مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سور القران الكريم كاملا
السعيد
04-14-2018, 09:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التغابن (63 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الرابعة عشرة وما بعدها من سورة التغابن، وهي قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
زواجكم وأولادكم عدو لكم اختلف المعنى اختلاف كلي، أي أية زوجة، أو أي ولد عدو للإنسان.
أما ربنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّ مِنْ﴾
ومن تفيد التبعيض، يعني إن بعض أزواجكم، وبعض أولادكم عدو لكم مع أن الله جل جلاله أودع في قلب الزوج محبة زوجته، لقوله تعالى:
﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾
( سورة الروم: 21 )
السكنة من خصائص الزواج، لذلك العلماء حاروا في هذه الآية.
آية تقول:
﴿ ومن آياته الليل والنهار ﴾
( سورة فصلت: 37 )
﴿ ومن آياته والشمس والقمر ﴾
( سورة فصلت: 37 )
﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض ﴾
( سورة الشورى: 29 )
ومن آياته الدالة على عظمته.
﴿ أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾
هنا:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾
إلا أن الإشكال يزول بكلمة من، إن بعض أزواجكم، وبعض أولادكم عدو لكم، ولكن هذه العداوة في الأعم الأغلب في حالات نادرة هناك عداوة حقيقية عداوة حال، أما في حالات عداوة مآل، يعني في النهاية يوم القيامة يرى أنه كسب المال الحرام إرضاءً لزوجته، فكانت زوجته سبب دخوله النار، في النهاية يوم القيامة يرى أنه أقحم أولاده في بئر قذرة ليأخذوا شهادات عليا أحياناً، أو ليتعلموا اللغة الأجنبية فانغمسوا في الزنى، أرسل أولاده الشباب إلى بلد غربي ليتعلموا فانغمسوا بالزنى، فكان هذا الزنى في صحيفة الأب، يعني إذا حملتك زوجتك على معصية الله سوف تراها أكبر عدو لك، إذا حملك ابنك على معصية الله سوف ترى ابنك أكبر عدو لك.
لذلك: كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها صباحاً قبل أن ينطلق إلى عمله يا فلان اتقي الله نحن بك، إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا نصبر على الفقر ولا نصبر على الحرام.
هذه الزوجة المؤمنة، وأعظم النساء بركة عند الله أقلهن مهراً أعظم النساء بركة أقلهن مهراً، أية زوجة تحمل زوجها ما لا يطيق حتى تحمله على كسب حرام إرضاءً لها، وتخفيفاً للضغط اليومي فيكسب المال الحرام، يمد يده ليكسب المال الحرام، هذه الزوجة لو أنه يحبها في الحال سوف يمقتها في المآل في النهاية.
لو أن شريكين، الشريك أقترح بجيب بضاعة غير نظامية، ثم ألقي الشريكان في السجن، حكموهم عشر سنوات، هذا في الزنزانة الشريك الله يلعن هالشريك، لولاه ما كنت دخلت إلى هنا، مادام اقتراح شريكه، وجاب بضاعة غير نظامية، وأودعوا في السجن وحكموا عشر سنوات، كل يوم يلعنه، لولا اقتراحه، لولا أفكاره النتنة ما دخلت هذا السجن.
أيضاً الزوج تحمله زوجته على معصية، على كسب مال حرام من أجل المظاهر، والرفاه، هذه مشكلة معظم الأسر، يعني أكثر النساء تضغط على أزواجهن، تغير أساس البيت، شراء سيارة توسيع البيت، تزين البيت، الناس بيحكوا علينا، عندك بنات، كبرو البنات، بيجوا خطابين، مدخل البيت مذري هذا الكلام مضحك يسرق، يأكل المال الحرام، يرتشي، حتى يغطي النفقات فيوم القيامة حينما يكتشف أنه انغمس في المعصية إرضاء لزوجته، يرى أن زوجته أكبر عدو له.
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
أخوانا الكرام:
بالمناسبة نحنا في عنا فقر الكسل، وعنا فقر القدر، وعنا فقر الأنفاق، فقر الكسل مذموم، إنسان خمول لا يعمل، يكره عمله، غير متقن، يعمل يوم ويترك أيام، هذا طبعاً فقير، فعليه ضغط من زوجته لكن هو الآثم، هو الكسول.
البارحة في درس بجامع النابلسي مذاكرة، وفي شاب يعني هذا الشاب أجاب إجابات غير معقولة، يعني يحفظ درس التفسير كلمة كلمة، أجاب إجابات غير معقولة، انضباط، ودوام، وتألق، وحافظة جيدة، فأنا أثنيت على هذا الشاب ولم أكن أعرف من هو والده، ثم التقيت اليوم بوالده قال لي هذا ابني ماذا قال لي ؟ قال لي والله يا أستاذ أعمل ليلاً نهاراً لأربي الأولاد، أنا أشرق أمامي معنى اليوم قلت والله لو اشتغلت 12 ساعة، قال لي اشتغلت بسطة، واشتغلت ببيع القماش على الرصيف، ونقيت له أحسن مدرسة، وربيته، قلت له والله هذا الابن لا يقدر بثمن، ولا ألف مليون دولار، شب مستقيم منفتح، متفوق، يحب الله ورسوله، طليق اللسان، حافظ، فإذا كان عندك عمل شاق، والثمرة هيك أولاد، هنيئاً لك، فإذا كان أنت اشتغلت، وكسبت المال وأنفقت على أولادك وربيتهم، وأصبحوا أعلام هؤلاء الأولاد شهاداتهم العليا لك، بين إنسان يربي ابنه فاسق.
أقسم لي شاب كان أبوه يأخذه إلى كازينو في لبنان ويحمله على شرب الخمر، ويجبره أن يعاشر الموميسات، هذا الابن إذا وقف يوم القيامة، الابن لكن الله تاب عليه، هذا الابن لو أنه وقف يوم القيامة، واستحق دخول النار وقال يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، صح من حقه.
بقولوا إنسان سرق بيضة شجعته أمه، كبر، كبر سرقاته بعدين ارتكب جريمة قتل واستحق الإعدام، وهو أمام حبل المشنقة طلب والدته ظنوا أنه يريد أن يودعها، فلما جاءت ليودعها قال مدي لسانك كي أقبله، فلما مدت لسانها قطعه، قال لها: لو لم يكن هذا اللسان مشجعاً لي في الجرائم ما فقدت حياتي.
إياك تقول لابنك عفارم عليك إذا ارتكب عمل سيئ، إذا كسب مال حرام إذا احتال على إنسان، لا تقول له شاطر، إذا قلت له شاطر خربت بيته، شجعته أقريته على عمله.
فتربية الأولاد مهمة جداً، فبين أن يكون الابن سبب دخول أبيه النار، وبين أن يكون الابن دخول أبيه الجنة، أولادك جنتك ونارك.
فلذلك:
هذا فقر الكسل مذموم، فقر القدر، واحد عنده عاهة، معذور نعاونه، أما فقر الإنفاق جاء إنسان للنبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله إني أحبك قال له انظر ما تقول، دققوا، قال له والله إني أحبك، قال له أنظر ما تقول، قال له والله إني أحبك، قال له إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك عليك، إذا كنت محباً فعلاً تنفق المال في سبيله.
﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ﴾
( سورة الإنسان: 8 )
من علامة المؤمن أنه يستخدم ماله لإسعاد الناس، فيفتقر ما عنده مال زائد، سيدنا الصديق أنفق كل ماله، افتقر، هذا فقر كسل ؟ لا، فقر قدر ؟ لا، هذا فقر الإيمان، فقر الإنفاق، فإما أن تكون لا سمح الله فقير فقر كسل فأنت مذموم، وإما أن تكون فقيراً قدر فأنت معذور، وإما أن تكون فقيراً إنفاق فأنت محمود.
إذا الإنسان أنفق وظف ماله بالحق محمود.
ملخص الآية: إياك أن تحملك زوجتك على معصية، تغدو عدوة لك، وتمقتها يوم القيامة لأنها سبب انحرافك.
لذلك امرأة ضغطت على زوجها من الصحابيات قال لها اعلمي أيتها المرأة أن من الجنة من الحور العين مالا لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها نور الشمس والقمر، فلئن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك، هذا الجواب الدقيق.
الآن إذا أنت مالك كسلان، أما دخلك محدود، يعني هالخمسة آلاف بكفوك أكل وشرب فقط، ومن الدرجة الخشنة نجمة واحدة، ماذا تفعل ؟ مالك مكلف أن تكسب قرشاً حراماً، أطعمهم مما تأكل وألبسهم مما تلبس، مالا تكلف، مالا تطيق، مهما تكلموا، أنت أمام الله مالك مسئول، مسئول إذا أنت أكلت بالسوق لحمة بالمطعم وشبعت، وبالبيت عملت مجدرة، شو عندهم، دبروا حالكم، تمضاية أنت عما تأكل بالمطاعم مع رفقاتك وتنبسط، وعما تطعمهم أخشن الطعام الآن الله يحاسبك، أما إذا عما تأكل معهم، إذا كان أكلك من أكلهم، وثيابك من مستوى ثيابهم ما بقى في مشكلة، لأن الله ما كلفك فوق طاقتك، ما كلفك أبداً، الواحد لا يقول، احكي ساعة، هذا معاشي، ومُقسم، قسم للخبز، والطعام، والفواكي، والخضراوات واللحمة، وجزء للألبسة، غير هيك ما في عندي، جدد أثاث بيت ما في إمكان، قد ما ضغطت، لأنه إذا ضغطت واستجبت، ومديت يدك للحرام.
شب بأول حياته اشتغل بمحل جملة مواد تجميل، صاحبه واحد من أخوانا، قال لي أعطيته 8 آلاف، وهو زوجته لوحدهم، ضغطت عليه، صار يبيع، ويضع بجيبه، وجد البضاعة تنقص، هو صاحب المحل ذكي، كلف أحد أقربائه أن يأتي على المحل بغيابه ويشتري بضاعة، فجاء واشترى بضاعة بغيابه، وصل صاحب المحل، قال له هل جاء أحد ؟ قال له أبداً ما أحد جاء، بعت ؟ لا ما بعت، قال له ما شي، طبعاً كلفه يرجع البضاعة بحضوره، جاء وقال هذه أريد أن أبدلها، قال له متى أخذتها، قال اليوم أخذتها، قال له ما قلت لي عنها قال له هذا آخر يوم لك بالدوام، جاء لعندي الصانع ليترجاني، قلت له أنت خنت، أنت سرقت، 8 آلاف نعمة، أنت وزوجتك، نعمة كبيرة ضغطت عليه قام مد يده للحرام، فقد عمله.
فهذه الآية دقيقة جداً ، يعني النعومة الزائدة مع الزوجة والأولاد، مثل ما بدكم، تكرموا، عما يلعب، عما يشتغل بأساليب غير صحيحة.
﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾
بس لا تحقد، المرأة طبيعتها بدها مظاهر، هي أساساً لو ما بدها مظاهر ما بتحبها أنت أساساً، بتحب الأناقة، واللبس، والترتيب وبيت مرتب، وأثاث جديد، وبيت مدهن، بتحب هالشي هذا.
قال:
﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾
لا تحقد عليها، جزء من طبيعتها، لكن أنت القائد، وأنت المسيطر.
﴿ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
الإنسان يمتحن بماله وأولاده.
﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)﴾
واحد جاء النبي أنه فقير، قال له: كيف حالك ؟ قال له: حالي كما تراني فالنبي دعا له بالغنى صار من أكبر أغنياء المدينة فبعث له صحابي يعطيه الزكاة، قال له قل لصاحبك، ما عاد قال رسول الله، ليس في الإسلام زكاة.
قال:
﴿ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ﴾
( سورة التوبة: 77 )
مشهورة قصته، ما اسمه ؟ ثعلبة، كان يصلي وراء رسول الله، لكنه لم يشكر الله على نعمة الهدى، شكى له الفقر، فالنبي دعا له بالغنى، صار غني منع الزكاة.
﴿ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ﴾
بما كذبوا الله بما وعدوا.
﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)﴾
غداً إن شاء الله نتابع هذه الآيات.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاق (65 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأول من سورة الطلاق وهي قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
هذه الآية أيها الأخوة:
تبين الطلاق السني ، والذي يفعله معظم المسلمين ، يطلقون طلاقاً بدعياً ، فهذا الذي يطلق زوجته ثلاث طلقات متواليات في مجلس واحد ، ماذا فعل بقوله تعالى:
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
أي أمراً يحدث بعد أن طلقتها ثلاث طلقات متتاليات في مجلس واحد وانتهى الأمر ، ماذا أمرا الله عز وجل؟ أمر أن تطلقها طلقة واحدة ، وأن تبقى زوجتك عندك في البيت ، وأن تتزين لك ، وفي أية لحظة خلال ثلاثة قروء ، أو ثلاثة أشهر ، بإمكانك أن تراجعها بكلمة أو بلمسة ، وترجع إليك وليس هناك شيء.
لذلك قال الله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
هذه الآية جاءت في سياق سورة الطلاق ، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها ، لو أنه طلقها كما سن النبي عليه الصلاة والسلام ، وكما نطقت به هذه الآية ، طلقها طلقة واحدة رجعية ، وأبقاها عنده في البيت ، فالموضوع الذي من أجله ، كان الطلاق ، إذا كان صغيراً بعد أياماً عدة ينتهي ، ويندم على فعلته ، ويسترجعها ، بكلمة أو بلمسة وانتهى الأمر ، فإذا بقيت ثلاث قروءٍ عنده في البيت ، تتزين له كل يوم ، وهو مصر على طلاقها ، وانقضت العدة ، كانت طلقة رجعية بإمكانه أن يسترجعها بعقدً ومهرٍ جديدين ، ولا شيء عليه ، بعد الثلاثة قروء ، ثم إنه بإمكانه أن يطلقها مرة ثانية كما فعل في المرة الأولى ، يطلقها طلقة واحدة وبإمكانه أن يسترجعها بكلمة أو لمسة خلال ثلاثة قروء ، فإذا مضت القروء الثلاثة ، ملكت نفسها ، بإمكانه أن يسترجعها بعقد ومهرٍ جديدين ولا شيء عليه ، لأنه طلق طلاقاً سنياً.
وقد قال الله عز وجل:
﴿ الطلاق مرتان ﴾
( سورة البقرة: 229 )
هو جعله مرة واحدة ، الذي يطلق طلقات ثلاث في مجلس واحد يخالف أحكام هذه الآية ، الله عز وجل قال:
﴿ الطلاق مرتان ﴾
في الثلاثة.
﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾
هو جعل الثلاثة في مجلس واحد ، وعنده أولاد ، فهذا الذي يطلق تطليقات ثلاثاً في مجلس واحد يعد طلاقه بدعياً مخالفاً للسنة.
أما الذي ، قال الله عز وجل:
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
لعل هذا القلب يلين ، لعل هذه المشكلة تصغر ، لعل هذا الخصام يفتر ، لعل هذه الكراهة تنقضي.
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
آلاف الزيجات فيها خلافات مستعصية بعد حين حلت الأمور وعاد الوئام وسار الركب ، فلماذا التعنت.
أيها الأخوة الكرام:
ابن عباس رضي الله عنه قال مرة: أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول يا بن عباس يا بن عباس ، يعني حينما تلقى الخطب ، وحينما ينزل الخطيب من على المنبر ، أكبر موضوع يسأل عنه موضوع الطلاق ، لأتفه سبب ، لأتفه انفعال ، لأتفه غضب ، يحلف على زوجته يمين طلاق ، هذا من الحمق ، وأنت حينما تحلف على زوجتك يمين الطلاق ، صارت هي المطلقة ، إن قلت لها: إن زرت أختك فأنت طالق ، صار طالقها بيدها ، كنت أنت الآمر فأصبحت مأموراً ، كنت أنت الحاكم فأصبحت محكوماً ، كنت أنت القوي فأصبحت ضعيفاً.
يا أيها الأخوة الكرام:
يقول الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
يعني في عدة ، أول قرء ، ثاني قرء ، ثالث قرء ، معناها طلقة واحدة بينونة صغره ، إذا مرت القروء الثالثة ولم تراجعها ، ولم تراجعها ، بانت منك بينونة صغره ، أي بإمكانك أن تنشئ عقداً جديداً ومهراً جديداً وأن تسترجعها ، ولك أن تفعل هذا مرة ثانية ، أول قرء وثاني قرء ، وثالث قرء ، وهي في بيتك تتزين لك ، فأكبر موضوع يصغر ، مهما يكن الخلاف شديداً ، ينسى ، يصغر يمحى ، أنت في بحر الآمان ، أنت في بحبوحة الطلقة الثانية والثالثة.
لذلك أكثر شيئاً أتمنى على أخوتنا ، أن يتريثوا عند موضوع الطلاق.
أيها الأخوة:
لفتة لطيفة جداً في هذه الآية:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾
إلى من نسب البيت ، إلى الزوجة ، هو ملكك ، في السجلات العقارية البيت باسمك ، أم هنا نسب البيت إلى الزوجة ، لأنها المشرفة على البيت ، استنبط بعض العلماء من هذه الإضافة ، أنه من حق الزوجة أن تستقل ببيت ، فطعم الزواج لا يتذوق إلا في بيت منفرد أما بيت في نساء ورجال ، وشباب ، وشابات ورقابة وتفتيش وملاحظات ، وتعليقات ، هذا زواج تعيس ، يعني لو خُير الإنسان العالق ، بين بيت من غرفة واحدة في رأس الجبل ، هو وزوجته وحدهما ، وبين أن يسكن في أرق أحياء دمشق ، مع أناس كثيرين ، لا ينجح الزواج إلا في بيت مستقل ، ولو كان متواضعاً ، ولو كان غرفة واحدة ، هذه ملاحظة ، هي نسبة البيت إلى الزوجة.
شيء آخر الإنسان له شخصية ، ويؤكد ذاته في حقول كثيرة منها عمله ، منها دعوته ، منها عمله الصالح ، أما الزوجة ليس لها إلا مجال واحد فقط تؤكد فيه شخصيتها ، ألا وهو بيتها ، فدع لها حق الإشراف على البيت ، هذا من أجل أن تشعر أنها ذات شخصية ، أنها تقدم شيئاً ثميناً ، أما إذا تدخلت في شؤونها الدقيقة ، التفصيلية ، في شؤون بيتها ، أفقدتها شخصيتها ، لذلك نسب البيت إليها نسبت إشراف لا نسبت تملك ، ونسب البيت إليها نسبت استقلال.
في نقطة دقيق جداً جداً ، صدقوني أنها قاعدة ذهبية ، ما من مشكلة مهما كبرت بين الزوجين ، إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها هذه المشكلة تتناقص مهما تكن المشكلة كبيرة ، تتناقص إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها ، ومهما تكن المشكلة صغيرة ، لو أنها ذهبت إلى بيت أهلها ، أو أنه أذهبها إلى بيت أهلها صار في أطراف ، صار في تغذية ، خالاتها ، عماتها ، أخواتها ، أخوات الذكور ، أخوات البنات ، ما بيليق فيكِ ، أنت أرق من هيك ، ألف مين بخطبك ، بكبروا برأسها ، بزهدوا بزوجها ، بكرهوها في ، هو ينتظر أن تتصل به هي تنظر أن يتصل بها ، حلقة مغرفة ، هي لا ترجع إلا أن يأتي ليأخذها ، وهو لا يذهب ليأخذها إلا أن تأتي وحدها ، كل واحد ركب رأسه ، من أصغر مشكلة إلى أكبر مشكلة ، وقد تنتهي بالطلاق.
لذلك خطأ كبير ، لا تخرجوها من هذا البيت ، وكأنه بيتها.
المعنى الثالث:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾
أول معنــــــــى: ينبغي أن تكون مستقلة في بيتها.
المعنى الثـــاني: لها حق الإشراف.
المعنى الثــالث: لا تخرجها من هذا البيت وكأنه بيتها.
المعنى الرابع: أيتها المرأة لا تخرجي من هذا البيت وكأنه ليس لك بيت سواه.
فطبقوا هذه القاعدة الذهبية ، مهما تكن المشكلة كبيرة ، ما دامت الزوجة عند زوجها في البيت هذه تتناقص إلى أن تتلاشى وطلقتها طلقة واحدة ، يسهل في ، أول قرء ، خمس وعشرين يوم وثاني قرء ، خمس وعشرين يوم ، وثالث قرء خمس وعشرين يوم وما راجعها ، تمت العدة ، بإمكانه أن يراجعها ، وأن يعقد عليها عقد جديداً ، ومهراً صورياً ، طرق ، في بحبوحة كبيرة جداً أما حينما يطلق طلقات ثلاث في مجلس واحد هذه حماقة ما بعدها حماقة ، لأنه ألغى هذه الآية ، قال تعالى وهو خالق الكون:
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
أنت قطعت هذا الأمر ، والآية الثانية:
﴿ الطلاق مرتان ﴾
جعلته مرة واحدة.
والدليل الثالث:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
أين العدة ؟ إن طلقتها طلقات ثلاث ألغيت العدة ، خلص ما عاد في عدة أخرجتها إلى بيت أهلها و انتهى الأمر.
لذلك جهل عميم ، وحماقات لا تنتهي ، كلها بسبب الجهل والإنسان من دون علم يتعامل مع الآخرين تعامل مريعاً وأحمقاً.
فهذه آية كريمة ، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يطلق لكن المؤمنين أمروا من خلاله.﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾
يجب أن تحصيها تماماً ، أول قرء ، ثاني قرء ، ثالث قرء.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾
إن قلت لها الحقي بأهلك فهذا مخالف للشريعة ، وإن خرجت من غير إذنك والتجأت إلى بيت أهلها فهي عاصية ، هي تعصي الله إن خرجت من دون إذنك إلى بيت أهلها ، وأنت تعصي الله إذا طردتها إلى بيت أهلها ، هذا هو الشرط ، هذا بيتها وبيت أولادها ، والزواج ما أنشئ ليفسخ ، أنشئ ليبقى ، والإنسان غير الحكيم ، هو الذي يعرض هذا الزواج لهزات كثيرة ، ولأسباب تافهة ، طبعاً المرأة تطلق ، من ريبة ، إذا خانت زوجها ، أما لأسباب غير متعلقة بالخيانة.
قال عليه الصلاة والسلام: لعن الله الذواقين والذواقات.
هذا المزوج المطلاق ، وكل إنسان في عنده بنات ، فعليه أن يتقي الله في زوجته ، لئلا يعامل في بناته كما عامل زوجته.
أيها الأخوة الكرام:
نستخلص من هذا ، أن أي طلاق مخالف إلى هذه الآية ، طلاق بدعي لكن العلماء على مذهبين.
بعض العلماء أمضى طلاق البدعة وبعضهم الآخر لم يمضي طالق البدعة لكن جمهور العلماء على أنه يقع ، لكن يقع وصاحبه عاصي لله عز وجل.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاق (65 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الكريمة في سورة الطلاق وهي قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾
ثلاث آيات في سورة الطلاق، الآية الأولى قانون إلهي، أصل من أصول التعامل بين العبد وربه.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
قد يتوهم، أن الأبواب كلها مغلقة، نزلت فلما استحكمت حلقاتها.
كن عن همومك معرض الأمور إلى القــضى
وأبشر بخير عــاجل تنسى به ما قد مـضى
فالرب أمر مسـخط لك في عواقبه رضـــى
ولربما ضاق المضـيق ولربما أتسع الفــضى
الله يفعل ما يشـــاء فلا تكن معــــترض
الله عودك الجـميـل فقس على ما قد مضـى
من يتق الله في اختيار زوجته، يجعل الله له مخرجاً، من الشقاء الزوجي، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقه، من يتق الله في كسب المال يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال، من يتق الله في تطبيق الشرع الحنيف في صحته يجعل الله له مخرجاً من الأمراض العضال، من يتق الله في معاملة جيرانه، هذه الآية تكتب عليها مئات الصفحات، وآلاف الصفحات، ما دمت في طاعة الله فلك ألف ميزة وميزة لأن الله عز وجل يقول:
﴿ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾
( سورة الأحزاب:71 ).
البائعون، البائع الذي يتق الله في معاملة الزبائن، يجعل الله له مخرجاً من موظفين يقهرونه، لأن أنت إذا خفت من الله مباشرةً لن يخيفك من أحد سواه ، إذا اتقيت الله فيما بينك وبينه، كفاك ما بينك وبين الناس، إذا اتقيت الله فيما تملك كفاك الله ما لا تملك، هي تقوى الله عز وجل ؛ أي طاعته، ومن يتق الله، مهما بدت لك الأمور عسيرة، مهما بدت لك الأبواب مغلقة، مهما بدت لك الظروف صعبة، مهما بد لك الأمل معدوماً.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
أما كلمة يجعل له مخرجاً، تعني أن الأمور تبدو لك مغلقة محكمة، ما في أمل، الأبواب كلها مغلقة، الطرق كلها غير سالكة الأسباب كلها معدومة، الأمل صفر، نزلت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظن أنها لا تفرج، كلام رب العالمين.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾
لو أن إنسان ضاقت به الدنيا، أنعدم دخله، أصبح دخله صفراً ثم أتيح له عمل غير مشروع، يكسب منه أموالاً طائلة، وضعه الله في ظرف محرج أغلق عليه كل أبواب الكسب المشروع، وفتح له باب غير مشروع، هذا الامتحان الصعب، المؤمن الصادق يقول الله هو الغني، لن أعصيه، ولو مت جوعاً، حينما يقف هذا الموقف تفتح له الأبواب الحلال، المشروعة، هذه سياسة ربنا مع عباده، يرد أن يمتحنك.
﴿ وإن كنا لمبتلين﴾
( سورة المؤمنون:30 ).
﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾
( سورة العنكبوت: 2 ).
وما أكثر هذا الامتحان، تغلق أمامك كل الطرق المشروعة يفتح لك باب مشبوه، في شبها، في حرام، دخل كبير، الإنسان إذا سخط بقلك مضطر أنا عندي أولاد، الله ما بآخذني إن شاء الله بقلك:
﴿ لا يكلف الله نفسا ﴾
( سورة البقرة: 286 )
بجيب آيات كمان.
﴿ إلا وسعها ﴾
( سورة البقرة: 286 )
أم المؤمن الصادق، يقول والله لن أعصيه ولو مت جوعاً هكذا !! هذا موقفك !! حلق.
﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
هي سياسة ربنا، مع عباده المؤمنين، حينما تضع مصلحتك تحت قدمك من أجل إرضاء ربك، يخضعك الله لقانون خاص، قانون العناية الإلهية، أنت الآن في عنايته، وأنت في عينه.
﴿ فإنك بأعيننا ﴾
( سورة الطور: 48 ).
فالإنسان بد صبر، كمن من إنسان يعرض عليه عمل لا يرضي الله، قال معاذ الله، إني أخاف الله رب العالمين.
لذلك أيها الأخوة:
هذا الحديث، صدقوني يجب أن يكون أمام كل إنسان كل ساعة ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.
أحد الأخوة الكرام، ذهب إلى بلد، عنده معمل بسكوت فوجد خط حقه ثلاثمائة مليون، خط، ففاوضهم بشكل عجيب على سعر نقدي ثم قال أنا لا أقبل شراء هذا الخط إلا بالتقسيط، أما بهذا السعر، يعني دفعاً للشبهة، أرعدوا وازهدوا، وضجروا، ثم غادرهم إلى الشام تبعوه وباعوا هذا الخط بالسعر الذي فرضه، وبالطريقة التي أرادها هو يشتري هذا الشراء ليرضي الله عز وجل، قال لي والله أقل من سنة، الله عز وجل مكني من وفاء الدين، الشرط ثلاث سنوات الشرط.
قال لي إنسان آخر، ذهب قال لك مضطر في علاقة ربوية بالبيع والشراء، أثنى عشر سنة لسَع ما وفى حق معمله.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
دائماً في قانون غير مرئي، قانون العناية الإلهية، هذا غير مرئي القانون لما الله عز وجل يرى عبداً يصر على طاعته، ويضع مصلحته تحت قدمه ويقول والله لا أعصي الله ولو مت جوعاً، الآن:
﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
بنفتح الباب، كان مغلق، هذا لا يفتح إلا بعد الامتحان.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
صدقوني عندي مائة قصة حول هذه الآية، بهذا المعنى إنسان ترك شيء لله مغري، دخل كبير، معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، حسبيا الله ونعم الوكيل، حسبي رضاء ربي، هذا يكفيني وهذا أثمن شيء أساساً، فعندئذ ربنا عز وجل يعطيه، طاعته ورضائه، وتأتيه الدنيا وهي راغمة، إلا إذا في حكمة معينة، هذا شيء آخر.
الآية الثانية:
"﴿ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾
ما في أصعب من تعسير الأمور، بدك الوثيقة الفلانية، راحت لشهر ثاني ناقص هذا التوقيع، كلما فتح باب أغلقت الأبواب، أصعب شيء على الإنسان أن تعسر أموره، والدعاء ربي يسر ولا تعسر، التيسير له قانون، هذا قانون التيسير.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
ثمن التيسير طاعة الله عز وجل.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
فإن أردت أن تيسر أمورك، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهل أحياناً في الأمور تيسر إلى درجة مذهلة، وأحياناً توضع العقبات بشكل غير معقول، فإذا رضي الله عنك، ألقى حبك في قلوب الخلق، كله ميسر، وإذا غضب على الإنسان ألقى كراهيته في قلوب الخلق، كله معسر، كله بدو تدقيق، كله يشك في كله تعسير، من أين يجعك، من أين يؤلمك، من الذي يزعجك سنفعله معك، إذا الإنسان أغضب الله عز وجل، ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا ألا تريد هذه الميزة، ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
هذه الآية تؤكدها آية ثانية.
﴿ فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى ﴾
( سورة الليل: من 5 إلى 10 ).
هذان قانونان التيسير والتعسير.
" أعطى ": عمله صالح.
" واتقى ": أطاع الله.
" وصدق بالحسنى": آمن.
يعني آمن، واستقام، وعمل عمل صالح.
" وأما من بخل ": لم يعمل عملاً صالحاً.
" واستغنى ": واستغنى عن طاعة الله.
" وكذب ": وكذب بالدين.
" فسنيسره للعسرى ".
آمن، واستقام، وله عمل صالح، لم يؤمن، ولم يستقيم وليس له عمل صالح هذا يسر له، وهذا يعسر عليه.
الآية الثالثة والأخيرة:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾
بدنا الماضي، الماضي.
﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾
التوبة، الماضي مغطى بالتوبة، والمغفرة.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾
يعني أيام إنسان، بجعل من ماضيه عقبة، أنا أخي ما كنت مستقيم، أنا لي إساءات كبيرة جداً، كيف بدي توب حلق، الله قال له:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾
الماضي يغطى بالتوبة، بالتوبة والمغفرة.
﴿ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾
وتأتيه الدنيا وهي راغمة، ثلاث آيات، بسورة وحدة.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾
والتقوى في أبسط معانيها طاعة الله عز وجل، أن تطيع الله إن أطعته فيما تعلم، كفاك الله ما لم تعلم، إن أطعته فيما تستطيع كفاك ما لا تستطيع، إن أطعته في أي شئن من شؤون حياتك، من يتق الله في بر والديه، يجعل الله له مخرجاً من عقوق الأولاد، من يتق الله في اختيار زوجته، من يتق الله في كسب ماله، من يتق الله في أمر صحته، من يتق الله في كل شيء، يجعل الله له مخرجاً، من يتق الله فلا يشرك، يجعل الله له مخرجاً من الخوف، من يتق الله فيوحد، يجعل الله له أمناً لا يوصف، فهي آية تعد أصل من أصول الدين، دائماً في مقدمة وفي نتيجة، إذا قدمت طاعة الله، جاءتك نتائج مذهلة، والمريحة.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
من حيث لا يحتسب، بقلك أنا ما في إمكان أزوج، فعلاً معه حق، معاشي أربعة آلاف، بيت ما عندي، ما بكفوني أكل، أنت أتقي الله وأنظر، قال له يا معاذ ما حق العباد على الله، إذا هم عبدوه قال ألا يعذبهم، حق المسلم على الله أن يعينه إذا هو طلب العفاف.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
هي الآية الأولى.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
حلق أنت تقول حسبي الله ونعم الوكيل، هي جواب هذه الآية.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
لو توكلت على الله توكل حقيقياً، كفاك كل مؤنه، فهو حسبك.
﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)﴾
فهي ثلاثة آيات يجب أن توضع في الذهن دائماً.﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاق (65 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في آيات الطلاق، أو في آيات سورة الطلاق، الآية السابعة وهي قوله تعالى:
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
هذه الآية أيها الأخوة:
لها علاقة وشيجة بحياة المسلمين، فأية امرأة تكلف زوجها ما لا يطيق وتحمله على الكسب الحرام، تكون سبب لدخوله النار.
لذلك الإنسان الزوج ليس مكلفاً أن ينفق إلا مما آتاه الله، عليه أن يطعمها مما يأكل، وأن يلبسها مما يلبس، أما أن نتكلف ما لا نطيق إرضاءً لزوجاتنا، أما أن تمد اليد إلى الحرام إرضاء لزوجاتنا.
كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها قبل الخروج إلى العمل يا فلان أتقي الله بنا، نحن بك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، هؤلاء نساء الصحابة الكرام.
مرة هكذا، في طرفة:
امرأة في الطريق رأت شيخ من الأزهر، شيخ أزهري، قالت له يا سيدي أيحق للنبي عليه الصلاة والسلام، أن يتهمنا بأننا ناقصات عقلٍ ودين، معقول يعني هذا كلام النبي، فهو صاحب دعابة، قال لها والله ما له حق، بس هذا الكلام ليس لكنْ، هذا للصحابيات، أم أنتن لا عقل ولا دين، أنتن لا عقل ولا دين، ناقصات عقل ودين الصحابيات.
وهذه الصحابية تقول لزوجها أتقي الله بنا، نحن بك وإليك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، أعظم النساء بركة أقلهن مؤنةً، أعظم النساء بركة أقلهن مهراً، فالمرأة التي لا تحمل زوجها ما لا يطيق، امرأة صالحة، الصابرة، التي ترضى باليسير، يا عائشة إذا أردت اللحوق بي، أن تكون معي في الجنة، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعي، وإياك والدخول على الأغنياء، لأنه كما قال سيدنا عمر: من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط.
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾
الإنسان غير مكلف أن يمد يده للحرام ليدخل على قلب امرأته السرور، أما ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ليس منا ينفي النبي الكريم انتمائه لهذا الدين، البخيل، أما إنسان دخل محدود ليس محاسباً عند أحد، وليس عند الله محاسباً إذا أطعم أهله مما يأكل وألبسهم مما يلبس، أما المؤاخذة أن يعطيهم أخشن الطعام، وأن يأكل هو ما لذا وطاب مع أصدقائه في المطاعم، هذا لا يجوز، بل إن المؤمن الصادق، يأكل بشهوة أهله، أنا والله معجب بأزواج كثيرين لا يأكل لقمة في الطريق، ولا في مطعم، الأكلة التي أكلها دعوة وكانت طيبة، يأتي بمثلها إلى زوجته، كي يكون معها شريكاً في حلو الحياة ومرها.
إذاً:
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ﴾
أما النقطة الدقيقة، الدقيقة جداً، أن الإنسان إن كان فقير ورضي عن الله عز وجل، وكان فقره فقر معذور به.
نحنا في عنا فقر كسل، صاحبه مذموم.
وفي عنا فقر قدر، صاحبه معذور.
وعنا فقر أنفاق، صاحبه مشكور.
الذي ينفق كثيراً ما معه مال، قال له ماذا أبقيت لنفسك يا أب بكر، قال له الله ورسوله أنفق كل ماله، فهذا فقر الإنفاق، هذا وسام شرف، قال له والله إني أحبك، قال له أنظر ماذا تقول، قال له والله إني أحبك، قال له أنظر ماذا تقول، قال له والله إني أحبك، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كنت صادق فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك، هذا فقر ماذا ؟ فقر الإنفاق، فقر الحب في الله، فقر أن تؤدي كل ما عندك في سبيل الله، هذا موضوع ثالث، هذا ليس فرضاً على كل المسلمين.
من سيدنا عمر ما أخذ النبي إلا نصف ماله، أما من الصديق أخذ كل ماله ماذا أبقيت، قال الله ورسوله.
في عنا فقر الإنفاق، وعنا فقر الكسل، وعنا فقر القدر.
إذا كان فقر الكسل، صاحبه مذموم، والله الذي لا إله إلا هو كسول لا يحب العمل، ينام إلى ساعة متأخرة، لا يتقن عمله، عمل يوم يرتاح عشرة، هذا فقر مذموم.
أما فقر القدر، بذل قصار جهده فحصل هذا الرزق، معذور سعى في الأرض يمنة ويسرة حصل هذا الرزق، هذا الفقير فقر القدر إذا رضي عن الله، وصبر.
﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
هذا الامتحان، يجب أن يعلم كل أخ مؤمن أنه في ثلاثة أطوار طور التأديب، وطور الابتلاء، وطور التكريم، لا بد من الابتلاء ولكن لا يطول محدود، والأمور لا تستقر إلا على التكريم، المؤمن أموره تستقر على التكريم ويمر بمرحلتين، التأديب والابتلاء.
إذاً:
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾
ليس منا من وسع الله عليه، ثم قتر على عياله، ليس منا.
﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
هي الآية نزعناها من السياق من معناها العام، أما حينما نضعها في السياق الإنفاق على المرأة المطلقة.
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾
القاضي الآن كما دخلك يا أبني، ثلاثة آلاف، قيم لها خمسمائة أو ألف للزوجة المطلقة، ترك النفقة، فالنفقة التي يقررها القاضي بحسب دخل الإنسان أما الشيء الدقيق الآن، نحن في الطلاق، ونحن في تفاصيل الطلاق، تأتي آية يبدو أنه لا علاقة لها بالسياق.
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10)﴾
طيب هذه السورة مترابطة، وحدة معنوية كاملة، ما علاقة هذه الآية بسياق الطلاق ؟ أخوانا القضاة، ودارسوا الحقوق يعلمون ما هو المؤيد القانوني، لو طلع نظام للسير، يجب على المركبة أن تستحصل على شهادة، أو على موافقة وعلى.... الخ، بس فقط، أن تلزم اليمين، أن تعمل على تجديد المحرك كل فترة، بس ما في عقوبات، له قيمة النظام، ما في نظام من دون عقوبات له قيمة إطلاقاً، أما إذا وقفت في محل موقف في سحب إجازة، في حجز مركبة، فلولا العقوبات لما كان للأنظمة والقوانين من معنى إطلاقاً هذا اسمه في الحقوق المؤيد القانوني.
هنا، يعني أنت طلق طلاقاً سنياً، أعمل كذا، أنفق على زوجتك، أعطها نفقة، أفعل ولا تفعل، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾
يعني أيها الزوج إن أردت السلامة، فعامل زوجتك وفق منهج الله، إن أردت السلامة طلقها طلاقاً سنياً لا طلاقاً بدعياً، إن أردت السلامة لا تفتري عليها لا تشوه سمعتها، القذف محصنة يهدم عمل مائة سنة، إن أردت السلامة أرحمها، إن أردت السلامة أرحم ضعفها، إن أردت السلامة أعطها ما تستحق أعطها مهرها كاملاً، إن طلقتها، وإن لم تفعل:
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾
قلت لواحد مرة يعني له عمل بقدر يؤذي بسهولة، قلت له كل هؤلاء الناس عباد الله، الله عنده سرطان، عنده خثره بالدماغ، عنده فشل كلوي، عنده جلطة، عنده تبديل صمام، عنده شلل، عنده فالج عنده مرض جلدي، ذكرت له أمراض وبيلة، يعني يخر لهولها الرجال، هذا الله عنده مؤيد قانوني، وكل هؤلاء الناس عباده، فإن كنت بطلاً هيئ لله عز وجل جواباً عن كل تصرف تفعل مع الناس هذا كلام لنا، إذا أنت بطل، وعندك قدر على الأذى، هيئ لله جواب عن كل شيء فعلته.
يعني إذا إنسان فرضاً يفرم خروف مدهوس ميت يطعمه للناس ما لازم نعاقبه ؟ يجب أن نعاقبه أشد العقاب، إنسان عما يطعم الناس أكل فاسد، معلبات منتهي مفعولها، أحياناً لحم قطط يوضع في الصفيحة، كشفوا مرة لحم قطط في الطريق يذبحها يضعها.
فإذا إنسان قال إن الله يذع للسلطان ما لا يذع للقرآن، في مصر من حوالي شهر، كتبت الجرائد إنسان عما يطعم الناس لحم حمير، ففات للسجن قتلوه لشبعوا المساجين، بس واحد قتل كثير زيادة، قال له أنا آكل نصف حمار من عندك، بياع كباب هو عما يطعم الناس لحم حمير، المسيء يجب أن يعاقب وبلا رحمة.
والدليل:
﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾
( سورة النور: 2 )
بعض المعامل عما يحطوا بالسكاكر أصبغه بلاط، بعض المعامل يحطوا بالطحينة اسبداج دهان مشان تصير ناصعة، فالمسيء والذي يتلاعب بغذاء المسلمين هذا يجب أن يعاقب، قلت لهذا الموظف أفعل ما تشاء، بس بطولتك أن تهيئ لله جواب، عن كل ضبط تكتبه لله جواب كبير، كلهم عباده.
إذاً هذه الآية:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8)﴾
يعني أيها الأزواج لا تقول أنا رجل، هي زوجة مقطوعة أهلها فقراء ما لها مكان تأوي إليه، تضغط عليها، أتخلصها أموالها تكتب لك البيت، بعدين تطلقها، الله كبير، وفي آلاف الحوادث، إن لم تتقي الله في معاملة زوجتك الله عز وجل قد يحيجك إليها وأنت في أشد حالات الضعف، هي علاقة الآية:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9)﴾
إذاً رأس الحكمة مخافة الله، بأعلى درجات الذكاء تخاف من الله، وكلما ضعف العقل قل الخوف، لدرجة أن الطفل الصغير يلي عمره سنتين ممكن يتلمس ثعبان ضخم طوله عشر أمتار لا يخاف منه لأنه ما في أدراك، إذا ما في إدراك ما في خوف، كلما نمى الإدراك نمى معه الخوف، وأعقل إنسان هو الذي يخاف من الله، يخاف من الله ويحسب حاسباً دقيقاً، أو يحاسب نفسه حساباً دقيقاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاق (65 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في الدرس الماضي، شُرحت الآيات الثلاث:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) ﴾
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ﴾
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)﴾
في نهاية الدرس سألني أخ كريم ما علاقة هذه الآية بسورة الطلاق ؟ قلت والله فاتني أن أذكر العلاقة بين هذه الآيات وسورة الطلاق، سأذكرها الآن.
