيرة من عقائدنا على الأفكار الصادقة التي أخبرنا بها كتاب الله عزّ وجل وأخبرنا بها النبي عليه الصلاة والسلام، ففي العقيدة قسم تحقيقي، وقسم تصديقي، التحقيقي نفي الأخبار الكاذبة عن التحقق الذاتي:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾

( سورة البقرة الآية:164)

فالتفكُر هو التحقق والإيمان.
والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 02:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع )


الموضوع :اليقين الاخبارى - الخبر الصحيح


الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم , اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه , وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
موقف الإنسان وحركته في الحياة وفق عقيدة يتمسك بها:
قد بينت سابقاً أن الإنسان حينما يتحرك في الحياة يفعل هذا الشيء أو لا يفعله, يقف من هذا الموضوع موقفاً معادياً أو مؤيداً، يمارس هذا الشيء ويمتنع عنه، هذه المواقف المتعددة المتنوعة المتباينة ما الذي يتحكم فيها ؟ وما الذي يحكمها ويسيرها ويفرضها ؟ شيء واحد خطير جداً في مصطلح الفقهاء إنها العقيدة، وفي مصطلح علماء النفس: هي المفاهيم، فإذا سرتم في الطريق وأنتم تركبون سيارة فقد ترون إنساناً يجري في الطريق وقد يلبس ثياباً خفيفة، ما الذي يجعله يجري ؟ حيث الجو البارد لا يتوافق مع راحة الجسم فأن يبقى في الفراش ينعم بالدفء أوفق لهذا الجسم من أن يخرج وتجري، ولماذا يجري ؟ لأن في أعماقه مفهوماً أن الجري يقوي القلب و يدفع عنه الآفات و يُليّن ويقوي العضلات، و حسب تفكير بعض الناس يمده بالحياة، هذا كله تحركه العقيدة، فالمؤمن يقوم ويصلي وقد يمتنع عن شيء نهاه الله عنه ما السبب ؟ إنها العقيدة.
مناط ا لعقيدة في الإنسان هو ا لعقل الذي مصبه في القلب:
هذه العقيدة لها منافذ أو قنوات صحيحة تسلك منها الأفكار إلى هذه المنطقة العميقة في الإنسان والتي إن صح التعبير نسميها منطقة العقل وقد قال الله عز وجل:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
( سورة الحج الآية: 46)
فمنطقة العقل في الإنسان هي القلب وقد بيّنا في درس سابق أن هناك إحساساً وأن هناك إدراكاً وأن هناك مفهوماً وأن هناك عقلاً, وأنت تحس أن الشمس ساطعة، إذ تتأثر شبكية العين بالضوء الذي تصدره الشمس فينتقل هذا الإحساس إلى الدماغ، والدماغ عنده ذاكرة، وهذه الذاكرة تنبه بأنَّ الشمس ساطعة وهذا ينتقل إلى المفهوم, ومفهوم الشمس عنده واضح ثم ينتقل إلى المنطقة العميقة في الإنسان وهي العقل, و حينما يسير في الصيف تحت أشعة الشمس المحرقة يأخذ معه مظلة أو يضع على رأسه ستراً، إذ يخاف ضربة الشمس بحسب المفاهيم.
مصادر العقيدة الإسلامية:
تحدثت فيما سبق أن هناك يقيناً حسياً و يقيناً إخبارياً ويقيناً إستدلالياً, فاليقين الحسي: شيء واضح جداً فحينما تحس أن هذه المدفأة لها حرارة تستيقن أنها مشتعلة, أما الاستدلالي: فهذا ينفرد بالإنسان، لأن الحيوان يتعامل مع المحسوسات إذ يخاف بعينيه, أما الإنسان المفكر فيخاف بفكره، فالطالب في أول أيلول يدرس رغم أنه لا يوجد فحص ولا شيء يدعو للدراسة لكنه يتصوّر الامتحان قبل سنة ويتصوّر الموقف العصيب وتوزيع الأسئلة ولا يدري كيف تأتي النتيجة السيئة عند الناس، دراسته مبنية على يقين استدلالي، فالشيء الذي تبحث عنه إما أنه ظاهر لحواسك فيقينك به يقين إحساسي أو حسي, وإما أنه غاب عنك وبقيت آثاره فإذا بقيت آثاره فاليقين به قطعي 100 % لكنه يقين استدلالي, كما تستدل على أن في الأسلاك كهرباء من تألق المصباح، وكما تستدل على أن في الأشرطة تياراً كهربائياً من حركة المروحة، والإنسان فيه روح من حركته، و أن لهذا الكون خالقاً عظيماً من آثاره، فالإيمان بالله إيمان تحقيقي فالقناة الأولى يقين حسي عن طريق الحواس، والقناة الثانية عن طريق الفكر، والقناة الثالثة عن طريق الخبر الصادق الصحيح والخبر الصحيح عند المسلم يرقى إلى مرتبة اليقين بشرط أن يتحقق من صحته.
الفرق بين المؤمن وغيره تملكه الرؤية الصحيحة:
فالدرس اليوم عن القناة الثالثة التي تصل إلى منطقة العقيدة أو إلى القلب الذي هو مناط العقل والقلب هو الذي يحرك الإنسان نحو اتخاذ مواقف معينة من موضوعات معينة, والإنسان عبارة عن مجموعة مواقف, لو أن أي إنسان على وجه الأرض يملك عقلاً لحقيقة الزنا كما ملكه سيدنا يوسف لأحجم كما أحجم، و لو أن أي إنسان على وجه الأرض رأى من نِعم الله ومن كمالات الله ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لحمد الله كما يحمد النبي ربه, فالأزمة رؤية, أما الفطرة فواحدة وهؤلاء البشر على تعددهم واختلاف مشاربهم، وتنوع بيئاتهم وأصولهم وفروعهم وأجناسهم وعاداتهم وتقاليدهم إنهم جميعاً مفطورون فطرة واحدة، فلو أُتيح لأشقى الناس أن يرى ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم لحَمِدَ الله حمده، ولأحبَ الله حبه، ولكان ورعاً ورعه، ولعَمِلَ صالحات كما فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، فالأزمة كلها أزمة معرفة " وأعدى أعداء الإنسان الجهل وخير أصدقائه المعرفة " فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، وهؤلاء المتحدثون، و الفُجّار، والكفار، والملحدون، لو رأوا ما رأى المؤمنون لكانوا مثلهم، والفرق بينهم وبين المؤمنين هي الرؤية فإما أن تملك رؤية صحيحة وإما أن لا تملكها فإذا ملكت هذه الرؤية سعدت وأسعدت وإن لم تملكها شقيت وأشقيت.
وعلى مستوى حياتنا الاجتماعية هذا الذي يأكل مالاً حراماً اغتصب مالاً لأيتام لو أيقن أن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يدمره وماله لا يأكل هذا المال, فالذي يأكل إذاً أعمى والذي لا يأكل مبصر, وقال الله عز وجل: " فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " أقول دائماً أحب نفسك فإذا أحببتها تخاف عليها من العطب والهلاك وتسعى إلى سلامتها وتبتغي سعادتها، وإذاً تستقيم على أمر الله فلو أنك أحببت نفسك حباً مبصراً لاستقمت على أمر الله فطرة الله التي فطر الناس عليها، و نحن جميعاً لنا فطرة واحدة والخلافات بين البشر وبين الأفراد وبين الشعوب خلافات شكلية لا قيمة لها, " يا داوود ذّكر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
انحراف الناس لفقدان تبصرهم في قلوبهم:
أخطر منطقة في الإنسان منطقة القلب الذي هو مناط العقيدة والاحساس وإدراك العقل، والعقل الذي مناطه القلب هو الذي يحركه وهو الذي يجعلك تأكل أو لا تأكل، وتمشي أو لا تمشي، وتفعل أو لا تفعل، وتقبض أو لا تقبض، وتؤذي أو لا تؤذي، فالذي يؤذي أعمى لا يرى أن لهذا الذي يؤذيه رباً لن يفلت من يده، أما المبصر الذي يرى أن الله قادر على كل شيء وسوف يدفع الثمن باهظاً إذا أذى, فالذي أرجوه وأرجو الله أن يتفضل به علينا هو هذه الرؤية الصحيحة إذا رأيت رؤية صحيحة حُلّت كل المشكلات, فإن كان في القلب عمى وقع الإنسان في متاهات لا نهاية لها، وبعض الآيات التي تؤكد أن لهذه العقيدة الراسخة التي مناطها في القلب مسالك ومن هذه المسالك قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 164)
إذا توصلت إلى معرفة الله استقمت على أمره:
من أعطى هذا الماء قوة الدفع نحو الأعلى, أمسك بوعاء ماء واغمسه في بحرة يذهب جزء كبير جداً من وزنه، أين ضاع هذا الوزن ؟ ضاع في الماء قوة تدفع نحو الأعلى ولولا هذه القوة لما كان هناك ملاحة بحرية إطلاقاً، فهذه الملاحة البحرية هي التي تنفع الناس وتنقل حاجاتهم وبضائعهم وغذاءهم وحوائجهم وكل ما يحتاجونه من قارة إلى قارة بفضل هذه القوة التي أودعها الله عز وجل في الماء وهي قوة الدفع نحو الأعلى.
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " فاختلاف الليل والنهار، بسبب هذا المحور المائل إذ ميله جعل هناك ليلاً، ودوران الأرض حول نفسها جعل هناك ليلاً ونهاراً, فلو أن المحور قائم على مستوى الدوران لما كان هناك اختلاف في طول الليل والنهار على مر الأيام ولكان النهار اثنتي عشرة ساعة، والليل اثنتي عشرة ساعة إلى الأبد ولولا ميل هذا المحور لما كان هناك فصول، فاختلاف الليل والنهار، نشأ الليل والنهار ونشأ اختلافهما ونشأت الفصول, قال الله " وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " إذا عقلت أن هذه الآيات دالة على عظمة الله وأن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء وأنه لا معبود سِواه استقمت على أمره قال الله:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾
( سورة الروم الآية: 8)
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 36)
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 179)
مسالك الخبر الصادق:
1- الخبر المتواتر:
الخبر الصادق أي " المسلك الثالث ": هو مسلك الخبر الصادق الذي يصل إلى مستوى اليقين، الخبر الصادق نحن قد نوقن بوجود شيء ولا نراه وليس له في حياتنا آثار، فبلاد الصين كلنا نوقن بوجودها رغم أن كثيرا منا لم يروها، وليس لها في بلادنا دليل أن هذه قطعة من الصين ولا يوجد دليل يثبت أن هناك بلاداً اسمها الصين ولكنها تواترت عن طريق الخبر, وتصريحات زعماء الصين، والأحداث والزلزال في الصين، وكل هذه الأنباء و وكالاتها تنقل إليك أشياء عن الصين، فأنت من خلال هذه الأخبار المتواترة التي ينقلها الجمع عن الجمع توقن أن هناك بلاداً اسمها الصين، وكذلك الحرب العالمية الأولى هل رآها أحد من بيننا ؟ لم يرها أحد ولكن سمعنا عنها وهذا السماع الكثير وتواتر الأخبار عنها هذا يؤكد لك أن هناك حرباً عالمية أولى وقعت، فالأخبار المتواترة أي أن الجمع الغفير نقل عن الجمع الغفير عن الجمع الغفير ويستحيل عقلاً تواطؤ الناس كلهم على الكذب، مثلاً قال لك أحدهم في المكان الفلاني حريق وبعد ساعة قالَ لكَ آخر، وثالث، و رابع مثقف وغير مثقف، هذا قريبك، وهذا صديقك، وزميلك، وشخص لا تعرفه كلهم قالوا لك إنه يوجد حريق، فهؤلاء الجمع الغفير مع اختلاف مشاغلهم واتجاهاتهم وألوان ثقافتهم وأعمارهم ونياتهم جميعاً قالوا لك ذلك فهذا اسمه خبر متواتر يستحيل عقلاً أن هؤلاء الجمع الغفير يتفقون على الكذب فهذا المقياس الأول.
حجة الخبر الصادق هو وصول الباحث إلى تصديق نبوة الرسول المؤيد من السماء:
فالأخبار المتواترة تفيدنا العلم اليقيني بداهة لأنه يستقر في نفوسنا وفي عقولنا أنه لا يمكن عقلاً أن تتفق على الكذب هذه الكثرة الكاثرة من المخبرين, فإذا أنكرنا الخبر الصادق أنكرنا التاريخ في اليونان والرومان والهنود الحمر، وهناك حوادث وحروب من أنكر الخبر الصادق فقد أنكر التاريخ فالتاريخ يثبت بالتواتر، هذا على مستوى الأخبار العادية، لكن بما أنه يثبت لدينا عقلاً صدق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن الله تعالى من أحكام ومن أمور الغيب, وأن خبره صلى الله عليه وسلم يفيدنا العلم اليقيني قطعاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشهود له من قبل الله بلسان حال المعجزة التي يجريها الله على يديه أنه صادق، إذ لا يوجد إنسان في الأرض يمسك العصا ويلقيها فإذا هي ثعبان مبين هذا العمل فوق طاقة البشر الذي يفعلها إذاً هو رسول من خالق البشر, أيّده الله بهذه المعجزة ومادام الله قد أيده بهذه المعجزة إذاً خبره صادق، والنبي عليه الصلاة والسلام المؤيد بالمعجزة تؤكد أن هذا تأييد من الله لرسوله وأن كلامه هو الخبر الصادق, وقد قال عز وجل:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
( سورة النجم الآية: 3-4)
فيجب عقلاً تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به من أحكام الشريعة ومن أمور الغيب.
من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام:
1- القرآن الكريم:
الرسول صلى الله عليه وسلم ما رأى بطن الحوت وما شرح الحوت و هذا القرآن من عند الله، لو أن الله عز وجل قال فابتلعه الحوت أي لسيدنا يونس، وكلمة فابتلعه معناها أن هذا الكتاب ليس كتاب الله عز وجل لأن مريَّ الحوت لا يتسع لمرور إنسان، ولذلك قال ربنا
﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾
( سورة الصافات الآية: 142)
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 41)
اتخذت تاء التأنيث لماذا ؟ لأن التي تنسج البيت هي الأنثى من منا أخذ العنكبوت وعرف الذكر من الأنثى، وعرف أن التي تنسج هي الأنثى، فالآن العلماء عرفوها بعد دراسات ومخابر وتشريح وعرفوا أن الأنثى هي التي تنسج البيت, فلو كان القرآن من عند الرسول وهو الذي كتَبَهُ لقال لا تخذ بيتاً ونسي تاء التأنيث ولأصبح ليس قرآناً.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة النور الآية: 2)
ربنا عز وجل قال الزانية والزاني ولم يقل الزاني والزانية فقد قال": الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " معنى ذلك أن المرأة أقدر على الزنا من الرجل و بها أقبح.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة المائدة الآية:38)
معنى ذلك أن الرجل أقدر من المرأة على السرقة.
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾
( سورة الرحمن الآية: 33)
الله بدأ بالجن لأن الجن أقدر على النفوذ في السموات من الإنس. ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
( سورة الإسراء ا؟لآية: 88)
بدأ بالإنس لأن الإنس أقدر على البيان والفصاحة من الجن, كلام إله. ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
( سورة الجمعة الآية: 11)
بدأ الله بالتجارة وثنا باللهو لأنه لا لهو بلا تجارة، وأصحاب الدخل المحدود لا يستطيعون أن يفعلوا ما يفعل المترفون، فالتجارة أصل اللهو " قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ " بدأ باللهو لأنه ترك صلاة الجمعة لِعلّة اللهو أفظع إثماً من تركها لعلة التجارة.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة الآية:24)
2- السنة الصحيحة:
هناك عالم جيولوجي حينما سمع قولاً نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كاد يصعق، بحسب علمه عن بلاد العرب من المستحاثات ومن بعض القرى, أنها كانت مغمورة بالرمال ومن بعض الآثار التي وجدوها في الربع الخالي و من دلائل يقينية ثبت لديه أن بلاد العرب كانت جنات وأنهاراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستعود بلاد العرب جنات وأنهاراً " أي أنها كانت، وهذا الكلام الوجيز كلمة " ستعود بلاد العرب جنات وأنهاراً " تأكد الآن من خلال المستحاثات، ومن خلال تنقيبات ودراسات طويلة و بحوث و مطالعات وصل إلى أن هذه البلاد كانت فيما مضى بساتين وجناناً وأنهاراً, وبحسب حركات الأرض غير المشهورة " ميل المحور " هناك حركات عديدة جداً شرحت سابقاً قبل سنوات أنه يوجد اثنتا عشرة حركة للأرض نعرف منها دورانها حول نفسها وحول الشمس وهناك عشر حركات أخرى, فنجم القطب مثلاً بعد خمس وعشرين ألف عام لا يكون هذا النجم نجم الشمال بل سوف يكون هناك نجم آخر اسمه النسر الواقع هو نجم الشمال لأن المحور المائل يدور دورة كاملة فيرسم مخروطه في 25000 سنة فهذه حركة, ومستوى الأرض الذي يدور حول الشمس دورة كاملة وهناك موضوعات معقدة شرحت سابقاً, فهذه الحركات استنبطَ منها العلماء تحول خطوط المطر من مكان إلى مكان، فلما قال صلى الله عليه وسلم: " ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهارا ً" هذا مما يثبت نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
القرآن الكريم قطعي الثبوت قطعي الدلالة:
قال العلماء: القرآن الكريم قطعي الثبوت قطعي الدلالة، قال:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
( سورة البقرة الآية: 276)
لأن الذي قاله هو الله عز وجل، لذلك هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة على أنه لابد من أن يمحق الله الربا قولاً واحداً، إذا قال الله:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾
( سورة الإسراء الآية: 9)
فالإعجاز بالإيجاز ففي حياتك الزوجية وحياتك الاجتماعية وعملك وبأي مكان تريد فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم, قال الله:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 97)
فلا أرى في الأرض كلها كتاباً يستحق أن يُقرأ كلمة كلمة, وحرفاً حرفاً, وحركة حركة وأن تقرأ ما بين السطور وأن تعد هذا الكلام مفتاح السعاده ككتاب الله عز وجل.
حقيقة القرآن الكريم ساطعة في الكون:
قال لي أحدهم أخذت أولادي على المستشفى فقد أكلوا فواكه قبل الأوان فقلت له: علّمهم القرآن, فقال: ما علاقة القرآن بذلك الموضوع قلت ربنا قال:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 141)
إذا أكل أحدهم ثمرة قبل أوانها وقبل أن تنضج يضر نفسه. أحدهم يسير في جو حر شديد ووجد ماء عذباً فراتاً بارداً فشرب حتى شبع يمكن أن يموت بهذه الطريقة لأن الله قال:
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 249 )
فهذه إشارة من الله عز وجل إذا بذل الإنسان جهداً كبيراً جداً يجب أن يشرب شربة قليلة جداً حتى يتوازن.
كلام النبوة لا يتناقض مع العقل:
يجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم عقلاً في كل ما يخبر به من أحكام الشريعة وعن أمور الغيب والاعتقاد به اعتقاداً جازماً, باعتباره يفيد العلم اليقيني سواء أخبر به من كتاب الله عز وجل أو أخبر به بكلام من عنده لا فرق في ذلك مطلقاً لأن الله في كتابه شهد له بأنه لا ينطق عن الهوى, والذي جاء بالقرآن أو الذي جاء بالسنة كلاهما يرقى إلى مستوى اليقين.
شرط الأخذ بالحديث:
1- الخبر المتواتر:
المشكلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة جداً فالصحابة الذين عاصروه والذي قاله سمعوه ولا ينطق عن الهوى, أما المؤمن بعد أن انتقل النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى هنا أصبح مشكلة فأصحابه الذين عاصروه ما كانوا يفرقون قط في التسليم بما يبلغه النبي إليهم من أحكام وغيوب بين آية قرآنية يرويها وبين حديث يقوله من عنده لأن كل أحاديثه تبيان لكتاب الله، القرآن موجز والنبي صلى الله عليه وسلم فكلامه تفسير يقولون: ألم يترك رسول الله تفسيراً ؟ بلى ترك تفسيراً، أين هو ؟ أحاديثه كلها تفسير لكتاب الله.
أما بالنسبة إلينا فحيث لم نسمع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بل سمعنا ممن رووا عنه، والذين رووا عنه ليسوا بمعصومين فوجدنا أنفسنا بحاجة إلى أن نفرق بين ما نقل لنا عن النبي بطريق متواتر يفيد العلم اليقيني وبين ما نُقل إلينا بطريق الآحاد الذي لم يبلغ مبلغ التواتر وهذه نقطة مهمة جداً، يعني ما بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث متواترة، أي جمع غفير رواها عن جمع غفير وهذا النوع من الأحاديث القليلة لا يرقى إليها الشك إنها تبلغ درجة اليقين نأخذ بها.
2- حديث الآحاد:
أما أكثر الأحاديث المروية بطريق الآحاد فهل معقول من بعض الأحاديث الآحاد أن رسول الله قد سحر ؟ فأين قول الله تعالى: " وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى" ؟ وفي أثناء السحر ينطق عن الهوى، أين قوله ؟
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾
( سورة الشعراء الآية: 153)
وأين قوله ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
ثماني عشرة آية يبطل عملها إذا صدقنا أنه سحر، و سحره مروي بحديث آحاد وليس متواتر لا تستطيع أن نعطل القرآن الكريم من أجل حديث رواه واحد فقد يكون غير موثوق أو أصابه تحريف أو أي شيء من هذا القبيل فهنا نقطة دقيقة جداً، أما بالنسبة إلينا يجب أن نُفرّق بين ما نُقل إلينا بطريق متواتر يفيد العلم اليقيني وبين ما نُقل إلينا بطريق الآحاد الذي لم يبلغ مبلغ التواتر, فكتاب الله عز وجل منقول إلينا بطريق التواتر وبعض الأحاديث منقولة إلينا بطريق التواتر, وهناك أحاديث نقلها آحاد وهذه الآحاد تصحح, ننظر إلى مضمونها وإلى متنها وأكثر الأحاديث منقولة بطريق الآحاد فإن كانت صحيحة أفادتنا غلبة الظن في صدق نقلها ومن ثم أفادتنا غلبة الظن في العلم بمضمونها القطعي إذاً عندنا:
1- قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
2- ظني الثبوت ظني الدلالة.
3- قطعي الثبوت ظني الدلالة.
4- ظني الثبوت قطعي الدلالة.
أي أرقى درجة قطعي الثبوت قطعي الدلالة وهو كتاب الله, ويُعدْ بدرجة ظني الثبوت إذا كان حديث نُقل إلينا عن طريق الآحاد أي عن طريق صحابي واحد وهذا الحديث ظني الثبوت ظني الدلالة، فإذا تناقض مع آيات كثيرة فعندئذ نلجأ إلى التأويل. خلاصة الدرس:
اليوم درسنا كان الخبر الصادق ومعنى الخبر الصادق أن التواتر شرط أساسي ليكون الخبر الصادق قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولا يكون الخبر الصادق قطعي الثبوت قطعي الدلالة كالعلم اليقيني إلا إذا كان متواتراً, فكتاب الله هو الخبر الصادق وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي نقلت إلينا بطريق التواتر هي الخبر الصادق أما أحاديث الآحاد فهي ظنيّة الثبوت ظنية الدلالة, نبحث لها على أدلة أخرى أما إذا ضربت وتناقضت مع آيات أساسية فلابد من التأويل أو لابد من الرفض.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 02:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع )


الموضوع :مسالك العقيدة



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مسالك العقيدة:
أيها الأخوة, لازلنا في موضوع العقائد وهو أن الإنسان في تحركاته، وفي مواقفه، وفي حركاته وسكناته إنما ينطلق من قناعات، أو من مفاهيم، أو من معتقدات، وهذه العقيدة إن صح التعبير فلها مسالك:
المسلك الأول: أن تتيقن عن طريق الحواس وهذا هو اليقين الحسي، وقد تحدثنا عنه من قبل.
المسلك الثاني: أن تتيقن عن طريق الاستدلال الفكري أو اليقين الاستدلالي، إذا ظهرت ذات الشيء فالإدراك حسي، وإذا غابت ذاته وبقيت آثاره فالاستدلال فكري.
المسلك الثالث: إذا غاب الشيء وغابت آثاره فلابد من الخبر الصادق وهو مسلك ثالث من مسالك العقيدة، وقد ذكرنا يستحيل على الجمع الغفير تواطؤهم على الكذب، فإذا روى الجمع الغفير عن الجمع الغفير فهذا تواتر، والتواتر أحد مسالك اليقين.
كيف تقنع الملحد بأن القرآن كتاب الله ؟
كيف نؤمن بالقرآن الكريم ؟ هذا سؤال مهم، بين المسلمين لا أحد يقول: هذا الكتاب ليس كتاب الله، لكنك لو جلست أمام ملحد وقال لك: أثبت لي أن هذا الكتاب هو كتاب الله هنا المحك إما أن تقول: والله هذا كتاب الله يا أخي فهذا لا يكفي، وقد تكون قانعاً أنه كتاب الله، ولكنك لن تستطيع أن تقنع أحداً بذلك إلا إذا ملكت الحجة والدليل، ولذلك لابد من تدبر هذا القرآن فإذا تدبرته توصلت إلى أنه يستحيل على بشر أن يصوغه لأن هذا الكتاب معجزة، فإذا بدا لك إعجازه اللغوي و البياني، وإعجازه التشريعي، و التاريخي، والرياضي، إذا بدا لك أنه كتاب معجز، وأن كائناً ما كان من البشر لا يستطيع أن يأتي به من عنده، إذاً هذا الذي أتى به هو رسول الله، مِن أين نستنبط أن هذا الكتاب هو كتاب الله ؟ مِن إعجازه، وكيف نعرف إعجازه ؟ مِن تدبره لذلك قال الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
(سورة محمد الآية: 24)
حينما قال:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 30)
فسّر المفسّرون هذه الآية على وجوه عديدة، فبعضهم فسرها أن هجر القرآن هو هجر سماعه، أو هجر تلاوته، أو هجر العمل به، أو هجر الاحتكام إليه، أو هجر تدبره.
ينبغي على المسلم أن لا يكون ساذجاً في فهم كتاب الله:
لذلك أن تصدق الناس فيما قالوه لك من دون تحقق، وتبصّر، وتعمق، فهذا التصديق الساذج العفوي غير المجهد لا يصمد أمام الشهوات، ولا أمام الضغوط، ولا أمام المغريات، لذلك ينتكس الإنسان لماذا ؟ لأن شخصًا زلزله إذ سأله سؤالاً، والإيمانُ يُبنَى على بحث، وفهم، وتدبر، وعقل، ومناقشة، ومذاكرة، واستدلال، وتحقق، فإنه لا يصمد في الشدائد، أما في الرخاء فلا بأس, إذا كنت متأكداً وموقناً أن هذا القرآن كلام الله، وأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة وأن الله إذا قال في القرآن:
﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
( سورة الحج الآية: 38)
تستطيع أن تواجه الجبال الراسيات بإيمانك بهذا الكتاب، وإذا قرأت هذا الكتاب وتيقنت أنه كلام الله وقرأت قوله تعالى:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 128)
تبقى متفائلاً حينما يدخل في قلوب الناس اليأس، ولو أن اليأس أصبح على الناس جميعاً لبقيتَ وحدك متفائلاً هكذا قال الله لك، فالموضوع موضوع خطير جداً.
إذا جلست إلى منكر وقال لك: هذا القرآن من كلام محمد، فقد كان إنساناً عبقرياً فذّا، استطاع أن يقنع الناس أنه كلام من عند الله من السماء وصاغه بأسلوبه البلاغي الرفيع وهذا هو الأمر، فكيف ترد عليه ؟ فالإيمان يجب أن يُبنى على البحث العلمي، والتحقق والتدقيق، والمناقشة والحوار، والقضية أخطر قضية يواجهها المسلم في هذه الأيام، إذا كان هذا القرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة فقد انتهى الأمر.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 21)
نصدق هذه الآية نطمئن، فالمؤمن له معاملة خاصة مهما ضاقت الأمور، ومهما ضيّق الله على عباده الفجّار، يقول المؤمن: أنا مؤمن وقد وَعَدَني الله أن يعاملني معاملة خاصة،
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 21)
أبداً القضية قضية إيمان، وإن هذا الكلام من عند خالق الأكوان، وإن زوال الكون أهون من عدم تحققه، فإذا ثبت لك أن هذا القرآن كلام الله، وأنك إذا قرأته بثَّ في نفسك الأمن والطمأنينة, وقطعت العلائق مع الخلق ووصلتها مع الحق، وإذا تدبرت هذا القرآن ودرست ما فيه من تشريع، ودرست آيات المواريث، وآيات الأحوال الشخصية، والآيات الكونية, فحياتك التي تعيشها في ظل القرآن لا تقدر بثمن.
آيات الله الكونية والتشريعية دليل على صدق القرآن:
أخ كريم قال لي: فكرت في الليل وفي النهار فتأملت أنه لو أن الليل دائم، أو النهار دائم لاستحالت الحياة على وجه الأرض هناك أسباب جغرافية، لو أن الليل دائم تصبح الأرض كوكباً جليدياً لا حياة عليه، ولو أنه نهار دائم لكانت الحرارة 350 درجة فوق الصفر مستحيلة، ولو تصورنا ليلاً دائماً بحرارة معتدلة فالأمر فوضى، قال الله عز وجل:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
(سورة القصص الآية: 72)
ولو أن الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بنهار ؟
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
(سورة فُصّلت الآية: 37)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾
(سورة النبأ الآية: 10- 11)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 12)
جعل الله عز وجل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، إذا تدبرت آيات القرآن الكونية والتشريعية، وآيات الأحوال الشخصية، وآيات المواريث، وآيات التاريخ، وآيات الأخبار المستقبلية إذا تدبرتها و درست إعجازها اللغوي و البياني والرياضي والحسابي فستجد شيئًا عجيبًا، فإن كلمة (يوم) مثلاً وَرَدَتْ ثلاثمئة وخمساً وستين مرة بالعد الدقيق، وإن كلمة (شهر) وردت اثنتي عشرة مرة، إذا تدبرت القرآن الكريم تيقنت أنه يستحيل على بشر أن يأتي بمثله إذاً هو من عند الله، وهذا الذي جاء به هو رسول الله، فالإيمان بالقرآن قبل الإيمان بالرسول، تؤمن بالقرآن عن طريق مضمونه، ثم تؤمن بالرسول عن طريق الاستنتاج، وهذا الذي جاء بالعصا فإذا هي ثعبان مبين هو رسول الله قطعاً، لأن هذا الشيء فوق طاقة البشر، وهذا الذي أحيا الميت إنه رسول الله قطعاً لأن هذا فوق طاقة البشر، والذي جعل البحر طريقاً يبساً هو رسول الله دون أدنى شك
مصادر التشريع: القرآن وما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث.
نستنتج أن هذا الكتاب قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وما قاله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بناءً على هذا أيضاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولو أنك عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت من لسانه الصادق، فهذا الذي قاله استناداً إلى كتاب الله قطعي الثبوت قطعي الدلالة، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحَى، وهناك وحيٌ متلوٌّ هو القرآن الكريم ووحي غير متلو هو السنة المطهرة، إذاً عندنا مصدران إخباريان من أعلى مستوى: القرآن, وما صح عن النبي العدنان، هذا بالنسبة إلى الذين سمعوا من النبي، أما بالنسبة إلينا فالأمر مختلف، القرآن تولى الله حفظه بنص القرآن:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحجر الآية: 9)
أما الحديث الشريف فهناك الصحيح، و الضعيف، و الحسن، و الموضوع، و حديث صحَّ عن رسول الله، و صحيح لم يصح سنده إلى رسول الله, و ما زلنا في موضوع المسلك الثالث من مسالك اليقين القطعي وهو مسلك الخبر الصحيح، أول خبر هو كلام الله لأنه ثبت لدينا بعد التدبر وبعد التفهم أنه معجزة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الذي جاء به هو نبي ورسول، ما قاله القرآن فهو حق، وما قاله النبي فهو حق، أو الأصح ما صح أنه قاله النبي فهو حق.
أقسام الحديث المتواتر:
1- التواتر اللفظي:
أما نحن فعلينا أن نُقسّم ما روي عن النبي إلى أقسام، أول قسم هو التواتر اللفظي فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
(أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في الصحيح)
أي رواه الجمع الغفير، عن الجمع الغفير، عن الجمع الغفير، ويستحيل تواطؤا هؤلاء جميعاً على الكذب, لاختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم وعصورهم وما شاكَلَ ذلك. 2- التواتر المعنوي:
أما إذا روى الحديث الشريف رجل واحد، فهذا الحديث الشريف من أحاديث الآحاد، ولا يرقى إلى مرتبة قطعي الثبوت و الدلالة، أحاديث الآحاد تصنف عند علماء الحديث على أنها ظنيّة الثبوت، ظنية الدلالة، لكن بعض الأحاديث التي رواها الآحاد رويت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتلقتها الأمة جميعاً بالقبول دون أن تنكر ذلك، فسمّى العلماء هذا النوع من الأحاديث تواتراً معنوياً، فالتواتر المعنوي له حكم التواتر اللفظي, عندنا القرآن " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "، و الأحاديث المتواترة باللفظ، والأحاديث المتواترة بالمعنى، وهذه مصادر صحيحة يمكن أن نسلك بها إلى اليقين القطعي.
حكم القرآن والسنة الصحيحة من حيث مفهوم التكفير:
1- من أنكر حجة القرآن والحديث المتواتر قطعي الدلالة والثبوت يعتبر كافراً بإجماع الأمة:
و مَن أنكر عقيدة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة جاءت في كتاب الله، أو مَن أنكر حديثاً متواتراً قطعي الثبوت، قطعي الدلالة فهو كافر، وكذلك إذا أنكرت شيئاً قاله الله عز وجل، فإذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
(سورة البقرة الآية: 276)
ليس من المعقول يا أخي أن تقول: هذا عصر حديثٌ مبني على البنوك والفوائد فهذا الكلام كفْر، وإذا أنكرت آية قرآنية قطعية الثبوت، قطعية الدلالة فهو كفر صريح.
2- من أنكر حديثاً قطعي الدلالة ظني الثبوت أو العكس لا يعتبر كافراً بإجماع الأمة:
أما من أنكر شيئاً ورد في السنة المطهرة ولكن رواه الآحاد، أي روى حديثاً قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو ظني الثبوت قطعي الدلالة، أو ظني الثبوت ظني الدلالة، فهذا لا يكفّر جاحده، لأن هذا الشيء ظني وليس قطعياً، وما دام ظنياً فلا يكفّر جاحده، وقد جاء الحديث الشريف عن طريق الآحاد, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
لست ملزماً أن آخذ هذا الحديث على ظاهره و عندئذ أضطر إلى التأويل حتى ينسجم هذا الأثر النبوي مع روح الدين، ومع روح الآيات القرآنية، وشيء آخر علينا أن نأتي ببعض الشواهد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
و ربنا عز وجل جعل الخبر الصادق مسلكاً أساسياً للعقيدة الصحيحة، وفي الدرس الماضي أتينا بآيات على مسلك الاستدلال العقلي، وعلى مسلك الإدراك الحسي، واليوم " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ "، هذا الخبر الصادق مسلك ثالث، شاهد آخر:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 94)
و هذه الآية شاهد على التواتر " فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ "، إذا كان هؤلاء جميعاً تكلموا بكلام واحد، فهذا الكلام الواحد أيضاً يرقى إلى مرتبة اليقين. حجة تصديق الأنبياء العصمة والمعجزة:
ومِن أين تأتي حتمية الخبر الصادق ؟ إذا ورد هذا الخبر على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ولماذا نعتقد أنّ ما ورد على لسان النبي صادق ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مؤيّد بالمعجزات، معصوم عن الكذب بنص الكتاب وهو الرسول:
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
(سورة الشعراء الآية: 153-155)
قالوا لسيدنا صالح: " مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ "، أنت بشر, " قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ " خرجت من الجبل ناقة, فجاء بآية أنه مِن الصادقين، فالأنبياء لماذا نصدقهم ؟ لأنهم مؤيدون بمعجزة ومعصومون عن الكذب، ولأن كلام الأنبياء يرقى إلى مستوى الخبر الصادق, حيث يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقُهم على الكذب بعد إخبار الناس من حيث حتمية الخبر الصادق " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ".
دليل من القرآن جمع فيه اليقين الحسي والاستدلالي والإخباري:
هناك شاهد دقيق جداً، هذا الشاهد في المسلك الأول وهو الإدراك الحسي، والمسلك الثاني الاستدلال العقلي، والثالث الخبر اليقيني:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 4)
" أروني " إدراكاً حسياً، " أم لهم شركاء في السموات " هل هناك دليل على أنهم شركاء الله عز وجل ؟ هذا المسلك الثاني " اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " هذا اليقين الإخباري فجُمِعتْ المسالك كلها في هذه الآية.
شروط صحة الخبر الصادق:
1- العدالة والضبط وأن يكون غير متهم:
من تعاريف القرآن الكريم: الكلام المعجز، المتعبد بتلاوته، الذي رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير. وفيما سوى التواتر وأقوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كيف نرجح الخبر الصادق ؟ وضع العلماء شرطين:
الشرط الأول: العدالة.
الشرط الثاني: الضبط أي الأهلية.
ورووا الحديث الشريف التالي:
((من عامَلَ الناس فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوَّتُه، وحرمت غيبته))
(ذكره الخطيب البغدادي في الكفاية عن الحسن بن علي مرفوعاً)
فإذا أخلف وعده، أو ظلمهم، أو كذبهم، فقد سقطت عدالته، وهذا الإنسان لا يؤخذ منه شيء, أصبح كاذباً، وهناك أشياء ذكرتها لو فعل الإنسان أحدها جرحت عدالته وكانت روايته غير صادقة، فمَن أكل في الطرق، ومَن بال في الطريق، ومَن مشى حافياً، ومن قاد بغلاً أو كلباً عقوراً خاف الناس منه، ومن أطلق لفرسه العنان وأسرع في قيادة السيارة يفقد عدالته، ومن تنزه في الطرقات تجرح عدالته، ومن أكل لقمة من حرام تُجرح عدالته، ومن طفف بتمرة وخفّف الوزن مقدارَ تمرةٍ تُجرح عدالته، ومَن علا صياحه في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق تُجرح عدالته، ومن صحب الأراذل تُجرح عدالته، ومن كان حديثه عن النساء تُجرح عدالته، ثلاث وثلاثون نقطة، إذا فعل المسلم أحدها جرحت عدالته, وأصبحتْ روايته غير صادقة ولا تقبل شهادته ولو قال: رأيت الهلال بعيني لا يصدَّق على رؤيته لأنه فاقد العدالة، فالعلماء وضعوا شرطين أساسيين: العدالة والضبط، الضبط أن يكون واعياً, آدمياً، وعندنا صفة ثالثة أنه غير متهم.
ذكر مثال على صفة الراوي غير المتهم:
حدثني رجل صالح مِن المؤمنين الطيبين الطاهرين، يسكن في بيت، وطلب أصحاب البيت منه بيتَهم، ولكن ليس بإمكانه أن يخرج منه، فرفع الأجرة، مرة، ومرتين، وثلاثاً إلى أن بلغت الأجرة نصف راتبه، فأصحاب البيت اتفقوا مع أحد المحامين على تلفيق تهمة لهذا الرجل بالإفساد الأخلاقي، وفي قانون الإيجار هذه التهمة تُخلي المستأجر، فأقيمت عليه دعوى أنه كان يكشف عورته أمام جارته، والرجل كان يغض بصره عن محارم الله، ولا ينظر إلى امرأة في الطريق، هكذا إيمانه، فلما رُفعت القضية إلى القاضي طلب القاضي شاهداً، فالشاهد بنت صاحبة البيت، هذه متهمة بأنها تشهد لصالح أمها، وفي القضاء الأصول والفروع لا تقبل شهادتهم، فلما جاء بشاهدة ثانية، وهي طالبة تسكن عندهم، وهي طالبة جامعية، وعرفت أن هناك تلفيقاً قالت: أنا أشهد معه فلما كان يوم الدعوى طلبها القاضي، فقالت: إنني أعرف هذا الرجل من سنوات عدة، أنه إذا لَمَحَنِي عن بُعْدِ 50 متراً غضَّ بصره عني، فسقطت الدعوى.
مراتب الأخبار الصحيحة:
1- النقل عن الوحي:
هناك ست مراتب للأخبار الصحيحة:
المرتبة الأولى: أن تنقل عن الوحي، ولا يجوز أن ينقل عن الوحي إلا النبي حصراً وهو الذي أوحي إليه، وهو مؤيّد بالمعجزة ومعصوم عن الكذب، وهذه أول مرتبة.
2- النقل عن الرسول:
المرتبة الثانية: أن تنقل عن الرسول عقيدة أو أصلاً في الدين أو سورة من القرآن وهذا لا يصح إلا بالتواتر اللفظي أو المعنوي وهي عقيدة يكفر جاحدها، وأن تكفر إنساناً بخبر آحاد لا يجوز، وليس هناك عقيدة ما بفكرٍ جامد إلا إذا ثبتت بالتواتر اللفظي وهذه المرتبة الثانية.
3- درجة الاتهام بالزنا:
المرتبة الثالثة: الاتهام بالزنا لا يصح إلا بأربعة شهود، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ))
(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن حذيفة)
ويبدو أن طبيعة النفوس ميَّالة إلى تصديق أخبار الزنا، لأن في أخبار الزنا فضيحة كبيرة جداً وتحطيماً لمعنويات الإنسان لذلك قال النبي العدنان: ((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ)) والله سبحانه وتعالى لم يقبل إلا أربعة شهداء قال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
( سورة النور الآية: 4)
تُروَى قصة - الله أعلم بصحتها - لكن لها مغزى، أن امرأة كانت تغسل امرأة ميتًا وقد اتهمتها بالزنا في قلبها، وفي أثناء التغسيل التصقت يدها بجسم الميت، ولم تجد أية محاولة لرفعها عنها، حتى خُيّر أهل الميت بين قطع قطعة من جسد الميت كي تنزع يدها أو قطع يد المرأة، رُفع الأمر إلى الإمام مالك وهو من أكابر التابعين يقال: ((لا يفتى ومالك في المدينة)) فقال: هذه المرأة ربما اتهمت الميت بالزنا فاجلدوها ثمانين جلدة، ومع الضربة الثمانين رُفِعَت اليد عن جسدها لذلك: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ "، إذا قال عن امرأة: الله أعلم وهزّ قميصه كناية عن الزنا، فما انتهت القضية بل يجب أن يقام عليه حد البهتان: " فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ".
4- إثبات الحقوق بين الناس:
المرتبة الرابعة: الحقوق بين الناس " سند, دين, قضية, بيع بيت " يلزم لها شاهدا عدل، " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ".
5- درجة الأخبار العادية:
في الأمور العادية جداً شاهد واحد، قال: إنه حدث زلزال ومات فيه 35000 فهل سمعت الخبر ؟ نعم أنا سمعت, إذًا هي صحيحة سواء كانوا 35 أو 34 فلا توجد حقوق في هذه القضية، فيكفي شاهد واحد في الأمور العادية، أخبار جغرافية، كسوف، فروق، زلزال، ضحايا، كارثة، نقل خبر، هل سمعت أنهم سيسمحون بالاستيراد ؟ فيجيب: نعم, هذا الخبر يكفي فيه شاهدٌ واحد.
6- درجة المصلحة:
أما في الحالة السادسة: مِن أغرب الحالات فقد يكون هؤلاء السائقون يركبون سياراتهم، فالسائق الماهر يؤشِّر بتألقٍِ بالمصباح هناك دورية أمامك فيصدقه مباشرةً، إذاً القضية تمس مصلحة إنسان من دون تحقق فليكن كذاباً على كل حال خذ احتياطك, إذا كان الأمر متعلقاً بمصلحة ما فأيّ إشارة يأخذ الإنسان احتياطه، يعتبره خبراً ويصدقه، وهو غير محتاج أن يسأل صاحبه عن كون الخبر صحيحاً وهل أنت عدل ؟ لا حاجة، القضية متعلقة بالمصلحة.
خلاصة الدرس:
عندنا اليوم ثلاثة مسالك للعقيدة الصحيحة، أول مسلك اليقين الحسي، والمسلك الثاني اليقين الاستدلالي، والمسلك الثالث الخبر الصادق وأخذنا التفصيلات كلها، وشروط صحة الخبر: أن يرويه الإنسان المتصف بالعدالة والضبط وغير متهم، وصحة الأخبار مسلسلة على ست مراتب، ثم أول درجة الخبر الصادق القرآنُ الكريم ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتواتر وهو ما رواه الجمع عن الجمع وهذا كله متعلق بالعقيدة، وبقي علينا مسلك رابع هو الإضاءة الفطرية والإشراق الروحي, وهذا مسلك مهم جداً نتناوله في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 02:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس )


الموضوع :مسالك العقيدة





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مسالك العقيدة:
أيها الأخوة, لازلنا في موضوع العقائد وهو أن الإنسان في تحركاته، وفي مواقفه، وفي حركاته وسكناته إنما ينطلق من قناعات، أو من مفاهيم، أو من معتقدات، وهذه العقيدة إن صح التعبير فلها مسالك:
المسلك الأول: أن تتيقن عن طريق الحواس وهذا هو اليقين الحسي، وقد تحدثنا عنه من قبل.
المسلك الثاني: أن تتيقن عن طريق الاستدلال الفكري أو اليقين الاستدلالي، إذا ظهرت ذات الشيء فالإدراك حسي، وإذا غابت ذاته وبقيت آثاره فالاستدلال فكري.
المسلك الثالث: إذا غاب الشيء وغابت آثاره فلابد من الخبر الصادق وهو مسلك ثالث من مسالك العقيدة، وقد ذكرنا يستحيل على الجمع الغفير تواطؤهم على الكذب، فإذا روى الجمع الغفير عن الجمع الغفير فهذا تواتر، والتواتر أحد مسالك اليقين.
كيف تقنع الملحد بأن القرآن كتاب الله ؟
كيف نؤمن بالقرآن الكريم ؟ هذا سؤال مهم، بين المسلمين لا أحد يقول: هذا الكتاب ليس كتاب الله، لكنك لو جلست أمام ملحد وقال لك: أثبت لي أن هذا الكتاب هو كتاب الله هنا المحك إما أن تقول: والله هذا كتاب الله يا أخي فهذا لا يكفي، وقد تكون قانعاً أنه كتاب الله، ولكنك لن تستطيع أن تقنع أحداً بذلك إلا إذا ملكت الحجة والدليل، ولذلك لابد من تدبر هذا القرآن فإذا تدبرته توصلت إلى أنه يستحيل على بشر أن يصوغه لأن هذا الكتاب معجزة، فإذا بدا لك إعجازه اللغوي و البياني، وإعجازه التشريعي، و التاريخي، والرياضي، إذا بدا لك أنه كتاب معجز، وأن كائناً ما كان من البشر لا يستطيع أن يأتي به من عنده، إذاً هذا الذي أتى به هو رسول الله، مِن أين نستنبط أن هذا الكتاب هو كتاب الله ؟ مِن إعجازه، وكيف نعرف إعجازه ؟ مِن تدبره لذلك قال الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
(سورة محمد الآية: 24)
حينما قال:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 30)
فسّر المفسّرون هذه الآية على وجوه عديدة، فبعضهم فسرها أن هجر القرآن هو هجر سماعه، أو هجر تلاوته، أو هجر العمل به، أو هجر الاحتكام إليه، أو هجر تدبره.
ينبغي على المسلم أن لا يكون ساذجاً في فهم كتاب الله:
لذلك أن تصدق الناس فيما قالوه لك من دون تحقق، وتبصّر، وتعمق، فهذا التصديق الساذج العفوي غير المجهد لا يصمد أمام الشهوات، ولا أمام الضغوط، ولا أمام المغريات، لذلك ينتكس الإنسان لماذا ؟ لأن شخصًا زلزله إذ سأله سؤالاً، والإيمانُ يُبنَى على بحث، وفهم، وتدبر، وعقل، ومناقشة، ومذاكرة، واستدلال، وتحقق، فإنه لا يصمد في الشدائد، أما في الرخاء فلا بأس, إذا كنت متأكداً وموقناً أن هذا القرآن كلام الله، وأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة وأن الله إذا قال في القرآن:
﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
( سورة الحج الآية: 38)
تستطيع أن تواجه الجبال الراسيات بإيمانك بهذا الكتاب، وإذا قرأت هذا الكتاب وتيقنت أنه كلام الله وقرأت قوله تعالى:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 128)
تبقى متفائلاً حينما يدخل في قلوب الناس اليأس، ولو أن اليأس أصبح على الناس جميعاً لبقيتَ وحدك متفائلاً هكذا قال الله لك، فالموضوع موضوع خطير جداً.
إذا جلست إلى منكر وقال لك: هذا القرآن من كلام محمد، فقد كان إنساناً عبقرياً فذّا، استطاع أن يقنع الناس أنه كلام من عند الله من السماء وصاغه بأسلوبه البلاغي الرفيع وهذا هو الأمر، فكيف ترد عليه ؟ فالإيمان يجب أن يُبنى على البحث العلمي، والتحقق والتدقيق، والمناقشة والحوار، والقضية أخطر قضية يواجهها المسلم في هذه الأيام، إذا كان هذا القرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة فقد انتهى الأمر.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 21)
نصدق هذه الآية نطمئن، فالمؤمن له معاملة خاصة مهما ضاقت الأمور، ومهما ضيّق الله على عباده الفجّار، يقول المؤمن: أنا مؤمن وقد وَعَدَني الله أن يعاملني معاملة خاصة،
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 21)
أبداً القضية قضية إيمان، وإن هذا الكلام من عند خالق الأكوان، وإن زوال الكون أهون من عدم تحققه، فإذا ثبت لك أن هذا القرآن كلام الله، وأنك إذا قرأته بثَّ في نفسك الأمن والطمأنينة, وقطعت العلائق مع الخلق ووصلتها مع الحق، وإذا تدبرت هذا القرآن ودرست ما فيه من تشريع، ودرست آيات المواريث، وآيات الأحوال الشخصية، والآيات الكونية, فحياتك التي تعيشها في ظل القرآن لا تقدر بثمن.
آيات الله الكونية والتشريعية دليل على صدق القرآن:
أخ كريم قال لي: فكرت في الليل وفي النهار فتأملت أنه لو أن الليل دائم، أو النهار دائم لاستحالت الحياة على وجه الأرض هناك أسباب جغرافية، لو أن الليل دائم تصبح الأرض كوكباً جليدياً لا حياة عليه، ولو أنه نهار دائم لكانت الحرارة 350 درجة فوق الصفر مستحيلة، ولو تصورنا ليلاً دائماً بحرارة معتدلة فالأمر فوضى، قال الله عز وجل:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
(سورة القصص الآية: 72)
ولو أن الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بنهار ؟
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
(سورة فُصّلت الآية: 37)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾
(سورة النبأ الآية: 10- 11)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 12)
جعل الله عز وجل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، إذا تدبرت آيات القرآن الكونية والتشريعية، وآيات الأحوال الشخصية، وآيات المواريث، وآيات التاريخ، وآيات الأخبار المستقبلية إذا تدبرتها و درست إعجازها اللغوي و البياني والرياضي والحسابي فستجد شيئًا عجيبًا، فإن كلمة (يوم) مثلاً وَرَدَتْ ثلاثمئة وخمساً وستين مرة بالعد الدقيق، وإن كلمة (شهر) وردت اثنتي عشرة مرة، إذا تدبرت القرآن الكريم تيقنت أنه يستحيل على بشر أن يأتي بمثله إذاً هو من عند الله، وهذا الذي جاء به هو رسول الله، فالإيمان بالقرآن قبل الإيمان بالرسول، تؤمن بالقرآن عن طريق مضمونه، ثم تؤمن بالرسول عن طريق الاستنتاج، وهذا الذي جاء بالعصا فإذا هي ثعبان مبين هو رسول الله قطعاً، لأن هذا الشيء فوق طاقة البشر، وهذا الذي أحيا الميت إنه رسول الله قطعاً لأن هذا فوق طاقة البشر، والذي جعل البحر طريقاً يبساً هو رسول الله دون أدنى شك
مصادر التشريع: القرآن وما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث.
نستنتج أن هذا الكتاب قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وما قاله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بناءً على هذا أيضاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولو أنك عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت من لسانه الصادق، فهذا الذي قاله استناداً إلى كتاب الله قطعي الثبوت قطعي الدلالة، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحَى، وهناك وحيٌ متلوٌّ هو القرآن الكريم ووحي غير متلو هو السنة المطهرة، إذاً عندنا مصدران إخباريان من أعلى مستوى: القرآن, وما صح عن النبي العدنان، هذا بالنسبة إلى الذين سمعوا من النبي، أما بالنسبة إلينا فالأمر مختلف، القرآن تولى الله حفظه بنص القرآن:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحجر الآية: 9)
أما الحديث الشريف فهناك الصحيح، و الضعيف، و الحسن، و الموضوع، و حديث صحَّ عن رسول الله، و صحيح لم يصح سنده إلى رسول الله, و ما زلنا في موضوع المسلك الثالث من مسالك اليقين القطعي وهو مسلك الخبر الصحيح، أول خبر هو كلام الله لأنه ثبت لدينا بعد التدبر وبعد التفهم أنه معجزة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الذي جاء به هو نبي ورسول، ما قاله القرآن فهو حق، وما قاله النبي فهو حق، أو الأصح ما صح أنه قاله النبي فهو حق.
أقسام الحديث المتواتر:

1- التواتر اللفظي:
أما نحن فعلينا أن نُقسّم ما روي عن النبي إلى أقسام، أول قسم هو التواتر اللفظي فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
(أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في الصحيح)
أي رواه الجمع الغفير، عن الجمع الغفير، عن الجمع الغفير، ويستحيل تواطؤا هؤلاء جميعاً على الكذب, لاختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم وعصورهم وما شاكَلَ ذلك.
2- التواتر المعنوي:
أما إذا روى الحديث الشريف رجل واحد، فهذا الحديث الشريف من أحاديث الآحاد، ولا يرقى إلى مرتبة قطعي الثبوت و الدلالة، أحاديث الآحاد تصنف عند علماء الحديث على أنها ظنيّة الثبوت، ظنية الدلالة، لكن بعض الأحاديث التي رواها الآحاد رويت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتلقتها الأمة جميعاً بالقبول دون أن تنكر ذلك، فسمّى العلماء هذا النوع من الأحاديث تواتراً معنوياً، فالتواتر المعنوي له حكم التواتر اللفظي, عندنا القرآن " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "، و الأحاديث المتواترة باللفظ، والأحاديث المتواترة بالمعنى، وهذه مصادر صحيحة يمكن أن نسلك بها إلى اليقين القطعي.
حكم القرآن والسنة الصحيحة من حيث مفهوم التكفير:
1- من أنكر حجة القرآن والحديث المتواتر قطعي الدلالة والثبوت يعتبر كافراً بإجماع الأمة:
و مَن أنكر عقيدة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة جاءت في كتاب الله، أو مَن أنكر حديثاً متواتراً قطعي الثبوت، قطعي الدلالة فهو كافر، وكذلك إذا أنكرت شيئاً قاله الله عز وجل، فإذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
(سورة البقرة الآية: 276)
ليس من المعقول يا أخي أن تقول: هذا عصر حديثٌ مبني على البنوك والفوائد فهذا الكلام كفْر، وإذا أنكرت آية قرآنية قطعية الثبوت، قطعية الدلالة فهو كفر صريح.
2- من أنكر حديثاً قطعي الدلالة ظني الثبوت أو العكس لا يعتبر كافراً بإجماع الأمة:
أما من أنكر شيئاً ورد في السنة المطهرة ولكن رواه الآحاد، أي روى حديثاً قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو ظني الثبوت قطعي الدلالة، أو ظني الثبوت ظني الدلالة، فهذا لا يكفّر جاحده، لأن هذا الشيء ظني وليس قطعياً، وما دام ظنياً فلا يكفّر جاحده، وقد جاء الحديث الشريف عن طريق الآحاد, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
لست ملزماً أن آخذ هذا الحديث على ظاهره و عندئذ أضطر إلى التأويل حتى ينسجم هذا الأثر النبوي مع روح الدين، ومع روح الآيات القرآنية، وشيء آخر علينا أن نأتي ببعض الشواهد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
و ربنا عز وجل جعل الخبر الصادق مسلكاً أساسياً للعقيدة الصحيحة، وفي الدرس الماضي أتينا بآيات على مسلك الاستدلال العقلي، وعلى مسلك الإدراك الحسي، واليوم " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ "، هذا الخبر الصادق مسلك ثالث، شاهد آخر:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 94)
و هذه الآية شاهد على التواتر " فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ "، إذا كان هؤلاء جميعاً تكلموا بكلام واحد، فهذا الكلام الواحد أيضاً يرقى إلى مرتبة اليقين.
حجة تصديق الأنبياء العصمة والمعجزة:
ومِن أين تأتي حتمية الخبر الصادق ؟ إذا ورد هذا الخبر على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ولماذا نعتقد أنّ ما ورد على لسان النبي صادق ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مؤيّد بالمعجزات، معصوم عن الكذب بنص الكتاب وهو الرسول:
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
(سورة الشعراء الآية: 153-155)
قالوا لسيدنا صالح: " مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ "، أنت بشر, " قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ " خرجت من الجبل ناقة, فجاء بآية أنه مِن الصادقين، فالأنبياء لماذا نصدقهم ؟ لأنهم مؤيدون بمعجزة ومعصومون عن الكذب، ولأن كلام الأنبياء يرقى إلى مستوى الخبر الصادق, حيث يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقُهم على الكذب بعد إخبار الناس من حيث حتمية الخبر الصادق " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ".
دليل من القرآن جمع فيه اليقين الحسي والاستدلالي والإخباري:
هناك شاهد دقيق جداً، هذا الشاهد في المسلك الأول وهو الإدراك الحسي، والمسلك الثاني الاستدلال العقلي، والثالث الخبر اليقيني:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 4)
" أروني " إدراكاً حسياً، " أم لهم شركاء في السموات " هل هناك دليل على أنهم شركاء الله عز وجل ؟ هذا المسلك الثاني " اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " هذا اليقين الإخباري فجُمِعتْ المسالك كلها في هذه الآية.
شروط صحة الخبر الصادق:

1- العدالة والضبط وأن يكون غير متهم:
من تعاريف القرآن الكريم: الكلام المعجز، المتعبد بتلاوته، الذي رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير. وفيما سوى التواتر وأقوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كيف نرجح الخبر الصادق ؟ وضع العلماء شرطين:
الشرط الأول: العدالة.
الشرط الثاني: الضبط أي الأهلية.
ورووا الحديث الشريف التالي:
((من عامَلَ الناس فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوَّتُه، وحرمت غيبته))
(ذكره الخطيب البغدادي في الكفاية عن الحسن بن علي مرفوعاً)
فإذا أخلف وعده، أو ظلمهم، أو كذبهم، فقد سقطت عدالته، وهذا الإنسان لا يؤخذ منه شيء, أصبح كاذباً، وهناك أشياء ذكرتها لو فعل الإنسان أحدها جرحت عدالته وكانت روايته غير صادقة، فمَن أكل في الطرق، ومَن بال في الطريق، ومَن مشى حافياً، ومن قاد بغلاً أو كلباً عقوراً خاف الناس منه، ومن أطلق لفرسه العنان وأسرع في قيادة السيارة يفقد عدالته، ومن تنزه في الطرقات تجرح عدالته، ومن أكل لقمة من حرام تُجرح عدالته، ومن طفف بتمرة وخفّف الوزن مقدارَ تمرةٍ تُجرح عدالته، ومَن علا صياحه في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق تُجرح عدالته، ومن صحب الأراذل تُجرح عدالته، ومن كان حديثه عن النساء تُجرح عدالته، ثلاث وثلاثون نقطة، إذا فعل المسلم أحدها جرحت عدالته, وأصبحتْ روايته غير صادقة ولا تقبل شهادته ولو قال: رأيت الهلال بعيني لا يصدَّق على رؤيته لأنه فاقد العدالة، فالعلماء وضعوا شرطين أساسيين: العدالة والضبط، الضبط أن يكون واعياً, آدمياً، وعندنا صفة ثالثة أنه غير متهم.
ذكر مثال على صفة الراوي غير المتهم:
حدثني رجل صالح مِن المؤمنين الطيبين الطاهرين، يسكن في بيت، وطلب أصحاب البيت منه بيتَهم، ولكن ليس بإمكانه أن يخرج منه، فرفع الأجرة، مرة، ومرتين، وثلاثاً إلى أن بلغت الأجرة نصف راتبه، فأصحاب البيت اتفقوا مع أحد المحامين على تلفيق تهمة لهذا الرجل بالإفساد الأخلاقي، وفي قانون الإيجار هذه التهمة تُخلي المستأجر، فأقيمت عليه دعوى أنه كان يكشف عورته أمام جارته، والرجل كان يغض بصره عن محارم الله، ولا ينظر إلى امرأة في الطريق، هكذا إيمانه، فلما رُفعت القضية إلى القاضي طلب القاضي شاهداً، فالشاهد بنت صاحبة البيت، هذه متهمة بأنها تشهد لصالح أمها، وفي القضاء الأصول والفروع لا تقبل شهادتهم، فلما جاء بشاهدة ثانية، وهي طالبة تسكن عندهم، وهي طالبة جامعية، وعرفت أن هناك تلفيقاً قالت: أنا أشهد معه فلما كان يوم الدعوى طلبها القاضي، فقالت: إنني أعرف هذا الرجل من سنوات عدة، أنه إذا لَمَحَنِي عن بُعْدِ 50 متراً غضَّ بصره عني، فسقطت الدعوى.
مراتب الأخبار الصحيحة:
1- النقل عن الوحي:
هناك ست مراتب للأخبار الصحيحة:
المرتبة الأولى: أن تنقل عن الوحي، ولا يجوز أن ينقل عن الوحي إلا النبي حصراً وهو الذي أوحي إليه، وهو مؤيّد بالمعجزة ومعصوم عن الكذب، وهذه أول مرتبة.
2- النقل عن الرسول:
المرتبة الثانية: أن تنقل عن الرسول عقيدة أو أصلاً في الدين أو سورة من القرآن وهذا لا يصح إلا بالتواتر اللفظي أو المعنوي وهي عقيدة يكفر جاحدها، وأن تكفر إنساناً بخبر آحاد لا يجوز، وليس هناك عقيدة ما بفكرٍ جامد إلا إذا ثبتت بالتواتر اللفظي وهذه المرتبة الثانية.

3- درجة الاتهام بالزنا:
المرتبة الثالثة: الاتهام بالزنا لا يصح إلا بأربعة شهود، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ))
(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن حذيفة)
ويبدو أن طبيعة النفوس ميَّالة إلى تصديق أخبار الزنا، لأن في أخبار الزنا فضيحة كبيرة جداً وتحطيماً لمعنويات الإنسان لذلك قال النبي العدنان: ((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ)) والله سبحانه وتعالى لم يقبل إلا أربعة شهداء قال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
( سورة النور الآية: 4)
تُروَى قصة - الله أعلم بصحتها - لكن لها مغزى، أن امرأة كانت تغسل امرأة ميتًا وقد اتهمتها بالزنا في قلبها، وفي أثناء التغسيل التصقت يدها بجسم الميت، ولم تجد أية محاولة لرفعها عنها، حتى خُيّر أهل الميت بين قطع قطعة من جسد الميت كي تنزع يدها أو قطع يد المرأة، رُفع الأمر إلى الإمام مالك وهو من أكابر التابعين يقال: ((لا يفتى ومالك في المدينة)) فقال: هذه المرأة ربما اتهمت الميت بالزنا فاجلدوها ثمانين جلدة، ومع الضربة الثمانين رُفِعَت اليد عن جسدها لذلك: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ "، إذا قال عن امرأة: الله أعلم وهزّ قميصه كناية عن الزنا، فما انتهت القضية بل يجب أن يقام عليه حد البهتان: " فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ".
4- إثبات الحقوق بين الناس:
المرتبة الرابعة: الحقوق بين الناس " سند, دين, قضية, بيع بيت " يلزم لها شاهدا عدل، " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ".
5- درجة الأخبار العادية:
في الأمور العادية جداً شاهد واحد، قال: إنه حدث زلزال ومات فيه 35000 فهل سمعت الخبر ؟ نعم أنا سمعت, إذًا هي صحيحة سواء كانوا 35 أو 34 فلا توجد حقوق في هذه القضية، فيكفي شاهد واحد في الأمور العادية، أخبار جغرافية، كسوف، فروق، زلزال، ضحايا، كارثة، نقل خبر، هل سمعت أنهم سيسمحون بالاستيراد ؟ فيجيب: نعم, هذا الخبر يكفي فيه شاهدٌ واحد.
6- درجة المصلحة:
أما في الحالة السادسة: مِن أغرب الحالات فقد يكون هؤلاء السائقون يركبون سياراتهم، فالسائق الماهر يؤشِّر بتألقٍِ بالمصباح هناك دورية أمامك فيصدقه مباشرةً، إذاً القضية تمس مصلحة إنسان من دون تحقق فليكن كذاباً على كل حال خذ احتياطك, إذا كان الأمر متعلقاً بمصلحة ما فأيّ إشارة يأخذ الإنسان احتياطه، يعتبره خبراً ويصدقه، وهو غير محتاج أن يسأل صاحبه عن كون الخبر صحيحاً وهل أنت عدل ؟ لا حاجة، القضية متعلقة بالمصلحة.
خلاصة الدرس:
عندنا اليوم ثلاثة مسالك للعقيدة الصحيحة، أول مسلك اليقين الحسي، والمسلك الثاني اليقين الاستدلالي، والمسلك الثالث الخبر الصادق وأخذنا التفصيلات كلها، وشروط صحة الخبر: أن يرويه الإنسان المتصف بالعدالة والضبط وغير متهم، وصحة الأخبار مسلسلة على ست مراتب، ثم أول درجة الخبر الصادق القرآنُ الكريم ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتواتر وهو ما رواه الجمع عن الجمع وهذا كله متعلق بالعقيدة، وبقي علينا مسلك رابع هو الإضاءة الفطرية والإشراق الروحي, وهذا مسلك مهم جداً نتناوله في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 03:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس )


الموضوع : المسلك الرابع في العقيدة : الإشراقة الروحية



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا انك العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً.
الشيء الخطير في حياة الإنسان في المعتقد الذي يسلكه:
أيها الأخوة المؤمنون, ملخص سريع للدروس السابقة, تعلمون أن الإنسان في مواقفه وسلوكه وحركاته وسكناته وأعماله إنما ينطلق من عقيدة, فلو أن الإنسان رأى ما يراه المبصر لسلك سلوكه ولو أن المبصر فقد الرؤيا لسلك سلوك الأعمى, وبمثال بسيط: إنسان مبصر يمشي في الطريق إن رأى حفرة حاد عنها، وإن رأى حجراً أزاحه عن الطريق، وإن رأى ماءً قذراً ابتعد عنه، ولو أن هذا المبصر فقد بصره ومشى في هذا الطريق لسلك سلوك الأعمى ولو أن الأعمى رد إليه بصره لسلك سلوك المبصر, الشيء الخطر ليس في السلوك ولكن في الاعتقاد, لأنك إذا اعتقدت أن هذا الشيء صالح ومفيد ونافع أقبلت عليه، وإذا اعتقدت أن هذا الشيء ضار لابتعدت عنه، فالمشكلة هي مشكلة رؤية أو عدم رؤية.
مسالك العقيدة:
كيف نتعرف إلى الحقيقة ؟ وكيف نسمح للحقائق بأن تصل إلى مركز الاعتقاد منا ؟ هناك ثلاثة طرق: الطريق يذكر و تُؤنث، تقول هذا الطريق وهذه الطريق.
الطريق الأول: طريق اليقين الحسي الشمس ساطعة والنار مشتعلة والمصباح متألق.
الطريق الثاني: طريق الاستدلال العقلي " اليقين الاستدلالي "، أنت موقن بأن في السلك طاقة كهربائية بسبب تألق المصباح، وأنت متأكد بأن في هذا الإنسان روحاً لأنه يتحرك، وفي هذا الكون إله لأن هذه الصفة تدل على الصانع وهذا النظام يدل على المنظم، وهذا الوجود يدل على الموجد.
الطريق الثالث: قلنا سابقاً إذا ظهرت عين الشيء فطريق معرفته اليقين الحسي، فإذا غابت عينه وبقيت آثاره فطريق معرفته الاستدلال العقلي، فإذا غاب الشيء وعينه وكان مغيباً عنا كلياً هو وآثاره فطريق معرفته طريق الخبر الصحيح.
وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الخبر الصحيح، وعن مراتب الخبر الصحيح، والتواتر اللفظي والتواتر المعنوي وكيف أن الصحة على ست درجات:
1- درجة الوحي.
2- درجة الحديث الشريف.
3- درجة الاتهام بالزنا.
4- درجة الحقوق الثابتة بين البشر.
5- درجة الأخبار العادية.
6- درجة المصالح المرسلة.
وبيّنا أنَّ الذي ينقل الخبر يجب أن يكون عدلاً ضابطاً غير متهم, العدل صفة أخلاقية والضبط صفة عقلية, وغير متهم ليس له مصلحة في هذه الشهادة أو تلك الرواية، هذا ملخص الدروس السابقة بشكل موجز سريع.
المسلك الرابع هو الإشراق الروحي:
هناك مسلك رابع دقيق وحساس ولا ينبغي التوسع في استخدامه: هو مسلك الإضاءة الفطرية والإشراق الروحي, و إن الإنسان إذا صفت نفسه واقترب من الله عز وجل وأقبل عليه ففي هذا الإقبال يتجلّى الله بنوره فيكشف له بعض الحقائق، قال صلى الله عليه وسلم:
"عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا "
(أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري(
هذه رؤية القلب وهذه الرؤية لا تحتاج إلى اليقين الحسي, و إلى اليقين الاستدلالي العقلي، وإلى الخبر الصحيح, إنما هي إشراقة روحية أو نور الله يقذفه في قلب المؤمن، ويقول الإمام الغزالي: التقوى نور يقذفه الله في القلب، وبهذا النور ترى الحق حقاً والباطل باطلاً وقوله تعالى:
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
( سورة البقرة الآية: 282)
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
(سورة التغابن الآية: 11(
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 79(
آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تؤكد هذه الإشراقة الروحية وهذه الإضاءة الفطرية, و عبر عنه علماء التصوّف بمرتبة الكشف، أي إذا استقمت على أمر الله استقامة تامة وجاهدت نفسك وهواك وبذلت كل ما تملك من أجل أن تتقرب إلى الله عزّ وجل واتصلت بالله اتصالاً صحيحاً عندئذ يكافئك الله عز وجل بنور يقذفه في قلبك، في هذا النور ترى الحق حقاً والباطل باطلاً. ينبغي أن يكون ضابط الإشراق الروحي وفق الكتاب والسنة:
هناك تحفظات على المسلك الرابع لأن هناك من الناس من يدعيه بطلاناً وزوراً, هذا المسلك إذا كان الاعتماد فيه على الفطرة السليمة وفي الحدود التي يشترك فيها بالتذوق عن طريقها كافة الناس أو أكثرهم فهو مسلك صادق النتائج قطعاً، أي أحياناً تقرأ كتباً لعلماء كثيرين تجد أن هناك حقائق مشتركة، وهناك معارف موحدة قالوها جميعاً، وذلك أنهم جميعاً أقبلوا على الله وبإقبالهم العالي على الله عز وجل قذف الله في قلبهم النور فرأوا به الحقائق، فهناك تشابه في أقوال العلماء الصادقين والعارفين بالله الذين استنارت قلوبهم، فإذا كان هذا الكلام الذي يقوله من يدعي أن نفسه الصافية الشفافة أدركت الحقائق هذا الكلام إذا توافق مع إشراقات بقية العلماء فهو مقبول شرعاً ويمكن أن يحتل مرتبة اليقين.
يقول الإنسان إن الزواج غيّر حياتي فهذا كلام صحيح, فإذا تزوج المؤمن الزواج انتقل من لا شيء إلى كل شيء، الله أكرمه من أجل عفته واستقامته وغض بصره زوجة صالحة مؤمنة وفية، محبة، صادقة، متواضعة بخدمته, فيقول: إن الزواج غير حياتي وإذا سألت مؤمناً آخر مستقيماً يقول إن هذا صحيح ويحلف على ذلك.
" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "
(أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيح (
هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم فالمؤمن عندما يتزوج وفي ساعة صفاء يرى أن الزواج شيء ثمين جداً، فهذا الكلام صحيح لأن هذا ما قاله معظم المؤمنين: أي إن هذه الإشراقة صحيحة لأنها مشتركة بين الناس، وهذا المستوى المشترك هو إشراق صحيح.
الفرق بين القناعة العقلية التي يؤمن بها الفرد عن الطريق الخبر التواتر وبين الاحساس القلبي بها:
تجد إنسان عنده إحساس يفوق حد القناعة، فلو فرضنا أن الإنسان معتقد اعتقاداً جازماً أن الاستماع إلى الغناء حرام فهو لا يستمع إلى الغناء إن هذا الإنسان ينطلق من عقيدة نُقلت له عن طريق الخبر الصحيح المتواتر، لكن إذا صفت نفسه وأشرقت روحه وكان في مركبة عامة وفُتح المذياع على الغناء يشعر أنه متألم، وأنه يمقت هذا الصوت وهذه المعاني وهذه الأنغام، وأنه متضايق فهذا الإنسان ارتقى إلى مرتبة الذوق، فإذا ارتقيت أكثر من ذلك انتقلت إلى مرتبة الرؤية, إنك ترى هؤلاء الذين يستمعون ويطربون ويهزون رؤوسهم أنهم خاسرون لأنهم شغلوا أنفسهم بالتافه، وتعلقوا بحطام الدنيا وزينتها، فهذه المعاني لا تروق لهم، فالإنسان ينتقل من درجة إلى درجة إلى درجة، من درجة القناعة إلى درجة الذوق إلى درجة الرؤية, والقناعة هي مرتبة الإسلام، والذوق مرتبة إلى الإيمان، والرؤية مرتبة التقوى، فإذا انتقل الإنسان إلى مرتبة التقوى فأنى له أن يخالف رؤيته.
مرتبة الذوق والرؤية القلبية أقوى للانصياع لأوامر الشرع من القناعة التي تتحكمها الأهواء:
دخلت على طبيب من مشاهير الأطباء في أمراض القلب وأنا بحسب معلوماتي المتواضعة التي قرأتها من عدة مصادر بأن الدخان يسبب انسداداً في شرايين القلب, لي أخ صديق حدثني بأن شخصاً كان يدخن في النهار أربع علب دخان ومع العلم أن الشرايين التاجية خمسة فروع هذه الفروع الخمسة سدت لديه فعندما ذهب إلى بلد أجنبي بغية المعالجة، اعتذرت الجهات الطبية العليا عن إجراء عملية له لعدم جدواها, وذلك لأن الشرايين الخمسة مسدودة فمات هناك في البلد الأجنبي، فأنا حينما أتيقن في أن الدخان يسبب انسدادا في شرايين القلب، كيف إذاً أدخن ؟
الإنسان قد يخالف قناعته، وقد تغلبه شهوته فيخالف قناعته, ولكنه إذا انتقل إلى مرتبة الذوق فاحتمال المخالفة صار أضعف، فإذا انتقل إلى مرتبة الرؤية فيستحيل عليه أن يخالف رؤيته، فإذا وجدت صحن الطعام عليه حشرة تدعو إلى الاشمئزاز فهل تأكل ؟ إنك لا تأكل لذلك فالله سبحانه وتعالى يدعونا دائماً للتقوى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 102)
لأنك بالتقوى تنتقل إلى مرتبة الرؤية، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
)سورة البقرة الآية: 183(
دليل ذلك:
هذا يوسف الصديق دعته امرأة ذات منصب وجمال إنها " سيدة القصر " امرأة العزيز في أبهى زينتها, وغلّقت الأبواب وهو شاب في ريعان الشباب غير متزوج وهو عبد لها عليه بأن يأتمر بأمرها وهي لن تفضحه, لأن هذا ليس في مصلحتها وزوجها ليس غيوراً، ومع ذلك قال معاذ الله، لماذا قال معاذ الله ؟ لأنه في مرتبة الرؤية، لأنه رأى في هذا العمل نتائج وخيمة، إنسان يمنع شيئاً ويتوعدْ بشيء ويقول من فعل كذا وكذا فعليه كذا وكذا من عقوبات فترى الناس جميعاً يمتنعون، لأن هذا الشيء ليس لعبة ولا لهواً, فلماذا امتنع عن هذا العمل الذي منع في النص القانوني وقد ذكر هذا النص في العقوبات الكبيرة جداً التي يتحملها مخالف هذه المادة ؟ فالرؤية ليست بعدها معصية، وهذا الشيء الذي أود أن أقوله لكم:
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
(سورة المُلك الآية: 22(
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 122)
المؤمن له نور يمشي به بين الناس، فهذه المرتبة مرتبة الإشراق الروحي، إنها مرتبة الإضاءة الفطرية وهذه مرتبة تلي مرتبة الإيمان إنه إسلام تحركه القناعات، وإيمان يحركه الذوق، التقوى تحركها الرؤية:
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
)سورة الأنعام الآية: 75(
أؤكد لكم تأكيداً قاطعاً أنَّ المؤمن إذا تابع طريق الإيمان بكل جوارحه وصدق في معرفة الله فإن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يُلقي في قلبه نوراً ،
"ومن أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه "
( ورد في الأثر )
هذا المسلك إذا كان معتمداً على الفطرة السليمة وفي الحدود التي يشترك فيها الناس جميعاً فهو مسلك صادق النتائج قطعاً وتقام به الحجة نظراً لتوافقه مع الرؤية، ومع بقية الأذواق وكل شيء تقوله قد خطر في بالي وأشرق قلبي وفتح الله على قلبي، وانكشف لي أنَّ الجنة هي كل شيء وأن الدنيا ليست بشيء فهذا الكلام صحيح وينطبق مع نص القرآن الكريم. ينبغي على المسلم أن يكون حذراً من أقوال السوقة الذين يبتغون التلاعب في أحكام الدين:
أرى ما يدّعيه بعض الناس من إشراق روحي، ومن كشف رباني، ومن شفافية نفسية، يجب أن يضبط بكتاب الله وسنة نبيه فإذا تجاوزه فهو من الشيطان قولاً واحداً, وقد يقول أحدهم: " بدا لي أنني بعد أن بلغت هذه المرتبة رفعت عني التكاليف " و الذي يقول ذلك قولوا له: إن الشيطان يحركك وإنه راكبك فسيد الأنبياء ما ترك الصلاة ولا يوجد إنسان في الأرض يستطيع أن يزعم أنه رفع عنه التكليف إلا أن يكون هذا من الشيطان.
لذلك فهذا المسلك خطر جداً لأن أكثر الدجالين يأتون من هذا الباب فيقولون مثلاً: حدثني قلبي عن ربي، ومن أنت حتى يحدثك قلبك عن ربك ؟ أما إذا كان هذا الإشراق شيئاً من صلب القرآن ومن صلب السنة وفي ذلك إغناء لآيات الله فهذا نسكنه في أفئدتنا ولاسيما إذا كان صاحبه مستقيماً ورعاً.
وما مقصودهم جنات عـدن ولا الحور الحسان ولا الخـيــام
سوى نظر الإله فذا مناهـم وهذا مطلبُ القوم الكـــــرام
فأحبابنا اختاروا المحبة ملـةٍ وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
و الإنسان الذي لا أجده مستقيماً فكل ما يدعيه عن إشراقه الروحي لا أصدقه, لأن الله سبحانه وتعالى لا يتفضل على إنسان عاص بتجليّاته الرحمانية، فإذا رأيته ورعاً وملتزماً وعند أمر الله وعند نهيه، وعند الحلال تاركاً الحرام، ورأيت منه معنىً رفيع المستوى يتوافق مع الكتاب والسنة فهذا الذي منّ الله به عليه يسكن في قلوبنا، أما إذا كان في خلقه خلل وانحراف وتقصير، ونظرات للنساء مريبة، واستماع غناء وبعد ذلك يقول: "حدثني قلبي عن ربي " إنه الدجال، والله سبحانه وتعالى لا يُلقي نوره إلا في قلب عبد منيب، و الإمام الشافعي فيما تروي كتب التاريخ فعل معصية في الحدود الهامشية جداً فلم يستيقظ على قيام الليل فشكى ذلك إلى شيخه وكيع فقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نــــور ونور الله لا يهدى لعاصـي
وقال صلى الله عليه وسلم: " قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية " وباعتقادي فإنه من المستحيل أن يتجلى الله عز وجل بأنواره الكاشفة على قلب عبد عاص، وهذا التجلي خاص بالمتقين والورعين والمستقيمين, ولذلك فمقياس الاستقامة والورع يكشف الدجالين، فإذا لم يكن فيه ورع ينطبق مع الكتاب الكريم والسُنة المُطهرة فهذا دجل حرام. النص القطعي من أنكره يكفر أما الظني الاجتهادي لا يكفر:
و عندنا عقيدة مستنبطة من نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة من أنكرها فهو كافر، وكل من ينكر عقيدة ثبتت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة فهو كافر، أما إذا أنكر عقيدة ظنيّة الدلالة أو ظنيّة الثبوت أو ظنيّة الثبوت والدلالة فهذا الإنسان لا يكفّر لأنه موضوع خلافي فالعلماء استنبطوا من أنه:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
( سورة النجم الآية: 10)
وهو في السماء السابعة بأن العبد مؤلف من نفس وروح وجسد إذا النبي صلى الله عليه وسلم عرج إلى السماء بجسده أغلب الظن هكذا لكن هذا الاستنباط استنباط ظني وليس قطعياً، الاستنباط القطعي مثلاً:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾
(سورة النساء الآية: 23(
فمن أنكر هذه الحقيقة فهو كافر قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 43)
هذه آية قطعية الثبوت لأنها من كتاب الله، وقطعية الدلالة لأنها تأمرنا بالصلاة فمن أنكر الصلاة فهو كافر, لكن:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
(سورة النجم الآية: 10)
أغلب الظن أن العبد المقصود به الإنسان بروحه ونفسه وجسده، لكن هذه العبارة لا تعني بالضرورة أنه عرج بالجسد فمن أنكر عروجه بالجسد لا يعد كافراً، أما هناك دليل يرقى إلى مستوى غلبة الظن أنه عرج بجسده والدليل غير قطعي قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
( سورة النجم الآية: 10)
نحن ليس بصدد الأمثلة، أما نحن في الكليات فالكليات تقول هناك عقائد لا تُلزم صاحبها بفعل ما، مثلاً: أنا أعتقد أن الصلاة فرض وهذه عقيدة جازمة ينبغي أن ينتج عنها أن أُقيم الصلاة وأُصلي فإن لم أُصلِّ إنكاراً للعقيدة فأنا كافر, من لم يصلِّ منكراً فريضة الصلاة فهو كافر, وإن لم يصلِّ تهاوناً فهو فاسق وهناك فرق بينهما، أما إذا استنبط العلماء في قوله تعالى:
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
)سورة البقرة الآية: 184(
فمفسرون قالوا: إن هناك (لا) محذوفة ومعناها لا يطيقونه وهذا استنباط ليس قطعياً وهناك من يفسر يطيقونه على الذين يطيقونه في السفر والمرض وأفطروا عليهم فدية، وهناك من يفسر على الذين لا يطيقونه هناك (لا) محذوفة فدية إذا أفطروا، هذا استدلال ليس قطعياً إنما هو استدلال ظني، إذاً الذي ينكر الاستدلال الظني لا يكفر لأنه قد يأتي شيء يؤكده أو شيء ينقضه.
مجال النصوص ظنية الدلالة والثبوت أجاز العلماء على العمل بها في فروع الدين:
لقد رأينا أن مسالك الظنون الغالبة لا تؤدي إلى علم يقيني ومن ثمَّ فلا يصح أن تحول الظنون إلى عقائد جازمة راسخة غير قادرة للتبديل أو النسخ بل تدخل في زاوية العلوم الظنية ويُعتقد بها ويُعمل بموجبها حتى يأتي ما يعدلها أو يثبتها، والإنسان يجب أن يعتقد بأشياء اعتقاداً جازماً وما دام يعتقد بها هكذا لأن أصلها نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة فهذا ينبغي له أن ينطلق إلى تنفيذها, أما في العقائد التي يغلب الظن فيها فهو يعمل بها ما لم يظن دليلاً على عكسها أو دليل ينقلها إلى مرتبة الأخبار اليقينية.
قال العلماء: والعمل بالظن الغالب في فروع الأحكام الشرعية وارد, مثلاً الحديث الوارد بالتواتر بالنص أو المعنى يرقى إلى مستوى قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أما حديث الآحاد وهذا يجعل الاعتقاد به ظني الثبوت أو ظني الدلالة قال العلماء: هذا المسلك يكتفى به في إثبات فروع الأحكام الشرعية العملية, والأصول تحتاج إلى قطع في الثبوت والدلالة, أما الفروع فيقبل أن نستخدم بها النصوص الشرعية ذات الظن الغالب.
من تتمة مراتب العلم:
مرتبة الوهم:
بقي علينا طريق آخر مزيف: وهو طريق الأوهام والخرافات وهذا الطريق فاسد فساداً قطعياً لأن الإنسان إذا تحرك بموجبه هلك، وقد يسمع الإنسان من العوام أن هذا الزوج لا يحب زوجته لأنها قد سحرته, وعوضاً من أن يستقيم على أمر الله فيغض بصره ويعاملها بالإحسان حتى تنشأ مودة بينهما يذهب إلى دجالين ليعطوه بعض المحاليل وبعض الأدوية وبعض الحجب من أجل أن تحبه، و هذه مسالك كلها أوهام وأباطيل ويقول لك: إن الشيطان هو الذي وسوس لي وهو الذي جرني إلى هذه المعصية، فإذا كان الإنسان في كلامه بعيداً عن كلام الله يكون هو في ضلال, طابق بين كلامك وبين كلام الله عز وجل تجد أنه حصل عندنا طريق مزيف هو طريق الوساوس والأوهام والعادات والتقاليد البالية التي ما أنزل الله بها من سلطان، هذه الطرق خطرة في وصولها إلى مركز الاعتقاد، المؤمن يعتقد بما جاء في كتاب الله، وبما جاء فيما صح عن رسول الله، ودائماً اجعل علاقتك مع الناس هذه العلاقة التالية: الذي ينقل لك خبراً ما اسأله عن الصحة، " إن كنت ناقلاً فالصحة " والذي يبتدع لك نظرية ما اسأله عن الدليل " إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مبتدعاً فالدليل ".
يقول لك: أرى أن الإنسان لا ينبغي له أن ينظر إلى زوجة أخيه هذه نظريتي قل له: ما الدليل ؟ فيأتيك بآية وهذا تفسيرها، و يأتيك بحديث صحيح، فتعامل مع الناس بهذه الطريقة فإذا نقل لك إنسان فقل له: ما صحته ؟ ما برهان صحة هذا النقل ؟ فإذا ادّعى شيئاً فقل له: ما الدليل العقلي والنقلي ؟ طالبه بالدليل النقلي حديثاً أو آية, وطالبه بالدليل العقلي إذا قدم لك دليلاً عقليّاً فالأمر انتهى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 03:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع )


الموضوع : تخزين العقيدة في العقل ومقارنة أي أمر بها



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
السبب الرئيسي في شقاء الإنسان في الوسيلة التي اختارها لسعادته:
أيها الأخوة, هنالك موضوع عن أعظم مطالب الإنسان في الحياة، لو سألت أيَّ رجل على وجه الأرض كائناً من كان، مِن أي عرق، ومن أي جنس، ومن أي قوم، ومن أية ملّة، ومن أية نحلة، ومن أي دين، عن هدفه في هذه الحياة لقال لك: أنْ أسعد فيها، هذا الجواب الجامع المانع المشترك بين جميع البشر على اختلاف أنواعهم، وألوانهم، وأجناسهم، ومِلَلهم، ونِحَلهم، فمِن أين يأتي الخطأ ؟ إذاً ما دام الهدف واحداً، لماذا في الحياة أناس يَشْقَوْن ؟ ولماذا في الحياة أناس معذَّبون ؟ ولماذا في الحياة أناس هالكون ؟ ما دام هدفهم جميعاً هو السعادة، الجواب عن هذا السؤال: إنهم أخطؤوا في تصور الوسيلة التي تُفضي إلى هذه السعادة.
نموذج من البشر الذين أخطؤوا في اختيار الوسيلة:
بعض الناس رأى السعادة كلها في جمع المال, وكسب المال غير جمع المال, لأنَّ المال كما قال الله عز وجل: قوام الحياة، جعله الله لنا قياماً، فكسبُ المال من أجل أن ينفق على نفسه وعلى عياله، وأن يتقرب به إلى ربه، وأن يصون به أهله من التطلع إلى غيره، هذا هو كسب المال، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا))

(أخرجه الدارمي عن ابن عباس )
يتوهم أو يتصور الإنسان أن سعادته في جمع المال فيسعى إلى جمعه ليلاً و نهاراً، سراً وعلانية في كل أوقاته، و خواطره، وهواجسه، ومشاعره، و طاقاته، وجهده، و إمكاناته، وتفكيره, وساحة نفسه ليس فيها إلا المال, وتأتيه المتاعب، والهموم، والأزمات إلى أن يكتشف في وقت متأخر وبعد فوات الأوان أن المال شيء لكنه ليس كل شيء، بل ربما كان جمع المال سبباً للشقاء في الدنيا والآخرة، وعلى هذه الحقيقة ألف قصة وقصة تعرفونها جميعاً, هذا يصاب بمرض عضال، وهذا بأزمة قلبية، وهذا يقول لك: إن الدنيا أطبقت عليّ، وكاد قلبي ينفطر من شدة الألم، وله محضر ثمنه ستون مليوناً أُخذ منه، كل ذلك بسبب تصوره الخاطئ. متى يكتشف الإنسان خطيئته ؟
أيها الأخوة, أنا أخشى أن يكتشف أحدكم هذه الحقيقة في وقت متأخر، لو ملكت مال قارون لم يسعدك إلا أن يشاء الله أن يسعدك، و قد تخيم على بيت سعادة لو يعلمها الأغنياء لَتَخَلَّوا عن ثرواتهم كلها، ليكونوا في مصاف هذا الذي أسعده الله.
قد يتوهم الإنسان أن السعادة في أن يكون له مركز مرموق، وهذا إما أن يحصِّله بالقوة أو بالعلم، فيسعى لنيل أعلى الشهادات لا لشيء إلا لتدغدغ نفسه كلمة دكتور مثلاً، وقد يسعى لمرتبة عالية كي يشعر أنه فوق الناس، ويتوهم أنه إذا نال هذه الشهادة العليا، وكتبها على مدخل بيته, ورحب الناس بها, ونظروا إليه نظرة إكبار، وتبجيل، وتعظيم روّى عن نفسه في حب العظمة، لكنه يكتشف بعد فوات الأوان وفي خريف العمر أن الوجاهة زائلة وليست كل شيء، بل ربما كان سعيه لهذه الوجاهة سبباً لشقاوته، وكلمة " آه " يتلفظ بها الإنسان في خريف العمر وكأن نفسه تذوب فيها لقد عرف ولكن بعد فوات الأوان، وقد يتوهم الإنسان السعادة في اقتناص الملذات من نادٍ ليلي إلى نادٍ ليلي آخر، ومن سهرة حمراء إلى سهرة خضراء، و من مكان إلى آخر، ومن فندق إلى فندق، ومن بلد إلى بلد، أموال طائلة وشباب وفير، فها هو ذا ينفق أمواله على ملذاته، ما قولكم ؟ إن هذا الذي يسعى للذاته قد ينتحر في ربيع العمر، الآن يكشف الإنسان إذا تبع لذته صار حقيراً، وبذيئاً، و تافهاً، و هامشيّاً بل نوعاً من الحيوان، وقد كشفت بعض الدول التي قطعت مراحل طويلة في التصنيع وفي إحلال العلم محل الإنسان أن أثمن ما في الحياة هو الإنسان، وأننا من أجل أن نحقق بعض الأهداف الحضارية نضحي به، فإذا ضحينا به ضحينا بكل شيء، وهناك شعوب وأمم وأناس لا يعرفون شيئاً فهم كالآلات، يعملون ليأكلوا في مشارق الأرض ومغاربها، إنهم أناس ليس بينهم وبين البهائم فرق أبداً، لا يعرفون إلا العمل المضني، واقتناص اللذائذ كالبهائم، والاستمتاع بالطعام والشراب لا قيم، ولا فكر، ولا مبدأ، ولا هدف، أموات غير أحياء:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
(سورة الفرقان الآية: 44)
أقول لكم كلاماً واضحاً كالشمس: ما من مخلوق على وجه الأرض إلا ويسعى لسعادته ولكن الخطأ الفاحش الكبير الفادح يتأتّى من سوء تصور الوسيلة المفضية إلى هذه السعادة، إذا توهمتها في المال فأنت مخطئ، إذا توهمتها في القوة والعز والسلطان فأنت مخطئ، وإذا توهمتها في اقتناص الملذات في الفن وفي السياحة فأنت مخطئ، وهذا الخطأ خطأ مصيري لا يصحح بعد فوات الأوان و لا يعدَّل ولا يتلافى، إنه خطأ مدمر يسبب شقاوةً إلى الأبد.
لماذا المؤمن لم يتعثر في اختيار الطريق ؟
أما المؤمن فليس كغيره من بني البشر، يسعى لهذه السعادة، و عرف الطريق الصحيح الموصل إليها، عرفها في معرفة الله، وفي طاعته، وفي القرب منه، ولذلك خط المؤمن البياني في صعود دائم أبداً بعد أن عرف الله فهو ينتقل مِن خير إلى خير، ومن سعادة إلى سعادة أكبر، ومن عقل إلى عقل، و من رفعة إلى رفعة، ومن طمأنينة إلى أمن، ولو جاء الموت يتابع خطه البياني في الصعود، لأنه تعرّف إلى الأبدي السرمدي، الحي الذي لا يموت، الذي سيكون معه إلى أبد الآبدين، تعرّف إلى الذات الكاملة، إلى من بيده ملكوت كل شيء كان الله ولم يكن معه شيء:
﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
(سورة الرحمن الآية: 27)
خط الإيمان:
1- الفرق بين المؤمن وغيره في الحياة:
هذا المؤمن الذي سعد بربه قد يفتقر إلى المال، وقد يكون دخله لا يكفيه إلى آخر الشهر، ومع ذلك فهو أسعد السعداء، وقد تكون في جسده علة مَرَضية مزمنة، أو يكون ذا شأن يسير فلا أحد يعرفه، أو تكون حياته خشنة، ومع ذلك فهو مِن أسعد السعداء، ما هذه المفارقة ؟ تملك المال، و القوة، وعز الدنيا، وتُمضي العمر كله في اللذائذ وتشقى، هذا هو سر الإيمان، إنه السر العظيم.
" ابن أدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتَّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء "
( ورد في الأثر )
2- لن تسعد إلا بمعرفة الله عن طريق دينه:
لن يتحقق مطلبكم جميعاً في الدنيا والآخرة إلا عن طريق الدين، لن يتحقق مطلبكم الأسمى وهو أن تسعدوا في الدنيا والآخرة إلا عن طريق معرفة الله عز وجل و التقرب إليه، وخدمة خلقه ومحبته، والتضحية بكل نفس ونفيس، وغال ورخيص، من أجل هذا القرب وهذا ملخص الدين، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الكبرى في الكون ولا حقيقة سواها:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
وأي شيء يقربك من الله فهو الحق، وأي شيء يبعدك عن الله فهو باطل، والباطل له معنى آخر فأي شيء استهلك وقتك، ومنعك أن تكون مع الله في هذا الوقت فهو باطل، فهذا الذي يجلس ويلعب النرد مع أصدقائه من أجل التسلية فهذا باطل، لأن الإنسان مخلوق لهدف ثمين، وها أنت ذا تستهلك الوقت في هدف تافهٍ لا جدوى منه.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
(سورة الفجر الآية: 24-26)
كيف يفكر الإنسان ؟
1- عن طريق المصورة:
من أجل أن يبلغ هذا المطلب لا بد من التعرّف على طبيعة تحركه في الدنيا، وما الذي يؤثر في تحركاته ؟ فالموضوع الآن يتسم بطابع علمي نشترك فيه، وسوف نأخذ منه بعض اللمسات، فنحن في حياتنا اليومية عندنا بصر، وسمع، وذوق، و شم، و إحساس بالحرارة والبرودة، وإحساس بالنعومة والخشونة والضغط بالجلد، فسمعُنا، وبصرُنا، وذوقُنا، وشمُّنا، وجلدنا ينقل لنا أحاسيس العالم الخارجي، والإنسان ينطوي على نفسه التي تفرح، وتحزن، وتغضب، وتحب، وتبغض، وتخاف، وتتألم، وتتشوق، وتكره، فهناك مشاعر داخلية وأحاسيس خارجية وكلها تنتقل إلى مركز في الدماغ, تستطيع أن تسميه " مركز الإدراك " والعلماء القدامى سموه " المصورة " أي مكان تجميع الصور، فعندنا صور بصرية، و شمِّية، وسمعية، وداخلية، وذوقية، فهذا المركز يتلقى صوراً خارجية وداخلية واسمه المصورة.
2- الخيال:
المصورة: مركز تجميع معلومات إن صح التعبير هذا المركز يرسل إلى مركز آخر وهو مركز التخيل، فالذي اخترع الطائرة، أو السيارة، أو كشف الكهرباء، أو هذه المخترعات، استعان بمصورته أو بمركز الإدراك وألّف من هذه التي يعرفها شيئاً جديداً فهذا هو التخيل، فكيف يتخيل الإنسان ؟ يأخذ من معلوماته، ومبصراته، و مسموعاته، و أذواقه، وأحاسيسه، ومشاعره الداخلية شيئاً جديداً وليس كلياً لكن مواده الأولية قديمة و شكله جديد، فهذه المصورة أو مركز الإدراك بالتعريف الحديث يُعَدُّ مركز التخيل بالمواد الأولية.
فالمهندس عندما يرسم بناء يعمل في هذا الرسم عن طريق مركز المخيلة، وما من إنسان يبدع، فالشاعر الذي ينظم الشعر يأخذه من مركز المخيلة، فالخيال الخلاق يسمى شعرياً، أو فنياً، أو علمياً، أو فلسفياً، فهو أنواع يعتمد على المعلومات، والصور، والأحاسيس التي يتلقاها الإنسان من محيطه الخارجي والداخلي، وهذه الصور النفسية والحسية تخزّن أيضاً في الذاكرة.
3- التفكير:
هناك مركز في الدماغ هو الذاكرة، وقد تحدثنا في مناسبات عدة عنها، وأنها تحتوي على مليون مليار معلومة، فهذه المدركات، أو هذه الصور، أو هذه المصورة، تنتقل إلى مركز آخر اسمه مركز البحث العلمي أو يسمونه التفكير.
سمعت قصة فتفكر فيها هل هي صحيحة ؟ وهل عندك مقاييس فتقيسها ببعض هذه المقاييس إما بمقاييس قرآنية، أو عقلية، أو واقعية ؟ على كلٍ إذا سمعت قصة، أو شاهدت مشهداً، أو رأيت ساحراً أمسك بسكين ووضعها في بطنه، فهذه صور نقلت إلى مركز البحث العلمي، فتقول مثلاً: إن نَصْلَ السكين يدخل في مقبضها فقد تكون حيلة، فالتفكير عملية تحليل وتركيب وقياس وتمحيص وتدقيق، ودراسة المقدمات والنتائج، فمركز البحث العلمي يتناول هذه الصور وهذه المشاعر فيحللها ويركبها.
عملية تحليل البحث العلمي عن طريق التفكير:
يصنف البحث العلمي الأشياء إلى أربعة أصناف: فأول صنف وَهْمٌ والوهم لا أساس له من الصحة، فهناك دواء إذا مات رجل وشربه يحيا، نقول له: هذا خلط، فالمركز العلمي يرفض هذه الفكرة، لأن رفض هذا المبدأ، وهناك دواء يطيل العمر فهذا غير صحيح، فمركز البحث العلمي يصنف الأشياء تصنيفاً آخر على مستوى للشك، إذا كان برهان الإثبات في مستوى برهان النفي فهو شيء يُحيّر، وهذه القصة من جهة صحيحة ومن جهة غير صحيحة، فهذه توضيح في تصنيف الشك، فالشك يعاد النظر فيها إذا تخزن في الذاكرة ريثما يتم التحقق منها، ولدينا قسم ينتقل إلى غلبة الظن إنه صحيح، ولدينا قسم رابع خطير جداً إنه قسم اليقين.
فالبحث العلمي أو مركز التفكير يصنف كل الصور، والمشاعر، والمشاهدات، والمسموعات، والمبصرات، والقصص، والأفكار، وكل شيء يصنفه على أنه وهْم، أو شك، أو غلبة الظن، أو اليقين، فاليقين قطعي، وغلبة الظن أمر قريب من القطعي، والشك يخزّن ريثما يثبت فيه إذ يتساوى نقصه مع ثباته و الوهم يلغى، ومركز البحث العلمي يزوّد الذاكرة بنتائج بحوثه.
التحصيل الحاصل من عملية التفكير هو الوصول إلى نتائج حتمية بأن العقل السليم لا يتعارض مع الدين:
فمركز اليقين الذي توصلت إليه عملية التفكير ينطبق على الشرائع السماوية تماما هذا هو الحق الصحيح، هناك تطابق بين العلم وبين الدين الذي جاء من السماء من خالق الكون، ينطبق مع النتائج التي توصل إليها العقل عن طريق منهجه الصحيح، لذلك لابد من تطابق العلم والدين، وما عُهِدَ أن في كتاب الله حقيقة تُناقض حقيقة علمية، وما عُهِدَ في العلم الصحيح أن فيه شيئاً يُناقض كتاب الله وهنا حصل لقاء حتمي، بأن مقياس العقل السليم تجد تطابقه مع ما جاء في الشرع الحكيم, هذه القاعدة: " أي فكرة تقرؤها صحيحة إذا تطابقت مع آية كريمة وباطلة إذا تناقضت معها "، فلو أنك قرأت مقالاً عن الربا، وأقنعك الكاتب بأن الربا ضروري لهذا المجتمع والله عز وجل يقول:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
(سورة البقرة الآية: 276)
فإن هذه المقالة باطلة، لأن العقل لا يمكن أن يصل إلى نتيجة تخالف الشرع الذي هو من عند خالق العقل فمستحيل ذلك، فأنا أعطيك قماشاً وأقول لك: هذه تسعة أمتار، ثم أعطيك مقياساً وأقول لك: قِسها بهذا المقياس فإذا هي ثمانية أمتار، فأنا أعطي مقياساً ينقض كلامي، وهل يعقل بالمقياس الصحيح أن نصل إلى شيء مخالف لكتاب الله فهذا مستحيل ؟
وظيفة اليقينيات والظنيات في العقل:
الآن مركز اليقين ينقلب بعد الرضا والتسليم وبعد الطمأنينة القلبية إلى عقيدة راسخة في المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والمشاعر الداخلية إلى مركز الإدراك، ومن مركز الإدراك إلى الذاكرة, وإلى المخيلة، وإلى مركز البحث العلمي، وإلى مركز التنسيق، أخرجنا المعلومات من موادها الأولية إلى وهم رفضناه، وإلى شك أوقفناه، وإلى غلبة ظن اعتقدنا بها، وإلى يقين آمنا به، أما الشك فلابد أن يُصنّف إما مع غلبة الظن أو مع الوهم، بقي شيئان: شيء جازم يقيني، وشيء يغلب عليه الظن، فالجازم هو العقيدة والذي يغلب عليه الظن ينقلب إلى إرادة وهو الذي يوجه الإرادة، والإرادة توجه السلوك، فما الذي يوجه الإرادة ؟ الأشياء التي اعتقدت صحتها, والإرادة توجه ماذا ؟ السلوك، فلماذا أطلق بصره في الحرام ؟ لأنه اعتقد خطأ أن هذا الشيء لا قيمة له، ولماذا غضَّ فلان بصره ؟ لأن هذه الحقيقة انتقلت إلى مركز الظن، واليقين نُقل إلى الإرادة، والإرادة وجهت السلوك، فإذا هو يغض بصره، لماذا يمتنع هذا الإنسان عن أكل مال الحرام ؟ لأنه بمجمل بحثه العلمي وصل إلى أن هذا يغضب الله، وفي غضب الله خسارة كبيرة في الدنيا والآخرة، وهذا انتقل إلى مركز اليقين، واليقين إلى مركز الاعتقاد، والاعتقاد وجه الإرادة، والإرادة وجهت السلوك
دور العاطفة بأنها تحرك مشاعر الإنسان والعقل يقودها إلى المسار الصحيح:
عندنا مركز آخر يضفي على هذه المعتقدات حيوية ألا وهو مركز العواطف، فالإنسان عقل وعاطفة، بالعاطفة نغذي المعلومات ونشحنها بطاقة انفعالية، فالإنسان بالعاطفة يضاعف سلوكه، فالقناعات شيء والعواطف شيء آخر، أنت بحاجة إلى شيئين: إلى قناعة وانفعال، انفعال الحب مع الله عز وجل وهذا يضاعف طاقتك في السير إليه, الإنسان إذا وصل إلى مراتب عليا تأتي العاطفة وتزيد حماسه وتضاعف طاقاته إلى الله عز وجل، وبعد هذا كله الآن يتحدد سلوكه, كيف يكسب المال, و يحدد علاقاته مع الآخرين الخارجية والداخلية، ويحدد مسار انفعالاته و أغراضه ؟ البحث العلمي عن طريق العقل.
إذا توصلت إلى المنهج الصحيح وفق تسلسل عملية التفكير حصلت على السعادة:
كل الصحة، والسلامة، والسعادة بعد أن مرت الأمور بهذا الطريق, وربما لا يكون هذا المكان ملائماً للتعمق فيه، ولكن أخذ القليل خير من ترك الكثير، فأنت سعيد بقدر ما تسلك المعلومات المسار الصحيح، رسّخ في بالك هذه الفكرة المعلومات إذا سارت وفق المنهج الصحيح, من الحواس إلى المصورة، إلى المخيلة، إلى الذاكرة، إلى مركز البحث العلمي، إلى مركز التنسيق العلمي، إلى اليقينيات، إلى غلبة الظن، إلى الإرادة، إلى السلوك، إذًا أنت في طريق الجنة تَسَعَد و تُسعد.
ينبغي على المسلم أن يكون حذراً من تلقي المعلومات الخاطئة من دون تمحيص لأن ذلك يشل معتقداته:
رجائي ألاّ تسمحوا لمراكز الدماغ أن تأتيها معلومات مغلوطة، أو أن تعطلّوا مركز البحث العلمي أو مركز التفكير، أو أن تحلّوا عقيدة في محل اليقين وهي عقيدة خرافية، فأحدهم سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يدع أمته تدخل النار هكذا ببساطة وسذاجة، فالشفاعة لها معنى قيّم ومعنى سامٍ، أما على معناها الساذج للشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يدع أحداً من أمته يدخل النار ويصر على الله عز وجل بأنه لا يدخل الجنة إلا إذا دخلت أمته معه، هذه إذا اعتقد بها الإنسان اعتقادًا راسخاً، ووضعها مكان اليقينيات فلن يعمل شيئاً أبداً، يأكل المال الحرام، وينظر إلى النساء, ويقول: نحن أمة محمد المرحومة، اللهم صلِ على سيدنا محمد، ويصلي هذا عليه زوراً، من أجل أن يمنِّيَ نفسه بأنه لن يدخل إلى النار، إذا اعتقدت أنك ليس لك اختيار، شقي شقي، سعيد سعيد، فالفكرة إذا وضعها مكان اليقينيات، وحركت سلوكه سوف يخرب بيته، ويمشي في طريق الضلال.
كيف تصحح المعلومات المغلوطة ؟
فمركز اليقين بضاعته اليقينيات، فإذا كان هناك خرافات في هذا المركز فما الذي يحصل ؟ يحدث خلل في السلوك، فالله عز وجل وهبنا أثمن شيء في الكون وهو الفكر، وقد قرأت في كتاب أنه إذا خلق الله عز وجل الإنسان شقياً من الأزل، وكتب عليه أن يكون شقياً، فسيأتي إلى الدنيا فلو أطاع الله انقلب علم الله جهلاً، إذًا يجب أن يبقى عاصياً، هكذا شاء الله له، ثم يموت كافراً، ويستحق الخلود في النار وهذا محض العدل لماذا ؟ لأن الله عز وجل لا أحد يسأله، فإذا انتفت المسؤولية فهل ينقلب الظلم عدلاً، الله أعطاك مركز بحث علمي، و مركز تفكير حر، فلا تقبل قصة غير صحيحة قسها بمقياس القرآن.
قرأت مقالة تزعم أن مهمة النحل الأولى ليست إنتاج العسل بل تلقيح الأزهار وإنتاج العسل شيء ثانوي، فقبلت هذه الفكرة إلى أن قرأت قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 68-69)
يخرج منه شراب أي الأصل إنتاج العسل، والقرآن مقياس دقيق جداً في البيع والشراء، و الزواج والطلاق وفي كل شيء، فعندما يسمح الإنسان لمراكز عقيدته أن يدخل إليها خرافات، وأشياء باطلة، وأفكار غير صحيحة، وقد يقال لك: إذا نظرت فلا إثم عليك لأنك متزوج ومحصن، وإذا شاهدت الجمال فقل: سبحان الله تزدد قرباً من الله, إنها أفكار تسير بك في طريق الهاوية، فلذلك يجب أن يمحص الإنسان عقيدته والخطأ في السلوك سهل لأن الإصلاح سهل، أما الخطأ في العقيدة فمدمر، لأن صاحبه لا يفكر في إصلاح خطئه، ويظن أنه على حق وهو على باطل, فهذا الذي سوف نتابعه إن شاء الله في درس قادم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 03:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : الاحكام العقلية - المستنبطةمن العقل



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العبرة من الدرس الذي فات أن يصل الإنسان إلى المفهوم الصحيح المفضي إلى سعادته:
الدرس الماضي كان حول المطلب الأسمى لكل إنسان، وبينت أن كل إنسان على وجه الأرض يبتغي السلامة والسعادة، فمن أين يأتي الشقاء إذاً ؟ من الخطأ في تصور الطريق المؤدي إلى السعادة. المؤمن كغيره يبتغي السعادة لكنه أصاب الهدف، وأصاب الطريق الصحيح إليه، فسعد في الدنيا والآخرة، وبينت أن الإنسان حينما يتلقى من العالم الخارجي هذه الصور الحسية، و البصرية، والسمعية، والشمية، والذوقية، واللمسية، وحينما يتلقى من عالمه الداخلي المشاعر كالإحساس بالخوف، والغضب، والرجاء، والحزن، والانقباض، والانشراح، فهذه الصور الخارجية والداخلية تجتمع في مكان هو المصورة أو مركز الإدراك، ومركز الإدراك يعطي نسخة من هذه الصور إلى المخيلة، والإنسان حينما يبدع يحتاج إلى مواد أولية للإبداع، وتعطي نسخة أخرى إلى الذاكرة، ونسخة ثالثة إلى مركز البحث العلمي أو مركز التفكير والمحاكمة، والإنسان حسب مقاييسه يحاكم، ويوازن، ويقيس، ويقبل، ويرفض، ويعترض، ويتحفظ، وهذه الصور الكثيرة من خلال هذا المركز تصنف إلى أربعة أصناف:
1- الوهم: وهو الشيء الباطل يلقيه جانباً.
2- الشك: تساوت أدلة تثبيته مع أدلة نقضه، فيوضع في مكان مؤقتاً كي يبت في أمره.
3- غلبة الظن: ما يغلب على ظنك أنه صحيح.
4 - اليقين.
اليقين وغلبة الظن تحتلان مركزاً هاماً في العقيدة، والعقيدة هي التي توجه الإرادة، والإرادة توجه السلوك, هذا الذي يجري محاكمة صحيحة فيأخذ ما صح, ويدع ما بَطل، وتُقبل هذه المفاهيم إلى مركز العقيدة، ومركز العقيدة ينقله إلى الإرادة، والإرادة إلى السلوك, وهكذا استقام الإنسان على أمر الله لأن عقيدته صحيحة، فإذا اعتقد الإنسان أن الجنة ليست بالعمل إنما بالأمل، و اعتقد أن الله عز وجل لن يحاسب الناس على أعمالهم، و اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول بعض السذج يأخذ العصاة مهما كانت معصيتهم فيدخلهم الجنة، فإذا اعتقد الإنسان هذا المعتقد وهو خطأ، ووضعه في مركز اليقين نتج عنه سلوك منحرف، إنكم تجدون ما أخطر العقيدة، و من كانت عقيدته صحيحة صح عمله، ومن كانت عقيدته فاسدة فسد عمله، فالاعتقاد الصحيح هو الشيء الأول في الدين، ولذلك فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قال:

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))

(أخرجه الدارمي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين)

وقال صلى الله عليه وسلم:
" ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا "

( ورد في الأثر )

لذلك كان طلب العلم فرض عين على كل مسلم ولست مخيراً فيه، فلا ينبغي لك أن تحضر الدرس من قَبِيل أنك اليوم لا عمل لك وبقي من وقتك فضلٌ والوقت شتاء والسهرة في المنزل أولى من هذا الدرس، لأنك بالعلم تعرف الله عز وجل، وإذا عرفت الله سعدت به.

الأحكام العقلية:

1- جائز الوجود:

واليوم درسنا في موضوع الأحكام العقلية أقوم بتبسيط الأمر بقدر ما أستطيع لدقه الأحكام العقلية، العقل له أحكام خاصة ومستقل بأحكامه، فكيف يحكم العقل ؟ قال العلماء: " كل ما يتصور الفكر لا يخلو أن يكون واحداً من الأقسام التالية "، فأي شيء تتصوره، وأي شيء يخطُر في بالك من فكرة أو قضية، فلابُدَّ أن يكون ضمن الأقسام التالية:
القسم الأول: هو ما يقبل العقل إمكان وجوده وعدمه، ففلانٌ موجود وكان من الممكن أن يكون غير موجود، هذه الورود موجودة، ويمكن أن تكون غير موجودة، وهذا الكأس كذلك، والعقل يقبل ألاّ يوجد، هذا القسم يسمى جائز الوجود أي يجوز أن يوجد وألاّ يوجد، فالإنسان جائز الوجود:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

(سورة الإنسان الآية: 1)

جبل قاسيون جائز الوجود، ولو أن الله عز وجل وضعه في مكان آخر لما وُجِد، أو أنَّ هذا الاستواء الذي صنعه الله لم يصنعه، فهذا الجبل لو لم يوجد لكانت دمشق أرضاً منبسطة، فكل شيء تقع عليه عينك فهو من باب جائز الوجود، لأنَّ الله خلقه فالذي خلقه كان من الممكن ألاّ يخلقه الأمر واضح، وهذا القسم يُسمى جائز الوجود، أو ممكن الوجود عقلاً، لأن وجوده أو عدمه ليس واجباً ولا مستحيلاً وإنما جائز الوجود، فأنت من هذا القسم، ونحن نقول دائماً: هناك نعمة الإيجاد، وإن الله عز وجل تفضل علينا وخلقنا، ولو أن مشيئة الله لم تتعلق بخلقنا لم نُخلَق ولم نكن في هذا المسجد، فمن هو فلان ؟ شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كان الله ولم يكن معه شيء، والذي وجد بعد ذلك وجد بمشيئته، فالذي وجد كان من الممكن ألاّ يوجد فهو جائز الوجود.

2- مستحيل الوجود:
القسم الثاني: هو ما يوجب العقل عدمه أيْ يستحيل أن يوجد ولو بشكل بسيط، فمستحيل أن يكون هذا الحرم منيراً بهذا الضوء ومعتماً في الوقت نفسه، فإذا قلت: هناك نور فليس هناك ظلمة، وإذا قلت هناك ظلمة فليس هناك نور، لأن النور والظلام نقيضان لا يجتمعان في مكان واحد، وفي زمان واحد، وفي جهة واحدة، وفي حالة واحدة، فإن اجتماعهما مستحيل، وإنَّ وجود أحدهما ينقض وجود الآخر.
وفلان عالم جاهل هذا مستحيل، فالعقل يرفض هذا الزعم، والعالم لا يكون جاهلاً والجاهل لا يكون عالماً، أما عالم بعلمٍ وجاهل بعلم فهذا بحث آخر، أي علم من جهة واحدة وبوقت واحد وفي مكان واحد فالشيء لا يقبل نقيضه، والعلماء فرقوا بين الشيئين المتعاكسين والشيئين المتناقضين، الشيئان المتناقضان أحدهما ينقض وجود الآخر، والشيئان المتعاكسان كالأبيض والأسود، فهل من الممكن أن الأبيض والأسود لونان متعاكسان يجتمعان ؟ فالمتعاكسان يجتمعان لكن المتناقضين لا يجتمعان، أحدهما ينقض وجود الآخر, وإلى الآن فالأمر واضح, هذا القسم يسمى مستحيل الوجود عقلاً.
فلان قال: إني كنت في حلب، والتقيت بصديقك فلان، فتقول له: مستحيل، لأنه كان عندي في تلك الساعة، فهل من الممكن أن يكون الإنسان في ليلة واحدة، وفي ساعة واحدة في دمشق وحلب ؟ فالعقل ضابط يضبط الأمور، وهذا مستحيل عقلاً.

3- واجب الوجوب:

القسم الثالث: ما يوجب العقل وجوده ولا يجيز إمكان انعدامه في أيّة حالة من الحالات التي يتصورها الذهن، وهذا القسم يسمى واجبَ الوجود عقلاً، فالقضية مُبسّطة عقلاً: جائز الوجود، مستحيل الوجود، واجب الوجود، وهذه المعلومات نظرية وإليكم الأمثلة.

ذكر الأمثلة على حكم العقل الجائز للوجود:
1- جائز الوجود: نحن البشر موجودون على سطح الأرض بشكل واقعي، ولكن العقل يرى أنه كان من الممكن ألاّ نكون موجودين، فوجودنا إذاً أمر ممكن عقلاً, ومعنى ممكن أي: يجوز أن نوجد، ويجوز ألاّ نوجد، العقل يقبل وجودنا وعدم وجودنا، وسيدنا علي رضي الله عنه قال عن الله عز وجل:

((علِم ما كان، وعلِم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ ))

( قول مأثور )

هذا جائز الوجود، فلو كان لك دخل محدود ففرارُك من بيتك إلى المسجد، ولو أعطاك شخصٌ مبلغاً ضخماً كثيراً فلا تعرف أين تصبح ؟ ربما في الملاهي لا تعرف " وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ ", لذلك قال الإمام الغزالي: ((ليس بالإمكان أبدع مما كان)) بل إن تفسير هذا القول ليس بالإمكان أبدع مما أعطاني " إن هذا الذي أعطاك هو الله أبدع ما يكون، لأنه علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ " هذه نعمة الإيجاد، النار محرقة هكذا صممها الله عز وجل ولو صممها غير محرقة لكانت كذلك وهذا حكم جائز الوجود، واللهُ عز وجل هو الخالق وهو الذي أعطاها هذه الصفة، فلو شاء في لحظة ما أن يسلبها هذه الصفة لكان ذلك:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

(سورة الأنبياء الآية: 69)

هل القرآن فيه خرافات ؟ ليس فيه خرافات، لو كنت مفكراً لعلمت أن الذي أعطى النار القدرة على الإحراق هو الله عز وجل، والذي أعطى يسلب، فكما أن من الممكن أن تكون النار محرقة، فمن الممكن أيضاً أن تكون غير محرقة، فصفة الحرق في النار من نوع جائز الوجود وليس من نوع واجب الوجود.
الأحياء الذين نشاهدهم إذا ماتوا لا يعودون إلى الحياة، ففي كل حياتنا ما سمعنا أنَّ إنساناً بعدما مات ودفنوه سمعوا صوتاً في القبر، وفتحوه فوجدوه حياً، فأرجعوه إلى بيته، فهذا لم يحصل بعدما مات، فهل يرجع ؟ هذا نوع جائز الوجود، فالذي وهبه الحياة سلبه الحياة، والذي سلبه الحياة من الممكن أن يهبه الحياة مرة ثانية، من هنا كانت معجزة سيدنا عيسى في إحياء الموتى، فنظرة المؤمن لهذه الأمور يراها سهلة، لأن ذلك على الله يسير، فإن يعُد الميت حياً فهذا شيء جائز الوجود، وهذه القضية تطرح على الشكل التالي: الذي وهبه الحياة سلبه إياها، والذي سلبه إياها وهبه إياها، اجتاز الإنسان المسافات البعيدة في أقطار الأرض والسماء بطرفة عين وهو أمر ممكن عقلاً، بحسب معطيات الأرض يجب أن يكون هناك واسطة نقل كسيارة أو طائرة، والإنسان ركب مركبة سرعتها 40000 كم/ سا وذهب بها إلى القمر، والطائرات الراقية جداً سرعتها 1300كم/سا تقريباً, أما هذه المركبة التي ركبها الإنسان فسرعتها 40000 كم/سا لو أن لها قدرة أن تنقل الإنسان إلى القمر في ثانية لكان هذا ممكنًا عقلاً, حينما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر هذا الشيء كان هذا ممكنًا عقلاً بشرط وجود قوة تنقله بهذه السرعة، فكيف كان أجدادنا يستحيل عليهم ذلك ؟ أن ينتقل الإنسان من دمشق إلى المدينة المنورة أو إلى جدة في ساعتين فهذه قبل ألف سنة مستحيلة، فلما توافرت للإنسان طائرة تسير بسرعة عالية جداً صار الأمر مقبولاً، العلم تقدم إذاً، فلمّا نقل الله عز وجل بقدرته هذا النبي الكريم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر، كان هذا شيئًا جائزًا عقلاً أي جائز الوجود، ما دام هناك قدرة توفِّر له هذا النقل السريع.
وجبل بكامله لو زحزح عن مكانه وارتفع يبدو لكم مستحيلاً، فهذا ليس مستحيلاً بل هو جائز، لأن الأرض في قبضة الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

(سورة فاطر الآية: 41)

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

(سورة الزُمر الآية: 67)

الذي يحمل الأرض ومن عليها قادر أن يحمل جبلاً في السماء، حتى إنك لو قلت جبل قاسيون هل يقصد أن يزحزح عن مكانه، ويرتفع إلى قبة السماء هذا ممكن عقلاً ؟ لأن الذي يحمل الأرض هو الله عزّ وجل وهو على كل شيء قدير.
انقلاب الجماد إلى حيوان, ممكن عقلاً، هذه المادة تقودنا إلى موضوع الكيمياء، لأن المواد كلها مركبة مِن العناصر، والعناصر في الكيمياء عددها مئة وستة: هيدروجين، أوكسجين، النحاس، القصدير، اليورانيوم... الخ، وجزئيات العنصر تتألف من ذرات والذرة عبارة عن نواة حولها كهارب، وأول مدار في كهرب واحد والثاني 2 وهذا 8 مدارات على ما أذكر، فالفرق بين عنصر غازي وعنصر صلب كهروب واحد، فإن أراد ربنا عز وجل أعطى البحر أمراً أن يكون جماداً، فربنا عزّ وجل أجرى تعديلاً بسيطاً، وأضاف كهروباً حول النواة لانقلب البحر جماداً وليسَ على الله بكثير، كما قال لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام:
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

(سورة طه الآية: 69)

﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾

(سورة الأعراف الآية: 107)

﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴾

(سورة طه الآية: 20-21)

والأمر على الله عز وجل سهل جداً إنه تعديل يسير كن فيكون، فإن تكن العصا أفعى والأفعى عصاً، وأن ينقلب البحر طريقاً يبساً أمر ممكن جائز الوجود، لأن الله عز وجل على كل شيء قدير، فجائز الوجود يقبل العقلُ وجودَه، ويقبل عدم وجوده كاستنباط أخير، وهكذا كل موجود سوى الله تعالى فوجوده، وصفاته، وكذلك انعدامه، وانعدام صفاته أمر ممكن عقلاً، وليس شيء منه في حكم العقل بواجب ولا مستحيل، لكن ربنا عز وجل من أجل انتظام الحياة ثبت صفات الأشياء، وهذا التثبيت بمشيئته، وفي أية لحظة يسلب الشيء صفاته، لذلك قال علماء التوحيد: " الأشياء لا تفعل بذاتها إنما تفعل بمشيئة الله " فالدواء فعّال إذا شاء الله، وليس فعالاً إذا لم يشأ، فالشيء الظاهري أن الإنسان يأخذ دواء فيشفى، والثاني يستعمل الدواء نفسه فلا يشفى، إذاً ما القصة ؟ عندما أعطى الله هذا الدواء شفاء الداء والتسكين سمح لهذه الصفات أن تفعل فعلها وهنا لم يسمح لذلك, عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

(أخرجه مسلم في الصحيح وأحمد في المسند عن جابر)

الشفاء يحتاج إلى إذن من الله، أيّ الدواء لا يستطيع أن يشفي إلا إذا سمح الله له أن يشفي، والصفات الفعالة في الدواء لا تفعل فعلها إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى وهذا هو التوحيد، فالإنسان بالتوحيد ترتاح نفسه، فالأشياء والأشخاص كلهم بيد الله إلى أن يشاء الله، ماذا قال سيدنا إبراهيم ؟
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية: 80)

﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

(سورة هود الآية: 55-56)
هذا هو التوحيد.
ذكر الأمثلة على حكم العقل المستحيل الوجود:
الشيء الواحد من جهة واحدة، وفي مكان واحد، وفي زمان واحد، وفي صفة واحدة يستحيل في حكم العقل أن يكون موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه، مثلاً: عالم جاهل لا يمكن أن يكون، هذا مستحيل, يستحيل وجوده وعدم وجوده، فإذا اختلف الزمن فممكن، موجود اليوم، غائب البارحة، وإذا اختلف المكان فممكن وجوده في دمشق، غائب في حلب, وإذا اختلف الشخص: فلان موجود في الشام، وفلان في حلب موجود، فإذا اختلفت الجهة أو المكان أو الزمان أمكَنَ أن يجتمع النقيضان، فلان عالم في الطب وجاهل في الدين هذا ممكن، أما في الطب شخص واحد، وبوقت واحد، وبمكان واحد عالم وجاهل فهذا مستحيل، هذا مثال على المستحيل وجوده عقلاً، والجزء أصغر من الكل لأنه جزء، والعقل لا يقبل أن يكون الجزء أكبر من الكل، رجل راتبه 1000 ل. س صرف منه أجرة البيت 5000 ل. س دفعها من راتبه فهذا مستحيل وهذه أشياء بدهية ومستحيلة عقلاً، فالجزء لا يكون أكبر من الكُل ، الدجال له عين عمياء، أما أن تكون عمياء وبصيرة في وقت واحد فهذا شيء مستحيل، لكن قال: الأعور نصف أعمى، والأعور نصف بصير هذا صحيح, فهذه العين إما أنها عمياء أو مبصرة، أما عمياء مبصرة فهذا مستحيل عقلاً.
من القواعد الفلسفية في المستحيل أنه يستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد وزمان واحد لها تطبيقات مهمة جداً، مثلاً بالقضاء إذا كان المتهم أثبت للقاضي أنه في وقت وقوع الجريمة كان خارج القطر فيعطيه براءة، إذ مستحيل عقلاً أن يكون الإنسان في دمشق وفي باريس في وقت واحد, ويستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد، ويستحيل عقلاً ترجيح أحد المتساويين تساوياً تاماً على الآخر من غير مرجِّح، كأسان بالوزن والشكل واللون نفسه, تقول: إحداهما أحسن من الأخرى فهذا مستحيل عقلاً، وهناك شيء مستحيل وهو توقف وجود الشيء على وجود نفسه، والله لا أدخل الدار حتى آخذ منك ألف درهم ثم تقول: والله لا آخذ منك ألف درهم حتى أكون داخل الدار فهذا مستحيل، فهنا علّقنا دخول الدار على أخذ الدراهم، ثم علقنا أخذ الدراهم على كوننا داخل الدار فأصبحت القضية مستحيلة عقلاً, ومنه قولهم: صحيح لا تقسم، مقسوم لا تأكل، وكل حتى تشبع، فشيء مستحيل, وأيضاً:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
والعياذ بالله هذه عقيدة الجبر، خلقه شقياً، وقدر عليه أن يرتكب كل المعاصي، فارتكبها تنفيذاً لأمر الله، فلما ارتكبها حاسبه عليها، وأدخله النار خالداً مخلّداً، ومن كان يظن بالله ذلك فهو لا يعرف الله مطلقاً، ويقال لك: هذه المعصية لن تتركها إلا إذا شاء الله، والله عز وجل لم يشأ لك أن تتركها، فلماذا فعلتها ؟ هذا الشيء مستحيل عقلاً، لن تقلع عن المعصية إلا إذا شاء الله، والله عز وجل لم يشأ أن تقلع عنها، ثم تحاسب على فعلها ؟ فهذا مستحيل عقلاً ليسَ له ذنب.
ذكر الأمثلة على حكم العقل الواجب الوجود:
تحدثنا عن جائز الوجود، وعن مستحيل الوجود، وبقي علينا واجب الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى يعني وجوده واجب ووجوبه واحد، ينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا فالعقل لا يقبل هذا الكون من دون خالق، فوجوده واجب وليس مستحيلاً وليس ممكناً بل هو واجب الوجود، وأوضح مثل أنت تشاهد هذه المسجلة, لا توجد قوة في الأرض تقنعك أنها وحدها صارت مسجلة، هناك مهندسون، وخبرات طويلة، وهناك بحوث يومية، وتحسينات وإضافات حتى صارت على هذا الشكل، وكذلك السيارة لابد لها من مصنع، وكل شيء لابد له من خالق، وكل منظَّم لابد له من منظِّم.
كان هناك مقالم خشب قديماً، فلو جئت بقطعة حطب ووضعتها على الطاولة، كم سنة أو كم شهرًا أو كم قرنًا تنقلب هذه القطعة من الحطب إلى مقلمة ؟ الجواب: لو بقيت مليار مليار سنة فإنه يبقى الحطب حطباً إلى أن تأتي يد وتصنع المقلمة، إذاً كل صنعة لابد لها من صانع، وكل منظَّم لابُد له من منظِّم، وكل شيء لابُد له من خالق، اقترن النظام مع الحركة فلابد له من مسير، مثلاً سيارة واقفة فوراً تنتقل للمعمل، تصوّر أن المعمل مساحته 10000دونم، قسم للحديد، وقسم للتجميع، ومكان تجريب، وخبرات، ومكان بحوث، وخط السير، وأعداد كبيرة جداً لقطع السيارة ولكل نوع مستودع وله تركيب دقيق، هذه السيارة لابُد لها من صانع، فقسم للعجلات، و قسم للأجهزة الكهربائية، وقسم للمحرك، ومكان للإدارة، ولكنك إذا شاهدت سيارة تسير في الطريق بحكمة، وتقف أمام الإشارة الحمراء، ومرَّ طفلٌ أمامَها، وقد أطلق السائق البوق عند الانعطاف فالسرعة خفت, و وجدت حفرة حادت عنها وأنت تنظر إليها فماذا تحكم ؟ أن في هذه السيارة سائقاً لأن حركتها بنظام فيلزمه صانع، والحركة والنظام يلزمهما مسيّر، وإن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، الأرض تسير على خط دقيق جداً لا تحيد عنه قيد أنملة، فمن الذي يمسكها أن تزول ؟ إنه الله سبحانه وتعالى فهذه الأرض لو أنها خرجت عن مسارها من الذي يستطيع أن يعيدها إلى مسارها ؟ الله سبحانه وتعالى، وهو القائل:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

(سورة فاطر الآية: 41)

فمن يستطيع أن يمسكها مِن بعده ؟ لا أحد، فينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا، وقد قدم الدليل الفعلي على أن وجود الخالق العظيم واجب وأنه يستحيل عدمه، لأن العقل لا يجيز بحال أن يكون العدم هو أصل الوجود، أي لا شيء من لا شيء، وكل شيء من كل شيء، إذ لو كان الأصل العدم لاستحال أن يتحول العدم إلى وجود بما فيه من ذوات، وصفات، وقوى وهذا كله له تفصيلات كثيرة جداً نأخذها في مكانها عند الحديث عن أسماء الله الحسنى وعن أول أسمائه وهو أنه موجود.

الأحكام العادية:
الفرق بين حكم العادة وحكم العقل:

الأحكام العادية: أنت من خلال حياتك اليومية أَلِفْتَ أن النار تحرق، فإذا حكمتَ عن النار بأنها تحرق فهذا حكم عادي وليس حكماً عقلياً بل هو مستنبط من التجربة، فأحكام البشر كهذا الميت لن يعود، وهذه النار لابد أن تحرق هذا حكم عادي، وهذه الأحكام العادية مستنبطة من التجربة، لكن الأحكام العقلية مستنبطة من بنية العقل, وفي الأمور العادية نحكم على الشيء بحسب العادة لا بحسب المنطق، فهناك أشياء مستحيلة في حكم العادة لا في حكم العقل، مستحيل أن يعود الميت حياً، لكن لو أن النبي بإذن الله لمسَ الميت فعاد ينطق فهذا ممكن في حكم العقل، مستحيل في حكم العادة، وهناك واجب في حكم العادة وهو ضد المستحيل، حينما تميل هذه الكأس ينصب الماء على الطاولة هذا واجب بحكم العادة لكن ممكن ألاّ ينصب عقلاً، فموضوع العادة كل حياتنا اليومية أحكامها مأخوذة من العادة, فممكن وغير ممكن, وواجب، ومستحيل هذه بحكم العادة، ولكنك إذا تلوت كتاب الله وقرأت قوله تعالى:

﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة آل عمران الآية: 49)

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 69)
وقول سيدنا عمر:
((يا سارية، الجَبلَ الجبلَ))

( قول مأثور )

هذه ممكنة عقلاً ولكنها بحكم العادة المألوفة مستحيلة ؟.

الغاية من الدرس الوصول إلى هذه الأسئلة:

1- ماهو الهدف من خلق الإنسان ؟

السؤال الأول: لماذا خلقني الله عز وجل ؟ هذا أكبر سؤال، فعندما تذهب إلى مجلس علم ثمَّةَ تعلم لماذا أنت مخلوق ؟ أناس يقولون: إن الله خلقنا للعذاب، لماذا أنت موجود ؟ هل هناك إنسان يعمل عملاً تافهاً دون هدف أو غرض، أنا عندما أزيح الكأس فلي هدف، وعندما أقلب الصفحة فلي هدف، ومهما بدا العمل تافهاً فلابد من هدف كبير، وهذا الخالق العظيم هل خلَقَنا بلا هدف ؟.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

(سورة المؤمنون الآية: 115)
هذا جواب السؤال الأول.
2- ما أثمن شيء في هذه الحياة ؟
السؤال الثاني: ما أهم شيء على وجه الأرض ؟ قال الله تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

(سورة الليل الآية: 1-4)

فلو فرضنا شارعاً مزدحماً في الصباح الساعة الثامنة والنصف، وجعلت حاجزاً فيه، وسألت ألف شخص: أنت إلى أين ذاهبٌ ؟ فيقول: لأشتري، والآخر يقول: إلى العمل، والآخر: لشراء الخضر، والآخر: إلى الطبيب، فما هو أثمن اتجاه في الحياة، المال أم البيوت، أم السياحة، أم المورد الضخم، أم تتزوج زوجة جميلة ؟ فما الهدف ؟ وما أثمن اتجاه في الحياة ؟.

3- ماذا بعد الموت ؟

السؤال الثالث: ماذا بعد الموت ؟ فكل يوم أربعون حالة وفاة، وعشرات من النعي، فهذا الميت إلى أين يذهب ؟ بعض الدول الخليجية عندها عبارة على الجواز تُثير الفزع بالنفس وهي تأشيرة الخروج بلا عودة، وكذلك الإنسان عندما يموت يعطى تأشيرة خروج بلا عودة، فيترك البيت، والسيارة, وغرفته الخاصة، وأمواله، وأعماله فأين هو الآن ؟ إنه تحت التراب.

إذا توصلت إلى معرفة هذه الأسئلة سلكت سبيل السعادة في الدنيا والآخرة:
لماذا نحن هنا على الأرض ؟ وهل خُلِقنا عبثاً ؟ لا, ولا سدى ولا لعباً، فإذا عرفت الهدف الكبير الذي خلقك الله من أجله فأنت أسعد الناس، وإذا عرفت ما هو أثمن شيء في الأرض.

﴿قـُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

( سورة الكهف الآية: 103-104)

يحسب نفسه أنه أخذ الأرض، والآن ثمنها ثلاثة وعشرون مليوناً وضحكته كبيرة ويحسب نفسه ذكياً، لا, ليسَ لكَ إلا ما أكلت, فالجاهل يعتبر نفسه ذكياً عندما يغش أحداً أو يربح ربحاً معيناً، و مهما بلغ من الحجم فهل يعني ذلك أنه قدم غرضاً جلياً ؟ فعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُولُ:
((ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))

(رواه مسلم في صحيحه عن مطرف عن أبيه)

فبعض الناس يعملون من الفجر إلى آخر الليل، يذهب وأولاده نيام، ويعود وأولاده نيام، ويقول لك: العمل عبادة يُضفي عليه طابع العبادة
" وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً "

( ورد في الأثر )

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

(سورة العصر الآية: 1-3 )

ثلاثة أسئلة: لماذا أنت هنا ؟ وماذا يجب أن تفعل هنا ؟ وماذا بعد هنا ؟ إذا تمكنت أن تعرف هذه الأسئلة سعدتَ في الدنيا والآخرة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 03:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : لماذا خلق الله الإنسان ؟ وما هي مهمته الرئيسية ؟



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
أسئلة تدور في فلك الإنسان:
1- لماذا خلقنا الله عز وجل ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/01.jpg
وصلنا في موضوع العقائد إلى أن هناك أسئلة ثلاثة لو تمكن الإنسان من الإجابة عنها إجابة صحيحة لحل لنا كل مشاكله ولسعد في الدنيا والآخرة.
السؤال الأول: لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ هذا أكبر سؤال لأنه ما من إنسان عاقل على وجه الأرض يعمل عملاً من دون هدف، فما هو الهدف الكبير الذي خلقنا الله من أجله؟ إذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل أن تدرس، وإذا عرفت الهدف من إرساله إليك والتفت إلى الدراسة حققت الهدف من هذه البعثة فرضيت وأرضيت, وإذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل الدراسة فظننت أنه أرسلك من أجل اللهو فقد شقيت وأشقيت، ومعرفة الهدف الكبير من خلق الإنسان شيء مهم جداً، لأن الناس يسعون في متاهات ويمشون في طرق مسدودة، فما الطرق المسدودة ؟ أي طريق ينتهي بالموت، طريق المال و الشهرة والعلو في الأرض وطريق الشهوات كلها تنتهي بالموت، وهذه الطرق كلها مسدودة: " عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ".
2- ما هو الهدف من الخلق ؟
السؤال الثاني: قد خلقنا على وجه هذه الأرض فما أثمن شيء فيها ؟ هذا السؤال له علاقة بالسؤال الأول، إذا عرفت الهدف الذي خلقت من أجله تعرف ما أثمن شيء على وجه الأرض أي سؤالين لسؤال واحد، وإذا عرفت لأي شيء خلقت، وما أثمن شيء تفعله في الدنيا لاشك أنك تعرف إلى أين المصير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/02.jpg
الله سبحانه وتعالى الذات الكاملة، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: " كان الله ولم يكن معه شيء " هذه كان تامة وليست ناقصة فهي لا تعني بأنه كان في الماضي بل إنه وُجِدَ ولا يزال، " اتق الله حيثما كنت " بمعنى حيثما وجدت كان الله ولم يكن معه شيء، والكون كله حادث, وبمشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضى خلق الكون, فلماذا خلق الله هذا الكون ؟ لو تأملت في ملكوت السموات والأرض لعرفت لهذا الكون إلهاً عظيماً
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/03.jpg الكون بمجراته دليل على عظمة الخالق

فالكون ينبئك أن وراء خلقه هدفاً عظيماً، و أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، ولا يرى بالحواس ولكن كل هذا الكون مجراته التي يقدرها العلماء الآن بمليون مليون وكل مجرة يقدر العلماء أن فيها مليون مليون نجم على حد تقريبي, وأن من النجوم ما يزيد عن حجم شمسنا بملايين المرات، وأن نجم قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، وأن مجرتنا التي نحن فيها يزيد طولها عن 150 ألف سنة ضوئية، وأن بيننا وبين القمر ثانية ضوئية واحدة، هذا الكون يجسّد قدرة الله، وعلمه، وخبرته وغناه عز وجل، هذا الكون دليل على وجود خالق عظيم له أسماء حسنى فما يليق بجلال الله أن يتركنا من دون هدف من وجودنا, فما هو الهدف ؟ الهدف هو العبادة أن تعرفه فتطيعه, فتسعد بقربه, العبادة هي الهدف من خلق الكون أو من خلق الإنسان والجن قال الله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة هود الآية: 119)
فالإنسان مخلوق للسعادة، إذا عرفت أنك خلقت من أجل أن يسعدك الله عز وجل، شعرت بالراحة، والروح، والتفاؤل، و بأنك مكرم، وأن الله عز وجل تفضل عليك بإيجادك.
ما الحكمة من وجود المصائب في الأرض ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/04.jpg
قد يقول قائل: الناس كلهم معذبون، فهناك مجاعات، وزلازل، وفيضانات و شح، وقهر و حروب، و براكين، وصواعق، فما بال الناس أشقياء ؟ أي على مستوى المادة الفقراء والمعذبون هم الأكثرون، الجواب أن السيارة لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير, فما بال الشركة الصانعة قد زودتها بالمكابح أليست هذه تتناقض مع حركتها ؟ إن استعمال المكابح ضروري لسلامتها، صنعت لتسير والمكبح يوقفها ولكنه يوقفها في الوقت المناسب من أجل أن لا تدمر صاحبها، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا من أجل هذه السعادة بالذات خلق الله عز وجل المصائب، لمهمة ثانية تاه الإنسان عنها وضلَّ و تلهى بالدنيا فتأتي المصائب لتذكره بالمهمة الكبرى التي خلق من أجلها، إذاً هذا ملخص كل مصيبة تقع على وجه الأرض:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(سورة التوبة الآية: 38-39 )
إما أن تنفروا وإما أن تعذبوا، وأنت إما أن تحقق الهدف الذي خُلقت من أجله وإما أن يضّيق الله عليك حباً بك، يجب أن نتيقن يقيناً قطعياً لاشك فيه أن نعمة الإيجاد نعمة كبرى، لأنه أوجدك كي يسعدك.
العبث في الكون لايتناسب مع جلال الله وقوته:
فما قولك في هدف يليق بجلال الله عز وجل هل خلقنا ليعذبنا ؟ أمحتاج هو أن يعذبنا ؟ إذا عذبنا ماذا يستفيد ؟
"عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ "
( ورد في الأثر )
وهل يليق به أن يخلقنا عبثاً بلا هدف ؟ أيفعلها إنسان عاقل ؟ هل يليق به أن يخلق سموات وأرضين، ومجرات وكواكب، وشمساً، وقمراً، ونجوماً، وليلاً ونهاراً، ثم تكون حياتنا قصيرة لا تزيد عن ستين سنة نصفها في الإعداد لها إلى أن يستطيع الإنسان الزواج والسكنى في بيت مستقل وتأمين حاجاته في الثلاثينات أو في الأربعينات، الآن أصبح في الخامسة والخمسين فحصل له أزمة قلبية، أيعقل أن يكون كل هذا الكون لأجل سنوات معدودة أيقبله عاقل ؟ لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ لابد من هدف يتناسب مع كماله، ولابد من هدف يتناسب مع جلاله، ولابد من هدف يتناسب مع قوته هو القوي، ولذلك فربنا عز وجل أجاب عن هذا السؤال في آيتين واضحتين وفي آيات كثيرة.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
)سورة المؤمنون الآية: 115(

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/05.jpg أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا

تعالى الله أن يخلق الناس عبثاً من دون هدف، أي دولة تبني بناء يكلفها ثلاثة عشر ملياراً ويستغرق البناء عشرين سنة وبالأخير تأتي الأجهزة الحديثة فتهدمه وتخربه بلا سبب لماذا بنيتم هذا البناء ؟ لا لشيء، أتفعلها دولة على وجه الأرض ؟ " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ".
نفى الله أيضاً ما يتوهمه بعض الناس من أن الله عز وجل خلق الكون وهو يلعب:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 16)
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾
( سورة ص الآية: 26)
هذا ظن الكفار وحدهم، أيعقل أن يخلق الإنسان ولا يسأل عن أعماله ؟ فالضعيف ضعيف، والقوي قوي، والغني غني، والصحيح صحيح، والمريض مريض وهكذا، هذا عمّر خمساً وثمانين سنة، وثانٍ عاش ثماني عشرة سنة، وثالث بقي ثلاثين سنة، وآخر مات بحادث ولم يتزوج, ولم يسكن في بيت, ولم يهنأ بحياته ولم ير شيئاً، فلماذا هذا يولد ابن غني وكل شيء متوفر لديه ؟ وهذا لا يحصل قوت يومه ؟ قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
(سورة القيامة الآية: 36)
ربنا عز وجل نفى أن يخلق السموات والأرض إلا بالحق، وأن يخلقها عبثاً، وأن يكون بخلقها لاعباً، وأن يخلقها سدىً، و أن يهمل الإنسان، هذا كله نفاه الله عز وجل وأثبت قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(سورة الداريات الآية: 56)
عرض الأمانة على الإنسان منذ الأزل:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/06.jpg خلق ربنا الخلائق كلها دفعة واحدة

ربنا عز وجل خلق الخلائق كلها دفعة واحدة، ما من شيء تقع عليه عينك إلا وقد خلقه الله عز وجل مع غيره في وقت واحد سماه العلماء عالم الأزل، والله سبحانه وتعالى في هذا العالم عرض عليهم عطاءً غير محدود ولكن هذا العطاء غير المحدود الذي لا نهاية له والأبدي السرمدي الذي لا يوصف له ثمن، يعني إما أن تقبل منصباً ليس له دخل محدود يعطى هذا المنصب صاحبه كالقضاة في بريطانيا شيكاً مفتوحاً أي رقم تكتبه تقبضه مهما كبر هذا الرقم تأخذه، ولكن هذا المنصب الرفيع يحتاج إلى دراسة طويلة، وإما أن ترضَى بقوت يومك من دون أن تكون مسؤولاً أو مكرماً، فربنا عز وجل عرض على الخلائق كلها عرضاً مغرياً:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72)
لقد جرى العرض على الخلائق، خَيَّرَها الله عز وجل بين أن تكون مخلوقات تسعد بالله سعادة محدودة، لماذا هي محدودة ؟ مثل آخر: لو فرضنا أن أحدهم أبوه غني و هذا الأب يمكنه أن يطعم ابنه أطيب الأكل ويزوجه أجمل امرأة، وسيارة خاصة وينتهي هنا عطاء الأب، لكن متعة العلم هذه تعطى أم تؤخذ ؟ هذه تؤخذ، فربنا عز وجل يعطي عطاءً يتناسب مع طاقة احتمال هذا المعطى.
أردت من هذا الكلام أن أوضح لكم أن الله سبحانه وتعالى عرض على الخلائق في علم الأزل عرضاً مغرياً جداً، عرض أن يسعدوا سعادة أبدية سرمدية ليس له حدود مقابل أن يأتوا إلى الدنيا، وفي الدنيا يجب أن يبذلوا من أجل أن يعطيهم عطاءً غير محدود، لابد من أن يأتي هذا المخلوق إلى مكان وهذا المخلوق مزوّد بشهوات يزوده الله بشهوة المال و العلو و الجنس، ويأمره أن ينفذ منها ما يتوافق مع شرع الله عز وجل:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل الآية: 5-7)
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
( سورة النازعات الآية: 40-41)
من مستلزمات الأمانة:
1- تزويد الإنسان بالعقل والشهوة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/07.jpg
من مستلزمات الأمانة أن يكون هذا المخلوق مزوّداً بشهوات، وأن يكون هناك كون يجسد أسماء الله الحسنى، وأن يكون هناك فكر يستطيع أن يستدل على الله عز وجل من خلال الكون، و أن يكون الإنسان حراً في اختيار ما يريد، فحرية الاختيار مع الفكر، والكون و الشهوات, أربع عوامل تجعل من هذا الإنسان أكرم مخلوق على وجه الأرض، فكر موجود وشهوات قال الله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14)
2- لن تقبل على الله إلا إذا آثرت رضاه على شهوتك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/08.jpg
ما الذي يحدث ؟ الله عز وجل تسعد به إذا أقبلت عليه، ولن تستطيع أن تقبل عليه إلا إذا كان لك ثقة أنه راضٍ عنك، وكيف يرضَى عنك ؟ إذا آثرت جانبه في كل شيء، أعطاك شهوة النساء فغضت بصرك عن امرأة لا تحل لك وارتقيت إلى الله عزّ وجل، وإذا تزوجت امرأة وفق ما شرع لك ارتقيت إلى الله عز وجل، وزودك بحب المال فإذا كسبته بطريق مشروع ارتقيت إلى الله عز وجل، وإذا تركت المال الحرام ارتقيت إلى الله عز وجل، فلولا هذه الشهوات لن تستطيع أن تقبل على الله أبداً بترك ما حرّم الله عليك وأخذ ما أحل لك بالترك والأخذ ترقى.
أنت في دنيا هدفها الأكبر والأول أن تعمل أعمالاً تستطيع أن تقبل بها على الله إلى الأبد في الجنة، أي إذا آثرت جنب الله عزَّ وجل كان لك عمل تلقى الله به، وإذا استقمت في بيعك وشرائك، ونصحت المسلمين، وكنت محسناً، وآثرت ما يبقى على ما يفنى، هذا العمل الذي تفعله باختيارك وبمحض إرادتك من دون إجبار أو إغراء أو إكراه، هذا العمل الصالح يؤهلك أن تُقبل على الله في الجنة إلى الأبد، إن الله عز وجل غني عنّا ولكن بعثنا إلى الدنيا وأعطانا المال وقال: هل تستطيع أن تنفق المال من أجلي؟ وسأزودك بشهوات هل تستطيع أن تغض بصرك من أجلي ؟ وهل تختار هذه المرأة الصالحة ذات الجمال المتوسط على امرأة جميلة جداً ولكنها فاسقة أيهما تختار ؟ وهل تختار هذا الدخل المشروع على دخل كبير من طريق غير مشروع ؟
كيف تسعد وتقبل عليه ؟
أريد أن أوضح لكم سر الحياة، الله جاء بك إلى الدنيا وزودك بالشهوات وقال: أقرضني من مالك، وساعد أخاك، واضبط شهواتك من أجلي، وابذل في سبيلي، إذا فعلت واستقمت وكنت ورعاً تشعر أنه راضٍ عنك، بهذا الشعور تقبل عليه، فإذا أقبلت عليه سعدت إلى الأبد في قربه، هذا هو الهدف من مجيئك إلى الدنيا، فكيف تسعد به ؟ بإقبالك عليه:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف الآية: 110)
إن الله سبحانه خلقنا ليسعدنا، وجاء بنا إلى الدنيا كي نتأهل لهذه السعادة، إذاً ما الأهلية فيها ؟ أن تبذل مما أعطاك الله، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/09.jpg

" اللهم إنّا نسألك موجبات رحمتك "
( ورد في الأثر )
فنحن في حياتنا فرصة لسعادة أبدية هذه الفرصة نملكها ويكفي أن نغض بصرنا، و أن ننفق من مالنا، وأن يمضي وقتنا في طاعة الله، فهذه الجلسة تعرض عليكم يوم القيامة شريطاً مسجلاً.
وأنت في هذا اليوم أصدقاؤك ذهبوا إلى دور السينما للهو وأمضوا وقتهم في اللعب بالنرد, وفي المزاح الرخيص وفي الحديث عن النساء وأنت حضرت إلى المسجد كي تعرف الله عز وجل هذا الذي يرقى بك، أنت في الدنيا من أجل البذل:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
( سورة العصر الآية: 1-3)
زواجك لله، وإنجاب الأولاد و عملك وخدمتك و نومك وأن تجلس مع أولادك وأن تؤنس زوجتك كله لله، أنت جئت للدنيا من أجل أن تفعل شيئاً يرضى الله به عنك، و من أجل أن تقبل عليه في الدار الآخرة بعمل صالح يصلح للعرض عليه.
كيف تتعرف على الله ؟
كيف تعرفه ؟ بالتفكر بالكون فإذا فكرت بنفسك، وبجسمك، كيف كنت من ماء مهين ؟ وكيف أصبحت إنساناً سوياً وفكرت بطعامك، وشرابك، وثيابك، وزوجتك، وأولادك، وفكرت بالجبل والشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والأمطار، والرياح، والشجر والثلوج، والوديان، والسهول، والصحاري، والبحار، والأسماك، والأطيار، فلابد من أن تعرف الله عز وجل، إذا عرفته عرفت عظمته، وإذا عرفت عظمته تولد في نفسك خشية منه وهذه الخشية تحملك على أن تستقيم على أمره، فإذا استقمت على أمره وأقبلت عليه سعدت بهذا القرب وعملت الصالحات لمزيد من هذا القرب.
خلقك ليسعدك سعادة أبدية سرمدية لا متناهية, لكن هذه السعادة لها ثمن إذ جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تستعد لها، وذلك بأن تفكر في الآيات الكونية من أجل أن تعرفه، وأن تستقيم على أمره، وأن تعمل الصالحات تقرباً له وأن تقبل عليه هذا هو التأهيل، لذلك إذا خلت حياتنا من علم وعمل ودعوة وصبر فلا جدوى منها " والعصر إن الإنسان لفي خسر ".
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾
( سورة التكاثر الآية: 1-2)
ألهاكم التكاثر انحرف بكم عن هدفكم.

﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
( سورة التكاثر الآية: 3)
إنكم خلقتم لغير جمع المال:

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾
( سورة التكاثر الآية: 3- 6)
ينبغي على الإنسان أن لا ينسى الهدف الذي خلق من أجله:
ملك اليابان أرسل سبعة طلاب في بداية النهضة اليابانية إلى أوروبا وأمريكا للدراسة، هؤلاء كانوا في بلد متخلف, " اليابان كان متخلفاً " فلما وجدوا في بلاد ومدن كبرى فيها مفاتن وأشياء جميلة وأشياء رخيصة فانغمسوا في الملذات الرخيصة وقصّروا في تحصيل العلم ولم ينجحوا, وعادوا إلى اليابان فأعدمهم الملك لأنه أرسلهم لمهمة محددة فنسوها وانغمسوا في شيء آخر وحينما عادوا أعدمهم، والإنسان أرسل إلى الدنيا لمهمة محددة فإذا عرفها ونفذها وكان في مستواها سعد في الدنيا والآخرة، وإذا تغافل عنها أو جهلها أو عمل عملاً يتناقض معها حينما يموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 27-29)
هذا الكلام خطير, يضعك أمام مسؤولياتك ويقول لك إنك مخلوق في هذه الدنيا من أجل أن تهيئ نفسك لسعادة أبدية فإن لم تفعل فلك الشقاء الأبدي، لقد خُلِقتَ للسعادة وجئت إلى الدنيا من أجل أن تؤهل نفسك من أجل سعادة الأبد في جنة عرضها السموات والأرض.
أنت ممن قبلت حمل الأمانة, وقلت: أنا لها يا رب، جاء بك إلى الدنيا من أجل هدف واحد، أن تؤهل نفسك لهذه السعادة الأبدية، فواحد منا يتلهى بالمال والآخر بمشكلات الحياة، وهذا الآخر لتحقيق أهداف أرضية محدودة، وهذا تلهى بالسخف، وهذا يقضي حياته بالخصومات وبأشياء لا قيمة لها قال الله تعالى:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
( سورة الليل الآية: 1-4)
يوجد سعي واحد صحيح أن يكون سعيكم لمعرفة الله عز وجل " أصل الدين معرفته "، أنت في الدنيا من أجل مهمة خطيرة جداً فالمؤمن صار كله متعلقاً بهذه المهمة، زواجه فهو يحب أن يتزوج امرأة صالحة لأنه مخلوق للاستقامة والعمل الصالح، فإذا اختار امرأة سيئة فاسقة لا تُرضي الله يكون الزواج مِعولاً لهدّمَ سعادته الروحية، فأي عمل يمتص وقتك كله ترفضه, لأن لكل إنسان مهمة كبيرة جداً.
نموذج من الصحابة صدقوا في طلب الحقيقة فتوصلوا لها فانظر إلى مآلهم ؟
في خطبة الجمعة ذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام تفقد أصحابه بعد أن انتهت معركة أحد فقال: ما فعل سعد ابن الربيع ؟ فلم يجبه أحد فقال لأصحابه: ابحثوا عنه أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فأحد الأصحاب الكرام وكان أنصارياً توجه نحو ساحة المعركة ليتفقده بين القتلى إذ هو يراه وفيه رمق أخير فقال له: يا سعد, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أبحث عنك أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ تصوّر رجلاً يموت بجرح بليغ ينزف دماً وسيفارق الدنيا فيقول الجريح المحتضر سعد أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أني في الأموات وأقرئه السلام وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته وأقرئ قومي السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إذا أُخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف, ولم يزل هذا الصحابي الذي ندبه النبي واقفاً حتى فارق سور الحياة وعاد إلى النبي فأخبره بالخبر فبكى حتى اخضلّت لحيته بالدموع.
هذا إنسان جريح وعلى وشك الموت وهو شاب ما هذه السعادة التي غمرت قلبه ؟ لأنه حقق الهدف الذي من أجله خُلِق، آمن بالنبي وأطاع الله عز وجل، وبذل أثمن ما يملك وهي نفسه، فإذا كان أحدنا يعرف مهمته ويكون بمستواها والله الذي لا إله إلا هو لا يحزنه شيء, قرأت عن الصدّيق كلمة لا زالت ترن في أذني وصفه الواصفون وقالوا: " ما ندم عن شيء فاته من الدنيا قط " فالمؤمن حينما يعرف مهمته في الدنيا وهو في مستواها وهو في طريقها يسعد سعادة الدنيا كلها لا ترضيه إذا أقبلت ولا تسخطه إذا أدبرت.
الموت بداية لحياة جديدة:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ " كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى "
( ورد في الأثر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/10.jpg
تصور إنساناً بلغ الأوج في المال في ثانية واحدة يصبح من أهل الآخرة، وكان يقول البناء الضخم كله لي فإذا كان قلبك يدق فهو لك وإن توقف فهو ليس لك، إذا لم يعرف أحدنا مهمته في الدنيا فالقضية خطيرة جداً، وطريق المال مسدود ينتهي بالموت فهو أقرب إلى أحدنا من ظله وكذلك طريق العلو في الأرض
" من عد غداً من أجله فقط أساء صحبة الموت "
( ورد في الأثر )
والموت ليس نهاية وهنا الخطورة فإنه البداية، الموت بداية الحياة الأبدية يصيح الميت صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
( سورة الفجر الآية: 24)
إذاً إن الله خلقك ليسعدك أعلى سعادة:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
( سورة الإسراء الآية: 70)
المؤمن الذي عرف الله لا يضيع آخرته بدنياه:
أيها الأخوة, إذا عرض عليك عمل في الشهر مئة ألف ليرة سورية شرط الدوام 18 ساعة وليس لك إلا 6 ساعات نوم من 10- 4 صباحاً، وعمل ثانِ دخله 1500 ليرة سورية لكن الدوام 8 ساعات هل تستطيع أن تحضر مجلس علم ؟ أو هل تصلي الصبح حاضراً، أو تقرأ القرآن، أو تفكر، أو تدعو إلى الله ؟ جميع الناس يقولون لك أن ترضى بهذا العمل الذي دخله 100000 ألف ليرة, أما المؤمنون فيقولون خذ الدخل الصغير ذا العمل القليل 1500ليرة لأنك خلقت لهدف كبير غير هذا الهدف، في الحقيقة هذا الدخل الكبير هو خسارة لأن الإنسان يأتي يوم القيامة مفلساً أما الحياة بعد الموت بالنسبة للمؤمنين فقد قال صلى الله عليه وسلم حديثاً قدسياً:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر "
( ورد في الأثر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/11.jpg
إن المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الطفل من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾
( سورة يس الآية: 26-27)
يقول بعض الناس إن هذا المسكين مات وبالواقع المسكين من يقال عنه مسكين وهو ضال فإن كان هذا الميت مؤمناً فقد حقق الهدف، والنبي الكريم شاهد جنازه فقال:
" عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ فَقَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ "
فعندما يتوضح الهدف والمهمة للإنسان في الأرض فعندئذ قد لا ينام الليل:
عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: " لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ " فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ فُلانٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ " لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ "
( ورد في الأثر )
إذا دخل أحد الطلاب على الامتحان وحاول أن يضحك فإنه لا يستطيع أن يضحك إذا كانت هذه المادة صعبة، والتخرّج متوقف عليها، وليس هو متأكداً من تحضيره ومقدرته، وإن كان الإنسان يتحاكم فإنه لا يضحك لأن الموقف له هيبة وهول، قال صلى الله عليه وسلم:
عنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُن إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ "
( ورد في الأثر )
خلاصة الدرس:
إذاً السؤال الأول خلقنا لنسعد، والثاني نحن الآن في مهمة فإذا كنا معذبين فمعنى ذلك أننا قد بعدُنا عن الهدف الذي خلقنا الله من أجله, هذا هو التفكير الدقيق والبسيط والواضح، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فإذا كنت مسروراً فإنك على الطريق الصحيح، وإن كنت غير مسرور فمعنى ذلك أنك ابتعدت عن الهدف، فربنا عز وجل برحمته وحرصه سخّرَ لك شيئاً يجذب نظرك فالمصائب كلها هدفها أن تعود إلى جادة الصواب، هذا هو الضلال وهذا هو الهدى، وإذا عرفت لماذا خُلقت وما أثمن ما في الدنيا هان عليك كل شيء عندئذ تقول كما قالت رابعة متمثلة بقول أبي فراس الحمداني:
فليتك تحلو والحياة مريـرة وليتك ترضى والأنام غضــاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـــراب
إذا صح منك الود فالكـــل هين وكل الذي فوق التراب تراب
الصحابة عرفوا رحلتهم في الدنيا وحذروا من أي منزلق تحجبهم عن ربهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/236/12.jpg
صحابي جليل رأى باباً مفتوحاً وهو ماشٍ بالطريق فحالت منه نظرة للداخل فإذا امرأة في البيت، كبر عليه ذنبه وعظمت عليه هذه المخالفة وخاف من أن يلقى النبي وينزل الله فيه وحياً فهام على وجهه في الجبال، تفقده النبي صلى الله عليه وسلم حتى ندب أناساً يبحثون عنه وندب سيدنا علياً لهذه المهمة، فالتقى به في أحد شعاب مكة وهو يبكي فخفف عنه وجاء به إلى النبي، فقال الصحابي بشرط أن تأخذني إليه عقب صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يكون مسروراً جداً بعد الصلاة فجاء به عقب الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قصتك ؟ قال له: ذنبي عظيم، فقال صلى الله عليه وسلم أأكبر من الجبال ؟ أم أكبر من الأرض، أم أكبر من السماء ؟ فقال له: أكبر من الجميع، فقال له صلى الله عليه وسلم أأكبر من عفو الله ؟ فقال: لا إن عفو الله أكبر, وبهذه القصة نأخذ موعظة أنه كم كان الذنب يكبر عند الصحابة ؟ إن من علامات المنافق أن الذنب عنده كالذبابة فيقول: ماذا فعلنا ؟ هل خربت الدنيا ؟ وهكذا المنافق ذنبه سهل عليه جداً، أما المؤمن فيعظم الذنب عنده مهما صغر، حتى قال له أأكبر من عفو الله ؟ قال لا.
العبرة من القصة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا المهمة ورأوا أن أي ذنب أو مخالفة أو معصية تعيق هذه المهمة تحجبهم عن مهمتهم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-15-2018, 03:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( العاشر )



الموضوع : عقيدة سليمة عكسها عقيدة خاطئة





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مصطلحات القرآن الكريم:
1- الإسلام:
اليوم ننتقل إلى بعض المصطلحات التي يكثر ورودها في القرآن الكريم،لأن معرفة حدود المصطلحات جزء من العقيدة،فما تعريف الإسلام ؟ وما الإيمان ؟ وما التقوى ؟ وما الإحسان ؟ والفقه ؟ والفجور ؟ والنفاق ؟ والكفر ؟ والعمى " عمى القلب " ؟ والإساءة ؟ والذنب ؟ والخطيئة ؟ والمعصية ؟ والسيئة ؟ وما غفران الذنب ؟ وما تكفير السيئة ؟ وما تصحيح الخطيئة ؟ هذه المصطلحات لابد أن يعرفها المسلم بشكل واضح.
الإسلام: هناك انتماء صوريٌّ إلى الإسلام وهناك انتماء حقيقي،كل المسلمين في شتى بقاع الأرض يقولون عن أنفسهم: إنهم مسلمون وهذا انتماء صوري،كمن يرتدي ثوباً أبيض ويضع على عينه نظارة،ويضع على أذنيه سمّاعة وهو لا يقرأ ولا يكتب،فهل هذا طبيب أم هذا انتماء صوري إلى الطب ؟ الطبيب رجل أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في دراسة الطب.
وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
فبين أن تدّعي أنك مسلم شيء،وبين أن تكون مسلماً حقيقة شيء آخر.
أيها الأخوة, المسلم بحسب ما ورد في القرآن ينقاد إلى أوامر الله بالتمام والكمال جملةً وتفصيلاً،ومعنى أنه مسلم أي استسلم لهذا الأمر وانقاد له،فهذا المسلم كيف يستسلم ؟ إذ لابد أن يسبق الاستسلام قناعة فكرية،وقد تحدثنا عنها في الأسابيع الماضية،الفكرة انتقلت من الأذن إلى الدماغ،فأخذت مكانها في البحث العلمي،وصنفت مع اليقينيات أو مع غلبة الظن،ثم انقلبت إلى إرادة،والإرادة إلى السلوك،هذا هو الإسلام،والإسلام انقياد تام لأوامر الله،وهذا الانقياد التام لابد أن تسبقه قناعة،مثلاً لمّا يبلغ الطبيب المريض بأن سكنى الطابق الرابع يضرُّ صحته،وبما أن كلام الطبيب مقنع و المريض يخشى على نفسه تفاقم المرض،مع أنه بيت جميل أمضى في كسوته سنوات طويلة،تراه في اليوم التالي يعرضه للبيع،ليشتري طابقاً أرضياً يتوافق مع صحته،إذَا حصلت القناعة انقلبت إلى سلوك،وما لم يكن الإنسان منقاداً لأوامر الله فأغلب الظن أنه لن يقتنع بها،فهذا الذي يأكل المال الحرام لم يقتنع أن الله عز وجل لابد أن يقصِمه،وأن يفجعه بماله،وأن يذهب المال وصاحبه،لم تصل هذه الفكرة إلى مركز اليقين.
الإسلام انقياد كامل و شامل لأوامر الدين جملةً وتفصيلاً،ظاهراً وباطناً،في الرخاء و الشدة،وفي الصحة والمرض،وفي القوة والضعف،وقبل الزواج وبعده،وقبل الاستقرار وبعده،و قبل أن يكون في هذا العمل وبعد أن يكون هذا هو الإسلام،إنه انقياد لأوامر الدين،إذ يسبق الإسلام قناعة فكرية صحيحة وعقيدة صحيحة،وماذا بعد الإسلام ؟. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
( سورة الحجرات الآية: 14)
2- الإيمان:
فبَعْد الإسلام الإيمان،والإسلام سلوك أما الإيمان فوجهة إلى الله عزّ وجل،ومَن استسلم لأوامر الله وانقاد إلى تشريعه لابد أن يحصل له اتصال بالله عز وجل،وهذا الاتصال هو الإيمان،يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً يعني أمسى متصلاً ووقع في شهوة فانقطع عن الله عز وجل فصار كافراً،الإسلام انقياد وأما الإيمان فوجهة.
3- الفسق:
يقابل الإسلام الفسق،أيّ الخروج عن أوامر الشرع أو الانحراف عما أمر الله وانتهاك لِما نهى الله عنه،وبالمناسبة أردد هذه الفكرة كثيراً: بين أن تظن أن أوامر الله ضمانات لسلامتك وبين أن تظنها حداً لحريتك،وشتان بين الفكرتين وما أبعد الثرى عن الثريا،فإن رأيت على عمود الكهرباء لوحة كتب عليها: (خطر الموت) فهذه اللوحة تعني ضمان سلامتك،وإن رأيتها حداً لحريتك فهذا هو الضلال المبين إنها ضمان لسلامتك،وكذلك فأوامر الشرع ضمان لسلامتك.
إن الوقت لا يتسع لضرب الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى،إنسان قال لي: إن زوجتي تخونني وأنا لا أدري،له جار زاره مرة،فارتأى هذا الجاهل أن يجلس هو وجاره وزوجته معاً،الفصل شتاء والغرفة دافئة،فتعاليْ يا أم فلان اجلسي معنا فهذه مثل أختك،فهذا الجاهل دفع الثمن وله أولاد منها وقد خانته مع هذا الجار, المشّرع هو الله عز وجل, أنا متأكد أنه ما من مأساة تقع على وجه الأرض في أي مكان في بلاد العالم إلا ووراء المأساة معصية،وما من معصية إلا وراءها جهل،يقول لك رجل المباحث الجنائية: في أية جريمة ابحث عن المرأة،ولابد من امرأة وراء هذه الجريمة،ولابد من علاقة خارج العلاقة التي سمح الله بها،فالإسلام انقياد تام لأوامر الشرع, أما الفسق فخروج عن هذا الأمر،سواء بكسب المال،أو بإنفاقه،أو بهلاكه وهلاك صاحبه معه،إنها نتيجة حتمية لهذا الكسب الحرام،وإن كانت المخالفة في العلاقات مع النساء فلابد أن تنتهي بكارثة, وهذا الأمر ليس عشوائياً بل هو أمر ينطلق من العلم،والخبر،والواقع،والحقيقة،أما أن تكون مع أوامر الدين فأنت في سلام،أو أن تصد عنه فتتحمل الثمن الباهظ:
((يا رسول الله عظني،وأوجز،فقال النبي الكريم: قل آمنت بالله ثم استقم فقال أريد أخف من ذلك هذه ثقيلة فقال إذاً فاستعد للبلاء))
( ورد في الأثر )
الذي خلق المنطق هو الله،والذي خلق هذا الكون الذي تحكمه قوانين بالغة الدقة هو الله, وهذا الدين مِن عند الله والله واحد, فالذي جعل لهذا الكون قوانين بالغة الدقة لابد أن يكون في دينه علاقات بالغة الدقة،وأتمنى أن تكون هذه الفكرة واضحة عندكم،العلاقة بين الطاعة وبين نتائجها علاقة علمية،والعلاقة بين المعصية وبين نتائجها علاقة علمية،فإذا وضع إنسان إصبعه على مدفأة مشتعلة تحترق الإصبع،وهل احتراق الإصبع جزاء أم نتيجة ؟ إنه نتيجة, نتيجة حتمية لمقدمة هي وضع الإصبع على المدفأة وليس عقاباً،وأي مشكلة في حياة الإنسان الحقيقية هي ليست عقاباً إنما هي نتيجة حتمية لمقدمة من صنع يديك،قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 112)
العلاقة المترابطة بين مصطلحي الإسلام و الفسق:
موضوع الإسلام موضوع مصيري،إما أن تصدقه فتسلم والله يدعو إلى دار السلام وإما أن تخرج عنه فتدفع الثمن،حينما يغفل سائق السيارة عن الطريق ماذا يحدث ؟ هل تستطيع أن تلوم الشركة الصانعة للسيارة ؟ فتقول: هل يجوز أن يفعلوا هكذا بالناس ؟ ماذا أصنع لك حينما يغفل الإنسان عن الطريق يتدهور ؟ وحينما يغفل الإنسان عن الله عز وجل فلابد أن يسقط،فالإسلام انصياع لأوامر الله وهذه الأوامر واقعية،والذي خلق النفس الإنسانية أدرى بها،قال لك: غضَّ بصرك, فإذا أردت أن تهتدي بهدي آخر،وبتشريع آخر،وبنصيحة إنسان فاسق انظر إلى الجمال وسبّح الخالق هذا كلام شيطان, أما الرحمن فيقول:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النور الآية: 30)
ادفع الثمن،افعل ما شئت،قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 40)
من باب التهديد،افعل ما شئت،الإسلام انقياد،الفسق خروج،والإسلام تسبقه قناعة فكرية واعتقاد صحيح،والفسق يسبقه اعتقاد فاسد،ولماذا كان درس العقيدة ؟ لأن الاعتقاد الصحيح يؤدي إلى الإسلام،والاعتقاد الفاسد يؤدي إلى الفسق،وإن الإنسان إذا اعتقد أنّه لا حساب ولا تدقيقَ يوم القيامة،وإذا اعتقدت بسذاجة أن الحسنة بعشرة أمثالها،فإذا فعل تسع سيئات وحسنة تتعادل فكأنه فهم القضية،وهل هي قضية أرقام وتعادل ؟ الاعتقاد الفاسد يسبب فسقاً،والاعتقاد الصحيح يسبب الإسلام،بالمناسبة الاعتقاد الفاسد يعني كل شيء, يأتيك عن طريق السماع،وأنت ما كلفت نفسك أن تبحث فيه،فلا دققت ولا تحققت،ولا صدقت ولا كذبت،إنما جاءتك هذه العقائد من إنسان،أو من صديق،أو من أخ،أو من مدّرس،أو من خطيب،أحياناً تراكمت عندك اعتقادات بعضها صحيح،وبعضها غير صحيح،فلمّا عطلت تفكيرك وما بحثت فيها, فما قيمتها ؟ حملتك على الفسق والابتعاد عن الله, يقول: نحن أمة مرحومة عندي أولاد،وهذه العقيدة تحملك على الفسق، وعلى النظر إلى النساء،وعلى انتهاك الحرمات،ظناً منك أن القضية في النهاية محسومة،ما دام لي انتماء لهذه الأمة ولهذا النبي فأنا سوف يشفع لي النبي عليه الصلاة والسلام،وتأخذ الحديث على ظاهره دون أن تفهم حقيقته، وبراعته، ومؤداه، وتكون عندئذ الطامة الكبرى،فالذي يأتي إليك من دون دراسة، وبحث،وتفكير،وتدقيق،بل تسمعه من الناس،وتعطل فكرك بمقابله هذه العقيدة الفاسدة، وقد يكون فيها متناقضات،وقد سمعت مرة أن شخصاً يعلِّم تلاميذه، قال له: سيدي أنا اشتريت حليباً وأبيع وما استفتحت, فلما خلطته بالماء استفتحت وبعت، قال له: صحيح يا ولدي، هؤلاء الناس كل مالهم حرام هذا جاهل،لما بعت شيئاً مغشوشاً كسبت مالاً حراماً،فكيف عللت أن الناس مالهم حرام ؟ فإذا لم تغش لا يشترون منك ما هذا الكلام؟ هذا كلام فاسد وهو خلاف الدين , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا فَقَالَ يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ثُمَّ قَالَ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في صحيحه)
الحديث: مَنْ غَشَّ وليس من غشنا،لو غششت مجوسياً،أو ملحداً،أو كافراً،أو مشركاً،فليس منا،من غش حيواناً ليس منا.
4- الكفر:
وبعد الفسق يوجد إعراض عن الله عز وجل وهو الكفر, كافر يصلي معناها له انحرافات وهو مقطوع عن الله عز وجل،وما دام فاسقاً فمقطوع،وما دام مقطوعاً فمعرض،معرض فاسق،أبداً هذا هو مفهوم الكفر،والإعراض عن الله عز وجل بسبب المعصية،معصية،انقطاع،وإعراض،وكفر،فالفسق مظهر سلوكي للكفر،والكفر مظهر نفسي للفسق،فشيئان مثل العملة لها وجهان: الوجه الأول فسق والثاني كفر،والمعصية تسبب الكفر والطاعة تسبب الإيمان،و الإيمان إقبال والكفر إعراض،والإسلام انقياد والفسق معصية،والإسلام يحتاج إلى عقيدة صحيحة والفسق يبنى على عقيدة فاسدة،والآن الإيمان يزيد وينقص:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
(سورة الكهف الآية: 13)
وهناك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾
(سورة النساء الآية: 137)
هذه الوجهة إلى الله ما دام هناك التزام قائم فقد يحصل انقطاع وتقصير, فالإيمان ينقص ويزيد بقدر استقامتك وإخلاصك وصدقك وحبك تكون وجهتك والكفر كذلك, الله عز وجل قال عن الشيطان:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾
(سورة الكهف الآية: 50)
ومعنى ذلك أن الشيطان فسق عن أمر ربه وقال عنه كافر،وقال الله في كتابه:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
(سورة ص الآية: 81)
هذا الشيطان آمن بوجود الله وبعزته ومع ذلك فهو عند الله كافر،بل هو أكْفَرُ الكفار. كيف يكون الإسلام أمره قطعي والفسق نسبي ؟
هناك نقطة مهمة جداً وهي أن الفسق نسبي أما الإسلام فقطعي،فكيف يكون الإسلام قطعياً والفسق نسبيًّا ؟ مثلاً: مستودع وقود إذا قلت عنه: محكم فيعني أنه محكم حالة واحدة ومعنى محكم أي تعبئة،فلو تركته شهراً،أو شهرين،أو سنتين لا ينقص, إذا كان هناك خلل في ثقب فالثقب قد يفرغ الوقود في شهر،وهناك ثقب يفرغه في أسبوع،وهناك ثقب يفرغه في ساعة واحدة،وهناك ثقب يفرغه في خمس دقائق،أما إذا كان بلا قعر فلا يمتلئ إطلاقاً،فالاستقامة قعر إذا كانت تامة تمتلئ،وما دام يوجد تهريب فلا يمتلئ شيء أبداً, وقد يقول شخص مضى علي في المجالس ثلاثون سنة،ولم أستفد شيئاً كله خلط بخلط،فهو بالأساس ليس له قعر ومهما مُلِئْتَ تمتلئ لأنك بلا قعر،وما دام هناك تهريب أو ذنوب فمهما سمعت لا يمتلئ شيء،والقضية عند الله ليست بزمن فقد يسبق رجل بسنة واحدة رجل داوم ثلاثين سنة،فالاستقامة قطعية ولها طريق واحد.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 153)
طريق الفجور والفسوق متعدد أما طريق الإيمان فواحد،و لدينا قاعدة: " إذا وجد شخصان مؤمنان صادقان مخلصان فلابد أن يلتقيا ولابد من أن يحبا بعضهما بعضاً ", لقاء المؤمنين في طريق الإيمان حتمي قطعاً قولاً واحداً ولا يمكن لمؤمن أن يعادي مؤمناً:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
(سورة الأنفال الآية: 63)
هذا العداء بين بعض المسلمين هو عداء له تفسير،إما أنهم جميعاً منحرفون فعداء مصالح،ولماذا نسمع فلاناً يعيب فلاناً ؟ لأنه هناك عداوة صنعة،فما عنده وجهة إلى الله عز وجل, فإذا كثر زبائن هذا يغار منه الثاني ويغتابه ويتهمه في عقيدته،إذاً انعدم الإيمان وحل الحسد،والبغضاء،والضغينة،أما إذا كان الإيمان صحيحاً ووجد لقاء، ومحبة، و مودة قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 63)
هذا الشيء الذي أركز عليه في العقيدة مهم جداً, أن العقيدة الصحيحة لابد أن تنتهي بصاحبها إلى أن يكون مسلماً حقاً وإذا كنت مسلماً حقاً فلابد أن تكون في المستقبل مؤمناً حقاً،فإذا كنت مؤمناً حقاً فلابد أن تنتقل إلى التقوى،وإذا كنت تقياً فلابد أن تكون محسناً،وإذا كنت محسناً فلابد أن تدخل الجنة, " عقيدة صحيحة = إسلام صحيح - وإيمان صحيح - وتقوى - وإحسان – النتيجة = جنة عرضها السموات والأرض, عقيدة زائغة = الفسق والفجور ".
وإن قال أحدهم: إن القضية ليست بالعمل،قلنا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
حديث عظيم ولكن أحياناً يساء فهمه ويوجه توجيهاً خاطئاً،إلا أن بعض الناس يسيئون فهم هذا الحديث،فيفهمون من هذا أن الجنة ليست بالعمل, إذا وعَد الأب ابنه بدراجة ثمينة إذا نجح،فهذا الابن إذا خرج من المدرسة آخر يوم ومعه جلاء النجاح،فإذا توجه إلى بائع الدراجات وأعطاه الجلاء فهل يعطيه بائع الدراجات دراجة ؟ إذا قال له: هكذا قال لي أبي نجحت أعطني دراجة،فيقول له: اذهب وأعطني ثمن الدراجة إلا أن يدفع الأب ثمنها وإلا أن يتغمدني الله برحمته, الجنة بفضل الله ولكن هذا الفضل مبني على عمل الإنسان،هناك تكامل ولا يوجد تعارض: " ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم ", الأب لا يدفع ثمن هذه الدراجة إذا كان الابن راسباً،وإذا نجح فلا يأخذ هذه الدراجة إلا إذا دفع الأب ثمنها،ليس هناك تناقض بل هناك تكامل.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 32)
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية: 92- 93)
﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
فالجنة بالعمل وبرحمة الله سبحانه وتعالى،فهما شرطان لازمان لا يغني أحدهما عن الآخر.
هذا هو التوفيق بين القرآن الكريم والحديث الشريف،ويحتاج هذا التوفيق إلى علم عميق،أما على ظاهر الحديث فقد ألغى العمل فلا تغلب نفسك القضية ليست بالعمل نحن أمة محمد المرحومة فيعمل الفسق،والفجور،ويأكل الحرام،ويسهر مع نساء أجنبيات, أطَّلع اطلاعاً فقط فالقضية عنده ليست بالعمل بل بالأمل:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 123)
آية واضحة كالشمس:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
( سورة النساء الآية: 123)
فهناك سلسلة: عقيدة صحيحة - وإسلام صحيح - وإيمان صحيح،أو عقيدة فاسدة - وفسق – وكفر.
الإيمان وجهه إلى الله بصحبة رسول الله وبصحبة نائب رسول الله عليه الصلاة والسلام،ومن ينوب عنه في تبليغ الناس الحق.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
(سورة التوبة الآية: 119)
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
(سورة الكهف الآية: 28)
لو تكلمت مع إنسان ليس له مجلس علم فإنه يحلل بعض المعاصي و يتهاون في بعض العبادات يتساهل في أشياء لابد من الأخذ منها بعزم ويتشدد بأشياء لا قيمة لها لأنه ضائع. من لوازم الإيمان:
1- التقوى:
التقوى: أن تنتقل من مرتبة الذوق إلى مرتبة الرؤية وأن تنظر بنور الله و تنطق بتوفيقه،وفي القرآن الكريم مائتا آية تتحدث عن التقوى،التقوى: نور يقذفه الله في القلب, قال الله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
(سورة الأنفال الآية: 29)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28)
التقوى بشكل مبسط: أن يقود سيارته في الليل مصابيح متألقة،غاز،الطريق واضح،أما إذا انطفأ هذا الضوء فجأة والظلام دامس والمنعطفات كثيرة،وعلى جوانب الطريق وديان سحيقة فالحادث حتمي،فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ))
( ورد في الأثر)
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
(سورة الحج الآية: 46)
وبعد التقوى لا يوجد معصية،حينما ترى حشرة مؤذية تدعو إلى الاشمئزاز فوق صحن الطعام فإنك لا تأكله أبداً،أما إن لم ترَ فإنك تأكل وإذا رأيت لن تعصي الله أبداً،
" ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم "،
" اعملوا أهل بدرٍ فإنه مغفور لكم "
( ورد في الأثر)
قد بلغوا التقوى أي أصبحوا يرون الحقيقة: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 75)
﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
(سورة النجم الآية: 18)
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
(سورة النجم الآية: 17)
إذا بلغت التقوى, ورأيت الحق حقاً،والباطل باطلاً رأيت كل شيء من ملكوت السموات والأرض،و حقيقة الدنيا،وحقيقة ما قبل الدنيا،وما بعد الدنيا،ورأيت الأبدية عندئذ تعرف أن المؤمن أسعد إنسان على وجه الأرض.
التقوى: أن ترى الحقيقة وأن تملك رؤية صحيحة،لذلك فمن الصعب على التقي أن يغلط،لا لأنه معصوم الأنبياء وحدهم معصومون كيف ذلك ؟ يتصور الإنسان معنى خاطئاً وهو أن الله عز وجل منعهم من المعصية ويقول: يا رب امنعني من المعصية فما دامت القضية بيدك امنع الناس من المعصية وأَرِحْهُم وأغلق جهنم ليست هذه هي العصمة, العصمة: الأنبياء في إقبال إلى الله مستمر وهذا الاتصال المستمر في استنارة مستمرة،وما دام هناك استنارة مستمرة فلن يقع الإنسان في أية معصية. 2- الإحسان:
فمرتبة الإحسان تأتي بعد التقوى فهي النتيجة الحتمية للتقوى،رأيت الحق حقا والباطل باطلاً،رأيت حقيقة الدنيا فجعلت الإحسان إلى الخلق دَيْدَنَك, لأنك علمت حقيقة الدنيا, والإحسان مبني على الرؤيا،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ قَالَ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الإِسْلامُ قَالَ الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
فالإحسان أساسه التقوى،والتقوى أساسها الإيمان،والإيمان أساسه الإسلام،وأساس كل شيء العقيدة الصحيحة.
من لوازم الفسق:
1- المعصية:
المعصية لها معنى دقيق جداً،فأنت بحكم فطرتك لن تقبل الأذى لنفسك مثلاً: رجل يقود سيارة يملكها وهو قد دفع ثمنها،فإذا وجد حفرة فهل ينزل فيها ؟ وإذا نزل فيها يلزمه مال وفير للتصليح،فإنه من المستحيل أن ينزل باختياره, فمن أين جاءت عصمة الأنبياء ؟ مِن اتصالهم الدائم بالله عز وجل،
(( وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ ))
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في الصحيح)
اتصال دائم،واستنارة دائمة،وصحوة دائمة،ويقظة دائمة،وحفظ،فمن أين تأتي المعصية؟ من ساعة غفلة،فالعوام لهم دعوة أحبُّها يقولون: " الله يجيرنا من ساعة الغفلة".
فقد يتصور أحدهم أنه فجأة يقع معه حادث ولكن ليس هذا هو القصد،القصد هو ساعة الغفلة عن الله،لأن هذه الساعة التي نحن فيها غافلون لابد لنا أن نخطئ فيها،فقد يطلّق إنسان زوجته في ساعة غفلة،وقد يكذب الإنسان في ساعة غفلة هذه هي الرؤية لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 278)
2- الفجور:
مَن هو الفاجر ؟ الفاجر: هو فاسق يتباهى بفسقه،والذي يفطر في رمضان في الطريق هذا ليس فاسقاً ولكنه فاجر،يقول لك: البارحة فعلت كذا وكذا فهو فاجر،فالفاجر هو الذي يعلن معصيته أي يفتخر بمعصيته،ولذلك فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا غيبة للفاجر "
أنت تغتابه وهو يفضح نفسه والقاعدة: " إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا "
أما إذا افتخر بالمعصية وأصبح فاجراً فلا غيبة له،بل العكس اذكره ليعرفه الناس: " اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس "
( ورد في الأثر)
من لوازم الكفر:
1- العمى:
يقابل الكفر العمى, فالتقوى بعد الإيمان والعمى بعد الكفر،إذاً فسق ثم كفر ثم أصيب بالعمى،فلما أصيب بالعمى أصبحت شهواتُه يقظة, ويريد أن يأكل،وأن يسكن في البيوت،ويتنعم وحده،فحينما كان أعمى أخذ ما له وما ليس له،فوقع في الإساءة, الإساءة قبْلها عمى،والعمى قبله كفر،والكفر قبله فسق،والفسق قبله عقيدة فاسدة, فالكافر سيئ كيفما تحرك وتكلم،إن لم يكن مسيئاً شعر أن هذا اليوم غير طبيعي وذلك لبُعْدِه عن الله،فيجب أن يؤكد ذاته بالأذى ليثبت أنه موجود, ما نوع عملك ؟ أهذا العمل مبني على خدمة الناس أم إيقاع الأذى بهم ؟ فهذه المصطلحات ضرورية.
2- النفاق:
ما النفاق ؟ هناك مصطلحات جانبية أما تلك فأساسيات،خطان متوازيان عقيدة صحيحة - فاسدة،إسلام - فسق،إيمان - كفر،تقوى - إحسان،جنة - نار.
النفاق: باطنه كفر وظاهره إسلام, إنسان كافر وجد في بيئته مسلمة فمن أجل تحقيق مصالحه يتزيَّا بزي المسلمين،يحج معهم ليقال عنه: الحاج فلان،لينصب على الناس أموالهم،يصلي رياء،ويصوم رياءً هذا هو النفاق, وهناك كفر مغلف بغلاف إسلامي،وسببه رجل كافر موجود في بلد مسلم،ففي بعض البلاد الإسلامية الصلاة إجبارية فيقوم ويصلي بالعصا لكي لا يضرب،هو يكره الصلاة و إذا لم يصل يُضرَب بالعصا وهذا هو النفاق،يخرج من هذه البلاد إلى أوروبا فله سهرات حمراء لا يعلمها إلا الله هذا النفاق ازدواجية قال تعالى:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 14-15)
فالنفاق حالة كفر مغلفة بغلاف ديني،بسبب وجود كافر في بيئة يطبّق الإسلام فيها بالقهر،لذلك قال الله تعالى:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256)
جاء مسلم من الحجاز إلى الشام،وصلّى في مسجد،وجذب نظره ظاهرة لم نلتفت إليها إطلاقاً،قال: الدليل أن كل هؤلاء المصلين يصلون باختيارهم, كان هناك بائع يبيع ويصيح على بضاعته في أثناء الصلاة كل هؤلاء الذين هم في المسجد قد دخلوا باختيار وطواعية وهذه المظاهر نحن ربما لا ننتبه إليها, فالنفاق أن يكون الإنسان كافراً في بلد يطبق فيه الدين قهراً،فإما أن يطبق الدين خوفاً أو طمعاً،وإما تغريه مصالحه فيطبق بعض مظاهر الدين أو تخيفه العقوبات الرادعة فيلتزم خوفاً من أن يقع العقاب به هذا هو المنافق.
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 145)
3- الإلحاد:
الإلحاد: هو إنكار وجود الله عز وجل, الكفر إعراض أما الإلحاد فإنكار،وقد يكون الطالب وراء مقعده والأستاذ أمامه ملء سمعه وبصره وهو لا ينتبه إليه،ولا يقبض كلامه, فهذا طالب يكفر بأستاذه مع أن أستاذه أمامه،يراه بعينه،ويسمع صوته،ويرى صورته ورغم ذلك ينكر وجوده, هناك إنكار للذات وإنكار للصفات،وإذا قال لك أحدهم: أين رحمة الله ؟ فهناك مجاعات بإفريقيا فهذا ينكر رحمة الله ومن أنكرها فهو ملحد بأسمائه،ومن أنكر حكمته وقال: الله يعطي الحلاوة للذي ليس له أضراس فهذه كلمة خطيرة،وبهذه الكلمة يشك في حكمة الله عز وجل،فإنكار الحكمة،وإنكار الرحمة،وإنكار العدل،وإنكار العلم،كله إلحاد في الأسماء،كأن تقول: إنه لا يعلم, " علم ما كان،وعلم ما يكون،وعلم ما سوف يكون،وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ ".
( قول مأثور)
الإلحاد في الأسماء أن تقول: لا يعلم أو لا يرحم،أو ليس هناك حكمة،وليس هناك عدل،قبضته إلى الجنة ولا أبالي،وقبضته إلى النار ولا أبالي لا على التعيين،هذا المعنى الذي يأخذه الناس على ظاهره،ويعدّون أنه لا توجد قاعدة،فالإلحاد بذاته أن تنكر وجوده وصفاته و أن تُنكر أسماءه ورحمته وعدالته وهكذا.
خلاصة الدرس:
هناك إلحاد،وفجور،ونفاق هذه المصطلحات جانبية،أما الأساسية فهي العقيدة الصحيحة والفاسدة،الإسلام فالفسوق،الإيمان فالكفر،التقوى فالعمى،الإحسان فالإساءة, الجنة فالنار. وكيف أن الإسلام قطعي والفسق نسبي ؟ وكيف أن الكفر إعراض عن الله،وليس إنكاراً لوجود الله ؟ وكيف أن النفاق موقف مزدوج باطنه فيه كفر وظاهره فيه إسلام؟ وكيف أن الإلحاد في الأسماء أو الصفات ؟ هذه المصطلحات جزء أساسي من عقيدة المسلم:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 14)
أي هذا الذي يدعي أنه مؤمن،ويتوهم أنه مؤمن،كان عليه أن يؤمن إيماناً حقيقياً لأن مراتب التقوى درجات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 102)
ثم الإحسان ثم الجنة.
إن شاء الله هذا آخر درس في المقدمات،وفي الدرس القادم ندخل في صلب موضوعات العقيدة وهي الحديث في الإلهيات, والإيمان بوجوده،وأسماء الذات،وأسماء الصفات،وأسماء الأفعال،الأسماء الحسنى اسماً اسْماً،وحالةً حَالةً،نأخذها في الدرس القادم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الحادى عشر )



الموضوع : الإيمان بالله عن طريق الفطرة وعن طريق الأدلة





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إذا وجد ريب أو شك في معتقدك الإيماني فأنت لست مؤمناً:
أيها الأخوة, وصلنا إلى صميم بحث العقيدة وهو الإيمان بالله, يقول ربنا سبحانه و تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
(سورة الحجرات الآية:15)
فهذا الذي يجد في نفسه ريباً ليس مؤمناً, وليس في الإيمان حل وسط, فإما أنك مؤمن إيماناً قطعياً ولو أن أهل الأرض كلهم كفروا فأنت لا تكفر, وإما أن يكون في هذا الإيمان ريب أو شك أو تردد فهذا ليس بإيمان والدليل القاطع قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
( سورة الحجرات الآية:15)
فلو أنهم ارتابوا لفقدوا صفة الإيمان. أدلة الإيمان بالله:
1- دليل الفطرة والبداهة ومن آثارها:
الإنسان بفطرته التي فطره الله عليها مؤمن بالله, واليوم درسُنا مقسم إلى قسمين:
1- الإيمان بالله عن طريق الفطرة.
2- الإيمان بالله عن طريق الدليل.
الفطرة:كأنها مرآة صافية نظيفة ينطبع عليها الشيء الذي أمامه وهكذا طبيعة المرآة إنها تعكس ما أمامها, فلو أن دخاناً كثيفاً طمسها لغيَّر صفاءها, وغيّر قابليتها للانعكاس وعندئذٍ يأتي الدليل, فالإيمان بالله عز وجل يمكن أن يكون عن طريق الفطرة السليمة, ويمكن أن يكون عن طريق الدليل العقلي والبرهان العلمي, وقد بدأنا الفطرة في دروس سابقة فبّينا أن مسالك اليقين أربعة مسالك:
1 ـ اليقين الحسي.
2 ـ اليقين الاستدلالي.
3 ـ اليقين الإخباري.
4 ـ ويقين الفطرة الإشراقي.
1- ظهور إيمان الفطرة عند الشدائد:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/01.jpg
الإنسان أي إنسان, كبير أم صغير, متعلم أم جاهل, غني أم فقير, قوي أم ضعيف, مدني أم ريفي, عبقري أم غبي, بحسب فطرته مؤمن بأنه لا إله إلا الله كيف يبدو هذا؟ لو ركب البحر إنسان ملحد وإلحاده عميق, أي عنده ألف دليل ودليل بحسب تصوره الأخرق على أنه لا إله, فصارت الأمواج كالجبال وأصبحت السفينة تتهاوى بين الأمواج كريشة في مهب الريح, عندئذٍ يلتجئ هذا الملحد إلى الله عز وجل, وهذه طائرة تحمل بضعة خبراء لا يؤمنون بالله, ينكرون وجوده فلما وقعت في عدة جيوب هوائية, وظن هؤلاء أن الطائرة على وشك السقوط دعوا الله مخلصين, فالإنسان مؤمن بالفطرة لكنه وهو في سلام, وفي بحبوحة, وفي غنى, وفي أوج وقوة يكابر.
شخص قال لي لقد نشأت في بيئة تنكر وجود الله عز وجل إنكاراً كلياً, وعملت عند شخصٍ في حرفة, وهذا الشخص أيضاً ينكر وجود الله, أوحى إلي على أنه لا إله و افعل ما تشاء فالحياة اقتناص ملذَّات وهكذا فعلت, لم أترك معصيةً إلا وارتكبتها وعملت في التجارة فربحت مئات الألوف وتزوجت وسافرت إلى بعض الدول وفعلت فيها من كل أنواع المعاصي وفجأةً صودرت بضاعته وبقي بلا دخل وعليه دين, وصار أصحاب الدين يطالبونه بقسوة, مرض أولاده وزوجته وليس معه ثمن الدواء فضلاً عن ثمن الغذاء, وضاقت عليه الدنيا فقال لي:أصابتني مصائب لو أنها نزلت على جبلٍ لهدَّته, وما شعرت في أحد الأيام إلا و أنا داخل إلى المسجد لأصلي فهذه هي الفطرة وصلّى.
إنسان آخر هذا عقيدته أنه لا إله و له أعمال مخزية جداً, وعنده بنت صغيرة في سن الورود مرضت مرضاً شديداً, وهذا المرض جعله ينفق كل ما يملك إلى أن قال له أحد الأطباء:لا تنتظر أن تعيش هذه الفتاة دعها كي تموت قال:فكنت آخذها معي إلى عملي خشية أن تموت في غيابي لشدة تعلقه بها و هو يصر أنه لا إله ارتفعت حرارتها وبقيت في الأربعين ولم يترك طبيب أطفال إلا وزاره, ولم يترك دواءً إلا واستعمله, وهذه الحرارة لا تنخفض, إلى أن همس في أذنه أحد أطباء الأطفال إن هذا المرض نادر الوقوع وإن هذه الحرارة لن تنخفض إلا عند الموت, قال:في أحد الأيام قلت لزوجتي سخني لي الماء لأغتسل للصلاة, و سأل زوجته:ماذا تقرئين في الصلاة ؟ إنه لا يعرف الفاتحة, وتقول زوجته:بقي واقفاً نصف ساعةٍ يبكي و يقول:يا رب إما أن تأخذها أو أن تأخذني أو أن تشفيها, ضيّق الله عليه فظهرت فطرته فأين الإلحاد ؟ أين دعواك العريضة أنه لا إله ؟ وما أن سلم من صلاته حتى رأى حرارتها قد انخفضت بعد أن تصلبت عضلاتها و بدأت تتحرك.
أقول لكم هذه الكلمة:ما من إنسانٍ ينكر وجود الله عز و جل إلا و هذا قوله يوم القيامة:
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية:23-24)
فحينما أنكروا كانوا كاذبين و يكابرون, و يركبون رؤوسهم و يبالغون, والإنسان لا ينبغي له أن يأتي في الشدة, بل عليه أن يأتي في الرخاء, والبطولة أن تأتي إليه وأنت معافى وأنت في أوج صحتك وقوتك, ومالك, وفراغك, لا أن تأتيه بعد شدةٍ بالغة تنهدُّ لها الجبال.
2- اضطراب الإنسان وشعوره بالراحة النفسية دليل على الفطرة بين جوانحه:
أيها الأخوة, الإنسان مؤمن بالفطرة وحينما يؤمن ترتاح نفسه وهذا هو الدليل, وحينما ينكر تضطرب نفسه, ويختل توازنه, ويضجر, ويسقم, ويسأم, وحينما لا يؤمن ترون منه ردود فعلٍ قاسيةً جداً لأسبابٍ تافهةٍ وهذا دليل اضطرابه, وهذا عند علماء النفس دليل اضطرابه الداخلي لأنه خالف الفطرة, وهذا المحرك لا يعمل إلا بالوقود, فلو وضعت فيه ماءً لظهرت أصوات و اضطراب ولتوقف, وتشعر أن الوضع غير طبيعي, فالإنسان مؤمن بالفطرة, لا تفهموا من هذا الكلام أنه ليس هناك أدلة, بل هناك مليون دليلٍ و دليل على وجود الله, وقبل أن نستعرض هذه الأدلة العلمية والبراهين العقلية نود أن نلفت النظر إلى أن الإنسان مؤمن بالفطرة.
الاستشهاد بأقوال العلماء حول موضوع الفطرة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/02.jpg
قال العلماء:الطفل حينما يولد يملك منعكساً اسمه منعكس المص, ومنعكس المص عملية بالغة التعقيد, الآن ولِدَ هذا الطفل ولو أنه بعد الولادة بساعة واحدة وضعته أمه على ثديها لالتقم الثدي ولأحكم إغلاق فمه على الثدي ولسحب الحليب, وهذه عملية معقدّة كيف خلقت هذه الفطرة ؟ إن الطفل بالفطرة يتقن المص إتقاناً كاملاً. أما الحيوان فلأنه ليس مكلفاً, ولم يخلق الله له فكراً, تراه مزوداً بمئات المنعكسات هذه يسميها العلماء الغريزة, وهي آلية معقدة جداً ولكنها جاهزة دون تعلم هذه الفطرة, بالنسبة إلينا بني البشر أطفالنا حديثو الولادة مزودون بمنعكس المص, وهذا المنعكس ليس له تفسير إلا الفطرة أي بفطرة هذا الطفل المولود يعرف أن يلتقم ثدي أمه, وأن يمص منه الحليب, وهذا من أدلة الفطرة, ودليل آخر:شعور الأم بعاطفةٍ جياشةٍ نحو ابنها من دون أن تعلم ما قيمة هذه العاطفة ؟ ولولا هذه العاطفة لما كنا نحن هنا.
دليل الفطرة لا تحتاج إلى براهين وأدلة لأنها من المسلمات:
حينما أرى طفلاً أمه تعتني به وأبوه يأتي كل مساء بكل حاجاته, يكدح الأب ويسعى ويجهد ويتحمل المخاطر ويغامر إلى أن يأتي مساءً بكل حاجات البيت, وحينما يرى ابنه في دفءٍ ويرتدي ثياباً نظيفة ويأكل ما يشتهي, يشعر الأب بسعادةٍ لا توصف هذه هي الفطرة.
فلو حللنا هذه الفطرة لعرفنا أنه لولا هذا العطف لما استمرت الحياة وهذا إدراك عقلي, لكن الأب يشعر بهذه العاطفة من دون أن يبحث في تحليلاتها ومدلولاتها, فمن منا ينكر الأم عطف الأم إنه شيء ثابت فما الدليل ؟ لا يوجد دليل, وإحساسها بالعاطفة هو الدليل وإحساسها هو الفطرة, والإحساس الفطري لا يحتاج إلى دليل بل بديهي يسميه الناس المسلمات مبادئ لاتحتاج إلى براهين, الكل أكبر من الجزء برهن عليها إنها واضحة كالشمس هذه مسلمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/03.jpg
شخص قال لي:وقعت بعجزٍ مالي في عملي التجاري أي أخفقت, وضاقت عليَّ الدنيا, فالتقيت بتاجرٍ في طرفٍ من أطراف البلاد البعيدة, وهذا التاجر ليس من ديني إنه من دينٍ آخر, فقام هذا التاجر وأعطاني بضاعة بما قيمته خمسون ألف ليرة سورية وقال:خذ هذه البضاعة وبعها وحينما تشعر أنك وقفت على قدميك ادفع لي الثمن, فقال لي:أشعر أن قلبي ينفطر حباً له هذه هي الفطرة, أخوه النسبي لم ينجده وهذا الإنسان من بلدٍ بعيد علم بحالته وأمده بهذه البضاعة كي يقف على قدميه وهو من دينٍ غير دينه فأحبه.
لا تعجبوا كيف فتح المسلمون البلاد ؟ فتحوها بأخلاقهم الكاملة فحينما كانوا مُثلاً عُليا في الخلق الكريم, أهل البلاد دلوهم على الطرقات, ويوجد جبال معقدة جداً فتجاوزها المسلمون شمال إفريقيا وآسيا وجبال وعرة جداً, ولو أن أهل البلاد أبغضوهم لكانت هذه البلاد في حصنٍ حصين و لكنهم لكمالاتهم ورحمتهم وعدالتهم فُتحت لهم القلوب قبل أن تفتح لهم البلاد, فالذي أعانهم على فتحها أبناء البلاد المفتوحة نفسها هذه هي الفطرة, فالأم تشعر بعاطفةٍ نحو
ابنها من دون أن تعرف قيمة هذه العاطفة, ولولا هذه العاطفة لما كنا أحياء.
واقع الناس أكبر دليل على حقيقة الفطرة في بحثهم عن الرزق أو الإحساس بالجوع أو غير ذلك:
جميع الناس مدفوعون بدافعٍ من فطرتهم إلى كسب قوت يومهم وهذا دافع خفي, فعندما يفتح الإنسان محلاً وينطلق هذا المحل فإن نفسه ترتاح لأنه أمن رزقه وأكله, وإذا كان الموسم جيداً والقمح كثيراً يرتاح الفلاح لأنه أمن المؤونة فالفطرة هكذا, الإحساس بالجوع هل لك أن تنكره ؟ برهن عليه, أخي أنا جائع ما الدليل عليه ؟ إنه لا يحتاج إلى دليل, إحساس بالجوع صارخ فالإحساس بالجوع فطرة, لا أقول هذا الكلام لأنه ليس هناك أدلة على وجود الله, هناك ملايين الأدلة, لكن أحب أن أؤكد لكم قبل كل شيء على أنك إنسان بفطرتك مؤمن بالله وحينما لا تؤمن تصور مرآةً كانت صقيلةً نظيفةً ذات قابليةٍ للانعكاس عالية جداً, جاءها دخان كثيف من شمعةٍ فطمست معالمها, وشفافيتها, وانعكاسها عندئذٍ الآن نحتاج إلى دليل فلو أن هذه المرآة صافية لما احتجنا إلى دليل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/04.jpg
يحتاج الإنسان لأن يأكل شيئاً حامضاً فيكون عنده نسب الكلس عالية و الكلس لا يذوب إلا بالحمض, وقد يشتهي الإنسان سلطة فيها حمض زائد فما السبب ؟ أحياناً فتيات يأكلن الليمون, و قد يشمئز الإنسان من أكل الليمون, وقد ترى البنت تأكل الليمون بكل سرور, تقطعه وتأكله مع الملح فما هو تفسير هذا الشيء ؟ السبب هو وجود مواد كلسية زائدة لديها, فربنا عزّ وجل لحكمةٍ بالغة يخلق في الإنسان دافعاً نحو الحمض, وقد يشتهي الإنسان أكل الموالح فيكون عنده نقص بالملح, وأحياناً يشتهي أكل الحلو فيكون عنده نقص بالطاقة, فرغبة الإنسان لأنواع الطعام مبنية على حاجاته.
هناك علماء أتوا بعشرة أطفالٍ ووضعوهم في مختبر أمام ألوانٍ منوعة من الطعام وعشرة أطفالٍ آخرين تولى خبراء في التغذية إطعامهم, أي تغذية مدروسة بالحريرات والبروتينات, والدهنيات, والسكريات, والمعادن وأشباه المعادن, والفواكه, واللحوم فكانت نتيجة الأطفال الذين أكلوا وفق رغبتهم الخاصة أن نموهم كان أفضل لأن الرغبة الخاصة مبنية على حاجة داخلية, فحينما تشتهي الطعوم الحامضة يكون عندك كلس زائد, وحينما تشتهي الموالح يكون عندك نقص بالأملاح, وحينما تشرب الماء يكون دليلاً على نقص الماء بالجسم وهذا أيضاً إحساس بالفطرة, شعورنا بالعواطف والأحاسيس هذه كلها من الفطرة ولا برهان عليها, وشعورنا وحده هو الدليل.
الشعور الفطري مشترك بين جميع الخلائق على الرغم من اختلاف الأديان والفروق الاجتماعية بينهم:
الشعور الفطري إحساس بين جميع الخلائق المدركة على اختلاف نزعاتها ومستوياتها وثقافاتها في البيئات البدائية, وفي المدن المتحضرة, وفي منتديات المثقفين, وفي قاعات العلوم والفنون والمختبرات, إنه شعور مشترك بين جميع الناس, يقوم في نفس الطفل الصغير والإنسان البدائي والمتحضر, والجاهل, والعالم, والباحث, والفيلسوف, والعبقري, والخبير في المعمل, وكل هؤلاء يشعرون أن الله حق, وأنه القوة القابضة على ناصية كل شيء والعالمة بكل شيء والحكيمة و المريدة التي لا شك فيها.
قرأت كلمةً لأكبر عالمٍ في الذرة, وهذا العالم اكتشف أحدث نظرية حتى الآن اسمها النظرية النسبية قال هذا العالم:" كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون, عليمةً هي أعلم ما تكون, حكيمةً هي أحكم ما تكون, هو إنسان حي و لكنه ميت ".
الأدلة القرآنية تؤكد حقيقة الفطرة في الإنسان:
الآن إليكم بعض الآيات التي تؤكد هذه الحقائق:
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
(سورة إبراهيم الآية:10)
هو الذي فطر السموات و الأرض فطرها على أن تؤمن به.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾
(سورة الإسراء الآية:44)
فالذي فطر السموات و الأرض فطرها على أنها تؤمن به بدافعٍ من بنيتها وخلقها, وقال تعالى في آية أخرى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(سورة الروم الآية:30)
الفطرة موجودة حتى في النبات دليل ذلك ظاهرة نموها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/05.jpg
نقطة دقيقة جداً أتمنى عليكم أن تكونوا في مستواها, النبات أوضح شيء, ترى نبتةً يقال لك إن هذه النبتة تحتاج سقيا في الأسبوع مرة فلو أكثرت عليها الماء تموت, وهذه النبتة تحتاج ثلاث مراتٍ سقيا أسبوعياً, وهذه النبتة بالشهر مرة, وهذه النبتة لا تزدهر إلا في أشعة الشمس, فلو جلست مع صاحب حدائق لديه خبرات عالمية لوجدت أنه يعلم طباع كل نبتة, فهذه النبتة تحتاج إلى ظل وإلى شمس, وهذه تحتاج إلى ضوء, وهذه تنمو في البيوت في الغرف, وهذه تحتاج إلى سقيا كثيرة, وهذا النبات لا ينمو إلا في الماء كالزنبق الذي يجب أن يغمر في الماء, ربنا عزّ وجل خلق في النباتات شيئين:شيئاً ظاهراً ليعينك مثل طولها, وشكلها, وأوراقها, وألوانها, وأزهارها, وأشياء تكتشفها مع الأيام وهي طباعها وطباعها هي الفطرة التي فطرها الله عليها أي حاجاتها وأنواعها ومواسمها وأوقات ازدهارها أي أشياء دقيقة جداً, فمثلاً بعض النباتات يزهر مرتين في السنة, وهذا النبات تسقط أوراقه, وهذا أزهاره فواحة, وهذا أزهاره ليست لها رائحة, وهذا أوراقه كثيفة, وذاك أوراقه مبعثرة, فطرة الله التي فطرَ النبات عليها, وهذه خبرة الفلاح وكل نبات يعرف طباعه, فالتفاح ينمو في المرتفعات, والحمضيات في السواحل, وهذا ينمو في أفريقيا ويحتاج إلى رطوبة عالية, وهذا النبات ينمو في الصحراء فالشوكيات كلها صحراوية, وهذا النبات قطبي وهذا نبات ينمو في قاع البحر, وفي الأنهار وهذه هي الفطرة لكل مخلوق.
3- انحراف الفطرة وموتها:
الإنسان مفطور على حب الكمال, ومفطور على حب الإحسان, وقد خلق ضعيفاً وعجولاً وهلوعاً هذه هي فطرته قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الروم الآية:30)
هذه الفطرة فقد تنطمس بفعل انغماس الإنسان في الشهوات فيتحول هذا الإنسان إلى وحشٍ بشري امرأة في فرنسا لها ولد, أغلقت عليه البيت وسافرت إلى عند صديقتها فمات بعد أسبوعين جوعاً وعطشاً, ويوجد حالات نادرة فهذه الأم تشوهت فطرتها. إنسان آخر دخل إلى بعض القرى و ذبح امرأته و أولاده الخمسة وهذا فطرته مشوهة.
موضوع الفطرة وهو موضوع طويل, لكن الإنسان من دون تعقيدات في بنيته النفسية وبطبيعته وطريقة خلقه وبفطرته التي فطره الله عليها مؤمن بالله, وهذا هو الأصل فإذا كفر أو إذا أنكر أو إذا ألحد اضطربت نفسه واختل توازنه وقست ردوده وأصبح مريضاً. أشخاص ليسوا في مستشفى المجانين لكنهم قريبون جداً من الجنون, ترى أحدهم عنيداً لدرجة أنه يطلّق امرأته لسببٍ تافه, ويفصل الشركة مع شريكه لأتفه سبب, ويقتل إنساناً لأن بقرته دخلت إلى أرضه وأكلت بعض الحشائش, هذه واقعة لكنها حالات نادرة.
2- الإيمان الله عن طريق الدليل:
1- الكون بما فيه:
إذا تركنا الفطرة جانباً كان البحث العلمي بما فيه من استدلالٍ نظري واختبارٍ وتجربة سبيلاً إلى التعرف على حقيقة وجود الخالق جل وعلا. يوجد نقطة مهمة جداً في هذا الموضوع هذا الدين من عند الله, الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء, وهذه المجرات والشمس والقمر والبحار والسموات والأسماك والأطيار والنباتات والحيوانات وأي شيء مبني على علم بالغ, مثلاً الناموسة إذا وقعت على يديه لا يشعر بشيءٍ إطلاقاً, لا بتأنيب الضمير ولا بشعور أنه قتل قتيلاً ولا بأنه ارتكب إثماً أو معصيةً, ولا أنه أزهق نفساً من غير سبب لتفاهتها عند الخلق, ومع ذلك هذه الناموسة فيها رادار, وفيها جهاز تحليل دم, و جهاز تمييع دم, و جهاز تخدير, و جناح يرف أربعة آلاف رفه في الثانية, وفيها ثلاثة قلوب, و محاجم, و مخالب, و ذكاء, فالناموسة تختبئ وراء الستار أو وراء السرير, إذا استيقظت وأشعلت المصباح فأين هي ؟ إنها تختبئ لأنها تعرف أنك غضبت منها وتريد أن تقتلها, تختبئ في مكانٍ لا تراها فيه هذه الناموسة عندها علم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/06.jpg
الحوت كم فيه من علم ؟ وزنه تقريباً مئة وثلاثون طناً وطوله ثلاثون إلى أربعين متراً وفيه خمسون طناً دهناً, وخمسون طناً لحماً, وثلاثون طناً عظماً تقريباً, ويخرج منه تسعون برميلاً زيتاً, إذا أراد أن يتناول وجبة خفيفة فإنه يأكل 4 طن و يرضع صغيره 300 كغ حليب بالوجبة أي 3 وجبات طناً حليباً باليوم الواحد, يرضع صغيره طن حليب, فهل الحوت مبني بلا علم ؟
العصفور ألا يوجد عنده علم ؟ فلقد قرأت في مجلةٍ عن الطيران أن أعظم طائرة اخترعت حتى الآن " الكونكورد " لا ترقى إلى مستوى الطير أبداً, اركب طائرة 400 راكب وكأنهم في مدينة, أكل وشرب وحاجات ومقاعد كثيرة, وعلى ارتفاع 40 ألف قدم, فهل الطائرة ليس عندها علم ؟ فالطائر أعظم من الطائرة البحار ليس عنده علم, السحب, والأمطار, والجبال, والمعادن وأشباه المعادن, الحقيقة إذا قلت علم الله عز وجل الفيزياء من علم الله, وهناك تجد كتاباً في آخره ثماني صفحات مراجع بخط صغير يمكن أن تكون ثمانمئة مرجع, الفيزياء الكيميائية والكهرباء في الفيزياء, أو الصوت, أو الحرارة, تجد الفيزياء النووية والكيمياء العضوية واللاعضوية هذه علوم الله, والإنسان لم يفعل شيئاً سوى كشفها فالفلك والطب و الحيوانات والأسماك والأطيار كل شيءٍ اكتشفه العلم إنما هو من علم الله:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء الآية:85)
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
(سورة البقرة الآية:255)
فلو أنك ذهبت إلى مكتبة غنية تجد مئة ألف مجلد متعلقة فقط بالجسم, مثلاً كتاب ستة أجزاء عن القلب بالحرف الصغير, وكل جزء ثمانمئة صفحة عن القلب, لقد تصفحت كتاباً عن القلب منذ يومين, يشعر الإنسان بدهشة ويصعب عليه فهمه, وعن الرئتين, والدماغ, والعضلات, و العظام. هذا علم الله و هذا دينه, أيعقل أن يكون دين الله فيه خطأ, أو فيه تناقض, أو فيه أشياء غير معقولة ؟ هذا مستحيل انه خلق الله وكلام الله.
2- العلم:

لابد من تناسبٍ بين خلق الله و بين كلام الله, دقة بالغة في كلامه, و تشريعه, و أنبيائه, و قرآنه, فالنقطة الدقيقة التي أُريد أن أقولها:إن الحقيقة لا تخشى البحث أبداً مهما تقدم العلم بعد ألفي سنة, أو خمسة آلاف, لن يكتشف العلم حقيقةً تعارض القرآن الكريم و مستحيل ذلك لأن هذا كلامه وهذا خلقه, فمن سابع المستحيلات أن يكتشف العلم شيئاً مناقضاً للدين أبداً, وكلما تقدم العلم ازداد قرباً من الدين.
التقيت مع طبيبٍ جراح فقال لي كلما وجدت جرحاً إنتانياً مستعصياً شفاؤه أضع له العسل و هكذا درسنا في بريطانيا:يوضع العسل على الجروح الانتانية التي لا يرجى شفاؤها و خلال يومين يشفى المريض سبحان الله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية:69)
وعندئذٍ أدركت أن العسل إلى أن يكون دواءً أقرب منه إلى أن يكون غذاءً, بل إن العسل كما وصف من قبل بعض العلماء " صيدلية كاملة ".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/295/07.jpg
فالحقيقة لا تخشى البحث, لا تخف أن تقرأ مقالةً في مجلةٍ تنقض آيةً قرآنية, لأن خالق الكون هذا كلامه و ليس يعقل أن يكون في كلامه شيء مناقض لخلقه, وإذا كنت تُعرّف الناس بالله فقل لهم:أقرءوا ما تشاءون, اذهبوا أينما شئتم, ناقشوا من تشاءون, يبقى الحق حقاً والباطل باطلاً, وفي مقالةٍ قرأتها لم أنم الليل, لماذا ؟ قال:إنهم عرفوا نوع الجنين, هكذا بهذه البساطة الحقيقة لا تخشى البحث, لقد وجدنا جمجمة هي الحلقة المفقودة بين الإنسان و القرد و ذلك يعني أن نظرية داروين صحيحة كله كلام فارغ. هذا الذي لا يقرأ مشكلته مشكلة, وأخطر إنسانٍ في المجتمع هو نصف العالم أخذ شهادة فظن نفسه عالماً الجهل مفيد لأن صاحبه متواضع يتعلم و العلم مفيد, و لكن الشيء الخطر أن تتعلم شيئاً و تغيب عنك أشياء, أن تظن نفسك عالماً و أنت لست كذلك, قرأ في البكالوريا عن نظرية داروين أن الإنسان أصله قرد فعلق ذلك بذهنه و الدين يعتبره خرافة شيء قديم, أي أن هذا الإنسان كان إنساناً و أصبح قرداً مسخ الآن, إذا كان الإنسان همه بطنه وهمّه شهوته وليس عنده أية قيمة فإنه مسخ قرداً, أنا آمنت بها مؤخراً بشكلٍ معكوس, كان إنساناً فأصبح قرداً.
فالحقيقة لا تخشى البحث, لا تخف و لو ذهبت إلى عواصم الكفر و لو التقيت مع أكبر العلماء لا تخش على إيمانك, لا يوجد وقت للإفاضة في هذه الموضوعات, علماء من كبار الملاحدة حينما قرءوا بعض آيات القرآن قالوا هذا الكلام من فوق من عند جهةٍ فوق الكون, لأنه واضح, فالعلم اكتشف أن بلاد العرب كانت في القرون السحيقة بساتين و أنهاراً, فكيف عرفوا ذلك ؟ من المستحاثات, إذ يوجد مدن بكاملها في الربع الخالي مدفونة تحت الرمال, وجذوع أشجارٍ ضخمة, ومستحاثات متحجرة, ورسوبيات أنهار, والعلم أيضاً بحسب معطياته الحديثة يتنبأ أن خطوط المطر تنتقل إلى أن تغدو بلاد العرب بساتين و أنهاراً, العالم الجيولوجي الذي قرأ هذا الحديث الشريف قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا "
( ورد في الأثر)
وفي القرآن يوجد إشاراتٍ كلما تقدم العلم اكتشف بعض الحقائق, إلا أن الإمام علي كرّم الله وجهه قال:" في القرآن الكريم آيات لم تفسر والعلم كلما تقدم يفسرها " هذه الملاحظة الحقيقة لا تخشى البحث أبداً.
ديننا دين معقول مبني على العلم لأن الخالق عليم و هذا دينه فيه علم فلا يظن أحدنا أنه إذا تناقش مع كافر فسينهار أمامه, ولو أن لك إيماناً قوياً لا تخش به أن تواجه أحداً على وجه الأرض.
إذا تعارضت حقيقة من العلم مع القرآن كيف تفسر هذه الظاهرة ؟
لكن يوجد ملاحظة:لو أنك واجهت حقيقةً أو واجهت شيئاً في العلم يناقض شيئاً في الدين, فكيف تفسر هذه الظاهرة ؟ هناك ثلاثة تفسيرات:
1- أن يكون البحث العلمي تحت ضوء التجربة ولم يصل إلى الحقيقة:
التفسير الأول:إما أن البحث العلمي لم يصل إلى مرحلة الحقيقة فهو نظرية, فنظرية داروين لن تنقلب إلى حقيقة, وإن هذه النظرية تُخالف ما جاء في كتاب الله فهي نظرية لم تثبت, بل إن أهل العلم في أوروبا أنكروها وتجاوزوها والآن يسخرون ممن يتكلمون بها, فالذي يقول بها الآن أقول له كلمة واحدة:معلوماتك قديمة جداً وأهل العلم في أوروبا سخروا ممن يدعيها, فإذا كان هناك تناقض بين العلم وبين الدين فلأن البحث العلمي لم يصلْ إلى مرحلة الحقيقة بل بقي في حيز النظرية.
2- أن يكون المنقول عن الدين غير صحيح:
التفسير الثاني:أن المنقول عن الدين غير صحيح, مثلاً هناك 200 ألف حديث موضوع فلو أنك قرأت حديثاً موضوعاً بأي كتابٍ أو قرأت حديثاً ضعيفاً و ناقضاً حقيقةً علميةً لا نفعل شيئاً هذا الحديث ضعيف وقد تكون نسبة هذه الحديث ليست صحيحة, والحديث الموضوع يناقض العلم.
3- أن نسيء فهم الدين بحيث يتعارض الفهم مع العلم:
التفسير الثالث:أنه وقع الإنسان في خطأ في تفسير الحديث وفهمه.
فإما أن نسيء فهم الحديث أو أن يكون الحديث موضوعاً و إما أن تكون مرحلة البحث العلمي لا تزال في حيّز النظرية, هذه هي التفسيرات التي يمكن أن تفسر بها التناقضات أحياناً بين العلم والدين.
لا يمكن أن يوجد تناقض بين العلم والدين مهما تقدم العلم واكتشافاته:
الحقائق المقطوع بها في الدين, والنتائج التي يتوصل إليها العلم بطرقه اليقينية القاطعة فإن بينهما تمام التوافق ولا بد من أن يلتقيا على نقطةٍ من الحقيقة واحدة, ولأن الحق لا يتعدد قطعاً في الأمور الاعتقادية ولا في الكائنات الثابتة, أي إذا رسمت خطاً مستقيماً بين نقطتين, وأردت أن ترسم بين هاتين النقطتين خطاً مستقيماً ثانياً لابد من أن ينطبق على الأول تمام الانطباق, فإذا كان الخط الأول هو العلم والثاني هو الدين فلا بد من تطابقٍ كامل, أما إذا كان أول خط لم يمس النقطة الثانية أي كان منحرفاً و الخط الثاني يمس النقطة الثانية فستجد فرقاً بينهما, فالأول لن يمر من هاتين النقطتين.
ينبغي على المسلم أن لا يدافع عن الدين بنفي حقيقة علمية ثابتة فيه يكون سبباً في طعن الآخرين به:
في عهد الغزالي علماء درسوا أن الكسوف والخسوف مبنيان على قاعدة يقولون:إنه في يوم 23 الشهر الثالث الساعة الثامنة في الليل يخسف القمر هذا علم, و يوجد دورة حول الأرض و حول القمر فإذا وقع القمر بين الأرض و الشمس كان الكسوف, و إذا وقعت الأرض بين الشمس و القمر كان الخسوف, ففي عهد الغزالي اكتشف العلماء قانوناً للخسوف و الكسوف فلما أذاعوا به قام عليهم رجال الدين و اتهموهم بالزندقة و الكفر, فجاء العالم الغزالي الباحث فرد عليهم و قال:" ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا العلم " معرفة الكسوف والخسوف " من الدين فقد جنى على الدين و ضعف أمره, فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية و حسابية لا تبقي معها ريباً, فمن يطلع عليها و يتحقق أدلتها إذا قيل له:إن هذا خلاف الشرع لم يرتب فيه و إنما يرتاب بالشرع ".
إذا قلت لأحدٍ في أوروبا إن هناك عالماً في البلاد الإسلامية ينكر أن تكون الأرض كروية فهل يشك بعلمه أم يشك بالدين ؟ يشك بالدين طبعاً, إذا قلت له إن العالم الإسلامي الكبير ينكر أن تكون الأرض كروية جاء بمجلةٍ في بعض الدول الأجنبية, كتبوا فيها فلان العالم الفلاني يقول الأرض مسطحة في عام 1975, إذا قرأ الناس هذا الخبر بخطٍ عريض و قد ذهبوا إلى القمر و رأوا الأرض بأم أعينهم كرةً وصوروها و المجلات العلمية طافحة بصور الأرض وهي كرة, والأقمار الصناعية تصور كل دقيقةٍ, الأرض كرة وهناك من رآها كرة, فالإمام الغزالي يقول " إن هذا الذي يطلّع على هذه الحقائق إن قيل له جهلاً إنها خِلاف الشرع إنما يرتاب في الدين ولا يرتاب من هذه الحقائق و عندئذٍ يكون كمن طعن في الدين " فلا تتسرع لأن العلم لا يناقض الدين أبداً, ولا تنف شيئاً ثابتاً علمياً دفاعاً عن الدين فإن الدين لا ينقضه. والنبي عليه الصلاة و السلام لما توفي ابنه إبراهيم كسفت الشمس وقتها مصادفة فقال الصحابة:لقد كسفت الشمس لموت إبراهيم, فقال عليه الصلاة و السلام و هو العالم المُدقّق:
" أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت واحدٍ من خلقه ولا لحياته "
( ورد في الأثر)
هذه آية كونية.
لا تدافع عن الدين برد الحقائق العلمية الصحيحة, إن هذه الحقيقة تتوافق مع الدين إذا قلنا هناك زلزال فالزلزال له تفسيرات, حركة في باطن الأرض أدت إلى اهتزاز القشرة وتفسيرها معقد جداً, وأقول الزلزال من الله عز وجل هذا كلام صحيح, لا يمنع أن يكون للزلزال تفسيرٌ علمي جيولوجي وتفسير ديني التفسيران يتوافقان ويتكاملان, وهذا الزلزال سببه اضطراب الأرض ومسبب السبب هو الله عز و جل قضية سهلة جداً, إذا قلت إن هنا زلزالاً أصاب قريةً فأهلكها لأنها فاسدة فهذا كلام صحيح و كلام ديني, و إذا قلت إن الزلزال هو اضطراب في القشرة الأرضية وانزياح الطبقات عن بعضها, وتسرب بعض المائع الناري إلى الطبقات العليا, وخروج بركان أيضاً فصحيح. وهذا العلم لا يتناقض مع الدين إطلاقاً بل يلتقيان ويتوافقان.
انطلاقاً من هذا الكلام, إذا مرض للإنسان ولد فعليه أن يأخذه إلى الطبيب و يشتري الدواء و يعطيه إياه ثم يتوكل على رب الأرباب اعقلها وتوكل هذا هو الدين, لذلك اطمئنوا لن تكتشف حقيقةٌ علميةٌ حتى نهاية الحياة تناقض ما في القرآن لأن هذا الكلام كلامه وهذا الكون خلقه, ولا يعقل أن يكون في كلامه تناقض أو في كلامه ما يناقض خلقه.والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى عشر )



الموضوع : تتمة درس الإيمان بالله عن طريق: 1- الفطرة, 2- الأدلة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أدلة الإيمان بالله:
1- دليل الفطرة:
أيها الأخوة, لازلنا في موضوع العقائد ولازلنا في موضوع الإيمان بالله سبحانه وتعالى وقد بينت لكم في الدرس الماضي أن الأدلة على الإيمان بالله نوعان:
1- دليل فطري: أي أن الله سبحانه وتعالى فطر الأنفس على الإيمان به, فإذا آمنت استقرت واطمأنت وارتاحت وسعدت, وإذا كفرت اضطربت وضاقت عليها الأرض بما رحبت ومرضت وظهرت عليها أعراض الكبر, والقسوة, واللؤم, والأثرة, والاستعلاء قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
(سورة طه الآية: 124)
هناك قوانين تحكم الفطرة منها:
1- أن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها:
سألت الأخوة سؤالاً إبداعياً: ابحثوا لي عن بعض القوانين التي تحكم النفس, وقد قلت واحداً منها في الدرس الماضي: إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, فأي نفس, وأي إنسان, أي مخلوق من أي جنس, من أي عرق من أي لون, ومن أية بيئة, هذه النفوس جبلت على حب من أحسن إلـيها, " قيل بالبر يستعبد الحر " عجبت لمن يشتري العبيد بماله ليعتقهم, لِما لا يشتري الأحرار بمعروفه ! المعروف آسر, إذا أردت أن يحبك الناس أحسن إليهم, إذا أردت أن توجه الناس فأحسن إليهم قبل أن توجههم, فإذا أحسنت إليهم قبل أن توجههم وقع توجيهك في قلوبهم كوقع السحر, فإذا أسأت إليهم ثم وجهتهم كرهوا هذا التوجيه ولو أنه على حق, فالزوج القاسي على زوجته لو أمرها بالصلاة و الاستقامة فإنها تكره الصلاة من أجله ومن أجل بخله, إنها تكره الصلاة من أجل قسوته في كلامه معها, وهذا القانون مهم جداً, أنت رئيس دائرة تريد أن يحبك الموظف فأحسن إليه, " ياداود ذكّر عبادي بإحساني إليهم إنَّ النفوس جُبلت على حُب من أحسن إليها " لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
" بُعثت بمداراة الناس "
( ورد في الأثر )
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي, نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ, وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا, وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ, وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً, وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً, وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ "
(أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح)
رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس.
2- النفس تستعظم من فاقها في صفة هي فيها:
هناك قانون آخر, النفس تستعظم من فاقها في صفة هي فيها, يعني من يعظم الطبيب الجراح ؟ الطبيب, ومن يعظم التاجر الكبير ؟ التاجر الصغير, من يعظم العالِم ؟ من كان في درب العلم, لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل, وهذا قانون ثان أي إذا أردت أن تسيطر في بيتك فكن أفضل من زوجتك, قاعدة:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 34)
لن تخضع لك الزوجة إلا إذا فقتها في الورع والتقى, في الكمال والعلم, في الفهم والذوق, فإذا كنت أقل منها لن تخضع لك, لو أنك مدير مدرسة إن لم يكن علمك يفوق كل من عندك من المعلمين فلن تستطيع أن تقودهم, إن كنت مدير مستشفى ولم يكن علمك يفوق علم كل الأطباء الذين عندك فلن تستطيع أن تقودهم, النفس لا تخضع إلا لمن فاقها في موضوع العلم أو الخبرة أو التجارة أو ما شاكل ذلك وهذه كلها أشياء فطرية.
2- الدليل العقلي الذي يحتاجه العالم كأداة له في حواره مع الآخرين:
الدليل العقلي: الذي يحتاجه الداعية إلى الله, أما العابد فقد يكتفي بالدليل الفطري لأنه مطمئن إلى وجود الله وإلى أسمائه الحسنى, لكن العالم لا يكفيه الدليل الفطري, فكيف يعلم الآخرين ؟ كيف يرد على شبهاتهم ؟ كيف ينهض بهم ؟ كيف يصلح أحوالهم ؟ العلم هو الأساس, إن الله عالم يحب كل عالم " لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ", " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ".


كيف نرد على الشبهات حول مسألة وجود الله ؟
نحن بحاجة ماسة إلى دليل العقل أو أنك إذا أردت أن تعلّم الناس فالإحساس الفطري لا يصلح للنقل, الدليل: أنت تحس بالجوع تقول لإنسان: أنا جائع, فيقول لك: ما الدليل؟ ليس معك دليل عقلي, الإحساس الفطري لا يُنقل هذه مشكلته وهو مريح وسهل ولكن لا ينقل للآخرين ولا يعرفه إلا صاحبه, فإذا أردت أن تنقل للناس إيمانك بالله فأنت بحاجة إلى الدليل العقلي, إذاً طلب العلم فريضة ولابد من أن تعرف الله بالفطرة والعقل, لأنك بالعقل تقيم الحجة, قد يسألك طفلك في الصف السابع ما الدليل على وجود الله ؟ أنت تصلي وتصوم وتحج إن لم تملك الجواب المناسب فإن ابنك يتزلزل فأنت بحاجة ماسة إلى الدليل العقلي.
ينبغي على المؤمن الذي توصل إلى الحقيقة أن لا يخشى من مجادلة الآخرين له حول معتقداته:
هذا الذي عرف الله واستقام على أمره وأقبل عليه وأحس بوجوده وسعد بقربه وتجلى الله على قلبه ورأى من الله معاملة تأخذ بالألباب, هذا الإنسان عرف الله, وحينما أقيم له الدليل على وجوده كأني أرجع به إلى الوراء, طالب في الجامعة في الصف الثاني فرع اللغة العربية أقول له الكلمة: اسم وفعل وحرف هذا مستوى الصف الرابع الابتدائي تجاوز هذا, ومع ذلك لابد من متابعة الموضوع أولاً بأول ومرحلة مرحلة وباباً باباً, أتمنى عليكم الفكرة الأساسية أن الحقيقة لا تخشى البحث يعني إيمانك يجب أن يكون خاضعاً للتداول ولو عرضته على إنسان ملحد يجب أن تقيم عليه الحجة, ولن يظهر في المستقبل ولا إلى يوم القيامة حقيقة علمية تناقض آية قرآنـية لأن هذا دين الله.
الحقيقة لا تخشى البحث أي إذا حللت مسألة رياضية حلاً صحيحاً وفق القوانين المستخرجة من المسلمات لا تخشى أن يطلّع أحد على هذه الورقة, أما إذا كان بالحل تدليس رقم ليس له أصل خطأ بالجمع, جاء الجواب مصادفة موافق للمعطيات بهذا الحل لا ترغب أن تعرض الورقة على إنسان أنا نجحت وانتهى الأمر, الحل فيه خطأ فيه تدليس وتزوير, فمن الذي لا يخشى أن يطلع أحد على مسألته ؟ من كان واثقاً بصحتها, يجب أن تتأكد أنك على حق, والحق لا يخشى البحث.
الدين الذي يبنى على العادات والموروثات البيئية البعيدة عن ضوء العلم يذل معتنقه لأنه باطل لا أثر له:
مثلاً الدين البوذي: البقرة مقدسة وروثها مقدس, إذا سافر أحدهم إلى أوروبا وهو هندي بوذي يستحي أن يعرض ديانته على الناس لأنه غير منطقي فيها خرافة, ونجاسة, ووهم وضلال, إنسان يأخذ روث البقر ويضعه على جبينه أيام العيد, وبقرة تقطع الطريق ثلاث ساعات تدخل إلى حانوت البقال تأكل ما لذ وطاب والشعب جائع, البقرة تدفن دفناً بمراسم مقدسة والإنسان يحرق حرقاً, لكن المسلم في أي مكان وزمان, في أي عصر أو مصر, في أي ظرف مع أي إنسان, دين الله حق, صدق, واضح, لذلك هذه الفكرة أتمنى أن تكون عندكم واضحة: الحق لا يخشى البحث, لأنك لو بحثت عنه لآمنت به هذا هو الحق, أما الباطل فتخشى أن يسألك الناس عن هذا الموضوع لأن في ذلك إحراجات, قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ "
(أخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي في سننه)
الفرق بين دين الإسلام و بين الديانات الأرضية عند البحث والتدقيق العلمي:
دين الله لا يخشى البحث, ولا يخشى الإطلاع ليطلع عليه كل الناس, ليطلّع عليه أعداء الإسلام هذا دين الله, حق, وصدق, وضوح, وإشراق مئة بالمئة, ولا يوجد شيء في الإسلام غير قابل للتداول, كل حقائقه قابلة للتداول, كل حقائقه قابلة للنشر, وكل حقائقه معده للتصدير, لا يوجد لدينا شيء سري, وبعض الأديان يخشى البحث والمناقشة والبحث والتمحيص والدقيق وعند السؤال والجواب ينهار. هذا الذي جعل بعض كبار المفكرين في فرنسا يؤمنون بالله وبالإسلام ويدخلون الإسلام, وهذا الذي جعل أعداء الدين أحياناً يسلمون لأنهم يخضعون للحق.
وفي الكون مبدأ واحد وهو الحق, إن كنت معه فهنيئاً لك, وإن كنت على خلافه فالويل لك " ومن لم يكن مؤمناً حقاً فهو كافر حقاً ".
الباطل لا أثر له في الوجود مهما تنوعت أساليبه:
أعتقد أنه يوجد أكثر من مليون باطل في الأرض, أي أن تصل إلى هدف بأية وسيلة ولو كانت ساقطة مثلاً: امرأة مضطرة إلى دخل كبير باعت شرفها هذه وفق النظرية الذرائعية عملها صحيح إنها توصلت إلى هدفها بصرف النظر عن نوع الوسيلة هذه نظرية باطلة, والنظرية الإلحادية باطلة, والنظرية الوجودية باطلة, أي يجب أن تعيش لحظة وجودك.
شخص واقف في مكان ما ووجد أمامه طعاماً نفيساً ليس له فأكله, واستطاع أن يقضي شهوته من أي طريق بأي ثمن بالحق, بالباطل, بالخير, بالشر, يجوز أو لا يجوز مسموح وغير مسموح, هذا الشيء تقره الأديان أو لا تقره, هذا الذي يقتنص اللذة من أية طريق هذا وجودي فالوجودية باطلة, مليون نادٍ في العالم كلها مبنية على الباطل, لكن كل هذه الأنواع من الباطل تجمعها صفة واحدة, عندما ربنا يصف العقول الحائرة وصفه جامع مانع قال:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 81)
فربنا عزّ وجل جمع كل أنواع الباطل الاعتقادي والسلوكي والاجتماعي والنظم الوضعية والتشريعات الوضعية قال:
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
( سورة الإسراء الآية: 81 )
نموذج من الصحابة الذين اتبعوا الحق وبين معارضيه الذين اتبعوا الباطل وبيان مآلهم عند الله:
فهنيئاً لمن كان مع الحق لأنه مع الثوابت, التعامل مع الله عزّ وجل مريح جداً, فتعاملك مع الله هو تعامل مع قيم ثابتة, فالتعامل مع الأشخاص فيه خطر لكن التعامل مع الله عزّ وجل فيه طمأنينة:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
(سورة التوبة الآية: 111)
أبو لهب وأبو جهل هما زعيما الكفر في مكة المكرمة مضى على موتهما 1400عام والعام 365 يوماً وربنا عزّ وجل قال:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
(سورة غافر الآية: 46)
اضرب 1400 × 362 × 2 =
﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾
( سورة غافر الآية: 46 )
والخير للأمام ولا نزال في الدنيا ولم تقم يوم القيامة, وخُذ أبا بكر الصديق, وخُذ سيدنا عمر من الصحابة الكرام قبورهما روضة من رياض الجنة, اذهب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ثم قل: لماذا أنا سعيد ؟ لماذا أنا مغموس في سعادة لا توصف ؟ روائح طيبة, أي أنت وقفت أمام المقام لاشك أن هذه النفس الطاهرة فاحت عليك روائحها الطيبة, كيف بأصحابه الذين افتدوه بأرواحهم ؟.
الحق واحد لا يتعدد من أجل ذلك لا يخشى البحث:
مثلاً إذا قلت: الأرض كروية, هل تخشى بهذه المقولة أحداً ؟ إنها صوِّرت وراءها الناس بأم أعينهم كرة, هل تخشى أن تقول لعالم في دولة أجنبية أن الأرض كروية ولا تقل لأحد ؟ إنها حقيقة صارخة مسلّم بها, يجب أن يصل إيمانك بالإسلام إلى مستوى إيمانك بأن الأرض كرة هذه الحقيقة صارخة ومسلّم بها ومقطوع بصحتها ولا تخشى البحث, الذي يقول الأرض مسطحة في عام 1986 هناك علماء يصرون على أن الأرض مسطحة منبسطة فهل تخشى أفكارهم البحث ؟ نقلت بعض أفكارهم في صحف أجنبية فما كان من قراء هذه الصحف إلا أنهم سخروا إذا قال الإنسان الأرض منبسطة هذا ليس حقاً بل باطل, والباطل يخشى البحث لأنه مع البحث يسقط.
إذا كان لدينا قطعة معدنية مطلية بماء الذهب وهي تنك, وهذه القطعة هل تخشى الحك ؟ نعم لأنها مزورة تخشى الاستعمال, أما الذهب الطبيعي لا يخشى الاستعمال لأنه غير مزور, وهذه نقطة دقيقة الحقيقة لا تخشى البحث, إنني أكثرت من ذكر ذلك الموضوع لأنني أحب أن تكون عندكم واضحة, إذا كنت على حق فلا تخف ربنا عزّ وجل قال:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
انظر إلى هذا الطرح الموضوعي يعني الحق واحد, أما نحن على الحق وأنتم على الباطل, أو أنتم على الحق ونحن على الباطل والمناقشة بيننا, لقد كان لي عمل إداري في التعليم فكان الموظفون الذين معي لي معهم كلمة مشهورة, إما أن أقنعك أو أن تقنعني فالعلاقة علمية الحق رائدنا جميعاً, أعطيك أمراً إما أن تقنعني أنه خطأ فأتراجع عنه أو أن أقنعك أنه صحيح فيجب أن تأخذ به بالدقة والتمام,
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
( سورة سبأ الآية: 24 )
لا يوجد حل ثالث إما الحق وإما الباطل, الحق واحد ولا يوجد حقان, هناك قاضٍ جاءه متخاصمان, تكلم الأول كلاماً منطقياً قال له: الحق معك, ثم تكلم الثاني فقال له أيضاً: معك حق شيء منطقي. ويظهر أن زوجته كانت معه فقالت له: يا فلان ما هذا الحكم ؟ فقال لها: والله معك حق أنت أيضاً, وهنا أصبح الحق ثلاثة, الحق واحد إما معي وإما معك
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
( سورة سبأ الآية: 24 )
انظر إلى هذه الموضوعية قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
(سورة النحل الآية: 125)
بعض الإرشادات والتوجيهات للداعي إلى الله:
1- ينبغي لحامل الرسالة أن يكون كلامه ليناً سهلاً بعيداً عن القسوة والفظاظة:
لو أن الحق معك فلا تكن فظاً بنقل الحق كن لطيفاً, ليس القصد أن تحطمه, القصد أن تأخذ بيده, وليس القصد أن تشهر بجهله بل القصد أن تعلمه, فحتى لو دعوت إلى الحق يجب أن تدعو إليه باللطف والإحسان.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
( سورة النحل الآية: 125)
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 159)
دخل رجل لعند ملك فقال له: سأعظك وأغلظ عليك قال له: ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ إن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني أرسل موسى إلى فرعون, فهل أنت مثل موسى ؟ وهل أنا مثل فرعون ؟ فقال له:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
(سورة طه الآية: 44)
الدعوة باللين والنعومة وليس بالغلظة
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
( سورة آل عمران الآية:159 )
2- على حامل الرسالة أن يكون متمتعاً بالعلم والذكاء والحكمة:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾
(سورة الحج الآية: 8)
ليس عنده علم, ولا قلب مستنير, ولا فهم لكتاب الله, فكيف يتصدر للدعوة إلى الله ؟ فإما أن تكون عالماً, أو أن تكون ذا قلب مستنير, أو أن تملك تفكيراً صحيحاً لكتاب الله
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾
( سورة الحج الآية: 8)
إذا أردت أن تجادل فبالعلم أو بالهدى أو بالكتاب المنير, وإذا أردت أن تجادل فبالتي هي أحسن
3- أن لا يبين للمعرض أثناء الحوار أنه على باطل وهو على حق وإنما يتبع الحجة والبرهان:
إذا أردت أن تجادل لا تقل: أنا على حق وأنت على باطل بل قل: إما أنا غلطان وإما دعنا نتناقش قال تعالى:
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة سبأ الآية: 24 )
فنحن رائدنا المنطق, و الحقيقة, و الدليل العقلي, والبيّنة, والبرهان هذا رائدنا, فأنا أطرح فكرة إما أن تثبتها أنت أو أن ترفضها هذا أول أدب, النبي صلى الله عليه وسلم زار صحابياً في ظاهر المدينة فلما جلس النبي الكريم هناك صحابي سأل عنه اسمه مالك ابن الدخيشن قال أين مالك ؟ قال رجل: نافق مالك " هذا منافق " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا " فما يعني بلا ؟ " قال له آخر: إنه يبغض الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا, فما يعني بلا ؟
فإذا قال النبي ليس منافقاً وهو منافق شك أصحابه بتقييمه, وإذا سكت فمعنى ذلك أنه أقرهم على تقييمهم, فقال: لا, حتى يفهمها أصحابه لا تقولوا هذا الكلام, ويفهمها مالك ابن الدخيشن أنه ليس منافقاً, وفعلاً بعد فترة عاد إلى النبي وحسن إسلامه وتاب إليه, قول الرسول فيه لطف, ثم قال: " عَنْ عَبْدِاللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ وَهْوَ لا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ "
( ورد في الأثر )
البحث العلمي يفضي صاحبه إلى الإيمان بالله:
البحث العلمي يفضي إلى الإيمان بالله, أي إذا كان إنسان لم يخطر في باله أن يؤمن بالله عزّ وجل, الإيمان بالله خارج اهتمامه, مثلاً يحضّر دكتوراه في الطب في دولة أجنبية عندما يطالع الحقائق العلمية المذهلة يجد نفسه بشكل لا شعوري يؤمن بالله العظيم, فالحقيقة وحدها تنقلك إلى الإيمان بالله شئت أم أبيت, أحببت أم كرهت, هذا ما قاله الإمام الغزالي:
طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله
فإذا درس إنسان الإسلام حتى يرد عليه نجده غالباً يصبح مسلماً, وهذا ما حصل لكبار أعداء الإسلام, إنهم درسوه ليردوا عليه لأنه حق فأذعنوا له. البحث العلمي المجرد يوصل إلى الإيمان بالله شيء طبيعي, الدليل:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(سورة آل عمران الآية: 18)
أي أولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلا الله وأنه قائم بالقسط.
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
(سورة فاطر الآية: 28)
لا يخشى الله إلا العلماء الراسخين في العلم:
العلماء ينقلهم علمهم لا إلى الإيمان بالله فقط بل إلى خشيته, يعني إذا أحدهم عرف أن هذا مفاعل نووي وله إشعاعات قاتلة فإذا عرف أن هذا المفاعل خطر هل يعتقد أنه خطير ويقف أمامه أم يبتعد ؟ إنه يبتعد, وهناك أدوية زراعية خطرة جداً, لا يسمح له البائع أن يبيعها إلا بعد أن يأخذ تصريحاً خطياً من الشاري بحسن استخدامه, وهناك رجل اشترى هذا المبيد وحله في وعاء ورش به الشجر وغسله خمسة وجوه وطبخ فيه وأكل هو وزوجته وخمسة أولاد فكلهم ماتوا, فإذا عرفت بالضبط خطورة هذا الدواء هل تعرف فقط أنه خطر فقط ؟ هل تكتفي بالمعرفة فقط أم تطبق استعمالات الدواء 100% ؟ المعرفة اليقينية تنقلك حتماً إلى تطبيق وماذا قال ربنا ؟
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28 )
فالعلماء وحدهم لم يؤمنوا به فقط بل إنهم يخشونه, ربنا عزّ وجل قال:
﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
(سورة الزُمر الآية: 9)
وقد بحثت بنفسي عن حالتين حادتين إذا كنت جائعاً جوعاً شديداً وأنت موضوع في مكان فيه أنفس أنواع اللحم المشوي مع كل أنواع المقبلات وفي مكان رائحته كريهة تفوح منه إلى 2 كم فأسألك هل يستوي هذا الطعام وهذا الطعام ؟ إنه ليس فرقاً بين لحم وأرز أو لحم ضأن وجمل ليس هذا الفرق, يا ليت هذا فرق ! الفرق بين لحم من أنفس أنواع اللحم وبين رائحة كريهة ظاهرة,
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر الآية: 9)
لذلك قالوا: مرتبة العلم أعلى المراتب. العلماء أحياء ما بقي الدهر وكذلك كل مؤمن مخلص في إيمانه لله:
دخلت مرة على طلاب سألتهم سؤالاً ؟ قلت لهم: إذا أجابني أحدكم فسوف أمنحه علامة تامة باللغة العربية, من يذكر لي اسم تاجر واحد عاش سنة 1810 بالشام ؟ صمتوا, تركتهم 10 دقائق لم يعرفوا قلت لهم: وأنا لا أعرف مثلكم صدق القائل:
مات خُزّان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر
كم مرة يذكر سيدنا عمر في العالم الإسلامي باليوم الواحد ؟ وكم مرة نقول الإمام الشافعي ؟ العلماء باقون ما بقي الدهر, أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة, أمّا خُزّان المال انتهوا, هذا الكلام المقصود به أصحاب الأموال غير المؤمنين فقط, أما المؤمن فله ذكر حسن وعطر, وإن المال له قوة, والعلم له قوة, فهناك إنسان بماله يهدي الناس و يرقى إلى سابع سماء, أمّا المؤمن فتشتهي والله أن تكون مثله غنياً لتواضعه وسخائه وكرمه وإرسال ماله إلى الدار الآخرة قبله من أجل أن يسره اللحاق به, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
(سورة المجادلة الآية: 11)
الله سبحانه وتعالى يرفع العالم به درجات, الإمام البخاري لم يكن عربياً بل من بخارى و علماء كبار جداً ملء السمع والبصر لم يكونوا عرباً, ما الذي رفعهم في نظر العرب ؟ إنه علمهم, أما النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: " ليست العربية بأحدكم من أب وأم ولكن من تكلم العربية فهو عربي " مقياس رسول الله للعروبة من تكلم العربية, لأنه أحب هذه الأمة حبه لها دفعه إلى تعلم لغتها لأنها لغة القرآن هذا مقياس النبي مقياسه بالنسب القومي
" من تكلم العربية فهو عربي "
ومقياسه بالنسب الحقيقي " أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً "
( ورد في الأثر )
وأجمل شيء في الإسلام ليس فيه تفرقة ولا طبقية ولا عرقية مبدأ واحد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
(سورة الحجرات الآية: 13)
سلمان منا آل البيت. ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
(سورة المسد الآية: 1)
ينبغي على المسلم أن يكون حريصاً على معتقداته فلا يتبع ما ليس له علم:
الله عزّ وجل نهى عن اتباع ما ليس لك به علم قال:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 36)
الإنسان قد يؤمن بعقيدة من دون تحقق, و تثبت, وتدبر, ويقول: إنَّ فلاناً قال لي: إن هذا صحيح وحق, فهل سأله: ما الدليل ؟ قال العلماء كلمة مشهورة: " إذا كنت ناقلاً فالصحة وإذا كنت مبتدعاً فالدليل ", إذا قال لك أحدهم: إن الموضوع كذا وكذا فاسأله ما الدليل ؟ أدليل عقلي أم دليل نقلي ؟ آية, حديث متواتر أو حديث صحيح ليس بضعيف, أو حديث موضوع أو آحاد, تحدثنا عن هذا سابقاً.
كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء لأنه هناك يوجد وحي و معجزة, ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس وما جاءنا من سواه فهم رجال ونحن رجال, عوّد نفسك أي إنسان أدلى إليك بمعلومة أو بتوجيه أو بحكم اسأله: ما الدليل ؟ إذا مات إنسان يوم الجمعة دخل الجنة قل له: أخي هذا الحديث أين قرأته ؟ من أي كتاب ؟ من قال لك إياه ؟.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث عشر )



الموضوع : الوصول للإيمان بالله: 1- الأدلة الفلسفية, 2– دليل الالتزام العقلي بين الوجود والعدم


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأدلة الفلسفية على وجود الله:
1- دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم:
أيها الأخوة, وصلنا في موضوعات العقائد إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبينّا في الدرس الماضي أن للإيمان بالله أدلة فطرية وأدلة عقلية, وأن الدليل الفطري يتعلق بصاحبه ولا ينقل, وأن العابد قد يكتفي بالدليل الفطري بينما العالم إذا أراد تعليم الناس لابد له من دليل عقلي, أو أن الفطرة التي انطمست عنه وذهب صفاؤها وانمحت خصائصها لابد لها من دليل عقلي, وهناك أدلة فلسفية و علمية متنوعة جداً على وجود الله, فالإنسان البسيط يرى دليلاً بسيطاً, والفيلسوف يرى دليلاً فلسفياً, والعبقري يرى دليلاً بالغ التعقيد, وكل إنسان في هذه الأرض يجد دليلاً قاطعاً كافياً مقنعاً بحسب مستواه, وعلى كلٍ فالدليل الفلسفي يحتاج إلى دقة وإلى متابعة, وأرجو الله عزّ وجل أن يعينني على تبسيط الأمور.
الدليل الأول على وجود الخالق سبحانه وتعالى: اسمه دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم, فالأصل في الخالق الوجود فوجوده واجب و هو الأصل في الكون, ومعنى كلمة كون أي ما سوى الله العدم, و نحن قبل هذا الدرس تحدثنا عن واجب الوجود وعن مستحيل الوجود وعن جائز الوجود, والأصل في الخالق أنه واجب الوجود, والأصل في الكون العدم فهل وجوده مستحيل ؟ لا, ممكن, جائز, الكون وجوده جائز يعني كان الكون وكان من الممكن أن لا يكون, فوجود الكون جائز ولا يمكن أن يكون السبب في إيجاد الممكن إلا واجب الوجود هذه النتيجة لكن لها تفصيلات كثيرة, التفصيل: لا يشك عاقل في الدنيا بأن الوجود يقابله العدم, هذا الكأس موجود يقابله شيء واحد أن لا يكون موجوداً, الوجود يقابله العدم وأنه لا يوجد حالة ثالثة بين الوجود والعدم, الآن هذان الشيئان: الوجود والعدم إذا وجد أحدهما انتفى الآخر فماذا نسمي هذين الشيئين ؟ متناقضين أي أن وجود أحدهما ينقض وجود الأخر, إذا وجد أحدهما انتفى وجود الآخر, فإذا انتفى وجود أحدهما وجد الآخر.
هل الأصل وجود الله أم عدم وجوده ؟
الآن عندنا سؤال: هل الأصل وجود الله أم عدم وجوده ؟ إذا قلنا عدم فكيف جاء الوجود من عدم مستحيل عقلاً, وللإجابة عن هذه التساؤلات لابد من أن نسلك مسلك افتراض أن أحدهما هو الأصل, ثم ننظر ماذا ينتج من كل فرضية ؟ فلنفترض جدلاً أن الأصل كل ما يخطر في الفكر وجوده هو العدم, ومعنى العدم نفي كل ذات يخطر في بالك ونفي صفاته فلا ذات ولا قوة ولا إرادة ولا علم و لا حياة ولا أي شيء هذا معنى عدم, وبحسب هذا الافتراض نتساءل ؟ كيف استطاع العدم وهو الأصل أن يتحول إلى وجود ؟ هذا مستحيل عقلاً, بيت فارغ ليس فيه شيء, تأتيه الساعة الثانية ظهراً فإذا فيه مائدة عليها ما لذ وطاب, البيت فيه عدم والعدم لا يمكن أن يتحول إلى وجود ألسنا نشعر بوجود أنفسنا ؟ ديكارت قال: " أنا أفكر فأنا موجود " يعني إذا واحد شك في الوجود لن يستطيع أن يشك في وجود نفسه, أنا موجود, ألسنا نشعر بوجود أنفسنا ؟ ألسنا نرى بأم أعيننا موجودات كثيرة من حولنا ؟ والعدم كما عرفناه النفي العام لكل ما يخطر ببالك إذن هنا شيء موجود, أنت موجود, والجبال موجودة, وبيتك, و زوجتك, وأولادك, وحانوتك, والطريق, والبحر, والجبل, والبادية هذه أشياء تحس بوجودها إحساساً هي موجودة فكيف يأتي منها العدم العام ؟ نحن فرضنا أنه في الأصل هناك عدم عام فكيف يأتي هذا العدم العام ؟ العام ذوات وصفات وقوى تنطلق بنفسها من العدم إلى الوجود وانطلاقها لا يكون إلا بقوة, تحدثنا عن الشمس, وأن هذه الشمس مضى على اتقادها خمسة آلاف مليون عام ولن تنطفئ قبل خمسة آلاف مليون عام طيب نحن على مستوى التجربة اليومية الموقد عندنا في البيت إذا فرغت منه الطاقة ينطفئ منذ خمسة آلاف مليون عام, والشمس متقدة تصل حرارتها إلى 20 مليون درجة في المركز ينطلق من سطحها ألسنة لهب يزيد طولها عن نصف مليون كم 20 ألف مليار طن من الفحم الحجري لو أحرقتها لعادلت ما تنتجه الشمس من طاقة في الثانية الواحدة شيء موجود, لو انطفأت الشمس فجأة لانخفضت الحرارة في الأرض إلى ثلاث مئة وخمسين درجة تحت الصفر, انعدام الحرارة والنور والدفء كافيان للقضاء على كل أنواع الحياة هذا شيء موجود, فهذا الوجود لا يعقل أن يكون من عدم هذا شيء مستحيل عقلاً, وهذه الأرض تزن لا أدري كم من آلاف ملايين الأطنان تنطلق بسرعة قدرها 30 كم في الثانية, تحريك الأرض يحتاج إلى طاقة كتحريك السيارة يحتاج إلى طاقة, وكلما زاد وزن السيارة استهلكت وقوداً أكثر, والشمس تنطلق بسرعة 250 كم / ثا مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة, مجرتنا تنطلق بسرعة 240ألف كم / ثا أي تقترب سرعتها من سرعة الضوء, ما هذا ؟ عندنا ذوات, وعندنا صفات, وعندنا قوى, وأشياء موجودة, إنه من المستحيل بداهة أن يتحول العدم بنفسه إلى وجود, والوجود لن يكون من عدم, هذه من بديهيات العقل كأن تقول الكل أكبر من الجزء, هذه العقائد أصلها في القرآن, قال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾
(سورة الطور الآية: 35)
يوجد آيات في جسم الإنسان فقط لو تأمل الإنسان بها لذاب من الله خجلاً فالعظم وخلاياه ونموه, وهذا الطفل الصغير عظم فخذه قصير وساقه أيضاً وينمو فإلى أي حد ينمو ؟ وما الذي يأمره أن يقف ؟ إن هذه القضية لا حل لها في علم الطب.
أمسك عصاً وميلها قليلاً تقع, فلماذا العصا تقع والطفل لا يقع ؟ سؤال مهم جداً الجواب: بالأذن الداخلية يوجد ثلاث قنوات كالأقواس وهي نصف دائرية فيها سائل, وفي القسم العلوي من هذه القنوات أشعار فإذا مال الإنسان هكذا فالسائل أفقي فيأتي السائل إلى نقطة أعلى في الطرف الآخر فيلامس هذا السائل الأشعار فتبلغ الدماغ إن التوازن أختل فيعطي أمراً فيعود, ولولا جهاز التوازن في الأذن الداخلية لما أمكن الإنسان أن يركب دراجة, حيث إنه لو مال سنتمتراً واحداً يعيد توازنه إلى الوضع الصحيح, جهاز التوازن من الدماغ, وعندما تلتهب الأذن الداخلية للإنسان يختل جهاز توازنه ويمشي مباعداً بين قدميه حتى يتخذ سطح استناد واسع, فالطبيب يعلم أن هذا معه التهاب في أذنه الداخلية من عرجته قال تعالى:
﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 59)
هذه الآية دليل على أن الشيء الموجود لا يمكن أن يكون من العدم مستحيل, يوجد تدبير مصمم و قدرة مصممة و حكمة وعلم و خبرة و أسماء حسنى, أي: هل انتقلوا من العدم إلى الوجود من غير خالق ؟ أم هل كانوا هم الخالقين ؟ وهكذا لو كان العدم هو الأصل العام لم يوجد شيء, و إذا قلنا: إن العدم هو الأصل إذاً لم يوجد شيء, ونحن بهذا نفينا أن يكون الأصل هو العدم, ولذلك كان علينا أن نفهم حتماً أن الأصل هو الوجود, والأصل أن هناك شيئاً موجوداً وبهذا الدليل ثبت بشكل عقلي قاطع أنه لا يصح أن يكون العدم هو الأصل وحيث كان الأمر كذلك فقد ثبت بشكل عقلي قاطع أيضاً أن الأصل هو الوجود لأن الوجود كما سبق نقيض العدم ولا شيء بينهما, وهذا دليل قاطع مقنع أي قطعي الثبوت, ثم نقول: ما كان هو الأصل بين شيئين متناقضين لا يحتاج وجوده إلى تفسير أو تعليل من أين أتى ؟ ومن خلقه ؟ شيء من الممكن الوجود أما واجب الوجود فلا يقال من أين جاء لأنه هو الأصل وهو الأول, فكلمة من خلقه, ومن أين جاء ؟ وماذا كان قبله ؟ هذا الكلام لا يصح بحق واجب الوجود لكنه يصح بحق ممكن الوجود, الذي كان من الممكن أن لا يكون أو كان, هذا يقال له من أين جاء, وبهذا الاستدلال ظهر لدينا بوضوح شيئان:
1- أن الأصل الوجود.
2- وأن الأصل لا يتطلب في حكم العقل سبباً ولا تعليلاً أكثر من أن يقال إنه هو الأصل.
ضرب أمثلة من الواقع على بصمات القصد دليل على وجود صانع في الكون:
إذا كنت تمشي في الطريق واستمعت إلى بوق سيارة وانحرفت نحو اليمين هل تصدق أن هناك جهازاً في الدماغ بالغ التعقيد حسب تفاضل وصول صوت البوق إلى الأذنين, فإذا كان التفاضل واحداً على 1650 جزءاً من الثانية عرف هذا الجهاز أين جهة السيارة فأعطى أمراً للعضلات أن تنطلق في الطريق المعاكس ؟ جهاز وما أكثر الأجهزة من ضعفنا ومن محدودية علمنا نظن سذاجة أنه عندنا جهاز الدوران, وجهاز الهضم, وجهاز التصفية, وجهاز البول وجهاز التناسل, مع أن هناك عشرات الأجهزة التي لا نعرفها إلا إذا فقدناها, فالإنسان لديه جهاز اسمه جهاز توازن السوائل مركزه بالكظر, لو اختل هذا الجهاز لأمضى الإنسان يومه كله في شرب الماء وطرحه.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الطور الآية:35)
هذا الحيوان المنوي حينما ينطلق باتجاه البويضة كيف يدخل إليها ؟ وبعد الفحص الإلكتروني ظهر في رأس هذا الحيوان غشاء رقيق جداً يحبس سائلاً إذا لامس جدار الخلية أذابها ودخل الحيوان, هذا السائل مصدره الزبيب واللفت يقولون عنها: مادة نبيلة جداً, وهذا السائل موجود في العين وفي رأس كل حيوان منوي, فكلما تقدم العلم يصل إلى دقائق لا تصدق أبداً, و الحيوانات المنوية تصنع في الخصية على تسع عشرة مرحلة ثم تذهب إلى التخزين وفي التخزين تُحسّن نوعيتها, وأشعر أن الذي أقوله لكم هو في الآيات, و هذه الآيات التي عرفها العلماء منذ عشرين أو ثلاثين عاماً أصبحت من المسلمات البديهيات ولكن العلم اليوم يكتشف دقائق يكاد العقل لا يصدقها, هذه الآية:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الطور الآية:35)
إذا دخل رجل إلى السيارة, أليس لها مصنع ومهندسون ؟ ألا يوجد مهندس صمم شكلها الخارجي وقوامها وخطوطها ؟ ألا يوجد مهندس صمم ألوانها ؟ ألا يوجد مهندس صمم فرشها من الداخل ؟ ألا يوجد مهندس صمم المحرك ؟ تصوّر إن معمل السيارات عبارة عن مدينة بأكملها, كل جناح يوجد فيه مئات من نوابغ المهندسين, وأعقد آلة على وجه الأرض هو الإنسان قال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الطور الآية: 35)
هذا الخلق المعقد من عدم, مستحيل.
أحدث بحث في العين أن اللطخة الصفراء أو النقطة التي ترى فيها العين, هذه اللطخة الصفراء: عبارة عن دائرة ونويّفة في الوسط إذا وقع خيال الشيء المرئي, عندنا عدسة وجسم, و لوحة بشكل مبسط, فلو جئت بعدسة وأتيت بشمعة في غرفة مظلمة ووضعت وراء العدسة لوحة من الورق المقوى وحركتها يميناً ويساراً إلى أن ينطبع على هذه اللوحة شكل الشمعة المشتعلة مقلوبة وصغيرة هذا المكان اسمه " محرق العدسة ", وأحيانا يوجد مكبر مع أحدنا يضعه في أشعة الشمس إلى أن يرى على الورق لطخة حادة الضوء بعد دقائق يحترق الورق هذا المكان اسمه محرق العدسة, الضوء يأتي على شكل حُزم متوازية فإذا دخل الضوء في وسط شفاف انكسر فالتقت هذه الحزم على مكان محدد هذا المكان اسمه المحرق, فمنظر الجبل خطوط من الضوء مستقيمة تدخل إلى العين عن طريق العدسة ينكسر الضوء فيجتمع في نقطة حساسة جداً هي الشبكية وبالذات اللطخة الصفراء, فإذا أردنا توضيح القضية نأتي بعدسة في غرفة مظلمة ونشعل شمعة نضعها أمام العدسة, ونأتي بورق مقوى خلف العدسة ونحرك هذا الورق إلى أن نرى بعيننا رسم شمعة صغيرة مقلوبة على هذا الورق, فلو حركت الورق سنتمتراً واحداً تتلاشى الصورة وتصبح غير دقيقة ولو قربتها سنتمتراً آخر أيضاً تتلاشى هذا المكان الدقيق هو محرق العدسة, الآن لو حركت الشمعة التي أمامها تتلاشى فنحن كيف نرى ؟ فالأشياء متحركة واللوحة ثابتة فهذا شيء معجز كيف نرى ؟ قيل هذه اللوحة الثابتة فيها دائرة حساسة جداً لها مركز ولها محيط, فإذا جاء خيال الشيء المرئي قبل الشبكية فإن مركز الدائرة يتحسس بوجود خيال لم ينطبق على الشبكية فيعطي أمراً إلى الدماغ والدماغ يأمر الجسم البلوري المرن بالاحديداب قليلاً حتى يأتي الخيال على الشبكية, فإذا جاء الخيال بعد الشبكية فإن المحيط بهذه اللطخة الصفراء يتحسس بهذا الخيال الذي وقع وراء الشبكية, ويعطي أمراً إلى الدماغ بأن يجعل الجسم البلوري ممطوطاً هكذا إلى أن يقع الخيال على الشبكية, وهذه العملية من أعقد عمليات الجسم وقد سماها العلماء "عملية المطابقة ":
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾
( سورة الطور الآية: 35)
دلائل الصنعة تؤكد لنا من المستحيل أن يكون الأصل هو العدم, فلابد أن يكون الأصل هو الوجود, ولابد أن يكون مدبر سميع عليم قادر.
2- إذا كان الوجود هو الأصل لا محالة فهل يمكن أن يكون لهذا الأصل بداية أو أن يلحقه عدم ؟
المرحلة الثانية من الدليل: إذا كان الوجود وهو الأصل لا محالة فهل يمكن أن يكون لهذا الأصل بداية ؟ وهل يمكن أن يلحقه العدم ؟ تقول أنت هو الأول والآخر, فهذا يعني أن هذه الكلمة لها أبعاد كبيرة جداً, الله سبحانه وتعالى لا شيء قبله ولا شيء بعده, إذا كان هناك شيء قبله لصار ممكن الوجود وإذا كان شيء بعده لصار ممكن الوجود, أما هو فواجب الوجود لاشيء قبله ولاشيء بعده, وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: ما كان وجوده هو الأصل فلا يصح عقلاً أن يكون لوجوده بداية, لأن ما كان لوجوده بداية فلابد أن يحتاج في وجوده إلى سبب أوجده فأصبح مخلوقاً ولم يعد خالقاً, فلا يحق ولا يصلح بحق الخالق أن تقول ما الذي كان قبله ؟ فلو أن شيئاً كان قبله لكان هو الذي أوجده, وإنما كان وجوده هو الأصل فلا يمكن أن يلحقه العدم, لأن كل زمن لاحق يطرأ فيه العدم على أصل وجوده, نحن وجودنا ممكن أين فلان ؟ إنه قد مات, أما ربنا عزّ وجل فهو الحي الباقي على الدوام لا شيء قبله ولا شيء بعده ولا يزال وجوده هو الأصل ولا يطرأ عليه العدم أبداً, لأنه لا يطرأ العدم على أي موجود من الموجودات إلا بوصف أن يكون العدم فيه هو الأصل.
إذاً: الأصل في الشيء العدم فله بداية وله نهاية وله سبب أوجده وله سبب أنهاه, فهل ينتظر زوال السبب حتى يعود إلى أصله ؟ وقد ثبت لدينا أن العدم من حيث هو مستحيل أن يكون هو الأصل, العدم ضد الوجود ولذلك يستحيل عقلاً أن يطرأ العدم على الوجود علمنا أنه هو الأصل, و الذات الإلهية لا شيء قبلها ولا شيء بعدها, لا شيء هو سبب في وجودها ولا شيء ينهي وجودها ولهذا قال الله عزّ وجل:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾
(سورة الفرقان الآية: 58)
هنيئاً لمن كانت علاقته مع الحي الذي لا يموت حسنة, وإليكم هذا القول " عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت " إذا أحببت الزوجة أحبها لكنها فانية, تحب المحل في أوجه الأحياء والأسواق حبه فإنه لا يدوم, تحب مزرعة مزروعة تفاحاً وكرزاً وبرتقالاً وغيره وفيها قصر وحجر منحوت ومدخل سيارات أحبها لكنها لا تدوم " ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ", " أحبب ما شئت فإنك مفارق, عش ما شئت فإنك ميت, واعمل ما شئت فإنك مجزي به ".
( قول مأثور)
3- الأصل في الأشياء العدم ويحتاج في وجوده إلى مسبب الوجود:
المرحلة الثالثة من الدليل: وأحدهم يقول لك: أنت مؤمن بالله تقول له: نعم, ويقول لك: فمن خلق الله ؟ فالجواب هو السابق, هذا السؤال يقال لممكن الوجود, الآن فلنلق نظرة على الموجودات التي تقع تحت إدراكنا الحسي في هذا الكون الكبير لنرى هل تنطبق عليها فعلاً الحقيقة الأولى وهي أن الأصل فيها لذاتها الوجود أو ينطبق عليها ضدها وهي أن الأصل فيها العدم, أي هذا الكون بأكمله أصله العدم أم الوجود ؟ إنه سؤال دقيق فلا تتسرعوا, الكون أصله العدم " كان الله ولم يكن معه شيء ", ألم يقل العلماء إن الشمس مضى على تألقها 5000 مليون سنة إذا كانت موجودة والأرض كانت في عصور مطيرة في قارات ملتصقة مع بعضها هكذا قال علماء الجيولوجيا ؟ الأصل في الكون العدم, الكون يسمونه حادثاً أي حدث, ولم يكن من قبل حادثاً, هنا تبدو لنا الحقيقة أننا لم نكن ثم كنا, ونحن صنف ممتاز التكوين:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
(سورة التين الآية: 4)
وأن أشياء كثيرة كانت في طي العدم, المجلس كله بمن فيه أغلب الظن عام 1850 هل كان واحد منا موجوداً ؟ من فلان ؟ لا يعرف:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾
(سورة الإنسان الآية: 1)
فمن موت إلى حياة ومن حياة إلى موت ومن تغيرات في الأشكال والصور هكذا الإنسان إنه في تطور مستمر, وكل ذلك لا يعلل في عقولنا وفق قوانين هذا الكون الثابتة إلا بالأسباب المؤثرة, التي تحمل هذه التغيرات الكثيرة المتعاقبة, ومن هذه الأسباب ما نشاهده وما نستنتجه استنتاجاً ولا نزال نتسلسل مع الأسباب حتى نصل إلى مسبب الأسباب. في هذا الكون تغيرات كثيرة يموت شيء, وشيء يولد, و رياح تهب, وأعاصير وبحار تهيج, وبراكين تثور, فلماذا ولد هذا ؟ هناك سبب, يوجد تلقيح ويوجد جنين فمن خلق الأب ؟ سبب آخر إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب هو رب الأرباب, فلو كان الأصل في هذه الموجودات المعروضة على حواسنا هو الوجود فلن تكون هذه الموجودات عرضة للتحول والتغير والزيادة والنقص والبناء والفناء ولم تحتاج صور وجودها إلى أسباب ومؤثرات, فلو كنا نحن في الأصل موجودين لما طرأ علينا تغيير, وبما أنه طرأ علينا تغيير كبرنا, فاختل نظام الهرمونات ضعفنا ثم توفانا الله عزّ وجل, الأصل فينا العدم ونحن مخلوقون, وجودنا يحتاج إلى سبب موجد وهذا مبدأ السببية و له دليل خاص نأخذه في المستقبل إن شاء الله, وحيث كان الأصل في جميع الأشياء الموجودة هو العدم وجب عقلاً أن يكون لها سبب مؤثر نقلها من العدم إلى الوجود في مرحلة وجودها الأول, ولا يزال هذا السبب يؤثر باستمرار في جميع صور تغيراتها المتقنة الحكيمة و قد قال الله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾
( سورة الإنسان الآية: 1)
﴿إنا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾
(سورة الإنسان الآية: 2)
خلاصة الأدلة هي:
آخر مرحلة: علمنا في المراحل السابقة الحقائق الثلاث التالية:
1- أن الوجود من حيث هو يجب أن يكون عقلاً هو الأصل.
2- وأن ما كان وجوده هو الأصل استحال أن يكون له ابتداء واستحال أن يطرأ عليه العدم.
3- وأن هذه الأشياء الكونية المعروضة على حواسنا ومداركنا والتي نحن جزء منها, الأصل فيها العدم ويحتاج وجودها إلى سبب موجد.
وهنا نقول بعد أن اجتمعت لدينا هذه الحقائق الثلاث التي لا مفر منها ولا محيد عنها فلا بد لنا من التوفيق بينها بشكل تقبله العقول قبولاً تاماً من غير اعتراض, وذلك لا يكون إلا وفق صورة واحدة لا ثانية لها وهي النتيجة: الأصل الوجود والوجود ليس له أول ولا نهاية, والعدم وجودنا يحتاج إلى موجد وهذا الموجد يجب أن يكون عظيماً.
ينبغي على السائل حينما يطرح السؤال أن يكون دقيقاً في طرحه:
الخاتمة: وبهذه الطريقة من الاستدلال يسقط نهائياً تساؤل المتسائلين كيف وجد الله سبحانه وتعالى ؟ لأن هذا التساؤل لا يعتمد على منطق ولا على عقل, وذلك أن مثل هذا التساؤل إنما يرد في موجود ثبتت قوانينه وصفاته وأن الأصل فيه هو العدم فهو يحتاج إلى موجد حتى يوجده ويبدعه من العدم, أما الموجود الذي يجب عقلاً أن يكون في الأصل موجوداً فلا يجوز عليه العدم ولا يمكن أن يتعرض وجوده إلى مثل هذا التساؤل في حال من الأحوال, وإيراد التساؤل من هذا النوع يتنافى مع الحقيقة العلمية الثابتة وهي أن الأصل فيه هو الوجود هذا هو الدليل.
يغفر الله لي إذا كان الموضوع معقداً ولكن هذا الموضوع مهم وقوي جداً إذا عرفت الموضوعات السابقة تستطيع وتعرف كيف تجاوب ؟.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع عشر )



الموضوع : الإيمان بالله عن طريق دليل الإمكان في الكون


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. خلاصة الأدلة السابقة على وجود الله:
أيها الأخوة, في الدرس الماضي تحدثنا عن الدليل العقلي على وجود الله سبحانه وتعالى, وكان هذا الدليل العقلي تحت عنوان الوجود والعدم, وكيف أن الخالق واجب الوجود ؟ وكيف أن المخلوقات ممكنة الوجود ؟ وكيف أن العدم لا ينتج عنه وجود ؟ وأن الوجود ممكن الوجود فلا يكون سبباً في خلق نفسه ، هذا ملخص للدليل الأول دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم, قال تعالى في آية واحدة:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾
(سورة الطور الآية: 35)
كل الدرس في هذه الآية:
﴿خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾
( سورة الطور الآية: 35)
يعني لا يمكن أن يكون سبب الوجود هو العدم قال الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الطور الآية: 35)
ممكن الوجود لا يكون سبباً من خلق ذاته قال تعالى:
﴿أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾
( سورة الطور الآية: 35)
أن الله سبحانه وتعالى ليس له بداية وليس له نهاية وهو الأول والآخر ففي قوله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص الآية: 1- 4 )
لم يكن من أب ولم يكن له ولد ، كل شيء هالك إلا وجهه هذا كلام الله رب العالمين فيه إيجاز وإعجاز, وكيف أن ما سوى الله ولا سيما الإنسان سبقه عدم ؟
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾
(سورة الإنسان الآية: 1)
هذا كله في الدرس الماضي. الأدلة على وجود الله:
1- دليل الإمكان في الوجود:
درسنا اليوم دليل ثان ولكنه أسهل وأوضح هذا الدليل اسمه دليل الإمكان في الكون ، فكل شيء تقع عليه عينك ، أو تدركه بحسك أو تستنبطه بعقلك ، كل شيء كان من الممكن أن يكون على غير ما كان ، يعني أنت عندما تحلي كأس الشاي تضع فيها ملعقة ونصف و ممكن أن تضع فيها ملعقتين ، أو ثلاث ملاعق ، لكنك اخترت هذا المقدار الدقيق يبدو أن هذا المقدار الدقيق من السكر يتناسب مع ذوقك فلابد من مرجح و مخصص, إذا قدم لك كأس من الشاي وتذوقته فإذا كان فيه سكر بما يتناسب مع الذوق السليم, هذا الذي وضع السكر بهذا المقدار الدقيق في تقدير ، مقدّر دقيق, وقد سمى العلماء مُخَصِصاً في مخصص ، هذه الثريا كان من الممكن أن تلامس الأرض ، وكان من الممكن أن تصل السقف ، وكان من الممكن أن تكون في الثلث الأول أو في الثلث الثاني وكان الممكن أن تكون قبيل الأرض بـ 30 سم, لكن الذي وضعها بهذا المقدار اسمه المخصص يعني يتمتع بذوق سليم لا هي في السقف فيضيع ضوءها ولا هي قريبة من الأرض تسبب ارتباكاً في الحركة في المسجد فهذا الارتفاع مناسب, وكان من الممكن أن تكون بغير هذا الارتفاع لكن مخصصاً حكيماً خصصها به هذه أمثلة من واقعنا.
خلق الإنسان كان من الممكن أن تكون عينا المرء في ظهره, أو في قمة رأسه, أو في خلف رأسه, أو في يديه, أو في بطنه, أو في قدميه, لكن الذي خلق العين وضعها في أنسب مكان وفي أحكم مكان فوضع العين في هذا المكان يحتاج إلى مخصص أو حكيم.
في الدرس الماضي فهمنا أن هناك خالقاً واجب الوجود, ومخلوقاً ممكن الوجود, فواجب الوجود لا يحتاج إلى موجد ولا ينهي حياته كائن, الآن هذا الوجود انظر إلى خلق الإنسان ، انظر إلى عينيه وأذنيه وأنفه ، فلماذا الأذنان و لم تكونا أذناً واحدة ؟ و لماذا التعاريج في الصيوان ؟ ولماذا فتحة الأذن أضيق من الخنصر ؟ ولم القناة متعرجة؟ ولم الصملاخ و الأشعار ؟ والعين في هذا المكان والحاجبان والأجفان والأهداب و الدموع والشبكية و القزحية والقرنية لماذا ؟ كان من الممكن أن نرى الأبيض أسود فقط كما هي عين بعض الحيوانات إنما نرى بالألوان الطبيعية, فمن الذي خصص العين بهذه الحقيقة ؟ هناك آية قرآنية تؤكد هذا المعنى:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
(سورة اﻹنفطار الآية: 8)
كان من الممكن أن يمشي الإنسان على أربع, و أن يأكل طعاماً واحداً طوال حياته ، وأن يعيش وحده بلا زوجة ، وأن يأتيه الأولاد كما هي بعض الكائنات تتوالد توالداً فردياً ، فالممكنات لا تعد ولا تحصى, يوجد مخصص: لمجرد أن ترى هذه الثريا بارتفاع مناسب تتصور الذي ركبها يتمتع بذوق وبحكمة, وبمجرد أن يقدم لك كأس الشاي بحلاوة طبيعية مناسبة لذوقك تعرف أن الذي قدم لك هذا الكأس يتمتع بذوق مرهف ، فهذا الدليل في الكون, وهذا الكون ممكن الوجود على هذا الشكل وعلى أي شكل آخر قال تعالى:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة اﻹنفطار الآية: 8)
وجود الأشياء وفق نظام منسق دليل على يد حكيم فاطر مدبر عليم:
كان من الممكن أن يكون النهار سرمداً إلى يوم القيامة, وكان من الممكن أن يكون الليل سرمداً إلى يوم القيامة ، وأن يكون الصيف سرمداً إلى يوم القيامة والشتاء والربيع والخريف كذلك ، وكان من الممكن أن تكون حرارة الأرض في طوال أيام العام صفراً ، وكان من الممكن أن تكون حرارة الإنسان متبدلة كبعض الحيوانات وفق المحيط الخارجي قال تعالى:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة اﻹنفطار الآية: 8)
من الذي جعل الكون على ما هو عليه ؟ لابد من مخصص.
هذه الطاولة لو أنها بعيدة إلى هنا غير مناسبة, ولو أنها هنا غير مناسبة, ولو أنها بهذا الارتفاع غير مناسبة, و لو أنها بهذا غير مناسبة, فالذي أعطى ارتفاعها وأبعادها وحجمها يتمتع بحكمة, والشمس كانت من الممكن أن تكون أبعد مما هي عليه الآن أو أقرب أو أكبر, فلو أن الأرض أكبر لكانت الجاذبية أكبر ولكان وزننا أكبر, و لو وُجِدَ أحدنا على بعض الكواكب لكان وزنه 3.5 طن على حسب الجاذبية ، من الذي جعل الممكن بهذا الوضع المناسب ؟ لابد من خالق أوجده ، لابُد من خالق حكيم أوجده على هذا الوضع, كان من الممكن أن أرى إلى 20 متراً فقط أو كان من الممكن أن أسمع الأصوات التي لايزيد بعدها عن عشرة أمتار فقط ليس هذا من الحكمة في شيء فلذلك هذا الدليل ، فالعقل لا يمنع من أن نتخذ صوراً غير الصور التي نحن عليها, وشكلاً غير الشكل الذي نحن عليه وحداً غير الحد الذي نحن عليه فنكون أكبر أو أصغر أو على تركيب آخر, وأحياناً هناك أمراض إذ لا يرتدي الإنسان أي ثياب, مرض بدماغه فلا يمكن أن يقبل ثوباً, وينام بلا ثياب ويموت من البرد ويأكل برازه ، و هذه حالات موجودة أن الإنسان يأكل برازه ويموت من شدة البرد:
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة يس الآية: 67)
كان من الممكن أن يخلق الإنسان بلا ذاكرة ، ولا مخيلة ، ولا مصورة ، ولا محاكمة ، ولا تفكير ، ولا سمع ، ولا بصر ، ولا نطق ، وممكن لكائن ألا يتكلم.
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن الآية: 1- 4)
هل يمكن أن ترد هذه الأوضاع الدقيقة الحكيمة في الكون بدءاً من المجرات وانتهاءً بالمجموعة الشمسية والشمس والقمر والجبال والأرض والسهول والصحارى إلى غير الخالق ؟ إذ يوجد حكمة بالغة, لولا هذا الحجم الذي يزيد عن حجم الأرض بخمسة أمثال لما نبت النبات على سطح الأرض ، ولولا الرياح لما هطل المطر ، ولولا الشمس لما تبخر البحر ، ولولا الجبال لما سالت الأنهار ، ولولا النبات لما عاش الحيوان ، ولولا الحيوان لما عاش الإنسان ، ولولا البكتريات الدقيقة لما كانت التربة صالحة للنبات, فهذه البكتريات تأخذ بعض المواد وتحللها إلى أسمدة, ولولا الديدان لما نبت النبات, هذه كلمة " لولا ".
طيار قال لي: إنه في الطائرة مجموعة أجهزة إذا تعطل أحد هذه الأجهزة تسقط الطائرة قلت كيف ذلك ؟ قال: جهاز تسخين الأجنحة لو تعطل هذا الجهاز لتراكم الثلج على الأجنحة لأن حرارة الجو خارج الطائرة خمسون تحت الصفر والجو مشبع ببخار الماء, ويتشكل طبقة ثلج على الأجنحة وتغير انسياب الأجنحة فتسقط الطائرة, وقال لي: ولو أن الوقود في الأجنحة سائل سائب ، ومالت على جناحها الأيمن لوقعت فوراً ، فلابد من حواجز تمنع انسياب الوقود إلى أطراف الطائرة, هذه الطائرة لا تقل عن 300 راكب وفيها من الأجهزة والتقدير و الخبرة و التخطيط و التصميم والاحتياط ما يأخذ بالألباب.
هل من الممكن أن دائرة الكون تجري لوحدها مصادفة من دون مسبب ؟
هذه الأرض التي تطير بالجو من دون صوت وضجيج, الشمس هذه مكانها والأرض تدور حول الشمس, على الأرض أن تدرس قوانين الحركة ولابد من أن تزيد سرعتها زيادة ينشأ عنها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة, من الذي أعلمها ؟ ومن الذي أمرها ؟ أُمرت أن تزيد سرعتها ، ولو أنها زادت من سرعتها فجأة لا نهدم كل ما عليها من المدن ، والأبراج ، والجبال ، و الأبنية ، ولو أنها خففت من هذه السرعة فجأة بحسب مبدأ العطالة الذي ينص: الجسم المادي يرفض وضعه التغيير, فإن كان ساكناً يرفض الحركة ، وإن كان متحركاً يرفض السكون ، قف في سيارة عامة وليوقفها السائق فجأة تهوي إلى الأمام لماذا ؟ لأنها وقفت لكن جسمك رفض أن يقف فتابع مسيره, وإن كنت تركب سيارة وأقلعت تحس أن مقعدها الخلفي يدفعك نحو الأمام لماذا ؟ لأن جسمك يرفض الحركة, فلما رفض الحركة جاءه المقعد يدفعه من الخلف ، هذا أكبر دليل ، الماء لا طعم له ولا لون ولا رائحة و كان من الممكن أن يكون له طعم ولون ورائحة وكان من الممكن أن يكون لزجاً كالقطر, كان من الممكن أن لا يتبخر إلا في درجة المئة طوال العام, الماء بالشوارع فإذا انسكب دلو من الماء في بيته فإنه يبقى دائماً, والماء يتبخر بدرجة أربع عشرة ، و الماء إذا برد يزداد حجمه ، كان من الممكن أن لا يزداد حجمه ، إذاً تتجمد البحار وينعدم التبخر والمطر ، ويموت النبات و الحيوان و الإنسان, من الذي جعل الماء على ماهو عليه والهواء على ماهو عليه ؟ لو كان الهواء 70 % أوكسجين فتصير الأرض كلها حرائق ، من قال يجب أن يكون الأوكسجين بنسبة 29 % ؟ من المخصص ؟ ومن المرجح ؟ هو الحكيم, لا يمكن أن يفسر كل شيء في الأرض قد أخذ وضعه الصحيح بلا زيادة ولا من من دون مخصص.
كان من الممكن أن ينضج القمح كنضج التوت بالتدريج ، عملية الحصاد تصبح انتحاراً بطيئاً تمسك السنبلة فتجدها لم تنضج فتتركها وتذهب إلى الثانية مستحيل ، القمح ينضج دفعة واحدة, لو أن المشمش نضج دفعة واحدة ماذا نستفيد منه ؟ هذا الطريق لمعرفة الله عزّ وجل كل شيء فكر به ، ولو أن الإنسان ما دام يأكل ينمو و الطفل يأكل ويطول لو كان كذلك مبدأً ثابتاً أي أنك كلما أكلت ازددت طولاً يجب كل فترة أن ترفع السقف لأنك طلت ، ربنا عزّ وجل من أسمائه الجامع والمانع يعطي أمراً لهذا العظم فيقف عند هذا الحد انتهى الأمر.
كان من الممكن أن الأمواج الصوتية تبقى على قوتها كالأمواج الكهرطيسية ، ألا تبث الإذاعة أمواجاً كهرطيسية فنتلقاها من أطراف الدنيا, إذاً: الموجة الكهرطيسية لا تضعف ، لقد بثوا رسائل إلى المشتري ، والمركبة الفضائية بقيت تسير في الفضاء الخارجي بسرعة 40 ألف كم/سا وبقيت 6 سنوات إلى أن وصلت ، وحينما وصلت إلى هناك بثت رسائل كهرطيسية ، إذاً هذه الموجة لحكمة بالغة لا تضعف أما الصوت العادي فيضعف ، فإذا سار شخص في الطريق فإنه لا يسمع هذا الدرس, لو كان يسمع الإنسان كل معامل العالم والشلالات في العالم وكل أسواق النحاسين في العالم ، وكل ضجيج المعامل وإقلاع الطائرات وصوت أمواج البحر فالإنسان يموت انظر إلى الهدوء رحمة بنا.
كان من الممكن أن لا تنسى شيئاً ، إذا وقف شخص أحمق موقفاً مزرياً يموت من قهره طوال حياته يتذكر هذا الموقف من رحمة الله بنا أنه ينسى ذلك بعد أسبوع أو أقل، فلولا النسيان لمات الإنسان من قهره ، كان من الممكن أن لا تنسى لكن النسيان نعمة كبيرة, والنسيان المطلق أيضاً مشكلة لا تذكر شيئاً فهذا البرهان ، كل شيء خلقت به أخذ وضعاً دقيقاً جداً, لو زاد درجة لاختل ، ولو نقص درجة لاختل.
الأدلة من الكتاب على لفت نظر الناس على بصمات الخالق في الكون:
الأدلة من كتاب الله:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
( سورة القصص الآية: 71-72)
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 19)
بالتقدير الدقيق بعد الشمس عن الأرض 156 مليون ، فلو أن هذه المسافة زادت لمات الناس برداً ، ولو أن نقصت لمات الناس احتراقاً ، فالشمس تشرق صباحاً عند الأفق بقرص ذهبي ذي أشعة لطيفة مريح للعين فإذا صعدت إلى كبد السماء توهجت ، من فعل هذا ؟ الله عزّ وجل
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾
( سورة القصص الآية: 71-72)
لو كان الطفل له أخلاق الكبار مثلاً يحقد فإذا أدبته مرة واحدة فإنه لا يكلمك بشهرين ، فالطفل له بنية خاصة تؤدبه و بعد دقيقتين تراه يضحك ، لولا هذه البنية لما أمكن أن تربي الطفل ، أما الكبير إذا كلمته كلاماً قاسياً يبقى شهراً لا يكلمك أو سنة أو سنتين, أما الصغير فيتحمل لقد جعله الله بريئاً صافي الذات سريع النسيان ، سريع التحول ، بنية الطفل النفسية تناسب سنه ، ولو أن المرأة مفكرة تفكيراً مجرداً ، وقد جئت بعد الظهر فلم تجد طبخاً شغلها عن ذلك بحث في الفلسفة ، وتقول: انظر هذه النظرية يا زوجي أين الطبخ ؟ لا يوجد ؟ الله عزّ وجل أعطاها عاطفة ، و إمكانات ، و طريقة بالتفكير تتناسب مع وظيفتها كامرأة, و جعل عاطفتها تغلب على كل شيء ، لأن بين يديها أطفالاً كيف تربيهم وتهبط إلى مستواهم ؟ ما من قلب في الأرض أوسع من قلب الأم, الله عزّ وجل ركّبَ في المرأة خاصة معينة ، وإمكانات الطريقة في التعامل و الانفعال تتناسب مع وظيفتها أماً وهي أقدس وظيفة على وجه الأرض ، فإذا نافست المرأة الرجل خسرت السباق مرتين, خسرت السباق وخسرت أنوثتها قال الله:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
( سورة إبراهيم الآية:19)
لو أن البيضة يلزمها مفتاح وليس معك مشكلة, إن البيضة بضربة خفيفة على الصحن تنكسر ، وتضع 500 بيضة بالسلة فلا تنكسر ، فمن أعطاها الشكل المتين ؟
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 19)
هذا عنقود العنب شده لا يمكن أن ينقطع فإذا عاكست القطع ينقطع معك بسهولة جداً ، تصميم, من أعطاه هذه الخاصيّة ؟.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 19)
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾
(سورة المُلك الآية: 30)
الله رب العالمين, كان من الممكن أن لا تنزل الأمطار إطلاقاً ، هذا البيت سعره 35 مليون لو لم يكن هناك ماء فإنك لا تشتريه بـ 500 ألف ليرة سورية.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 63-65)
جبل قاسيون كله أشجار لكن لا يوجد ثمار كان من الممكن أن تكون أشجار الأرض بلا ثمار ، أشجار خَضِرة نَضِرة ذات أوراق برّاقة لامعة ، كان من الممكن
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 63-65)
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾
( سورة الواقعة الآية: 68-70)
ممكن جداً أن يكون ماء المطر مالحاً ، ما الحل ؟ تأتي بإبريق وتغليه ساعات ثم تصفيه لتشرب كأس ماء واحد فالله جعله عذباً فراتاً:
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 53)
نواميس الكون تدل على وجود يد إلهية وحكم المصادفة تتناقض مع الحقيقة المشاهدة:
كل شيء مخلوق مخلوق بحكمة بالغة ، هذه الحكمة لا يُعقل أن ترد إلى المصادفة .
قال أحد العلماء: إذا آمنت بأن هذا الكون من نتاج المصادفة كمن يؤمن بأن لغماً وضع في مطبعة وبعد الانفجار نتج لدينا قاموس لا روس, قاموس لا روس من أدق القواميس بالفرنسية 2000 صفحة مع صور ملونة على الأبجدية ، 80000 مادة كل مادة أسرة ، الأفعال وضبطها ، والمصادر ، و الأسماء ، والمذكر والمؤنث ، والمصطلحات ، حرف دقيق, هذه الحروف تنضدت وحدها جاءت على شكل مواد ومعلومات وتسلسل ومنطق وصياغة وتجليد وورق وألوان وصور وحدها ، مستحيل.
هذه الأوضاع الحكيمة في كل شيء يدل على الحكيم ، فأن ترد كل هذه الأوضاع الممكنة المناسبة الحكيمة إلى المصادفة هذا شيء لا يقبله عقل.
قرأت في كتاب " الله يتجلّى في عصر العلم ": إن ذرة واحدة من الحمض الأميني لا يمكن أن تكون مصادفة إلا مع احتمال أن عشرة أضعاف الكون ، هو حمض معقد جداً له مجسمات بالمدارس مثل درج المئذنة معقد إلى درجة متناهية ذرة من الحمض الأميني يعني 10 أمثال الكون لا يكفي احتمالات في خلق ذرة واحدة من هذا الحمض مستحيل ، إذاً هذه الحكمة هل تُعزى مصادفة ؟ مستحيل, إذا كان كل ذلك من الممكنات فلابد أن يكون وضعها القائم فعلاً ممكناً أيضاً, لأن أحد الاحتمالات المقابلة للصورة المفروضة إذا كان ممكناً فلابد له من مخصص قد خصصه بهذه الدرجة, إذ الأصل في جميع الممكنات العدم ولا تخرج من العدم إلى الوجود إلا بموجد قادر حكيم وهو الله سبحانه وتعالى, أي كل شيء مخلوق من أمامك له درجة مناسبة من الذي جعله بهذه الدرجة ؟ لابد من حكيم خالق أوجده ، أما الحكيم فهو الذي جعله بهذا القدر الدقيق الذي لا يزيد ولا ينقص ، فكر بكل شيء تستعمله تجده آخذاً وضعاً كاملاً ، من جعله بهذا الشكل الحكيم ؟.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس عشر )