القرآن الكريم من أعجازه أنك إذا أخذت آية ونزعتها من سياقها آية واسعة، شاملة، مانعة، جامعة إلى ما لا نهاية، فإذا قرأتها مع سياقها لها معنى آخر، فحينما حدثنا ربنا عز وجل عن الطلاق، قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
في طلقة أولى، وطلقة ثانية، وطلقة ثالثة، وكل طلقة في قرء أولى، قرء ثاني، قرء ثالث، وقبل نهاية القروء الثلاثة يمكن أن تراجعها بكلمة، أو بلمسة، وبعد القروء الثلاثة لك أن تعقد عليها عقد جديداً بمهر، وشاهدي عدلٍ، أما في الطلقة الثلاثة تبين عنك بينونة كبرى، هذا النظام الذي شرعه الله لنا هو الطلاق السني، أما الذي يطلق ثلاث تطليقات في جلسة واحدة، عطل هذه الآية الله عز وجل قال:
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (1)﴾
تعطلت، ما جعل فرصة للزوجة أن تراجع نفسها، وما جعل فرصة له لعله ندم على تطليقها، ساعة غضب، قضية طارئة، بعد حين نسيها، فمن يتق الله في تطليق زوجته أن يطلقها طلاقاً سنياً طلقة واحدة، وينتظر ثلاث قروء، فإن راجعها في هذه القروء الثلاثة انتهى الأمر، وإن لم يراجعها بإمكانه أن يعيد عقده عليها، بعد انتهاء القروء، وهذا اسمه بينونة صغرى، وله أن يعيد هذه الكرة مرة ثانية أول قرء، وثاني قرء، وثالث قرء، وبإمكانه أن يراجعها بكلمة أو بلمسة، لو وضع يده عليها راجعها، فإن مضت القروء الثلاثة ولم يراجعها بإمكانه أن يعيد عقده عليها من دون أي إشكال، أول قرء وثاني قرء، وثالث قرء هي فرصة، طلق تطليقة ثانية، رابع قرء وخامس قرء، وسادس قرء، ما هي المشكلة التي تستمر ستة أشهر ؟ والزوج مصر على الطلاق ؟ معناها قضية كبيرة جداً، قضية لا تحتمل.
أما أية مشكلة لها عمر محدود، قد تتلاشى تتناقص بعد شهر بعد أسبوع أحياناً، أيام ثورة غضب بعد ثلاثة أيام ما عاد في شيء فهذا الذي طلقها في ثورة الغضب وعنده خمسة أولاد مجرم بحق هذه الأسرة، لأنه أخذ قرار وهو غضبان، فلذلك كل من طلق امرأته طالقاً سنياً، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، يرجعها، قضية سهلة جداً، لا تحتاج إلا إلى كلمة راجعتك، أو إلى لمسة، وضع يده على يدها انتهى الأمر، أول قرء وثاني قرء، وثالث قرء، ورابع قرء، وخامس قرء، وسادس قرء فإن طلقها تطليقة ثالثة بانت بينونة كبرى، ولا تحل له إلا إذا تزوجت زواجاً طبيعياً عفوياً حراً رجلاً آخر، ثم إن هذا الرجل طلقها طلاقاً عادياً حراً طبيعياً، وإلا فهو التيس المستعار، وهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، هي أحكام الطلاق، المرأة إلا لم تكن لها علاقة بموضوع الطلاق هذا طلاق بدعي، أختلف مع شريكه فحلف بالطلاق فحنث بيمينه فوقع الطلاق، تقول له يا هذا ما ذنب هذه المسكينة جالسة في بيتها تطبخ، وتمسح، وتربي أولادها ما ذنبها أنها أصبحت في الطريق لنزوة غاضبة بينك وبين شريك، هذا طلاق بدعي، الذي يطلق امرأة في الحيض طالق بدعي، الذي يطلق امرأة في طهرٍ مسها في طالق بدعي، الذي يطلق امرأة وليس لها علاقة بموضوع الطلاق طالق بدعي، الذي يطلق ثلاث تطليقات في جلسة واحدة طالق بدعي، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، صار في ندم الإرجاع سهل، ما في مشكلة، لكن حينما تطلق ثلاث طلقات دفعة واحدة في مجلس واحد، أضيف تعليق لطيف وكلما حلالك شيخ يحرمك عشرة، هذا إنسان أحمق، إنسان جاهل ليس أهلاً أن يكون زوجاً، لأنه يقامر بهذه الأسرة، يقامر بزوجته وأولاده لذلك حق هذا الطلاق يعطى للزواج، أما الحمقى مشكلة كبيرة، وهذا كان قديماً كان ابن عباس يقول: أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول يا ابن عباس يا ابن عباس، يعني أكثر سؤال يواجه خطباء المساجد بعد الخطبة، الطلاق، كان الزوج مالك الزمام، كان سيد، كان هو بيده السلطة، فلما طلقها طلاقاً معلقاً، إن ذهبت إلى بيت أهلك أنت طالق إن فعلت كذا فأنت طالق، إن دخلت الجارة الفلانيه فأنت طالق، تنازل عن سلطته، وعن قيادته، وعن مكانته، وعن الصلاحية التي أودعت بيده إلى زوجته، في أية لحظة إن ذهبت إلى ما منعتها عنه تطلق أصبح الطلاق بيدها، أنت سلمتها هذه السلطة عن طيب خاطر، فإذا حنثت، وخالفت أمرك، وقع الطلاق، وأنت بتحب وعندك منها أولاد ومستقبلهم بين يدك ويدها، من شيخ لشيخ، تتسكع على أبواب المشايخ تتسكع، وإن جاء مفتي وأعطاك الحكم الشديد، يزعجك، وإن جاء مفتي آخر أعطاك الأمر السهل، لا تثق به، بتفوت بمتاهة ما بعدها متاهة هذه نصيحة للأزواج، هي الزوجة جملةً وتفصيلاً، إذا كان جيدة، يعني وفية عفيفة، قانعة بما أنت في، ما دام الزوجة مقبولة إجمالاً، فأي خلاف معها لا تحل له عن طريق الطلاق، لا تكلمها عنفها، أي شيء فعلته معها قضية سهل جداً، ما لك علاقة مع المشايخ ولامع الإفتاء، ولا مع الحلال والحرام، أنت في بحبوحة، وفي عز وفي مكانة، واجعل هذه العلاقة بينك وبينها، وذكرت في درس سابق أن أي امرأة خرجت من بيت أهلها عقب مشكلة، أصغر مشكلة وهي في بيت أهلها تغدو أكبر مشكلة، وقد تنتهي إلى الطلاق، وأكبر مشكلة بين الزوجين إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها، تتلاشى وتتناقص، لذلك من الخطأ الفاحش من قبل الزواج والزوجات أنه عقب مشكلة أن تطردها إلى بيت أهلها، ومن الخطأ الفاحش من قبل الزوجة أنها إذا اختلفت مع زوجها تذهب إلى بيت أهلها، هون صار في أطراف، صار في أطراف أخرى، الأطراف الأخرى يعنيهم أن يحطموا الزوج، فيثروا حفيظة الزوجة، يغيرون صدرها، ويمنونها ويعدونها بأشياء كثيرة، فإذا صدقت هذا الكلام، وركبت رأسها، وتألم الزوج طلقها قضية قد تنتهي بعد يومين في البيت، في بيت أهلها انقلبت إلى مشكلة كبيرة ولا تحل إلا بالطلاق، كم من أسرة انهارت ؟ كم من أولاد تشردوا ؟ كم من مصلحة تحطمت ؟ وراء الطلاق التعسفي المبني على لحظة طارئة، مبني على غضب شديد، خذ هذه النصيحة لا تتخذ أي قرار وأنت غضبان، أبداً، وأنت غضبان لا تتخذ أي قرار لا في تجارتك، ولا بوظيفتك، ولا ببيتك، لأن هذا القرار غير صحيح، ماذا فعل سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد، قال:
﴿ قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾
( سورة النمل: 27 )
أصحاب القرار هي أخلاقهم، قال:
﴿ قال سننظر ﴾
لا تتخذ قرار وأنت غضبان، لأنه لا بد من أن تندم أشد الندم والعاقل هو الذي لا يندم، وكل إنسان أتخذ قرار وعقب القرار ندم أشد الندم فالقرار غير صحيح.
قال عليه الصلاة والسلام (( لا يفرك مؤمن مؤمنة، يفرك ؛ لا يكره، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر ))
مرة جاءني أخ كريم يشكو لي زوجته، قلت له: أتخونك ؟ قال معاذ الله امرأة عفيفة طاهرة، طيب شي جميل، لا تحسن الطبخ ؟ لا والله طبخها جيد، قلت له قذرة ؟ قال لا والله نظيفة، أنا أقصد من هذه الأسئلة أن أدفعه إلى أن يذكر ميزاتها، فلما ذكر أربع ميزات قام أستح ما عاد كمل، قال لي ما في شي.
كن منصف، حلق في نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، واحد طلع من بيته جاء لعنا هون، مطمئن، ما أحد دخل لبيته، هي ميزة لا تقدر بثمن، ولا يعرفها إلا من فقدها، إذا الإنسان شك بزوجته، شك باستقامتها، بأخلاقها، انتهى، ما عاد زوج، صار كتلة توتر، فنعمة الزوجة الصالحة، لا تقدر بثمن، نعمة أن زوجة راضية بك، تسعدك ما في إنسان كامل، وأنت ما لك كامل، وأنت أيضاً ما لك كامل فكل إنسان ما بكون منصف يجعل بيته جحيم، وكل إنسان يكون منصف يجعل بيته جنة، والبيت لا يحتاج ليكون جنة لا يحتاج إلى فخامة، ولا إلى إنفاق، يحتاج إلى تفاهم.
فلذلك نظام الطلاق، نظام بالسلام معقد جداً، أول طلقة وأول قرء شهر زمان، وهي ببيتك، ومزينة، إن مسستها انتهى الطلاق، وأي مشكلة تتناقص، بكون أول يوم قايمة القيامة، ثاني يوم سكتت، ثالث يوم والله أنا زودتها، رابع يوم والله مو عامله شي إذا كان هيك مشاكل الزواج المفروض ما يطلقوا، وإذا كان ركبوا رأسهم وطلقوا طلاق سني، مو طلاق بدعي، طلقة واحدة، الأمر فيه بحبوحة.
فعلاقة الآية بالطلاق بالضبط هو:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
قانون هذا.
من يتقي الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال.
من يتقي الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم.
من يتقي الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي.
فهذه الآية قانون تطبق على مليون حالة، أما حينما جاءت هذه الآية في سورة الطلاق لها معنى آخر، معناها من يتقي الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها.
في أشياء في حياة الإنسان، في تعبير حديث تحتها خط أحمر لا تقرب من أشياء تحتها خط أحمر، أسرتك، وكيانك، وأولادك، لا تعمل الزواج لعبة بيدك، هذه إنسانة مستقرة، حينما تهددها بالطلاق تخاف، وإذا خافت تغير لونها أساساً، ارتبكت، أما إذا طمأنتها وشعرت أنك وفي لها، فالطلاق لا يستخدم إلا في حالات نادرة جداً لا تطلق المرأة إلا من ريبة، يعني إذا تيقنت أنها تخونك أما الأزواج يرتكبون حماقات الطلاق لأسباب تافهة جداً، هذا اسمه طلاق تعسفي والله سبحانه وتعالى يعاقب عليه، ودائماً الله مع المظلوم، بالشراكة والزواج إذا شريكين واحد ظلم الله مع المظلوم، إذا زوجين واحد ظلم الله مع المظلوم.
تأكل مع زوجها دجاجة، طرق الباب سائل همت أن تعطيه قطعة من هذا الدجاج فعنفها زوجها ونهرها وسبها، فصرفت هذا السائل، بعد حين المشكلات تفاقمت بينها وبينه إلى أن طلقها، ثم جاءها رجل تزوجها، وكان غنياً عاشت في بحبوحة، وكان دين، بعد سنتين ثلاثة طرق الباب، من غرائب الصدف أنها جالسة مع الزوج الثاني، وتأكل دجاج، طرق الباب، ذهبت لتفتح الباب اضطربت اضطراب شديد، قال ما الذي حدث، قالت سائل على الباب، قال لماذا اضطربت، قالت أتدري من هو ؟ إنه زوجي الأول، قال أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول.
الله قدير، قادر يعكس الميزان، فأية امرأة تطلق مظلومة الله معها، وأي زوج تظلموه زوجته الله معه، الزوج المظلوم تأتيه زوجة تنسيه الماضي، والزوجة المظلومة يأتيها زوج ينسيها الماضي، وهذه قاعدة بالشراكة والزواج إذا فسخت شراكه، أو فسخ زواج الله عز وجل مع المظلوم دائماً، فكن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم، أفضل لك ألف مرة أن تكون مظلوم، من أن تكون ظالماً لأن الظالم مرتعه وخيم، وكل إنسان يستضعف زوجته، مالها أحد مقطوعة، أهلها فقراء، ما بيتحملوها، يضغط عليها، الله عز وجل يضغط عليه يضغط عليه بصحته، قد تأتيه أمراض يجعل حياته جحيماً، وكم من زوج ظالم صار يعوي كالكلاب أمام زوجته.
فالإنسان يتقي الله عز وجل، ويعامل زوجته بإحسان، قال تعالى:
((وعاشروهن بالمعروف))
( سورة النساء: 19 )
أروع ما في التفاسير أن المعاشرة بالمعروف ليست أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، معنى المعاشرة بالمعروف أن تحتمل الأذى منها، وكل إنسان يصبر على زوجته من أجل الحفاظ على هذه الأسرة، وعلى سلامة تربية الأولاد، هذا له أجر كبير.
رجل أعرابي اختلف مع زوجته خلاف كبير، فجاء لسيدنا عمر يشكو له وإذا به يسمع صياح في البيت، فولى هارباً، سيدنا عمر سمع طرق للباب بعدين ما عاد سمع فتح لقى واحد بعيد يا أخ العرب، لماذا ذهبت ؟ قال جئتك أشكو مما أنت منه تشكو.
يعني ما في بيت مائة بالمائة سلام، ما في زواج مائة بالمائة سعيد، يعني كل واحد هو وسط وزوجته وسط، أرضى بها ولترضى بك.
قال له يا أخ العرب هذه الزوجة تغسل ثيابنا، وتطهو طعامنا وتربي أولادنا، نحتملها وتحتملنا.
فإذا ما في احتمال، ما في تساهل، ما في إنصاف حلول، لا يستمر زواج.
فلذلك:
(( وعاشروهن بالمعروف ))
لا يفرك مؤمن مؤمنة، يفرك، إن كره منها خلقاً رضي بها خلقاً آخر.
واحد خطب امرأة وحب ينصحها، قال إن في خلقي سوءاً، أنا رجل عصبي كثير، وأخلاقي سيئة جداً، فقالت له إن أسوأ خلقاً منك من حاجك لسوء الخلق.
واحد عنده زوجة سيئة جداً، قيل له طلقها، قال والله لا أطلقها فأغش بها المسلمين.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاق (65 )
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأخيرة من سورة الطلاق، وهي قوله تعالى:﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
أيها الأخوة:
هذه الآية خطيرة جداً، لأنها تبين للإنسان علة وجوده على وجه الأرض وعلة خلق السماوات والأرض، لماذا خلق الله السماوات والأرض ؟ ولماذا خلق الإنسان ؟
قال:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾
وبعضهم قال سبعة للتكثير، لا للكم، للتكثير، رقم سبعة في اللغة العربية يفيد التكثير، عشرات، بل مئات الطبقات.
﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
والأرض طبقات، القشرة، الطبقة البازلتية، الخ.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾
الأمر بيد الله، هو المتصرف.
﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾
( سورة الزخرف: 84 )
﴿ ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ﴾
( سورة الكهف: 26 )
﴿ له الخلق والأمر ﴾
( سورة الأعراف: 54 )
﴿ خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾
( سورة الزمر: 62 )
﴿ وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ﴾
( سورة هود: 123 )
هذا الإيمان، الإيمان ألا ترى مع الله أحد، ألا ترى معطياً ولا مانعاً، ولا رافعاً، ولا خافضاً، ولا معزاً، ولا مذلاً، ولا مسعداً ولا مشقياً، والشرك أن ترى مع الله أحد.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾
هنا
﴿ لِتَعْلَمُوا﴾
علة خلق السماوات والأرض أن تعلموا، فالذي لا يعلم عطل الحكمة من خلق السماوات والأرض، والذي لا يعلم ألغى وجوده الإنساني، وبقي له وجوده الحيواني، كائن يأكل، يشرب، يتنفس ينام، يتوالد، يعمل، يكسب المال، هذا وجود حيواني، والدابة تأكل وتشرب، وتتنفس، وتنام، وتعمل، أبداً، الدواب تأكل، وتشرب وتتنفس، وتنام، وتتزوج، وتنجب، وتعمل، صح ؟ فالذي لا يعلم ألغى وجوده الإنساني، وبقي على وجوده الحيواني.
﴿ أموات غير أحياء ﴾
( سورة النحل: 21 )
﴿ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ﴾
( سورة الفرقان: 44 )
﴿ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾
( سورة الأعراف: 176 )
﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ﴾
( سورة الجمعة: 5 )
آيات قرآنية كلها، كالأنعام، كالكلب، كالحمار، فالذي لا يعلم، الذي لا يطلب العلم، الذي لا يدري لما خلقه الله عز وجل ألغى وجوده الإنساني، وبقي على وجوده الحيواني.
﴿ أموات غير أحياء ﴾
﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾
( سورة المنافقون: 4 )
أبلغ، الحيوان على شيءٍ من الإدراك، هلق الدابة إن رأت حفرة تحيد عنها، إن رأت ناراً تبتعد عنها، أما الخشب ما في إدراك.
﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾
خشب، وأنعام، وكلاب، وحمير، حينما لا تطلب العلم، ولا تعرف لماذا خلقت، ولا تبحث عن منهج تسير عليه، ولا تبحث لهدف سامي ترقى إليه حينما تكتفي بالطعام، والشراب، والتنفس، والنوم والتزاوج، والإنجاب والعمل، والاستغراق بمتع الدنيا، هذا وجود حيواني.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾
هي اللام لام التعليل، معنى التعليل يعني لام العلة، معنى العلة السبب.
واحد سافر إلى فرنسا، سألناه ما علة وجودك في هذا البلد ؟ يقول للدراسة، أتيتها لأدرس، نسأل آخر، ما علة وجودك في هذا البلد ؟ يقول للتجارة، نسأل ثالث، ما علة وجودك في هذا البلد ؟ يقول للسياحة، في سفر سياحي، في سفر تجاري، في سفر تعلمي، إذاً علة وجودك على وجه الأرض أن تعرف الله.
لذلك أول آية في كتاب الله.
﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾
( سورة العلق: 1 )
اقرأ، فكل إنسان بقلك أنا مالي فاضي أحضر مجلس علم مشاي، حينما لا تجد وقتاً لطلب العلم، ألغيت وجودك الإنساني، في بالإنسان حاجة عليا، في حاجات سفلى، أن يقترن بامرأة يشبع منها رغبته، هي حاجة دنيا، أن يأكل بنهم هي حاجة دنيا، أن يشرب حاجة دنيا، أما أن يتعلم حاجة عليا، فالذي ليس له حاجات عليا تسمو به بقي على وجوده الحيواني.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾
هذا المعنى الدقيق للآية هذا معنى يسمونه، معنى لازم هلق واحد قال لك إذا خالفت المخالفة الفلانية من نتائجه مصادرة المركبة، بلاغ واضح، مصادرة غير حجزها، الحجز شيء والمصادرة شيء ثاني، فيجب أن تفهم القرآن فهم دقيق.
هنا:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
الله عز وجل له مائة أسم، له مائة أسم، لماذا أختار من بين أسمائه أسمين فقط ؟
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
أختار أسم القدير، وأسم العليم، اسمع هذا الكلام، أنت لست مع الله، مع إنسان عادي لكنه أقوى منك، إذا كان علمه يطولك وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، لا يمكن أن تعصيه.
مثل:
راكب مركبة، الإشارة حمراء، واقف الشرطي، وسيارة ودراجات نارية، وأنت مواطن عادي، ما لك ميزة، ممكن تتجاوز ؟ والقانون واضح، حجز المركبة، وأيام في اعتقال، لماذا تلتزم ؟ لأنه الذي وضع هذا القانون وزير الداخلية، علمه يطولك من خلال الشرطي، قدرته تطولك من خلال السيارة يلاحقوك، علمه يطولك وقدرته تطولك، متى يمكن أن تخالف ؟ الساعة الثلاث بالليل، شرطي ما في لأنه، أو إذا كنت أقوى من الذي وضع القانون، ما بترد عليه بحالتين، أما إذا أنت إنسان عادي، والإشارة حمراء، والشرطي واقف لا يمكن تخالف، أنت مع إنسان هكذا، فكيف مع الواحد الديان مع إنسان من بني جنسك، من جلدك، أقوى منك لكن، علمه يطولك وقدرته تطولك.
فربنا عز وجل أختار من أسمائه كلها أسمين، العليم والقدير إذا أيقنت أن الله يعلم وقادر أن يحاسب، وسيحاسب، لا يمكن أن تعصيه، والذي يعصي الله في عنده خلل في إدراكه، خلل كبير بإدراكه، يعلم وسيحاسب، لو أنك اكتفيت من كل أسماء الله الحسنى باسم العليم القدير، لا يمكن أن تعصي الجليل، أبداً، قلت أنا خطيرة هذه الآية، هذه آية الاستقامة.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
يعلم وسيحاسب.
لذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول:
يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها، لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله، طبيب قال لك هالبيت ما يناسبك ثاني يوم تعرضه للبيع، معك قلب لا سمح الله، هذا أربع طوابق، لا يناسبك، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله، إذاً فما أكفرك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله، إذاً فما أجهلك
الإنسان حينما يعصي مدموغ بالجهل والكفر. تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمته مسؤول ؟ " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴿ لذكر الله وما نزل من الحق ﴾
( سورة الحديد: 16 )
ألم يأن أن تصطلح مع الله، ألم يأن أن تتصل بالله، ألم يأن أن تراجع حساباتك، ألم يأن أن تزيل المنكرات من بيتك، ألم يأن أن تستقيم في معاملاتك إلى متى، وملك الموت يخطف أرواح الناس بلا قاعدة، شاب يموت في الخامسة والعشرين بجلطة، من منا يملك أن يعيش ساعة واحدة، أنا أذكر هذا كثيراً.
التقيت مع مدير مدرسة حدثني عن عشرين سنة قادمة، سيسافر إلى البلد الفلاني والفلاني، خمس سنوات إعارة، وسنة بإيطاليا وسنة بفرنسا، وسنة بإنكلترا، وسنة ببريطانيا، وسنة بدو من البلاد ومن أحوال البلاد، ومتاحف البلاد، وريفها، ومدينتها، وبعدين بيرجع يشتري محل يبيع فيه تحف هذه مالها إشكالات، ما لها تسعيرة ما لها تلف مثلاً، كبرو أولاده، والله الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه توفاه الله، قرأت نعوته مساءً، وقد حدثني صباحاً.
كنت في العمرة لي صديق هناك ذكر لي أن بدوياً يملك أرض في شمال جدة، فلما توسعت جدة نحو الشمال أصبح لهذه الأرض قيمة فجاء مكتب عقاري مؤلف من ثلاث شركاء واشتراها منه بربع قيمتها احتالوا عليه، وأنشاؤوا بناية عالية جداً اثنى عشر طابق، أول شريك وقع من الطابق الأعلى فنزل ميتاً، والثاني مات في حادث، أدرك الثالث أنه في خطأ كبير بشراء الأرض، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر إلى أن التقى به، ونقده فرق الثمن، فقال له البدوي ترى أنت لحقت حالك.
يا أخوان لحقوا حالكم، ما دام في قلب ينبض لحق حالك الباب مفتوح باب التوبة مفتوح.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التحريم (66 )
الدرس الاول
قال تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه.........
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين :
أيها الأخوة الكرام :
الآية الرابعة والخامسة من سورة التحريم وهي قوله تعالى :
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾
أي تتعاونا عليه . ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
حقيقة هذه الآية الإصغاء للحق.
الحقيقة أن هذه الآية فيها إشارة دقيقة جداً إلى أن الإصغاء للحق من علاماته التطبيق، فمن لم يطبق لا يعد مصغياً.
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[ سورة الأنفال الآية : 21]
السماع عند الله معناه التطبيق، فمن أستمع ولم يطبق ليس عند الله مستمعاً، نفى عنه الله الاستماع كلياً ، أنت مستمعٌ إذا تحركت أنت مستمعٌ إذا التزمت ، أنت مستمعٌ إذا أطعت ، أنت مستمعٌ إذا طبقت ، أما تطبيق ، ليس هناك تطبيق ، ولا التزام ، ولا تنفيذ صرت كابني إسرائيل إذا قالوا : ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
[ سورة البقرة الآية : 93]
أما المؤمن يسمع ويطيع ، بل إن الله عز وجل لا يعده مستمعاً إلا إذا طبق الآية : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
يعني إنسان تقول له على كتفك عقرب شائلة ، يبقى محافظاً على هدوءه تماماً ، ويبتسم ، ثم يقول لك أنا أشكرك على هذه الملاحظة التي أبديتها ، وإن شاء الله سأرد لك هذا الجميل في المستقبل ، ما غير ولا بدل ، ولا تحرك ، ولا التفت ، ولا خلع ثيابه ، معنى ذلك أنه ما فهم ما قلت له، لو فهم لصرخ ، ولخرج من جلده ، ولقفز ، وخلع معطفه فوراً ، لو فهم ما قلت له ، لأنه بقي هادئاً ، وبقي مطمئناً ، ورد عليك رداً بسيطاً لطيفاً ، معنى ذلك ما فهم ما معنى العقرب ، معنى ذلك ما فهم ما قلت له هي الآية : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
الإصغاء علامته التوبة. قال تعالى: وإن تظاهرا عليه.....
أما الآن الشيء الذي يحير .
﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾
السيدة عائشة والسيدة حفصة ، اثنتان . ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ ﴾
ماشي . ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾
راءه النبي ملئ الأفق . ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾
يعني معقول إذا امرأتان في دولة ، يعني انتقدتا ، نجري استنفار للقوات المسلحة والفرق كلها ، وسلاح الطيران ، وسلاح المدرعات ، معقول يعني ، امرأتان ضعيفتان ، نقول : ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
كيف نفسر هذا ؟ معقول ؟ الله عز وجل ، وجبريل رئيس الملائكة ، والملائكة بأكملهم ، والملائكة نقلوا عرش بلقيس بلمح البصر ، من اليمن إلى بيت المقدس ، قدرات الملائكة فوق التصور . ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
قال علماء التفسير :
الحقيقة لا تستأهل هاتان المرأتان مهما عل شأنهما أن يقول الله عز وجل : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾
إلا أن الله يبن لنا أن أية جهة بالأرض إن أرادت أن تقف في خط معادي لهذا الدين يجب أن تعلم من هو الطرف الآخر ؟ من هو الطرف الآخر ؟ يعني إذا إنسان إذا حب أن يسئ للدين ، أراد أن يطفئ نور الله ، أراد أن يلبس مؤمناً تهمة هو بريء منها ، أراد أن يمنع دعوة إلى الله ، يجب أن تعلم علم اليقين من هو الطرف الآخر ؟ الطرف الآخر بيده الكون بأكمله ، والملائكة ، والمؤمنين وجبريل .
لما الإنسان بدو يقيم حرب على دولة ، هل الدول ، قبل أن تعلن حرب على هذه الدولة ، يجب أن تعلم من هذه الدولة ، عندها سلاح نووي وأنت ما عندك ، عندها أقمار وأنت ما عندك ، عندها صواريخ تعبر القارات وأنت ما عندك ، عندها أجهزة تكتشف ما عندك، عندها أجهزة تشوش على كل راداراتك ، قبل أن تعلن الحرب على دولة ، يجب أن تعرف إمكانات هذه الدولة ، لذلك نحن بالدنيا متعقلين دائماً ، إذا دولة ما لنا قدها ، لا نحاربها ، هذا بالمفهوم اليومي الدنيوي . محاربة الدين تعني محاربة الله.
فكل إنسان بدو يحارب الدين ، يحب أن يطفئ نور الله ، أن يلغي دعوة ، يجب أن يعلم من هو الطرف الآخر ؟ خالق الكون بيده كل شيء ، جبريل ، الملائكة ، المؤمنون ، هؤلاء خصموه ، ومن كان الله خصمه فهو في الأذلين .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾
[ سورة المجادلة الآية : 20]
في مزبلة التاريخ ، مع الأشقياء ، مع الهلكة ، مع أصحاب النار إلى أبد الآبدين ، والتاريخ أمامكم ، أين أبو لهب وأبو جهل ؟ في أسفل السافلين ، أين أبو بكر وعمر في أعلى عليين ، في الدنيا تذهب إلى المدينة المنورة تقف أمام سيدنا الصديق بأدب وخشوع وتخاطبه وتبكي أمامه ، ماذا فعل ؟ ناصر النبي ، وإذا ذكرت أبا لهب تقول لعنة الله عليه ، في أسفل السافلين ، أبو جهل لعنة الله عليه في مزبلة التاريخ ، هكذا . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ* كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
[ سورة المجادلة الآيات: 20-21]
دائماً الغلبة لله والمؤمنين . ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 12]
القلعة الشامخة التي عاشت سبعين عاماً تقول لا إله ، بس ، ألم تتداعى كما يتداعى بيت العنكبوت ، ألم تصبح أقل أمة في الأرض الآن ، الفقر والفوضى ، شيء لا يحتمل . ﴿ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾
لذلك أيها الأخوة :
الإنسان يعد للمليار قبل أن يفكر أن يقف في خندق معادياً للدين يعد للمليار ، لأن الطرف الآخر هو الله ، وإذا كان الله عليك فمن معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك .
أيها الأخوة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 36]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 42]
من أعانه ظالماً سلطه الله عليه ، الأمر بيد الله وحده . ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[ سورة الفتح الآية: 10 ]
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[ سورة الأنفال الآية: 17 ]
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾
[ سورة فاطر الآية: 2]
هذا التوحيد .
لذلك الإنسان يكون جندي للحق ، وإياه ثم إياه ثم إياه أن يكون جندياً للباطل ، قد يقول أحدكم معقول أن نفعل هذا ؟ نقول معقول ونصف ، إن وجدت إنسان يدعو إلى الله ، هم العامة تجريحه ، تلذذ هذا دجال ، هذا كذاب ، هذا منافق ، إذا كان كل إنسان دعا إلى الله حطمته أنت ، ماذا تفعل؟! تفعل كما يفعل الشيطان وأنت لا تدري ، هلق في جلسات المسلمين ينهشون أعراض العلماء ، بلا سبب ، بلا دليل بلا تحقق ، أنا لا أنزههم جميعاً ، لكن ما رأيت أحداً في الخلق إلا هؤلاء ، إنسان مستفيد بقلك ، والله أنا عم أحضر عند فلان ، مين.. دجال، لا تروح لعنده ، رأساً .. ليش ؟ طيب ماذا فعل معك ؟ معك دليل ؟ هذا الذي يحب أن يصرف الناس عن الله ، وعن طاعة الله ، وعن طريق الآخرة، هو يحارب الله ورسوله ، بشكل أو بآخر ، وقد يصلي ويحارب من يتبع أهل الحق ، يصلي ويقف في الخندق المضاد لأهل الحق ، تجعل لنفسك عمل كعمل الشيطان ، عمل تخريب ، عمل تفريق ، مرة الملكة اليزابيت في أعياد الميلاد ألقت خطاب ، يعني مرة لفت نظري كلمة قالتها ، أن المجتمع الغربي استطاع أن يشكك بالدين لكن ما استطاع أن يأتي بالبديل .
بكون شب منصرف إلى طاعة الله ، وقيام الليل ، وتلاوة القرآن ، نحنا نشككه بالجهة هي ، نشككه فيها ، قام تركها ، فلت يعني إذا فلت أحسن ، أين المصلحة ؟ أن يبقى مع هؤلاء ، منضبط ، مستقيم يغض بصره فإذا شككنا وحطمنا مثله الأعلى ، أنصرف عنهم إلى شهواته ، صار شاب لا يطاق ، كنت تحمده فلما ترك الدين أصبح عبئاً عليك ، فأنا أقول لا تكون أداة فصل ، كن أداة وصل ، لا تفرق أجمع لا تشتت إرئب ، لا تطعن، حمس ، شجع ، إنسان يفعل خير ، بارك له عمله ، له أخطاء أنصحه بينك وبينه ، أنا لا أنزه الدعاة عن أخطاء كثير جداً ، لكن مثلاً
بلغك عن داعية شيء أنت ما عجبك ، الموقف الكامل ما هو ؟ أن أذهب إليه ، أقول له ياأستاذ لك عمل طيب ، ولك أثر حميد بالبلد وأنت رجل مثل أعلى ، بلغني عنك هذا وهذا إما أن تشرح لي ذلك وإما أن تنفيه ، وإما أن يعني تقول أنا لن أعود إليه ، يعني نصيحة لكن بينك وبينه على انفراد ، أما النصيحة أمام الملأ فضيحة ، وليست نصيحة ، عواض ما شكك فيه وتخلي الناس ينصرفوا عنه ، أذهب إليه وانصحه ، هذا الموقف السليم ، لأنه الآن المسلمين فقدوا المثل الأعلى ما في مثل أعلى ، والعوام لا يرتاحون إلا إذا طعنوا بالمثلى العلية فإذا طعنا بهم جميعاً أصبحنا بلا مثل ، إذا طعنا بهم جميعاً أصبحنا بلا قدوة وانتهى الأمر .
لذلك الفرق بين الصحابة الكرام وأهل الزمان ، الصحابة الكرام لهم مثل أعلى رسول الله ، ونحن الأولى أنه ، يعني العلماء لحمهم مسموم كما قال ، يعني أنا لا أقول هذا من فراغ ، أينما جلست أمتع حديث أن تطعن بالعلماء أمتع حديث لماذا هذا الموقف ؟ التمس لأخيك عذر ولو سبعين مرة ، كن لرئب الصدع لا لتفريق الشمل ، كن أداة وصل لا أداة فصل ، طبعاً إذا في معاصي صارخة موضوع ثاني هذا ، إذا في عقيدة منحرفة موضوع ثاني ، أما ما في إنسان معصوم ، أنت كن مرمم ، لا تكون مهدم مرمم ، هذا معنى قول الله عز وجل : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
لا تكن في خندق مضاد للدين ، لا تكون أداة هدمٍ ، ولا أداة فصلٍ ، ولا أداة تفرقة ، كن أداة وصلٍ ، وأداة جمعٍ ، وأداة وئام هكذا يريد الله عز وجل ، في لك مأخذ على بعض العلماء ، بعض الدعاة ، أذهب إليهم وتبادل معه النصيحة فيما بينك وبينهم ، هذا الذي يرضي الله عز وجل ، لا تشهر، لا تنقل كلام لعامة الناس هذا كلام أقول لكم هذه مشكلة هذه البلدة ، وفي أكثر بلاد المسلمين .
والحمد لله رب العالمين
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التحريم (66 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
الآية الخامسة من سورة التحريم وهي قوله تعالى:
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5)﴾
أولاً:
هذه الآيات تشير إليها آية كريمة وهي قوله تعالى:
﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾
( سورة محمد: 38 )
﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ﴾
( سورة الحجرات: 17 )
لمجرد أن تتأفف، أو أن تستعلي، يستبدل الله إنسان آخر بك غيرك، ثم لا يكون هذا مثلك، هي قاعدة.
فالإنسان يجب أن يشعر إن الله سبحان وتعالى متفضل عليه بهذا الدين، متفضل عليه بهذه الطاعة، متفضل عليه بهذا الهدى، أما إذا منى على الله أنه مسلم، أو أنه مؤمن، عندئذ يستبدل الله إنسان غيره ثم لا يكون مثله.
نساء النبي عليه الصلاة والسلام ورضوان الله عليهم أجمعين.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾
الآن، صفات المرأة الصالحة، في آية تقول:
﴿ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ﴾
( سورة الأحزاب: 59 )
يعني أدنى شيء يشير في المرأة إلى أنها مسلمة حجابها، أدنى شيء، كما لو رأيت طالباً يرتدي بدلة الفتوة، تقول هذا طالب، قد يكون مطرود من كل المدارس، قد يكون نال الأصفار كلها في كل المواد، لكن يرتدي هذه البدلة، إذاً هو طالب، فالمرأة التي تتحجب لا يكفي حجابها، ليعبر عن تدينها، قال:
﴿مُسْلِمَاتٍ﴾
والمسلمة هي التي خضعت لأمر الله، الله عز وجل له منهج أمرٌ ونهيٌ فالمسلم الذي انصاع لأمر الله، انصاعت جوارحه لأوامر الله، أما المؤمن هو الذي أقبل على الله، صدق كتابه وأقبل عليه الإيمان تصديق وإقبال، والكفر إعراض ومعصية، تكذيب وإعراض فالإسلام طابعه عملي، والإيمان طابعه نفسي، الإسلام طاعة والإيمان إقبال، اتصال بالله.
﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾
يعني في أمر الله ونهيه، في الحلال والحرام، هذه المرأة منصاعة لأمر الله، إذاً هي مسلمة، طبعاً نشأ الآن مفهوم جديد للإسلام، أن إنسان مكتوب بالهوية مسلم، يعني ولدان في بيئة مسلمة ولدان ببلاد مسلمين، وليس فيه من الإسلام شيء، هذا تقيم جديد، إذا ما في شيء من الإسلام إطلاقاً ليس مسلماً، أما بالمفهوم المعاصر كل من ولد من أبويين مسلمين فهو مسلم، وقد يكون ملحداً، أما الإسلام في القرآن، يعني الانصياع لأمر الله عز وجل.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾
الإسلام انصياع ظاهري، انصياع الجوارح والأعضاء لأمر الله ونيهه فغض البصر من الإسلام، النطق بالحق من الإسلام الصدق من الإسلام ، الأمانة من الإسلام، حفظ الفرج من الإسلام تحرير الدخل من المال الحرام من الإسلام، النظر في ملكوت السماوات و الأرض من الإسلام، قل انظروا، في أمر لأنه، فأي أمراً في القرآن يقتضي الوجوب، فالذي انصاع لأمر الله هو عند الله مسلم، أما الذي أقبل عليه، وأتصل به، وسعد بقربه، هذا مؤمن فالإيمان طابعه نفسي، والإسلام طابعه مادي، الإسلام انصياع الجوارح والأعضاء، والإيمان إقبال القلب على الله.
﴿ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾
﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾
القنوت هو الطاعة المستمرة، يعني في أشخاص لهم فورات يعني قد يسير في طريق الإيمان أسبوع أسبوعين شهر ثم يعود إلى ما كان عليه، ليس هذا هو القنوت، القنوت الخضوع المستمر لله، هي قضية مصير، هو عاهد الله على ألا يعصيه إطلاقاً، هي قضية مصير، والإنسان أحياناً يذهب إلى بيت الله الحرام ويقبل الحجر الأسود، ويقول له عهداً يا ربي على طاعتك، اللهم إيماناً بكتابك وتصديقاً لنبيك، وعهداً على طاعتك، والله عز وجل قال:
﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾
( سورة الأعراف: 102 )
فالإنسان إذا عاهد الله عز وجل ينبغي أن يكون عند عهده، أخ كريم مقيم ببلد غربي يعمل طبيب، متفوق جداً في جراحة العظام أمض ستة وعشرين سنة في هذا البلد الغربي، وهو من أعلى مستوى في الجراحة، وله ثروة طائلة وله مكانة حميدة، وله وله، قال لي أجريت عملية تركيب مفصل، شعرت بتعب قليل، أجرى عملية ثانية لامرأة تبديل مفصل شعر بتعب أشد، أجرى الثالثة شعر بتعب شديد ذهب إلى البيت شعر أن مركبته تميل نحو اليمين، ظن أن في مركبته خللاً، وصل إلى البيت، سألته زوجته ما لك، قال مالي، ليس بي شيء قالت أنظر إلى وجهك، نظر إلى وجهه فإذا هو متورم، فعلم أنها خثره بالدماغ، جلط بالدماغ، أستدع أحد أقاربه طبيب قلب فعرف أنها خثره بالدماغ، قال لي أخذوني إلى المستشفى، في المستشفى ساءت حالتي، شلت يدي ورجلي، وذهب صوتي، قال لي والله أصابني من الألم ما لا يوصف، شعرت بالإحباط وأنا في قمة نجاحي، وأنا في قمة عطائي، وأنا بهذه الحالة الراقية، مكانة، وعلم وثروة، وكل شيء، قال لي أصابني ألم لا يوصف، ضيق، هكذا حالتي أصبحت، طريح الفراش، على كرسي، قال لي في الليل هكذا قال لي، نظرت إلى النافذة فإذا في السماء القمر، قال أقسم بالله وهو صادق، وكأنني أرى الله، ألم يقل النبي الكريم، اعبدوا الله كأنك تراه، قال كأنني أرى الله، ناجيته، قلت يا رب، إن أردت أن ابقى هكذا، فأمتني، وإن أردت أن أعيش فداوني، عالجني، وبكى، الذي أذكره من قصته، أن ما من خلية في جسمه، إلا ناجت ربها، قال لي بعد ساعة أو ساعتين منتصف الليل، قمت من فراشي، كأنني شفيت أمسك الدرابزين بالمستشفى فاندفعت ممرضة وقالت له مجنون يا دكتور أنت، أنت مشلول، قال لها ما بي شيء، أقسم بالله من هذا التاريخ إلى الآن هو في أتم الصحة، أما عاهد الله، قال له والله يا رب لن أعصيك حتى الموت، وسأكون في خدمة عبادك، عاهد الله، إذا واحد منا عاهد الله عهد موثق، الله عز وجل لن يضيعه، يعني مرض خطير، قد يجعل الإنسان مشلول قعيد الفراش، على كرسي طوال حياته، يتنهى دوره المهني، يصبح عاجز، عبئ على الناس، في ساعة إخلاص، صدق، وتوجه وعهد، قال لي والله شفيت تماماً وإلى الآن، أما الآن يسعى جهده إلى خدمة الخلق إكراماً لله عز وجل على هذا العهد، لو كل واحد منا عاهد الله عز وجل ألا يعصيه، ألا يأكل مالاً حرام، ألا يسئ لخلقه يعني هذا الشيء يبعث بالنفس التفاؤل.
﴿ قَانِتَاتٍ﴾
يعني طاعة دائمة، مو طاعة نوبية، تحت الفرش يا كريم نفق.. ما عاد له علاقة مع الله عز وجل، هي مشهوره عند العوام يذكر الله والفرش فوق رأسه والبضاعة كاسدة، فإذا نفقت، ينسى الله عز وجل، كل إنسان عند الشدة يسأل الله لكن بطولتك أن تسأله وأنت صحيح، وأنت معافى، وأنت غني، وأنت قوي وأنت في أوجه نجاحك، وأنت في أوجه عطائك.
﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾
التوبة النصوح، التوبة التي لا تجرح بمعصية، يعني عقد العزم للمستقبل واصلح الماضي، وأقلع من توه، الحاضر إقلاع عن الذنب، والمستقبل عزيمة والماضي ندم وتوبة وإصلاح.
﴿ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾
خاضعات لأمر الله، مع المحبة، لا يسمى عابداً من أطاع الله ولم يحبه، كم أنه تحب ولا تطعه هذا مستحيل.
تعصي الله وأنت تظهر حبه ذاك في المقال شــــــــــنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع
﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾
سياحة يعني ؟ قال العلماء:
مهاجرات، يعني تركن بلدهن إلى الله ورسوله
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمري ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.
﴿ سَائِحَاتٍ﴾
يعني مهاجرات كما قال بعض العلماء.
﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5)﴾
فهذا ، هي صفات المرأة المؤمنة.
﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (5)﴾
والإنسان لا يسعد بزوجته إلا إذا كانت هكذا، والأزواج مقصرون كثيراً في توجيه زوجاتهم إلى الله، بل إنك لن تسعد بزوجتك إلا إذا عرفت الله، لأنها إذا عرفت الله عز وجل عرفت حقك عليها، إن عرفت الله ربت أولادها، إن عرفت الله عز وجل قامت بحقك الذي عليها، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾
هذه إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التحريم (66 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
الآية السادسة من سورة التحريم وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾
أيها الأخوة الكرام:
هذه الآية تؤكد مسئولية الأب عن أهله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾
الرجل مسؤول عن زوجته وعن أولاده، ذكوراً وإناثاً، ليس مسؤولاً عن إطعامهم، وإكسائهم، وإوائهم فحسب، بل هو مسؤول عن دينهم، وعن خلقهم، وعن صلاتهم.
وقد قال الله عز وجل:
﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾
( سورة طه: 132 )
جزء من مهمة الأب، أن يهتم بدين أولاده.
سيدنا عمر رضي الله عنه حينما طعن، قبيل وفاته بساعات حينما طعن وغاب عن الوعي، ثم صحا، قد تستغربون أو لا تصدقون ماذا قال ؟! هل صلى المسلمون الفجر ؟ ما قال من طعنني ؟ من قتلني ؟ قال هل صلى المسلمون الفجر ؟ أنت كأب، هل تسأل زوجتك أصلى العشاء أولادي، تعشوا تعشوا، طيب، هل صلى العشاء، فلان فإذا كنت أباً كم ينبغي أن تكون، تطبق هذه الآية، وهي قوله تعالى:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
فأنت مأمور أن تقي نفسك النار، وأن تقي أهلك، كيف تقي أهلك النار ؟ أولاً حينما تكون أب مثالياً لأولادك، أو زوج مثالياً لزوجتك، قلب الزوجة يميل إليك، وقلب الأولاد يميل إليك، فالقاسي والغضوب، والذي يضرب بقسوة وعنف، والذي يبخل، لن يستطيع أن يوجه أولاده إطلاقاً، ولا زوجته، بالعكس إن الزوجة والأولاد ينفرون من منهج أبيهم أي منهج، فإذا كان ديناً في الظاهر كرهوا الدين لأجله، فالأب القاسي والبخيل لا يستطيع أن يوجه أولاده ولا زوجته فمن أجل أن تقيهم النار ينبغي أن يحبونك، أن يحبوك بالمعاملة الطيبة.
لذلك قال الله عز وجل:
﴿ وعاشروهن بالمعروف﴾
( سورة النساء: 19 )
وقال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها بل !!! أن تحتمل الأذى منها، فالأب الصبور، والزوج الصبور، والكريم، والحريص، والرحيم، هذا فتح القلوب بإحسانه ليفتح العقول ببيانه، طريق إقناع الناس بالدين، أن تفتح قلوبهم بالإحسان، من أجل أن تفتح عقولهم ببيانك، الأب القاسي والغضوب والبخيل لو كان أفصح الفصحاء، لو ألقى عليهم كل يوم محاضرة لن يستجيب أحد إليه، أفتح قلوبهم بالإحسان ثم أفتح عقولهم بالبيان، لا تكن قمعياً كن مقنعاً، في آباء قمعيون، يعني قوم صلي، أو بضربك ليس هذا هو الأمر، تحجبي لو لم تفعلي ذبحتك، إذا مات مثل هذا الأب يتفلت أولاده أشد التفلت لا تكن قمعياً، كن مقنعاً، أقنع ولا تلزم.
﴿ لا إكراه في الدين ﴾
( سورة البقرة: 256 )
أول مبدأ أحسن كي تفتح القلوب تمهيداً لفتح العقول.
الشيء الثاني:
لا تكن قمعياً، كن محسناً، مقنعاً.
الشيء الثالث:
حاسب، كافئ على الإحسان وعاقب على الإساءة، إذا ما في مكافئة، ولا في عقاب ما في التزام، بعض الوسائل أن تقي أهلك وأولادك النار.
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
ينبغي أن تفتح القلوب بالإحسان لفتح العقول بالبيان، ينبغي ألا تكون قمعياً ينبغي أن تكون مقنعاً، ينبغي ألا تعري، ينبغي أن تربي لا تفضح ابنك أمام أخوته، لا تعنفه أمام الناس، تشكيه لأخوك، لعمه لأولاد عمه، تصغره، لن يحبك، اجعل معالجتك له فيما بينك وبينه اجعل له شخصية، نمي له هذه الشخصية، اجعل له مكانه ليشعر بقيمته، فإذا أخطأ حاسبه بينك وبينه، لابد من بذل جهد كبير لتربية الأولاد.
قال عليه الصلاة والسلام: أدبوا أولادكم على حب القرآن وحب آل بيتي.
يعني ماذا تتصور من تنفيذ هذه الوصية ؟ تعال إلى هنا يا ابني حب رسول الله، حب أصحابه، لا مو هيك، هذا أسوأ أسلوب اجلس معهم واقرأ لهم سيرة أحد الصحابة، انظر إلى وفائه، انظر إلى رحمته، انظر إلى ورعه، انظر إلى حبه لله عز وجل، انظر إلى شجاعته، انظر إلى نصرته للنبي، الآن يحبون أصحاب رسول الله
إذاً:
لا تكن قمعياً، كن مقنعاً، لا تكن ملزماً، كن مُبين، لا تكن واعظاً كن محسناً، بهذه الطرائق ممكن أن تستميل أولادك إليك، وأن تجلبهم إلى صف الحق، وأن تكون منقذاً لهم من النار، كم من بيت علم تفلت الأولاد وانحرفوا أشد الانحراف ؟ الأب قمعي، أنا أعرف رجل والله كان صالحاً، وكان مستقيماً، وكان ورعاً، وليس في بيته شيء منهي عنه، وبناته محجبات حتى الوجه حجاب كامل، لمجرد أن الله توفاه، خرجت بناته بالبنطال، بلا شيء، لأنه كان قمعي ما كان مقنع، وتجد بالمقابل أسر يموت الأب لا يتغير شيء في البيت الالتزام هو هو لأنه كان يقنعهم، بطولتك لا تكون بالقمع، بالعنف علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف.
فدرسنا اليوم:
الكلمة واضحة، أما تفسيرها ؟ كيف أستطيع أن أقي أولادي وأهلي النار، لابد من أن يحبونني.
إذاً:
الإحسان، بعد الإحسان البيان لابد من أكون قدوة لهم، القدوة قبل الدعوة، لن أكون مؤثراً إلا بالإقناع لا بالقمع، لا تقمع أقنع، ثم استخدم أسلوب التدرج، قوم صلي قيام الليل، طول بالك، هو الخمس لم يصليهم بعد، ابدأ بالصلوات الخمس، واتغاضا عن وقت لم يصليه واستحى منك لا تضيق كثير، غض بصرك عن تسعة وحاسب العشرة ادرج معهم، فالتدرج لا تعريه أمام أقربائه، لا تفضحه، لا تعنفه أمام أخوته البنات، لا تخليه صغير، خليه كبير، وحاسبه بينك وبينه بعدين لا تخليه يبتعد عنك، خليه معك دائماً، في آباء يكره يمشي معه ابنه، اقعد خليك بالبيت، البيت فيه طريق والطريق فيه رفقاء سوء طبعاً إذا أخذته معك إلى هذا الاجتماع، أو إلى هذه السهرة، أو لهذا السيران بدك تلاحظه، متعب لكنك ضممته إليك، ولم ينفر عنك هذه كلها بعض الوسائل من أجل أن تقي أهلك وأولادك النار.
فلإنسان حينما يرى ابنه يصلي صلاة متقنه وهو صادق وأمين يدخل على قلبه من السرور مالا يوصف.
﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
الحجر لا يحترق، لكنه في نار جهنم يحترق، من أقسى أنواع الحجارة البازلت الأسود، هذا بالبراكين يسيل كالسائل، طبعاً من فوق 1500 درجة البازلت يصبح سائل ماء.
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
هذه إشارة إلى ارتفاع حرارتها.
﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾
يعني نار محرقة، وعذاب أليم، وغلظة فائقة.
فلذلك منهجنا أن نقي أنفسنا، وأولادنا، وزوجاتنا النار بهذه الطريقة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-14-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التحريم (66 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية العاشرة والتي بعدها من سورة التحريم وهي قوله تعالى:
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)﴾
هذه الآية أيها الأخوة:
تبين أنه ولا تزر وازرة وزر أخرى، أي الوازرة النفس لا تحمل حمل غيرها، كل إنسان محاسب عن عمله، مسؤول عن خطئه من أشد العلاقات متانةً، من أشد اللقاءات قوةً الزوج وزوجته، ومع ذلك الزوج نبي والزوجة لم تؤمن بدعوة النبي، فزوجها، وأقرب الناس إليها، وأشد الناس قرباً منها لا يستطيع أن يمنعها من عذاب الله عز وجل.
من هنا قال عليه الصلاة والسلام يخاطب فاطمة حبيبته: يقول فاطمة بضعة مني من أكرمها فقد أكرمني، ومن أبغضها فقد أبغضني قال لها يا فاطمة بنت محمد، لو أنه قال يا فاطمة يكفي، يا فاطمة بنت محمد: يعني أبوك محمد، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه يعني كل إنسان وحده محاسب عن أعماله كلها، ولا يتحمل إنسان حمل آخر.
﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾
( سورة الزمر: 7 )
وربنا عز وجل ضرب أمثلة كثيرة لكن هذا من أبلغ الأمثلة يعني ما من علاقة بين اثنين أكثر التصاقاً وقوةً ومتانةً من الزوجين يعني اندماج تقريباً ومع ذلك الزوج نبي والزوجة كافرة، لا يستطيع النبي أن يحول بينها وبين العذاب.
لو أن الإنسان له أب صالح، بقلك أنا أبي صالح، خير إن شاء الله، لو كان أبوك نبي لا تنجو من عذاب الله، أنا من بيت فلان خير إن شاء الله، لو أن هذه أرقى أسرة في الشام ولم تكن مستقيماً لا تنجو من عذاب الله، فأي اعتزاز بالقرابة، بالنسب، بالعائلة، كلام فارغ.
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
الكافر مهما كان علاقته بالمؤمن لن تكون كعلاقة زوجة بزوجها، مرفوعة الكلفة كلياً، لن تكون أفضى إليها وأفضت إليه ومع ذلك هذه العلاقة الحميمة جداً لا تمنع عنها العذاب إن لم تكن مؤمنةً.
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾
طبعاً من الثابت والمؤكد أن هذه خيانة دعوة، وليست خيانة فراش، خيانة دعوة، لا خيانة فراش.
﴿ فَخَانَتَاهُمَا﴾
أي لم تؤمنا بدعوتهما، لم تؤمنا لهما.
﴿ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)﴾
لذلك:
عليه الصلاة والسلام قال: سلمان منا آل البيت، سلمان الفارسي قال: سلمان منا آل البيت، والقرآن يقول:
﴿ تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾
( سورة المسد: 1ـ 2 )
هذه الآية تقطع أي أمل، وأي وهم، وأي تعلق خرافي، أنه أنا منسوب، أنا من الأشراف، أنا من بيت فلان، أنا والدي فلان مهما يكن أبوك، لا ينفعك إلا عملك، فهذه امرأة نوح، وامرأة لوط كانتا كافرتين، وزوجاهما نبيان، ومع ذلك لم يمنعان عنهما عذاب النار.
﴿ وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)﴾
معنى ذلك ؛ المرأة مسؤولة عن إيمانها، مستقلة بهذه المسئولية عن زوجها هذا أول نسب، الزوج نبي، والزوجة كافرة، هذه العلاقة الحميمة، الوطيدة المتينة التي أفضى بها إليها، وأفضت بها إليه لم تمنع عنها العذاب.
بالمقابل:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾
يعني لماذا اختار الله السيدة آسيا وهي واحدة من أربع نساء كملن قال عليه الصلاة والسلام: كمل من الرجال الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربع:
السيدة خديجة.. السيدة فاطمة.. السيدة مريم.. السيدة آسيا امرأة فرعون.
ما الحكمة من جعل هذه المرأة الصديقة، صديقة النساء زوجة أكفر كفار الأرض، بالعكس، يعني المرأة مستقلة بإيمانها عن زوجها ولا يقبل منها عذر أن زوجها كافر، الآن معظم النساء، المسلمات المقصرات، المتبذلات، ماذا يقلن لك إذا عاتبتهن، هيك بدو زوجي إن شاء الله برقبته، لا مو برقبته، برقبتك، هيك بدو زوجي، هذا الكلام عند الله غير مقبول، والدليل مهما كان زوجها قوي الشخصية ليس كفرعون، مهما كان زوجها صعب ليس كفرعون، فرعون قال أنا ربكم الأعلى، فرعون ذبح بني إسرائيل، واستحي نسائهم، جبار مجرم، طاغية، ولم يستطيع أن يحمل امرأته على دينه.
﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾
فأقرب علاقة بين اثنين علاقة الزوج بزوجته، فزوجة كافرة وزوجها نبي وزوجة صديقة وزوجها كافر، بعكس بعضهم، لا استطاع النبي أن يحمي امرأته الكافرة من عذاب النار، ولا استطاع فرعون أن يحمل زوجته على دينه الوثني الملخص أنه:
﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾
الملخص:
أن كل إنسان محاسب عن عمله، دون أن يكون لأحد علاقة بهذه المحاسبة، الحجة هكذا.
البارحة يعني أخ كريم قال لي أن فلان معه فتوى، يعني أكل الربا على أساس فتوى، في مفتي في مصر أفتى بالربا، قلت له أيهما أعظم قيمة فتوى مفتي مصر أم فتوى رسول الله، لو أنك انتزعت من فم رسول الله فتوى لصالحك ببيان ناصع، وحجة قوية، وطلاقة لسان وانتزعت منه فتوى من فمه الشريف وهو سيد الخلق وحبيب الحق وهو المعصوم الذي يوحي إليه، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر فإذا قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من النار.
احفظوا هذه النصوص الأربعة:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾
واحفظوا معها الحديثين:
يا فاطمة بنت محمد يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتين الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.
واحفظوا معها هاتين الآيتين، وهذا الحديث: لعل أحدكما ألحن بحجته من الآخر فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعة من النار.
لذلك لا تتعلق بفتوى، استفتي قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك لا تتعلق بأب صالح، ولا بأسرة راقية، ولا بانتساب إلى أمة محمد نحن أمة محمد مرحومة، هكذا يقول المسلمون وهم ينغمسون بالملذات والمعاصي، إن لم تكن مستجيباً لرسول الله بدعوته فأنت من أمة التبليغ، لا من أمة التشريف.
العلماء قسموا أمة محمد إلى قسمين، أمة التشريف، وأمة التبليغ، فالذي استجاب لرسول الله من أمة التشريف.
﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾
( سورة آل عمران: 110 )
فعلة هذه الخيرية أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر.
لذلك:
﴿ خير أمة أخرجت للناس ﴾
فإن لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر، ولم تؤمنوا بالله فأنتم من أمة التبليغ، وهذه الأمة ليس لها أية ميزة على الإطلاق استأنسوا بقول الله عز وجل:
﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾
( سورة المائدة: 18 )
قال لهم كذبتم.
﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ﴾
أنتم من هؤلاء الناس، إذا هان أمر الله عليكم هنتم على الله طبعاً المسلمون يعذبون أحياناً، في ضعف، في تفرق، في تشتت في تشرذم، في خصومات داخلية، بأسهم بينهم، متخلفون، أمرهم ليس بيدهم، مقهورون، لأن أمر الله هان عليكم فهنتم على الله.
أنا ركبت طائرة من دمشق إلى أبو ظبي، وشركة خليجية أثناء الطيران وزع الخمر، طيب من بلد مسلم إلى بلد مسلم والشركة خليجية، من الخليج وزع الخمر، ونحن في الجو عددت الذين لم يشربوا فقط، لا الذين شربوا، الذين لم يشربوا عددتهم قلة، قلائل فكيف ننتظر نصر الله عز وجل ؟ ونحن في الجو يشربوا المسلمون الخمر، لو شركة أجنبية ما في مانع، شركة خليجية، الطيران الخليج ومن عاصمة إسلامية إلى عاصمة إسلامية، والركاب يشربون الخمر فكيف ننتظر أن ينصرنا الله عز وجل ؟
لذلك: أمة محمد عليه الصلاة والسلام إن لم تستجب لله ورسوله فهي أمة التبليغ، ولا قيمة لها عند الله بشيء، هي كأية أمة أخرى.
﴿ بل أنتم بشر ممن خلق ﴾
أما الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر هؤلاء من أمة التشريف، هؤلاء من خير أمة أخرجت للناس.
آيات اليوم:
﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾
( سورة المدثر: 38 )
وأقوى علاقة بين إنسانين لا تشفع لأحدهما عند الآخر، هذا ملخص الآيات.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأولى والثانية من سورة الملك وهي قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
كلمة تبارك ؛ يعني تناما خيره، عظم خيره، والله سبحانه وتعالى هو الخير المطلق، خلق الخلق ليسعده.
﴿ إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾
( سورة هود: 119 )
والملك بيده.
﴿ وإليه يرجع الأمر ﴾
( سورة هود: 123 )
﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ﴾
( سورة آل عمران: 26 )
كل شيء يملك فهو ملك، وهو بيد الله، كل شيء يملك هو ملك، والملك بيد الله، والله سبحانه وتعالى خيره عميم، وخيره عظيم، وهو على كل شيء قدير، بشكل مطلق.
أنا أعرف رجل يعمل مدرس في إحدى الثانويات، أصيب بمرض خبيث في إحدى رئتيه، والذين عالجوه هم أصدقائي، عالجوه وتأكدوا أن هذا الورم بلغ الدرجة الخامسة، وأخذت خزعات إلى بريطانيا، وجاء الجواب مرض خبيث بالدرجة الخامسة، وكان على شفى الموت، وكان هناك احتمال أن تجرى له عملية في أمريكا تكلف ثمن بيته بالضبط، وله أولاد أيتام، كل هذا الكلام قطعي الأطباء جميعاً، التصوير الشعاعي، التحليل المخبري، تحليل النسج كله يؤكد المرض الخبيث في الدرجة الخامسة، ثم تراجع هذا المرض تلقائياً، والقصة مضى عليها أكثر من 18 سنة، وهو حي يرزق ويتمتع بأعلى درجة من الصحة.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾
شيء على الله مستحيل ما في، يخلق من الضعف قوة، من الفقر غناً، من المرض صحة.
﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾
هذه اللام لام التعليل، يعني علة وجودنا على سطح الأرض علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، وفي آية أخرى:
﴿وإن كنا لمبتلين ﴾
( سورة المؤمنين: 30 )
﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾
( سورة العنكبوت: 2 ـ 3 )
أنت في هذه الدنيا خلقت من أجل أن تبتلى ؛ أي أن تمتحن فإما أن تستقيم وإما أن تنحرف، إما أن تصدق وإما أن تكذب، إما أن تنصح وإما أن تغش، إما أن تعطي وإما أن تمنع، إما أن ترحم وإما أن تقسو، إما أن تعدل وإما أن تظلم، إما أن تحسن وإما أن تسيء.
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ ﴾
ذكرت مرة أن الأقوياء في العالم كله ملكوا الرقاب بقوتهم والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، وشتان بين أن تملك القلوب، وأن تملك الرقاب، وكل واحد منا إما تابع لنبي، أو تابع لقوي، ولو كان شرطي، هذا تابع لقوي، والمؤمن تابع لنبي، فالمؤمن يملك القلوب بكماله، وأي إنسان يملك شيء من القوة يملك الرقاب بقوته.
فالناس رجلان برٌ تقي، كريم على الله، وفاجر شقي، هين على الله.
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾
أما في بالآية شيء قد لا يصدق، هو ليمتحننا، طيب النتائج ؟ نجاح أو رسوب، أيام يجرى امتحان من ينجح، ومن يرسب، أما إذا قلت أنا أجري هذا الامتحان فقط لأرتب الناجحين وفق التسلسل، معنى الأصل أن تنجح، قدم لك كل شيء من أجل أن تنجح، فالنجاح مفروغ منه، بقي الامتحان من أجل ماذا ؟ من أجل تسلسل الناجحين، انظر الآية:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
نتائج الامتحان لأن الله سخر لك الكون، أعطاك العقل أعطاك الفطرة سخر لك الأشياء، أنزل على نبيه الكتاب، أفعاله تدل عليه، كلامه يدل عليه، خلقه يدل عليه، ويربيك يوما بيوم، وساعة بساعة.
﴿ كل يوم هو في شأن ﴾
( سورة الرحمن: 29 )
فالهدى قطعي، الهدى حتمي، الهدى مفروغ منه، أما نحن نجري هذا الامتحان لا لنعرف الناجح من الراسب، لا، لنعرف ترتيب الناجحين فقط، فالذي يرسب معنى ذلك هذا خالف العقل، وخالف الفطرة، وخالف المتوقع، وخالف المألوف، وكان شاذاً شذوذ كبيراً لأنه رسب، الامتحان لترتيب الناجحين، أنت أحياناً لو عندك ناجحين تجري امتحان شفهي لإعطائهم علامات تسلسل.
فربنا عز وجل يقول:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
فلماذا قدم الموت على الحياة ؟ تقديم رتبي، الإنسان حينما يحيى أمامه آلاف الطرق، قد يكون متعلم، وقد يكون غير متعلم.
واحد دخل دير، ليخدم هذا الدير، رئيس هذا الدير سأله أتقرأ وتكتب قال له لا، طرده، فلما طرده هام على وجهه، مشى في شارع مديد لم يجد بائع دخان في هذا الشارع، فصار يبيع الدخان في هذا الشارع، نمت أمواله إلى أن صار أحد أكبر أغنياء لندن، ذهب إلى بنك ليوقع، قال له أنا لا أوقع، قال له عجيب لو أنك تقرأ وتكتب ماذا كنت ؟ قال له كنت خادم بالكنيسة.
بالحياة ممكن ما تتعلم وتكون مليونير، في خيار العلم، خيار التجارة ، خيار الصناعة، خيار الوظيفة، طبيب، مهندس، معلم صاحب مهنة عادية، عندك ألف خيار، معقب معاملات مثلاً، مهندس ديكور، كم مهنة في بالأرض، وكم حالة ؟ والله جعل الناس درجات أما عند الموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، الخيار صعب جداً، الخيار في الدنيا واسع جداً، أما عند الموت إما من أهل الجنة وهذا هو الفوز العظيم، وإما من أهل النار وهذا هو الخسران المبين، يعني أكبر خسارة أن يخسر الإنسان نفسه.
﴿ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴾
( سورة الزمر: 15 )
إذاً ربنا عز وجل قدم الموت على الحياة، لأنه أخطر الإنسان حينما يولد آلاف الطرق مفتوحة أمامه، وقد يكون تفاوت ضئيل بين الناس، يعني مثلاً كل الناس يستنشقوا الهواء واحد، فقراء أغنياء، متفوقين، أطباء، أميين، الهواء واحد، وكل كأس الماء بارد مبذول للناس كلهم من دون براد، الفيجة باردة طيب صحن فول طعمه واحد للجميع، كأس شاي للجميع، الزواج موحد تقريباً فالتفاوت بسيط جداً في الدنيا، لكن في مظاهر، الأغنياء عندهم مظاهر فخمة، أما إذا واحد فقير.
سأل الملك وزيره من المالك ؟ قال له: أنت، قال له: لا الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه ودخل يكفيه هذا ملك.
أما عند الموت ما في تفاوت بسيط.
﴿ تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون، قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال اخسئوا فيها ولا تكلموني﴾
( سورة المؤمنين: من 104 ـ إلى 107 )
أما أهل الجنة:
﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ﴾
( سورة يس: 55 )
فالتفاوت كبير جداً، لذلك الموت أخطر حدث في حياة الإنسان من هو العاقل ؟ من هو الذكي ؟ من هو الفالح ؟ من هو الموفق ؟ من هو المتفوق ؟ هو الذي يعد لهذه الساعة عدتها، هو الذي يعد لهذه الساعة حتى يضحك وحده ومن حوله يبكي، حينما تولد كل من حولك يضحك، إلا أنت تبكي، عند الموت المؤمن وحده يضحك وحده وكل من حوله يبكي، فمن أجل أن تصل إلى هذه الساعة التي لا ريب فيها يجب أن تعد العدة للتوبة، بالطاعة، بالأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر، أن تقيم الإسلام في بيتك، في عملك، أن تحرر دخلك من الحرام أن تضبط لسانك، عينك، سمعك، جوارحك، يدك، رجلك هذا ثمن الجنة.
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
عزيز ؛ يعني لا ينال جانبه، غفور ؛ كل ما سبق يغفر بكلمة واحدة فالإنسان مادام قلبه ينبض هو في بحبوحة، ما دام في عمره بقية بإمكانه أن يتوب أن يستغفر، أن يصحح، أن يعتذر، أن يؤدي ما عليه، أن يطلب المسامحة، ما دام حي يرزق هناك ألف حل وحل أما حينما يأتي ملك الموت ختم العمل وانقلب الإنسان إما إلى جنة قال المؤمن حينما يأتيه ملك الموت يرى مقامه في الجنة فيقول لم أرى شراً قط، كل متاعب الدنيا ينساها، والكافر حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا، يقول لم أرى خيراً قط.
﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾
( سورة الكهف: 103 )
إذاً هذه الآية دقيقة جداً، الموت قدم على الحياة، والامتحان المفروض بالإنسان أن ينجح، والامتحان لمعرفة تسلسله بالنجاح فقط لا لمعرفة ناجح أو راسب، لأنه الكون يدل عليه، وكلامه يدل عليه وأفعاله تدل عليه، أعطاك عقل، وأعطاك فطرة، أعطاك كل شيء.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الثانِية عشرة من سورة الملك وهي قوله تعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾
[ الملك:الآية 12 ]
هذه الآية على إيجازِها تعني شيئاً كبيراً وهو أنّ هذه الجنة التي خُلِقنا لها والتي وُعِدنا بها والتي لا يليق بالإنسان أن يعْمل إلا لها ثمنها أنْ تخْشى الله بالغيب، فما معنى كلمة بالغيب ؟ أيّ إنسان إذا رأى خطراً بِعَيْنِه يبْتعد عنه بل أيّ حيوان إذا رأى خطراً بِعَيْنِه يبْتعد عنه فابْتِعاد الإنسان عن خطرٍ محْسوس لا أجْر له به ؛ ابْتِعاد الإنسان عن خطرٍ محْسوس لا أجْر له به أما ابْتِعادك عن خطرٍ أخْبرك الله عنه مكتوب وخبر أما المحسوس لا قيمة له إذْ أنّ أكثر الناس تجده ذو صحةٍ طيّبة ومال وأكل وولائم وسفر ونزهات ومسلْسلات وصحون وسهرات وفنادق وإطلاق بصر لا شيء يمْنَعُهُ أما المؤمن يقرأ آيةً من كتاب الله :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾
[ النور:الآية 30 ]
تجده يغض بصره إذْ المرأة مُحَبّبة جداً فهو يخْشى الله بالغيب أما لو افْتَرَضْنا أنه صدر تشْريع أنّ كلّ إنسانٍ ينظر بامْرأةٍ يُطْلق عليه الرصاص فهل من أحدٍ أنْ يتطلّع ؟ لا... ولو كان بالأجر فالخوف يُراوِدُهُ ؛
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾
[ الملك:الآية 12 ]
فإذا كان معك مال يتيم ولا أحدَ يسْألك عنه ممكن أن تضعه بصَفْقة غريبة ما تدْري رِبحها تجُسّ السوق بِمالِه أما مالك تتركه للصفقات النِّظاميّة والتي لها بيْعٌ قويّ وأرْباحها قويّة والزبائن لها جاهزون أما مال اليتيم بِصَفْقة لا تعْرف مصيرها فإذا خسرَت تقول:هذا أمر سيّدك وإن ربِحت تُدْخِل مالك الأساسي بهذه الصَّفْقَة فَمَن يعْرف هذا ؟ الله وحْده ؛ فهذه الجنة الرفيعة التي فيها ما عَيْنٌ رأَت ولا أُذُنٌ سمِعت ولا خطر على قلْب بشر ثمنها أن تخْشى الله بالغيب ؛ جالِسٌ بالغُرفة والنافذة مفْتوحة والجارة خرجَت إلى الشرْفة المُقابِلة بِثِيابٍ مُتَبَذِّلة ليس في الأرض كلّها إنسانٌ يُحاسِبُك فأنت بالبيت جالس ولا أحدَ يطَّلِع عليك إلا الله فإذا بك تغضّ بصرك وتغلق السِّتار فأنت الآن خشِيتَ الله بِالغَيب ؛ الذي يخشى الله بالغيب ؛ يأْتي إليك مريض معه أعراض مرض إذا قلت له:يمكنك تخْطيط بِأَلف ليرة أو إيكو بِأَلفين لا يوجد إنسان يُحاسِبك لأنّك مَوْثوق ولكنّك تعلم عِلْم اليقين أن هذا المريض لا يحْتاج لِكل هذا العمليات ولكنّك أخذت منه ثلاثة آلاف زِيادة على حَقِّك ؛ فَمَن يعْرف ذلك ؟ الله وحْده أما المؤمن تجده سباق للخير، أصْحاب المِهَن ذكر لي أخ أنّه أخذ سيارته وقال له المصلّح أنَّها لا تحْتاج إلى أيّ شيء إلا أنني كنت مُقْتَنِعاً أنها تحْتاج إلى تصْليح فأَذْهَبْت ثلاثين ألْفاً هباءً منثوراً ؛ ثمن الجنّة أنْ تخْشى الله بِالغَيب، مثلاً لك شريك وبِعْتَ بِضاعةً مُرابحةً تَكْشف وراءك ثمن البِضاعة من الشركة والشحن والجمارك والتأمينات... إلخ وأنت سافرت إلى أوروبا فأنت سافرْتَ إلى خمْس موضوعات ووضَعْتَ كلّ هذه المصاريف على هذه الصَّفْقة فمن الذي يكْشف هذا ؟ لأنك سافرت من أجل البِضاعة فأنت سافرت إلى خمس شرِكات وأخذْت معك زوْجَتَك وتنزَّهْت كان يجب عليك أن تتْرك له خمسمائة ألف على هذه الصفْقة لأنها تكاليف بِضاعة ومن الذي يكْشِفُها ؟ الله عز وجل ؛ فيا أيها الإخوة، إن لم تخْش الله بِالغيب فالطريق غير سالك أما مظاهر العِبادات والصلوات والصوم والحج والعمرة هذه عِبادات شعائِرية أما الله عز وجل يُحاسِب على الدِّرْهم وعلى القِرْش والمَلِّيم وعلى النظْرة ؛ طبيب لا يوجد إنسان يُحاسِبُهُ وعنده مريضة شَكَتْ له من مَوْضِع فَمِن حقِّهِ أنْ ينْظر إلى هذا الموْضِع أما إذا نظر إلى موْضِعٍ آخر لا تشْكوهُ منه فمن الذي يُحاسِبُهُ ؟ ومن يعْلم خائِنة الأعْيُن ؟ الله وحْده ؛ فَلو أنّ الدنيا محْسوسة والآخرة محْسوسة لما كانت هناك جنّة ولو أنّ الشهوات محْسوسة وجهنّم محْسوسة لما كانت هناك نار أما متى يسْتحقّ الإنسان دُخول الجنّة حينما يكون حُرًّا وبِإمْكانِه أنْ يفْعل ما يشاء ويقول ما يشاء ثم يخاف الله فيما بينه وبينها فهذا وَرَع والخوف هذا هو ثمن الجنّة ؛
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾
[ الملك:الآية 12 ]
إنّك لا ترى الله ولا ترى الجنّة بِعَيْنك فالجنّة خبر والنار خبر ؛ أما المرْأة المُتَبَذِّلة في الطريق حقيقة ومحْسوسة والمرْكبة التي ثمنها ثمانية وعشرون ملْيون والبيت الفَخْم المُكَلِّف خمس وسِتون ملْيون و الطعام النفيس كلّ هذا تراه بِعَيْنِك أما النصوص بالكتاب والسنّة فالمؤمن لا يأكل المال الحرام لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكْل المال الحرام ؛ ومن أخذ أمْوال الناس يريد إتْلافها أتْلفهُ الله، فالنقطة الدقيقة بالدرس والتي هي مِحْوَرُهُ الشهوات محْسوسة والأمر والنهي غَيْبٌ مكْتوب بالقرآن والسنّة فقط ؛ حينما تُصَدِّق قوْل الله عز وجل وتأْخذ مَوْقف يأتي الأجر وهو ثمن الجنّة ؛ كل الشهوات بين يدَيك ومع ذلك تخاف الله رب العالمين ؛ ومن لم يكن له ورَعٌ يصُدُّهُ عن معْصِيَة الله إذا خلى لم يَعْبإ الله بِشيءٍ من عملِه فَقيمة عملِك إذا خلَوْت مع الله أو إذا خَلَوْت مع نفْسك تخْشى الله، المؤمن أخلاقه صارخة فالمال بِيَدِه لكنّه لا يُدْخل عليه ولا قِرْش حرام ؛ أبو حنيفة - لعلها مُبالغة- كان واقِفاً بِظِلّ بيْت فانْزاح عنه إلى الشمس وقال هذا البيت مرْهونٌ عندي وأنا أخاف أنْ أنْتَفِع بِظِلِّه فالمؤمن من أجل خشْيَتِهِ يقِف أعلى مَوْقف من ورَع وهذا الورع والذي هو خوْف الله بالغيب هو ثمن الجنة ؛
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾
[ الملك:الآية 12 ]
أما الإنسان أمام الناس تجده يتجمّل ويتعطّر ويصلي أحْياناً ويأْخذ موْقف أديب ويضْبط مشاعره وجوارحه كل هذا من أجْل انْتِزاع إعْجاب الناس أو من أجْل أن تُحافظ على مكانَتِك ؛ متى تكون عند الله محْبوباً ؟ إذا خشيتَهُ بالغيب قِصَّة غريبة لا أعْرف تفاصيلها لكن جاءتْني ورقة من سنتين لا زِلت أحْتفظ بها ؛ إنسانٌ بخيلٌ جداً وغنيٌّ جداً وتقَدَّمت به السّن فأعطى شخْصاً عشرين مليون ليرة ولأن بخيل لم يُخْبر أحداً ولا أهله وأولاده وثاني يومٍ مات بِحادِث ولا توجد أيّ وثيقة ضدّ الذي أخذ المبْلغ ؛ سمِع درْساً بالعثمان - أنا لا أعْرفه - لكنّه أرْسل لي ورقَةً فقال:سمِعْت درْس الأمانة وأدَّيت للورَثَة عشرين مليون عن طيب خاطِر ولو أني أخذْتُها لا أحد في الأرض يسْألني عنها لكنّ الله يعْلم فهذا هو ثمن الجنّة أنْ تخْشى الله بالغيب، وهذه قصة سمِعْتُها من أحد إخْواننا يشْتغِل بِلَفّ المُحَرِّكات جاءه مُحَرّك كُلْفَتُهُ خمْسة آلاف ولما فتحه لم يجِد فيه شيئاً يُصَلّح إلا اليسير فَلَحم ما يجب تلْحيمُهُ خِلال ثانية وفي اليوم الثاني جاء صاحِبها وأخذ منه خمسة آلاف ولما تاب إلى الله أُعيدت معه العملية فلم يأخذ من صاحِبها إلا خمسة وعشرون ليرة فَتَعَجَّب صاحِبها هذه هي خَشْية الله بالغيب ومن الذي يعْرف أنه لم يلُفّ المحرك ؟ الله وحْده.