الموضوع : الوصول للإيمان بالله : دليل التغير والسببية



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأدلة على وجود الله:
1- دليل التغير والسببية:
الدليل الثالث على وجود الله سبحانه وتعالى: دليل التغير والسببية وأبسط شيء تلاحظونه هذه البقرة تأكل الحشيش فنأخذ منها الحليب بشكل أو بآخر, وهذا الحشيش الأخضر تحول في بطنها أو تغيّرَ إلى حليب, وهذه الدجاجة تأكل كل شيء تعطينا بيضاً ذا نسبة عالية من الغذاء, قال بعضهم: الكون كله يحق لنا أن نسميه عالم المتغيرات وكل شيء فيه يتغير فهناك تغيرات مستمرة في المواد الكيماوية, وهناك تغيرات مستمرة في الصفات الفيزيائية, وهناك تغيرات مستمرة في البذور, والبذور تصبح أشجاراً, والأشجار تصبح هشيماً, والهشيم يتحلل إلى عناصره الكيميائية والفيزيائية, فهناك حركة دائبة في الكون, كل جرم في الفضاء يتغير من مكان إلى مكان يسير وفق فلك, وهناك حركة في الذرات, و حركة في المجرات, و حركة في عالم الفيزياء, و حركة في عالم الكيمياء, وفي عالم النبات و الحيوان, وفي عالم الأرض, و حركة دائبة في البحار, و حركة دائبة في الرياح, وحركة دائبة في الأمطار و تغيرات مستمرة في كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى.
الصوت يتغير ويصبح كهرباء, والكهرباء تصبح أمواجاً في الفضاء الخارجي, والأمواج تنقلب إلى صوت في أجهزة الاستقبال, والصورة تصبح كهرباء, والكهرباء تصبح موجات ثم تُستقبل في جهاز الرائي, والماء يتبخر ويصبح سحاباً فيُعصر فينقلب إلى ماء, كان ملحاً أجاجاً فصار عذباً فراتاً.
هذا الكأس إذا نقلته من هذا المكان إلى هذا المكان هذا تغيّر, هذا أبسط أنواع التغير نقل الشيء من مكان إلى مكان. الطفل يكون نقطة من ماء مهين, ذرة, حيوان منوي دخل في بويضة يتغير و ينقسم إلى آلاف المرات وهو في طريقه إلى الرحم, وبالرحم تظهر وريقات وريقة باطنية " الأحشاء ", ووريقة خارجية " الدماغ ", ثم يتشكل هذا الطفل شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح كائناً ذا سمع وبصر ودماغ وأعصاب وعضلات ومعدة وأمعاء وكبد ورئتين وكليتين وعظام ثم يكبر ثم يشيخ ثم يموت, كيف كان تراباً في الأصل ؟ وكيف تحول الغذاء إلى دم والدم إلى مضغ, والمضغ تحولت إلى كائن حي, والكائن نما ثم شاخ ثم مات ثم تحلل إلى تراب ؟ هل هناك من يعترض على هذا ؟ كل ما في الكون يتغير من حال إلى حال, لكن هناك تغييرات بسيطة, وهناك تغييرات بالغة التعقيد, هذا الكأس من هذا المكان إلى هذا المكان هذا أبسط أنواع التغيير.
الأشياء التي نراها في الكون لا يمكن أن تكون من دون مغير:
تحول الحشيش إلى حليب, لو اجتمع الناس جميعاً و اجتمعت معامل الأرض, و اجتمع علماؤها على تحويل قطعة حشيش إلى كأس حليب هذا فوق طاقتهم, ولو اجتمع علماء الأرض على تحويل حفنة من القذر إلى بيضة هذا شيء فوق التصور, ولو اجتمع علماء الأرض على تحويل هذا الطعام إلى دم والدم إلى نطفة والنطفة إلى كائن هذا شيء مستحيل, فنحن في تغير دائم.
لو أن إنساناً معه 1000 ليرة ذهبية واضعهم في صندوق, فجاء مرة وفتح الصندوق الداخلي لم يجد هذه النقود بحث, ودقق, وسأل, واستطلع, وكان مرة عند صديق له تاجر أيضاً فتح هذا الصديق صندوقه فإذا هو بهذه النقود داخل صندوقه, فادعى للقاضي أن هذا الرجل قد أخذ مالي, فقال هذا الرجل: يا سيدي القاضي إن هذه النقود رأيتها تمشي وحدها إلى أن دخلت إلى دكاني فتحت لها باب الصندوق فدخلت ثم أغلقت, إذا أردت أن تصدق أن هذا الكأس تحرك من هذا المكان إلى هذا المكان من دون مغير ومن دون سبب فمن يصدق أن هذه النقود من الذهب انتقلت وحدها ؟ ومن الذي فتح لها الباب الخارجي ؟ هل فتح من تلقاء ذاته ؟ كيف انتقلت ؟ من حركها ؟ من دفعها ؟ ومن ساقها إلى هذه الدكان ؟ و من فتح لها باب الدكان ؟ كل شيء لابد له من مغير.
الشمس كانت تشرق من هذا المكان فانحرفت زاويتها إلى هذا المكان هناك تغيير, في الأرض كان النهار طويلاً في الصيف فصار قصيراً, وكانت الشمس في الصيف عمودية فصارت مائلة, وكان القمر بدراً فصار هلالاً, وكان الماء ملحاً أجاجاً فصار عذباً فراتاً, وكان الماء في البحر فصار في السحب ثم أصبح في الأرض ثم دخل إلى جوف الأرض ثم أصبح ينابيع وأنهاراً عالم من المتغيرات, هذه التفاحة التي تأكلها من أين جاءت ؟
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
( سورة الرعد الآية: 4)
فهذا التبدل والتغير والتحول والتطور لابد له من مغير و محوّل ومن مطوّر, أما أن يحدث الشيء بلا سبب فهذا من رابع المستحيلات.
ركب العقل في تكوينه على مبدأ السببية:
لو أن أحدنا أراد أن يمضي أسبوعاً في أحد الأماكن الجميلة في الصيف, فأغلق بابه وأغلق النوافذ, وأخذ الاحتياطات اللازمة وذهب إلى نزهته, وبعد أن عاد رأى مصباح الكهرباء متألقاً قبل أن يدخل البيت لماذا يصفر لونه ؟ ولماذا ترتعد فرائصه, ولم يقول لقد سُرقنا ؟ ماذا رأى ؟ رأى ضوءاً مشتعلاً قد تقول له زوجته الساذجة: لماذا أنت مضطرب ؟ يقول لها: انظري الضوء متألقاً, فتقول له: أطفئه, لأن عقله على مبدأ السببية لابد من شخص دخل إلى المنزل, ولابد لهذا الشخص من أنه وصل الكهرباء وتألق هذا المصباح فهذا أثر من آثار وصل الكهرباء دخول رجل إلى هذا البيت هذا مبدأ السببية, أنت لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون أن له يكون سبب, ولا يعقل أن تفهم شيئاً بلا سبب.
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه طلب منه أن يجتمع مع بعض الملاحدة في عصره فكان الاجتماع على ضفة من ضفاف دجلة في بغداد أو في البصرة, فتأخر عن حضوره في الموعد فلما سألوه عن سبب التأخر قال: والله لم أجد قارباً أركبه انتظرت ساعة فإذا بعض الأشجار تصبح منبطحة ثم تشق فإذا هي ألواح, هذه الألواح تراكمت على بعضها حتى أصبحت زورقاً فركبت فيه ووصلت إليكم فقالوا: أتهزأ بنا يا إمام, قال: اهزؤوا من أنفسكم لم تقبلوا قارباً صنع وحده بلا سبب.
إذاً: مبدأ السببية أن كل متغير لا بد له من مغير, وكل متحول لابد له من محول, وكل متحول يحتاج إلى محرك هذا هو مبدأ السببية, لا شيء يكون من تلقاء ذاته, والأرض وما تحويه والسماء وما تخفيه والبحار وما فيها وجو الأرض وما فيها, فيها أشياء متحولة ومتغيرة ومتبدلة بشكل مستمر:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾
(سورة الحِجر الآية: 86)
الاستشهاد بأمثلة من الواقع على مبدأ السببية:
لنأخذ أبسط هذه التغييرات نقل هذا الكأس من هذا المكان إلى هذا المكان, انعدم وجوده بعد أن كان, وحدث وجوده بعد عدمه لابد له من محدث, شيئاً انعدم لابد له من مغير أعدمه, فهذا هو السبب الداعي إلى الإيمان بوجود الخالق, فالنطفة في رحم المرأة كيف أصبحت عظاماً ؟ فكسونا العظام لحماً ثم كسونا اللحم جلداً ونبت من الجلد أشعار, وفي كل شعرة غدة دهنية وغدة صبغية وعضلة وشريان ووريد وعصب, هذه أشعار الرأس والعضلات عضلات مبسطة, وعضلات مخططة ملساء, وعضلات إرادية, وعضلات لا إرادية, والشرايين: شرايين داخلية وأوردة خارجية, وشرايين حمراء وأوردة زرقاء, وهناك دسامات وشرايين الأرجل لها دسامات لِئلا يعود الدم بفعل الجاذبية إلى الأسفل, والدوالي هي ارتخاء هذه الدسامات, فإذا ارتخت هذه الدسامات يُصاب الإنسان بِقصر في رجليه, والقلب وتجاويفه والرئتين والأمعاء والمعدة والبنكرياس والصفراء والكبد والكظر والنخامية والدرقية, هذه الغدد التي تأخذ بالألباب, والكبد له من أحدث بحث 5000 وظيفة كلها متغيرات, كيف أخذت الصفراء مادتها من الدم ؟ وكيف تحول هذا الغذاء إلى دم ؟ والدم أعطى البنكرياس وأعطى الصفراء وأعطى الدرقية وأعطى النخامية وأعطى الكظر كيف يعطي ؟ يعطي كل غدة ما تحتاج, فهذه المتغيرات لابد لها من مغيّر.
اترك الإسمنت والحديد والبلاط وكل مواد البناء اتركها سنة هل تصبح بيتاً ؟ هذا التفسير السليم, وهذا الواقع لا شيء يحدث بلا شيء هذا هو مبدأ السببية, هذا التغير يحتاج إلى سبب, وهذا إلى سبب, وهذا إلى سبب, لو مثلّنا التغيرات على شكل أمواج فكل صعود يحتاج سبباً وكل هبوط يحتاج سبباً إلى أن تصل إلى سبب أولي واجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى, هو مسبب الأسباب هذا ملخص الدليل الثالث على وجود الله سبحانه وتعالى.
الحركة الدائمة في الكون دليل على القدرة الإلهية الحكيمة الكاملة:
من المسلّم به أن كل هذه التغييرات الكونية لابد لها قطعاً من سبب حقيقي, وهذا السبب الحقيقي كامل القدرة بأنَّ في هذه التغييرات قدرة لا توصف, فتحريك الأرض كم تحتاج ؟ تحريك سيارة وزنها 500 كغ يقول لك: تعمل 300 كم بالتنكة, إذا كانت 1.5 طناً يقول لك: 100 بالتنكة, الطائرة ليست دفعاً إنما حملاً وزنها 150 طناً وهي فارغة, ووزن وقودها 150 طناً تصور أن السيارة وزن وقودها بقدر وزنها ؟ مستحيل لأن الوقود يدفعها دفعاً لكن الوقود في الطائرة يحملها حملاً ويدفعها هذه أرقام دقيقة, تستهلك في رحلة طويلة من دمشق إلى أمريكا بقدر وزنها وقوداً هذا هو التحريك, التحريك لابُدَّ له من طاقة لذلك وجب أن يكون المغير كامل القدرة.
فهذه الأرض كم وزنها ؟ هذه الكرة الأرضية كم حجمها, وكم وزنها, من يحركها من مكان لآخر ؟ كم مرة تحركت ؟ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا, كل كوكب يسير على مساره الطبيعي دون أن يحيد عنه هذا دليل أن كل تغيير لابد له من مغير, والمسبب الأول لكل هذه الأسباب هو الله سبحانه وتعالى واجب الوجود, فإن من المُسلّم به أن كل هذه التغييرات الكونية لابد لها من سبب حقيقي كامل القدرة صدرت عنه هذه القوى الكونية الكبرى وتمت بخلقه هذه التغييرات الكونية الهائلة والحوادث العجيبة, وهو كامل الحياة أيضاً دبت عنه صورة الحياة في الأجساد الحية وكامل العلم صدرت عنه العقول القابلة للعلم, وكامل الحكمة صدر عنه كل أمر متقن محكم إلى غير ذلك من صفات الكمال الإلهية, يوجد بهذه التغييرات حكمة إذاً هو كامل الحكمة, ويوجد قدرة إذاً هو كامل القدرة, ويوجد لطف إذا هو كامل اللطف, فأي صفة تكشفها في خلق الله منبعها من ذات الله.
الأدلة الواردة في الكتاب على مبدأ السببية:
سيدنا إبراهيم لما جنّ عليه الليل رأى كوكباً, فمن جاء بالليل بعد أن كان النهار ؟ لابد من مغير, فلما رأى كوكباً قال هذا ربي, فلما أفل قال لا أحب الآفلين:
﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 76- 79)
هو رأى أن هناك تغيراً في الليل والنهار, وفي الشروق والغروب, في حركة لابد لهذا التغير من مغير, هذه الآية تدلنا على هذه المراحل التي تطورت من حال إلى حال مثلاً:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
( سورة فاطر الآية: 11)
آية أخرى تُؤكد مبدأ السببية والتغيّر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
( سورة النور الآية: 43-44)
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
( سورة النور الآية: 45)
هذه الآيات التي جاءت دليلاً على سبب التغير والسببية, وأرجو الله أن يتاح لنا في درس قادم أن نتابع هذه الأدلة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس عشر )



الموضوع : الوصول للإيمان بالله : دليل الإتقان في الكون





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأدلة على وجود الله:
1- دليل الإتقان في الكون:
اليوم درسنا في العقائد الدليل الرابع على وجود الخالق سبحانه وتعالى وهذا الدليل عنوانه دليل الإتقان في الكون, ما من صناعة ترونها أنتم إلاّ وفيها تقصير سواء أكانت على مستوى آلات أو على مستوى أقمشة أو صناعات خفيفة أو ثقيلة فلابد من خلل و خطأ و تقصير, ولابد من زيادة, لكنك إذا رأيت شيئاً لم تكتشف فيه ولا غلطة ولا خللا ولا اضطراباً بل اتقاناً ما بعده إتقان تشعر أنك معجب إعجاباً لا حدود له بصانع هذه الآلة, عندئذ ألا تعتقد أن لهذه الآلة صانعاً فحسب, بل صانعاً من أعلى درجة, مستواه في الصناعة عالٍ جداً, وذوقه رفيع جداً, و دقته في التركيب بالغة جداً, فربنا عز وجل يقول في القرآن الكريم:
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾
( سورة النمل الآية: 88)
قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
(سورة الملك الآية: 3)
بعضهم فسر هذه الآية أنه ما ترى في خلق الرحمن من اختلاف, لا, هناك اختلاف النملة كالحوت, والذرة كالمجرة, هناك اختلاف كبير في الحجوم وفي الأشكال وفي الألوان وفي الوظائف, ما أوسع التفاوت في خلق الله عز وجل ! فكيف يقول الله عز وجل:
﴿ما تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
( سورة الملك الآية: 3)
كيف ذلك ؟ فسّر هذه الآية المفسرون بأن مستوى الصنعة من أعلى درجة في الإتقان, فإتقان النملة كإتقان الحوت, وإتقان الذرة كإتقان المجرة, وإتقان العصفور كإتقان الحشرة, ولا ترى في خلق الله عز وجل خلقاً مستوى الإتقان فيه من الدرجة الثانية.
أي معملٍ إلا و يقول له: هذه البضاعة من الدرجة الأولى, وهذه نخب ثانٍ, وهذه بضاعة تجارية, وما من صناعة إلا ولها درجات, أما الله سبحانه وتعالى كل شيء خلقه في الكون وفي الأفلاك وفي المجرات وفي الكواكب وفي الأقمار وفي الأرض وفي باطن الأرض والذي على سطح الأرض, وفي عالم الأسماك و الأطيار و الحيوانات و النباتات و الإنسان والجن والملائكة قال الله:
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
( سورة الملك الآية: 3)
كل خلق الله عز وجل درجة الإتقان فيه أعلى درجة وكل هذه المخلوقات من مستوى واحد من حيث الإتقان.
خلق الإنسان, هذه القناة الدمعية من الدقة بحيث يصعب تصورها, ومع ذلك تُصرف فائض الدمع إلى الأنف, الأنف بحاجة إلى رطوبة دائمة لأن الأنف عبارة عن سطوح متداخلة محاطة بطبقة لزجة تحتاج إلى ترطيب دائم من أجل أن تصطاد الأجسام الغريبة العالقة في الهواء, و أعلى جهاز تصفية في الأنف سطوح متداخلة مطلية بمادة مخاطية مرطبة بدمع العين, فيها أشعار وشرايين وهذه المنطقة ذات عضلات بحيث تتوسع إذا بردت, فإذا برد الطقس ترى الأنف أحمر قانياً بدليل توسع الشرايين من أجل رفع درجة الحرارة, ومن أجل أن تأخذ الهواء من هنا بحرارة تعادل الصفر ويصل إلى أول القصبتين بحرارة تساوي 38 درجة بمسافة قصيرة, أرقى جهاز تسخين.
إدارة الكون وتنظيمه تؤكد على أن هناك صانع حكيم:
هذا الدماغ, إتقانه إلى أقصى الحدود أي أربعة عشر مليار خلية سمراء للمحاكمة والتخيّل والتصور والذاكرة ومركز للسمع وآخر للبصر وثالث للحركة ورابع للتوازن عالم قائم بذاته, وهناك عمى يصيب دماغ الإنسان والعين سليمة مئة في المئة, لكن مركز الرؤية في الدماغ يتعطل, أربعة عشر مليار خلية سمراء في الدماغ تستند إلى مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تُعرف وظيفتها حتى الآن, والشيء المدهش أن خلايا الدماغ بل أن الخلايا القشرية في الدماغ مستعصية على مرض السرطان لم يسجل الطب حتى الآن حالة ورم خبيث في هذه المنطقة, لأن هذه المنطقة منطقة المحاكمة والتفكّر, فربنا سبحانه وتعالى كرّمها وشرّفها وحصّنها, وهذا الدماغ حساس إلى درجة قصوى لابد من أن يُحاط بسائل, و هذا السائل يقيه الصدمات, فأية صدمة تصيبه توزع على مُجمل مساحته, من جعل هذا الترتيب ؟ و من جعل هذه الرقبة تدور 170 درجة ؟ ومن جعل هذا الدماغ في هذه الحجرة المحصنة ؟ ومن جعل هذه الحجرة ذات مفاصل مكسّرة ثابتة ؟ لو أن هناك صدمة عنيفة أصابت الدماغ فهناك مجال لتداخل هذه السطوح أقل من ميلي واحد, وهذا المجال يمتص الصدمة قال تعالى:
﴿ صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
( سورة النمل الآية: 88)
ومن جعل هذه العين وفيها هذه الأعصاب مئة وثلاثين مليار عصّية ومخروط في شبكية العين ؟ ومن جعل شبكية العين تتحسس بالخيالات التي تقع قبلها فترسل إلى الدماغ أمراً إشعاراً بذلك ؟ الدماغ يرسل أمراً إلى الجسم البلوري بالضغط حتى يقع الخيال على الشبكية من أجل أن تكون الرؤية صحيحة, فإذا وقع الخيال خلف الشبكية أعطت أمراً إشعاراً آخر للدماغ بحيث يأمر الجسم البلوري بالتطاول كي يقع الخيال على الشبكية, من أتقن هذا الصنع ؟ الله سبحانه وتعالى.
من جعل هذا اللسان جهازاً للذوق وجهازاً للنطق و الهضم ؟ قال الله:
﴿ صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88)
ومن جعل هذا المفصل في هذا المكان بالذات ؟ من جعل هذا المفصل إنسياً وجعل مفصل الركبة وحشياً ؟ من جعل هذه العظام الثمانية بحيث تتحرك اليد في كل الاتجاهات ؟ ومن جعل هذا الجلد مخططاً كي تمسك به كل شيء ؟ من جعل هذه الأظافر ؟ ومن ألغى أعصاب الحس منها كي تقصها في البيت من دون مستشفى ومن دون عملية جراحية و من دون تخدير ؟ من جعل في الأسنان أعصاباً حسيّة بحيث لو أن نخراً أصاب بعض الأسنان لا تنام الليل من أجل أن تبادر إلى معالجته, وإلا يظل النخر قائماً فيه إلى أن تأكله مع الطعام وتفقد أسنانك كلها ؟ ومن جعل هذا الجلد ؟ و هذه العضلات ؟
﴿ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
( سورة الملك الآية: 3)
هذا النخاع الشوكي خطير جداً أودعه الله داخل العمود الفقري, وهذا الرحم خطير جداً أودعه الله داخل الحوض, وهذا القلب خطير جداً أودعه الله داخل القفص الصدري, ومعامل الكريات الحمر خطيرة جداً أودعها الله داخل العظم في نقي العظام.
هل طرأ على خلق الإنسان تعديل منذ أن خلقه ؟ هذا الكبد الذي يقوم بخمسة آلاف وظيفة في أحدث البحوث العلمية من منّا يستطيع مثلاً أن يحوّل المواد الدسمة إلى مواد ؟ من جعل هذا العظم لو كُسر بعد أن نامت الخلايا وهجعت ثلاثين عاماُ تستيقظ وترمم نفسها بنفسها ؟ الله سبحانه وتعالى, هذا خلق الإنسان ومثله خلق الحيوان, هذا الصوص الذي يُخلّق داخل البيضة قبل أن يخرج منها يظهر له نتوء مدبب على منقاره يعينه على كسر البيضة, فإذا كسرها تلاشى هذا النتوء, من جعل الماء إذا تجمد يزداد حجمه لولا هذه الظاهرة لما كنّا نحن الآن ولما بقي على وجه الأرض حياة ؟ إنه الإتقان و الدرس اليوم ليس الحكمة بل الإتقان.
قد نجد الآن سيارة أو آلة من درجة عالية من الإتقان يقول لك: المبيعات لسنة محجوزة إذ عليها إقبال شديد لدقة الإتقان, ما من مصنع للسيارات إلا ويعدّل, التعديل دليل نقص, وكل عام يضيف تحسينات لم تكن موجودة من قبل, يُمتِّن بعض الأماكن ويقوي بعض المناطق الضعيفة و يختبر سرعتها و ثباتها على الأرض ويزيد أو يقلل هذه التعديلات دليل النقص, لكن ربنا عز وجل خلق الإنسان متقناً في غاية الدقة, ولذلك قال العلماء: هذا الدليل اسمه دليل الإتقان أو دليل العناية, فإذا دخلت إلى بيت ووجدت إتقاناً في بنائه و تزيينه و في أثاثه و فرشه هذا الإتقان ألا يجذب النظر ؟ إتقاناً ما بعده إتقان
﴿ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
( سورة الملك الآية: 3)
العلاقة المتباينة بين اسم الخالق واسم العزيز وأثرهما في الكون:
نحن بحياتنا اليومية نستنتج استنتاجات بأن لكل شيء متقنٍ صانعاً, كنّا بالأول نتكلم على أن الخالق موجود, وهذا الخالق له أسماء حسنى صنعته من الإتقان بحيث لا تستطيع أن تأخذ عليه شيئاً, يلتقي اسم الخالق مع اسم العزيز ومعنى العزيز لا يُنال جانبه, ولو أنك تفحصت شيئاً ورأيت فيه عيباً لقلت لصانعه: انظر, تجد الصانع ينكمش ويتضاءل ويعتذر لك, لكنك إذا تفحصت غرفة نوم وفتحت أبوابها ونظرت إلى داخلها وفتحت الدروج ووجدت إتقاناً منقطع النظير تقول له: الله يعطيك العافية, لذلك عندما تكون الصنعة متقنة إلى أقصى الحدود تسكت, لذلك هو عزيز لا يُنال جانبه ولا يستطيع أحد أن يأخذ على صنعته مأخذاً ولا انتقاداً ولا غلطة, كل الذي خلقه عين الكمال وليس في الإمكان أبدع مما كان.
ضرب نوع من الأمثلة على صنع الله في الكون:
ترى الهر في المنزل, انظر إلى جماله وإلى عضلاته له شاربان يجعل في مقدمتها قضباناً مائلة تنتهي بضوء في الليل من أجل أخذ مجال مناسب في السير, حتى لو أنّ أحداً واجهه ليلاً يحدد له حجماً مناسباً للتلافي, وهذا الهر يمشي في الظلام ولا يحتاج إلى مشعرات, هذه الشوارب التي له طويلة ليعرف ما أمامه وما على جانبه وما على جانبه الثاني, شاربا الهر آية من آيات الله عز وجل.
حدثني أخ كريم يعمل في الزراعة مختصاً بالمراعي قال: إن بعض النباتات الرعوية مركبة على حلزون مفرّغ, فإذا هبت الريح يدور هذا الحلزون في الأرض فينغرس فإذا انغرس أفرغت الثمرة بذورها في هذا الحلزون فنزلت هذه البذور إلى باطن الأرض, أي زراعة إلهية من دون أن تشعر, فهناك بذور طائرة لها أجنحة تنتقل من قارة إلى قارة قال الله:
﴿ صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88)
فعالم النبات شيء من العجب العجاب.
حدثني أخ نجار يعرف مئة نوع من أنواع الخشب, للنوافذ نوع خاص خلقه الله عز وجل لا يتأثر بالماء والرطوبة والهواء والشمس, فخشب النوافذ من الشوح, وخشب الأثاث من نوع آخر, و خشب أقلام الرصاص والكبريت من نوع ثالث, وخشب الزينة هو الأبيض المعرّق, وخشب الآلات لامتصاص الصدمات, كل نوع يناسب الوظيفة المعينة.
السمك جعل الله فيه أنبوباً مفرّغاً من الهواء تحت الحراشف فهذا جهاز الضغط, السمكة تعرف في أية لحظة أين هي من البحر وعلى أي ارتفاع أو على أي عمق فكلما غاصت في أعماق البحر زاد ضغط المياه على هذا الأنبوب, جهاز يشعر بمدى بعدها عن سطح البحر ؟ فالسمكة متقنة جداً, فكيف تستطيع هذه السمكة أن تطفو ؟ وكيف تستطيع أن تغوص في أعماق البحر ؟ إنها تُصنّع الهواء من معدتها وتملأ به أكياساً فتطفو, وتفرِّغ الهواء فتسقط, والغواصة حينما صنعها الإنسان قلّد بها السمكة, من جعل لها هذه الزعانف ؟ لها ثلاث وظائف زعنفة أداة توازن, وزعنفة أداة توجيه, وزعانف أدوات دفع كالمحرك تماماً, فهي أداة دفع وتوجيه وتوازن, فإذا تأمل الإنسان السمك, وتأمل الثمار و الأشجار يجد إتقاناً ما بعده إتقان.
الشيء الذي يجذب النظر أن ربنا عز وجل خلق التفاح 300 نوع وهذا منتهى الإكرام و الإتقان, فنوع صغير سكري, و كبير شتوي أحمر اللون, وآخر لونه أصفر, ونوع هش, ونوع صلب, ونوع فيه حموضة قليلة, وآخر يُعمّر طويلاً فهي أنواع منوّعة قال الله:
﴿ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
( سورة الملك الآية: 3)
ليس هناك صنعة فحسب بل هناك صنعة متقنة إلى أعلى درجة في الإتقان, هذا الإتقان دليل وجود الله عز وجل ودليل أسمائه الحسنى, فعقولنا ترفض رفضاً قطعياً أن يكون هذا الإتقان بلا إلهٍ عظيم عالمٍ حكيم خبير عليم قدير رحيم متقنٍ.
الأدلة الواردة في الكتاب في بيان صنع الله في مخلوقاته:
1- تفسير معاني الآية وربطها بالواقع:
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾
( سورة النبأ الآية: 6- 16)
﴿ألم نجعل الأرض مهاداً﴾
( سورة النبأ الآية: 6)
يوجد أماكن بالقطر اسمها وعر و اللجاة في الجنوب والشرق كلها صخر فلو أن الأرض كلها هكذا نموت من الجوع, فالله عز وجل لحكمة بالغة ترك بعض الأماكن صخرية فربنا عزّ وجل قال:
﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾
( سورة النبأ الآية: 8)
ذكراً وأنثى فلو أن الله خلق كل الناس ذكوراً أول شيء هل نبقى نحن موجودين ؟ لا نجد أنفسنا إذ لا وجود لنا فينتهي النوع البشري, جهاز التناسل يسمونه جهاز حفظ بقاء النوع فلولا التزاوج لما بقي الإنسان قال تعالى:
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾
( سورة النبأ الآية: 8)
بل لو جعل المرأة غير محببة, فالله عزّ وجل جعلَ هذا الميل الطبيعي, قال الله:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14)
لولا هذا الميل الطبيعي لما تزوج أحد ولأصبح الزواج عبئاً, ولولا هذا الشيء الذي جعله الله في قلب الرجل ولولا هذا الميل الطبيعي الذي وضعه الله في قلب الرجل ما تزوّج إنسان قال الله
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾
( سورة النبأ الآية: 6-9)
من الذي جعل النوم ؟ يقول لك: تعبت اشتغلت طيلة 12 ساعة, نمت ثماني ساعات فاستيقظت مثل الحصان صحيح, هذه الأعصاب و هذه الخلية العصبية عبارة عن نواة واستطالة تتصل باستطالة أخرى وهكذا, فالخلايا العصبية عند النوم تتباعد فالسيالة العصبية الكهربائية إذا سارت تجد الطريق مقطوعاً وهذا هو النوم, فالله جعلَ ترتيباً رائعاً جداً, أما لو كان المنبه قوياً جداً إذا واجه إنسان ساقية لا يمكنه قطعها, أما لو يتبعه عدو يريد النجاة منه يقطعها بسبب الخوف الشديد, هذا الصوت إن كان مزعجاً جداً عندئذٍ هذه السيالة تقفز من خلية لأخرى فيصحو الإنسان, يستيقظ الإنسان على الصوت القوي ولو أنه قد نام الآن, اليقظة هي عملية اقتراب هذه الأعصاب وتباعدها النوم قال الله:
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾
( سورة النبأ الآية: 8- 10)
ستراً
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾
( سورة النبأ الآية: 11)
للعمل.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾
( سورة النبأ الآية: 9)
سبع سموات طباق.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴾
( سورة النبأ الآية: 13)
يا أخي بردنا, فهل تعلم ما معنى البرد ؟ البرد المطلق 350 تحت الصفر, فلو لم يكن هناك شمس لكانت الحرارة 350 تحت الصفر, فإذا كانت الحرارة صفراً فمعنى ذلك أن هناك شمساً, فلولاها لكانت 350 درجة تحت الصفر قال الله:
﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا* وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾
( سورة النبأ الآية: 13-16)
2- الآية الثانية على صنع الله وبيان دلائله في خلق الإنسان:
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
(سورة عبس الآية: 17)
ما الذي جعله يكفر
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾
( سورة عبس الآية: 18- 19)
﴿منْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة عبس الآية: 19)
من حيوان منوي واحد من ثلاثمئة مليون حيوان باللقاء الزوجي, هذا الحيوان له رأس مدبب وله عنق وله ذيل حلزوني يمشي بالساعة 10 سم, هذا الرأس المدبب فيه مادة برأس الرأس مغطاة بغشاء رقيق جداً إذا لامس هذا الحيوان البويضة يتمزق الغشاء, وتخرج هذه المادة من رأسه فتزيل جدار البويضة ليُسمح له بالدخول, ومجرد أن دخل الحيوان يغلق الباب وانتهى الأمر, ثلاثمائة مليون لم يعد له عمل, البويضة تحتاج إلى حيوان منوي واحد, الآن تنقسم البيضة الملقحة حوالي عشرة آلاف قسم في طريقها من المبيض إلى الرحم, أما الحكمة البالغة في الإتقان أنه لو أن هذا الانقسام يرافقه زيادة في الحجم لعلقت في الطريق لأن الطريق بين البويضة وبين الرحم عبارة عن حبل, هذه البويضة الملقحة إذ ا زادت عن حجمها لوقفت في الطريق وسد ته قال الله:
﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
( سورة عبس الآية: 17)
﴿منْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة عبس الآية: 18)
أنت وشهاداتك وذكاؤك ومؤلفاتك ومكانتك الاجتماعية وأعصابك ودماغك وعضلاتك وأجهزتك والغدة النخامية والغدة الدرقية والقلب والشرايين والدسامات والدماغ من أي شيء خلقه ؟
﴿مِنْ نطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾
( سورة عبس الآية:19)
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾
( سورة عبس الآية: 20)
لو كان عظم الحوض أضيق من حجم الرأس ماذا تفعل ؟ لو كان حجم الرأس بحجم الكتفين ماذا تفعل ؟ لاحظ الطفل حجم رأسه بعرض كتفيه تماماً, تصميم خاص للخروج وبعد الخروج تعرض أكتافه, ولو كان رأس كبير وأكتاف عريضة كيف الخروج ؟ " ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ " من جعل المرأة تفرز مادة هرمونية تحرك عظم الحوض فيتوسع ويأخذ وضعه الخاص أثناء الولادة من يحرك ذلك الهرمون ؟ من الذي أعطى الأمر قبل ساعتين ليقلب الطفل ؟ يكون وضعه رأسه نحو الأعلى فيأتي أمر هرموني ليقلب الطفل فيصبح رأسه نحو الأسفل, وإذا لم يقلب فالعملية أصبحت قيصرية فمن الذي جعله يقلب ؟ الآن دور الرحم يفعل تقلصات مع ألم ولو لم يكن ألم والله بالطريق ولدت, فآلام المخاض ضرورية جداً من أجل الولادة, والرحم أقوى عضلة في النوع البشري, فلو أن الطريق أمام الطفل مفتوح لقُذف الطفل اثني عشر متراً تقلصات متزامنة لطيفة إلى أن يخرج الطفل, وإذا بالرحم يتقلص تقلصاً مفاجئاً ويصبح كالصخر تماماً لماذا ؟ لأن ما يقرب من مئة ألف شريان تتقطع بمثل هذه العملية, ولو أنه يظل مرخياً تموت المرأة بالنزيف قال تعالى:
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾
(سورة عبس الآية: 20- 23)
حتى الآن لم يستقم ؟ و حتى الآن لم يعرف الله عز وجل ؟
﴿كلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾
( سورة عبس الآية: 23)
من أوجه تفسيرات هذه الآية أنها استفهامية قال الله: ﴿ كلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾
( سورة عبس الآية: 23)
إلى الآن ما صلّى من أجل أن تعرفه:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾
(سورة عبس الآية: 24- 32)
﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
( سورة عبس الآية: 24)
أنا أقول لكم الطعام يكفي قال الله:
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صبًّا ﴾
( سورة عبس الآية: 25)
الأمطار.
﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شقّاً ﴾
( سورة عبس الآية: 26)
الأرض شُقت فخرج منها النبات قال الله:
﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾
( سورة عبس الآية: 27)
المحاصيل.
﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾
( سورة عبس الآية: 28)
فواكه. ﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴾
( سورة عبس الآية: 29-30)
الأزهار وحتى الآن لا تصلي, إذا لم تصلِّ إذن دابة قال الله:
﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾
( سورة عبس الآية: 31)
قال لي أحدهم: كيف أن القمح مادة أساسية جداً في حياة الإنسان كذلك ساق القمح " التبن " مادة أساسية جداً لعلف الحيوان أي علاقتنا بالقمح كعلاقة الحيوان بالتبن تماماً ؟
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾
( سورة عبس الآية: 32)
آيات الله المنيرة في الكون تدعو الإنسان إلى التفكر فيها لكي توصله إلى معرفة الله وشكره:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 61)
هذه الشمس علّقها الله لك ساعة يدب عقربها إلى قيام الساعة, علّقها الله لك مناراً وعلّقها الله لك مدفأة, ولو أتيت بمدفأة للبيت كله ترى نفسك هل هذه تكفي ؟ ما رأيك في مدفأة للأرض كلها فالشمس مدفأة كونية ! وهل يُمكن أن تأتي ببلورة واحدة للبيت كله ؟ فالله جعل الشمس مصباحاً للأرض كلها, مدفأة ومصباحاً وساعة وجهاز تعقيم لكل الأرض قال الله:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾
( سورة الفرقان الآية: 61)
والقمر لطيف. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 62)
الليل قصير ثم طويل والليل مظلم والنهار مشرق والليل ساكن والنهار فيه ضجيج متفاوتان لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً, هذه الآيات التي ذكرتها قليلة فماذا أقول ؟ لو بقينا بالإنسان و بالنبات لا ننتهي, وخلايا الأوراق النباتية تتقارب في الصيف لتمنع التبخر وتتباعد في الشتاء, في عصر الجفاف تحافظ الورقة على اخضرارها وعلى مائها عن طريق تقارب الخلايا, وفي الشتاء رطوبة وافرة تتباعد من أجل التجديد هل تعلم ذلك ؟ أي حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء, وأردت من هذه الآيات أن أجعلها حصراً بل أجعلها أمثلة للتفكير والواحد منّا يُفكر, ولا يتمتع الإنسان كما تتمتع البهائم, والذين كفروا يتمتعون كما قال عزّ وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾
( سورة محمد الآية: 12)
أما الإنسان فإنه يفكر في كل شيء.
" الشمسُ والبدرُ من أنوار حكمتهِ, والبرُ والبحرُ فيضٌ من عطاياه, والطيرُ سبّحهُ, والزرعُ قدّسهُ, والموجُ كبّرهُ, والحوتُ ناجاهُ, والنملُ تحتَ الصخور الصُمِّ مجدّهُ, والنحلُ يهتِفُ حمداً في خلاياه ".
فالنحل: هناك نحلة للحراسة لا تسمح لنحلة أخرى بالدخول من دون كلمة السر وإلا قتلت, لذلك لو كان مليون نحلة بالربيع لا يمكن أن تذهب نحلة إلى غير خليتها نظام بديع, ونحلات عاملات مهمتهن تنظيف الخلية فكل شيء غريب تأخذه وتلقيه خارج الخلية, أما لو دخلت فأرة مثلاً لا يمكنهم حملها تفرز عليها مادة شمعية لتمنع تفسخها, وهذا عمل النحلات المنظفات, ونحلات حارسات, و نحلات للتهوية يغلقن الأبواب أثناء البرد, ويهوين بأجنحتهن أثناء الحر, ونحلات لصناعة خلايا العسل, والنحلة الملكة تكون حاملاً, وهناك مجموعة أماكن للوضع, تدخل لهذا المكان فتضع ملكة ثانية, وهُنا تضع ذكراً وهنا تضع عاملة, وتعرف الملكة الحامل سلفاً نوع الجنين, والآن إذا أحضرنا واحدة وقمنا بتدريسها في الطب النسائي والولادة بالذات, وأتاها زوج وحملت وعلى مشارف الولادة هل تعلم هذه الدكتورة ماذا في بطنِها ؟ إنها دكتورة لا تعرف, أمّا هذه الملكة فتعرف نوع المولود وتضعه في مكانه المناسب, وكل نقطة من الرحيق مأخوذة من ألف ومئة زهرة, وكل مئة غرام من الرحيق مأخوذة من مليون زهرة, وكيلو العسل الواحد هو محصلة طيران أربعمئة ألف كيلو متر, أي حول الأرض عشر مرات فكيلو العسل ليس غالياً على هذا الجهد المبذول, وهذا ليسَ ثمنه بل هذا ثمن العناية بالنحلات فقط, النحلة تحمل رحيقاً ثلثي وزنها أما الشاحنة فما وزنها ؟ ثلثي وزنها حمولة هذه واحدة, سرعتها خمسة وستون كيلو متراً في الساعة هذه النحلة مثل السيارة وهي فارغة, أمّا مُحمّلة فسرعتها خمسة وثلاثون, تعمل النحلة رقصة تُعلم النحلات إن كان المكان بعيداً, أما إذا كان قريباً في رقصة على بُعد خمسة كيلو مترات, وفي رقصة عشرين كيلو متر تقوم بتنبيهها أنَّ الرحلة طويلة وهذا رقص النحل, فعند النحلة نظام تعجز عنه المجتمعات البشرية المتقدمة, إبرة الملكة لا تلدغُ بها إنساناً إطلاقاً لكنها تلدغُ ملكة أخرى نافستها على قيادة هذه الخلية نظام من العجب العجاب, يوجد نحلات مهمتهن تقديم الغذاء للملكة, تأخذ غبار الطلع وتقوم بعجنهِ برحيق الأزهار وتقدمه وجبات غذائية دسمة جداً للملكة, وهو طعام خاص ما هذا ؟
﴿ صنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَن َكُلّ َشيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88)
عالم النِمل و الحشرات و الجراثيم كلها فيها أشياء عجيبة, وأعماق البحار فيه كائنات لا يعلمُها إلا الله, مليون نوع من السمك في البحر, وعالم الأطيار هذا الطير يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر رحلته فهناك طيور تُهاجر من أمريكا الشمالية إلى أمريكا الجنوبية تقطع هذه المسافة, تطير ستاً وثمانين ساعة طيراناً من دون توقف, أحضر لي أعظم طائرة في العالم هل تطير هذه المدة من دون توقف ؟
الحمام بحثه طويل جداً وقد جعلت عنه خطبة في جامع الجسر إنه يأخذ بالألباب قال الله:
﴿ صنْعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَن َكُلّ َشيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية:88)
أشعر أنني ما قدمت شيئاً, ولم أقدر أن أقدم شيئاً عن عظمة الله عزّ وجل, لكن العلم حرف والتكرار ألف وكل واحد لوحده يُفكر أيضاً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع عشر )



الموضوع : الإنسان يستنتج من خلق السموات والأرض




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإنسان بعقله يتوصل إلى معرفة أسماء الله الحسنى من خلال علمه وقدرته في الكون:
أيها الأخوة, أنهينا في الدرس الماضي الأدلة الأربعة على وجود الله سبحانه وتعالى.
قبل الحديث عن أسماء الله الحسنى, لاشك أنكم إذا دخلتم إلى بيت وكان هذا البيت غاية في الإتقان و في التناسب والتزيين و الأناقة لابد أن تستنبط أن الذي صممه وبناه و كساه وزينه وفرشه و رتبه ونسّقه غاية في الذوق, فنحن في الدروس الماضية استنتجنا من هذا الكون أنه لابد من وجود خالق له, لأن للخلق خالقاً ولكل نظام منظم ولكل صنعة صانع ولكل صنعة متقنة صانع متقن ولكل سير مسيّر, لابد من أن نقف عند فكرة واحدة وهي أن الإنسان بإمكانه أن يستنتج من خلق السموات والأرض فضلاً عن حقيقة الوجود أسماء الله الحسنى أو صفاته العليا, فإذا علمتم مثلاً أن الأرض تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية الواحدة, وأنّ الأرض بقاراتها الخمس وبحارها ومحيطاتها وجبالها وسهولها كلها محمولة في الفضاء وكلها تجري حول فلك ما, لابد من أن تستنبط أن الذي يحركها هو الله:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
( سورة الزمر الآية: 67)
لابد أنه قدير والقدرة واضحة, وإذا علمت أن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرّة وأنّ الشمس متألقة منذ خمسة آلاف مليون عام, وأن بين الشمس والأرض مئة وستة وخمسين مليون كيلومتر, وأنّ هناك نجوماً تتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما, وأن في الكون مليون مليون مجرّة وأن في كل مجرّة مليون مليون كوكب، وأن بعض المجرات تبعد عن الأرض ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, وأن الضوء يمشي في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر فكم يمشي في الدقيقة أو في الساعة أو في اليوم أو في العام ؟ وهذه المجرة بُعدُها عنّا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, فمن هذه الأرقام والحقائق التي أصبحت بديهية في هذه الأزمان تستنبط أن الله سبحانه وتعالى قوي و من النظام الدقيق الذي تسير عليه تستنتج أن الله سبحانه وتعالى عالم.
فإذا رأيت آلة ضخمة يزيد حجمها عن حجم هذا المسجد إذ يوجد آلات عملاقة مثل آلات الحفر فهل يُعقل أن تصدق أن دكاناً في بعض أسواق دمشق صنعتها أو مصنع هذه الآلة الضخمة أن يكون دكاناً في بعض الأزقة في دمشق ؟ لابد من أن يكون معمل هذه الآلة يحتل آلافاً مؤلفة من الأمتار المكعبة، و أن يكون فيه عدد كبير جداً من المهندسين, وخبرات متراكمة منذ عشرات السنين, و مواد أولية ثمنها مئات الملايين، ومواد أولية على فئات فنية وأجهزة عالية الدقة ونظام إداري دقيق هذه الآلة لابد لها من معمل، فهذه الأرض وما فيها وهذه المخلوقات وما تمتاز به من دقة متناهية لابُدَّ من خالقٍ خلقها. صفات الله العليا تتجلى في الكون منها:
1- العلم والقدرة:
أما صفات الله العليا في الكون بأنه مبني على علمٍ متناهٍ من الدقة، فلو أخذتم جسم الإنسان وهو أعقد آلة في الكون، فالعين وحدها فيها علم لا ينقضي، نحنُ هُنا في هذا المسجد نتكلّم حقائق مُبسّطة جداً ما قولكم ؟ لو رأيتم في بعض المكتبات عشرين أو ثلاثين أو خمسين مجلداً بأصغر حرف وأرق ورق وأغلظ حجم كلها عن القلب, وكتب أخرى عن العين, فلو درس المرء بدولة متفوقة هذه العلوم يبقى سنوات طويلة في دراستها, والمُختص بالأوعية طبيب أوعية, وطبيب بولية، و جهاز البول وحدهُ عالمٌ قائِمٌ بذاته, وطبيب القلب، وطبيب العصبي المختص بالأمراض العصبية، وهذه الكُتب التي في المكتبات إنما هي عِلمُ الله عزّ وجل كشوفات, الإنسان كشف بعض الحقائق سجلها في الكتاب, الإنسان لم يخلق هذه الحقائق بل كشفها، فرقٌ كبير بينَ أن يكشِفَها الإنسان وبينَ أن يخلِقَها الله فهو الذي خلقها والإنسان كَشَفَها، وكلما زِدنا في العلم تعمقاً زاد علمنا بجهلنا، لو يُتاح لكَ أن تذهب إلى مكتبة وتنظر ما كُتِبَ عن العين، وما كُتِبَ عن اليد، وعن بعض الأمراض، و عن الكليتين، وعن أمراض جهاز الهضم، و الكبد، والمفاصل، موضوع الولادة والرحم عالم قائم بذاته، والطفولة عالم قائم بذاته، وطبيب أمراض عصبية، و طبيب أمراض عقلية وطبيب عظام، و طبيب هضمية، وطبيب في الغدد الصُم مستقل، وطبيب في الأنف والأذن والحنجرة، وطبيب للعيون، وطبيب للأسنان، إنَّ في مكتبة طبيب الأسنان مئة كتاب عن الأسنان هذا علمُ الله عزّ وجل, واللهُ سبحانهُ وتعالى سَمَحَ للإنسان أن يعرِفَ بعضَ الحقائق، وقد عرفها فألّفَها في كتاب فهذا علمُ الله عزّ وجل.
لو انتقلتَ إلى علم الفيزياء ووقع تحت يدكَ كتاب في اللغة الأجنبية تجد ثلاثين صفحة عن المراجع كُل صفحة فيها أربعون أو خمسون اسماً لكتاب " هذه فيزياء " الحرارة باب كبير، والضوء، والحركة، والصوت، والكهرباء كلها واسعة الدراسة، والفيزياء النووية موضوع مستقل، والكيمياء العضوية واللاعضوية، والمعدنية، و الفيزيائية إنها أبوابٌ لا تُغلق، فإذا ذهبتَ إلى موضوعات الفلك فشيء عجيب، فإذا انتقلت إلى عالم النبات فكم من كتاب هناك ؟ إذا انتقلتَ إلى عالم الحيوان، و الأطيار، و الأسماك فكم نوع من السمك، و بُنية السمكة، وأنواعها بحسب حجومِها، ووظائِفِها، و توحشِها، و نموها ؟ والنباتات التي تنمو في البحار بحث واسع قائم بذاته، والنباتات النهرية، والأسماك النهرية وأسماك المياه المالحة هذه كُلها عناوين, و كل علمٍ توصّل إليه الإنسان إنما هو علم الله عز وجل, هذا علمُ الله كشفه الإنسان، فإذا ظنّ أنه عالم فهو جاهل فهذا علمُ الله:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
( سورة الإسراء الآية: 85)
فكل ما في الكون ينطق بعلم الله وبقدرة الله, والأرض بحجمها إذا دخلت في ثقب أسود في الفضاء الخارجي يصبح حجمها كالبيضة وبالوزن نفسه, عشرة آلاف مليون مليون مليون طن هذه قدرة الله عزّ وجل.
2- الحكمة واللطف:
كل شيء ينطق بحكمة الله ولطفُ الله عز وجل, الهواء دليل على لطف الله عز وجل و شيء مخيف إذا تحرك اقتلع مدناً بأكملها, وهناك أعاصير تهب في بعض بلاد أمريكا لا يبقى من المدينة شيء, وعندي صور مدينة بأكملها تصبح أثراً بعد عين, وقرأت قصة في بعض المجلات أن رجلاً عنده بيت كبير وأمام هذا البيت سيارته وكان مسافراً, عاد إلى بلدته وقد أصابها الإعصار فلم يجد من بيته وسيارته إلا المحرك على بعد خمسة عشر كيلومتراً, هذا الهواء إذا هبّ دمّر كل شيء, فإذا سكن فشيء لطيف بيننا لا يُعيق الرؤية.
هل تستطيع أن تحمل بناء شامخاً من دون أعمدة تمشي من خلاله ؟ إنه شيء فوق طاقة البشر هذه هي الجاذبية:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
( سورة الرعد الآية: 2)
هناك عمدٌ ولكنكم لا ترونها هي موجودة, حتى إن بعض العلماء قال: القمر مرتبط بالأرض بجاذبية, لو مُثّلت بحبل فولاذي مضفور من أمتن أنواع الحبال لكان قطره خمسين كيلومتراً هذا الحبل يمثل انجذاب القمر إلى الأرض, وأما انجذاب الأرض إلى الشمس, فلو أنّ هذه الانجذابات كانت ممثلة بحبال فولاذية لا ترى في السماء شيئاً كلها شبكة من الحبال, وهذه الحبال موجودة لكنك لا تراها لطيفة تطير عبرها، في تجاذب بين الكواكب وأنت تمشي بين هذه القوى المتجاذبة هذا لطف إلهي.
الماء لطيف جداً لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ينساب في صفة النفوذ حتى إنه لشدة رقته لا يقاس، يكاد ينفذ في أماكن لا ترى إنه دليل لطف، وربنا عزّ وجل إذا أحب أن يقلع سن الطفل مباشرةً من دون طبيب أسنان ومن دون مخدر ومن دون بكاء الطفل, أثناء الطعام يكتشف أن سنه في فمه مع اللقمة، اتضح للعلماء أن السن يتآكل من جذره بالتسلسل إلى أن يبقى معلقاً على نقطة إذا جاءه ضغط يسير ينقلع, هذا قلع السن عن طريق الله مباشرة أيوجد ألطف من ذلك ؟
إذا أحببت أن تأكل قطعة حلوى من صنع الإنسان يقول لك ثقيلة على المعدة فكُل برتقالة أو تفاحة فهي شيء خفيف في تصميم لطيف، بنية الفاكهة، نوع سُكرِها، قِوامُها نوعُ المواد فيها غايةٌ في اللُطف.
إذا أعطى الله أدهش:
في الكون أدلة كثيرة على علمه و قوته وغِناه فإذا أعطى أدهش, وقد شاهدت مرة قمحة واحدة أنبتت سبع عشرة سنبلة, فعددنا بعض السنابل فوجدناها خمسين قمحة, إذاً ألف وسبعمئة وخمسون قمحة من قمحة واحدة إذا أعطى أدهش, غرام واحد للبذور ينتج طناً يعني مليون ضعف, وبعض بذور الخضراوات إنتاجها مليون ضعف إذا أعطى أدهش, من حين لآخر ربنا عزّ وجل يضاعف الفاكهة أضعافاً مضاعفة, قد يضمن الضمّان المشمش بخمس ليرات و يبيعه بعشر إذا به يضطر لبيعه بليرة ونصف فما السبب ؟ لأن الكمية خمسة أضعاف الكمية المعقولة، سنة الكرز وسنة المشمش يقول لك: الدُراق هبطَ سعره فبائعو الفواكه ينزعجون إذا هَبَطَ السعر يعتبرون ذلك إهانة للفاكهة فيقولون: قيمته عشر ليرات فيُباع بليرتين, أمّا المؤمن فيفرح إذا هبط السعر ليأكُلَ عِبادُ الله من هذه الفاكهة, إذا أعطى الله عزّ وجل أدهش, حاجة القطر إلى البطاطا مثلاً 150 ألف طن, بينما كان الإنتاج السنة الماضية 350 ألف طن, فبيع الكيلو 35 قرشاً سورياً من حين لآخر ويعطي الله عز وجل أمثلة قال الله:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
( سورة الحجر الآية: 21)
كل شيء عندنا خزائنه, قرأت في بعض النشرات حتى الآن مضى شهران من الشتاء أكثر المناطق معدل الأمطار فيها 225 مم تقريباً مقابل 13 ملم نزلت في العام الماضي مع أن الإنسان زعم أن خطوط المطر انتقلت وهذه سنوات عجاف فيها تصحُّر وجفاف ولكن كل الأقوال ذهبت أدراج الرياح، فجاءت الأمطار والثلوج إذا أعطى أدهش, كريم سبحانه وتعالى غني لطيف رحيم.
3- الرحمة:
هل أقول لكَ كيف تكشف رحمته ؟ ليس هناك من رجل إلا في حياته أم, إما أم له أو أم لأولاده, فلينظر إلى الأم كيف تعطف على أولادها إنها نفحة من رحمة الله سبحانه ؟
" أتلقي هذه المرأة ولدها إلى النار ؟ قالوا معاذ الله، قال والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها "
( ورد في الأثر )
هذه رحمة الله.
4- العدل:
الله عز وجل عادل, لو سألت بعض القضاة ولو قرأت كتباً تتعلق ببعض الجرائم تشعر أن الذي هداهم إلى المجرم هو الله عز وجل, يعني على أبسط وأتفه سبب ألقي القبض على المجرمَ هذه عدالة السماء، والذي أريد أن أقوله: أن الكون إضافة إلى أنه دليل قطعي على وجود الله عز وجل هو دليل أيضاً على صفاته وأسمائه, إذا رأيت ناقلة نفط كبيرة تتسع لمليون طن لا يمكنك أن تقول: إن قاعدة صنعها في " نبع بردى مثلاً, هل تصدق أنها صُنعت في بحيرة بردى ؟ مستحيلة, لابد من قاعدة كبيرة ضخمة, كم من المهندسين فيها ؟ كم من الحديد الأطنان فيها ؟ يُقال: إن المحرّك الذي يحرك دفتها يعادل قدرة ألفي حصان فقط لتحريك الدفة, السماكة حوالي ثلاثة أرباع المتر وصفيحة كبيرة جداً وراء فرّاش كبير بألوف الأحصنة من أجل أن تسير, ومع ذلك مثل هذه الناقلة تحطمت في بحر الشمال إثر عاصفة من عواصف البحار وغرقت وتلوث البحر بالنفط, كل ما أريد أن أقوله: هو أنك تستطيع أن تصل إلى أسماء الله الحسنى من خلال الكون, وأنك إذا فكرت في كل شيء حولك ترى رحمة الله.
5- الجمال:
انظر إلى طفلك الصغير تجد به نفحة من جمال الله عز وجل تجلى الله عليه باسم الجميل, انظر إلى الوردة الجميلة وغيرها الأزهار تجد أنها قد أخذت مسحة من جمال الله، هذا اللون الأزرق في البحر من أعطاه هذه الدرجة ؟ تأمل في بعض الأزهار ألوانها من يُقدّرُ هذا الشيء ؟ انظر إلى الفراشة، و إلى بعض النباتات، و إلى اللون الأصفر في التفاح كيف يوشح بخدٍ أحمر ؟ وانظر إلى لون الكرز و الخيار هذا اللون الأخضر اللماع والأخضر الداكن كُل شيء أمامك له ألوان جميلة جداً، هذه كلها مخلوقات تجلّى الله عليها باسم الجميل,
يقال لكَ: هناك منطقة جميلة بحار، وجزيرة خضراء، وسماء زرقاء، و أشجار خضراء و صوت الشلال ترتاح له, لكنك إذا دخلت إلى معمل لا تتحمل صوت الآلات, فقد يكون صوت الشلال أكثر صخباً لكنَّ هذا الصوت من تصميم الله عز وجل.
اسمع إلى زغردة العصافير صباحاً و إلى صوت الشحرور تشعر أن الله جميل, وهناك أشجار تسمى الصنوبريات فأنت لا تشبع من النظر إلى السرو، وهناك أشجار سرو كوكبية، و أشجار على شكل صفائح إنها شيء جميل جداً فماذا أقول ؟ كل ما في الكون ينطق بأسمائه الحسنى " وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ".
السعيد من نَفَذَ من خلال هذه الآيات إلى خالق الأرض والسموات, ومن عرف الله من خلال هذه الآيات.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن عشر )



الموضوع : أسماء الله الحسنى : إسم الله الأعظم



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أدلة أهل العلم القائلين بأن اسم الله هو اسم الله الأعظم:
1- خصوصية هذا الاسم من بين أسمائه:
أيها الأخوة, اسم الله الأعظم هو الله وحول هذا الموضوع بحوث كثيرة، البحث جمعه بحوث ومباحث والبحوث أولى, فهذا الاسم كما قال علماء التوحيد: عَلَمٌ على الذات أو عَلَمٌ على واجب الوجود, وأن أعظم الأسماء هي قولنا " الله " واحتج القائلون بأن كلمة " الله " هي اسم " الله " الأعظم لوجوه عديدة:
الحجة الأول: أن هذا الاسم ما أُطلق على غير الله فإن العرب كانوا يسمون الأوثان آلهة إلا هذا الاسم فإنهم ما كانوا يطلقونه على غير الله سبحانه وتعالى والدليل قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 61)
فكلمة الله: تعني عندهم خالق السموات والأرض وما سُمي أحدٌ على وجه الأرض بهذا الاسم حتى ولا الآلهة التي زُعمت من دون الله لم تسمَّ بهذا الاسم أبداً وقال تعالى:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية: 65)
ولما كان هذا الاسم في الاختصاص بالله تعالى على هذا الوجه وجب أن يكون أشرف الأسماء كلها، فاسم الله: هو اسم الله الأعظم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات العظمى الجامع للكمالات كلها المنزّه عن النقائص كلها عَلَمٌ على الذات واجب الوجود.
2- الأصل في الأسماء الحسنى هو اسم الله وجميع الأسماء مضافة إليه:
الحجة الثانية: وهي أن كلمة الله هي اسم الله الأعظم وهذا الاسم هو الأصل في أسماء الله سبحانه وتعالى وسائر الأسماء " الرحمن, الرحيم, الملك, القدوس, السلام, المؤمن, المهيمن, العزيز, الجبار " وجميع الأسماء مضافة إليه قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180)
أما الأسماء الحسنى أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى, ولا محالة في أن الموصوف أشرف من الصفة لأنه يقال: " الرحمن الرحيم، الملك القدوس" كلها أسماء لله تعالى ولا يُقال: الله اسم الرحمن الرحيم بل الرحمن الرحيم اسم الله فدلّ على أن هذا الاسم هو الأصل.
شيء آخر قال تعالى:
﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110)
خصص هذان الاسمان بالذكر قال تعالى:
﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110)
وذلك يدل على أنهما أشرف من غيرهما, ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن والدليل بأنه قدمه في الذكر قال الله:
﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾
( سورة الإسراء الآية: 110)
فلأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة ولا يدل على كمال القهر والغلبة والعظمة والقدس والعزة, بينما اسم الله سبحانه وتعالى يدل على كل هذه المعاني اسم الذات الأعظم الجامع لكل الأسماء الحسنى.
هذا الاسم من عجائبه أنه كلما أسقطت منه حرفاً فالحروف الباقية اسم من أسماء الله مثلاً (كتب) فعل ماضٍ احذف الكاف (تب) لا معنى لها, (سقط) فعل ماض احذف السين (قط) تغير المعنى, أما لفظ الجلالة الله كلما حذفت منه حرفاً الباقي اسم من أسماء الله الحسنى كيف ؟ لو حذفت الهمزة قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 189)
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾
( سورة المنافقون الآية: 7)
فإن أسقطت اللام الأولى بقي " إله " وهو أيضاً من صفات الله تعالى:
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 63)
﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
( سورة القصص الآية: 70)
فإن أسقطت اللام.
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص الآية: 1-4)
يعني إن حذفت الهمزة بقي (لله), وإن حذفت الهمزة واللام الأولى بقي (له), وإن حذفت الهمزة واللام الأولى واللام الثانية بقيت (هـ) هذه من خصائص هذا الاسم العظيم.
الآن لو أنّ الكافر قال: " لا إله إلا هو " لم يصح إسلامه, و لا يصح إسلامه إلا إذا قال " لا إله إلا الله " لأنه إذا قال الأولى: قد يُضمر معبوده الوثني فيجب أن يقول " لا إله إلا الله " إذن الله اسم الذات الأعظم والله سبحانه وتعالى قال:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 19)
لم يقل: " لا إله إلا هو " قال الله:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد الآية: 19)
وقال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
( أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في الصحيح )
3- قدسية هذا الاسم وشرفه من بين أسمائه:
الحجة الثالثة: بأن كلمة الله هي اسم الله الأعظم قوله تعالى:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 91)
فإن الله أمر عبده بالإعراض عن كل ما سِوى الله, والإقبال بالكلية على عبادته, وذكر هذا الاسم فدلّ على أن هذا الاسم أشرف الأسماء كلها, أحياناً يشتد النقاش حول الدنيا وحول موضوعات كثيرة نقاشات ومحاورات ومشاحنات وحظوظ وأهواء ومصالح واتجاهات وانقسامات فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 91)
أي كل ما سِوى الله لهوٌ باطل قال الله: ﴿ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 91)
والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
( سورة النمل الآية: 79)
من خصائص هذا الاسم اسم الذات الأعظم: أن كل اسم إذا دخل عليه النداء أسقطت عنه الألف واللام, تقول: يا رحمن, يا رحيم فلا تقول: يا الرحمن يا الرحيم, إلا اسم الله الأعظم تقول: " يا الله " فالألف واللام في هذا الاسم صار كالجزء الذاتي منه فلا جرم أنه لا يسقط حالة النداء وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن الألف واللام للتعريف فعدم سقوطهما عن هذا الاسم يدل على أن هذا التعريف لا يزول عنه أبداً، قال له: يا إمام, متى كان الله ؟ أجابه: ومتى لم يكن ؟! قال: الألف واللام " ألف التعريف ولام التعريف " لا تقطعان عن هذا الاسم إطلاقاً لأنه إذا ظهر في الوجود ظهر في كل شيء وما خلا منه شيء.
4- عجز العقل البشري معرفة كنه هذا الاسم:
الحجة الرابعة: أن الأصح عند أكثر العلماء أن كنه هذا الاسم لا سبيل للعقل إلى معرفة كيفية اشتقاقه, وثبت أن كنه الحق سبحانه وتعالى لا سبيل للعقل إلى معرفته, أي أن ذات الله لا يستطيع أحد أن يعرفها وأن يعرف كنها, والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
" تفكروا في خلق الله ولاتفكروا في ذاته فتهلكوا ", إذن هذا هو الاسم الأعظم الذي يأخذ خصائص الذات الإلهية.
5- يعد أول آية في القرآن الكريم:
الحجة الخامسة: أن أول آية في القرآن الكريم هي قوله تعالى: " بسم الله الرحمن الرحيم " على قول بعض العلماء، وعلى قول الباقين هي قوله تعالى: " الحمد لله رب العالمين " وهذا الاسم الأعظم مذكور في هاتين الآيتين اللتين تعدان أول آيتين في كتاب الله.
6- يعد آخر اسم من الأسماء المذكورة في القرآن الكريم :
الحجة السادسة: كما أنه أول الأسماء المذكورة في القرآن الكريم, فذلك هو آخر الأسماء المذكورة في القرآن الكريم:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ﴾
( سورة الناس الآية: 1-3)
آخر اسم ورد في كتاب الله, قال الله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾
( سورة الناس الآية: 3)
7- شمولية هذا الاسم:
الحجة السابعة: أن لفظ الإله على قول كثير من العلماء مشتق من العبادة على ما سيأتي بيانه، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء لأن العبادة غاية التواضع والخضوع, وذلك لا يحسن إلا إذا كان المعبود في غاية الجلالة والعظمة، وجّه بعض العلماء على أنَّ هذا الاسم مشتق من العبادة والذي يستحق العبادة وتمام الخضوع لاشك أنه في غاية الكمالات كلها، إذن كأن اسم الله جل وعلا جمع كل المحامد، وجمع كل الأسماء الحسنى والصفات العظمى, هذا من قبيل الحديث على أن الله سبحانه وتعالى اسم الله الأعظم.
رأي بعض العلماء بأن اسم الله لا يخصص وإنما عظمة الاسم بحسب حالة الداعي إليه:
بعض العلماء يقول: الله سبحانه وتعالى كلٌ لا يتجزأ ولا يتبعض, فالاسم الذي يدل عليه كله إذن اسم الله الأعظم ليس في الكلمات بل في حالة الداعي, أي إذا شعرت أنه لا إله إلا الله بأي اسم ناديته فهذا الاسم هو اسم الله الأعظم. ولو أن المرء يعتمد على زيد من الناس وثقته بماله وقوته وله علاقات مع بعض الأشخاص واثق من مكانته، فإذا دعا الله عز وجل باسم الله الأعظم وقال: يا الله, يا رحمن, يا رحيم برحمتك أستغيث, هو لم ينادِ ربه باسمه الأعظم, لا ينادي المنادي ربه باسمه الأعظم إلا إذا كان الله عند المنادي هو أعظم كل شيء هذا المعنى أعمق, فالقضية ليست في الكلمات، القضية أنه إذا كان مشركاً بالله عز وجل وله اتكال على غير الله وله اعتماد على ما سِواه, فإنه لن يستطيع أن يناديه باسمه الأعظم مادام مشركاً به, أما إذا أخلص لله العبادة وأخلص له بالتوكل وأقبل عليه فبأي اسم يناديه فهذا الاسم هو اسم الله الأعظم لأنه رأى في قلبه أن الله أعظم من كل شيء.
لا يعرف الله إلا الله:
هذا الاسم لأنه علمٌ على الذات, والحديث عن الذات أي يستحيل علينا أن نتعرف إلى ذات الله, فنحن نتعرف إلى أسمائه الحسنى وإلى صفاته العظمى من خلال خلقه, فالنبي عليه الصلاة والسلام نهانا أن نفكر في ذات الله، لا أحد يستطيع أن يعرف كنه الله عز وجل لأنه:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255)
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 85)
مثل بسيط: إذا ألقيت ورقة رقيقة جداً من هذا الورق الذي تُلف به اللفائف, وألقيت هذه الورقة في فرن لصهر الحديد, بعد أن ألقيتها بساعة أو بأكثر قلت: ماذا حلّ بها ؟ ما هذا السؤال, هي من الوهج العلوي تلاشت, فالإنسان إذا أراد أن يفكر في ذات الله يهلك وهذا منهي عنه إذا جاءته مثل هذه الخواطر
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص الآية: 1-4)
باب التفكر في مخلوقات الله:
باب التفكر في مخلوقات الله لا حدود له, كلما وجدت آية فكّر بها وتأمّل دقة الصنع من حكمة، و لطف، و قدرة، وغنى، و رحمة، و سعة قال أحد العارفين: " والله يا رب, لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع ", فالإنسان في أيام الخريف يمشي في البستان تسقط ورقة, هل هناك جهة في الكون تستطيع إحصاء الساعة الأولى من يوم الخميس " 14 تموز عام 47 مثلاً " كم ورقة سقطت من الأشجار بالأرض كلها ؟ ربنا عز وجل قال:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 59)
كلام ربنا عز وجل:
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾
( سورة الأنعام الآية: 59)
لاحظ نفسك قد يأتيك خاطر من الخواطر لا يرضي الله عز وجل لو تابعته تأتيك العقوبة مباشرة, أحياناً يكون الإنسان ماشياً في الطريق وقد يصطدم بشيء قال عليه الصلاة والسلام:
" ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر "
( ورد في الأثر )
الله لا يحده زمان ولا مكان ولا تحيز لشخص دون آخر:
حينما تتوهم أو تظن أن الله عز وجل معك دائماً وليس مع غيرك هذا التوهم باطل, الله عز وجل مع أي إنسان في الأرض فإنسان ساكن في آلاسكا, وثانٍ في الأرجنتين, وثالث في أستراليا, ورابع في الغابات, وهل هو مع الإنسان فقط بل مع الحيوانات كلها لا تُقتل البهائم بغفلة ؟ صياد في غابة يطلق بندقيته يموت هذا العصفور بالذات, هذا العصفور بالذات موته بقضاء وقدر, وكذلك النبات وحركات الأحياء الدقيقة في باطن التربة كلها بعلمه وتقديره.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
(سورة فاطر الآية: 41)
فإذا تفكر الإنسان كيف أن الله سبحانه وتعالى مع كل مخلوق سميع لقوله، عليم بحاله، ناظر لنفسه، مطلع على قلبه، يعلم سره وما يخفى عنه ذلكم الله رب العالمين ؟
﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾
(سورة الشورى الآية: 10)
هذا هو الذي يستحق العبادة وحده لا معبود سواه، لا معبود إلا الله، ليس في الكون جهة تستحق أن تعبدها وأن تفني عمرك من أجلها, وأن تمضي شبابك كله في طاعته إلا الله سبحانه وتعالى، لذلك أندم الناس من باع أخرته بدنيا غيره فهو خاسر,
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ "
( ورد في الأثر )
في الدرس القادم وفيما بعد مقبلون على تعلم أسماء الله الحسنى فهل نذكرها فقط ؟ ليس هذا هو المقصود، فأمر الله سبحانه وتعالى أسمى من ذلك أسمى من أن يكون أمراً لفظياً أو ذكراً أجوف لا معنى له, ولكن المقصود أن تعرف حقيقة هذه الأسماء، وعلامَ تدل ؟ وما معنى قولك: الله رحيم ؟ وما معنى قولك: الله رحمن ؟ وما الفرق بين أن يكون الله رحمن أو رحيماً ؟ وما معنى المانع الجامع، والضار النافع، والخافض الرافع, والمعز المذل ؟ هذه كلها أسماء لله سبحانه وتعالى حسنى في خمس آيات في كتاب الله, فأسماؤه حسنى وصفاته فضلى.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع عشر )



الموضوع :الايمان بالملائكة : صفاتها



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أصول العقيدة ينبغي على المسلم أن يؤمن بها بالضرورة:
اليوم ننتقل إلى ركن آخر من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان بالملائكة, تعلمون أن أركان الإيمان: هي الإيمان بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى هذه أركان الإيمان, هناك اصطلاح لعلماء الأصول: وهو أن العقائد يجب أن نؤمن بها بالضرورة, فهناك قائمة للعقائد التـي ينبغي أن نؤمن بها بالضرورة فمن لم يؤمن بأحدها فهو كافر قولا واحدا, وهناك عقائد من ردها أو من قبلها لا يكّفر, فنحن الآن في صدد العقائد يجب على المسلم أن يؤمن بها بالضرورة, فالإيمان بالـلـه أساس أركان الإيمان كلها
مسلك الإيمان بالغيبيات هو اليقين الإخباري:
هناك إيمانا تحقيقياً و إيمانا تصديقياً وهذا فصلته في دروس سابقة, هناك مسلكاً لليقين عن طريق الحواس الخمس, هذا كأس ماء أمسكه بيدي, وأراه بعيني, وأتذوقه بفمي, وأنظر إليه, وإذا صببته أسمع صوت خرير الماء, فالإيمان بهذا الكأس إيمان حسي, وقد أؤمن بأن في الأسلاك التي في هذا المسجد كهرباء والدليل تألق المصابيح, فيقيني بوجود الكهرباء في الأسلاك يقين استدلالي قطعي, لكن الشيء إذا غاب عني وغابت عني آثاره كالملائكة والجن واليوم الآخر وعالم الأزل هذه المغيبات ليس الإيمان بها إلا مسلكاً واحداً ألا وهو مسلك اليقين الإخباري, إذن نحن اليوم في صدد الإيمان بالملائكة نسلك سلوك اليقين الإخباري, لكنكم تتذكرون أنه في الإيمان بالله عز و جل سلكنا سلوك الاستدلال العقلي قلنا الدليل الأول و الدليل الثاني و الدليل الثالث و الرابع و الخامس, وعلماء الأصول قالوا: يجب أن نبقى في حدود النص فأي زيادة أو أي مبالغة أو أي تحليل أو أي إضافة هذا يعد ظنيا و ليس قطعيا, الشيء القطعي هو الذي أخبر الله عنه و أخبر عنه النبي بالنصوص قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾
(سورة الزُخرف الآية: 77)
إذن سيدنا مالك يجب أن تؤمن به بشكل قطعي لأن اسمه ورد في النص, إيماننا بالملائكة من نوع الإيمان التصديقي بعد أن آمنا بالله.
من أركان الإيمان بالله:

الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة من الإيمان بالكليات التي يجب أن نؤمن بها بالضرورة, و من أركان العقيدة الإسلامية الإيمان بالملائكة قال تعالى في صفة عقيدة المؤمنين:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
(سورة البقرة الآية: 285)
و قد قال الله تعالى مثبتا ضلال من يكفر بالملائكة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
(سورة النساء الآية:136)
الإيمان بالملائكة ركن أساسي في الإيمان و إنكار الملائكة أحد أبواب الكفر, و قد جاء الحديث عن الملائكة في القرآن الكريم في مناسبات مختلفة في نحو خمس و سبعين آية في ثلاث و ثلاثين سورة, كما جاء في أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام طائفة كثيرة فيها ذكر للملائكة, فالحديث المشهور الذي يرويه سيدنا عمر رضي الله عنه المتضمن أسئلة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه و سلم عن الإسلام و الإيمان و الإحسان و الساعة, هذا حديث مشهور:
" حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ "
(أخرجه مسلم في الصحيح)


" عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ التَّمِيمِيِّ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ الْعَيْنِ فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ قَالَ فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ نَافَقْتُ نَافَقْتُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّا لَنَفْعَلُهُ فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا حَنْظَلَةُ لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً "
( ورد في الأثر )
لا مجال للتأويل, فالنصوص واضحة صريحة قاطعة, و العلم بوجود الملائكة مما هو معلوم من الدين بالضرورة عند جميع المسلمين.
ما هي الحكمة الربانية التي ألزم الله عباده المؤمنين بأن يؤمنوا بالملائكة من دون رؤيتهم ؟
ما الحكمة من أن الله عز و جل أخبرنا بوجودهم و بوجوب الإيمان بهم ؟ لا نراهم و لا نسمع أصواتهم, لماذا ألزمنا الله عز و جل أن نؤمن بوجودهم ؟ الحقيقة لأن لهم وظائف متعلقة بنا, فالإيمان بوجود الملائكة إيمان يقتضي الاستقامة و إليكم بعض التفصيلات:
الله سبحانه و تعالى من رحمته و حرصه على إسعاد خلقه أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين من بني جلدتهم من البشر, ولكن هؤلاء الرسل كيف يُبَلغون رسالات الله ؟ الملائكة: هم الوسطاء هم رسل الرسل, عن طريق الملائكة بلّغ الله رسله و أنبياءه ما ينبغي أن يبلغوه لنا, قد تقول كيف عرف النبي عليه الصلاة و السلام رسالات الله ومن أخبره, ومن أنزل عليه الكتاب ؟ هناك حلقة مفرغة هو بشر, حينما تؤمن بأن الله عز و جل جعل الملائكة وسطاء بينه و بين رسله عندئذ تكتمل الحلقة عندك, فقال تعالى في سورة النحل:
﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾
(سورة النحل الآية: 2)
ما هي وظائف الملائكة ؟
إن أول وظيفة للملائكة أنهم رسل إلى رسل الله سبحانه وتعالى, وهناك وظائف أخرى كنفخ الروح في الأجنة, مراقبة أعمال البشر, المحافظة عليهم, قبض أرواحهم, لهم علاقة بنا في كثير من أمور حياتنا ومعاشنا وأعمالنا, أخبرنا سبحانه وتعالى عنهم وكلفنا بالإيمان بهم إيمانا غيبيا مسلكه اليقين الإخباري, لا نستطيع أن نعرف من حقيقة الملائكة إلا ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأننا بحسب العادة لا نتصل بهم عن طريق الحس اتصالا يفيد العلم اليقين حتى تنكشف لنا حقيقتهم ونحدد تكوينهم, وحسبنا في العقيدة أن نقتصر على ما وردت به النصوص دون أن نجري وراء التكهنات.
صفات الملائكة:
1- الصفة النورانية التي خلقوا عليها:
من صفاتهم أنهم مخلوقون من نور, والإنسان مركب من طين, وخلق الجن من نار ما الدليل ؟
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ "
( ورد في الأثر )
الملائكة يكونوا معنا ولا نراهم فقد كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يراه جلساء النبي, النبي وحده يراه, فعن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لا أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي سلمة في الصحيح)
لكن هناك حديثاً لم يبلغ درجة الصحة فقد ورد أن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت تمتحن نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم بإماطة الخمار عن رأسها فإذا كشفت شعرها هدأت حالة الرسول, وإذا غطت شعرها عادت إليه الحالة لعلمها بأن الملك جبريل لا يدخل بيتا فيه امرأة مكشوفة الرأس, لذلك قالت له: لما حسرت عن رأسها هل تراه ؟ قال: لا, قالت: يابن عمي اثبت وأبشر فو الله انه لملك وما هذا بشيطان, لذلك المرأة إذا قامت لتصلي عليها أن تغطي شعرها حسب السنة.
2- القدرة على التمثل:
الملائكة قادرون على التمثل بأمثال الأشياء, والتشكل بالأشكال الجسمانية, فقد ثبت بالقرآن الكريم وبالأحاديث الصحيحة أن جبريل عليه السلام كان يأتي إلى مجلس رسول الله كما يلي:
أولاً: على صورة إنسان مجهول
" بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع عليه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عنها بالتفصيل, وأخيراً بعد أن انصرف قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه أتدرون من السائل ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "
( أخرجه مسلم في الصحيح )
وفي قصة نزول جبريل على السيدة مريم وقد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً وتمثل لها بشراً سوياً:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً ﴾
(سورة مريم الآية: 16-19)
روحنا يعني جبريل.
ثانياً: وقد يتمثل الملك على صورة إنسان معلوم فكثيراً كان يأتي مجلس رسول الله جبريل على صورة " دُحية الكلبي " أحد أصحاب رسول الله, و كان رجلاً وسيماً جميلاً, هناك أدلة كثيرة منها قصة ضيف إبراهيم قال تعالى:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾
(سورة الداريات الآية: 24- 28)
فالملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون ولا يتناكحون ولا يتزاوجون وقصة ثانية:
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾
(سورة هود الآية: 77- 78)
مع سيدنا لوط جاؤوا على شكل شباب حسان الصورة " مرد ", ومنها قصة الملكين الذين تسوروا المحراب على داود عليه السلام في صورة رجلين متخاصمين:

﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾
(سورة ص الآية: 21-22)
أنهم قادرون على التشكل بأشكال بشرية معروفة أو غير معروفة.
3- القدرات الخارقة التي امتازوا بها:
ومن صفاتهم أن لهم قدرات خارقة, فقد ثبت للملائكة في القرآن الكريم و السنة المطهرة قدرات عجيبة حسب الله لهم, فمنهم على قلة عددهم يحملون العرش قال تعالى في سورة الحاقة:
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾
( سورة الحاقة الآية: 16- 17)
وفي الحديث الشريف:
" عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ "
( ورد في الأثر )
ومنهم من ينفخ نفخة يصعق لها من في السموات والأرض وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾
(سورة الزمر الآية: 68)
وفي الحديث الشريف:
" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ "
( أخرجه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري في موارد الظمآن في زوائد ابن حبان للهيثمي )
رسل سيدنا لوط وهم ملائكة, قلبوا أرض قومه عاليها سافلها دفعة واحدة هذه أعمال خارقة:
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴾
( سورة هود الآية: 82)
4- الطاعة لله تعالى:
من صفاتهم أيضاً الطاعة لله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
(سورة التحريم الآية: 6)
لا يعصون و إذا أمروا يبادرون, ومن صفاتهم أيضاً أنهم لا يستكبرون عن عبادته ولا يتعبون فيها, وأنهم يسبحون ربهم دائماً من غير انقطاع:
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 19)
أي الملائكة.

﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 20)
قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 30)
إذا الإنسان آمن يفوق الملائكة:
" ركب الملك من عقل بلا شهوة, وركب الحيوان من شهوة بلا عقل, وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان"
( ورد في الأثر)
قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72)
الملائكة والجبال والسموات وسائر المخلوقات خافوا وأشفقن منها وحملها الإنسان, أيضاً من صفاتهم أنهم لا يعملون إلا بأمره:
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 27)
ومن صفاتهم أيضاً أنهم مقربون إلى الله تعالى ومكرمون:

﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 206)
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 116)
ومن صفاتهم أنهم لا يتناكحون ولا يتناسلون ولكنهم عباد الرحمن مخلوقون لله من دون وساطة, الله عز وجل خلقهم دفعة واحدة لحكمة أرادها, وقد ذمَّ الله الكافرين الذين جعلوا الملائكة إناثاً وتوعدهم بكتابة شهادتهم الكاذبة وسؤالهم يوم القيامة عن افتراءاتهم قال تعالى:
﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾
(سورة الزخرف الآية: 19)
5- تخصيص طائفة منهم رسل لتبليغ الشرائع للأنبياء:
من صفاتهم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى جعل منهم الرسل للقيام بتبليغ الشرائع للأنبياء أو للقيام بمهام أخرى قال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة فاطر الآية:1)
تلاحظون ليس هناك من فكرة إلا وعليها أكثر من آية في القرآن الكريم أو حديث صحيح حصراً, لأن الإيمان بالملائكة إيمان إخباري, لذلك لا نقول أي كلمة من عندنا.
6- القدرة على الصعود والهبوط من غير الخضوع لقوانين الجاذبية:
من صفاتهم أنهم قادرون على الصعود والهبوط بين السموات والأرض من غير التأثر بجاذبية أو تصادم:
﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾
(سورة المعارج الآية: 4)
والروح هنا يعني سيدنا جبريل, ومن صفاتهم الخوف من الله تعالى وإن كانوا لا يعصونه وعلى عبادة الله يقيمون قال تعالى:
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 13)
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 49-50)
7- أنهم مخلوقون قبل السلالة البشرية:
من صفاتهم أنهم مخلوقون قبل هذه السلالة من البشر ولدينا دليل قال الله:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 30)
كيف توقعت الملائكة أن بني البشر مفسدون في الأرض يسفكون الدماء ؟ قاسوا على الجن, الجن خلقوا قبل الملائكة والإنس خلقوا بعد الملائكة.
كرامة طالب العلم عند الله:
قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ "
( ورد في الأثر )
إذا ذكرتم الله عز وجل لعل الله سبحانه وتعالى يرسل لهذه المجالس ملائكة يحفون طالبي العلم:
" عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِرَّ ابْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ قَالَ أَتَيْتُ رَجُلا يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِهِ فَخَرَجَ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ قُلْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ قَالَ إِنَّ الْملائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ "
( ورد في الأثر )
أحياناً تتيسر أموره, يتوفق, ينشرح صدره, تنحل مشكلاته كأن الله عز وجل جعل الملائكة رسلاً يكافؤون طلبة العلم
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا فَأَيْنَ قَوْلُهُ ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الأفُقَ "
( ورد في الأثر )
﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾
( سورة النجم الآية: 13)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-16-2018, 06:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( العشرون )



الموضوع :الايمان بالملائكة : اصناف الملائكة


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أعداد الملائكة:
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الملائكة إلى أعداد الملائكة, فالملائكة لا تحصى أعدادهم و هناك ما يثبت ذلك فقد قال الله سبحانه وتعالى:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾
(سورة المدثر الآية: 31)
والملائكة من جنود الله عز و جل، و من جنود الله عز و جل الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين قال الله:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾
( سورة المدثر الآية: 31)
هذا النفي و الاستثناء المقصود به أن أعداد الملائكة لا تعد ولا تحصى والنبي عليه الصلاة والسلام
" قَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرً "
( أخرجه الترمذي وابن ماجه في الزهد )
مشاهد من الفضاء الخارجي:
المسافات بين النجوم يصعب على العقل تصورها يعني الفضاء الخارجي شيء عجيب جداً, بين المجرات مسافات شاسعة الله سبحانه و تعالى ذكرها في كتابه الكريم قال:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾
(سورة الواقعة الآية: 75- 76)
إذا كان أقرب نجم للأرض عدا المجموعة الشمسية يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية, فإذا ظهر منه ضوء إلى أن يصل الضوء إلينا يحتاج إلى أربعة آلاف عام, ضوء القمر يصل إلينا في ثانية واحدة, ضوء الشمس في ثماني دقائق, المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة, نجم القطب أقرب نجم إلى الأرض عدا المجموعة الشمسية يحتاج ضوءه إلى أربعة آلاف سنة ضوئية, لو أن هناك طريقاً إليه و ركبنا سيارة لاستغرقت الرحلة أكثر من سبع وعشرين مليون مليون سنة هذا أقرب نجم، وأبعد نجم اكتشف حديثاً ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, فضوء هذا النجم كان قد تألق و النجم في هذا المكان ومضى على تألقه ثلاثة عشر ألف مليون سنة والآن وصل إلينا, أين هذا النجم ؟ لا ندري, هذه المجرات سرعتها تقترب من سرعة الضوء يعني تقطع في الثانية الواحدة مائتين وأربعين ألف كيلو متر, و كانت في هذه الجهة قبل ثلاثة عشر ألف مليون سنة فأين هي الآن ؟
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾
( سورة الواقعة الآية: 75-76)
لو تعلمون, لو تدرسون, لو تطلعون على حقائق الفلك, لو توضع هذه الحقائق بين أيديكم لخشعتم لله عز و جل لذلك يقول الله عزّ وجل:
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28)
العلماء وحدهم يخشون الله, فكن عالماً حتى تخشى الله ولن تخشاه إلا إذا كنت عالماً, و لا يستخف بأوامر هذا الدين إلا الغبي الجاهل الأحمق " أطّت " يعني صوتت لكثرة الملائكة قال عليه الصلاة والسلام:
" أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا و فيه ملك ساجد أو راكع "
( أخرجه الترمذي وابن ماجه في الزهد )
فأعداد الملائكة إذن ما في هذه السموات و ما في هذا الفضاء الخارجي موضع قدم إلا و فيه ملك ساجد أو راكع.
أصناف الملائكة:
1- جبريل عليه السلام ووظيفته:
فقد جاء في النصوص الشرعية أن الملائكة أصناف, وكما قلت لكم في الدرس الماضي إن هذا الموضوع له مصدر واحد هو كتاب الله و ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم, و لا نستطيع أن نزيد على النصوص شيئاً, هذا الموضوع مسلك الإيمان به مسلك الخبر الصادق, و الخبر الصادق هو القرآن الكريم لأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة يضاف إلى القرآن الكريم ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهناك الصنف الأول أكابر الملائكة و من أكابر الملائكة سيدنا جبريل و ميكائيل و في التنويه بهما قال الله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 98)
أما جبريل عليه السلام فهو صاحب الوحي إلى الأنبياء و الرسل عليهم السلام و في التنويه بوظيفته و أمانته قال الله تعالى في سورة الشعراء:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 192- 194)
فسيدنا جبريل من أسمائه في كتاب الله أنه أمين و حي السماء, و من أسمائه أنه الروح و هذا الروح الأمين قال الله:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾
( سورة الشعراء الآية: 193)
و قد بيّن الله سبحانه و تعالى أفضليته إذ شرفه فخصه بالذكر و قدمه في الترتيب على سائر الملائكة و جعله ناصراً لرسوله في معرض تهذيب نساء الرسول حينما تظاهرن عليه قال الله:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
(سورة التحريم الآية: 4)
ما هذا الكيد يا رب ؟ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير, وصالح المؤمنين كما يقال في تفسير هذه الآية أبو بكر و عمر والملائكة بعد ذلك ظهير كل هؤلاء ليقفوا في وجه كيد النساء قال الله:
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾
(سورة يوسف الآية: 28)
لذلك وصف ربنا عز وجل كيد الشيطان قال:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾
( سورة النساء الآية: 76)
ووصف كيد النساء قال:
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
( سورة يوسف الآية: 28)
نعوذ بالله من كيد النساء, فأحياناً امرأة واحدة تسبب خصومات و قطيعة بين خمسة أسر وقد تودي إلى الطلاق و إلى الجريمة, والخبراء في الجرائم يقولون: في كل جريمة فتش عن امرأة " استنباط جانبي "، وسماه الله روح القدس، والقدس خلاصة الطهارة وأصلها وسرها شيء مقدس طاهر نقي وذلك تكريماً له فقال تعالى في سورة البقرة:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 87)
و مدحه الله سبحانه تعالى في ست صفات معروضة في كتاب الله فقال في سورة التكوير:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾
(سورة التكوير الآية: 19-21)
لذلك قال بعض العلماء: إن جبريل رئيس الملائكة و الجان ومما يدل على رياسته " لك أن تقول: رئاسته و رياسته, رئاسته على التحقيق و رياسته على التخفيف و على التسهيل " إنه أمين في تبليغ رسالات ربه القولية و العملية هذا عن سيدنا جبريل.
2- ميكائيل وإسرافيل ووظيفتهما:
أما سيدنا ميكائيل أو ميكال فقد ورد أنه صاحب أرزاق العباد الموكل بها, و من جملة أكابر الملائكة الذين وردت بهم الأخبار إسرافيل فقد ورد أنه صاحب الصور:
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾
(سورة النبأ الآية: 18)
الذي ينفخ فيه بأمر الله النفخة الأولى فيهلك من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله, استثناهم من الموت بهذه النفخة لأن الله يتولى قبض أرواحهم بدون وساطة في نفخة الصور, ثم ينفخ فيه النفخة الثانية فيبعث كل المخلوقات إلى الحياة بعد الموت قال تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾
(سورة الزُمر الآية: 68)
الصور طبعاً البوق, والبوق كما قال العلماء: مخلوق أعده الله ليكون به النفخ لإهلاك الأحياء في السموات و الأرض عند قيام الساعة.
3- ملائكة الموت ووظائفهم:
أما عزرائيل فهو ملك الموت, لكن كلمة عزرائيل لم ترد في الكتاب ولا في الأحاديث الصحيحة ولكنها وردت في الأخبار المأثورة, لكن عزرائيل اسمه شائع جداً بين الناس لشدة علاقتهم به، لقوله:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
(سورة القصص الآية: 88)
الذي يتولى عملية الموت هم صنف من الملائكة يرأسهم ملك الموت عزرائيل عليه السلام, فالأتباع يقومون بمعالجة الروح من الجسد ومالك الموت يقبض الروح قال الله:
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 61)
هؤلاء الرسل يأتون إلى المؤمن بأجمل صورة، واحد على فِراش الموت وأولاده من حوله قال لهم: قبِّلوا يد عمّكم، أين عمكم ؟ لا يوجد أحد، أحب الناس إليه أخوه فجاء الموت بصورة أخيه, وقد يأتي ملك الموت بأبشع صورة, وقد يأتي على شكل ثعبان أقرع أو على شكل مخلوق مخيف، واحد طرقَ الباب على صديقه فسمع صُراخاً فتوقّع أنّهُ ميتٌ يموت فغادر, وبعدما غادر فُتِحَ الباب استغرب ! ودخل لِعنده وجدهُ يرتجف فسألهُ: خيراً, فأجابه: أتُشاهد هذه الطاقة هناك خرج منها واحد مُخيف ذو قرون وجهه كبير أسود، أظافرهُ طويلة يريد أن يخنقني ؟ هذا ملك الموت.
كلما قضى الإنسان حياته بالطاعة بضبط نفسه، وبغض بصره، وبتحرير دخله وبالإحسان إلى الناس وبذكر الله، فإنه يستحق أن يموت ميتة يشتهيها كل إنسان, ينقلب القبر روضة من رياض الجنة وفي آية أخرى:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾
(سورة السجدة الآية: 11)
رسلنا الملائكة و ملك الموت رئيس ملائكة الموت كما روت الأخبار والآثار سيدنا عزرائيل, ومن تفسير بعض الآيات:
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾
(سورة النازعات الآية: 1-2)
النازعات ملائكة الموت ينزعون أرواح الكفار نزعاً، والناشطات ملائكة الموت يأخذون أرواح المؤمنين أخذاً نشطاً, وبعضهم قال: هناك ملائكة موكلون بأمور أخرى من تفسيرات هذه الآية:
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ﴾
(سورة الصافات الآية: 1-3)
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾
(سورة الذاريات الآية: 1-4)
من بعض تفسيرات هذه الآيات أنها الملائكة، و لها تفسير آخر أنها آيات كونية, وعلى كل هناك مهمات أخرى لا يعلمها إلا الله.
4- حملة العرش:
من أصناف الملائكة أيضاً حملة العرش ليس معنا إلا هذه الآية:
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾
( سورة الحاقة الآية: 16-17)
لا تستبعدوا هناك آيات لا ندري تفسيرها إلا بعد الموت يعني كيف يحمل هؤلاء عرش الله عز و جل ؟ الله أعلم هكذا ورد في القرآن الكريم, و صنف آخر هم الحافون حول العرش قال تعالى:
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة الزُمر الآية: 75)
5- ملائكة الجنة:
من أصناف الملائكة أيضاً ملائكة الجنة, ففي وصف أهل الجنة قال الله تعالى في سورة الرعد:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾
(سورة الرعد الآية: 23-24)
6- ملائكة النار:
من أصناف الملائكة أيضاً ملائكة النار و اسمهم الزبانية, فقد و صف الله تعالى سقر مبيناً أن المشرفين على العذاب فيها تسعة عشر من الملائكة فقال تعالى:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾
(سورة المُدثّر الآية: 26)
هذا الذي:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً ﴾
(سورة المُدثّر الآية: 18-31)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
(سورة التحريم الآية: 6)
فملائكة النار غلاظ شداد, وهل يكون السجّان ناعماً ؟ لا, و في تسمية ملائكة التعذيب بالزبانية ورد هذا في قوله تعالى:
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
(سورة العلق الآية: 15-19)
رئيس ملائكة النار و خازنها اسمه مالك و الدليل على ذلك من قوله تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾
(سورة الزُخرف الآية: 77)
أجمل وأدق وصف أن من كان في النار لا يموت فيها و لا يحيا, لا يموت فيستريح ولا يحيا فيسعد قال الله:
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 77)
5- صنف من الملائكة موكلين ببني آدم ولكل واحد حسب وظيفته:
هناك من أصناف الملائكة صنف موكل ببني آدم, منهم الموكلون بنفخ الأرواح في الأجنة, و منهم الموكلون بمراقبة أعمال المكلفين و حفظها و تسجيلها و كتابتها في صحف الأعمال, و عندهم القدرة على علم جميع ما يفعله الناس من خير أو شر دون غفلة أو نسيان قال الله:
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية: 17-18)
فالحركة والكذب والفحش و المزاح الرخيص و الغيبة والنميمة والسخرية والكبر كله مسجل, لكن العلماء قالوا: يمنع أن يسأل الإنسان كيف يكتبون ؟ وكيف يسجلون ؟ هذا شيء في علم الله سبحانه وتعالى, والذي يعنينا أنهم يكتبون و الحساب آنٍ و كتاب فيه كل صغيرة وكبيرة:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾
(سورة الكهف الآية: 49)
في آية أخرى:
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
(سورة الإنفطار الآية: 9-12)
فالمسجلة تسجل كل صوت لكنها لا تعلم أن هذا الكلام حق أو باطل, خير أو شر, فالملائكة ليسوا كائنات يتلقفون أعمال الإنسان من دون فهم, هم يعلمون أن هذا العمل خير وهذا شر وهذا يُعرض على الله، لذلك جاء في بعض الأحاديث الشريفة أن الله عز و جل رحمة بعباده جعل الملك الذي على الكتف الأيمن أميراً على الملك الذي على الكتف الأيسر, فإذا فعل الإنسان سيئة لا يستطيع ملك الشمال أن يسجل إلا بأمر من ملك اليمين, و ملك اليمين ينتظر لعله يتوب, لعله يندم, لعله يراجع نفسه, إذا فعل الإنسان الشر وأصر عليه وافتخر به ولم يتب منه, ولم يندم عليه عندئذ يأمر ملك اليمين ملك الشمال أن يكتب عليه هذا العمل:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة يس الآية: 12)
هذه الآية دقيقة جداً نكتب ما قدموا و آثارهم كيف ؟ رجل مثلاً سرق و السرقة كتبت عليه, بعد أن يسرق و دون أن يتوب و دون أن يستغفر, وبعد أن يفعل هذه المعصية يكتب عليه هذا العمل هذا معنى قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ﴾
( سورة يس الآية: 12)
و آثارهم, هذا الذي طلق هذه المرأة ظلماً فكفرت بربها لأنها حنقت على زوجها الذي يصلي, يصلي و طلقها لسبب تافه, وحينما حنقت عليه تركت الصلاة, وعندئذ خرجت عن طريق الحق فعلت ما فعلت, كل الذنوب التي ترتكبها هذه المرأة و ذريتها إلى يوم القيامة في صحيفة الذي طلقها ظلماً, فالإنسان قبل أن يطلق يجب أن يعد إلى المليون ولا سيما إن كان له أولاد من هذه الزوجة قال الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
( سورة يس الآية: 12)
حينما قُمت بتصليح هذه السيارة ولم تعتنِ بضبط أجزائِها وأعطيتها لصاحِبَها فرَكِبَ مع أهلِهِ وأولادِهِ وزوجتِهِ فتدهورت ومات الزوج والزوجة بقي الأولاد الصغار، وهؤلاء لا مُعينَ لهم فنشأوا منحرفين، من يُصدّق أنَّ هذا الذي أهمل تصليح السيارة سيُحاسب عن هذهِ الآثار قال الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾
( سورة يس الآية: 12)
إنسان أرسل ابنه إلى بلاد الأجانب ليتعلّم اللغة الأجنبية، يسكن في غرفة عند أسرة، وهذه الأسرة متفلتة من الأصول فموضوع الزنا سهل عِندهم، فذهب إلى هذه البلاد وعاد يُتقن اللغة الإنكليزية لكنهُ عادَ زانياً, والله عزَّ وجل يُريهِ يومَ القيامة أنَّ هذا الابن الزاني كيف اختار امرأةً زانية ؟ وكيف أنجبَ منها ذُريّةً فاسدة ؟ وكيفَ أنَّ كُل الانحراف بسبب أنه أرسله ليُتقن اللغة الأجنبية فيُحاسب عن كُل هذا الفساد, ولذلك فالأب أو الابن يوم القيامة استحق أحدهما دخول النار ؟.
6- صنف من الملائكة موكلين ببني آدم يحفظونهم من كل شر:
من أصناف الملائكة الموكلين ببني آدم المعقبات الحفظة الذين يحفظون الناس بأمر الله من كل ذي شر خفي أو ظاهر, أحياناً إنسان شرير يصرف عنك هذا ملك صرفه عنك, وأحياناً ننسى الكهرباء وهي مقطوعة لو أنها جاءت بالليل لأحرقت المحل، وبعد أن خرجت بخمسين متراً تعود إلى المحل من الذي أرجعك إلى المحل ؟ الملائكة, والدليل قوله تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾
(سورة الرعد الآية: 11)
في حياة كُل واحد منا إذا كان طاهراً مؤمناً يشعر أن الله عزّ وجل قد نجّاه من آلاف الورطات ومن آلاف المشكلات، هؤلاء الصغار الملائكة يحفظونهم بأمر الله قد يقع مئة مرة على الأرض وقد تسمع جمجمته مثل الطنين حين يقع على الأرض ثم يقف لا شيء في صحته قال الله:
﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
( سورة الرعد الآية: 11)
أحدهم أخبرني أن ابنه الصغير وقع من مقعد الجلوس إلى الأرض على السجادة مسافة لا تزيد عن الأربعين سنتمتراً فإذا بخرّاج في الجمجمة, و عملية كلفته عشرات الألوف وقلقاً و تعباً فالله عز و جل إذا حفظ فإنه يحفظ, أي إن للإنسان ملائكة يتعقبونه لا يفارقونه بل يُرافِقونَهُ في جميع الجهات, من بين يديه و من خلفه يحفظونه من المخاطر الظاهرة و الخفية بأمر الله و ضمن حدود قضاء الله و قدره.
أحدهم يقول لك: كنت في سيارتي على الطريق فنمت, رأيت مناماً والسرعة 120 و بعدها صحي لا يزال على الطريق من أيقظه ؟ يحفظونه من أمر الله من هذا القبيل, هناك ملايين القصص هذه الآية دقيقة جداً، وهذه الآية تبث المحبة في قلوبنا تجاه الله عز و جل قال الله:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
( سورة الرعد الآية: 11)
أرسلت ابنتك إلى المدرسة في الصف الأول, لا يوجد عندها وعي قد تأتي سيارة مُسرعة وقد تقطع الطريق من يحفظها ؟ إذا كنت مسافراً وقرأت الدعاء " اللهم أنت الرفيق في السفر، و الخليفة في الأهل و المال و الولد " الله سبحانه وتعالى يحفظ لك الأسرة والولد, فمن يستجيب لك ويحفظ لك كل ذلك ؟ الله عز و جل يتفضل و يحفظ ذلك لك. خلاصة الدرس:
ملخص هذا الفصل: الملائكة مخلوقات مغيبة عنا لا نراهم, ذات أجسام نورانية قادرون على التشكل بالأشكال الجسمانية المختلفة المرئية لنا ويتمتعون بقدرات خارقة قال الله:
﴿ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾
(سورة النمل الآية: 39-40)
عرش الملكة بلقيس ينتقل من اليمن إلى القدس قبل أن يرتد إليك طرفك لا حصر لهم, طائعون لله لا يعصونه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون, لا يتناكحون، ولا يتناسلون، ولا يأكلون، ولا يشربون, و إنما عباد مكرمون يحملون رسالات ربهم في العالمين ويؤدون وظائفهم في الأكوان بحسب مجرى الأقدار, وينفذون أوامر الله بحذافيرها على مراد الله العزيز الجبار.









والحمد لله رب العالمين

آفراح
06-17-2018, 01:19 PM
جوزيت كل خير وبوررك فيك
تحية

السعيد
06-19-2018, 07:51 AM
تسلمين اختى افراح على تواجدك

السعيد
06-19-2018, 07:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و العشرون )



الموضوع :الايمان بالجن


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مسلك الإيمان بالجن هو الخبر الصادق:
يا أيها الأخوة, المسلمون كلهم يعتقدون بوجود مخلوقات غيبيّة عنا لا نراها بحواسنا في الحالات العادية اسمها الجن, لأن الله سبحانه وتعالى في قرأنه الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف قد أخبرا بوجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل, في القرآن والسنة إشارات واضحة ونصوص صريحة لا تحتمل التأويل تُلزمنا أن نؤمن بالجن وهذه المخلوقات الغيبية لا نحس بها إلا أن وجودها من الأمور الممكنة عقلاً, تحدثنا في دروس سابقة كيف أن الأشياء من زاوية العقل: هناك أشياء موجودة ممكنة الوجود, وهناك أشياء مستحيلة الوجود وهناك واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى, كل شيء سوى الله ممكن الوجود لكن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ؟ هناك ممكن الوجود عقلاً، وهناك مستحيل الوجود عادة يعني بحسب العادة النار تحرق فإذا قلت: أن النار لا تحرق هذا الكلام مستحيل بحسب العادة, لكن بحسب العقل الذي خلقها تحرق قد يمنع عنها الإحراق، فوجود مخلوقات غيبية عنا لا نحس بها من الأمور الممكنة عقلاً, فلا يكون إنكار المنكر لها إلا تكذيباً للخبر الصادق كما قلنا مراراً وتكراراً الإيمان بالملائكة، والإيمان بالجن، والإيمان باليوم الآخر هذه كلها مغيبات فمسلك الإيمان بها مسلك الخبر الصادق, لكن الإيمان بالله استدلال عقلي يقيني قطعي، فهناك إيمان تحقيقي وهناك إيمان تصديقي، فالإيمان بالملائكة والإيمان بالجن من نوع الإيمان التصديقي لأن الله سبحانه وتعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾
( سورة النساء الآية: 87)
الاستشهاد بأمثلة لتوضيح الفهم:
إذا أردتم مثلاً ما يشبه هذا في حياتنا, هناك أشياء كثيرة فهذا الجو في بث إذاعي من منكم يشاهد البث الإذاعي ؟ لا يُشاهد لكنك إذا جئت بجهاز تسمع فيه صوت البث الإذاعي, فإذا قلت: لأني لا أرى البث الإذاعي فإني أُنكر وجوده هذا كلام فيه حمق، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود مادام هذا الشيء موجوداً, ولكن الحواس لا تراه بقصورها فماذا ترى في هذا الكأس ؟ ترى ماء صافياً عذباً، لو أتيح لأحدكم أن يضع نقطة من هذا الماء تحت مجهر لرأى العجب العجاب، لرأى في هذه النقطة كائنات، ومخلوقات، وأحياء لا يعلمها إلا الله, كذلك الجن مخلوقات ليس بالإمكان أن تقول: هي غير موجودة لأني لا أراها, نقول لك: إن حواسك المحدودة ليست مقياساً للإيمان بالجن, ولكن الإيمان بهم دليل كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام, ومسلك الإيمان بها الخبر الصادق.
الأدلة الواردة في الكتاب والسنة بوجوب الاعتقاد بالجن:
لقد أخبرنا في كتاب الله, والنبي صاحب المعجزة أيضاً أخبرنا بحديثه الشريف أن هناك مخلوقات لا نراها بأعيننا لكنها موجودة, وكما تعودنا جميعاً ليس هناك فكرة تقال في هذا المكان إلا مع الدليل، وهكذا يطلب المؤمن: " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة " و هذه قاعدة بين العلماء مضطردة أي تقول: أنا رأي بالموضوع الفلاني كذا وكذا ما الدليل ؟ هل عندك دليل من كتاب الله أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو هل عندك إجماع من العلماء حول موضوع ما, أو هل عندك قياس ؟ " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة ", لو تتبع الناس أو لو سلك الناس المسلك العلمي في النقل لكنا بحالة غير هذه الحالة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 6)
في كل علاقاتكم الاجتماعية، لو كان الأخ المؤمن واعياً لدرجة أنه لا يقبل كلاماً عن فلان إلا بالدليل إذ يسأل أسمعت بأذنك منه ؟ لا, إذن هذا الكلام مرفوض إلى أن يثبت الدليل على صحته, هكذا المؤمن لا فكرة تُلقى من دون دليل فالإيمان بالجن مأخوذ من قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾
( سورة الذاريات الآية:56-57)
إذن الجن ورد ذكرهم صراحة في القرآن الكريم, وقال ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾
(سورة الرحمن الآية: 33)
ما هو علة تقديم الجن على الإنس والإنس على الجن في القرآن الكريم ؟
إشارة لطيفة, لماذا قدّم الله سبحانه وتعالى الجن على الإنس في قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾
( سورة الذاريات الآية: 56)
لأن خلق الجن سبق خلق الإنس، لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الجنّ على الإنس بهذه الآية الثانية:
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ ﴾
( سورة الرحمن الآية: 33)
لأن الجن أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 88)
فلماذا هنا قدّم الله الإنس على الجن ؟ لأن الإنس أقدر من الجن على صياغة الكلام, ما من تقديم و تأخير، وما من كلمة وحرف و ترتيب في كتاب الله إلا وينطوي على معنى دقيقٍ.
مقولة العلماء حول موضوع الجن:
قال العلماء: القرآن الكريم تعرّض لذكر الجن فيه في أربعين آية مجموعة في عشر سور، فالإيمان بالجن إذاً من مُسّلمات العقيدة الإسلامية, وأُركز على كلمة الجن لأن هناك فِرقاً ضالة في شرق آسيا تنفي وجود الجن، كما خصص الله سبحانه وتعالى سورة كاملة ذكر فيها قصة نفرٍ منهم استمعوا للقرآن الكريم من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم, و قصدت بالفرقة الضالة التي تؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء، و هذه الفرق ليست من الإسلام في شيء, وهي موجودة في شرق آسيا ولها في أوروبا أيضاً نشاط تنفي أن يكون النبي آخر الأنبياء بل إن هناك نبياً بعده, وتنفي أن هناك جناً وتفسر خاتم الأنبياء بأنه ولي وليس آخرهم إلى ما هنالك، فالإيمان بالجن من مستلزمات العقيدة الإسلامية, وهؤلاء الجن الذين استمعوا إلى القرآن الكريم من تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام قال الله في هذا:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 29-31)
إذن فريق من الجن استمع للقرآن الكريم من فم النبي عليه الصلاة والسلام.
عقيدة الناس بالجن:
يقول المؤلف: أكثر أهل الملل والنِحل وخصوصاً أتباع الأنبياء معتقدون بنزول الجن باعتبار أن الأنبياء - وهم صادقون بلا مِرْية - قد أخبروا بوجودهم, ولا يتم إيمان المؤمن بالله إلا بأن يصدق بجميع ما يخبر به ربه هذه نقطة دقيقة, ليس لك خيار هذا الحديث يعجبك، وهذا الحديث لا يعجبك, فهذا الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ليس مؤمناً, وقد قرّع الله اليهود لأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه, فإذا آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم فكل الذي صح عنه حق, وما هو إلا وحي يوحى من عند الله سبحانه وتعالى.
كيف نؤمن بوجود الجن ؟
كيف نؤمن بوجود الجن ؟ لدينا حالتان:
1- إما أن نؤمن بوجودهم بحواسنا كما يؤمن أحدنا بوجود أخيه أمامه يراه أمامه ويسمع صوته ويصافحه, أي إذا اشتركت حاسة اللمس وحاسة السمع وحاسة البصر يسمع كلامه فيعي مضمونه.
2- وإما أن يسلك في الإيمان بالجن مسلك الخبر الصادق، فنحن كما قلنا لابد من الخبر الصادق في الإيمان بموضوع الجن.
الجن كالملائكة وليسوا كالملائكة، لا نعرف عن حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأننا لا نتصل بهم عن طريق الحس اتصالاً يفيد العلم اليقيني حتى نعرف تكوينهم، وحسبنا أن نقتصر على ما وردت به النصوص.
صفات الجن:
1- أنهم صنف غير صنف الملائكة فهم مخلوقون من مارج من نار:
ما الذي جاءت به النصوص عن الإيمان بالملائكة ؟
أولاً: أنهم صنف غير صنف الملائكة، فهم مخلوقات سفلية وليسوا مخلوقات علوية والملائكة مخلوقات علوية, مخلوقون من مارجٍ من نار أي من أخلاط نارٍ صافية, وفي بيان عنصر خلقهم قال الله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾
( سورة الرحمن الآية: 14-15)
وفي احتجاج إبليس على ربه حينما أمره بالسجود لآدم قال فيما يحكيه الله عنه في سورة الأعراف:
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 12)
ثانياً: أنهم مخلوقون قبل الإنس والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾
( سورة الحجر الآية: 26-27)
كل فكرة والدليل, وفي قصة أمر إبليس بالسجود لآدم واستكبار إبليس وقول الله في حقه:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾
( سورة الكهف الآية: 50)
دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل الإنس.
2- فهم كالبشر يتناسلون ولهم ذرية:
الملائكة لا يتناسلون كما قلنا من قبل أما الجن فيتناسلون ولهم ذرية, والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾
( سورة الكهف الآية: 50)
أقّر الله سبحانه وتعالى ما ذكره النفر من الجن الذين استمعوا القرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكروا أن للجن رجالاً، ومتى كان فيهم رجال ففيهم نساء، وذلك يقتضي التناسل قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾
( سورة الجن الآية: 6)
هذا دليل على أنهم يتناكحون ويتناسلون منهم الرجال ومنهم الإناث، ومن شأنهم أنهم يروننا من حيث لا نراهم والدليل قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية:27 )
3- أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة وذات إرادة واختيار:
أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة, وذات إرادة واختيار كالإنسان, فهم مكلفون مثلنا بالإيمان والعبادة، منهيون عن الكفر والعصيان، فكثير من خطابات التكليف والتحدي في القرآن الكريم يجمع الله فيها بين الجن والإنس، قال تعالى في سورة الذاريات:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾
(سورة الذاريات الآية: 56-57)
أي علّة خلق الإنس والجن العبادة، وفي أدق تعريفات العبادة طاعة تسبقها معرفة وتعقبها سعادة، لا عبادة بلا معرفة، ولا سعادة بلا عبادة، ولا عبادة بلا سعادة، وأدق تعريفات للعبادة أنها طاعة لله، وانقياد كلي لأوامر الله، وهذا الانقياد لا يكون إلا بعد معرفة الله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28)
وإذا كان فلابد من أن يتبعه سعادة لا توصف, وقال تعالى:

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية:130)
وقال تعالى:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
(سورة الإسراء الآية: 88)
4- أن الجن قسمان: مؤمنون وكافرون:
الجن قسمان: مؤمنون وكافرون وهذا تابع لما منحهم الله به من إرادة واختيار, الذي اختار من الجن أن يكون مؤمناً آمن، والذي اختار أن يكون كافراً كفر, فبعضهم مؤمن وبعضهم كافر بحسب اختيارهم, فالكافرون من الجن هم الشياطين, وحيثما وردت كلمة " شياطين " ربنا قال:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112)
هم الكفار من الإنس والكفار من الجن, إبليس واحد أما الشياطين فمن ذريته, وهم جنود الشيطان الأول إبليس اللعين, الذي كان أول من عصى ربه من الجن, وأول من كفر بنعمة الله منهم، فما الدليل على أن هناك مؤمنين منهم وكافرين ؟ قال تعالى:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ﴾
( سورة الجن الآية: 1-2)
وفي الآية:

﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾
( سورة الجن الآية: 4)
من سفيههم ؟ إبليس اللعين, و أقرب المخلوقات للبشر الجن من حيث التكليف والاختيار والإرادة, وأنهم حملوا الأمانة, وأنهم مكلفون بالإيمان, منهم المؤمنون ومنهم الكافرون قال الله:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾
( سورة الجن الآية: 14-15)
هذا قول الجن, يتوهم الإنسان أن كلمة قاسط أي إنسان عادل " لا ", القاسط هو الظالم, والمسقط هو العادل, وقد سأل الحجاج شخصاً رآه في الطريق قال له: من أنت ؟ قال له: أنا فلان، فقال له: أنا الحجاج فما قولك بي ؟ قال له: أنت قاسط عادل, فقال الحجاج لأصحابه: هل تدرون ماذا قال لي ؟ ظّنوه يمدحه قال لهم: قال لي: أنت ظالمٌ كافر, قالوا كيف ذلك ؟ قال:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 1)
فالذي عدل عن الإيمان إلى الكفر فهو قاسط أي ظالم.
5- أنهم يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم:
هؤلاء الجن يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم, فيثابون ويعاقبون قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 128)
قال الله تعالى مقرراً عقوبة الكافرين من الجن في سورة هود:

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة هود الآية: 119)
هنا استنباط لطيف, لن تكون العقوبة إلا بعد مخالفة ناشئة عن التكليف، ولن يكون التكليف إلا بعد الاختيار فهي سلسلة.
6- أن لهم قدرات كبيرة ومهارات صناعية فائقة:
لهم قدرات كبيرة ومهارات خطيرة, فقد سخر الله لسليمان الجن يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار, والأعمال الصناعية الكبرى كالجفان الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية وكالتماثيل والصور, وقد كانت جائزة ثم حُرّمت في الإسلام إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة قال تعالى:
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾
( سورة ص الآية: 35- 36)
قال تعالى حكاية لقول أحد الجن من جنود سليمان الذين سخرهم الله له, حينما قال الجنيّ لسليمان: أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن تقوم من مقامك:
﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾
( سورة النمل الآية: 39)
قال تعالى في وصف أعمال الجنّ الذين سخرهم الله لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان:
﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾
( سورة سبأ الآية: 13)
7- أنهم كانوا قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام:
أنهم كانوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، يسترقون السمع من السماء من أفواه الملائكة من السماء, وينقلونها إلى قرنائهم من الإنس في الأرض, وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال: كان الجن يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة, فلما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام حُرست السماء وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء, وأرسلت الشهب عليهم والدليل:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾
( سورة الجن الآية: 8-9)
أي كان الجن يسترقون السمع, ويتلقفون بعض الأخبار التي تعني أهل الأرض من الملائكة، فإذا ألقاها هؤلاء الكهان توهم الناس أن الكهان يعلمون الغيب, مثلاً: إذا كنت جالساً في بيت ووجدت ورقة على الطاولة لصاحب البيت بأن هناك موعداً في الساعة الخامسة سيأتي فلان لعندي على مفكرته خرج من الغرفة, و وجدت مفكرة على الطاولة قلبتها وجدت الموعد فيها, ولعل الساعة الآن الرابعة جلست، هناك أشخاص كثيرون قاعدون في الغرفة الساعة الخامسة, طُرق الباب فقلت لواحد: أنا أعلم من لدى الباب " فلان " قال لك: كيف علمت ؟ أنا أعلم, فلما فتح الباب دخل فلان, هذا إذا كان ساذجاً توهم أنك تعلم الغيب, لكنك استرقت من هذه المفكرة التي على الطاولة هذا الموعد, وعرفت اسم الذي سيطرق الباب الساعة الخامسة, فلما طُرق الباب قُلتَ فلان لدى الباب، هذا ليس من علم الغيب في شيء, إنما هو استراق للسمع.
قد يتوهم الساذج المغفل غير الديّن أن الكاهن يعلم الغيب, فلما جاءت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ضُرب حصارٌ على الجن لئلا يتقول عليه الأقاويل، ولئلا يتوهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنّ لهم علاقة بموضوع الرسالة قال الله:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾
( سورة الجن الآية: 8-9)
كما تلاحظون ليس هناك فكرة تقال إلا مدعومة بآية أو حديث.

8- أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته:
أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته، وأن الله قد جعل زادهم في العظام وغيرها كما جاء في بعض الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و لهم قدرة على التشكل بالأشكال الجسمية التي يمكن أن نراها بحسب استعداداتنا البشرية، فقد جاء في طائفة من الأخبار, أن ظهور الجن أحياناً بشكل غير اعتيادي يتشكل بشكل أو بآخر ورد في هذا بعض الأخبار.
أسئلة تدور في فلك الإنسان تخصص للإجابة عليها في الدرس القادم إن شاء الله:
ما علاقة الجن بنا ؟ آمنا بوجودهم وعرفنا صفاتهم, لكن هل للجن تأثير علينا ؟ هذا أكبر سؤال, فلان مسحور، فلان يخاوي الجن، فلان سنأخذه إلى هذا الشيخ ليفكّ عنه السحر هذا الكلام الطويل المعقد الذي أضلّ الناس وضلوا به إن شاء الله سيخصص له درس كامل في الدرس التالي.
هل للجن تأثير على الإنس ؟ وهل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟ و هل يّلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ و هل يعلم الجن الغيب ؟ لا يوجد موضوع يثير حماس الناس وفضولهم وشغفهم كعلاقتنا بالجن, لأن الإنسان الساذج كلما ارتكب معصية يقول لك: الله يلعن إبليس لماذا ؟ لا دخل له, أنت المقصر وأنت المذنب, وهل لهم تأثير على أجسامنا ؟ وهل يتعاون الجن مع الإنس ؟ هذا كله سأجيب عنه إن شاء الله تعالى بشكل مفصل في الدرس القادم ليكون هذا الدرس حاسماً في رد كل الشبهات والافتراءات والظنون والأخيلة والأوهام والخرافات التي تستأثر بعقل الناس وتجعلهم يعتقدون بالله اعتقاداً فاسداً يثبط عزائمهم ويصرفهم عن طريق الحق.
فقد تجد مثقفاً يقول لك: زارني شخص يحمل شهادة عليا قال لي: أنا مسحور وأريد أن أفك السحر عند فلان ما هذا الكلام ؟ يقول لك: فلان سحروه، وفلان يعاونه الجن في ضرب المندل, الدرس الثاني سيكون رداً على هذا التساؤل.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و العشرون )



الموضوع :علاقة الجن بالنسان - هل لهم تاثيرعليهم





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما نص عليه علماء الأصول في بعض العقائد يجب على المسلم أن يتعلمها بالضرورة:
أيها الأخوة, هناك مجموعة من العقائد يجب أن يعلمها المسلم بالضرورة, لأنه إذا جهلها انحرفت عقيدته، وإذا انحرفت عقيدته انحرف سلوكه, وإذا انحرف سلوكه شقي في الدنيا والآخرة، فمعرفة بعض العقائد التي نص عليها علماء الأصول فرض واجب على كل مسلم، هناك معلومات معرفتها تُعد فرض كفاية, التبحر مثلاً في علم المواريث هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل, لكن معرفة الإيمان بالله تحقيقاً, والإيمان بأسمائه الحسنى, والإيمان بالملائكة, والإيمان بالجن، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، والإيمان بالقضاء والقدر, هذه عقائد يجب أن تُعلم بالضرورة, وهي فرض عين على كل مسلم.
لو أنّ إنساناً اشترى سيارة, يجب أن يعرف أنه إذا تألق الضوء الأحمر في لوحة العدادات لابد من أن يقف فوراً ليضيف زيتاً إلى المحرك وإلاّ يحترق المحرك, هذه المعلومات يجب أن يعرفها كل من يقود سيارة، لكن نوع الخلائط التي استخدمت في صناعة المحرك هذه ليست لكل من يركب السيارة, هذه للذين يتخصصون في صناعة السيارات، فهناك علوم يجب أن يعلمها كل إنسان مسلم ولا عذر له في جهلها، وإذا جهلها زاغت عقيدته فانحرف سلوكه فشقي في الدنيا والآخرة.
إذن موضوع الجن من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة, لأنك إذا توهمت أن هذا فلان يعرف الغيب، وأن هذا الشيخ يطّلع على ما سيكون, إنك تمشي في متاهات لا أساس لها من الصحة.
ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟
1- الشيطان لا يستطيع أن يؤثر على الإنسان إلا إذا خضع له واعتبره شريكاً مع الله:
ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟ مرّ معنا من قبل, أن الجن منهم المؤمنون, ومنهم الكافرون قال الله:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾
(سورة الجن الآية: 11)
إن يكن لخبثاء الجن بعض التأثير الجسمي على أحدٍ من الإنس, فإنما يؤثرون على من يستكين بأوهامه وتخيلاته لسلطانهم, لا يستطيعون أن يؤثروا على أحد إلا إذا استكان لهم وخضع لهم واتبعهم واعتقد بهم وأشركهم مع الله عز وجل, هذا الذي يفعل ذلك يتحمل تأثيراتهم, و كل من يتخيل أنهم بيدهم نفعه أو ضره, ويخضع لسلطانهم يتعرض لمسّهم وتخبطاتهم لاستعاذته بهم, هذه الحالات محددة.
2- من أراد أن يستخدم الجن ليضر الناس بهم لا يقع شرهم وكيدهم إلا عليه ؟
من أراد أن يستخدم الجنّ ليضرّ بهم إخوانه من الإنس, أو من التمس النفع عندهم، أو من استعاذ بهم، أو من خضع لسلطانهم، أو من اعتقد بهم, أو من استكان بأوهامه لهم, هذا الإنسان بالذات يدفع ثمن جهله وثمن شركه وثمن ضلاله قد يتعرضون له بالأذى ؟ فقد علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعيذ بالله من همزات الشياطين، ومن حضورهم ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
" عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ "
(أخرجه الترمذي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سننهما)
إذا وجد ابنه في الليل بكى بكاءً شديداً فجأة، فليستعذ بالله من همزات الشياطين، هذا هو السلاح الفعال، هذا هو السلاح المجدي، ومنه ما رواه أبو داوود وابن ماجه بإسناد صحيح عن زيد بن الأرقم قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ "
( أخرجه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن الأرقم في سننهما, بإسناد صحيح )
هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟
1- الخبر المشهود:
لا يمكن لإنسان أن يتعاون مع الجن إلا أن يكون كافراً, لأن من أدق تعريفات الساحر: هو الذي يتصل بالجن وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ "
( أخرجه النسائي عن أبي هريرة في سننه, إسناده ضعيف )
فأي اتصال بين الجن وبين الإنس هذا الاتصال هدفه إضلال البشر، ولو لبس هذا الذي يتصل بالجن بزيّ ديني, و لو لبس عمامة خضراء هو عند رسول الله عليه الصلاة والسلام كافر، لأن هدفه إيهام الناس أن بيد الجن النفع والضر, هدفه تحويل الناس عن الله سبحانه وتعالى إليه.
هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ أما العلوم والأخبار التي يمكن أن يلقيها الجن إلى الكهان فهي بحسب مواضيع هذه العلوم التي يلقونها، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة, مثلاً: في حلب نزلت أمطار غزيرة هذا اليوم, هذه من الأشياء المشهودة وليس من الأشياء الغيبية، لكن نقل الخبر قد لا يكون متيسراً للإنس قبل الاتصالات السلكية واللاسلكية, وقبل السفر السريع إلى هذه البلاد, فنقل أنباء الأمطار التي هطلت في حلب اليوم إلى الشام متعذر, فالجن أحياناً يستطيعون أن ينقلوا هذه الأخبار التي وقعت, هذا الأمر ليس من عالم الغيب و إنما هو من عالم الشهادة، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار التي عن الوقائع الماضية، فإنها أخبار تحتمل الصدق والكذب قد يصدقون, وقد يكذبون.
ومن جهة ثانية: لا يصح الثقة بأخبارهم لانعدام المقاييس التي بحوذتنا في معرفة صدقهم وكذبهم, فانتقال الجن سريع جداً والدليل:
﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾
(سورة النمل الآية: 39)
قبل أن يقوم سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من مقامه, يستطيع عفريت من الجن أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى القدس، فانتقاله سريع جداً لذلك لما قال الله عز وجل:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
(سورة الرحمن الآية: 33)
الله سبحانه وتعالى قدم الجن على الإنس, لأنهم أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض لميزات أعطاهم الله إياها.
الاستشهاد بأمثلة من الواقع للتوضيح:
شخص أعرفه توفي رحمه الله, سُرقت من بيته قطعة أثاث ثمينة جداً " سجادة ", فدلّه بعضهم على ضارب المندل قال: ذهبت إلى ضارب المندل, وجاء بوعاء وضع فيه زيت, وجاء بغلام صغير وصار يسأل هذا الغلام, والغلام يجيب يقول الغلام: هذه السجادة موجودة في بيت, أمام البيت حجر كبير, الباب لونه كذا, يُفتح الباب على اليمين في غرفة تدخلونها، في زاوية الغرفة في مكان عليه فرش و لحف تنزعون الفرش واللحف, هناك صندوق عليه قطن, السجادة تحت القطن, هكذا قال ضارب المندل, فقال هذا الرجل: توجهت إلى هناك وأخذنا معنا المختار, و كل شيء قاله هذا الطفل في المندل صحيح، دخلنا البيت ثم دخلنا إلى الغرفة, ووجدنا في زاوية الغرفة صندوق وفرش ولحف, فتحنا الصندوق وجدنا القطن ولكننا لم نجد السجادة ! ذهبوا لصاحب البيت فإذا هو بياع سجاد, ضربوه ولشدة الضرب قال: نعم أنا أخذتها وبعتها, واختاروا إحدى السجادات وأخذوها مكانها, قال هذا الرجل: أخذنا السجادة بنفس القياس بعد أربعة أشهر يقول لي رجل كان في السجن: أتدري من سرق من عندك السجادة ؟ قلت له: أعرفه, قال لي: لا, كنت في السجن, فحدثني أحد السجناء: أنه هو الذي دخل بيتك وسرق السجادة, أين كلام الجن ؟ كذابون, لكن معالم هذا البيت يعرفونها لا شك, لكنهم لا يعرفون من أخذ السجادة, لذلك: ضرب المندل كذب و دجل, لكن بأثناء الكلام قد يوجد بعض الحقائق ليست غيبية بل مشاهدة. هذه القصة أردت منها أن الجن في نقلهم للأخبار المشهودة يكذبون ويصدقون, فلا يعول على كلامهم, لأننا لا نملك مقاييس للتفريق بين كذبهم وبين صدقهم.