وهذا أخ آخر من إخواننا يشْتغل بِتَصْليح السيارات قال لي:جاءني بواط فَكَّهُ فَوَجَدَ قِطعة مكْسورة وثمنها بالسوق خمسين ليرة ولما صاحب السيارة أخذ منه خمسون ليرة فقط وكان بِإمْكانه أن يقول له هذه قطعة غير موْجودة بالسوق ويأْخذ منه الكثير ؛ فهذه هو سؤال درْسنا ؛
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)﴾
[ الملك:الآية 12 ]
يجب أن تخاف الله والمؤمن ورَعُهُ صارِخ واسْتِقامَتُهُ واضِحة وأكثر شيءٍ بِكَسْب المال والنِّساء وهاتان النقطتان هما نقْطتا الضعف عند الإنسان ؛ المال والنساء والمؤمن عفيف عن المحارم عفيف عن المطامِع وهذا المال الذي يبْقى معه بِالحلال يُبارك الله عز وجل فيه وهذه الزوجة التي هي له والتي يقصر طرْفه عليها ولا ينْظر إلى غيرها يُبارك الله له فيها ويَسْعد بها لأن هذه بقِيَّة الله ؛ بَقِيَله من النساء زوْجته ومن المال:الحلال وهذا هو ثمن الجنّة لأن الله تعالى قادِر على أنْ يجْعل العذاب محْسوس والشهوات محْسوسة والأعمال الصالحة محْسوسة والجنّة محْسوسة والكل يعْل العمل الصالح ولكن عندئذ لا توجد هناك جنّة وانْتَفى أمامك عملٌ فيه بُطولة أما أنت كلّ شيء يدْعوك للمعْصِيَة ومن أجْل أنّ الله تعالى يأْمرك بالطاعة تُطيعُهُ وكلّ الناس يبْحثون عن شيء قريب وأنت تبْحث عن شيء بعيد بعد الموت وهذا هو ثمن الجنّة
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الثالثة والرابعة من سورة الملك وهي قوله تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾
[ الملك: الآية 3-4 ]
أيها الإخوة أكثر الصناعات البشرية على مُسْتوياتٍ ؛ صِناعةٌ عالِيَة الجوْدة وصِناعةٌ أقلّ إتْقاناً وصِناعةٌ شعْبيّة رخيصة فَصُنْع الإنسان يتفاوَتُ بالإتْقان من مُسْتوى رفيع إلى مُسْتوى مُتَدَنٍّ وكل بِضاعة لها سِعْر كلّ هذا في صَنْعة الإنسان أما في صَنعة الواحد الدَّيان كُلُّ شيءٍ خلقه الله هو على أعلى مُسْتوى من الإتْقان قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
[ النمل: الآية 88]
فهذا الصوص الذي في البيْضة كيف يسْتطيع أنْ يخْرج منها ينبُتُ له على رأس مِنقاره نُتوءٌ رقيقٌ جداً كالإبْرة فَيَكْسِر بها البيْضة فإذا خرج من البيْضة عاد هذا النتوء إلى ما كان عليه ؛ في الوقت المُناسب وهذا الماء الذي نشْربه كلُّ ما في الكَون إذا سخَّنْتَهُ يتمَدَّدُ وإذا برَّدْته يتقلَّص وكل العناصر في الأرض حتى الحِجار وحتى المعادن كلَّها والهواء بالسخونة يتَخَلْخَل وضغْط مُنْخفض وبِالبُرودة يتكاثف وبِذلك ضغط مرتفع والماء كذلك إلا أنّ هذا الماء فيه صِفَةٌ وهي أنَّك إذا برَّدْته كلما برَّدْته ينْكمِش أيْ تزْداد كثافَتُهُ بالمعنى الفيزيائي فإذا وصل إلى زائد أربعة تنْعكس الآية ويتمدَّد فَمِن تحت زائد أربعة يتمدَّد ولولا هذه الخاصة التي في الماء لما كنا نحن في المسجد ولانتهت الحياة على سطح الأرض لأن البِحار كلما تجمّدت غاصت هذه الكُتل الثليجيّة إلى الأغماق لأن كثافتها كبرت فَغَاصت ثم تتجمَّد الطبقة الثانية إلى أن تتجمَّد كل المحيطات فَيَنعدم التبخر وتنْعدم الأمطار ويموت النبات والحيوان ويموت الإنسان، فالماء عند الدرجة زائد أربعة تنْعكس آلِيَة حركَتِه فالإنسان إذا وضع الثلاجة قارورة زجاج وأحْكم إغْلاقها وكانت ممتلِئةٌ تنْفجر لأن الماء إذا أراد أن يتمدَّد لا يوجد قوَّة في الأرض تقف أمامه ؛ محرِّك السيارة من أعلى مستوى من الخلائط المعدنية فإذا لم يضع صاحب السيارة مادة للتجمّد وجاء الصقيع في الليل وتجمّد الماء الذي في المُحرِّك شقَّق هذا المُحرِّك لِذلك أحدث طريقة لاقتِلاع الرخام حفْر ثقوب في أعماق الرُّخام وملْؤها بالماء ثمّ تجْميد هذا الماء فإذا بهذه الكتلة تنْعتق من الجبل والماء إذا أراد أن يتمدّد لا توجد قوة في الأرض تقف في وجْهه ائتِ بأشد المعادن صلابةً وبِأَشدّ الصخور تماسكاً يتصدَّع ولولا هذه الخاصة لما كان هناك تربة زراعِيّة فالأرض أساسها صخرٌ متجمِّد وعن طريق تغَلْغُل الماء في الصخور وعن طريق تجمّد الماء تتصدّع الصخور قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾
[ الطارق: الآية 13-17 ]
فهذه خاصّة، إنسانٌ ذهب إلى فِرْلَنْدا الحرارة هناك تسعة وستون درجة تحت الصِّفر مما تجعل أهلها يرتدون قفازات ومِعطف سميك ويرتدي ألبسة داخلية صوفِيَّة وجوارب سميكة جداً وأحذية مُبَطَّنةٌ بِالفَرْو كل عُضوٍ بِإمكتنه أن يضع عليه الصوف ولكن هل يستطيع أن يغلق عَيْنَيْه ؟ فالعَيْنُ مُلامِسة للهواء والهواء تسعة وستون درجة تحت الصِّفر فالله عز وجل أوْدع في العَين مادَّةً مُضادّةً للتجمّد قال تعالى:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾
[ الملك: الآية 3 ]
وهذه السمكة التي بالبحر كيف تعلم أنها باتجاه سطح الماء أم باتِّجاه أغْماقِه ؟ الله عز وجل جعل لها جُراب وجعل في الجُراب بعض حبات الرمل وجعل أعْصاباً حساسةً جداً في أرضِيَة هذا الجُراب فإذا كانت الرمال على أرْضِيَّة الجُراب معنى ذلك أنها نحو الأعلى فإذا اخْتفتْ الرِّمال والأعصاب لم تتحسِّس بها فهي باتِّجاه قاع البحر ؛ دقِّق بالسمكة تجد أنَّ لها خيْط بِقِسْمها العُلوي بين حراشِفِها خيط وهذا الخيط جِهاز ضغط وهو أنبوب مُفَرَّغ من الهواء وتعلم السمكة في أيِّ لحظة أين هي من سطح الماء ؛ قال تعالى
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾
[ الملك: الآية 3 ]
وهذه الدجاجة تأكل كلّ شيء حتى الأقذار وتُعْطيك بيْضة لها ستَّة عشر فيتامين وثمانيَة معادن وبروتينات ومواد دُهنِيَّة وشحوم وسكَّريات شيءٌ مُذهل ! البيضة غِداء كامل لأنها تصْنع مخلوق كامل ولو أنه وُضِع البيض تحت أمِّهم للتفْريغ تصنع هذه البيضة صوصاً وكائن كامل يحْوي عِظام وعضلات وأعْصاب وأجهزة كلها من هذه البيضة قال تعالى:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾
[ الملك: الآية 3 ]
وهذه البقرة تأكل الحشيش ويجري الدم في عُروقها فوق غدةٍ ثدْيِيَة على شكل قُبَّة وهذه الغُدَّة عبارة عن خلايا ثدْيِيَة تأخذ حاجتها من أعلى دم البقرة وترشح هنا نقطة حليب وكل ستمائة حجم من الدم يعادل حجم واحد من الحليب فهذا الحليب الذي تشربه ساهم فيه ستمائة حجم من الدم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66)﴾
[ النحل: الآية 66 ]
كأنّ البقرة دكتور في العلوم عاقل ؛ بروتين شحوم ومواد دسمة سكريات وفيتامينات فالحليب غداء كامل قال تعالى:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)﴾
[ الملك: الآية 3 ]
وهذه أوراق النباتات لها مسامات تغلق في الصيف وتفتح بالشتاء لأن في الشتاء رطوبة عالية والبرد شديد مفتوحة للتنفّس أما حين الحر الشديد والتبخّر العالي تُغلق هذه المسامات، إنسان ذهب بِحِقل بطيخ كلُّه أخضار أيَّةُ حبَّةٍ يقطعها ؛ جبل البطيخ ينضج خلال ثلاثة أشهر وأنت بالمنطق إذا وضعت في المِقلاة زيت وأوْقَدت النار ووضعت حبات البطاطا في هذا الزيت بالمنطق لابد أن تنْضج خلال ساعة واحدة لأن الظروف واحدة ؛ ضعْ كميَّة من قطع البطاطا وبعد ثمانية دقائق تجدها قد نضجت جميعاً فالظروف واحدة في الزراعة فالبَرد واحد والمطر واحد، هذا الحقل ينضج بطيخهُ اتباعاً خلال تسعين يوم فماذا نفْعل بالبطيخ لو نضج في يوم واحد ؟ لابد من اِتْلافه لكن كيف يعرف الفلاح أنّ هذه البطيخة قد نضجت ؟ إذْ كلُّه أخضر اللون ! بعضه أبيض والآخر أحمر ؛ الله عز وجل وضع خيط على شكل حلزون يمْسكه الفلاح فإذا انْكسر معنى ذلك أنها نضجت وإذا لم ينْكسر معنى ذلك أنّ البطيخة لم تنْضج بعد قال تعالى
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾
[ النحل: الآية 16 ]
يُمْكنك أنْ تُفكِّر بالكون وتقف وجْهاً لوَجْهٍ أمام عظمة الله ؛ هذه الثِّمار قال الله عز وجل:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾
التفاح ثلاثمائة نوع وكذلك العِنب وهذا تفاح حامض وذاك حُلو والآخر أحمر داكن وذاك له لون ورْدي وتفاح سكري وشتْوي والقمح هناك خمسة وأربعين ألف نوع في العالم وكنت ظن أربعة آلاف وخمسمائة لكن دكتوراً من إخْواننا قافل لي: بل خمسة وأربعين ألف نوع في العالم ؛ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، والجمل سفينة الصحراء والدواب تنام مُضْطجِعةً على جنْبِها أما الجمل ينام بِجَلْسة نِظامِيَّة إذْ لو أنه كان مضْطَجِعاً كيف يمكنك أن تُحَمِّل عليه ؟ فإذا كان واقِفاً كان أعلى منك وإذا صعدْت إليه بالسُّلم لأسْقطك لكنَّه يجْلس جلْسة نِظاميَّة ثم تُحَمِّل عليه وبعدها يقف ؛ غبار الصحراء دقيق جداً لكن للجمل في عَينَيْه رُموش كالشبكة تماماً تمْنَع عنه غبار الصحْراء وعَين الجمل على شكل تلسْكوب وميكروسْكوب في آنٍ واحد تُريه البعيد قريباً والصغير كبيراً والجمل يستطيع أن يعيش من دون الماء أكثر من سنة ويستطيع أن يأخذ ماء الخلايا ويعيش من دون غِداءٍ ثلاثة سنوات فهُو مُصمَّم للصحراء ويستهلك سنامه للغداء مُصمَّم للصحراء والصحْراء باعْتبار رمل كأنّ له خُف وقاعات اسْتِناده عريضة جلْسَتُهُ النِّظامِيَّة تحْتاج إلى ثَفِنات بِبَطْنه وعلى قدَمَيْه وعلى يديْه كذلك جِلْدٌ مُتَقَرِّم وله بَوْل يكاد يكون لزِج وكثافة بَوْل الجمل عشرين ضعف بَوْل الإنسان شيء دقيق جداً قال تعالى
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)﴾
[ الغاشية: الآية 17-24 ]
أردتُ من هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى كُلُّ شيء خلقه جعلَهُ مُتْقَناً اتْقاناً عجيباً قال تعالى
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
[ النمل: الآية 88 ]
وأحْقر كائِنٍ حيواني تحْتقِره به أجهْزة تفوق الخيال هناك سمك يمْشي في قاع المحيطات والغواصة إنْ هبَطَتْ أقل من مائتان متر عن سطح البحر تتحطَّم بِفِعْل الضغط وفي خليج مرْيانة بالمحيط الهادي عُمْقُه اثنا عشر ألف متر فإذا كانت غواصة من فلاذ تحطَّمت إذا جاوزت الحد فَلِما لا يتحطَّم السمك الذي في هذا المحيط ؟ قال لأن له فَجْوات مفْتوحة والضغط بالداخل يُكافىء الذي بالخارج ؛ لذلك لو كان الإنسان بالسيارة وحدث حادث وكان فمُهُ مُغلق يُثقب غِشاء الطبل أما إذا كان مفْتوحاً فلا يحدث شيئاً بِمعنى إذا فتح فمهُ أصبح دخول الهواء من فمِهِ وأُذُنِهِ مُتكافِىء وبالتالي أصبح هناك ضغط مُتَكافىء ؛ فهذا السمك الذي يعيش في قاع المحيطات له فَتْحات داخِلِيّة وخارجيَّة وبهذه الطريقة يتحمَّل الضغط العالي وهناك سمك يُفرِز سحابة أمامه بالحِبر وهناك سمك له كهرباء ستة آلاف فولط يُمكِنُها أن تُضيء بِناية عجائب بالبحر.
أيها الإخوة، كلُّ شيءٍ خلقه الله عز وجل خلقه في أحسن تقْويم والإنسان سيّد المخلوقات قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)﴾
[ الملك: الآية 3-4 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة والآيات التي تليها من سورة المُلك وهي قوله تعالى:
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)﴾
[ الملك: الآية 6 ]
فهؤلاء الذين كفروا بِرَبِّهم بالذي خلقهم وبالذي أمدَّهم ورباهم ودلَّهم عليه ومع هذا كفروا بِرَبِّهم هؤلاء سَيَنْدمون أشدّ النَّدم:
﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) ﴾
أي أُلقوا في جهنم " سمعوا لها شهيقاً وهي تفور " جهنم في هذه الآية نفْس "
﴿ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾
[ الملك: الآية 8 ]
أيْ ما الذي أوْصلكم إليه وأين عقْلكم فكُلّ هذا الكون يدلّ على الله وكلّ أفعاله تدل عليه وكلكم مغْمورون بِنِعَمٍ لا تعدّ ولا تُحصى فما الذي جعلكم تكفرون وما الذي جعلكم تأتون إليّ:
﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾
[ الملك: الآية 8 ]
هناك آية أخرى قال تعالى
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾
[ فاطر: الآية 37 ]
ما هو النذير ؟ هذا القرآن الكريم هو النذير في كلِّ شيء ؛ في مشاهد يوم القيامة وفي صُور مُعَبِّرة عن أهل النار ومشاهد مُعَبِّرة عن أهل الجنة وفي تاريخ الأمم السابقة وفي آيات دالة على الله وفي منهج تفصيلي اِفعَل ولا تفْعل فالقرآن الكريم هو النذير والنبي عليه الصلاة والسلام الذي جاء بِسُنَّتِه المطهرة والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحْيٌ يوحى والنبي عليه الصلاة والسلام بِبَيانِهِ وبِخُلُقِهِ أيضاً نذير ألم يأتِكُم نذير؟ فالقرآن بين أيْدينا وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام بين أيدينا والنذير أيضاً سِنُّ الأربعين وكلُّ إنسانٍ بلغَ الأربعين فقد جاءه النذير ؛ كان شاباً طائِشاً أكل وشرب وتزوَّج وذاق طعْم كلِّ شيء وعرف كلّ شيء وبلغ سِنَّ النُّضج ونضج عقله وقَوِيَ عودُهُ لذلك من بلغ الأربعين ورد بالأثر: ولم يغْلب خيرهُ شرّه فَلْيَتَجَهَّز إلى النار
إلى متى أنت باللذات مشْغولُ وأنت عن كلِّ ما قدَّمْتَ مسؤولُ
فالنذير سِنُّ الأربعين وقال بعْضهم النذير: سِنُّ السِّتين، بالسِّتين ولا زِلْتَ تجْلس بالطاولة في القهوة إلى الساعة الواحدة بالليل معْقولٌ هذا ! ماذا بقيَ لك من عُمُرك ؟ وماذا تنتظر ؟ هناك شيء اسمُهُ مُراهقة مُتأخِّرة بالستين تجد أنه يحبُّ أن يُلْبِسَ زوْجَتَهُ لِباساً مُعَيَّناً سبحان الله هذه زوجةٌ مُسِنَّة وأنت قد جاوزْت سِنّ المراهقة وهذا السن هو سِنُّ العبادة والتوبة وتلاوة القرآن وإقبال على الله فالسِّتين هو أيضاً نذير، وهذا سؤال لمن جاوز الأربعين ؛ سؤالٌ مُحْرِج ومُزْعِج: هل بقِيَ بِقَدْر ما مضى ؟ أغلب الظن بقي أقل مما مضى وكيف مضى الذي مضى ؟ كَلَمْحِ البصر وهذا الذي يبقى يمْضي كَلَمْح البصر وهل أعْددْت للموت عُدَّتَهُ فالإنسان إما أن يكون ملء السمع والبصر وبين أن يكون أمام الناس إنساناً مُحْتَرَماً ذا شخْصِيَةٍ ومالٍ وفير ومكانةٍ علِيَّة وبين أن يكون خبراً على الجُدران ؛ عظَّم الله أجره إذا كان هناك سِنّ ذهب يُقيمونه بالبِنْز من فمِهِ ؛ حاجاته وأمواله ومركباته كل شيءٍ يورَث من بعده وكل سَيُشَيَّع كُلٌّ منا إلى مثْواه الأخير فالبيت الذي نسكُنُه بيتٌ مُوَقَّت فالنذير سِنُّ الأربعين والنذير كذلك سِنّ السِّتين والنذير قالوا: الشَّيْب وورد في الأثر: أنْ عبْدي كبِرَتْ سِنُّكَ وانْحنى ظهْرك وضعُف بصرك وشاب شعْرك فاسْتحي مني فأنا أسْتحي منك الذي يرْتكب المعصية بعد الأربعين لا يسْتحي من الله ؛ النذير سِنُّ الأربعين والنذير كذلك سِنّ السِّتين والنذير الشَّيْب ومَوْتُ الأقارب نذير ؛ أغلب الناس إذا تجاوَزوا سِناً مُعَيَّنة أتْرابهم ومن في سِنِّهم أصْدقاؤهم وزُملاؤُهم في العمل يموتون واحداً واحداً فَكُلٌّ منا يُجْري حِساباً مَن هم أصْدقاؤه ؟ الذين هم أتْرابُهم والذين هم في سِنِّه كم واحدٍ منهم قد مات ! قالوا: إذا انتهى أجل الإنسان وانتهى رزقُهُ ألْقى عليه ملَك المَوْت غمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سكراتُهُ فَمِن أهل البيت الصارخة بِوَيْلِها ومن أهل البيت المُمزِّقة ثِيابها والناشِرة شعْرها يقول ملك الموت: فيمَ الفزع ومما الجزع ما أذْهبْتُ لأحدٍ منكم رزقاً ولا قرَّبْتُ له أجَلاً وإنَّ لي فيكم لَعَوْدَةٌ ثمّ عَوْدة حتى لا أُبْقي فيكم أحداً فَوَالذي نفْسُ محمَّدٍ بِيَدِه لو يرَوْن مكانه ويسْمعون كلامه لَذَهِلوا عن ميِّتِهم ولَبَكَوا على أنْفسهم، وقفت مرةً بِسوق الحميديَّة وقلت: كل خمسين سنة هناك طقم جديد لأصحاب المحلات ؛ جعلكم خلائف وهذا بِكل سوق وكذلك بالبيوت كل خمسين أو ستين سنة هناك طقمٌ جديد يكون البيت كبير ويتخانق الورثة مما يجعلهم يبيعون ففي المحلات والبيوت تجد كلّ مرة طقم جديد ؛ رجل تُوُفي وترك ثروة كبيرة جداً فأحد الورثة نصيبهُ تسعين مليون طبعاً أصبح يُتابع قضايا الإرث وبراءات الذمة والمعاملات كلّ يوم من الصبح إلى المساء دخل إلى الحمام مرةً لِيتَوَضأ فَمات ولم يأخذ قِرش فهذه هي الدنيا لا يمْلك أحدنا أن يعيش ساعة فالمغايرة سريعة، دعانا أحد إخواننا إلى بسْتانه وقال لي: اخْتر من الأصدقاء من تُحِبّ فاخْترْتُ من إخْواننا من أتَوَسَّم فيهم الصلاح من هؤلاء المدعُوين صديق يشْغل منصب رفيع في القضاء وشاءت الأقدار أن توفى هذا المدعو بالجمعة وكانت الدعوة بِيَوم السبت دَفَناه ثم أجَبْنا الدعوة وهناك قصص كثيرة من هذا الشكل فالنذير القرآن والنذير النبي والنذير سِنّ الأربعين والنذير سنّ الستين والنذير الشَّيب والنذير موت الأقارب والنذير المصائب فهذه كلها نُذُر قال تعالى
﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)﴾
[ الملك: الآية 8 ]
والله أيها الإخوة إذا الإنسان ما اسْتجاب وما اسْتفاد مما يُلقى إليه وما تاب وما عمل بما سمِع وبما علِم سَيَأتي عليه وقْتٌ ينْدم عليه ندم لا يوصف فنحن الآن أحْياء وفي بحْبوحة العُمُر فكُلّ شيء يُحل وأنت حيّ تتوب وتتصدّق وتَسْتَسْمِح ؛ لو جِئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرْتها لك ولا أُبالي ولكنَّك أنت لا بد عليك من التوبة قبل الموت وإذا رجع العبد غلى الله نادى مُنادي في أهل السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطلح مع الله ؛ ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى، قد جاءنا نذيرٌ فكذَّبْنا، أهل هذا الزمن أهل مادّة يقول لك: لابد من شهادات وذاك يتكلم بما وراء الطبيعة والآخر يقول لك نحن واقِعيين ولا بد من المال والتقدم وكلما ذكَّرْته بالآخرة يُعيدك إلى الدنيا وكلما ذكرته برِسالته يُعيدك إلى الواقع ؛ فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء، تقول له فلان درسهُ جيّد فإذا يقول لك: أنت لا تعرفه ذاك له أغراض ولا يترك أحداً إلا ويطْعن فيه هكذا الناس ؛
﴿ وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)﴾
[ الملك: الآية 9 ]
الآن "
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
[ الملك: الآية 10 ]
أي أنَّ السبب لِشَقاء الإنسان وهلاكه بِجَهَنَّم وعذابهُ إلى أبد الآبدين أنَّهُ ما تأمَّل وما اسْتمع فالتأمُّل أن تطبخ أنت الطعام والسماع أن تأكل طعاماً جاهزاً فإذا حضرت مجْلس علم فأنت تأكل أكْلة جاهزة وإذا قرأت القرآن تأمَّلت من تِلقاء نفْسك وتفكّرت بالكون ممكن أن تصل إلى الكون من خلال التفكر الهادف الجاد وممكن أن تأخذ الحقيقة جاهزة قال تعالى:" لو كنا نسمع أو نعقل " فهم ما سمعوا وما عقلوا ولا تفكَّرنا وما حضرْنا مجْلس علم قال تعالى:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
[ الملك: الآية 10 ]
يقول عليه الصلاة والسلام: ((... إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "))
[ رواه البخاري ]
قال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾
[ مريم: الآية 59 ]
وقد لقِيَ المسلمون هذا الغيّ وهل من غيٍّ أشد من الغَيِّ الذي يلْقَوْنه الآن ؟
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام الآية الثامنة والعشرون من سورة المُلك وهي قوله تعالى
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)﴾
[ الملك: الآية 28 ]
هذه الآية تشير إلى معنى دقيق جداً وهو أنّ الكافر دائماً يتمنى ضعف المسلمين ويتمنى إطْفاء نور الله ويتمنى إشاعة الفاحشة وكلّ شرٍ للمسلمين قال تعالى:
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾
[ التوبة: الآية 50 ]
لو أنّ الكافر حُقق له ما تمنى وأهلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ هل يُعفى الكافر من الحِساب والعذاب ؟ لا... سواءٌ انتصر المسلمون أو لم ينْتصروا سعِدوا أو لم يسْعدوا وارْتفعوا في الأرض أو لم يرْتفعوا فَسَعادتهم وعدمها وارتفاعهم وعدمه هل تُلغي حساب الكافرين ؟ لا... ما علاقة هذه الآية بِحيانا اليوميّة ؟ يقول لك أحدهم كلُّ الناس على هذه الوتيرة ! لو أنّ على وجه الأرض خمسة آلاف مليون إنسان وكانوا كلهم على الضلال إلا واحداً فهل أنت مُعْفى من الحساب ؟ لا... أيُّ إنسانٍ يعتمد على الأكثرية المُنْحرفة قال تعالى
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)﴾
[ الأنعام: الآية 116 ]
الله عز وجل أثبت في كتابه أنّ الأكثرية على غير الحق دائماً قال تعالى:
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)﴾
[ الأعراف: الآية 102 ]
وقوله:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)﴾
[ الأنعام: الآية 116 ]
فلو أنَّ أكثر الناس لم يكونوا على الحق فهل يُعْفيك هذا من الحساب ؟ أبداً، فإذا عافى الله إنساناً وكان أُناسٌ يسْبحون في بِركةٍ آسِنة وهم كُثر فهل ينبغي أن تسبح أنت معهم ؟ وإذا نزلت معهم فهل تُعفى من رائِحتها الكريهة ومن جراثيمها الضارة ؟ أبداً وكذلك الذي يُؤَلِّهُ المجتمع ويفْعل ما يفعل فهو يعْبُدُه من دون الله ويقول لك: كل الناس على هذه الوتيرة قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)﴾
[ الزخرف: الآية 22 ]
فهذا هو شأن ضعيف التفكير الذي يُقلِّد تقْليداً أعمى أو يطْمئنّ اطْمِئناناً ساذِج للأكثريَّة المُنْحرفة فأنت علاقتك مع الله عز وجل فلو كنت مع مُجتمعُ جُلُّ أهله فُساق لا يُعْفيك هذا من المسؤوليَّة حتى لو أنَّ الكافر تمنى هلاك النبي وأهلك الله النبي هل تُحلُّ المشكلة قال تعالى:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)﴾
[ الملك: الآية 28 ]
الكافر سَيُحاسب وكلُّ إنسانٍ مُحاسب بِما يفْعل قال تعالى:
﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)﴾
[ الإسراء: الآية 15 ]
وقوله تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)﴾
[ الحجر: الآية 92 ]
أردتُ من هذه الآية الأوهام التي تُعَشْعِش في أذهان الناس القائلة: كل الناس هكذا ومن يستطيع أنْ يغض بصره ؟ ومن الذي يستطيع أنْ لا يقْتني هذا الصحن وأصبح شيئاً ضروريا وحياتي فكلما شاعت معصية أو بدعة أو مفْسدةٌ الإنسان الجاهل يطمئن ويقول لك: الناس كلهم هكذا ؛ لو أنّ الناس كلهم عصَوا ربهم هل تُعفى أنت من الطاعة ولا تُحاسب على المعصية ؟ هذه هي النقطة التي تنْطوي عليها الآية وهو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وكلُّ إنسانٍ مُحاسب بِصَرف النظر عن الذين يعْصون الله بِكَثْرتهم أو بِقِلَّتِهم وعن قوتِهم أو عن ضعْفهم بعض الأشخاص لِضَعْفٍ في تفكيرهم يقول لك: الآن ملايين من البشر في آسيا تعبد النار والبوذا والجرذان والسيخ فهل كلُّ هؤلاء عن ضلال ؟ هذا ليس من شأنك أن تفهمه فهو من شأن الله ؛ شأنك أنّ الله تعالى أعطاك منهج فإذا وجد طالب أن كل الصف ما كتب الوظيفة فهل هذا يعني أنه مُعفى ؟ وهل ينجح ؟ لن ينجح وسَيَكون مصيره كَمَصيرهم، فهذه الآية التي أراد الله أن يُطَمْئن المؤمنين وأن يُحَذِّر الكافرين مِن أنّ هلاك المؤمنين أو نجاحهم نجاحهم في دعْوتهم أو إخْفاقهم سعادتهم أو عدم سعادتهم وعُلُوُّهم في الأرض أو سُقوطهم هذا لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر في شأن حِسابك مع الله لذلك المؤمن يُعبِّر عن إيمانه بالولاء للمؤمنين والمنافق الكافر يُعبِّر عن كُفره بالبراء من المؤمنين وبِمُعاداتهم وقد قال الله عز وجل:
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾
[ التوبة: الآية 50 ]
قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)﴾
[ الملك: الآية 29 ]
المؤمن متوَكِّل على الله ولا يستطيع أنْ يُغطي كلّ المُفاجآت المُستقبلية إذْ هناك مليون خطر أمام كلِّ واحدٍ منا فمن الذي يضمن أن يبقى دمُهُ سائلاً إذْ لو تجمَّد لصار مشلول ومن الذي يضمن أن لا تأتيه سيارة وقائد طائش ؟ ومن يضمن أن لا يخسر ماله كله ؟ ومن الذي يضمن أن لا يفقد بعض حواسِّه ؟ أما المؤمن يعيش بِرَحمة الله وبِوَعْد الله له قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)﴾
[ الملك: الآية 29 ]
أنت متوكِّل على الله ومن يتوكَّل على الله فهو حسْبُهُ والله عز وجل يُلَبيه ثم قال تعالى:" فستعلمون من هو في ضلال مبين " تعلمون من هو الذي سيضْحك أخيراً والإنسان في أوج نجاحه في الحياة الدنيا يفْرح وربنا عز وجل يُعاتِبُهُ فقال لقارون في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾
[ القصص: الآية 76 ]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾
[ يونس: الآية 58 ]
قل لي ما الذي يُفْرحك أقول لك من أنت ؛ ما الذي يُفرحك ؟ إذا أفْرحتك الدنيا فأنت من أهلها أما إذا أفْرحتْك طاعة الله عز وجل فأنت من أهل الله، خرج على قومه بِزينَتِه قال تعالى:
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾
[ القصص: الآية 79 ]
مُلخَّص الآية أنَّ المؤمنون سلامتهم أو عطبهم وتفَوُّقهم أو سقوطهم نجاحهم أو إخْفاقهم وعُلُوُّهم أو دُنُوُّهم لا يغني عنك شيئاً إذْ أنك مُحاسبٌ على عملك ولا يُعْفيك من هذه المُحاسبة شأن المؤمنين فالمؤمن يجب أن لا يفكِّر في هذا الموضوع قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)﴾
[ الملك: الآية 29 ]
هذه السين هي سين الاستقبال والله عز وجل يبْتلي ويمْتحن ويُؤدِّب ويُكَرِّم أما في النهاية الذي يضْحك هو المؤمن وآخر الأمر قوله تعالى:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[ المطففين: الآية 34 ]
قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)﴾
[ المؤمنون: الآية 107 ]
وقوله تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
[ المؤمنون: الآية 115 ]
فالعِبرة في الخِتام ونِهاية الحياة وعلى ما يُختم له تجد أشخاص ترك الصلاة بالخامسة والستين من عمره واشترى صحن فالعِبرة ما الذي يُختم للإنسان وربنا عز وجل قال في كتابه:
﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80)﴾
[ الإسراء: الآية 80 ]
هناك دخولٌ وخروج فالعِبرة بالخروج لا بالدخول وسيِّدنا معاوية سأل سيِّنا عمرو ابن العاص وكان من دُهاة العرب: قال يا عمرو ما بلغ من دهائك ؟ قال له: والله ما دخلت مُدْخلاً إلا وأحسنت الخروج منه فقال له: لسْتَ بِداهِيَة أما أنا فو الله ما دخلتُ مُدخلاً أحتاج الخروج منه ففي الأساس لا أدخل وأنت تدخل وتُحسن الخروج أما أنا فلا أدخل أبداً وفي آخر الآية قال تعالى:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)﴾
[ الملك: الآية 30 ]
الله جل جلاله فالماء قِوام الحياة ولو جفَّت الأنهار وغارت الينابيع وانقطعت الأنهار يُصبح البيت الذي ثمنه خمسة ملايين لا يساوي ليرة وكذا المُدُن الجميلة فالله هو الرزاق ذو القوة المتين وليس في الأرض جِهة تستطيع إنزال المطر:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)﴾
[ الملك: الآية 30 ]
في إفريقيا مرت عليها بعض السنوات العِجاف ومعي صُوَرٌ في البيت كلّ الأشجار يَبِسَتْ والزراعة انتهت والحيوانات ماتت فالناس هجروا بلادهم إلى بلادٍ فيها ماء فانقِطاع الماء يُنهي الحياة ويموت النبات ويموت الحيوان ويموت الإنسان فالله هو الرزاق ذو القوة المتين.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الملك (67 )
الدرس السادس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة مع الآية الثانية والعشرين من سورة الملك وهي قوله تعالى:"
﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾
[ الملك: الآية 22 ]
دائما وأبدا في كتاب الله عز وجل موازنة بين حالتين حادَّتين سأُذكِّركم بالموازنات في كتاب الله قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
[ السجدة: الآية 18 ]
أحْياناً لسْتَ مضطراً إلى أنْ تقْنع بِفِكرة المُنحرف لكن انْحرافه يكْشفُهُ قال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)﴾
[ العلق: الآية 9-13 ]
أين الجواب ؟ أيْ اُنظر إلى أخلاقه وأثَرَتِه وحِرْصِه وكِبره وشهْوانِيَتِهِ وإيثارِهِ مصْلحته على كل شيء فهذه الأخلاق التي تُرضي تؤكِّد أنه على باطل قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12)﴾
[ العلق: الآية 12 ]
اُنظر إلى هذا المؤمن ولو لم ينطق بِشَفاه أخلاقه واسْتقامته وأمانته وحياؤه وأدبه وتواضعه وحُبُّه للحق وقلبه الرحيم وانْصافه ودِقَّة كلامه واعْتِماده على الحجة وعِلْمُهُ هذا يُنَبِّؤك أنه على حقٍّ فهناك أدِلَّة أقوى من الكلام فلو أنَّ المُنحرف بقِيَ ساكِتاً تكْشف انْحرافه من أخلاقه دائماً هناك ارتِباط بين العقيدة والسلوك:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)﴾
[ العلق: الآية 9-13 ]
هذه عقيدته وانظر إلى أخلاقه قال تعالى
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
[ القصص: الآية 50 ]
وقال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾
[ الماعون: الآية 1-7 ]
إذاً هناك مُوازنات بكِتاب الله:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
[ السجدة: الآية 18 ]
المؤمن أمين وغير المؤمن ليس بِأَمين فأنت لا تثِق بغير المؤمن ولو بِقِنطار أو لِدينار أما المؤمن تأْمنه بِقِنطار أما غير المؤمن لا تأْمنه بدينار فالأمانة شيء مهِمٌ جداً فأركان الاستقامة الصدق والأمانة والعفاف ولولم تكن في المؤمن غير هذه الصفات لَكَفَتْهُ ؛ مَوْضِع ثقة وتعامُلُهُ أمين وبين المطامع والشهوات عفيف فهذا الذي يرفع الإنسان لذلك:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)﴾
[ العلق: الآية 9-13 ]
وقوله تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾
[ الماعون: الآية 1-7 ]
وقوله:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
[ السجدة: الآية 18 ]
وقال تعالى:
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
[ القلم: الآية 35 ]
وقال تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
[ الجاثية: الآية 21 ]
هل يُعقل هذا ؟ شابٌ مستقيم يتحرى الحلال ويخْشى الله عز وجل ولا يُؤذي أحداً ولا يكْسب المال الحرام ويغض بصره عن محارم الله ويُنفق من ماله في سبيل الله ويطلب العلم وآخر من ملهى إلى ملْهى ومن شهوة خسيسة إلى سقوط مُريع هذا يُعامل كهذا ؟ أقول لكم أيها الإخوة دقيق جداً: أنْ يسْتوي عند الله مستقيم ومُنْحرف ومؤمن وكافر وصادق وكاذب وظالم ومُنصف ورحيم وقاسي أن يستقيم هذان الرجلان عند الله هذا لا يتناقض مع عدالة الله فَحَسْب بل يتناقض مع وُجوده ! لا يمكن أن يكون الله مَوْجوداً وأن يسْتوي مستقيم ومُنْحرف لا في الحال ولا في المآل وهذا هو القول الثابت الذي يملأ القلب طمأنينةً:
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
[ القلم: الآية 35 ]
وقوله:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
[ الجاثية: الآية 21 ]
حياة هذا كَحَياة هذا وعمل هذا كعمل هذا وبيت هذا كَبَيْت هذا وزوجة هذا كزوْجة هذا وأولاد هذا كأولاد هذا مستحيل، لا زِلنا في المُوازنات قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
[ القصص: الآية 61 ]
خذ الدنيا واسْتمْتع بها كما شِئت وقد قال الله عز وجل
﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)﴾
[ فصّلت: الآية 40 ]
وبالتعبير العامي: اعمل وكثِّر ؛ هناك موت في النهاية وحِسابٌ وعذاب وهناك سؤال دقيق وهناك نار يقودها الناس والحجارة وهناك عذاب أبدي إلى ما شاء الله ؛ أهل النار يرون رجلاً مشهوراً في الدنيا ومن أهل العلم يقولون: فيما رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم (( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[ رواه البخاري ]
فالحِسابات تعمل يوم القيامة يظهر الصادق والكاذب والمخلص والمنافق لذلك قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
[ القصص: الآية 61 ]
وقد قال الله عز وجل قبل هذه الآية:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)﴾
[ القصص: الآية 60 ]
إذا كان لأحد ألف مليون دولار مثل هذا الذي أصبح معه ثلاثون مليار دولار صاحب مايكروسوفت كمن متَّعناه الحياة، كل إنسان مُحاسب فأربح شركة بالعالم هي شركة الأسلحة تعيش على دمار الناس فهذه الأسلحة المتطوِّرة ساعة قنبلة عُنقوديّة وساعة قنبلة ذكيّة وصواريخ تنْفجربعد أن تدخل إلى البناء لِتُضاعف القتلى والجرحى كل هذا من صُنع أدْمغة ذكِيَّة جداً كل هذا سَيُحاسَب عليه الإنسان نقطة دقيقة جداً وهي أنَّ كلّ إنسانٍ يعلم ماذا بعمل في هذه الحياة الدنيا هناك عمل شريف وهناك عمل أساسه خدمة الناس وهناك عمل أساسه التعليم أو التجارة لكن يوجد أعمال أساسها ابْتِذاذ الناس وإيقاع الخوف بين الناس فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما اسْتعملك وأخطر شيء عملك لأنه ألصق شيء بك وهو الذي تُحاسب عليه ويدْخل معك القبر والإنسان يموت ويُشَيِّعُهُ أهله فالأثاث الفخم الذي اشْتراه يبْقى في البيت الثريات والسُّجاد والتحف الثمينة كل شيءٍ يبقى بالبيت إلا أنّ أهله يُرافقونه إلى شفير القبر أما حينما ينزل القبر لا ينزل معه أحد إلا عمله يا قُيَيْس إنّ لك قرينا تُدْفن معه وهو حيّ وتُدفن معه وأنت ميِّت إن كان كريماً أكْرمك وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك.
أيها الإخوة أفمن كمن يمشي مكِباً على وجهه - آية اليوم - أهدى لا يرى أمامه إلا شهْوته كالنعامة تتخلص من الخطر بِغَمس رأسها في الرِّمال هؤلاء الذين ينْغمسون في الملذات ويظنون أنهم نجَوا من عذابٍ نفسي هؤلاء حمْقى
﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾
[ الملك: الآية 22 ]
الإنسان أموره واضحةٌ أمامه طريق الخير واضح وكذا طريق الشر وعِلّة وُجوده يعرفها غاية وُجوده يعرفها ومنهج ربِّه يعْرفه لذلك
﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾
يا أيها الإخوة الكرام هذا الحديث خطير قال تعالى:
﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)﴾
[ النجم: الآية 59 ]
ليست القضيّة قضيّة تسْلِيَة أو قضيّة شهر أو مَوْسِم إنما القضيّة قضيّة مصير أبدي فأيُّ عتَبٍ بسيط على هؤلاء الذين يُضاعِفون عِباداتهم بِرَمَضان يُشْكرون على فِعْلهم هذا ولكن ألَيْتَهم جعلوا هذا النشاط على مدار العام أوليس من الأنْسب أنْ يُطَبِّق الإنسان منهج ربِّه كُلّ حياته ؟ فلذلك أيها الإخوة جمعْتُ لكم في هذا الدرس المُوازنات قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)﴾
[ الحاقة: الآية 19-30 ]
هذه موازنة ثانِيَة قال تعالى
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)﴾
[ آل عمران: الآية 106 ]
كان لي صديق يعمل في قصر العدل بالتحقيق وهو قاضي تحقيق وكان أمامه مُجرم يُحَقِّق معه والآخر تاجر مُخضِّرات وُجوههما سَوْداء ودخل شاب مُتَأنِّق فقال له هل الساعة مضْبوطة فقال: نعم، وجَدْتُ فرقاً كبيراً جداً بين المُذنب والبريء ؛ هؤلاء الذين كان يُحقِّق معهم أحدهم قاتل والآخر تاجر مخضِّرات بِوَضْع من القهر والخوف لا يوصف والذي دخل في الأخير لا علاقة له بالموضوع إذْ أنه كان يعْمل بِحِرْفة الساعات فأما الذين ابْيَضَّت وُجوههم والمؤمن مستقيم والمستقيم ملِك ووجْهُهُ أبيض ولا يخشى أحداً رافِعُ الرأس عزيز النفس قال تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾
[ يونس: الآية 26 ]
أما الذين أساءوا ترْهقهم ذِلَّة وما لهم من الله عاصم، ممكن أثناء التلاوة المُوازنات بالقرآن الكريم مهِمَّة جداً لا يوجد حلّ ثالث مسْتقيم أو مُنحرف مؤمن أو كافر مُنصف أو ظالم مُحسن مسيء أمين خائن صادق كاذب فهؤلاء ليْسوا كَهَؤلاء بالتأكيد وحين يسْتوي هؤلاء وهؤلاء اعْلم أنّ هذا الدين باطل إذا المُحْسن مع المسيء والقوي مع الضعيف والظالم مع المظلوم ويأتي الموت وينتهي كل شيء فهذا الدين ليس له معنى إطْلاقاً اما عظمة هذا الدين أنّ الله تعالى موجود وسَيُحاسب ويوم القيامة فالبطل هو الذي يؤمن بالغيب وبِيَوم لم يره بعد.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القلم (68 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ربنا جل جلاله في سورة القلم روى لنا قصة أصحاب الجنة فقال تعالى:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾
[ القلم: الآية 17 ]
أصحاب البساتين وأصحاب البساتين والمزارع
﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾
أيْ يقطِفون ثِمارها مُصبحين
﴿ وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)﴾
لا يعطون منها شيئاً للمساكين
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)﴾
لعلها موجة صقيع لا تُبقي ولا تذر ؛ لاحظ العلاقة بين النِّيَة والسلوك "
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾
مباشرة
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾
وكأنها قُطِفَتْ لا شيء فيها ولا فاكهة ولا هم يحْزنون فعقدوا اتِّفاقاً بينهم "
﴿ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)﴾
أيْ صباحاً "
﴿ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)﴾
اليوم جَنْيُ القطاف وتجميع الثمار وبيْعِها وتخزين أثمانها بالصناديق "
﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)﴾
أرادوا أنْ يقْطِفوا الثِّمار بعيداً عن أعْيُن الفقراء فَبَكَّروا
﴿ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)﴾
بُخلٌ وشُحٌّ " وغَدوا على حرْدٍ قادرين فلما رأوْها " قالوا هذه ليْست بساتيننا إنا لضالون تأكدوا أن البناء نفسه إلا أن الثمار منعدمة
﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾
ثم أدركوا أنّ الله أتْلف محاصيلهم
﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)﴾
أيْ أقربهم إلى الله
﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)﴾
لو سبَّحْتم الله عز وجل لكان قلبكم رقيقاً ولأطْعمْتم المساكين ولكن حينما ابْتعدتم عن الله قسى قلبكم وأردتم هذه الثروة وحدكم
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾
كلٌ يُنيح باللائمة على أخيه "
﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) ﴾
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾
إتْلاف المحصول والخسارة الكبيرة كانت سبباً في عَوْدتهم إلى الله وسبباً في توْبتهم ومُحاسبة نفْسهم وفي إقْبالهم وندمهم مغزى القصة في كلمة واحدة قال تعالى:
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
أيْ أيُّ عذابٍ يسوقه الله تعالى لِعِباده في الأرض من هذا النوع وليس هناك في الأرض شرٌ مطلق شرٌ للشر لا وُجود له بل إنّ وُجود الشر للشر يتناقض مع وُجود الله قال تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
الإعزاز خير والإذلال خير والإيتاء خير والمنع خير والأشياء الإيجابية نِعَمٌ ظاهرة والمصائب نِعَمٌ باطنة فالعطاء عطاء والمنعُ عطاء وربما كان المَنْع عين العطاء منعك لِتَلْتَفِتَ إليه ومنعك كي تتذكَّره وكي تُحاسب نفسك وتُقبل إليه ولِيَسْمع صوتك بالليل ولكي تُوَحِّده لذلك المصائب لها حِكَم اُنظر ضاع منهم محْصول وثمنه كبير لكنهم
﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)﴾
أيْ كنا في طغيان كبير
﴿ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾
لولا هذا التأديب لما كان هذا الكلام ولولا هذه الشِدَّة لما كانت هذه الشَدَّة ولولا هذه المَحْنَة لما كانت هذه المِنْحَة لذلك قد تجد أن تسعين بالمائة من توبة المؤمنين هي تربية الله لهم والتضييق الذي أحاطهم به والشدة التي ساقها لهم والخوف الذي بثَّهُ في روْعهم، فكلمة
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
أيْ أيُّ عذابٍ على وجه الأرض مُوَظَّفٌ للخير هو فيما يبْدو شر إتلاف المحصول شر وإتلاف مال تاجر شرٌ كبير إذْ يُصبح في الوحْل لكنه ما كان يُفكِّر بالصلاة في حياته ؛ مالٌ وقوة ومَنَعَة ومكانة وأُبَّهة وعظمة وما قال: يا رب ولكن لما فلّس قال: يا رب على كلٍّ الإنسان إذا أتى الله على قُوَّتِه غناهُ وصِحَّتِه فهذا شيء رائع جداً وإذا أتاه بعد المصيبة هذا كذلك شيء جيّد لا بد من أن تأتيه، قال لي مرةٌ أخ مُداعِباً: ما مُلخّص دعْوتك ؟ وقلتُها له بالتركيب العامي: إما أن تأتي مُسرعاً وإما أن يأتي بك مُسْرعاً فهذا مُلخّص الملخص والله عز وجل يعرف كيف يُعالج ويعْرف المنطقة الحَرِجة والمؤلِمة والتي تفْزع منها " كذلك العذاب " شابٌ وزوْجته شاردان ومُتَفَلِّتان معهم المال والغنى والجمال ومن مكانٍ إلى مكان ومن نزهة إلى أخرى لا يُصلون ولا يصومون ولا... عندهم فتاة صغيرة ملكتْ قلوبهم لِجمالِها وروْعتها وأُصيبتْ بِمَرض خبيث فصاروا من طبيب إلى طبيب ومن تحليل إلى آخر ومن مستشفى إلى مستشفى مما جعلهم يأخذونها إلى بريطانيا فاضطرّ أبوها وأُمُّها أن يبيعا بيتهما الوحيد لِيُعالِجاها ؛ فجاءَتهم خاطِرة ولعلها خاطرة ملَك لو أنَّكم تُبتم إلى الله لعل الله يشْفيها فتاب الأب والأم فصارا يصليان والأم تحجَّبَتْ وعاهدا ربهما على الطاعة والتوبة والاستقامة فتراجع هذا المرض شيئاً فشيئاً وهذا الأخ من أصْدقائنا بعد سبْع سنوات دُعيت إلى عقد قِران فألْقَيْتُ كلمة ثم قلتُ له: هي هي فقال: هي هي تلك البنت التي كانت سبباً في إنابة والِدَيها إلى الله فهذا المرض مُخيف ولكن مُحَصِّلته ؛ فبعْد أن كانا مُتَفَلِّتين صار مُلْتزِمين وبعدما كانا شقِيِّن صارا سعيدين وكانا مُعْرضَيْن فصاراَ مُقبِلَين وكانا مُسيئين فصارا مُحسنين كلّ هذا عن طريق هذا المرض لذلك يجب أن تعلم عِلْم يقين أنّ وراء كلِّ مصيبة حِكمة قد تعْرفها وقد لا تعْرفها، فهذه السيارة من أجل ماذا صُنِعت ؟ أصل صُنعها من أجل أن تسير فهل يُعقل أن يقْتني إنسان سيارة بدون مُحرِّك ؟ إذْ أنها صُنِعت كي تسير ولكن لماذا في السيارة مِكْبح فالمِكْبح يوقِفُها ؟ كلُّ هذا من أجل سلامتها فالمصائب كالمِكْبح فأنت مخلوق للسعادة والعطاء والتكريم ولِجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض لكن حينما الإنسان يشرد ويتيه تأتي المصائب كي تَرُدَّهُ إلى الله:
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
فهذه السورة كلها بِكَلِمة واحدة:" كذلك العذاب " أيُ عذاب على الإطلاق يسوقه الله لِعِباده هو من هذا النوع ؛ شُحّ وبُخل وأثَرة وحُبٌّ للمال وقلب قاسي كراهِيَة للعمل الصالح ؛ ثِمارٌ يانعة بالملايين ثمنها بحثوا عنها فما وجدوها فقالوا:
﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)﴾
فهذه قصة وقِصة القرآن ليْست للتسْلية ولا للمُتْعة ولكن كي تسْتنبط منها حقيقةً تُلقي لك نوراً في درْب الحياة، قال لي كان عليَّ زكاة قدْرها إحدى عشر ألف وخمس مائة وثلاثين رقمٌ دقيق وكانت له زوجةٌ فقلت له: لا داعي لِدَفْع الزكاة ولْنُدْهن بها البيت وضغطت عليه حتى حملتْه على دفع الزكاة فاسْتجاب لها ولغى الزكاة وكانت عنده سيارة فانْضربتْ ومن أغرب الصُّدف أنّ كُلفة تلك السيارة إحدى عشر ألف وخمس مائة وثلاثين فالله علَّمه درس لأنّ هذا حق الفقير وهذه القصة تتكرر مئات المرات في اليوم أما الإنسان يُحْجم عن إطعام الفقراء والمساكين فالله يُحْرِمُهُ مالهُ إلا أنَّ هذا العذاب في الدنيا سهْلٌ جداً لأنّ في آخر الآية قال تعالى:
﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾
فالله عز وجل من رحْمتِه يُذيقنا من العذاب الأدنى لكي لا نستحق العذاب الأكبر قال تعالى:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
[ السجدة: الآية 21 ]
ففي الدنيا هناك مرض وقهر وفقر وسِجنٌ وذُلّ وإفْلاس لكن هذا دون العذاب الأكبر وهو جهنّم لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسيّة:" وعِزتي وجلالي لا أقبض عبْدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرْحمه إلا ابْتَلَيْتُهُ بِكُلّ سيّئة كان عمِلها سُقْما في جسده أو إقْتاراً في رزقه أو مُصيبة في ماله وولده حتى أبلغ منه مثل الذرّ فإذا بقي عليه شيء شدَّدْتُ عليه سكرات الموت حتى يلْقاني كَيَوْم ولَدَتْهُ أُمُّه "
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القلم (68 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام مع الآيات الثانية والثالثة والرابعة من سورة القلم وهي قوله تعالى:
﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ القلم: الآية 1-4 ]
مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابه فرأَوا مجْنوناً فسألهم وهو سيِّد المُربين وهو العارف قال: من هذا ؟ قالوا هذا مجْنون فقال: لا هذا مُبتلى المجنون من عصى الله ومرَّةً دخل إلى المسجد فرأى فيه نسَّابة تحلَّق الناس حوْلها فقال: من هذا وهو يعلمه ؟ سؤال العارف فقالوا: هذا نسَّابة فقال: ذاك عِلمٌ لا ينْفع من تعلَّمه ولا يضرّ من جهل به وكان عليه الصلاة والسلام يدْعو ويقول: اللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن عينٍ لا تدمع ومن أذنٍ لا تسْمع وفي رواية ومن نفْس لا تشْبع ففي الحياة هناك العاقل والذكي وكلّ إنسانٍ أتقن اختصاص وتفوَّق فيه في الزراعة أو التجارة أو الصناعة وفي العلوم المجردة وفي الجامعة ونال درجة بورد - طبعاً هذا ذكيّ ولكن ليس كلّ ذكي عاقل فالعاقل من عرف الله والعاقل من أدرك الكُلِّيات ومن أدرك الحقائق الكبرى والعاقل من عرف سِرَّ وُجوده وغاية وُجوده وبحث عن منهج ربه وتعْليمات الصانع واسْتقام على أمره وأعدّ للقاء الله عز وجل وهيَّأ في قبْره روْضةً من رياض الجنّة فالعاقل تعلَّق بالحياة الأبديَّة ويسْعى لِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض فكُلما بحثْت عن الحقيقة وتعرَّفْت إلى الله وكلَّما بحَثْتَ عن دار الخلود وكنت عبْداً لله وأوْقَعْتَ حركاتك وسكناتك وِفق منهج الله كنت عاقِلاً أما إذا تَفَوَّقْت في اخْتِصاصك أو كسْب المال والاسْتِحْواذ على اهْتِمام الناس كان ذلك ذكاء وليس عقْلاً لذلك قد تُتَّهَم بين الغافلين أنَّك مجنون والحقيقة أنهم هم المجانين لماذا ؟ لأن الله تعالى قال:
﴿ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)﴾
[ المؤمنون: الآية 110 ]
فالكفار كانوا في الدنيا يضْحكون قال تعالى
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[ المطففين: الآية 34 ]
من هو الذي يضْحك آخر الأمر ؟ ومن هو الذي له العاقبة ؟ الله عز وجل قال:
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾
[ القصص: الآية 83 ]
كلمة مُختصرة فالأمور تتحرَّك يسْعد أُناس يهبط أُناس ويشْقى أُناس والأمور تتداول بين جِهاتٍ كثيرة أما أنها لا تسْتقِرّ إلا على نُصرة المؤمن قال تعالى
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)﴾
[ آل عمران: الآية 12 ]
والتاريخ أمامك قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)﴾
[ الحج: الآية 51 ]
هم في مزْبلة التاريخ والذين ناهضوا الحق هم في الأذلين: سبحانك إنه لا يذل من واليْت ولا يعزّ من عاديْت لذلك:
﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾
[ القلم: الآية 2 ]
علاقتنا بالآية: بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء فَمِن علامة إيمانك أنك تشْعر بالغربة حتى من أقرب الناس إليك والناس دينهم الدرهم والدينار وهَمُّهُم بطونهم وهمُّهُم فروجُهم أما من أصبح وكان أكبر همِّهِ الآخرة هذا إنسانٌ آخر ؛ جعل الله غِناهُ في قلْبه وجمع عليه شمْله وأتَتْهُ الدنيا وهي راغمة ومن أصبح وأكبر همِّه الدنيا جعل الله فقْره بين عيْنَيْه وشَتَّتَ عليه شمْله ولم يُؤْتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له ؛ الذين همُّهُم بطونهم وقِبْلَتُهُم نِساؤهم ويسْعَوْن إلى حُطام فانٍ هؤلاء ليْسوا عُقلاء وقد يكونوا أذكياء فالعِبْرة في النهاية والمصير فإذا عِشْتَ في مُجْتمعٍ مُتَفَلِّتْ وشعَرْت بالغُربة هذا الشعور صِحي ؛ بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء لو أنَّ أحداً فوَّتَ مائة ألف أو مليون لأنهم فيهم شبهة ألا يُتَّهم أنه مجْنون لِشُبْهةٍ بسيطة فوَّتَ عليه هذا الربح الكبير ورضي بِدَخْلٍ يسير حلال فهذا عند الناس مجنون أما عند الله فهو عاقل، ذكر لنا أحد إخْواننا يعْمل في القضاء أنه سأله شخصٌ: ما حلّ هذه القضِيَّة ؟ فقال له هذه القضيَّة لا تحْتاج إلا إلى اسْتدعاء فقط فسأل مُحامي آخر لا يعرف الله فقال له: هذا غَلْطان ولا يعْرف شيء وقال له: هذه عليها مسْؤولية وخَوَّفَهُ وقال له هذه عليها مسْؤولية وأخذ منه عشرين ألف أتْعاب مُقدَّمة وما اكْتفى بِهذا فقط بل اتَّهم الأول بأنه لا يفْقه شيء وطعنه بِكَلمة كبيرة فهذا الأخ المحامي جاء مُتألِّم وقال لي: قد نصَحْتُه وقلت له هذه القضيَّة لا تحْتاج إلا إلى اسْتدعاء فقط لأنّها لا تحتاج لِمُحامي أصْلاً ولا إلى تَوْكيل أما الثاني فأقْنعه أنَّ قضِيَّته خطيرة وأخذ منه عشرين ألف واتَّهم زميله أنَّهُ حمار فَقُلتُ له: هذه الكلمة التي قالها عنك هي وِسام شرف يوم القِيامة فالعِبْرة أنْ تُرضِيَ الله لا أن تُرضِيَ العبيد هناك حديث شريف: حَدَّثَنَا ((أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ ))
[ رواه البخاري ]
من المعاني الدقيقة لِهذا الحديث: إذا لم تسْتحِ من الله فاصْنع ما تشاء ولا تعْبأ بِقَول الناس فالإنسان إذا اسْتقام وأدى الحقوق لأصْحابها وأعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّهُ يُتَّهَمُ عند المُتَفَلِّتين أنَّهُ مجْنون ؛ لِماذا أثبت الله عزّ وجل تُهْمة الجنون بالنبي صلى الله عليه وسلّم قالوا عنه مجنون والله تعالى أثْبتها في القرآن يُتْلى إلى يوم القيامة كلُّ هذا من أجل أنَّك بعد ألف سنة إذا اسْتَقَمْت وعارضك المُعارِضون وتقَوَّلوا عنك لا تتأثر لأنه قيل هذا فيمن هو أفضل منك قال تعالى:" ما أنت بنعمة ربك بمجنون " فَيَجِب عليك أن تكون واثِقاً من اتِّجاهِك فأنت تُرْضي الله ولو تكلَّم عنك الناس ما تكلَّموا ولو اتَّهموك فما دُمْتَ مع الله فلا تعْبأ بِأَحد ؛
﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾
[ الأنعام: الآية 91 ]
فالله جلّ جلاله هو الحق ولا يُحِقّ إلا الحق في النهاية فقوْله تعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون " هذه تُغَطي أيَّة تُهْمة يُتَّهم بها الإنسان المسْتقيم من قِبَل المُنْحرفين قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)﴾
[ القلم: الآية 3 ]
أجور الدنيا محْدودة ولو كان معك ألف ملْيون ماذا تسْتطيع أنْ تأكل ؟ وَجْبة مُعْتدلة وماذا تسْتطيع أنْ تلْبس ؟ بدْلة واحدة وكم من غُرْفة تنام فيها ؟ واحدة وكم من سرير ؟ واحد، أما عطاء الآخرة فما له حدود فالدنيا محْدودة والزمن ليس بِصالِح الإنسان وكلُّ ما تقَدَّم به السِّن تُصبح إمكانِيَة اسْتِمْتاعه بالدنيا محْدودة فالأكل يُصبح ممنوعاً عنه جُزئِياً ؛ هذه لا آكُلها لأنها تزيد من الكُولِسْتِرول والأشياء المُحَبَّبة ممنوع أكْلها فهذه هي الدنيا أما بالآخرة:" قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)﴾
[ القلم: الآية 3 ]
والله عز وجل قال:
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾
[ الصافات: الآية 61 ]
وقال تعالى
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[ مطففين: الآية 26 ]
وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم هذه الآية تحْتاج إلى درسٍ كامِلٍ غداً إن شاء الله
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القلم (68 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع الآية الرابعة من سورة القلم وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ القلم: الآية 4 ]
أوَّلاً الله جلّ جلاله حينما أثنى على النبي عليه الصلاة والسلام ما أثنى إلا على خلقٍ وكان عليه الصلاة والسلام سيّد العلماء وسيّد الفقهاء وسيّد الخطباء وسيّد القضاة الزعماء وسيّد المُربين والمُعلِّمين كلُّ هذه الصِّفات التي كان يتمتّعُ بها في أعلى درجة حينما جاء الثناء الإلهي جاء على خلقه عليه الصلاة والسلام فما سِرّ ذلك ؟ هذا السِّرّ هو أنّ الإنسانُ قُدْراته من الله إذا منحَهُ ذاكِرةً قوِيَّةً أة لِساناً طليقاً أو قُوَّة مُحاكمة أو إدْراكاً عميقاً فهذه خصائص خصَّها الله تعالى به فأنت حينما تريد أن تمْدح ابنك أمام الناس هل تقول لهم عنده سيارة وأنا الذي أعْطَيْته إياها ؟ يجب أن تمْدحه بِشيءٍ فيه تقول: نال شهادة بِدرجة شرف مثلاً فالإنسان أوْدع الله فيه نوازع وشهوات ورغبات وطبع فحينما يضبط هذه كلِّها ويُخالف طبْعه ارْضاءً لله عز وجلّ فهذا هو الذي يرْقى به وهذا هو الخُلق فالخُلُق عملِيَّة ضبط لك لِسانٌ ويدٌ وعَيْنٌ وأُذن فالخُلق عملِيَّة ضبط لهذه الأعضاء والجوارح وهذه المصالح والرغبات فحينما تضْبطها تقرُّباً لله عز وجل كان هذا من كسْبِك وهذا الذي يُثْنى به عليك لذلك ورد في عشْر أحاديث صحيحة أنَّ الإيمان حُسْنُ الخُلُق وأكْمل المؤنين إيماناً أحْسنهم خُلُقاً وأحسنُ المسلمين إسْلاماً أحْسنُهم أخْلاقاً وحُسْنُ الخلُق أفضل من أنْ تعْبد الله كذا سنة وسوءُ الخُلُق يُذيب الحسنات كما يُذيب الخل العسل ويُفْسِدها كما يُفْسد الخلّ العسل فَحُسْنُ الخُلُق هو كُلّ شيءٍ في الإسلام لأنه ثمن الجنَّة وهو الذي يَرْقى بالإنسان والذي يليق به فأنت بِأخْلاقِك أما بِما تمْلك من قُدْرات فهذه وهَبَها الله لك والإنسان حينما يفْقد ذاكِرته ماذا يفْعل ؟ مرضٌ خطير هو فقْدُ الذاكرة ولكن بِالمُقابل الذي يتمتَّعُ بِذاكِرة قوِيَّة هذه من عند الله عز وجل منحهُ الله إياها والذي يتمتَّعُ بِبَصر حاد وبِمُحاكَمَةٍ قوِيَّة وبِفَصاحَةٍ كبيرة هذه كلها قُدْرات أوْدعها الله فينا أما الذي في كسْبه والذي يَرْقى به هي أخْلاقه فالأخلاق عمَلِيَّةُ ضبْطٍ لِحَركة دافع ورغباتٍ مُعَيَّنَة فالضبط هو الخُلُق لذلك قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))
[ رواه الترمذي ]
لو ألْغَيْتَ من الإسلام حُسْن الخُلق لأَلْغَيْت الإسلام كلَّهُ ولو ألْغَيْتَ من الإيمان حُسْن الخُلق لأَلْغَيْت الإيمان كلَّهُ ولو ألْغَيْتَ من الإنسان م حُسْن الخُلق لأَلْغَيْت إنْسانِيَّتَهُ فَحينما نُلْغي الأخلاق الفاضِلة نُلْغي الدين لذلك قال عليه الصلاة والسلام:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
[ رواه الترمذي ]
فإياكم ثمّ إياكم أنْ تعُدوا الخُلُق شيءٌ ثانَوي بِالدين إذْ أنَّهُ الدين كُلُّه وقد ورد في بعض الأحاديث: الدين حسن الخلق " وقال عليه الصلاة والسلام عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا*))
[ رواه الترمذي ]
فحينما تُضحي بِحُسن الخُلق تكون قد ضَحَّيْتَ بالدين وبالعمل الصالح وبِثَمَنِ الجنّة وضَحَّيْتَ بما رفعك الله به عن المخْلوقات فهذا الدرس بليغ لنا والله عز وجل ما أثنى على النبي أنّه عالم وعلى أنه قاضي أو خطيب أو قائد وأنه لم ينْس من القرآن حرْفاً إنما أثْنى عليه بِحُسْن خُلُقِه قال تعالى:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
[ الأعلى: الآية 6]
وقد منحه تعالى ذاكِرة قَوِّية جداً فالمدْح يكون بِشيءٍ كسْبي لا بِشَيءٍ وهْبي نعود للمَثَل ونقول: إذا اشْتريْتَ بيْتاً لابْنك وأردْت أن تمْدحه بين الناس فإذا قلتَ عنده بيت: يقولون لك البيت من عندك وتقول: عنده مَرْكبة فيقولون: السيارة من عندك أما إذا قلت لقد نال شهادة عُليا بِتَقْدير شرَفٌ فهذا هو المدح لأنّ هذه الدرجة العِلمية من اجْتِهاده ومن كسْبِهِ ودِراسَتِهِ فهذا هو السِّر الذي مُدِحَ النبي عليه الصلاة والسلام من أجله وهو الخلق، والشيء الآخر هو ما الذي جذب المؤمنين إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هي أخْلاقه ؛ فأنت أحْياناً تسْمع إلى أُسْتاذٍ جامعي في مُحاضرة تُعْجبُ بِعِلْمِه وقد لا تُحِبُّهُ وقد لا تجد فيه هذا القلْب الكبير فَهُو مُتَفَوِّق وذكيّ فالإعْجاب بِالعلم شيء والمحبَّة شيء آخر لأنّ الأخْلاق سبب المحبّة والإنسان يهْوى ثلاثة أشْياء: يُحِبّ الكمال ويُحِبّ الجمال ويُحبّ النواي وهي مُجْتمعة في الله عز وجل فهو تعالى جميل وكامل ومُتَفَضِّل قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
[ النساء: الآية 113 ]
لذلك أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي حسن خُلُقُه: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ))
[ رواه الترمذي ]
فَحُسن الخُلق ذهب بالدين كُلِّه قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ القلم: الآية 4 ]
فَيَجِب أنْ نعلم أنّ مكانة الخُلق العظيم في الدين عظيمة وحينما تهْتزّ هذه القيمة ولا نعْتني بها ونُصلي ونصوم ونقْسو في كلامنا ومُعاملاتنا ؛ وهنا سؤال: لقد جاء على المسلمين وقْتٌ دخلوا في دين الله أفْواجاً قال تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
[ النصر: الآية 1-3 ]
إذا صحّ التعْبير: إذا جاء على المسلمين وقْتٌ خرجوا من دين الله أفْواجاً فما هو السبب ؟ سوء الخُلُق ؛ يُصلي ولكنّ أخلاقه سيِّئة ويكْذب ويغُشّ ويحْتال ويأْخذ ما ليس له فإذا كان هناك مِنْ سببٍ يدْفع الناس إلى أنْ يدْخلوا في دين الله أفْواجاً هو حُسْن الخُلق وإذا كان هناك مِنْ سببٍ يدْفع الناس إلى أنْ يخرجوا من دين الله أفْواجاً هو سوء الخُلق وبِسُوء الخلق تُلْغي قيمة الدين ودوْرَ الدين ومحبَّة أهل الحق والثقة بالدين ودَوْر العلماء وبِحُسن الخُلق تهْفو قلوب الناس إليك لذلك الآية الكريمة:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
[ آل عمران: الآية 159]
رسولٌ ونبِيٌّ ومعه القرآن ومُعْجِزات ويوحى إليه ومعْصوم ومع كُلِّ هذا ولو كنت فضاًّ غليظ القول لانْفضوا من حَوْلك فالقضِيَّة نفْسانِيَّة والخُلق هو الدين فإذا تساهل الإنسان في أخْلاقه بِأَخْذ ما ليس له ونظره إلى ما ليس مُحَلَّلٌ له وتكلَّم بِكلامٍ لا يليق به وأصْغى إلى الغناء فإذا تساهل في اقْتِراف المعاصي والآثام فَقَد أكبر شيءٍ في الدين فَقَدَ القُدْوة فلم يَعُد قُدْوةً للناس وفَقَدَ المكانة وشَوَّهَ الدين وجعل الدين تُراثاً وثقافة وعادات وتقاليد وأنْهى دَوْر الدين فهؤلاء صحابة رسول الله ما الذي حبَّبَهُم في رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ أخْلاقُهُ وتواضُعُهُ وانْصافُهُ ورحْمته ووفاؤُه ولُطْفُهُ فأنا أُلِحُّ على الخلق لأنه أساس الدين ويُمْكِنُك أن تكون أكبر داعِيَة ومعْلوماتُك قليلة بِأَخْلاقك الحسنة والعكس بالعكس، أحْياناً أنْظر إلى إنْسان فَأَرى عنده عِلْمٌ ثمين لكنّ أخْلاقه ليْسَتْ حسنة فأقول: ليْت أخْلاقه كَعِلْمِه وقد تجد إنسان أخْلاقي ولكنّ معْلوماته قليلة فأقول: ليْت علْمه كأخلاقه أما الأكمل أن تكون عالِما وأخْلاقِياً في الوقتِ نفْسه فإياك تُضحي بِقيمة الخلق إنْ ضَحَّيْتَ بها ضَحَّيْتَ بِدينك وبِثَمن الجنة وأثْقل شيءٍ في الميزان يوم القيامة هو حُسن الخلق لذلك قال الله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾
[ آل عمران: الآية 134 ]
فهذا أعْرابي فيما رواه البخاري (( أمْسك النبي من ثوْبه وشَدَّه إلى أنْ أثَّر على صفْحة عُنُقه وقال له أعْطِني من مال الله فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك فقال عليه الصلاة والسلام صدق إنه مال الله -ولكنّه لو قالها مع غيره لطار عُنُقُه وذاك - قال له: اعْدِل يا محمّد فقال له وَيْحَك من يعْدِل إنْ لم أعْدل ))
[ رواه البخاري ]
وآخر احتكم للنبي عليه الصلاة والسلام في موضوع خُصومي فَحَكم لِبَعْض أصْحابه فقال لأنه ابن عمَّتِك ؛ وهذا أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عطاءً فقال له: هل أعْطيْتك ؟ فقال: لا ولا أجْمَلْت أمام أصْحابه فقالوا: إليهْ فَمَنَعَهُم عنه ثم أدْخله إلى البيت وأعْطاه عطاءً زائِداً وقال له: هل أحْسنْتُ إليك ؟ فقال: نعم، جزاك الله عن أهْل وعشيرةٍ خيراً فقال له عليه الصلاة والسلام أعْطيتك أوّل الأمر فقُلت ما قلت وفي نفْسك من أصحابي شيء فاخرج الآن وقل غير ما قلت: فلما خرج قال له النبي هل أحسنت إليك ؟ فقال: نعم فقال عليه الصلاة والسلام: مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجلٍ له ناقة شردَتْ عنه فتبِعَها الناس فزادوها نُفوراً أما هو أخذ لها من قُمام الأرض واسْتجْلبها بهذا القُمام حتى ركِب عليها قال: لو تركتكم وما أنتم فاعِلون فقَتَلْتموه فدخل النار، وهذا وقف بالصلاة والذي كان بِجَنْبه عطس فقال له يرْحمك الله فالصحابة ضربوا على أرْجلهم اُسْكت فخاف من أصْحاب النبي في أثْناء صلاته فلما سلَّم النبي قال له عليه الصلاة والسلام: إنَّ هذا لا يصِحُّ في الصلاة فقال: فِداك روحي ما رأيتُ مُعلِّما أحكم منه والله ما قهرني وما أهانني إلا أنَّهُ قال لي: هذا لا يصح في الصلاة ؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أخْلاقِياً ونحن إذا أردنا أنْ نُطبِّق سُنَّتَهُ ينْبغي أنْ نتخلّق بِأخْلاقه وأما قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ القلم: الآية 4 ]
على تفيد التمكُّن تقول: أنا على عِلمٍ وعلى دِراية وخِبْرة، قد يدخل الإنسان أحْياناً في صِراع مع النفْس وبعد منافسة كبيرة حتى كاد يغْلط ويقْسو تدراك الموْقف وعفى فهذا ليس خُلُقاً عظيماً أما النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم كان مُتَمَكِّناً من الخلق وكان الخلق في عُمْقه فإذا كان الإنسان واقف بالشاطىء يُمْكن أنْ تأتيه مَوْجة عاتِيَة وتَجْلبه للبحر أما إذا كان بِجَبَلٍ مهما علا المَوْج فهو في مكان والمَوْجُ في مكان وهذا هو معنى قول الله تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ القلم: الآية 4 ]
مُتَمَكِّن من خُلُقه وهو في الأعْماق وليس عنده ما يُسمى بِالصِّراع هذا انتصر فيها والأخرى انتَقَم فيها لا... وقد ذهب عليه الصلاة والسلام للطائف وكفروا به وسخِروا منه وأغْروا سُفَهاءهم به وجاءه جِبْريل ومكَّنه أن ينْتَقِم منهم وقال له: فيما رواه البخاري أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا.. فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا *))
[ رواه البخاري ]
فالإسلام لا ترجع له عِزَّته إلا بالخُلُق وإذا كنا أخْلاقيين أحبَّنا الله وتماسكْنا وتعاوَنا واسْتَحْقَقْنا نصْر الله عز وجل أما الخصومات والغيبة والنميمة وعداوات وطعن وحسد وهدم كرامات وبغي وعُدْوان ثم يُصلي كلُّ هذا لا يُرْضي الله عز وجل، ودرْسنا اليوم عن الخلق العظيم والنبي عليه الصلاة والسلام كان على خُلُقٍ عظيم وما رُئِيَ ماداًّ رِجْلَيْه قط وما عاب طعاماً قط وكان أشدّ حياءً من العذْراء في خِدْرِها ولولا التشهد كانت لاؤُهُ نعم، وهذا طِفل خادم أرسله النبي فَتَأخَّر فقال له النبي والله لولا خوف القِصاص لأوْجَعْتُك بهذا السِّواك كان خُلُقُه عظيم وهذا سيّدنا أنس خدمه عشْر سنوات فما قال له لِما أو لماذا ويجب أنْ نُطَبِّق هذه القيمة
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القلم (68 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
الآية الثانية والأربعون من سورة القلم وهي قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)﴾
[ القلم: الآية 42 ]
فالجَنَّة ثمنها يُدْفع في الدنيا، الإنسان لا يسْتطيع تلافي الأمر ؛ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)﴾
[ الحديد: الآية 13 ]
ارْجعوا إلى الدنيا حينما يدْخل المؤمنون الجنَّة ؛ قال تعالى عنهم:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾
[ الزمر: الآية 74 ]
فهذا العَطاء الكبير ؛ الجنَّة يُدْفع ثَمَنُهُ في الدنيا، فالذي عرف الله واسْتقام على أمْره يدْخُل الجنّة، لذلك هذا اليوم العَصيب ؛ كلِمَة: يُكْشَف عن ساقٍ تعبير عربي قديم بِمَعْنى أنَّهُ يوجد شيءٌ صَعْبٌ ويومٌ عسير يوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السجود فلا يسْتطيعون لأنه أمْضى حياته الدنيا في ما لا يُرْضي الله، هناك حِجابٌ بينه وبين الله ؛ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّة فأعْمالُهُ السيِّئة ومعاصيه وانْحِرافُهُ في الحياة الدنيا كانت حِجاباً كثيفاً بينه وبين الله؛ وقد كانوا يُدْعون إلى السجود وهم سالمون قبل مجيئِهم إلى الآخرة وقبل اسْتِحْقاقِهم النار، يوْمَ كانوا في الحياة الدنيا كانوا سالمين وكانوا في صِحَّةٍ وعافِيَةٍ ومالٍ وقُوَّة ودُعوا إلى الله فَأبَوا فالآن الطريق مسْدود لأنّ الإنسان إذا مات على الكُفْر أو المَعْصِيَة والانْحِراف ودُعِيَ فَلَم يسْتَجِب ؛ من الصعْبِ جداً أنْ يتنافى الأمر بعد المَوْت، فالحياة فُرْصة وما دام قلْبُهُ ينْبُض فهُوَ في بَحْبوحَةِ التَّوْبة وما دام عُمُرِه بَقِيَّة وفي بحْبوحة الصُّلْح مع الله ؛ أما حينما يموت على حالٍ لا يُرْضي الله تلافي الأمر أصبح صعباً جداً، ذكرت في المسجد صباحاً أنَّ أخاً من إِخْواننا له والد أُصيب بِمَرضٍ عُضال جعله في الفراش مشْلول الحركة، فَجاءَهُ صِهْره زوجُ ابْنَتِه ونظر إلى عَمِّه في الفراش غائِباً عن الوَعي فقال: والله هذه النَّوْمَة صَعْبة في اليوم التالي تُوُفي ؛ مُبادرة سريعة جداً ؛ وكانوا يُدْعَون إلى السجود وهم سالمون.
إخْواننا الكِرام، الإنسان حينما يُدْرك أنه بِضْعة أيام وكلما انْقضى يومٌ انْقضى يوم منه يُدَقِّقُ كثيراً في إنْفاق الوقت، الوقتُ أثمن من المال ؛ لأنك قد تبيع بيْتك الذي تسْكُنُهُ وليس لك مأوىً سِواه من أجْل إجْراء عَمَلِيَّةٍ تتَوَهَّمُ أنها تَمُدّ في عُمُرك فالذي يُبَدِّدُ المال يُعَدُّ سفيهاً والذي يُبَدِّدُ الوقت يُعَدُّ أشدُّ سفاهَةً، فلو أنَّ شخْصاً أمْسك خمسين ألف ليرة سورية وأحْرَقَها بِلا سبب ألا تشْعر أنه مجْنون وسفيهٌ فهذا الذي يُحْرق خمسين ألف لا تشُكّ أنه مجْنون فَكَيْفَ الذي يُمْضي الليالي والسهرات والأشْهر والسنوات في سفاسِفِ الأمور وفي المعاصي التي لا تُرْضي الله عز وجل والمُشْكلة أنّ بعد الموت الأمور لا تُصَحَّحُ وصَعْبَةٌ جداً قال تعالى:
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
[ غافر: الآية 46 ]
فالقَبْر رَوْضَة من رِياض الجنّة أو حُفْرةٌ من حُفَر النار، والإنسان الذي لا يخافُ مجْنون، ذكرتُ لكم عدَّةَ مراتٍ أنَّ طالباً مُنْحَرِفاً توْجيه ديني قال لي كلِمة لما كنتُ أَوَجِّهُ الطلاب توْجيهاً دينياً، أنا: لا أخاف الله فقُلْتُ له: لك الحق أن لا تخافَهُ، فقال لي: لماذا ؟ فقلت له يا ابني، إنّ الفلاح يأخذ ابنه وعُمْرُهُ سنتين إلى الحصيدة يضَعُهُ بين القمْح لو مرَّ بِجانِب هذا الطفل ثعْبان طوله خمسة أمْتار فإنّ هذا الطِّفل لن يخاف وبالعَكس سَيَضَعُ يده عليه؛ لأنَّه إذا انعدم الإدْراك انعدم الخوف، الخوف يأتي من الإدراك أما الذي لا يُدْرك لا يخاف فَكُلّ إنسانٍ لا يخاف من الله عطَّل عقْله وألْغاه ؛ هذا الذي يعيشُ لحْظته إذْ أنّ أكثر الناس تجِدُهُ يأكل ويشْرب لكنهُ لا يُدَقِّق إنْ كان هذا الأكل وهذا الدَّخْل حلالٌ أم حرامٌ، وهذه الجَلْسة هل تجوز أم لا تجوز ؟! وهل هذه العلاقة صحيحة أم غير صحيحة ؟ يعيشُ لحْظته، كُتْلَةُ شهواتٍ تتحرَّك نحو إرْواء هذه الشهوات، فالإنسان إذا عَطَّل فِكْرَهُ وعاش وُجوده الحيواني ثمّ جاءَهُ ملَكُ المَوْت لم يجد الحلّ أمامه والآية تدلّ على هذا:" يوم يُكْشف عن ساقٍ.." في هذا اليوم العصيب وهذا اليوم العسير ؛ فَحالُ هؤلاء كما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[ الإنسان: الآية 27 ]
فالإنسان إذا ضُبط بِخِيانة عُظمى لِوَطَنِه ثمّ أُلْقي القَبْض عليه ماذا ينْتظره ؟ الإعْدامُ، أليس كذلك ؟ إذا ضُبِط بِخِيانة وطَنِهِ أو خِيانة أُمَّتِهِ وهناك أدِلّة ؛ سَيُساق إلى السِّجْن وإلى المحْكمة ويُهانُ ويُشْتم ثمّ يُساقُ إلى حَبْل المَشْنَقَة، هذا يومٌ عسير، قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[ الإنسان: الآية 27 ]
فإذا مات الإنسان وكان عديمُ الاتِّصال بالله كان الأمر على أشدّ قال تعالى:
﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)﴾
[ القلم: الآية 42 ]
نحن الآن تنْطبق علينا الكلمات الأخيرة في الآية ؛ نحن الآن سالمون ونحن الآن أحْياء، ونحن الآن في الحياة الدنيا، ونحن الآن نسْتمع إلى الحق، وفي عُمُرِنا بقِيَّة ومعنا بَحْبوحةٌ فإذا سَجَدْنا الآن ؛ هذا السُّجود ينْفعنا يوم القِيامة لذلك مّرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بِقَبْر فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ ركْعَتين مما تحْقرون من تَنَفُّلِكم أنفع له من كلّ دنْياكم، ففي المحلات يقول لك: متْرٌ بِمَلْيون وهذه القصور، والمرْكبات، والشركات الكُبرى، والنِّساءُ الجميلات، والبيوت الجميلة، والأرباح الطائِلة ؛ إنَّ ركْعَتين مما تحْقرون من تَنَفُّلِكم أنفع له من كلّ دنْياكم، قال تعالى:
﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)﴾
[ القلم: الآية 43 ]
دُعوا إلى السجود فَلَم يسْتجيبوا، لذلك يقول الكافر كما قال تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[ الفجر: الآية 23-25 ]
وقال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
[ الفرقان: الآية 27 ]
فالإنسانُ حينما يرى مكانه في النار ينْدم أشَدّ النَّدَم لذلك يتألَّمُ ويقول: يا لَيْتني فَعَلْتُ كذا وكذا قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
[ المؤمنون: الآية 99-100]
أردْتُ من هاتين الكلمتين أنْ لا نصل إلى الله من طريقٍ مسْدود ؛ ماتً على معْصِيَة، أُناسٌ كثيرون كثيرون ؛ مطْعم يبيع الخَمْر أَقْنَعَهُ أصْحابُهُ إلى درجة أنَّهُ تاب ومنع بيْعَ الخَمْر ثمّ وَجَد أنَّ الدخْل قليل وعاد عما كان عليه وبعد عشْرة أيام ماتَ على معْصِيَة بيْع الخمْر، وهذا يموت وما صلى لله أبداً وذاك يموت ومالُهُ حرام وكسْبُهُ حرام وبناتُهُ لسْنَ على ما لا يُرْضي الله عز وجل، يموتُ ومالهُ غير مشْروع، فهذه هي النقْطة الدقيقة وهي قوله تعالى:
﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)﴾
[ القلم: الآية 43 ]
فَنَحْنُ الآن نُدْعى إلى السجود وإلى صلاةٍ صحيحة، وأساسُها اسْتِقامةٌ صحيحة، وإلى عِبادةٍ صحيحة، وإلى ذِكْرٍ صحيح قال تعالى
﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)﴾
[ القلم: الآية 43-45 ]
المتينُ صِفَةٌ، فهِيَ صِفَةٌ للحَبْلِ مثلاً تقول: حَبْلٌ فُلاذي يُقاوِمُ قِوى الشدّ والقساوة تُقاوِمُ قِوى الضغْط فالشيء الذي يُقوِم قِوى الضغط اسْمُهُ قاسي فأقْسى شيءٍ بِالأرض الألْماس وميناء الأسنان بعد الألْماس، وأمْتَنُ شيءٍ في الأرض الفولاذ المضْفور لذلك المصاعد والمَرْكبات المُعَلَّقة من الفولاذ المضْفور، فقوله تعالى:" إنَّ كيْدي متين " كأنَّ كَيْد الله حَبْلٌ متين، فهُوَ مُرْخى والإنسان طليقٌ يأكل ويشرب ويكْفر أحْياناً ويَرْتَكب المعاصي والآثام، ويتحَدى ويتَغَطْرس ويسْتعْلي على الناس كما تسْمعون في الأخبار اسْتِعْلاءٌ وغَطْرسَة وانْحِرافٌ وفُجورٌ وزِنا وشُرْب فَكُلُّ هذا ثمّ يظنُّ أنه هو إله الأرض وأنَّهُ يفْعل ما يشاء لأنَّ معه أسْلِحَةٌ فتَّاكة ونَسِيَ أنَّ كَيْد الله متين، ما معنى أنَّ كَيْد الله متين ؟ في لَحْظةٍ واحدةٍ يُشَدُّ الحَبْل فإذا هو في قَبْضة الله ويصيحُ كالكِلاب ؛ هذا هو إنّ كَيْدي متين فالإنسانُ مرْبوطٌ بِحَبْلٍ ولكنّ الحبل مرخىً فَلِأنَّهُ مُرْخى يتوَهَّم أنَّهُ لا حَبْل ! أما من فوق..، ومهْما حاول لا ينْقطع هذا الحَبْل ومهما كانَ قوِياً ومُتَمَكِّناً ومُغَطِّي لِكُلّ الاحْتِمالات إنّ كَيْدي متين، قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾
[ الطارق: الآية 15-17]
فالإنسانُ في لَحْظةٍ واحدة يقع في قبْضة اله عز وجل، ومن هو الذكي ؟ الذي ينظر إلى هذا الحَبْل المَرْخي ؛ يعْلَمُ أنه في رحْمة الله وفي عِلْم الله وأنَّ حركاته وسكناته كُلُّها مُسَجَّلَةٌ عليه لذلك يسْتقيم فإذا اسْتقام فَالحَبْلُ لا يُشّدّ لأنه في بحْبوحة الطاعة، قال تعالى:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
[ النساء: الآية 147 ]
مهما كُنْتَ ذكِياً فذكاؤك لا يفْعل لك شيئاً مع الله ويسْتَدْرِجُك الله ويُفْلِسُكَ ثمّ يُبْدي لك صَفْقَة تُصْبح من ورائِها مِلْيونير ؛ تنْتهي ثَرْوَتُك من خِلالها ويسْتَدْرِجُك في سَفَرٍ تقول فيه أنت: سأجْمع فيه أموال قارون فإذا بك تُفْلِسُ أشدّ الفلس، ويُمْكن أنْ يسْتَدْرِجَك إلى وضْع وتنْحَكِمُ عليها سنوات طويلة وأنت بريء ؛ سَنَسْتَدْرِجُهُم ومع الله لا يوجد ذَكِيّ، لا ينْفع ذا الجَدّ منك الجدّ مهما كنت ذكِياً ذكاؤك عند الله ليس له قيمة إطْلاقاً ؛ يُمْكن أن تخْسر مالك ومنصِبك ومكانتك وأهْلك وأوْلادك:
﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)﴾
[ القلم: الآية 44-45 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القلم (68 )
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأوامر أنواعٌ :
أيها الأخوة الكِرام، الآيات الأخيرة من سورة القلم وهي قوله تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[سورة القلم:48-50 ]
لو أنّ أحداً منا كان عند طبيب الأسنان وأخْبره أنَّ المُخَدِّر يُضِرّ قلبه، ولا بد من قَلْع ضِرْسِه، سَيُقْلعُ الضِّرْسُ من دون مُخَدِّر وهذا لِصالحِهِ، قَنِع المريض، وبدأ الطبيب ينْزعُ الضِّرس، سَيَكون هناك ألَمٌ شديد ولكنّ المريض واع ومُثَقَّفٌ، وعلِمَ أنّ هذا الألم لا بدّ منه، وأنّ هذا لِصالِحِه، والألم محْدود، وتَعْقِبُهُ راحَةٌ، فَهُوَ يصْبِرُ لِأنَّ الأمر واضِحٌ، متى يكونُ أجرك على الصبر كبيراً ؟ حينما لا ترى الأمر واضِحاً؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 102]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4967/ar-4967/01.jpg
هناك أوامر نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها عالِيَةٌ جداً، وهناك أوامِرٌ واضِحَةٌ نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها ضئيلةٌ، كلما اتَّضَحَ لك الأمر، وانْجلتْ لك حِكْمَتُهُ، وعُرِفَتْ مقاصِدُهُ، وكانت هذه المقاصِد لِصالِحِك تضْعُفُ في هذا الأمر درجة العُبودِيَّة لله تعالى، وكلما غابَتْ عنك الحِكمة، وغاب عنك المَقْصد، ورأيْتَ شيئاً يصْعُبُ تفْسيره، أنت هنا بِحاجَةٍ كبيرةٍ إلى عِبادة واسْتِسْلامٍ لله، فالأوامر أنواعٌ؛ هناك من تحْتاج إلى عُبودِيّة كاملة، وأُخْرى تحْتاجُ إلى عُبودِيَّة مُتَدَنِّيَة؛ فالأمر واضِحٌ جداً، أنت حينما تُؤمَرُ بالزواج، فالزواجُ شيءٌ مُحَبَّبٌ جداً، أما حينما تؤمر بِتَرْك الطعام والشراب في أيام الصيف وفي الصِّيام فهذا شيءٌ لا يُحْتمل، ومع ذلك أنت صابرٌ، إلا أنّ الذي ينْصاعُ لِأَمْر الله دون أنْ يفْهَمَ حِكْمَتَهُ اسْتِسْلاماً له، يُكافِئه الله تعالى عليه بِأَجْر العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ له حِكْمة الأمر، فَجَمَع بين العِلم والعُبودِيِّة في وقْتٍ واحدٍ، والصبر على طاعة وعن معْصِيَة وعلى قضاء الله وقَدَرِه، أحْياناً تجد أنّ مصْلَحَتَك في غير هذا الأمر، ويكون هذا الأمر إلهياً، وقد تجد أنَّ كُلّ المتاعب تأتي من جراء تطبيق هذا الأمر الإلهي لِحِكْمَةٍ أرادها الله، فلابدّ من أنَّك تصْبر، لأنّ الصبر ثمن الجنّة، وكلما ضَعُفَت حِكْمة الأمر في نظرك وغابتْ ارتفع أجْرُ العُبودِيَّة، أوْضَحُ الأمثلة: لو أنَّ أباً قال لابنِهِ: يا بُنيّ نظِّفْ أسْنانك لكيلا تُصاب بِالنَّخْر، ويا بُنيّ اجْتَهِد كي لا تكون في مُؤخِّرة الرَّكْب؛ الأمر واضِح، الابنُ جائِعٌ جداً، والطعامُ نفيس، وإخوته ووالده جالِسون على المائِدة، ثمّ يقول له الأب: لا تأْكُلْ، يحْتاجُ الابن هنا إلى أنْ يثِقَ بِأَبيه، ويحْتاجُ إلى أنْ يُظْهِر طاعَتَهُ لِأبيه؛ فالأمر بِتَنْظيف الأسْنان واضِح، وبالدِّراسة واضِح، أما الأمر بِعَدم الأكل وهو جائِعٌ، وحالُهُ الجَوْع، ولا يوجد مُبَرِّر فهذا يحْتاجُ إلى اسْتِسْلامٍ، فَكُلَما اتَّضَحَتْ لك حِكْمة الأمر ضَعُف في الأمر مرْتبة العُبودِيَّة، وكلما غابَتْ عنك الحِكْمة ارْتَفَعَتْ نِسْبَةُ العُبودِيَّة في الأمر.