2- الخبر الغيبي:
أما إذا كانت من المغيبات التي استأثر الله بعلمها:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
(سورة لقمان الآية: 34)
لا إنس ولا جن ولا نبي ولا رسول يعرف ذلك، ولا يكون التحدث بشيء منها إلا كذباً وافتراء على الله, ربنا عز وجل قال:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 59)
لكن لو قال عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: هل هناك فرق ؟ نقول: هناك فرق كبير جداً, إذا قال الله عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: معنى ذلك هي عنده, وقد تكون عند غيره, حينما قدّم الظرف على المبتدأ فقال وعنده مفاتيح الغيب, معنى ذلك أن الغيب محصور ومقصور على الله وحده, وليس لأحد كائناً من كان أن يعرفه.
كل من قال لك: أنا أعلم ما سيكون, دجال، هذه الصرعة التي ظهرت حديثاً في كل عاصمة كبيرة كاهنة أو كاهن, يأتيها رجال من علية القوم يسألونها عن المستقبل, هل سأبقى في هذا المكان ؟ ماذا يحصل لي في المستقبل ؟ دجل في دجل، كذب في كذب، غباء في غباء, لا يعلم الغيب إلا الله.
أما المغيبات التي قُضي أمرها في السماء, وأصبحت معلومة لذوي الاختصاص من الملائكة، كما أصبحت معدة لتبليغها للملائكة, جاء فيها حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
" عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ "
( ورد في الأثر )
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾
(سورة الذاريات الآية: 32-34)
هكذا قالت الملائكة: لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام, لا تزال القرية بحالها، الأمر لا يزال طبيعي جداً, لكن الملائكة أباحوا لسيدنا إبراهيم أنّا أُرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين, فهل هذا من قبيل علم الغيب ؟ لا, هذا القرار اتخذ في السماء وبُلغ لأصحاب العلاقة لينفذوه, من هذا القبيل قال عليه الصلاة والسلام
" إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ "
( ورد في الأثر )
يعطوك خبر صحيح، ويمرقوا عليه مليون خبر كذب، عملية استراق أمر قضى الله به في السماء, وبُلغ للملائكة لتنفيذه يأتي الشيطان فيسترق هذا الخبر ليوحيه للكاهن، يقوله للناس، فيوهم الناس أنه يعلم الغيب, وهذا هو استراق الشياطين السمع من الملائكة بعد نزولهم إلى جو الأرض وليس من السماء, كما كان دأبهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومُنعوا بالشهب:
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾
(سورة الجن الآية: 9)
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾
( سورة الجن الآية: 8)
وفي تكذيب من يلقي سمعه للشياطين وإثمه الكبير قال تعالى في سورة الشعراء:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 221- 223)
لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت, هذا الذي يُلقي أذنه للشيطان هو أفّاك أثيم، ضالٌ مُضل قال الله:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
( سورة الشعراء الآية: 221-222)
أي تعاون بين أي إنسان وبين أي شيطان, هذا دليل قطعي على أن هذا الإنسان أفاك أثيم, ولو لبس جبّة, ووضع على رأسه عمامة خضراء, ولقّبَّ نفسه الولي الفلاني.
هنا آية أعظم وأوضح في أن الجن لا يعلمون الغيب أبداً, سيدنا سليمان قبضه الله عز وجل وهو مستندٌ إلى عكازه قيل: بقي مدة طويلة لا يدري كم بقي ؟ إلى أن جاءت دابة الأرض يعني السوسة ونخرت في هذه العكازة، حتى أتت عليها كلها, فلما أتت عليها كلها انكسرت فوقع سيدنا سليمان، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
(سورة سبأ الآية: 14)
كان يكلفهم بأعمال شاقة فكانوا يتحملونها خوفاً منه، لو أنهم يعلمون الغيب بمجرد أن قبضه الله عزّ وجل لخففوا من هذه الأعمال، فربنا عز وجل جاء بهذه القصة ليؤكد بشكل قاطع، ودليل قطعي على أن الجن لا يعلمون الغيب.
الجن لا تعلم الغيب، وقولاً واحداً ليس للجن تأثير على الإنسان تأثير جسماني, شخص وقع في الساعة, فيه نوعان: نوع مرض عصبي، و نوع من تأثير الشياطين, المرض العصبي كما قال بعض الأطباء: تخريش بالدماغ هذه تعالج, لكن قد يكون بعض أنواع الصرع إذا خاف الإنسان من الشيطان و اعتقد به, و استسلم له، وتوهم أنه ينفعه أو يضره، و أشركه مع الله عز وجل، عندئذٍ يقع تأثيره عليه.
هل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟
أما أن يكون للشياطين على الإنس سلطان في عقائدهم وتوجيه إرادتهم للأعمال السيئة فذلك مما لا سبيل لهم إليه, لا سلطان للشياطين على الإنسان لا في عقائدهم ولا في إرادتهم ولا في أعمالهم مطلقاً, لأن الله حجزهم عن ذلك, ولم يجعل لهم سلطاناً على بني آدم ليكون الإنسان حر في اختياره, يخاطب الله عز وجل رأس الشياطين إبليس في سورة الحجر:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾
( سورة الحجر الآية: 42)
هل هناك دليل أوضح من ذلك قال الله:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾
( سورة الحجر الآية: 42)
إلا إذا اتبعك هو.
من صفات الشيطان:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾
( سورة الناس الآية: 1-6)
الخناس على وزن فعال, يعني سريعاً ما يهرب لو عذّت بالله عزّ وجل انتهى الأمر.
ما هي وظيفة الشيطان في الأرض ؟
أين ينحصر عمل الشيطان ؟ مادام ليس له علاقة بعقائدنا, ولا بإرادتنا, ولا بأعمالنا, ولا يعلم عن الغيب شيئاً، ولا يؤثر على أجسامنا, عمله محصور في وظيفة الوسوسة الخفية هذا كل ما يملك, أنا أقول دائماً هذا المثل: واحد مرتدي أجمل الثياب، سائر في الطريق، في حفرة كبيرة فيها مياه سوداء نزل فيها, وتوجه إلى مخفر الشرطة ليشتكي على السبب قال له المحقق: هذا الرجل دفعك في هذه الحفرة ؟ قال له: لا, قال له: أجبرك أن تنزل فيها ؟ قال له: لا, قال له: أمسكك ووضعك في الحفرة ؟ قال له: لا, قال: فكيف تشتكي عليه إذن ؟ قال, قال لي: انزل فنزلت, هذا بحاجة لمستشفى المجانين وليس بحاجة لمن يشتكي عليه هكذا قال الله عز وجل:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 22)
ينحصر عمل الشيطان في الوسوسة الخفية, ولا يزيد على ذلك شيئاً, وهذه الوسوسة تخنس وتتخاذل أمام حزم المؤمن وإرادته والتجائه إلى الله تعالى بالاستعاذة والذكر والمراقبة, أما إخوان الشياطين فإنهم يستجيبون لوسوستهم, وينساقون معهم فيتسلط الشيطان عليهم, فيمدهم في الغيّ ويزين لهم الشر والضلالة, إنسان طلق زوجته وشرد أولاده, لأنه سمع كلام الشيطان, مازال الشيطان يوسوس له أن يطلقها حتى طلقها فخسرها وشرد أولاده, إذن هذا من عمل الشيطان إنه عدو مُضلّ.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾
(سورة القصص الآية: 15)
قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 200)
﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 201-202)
النزغ يعني الوسوسة، طائف من الشيطان يعني وسوسة من الشيطان بفكرة سيئة.
التوازن الذي أقام الله الإنسان عليه في مقابلة الشيطان قرين من الملائكة يدعوه إلى الخير:
في توازن وقد جعل الله تعالى في مقابلة وسوسة الشيطان التي هي من اختصاصه, داعياً للخير عن طريق ملك من ملائكة الرحمن, دائماً مع الإنسان قرين ملائكي, و قرين شيطاني، الملائكي يقول له: يا عبد الله تفكر في خلق الله, يا عبد الله أطع أمر ربك, يا عبد الله كن محسناً, أما الشيطان خذ المحل التجاري منه ليس له اسم في الإيجار، يقول الشيطان دائماً: افعل معه كذا وكذا, خذ هذا المبلغ راتبك قليل لا يكفيك, دائماً الإنسان بين وسوسة الشيطان وإلهام الملك:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
( سورة هود الآية: 7)
يقول عليه الصلاة والسلام: " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) "
( ورد في الأثر)
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 268)
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِحَقٍّ "
( ورد في الأثر )
الأدلة الواردة من الكتاب على ابتلاء الله للإنسان بقرين من الخير وقرين من الشر:
جاءت الإشارة في القرآن الكريم:
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية: 23)
هذا حسابه, فعل كذا وكذا وكذا, هذا قرينه الملائكي معه كل أعماله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾
(سورة ق الآية: 23- 26)
قال قرينه الثاني:
﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾
( سورة ق الآية: 27)
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 22)
هذه آية تؤكد أن لكل إنسان قريناً ملائكياً وقريناً شيطانياً, فالملائكي يقول لك: افعل واستقم وغض بصرك، أما الشيطاني يقول له: طلع شو صار الله بتوب عليك, لا تدقق, خذ المال الحرام أنت فقير, الآية واضحة.
خدعة من أعمال السحرة للإنسان لتضليله:
أيام تسمعون عن تحضير الأرواح, هنالك مشعوذين، دجالين، سحرة, يأتي واحد ساذج يسألوه أتريد أبوك ؟ يجيب طبعاً، يقولوا له: أبوك كان يشتغل شرطي فيجيب: نعم صحيح، يقولوا له: أبوك كان مصاب برأسه، فيجيب: نعم صحيح, فيوهموه بأن أبوه أتى من الآخرة, كل ذلك دجل, هؤلاء الجن يستدعون قرينه الذي كان في الحياة معه فهذه المعلومات من قرين أبيه لا من أبيه، ما فعلوا إلا أن استحضروا القرين الجني الذي كان مع هذا الميت, فأعطاهم بعض المعلومات لأنه كان رفيقه هذا كل ما في الأمر.
هؤلاء يفترون على الله افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان, فينسبون إلى الجنّ علم الغيب, ويتلاعبون في عقول السُذج من النساء وصغار العقول, أو يدّعون قدرة الجن على النفع و الضرر، والجن أنفسهم لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا أن يشاء الله, وقد بيّن القرآن أن أهل الجاهلية الذين كانوا يعوذون برجالٍ من الجن لم ينفعوهم شيئاً, بل زادوهم غيّاً وضلالاً وبعداً عن الأمن الذي يرجونه منهم قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾
(سورة الجن الآية: 6)
ملخص البحث:
عن حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "
( ورد في الأثر)
لم يصدقه ولكنه أراد أن يتسلى, هذا الذي يفعل ذلك لن تقبل له صلاة أربعين صباحاً, ولا دعاء أربعين ليلة, فلو صدقه فقد كفر, العلماء قاسوا على ذلك قراءة الفنجان, يقال له: سيأتيك دفعة من المال, إذن يُحمل على هذا قراءة الكف، يحمل على هذا التطيّر " التشاؤم ", مثلاً: دخل لعنده زبون البيعة لم تتم، يُحمل على هذا من فتح مجلة أسبوعية فيها حظك هذا الأسبوع، فهؤلاء المنجمون والمنجمات، والمشعوذون والمشعوذات، والساحرون والساحرات الذين ينسبون للجن النفع أو الضرر, ويتحدثون عنهم بالمغيبات إنهم كذابون دجّالون عصاة لله ولرسوله هذا كلام واضح مثل الشمس, يُريدون أن يستولوا على المغفلين السذج، البسطاء ليضلوهم, ويسلبوا منهم أموالهم.
كيف صدقوا ؟ صدفة, إمّا عنده معلومات كما تحدثنا، أو استرق الخبر من الملائكة أذاعه للكاهن, الكاهن تكلم به, أوهم الناس بأنه يعلم الغيب, هذا إذا صدقوا صدفة, صدقوا بمعنى جاء الخبر مطابق للواقع صدفة أو جاء من نوع استراق الخبر، فالاستعاذة لا تكون إلا بالله، والاستعانة لا تكون إلا بالله, إياك نعبد وإياك نستعين.
تعقيب أخير: إن يكن للجن شيء من القوة المادية فيما بينهم فقد صرفهم الله تعالى
في مجرى العادات عن أن يكون لهم سلطان على الإنس والجن في نفعٍ أو ضرر إلا أن يشاء الله عزّ وجل شيئاً لحكمة أرادها.
استخلاص العبر والحكم من هذه القصة:
" رواية طريفة " لامرأة متزوجة فجأة قلبت لزوجها ظهر المجن فجأة, معاملة سيئة، تقصير, إهمال، كلام قاسي، فكلما عاتبها قالت له: أنا متزوجة غيرك كاد عقله أن يطير, من ؟ تقول له: من تحت يعني رجال من الجن, لأن الجن عالمهم سفلي والملائكة عالمهم علوي, فهذا الرجل استجار بعالم من علماء بلده ورجاه رجاءً حاراً أن يأتي معه إلى البيت ليقنعها, ما هذه القصة ؟ تقول: قد تزوجت واحد غيري " جني متزوجة " ! فجاء هذا العالم وجلس " طبعاً من وراء حجاب " فقال لها: يا بنيتي من تزوجتِ ؟ فقالت: واحد من تحت يعني جني, قال: كيف علمت ذلك ؟ قالت: رأيته في المنام, قال: ما شكله ؟ قالت له: شيخ لابس عمامة خضراء, قال لها: مسلم أم كافر, قالت له: مسلم, قال لها: غلط.
أولاً:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 27)
الإمام الشافعي يقول: من قال إني رأيت الجن: لا تقبل شهادته, لأنه كذاب ومزوّر أنصدقه أم نصدق الله سبحانه وتعالى ؟ الله جلّ في علاه يقول: " إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ " فقال لها أولاً: إنك لن تريه.
ثانياً: لو أنه مسلم لما فعل هذا, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
" عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) قَالُوا لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ "
( ورد في الأثر)
القسم المؤمن من الجن صالحون طيبون فهذا كلام فيه افتراء, قال لها: أنت مسلمة أم كافرة, قالت: مسلمة, فقال لها: قال ربنا أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا, يعني لست بمشاهدة للجن, وليس له عليك سلطان, وهذا الذي تدّعينه ليس مؤمناً, فتبيّن أنه يُسكنها زوجها مع سلفتها, متضايقة منهم، فعملت هذه الحيلة من أجل أن تنجو من ضرتها أو سلفتها في البيت, ليس صحيحاً إطلاقاً أن يتزوج رجل من الجن امرأة من الإنس.
الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من سورة الجن:
1- الجن لا يملكون للإنسان نفعاً أو ضراً:
أهم ما في الموضوع أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الجنّ بالذات:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾
(سورة الجن الآية: 20)
فالعلماء قالوا: الشرك هنا أن تعتقد بأن الجن ينفعون أو يضرون, ثم يقول عزّ وجل في الآية نفسها:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
(سورة الجن الآية: 21)
فاسمعوا يا أخوان: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حبيب الحق، وسيد الخلق, وسيد ولد آدم، وأعلى مخلوق في الكون لا يملك نفعاً ولا ضراً, أفيملك النفع والضر الجنّ ؟ أين جاءت هذه الآية ؟ في سورة الجن لماذا ؟ ليعلمنا الله سبحانه وتعالى لا يمكن للجن أن يكون على الإنسان من سلطان ؟
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الجن الآية: 21-26)
هذه الآية, وهذه الآيات كلها وردت في سورة الجنّ، من أجل أن يؤكد الله لنا أن موضوع الجن لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا يعلمون الغيب، ولا يملكون إلا شيئاً واحداً هو الوسوسة الخفية, فإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى كل شيء, معلومات دقيقة جداً مأخوذة من كل آيات الشياطين في القرآن الكريم.
2- على قدر الطاعة لله لا يقترب منك الشيطان وعلى قدر المعصية يقترب منك:
قال تعالى:
﴿إ ِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 155)
لما الإنسان يرتكب معصية يصبح قريباً من الشيطان، فإذا أطاع الله عزّ وجل يصبح الشيطان بعيداً عنه, لذلك يا عمر, ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر.
3- إذا جاءك خاطر خوف من الطاعة لله هذا من الشيطان ليبعدك عنه:
الشيء الثاني:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 175)
حينما تأتيك خواطر الخوف من طاعة لا تصلي أحسن لك, لا تدفع زكاة مالك هذا من الشيطان.
4- حيل الشيطان وخداعه للإنسان:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 168)
الشيطان ذكي لن يأمرك بالزنا, يأمرك بإطلاق البصر, ثم بالسلام, ثم ببعض عبارات الثناء, وينتهي الأمر إلى الزنا، الشيطان يمشي معك خطوة خطوة بأكل المال الحرام، بالاختلاط بالنساء, الشيطان ذكي يعرفك مؤمناً فلا يقترب منك، أما لو رأى فيك ضعفاً يعطيك معصية مخففة جداً شيء بسيط جداً, هل أنت متوحش ؟ يسلم على جارته, وبعدها يُحضر لها سندويشة, صار في علاقة قال تعالى:
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 168)
لماذا بدأ الله بشياطين الإنس قبل الجن ؟
أريد أن أقول كلمة واحدة في آية حيرتني قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 112)
لماذا بدأ الله بشياطين الإنس ؟ لأنهم أشد إيذاءً من شياطين الجن, ربنا قال:
﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
(سورة يوسف الآية: 28)
فالمرأة الشيطانة كيدها أعظم من كيد الشيطان الجني. الأماني والغرور الذي يعده الشيطان للإنسان:
﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
(سورة النساء الآية: 120)
في إنسان ارتكب جريمة، وسرق مبلغاً ضخماً، ماذا يعده الشيطان ؟ يشتري بيت, يشتري سيارة، يعيش في بحبوحة، يُسافر، وبعد ساعتين يتم القبض عليه قال الله:
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴾
( سورة النساء الآية: 120)
كلما رأيت واحداً واقعاً في مشكلة وأزمة كبيرة وكان عاصي هذا من عمل الشيطان لا تقولها له:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 68)
إذا نسي الواحد أن يصلي يعني أن شيطانه ذو قوة يقول لك: قد نسيت.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
(سورة الأنفال الآية: 48)
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾
(سورة مريم الآية: 45)
إذا أتت مصيبة على الإنسان, ولم يكن إيمانه قوي فقد يوالي الشيطان, يقول لك: في الكون لا يوجد رحمة, لا يوجد عدل, مع أن الله يكون قد ساق له شيء بحسب ما يستحقه بالضبط.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و العشرون )



الموضوع :تتمة علاقة الجن بالانسان


لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هل يكفي للمستعيذ بالله إذا مسه شيطان مقولة الاستعاذة ؟
أيها الأخوة, هناك نقطة في الدرس الماضي وهي أن الإنسان حينما يمسه طائف من الشيطان عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, فقد يظن بعضكم أو يتوهم أنه مجرد أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ينتهي الأمر, أي قولٍ يقولـه: لابد من أن ترافقه حالة نفسية, يعني كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, يجب أن يرافقها استعاذة نفسية بالله عزّ وجل، ليس المقصود الكلمات ولكن المقصود الأحوال, هذه الأوهام عند بعض الناس أنه بمجرد أن تقول كذا و كذا ينتهي الأمر لا بد أن يرافق هذا القول حال نفسي.
في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين, لو أنّ إنساناً كان ساخطاً على الله عزّ وجل ووقف ليصلي, وقال: الحمد لله رب العالمين لا يُقبل منه هذا, لا بد له من أن يشعر بفضل الله عزّ وجل عليه, إذا كانت حالته النفسية حالة الحمد فهذا القول يصح منه, أما إذا كانت حالته النفسية حالة السخط فإن كلمة الحمد لله رب العالمين لا تقدم ولا تؤخر, فإذا كان الحال موجوداً واللفظ موفوراً فكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سلاحٌ فعال فتّاك لذلك قال الله عزّ وجل:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾
(سورة النساء الآية: 76)
من صفات الشيطان أنه خنّاس, ومعنى خنّاس أنه بمجرد أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يخنس, فلا يصح سحرٌ ولا حسدٌ ولا مسٌ ولا كيدٌ للمؤمن لأنه مستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. الإسلام حقائق وتعبد لله وليس شكليات لا يدرك صاحبها معناها:
ليس في الإسلام شكليات, الإسلام حقائق يعني:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾
( سورة الكهف الآية: 46)
يتوهم بعض الناس أنك إذا قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر انتهى الأمر, حالة التسبيح وحالة التكبير وحالة الحمد وحالة التوحيد تحتاج إلى حالة نفسية فهذه الحالة إذا وجدت تستمر معك إلى الآخر, أما المال والبنون ينتهيان في الدنيا, لذلك المال والبنون زينة الحياة الدنيا, والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً.
أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أن في الإسلام حقائق, لو أردنا أن نوسع الموضوع, إذا كنت في الحج هل تظن أنك إذا طفت حول الكعبة انتهى الأمر ؟ لا بد من طواف نفسي, ولا بد من سعي نفسي، ولا بد من تلبية نفسية، ولا بد من الوقوف في عرفة من معرفة الله سبحانه وتعالى, ولا بد عند نحر الأضاحي من نحر الشيطان, فكل مناسك الحجّ لا معنى لها إن لم ترافقها حالات تعبّر عنها، وما هذه المناسك إلا رموز لحالات يشعر بها الحاجّ ؟ فلئلا يتوهم بعض الأخوة أنه إذا قلت وأنت غافل ومتلبس بالمخالفات والمعاصي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, لو قلت أعوذ بالله ألف مرة يبقى الشيطان متمكناً, لكنك إذا شعرت بأنك ملتجئ إلى الله مستعيذ به ولّى الشيطان هارباً.
الإسلام مبني على قواعد وأسس وكل ما جاء به الكهنة باطل لأنه يناقض شريعة القرآن:
ذكرت لكم في قوله تعالى:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 221-222)
الأفّاك: هو الذي يختلق الحديث اختلاقاً, ولا أساس له من الصحة, قد يقول لك الساحر: كيت وكيت وكذا وكذا, وكل هذا كذب بكذب, لأن الساحر أو الكاهن أو العراف أو شيطان الإنس أو شيطان الجن, هؤلاء قد يصيبون مرة ويكذبون على هذه المرة ألف مرة, وما يدعيه بعضهم من تحضير الأرواح, إن تحضير الأرواح في مجمله كذب في كذب, لو أن هذا الشيطان من الإنس تعاون مع قرين هذا الإنسان الذي تُحضّر روحه " على زعم من يزعم ذلك " هذا القرين قد يكذب أيضاً، قد يعرف شيئاً, وتغيب عنه أشياء, وقد يقول شيئاً: لا أساس له من الصحة.
موضوع الجن والسحرة, هذا الموضوع يجب أن يُلف ويُلقى في عرض الطريق, لأن الدين الذي جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام به, دين مبني على قواعد وعلى أُسس وعلى آيات وليس في الكون إلا الله, وليس هناك من طريقة لاكتساب رضائه إلا بطاعته, أما ما يدعيه بعض السحرة والمشعوذين والمنجمين والكهنة فهذه لم يريدوا منها إلا تضليل الناس, بعض الذين يتعاونون مع الجن لهم مظهرٌ يُرضي, يظهرون ورعاً وخشية وخوفاً من الله عزّ وجل, وكأنهم يقولون للناس: نحن نتعاون مع جن المؤمنين من أجل هدايتكم, هذا الكلام أيضاً باطل.
موقف القرآن الكريم من قصة هاروت وماروت رداً على أكاذيب اليهود وافتراءاتهم:
هذه القصة التي نحن بصددها القصة المشهورة التي وردت في القرآن الكريم في سورة البقرة قال تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 101)
القرآن الكريم موحى به من عند إله عظيم ونزل على نبي كريم, أهل الكتاب لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون, عندهم في التوراة والإنجيل وصفهم للنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
( سورة الصف الآية: 6)
ومع ذلك قال:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 102)
هذه الآيات التي وردت في سورة البقرة، اختلف حولها المفسرون، فبعض المفسرين أخذوا تفسير هذه الآيات من كتب بني إسرائيل من " التلمود " وأثبتوها في بعض التفاسير, ماذا قال التلمود عن هذه القصة ؟ سأرويها لكم كي تحذروها, وإياكم أن تظنوا أن هذه القصة أوافق عليها, قيل في هاروت وماروت أحاديث عديدة: فزعموا أن هاروت وماروت أنهما كانا ملكين من الملائكة, وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك على أهل الأرض, " فأوحى الله إليهما أني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يارب: لو ابتلينا لم نفعل المعصية و لا نعصيك, فأهبطهما الله إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في بلدة كانت فيها امرأة فاجرة تسمى الزُهرة فدعوها إلى الفاحشة, ووقعا بها بعد أن شربا الخمر، وقتلا النفس، وسجدا للصنم " يعني هذان الملكان اللذان زعما أنهما لا يعصيان الله، حينما أهبطهما الله إلى الأرض, وابتلاهما بحياة بني آدم شربا الخمر, وقتلا, وسجدا للصنم وزنيا بهذه الفاجرة، وعلّما هذه المرأة الفاجرة اسم الله الأعظم فتكلمت هذه المرأة بهذا الاسم فعرجت إلى السماء, فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب " كوكب الزهرة " ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما قد وقعا فيه, ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً, فاختارا عذاب الدنيا عاجلاً فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة، وهما يعلمان الناس السحر, ولا يراهما أحد إلا ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر, قال المؤلف: وهذه القصة من اختلاق اليهود, ولم يقل بها القرآن مطلقاً, وإنما ذكرها التلمود.
إذن هذه القصة التي رويتها لكم لا أساس لها من الصحة، كذب، وباطل, إنما وردت في بعض التفاسير نقلاً عن كتب بني إسرائيل, وهذه المشكلة المعضلة التي يسميها العلماء بالإسرائيليات, أي القصص التي نقلت عن كتب بني إسرائيل.
رأي الإمام الرازي في قصة هاروت وماروت:
الإمام الرازي رضي الله عنه في تفسيره يقول: أن هذه القصة التي ذكرت باطلة من عدة وجوه:
أولاً: أنهما ذكرا في القصة " أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا ذلك يا رب لما عصيناك ", هذا تكذيب لله عزّ وجل وتجهيل له وهذا من صريح الكفر, الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم, لو أنّ الله ربّ العزة قال لهم: لو ابتليتكما لعصيتماني, قالا: لا يا رب لا نعصيك ! هذا تكذيب لله عزّ وجل وهذا تجهيل له, فالقصة باطلة من أساسها.
ثانياً: " أنهما خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ", وهذا فاسد أيضاً بل كان الأولى أن يُخيرا بين التوبة وبين العذاب, والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طوال عمره, وبالغ في إيذاء أنبيائه فلو أنه تاب لانتهى الأمر, فالتخيير أيضاً باطل وهو تكذيب على الله وتجهيله.
ثالثاً: أن من أعجب الأمور قولهم: " أنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان في بئر منكوسي الرؤوس ويعلمان الناس السحر ", أيضاً شيء لا يستقيم المنطق إنسان في الأشغال الشاقة يعلم الناس السحر هذا استنباط باطل.
رأي الإمام أبو مسلم في بطلان نزول السحر على الملكين:
الإمام أبو مسلم احتجّ على بطلان نزول السحر عليهما بوجوه:
أولاً: السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله, وهذا غير جائز لأن السحر كفرٌ وعبثٌ لا يليق بالله تعالى إطلاقاً, أيليق بالله تعالى أن ينهانا عن السحر وينزله من السماء علينا ؟.
الثاني: أن قوله تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
يدل على أن تعليم الناس السحر كفر, ولكن الشياطين كفروا فما هي علامة كفرهم ؟ أنهم يعلمون الناس السحر فهذا استنباط رائع جداً,
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ "
( أخرجه النسائي عن أبي هريرة, إسناده ضعيف )
كما قال عليه الصلاة والسلام: فقد دلّ على أن تعليم السحر كفر فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر للزمهم الكفر وهذا باطل.
الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك بالملائكة من باب أولى.
الرابع: أن السحر يضاف إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة تقول: هذا ولي يستخدم الجن حتى يشفي بعض الناس, وحتى يحل لهم مشاكلهم, وكيف يضاف إلى الله ما يمنع عنهم ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموّه, وقد جرت عادة الله بإبطاله ؟ كما قال الله تعالى في قصة سيدنا موسى:
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
( سورة يونس الآية: 81)
إذا كان الله سبحانه وتعالى يّبطل السحر, فهل يضاف السحر إلى الله سبحانه وتعالى ؟ مستحيل, فهذا الكلام وهذه الأدلة والبراهين والمناقشات نقد صريح وواضح وجلي لهذه القصة التي وردت في التلمود, وقد نُقلت في بعض التفاسير تحت عنوان الإسرائيليات, وإن هذه القصة باطلة لا أساس لها من الصحة.
كيف نفسر هذه الآيات ؟
1- افتراء اليهود على النبي سليمان بأنه فقد نبوته في خاتمه والرد على هذا الباطل من القرآن:
كيف نفسر هذه الآيات ؟ بدأنا بالخطأ وبالباطل، هدّمنا الباطل, والآن نريد أن نفسر هذه الآيات، فهؤلاء أهل الكتاب:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 101)
وَاتَّبَعُوا يعني تركوا هذا القرآن الكريم وما فيه من ذكرٍ حكيم, و تركوا الآيات الكونية والتشريعات الأرضية واتبعوا:
﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
تلا عليه يعني كذب عليه، لو فتحتم القواميس على فعل تلا " على " فإذا أضيفت "على " إلى " تلا " فمعناها كذب عليه قال تعالى:
﴿وإتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
اليهود يقولون: في قصة طويلة مختلقة مفتراة على هذا النبي العظيم, أن هذا النبي عليه السلام كل نبوته في خاتمه, فمرة ضاع منه خاتمه ففقد نبوته، يعني هذا النبي العظيم يفقد نبوته ويفقد معرفته, ويفقد ما آتاه الله من علم بأقوال الحيوانات ومن تسخير للجن, كل هذا الملك الذي قال الله في حقه:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
( سورة ص الآية: 34)
يزول عنه لمجرد أن ينسى خاتمه في مكان فتأخذه الشياطين, ويحكمون بدلاً من سليمان، وسليمان هائم على وجهه في البراري والقفار لا يعبأ به أحد, ولا يلتفت إليه أحد حتى لا يجد قوت يومه، وهو في أشد حالات الجوع والفقر والضياع والذلّ صاد سمكة فلما شق بطنها رأى خاتمه فعاد له ملكه, قال: هذه القصص كلها من تخريف اليهود, وقالوا عنه: أنه كفر وعبد الصنم وشرب الخمر, وعبد الصنم وتعلم السحر وسحر الناس فربنا عزّ وجل قال:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
الأنبياء لا يكفرون, النبوة مرتبة لا كفر بعدها ولا زيغ ولا ضلال قال الله:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
أما كلمة الشياطين: تعني شياطين الإنس، والدليل يعلمون الناس السحر, شياطين الجن لا يعلمون الناس السحر, وشياطين الجن لا تتلوا, التلاوة المقصود بها الكلام.
2- نفي العلماء نزول الملكين من السماء مع الدليل:
هناك قرينتان تؤكدان أن الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قال تعالى:
﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
في فقرة مهمة جداً هي " ما " قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
هذه " ما " نافية وليست موصولة, لدينا " ما " الاستفهامية، و " ما " الموصولة، و" ما " النافية يقول لك فلان: " أنا ما أكلت "، " والله ما أكلت " هذه " ما " نافية.
تقول له أحياناً: " إن ما أكلته ليس لك " هذه " ما " موصولة يعني أن الذي أكلته ليس لك.
" ما " استفهامية, لو قال أحدهم لطالبٍ نال مجموعاً عالياً: " بما حصلت هذا المجموع يقول لك: بما بذلت من جهد, " ما "‎ الأولى استفهامية، أما " ما " الثانية موصولة, فالنقطة كلها في هذه الصورة متوقفة على تفسير " ما " إذا فسرت ما نافية انتهى الأمر, تأتي المعاني يأخذ بعضها برقاب بعض, فإذا فسرتها على أنها موصولة وقعنا في خطأ كبير, اعلموا أن للعلماء في هذه الآية وجوهاً كثيرة, وأقوالاً عديدة فمنهم من ذهب فيها مذهب الإخباريين، نقله نقل الغث السمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت, وأكثر العلماء على أن ما هنا نافية قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
هؤلاء ليسوا ملكين, وما أنزل عليهم شيئاً من السماء قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
ما قصة هؤلاء الملكان في الآية ؟
نعود إلى القصة قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
هؤلاء رجلان من بني إسرائيل, رجلان أقاما ببابل, واحترفا صناعة السحر، وعلما الناس السحر وأوهماهما أنهما صالحان، وهما ليسا ملكين، ولم ينّزل عليهم شيئاً من السماء قال الله:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
إيّاك أن تستمع لقولنا فمن أجل أن تزيد محبتك لهما, و من أجل أن يزيد اعتقادك بهما, يحذرانك من الكفر إذا آمنت بهما, يعني ورع وصلاح وتقوى هذا المظهر الكاذب, من أجل أن يوهما الناس أنهما صالحان, نتابع تفسير هذه الآية من كتب التفسير, ذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتدّ في آخر عمره, وعبد الأصنام, كما تراه في الفصل الحادي عشر من ( سفر المبيت السادس ) فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والوقاحة الكبيرة, ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الأكاذيب, اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهامياً, بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين يعني بلا إلهام, كما في إظهار الحق.
ماذا تعني كلمة الشياطين في الآية ؟
المراد بالشياطين, شياطين الإنس وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء الدعاة إلى الباطل, وقوله: " على ملك سليمان " أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه, وقولـه تعالى:
﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
تنزيه لسيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من الردّة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها, وقال كثيرون: هذه تبرئة له من السحر لسيدنا سليمان, وأنّه تعالى كنَّ عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفرٌ, وأنه من كان نبياً كان معصوماً عنه, وإنما كان كفراً لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها, وقوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
والشياطين هم خبثاء الإنس وأشرارهم كما في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 14)
وقوله:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112)
والذي يعيّن أن كلمة الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قوله تعالى:
﴿تَتْلُوا ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
لأن تلاوة شياطين الجن لا يسمعها أحد, ومعنى تتلوا أي تقص كما تقدم، وقوله:
﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾
( سورة البقرة الآية:102)
يعيّن هذا المعنى أيضاً إذا لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس لانعدام مكان الاتصال بهم أي شياطين الجن, المراد بقولـه:
﴿كَفَرُوا﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
أي كفروا بآيات الله المنزلة, وقوله تعالى:
﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
جملة حالية، أي حالتهم تعليم الناس السحر.
3- ما ذهب إليه المحققون:
قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
الذي ذهب إليه المحققون: أن هاروت وماروت كانا رجلين و ليسا ملكين, يتظاهران بالصلاح والتقوى في بابل, وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات, وكانا يعلمان الناس السحر, وكثيرون ممن يعلمون الناس السحر يتظاهرون بالتقوى والصلاح, أوهموا الناس أنهما ملكان وأن ما يفعلانه من وحي السماء, وبلغ مكر هذان الرجلان ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما, أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما قال الله:
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
إياك أن تكفر بالله "هذا من أجل التضليل " أي إنما نحن فتنة نبلوك ونختبرك, أتشكر أم تكفر ؟ وننصح لك ألاّ تكفر ؟ هذا من تضليلهم أيضاً.
يقول المفسر: قائلين لمن يعلمونهم الكتاب, نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجلٍ غير زوجها, يعني بوصوا الجن بعدم تعلّق الزوجة بغير زوجها إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء, فجاء القرآن مكذباً لهم في دعواهم نزول هذا السحر من السماء وفي ذم السحر فقال:
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
" ما " هنا نافية على أصح الأقوال.
لماذا ذكر الله لفظ الملكين في قصة هاروت وماروت ؟
في سؤال هنا, الله قال الملكين لماذا ؟ لو فرضنا في اثنين مشعوذين ادّعا أنهما طبيبان و مارسا الطب, فصار لهما اسم شائع أنهما طبيبان مشعوذان, فإذا قلت: طبيبان, هل يعني ذلك أنك اعترفت أنهما طبيبان ؟ أحياناً يكون طالب لم يفتح الكتاب بحياته, لكن يلبس لباس طلاب تقول: هذا الطالب لماذا لا يدرس ؟ اسمه طالب علم لكنه لا يطلب علم, فأحياناً تسمي الشيء بما تعارف الناس على تسميته, فربنا قال: "وما أنزل " " ما " نافية أما لما قال الملكان: فهذا على زعم اليهود وزعم الناس, ولفظ الملكين هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين.
ما معنى قوله تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ؟
وقوله تعالى:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
من قبيل التمثيل وإظهار الأمر في أقبح صورة، يعني السحر شر كله أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من دروب الحيّل, وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم رابطة كالمرء وزوجه.
في قصة مشهورة كثيراً كيف أن شيطان الإنس يوهم الزوج أن امرأته تخونه, ويوهم الزوجة أن زوجها يخونها, ويقول للزوجة: إذا شئت دليلاً أن يمتنع عن خيانتك فخذي شعرة من رأسه وهو نائم, ويقول للزوج: أن امرأتك تريد أن تقتلك وأنت نائم، هذا الزوج يعمل نفسه نايم يسمع حركة فيرى مقص بيد زوجته فيقوم فيقتلها ؟ هذا عمل الشياطين هذه قصة مشهورة ترد بكتب الفقه كثيراً.
قصة قاضي, قاضي متزوج في وفاق ووئام ومحبة وصفاء، شيطانة من شيطانات الإنس دخلت إلى بيت امرأة القاضي, وأثنت على جمالها, وزهدتها بزوجها, وقالت: إن زوجك ينظر إلى النساء ويفعل كذا وكذا, وذهبت إلى الزوج, وقالت: إن زوجتك يدخل عليها الرجال في غيبتك, ونصحت الزوجة أن تأخذ شعرة من رأسه بالمقص, وأوهمت الزوج أن امرأته سوف تقتله هذه الليلة, عندئذ قام القاضي وقتل زوجته, هذا من عمل الشيطان, وهذه القصص تقع كل يوم, فلذلك قال تعالى:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
خلاصة الآية والعبرة منها:
أن معنى الآية من أولها إلى آخرها أن اليهود كذّبوا القرآن, ونبذوه وراء ظهورهم وبدلوه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه, وزعموا أنه كفر وهو لم يكفر, ولكن الشياطين هم الذين كفروا هذه القصة أصبحت واضحة, وأهم ما في هذه القصة هذه الآية وهو قوله تعالى:
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
إذا كنت مسلماً مصدقاً أن هذا القرآن كلام الله, وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الشياطين كلها, لو اجتمعت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا أن تضرك أبداً إلا بإذن الله.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)
وأي تعليم يتعلمه الإنسان من شياطين الإنس والجن إنما يضره ولا ينفعه قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 102)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و العشرون )





الموضوع :الإيمان بالأنبياء والرسل ، وبما أنزل عليهم



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من محبة الله لعباده ورحمته بهم بأن أرشدهم إلى الحقيقة عن طريق الأنبياء والرسل:
أيها الأخوة, ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات العقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان هو الإيمان بالأنبياء والرسل, قبل أن نخوض في هذا الموضوع هناك فكرة بسيطة, إذا كنت في طريق ما، ورأيت إنساناً كفيف البصر, وأمامه حفرةٌ كبيرة ماذا تفعل ؟ بدافع من رحمتك، وبدافع من حرصك، ألا تذكره ؟ ألا تحذره ؟ كل ما في الأمر أن الله سبحانه وتعالى لأنه رحمن رحيم, إذا وجد عباده قد ضّلوا وتاهوا وحاروا وسلكوا طريق شقائهم وهلاكهم، بعث إليهم بأنبيائه ورسله ليحذروهم وينذروهم قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180)
لأن أسماءه حسنى وصفاته فضلى لا يمكن أن يدع عباده من دون توجيه، ومن دون تحذير، ومن دون لفت نظر، فالأنبياء والرسل رحمة من الله سبحانه وتعالى، تحذير وتبشير وتوضيح وبيانٌ للحقيقة, ففي صفة عقيدة المؤمنين قال الله تعالى في سورة البقرة:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 285)
يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويأمرنا معه فيقول في سورة آل عمران:
﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 84)
من لوازم الإيمان بالله:
1- الإيمان بالأنبياء والرسل جميعاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/361/01.jpg
فمن لوازم الإيمان بالله: الإيمان برسل الله, إذا كنّا نعترف بدولة ما فنعترف بسفيرها, إذا جاء السفير ومعه أوراق اعتماده فلا بد من أن نعترف به, ما دمنا بالأصل معترفين بدولته, فمن لوازم الإيمان بالله الإيمان برسله, والإيمان بالرسل من العقائد التي لو أنكرها الإنسان لكفر, يجب أن تُعلم بالضرورة، ومعرفتها فرض عين وليس فرض كفاية.
ومن مقتضى الإيمان بالله: أن يصدق الإنسان في كل ما يخبرنا الله عنه, هذا يقتضي الإيمان برسله الذين أخبر عنهم في كتابه, يعني إذا أنت آمنت بالقرآن الكريم على أنه كتاب من عند اللـه، يقتضي الإيمان بالقرآن الكريم أن تصدق بكل ما جاء فيه، فأنت لم ترَ سيدنا لوط، ولا سيدنا إبراهيم، ولا سيدنا عيسى، ولا سيدنا موسى، ولكن أخبار هؤلاء الأنبياء الكرام جاءت في القرآن الكريم, وأنت مؤمن بالقرآن الكريم، فإيمانك بالله أولاً، وبكلامه ثانياً، يقتضي أن تؤمن بجميع الرسل والأنبياء الذين أخبر عنهم في القرآن الكريم, ثم إن الإيمان بواحد من الرسل لا ينفك عن الإيمان بجميع الأنبياء والرسل.
عندنا استنباط لطيف جداّ، أن الله عزّ وجل في بعض الآيات يقول:
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 112)
فهذا المجتمع أو هذه الأمة أو هذه القرية قتلت هذا النبي, فلماذا جعل الله القتل جماعياً ؟ لأنك إذا كفرت بهذا النبي فكأنما كفرت بالأنبياء كلهم, الأنبياء وحدة لا تتجزأ, إما أن تؤمن بهم جميعاً, وإن لم تؤمن بهم جميعاً فكأنك كفرت بهم جميعاً.
2- الإيمان ما جاء به النبي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/361/02.jpg
من مقتضى الإيمان بالله تصديق المؤَيَديِن بتأييد من عنده, الأنبياء والرسل جاؤوا بمعجزات لا يستطيع عامة البشر أن يفعلوها، وبالبديهة لابد أن يكون هذا الإنسان مبعوثاً من قبل العناية الإلهية, يعني مع النبي آية: إما أن تكون هذه الآية معجزة إعجازاً مادياً كالعصا في يد سيدنا موسى، و كإحياء الموتى على يد سيدنا عيسى، و كالنار لم تحرق سيدنا إبراهيم، وكانقلاب البحر طريقاً يبساً على يد سيدنا موسى, أو إعجازاً بلاغياً تشريعياً كما هي الحال على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فهذا النبي لابد بديهة من أن يكون رسول الله, هذا النبي من عند الله, والدليل أنه فعل شيئاً لا يستطيع بنو البشر أن يفعلوه, فمن لوازم الإيمان بالله: الإيمان برسل الله المؤيدين بالمعجزات الماديـة والمعنوية، هذا التأييد الذي لا يمكن أن يكون من الله تعالى إلاّ لرسله الدالين عليه والمبلغين لشريعته ودينه بصدق.
في نقطة قال تعالى:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾
(سورة الكهف الآية: 51)
الله سبحانه وتعالى يستحيل في حقه أن يؤيد الضُلاّل, وأن يؤيد المضلين بمعجزات كمعجزات الأنبياء لو أنه فعل ذلك لضل عباده، فهذه المعجزات ليست من حق عامة الناس بل من حق أنبيائه المصطفين.
معنى النبوة والرسول والفرق بينهما:
1- النبوة لها معنيان في اللغة:

1- النبوة مأخوذة من النبأ:
جاء في النصوص الدينية إطلاق كلمتي النبي والرسول, فماذا تعني كلمة النبي, وماذا تعني كلمة الرسول ؟ في اللغة: النبوة مأخوذة من النبأ قال تعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾
(سورة النبأ الآية: 1)
يتساءلون عن النبأ العظيم " النبوة من النبأ " يعني هذا الإنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى و أنبأه بالحقائق فهو ينبئُ الناس بها, فالنبوة مشتقة من فعل " نبأ " أو " أنبأ "، والأصل مأخوذة من النبأ أي الخبر، فالنبي أنبأه الله عن أخبار السماء، وكلفه أن ينبئ الناس عن حقائق التوحيد، وحقائق التشريع فهو نبيّ, فالنبوة بشكل أو بآخر مقام علمي يعني هذا الإنسان باتصاله بالله المستمر بلغ مرتبة النبوة, بمعنى أنه عرف الحقائق المطلقة وعرّفها للناس قال تعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
(سورة النبأ الآية:1-2)
2- مأخوذة من النبوة:
أو مأخوذة من النَبوَة, والنَبوَة أي ما ارتفع من الأرض، كيف ارتفع هذا النبي الكريم ؟ ارتفع عن سائر الخلق وهو في الأفق الأعلى, هو في واد والناس في واد، الناس في همومهم وفي معاشهم وفي خلافاتهم وفي خصوماتهم، وفي جمع الدرهم والدينار، وفي الكسب الحرام، وفي الانغماس بالشهوات، وفي التنافس على حطام الدنيا, والنبي في معرفة الله وفي الإقبال عليه, وفي تعريف الخلق به, وفي خدمة عباده, وفي معرفة ملكوت السموات والأرض، نبأ عليهم بمعنى ارتفع عن مستواهم، ارتفع عن مشاغلهم و اهتماماتهم، وعن حطام الدنيا و شهوات الناس
" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلا مَا قُدِّرَ لَهُ "
( أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه)
فمعنى النبي أنه من النبوة: أي في مستوى سامٍ وراقٍ غير مستوى الناس.
من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره:
ما الذي يشغلك ؟ ما الذي يهمك ؟ ما الذي يعنيك ؟ ما الذي يخطر في بالك إذا فتحت عينيك في الصباح ؟ ما الذي يخطر في بالك, شراء البيت, بيع المحل, الذهاب لهذه النزهة ؟
" عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ "
(أخرجه ابن ماجه عن عمر بن سليمان في سننه)
النبي عليه الصلاة والسلام حينما دُعي إلى اللهو واللعب في سن الطفولة, قال صلى الله عليه وسلم:
" لم أُخلق لهذا "
( ورد في الأثر )
الإمام الغزالي رضي الله عنه قال: " إن ساعة واحدة تمضي في غير ما خُلقت له لجدير بك أن تكثر عليها حسرتك يوم القيامة " ساعة واحدة عاش 83 سنة، أمضى ساعة بلا فائدة, لعب فيها بالطاولة, حكى على الناس, ذهب إلى مكان لا يرضي الله, إن ساعة واحدة أمضيتها في غير ما خُلقت له لجدير بك أن تكثر عليها حسرتك يوم القيامة.
أيها الأخوة, لا تكونوا في صفوف الخط العريض من الناس, همهم بطنهم، قبلتهم نساؤهم، دينهم شهواتهم، عقيدتهم العادات والتقاليد, لذلك: أهل الدنيا يُسحقون إذا لاح لهم ما يهدد شهواتهم ونزواتهم ومتعهم الرخيصة, أما أهل الإيمان لا يصعقون إلا إذا خافوا على دينهم.
ينبغي على المسلم أن يأخذ العبر من نبيه و صحبه في شدة حرصهم على دينهم:
سيدنا عمر رضي الله عن عمر, كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ أُلهمت الصبر عليها ".
( قول مأثور )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/361/03.jpg
قل لي: ماذا يخيفك ؟ ماذا يجزعك ؟ المؤمن يخاف على دينه، يخاف على استقامته، يخاف أن يُجري الله على يده السوء أو الشر، هذا الذي يجزعه وعلى الدنيا السلام.
سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه: دخل عليه أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان قائد الجيوش الإسلامية في الشام دخلوا عليه غرفته، غرفة القيادة فإذا هي غرفة صغيرة عليها جلد غزال, وفي زاويتها قدر ماء غُطي برغيف خبز, وسيف عُلق على حائط الغرفة, فقيل لهذا الصحابي الجليل: ما هذا يا أبو عبيدة ؟ قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير, ألا يبلغنا المقيل ؟
أروع كلمة تأثرت لها, كلمة الإمام الغزالي " كل مالا يصحبك إلى الآخرة فهو من الدنيا " فاعتنِ بها ما شئت، لابد من أن تتركها, وكلما كانت مزدانة وعريضة وفخمة وراقية، كلما ازدادت حسرتك على فراقها, هـذا النبي العظيم، لماذا استحق أن يكون نبياً ؟ لماذا استحق أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى ؟.
هل كان اختيار النبي من دون حكمة وعلم وخبرة ؟
يتهم الناس أنَّ الله عزّ وجل اختص هذا النبي من عامة الناس, إنسان عادي جداً الله عزّ وجل اختصه بالنبوة وانتهى الأمر, إذا أنت معلم ابتدائي، وأردت أن تعين على أربعين طالب عريف ماذا تفعل ؟ تنتقي المجتهد, المتفوق, الأخلاقي شيء بدهي, ورب العزة يصطفي إنساناً من عامة الناس يجعله نبياً ! كلمة اصطفى " نقاه ", من معاني كلمة الاصطفاء: أن الله سبحانه وتعالى جعل النبوة في خير خلقه، جعلها في أشدهم حباً له, في أشدهم طاعة له, في أشدهم ورعاً، في أشدهم تمسكاً, لكن إيّاك أن تفهم أنك إذا بالغت في الورع, وبالغت في الاستقامة, وبالغت في المحبة صرت نبياً, لا, لذلك علماء العقيدة قالوا: النبوة ليست كسبية, وإنما هي هبة من الله سبحانه وتعالى, ولكن هذه الهبة مبنية على علم، وهذا الاصطفاء مبني على علم, لو فرضنا أننا نريد أن نعين لنا سفيراً في بلد أجنبي ما، ألا نختار إنساناً يتقن اللغة الأجنبية معه شهادة عالية ؟ هذا سيمثّل أمة, أمة بأكملها, فحينما تختار الحكومة إنساناً ليكون سفيراً أتختاره من الطريق ؟ هل تضع حاجزاً في الطريق, وتأخذ شخصاً, وتقول له: أنت سفير ؟ فكيف رب العزة ؟
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 132)
هؤلاء مصطفون أخيار, قمم الكمال البشري, أنت تلتقي بإنسان على جانب من الإيمان والورع فتُبهر به فتقول: والله لا مثيل له, فكيف لو التقيت بنبي ؟ " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ", النبي الكريم عليه الصلاة والسلام التفت إلى أحد أصحابه فرأى بيده خاتماً من الذهب فأعرض عنه, فمسك الخاتم ورماه في الأرض فقيل له: خذه وبعه فقال: لا والله ما كنت لآخذه بعد أن نهاني عنه النبي, أحبوه محبة فاقت حدّ التصور، أطاعوه طاعة فاقت حدود الخيال, الكمال البشري كله مجموع في النبي, الكمال البشري في العلم، والتواضع, والحلم، والرقة، واللطف، والرحمة، والعطف، والقيام بالحقوق، وأداء الواجبات، كان خلقه القرآن.
أردت من هذا الكلام هو أن اصطفاء الله عبداً من عباده بالوحي إليه, لكن اصطفاء الله على علم، هذا النبي الذي يمثل الحق قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 30)
النبي خليفة الله في الأرض، أيكون الخليفة على غير ما ينبغي ؟ مستحيل.
ما هو مقام النبي ومقام المؤمن عند الله ؟
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، كان في الطريق يمشي, فرأى سيدنا حنظلة يبكي قال له: ما لك يا حنظلة تبكي, قال: نافق حنظلة, قال: ولِمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنا الأهل والولد ننسى, كأنَّ سيدنا حنظلة شعر بنفسه أنه منافق, السبب هو في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام يكون في غاية السعادة، في غاية الطمأنينة، في غاية الأمل والسرور، قال لي بعضهم: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلاّ أن يكون أتقى مني, في هذا المسجد نشعر بالسعادة، بالطمأنينة، بالسرور، الإنسان يذهب إلى بيته فيجد العشاء متأخر، ابنه لم يحضر الخبز قد يغضب, هذه الأحوال الطيبة من السرور والطمأنينة، هذا الإقبال، هذا السمو، وعلى العكس الضعف و قلة الروحانية, فقال كذلك أنا يا أخي أنا مثلك, أما كذلك يا أخي, فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, لمّا حدثوه بما جرى قال عليه الصلاة والسلام: " نحن معاشر الأنبياء ( مقام النبوة ) ماذا يعني مقام النبوة ؟
" نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا "
( ورد في الأثر)
" يعني اتصال دائم بالله " أما أنتم يا أخي فساعة وساعة " ساعة إقبال وساعة غفلة، لا تقول: ساعة انقطاع حاشا لله، ساعة إقبال وساعة فتور, ساعة اتصال وساعة انفصال, فكل واحد منا بيعرف مقامه من هذه الطريقة واحد يُصلي خمس أوقات, هناك شخص يضبط معه صلاة الصبح مثلاً, أمّا الظهر خمسون خاطر في الصلاة, لا ينسى الله عزّ وجل, تدمع عينه بين الصلاتين, يفكر بآية كونية، يسمع قرآن, ربنا عزّ وجل وصف المؤمنين بأنهم على صلاتهم دائمون, يعني يغلب عليهم دوام الصلاة, لو أن هذا الدوام أصبح قطعياً لصاروا أنبياء حقاً.
النبي هو الذي لا ينقطع عن الله طرفة عين, لا في نوم, ولا في صحو, لا في ليل, ولا في نهار, لا في شدة ولا في رخاء, لا في غِنى, ولا في فقر, لا في الصحة, ولا في المرض, لا في النصر, ولا في الهزيمة عليه الصلاة والسلام، في أعقاب معركة هوازن هل انقطع عن الله ؟ أبداً، بأعقاب أحد هل انقطع عن الله ؟ أبداً، اتصاله بالله في الطائف كاتصاله بالله في أثناء فتح مكة, وهو في أوج النصر متصل، وهو في أشد الأوضاع حرجاُ متصل هذا النبي, هذا مقام الأنبياء الاتصال الدائم، لماذا اصطفاهم الله عزّ وجل ؟ لأنهم كانوا دائمي الاتصال بالله سبحانه وتعالى، أصبح السبب واضحاً لماذا اصطفاهم ؟ قال تعالى:
﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة الدخان الآية: 32)
أصبح السبب واضحاً فنحن ساعة وساعة، أما النبي الكريم لا شيء في الدنيا يشغله عن ذكر الله، وكذلك أصحابه الكرام هم على مستوى رفيع جداً قال تعالى:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
(سورة النور الآية: 37)
2- ما معنى الرسول ؟
الرسول في اللغة: هو التوجيه بأمر ما، فالرسول هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه. في الاصطلاح الشرعي: تكليف الله نبياً من أنبيائه لتبليغ شريعته للناس. فكل رسول يجب أن يكون نبياً وليس العكس قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 33-34)
هؤلاء الذين اصطفاهم الله عزّ وجل هم من بني البشر من طينة واحدة ولكنهم تفوقوا, لو أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم إمكانات خاصة فاقوا بها الناس، لما كان لهم الفضل في تفوقهم, يعني إذا كان طالب أعطيناه الأسئلة, فأخذ علامة تامة, فكان الأول, هل هذه ميزة ؟ أما إذا كان ظرفه مشابهاً لظرف جميع الطلاب لا يعلم الأسئلة, وقد أخذ العلامة المتفوقة هذا تفوق " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً "
( ورد في الأثر)
أنا من طينتكم, رُكبت فيّ الشهوات التي رُكبت فيكم, لكنه فاق بني البشر, " محمدٌ بشر وليس كالبشر فهو جوهرة والناس كالحجر " قال تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة النمل الآية: 59)
كلمة اصطفاء تتكرر في أكثر الآيات, هناك اصطفاء بالنبوة, والآن اصطفاء بالرسالة، والدليل القاطع:
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 144)
الإنسان يأخذ الدكتوراه هذه مرتبة علمية، وأيام يتعين عميد كلية هذه مرتبة إدارية, لكن لا يُعقل أن يكون عميد الكلية إلا أن يكون دكتوراً في الأساس, فالنبوة مقام التلقي، والرسالة مقام الإلقاء, ويبين الله لنا اصطفاؤه الرسل من الملائكة أيضاً, اصطفى الله عزّ وجل من الملائكة رسلاً لإبلاغ الوحي للأنبياء, واصطفى رسلاً من بني البشر لإبلاغ كلامه للناس قال الله:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
( سورة الحج الآية: 75)
ويقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 124)
في معرض التنديد بأكابر مجرمي القرى، الذين تعنتوا فقالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله, في الرد هنا دلالة على أن الرسالة لا تكون إلا لمن اصطفاهم الله لحمل رسالته:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾
(سورة الزخرف الآية: 31)
[ رجلٍ القريتين ] وهو من الأغنياء و من الوجهاء هذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى, هو الذي يختار لأنه يعلم ما عند العباد من صدق في الإقبال، ومن استقامة في المعاملة، ومن حبٍ، ومن ولاء, ومن اهتمام.
هناك موضوعات تتعلق بموضوع النبوة سوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله, سأعرض عليكم نموذجاً منها، النبوة والرسالة فيضٌ إلهي، النبوة شيء والرسالة شيءٌ آخر هذا موضوع الدرس القادم.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و العشرون )




الموضوع :الإيمان بالأنبياء والرسل




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل:
1- أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني:
كان الدرس الماضي متعلقاً بوجوب الإيمان بالأنبياء والرسل، وبيّنا كيف أن الإيمان بالرسل وبالأنبياء من أركان العقيدة ؟ وكيف أنّ الإيمان بالرسل والأنبياء من العقائد التي يجب العلم بها بالضرورة, فلو أنّ الإنسان لم يؤمن بالرسل والأنبياء كان كافراً, فهذه العقائد الأساسية لذلك يسمى علم العقائد علم أصول الدين, الدين له أصول وله فروع فالإيمان بالرسل من أصول الدين.
هناك استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل:
الاستنباط الأول: هو أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني, بمعنى أن النبوة والرسالة ليستا كسبيتين إنما هما هبة من الله سبحانه وتعالى, ولكن بعض الناس يتوهمون أن هذه الهبة إنما تُمنح لأي إنسان, هذا الذي أريد أن أعلق عليه, أن الإنسان لو فعل شيئاً معيناً لا يكون نبياً إلاّ أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى, لكن الله حينما يصطفي هذا الإنسان ليكون نبياً يصطفيه من قمم البشر.
البشر متنوعون لهم قمم, الأنبياء قمم في الإنسانية, هذا الإنسان الذي أقبل على الله إقبالاً مستمراً، الذي تنام عينه ولا ينام قلبه هذا الإنسان من هذا المستوى, يصطفي الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله, فكلٌ من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني، وأن أيّا منهما لا يكون أمراً مكتسباً يكتسب بالاجتهاد والرياضة, لذلك لو أتيح لواحد منّا أن يلتقي بنبي كيف قال بعض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سحر أصحابه ؟ سحرهم بماذا ؟ بخلقه الرفيع، بأخلاقه السمحة, بتواضعه، بعدلـه، برحمته، بلطفه، بمحبته للخلق، بحلمه، بحبه للخير, هذه الأخلاق الرفيعة تؤكد أن النبوة اصطفاء بمعنى انتقاء.
2- أن كلاً من النبوة والرسالة وصفهما مغاير للآخر:
الشيء الثاني: أن الوصف بالرسالة مغاير للوصف بالنبوة, هناك نبي وهناك رسول ويشهد بذلك وصف الله بهما معاً, وفي هذا إشعار بتغاير مفهوميهما في الاصطلاح الشرعي ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية: 51)
الرسالة مقام، والنبوة مقام آخر, كما يشهد بذلك آية قرآنية ثانية قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة الحج الآية: 52)
3- الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة:
الشيء الثالث: يُستنبط من كتاب الله حول النبوة والرسالة أن الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة, فلا يتم الاصطفاء بالرسالة إلا لمن تم اصطفاؤه بالنبوة, كل رسول نبي وليس العكس, لا يمكن أن يكون الرسول إلا نبياً, ولكن النبي ليس بالضرورة هو رسول، يدل على ذلك نصوص عديدة منها قوله تعالى في سورة الزخرف:
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾
(سورة الزُخرف الآية: 6)
فالنبي موجود قبل إرساله قال الله:
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 6)
وفي حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 45-46)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/367/01.jpg
يعني إذا كان باب النبوة قد أُغلق، وباب الرسالة قد أُغلق، فالنبي عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين قال الله:
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 6)
وآية:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 45)
هاتان الآيتان تشيران إلى أن النبوة تكون متحققة أولاً, ثم يأتي بعدها الإرسال, ونستطيع من هذا أن نفهم أنه قد تمر على النبي فترة الاصطفاء بالوحي قبل أن يؤمر بالتبليغ, النبي الرسول قد يأتي عليه حين من الدهر يكون في هذا الحين نبياً وليس رسولاً، ثم يؤمر بالتبليغ فيصبح عندئذٍ رسولاً, النبي عليه الصلاة والسلام ربنا سبحانه وتعالى خاطبه فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾
( سورة المدثر الآية: 1-2)
يروى أن سيدنا رسول الله حينما نزلت عليه هذه الآية, ألقى عن نفسه الدثار وقام للتبليغ, فطلبت منه السيدة خديجة رضي الله عنها أن يبقى في الفراش فقال كلمة: لا يعرفها إلا من ذاقها قال: يا خديجة انقضى عهد النوم.
ينبغي على المسلم أن يتنافس على درجات الآخرة:
لكن هناك مقامات كثيرة مفتحة: مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هذا مفتوح، مقام أن تكون عالماً ربانياً،
" يا بني الناس ثلاث: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فأحذر يا كميل أن تكون منهم "
( قول مأثور )
مقام العلم الرباني موجود في كل زمان قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة النحل الآية: 43)
أهل الذكر هم العلماء, فمن أراد النجاة من النار عليه أن يستقيم، لكنه من أراد مراتب عليا في الجنة عليه أن يكون من السابقين قال الله:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
( سورة الواقعة الآية: 10-11)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/367/02.jpg
ما أجمل أن يكون الإنسان طموحاً في طريق الجنة, لا يرضى بالمرتبة الدنيا, لا يرضى أن يكون من الناجين، يسعى إلى أن يكون من المتفوقين لقوله تعالى:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
( سورة المطففين الآية: 26)
هذا هو التنافس الذي يحبه الله سبحانه وتعالى.
أنا أتمنى من أعماقي أن أرى فيكم أناساً كثيرين يطمحون لا إلى النجاة من النار, ولكن إلى بلوغ أعلى الدرجات في الجنة, إذا كان باب النبوة والرسالة قد أُغلقا, فإن باب الولاية مفتوح إلى يوم القيامة:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
(سورة يونس الآية: 62)
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
( سورة يونس الآية: 63)
لا ينبغي أن تُمضي حياتك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تهلك شبابك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تسخر طاقاتك وإمكاناتك ومالك إلا في مرضاة الله, إن فعلت ذلك فأنت الرابح، أنت الناجح:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 1-2)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
( سورة الأعلى الآية: 14-15)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/367/03.jpg
إذا عرفت طريق الفلاح، وطريق الفوز فأنت من السعداء، قال تعالى:
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 71)
فإذا شعر الطائع أنه محروم فهذا جهل منه، وجهل بما عنده
"من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ماعظمه الله "
( ورد في الأثر)
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
( سورة يوسف الآية: 22)
إذا سألتني عن أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض, أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض، قلت لك: أن يقال له: رضي الله عنه, من فاز برضاء الله سبحانه وتعالى فقد حقق أعلى مرتبة على وجه الأرض، المؤمنون هم ملوك الدار الآخرة:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة القصص الآية: 83)
فهذا التعليق, أنه باب الولاية مفتوح, باب أن تكون من السابقين مفتوح, ربنا هو رب موسى وهارون موجود, رب إبراهيم موجود, رب محمد موجود, ربّ أصحاب محمد موجود، باب الطاعات مفتوح, باب المجاهدة مفتوح, لذلك: إن الله يحبكم إذا تنافستم في طاعته.
ينبغي على المسلم أن لا يتنافس على الدنيا:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/367/04.jpg
أما التنافس على حطام الدنيا على متعها، على شهواتها، على زخرفها، على مكاسبها، على مالها، على بيوتها, على بساتينها، على مركباتها، على حيازة الأموال الطائلة فيها, فهذا التنافس يُبغضه الله سبحانه وتعالى قال الله:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
( سورة الصافات الآية: 61)
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
( سورة يونس الآية: 58)
قل لي: ما الذي يفرحك, أقل لك: من أنت, من فرح بالدنيا ولو أنه اكتسبها من طريق مشروع، فرحه بالدنيا ماذا يعني ؟ أنه لا يعرف مهمته في الحياة, من فرح بالمال الذي اكتسبه بطريق مشروع، لا يعرف المهمة التي خُلق من أجلها، وليس متحققاً من أنه لابد من مغادرة الدنيا, ولن يأخذ معه إلا العمل الصالح, فرعون ماذا أُعطي ؟ قارون ماذا أُعطي ؟ قد يُعطي الله سبحانه وتعالى المال لمن لا يُحب فقارون:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
( سورة القصص الآية: 76)
لا يُحب الفرحين بالدنيا, يُحب الفرحين برضوان الله عزّ وجل.
اسأل الله عن حاجتك:
إذا فتحت عينيك الساعة الرابعة والنصف، وبقي لأذان الصبح ثلاثة أرباع الساعة, هل تنزع عنك الغطاء وتقول: قم صلّ قيام الليل, قم ناجِ ربك في هذا الليل ؟
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 78-79)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/367/05.jpg
فالمقام المحمود يأتي من التهجد في الليل، والمقام المحمود يأتي من العمل الصالح, شيئان يرفعانك عند الله سبحانه وتعالى: عملك الصالح وتهجدك في الليل
" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ "
(أخرجه مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة في صحيحه)
هذه نصيحتي لكم: من كانت له عند الله حاجة, فليصلِ قيام الليل, وليسأله حاجته في السجود, خالق الكون يقول لك: هل لك من حاجة عندي ؟
لا تسألنّ بنيّ آدم حاجــة وسل الذي أبوابه لا تغـلـقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم إن من يسأل يغضب
" عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ "
(أخرجه الترمذي عن ثابت البناني في سننه)
اسأله:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾
( سورة غافر الآية: 60)
فما لك حاجة عند الله, حاجة في الدنيا أو في الآخرة ؟ انقضى عهد النوم يا خديجة قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾
( سورة المدثر الآية: 1-2)
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
( سورة المائدة الآية:67)
4- هناك خصوص في النبوة:
الاستنباط الرابع: من الآيات الكريمة فيما يتعلق بالنبوة, أن الله سبحانه وتعالى قد يقتصر على الاصطفاء بالنبوة بالنسبة لبعض الأنبياء, هناك أشخاص اصطفاهم الله ليكونوا أنبياء فقط, دون أن يأمرهم بتبليغ رسالته, وهؤلاء يمكن أن نسميهم أنبياء لا رسلاً, وعلى هذا فتكون مهمة النبي الذي لم يؤمر بتبليغ رسالة, العمل والفتوى بشريعة رسول سابق, النبي الذي لم يُكلف برسالة يبين للناس ما نُزّلَ إليهم سابقاً, يعمل ويفتي برسالة رسول سابق, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "
( ورد في الأثر )
يعني ما من عالم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يأتي بجديد:
" عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَبَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيًّا وَلَمْ يُنْزِلْ بَعْدَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَلالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاصٍّ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْكُمْ غَيْرَ أَنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا ألا وَإِنَّهُ لَيْسَ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَلا هَلْ أَسْمَعْتُ "
(أخرجه الدارمي عن عبيد الله بن عمر في سننه)
القرآن كلام الله, والسنة المطهرة ودور العلماء توضيح كتاب الله وتوضيح السنة المطهرة, أما أن يأتوا بجديد فهذا مستحيل, لأن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل من حيث الوظيفة لا من حيث المرتبة, النبي نبي, والعالم عالم, لا يرقى الولي إلى مرتبة النبي, العالم ليس معصوماً لكن النبي معصوم، قال الله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 246)
هذا النبي لم يُذكر اسمه في القرآن الكريم, بعض المؤرخين يقولون: إنه صموئيل نبي أرسله الله لبني إسرائيل وليس رسولاً, معنى أرسله يعني كان بينهم، أما معنى أعطاه الرسالة كلفه بكتاب من عند الله.
خلاصة الدرس:
من ذلك يتبين لنا أن كل رسول نبي، ولا يلزم أن يكون كل نبي رسولاً, وبالنظر إلى هذه الأمور السابقة التي نلاحظها في نصوص القرآن حول الفرق بين النبي والرسول, ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية التي تتعرض إلى ألقاب الرسول والرسل, والرسالة، إذ تقترن بالمهام المتصلة بتبليغ الشريعة، ودعوة الخلق إلى الحق, كما ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية، التي تتعرض إلى ألفاظ النبي والنبيين والنبوة، إذ تقترن بالأحوال والصفات والأحكام الخاصة المناسبة لمعنى النبوة الذي شرحناه وهو الاصطفاء بالوحي, هذا الفرق الدقيق بين النبي والرسول هو ما عليه جمهور العلماء, وجمهور أهل التوحيد, وهناك آراء أخرى لا مجال لذكرها في هذا الدرس, وينبغي أن يكون المسلم الحق مع من ؟ مع جمهور العلماء, مع الأكثرية.
هذا ملخص الموضوع وسوف ننتقل في الدرس القادم إلى حاجة الناس إلى الرسل, هل هم بحاجة ماسة إلى الرسل ؟ قال سيدنا علي كرّمَ الله وجهه يجيب أحد السائلين عندما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله أو قدر ناله ؟ ويحك لو كان قضاءً لازماً, وقدراً حاتماً إذاً لبَطَلَ الوعد والوعيد, ولانتفى الثواب والعقاب، إنَّ الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّفَ يسيراً، ولم يُكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولو أنَّ الأمر كذلك, لكانَ إرسال الرسل عبثاً، فالرسل لهم مهمة كبيرة جداً هذا ما نبحثه إن شاء الله في الدرس القادم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس و العشرون )




الموضوع :حاجة الناس للانبياء والرسل



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مهمة الأنبياء في الأرض:
1- دورهم في توعية البشر بأن عرفوا الناس بربهم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/01.jpg
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان بالرسل إلى الحاجة إلى الرسل، وكون مهمتهم لا تتحقق بغيرهم الذي تعرفونه أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(سورة الذاريات الآية: 56 )
يعني علة الخلق أن نعبده, سبب وجودنا على هذه البسيطة أن نعبده, والعبادة لا تكون إلا بعد أن نعرفه, وإذا عبدناه سعدنا به في الدنيا والآخرة, وقد قلت لكم في درس سابق: إن العبادة في أدق تعريفاتها: طاعة طوعيه تسبقها معرفة يقينية، وتفضي إلى سعادة أبدية, فمن أجل أن نعرفه جاء الأنبياء ليلفتوا نظر البشر إلى ربهم, ليّعرفوا الناس بخالقهم ليبصروهم بحقيقة وجودهم, فكيف نعرفه من دون دليل؟ وهل يقوم تعليم من دون معلم؟ وهل تنشأ مدرسة من دون أساتذة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/02.jpg
فمن أجل أن نعرفه لابد لنا من معلمين, والمعلمون هم الأنبياء هؤلاء عرّفونا بربنا, ذكرونا بآياته التي بثها في السموات الأرض, عرفونا بمهمتنا, بينّوا لنا ما نحن فيه، وإلى أين المصير, فهؤلاء الأنبياء بمثابة المعلمين في المدارس، لا تقوم المدرسة إلا على أكتاف المعلمين لا البناء له قيمة, ولا المقاعد لها قيمة، ولا السبورة لها قيمة، ولا المكتبة لها قيمة، ولا أي موظف آخر له قيمة إن لم يكن في هذه المدرسة المعلم, أساس المدرسة المعلم.
فلذلك: مهمة النبي في قومه، مهمة إرشادية تعليمية, فالناس بحاجة ماسّة إلى معلم, لابد من أن نعرفه حتى نعبده, كيف نعرفه؟ كان الأنبياء والرسل، والدعاة والعلماء من بعدهم مصابيح للناس, العلماء مهمتهم تبعية: هم نواب عن الأنبياء في تبليغ الناس الحق, فالأصل هم الأنبياء هم المعلمون الذين أوكل الله إليهم تعليم الناس.
2- معرفة أوامر الله ونواهيه تكون بوساطة الأنبياء:
لو أنّ أحداً قال لك: أنا مستعد لطاعة الله عزّ وجل، أين أمره؟ هل كنّا نعرف أمره, لولا النبي عليه الصلاة والسلام؟ الأنبياء لهم دور آخر بينوا أوامر الله, إذا كانت علة الخلق أن نعرفه فنعبده فنسعد بقربه, فالأنبياء عرفونا بربنا أولاً، وبينوا أوامره ونواهيه ثانياً, جاء الأنبياء بالأوامر والنواهي بمنهج قوامه افعل ولا تفعل, هذا المنهج هو العبادة، في كل علاقاتك، في بيتك، في طعامك، في شرابك، في نومك، في قضاء حاجتك، في علاقتك بزوجتك, في علاقتك بأولادك، في علاقتك بجيرانك، في علاقتك بمن حولك، في علاقتك بمن تتعامل معهم، هذا المنهج الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو العبادة، فكيف نعبده ولا نعرف أمره؟ عن طريق مَنْ جاءنا أمره ؟ عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام, النبي كان وسيطاً بيننا وبين ربنا؟ قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 35)
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة التوبة الآية: 103)
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 56)
3- ما هي الوسيلة التي تقربك بها إلى الله ؟
بعد أن عرفته, وبعد أن عبدته, الآن لك أن تقبل على الله عزّ وجل بمعيته:
"عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "
(أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه)
النبي عليه الصلاة والسلام باب الله, ولا يدخل المرء على الله عزّ وجل إلا من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم, من هنا كان قوله تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
( سورة الأحزاب الآية: 56)
فهذا المنهج الرباني المبني على أسس ثلاثة: المعرفة والعبادة والسعادة, النبي عليه الصلاة والسلام في كل مرحلة هو الأصل فيها, إذن حاجتنا للنبي ولكل الأنبياء حاجة أساسية وحاجة مصيرية.
4- معرفة الخير والتحذير من الشر يكون عن طريق الأنبياء:
كلكم يعلم, أن علّة الخلق أيضاً الابتلاء قال الله:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة المُلك الآية: 2)
إذن نحن مبتلون:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 30)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/03.jpg
يعني تستطيع أن تقول: إن جوهر الحياة الدنيا أن ينكشف الإنسان على حقيقته, الصالح والطالح، الخيّر والشرير، المعطاء والبخيل، الرحيم والقاسي، المقسط والظالم، فالابتلاء علّة الوجود، وعلّة أخرى أن ينكشف الإنسان على حقيقته قال الله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-3)
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة القصص الآية: 50)
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾
( سورة العلق الآية:9-12)
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
(سورة العلق الآية: 14)
فما دامت العلة هي الابتلاء، فمن الذي يبين لنا طريق الخير والشر؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام, كتاب شهير اسمه " الترغيب والترهيب " هو من أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام, كل أمر من أمور حياتنا كيف رغبّ به النبي؟ وكيف رهبنّا منه؟ رغبنا في الطاعة ورهّبنا من المعصية, فالترغيب والترهيب أساس من أسس هذا الكتاب لذلك كان عنوانه الترغيب والترهيب.
فالوجه الآخر من أحقية النبي عليه الصلاة والسلام، هو أن علّة الحياة الابتلاء قال الله:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴾
( سورة الملك الآية:2)
وهذا الابتلاء يقتضي أن تُعرّف المبتلى بالخير وبالشر, أن تُعرّفه بالخير حتى يأتيه، وأن تُعرّفه بالشر حتى يجتنبه، من أجل يسلك طريق الخير، وأن يحيد عن طريق الشر, فمهمة النبي عليه الصلاة والسلام: تعريفٌ بالخير وبيان طريقه وترغيب فيه، وتعريف بالشر وبيان طريقه وتحذير منه قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 168)
خطوات الشيطان طريق الشر قال الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 32)
لم يكن النهي عن الزنا, بل كان النهي عن الاقتراب من الزنا, فللخير طريق وللشر طريق:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾
( سورة الحجرات الآية:7)
ما هي علة إرسال الرسل إلى البشر ؟
لولا أنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ليعرفّوا الناس بالخير وبالشر، لكانت الحجة مع الناس وليست مع الله عزّ وجل, هكذا قال الله عزّ وجل:
﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 165)
لِئلا يكون على الله حجةٌ بعد الرسل, امرأة في أول لقاء مع زوجها قالت له: إنني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب وما تكره, فقل لي: ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه, فكيف الله عزّ وجل؟ يحاسبنا يوم القيامة ولم يبين لنا أوامره ونواهيه! لذلك قال تعالى:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
(سورة الشمس الآية: 8)
إيّاكم أن تفهموا هذه الآية كما يفهمها بعض الناس, ألهمها أن هذا العمل فجور, وألهمها أن تفجر, حاشا لله أن يُلهم الله عزّ وجل إنساناً أن يفجر, يعني كأن تجد ابنك في طريق غير صحيح, وتقرّع آذانه ليلاً نهاراً, يابني أنت مخطئ, أنت في طريق الهاوية, أنت في طريق الدمار, الأب يُلهم ابنه الفجور، ويبين له أنه يفجر, فربنا عزّ وجل كيف يحاسبنا قبل أن يبين لنا؟ عن طريق من بين لنا؟ عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام, كيف نعرف الله إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 45-46)
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
( سورة الحشر الآية: 7)
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾
(سورة النساء الآية: 80)
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 65)
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
( سورة طه الآية: 134)
قوم فعلوا الفاحشة, فاستحقوا الهلاك فأهلكهم الله عزّ وجل:
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
( سورة طه الآية:134)
إرسال الرسل لإقامة الحجة على البشر، حينما ينبّه الأب ابنه مرات عديدة على مسمع من إخوته وأمّه، ويحذّره مغبة عمله، وبعد ذلك يقع هذا الابن في سوء عمله وفي شرّ عمله، ويدفع الثمن باهظاً, لا يستطيع أن ينطق بكلمة.
كيف ترقى إلى الله ؟
كما قلت لكم: أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان, وخلق في الإنسان استعداداً للخير والشر, استعداداً للضلال والهدى, مثل بسيط: هذه السيارة صُنعت ويمكن أن تنقلك إلى حيث تريد, ويمكن أن تدمر صاحبها, إذا أُحسن قيادتها تنقله إلى حيث يريد، فإذا قادها إنسان جاهل قضت عليه وسببت هلاكه, فهذه السيارة فيها إمكانية الخير والشر, إمكانية أن تنقلك إلى أي مكان تريد, وإمكانية أن تنهي حياة صاحبها إذا كان جاهلاً, خلق الله الإنسان فيه الشهوات, هذه الشهوات حبّ الطعام, الحاجة إلى الطعام، الحاجة إلى بقاء النوع، بقاء الفرد يحتاج إلى طعام، بقاء النوع يحتاج إلى زواج، والحاجة إلى بقاء الذِكر, كل إنسان يحب أن يكون له أهمية، هذا دافع أساس بالإنسان, إنسان يثبت قيمته من خلال عمله, إنسان يثبت قيمته من خلال إيقاع الأذى بين الناس, على كلٍ الإنسان له أهمية, إما أنه يُرجى خيره، أو يُتقى شره, ففي الإنسان ميول فطرية فهناك حاجات أو دوافع أو غرائز, هذه مسميات لأشياء واحدة بشكل أو بآخر الشهوات قال الله:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/04.jpg
الله سبحانه وتعالى ركّب فينا هذه الشهوات لنرقى بها إلى ربّ السموات، لولا هذه الشهوات التي رُكّبت فينا لما كانت جنة, لولا الشهوات لما كنت شيئاً تستحق الذكر, كيف ترقى إلى الله؟ لو أن المال لا قيمة له عندك, لو أنفقت مئة ألف لا ترقى, لأن الله سبحانه وتعالى أودع في قلبك حب المال, فإذا أنفقت المئة ليرة وأنت في أمس الحاجة إليها، ارتقيت إلى الله عزّ وجل, كيف ترقى إلى الله إن لم يكن في قلبك حب للنساء، ليس في الأرض كلها تشريع يحظر عليك ألا تنظر إليها؟ من يحاسبك؟ أنت في الطريق, امرأة مزينة من يمنعك أن تنظر إليها؟ قد تكون في غرفتك والنافذة مفتوحة, تُفتح نافذة بيت الجيران تُطل منها امرأة، من الذي يدري من العالمين أنك تنظر إليها؟ لا أحد، فإذا غضضت الطرف فهذا يؤكد أنك مخلص لله عزّ وجل, لأن هذا العمل لا يفعله إلا المخلص, خلق في نفسك حب الطعام وقال لك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 183)
تدخل الحمام في أيام الصيف, وأنت صائم, وتفتح صنبور المياه الباردة من الذي يمنعك ألا تشرب؟ لولا هذه الشهوات لما ارتقيت إلى رب السموات, لولا أنك تعطش وتجوع، وتحب الجمال والمال، وتحب العلو في الأرض, لما ارتقيت إلى الله عزّ وجل قال الله:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
( سورة النازعات الآية: 40-41)
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾
(سورة الزُمر الآية: 74)
بعض العلماء حاروا في هذه الآية " الأرض " أية أرض هذه؟
﴿أَوْرَثَنَا الأَرْضَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 74)
ما علاقة الأرض بالجنة؟ قالوا: حينما دخل أهل الجنة الجنة، وسعدوا فيها، عرفوا أنه لولا أنهم كانوا في الأرض، ولولا أن الله أودع فيهم الشهوات, لما كانوا في الجنة, هذه الشهوات التي خلقها الله فينا سبب لرُقينا، وسبب لسعادتنا, وسبب لدخولنا الجنة.
من الذي يدلك على كيفية ممارسة الشهوات وفق نظامها الصحيح ؟
هذه الشهوات إما أن ترقى بها إلى رب السموات, وإما أن تكون سبباً في شقاء الإنسان مثال بسيط: هذا الوقود سائل كالماء مثلاً, هذا البنزين فيه طاقة لو أنك أخرجت هذا السائل وصببته على محرك السيارة، وأعطيته شعلة من النار، لاحترقت السيارة, أما إذا سار هذا السائل من المستودع في الأنابيب الدقيقة المحكمة المخصصة له إلى جهاز التنظيم، إلى غرف الاحتراق دُفعت هذه المكابس دار الساعد حرّك السيارة, فبين أن يكون البنزين قوة محركة، وبين أن يكون قوة مدمرة, كذلك الشهوة إما أن تكون هذه الشهوة قوة محركة إلى الله عز وجل، وإما أن تكون هذه الشهوة قوة مدمرة, من الذي يعرفنا كيف نمارس هذه الشهوات في الطعام والشراب؟ جاءت الأحاديث الكثيرة في الاعتدال في الطعام والشراب:
" قَالَ سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا ملأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثُ طَعَامٍ وَثُلُثُ شَرَابٍ وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ "
(أخرجه الإمام أحمد عن المقداد بن معدي كرب الكندي في مسنده)
كيف نحقق شهوة بقاء النوع؟
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 5- 7)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/05.jpg
من الذي يبين لنا كيف نستفيد منها؟ الأنبياء, هل تعرف أنت أنه لا يجوز أن تتزوج أختك من الرضاعة إلا بعد نزول الشرع على هذا النبي الكريم؟ واحد يتسامر مع إنسان قال له: عندي أول ولد أعمى, والثاني كسيح, والثالث معه هشاشة في العظام قال له: عجيب! سأله ما السبب؟ قال له: ليس هناك سبب, قال: ليس من الممكن, لابد من سبب, أجابه: أخذت أختي من الرضاعة, إنه الشرع مبني على أُسس علمية, من الذي أخبرنا أن العمة، والخالة، وابنة الأخ، وابنة الأخت لا يجوز الزواج منهن قال الله:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 23)
معظم حالات الزنا في أوروبا وأمريكا, تتم بين الأقارب وبين المحارم, العدوان على الأخت والبنت شيء مألوف جداً في المجتمعات الغربية, هذا الشرع يبين لك كيف تمارسها، لذلك الشهوة من الذي يُبيّن لك كيف تمارسها؟ النبي عليه الصلاة والسلام، من الذي يقول لك: يجب أن تبتعد عن زوجتك في الحيض أكثر من سبعين مرضاً ينشأ عن لقاء الزوجة في أثناء الحيض؟ قال الله:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 222)
هذه الشهوة سلاح لك أو عليك، قوة محركة أو مدمرة, نافعة أو ضّارة, من الذي يبين لك وجه استعمالها ؟ الأنبياء, إذن نحن بحاجة ماسة إلى الأنبياء.
5- القدوة الحسنة:
الحق مهما كان ناصعاً، ومهما كان واضحاً، ومهما كان منطقياً، ومهما كان متماسكاً، ما دام الحق كلاماً بكلام لا يطبقه الإنسان إلاّ أن يجد إنساناً أمامه مطبقاً للحق, هذا اسمه الأسوة الحسنة, أي القدوة الحسنة قال الله:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب الآية:21)
مثل واحد أنفع للناس من عشرة مجلدات, الناس لا يصدقون إلا المثل الحيّ, النبي الواحد بخلقه وجهاده أهدى للبشرية من آلاف الكتب الذين تكلموا بالفضائل في بطون المجلدات, الناس يتعلمون بعيونهم ولا يتعلمون بآذانهم, فالأنبياء عليهم صلوات الله هم المثل العليا، والقدوة الحسنة للبشر, ما الذي يحملك على أن تستقيم؟ ما الذي يحملك على غضّ البصر؟ أسرع طريق إلى نشر الحق القدوة الحسنة, فالأنبياء كانوا قدوة حسنة قال الله:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة الآية: 128)
" ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً " لماذا أحبوه؟ لأنه كان أرحم بهم من أنفسهم.
" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ كُلِّ ثَلاثَةِ نَفَرٍ بَعِيرٌ وَكَانَ زَمِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ قَالَ وَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالا لَهُ ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ فَيَقُولُ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا "
( ورد في الأثر )
" كانوا في نزهة أو غزوة، لا أدري, قال أحدهم: عليّ ذبحها " الشاة ", وقال الثاني: عليّ سلخها, وقال الثالث: عليّ طبخها, قال صلى الله عليه وسلم: وعليّ جمع الحطب, فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله, قال: أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه "
( ورد في الأثر )
أسوة حسنة. خلاصة الدرس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/368/06.jpg
الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ليعرفّوا به, وليبينوا أوامره ونواهيه، وليكونوا وسطاء في الإقبال عليه, وأرسل رسله أيضاً كي يبينوا للناس الخير من الشر، وطريق الخير من طريق الشر، ويُحببوا الناس بالخير, ويُبغضوا الناس بالشر, وأرسل رسله ليعّرفوا الناس بأن هذه الشهوات التي أودعها الله في البشر, كيف يأخذون خيرها, ويجتنبون شرها, إنها قوة محركة أو مدمرة, لولا الشهوات لما ارتقى الإنسان إلى ربّ السموات, وفي الوقت نفسه قد تكون الشهوة مدمرة لصاحبها, وهذا ما حصل مع أوروبا ودول الغرب, إنهم عدّوا الشهوة كل شيء في الحياة فدُمروا من أجلها, مرض الإيدز, هذا المرض سببه الانحراف الأخلاقي, كل العلاقات خارج الحياة الزوجية, الزنا وما شابه الزنا, المخدرات وما شابه المخدرات, فهذا المرض يفتك بالناس بسرعة فائقة، بل إن منظمة الصحة العالمية قالت قبل يومين: إن كل الجهود التي بُذلت من أجل القضاء على هذا المرض باءت بالفشل, من الذي يبين للناس أن هذه الشهوة استعملوها في في الزواج فقط؟ الأنبياء, طبعاً شهوة المال أيضاً وكل الشهوات, الأنبياء بيّنوا الحقائق العلمية، من الذي نهانا؟ كيف نُهينا عن اقتراب النساء بالمحيض ؟ الشرع الذي أُنزل على النبي الكريم, هذه الحقائق علمية.
لا بد للهدى من مُثل عليا, من قدوة صالحة, فالأنبياء بعصمتهم, لو أنّ النبي فعل غلطة واحدة لسقطت عصمته وذهبت مكانته, من فضل الله عزّ وجل أن الأنبياء معصومون عن الخطأ, لذلك كانوا قدوة ومُثلاً عليا لبني البشر, فنحن بحاجة ماسة إلى الأنبياء, هذا بحثٌ علمي عن وجه الحاجة إلى الأنبياء والرسل, والإيمان بالأنبياء والرسل حقٌ يقيني من لوازم العقيدة، بل إنه من العقائد التي يجب أن نعلمها بالضرورة, والآن بينّا لماذا كان الأنبياء, و لماذا أرسل الله الأنبياء والرسل لبني البشر؟.
استشكال ورد:
كثير مع التوضيحات الدقيقة يبقى أُناس لا يُحسنون الفهم أحياناً، في موضوع الجن أنا ذكرت أنه من يتعاون مع الجن لإضلال البشر فهو كافر لإيهام البشر أنه يعلم الغيب, مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، إذا كان سيد الأنبياء, و حبيب الحق لا يعلم, ولا يملك الضر والنفع, فهل يستطيع إنسان على وجه الأرض بمعاونة الجن أن يعلم الغيب؟ قال الله:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
( سورة سبأ الآية: 14)
يبدو أنَّ بعض الأخوة, فهموا أنهُ إذا كان إنسان رجل دين له صِلة بالله عزّ وجل، له إقبال على الله عزّ وجل، له مكانة عند الله عزّ وجل, والتقى بإنسان مسحور وقرأ له القرآن, وتوجّه إلى الله عزّ وجل كي يشفى فشفي، هذا ليسَ من عمل الجن، هذا من عمل التوحيد، لم أذكر أن هذا العمل غير صحيح، أنت إن كنت قريب من الله, وقرأت القرآن لتُخلّص هذا المسحور من سحره أو أذّنت أو كبرّت هذا من السُنة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع و العشرون )




الموضوع :مهمة الرسل


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وظيفة الرسول:
1- تبليغ الشريعة الربانية للناس:
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع متعلق الإيمان بالرسل وهو وظائف الرسول ومهماته, فأول وظيفة من وظائف الرسول هي تبليغ الشريعة الربانية للناس قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
فمهمة التبليغ هي المهمة الأولى للرسول، هذه المهمة تقتضي الأمانة فينبغي أن يبلغ النبي والرسول ما أنزل إليه من ربه من دون زيادة أو نقصان أو تحريف, الذي أُنزل إليه من ربه يجب أن يُبلغ بالتمام والكمال, ويجب أن يبلغ على الوجه الذي أُمر به من دون تغيير أو تبديل أو كتمان، فإن كانت نصوصاً منزلة من عند الله فعليه أن يبلغها كما أنزلت - هذا هو القرآن الكريم - النص والمعنى، فالذي بلّغنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي نزل به الروح الأمين.
تعريف القرآن: هو الكلام المعجز الذي نزل به جبريل عليه السلام على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، الذي نتعبد الله بتلاوته ونتقرب إليه بفهمه والعمل به، وإن كانت معاني أوحيَ بها إليه فعليه أن يبلغها كما أوحى بها إليه مثلاً:
" ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي"
( حديث قدسي )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/387/01.jpg
هذا حديث قدسي نزل على قلب الرسول صلى الله عليه سلم بالمعنى، فبلّغ المعنى كما نزل على قلبه لكن الصياغة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت معاني أوحيّ بها إليه فعليه أن يبلغها كما أوحي بها إليه من دون زيادة أو نقص في معانيها, هذه المهمة مهمة التبليغ تبليغ النصوص كما أنزلت، والمعاني كما أنزلت، ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة المائدة:
﴿يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 67)
ضمانة من الله عزّ وجل أن الله يحفظه حينما يبلغ ما أنزل إليه من ربه, وآية أخرى تؤكد مهمة تبليغ ما أنزل إليه من ربه وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب:
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 38- 39)
هذه الآية تنسحب على الدعاة المخلصين يبلغون رسالات الله, صفة واحدة إذا توافرت فيهم صحت مهمتهم، وهي خشية الله وعدم خشية من سواه, لأن هذا الذي ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إلقاء العلم وتبليغ دعوة الله إلى الناس لو أنه خشي غير الله لسكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله، ولنطق بالباطل إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله, فإذا سكت عن الحق ونطق بالباطل فماذا بقي من مهمة تبليغ رسالات الله, من باب أولى أن الذي يخشى غير الله ليس أهّلاً أن يُبلّغ رسالات الله, والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ مانعٍ يقول:
" كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً "
( ورد في الأثر )
لا تخشَ من الله لومة لائم قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
( سورة الحج الآية: 38)
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 30)
هذه هي المهمة الأولى: تبليغ الشريعة الربانية للناس نصوصاً منزلة كما هي, ومعاني منزلة كما هي.
2- توضيح مدلولات القرآن الكريم:
المهمة الثانية: ربنا سبحانه وتعالى لحكمة بالغة لا نعلمها أو نعلم بعضها، جعل طبيعة القرآن الكريم فيها عموم، وفيها شمول، وصياغة النص القرآني تحتمل معاني عدة, وتفسيرات عديدة, واتجاهات كثيرة، هذه الطبيعة في القرآن الكريم تكريم للإنسان, الإنسان فُتح له باب الاجتهاد، فُتح له باب تأويل النصوص, فُتح له باب التفسير, فُتح له باب الاستنباط, فكل هذه الاستنباطات التي استنبطها العلماء الكبار, والفقهاء الكبار رضوان الله عليهم, وكل هذه الاجتهادات التي اجتهدها كبار المجتهدين، كل هذه الشريعة الثريّة الغنية إنما كانت بفضل هذه الصياغة القرآنية.
ذكر الأمثلة للتوضيح:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/387/02.jpg
مثلاً: ربنا سبحانه وتعالى في آية الوضوء يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
( سورة المائدة الآية: 6)
هذا التفصيل قطع كل اجتهاد وكل خلاف, وأغلق كل باب للمعرفة قال الله:
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
( سورة المائدة الآية: 6)
ولو قال:
﴿وَأَيْدِيَكُمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 6)
بعض العلماء يقول: اليد تعني إلى الكف، وبعضهم يقول: اليد تعني إلى المرفق, وبعضهم يقول: اليد تعني إلى الكتف, لكن الله عزّ وجل حينما حسم الأمر وقال:
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
( سورة المائدة الآية: 6)
أنهى كل اجتهاد, أنهى كل تفسير, أنهى كل تأويل, كان من الممكن أن يكون كتاب الله كله من هذا القبيل وانتهى, كان يمكن أن يكون 8700 صفحة فيه كل التفصيلات, لا نحتاج لعلماء ولا لمفسرين ولا إلى مجتهدين, ولما كانت ضرورة لمستنبطين للأحكام, وليس هناك امتحان لحسن الظن بالله قال الله:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
( سورة الشمس الآية: 8)
سيء الظن بالله يقول لك: هذا الذي يعصي الله, الله ألهمه أن يعصيه هكذا الآية, هذا الذي يشرب الخمر، الله ألهمه أن يشرب الخمر, هذا الذي يزني, الله الذي ألهمه أن يزني قال الله:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
( سورة الشمس الآية: 8)
يأتي عالم كبير يقول:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾
( سورة الشمس الآية: 8)
بمعنى ألهمها بأنها فاجرة، وأنها منحرفة، كأن يجد الأب ابنه منحرفاً أو مقصراً فينصحه ويبين له ويوضح له الحقائق، فبين أن تقول: أن الله عزّ وجل هو الذي ألهم الزاني أن يزني، وبين أن تقول: إن الله عزّ وجل ألهم الزاني أنه زاني وعليه أن يتوب مسافة كبيرة, صياغة القرآن الكريم تقتضي الاستنباطات الكثيرة, والتأويلات العديدة, وتحميل لكتاب الله وجوهاً عديدة, صار في علماء، صار في اجتهادات، صار في استنباطات، صار في مذاهب بالفقه، سيء الظن كُشف أمره، حسن الظن كُشف أمره بفضل هذه الصياغة.
مثل آخر: أنت أمام رجلين واحد بخيل، والآخر كريم, تركت لهما قصاصة كُتب فيها " أعط فلاناً ألف درهم ونصفه " البخيل يقول: جيد هذا الأمر يعني ألف درهم ونصف درهم، لأن ألف درهم ونصفه الهاء تعود على الدرهم, الكريم يقول: لا, هذه القصاصة تعني ألفاً وخمسمئة درهم، لأن ألف درهم ونصفه الهاء تعود على الألف, فهذه صياغة فيها امتحان لطبيعة الكرم وطبيعة البخل, ولو قال: أعطِ فلان ( 1500 ) ليرة سوري انتهى الأمر, لم ينكشف هذا البخيل ولم ينكشف هذا الكريم, فأحياناً صياغة كتاب الله منه آيات مُحكمة:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 7)
بعض آيات القرآن الكريم متشابهات, يعني تُفسر تفسيراً يليق بكمال الله عزّ وجل, ويمكن أن تُفسر تفسيراً سيئاًً ينم عن نقص معرفة بالله عزّ وجل, فربنا عزّ وجل هكذا حكمته أن ينّزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً طبيعة صياغته تقتضي وجود العلماء المجتهدين، المستنبطين، المحققين، وهذا تكريم للإنسان, الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان وظيفة وهي استنباط الأحكام من النصوص, لذلك ظهر علم يسمى أصول الفقه, ظهرت القواعد الفقهية العامة، ظهرت المذاهب، ظهر العلماء المفسرون، ظهر علماء الحديث، ظهر علم الجرح والتعديل ظهرت علوم عظيمة بفضل طبيعة القرآن الكريم, هذه الصياغة المعجزة.
قد يسأل سائل: لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لنا تفسيراً لكتاب الله فقط خلصنا من كل خلاف من كل مشاحنة من كل تمزق, ومن قال لك يا أخي الكريم: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك لنا تفسيراً كاملاً لكتاب الله, إنّه الحديث الشريف, الأحاديث الشريفة ما هي في حقيقتها إلاّ فهم النبي عليه الصلاة والسلام من كتاب الله, لذلك المهمة الثانية اقتضت حكمة الله العظيمة أن يجعل النصوص التي يُنزلها للناس صفة الشمول والعموم والكليات فهي بحاجة إلى بيان وتوضيح, ولذلك جعل من وظائف الرسول أن يبين للناس معاني هذه النصوص المنزلة للناس ويوضّح لهم مدلولاتها وإشاراتها, ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾
( سورة فاطر الآية: 37)
قال:
﴿وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ﴾
( سورة فاطر الآية: 37)
ما معنى هذه الكلمة يا رب؟ أين هو النذير؟ العلماء وقفوا عند هذه الآية, قال بعضهم النذير: هو القرآن الكريم, وقال بعضهم الآخر: النذير هو الرسول, وقال بعضهم الآخر: النذير هم العلماء من بعد الرسول, وقال بعضهم: النذير هو سن الأربعين قال الله:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 15)
وقال بعضهم: النذير موت الأقارب, كان جاراً لك, كان صديقاً لك, كان قريباً لك, كان معك في العمل, وقال بعضهم: الشيب من النذير
" عبدي شاب شعرك، وضعف بصرك، وأنحنى ظهرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك "
( ورد في الأثر)
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/387/03.jpg
هكذا طبيعة كتاب الله، تحتمل التوجيهات العديدة, لذلك قال الإمام علي كرّم الله وجهه: " القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه ".
المهمة الثانية أن يبين النبي عليه الصلاة والسلام ما أنزل إليه من ربه, والدليل قوله تعالى في سورة النحل:
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 44)
لتوضح، تبين قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 183)
آية موجزة، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وفصّل في أحكام الصيام, سنّ لنا السحور، أمرنا أن نفطر بعد غروب الشمس مباشرة، أمرنا بأشياء كثيرة, فكل هذا الذي أمرنا به هو دقة فهمٍ من كتاب الله.
3- هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم وإنذارهم شر ما يعلمه لهم:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/387/04.jpg
الوظيفة الثالثة: هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم, وإنذارهم شر ما يعلمه لهم, النبي عليه الصلاة والسلام بقربه من الله سبحانه وتعالى, بإقباله عليه، باتساع أفقه، بصحة رؤيته، بعمق فهمه، يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ويدرك ما لا ندرك، ويشعر بما لا نشعر، لذلك فيما سوى تبيانه لنصوص القرآن الكريم، وفيما سوى تبليغه للحق والنصوص القرآنية التي أُنزلت على قلبه, مهمته الثالثة أن يرشدنا إلى ما ينفعنا وينهانا عن ما يضرنا.
فسنَّ لنا أشياء كثيرة في علاقاتنا, كيف نعامل زوجاتنا؟ كيف نعامل أخوتنا؟ كيف نعامل أبناءنا؟ كيف يجب أن نعدل بينهم؟ كيف نعامل من حولنا؟ كيف نبيع؟ كيف نشتري؟ قال عليه الصلاة والسلام:
"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاء"
(أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحه)
هذه فقرة من حديث طويل رواه مسلم عن عبد الله بن عمر.
إذن إبلاغ النصوص القرآنية التي أُنزلت من عند الله، إبلاغ المعاني التي أوحيّ إلى قلبه صلى الله عليه وسلم، بيان وتفصيل وتوضيح ما أنزل إليه من نصوص قطعية، هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم، وإنذارهم شر ما يعلمه لهم. 4- تربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها:
المهمة الرابعة: تربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها, هناك شرع وهناك منهج, ما الفرق بين الشرع والمنهج؟ أنا أقول للطلاب مثلاً: عليك أيها الطالب أن تحفظ مئة بيت من الشعر هذا هو المنهج، هذا هو الكتاب المقرر، يقول هذا الطالب: كيف أحفظها ؟ ما طريقة حفظها؟ أقول له: سجلها على دفتر صغير، واقرأ كل يوم خمسة أبيات، أعدها صباحاً ومساءً, ثم رددها، ثم اكتبها, ثم ذاكر بها أصدقاءك, عندئذٍ تحفظها, فأنا قد بينت له المقرر ودللته على المنهج.
فالنبي عليه الصلاة والسلام, النصوص القرآنية بلغها كما أنزلت، المعاني التي أوحيّ بها إلى قلبه بينّها كما أوحيّ إليه، فسّر كل النصوص التي أنزلت على قلبه, بيّن للناس ما يعلم أنه خير لهم, وأنذرهم ما هو شر لهم, بيّن لهم منهجهم, كيف يستقيم الرجل على أمر الله؟ كيف يرضى عنه ربه؟ قال:
" انظر لمن هو أدنى منك فذلك أحرى أن لا تحتقر نعمة الله عليك "
( ورد في الأثر )
بيتك فيه ثلاث غرف, يوجد بيوت غرفة واحدة, صحتك طيبة, في أناس مصابون بأمراض وبيلة، فانظر لمن هو أدنى منك, فذلك أحرى أن لا تحتقر نعمة الله عليك.
من آداب الشريعة الربانية:
1- الدعوة إلى الإصلاح يجب أن تكون مجردة عن الغرض الشخصي:
" درهم أُنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أُنفق في رياء " علّمك الإخلاص في العمل " قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ الليْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ "
(أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في صحيحه )
لذلك: كان عليه الصلاة والسلام يعلّمنا الإخلاص والترفع عن الغرض الدنيوي:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
(سورة الإنسان الآية: 9)
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 90)
علّم أصحابك, علّم المؤمنين أن يكونوا مخلصين, أن يترفعوا عن كل غرض دنيوي, أن يبتغوا بأعمالهم وجه الله سبحانه وتعالى, صلّ قيام الليل ففي صلاة قيام الليل تطمئن نفسك إلى أنك مخلص, لا أحد ينتبه إلى عبادتك إلا الذي تعبده قال الشاعر:
فـقم في الدجى لا تخش وحشة فالأنس في طيب ذكرنــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنّك شاغــل وأخلص لنا تلق المسرة والهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكـن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا
كن مع الله ترى الله معــــك واترك الكل وحاذر طمعـــك
2- علّمنا أن أساليب الشدة والعنف لا تجدي مع الناس:
" عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ "
(أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح )
" عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ "
(أخرجه مسلم عن عائشة في الصحيح )
" علّموا ولا تعنّفوا فإن المعلم خير من المعنّف "
( ورد في الأثر )
سأوضح لكم هذا الحديث: الذي عنده ابن أو عنده طالب من السهل عليه إذا أخطأ ابنه أو طالبه أن يضربه ضرباً مبرحاً, فهذا الطالب بدافع الخوف من ألم العقوبة ينضبط, لهذا المعلم أجر, يأتي معلم آخر ينصح هذا الطالب، يبين له، يحاسبه مرات عديدة إلى أن يقنع الطالب بخطئه فيبتعد عنه, هذا يعطيه الله سبحانه وتعالى أجراً غير الأجر الذي يعطيه للمعنف، قال الله تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 159)
أرسل عليه الصلاة والسلام خادماً في حاجة, يبدو أنه غاب كثيراً إلى أن غضب النبي عليه الصلاة والسلام, فلما جاء الخادم كان بيده سواك, فقال: والله لولا خشية العقاب لأوجعتك بهذا السواك، ما هذا السواك ؟ ماذا يفعل السواك؟ كن حليما, قال النبي عليه الصلاة والسلام:
" كاد الحليم أن يكون نبياً "
( ورد في الأثر )
قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
( سورة النحل الآية: 125)
3- عدم محاباة أحدٍ في الصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
العلماء فرّقوا بين المداراة والمداهنة, المداراة أن تبذل الدنيا للدّين, لك جار داريته، أكرمته، عاونته إلى أن أحبك، فلما أحبك أتيت به إلى المسجد, متى تأتي به بعد أن يحبك؟ بعد أن تقدم له خدمات, بعد أن يشعر أنك تحرص على مصلحته, إذا شعر بهذا أحبك, لأن الله عزّ وجل يقول في الحديث القدسي: " يا داوود ذكّر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها "
( حديث قدسي )
بينما المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا, تترك الصلاة من أجل أن تُرضي أحداً في معصية الله, تتكلم خلاف قناعاتك, تتكلم خلاف ما يمليه عليك إيمانك إرضاء لزيد وعبيد هذه مداهنة.
4- القدوة الحسنة:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/387/05.jpg
هي فقرة في المنهج الذي بينّه النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله تعالى:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾
(سورة هود الآية: 88)
الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم, فالذي يحمل الناس على أن يستمعوا إليك صدقك في الدعوى, وأنك تفعل ما تقول, قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
(سورة الصف الآية: 2)
" عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ "
(أخرجه البخاري عن أبي وائل في الصحيح)
أنت تُعامل الله عزّ وجل مطلّع على قلبك، اتخذت الدين حرفة؟ اتخذت الدين مطية للدنيا؟ أجعلت الدين في الوحول, من أجل شهواتك؟ أتريد الدنيا؟ اطلبها من مظانّها, اطلبها من التجارة, اطلبها من أيّ شيء إلا من الدين, دع الدين في صفائه، دعهُ في عليائه، دعه في طهره، دعه في سموه, ولا تجعله مطية للدنيا, فالنبي عليه الصلاة والسلام ما الذي جعل أتباعه اليوم يزيدون عن ألف مليون؟ لأنه كان قدوة حسنة، كان أباً و زوجاً, وصديقاً, وأخاً, ومرشداً, وقائداً, وعطوفاً, ومحبا, ً والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
5- الشهادة على الأمة بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة:
أنت إذا زرت النبي عليه الصلاة والسلام من الدعاء المأثور أن تقف أمام باب حجرته الشريفة, وأن تقول: يا سيدي يا رسول الله: أشهد أنك بلّغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمّة، ومحوت الظلمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾
(سورة النحل الآية: 89)
النبي عليه الصلاة والسلام يشهد علينا أنه بلّغنا, لكن الله عزّ وجل رفع من قيمة أمته إلى درجة أنهم أيضاً شهداء على الناس قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 143)
خلاصة الدرس:
وظائف النبي بإيجاز شديد: تبليغ الشريعة الربانية للناس نصوصاً قرآنية، ومعاني أوحي بها إلى قلبه الشريف, والمهمة الثانية تبين معاني ما أنزل إليه من نصوص, وهداية أمته إلى كل خير يعلمه أنه خير لهم، وإنذارهم من كل شر يعلمه أنه شر لهم، وتربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها، من فقرات منهج الشريعة: الدعوة إلى الإصلاح من دون غرض دنيوي, والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله, عدم محاباة الناس في الدين, القدوة الحسنة, الشهادة على الأمة بأنه بلّغ إليهم الرسالة, وأدى الأمانة, وقدّم واجب النصيحة, هذه بعض وظائف النبي عليه الصلاة والسلام.
سوف نتحدث في درس قادم عن الفرق بين النبوة والعبقرية, والفرق بين رسالات السماء وفلسفات أهل الأرض, وبذلك نكون قد تابعنا الحديث عن الإيمان بالرسل, وهو من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و العشرون )




الموضوع :الموازنة بين النبوة و العبقرية



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الفرق بين النبوة والعبقرية وما شابه ذلك:
وصلنا في الدرس السابق في موضوع الإيمان بالرسل إلى موضوع دقيق هو الموازنة بين النبوة والعبقرية, فأعداء الإسلام يصفون النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عبقري، يعني متفوق في ذكائه، واستطاع بما أوتيّ من عبقرية أن يجمع الناس حوله هذا ادعاء أعداء الإسلام, ولكن النبوة شيء والعبقرية شيء آخر, والنبوة شيء والملك شيء آخر, في موضوع الفرق بين النبوة والملك,
" دخل سيدنا عمر رضي الله عنه على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مضجعاً على حصير أثّر في خده الشريف, فبكى عمر وقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً, أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا " ؟
( ورد في الأثر )
الفرق بين النبوة والعبقرية, أن الإنسان العبقري مهما كان ذكاؤه حاداً، مهما تكن قدراته كبيرة, هو إنسان نجد في كلامه بعض السقطات, فإذا كان الموضوع موضوع عبقرية فلا يخلو عبقري من سقطة في فكره أو في تعبيره, وهذا مما بُريء منه النبي عليه الصلاة والسلام, أيضاً تاريخ العظماء في العالم يؤكد لنا أن هناك بعض السقطات الخُلُقية، فالمربي الكبير الذي درسنا عن نظرياته في الجامعة - جان جاك روسو - له انحرافات خلقية شاذة, فكيف يصلح أن يوازن النبي مع العبقري؟
أحد علماء نفس الطفل يُعدُّ أول عالمٍ في العالم, إن مُعظم كتبه تدرس في أكثر جامعات العالم, قال عنه بعض من التقاه: إنك إذا حدثّته في موضوع آخر غير اختصاصه بدا لك وكأنه طفل, فالعبقري الذكي مهما ارتفع شأنه، مهما اتسعت قدراته، لابد من سقطة في فكره, أو في قوله، أو في عمله، وهذا لا يصلح أن يكون نبياً أو داعياً للخير بإذن الله, فالنبوة شيء والعبقرية شيء آخر.
كبار العلماء في العالم " فرويد " هذا من كبار العلماء في علم النفس, فسّر الحياة كلها تفسيراً جنسياً لدرجة أن ما جاء به من نظريات يدعو إلى الضحك والسخرية, فالأنبياء على حد زعمه مصابون بانحراف خلقي، لأنهم يرغبون أن يجلسوا مع الرجال لا مع النساء رأي هذا العالم الخبير.
" دارون " جاء بنظرية تغيير معالم الكتب المقدسة: أن أصل الإنسان قرد وهذا مما ثبت بطلانها, ولكن أراد بهذه النظرية أن يُهوّش على المسلمين وغير المسلمين عقائدهم الدينية.
إذاً: العباقرة بمقياس البشر, لابد من أن يكون في أفكارهم أو في أخلاقهم أو في أقوالهم سقطات, وهذه السقطات لا تجعلهم مؤهلين أن يبلغوا الناس الشرع الإلهي, إذن العبقرية شيء والنبوة شيء آخر.
العبقرية مبنية على حدود معينة أما النبوة مبنية على التبليغ بما شرعه الله:
أن النبوة لو أنها عبقرية على حدّ قولهم, فالإنسان هو الإنسان ينظر إلى الشيء من وجهة نظرٍ خاصة, فإذا كان هذا العبقري ذا منبت طبقيّ فقير رأى الأمور بمنظار الفقراء, ولو كان هذا العبقري ذا منبت من نوع آخر لرأى الأمور من زاوية معينة, فالإنسان يصعب أن يكون حيادياً إذا نظر وإذا فكّر وإذا شرّع, لا بد من أن ينظر إلى الأشياء من وجهة نظر خاصة، ولا بد أن ينحاز إلى جهة دون أخرى, ولا بد من أن يرعى مصالح فئة دون أخرى, لو أن النبي إنسان عبقري لما كان شرعه كاملاً, فكل إنسان يتصرف بحسب واقعه, فالذي يملك سيارة يقول لك: الطرق ازدحمت يجب أن يحدّ من استيراد السيارات, أما الذي لا يملك يرفض هذا التوجيه لماذا؟ لأن الإنسان لا يخرج من واقعه, ولا من بيئته, فينظر إلى الشيء بحسب رؤيته له, هذا الإنسان مهما كان ذكياً ليس مؤهلاً أن يكون مشرعّاً للناس, لأنه سينظر لكل شيء من زاويته هو, فيأتي شرعه منحازاً إلى فئة دون أخرى، ينطلق من وجهة نظر دون أخرى, يرعى مصالح فئةٍ دون أخرى, لكن النبي معصوم عن الخطأ, لأن الله سبحانه وتعالى عصمه, فالعبقرية لا علاقة لها بالنبوة, النبوة شيء والعبقرية شيء آخر, النبي إنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى ليُبلّغ الخلق شريعة ربّ العالمين, هذه الشريعة من عند حكيم خبير, من عند خالق لا من عند مخلوق, فلو أن الشريعة من عند مخلوق لحابت أناساً دون أناس، لنظرت من وجهة خاصة دون وجهة أخرى.
فلذلك من الخطأ الفادح ومن الضلال المبين أن تصف النبي بأنه عبقري, هو نبي, هو إنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى, اصطفاه على علم وعصمة، عصم لسانه وأفعاله من أن تكون مجانبة للحق, لأنه سيشرع للناس من عند الله سبحانه وتعالى, فهذه الشبهة وهذه الفرية التي يطرحها بعض أعداء الدين من أن محمداً عبقري, نقول: هو نبيّ مرسل وكفى, لأنه لا يصلح للتشريع إلاّ الخالق:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
(سورة المُلك الآية: 14)
التشريع البشري ناقص أما التشريع الرباني كامل:
أكبر مثل أمامنا الأوربيون رأوا أنفسهم كما يدعي بعضهم أنهم آلهة الأرض، العلم هو كل شيء, فتقدم العلم عندهم تقدماً هائلاً, وأطلقوا للإنسان أن يفعل ما يشاء إرضاء لشهواته ونزواته, فحطمّوا كل القيود, مبدأُهم مبدأ اللذة, اقتناص اللذة حيثما وجدت وبأي ثمن, ماذا حلّ بهم؟ تقطعت أواصر القربى فيما بينهم, تحطمت العلاقات الأُسرية المقدسة, تفتت الأسرة, شاع الطلاق, لا يدوم الزواج في بعض البلاد الأمريكية أكثر من سنتين لشدة تفلت الزوجة والزوج من قيود الأخلاق, فالشيء الدقيق أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
( سورة الملك الآية: 14)
إذا اشتريت سيارة, ومع هذه السيارة نشرة دقيقة توضح لك طريقة استعمالها، وطريقة قيادتها، وطريقة صيانة أجهزتها، ومتى يجب أن تزودها بالوقود والزيت، ومتى يجب أن تغير بعض القطع المستهلكة استهلاكاً شديداً, أي إنسان مؤهل أن ينصحك في هذا الموضوع أفضل من صانع السيارة ؟ قال تعالى:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
( سورة الملك الآية: 14)
أريد أن أصل إلى حقيقة: أن الإنسان مهما كان عبقرياً، مهما كان موضوعياً، مهما كان نزيهاً، ليس مؤهلاً أن يضع تشريعاً للناس, لأنه لا بد من كبوة، لا بد من سقطة في خلقه, لكن النبي عصمه الله سبحانه وتعالى من الغلط بكل أنواعه, اصطفاه على علم, وأوحى له بالهدى، وأمره بالتبليغ وعصمه من كل غلط, لذلك يُعد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام مصدراً تشريعياً للناس.
كما يستحيل أن يُلم العبقري بكل جوانب الحياة, فهذا عبقريته عسكرية, وهذا عبقريته سياسية، وهذا عبقريته في الأخلاق، وهذا عبقريته في التشريع، وهذا عبقريته مثلاً في الفكر، وهذا عبقريته في النظريات المجردة, فكل عبقري نمت عبقريته في جانب من جوانب الحياة، لكن النبي لأن الله اصطفاه, ولأن الله أوحى إليه, فكل ما جاء به متوازن يُغطي كل مناحي الحياة, كل نشاطاتها، كل اتجاهاتها، هذا من عظمة الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله لنا.
الفرق بين ما تأتي به النبوات وبين ما تأتي به الفلسفات:
العلاقة بين ما تأتي به النبوات وبين ما تأتي به الفلسفات, لو اطلعتم على تاريخ الفلسفة لوجدتم أن هناك نظريات مضحكة جاء بها الإغريق والرومان, لو أنك عرضت هذه النظريات التي جاءت بها الفلسفات المتعددة لوجدت فرقاً شاسعاً بينها وبين العدل والحق, لوجدت بينها اختلافاً كبيراً, لوجدت بعضها خرافياً, لوجدت بعضها منحرفاً, اطلعت في هذه الأيام على مقالة عنوانها " من غرائب المعتقدات " قلت: هذه المقالة تؤكد, كيف أن البشر من دون وحي إلهي, من دون هدى رباني يتيهون في ضلالات عمياء, فقال: في بلاد الهند ما يزيد عن أربعمئة ديانة, لنأخذ إحدى هذه الديانات وهي ديانة الهندوس, قال: إن القانون هناك يُحرّم قتل البقرة أو أكل لحمها, والجزاء هو السجن مدى الحياة, فالبقرة تُترك لتموت, ولا يُؤكل لحمها، فإذا دهسها سائق من دون نية أو دون قصد, فلا بد أن يدخل السجن عاماً بأكمله, ويدفع غرامة تزيد عن ثلاثة آلاف, ويضاعف الجزاء إذا تكرر العمل، حينما بعدوا عن شريعة السماء وقعوا في متاهة عمياء, قال: الناس هناك لا يمنعون البقرة من أكل حوائجهم رغم ما يعانونه من فقرٌ شديد، فإذا دخلت البقرة إلى حانوت, وأكلت ما لّذ وطاب من هذه الفاكهة المعروضة، فإن هذا يسعد صاحب الحانوت، ولو أنها أكلت كل ما في الحانوت من فواكه, وعاد هو إلى البيت طاوياً من الجوع إنه سعيد جداً, لأن بركة البقرة حلت في حانوته، قال: بل يفرحون بذلك ويتركونها تعمل ما تشاء تيمناً وتبركاً حتى ولو هلكوا جوعاً.
أحد الباحثين تقصّى حقيقة هذه العبادة, فقال: سأل بعض الخبراء في هذه الديانة فقال: إننا نعتقد بوجود مشكلات كثيرة تأتي للإنسان بعد الموت, وأن أمامنا أنهاراً لا نستطيع عبورها, فإذا وقفنا لنجتاز هذه الأنهار إلى الجنة كانت هذه الأنهار عقبة بيننا وبين الجنة, فتأتي البقرة ونمسك بذنبها فتقودنا إلى الجنة, هذا سر اعتقادهم بالبقرة، لذلك نسجد لها ونحبها لأنها تسبح بنا إلى عالم آخر, هذه من معتقدات الهندوس, ونحن نسجد مرة في السنة للكلاب, وخاصة كلاب الحراسة, ونعمل لها أطواقاً من الزهور نعلقها في أعناقها, ولا نتعرض للكلاب بأذى أبداً، لماذا قال: سر هذا الاعتقاد أن هذا الكلب هو الذي يدخلهم الجنة بعد الموت, كيف؟ قال: لأنه يحرس الجنة، فإذا جاء هذا الهندوسي يوم القيامة, وكان قد أحسن لهذا الكلب في الدنيا، سجدَ لهُ، أكرمه، أطعمه، فإن هذا الكلب يأخذ بيده ويدخله الجنة, لأن الجنة كما يزعمون تحت أقدام الكلاب, قال: فإنهم يحترمون الكلب, ويقدمون له المأكولات, هذه الفلسفات, في غياب الوحي السماوي، في غياب الهدى الرباني، في غياب توجيه الله سبحانه وتعالى يهبط الإنسان إلى هذا الدرك من السخف، ومن الغباء، ومن الخرافة، ومن الدجل, فلذلك لا يمكن أن تعتمد على الفلسفات وحدها, لأن الفلسفات وحدها قد تؤدي بنا إلى الهاوية, قد يأتي الإنسان الفيلسوف بنظريات مضحكة، أبو العلاء المعري فيلسوف تسمعون به، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء, هذا حرّم اللحم على نفسه هكذا, غاب عنه أن هذا المخلوق إنما خُلق من أجل الإنسان, وأنه إذا قدّم لحمه للإنسان سيسعد بهذا التقديم إلى الأبد, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
(سورة لقمان الآية: 20)
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 65)
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 5)
عدّ الزواج وإنجاب الأولاد جناية, لو تركنا الفلاسفة يتحدثون على أهوائهم لوصلنا معهم إلى خرافات, وإلى سقطات, وإلى انحرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
إذاً: الفلسفات في غياب الدين أكثرها تنطوي على التناقض والتهافت ومخالفة الواقع, وتنطلق من وجهات نظر متباينة، ومنطلقة من واقع محدد لا يصلح أن يعمم على أهل الأرض هذا أيضاً من سقطات الفلسفة.
الفلسفة لا تصلح إلا للعصر التي تعيش فيه أما الدين يصلح لكل زمان ومكان:
تشريع حمورابي، الفلسفة الإغريقية، لا تصلح لهذا العصر، لأنها نبعت من بيئة معينة, لكن الدين الذي جاء به النبي من عند الله، يصلح في كل زمان ومكان, لا يتغير, ينطلق من قيم ثابتة, من معطيات ثابتة، ما جاء به القرآن الكريم، وما جاء به من حكم وحقائق، لا يستطيع أهل عصره أن ينقضوها, ولا أهل العصور اللاحقة، لأنه من عند الله، حينما قال ربنا عزّ وجل عن العنكبوت:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 41)
الآن عرفوا أن التي تنسج البيت هي الأنثى، لو كان من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: نسج بيتاً, قام بهذا العمل الذكر لا الأنثى, وأثبت العلم خلاف ذلك، فمعنى ذلك أن هذا الكتاب ليس من عند الله, الآن اكتشفوا أن العسل ألوان معروفة, لكن كل لون من ألوان العسل يشير إلى نوع من أنواعه, وأن كل نوع من أنواعه يشفي مرضاً معيناً قال الله:
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 69)
الديانات السماوية أصلها واحد أما النظريات الفلسفية فحواها التنافس والاختلاف:
الديانات السماوية لا تختلف عن بعضها بعضاً من حيث الأصول, هذا يؤكد أنها جميعاً من عند الله لذلك قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
دعوة الأنبياء واحدة، فحوى رسالات الأنبياء واحدة، الحلال حلال، والحرام حرام في كل رسالات السماء, بينما في النظريات الفلسفية تجد التنافس والتباين والاختلاف والزيغ والانحراف هذا كله واضح في الفلسفات، وأما بحوث الفلاسفة في أمر الغيب فهذا ضرب من الحدس والتخمين، أنى لهذا الفيلسوف أن يعلم الغيب, أنى له أن يعلم ما سيكون بعد الموت, أنى له أن يعلم ما كنا عليه في عالم الأزل، أنى لهُ أن يعلم تاريخ البشرية، لكن الأنبياء بما جاءهم من تشريع سماوي عرّفونا في عالم الأزل, وبتاريخ الأمم والشعوب, وبما ينتظر الإنسان بعد الموت من جنة أو نار، من برزخٍ، من حساب، من صراط مستقيم، من أشياء كثيرة, لولا أن الأنبياء جاؤوا بها لكنّا نحن في عمى عن هذه الحقائق.
لما لم تكن رسالة الأنبياء محملة بالمعارف والعلوم الكونية:
قد يسأل سائل: لما لم يكن البشر بحاجة إلى أنبياء يحملون للناس المعارف والعلوم الكونية؟ يا ترى القرآن كتاب رياضيات؟ لا, كتاب فيزياء؟ لا, كتاب كيمياء؟ لا، كتاب فلك؟ لا, كتاب علم اجتماع ؟ لا, الكتب السماوية التي جاء بها الأنبياء ليست كتباً علمية تحمل المعالم والمعارف الكونية, حكمة ذلك: كلكم يعلم أن الإنسان فيه ثلاث دوافع:
1- دافع البقاء.
2- دافع إلى بقاء النوع.
3- دافع إلى بقاء الذكر.
فبدافع البقاء نأكل ونشرب، وبدافع بقاء الجنس بقاء النوع نتزوج ونتوالد، وبدافع بقاء الذكر نعمل أعمالاً لتخلد أسماءنا, فكل إنسان ينطوي على هذه الدوافع, فبحكم هذه الدوافع يسعى لإعمار الأرض من أجل أن يأكل.
أيها الأخوة, لو أن دافع الجوع غير موجود في الإنسان لما وجدت على الأرض شيئاً, لماذا العمل؟ لا أحد يعمل, من ينسج لك هذا القميص؟ لا أحد, من يبني لك هذا البيت؟ لا أحد, من يزرع لك النبات؟ لا أحد, بدافع الجوع يدفع الناس إلى العمل, والعمل يتبعه الخبرة, والخبرة تعمق العمل, فالإنسان بحكم دوافعه الفطرية سيتعلم العلوم الأرضية, لأن هذه العلوم الأرضية هدفها إعمار الأرض فقط, وهذه العلوم الأرضية لا تنفعه بعد الموت, تنتهي كل إنجازاتها في الحياة الدنيا, لكن الناس بحاجة إلى أن يعرفوا ربهم, وأن يعرفوا مهمتهم, وأن يعرفوا علّة خلقهم, وأن يعرفوا هدفهم, جاءت الكتب السماوية لتعرف الإنسان بربه، جاءت لتعرفه بمهمته، جاءت لترسم له طريق السعادة، جاءت لتطرح عليه أوامر الله عزّ وجل ونواهيه, هذا الذي يقول لك: إن كل النظريات وكل العلوم في القرآن موجودة, هذه شحطة, القرآن كتاب هداية ورشد وليس كتاب علوم, لكن أحياناً في لفتات إلى بعض أصول العلوم وليست الفروع مذكورة, فأن تبحث في القرآن الكريم عن فروع العلوم, هذا شيء مستحيل, لأن هذا مناقض لمهمة هذا الكتاب المقدس الذي بين أيدينا, مهمته إرشادنا إلى ربنا:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
(سورة الغاشية الآية: 17)
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾
(سورة التين الآية: 1)
قال:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
(سورة الشمس الآية: 1)
تكلم عن الماء فقال:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 22)
لَفَتَ نظرك أن تخزين الماء شيء مستحيل عليك, هل فكرت في هذه النعّمة؟ القرآن أساسه كتاب هداية، كتاب يلفتنا إلى الله سبحانه وتعالى, لكن فيه صور دقيقة وإشارات دقيقة للعلوم التي بثها الله في الأرض، من دون أن يكون فيه تفصيل كل شيء في أمور الدنيا, فلذلك بُنيت الشرائع على إصلاح النفوس, وعلى تعريفها برب السموات والأرض, وحملها على الالتزام بتطبيق أوامره, واجتناب نواهيه.
لا زلنا في موضوع الأنبياء والرسل, وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في درس قادم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و العشرون )




الموضوع :دلائل الرسالة



لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه في معرفة الأشياء الدليل:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل، والآن ننتقل إلى فصل جديد عنوانه دلائل الرسالة, ذكرت لكم من قبل أن على الإنسان الواعي ألاّ يقبل شيئاً إلاّ بدليل، وألاّ ينفي شيئاً إلاّ بدليل، وقد قال العلماء: " إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعياً فالدليل " لذلك كان علماء الحديث رضي الله عنهم, قد بذلوا جهوداً جبارة في معرفة الخبر الصادق من الخبر الكاذب, وصنفوا الأحاديث، الأحاديث المتواترة في النص، والمتواترة في المعنى, والأحاديث الصحيحة، وأحاديث الآحاد، والأحاديث الحسنة، والأحاديث الضعيفة, لأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
أريد أن ألقي على مسامعكم هذه الملاحظة: أكثر من أخ في كل أسبوع تقريباً, يقولون لي: هل هذا حرام؟ لما هو حرام؟ فلان قال: حرام, اسأله: ما الدليل؟ أن تأخذ دية أخ قتل في حادث حرام؟ اسأله: ما الدليل؟ هل عندك آية أو حديث أو حكم فقهي لإمام عظيم من أئمة الفقه ينهى عن ذلك؟ فالملاحظ أن أكثر الناس يُقال له: حرام فيصدق, يُقال له: حلال فيصدق, لا تقبل أن يكون الشيء حلالاً إلا بدليل من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع أو من القياس, وإن لم تستطع أن تستنبط أنت الدليل, فاسأل أهل الذكر, اسأل العلماء، اسأل الفقهاء، ما رأي الإمام أبي حنيفة؟ ما رأي الإمام الشافعي؟ ما رأي الإمام أحمد؟ هناك أئمة عظام درسوا النصوص، ومحصوها وصنفوها واستنبطوا منها الأحكام, وإذا قيل لك: هذا شيء حرام, ما الدليل؟ إذا كنت ناقلاً فالصحة وإذا كنت مدعياً فالدليل, هناك أشخاص جانبوا المنهج العلمي, قرأ في الفتوحات كلاماً يتعارض مع كتاب الله, فقال الشيخ الأكبر هو الشيخ الأكفر, ولكن هذا الذي قرأته في كتاب الفتوحات ليس للشيخ محي الدين, لم يصح نقله عنه، لم يصح هذا القول له, إذا كنت ناقلاً فالصحة وإذا كنت مدعياً فالدليل, فإذا الواحد مرّن نفسه، وطن فكره على أن لا يقبل شيئاً إلا بدليل, وألاّ ينفي شيئاً إلا بدليل, وألاّ يقبل خبراً إلا إذا توافرت شروط الصحة, وألاّ ينفي خبراً إلا إذا قام الدليل على كذب الناقل,
" أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ لا أَدْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ لا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ "
(أخرجه الدارمي في سننه)
متى يجب اﻹيمان بالرسل ؟
موضوع درس اليوم دلائل الرسالة: متى يجب الإيمان بالرسل؟ العلماء قالوا: " متى ثبت لديك بالدليل القاطع " في عندنا دليل مقنع، في دليل ظني، في دليل قاطع, أعلى أنواع الدلالة هو الدليل القاطع, حركة السيارة دليل قاطع على أن في المستودع وقوداً هذا دليل قاطع, فلذلك متى ثبت لديك بالدليل القاطع أن واحداً من البشر رسول من عند الله يبلّغ ما أمر الله تبليغه للناس، وجب عليك الإيمان به, ووجب عليك اتباعه, والائتمار بأمره, والانتهاء عما نهى عنه في حدود شروط رسالته, وشروط العمل بها.
إذا كنت جندياً في قطعة عسكرية، وجاءك إنسان يحمل كتاباً فيه أمر عسكري, أنت بحسب نظام الجندية يجب أن تأتمر بهذا الكتاب بما جاء في هذا الكتاب، ويجب أن تنتهي عما نهى عنه هذا الكتاب, بقي أن تعرف أن هذا الكتاب صحيح أنه هو من عند من هو أعلى منك، تنظر في فحواه, تنظر في الذي جاء به, هناك أدلة تجعل هذا الكتاب عندك مقبولاً, وهذا الذي جاء به مُصَدّقاً, فليس كل إنسان يدعي النبوة أو الرسالة نُسلم له بدعواه حتى تتوافر فيه شروط صدقه.
أدلة الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام:
1- فحوى الرسالة:
العلماء قسّموا أدلة الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى أربعة أدلة:
الأمر الأول: أول دليل على صدق رسول الله في أنه رسول الله, أول دليل على صدق نبوته، وصدق رسالته: هو فحوى رسالته أي تأمل في المضمون، فأي إنسان إذا نظر بإمعان العاقل المنصف فيما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من دعوة التوحيد، من بيان لأصول العبادات ونظم المعاملات ومناهج الأخلاق, ثم يراقب موافقتها لصالح الناس, وسعادتهم في شتى مطالب حياتهم في دنياهم وفي أخراهم، يرى أن كل جزئية موافقة للحق دون مِرية, فلا تناقض في النصوص, ولا ضعف في أصول الشريعة ولا فروعها, إذا نظرت هذا النظر, ودققت هذا التدقيق, وعرفت هذه المعرفة, لاشك أنك تُسلم وتُسلّم وتعتقد وتؤمن أن هذا الذي جاء بهذا الشرع العظيم, وهذا الدستور القويم, وهذا المنهج المفصل هو رسول من عند الله سبحانه وتعالى, منهاج الكتاب, مضمون الكتاب, أسلوب الكتاب, محتوى الكتاب, بنود الكتاب, هذا في مستوى المرسل, لذلك الدين من عند الله, والله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض, الكل عبيده, فالدين الذي يدعو إلى المساواة بين الناس هو دين الله, يجب أن يكون هناك تناسب بين عظمة الخالق وبين عظمة التشريع, فلابد أن تعرف عظمة التشريع من عظمة الخالق، هذا دليل كبير جداً على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, لو أن في الدين أمراً يخص أمة دون أمة، فئة دون فئة، طبقة دون طبقة، لما كان هذا الدين من عند الله سبحانه وتعالى لأن:
" الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللّهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالهِ "
( أخرجه البيهقي في الشعب، وأبو يعلى من حديث أنس وسنده ضعيف، وابن عديّ من حديث ابن مسعود)
فإذا نظر الإنسان في أصول هذه العقائد, في أصول هذا الدين, في أصول هذه العبادات, في نظم المعاملات، في مناهج الأخلاق, يكتشف أن هناك تناسباً بين هذا التشريع العظيم وبين خالق الكون, الشيء الذي أُضيف على الدين وليس منه يتهافت، يتساقط, لا ترتاح له, أتُحب أن تُقرض الناس بالربا؟ كيف؟ اشترِ كيس سكر, ضعه أمام الدكان, يأتيك الرجل ليقترض منك مثلاً ألف ليرة, تبيعه هذا الكيس بألف ليرة ديناً، وتشتريه منه بثمانمئة ليرة نقداً, والكيس ما زال بمكانه, هذا بيع صوري, هذا حيلة على الربا, لذلك منع الفقهاء هذا البيع سداً للذريعة, هذا بيعٌ ما أريد به البيع أريد به الربا, خالق الكون لا تنطلي عليه هذه الحيّل, هنالك علماء رفضوا مبدأ هذه الأساليب, لأنها حيّل شرعية لا تنطلي على الله سبحانه وتعالى, الشيء الذي يلفت النظر أن أي مؤتمر عام تشريعي, لو أنّه ضم عشرات العلماء الكبار في القانون, وشرعوا تشريعاً, تجد بعد حين يُضطرون إلى تشريع معدّل, تُعدّل المادة الفلانية بالمادة الفلانية, بعد شهرين أو أكثر يصدر تعديل آخر, هذا صنع البشر قال الله:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
( سورة النساء الآية: 28)
مهما اجتهد الإنسان في سد المنافذ, يأتي إنسان أذكى ويفتح بعض المنافذ, فلذلك المشرّع دائماً واقع في دوامة مع المشرّع له، لكن المشرع إذا كان هو الله سبحانه وتعالى, تشريعه لا يحتاج إلى تعديل, ولا إلى تبديل, ولا إلى إلغاء, ولا إلى تعطيل, ولا إلى شيء من هذا القبيل, تشريعه جامع مانع.
أول دليل يقوم على صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوم على صدق رسالته أن تنظر في فحوى رسالته، في الأوامر, بماذا أمر؟ أمر بغض البصر, أمر بالصدق, أمر بالأمانة, أمر بحسن الجوار, أمر بصلة الرحم, أمر بالإحسان, عن أي شيء نهى؟ نهى عن الكذب, نهى عن الفسق, نهى عن الفجور, نهى عن الزور, نهى عن الخيانة, نهى عن عقوق الوالدين, نهى عن الظلم, هذا تشريع إلهي, لأن هذه الأوامر وهذه النواهي تتناسب مع عظمة الله جلّ جلاله, وتتناسب مع أمره, النجاشي حينما سأل سيدنا جعفر رضي الله عنه, فسيدنا جعفر قال: أيها الملك, كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي بالفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله فينا رسولاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه, فدعانا إلى الله لنعبده ونوّحده, لذلك فحوى الرسالة, قال له: وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار, الدين كله مكارم أخلاق.
الدليل من الكتاب على صدق الرسول:
هل في النصوص القرآنية ما يؤكد هذا المنهج في الإيمان برسول الله؟ أول فقرات المنهج أن تنظر في مضمون هذه الرسالة, القرآن فيه جانب عقائدي, فيه جانب تشريعي، فيه تشريع شخصي: علاقة الزوج بزوجته، تشريع الطلاق، تشريع الزواج، فيه جانب اجتماعي: علاقة الأخ بأخيه، فيه جانب ينظم حياة الجماعة: البيع في الشراء, الرهن، الدين، الأمانة، فيه جانب تربوي، اقتصادي، صحي, دولي, هذا القرآن إذا تأملته وتدبرته ونفذت إلى لبّه, تعرف أن الذي جاء به رسول من عند الله سبحانه وتعالى، نادى الله الناس أن يؤمنوا بالرسول متحققين صدقه من خلال ملاحظتهم للحق الذي جاء به من عند ربهم, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 170)
آمن بما جاء به من الحق من ربك, ووجه الله بشدة الإنسان إلى تدبر القرآن, لأن تدبره يهدي إلى أنه حق في كل جزيئة من جزئياته, وهذا يدل على أنه من عند الله, لأنه لو كان من كلام الإنسان لاشتمل على اختلاف كثير، ومفارقات ظاهرة بينه وبين الحق، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المبّلغ لهذا القرآن, كان ذلك دليلاً على أنه رسول الله يبلّغ عنه كلامه, فبعد أن قال الله عزّ وجل لرسوله في سورة النساء:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
( سورة النساء الآية: 79)
ما معنى قوله تعالى:

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾
( سورة النساء الآية: 79)
هذا القرآن الذي جئت به, لو تأمله الناس, لو تدبروه, لو عقلوه, لعرفوا أنك رسول, فالله شهد لهم من خلال كلامه أنه رسول, وقد جعل الله سبحانه وتعالى طاعة الرسول طاعة له فقال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 82)
في انسجام, في تكامل, القرآن يقدم تفسيراً شاملاً للكون والحياة، لما كان عليه الإنسان قبل أن يأتي إلى الدنيا، لما سيؤول إليه وضع الإنسان، قيم الحق والباطل، قيم الخير والشر, كل هذه الأمور جاء بها الدين, فدل بهذا على أن القرآن شاهد من عند الله على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر اﻹلهي لرسوله بأن ينادي بالناس جمعياً بأنه رسول الله إليهم:
أنّ الله سبحانه وتعالى بيّن صفة أُولي الألباب الذين أعلنوا إيمانهم بالرسول الذي ناداهم إلى الإيمان بالحق، وبادروا إلى ذلك منذ عرفوا أن جوهر رسالة محمد صلى اله عليه وسلم حقٌ لا مرية فيه, قال تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 193)
أمر الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينادي في الناس جميعاً بأنه رسول الله إليهم جميعاً, وأن يبين لهم أن جوهر الرسالة هو الإيمان بالله الذي له ملك السموات والأرض, والذي لا إله إلا هو, والذي يحيي ويميت, وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ, لافتاً نظرهم إلى أن هذا الرسول فردٌ مثلهم يؤمن هو أيضاً بالرسالة التي يحملها إليهم فيؤمن بالله وكلماته, لذلك فعليهم أن يتبعوه ليهتدوا, قال تعالى في سورة الأعراف:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 158)
دعوة أهل الكتاب إلى اﻹيمان بهذه الرسالة:
أن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله محمداً أن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة الحق، التي هي سواء بين جوهر رسالته وجوهر رسالات موسى وعيسى وسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام فقال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 64)
كل هذه الفقرات لها محور واحد, وهو أنك إذا دققت وتأملت وتعمقت وتدبرت في مضمون الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام, تحكم بالدليل القاطع على أنه رسول الله
2- أنه يتميز بشخصية غير عادية شملت فيه الكمال اﻹنساني:
الدليل الثاني على أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول من عند الله: لدى دراسة شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم نلاحظ أن له شخصية غير عادية, أحياناً تجلس في مجلس، شخص متفوق من حديثه, من ملاحظاته, من أسلوبه في الحديث, من لغته، من ثقافته تعرفه, فلو أنك التقيت النبي عليه الصلاة والسلام لرأيت شخصية فذة غير عادية, لذلك قالوا: محمد سحر أصحابه, يعني انتزع إعجابهم, لأنه شخصية فذة, والله سبحانه وتعالى لا يصطفي لرسالته إلا صفوته من خلقه, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 33)
النبي عليه الصلاة والسلام سحر أصحابه بمعنى انتزع إعجابهم، تعلقوا به أيما تعلق، أحبوه حباُ فاق حدّ التصور، أطاعوه طاعة جاوزت حدود الخيال, لماذا؟ لأنه شخصية فذة, فهذه الشخصية الفذة, لا نجدها إلاّ في زمرة الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى لوحيه ورسالاته, ذلك أن شخصية النبي عليه الصلاة والسلام مصونة بالعصمة الربانية من جميع جوانبها، ومتصفة بصفات الكمال الإنساني في خلقه وسلوكه, وعصمته عن الخطأ في بيان حدود الصراط المستقيم لعقائد الناس وعباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم, أما إذا درست شخصية أخرى من الشخصيات التي تميزت في الأرض، لوجدت على الرغم من عبقريته سقوطاً في بعض جوانب شخصيته، سقوطاً في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه، لابد من جانب متميز وجانب مقصر, ليس هناك كمال مطلق, ليس هناك عصمة, ليس هناك إعداد رباني لهذا الإنسان, قد يعجبك علمه وتحتقر أخلاقه، قد يعجبك خلقه وتحتقر علمه, فالذين نبغوا في الحياة، نبغوا بجانب على حساب جانب, أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد استكمل الكمال البشري من كل جوانبه، فمن اتصف بهذه الصفات الراقية والكمال الإنساني، لابد أن يكون رسول الله سبحانه وتعالى.
شهادة التاريخ لرسول الله على أنه رسول الله من خلال أخلاقه وصفاته:
نزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، أول ما بدىء به من الوحي, وكان لنزول الوحي وقع ثقيل على نفسه, فرجع إلى زوجته خديجة يرجف فؤاده, ويقول: زملوني زملوني. فزملوه حتى إذا ذهب عنه الورع. فقال لخديجة واخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً, إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم, وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. شخصيته الفذة بفضائلها وقيمها وطباعها تتناسب مع شخصية رسول الله سبحانه وتعالى, فخديجة رضي الله عنها استدلت من خلال كمال صفاته التي تعرفها فيه أن الله لا يخزيه أبداً.
سيدنا الصديق رضي الله عنه لم يحتاج إلى أدلة تدله على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حينما دعاه إلى الإسلام, لأنه عرف عنه الكثير. النبي عليه الصلاة والسلام كان شخصية فذة قبل أن تأتيه الرسالة, كان كريماً، كان صادقاً، كان أميناً، كان عفيفاً، كان يحب الخير، كان قلبه رقيقاً، فهذه كلها صفات تليق برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولما بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بعض أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام, قالوا يا خالد: صف لنا محمداً، فقال: هو رسول الله والرسول على قَدرِ المرسل, ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى بطون مكة, يا بني عبد المطلب, يا بني عبد مناف، يا بني فلان, فلما اجتمعوا قال لهم:
" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"
(أخرجه البخاري عن ابن عباس في الصحيح)
ملك عُمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام, ماذا قال؟ قال: والله ما دلني على هذا النبي الأميّ إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يظفر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي, هذا كله دليل على أخلاق النبي.
عن ابن عباس, أن أبا سفيان أخبره: أن هرقل عظيم الروم أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً في الشام فأتوه, فدعاهم إلى مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمان، فقال: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم به نسباً؟ فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره, ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه, فقال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء من أن يؤثّر عليّ كذب لكذبت عنه, ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: والله هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا, قال: فهل كان من أبائه من ملك؟ قلت: لا, قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم, قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون, قال: فهل يرتد أحد منهم سخطاً لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا, قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا, قال: فهل يغدر؟ قلت: لا, ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها, لكي يوغر صدره, قال له: في غيابنا لا نعرف ماذا يعمل؟, قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم, قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه, قال: فبماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة, فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه: فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسبٍ من قومها، وسألتك: هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجلٌ يتأسّى بقول قبله، وسألتك: هل من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه, وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا, فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عزّ وجل، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه, وهم أتباع الرسل عادة، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون, وكذلك أمر الإيمان حتى يتم, وسألتك: أيرتد أحد منهم بعد أن دخل في الدين؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب, وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر, وسألتك: بماذا يأمركم؟ فذكرت أنه يأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً, وينهانا عن عبادة الأوثان, ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف, فإن كان ما تقوله حقاً: فسيملك موضع قدمي هاتين, في الوقت نفسه جاءه كتاب رسول الله الذي بعث به دُحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:(بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام, أسلم تسلم, يؤتك الله أجرك مرتين, وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ).
قال أبو سفيان: فلما فرغ من قراءة الكتاب كثُر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأُخرجنا, فقلت لأصحابي حين أخرجنا: إن محمداً يخافه ملك بني الأصفر، فمازلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام, هذه قصة تؤكد أن الإيمان برسول الله قد يكون من أخلاقه ومن صفاته الفضلى.
خلاصة الدرس:
دليلان كبيران على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, الأول فحوى رسالته والثاني أخلاقه, ففحوى رسالته تتناسب مع الذي أرسله الله سبحانه وتعالى، وأخلاقه الكريمة تتناسب مع الذي أرسله، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قال في حقه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة القلم الآية: 4)
ما تبقى من الدرس إلى موعد آخر إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-19-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثلاثون )




الموضوع : تتمة الأدلة القطعية على رسالة النبي عليه الصلاة والسلام





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأدلة القطعية على رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام:
3- أخبار الرسل السابقين في كتبهم ببعثة هذا الرسول:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل، ووصلنا في الدرس الماضي إلى أن هناك أربعة أدلة قطعية على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, تحدثنا عن الدليل الأول: وهو فحوى الرسالة, وعن الدليل الثاني: وهو شخصية النبي صلى الله عليه وسلم, واليوم إلى الدليل الثالث إن شاء الله تعالى:
الدليل الثالث: هو الاستدلال بأخبار الرسل السابقين بصفاته وانطباقها عليه تماماً: الرسل السابقون الذين جاؤوا برسالات من عند الله, في هذه الرسالات إشارات واضحة جداً إلى أنه سيأتي رسول في آخر الزمان اسمه أحمد, وله صفات معروفة مكتوبة عندهم في كتبهم المنزلة من عند الله سبحانه وتعالى, فنحن نعلم أن جميع الأنبياء عليهم السلام أخوة، لأن الذي أرسلهم هو الله سبحانه وتعالى برسالة توحيد واحدة, وإن من تمام رسالة كل رسول أن يؤمن بمن سبقه من رسل, وبما أنزل عليهم من كتب، لذلك فإن المؤمن يؤمن بالرسالات السماوية كلها وبالرسل كلهم وبالكتب المنزلة على رسله كلها، وأن يدعو قومه إلى الإيمان بما آمن، فما من مسلم إلا ويؤمن:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 285)
المصدر واحد, سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول: " صلوا في كل أوقاتكم، صلّوا وأنتم في أعمالكم، صلوا وأنتم في بيوتكم " لو تتبعت الكتب السماوية على حقيقتها قبل أن يطرأ عليها التعديل والتغيير, قبل أن يطرأ عليها التحوير, لوجدت مضمون الكتب السماوية مضموناً واحداً لأنه من أصل واحد, إذن من تمام رسالة كل رسول أن يؤمن بمن سبقه من رسل الله، وبما أنزل عليهم من كتب, وأن يدعو قومه إلى الإيمان بما آمن, كما أن من تمام رسالته أن يدعو قومه إلى الإيمان بكل رسول صادق يأتي بعده إن لم تكن رسالته خاتمة الرسالات السماوية, وبما أنَّ رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، فلن تجد في القرآن الكريم دعوة إلى الإيمان برسول قادم, لأن النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء, لكن في الإنجيل تجد دعوة للإيمان بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, وحيث أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يختم رسالات السماء برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ويجعلها عامة للناس, فقد بشّر برسالته في كتب الديانتين اليهودية والنصرانية ليحثّ أتباعهما على اتباع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم متى بعثه الله، وليجعل في كتبهم حجةً عليهم إذا هم أخذتهم العصبية، أو حجبهم الحسد عن أن يؤمنوا بالنبي الجديد، في الكتب السابقة إشارات واضحات إلى أنه سيأتي نبي كريم اسمه أحمد، واسمه أحمد يعني حقيقته أحمد الخلق، استمعوا إلى قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 89)
كانوا أهل الكتاب قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام يستفتحون على كفّار العرب, أي يستنصرون عليهم إذ يدعون الله أن يرسل إليهم الرسول المنتظر لكي يتبعونه فينتصرون به على المشركين، ربنا عزّ وجل يقول:
﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
أي النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله:
﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
يعني في كتبهم آيات دالة وصريحة على بعثة النبي ورسالته وأوصافه, وتعهدُ الله عزّ وجل بأن يكتب رحمته التي وسعت كل شيء لأهل الكتاب, الذين يؤمنون بمحمد بدلائل البشارة الموجودة في كتبهم, فقال تعالى في الأعراف:
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 156-157)
هذه الآيات كلها تؤكد أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الكتب السابقة آيات كثيرة عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى الرغم من كل التحريفات التي اصطنعها الأحبار والرهبان في التوراة والإنجيل، فقد بقي في نسخ التوراة والإنجيل حتى الآن كثير من هذه البشائر, وإن كان أهل الكتاب ممن يدخل في الإسلام يكابر في تطبيقها على محمد عليه الصلاة والسلام, وزاد الإنجيل على التنويه بصفات محمد فقد ذكر اسمه المشتق من معنى الحمد، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
(سورة الصف الآية: 6)
ذكر نوع من الأمثلة من التوراة واﻹنجيل على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام:
بعض الأمثلة من التوراة والإنجيل التي تتحدث عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام, ما جاء في نسخ الإنجيل وفق الترجمات العربية, أنّ اسم النبي المبشر به " فرقليط " هذا الاسم, اسم يوناني، تعريبه مشتق من الحمد, محمد وأحمد, الآية 15 من إنجيل يوحنا: " إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فرقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد. فأما إذا جاء الفرقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق, وهو يشهد لأجلي وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء, جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير واستعلن من جبال فاران, فاران يعني مكة ".
مما جاء في كتب بعض الديانات الأخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما ينحدر الفارسيون إلى الحضيض الخلقي, سيولد رجل في الجزيرة العربية يزلزل أتباعه عرشهم ودينهم وكل شيء لديهم، وسيغلب جبابرة الفرس المتغطرسين, وإن البيت المعمور الذي يضم كثيراً من الأصنام سيُطهّر من هذه الأصنام، وسيصلي الناس متجهين إليه، وسيستولي أتباعه على مدن باريس وتاوس وبلخ والمواقع الأخرى المحيطة بها, سيختلف الناس كثيراً بشأنه, أما عقلاء فارس فسينضمون إلى أتباعه. على كلٍ هذا بحث طويل في مراجعة الكتب القديمة، والتحقيق وقراءة ما جاء فيها من بشارات, نحن نريد من هذا كله حقيقة واحدة وهي أن من تمام رسالات الرسل أن يؤمنوا بالرسالات السابقة، ويدعوا أتباعهم إلى الإيمان بالرسالات اللاحقة إن لم تكن الرسالة خاتمة الرسالات.
الاستشهاد بأمثلة تاريخية على أتباع الرسل الذين آمنوا ببعثة النبي:
في يوم غزوة أحد جاء حبرٌ من أحبار يهود المدينة اسمه مُخَيريقٌ, وكان أحد بني ثعلبة إلى قومه, فقال لهم: يامعشر اليهود, والله لقد علمتم إن نَصْرَ محمدٍ عليكم لحق, قالوا: إن اليوم يوم السبت, قال: لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته, وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قُتل، فقال عليه الصلاة والسلام لمّا علم بالأمر: مُخَيريقٌ خير اليهود, رأى في التوراة ما يؤكد أن هذا النبي حق فذهب إليه, وقاتل معه, واستُشهد في أُحد.
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام كتاباً إلى النجاشي ملك الحبشة دعاه فيه إلى الإسلام, وهو أحد الكتب التي أرسلها الرسول إلى ملوك العرب, وملوك البلاد المجاورة للبلاد العربية آنذاك, وقد حمل هذا الكتاب إلى النجاشي سيدنا جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، ولما وصل إليه وعلم النجاشي مضمون كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: أشهد بالله إنه لنبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وقد كان النجاشي نصرانياً, ثم كتب إلى الرسول جواب كتابه إليه, فكان مما كتبه إليه: " فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً, وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين " وكان سبب إيمان النجاشي بمحمد عليه الصلاة والسلام معرفته بصفاته من الإنجيل وانطباقها عليه، سأتلو عليكم كتاب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى النجاشي: " بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة. فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن, وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله, وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه, وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له, والموالاة على طاعته, وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله, وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً، ونفراً معه من المسلمين, فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبّر فإني أدعوك وجنودك إلى الله, فقد بلّغتُ ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى " فلما وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه، ونزل من على سريره, فجلس على الأرض, ثم أسلم وكتب الجواب إلى النبي عليه الصلاة والسلام: "بسم الله الرحمن الرحيم, إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة بن أبجر. السلام عليك ورحمة الله وبركاته, الحمد لله الذي هداني للإسلام, أما بعد, فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى, فورب السماء والأرض إن عيسى ما زاد على ما ذكرت, وقد عرفنا ما بُعثت به إلينا, وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد إنك رسول الله صادقاً مصدقاً, وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين, وأرسلت إليك ابني أبرهة بن الأصحم بن أبجر, فإني لا أملك إلا نفسي فإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله " هذا هو جواب ملك الحبشة لذلك النبي الكريم حينما جاءه وفد الحبشة أبى ألا يخدمهم إلا بنفسه, وحينما توفي ملك الحبشة صلى عليه صلاة الغائب, لأنه عدّه أحد أتباعه، هذه رسالة رسول الله لملك الحبشة, وكما قلت قبل قليل: إن سبب إسلام النجاشي هو أنّ الصفات التي جاءت عنده في الإنجيل وجدها منطبقة على النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل كتاباً إلى المقوقس ملك القبط في الإسكندرية, قال في هذا الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتبع الهدى أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام, أسلم تسلم, يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فعليك إثم كل القبط ", قال الله:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 64)
أما جواب المقوقس, يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم, إلى محمد بن عبد الله من المقوقس. سلام عليك أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ماذكرت فيه وما تدعو إليه, وقد علمت أن نبياً قد بقي, وقد كنت أظن أنه بالشام وقد أكرمت رسولك، وأهدى الرسول عليه الصلاة والسلام أصنافاً من الهدايا أرسلها مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه, وكان هذا الصحابي هو الذي حمل كتاب الرسول إليه ".
قصة رابعة تتحدث عن إيمان أهل الكتاب بسبب ما عندهم في كتبهم من آيات تؤكد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام:
" أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال "أخرجوا إلى أعلمكم فقالوا: عبد الله ابن صوريا. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشده بدينه وبما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، أتعلم أني رسول الله؟ قال: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم "
( ورد في الأثر )
قَدِمَ الجارود بن العلاء من علماء النصارى مع وفد من قومه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: " والله لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبياً، لقد وجدت وصفك في الإنجيل، وبشّرَ بك ابن البتول، فطول التحية لك, والشكر لمن أكرمك، لا أثر بعد عين، ولا شك بعد يقين مديد، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله " هذه كلها أدلة تؤكد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام, وأنَّ الرسل السابقين بُشّروا بهذه البعثة.
أمّا قصة عبد الله بن سلام:
" عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعَ عبد الله بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ جِبْرِيلُ قَالَ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلائِكَةِ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ رَجُلٍ عبد الله فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا قَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عبد الله بْنُ سَلامٍ فَقَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ عبد الله فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ "
(رواه البخاري عن أنس في الصحيح)
المقصد من هذه الأمثلة والآيات، للتأكيد على أنه من الدلالة القاطعة على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الأوصاف الدقيقة التي جاءت في كُتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل.