بِالمُناسَبَة هناك قاعِدة أُصولِيَّة: الانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَدَ فُروع العِلْم به؛ فإذا كُنْتُ أمْتَلِكُ مُكَيَّفاً وكنت أجهل جهْلاً تاماً حقيقة المُكَيِّف وعَمَلَهُ ومبْدأ عمله؛ لا أعْرِفُ منه شيئاً، إلا أنْ أكْبِس هذا المِفْتاح فإذا الهواءُ يأتيني بارِداً؛ فالانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَد فُروع العِلْم به، عَلِمْتَ أو لم تعْلم فإنَّك سَتَنْتَفِعُ، كُلّ إنْسانٍ طبَّق أمْر الله عز وجل قَطَفَ ثِماره؛ لكنَّ هذا الذي يَقْطِفُ الثِّمار دون أن يعْرف الحِكمة؛ هذا عابِدٌ، أما الذي يقْطِفُ الثِّمار ويَعْرِفُ الحِكْمة فهذا عالِمٌ، وهذا يصْلُحُ أنْ يُعَلِّمَ الآخرين. أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْره حينما تأتيك الحِكمة :
على كُلٍّ كما قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾
[ سورة القلم: 48]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4967/ar-4967/02.jpg
شابٌّ ضَيِّقُ ذات اليَد، لا يمْلِكُ حِرْفَةً، ولا بارِقَةَ عمَلٍ، ولا زواجاً، ولا عملاً، ولا شيئاً، ولكنَّهُ يعْبد الله، ويسْتقيمُ على أمْره، ويغُضُّ بصَرَهُ، ويصْدُق، وبِالمُقابل يجد شاباً آخر كُتْلَة في الانْحِراف والفُجور، والمال بين يدَيْهِ بِلا حِساب؛ نقول له: قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾
[ سورة القلم: 48]
هناك حِكْمَةٌ لا تعْرِفها.
مُلَخَّصُ هذا الكلام: أنت حينما تُؤْمر بِطاعة، أو تُنْهى عن معْصِيَة، أو يأتي قضاءُ الله وقَدَرُه ينْبغي أن تصْبر، سواءٌ كانت الحِكَمُ واضِحة أو غيرُ واضِحةٍ يجبُ أن تصْبر؛ لكنّ أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْر الصبر حينما تأتيك الحِكمة، إنَّك إنْ صَبَرْت وانْصَعْتَ لأمر الله ولم تعرِف الحِكمة يُكافِئك الله بِأنْ يُعْطيك أعلى درجات العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ لك الحِكْمة، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50]
الثناء على الله دعاء :
سيِّدنا يونس؛ نبِيٌّ كريم لَبَث في قومه أمداً طويلاً يدْعوهم إلى عبادة الله عز وجل؛ لكن يبْدو أنَّهُ شَعَر أنه لن يؤمن منهم أحدٌ، نفْسُهُ انْقَبَضَتْ من إعْراضِ هؤلاء، ومن صَدِّهم عن سبيل الله؛ فَتَرَكهم بِمُبادَرَةٍ منه فالْتَقَمَهُ الحوت، فجْأةً وجد نفْسه في ظُلُماتٍ ثلاث، يُمْكن هذه أكبر مُصيبة على الإطْلاق قبل الموت، الموتُ مُصيبة عند بعض المُفَسِّرين، أما حين الحياة فأكبر مصيبة أن تجد نفْسك في بطنِ حوتٍ أزرق، وَزْنُهُ مئة وخمسون طناً، وَوَجْبَتُهُ المُعْتَدِلة أربعة أطنان، رَضْعَةُ أنْثاه ثلاثمئة كيلو غرام، أُنثى الحوت ترْضع ثلاث رضْعاتٍ من أُمِّها؛ وَجْبَتُهُ بين الوَجْبَتَيْن أربعة طن من السمَك، سيّدنا يونس نبيٌّ كريم يجد نفْسه فجأةً في بطن حوتٍ، في ظُلمة البحر، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، فهل هناك من أمَلٍ؟ بِالمُعْطيات الأرضيّة وبالحِسابات والعادات والمألوف والمعْروف الأمل صِفْرٌ، قال تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87 ]
وقال بعضهم: الثناء دعاء، فما قال له: يا رب أنْقِذني؛ إنما قال: لا إله إلا أنت، وهذا الفِعْلُ فِعْلُك يا رب، وأنا مُسْتسْلِمٌ لك، وإني كنتُ من الظالمين؛ إذْ لو لم أكن من الظالمين لما كنت في هذا المكان، سُبْحانك أنت مُنَزَّهٌ عن الظلم يا رب، ومُنَزَّهٌ عن عملٍ بلا حِكْمة، وهناك عَدْلٌ ورحْمة، لا إله إلا أنت هذا فِعْلُك ولا صُدْفَةَ في الأمر؛ إني كنت من الظالمين، قال: فاسْتَجَبْنا له؛ الآن أصْبحَ دُعاء، ومعنى ذلك أنّ الثناء على الله دُعاء، سُبْحان الله دُعاء، ولا حولَ ولا قُوّة إلا بالله دُعاء، لا إله إلا أنت يا رب العالمين دُعاء، قال تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87 ]
يدُ الله الخَفِيَّة، إلى الآن قِصَّة، وإلى الآن شيءٌ وقَعَ ولن يقع مرَّةً ثانِيَة، لكنَّ الذي لا يُصَدَّقُ أنَّ الله بِكَلِمَتَيْن جعلها قانوناً ينْتَفِعُ به كلّ المؤمنين إلى يوم الدِّين؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 88 ]
بِأَيِّ مِصْر وعصْرٍ وبِأيِّ مكان؛ في الأرض، وفي البحر، وفي الجوّ، إذا كنت مؤمناً تدخل في هذا الخِطاب، طائِرةٌ انْشَطَرَت إلى شطْرين وتحْمل ثلاثمئة راكب، راكِبٌ واحد كان مقْعَدُهُ بِجانِب انْشِطارها؛ فَوَقَعَ ونزل على غابة فوق جِبال الألب مُغُطاة بِخَمْسة أطنان من الثلج، فهذه الكثافة الموجودة في الثلج، ومع لُيونة الأغصان جعلت هذا الراكب يسقط واقِفاً من ارتِفاع أربعين ألف قدمٍ، الأغْصان والثلج كانتا جِهاز امْتِصاص صدمات؛ فالله على كلّ شيءٍ قدير، وهذه الآية تُلْقي في نفْس المؤمن طُمَأنينة لا حُدودَ لها، مهما تكن مُصيبتك لن تكون أكبر من أنْ تكون في بطْن حوت؛ حوتٌ أزرق وفي أعْماق البحر وفي ظُلمة الليل، فإذا كان معك تِلفون خَلَوي لا يشْتغل، ماذا سَتَفْعَل؟ قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4967/ar-4967/03.jpg
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
[سورة الأنبياء: 87 -88]
فالدعاء ثناء، وهذا الفِعْل هو فِعْل الله، لكِنَّك يا رب أنت كامل، سُبْحانك أنْ تظلِم أو أن تفْعل فِعْلاً لا حِكْمة فيه، فهذا العَمَل فيه حِكمة، وفيه عدْلٌ ورحْمة، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 88 ]
فَهَذِه ليْست لِسَيِّدنا يونس وحْده وإنما لِكُلِّ مؤمن إلى يومِ الدِّين، فكُلَّما ألَمَّتْ بِك مُلِمَّة وازِنها مع مُصيبة سيّدِنا يونس، أيَّةُ مصيبةٍ وازِنها بِبَطْن الحوت تجدها هيِّنَةٌ، ابْني مريض ولكن هذا ليس كَمُصيبة بطن الحوت، ولم أجِد بيْتاً وأجارُ البيت مرتفع، كلّ هذا لا يُعادِل مصيبة المكث في بطْن الحوت، لذلك كما قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50 ]
لأنه ترك قَوْمَهُ بِمُبادرةٍ منه، والعلماء تأدِّبوا مع الأنبياء وقالوا: ترك الأوْلى إذْ الأوْلى أن ينْتظر. الابتعاد عن اليأس و القنوط من رحمة الله :
الشيء الثاني: هذه تُعَلِّم الدُّعاة الصبر، مهما كان الإنسان جلْفاً فهل يمكن ونحن جالسون على السجاد أن يقفُ أحدُ الأشخاص ويبول فوق السجاد؟ النبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع، إذْ دخل أعْرابي إلى المسْجد فبال فيه أمام الصحابة، فقال لهم النبي: " لا تزْرموا عليه بَوْله - وهو من رحمته صلى الله عليه وسلّم- صُبوا عليه ذنوباً من ماء" ثمّ قال: يا أخَا العَرَب إنَّ هذا المكان ليس لِهذا إنما هو للصلاة وقِراءة القرآن، فالنبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع وصبر عليهم:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 48-50 ]
بِلا عملٍ صالِحٍ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أرْسله إلى قَوْمه ثانِيَةً فاسْتجابوا له، وآمنوا معه، تُعَلِّمنا الصبر والنَّفَس الطويل، فإذا دَعَوْتَ إنْساناً أوَّلَ مرَّةٍ وثاني مرّة... ثمَّ اسْتجاب وتألَّق أصبح كلّ هذا في صحيفتك، والله أيها الأخوة عَشَراتٍ بل بضع عشرات من الأشْخاص خلال دَعْوتي إلى الله يقول لي أحدهم: لا توجد معْصِيَة تتصوَّرُها إلا وارْتَكَبْتُها ثمّ تبت إلى الله، فلا تيْئس ولا تقْنَط من رحْمة الله ولا تكن من الذين يُقَنطون من رحْمة الله ويُيَئِّسون من رحمة الله، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[سورة الزمر: 53]
ثمّ قال تعالى: ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[ سورة القلم: 50 ]
علِمَ حُسن نِيَّتِه فجعله من الصالحين لِعَطائِنا، فأنت عَوِّد نفْسك أنّ هذه المُصيبة هي أشدّ ما في الأرض ومع ذلك نجاهُ الله منها، وهي لِكُلّ مؤمن.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الحاقة (69 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام، مع الآية الثامنة عشرة من سورة الحاقة وهي قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
الله عز وجل ستر الإنسان في الدنيا، له أنْ يُبْدي شيئاً وأن يُخْفي شيئاً فالإنسانُ مسْتورٌ بِسَتْر الله عز وجل أما في الآخرة:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
كلّ النوايا السيِّئة مكْشوفة أمام الخلق كُلِّهم وكلّ الأعمال الشِّريرة مكْشوفة للخلق كُلِّهم:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
[ الحاقة: الآية 18]
والناس فريقان: فريقٌ إلى الجنة وفريق إلى السعير، فأما من أوتيَ كِتابه بِيَمينِه ؛ كِتابُ أعْماله الصالحة التي فعلها في الدنيا، هذا الإنسان يشْعُر أنه فاز وأنه نجح وتفوَّق وحقَّق وُجوده الإنساني ووصل إلى أثْمن شيءٍ وهو الجنة، قال تعالى
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة:الآية19-20]
ظنَّ هنا بِمَعنى أيْقَن، لماذا كان عمله صالحاً ؟ لأنه أيْقن أنه هناك حِساباً وعِقاباً ومن هو المُستقيم؟ هو الذي وضع الآخرة نُصْب عَيْنَيْه، هو الذي يُحاسِبُ نفْسه عن كلِّ كلمة ونظرةٍ وعن كلّ درْهَمٍ وحركةٍ، لو أنّ الله سأله ماذا يقول ؟ مادُمْتَ تُحاسِبُ نفْسك حِساباً عسيراً سَيَكون حِسابك يوم القِيامة يسيراً،:
﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة: الآية 20 ]
هذا الفوز وهذا النجاح وهذا الفلاح وهذه الجنة التي عرْضها السماوات والأرض وهذه الحياة الأبديَّة التي لهم ما يشاؤون فيها، في الدنيا ليس لك ما تشاء قال تعالى
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾
[ النجم: الآية 39 ]
وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ الانشقاق: الآية 6 ]
في الدنيا هناك تعبٌ ونصَبٌ وجُهْدٌ، ولن تنالَ شيئاً إلا بِجُهْدٍ كبير، هذا نِظام الحياة الدنيا، أما في الآخرة فهي دارُ تكْريم، فالدنيا دار عمل أما الآخرة دار تكْريم والدنيا دار تكْليف أما الآخرة دار تشْريف، وفي الآخرة لهم ما يشاءون قال تعالى:
﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾
[ الحاقة: الآية 23 ]
وقال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾
[الحاقة:الآية19-20]
مفتاح الآية: إني ظننت أني ملاق حسابيه، حينما توقِن بِاليَوم الآخر تخْتلف كلّ تصرُّفاتك، ويخْتلف الميزان، بِميزانِ الدنيا تجد أحْياناً أنَّ إنساناً ربِح خمس وثلاثون مليون فرَضاً هذا بِميزانِ الدنيا أما بِميزان الآخرة هناك حِسابٌ آخر، لا ترْقى عند الله إلا بالدَّخْل الطَّيِّب أما بِميزان الدنيا ؛ يُمْكن أنْ تعرض صورة لإنْسانٍ يلْبس بدْلة وبِجَنْبِهِ امرأةٌ فاضِحة وتُوَزِّعُها بِكُلِّ الشام من أجل أن ترفع مبيعاتِك أما بِنِظام الآخرة فلن تسْتطيع أنْ تفْعل هذا، بِمُجَرَّد أن تُدْخل ميزان الآخرة بِحِساباتك تخْتلف كلّ تصرُّفاتك وحِساباتك وأعْمالك وأقْوالك ومبادئك ؛ قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)﴾
[ الحاقة: الآية 19-21 ]
الثمن:" فهو في عيشةٍ راضِيَة " يا ترى هل هي راضِيَة ظام مرضِيَّة ؟ شيءٌ يُحَيِّر ! لكن بعض العلماء قال: العيشَةُ في الدنيا إذا كانت مرْضِيَّة لا بد من أن يتْركها وذلك بِالموت أما إذا كانت راضِيَة فلا تتْرُكُهُ أبداً، بالدنيا هناك قلقٌ عميق ولكنّ الإنسان إذا تمكَّن هناك قلقُ المَوْت والمرض والمُغادرة السريعة، أما في الآخرة لسْتُ الراضي عن هذه العيشة إنما هي الراضِيَة عنك وهي التي لا تُفارِقُك:
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 21 - 24 ]
يقول لك: في أعْلى مُسْتوى ؛ القُصور والطعام والشراب والبساتين والجنات والحور العين والوِلْدان المُخَلَّدون ثم قال تعالى:
﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾
[ الحاقة: الآية 23 ]
بلا جُهْدٍ، ففي الدنيا من أجل أن تهيئ طبق طعام تحْتاج إلى ساعة ونصْف ساعة بعد الطعام لِغَسيل الأطْباق، ومن أجل أن تسْكن بيتاً هناك جُهْدٌ مُضْني للعمَل الوظيفي أو التِّجاري أو الصِّناعي أما في الآخرة قُطوفها دانِيَة لك ما تشاء وتطْلب وتتمنى، إذا دُعِيَ الإنسان إلى وليمَةٍ لا يَكْتفي أنَّ الطعام طيِّبٌ بل يتمنى أن يُرَحَّب به، هناك مُظيفين: يا أهْلاً وسَهْلاً وبارَكْتُم، هذا الكلام طيِّب فإذا أُضيف إلى الطعام الطيِّب أصْبح مُنْتهى التكريم ؛ كلامٌ طيِّب وطعامٌ طيِّب قال تعالى:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 24 ]
أيام الدنيا وأيام الصيام وأيام الحج وأيام القِيام وغضِّ البصر وضبط اللِّسان وإنْفاق المال وترْبِيَة الأولاد وتَحْجيب الزوجة وطلب العِلم ونشْر العِلم أعْمالٌ صَعْبة، قال تعالى:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾
[ الحاقة: الآية 24 ]
هذا هو الجواب، ثمّ قال تعالى
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 25-29 ]
حدَّثني أخٌ يُنْشِأُ بِنايَة في أحد مصايِف دِمَشق، بِنايَةٌ مُتَمَيِّزة بِجمالِها وأناقَتِها واتِّساع بُيوتها ؛ جَهَّز أوَّل بيتٍ أما الكسْوة فَفي أعلى مستوى - أنا رأيت اليبت - وصاحب البيت أذْواقه عالية جداً، وأمْواله عالية جداً، فَبَقِيَ له قبل أيام مُنَظِّم الكهْرباء، يضعُهُ ثمّ يسْكن، وكان الأمر أنه وضعه ولم يسْكن، اتَّصلوا به فقالوا: لقد مات، موضوع الموت يأتي فَجْأةٍ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 25-29 ]
الإنسان يتْرك أموالٌ منْقولة وغير منْقولة، ويترك حِسابات في البنوك وأمْوالٌ نقْدِيَّة في مَحَلِّه أو بيْتِه، ويتْرك بيوت ودكاكين وأراضي وأسهم سَنَدات، حجم مالي كبير:
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾
[ الحاقة: الآية 28-29 ]
الإنسان له مكانة كبيرة، وأتْباعٌ كثيرون، ألْفُ إنسانٍ يُقدِّم له خِدمة:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32)﴾
[ الحاقة: الآية 30 -32 ]
مُقَيَّدٌ ويَحْتَرِق، كُلُّ هذا لماذا ؟ قال تعالى:
﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)﴾
غِسْلين: الماءُ المُسْتَعْمل، الماء القذِر، والماء المالح، هذا الماء يجب أن يشْربه، هناك رجل - أنا أعرف ابنه - يعْمل في تِجارة التُحَف، دَخَلْتُ بيْتَهُ فإذا شيءٌ فوق الخيال ؛ جناح شرْقي وجناحٌ غربي، التُّحْفَة ارْتِفاعُها مِتْرين، التُّحَف الصينِيَّة ثمنها بِمِئات الأُلوف، ولِكُلِّ زاوية تُحْفة ؛ فهُوَ رجلٌ ذواقٌ، ومَيْسور الحال، مات في أحد الأيام المُمْطِرة في الشام قبل عشر سنوات جاءَتْ سبعة أيامٍ ممطِرة جداً ؛ فاض نهْرُ بردى ودخل إلى المحلات التِّجارِيَّة، مُدير معْمله يحضر عندنا في المسْجد فقال لي: أُذِتْ جنازته إلى المَقْبرة وفُتِح القَبْر فإذا مِياهٌ سَوْداء تجْري فيه، سئل ابنه ماذا نفْعل فقال: ضَعوهُ، مُدير المَعْمل المُوَظَّف يقول: مرَّتْ عليَّ سبْعة أيامٍ لا آكُل الطعام ولا أُصدِّق، مُعَلِّمي هنا وُضِع ! أذْواقُهُ عالِيَة جداً، نظيفٌ ومُوَسْوَس ودائِماً أثاثه من أعلى المُستوى وُضِع في قبرٍ تجْري فيه المِياه وهذا القَبْرُ مصيرُنا جميعاً، قال تعالى:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
[ الحاقة: الآية 30 -33 ]
تدْعوه إلى درْس عِلْمٍ وإلى حُضور درْس جمعة وإلى سماع شريط وإلى قِراءة كِتابٍ يقول لك: ليْس معي الوقت ؛ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم وفضْلاً عن ذلك: ولا يحُضُّ على طعام المِسْكين؛ يَمْنع الخير قال تعالى:
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)﴾
[ الحاقة: الآية 35-37]
هذا مشْهد وذاك مشْهدٌ ؛ النموذج الأول ثمنه الطاعة والثاني ثمنه المعْصِيَة والأول إقْبال والثاني إعْراض والأول تصْديق والثاني تكْذيب الأول إحْسان والثاني إساءة والأول اسْتِقامة والثاني تَفَلُّت ؛ إنْ أردْتَ هذا الطريق كان لك ما تريد وإن أردتَ ذاك كان لك ذاك الطريق.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الحاقة (69 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والثلاثون من سورة الحاقة وهي قوله تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
أوَّلاً ربنا جلّ جلاله إذا أقسم بِشَيءٍ فبالنسبة إلينا وإن لم يُقْسِم فبالنِّسْبة إلى ذاته العَلِيَّة وهناك تفْسير آخر وهو أنَّ الله تعالى إذا قال لا أُقسِم أيْ أنَّ هذا شيءٌ بديهي لا يحْتاج إلى قَسَمٍ فإما أنْ تفْهم معنى لا أُقسِم على هذا المعنى أو أنْ تفْهمه على أنَّ الشيءَ إذا نُسب للإْنسان فالله يُقْسِم به لِيَلْفِتَ نظرنا إليه وإنْ لم يُقْسم فَبِالنِّسْبة إليه على كُلٍّ مضْمون هذا القَسَم:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
كأسُ ماءٍ صافٍ عذْبٌ فُرات لو وُضِع تحت المِجْهر لَرَأيْتَ تحت هذا الكأس الصافي الذي تشْتهيه نفْسك من الكائِنات ما لا يُصدَّق ! ولو كان بِإمْكانك أنْ ترى ما فيه لما شَرِبْتَهُ قال تعالى
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾
[ القمر: الآية 49 ]
أنت لا تُبْصر وهناك عَتَبَة رُؤْيا محْدودة وعَتَبَة سمع محدودة وعَتَبَة إدْراك محدودة فالحواسُ محدودة ؛ هناك أشِعَّة فوق الحَمْراء يُمْكن أنْ ترى بها في الليل وهناك أصْوان فوق العَتَبَة الإنسانيّة إذْ هناك صوْتٌ تُصْدِره بعض الأجهزة لا تسْمَعُهُ أنت أبداً ولكن تتضايَقُ وهناك صُوَر تراها في الظلام الدامس عن طريق أشِعَّة أنت لا تراها، على كُلٍّ هذه الآية من أوْسع الآيات ؛ فأنت إذا وقَفْتَ على شاطئ بحْرٍ ماذا ترى ؟ ترى مِياهاً زرقاء فَهَل غُصْتَ في أعْماق البحر ورأيت الجُزُر المُرْجانِيَّة والحيتان ومليون نوع من الأسْماك ونباتات لا يعْلم عددها وحقيقتها إلا الله أما في باطن البحر لا تُبْصِرُ شيئاً فَهَل تُصَدِّق أنَّ هذه الطاولة مُؤَلَّفة من ذراتٍ وكُلّ ذرّة مُؤَلَّفة من نواة ؟ ومن كهارِب تدور بسُرعة حول النواة ؟ أيُّ شيءٍ تقع عَيْنُك عليه هو ذرات والذرات فيها حركة كبيرة جداً فَكُلّ ذرة عِبارة عن نواة ومسارات وكَهارِب وسُرْعات مُتبايِنَة وكُلّ ما في الكوْن أساسه عناصِر والعناصِر أساسها جُزْئِيات والجُزْئِيات أساسها ذرات ؛ كُلُّ هذا لا تراه عَيْنُك فماذا ترى أنت ؟ أنّ الشمس تُشْرق وتغيب، أما الذي لا تُبْصِرُهُ أنّ الأرض تدور حول الشمس وأيْنما ذهبْتَ إلى سطح الأرض ترى السماء من أعْلى وأما في الجنوب ففي الحقيقة أنّ السماء من أسْفل فالقُرى من هنا والبحار من هناك واذْهب للقُطْب الجنوبي ترى السماء نحو الأعلى الماء نحو الأسفل أما الواقع السماء نحو الأسفل والماء كذلك فماذا تُبْصر أنت ؟ الحواس محدودة والله عز وجل رحْمَةً ينا جعل لنا الحواس محدودة فالأمْواج الصوْتِيَّة تتخامد ولو أنها لا تتخامد كالمَوْجة الكَهْرطيسِيَّة كُلّ أمواج البحر نسْمعها في الشام وكُلّ أصوات المعامِل نسْمعها هنا، ففي سوق النحاسين هل تحْتمل أنْ تمْشِيَ فيه ؟ لو أنّ الصوت لا يتخامد المَوْجة الصَّوْتِيَّة تسْتمرّ بِسِعَة ثابتة كالموجة الكهرطيسيّة فالأصْوات في الأرض كُلِّها عندنا هنا وبذلك تُصْبح حواس الإنسان جحيماً، فالحواس محدودة:" فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصِرون " أنت لا ترى الذرة في الخشب ولا الذرة في الحجر ولا ترى ما في الماء من كائِنات حيَّة بيكْتيرْيات فَهِيَ موجودة ولكنّك لا تراها، فربنا عز وجل أقْسَم بما تقع عليه حواسنا ؛ أنت إذا نظَرْتَ إلى السماء ماذا ترى ؟ وكم بالإمكان أنْ تعُدّ من النجوم ؟ العلماء قالوا عشْرة آلاف فأَكْبر إحْصاءٍ للنجوم بالعَيْن عشْرة آلاف فَكَم من مَجَرَّة فيها ؟ هناك مليون مليون مجَرَّة تقْريباً وكُلّ مجَرَّة هنام مليون مليون نجْمٍ فاثْنى عشر صِفْر مع اثْنى عشر صِفر هو تقْديرٌ مبْدَئي لِما في الكَوْن من كواكب ونجوم فماذا ترى العَيْن من هذا الكَمِّ الكبير ؟ عددٌ قليل، فحَواسُّنا محْدودة لِذلك قالوا: عدم وِجْدان لا يَدُلُّ على عدم الوُجود ؛ ففي جَوِّ هذا المسْجد هل تَرَوْنَ شيئاً ؟ لا ترى شيئاً ولكنَّك إذا أتيْتَ بِمِذْياع واسْتَقْبلت به المحطات تجد هناك بثٌّ لإذاعة لُنْدن وبثٌّ لإذاعة دمشق وبثٌّ لإذاعة الشرق لكنّك لا ترى شيئاً بِعَيْنِك فَهُناك أمْواج إذاعِيَّة وأمْواج تِلِفِزْيونيَّة وهناك في أعْماق الجِبال مُسْتَوْدعات المِياه وفي أعْماق الأرض سائل ناري كُلُّ هذا لا تراهُ عَيْنُك، أنت إذا نظرْت إلى جِلْدك ماذا ترى ؟ جِلْد ناعم ولطيف و جميل فهل ترى الخلايا ؟! لو كبَّرْتَ سطح جِلْدِك لَرأَيْتَ جِبال وَوِهاد وتِلال وصُخور وكُهوف ؛ هناك بعض المجاهر الإلِكْترونيَّة تُكَبِّر ثلاثمائة ألف مرَّة فَسَطْحُ الشَّعْرة تراهُ خَشِناً ومَوْضِع البصلة تراها مثل الكُهوف فأنت لا ترى شيئاً بل الظاهر البسيط فَرَبُّنا عز وجل يلْفِتُ النظر في هذه الآية إلى ما في هذا الكَوْن من عجائِب ؛ وهل ترى البتْرول ؟ يُقال لك: كُلّ يوم هناك أربعة مائة ألف بِرْميل ومن خمْسين سنة ولا يزال هناك اِحْتياطي لمائة سنة قادِمَة كُلّ يوم أربعة مائة ألف بِرْميل فأين هذه المُسْتَوْدعات ؟ قال تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
[ الحاقة: الآية 38-39 ]
وقال تعالى:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
[ طه: الآية 6 ]
ثروات تحت الثرى ومعادن ونفائِس وفُسْفات وبتْرول ؛ أنت ماذا ترى ؟ لا ترى شيئاً لذلك عدم وِجْدان لا يَدُلُّ على عدم الوُجود والله عز وجل أعْطاك حَواساً وأعْطاك عَقْلاً مع الحواس وهذا العَقْل من أجْل أنْ تكشِف به الحقائق ما هو جواب القَسَم في قوله تعالى
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾
[ الحاقة: الآية 38-40 ]
فالذي أنْزل هذا القرآن هو الذي خلق ما تُبْصِرون وما لا تبصِرون قال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾
[ الأنعام: الآية 1 ]
وقال تعالى:
﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)﴾
[ الكهف: الآية 1 ]
فَالكَوْنُ كلُّه في كَفَّة والقرآن في كَفَّةٍ والكون خلْقُهُ والقرآن كلامه فَجَواب القَسَم: هذا ليس كلامَ البشَر وليس كلامَ محمد عليه الصلاة والسلام وليس من صِياغة البشر إنما من خالق البشر
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾
[ القلم: الآية 38-40 ]
إنه- القرآن - لقول رسول كريمٍ، وكلام النبي الذي أوْحى الله به إليه قال تعالى:
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41)﴾
[ الحاقة: الآية 41 ]
هل هذا شِعْر ؟ هذا ليس بِشِعْر
﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42)﴾
[ الحاقة: الآية 42 ]
فَما هو إذاً ؟ قال تعالى:
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾
[ الحاقة: الآية 43 ]
هذا هو تعْريف القرآن ؛ الذي خلق السماوات والأرض نزَّل على محمد هذا الكِتاب،ولن نسْعَدَ ولن نسْلَمَ ولن نفْلحَ ولن نرْقى إلا إذا فهِمْناهُ وطبَّقْناه ؛ تنْزيلٌ من رب العالمين كُلّ ما في المَكْتبات في العالم في كَفَّةٍ وهذا الكِتاب في كَفَّة لأنَّ فضْل كلام الله على فضْل كلام خلْقِهِ كَفَضْلِ الله على خلْقِهِ فهذا كلام الخالق والمُبْدِع وكلام الإله وكلامُ رب العالمين لا يأتيه الباطل لا من بين يدَيْهِ ولا من خلْفِهِ فهو كما قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾
[ الحاقة: الآية 40-43 ]
لو تَصَوَّرْنا أنَّ النبي جاء من عِنْدِه ألا يتدَخَّلُ الله تعالى ؟ إذا ادَّعى إنسانٌ أنه رسول الله وهو ليس كذلك ألا يتدَخَّلُ ربنا عز وجل ؟ وهل يسْمح أنْ يوهِمَ الناس أنه رسول الله ؟ مُسْتحيل قال تعالى:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)﴾
[ الحاقة: الآية 44 ]
لو قال شيئاً ما أنْزلْناهُ عليه وما أوْحَيْناه عليه قال تعالى
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾
[ الحاقة: الآية 44-47 ]
فما مصير من يجْرُؤُ على الله ويدَّعي أنه رسول الله ؟ يُقْتل ويُكَذَّب والله تعالى قال:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)﴾
[ الكهف: الآية 51 ]
يسْتحيل على الله أنْ يدْعَمَ إنْساناً كاذِباً ومُفْتري ويهيئ سُبُلَ النجاح قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾
[ الحاقة: الآية 44-47 ]
بِشِدَّة ولَبَطَشْنا به ثم قال تعالى:" ثم لقطعنا منه الوتين " أنْهَيْنا حياته ثم قال تعالى:" فما منكم من أحد عنه حاجِزين " من يحول بينك وبين الله ؟ لا أحَدَ، ومن ذا الذي يجْرُؤ إذا أراد الله بإنْسانٍ شيئاً أن يحول بين مشيئة الله وهذا الإنسان:" فما منكم من أحد عنه حاجِزين " ثم قال تعالى
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)﴾
[ الحاقة: الآية 48 ]
هو تَذْكرة لأنّ الإنسان مُجَهَّز بِعَقْلِهِ وفِطْرته أن يؤمن بالله والقرآن تذكرة مُجَهَّز بِعَقْلِهِ وفِطْرته أن يؤمن بالله ولكنّ القرآن جاء لِيُذَكِّر لا لِيُحْدِث شيئاً لم يكن من قبل بالأساس مؤمن بِعَقْلِك وفِطْرتك لكنّ القرآن للتذْكرة قال تعالى:
﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾
[ الحاقة: الآية 48-52 ]
نحن أحْياء الآن وقلبنا ينبض وفي العُمُر بقِيَّة وهو بين أيْدينا فإذا قرَأْناه واتَّبَعْنا ما فيه سَعِدْنا أما الذي يُهْمِلُهُ فالوَيْلُ له كَمَثَلٍ للإيضاح فقط: هناك جِهاز يكْشِف زيتَ العُمْلات مُمكن أن تبيع كلّ ثَرْوَتك بِعُمْلَةٍ أجْنَبِيَّة وتقْبِضُها ولا تُدَقِّقُ بِمِصْداقِيَتِها ومعك جِهازٌ في جَيْبِك ! لك أن تسْتعْمِلَهُ وتكْشِف زَيْفَها من صِحَّتِها ؛ ثمّ فوجِئتَ أنّ كلّ هذه العُمْلة مُزَوَّرة وهي تُساوي كلّ ثَرْوَتِك سَتَكون لك كالصاعِقَة، لذلك الكِتاب بين أيْدينا فيه الدلالة والإرشاد والهدى والبيان وهو كِتاب الله المُبين وحبْلُهُ المتين وهو العِصامُ الذي يعْصِمُ المؤمن قال تعالى
﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)﴾
[ الحاقة: الآية 50-51
الحق هو الشيء الثابت واليقين هو القَطْعي فالله تعالى قال في كِتابه:
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ ابراهيم: الآية 27 ]
فالقول الثابت هو هذا الكِتاب لا يتبَدَّل ولا يتغَيَّرُ ولا يُعَدَّلُ ولا يُضافُ عليه ولا يُحْذَفُ منه كمالٌ مُطْلق كلام رب العالمين:
﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾
[ الحاقة: الآية 51-52 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المعارج (70 )
الدرس الاول
المعنى الحقيقي وراء مفهوم الخوف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4970/01.jpg
الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سيّدنا محمد الصـادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام ؛ الآية التاسعة عشرة من سورة المعارج ، وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * ﴾
[سورة المعارج الآية : 19-22]
كلمة الإنسان أيْنما وردت في القرآن مُعَرَّفَةً بِأَلْ فهي تعْني الإنسان قبل أنْ يعرف الله ، الإنسان قبل أن يتَّصِل به , وقبل أنْ يُطيعهُ ما طبيعَتُهُ ؟ ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
شديد الهَلَع : يخافُ كثيراً . ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
جذوع على وزن فعول , وهي صيغة مُبالغة أيْ كثير الجَزَع . ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
لي صديق يعْمل في الطيران , فقال لي كنا في رحلةٍ إلى باريس , وإذا بالطائرة تدخل في سحابةٍ مُكَهْربة في الشتاء , فَقُطِعَ رأسها الأمامي مكان الرادار , وكُسِرَ بِلَّوْر كبير وتعَطَّلت بعض الأجهزة , وكان سُقوط الطائرة مُحَقَّقاً ، رُبان الطائرة أعطى أمر بالهُدوء , والركاب بِوَضْعٍ مُخيف , ومنهم من يضْرب رأسه , ومنهم من يصيحُ بِوَيْلِه , ومنهم من يذكر أولاده لأن الموت مُحَقَّق ، وحركة الركاب , وضجيجُهُم يُسيء إلى سلامة الطيَران , فأعطوا لهم أمراَ من جديد , ثمّ اضْطر إلى إِعْطاء أمر إلى أحد الركاب لِيُهَدِّأهم , فما وجدوا أحداً يُصْغي من شِدَّة الهَلَع , وبالنِّهاية وَجَدوا رجلاً هادِئاً , ومُغْمِض العَيْنَيْن فَتَوَسَّموا فيه الخير لعلَّهُ يقف وينصح الركاب بِالهُدوء , فلما وصلوا إليه وجدوهُ مُغْماً عليه من شِدَّة الخوْف ؛ وهذا معه مرضٌ خبيث , وقال له الطبيب : اِنْهِ مُشكِلاتك وصَفِّ حِساباتك وودِّع أوْلادك إذْ معه ثلاثة أشهر على الأكثر ، ثاني يومٍ ماتَ لأنَّهُ ما تحَمَّل هذه المُدّة فماتَ . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج الآية : 19-22 ]
وهناك أشْخاص يَرْجِفون عند الخوف , وآخرون يخْتلّ توازُنُهم , ومنهم من يُفْرِغ مثانته . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4970/02.jpg
فهل هذا ذَنْبٌ له ؟ لا ، هذا ضَعْفٌ في أصْل خلْقِهِ , وهو لِمَصْلَحَتِهِ ؛ كيف ذلك ؟ الذي معه أجْهزة إلِكْترونية غالِيَة جداً , وكُلفة الجِهاز بِالمَلايين ، يجد هناك ما يُسمى بالفيوز ، فما هي الفيوز ؟ وصْلة كهْربائية ضعيفة جداً , فإذا جاء التيار بِقُوَّة مائتين وأرْبعين يحدث هناك احْتِراق وينْقطع التيار فَبَدَل أنْ ينْعطِب الجِهاز ينْعَطِب الفيوز الذي لا تزيد كُلْفَتُهُ عن ليرتين , فهذا الفيوز نُقْطة الضَّعْف بِالجِهاز فهي لِمَصْلَحتِه ، لذلك الضعف في أصل خلق الإنسان مصْلحته كلما لاح له شَبَح مُصيبة لجأ إلى الله وتاب إلى الله , وأقبل إلى الصلاة وأصْلح نفسه , وراجع حِساباته . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4970/03.jpg
لو أنّ الله خلقه , ولم يجْعل فيه الخوف لن يتوب , ولا يصْطَلِحُ مع الله , ولا يُطَبِّق المنهج , ولا يلْتجِئُ إلى الله , لأنه قوي , وفي الحالات النادرة . ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق الآية : 6 ]
فهو إذا رأى نفْسه غنياً يطْغى ؛ مالٌ , وصِحَّة , ومنْصب رفيع , وسَيْطرة . ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
الهَلوع ، الجذوع , هذه صِفَةٌ خلْق في الإنسان , ولكنها لِمَصْلَحَتِه , ومن أجل أن تُلْجِئَهُ إلى الله ، كان عليه الصلاة والسلام إذا حَزَمهُ أمرٌ سارع إلى الصلاة ؛ من أجل أنْ يتذكَّر الله عز وجل , فالإنسان إذا كان بِأَعلى درجات الصحَّة يشْعر بِكُتلة في جِسْمِه يزْدادُ حجْمُها , فإذا صلى , وقام الليل , ودعا الله , وقرأ القرآن , ويحضر درس علم ، كلُّ هذا الخَوْف هو سبب نجاتِهِ , وتَوْبَتِه , وإقْباله على الله ، كُلّ هذه الخصائص التي اخْتصها للإنسان هي لِمَصْلَحة الإنسان ؛ حالات كثيرة للتَّوْبة أساسها الخوف من المُصيبة , والإفْلاس , والخوف من مرض خبيث , وخوفٌ من فقْدِ حُرِّيَة , وخوفٌ من تدْمير المال . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * ﴾
[ سورة المعارج الآية : 19-22 ]
العمل الصالح تجارة رابحة :
الأمر الثاني هو: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
[ سورة المعارج الآية : 21 ]
فإذا كان معه مالٌ تجِدُه حريصاً على عدم إنْفاقه , وحريصٌ على كنْزِهِ وتَنْمِيَتِه والسبب أنَّ المال مُحَبَّب ، لماذا جعل الله الإنسان يُحِبُّ المال ؟ من أجل أنْ يرقى إلى الله إذا أنْفَقَهُ , شيءٌ محْبوب .