والحمد لله رب العالمين

عاشقة الأنس
06-19-2018, 11:31 AM
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك

السعيد
06-20-2018, 06:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )




الموضوع : الاستدلال بالمعجزة




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأدلة القطعية على رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
4- الاستدلال بالمعجزة التي يجريها الله على يد النبي:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل, وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الدليل الثالث على الإيمان بالرسل, وهو ما ورد في الكتب السماوية السابقة من بشارات بالأنبياء بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, واليوم ننتقل إلى الدليل الرابع من الأدلة على صدق إرسال الرسل ونبوة الأنبياء إن شاء الله:
الدليل الرابع: هو الاستدلال بالمعجزة التي يجريها الله سبحانه وتعالى على يد النبي: لقد علمنا من تاريخ الأمم أن كل أمةٍ جاء فيها رسول يدّعي النبوة كانت تطلب منه برهاناً على صدقه, ومن حقها أن تطالب بهذا البرهان إن لم يحصل لها العلم بنبوته من طريق آخر, وذلك للتثبت من صحة نبوته, يشهد بهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَة "
( ورد في الأثر)
كل نبي أيده الله سبحانه وتعالى بمعجزة تُثبت لقومه أنه نبي, ما المعجزة؟ فالمعجزة: ممكنة عقلاً، ممتنعة عادةً، يجريها الله على يد من أراد أن يؤيده ليثبت بذلك صدق نبوته وصحة رسالته. الذي خلق الماء، أعطاه هذا التركيب، هذه السيولة هو الذي صممه هكذا، هو قادر على أن يجعله طريقاً يبساً, فالمعجزة ممكنة عقلاً, ممتنعة عادة, لذلك لا تُجرى إلا على يد نبي تأكيداً للناس على أن هذا هو نبي مُرسل من عند الله سبحانه وتعالى, أن يضرب موسى بعصاه الحجر فتنفجر اثنتا عشرة عيناً، هذه معجزة، أن يأتي سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فيحيي الميت، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، أو ينبئهم بما في بيوتهم, هذه أشياء لا يستطيع بشر أن يفعلها، إنها فوق إمكانات البشر، الحواجز المادية تحجب علم البشر، سيدنا موسى أمسك العصا فإذا هي ثعبان مبين، نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً، ضرب الصخر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، هذه كلها أشياء ممتنعة عادة، ممكنة عقلاً، خالق الكون بإمكانه أن يفعل ما يشاء هو على كل شيء قدير قال الله:
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾

(سورة يس الآية: 82
مما تعلمنا في الكيمياء أن العناصر لها نواة, وحول النواة كهارب, هناك عنصر حوله كهروب واحد، هذا أبسط العناصر، هناك عنصر حوله كهروبان وهكذا, فهناك عنصر بنيته صلبة, وهناك عنصر آخر بنيته غازية، والعناصر كما تعرفون: إما أن تكون صلبة كالمعادن وأشباه المعادن، وإما أن تكون سائلة, وإما أن تكون غازية، فبين عنصرين أحدهما صلب والآخر غازي كهروب واحد, فلو أن الله سبحانه وتعالى أجرى تعديلاً طفيفاً على بنية العنصر كان غازاً فصار صخراً، كان ماءً فصار طريقاً يبساً، فالمعجزة ممكنة عقلاً، هو الخالق، هو المصمم، هو المخطط، الذي أعطى الحديد هذه القساوة يمكن أن يجعله ليناً قال الله:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾
(سورة سبأ الآية: 10)
الخالق الذي جعل الإنسان عن طريق أب وأم, يمكن أن يجعله عن طريق أبٍ من دون أم، أو عن طريق أمٍ من دون أب، فالمعجزة كما تحدثنا عنها في دروس سابقة حينما وصلنا إلى واجب الوجوب والمستحيل والممكن، فأي شيء آخر غير الشيء الذي عليه ممكنة عقلاً، فممكن أن يكون الماء صلباً والحديد سائلاً، ممكن أن يعيش الإنسان بدون طعام، كل شيء ممكن، لذلك ربنا عزّ وجل قال:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة الانفطار الآية: 8)
فالذي صممه أن يعيش بالطعام, يمكن أن يصممه أن يعيش من دون طعام، لكن هذا الذي هو عليه الإنسان هو ليس في الإمكان أبدع مما كان, هو أنسب وضع له، فهذا الذي ينكر وقوع المعجزة فقد عطّل تفكيره, هذا الكون من صممه؟ خالقه, مادام قد صممه على هذا الوضع فبقدرة الخالق أن يصممه تصميماً آخر,على وضعٍ آخر, النار من أعطاها قدرة الإحراق؟ الله سبحانه وتعالى الذي أعطاها قدرة الإحراق يستطيع أن يسلبها هذه القدرة قال الله:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 69)
قال المفسرون: لولا أن الله عزّ وجل قال:
﴿وَسَلامًا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
لمات من شدة البرد وهو في النار قال تعالى:
﴿بَرْدًا وَسَلامًا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
إذا فكرت في الكون تستشف عظمة الخالق، لا تستبعد أن تقع أية معجزة يجريها الله عزّ وجل على يد نبيه, فالإيمان بالمعجزة أمر ممكن عقلاً ممتنع عادة، لا يستطيع أن يفعلها سائر البشر، حينما يأتي النبي بهذا, فهذه شهادة من عند الله بأن هذا الرسول رسولي وهو صادق فيما يقول, لأن الذين يتحداهم الرسول بالمعجزة بشراً أو غيرهم، لا يستطيعون الإتيان بمثلها منفردين ولا مجتمعين في حدود قدراتهم الممنوحة لهم بحسب مستواهم, أحياناً يجري الله سبحانه وتعالى المعجزة على يد النبي من دون أن يطالَبَ بها، وأحياناً يُطالَبُ بها, فإذا جاءت من دون طلب, فمعنى ذلك أن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن تؤيد هذا النبي الكريم بهذه المعجزة, وإن طُولب بها النبي فكان الإتيان بها تحدياً لهؤلاء المعاجزين، الذين علقوا إيمانهم بهذا النبي على أن يأتي لهم بمعجزة.
من شروط المعجزة:
1- أن تكون خارقة للعادة:
العلماء وضعوا بعض الشروط للمعجزة:
أولاً: أن تكون من الأمور الخارقة للمعتاد المألوف في قوانين الكون وأنظمته الدائمة: مثلاً لو أصيب إنسان بمرض, وجاء الطبيب وفحص المريض, وعرف الداء وشخّص له الدواء, وتناول الدواء وشفي الداء، هذا أمر ممكن عادة, فلا يسمى إبراء هذا المريض بمعجزة، ولكن أن يأتي نبي كريم فيضع يده على هذا المريض فيشفى، يضع يده على عينيه فيبصر، يضع يده على جلد الأبرص فيعود جلداً ناصع البياض متألقاً، هذا هو الخارق للعادة، يجب أن تكون المعجزة خارقة للعادة, أما إن كانت وفق مألوف العادة لا ترقى إلى مستوى المعجزة.
2- التحدي:
ثانياً: أن يتحدى بها النبي من تناولتهم دعوته وشملتهم رسالته: فإن جرى خارق العادة على يد غير مدعي الرسالة، المتحدي بالإتيان بمثلها فإنــها لا تكون معجزة وقد تكون كرامة، يعني يجب أن تتم هذه على يد النبي نفسه، ولو تمت على يد آخر هذه ليست معجزة إنما هي كرامة.
3- أن تتعذر معارضته:
ثالثاً: أن تَعجز الأمة وجميع البشر عن المعارضة بمثلها على الصورة الخارقة التي تم تحديهم بها: يعني أن يصل الإنسان إلى كوكب بمركبة هذا ليس بمعجـزة, لأن قوانين الأرض كلها طُبقت على هذه المركبة، فهذه المركبة فيها ضغط جوي، فيها هواء، فيها طعام، فيها اتصال لاسلكي، هذه البذلة الفضائية التي ارتداها رواد الفضاء، فيها ضغط كاف، فيها هواء مضغوط، فيها تنفس، فحينما يتم خرق العادة وفق قوانين الأرض هذا لا يُعد معجزة، ولكنه يجب أن تتم خلافاً لقوانين الأرض، حتى أن صعود الإنسان إلى القمر كان وفق قوانين الأرض، ما هي المركبة الفضائية؟ هي جميع الشروط المتوافرة على سطح الأرض جمعت في هذه المركبة, هذا وفق قوانيــن الأرض، لكن الإسراء والمعراج معجزة، لأنها خلاف القوانين التي ألفها البشر، ولكن هذه المعجزة ليست للناس، إنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا﴾
( سورة الإسراء الآية: 1)
4- أن لا تكون مكذبة له:
رابعاً: يشترط في المعجزة بالإضافة إلى الشروط السابقة ألا يكون الأمر الخارق للعادة متضمناً تكذيب مدعي النبوة الذي جرى هذا الأمر الخارق على يديه: قد يأتي على يديه أمر خارق لكن يُكذبه لا يصدقه, كما حكي أن مسيلمة الكذاب لما قيل: إن محمداً وضع يده على عين أرمد فشفيت، فأرنا مثل ذلك فوضع يده على عين أرمد فعميت، هذا العمل خارق للعادة لكنه كذّبه ولم يصدقه, أما إذا طُلبت المعجزة تعنتاً، وشططاً، واستخفافاً، فأغلب الظن أن الله سبحانه تعالى لا يستجيب لهؤلاء المتعنتين، أنت كمعلم حينما تُسـأل بدافع الفهم تُجيب, أما حينما تُسأل بدافع آخر لا تجيب قال تعالى:
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 132)
افعل ما شئت لن نؤمن بك، إذاً هؤلاء القوم لا يستحقون أن يجري الله لهم معجزة، كفار قريش طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام بعض المعجزات تعنتاً، وسخريةً، وتعجيزاً، وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 90- 93)
تعليق صغير: أن الذي يتعامى عن ما في الكون من معجزات، الكون بوضعه الراهن, بأنظمته الطبيعية، بسننه الثابتة، بقوانينه المحكمة، هو بحد ذاته معجزة، فمن تعامى عن هذه المعجزة، لن يؤمن بخرق هذه العوائد، لذلك ورد في الأثر:: "حسبكم الكون معجزة "
( ورد في الأثر)
الكون بما فيه دليل على المعجزة:
الشمس: ستة آلاف درجة على سطحها، عشرون مليون درجة في باطنها، مضى تألقها خمسة آلاف مليون عام، فمن أين تأتي الشمس بهذه الطاقة؟ هناك نجمٌ يسع الشمس والأرض مع المسافة بينهما، هناك ثقوب بالفضاء سوداء إذا دخلتها الأرض أصبحت كالبيضة مع وزنها نفسه
خلق الإنسان معجزة، هذا القلب الذي ينبض في رحم الأم، قلب الجنين الذي ينبض وهو في الرحم، ليس هناك هواء وليس هناك رئة، الرئة معطلة والهواء غير موجود، فالله سبحانه وتعالى بحكمة بالغة جعل بين الأذينين ثقباً، للقلب أذينان وبطينان، الذي اكتشفه عالم اسمه بوتال هذا الثقب يسمح بمرور الدم من الأذين الأيسر إلى الأذين الأيمن، لأن الدم يتلقى ويتجدد ويكسب الأوكسجين عن طريق دم الأم من خلال المشيمة، فيأتي الدم إلى الأذين الأيسر فينتقل عبر هذا الثقب إلى الأذين الأيمن في الجنين, هذا الجنين خرج إلى الدنيا وأمسكته القابلة من قدميه, واستنشق الهواء لأول مرة، وصرخ صرخته المعهودة, ما الذي حصل؟ هكذا الأطباء قالوا: قال تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، والله إنها معجزة, لو أن الإنسان بقي ثقبه مفتوحاً لأصيب بمرض اسمه مرض الـزرق الذي لا يسمح للإنسان أن يعيش فوق عشر سنوات، يحتاج لكي يسير أمتاراً إلى جهد كبير، دمه أزرق، لأن الدم بدل أن يذهب إلى الرئة ليتخلص من غاز الفحم، ويأخذ الأوكسجين من الهواء الخارجي، ينتقل مباشرة عبر هذا الثقب إلى الأذين الأيمن، إذن يبقى الدم غير نقي, من أين يأتي الإنسان بالطاقة؟ يحتاج إلى أوكسجين لحرق المواد السكرية، فلو أن هناك عملية جراحية معقدة تُجرى لهذا الإنسان، العلماء قالوا: احتمال نجاحها 30% وتكلف أكثر من 200 - 300 ألف ليرة، يحتاجون إلى شق الصدر بالمنشار، وتوسيع هذه الريش وإخراج القلب من مكانه، وقطع الشرايين الكبرى، ووصلها بقلب صناعي, وشق القلب، وفتح الجدار بين الأذينين، وإغلاق هذا الثقب عن طريق الخياطة وبعدئذٍ يمسدون القلب، إما أن يتحرك وإما أن يموت، احتمال الموت بالمئة سبعين، يد من وصلت إلى هذا الثقب وأغلقته؟ إنها معجزة.
طائر يطير من شمال أمريكا إلى جنوبها، أطول رحلة يقوم بها 86 ساعة طيران متصلة، هل في الأرض كلها طائرة تطير في الجو ستاً وثمانين ساعة متصلة؟ أليس هذا معجزة؟
أن يأتي سمك من أعالي الأنهار في أمريكا ويتجه نحو المحيط الأطلسي، إلى أن يصل إلى غرب أوروبا، ينمو ويكبر، ثم يعود إلى مسقط رأسه، هذا السمك، وهو على سواحل فرنسا أو سواحل إسبانيا فيتجه غرباً إلى مسقط رأسه، لو كانت زاوية اتجاهه درجة زيادة، يأتي إلى شمال أمريكا، فكيف يتجه هذا السمك وهو تحت الماء إلى مصب الأمازون؟ كيف يرسم له هذا الطريق ؟ أليس هذه معجزة ؟ سمك من أعالي النيل " ثعبان الماء"، يخرج من أعاليه إلى البحر المتوسط يتجه غرباً إلى مضيق جبل طارق، يصعد شمالاً على سواحل إسبانيا، ثم يدخل بحر المانش ليصل إلى بحر الشمال ويعود من حيث جاء، أريد أن أؤكد لكم أن الكون بحد ذاته هو معجزة, كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: " حسبكم الكون معجزة ".
خلق الإنسان, تحدثنا عن المخيخ يوم الجمعة, التوازن، هل التوازن سهل؟ عملية بالغة التعقيد، أن تمشي على قدميك، أن تقف، أن تركع، أن تسجد، أن تقوم، لولا هذا الجهاز العصبي، لما أمكنك أن تفعل هذا، لكن لو كان أحد يمشي وشاهد أفعى، ماذا يحدث له؟ من منكم يصدق أن هناك أعمال داخلية تجري في الجسم لا يصدقها العقل، إذا وقعت عين إنسان على منظر أفعى, يتم الإحساس بالعين, وتنتقل الصورة عبر العصب البصري إلى الدماغ، الدماغ يترجم هذه الصورة، في الدماغ إدراك, وفي العين إحساس، الدماغ يدرك أن هذه أفعى وخطيرة وسمها خطير، وقد تكون لدغتها مميتة، الدماغ ملك الجهاز العصبي، يأمر ملكة الجهاز الهرموني وهي الغدة النخامية، ملكة جميع الغدد الصماء في الجسد تأتمر بأمر ملكة واحدة هي الغدة النخامية، لا يزيد حجمها على حبة العدس في الدماغ، الدماغ يأمر ملكة الغدة النخامية النظام الهرموني عن طريق ضابط اتصال, هناك ضابط اتصال بين المخ وبين الغدة النخامية, هذا الضابط هو الجسم تحت السرير البصري في جذع الدماغ، الغدة النخامية تعطي أمراً عاماً إلى الكظر، غدة فوق الكلية، هناك خطر أيها الكظر تصرف، " هذه كلها كلمات مجازية، ليس هناك إلا الله عزّ وجل "، الكظر يصدر أمر هرموني إلى كل الشرايين والأوردة بتضييق لمعتها لتوفير الدم للعضلات، تجد رجل له وجه أزهر مورّد، فإذا خاف اصفر وجهه، أين لونه الأحمر؟ لأنَّ الكظر أعطى أمر لكل الشرايين لتضييق اللمعة، لقد ذهب جزء من دمه الذي قد وفرناه من الشرايين ليتجه إلى العضلات ليعينها على مواجهة الخطر، يصدر الكظر أمراً ثانياً إلى القلب بمضاعفة ضرباته، لماذا ؟ لأن سرعة الدم في الشرايين تحددها عدد ضربات القلب، فمن أجل تلبية حاجة العضلات إلى الطاقة، الدم يسرع في الشرايين عن طريق سرعة ضربات القلب، من أعطى القلــب هذا الأمر, قال: الكظر؟ لو أن القلب أسرع والرئة على الوضع الطبيعي، مستحيل، لا يلحق القلب، لابد من أن يزداد خفقان الرئتين من أجل تلبية حاجة القلب بتصفية الدم، يخرج أمر رابع للكبد بطرح كمية سكر زائدة في الدم من أجل أن تحترق، وتوفر للعضلات طاقة، أليس هذا معجزة؟ فهل تدري ماذا حصل؟.
لماذا الماء، اجعل الماء بدرجة الغليان لمئة درجة وبرّده لتسعين درجة لانكمش، لو لدينا أجهزة دقيقة جداً تقيس حجم الماء لانكمش "70/60/40/30/10/9/8/5/+4 درجات" وبعد هذه الدرجة ينعكس الموضوع يزداد حجم الماء، فلولا هذه الظاهرة لما كنّا على سطح الأرض, لولا أن الماء يزداد حجمه عندما يصل تبريده إلى درجة + 4، البحار يتجمد منها القسم السطحي فقط، كلما تجمد الماء، ازداد حجمه، قلّت كثافته، طفا على سطح الماء، بهذه الطريقة تبقى البحار كلها سائلة, لو أنه برد انكمش، فزادت كثافته، فغاص في الماء، خلال سنوات تصبح البحار كلها متجمدة من سطحها إلى أعماقها، وإذا تجمدت انعدم التبخر، وإذا انعدم التبخر انعدم المطر، وإذا انعدم المطر انعدم الإنبات، وإذا انعدم الإنبات مات الحيوان، وإذا مات الحيوان مات الإنسان وانتهت الحياة كلها من على سطح الأرض، أليس هذا بمعجزة؟
أشعة الشمس أشعة قاتلة، فيها مواد ضارة بالإنسان, من خلق طبقة الأوزون، هذه الطبقة تحمي الكائنات الحية التي على سطح الأرض من أشعة الشمس الضارة، كل سبعة أشخاص في أمريكا، واحد منهم مصاب بسرطان الجلد, السبب؟ أن كثرة إطلاق الصـواريخ والمركبات، طبقة الأوزون تخلخلت، من تخلخل هذه الطبقة نفذت أشعة الشمس المؤذية، من خلق طبقة الأوزون؟ أليست هذه بمعجزة؟
هذه الشجرة لو أنَّ الماء انقطع عنها؟ هذه الشجرة ماذا يحصل لها؟ أول شيء يحصل لها أن أوراقها تذبل، لماذا كان الذبول في أوراقها؟ لأن الشجرة إذا انقطع الماء عنها تستهلك أول ما تستهلك ماء أوراقها، ثم تستهلك ماء الأغصان، ثم تستهلك ماء الفروع، ثم تستهلك ماء الجذع، ثم آخر ما تستهلكه ماء الجذور، حفاظاً على الأمل، يعود البستاني إلى بستانه بعد شهرين الشجرة يابسة, لكن بقية حياة في جذرها، يسقيها فتعود كما كانت؟ والله أشعر مهما تكلمت عن ظواهر الكون العدد لا يُحصى، وهذا العلم محدود، ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 85)
تكريم الله للنبي محمد بأن جعل معجزته مستمرة إلى يوم القيامة:
لذلك من تكريم الله سبحانه وتعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام أن المعجزة التي جاء بها مستمرة، وهي القرآن الكريم, أما المعجزات التي جاء بها الأنبياء انقلبت إلى أخبار, كوقائع انتهت بقيت أخباراً، لما فرعون تتبّع سيدنا موسى فانتقل من ضفة إلى أخرى كلها ماء، فهذه معجزة انتهت وبقيت خبراً, إما أن تصدقه إن كنت مؤمناً أو تكذبه إن كنت غير ذلك, لكن المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام وهي القرآن الكريم مستمرة, قال الله:
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
( سورة الأعراف الآية: 73)
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 88)
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 23)
سوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في دروس قادمة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 06:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )




الموضوع : معجزات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من إرهاصات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام قبل النبوة:
1- ولادته من أم من دون أب:
تحدثنا عن المعجزة تعريفاً، وبياناً، وشروطاً في الدرس الماضي، وفي هذا الدرس سنورد بعض المعجزات التي خصّ بها الله سبحانه وتعالى رسله السابقين, فمثلاً: سيدنا عيسى عليه وعلى نبينــا أفضل الصلاة والسلام, كان عيسى عليه السلام خاتمة أنبياء بني إسرائيل, وقد أرسله الله إليهم وأنزل عليه الإنجيل, وأيده بخوارق عادات باهرات، من هذه الخوارق: ما كان إرهاصاً لنبوته, ومعنى إرهاصاً: أي دليلاً مسبقاً على نبوته، تمهيداً لنبوته، إثباتاً لنبوته، ومنها ما كان معجزة مرافقة لرسالته ليشهد الله له بصدقه فيما يبلغ عن ربه.
من إرهاصاته ولادته من أمٍ من دون أب: وقد شهد الله بذلك في القرآن معلناً براءة أمه وحصانتها, موضحاً طريقة تكوينه في بطنها بوساطة نفخة من جبريل عليه السلام, الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان، صممه على أن يتكاثر عن طريق الزواج, فالزوج والزوجة ينجبان أولاداً هذه سنة الله في خلقه, وكأن سبب إنجاب الولد هو هذا الزواج, ومع مرور الأيام ترسب في أوهام الناس أن الزواج وحده هو سبب إنجاب الأولاد, وكأن الله سبحانه وتعالى لا دخل له في ذلك, إذا اعتقدت أن السبب وحده كافٍ لإحداث النتيجة فهذا شرك, السبب وحده لا يكفي، لابد من فعل الله سبحانه وتعالى, لذلك مادام الزوج والزوجة - في العادة - ينجبان أولاداً، ربنا سبحانه وتعالى سيأتينا بأربعة حالات خاصة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/414/01.jpg
1- أن يأتي المولود من زوج بلا زوجة وهذه حال السيدة حواء.
2- أن يأتي المولود من زوجة بلا زوج وهذه حال سيدنا عيسى.
3- أن يأتي الطفل من دون أب ولا أم كما هي الحالة في سيدنا آدم.
4- وقد يتزوج الرجل بامرأة والرجل شاب في ريعان الشباب, والزوجة شابة في ريعان الشباب ولا ينجبان أولاداً.
فهل السبب وحده كافٍ لإحداث النتيجة؟ الجواب لا, فربنا عز وجل من حين لآخر يريد أن يعلمنا أن السبب وحده لا يكفــي لإحداث النتيجة، لا بد من المسبب الأول وهو الله سبحانه وتعالى، فإما أن يعطّل السبب وإما أن يلغيه، انظر معنى التعطيل ومعنى الإلغاء: قد يكون الزوجان شابان لا ينجبان أولاداً، الله عطّل السبب, وإما أن يلغيه يحدث إنجاب أولاد من دون أب, كما هي الحال عند سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, هذه عقيدة ومهمة جداً.
نموذج من الأمثلة لبيان الحقيقة بأن الفاعل الحقيقي من وراء هذه الأسباب هو الله:
لو أن مصباحاً كهربائياً وُضع في جهة ما من الغرفة, ووضع إلى جانبه مفتاح كهربائي لا علاقة له بالمصباح إطلاقاً، ليس هناك اتصال بينهما، ووضع خط بين المصباح، خط كهربائي سرّي إلى مكان يجلس فيه إنسان، دخل إلى الغرفة داخـــل رأى مصباحاً ورأى مفتاحاً، فتوجه إلى المفتاح وضغط المفتاح فتألق المصباح، هذا الجالس على كرسي وثير في مكان بعيد بمجرد أن وضع الداخل يده على المفتاح ضغط من عنده الزر فتألق المصباح, فتوهم هذا الداخل أنه هو الذي حرّك الزر فتألق المصباح، فهذا الجالس أراد أن يعرّفه أن ضغطك لهذا الزر لا علاقة له لتألق المصباح, ولا يكفي ضغط الزر لتألق المصباح, فدخل مرة وتوجه إلى المفتاح وضغط الزر فلم يتألق المصباح, وفي مرة ثانية جعله يدخل وجعل المصباح يتألق من دون ضغط الزر، هدف هذا الجالس على الكرسي: أن يعرف هذا الداخل أنه ليس هو الذي يؤلق المصباح, يقول لك: هذه البرزة مُبرمجة, ففي النواة عرى مُلونة " جينات " تحمل مورثات، عبارة عن تعليمات مرسومة على العرى الملونة في الجينات والجينات فيها خمسة آلاف مليون معلومة، كلما قلنا: هذه النواة مسؤولة عن تشكل الجنين, وهذه الغدة مسؤولة عن تنظيم توازن السوائل، وهذه الغدة مسؤولة عن إحداث الاستجابات الكافية عند الخطر، وهذا المركز مسؤول عن توازن السوائل، وهذا المركز مسؤول عن التنفس، بمعنى أيها الدارس تعطي المادة فوق حجمها، تجعلها عاقلاً، تجعلها إنساناً مخططاً عاقلا، هذا شرك بالله عزّ وجل.
مثلاً آخر: لو أنّ مطبعة من أحدث المطابع صممت لطبع الورق على وجهين بشكل مستمر، تطبع لوجهين ولخمسة ألوان، هذه المطبعة مصممة تصميم رائع جداً، خبرات العالم كله في مئة عام سابقة مجموعة في هذه المطبعة، هذه المطبعة تُشبه تصميم الخلق، أسطواناتها، أجهزتها الإلكترونية، فيها عقول إلكترونية، فيها قطع ضوئية، فيها تنضيد ضوئي، فيها أشياء دقيقة جداً، فيها لوحات التصوير، فيها لوحات اللمس، فيها تطابق الألوان، هذه المطبعة بهذا التصميم، بهذه الأدوات، وبهذه التحكمات، تشكل الخلق, ما قيمة المطبعة من دون ورق، ومن دون حبر؟ لا قيمة لها، الأوراق والحبر يشكل الإمداد أي التربية, وحينما يُضغط على الزر فتعمل الكهرباء عملها، في المولدات، وتحرك العجلات، هذه الكهرباء هي الإرادة الإلهية في إحداث الشيء تقريباً, أصبح عندنا: خلق، و تربية، تسييــر، فالشيء الذي تراه أعينكم فيه خلق وفيه تربية وفيه تسيير, علماء التوحيد لخصوا هذا كله في كلمتين فقالوا: عندها, لا بها, يعني عند الإرادة لا بالسبب, الشيء يحدث عندما يريد الله له أن يحدث, لا باتخاذ الأسباب، لذلك قال العلماء: اتخذ الأسباب وتوكل على رب الأرباب, توكل على مُسبب الأسباب, أردت من هذا الكلام أن تعلموا أن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة, لا بد من فعل الله عزّ وجل في كل مرة, هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة, وهي عقيدة السلف الصالح, هذه هي العقيدة المستنبطة من آيات القرآن الكريم، تقول: هذه الغدة مسؤولة عن الكظر، والبنكرياس مسؤول عن الأنسولين الذي يحرق السكر في الدم، والصفراء مسؤولة عن إفراز المادة الصفراوية والمواد الدسمة، وكل ما واجهك مشكلة تعزوها إلى عنصر, أو إلى غدة، أو إلى جهاز، أو إلى خلية، هذه المواد حينما تجلّى الله عليها, جعلها تقوم بهذه المهمات المعقدة, فعندها لا بها, فالبنكرياس مصمم تصميم رائع، صممه الخالق، وأمده بمواد خاصة عن طريق الدم، ثم سمح له أن يعمل بإشراف الله سبحانه وتعالى, لا يوجد مرض عضـال، كل أجهزتك بيد الله سبحانه وتعالى يُعملها أو يعطلها, من هنا نفسر ما يسميه الأطباء بالشفاء الذاتي.
كل إنسان ينجب ولداً, هذا الولد من خلق الله، يد الله هي التي صورته في الرحم، الرّب هو الذي أمده بالغذاء، الخالق هو الذي خلقه على هذا الشكل، الإرادة الإلهية هي التي فعلت فعلها في تصويره في رحم الأم، فكل شيء يمكن أن تفهم من خلاله الخالق، والرب، والمسيّر، فهذه هي المعجزة الأولى لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
أدلة الكتاب والسنة حول موضوع الأسباب والتأثر بها ونسيان المؤثر:
قال عليه الصلاة والسلام:
" عن عَبْدَ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ وَكَانَتْ تَخْدِمُ بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ابْنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ "
( ورد في الأثر )
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
(سور الزُمر الآية: 62)
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
(سور هود الآية: 123)
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
(سور الشورى الآية: 53)
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
(سور الأنفال الآية: 17)
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
(سور الفتح الآية: 10)
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سور فاطر الآية: 2)
2- كلامه في المهد:
المعجزة الثانية من معجزات إرهاصات النبوة: تكلمه وهو صبي في المهد، وفي حكاية كلامه وهو صبي, ووصف لحال أمه حينما جاءت إلى قومها تحمله، قال تعالى في سورة مريم:
﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾
(سورة مريم الآية: 27- 34)
معجزات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:
وأما معجزاته: فقد أرسل الله عيسى عليه السلام في قومٍ يفاخرون بمهاراتهم بالطب، بحسب مستوى زمانهم, فأجرى الله على يديه معجزات باهرات تُشاكل نوع مهارة قومه بحسب الصورة, ولكن بمستوى لا يستطيع الطب بالغاً ما بلغ أن يصل إليها، فمن هذه المعجزات:
1- نفخ الروح في الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله, هذه معجزة فوق طاقة البشر.
2- أنه يمسح الأكمه, والأكمه هو الذي وُلد أعمى، ما رأى النور في حياته, فيبرئه بإذن الله.
3- أنه يمسح على الأبرص فيشفيه بإذن الله, والبرص من أعقد الأمراض التي تستعصي على الطب.
4- أنه يحيي الموتى بإذن الله, بعضهم قال: بالنداء, وبعضهم قال: بالنفث.
5- أنه يُنبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم, وهذا نوع من الاطّلاع على الأشياء المحجوبة والبعيدة, ونفوذ العلم بها إلى ما وراء الحجب مستحيل.
6- أنه كفّ الله بني إسرائيل عنه حينما أرادوا قتله, وألقى شبهه على من دلّ على مكانه ثم رفعه إليه:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾
(سورة النساء الآية: 157)
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
( سورة النساء الآية: 157-158)
7- أن الحواريين طلبوا من سيدنا عيسى عليه السلام أن يُنزل الله عليهم مائدة من السماء ليأكلوا منها, ولتطمئن قلوبهم بالإيمان فيثبتوا عليه, فدعا عيسى ربه فأنزل عليهم المائدة التي طلبوها فكانت معجزة كبيرة له.
ينبغي على المسلم أن يكون إيمانه وفق الكتاب والسنة لأن القضية مصيرية:
بالمناسبة: لا تقبلوا مني شيئاً من دون دليل, أعيد على أسماعكم وأقول: " إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل", الحقيقة لها علاقة بالإيمان، يبنى عليها مستقبلك وسعادتك، لا تقبل لا مني ولا من غيري من دون دليل، الدليل يجب أن يكون نصاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة, القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة المتواترة تواتراً لفظياً أو معنوياً: هي نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, أو هناك دليل عقلي ويجب أن يطابق دليلاً نقلياً، لأن الدين يثبت بالنقل لا بالعقل وحده, يقول لك: أنا عقلي يقول لي: أنَّ الصلاة ليس لها لزوم, هذه مستحيلة, من أنت؟ هذا دين, هذا شرع, لذلك لا تقبل من أحدٍ شيئاً إلا بالدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة، والدليل النقلي والعقلي لأن العقيدة خطيرة جداً.
هذه الحقائق من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة, ومن أنكرها فقد كفر, قال أحد الأئمة الكبار: ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس, وما جاءنا عن غيره فنحن رجال وهم رجال، وقال بعضهم: كل إنسان يُؤخذ منه, ويُرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء, حرر عقلك, ينبغي أن تفهم الأمور فهماً منهجياً، فكرة تحتاج إلى دليل، آية قرآنية, يجب أن تكون قطعية الثبوت قطعية الدلالة، كيف؟ ربنا عزّ وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
)سورة البقرة الآية: 183(
هذا قرآن، القرآن قطعي الثبوت، ولكن وجوب الصيام يُستنبط من هذه الآية بدلالة قطعية، أما لمّا ربنا عزّ وجل يقول:
﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
(سورة الواقعة الآية: 20-21)
فهل يمكنك تكفير شخص أكل الطعام قبل الفواكه؟ صحيح أن هذه آية قرآنية لكن الدلالة منها ظنية, يُفهم منها أحياناً أنه يُستحسن أن تأكل الفاكهة قبل الطعام, أما هل هناك دلالة قطعية بذلك؟ لا، لذلك يكفر الإنسان حينما يُنكر الدلالة القطعية.
المعجزات التي وردت في سورة المائدة بشأن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:
في سورة المائدة نصٌ جمع كل هذه المعجزات قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ * إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 110- 115)
كل هذه المعجزات التي منّ الله بها على سيدنا عيسى بن مريم, وردت في هذه الآيات الطوال من سورة المائدة, إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن معجزات سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, وقد نعرّج على معجزات بعض الأنبياء الآخرين.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 06:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )




الموضوع : معجزات سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
معجزات سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام:
1- معجزة العصا:
تحدثنا في الدرس الماضي عن معجزات الأنبياء, ومنها معجزات سيدنا عيسى عليه السلام, واليوم إلى بعض معجزات سيدنا موسى عليه السلام:
المعجزة الأولى: انقلاب عصاه حية تسعى، ثم ابتلاعها حبال سحرة فرعون وعصيهم, يروي بعض المفسرين أنّ الله سبحانه وتعالى لما سأل سيدنا موسى قال:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
(سورة طه الآية: 17)
هذه الصيغة صيغة سؤال, إذا أردت أن تسأل فاستخدم كلمة " ما " الاستفهامية، فهل يصح بحق الله سبحانه وتعالى أن يسأل؟ من الذي يسأل دائماً؟ الذي يريد أن يتعلم، أو أن يعلم شيئاً يجهله, فهل يصح هذا بحق الله عزّ وجل؟ قالوا: لا, قال: وما تلك بيدك يا موسى, إنها فرصة العمر لسيدنا موسى أن يناجي الله رب العالمين:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾
(سورة طه الآية: 18)
شعر هذا النبي الكريم أنه أطال فقــال كلمة ليعرف إذا كان يجوز أن يطيل أم لا يطيل:
﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾
( سورة طه الآية: 18)
يقول له يا موسى: وما هي تلك المآرب الأخرى؟ العملية عملية حوار مع الله عزّ وجل " مناجاة "، قال الله:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾
( سورة طه الآية: 17-18)
أراد الله أن يذكره أن هذه التي بيده عصاه، يعني انظر إليها يا موسى، دقق فيها, قال الله:
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾
(سورة طه الآية: 19-20)
انظر كيف أصبحت حية تسعى, سيدنا موسى قال:
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة الشعراء الآية: 30-34)
دائماً أهل الكفر يصرفون حقيقة أهل الإيمان إلى سحر أو خرافة أو ذكاء أو ما شاكل ذلك:
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾
(سورة الأعراف الآية: 109-112)
قال فرعون: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينــك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً, قال موسى: موعدكم يوم الزينة " يوم العيد، يوم العطلة ", وأن يُحشر الناس ضحى, وتمت المباراة في اليوم المحدد, وقدم سحرة فرعون سحرهم أولاً, فجاؤوا بأشكال تشبه الأفاعي ووضعوا فيها زئبقاً, ووضعوا الأفاعي على سطح ساخن فلمــا تمدد الزئبق وهو رجراج تحركت الأفاعي, ثم ألقى موسى عصاه فأخذت تلقف ما يأفكون, فهذه الأفعى أكلت كل الحبال, وظهرت المعجزة الباهرة حقيقة ناصعة أمام فرعون, وأمام جميع سحرته, والحشد الذي اجتمع لمشاهدة هذه المباراة الكبرى بين معجزة موسى و سحرة فرعون, والذي جعل سحرة فرعون يخرون سجداً لله عزّ وجل, قال الله:
﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾
)سورة الأعراف الآية: 121-122)
وكان إيمان هؤلاء السحرة برهاناً دافعاً لفرعون يثبت له أن هذا ليس سحراً إنما هو إعجاز, وأن هذا الرجل هو نبي, قال الله:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
(سورة طه الآية: 71-73)
2- معجزة اليد:
المعجزة الثانية: أن سيدنا موسى عليه السلام أدخل يده في جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء, وهذا حصل لما دخل على فرعون الذي ادعى الألوهية وجرى بينهما الحوار التالي، قال سيدنا موسى يا فرعون:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 104-105)
قال فرعون: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 29)
قال موسى:
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾
(سورة الشعراء الآية: 30)
قال فرعون: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 106-108)
3- معجزة الرجز مع أنواعها:
المعجزة الثالثة: معجزة الرجز, وهي على أنواع: فهناك رجز السنين وهي سنوات الحدب والقحط, وذلك بسبب قلة مياه النيـل, وانحباس أمطار السماء على غير عادتهــا, وهناك رجز نقص الثمرات، و رجز الطوفان، و رجز الجراد، ورجز القمل، ورجز الضفادع، و رجز الدم، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 130-136)
4- انفلاق البحر:
المعجزة الرابعة: فلــق البحر, فلما مشى سيدنا موسى مع قومه بني إسرائيل باتجاه خليج السويس تبعهم فرعون, قال الله:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
(سورة الشعراء الآية: 61)
ها هو ذا فرعون بخيله ورجله وجماعته وأعوانه وهيبته وسيطرته وقوته يتبعــون فئة مستضعفة معهم نبي كريم, فلما وصل سيدنا موسى وأصحابه إلى ضفة خليج السويس إلى البحر, وتبعهم فرعون, قال الله:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 61-67)
ففرعون حينما أدركه الغرق, قال: آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل, قال الله:
﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 91)
يجب أن تستنبط من هذه القصة موعظة كبرى, وهي لا بد من أن تؤمن, ولكن إيّاك أن تؤمن بعد فوات الأوان فإن هذا الإيمان لا ينفعك, لا بد في ساعة حرجة من أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان.
هناك معجزة خامسة وسادسة وسابعة وثامنة لسيدنا موسى, أخذنا فكرة عن بعض هذه المعجزات.
معجزة سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام:
بقي علينا معجزة سيدنا صالح, وهي انشقاق الجبل وخروج الناقة, قال الله:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 141-159)
أخذ العبر من قصص الأنبياء:
هناك ملاحظة مهمة جداً, إن الإنسان إذا طلب المعجزة ونفذها الله له, ولم يؤمن بعدها استحق الهلاك, لأن المعجزة آخر برهان يقدمه الله سبحانه وتعــالى لهذا الضال فإذا لم تنفع معه المعجزة, استحق الهلاك وانتهى الأمر, تقول له: يا رب إذا نجحتني لا أعصيك, ينجحه الله فيعصيه, لا بد من أن تأتي الضربة القاصمة, وإن شفيت لي ابني فلا أعصيك، يشفي له ابنه ويعود سيرته الأولى، فإذا طلبــت من الله شيئاً ساعة الضيق, أو ساعة الشــدة, وعلقت استقامتك على حصول هذا الشيء, فالله سبحانه وتعالى قد يحققه لك, ولكن إذا نكثت، أو إذا خالفت، أو قصرت، فلا بد من العذاب الأليم إن كان فيك بقية خير, ولا بد من الهلاك العميم إذا كان الأمل مفقوداً في الخير, هذه سنة الله في خلقه.
بقي علينا المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصــلاة والسلام هذه إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم لأهميتهما الكبيرة، وسوف نحدثكم عن شهر الصيام لأنَّ شهر الصيام على الأبواب.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 06:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )




الموضوع : معجزة الرسول الكريم : القرآن



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. معجزات النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
1- القرآن الكريم:
أيها الأخوة, تحدثنا في الدروس السابقة عن بعض معجزات الأنبياء عليهـم الصلاة والسلام, ننتقل اليوم إلى معجزات النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, إن أعظم معجزة أيده الله بها هي معجزة القرآن، والملاحظ أن المعجزات التي أيد الله بها أنبياءه السابقين كانت معجزات مادية أي تنقضي في أزماتها، فكون العصا انقلبت ثعباناً فهذا الشيء رأوه في عهد سيدنا موسى وانقضى, وكون البحر قد انشق وصار طريقاً يبساً فهذه المعجزة، رآها من رآها وانتهت، وأن سيدنا عيسى أبرأ الأكمه و الأبرص وأحيا الموتى، فهذه المعجزات انتهت, هذه المعجزات طبيعتها مادية وانقضت, وبقيت خبراً إما أن تصدّقه أولا تصدّقه، ولكن القرآن الكريم بما أنه خبر سابق من أعلى مستوى لذلك ثبتت بالقرآن الكريم معجزات الأنبياء السابقين، لكن القرآن الكريم معجزة من نوع آخر لا تنقضي بحياة النبي، ولا تحصر لأناس شاهدوها، ومستمرة إلى نهاية الزمان, وقد قال العالم ابن رشد: إن دلالة القرآن على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا كدلالة إحياء الموتى وإبراء المرضى, فإن تلك المعجزات وإن كانت أفعالاً لا تظهر إلاّ على أيدي الأنبياء, وفيها ما يقنع الناس من العامة, إلاّ أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة وأخبار الوحي ومعنى الشريعة.
فالفكرة دقيقة جداً توضح بالمثل التالي: لو أن رجلين طبيبيــن أرادا أن يثبتا لك أنهما طبيبان حاذقان، فالأول طار في السماء ليؤكد لك أنه طبيب، والثاني شفى مريضاً ذا مرض مستعصٍ, " أي المعجزات أقرب إلى الإقناع " فالأولى منقطعة الصلة بمهمة الطبيب, أما الثاني فمتصلة بمهمة الطبيب, ولذلك فالإبراء دليل قطعي على الطب، ومعرفة السطوح دليل قطعي على معرفة الهندسة, وصنع الأبواب دليل قطعي على صنعة النجارة، فكون العصا أصبحت حية، والبحر أصبح طريقاً، والميت قام وعاد حياً, فهذه أعمال خارقة للعادة ولا يمكن أن يفعلها إلاّ نبي, لكن ليس هناك علاقة سبب بنتيجة أو علاقة دلالة على النبوة بقدر ما أن القرآن الكريم ذو علاقة وشيجة ومتينة بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام, أي أرسل الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام رسولاً ومعه نظام كامل, و هذا القرآن دستور شامل فيه تشريع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, أشار إلى هذه الفكرة في كتابه القسطاس المستقيم فقال: لذلك اختار الله لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين المعجزة التي تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها, وجعل هذا الكتاب الذي يطلع عليه الأجيال في كل زمن ويتلونه في كل عصر هو البرهان العظيم الذي يلامسون وجوه إعجازه ويستدلون بها على أمره. فأنت بعد مضي ألف وخمسمئة عام أو أربعمئة عام على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تفتح القرآن، فتقرأ آية، ترى الناس لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يصيغوا منهجاً للزوج كهذا المنهج، ولا منهجاً للقاضي كهذا المنهج، ولا منهجاً لمن بيده الأمر كهذا المنهـج، إنه منهج صحي، واجتماعي، واقتصادي، ودولي، وهو منهج في الحرب، و في السلم، و في العلاقات الشخصية، و الأحوال الشخصية، فهذه المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام هي بين ظهرانينا.
دلائل وعبر من القرآن الكريم على إعجازه:
وقد تأثرت قبل أيام حينما ذكرت لكم أن النحلة لا تنطلق لجني الرحيق قبل أن تستقر في خلية، وهذه حقيقة مستنبطة من واقع النحل لكن الله عزّ وجل يقول:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 68-69)
فلو قال: وكلي من كل الثمرات، الواو مطلق العطف, أما " ثم " للترتيب مع التراخي, قال الله:
﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾
( سورة النحل الآية: 69)
فالنحلة تقطع طريقاً طوله خمسون كيلو متراً في ذهابها لجني الرحيــق, فمن دلهّا على مكان الأزهار؟ و من ألهمها طريق العودة؟ أسئلة كثيرة, وقد أشار ربنا عزّ وجل إلى هذه الأسئلة.
العنكبوت اتخذت بيتاً، والعلم كشف أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت، والنحلة ذكوراً وإناثاً، أما التي تصنع الشمع وتجني الرحيق وتصنع العسل هي الأنثى قال الله:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي﴾
( سورة النحل الآية: 68)
ياء المؤنثة المخاطبة، الكون هل هناك كلمة تصلح أن يوصف بها الكون كله؟ ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾
( سورة الطارق الآية:11)
أي كل كوكب في السماء له مسار دائري يرجع إلى المكان الذي انطلق منه, أي كل سبعين سنة يعود إلى مكانه الذي انطلق منه قال تعالى:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
حينما نجد أمامنا كتاباً معجزاً فيه نظام دقيق، و فيه حل أمثل لكل مشكلاتنا نستنبط منه: أن هذا الكتاب هو كلام الله حقاً وصدقاً وليس بكلام بشر, وأن الذي جاء به هو نبي مرسل من عند الله, لأن هذا الذي بلّغه إلينا لا يعقل أن يفعله هو، والذي يجذب النظر كما قلت قبل قليل إلى أن معجزات الأنبياء السابقين المادية لولا القرآن الكريم لم نعلم بها بطريق يقيني ثابت، فالذي يّعرفنا بها بيقين إنما هو القرآن نفسه, فمتى ثبت القرآن ثبتت هذه المعجزات.
من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
1- تحدي العالم أن يأتوا بمثله:
أولاً: الله سبحانه وتعالى تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل ســـورة منه, فما استطاع واحد منهم أو جماعة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا هذا أن يعارضه بكتاب مثله, فمثلاً: لو اطلعتم على كتب المواريث فالحقيقة هناك كتب تعد بآلاف الصفحات، لو كلفنا لجنة من كبار العلماء أن تضغط هذه المجلدات والمؤلفات إلى صفحتين مستحيل، فالمواريث كلها مأخوذة من صفحتين, كل هذه الاستنباطات الفرعية، وكل هذه الأحكام التفصيلية، وكل الأحوال التي يتوفى عنها الإنسان مردّها صفحتان من كتاب الله، فهل بالإمكان أن تضغط المؤلفات كلها والتفريعات كلها والاستنباطات كلها بصفحتين, في صفحتين نظّم الله المواريث كلها بشكل عادل, فلا الوقت يسمح ولا الإمكانيات تسمح أن تكتشفوا عظمة التشريع من بحث المواريث وهو آيات معدودة فقط.
القرآن تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة منه على الرغم من وجود أعداء كثيرين للإسلام في عصور التاريخ, ومنهم دول كبرى, وهم يتمنون لو يستطيعون معارضة القرآن لا شتروا ذلك بالقناطير المقنطرة من أنفس ما يملكون، قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 23)
وقال تعالى معلناً عجز الإنس والجن عن معارضته في سور الإسراء:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 88)
2- إعجازه من حيث الصياغة اللغوية:
العرب كانت تقول مثلاً: القتل أنفى للقتل، وتعد هذه العبارة من أعلى بيان، وأعلى مستوى في البلاغة وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 179)
حول هذه الآية سبع عشرة خصيصة لهذه الصياغة, قال الله:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 179)
يعني الحياة تتأتى من قتل القاتل, إذا علم القاتل أنه لابد من أن يُقتل فربما أحجم عن القتل, ووفر حياته وحياة المقتول, فما دام القاتل لابد من أن يقتل إذاً وفرنا حياتين: حياة القاتل نفسه وحياة المقتول, و الآن لا يحضرني السبع عشرة خصيصة في هذه الحالة وإن شاء الله في وقت آخر ألقيها على مسامعكم.
نموذج من الأمثلة على الصياغة اللغوية من القرآن الكريم:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة هو د الآية: 6(
لقد وقف العلماء عند هذه الآية, فكلمة دابة هي نكرة, ولم يقل الدابة لأنها معرفة، الدابة التي حدثتك عنها هي على الله رزقها، فإما أن تكون" أل " للعهد الذكري أو للجنس، في " أل " إذا وضعت على كلمة دابة قصرتها على دابة معينة, لكن:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
( سورة هود الآية: 6)
هذا التنكير يفيد الشمول، يعني كل أنواع الدواب فالنمل، والغنم، والماعز، والجمال، والفيلة، والكلاب، والبشر، جاءت " من " وهي لا ستغراق أفراد النوع فرداً فردا، وتم استنباطه من كلمة " من دابة " فالدابة نكرة تشمل أنواع الدواب، ولو قال ربنا عزّ وجل: الدواب على الله رزقها، هذه العبارة لا تعني أن رزقها على الله حصراً بل عليه وعلى غيره لكن:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
( سورة هود الآية: 6)
النفي والاستثناء جعل الرزق قاصراً على الله عزّ وجل، ولو قلنا: ما من دابة إلاّ الله يرزقها، فالمعنى مهما ذهب ليس على وجه الإلزام، أما " على " فتفيد الإلزام, وهذا من القرآن, لو كان هناك وقت ودرست آيةً آية في صياغتها اللغوية تجد العجب العجاب لا يستطيع بشر أن يفعل هذا، فهو شيء فوق طاقة البشر مثلاً:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
لماذا الهدى جاءت معه لعلى والضلال جاءت معه في؟ إذا قلنا المهتدي وضعه النفسي يشبه إنساناً واقفاً على رأس تلة, والأشياء كلها أمامه مبسوطة واضحة، فالمهتدي يشبه إنساناً وقف على قمة قاسيون فيقول: هذه المزة، وهذه البرزة، وهذا حي الميدان, وهذه المرجة، يقول لك: الأشياء ببساطة لأنه يراها رأي العيــن، الشام كلها أمامه منبسطة، فربنا عزّ وجل قال:
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
" على " للاستعلاء, قال الله:
﴿أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
الضلال ليس على ضلال وإنما " في ", إنسان يغرق في أمكنة النجاسة يتخبط فهذه " في " ظرفية، فالضال " في ", أما المهتدي " على ", ومن هذا القبيل هناك شيء لا يعد ولا يحصى فلو تتبعتم صياغة القرآن لرأيتموه فوق طاقة البشر.
فالإنسان يراعي نقطة ويغفل عن نقاط، والنبي عليه الصلاة والسلام مع أن كلامه ليس في مستوى القرآن, ومع ذلك شيء معجز قال:
" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحهما )
أي صوموا جميعاً لرؤيته، أي إذا رآه واحد منكم فصوموا جميعاً فالصياغة دقيقة جداً، فإذا أكرم الله الإنسان, وكشف له أوجه الإعجاز في كتاب الله فهذه نعمة كبرى, للقرآن وجوه إعجاز كثيرة ففيه مالا يتناهى من الأعاجيب, والفضل لله عزّ وجل بأنه كل يوم يكشف للإنسان في القرآن أشياء ما كان يعرفها من قبل، فحرف الجر يعطي معنى دقيقاً جداً, قال تعالى:
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
(سورة يوسف الآية: 58)
لماذا لم يقل: فدخلوا عليه وعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه فعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه وعرفهم، ولماذا لم يعمل واو عدد "2" أو واو وتاء أو تاء وواو؟ فهذه إشارة عظيمة جداً فهم أخوته بمجرد أن حضروا حاضرة مصر دخلوا عليه، أي لا يوجد عنده نظام معقد, بعد أن دخلوا عليه عرفهم، لو قيل له: هؤلاء أخوتك على الباب لكان مباشرة أدخلهم وتجاوز القواعد، لكن متى عرفهم ؟ بعد أن دخلوا عليه من استعمال الفاءين.
أضرب لكم بعض الأمثلة لكن والله الذي لا إله إلا هو ما من آية في كتاب الله لو محصّت فيها ودققت لوجدت العجب العجاب, البارحة مرت معنا آية في العفيف كيف جمعت القرآن والسنّة والإجماع والقياس؟ قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾
( سورة النساء الآية: 59)
إذا تنازعتم في حالة طارئة شديدة ابحثوا عن العلة المشتركة, فهناك بعض المشروبات تسكر وليست بخمر, فهل هي محرّمة ؟ نعم لأن علة التحريم السكْر فأي شيء أسكَرْ فهو محرّم بالقياس، فالقياس مصدر شرعي كبير، فهل الحشيش محرم ؟ هو محرّم لأنه يُذهب العقل، وباب القياس باب رائع جداً, قال تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
( سورة النساء الآية: 59)
فإجماع العلماء هنا في الآية معناها العلماء، فالقرآن والسُنة وإجماع العلماء والقياس في آية واحدة, قال الله:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
(سورة النساء الآية: 115)
فإذاً سبيل المؤمنين هو الإجماع وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الأَعْمَى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ "
( ورد في الأثر)
لذلك فوجوه الإعجاز كثيرة، إذ فيه ما لا يتناهى من الأعاجيب, وفيه ما لا يحصى من المعجزات الجزئية التي يُنتبه إليها في كل عصر كلما تقدم الناس في ميادين العلم والتجربة ونظم الحياة.
إن شاء الله في الدرس القادم نذكر بعض وجوه الإعجاز في القرآن, فهناك إعجاز بياني، وإعجاز تشريعي، و إعجاز تاريخي، و إعجاز بلاغي، و إعجاز غيبي، و إعجاز علمي، و إعجاز حسابي, والقرآن الكريم كما أحصاه المحصون كلمة يوم وردت حصراً 365 مرة، وكلمة شهر وردت 12 مرة حصراً, وفي القرآن الكريم عدد كلمات الجنة يساوي عدد كلمات النار، وكلمات الجن ككلمات الإنس، وكلمات الدنيا ككلمات الآخرة، وكلمات الملائكة ككلمات الشياطين، كيف جاءت بأعداد متوافقة تماماً إنه لشيء عجيب؟ فهذا إعجاز حسابي، وهناك إعجاز رياضي، هكذا وإن شاء الله في الدرس القادم نحاول أن نقف على بعض من ألوان الإعجاز من أجل أن نعلم أن هذا القرآن كلام الله، وأن الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )




الموضوع : الوان اعجاز القران





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
وصلنا في الدرس الماضي إلى أن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، وهناك فرقاً كبيراً بين معجزات الأنبياء السابقين التي هي من النوع المادي الذي ينقضي بانقضائه, وبين معجزة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي باقية إلى نهاية الساعة أو باقية إلى الأبد، وهي كلام الله عز وجل الذي أنزله عليه, وقلنا إن للقرآن الكريم وجوهاً عديدة للإعجاز نكتفي اليوم بوجه واحد من وجوه إعجازه، هذا الوجه هو أنه:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
فأية حقيقة علمية عرضها القرآن، وأي دستور أو قانون أو نظام وضحّه القرآن، وأي مبدأ أو أي تشريع أو أي حكم نطقه، وأي خبر تاريخي أخبر به في الماضي أو مما سيقع في المستقبل, كل هذا ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ومع أن العلوم العصرية تقدمت تقدماً كبيراً كالعلوم الوضعية والمادية، لم نجد في كل هذه العلوم شيئاً ينقض ما في القرآن الكريم من حقائق.
متى ينشأ التعارض بين القرآن والعلم:
متى ينشأ التناقض؟ ينشأ التناقض بين حقيقة علمية وبين خرافة، أو بين حقيقة دينية وبين نظرية علمية لم تتحقق بعد، قد نجد تناقضاً بين الدين وبين النظريات العلمية التي لم تثبت صحتها، ونجد تناقضاً بين خرافة لا أصل لها في الدين وبين حقيقة علمية، أما أن نجد خلافاً أو تناقضاً بين حقيقة علمية وحقيقة جاء بها القرآن فهذا مستحيل, قال الله:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
في العصر الذي أنزل فيه القرآن لم يظهر ما ينقضه, ولا في العصور اللاحقة بعد ألف عام أو ألوف الأعوام, قال تعالى مشيراً إلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز في سورة فصلت:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
وقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
فالقرآن الكريم لم يأته الباطل بحالٍ من الأحوال, ولا من وجه من الوجوه, وكذلك لن يأتيه الباطل، " لم" لنفي الماضي، و " لن " لنفي المستقبل لتأبيد النفي كما يقول النحاة، وكذلك لن يأتيه الباطل من أي وجه من الوجوه مهما توالت الدهور واتسعت تجارب الحياة وزادت مكتشفات العلوم.
تسابق القرآن بحقائقه العلمية قبل اكتشاف أهل العلم هذه الحقائق:
لا يأتيه الباطل في آية حقيقية علمية عرضت, والآن اكتشفوا أن الشمس تسير أي تجري، وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
(سورة يس الآية: 38)
فالقرآن الكريم أثبت ذلك، وهناك الكثير من الحقائق الفلكية، والحقائق النباتية والحيوانية متعلقة بالإنسان، وفي خلق الإنسان، في خلق الأرض في الجبال, فإن كل هذه الحقائق لم يأت مع تطور العصر ومع تطور العلم ما ينقضها إطلاقاً، قبل أسابيع قلت لكم: اكتشف علماء النحل أن النحل لا يمكن أن ينتقل لجني الرحيق قبل أن يستقر في خلية، وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 69)
بعد أن تتخذي من الجبال بيوتاً كلي من كل الثمرات، و" ثم " للترتيب على التراخي، ولا يأتيه الباطل في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبت باستمرار كمال مبادئ الإسلام وتعاليمه.
من عجائب إعجاز القرآن الكريم تشريعه الثابت الذي يصلح لسعادة الإنسان ومصالحه:
يوجد صحفي من دولة أجنبية كتب مقالة فقال: من أشد وحشية نحن أم المسلمون، لأن الكفار يتهموننا أن قطع يد السارق نوع من أنواع التوحش، فذكر هذا الصحفي أن ستة عشر مليون سرقة تتم في عام واحد, و أربعون في المئة من هذه السرقات تتحول إلى جريمة قتل، بل إن الإحصاء الدقيق في كل 30 ثانية ترتكب جريمة سرقة أو قتل أو اغتصاب, هذا الصحفي زار بلداً إسلامياً تقطع فيه يد السارق، رأى أشياء تكاد لا يصدقها العقل، أن هناك شاحنات مكشوفة تحمل ملايين من العملات تنتقل من محافظة إلى محافظة لدفع رواتب الموظفين من دون حراسة إطلاقاً, فربنا عزّ وجل سنَّ هذا التشريع، فقد سأل شاعر الإمام الشافعي قال له:

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
شيء عجيب! لو أن يداً قطعت بحادث سيارة ديتها في الإسلام خمسمئة دينار ذهبي، فأجابه الإمام الشافعي رضي الله عنه قال:
عّز الأمانة أغلاها, وأرخصها ذلّ الخيانة, فافهم حكمة الباري
لما كانت أمينة كانت ثمينة, فلما خانت هانت, هذا تشريع إلهي، لو سألتني أن ألخص لك الفساد البشري بكلمات، أقول لك: الفساد البشري يلخص بعدوانين: عدوان على المال, وعدوان على العرض، هذا كل الفساد البشري، العدوان على المال جزاؤه قطع يد السارق, قال الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة المائدة الآية: 38)

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة النور الآية: 2)
فالإسلام وضع حداً قاسياً للعدوان على الأموال والعدوان على الأعراض, ولذلك فتشريعاته ثابتة, هناك دولة لا تؤمن بوجود الله إطلاقاً تصدر قبل سنة تقريباً تشريعاً بمعاقبة من يشرب الخمر, لماذا؟ لأنه قيل في الإحصاء: خُمس الشعب مدمن خمر, وهذا الخُمس مُستهلك غير منتج، لذلك حرّمت قبل عام الخمرة في بلاد شاسعة تمتد بين قارتين تحت طائلة أقصى العقوبات، بينما في الإسلام الخمر محّرم من الأساس، وتحريم الإسلام للخمر من نوع راقٍ جداً، لا في أثناء الدوام ولا خارج أوقات الدوام، ولا في المحافل الخاصة ولا في المحافل العامة, فالخمر حرام وانتهى الأمر، أما يجوز لو منع الخمر بقرار أو بقانون يشرب ليلاً، ويشرب سراً، ويشرب تهريباً، فربنا عزّ وجل قال:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ﴾
( سورة فصلت الآية:42)
في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبت باستمرار كمال مبادئ الإسلام وتعاليمه وقوانينه وأنظمته وسلامتها وصلاحيتها لسعادة الناس جميعاً قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 9-10)
ظهور واقعية الخبر التي وعد القرآن به في المستقبل:
لا يأتيه الباطل في أي خبر أخبر به عما سيحدث في مستقبل أيام الدهر, قال تعالى:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
(سورة الفتح الآية: 27)
وقد تحقق ما أخبر الله به في هذه الآية, فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين، إنها آية وردت ثم تحققت.
وقوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
(سورة النور الآية: 55)
وقد وفى الله للمؤمنين هذا الوعد، فحكم المسلمون مشارق الأرض ومغاربها, ورفرفت رايتهم في أطراف الأرض، ووصلوا إلى مشارف باريس, وإلى أطراف جنيف من الغرب ومن الشرق، وإلى أطراف الصين, واحتلوا القسطنطينية التي كانت معقلاً للروم.
وقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾
(سورة الصف الآية: 9)
وقد تحقق ظهور الإسلام على سائر الأديان بالحكم والسلطان, حينما طبق المسلمون إسلامهم بالحجة والبرهان في كل عصر.
وقوله تعالى:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة الصف الآية: 13)
وقد تحقق ذلك فتم نصر الله للمؤمنين من أصحاب رسول الله, فتم لهم الفتح القريب وهو فتح مكة.
وقوله تعالى:
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الروم الآية: 1-6)
وقد تحقق ذلك فانتصر الروم على فارس بعد ذلك في بضع سنين كما أخبر الله عزّ وجل في القرآن الكريم, كل هذه الآيات التي تتحدث عن المستقبل تحققت, قال الله:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
لا من حيث الآيات العلمية، ولا من حيث التشريعات, ولا من حيث الأخبار الماضية, ولا من حيث الأخبار المستقبلية، هذا كله وقع، والآن فرعون المحنّط الذي أُخذ إلى فرنسا لترميمه, هذا الفرعون هو الذي يثبت العلماء أن طريقة موته كانت غرقاً, قال الله:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾
(سورة يونس الآية: 92)
كل شيء أخبر عنه في التاريخ صحيح.
من دلائل إعجاز القرآن حفظه من أي ضياع أو تحريف أو تبديل قد يطرأ عليه:
لا يأتيه الباطل بأن تتعرض نصوصه للضياع أو التحريف أو التبديل بالزيادة فيها أو النقص منها، وقد تم فضل الله فصدق وعده, فعّم القرآن وانتشر بأحكم طريقة علمية يمكن أن تتوصل إليها الإمكانات الإنسانية، وحفظه الله كما أنزله طوال هذه القرون دون أن يستطيع أعداؤه أن ينقصوا منه شيئاً أو أن يزيدوا فيه حرفاً, يروى أن الإنكليز مرة طبعوا خمسين ألف نسخة مصحف في أيام العثمانيين ووزعوها وحذفوا كلمة " غير " في الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 85)
فجمعت النسخ هذه وأحرقت، فالله عزّ وجل سخر أناساً تحريريين محققين مدققين يضبطون النصوص، والآن لا يوجد تبديل فتحة أو ضمة أو كسرة أو حرف جر، فترى كل مصحف والحمد لله قام بتصحيحه وضبطه وفق رواية حفص عن عاصم عن فلان الفلاني والقارئ الفلاني, سخر الله عزّ وجل لهذا الكتاب الكريم علماء يضبطون النصوص، ويعرفون القراءات، ويعرفون أماكن الوقوف, و السجدات، و الأحكام، ضبطوه ضبطاً دقيقاً، فربنا عزّ وجل تولى حفظه وسخر هؤلاء المتشددين.
يقول الإنسان: كلمة الرحمن يلزمها ألف, والصحيح يلزمها ألف لكن لم يجرؤ أحد على تبديل كتابة المصحف حتى لا يكون هذا التبديل مسوغاً لتبديل آخر، لذلك هنالك إملاء قرآني خاص, فالسموات لا يلزمها ألف, وإله لا يلزمها ألف، والرحمن لا يلزمها ألف، وهناك تاء مبسوطة، وتاء مربوطة، فهناك حكمة بالغة من كون هذه التاء هنا، فالرحمة جاءت في أماكن مبسوطة وأماكن مربوطة، وهناك أحرف مثلاً: حروف مدغمة، حروف مفكوكة، وهناك واو بمعنى ألف، فهذه كلها علم قائم بذاته فلا يجرؤ إنسان على إضافة حرف ولا سكون ولا فاصلة ولا نقطة أبداً, فهذا النص وردنا بالتواتر الجمع عن الجمع، قطعي الثبوت قطعي الدلالة، هذا حفظ الله عزّ وجل أن سخر له أناساً حريصين.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 82)
اقرأ كتاباً ترى فيه تناقضاً أحياناً، فالإنسان ليس عنده إمكانية للنجاة من الخطأ، و أي كتاب مهما كان مؤلفه على مستوى رفيع يقع أحياناً بتناقض، ويتكلم بفكرة ثم ينفيها من غير أن يشعر في الفصل الرابع, أو يبالغ في فكرة ثم يظهر حجمها أقل من ذلك، وأحياناً يكون فيه اضطراب، قال الله:
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾
( سورة النساء الآية: 82)
في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 31)
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 151)
فهناك فقر واقع، وهناك فقر متوقع، فالفقر الواقع نرزقكم أيها الفقراء وإياهم، والفقر المتوقع نرزقهم وإياكم، فهناك دقة بالغة يستحيل على إنسان أن يدركه, و سوف نأخذ وجهاً آخر من دروس إعجازه في درس قادم إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (السادس و الثلاثون )




الموضوع : صفات الرسل (1)




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اختيار الرسل اصطفاء من الله لهم:
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام، يا أيها الأخوة, بما أنَّ الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه مكلفون برسالة عليهم أن يُبلغوها, ولاسيما الرسل فلا بُدَّ من صفات تتوافر فيهم، فالرسل قبل كل شيء مصطفون من قِبل الله جلَّ وعلا بالوحي, أي الرسالة اصطفاء من الله سبحانه وتعالى لأهلية الرسل, وبما أنَّ الرسول مبلغّ عن الله علوم شريعته وأحكامه لخلقــه، وبما أنَّ الرسول قد حمل مهمة الدعوة إلى الله, وإلى صالح العلم بالأسلوب الحكيم، وبما أنَّ الرسول مصدّق من قِبل الله جلَّ وعلا بالمعجزة، والمعجزة تصديق من الله ورسوله، وبما أنَّ الرسول قدوة حسنة يتأسى بها في عمله, وفي خلقه, ويُهتدى بهديه، وبما أنَّ الرسول مُطاع بإذن الله متبع بأمر الله، وبما أنَّ الرسول قائد أمته ومدبّر سياستها الدينية والدنيوية, لهذه الأسباب كلها يجب أن تتوافر في الرسول صفات لا بد من توافرها.
صفات الرسل بالإجمال:
من هذه الصفات, علّو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في تبليغ ما عٌهد عليه تبليغه, والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية, وسلامة البدن مما تنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح بحيث لا تستطيع نفس إنسانية أو جنية أن تسطو عليه سطوة روحانية, لأن الله يُمده دائماً بمدد منه, وهذه الصفات إن شاء الله تعالى سوف نُفصّلها واحدةً واحدة، لكن فيما عدا ذلك فهو بشر, كيف؟ يقول عليه الصلاة والسلام:
" عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً "
(أخرجه الإمام أحمد عن الأعرج عن أبي هريرة في مسنده)
ومن صفات الأنبياء التي تمُت إلى البشر بصلة أنهم يأكلون ويشربون, وما أروع القرآن حينما وصف بشرية سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم كان يأكل الطعــام ويمشي في الأسواق, فالذي يأكل الطعام ليس إلهاً إنه مفتقر إلى تناول الطعـام، ونحن جميعاً مفتقرون إلى شرب كأس ماء، وإلى تناول الطعام، إنه مفتقر إلى كسب الطعام، فأنت مُفتقر إلى الطعام وإذا جلست في البيت سوف تجوع، ولا بُدَّ من أن تخرج لتكسب رزقاً تشتري به طعامك، وهاتان الصفتان كافيتان لأن تكون بشراً وليس فوق البشر، فالأنبياء بشر, قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
(سورة الكهف الآية: 110)
من علائم بشرية رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يأكل ويشرب وينام، فهو يحتاج إلى النوم، لماذا النوم؟ فأنا بشر أحتاج إلى النوم, كل إنسان يحتاج إلى النوم, لكن من قضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مفلساً، أمّا أن ينام ويتزوج إذ يوجد في نفسه حاجة إلى نصفه الآخر كما يقولون: هذه حاجة ثابتة في الأنبياء أيضاً، فالنكاح من سُنة النبي عليه الصلاة والسلام, وإنه يمرض، والمرض من صفات البشر, وقد ينسى
" اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر "
( ورد في الأثر )
كما قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا "
(أخرجه البخاري عن أم سلمة في الصحيح)
أنه ينسى فيما لا علاقة له بتبليغ ما أمره الله أن يبلغه، ولا ينسى أوامر التبليغ فهذه تتناقض مع عصمته, قال الله:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾
(سورة الأعلى الآية: 6)
وقد تمتد إليه أيدي الظلمة, ألم يرد في القرآن الكريم أنّ الكفار قد اعتدوا على الأنبياء فقتلوهم, قال الله:
﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 112)
لأنهم بشر, إلا إذا عصمهم الله عزّ وجل من القتل بنص من القرآن الكريم, قال الله:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
أكثر المفسرين على أنه معصوم من أن يغتاله بشر, أي النبي محمد عليه الصلاة والسلام, وهذه الصفات التي تمتُّ إلى بشريته بصلة لا تنقص من قدره كنبي, ولا تقلل من مكانته عند الله عزّ وجل،
" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ "
( ورد في الأثر)
وهذه الصفات تؤكد في الأنبياء عبوديتهم لله عزّ وجل.
صفات المرسلين عليهم الصلاة والسلام بالتفصيل:
1- الفطانة:
لو أردنا أن نأخذ الصفات التي يجب أن تتوافر في الرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان في مقدمة هذه الصفات:
1- الفطانة: الفطانة بمعنى الذكاء، أي ما كان الله عزّ وجل ليرسل رسولاً إلى خلقه لا يتصف بالفطانة، فالفطانة صفة لازمة للأنبياء, مادام الله سبحانه وتعالى قد اصطفاهم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد كلفهم تبليغ رسالاته, وبما أنَّ الله سبحانه وتعالى قد كلفهم بنشر دينه فلا بد من أن يعطيهم مع هذا التكليف ما يعينهم على نشر الرسالة, لا بد من أن يكون النبي الرسول أعلى كل أصحابه ذكاءً حتى يستوعبهـــم، وحتى يستطيع توجيههم، وحتى يعرف إمكاناتهم, ولذلك فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجمع كل صفات الكمال, فهذا سيدنا خالد كان شجاعاً, إذن هو سيف الله, وهذا سيدنا أبو عبيدة كان أميناً, إذن أبو عبيدة أمين هذه الأمة, وكان سيدنا علي مدينة العلم, وكان سيدنا معاذ, والله يا معاذ إني لأحبك كان محبوباً, وكل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتصف بصفة يتميز بها, لكن النبي عليه الصلاة والسلام, جمع كل صفات الكمال, قال الشاعر:
و أحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النسـاء
خٌلقت مبرءاً من كل عيــب كأنك قد خُلقت كما تشــاء
محمدٌ بشرٌ وليس كالبشــر لأنه ياقوتة والناس كالحجر
لو أن هذا النبي العظيم عليه أتم الصلاة والتسليم قيست إمكاناته الفكرية بمقاييسنا المعاصرة, لكان من أعلى البشر إدراكاً وفطانة وحسن تصرف واستيعاباً وحفظاً ومحاكمة وقياساً وإلقاءً، و لا يوجد إنسان يستطيع أن يقود إلا أن يكون على مستوى عالٍ من الذكاء, ولو أن الإنسان محدود لا يستطيع أن يقود نفسه قبل أن يقود الآخرين, أي يكون له تأثير على الآخرين بإمكانات محدودة وهذا شيء مستحيل, وهذا مثل قريب: فمن منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها من أول مرة؟ هذا فوق طاقة البشر، النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحفظه فوراً, وهذا أعلى مستوى في الذكاء، حَفَظَة القرآن يقول لكَ: يوجد متشابهات, والله احترت غفور رحيم أو رحيم ودود, تجده أثناء الحفظ أو أثناء القراءة أو أثناء الصلاة يقع في إشكالات، أمّا النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس شيئاً من كتاب الله أبداً، هذه من فطانته عليه الصلاة والسلام، وبهذه الفطانة يعرف ما أنزل إليه، و يعرف المضمون، والنبي عليـه الصلاة والسلام بيّن للناس ما نُزل إليهم عن طريق السنّة المطهرة التي هي أصلٌ ثانٍ من أصول الشريعة الإسلامية, قال الله:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
السنّة المطهرة وحيّ غير متلو، فالنبي الكريم, يجب أن يعرف مدلولات الآيات الكريمة بشكل دقيق حتى يفسرها, فأحكام العدة، وأحكـام الطلاق، وأحكام الزواج، وأحكام الصلاة، و أحكام الصيام، وأحكــام الحج، وأحكام الزكاة، وأحكام البيوع، هذه التفصيلات الشديدة، يقول لك: 80 حديث في البيوع مأخوذة من آية واحدة, قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
(سورة النساء الآية: 29)
التراضي صار له أحكام: لا يكون فيه تدليس، ولا يكون فيه غش، ولا يكون فيه غبن بالسعر، ولا فيه غبن بأشياء أخرى، ولا جهالة في الثمن، وجهالة بالقيمة، والتسليم, وأحاديث كثيرة جداً في البيوع كُلُها مستنبطة من آية واحدة، أحاديث الصيام مستنبطة من آية الصيام, وأحكام المواريث.
يجب أن تكون فطانته مُعينة له على فهم هذا الوحي الذي جاءه من عند الله، و حفظ ماأنزل إليه من كلام الله، ووسيلة لنقل هذه الرسالة, وهذا الكتاب الكريم إلى الناس، ووسيلة لإلقاء الحق بحكمةٍ بالغة، والآيات التي تشهد له بالفطانة، يقول الله عز وجل:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ﴾
(سورة القيامة الآية: 16-17)
فربنا سبحانه وتعالى وصف فطانته صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾
(سورة القيامة الآية: 16-17)
هذه إشارة من الله عزّ وجل إلى فطنته أو فطانته, وفي آية أخرى:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
(سورة طه الآية: 114)
و كأنه فَهِمَ على الله عزّ وجل كل ما يريد, ولذلك فربنا عزّ وجل قال له: انتظر, اصبر, حينما تنزل الآية.
مشاهد من فطنته مع أصحابه:
سأله أحد أصحابه, ماذا ينجّي العبــد من النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالله, قال يا رسول الله: أَمع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما أعطاك الله, قال: فإن كان لا يجد ما يعطي؟ قال: أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر, الحديث طويل, وكأنّ النبي عليه الصلاة والسلام ضاق به ذرعاً, فقال له: أما تريد أن تترك لصاحبك من خير, ليكف أذاه عن الناس, فجاء السؤال إن فعل هذا دخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
" أّيما عبدٍ يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة "
( ورد في الأثر )
يعني كل خصلة إذا طبقتها تنقلك إلى أعلى منهـــا, وهكذا إلى أن تدخل الجنة، ويوجد توجيهات نبوية دقيقة جداً، حينما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الأنصار قد وجدوا عليه في أنفسهم, الآن هو قائد وعقب المعركة هناك أناس فُتنوا أي غضبوا، ووجدوا عليه في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام لزعيمهم سيدنا سعد بن عبادة, قال: يا سعد مقالة بلغتني عنكم, قال: نعم, قال يا سعد: أين أنت من قومك؟ " أراد أن يعرف موقف زعيم الأنصار " أهو معهم؟ موافق لهم أم منفصل عنهم؟ فقال: ما أنا إلا من قومي, أي معهم, فقال: اجمع لي قومك, فجمعهم له، ووقف النبي عليه الصلاة والسلام فيهم خطيباً, قال:
" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده)
هذا موقف فيه منتهى الفطانة, كادت أن تحدث فتنة فطوّقها اللهم صلِ الله عليه وأنهاها، كان فطناً، أي كان إدراكه ومعالجته للأمر من أعلى مستوى،
" وكان أحدهم يقول له: عظني, فينظر إليه فيقول له: لا تغضب وكأنه أدرك أنه يعاني من الغضب الشديد، يقول له آخر عظني يقول له: قل آمنت بالله ثم استقم، فكل صحابي جليل أو كل رجل سأله يعطيه ما يناسبه "
( ورد في الأثر )
وهذه من علائم الفطنة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يتمتع بها.
صور من مواقف الأنبياء الفطنة أثناء حوارهم مع المعاندين للحق:
الأنبياء أيضاً فطنون، فسيدنا إبراهيم, قال الله:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 83)
أوتي الحجة، أنت تقدر أن تناقش خصماً عنيداً؟ فهل تصمد في نقاش دقيق جداً من واحد مثقف ثقافة عالية يريد أن يُطفئ نور الله عزّ وجل؟ فإذا كان عندك حُجة قوية فهذه صفة طيبة في المؤمن, فإذا كنت مؤمناً صادقاً فيجب أن يكون معك شيءٌ من هذه الحُجة، أو معك حُجة قوية، فالنمرود مثلاً, قال له: من ربك يا إبراهيم؟
﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
(سورة البقرة الآية: 258)
أعطاه صفة دقيقة يُحيي ويُميت " فأجابه النمرود: أنا أحيي وأميت, فمن كان محكوماً بالإعدام أعفو عنه فقد أحييتهُ، وأُحضر إنساناً وأقوم بقتله، وكان من الممكن أن يقوم سيدنا إبراهيم بتفنيد هذه الحُجة، أي أنت لا تُحييه من العدم، فإذا عفوتَ عنه فليس هذا حياةً بالمعنى الدقيق، لكن من فطانته عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يدخل مع النمرود في نقاش سفسطائي بل تركه, وقال له:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 258)
وإذا أردت أن تُناقش إنساناً فلا تبدأ بحُجة ضعيفة مُركبة تحتاج إلى توضيح, وإلى شواهد.
سيدنا نوح أيضاً, قال الله:
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾
(سورة هود الآية: 32)
أي ضاقوا به ذرعاً, و كأنه غلبهم بالحجة فلم يتمكنوا, وليس من السهل أن تواجه قوماً بأكملهم بحجة ناصعة وتغلبهم بها, فهذه الصفة، صفة الفطنة أو الفطانة, وبالتعبير الحديث الذكاء أو سرعة الفهم، ودقة المحاكمة، وحسن التكيّف، أي أن تصـل إلى كل أهدافك بأيسر السبل، وأن تحقق أعلى مردود بأقل جهد، هذه من تعريفات الذكاء, و هذه كلها من لوازم أو من دلائل الذكاء والفطنة والفطانة, وهل يرسل الله عزّ وجل رسولاً أقل ذكاءً من أذكى رجل في الأمة؟ مستحيل, وبالمناسبة فصعب على إنسان أقل ذكاء أن يقود من هو أكثر ذكاء، إذ تجده دائماً يكشفه، وأحياناً يقوم بتفنيد أغلاطه، أو يُشوّه سمعته أمام الآخرين، أو يقوم بتحجيمه أمام الآخرين, فيطرح عليه سؤالاً لا يستطيع أن يجيب عليه فتجده أصبح صغيراً، فكيف يقود إنسان أمة, وهو قليل الذكاء؟ كان صلى الله عليه وسلم سيد العلماء وكان جميع أصحابه الكرام يطأطؤون له رؤوسهم في مجلسه تعظيماً له بالحق، وليس بالقهر لما عنده من صفات.
2- العصمة:
2- العصمة: ثبت أن الرسول " أي رسول " هو المثل الأعلى لأمته, والذي يجب الاقتداء به في اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه, وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له, و لذلك وجب أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه الاختيارية موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى, فالنبي قدوة حسنة، ومثل أعلى، وأسوة صالحة، فهل يكون في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه خطأ أو معصية ؟ هذا مستحيل, لأنه قدوة, مكلّف برسالة, ومكلف أن يقتدي الناس به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته, والله سبحانه وتعالى أمر الأمم بالاقتداء برسلهم, فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي, كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي, وهذا مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، قال الله:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
(سورة الحشر الآية: 7)
الأنبياء معصومون في معتقداتهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم, فتعريف السنّة المطهرة: ما صح عنه من أقوال وأفعال وإقرار، يعني إذا كان واحد فعل أمامه شيئاً فسكت النبي عليه الصلاة والسلام فسكوتهُ يُعد إقراراً, وفِعلُ هذا الصحابي من السُنة المُطهرة لأنه سكتَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام إذ لا يعقل أن يسكت عن خطأ، فالعصمةٌ إذاً في هذا المعنى حِفظُ أوامر الله تعالى من مخالفتها وحفظ نواهيه من الوقوع بها، لا يُعقل أن يعصي أمراً ولا أن يفعل معصيةً، فإذا قال الله لهُ افعل: فلا يُعقل أن لا يفعله، وإذا قال له لا تفعل: فلا يُعقل أن يفعله، وهذا معنى أولي مبسّط من معاني العصمة، والدليل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
أسوة حسنة في مطعمه، ومشربه، ومسكنه، وملبسه، وزواجه، وعلاقته بجيرانه، وفي سلمه، وحربه، و توجيهه، و في صلاته و صيامه، وأما في حق جميع الرسل, قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
هذه " في " تعود على الرسل جميعاً.
آية ثالثة, تأمرنا أن نتبع الرسل فهم الأسوة الحسنة:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(سورة آل عمران الآية: 31)
ومن الأدلة القاطعة على معنى العصمة التي هي صفة أساسية من صفات الأنبياء, قول الله عزّ وجل:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
﴿مَا تَقَدَّمَ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
بالعفو عنك, و" ما تأخر" بوقايتك من الوقوع به، فإذا أعطيت إنساناً مصباحاً, وأمرته أن يسير في طريق مظلم ذات حفر وعقبات, فإن هذا المصباح يقيه الوقوع في الحفر ويقيه الارتطام بالعقبات, فكأنك بهذا المصباح جعلته لا يقع, فهذا معنى قول الله عزّ وجل:
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
لأنكَ مستنيرٌ بنور الله عزّ وجل فلن تقع في ذنبٍ في المستقبل.
من لوازم العصمة:
1- العصمة عن الكتمان والتحريف:
من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية بحق الأنبياء والرسل, العصمة عن الكتمان والتحريف: فكتمان الحق معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، والتحريف أيضاً معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكتمان وعن التحريف وعن الخطأ والغلط والنسيان فيما أمره الله بتبليغه للناس، وهذه أيضاً من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية, لأنه لو لم يكن معصوماً عن ذلك لم يكن أهلاً للاصطفاء بالرسالة, ولأثر ذلك في أصل مهمة البعثة, ولانعدمت الثقة بما يبلغه عن الله من شرائع وأحكام وأخبار وغيرها، وعلى مستوى اللغة العربية إذ كان الإنسان حُجة في اللغة, وكان من عادته الغلط في النحو والصرف، فلم يعد حُجّة, وصار كلامه غير حُجة, ونُفيت عنه أن يُحتجَّ بِهِ، فالنبي لا يمكن أن يعتقد عقيدة تُخالف الحق الذي أمرَ الله به، فهو في أحاديثه لا يكذب الله عزّ وجل, كيف؟ الله عزّ وجل أمر بشيء, فهل يُعقل أمرهُ أن يكون مخالفاً لأمر الله عزّ وجل؟ لأن هذا يتنافى مع أصل النبوة ومهمة الرسالة، والدليل أن الله عزّ وجل قد قيّض رجالاً، غيورين، ثقاة، عدولاً، أمضوا حياتهم كلها في تتبع الحديث الصحيح وتثبيته, ونفي وتجريح الحديث الموضوع وإبعاده, وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.
فصحيح " البخاري ومسلم " كتابان يعدّان من أصح الكتب بعد كتاب الله جلّ وعلا, ولا يمكن أن تتعرض أفعال الرسول وأقواله وسيرته للمعاصي سواءً أكانت كبيرة أم صغيرة, لأن هذا يتنافى مع كونه أسوة حسنة, ويتعارض هذا مع الأمر بالاقتداء به واتباعه, ولو كانت كذلك لما كانت أفعاله وأقواله حجة شرعية على أمته, وهناك أحاديث ضعيفة أنه حينما شاهد عمه الحمزة, وقد مُثّل به نوى أن ينكلّ بهم, والحديث الصحيح قوله:
" لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنت نبياً "
( ورد في الأثر )
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى صفات الصدق في الرسل عليهم الصلاة والسلام.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (السابع و الثلاثون )




الموضوع :من معجزات القران







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
1- حفظ القرآن وصيانته من أي باطل يتطرق عليه:
قلنا في الدرس الماضي إن القرآن الكريم من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وهو معجزة خالدة مستمرة, وتحدثنا عن بعض وجوه إعجازه فكيف أن الله سبحانه وتعالى صانه وحفظه فقال في محكم تنزيله ؟
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
وقال تعالى:
﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
فالباطل لا يمكن أن يتطرق إلى كتاب الله لا من حيث أخباره عن الأمم السابقة, ولا من حيث تنبؤاته لمن سيكون, ولا من حيث الحقائق العلمية التي جاء بها, ولا من حيث التشريعات التي أوردها، كل ما في القرآن الكريم لا يمكن أن يكون باطلاً, والباطل هو الشيء الذي ينقض أو يبطل، أو يلغى أو يسقط، هناك نظريات كثيرة أصبحت باطلــة كان يظن أن الأرض في العصور السابقة محمولة على قرن ثور فهذه نظرية باطلة، وكان يظن أن الأرض منبسطة لكنها كروية, فالنظرية أن الأرض منبسطة باطلة, وكان يظن أن في جوف الأرض مائعاً نارياً, ويتجه العلماء اليوم إلى أن هناك طبقات مستعرة ولكنها ليست مائعة, وكلما تقدم العلم كشف زيف بعض النظريات السابقة فهذه النظريات التي جاء بها الإنسان باطلة, لا يمكن ولا في المستقبل أن يكون في كتاب الله حقيقة يثبت العلم خطأها أو يثبت نقيضها، لأن الله عزّ وجل قال:
﴿ لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
كلما تقدم العلم كلما التقى مع الدين, و أحياناً لقصــور العلم ولافتقاره إلى الوسائل الفعالة لضبط الحقائق قد نجد أن هناك بعداً أو تناقضاً بين نظرية علمية قاصرة، وبين حقيقة جاء بها القرآن, فمهما تقدم العلم، ومهما تطورت الآلة، ومهما ازدادت المكتشفات، لن تستطيع هذه كلها أن تنقض شيئاً في كتاب الله, وهذا تحدثنا عنه في الدرس الماضي.
2- سلطانه العجيب في هداية الإنسان وتأثيره على قلبه وعقله:
وجه آخر من وجوه إعجازه كما قال بعض العلماء: سلطانه العجيب في الهداية، فحينما تقرأ كتاب الله عزّ وجل تشعر وكأن هذا الكلام ليس كلام البشر، بل كلام خالق الكون، الذي خلق السموات والأرض, ورفع السماء بغير عمد، ومن بيده أمرك ومصيرك، ورزقك وحياتك، لذلك تُليت بعض آيات القرآن على بعض العلماء الأجانب فقالوا: هذا الكلام من فوق هكذا عبروا، أي قائل هذا الكلام يرى الكون كله، فقال العلماء: سلطان القرآن العجيب فيه هدايته للإنسان، وفيه تأثيره المعنوي على عقول الناس، إذا كان الإنسان صافياً أو بعيداً عن أثقال المادة وعن زيف الحضارة، وقرأ كلام الله عزّ وجل يخشع قلبه، و يقارب أن يبكي، ويشعر أنه يذوب، ويقشعر جلده من خشية الله، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
(سورة الأنفال الآية: 2)
تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بالله عزّ وجل، فهذا التأثير وهذا السلطان العجيب الذي إذا قرأت القرآن شعرت به من إعجاز القرآن الكريم.
الحقيقة ببعض الأعمال العظيمة هناك سر لا نعرف ما هو؟ فالأثر واضح أما طبيعة هذا السر فلا نعرفه, ولو أن إنساناً قرأ كتاباً آخر من صنع بشر مهما كان هناك تألق لفظي، ومهما كان هناك سجع في اللفظ، وفواصل دقيقة، وصور، وتشابيه، واستعارات، وانتقاء الكلمات وموسيقى داخلية، وموسيقى خارجية، تشعر أن هذا كلام البشر, ولكنك إذا تلوت كتاب الله عزّ وجل تشعر أنه كلام الخالق بسلطانه العجيب! وهذا هو السر في تجمع مختلف الشعوب والأمم حوله, و كلام البشر تقرؤه مرة ومرتين, وثلاثاً وأربعاً، تشعر بأنك تخلصت منه، وفهمت معانيه، ويمكن لو أنك كلّفت أن تقرأه مرة خامسة لشعرت بالضجر والضيق، ما السر؟ إنك لو قرأت كلام الله آلاف المرات فتُشعر أنه كل مرة كان عليك جديداً لا تبلى جدته، ولا يخلق على كثرة الترداد، وتقول هذه الآية: أقرأها آلاف المرات, وكلما قرأتها اقشعّر جلدي, قال الله:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾
(سورة الضحى الآية: 1-11)
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾
(سورة الليل الآية: 1-21)
في سورة الرحمن:
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾
(سورة الرحمن الآية: 1-7)
تقرأ بعد ذلك:
﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
(سورة الرحمن الآية: 13)
كررت هذه الآية 33 مرة, وكأنها لازمة تترنم بها هذا سر صياغة كلام الله, و نحن عاجزون عن إدراك السر, قال الله:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة الحشر الآية: 21)
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 185)
إن سلطانه عجيب! ونحن عرفنا الأثر ولم ندرك سر التأثير، فسيدنا جعفر قرأ القرآن على النجاشي, ومن حوله الرهبان فأخذت الخشية تتغشاهم فأجهشوا جميعاً بالبكاء, أرسل النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين عالماً من علماء النصارى إلى رسول الله, فلما قرأ عليهم سورة " يس " بكوا جميعاً وآمنوا, هكذا تروي السير، فربنا عزّ وجل ذكر هذه الحادثة فقال:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 83)
جاء في الصحيحين عن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال:
" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ قَالَ سُفْيَانُ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه في صحيحهما )
يتأثر الإنسان في القرآن, ولكن من انطمست فطرته بالشهوات وغاص بالملذات الحسية إلى قمة رأسه فهذا قلبه ميت، ولكن من كان بعيداً عن نزوات الشهوة, وعن أوحال المادة, وقرأ كلام الله عزّ وجل فربما قال: إن أجمل ساعات حياتي حينما اقرأ كتاب الله، لأن رحمة الله تتنزل على قلبه.
3- الشمول:
من وجوه إعجازه أيضاً, أن ما في كتاب الله من حكم وأحكام، وعظــات وأخلاق، ومبادئ وعقائد، وتشريعات وأخبار عما مضى, وعما هو آت، ومعارف جزئية، وعلوم كلية، بلغت كلها مبلغاً لا يرقى الإنسان إلى الإتيان بمثله في تماسكها، وترابطها، وموافقتها للحق والمصلحة وسعادة الناس جميعاً, وما زال على تعاقب العصور بهذا المستوى رغم تقدم العصور, وتطور المعارف وتجربة مختلف المبادئ, والقوانين والأنظمة الوضعية والإنسانية, ولم يزل كذلك أبد الدهر, مع كل هذه الكمالات فقد أُنزل على رجل أُميّ لم يتعلم القراءة والكتابة, ولم يسبق له دراسة ولا قراءة, ولا تعلم على يد أحد، ولا علمه أحد، وفي أمة أميّة لا تعرف شيئاُ من هذه العلوم والمعارف التي جاء بها, وهذا أكبر دليل على أن هذا الكلام من عند الله, قال الله تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عن أهل الكتاب في سورة العنكبوت:
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 47-48)
من حكم الله البليغة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أُميّاً, لماذا؟ لأنه لو درس أو تعلّم أو استوعب ثقافة عصره ثم جاءه الوحي لاختلط على الناس الوحي بالثقافة، ولقالوا: يا محمد قل لنا: هذه من عند ربك أم من عندك؟ ولكان أكثر سؤال يتوارد عليه طوال حياته هذا السؤال, ولحكمة بالغة منع عنه ثقافة العصر، إذ جعله أُميّاً ليكون كل علمه من عند الله.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
ليكون كل علمه وكل أقواله إنما هي وحيٌ يوحى, ولذلك فقد قال علماء الأصول: القرآن وحي متلو، والسنّة وحي غير متلو، و أكثر العلماء على أن الأحاديث الشريفة إن هي إلا وحي يوحى, ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمياً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات البشر.
4- إعجازه في البلاغة والفصاحة:
من وجوه إعجاز القرآن الكريم بلاغته وفصاحته, و أعلى كتابة في اللغة العربية من حيث الفصاحة والبلاغة هي كتاب الله عزّ وجل, فالفصاحة في كلماته، والبلاغة في تراكيبه، وانتقاء الكلمات من أعلى مستوى, وتأليف الكلمات في جمل من أرقى بنية، وتناسب الألفاظ مع المعاني، وتناسب المعاني مع مقتضى الحال، يعد أعلى مستوى في اللغة العربية, وأما الكلام عن إعجازه اللغوي، وإعجازه البياني، فحديث طويل أُلفت فيه المجلدات، فماذا نفعل في هذه الدقائق أو ماذا نفعل في هذه الساعات؟ مجلدات بأكملها أُلفت حول إعجاز القرآن, فبذل المال، وبذل النفس، في القرآن الكريم جاء بهذا الترتيب, قال الله:
﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾
(سورة الحجرات الآية: 15)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الصف الآية: 10-11)
في أكثر من 18 موطناً فيما أذكر ورد بذل المال مقدمٌ على بذل النفس, لأن بذل المال أهون من بذل النفس إلا في موطن واحد ورد فيه بذل النفس مقدماً على بذل المال, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 111)
وهنا بيع قطعي وفي البيع القطعي يقدم الأهم على المهم، بينما في البذل يقدم الأيسر على الأعسر، حكمة بالغة.
في مواطن كثيرة وردت كلمة "غفور رحيم", إذا اجتمع اسم المغفرة والرحمة فاسم الغفور مقدمٌ على اسم الرحيم, لماذا ؟ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، الغفور مقدمٌ على الرحيم, ولذلك ورد في الترتيب كما يلي إلا في آية واحدة جاءت فيها كلمة رحيم غفور, هذه آية وحيدة ورد فيها اسم الرحيم قبل اسم الغفور, قال الله:
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة سبأ الآية: 2)
لماذا؟ لأنه في آيات أخرى حيثما وردت كلمة العلم وردت معها كلمة الرحمة, لأن العلم من غير رحمة طامة كبرى كما هي الحال في هذا العصر, حينما تقدم العالم الغربي تقدماً مذهلاً في العلوم, ولم يرافق هذا التقدم تقدم في القيم فأصبح هؤلاء كالوحوش الكاسرة, أرادوا أن يأكلوا الشعوب كلها, وأن يعيشوا على أنقاضها, فهم يسببون لها متاعب لا حصر لها، من أجل أن يرتفع مستوى معيشتهم، فربنا عزّ وجل قال:
﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ﴾
(سورة غافر الآية: 7)
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 52)
﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾
(سورة الكهف الآية: 65)
في أكثر الآيات تأتي كلمة الرحمة مع العلم, لأن العلم من دون رحمة سلاح مدمر، والعلم من دون رحمة جعل القنبلة النووية، وهذه القنبلة الذرية أُلقيت في الحرب العالمية الثانية، وكانت في البدايات قنبلة متواضعة جداً 300000 إنسان ماتوا بثوانٍ، فهذا هو العلم من دون رحمة, والآن يقولون: هناك حرب جرثومية, و حرب كيميائية، ومواد تصيب الإنسان بالشلل، ومواد كيميائية تصيبه بالهوس والخَوَر، وهناك قنابل عنقودية، و قنابل تلفزيونية، وقنابل حارقة، فهذا ليس بعلم بل كله جهل، وهذا كله علم من دون رحمة، وهناك قنابل تبيد البكتريات في الأرض، فتصبح الأرض غير صالحة للزراعة, فهذا ليس بعلم، قال الله:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾
(سورة غافر الآية: 7)
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾
(سورة الكهف الآية: 65)
﴿كِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾
(سورة الأعراف الآية: 52)
في أكثر الآيات اجتمعت الرحمة مع العلم، وفي عصرنا هذا انفرد العلم من دون الرحمة، ومن علامات آخر الزمان أن تنعدم الرحمة من قلوب الناس، لا يرحمك مهما كنت ضعيفاً, وقد يتلذذ بشقائك، هكذا العالم الغربي يخلق في العالم مشاكل، ويبيع هذه البلاد أسلحة من أجل أن يفنى بني البشر.
ما هي الحكمة من التقديم والتأخير بالكلمات في القرآن الكريم ؟
لماذا ذكر الله كلمة رحيم غفور, ولماذا ذكر كلمة رحيم قبل الغفور؟ قال تعالى:
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة سبأ الآية: 2)
وهناك شواهد أخرى حول هذا الموضوع كثيرة, قال الله:
﴿ أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 78)
دائماً السمع مقدم على البصر في أكثر الآيات, لأن تخلّق السمع يكون قبل تخلّق البصر، فهناك ترتيب زمني، وقد يكون هناك ترتيب من حيث الأهمية، فالسمع يؤمن لك دائرة أمان أوسع من دائرة البصر، فسائق السيارة لا يرى شيئاً أمامه, ولكن هناك صوت للمحرك خطير، يقول لك: يوجد صوت, فدائرة السمع أوسع من دائرة البصر, فقُدّم السمع على البصر إما تقديماً في المرتبة, رتبته أعلى من رتبة البصر إلاّ في آية واحدة, قال الله:
﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾
(سورة السجدة الآية: 12)
لأن سرعة انتشار الصورة يعني " الضوء " أسرع بكثير من سرعة انتقال الصوت، سرعة الصوت 330 متر بالثانية، لكن سرعة الضوء 300000 كيلو متر بالثانية، ترى البرق وبعد حين تسمع صوت الرعد، فانتقال الصوت إليك كان بطيئاً جداً، قال الله:
﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾
(سورة السجدة الآية: 12)
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
(سورة الجمعة الآية: 11)
الله بدأ بالتجارة, لأنه لا لهو من دون تجارة، فاللهو يحتاج لأموال طائلة، فإذا دخل رجل قاعة فيها قمار فيجب أن يكون معه ملاييـــن، قال الله:
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
(سورة الجمعة الآية: 11)
هنا قُدم اللهو عن التجارة, لأنك إذا تركت الصلاة لعلة اللهو أشد إثماً وتفريطاً من تركها لعلة التجارة.
الأقارب جاء ترتيبها في كتاب الله بشكل عجيب, فربنا عزّ وجل في سورة آل عمران يقول:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
(سورة آل عمران الآية:14)
الله عزّ وجل بدأ بالنساء, ثم البنين، ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم الخيل المسومة، ثم الأنعام، ثم الحرث، سنأخذ أول واحدة, لماذا بدأ بالنساء؟ لأنَّ الآية في موضع المتعة, قال الله:
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
(سورة آل عمران الآية:14)
لذلك قال النبي الكريم:
" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "
(أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه)
وهناك آية ثانية:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
فالمحبة الحسية للمرأة في الدرجة الأولى، و المحبة القلبية للأب، لأن حبه لابنه سبق حب ابنه له من باب الوفاء، فربنا عزّ وجل بموضوع الاعتزاز الاجتماعي بدأ بالأب, قال الله:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
أبوة فبنوة فأخوة، وهذا ترتيــب الأقارب.
وهناك آية ثالثة:
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾
(سورة المعارج الآية: 11-14)
في موطن دفع الفدية أغلى شيء الابن، وفي آية رابعة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾
(سورة عبس الآية: 33-37)
ففي موطن الاستنجاد والاستغاثة الأخ, أما الذي يعينك فأخوك، فهنا بدأ بالأخ، وهنا بدأ بالابن، وهنا بدأ بالأب، وهنا بدأ بالزوجة، وهذا الترتيب دقيق جداً، إذ يعجز عنه البشر, والله عزّ وجل عليم بما في النفوس، قال:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
(سورة المُلك الآية: 14)
فالقرآن الكريم من حيث الإعجاز, واللهِ لا يفي بحق هذا الموضوع لا درس ولا درسان, ولا سنة ولا سنتان, ولا العمر يمكن أن يفي بحق هذا الموضوع, ففيه إعجاز تشريعي، و إعجاز بياني، و لغوي، و حسابي، ورياضي، فمن دروس التفسير ومن خلال شرح الآيات الكريمة يبدو لكم بعض إعجاز القرآن الكريــم، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الثامن و الثلاثون )




الموضوع :صفات الرسل (2)



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صفات الرسل:
1- الصدق:

أيها الأخوة, وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع عنوانه صفات الرسل, وقد تحدثنا عن الصفة الأولى ألا وهي الفطانة, وتحدثنا عن الصفة الثانية ألا وهي العصمة, واليوم ننتقل إلى الصفة الثالثة من صفات الرسل وهي:
1- صفة الصدق: " فحينما وقف سيدنا جعفر رضي الله عنه أمام النجاشي, وقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونقطع الرحم, ونسيء الجوار, ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " فالصدق من أبرز صفات الرسل عليهم السلام, ولا يرفع الإنسان عند الله بشيء إلا إذا كان صادقاً معه, وصادقاً مع نفسه, وصادقاً مع الناس, قال عليه الصلاة والسلام: "عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيـــْهِ وَسَلَّمَ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة في مسنده)
فقد يكون المؤمن حادّ الطبع، وقد يكون المؤمن كثير الإنفاق، وقد يكون المؤمن مائلاً إلى الانطواء، وقد يكون المؤمن محباً للاختلاط، كل هذه الصفات لا تقدح في كرامة المؤمن ولا في مكانته, فالمؤمنون طباع, وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" الحدة تعتري خيار أمتي"
( ورد في الأثر )
أما أن يكون المؤمن كاذباً أو خائناً فهذا يتنافى مع إيمانه, لا يجتمع إيمان وكذب, ولا إيمان وخيانة, فالصدق صفة بارزة من صفات الأنبياء عليهم السلام, وهي من أبرز صفات المؤمن, لماذا؟ لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فإذا اصطفى الله إنساناً بالوحي, وكلفه تبليغ رسالاته للناس, وزوده بالمعجزة التي تشهد بصدقه أنه رسول.
هل يعقل أن يكذب الرسول ؟
فهل يُعقل أن يكذب الرسول؟ اصطفاه الله, وهو العليم الخبير, اصطفاه الله بالوحي وكلفه تبليغ رسالاته للناس وأيّده بالمعجزات التي تؤكد صدقه, أفيعقل بعد هذا أن يكذب؟ فهذا شيءٌ في علم العقائد مستحيلٌ عقلاً، من الذي اختاره؟ العليم الخبير، فلو أنه كذب على الله لكان اختيار الله غير صحيح, إذاً هذا الذي اصطفاه الله وأيّده وكلّفهُ بالتبليغ لا يُعقل أن يكذب.
الرسول مؤيد بالمعجزة, فلو كذب قبل المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, ولو كذب بعد المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, وهذا الذي أمسك العصا فإذا هي ثعبان مبين, فما معنى هذا؟ أيها الناس, إني رسول الله فإذا نطق بالكذب قبلها أو بعدها, فالمعجزة أصبحت تأييداً للكذب, وهذا مستحيل عقلاً, ولا يليق بحضرة الله سبحانه وتعالى أن يصطفي رسولاً يكذب عليه, ولا يعقل أن يكذب النبي على ربه، ولا أن يُكذّبه, فالرسول في العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعلم بالضرورة أن يكون صادقاً قطعاً في كل ما يبلغ عن ربه, لذلك فسيدنا سعد قال:
" ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس, ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى, انتهى الأمر, من عند الخبير، من عند العليم، الخالق، الذي لا يغفل، الغني، رب العالمين، ولا سِرتُ جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا دخلت في صلاة فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها, وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس "
( قول مأثور )
لو أن الرسول كذب في موضوعات غير شرعية ليس لها علاقة بالدين كعلاقته مع زوجته في بيته، أو مع أقربائه و جيرانه، فهذا الكــذب في موضوعات لا علاقة لها بالدين يسبب الشك في رسالته كلهــا، فالذي يكذب في علاقته مع الآخرين يكذب عن الله عزّ وجل، ولذلك لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق، وإياك أن تسمح لنفسك أن تعتقد أنَّ رسول الله يكذب في أمور, لا علاقة لها بالدين أبداً, لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أن الإيماء ليس من أخلاق الأنبياء، أي يقوم بغمز واحد افعل كذا، فهذا الإيماء كأنهُ في شيء ظاهر وشيء باطن, قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ"
(أخرجه النسائي عن محمد بن عمرو بن حسن في سننه)
المعجزة دليل صدق الأنبياء:
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أشار في خطابه إلى فرعون بأنه شاهد المعجزة, وهذه المعجزة دليل صدقه في النقل عن ربه, هذه المعجزات التي تأتي بها الأنبياء, هي دليل صدقهم وأنهم رسل من عند الله:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
)سورة الأعراف الآية: 104-105(
شهادة الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأنه لا ينطق عن الهوى:
وربنا عزّ وجل شهد لهذا النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم، قال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
فعلماء الأصول قالوا: هناك وحيٌ متلو, وهو القرآن، وهناك وحي غير متلو, وهو ما صح من الحديث الشريف, بل إن الذي يُنكر الأحاديث الصحيحة المتواترة يُعدّ كافراً, كما لو أنه أنكر كلام الله, فليس من حق أحد على وجه الأرض أن يُكفّر الناس, يجب أن يقف الإنسان موقف السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, قال:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سورة المائدة الآية: 118)
وهذا تدخل في شؤون الله عزّ وجل, فبدل أن تكفره، اسعَ في هدايته, ومن قال:
" هلك الناس فهو أهلكهم "
( ورد في الأثر )
قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 170)
إذا تكلم المؤمن خلاف ما يعتقد من الحق فقد خان رسالة الله:
إذا تشرّف إنسان " فالله عزّ وجل رفعه وشرّفهُ " في أن يدعو إلى الله, فلو أنه تكلم بخلاف قناعاته، ولو أنه سكت عن حقيقة يعرفها, أو بالغ في حقيقة أو قصّر عن إلقاء الحق، فقد خان الرسالة وخان الأمانة، وفي ذلك قال الله عزّ وجل:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾
(سورة الأحزاب الآية:39)
لو أن أحداً قال لك: هذه حرام, وأنت تعلمها حراماً, وأردت ألا تزعجه، وألا تحرجه, وأن تبقى لك معه مصالح، وأن تنتفع منه، فقلت له: لا, هذه حلال فقد سقطت من عين الله عزّ وجل؟ لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله, يجب ألا تأخذك في الله لومة لائم وأن تنطق بالحق, وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرّب أجلاً.
ينبغي على المسلم أن يكون كلام الله فوق كل شيء:
وقد قال لي أحدهم مرة: سعر كل سيارة هبط بمقدار 200 ألف ليرة، فإذا عمل إنسان تصريحاً صغيراً يُغيّر أسعار كل الحاجات، وربنا عزّ وجل خالق الكون ومنزل القرآن الكريم ستمئة صفحة فيه وعد ووعيد، وإنذار و إعذار، وتوضيح و تصريح, ألا يستحق خالق الكون أن تصدقه وأن تطيعه ؟ لو خاف الناس من ربهم كما يخافون من بعضهم لدخلوا الجنة, إذاً تعلم أن هذا الإنسان إذا قال فعل: وهو يملك أن يؤذيك, وقال: هذا ممنوع, فهل تفعله؟ لا والله لا تفعله, كيف تسمح لنفسك أن تصدق إنساناً وأن تطيعه, ولا تفكر في أن هذا القرآن من عند الله, وفيه أوامره ونواهيه ما لَكَ أين أنت؟ لذلك قال الإمام الجنيد: " ليس الولي من يفعل خوارق العادات ولكن الولي من تجده عند الأمر والنهي في الملمات" فالله عزّ وجل السميع البصير، بيده كل شيء, قال الله:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
(سورة الحديد الآية: 4)
هل من المعقول أن يكذب رسول الله ويتركه الله من دون عقاب ؟
لو أنّ رسوله كذب عليه, أيتركه هكذا؟ ويقول أحدهم: والله ما عندي علم سمعتها من إنسان، لم يبلغني ذلك أنه كَذَبَ عليّ هكذا سمعتها، أمّا خالق الكون, قال الله:
﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
(سورة المجادلة الآية: 1)
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
(سورة طه الآية: 7)
ولو أنَّ نبيه كَذَبَ عليه أيتركه سُدى؟ اسمعوا الآية:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾
(سورة الحاقة الآية: 44-47)
فلو تكلم كلمة واحدة من عنده لعاقبه الله عزّ وجل, ولكَشفَ هذا الكلام الذي لا يُطابق الرسالة، ولما طلب المشركون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن, أو يبدّل فيه الآيات التي تمسُ معتقداتهم.
الأدلة من الكتاب على نفي الكذب من الرسل:
قال الله:
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذا شيء مستحيل, قال تعالى:
﴿ مَا يَكُونُ لِي﴾
(سورة يونس الآية: 15)
من أشد أنواع النفي, ومعنى قوله تعالى:
﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذه إشارة إلى وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، بل إن هذا هو الدليل, وهناك أدلة أخرى، قال الله تعالى:
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾
(سورة النساء الآية: 43)
فبحسب ظاهر النص الخمر مباحة في خارج الصلاة, وهذه الآية منسوخة قولاً واحداً، إذاً في القرآن الكريم آية ناسخة وآية منسوخة, وهناك أدلة كثيرة عليها, وهناك حكمة بالغة من الإثبات, ومن النسخ, ومن بقاء الآية بعد النسخ, قال الله:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
أنا متبع, قال تعالى:
﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذه وظيفتي وهذا قدري, ولا أستطيع أن أزيد فيه ولا أن أنقص منه, ولا أن أبدل، ولا أن أٌغيّر، ولا أن أُعطل, هذه أمانة التبليغ, و الذين يذهبون إلى مقام النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم, ماذا يقولون في حضرته:
" أشهد أنك بلّغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة ومحوت الظلمة وجاهدت في الله حق الجهاد وهديت العباد إلى سبيل الرشاد "
( ورد في الأثر )
الله علّمه أن الذي يفتري عليه الكذب هو من أشد أنواع الظلم, قال تعالى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾
(سورة يونس الآية: 17)
ما هي علاقة المؤمن بموضوع الأنبياء في نفي الكذب عنهم ؟
قد يقول قائل: الأنبياء لا يكذبـون, هم صادقون مصدّقون مئة في المئة, ونحن المؤمنين ما علاقتنا بهذا الموضوع ؟ إذا خرجت عن الحقيقة, و سكتّ عن الحق, أو نطقت بالباطل, فهذا يخرجك من الإيمان، المؤمن لا يكذب، إذا أفتيت للناس بفتوى ترضيهم بها, وتُغضب الله عزّ وجل, أليسَ هذا كذباً على الله؟ وعلاقتنا من هذا الموضوع يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ المؤمن إذا كذب فقد خرجَ من إيمانه, لأنَّ المؤمن لا يكذب و هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
ألم تسمعوا بأن أحد المتحدثين الأجلاء حينما رحل من المدينة إلى البصرة ليتلقى حديثاً عن رجل في البصرة, رآه عن بعدٍ, وقد وضع طرف ردائه موهماً فرسه أن فيها شعيراً, فلما اقترب منه لم يجد شيئاً فلم يكلمه, وعاد من حيث أتى, هذا كذاب, وما دام أن هذا الإنسان كذاباً لا يليق أن نأخذ منه حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام, و الإمام البخاري جمع ستمئة ألف حديث, واختار منها تسعة ألاف حديث فقط, فصحيح البخاري فيه تسعة آلاف حديث فقط مختارة من ستمئة ألف حديث جمعها في صحيحه, كم بذل من جهد؟ أجمــع أهل المِلل والنحل والشرائع بلا استثناء, أنه لا يتم إثبات رسالة رسول إلا بالصدق، لأن الأنبياء والمرسلين جميعاً صادقون فيما بلّغوا عن ربهم, وهذا كلام قيّم جداً, فإذا قرأت حديثاً شريفاً فهذا ليس من عند رسول الله و ليس اجتهاداً, هذا وحيٌ من عند الله, فمخالفته مخالفة لأمر الله, وطاعته طاعة لله، ولذلك فربنا عزّ وجل قال:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
(سورة الحشر الآية: 7)
و قال ربنا عزّ وجل:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾
(سورة النساء الآية: 80)
2- التبليغ:
الصفة الثانية من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام, صفة التبليغ: لاحظنا أيها الأخوة, أن الرسول مبلّغٌ عن الله تعالى, وأن الله اصطفاه لهذه المهمة, وأنه أمره بتبليغ جميع أحكامه وشرائعه للناس, وذلك بمقتضى قول الله عزّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
قال تعالى:
﴿يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
أي لن يستطيع أحد أن ينال منك, أو أن يقتلك.
وآية أخرى:
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾
(سورة الجن الآية: 26-28)
الله عزّ وجل سيسأل الأنبياء, هل بلّغتم رسالاتي:
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
(سورة الزمر الآية:71)
أن الرسل معصومون عصمــة تامة عن مخالفـة أمر الله، ومعصومون من أن يقتلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام عصمه الله من أن يُقتل, والأنبياء جميعاً والرسل جميعاً معصومون من أن يعصوا الله عزّ وجل, فلو عصوا الله عزّ وجل, والناس مكلفون باتباعهم لصار التبليغ باتباع المعصية, ولصار أمر الله أن تعصي الله، وهل يأمرك الله أن تُطيع هذا الرسول وهو يعصي الله, كأنَّ الله يأمرك أن تعصيه, والله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء؟ معنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام مكلفٌ بالتبليغ, أي لا يمكن أن يكتم من الحق شيئاً، هذا شيء مستحيل بحق الرسل, وهم معصومون أن يكتموا شيئاً أمرهم الله بتبليغه, لأنَّ الله عزّ وجل ما اختارهم لحمل رسالته إلاّ ليقوموا بتبليغ شرائعه.
ما هو الدليل على عدم كتمان الرسل رسالات الله ؟
وما الذي يؤكد أنهم لم يكتموا شيئاً مما أُمروا به؟
1- أن الله عزّ وجل شهد لهم بأنهم فعلوا ذلك في مناسبات كثيرة.
2- أنَّ الله وقد ذّم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة والإنجيل فلم يرض منهم هذا الكتمان وهم أفراد عاديين، فكيف يرضاه ممن اختارهم لحمل رسالته؟ وهل يسكت عنهم لو كتموا شيئاً؟ لذلك قالوا:
" الساكت عن الحق شيطان أخرس"
( قاعدة فقهية )
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً أنزله الله إليه, وأمره بتبليغه, لكتم ما قاله الله بحقه حينما قال:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾
(سورة عبس الآية: 1)
ولكم قصة زينب التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالزواج منها بعد أن كانت مطلقة لمتبنّاه زيد, قال الله:
﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 37)
﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 43)
فلو كان بالإمكان أن يكتم النبي العدنان شيئاً من القرآن لكتم هذه الآيات، إذاً يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً في حق الرسل, أنهم بلّغوا جميع ما أمرهم الله بتبليغه " اللهم قد بلغّت, اللهم فاشهد " لأنَّ الكتمان ضد التبليغ, فإذا وجبت لهم صفة التبليغ امتنعت عنهم صفة الكتمان، هذه الصفة, صفة التبليغ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام.
3- العصمة من الأمراض المنفرة أو ما يخل بأداء رسالتهم:
ومن صفات الرسل أيضاً, أنهم لا يتعرضون للأمراض المنفّرة: هناك أمراض جلدية منفّرة, أو أمراض لا يرتاح الإنسان لمنظرها, حدثتكم عن الأحنف بن قيس: كان قصير القامة, أسمر اللون، غائر العينين، مائل الذقن, خفيف العارضين، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب, وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب، غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب, لكن النبي الكريم جمع الحسنيين, جمع كمال الخلقِ والخُلق, وهكذا يكون الكمال, يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام حتى في خلقه مثلاً أعلى, قال الشاعر:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشاء
وفي روايات, أنَّ بعض الأنبياء ظهر الدود من جلودهم, وهي أوصاف مُبالغ فيها كثيراً، كيف يستطيع الناس أن يجلسوا أمام هذا النبي؟ لذلك لا تعترض أبدان الرسل عليهم الصلاة والسلام لما يُنفّر الناس منهم, لكن ليس معنى ذلك أن النبي لا يمرض, لا, الأمراض العادية تُصيبه، لأنه بشر، " اللهم إني بشر أرضى كما يرضى البشر"
( ورد في الأثر )
وسوف نتابع بقية صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام في درس آخر إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (التاسع و الثلاثون )




الموضوع :الكرامات





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الفرق بين المعجزة والكرامة من حيث الأمور العقلية:
وصلنا إلى موضوع جديد هو الكرامات, فالمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء، فما حقيقة الكرامة؟ هل هي صحيحة؟ وهل هي واقعة فعلاً؟ و هل نثبتها؟ وإذا أثبتناها فما الأدلة؟ وإذا نفيناها, فما الأدلة؟ فالإنسان يجب أن يتعوّد ألا يقبل شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله أو سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وألا يرفض شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله ومن سُنة رسول الله، فلذلك الكرامات موضوع يكثر الحديث فيه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني من توضيح هذا الموضوع الدقيق.
في دروس سابقة بينت لكم أن المعجزة ممكنة عقلاً, لأن هذا الذي خلق هذا الشيء على هذه الشاكلة يستطيع أن يخلقه على شاكلة أخرى, قال الله:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة الانفطار الآية: 8)
والذي خلق الماء مائعاً سائلاً يستطيع أن يجعله صلباً يابساً، و الذي خلق النار تحرق قادر على أن يجعلها لا تحرق، وإذا قيس الأمر بقدرة الله عزّ وجل فالله على كل شيء قدير, هناك أشياء ممكنة عقلاً، وهناك أشياء واجبة عقلاً، وهناك أشياء مستحيلة عقلاً، فالشيء الواجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى، والشيء الممكن هو الكون، كان على هذا الشكل ويمكن أن يكون على شكل أخر، فإذا أدخلنا موضوع المعجزات في هذا الموضوع فالمعجزات ممكنة, قال الله:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
الله عزّ وجل جعل لكل شيء سبباً, ولكن في أي لحظة يستطيع أن يُلغي هذا السبب أو أن يعطله, ليبين لنا أن هذا الشيء من خلق الله وليس من خلق السبب، والسبب يعني وجد معه ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الشيء، فالمعجزة كما تكلمنا عنها سابقاً بدرس مفصّل ممكنة عقلاً، لكن قد تكون غير ممكنة عادة، فالنار تحرق عادة فأن تضع إنساناً في النار ولا يحترق فهذا غير ممكن عادة, أما عقلاً فممكن, لأنَّ الذي أحرق الإنسان بالنار قادر على أن لا يحرقه بها، وإذا أردنا أن ندخل موضوع الكرامات في هذا الموضوع فالكرامات أمور ممكنة عقلاً، والله عزّ وجل على كل شيء قدير, كما أنه أجرى على يد أنبيائه ورسله بعض المعجزات التي هي خرق للعادات, فمن قدرة الله عزّ وجل أن يُجري على بعض الصالحين من أتباع الأنبياء وعلى بعض الأولياء أموراً فيها خرق للعادات، لكن المعجزة هي خرق لمجرى العـادات الكونية مرافقة لدعوى النبوة، وهناك إنسان يقول: أنا نبي وهذه المعجزة, فالمعجزة ترافق دعوة النبوة ومقرونة بالتحدي, أما الكرامة فهي خرق للعوائد, ولكن غير مقرونة بالتحدي ولا بدعوى النبوة، إنما هي شيء خارق للعادات أجراه الله على يد بعض الصالحين من أوليائه المؤمنين أتباع النبي.
لمن تكون الكرامة ولما وجدت:
بالمناسبة: هناك قيد للكرامة, فما هذا القيد؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يجري كرامة على يد عبـــد من عباده الصالحين إلا إذا كان ملتزماً بأوامر الله سبحانه وتعالى جملةً وتفصيلاً، فإذا كان غير ملتزم بأوامر الله عزّ وجل, وادّعى أنه أجريت على يديه كرامة فهذه ضلالة وليست كرامة.
لماذا كانت الكرامة؟ هي شاهد مستمر على إمكان المعجزات، معجزات الأنبياء التي جرت بأزمانهم، وهي دليل جزئي على أن هذا الإنسان صالح، كرمه الله سبحانه وتعالى بخرق العادات، إذاً من باب أولى أن أنبياءه المصطفون، وأن رسله المكرَمون تجري على يديهم معجزات باهرات دالات على رسالتهم, وعلى عظمة الله سبحانه وتعالى.
الكرامة شهادة من الله لهذا الإنسان على صلاحه وهي أقل مستوى من المعجزة:
هذه الكرامات, تؤكد للأتباع أن هذا الإنسان الذي كرّمه الله بهـذه الكرامة مقرّب عنده، وكأنها شهادة الله لهذا الإنسان, كيف يشهد الله عزّ وجـل؟ شهد لأنبيائه بالمعجزات, وشهد لرسله بالكتب، فكيف يشهد لبعض أوليائه بالكرامة؟ بأن يُجري على أيديهم بعض الكرامات، أي بعض خوارق العادات.
عندنا ملاحظة ثانية, الكرامة مستواها أقل من مستوى المعجــزة، فيجوز النبي أن يبرئ الأكمه والأبرص, ويحيي الموتى بإذن الله، وإحياء الميت معجزة, والكرامة أقل من ذلك, فإذا ادعّى وليٌ من أولياء الله أنه يحيــي الموتى تقول له: لا, الكرامة ليست في مستوى المعجزة, المعجزة لها صفة جماهيرية, يُدعى الناس جميعاً لمشاهدتها، وفيها تحّدٍ وترافق ظهور رسالة سماوية، أما الكرامـة فلها طابع فردي، بهذه القيود والفروق التي وضحتها لكم يتبيّن لنا:
1- أن الكــرامات لا تلتبس بالمعجزات، ولن تختلط الكرامة بالمعجزة.
2- فالكرامة على شكل فردي، والمعجزة على شكل جماعي.
3- المعجزة يرافقها ظهور نبي أو هبوط وحي أو نزول رسالة، بينما الكرامة لا يرافقها هذا.
4- ومع المعجزة هناك تحدٍ من قِبل الناس، ومع الكرامة ليس هناك تحدٍ.
أنواع الكرامة:
1- الكرامة التي تجري وفق العادة:
هناك تكريم من الله لبعض الناس الصالحين، المتًبعين غير المبتدعين، يجري وفق العادات لا خلاف العادات، وما التكريم الذي يُكرّم الله به بعض عباده وفق مقتضى العادات وليس خِلافها ؟ إنه العلم، إذ يُمنح هذا الإنسان العلم, فالعلم تكريم وأيّ تكريم, بل هو أرفع درجات التكريم, وليس في العلم خرق للعادات, العلماء قسّموا الكرامات على نوعين:
1- نوع يجري وفق العادات: وهذا النوع الذي يجري وفق العادات في مقدمته العلم أو القوة الجسمية, قال الله:
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
( سورة البقرة الآية: 247)
إنسان آتاه الله عزّ وجل القوة فهذه كرامة, ولكن وفق العادات، أو القدرة على التوجيه أو القيادة أو الرئاسة هذه قدرة أيضاً، يوجد إنسان عنده إمكانية يجمع الناس حوله، وعنده إمكانية أن يُوّفق بين المتخاصمين، وعنده قوة حجة، وإقناع، وسياسة، و فهم، وحكمة، هذه كلها كرامات, لكنها كرامات وفق العادات, وليس فيها خرق للعادات، أو أن يعطيه مالاً وفيراً، أو أن يجعله ينجب أولاداً من أعلى مستوى الذكاء، ومن كرامة الله لهذا الإنسان الحكمة, والقدرة على تدبير الأمور، والفطانة، وحُسن التصرف، والتكيّف، المال، والزوجة الصالحة، والأولاد الأبرار، هذه كرامات وفق العادات يكرم الله سبحانه وتعالى بها بعضاً من عباده الصالحين.
2- الكرامة التي تجري خلاف العادة:
2- وقد يُكرم بعض عباده بأن يُجري على أيديهم خوارق العادة: من الكرامات التي وردت في كتب العقيدة, أن يفتح الله لأوليائه آفاق العلم والمعرفة فهذه كرامة, والدليل قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية:282)
إذا آتاك الله عزّ وجل الفهم لكتاب الله فهذه كرامـــة، فتقرأ الآية، وتفهمها سريعاً، وتتضح لك: أبعادها ومراميها، وعلاقتها بالآية السابقة ومدلولها، فهذه كرامة من الله عزّ وجل, ومن كرامة الله لأوليائه الصالحين أن يجعل لهم مخرجاً, وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فالحياة فيها أزمات، وفيها ورطات، وفيها مشكلات, قال الشاعر:
كن عن همومك معرضــاً وكل الأمور إلى القضـا
وابشر بخير عاجـــــل تنسى به ما قد مضــى
فلرب أمرٍ مسخـــــطٍ لك في عواقبه رضــا
ولربما ضاق المضيـــق وربما اتسع الفضـــا
فالله يفعل ما يشـــــا ء فلا تكن معترضـــاً
الله عودك الجميـــــل فقس على ما قد مضـى
ثم الله سبحانه وتعالى إكراماً لك أيها المؤمن, يفتح لك مخرجاً ما كان في الحسبان، إذ يخلق لك فرجاً بعد اليأس، ويخلق لك حلاً بعد التعقيد, قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكان يظن ألا تفرج
هذه كرامة، فيجوز أن يكون كل واحد منكم مُكرّماً عند الله، كل واحد منكم حصراً، على هذه المقاييس، هذه أنواع الكرامات، و كلمة مخرج تعني أن الأمور مُحكمة, وليس هناك من أمل, و الله عزّ وجل لا يفتح لك المخرج إلا بعد أن تُحكم الشدائد من كل جهة, طرقت باب فلان فوجدته مسافراً, وفلان وعدك بمبلغ, فقال لك: والله ليس معي نقدي, فإذا وجد لك مخرج من أزمة مستحكمة, فهذه كرامة أيضاً, من كرامات الله لأوليائه المؤمنين: بأن يكافئهم على نصر دينه, وبأن ينصرهم ويؤيدهم وأن يجعلهم فوق أعدائهم، وذلك بتهيئة الأسباب ودفع الموانع وإلقاء الرعب في قلب العدو, وذلك في مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7)
فهذه كرامة، مكافأةً لك على نُصرة دين الله, وعلى أنك وقفت إلى جانب الحق، وآثرت رضاء الله عزّ وجل, وأسخطت الخلق, وأرضيت الحق، قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص الآية:5-6)
أيهما أرفع عند الله الكرامة التي تجري وفق العادة أم خلافها ؟
هناك كرامات, تجري وفق العادات, وكرامات تجري خلاف العادات، أي الكرامات أرفع عند الله درجة, التي تجري وفق العادات أم التي تجري خلاف العادات ؟ أنت أمام طبيب، واحد آتاه الله علماً عميقاً, وقدرة على تشخيص المرض, وقدرة على وصف الدواء المناسب، وطبيب آخر, آتاه الله شيئاً من خوارق العادات، فلما دخلت عليه طار في الجو أمامك حتى وقف في السقف, منظر مُذهل، وأنت مريض, إلى من تحتاج ؟ إلى الذي أوتي العلم، العلم ليس فيه خرق للعادات, شيء طبيعي.
تعليق لطيف, قال مؤلف الكتاب: وظاهرٌ أن الإكرام بالعلم أو التأييد بالنصر أجل وأرفع من الإكرام بالمشي على الماء, أو الطيران في الهواء, أو طيّ المسافات البعيدة في زمن قصير, أو تحضير الطعام والشراب في مكان ليس فيه طعام ولا شراب، فالعلم والفهم والحكمة والقدرة على توضيح الحق للناس، وهذا الكلام مؤيد بالأدلة القرآنية القطعية الثبوت والقطعية الدلالة.
الكرامة التي يجريها الله على يد بعض الصالحين من الأمور الممكنة عقلاً:
فكل منكم فيما أعتقد كرمه الله سبحانه وتعالى بأن فهمه، وعلّمه، وحفظه، و جعل له مخرجاً من بعض أزماته، و أيّده، وقرّبه, فهذا أكبر تكريم, ولذلك يجب أن نعتقد ونحن ندرس العقيدة الإسلامية، أن الكرامات جائزة الوقوع, وأنه لا مانع من أن يُجريها الله على يد بعض الصالحين من عباده إكراماً لهم, وتأييداً للرسول الذين هم من أتباعه.
ما دامت الكرامات قد ثبتت عقلاً، فالكرامات ممكنة عقلاً, وممكن أن يلقي الله عزّ وجل في قلب عدوك الرعب منك، وأن يُلقي عليك هيبة, فهذا الخصم يخاف منك, وأنت أضعف منه, و أنَّ هذه الورطة بعد أن استحكمت حلقاتها, يفتح لك باباً تخرج منها, فاقتنعنا الآن أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً, لأن الله على كل شيء قدير، وهذا الذي سيحاسبك حينما تمر من أمامه ليحاسبك يأتيه خاطر متعلّق في بيته مثلاً فلا يُدقق فتنجو منه, لأنَّ قلبه بيد الله عزّ وجل، وعلى هذا هناك آلاف القصص، أثبتنا أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً.
الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع الكرامة:
أيها الأخوة, هناك صوراً كثيرة من الكرامات قد أثبتها القرآن الكريم، وهناك أمثلة كثيرة من الكرامات أثبتتها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ هناك كرامات كثيرة وردت عن أصحاب رسول الله صلوات الله عليه، إذاً لا يمكن أن تُنكر الكرامة لا من وجه عقلي, ولا من وجه نقلي، فهي ثابتة نقلاً وعقلاً، والنقل يتوافق مع العقل، والعقل يتوافق مع النقل، فلا داعي إذن لإنكار الكرامة على أنه متى ظهرت الصدق في طريق روايتها سلمنا بها، فلو فرضنا أن كذاباً قال لك: فلان أكرمه الله عزّ وجل ونجاه من ورطة كبيرة, فقد يكون ناقل الخبر كذاباً, فهل هذه كرامة؟ لا, لا تثبت هذه الكرامة إلا إذا وردتنا بالخبر الصادق, هذا من حيث الشكل, أما من حيث المضمون, فإنسان شرب الخمر ولم يحاسبه الله, وجعله ينطلق في ملكوت السموات والأرض, وهو سكران, فنقول له: هذا دجل, وأنت ضال، فيجب أن يكون موضوع الكرامة وفق طاعة الله عزّ وجل، فإذا تضمنت الكرامة المزعومة مخالفة ظاهر الشرع، أو فيها معصية أو مُنكر، أو تعطيل لحكم الله، أو نحو ذلك, فهذه ليست كرامة بل هي ضلالة من الشيطان.
والآن نحتاج إلى الدليل, أين الكرامات التي وردت في كتاب الله؟ قصة أهل الكهف, من هم أهل الكهف؟ هل هم أنبياء أم رسل؟ فقصة أهل الكهف هذه كرامة, ولو أنهم كانوا أنبياء أو رسلاً لكانت معجزة, وهذا النوم المديد خرقٌ من خوارق العادات, وقد أكرمهم الله بذلك, وهم فتية مؤمنون صالحون وليسوا بأنبياء, قال الله:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾
( سورة الكهف الآية: 9-12)
السيدة مريم الصديقة هل هي نبية؟ لا, النبوة محصورة بالرجال, ومع ذلك أجرى الله على يديها شيئاً من خوارق العادات, فقد حملت بسيدنا عيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر, أليس هذا خرقاً للعادات ؟
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 47)
ولما أحست السيدة مريم بقرب ساعات الوضع, ابتعدت عن أهلها إلى مكان خالٍ من الجهة الشرقية, وجلست إلى جانب شجرةٍ من أشجار النخيل التي لا ثمر فيها، وحصلت لها من المساعدات الربانية في وضعها أمور كثيرة منها: تساقط الرطب عليها من النخلة غير المثمرة لما هزت جذعها:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية: 25)
فهذه كرامة, أما بحق سيدنا عيسى فمعجـــزة، ما دامت جاءت قبل الرسالة فهي إرهاص كما تحدثنا من قبل, لما وضعت ابنهــا عيسى عليه السلام حملته, وجاءت به إلى قومها, فجعلوا يوجهون إليها الأسئلة المتندرة, ويحرجونها بالاتهامات الساخرة, وهي صامتة لا تحمل جواباً, وألحّوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصوروا فيه على حد تفكيرهم الضيق إلا الفاحشة, وهي منها براء فأشارت إلى ولدها الرضيع, قال الله:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
(سورة مريم الآية: 29-31)
فهذه كرامة، ليس من السهل أن يتكلم طفل عمره بضع ساعات أو أيام.
السيدة عائشة رضي الله عنها نزلت آيات قرآنية تؤكد براءتها مما اتهمت به من حديث أهل الإفك، والله عزّ وجل كرّمها بأن برأها بقرآنه الكريم، وهذه كرامة أيضاً ثابتة في القرآن الكريم، يتضح لكم أن الكرامات مأخوذة من القرآن الكريم.
هناك غلام نشأ في اليمن في عهد ملكٍ من ملوك حميّر، الذي استعبد الناس وحجبهم عن الإيمان بالله، وكان لهذا الملك ساحر فلما كبر الساحر, قال للملك: قد كبرت سناً فابعث إليّ غلاماً أُعلمه السحر, فاختار الملك غلاماً وبعثه إليه, وتتلمـــذ الغلام على الساحر, وأراد الله بالغلام خيراً فكان يتصل براهبٍ يأخذ عنه الدين والعبادة, وكان مكان الراهب بين منزل أهل الغلام, وبين مكان الساحر, وكان يحتال لتبرير تأخره على الساحر صباحاً, وعن أهله مساءً، وقد تقدم هذا الغلام في درجات التقوى حتى أجرى الله على يديه كرامات كثيرة منها: أنّ دابة خاف الناس منها, وقطعت عليهم طريقهم فأخذ حجراً, وقال: " اللهم إن كان أمــر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس, فرماها فقتلها " فاعتقد الناس به, وسمعوا راهباً وساحراً, فالراهب رجل دين, والساحر رجل كذاب, والملك حينما رأى بعض الناس قد آمنوا بالله خالق السموات والأرض بسبب هذا الغلام، حقد عليهم, وعذّبهم, وقتّلهم, طبعاً القصة طويلة، حاول الملك أن يقتل الغلام فأخذوه إلى جبل فردوه من علٍ فما تمكنوا، وأخذوه إلى عرض البحر ليُغرقوه فما تمكنوا، والله عزّ وجل كان يحفظه يُميت من معه ويحفظهُ هوَ، إلى أن قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس بصعيد واحد, وتصلبني على جذع, ثم تأخذ سهماً من كنانتي, ثم تضع السهم في كبد القوس, ثم تقول: باسم الله ربّ الغلام ترمي, فإن فعلت قتلتني، ليس لك أن تقتلني إلا بهذه الطريقة، فلما فعل قُتل بهذه الطريقة, فكبر الناس جميعاً, وآمنوا بالله خالق السموات والأرض, وكفروا بهذا الملك الذي يدّعي أنه رب، فكان هذا الغلام قد ضحّى بحياته من أجل أن يؤمن الناس بالله رب العالمين, هذه كرامة وردت في بعض الكتب الصحيحة، والله سبحانه وتعالى أشار إليها, قال:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ﴾
( سورة البروج الآية: 4)
إن الملك لما آمنوا بالله عزّ وجل, حفر لهم أخدوداً, وأشعـــل فيه النار, وحرّقهم فيه, قال الله:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة البروج الآية: 4-8)
فهذه بعض الأمثلة التي وردت في موضوع الكرامة, فالكرامة حق، ممكنة عقلاً, وثابتة نقلاً، والنقل أي هناك آيات كثيرة, وأحاديث تؤكد الكرامة، لكن أتمنى أن يبقى في أذهانكم أن أرفع الكرامات هو العلم والمعرفة والحكمة والقدرة على هداية الناس، وهذه هي الكرامة المجدية.
وآخر شيء من الكرامات, حينما كان يخطب سيدنا عمر على المنبر فجأة قطع خطابه, وقال: يا سارية الجبل الجبل, وسيدنا سارية أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان قائداً في جيش يغزو الفرس، ويبدو أن خلف الجبل كميناً للفرس، فسمع سيدنا سارية, وقال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل, فهل هذا لا سلكي ؟ لا، هذه كرامة من الله عزّ وجل, وهل هناك كرامة أجريت على يد إنسان فاسق, فاجر, مبتدع, لا يصلي, ويخرق حدود الشرع, وتكون له كرامة, فإياكم أن تسموها كرامة, فهذه ضلالة, لقوله تعالى:
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾
( سورة الكهف الآية: 51)
نرى مما سبق أن الكرامة من الأمور الثابتة قطعاً, والتي لا يشك فيها نظراً للأدلة العقلية والنقلية، ومن ينكرها من حيث هي فإنما ينكر شيئاً شهدت بإمكانه الأدلة العقلية, وتظاهرت على إثبات وقوعه الأدلة الشرعية المتواترة من قرآن, وسنّة بلغت في معناها معنى التواتر على ما نعتقد.
المؤمن الموفق يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله:
لو فرضنا طالباً من طلاب العلم, قضى العام الدراسي في طاعة الله عزّ وجل, ولم يحضر للمادة, وهذا شيء مخالف للسنة, يجب أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب, فرضاً, وشارف الامتحان على المجيء, وهذه المادة التي فحصها غداً ليس متمكناً منها, والفحص مصيري, وسيترتب على هذا الفحص مستقبله, نام ليلة الامتحان, فرأى في المنام أن السؤال هو سوف يأتي في الامتحان, وقرأ السؤال جيداً فأتقنه، دخــــل الامتحان فالسؤال نفسه كتبه, فأخذ علامة تامة، مع أن هذه القصة صحيحة, وهي كرامة لهذا الطالب, أيصح أن تلقى على الطلبة؟ اذهبوا للنوم طوال السنة, وانتظروا مناماً, هل يتعلم الطالب بهذه الطريقة؟ موقفي من الكرامات, أنني لا أنكرها, ولا أرويهــا, فإذا أكثرت من رواية الكرامات، فهذا شيء قد يدعو إلى الكسل، خلاف أوامر الدين, وخلاف الأخذ بالأسباب، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهو نبي الله، وهو رسول الله، وهو المعصوم من أن يُقتل, لماذا اختار خبيراً للطريق, واختار رجلاً يمحو أثار المشي, ورجلاً يأتيه بالأخبار, وآخر يأتيه بالزاد؟ أليس هذا كله أخذاً بالأسباب ؟ هكذا المؤمن, فأتمنى عليكم ألا تتحدثوا بالكرامات، هل أنت بحاجة إلى إنسان يفعل أمامك خوارق العادات, وأنت كما أنت؟ أم تريد إنساناً يشفيك من مرضك ؟.
ينبغي على المسلم أن يكون همه معرفة الله وفهم كتابه:
الذي أرجوه أن تعتقدوا: أن أعظم الكرامة أن تعرف الله عزّ وجل، وأن تفهم كتابه، و سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون فقيهاً، وأن تتلو كتاب الله، و تعلمه للناس، و تُرزق الحكمــة في تصريف الأمور، و التكيف مع الظروف الصعبة، هذه هي الكرامة الحقيقية, فأغلب الظن أن كل من يسمعني, وكل من يحضر هذا المجلس لا شك أنَّ الله أكرمه بطريقة أو بأخرى من هذه الكرامة.
الكرامة من الحوادث الخاصة وليست من العامة كالمعجزات:
وشيء آخر: الكرامات حوادث خاصة غير قابلة و غير صالحة للنشر، أما المعجزات فحوادث عامّة، فلما أسرى بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس, وعُرِجَ به إلى السماء، أَفي إمكانه أن يسكت عنها؟ هذه معجزة ينبغي أن يبوح بها، فإذا أكرمك الله عزّ وجل بشيء, وحدثت الناس فيه ماذا سيحدث؟ أكثرهم يكذبونك, فأنت قد تكون صادقاً و مخلصاً, وما كذبت فالله كرّمك، فأنا أنصحك إذا كرمك الله عز ّوجل بشيء فلا تتكلم به لأحد فهذا لك خاصة, فالكرامات حوادث خاصة يكرّم الله بها بعض المتقين, فلا يصح أن تتخذ ذريعة للتفاخر, وأن تقول لي: شاهدت مناماً أنني لابس أبيض, و لفة خضراء على رأسي, فدخلت إلى بستان جميل، ووجدت سيدنا الخضر يجلس ليستقبلني, دع المنام لنفسك وأرِحنا منك, فلا يصح أن تتخذ هذه الكرامات ذريعة للتفاخر، أو لتحصيل الأموال, وبعد أن يحكي المنام يفعل المحرمات, أهكذا المسلم؟ إنها تصبح استدراجاً ووبالاً على صاحبها.
الكرامة موضوع إكرام فلا يتخذ منها حكم شرعي:
لا يمكن أن تتخذ الكرامة ذريعة لإثبات الأحكام الشرعية، كأن تقول: شاهدت في المنام أن رسول الله قال لي: صلِ الفرض فقط، ما هذا الكلام؟ تُرّد الرؤيا, ويثبُت الشرع، من ادعّى أنه رأى رؤيا، أو جاءه هاتف، أو حدثه قلبه بشيء مخالف للشرع, تُردّ الكرامة المزعومة, ويثبت الشرع، وأصح كلمة قرأتها: أننا نفهم الشرع بالعقل, ولا نحكّم العقل بالشرع، فالعقل قد يضل, لأنهُ دون الشرع, وقد يغتّر، وقد يتجاوز الحدود, قد يُكرمك الله بالعلم وهذه كرامة، وقد يُكرمك بالحكم, فيجعلك حكيماً، وقد يُكرمك بالمال، والزوجة الصالحة، والذرية الصالحة، والأولاد الأبرار، والهيبة، والرفعة، والمكانة, فهذه كلها كرامات تجري وفق العادات، ووفق الأصول، فقد درست والله وفقك وأخذت شهادة عُليا, وتعيّنت بمنصب رفيع، وصار لك مكانة اجتماعية، لقد درست دراسة معينة, وأصبحت طبيباً، ولك مكانتك, وأنت مُحسن للناس، الناس رفعوا شأنك، فهذه كرامة, لكنها جرت مجرى العادات، أي لا تبحث عن الكرامــات التي فيها خرق للعادات, وهذه لا تُفكر بها.
الكرامة تكون وفق حالة الشخص:
الكرامة قد تكون وسيلة لتثبيت الإيمان، وقد تكون امتحاناً له وابتلاء، وقد تكون استدراجاً له، فإذا استمر على معصية بعدها كانت وبالاً عليه, ونكالاً به وحجة عليه من الله تعالى, وأحدهم راكب بالبحر، والبحر هاج، يا الله ليس لنا سواك, فهدأ البحر, وعاد هو إلى الشط، فإذا فعل معصية بعدها, فكانت هذه الكرامة استدراجاً وليست تكريماً, لا يصح بحالٍ من الأحوال الاغترار بأصحاب الكرامات, إذا لم يكونوا ملتزمين بأحكام الشريعة, متقيدين بأوامرها ونواهيها, فأصحاب الكرامات إن لم يكونوا ملتزمين بأوامر الشرع, فهذه ليست كرامات, لا تغتر بهم، الحكم الصحيح هو ميزان الشرع، وكل من رمى من يده ميزان الشريعة لحظة هلك, والشافعي رضي الله عنه, كان يقول: " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة " ثم قال مرة ثانية: " بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ", فالشرع هو المقياس, والكرامات أشياء شخصية حصلت لك, وليست قابلة للنشر، قد تُكذَّب بها، والإنسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ "
(أخرجه البخاري في الصحيح)
أرجو الله عزّ وجل أن أكون قد وُفقت إلى تحديد موضوع الكرامة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-20-2018, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الاربعون )




الموضوع :الوحى





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طبيعة الوحي:
أنهينا في الدرس الماضي موضوع الكرامات, واليوم ننتقل إلى موضوع الوحي, وقد عرفتم فيما سبق أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يُبلّغون رسالات الله, وأوامره ونواهيه, وسائر ما يكلفهم به تبليغهم للناس, ولكن لابد من سؤال: هؤلاء الرسل الكرام كيف يتلقون الرسالة عن الله؟ الإجابة الفاصلة هي عن طريق الوحي, فالوحي بحسب اللغة: يدل على الإيماء و الإشارة السريعة, والإعلام الخفي, و الكلام الخفي, وإلقاء المعنى في النفس, و الإلهام سواء أكان الإلهام بدافع الغريزة أم بإشراقات الفطرة, عندنا لكل مصطلح تعريفان: تعريف لغوي وتعريف شرعي, فالتعريف اللغوي بحسب ما جاء في المعاجم وأمهات اللغة, وأما التعريف الشرعي فهو التعريف الذي اصطلح عليه العلماء والفقهاء، فلا يمكن أن نفسر الأعمال المعقدة البالغة التعقيد التي يفعلها الحيوان، وهو حيوان لا يدرك ولا يعقل إلا عن طريق الغريزة، ولذلك فمن معاني الوحي الإلهام, إلهام الغريزة, قال تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾
(سورة النحل الآية: 68)
وهذا المعنى اللغوي ورد في القرآن الكريم, وهناك حيوان اسمه نقّار الخشب, يقف على شجر السنديان, ويدخل منقاره في جذع الشجرة, ليلتقط دودة في داخلها فيأكلها, فكيف عرف أنها في هذا المكان؟ لا بد من إلهام إلهي, وكيف عرف هذا الطائر أن الدودة على ارتفاع متر؟ فلا بد من تفسير علمي لإدخال المنقار، فعنده مادة تذيب الخشب، ويدخل منقاره إلى داخل الجذع فيلتقط الدودة التي تعيش في داخل الجذع, وهذه قضية وحي, وبناء الأعشاش، واهتداء الحيوانات إلى طعامها، وسيرها في أعماق البحار، وقيام الحيوان بأعمال بالغة التعقيد، فهذا عن طريق الغريزة أو عن طريق وحي الغريزة أو كما قال الله عزّ وجل:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه الآية: 49-50)
هناك آية كريمة أخرى تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 121)
الوحي في الشرع: إعلام الله رسولاً من رسله أو نبياً من أنبيائه ما يشاء من كلام أو معنى, فهذا تعريف الوحي الشرعي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, فالأحاديث الشريفة الصحيحة وحيّ غير متلو لقوله تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
وفي الأحاديث الشريفة أوحى الله لنبيه بالمعنى، أما في القرآن الكريم بالمعنى والمبنى، صياغةً ولفظاً, بينما الأحاديث الشريفة المتواترة أجمع علماء الأصول على أنها وحيُ غير متلو استنباطاً من قوله تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
أحياناً قد تأتيك إشارة من إنسان أو إعلام خفي أو وحي بالمعنى اللغوي, ولا تدري بالضبط ماذا يريد؟ وهناك نقطة مهمة جداً في الوحي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, وموضوع العقيدة، هو موضوع التشريع، والعقيدة لا يمكن إلا أن تكون قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لأنها عقيدة, و لو أنّ الإنسان اعتقد خلاف ما يريد الله عزّ وجل لكفر, وإذا كفر دخل النار, ولا بد من أن تكون النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, ولا يقبل في العقيدة من النصوص إلا ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة, والقرآن الكريم قطعي الثبوت في كل آياته، قطعي الدلالة في آياته المحكمة، ظني الدلالة في آياته المتشابهة، فالقرآن تؤخذ العقيدة منه، وتبين لكم من دروسنا الماضية أن كل حقائق العقيدة إنما هي مأخوذة من آيات الله عزّ وجل، فماذا ينبغي لك أن تعتقد إذ هناك دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة من كتاب الله أولاً, ومن الأحاديث الشريفة الصحيحة المتواترة, وأحاديث الآحاد يبنى عليها أحكام شرعية, ويُعمل بها, لكن العقيدة لا تثبت إلا بالأحاديث المتواترة, لأن الإنسان لو اعتقد خلاف ما أراده الله عزّ وجل لكفر.
المعنى الشرعي للوحي يتجلى فيه عدة أمور:
1- الوحي هو إعلام من الله المحيط علمه بكل شيء:
1- العنصر الأول: أن الوحي هو إعلام من الله المحيط بكل شيء علماً، وما دام الإعلام من الله سبحانه وتعالى فعلمه مطلق, قال الله:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 255)
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
( سورة الإسراء الآية:85)
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
( سورة المائدة الآية:109)
﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
(سورة الزخرف الآية: 84)
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
( سورة غافر الآية:19)
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
(سورة طه الآية: 7)
وما دام الوحي من عند الله ففيه الحقيقة المطلقة، فمستحيل أن يكون في الوحي الإلهي سواء أكان نصاً ومعنى كالقرآن الكريم، أو معنى كالحديث الشريف، إلا أن يكون هذا الكلام حقيقياً وحقاً مئة بالمئة, لأن الموحي هو الله وهو علام الغيوب.
2- حالة الرسول أثناء تلقي العلم من الوحي:
2- العنصر الثاني: أن الرسول أو النبي يتلقى هذا العلم الإلهي, وهو مستجمع كامل شعوره الفكري والوجداني حول ما يلقى إليه من علم, ودون أن يكون لإرادته واختياره تدخلٍ في مضمون ما يُلقى إليه، فإنسان بكامل قواه العقلية والشعورية والوجدانية, وبكامل اليقظة والانتباه والوعي والإدراك والفهم والفطنة, يتلقى من الله عزّ وجل هذه الحقائق وهذا الكلام وهذه المعاني, الوحي حقٌ مطلق, أي من عند علم الله المطلق, أما علم الإنسان نسبي, تقول: فلان عالم كبير, ومع ذلك قد يغلط, وبعد الأنبياء لا يوجد إنسان معصوم, وربنا عزّ وجل قال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
وأهل الذكر ليسوا أنبياء, إنهم العلماء، والعلماء ليسوا معصومين, فالعالم يتكلم بتسع وتسعين حقيقة, ويغلط بواحدة, والغلــط وارد, أما الأنبياء, فمعصومون عصمة تبليغ, وعصمة فعل إذ في أفعالهم لا يغلطون, قال تعالى:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ﴾
(سورة التحريم الآية: 6)
وفي أقوالهم التي يبلغونها عن الله عزّ وجل معصومون عصمة تامة, لأن النبي قدوة, ومُشرع بآن واحد، فأقواله وأفعاله تشريع, يجب أن يأخذ بها الناس من بعده، وما يبلغه عن ربه أيضاً تشريع, يعني ما يبلغه عن ربه قرآن, قال تعالى:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
فإذا قال لك شخص: أنا لا أغلط, قُل له: أنت كاذب، بعد الأنبياء لا يوجد أحد لا يغلط، فالإمام مالك رضي الله عنه, كان يُسأل مئة سؤال، فيجيب عن عشرة, ويقول في الباقي: لا أدري, وهذا الذي يفتي بما لا يعلم, يجعل من نفسه جسراً إلى جهنم, سوف يحاسبه الله حساباً شديداً، فقل: لا أدري وافتخر بها, هذا دين, و لو أن رجلاً طلب من آخر نقــل رسالة شفوية, فأغلب الظن أنه يبالغ, أو يقلل من أهمية بعض مضامينها، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا دخل لإرادته ولا لاختياره في تعديل أو زيادة أو حذف أو إنقاص ما يوحى إليه في المضمون, وفي اللفظ إذا كان اللفظ معنياً بالوحي, الوحيّ قرآن فلا حركة، ولا ضمة، ولا فتحة، ولا تاء ولا واو أبداً, قال الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
3- علم الوحي حينما يقع في نفس الرسول لا يتردد إليه أي شك:
3- العنصر الثالث: أن ما يُلقى بالوحي من كلام أو معنى يقع في ذات الرسول أو النبي مركز العلم اليقيني القاطع بصحة التلقي عن الله, ومعنى العلم اليقيني القاطع, لو فرضناه في آلة ضخمة تحتوي فيها زراً مكتوب عليه التشغيل، فالتشغيل كلمة, ترى هل هي صحيحة أم لعل أحداً قد كتبها وليس لها علاقة بالتشغيل؟ فلو أنك كبست هذا الزر واشتغلت الآلة, وهي ضخمة جداً, تشعر أن كلمة التشغيل يقينية, قطعية, صحيحة مئة في المئة, فالنبي مؤمن أيضاً, معنى مؤمن, أي مؤمن بأن هذا الذي أوحي إليه هو كلام الله عز وجل, قال تعالى:
﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
مؤمن إيماناً قطعياً بحيث لا يعتري نفسه أدنى شك أو تردد في ذلك, فالمضمون حق, لهذا يقول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾
(سورة النساء الآية: 163)
فهذا الوحي أيها النبي الكريم ليس بدعاً, بل جاء من قبل إلى الأنبياء التالية أسماءهم, قال الله:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾
(سورة النساء الآية: 163)
وقوله تعالى في صفة نطق الرسول صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
من أجل أن أُؤكد لكم أن إرادة الرسول واختياره لا يتدخلان أبداً في الوحي قال تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
أي هذه الآيات فيها تضييق لحريتنا غيّرها لنا, أو عدّلها, أو بدلها, قال الله:
﴿ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
لا يمكنني أن أبدله، و لا أقدر أن أزيد، ولا أحذف، ولا أُعدّل، أنا مجرد وسيط أمين, ومن معاني أنه أمين, أي أمين على وحي السماء, قال الله:
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
الآيات تؤكد ليس هناك تدخل في مضمون الوحي.
آية ثالثة:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 12)
فهذا الوحي للملائكة، والآن يُبين المؤلف أن الوحي الذي يوحي الله به إلى أنبيائه عن طريق الملائكة, فهناك رسل وهناك رسل للرسل, قال تعالى:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 12)
فأوحى الله إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين, الوحي نفسه الذي أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام, و من هذا نستنبط أن الله هو الموحي, وأنَّ الموحى إليهم من البشر مصطفون بالنبوّة, وأن وسيلة الإعلام الإلهي للملائكة أو البشر إنما هو الوحي, وإن ظاهرة الوحي بوصفها ظاهرة إنسانية أمرٌ يشترك في الشعور به جميع الأنبياء والرسل, وعن طريقه يتلقون الإعلامات الإلهية, وليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً فيهم بل كغيره، وأن ما يلقى به قد يكون كلاماً ملفوظاً أو مكتوباً, وقد يكون معاني يمكن التصرف بأدائها بألفاظ من عند النبي، وهذه الأحاديث القدسية والأحاديث الشريفة، وأنه لا تدخل لإرادة النبي, واختيار المصطفى في الوحي في مضمونه أو لفظٍ ما يلقى إليه بالوحي.
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
" عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ"
( رواه البخاري عن عائشة في الصحيح )
فالله عزّ وجل لطيف, قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾
(سورة يوسف الآية: 100)
وفيما يلي نتحدث عن كيفية تلقي رسول الله عليه الصلاة والسلام للوحي:
1- أول ما بدىء به رسول الله عليه الصلاة والسلام الرؤيا الصادقة التي تأتي مثل فلق الصبح, وهذه الرؤيا إرهاص للوحي وتمهيد له، وسر ذلك التمهيد, لأن نزول الوحي بصورته الحقيقية لما له من وقع شديد على النفس البشرية.
2- ثم أُنزل عليه الملك جبريل على غير ميعاد سابق له, وذلك حين كان النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء يتعبد الله, ويتأمل في عظيم ملكوته قبيل الرسالة فغطّه ثلاث مرات, وهو يقول له: اقرأ, ويجيب النبي عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ، فقال له:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
(سورة العلق الآية: 1-2)
3- ثم فتر عن النبي عليه الصلاة والسلام الوحي مدة قيل: إنها قرابة ثلاث سنوات, واشتد وقع ذلك عليه, وكان لذلك حكمة عظيمة تتضمن إشعار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الحادث الأول لم تجلبه الرياضة الروحية التي كان يمارسها في غار حراء, وإنما هو الاصطفاء الرباني, ولو كانت القضية رياضة روحية, ورأى هذا المَلَكْ العظيم, لظن نفسه أن هذا من كسبه, لا.
4- جاء جبريل العظيم من دون ترقبٍ، وهو يسير في أحد شعاب مكة, يقول عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) إِلَى ( وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ ) قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ وَهِيَ الأَوْثَانُ "
(أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح)
5- ثم تتابع الوحي بعد ذلك بأحواله الهادئة نسبياً.
أحوال نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام:
وإليكم ما وصفه به النبي عليه الصلاة والسلام جاء في صحيح البخاري رضي الله عنه:
" عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "
(أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح )
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الوحيّ كان ينفث في روعه صلى الله عليه وسلم فيعي رسول الله ما يقول.
وورد أن الصحابة الكرام كانوا يسمعون للوحي عند نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم دوياً كدوي النحل.
ويستخلص من هذه الأخبار الصحيحة أنّ من أحوال الوحي حينما يُنزل عليه أو يُلقي على قلبه قولاً شديداً ثقيلاً يسمع فيه الرسول صوتاً متعاقباً متداركاً كصوت الجرس في صلصلته, وأنّ من أحوال الوحي أن يأتيه المَلَكْ جبريل عليه السلام بصورة إنسانٍ فيكلمه بمثل كلام الناس إلى غير ذلك من أحوال، وأما حالة النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصفتها لنا السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت:
" وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "
( أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح )
وقد ورد أن راحلته صلى الله عليه وسلم كانت تبرك به إلى الأرض إذا نزل عليه الوحي وهو راكب, وقد نزل عليه الوحي مرة فكانت رجله الشريفة قريبة من رجل سيدنا زيد فثقلت عليه حتى كادت ترضّها، و يبدو أن الوحي له وقع شديد على النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾
(سورة المزمل الآية: 5)
وفي مضمونه, شيء عظيم أن سيد الملائكة جبريل ينزل ليوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بما يريد الله أن يوحي به إليه.
أنواع الوحي:
1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع:
ينقسم الوحي إلى ثلاثة أنواع أخذاً من قوله تعالى في سورة الشورى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
هذه الآية بينت أن هناك أنواعاً ثلاثة للوحي:
1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع: وذلك بالإلقاء في القلب, وهو يشمل ما كان مثل صلصلة الجرس, والنفث في الروع, والإلهام, والرؤية. وتحقيقه أن يخلق الله في قلب الموحى إليه المعصوم، علماً ضرورياً لإدراك ما شاء الله إدراكه من كلامه تعالى, وهذا نوع مباشر, وهذا النوع هو ما أشار إليه بقوله في الآية: ﴿ إلا وَحْيًا ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
أي وحياً مجرداً عن الوساطة, ويكون ذلك بقذف الكلام أو المعاني في القلب قذفاً مباشراً، ويفيد الرسول علماً قطعياً ضرورياً بأن ذلك من عند الله، ومن أمثلة هذا النوع ما كان لسيدنا إبراهيم عليه السلام في الرؤيا:
﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
(سورة الصافات الآية: 102)
هذا وحي مباشر، وما كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في اليقظة هذا هو النوع الأول وحي مباشر, وإلقاء في القلب.
2- ما كان بسماع الكلام الإلهي ولكن من غير رؤية للمتكلم:
2- ما كان بمثابة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلمه, كأن يخلق الله الأصوات, ومن هذا النوع ما كان لسيدنا موسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وقد يشترك بسماع هذا النوع غير الموحى إليه كما سمع السبعون من بني إسرائيل حين مضوا إلى الميقات ما سمعه موسى عليه السلام, وهذا الوحي من وراء حجاب, وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله تعالى بقوله:
﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
أي وحياً من وراء حجاب بوساطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله جلّ وعلا.
3- ما يكون بواسطة إرسال ملك ترى صورته ويسمع كلامه:
3- ما كان بوساطة إرسال ملك تـــُرى صورته المعينة ويُسمع كلامه كجبريل عليه الصلاة والسلام فيوحي إلى النبي ما أمره الله أن يوحي إليه, وهذا النوع هو الغالب من أنواع الوحي بالنسبة إلى الأنبياء, فغالب أحوال الأنبياء عليهم السلام أن يكون الوحي إليهم بوساطة رسلٍ من الملائكــة، وأكثر المثقفين يقولون: كلمة بواسطة هذه غلط, و صوابها بوساطة, لأن الشيء الواسط المتوسط بين شيئين، أما الأداة أو الوسيلة فيُقال لها بوساطة.
خلاصة الدرس:
تحدثنا عن حالة الوحي بالنسبة للنبي عليه الصلاة السلام, كيف جاءه أول ما جاءه ثم انقطع؟ ثم كيف كان يتتابع عليه؟ وكيف كانت أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وأحوال صحابته وأحوال ناقته حينما ينزل الوحي إليه؟ وتحدثنا عن تعريف الوحي اللغوي, وعن تعريفه الشرعي, وكيف أن الوحيّ وسيلة إعلام من الله عزّ وجل لأنبيائه ورسله.