فإذا أعْطَيْتَ لِشَخْصٍ خمسة آلاف , فالمال مُحَبَّب لأنك به تأكل وتشْرب , وتلْبس , وتتنزَّه , وتُحَسِّن به بيْتَك , وتُحَقِّق وُجودك به , فأنت اِقْتطَعْته من حاجاتك وبذَلْتَهُ لِوَجْه الله ، ولولا أنَّ الإنسان يُحِبُّ المال في أصل خلقه لما ارْتقى بإنْفاقِه والدليل قوله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 14 ]
ولولا أنك تُحِبّ أن ترى امرأةً جميلةً لما كان هناك ارْتِقاءٌ بِغَضِّ البصر عنها إذْ أنَّها مُحَبَّبَة , فَحِين تغضُّ بصرك عنها ترْقى إلى الله , وتكون ممن عاكسَ شَهْوته ، ولولا أنك تُحِبّ المال لما ارْتَقَيْتَ في إنْفاقِه , فهاتان الصِّفتان الخوف , والضَّعْف , والحِرْص الخوف من خطرٍ والحِرْص للخير قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾
بعد أنْ يعْرف الله , ويتَّصِل به يُصْبح مُتَوَكِّلاً عليه , وإذا أردْتَ أنْ تكون أقْوى الناس فَتَوَكَّل على الله , وبعد ما ترى ما عند الله من خير تُنْفِقُ بِسَخاء , فَشِدَّة الجزع , وشِدَّة الحِرْص دليل عدم معْرفة الله إذْ بعد المعْرفة تُصبِحُ شُجاعاً , وثابت الجنان , ومُتوازِناً , وقوراً , ومُنْفِقاً للمال بِسَخاء ، قالت السيّدة عائِشَة عن سيِّدنا عَوْف : (( أخْشى أنْ يدخل الجنّة حَبْواً فلما بلغه ذلك قال : والله لأَدْخُلَنَّها خَبَباً وماذا عَلَيَّ إذا كنتُ أُنْفِقُ مئَةً في الصباح فَيُؤْتيني الله ألفاً في المساء ؟!. ))
وهذا سيّدنا عثمان جاءَت سِتّ مئة ناقَةٍ مُحَمَّلةٍ بِضاعَةً من الشام مما يُعادل ستّ مائة شاحنة معَمّرة بالبضائع , وكان من الأغْنِياء رضي الله عنه , وكان ذاك العام عامُ مَجَاعة ؛ ربَّحوه عليها بالمائة عشرة وعِشْرين , حتى بالمائة خمس مائة فَدُفِع أكثر فلما يَئِسوا منه قال : هي لِوَجْه الله لِأهل المدينة لأنّ الله وعدني بالحسنة عَشْر أمْثالها .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4970/04.jpg
فالإنسان بعد أنْ يؤمن وبعد أنْ يعرف الله يُصبح يُحِب المال لِيُنْفِقَهُ لا لِيَخْزِنه ؛ مُحَبَّبٌ بِإنْفاقِه والعلماء قالوا : من أجل أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أمِن أهل الآخرة ؛ أهل الدنيا يُحِبون أخْذ المال , وأهل الآخرة يُحِبون إِنْفاقه , وهذا هو الأرْيَح الذي يرْتاحُ للعطاء فهذه الآية : ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
تَصَوَّروا إنْساناً أراد أنْ يُهاجِر من بلَدِه , وكان طُموحُه أنْ يكون بِبَلَدٍ مُعَيَّن الأمور مُيَسَّرو والبيوت رخيصة , والتجارة سهْلة , والمناظر جميلة , والأرباح طائِلة , فإذا به يبيعُ بَيْتَهُ , ومعْمَلَهُ وحوَّلَ كُلّ أمْلاكِه إلى بلد الذي يطْمحُ أنْ يصِل إليه فَمَن قدَّم ماله سَرَّهُ اللحاقُ به فإذا كان للواحد منا ملايين في بلدٍ أجْنبي ولا شيءَ معه في بلدِهِ سَتَكون أصْعبُ لحظاته حين ركوبه الطائرة للذهاب لِمالِهِ فَهُناك يشْتري الفِلات , والبيوت , والمَرْكبات ، والمؤمن حينما يُرْسِل ماله أمامه إلى الآخرة يُسِرُّه اللحاقُ به , أما إذا كان لإنْسانٍ كلُّ مُكْتَسَباته ؛ بيْتٌ فَخْمٌ , وزينة , وتركيب , ومكاتب , ومرْكبات تُصْبح الموت عليه كالجبل .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4970/05.jpg
قالوا : لماذا نَكْره الموت ؟ قال : لأنكم عَمَّرْتم الدنيا وخَرَّبْتم الآخرة , والإنسانُ يكْرهُ أنْ ينْتَقِل من عمار إلى الخَراب ، إذا سَكَّنا شخْصاً بِالمالكي أربعة مائة متر ؛ تكييف وتدْفئة وفرْش وتزيين , وكلُّ شيءٍ جميل , فإذا أسْكَنْتَه تحت الأرض بِبَيْتٍ فيه غُرْفة ! فالإنسانُ يكْرهُ الموت لأنَّ لا عَمَلَ له صالح ويكره الموت لأنه عَمَّر الدنيا , وخَرَّب الآخرة , ويكره الموت لأنه ما قدَّم ماله أمامه ، أصعبُ شيءٍ المُغادرة .
لي صديق كان معه شخْصٌ عنده مرض في قلبه فقال لي , لقد كان مُتَألِّماً وسأقول لكم - سامِحوني – عِبارته : قال له : بنْتُ هذا الحرامي - على زوْجَتِه - غداً أموت وسَتَتَزَوَّجُ ؛ لأنَّهُ رأى مصيره حتى ركَّزَ هذا البيت وأفْرَشَهُ , فإذا مات وزوْجَتُهُ شابة تتزوَّجُ آخر على سِنِّها فإذا دخل ذاك الزوْج البيت وَجَدَهُ جاهِزاً ، فالإنسان إذا لم يكن له عملٌ صالح ينْسَحِقُ سَحْقاً أما الذي بِكَفَّتِهِ أعْمالٌ صالحَة قالت له : واكرْبتاهُ فقال : لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم غداً نلْقى الأحِبَّة محمداً وصَحْبه فاجْهَد إذا جاءَك ملَكُ الموتِ أن تمون أسْعَدَ الناس وأنْ تضْحك وحْدَك ومن حَوْلك يبْكون اِجْهد أنْ تضْحك وحْدك ، الأعمال الصالحة .
إخْواننا الكِرام ؛ ضبط الجوارح , وضبط اللسان , وغضّ البصر , وإنْفاق المال وذِكر الله عز وجل , وطلب العلم وتعْليم العِلم , هذه كُلُّها بِضاعة الآخرة فمن أكثر من هذه البِضاعة سَرَّهُ الذهاب إليها ومن قلَّل من هذه البِضاعة يكون قد آلمه جداً ترْكُ الدنيا .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-15-2018, 01:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المعارج (70 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكِرام، مع الآية الثانية والعِشرين من سورة المعارج والتي بعدها وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
شرحْتُ في الدرس الماضي أنّ الإنسان فيه ضَعْفٌ خلقي في أصل خلقِه لِمَصْلَحته ؛ خلقه ضعيفاً لِيَفْتَقر إليه فَيَسْعَد بافْتِقاره إليه ولو خلقه قوِياً لاعْتَدَّ بِقُوَّتِه واسْتَغْنى بِها فَشَقِيَ باسْتِغْنائِه وهذه الصَّفة الهلوع ؛ كثير الجزع شديد الحِرْص ؛ لأنَّهُ شديد الحِرص يرْقى إذا أنفق المال ومن شِدَّة الجزع إذا لاحَ له شبحُ مصيبةٍ أسرع إلى باب الله عز وجل فَسَبَبُ الإقْبال إلى الله والرُّقِيِّ إليه هي هذه الصِّفة التي هي ضَعْفٌ في أصْل خلقه ؛ إلا أنَّ الله تعالى اسْتثنى المُصَلين قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
وأنا في طريقي البارحة للخروج من هذا المسْجد اسْتَوْقَفني أخٌ كريم وقال لي الناسُ كلُّهم يُصَلُّون وهم يجْزعون ويحْرِصون على المال ولا يُنْفِقون والجواب أنُّه ليس كل مُصَلٍّ يصلي ! إنما أتَقَبَّلُ الصلاة ممن تواضع لِعَظَمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسى العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي وعزتى وجلالى إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما والظلمة نوراً يدعوني فألبيه ويسألني فأعطيه ويُقسم عليَّ فأبره أكلأه بقُربي وأستحفظه ملائكتي مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمسّ ثمرها ولا يتغيَّر حالها.
الآية الكريمة يقول فيها تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
كلمة إنسان كم تُغَطي ؟ تُغَطي خمسة آلاف مليون، أضِف لهذه الكلمة صِفَة واحدة ؛ إنسانٌ مُسْلِم، تجد أنَّ الرقم نزل من خمسة آلاف مليون إلى مِلْيار ومائتين، بِكَلِمة واحدة طارَتْ أربعة أخْماس وإذا أضَفْتَ كلمة ثانية ؛ إنسانٌ مسلِمٌ عربي ؛ مائتان مليون فَمِن مليار ومائتين إلى مليار، طيِّب إذا قُلت: إنسانٌ مسلم عربي مُستقيم... كُلُّ صِفَةٍ تُضاف على المَوْصوف هي قَيْدٌ له وتُضَيِّقُ دائِرَتَهُ، الآن اسْمعوا الآية:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ المعارج: الآية 19-22]
كُلّ واحدٍ قال: الله أكبر فَهُوَ مُصَلي، ثم قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
هذه أوَّلُ صِفة ثم قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾
ضاقَتْ:
﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26)﴾
ضاقَت أكثر:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾
[ المعارج: الآية 26-35]
إذا تَوَفَّرَتْ في المُصَلي كُلّ هذه الصِّفات فهو ممن تعْنيه الآية وتَشْمَلُهُ شرْطَ تَوَفُّرِها فيه، لذلك المُصيبة الكبيرة أنَّ الإسلامَ منهَجٌ كامل في كُلِّ شؤون الحياة، وهذا المنهج مُسِخَ إلى خمْس عِبادات ؛ تُصَلي وتصوم وتحُجّ وانتهى الأمر أما في التعاملات والبيع والشِّراء والعلاقات العامة تَفَلُّتٌ والمنهج كبيرٌ جداً وهو منهج تَفْصيلي لِكُلّ حركاتك وسَكَناتك فهذا هو الشيء المُهِمّ جداً.
أيها الإخوة هناك تَوَهُّم ؛ أنَّ الدِّين بِالمَسْجد، الشركات الكُبرى لَدَيْهِم مندوبو مبيعات، يأتي للمَكْتب الساعة الثامنة والنِّصْف يتلَقى التَّعْليمات ثمّ يُغادِر ثمّ يأتي أوَّل الشهر ويَقْبِض معاشَهُ فَعَلاقَتُهُ بِالشركة تَلَقي التعْليمات وقَبْض الراتب ؛ أين عملُهُ ؟ في الحقول والأسْواق ويُسافر، كذلك المسجد تتلقى منه التعْليمات وبالصلاة تقْبض الجائِزة، أما الدِّين أين هو ؟ بِالبَيت والدُّكان والعمل والمكتب المُحامي وعِيادة الطبيب والمكْتب الهندسي وبِالأسْواق وبالبَيْع والشِّراء ؛ هنا الدِّين، ولا يبْدو الدِّينُ صارِخاً إلا في التعامُلات والدِّينُ المُعاملة فأنت تتلقى التعليمات بِالمَسْجد في الخُطَب والدروس وحينما تأتي لِتُصَلي تَقْبُض جائِزة من الله، إذا تمَثَّلْت أوامر الشرع سَتَشْعُرُ بِحالٍ مع الله في الصلاة لم تكُن تشْعر به من قبل، فأما أنْ يمْسخ الدين إلى خَمْس عِبادات ؛ لا، النبي عليه الصلاة والسلام قال:" بني الإسلام على خمس " هل الإسلام هذه الخَمْس أم البِناء الذي فوقهُ ؟ هذه دعائِم فالعِبادات دعائِم أما الأصل البناء الأخلاقي، فيا إخواننا الكرام، ما لم تتفَقَّه في الدين وتعْرف الحلال والحرام وما ينْبغي وما لا ينْبغي وما يجوز وما لا يجوز، في كَسْب المال، في إنْفاق الطعام، في تناوُل الطعام في علاقتك بِزَوْجَتك وأوْلادك وجيرانِك، في بَيْعِك وشِرائك وكلامك، في لَهْوِكَ وفرَحِك وحُزْنك، وفي اتِّصالاتك وحفلاتك والمآثم والأفراح، وفي السفر والحضر ؛ منهجٌ كاملٌ، فالمُسلم يُطَبِّق منهج الله عز وجل بِكُلّ حذافِره وتَفْصيلاته كيْ يكون من المُصلين ويقْبض الأجرة في الصلاة، ذَكَرْتُ مرَّةً أنّ هناك عِبادات تعامُلِيَّة وهناك عِبادات شعائِرِيَّة، فالصلاة والصوم والحج كُلُّ هذه عِبادة شعائِرِيَّة، أما العبادة التعامُلِيَّة أن تكون صادِقاً وأميناً وعَفيفاً فإذا طَبَّقْتَ العِبادات التعامُلِيَّة صَحَّتِ العبادات الشعائِرِيَّة ؛ لذلك من حَجَّ بِمالٍ حرامٍ يُناديهِ مُنادٍ في السماء: أنْ لا لَبَّيْتَ ولا سَعْدَيْتَ وحَجُّكَ مرْدودٌ عليك، من لم يَدَع قول الزور والعمل به فَلَيْس لله حاجَةٌ في أنْ يدع طعامه وشرابه ؛ هذا حديثٌ آخر، قال تعالى
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا﴾
﴿ يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)﴾
[ التوبة: الآية 54 ]
فالإنسان كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
[ المعارج: الآية 19-22 ]
في ما بين الصلاتين بالدعاء والاسْتِغْفار والتسْبيح والحمْدُ والثناء فهُو دائِماً يذكر الله عز وجل أو يُذَكِّر العِباد بالله عز وجل فيما بين الصلوات ؛
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)﴾
[ المعارج: الآية 23-28]
فهُوَ يُدْخل الآخرة في حِساباته اليَوْمِيَّة فأَيُّ كلِمَةٍ يتفَوَّهُ بها وأيُّ علاقة يُقيمُها ينتظِر أنْ يسْأله الله عنها ؛ يَعْضِها على ميزان الآخرة هل هي تُرْضي الله أم لا تُرْضيه ؟ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29)﴾
[ المعارج: الآية 27-28 ]
يغُضّ بصره ويضْبط لِسانه ؛ العَيْنُ تزْني وزِناها النظر والأذن تزْني وزِناها الاسْتماع، واللسان يزْني واليد تَزْني والرِّجْل تزْني وهناك الزنا الفاحِش قال تعالى:
﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾
[ المعارج: الآية 30-34 ]
إذاً ليس كُلّ مُصلٍّ يُصلي، يجب أنْ تُصلي وتُقيم تفاصيل منهج الله تعالى حتى يكون للصلاة عندك معنى.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجن (72 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشرة من سورة الجنّ، وهي قوله تعالى حِكايَةً على لِسانِ الجنّ:
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ الجن: الآية 13 ]
أيْ لا يخافُ أنْ يُغْلب ولا يخاف أنْ يُجْهَد، لن يرْهَق، ولن يُظلم ؛ هذا كلامُ الله عز وجل، فإذا آمنْتَ بالله واسْتَقَمْتَ على أمْره لا يُمكن أنْ يكون العاصي أنْجَحَ منك، ولا أفْلح منك، ولا أشَدَّ فَوْزاً منك، ولا أعْقَلَ منك إنَّكَ إنْ آمنْتَ بالله عز وجل لن يُضَيِّعَ عملك، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[ الزلزلة: الآية 7-8 ]
عملك محْفوظٌ، والأعمال الصالحة مهما دَقَّتْ لها حِسابٌ دقيق عند الله والأعمال السيِّئَة مهما صغُرتْ لها حسابٌ دقيق عند الله، مركز الثِّقل في الآية ؛ فلا يخاف بخْساً ؛ أنْ يُبخس حقُّه ولا يُعْطاه، وأن يكون في المؤخِّرة، وأنْ يكون قد أطاع الله وخَسِر ؛ هذا مُسْتحيل ! كُلُّ شيءٍ ضَحَّيْتَ من أجْله يُضاعِفُه الله لك أضْعافاً كثيرة قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
أرَدْتَ الزواج من فتاةٍ مُتَفَلِّتة رائِعَةُ الجمال، وفتاةٌ مُلْتَزِمة أقلّ منها جمالاً فأنت اِخْتَرْتَ الأقلّ لِدينها، الله عز وجل يُعَوِّضُك عن الفَرْق في الجمال طِيبٌ ووفاءٌ وخيرٌ وأوْلادٌ نُجباء، وحياة مُسْتَقِرَّة وهُدوءٌ نفْسي لا يعْلمه إلا الله، أما لو آثَرْتَ حظَّ نفْسك واخْتَرْتَ البارعة في الجمال مع رِقَّةٍ في دينها فقد يكون البيتُ جحيماً، وقد يكون الشِّقاق مُستَمِراًّ وقد تكون النتائِج على خِلاف التَّوَقُّعات ؛ مُستحيل أنْ تُؤثِرَ جانب الله عز وجل في أيِّ شيء عُرِضَ عليك عملٌ بِدَخْلٍ كبير إلا أنَّهُ مشْبوه فقد تكون البِضاعة مُحَرَّمة أو الأساليب مُحَرَّمة، أو هذا العمل في جُمْلَتِهِ لا يُرْضي الله عز وجل، أو اخْتَرْتَ عملاً أقَلَّ دخْلاً لكنَّهُ صحيح وفيه خير للناس فحينما اخْتَرْتَ الأقلّ دخْلاً مؤْثِراً طاعة الله عز وجل وخِدْمَةَ عباده ينْبغي أنْ لا تخاف أنْ يبْخَسَكَ الله حقَّك، هذا الدَّخْل القليل فيه بركَةٌ كثيرة وفيه رِضْوان الله تعالى، ثمَّ يُعَوِّضُ الله عليك ما فاتك أضْعافاً مُضاعَفَة، أردتُ أنْ أقف على هذه الآية ؛ فمن يؤمن بربِّه فلا يخاف بخْساً أنْ يُبْخسَ حقُّه وأنْ يُؤخذ من حقِّه ولا يُظلم، ولا رَهَقَاً أنْ يُحَمِّله الله ما لا يُطيق لأنَّ الله تعالى لا يُكَلِّفُ نفْساً إلا وُسْعها بل إنَّ الله تعالى يُعينك على طاعَتِه ألا تقول في كُلِّ صلاة إياك نعبد وإياك نسْتعين ؛ أنت إنْ أردْتَ الطاعة وَفَّقَك الله إليها وإنْ أردتَ إنْفاق المال أعْطاك مالاً لِتُنْفِقَهُ، وإن أردتَ مُعاوَنَة الخلق ألْهَمَك فالفِعْلُ فعلهُ والطلب طلبك، تطلب الخير فَيَخْلُق الله لك الخير ويُنْسِبُه إليك أخٌ من إخْواننا له ابن عَمٍّ مُوَظَّف تُوُفِّيَ رقيق الحال فَدَخَل إلى بيْتِهِ وهو مُسَجًّى ؛ يُغَسِّلونه فقال لأولاده: أَعَلى أبيكم دَيْن، قال: نعم، فقال: والله اسْتَحْييْتُ أنْ أقول كم الدَّيْن ؟ تَوَقَّعْتُهُ ما بين العشرة والثلاثين، في اليوم التالي سألْتُ عن حجْم الدَّيْن فإذا هو مائة وثلاثون ألْفاً، فقال لي: والله دَفَعْتُها بالتمام والكمال وطِيبِ قلْب إلا أنَّني فوجِئتُ فقال لي يوم السبْت - هو دفع الخميس المبْلغ - اِتِّصالات للمعْمَل غير معْقولة بحيث أنَّهُ كان ربْحُه الصافي من تلك المبيعات مائة وثلاثين ألْفاً، وكانت الأسْواق جامدة ؛ قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
هل تتصدّق ثمّ تخْسر ؟ تغضّ البصر ثمّ يذهَب عنك ما رأيْت ؛ يمْنحُهُ مما نظر !! لك الله عز وجل،الذي يقول أن في الجنة من الحور العين ممَّا لو أطلَّت إحداهنَّ على الأرض لغلب نورُ وجهها ضوء الشمس والقمر، فلئن أُضَحِّيَ بكِ من أجلهن أهون من أن أُضحِّيَ بهن من أجلكِ، هؤلاء الذين يستعجلون حظوزهم في الحياة الدنيا ؛ أذهبوا طيِّباتهم في الحياة الدنيا واستمتعوا بها ؛ وفي الآخرة ما لهم من خلاق،أما الذي كان وقَّافًا عند حدود الله و غضَّ بصره عن محارم الله، لم يملأ عينه من الحرام و لم يملأ جيبه من الحرام، لم يكذب من أجل أن يأخذ المال الكثير، هذا حال معظم المسلمين، يُمتِّعون أسماعهم بالغناء و أبصارهم بالمناظر التي لا تُرضي الله، سمعتُ البارحة خبرًا مُضحكاً ؛ أحد أعضاء مجلس الشعب بمصرَ قدَّم عريضة من أجل تأخير البرامج الكوميدية لوقتٍ متأخِّرٍ حتَّى يراها، سبحان الله !! حريصون على هذه المناظر والتسليات و هذه البرامج و هذه المسلسلات أكثر من حرصهم على صلاة التراويح، لذلك ما ترك عبدٌ شيئاًله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ اجن: الآية 13 ]
فأنت اخترتَ الطريق الصحيح، غيرك معه مائة مليون أما أنت ليس معك شيء فأنت الرابح، أقول لكم يا أيها الإخوة، في لحْظةٍ دقيقة تتَوَهَّمُ أنَّك خاسِرٌ بِطاعتك، وأنَّ الذي عصاهُ رابِحٌ فأنت لا تعْرف الله تعالى لأنَّ الله عز وجل يقول:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
[ الأحزاب: الآية 71 ]
معْنى ذلك أنَّك تُكَذِّبُ الله تعالى ؛ إذا رأيْتَ أنَّ طاعتك والْتِزامك خسارة وأنَّ الذي أخذ المال الحرام هو خيرٌ منك وأنَّ الذي تفَلَّت من منهج الله أرْقى منك فأنت لا تعرف الله تعالى، يجب أنْ تكون غَنِياًّ بِطاعتك ؛ كان عليه الصلاة والسلام يدْعو ويقول:" اللهمّ كما أقْررْت أعْيُنَ أهل الدنيا بِدُنْياهم فأَقْرِرْ أعْيُننا بِرِضْوانك " ذاك له أرضٌ يقول لك: لا أبيعُها ولو بمائة مليون وهذا لمع نجْمُهُ فلان وفلان يتكلَّم عن أوْلاده وشهاداته، وهذا قريرٌ بِزَوْجَته وهذا بِتِجاراته إذْ هناك من دخْلُهُ مليون باليوم، وهذا قرير بِبَيْتِهِ ، المؤمن يقول: حسْبِيَ الله ونِعْم الوكيل فأنت إذا كنت في طاعةٍ فأنت أقْوى إنْسان والمُسْتَقْبل لك، والله أيها الإخوة لو تعْلمون فَحْوى هاتَيْن الكلمتين: والعاقِبَة للمُتَّقين، هناك أشْخاص أقْوِياء وأغْنياء ؛ اُنْظر لِهؤلاء الذين عارضوا النبي صناديد وأقْوِياء وزعماء ؛ أين هم الآن ؟ في المزابل وأين هم أصْحاب النبي صلى اله عليه وسلَّم ؟ في أعْلى عِلِيِّين، إياك أنْ تكون في خندق المعادات للحق، لأنَّ الطرف الثاني هو الله ؛ فَمن أنت ؟! كُنْ جُندِياً للحق، ولا تعْبأ، ولو كانت درجتك في المجتمع دنِيَّة ؛ ربَّ أشعث أغبر ذي تمرين مدْفوعٍ بالأبواب لو أقْسم على الله لأبَرَّهُ، هذا مدير عام بِمَصْنع كبير، غُرْفَتَين للسكرِتارِيَّا، مكتب علاقات وسيارات، وكان له حاجب ؛ فهذا الحاجب إذا كان مُسْتقيم فظِفْؤُ هذا الحاجب قد تكون خيرٌ من في هذا المعْمل، ذهَبْتُ مرَّةً للمغْرب في مؤتمر إسْلامي مَثَّلْتُ سوريا ففي الفجْر سمِعْتُ عامل الحديقة يُصَلي الفجر بِصَوْتٍ لطيف، فقلتُ: ربما هذا العامل خير عند الله من كلِّ من في الفندق ! فأنت لا تعرف من هو أعظم شأناً عند الله ؛ لذلك الإنسان غَنِيٌّ بِطاعة الله وفقير بِمَعْصِيَته تعالى النقْطة الدقيقة:
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)﴾
[ الجن: الآية 13 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجن (72 )
الدرس الثانى
قال تعالى : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا.
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام؛ الآية السادسة عشرة من سورة الجنّ وهي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
سؤال: هل الرزق مضمون؟!!
قد يسأل سائِل سؤال فيقول:
هل الرِّزْقُ مضْمون؟
الجواب:
مضْمون ومَوْزون فأصل الرِّزق مضمون ولكنَّ كَمِّيَته تتناسب مع حِكْمة الله عز وجل ، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[ سورة الشورى الآية: 27]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4973/ar-4973/01.jpg
قد يُحْرَمُ المرء بعض الرِّزق بالمعْصِيَة، فالله سبحانه وتعالى حَرَّك الرِّزق وثَبَّتَ أشياء كثيرة لِيَسْتَقِرَّ النِّظام على الأرض...
شُروق الشمس وغُروبها مِن مليون سنة وهي بالدقيقة يقول لك : سنة ألفين وعشرة شروق الشمس الخامسة وثلاثة دقائِق ، الليل والنهار والدَّوَران والأنظمة العامة وخصائص المواد الحديدُ حديد والذَّهب ذهب، والنحاس نحاس والفِضَّة فِضَّة، والبذْرة بذْرة، كُلُّ الخصائِص للعناصر ثابِتَة، كُلُّ خصائص البذور ثابتة، وكذا دوَرَات الكواكب ثابتة، إلا أنَّ الأمْطار مُتَغَيِّرة قد تأتي أعْوامٌ كثيرة فَيَأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرْجلهم، وقد تأتي أعْوامٌ شحيحة يتْركون أرضَهم.
فالرِّزق من عند الله يسْتخدمه كيف يشاء ويسْتخْدِمُهُ - دقِّق - لِتَرْبِيَة الإنسان، الدليل أنَّ هذه الآية السادسة عشرة من سورة الجنّ وهي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
سؤال: ما هي العوامل التي تكثر الرزق؟
الآن سَيَنْشأُ سؤالٌ ثاني...
الرِّزْق مضْمون في أصْله ومُتَبَدِّل في كَمِّيَتِهِ بِحَسَبِ حال الإنسان.
فما العوامل التي تُكْثرُ الرِّزْق؟
مع أنَّ كُلَّ إنْسانٍ حريصٌ كُلَّ الحِرْص على رِزْقه؛ لأَّنهُ قِوامُ حياته، لابد من أنْ يأكل فهُو مُفْتقِرٌ إلى الطعام والشراب، وإلى ثمَنِ الطعام والشراب؛ فأنت مُضْطرٌ للعمل كي تأكل ومن أجل أنْ تبْقى؛ تعملُ من أجل أنْ تكْسب المال لكي تأكل فَتَبْقى، فالحاجة إلى الطعام والشراب من أجل بقاء الفَرْد، وحينما تبْحث عن زوْجة فهذا من أجْل أنْ تُكْمِلَ ضَعْفَكَ، وأنْ تكمِل النقْص في الطرف الآخر جعل الله الزوْجَيْن مُتكامِلَين؛ هي عاطِفَتُها مُتأجِّجة وتحْتاجُ إلى من يرْعاها ومن يحْتويها ومن يقودُها، وهو عاطِفَتُهُ ضعيفة يحْتاجُ إلى من يُحيطه بها؛ هي سَكَنٌ له وهو سَكَنٌ لها، وهذه سُنَّة الله في خلْقه فالبَحْث عن زوْجة من أجل بقاء النَّوْع، وتأكيدُ الذات والتَّفَوُّق من أجل بقاء الذِّكْر ثلاث دوافِعٍ أساسِيَّة:
دافع الطعام والشراب ، ودافع الجِنْس ، ودافعُ تأكيد الذات.
فالأوَّلُ للحِفاظ على الفَرْد، والثاني للحِفاظ على النَّوع، والثالث للحِفاظ على الذِّكْر.
فالله عز وجل جعل الرِّزْق أداة تَرْبِيَة بِيَدِه قال الله تعالى:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
أولاً: الاستقامة سبب لزيادة الرزق.
يُفْهَمُ من هذه الآية أنَّ الاسْتِقامة على منْهج الله تزيدُ في الرِّزْق ، قال تعالى : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4973/ar-4973/02.jpg
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾
[ سورة النساء الآية: 87]
أقْوى كلمة تتمَسَّكُ بها هي هذه الآية ؛ لا تنْسوا - هذه إخْواننا المُحامين يعْرفونها - إذا كان هناك قَضِيَّة عويصة بالملايين ، والمُحامي المُوَكَّل وجد اِجْتِهاداً بمحْكمة النَّقْد لِصالح مُوَكِّلِهِ يُطَمْئِنُهُ ويقول له : ربِحْتَ الدَّعْوى وهو لم يرْبح لكِنَّ هذا اِجْتِهاد ، والقاضي مُلْزَمٌ به فإذا كان هذا اِجْتهاد محْكمة النقْد يملأ قلب المُوَكَّل طمأنينة ، فكيف إذا قال الله تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
فما عليك إلا أنْ تسْتقيم وعِنْدها ترى كيف أنَّ الله يرْزُقُك من حيث لا تحْتسِب ، وما من مؤمن طبَّقَ هذه الآية إلا وقطفَ ثِمارها ؛ من أين ؟ لا يدْري . ثانياً: التقوى سبب لزيادة الرزق.
الآية الثانِيَة قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 96]
اِتَّقَوا أنْ يعْصوا ، هل يُمكن أنْ يكون هذا الكلام لا معْنى له ؟! وهل يمكن أنْ لا يُنَفَّذ كلام خالق الكون ؟! إذا الْتَقَيْتَ بِمُوَظَّف كبير وأصدر تعليمات وما نفَّذها ؛ تَحْتَقِرُهُ أليس كذلك؟
والله أيها الإخوة عندنا أخ لا يمْلك من الدنيا إلا ثِيابه؛ لا بيْت، ولا مأوى، ترك بلْدته بِمُحافظة نائِيَة ، وطلب العلم ينامُ عند بعض أصْدقائِه طلبة العلم ؛ حفظ كتاب الله، وطلب العلم بإخْلاص واسْتقام على أمر الله، فجْأةً طلبوا منِّي بِأحد المناطق الراقِيَة عندنا إمام مسْجد، فَرَشَّحْتُهُ بِيَوْمٍ واحدٍ مدير معْهد شَرْعي وخطيب مسْجد وساعات في التعْليم الثانوي، وبيْتٍ وسيارة وزوْجة؛ شيءٌ لا يُصَدَّق ! فهذا هو قوله تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
وهو الآن يتَمَتَّعُ بِمَكانة كبيرة وبِدَخْلٍ كبير وطُمَأنينة ، تأتي الدنيا وهي راغِمَة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))
[ رواه الترمذي]
لا تنْسَوا أنَّ الله يؤَدِّبُنا عن طريق الرِّزْق ، إذا كان في المَحَلّ من ينظر نظْرَةً غير شرعِيَّة ويتكلَّم بِكلامٍ غير مسْموحٍ به فإنَّ هذا المحلّ لن يرْبح لأنَّ هناك معْصِيَة ، وإذا المحلّ خالٍ عن الكذب والغِشّ ولا كلام بذيء وأسْعار معتدلة فإنَّ هذا المحلّ مرْزوق.
أيها الإخوة؛ أنا لا أُحب أنْ أُكثر عليكم من القصص، رغْمَ الأزْمة الموجودة الآن بالأسْواق في البيْع والشِّراء ، حدَّثني أخٌ أنَّ بضاعته بيعَتْ على شَهْرَيْن حتى لا يجد أنْ يُلَبِّي المتطلبات ؛ لأنه لا يغِشّ ، وهو يُعامل الله عز وجل ، جاء التمْوين فما صَدَّق أنَّهُ كيف يبيع بِهذا السِّعْر وموادك عالِيَة؛ حَتْماً عندك مادَّة تُضيفُها، فَحَصوا المصْنع مكان مكان ، وعَمِلَ طبْخة أمامهم فجعلوا تلك النِّسْب مُواصَفات قِياسِيَّة للقطر، هذا يدْفع زكاة وصدقات ولا يغُشّ وزَوَّجَ أوْلاده وكُلّ واحد سيارة، ومعْمَلُ بسيط جداً؛ هذا شيءٌ ملْموس، لا تقُل لي هناك طُرق، لما ربُّنا عز وجل يُوَفِّقُ عبده يُصبح هذا الكلام كلُّه لا معْنى له ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[ سورة الجن الآية: 16]
ثالثاً: صلة الرحم سبب لزيادة الرزق.
صِلَةُ الرَّحِم تزيدُ في الرِّزْق http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4973/ar-4973/03.jpg
لك أقْرباء ، وأخواتٍ بِمَحَلٍّ بعيد زُرْتَهُمْ وتَفَقَّدْتَ أحْوالهم، أكْرَمْتَهُم وواسَيْتَهُم بِرَمَضان ، قدَّمْتَ لهم هَدِيَّة.
رابعاً: الصلاة سبب لزيادة الرزق.
قال تعالى :
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾
[ سورة طه الآية: 132]
فالبَيْتُ الذي تُقامُ فيه الصلوات الخمسُ هو بيْتٌ مرْزوق. خامساً: الصدقة سبب لزيادة الرزق.
اِسْتَمْطِروا الرِّزْق بالصَّدَقَة ، أحدُ أسْباب الزِّيادة الصدقة.
سادساً: الاستغفار سبب لزيادة الرزق.
الاسْتِغْفار قال تعالى :
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[ سورة نوح الآيات: 10-12]
الاسْتِغْفار وصِلَةُ الرَّحِم والصلاة والإيمان والاسْتِقامة والتَّقْوى؛ هذه كُلُّها عوامل الرِّزْق. سابعاً: إتقان العمل سبب لزيادة الرزق.
وهناك أشْياء كثيرة منها ؛ إتْقانُ العَمَلِ : " إنَّ الله يحبُّ من العبد إذا عمل عملاً أنْ يُتْقِنَهُ" أصبح هناك كسادٌ بالأسواق من عدم الإتْقان.
ثامناً: الأمانة سبب لزيادة الرزق.
الأمانة هي من أسباب الرِّزق قال عليه الصلاة والسلام : الأمانة غِنىً، أحدهم كان يبيع في الحميدِيَّة على الرَّصيف أقمشة فجاءتْ امْرأةٌ فاشْترتْ منه واحدة بِخَمْسين ليرة وهو ما يُعادل واحد دولار ، بعد دقيقتَيْن وجد أنَّهُ قد أعْطَتْهُ مائة دولار فرجع إليها وأعْطاها الزائِد ، أحد التجار كان يُراقب من مَحَلِّه ما فعله هذا البائِع على الرصيف ، فأعْجَبَهُ صنيعُهُ هذا فقال له : هل تُشارِكُني في مَحَلِّي ؟! فقال : يا ليْت! فأصبح شريكه وهو الآن بِبَيْتٍ وسيارة ومحلّ ! بِالمُقابل - قِصَّة مُشابهة - بالسِّتْ رُقَيَّة جاءَتْ امْرأة بِنَفْس الطريقة السابقة في الخطأ لكن هذا أخذ المائة دولار وخَبَّأها في اليوم الثاني جاءَتْ الشرطة وضَرَبَتْهُ وأخذت منه المائة دولار ، ودفع عِوَضاً خمسة آلاف ليرة !! كُنْ أميناً وسَتَرى ، مادام أميناً سَيَزْدادُ معاشُهُ ويرْتَقي مرْكَزُهُ.
الاسْتِغْفار وصِلَةُ الرَّحِم والصلاة والإيمان والاسْتِقامة والتَّقْوى والأمانة ؛ هذه كُلُّها عوامل الرِّزْق.
تاسعاً: التغيير سبب لزيادة الرزق.