والحمد لله رب العالمين

منال نور الهدى
06-20-2018, 06:00 PM
أدام الله هذا العطاء وهذا الطرح النوراني والمعلومات القيمة التي تغذي الروح وتعلي الفكر وتسمو بها الروح
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك الله وزادك من خير وفضله
في أمان الله وحفظه

السعيد
06-21-2018, 07:00 AM
اختى منال جزاك الله كل خير على تواصلك الدائم

السعيد
06-21-2018, 07:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الواحد و الاربعون )

الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (1)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أركان الإيمان بالله:
1- اﻹيمان بالكتب السماوية:
أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإيمان بالرسل، وكلكم يعلم أن دروس العقيدة هي في الحقيقة أركان الإيمان، وأركان الإيمان هي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى, واليوم ننتقل إلى موضوع جديد وهو الإيمان بالكتب، من أركان العقيدة الإسلامية الإيمانُ بالكتب السماوية التي أوحى الله بها إلى رسله، فإنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ويأمره بأن يعلن إيمانه بجميع الكتب التي أنزلها الله، فيقول في سورة الشورى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
(سورة الشورى الآية: 15)
قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأيُّ كتاب من الكتب السماوية المنزّلة على أنبيائه فآمن به، قل: آمنت بها كلها.
خطاب الرسول يستلزم لكل من آمن برسالته:
قال علماء الأصول: إن خطاب الرسول خطابٌ لكل مَن آمن برسالته، قال الله تعالى يخاطب المؤمنين في سورة النساء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
(سورة النساء الآية: 136)
والآيات تجتمع على أن تقرِّر أنه يجب أن تؤمن بالكتب السماوية المنزّلة على أنبياء الله ورسله جميعاً، والله سبحانه وتعالى يبينّ عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقيدة المؤمنين معه في سورة البقرة، قال تعالى:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
(سورة البقرة الآية: 285)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/01.jpg
والملاحظ أن الإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب مِن العقائد التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة، وأنّ مَن لم يؤمن بالكتب السماوية فقد ضلّ ضلالاً مبيناً، حينما تعلن بلسانك أنك مؤمن بهذا الكتاب, وتخالفه، ولا تطبق أحكامه، ولا تجعله حَكَماً بينك وبين الآخرين، ولا تعبأ بأوامره، ولا تنتهي عما نهى عنه، ولا تراه حاسماً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به، فأي إيمان هذا؟ هذا إيمان باللسان، ولكن الإيمان في القلب، أي أن تنطلق في نشاطك وعملك وسلوكك في ضوء ما جاء في كتاب الله، فأنت حينما تشتري آلة غالية الثمن، ولا تستطيع أن تشتري غيرها، ويؤلمك ألماً شديداً حينما تعطب، وحينما يكون مع هذه الآلة المعقدة نشرة من المصنع الذي صنعها، وفي هذه النشرة تعليمات، وتوجيهات، وتوضيحات وطريقة استعمال، وتحذيرات من أجل سلامتها وسلامة العمل بها من أجل صيانتها, فتحرص حرصاً بالغاً لا حدود له على تطبيق هذه التعليمات, لأن الآلة غالية الثمن، لاحظ نفسك كيف أنك تسعى إلى تنفيذ التعليمات تنفيذاً دقيقاً لحرصك على هذه الآلة ولخوفك من أن تعطب؟ فكيف إذا علمتَ أن هذا الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجل على رسوله فيه تعليمات دقيقة، وأوامر واضحة، ونواهٍ صريحة، ورسمٌ لطريق السعادة في الدنيا والآخرة، وتوضيح، وأنوار، وتوجيه، وتبشير، وبيان، و تفصيل، فما موقفك منه؟.
الحقيقة التي لا مراء فيها أنك إذا عرفت أنه من عند الله، وأن سعادتك في الدنيا والآخرة متوقفة على معرفته، والعمل به، لاشك أنك تطبق ما فيه, وأنا أريد أن أبتعد عما يتوهَّمه البعض، أنه بمجرد أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى يتوهّم الإنسان حينئذٍ أنّ الأمر قد انتهى، ويكسب مالاً حراماً،، ونظرته إلى النساء تتجاوز الحدود التي أمر الله بها، وحياته في البيت حياة غير إسلامية، فأي إيمان هذا؟.
لا تكون مؤمناً إلا إذا شملت إيمانك أركان العقيدة كلها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/02.jpg
أركان العقيدة من إيمان بالله، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالكتب، وإيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، هذا كلٌ لا يتجزأ، فالله عزّ وجل يقول لك في صريح القرآن الكريم:
﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾
(سورة البقرة الآية: 221)
تزوج ابنتك للغني الفاجر مع علمك بأنه فاجر، وتُعرِض عن المؤمن لضيق ذاتِ يدِه, إذاً أنت لم تصدِّق كلام الله عزّ وجل، ولم تصدِّق أن الله عزّ وجل يقول لك: إن هذا العبدَ المؤمن خيرٌ من هذا الفاجر المشرك، ولذلك فالموضوعُ موضوعُ تصديقٍ بكتاب الله، وموضوعٌ يأخذ أبعاده العملية، والإيمانُ بالله مع الإيمان باليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والرسل، والقدر خيره وشره, كلٌ لا يتجزأ, ولو آمنتَ بالله، ولم تؤمن بكتابه فالمشكلة خطيرة، ولو آمنت بالله، ولم تؤمن باليوم الآخر فالمشكلة أخطر, وأركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل منك الإيمانُ بها مع الكفر بواحدةٍ منها.
إذا كفرت بركن من أركان العقيدة يستلزم نقض إيمانك كله:
إن الكفر بواحدة منها يستلزم نقضَ العقيدة الإسلامية من أساسها، واللهُ عزّ وجل من أسمائه الحق، والحقُّ يتحقَّق في اليوم الآخر، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الجزاء، فإنْ لم تؤمن باليوم الآخر فإيمانك بالله غير صحيح، وإن آمنتَ بالله واليوم الآخر، ولم تؤمن أن هذا الكتاب فيه طريق سعادتك فإيمانك غير صحيح، لأنّ أركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل إيمان عبدٍ إذا نقصت واحدةٌ من هذه الأركان, عقيدة الإيمان بالله لا تنفكُّ عن الإيمان بكتبه، لأنه من مقتضى الإيمان بالله الإيمانَ بالرسل، وما دمت أيها الرجل تقول: إن الله عليم ورحيم، فمِن دلائل رحمته أن أرسل إلى عباده رسلاً، ومن مقتضى الإيمان بالله الإيمانُ بالرسل المؤيَّدين من عنده بالمعجزات، ومن مقتضى الإيمان بالرسل تصديقُهم في كل ما يبلّغون عن الله تعالى, ومن أجل ذلك يعلن المسلم دائماً وَفق عقيدته التي متَّى أَخَلَّ بها كَفَرَ, أنه يؤمن بكتب الله كلها إجمالاً فيما يجهل منها، وتفصيلاً فيما يعلم ولو سألت أخ كريم: ما معلوماتك عن كتاب التوراة؟ يقول: واللهِ لا أعلم شيئاً عنها، لكنها كتاب من عند الله، ففيما تجهل تؤمن بها إجمالاً، وفيما تعلم تؤمن بها تفصيلاً، وهذه هي عقيدة المسلم.
معنى الكتاب لغة: مصدر فعْلِ كَتَب، وبالمناسبة فالفعل يدلُّ على حدوث عملٍ في زمن معين، كتب في الماضي، يكتب في الحال، اُكتب في المستقبل، وهناك كلمة اسمها المصدر، فهذه الكلمة تدل على حدوث عملٍ من دون زمن، فالكتاب لغة مصدر كتب، وهناك مصدر آخر هو كتابة وكتبٌ, وأصل الكتب في اللغة: ضم أديمٍ إلى أديمٍ بالخياطة, والأديمُ هو الجلد, فإذا ضممتَ الجلد إلى جلدٍ آخرَ بالخياطة فهذه العملية اسمُها عملية الكتاب، ولأن الإنسان يضمّ الحرفَ إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، فهذه العملية العلمية تشبه إلى حد ما ضمَّ أديمٍ إلى أديم عن طريق الخياطة, ودائماً في كتب العقيدة والفقه أيضاً تعريف لغوي وتعريف اصطلاحي، فالتعريف اللغوي للكتاب: هو مصدر كتب، وأما التعريف الاصطلاحي فالكتاب شرعاً: كلام من كلام الله تعالى, لِما لم نَقُلْ: كلام الله تعالى، فالقرآن كلام الله تعالى، وكذلك التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف موسى، وصحف إبراهيم
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/03.jpg
كلهم كلام الله تعالى، ولذلك الكتاب الواحد كالقرآن كلامٌ من الله تعالى، فـ ( مِن) هنا للتبعيض، فيه هدى، ونور، يوحي الله به إلى رسول من رسله ليبلّغه الناس, يطلق اسم الكتاب شرعاً على ما يشمل الصحف, قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾
(سورة الأعلى الآية: 18-19)
وعلى ما يشمل الصحف والألواح, قال تعالى:

﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 154)
والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي والكتابي التي ينزلها الله على أي رسول من رسله ليبلغها إلى الناس، وبأية لغة من اللغات نزلت، صغيرة كانت أم كبيرة، مدونة أو غير مدونة، فيها صفة الإعجاز اللفظي للناس، أو ليس فيها ذلك، فهذا كله يشمل كلمة الكتاب شرعاً، والذي يعنينا من هذا الموضوع حاجة الناس إلى الكتب السماوية, فكما أن الناس بحاجة ماسة إلى رسل يبلّغون الناس أحكام الله وشريعته لعباده، فإنّ الرسل بحاجة إلى كتب سماوية أيضاً.
ما هو الهدف من الكتاب السماوي ؟
1- الكتاب الرباني هو المرجعية للأمة:
أولاً: ليكون الكتابُ الرباني المنزّل على الرسول هو المرجعَ لأمته، فإذا كان المعلم يُعلّم من دون كتاب، سواء سمع الناس أم لم يسمعوا الدرس جيداً، وذهبوا إلى البيت، ولا يوجد عندهم كتاب، يقولون: ترى ماذا تكلّم المدرس؟ هل هناك خلافات، فيُقع في تأويلات، ومبالغات، وتزوير، وتحريف، وتقليل، وزيادة، والشيء الذي لا بد منه أن يكون هناك كتاب بين أيدي المتعلمين، يكون هو المرجعَ, فحاجة الناس إلى كتاب من عند الله عزّ وجل حاجةٌ ماسة بسبب أن هذا الكتاب يصبح مرجعاً للأمة مهما تعاقبت العصور، فيرجعون إليه في تحديد عقائد الدين وأسسه.
والآن: الكتاب هو القرآن الكريم من عظمته أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزل عليه توفاه الله عزّ وجل، ومضى على وفاته خمسة عشر قرناً، والكتاب بين أيدينا فيه آيات العقيدة، وآيات التشريع، وآيات الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمواعظ، والعبر، والأمثال، والحِكَم، والقصص, نحن بحاجة ماسة إليه، لأنه مرجع لنا، ولاسيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون من بعده يرجعون إليه في تحديد عقائد الدين، وأسسه، ومبادئه، وغاياته، فلا تقل: يا أخي، واللهِ الولي الفلاني يعلم الغيب، فأنت عندك كتاب، وعندك مرجع، وقد قال الله:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 50)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/04.jpg
انتهى الأمر، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب، فأيّ إنسان يدعّي ذلك نقول له: كذبت, لا يعلم الغيب إلا الله، وقد يأتي إنسان دجّال فيقول لك: المعاصي لا تضرني، وقد تجاوزت هذه المرحلة, فنقول له: كذبت, يقول الله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 15)
عندنا آيات في العقيدة, وهذا هو قدر النبي, لا يعلم الغيب، وليس بيده نفعنا ولا ضرنا، النفع المادي إلا أن يشاء الله عزّ وجل, وأنه يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم, فمَن يدّعي خلاف ذلك نقول له: كذبت، ففي القرآن الكريم آيات توضح العقيدة، وإذا قال أحدهم لك: أنا أتوب عند الموت، فقل له: إنك مغرور, قال تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 18)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/05.jpg
انتهى أمرك, فلا تُقبل التوبة في ساعة الموت، ولدينا أدلة واضحة، وقد يقول لك أحدهم: إن فلاناً لا يصلي، ويكفر بالله عزّ وجل، ويزداد إثماً، ويتحدّى الإله، ويزداد قوة، وشأناً، ومالاً, فما تفسير ذلك؟ إن تفسيره واضح، قال ربنا عزّ وجل في محكم تنزيله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
القرآن الكريم مرجع نستطيع من خلاله أن نعرف العقيدة الصحيحة, وقد يقول لك: واللهِ أنا شاهدت الجِنَّ البارحة، وهذا ليس بصحيح، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 27)
هذه شطحة وخرافة لا نقبلها منك, وكلما كان الكلام خلاف الأصول، و خلاف العقيدة الصحيحة, ضُرِب به عرض الحائط، كقولهم: الجنة ليست بالعمل، نقول لهؤلاء:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم، كما قال سيدنا جعفر, ويقول الجاهل: الله عزّ وجل لن يُدّقق، ولن يسألنا، فالآية هي:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 92-93)
أو يقول لك: لا تدقق، فالله عزّ وجل غفور رحيم, قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 153)
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 49-50)
كلما سمعت فكرة غير صحيحة، فيها مبالغة شيطانية وزائغة، وعندك آيات, فعليك تصحيح هذه الأفكار من هذه الآيات, ولذلك كان الكتاب مرجعًا لنا في عقيدتنا، ويقول الجاهل: وهل بعد القبر عذاب؟ كيف يكون هناك عذاب؟ هو كائنٌ وربِّ الكعبة، قال ربنا عزّ وجل:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية: 46)
أي عذاب جهنم, قال الله:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 104-105 )
إذا زاغـت عقيدة الإنسان وابتعد, كان القرآن هو المقياس، وأيّة فكرة يقولها الإنسان: تُعرض على كتاب الله، فإن وافقته فهي صحيحة, وإن خالفته فليست صحيحة, ويقول الجاهل: هناك ضرورات للفائدة (الربا)، واللهُ عزّ وجل قال:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
(سورة البقرة الآية: 276)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/06.jpg
فالآية واضحة، في التعرف على أحكام شريعة الله، إن كان في الزواج، والطلاق، والمواريث، والوصية، والبيع، والشراء، وكل شؤون حياتنا، فالله عزّ وجل جعل في هذا القرآن الكريم أحكاماً دقيقة جداً، واستبانة الواجبات التي يأمرهم بها، والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات التي يحثهم عليها، ويندبهم إليها، فالكتاب مرجع في العقائد، والأُسس، والمبادئ، والغايات، وأحكام الشريعة، والواجبات، والمحرمات، والفضائل، وهذه كلها في كتاب الله، كما يرجعون إليه ليطالعوا مواعظه، ونصائحه، وأمثاله، وآدابه، وما تضمّنه من بشائر ونُذُر، ووعدٍ ووعيد، وسائر الوسائل والأساليب التربوية المختلفة الهادية إلى صراط الله المستقيم, إنه مرجع، وإن الله عزّ وجل جعل هذه الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة عن طريق هذا الكتاب، والعلماء والفقهاء يرجعون إليه ليستنبطوا من نصوصه الأحكام الشرعية المختلفة، والله عزّ وجل قال:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾
(سورة المائدة الآية: 3)
أي أن هذا الشرع فيه كل شيء، فنصوص الشرع كلية، ونصوص الكتاب كلية، لكن الله سبحانه وتعالى سخّر العلماء المجتهدين كي يستنبطوا من هذه الأحكام الكلية أحكاماً تفصيلية مما يحتاج إليه الناس, وهذا هو القياس، والقياس أن تقيس حالة لا نص لها في كتاب الله على حالة فيها نص من القرآن أو السنة، فالقرآن الكريم مصدر، والحديث الشريف مصدر، والقياس مصدر، والإجماع مصدر.
2- الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته بعد وفاته:
ثانياً: إن الإنسان لا يتهيأ له أن يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة بعد أن قبضه الله عزّ وجل، إذاً من خلال هذا القرآن الكريم يستطيع العالم والمجتهد أن يرجع إلى كتاب الله، مع أن هناك بعداً كبيراً مكانياً وزمانياً بَعْد أن قبض الرسول صلى الله عليه وسلم، ومضى على قبضه خمسة عشر قرناً، وهذا الكتاب بين أيدينا, فحاجة الناس للإيمان بالكتب السماوية ليكون الكتاب الرباني المنزّل على الرسول هو الحَكَم العدلُ لأمته، إنه حَكَم عدْلٌ, قال الله:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾
(سورة الحجرات الآية: 9)
في كل حالة قد تبدو لك نادرة جدا إلاّ ولها حكم، فإن نشبَ خلاف زوجي, قال الله:
﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾
(سورة النساء الآية: 35)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/07.jpg
ففي قضايا الزواج، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، القرآن هو الحَكَمُ، إذًا الهدف الثاني ليكون الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه مما تناولته أحكام شريعة الله لهم، فكتاب الله هو الحاكم بين الناس، ولذلك فالأمير ليست مهمته إلا أن يحكم وفق كتاب الله، والحاكم الحقيقي هو الله عزّ وجل، ولا حاكمية إلا لله، والناس يحكمون في ضوء ما جاء في كتاب الله، وعليه قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
(سورة المائدة الآية: 45)
فإذا حصل خلاف بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى كتاب الله، أو اختلف مع شريكه، وثمّة عقد موقَّع و مُصدّق عند كاتب العدل، ومُسجّلٌ في المحكمة الشرعية فموجود في كتاب الله حكمه, قال الله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
(سورة المائدة الآية: 1)
اختلفت مع زوجتك، قال تعالى:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾
(سورة النساء الآية: 19)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/08.jpg
وإذا حصل خلاف زوجي بينك وبين شريكك، أو بينك وبين جارك, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
(سورة النحل الآية: 90)
فالإنسان يجب أن يحكم بما أنزل الله، فهو الذي أَمَرَنا أن نعدل بين أولادنا، فإذا أحد حرم ابناً من الميراث، وأعطى آخر، وكم مِن حالات كثيرة جداً أسمعها عن أب انحاز إلى أحد أولاده فأعطاه كل شيء، وحرم الآخر كل شيء، فهذا الأب لم يحكم بما أنزل الله، إذاً فهو ظالم، و مع أنه ظالم فهو فاسق، والكتاب هو الحَكَمُ، وإذا اختلف المسلمون فيما بينهم فقد قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾
(سورة البقرة الآية: 213)
قال العلماء في تفسير هذه الآية: إن الناس كانوا أمة واحدة، كانوا على الفطرة، عبدوا الله بدافع من فطرتهم، وأحسنوا إلى بعضهم بدافع من فطرتهم، فلما عمّ الجهل، وزاغت العقائد، واستعرت الشهوات، واستيقظت الفتن، أصبحوا بحاجة إلى كتاب يحكم بينهم, لو أن الإنسان عاد إلى فطرته لعَرَف الحق, لكن بعد أن تنطمس هذه الفطرة بفعل الشهوات، والطغيان، والجهل يأتي الكتاب ليحكم بين الناس بالعدل.
3- الكتاب الرباني يصون عقائد الدين وشرائعه وغاياته بعد عصر الرسول:
ثالثاً: يصون الكتابُ الربانيُّ بعد عصر الرسول عقائدَ الدين وشرائعَه وغاياتِه، بعد ما قُبِض النبي الكريم، وافترق المسلمون مِن بعده، فكفَّر بعضهم بعضاً، وبعضهم انحرف عن العقيدة الصحيحة, لا بد أن يكون هناك مقياس نقيس به كل إنسان، وكل جماعة، فهؤلاء الذين خرجوا عن قواعد الدين, فالكتاب هو المقياس لهم، فالكتاب السماوي، أو أي كتاب سماوي جعله الله عزّ وجل صوناً لعقائد الناس مِن أن يصيبها الانحرافُ والزللُ من الذين تسوِّل لهم أنفسهم أن يتلاعبوا بالدين، وينسبوا إليه ما ليس منه، وينحرفوا به عن الصراط المستقيم إرضاءً لشهواتهم وغرائزهم، فهؤلاء لا ينبغي أن يهجروا كتاب الله، فهو الذي يقيس عقائدَهم، فالله عزّ وجل جعل هذا الكتاب مقياساً للعقيدة.
كل إنسان زاغت عقيدُته، أو انحرف، أو بالغ، أو تلاعبت به الأهواء، أو أراد أن يسخّر الدين للدنيا، أو أراد أن يصل إلى الدنيا عن طريق الدين، يأتي الكتاب فيوقِفُه عند حده، ويعيده إلى جادة الصواب، وإنّ استمرار الكتاب الرباني في أمة الرسول من بعده بمنزلة استمرار وجود الرسول الذي بلّغه إليهم بين ظهرانيهم، ولولا استمرار الكتب الثابتة بنصوصها بعد الرسل لأسرعتْ دعواتهم إلى الاختلاف الواسع، والتغيير الكثير عَقِبَ وفاتهم، لأن من طبيعة البشر أن يختلفوا في الاجتهادات، وأن تتباين نظراتُهم إلى الأمور، وأن ينساقوا بسرعة وراء عوامل الشهوة، والهوى, والنفس، فْإن لاَمَهُمْ صاحبُ إيمانٍ على انحرافهم كذبوا على الله، فزعموا أنّ ما انحرفوا فيه هو من أحكام الله، ومراده في الدين، ومِن أجل هذا كان لا بد للبشر من ضابطٍ يضبطهم، ويُلزمهم بمدلولات النصوص الصريحة إلزاماً لا محيد عنه, ولولا القرآن الكريم لما كنّا الآن مسلمين، فما الذي حفظ الإسلام عقيدته وشريعته؟ إنه القرآن الكريم، فهو الضابط، و المقياس، والمرجع.
4- حفظ دعوة الرسول ورسالته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/09.jpg
رابعاً: حفظ الكتاب الربّاني لدعوة الرسول ولرسالته وسريانها بين الناس، وقابليتها للاتساع، والانتشار, فالقرآن موجود، وكلما قرأه الإنسان عرف الله عزّ وجل، وصار أداة اتساع وانتشار، والنبي الكريم قُبض, والمسلمون في الجزيرة، وبعد موته صلى الله عليه وسلم فتح المسلمون مصر، وشمال إفريقيا، والمغرب العربي، وإسبانيا، والشام، والعراق، وتركيا، والهند، والسند، والباكستان، والصين, فاتساع الدين بسبب أن هناك دستوراً، وكتاباً، وضابطاً، ومرجعاً، فمهما تباعدتِ الأمكنةُ والأزمنة فإنّ هذا الكتاب يٌعد وسيلة لاتساع الدعوة وانتشارها.
خلاصة الهدف من الكتاب السماوي:
وجود الكتاب المنزل من عند الله في الأمّة من بعد الرسول بمنزلة استمرار الرسول فينا، مِن حيث التعرُّفُ على أصول الدين، وأحكام الشريعة، وسائر المواعظ، والآداب، المسلمون بعد وفاة رسول الله فَقَدُوا القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، أما التشريع، والدستور، والمنهج فَبَيْنَ أيدينا، ومِن أجل كلِّ ما سبق، ولحِكَمٍ أخرى يعلمها الله تعالى، وهو العليم الخبير، أنزل الله على رسله كتبه، فنطقت كتبه بشريعته, تأمر، وتنهى، وتعظ، وترشد، وتبشر، وتنذر، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهذه الأفكار مهمة جداً في تعريف الناس بضرورة وجود الكتب السماوية، واللهُ سبحانه وتعالى برحمته وعلمه ورأفته وحرصه على هدايتنا أنزل الرسلَ، وأنزل معهم الكتابَ.
وسوف نتحدث عن الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، وفي مقدمتها القرآن الكريم في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الثانى و الاربعون )

الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (2)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإيمان بالكتب السماوية:
1- القرآن الكريم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/01.jpg
نحن في موضوع الإيمان بالكتب، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الكتب لغةً وشرعاً، وعن وجوب الإيمان بالكتب السماوية، والأدلة النقلية في القرآن والسنة، وعن ضرورة أو حاجة الناس إلى الكتب السماوية، وننتقل اليوم إلى موضوع جديد، وهو الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، والحقائق الأساسية المتعلقة بالكتب السماوية التي يجب أن نؤمن بها بالضرورة.
أول هذه الكتب بوصفنا مسلمين هو القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى كما تعلمون جميعاً بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا للعالمين، وأنزل عليه القرآن معجزاً، وتكفل بحفظه مِن أيّ تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقصٍ، وقد شمل هذا الحفظُ كل نصٍ من نصوصه، فهيأ له سبحانه وتعالى من وسائل الحفظ في الصدور, وفي السطور ما جعله محفوظاً جملةً وتفصيلاً، حتى انتشر في الأمم على اختلاف أمكنتهم وألسنتهم وأزمانهم، وجعله الله قطعي الثبوت في كل عصر، ومكّن له في القلوب والعقول بما أودع فيه مِن حلاوة، وطلاوة، وحقٍ، وعدلٍ، ودعوة إنسانية، فما ينكر إسناده إلى خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم إلاّ مَن لم ينطوِ على ذرة مِن عقلٍ.
القرآن الكريم يتضمن عدة حقائق منها:
1- أن القرآن الكريم كتاب من عند الله:
أن القرآن الكريم كتاب مِن عند الله, لو جمعت كتُبَ الأرض كلَّها، وكانت كلها في كِفَّة، وكان كتاب الله في كفة أخرى، يتبين معك أنه كتاب الله, لماذا؟ لأنه كلام الله,
" وفَضْلُ كلام الله على كلام خلقه كفضلِ الله على خلقِه "
( ورد في الأثر )
فهل من الممكن أن نوازن بين الخالق والمخلوق؟ إذا كان لا يوازن بين خالق السموات والأرض و بين مخلوق ضعيف عاجز فقير مفتقر إلى كأس ماء، وإلى لقمة، وإلى دواء، وإلى طعام، وإلى شراب، فكذلك لا يوازَن كلامُ الخالق بكلام المخلوق، وكل ما تقع عينك عليه في الأرض مِن كتب إنما هي من تأليف المخلوقات، من تأليف البشر، لكن القرآنَ كلامُ الله جلّ وعلا، فلذلك الحقيقة الأولى أن القرآنَ الكريم كتابٌ مِن عند الله.
عندما تعرف أن هذا الكتاب كلام الله عزّ وجل، وفيه أمر ونهي عندئذٍ تعرف قيمة الأمر الإلهي، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، ولو أنّ إنساناً ذا رتبة عسكرية ضئيلة جداً أعطاك أمراً قد تستجيب له، وربما لا تستجيب، لكن الرتبة العالية جداً إذا وَجَّهتْ إليك أمراً فأغلبُ الظن أنك تستجيب بسرعة مذهلة، لأنك تعرف حجم الآمر، ومدى ما يبنى على مخالفته من مسؤولية، ومدى ما يحصل من مكاسب فيما لو نفذتَ الأمر، وقد ثبت ذلك بكل من الدليلين العقلي والنقلي, إذا أردت أن تنوّع الأدلة حول موضوع ما، فهناك الدليل العقلي، وهناك الدليل النقلي، وهناك الدليل الواقعي, أكثر الأدلة لا تزيد عن دليل عقلي، ودليل نقلي، ودليل واقعي، فالدليل النقلي نصٌ قطعي الثبوت, قطعي الدلالة من كتاب الله، أو من الأحاديث الصحيحة المتواترة، أو من أحاديث الآحاد، هذا هو الدليل النقلي، بينما الدليل العقلي أن تبنى النتائج الصحيحة على المقدمات المسلَّم بها، مقدمة مُسّلَمٌ بها يبنى عليها نتيجة صحيحة هذا دليل منطقي, كل إنسان فانٍ, هذه مقدمة, سقراط إنسان, سقراط فان, مقدمة ونتيجة منطقية، فالدليل العقلي هو ما يتضمن من وجوه الإعجاز.
2- مرتبة القرآن الكريم من حيث الكتب السماوية آخر كتاب:
الحقيقة الثانية: أن القرآن هو آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله على خاتم رسله محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه.
3- تكفل الله بحفظ كتابه من أي دخيل عليه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/02.jpg
الحقيقة الثالثة: أن القرآن محفوظ بحفظ الله مِن كل تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص، ومُصَانٌ عن أن يأتيه الباطل من بين يديه، أو من خلفه، حتى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها, فلو أنّ آية قرآنية فيها توجيه صحي مثلاً، وثبت في العلم الحديث ما يناقض هذا التوجيه، معنى ذلك أن الباطل قد أتاه, أحياناً تظهر نظرية نعجب بها، نصفق لها، وبعد حين من الزمن يظهر أنها غير صحيحة، وأنها باطلة، وأنّ أصحابها وقعوا في متاهة، عندئذٍ تسقط هذه النظرية، وما من آية قرآنية على مرّ الدهور والعصور، لم تأت حقيقة علمية قطعية ناقضتها, أبداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/03.jpg
إذاً: هو كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ولا بعد كرّ العصور والدهور، وهذا يعني أيضاً أن من دواعي حفظ الله تعالى لهذا الكتاب أنه قيّض له رجالاً في كل عصر، هم دقيقون جداً في استنباطهم وأحكامهم، ضبطوا آياته، ضبطوا المكي والمدني، ضبطوا ناسخه و منسوخه، ضبطوا أسباب نزوله، ضبطوا أماكن الوقوف اللازم، ضبطوا حركاته، وسكناته, بل إنّ أدق الدقائق ضُبطت، وفُرغ منها، وهؤلاء الذين سخرهم الله عزّ وجل لهذا الكتاب في كل عصر وفي كل مَصر يقظون أشدّ اليقظة، افتح أيَّ مصحف تجدْ في آخر صفحة أنّ الله عزّ وجل قد سخّر أناساً له: الشيخ القارئ الفلاني، توقيعه، وخاتمه، الشيخ الثاني، والثالث، إلى عشرين أو ثلاثين عالماً من علماء القرآن الكريم، قرؤوه كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وحركة حركة, ووجدوه مطابقاً لما عندهم ووقعّوا على هذه النسخة, وأي نسخة فيها تبديل أو تحويل سُرعان ما تنكشف، وسُرعان ما تظهر، وسُرعان ما يؤمر بحرق النُسخ كلها، هذه الحقائق أنه من عند الله، هذه الحقائق عّمت العالَمَ الإسلامي إلى درجة أنها أصبحت مِن العقائد المعلومة مِن الدين بالضرورة، وأنّ على كل مسلم أن يعرفها معرفة يقينية، وأن مَن أنكرها فقد كفر لا محالة.
إذا قال أحدهم: إن الله لم يحفظ القرآن فقد كفر، أو قال مثلاً: هذا الكتاب ليس آخر الكتب، أوْ قال: بعضه من الله، وبعضه مِن رسول الله فقد كفر، يكفر فوراً إذا أنكر إحدى هذه الحقائق، ويقع مُنْكِرَها بالكفر الصريح.
ما هو الدليل على أن القرآن الكريم كلام الله ؟
1- الدليل العقلي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/04.jpg
هذا الكتاب الذي بين يديك، كلامُ الله عزّ وجل، فما الدليل على أنه كلام الله عزّ وجل ؟ لأنّ فيه إعجازاً يستحيل ويستعصي على البشر مجتمعين أن يأتوا بسورة من مثله، أو بآية من مثله، هذا هو الدليل, وفيه هناك إعجاز تشريعي، وإعجازٌ لغوي، وإعجازٌ بياني, وهناك أيضاً إعجازٌ رياضي، وإعجازٌ حسابي، وإعجازٌ علمي، وإعجازٌ تاريخي، كذلك إعجازٌ اجتماعي، وإعجازٌ فني، وإعجاز أسلوبي, مِن أيّة زاوية نظرتَ إلى كتاب الله تجد فيه إعجازاً، هذا هو الدليل العقلي ما تضمنه من وجوه الإعجاز حيث لا تتطاول القدرات الإنسانية مفترقة أو مجتمعة على الإتيان بمثله، مهما تعاقبت العصور وتوالت الدهور, والمعجزات على اختلافها، تثبت برهاناً ذاتياً قاطعاً على أنها من عند الله، لأن المعجزة خرقٌ لمألوفِ العاداتِ، ولا يستطيع أن يخرق مألوف العادات إلا رب الأرض والسموات، وما دامت هذه العادات قد خرقت, فهذا دليل قطعي على أن هذا الكلام مِن عند الله عزّ وجل.

2- الدليل النقلي:
أما الدليل النقلي فهو ما ثبت بالتواتر كابراً عن كابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثبت في آيات القرآن نفسه أنه من عند الله، وليس من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
عندنا نحن المسلمين شيءٌ اسمه التواتر، أيْ ما رواه الجمع الثقاة العدول عن الجمع الثقاة العدول، عن الجمع الثقاة العدول، من وقت إنزال هذا القرآن إلى يومنا هذا، لو لم يكن بين أيدينا هذا الكتاب, لكان القرآن الكريم متواتراً تواتراً شفهياً، لا يوجد عصر إلا وفيه حفظة، حفظوا على أيدي أساتذتهم، والأساتذة حفظوا على أيدي أساتذتهم، جيلاً بعد جيلٍ بعد جيلٍ، إلى أن يصل إلى السيد الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو بحثت في مضمون القرآن الكريم, في مضمونه الاجتماعي، والفكري، والعلمي، والبياني، واللغوي، والتاريخي، والتشريعي، لو درست مضامين القرآن الكريم لوجدتها من الإحكام، والدقة، والعمق، والشمول، والتحدي حيث يعجز عنه الأدباء، والعلماء النجباء, إنه لن تظهر في المستقبل نظرية ولا حقيقة علمية تناقِض ما في كتاب الله, إذاً في مضمونه إعجاز.
تصديق المؤمن لكتاب ربه يعطيه التسليم المطلق له:
ونحن إذا آمنّا، وصدقنا بالقرآن الكريم جملة وتفصيلاً، على أنه من عند الله، وأنه كتابه الذي أنزله على عبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى منزّه عن أن يثبت في كلامه غير الحق, إذًا فنحن نؤمن بكل خبرٍ تضمّنه القرآن الكريم إيماناً قطعياً، ونعتقد أنّ منكر ذلك كافرٌ، لأن مكذبَ خبر الله الذي جاء في كتابه, ماذا نستنتج؟ القرآن كلام الله، واللهُ منّزه عن أن يثبت غير الحق، إذًا كل ما فيه من أخبار هي أخبار صحيحةٌ, هذه المقدمة المنطقية تنقلنا إلى الإيمان بأن كل ما ذكره الله عزّ وجل في القرآن الكريم، مِن كتب سماوية أنزلت على أنبياء سابقين وجب أن نؤمن بها بالضرورة، قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
فنحن بالتسليم المطلق نؤمن بكل كتاب أنزله الله، سواء عرفنا اسمه أم لم نعرف، وسواء عرفنا الرسول الذي أنزل عليه أم لم نعرف، وهذا هو معنى الإيمان الإجمالي بالكتب، ونحن جميعاً مؤمنون إيماناً إجمالياً بالكتب السماوية, فأيُّ كتاب أنزلـه الله عزّ وجل على نبيٍّ من أنبيائه هو حَقٌّ لا شك فيه، وإيماننا به تصديق لخبـرِ الله تعالى في القرآن، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، كما نؤمن تفصيلاً بالكتب، والصحف التي نوَّه عنها القرآن بشيءٍ من التفصيل، وبالقدر الذي فصّله القرآن، لا نزيد على ذلك، ولا ننقص، لأن كل زيادة على ما فصله القرآن لا تصل في واقع حالها إلى درجة صحة النسبة، فضلاً عن درجة القطعية, وهذه نقطة مهمة جداً.
نحن نقول: ما قاله الله، أما الزيادات فهذه ظنية، فالله عزّ وجل لما ذكر عن سيدنا يوسف ما عرفناه بالقرآن الكريم، فالقصة انتهت حينما جاء أهله من مصر وسجدوا له، ولهذا السجود معانٍ كثيرة في كتاب الله، يا ترى هل تزوج امرأة العزيز؟ لا نعرف, فالقصة سكتت عن هذا الموضوع, يجـب أن أسكت ما دامت القصـة القرآنية سكتت، وأغلب الظن أن الذي سكت الله عنه لا طائل من البحث فيه، والذي فصّله الله عزّ وجل يجب أن نستفيض فيه.
التفصيلات التي وردت في القرآن الكريم عن بعض الكتب السماوية:
القرآن الكريم أخبرنا تفصيلاً ببعض الكتب السماوية:
فأول شيء صُحُفِ إبراهيم عليه السلام: وهو أول ما أنزله الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾
( سورة الأعلى الآية: 18-19)
ثانياً: التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا موسى عليه السلام، ويشمل الصحف التي ألقيت إليه في المناجاة، وهو ثاني ما أنزل الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني.
ثالثاً: الزبور, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا داود عليه السلام، وهو ثالث ما أنزل الله من كتب مما لدينا به علم يقيني.
رابعاً: الإنجيل, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا عيسى عليه السلام، وهو رابع ما أنزله الله من كتب مما لدينا به علم يقيني.
القرآن ذكر هذا, قال تعالى مما يؤكد هذا:
﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
( سورة النجم الآية: 36-37)
يعني في صحف موسى، وفي صحف إبراهيم، فماذا في صحف موسى؟ وماذا في صحف إبراهيم؟ قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38)
كل هذا في صحف إبراهيم وموسى, قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾
( سورة النجم الآية: 39-43)
كل هذا في صحف إبراهيم و موسى, قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴾
( سورة النجم الآية: 44-51)
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴾
(سورة النجم الآية: 52-54)
هذا دليل قطعي, الله أخبرنا به.
وإليك بعض الآيات التي تنوه بذكر الكتب السماوية، بدءاً من القرآن، وانتهاءً بغيره, قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
(سورة البقرة الآية: 255)
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 3-4)
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 43-44)
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 45)
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 156-157)
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
(سورة التوبة الآية: 111)
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 105)
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 47)
ما هي المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها ؟
1- أصول الدين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/05.jpg
الموضوع الأخير المتعلق بالكتب, وهو المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها، هناك آيات كثيرة أشارت إلى ذلك، فربنا عزّ وجل قال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
يعني الأنبياء جميعاً، والرسل جميعاً، والكتب المنزلة جميعاً، كُلها مضمونها واحد، هو لا إله إلا الله، لا إله إلا أنا فاعبدون، هذه عقيدة في جميع الكتب السماوية, هناك جانب نظري اعتقادي، وجانب سلوكي تطبيقي، إن نهاية العلم أنْ تعلم أنه لا إله إلا الله، ونهاية العمل أنْ تعبد الله كأنك تراه، لذلك ثمّة مضامين موحدة مشتركة بين الكتب، وبين كل دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
إنّ الكتب السماوية كلها اشتركت في بيان أصول الدين، الدين له أصول، وله عقائد أساسية، والتوحيد من أصول الدين، والإيمان باليوم الآخر من أصول الدين، والإيمان بالرسالات السماوية من أصول الدين، والإيمان بالرسل من أصول الدين، فأركان الإيمان إذاً هي: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه أصول الدين, الكتب السماوية كلها فيها هذه الأصول.
2- أصول الأخلاق:
إن الله سبحانه وتعالى ذكَرَ لنا وصايا لقمان لابنه في سورة لقمان، وضمّن هذه الوصايا ما يفيد بأنها وصايا ربانية، اقتبسها لقمان مما أنزل الله في الكتب الأولى، وساقها القرآن ليوصي الناس بها، مِمّا لهُ صفة الاستمرار والدوام، وعليه تكون هذه الوصايا القرآنية مما سبق حتماً أنها جاءت في الكتب الأولى، أوردها الله حكاية على لسان سيدنا لقمان، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
(سورة لقمان الآية:13-19)
لعـل هذه الوصايا الثمينة جداً وردت في الكتب الأولى التي لم تذكر في القرآن الكريم صراحة، إذاً: الكتب السماوية كلها يجب أن نؤمن بها إجمالاً وتفصيلاً، إجمالاً حيث إنّ أيّ كتابٍ عن أي رسول حقٌ من عند الله، أمّا تفصيلاً فإنّ الكتب التي ذُكِرت في القرآن صراحة يجب أن نؤمن بها، والإيمان بها جزء من العقيدة التي يجب أن تُعلَم بالضرورة، وأنّ الذي ينكرها كافر، وبهذا الكلام أنهينا موضوع الإيمان بالكتب.
سوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع آخر مِن موضوعات العقيدة، وهو الإيمان باليوم الآخر.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (1)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. يوجد حقائق ضرورية في الكون لا بد من أن يعرفها الإنسان:
1- أصل هذا الخلق:
أنهينا في الدروس السابقة الإيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والرسل, وبقي علينا الإيمان باليوم الآخر, والشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر أركان الإيمان في القرآن كثيراً ما يقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر, وكأن الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر متلازمان، لذلك لن نستطيع الحديث عن الإيمان باليوم الآخر قبل عدة مقدمات ضرورية جداً، فالتمهيد للإيمان باليوم الآخر يقتضي بعض الحقائق التي يجب أن توضع بين يدي المستمعين
الله سبحانه وتعالى خلق الخلق, فمَن هذا الخلق؟ وما هذا الخلق؟ إنه أنواع متعددة, قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 72)
الأرض جماد فيها معادن، فيها أشباه معادن، فيها جبال، فيها سهول، فيها صحارى، فيها بحار، هناك في السماء الكواكب، والنجوم، والمجرات، هذا كله من نوع الجماد، وهناك الحيوان, وله طبيعة خاصة، وهناك النبات، وهناك الملائكة، وهناك الجن، وهناك الإنس، فالمخلوقات متنوعة، ولا بد أن تكون للإنسان خصائص يتميز بها عن بقية المخلوقات، ومِن أبرز خصائصه أنه من الإنس، والجن يتمتعون بحرية الاختيار، بينما المخلوقات الأخرى لا تملك هذه الحرية، الإنس والجن يتمتعون بقوة إدراكية، لأنّ الله سبحانه وتعالى زَوّد الإنسان بالعقل, الذي هو قوة إدراكية نَعرف به الخير من الشر، والحق من الباطل، والصالح من الطالح،والنافع من الضار, ولولا هذه القوة الإدراكية لما امتاز الإنسان عن الحيوان، ضع لحماً عادياً أمام الحيوان، ثم ضع لحم خنزير أمامه، هل يملك هذا الحيوان قدرة أو قوة إدراكية على التمييز بينهما؟ أمّا الإنسان فيملكها، لأنه يملك حرية الاختيار، وهذا شيء قاطع، وهل يُعقل أن يُكلَّف الإنسان بالأمر والنهي, وهو لا يملك حرية الاختيار؟ شيء لا يمكن أن يكون, الإنسان يملك القدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال التي يريدها، لو تعمّقنا في التوحيد لوجدنا أنّ الفعل بيد الله، لكن فيما يبدو لنا أن الإنسان يملك قوة ظاهرة على تنفيذ ما يريد, أراد أن يسير، إذاً: يسير، أراد أن يقوم، إذاً: يقوم، هكذا فيما يبدو, الإنسان مفطور فطرة عالية، فطرة كاملة على حب الخير، على حب العدل، على حب الرحمة، على حب الإحسان، أن يكون الإنسان رحيماً شيء، وأن يكون مفطوراً على حب الرحمة شيء آخر، أن تحب الرحمة هذا شيء فطري غير كسبي، أما أن تكون رحيماً فهذا شيء كسبي بعد أن تتعرف إلى الله عزّ وجل، وأن تستقيم على أمره، وأن تعمل صالحاً، وأن تقبل عليه، عندئذٍ يصطبغ قلبك بالرحمة، هذه هي الرحمة، القرآن الكريم, ميّز بين الفطرة، وبين الصبغة، فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الروم الآية: 30)
الفطرة بلا كسب، وأما الصبغة فهي كسب، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 138)
2- لماذا أعطى الله الإنسان العقل وحرية الإرادة والاختيار ؟
لماذا خُلق الإنسان على هذه الشاكلة؟ هذه ميزات تفتقر إليها أكثر المخلوقات، قد يبدو هذا واضحاً حينما عرض الله عزّ وجل الأمانة على السموات والأرض والجبال، وحينما أَبيْنَ أن يَحملنَها لأنهنَّ أشفقن منها، وحملها الإنسان, هذه هي الأمانة, أي التكليف, وكأن الله عزّ وجل عَرَضَ على مخلوقاته حينما خلقهم مرتبة عالية من الإدراك، ومن السعادة، ومن الخلود, لكن هذه المرتبة العالية لها ثمن، والثمن هو حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح الإنسان، وحقَّق هذه المهمة، وحمل الأمانة، ونجح في حملها، استحق مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق في الكون، لذلك قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
(سورة البيّنة الآية: 7)
فإن لم يحقِّق هذه المهمة، ولم ينجح في حَمْلِ الأمانة, كانَ أشقى مخلوق خَلَقَه الله عزّ وجل, إما أنه خير البرية، وإما أنه شر البرية, لا يوجد حالة وسط بينهما, قال الله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
(سورة البيّنة الآية: 6)
لأن الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة، وقَبِلَ التكليف، وقَبِلَ أن يكون حراً في اختياره، وقَبِل أن يزود بشهواته، ولأنه قَبِلَ التكليف، وقَبِل أن يزوَّد بعقل إدراكي، وأن يزوَّد بفطرة عالية، وأن يزوَّد بقدرة ظاهرة على تحقيق ما يريد، لأنه قَبِلَ كلَّ ذلك رفَعَه الله سبحانه وتعالى فوق كل الخلق، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 70)
لأنه قَبِلَ حَمْلَ الأمانة سَخَّر الله له ما في السموات والأرض, قال الله:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 13)
من أنواع المعادن، أنواع الفلزات، أنواع المخلوقات، كل أنواع الأطيار، كل أنواع الأسماك، كل أنواع النباتات، البحار، البحيرات، الجبال، الوديان، السهول، الأغوار، التلال، الأشجار، كل شيء خلقه الله في الأرض مُسخَّر لك أيها الإنسان، لماذا؟ لأنك قَبِلتَ حَمْلَ الأمانة، فالمسخر له أعلى شأناً، وأعلى مرتبة من المسخر، فالكون مسخر من أجل الإنسان، والإنسان مسخّر له الكون، إذاً هو أعلى مرتبة.
3- لماذا خلق الله الإنسان:
لماذا خَلَق الله الإنسان؟ لماذا خلَق الخلْق؟ ليُسعِدهم، ولماذا عرض عليهم الأمانة؟ ليحملهم على أن يرقوا أعلى درجة، لذلك إذا نجح الإنسان في حملِ الأمانة بلغ مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق على وجه الأرض، ولا تحت الأرض، ولا فوق الأرض، وبشكل ملخص أقول: خَلَق اللهُ الخلقَ ليسعدهم، وَعَرَض عليهم مرتبة من السعادة لا تدانيها مرتبة، لكن لهذه المرتبة ثمن، والثمن حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح بحملها كان فوق الخلق، وإن أخفق في حملها كان أشقى الخلق، بعد أنْ حَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ زودّه بالعقل المدرِك، وبالشهوة المحركة، وبالفطرة السليمة، وزودّه أيضاً بحرية الاختيار، وزوّده بكل ما يحتاج مِن أجل أن ينجح في حمل الأمانة, كأن الله عزّ وجل أرسله إلى الدنيا ليمتحنه بهذه الخصائص التي يتميز بها، من هنا تأتي بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
(سورة المُلك الآية: 2)
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾
(سورة الإنسان الآية: 2)
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة المُلك الآية: 1-2)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 115-116)
4- لماذا ابتلي الإنسان في دار الدنيا ؟
ننتقل الآن مِن علّة الخلق، ومن تصنيف الخلق، ومن الأمانة إلى ابتلاءِ الإنسان في هذه الدنيا، وربما كان هذا الابتلاءُ سببَ استحقاقه دخولَ الجنة، والابتلاء أيضاً سبب استحقاقه دخول النار، فنحن في هذه الدنيا مبتلون، بمعنى أننا ممتحنون، نُمتحن بالمال، نُمتحن بالصحة، نُمتحن بالقوة، نُمتحن بالفقر، نُمتحن بالمرض، نُمتحن بالزوجة، نمتحن بالأولاد، نمتحن بالعلو في الأرض، نمتحن بقلة الشأن في الأرض، مِن هنا, قال الله عزّ وجل:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
(سورة الفجر الآية: 15)
لا, ليس هذا إكراماً، الإكرام لا ينقطع، والإكرام لا ينتهي بالموت، أَفَيَلِيقُ بحضرة الله عزّ وجل أن يعطيك المال لفترة مؤقتة، فإذا جاء ملَكُ الموت تركتَ كلَّ شيء دفعةً واحدة, هذا ليس إكرامًا، إنما هو ابتلاء؟ قال الله:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الفجر الآية: 16-17)
كلا، ليس هذا عطاءً وإكراماً، وليس هذا حرماناً وإهانةً، كلاهما ابتلاء وامتحان, قال الله:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 2)
القضية قضية ابتلاء, قال الله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 11)
ضع في تفكيرك أيها الأخ الكريم, أنك وُجِدتَ على هذه الأرض، وَأَتَيْتَ إلى هذه الدنيا من أجل أن تُبتَلى، والابتلاء من أجل أن تدخل الجنة باستحقاق، والابتلاء من أجل أن يدخل أهلُ النار باستحقاق, قال الله:
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة الأنفال الآية: 42)
إننا لا نستطيع أن نؤمن باليوم الآخر قبل أن نعرف طبيعة الحياة الدنيا، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار امتحان،
" إنّ هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، منزل ترح، لا منزل فرح، مَن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الأُخرى دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي "
( ورد في الأثر)
أتمنى أن أكون قد مُكنت من توضيح هذه الفقرة، نحن هنا في دار ابتلاء، في دار امتحان، في دار تكليف، في دار حمْلِ الأمانة، في دار فحص، أمّا إذا انقلبنا إلى الآخرة فنحن في دار تشريف، ودار نعيم مقيم، ودار متعة أبدية، ودار سعادة خالدة، لذلك كان الأحمق هو الذي يستعجل طيبات الآخرة في الدنيا, قال الله:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 20)
فإذا جاء الموت انقلب إلى عذاب أبدي.
ما هي مستلزمات حمل الأمانة ؟
1- أن تعرف الله عن طريق العقل وأن تعبده:
ما دمنا قد ابتُلينا بحمل الأمانة فماذا يقتضي حملُ الأمانة؟ يقتضي تزويدَنا بقوة إدراكية، وهذه القوة الإدراكية تقتضي أن نعرف الله عزّ وجل، بعض العلماء قالوا: إن أعظم ما في الكون هو الفكر البشري, ما دام الله عزّ وجل قد زوَّدنا بهذه القوة الإدراكية فهذا التزويد يقتضي أن نعرف الله به وأن نعبده، فإذا سُخرت هذه القدرة من أجل الدنيا، من أجل الشر، من أجل الإيقاع بين الناس، من أجل الحيَل، من أجل كسب الرزق الحرام، من أجل ترويج الباطل، من أجل إفساد الناس، فإن الذي فعل هذا يكون قد خسر خسارة لا حدود لها, لأن الله عزّ وجل زوّدنا بحرية الاختيار, وبالقدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال، لذلك يقتضي هذا التزويد أن نعرفه أولاً, ثم نعبده ثانياً, قال الله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(سورة الذاريات الآية: 56)
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
(سورة الكهف الآية: 110)
لأن الله عزّ وجل خلَقَنا على فطرة كاملة، تقدَّر الإحسان، تقدر العفو، تقدر الرحمة، تقدر العدالة، تقتضي هذه الفطرة أن تشكره على نعمه، وأن تحبه, لذلك في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين.
أيها الأخوة, تقتضي طبيعة الإنسان أن نعرف الله، وأن نعبده، وأن نحبه، ونشكره، فأنت يجب أن تعرفه، وأن تعبده، وأن تحبه، هذا هو الامتحان، وهذه هي الأسئلة، فالذي نجح في تحقيق هذه البنود نجح في الحياة، ونجح لما بعد الممات، ونجح إلى الأبد.
ثمرة عمل الإنسان في الدارين هي النية فإما أن يسعد بها أو يشقى بها:
اليوم تحدثت معَ بعض الأخوة، وقلت: هذا الذي أُمر بإلقاء قنبلة على هيروشيما, مات من خلالها ثلاثمئة ألف إنسان، وعطّل الحياة، وعطل التربة من الإنبات، وترك مئات الألوف من المشوَّهين، أن تكون سبباً في هلاك عشرات الألوف، بل مئات الألوف، هذا العمل الشرير قبيح، وأعظم منه قبحاً الذي فَعَلَه، لأن هذا العمل انتهى فمات مَن مات، وكذلك المشوَّه مات، والأرض أجدبت، ثم فيما بعد أنبتت، لكن هذا الذي عمل هذا العمل واجه نتيجة عمله إلى الأبد، وشقي به إلى الأبد, لذلك قيل: فاعل الشر شرٌّ مِن الشرِّ، فهل هناك في الأرض ما هو أشر من الشر؟ نعم، إنه فاعل الشر، وهل هناك في الأرض ما هو خير من الخير؟ نعم، إنه فاعل الخير، لو أنك أنقذتَ إنساناً من الغرق فهذا الإنسان بقي حياً، لكن لا بد من يوم تموت فيه، فهذا العمل الطيب انتهى، لكنك تواجه الله عزّ وجل بعمل طيب حميد في إنقاذ الآخرين، وبهذا العمل تَسعَد به إلى الأبد.
إذاً: أنت خُلقت في الدنيا لتُبتلى، فالعمل إن كان خيراً, وإن كان شراً ينتهي بالموت، وينتهي بانتهاء الحياة، لكن الذي يبقى هذه النية الطيبة، وهذه الإرادة الخيّرة, أو هذه النية الخبيثة، أو هذه الإرادة الشريرة, بهذه تَسعُد بها إلى الأبد، وبهذه تشقى بها إلى الأبد.
أنت أيها الإنسان في أي طريق تتجه ؟
أين أنت أيها الأخ الكريم؟ هل أنت في طريق معرفته؟ هل تحضر مجالس العلم, من أجل أن تعرف كتابه، وأحكامه، وأسماءه الحسنى, وصفاتِه الفضلى, مِن أجل أن تعرف تشريعه, وأمره ونهيه, ووعده ووعيده, وما أعدَّ لعباده المؤمنين مِن نعيم مقيم، وما أعدَّ للعصاة المجرمين من عذاب أليم؟ هل تؤْثر ساعة لذة على مجلس علم؟ هل تأتي لهذا المجلس لا تبتغي إلا معرفة الله عزّ وجل؟ هل أنت في طريق عبادته؟ هل أنت تضبط جوارحك؟ هل تعامل الناس كما أمر الله عزّ وجل؟ هل تبيع وفق الشريعة؟ هل تشتري وفق الشريعة؟ هل الله عز وجل أَحَبُّ إليك من كل شيء؟ قال الله:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
إذاً: معرفة، عبادة، محبة, شكر، وسورة الفاتحة جمعت كل هذه الأمور, قال الله:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
(سورة الفاتحة الآية: 1-6)
ما هي الحكمة من وضع الإنسان في ظروف صعبة أحياناً ؟
ما دام الإنسان قد خُلق ليُمتحن، لأن الابتلاء هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بك إلى دخول الجنة، أو ليستحق به الكافر دخول النار، فالابتلاء بنجاحٍ هو ثمن الجنة، والابتلاء مع السقوط والتردي سبيل النار، لذلك الفتنة تعني الابتلاء أيضاً، مِن هنا اقتضت حكمة الله عزّ وجل أن يوضعَ الإنسان في الظروف الملائمة, إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم امْتُحِنُوا امتحانات شتى، كان من أبرزها امتحان الخندق، كان معهم رسول الله، نبي عظيم، ورسول كريم، يوحى إليه عن طريق جبريل عليه السلام، والقرآن ينّزل عليه بين ظهرانيهم، جاءهم كفار قريش، ومشركو العرب، وتحزَّبوا عليهم، وتجمعوا بأعداد كبيرة للقضاء على الإسلام، وَنَقَضَ اليهودُ عهدهم، وأُحكمت الحلقةُ حولهم، وكان الإسلام على وشك التدمير الكلي, وعرفنا أن المؤمنين صبروا كثيراً, بعضهم إيمانه قوي، وبعضهم إيمانه دون ذلك، فصاحب الإيمان القوي لم يتزلزل، ولم يتأثر، ولم يضطرب، ولم يختل، ولم يضعف، ولم يخنع، ولم يَهِنْ، ولم يحزن، قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 23)
أمّا ضعاف الإيمان مِن المنافقين, فإنهم كما وصفهم الله تعالى في الآية التالية:
﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 11-12)
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 11)
أيها الأخ الكريم، لا يمكن إلا أن تُبتلى في هذه الدنيا، تُبتلى بالزوجة، فهل تؤْثِر رضاها على رضاء الله؟ هل تتساهل معها، ولو كان ذلك على حساب دينك؟ الزوجة تبتلى بها، وليس معنى ذلك أنها هي البلوى، لا، هيّ تكريم من الله، هل تترك مجالس العلم بعد الزواج؟ كم مِن شابٍ متحمس مندفع, لكنه بعد الزواج يتغيب عن مجالس العلم، ويؤثر مجالس الزوجة على مجالس العلم؟ هذا ابتلاء, قد يكون الإنسان فقيراً، وهو مستقيم على أمر الله، وفجأة يأتيه المال الوفير، فإذا به يتقاعس، يريد المتع الرخيصة، فتراه ينحرف أخلاقياً، يريد أن يزور بعض بلدان العالم، ليعطي نفسه ما تشتهي, يقول لك: أنا معي مال، ويجب أن أستمتع به، وإن الله قد أعطاه المال امتحاناً له، فقد تُمتحن بالفقر، أتصبرُ أم تكفر؟ تُمتحن بالمرض، هل تلجّ وتضجر، أم تقول: ثمة حكمة مِن وراء هذا المرض؟ فالنتيجة أنك مُبتلى، وأنا معكم مبتلى، وما مِن مخلوق على وجه الأرض إلا وهو مبتلى، والابتلاء سُنة الحياة، لذلك خَلَقَ الله عزّ وجل في الإنسان الشهوة، فالشهوة إما أن تكون قوة محركة تنقله إلى آفاق السعادة، وإما أن تكون الشهوة قوة مدمرة، كهذا الوقود السائل، إما أن يحرك المحرّك، فتأخذك السيارة حيث تشتهي، وإما أن يُحرق السيارة, هكذا الشهوة، اللهُ عزّ وجل خَلَقَ الملائكة التي تُلهمك الخير، وخلق الشياطين التي توسوس بالشر، وهناك توازن, خَلَقَ الخير، وخلق الشر، والشر بيد الله عزّ وجل مِن أجل أن تُمتحن، من أجل أن تُبتلى.
من لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر:
هذا الموضوع كله تمهيد لليوم الآخر، لأنه هنا الابتلاء، وهناك الجزاء، واليوم عملٌ ولا جزاء، وغداّ جزاء ولا عمل، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 62)
من لوازم الإيمان بالله الإيمانُ باليوم الآخر، لهذا كان في الحياة خير وشر، وحق وباطل، ولذة وألم، وسرور وحزن، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وعلو وانخفاض، وشهرة وخمول، وإقبال وإدبار, قال تعالى:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
(سورة الذاريات الآية: 49)
هذا وُضِع الإنسانُ في أكمل الشروط، وأنجحِها من أجل أن يبتلى، وأن يظهر على حقيقته، ليستحق الجنة، أو ليستحق النار, طبقاً لاختياره, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
( سورة الذاريات الآية:56)
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية: 15)
راقب نفسك، دخلت للبيت فأنت مُبتلى، الأكل غير جاهز, أتصبر؟ أتكون حليماً, أم تكون إنساناً شرساً؟ قد يوجّه لك إنسان كلمة نابية, أتصبر؟ أتحلم؟ معك مبلغ من المال، أتعطيه للمحتاجين، أم تنفقه على شهوتك؟ أنت ممتحن, يأتيك المشتري، ويقول لك: انصحني، أتُؤثِر اللهَ ورسوله، وتنصحه بالبضاعة الرائجة، أم تنصحه بالبضاعة الكاسدة؟ يأتيك الموكّل، أنت مُمتحن، بالمحاماة مُمتحن، بالطب مُمتحن، يأتيك المريض، وتعلم علم اليقين أنّ هذا المريض شفاؤه على يد فلان، المختص في هذا المرض، أما أنت فلا تعرف دقائق هذا المرض, أتقول له: اذهب إلى الطبيب فلان, وتفوت عليك ما يدفعه من مال؟ الصيدلي إذا انتهى مفعول هذا الدواء أتمسَح التاريخَ، وتبيعه كما لو كان فعّالاً؟ تُمتحن، أنت ممتحن في كل ثانية، في كل لحظة، في كل دقيقة، في كل حركة من حركاتك، وفي كل سكنة من سكناتك.
إذا آمنت أن كل شيءٍ تفعله تحاسب عليه, فقد انضبط سلوكك أيها المسلم، ولا يستطيع الإنسان أن يغيِّر سلوكَه تغييراً جذريًّا إلا إذا آمن باليوم الآخر, لا يستطيع الإنسان أن يتجه بكليّته إلى الله عزّ وجل إلا إذا نقل اهتمامه كله من الدنيا إلى الآخرة، لذلك النبي الكريم قال:
" إنّ أسعدَ الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها "
( أخرجه أبو نعيم في الحلية)
إذا عرفت أنك خُلقت في دنيا محدودة قصيرة، منقطعة، وإنما هي ابتلاء، وأن الجزاء يوم القيامة سَعِدْتَ في الدنيا والآخرة، فإذا غفلتَ عن هذه الحقيقة، وظننتَ أن الدنيا هي كل شيء, قال الله:
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
(سورة الطور الآية: 45)
و حينما تعرف حقيقة الأمر فإنك ذو بصر وبصيرة، ولذلك قال الله عزّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
(سورة الحشر الآية: 18-20)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (2)









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ملخص الدرس الماضي:
في الدرس الماضي بيّنا أن بين يدي الإيمان باليوم الآخر مجموعة من الحقائق، هذه الحقائق تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأنّ السموات والأرض والجبال أبيْنَ أنْ يحملنها، وأشفقْنَ منها وحملها الإنسان، ومعنى أن الإنسان قد حمل الأمانة، أي قَبِلَ أن يصل إلى أعلى مرتبة وُضعت للمخلوقات، لكنّ هذه المرتبة، مرتبة جمالية، إنه أسعد مخلوق على وجه الأرض، لو أنه حمل الأمانة كما أرادها الله عزّ وجل.
هذا الإنسان حينما حمل الأمانة سَخَّر اللهُ له ما في السموات والأرض، وزودّه بعقلٍ كقوة إدراكية، وزودّه بحرية اختيار، وزودّه بقدرة ظاهرة على تحقيق مُراده، وزودّه بفطرة سليمة أعانه بها على اختيار الحق، وخلَق له الكونَ، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء، وسخّر الدعاة والعلماء، كل هذا من أجل أن يتعرف هذا الإنسان إلى الله عزّ وجل، فإذا عَرَفه عَبَدَه، وإذا عَبَده سَعِد بِقُرْبِه في الدنيا والآخرة، فالقوة الإدراكية تقتضي أن يتعرف الإنسان إلى الله عزّ وجل، لا أن يسخِّرَها لأهداف رخيصة، والإرادة الحرة مع القدرة الظاهرة على فِعْلِ ما يريد الإنسان، هذا أيضاً يجب أن يكون مؤدِّياً إلى العبادة الصحيحة، والفطرةُ السليمةُ التي فطرَ اللهُ الناس عليها تقتضي أنْ يشكروا الله عزّ وجل، هذا ملخص الدرس الماضي.
من تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر:
1- الابتلاء هو علة وجود الإنسان في الكون:
نتابع هذه الحقائق التي لابد مِن عَرْضها بين يدي الإيمان باليوم الآخر، ومِن أجل أن يستحقَّ الإنسانُ هذه السعادةَ العظمى يومَ القيامة جَعَلَه في الدنيا مبتلى، فإمّا أن يُؤْثِر رضاءَ الله عزّ وجل، وإمّا أن يؤثر رضاء الناس، إمّا أن يسعد بإقباله، وإمّا أن يبحث عن لذته، إمّا أن يُؤْثِر جانب الخير، وإمّا أن يؤثر جانب الشر، إمّا أن ينطلق من مبادئه، وإمّا أنْ ينطلقَ مِن نزواته, وقد سَرَدْتُ لكم في الدرس الماضي الآيات العديدة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، التي تؤكد أن العلة الأولى التي خُلِقْنَا مِن أجْلها في هذه الحياة الدنيا هي الابتلاءُ, قال الله:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾
( سورة الإنسان الآية: 2)
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة الملك الآية: 1-2)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115-116)
إذاً: النجاح في الابتلاء ثمنُ هذه السعادة العظمى، من أجل أن يُبتلى الإنسان زوّده الله عزّ وجل بأشياء ثنائية، الشيطان يوسوس له، والمَلَك يٌلهمه، فإما أن ينحاز إلى جانب الشيطان، وإما أن يستجيب للمَلَك، فنوازع الخير تدعوه إلى فعل الخير، والشهوات التي أودعها الله فيه تدعوه إلى اقتناص اللذة، ولو على حساب الآخرين، في الحياة إمّا أن يستجيب الإنسانُ لعقله، وإما أن يستجيب لشهوته، إما أن يستجيب لنداء الرحمن، أو يستجيب لوسوسة الشيطان، إما أن يؤثر الفضيلة، وإما أن ينحاز إلى الرذيلة، إما أن يؤثر المصلحة، وإما أن يؤثر المبدأ، فأنت بين المبدأ والمصلحة، بين الحاجة والقيم، بين وسوسة الشيطان ونداء الرحمن، بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين الحق وبين الشهوة، هذا التنويع، وهذا التخيير هو علّة الابتلاء.
2- توزيع القدرات البشرية تعود إلى عدة معاني:
الله سبحانه وتعالى جلّت حكمته زوّد الإنسان بقدرات متفاوتة، فهذا أعطاه ذكاءً، وهذا أعطاه مالاً، وهذا أعطاه قوة عضلية، وهذا أعطاه قوة اجتماعية، وهذا أعطاه قدرة على الإقناع، وهذا كان عليًّا، وهذا كان غبياً, هذه القدرات مَنَحَها الله لعبادة بشكل متفاوت، ولهذا التفاوت تفسيران:
التفسير الأول: أنّ الله سبحانه وتعالى تفَضَّلَ على خلقه ابتداءً بالإيجاد، وتفضل على خلقه ابتداءً بهذه القدرات الخاصة التي منحهم إياها، فليس للعباد أن يعترضوا على هذه القدرات، لأنها مَحْضُ فضلٍ, هذا تفسير.
التفسير الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى حينما نَظَرَ إلى خلقه رأى كل مخلوق له طلب، وبحَسَبِ طلبِ هذا المخلوقِ أعطاه القدرات التي تُحَقِّقُ له طلبه، من ذكاء وقوة ومال ومواهب, وليس للمرء حق الاعتراض، لأنه ليس له حقٌّ أنْ يطالبَ ربَّه بشيءٍ، وقد خُلِق مِن عَدَمٍ, يؤكِّد هذا قولُه تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18-20)
فهذا الذي مُنح قدرة على الإقناع، إنما كانت هذه القدرة تحقيقاً لطلبه، وهذا الذي مُنح مالاً وفيراً إنما مُنح هذا المال تحقيقاً لطلبه.
المسؤولية تكون على قدر ما أوتي صاحبها من قوة وعلم ومال:
لكن المسؤولية على قدر الموهبة، فالفصيح الذي أُوتِيَ فصاحةً وقدرةً على الإقناع، وتَلَكَّأَ في نصرة الحق، فهذا حسابُه أشدُّ مِنَ الذي لم يُؤْتَ هذه القدرة، والذي أوتي المال العريض، إذا دُعي إلى فعل الخير، واستنكف فعليه مسؤولية أكبر بكثير مِنَ الذي أوتي كفافَ يومه، وهذا الذي أوتي قوة وشأناً في المجتمع بإمكانه أن يقف إلى جانب الضعيف والمؤمن، واستنكف فله حساب خاص أشدُّ مِنْ حساب الذي كان في الأرض مستضعفاً، فكل إنسان مُحاسَب، ومسؤول على قدر ما مكَّنه الله في الدنيا.
لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه, يقول:
" لو أنّ بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها, لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ "
" ليتني أقدم على ربي لا لي ولا علي "
" ليت أمَّ عمر لمْ تلد عمر, ليتها كانت عقيمة "
( أقوال مأثورة عن سيدنا عمر رضي الله عنه )
لقد أدرك عِظَم المسؤولية التي تحمَّلها، لأنّ الله عزّ وجل مكنّه في الأرض، فالمسؤولية والتَّبِعَة على قدر التمكين, الذي اطّلع على العلم، وعرف أحكام العبادات، هذا إذا قصّر في أدائها كان حسابُه أشدَّ مِنَ الذي لم يطّلع، فكلما أُوتِيتَ شيئاً يزيد على الآخرين ارتفع مستوى حسابك عند الله عزّ وجل، هذه حقيقة لا شك فيها، وممّا يؤكَّد هذه الحقيقة أنّ مَن رَزَقَه الله عقلاً وذكاءً, كان مسؤولاً عن هذه المنحة بمقدارها، ومَن رَزَقَه الله عمراً مديداً كان مسؤولاً عن عمره بمقدار امتداده، ومَن حَبَاه اللهُ علماً كان مسؤولاً عن علمه الذي حباه إياه على مقداره، ومَن آتاه اللهُ قوةً جسمانية وشجاعة, كان مسؤولاً عن ذلك بمقدار العطاء الرباني، وهكذا، مِن هنا قال بعض المفسرين في قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾
(سورة التكاثر الآية: 8)
يعني أيَّةَ منحة مَنَحَك اللهُ إياها فستحاسب عليها، هذا المال كيف أنفقته؟ هذه القوة العضلية كيف استهلكتها؟ هذا العقل القوي، هذا الشأن الاجتماعي، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ به وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ "
(أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي برزة الأسلمي )
هذه المعاني تؤكِّدها بعضُ الآيات، قال تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
( سورة الفتح الآية: 17)
وقوله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 30-31)
الشاب الذي ينشأ في بيت علم، يستمع إلى الحق صباح مساء، هذا الشاب مُحَاسَبٌ عند الله أكثر مما يُحَاسَب شاب نشأ في بيت الجهل، في بيت الانحراف، فكل ميزة خصّك الله بها يقابلها مسؤولية تزيد بها عن الآخرين، قال تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾
( سورة الطلاق الآية: 7)
3- التفاوت العلمي والمادي بين الناس هو مجرد اختبار وامتحان:
الله سبحانه وتعالى جعل الناس في الدنيا درجات، وفي هذا حكمة بالغة، فهناك تفاوت في القوة الإدراكية، تفاوت في القوة العضلية، تفاوت في الشكل، تفاوت في الشأن، تفاوت في النواحي العاطفية، تفاوت في النواحي الاجتماعية، تفاوت في المستوى الاقتصادي، هذا التفاوت بعلم الله وتقديره, قال تعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
( سورة الزخرف الآية: 32)
فهذا جَعَلَه يقبع وراء مكتب فخم، وعنده حاجب، في المظهر الخارجي أن هذا الذي يجلس وراء المكتب له شأن كبير, وهذا الحاجب الذي يقف على الباب شأنه قليل، لكن الله عزّ وجل له مقياس آخر، فقد يكون هذا الحاجبُ عند الله عزّ وجل, إذا كان مطيعاً له، قائماً بواجباته قد يكون له شأنٌ يفوق شأن هذا الذي يخدمه بكثير، فربنا عزّ وجل جَعَلَ الدنيا مراتبَ، وجعل الحياةَ مستويات، لكن الذي يريده هو أنْ يُمْتَحَنَ كل هؤلاء, فالفقير قد يُمْتَحن بصبره على الفقر، وتعففه عن المال الحرام، بينما الغني يُمتَحَن امتحاناً ليس أقلَّ صعوبةً من هذا الامتحان، يمتحنه بقدرته على ضبط نفسه، وهو غني، فهل يحمله غناه على البطر؟ وهل يحمله غناه على الكِبْر أو على الإسراف، أو على البخل، أو على التمتع بما حرّم الله عزّ وجل؟ فالفقير مُبتلى، والغني مُبتلى، المستضعف في الأرض مبتلى، والقوي مبتلى، المستضعف مبتلى بصبره، ورضاه بما قَسَمَ الله له، والقوي مبتلى، فهل تحمله قوَّتُه على تجاوزِ حقوق الآخرين؟ فكلاهما مبتلى، لو دققنا لوجدنا أنه ما مِن مخلوق, ذكراً كان أو أنثى, كبيراً كان أو صغيراً، غنياً كان أو فقيراً، إلاّ وهو مُبتلى بقدر ما أعطاه الله عزّ وجل.
قد يكون صاحبُ محل تجاري مُبتلًى، وكذلك الصائغ قد يكون مبتلى، وصاحب المحل عنده قائمة ابتلاء طويلة، هل هذه البضاعة اشتراها بشكل صحيح؟ وهل أعطاها سعراً مناسباً؟ وهل باعها بطريقة شرعية؟ وهل عاملَ هؤلاء الموظفين معاملة صحيحة؟ هل عاملهم بالعدل؟ أمّا الصائغ الذي في هذا المحل فهو مُبتلى، هل كان مخلصاً لسيده؟ هل غشّ الناس؟ هل اختلس شيئاً من البضاعة لنفسه؟ فكل إنسان مبتلى على حجمه، أصحاب الأحجام الكبيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، وأصحاب الأحجام الصغيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، فلذلك هناك عدالة في الابتلاء، كما أنّ هناك تفاوتًا في العطاء، أمّا العدالة في الابتلاء فكل الناس مُبْتَلَوْن، المرأة تُبتلى في بيت زوجها، هل كانت زوجة صالحة؟ هل حفظت زوجها في نفسها؟ هل كانت سبباً لمتاعبه؟ أم كانت سكناً له كما أرادها الله عزّ وجل؟ هل أهملتْ أولادها؟
" أيّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة "
(فيض القدير شرح الجامع الصغير)
هل كانت عوناً للشيطان على زوجها, أم كانت عوناً لزوجها على الشيطان ؟ هل صبرت عليه؟ والزوج يبتلى, يبتلى مع أمه, مع زوجته, مع أولاده, مع جيرانه, مع زبائنه في عمله، مع مَن هم أدنى منه، مع مَن هم أعلى منه, الابتلاء على قَدَمٍ وساقٍ، فما مِن مخلوق على وجهِ الأرض إلا وهو مبتلى, قال الله:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
( سورة هود الآية:7)
الحكمة الإلهية في توزيع التفاوت العلمي والمادي بين الناس:
لولا التفاوت لَمَا كانت الحياة، فلو أنّ الناس جميعاً كانوا في أعلى مستوى فكري، فَمَن الذي يرضى بعملٍ يدويٍّ؟ لو أنّ الناس جميعاً كانوا مَهَرَةً في الأعمال اليدوية, فَمَن الذي يؤلِّفُ الكتب؟ لا بد مِنَ التمايز في كل النواحي، ولو أنّ الناس جميعاً كانوا بقدرات متساوية، فهذه القدرات عندئذٍ لا معنى لها، بل فَقَدَتْ قيمتَها، لو أن الناس كانوا جميعاً بشكلٍ واحد, لَفَقَدَتْ بعضُ الميزات قيمتَها، فهنالك تخطيط إلهي رائع، والكلُّ مبتلًى، وهذه آية أخرى فلنستمع إليها:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 165)
4- العطاء الرباني لإنسان دون إنسان هو ابتلاء وليس تكريم:
هناك آية دقيقة في سورة الفجر هي من صلب موضوعنا، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
هذه المقولة:
﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
هذه عين الخطأ مِن قائلها، أعطاه مالاً وفيراً، أعطاه شأناً، وهو يظنّ هذا إكراماً، مع أنّ هذا في حق الكريم ليس إكراماً، والدليل: كل هذا العطاء ينقطع بالموت, إذاً: ليس إكراماً، وما منّا واحد إلا وقد َقَتَل بعوضة، فإذا قتل المرء منّا بعوضة بماذا يشعر؟ هل يشعر بالذنب؟ هل يشعر أنّه أزهق روحاً؟ هل يشعر أنه اقترف إثماً؟ ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البعوضة حَسَبَ ظنِّه لا شأن لها عند الله إطلاقاً، فنقول له: لا، والدليل عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ "
(أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد في سننه)
جناح بعوضة, ومع ذلك فإنّ الإنسان إذا أعطاه الله شأناً، أو مالاً، أو قوة، أو شيئاً ممّا يَحسُد الناسُ بعضهم بعضاً عليه هذا ليس عطاءً، والدليل: أنه ينقطع بالموت، يأتي الموت فينقطع كلُّ هذا العطاء, وربنا سبحانه سماه ابتلاء قال:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 16)
أما الآخر, فقد يظن هذه إهانة، وحرماناً، وبغضاً، وهذا أيضاً عين الخطأ، فعين الخطأ أن تظنَّ أنَّ منحَ المال إكرام، وأنّ الحرمانَ منه إهانةٌ، لكن الصواب, قال تعالى:
﴿ كلا ﴾
( سورة الفجر الآية: 17)
حرف ردع، أيْ ليس عطائي إكراماً، ولا مَنْعِي حرماناً، إنّ عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عزّ وجل الإنسان مالاً فهذا ابتلاء.
متى يسمى منح المال إكراماً من الله ؟
فمتّى يُسَمَّى منحُ المال إكراماً؟ إذا أعطاه الله مالاً مبتلياً إياه به، فأنفقه في طاعة الله، وبعد أن ينفق المال في طاعة الله ينقلب هذا الابتلاء إلى إكرام، أكرمني اللهُ بهذا المال، حيث وفَّقَني إلى إنفاقه في طاعة الله, حينما يقترن الإنسان بامرأة، هذا ابتلاء، فإذا وُفِّقَ إلى الأخذ بيدها إلى الله ورسوله، وعلّمها أمرَ دينها، وحثّها على الصلاة، وجعلها مصونة، عفيفة، وجعلها مثلاً أعلى لنساء المؤمنين، الآن هذه الزوجة نعمةٌ من الله عزّ وجل، لماذا؟ لأن هذا المال الذي أنفقتَه في طاعة الله، وهذه الزوجة التي دللتَها على الله سيكونان نوراً لك في قبرك.
هذا العطاء أصبح مستمراً، ولم يَعُدْ مقطوعاً، لو أنك استمتعت بالزوجة فقط مِن دون أن تَدلَّها على الله، عند الموت تبتعد عنها، وتبتعد عنك، لكنك إذا دللتها على الله, فهذه الزوجة بهدايتها نورٌ لك في قبرك، ويستمر ثواب هذا العمل, فكلُّ عملٍ صالح يستمر أثرُه بعد الموت،قال الله:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 16)
حينما ينكشف الغطاء يذوب الإنسان خجلاً من الله عزّ وجل، لأن الذي أعطاه إياه هو اللهُ عزّ وجل، وهو عين الحكمة، لذلك قال الإمام الغزالي: ((ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني)).
5- الأجر يكون على قدر الابتلاء:
آية دقيقة في هذا الموضوع، قال تعالى:
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 4)
لمّا يُنهِي الله عزّ و جل جيشاً محارباً، ويقضي عليه، وينهيه بمرض الطاعون، أو ينهيه بزلزال أو ببركان، فهذا انتصارٌ مِن الله مباشرٌ، ليس للإنسان دخل فيه، فلا أجر له فيه، أما عندما يكون المؤمنون مثلاً في بدر، فالله عزّ وجل كان بالإمكان أن يصيح بالكفار صيحة واحدة، فإذا هم جميعاً خامدون، هذا شيء من قدرة الله عزّ وجل، لكنَّ هؤلاء المسلمين عندئذٍ لا أجر لهم، الابتلاء تعطل، لكن الله سمح للكفار أن يحاربوا المؤمنين، وحثّهم على مجاهدتهم فانتصروا، واللهُ سبحانه وتعالى جعل هذا النصر على أيديهم، مِن أجل أنْ يرفع شأنهم، ويُكسبهم الأجر، لذلك إذا أراد اللهُ إظهارَ فضلِه عليك خَلَقَ الفضلَ، ونَسَبَه إليك, قال الله:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾
( سورة محمد الآية: 4)
الله عزّ وجل يمكنُه أن يريحك من مشكلة, ويمكن أن يجعلك تعيش بمكان لا خصوم لك فيه أبداً, لكن ليس لك أجر, الخصوم موجودون، والمعارضة موجودة، وهناك مَن ينتقم، وهناك مَن يشكِّكُ، هناك مَن يفتري، هناك من يشوّه السُّمعةَ، هذا كله مِن أجل أن ترقى عند الله عزّ وجل، أن تصبر، وأن تجاهد، وأن تقدِّم كلَّ ما تملك مِن أجل هذه الدعوة, فالله عزّ وجل كان مِنَ الممكن أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام, وأصحابه الكرام لا أعداء له، ولا لأصحابه، هؤلاء صناديد الكفر، كان من الممكن أن يخلقهم اللهُ في زمنٍ آخر، لكن خُلِقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مِن أجل أن يظهر صدقُ النبي، وأن يصبر, قال الله:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 127)
ائتمروا على قتله، وائتمروا حتى أخرجوه من مكة، وقاوموا أصحابه، وأخرجوهم من ديارهم، وحرموهم حقوقهم، وقاطعوهم، وحاربوهم، وهم صابرون, فالإنسان المؤمن لا ينزعج إذا كان له خصم، ومما يُروى في هذا السياق أن سيدنا موسى في المناجاة قال لله تعالى:
" يا رب لا تبْقِ لي عدواً، فقال: يا موسى هذه ليست لي"
( حديث قدسي)
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112)
هذا ابتلاء، والإنسان من دون معارضة، من دون تشكيك، من دون تزوير، من دون افتراء, ليس له أجر، لكن إذا كان ثابتاً على الحق, لا يُغيّر، ولا يُبدّل، بل يصبر، ويوضح، ويُبَيِّن، ويبذل محاولات لترسيخ الحق, فله أجر كبير عند الله عزّ وجل، فهذه الآية دقيقة جداً, إذا هَيَّأ الله عزّ وجل لأحد الناس عملاً طيبًا، أوجد له خصوماً أو معارضين ليزيدوا أجره، كان من الممكن أن يمنعهم عنه، لكن لم يَعُدْ له هناك أجر، والدليل سيرةُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام, كم تحمَّل من المعارضات؟ ذهب إلى الطائف، استقبله أهل الطائف شر استقبال، وسفَّهوا دينه, وعابوا عليه دعوته, وأغروا صبيانهم به, وهو صابر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)
لا يعرف وعورة الطريق من مكة إلى الطائف، وصعوبة السير فيها إلا من زار هذه الأمكنة، شيء مثل الخيال، إنسان يمشي في البلاد الحارة، والأرض الوعرة، والكفار يعارضونه، ويرمونه بالحجارة، ويُدْمُون قَدَمَيه، هذا هو الأجر.
6- ينبغي على المسلم إذا وقع في المحن أن يرضى بالقدر ولا يسخط:
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أَخْبَارَكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 31)
قد يكون الواحد منا أحيانا في ضائقة مالية، وأحياناً يأتيه مرض، فبماذا سيتكلّم يا ترى؟ إن قال: يا رب, ماذا فعلتُ لك؟ سقط في الامتحان ورَسَبَ، أما المؤمن فهو صابر، يا رب, لك الحمد على كل حال، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"
(أخرجه ابن ماجه عن عائشة )
وعَنْ صُهَيْبٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "
(أخرجه مسلم وأحمد والدارمي عن صهيب)
قال الشاعر:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله وإن فتنوا في حبهم كبدي باقٍ على ودّهم راضٍ لما فعلـوا
هذا معنى قول رابعة العدوية:
فليتك تحلو و الحياة مريـرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـراب
إذا كان القلب عامراً بذكر الله، وشعرت أن الله راضٍ عنك، فلو أن أهل الأرض جميعاً غضبوا عليك لا تبالي، الأصل أنه راضٍ عنك، مَن بيده كل شيء، منَ إليه المصير، مَن بيده ملكوت السموات والأرض، مَن بيده حياتك، مَن بيده مماتك، مَن بيده رزقك، مَن بيده سعادتك، مَن بيده شقاؤك، هذا هو الأصل, أن اللهَ راضٍ عنك، وانتهى الأمر, لذلك فإنّ أعلى مرتبة في الأرض أنْ يرضى الله عنك, قال الله:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الفتح الآية: 18)
هذا هو الكلام الفصل، هؤلاء الذين أرضوا ربهم هم ملوك الدار الآخرة.
كل ما يملكه الإنسان من نعم أو حرمان ابتلاء من الله ودليل ذلك الكتاب والسنة:
قد يتوَهّم بعضُ الناس، أنّ الابتلاء فقط بالمرض، لا، فالإنسان يُبتلى بالصحة أيضاً، يُبتلى بالغنى، قال ربنا عزّ وجل:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 168)
إذا كان الإنسانُ في بحبوحة، والصحة طيبة، بيته منظم، أولاده أمامه، هذا الوضعُ نفسه ابتلاء، هل تذهب إلى مجلس العلم, أم تؤثر أن تبقى في البيت مستلقِيًا، وأولادك أمامك؟ هذا ابتلاء, معك مال، هل تُؤْثِر أن تنفق هذا المال في نزهة ممتعة، أم تساعد هذا الأخ الفقير على إجراء هذه العملية الجراحية لابنه؟ فالابتلاء بالحسنات والسيئات, قال الله:
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 168)
وقال تعالى في شأن المؤمنين:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 155)
نقص الثمرات, يعني أنّ الكمية قد قلّت فيرتفع السعر حتمًا، والأنفس، قد يموت ابن غال على أبيه، ماذا يفعل؟ هناك إنسان يصاب بالجنون، وهناك إنسان يصبر، فالذي لا يصبر لم يعرف الله عزّ وجل, وانظرْ إلى القدوة في مثل هذه المصائب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
" دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس بن مالك)
لأنه عليه الصلاة والسلام بشرٌ, وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
" كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ قَالَتْ الْجَارِيَةُ دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة"
(أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح)
إذا حَزِن الإنسان على موت ابنه من دون اعتراض, فلا مانع, هذا طبيعة البشر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "
( ورد في الأثر)
كيف اتفق أنْ انكسفت الشمس يوم وفاة سيدنا إبراهيم، فظنّ أصحاب سيدنا رسول الله أن الشمس كُسفت لموت سيدنا إبراهيم؟ فماذا فعَل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:
" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي بكرة)
انظر إلى الواقعية، وإلى الموضوعية، وإلى الفكر العلمي، هذه آية كونية, لا علاقة لها بموت مخلوق من خَلْقِ الله، لو كان الواحد يريد سمعة، أو يريد مكانة, لقال: هذه كرامة لي, فكلما كان الإنسان مع الحقيقة كان أعلى في نظر الله عزّ وجل.
قال تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
(سورة الكهف الآية: 7)
أيضاً زخارف الدنيا، أيام زاهية، وأماكن خلاّبة، وبيوت جميلة، ومنتجعات، ومزارع، ومركبات فخمة، وطائرات خاصة، هذه المتع لا قيمة لها عند الله، والدليل: يأتي الموت فينهيها.
لا زلنا في موضوع الابتلاء، وعلّة وجودنا على هذه الأرض, أننا مبتلون.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (3)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما هي السنن أو القوانين الإلهية في القرآن الكريم؟
1- قانون الجزاء الرباني:
أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع كبير، أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، وقد ذكَرنا كمقدمة لهذا الموضوع كيف أن الإنسان قبل حَمَل الأمانة ليصل بها إلى أعلى درجة من درجات السعادة الأبدية، وأنه بحملِ الأمانة لابد أن يُبتلى، وأنّ الابتلاء ثمن الجنة؟ واليوم فإلى بعض السنن الثابتة التي سنّها الله عزّ وجل في القرآن الكريم، تأتي كلمة السنّة بالمعنى الحديث: القانون، والقانون بالتعريف الدقيق: هو العلاقة الثابتة بين شيئين، فإذا تحدثنا عن السنن المطّرِدة أو المطّرَدة " كلاهما صحيح " التي سنّها الله عزّ وجل فمِنْ قَبِيل الحديث عن القوانين الثابتة التي قنَّنها الله عزّ وجل، قال تعالى:
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾
( سورة فاطر الآية: 43)
من هذه السنن الثابتة، أو من هذه القوانين الثابتة قانون الجزاء الرباني، هناك جزاء، فاعمل ما شئتَ، فكل شيء له ثمن, الإحسان له جزاء، والإساءة لها جزاء، وبرّ الوالدين له جزاء، وعقوقهما له جزاء، والرحمة بالزوجة لها جزاء، والقسوة عليها لها جزاء، والصدق مع الناس له جزاء، وخيانتهم له جزاء, أيُّ عمـلٍ فكري، أو قلبي، أو كلامي، أو فعلي، صغيرٍ أو كبير، فردي أو جماعي، خاص أو عام، معروف أو مجهول، ظاهر أو خفي، أيّ عمل يفعله الإنسان لا بد أنْ يلقى جزاءه، متى؟ بعد قليل، مبدئياً في الدنيا، ثم في الآخرة, لذلك مِنَ الغباء والسذاجة والحمق أنْ تظنَّ، أو أن تتَوَهَّم أنَّ الرجل إذا فعل السيئات سينجو من عقاب رب الأرض والسموات، اعمل ما شئت، فإنّ لكل حسنة ثواباً، وإنّ لكل سيئة عقاباً، والديّان موجود، والبرّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان.
الابتلاء يستتبع الجزاء:
فالابتلاء يستتبع الجزاء، فما معنى أنْ تجري الجامعة امتحاناً، وتنفق عليه مئات الألوف، وتجمع من أجله مئات المراقبين، وتجهد نفسها في طبع الأسئلة، وفي اختيارها، حيث تغطي المنهاج كله، وأن تجمع الطلاب شهراً أو شهرين في قاعات لساعات عديدة يكتبون، لو أنّ هذه الجامعة جمعت هذه الأوراق، وأحرقتها، وانتهى الأمر, هل يُعقل أن تفعل جامعة ذلك ؟ فما دام هناك امتحان فلا بد من نجاحٍ أو رسوب، ولا بد مع النجاح مِن ارتقاء إلى صفٍ أعلى، ولا بد مع الرسوب مِن تضييعِ عام بأكمله، ولا بد مع النجاح في الصف الأخير من تعيين في وظيفة مرموقة، أيُعقل أن يكون الابتلاء بلا جزاء؟ فكل عمل له جزاء، فهنيئاً لمَن عرف ربه، وعرف الواحد الديان، وتعامل معه، فأخلص له، وأحسن لعباده، وحينما تخاف الله عزّ وجل، ولاَ تَغش مسلماً, أيٌعقل أن يأتي رجل ليبثّ في قلبك الرعب؟ لا، إن خفتَ اللهَ فلن يخيفك أحد، وإن لم تخفه فسوف تخاف من أحقر الناس، وسوف ترتعد فرائصك من أتفه الناس، إما أن تخافه، وإما أن تخاف من عبدٍ لا يخافه.
هذا الابتلاء لن يكون إذا كان أمام الإنسان طريق واحدة, فكيف نمتحن الإنسان؟ وكيف نبتليه إذا كان أمامه طريق واحدة؟ لا بد من طريقين، لذلك كان طريق الخير والشر، وطريق الحق والباطل، وطريق الإحسان والإساءة، وطريق الإخلاص والخيانة، وطريق الصدق والكذب، وطريق الشهوة والعقل، وطريق المبدأ والمصلحة، وطريق القيم والحاجات، لأن ثمة ابتلاء، ومن لوازم الابتلاء تعدُّد الطرق، الاختيار ماذا يتبعه؟ لو أننا خيرنا إنساناً، وقلنا له: أعطيناك حرية الاختيار، لكن ليس أمامك إلا هذا الطريق ذو الاتجاه الإجباري، فأين الاختيار ؟ إذاً: ليس هناك اختيار، أما إذا كان هناك طريقان, فلك حينئذٍ أن تختار أحدهما, وهذا الابتلاء الذي لا بد له مِن طرق عديدة كي يتحقق وجوده, لا بد أنْ يتبعه جزاء محقق, وربنا عزّ وجل في آية محكمة واضحة يقول:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 51)
هذه لام التعليل، بل هي لام العلة, علّة خَلْقِنا، وعلّة خَلْقِنا مرة ثانية، وعلّة الدنيا والآخرة أنّ الله عزّ وجل قال:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 51)
2- قانون الجزاء أثر من آثار العدل:
الحقيقـة أنّ من أسماء الله الحق، وقد يقول أحدنا: الحقُ اسم من أسماء الله، ولا يتحقق الحقُّ إلا بالعدل، بل إنّ الجزاءَ أثرٌ من آثار العدل، الذي هو وجه مِن وجوه الحق، فالحق يقتضي العدل، ومِن العدل ألاّ يكون المسلم كالمجرم، قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36)
هذا استفهـام إنكاري، أيْ: أيٌعقل أن يكون هذا المسلم المستقيم الورِع, الطاهر العفيف, النقي البريء, العفو الرحيم, أَيُعقل أن يكون هذا المسلم كالمجرم في معاملته؟ إن كان كذلك, فأين اسم الله العدل، فأين اسم الله الحق؟ تحقيقاً للحق، وتحقيقاً للعدل, لا يمكن أن يكون المسلم كالمجرم, وهذا قانون الجزاء أثر من آثار العدل.
أدلة الكتاب والسنة على عدل الله في معاملته مع المؤمن والكافر:
في سورة القلم:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36)
ما الذي يحمل الناس على المعصية؟ توهّم وضلال, مِن أن الكافر إذا حصّل مالاً وفيراً من طرق غير مشروعة فهو ذكي, وهو حصيف, وقد تمتع بالدنيا كما يشتهي، وينسى هذا الكافر, أن الله عزّ وجل لن يعامله كما يعامل المسلم.
آية أخرى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة غافر الآية: 58-59)
الأعمى لا يستوي مع البصير, قال تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
( سورة فاطر الآية: 19-22)
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21)
محياهم في الدنيا، وإنّ حياة المؤمن بدءاً من صحته، مروراً بزواجه، وانتهاءً بأولاده، مع عمله، مع مكانته، مع سمعته، مع راحة باله، مع استقراره، مع طيب نفسه، مع سعادته، هذا المؤمن لن يكون كالذي يجترح السيئات، وما يكتنف اجتراح السيئات مِن قلقٍ وضيق، وضجر، وخوف، وشعور بالقهر، وخنوع، ومصائب تعتري هذا الفاسق مصيبة في ماله، في ولده، في صحته، في حريته، هذا كله بيَّنه الله عزّ وجل.
آية أخرى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص الآية: 61)
فإذا كان الله خالق السموات والأرض قد تفضّل، ووعد عباده المؤمنين وعداً حسناً، وعدهم بسعادة أبدية، وعدهم بجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, وعدهم بحياة أبدية لا تعب فيها، ولا نصب، ولا قلق، ولا ضيق، ولا فقر، ولا مرض، إذا كان الله عزّ وجل تفضّل، ووعدنا بهذا الوعد فوعْدُه حق, قال الله:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية:61)
وقال سبحانه:
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
( سورة الحشر الآية: 20)
آيات كثيرة، وفي مواضع كثيرة جداً مِن القرآن، في أكثر مِن مئة موضع في كتاب الله يُجرِي اللهُ ًموازنة بين أهل الإيمان، وحياتهم في الدنيا، ومنقلبهم في الآخرة، وبين أهل الكفر والعصيان، وكيف أن حياتهم سلسلة مِن المتاعب، والمصائب، وخيبة الأمل.
ومِن الأحاديث القدسية, ما ثبتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُـهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
( حديث قدسي)
هذا هو القانون الثاني, الجزاء أثر من آثار العدل.
3- قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل:
قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل، وهو أن الإنسان إذا استقام على أمر الله، وفَعَل الصالحات يتفضل الله عليه بالجنة، لكن الجنة ليست لازمةً لاستقامته، وعمله الصالح، وإنّ استقامته، وعمله الصالح, لا يستدعيان ذاتياً دخول الجنة, وقياسُ هذا بذلك الطالب الذي يَعِده أبوه بشراء دراجة ثمينة إذا نجح، فنجاح الطالب فقط لا يستلزم ذاتياً اقتناء الدراجة، لو أنّ الطالب توجَّه إلى بائع الدراجات، وأعطاه الجلاء, هل يعطيه دراجة؟ لا بد مِن دفع الثمن، الجلاء الذي ينبئ أن هذا الطالب قد نجح نجاحاً متفوقاً, لا يعني أنه يستحق بالضرورة دراجة، إلا أن الأب قد تفضل بهذا الوعد وأنجزه، فالمكافأة على النجاح مكافأة من باب الفضل المحض، وليست من باب الحق.
لو أنّ طالباً ليس له أب، وحقّق نجاحاً متفوقاً، لم يشتَرِ له أحد دراجة، فالنجاح وحده لا يستدعي اقتناء الدراجة، فلذلك الجنة ندخلها برحمة الله، ونقتسمها بأعمالنا، هناك مَن ضلّ فيها، وهناك مَن قال: الجنة برحمة الله، لا بالعمل، فَتَرَك العمل، فحُرِم مِن الجنة، الجنة برحمة الله، ومعنى برحمة الله: أنك إذا أمضيتَ كل حياتك في استقامة، وعبادة، وصلاة، وصيام، وحج، وزكاة، وورع، وإحسان، وتضحية، وإيثار، وجهاد، هل هذه الأعمال كلها تمكنك ذاتياً من دخول الجنة؟ لا، الجنة مِن فضلِ الله عزّ وجل، فالعطاء الإلهي فضلٌ، لكن العقاب الإلهي عدلٌ، وشتان بين الفكرتين.
الجنة محض فضل وليس استحقاق دليل ذلك الكتاب والسنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))
(متفق عليه, أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
هذا شيءٌ طيب, إلا أن آيات كثيرة, تقول: دخول الجنة بما كنتم تعملون, قال الله:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 32-33)
ويقول تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
التوفيق بين الآيات، وبين الحديث, يحتاج إلى دقة بالغة، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً استحق فَضْلَ الله بعمله الصالح، فإذا فعل ذلك استحقَّ الفضل الإلهي، أمّا أن تكون الجنة حتماً لازماً له، يطالب بها فهذا غير صحيح، وليس له أن يطالب بالجنة، ولكن الله عزّ وجل وعُده حقٌّ، وقد وَعَدَ المؤمنين بالجنة, فعبادة المخلوق، وطاعته لله عزّ وجل حقٌّ واجب عليه، لأنه مسبوق بنعم الله الكثيرة، التي تستوجب الشكر، ولو أن المخلوق ظل حياته كلها بأعلى مرتبة من مراتب العبادة، والطاعة، والاستقامة, لكان ذلك منه تأدية لبعض ما يجب عليه نحو ربه, مِن شكر على هذه النعم.
يُستخلص من هذا: أن الجزاء بالمثوبة على ما نفعل من خير إنما هو فضلٌ مِن الله، نستحقه لكريمِ وعْدِه، وليس لنا فيه حق ذاتي.
جهنم حق وكل من يدخلها يستوجب العقاب والاستحقاق دليل ذلك الكتاب:
الحقيقة الثانية على خلاف هذه الحقيقة، لمّا كان الإيمان بالله, وطاعته حقاً واجباً على المكلَّفين, كان الجحود والعصيان مستوجباً الجزاء بالعقوبة ضمن قانون العدل الإلهي, إذا سرق شخص مالَ الآخرين، هنا يجب العقابُ عليه، تحقيقاً للعدل الإلهي، هذا الذي طلّق زوجته مِن دون سبب مبرِّر، فشردت عن نهج الله عزّ وجل، كان هو السببَ، وهذا الذي أساء إلى جيرانه فاعتدى عليهم، وعلى أموالهم من دون سبب مبرِّر، كان هذا عدواناً يستحق الجزاء بحسب قانون العدل الإلهي، فالجنة ندخلها تفضلاً، وأهل النار يدخلون النار استحقاقاً وعقاباً، لوجود حقوق، وأولُ هذه الحقوق: حقُّ الله عزّ وجل، وحقُّ الأنبياء، وحقُّ العباد، وحقّ الذين تعاملتَ معهم، فجهنم بالعدل، ومما يؤكِّد هذه الحقيقة, قولُه تعالى:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾
( سورة النجم الآية:31)
آية أُخرى توضِّح هذه الحقيقة، وهي قوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾
( سورة النساء الآية:79)
السيئة تصيبك استحقاقاً.
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى, نتابع الحديث عن هذه القوانين التي قنّنها الله عزّ وجل، أو عن هذه السنن الني سنّها الله عزّ وجل، وننتقل بعد ذلك إلى صلب الإيمان باليوم الآخر.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (4)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. توضيح فكرة من الدرس الماضي لم تصل إلى بعض العقول بشكلها الصحيح:
تحدثنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر عن بعض القوانين أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى، وقلنا: إن بعض هذه القوانين أساسها الجزاء، فقانون الجزاء أقرّه الله عزّ وجل في تعامله مع العباد، وقانون الجزاءِ أثرٌ مِن آثار العدل الإلهي، وتحدثنا عن الجزاء الرّباني بين الفضل والعدل، وقلنا: إنّ دخول الجنة فضلٌ مِن الله عزّ وجل، وإنّ دخول الإنسان إلى النار بمحض العدلِ الإلهي.
أخ كريم طلب مني توضيحَ هذه الفكرة مرة ثانية، فما معنى أن الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل، وأنّ النارَ محضُ عدل؟ لماذا الجنة بالفضل, والنار بالعدل؟ أحياناً قد يكون بين شيئين علاقة علمية, أي علاقة سبب بنتيجة, فالإنسان إذا وضع إصبعه على المدفأة تحترق، وهي مشتعلة، فوضعُ الإصبع على المدفأة سببٌ لاحتراق الإصبع، فالعلاقة بين وضعِ اليد على المدفأة, واحتراقِها علاقةُ سبب بنتيجة, لكن أحياناً نكافئ إنساناً على نجاحه، هذه المكافأة ليست العلاقة بينها، وبين النجاح علاقة علمية، بمعنى أنّ العلاقة لازمة، وهي نتيجة حتمية، لا، فالأب تدَخَّل ووَعَدَ ابنَه إذا نجح أن يكافئه بهذه الدراجة، فهل هناك علاقة علمية، أو علاقة حتمية بين النجاح وبين اقتناء الدراجة؟ هناك علاقة تشجيعية، علاقة ثواب، علاقة جزاء، فلو أن الأب امتنع عن شراء الدراجة, هل بإمكان الطالب الناجح أن يقتني الدراجة؟ هل جلاؤه يكفي لاقتناء دراجة؟ فهذه الدراجة محضُ فضلٍ مِن الأب، لكن الأب جعل هذه الدراجة مكافأة على الاجتهاد، وجعل ثمنها الاجتهاد، فالاجتهاد ثمن، وليس سبباً، ليس الاجتهاد سبباً لنيل الدراجة، بل إنه ثمنٌ دفع من أجل نيل الفضل، فالجنة فضل إلهيٌّ مِن قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، وهذه الجنة جعل اللهُ ثمَنَها العمل، فإذا قرأت آية قرآنية تقول:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
الآية حق، لأن هذه الجنة التي هي محضُ ٍفضل, جعل ثمنها العمل الصالح في الدنيا، لكن لو تخيّلنا أن إنساناً عمل عملاً صالحاً, هل له حقٌّ كحق الشريك مع شريكه؟ فهو مشارك معه برأس مال، والجهد مشترك، يقول الشريك: أين الحساب؟ أين الأرباح؟ يا ترى هل للعبد الذي عمل الصالحات في الدنيا حقٌّ عند الله في دخول الجنة كحقِّ الشريك مع شريكه في الأرباح؟ لا, الجنة للذي عمل الصالحات محضُ فضلٍ، وليست نتيجة حتمية، ولو أنّ الله عزّ وجل قال: ليس هناك جنة، وهؤلاء الذين استقاموا على أمره في الدنيا، وعملوا الصالحات قال لهم: ليس لهم عند الله شيء؟ وليس لهم حق؟ لم يكن ذلك معقولاً، لكن الله عزّ وجل تفضَّلَ، ووعدَ المؤمنين بالجنة وعد فضل، وليس وعد حق, لكن هذا الوعد مقنن، وليس وعداً اعتباطياً, ولا مزاجياً، وهذه الجنة جعلت للاستقامة، والعمل الصالح سبباً لها.
كيف فسر العلماء ظاهر الحديث مع مضمون الآية ؟
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
فالجنة برحمة الله، والإمام جعفر الصادق رضي الله عنه, قال فيما معناه: " ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم " درجات الجنة يحتلها المؤمنون بحسب أعمالهم، فدخول الجنة بفضل الله، والثمنُ هو العمل الصالح، وأنت تنال فضل الله عز وجل بالعمل الصالح، لكن هذا الذي أساء في الدنيا, واعتدى على أعراض الناس، أو اعتدى على أموالهم، أو اعتدى على حرماتهم، أو اعتدى على دمائهم، يدخل النار بمحض العدل، لأن هذا الذي اعتدى عليه له حق عنده، تأتي النار لتكون عدلاً مِن الله عزّ وجل، أو تحقيقاً لاسم الحق.
هذا الموضوع تحدثنا عنه في الدرس الماضي، وأردت أن أوضحه مرة ثانية، قال تعالى:
﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
الحديث الشريف الذي سردتُه قبل قليل, يبدو في ظاهره متناقضاً مع الآية,
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
وهذا يعني أنّ العمل وحده غير كاف، بل لابد مِن تدخل الفضل الإلهي، والنجاح وحده غير كافٍ، بل لا بد أنْ يأتي الأبُ ليدفع الثمنَ،
" قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
بعضهم وَفّق بين هذا الحديث الصحيح, وبين الآيات الكثيرة, بالمَثَل التالي: لو أن رجلاً وقوراً ميسورَ الحال له أخٌ توفي، وكان أخوه فقيراً، وترك ابناً نشيطاً، فطناً، واضطر هذا الابن لتأمين قوت أخوته الصغار، فقال له عمه: يا ابن أخي، إنْ كنتَ راغباً في الدراسة, فأنا أنفقُ عليك إلى آخر سنة في دراستك، فَقَبِل هذا الابن، فواصل دراسته إلى أن أخذ الشهادة الثانوية، ثم أخذ الإجازة، ثم نال الدكتوراه في الطب، ثم اختص في دولة أجنبية، ثم عاد إلى بلده، وقد ذاع صيته، وتألّق نجمه، واتّسع دخله، وعاش حياته في بحبوحة كبيرة، ومرة مِن المرات كان هذا العم مع ابن أخيه في جلسة, فقال ابن أخيه: واللهِ يا عمّ، لولا فضلك لما كنتُ بهذا المكان، فقال العم: لولا عملك لما كنتَ بهذا المكان, كلاهما صحيح، فلو أنّ هذا الشاب الذكي لم يُتَحْ له أحد ينفق عليه, فماذا يفعل بذكائه, لا بد من أن يعمل, كي يطعم أخوته, ولو أن هذا العم رأى في ابن أخيه بلادة، وتسيباً، وإهمالاً، لما أنفق عليه، فهذا الفضلُ الذي أعطاه العم لابن أخيه كان بسبب اجتهاد ابن أخيه.
vهذا المثل تقريباً, يوضّح العلاقة التي تبدو في ظاهرها تناقضاً بين الحديث, وبين قوله تعالى:
﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
فأصبحت الجنة فضلاً, ثمنُه العملُ الصالح, والعمل الصالح لا يكفي وحده لدخول الجنة، إلا أن يسمح الله به، وهذا التوضيح يؤكِّد التوفيق بين الحديث الصحيح الذي يؤكِّد أن الجنة بفضل الله عزّ وجل، وبين الآيات التي تؤكِّد أن الجنة بالعمل.
بيان هذه الحقيقة وتأكيدها في سورة النساء:
ومما يؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً, قولُ الله تعالى في سورة النساء:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
(سورة النساء الآية: 79)
الذي أَوْجَدَكَ، وأعطاك هذه الأجهزة التي تعمل بانتظام، وأعطاك ذكاء تكسب به رزقك، وخَلَق لك من نفسك زوجة, وأنجبتَ منها أولادًا، وأعطاك مالاً فاشتريت به بيتاً فيه غرف عدة، هنا تنام، وهنا تجلس، وهنا تستقبل الضيوف، وهنا تأكل، كل هذا مِن فضل الله عزّ وجل، فربنا عزّ وجل قال:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
لو توقفتْ إحدى الكليتين عن العمل, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو تشمّع الكبد, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو ضاق التنفس, لانقلبت الحياة جحيماً، وكلمة (لو) في الجسم تنطبق على مليون حالة, العجـب العجاب في الإنسان كيف تعمل هذه الأجهزة كلها بانتظام؟ وقفتُ مرة أمام مكتبة، فوجدت كتاباً يزيد عن ألف صفحة، عنوانه أمراض الدم، في الدم فقط، وللدم أمراض، نسب المعادن، نسب المواد الدسمة، نسب السكريات، الشوارد، أشباه المعادن، إنه عالَم قائم بذاته، البلازما، المصل، الكريات البيضاء والحمراء، إنه عالم قائم بذاته.
العالَم كله يرتعد فرائصُه من مرض اسمه اﻹيدز، فما هو الإيدز: إنه انحلال المناعة، فهذا الجيش المجهز بالأسلحة الفتاكة، الذي يملك استطلاعاً ممتازاً لتقصّي الأخبار، ومخابر لتصنيع الأسلحة المضادة، وقوات مهاجمة، هذه الكريات البيضاء جهاز المناعة في الإنسان, ثلاثة أنواع: نوع كريات استطلاعية، تستكشف طبيعة الجرثوم، وطبيعة سيمته، وكريات مخبرية، تُصنّع من هذا الاستطلاع مضاداً حيوياً لقتل هذا الجرثوم، ثم يأتي صنف آخر يحمل هذه الأسلحة الفتاكة، ويتوجّه إلى الجرثوم، ويحاصره إلى أن يقضي عليه، فإذا وجد أحدنا بيده بقعة بيضاء سببت له ألماً، فهذه نتيجة معركة كبيرة جداً طاحنة بين الكريات البيضاء وبين الجرثوم الدخيل، وإنّ انحلال المناعة مرض خطير، بل يُعدّ الآن في العالَم العدوَّ الأولَ.
العين تعمل بانتظام، بالشبكية (130) مليون مخروط وعصية، أمّا الأذن ففيها مركز التوازن، وهي عبارة عن ثلاث قنوات فيها سائل، على جدرانها شعيرات، عندما يميل الإنسان فإن السائل الذي كان مستوياً يرتفع في جنب على حساب جنب، فتتنبه الشعيرات فتجري تعديلاً، في جسمك: الأذن، والأنف، والحنجرة، واللسان، واللعاب، والمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والأمعاء الغليظة، والكبد، والبنكرياس، والطحال، والصفراء، والعقد اللمفاوية، والقلب، والرئتان، والدماغ، والشرايين، والأوردة، فنحن في عالَم كبير, قال الله:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
هذه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
بمحض العدل، والحسنة بمحض الفضل.
الأدلة من السنة على بحث الفضل والعدل:
الحديث الصحيح, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)
حديث آخر، قال قتادة في تفسير قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير, قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم, كان يقول:
" لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر "
(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
" يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ "
(أخرجه مسلم عن أبي ذر في الصحيح)
" فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ " بمحض الفضل, " وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " بمحض العدل.
الخير والشر من الله لكن مناط التكليف على العزم والقصد بما اتجه إليه الإنسان:
لكن في آية أخرى من سورة النساء أيضاً, يقول تعالى:
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾
( سورة النساء الآية: 78 )
هنا دخل المناط، يعني هذه التي أمامي طاولة، إن سألتني عنها أقلْ لك: إنها طاولة، وإن سألتني عن شكلها الهندسي, أقلْ لك: إنه مستطيل، وإن سألتني عن قوامها, أقلْ لك: مِن خشب وحديد, هل هناك تناقض؟ لا، فلو أنها كلها خشب, لقلت لك: إنها طاولة، وهذا مستطيل، وهذا خشب، ليس هناك تناقض, إنّ العمل إذا عرّفته من زاوية الذي خَلَقَه فالخير من الله عزّ وجل، والشر من الله، ولا يقع شيءٌ في الأرض إلا بأمر من الله عزّ وجل، ولو نظرت إلى العمل من زاوية سببِه وكسْبِه, فالخير من الله، والشرّ من الإنسان.
أقول: مدير الجامعة فصل هذا الطالب، فالذي أصدر قراراً بالفصل, هو مدير الجامعة، هذا الفعل فعله، ثم أسأل: لماذا فُصِلَ هذا الطالبُ؟ لأنه ارتكب مخالفة تستدعي الفصل، فإنْ قلتَ: إن هذا الفصل, كان بسببِ خطأ ارتكبه الطالب, كان كلامنا صحيحًا، وإنْ قلت: إن هذا الفصل تمّ بأمر مدير الجامعة أيضاً هذا صحيح, فالرؤية الأُولى مِن زاوية الفعل، والثانية من زاوية الكسب، فالشر من أنفسنا كسباً، ومِن الله فعلاً، لما يمسك الطبيب المشرط فإذا كان المريضُ ابنَه تجده كلّه رحمة، ويفتح البطن، وتنفر الدماء، ويشدُّ الجلد، ويذبح العضلات، إلى أن يصل إلى الزائدة الدودية فيستأصلها، هذا مِن فعْلِ مَن؟ إنه مِن فعلِ الأب بسبب التهاب الزائدة، بسبب أخطاء ارتكبها الابن، وهناك أخطاء كثيرة بالمطعومات تسبب التهاب الزائدة، فأخطاء الابن بتناول المطعومات سبَّبَتْ التهاب الزائدة، أما الذي فتح البطن فهو الأب، وهذا معنى الركن الخامس من أركان الإيمان, والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
العفو الإلهي عن المذنب التائب يدخل في بحث الفضل:
ملاحظة ثانية متعلقة بموضوع الفضل والعدل، الخير فضل، والشر عدل، أحياناً يكون الفضل في العفو عن الشر, كرجلٍ له جاهلية جهلاء، وله معاصٍ كثيرة، وله عدوان، وله كسب مالٍ حرام، وله من المعاصي ما لا يحصى، ثم تاب إلى الله، وقال: يا رب، لقد تبت، فيقول الله عزّ وجل: وأنا قد قبلت، فيأتي فضل الله ليمحُوَ عنه كل هذه الذنوب, عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ, قَالَ:
" يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلا أُبَالِي "
(أخرجه أحمد عن أبي ذر في مسنده)
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(سورة الزُمر الآية: 53)
" إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، والملائكةَ، وبقاعَ الأرض كلها خطاياه وذنوبَه "
(فيض القدير، شرح الجامع الصغير)
وفي الأثر:
" إذا قال العبد: يا رب، وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال: يا رب لبيك، وهو ساجد أجابه الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب، وهو عاصٍ قال الله عزّ وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك "
( ورد في الأثر )
هذه يعرفها الأب أحيانا، إذا كان عنده ثلاثة أولاد, اثنان منهم متفوقان ومهذبان، والثالث سيء، عاق، شقي، بعيد، فإذا شعر الأب مِن هذا الابن الثالث البعيد بادرة عودة، بادرة توبة، بادرة صلاح، بادرة إقبال، فإنك تجد الأب قد هش له وبش، وأكرمه إكراماً مفاجئاً، يزيد عن إكرام أخوانه، لأنه حدثتْ محاولة وعملية إنقاذ, فالفضل الإلهي في الخير، وفي العفو عن الشر، أمّا إذا أصرّ العبد على المعصية, عندئذٍ يستحق العقاب بمحضِ العدلِ.
تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر:
4- أدنى جزاء الحسنة عشرة أمثالها وأعلى جزاء السيئة مثل واحد:
القانون الرابع: أدنى الجزاء على الحسنة عشرةُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مثلها، فأعلى عقوبة ينالها العبد على معصيته, أن يكون العقاب مكافئاً لمعصيته دون زيادة, تجد الإنسان يرّد على الصاع صاعين، ويرّد على مخالفة يسيرة بعقاب أليم، ليس هذا مِن شأن الله عزّ وجل، قال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 160)
أدنى جزاء الحسنةُ عشرُ أمثالها، وأعلى جزاء السيئة مثل واحد, والدليل قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة البقرة الآية:261)
عنوان الدرس القادم إن شاء الله:
وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قانون آخر، وهو الجزاء المعجل والمؤجل، فقد يعجب الإنسان أحيانًا إذْ يجد رجلاً ماله حرام، وأعماله سيئة، وهو متكبر, ويزداد قوة، وغنى، وشأناً، هذا جزاؤه مؤجل، وتجد مؤمناً يرتكب أدنى مخالفة فكان جزاؤه معجلاً، لذلك فإن بعض الآثار:
" إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة "
( ورد في الأثر)
وإذا أهمله، أخّرها له، لذلك ربنا عزّ وجل قال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
إذا رأيت الله عزّ وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذا قانون، وهناك نِعَمُ الجزاء، والابتلاء، والاستدراج، ومصائب الجزاء، والابتلاء، والتربية، وهناك الجزاء المؤجل، ومراحله الثلاث ما بعد الموت، وما قبل دخول الجنة، ثُم دخول الجنة، ثم المسؤولية، وهذا البحث يحتاج إلى دروس عديدة، لأنه بحث مهم جداً، وهذا كله تمهيد للإيمان باليوم الآخر.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (5)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الجزاء الرباني منه ما هو معجل ومنه ما هومؤجل فمن المعجل للمحسن:
1- النصر والتأييد في الدنيا للمؤمنين:
وصلنا في الدرس الماضي إلى الحديث عن بعض القوانين، أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق باليوم الآخر، وكنت قد بيَّنتُ لكم من قبل أن الإيمان باليوم الآخر يأتي في الأهمية بالدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، وفي أكثر آيات القرآن الكريم ذَكَرَ الله عزّ وجل الإيمان بالله، ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر مقرونًا به، لذلك لا زلنا في الحديث عن بعض القوانين المتعلقة باليوم الآخر.
ذكرنا في الدرس الماضي أن أدنى الجزاء على الحسنة عشرُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مِثْلُها، وهذا تفضل إلهي عظيم، وكأن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه، هذا إن لم يكن هناك تفضَّل بالعفو بعد التوبة, إنّ مِن الجزاء ما هو مُعجّل، ومنه ما هو مؤجَّل، وهذا موضوع دقيق جداً، لأن بعض الناس قد يتساءلون: ما لفلانٍ يزداد قوة، و غنى مع أنـــه غارق في المعاصي؟ وما لِفلان يعاني الأمَرّيْن مع أنه مستقيم على أمر الله؟ الحقيقة أنّ الجزاء الرباني الذي هو أحد قوانين الحياة، منه ما هو معجل، ومنه ما هو مؤجّل، فلو تتبعنا آيات القرآن الكريم, لوجدنا أن الجزاء على الحسنة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل، وأن الجزاء على السيئة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل أيضاً، ونصوص القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم تؤكّد هذه الحقيقة، فمِنَ الجزاء المعجّل في الدنيا أنواع كثيرة، من الرغائب المادية والمعنوية التي يَحْبُوها الله للمحسنين، مِن هذا الجزاء المعجّل النصرُ في الدنيا، والتأييد، والعز، قال سبحانه:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الصف الآية:13)
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾
( سورة الفتح الآية:1)
لا شك أن الإنسان المؤمن حينما ينتصر في الدنيا على أعدائه, يشعر بسعادة لا توصف، وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذا فقال:
﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الفتح الآية:1)
فمِن الجزاء المعجّل في الدنيا على الأعمال الصالحة, أنّ الله عزّ وجل يرفع شأن الإنسان في الدنيا فيعزّه، وإذا أعزّك الله عزّ وجل فلا أحد في الأرض يستطيع أن يذلك, قال الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ:
" اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ "
( ورد في الأثر)
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاًُ﴾
( سورة فاطر الآية:10)
اجعلْ لربك كــل عِزّك يستقر ويثبـتُ
فإذا اعتززت بمَن يموت فإنّ عزك ميتُ
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
( سورة الإسراء الآية:81)
إذا ربطت نفسك بالحق، فأنت مع الحق، وأنت مع الحق العزيز، وإذا نصرك الله عزّ وجل ينصرك نصراً عزيزاً، لا مِنّةَ لأحد فيه عليك، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
( سورة الحج الآية:38)
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية:160)
الصفحة المشرقة من الأنبياء والصحابة دليل على صدق الله في تنفيذ وعده:
سيدنا يوسف أعزّه الله في الدنيا، فصار عزيز مصر، رأته جارية تعرفه عبداً في موكبه الملكي, فقالت: " سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته "‍.
سيدنا عمر, قال: " كنت عُميرًا، فأصبحت عمرَ، فأصبحت أمير المؤمنين ".
سيدنا عمر بن عبد العزيز, قال: " تاقت نفسي للإمارة فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة فلما بلغتها طاقت نفسي إلى الجنة ", لست مستبعداً إذا أخلصت لله عزّ وجل، واعتمدت عليه، واستقمت على أمره، وبذلت من أجله، وفعلت كل ما تملك من أجل رضاه, لأنه يرفع من شأنك في الدنيا قبل الآخرة، و ينصرك على أعدائك، ويؤيدك بنصره، ويجعل القلوب تميل إليك، فما أقبلَ عبد على الله عزّ وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تهفو إليه بالمحبة، وهذا مصداقُ قول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا موسى:
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾
(سورة طه الآية:39)
إذا ألقى الله عليك محبة منه، أحبك الخلق كلهم، فإذا ألقى الله على إنسان البغضاء، أبغضه أقرب الناس إليه، لذلك الكلمة الشهيرة:
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
سيدنا هود قال:
﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
( سورة هود الآية:54-56)
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
( سورة مريم الآية: 96)
هذه المودة التي تنشأ بين العبد وبين ربه, لا يعرف طعمها إلا من ذاقها، لذلك, من الجزاء المعجّل في الدنيا النصر, والتأييد، والعز.
2- الشعور بالسعادة والطمأنينة:
الشعور بالسعادة والطمأنينة، فإن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال لكثيرٍ مِن خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، أتكون معه, وتشقى؟ معاذ الله عزّ وجل، أتستقيم على أمره، وتقلق؟ مَن قرأ القرآن الكريمَ انتفى مِن قلبه الحزن، وفي الأثر:
" لا يحزن قارئ القرآن "
( ورد في الأثر)
لماذا الحزن؟ أتخشى الفقر، وأنت عبد الغني ؟ أتخشى أن تُخذل، وأنت عبد القوي؟ أتخشى أن تشقى، وأنت عبدُ مَن بيده ملكوت كل شيء؟.
لذلك في قلب المؤمن من السعادة, ما لو وزّعت على أهل بلدٍ لكفتهم, قال تعالى:
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الفتح الآية: 26)
ألا تقولون أنتم في صلواتكم: " اللهم صلّ على أسعدنا محمد " إنه أسعد الخلق قاطبة، فإذا كنت على دربه، و اقتفيت أثره فلا بد أن تسعد معه.
3- الشعور بلذة العلم:
ومن هذا الجزاء المعجّل, اللذة التي يشعر بها المؤمن حينما يعرف شيئاَ جديداً عن الله عزّ وجل، فإنّ لذة المعرفة لا يعرفها إلا العارفون، وقد تقول وأنت صادق: لو ملكت الأرض كلها لا يَعدُو هذا عندي فهم آية من كتاب الله، كلما ارتقيت في العلم درجة، شعرت بسعادة لا توصف, قال تعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزُمر الآية: 9 )
حتى إن بعض العلماء, قالوا: إن الله عزّ وجل يخصّ الأنبياء بالمعجزات، ويخصّ الأولياء بالكرامات، وِمن أبرز الكرامات: العلم والحكمة، لأنّ كرامة العلم والحكمة لا تحتاج إلى خرق العادات، إنها وفق العادات، ووفق السنن.
4- البركة في الوقت والمال:
ومِن هذا الجزاء المعجّل في الدنيا, البركة في الوقت والمال, قال عليه الصلاة والسلام:
" من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره "
( ورد في الأثر)
إن المؤمن يباركُ الله سبحانه وتعالى في وقته، أحصيت كتب أحد العلماء العارفين بعد وفاته، فكان مجموع كتبه " 230" كتاب، جمعت صفحاتها، وقسّمت على أيام حياته منذ ولادته، فكان نصيب كل يوم مِن التأليف تسعين صفحة, هذا هو العالم، العارف بالله، الذي عاش حياة مديدة، وترك مائتين وثلاثين مؤلفاً، لذلك, البركة في الوقت لا يعرفها إلا من أدركها، وكذلك البركة في المال الذي يتفضل الله به عليك، يُبارك لك فيه، فتسكن، وتتزوج، وتأكل، وتشرب، وترتدي ثياباً جديدة، وتزوِّج أولادك جميعاً بمالٍ قد يبدو قليلاً، وقد تجد إنساناً حصل المال من الحرام، فيدخل عليه مئات الملايين، وتذهب من حيث جاءت من دون أن يستفيد منها، فالبركة في الوقت والمال.
5- البركة في الزوجة والولد:
البركة في الزوجة والولد, يتزوج الرجل، فيبارك الله له في زوجته,
" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا وَكَانَ يُحِبُّهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِكُمَا فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا "
( ورد في الأثر)
فمِن السُّنة الدعاء بالبركة لهذه الزوجة التي اقترنت بها، عسى الله أنْ يُبارك لك فيها، فتسعد بها، قال لي بعضهم: البيت يكون أحياناً قطعة من الجحيم، كل يوم في مشكلة، لأن البيت إذا بني على طاعة الله عزّ وجل، تولى الله التوفيق بين الزوجين، وإذا بني على معصية الله عزّ وجل، تولى الشيطان التفريق بينهما، مشكلات، خصومات، مشاحنات, تحديات، نفور، بغضاء، وتنتهي الأمورُ بالطلاق، وتشريد الأولاد، فهذا المحسن يبارك الله في ماله، وفي وقته، وفي زوجته، وفي أولاده، بين أن يكون لك ولد بار يرعاك إذا كبرت، وبين أن يكون لك ولد عاقّ لا يشفق عليك، وأنت في أوج قوتك, فكيف إذا بلغتَ مِنَ الكِبر عتياً؟ فالولد قد يكون بلاء مِن الله عزّ وجل، بين أنْ تسعد بزوجة، وبأولاد، وبمال، وبوقت، وبين أن يذهب الوقت لا بركة فيه، وكلكم يعلم ذلك، وحينما تبذل جزءًا مِن وقتك الثمين في حضور مجالس العلم, يبارك لك الله فيه، كيف ذلك؟ في ثانية واحدة ترتكب حادثاً بسيارتك, تقتضي سبعين أو ثمانين ساعة لتصليحها، من مكان إلى مكان، تبحث عن القِطَع، وعن الحاجات المفقودة وغير المفقودة، تستهلك الساعات الطوال بلا جدوى، لأنك ضننت على ربك بمجلس علم واحد، فلذلك حينما يقتطع الإنسان جزءاً من وقته الثمين لحضور مجالس العلم, يبارك الله له في وقته، فلا يذهب وقته سدى، ولا يُستهلك استهلاكاً رخيصاً, إذا اسْتُهْلِك الوقت استهلاكاً رخيصاً، أو ضاع الوقت توترت الأعصاب، وارتفع الضغط، وهذا كله مِن ذهاب بركة الوقت، كيف أنّك تزكي عن مالك بدفع مبلغ من المال, كذلك للوقت زكاة؟ فقد قال بعض العلماء: زكاة الوقت أن تقتطع منه وقتاً لطاعة الله، ولعبادة الله، ولمعرفة الله، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعاقبه ذلك التوفيق في العمل, والبركة في العمر.
كم مِن مشروع ضخم باء بالفشل؟ فبعد ثلاث سنوات خسارة 800 ألف مثلاً، يا ضياع الوقت، يا ضياع المال, فالإنسان الذي يجود بوقته لله، كأن يبدأ بمشروع صغير ينمو، وينمو، وينمو، وهذا من علامات التوفيق, والآية الكريمة:
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
( سورة هود الآية: 88)
إن أي إنسان على وجه الأرض, لا يستطيع أنْ يحقق هدفاً ما, إلا بتوفيق الله، لذلك في الحديث الشريف, ومن عرف هذا الحديث الشريف غيّر مجرى حياته كلها
" من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى "
( ورد في الأثر)
وهذا حق، وهذا بعض الجزاء المعجّل في الدنيا.
الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض الجزاء للمؤمنين في الدنيا:
والدليل القرآني على هذه الأقوال، وهذه المعاني, أن الله عزّ وجل يقول:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة النحل الآية:97)
كلام خالق الكون، وهذا كلام قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، قطعي التحقيق, قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
( سورة الليل الآية: 5-7)
التيسير شيء يخلقــه الله عزّ وجل، وليس حظاً، ولا صدفة، إنما هو من خلق الله عزّ وجل.
أما بعض الجزاء الرباني المعجل للمسيء في الدنيا:
1- ابتلاء المسيء بصنوف من العذاب والخزي:
وأما جزاء العقاب المعجّل في الدنيا, مِن هذا الجزاء صنوف العذاب والخزي، عضو صغير في جسمك, لو تعطل لقلب الحياة جحيماً, أحياناً آلام مستمرة، آلام مزمنة في الرأس أحياناً، دائماً يعيش في ألم، أحياناً شعور بالضيق، أعراض نفسية، فالله عزّ وجل يقلب حياته جحيماً, بصنوف العذاب المادي والمعنوي، قلق، وهم، وخوف، ويأس، وشعور بالقنوط، هذا قد يتصاعد، فينتهي بالانتحار.
إذا رجعت إلى القوانين الوضعية, تجد دائماً أن آخر مادة في القانون: من يخالف أحكام هذا القانون يعاقب بكذا وكذا وكذا، هذا عند علماء القانون اسمه المؤيد القانوني، وربنا عزّ وجل جعل الأمراض الوبيلة، والأمراض المستعصية، والذل الشديد، والخزي، والعار، والهموم، والأحزان، والخوف، والقلق، هذه كلها جعلها مؤيدات لشرعه الحنيف، إما أن تستقيم على أمر الله فتسلم، وإما أن تتحمل عواقب المعصية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
" يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإسْلامِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي قَالَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ "
(أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن سفيان عن أبيه في مسنده)
فمن البلاء المُعجّل في الدنيا, صنوف العذاب المادي والمعنوي، والعيش الضنك، حياة كلها شحناء، كلها بغضاء، حياة قاسية خشنة، مليئة بالأحزان، يجزي الله بها المسيئين، وأيضاً الإخفاق، والخسارة في المشاريع، وهذا العمل لم ينجح، وهذه الصفقة خسرت، وهذا الصديق تنكر له، وهذا الزواج لم ينجح، وانتهى إلى الطلاق، وهذا المحل بعد أن اشتراه وجد فيه مشكلة كبيرة لا تحل، فالفشل والخذلان شيء لا يعرفه إلا من ذاقه, ومنها المصائب، والبلايا الكثيرة، أعاذنا الله منها، ومنها مجانبة التوفيق في الأمور، ومنها الإذلال، والإهانة.
استغل رجل علمه استغلالاً لا أخلاقياً، فكان لا يبذل هذا العلم إلا بباهظ الثمن، والناس بحاجة إليه، أصابه مرض عضال، وكان يسكن بأرقى بناء، زوجته أَمرت أن يكون في القبو وحده، ووكلت خادمة ترعى شؤونه، وامتنعتْ عن اللقاء به، فكان يذكرها كل يوم مرات كثيرة، وتهمله، ثم أمرت أن يُنقل إلى مكان بعيد عن البيت، وبقي ثماني سنوات يعاني، وكان مشلولاً، مع ما كان يعانيه مِن الإهمال، والقذارة، وضيق النفس، والإذلال، ممّا لا يتحمله بشر, قال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
( سورة البروج الآية:12)
إذا أدب ربنا عزّ وجل الإنسان أحياناً، فزوجته تقسو عليه، وابنه أقرب الناس إليه يقسو عليه كذلك، قال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾
( سورة الرعد الآية:11)
لا بد له أن يذوق السوء، ولا يعصمك من الله إلا الله، ولا ملجأ منه إلا إليه، هذا كله جزاء معجّل في الدنيا قبل الآخرة، حتى إن الله عزّ وجل يقول:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾
( سورة الرحمن الآية:46)
جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
( سورة طه الآية: 124-126)
الأدلة القرآنية على أن الجزاء ما هو معجل للمحسن في الدنيا قبل الآخرة:
الأدلة القرآنية، التي تنص على أن الجزاء ما هو معجّل في الدنيا قبل الآخرة، وهي قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
في هذه الدنيا حسنة، ثم تقرأ:
﴿ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
إنّ الله كريم في الدنيا، وفي الآخرة, قال تعالى:
﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية:96)
كنت مرة في مزرعة، وهناك أحد الأصدقاء أطلعني على حبة قمح أنبتت خمساً وثلاثين سنبلة، أخذنا سنبلة، وفرطناها، فإذا فيها ما يعادل خمسين قمحة، ضربنا الخمسين بخمسة وثلاثين كان الناتج ألفاً وسبعمئة وخمسين قمحة، مِن قمحة واحدة, قال الله:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
( سورة البقرة الآية: 261)
ربنا عزّ وجل في كل الأزمات، والشدائد، والمصائب الجماعية، والأعاصير، والفيضانات، والزلازل، والبراكين، في كل المصائب الجماعية ينجي الله المؤمنين، قال عز وجل:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 87-88)
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
( سورة الذاريات الآية: 31-36)
آيات أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
( سورة الفتح الآية:18-19)
الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض العقاب للمسيء في الدنيا قبل الآخرة:
قال تعالى:
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر الآية:26)
عذاب الخزي والعار, شيء لا يحتمل, قال الله:
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾
( سورة الرعد الآية:34)
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
( سورة النحل الآية:112)
الجوع من الفسق، والفجور، والانحلال، والتفلت، والاختلاط، وإذا رخصت لحوم البشر, ارتفعت أسعار لحوم الحيوان، ثمة علاقة عكسية بين لحوم البشر, ولحوم الضأن، فكلما غلت لحوم البشر, رخصت لحوم الحيوان، أما أن يكون لحم البشر مبتذلاً
" مائلات مميلات "
( أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح )
عندئذٍ تصعب الحياة، وتصبح شقاء,
" عبدي، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلِمني بما يُصلحك، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد"
( ورد في الأثر)
إذاً: فالجزاء على الحسنات أو السيئات قد يكون معجلاً، وقد يكون مؤجلاً، وقد ذكرنا بعض أنواع الجزاء المعجّل على الحسنات وعلى السيئات.
أنواع النعم:
1- نعم جزاء:
لدينا موضوع فرعي, له علاقة وشيجة بهذا الموضوع، فالنعم على ثلاثة أنواع: نِعم جزاء، ونِعم ابتلاء، ونِعم استدراج، فليست كل نعمة ينعم بها الإنسان نعمة جزاء على حسنات، فقد تكون هذه النعمة نعمة ابتلاء، وقد تكون هذه النعمة نعمة استدراج، فيجب أن تعلم علم اليقين أنّ هذه النعم التي أنت فيها هل هي نعم جزاء، أم نعم ابتلاء، أم نعم استدراج؟ فنِعم الجزاء, تكون ثواباً من الله تعالى للإنسان على ما قدم من حسنات، وهذا النوعُ تأييد رباني، وتشجيع مِن شأنه أن يدفع الإنسان بمضاعفة العمل الصالح، والتزام سلوك الصراط المستقيم في أمره كله.
أحياناً تجد الإنسان في الظروف الصعبة القاسية يُوفَّق في عمله توفيقاً لا يصدق، لأنه كان مستقيماً، وقد بذل, وضحى، وآثر رضوان الله عزّ وجل، فتأتيه الدنيا، وهي راغمة، هذه الدنيا التي جاءته وهي راغمة، إنما هي جزاء من الله عزّ وجل على إحسانه في الدنيا، وهذه النعم نِعم الجزاء، وغالباً ما تكون النعمة من جنس العمل الصالح، وكذلك من غضّ عينه عن محارم الله متّعه الله بها، من كفّ أذنه عن سماع الملهيات متّعه الله بها، من كفّ يده عن الحرام متّعه الله بها، من أنفق من ماله ابتغاء مرضاة الله ضاعف الله له ماله أضعافاً كثيرة، سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه سمع من بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, أنّ ماله قد يؤخره عن اللحاق بأصحابه، يا أبا ذر ربما دخلت الجنة حبواً، أيْ زحفاً، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلنّها خبباً, أيْ هرولة، واللهِ ما منعت مالي مسكيناً ولا فقيراً، وماذا أفعل إذا أنفقت مئة في الصباح, فأعطاني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟ لذلك أحياناً كلما بذلت مِن المال, ضاعف الله لك أموالك أضعافاً مضاعفة، هذه نعمة الجزاء، فقضية الإنفاق شيء ثابت، قال تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:245)
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
( سورة سبأ الآية:39)
شيء قطعي, قال الله:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
( سورة النجم الآية:3-4)
2- نعم ابتلاء:
ومن النِعَم, ما هي نِعَم ابتلاء, قال الله:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾
( سورة الفجر الآية:15-17)
كلا, ليس هذا إكراماً، هذا ابتلاء، الغني يُبتلى بالمال، فماذا يفعل؟ أينفقه في طاعة الله؟ قد يأتي المال ابتلاء ليمتحن معدن الإنسان، هل يتغير بالمال؟ هل يتيه على الخلق؟ هل يستعلي عليهم؟ هل ينسى أيام الضيق والشدة؟ هل يحمله ماله على معصية الله، هل يحمله ماله على الفجور، هل يحمله ماله على أن يترك الصلاة أو الصيام؟ هل يحمله انشغاله بماله على أن يبتعد عن مجالس الذكر؟ هذا المال الآن هو ابتلاء وليس جزاء, لكن مال الابتلاء إذا أُنفق في طاعة الله انقلب إلى جزاء، ولا يكون مال الابتلاء نعمة إلا إذا أُنفق في طاعة الله.
3- نعم الاستدراج:
أما النوع الثالث، نعوذ بالله من هذا النوع: نِعَم الاستدراج, ترك 800 مليون، كلها جُمعت من القمار, خمس أو ست صالات قمار يملكها، قبل وفاته التقى ببعض أهل الله، فقال: ماذا أفعل؟ قال له أحدهم: لو أنفقته كله لا ندري ما النتيجة؟ البطولة عند هذه الساعة, قال الله:
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾
( سورة الطور الآية:45)
هذا المال الثالث من نِعَم الاستدراج, قال الله:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾
( سورة البلد الآية:5-6)
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾
(سورة الهمزة الآية: 3)
كلفنا العشاء 750 ألف ليرة في أثناء العرس، في الفندق الفلاني، قال الله:
﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾
(سورة البلد الآية:6-7)
نِعَم الاستدراج: هي النعم التي يوليها الله للكافرين، والعصاة الموغلين في العناد لربهم، ومخالفتهم استدراجاً لهم لتهيئة الظروف التامة لحرية إرادتهم في الدنيا، حتى إذا أنزل الله بهم عقابه الشديد الذي يستحقونه لم يكن لهم عذرٌ عند ربهم, قال الله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:44)
هذا رود تشلز, كان من أغنى أغنياء اليهود، كان عنده مستودعات لسبائك الذهب، وكان ينتقل من عاصمة لأخرى، فدخل إلى بعض المستودعات، وأُغلق الباب عليه خطأً, مما جعله يصيح، ويصيح، ولا يستريح إلى أن مات جوعاً بين سبائك الذهب، جرح إصبعه، وكتب على الحائط قبل أن يموت, أغنى إنسان يموت جوعاً, قال الله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:44)
أنواع المصائب:
1- مصائب الجزاء:
أولاً: مصائب الجزاء: وهي المصائب التي تكون عقاباً من الله عزّ وجل للإنسان على ما اكتسب من السيئات، وفي هذا النوع عناية من الله بعبده ليتذكر فيتعظ، ويتوب إلى الله تعالى،
" ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر"
(فيض القدير، شرح الجامع الصغير)
هذه العقوبات, دليل محبة رب الأرض والسموات، فإذا أحب الله عبده عجّل له العقوبة، إذا كان عند أحدهم ثلاث أولاد، ولد ذكي مجتهد، وولد ذكي مقصر، وولد أبله، مَن يعاقب ؟ الولد الذكي المجتهد أمْره مقبول، والأبله لا أمل منه, فيصب الأب كل عقابه على الذكي المقصِّر, فهذا الذي ذكّره الله مراراً فلم يتذكر, فتحنا عليهم أبواب كل شيءٍ, وأما المؤمن المستقيم الشاكر فهذا موفق، حققّ الهدف من وجوده، على مَن ينصب العقاب؟ على هذا الذي عنده الإمكانيات الكبيرة، وهو مفرّط بها, قال الله:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة القصص الآية:47)
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
انظر المصيبة, جاءت نكرة، قال الله:
﴿من مصيبة﴾
(سورة الشورى الآية:30)
أيّة مصيبة, صغيرة كانت أم كبيرة، مادية كانت أم معنوية، خطيرة أم حقيرة، قال تعالى:
﴿ من ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
لا ستغراق كل المصائب، قال تعالى:
﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
أبداً, قال تعالى:
﴿ويعفو عن كثير﴾
(سورة الشورى الآية:30)
هذه مصائب الجزاء؟ إذاً: هذه المصائب عناية ربانية بالإنسان.
2- مصائب الابتلاء:
ثانياً: مصائب الابتلاء: هي المصائب التي يتعرض فيها أهل الطاعة ليبتلي الله بها صبرهم، فيرفع درجاتهم، ويزيد من حسناتهم, السيارة منطلقة، حمولتها 25 طناً فرضاً، وهي الآن تحمل خمسة أطنان، على كل طن مئة ألف ليرة أجرة، له خمسة أطنان، لكننا لا نقبل أن نُحمّله الخمسة فقط، فنحمله خمسة أخرى، حتى يتضاعف أجره، إنّه يتحمل, هناك مؤمنون يعرفون الله جيداً، وهم أهلٌ للتحمل، لذلك تساق لهم بعض المصائب في الدعوة كي يضاعف الله لهم أجرهم، وهذه مصائب لرفع الدرجات، لا علاقة لها بالجزاء.
يا أيها الأخوة، الذي أتمناه عليكم، وهذا من أدب المسلم, إذا ألّمت بنا مصيبة, يجب أن نتهم أنفسنا, ونتساءل: ما الذنب الذي اقترفته؟ أما إذا ألّمت بغيرنا مصيبة, يجب أن نُحسن الظن بهم، ونقول: هذه مصيبة لرفع الدرجات، أما مِن اللؤم، ومن الفجاجة أن تتهم الآخرين إذا أصابتهم مصيبة بأنها مصيبة جزاء، وأن تُحسن الظن بنفسك إذا أصابتك مصيبة، تقول: هذه ابتلاء، هيّ رفع درجات, لا، بالعكس يجب أن تقول: العكس, قل: لعل أخي له عند الله درجة عالية جدًا، فأراد الله أن يرفعها له، أما إذا ألّمت بك مصيبة," لا سمح الله وبنا ", فقل: لعلي مقصر، واتّهم نفسك دائماً، ونزّه أخاك دائماً، هذا هو الأدب، أمّا أكثر الناس فيبرئ نفسه، ويتهم أخاه, هذا من سوء الأدب، اسمع قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾
(سورة التوبة الآية: 120)
أنـت أديت حجاً في أيام القيظ الشديد، فهذا ابتلاء، وهذا رفع درجات، لم تتحمل الحر، لكن الله عزّ وجل كتب لك بهذا أجراً كبيراً، كان الصيام يصادف في أشهر الصيف الطويلة، تحملت منذ الظهر، وكِدت تسقط على الأرض من شدة العطش، هذا ابتلاء رفع درجات, قال الله تعالى:
﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب و لا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطناً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب الله لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾
فربنا عزّ وجل يحب أن يكرمنا, فيسوق بعض المصائب للمؤمن الصادق، ويتحمل في سبيل الله، فيرفع الله شأنه، قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إن عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ "
( ورد في الأثر)
3 – مصائب التربية:
ثالثاً: مصائب التربية, قال تعالى:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة التوبة الآية:118)
إنّ ربنا عزّ وجل, يقيض للإنسان الغافل، المُعرض، المُقصر, أمراً صعباً، ومشكلة خطيرة، يضيق عليه إلى أن يضجّ بالشكوى إلى الله عزّ وجل، فيتوب من ذنبه، احترق محل أحدهم، فقال: واللهِ بالمحل بضاعة بثلاثة ملايين، عندما كان ثمن البيت خمسين ألفًا، قال لي متهماً نفسه: لعلي بعت بعض الصفقات بشكل حرام أو غلط، ولعل الله جمعها كلها، وأحب أن يُطهر لي مالي, والله شيء جميل, بارك الله بك على هذا الظن الحسن، وسيدنا عمر, كان يقول: إذا أصابته مصيبة:
" الحمد لله ثلاثاً, الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، الحمد لله إذْ لم تكن أكبر منها، الحمد لله إذْ ألهمت الصبر عليها "
( قول مأثور)
هذه مصائب التربية.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (6)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هي مراحل الجزاء المؤجل للثواب أو العقاب:
ا- مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث:
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الجزاء المعجّل، وتحدثنا من بحث الجزاء المعجّل عن جزاء الابتلاء، والاستدراج، والعقاب، وجزاء الابتلاء، والتربية، وننتقل اليوم إلى الجزاء المؤجّل، فهناك جزاء معجّل، وهناك جزاء مؤّجل، فالانحراف، أو المعصية، أو الخطيئة, لها عقاب معجّل في الدنيا، ولها عقاب مؤجّل في الآخرة, فأما الجزاء المؤجّل بالثواب أو العقاب فيكون على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث، وهذه المرحلة سمّاها القرآن الكريم البرزخ، ويسمى النعيم فيها بنعيم القبر، والعذاب فيها بعذاب القبر، وقد ورد في نعيم القبر، وعذابه جملة من الأحاديث النبوية، ملخصها: أنّ القبر إمّا أنه روضة من رياض الجنة، وإما أنه حفرة من حفر النيران، وسيُفصَّل هذا في درس قادم إن شاء الله.
2- مرحلة ما بعد البعث وقبل مرحلة الفصل النهائي:
أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة ما بعد البعث، وقبل انصراف أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ويكون ذلك في يوم الحساب، ويتم فيه الجزاء بالثواب والعقاب على أنواع مختلفة، فمِن الثواب مثلاً, الاستظلال بظل العرش، وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ "
( ورد في الأثر)
هذا ثواب بعد البعث، وقبل دخول الجنة، وكذلك الشرب من الحوض، فمَن شرِب مِن حوض النبي عليه الصلاة والسلام شربة, فلن يظمأ بعدها أبداً، وكذلك تهوين طول الموقف، هذا الموقف يمرّ على المؤمن كلمح البصر، والمرور على الصراط المستقيم بسرعة، إلى غير ذلك.
ومِن العقاب: شدّة الحر على أهل الذنوب، والكرب والظمأ الشديدان، والتعتعة على الصراط المستقيم، وطول انتظار الحساب، إلى غير ذلك من صنوف العذاب، هذا العذاب بعد البعث، وقبل دخول النّار، وذاك النعيم بعد البعث، وقبل دخول الجنة.
3- مرحلة دخول المؤمنين الجنة ودخول أهل النار النار:
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة التي يتم فيها الثواب الأكبر بدخول المؤمنين الجنة، والعقاب الأكّبر للكافرين بدخول النار، ودخول الجنة أبدي لكل من يدخلها، قال عز وجل:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾
( سورة الحجر الآية:48)
ودخول النار أبدي بالنسبة إلى الكافرين، ومؤقَّت بالنسبة إلى عصاة المؤمنين، كل بحسب ذنوبه، وسيئاته.
ويمكن أن تقول: إن الله العلي القدير قد جعل تحقيق الجزاء الأكمل في اليوم الآخر، يوم الخلود، ليستكمل حكمته العظيمة المشتملة على سرِّ الخَلْق والإبداع، ولله في إبداعه أسرار، لا يحيط بعلمها إلا هو، واليوم الآخر الذي يتم فيه الجزاء المؤجل، يكون بعد البعث، وهو اليوم الذي ورد بحقه وجوب الإيمان به ركناً من أركان العقيدة.
ما هي حدود المسؤولية بالنسبة للمكلف اتجاه خالقه:
1- انتهاء فترة الابتلاء عند موت الشخص المكلف:
لا زلنا في الموضوعات التمهيدية، وعنوان الموضوع الجديد حدود المسؤولية, المسؤولية اتجاه الخالق لها حدود، نوضِّح معالمها فيما يلي:
أولاً: إذا مات المكلّف انتهت فترة ابتلائه، الابتلاء في الدنيا فقط، فإذا وافت الإنسان منيته، انتهت مدة التكليف، وانتهى الابتلاء، لذلك جاء في بعض الآيات الكريمة قوله تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:18)
العمل الصالح في الدنيا، التوبة في الدنيا، الإصلاح في الدنيا، أما إذا جاء الموت انتهت مدة التوبة، وانتهت مدة التكليف، وانتهت مدة الابتلاء، بل انتهى كل شيء، وخُتم العمل، وبقي الجزاء.
فالإنسان إذا جاءه الموت، أو ما بعد الموت، أو في القبر، أو ما بعد القبر، فهل يستطيع أن يتوب؟ أن يعمل عملاً صالحاً؟ هذا مستحيل, فمنذ لحظة الموت, لا يستطيع أحد أن يجحد الله، أو أن يكفر به، أو أن يعصيه، إذ تنكشف له الحقيقة بالشهود التام، لا يخالطها أدنى توهم، وينتهي عندها موضوع الإيمان بالغيب المطلوب من الناس على لسان الرسل، هذه حقيقة مهمة جداً، الأرض الآن فيها ستة آلاف مليون إنسان، بعضهم ينكر وجود الخالق، وبعضهم ينكر الدين الإسلامي، وبعضهم ينكر بعض أسماء الله الحسنى، هؤلاء بوذيون، وهؤلاء هندوس، وهؤلاء مسلمون مقصرون، وهؤلاء نصارى، وأولئك يهود، جميع الملل والنِحل عند مجيء الموت تنكشف لها الحقيقة التي لا ريب فيها، قال عزّ مِن قائل:
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
( سورة ق الآية:22)
أشد الناس المعارضين لرسالات الرسل، تنكشف له الحقيقة فيؤمن، لكن هذه الحقيقة تكشف لهم بعد فوات الأوان، حيث لا يُقبل إيمان من أحد لم يكن آمن مِن قبل.
2- للابتلاء أو التكليف له شروط:
الحكم الثاني: هو أنه ما لم تتوافر شروط التكليف لم يتوجب الابتلاء أصلاً. لا ابتلاء إلا بشروط، فلو أن الإنسان فَقَدَ عقله, سقط عنه الابتلاء، إذا أخذ ما وهب, أسقط ما أوجب، فالطفل غير المميز، والمعتوه، وفاقد الإدراك, غير مكلفين بالشرائع الربانية، لأنهم ليسوا أهلاً لإدراك معنى الألوهية، وفهم أوامر الله ونواهيه، وأنهم مسلوبو الإرادة بشكل كلي أو جزئي، وهم غير مكلفين أيضاً.
إذاً: التكليف في الحياة الدنيا، والتكليف يحتاج إلى بلوغ، وعقل، وحرية، إذا لم تتوافر هذه الشروط فلا تكليف، ولا ابتلاء.
3- إذا وجد الشرط وجد الابتلاء وإذا فقد الشرط فقد الابتلاء:
الحكم الثالث: أنه متى فُقدت شروط التكليف بعد وجودها ارتفع حكم الابتلاء، حتى تعود الأهلية، إنسان فَقَدَ عقله، في اللحظة التي فَقَد فيها عقله ينتهي تكليفه، فإذا عاد عقله، عاد إليه التكليف، هذه قاعدة.
لذلك يرتفع التكليف عن المجانين، هذا المجنون الذي إذا استفززته يسب الدين، لا شيء عليه هو، أما الذي استفزه فعليه كل الإثم وحده، مع تحمل كامل الإثم والمسؤولية، كذلك يرتفع التكليف عن مسلوبي الإرادة، فلو أن إنساناً حركته مقيّدة، وتحت ضغط القتل أُمر أن يفعل شيئاً، فما دام هذا الإنسان مسلوبَ الإرادة فلا شيء عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
( ورد في الأثر)
ما هي آثار حدود المسؤولية بالنسبة للشخص المكلف:
1- الشخص ليس مسؤولاً إلا إذا كان حراً في إرادته:
فالأمر الأول من حدود المسؤولية: هو المسؤولية عن الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، فكل إنسان له كسب إرادي، إذ الإرادة كما سبق هي محل المسؤولية، ولا مسؤولية إلا بالإرادة الحرة، و ما دمت مريداً لأعمالك التي تفعلها بكامل حريتك فأنت مسؤول، أما إذا رُفعت هذه الإرادة الحرة فأنت غير مسؤول.
بناء على ذلك: يكون توجيه الإرادة الجازمة لأمرٍ من الأمور كافياً في ترتيب المسؤولية، سواء تم التنفيذ العملي، أو لم يتم, فهذا الإنسان أراد أن يوقع الأذى بفلان، ثم جاء ظرف حال بينه وبين إيقاع الأذى فيه، فهو محاسبٌ على هذه الإرادة، لأن إرادته الحرة توجهت إلى إيقاع الأذى بفلان، لا يعنينا أن الأذى وقع أو لم يقع، يعنينا هنا أنه كَسَبَ هذا الإثم باختياره, إذا لم يتم تنفيذ هذه الإرادة الحرة في إيقاع الأذى بفلان، ولم ينفذ هذا الأمر بإرادة ثانية مضادة لها، كانت هذه الإرادة الثانية ناسخة للإرادة الأولى, مثلاً: أراد إنسان إيقاع الأذى بفلان، ثم فكر، فرأى أن في هذا الأذى إغضاباً لله عزّ وجل، فامتنع ذاتياً، هذا له أجر، لأنّ الإرادة الثانية هي التي محت الإرادة الأولى.
شاب في مقتبل العمر ذهب إلى الحج، ولما عاد فتح مكتبة في بعض أحياء دمشق، وكان غير متزوج، وقفت فتاة مستهترة أمام محله، وأشعرته بأنها توافق معه لو أرادها، فأغلق محله وتبعها، وفي الطريق تذكر الحج الذي حجّه, هناك إرادة أولى، كانت متوجهة نحو الزنا، والإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، وفي اليوم التالي، وقف على باب دكانه أحد وجهاء الحيّ، وسأله برفق: هل أنت متزوج؟ قال له: لا، قال: عندي فتاة تناسبك، فظن هذا الشاب أن هذه الفتاة كاسدة، وفيها علة كبيرة، حيث إن أباها يعرضها على الناس، ولكنه أرسل أمه, فإذا الفتاة, كما يقولون: تجمع بين كمال العقل والدين، عاد إليه، وقال له: ماذا حصل؟ قال: يا سيدي, هذه الفتاة لا أليق بها، أنا لا أملك شيئاً، قال: هذا ليس من شأنك، يبدو أن الأب كان ميسور الحال، زوجّه هذه الفتاة، وشاركه في عمله، وعاش هذا الإنسان في بحبوحة، وفي سعادة، لأن الإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، فاستحق هذا العبد الإكرام, لذلك:
" ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "
( ورد في الأثر)
إذا توجه الإنسان بإرادة سيئة مختارة إلى عمل ما، ثم ندم على هذه الإرادة، وأراد شيئاً آخر، فإن الإرادة الثانية تمحو الأولى، وينتهي الأمر، وفي بعض الأحاديث يُكتَب له أجر على الإرادة الأولى، أما إذا لم يتم التنفيذ بسبب موانع خارجية، كان يتربص بفلان ليضربه، ولكن فلاناً لم يأت، فلم يحقق هدفه، لا بإرادة ثانية ناسخة للأولى، لا، ولكن لأن هناك موانع خارجية، لذلك, لو لم ينفذ هذه الإرادة, فإن الإثم قد سُجّل عليه، أين الدليل؟ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ))
( ورد في الأثر)
المقتول توجهت إرادته إلى قتل صاحبه، لكنه لم يستطع، فعَاجَلَهُ صاحبُه بضربة قاضية، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل. فما بال المقتول؟ قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
" لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
ما دام لم يقترب إلى سفك الدم فالقضية سهلة، والتوبة سهلة.
2- الإنسان مسؤول عن عمله السيء وآثاره:
الأمر الثاني: المسؤولية عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، وهي الآثار التي تنجم عن الكسب الإرادي، مثلاً: لو أنّ إنساناً صلّح سيارة، وكلّف صانعه أنّ يُرَكِّب فيها آلة معينة، وكان الصانع صغيرًا ضعيفًا، لا يملك وعياً كافياً، فلم يضبط التركيب، واستقل صاحب السيارة مع زوجته وأولاده سيارتهم المصلحة، فوقع في السيارة خلل, بسبب عدم إتقان تركيب هذا الجهاز الذي كلَّف الصانع بتركيبه، فانقلبتْ السيارة, وتوفي الأشخاص الخمسة, هذا الذي صلّح السيارة لا يُحاسب على إهماله فقط، بل يُحاسب على أنه قاتل لخمسة أشخاص، فهذا الخطأ ماذا نتج عنه؟ كارثة.
مثال آخر: ركّب أحدهم لوح بللور، ثبَّتَ فيه مسماراً واحداً، أتى الطفل، وضرب النافذة، فهوى البللور عليه فقتله, هذا يحاسب لا على أنه أهمل في وضع مسمار واحد، لا، بل يحاسَب على أنه تسبب في قتل إنسان, فالمسؤولية عن آثار الكسب المادي ليست عن الكسب وحده، بل عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، ويدل على هذا نصوص كثيرة, وهي قوله صلى الله عليه وسلم:
" مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا "
( أخرجه مسلم في الصحيح)
أخطر شيء في هذا الدرس، لا يحاسَب الإنسان على كسبه فقط، بل يحاسب على آثار كسبه أيضاً, قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة يس الآية:12)
" وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا"
( أخرجه مسلم في الصحيح)
الإنسان يسنّ سنّة سيئة، يعمل ترتيباً ليصنع فيه معصية، ويصبح هذا الترتيب تقليداً مِن بعده، يسير الناس عليه، هذا شيء خطر جداً، مثلاً: اخترع نُوبل البارود، فكم مِن إنسان قُتل في العالم بسبب هذا البارود؟ لذلك ندِم بعد ما اخترعه، فجمع كل ثروته، ووضعها في خدمة من يقدِّم للإنسانية بحثاً علمياً، أو أدبياً، أو فنياً, يحقق السلام بين بني البشر، وهذه الجائزة تعطى سنوياً لثلاثة أشخاص: لرجل علم، ورجل أدب، ورجل فن، اسمها جائزة نوبل للسلام, مهما دفع, فالذين يموتون كل يوم عن طريق المتفجرات، وهم أبرياء, أعداد كبيرة لا تعد ولا تحصى, قال الله:
﴿وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس الآية: 12)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلا))
( ورد في الأثر)
لأنه أول من سنّ القتل ابن آدم الأول.
إنسان مثلاً, عنده بنت، جاءه خاطب له شكل وغنى، سأل عنه، فقالوا: جيد, فزوجها له، فإذا بهذا الشاب منحرف السلوك، وكلمة جيد أصبحت اليوم لا معنى لها، وما لبث أن سافر بزوجته إلى بلاد الكفر، فأفسد دينها وخلقها, كل أعمالنا محاسبون عن آثارها، لو فرضنا هذا الزوج, هو وزوجته انحرفا، وضلا سواء السبيل، وفعلا من المعاصي، كل هذا في صحيفة الأب الذي وافق على زواج ابنته من هذا الشاب, لذلك لا تنتهي مسؤولية الأب إلا إذا أحسن اختيار الشاب كزوجٍ لابنته, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
( ورد في الأثر)
أقام إنسان في ديار الكفر، وجد أن المعيشة سهلة جداً، ذهب إلى ذلك البلد، وأقام فيه، كبرت ابنته، دخل إلى البيت، فوجد مع ابنته شاباً، هكذا العادة هناك، وهو أمر طبيعي جداً, فمسؤوليته عن ابنته وزوجته قائمة في عنقه, إذا كانت الحياة رغدة، والبلاد خضراء كلها، أنترك ديننا وقيمنا؟ لا، بل نريد وهو الأهم, أن يكون القبر أخضر أيضاً، هذه الأعمال كلها في صحيفة الأب، ويوم القيامة تقف البنت، وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، لأنه هو الذي زوجني، وهو الذي أسكننا بهذه المنطقة، في جو إباحية مطلقة، انحراف أخلاقي، الزنا على قارعة الطريق، فالإنسان إذا كان في بلده، حيث تقام شعائر الله فيها، ويحضر مجالس العلم، و فيها بقية حياء، وبقية تديّن، وشيء اسمه "عيب" في بلده، فهذه بلدة مباركة، فليسعد بدينه وقيمه.
3- الإنسان مأجور على عمله الطيب وآثاره:
كذلك العمل الطيب يكافأ على آثاره إلى يوم القيامة، فأنت قد تبذل جهدك في هداية إنسان واحد فقط، هذا الإنسان, عندما أراد أن يتزوج بحث عن امرأة مؤمنة، أنجب أولاداً، وربّاهم تربية عالية، وعلّمهم، فكانوا من بعده دعاة إلى الله عزّ وجل، هؤلاء دعوا الناس، قد يأتي يوم القيامة، فيريه الله عزّ وجل أن مليون إنسان قد سعدوا في الدنيا والآخرة, بسبب هدايته لهذا الإنسان الأول، لذلك قال تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 32)
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
( سورة المائدة الآية: 32)
هناك قاعدة فقهية: الغُرم بالغُنم، كما أن العمل السيء تكتب آثاره إلى يوم القيامة، كذلك العمل الطيب تكتب آثاره إلى يوم القيامة, ساهم إنسان في بناء مسجد، ووافته المنية، فهذا المسجد إلى يوم القيامة كل صلاة عقدت فيه، كل حلقة ذكر، كل مجلس علم، وأي خير ظهر من هذا المسجد, فهو في صحيفة الذي ساهم في بنائه إلى يوم القيامة, فالإنسان المؤمن يوم القيامة, يعرق عرق الخجل، له طبعاً عمل طيب، لكنه لم يكن متوقعاً أن هذا العمل بهذا الحجم الكبير، يقول: كل هذا لي؟ نعم، لأنك أنت الذي بدأت، أنت الذي سننت، هذه السنة الطيبة، فكل من عمل بها في صحيفتك إلى يوم القيامة.
الإمام الغزالي توفي رحمه الله تعالى، وترك كتاب الإحياء، اسألني بالعالم الإسلامي, من المغرب إلى الباكستان، ومن تركيا إلى اليمن، كم مِن إنسان انتفع بـهذا الكتاب، درس الأحد من سنتين أو ثلاث في صحيفة الإمام الغزالي، نقرأ من كتابه، ونستفيد.
سيدنا الصدّيق رضي الله عنه, يعد المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، لو لم يقف موقفاً حازماً وصلباً من المرتدين, لا نتهى الإسلام، فبقاء الإسلام في هذه الأماكن في صحيفته، وكلنا جميعاً في صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومِن كرمِ الله عزّ وجل أن يعطيك الأجر، ومثل هذا الأجر لمَن كان السبب؟.
جميع الآثار المترتبة على هذه الأعمال, يُحاسَبُ عليها الإنسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ))
( ورد في الأثر)
أنواع الكسب:
1- الكسب اﻹيجابي في فعل الطاعات:
عندنا الكسب الإيجابي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل إيجابي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب الطاعات والفضائل، هناك عمل إيجابي بدني, كالصلاة, والزكاة, والحج، والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، وخدمة الوالدين، وصلة الأرحام، وتعليم العلوم الدينية، ونشر الشريعة الربانية، وإصلاح المجتمع بوسائل التربية العلمية المختلفة, وهناك عمل نفسي إيجابي, كشغل القلب والنفس بالحب في الله، والبغض في الله، والسرور بعزة المسلمين، والانقباض لخذلانهم، والشوق لمناجاة الله عزّ وجل، والقيام بطاعته، والرضا عن الله في قضائه وقدره, وهناك عمل إيجابي فكري, كالتدبر في آيات الله وآلائه، البحث عن دلائل وجوده جلّ وعلا، ابتكار ما فيه خدمة المسلمين وتقويم سلوكهم، التخطيط الفكري لفعل الخير ودفع الشر، هذا في باب الطاعات الفكرية.
2- الكسب السلبي في فعل المعاصي وترك الطاعات:
الكسب السلبي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل سلبي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب المعاصي والرذائل, هناك معاصي بدنية, كالزنا، وشرب الخمر، والقتل، وأما أن تشغل النفس في معصية الله، محبة أهل الكفر، مودة من حادّ الله ورسوله، السرور بانتصار أهل الكفر، الحسد، الحقد، عداوة أهل الحق، هذه كلها أعمال سلبية نفسية, وأما أن تعمل فكرك في شيء يؤذي العباد، يؤذي الخلق، يضّر بهم, هؤلاء الذين يصنعون القنابل الجرثومية، والأسلحة الكيماوية حتى يفتكوا بالناس، وهم علماء كبار في مخابرهم، هذه كلها معاصي فكرية.
هناك كسب سلبي أيضاً في ترك الطاعات، بدني، وفكري، ونفسي، وإليكم الأمثلة: كترك الواجبات, مثل الصلاة، والزكاة، وترك الأمر بالمعروف، وإهمال تعلم ما ينبغي تعلمه، وعدم محبة الله ورسوله، وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وعدم التسليم لأحكام الله وشرائعه، وأمثال ذلك مما فيه معصية.
الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع حدود المسؤولية:
حدود المسؤولية بصورها المختلفة، تدخل بوجه عام في مفهوم, قوله تعالى في سورة الزلزلة:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية: 7-8)
هذه السورة جامعة مانعة، كل هذا الدرس ملخص في هذه السورة، لذلك جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( يا رسول الله عظني وأوجز. قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. قال قد كفيت ! فقال عليه الصلاة والسلام: فقًه الرجل))
( ورد في الأثر)
هذا الأعرابي استمع إلى سورة واحدة, فقال: قد كفيت، هذه تكفي، وأقول لكم: هناك آيات تكفي:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
(سورة النساء الآية: 1)
ألا تكفي هذه؟
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:7-8)
ما هو الحكم الذي ينبثق عن حدود المسؤولية ؟
1- الإنسان مسؤول عن كسبه فلا يتحمل أوزار الآخرين إلا إذا له يد فيه:
أنّ كل إنسان مسؤول عن كسبه، فلا يتحمل أوزار الآخرين، إلا إذا كان له تسبب فيها، عندنا آية كريمة:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾
(سورة الإسراء الآية: 13-14)
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38-40)
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
( سورة غافر الآية: 17)
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:48)
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
( سورة الطور الآية: 21)
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
(سورة المدثر الآية: 38)
هذا مبدأ رائع، ومُريح، الزوج سيء، والزوجة صالحة، والعلاقة بينهما سلبية ومتنافرة، كل منهما يحاسَب عن نفسه, قال الله:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة التحريم الآية: 11)
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾
(سورة التحريم الآية: 10)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ:
((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))
( ورد في الأثر)
الأب صالح، الابن سيء، كل واحد يحاسب على عمله، هناك إنسان تزوج من امرأة فاضلة، من عائلة مرموقة وذات دِين، لكن الشاب يريدها غير ذلك، يريد أن تسايره في اختلاطه، ورحلاته، وندواته، وسهراته، يريد أن تبرز لأصدقائه في سهرة مختلطة، لكنها رفضت بإصرار، فلما كان رفضها مع إصرار، أشارت عليه أمه أن يضايقها، لأن مهرها المتأخر 100 ألف، فضايقها إلى أن طلبت الخلعَ من دون شيء، في هذه الفترة كان الأب غير راضٍ عن هذا التصرف، وكان يقول: الحق عليكم، هذا ظلم، بينما الأم والابن على خط واحد, بعد المخالعة وتنازلها عن حقها, طلبت النجاة بجلدها، بعد مضايقة شديدة, وإهمال، وضرب، وشتم، وما شاكل ذلك، تزوج امرأة ثانية، وله بيت في أحد المصايف، عاد بسيارته، وكان يركب في محل القيادة، وإلى جانبه زوجته، وخلفه أمه، وخلف زوجته أبوه، وقع حادث، فمات هو وأمه، ونجت الزوجة وأبوه, قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
(سورة النجم الآية: 38)
كل إنسان محاسب على عمله، إلا إذا كان له سبب فيه، كالإغواء، والإضلال، أو إهمال واجب النصيحة والإرشاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته:
((اعملوا لأنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً))
( ورد في الأثر)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع :احكام المسؤولية





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ملخص فكرة أحكام حدود المسؤولية في الدرس الذي فات:
لا زلنا في موضوعات تمهيدية للإيمان باليوم الآخر، وقد بينتُ في الدرس الماضي " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له "، وأنّ هذا الحديث يُستَنبَط منه أن الإنسان يحاسَب لا على عمله فحسب، بل على آثار عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا "
( أخرجه مسلم في الصحيح)
هناك آية تؤكد هذا المعنى, قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية:85)
إذاً: هو مسؤول، هنا نصيب، وهنا كفالة، وشتان بين النصيب والكفالة، ففي معرض الربح النصيب، وفي معرض الغُرم الكفالة. تتمة أحكام حدود المسؤولية:
2- لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة إلا إذا كان له يد فيها:
شيء آخر: لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة، كما أن الأخطاء لا يتحملها ما لم يكنْ سبباً في فعلها، كذلك أعمال الآخرين الصالحة لا يأخذ منها شيئاً، لقوله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾
( سورة النجم الآية:39-40)
كل إنسان له سعيه الخاص، وعمله الخاص، ومكانته الخاصة، إلا إذا كنت السبب في هذه الأعمال الطيبة، عندئذٍ لك الأجر، كالتربية على الفضيلة، هؤلاء الذين ربيتهم فكل أعمالهم في صحيفتك، والأدق من ذلك، كل الأعمال التي قاموا بها بسبب توجيهك إيّاهم فلك مثل أجرهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كتعليم أمور الدين، وكالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
أدلة الكتاب والسنة بشأن هذا الحكم:
الدليل النقلي، وهو القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 13-14)
كان العرب في الجاهلية, إذا مَرّ عن شمالهم طير يتشاءمون، وإذا مرّ عن يمينهم يستبشرون، فتشاؤمهم، واستبشارهم لا أساس له من الصحة، فربنا سبحانه وتعالى ردّ عليهم فقال:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 13-14)
هذا الكتاب، كتاب الأعمال، يعني كل صغيرة, وكل كبيرة, مسجل في صحيفة أعمالك، ويوم القيامة تبرز هذه الصحيفة، قال تعالى:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾
( سورة الإسراء الآية: 15)
تزر, تعني تحمل، مِنْ وَزَرَ، يَزِرُ, فلا تحمل نفسٌ حمل نفس أخرى، كل إنسان يحمل عمله، قال تعالى:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 15)
هذه الآية أصلٌ في أن كل إنسان مسؤول عن كسبه، فالأب لا يحاسَب عن ابنه إذا قدّم له النصيحة الكاملة، واعتنى به عناية فائقة، وبعد ذلك أصرّ على طريق غير مستقيم، والابن لا يحاسَب عن أبيه إذا استنفذ نصحه، والزوج لا يحاسَب عن زوجته إذا نصحها إلى أقصى حد، والزوجة لا تحاسَب عن زوجها، وكل إنسان يحاسب عن عمله.
في سورة النجم, قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38-40)
ليس لك في الآخرة إلا العمل الذي كنت قد عملته في الدنيا، ولا شيء آخر إلا عملك.
قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
(سورة غافر الآية: 17)
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 48)
هذه الآية مطلقة, قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾
( سورة البقرة الآية: 48)
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ:
" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
( ورد في الأثر)
آية أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
( سورة الطور الآية: 21)
نحن في الدنيا، إذا تورط الإنسان، وخالف القوانين، حُجزت حريته، فقد أصبح رهين عمله السيء، أو رهين مخالفته، هذا في الدنيا, فكيف في الآخرة؟ لهذا, قال النبي عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته: " اعملوا لأنفسكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً "
( ورد في الأثر)
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " الذنب شؤم على غير صاحبه "
( ورد في الأثر)
كيف شؤم؟ الآن قلنا: الإنسان مسؤول عن كسبه فقط، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
" الذنب شؤم على غير صاحبه "
( ورد في الأثر)
فسّر ذلك؟ قال: إن ذَكَرَهُ فقد اغتابه، وإن رضّي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتلي به، فليحذر أحدنا إن رأى أخاً له قد وقع في ذنب أن يُشهِّر به.
3- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي الخيري:
الحكم الثالث: الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي، ومحاسب عليه، فله ثواب الصدقة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرار الاستفادة منها في أبواب الخير من آثار كسبه، وله ثواب العلم النافع الذي يقوم ببثه، ونشره، أو التأليف فيه، كذلك كل من ساهم بنشر هذا العلم النافع، فله عند الله أجر، وفضل الله واسع، لا يُنقص من أجر الآخر شيئاً، مهما كثر المساهمون, ولـه أجر كل من اهتدى بهديه من أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه، إلى يوم القيامة، هذا شيء عظيم, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)
وفي رواية: " خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا "
(كتاب الزهد، لعبد الله بن المبارك)
هذا كلام له أبعاد، كلمة (مِن الدنيا، وما فيها) ماذا تعني؟ تصور أن رجلاً يملك كل الشركات في العالم، وكل الأراضي، وكل الأبنية، وكل المشاريع القائمة، وكل المستشفيات، وكل المشاريع الناجحة، كل أرباحها له، لو أنه مَلَكَها، ووافته المنية لتركها بلا شيء, أما إذا كنت مساهماً في هداية إنسان، فهذا الإنسان إذا سعد في الآخرة إلى الأبد، فأنت السبب، لذلك,
" يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)
أنت كإنسان تعطي على صنع باب ألف ليرة أو ألفين، أمّا أن تدفع مئة مليون ليرة على صنع باب واحد, فهذا مستحيل، بينما ربنّا عزّ وجل يثيب على العمل الصالح مَن دلّ عليه، ومَن ساهم فيه، وكل من له علاقة به، هذا من باب كرم الله عزّ وجل, وكذلك ينفع الإنسانَ بفضل الله دعوةُ ولده الصالح، هذا الابن حينما يقول: رب اغفر لي ولوالدي، فمِن تربية أمّه، وأبيه له, حينما كان صغيراً، والعناية الطبية، والصحية، والاجتماعية، والتربوية، وتحمل نفقاته، وهذا الحرص، وهذا القلق، إلى أن صار سوياً، يصل الأب من الأجر بسبب هذا الدعاء بقدرِ ما لهذا الابن مِن فضلٍ.
لذلك فإنّ تربية الأولاد عمل كبير، فلا يزهد فيها أحد، وينفعه بعد موته دعوة ولده الصالح له، لأن صلاح الولد في الغالب ثمرةٌ من ثمرات تربية أبيه له، وذلك من آثار كسبه، إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان الأب يريد لابنه طريق الشر، طريق البعد عن الدين، يمنعه من الدين، يغريه بالدنيا بالانغماس في ملذاتها، والابن منصرف إلى الدين، هذا العمل الطيب للابن ليس في صحيفة الأب، لأن الأب ما أراد ذلك بل أراد عكس ذلك.
4- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي السيء:
كما يتحمل الإنسان تبعة السيئة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرارها قد كان لكسبه أثر فيها، ويتحمل تبعة العلم الضار، كأستاذٍ أقنع الطلاب أن الإنسان أصله قرد، زاعماً أن قصة آدم وحواء كلها خرافات، فيأتي هذا الشاب ليقرأ القرآن فيجد:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة البقرة الآية: 37)
يقول له: هذا كله خلط، ولقد تعلمنا أن الإنسان أصله قرد، إذاً: هو حقاً صار قرداً، ما كان بل صار، وذلك حينما ترك الله عزّ وجل، وانغمس في الدنيا, مسخه الله قرداً، وصار حيواناً, والإنسان من دون قيَم حيوان, يتحمل الإنسان تبعة العلم الضار الذي يبثه، وينشره في الناس، ولو بعد موته، لأن كسبه في حياته كان له أثر في استمرار الضلالة فيه، بث فكرة زائغة، أو نظرية فاسدة، أو قضية من أجل مصلحة طارئة مادية، تعلم الناس طريق الشر، تقنعهم بالانحراف من أجل تغطية نفسك، من أجل تبرير عملك، تأتي بحكم فقهي مزوّر وتقنع الناس به, فحينما تبث علماً ضاراً، أو ضلالة، أو جهلاً، أو انحرافاً، كل من عمل بهذا التوجيه إلى يوم القيامة، يجب أن تتحمل وزره، أو إذا استفتي الإنسان فأفتى فتوى لا يبتغي بها وجه الله، بل يبتغى بها وجه زيد أو عُبيد، كل مَن عمل بهذه الفتوى سوف يتحمل وزرها الذي أفتى بها، لذلك هناك من يفتي فيجعل من رقبته جسراً إلى النار، إن الإنسان إذا كان لا يعلم فليقل: لا أدري، فنصف العلم لا أدري، وكلما كنت جباناً في الفُتيا كنت أقرب إلى الله عزّ وجل, عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
" أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ"
( ورد في الأثر)
تريّث، لست بمتأكد، اسأل.
إن الأب يتحمل من أوزار ولده الذي أساء تربيته، ودفعه إلى سلوك سبيل الشر، كما يتحمل من أوزار كل مَن تأثر بإضلاله مِن أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه إلى يوم القيامة، الذين كان له كسبٌ في توجيههم وجهة الضلالة والشر. أدلة الكتاب والسنة على أن الإنسان مسؤول عن آثار عمله الإرادي:
يقول الله عزّ وجل:
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
( سورة النحل الآية: 25)
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 67-68)
فالله تبارك وتعالى يكتب ما قدّم الناس من أعمال الخير، وأعمال الشر ليحاسبهم عليها، ويكتب أيضاً آثار أعمالهم، ولو ظهرت الآثار بعد انتهاء آجالهم في حياتهم الدنيا, فإذا اخترع شخص اختراعاً، تحمل وزرَ وإثمَ كل مفسدة تحققت من جرائه على وجه الأرض إلى يوم القيامة.
هذا دليل آخر:
" سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى هرقل ملك الروم كتاباً قال: أما بعد, أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين "
( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)
لماذا مرتين؟ هذا جزاء القدوة، مرة لأنه أسلم، ومرة لأن أتباعه بقدوته أسلموا، حينما أسلم, أسلم معه أتباعه، فالذين لهم مكانة اجتماعية, كالأب، والمعلم، ومدير المدرسة، كل إنسان له مكانة اجتماعية، له مركز قيادي، صاحب محل، وعنده ثمانية موظفين، إذا صلى الظهر أمامهم شجعهم على الصلاة، وإذا غضّ بصره عن امرأة دخلت المحل, شجعهم على طاعة الله، فكل إنسان له مكانة بين عشرة من الناس، إذا استقام على أمر الله فإن له الأجر مرتين, مرة لأنه استقام، ومرة لأنه شجَّعَ الآخرين على الاستقامة، قال له:
" أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين"
( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)
أي أتباعك إثمهم جميعاً في رقبتك إن لم تسلم.
5- الإنسان مسؤول عن خواطره إذا أراد العزم والقصد أما غير ذلك فلا:
الحكم الخامس: إنّ الخواطر التي تخطر على فكر الإنسان دون أن تتحول بإرادته إلى عزم وتصميم، لا تدخل في باب المسؤولية والمحاسبة، فإن تحولت بالإرادة إلى عزم وتصميم دخلت في باب المسؤولية والمحاسبة، ويُسمى هذا الخاطر عندئذٍ هماً، فالهم يعني التصميم، وهو العمل القلبي الذي يسبق العمل المادي.
لو أن الإنسان أرخى لخواطره العنان, لخشينا أن تتحول هذه الخواطر إلى أعمال, لو أن واحداً تخيل المعصية، وسبح فيها، إذا لم يقف عند حد, ربما انقلبت هذه الخواطر إلى أعمال، فلذلك إن المؤمن لا يسمح لنفسه أن يسبح في خواطر لا ترضي الله عزّ وجل, فالأفضل والأولى, كلما خطر في بال الإنسان شيء لا يرضي الله عزّ وجل، أن يبتعد عنه، أو أن يقطع هذه الخواطر
فضل الله على المؤمنين:
تفضّل الله علينا فجعل الهمّ بفعل الحسنة حسنةً يثاب عليها الإنسان، ولو لم يعملها، والدتك تحتاج لدواء الساعة الواحدة، عندهم في البيت أقراص دواء، لكنها ضائعة، أنت نويت أن ترتدي الثياب، وهممت أن تذهب إلى طرف المدينة لشراء هذا الدواء، وبينما أنت ترتدي الثياب قالت لك أمك: وجدت الدواء، فأنت عدلت عن الذهاب، كأنك ذهبت، كُتب لك الأجر, لأنك هممت لهذه الحسنة، وهذا كثيراً ما يحدث، وعلى هذا فقِس, هذا من كرم الله سبحانه وتعالى.
فأقل جزاء على العمل الصالح عشرة أمثاله، وأعلى جزاء على العمل السيء مثل واحد، وهو أعلى جزاء، أما بالنسبة للعمل الصالح فأقله عشرة، والله يضاعف لمن يشاء, قال الله:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 261)
سبعمئة، إلى سبعة آلاف, قال الله:
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(سورة الزُمر الآية: 10)
الصابرون لا حد لأجرهم، لكنك إذا هممت بالحسنة كان لك أجرها، ومِن فضل الله علينا أنْ جعل الهمّ بفعل السيئة، والتصميم عليها سيئة واحدة، شخص نوى أن يؤذي إنساناً بمحض إرادته، فإن لم يفعلها بإرادته، فكّر، شعر أن هناك إله يُحاسب، وقد يعاقبه على هذا العمل، فانتهى نهياً ذاتياً، قالوا: فإنْ لم يفعلها بإرادته تحولت السيئة فصارت حسنة.
إذا همَّ إنسان بسيئة، ولم يفعلها، ليس لأنه لم يستطيع، أردت أن توقع الأذى بفلان، فلم تجده في البيت، أردت أن تفعل ذلك فلم تتمكن، هنا وقع عليك الإثم، لكنك إذا انتهيت نهياً ذاتياً عن القيام بعمل سيء، هذا النهي الذاتي يجعل السيئة حسنة لك عند الله عزّ وجل، وإن همّ بسيئة وفعلها بإرادته كُتبت له سيئة فقط، من دون مضاعفة.
وبهذا تنتهي الموضوعات التمهيدية لموضوع الإيمان باليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان، ويليه في الترتيب، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 07:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (7)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الكون دليل على وجود خالق يستحيل عليه أن يخلق الناس من دون يوم للحساب:
الموضوع اليوم: الإيمان باليوم الآخر، وكنّا قد مهّدنا لهذا الموضوع في دروس عديدة، والذي يبدو حقاً أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، من صفاته العلم والقدرة، والعدل والحكمة، وأنه مُنزّه عن كل نقص، ويستحيل في حقه حينئذٍ أن يخلق الكون عبثاً، كما أنه يستحيل على إنسانٍ عاقل - ولله المثل الأعلى - أنْ يبني بناء ضخماً، يستغرق عشرات السنين، ثم يُكسى، ثم يُفرش، ثم يُجهّز بكل ما يحتاجه الساكن، وبعد أن ينتهي يهدمه، هذا العمل يستحيل على عاقل أن يعمله, كذلك خلقُ السموات والأرض، هذا الكون المعجز، حياة الإنسان، خلق الإنسان في أحسن تقويم، يعيش سنوات عديدة ويموت، وانتهى الأمر, قد يكون هذا الإنسان معتدياً، قد يكون مظلوماً، قد يكون ظالماً، قد يكون قوياً، قد يكون ضعيفاً، فإذا خلق الإنسان في أحسن تقويم، وانتهت حياته على أتفه سبب، وانتهى كل شيء، فهذا نوعٌ من العبث، لذلك ربنا عزّ وجل يستحيل في حقه أن يخلق الكون عبثاً، وأن يخلق الإنسان سدى, قال الله:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
(سورة القيامة الآية:36)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115)
لذلك, فالتأمـل في خلـق السموات والأرض يُستنبط منه أنّ لخالق الكون أسماء حسنى، وصفات فضلى، هذه الأسماء الحسنى، وهذه الصفات الفضلى لا يمكن أن تدع مجالاً للاعتقاد أن هذا الكون خلق عبثاً، وأنّ هذا الإنسان سيًتْرَك سدى, ومِن لوازم التأمل في خلق السموات والأرض الإيمان بأن لهذا الكون العظيم خالقاً، وأنّ بعد هذه الحياة يوماً يجازى فيه الإنسان على عمله، هذا يتضح في سورة النبأ، قال سبحانه وتعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً ﴾
(سورة النبأ الآية:1-6)
النبأ العظيم، يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الثواب، يوم العقاب، يوم الجنة، يوم النار، هذا هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون عند الموت، ثم كلا سيعلمون عند البعث والنشور.
ما علاقة الآيات الكونية في سورة النبأ بيوم القيامة ؟
سيأتي الدليل على النبأ العظيم، وسيأتي الدليل على يوم الدين, قال الله:
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً* وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً ﴾
(سورة النبأ الآية:7-14)
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾
(سورة النبأ الآية:14-17)
ما علاقة هذه الآيات الكونية بيوم الفصل، بيوم الدين؟ هذا الكون لم يُخلق عبثاً، والإنسان لن يترك سدى، بل لا بد أن يُحاسَب، لا بد أن يجازى، لا بد أن يدفع الثمن، أما أن يموت الإنسان، وانتهى الأمر، أن تنتهي حياته بالموت, فهذا لا يحقق كمال الحكمة الإلهية، وكمال العدل الإلهي، فلا بد من تحقيق كمال الحكمة، وكمال العدل في يوم آخر، إنه يوم الدين.
الشيء الثاني، هو أن أركان الإيمان، وهي معلومة لديكم، الإيمان بالله، وباليوم الآخر، وبالملائكة، والكتاب، والنبيين، لكن إذا أردنا أن نرتب أركان الإيمان عدا الإيمان بالله من حيث الأهميةُ, يأتي الإيمان باليوم الآخر في الدرجة التي تلي الإيمان بالله، أن تؤمن بالله، وباليوم الآخر، لأن من لوازم الإيمان بالله, الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمان بالله يعني الإيمان بأسمائه، والإيمان بعدله، والإيمان بحكمته، والإيمان بعلمه، والإيمان بقدرته، سبحانه وتعالى.
فالإيمان بهذه الأسماء يقتضي كمال الحكمة، وكمال العدل، ولا يتحققان إلا في اليوم الآخر، هذا عاش ثلاثين عاماً، وهذا مات صغيراً، وهذا عمّر ثمانين عاماً، وهذا وُلِد غنياً مِن أبٍ غني ثري، وهذا وُلِد فقيراً، وهذا عاش مريضاً، وهذا عاش صحيحاً، ما هذا التفاوت الكبير؟ لا بد من تحقيق العدل الإلهي، بل كمال العدل الإلهي، ولا بد من تحقيق كمال الحكمة الإلهية، إنها في اليوم الآخر.
ما هي السلسلة الفكرية المنطقية التي تقودنا إلى اليوم الآخر:
1- الكون هو الدليل الأول لقيادة الإنسان إلى الإيمان بربه:
سنورد السلسلة المنطقية الفكرية التي تقودنا إلى الإيمان باليوم الآخر:
المقدمة الأولى: دراسة الكون، والحياة، والإنسان, تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم، القادر العليم، العدل الحكيم، وأسماء الله عزّ وجل كثيرة، ويعنينا في هذا المجلس أو في هذا الدرس أربعة أسماء, العلم، والقدرة، والعدل، والحكمة.
2- الكون دليل على تدبير خالق حكيم يستحيل عليه العبث فيه:
المقدمة الثانية: لا بد من غاية مِنَ الخلق، ولا يوجد إنسان عاقل يقوم بعمل لا غاية له فيه، ولا يوجد إنساناً يتحرك حركة بلا غاية، يسافر بلا غاية، يتكلم بلا غاية، يزور فلانًا بلا غاية، أن يكون للعمل غاية فهذا مِن لوازم العقلاء، والإنسان العاقل كل أعماله معللة بغاية، والله سبحانه وتعالى خالقُ الكون, أيُعقل أن يخلق الكون بلا غاية؟ فما معنى بلا غاية، يعني عبثاً، قال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115-116)
إذا تأملت في خلق السموات والأرض, وجدت أن للسموات والأرض خالقاً عظيماً، عليماً، قديراً, عدلاً، حكيماً، ومن لوازم العدل والحكمة والعلم والقدرة أن يكون لأفعاله غاية، غاية نبيلة، ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾
(سورة الحِجر الآية:85)
كيف عرفنا معنى بالحق؟ من هذه الآيات, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾
(سورة ص الآية:26)
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية:16)
ما دام الحق مناقضاً للعب، وما دام الحق مناقضاً للباطل، فالحق هو الشيء الثابت الهادف، بالحق هناك هدف، باللّعب لا هدف معه، الحق شيء ثابت، الباطل شيء زائل، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
(سورة هود الآية:118-119)
3- الإنسان مخير في أي طريق يسير:
المقدمة الثالثة: أن الإنسان مخير، فبإمكانه أن يفعل الخيرات، وبإمكانه أن يعمل السيئات، بإمكانه أن يتبع الهوى، وبإمكانه أن يتبّع العقل، بإمكانه أن يستقيم على أمر الله، وبإمكانه أن ينحرف عن أمر الله، بإمكانه أن يكون خير البرية، وبإمكانه أن يكون شر البرية، بإمكانه أن يفوق الملائكة المقربين، وبإمكانه أن يهوي إلى أسفل سافلين، هذا كله بإمكانه، إذًا: فهو مخيّر، ومعنى مخيّر، أي ممتحن، مُبتلى، ومن لوازم الامتحان والابتلاء, الجزاء.
النتيجة: إنها الحياة الآخرة، إنه اليوم الآخر، فطبيعة هذه الحياة رُتبت لتنتهي إلى حياة أبدية، وهذا تخطيط الله عزّ وجل، تصميمه، وهندسة الكون تقتضي أن يكون في الكون حياة دنيا، هي دار ابتلاء، وحياة أخرى، هي دار جزاء, ومن لوازم التخيير الجزاء.
الأدلة من الكتاب بشأن هذا الموضوع:
الأدلة النقلية القرآنية حول هذا الموضوع, يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115-116)
تعالى الله، وتنّزه أنْ يخلق الخلق عبثاً بلا غاية، هذا النص يؤكد لو أن الله عزّ وجل خلق الخلق، ولن يُحاسبهم على أعمالهم فخَلْقه لهم جاء عبثاً، وهذا يتنافى مع حكمته، ومع عدالته، ومع علمه، ومع قدرته، فتعالى الله أن يخلق الخلق عبثًا، ومعنى المَلِك الحق، أي أن هذا الكون خُلق ليبقى، وأن الإنسان خُلق ليبقى، وما الموت إلا حالة طارئة تعتريه، لينتقل من دار إلى دار، ومن مجال إلى مجال, ولما كان احتمال العبث احتمالاً مرفوضاً عقلياً، كان لا بد من وجود حياة أخرى، تظهر فيها تطبيقات الغاية من الحياة الأولى، وهذه الحياة لا بد أن تكون مقررة في برنامج المقادير الإلهية، إنّ الله هو الملك الحق لا إله إلا هو.
دليل آخر، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
(سورة القلم الآية:35-36)
وقال سبحانه:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
(سورة السجدة الآية:18)
شيء طيب, في الدنيا قد يستوون، وقد يكون المجرم الكافر المعرِض في بحبوحة، وغنى، ويسر، وقد يكون المؤمن في ضيق، وفقر، وما دام الله عزّ وجل قال:
﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾
(سورة السجدة الآية:18)
و:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾
(سورة القلم الآية:35)
فلا بد أن يكون هناك فرق كبير بينهما.
فمن ظروف الحياة اليومية التي نعيشها، هذه الحياة تسمح للمعرضين أن يعيشوا فيها عيشاً رغيداً ناعماً، يصيبون فيه المال، والجاه، واللذّات، إذا سمحت الحياة لهؤلاء أن يعيشوا كذلك، والآية تقول:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾
(سورة القلم الآية:35)
كان لا بد من يوم آخر، تتحقق فيه هذه الآية:
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾
(سورة يس الآية:59)
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
( سورة يس الآية:60)
لا بد من يوم يمتاز فيه المجرمون عن المؤمنين، والمعرضون عن المقبلين، فالدنيا التي تساوي في المظهر بين المسلم وبين المعرض، هذه الدنيا، لا بد من يوم آخر يتبعها، لا يستوي في هذا اليوم الآخر المجرم مع المسلم، قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية:35-36)
قد تسمح الدنيا للفاجر أن يقوى على المؤمن، قد تسمح الدنيا للمعرض أن يرتفع عن المؤمن، لكن في الآخرة كل هذا لا يكون, قال الله:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ *إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
( سورة المؤمنون الآية:104-115)
وفي آية أخرى يقول عز وجل:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
(سورة المطففين الآية:34)
دليل آخر, قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
(سورة القيامة الآية:36-40)
بلى إنّ الله قادر، وهذه الآيات تؤكد أن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يكون بعد الموت حياة أخرى، يتحقق فيها العدل الإلهي المطلق، والحكمة الإلهية المطلقة، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
(سورة يونس الآية:4)
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية:15)
يعيد كل نفس بعملها، ويعيد الخلق ليجازي كلاً بعمله.
شيء آخر, يقول الله عزّ وجل:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية:110)
أسماؤه سبحانه وتعالى كلها حسنى، ومن مقتضيات أسمائه الحسنى أن يثيب الصالح، وأن يعاقب الطالح، ومن لوازم أسمائه الحسنى أن يُكرم المستقيم، وأن يعاقب المنحرف، الدنيا لا تكفي، لأنّ فيها تفاوتًا كبيرًا، فلا بد من حياة أخرى تتحقق فيها أسماء الله الحسنى.
لا يمكن أن يسعد المجتمع الإنساني إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر, مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية، هذه أخطر فكرة في الدرس، فلا يمكن لمجتمع إنساني أن يسعد إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر، لماذا؟ لأن الإنسان في المجتمع لا يسعد إلا إذا انضبط أفراده.
هذا الذي يبيعك حاجة، يبيعك زيتًا، ما الذي يضمن لك أن هذا الزيت ليس مغشوشاً؟ أنت لا تملك الإمكانية التي تكشف بها الغش, هذا الذي يعطيك هذه السلعة ما الذي يضمن لك أن ليس فيها عيب؟ فإذا خاف البائع من الخالق، وخاف اليوم الآخر، وخاف يوم الدين، يستقيم معك في البيع والشراء، أما من دون إيمان باليوم الآخر، مهما وضعنا من ضوابط يتفلت الإنسان منها، لأنّ الذي يضع هذه الضوابط إنسان، والذي يتفلت منها إنسان مثله، والعملية منافسة بين الأذكى، فقد يضع الضوابط إنسان ذكي، فيأتي إنسان أذكى منه، ويخرق هذه الضوابط, إنّ كل شيء وضعه البشر أَمكن خرقه، وأمكن الاحتيال عليه، والتلاعب به، فحتى عملياً لا تصلح الحياة إلا أن يؤمن أفراده باليوم الآخر.
حدثني أخ كريم, أنه يمكن إضافة مواد ضارة للمواد الغذائية من أجل أن يرتفع سعرها، فما الذي يضمن أن هذا الذي يصنع الغذاء سيضيف مواد حافظة بكميات زائدة عن الكميات القانونية، من أجل ضمان عدم فساد هذه المواد، وهي مواد مسرطنة، تؤدي إلى الإصابة بالسرطان؟ إذاً: كيف تستقيم حياتنا؟ هذا الذي يصنع الغذاء ويعلبه, إذا لم يخش الله عزّ وجل، وإذا علم أن الله لن يحاسبه عن كل من تأذى بهذا الغذاء, فسيقع ظلم وقهر، ولن تستقيم حياتنا، فضوابط البشر مهما دقت لا تكفي, لأن الإنسان علمه محدود، وضوابط البشر مقيدة بالمراقبة، ويستحيل أن توفر مراقباً على كل إنسان، وقد يتفقان، فتحتاج لمراقب ثالث عليهما، وقد يتفق الثلاثة فتحتاج إلى رابع, فمن المستحيل أن تضبط الأمور، إلا أن ترسخ إيمان الناس باليوم الآخر، حيث سيقف بين يدي الله عزّ وجل ليحاسبه عن كل عملٍ اقترفه، والأمثلة في مثل هذا لا تعد ولا تحصى، فالإنسان الذي تتعامل معه إذا لم يكن مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر, فهو وحش مخيف، فقد يحتال عليك، وقد يبتز مالك، وقد يغشك في صحتك، فيجري لك عملية جراحية لا جدوى منها.
أخ يعمل في لف المحركات، حدثني بنفسه عن مشكلة عامة تحدث في أكثر المحركات التي تحتاج للتصليح، وهي وجود سلك رفيع يكون مقطوعاً، يتم تصليحه خلال خمس ثوان, ويأخذ عليه أجرة 1500 ليرة، بينما بعد ما عرف الله عزّ وجل, يأتيه الزبون بعد أسبوع فيتقاضى منه أجراً عشر ليرات، لأن العطل لا يتطلب ذاك المبلغ, وعلى هذا فقِس.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 02:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (8)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما دليل المسلم على إيمانه باليوم الآخر ؟
1- طريق الخبر الصادق:
أيها الأخوة, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس العقيدة، وقد وصلنا إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وتحدثنا في الدرس الماضي عن ضرورة الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
(سورة النساء الآية:136)
كأن الله سبحانه وتعالى وضّح في هذه الآية أركان الإيمان، وكيف أنّ الإيمان باليوم الآخر أحدُ أركان الإيمان الأساسية؟ فعقيدة الإيمان بالله لا تنفك عن الإيمان باليوم الآخر، لأن مِن مقتضى الإيمان بالله تصديقُه في جميع ما يخبرنا به، فلو سألك سائل: ما الدليل على إيمانك باليوم الآخر؟ تقول: هذا الكون كله دليل على وجود الله، فالإيمان بوجود الله إيمان تحقيقي، بعد أن عرفتَ الله، وعرفتَ أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، وأن هذا الخالق العظيم لا يُعقل أن يترك عباده من دون إرشاد، وأنه أنزل على رسله كتباً، ليُعرفّهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة المهمة التي خُلقوا من أجلها، وأن الله عزّ وجل أخبرنا في هذه الكتب أن هناك يوماً آخر.
فمِمّا يقتضي، ومما يلزم مِنَ الإيمان بالله عزّ وجل الإيمان باليوم الآخر، لأن الله عزّ وجل أخبرنا في كتبه بأن هناك يوماً آخر، القضية سلسلة يشد بعضها بعضًا, الإيمان بالله إيمان تحقيقي، عن طريق النظر في الكون، وعن طريق الاستدلال العقلي اليقيني.
ذكرت لكم من قبل أنّ مسالك اليقين أربعة:
1- مسلك اليقيني الحسّي: أنت تشعر، أنت تحس، وترى بعينك أن هذا المصباح متألق، وأن هذا كتاب، وأن هذا كأس، هذه أمثلة على هذه المسلك.
2- مسلك اليقين الاستدلالي: الأثر يدل على المؤثر، والنظام على المنظم، والخلق يدل على الخالق، والوجود يدل على الموجد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج, ألا تدلان على العليم الخبير ؟.
4- مسلك اليقين الإخباري: وهو الشيء الذي غابت عينه، وغابت آثاره، كعالم الأزل، وعالم الأبد، والملائكة، والجن، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبرزخ، ويوم البعث، والنشور, هذه الأشياء المغيبة عنّا مسلك اليقين الإخباري.
يقينك باليوم الآخر يقين إخباري، لأن الله عزّ وجل أخبرنا عن طريق الوحي، وفي الكتب المنزلة، أن هناك يوماً آخر، وهذا هو الدليل الأول.
من ضمن ما أخبرنا الله به عن اليوم الآخر ذكر الوعد والوعيد:
وقد أخبرنا عن اليوم الآخر في وعده ووعيده، وما أعدَ الله في هذا اليوم من نعيم للمؤمنين المتقين، ومن الوعيد في هذا اليوم مِن عذاب للمجرمين, ولقد قررّ الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الثانية بعد الموت، وأنها حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، الحياة الدنيا حياة ابتلاء مؤقتة، حياة ابتلاء فانية، والحياة الآخرة، حياة جزاء خالدة، بعد هذه الحياة الأولى الفانية القصيرة المدى، التي هي حياة الامتحان والابتلاء، المحاطة بظروف الامتحان اللازمة على أتم وجه وأدقه.
إنّ طبيعةَ هذه الحياةِ مصممة بشكل دقيق، على أن تكون حياة ابتلاء، حيث التفاوت في المستوى المعاشي، فهل يشكر هذا الغني؟ وهل يصبر هذا الفقير؟ هناك ابتلاء في قوة الجسد وضعفه، أفيشكر هذا الصحيح؟ وهل يصبر هذا السقيم؟
الأديان جميعها تؤكد وتؤمن بهذا اليوم:
ولقد قرّر الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه الحياة الآخرة في اليوم الآخر, والدار الآخرة في جميع الأديان السماوية، وأنزلها على جميع رسله عليهم الصلاة والسلام، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان العقيدة في كل الديانات السماوية، فما من دين سماوي إلا وأحد أركان الإيمان فيه الإيمان باليوم الآخر.
أسلوب القرآن المتنوع في تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان:
لكن ربّنا عزّ وجل في معرض وجوب الإيمان باليوم الآخر ينوّع وسائل العرض، فتارة يأمر بالإيمان باليوم الآخر، وتارة ينهى عن الكفر به، وتارة يصرّح حيث لا يدع شبهة في التصريح، وتارة يُرغّب في الجنة، وتارة يُرهّب من النار، وتارة يشير، ويُلمّح في مقام حث المؤمنين على العمل الصالح، وتارة يمثّل, قال الله:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
(سورة الكهف الآية:45)
وهذا التمثيل والتشبيه لتقريب حقيقة هذه الحياة الثانية إلى الأذهان، وتارة بإقامة البراهين، والحجج المنطقية الدافعة في منافسة منكري البعث، وتارة بوصف ما في هذه الدار الآخرة من نعيم مقيم، وعذاب أليم، وجنة، ونار، وعرض، وحساب، وميزان، وصراط، إلى غير ذلك مِن مَشاهد وصور, لا يخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة أو بالسماع كثرةُ الآيات الكريمة، التي تُنَوِّهُ بالبعث من مختلف أطرافه، وبالحياة الآخرة من مختلف ألوانها، فعقيدة الإيمان باليوم الآخر، وما في هذا اليوم من حقائق ثابتة، عقيدة معلومة مِن الدين بالضرورة.
الترابط المتلازم بين عقيدة الإيمان وبين السلوك وهما لا ينفكان:
بينـت لكم من قبل, أن هناك مجموعة عقائد، يجب أن تُعلم بالضرورة، ولا يُعفى أي مسلم من مغبة الجهل بها، لكنّ التبحر في بعض العلوم فرض كفاية، غير أنّ هناك بعض الحقائق، وبعض المعتقدات الأساسية يجب أن تُعلم بالضرورة، فحضور مجالس العلم يرقى إلى مستوى الفرض، من أجل أن تعرف العقائد التي لا بد أن تعتقد بها، لأن هذه العقائد أساسية في تحرك الإنسان.
من كانت عقيدته صحيحة كان عمله صحيحاً، ومن كانت عقيدته زائغة، كان عمله زائغاً، والدليل ناصع كالشمس، هذا الذي يأكل مالاً حراماً، لماذا أكله؟ لأنه اعتقد أن الحياة هكذا, خُلق الإنسان بلا مسؤولية, أما إذا عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه سيحاسب عن هذا المال الحرام حساباً عسيراً، وإذا اعتقد أن هذا المال ربما تلف وأتلف صاحبه ابتعد عن الحرام, هنالك علاقة أساسية، وعلاقة خطيرة جداً بين المعتَقَد، وبين السلوك، هذا الذي يعتقد اعتقاداً جازما، أن كثرة ملح الطعام يسبب ارتفاع الضغط، وأن ارتفاع الضغط مرض خطير قاتل، إذا بلغ علمه حد اليقين في خطورة ملح الطعام، يعزف عن الطعام المالح، ولو كان من أشهى أنواع الطعام، لأنّ قناعته اليقينية أن ملح الطعام يسبِّب له متاعب لا حصر لها تمنعه من تناول ملح الطعام، هذا على المستوى الصحي، فإذا كان جاهلاً، ولم يعرف خطورة هذه المادة, وأثرها في رفع الضغط، وفي حبس السوائل في الجسم، وفي إرهاق القلب، تناول من الملح بشكل يرضي ذوقه، يقول لك: هذا الطعام لا يؤكل، أَضِفْ إليه الملح حتى نستسيغ طعامه, إذاً: العقيدة لها علاقة بالسلوك، وكلما ارتقى مستوى اليقين كلما سما العمل، ولا يمكن لإنسان أن يستقيم على أمر الله إلا إذا صحت عقيدته، فإذا لم تصح فهو يقترف من الآثام، ويقتنص من الشهوات، وينغمس في الملذات، لأن عقيدته غير سليمة.
إذا اعتقد الإنسان أن هذه الصلاة لا لزوم لها، إنها حركات لا معنى لها، وإنها عبء على الإنسان، فهذا كفر, وقد يترك المرء الصلاة إنكاراً لحقها فيكفر، وقد يتركها تهاوناً فيفسق، فالمعتقد شيء مهم جداً.
إذا اعتقدت أنه لا بد من أكل الربا، هكذا الحياة، هذا المال لا ينبغي أن يبقى مجمداً، ولا بد من أن يُستثمَر بربح مضمون، من دون قلق، ولا بد مِن وضعه، واستثماره بفائدة عالية، إذا اعتقدت بأن الربا حلال فقد كفرت, أما إذا اعتقدت بأن الربا حرام فهذا فسق، والفرق بين الكفر والفسق فرقٌ بين صحة العقيدة، وبين زيغ العقيدة.
عقيدة المؤمن راسخة في إيمانه باليوم الآخر وأي شبهة تعتريه مرجعه القرآن:
المسلم يعلن دائماً, أنه يؤمن باليوم الآخر، ولا ينكر شيئاً من أحوال الآخرة وحقائقها التي جاء الإخبار عنها بطريق خبر يقيني صادق، فلا ينقص منها شيئاً، فإذا قرأ الإنسان في كتاب أن الإنسان أصله قرد، وأن هذا الذي جاء في كتاب الله ليس صحيحاً، حيث إنّ الإنسان أصله من آدم، الذي كان في الجنة مع حواء، و هبطا منها، هذه القصة التي وردت في القرآن الكريم، إذا اعتقد أنها غير صحيحة، وقع في الكفر، إذًا ما موقفه من هذه النظرية؟ لا بد أنْ يأخذ منها موقفاً واضحاً، يجب أن يدحضها بالدليل العقلي والنقلي، أمّا أنْ يبقى في ذهنه صحة هذه النظرية, وصحة هذه السورة التي وردت فيها قصة سيدنا آدم فهذا مستحيل, وجمعٌ بين النقيضين, فلا بد أن يأخذ موقفاً عقائدياً صحيحاً، إما أن يؤمن بالله، وكتبه، وفي مقدمة كتبه القرآن الكريم، وإما أن يعد في عقيدته زائغاً وكافراً.
إذاً: فلا ينقص منها شيئاً، ولا يزيد عليها شيئاً من محض الخيال والتصور، لأنها مِن أمور الغيب، التي لا يستطيع العقل أن يعرف عنه أية صورة، وهذا شيء أُلح عليه كثيراً, أمور الغيب، عالم الأزل، وعالم الأبد، عالم الموت، عالم البرزخ، عالم البعث، عالم النشور، عالم الجنة، عالم النار، عالم الملائكة، عالم الجن، هذه الأشياء المغيبة عنّا، لا سبيل للعقل لمعرفتها عن طريق الاستدلال، بل لا بد من الاستسلام لِما جاء مِن الأخبار عنها، وهذه عقيدة المؤمن الصحيحة، يجب أن يكون إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، أمّا الذي أخبرك الله عنه، فالإيمان به إيمان تصديقي.
أسماء يوم الآخر كما وردت في الكتاب:
1- أسماء بحسب الظرف الزماني:
لليوم الآخر أسماء كثيرة وردت في كتاب الله، وهناك فروق في دلالاتها، فلقد جاء في القرآن الكريم تسمية اليوم الآخر بعدة أسماء، أخذاً بما يجري فيه، ومن أسمائه:
1- يوم البعث: لأن فيه البعث إلى الحياة الجسدية بعد الموت، ويوم البعث إشارة إلى أن الإنسان يُبْعَث بعد أن يموت.
2- يوم الخروج: لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾
(سورة ق الآية:42)
3- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس إلى الله سبحانه وتعالى لحسابهم.
4- يوم الدين: لأن فيه إدانة الخلائق، ومجازاتهم على أعمالهم.
5- يوم الفصل: لأنّ الناس في الدنيا يعيشون على حدِّ قول الشاعر:
وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:53)
كل الناس يعتقدون أنهم على حق، وأن غيرهم على الباطل, فيأتي يومُ الفصل ليفصل في هذا الموضوع, لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل.
6- يوم الحشر، ويوم الجمع: لأن فيه جمع الخلائق، وحشرهم في موقف الحساب.
7- يوم الحساب: لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا.
8- يوم الوعيد: لأن فيه تحقيقاً لوعيد الله سبحانه وتعالى, قال الله:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾
(سورة ق الآية:20)
9- يوم الحسرة: لأن في هذا اليوم ينفطر قلب الكافر حسرةً, قال الله:
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾
(سورة الزُمر الآية:56)
10- يوم الخلود: لأن الحياة في هذا اليوم للمكلفين في الدنيا حياة أبدية خالدة، والإنسان في الدنيا يخشى تقدم السن، ومع تقدم السن يخشى الموت، ويخشى أن تمضي به الدنيا، فيغادرها قبل أن يستمتع فيها، يخاف أن يشيب شعره، فيحرص على شبابه الدائم، أما هذا الشعور فهو يوم القيامة غير موجود في الجنة، لا تقدم في السن، ولا ضعف في الجسم، ولا ضعف في البصر، ولا فقد للذاكرة، ولا خوف من الموت، ولا خوف من النهاية, قال الله:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾
(سورة ق الآية:34)
إلى غير ذلك من الأسماء.
والملاحظ, كل هذه الأسماء مُضافة إلى كلمة يوم، أخذاً مِن الظرف الزماني.
2- أسماء بحسب الظرف المكاني:
وقد جاءت أسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار، أخذاً من الظرف المكاني، المستلزم لهذه الحياة الثانية, ومن هذه الأسماء:
1- الدار الآخرة: لأن هذه الحياة الثانية حياة مادية أيضاً، تستلزم مكاناً، وقد أطلق الله على مكانها اسم الدار.
2- دار القرار: هنا يستقر الإنسان، الإنسان في الدنيا يغنى ويفتقر، يرتفع وينخفص، يصح ويمرض، لكنه في الآخرة يستقر على حال واحدة، لأن فيها استقراراً دائماً بلا فناء.
3- دار الخلد: لأن الإقامة فيها إقامة أبدية، لا تحتاج إلى تجديد إقامة، كما إذا كان الإنسان في بلد، أعماله فيه رائجة جداً، ودخله كبير، لكنه أجنبي عن هذا البلد، أهم شيء في حياته الإقامة، إذا قام بتجديدها يصبح عنده قلق مستمر، لكنه إذا دخل إلى الجنة فلا يحتاج في الجنة إلى تجديد إقامة، ولا يخشى أن تُلغى إقامته فيها, قال الله:
﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية:48)
3- أسماء لها معاني أخرى:
كما وردت أسماء أخرى لليوم الآخر, يلاحظُ فيها معاني أخرى, وهي:
1- الواقعة مثلاً, قال تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾
(سورة الواقعة الآية:1)
سميت واقعة أخذاً من تحقق وقوعها، فلا بد أن تقع, قل تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
(سورة الواقعة الآسية:1-3)
قد يصبح الإنسان في الآخرة في أعلى عليين، وقد كان في الدنيا مغموراً، وقد يصبح الإنسان في الآخرة في أسفل السافلين، وقد كان في الدنيا مشهوراً.
2- الحاقّة: لأنها تحق كل مجادل، ومخاصم في دين الله بالباطل، أي تغلبه أخذاً من قولهم: حاققته فحققته، أي غالبته فغلبته, قال الله:
﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾
(سورة الحاقة الآية:1-4)
الإنسان أحياناً يخاصم، ويجادل، ويدعي المنطق، لكنه يوم القيامة تأتيه الحجة الدامغة، على أنّ الذي وَعَدَ الله به حق، قال الله:
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾
(سورة يس الآية:52)
3- القارعة: أخذاً مما يجري فيها من قرع شديد، والقرع هو الضرب الذي يحصل فيه صوت شديد، وسميت القارعة: لأنها تقرع القلوب بأهوالها.
لو طرق باب إنسان الساعة الثانية ليلاً بعنف بالغ، أعتقد أن قلبه سينخلع، يقول: من جاء ليأخذني؟ قال الله:
﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾
(سورة القارعة الآية: 1-3)
4- الغاشية: أخذاً مما يجري فيها من غشيان عام للثقلين، الإنس والجن، قد يتلقى الإنسان نبأ سيء، فينسى كل أموره العادية، ويكون عنده قائمة مشكلات يريد حلها، يأتيه خبر سيء فينسيه كل شيء، قال عز وجل:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ﴾
(سورة الغاشية الآية:1-5)
لو نزل رجل في فندق، فلم تعجبه الغرفة، وهو يبحث مع صاحب الفندق لينتقل إلى غرفة أجمل مطلة على البحر، وهو كذلك إذْ تأتيه مكالمة هاتفية أن محله قد احترق، فهل يبقى مع هذا النبأ مشكلة الغرفة؟ فوراً ينساها.
5- الطامّة: وأصل الطامة الداهية التي تغلب، وتفوق ما سواها من الدواهي، من قولهم: طم الشيء أي غمره، وسميت القيامة الطامة لما فيها من الشمول والعلية.
6- الآزفة، قال سبحانه:
﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
(سورة النجم الآية:57-58)
الآزفة: أي القريبة، وسميت بذلك إشعاراً بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا الطويل، وإعلان قربها يتضمن تحقق وقوعها لزوماً، إلى غير ذلك من أسماء.
عنوان الدرس القادم إن شاء الله:
وسوف ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى مقدمات اليوم الآخر، أولاً: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، قيام الساعة، أمارات الساعة، وننتقل بعدها إلى البرزخ، وما فيه من نعيم القبر وعذابه، وبعدئذ إلى سؤال القبر من قبل الملكين، وبعدها النفخة الأولى، والنفخة الثانية، وبعدها بعض الحقائق عن البعث واليوم الآخر.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 02:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (9)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المرحلة الثانية من مراحل اليوم الآخر وهي ما بعد الموت:
1- عالم البرزخ:
أيها الأخوة، وصلنا في الدرس الماضي في موضوع اليوم الآخر إلى المرحلة الثانية من مراحل ما بعد الموت، ألا وهي البرزخ، وتحدثنا عن الساعة، وهي نهاية الحياة الدنيا، وبداية الحياة الآخرة، وهناك مرحلة بين الدنيا والآخرة, وهي مرحلة انتقالية سماها القرآن الكريم البرزخ، قال تعالى في سورة المؤمنون:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:99-100)
ففي هذه الآية تصريح بأن ما بين الموت، وبين البعث مرحلة زمنية اسمها البرزخ.
أحوال البرزخ:
1- عذاب القبر ونعيمه:
فماذا في البرزخ؟ في البرزخ نعيم مقيم، أو عذاب أليم، لو أن قاضيًا أصدر حكماً بالإعدام، ماذا يوجد بين إصدار الحكم وتنفيذه؟ حالة من الشقاء النفسي، هذا الذي يصدر في حقه حكم بالإعدام، إلى أن يُطبق عليه الحكم يموت كل يوم ميتتين أو ثلاثًا، وكلما وُضِع المفتاح في الباب يظن أنهم جاؤوا لينفذوا فيه حكم الإعدام, فما الذي يؤكد أن في البرزخ نعيم، أو عذاب أليم؟ الآية التالية من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
فموت هذا ليس كموت هذا، وحياة المؤمن غير حياة الكافر، المؤمن حياته طمأنينة، فيها رضاء، واستسلام، وتوكل، وتفويض، و تسليم، وسعادة, وتفاؤل، موعود بجنة عرضها السموات والأرض، أمّا حياة الكافر فيسودها القلق، والقهر، والشعور بالحرمان، وخوف الفقر، أو خوف المرض، أو خوف المصيبة، فشتان حينئذٍ بين حياة المؤمن وحياة الكافر، هذا لا شك فيه، هذا شيء نعرفه جميعاً، ونعيشه، لكن الآية تشير إلى هذا, والدليل:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
فالتسوية بين الفريقين المذكورين في الممات مستحيلة.
الأدلة الواردة من الكتاب والسنة على عذاب القبر ونعيمه:
يقول الله عزّ وجل في شأن آل فرعون في سورة غافر:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية:46)
فرعون، ومن معه منذ ستة آلاف عام، وإلى يوم القيامة يعرضون على النار غدواً وعشياً، ستة آلاف عام اضربوها بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً، ثم اضربوا الناتج باثنين، ينتج عدد مرات عرض فرعون ومن معه على النار, قال الله:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية:46)
هذه الآية أصلٌ في عذاب القبر، لذلك ربنا عزّ وجل يقول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
(سورة المدثر الآية:38)
﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾
( سورة المدثر الآية:39)
أصحاب اليمين أنفسهم طليقة، بينما أهل النار أنفسهم رهينة بأعمالهم.
أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، وصحيحة تؤيد عذاب القبر، أو نعيمه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
(أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في الصحيح )
الإنسان له مقعد بعد الموت، فإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل الجنة، وإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل النّار، يجلس عليه إلى أن يبعثه الله يوم القيامة.
عن عبد لله ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقَبْرَيْنِ, فَقَالَ:
" إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ "
( أخرجه الجماعة وهذا لفظ البخاري عن ابن عباس في الصحيح)
وما من شيء يفتت العلاقات الاجتماعية، ويفّرق بين الأهل, وبين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، والأب وابنه, والأم وابنتها مثل النميمة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, قَالَ:
" كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الأنْصَارِيُّ فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيـْنَ وَلَدِهَا, قـَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
( ورد في الأثر)
فأي تفريق بين متحابين، بين زوجين، بين أخوين، بين شريكين، بين جارين، بين موظفين، بين زميلين، التفريق بينهما جرم كبير عند الله عزّ وجل, لذلك كانت النميمة هي السلاح الفعال لتفتيت المجتمع، قال عليه الصلاة و السلام:
" لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ "
(أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
يقول الله سبحانه وتعالى:
ِ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
وفي معنى آخر:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
أي أصلح أنت كل علاقة بين اثنين لست أنت أحدهما، أصلحْ بين أخويك، أصلح بين جيرانك، أصلح بين أولادك، أصلح بين بناتك، فالآية دقيقة جداً:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
تلاحظون أن كل الذي ذكرته من تعريف البرزخ، ومن عذاب أهل الكفر في القبر، ومن نعيم أهل الجنة في القبر, مؤكَّدٌ بآيات قرآنية، وبأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم.
هل عذاب القبر ونعيمه جسماني وروحاني معاً, أي على النفس والبدن ؟
كيف يكون العذاب؟ وما طبيعة هذا العذاب؟ هل هو عذاب مادي؟ هل هو عذاب نفسي ؟ هذا لا نعرف عنه شيئاً، لأننا في هذه الموضوعات ليس لنا إلا أن نؤمن بالخبر الصادق الذي ذكره الله عزّ وجل، وما سوى الخبر الصادق مِن التحليلات، والزيادات، والإضافات هذا كله لا يقدِّم، ولا يؤخر، بل إن علماء العقيدة قالوا: أي زيادة في المغيّبات عن الخبر النصّي فهي زيادة ظنية، ليس لها مستوى اليقين.
لذلك, كيف يكون العذاب؟ كيف يكون النعيم؟ هذه أمور غيّبها الله عنا، ولكن الشيء المطلوب أن يكون عملك صالحاً، حتى تعرف معرفة يقينية بعد الموت كيف يكون النعيم؟ لكن أنا حتى أقرب لك الموضوع, أقول: أحياناً تأوي إلى فراشك، وأنت في حالة عادية، ترى رؤيا لا تحب أن تستيقظ من شدة السرور بها، تشعر إن رأيت النبي عليه الصلاة والسلام بالسعادة التي تحصلها من هذه الرؤيا سعادة لا توصف، إن رأيت أصحاب رسول الله، إن رأيت من تحبهم مِن المؤمنين، إن رأيت نفسك قد وصلت إلى آمالك، وإن الله عزّ وجل قادر على أن يسعدك سعادة ملموسة حقيقية، وأنت في فراشك، وبالمقابل فإنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يذيق الإنسان في أثناء النوم مِن ألوان العذاب، ومن ألوان الخوف، ومن ألوان الاضطهاد، ومن ألوان القلق ما لا سبيل إلى وصفه، يسمونها كوابيس، واللهُ عزّ وجل جعل النوم مثلاً لنا، كيف يمكن أن يعذَّب الإنسان عذاباً شديداً من دون أن يكون للجسد أثرٌ فيه, في النوم؟ لكن عذاب الآخرة عذاب مادي قولاً واحداً، وعذاب نفسي، قال تعالى:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:104)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية:56)
طبيعة العذاب في القبر, لم يرِد فيها نص قرآني يوضح طبيعته، لكن العذاب موجود، والنعيم موجود، وطبيعة العذاب، وطبيعة النعيم تُترك إلى حينها.
2- بيان سؤال منكر ونكير مع الدليل:
سؤال القبر من قِبَل الملكين منكر ونكير، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الإنسان المكلف إذا مات, جاءه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، ويقال للآخر النكير، فيسألانه الأسئلة التالية:
من ربك؟ قد يقول أحدكم: الجواب سهل, أقول: الله ربي.
ما دينك؟ الإسلام ديني.
ماذا تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم, أي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ هو نبي الرحمة.
لكن الحقيقة, هذه اللغة التي تستخدمها في الدنيا لا تستطيع أن تستخدمها في القبر، فأنت في القبر لا تنطق إلا بلغة الحال، فمَن كان دينه الدرهم والدينار في الدنيا، إذا سُئل: ما دينك؟ يقول: الدرهم والدينار، والذي كان دينه في الدنيا الشهوات إذا سُئل؟ يقول: النساء، والذي كان دينه الإفساد بين الناس إذا سُئل؟ يقول: ديني الإفساد بين الناس, لذلك, ليس هناك كذب في الآخرة, فطبيعة اليوم الآخر, لا تحتمل تزييف الحقائق، ولا تغيير الحقائق, قال الله:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
(سورة يس الآية:65)
لذلك طلب أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن تدركه الوفاة, قميص النبي عليه الصلاة والسلام ليكفَّن به، فقالوا: لِمَ طلبت هذا القميص؟ قال: إذا قال لي الملكان: من ربك؟ أقول: الله ربي، وما دينك؟ أقول: الإسلام ديني، ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ أقول: هذا قميصه، لكن بعض المنافقين الذين كانوا يجلسون إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا رأس الفتنة في المدينة، حينما جاءتهم المنية, قال عليه الصلاة والسلام: الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي فيه سبعين خريفاً، وقد طلبوا قميص النبي، وأعطاهم النبي قميصه، وقال:
" وما يغنيكم قميصي من عذاب الله "
( ورد في الأثر)
أي كن موضوعياً، تعلق بجوهر الدين, فلو أنك ارتديت قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في المستوى المطلوب، لما نفعك هذا القميص.
أما المؤمن فيجيب عليها بما آمن به في الدنيا مِن حق، يعرض عليه مقعده من الجنة، بعد أن يُعرض عليه مقعده من النار، لو لم يكن قد مات مؤمناً، وذلك تثبيتًا لقلبه، وتنعيماً له، ويُفسح له مد نظره، أي أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأما المنافق والكافر, فيقول: هاء, هاء, لا أدري، فيُقال له: لا دريت ولا تليت, ويُضرب بمطارق من حديد، يصيح منها صيحة يسمعها مَن يليه غير الثقلين، أي يسمع صيحته مَن يليه من الملائكة والموتى غير الإنس والجن، كما يضيق عليه تعذيباً له، فيختلف عليه القبر، حتى تختلف أضلاعه معه. فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
" إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ "
( ورد في الأثر)
فالإنسان بعد الموت يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، فأنا أعتقد أن روح الميت ترفرف فوق النعش، ترى المشيعين واحداً واحداً، ترى مَن يبكي، ومن لا يبكي، ترى من يعلن عن حزنه، ومن لا يعلن، ترى أن فلانًا، وفلانًا كانا يتحادثان في الجنازة.
وقد قال أصحاب النبي عليه الصلاة السلام عقب معركة بدر الكبرى، وقد توجه إلى قتلى بدر يخاطبهم: يا عقبة بن شيبة، يا أمية بن خلف، يا فلان، يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني، وصدقني الناس، وأخرجتموني، وآواني الناس، وخذلتموني، ونصرني الناس، فدهش أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا:
" يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا جَيَّفُوا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ أَوْ لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ "
(أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح)
لذلك عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
" الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الـرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ "
( ورد في الأثر)
وقد حدثتكم من قبــل, عن أن أول ليلـة يوضع الميت فيها في قبره أنها أصعب ليلة، تصور إنسانًا يسكن في بيت، ينام على فراش وثير، عليه ملاءة بيضاء، ناصعة كالثلج، وقد تكون معطرة أحياناً، يجلس إلى طاولة ليتناول الطعام، وعلى هذه الطاولة ما لذّ وطاب، حوله زوجته وأولاده، قد يأتيه ضيف يعظمه، ويبجله، وقد يُدعى إلى سهرة، إلى ندوة، إلى نزهة، فما قولكم إذا سُحب هذا الرجل, ليوضع في حفرة لا نور فيها، ولا دفء، ولا اتساع ؟ لذلك, الإنسان حينما يوضع في قبره أول ليلة,
" يقول الله عزّ وجل: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت "
( ورد في الأثر)
إنك صائر إلى الله عزّ وجل، فالمفروض عليك أن تحسن علاقتك به من الآن.
جاء في حديث آخر, أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ "
( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه )
هناك قصة رمزية: أن إنسانًا غنيًا وافته المنية، خاف أولاده من هذه الليلة الأولى التي يوضع فيها في القبر، فرأوا إنساناً فقيراً معدماً، وعرضوا عليه أن ينام هذه الليلة مع أبيهم، ويعطونه مبلغاً كبيراً، وهذا فقير, محروم، بائس، رضي بالعرض، فنام إلى جنب هذا الميت الغني، جاء الملَكان، فرأوا منظراً غريباً، العادة يُدفَن واحد في القبر، والآن هناك اثنان, فقال أحدُهم للآخر: أرى اثنين، فارتعب الرجل، فحرّك قدمه، فقال: وأيضاً أشاهده حياً، فلنبدأ به، أجلساه، وكان له حبل قد ربط ثوبه به، فسألاه: مِن أين لك هذا الحبل؟ فقال: وجدتها، أين وجدتها؟ قال: في بستان، كيف دخلت إلى هذا البستان؟ استأذنت من صاحب البستان؟ سؤال وراء سؤال، ثم انهالوا عليه ضرباً، فلما جاء الصباح خرج من هذا القبر، وهو لا يلوي على شي، ويقول: أعان الله أباكم.
فلذلك, موضوع عذاب القبر شيء مخيف، وهناك حديث آخر, أخرجه البخاري ومسلم عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال:
" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن البراء بن عازب في الصحيح )
الأحاديث في هذا الباب متعددة، يكمل بعضها بعضاً، وعلى كل الأسئلة معروفة لدينا، الأسئلة قد سربت إلينا، ما علينا إلا أن نعد للإجابة عن هذه الأسئلة، والإجابة لا تكون بلسان المقال، بل بلسان الحال.
2- النفخ في الصور, وله حالتان:
1- النفخة الأولى:
هنالك النفخة الأولى، والنفخة الثانية, كل هذه الحقائق، وكل هذه المعلومات مأخوذة من كتاب الله سبحانه وتعالى، ولقد أخبرنا الله تعالى بأنه ستحدث نفختان في الصور، وعندها يكون إنهاء النظام القائم في الحياة الأولى، وقد جاء التعبير عن وقت هذا الإنهاء بالساعة، أي لدينا أول نفخة تنتهي بها الحياة الدنيا، ويُصعق كل مَن عليها، ولو فرضنا أنه أتى يوم القيامة، والناس في بيوتهم، وفي الشوارع، وفي الطرقات، وفي محلاتهم التجارية، وفي النزهات، وفي المصايف، وبعضهم على البحر، وآخرون على الجبل، فكيف يموت هؤلاء؟ يموت الناس كلهم دفعة واحدة بهذه النفخة الأولى, قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
(سورة الحج الآية:1-2)
ما من عاطفة على وجه الأرض أشد, وأبلغ من عاطفة الأم على ابنها، ولا تكون هذه العاطفة في أعلى درجاتها إلا في أثناء الإرضاع، لم يقل الله عزّ وجل: يوم ترونها تذهل كل مرضع, بل قال:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
لو قال الله عزّ وجل: كل مرضع، لقصد المرأة المرضع التي هي في طور الإرضاع، أي بعد أن تولد، خلال أيام ثدياها يدران الحليب، نقول: هذه امرأة مُرضع، لأن كل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث، تقول: معلم ومعلمة، لماذا تؤنث المعلم، لأن في الحياة معلم ومعلمة, عامل وعاملة, حامل وحاملة, فما دامت الصفة يشترك بها الذكر والأنثى تؤنث عندئذٍ، أما إذا انفردت الأنثى بصفة ما، فهذه الصفة لا تؤنث، تقول: امرأة بكر، وامرأة ثيب، وامرأة طالق، وامرأة حامل، فكل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث, بل تذكر، أما الفرق بين امرأة حاملة, وامرأة حامل فهو فرق دقيق، الرجل يحمل مع المرأة، فإذا قلت: امرأة حاملة، أي على ظهرها، وإذا قلت: امرأة حامل، أيْ في بطنها, قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
هي في الأساس مرضع, لأن المرأة الآن تحمل الغلام، وتضعه على صدرها، وهذا بإمكانه أن يفعله الرجل، إذًا: هذه مرضعة، فالأم في أثناء إرضاع ابنها لشدة الخوف تذهل عنه، ولا تلقي له بالاً:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾
( سورة النازعات الآية:6)
عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: الراجفة هي النفخة الأولى.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾
( سورة الزمر الآية:68)
هذه النفخة الأولى, يصعق لها من في السموات والأرض, هذه النفخة, نفخة الصعق التي تنهي الحياة على وجه الأرض.
2- النفخة الثانية:
أما النفخة الثانية: وهي نفخة البعث إلى الحياة بعد الموت، وقد جاء التعبير عن الوقت الذي يحدث فيه البعث العام إلى الحياة بعد الموت بالساعة، قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾
( سورة الروم الآية:55)
لدينا في هذه الجملة, لون بلاغي اسمه الجناس، الجناس: تشابه كلمتين في اللفظ، واختلافهما في المعنى, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾
( سورة الروم الآية:55)
يقيني بالله يقيني، هذا جناس، يقيني بالله، أي إيماني بالله يحفظني، ويدل على حدوث النفخة الثانية قوله تعالى في سورة النازعات:
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾
( سورة النازعات الآية:7)
عن ابن عباس, قال: الرادفة هي النفخة الثانية، وقوله تعالى في سورة الزمر:
﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾
( سورة الزمر الآية:68)
النفخة الثانية هي: إذا هم قيام ينظرون، وهذه النفخة جاءت تسميتها في القرآن بالناقور، قال تعالى:
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾
( سورة المدثر الآية:8)
وقد ورد أن الملك الموكل بنفخ الصور تنفيذاً لأمر الله هو إسرافيل عليه السلام، كما سبق ذلك في مبحث الإيمان بالملائكة, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾
(سورة النمل الآية:87)
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
استثناهم من الموت بهذه النفخة، لأن الله يتولى قبض أرواحهم بدون نفخة الصور، كإسرافيل الموكل بالنفخ فيه، طبعاً:
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
الموكل بهذه النفخة يميته الله عزّ وجل مباشرة، حتى ملك الموت, يقول له: مُت يا ملك الموت، من دون نفخة، قال الله:
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
وبالنفخة الثانية يبعث الله الناس إلى الحياة الثانية, ليتم فيها نظام الجزاء الأكمل بالثواب أو بالعقاب، أما وضع الكون بعد البعث, فقد جاء وصفه في قوله تعالى في سورة إبراهيم:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾
(سورة إبراهيم الآية:48)
البطولة أن تكون في هذا الموقف مع الفائزين، أو مع الناجين، أو مع الناجحين.
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن البعث واليوم الآخر، نتحدث عن الدنيا والآخرة، وأن البعث ممكن عقلاً، وأن البعث حقيقة لا شك فيها، وعن الحياة في اليوم الآخر، حياة مرافقة للتجسد المادي، إلى ما هنالك من بحوث في الإيمان باليوم الآخر.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 02:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (10)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة مراحل اليوم الآخر:
3- البعث:
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر إلى حقائق عن يوم البعث واليوم الآخر، يبدأ اليوم الآخر بالبعث التي تعود فيه الحياة المادية للمخلوقات الحية، التي قرر الله عودة الحياة إليها، استكمالاً لأنظمة الله في الخلق، وليقيم الله في هذه الحياة الثانية عدله, وليتمم فضله، ويحقق الثمرة الفضلى للابتلاء الذي جعل ميدانه في الحياة الأولى الفانية.
فنحن في الحياة الفانية حياة ابتلاء، وفي الحياة الثانية حياة جزاء، وحياة إقامة العدل وفي المعتقدات الإسلامية حقائق كثيرة عن البعث، وأحوال اليوم الآخر فيه جاءت في الكتاب المجيد، والسنة المطهّرة.
الذي أريده ثانية أن أوضحه أنّ الأمور المتعلقة باليوم الآخر أمور نعرفها من خلال الخبر الصادق، وليس هناك مصدر آخر, لذلك لا نستطيع أن نزيد على النصوص قطعية الثبوت والدلالة التي وردت في كتاب الله، وفي الأحاديث الصحيحة المتواترة وغير المتواترة، والتي من خلالها هذه النصوص نستشف أحوال اليوم الآخر.
قضى الله بعلمه المسبق خلق الدنيا والآخرة لحكمة أرادها:
لقد تمت إرادة الله المرافقة لعلمه وحكمته، أُلح على هذا إرادة الله وفق علمه، ووفق حكمته، لا تستطيع ولا في لحظة واحدة أن تنفي عن إرادة الله العلم الذي لا حدود له، والحكمة التي لا حدود لها.
فقد تمت إرادة الله عزّ وجل المرافقة لعلمه وحكمته, أن يخلق عالمين:
1- عالماً فانياً: وهو عالم الدنيا الذي نحن فيه، وهو دار الامتحان.
2- عالماً آخر خالداً: وهو عالم الدار الآخرة، وهي دار الجزاء.
وكما تمت إرادته تعالى بأن يضع فضله ورحمته وعدله في مواضعها، فمن أحسن فآمن بالله، وأطاعه، واستقام على شريعته في الدنيا، فقد أعدّ الله له في الدار الآخرة، السعادة الأبدية الخالدة، والنعيم المقيم مكافأة منه وفضلاً, ومن أجرم, فكفر بالله، وعصى في دار الامتحان, فقد أعدَّ الله له في الدار الآخرة العقوبة، والانتقام جزاء منه وعدلاً، والدليل قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾
(سورة الشورى الآية:20)
البعث من الأمور الممكنة عقلاً الذي يستحيل إنكاره:
البعث ممكن عقلاً، و البعث: هو إعادة بناء الأجساد بعد فنائها، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها، فإن كل عقل سليم يدرك بداهة أن البدء والإعادة أمران متساويان، فمن يبدأ الخلق ثم يُفنيه، قادر على إعادته وبعثه لا محالة، والدليل, قال تعالى في سورة الروم:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سورة الروم الآية:27)
يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة، وهو أهون عليه، وكلما فكرت في عظمة الله عزّ وجل، رأيت أن إعادة الخلق هينة عليه عزّ وجل وعلا، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم.
قدرة الله جلّ وعلا لا تقف دونها حدود في مجال الأمور الممكنة عقلاً التي لاستحالة فيها، هذه القدرة قادرة على أن تحيي الموتى حياة مادية جسدية وروحية، لتسوقهم إلى العالم الآخر, عالم الجزاء، وإقامة العدل الإلهي، أَو ليس مَن خلق السموات والأرض دون أن يجهد بخلقهن، بقادر على إحياء الموتى، وإعادة الحياة مرة ثانية، إنه قادر على كل شيء، إنما أمرُه إذا أراد أن يخلق شيئاً، مهما كان دقيقاً أو عظيماً، أن يقول له: كن فيكون، قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الأحقاف الآية:33)
إذًا: البعث ممكن عقلاً.
البعث أمر واقع في وقته المحدد في علم الغيب:
البعث حقيقة لا شك فيها، لقد أخبرنا الله تعالى بأن البعث للدار الآخرة في يوم الجزاء حقيقة مقررة في قضاء الله وقدره، ستوضع موضع التنفيذ إذا جاء أجلها المحدد في علم الله، فالبعث أمرٌ واقع لا محالة، ستعود فيه الحياة إلى الأجساد التي رمت وبليت، وليس ذلك على الله ببعيد، ولا مستغرب على قدرته الذي خلق السموات والأرض، وخلْقُهن أكبر من خلق الناس.
أَو َليس الذي ابتدع خلْقَ الإنسان على غير مثال سابق بقادر على إعادة كل فردٍ من أفراد نوعه بعد موته، وفناء جسده؟ بلى إنه قادر، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
(سورة الحج الآية:7)
وهم يستطرق بعض الأذهان:
هناك وَهْم يقع فيه بعض المتعلمين، هذا الوهم هو أن الحياة الآخرة حياة روحية فقط، وليس فيها حياة مادية، لكن القرآن الكريم، والنص فيه قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، يؤكد أن الحياة في اليوم الآخر حياة مادية روحية معاً، فالنصوص الدينية القاطعة يجب علينا أن نتقيد بدلائلها في نوع هذه الحياة الثانية.
إنّ الإنسان ليس له الحق أن يتصور، ويحلل، ويفكر في بعد عن النصوص القرآنية التي لا تدع مجالاً للشك في أن الحياة الآخرة حياة مادية روحية معاً، فمِن المقرر في أصول العقيدة الإسلامية أنّ علمَ الله بما سيكون في مخلوقاته لا يكون إلا وفق مراده، ومراده تعالى مساير لحكمته العظيمة، ومن المقرر أيضاً في أصول العقيدة الإسلامية أن إخبار الله في نصوص دينية قاطعة التي بلغها الله أنبياءه، ورسله لا تكون إلا وفق علمه، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن الحياة الثانية حياة مادية مشابهة للحياة الأولى، فأيّ مبرر للفرار من مدلولات أخبار الله القاطعة التي بلّغها إلينا أنبياؤه ورسله الصادقون.
الأدلة الواردة من الكتاب حول بحث البعث روحاً وجسداً:
إننا بقليل من التأمل, لا نجد من المبررات شيئاً إلا مجرد التعنت على الله في ما أخبرنا به, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾
( سورة الحج الآية:23)
آيات كثيرة لو رجعنا إليها، وإلى مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وإلى ألوان النعيم في الجنة، وإلى ألوان العذاب في النار، لوجدنا أن هناك عذاباً مادياً محضاً, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:56)
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:104)
﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:105-106)
نصوص قرآنية صريحة واضحة كثيرة، قطعية الدلالة تؤكد أن الحياة في الدار الآخرة حياة مادية وروحية في وقت واحد، فمَن ينكر الجانب المادي منها فقد كفر بآيات الله القاطعة.
ينبغي على من يريد الرد على حقائق الغيب أن يكون قائده العلم والدليل لا الهوى:
ومن وقع في توهمه أنه يريد أن ينزّه الله تعالى عن أن يجعل حياتنا الثانية الأبدية غير مصاحبة لجسد مادي، فبماذا يجيب عن نظام الخلق الأول, وهو نظام مادي نعيش في شروطه وظروفه؟ لذلك يجب علينا شرعاً أن نعتقد بهذه الحقيقة، حقيقة الحياة الثانية، اتباعاً لنصوص الشريعة القاطعة الواردة في القرآن الكريم، والسنة المطهرة.
فكلما قرأت آية أو آيات عن نعيم أهل الجنة, فينبغي أن تعتقد أن هناك نعيماً مادياً، ونعيماً روحياً في وقت واحد، فإذا أنكرت أحدهما، فقد أنكرت كتاب الله عزّ وجل، وحيثما قرأت في القرآن الكريم عن ألوان العذاب الذي يذوقه أهل النار, فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العذاب في جهنم عذاب مادي بالدرجة الأولى، وعذاب نفسي، فإذا أنكرت أحدهما فقد أنكرت بعض آيات القرآن الكريم.
هذه النقطة أردت أن أثيرها، وأن ألح عليها ليُنتزع من أذهان بعض الناس أن الحياة الآخرة حياة روحية محضة، وأن العذاب عذاب نفسي، بل إن العذاب عذاب مادي ونفسي، والنعيم نعيم مادي ونفسي، والآيات التي توضح هذا, وتؤكده كثيرة جداً.
4- الحشر:
ومن الحقائق الثابتة عن اليوم الآخر موضوع الحشر، فالحشر هو الجمع، وبعد البعث إلى الحياة الآخرة يوم القيامة, يتم حشر الخلائق لموقف الحساب، وقد تظاهرت الآيات القرآنية لتثبت حقيقة الحشر، وتعرض طائفة من الصور التي ستكون في ذلك اليوم الرهيب، وذلك لتقريب حقيقة ما سيجري فيه إلى الأذهان، ومن ذلك اليوم:
صفة أرض المحشر وأهله:
1- تشقق الأرض عن الخلائق يوم القيامة لبعثهم عقب النفخة الثانية كما مر معنا في الدرس الماضي، فيخرجون منها سراعاً إلى موقف الحشر, قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾
(سورة ق الآية:44)
2- تسوية أرض المحشر، فتكون كلها بارزة، لا جبال فيها، ولا وديان، قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾
( سورة الكهف الآية:47)
وقد جاء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم توضيحاً لما جاء في كتاب الله، وردت صورة من صور الآخرة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام, فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ"
( أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في الصحيح )
قرصة النقي، أي كرغيف الخبز الأبيض المنخول, ليس فيها معلَم لأحد، أي ليس فيها علامة لأحد، أرض منبسطة.
3- ومن ذلك أن الحشر يعم الإنس، والجن، والملائكة، وكل دواب الأرض، وطيورها، أما حشر الإنس والجن فلأنهم مكلفون، وأما حشر الملائكة فليقوموا بوظائفهم وفق سنة الله في خلقه، وأما دواب الأرض وطيورها فقد جاء في إثبات حشرها, قوله تعالى:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية:38)
الدواب في الأرض، والطيور في السماء، وقد جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على الفائدة من حشرها، فمن ذلك القصاص مِن البهائم الظالمة في الدنيا للمظلومة منها، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
" لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا "
( ورد في الأثر)
لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون, لا قتصّ من القرناء يوم القيامة، فإذا كان الحساب على هذا المستوى فويل للإنسان الذي يعتدي على حقوق الآخرين، وفي بعض الأحاديث أن الطير الذي اصطاده الصياد للتسلية لا ليأكله يأتي يوم القيامة، وله دوي كدوي النحل، يقول: يا ربي سله فيم قتلني؟ وقد يذهب بك الظن أن الصيد مباح على إطلاقه، لا يا أخي، هو مباح إذا كنت مسافراً، وانتهى زادك، وخشيت على نفسك الهلاك، فلك أن تصطاد، وأن تأكل، فأنت مكرمٌ على الله عزّ وجل، أما أن يُتخذ الصيد هواية لقتل البهائم، وقتل الطيور بلا سبب، بل مجرد الهواية, فهذا في حكم الشرع محرمٌ قطعاً، ففي بحث الصيد، هناك صيد محرم ومباح وواجب ومكروه, فهذه الدواب التي خلقها الله لنا، لها وظيفة ثانية في الحشر وهي:
أولاً: يُقتص منها.
ثانياً: تؤدي الشهادة، فمن ركب دابة لمعصية تشهد عليه يوم القيامة, قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة فصلت الآية:21)
4- أن المجرمين يحشرون يوم القيامة مُنكبين على وجوههم، عمياً، وبكماً، وصماً، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية:97)
هذا كله في المحشر، لا زلنا في موضوع الحشر.
5- من ذلك ما يصيب أهل الموقف من فزع عام، يصدر فيه الناس أشتاتاً، قال تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية:1-8)
6- ومن ذلك ما يصيب الناسَ يوم الحشر من شدة, تتفاوت بتفاوت أحوالهم في الدنيا، إلى غير ذلك من صور، فيها إكرام للمؤمنين المتقين، وفيها إهانة للمجرمين الظالمين.
7- ومن ذلك أن الناس يوم القيامة يُحشرون حفاة عراة غُرلاً، والغُرل جمع أغرل، والأغرل الذي لم يُختن، وفي بعض الأحاديث أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الأمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح )
الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك.
صفة هول المحشر:
وفي بعض الأحاديث التي كنت أرويها في مناسبات أخرى, أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام, أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة؟ لو أن إنساناً له جار، له زميل، له قريب, له ابن، له أب، له أخ، هل إذا رآه يوم الحشر يعرفه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله وعند الصراط "
( أخرجه أبو داود عن عائشة في سننه )
عند فتح الصحف، وعند نصب الميزان، وعند السير على الصراط، في مثل هذه المواقف الثلاثة لا يعرف أحد أحداً إطلاقاً.
قد تقع عين الأم على ابنها، أقرب مِن هذا لا يوجد، تقول: يا ولدي جعلت لك صدري سقاء، وحجري وطاء، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم؟ أتعطيني بعض حسناتك يا ولدي؟ فيقول الابن لأمه: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين, هذا من أهوال يوم الحشر.
5- العرض والسؤال والحساب:
ثم بقي العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، هذه أيضاً من لوازم يوم القيامة، ولا يتم تنجيز المرحلة الأخيرة من العقاب أو الثواب قبل اجتياز مرحلة الحساب، وذلك للفصل بين الخلائق، ولإقامة الحكم بالعدل، ولتقرير مرتبة الإكرام، والفضل تمهيداً لمقتضى الجزاء المقرر بموجب قانون الجزاء الرباني, قال تعالى في سورة الغاشية:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
(سورة الغاشية الآية:25-26)
فهناك حساب، ويسبق الحساب عرض فسؤال، قال تعالى مبيناً مرحلة العرض في سورة الكهف:
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾
( سورة الكهف الآية:48)
الخلائق كلها عُرضت على الله عزّ وجل، وقد لبست ثوب عملها، كل إنسان يرتدي يوم القيامة ثوب عمله، وقال تعالى مبيناً السؤال في سورة الحجر:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية:92-93)
لمَ فعلت كذا؟ لمَِ أكلت مال فلان؟ لِمَ كنت عاقاً لوالديك؟ لِمَ ظلمت زوجتك؟ لِمَ غششت الناس؟ العرض، ثم السؤال, ثم الحساب.
6- الميزان:
لإقامة العدل في الحكم عند الحساب يوم القيامة, فهناك ميزانُ حقٍ لا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى في بيان هذا الميزان في سورة الأنبياء:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية:47)
الذين يعرفون الخردل، يعرفون معنى هذه الآية، لو أنك نظرت نظرةً خلاف ما أمر الله عزّ وجل، هذه النظرة مسجلة، سوف تحاسب عليها، فلو أن طبيباً يعالج امرأة، ونظر إلى عضو لا تشكو منه، فإن اللهَ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لو أنك قسمت شيئاً بينك، وبين أخيك، وأخذت أكثر مما أخذ، ولو كان طفيفاً لسجل عليك يوم القيامة، هذه الآية تكفي، بل والله هذه الآية تقسم الظهور، والذي لا يخاف الله عزّ وجل أحمق وغبي, قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية:47)
الأدلة الواردة من السنة على يوم الحشر:
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, ثُمَّ قرأ: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وأَوَّلَ من يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ, وَإِنَّ أناساً من أصحابي َيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ, فَأَقُولُ: أصحابي أصحابي, فَيُقَول: إِنَّهم لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ, فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ... إلى قوله الحكيم) "
( أخرجه البخاري عن ابن عباس في الصحيح )
أنا كما ترون، أحب أن نبقى في القرآن، وكل حقيقة تُليت في القرآن, وفي أحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، ما كان منها صحيحاً، وما كان منها متواتراً، وما جاءت بها كتب الصحاح، إذا بقينا في القرآن وفي هذه الأحاديث الصحاح، كان الذي نقوله حقاً وصدقاً, وهذا الموضوع كله موضوع إخباري، لا مجال للتحليل، ولا للزيادة، ولا للتعديل إطلاقاً، إنها حقائق وردت من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة.
ما هي وسائل الإثبات لإدانة المكلف في يوم المحشر:
1- شهادة كتب الأعمال مع الموكلين في تسجيلها وهم الملائكة:
أمّا وسائل الإثبات لإدانة المكلف فهي: شهادة كتب الأعمال, مسجل فيه كل حركاته، وكل سكناته، وكل أمواله في البيع والشراء، علاقاته الخاصة والعامة، زواجه، طلاقه، تربيته لأولاده، علاقته بجيرانه، اغتصابه لأموال الآخرين، تطاوله عليهم، أكله لحقوقهم، كل أعمال الإنسان, قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾
(سورة الكهف الآية:49)
تصور رجلاً عاش سبع وستين سنة، إذا دخل البيت، وتصرف تصرفاً قاسيًا مع زوجته بلا سبب، سجلت عليه، أكل أكلاً, ونسي الطرف الآخر، سجلت عليه، طُرق الباب، وطُلب منه مساعدة، فقال: ما عندي, رفض أن يساعد، سجلت عليه، جاءت امرأة إلى البيت فنظر إليها، سُجلت عليه، فكل حركة، وكل سكينة, مسجلة عليه، هذا إذا كان سجل في كل يوم ستين أو سبعين صفحة, على 67 سنة فهي مجلدات.
وهناك آيات أخرى, تؤكد أن كتاب الأعمال مرقوم، ومرقوم لها معنيان:
1- المعنى الأول: صفحاته مرقمة ومختومة، ولا مجال للمراوغة والاحتيال. مع موظف في المالية, هل تستطيع أن تمزق صفحة؟ هذا معنى مرقوم، أي له أرقام ثابتة.
2- المعنى الثاني: من الرقم وهو الوشم، كل مخالفة مع صورتها، أي كل عمل وصورته تكون ملونة أيضاً.
ألم تفعل هذا العمل؟ هذه إدانة، فأكبر دليل يوم القيامة، شهادة كتب الأعمال التي سجلت فيها أعماله، وأقواله في الحياة الدنيا, قال عز وجل:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
(سورة الإسراء الآية:14)
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف الآية:49)
فأنت في الدنيا, إذا طلبك رئيسك في العمل، واتصل بالذاتية أعطونا الإضبارة، هناك نقص في المستودع، فأطلعك عليهم واحدًا واحدًا، إذا قرأها على مسامعك فقط، بماذا تشعر؟ هذا في الدنيا.
ثم تأتي شهادة الملائكة الكرام الكاتبين، الذين قاموا بوظيفة تسجيل الأعمال في الدنيا, دليل ثاني على إدانة هذا المكلف.
2- تسليم المكلفين كتبهم:
ويُسلم المكلفون كتب أعمالهم يوم القيامة بأيمانهم، إذا كانوا من أهل اليمين:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
(سورة الحاقة الآية:19-24)
وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو من وراء ظهورهم إذا كانوا من أهل الشمال في الحياة الدنيا، وهم الذين كفروا وعملوا السيئات, قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً *وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾
(سورة الانشقاق الآية:7-12)
هذا الكافر، إنه كان في غفلة، فقدْ كان له بيت فخم، وسيارة، وأموال، وولائم، وسهرات حمراء وخضراء، واعتداء على الأعراض، إنه كان في أهله مسروراً، أما المؤمن قال تعالى:
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
( سورة الانشقاق الآية:9)
مثله - وله المثل الأعلى - كمثل الطالب جاء إلى البيت، ومعه جلاؤه، وقد نال الدرجة الأولى، يأتي فرحاً، بين أن ينقلب إلى أهله مسروراً، وبين أنه كان في أهله مسروراً، فالفرق كبير بين الحالتين, قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾
(سورة الحاقة الآية:25-33)
ما هي الأدلة إذا اعترف أو أنكر الإنسان هذه الأعمال:
1- شهادة الإقرار بالنفس:
شهادة الإنسان على نفسه بإقراره، واعترافه بجرمه، والاعتراف في القضاء سيد الأدلة، فإذا زنا شخص يجب أن نقيم عليه حدّ الرجم، ولا بد من أربعة شهود رأوه رأي العين، فإذا جاء الزاني المحصن، وأقرّ على نفسه، فليس هناك حاجة للشهود، لأن الاعتراف سيد الأدلة، والصلح سيد الأحكام.
2- شهادة الأعضاء:
الدليل الثاني: لو حاول الإنسان يوم القيامة أن يكذب, يختم على فمه، وتنطق أعضاؤه بجرمه، فتنطق جوارحُه يوم القيامة بإذن الله وقدرته شاهدة عليه، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
(سورة يس الآية:65)
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة النور الآية:24)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ قَالَ يَقُولُ بَلَى قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي قَالَ فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ انْطِقِي قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ قَالَ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ "
(أخرجه مسلم في صحيحه, وأحمد في مسنده)
تحدَّثنا عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الملائكة والجوارح، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ الصراط، ثم الجنة والنار.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 02:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (11)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة مراحل الإيمان باليوم الآخر:
7- الصراط والحكمة منه:
أيها الأخوة, تحدثنا في الدرس الماضي عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، واليوم نتحدث عن الصراط, بعد موقف الحساب هناك مرور على الصراط، وهو طريق على متن جهنم، يسلكه الناس، فالمؤمنون يجتازونه إلى جنة الخلد بسرعة, بحسب مقدار تفاوت الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل النار تجذبهم كلاليب جهنم فيسقطون فيها.
لكن الحكمة من الصراط, أن أهل الجنة مما يزيد سعادتهم في الجنة أنهم نجوا من العذاب الأليم الذي كانوا سيقعون فيه، لو لم يسلكوا سبيل الحق في الدنيا، فلو أن إنساناً في الدنيا دُعي إلى معصية فأبى، ثم رأى مصير الذي لبى المعصية، يزيد سعادتَه أنه رأى مغبة الأعمال السيئة، فمما يزيد سعادة الإنسان في الآخرة أيضاً, أن يرى الذين تنكبوا الصراط المستقيم في الدنيا سوف يُعذبون عذاباً أليماً، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
( سورة الفاتحة الآية:6-7)
دائماً يجب أن تلحظ، وأنت في الدنيا، في كل حركة، في كل سكنة، في كل تصرف، في كل سلوك، في كل نشاط، الصراط المستقيم الذي نهجه الله لنا:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية:153)
الإنسان قد تضيق به الدنيا، الصراط المستقيم في حقِّه, أن يصبر، وأن يتحمّل، الإنسان جاءه المال، ما الصراط المستقيم في حقه؟ أن ينفقه على كل محتاج، ومسكين، وأن يشكر الله، ففي كل موقف هناك طريق سنّه النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يسير على خط مستقيم، يسير على منهج حكيم، يسير على سنة نبوية، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة.
8- الجزاء:
أما المرحلة الأخيرة، التي يتم فيها الثواب الأكبر، والعقاب الأكبر, فقد جعل الله لها دارين: داراً للنعيم، واسمها الجنة، وداراً للعذاب، اسمها النار, وقد أخبرنا الله جلّ وعلا بأن الجنة في الآخرة, هي مأوى المؤمنين والمسلمين، وأنها مراتب ودرجات:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:132)
في الجنة درجات بعدد المؤمنين، كلٍ منا له درجة. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
( سورة القمر الآية:54-55)
تتناسب مع مستوى الإيمان، والمعرفة، والخشية، والعمل الصالح، الذي قدمه مستحقها في الحياة الدنيا، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن النار في الآخرة, هي مأوى الكافرين، والمستكبرين عن طاعته وعبادته، وأنها منازل ودركات، لا نقول درجات، فالدرجات في الجنة، والدركات في النار، وأنها دركات تتناسب مع مستوى الإجرام والمعصية، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد أشار القرآن الكريم, وأخبر الرسول الكريم بأن المؤمنين العصاة، إن لم يشملهم عفو الله، فإنهم يدخلون النار لتعذيبهم فيها بمقدار معاصيهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة بفضل الإيمان بالله الذي كان في قلوبهم, قال تعالى مبيناً عذاب النار، ونعيم الجنة في سورة هود:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
( سورة هود الآية:106-107)
هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ربنا سبحانه وتعالى أعلم بهم، فإن لم يشملهم عفوه, فإنهم يذوقون النار حقباً من الزمن، وبعدها يدخلون الجنة، يا ترى مليون سنة، مليونين، خمسة ملايين، قال تعالى:
﴿إلا ما شاء ربك ﴾
( سورة هود الآية: 107)
بفضل إيمانهم السابق، وعملهم الطيب.
لذلك النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال: " ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط "
( ورد في الأثر)
المخلّط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وعامة المسلمين مخلطون، مؤمن، مسلم، مستقيم، ويعصي الله، يقول لك: الله يعفو عنا، الله يتغمدنا برحمته، نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، واللهُ عزّ وجل يتولانا, هذا كلام لطيف، لكنه دليل أنه ليس مستقيماً، نفسه غالبة عليه، " قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: عظني، وأوجز يا رسول الله, قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخفّ منها، إذًا: فاستعد للبلاء ".
قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
(سورة هود الآية:108)
ما معنى هذه الآية ؟
هنا سؤال كبير، ما معنى قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
( سورة هود الآية:108)
هذه الآية, تعني أن أهل الجنة استحقوا الجنة بفضل الله عزّ وجل، وأنهم في الجنة لا بحكم عملهم في الدنيا فقط، بل برحمة الله عزّ وجل.
إنّ مشيئة الله لا تحد، لكن الله عزّ وجل أخبرنا في آيات أخرى أنهم ليسوا منها بمخرجين، هذا مبدأ ثابت. من دخل الجنة فلن يخرج منها. ليس معنى هذا أنه استحقها بعمله، ولم يخرج منها ما دام عمله طيباً، لا، استحقها برحمة الله، وقد فصلتُ هذا أيضاً في درس سابق أنّ جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل، بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل.
أدلة أهل العلم على أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار:
وفي الاستدلال القرآني على خروج عصاة المؤمنين من النار، استدل أهل العلم بقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:7-8)
قالوا: الإيمان خير، فلا بد أن يلاقي الأجر عليه, قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
( سورة الزلزلة الآية:7)
رجل آمن، صلى، لكنه ارتكب معصية، المعصية يُعذب وفقها في النار، لكن الإيمان بالله لا بد مِن أن يناله خيره في الآخرة, فلا بد أن يلاقي الأجر عليه، ويجب أن يكون ذلك بعد تطهيره بالعذاب، لأنه إذا أثيب على إيمانه قبل دخول النار فلا يكون ذلك إلا بدخول الجنة، لكنه إذا دخل الجنة امتنع أن يخرج منها، لقوله تعالى:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية:48)
لذلك, فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، يعذب أولاً، ثم يدخل الجنة، ولا يبقى فيها إلى أبد الآبدين، لأن المبدأ الأساسي:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
( سورة الحجر الآية:48)
ويشهد لهذا الاستدلال القرآني أحاديث كثيرة, تبين خروج العصاة المؤمنين من عذاب النار، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ "
( ورد في الأثر)
الجنة والنار وما جاء في وصفهما:
وفي القرآن الكريم والسنّة المطهرة جملة من أوصاف الجنة والنار، يطول الحديث عنها، ولا تخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة، وهي في جملتها تثبت أن في الجنة أنواعاً لا تحصى من النعيم المادي والروحاني، وأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن عرضها كعرض السموات والأرض، أعدت للمتقين، وأن فيها الفردوس الأعلى المعد لأكرم الخلق عند الله، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
المعلومات كلها مِن اليقين الإخباري، الذي أخبرنا الله عنه، فنؤمن به وكفى، وأن في النار أنواعاً رهيبة من العذاب المادي والروحاني، قال عز وجل:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:104)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
( سورة النساء الآية:56)
وأنها دركات ووديان، بعضها أشد عذاباً من بعض، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، إلى غير ذلك من أمور، نعوذ بالله أن نكون من أهلها.
أنواع الشفاعة في الدنيا:
1- شفاعة حي لحي:
ثم هناك موضوع دقيق، وهو موضوع الشفاعة التي وردت فيها بعض الآيات، وبعض الأحاديث الصحيحة، ويدخل ضمن قاعدة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
(سورة النساء الآية:48)
فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أو أن ينزل خيراً على عبد من عبيده، أو أن يدفع عنه ضراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوعٌ من الشفاعة فيه عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده، إكراماً لشفاعة يوجهها عبد آخر مقربٌ عنده، أشرح لكم ذلك فيما يلي.
ربنا سبحانه وتعالى ـ كمبدأ عام ـ يمكن أن يقبل دعاء إنسان في حق إنسان، وأسرع الدعاء إجابة دعاء أخ بظهر الغيب، وهو أحد أنواع الشفاعة، فالشفاعة في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا من حيّ لحي، أو من حيّ إلى ميت، وفي الآخرة بين المؤمنين.
2- شفاعة الحي للميت:
ربى إنسان ابناً صالحاً، فهذا الابن بعد موت أبيه دعا إلى الله، وأحسن للناس، صار خيرُه عميماً، كل هذه الخيرات في صحيفة الأب، فكأن هذا الابن شفع لهذا الأب، بمعنى أنّ الأب ربّى هذا الابن ومات، أعمال هذا الابن الطيبة في صحيفة الذي ربّاه.
مشى شخص في جنازة، فاتعظ بها أشد الموعظة، واستقام من فوره على أمر الله، واستقامته كانت بسبب هذا الميت، فكأن هذا الذي سار في الجنازة شفع لهذا الميت، وهذه شفاعة حي لميت، قرأت القرآن على روح فلان، فتأثرت بهذه الآية، واستفدت منها، وطبقتها، وسعدت بها, مَن كان السبب؟ إنه الميت، إذًا: فهي شفاعة حيّ لميت.
3- شفاعة المؤمن للمؤمن وأعظمها بركة شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام:
أنك إذا لا زمت أخاً مؤمناً، فقد تستفيد من علمه، وقد تستفيد من خُلُقه، وقد تستفيد من أحواله، وقد تستفيد من إقباله، وقد تستفيد من ورعه، وقد تتعلم منه، وقد تتخلق بأخلاقه، وقد ترقى به، وقد تنجو من عذاب النار بدعوته، فهذا نوع من أنواع الشفاعة في الدنيا.
شخص جالس تاجرًا, فعلمه أصول التجارة، وعلمه أصول البيع، وكيف يسجل الحسابات؟ وكيف يسوق البضاعة؟ وكيف يكون لطيفاً مع الزبائن؟ طبقت الإرشادات فصرت تاجراً كبيراً، معنى هذا أن هذا التاجر الأول شفع في هذا التاجر الثاني.
هذا معنى لطيف جداً، فأنت في الدنيا إذا جالست أهل الحق شفعوا لك، بمعنى أنهم نهضوا بك بعلمهم، وأحوالهم, وأخلاقهم، وإقبالهم، والمؤمن يشفع للمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في حياته شفع لكل أصحابه، بمعنى أنه علمهم، وأدبهم، وأرشدهم، وأسعدهم، وأكرمهم، هذا المعنى واسع جداً للشفاعة، فكل إنسان مدعو أن يلازم أهل الحق, قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾
( سورة النساء الآية:85)
إذا صاحبك أخ، صاحبك صديق، صاحبك جار، فدللته على الله، ودعوته للتفكر في آلاء الله، دعوته لحضور مجالس العلم، دعوته للعمل الصالح، دعوته لغض بصره، دعوته لإقامة الإسلام في بيته، فصدق دعوتك، واستجاب لك، فسعد بهذه الدعوة، فأنت شفعت له، وقد قال عز وجل:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية: 85)
كل أعمال أخيك في الدنيا، التي فعلها هي استجابة لك، وفي صحيفتك, هذا في الدنيا قبل الآخرة.
أنواع الشفاعة في الآخرة:
1- المشرك لا يدخل في موضوع شفاعة النبي بينما الموحد يدخل فيها:
أحياناً الله يكرم عزّ وجل إنسانًا، يقبل بدعائه شفاعته لإنسان، أما المشكلة فهي أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستحقها إلا من مات لا يشرك بالله، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 19)
فإذا مات الإنسانُ مشركاً، فإن الله عزّ وجل يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 48)
الآية واضحة، فالذي يموت مشركاً لا يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام, والذي يموت موحداً يستحقق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وفق شروط سوف تأتي بالتفصيل.
لو فرضنا أن أباً أراد أن يعطي ابنه مبلغاً من المال، والأب كله حكمة وعلم، فجعل هذا المبلغ عن طريق الأم تمتيناً للعلاقة بينها، وبين ابنها, فهؤلاء استحقوا الجنة، لأنهم ماتوا غير مشركين بالله، فربنا سبحانه وتعالى يجعل هذا العطاء عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً لهذا النبي العظيم يجعل بعض العطاءات عن طريقه للمؤمنين.
الشفاعة السيئة:
شخص دل إنساناً على طريق الانحراف، دله على كسب الحرام، أقنعه بقبول مال غير مشروع، أقنعه ببعض الملذات المحرمة، فأفسده, فسقط في هاوية المعاصي، هذه شفاعة لكن من نوع آخر، للأول يتحمل كل الوزر الذي فعله الثاني, قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾
( سورة النساء الآية: 85)
كل هذا يتم بإذن الله, لقوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255)
لا يستطيع إنسان أن يصيب خيره إنساناً آخر إلا بإذن الله، ولا يستطيع إنسان آخر أن يصيب شره إنساناً آخر إلا بإذن الله، فالشفاعة من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
شروط الشفاعة:
1- الشفاعة تدخل في باب فضل الله:
شيء آخر في الشفاعة, هو أنّ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله سبحانه وتعالى لا حجر عليه في فضله، يختص برحمته من يشاء,
" دخل رجل مِن الأعراب على النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، ويبدو أنه عمل عملاً غير لائقٍ، فأصحاب النبي الكريم حدقوا فيه النظر، فخاف، فوسعه النبي عليه الصلاة والسلام، أي أكرمه، ففرح، وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أخي لقد حجرت واسعاً، رحمة الله واسعة "
( ورد في الأثر)
فالشفاعة تدخل في باب الفضل, إن كل آية في القرآن تنفي الشفاعة لمن أشرك بالله, قال تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
(سورة المدثر الآية: 48)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 254)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
( سورة النساء الآية: 48)
2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به:
القاعدة الثانية: لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، ووربوبيته, قال سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية:254)
إذا نفيت الشفاعة, فلأن الذين رفضت الشفاعة فيهم ماتوا مشركين بالله عزّ وجل، جاحدين لفضله، كافرين به، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
في بعض الأحاديث, أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ينظر فيرى بعضاّ من أمته يساقون إلى النار، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَقِيلَ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ قَالَ فَأَقُولُ بُعْدًا بُعْدًا أَوْ قَالَ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "
( ورد في الأثر)
أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
( ورد في الأثر)
نخلص من ذلك كله بقانون، حينما تُنفى الشفاعة فلأن الذي رُفضت في حقّه هو مشرك، فإذا قبلت الشفاعة فلأن الذي قبلت بحقه مات موحداً، غيرَ مشرك, فأمر شفاعة الغفران عن الشرك به لا مطمحَ فيه, لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 48)
وقد أعلن الله عن عدم قبول الشفاعة إذا كانت من هذا القبيل في عدة آيات, منها قوله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
( سورة غافر الآية:18)
3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أمر منوط بمشيئة الله:
الشيء الثالث في الشفاعة: أن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده أمر منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قَبِلَها، وإنْ شاء رَفَضَها, قال تعالى:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة المائدة الآية:118)
الذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً, هؤلاء متروكون إلى رحمة الله، إما أن يقبل فيهم الشفاعة، أو لا يقبل لحكمة بالغة هو يعلمها، قال تعالى:
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾
( سورة مريم الآية: 86-87)
والشفاعة كما قلنا قبل قليل محضُ فضل:
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
( سورة مريم الآية:87)
أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء مِن عنده، فإنه قد يناله فضل من الله بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم.
4- لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن:
رابعاً: الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممّن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾
(سورة طه الآية: 109)
فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء واستجاب، هناك إنسان يستحق الشفاعة، وهناك إنسان تُقبَل شفاعته.
هؤلاء الذين تُطلب الشفاعة لهم يجب أن يتخذوا في الدنيا عند الرحمن عهداً، بمعرفتهم الله، واستقامتهم على أمره، وطاعتهم له، وتوحيدهم إياه، وشكرهم على نعمه, قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
( سورة مريم الآية: 87)
فعندنا المشفع به والمشفع, قال تعالى:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾
( سورة النجم الآية: 26)
ملخص بحث الشفاعة:
فالموضوع في مجمله, أنّ الشفاعة بمعناها العام تعني، إن لا زمت مؤمناً، صاحبته، استمعت إلى أقواله، طبقت دلالته، عملت بتوجيهاته، استفدت من أخلاقه، سموت بدعوته، معنى ذلك أنه شفع لك في الدنيا، أيْ أعطاك كل خبراته، وكل أحواله، وكل علمه, هذه شفاعة حيّ لحيّ في الدنيا، وأعظم شفاعة شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان بين أظهر الناس، تعلموا من أخلاقه، من أحواله، من إقباله، من ورعه، من حلمه، من عفوه، من كرمه, وشفاعة حي لميت، أن تعمل عملاً صالحاً، فكان هو السبب فيه، فقد شفع هذا الحي لذاك الميت.
أما في الآخرة، فمعنى الشفاعة أن الله عزّ وجل يعطي عباده عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لنبيه عليه الصلاة والسلام، ثم إن الشفاعة لها قوانين:
1- إنها تدخل في باب الفضل.
2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك بالله.
3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله منوط بمشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء قبلها، وإن شاء رفضها.
4- الشفاعة يـوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً.
الآيات والأحاديث حول هذا الموضوع كثيرة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلـى معالجة الموضوع بشكل موسع في وقت آخر.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (12)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عقدة التشابه بين المسلمين لمفهوم الشفاعة وبين مفهوم اليهود بالنسبة لعقائدهم:
أيها الأخوة, في الدرس الماضي وصلنا في كتاب العقيدة إلى موضوع الشفاعة، وقد تحدثت كما ورد في هذا الكتاب، وأردت أن أزيد في هذا الموضوع توسيعاً وتعميقاً من خلال كتب أخرى، ومن خلال آيات، وأحاديث تغني الموضوع.
بادئ ذي بدء، إن تعطيل قوانين الجزاء " وللجزاء له قوانين، هناك يوم الجزاء، ألا وهو يوم الدين"، بالنسبة لأتباع نبي ما, شيء غير مقبول، لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية: 7-8)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
فَهِم الشفاعة بعض المسلمين فهماً سطحياً، ساذجاً، بمعنى أن الإنسان يفعل ما يشاء من المعاصي، والآثام، والموبقات، ثم يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبله الله في عداد الصالحين، هذا الفهم الساذج غير مقبول لدى جميع العلماء، قديمهم وحديثهم، بل إن هذه العقيدة بمعنى أن الإنسان لن يُحاسَب على أعماله، ولن يُعمل بقوانين الجزاء، إن هذه العقيدة عقيدة اليهود، فقد قال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 169)
إنهم يأخذون بالتكاليف غير الصعبة، أما التكاليف الصعبة فيخالفونها، ويقولون: سيغفر لنا، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾
( سورة النساء الآية:123)
والآية التي تتكرر مراراً في كتاب الله:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 15)
بيان عقائد اليهود والرد الإلهي على هذا المفهوم الخاطئ:
ومن عقائد اليهود:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 80-81)
وهذه آية أخرى تصف عقائد اليهود: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية:24)
وفي آية أخرى, يقول الله تعالى عنهم:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية:111)
وقال الله تعالى كذلك:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة المائدة الآية:18)
هذه كلها آيات قرآنية، ترينا كيف أن اليهود اعتقدوا بسذاجة أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم إلا أياماً معدودات؟ وسمى الله هذا غروراً وافتراءً، وأنه كلامٌ لا يقف على قدميه، بل يحتاج إلى برهان, قال تعالى:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 111)
ثم عقب الله تعالى فقال:
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 81)
فمفهوم الشفاعة حق، وسوف أتحدث عنها بالتفصيل، ولكن المفهوم العام، مفهوم عامة الناس، مفهوم الجهلاء، مفهوم الغارقين في المعاصي والآثام، هؤلاء يتعلقون ببعض ما يعتقدون أنه من الشفاعة، ويعقدون الآمال على شفاعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الحقائق وردت في كتاب الله بشكل أو بآخر في أماكن عدة.
إذاً: لن تُعطل قوانين الجزاء يوم القيامة، وأن الذي يغتر بأنها تعطل، وأنها لن يُعمل بها فهو مغرور، وقد افترى على الله الكذب.
مفهومي الشفاعة الحسنة و السيئة والفرق بينهما:
لكن في القرآن الكريم, قوله تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
(سورة النساء الآية:85)
هذه الآية, تعني أن الإنسان إذا أراد أن يجلب لمسلم خيراً, أو أن يدفع عنه ضراً, ويبتغي بعمله وجه الله، وكان هذا الخير في أمر جائز, ولم يأخذ عليه أجراً, ولم يكن هذا الأمر في حد من حدود الله، ولا في حقٍ من الحقوق الواجبة, هذه شفاعة حسنة يؤجر عليها المسلم في الدنيا, وهذا هو تعريف الشفاعة الحسنة,
" عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ "
(أخرجه البخاري عن أبي موسى عن أبيه)
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ,
" أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَرِيرَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ "
(أخرجه أبي داود عن ابن عباس في سننه)
هذه الشفاعة الحسنة، فمن يشفع شفاعة حسنة في الدنيا يكنْ له نصيب منها، والنصيب لا حدود له يزاد بزيادة حجم الشفاعة، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، ومن دل إنساناً على معصية، أو من حرم حقاً، أو من أدى إلى ظلم فإنّ كل ضرر يحصل بسبب شفاعة سيئة يكن لصاحبه كفل منها، وأصل الشفاعة في اللغة من الشفع، وهو الزوج. قال تعالى:
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾
ِ (سورة الفجر الآية:3)
لأن الذي يشفع يصير مع المشفوع فيه زوجاً، والشفع في اللغة ضم واحد إلى واحد، أنت إذا شفعت إلى فلان، ضممت مكانتك ووجاهتك إليه، فلعل الخير يصيبه من هذه الشفاعة.
ومِن معاني الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال الملَك: آمين، ولك مثل ذلك، وهذه المعاني مستفادة من قوله تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية:85)
هذه المعاني مستنبطة من تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة.
الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي:
نعود إلى الدرس الماضي، وقبل كل شيء، إن اليهود - كما قلت لكم - فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً، فهموا أن قوانين الجزاء لن تقام عليهم يوم القيامة، وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:80-81)
أما الشفاعة في ديننا الحنيف، فهي داخلة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:48)
فالشفاعة حق، وهي من ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو كان ذلك يوم القيامة، فأيما عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب، وربما لا يستجيب، وهذا وفق حكمة بالغة, ذكرنا قوانين الشفاعة في الدرس الماضي وهي:
1- قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله ذو الفضل العظيم, مَن مِن العباد يستطيع أن يحدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم، وفضل عميم.
2- فلا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، وربوبيته سبحانه وتعالى، وجميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة، إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه، والآيات التي توضح هذا كثيرة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:48)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:254)
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
(سورة غافر الآية:18)
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
(سورة الزمر الآية:19)
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
( سورة المدثر الآية:39-48)
وقوله تعالى:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:1-8)
3- فإن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله، أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قبلها، وإنْ شاء رَفَضها:
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
(سورة مريم الآية:86-87)
أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء من عنده، فإنه قد ينال فضلاً من عند الله عزّ وجل لقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم, روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
الذي مات مشركاً لا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أما من مات لا يشرك بالله شيئاً فقد تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام بنص هذا الحديث الذي رواه الشيخان.
4- فإن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى في سورة طه:
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾
(سورة طه الآية:109)
أي يومئذٍ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة مَن أذن له الرحمن بالشفاعة، ورضي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إنْ شاء الله، واستجاب لها، والآية الكريمة في سورة النجم:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾
(سورة النجم الآية:26)
ما ورد في شرح الإمام المناوي حول مفهوم الحديث عن شفاعة النبي لأهل الكبائر:
وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي "
( أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)
وقد شرح الإمام المناوي هذا الحديث, فقال: ثم يشفع الرسول من بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب يشفع في خروج العاصي من النار, وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار, فيقبل الله شفاعته فيهم, ويخرجهم منها وتكون الشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع عند الله, عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ "
(أخرجه البخاري عن عمران ابن حصين في الصحيح)
فإذا دخلوا النار، وأمضوا المدة الكافية، واستحقوا بعد ذلك الخروج منها، يأتي هذا الخروج على يد النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً له، وإظهاراً لفضله، وقال بعضهم: هذا هو المقام المحمود
إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية فإننا نراها تثبت الشفاعة العامة يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ضمن الحدود المأذون بها، كما تفرض الشفاعات الجزئية لغيره صلوات الله عليه، والأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "
(أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)
شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحب أهل بيته:
هناك أحاديث أخرى، يقول عليه الصلاة والسلام:
" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "
( ورد في الأثر)
إنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالتك شفاعته، إذًا: هذا الحب يصل بينك وبينه، هذا الحب يأتيك من أنواره، ويأتيك من بركاته، ويأتيك من تجلياته، وهذا المعنى أثبته هذا الحديث الشريف:
" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "
( ورد في الأثر)
و " شفاعتي يوم القيامة حقٌ، فمن لم يؤمن بها، لم يكن من أهلها "
( ورد في الأثر)
وهذا الحديث أيضاً يوجب علينا أن نؤمن بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن وفق هذه الشروط التي ذكرناها.
أقسام الشفاعة:
1- الشفاعة العظمى:
وقد قسّم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة:
1- الشفاعة العظمى، وهي لجميع الخلائق لإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب، ونحو ذلك، وهذا هو المقام المحمود، كما قلت قبل قليل، تدعون عقب الأذان:
( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )
( دعاء مأثور)
وقول الله عزّ وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء الآية:78-79)
2- الشفاعة لمن استحق بعض العذاب يخرج من النار بموجب العدل الإلهي:
2- الشفاعة الثانية: هي التي تُخرج بعض مَن استحقوا العذابَ مِن النار، بموجب العدل الإلهي، وتكون الشفاعة هذه لإظهار كرامة الشافع، ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عقب دعائه، وطلبه من الله، ولا يخلو قبول الشفاعة أو رفضها مِن حكمة يعلمها الله تعالى، وتدخل الشفاعة في قانون فضله، أو قانون عدله.
ملخص مفهوم الشفاعة لمن يستحقها:
إذاً: من هذا الموضوع يتضح أن الشفاعة حق، وأنه من لم يؤمن بها فليس من أهلها، وأن الشفاعة لا تصيب إلا من مات غير مشرك بالله عزّ وجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
وتبين أيضاً أن الشفاعة بمعنى مِن معانيها, أنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالك منه أنواره، و تجلياته، وشعرت بسعادة لا توصف.
وأما شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر, فتعني أن هؤلاء إذا استوجبوا دخول النار، ودخلوها يكون إخراجهم منها على يد النبي عليه الصلاة والسلام تبياناً لفضله، وإظهاراً لكرامته على الله عزّ وجل.
الأدلة الواردة في الكتاب حول موضوع الشفاعة:
وقد جمعت لكم بعض الآيات التي تتحدث عن الشفاعة بشكل عام، يقول الله عز وجل:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 53)
﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 26-28)
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 97-101)
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 51)
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 70)
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة يونس الآية:3)
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾
(سورة الزُمر الآية: 43)
مواعظ وعبر من هذه الآية:
الذي أريده أن نفهم قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
(سورة فاطر الآية: 5)
بمعنى لا تروا الدنيا بحجم فوق حجمها، ولا تروها شيئاً ثميناً، ولا تبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ولا ترتكبوا المعاصي من أجلها، ولا تقصروا في واجباتكم الآخروية من أجلها، قد يأتي الشيطان، ويوهم الإنسان أن الله عزّ وجل لن يحاسبه على أعماله، فيطمئن الإنسان اطمئنانًا ساذجاً, قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(سورة إبراهيم الآية: 22)
فالإنسان لا ينبغي أن يغتر بكلام الشيطان، فإن الشيطان قد يأتي عن يمين الإنسان, وعن شماله، فيضله عن طريق آية، وذلك بفهم خاطئ وساذج لها, وقاصر للشفاعة التي ثبتت بنص القرآن الكريم، ونص الأحاديث الشريفة، ولكن لمن مات لا يشرك بالله عزّ وجل.
خطورة حمل الأمانة في عنق الإنسان إذا لم تنفذ:
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
(سورة الأحزاب الآية:72-73)
فهذه الأمانة، بصرف النظر عن معانيها الدقيقة، هي شيء عظيم، لأن السموات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان, وفي نهاية الآية تقول:
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 73)
بمعنى أن موقف الإنسان من الأمانة في هذه الآية, قد يضعه في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين.
وشيء آخر, هو أن هذه الأمانة جاء بعدها قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72-73)
فحينما لا يحملها الإنسان كما أراد الله عزّ وجل يكون ظلوماً جهولاً، ومتى لا يكون بحملها ظلوماً ولا جهولاً؟ إذا كان عالماً وعادلاً.
يستثنى من لم يحمل الأمانة بظلم وجهل الإنسان الصالح الذي لم يخنها:
فإذا عرف الإنسان اللهَ عزّ وجل، وعمل صالحاً, وفعلِ الخيرات، إذا كان كذلك فهو ليس ظلوماً ولا جهولاً، بل عالماً عادلاً، هذه الأمانة كما فسرها العلماء هي التكليف، ومعنى التكليف أن الإنسان أودع الله فيه هذا العقل ليهتدي به إلى الله عزّ وجل عن طريق الكون، وبعث الأنبياء، والرسل، وأنزل معهم الكتاب ليكون هذا الكتاب منهجاً لنا، ودستوراً، وتشريعاً يضبط أفعالنا، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.
يعني أن الله عزّ وجل وضع نفسك أمانة عندك، فإذا عرّفتها بربها، وإذا طهرتها من الدنس، وإذا زكيتها بالفضائل، فقد أسعدتها في الدنيا والآخرة.
ينبغي على المسلم أن يكون واعياً حول مفهومه لبحث الشفاعة, هل سيدركها ؟
لذلك:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
( سورة الأحزاب الآية:72)
الذي أريد من هذا الموضوع، موضوع الشفاعة أن يقف الإنسان على الحدود الصحيحة لهذا الموضوع، فلا يكون إيمانه بالشفاعة مدعاة للاغترار بالله عزّ وجل، وترك طاعته، والقعود عن العمل الصالح، وخرق الاستقامة.
الشيء الثاني, أن الذي يموت غير مشرك بالله عزّ وجل، هذا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هذا الشرط سهل؟ هل تظنون أنه من السهل أن يموت الإنسان موحداً غير مشرك؟ فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً "
(أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد في مسنده)
هذا هو الشرك الخفي، فمن مات غير مشرك بالله عزّ وجل نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي حق، ومن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (13)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ربما يسأل سائل:
أيها الأخوة, نحن في الفصل الخامس من باب الإيمان باليوم الآخر، وربما يسأل أحدكم هذا السؤال: لماذا أَطلنا في موضوع الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب: أن الإيمان باليوم الآخر ركن أساسي جداً من أركان الإيمان، لأنك إذا آمنت بالله واليوم الآخر استطعت أن تجيب عن أسئلة كثيرة جداً، وكل الاستفهامات، وكل الفجوات تتلاشى إذا آمنت باليوم الآخر، فإذا أغفلنا عن الإيمان باليوم الآخر تنشأ الأسئلة، والاستفهامات، وعلامات التعجب، وعلامات الحيرة على وجوه الناس، فلذلك حينما يؤمن الإنسان باليوم الآخر ينقل اهتماماته كلها إلى الدار الآخرة، فإذا نقلها كلها إلى الدار الآخرة بث الله في قلبه طمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها.
إذا آمنت بالله واليوم الآخر, وقفت عند كل موقف, هل يرضى الله عن هذا الموقف؟ فإذا آمنت بالله واليوم الآخر ضبطت نشاطك كله، ضبطت طاقاتك، ضبطت قدراتك، ضبطت أموالك، فلذلك في أكثر الآيات التي تذكر أركان الإيمان, يأتي الإيمان باليوم الآخر مقرونًا بالإيمان بالله، هذا هو السبب في الإطالة في هذا الموضوع.
ما معنى البعث حق ؟
بادئ ذي بدء، لقد أجمع أهل الملل والشرائع السماوية بحسب أصولها الصحيحة على أن البعث حق، فما معنى البعث حق؟ أي لا بد أن يبعثنا الله عزّ وجل، ومعنى حق: أنه محقق وقوعه لا شك فيه، والبعث - كما تعلمون - أمر جائز الوقوع عقلاً، وقد جاءت جميع الأخبار الربانية الصريحة والصحيحة والقاطعة، في جميع الأصول الصحيحة للأديان والشرائع السماوية بأن البعث من الأمور المقررة المقضي بها بقضاء الله وقدره، أي أن الله عزّ وجل لا بد أن يبعث عباده جميعاً ليحاسبهم عن كل ما اقترفوه من خير وشر.
الدليل العقلي على البعث:
فالبعث ممكن الوقوع عقلاً، والنقول الصحيحة تؤكد وقوعه، كما أن المفكرين الذين أعملوا فكرهم، وحكّموا عقولهم في الأمور يستنبطون بالدليل العقلي أن الإيمان باليوم الآخر له دليل نقلي، ودليل عقلي, بالدليل العقلي تعرف الله عزّ وجل، وهذا الذي عرفته يخبرك في كتابه القطعي الثبوت، القطعي الدلالة أنه لا بد من يوم يبعث الناس فيه ليحاسبوا على أعمالهم, وأقوى دليل عقلي على الإيمان باليوم الآخر أن هذه الحياة الدنيا فيها مظلوم وفيها ظالم، فيها فقير وفيها غني، فيها قوي وفيها ضعيف، فيها صحيح وفيها مريض، فيها معذب وفيها مرفه، وأن كثيراً من الناس يأتيهم الموت قبل أن ينالوا حقهم، وبما أن الخالق العظيم لا بد أن يكون عادلاً، ولا بد أن يكون حقاً، وهو الذي اسمه الحق، فلا بد أن يعطي كل ذي حقٍ حقه من خلال أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى, ولا بد من حياة الآخرة توزع فيها الحظوظ توزيع جزاء، بعد أن وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء, فالذي نلته في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به، و سيأتي يوم تجازى على عملك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
منكرو البعث وهم على ثلاث فرق:
1- الفئة التي أنكرت وجود الخالق:
هناك من أنكر البعث، ونعني بالبعث اليوم الآخر، وهم على ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: أنكرت الخالق، ومن باب أولى أنها تنكر اليوم الآخر، وربنا عزّ وجل وصف هؤلاء فقال:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية:24-26)
هذه الفرقة الأولى, أنكرت وجود الله عزّ وجل, وأنكرت بالتالي يوم الحساب واليوم الآخر، هذه الفرقة أنكرت بلا دليل، نظرية ساذجة بدائية، خلاصتها: أن الإنسان شكل من أشكال المادة المعقدة, الإنسان مادة معقدة، كيف أن الخشب مادة، والحديد مادة، والنبات مادة، إلا أنه أكثر تعقيداً؟ قال الله:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية:24-26)
عدم تطبيق غالبية الناس لمنهج دينهم يعرضهم هذا على خطر على عقائدهم:
أيها الأخوة، هذه العقيدة عقيدة الملحدين، قلما تجد في العالم الإسلامي من ينكر بلسانه أنه لا إله, ولكن معظم الناس لا أقول معظم المسلمين - حاشا لله - يتصرفون، ويتعاملون، ويأخذون، ويدفعون، وكأن الدنيا هي كل شيء، وليس بعدها شيء, قال الله:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾
( سورة الجاثية الآية: 24)
تملك قرشاً فقيمتك قرش، لا تملك قرشاً فلا قيمة لك، هكذا يقول الناس: الدراهم مراهم، إنها مجرد كلمات مألوفة، لكن في الحقيقة لو تعمقنا في هذه الكلمات لوجدنا فيها إنكار ليوم آخر، يحاسب فيه الناس حساباً دقيقاً.
فهذا الذي يأخذ ما ليس له، لو أنه آمن أن هناك يوماً آخر يحاسب فيه الإنسان حساباً عسيراً لما فعل هذا، هذا الذي يعتدي على أعراض الناس، هذا الذي يعتدي على أموالهم، هذا الذي يبني مجده على أنقاضهم، هذا الذي يبني غناه على فقرهم، لو عرف أن هناك إلهاً سيوقفه يوم القيامة، ويحاسبه عن كل درهم لما تجرأ على فعل ذلك، قال عز وجل:
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
(سورة فُصّلت الآية:40)
النقطة الدقيقة: أن هناك أناس كثيرون يتصرفون، ويتحركون، وكأن الحياة الدنيا هي كل شيء، هذا تكذيب عملي, هناك تكذيب اعتقادي، وهناك تكذيب عملي، فالتكذيب العملي خطير جداً، لأنه في النهاية يحدث النتيجة التي يحدثها الإنكار اﻹعتقادي، فالإنكار الاعتقادي أن تقول: أنا لا أؤمن باليوم الآخر.
2- الفئة التي تعترف بوجود الخالق وتنكر البعث:
الفرقة الثانية: يعترفون بوجود الخالق، ولكهم يشركون به، وينكرون البعث، قال تعالى يصف حالهم:
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
(سورة ق الآية:2-3)
مستحيل, شيء عجيب! أن يخلقنا الله مرة ثانية, أن يبعثنا من جديد !.
3- الفئة التي تعترف بوجود الخالق ولكنها تنكر الطبيعة المادية للبعث:
الفرقة الثالثة: تعترف بوجود الخالق ووحدانيته، ولكنها تنكر البعث الجسدي، أي أن الآخرة حالات نفسية، ليس هناك حياة مادية ثابتة، دلهم عقلهم إلى هذا الاعتقاد, لا يجوز للعقل أن يحكم في الأمور اﻹعتقادية، والعقل ليس من إمكاناته، ولا من اختصاصه أن يثبت أو أن ينفي شيئاً في أمور العقيدة، ولا أن يثبث ولا أن ينفي شيئاً في العبادات، لأنه قد يضل, وقد يغفل، وقد يعطل، وقد يزور.
فالعقيدة تثبت بالنقل من خلال الكتاب والسنة، والعبادات تثبت بالنقل، لكن العقل مفوض أن يفهم العقيدة، وأن يفهم العبادة، وأن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية, لذلك هؤلاء بعقولهم القاصرة نفوا أن تكون هناك حياة مادية جسدية بعد الموت.
كيف رد البيان الإلهي على منكري البعث ؟
1- بلفت نظر هؤلاء إلى خلق السموات والأرض:
هذه الإنكارات الثلاثة إنكارات تافهة، لا تقف على قدميها، إنكارات ليست ذات أساس متين، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى ناقشهم في القرآن الكريم بأسلوب عجيب غريب، فكشف مصادر أوهامهم، وأظهر فساد تفكيرهم، وردهم بالحجة الدامغة، فهؤلاء الوجوديون الماديون، الذين ينفون الخالق واليوم الآخر، كيف ردّ الله عليهم؟ رد عليهم بأن لفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض.
يعد الإيمان باليوم الآخر بالنسبة لمنكري وجود الله عزّ وجل شيئاً ثانوياً، وربنا عزّ وجل ترك موضوع الإيمان باليوم الآخر، ولفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض، فإذا أيقنت بأن السموات والأرض لا بد لها من خالق عظيم، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، ثم إذا أخبرك هذا الخالق العظيم أنه لا بد من حياة أخرى، عندئذٍ يكون إيمانك باليوم الآخر إيماناً تصديقياً، بعد أن كان إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، والفرق كبير جداً بين الإيمان التحقيقي المبني على الحجة والاستدلال والبرهان والدليل القطعي، وبين الإيمان التصديقي المبني على التسليم لمن آمنت بوجوده.
فالحقيقة الأولى، حقيقة وجود الخالق العظيم، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
2- بنفي العبث في الكون:
الحقيقة الثانية، ارتباط وجود الله سبحانه وتعالى بقدرته القادرة، وعلمه المحيط بكل شيء، وصدق وعده ووعيده، وصفة عدله بين خلقه، وحكمته العظيمة التي منها أنه لم يخلق هذا الكون عبثاً:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 115)
ومتى حصل التسليم بهاتين الحقيقتين, حقيقة وجود الخالق العظيم، وحقيقة أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى, حصل العلم بأخبار الله الثابتة التي بلّغها الرسل المؤيدون بالمعجزات الباهرات، عندئذٍ وصلنا إلى الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
(سورة ق الآية: 5-6)
ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية بيننا وبين أحدث مجرة اكتشفت قبل سنوات، تقدير أولي لعلماء الفلك أن هنالك مليون مجرّة، وفي كل مجرّة مليون مليون نجم، وأن سرعات هذه المجرات تقترب من سرعة الضوء، حيث إن هذه المجرات بأكملها تدور حول نقط وهمية في الفضاء الخارجي بسرعة تزيد عن مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية, قال الله:
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾
(سورة ق الآية: 5-11)
وهكذا تبعثون يوم القيامة، وهذا الخالق العظيم قادر على أن يخلقكم كما خلق السموات والأرض, قال الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
( سورة النازعات الآية: 27-28)
أسئلة المتوهمين حول موضوع البعث والرد عليهم من القرآن:
التوهم الأول, يقولون: بأن القدرة التي خلقت الإنسان تعجز عن إعادته مرة ثانية:
هناك من توهم أن القدرة التي قدرت على ابتداء خلق الإنسان لا تقدر على إعادته كرة ثانية، وإن إعادة الخلق بعد فنائه أصعب من ابتدائه.
الرد الإلهي على هذا التوهم:
1- بأن إعادة الخلق أو تكوينه شيء يسير على الله بل الإعادة أهون:
الله سبحانه وتعالى رد على هؤلاء بأكثر من دليل وهم:
الرد الأول: وهو أن هناك واقع التساوي بين الإعادة والبدء، بل إن الإعادة أهون، ومن هؤلاء الذين تكلموا في شأن الإسلام وأكثروا الوليد ين المغيرة وغيره,
" فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأسيرن إليه ولأخاصمنه، وأخذ عظماً بالياً، فجعل يفتته بيده، ويقول يا محمد: أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم يحييه، ويبعثك، ويدخلك جهنم "
( ورد في الأثر )
فأنزل الله تعالى في إقامة الحجة على هؤلاء قوله في سورة يس:
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾
(سورة يس الآية: 78-79)
إذاً: من توهم أن الإعادة أصعب من البدء، فقد ردّ اللهُ عليه بهذه الآية.
الرد الثاني من آية أخرى, قال عز وجل:
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾
(سورة مريم الآية: 66-67 )
وهذا رد ثالث:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(سورة الروم الآية: 27)
في حق البشر يحق لنا أن نقول: إن صنع الشيء مرة ثانية أهون مِن صنعه للمرة الأولى، لكن في حق الله عزّ وجل:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
( سورة يس الآية: 82)
لذلك فسر بعضهم هذه الآية الكريمة: أنه كلما فكرت في ملكوت السموات والأرض، وعرفت طرفاً من عظمة الله عزّ وجل، بدا لك أن الإعادة أهونُ مما كنت تعرف من قبل:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة الروم الآية: 27)
2- لفت نظرهم بأن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الإنسان أو بعثه:
الرد الثاني, أن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، أو مِن بعثهم، أو مِن إعادة خلقهم, قال الله:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 33)
التوهم الثاني, يقولون: بأن الخالق قد أصابه الإعياء بعد الخلق:
التوهم الثاني, الذي ورد في القرآن الكريم أن بعضهم توهم أن خلق السموات والأرض، وخلق الأحياء قد أصاب الخالق بالإعياء, أي تعب, قال تعالى:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 43)
الرد الإلهي على هذا التوهم بكل بساطة ووضوح:
وقد رد القرآن الكريم على هذا التوهم ببساطة ووضوح، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 33)
وقال سبحانه:
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
( سورة ق الآية: 15)
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ﴾
( سورة يس الآية: 82)
" عبدي خلقت لك السموات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ "
( ورد في الأثر )
خلق المجرات أصعب أم خلق القمح, أم إنزال الأمطار, أم إنبات الأرض؟ هؤلاء المتشائمون الذين يصدقون ما يقولون، أن هناك تفجراً سكانياً في الأرض، وأن هناك كميات في الغذاء، وسوف تنقضي، وأن هناك مجاعة عظمى سوف تعاني منها البشرية، وأن الأمور تزداد تعقيداً، هؤلاء ما عرفوا الله:
" وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك "
( ورد في الأثر)
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ:
" يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ وَلا أُبَالِ وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَزِيدُوا فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ وَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْنِي إِلا كَمَا لَوْ مَرَّ أَحَدُكُمْ عَلَى شَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ إِبْرَةً ثُمَّ انْتَزَعَهَا ذَلِكَ لأنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ عَطَائِي كَلامِي وَعَذَابِي كَلامِي إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي ذر في مسنده)
التوهم الثالث, أن الإنسان بعد موته يفنى ولا أثر لجسده في الأرض:
التوهم الثالث: أن من يموت مِن الناس يضل في الأرض، ينتهي، يفنى، هؤلاء الذين يموتون حرقاً، أو غرقاً، أو في الاختناق، أو الحروب، وتفنى جثثهم، ويصبحون كالرماد، أين هم؟ وبعضهم: يتوهم أن هؤلاء انتهوا, فمن يبعثهم؟
الجواب الإلهي:
﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 10)
ضللنا, أي دفنا في الأرض, وفنيت أجسامنا, وتفتت عظامنا, وأصبحت تراباً, وانتهى الأمر، قال تعالى:
﴿ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 10)
في آية ثانية:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾
(سورة ق الآية: 4)
فلا بد أن نبعثهم من جديد, قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة سبأ الآية: 3)
بحث علمي له علاقة بالموضوع:
أثبتت البحوث العلمية الكونيــة وجود سجل كوني كبير، تسجل فيـه الأعمال كلها، والأقوال، والخواطر، والوساوس، وكل عملٍ يصدر عنا بكل تفاصيله يسجل في الأثير, هذه الموجات الضوئية التي تخرج من منابعها، أو من الأجسام التي تعكس الضوء، وتسير عبر الفضاء الخارجي بسرعة الضوء، فلو تخيلنا أننا سرنا بمركبة بأسرع من الضوء، والتقطنا هذه الأمواج, لرأينا الآن معركة بدر الكبرى، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، ومعركة اليرموك, هذا شيء يمكن أن يقع، وهو في علم البشر نظري، لكنه في علم الخالق عملي
فالإنسان الآن تمكن من تسجيل الصورة مع الصوت, يقول لك: الحفلة سجلناها على شريط، فإذا كان الإنسان قادر على تسجيل حفلة بكل تفاصيله، وبكل ألوانها، و بكل أصواتها، أليس خالقنا العظيم بقادر على أن يأتي بنا يوم القيامة لنرى أعمالنا كلها مسجلة صوت وصورة؟ فصورة كل كائن من القرون الأولى، وأصواتهم مسجلة تسجيلاً كاملاً منذ أول وجوده حتى آخر وجوده، لحظة بلحظة، لا يضيع منها شيء صغيراً كان أو كبيراً.
التوهم الرابع, يقولون: أنه ينبغي عدم التسليم للأشياء التي لا نراها بالحواس:
التوهم الرابع: هو أن الأشياء التي لا يشاهدونها بالحواس ينبغي ألا يسلموا بها، وألا يصدقوا بها.
الرد العلمي الذي يسلم للبيان الإلهي في الرد على هؤلاء:
الإنسان في حياته المادية كثيراً ما يصدق بأشياء لا يراها، تركيب الذرة الكيميائي، التركيب كان استنتاجياً، ومنذ فترة بسيطة جداً، وعن طريق المجاهر الإلكترونية شاهدوا تركيب بعض الذرات عملياً وواقعياً، لكن قبل هذه المجاهر، تركيب الذرة كان استنتاجياً، يعني يعرف بطريق الاستنتاج، أما الآن فهو يعرف بطريق المشاهدة.
الكهرباء لا نرى إلا آثارها، أما هي فلا نراها، ومع ذلك نؤمن بوجودها، وكذلك وجود الضوء، ووجود الحركة، ووجود الصوت، ووجود الحرارة.
روح الإنسان لا نراها، نحكم على أي إنسان أنه حي من حركاته، ومن نطقه، ومن بيانه، ومن تفكيره، ومن تصرفاته، فإذا فقد الروح نحكم عليه أنه مات، هل رأينا الروح يوم كانت، ويوم خرجت؟ لا والله، فالإنسان في أثناء حياته له مواقف كثيرة، يؤمن بشيء دون أن يراه، يؤمن به استنتاجاً، فهؤلاء الذين لا يؤمنون إلا برؤية الأشياء، هؤلاء ضعاف العقول, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 5-6)
ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى، إكراماً لنا، وتبياناً لنا، ضرب لنا أمثلة من التاريخ فحادثة أهل الكهف، وكيف أن الله سبحانه وتعالى ضرب على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثلاثة قرون، وثلاثمئة عام، وتسع سنوات، حسب التقويم الهجري، فكيف بقي هؤلاء على ما هم عليه، ثم بعثوا؟ هذه أمثلة كي نعرف أن الله عزّ وجل قادر على كل شيء, قال الله:
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ﴾
( سورة الكهف الآية: 21)
منها قصة عزيز, وهو رجل من بني إسرائيل، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يقول تعالى:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 259)
ومنها إماتة ألوف من بني إسرائيل حين أمروا بالقتال، فخرجوا من ديارهم، فارين من مقابلة العدو حذر الموت، ثم بعد هذه الإماتة الجماعية، أحياهم الله، ليعلموا أن الفرار من القتال لا يحمي الإنسان من الموت، وليعلموا أن البعث حق, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 243)
ومنها قصة إحياء قتيل بني إسرائيل في سورة البقرة, قال تعالى:
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 73)
ومنها معجزة سيدنا عيسى لما كان يحيي الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الأمثلة التاريخية الثابتة.
التوهم الخامس, يقولون: أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدودها:
التوهم الخامس: هو أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدود هذه الحياة الأولى، وأن كل حكمته من الخلق تتم فيها، فينتهي مراده في هذه الدنيا، وتنتهي حكمته فيها، ولا حياة بعد الموت.
الرد الإلهي على هؤلاء الجاحدين:
رد الله عليهم، فقال:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115)
فهل من الممكن أن ننشئ جامعة تكلفنا ألف مليون، وبعد أن ينتهي بناؤها نفتحها عاماً دراسياً واحداً، ثم نأتي بالجرافات فنهدمها؟ ليس معقولاً، هذه بنيت لتبقى, قال تعالى:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
( سورة الدخان الآية: 34-38)
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
(سورة الدخان الآية: 39-40)
التوهم السادس, يقولون: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل غير صحيحة:
التوهم السادس: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل ليست صحيحة، إنها كاذبة، نوع من الجنون.
الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
(سورة سبأ الآية: 7)
هذا القول استهزاء, قال تعالى:
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴾
( سورة سبأ الآية: 8)
آية ثانية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 21)
إنهم لم يصدقوا الرسل، هذا الذي لم يصدق ما أتى به الرسل, قال تعالى:

﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 17)
هذه التوهمات حاشا لله أن يعتقدها أحد من المؤمنين، لكننا نستأنس حينما يرد الله عزّ وجل على هؤلاء المتوهمين، وعلى هؤلاء الظانين أن الله عزّ وجل لن يبعث عباده ليحاسبهم على أعمالهم.
الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين:
إذا كان الطالب غير مستعد للمذاكرة، فهو يميل إلى تكذيب موعد المذاكرة، وكل إنسان إذا كان مقصراً، مخطئاً، مجرماً، كل إنسان له انحرافات في سلوكه، فهو أميل إلى أن يكذب بيوم الدين والدليل:
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * ﴾
( سورة المطففين الآية: 10-12)
يخشى الحساب، يخشى العذاب، يخشى المسؤولية، يخشى التبعة، إذًا: فهو يكذّب بهذا اليوم, قال الله:
﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
(سورة المطففين الآية: 13)
إن هؤلاء المكذبين بيوم الدين يرون دائماً هذه الغيبيات خرافات، هذا ما وراء الطبيعة، نحن واقعيون، نريد أن نتعامل مع الواقع، هذه تحليقاً، هذه أخيلة, قال تعالى:
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(سورة المطففين الآية: 13-14)
هؤلاء طمست ضرورة الإيمان في قلوبهم، وعمت عليهم الحقيقة, ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
آية ثانية, قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾
( سورة الماعون الآية: 1-7)
دع اليتيم، أي ضربه، في هذه الآية دقة بالغة، وأشد الأشخاص حاجة إلى العطف هو اليتيم، فإذا تخليت عن مساعدته فأنت مقصّر، فإذا آذيته كان ذلك أشد فظاعة، فربنا عزّ وجل جاء بمثل دقيق حاد, قال الله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-8)
هذا الذي يكذب بالدين ألا يعرف أن الله سوف يحاسبه حساباً عسيراً, قال تعالى:
﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾
(سورة النحل الآية: 22-23)
الكبر هو الذي حال بينهم، وبين الإيمان بيوم الدين، وإلى جانب الكِبر الفجور، والانغماس في الشهوات, قال تعالى:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾
(سورة القيامة الآية: 5)
يسأل مستهزئاً, قال تعالى:
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة القيامة الآية: 6)
متى يا أخانا؟ لأنه غارق في الفجور، فهو يستهزئ ويستنكر, قال تعالى:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 74)
ليسوا مستقيمين، ولو أنهم استقاموا لآمنوا, قال تعالى:
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 75-77)
خلاصة البحث:
هذا الفصل عنوانه: عقائد الناس بالبعث والجزاء يوم القيامة والرد على المنكرين، كيف أن البرهان على يوم القيامة برهان عقلي، وبرهان نقلي؟ وكيف أن الشرائع السماوية كلها في نصوصها الصحيحة، وأصولها الثابتة تؤكد أنه لا بد من يوم يُبعث فيه الناس مرة ثانية، ليلاقوا نتائج أعمالهم؟ وكيف أن الناس في إنكار البعث ثلاث فرقٍ؟
- فرقة أنكرتْ وجود الله واليوم الآخر.
- فرقة أنكرتْ اليوم الآخر فقط، وآمنت بالله.
- فرقة أنكرت اليوم الآخر بطبيعته المادية.
وكيف أن الله سبحانه وتعالى ردّ على كل المتوهمين، الذين تاهوا في متاهات الأوهام الستة، تقاذفتهم كأمواج البحر العاتية, وردّ الله عليهم في آيات كثيرة نقضاً لأوهامهم، ودفعاً لأباطيلهم، عسى أن يعودوا لعقولهم، ولكن هيهات هيهات ؟.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع :مقدمات اليوم الاخر






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا تعني كلمة الساعة في القرآن الكريم ؟
أيها الأخوة, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس العقيدة، وقد أنهينا في الدرس الماضي موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وأسماء اليوم الآخر الواردة في القرآن الكريم، والآن إلى موضوع جديد، هو مقدمات اليوم الآخر.
فالحديث عن اليوم الآخر يستدعي الكلام عن أمور تجري قبل هذا اليوم كمقدمات له، ونقتصر على عرض أهم هذه الأمور مما ثبت باليقين، ونعني باليقين, اليقينَ الإخباري، وأعلى نصٍ يقيني إخباري هو القرآن الكريم، فكل فكرة مدعمة بآية قرآنية تعد دليلاً قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة على ما يذهب إليه مؤلف الكتاب.
فالساعة: آثارها في الكون، ووقتها، وأماراتها، فالحياة الثانية بوضعها الكامل, وأنظمتها التامة لا تكون إلا بعد انتهاء سلسلة هذه الحياة الأولى، فلا بد أن تنتهي حتى تبدأ الحياة الثانية، وقد جاء التعبير القرآني عن وقت انتهاء هذه الحياة الأولى بلفظ الساعة، فكلمة الساعة إذا وردت في القرآن الكريم فتعني ساعةَ انتهاء الحياة الأولى، ومتى انتهت الحياة الأولى بدأت الحياة الآخرة، يقول الله عزّ وجل:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾
(سورة طه الآية:15)
كلمة:
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
( سورة طه الآية:15)
لا بد من هذا المعنى كي يستقيم الابتلاء، أن رجلاً له محل تجاري، وفي هذا المحل موظف، لو أن صاحب المحل كان أول الداخلين، وآخر الخارجين، وقبع وراء مكتبه، ووراء مكان وضع النقود، ثم سئل هذا السؤال: هل هذا الموظف الذي عندك أمين أم خائن؟ لا يعرف، أما إذا تغافل عنه، وخرج من المحل، وبقيت عينه على ما يجري في المحل أدرك نتيجة امتحانه لموظفه، فلا بد مِن أجل الامتحان من بعض التغافل،لا أقول: الغفلة, أقول: التغافل، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
(سورة إبراهيم الآية:42)
لا تحسبنه غافلاً، لأنه قد يبدو غافلاً، فيمد الكافر بالأموال، والبنين، والقوة، والصحة، والجمال، والذكاء، والعشيرة، والأهل، والزوجة، والمكانة, وهذا الإمداد يوهم الغافلين، والسذج، أن الله غافل، هذا ليس غفلة إنما هو تغافل، والتغافل لا بد منه ليتحقق الابتلاء, ربنا عزّ وجل قال:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية:15)
أَدقّ ما في الآية:
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
( سورة طه الآية:15)
لأن الابتلاء لا يكون إلا بالتغافل، كما ورد في القرآن الكريم.
أسئلة مطروحة لا بد من الإجابة عليها:
1- إذا انتهى نظام الحياة في الدنيا هل يبقى الكون بما فيه على وضعه ؟
وهناك مجموعة أسئلة:
السؤال الأول: إذا انتهى نظام هذه الحياة الأولى، فهل ستبقى الأرض، والشمس، والكواكب والنجوم على أوضاعها؟ يأتينا الجواب من الله عز وجل يقول:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾
(سورة الأنبياء الآية:104)
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾
(سورة الانفطار الآية:1-5)
هذا السؤال مهم، هذا النظام، هذه الأرض، هذه اليابسة، هذه البحار، هذه الجبال، هذه المجرات، هذه الكواكب، كلها سوف تنتهي وظيفتها، فمِن شروط أو مِن لوازم انتهاء الحياة انتهاء النظام الذي هي عليه الحياة في الدنيا.
2- متى الساعة:
1- أن وقت الساعة من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله:
السؤال الثاني: متى ينتهي نظام الحياة الأولى؟ أي متى الساعة؟ يأتينا الجواب الرباني مُبَيِّناً لنا أن وقتها من أمور الغيب، وقد أخفاها الله عن عباده لحكمة يعلمها، وكنت قد حدثتكم مِن قبل, أن الإمام مالكًا رأى في المنام ملك الموت، فقال له: يا ملَك الموت، كم بقي لي من عمري؟ فأشار ملك الموت - كما جاء في الرؤيا - هكذا، ومد أصابع يده، فازداد الإمام مالك قلقاً، يا تُرى خمس سنوات؟ أم خمسة أشهر؟ أم خمسة أسابيع؟ أم خمسة أيام؟ أم خمس ساعات؟ أم خمس دقائق؟ أم خمس ثوانٍ؟ فملك الموت أشار بيده، وكان الإمام ابن سيرين مِن المفسرين للأحلام، فذهب إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك فقص عليه المنام، فقال ابن سيرين: يا إمام، إن ملك الموت, يقول لك: إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله, قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
لذلك, في بعض المحاضرات التي ألقيت في بعض الأقطار العربية عن الإعجاز الرياضي للقرآن الكريم، رجم المحاضر بالغيب، فخرج بذلك عن نص القرآن، فمِن إجراء حسابات معقدة تبين له متى يوم القيامة بالتدقيق؟ فحينما نشر هذه المعلومة انسحب من القاعة معظم المشاهدين الحضور، لأنه لا يعلم الإنسان متى يوم القيامة بالتحديد والتفصيل، بل هذا مناقض لما ورد في الكتاب الكريم؟ قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
معنى:
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
أي متى وقت وصولها، وكأن الحياة شبهت بالسفينة، وانتهاء الرحلة هو عند الشاطئ، وعند الشاطئ ترسو السفينة، وتستقر، هذه صورة بلاغية، قال الله:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
ويبدو أنه من رحمة الله عزّ وجل علينا أن أخفى عنا ساعة النهاية، لو أن الإنسان يعلم متى يموت لشلت حركته، ولأصبحت أيامه المتبقية أياماً مِن نوع خاص لا تُحتمل، لذلك الإنسان يعيش في الأمل.
2- هناك دلالات لوقوع قربها بينها القرآن الكريم والسنة المطهرة:

الشيء الثاني، حين الحديث عن الساعة, قلنا: هناك مجموعة نقاط: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، أماراتها، فقُربُ الساعة بينه الله سبحانه وتعالى، وسيدنا عليّ يقول: (كلّ متوقع آتٍ، وكلُ آتٍ قريب)
( قول مأثور )
الآن بدأنا بالشتاء، والبيوت تستعد لاستقبال هذا الفصل، وتضع الفرش المتعلقة بهذا الفصل، تضع وسائل التدفئة، وما هي إلا زمن يسير حتى يأتي فصل الصيف، فكم استقبل كل واحد منا من فصول الشتاء، وفصول الصيف, وفصول الربيع, وفصول الخريف؟ وهكذا, قال تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾
( سورة القمر الآية:1-2)
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
( سورة القمر الآية:1-2)
ما دامت متحركًا، والنهاية ثابتة، فكل زمن يمضي اقتراب مِن هذه النهاية، وهذا شيء بَدَهي، واللهُ سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾
(سورة الأحزاب الآية:63)
وقلت لكم من قبل:
" إنه من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت"
( ورد في الأثر)
وقد جاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه هذه المعاني، فقال عليه الصلاة والسلام:
" بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ مشيراً صلى الله عليه وسلم بأصبعيه السبَّابة والوسطى الفرق بينهما قليل "
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما )
قَالَ شُعْبَةُ راوي الحديث: َسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، أي كزيادة إصبع الوسطى على السبابة، وفي هذا إشارة إلى نسبة ما بقي من عمر الدنيا بالنظر إلى ما انصرف منها، وذلك على وجه التقريب.
مواعظ وعبر:
وهنا كلمة على هامش الموضوع, ما من شيء أثقل، وأثمن في حياتك من الوقت، فبالوقت ترقى إلى الله, إذا أردت التعامل مع ما في الحياة الدنيا، يجب أن تميز بين ما يتصل منها بالآخرة، وبين ما لا يتصل، قال بعض العلماء: كل ما لا يدخل معك إلى القبر فهو من الدنيا، كل شيء يقف على شفير القبر من الدنيا، كالأولاد فهو مِن الدنيا، كلهم يقفون على شفير القبر، إلا إذا ابتغيت في تربيتهم وجه الله سبحانه وتعالى,
" لذلك يقف رجلان جثياً بين يدي الله يوم القيامة, فيقول الله عزّ وجل لأحدهما: عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه؟ فقال هذا العبد: يا ربّ، لم أنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي, قال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك مِن بعدك قد أنزلتُه بهم، وأما الثاني فقال: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فقال: يا ربّ، لقد أنفقتُه على كل محتاجٍ، ومسكين، لثقتي بأنك خيرُ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عزّ وجل: عبدي، أنا الحافظ لأولادك من بعدك "
( ورد في الأثر)
فلذلك، موضوع الساعة موضوع انتهاءِ الحياة، ليسألْ أحدنا مثل هذا السؤال: هل بقي بقدر ما مضى من عُمُري ؟ من بلغ الأربعين فقد دخل أسواق الآخرة.
الموت كالطابور لا يعرف الإنسان أين موقعه فيه ؟
لي صديق مؤمن، خرج من بلده إلى بلد عربي، ليعمل في التدريس الجامعي، مضى على خروجه عشرون يوماً، وقد وافته المنية هناك، وسنه لا يزيد عن أربعين عاماً، سبحان الله الموت منوع، يأتي بعد مرض عضال، أو يأتي بعد مرض طويل, يقول لك:13 سنة بهذا المرض، ثم وافته المنية, وقد يأتي من دون مرض، وهناك حوادث كثيرة، آوى إلى فراشه في منتصف الليل، لمست زوجته يده، فرأتها باردة، فاستيقظت فإذا هو ميت، وهو إلى جانبها، فمِن حكمة الله عزّ وجل أنَّ الموت إما أن يأتي بعد مرض طويل، أو مرضٍ خطير، وإما أن يأتي بلا مقدمات، والآية الدقيقة:
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة الجمعة الآية:8)
حدثني أخ عن والده، فقال: أصيب والدي بمرض خطير، فأخذ احتياطات مذهلة، نفذ تعليمات الأطباء بدقة متناهية، حرص على أن ينجو من هذا المرض بكل وسيلة، وافته المنية في حادث سيارة, وهو يظن الموت في هذا المرض، والقصة التي ذكرتها لكم كثيراً، وأعيدها على سبيل الفائدة، وهي قصة رمزية، سيدنا سليمان كان عنده رجل أمامه، وهو من المقربين له، دخل ملَك الموت عليه، فجعل ملك الموت يُحد النظر إلى هذا الرجل، فلما علِم هذا الرجل أن هذا ملك الموت, فزِعَ قلبه، وارتعدت فرائصه، وألحّ على سيدنا سليمان أن يأخذه إلى أقصى الدنيا، وسيدنا سليمان أوتي بساط الريح، كما تروي الكتب، فأركَبَه بساطَ الريح، ونقله إلى أقاصي الهند، وبعد أيام وافته المنية هناك, سيدنا سليمان التقى مع ملَك الموت ثانيةً، قال له: عجبت لك، لماذا كنتَ تُحدّ النظر إليه؟ قال: واللهِ أنا الذي أعجب، أنا معي أوامر بقبض روحه في الهند، فلما رأيته عندك ازداد عجبي، لماذا هذا هنا؟ قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾
(سورة الجمعة الآية:8)
الحكمة الإلهية من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن موضوع أشراط الساعة:
أما أمارات الساعة، أيْ علاماتها، علامات قربها، ودنو ميعادها فهي كثيرة، هناك علامات كبرى، وعلامات صغرى، وهناك علامات موضوعة، وضعها بعض الوضّاعين، موضوع الساعة، وأشراطها فيها إضافات ليست منها, على كلٍ، كلمة لطيفة في هذا الموضوع، الأحاديث الصحيحة في أشراط الساعة ليست صريحة، والأحاديث الصريحة في أشراطها ليست صحيحة، أسماء مدن، وتفصيلات، وحوادث، وما دام هناك تصريحات دقيقة جداً فأغلب الظن أن هذا الحديث غير صحيح، وأما الحديث الصحيح ففيه إشاراتٌ كبرى كذلك، لن نخوض في موضوع أشراط الساعة كما ورد في الكتب التي تعتمد على الحديث الضعيف، أو الحديث الموضوع، فنبقى بالإشارات والعلامات الكبرى، وعلى كل فهناك موعظة، قال ربنا عزّ وجل:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾
(سورة الجِن الآية:26-27)
معنى ذلك, أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أخبرنا عن أشراط الساعة، كان في هذا الإخبار دليلاً قطعياً على نبوته، لأن هذا في علم الله، وقد أطلع الله عزّ وجل نبيه الكريم على بعض ما سيكون, تمكيناً للإيمان في قلوب المؤمنين، وتنبيهاً للضالين حتى يؤمنوا، وحجة على الجاحدين المعاندين، وبخاصة إذا مرت على الناس عصور بَعُدوا فيها عن عصر الرسالة المحمدية، وثمة حكمة بالغة حين أطْلع اللهُ عزّ وجل نبيَّه الكريم على بعض أشراط الساعة، وبعض علاماتها.
من علامات الساعة أو أشراطها:
1- نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام:
فمن علامات الساعة، أو من أشراطها نزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، له عودة في آخر الزمان، وقد ثبت نزول سيدنا عيسى بدلائل من القرآن الكريم، ودلائل من الحديث الشريف الصحيح المتواتر، فمن الآيات القرآنية الدالة على نزول سيدنا عيسى في آخر الزمان، وقبل قيام الساعة قوله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾
(سورة النساء الآية:159)
فهو لم يمت بعد، بل رفعه الله إليه.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(سورة آل عمران الآية:55)
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(سورة الزمر الآية:42)
فهذه وفاة نوم، لا وفاة موت، لأنّ الوفاة نوعان: وفاة نوم، ووفاة موت، أما وفاة الموت فلها آية تشير إليها, قال الله:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾
(سورة السجدة الآية:11)
أمّا:
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾
(سورة آل عمران الآية:55)
فهذه وفاة نوم، قال الله:
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾
(سورة النساء الآية:159)
أيْ سيعود إلى الأرض، وسيؤمن به أهل الكتاب، على أنه نبيٌ من الأنبياء، من أُولي العزم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، ففي صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" وَالَّذِي نَفْسِي بِيـَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا"
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ للبخاري )
الآية الثانية التي تشير إلى عودته عليه السلام, قوله تعالى في سورة الزخرف:
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
(سورة الزخرف الآية:61)
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
الآية الثالثة, في سورة آل عمران:
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
(سورة آل عمران الآية:46)
ومعنى كهلاً، أيْ لم يبلغ بعد الكهولة.
2- كثرة الجهل وقلة العلم وتبدل القيم وإسناد الأمر إلى غير أهله:
ومِن أشراط الساعة, كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ "
(أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه في الصحيح )
أحيانًا الإنسان يجد معظمَ مَن يراهم في الطريق نساءً أينما دخل؟ أينما تحرك؟ وهناك حديث آخرعن أشراط الساعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ "
( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
ومِن علامات قيام الساعة, أن يكون المعروف منكراً والمنكر معروفًا،
" كيف بكم إذا أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ قالوا: أَوَ كائنٌ هذا يا رسول الله؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ "
( ورد في الأثر)
وهذا أيضاً من دلائل, ومن أمارات, ومن علامات أشراط الساعة، والأشراط بمعنى واحد، وهي مِن الشيء الذي يأتي قبل شيء آخر.
3- عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً:
كما روى الإمام مسلم في صحيحه, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم )
هذا الحديث فيه إعجاز علمي، لأنك إذا دخلت إلى بلاد الغرب، وسألت أكابر علماء الجيولوجيا عن تاريخ الجزيرة العربية قبل آلاف السنين, لقالوا لك: كانت مروجاً وأنهاراً, الذي نعلمه من التاريخ القريب، أن بادية الشام، كان المرء يقطعها كلّها تحت ظلال الأشجار، وما نشوء تدمر في وسط البادية إلا دليلٌ على أن هذه العاصمة لدولة عظيمة كانت وسط الجنان والبساتين، والكشوفات الأثرية في الربع الخالي من الجزيرة العربية, تؤكد أن هناك مدناً ذات مجد، وازدهار طوتها يد الزمن إن صح التعبير، وغطتها الرمال، وما قامت هذه المدن إلا بسبب الخصوبة التي كانت منتشرة في الربع الخالي من الجزيرة العربية.
كيف عرف هذا النبي الكريم هذا؟ والكشوف الآن لها أسباب, المستحاثات، الحفريات، التنقيب عن الآثار، بعض الصور من سفن الفضاء، هذا الذي يدل على أن هذه الأراضي القاحلة الصحراوية كانت مروجاً وأنهاراً، وقد سمعت أن بعض العلماء الأجانب الملحدين, حينما تأكدوا أن هذا القول قيل قبل ألف وخمسمئة عام أعلن إسلامه, يقول عليه الصلاة والسلام:
" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم )
إنّ بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام منقطعة النظير, (حَتَّى تَعُودَ)، أيْ كانت، كلام فيه إيجاز.
أنا لا أحب أن أكثر الحديث عن أشراط الساعة، لكثرة الأحاديث الموضوعة في هذا الموضوع، لكن هذه الآيات قطعية الثبوت، وهذه الأحاديث كلها من صحيحي البخاري ومسلم، وهذان الكتابان أصحُ كتابين بعد كتاب الله عزّ وجل.
وفي درس قادم إن شاء الله نتحدث عن البرزخ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع :اسباب الضلالات الاعتقادية





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما هو السبب في ضلال الإنسان في الأرض ؟
أيها الأخوة، وقد وصلنا إلى موضوع دقيق جداً، وهو أسباب الضلالات الاعتقادية، فقد انتشر في الأرض ضلال كبير، فإذا عرفنا أسبابه أمكننا تجنبه، فمعرفة السبب مهم جداً لتجنب النتيجة، فإذا كان في الأرض ضلال, فمِن أين أتى؟ وما أسبابه؟ وما علته؟ كيف كُرس هذا الضلال؟ كيف انتشر؟ هذا ما يدور حوله موضوع اليوم.
الحقيقة، هناك ثلاثة أسباب كبرى للضلال:
السبب الأول: الانحراف الفكري.
السبب الثاني: الانحراف النفسي.
السبب الثالث: الضعف النفسي.
فهذه الأسباب الثلاثة الكبرى تؤدي إلى الضلال، الذي هو أخطر شيء في حياة الإنسان, أن يكون الإنسان فقيراً ومهتدياً فهو من الناجحين، أن يكون مريضاً ومهتدياً فهو من الفائزين، أما أن يكون ضالاً, فهذا الضلال مؤدّاه إلى النار، فالضلال هو الهلاك.
ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه الكتاب والسنة حتى يرجع إلى الصواب:
فمن باب التذكير أننا في مطلع دروس العقيدة، حيث توضح لكم أن العقيدة الصحيحة لها مسالك، ولها مداخل، ولها طرق، ومِن هذه المسالك:
1- مسلك اليقين الحسي، فأنا أعتقد أن الشمس ساطعة، لأنني أراها بعيني, فاليقين الحسي شيء بدهي واقعي لا سبيل إلى الزيغ عنه.
2- مسلك اليقين الاستنتاجي, اليقين العقلي.
3- مسلك اليقين الإخباري.
4- مسلك الإشراق الروحي، بشرط أن يوافق الأصول الشرعية للدين.
الإنسان أحياناً تأتيه فكرة، يفكر في الموضوع، ويتوهم النتيجة، وقد يعتقد بهذه الفكرة أنها صحيحة، من دون أن يضعها على المحك، من دون أن يمتحنها، هل كان استنتاجه صحيحاً؟ هل أوصلته المقدمات التي وصل إليها إلى النتائج صحيحة؟ هذه الفكرة قد تروج في مجتمع ما، فكرة لم تُمحص، فكرة لم تخضع لمقاييس الشرع، فكرة لم تخضع لأصول الفهم، فكرة لم تخضع لمقاييس العقيدة الصحيحة، هذه الفكرة تروج وتنتشر، وفي النهاية تصبح بعد عشرات السنين عقيدة ضالة، يعتنقها أناس كثيرون.
أخطر شيء في حياة المسلم أن تكون بعض معتقداته ضلالاً، أن يتوهم أن هذا الشيء حق، وهو في حقيقته باطل، أن يعتقد أنه صحيح، وهو غير صحيح, لذلك فالعقيدة أخطر شيء في حياة الإنسان، فإن صحت صح عمله، وإن فسدت فسد عمله, والعقيدة لا تؤخذ إلا من كتاب الله، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، ولا تؤخذ إلا مما تواتر من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، العقيدة فقط، والأحكام الشرعية تؤخذ من الأحاديث الآحاد، فأية فكرة ليس لها أصل في كتاب الله، أو ليس لها أصل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام المتواترة، فهي فكرة ضالة بعيدة عن الواقع.
من أسباب ضلال الانحراف الفكري:
1- أخذ الأشياء على ظواهرها من دون تمحيص علمي:
ما منا واحد إلا ويتكلم، راقب نفسك، هذه الفكرة التي تقولها للناس ما مصدرها؟ ما الدليل عليها؟ هل هي صحيحة؟ أمعك عليها دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ من قال هذا؟ أما أن نأخذ الأشياء على عواهنها، إنسان تكلم، مثقف قال، كتاب قرئ، مقالة قرأت، واعتقدنا شيئاً مثلاً هذا الدواء يزيد في العمر كما يتخرصون، هناك آية قرآنية تنفي مثل هذه الأوهام:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية:34)
هذه المقالة التي قرأتها في هذه المجلة كلام باطل، وعقيدة ضالة، وفكرة واهمة، لأنها تناقض آية صريحة في كتاب الله.
قد يقول لك قائل: إن الله عزّ وجل يدخل الناس الجنة بلا عمل، فاسمع قوله تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة الحجر الآية: 92-93)
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
فأية فكرة إياك أن تقبلها، ما لم تكن صحيحة وفق كتاب الله، والإنسان عليه أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، هكذا قال الله عزّ وجل:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 7)
أنت عود نفسك، ولتعلم يقيناً أنه في العقيدة لا يجوز التقليد، لك أن تقلد الصالحين في أعمالهم، لك أن تقلد في الأعمال، الصالح يُقلد، العالم يُقلد، من قلد عالماً جاء يوم القيامة غانماً؟ لكن في العقيدة لا يقبل التقليد، لأنك إذا قلدت في العقيدة لا تملك البرهان، قد يأتي إنسان فيقنعك بعكسها، فالعقيدة يجب أن تؤخذ بالدليل القطعي الساطع, فالأشياء التي يجب أن تعتقد بها بالضرورة هي أخطر ما في الجانب العقدي في الإنسان.
لذلك أحياناً الأفكار المنحرفة تروج بين البسطاء، وبين أنصاف المثقفين، وبين العامة، لأن هذا العامي لا يطالبك بالدليل، وليس في إمكانه أن يناقشك، ليس في مقدوره أن يسألك, من أين جئت بهذه الفكرة؟ هو يسكت, قد يأخذ الفكرة من قائلها، إذا كان القائل عظيماً، أو متكلماً، أو إذا كان وجيهاً، يأخذها على عواهنها، وهذا خطر كبير.
2- اعتبار العقل هو الميزان لا الشرع:
قلت لكم: الدين بالنقل, وبالعقل الموافق للنقل، نحن بالنقل نعتقد، وبالنقل نفهم ما نعتقد، أما العقل هو قوة إدراكية لفهم ما جاءنا بالنقل عن الله عزّ وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم, فلذلك, حينما يعتمد على العقل وحده، فإن العقل قد يضعف، وقد يضل العقل، وقد يتيه العقل، وقد يغلو العقل، وقد ينحرف العقل, فالله عزّ وجل وضع الشرع ميزاناً للعقل، ووضع العقل ميزاناً للكون قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
(سورة الرحمن الآية: 7)
فالعقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، فالفكرة ينبغي أن تؤيدها الأدلة النقلية التي تتطابق مع المنطق والواقع.
3- التقليد الأعمى للآباء:
من أسباب الضلال الفكري, التقليد أعمى, هذا مرض خطير، قال تعالى:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
(سورة الزُخرُف الآية: 32)
هذا يسميه علماء الاجتماع قوة الاستمرار، مجتمع نشأ على تقديس البقر مثلاً، كما هو الحال في الهند، حيث البقرة شيء مقدس, ومئات الألوف يموتون جوعاً، وأكبر قطيع من الأبقار في العالم في الهند، البقر لا يُذبح إلى أن يموت، وبعدها يُدفن، ويُقدس، فكيف انتشرت هذه الضلالات؟ بحكم التقليد، ورثت هذه المقدسات جيل عن جيل وتابعها.
فالإنسان ينبغي أن يكون حر التفكير، أن يبني بنيانه الفكري على بينة، على أدلة، على واقع، فالتقليد الأعمى سبب خطير جداً من أسباب الضلالات، والكلام الشائع الآن بين الناس, هكذا تربينا، هكذا كان آباؤنا، هكذا فعلنا، من قال لك: إنّ الأمرَ كذلك؟.
كنـت مرة في قرية، فيأتي البدوي إليها، وهو محتاج إلى ثمن علف لمواشيه، فيضطر إلى أن يبيع الصوف، الذي سوف ينبت على ظهور أغنامه في الموسم القادم بثمن بخس، يقول لك: بيع السلم, بيع السلم حق، لكن أن ينقلب بيع السلم إلى ربا فاحش، سعر رطل الصوف مثلاً 30، وتشتريه بـ 15ليرة, تدفع له مقدماً ثمن الرطل 15، لتأخذه في موسمه بهذا الثمن البخس, هذا أحد أنواع الربا، المظهر مظهر بيع سلم، أما الحقيقة فهو ربا, يقول لك: هكذا نشأنا، هكذا تربينا، وهكذا نفعل جميعاً.
كل اعتقاد، أو كل سلوك، أو كل علاقة مالية، أو اجتماعية مبنية على سبب واه فهي ضلالة، أحياناً ينشأ في حياتنا الاجتماعية عادات مثل عادة الاختلاط، فإذا اعترضت على هذه العادة، قالوا: هكذا تربينا, هكذا نشأنا، فكل سلوك منحرف مرفوض، ولو أن الناس مشوا عليه أجيالاً تلو أجيال, قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 170)
التقليد الأعمى أحد أسباب الضلال، فلا ينبغي أن تتابع الناس على ضلالهم، ولا أن ترث منهم ضلالة، ولا أن تنشأ كما نشؤوا، ولا أن تنحرف كما انحرفوا، ولا أن تزيغ كما زاغوا، الله سبحانه وتعالى يحاسبك وحدك يوم القيامة، حينما تأتيه فرداً، حيث لا مُعين لك ولا نصير, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 94)

4- الغلو في تقديس الأشخاص:
من أسباب الضلال الفكري, المبالغة في تقديس بعض الناس، فالإنسان له حجم، وأغلب الظن أن المعتقدات الباطلة قد تتأتى من إنسان عظمه الناس فوق ما ينبغي، هؤلاء الصالحون عندما يموتون يعظّمهم الناس، إلى درجة أنهم يُصبغون عليهم صفات فوق صفات البشر، يعزون كل خرافة، وكل شطحة، وكل انحراف إليهم، النبي صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، وإمام المرسلين، وسيد الأنبياء، وأعظم إنسان على وجه الأرض، ومع ذلك فله حجم، ومن ملامح حجمه صلى الله عليه وسلم, قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 188)
فأي شخص يدعي الولاية، ويقول لك: أنا أملك لك نفعاً أو ضراً، فهذا ضلال، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولياء والصالحين، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, أفيكون قادراً على أن يملك لك النفع والضر من باب أولى؟ لا، إذا كنت أنا لا أستطيع أن أفعل هذا لنفسي، أفبإمكاني أن أفعله لكم؟ قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188)
حينما تعزو بعض الأعمال الخارقة لإنسان فهذا اعتقاد باطل, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْد ِالْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
حجم آخر, قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 50)
سيد المرسلين، سيد ولد آدم, ولا فخر، صاحب الخلق العظيم لا يعلم الغيب، فأي إنسان ادعى علم الغيب فهو كاذب، وهو منحرف، وهو ضال.
قال تعالى:
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
(سورة الأنعام الآية: 15)
يزعمون هذا الولي لا تضره معصية، هذا ليس صحيحاً, هذا الكلام يتناقض مع كلام الواحد الديان، قل يا محمد لهم, قال تعالى:
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 15)
لذلك, المبالغة في تقديس بعض العلماء من الناس، وأن تنسب كل انحراف أو فكرة ضالة، أو شطحة إليهم، فهذا كله من الضلال، هل يمكن أن يكون الولي فوق النبي ؟ هل يمكن أن نقبل أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ؟ أعظم الأولياء دون آخر الأنبياء, هذا مقياس، فالإنسان لما يسمع قصصاً، وحكايات من هذا القبيل يجب عليه أن يُنقح، أن يمحص، أن يدقق، أن يحقق، أن يطلب الدليل، أن يقرأ كتاب الله، أنت إذا قرأت القرآن الكريم، واستمعت إلى تفسيره، وتابعت دروس التفسير، فمع مرور الأيام، والأسابيع، والأشهر، والسنوات تصير مؤهلاً لمعرفة حقيقة العقيدة، لأن كل شيء يجب أن نعتقد به، ورد ذكره في القرآن الكريم، وأظهره الله عز وجل جلياً واضحاً.
فقراءة هذا الكتاب العظيم، الذي هو كتاب عقيدة، وكتاب أحكام، وكتاب سيّر، وكتاب مواعظ، وكتاب قصص حكيمة ذات عبرة بليغة، وكتاب آيات كونية، واضح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لذلك, تجد كتاباً شهيراً جداً مثل تفسير آيات الأحكام, تفسير الآيات الكونية في القرآن, القصص في القرآن, مشاهد القيامة في القرآن, فهذا القرآن العظيم يمكن أن تُستنبط منه كتب كثيرة، كتب العقيدة تأخذ من القرآن، كتب قصص الأنبياء تأخذ من القرآن، وهكذا.
5- الاعتماد على الفلسفة وحدها:
من أسباب الضلال أيضـاً, أن تعتمد على الفلسفة فقط, فالذين اعتمدوا على عقولهم وحدها وقعوا في التشبيه, يعني شبهوا الإله العظيم ببعض مخلوقاته, وهذا زيغ كبير في العقيدة، وبعضهم وقع في التعطيل، فعطل الصفات، أو عطل المجازات القرآنية التي وردت في حق الله عزّ وجل، هناك من عطلها، وهناك من جسدها، وكلاهما اعتماداً على عقله وحده فوقع في ضلال.
ولو أن جميع الذين ضّلوا في عقائدهم بسبب تحكيم عقولهم في أمور الغيب، رجعوا إلى عقولهم ببصر نافذ، وإذعان للحق، واعتراف بالعجز, لقالوا: إن عقولنا محدودة بحدود المحسوسات، فلا يمكن أن نعرف بها وحدها، وبشكل مستقل صورة من صور الغيب، لنعترف أن عقل الإنسان مثل الميزان, له حدود قصوى, فلو وضعت فوقه طرداً وزنه خمسمئة كيلو لا نكسر الميزان، فهل تتهم أن هذا الميزان سيء؟ لا، إن هذا الميزان حينما صنع وضعت حدود طاقته لوزن أثقال لا يتجاوز خمسين كيلو، أما أكثر من ذلك فإن الميزان يتحطم وينكسر, كذلك هذا العقل، حينما وهبنــا الله إياه وضع بطريقة أنه يستخدم استخداماً رائعاً في الاستدلال الحسي، تستطيع بوساطته أن تأخذ من الواقع الحسي دليلا على شيء مغيب عنك, أبسط شيء أنك إذا رأيت المصباح الكهربائي متألقاً فهذا العقل يحكم بشكل قطعي على أن في الأسلاك كهرباء، ولو أنك لا تراها, هذه حدود دائرة العقل، أما عالم الأزل وعالم الأبد، وعالم ما قبل الحياة، وما بعد الموت فلا نستطيع في هذه المجالات أن نعتمد شيئاً محسوساً، ونتخذه أساساً للاستنتاج، فلذلك استخدام العقل وحده في المغيبات أحد أنواع الضلال.
عندنا فلسفات تافهة، وناقصة تعتمد على الحس وحده، فكل شيء غير مادي، وغير حسي، إذاً: هو غير صحيح، هذه الفلسفة الوجودية المادية التي لا تعتمد إلا على الحس، كل شيء مغيب عنا ينكره المنكرون، ويجحده الجاحدون، هذه الفلسفات التافهة، والناقصة, إنما هي فلسفات تسبب الضلال الاعتقادي.
من أسباب ضلال الانحراف النفسي:
1- اتباع الهوى والشهوات:
إذا كان إنسان شهوانياً، يحب الاختلاط، هذا الإنسان حينما اتبع شهوته حدث في نفسه خلل، واختلال في توازنه، هذا الخلل كيف يرمم؟ يُرمم بالاعتقاد الفاسد، يقول لك: هذا الاختلاط لا بد منه من أجل تهذيب المشاعر، وتنقية الأجواء، وتلطيف الأجواء, يأتي بالاختلاط ليجعل منه طريقاً إلى سمو النفس، لأن تعلقه بالاختلاط هو انحراف في الشهوة، هذا الاختلال في نظر المنحرف يرمم بهذه الطريقة، والذي يأكل الربا تراه يعتقد أن قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 130)
يقول لك: الذي حرمه الله عزّ وجل هذه الفوائد المركبة الكبيرة جداً، هذا فقط محرم، إذاً: فقد ضل عقله, كيف ضل عقله في فهم هذه الآية؟ لأنه منحرف في أكل الربا, هذه نقطة خطيرة جداً، والإنسان الذي يعاني من انحراف أخلاقي، أو واقع في معصية و مصر عليها, أو عنده زيغ عن الحق، هذا الانحراف الأخلاقي يدفعه إلى تخيل عقيدة فاسدة.
الشخص الذي يغش يقول لك: يا أخي أنا عندي عيال، والعمل عبادة، ولا أقدر أن أضيع عيالي، فأنا مضطر أعمل ذلك، يستحل الغش ليبرر عمله السيء، والذي يأكل أموال الناس بالباطل، ويستحل ذلك ليغطي انحرافه السلوكي، فأربعة أخماس الضلال الاعتقادي سببه الانحراف الأخلاقي, هؤلاء المنحرفون أخلاقياً يتعلقون بعقائد ضالة وزائغة, لأن هذه العقائد الضالة الزائغة تغطي انحرافهم.
المقيم على معصية، هذا يعتقد بمفهوم ساذج للشفاعة، لماذا؟ حتى يستعيد التوازن الذي اختل من جراء هذه المعصية، فلو أن طالباً أمضى العام الدراسي كله من دون دراسة، فهو يشعر بخلل داخلي في نفسه، فإذا سمع هذا الطالب مِن طالب آخر, أن الأستاذ يمكن أن يعطي الأسئلة في آخر العام مقابل مبلغ ضخم، الفكرة خرافة، تراه يصدقها, ويطمئن لها، ويتمسك بها، لأن هذه الفكرة الخرافية الضالة تعيد له التوازن الذي اختل بعدم الدراسة, قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-2)
آية أخرى, قال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
(سورة القصص الآية: 50)
إن لم يستجب، وإذا أصر على عقيدة ضالة، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، هذه حقيقة مهمة جداً، أتمنى أن تكون هذه الآية دائماً في أذهانكم، أن الذي تناقشه إذا أصرّ على الضلال، أصر على الزيغ والانحراف، يجب أن تعلم علم اليقين أنه يدافع عن أخطائه، وعن انحرافه، ويدافع عن ضلاله السلوكي بالضلال الاعتقادي.
هؤلاء الذين أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا كل شيء، فالعقيدة التي تناسب هذا الانحراف الخطير هي أن ينكروا وجود الله عزّ وجل, وينكروا المسؤولية كلها, لذلك فإن العقيدة تضل، وتنحرف تماماً بنسبة انحراف السلوك، وكلما كانت زاوية الانحراف كبيرة, كلما كانت زاوية انحراف العقيدة كبيرة, فإذا كان الانحراف شاملاً كان الإلحاد شاملاً, قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-2)
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة القصص الآية: 50)
هناك آية دقيقة جداً, ذكرناها في الدرس الماضي, قوله تعالى:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة القيامة الآية: 5-6)
هذا الفاجر المنحرف هو الذي ينكر، أو يسارع لإنكار يوم القيامة، وهذه آية ثانية:
﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾
( سورة المطففين الآية: 12)
فالتكذيب بالعقيدة الصحيحة, سببها الانحراف الخطير.
2- أمراض القلب ويشمل الحسد والحقد والكبر والنوازع النفسية المتنوعة:
1- الحسد, أحد أسباب الضلال, فأنت حينما تستمع إلى الحقيقة من إنسان تحسده فإنك تردها عليه، وتصر على الباطل حسداً من عند النفس، لرد هذا الذي يقول لك: الحقيقة الصافية، وهذا يؤكد أحياناً كثيرة, أن الحسد يسبب الضلال الاعتقادي, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 87)
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 109)
2- النوازع النفسية الرامية إلى تحقيق مطالبها بالشذوذ، فمثلاً أحد الناس يريد أن يبتغي الغنى السريع بأقرب وقت ممكن, لا يمكن أن يكون بالطرق المشروعة، يلجأ إلى الطرق غير المشروعة كالاحتكار، والاستغلال، والغش، وما شاكل ذلك، فالذي يستبيح الاحتكار، ويستبيح الغش، هو انحراف خطير، أراد به أن يصل إلى هدفه بأقرب وقت، فأعتقد ضلالاً أن بعض الأشياء المحرمة ليست محرمة، فوقع في الضلال أيضاً.
3- الكبر أيضاً, أحد أسباب الانحراف الاعتقادي، كأن يعتقد فكرة حمقاء، أو ساذجة، أو ضالة، أو زائغة، ولا يتراجع، بل يصر عليها بدافع الكبر، وهذا أيضاً أحد الأسباب الذي يسبب الهلاك.
4- وكذلك الأحقاد المتوارثة تسبب بعض الضلال الاعتقادي إذا كان بين المِلل والنِحل.
من أسباب ضلال الضعف النفسي:
1- ضعف الإرادة:
من أسباب ضلال الضعف النفسي, ضعف الإرادة, قال تعالى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
(سورة الزُخرُف الآية: 54)
الإنسان أحياناً تضعف إرادته عن مجابهة الباطل، فيعتقد اعتقادًا باطلاً ابتغاء السلامة، وخوفاً من المضايقات، فهذا الضعف النفسي أدّى به إلى اعتقاد ضلالي، وهذا سبب أخير من أسباب الضلالات, وكما قلت قبل قليل: أخطر ما في حياة المسلم أن يكون معتقداً عقيدة ضالة وأسبابها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و الخمسون )

الموضوع :المكفرات





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أنكر شيئاً من مسلمات الدين فقد كفر:
أيها الأخوة, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوع دقيق، هو موضوع المكفرات، لأن المسلمين فيما بينهم قد يقعون في منزلق خطير، وهو أن الذي يخالفهم يكفرونه، فالتكفير شيء خطير جداً، فمن كفر مسلماً فقد كفر.
لذلك يجب أن نعلم ما هي حدود الكفر؟ وما هي حدود الإيمان؟ وقبل الخوض في هذا الموضوع، لا بد من تقديم قصير، وقد شرحنا سابقاً أن الإسلام هو انقياد كلي للشريعة الإلهية، فالذي ينقاد بجوارحه، وحواسه، وكل حركاته، وسكناته، ويؤدي العبادات، ويطبق المنهج الرباني، هذا يسمى مسلماً، لأنه استسلم لهذا الشرع الحنيف، فإذا خرج عن هذا المنهج يُسمى فاسقاً، لأن فسق بمعنى خرج، أما الإيمان فشيء آخر، الإيمان تصديق أولاً، وإقبال على الله ثانياً، فحينما ينكر الإنسان أحد مسلمات العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة فقد كفر، لذلك فإن الكفر كما تعلمون نقيض الإيمان، والكفر إذاً: هو عدم التصديق، ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، والشيء الذي وصل إلينا بطريق يقيني قاطع، هذا إذا أنكرناه فقد كفرنا.
الإمام الرازي في تفسيره الكبير يقول: الكفر هو عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلم بالضرورة مجيئه به، أقول هذا الكلام مراراً، هناك مجموعة من العقائد يجب أن تُعلم بالضرورة، فالاعتقاد بها إيمان، وإنكارها كفران، والكفر هو إنكار عقيدة وصلت إلينا بطريق قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فالإيمان لا يتم إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أركانه مع فروعها وِحْدة متماسكة تماسكاً تاماً، والإسلام كل لا يتجزأ، فيجب أن تؤمن بكل عقائد الإسلام إيماناً تاماً، فلو اختل شيء من هذه العقائد، ولم تؤمن به، بل أنكرته فهذا نوع من أنواع الكفر.
دليل القرآن على من أنكر شيئاً من العقائد مما علم بالضرورة فقد كفر:
ما الدليل على ذلك؟ الدليل قول الله عزّ وجل مخاطباً اليهود في سورة البقرة:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 85)
إذاً: مجموعة العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة تصديقها إيمان، وإنكارها كفران، وإنكار بعضها كفران، فالذي ينكر فريضة الصلوات الخمس، فهذا كافر، ومن ترك الصلاة تهاوناً لا يسمى كافراً، لكنه من أنكر فرضيتها، وقال: لِمَ الصلاة؟ ما فائدتها؟ هذه لا جدوى منها، من قال كذلك: فقد كفر، أو أنكر شيئاً من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، أو اعتقد إباحة الزنا، وقد حرمه الله عزّ وجل، أو اعتقد إباحة الخمر، وقد حرمها الله عزّ وجل.
النقيضان لا يجتمعان:
هناك موضوع دقيق، هو من آمن بشيء فقد كفر بنقيضه، والشيئان النقيضان يعنيان أن أحدهما ينقض وجود الآخر، فالضوء ينقض الظلمة، والظلمة تنقض الضوء، إثبات الظلمة ينكر وجود الضوء، وإثبات الضوء ينكر وجود الظلمة، فالضوء والظلمة شيئان متناقضان، والإيمان والكفر شيئان متناقضان، فمن آمن بشيء فهو كافر بنقيضه، ومن كفر بشيء فهو مؤمن بنقيضه، هذه قاعدة مسلم بها، دليلها مِن كتاب الله، قول الله عزّ وجل:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 256)
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة والحسن في مسنده)
الذي أُنزل على محمد هذا القرآن، وكل ما في القرآن يؤكد أنه لا إله إلا الله، فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب فهذا كفر، قال الله تعالى:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 59)
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف الآية: 26)
إذاً: الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه.
بحث المكفرات مأخوذ من أصول هذا الحديث:
المكفرات لها أصول، هذه الأصول مأخوذة من حديثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
" الإسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا "
(أخرجه الإمام أحمد عن أنس في مسنده)
نحن كبشر عاجزون عن أن نعلم ما في القلوب، فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، ونحن البشر نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والحديث الشريف الشهير في هذا الموضوع معروف،
" حينما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام في بعض المعارك، حيث قتل رجلاً، وقبل أن يقتل شهد أنه لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله، قالها: ليتقي القتل، فقال عليه الصلاة والسلام: " أشققت عن قلبه؟ "
( ورد في الأثر)
أنواع المكفرات:
1- المكفرات الاعتقادية:
ما دام الإيمان شيئًا وقر في القلب، وأقر به اللسان، وصدقه العمل، فهناك المكفرات الاعتقادية، وهناك المكفرات القولية، وهناك المكفرات العملية، وهذا يعني أن هناك اعتقاداً يكفر صاحبه، وأن هناك قولاً يكفر صاحبه، وأن هناك عملاً يكفر صاحبه, فإنكار الخالق جلّ وعلا كفر ما بعده كفر، وهذا يسمى أيضاً إلحادًا، وهو إنكار وجود الخالق، وإنكار صفات الكمال فيه, قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180)
من ينكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته, فقد كفر، ومن أنكر وجوده, فقد كفر، ومن أنكر صفات الكمال فيه, فقد كفر، أو من وصفه بما هو منزه عنه, فقد كفر، ومَن قال: إنه غير محيط علماً بكل شيء, فقد كفر، ومن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون, فقد كفر، و من نفى عنه كمال القدرة, أو كمال علمه، أو كمال عدله, فقد كفر، لذلك موضوع العقيدة أخطر موضوع في الدين، يجب أن تعلم علم اليقين ما ينبغي أن تعتقد به.
من أنكر إرسال الأنبياء، أو بعث الرسل, فقد كفر، ومن كذبهم فيما نقلوا عن الله عزّ وجل, فقد كفر، ومن أنكر نبياً واحداً منهم, فقد كفر، ومن أنكر رسالة واحد منهم, فقد كفر أيضاً, ومن أنكر الأمور الغيبية التي نقلت لنا عن طريق الكتب السماوية القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي جاءتنا عن طريق التواتر, فقد كفر، فمن أنكر الملائكة, فقد كفر، لأن الله عزّ وجل في القرآن الكريم ذكر الملائكة، ومن أنكر الجنة, فقد كفر، ومن أنكر الكتب السماوية إجمالاً, فقد كفر، ومن أنكر بعض الكتب السماوية, فقد كفر, هذه بعض أنواع المكفرات الاعتقادية التي تتعلق بالإيمان بالله عزّ وجل، وبأسمائه الحسنى، وبأنبيائه، وبالغيبيات.
أما ما يتعلق ببعض المكفرات بالأحكام الشرعية، من زعم أن الصلاة غير واجبة, فقد كفر، ومن أنكر تحريم المحرمات، وزعم أنها غير محرمة، كأنْ يزعم بعضهم أن الله عزّ وجل لم يحرم الخمر, فقد كفر, و من أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم الربا، أو عقوق الوالدين، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو القتل بغير الحق، أو اعتقد أن الزواج لا جدوى منه، والسفاح أفضل من الزواج, فهذا كافر.
فأي شيء شرعه الله لنا بالدليل القاطع، ثم يزعم أحد إنكاره، فقد كفر, أصحاب الأهواء الشهوانيون الذين يعيشون للذاتهم، ولا يبالون كيفما اقتنصوا هذه اللذات، من طريق مشروع، أو من طريق محرم، هؤلاء بالنص الدقيق هم كفار.
2- المكفرات القولية:
أما المكفرات القولية، من استهزأ بالدين، أو استهزأ بعقائده، أو سب الخالق جلّ وعلا مثلاً، وسب الرسل الكرام، وسب الكتب السماوية، وسب الدين، واعترض على عدالة الله عزّ وجل، واعترض على قضاء الله وقدره، هذا كله من المكفرات القولية، لكن هذه المكفرات القولية لا تكون مكفرات قولية إلا بشرط, أن تكون في حالة يؤاخذ فيها الرجل على إقراره، فلو كان مكرهاً، أو لو كان غائباً عن الوعي، فلا يكفر بهذه الأقوال، فلو كان كافراً أصلاً، وقال هذه الأقوال: فقد عبر عن كفره، ومن كان مسلماً، وقال مثل هذه الأقوال: فقد ارتد عن دينه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)
" أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في وضع صعب جداً، بين أيدي كفار مكة، وهم يعذبونه، فأكرَهوه على أن ينطق بكلمة الكفر، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام, وأخبره الخبر خفَّف عنه، وقال: لا عليك فإن عادوا فعد "
( ورد في الأثر )
ونزل قوله تعالى:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
( سورة النحل الآية: 106)
إن الأعمال تعبر عما في القلوب، والأقوال تعبر عما في القلوب، وإذا عبرت عما في قلبك بلسانك فهذه كلها مكفرات، تمزيق المصحف, هذا من المكفرات، إلقاؤه في القاذورات، السجود لصنم، هذا من المكفرات، من أتى فعلاً من هذه الأفعال، وثبَت أنه غير معذور، ولا مضطر، ولا مُكره، وليس جاهلاً بهذا، فهذا ينسحب عليه حكم الكفر.
يتضح من هذه المكفرات, أن الإنسان لا يكفر إلا إذا صرح، أو قال، أو عمل عملاً من لوازم الكفر، أما أن نحكم به ظناً، فهذا من الكبائر، تكفير المسلم من الكبائر، مسلم قائم بواجباته، قائم بعباداته، يؤدي ما عليه، لأنه اختلف معك في الرأي في الفروع، لا في الأصول تكفره, هذا من الكبائر.
الإمام الذهبي في كتاب الكبائر, عد تكفير المسلمين من الكبائر، لذلك, فإن هذا الموضوع له هدف, أن يعلم ما المكفرات الاعتقادية؟ وما المكفرات القولية؟ وما المكفرات العملية؟ من أجل ألاّ تتورط في اتهام الناس بالكفر، حتى لو اتهمتهم بالكفر في نفسك وقعت في الكبائر، الغيبة في بعض حدودها غيبة القلب، إذا اعتقدت أن هذا الذي أمامك ليس مؤمناً من دون دليل قطعي, فهذا كفر، وهو من الكبائر.
أصناف أهل الكفر:
1- الكافرون الضالون:
وقد صنف الكفار على أربعة أصناف:
الصنف الأول: الكافرون الضالون، وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، لأنهم لا يعلمون وجوده في قلوبهم، وقد أشار كتاب الله عزّ وجل إلى هذا النوع في سورة الفاتحة فقال:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
(سورة الفاتحة الآية: 6-7)
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
(سورة الرعد الآية: 19)
2- الكافرون الجاحدون:
الصنف الثاني: الكافرون الجاحدون, وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، مع أنهم يعلمون وجوده في قلوبهم، ككفر بعض كفار قريش، وكفر بعض اليهود الذين عرفوا أن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، ومع ذلك أنكروا رسالته، الذي يعرف في قلبه، ويُنكر بلسانه, هذا كافر جاحد.
3- الكافرون المعاندون:
الصنف الثالث: الكافرون المعاندون, وهم الذين يعرفون الله في قلوبهم، ويعترفون به بألسنتهم، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة لقمان الآية: 25)
ومع ذلك فهم يعاندون في الإيمان برسله، واتباع شريعته، ويستكبرون عن عبادته، لأسباب كثيرة: منها الحسد والبغي، ومنها الكبر، ومنها الطمع، ومنها الرغبة في اتباع الشهوات، ونحو ذلك، وبعضهم قال:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً
يخشى على مكانته، أو يخشى على مصالحه، أو يخشى على شهواته، فهؤلاء هم الكافرون المعاندون.
4- الكافرون المنافقون:
الصنف الرابع: الكافرون المنافقون، الذين يتظاهرون بالاعتراف في ألسنتهم، وقلوبهم منكرة غير معترفة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، الإيمان درجات، والكفر دركات، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 90)
ولقد قرر القرآن الكريم أن الكفار غير المعذورين بكفرهم هم من أهل النار في الدار الآخرة، وأنهم مخلدون في العذاب، وأن الله لا يغفر لهم كفرهم، وإشراكهم به، بخلاف غيرهم من عصاة المؤمنين، فقد تشملهم رحمة الله بالعفو والمغفرة، كرماً منه وفضلاً إذا شاء الله ذلك, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
( سورة النساء الآية: 116)
وقال الله تعالى في سورة آل عمران:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 91)
خطورة البحث وأهميته:
هذا الموضوع أردت أن أقرره لكم لخطورته:
أولاً: من أجل أن تعرف حدود الإيمان، وكيف أن الإنسان إذا خرج عن هذه الحدود فقد وقع في الكفران؟
ثانياً: ومن أجل ألا تتورط في كبيرة، ألا وهي تكفير المسلمين المؤمنين الصادقين.
بقي علينا في موضوع العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (1)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أهمية القضاء والقدر في حياة الإنسان:
أيها الأخوة, قد أنهينا بفضل الله وكرمه في الدروس السابقة الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والكتاب، والنبيين، ووصلنا إلى الإيمان بالقضاء والقدر، والقضاء والقدر كما تعلمون ركن من أركان الإيمان، بل إن سلوكك في الحياة يبنى على نوع فهمك للقضاء والقدر، فإذا توهم الإنسان أنه مجبور على أفعاله، وأنه لا اختيار له, وأنه كريشة في مهب الريح، وأن كل شيء قد انتهى، إذا توهم الإنسان ذلك شلت قدرته، وقعد، واستسلم، وصار إنساناً سلبياً، ليس هذا الفهم حقيقة القضاء والقدر, وإذا ظن الإنسان متوهماً أنه يخلق عمله، وأن بإمكانه أن يفعل كـذا وكذا، علا في الأرض، وطغى، وبغى، كذلك هذا الفهم بعيد عن حقيقة القضاء والقدر
لذلك الشيء المهم جداً، وهو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، أن تعرف حقيقة القضاء والقدر، هل أنت مخير بلا حدود؟ هل أنت مسير بلا شروط؟ كيف الحال؟ أرجو الله عزّ وجل أن يمكنني من توضيح بعض هذه الحقائق.
تعريف القضاء والقدر لغة:
كلمة القضاء والقدر، كثيراً ما تدور على الألسنة، نتحدث عنها كثيراً، بادئ ذي بدء ماذا تعني كلمة القضاء والقدر؟ قال علماء اللغة: القضاء بالمد، يعني بالألف الممدودة، مصدر قضى يقضي قضاء، وهو في معناه اللغوي الجامع: إتمام الشيء قولاً كان، أو فعلاً، أو إرادة، أو غير ذلك, فمثال القضاء في القول, قول الله تعالى في سورة الإسراء:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
(سورة الإسراء الآية:23)
خلاصة قول الله عزّ وجل: ألا تعبدوا إلاّ إياه، إتمام القول، هذا هو المعنى الأول اللغوي للقضاء، أي أتم الله سبحانه نهيه عن عبادة غيره، ومثال القضاء في الفعل، قوله تعالى في سورة فصلت:
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 12)
يعني أتم خلقهن سبع سموات في يومين, ومثال القضاء في الإرادة قول الله عزّ وجل في سورة البقرة:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
(سورة البقرة الآية: 117)
فإذا تمت إرادته تعالى في تكوين أمر، فإنما يأمره بـ (كن)، أمر تخليق، فيكون ذلك المراد.
أما معنى القدَر, بفتح الدال هو تبيين كمية الشيء، وهو مصدر قدر، يقدُر بضم الدال, وقدِر بكسر الدال, وهو تعيين كمية الشيء، من المقدار، وأما قدر على الشيء بمعنى ملك قوة التصرف بما يريد منه، فمصدره قُدرَةً، وقَدارةً، وقُدُورَةً.
تعريف القضاء والقدر شرعاً:
القضاء عند علماء العقيدة: هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحالي، أراد الله خلق الكون فكان، هذه إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه، أراد الله خلق الإنسان، فكان الإنسان، أراد الله خلق السموات والأرض، فكانت السموات والأرض.
أما القدر: هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحدودة بالقضاء، أي التنفيذ، قضى الله أن يكون الإنسان ذا سمع، وبصر، وإرادة، وعقل، ونفس, فكان كما قدّر.
والمعنى الآخر للقضاء والقدر، كما بينه علماء آخرون في العقيدة الإسلامية: القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، والقدر هو التقدير، أي جعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده، ثم يكون وجوده.
هذه التعاريف الشرعية للقضاء والقدر، تلتقي في مفهوم موحد ملخصه: القضاء والقدر إرادة الله أن يوجد الأشياء على وجه مخصوص، ثم إيجادها فعلاً على وفق المراد.
قضى, بمعنى أراد أن يخلق الإنسان على وجه مخصوص، فقدر، فخلق الإنسان على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يخلق السموات والأرض على وجه مخصوص، فخلق السموات والأرض على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يكون الإنسان حراً، فكان الإنسان حراً، أراد أن يكون الإنسان ذا عقل، فكان الإنسان ذا عقل، أراد أن يكون الإنسان ذا شهوة، فكان الإنسان ذا شهوة، أراد أن يجمع الناس ليوم الحساب، فكان ذلك يوم الحساب.
هذا أدق تعريف شرعي للقضاء والقدر، لهذا يجب الإيمان بالقضاء والقدر، يجب أن تعتقد بالقضاء والقدر، إذ هو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، ومن قصر في فهم القضاء والقدر، انعكس هذا التقصير خللاً، وانحرافاً على سلوكه.
الفهم المغلوط لموضوع القضاء والقدر يضل الإنسان عن الحق:
شيء خطير، ربما كان تساهل الناس في المعاصي انعكاساً لفهمهم الخاطئ للقضاء والقدر، يعني أن يقول الإنسان الساذج: كاسات محدودة، في أماكن معدودة, لا تعترض فتنطرد، هذا فهم سقيم للقضاء والقدر، من هنا يتوهم الإنسان أن المعصية مقدرة عليه، شاء أم أبى، وأنه لا حيلة له في تجنبها، إذًا: يقعد, ولا يتوب، ولا يتحرك نحو الأفضل، ولا ينطلق إلى طاعة الله، ولا يسعى إلى كسب رضوانه، يقول لك: أنا لعله كُتب علي أن أكون شقياً، ولا حيلة لي في تغيير هذا القضاء والقدر، ربما كان انحراف الناس، وانغماسهم في المعاصي، وابتعادهم عن التوبة، وسيرهم في طريق هلاكهم، بسبب هذه العقيدة الزائغة التي ما أرادها الله عزّ وجل، والدليل قول الله تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
هذه عقيدة المشركين، عقيدة الجبر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
سلبه حرية الإرادة، وجعله ريشة في مهب الرياح، وكتب عليه أن يعصيه، ثم سيحاسبه على هذه المعاصي، وسيجعله في جهنم أبد الآبدين، هذه العقيدة عقيدة الجبر، إنها عقيدة زائغة، إنها عقيدة ضالة.
والزيغ الأخير من يعتقد أن الإنسان يخلق أفعاله، كعقيدة المعتزلة الضالة، وأن الإنسان فوضه الله، الجبريون يقولون: أكرهه الله وأجبره, والمعتزلة يقولون: أعطاه الله القدرة، أو فوضه، فالإنسان يخلق أفعاله, إذًا: سيطغى، وسيبغي، وسيعصي، وسيتجبر، وسيقول: أنا أخلق أفعالي، وهذه عقيدة لا تقل خطراً.
لذلك الحق، كما قيل: وسط بين الطرفين، بين الجبر، وبين التفويض، بين أن ترى نفسك مجبراً على فعل أي شيء، وبين أن تظن أنك قادر على أن تفعل كل شيء, لا هذه، ولا تلك، الحق وسط بين طرفين.
لذلك من هنا جاءت خطورة هذه العقيدة, يجب وجوباً عينياً أن تطلب العلم، أيها الأخوة ليس فرض كفاية، إياكم أن تظنوا أن طلب العلم، ولاسيما العلم الذي لا بد من أن تعلمه هو فرض كفاية، العلم الذي يجب أن تعلمه هو الحد الأدنى من العلم، الذي يقيك الزلل، والخلل، والانحراف، هذا العلم فرض عين، كن من شئت، كن طبيباً، كن تاجراً، أي إنسان يجب أن يطلب العلم، ليقي نفسه الزلل، والخلل، والخطأ.
وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
فالقضاء والقدر من أركان العقيدة الإسلامية،
" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "
(أخرجه مسلم عن عمر في الصحيح)
وهذا بفضل الله وتوفيقه, أمضينا في الإيمان بالله تسعة وخمسين درساً، الإيمان بالله, أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.
وعن عمر أيضاً رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أخبرني عن الإيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "
(أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان عن عمر)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان بالقدر نظام التوحيد "
(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)
أنت توحد، تقول: لا إله إلا الله، لا حركة، ولا سكنة، ولا فعل، ولا قوة، ولا حدث، ولا رفع، ولا خفض، ولا إعطاء، ولا منع، ولا عز، ولا ذل إلا بالله، هذا هو التوحيد، نظام التوحيد القضاء والقدر، " الإيمان بالقدر نظام التوحيد "
(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال:
" الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن "
( ورد في الأثر )
هذا الذي وقع، لا بد من أن يقع، تعلقت إرادة الله أن يقع، إذن فلا بد أن يقع، ولو لم يقع لكان نقصاً في علم الله، وحكمته، وإرادته، إذا عرفت أن الذي بيده الأمر، له الأسماء الحسنى، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، غني، عادل، من بيده كل شيء، من بيده ملكوت السموات والأرض، من بيده الأمر كله، هذه العقيدة وحدها تُشفي من آلاف الأمراض النفسية, قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة هود الآية: 123)
لذلك يقول الإمام علي كرّم الله وجهه: " لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً "، وقال علماء الأصول: إن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن ترضى بمكروه القضاء فهذا دليل معرفتك بالله عزّ وجل, وقال عليه الصلاة والسلام:
" لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ"
(أخرجه الترمذي في سننه)
موقف أهل السنة والجماعة من مسألة الاختيار والكسب:
فإذا قلت: إن الإنسان ليس له إرادة، مسلوب الإرادة، ريشة في مهب الريح، علماً أن الإنسان مكلف, فهذا التكليف غير صحيح, كيف يصح التكليف والإنسان مجبر؟ كيف تحاسب إنساناً على فعل أجبرته أنت عليه؟ التكليف لا يصح، والاختيار لا يصح، وحمل الأمانة لا تصح إذا أجبرته, فإذا فوضته، ربما لا يكون الذي فوضته رحيماً، وقد يظلم الآخرين، إذا أعطيت إنساناً قوة كبيرة، وأطلقت يده، هذا قد يؤذي الآخرين، و قد يستطيل عليهم، ويعتدي عليهم، فالتفويض انحراف في العقيدة.
الجبريون انحرفوا، فنفوا عن الإنسان إرادته الحرة، وكسبه للأفعال، واختياره، وتكليفه، والمعتزلة عزوا الفعل إلى الإنسان، ونسوا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأفعال كلها، فقدْ وقف أهل السنة والجماعة موقفاً متوسطاً، فاختاروا الاحتمال الوسط، الذي ليس فيه شطط ولا انحراف، والذي لا يتنافى مع صحة التكليف، ومفهوم العدل والحكمة من جهة، كما لا يتنافى مع النصوص الشرعية من جهة أخرى، ووفقوا بين ذلك توفيقاً يقبله العقل، وتحتمله نصوص الشرع من دون تكلُّف.
ملخص اعتقادهم, أن الإنسان مخلوق وهبه الله العقل، والإرادة الحرة، والقدرة المستعدة للتنفيذ في حدود الإمكان الموهوب له، ولكن عمل قدرة الإنسان في آثارها، إنما هو عمل الأسباب في مسبباتها، لا عمل المؤثرات الحقيقية، هذا سأوضحه بمثل دقيق، حيث إن المؤثر الحقيقي هو قدرة الله سبحانه وتعالى، فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى، بالنظر للمؤثر الحقيقي، وهي أفعال العباد بالنظر لصور الأسباب الظاهرة، وقد وجه العباد إرادتهم إلى فعلها باختيارهم الحر، وبذلك يصح ابتلاؤهم، وامتحانهم، وبذلك يصح في العقل وفي العدل أن يترتب على أفعالهم المدح والثواب، أو الذم والعقاب.
شيء دقيق جداً، هو أنك إذا أمرت إنساناً أن يفعل كذا، فهذا اعتراف منك أنه مخير، إذا قلت لموظف في محلك التجاري: تعال غداً في الساعة السابعة، ألا يعني هذا الأمر أنه بإمكانه أن يأتي أو لا يأتي؟ شيء بدهي، فمجرد الأمر يعني أن المأمور مخير، ومجرد النهي يعني أن المنهي مخير.
موقف علماء العقيدة في مسألة التسيير والتخيير من منطلق بحث القضاء والقدر:
1- من واقع حال الإنسان:
صفوة القول في هذا الموضوع، كما يقول علماء العقيدة: أننا يجب أن نبحث القضاء والقدر من زوايا ثلاث:
1- من واقع حال الإنسان.
2- من منطلق العقل السليم.
3- من منطلق النصوص الشرعية الصحيحة.
لنأخذ حال الإنسان, يبدو لنا كما نشعر من أنفسنا، أن أموراً تجري في الحياة من دون أن يكون لإرادتنا دخل في ذلك، نحن ولدنا مثلاً في زمن معين، هذا الزمن لم يكن له علاقة باختيارنا، ولدنا من أب وأم معينين، ولدنا في ظرف معين، في بيئة معينة، كان جسمنا قوياً أو ضعيفاً، كان في صحتنا خلل أو استقامة، ولدنا من أب غني, الأمور كلها ميسورة، أو من أب فقير, شعرنا بالحرمان، هذا كله ليس لنا فيه حول، ولا طول، ولا اختيار، إذًا: فهناك أشياء في حياتنا نحن مسيرون فيها كل التسيير، وهناك أشياء أخرى نحن مخيرون فيها، فأن تأتي إلى هذا المسجد أو لا تأتي، أن تصلي أو لا تصلي، أن تطلق البصر في الحرام، أو أن تغض البصر عن محارم الله، أن تأخذ حقك فقط، أو أن تأخذ فوق هذا الحق، أن تعامل من حولك معاملة طيبة رحيمة، أو أن تعاملهم معاملة قاسية، أن تكون رحيماً أو قاسياً، عادلاً أو ظالماً، منصفاً أو مجحفاً، أن تكون خيراً أو بخيلاً, هذه كلها أعمال داخلة في دائرة الاختيار.
نورد مثالاً على ذلك: هناك قفص فيه عصفور وعصفورة، فيه صحن للطعام، وإناء للماء، هذا العصفور بإمكانه أن يأكل أو لا يأكل، أن يشرب أو لا يشرب، بإمكانه أن يلاطف أنثاه أو أن ينقرها، لكن صاحب القفص، حمل هذا القفص وسار به، فحركة القفص ليست باختيار هذا العصفور، لو أن صاحب القفص غمسه في الماء، ليس باختياره ذلك، لو أنه وضعه في مهب رياح باردة، ليس له ذلك، فهذه الأشياء لا علاقة للعصفور بها، أما معاملته لأنثاه، وتناوله للطعام أو عدم تناوله، أن يرمي الإناء أو لا يرميه، فهذه الأعمال كلها باختيار العصفور، وسيحاسب عليها.
فهناك دائرة تُحاسب عليها، هناك دائرة أنت فيها حر، وحريتك فيها ظاهرة، وسوف تحاسب عليها، وهذه الأعمال مكلف بها، وهناك دائرة أخرى لست محاسباً عليها، إنما أنت في هذا مسير، ولست مخيرًا.
فواقع حال الإنسان، كل واحد منا بإمكانه أن يصلي أو لا يصلي، يحضر مجلس علم أو لا يحضر، أن يكون قاسياً مع والدته أو أن يكون لطيفاً، يعامل زوجته بالرحمة أو بالعنف، أن يكون كريماً أو بخيلاً، هذا كله باختياره، أما كونه صحيحَ الجسم، قلبه متين، صحته جيدة، ابن رجل غني، جاء من أب فقير، جاء من أسرة عالية النسب، من أسرة وضيعة النسب, هذه الأشياء كلها، لا علاقة له باختيارها.
إذاً: أنت بحسب الواقع بين دائرتين، دائرة أنت مخير فيها، ومحاسب على كل أعمالك، ودائرة ثانية، أنت فيها مسير، هذا الواقع.
2- من منطلق العقل السليم:
يقضي العقل بأن المسؤولية عن العمل لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، متى أكون مسؤولاً أمام أي جهة في الأرض؟ إذا كنتُ مخيراً، إذا كنت مستطيعاً أن آتي إلى المدرسة الساعة الثامنة، وجئت الساعة التاسعة، فأنا مسؤول عن هذا التأخر، أما إذا كان بعد المدرسة عن البيت 100 كم، فكيف أتخطى هذه المسافات في ربع ساعة؟ مستحيل، فالعقل يقول: لا بد أن تكون المسؤولية عن العمل منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، أما من لا يملك هذه الاستطاعة فلا يصح أن تتوجه إليه المسؤولية أصلاً.
هل أستطيع أن أحاسب مستخدماً على باب المستشفى عن فشل عملية جراحية؟ يجيبك أنا لا أحسن إجراء العملية الجراحية، أنا لا أستطيع أن أفتح البطن، تحاسب الطبيب المتعلم، الذي يملك الأدوات، وعنده علم، ومعه قدرة، ومعه أدوات, إذًا: مِن زاوية العقل، ومن زاوية الواقع أنت مخير، وهذا شيء نشعر به.
لماذا يلقى القبض على المجرم؟ وإذا وقف المجرم أمام القاضي، وقال له سيدي: أنا مجبور على ذلك، فلا تؤاخذني، لقد قدّر الله علي أن أكون كذلك, هل يُقبل منه هذا الكلام؟ هل يصدر قرار بالعفو عنه لأنه قال: إنني مجبر؟
جاء إلى سيدنا عمر رجل شارب للخمر، فقال: أقيموا عليه الحد، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخيّر، ولست مجبرًا، إذًا: من زاوية المنطق والعقل، فالمسؤولية لا تصح إلا إذا كنت مخيراً، مستطيعاً، لذلك إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، المجنون لا يحاسب، والمكره لا يحاسب، فإذا أُكرِهت على فعلٍ ما، لا تحاسب عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ اللَّهَ رفع عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(سورة البقرة الآية: 173)
إذا واجه سيل أحد الأشخاص، وهدم بيته، هل يُساق ليحاكم؟ لا، ليس له اختيار في الموضوع، داهم السيل بيتَه، وهُدم بيته، ومات فيه خمسة أطفال، أيُساق إلى المحكمة ليحاكم عن قتل الأطفال؟ أبداً، أما إذا قتل إنسان إنساناً آخر بمحض اختياره، أليس يحاسب على ذلك؟ هذه من زاوية العقل.
3- من زاوية النصوص الشرعية الصحيحة:
في الدائرة التي أنت مسير فيها، اعلم علم اليقين أن كل ما يجري في حقك مسيرًا به، إنما هو لمصلحتك، وهي محض رحمة، ومحض فضل، أن تكون من أب فقير، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون بهذا الجسم العليل، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون من هذه الأسرة، فهذا لمصلحة إيمانك، كل شيء أنت مجبر عليه هو لمصلحتك، وأما الذي أنت فيه مخير، فإما أن تفعل ما هو خيّر، فتثاب على هذا العمل، وإما أن تفعل ما هو شر، فتجازى على هذا العمل.
أوضحت النصوص الشرعية الإسلامية مذهب أهل السنة والجماعة، إذ أثبتت أن للإنسان كسباً اختيارياً، يحاسب عليه، ويعتبر مسؤولاً عنه، ويتوجه إليه التكليف الشرعي ضمن حدوده، وما ليس للإنسان فيه كسب اختياري، فلا مسؤولية عليه فيه، ولا يحاسب عليه، ولا يترتب له أو عليه ثواب ولا عقاب.
من لوازم القضاء والقدر:
منح الله سبحانه وتعالى الإنسان إرادة حرة، يكسب بها أعماله الاختيارية، ومنح الإنسان بالإضافة إلى ذلك سائر شروط امتحانه، من عقل يدرك به التكاليف الربانية، وقدرة ظاهرة على تنفيذ ما يكلفه من أعمال جسدية أو نفسية، وبذلك تكون مسؤوليته, وحين تختل الشروط اللازمة لامتحانه أو تكليفه ترتفع مسؤوليته.
ولما توجهت إرادة الله لمنح الإنسان الإرادة الحرة، استحال في الوقت نفسه أن تتوجه لسلبه هذه الإرادة، وجعله مجبراً، نظراً إلى أنه يستحيل أن تتناقض إرادة الله عزّ وجل، فما دامت إرادة الله تعلقت أن يجعلك مختاراً، لن تكون هناك إرادة تناقض هذه الإرادة، تعلقت إرادة الله أن يجعلك مختاراً، فكنت كذلك.
الأدلة من الكتاب على موضوع الإنسان مسير ومخير بآن واحد:
بعض الآيات القرآنية تؤكد ما ينمو إليه هذا الكتاب، قال تعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 225)
كسبت قلوبكم, أنت لك كسب، تكسب العمل الطيب، وتكسب العمل السيء, قال تعالى:
﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 5)
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 286)
قال تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾
(سورة الطلاق الآية: 7)
هذه الآيات كلها تؤكد الحقيقة الأساسية، في أن الإنسان مخير في دائرة، ومسير في دائرة أخرى
قول الحسن بن علي رضي الله عنه حول مسألة القضاء والقدر:
كتب الحسن البصري إلى الحسن بن عليٍ يسأله عن القضاء والقدر، فكتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري ما نصه: " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر".
دققوا، إذا قلت لإنسان: لماذا أنت في المعصية؟ يجيبك: إن الله قدر عليّ ذلك، إيّاك، هذا كلام كفر, هو الذي رتب لك أن تعصيه, هو الذي أمرك بالزنا, هو الذي أمرك بالسرقة, هو الذي أمرك بالكذب؟ قال تعالى رداً على هؤلاء وأمثالهم:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 28)
" من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر، وإن الله تعالى لا يطاع استكراهاً " أنت لست مكرهاً على الطاعة، لو أنك مكره لما كان لك ثواب، " إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، ولا تعصيه قهراً، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما مّلكهم، وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، إن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك "، قولاً واحداً, إن الذي يعصي الله إنما يعصيه بمحض اختياره، " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب " كلام واضح كالشمس, " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان ذلك عجزاً في القدرة, فإن عملوا بالطاعة فله المنة والفضل, أعطاهم القوة على أن يطيعوه, هم أرادوا أن يطيعوه، أعطاهم القوة على ذلك, وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم, والسلام ".
هذا ملخص الملخص, كلام الإمام الحسن بن علي يجيب عن سؤال حول القضاء والقدر للإمام الحسن البصري رحمهما الله تعالى.
قول سيدنا علي رضي الله عنه رداً على سائل أساء الفهم للقضاء والقدر:
سأل شيخ شامي الإمام علي رضي الله عنه بعد الانصراف من صفين قائلاً: أكان المسير إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ فقال علي كرم الله وجهه: والذي فلق الحب، وبرأ النفس، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلة, أي مرتفعاً, إلا بقضاء الله وقدره.
فقال الشيخ: عند الله أحتسب خطاي، ما أرى لي من الأجر شيئاً, مادام القضية كلها مرتبة، وأنا مسير, مالي أجر.
فقال له: أيها الشيخ، عظم الله أجركم في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي منصرفكم، وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرهين، ولا إليه مضطرين.
فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقنا؟ هنا بيت القصيد، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً, أي إجباريًا، وقدراً حاسماً, لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب, إن الله تعالى أَمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مُستكرهاً، ولم يرسل الرسل إلى خلقه لعباً، ولم يُنزل الكتب عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
ملخص القول:
هذا إن شاء الله, له توضيح في دروس قادمة، ولكن لا يستحسن للإنسان أن يخوض إلى أعماق هذا الموضوع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه، قال فيما معناه: إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا, يجب أن تعلم أنك حر في دائرة، وأنك محاسب فيما أعطيت من حرية، وأنّ الشيء الذي لا حرية لك به لا تحاسب عنه، هذا ملخص قولنا ذلك.
وسوف ننتقل إلى الآيات الدقيقة المتعلقة في هذا الموضوع، نظراً لأهميتها، فقد أُفردت في موضوع مستقل، وسوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (2)






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزالقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المحاور التي تدور عليها الآيات حول موضوع القضاء والقدر:
1- محور هداية الناس جميعاً:
أيها الأخوة، هناك خمس مجموعات من آيات القرآن الكريم تتعلق بالقضاء والقدر، تتمحور كل مجموعة حول محور, هذه المجموعات هي:
المجموعة الأولى: بين الله فيها أن الله عزّ وجل أنه لو شاء لهدى الناس جميعاً, قال الله تعالى:
﴿ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
( سورة الرعد الآية: 31)
وفي آية أخرى, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
( سورة السجدة الآية: 13)
وفي آية أخرى, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
( سورة هود الآية: 118)
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾
( سورة الأنعام الآية: 35)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾
( سورة يونس الآية: 99)
قد يأتي سائل, ويسأل لماذا لم يشأ الله ذلك؟ هذه الآيات من الآيات المتشابهات التي تحتاج إلى تأويل, وتفسير, وتوضيح, يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
(سورة يونس الآية: 39)
ويقول في آية أخرى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
( سورة يونس الآية:99)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
( سورة هود الآية: 118)

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(سورة المائدة الآية:48)
أيها الأخوة، فهي كما قلت قبل قليل من الآيات المتشابهات، ومعنى المتشابهات، أيْ التي يجب أن تسأل عنها، لئلا يتبادر إلى ذهنك فهم سطحي ساذج محدود من أن الله عزّ وجل لم يشأ الهداية، أراد أن يجعل الناس ضالين مُضلين, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
( سورة السجدة الآية: 13)
ما الذي حصل؟ هذه / لو / حرف امتناع لامتناع، أي امتنعت هداية الخلق لامتناع مشيئة الله, ليس هذا هو المعنى المراد, إذا تأملنا في واقع الأمر يتبين لنا احتمالات ثلاثة للمشيئة الربانية:
الاحتمال الأول: أن تكون مشيئة الله هي جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الهداية، دون أن يستطيعوا غير ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجبرهم على طاعته، وقادر على أن يجبر الناس على سلوك طريق الهدى.
فشيء بسيط جداً, نسبة لقدرته جلّ وعلا، أن يجبر الناس على طاعته، كان ممكناً لمشيئة الله عزّ وجل أن تكون هكذا، ولكنها لم تكن.
الاحتمال الثاني: ويُمكن أن تكون المشيئة في جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الضلالة.
الاحتمال الثالث: ويمكن أن تكون مشيئة الله عزّ وجل في أن يجعل الناس مخيرين، فمن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الخير، ومن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الشر.
هناك ثلاث احتمالات لمشيئة الله عزّ وجل في هذا الموضوع, فالله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجبر عباده على طريق الطاعة، فإذا كان لم يشأ أن يجبر عباده على أن يسلكوا سبيل الطاعة, فهو كذلك لم يشأ أن يجبر عباده على سلوك سبيل المعصية, إذا لم يشأ أن يجبر عباده على طاعته، ليس معنى هذا أنه شاء أن يجبرهم على معصيته، لا, ليس هذا هو البديل، ليس هذا هو المقابل، ليس هذا هو الاستنباط العكسي، هذا فهم ساذج, بل شاء لهم أن تكون لهم مشيئة حرة يختارون بها طريق الهداية، أو طريق الضلال, أي شاء أن يجعلهم أحراراً في اختيارهم.
إليكم بعض الأمثلة للتوضيح:
أضرب بعض الأمثلة, الجامعة بإمكانها ضمن حدود قدرتها، أن تجعل جميع الطلاب ينجحون بعلامات تامة، شيء في منتهى البساطة، توزع على الطلاب أوراق الأسئلة، وأوراق الإجابة مطبوع عليها الإجابة الكاملة، وما على المدرس إلا أن يضع على كل ورقة مئة من مئة، يقول رئيس الجامعة: لو شئت لجعلت جميع الطلاب ينجحون نجاحاً ممتازاً، ولكن لو فعلت ذلك فأين قيمة الجامعة حينئذ؟ هل لهذا النجاح أي قيمة عند الطلاب؟ هل لهذا النجاح قيمة عند إدارة الجامعة؟ هل لهذا النجاح قيمة عند الناس؟ هل لهذه الشهادة التي يحملها خريجو الجامعة أية قيمة؟
فلو أجبـر ربنا سبحانه وتعالى عباده على طاعته لأصبح التكليف باطلاً، وأصبح الابتلاء باطلاً، وأصبح الامتحان باطلاً، وصار مجيئنا إلى الدنيا عبثاً، ولبطل الثواب، وسقط العقاب، وبطل الوعد والوعيد، وعطّلت نواميس الكون، وسقط الإنسان، وصار في مستوى الحيوان, قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 72)
ولكننا لم نفعل، ومشيئتنا لم تكن كذلك، كان من الممكن أن تكون هذه مشيئتنا، لكن هذه المشيئة لم تتعلق بها حكمتنا, ليس من الحكمة أن نشاء ذلك, فإذا خفي على الإنسان هذا الكلام، هذا القرآن يحتاج إلى من يعلمك إياه، يحتاج إلى من يفسره لك, قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
إذا وزعنا مذياعاً ليس له إلا محطة واحدة، لم يكن للمستمع أيّ اختيار, أما إذا كان هناك عدة محطات، هذا استمع إلى قرآن، وهذا استمع إلى غناء، أصبح هناك اختيار، كشفت النفوس، أما بمحطة واحدة لم يعد هناك خيار, إذاً: ولو شئنا أن تكون الأنفس كلها مفطورة على سلوك سبيل الهداية فقط، لسلبناها منحة الاختيار، وقدرة الكسب، ولجعلناها أنفساً مجبرة لا اختيار لها، ولو جعلناها كذلك لكان من مقتضى الحكمة، أن نؤتي كل نفس هداها، لو أننا أردنا أن نسلبها حرية الاختيار، لكان مقتضى الحكمة أن نؤتي كل نفس هداها، ولكن تمت الحكمة بأن توهب هذه الأنفس الاختيار الحر، والقدرة على الكسب، ضمن دائرة التكليف فقد حق القول مني أن الذي يختار سبيل الشر، وطريق المعصية، فسوف يدخل النار, الاختيار فيه مسؤولية أنت حينما تجبر الإنسان على فعل معين، لن تستطيع أن تحاسبه إطلاقاً، أما إذا خيرته فعندئذٍ تأتي المسؤولية، ويأتي الحساب، ويأتي الجزاء, قال تعالى:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة هود الآية:119)
شاءت مشيئة الله عزّ وجل أن يكون الإنسان ذا مشيئةٍ حرة، إن اختار طريق الخير، سعد في الدنيا والآخرة، وإن اختار طريق الشر، دخل جهنم، وخلد بها إلى أبد الآبدين، قال تعالى:
﴿ولكن حق القول مني﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
لأنني منحت الإنسان مشيئة حرة, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
ما هي الحكمة في اختلاف الناس فيما بينهم طالما كانوا أحراراً في الاختيار ؟
الآية الثانية, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 99)
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة البقرة الآية:256)
إذاً:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة القصص الآية:56)
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة البقرة الآية: 272)
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
( سورة هود الآية: 86)
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 107)
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
( سورة الغاشية الآية:22)
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
( سورة الكهف الآية: 29)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
(سورة هود الآية: 118)
الأمر واضح كالشمس, لِمَ هم مختلفون؟ قد يتوقف الإنسان ويقول: يا ربي جلت حكمتك، لماذا أردت البشر أن يكونوا مختلفين في المذاهب والاتجاهات والنظريات والخصومات؟
الجواب: هذا هو الاختيار، لأنني منحتهم الاختيار، الاختلاف فيما بينهم نتيجة طبيعية لمنحهم حرية الاختيار، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
لو أنّ الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على طاعته، لأ لغي التكليف, وألغي الابتلاء، ولكن لم يشأ ذلك، لماذا؟
﴿ليبلوكم ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
ليمتحنكم و ليكشف خبايا نفوسكم، وليميز الخبيث من الطيب, قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾
( سورة العنكبوت الآية:2)
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
(سورة العنكبوت الآية:3 )
إذًا: حرية الاختيار من أجل الابتلاء، ومن لوازم حرية الاختيار الاختلاف بين الناس، وحرية الاختيار تنفــي الإكراه في الدين، وحرية الاختيار تقتضي المسؤولية.

2- محور عقيدة أهل الشرك:
وأما المجموعة الثانية: فقد أورد القرآن الكريم تعلل المشركين بمشيئة الله تعالى في إشراكهم، وفي عبادتهم لغير الله فاعتقدوا أنّ الله خلقهم مشركين، وأجبرهم على الشرك، هذه عقيدة أهل الشرك، هذه الآية التي سأتلوها عليكم تنفي عقيدة الجبر، التي تقول: إن الإنسان ريشة في مهب الرياح, يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
ألا تستمعون لأكثر الناس يقولون: يا أخي هذا أضله الله، ما هذا الكلام؟ خلقه الله كافراً، خلقه مشركاً، خلقه ضالاً، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
سمى ربنا سبحانه وتعالى هذه العقيدة كذباً, وسماها تكذيباً, وأوعد هؤلاء المكذبين أن يعاقبهم على هذا التكذيب, ما الدليل؟
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
أيها الأخوة، لولا الدليل لقال من شاء: ما شاء, منهج البحث في الإسلام, إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل, هؤلاء الذين يزعمون أن الله أجبرهم على الشرك, فربنا عزّ وجل يطالبهم بالدليل:
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
سوف تأتيكم الحجة الداحضة لافتراءاتكم وكذبكم, قال تعالى:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149)
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148-149)
لم تتعلق مشيئة الله أن يجبرك، ولكن مشيئته تعلقت بأن يجعلك مُخيّراً, مرة ثانية, هذه الآية محكمة، صريحة، واضحة في نفي الجبر عن الإنسان.
أيها الأخوة, هاتان الآيتان تشكلان المجموعة الثانية المتعلقة بالقضاء والقدر، والتي هي صريحة أشد الصراحة في نفي الجبر عن الإنسان, وفي منحه حرية الاختيار، والدليل تتمة الآية الأولى:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149)
هل معنى هذا أنه أجبركم؟ إنه إذا أجبركم بَطَلَ الثواب، وإن أجبركم كما تزعمون على المعصية
والشرك لبطل العقاب، بل له الحجة البالغة عليكم لأنه خيَّركم, قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
3- محور المشيئة الربانية:
المجموعة الثالثة من الآيات المتعلقة بالقضاء والقدر, قوله تعالى في سورة الكهف:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾
( سورة الكهف الآية: 29)
الآية الثانية:
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة الإنسان الآية: 29-31)
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾
(سورة الإنسان الآية: 29)
أيها الإنسان, أنت مُخير، فإذا شئت طريق الحق, فطريق الحق مسلكه أمامك, قال تعالى:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
( سورة الإنسان الآية: 30)
لهذه الآية الكريمة معنيان:
الأول: أن مشيئة الإنسان هي مشيئة اختيار، ولكن مشيئة الواحد القهار هي مشيئة فحص واختبار، فإذا شئت أنت طريق الجنة، يتفحص الله سبحانه وتعالى صدقك، وإمكاناتك، والثمن الذي تدفعه لهذه المشيئة، فإذا كان الثمن وافياً، والصدق كافياً، والأهلية تامة، شاء لك الذي شئته أنت، وإن لم تكن صادقاً في هذه المشيئة، ولم تدفع ثمن الهداية، ولم تؤد ما عليك من موجباتها، عندئذٍ مشيئة الله عزّ وجل، لا تشاء لك هذه المشيئة الكاذبة، وهذا هو المعنى الأول, قال تعالى:
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾
( سورة الكهف الآية:29)
المعنى الثاني, وهو الذي يرتبط بدرسنا أكثر: لكن هذه المشيئة الحرة التي مُنحتم إياها، والتي هي سبب سعادتكم، وسبب رقيكم في الآخرة، هذه المشيئة الحرة من خلق الله عزّ وجل، ولولا المشيئة الحرة لما ارتقيتم إلى الله عزّ وجل, ولما نعمتم في الجنة، ولما ارتقيتم إلى رب الأرض والسموات
إلى الدرس القادم إن شاء الله:
أيها الأخوة، بقي علينا مجموعتان مهمتان من الآيات القرآنية المتعلقة بالقضاء والقدر، وقد أنهينا منها ثلاث مجموعات في هذا الدرس، وسوف ننهي بقية هذه الآيات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى وتفضل علينا بذلك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (3)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تتمة محاور القرآن الكريم التي تتعلق بالقضاء والقدر:
محورا الهدى والضلال:
أيها الأخوة، وقد صنفت في الدرس السابق مجموعة من الآيات التي تتعلق بالقضاء والقدر في خمس مجموعات، وقد تم بفضل الله ورحمته توضيح معاني المجموعات الثلاثة الأولى، وبقي علينا اليوم المجموعة الرابعة والخامسة من آيات القضاء والقدر, قال تعالى:
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة فاطر الآية: 8)
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾
( سورة الرعد الآية: 27)
هذه الآيات من الآيات التي تحتاج إلى دقة في الفهم، فلو أن الإنسان فهمها فهماً محدوداً أو سريعاً، أو أخذها على ما يبدو له من معانيها، واعتقد أن الله سبحانه وتعالى هدى فلاناً، أو أضل فلاناً، وانتهى الأمر، وفلان لا حيلة له في هذا ولا في ذاك، هذا فهم خطير, لذلك الآيات المتشابهات آيات ينبغي أن يسأل عنها أهل العلم، وقد قال الله تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 43)
ليس للإنسان الحق أن يعتمد على فهمه وحده في فهم آيات القرآن الكريم، قد يكون فهمه محدوداً، أو معلوماته حول هذه الآية محدودة, فآيات الهدى والضلال هي:
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة فاطر الآية: 8)
فهمها يحتاج إلى دقة بالغة.
الاستعمالات التي وردت في القرآن الكريم في معاني الهدى والضلال:
لدى تتبع نصوص القرآن الكريم نلاحظ أنه قد ورد فيها استعمال الهداية والضلالة في أربعة معاني:
المعنى الأول: الهداية بمعنى الدلالة، والإرشاد، والتعليم، والضلالة بمعنى الجهل بالحقيقة، والعمى عن طريقها، يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 1-2)
فهذا القرآن العظيم يدل المتقين على طريق سعادتهم.
ويقول تعالى في آية أخرى في سورة الضحى:
﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ﴾
( سورة الضحى الآية: 7)
وجدك غافلاً عن طريق هداية الناس فهداك.
آية ثالثة في سورة الحج, قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الحج الآية: 3-4)
﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الحج الآية: 4)
من تولاه الشيطان فإنه يضله، أي يبقيه جاهلاً، يغطي عليه الحقائق، يسلك به طريق عذاب السعير.
المعنى الثاني: الهداية بمعنى وجود الشيء والعثور عليه، والضلالة بمعنى الضياع، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾
(سورة السجدة الآية: 10)
معنى ضللنا في الأرض, أي ضعنا في الأرض تفتت أجزاؤنا، أنخلق خلقاً جديداً؟ قال الله عزّ وجل في آيات أخرى، يخاطب الكفار يوم القيامة:
﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾
( سورة القصص الآية: 62)
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾
(سورة غافر الآية: 73-74)
أي ضاعوا عنا, لذلك حينما يُضل الله الإنسان، بمعنى أنه يبعده عن شركائه، هو لا يُضله عن ذاته، وإنما يضله عن شركائه، فحيثما وجدت أنّ الله عز وجل أضل فلاناً، أي أن فلاناً اعتمد على غير الله، وضع ثقته به، جعله إلهاً من دون الله، عندئذ في ساعات الشدة يبحث عنه فلا يجده، وهذا أمر معروف عند المؤمنين, بمجرد أن تضع ثقتك في مخلوق، وتنسى الله عزّ وجل، يضلك الله سبحانه وتعالى، أي يضلك عن هذا الشريك، تبحث عنه في الوقت العصيب فلا تجده، وهذا من رحمة الله عزّ وجل، ولو أنك وجدته في الوقت العصيب لعبدته من دون الله، وكان هذا طريق الهلاك، فالإنسان إذا اتكل على نفسه، أوكله الله إياها.
هناك من يعتمد على علمه، فيقع في حماقة ما بعدها حماقة، هناك من يعتمد على قوته، فيفضحه الله عزّ وجل في أضعف خلقه، هناك من يعتمد على ماله، فتأتيه مصيبة لا علاقة لها بالمال إطلاقاً، لا تحلها الأموال الطائلة، هناك من يعتمد على مكانته، يتعامل مع إنسان لا يعرفه إطلاقاً، ولا يقيم له وزناً، فكل من اعتمد على غير الله عزّ وجل، ووضع ثقته فيه أضله الله عنه، هذا هو المعنى الثاني من معاني الضلالة.
المعنى الثالث: تُستعمل كلمة الهدى، بمعنى أثبت الهداية وحكم بها، وتستعمل كلمة أضل، بمعنى أثبت الضلالة وحكم بها، فلان هداه الله، بمعنى أنه حكم عليه بالهداية، أضله الله حكم عليه بالضلالة، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة، مثلاً يقول الله عزّ وجل:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء الآية: 88)
حكم بعض المؤمنين على بعض المنافقين بالإيمان، والله سبحانه وتعالى حكم عليهم بالضلالة, قال تعالى:
﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾
( سورة الحج الآية: 88)
هذه الآية, تعني أن المؤمن ظن بهذا المنافق ظناً حسناً، فحكم عليه بالإيمان، والله سبحانه وتعالى لأعماله وبعده وعداوته، حكم عليه بالضلالة.
آية أخرى تؤكد المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قوله تعالى:
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
( سورة الروم الآية: 29)
أي إن الذي ضلت نفسه عن الله عزّ وجل، حكم الله عليه بالضلالة، أنت إذا رأيت إنساناً تائهاً ضائعاً، تقول: هذا ضال، بمعنى أنك حكمت عليه بالضلال.
مصير إرادة الإنسان أمام إرادة الله:
هناك نقطة مهمة جداً في أمور العقيدة، هو أن الفعل بيد الله، فإذا عزي الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه, أخذ الله سبحانه وتعالى منذ خلقنا على نفسه عهداً أن يعطينا سؤلنا، فكل إنسان أعطاه الله مشيئة حرة، هذه المشيئة الحرة، تحتاج إلى قدرة كي تتحقق، و القدرة هي قدرة الله عزّ وجل، فإذا أراد الإنسان بمشيئته الحرة أن يكون ضالاً، فلا بد بحكم الأمانة التي أوكلنا الله إياها، والتي هي التكليف، لا بد من أن يُمد الله الإنسان بقدرة يحقق بها اختياره.
هذا هو المعنى الذي يستفاد من كلمة أضله الله، فإذا عُزيت الهداية والضلالة إلى الله عزّ وجل، فمن باب أن كل شيء لا يحدث إلا بأمره، ولا يحدث إلا بإرادته، وأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن نكون أحراراً في مشيئتنا، فإذا شاء أحدنا الهداية, هداه الله, بمعنى أنه وفقه للوصول إليها, وإذا شاء أحدنا الضلالة - لا سمح الله - أضله الله, بمعنى يسّر له، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
(سورة التوبة الآية: 115)
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 20)
إذاً: لا يقع في الكون شيء إلا إذا أراد الله ذلك، وإذا أراد شيئاً لا بد من أن يقع, هناك ترابط دقيق بين إرادة الله في حدوث شيء وبين حدوثه، لذلك يؤمن المؤمن أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء لم يقع، لم يُرده الله، وأنّ كل ما أراده الله لا بد أن يقع، وأنّ إرادة الله متعلقة بحكمته، ومتعلقة بعلمه، ومتعلقة برحمته، ومتعلقة بعدالته.
قال بعضهم توجيهاً آخر لهذه الآيات: هو أن إذا عزا الهدى والضلال إلى الله عزّ وجل فهذا هو الهدى الجزائي والضلال الجزائي, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
( سورة الصف الآية: 5)
اختاروا الضلالة، فجازاهم الله أن يكونوا بحالة الضلال، اختاروا الهداية فأكرمهم الله عزّ وجل بأن جعلهم مهتدين.
لكم أن تقولوا: إن مدير المدرسة هو الذي رسب الطالب الكسول، ولكم أن تقولوا: لقد رسب هذا الطالب، فإذا عزوت فعل الرسوب إلى الطالب، فلأنه هو السبب، ولأن إهماله، وكسله، وتوانيه عن الاجتهاد هو الذي جعله يرسب، وإذا عزوت فعل الرسوب إلى الإدارة، فلأنها هي التي نفذت، وقررت وأقرت، ووافقت وفق مبادئ العدالة والرحمة، إذًا: يمكن أن تعزو الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه، وأن كل فعل لا يقع إلا إذا أراده الله، وإذا عزوت الفعل إلى الإنسان فبمعنى أن هذا من كسبه، وهو المسؤول عن ذلك، والأمور لها مقدمات ولها نتائج، فمن سلك في المقدمات وصل إلى النتائج.
هذا شيء بسيط جداً، فآيات الهدى والضلال يجب أن تُفهم على حقيقتها، أما أن تلتقي بإنسان، وتقول له: أخي لماذا لا تصلي؟ فيقول لك: الله ما هداني, ما الدليل؟ يقول: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء, هذا هو الفهم الخطير الساذج المحدود الذي ما أراده الله عزّ وجل, لذلك يجب على الإنسان أن يتعلم المعاني الدقيقة التي جاءت في كتاب الله.
الرد من الكتاب على من يزعم بأن الله هو الذي يضل الإنسان:
ما أكثر الآيات في كتاب الله المتعلقة بالهدى والضلال، فالإنسان دائماً إذا فعل المعاصي والموبقات، وانحرف في سلوكه، وأخذ ما ليس له، واعتدى على أموال الناس، وعلى أعراضهم، يميل دائماً إلى أن يحمل فجوره على ربه، ويميل دائماً إلى أن يعزو هذه الضلالات إلى الله, يقول تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
أين الدليل؟.
أذكركم مرة ثانية بقول الإمام الحسن بن عليّ رضي الله عنه: ((من أنكر القضاء والقدر فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر, إنّ الله تعالى لا يُطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإن العباد أطاعوه لم يحل بينهم وبين طاعتهم، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على المعصية، لو أجبرهم على الطاعة سقط الثواب, ولو أجبرهم على المعصية سقط العقاب، ولو تركهم هملاً لكان هذا عجزاً في القدرة، إنهم إذا أطاعوه فله المنةُ والفضل، وإن هم عصوه فعليهم الحجة الدامغة)).
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في موضوع الاختيار والتسيير، الإنسان مخير أرادت مشيئة الله أن تكون ذا مشيئة أيها الإنسان، فالذي تفعله تحاسب عليه، لأنك مخير في فعله أو عدم فعله.
ما معنى المصيبة وما هو الهدف منها ؟
شيء آخر متعلق بمعنى الضلالة والهداية, وهو قوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
(سورة الحديد الآية: 22-23)
هذه الآية دقيقة جداً, لأن بعض الناس يفهمونها فهماً مغلوطاً, فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
المصيبة هنا نكرة، ومعنى التنكير هو الشمول، فكل أنواع المصائب على وجه الأرض من دون استثناء، مصيبة في المال، مصيبة في الصحة، مصيبة في الأولاد، مصيبة مادية، مصيبة معنوية، مصيبة طفيفة، مصيبة كبيرة، مصيبة فردية، مصيبة جماعية، الزلزال مصيبة، والفيضان مصيبة، والقحط مصيبة، والمرض مصيبة، والشقاق الزوجي مصيبة، والولد العاق مصيبة، وفقد المال مصيبة، والمرض الخطير مصيبة، والمرض الطفيف مصيبة، والهم والحزن مصيبة, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
آفة زراعية قضت على المحصول كله مصيبة، صقيع جاء لدقائق معدودة فقضى على موسم الفاكهة في هذه المنطقة كلها مصيبة, قال تعالى:
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 19)
فهذه كلها مصائب، بمعنى أنها تصيب الهدف، أصاب يصيب إصابة ومصيبة، فحينما سُميت مصيبة, لأنها تصيب مكان الداء, فالمتكبر قد تأتيه مصيبة تذل كبرياءه، والمبذر قد تأتيه مصيبة تفقره ليعرف قيمة المال، والذي يعتدي على أعراض الناس قد تأتيه مصيبة فيها عدوان على عرضه, فمعنى مصيبة، أنها محكمة، وأنها مسددة، وأنها صائبة، وأنها من يد خبيرة، عليمة، حكيمة، بصيرة، عادلة.
ما الحكمة من هذه المصائب ؟
يغفل الإنسان أحياناً عن معنى المصيبة، يقول لك: مصائب, نعم كلها أصابت الهدف، كم من إنسان لولا هذه المصيبة لما توجه إلى القبلة, لولا هذه المصيبة لما كفّ عن أعماله السيئة, قال تعالى:‍‍
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
كل إنسان له عند الله صحيفة أعمال، كما لو أن الطبيب مر على المرضى في المستشفى، فكان على كل سرير لوحة فيها أحدث الفحوص, ضغطه، حرارته، نسبة الشحوم في الدم، نسبة بعض المواد في الدم، يلقي الطبيب على هذه الورقة، أو على هذا الكتاب، ويقرر العلاج المناسب, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
فكل مصيبة وقعت في الأرض مبنية على حالة راهنة تلبست بها النفس، فقبل أن تقع المصيبة هناك حكيم قررها، هناك عليم قررها، هناك خبير سمح بها، هناك إله عادل أراد أن ينزلها، كل الشظايا عند الله عزّ وجل مصيبة، وليست طائشة، حادث مثلاً, كان في ساعة غفلة، الغفلة مقصودة، فربنا عزّ وجل يقول:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
نبرأها, أي قبل أن تقع المصيبة، هناك تعلقت إرادة الله عزّ وجل التي تعلقت بحكمته، ورحمته، وعدالته، وعلمه، وخبرته, قال تعالى:
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
لأنه هو خالق الأكوان، لكن بعض العلماء قالوا: معنى يسير هنا، أي على رحمته، إذاً: المصيبة هنا بمعنى أنها أصابت الهدف، وأنه يسير على الله عزّ وجل أن ينزل بعباده مصيبة تمحق أموالهم من أجل أن يهتدوا إليه، لأنه أعدّ لهم في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء لا توزيع جزاء:
لو علمت علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى قد خلقك لحياة أبدية، وأن في هذه الحياة ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عندئذ هانت عليك مصائب الدنيا.
يقول سيدنا علي كرم الله وجهه لسيدنا الحسن: ((يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية))، و الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، فليس الغني مكرماً عند الله لأنه غني، وليس الفقير مهاناً عند الله لأنه فقير، إن حظ المال، وحظ العلم، وحظ الجاه، وحظ الصحة، وحظ الجمال، موزعة توزيعاً فيها حكمة، وعدالة حيث يبتلى كل إنسان بهذا الحظ، لكن هذه الحظوظ سوف تُوزع على البشر توزيعاً جزائياً يوم القيامة وإلى الأبد.
درس الغد إن شاء الله:
بقي علينا إن شاء الله تعالى درس أخير من دروس العقيدة حول ما تجري به المقادير الربانية، مما ظاهره شر وهو في حقيقة أمره خير، وبقي علينا مسؤولية الإنسان عن أعماله الإرادية، والتوكل والاعتماد على الله، وأثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المؤمن، هذه الموضوعات كلها متممات.
وهذا الدرس الذي سوف نتناوله إن شاء الله تعالى قريباً، وبعدها ننتقل إلى موضوعات أخرى.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
06-21-2018, 03:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (4)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أفعال الله في الأرض تدل على حكمته:
أيها الأخوة، مع الدرس الأخير من دروس العقيدة, كلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، والحكمة من صفاته الفضلى، ومعنى أنه حكيم، أي أن أفعاله كلها حكيمة، إذاً: لا بد أن يكون قضاؤه وقدره حكيماً، والحكمة لا تكون إلا في الخير، فليس هناك حكمة في الشر, من هنا يأتي قوله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية:26)
إيتاء الملك، ونزع الملك، والإعزاز والإذلال كله خير، لكن الفكرة هنا دقيقة جداً، قد يبدو لبعض الناس بحسب مقاييسهم الدنيوية, أو بحسب تصوراتهم، قد يبدو لهم أنه شر، والأمثلة على هذه الفكرة أكثر من أن تحصى، حينما يفتح بطن المريض لاستئصال الزائدة الدودية، منظر فتح البطن و المريض مخدر على طاولة العمليات، والدم ينزف منه، يبدو أن هذا العمل شر في حق المريض، ولكنه خير في نظر الطبيب، والعقلاء، وأهل العلم، وهذا مثل, وهناك آلاف الأمثلة، مِن هنا يأتي قوله تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية:216)
وما دام القضاء والقدر محض الحكمة، إذاً: فهو في جانب الخير، من هنا يأتي قول النبي عليه الصلاة والسلام:
" الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن "
( ورد في الأثر)
الشر خلق من مخلوقات الله يؤدب به من يستحق من عباده:
ما هو الشر؟ كل شيء يقع على وجه الأرض، لا بد أن يكون الله قد أراده، وفي أي مكان وفي أي زمان في ملكوت الله، لا بد أن يكون الله قد أراده، لأن الأفعال كلها من خلْقِ الله، فأين الشر, إذاً؟ قال علماء التوحيد: الشر في النفوس فقط.
مثلاً: هذا السارق، حينما تعلقت مشيئته الحرّة أن يسرق، هذا هو الشر، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من يستحق السرقة، فهو قد أخرج ما في نفسه مِن شر، ولكن هذا الذي يبدو للناس شراً قد وظف لصالح المسروق منه، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه, لا يوجد شر أبداً في الكون، فهذا الذي يريد أن يؤذي فإن الشر هو تعلق إرادته بالأذى، لكن الله عزّ وجل يتولى توجيه هذا الشر إلى من يستحق الشر، ليكون شر الأول تأديباً للثاني، الدليل:
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129)
قد يؤدب الله الزوجة المقصّرة بزوج ظالم، فهذا الزوج الظالم مِن أين جاء الشر في نفسه؟ جاء مِن البُعد عن الله عزّ وجل، لكنه هل تجاوز الحدود؟ لا، إنه سلط على امرأته، وهذا التسليط عليها في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير.
رب ضارة نافعة:
لقد فسر بعض علماء التوحيد النعم الباطنة بالمصائب، حيث يبدو للناس أنها شر, قال الله عزّ وجل:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
( سورة لقمان الآية: 20)
فالنعم الظاهرة هي النعم التي نراها ونتعرف عليها جميعاً، وأما النعم الباطنة فهي المصائب، وكم من مصيبة انتهت إلى توبة, وكم من ذل انتهى إلى طاعة, وكم من فقر انتهى إلى أداء الصلاة, كل الذي يحصل في الكون محض خير على تفاوت في شكله، إما أن يكون ظاهره وباطنه خيراً محضاً، وإما أن يكون ظاهره بحسب مقاييس البشر، أو بحسب تصوراتهم شراً، وفي باطنه الخير المحض.
فلو أن رجلاً جاءته الدنيا كما يشتهي من كل جانب، وهو في غفلة شديدة، وفي بُعد شديد، فلو مات على هذا الحال لاستحق جهنم خالداً مخلداً, أما إذا أصاب مرض عضال إنساناً غافلاً، و جعله يسحق سحقًا، فهذا المرض العضال إذا انتهى به إلى توبة نصوح، هو في ظاهره مرض، ولكنه في باطنه سلسلة ساقته إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام:
" عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل "
والمصائب هي السلاسل.
( ورد في الأثر)
كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال:((الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها)).
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَذْهِبِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا "
( ورد في الأثر)
لا بد يوم القيامة أن يكشف الله لنا كل ما ساقه إلينا في الدنيا من محن، ومن أزمات، ومن خوف، ومن نقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ونقص في الأولاد، لا بد أن نقول بكل جارحة، وبكل خلية, الحمد لله رب العالمين, قال تعالى:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 10)
النقمة بعدها نعمة إذا عرفنا كيف نتصرف معها ؟
إنّ الشر الوحيد في الوجود هو ما يصدر من المخلوق حينما يخالف أوامر الله عزّ وجل، ونواهيه، ووصاياه، الشر في النفوس، أما في الخير المادي فليس هناك إلا الخير، إما ظاهراً، وهو ما تعارف الناس على أنه خير، وإما باطناً، وهي النعم الباطنة، أي المصائب، هذه المصائب إذا أمكنك أن تفسرها تفسيراً صحيحاً، حُلت مشكلتك مع الله عزّ وجل، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ قَالَ لا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ"
(أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في الصحيح)
وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة، فمصيبته في نفسه أكبر، فيجب أن تعلم علم اليقين، أن ما يسوقه الله لعباده في الدنيا من مصائب هي محض خير، يراها الكافر شراً، ولكن المؤمن الذي يعرف الله عزّ وجل، يرى ما انطوى فيها من خير، لذلك: المؤمن حسن الظن بالله، فهذه المصائب قضية مدروسة دراسة عميقة, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾
( سورة الحديد الآية: 22-23)
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء في مسنده)
الحكمة من هذه المصائب:
1- الابتلاء:
الإيمان بالقدر نظام التوحيد, ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, يجب أن نعلم علم اليقين أن المصائب التي يسوقها الله لعباده تنطوي على خير كبير، أول أنواع هذا الخير هو الابتلاء, مركبة ذات محرك قوي، لا تبدو قوة هذا المحرك في الطريق المنبسطة، ولا في الطريق الهابطة، لا تبدو قوته إلا في الصعود الشديد، لذلك مهمة الابتلاء فرز الناس، والكشف عن خباياهم، وامتحان نفوسهم, قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 2)
مستحيل، لا بد من أن نُمتحن، لا بد أن نُبتلى، وقد خلقت الدنيا من أجل أن نُمتحن, قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
( سورة الملك الآية: 2)
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 30)
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 179)
أول هدف كبير من أهداف المصائب الابتلاء، فهذا المؤمن على هذا الدخل الكبير، وعلى هذه المكانة، وعلى هذه الصحة، وعلى هذا البيت المريح، وعلى هذه الزوجة المطيعة، وعلى هؤلاء الأولاد الأبرار، محب لله عزّ وجل, ما مصير هذه المحبة إذا قلّ دخله، أو مرضت زوجته، أو فصل من عمله، أو أصيب بمرض شديد؟ لا بد أن تأتي المصيبة لتمتحن صدقك في الطلب، لا بد أن تأتي المصيبة لتكشف عن معدنك، فالناس معادن، لا بد أن تأتي المصيبة لتفرزك أمع المؤمنين أنت، أم مع غير المؤمنين؟.
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يحبونه، وكلهم طامع بمودته، وكلهم متعلق به، جاءت معركة الخندق، طوقهم الكفار، وأخلف اليهود عهدهم، وانكشف المؤمنون من ظهورهم، جاءهم الأعداء من كل حدب وصوب، حتى إن أحدهم قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 11)
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 23)
فكانت معركة الخندق وسيلة فعالة ودقيقة لكشف خبايا المؤمنين, ولكشف خبايا المنافقين، ثم أرسل الرياح الهوجاء، فقلبت قدور الكفار، واقتلعت خيامهم، ودخلت الريبة فيما بينهم, قال تعالى:
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 25)
أما في حنين فقد بلغ عدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عشرة آلاف أو يزيدون، فقالوا في أنفسهم أو بألسنتهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، امتحنوا بالضعف، وامتحنوا بالقوة.
يا أيها الأخوة, أنت ممتحن قبل الزواج، ممتحن بعد الزواج، ممتحن في الصحة، ممتحن في الفقر، ممتحن في الغنى، ممتحن في الأرض، ممتحن وأنت قوي, ممتحن وأنت ضعيف، قد تكون في عمل، ولك مكانة عالية، تمتَحن، فأحد حِكَم المصائب الابتلاء، أي الكشف عن حقيقة النفس، لا ليعلم الله، فالله عليم، ولكن لتعلم أيها المؤمن من أنت؟ وليعلم الناس من أنت ؟ قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 35)
آية ثانية, قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 155)
قد يصاب الإنسان بمصيبة طفيفة، فيسب الدين، وقد تأتي مصيبة تسحق الإنسان سحقاً، فيقول: الحمد لله رب العالمين, هذا امتحن, وهذا امتحن, هذا امتحن فكتب قوله, كما يقول الله تعالى:
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
( سورة آل عمران الآية: 181)
وهذا امتحن فكُتِب قوله، فإذا ابتُلينا بمصيبة، وقلنا: الحمد لله رب العالمين، فقد نجحنا في الامتحان، وبعدئذ يتولى الله عزّ وجل أن يذهبها عنا، لذلك أمر المؤمن دائماً خير، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا "
(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)
2- التربية والتأديب:
العلة الثانية للمصائب, التربية والتأديب، فقد تقتضي الحكمة أن يطّهر هذا المؤمن من هذا المرض النفسي، مثلاً مرض الكبر، فيبتليه بمصيبة من نوع التحجيم، يوضع في موقف حرج، فيضطر أن يسأل، أن يستعطف، هذا التحجيم إنما هو سبب الكبر، استوجب علاجاً، هذه هي التربية.
قد يضيق على المشرك، فيعرف قيمة المال الذي يحتاجه الناس جداً، هو ينفقه بلا حساب، والناس في حاجة ماسّة إليه، يذيق الله هذا المشرك الضيق المادي، هذا علاج، وهذه تربية، وهذا تأديب.
إذا كان هناك تقصير، وإذا كان هناك غلط، إذا كان هناك مخالفة، معصية، تجاوز، عدوان في الأموال، وفي غير الأموال، يأتي التأديب، فأنت يجب أن تفهم على الله عزّ وجل، هل هذه المصيبة من أجل أن تمتحن, أم من أجل التأديب؟ فقد تكون مستقيماً استقامة تامة، وأنت على علم يقيني بأنه لا انحراف، ولا خلل، ولا زلل، فلِمَ المصيبة؟ من أجل أن تمتحن, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
( سورة التوبة الآية: 25)
أصبح هناك عجب، فنحن أقوياء، جاءت هوازن، وقذفت في قلوبهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر,
" فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ْ"
(أخرجه البخاري في الصحيح)
كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- الجزاء المعجل:
أما العلة الثالثة للمصيبة, الجزاء المعجل، هذه حكمة الله العظيمة، فلو أن كل الجزاء في الآخرة، وكل الثواب في الآخرة، فلا شيء حينئذٍ في حياتنا يدفعنا إلى الطاعة، ولا شيء في حياتنا يخيفنا من المعصية, هذا الذي حدثتكم عنه يوم الجمعة، صاحب أكبر معمل حلويات في قطر عربي مجاور، صادراته اليومية طائرة محملة ببضاعة، تطير يومياً إلى أقطار مجاورة من دول النفط، ويأتيه دخل فوق الخيال، بلغ به الكبر أوجه، دخل معمله متفقداً، رأى عاملاً لا يحسن عجن العجين، فأخذ هذه القطعة من العجين, ووضعها على الأرض، وعركها بقدميه، وعلم عامله كيف يعجن العجين, أصاب قدميه مرض الموات (الغرغرين )، فقطعت قدماه، وهو الآن موجود في لندن، هذا جزاء معجل.
شخص يقود سيارته في يوم ماطر من أيام الشتاء الشديدة، وجد كلباً قابعاً على طرف الزفت، على بعد أربعين سنتيمتراً تقريباً، وبما أن الزفت أكثر امتصاصاً للحرارة، نظراً لكون لونه أسودَ، فهي أكثر دفئاً من التراب, أراد هذا السائق أن يتسلى فانحرف بمركبته، وداس يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما، وأطلق ضحكة، وكأنه فعل شيئاً عظيماً، قال لي من شهد هذه الحادثة، وكان يركب معه: والله الذي لا إله إلا هو، في يوم السبت التالي، بعد مضي سبعة أيام، وكان السائق وحده في سيارته، وفي المكان نفسه أصاب عجلة السيارة بعض العطب، رفع السيارة بالجهاز الرافع، وفكّ البراغي، وسحب العجلة، أصاب الجهاز الرافع خلل فوقعت السيارة فوق العجلة، والعجلة فوق يديه فقطعتهما، وبقيتا على اللحم، وحينما وصل إلى المستشفى كان لا بد من قطع اليدين، بعد أسبوع فقط، هذا الجزاء المعجل ردع لنا، وطبعاً الجزاء الكامل يوم القيامة
ربنا عزّ وجل يكافئ المحسن، تشجيعاً للمحسنين، ويعاقب المسيء ردعاً للمسيئين، فترى المرابي، والذي يعتدي على أعراض الناس قد أصابه مرض خبيث، والذي يأكل مالاً حراماً، محق ماله، والذي يكذب، زلزلت مكانته، والخائن محتقر بين الناس, هذه العقوبات المعجلة هدفها ردع المسيئين، لكن الذي أريد أن أقوله لكم: إياكم أن تظنوا أن الذي لا يأتيه العقاب سينجو، فإنّ الله عزّ وجل لحكمة يريدها يختار بعض المذنبين في الدنيا، ويعجل لهم العقاب، وأما الذين بقوا في صحتهم ومكانتهم، وهم غارقون في المعاصي, ما شأنهم؟ قال تعالى:
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾
( سورة يونس الآية: 46)
لا بد أن ترى مصيرهم يوم القيامة, قال تعالى:
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
( سورة الصافات الآية: 51-57)
الآن الحبل مرخى، فقد يسيء المسيء ولا يعاقب، لحكمة أرادها الله عزّ وجل، وقد يسيء ويعاقب، لكن أغلب الظن أن الذي يعاقب فيه خير، علم الله أنه بهذا العقاب ربما تاب به، فعجل له التوبة، وأن الذي لا يعاقب أغلب الظن أنه ميؤوس منه، لقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
الكافر تأتيه ضربة واحدة قاصمة، والمؤمن تأتيه آلاف المصائب لترقى به, هذا التوجيه يتناسب مع رحمة الله، ومع حكمته، ومع عدالته.
موعظة وعبرة:
يا أيها الأخوة، يجب أن تعلموا علم اليقين أن أفعال الله كلها رحمة، وحكمة، وعدالة، وقدرة، أي أنه لا يوجد فعل عشوائي, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 16)
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 47)
سورة الزلزلة، لو نعقلها لحلت كل مشكلاتنا، خالق الكون العظيم يقول لكم:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية: 7-8)
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ﴾
( سورة فصلت الآية: 40)
عندما يعقل الإنسان هذه الحقيقة, يستقيم حباً بذاته، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً
سبب تخلف المسلمين عن مسؤولياتهم هو سوء الفهم للقضاء والقدر:
أن الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية، فإذا رأيت إنساناً اقترف معصية يقول لك: إنه ترتيب الله، هكذا قدّر الله عليّ، فهذا إنسان أحمق وغبي إذا كان بحسن نية، وخبيث وكذاب إذا كان بسوء نية.
أعمالك الاختيارية ما قدّرها عليك أحد، والله سبحانه وتعالى أعطاك مشيئة حرة، وامتحنك بها، أما أن تقول: إن الله قدّر عليّ شرب الخمر، أو اقتراف الزنا، أو أكل المال الحرام, لا, جاء شارب خمر مقيد إلى أمير المؤمنين, قال: أقيموا عليه الحد، قال: إن الله قدّر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله, قال له: ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فأنت مخير.
الإنسان مسؤول إذا أهمل معالجة ابنه، لئلا ينتقل المرض من مرض بسيط إلى مرض خطير، إذا قال بعد ذلك: هذا ترتيب الله, لا, هذا تقصير, أمرك الله عزّ وجل بالتداوي, عندما يقصّر الإنسان في أموره، فلا تقل: هذا قضاء وقدر، بل قل: هذا جزاء التقصير، وهذا جزاء الإهمال.
تختار صفقة سيئة جداً، أسعارها مرتفعة فتفلس منها، فيقول: هذا ما كتبه الله لي، ليس صحيحاً، فأين فكرك؟ أنت مخيّر، أما إذا جاء الإنسان مصاباً بعاهة ولادية، فقد كتب الله له ذلك، فالشيء الذي لا حيلة لك به، هذا الذي ينسب إلى القضاء والقدر، أما الشيء الذي ضمن دائرة الاختيار فأنت محاسب عنه ومسؤول، هذا الذي جعل المسلمون يتخلفون، فلو أن العدو احتل أرضنا, ماذا نقول؟ هكذا كتب الله لنا، وهل هذا الفهم للقضاء والقدر يرضي الله عزّ وجل, قال تعالى:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾
(سورة محمد الآية: 4)
امتحان لنا, قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60)
لذلك يأخذ بعض الناس على المسلم المحدود الساذج أنه يعزو أخطاءه كلها إلى القضاء والقدر،
" من حمل ذنبه على الله فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإذا أطاع العباد ربهم لم يحل بينهم وبين طاعته، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، لو أنه أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب، لو أنه أجبرهم على المعصية لسقط العقاب، لو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن أطاعوه فله المنة والفضل، وإن عصوه فعليهم الحجة البالغة "
( قول الحسن بن علي)
مثلاً شخص نام على سطح لا سور له، فسقط ومات، يموت حينئذٍ عاصياً، قال النبي عليه الصلاة والسلام:
" من كانت ناقته حروم فلا يخرج معنا في الجهاد "
( ورد في الأثر)
والسبب لأنها ناقة خطيرة.
هكذا ينبغي أن يكون الفهم للقضاء والقدر:
شخص يأكل تفاحة من دون غسيل, يقول: سمِ الله, وكل، فما هذه السخافة ؟ ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه "
( ورد في الأثر)
معنى من أكل التراب، أي أكل فاكهة غير مغسولة، أو عليها دواء، لأن الإيمان أن تأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب.
فكل شيء يقع ضمن دائرة مسؤوليتك فأنت محاسب عليه, طبيب نسي أن يسأل المريض, هل يوجد عندك تحسس ضد الصدمة، أعطاه إبرة فجاءته الصدمة، وانتهى للموت، فيقول: انتهى أجله، ما هذا الكلام؟ يحاسب هذا الطبيب على أنه قاتل، لأن الإنسان محاسب على الشيء الذي وُكِّل أمره إلى اختياره، هذا هو الفهم الإسلامي للقضاء والقدر, أما متى تقول: هذا مكتوب علي؟ إذا كان الشيء خارجاً عن دائرة الاختيار، وإلاّ فأنت مقصر في عملك، في تجارتك، في زراعتك، في صناعتك، في وظيفتك، خذ بالأسباب، والذي يأتي بعد أخذك بالأسباب هو القضاء والقدر الذي ينبغي أن تستسلم له، فإذا جاءت الأمور على غير ما يجب أن تكون لا ينبغي أن تستسلم، يجب أن تنهض، يجب أن تصحح.
أكثر المسلمين الجاهلين إذا أتت الأمور على غير ما ينبغي, يعزون هذا إلى القضاء والقدر ويجلسون، بينما سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناساً فقراء جداً: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، أي قم وتحرّك، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ,
" قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ "
(أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه)
اعمل للمركبة صيانة، لا أن تقول: توكلنا على الله من دون صيانة ونسافر، فإذا كان هناك خلل يخشى من حادث، فهذا ليس توكلاً، وإنما عين الجهل، لذلك لا ينبغي أن نستغل القضاء والقدر للتحلل من المسؤوليات والواجبات، وكلما رأيت خللاً, تقول: هكذا أراد الله، وهذا ترتيبه ومشيئته، هذا الشيء الذي وكل إليك أنت محاسب عنه.
ما يحصل بعد أن تأخذ بالأسباب فهو القضاء والقدر، ونحن مستسلمون له، أخذته إلى الطبيب، ونفذتَ التعليمات بحذافيرها، والشفاء تأخر، فهذا قضاء وقدر، لكن أهملت العلاج والمرض تفاقم، فتقول: هكذا كتب الله له، هذا كلام مرفوض.
آخر حديث شريف في هذا الموضوع، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "
(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)






والحمد لله رب العالمين