هناك أمرٌ آخر قال تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾
[ سورة الرعد الآية: 11]
غَيِّرْ يُغَيَّر لك ! ضعْ حِساباً لِنَفْسِك ، أين ثغرات المعاصي ؟ بَيْتُكَ وزَوْجَتُكَ ودَخْلَكَ وغلطٌ وكذِبٌ وتدْليس ، هذه هي الكلمات غَيِّر كي يُغَيِّر فإذا ما غَيَّرْتَ ما غَيَّرَ كلمات مُخْتَصَرَة ومُفيدة ، وهذا هو مُلَخَّصُ المُلَخَّص .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجن (72 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشْرة من سورة الجِنّ وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
بَيْتُ الله مُنَزَّهٌ عن كُلِّ غَرَضٍ دُنْيَوي، بيتُ الله الذي جعله الله عز وجل مَرْجِعاً لِعِباده ونوراً يهْتَدون بِهَدْيِهِ ؛ هذا البَيْت لا ينبغي أنْ يكون لِغَيْر الله فأيَّةُ دَعْوَةٍ لِغَير الله في هذا البيت لا تجوز وأيَّةُ مصْلَحَةٍ تُحقق في بيت الله لا تجوز:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: خير البلاد مساجدها وشرُّها أسْواقها، الإنسان في المسجد يتعرَّفُ إلى الله وإلى منْهجه وإلى المؤمنين، وفي المسْجد تنشأُ روحٌ جماعِيَّة لذلك قال عليه الصلاة والسلام ((عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ رواه ابن ماجه ]
النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر إلى المدينة بدأ بِبِناء المسْجد قبل أنْ يبْنِيَ بيْته، لو دقَّقْتم لَوَجَدْتُم أنَّ أخْطر مكانٍ في حياة الناس هو المسْجد لأنَّكَ فيه تعْرف لماذا خُلِقْتَ ؟ ولماذا جيءَ بك إلى الدنيا ؟ وتعرف ما بعْد الموت ؛ من حِسابٍ وعذابٍ أوْ نعيم، تعرف الحلال والحرام، تعرف منهجك وكتاب الله، لذلك المسْجد أخْطر في حياة المسلمين، لذلك لا بد مِن أنْ يُعْتنى به، ويُعْتنى بِمَن يقومون عليه، وبِبِنائِه، أنْ يكون مُريحاً:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
والشيء الذي يُطَمْئِنُ أنَّهُ ما مِن بلْدَةٍ في بِقاع الأرض فيها حركة بناء المساجد على قدمٍ وساق كَهَذه البلْدَة ! والحمد لله رب العالمين، والمساجد عامِرَة بالمُصلِّين، بقيَ فقط أنْ يكون هؤلاء المُصَلُّون في المستوى الذي أراده الله لهم، أنت في المسْجد تتلَقَّى تعْليمات الصانِع، وتقْبِضُ الجائزة في أثناء الصلاة ؛ تأخذ التعليمات في طلب العِلم وتقْبِضُ الجائزة في أثناء الصلاة، أما مجال عملك هو البَيْت والسوق والطريق، وكُلُّ نشاطات الحياة، هذه من أجل التطبيق، هنا تأخذ تعليمات الصانع، لذلك من نَشَدَ ضالةً في المسْجد فقولوا له: لا ردَّها الله إليك ؛ بَيْعٌ شِراءٌ، قضِيَّة دُنْيَوِيَّة، خُصومات في المسْجد، المساجد صُمِّمَت للعِبادة، ونشْر العِلْم ولِمَعْرِف ؛ وأنَّ المساجد لله حصْراً فلا تدْعوا مع الله أحداً، لا يُعْقل أنْ يكون المسْجد لِدِعايَة اِنْتِخابِيَّة مثَلاً ! هذا البيت لله عز وجل ؛ الدَّعْوة إلى الله خالِصَة هناك مجالات كبيرة للتعْبير عن حال المُرَشَّحين لِمَجْلس الشعْب مثلاً، أما بُيوت الله فهِيَ لم تُخْلق لِزَيْدٍ أو عُبَيْد ؛ قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
أحْياناً إذا دَعَوْتَ إلى النبي وإلى معْرِفَتِهِ، ومحَبَّتِهِ وطاعته ؛ هذه من جمْلة الدَّعْوة إلى الله، ذَكَّرْتُكم في دُروسٍ سابقة أنَّني قلتُ لكم أنَّهُ يوجد حُبٌّ في الله وحُبٌّ مع الله، أنت حينما تُحِبُّ المؤمنين حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله أنت حينما تُحِبُّ العلماء العامِلين والصحابة الكِرام حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله، أنت حينما تُحِبُّ النبي عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء حُبُّكَ هذا يَنْبُع من حُبِّكَ لله وهذا حُبٌّ في الله وهو عَيْنُ التوْحيد، أما حينما تُحِبُّ إْنساناً بعيداً عن الله، ولِمَصْلَحَةٍ بينك وبيْنه هذا حُبٌّ مع الله، وهو عَيْنُ الشِّرْك، لو أنَّك وَقَفْتَ على المِنْبر وبيَّنْتَ شمائِل النبي عليه الصلاة والسلام وفضائله وصِفاته وأخْلاقه وفَحْوى رِسالته صلى الله عليه وسلم كان هذا عَيْنُ الدَّعْوة إلى الله لأنَّ الأنبياء تقْريباً كَلَوْحٍ شفاف يَشِفُّون عمن وراءَهم فقط ؛ ليس لهم ذاتٌ تظْهر، ذوات الأنبياء مُخْتَفِيَّة كيْ تَشِفَّ عن ذات الله عز وجل، لذلك الدعوة إلى معْرفة رسول الله عَيْنُ الدَّعْوة إلى الله، ومن هنا قال الله عز وجل
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾
[ التوبة: الآية 62 ]
ضمير المُفْرد لأنَّ إرْضاءُ الله هو عَيْن إرْضاء رسول الله وإرْضاء رسول الله هو عَيْنُ إرْضاء الله، وحياةُ النبي كُلُّها للتعْريف بالله، فإذا قلنا فلا تدعوا مع الله وليس في الله ؛ إنْ دَعَوْتَ إلى النبي فهذه دَعْوَةٌ في الله، أما إنْ دَعَوْتَ إلى إنْسانٍ ليس مُستقيم على أمْر الله فهذه دَعوةٌ مع الله، دائِماً المؤمن ضِمْن البَوْتَقَة أما غير المؤمن يرى نفْسهُ نِداًّ لِكُلِّ المعالم التي ينبغي أنْ تُقَدَّس، فالإنسان إذا دخل بيْتَ الله ينبغي أنْ يدْخُلَهُ بِنِيَّةِ التقرُّب إلى الله، وإنَّ بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زُوارُها هم عُمارُها فطوبى لِعَبْدٍ تطَهَّر في بيْتِهِ ثمَّ زارني وحُقَّ على المزور أنْ يُكْرِمَ الزائِر، كيفَ يُكْرِمُكَ الله عز وجل ؟ يُكْرِمُك بأنْ يُلقي الأمْنَ في قلْبك، والأمن أثْمن عطاء نفْسي، يُكْرِمُك بأنْ يُوَفِّقَك في حياتك هُمْ في مساجِدِهم والله في حوائِجِهم، ولا شيءَ أمْتَعَ من التَّوْفيق، ولا شيءَ يُزْعِج كالتَّعْسير، أحَدُ أنواع الضِّيافات التي تنالُها في بيت الله التَّوْفيق ؛ تُوَفَّقُ في بَيْتِك، وفي عملِكَ، وفي صِحَّتِك، وفي دُنْياك، وفي آخِرَتِك، فحالةُ المؤمن التي يَحُسُّ بها المؤمن هي ضِيافة، لأنَّ من دخَلَ بَيْتَ الله كان آمِناً، فالشُّعور بالأمن شيءٌ ثمينٌ جداً وقد جعلهُ الله خاصاً بالمؤمنين، والدليل قوله تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
[ الأنعام: الآية 81 ]
إذاً أيها الإخوة، الشُّعور بالأمن والرِّضا والسعادة و التَّفَوُّق وتيْسير الأمور بِبَيْتِكَ ونجاحُك بِبَيْتِكَ وفي عملكَ وفي علاقاتك وفي تزْويجِ بناتك وأولادك هذه كُلُّها ثِمار زِيارة الله في بيْتِهِ ؛ وإنَّ بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زُوارُها هم عُمارُها، أحْياناً تحمِلُ كَيْساً من الدنانير فرْطَ - قِطَع وليس ورق - فَيَظُنُّ الناس أنَّكَ تحْمِلُ الملايين، وما هو إلا ثلاثة آلاف وأحْياناً تحْمِلُ شيكاً قدْرُهُ ثلاثة ملايين، فالعِبْرَةُ ليس بالحجْم المادي، قد تأتي إلى بيتِ الله فَتَقْطِفُ ثِمار الأمل والحياة والتيْسير في كُلِّ علاقاتك، وبِالمُناسبة ؛ كُلُّكُم يعْلم أنَّك إنْ أدَّيْتَ زكاةَ مالِك حفظ الله لك بَقِيَّة مالك، أنت حينما تقْتطِعُ زمناً من وقْتِكَ الثَّمين لِتأتي إلى المسْجد؛ الوَقْتُ أصلٌ في كسْب المال، إنْسانٌ له محَلٌّ في موقِعٍ حساس ؛ هذا دخل وذاك خرج، فلو أذِّن للصلاة وأغْلق محَلَّهُ يكون قد ضَحَّى بِكَسْبٍ مادِّي، هذا قد أدَّى زكاةَ وقْتِهِ وإذا أدَّيْتَ زكاة وقْتِكَ حفِظَ الله لك بَقِيَّة وقْتِك، أحْياناً في وَقْتٍ قصيرٍ تُنْجِزُ عملاً كبيراً، حدَّثني شخْصٌ مُسافر من دِمَشق إلى أبو ضبي بالسيارة فقال لي: وَصَلْتُ إلى مسْجِد - المفْروض أنْ أُصَلي - فَقُلْتُ أكْسِبُ الوقْت وأُكْمل السَّفَر، أثناء الطريق تَعِبَ فَدَخَلَ إلى مطْعم ووجد فيه حمام فاسْتَحَمَّ لِيِتَنَشَّط وترك جواز سفره عند صاحب المطْعم، ثمَّ ارْتاح ساعَتَيْن وبعْدها أكْمَلَ الطريق ولما قطع مائة وثمانون كيلومتر تذَكَّر أنَّه نَسِيَ الجواز فقال لي: كَلَّفَني ترْكُ الصلاة ثلاث مائة وستون كيلومتر ! هم في مساجِدِهم والله في حوائِجِهم، وذكر لي أخٌ أنَّ أهْله أرادوا النُّزْهَة يوم الجمعة فأخَذْتُهُم وما صَلَّيْتُ الجمعة، فأخذ أهْله إلى الزبداني، وهو فيها أراد أنْ يملأ قليلاً من ماء بَقِّين، فإذا بِشابٍّ ركد نحْوي واحْتَرَمَني اِحْتِراماً غير طبيعي، وبعْدما ملأ له الدَّلْوَ ودخل السيارة فإذا به فَقَدَ حقيبَتَهُ الجِلْدِيَّة التي فيها مبْلَغاً من المال وهَوِيَّتُهُ الشَّخْصِيَّة، وشهادة سواقة، كَلَّفني ضياعُ هذه الوثائِق إلى أشْغالٍ كبيرة دامَتْ ستَّةَ أشْهر !! وإذا آثرتَ مصلحة مادِيَّة على الصلاة بالمسْجد خَسِرْتَ، أنت حينما تُؤدي الصلاة في المسْجد تدْفعُ بِهذا زكاة الوقت، وهذا معْناه أنَّ بَقِيَّة الوقت فيه بَرَكَة، في وقْتٍ صغير تُنْجِزُ عَمَلاً كبيراً، والله قادِرٌ على أنْ يُتْلِفَ لك خمسون ساعَةَ هباءً، لا تتشاغل عن الله في وَقْتٍ تُصَلي فيه، تَوْظيفُ الوقْت، إذْ حينما تقْتطِعُ وقْتاً لأداء الصلاة في المسْجد أو طلب العلم في المسْجد فأنت قد حَفِظْتَ الوقْتَ من التَّلَف ؛ هذا أوَّلاً، وثانِياً: قد بارك الله لك في وَقْتِكَ فأنْجَزْتَ في وقْتٍ قصيرٍ أعْمالاً كثيرة ؛ بارك الله لك في وقْتِكَ وفي صِحَّتِك وفي أهْلِكَ وفي وَلَدِكَ، أحْياناً تتعَبُ بِتَرْبِيَة ولَدِكَ فإذا به يُسافر ويأخذ جِنْسِيَّة ويتزَوَّج بامْرأة أمريكِيَّة وينْساكَ ؛ ولا رِسالة، لأنَّكَ أنْشَأْتَهُ نشأةً دُنْيَوِيَّة وبذلك خَسِرْتَهُ، أما لو أنَّك أنْشَأْتَهُ نشْأَةً إسْلاميَّة يكون لك، فَفَرْقٌ كبير بين أنْ يكون ابنك لك وزَوْجَتُك لك وتِجارتك لك ومالك لك، فالنقطة الدقيقة يجب أنْ تقْتطِعَ من وَقْتِكَ الثَّمين لأداء الصلاة في المسْجد ولِطَلَبِ العِلْم في المسْجد من أجل أنْ يحْفظ الله لك بَقِيَّة وقْتِك ومن أجل أنْ يُبارك لك فيه، أحد العلماء تُوُفي فَتَرَكَ مجْموعة كُتُب ؛ قَسَّموا أيامَ حياته على عدد صفْحات كُتُبِهِ فكان يَكْتُبُ كُلَّ يوم تسْعين صفْحة !! نحن لا يسعُنا أنْ نقْرأ عشْر صفْحات - لا الكِتابة- وليس التأليف !، وكذا الإمام النووي عاش خمسة وأربعين سنة، ترك الأذكار، ورِياضُ الصالِحين، وشرْح صحيح مسْلم وبُغْيَةُ المُحْتاج وهو أوْسَعُ كِتابٍ بالفِقْه، وهذا الإمام الشافِعي عاشَ سبعٌ وأربعون سنة ؛ ترك الأمُّ أكبر كتاب في أصول الفِقْه وهو أوَّل كتاب في أُصول الفِقْه، تجد علماء مائة مُؤَلَّف وذاك مائتان وثلاث مائة ؛ ما هذا ؟! هؤُلاء ألْقى الله عز وجل البَرَكَة في وَقْتِهِم لأنَّهم اِقْتَطَعوا من وَقْتِهِم الثمين وقْتاً لأداء الصلوات، ولِمَعْرِفَة الله، وطاعَتِهِ، لذلك قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا ﴿ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾
[ الجن: الآية 18 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجن (72 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدةُ والعِشرون والتي بعدها في سورة الجِنّ وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا(21)قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22)إِلَّا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 21-23 ]
القضِيَّة في هذه الآية أنَّهُ لا يسْتطيع أحدُ من الخلق أنْ يضُرّك ولا أنْ ينفعك إلا الله ؛ هذا هو التوْحيد فما دُمْتَ مُتَعَلِّقاً بِزَيْدٍ أو عُبَيْد، ومُعَلِّقاً الأمل على فُلان أو علان فأنت محْجوبٌ عن الله عز وجل ؛ فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يمْلِكُ لنا وهو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق ضَراًّ ولا رَشَداً فَمِن باب أوْلى أنَّ أحداً كم دون رسول الله لا يمْلك، لذلك هناك مُنْزَلَقٌ خطير، أنَّ الإنْسان يمْشي مع شيخٍ مثَلاً، يظُنّ أنَّ الشيخ يُنْجيه، ليس فقط الشيخ الذي لا يُمْكنه تخْليصُك بل وسيِّدُ الخلق وحبيي الحقّ إذا لم يكُنْ مُسْتقيماً، ولا أبْلَغَ من قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم: يا فاطِمَة بنتَ محمَّد، يا عباس عمَّ رسول الله، أنْقضا نَفْسَيْكما من النار، أنا لا أُغْني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناسُ بِأعْمالهم، وتأتوني بِأَنْسابكم من يُبْطِىء به عَمَلُهُ لمْ يُسْرع به أجله ؛ هذا فَيْصل، علاقتك مع الله حتى لو اسْتَطَعْتَ أنْ تنْتَزِعَ من فَمِ النبي الشريف - وهو الصادق المصْدوق وهو المعْصوم - بِطَلاقَةِ لِسانك، وَقُوَّة حُجَّتِك فَتْوى لِصالِحِك أو حُكْماً لِصالِحِك ولم تكنْ على الحق لا تنْجو من عذاب الله قال عليه الصلاة والسلام
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا *))
[ رواه البخاري ]
علاقتك مع الله وحْده وهو يسْتمِعُ إلى قَوْلِك، وعليمٌ بِحالك، ويعْلم ما لم تكُن تعْلم، عَلِمَ ما كان وعلمَ ما يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، عالِمٌ وقدير، حكيمٌ وخبير، بِيَدِه مقاليد السماوات والأرض وإليه يُرْجعُ الأمر كُلُّه فاعبُدْهُ وتَوَكَّل، مُلَخَّصُ هذا الكلام أنْ تعقد الأمل على الله وأن ترْجُوَ الله وأنْ تخاف الله، وأنْ تُعاهد الله ؛ إنَّك إنْ فَعَلْتَ هذا وَجَدْتَ نتائِج باهِرَة وتَوْفيق عجيب، وتيسير مُدْهِش وسعادة نَفْسِيَّة وطُمأنينة وراحة وتشعر بِعَيْن الرِّعاية الحِفْظ والتأييد، وهذا هو معْنى قول الله تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
[ البقرة: الآية 194 ]
معهم بالنَّصْر والتأييد والحِفْظ والتَّوْفيق، إنَّ الله مع المُتَّقين، وإنَّ الله مع الصابِرين، إذاً قلْ يا مُحَمَّد لا أمْلِكُ لكم ضَراًّ ولا رشَداً، هناك آيةٌ لا أقول أدَقّ ولكن في هذا الموضوع أبْلغ وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
[ الأعراف: الآية 188]
فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يمْلك لِنَفْسِهِ نفْعاً ولا ضراًّ فمِن باب أوْلى أنَّهُ لا يمْلِكُ لِغَيْرِه، دخل عليه الصلاة والسلام على سيِّدنا عثمان بن مضْغون وهو مُسَجىً على فِراش المَوْت ؛ تُوُفِّي، كشَفَ عنه الرِّداء وقبَّلَهُ فَسَمِعَ امْرأةً تقول: هنيئاً لك أبا السائِب فقد أكْرَمَك الله فقال عليه الصلاة والسلام:" ومن أدْراك أنَّ الله أكْرَمَهُ ؟ هذا تأَلِّي على الله وتطاول ؛ هذا صحابِيٌّ جليل وغزا مع رسول الله، وكان من أصْحابِهِ المُقَرَّبين، ومع ذلك قال لها عليه الصلاة والسلام ومن أدْراك أنَّ الله أكْرَمَهُ ؟ قال: قولي له أرْجو الله أنْ يُكْرِمَهُ ! مسافة كبيرة جداً بين أن تقول: لقد أكْرَمَكَ الله - كأنَّك تعْلمُ الغيب،ووَضَعْتَ نفْسَكَ مكان الإله - وبين رجاء الأكْرام قال عليه الصلاة والسلام: وأنا نَبِيٌّ مُرْسَل لا أدْري ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُم، هذا هو الأدب مع الله، والإنسان إذا بَقِيَ في حَجْمِهِ أَعَزَّهُ الله فإذا تطاوَلَ وتجاوَزَ حدَّهُ أذَلَّهُ الله، لذلك علاقَتُكم مع الله مباشِرة، اِسْمحوا لي بِهذه الكلمة: رجُلٌ داعِيَة يُحِبُّهُ ويُبَجِّلُهُ - المحبَّة في الله جُزْءٌ من الدِّين بل هي عَيْنُ التوحيد - وكُلُّ إنْسان يُحبُّ الرجل الصالح وذو العقيدة السَّليمة وصاحب الأخْلاق والمُتَبَصِّر وخِبْراته في الدِّين عالِيَة، لكنْ إياك أنْ تَتَوَهَّمَ لحْظَةً أنَّ مَحَبَّتَك لإنْسانٍ صالِحٍ تُنْجيك من عذاب الله، التَّوْجيه مفاده الاسْتِقامة مع أيِّ إنْسان وفي أيِّ مكان، أما إذا تَوَهَّمْتَ أنَّ إنْساناً صالِحاً يُخَلِّصُك من العذاب وهو ليس كذلك - طبْعاً يَرْوون قِصَصاً لا أصْل لها وكُلُّها خُرافات - أحدُ تلاميذ المشايِخ الكِبار تُوُفِّي ؛ فَدُفِنَ في قَبْرِهِ جاء المَلَكان لِيَسْألانه: فَتَلَقَّيا ضَرْبَةً من شَيْخِهِ قَذَفَتْهُما إلى خارِجِ القَبْر قال لهما الشَّيْخُ أَمِثْلُ هذا يُسْأل ؛ إنَّ هذا مِن جماعَتِنا !! هذه كُلُّها خُزَعْبَلات لا أصْلَ لها، هذا النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: سبحان الله إنَّ لِلمَوْتِ لَسَكرات، وقال: اِسْتَغْفِروا لِأخيكم فإِنَّهُ الآن يُسْأل، هو عليه الصلاة والسلام لا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعاً ولا ضَراًّ فلأنْ لا يمْلِكَ لنا نفْعاً ولا ضَراًّ من باب أوْلى، مقامه صلى الله عليه وسلَّم عند الله عظيم، أما أنْ يتَدَخَّل في شؤون الله تعالى ويُلْغي معْصِيَة ؛ فهذا كلامٌ باطِل وغير معْقول أبداً !!! المقْبول هو كما قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[ الزلزلة: الآية 7-8 ]
والمقْبول أنْ لا نُظْلَمَ فتيلاً، ولا قِطْمير ونقير، وما كان الله لِيَظْلِمَ عِباده هناك عدْلٌ والإنسان كلما عرف الله اِحْتَرَمَ نِظامه، النبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمنا أنْ نسأل الله مُوجِبات رَحْمَتِه، وعزائِمَ المغْفِرَة، هذا أُمِّيٌ قَدَّم طلب لِرئيس الجامعة يُرْجى إدْراجُ اسْمي في قائمَة الدكاترة التي تُدَرِّس في الجامعة !! هل معك شهادة ؟ لا، هذا يمْشي على التَّوَكُل ؛ شيءٌ مُضْحِك ! المُؤَهِّلات مُنْعَدِمة الجَنَّة لا بدّ لها من مُؤَهِّلات ؛ سِلْعَةُ الله غالِيَة وطلب الجنَّة من دون عَمَلٍ ذَنْبٌ من الذُّنوب، هل يسْتطيعُ من عنده كفاءة أنْ يُقَدِّم مُسابقة تحْتاج إلى ليسانْس ؟! فاسْأل الله موجِبات الرحمة وعزائِمَ المغْفرة، أما أنْ تتَمَنى على الله الأماني، هناك شخصٌ ساذِج بلا عمل ضاقَتْ به السُّبُل ونفْسُه فإذا به وجد حَدْوَة حِصان نِصْفُها ذَهَبي اللَّون والآخر غير ذلك فقال: أنا أمَّلْتُ مُسْتَقْبلي، كيف ؟ قال: فقط أُضيف عربة ودزينة خيط وإذا أُصبحُ عَرْبَجي !!! تفاؤُلٌ ساذِج، وهذا يُصَلي فقط ! كأنَّ الإسلام يحْوي بُنْدَ الصلاة فقط الجنَّة فيها بُنودٌ كثيرة ؛ في بَيْتِك وفي عَمَلِك، ومع زَوْجَتِك وأوْلادك، بِسَمْعِكَ بِبَصَرِك ولِسانك وخواطِرِك وعبادتك، وإنْفاقك، وصلواتك، وتِجارتك، وحِرْفَتِك... هذا هو الدِّين فإذا طَبَّقْتَ كُلَّ منهج الله قَطَفْتَ ثِمار الدِّين، الأمل سَخيفٌ ! بعضُهم أملهم بالجنة كَأَمَلِ إبْليس بالجنَّة ! قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)﴾
[ الحاقة: الآية 44-48 ]
إذا لم تكن تخاف الله تعالى فَمُشْكِلَتُكَ كبيرة ؛ كلما كَبُرَ عَقْلُكَ كلما تزْداد خَوْفاً من الله، وتضْبُطُ لسانك أكثر، ودَخْلَك، وإنْفاقك، وبَيْتُك، وعَمَلَك وعلامة العَقْل الاسْتِقامة على منهج الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22)﴾
[ الجن: الآية 22 ]
مرَّة كان الحَسَ البصْري عند والي البصرة فجاء توْجيهٌ من يزيد ؛ هذا التَّوْجيه لا يُرْضي الله عز وجل، فَوَقَعَ في صِراع أنا إنْ أطَعْتُ يزيد أغْضَبْتُ الله وإنْ لم أُطِعْهُ عَزَلَني، فقال للحسن ماذا أفْعل ؟ فقال له الحَسَنُ كلِمَةً تُكْتَبُ بِماء الذَّهَب وأتَمَنى على كُلِّ واحِدٍ مناَّ أنْ يحْفَظَها: إنَّ الله يمْنَعُكَ من يزيدٍ ولكنَّ يزيد لا يمْنَعُك من الله ! إذا أَعَنْتَ إنْساناً على الباطل ورَضِيَ عنك ثمَّ أُصِبْتَ بِوَرَمٍ خبيثٍ، هل يُنْجيكَ هو منه ؟! الله عز وجل له أدْوِيَة مُرَّة قال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
[ البروج: الآية 12 ]
ومن أعانَ ظالِماً سَلَّطَهُ الله عليه، أوَّلُ ضحايا الظالم الذي أعانَهُ، من أعانَ ظالِماً ولو بِشَطْر كلمة جاء يومَ القِيامة مكْتوباً على جبينِهِ آيِساً من رحْمة الله ! قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
[ المائدة: الآية 2 ]
كم من إنْسانٍ عَلَّقَ أمله على أوْلاده فَسَافَروا عليه وأخَذوا جِنْسِيَّة وتَزَوَّجوا ثمَّ قطعوا أباهم ! كم من إنْسانٍ أطاعَ زَوْجَتَهُ فأطاعَها وأغْضَبَ الله ؟! فلما ضَعُفَ أُهينَ إهاناتٍ لا يعْلمها إلا الله، تَتْرُكُهُ وتذْهَب إلى بَيْتِ أهْلِها وحاله الكِبَر ! إذا عَلَّقَ الإنسان آماله على سِوى الله زَلَّ، ومن اعْتَمَد على ماله ضَلَّ، ومن اعْتَمَد على الله ما ضَلَّ وما زَلَّ قال تعالى:
﴿ إلا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 23 ]
مُهِمَّةُ النبي أنْ يُبَلِّغ، ومُهِمَّة العلماء أنْ يُبَلِّغ وتنْتهي مُهِمَّتُهُ هنا ! ولا يُنْجيك من عذاب الله، ولا يُصاحبك في كُلِّ أحْوالك !! هناكَ كُتُبٌ فيها خُرافات يقول لك: شيْخي رآني وأنا بالفِراش ! من قال لك هذا الكلام ؟! هذا كلامٌ باطِل، الله عز وجل ما أعْطى أحداً عِلْمَ الغَيْب، أعْطى النبي عِلْمَ الغَيْب بِما يتعلَّقُ بالمُسْتَقْبل من أجل أنْ تُصَدِّقَهُ ؛ حَدَّثَنا عن أشْراط الساعة، ولكن ما أعْطى أحداً عِلْمَ الغَيْب، هناك شَطَحات شَوَّهَتْ معالِمَ الدِّين، عُدْ إلى الكِتاب والسُّنَة وإلى النَصِّ الصحيح، عُدْ إلى فِعْل النبي عليه الصلاة السلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ *))
[ رواه ابن ماجه ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)﴾
[ الجن: الآية 23 ]
فالمَعْصِيَة تنْتهي إلى جَهَنَّم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المزمل (73 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأولى من سورة المُزَمِّل وهي قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)﴾
[ المزمل: الآية 1-7 ]
كما قال الله عز وجل:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)﴾
[ الإسراء: الآية 78 ]
فالإنسان لا بدَّ له من أنْ يُشْحنَ حتى يتألَّق، فالتألُّق يحْتاج إلى شَحْن مثلاً بعض المصابيح تحْتاج إلى شَحْن حتى تُضيء فإذا شُحِنَتْ كثيراً أضاءَتْ أكثر، وإذا قَلَّ شحْنُها قلَّ ضوْؤُها فإذا انْعَدَمَ شَحْنُها اِنْطَفَأتْ فالإنسان لا بدّ له من شَحْن وهو الاتِّصال بالله ؛ في أيِّ الأوقات تكون الصِّلة مُحْكَمَة والجَوُّ مُناسِباً والإقْبال مُكَثَّفاً، والالْتِجاءُ حاراًّ ؛ هو وَقْتُ الليل، إنَّ ناشِئَة الليل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قيلاً، أعْمَقُ تأثير بالنّفْس بِحَيْث ينتج عنها قَوْل سديد، والقَوْل من عَمَل الإنسان فَكُلَّما اِرْتَفَع مُسْتوى قوله صحَّ عمله لأنَّ أحد الصحابة سأل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أوَنُؤاخذ بما نقول فقال:
عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ * ))
[ رواه أحمد ]
لا يسْتقيمُ إيمانُ عَبْدٍ حتى يسْتقيم قلبه ولا يسْتقيم قلبه حتى يسْتقيم لِسانه، فما لم يسْتَقِم اللِّسام لم يسْتَقِم القلب وبذلك الإيمانُ لا يصِحّ، فالذي يتَّصِل بالله اتِّصالاً مُكَثَّفاً الله عز وجل يُطْلق لِسانه بالخير، بالدَّعْوة إلى الله، وبذِكْر الله فأسباب هذه الدَّعْوة وأسْباب التألُّق ؛ إنَّ ناشِئَة الليل هي أشدُّ وطْئاً وأقْوَمُ قيلاً.
بعض العلماء اِعْتمدوا على بعض الأدلَّة أنَّهُ من صلى الفجْر في جماعة والعِشاء في جماعة فكأنَّهُ قام الليل، فهاتان الصلاتان مُتَّصِلتان بالليل وهما من الليل، والأوْلى على الإنْسان قبل الفجْر ولو صلى رَكْعَتَين يكون مُحَقِّقاً لِقِيام الليل، هو للنَبِيّ فرْضٌ وعلى أُمَّتِهِ سُنَّة أيها المُزَّمِل قمِ الليل إلا قليلاً المُزَّمِّل المُتَحَمِّل لِعِبْء الدَّعْوة، الإنسان حينما يعْرف من هو، ويعْرف حقيقته وهَوِيَّته، يشْعُر أنَّ رِسالةً قد حُمِّلَها من الله عز وجل، والإنسان التافِه ؛ ذو العَقْل يشْقى في النَّعيم بِعَقْلِه، وأخو الجهالة في الشقاوَةِ ينْعَمُ فالإنسان التافِه لا رِسالَةَ له، أما الإنسان المؤمن له رِسالة ينبغي أنْ يوصِلَها ؛ فهناك إنْسان يعيش لِيَأكل، وهناك من يأكل لِيَعيش لكن هناك من هو أرْقى منهما ؛ يعيشُ لِمَبْدأ، فالأنبياء والمرسلون، والعلماء والصالحون هؤلاء يعيشون لِمَبْدأ لذلك يسعدون، أيها الإخوة دَقِّقوا في هذه الفِكْرة لكم نفْسٌ إنْ جعلْتَ هَدَفَكَ محْدوداً تسْتَوْعِبُهُ النفْس، لا ينشأ معها الملل والسأم والضجر، لذلك تبْحث عن المُتْعَة المشْروعة وغير المشْروعة، النفيسة والخسيسة، المقْبولة والمرْفوضة، السبب هو الفراغ أما إذا جَعَلْتَ هَدَفَك أكبر من كُلِّ طاقَتِك ؛ إن جعلت هدفك الله عز وجل فأنت في شباب دائم فالإنسان في شيخوخة حينما تنتهي أهدافُه، أنت أوَّلاً شاب متَّقِدٌ، يعيشُ بالأحلام، في أوَّل حياته يتصَوَّر بيتاً له وزوْجَة بِمُواصَفات مُعَيَّنة، مَرْكز اجْتماعي، يعيش بالأحلام، متى تنْتهي سعادَتُهُ لما يتَحَدَّد بَيْتُهُ وزوْجَتُهُ وعَمَلُهُ ودخْلُهُ، الآن يشْعر بِالمَلَل والضجَر والتفاهَة أما المؤمن فلا يُمكن أنْ يضْجر لأنَّ هدفه الله، النَّفْسُ مُصَمَّمَة لأنْ تسْتَوْعِب أهْدافاً لا نِهائِيَّة فإذا جَعَلْتَ هَدَفَك محْدوداً ضَجِرَتْ نفْسُك، وكُلُّ اِنْحِرافات الناس من الضَّجر مثلاً الانْحِرافات الموجودة بِأمريكا لا يُصَدّقُها العقْل، سببها الضَّجر وهدفه خسيس ومُنْحَط، وصل إلى هَدَفِه فإذا به يريدُ شيئاً آخر، أما المؤمن الأمور المادِيَّة عنده وسائِل ؛ هَدَفُهُ الله عز وجل لذلك هو في شبابٍ دائِم شبابهُ الدائِم تفْسيرٌ لِطُموحه، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)﴾
[ المزمل: الآية 5 ]
كُلُّ أخٍ من الإخوة الحاضِرين إذا لم يشْعر أنَّ عليه رِسالة ينْبغي أن يُؤَدِّيَها، فهذا إنْسانٌ يعيشُ لِذاته، والذي يعيشُ لذاته يعيشُ على الهامِش أما الذي يعيش لِغَيْره يأتي على بُؤْرَة الاهتِمام فإنْ أردْتَ أنْ تسْعد فأَسْعِدِ الناس وساهِمِ تعريفهم وخِدْمَتِهم ورَفْعِ مُسْتواهم وفي نشْر الحقِّ والفضيلة، وأما إنْ أردْتَ أنْ تعيش على هامش الحياة فاهْتَمّ بِذاتك والذي يهْتَمُّ بِذاته يسْقُط في دائِرَة المَلَل والضَّجَر، وهناك نقطةُ مُهِمَّة من جعل الهُمومَ ذاته شغلهُ بالدنيا ومن جعل الهُمومَ هماًّ واحداً وهو الله تعالى كَفاهُ الله الهُموم كُلَّها اِعْمِل لِوَجْهٍ واحدٍ يكْفِكَ الوُجوه كُلَّها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)﴾
[ المزمل: الآية 7 ]
في النهار تُسَبِّح، وتُنَفِّذ هذا الذي اكْتَسَبْتَهُ بالليل، ففي النهار تُطَبِّق وتكْتَسِبُ وتُشْحَنُ بالليل، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)﴾
[ المزمل: الآية 8 ]
اِنْقَطِع له انْقِطاعاً تاماً لأنَّهُ أهْلُ التقْوى وأهل المغْفِرَة ؛ أهْلٌ أنْ تنْقَطِعَ له وأهْلٌ أن تجعل مرْضاتِه كلَّ هَمِّك، ومبلغَ عِلْمِك، ونِهاية آمالك، ومحَطَّ رِحالِك ؛ قال تعالى:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا(9)﴾
[ المزمل: الآية 9 ]
هناك مُحامون لامِعون إذا أعْطَيْتَهُ قَضِيَّتَك تشْعُر بِراحَةٍ وطُمأنينة ؛ القوانين واضِحَةٌ عنده ومُذَكِّراته قَوِيَّة، فإذا أنت سلَّمْتَ أمْرَك لِخالق السماوات والأرض، الله عز وجل قال:" فاتَّخِذهُ وكيلاً " ألا تُريدُ أنْ يكون الله وَكيلك، يُدافِعُ عنك، الثَّمَنُ والأتْعابُ المُقَدَّمة هي طاعَتُهُ فقط !
أطِعْ أمْرَنا نرْفَع لأجلك حُجْبنا فإنا مَنَحْنا بالرِّضى من أحَبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجنابِنــا لِنَحْميك مما فيه أشْرار خلْقِنا
فأنت حينما تُطيع الله عز وجل يتَوَلَّى أمْرك قال تعالى ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾
[ الطور: الآية 48 ]
وقال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)﴾
[ المزمل: الآية 10 ]
فالكافر الفاسق المُنْحَرف الفاجر الشارد ؛ يتكَلَّمُ كلاماً بلا ضَبْطٍ، ولا مسْؤولِيَّة ولا دليل، وَصَلوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: كاهِنٌ وساحِر ومجْنون... الله عز وجل أثْبَتَ هذه التُّهَم في القرآن لِيُرِيَنا أين رسول الله وأين كلامهم فَشيءٌ طبيعي جداً أنْ يُتَّهَم الإنسان الذي يُريد أنْ يُقَدِّم للناس شيئاً ثمينا ؛ إما حَسَداً أو ضَيْقَ أُفُقٍ أو ما شاكل ذلك، وقال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)﴾
[ المزمل: الآية 10 ]
أما التَّهْديد الذي يقْصِمُ الظهر فَهُوَ قوله تعالى:
﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)﴾
[ المزمل: الآية 11 ]
دَعْهُم لي أنا أُعالِجُهُم فإذا النبي عليه الصلاة والسلام دعا شخْصاً إلى الله وما اسْتَجاب، فالله حينها يتولى ترْبِيَتَك !
﴿ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)﴾
[ المزمل: الآية 11 ]
الإنسان لا يُمْكن أنْ يسبق الله عز وجل أنت في قَبْضَة الله، فإنْ أَبَيْتَ دينه كان هناك حساباَ عسيراً ودفْعُ ثمنٍ باهِظ.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المزمل (73 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية العِشرون من سورة المُزَّمل وهي قوله تعالى ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أنت لكَ عمل - أيُّ عمَلٍ - سواء بِحَجْمِهِ أو بواعِثِه أو غاياتُهُ أو الصوارف التي تصْرفُ عنه، أو العَقَبات التي تقفُ أمامه، حجْمُ التضْحِيَة من أجْلِهِ ؛ كُلُّ هذه الخصائص للعَمَل يعْلَمُها الله، الواحدُ مُرْتاح لأنَّ الذي يعْمل له يُقَدِّرُ عملَهُ حقَّ التقْدير، أحْياناً دِرْهَمٌ يسْبِقُ ألْفَ دِرْهَم، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في إخْلاصٍ خير من مائة ألفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ في رِياء، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في حياتك خيرٌ لك من مائة ألف درهمٍ يُنْفق لك بعد مَوْتِك، العَمَلُ له حجْمٌ هناك قصَّة ذكرتُها لكم ؛ إنسان ميسور أراد أن يبنيَ مسجداً في بعض أحياء دمشق الجديدة ؛ فبحث عن أرض فوجد أرضاً مناسبة، بحث عن صاحبها فإذا هو قد ورِثها قبل أشهرٍ يعمل مستَخدَمًا في مدرسة - آذن- راتبه ثلاث آلاف ليرة و عنده خمسة أولاد، فقير جدًّا، ساومه في الأرض حتَّى استقرَّ الأمر في ثلاثة ملايين و نصف، دفع له شيكاً بمليونين، الذي سيشتريها مليونير؛ وأراد أن يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد ؛ فوقَّع له الشيك وسلَّمه إياه ؛ فقال له أين الباقي ؟ قال له الباقي ندفعها في الأوقاف بعد التنازل عن الأرض للأوقاف، قال له: ولِمَ التنازل ؟ قال له سأنشئها مسجداً ؛ قال له: مسجد !! هاتِ الشيك و مزَّقه، قال له: أنا أولى أن أُقدِّمها للأوقاف منك، لا أسمح لك أن تقدِّمها أنت ؛ أنا أولى بها منك يقول هذا التاجر - و هو من المحسنين -: في حياتي ما غضبتُ مثل ذاك الغضب و ما صغُرتُ عند إنسان كما صغُرْتُ عند هذا الآذن يومئذٍ ؛ لأنه عندما قدَّم هذه الأرض قدَّم كل شيء يملكه على الإطلاق وبقيَ فقيراً، أما الأول فجزاه الله خيراً ؛ لو اشترى هذه الأرض فمن جزء بسيط من حجمه المالي، فمن يُقدِّر حجم العمل ؟! الله جل جلاله، من يُقدِّر مضاعفات هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الخسارة التي تحمَّلها من جراء هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر العقبات الكأداء التي كانت أمام هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الثوابت المغريات التي يمكن أن تصرف عن هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر البواعث الخفية ؟ الله جل جلاله من يقدِّر الأهداف؟ الله جل جلاله، العمل بكل تفاصيله و ملابساته ودوافعه و أهدافه و تضحياته و عقباته وصوارفه، الله جل جلاله يقدِّرها فالتَّعامل مع الله مُرِيحٌ لا يحتاج إلى واسطة و لا حلف ينين و لا شاهد أعرف عبدي، أعرف نيتك وحركتك و ما تحمَّلتَ في ؤ كم مجلس علم جلست، كل ذلك أعرفه، الله يقدِّر الليل والنهار، ليس هناك شعور مؤلم كأن تفعل عملاً كبيراً لا يقدِّره الآخرون، سفَّانة بنت حاتم الطائي دعتْ للنبي، قالت: أتأذن لي أن أدعوَ لك، قال: نعم، وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا، قالت: جعل الله صنائعك في أهل الخير والحفاظ، أي جعل الله معروفك عند من يُقَدِّرُهُ ويعرف قيمته، فهذه الآية لها معْنى عام وخاص ؛ إنَّك ربَّك يعلم أنَّك تقوم أدْنى من ثلثي الليل ونصْفه، أنت أخذْتَ شخْصاً معك في السيارة - طبْعاً البنْزين - غالٍ وأجَبْتَ دَعْوَةً لا لِشَيءٍ إلا إجابة الدَّعْوة ؛ أنت بِهذا قُمْتَ بِعَمَلٍ لا يعرف قيمته إلا أهله، أحْياناً يدْفعُ الإنسان لِوالِدِه مبْلَغاً هو بِأَمَسِّ الحاجة إليه ويُلَبِّي أمر والِدَتِه، أحْياناً تُطْلَبُ في وقْتٍ حَرِجٍ ؛ وأنت تأكل جاءَ طلبٌ لِعَمَلٍ صالح، فالله عز وجل يُقَدِّرُ كُلَّ شيءٍ بِكُلِّ بواعِثِهِ ومُلابساته وظروفه وعواقبه ومعْطَياته وأهْدافه قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قد يسْهر الإنسان من أجل ترْبِيَة أوْلاده طويلاً، يُتْعِبُ نفْسَهُ كثيرًا، ويُقَدِّمُ لهم كُلَّ شيء، ويعْمَلُ عمَلاً شاقاً لِيُكْرِمَهُم كي يَدُلَّهُم على الله هذا غير الأب الذي يقول: يتَرَبَّوْنَ لِحالِهم ! والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ؛ يُقَدِّرُ كُلَّ شيء.
ثمّ قال تعالى:
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قالوا: هذه الآية نَسَخَتْ فَرَضِيَّة قِيام الليل، إذْ أصْبح قِيامُ الليل فرْضاً على النبي صلى الله عليه وسلَّم وسُنَّةً على أصْحابه وأُمَّتِهِ من بعْدِهِ، عَلِمَ أنْ لا تُحْصوه فَتَاب عليكم فاقْرؤوا ما تَيَسَّرَ من القرآن فإذا اسْتَيْقَظتَ من الليل فاقْرأ ما تيَسَّرَ من القرآن ؛ رَكْعَتَيْن أو ثلاثة... ثمّ قال تعالى
﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
(سورة المزمل)
السَّفَرُ له أرْبع أهْداف: أعْظَمُ أنواع السَّفر ؛ سَفَرُ الجِهاد ونشْر الحق ثاني درجة: لِطَلَب العِلْم، ثالث درجة: للفِرار بالدِّين، رابِعِ درجة: لِكَسْب الرِّزْق، خامسُ درجة: للسِّياحة المَشْروعة الخالِيَة من المَعْصِيَة هنا الخطّ الأحمر، وبعد هذا الخط تبْدأ المعاصي والآثام، وينْتهي بِما يُسَمى اليوم السِّياحة الجِنْسِيَّة، يُسافرُ لِيَزْني !! وهي الغالِبَة على مُعْظَم الناس الآن فإذا سافر المرْء من أجل معْصِيَة الله والعِياذ بالله هذه أكبر أنواع المعاصي ثمَّ قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لأيِّ مخْلوق كائِناً من كان هو قَرْضٌ حَسَنٌ، تُقْرِضُ من ؟ الله جلّ جلاله، والله يُضاعف لك هذا أضعافاً كثيرة قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
من هو الشَقِيّ والمَحْروم ؟ هو الذي لم يُقرض الله قرْضاً حَسَناً، حَدَّثني أخٌ أنَّهُ كان بِسَفَرٍ بسيط ؛ بِمَصْيَف، ونسى جِهازَ الرَّفْع، وأوَّلُ مكانٍ صادَفْناه بِطَلْعَةٍ اخْتَلَّتْ العَجَلَة ! والمُشْكِلة أنَّ الرافعة غير الموجودة !! فأصْبَحَ يُؤَشِّر للمارَّة ساعَة وساعَتَيْن إلى أنْ وَقَفَ شخْصُ فقال: ما الأمر فقلتُ رافِعَة فأعطانيهاَ، فأَكْبَرْتُ صنيعَ هذا الأخ وقُلْتُ لا تخْلو الدنيا من أهل الخير لما انْتَهَيْت قال لي: أوَدُّ خَمْسَ ليْرات !! فقُلُْ له: لو طَلَبْتَ ألفاً لأعْطَيْتُك ؛ لَيْتَكَ لم تطْلُب خمس ليْرات، حَبِطَ عمله كان مُقْرِضاً لله ثمَّ أصبح ثمنه خمس ليرات، إذا كان مُقابل العمل الدراهم انْدثر الأجر، يوم القيامة يرى الإنسان اللُّقْمة التي أطْعَمَها لِفَقير مثل جبل أُحُد هناك من لا يتَحَرَّك حركة إلا وهو طالبٌ للنقود ! هؤلاء ما أقْرضوا الله قَرْضا حَسَناً، تُوُفِّيَ لأحد إخْواننا أخ، فالأخ الذي لم يتَوَفَّ معه الملايين، والذي تَوَفى لا يمْلكُ من الدنيا شيئاً، فقال لي ابن الأخ عزم أخزه هذا كُلَّ الذين جاءوا للتَّعْزِيَة وأَعْطاهم ثمان مائة لَيْرة ؛ وهي تُعادل الآن ثمانين ألف ليرة !! وقال هذه لأوْلاد أخي الفقراء، كسب الوَجاهَة والسُّمْعة، وأقْرِضوا الله قرْضاً حسناً، وما تُقَدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، ذَكَرَتْ لي أُخْت كنت معْزومَةَ على عُرْس فإذا قَدَّمْتُ باقة وُرود وَحَسِبْتُهُ من الزكاة فهل يجوز هذا ؟! قال تعالى:
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(20)﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المدثر (74 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المُدَّثِر:
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)﴾
[ المدثر: الآية 8 ]
أيْ نُفِخَ في الصور:
﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)﴾
[ المدثر: الآية 9-10 ]
ذَرْنِي
يا محمَّد صلى الله عليه وسلم
﴿ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾
خلقْتُهُ المخْلوق الأول ؛ كَرَّمْتُهُ وسَخَّرْتُ له ما في السماوات والأرض ومَنَحْتُهُ نعمة العقْل وحُرّيَّة الاخْتيار وأوْدَعْتُ فيه الشهوات لِيَرْقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، جَعَلْتُ له مالاً ممدوداً وزَوْجَةً من نفْسِهِ، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ الروم: الآية 21 ]
فهذا المخْلوق الذي عَرَضَ الله عليه الأمانة قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾
[ الأحزاب: الآية 72 ]
هذا هو معْنى قوله تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾
[ المدثر: الآية 11 ]
وهناك رأْيٌ آخر وتفْسيرٌ آخر، خَلَقْتُهُ ضعيفاً لا عُزْوَةَ له ولا أتْباع له ولا أهْل له ؛ وحيداً وسَيَأْتيني وحيداً، خُلِقَ وحيداً إلا أنَّهُ حينما يَكْبُر يُكَوِّنُ له جماعة، وأتْباعٌ وأنْصار، ويَدْعَمُ نفْسَهُ بأساليب مُتَعَدِّدة، يشْعُرُ بِمَكانة فإذا كان الإنسان بِبَلَدِهِ وله مكانةٌ فيه ومنْصَب وله أتْباع ومُريدين وأنْصار هذا مرْكَزٌ قَوِيّ، أما إذا جاء الموتُ لَقِيَ الله وحْدَهُ كما خَلَقَهُ وحْدهُ قال تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)﴾
[ المدثر: الآية 11-12 ]
الأغْنِياء يُعْطَوْنَ الدنيا، هذا يقول: لي مالٌ لا تأكُلُهُ النِّيران، ومالٌ لا ينْفَذ ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا(13)﴾
[ المدثر: الآية 13 ]
أوْلادٌ في بَيْت يشْهدون له فضْل الله عليه، أوْ أوْلادٌ يملئون له حياته بهْجَةً ويشْهَدون له كيْفَ خُلِقَ من ماءٍ مهين ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)﴾
[ المدثر: الآية 14 ]
الأمور كُلُّها مُيسَّرة له الآن بلغ الإنسان درَجَةً من الحضارة المادِّية جَعَلَتْ له كُلَّ شيءٍ مُيَسَّرٌ ؛ السفر، والطعامُ والشراب، والمَسْكن، والاتِّصالات والمَرْكب، الأرض مُذَلَّلةٌ وصُمِّمَتْ خِصيصاً لِتَقومَ بِحاجات الإنْسان، هذه الأرض أمينَةٌ على مصالح الإنسان، ثمَّ قال تعالى:
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)﴾
[ المدثر: الآية 15 ]
ينْسى ربَّهُ ويغفُل عنه ويطْمعُ أنْ أزيده عطاءً قال تعالى عندها: كلاَّ، هذه الآية معْناها أنَّ الإنسان أحْياناً يكون خَطُّهُ البياني صاعِد، إنْ لم يكن على طاعة الله فهذا الصُّعود مؤقتٌ ؛ لا بد من هُبوط، مُستحيل أنْ يكون خطَّك البياني صاعداً صعوداَ مُسْتمِراً إنْ لم تكن على طاعة الله ! هذا صُعودٌ مؤقت، و صُعودٌ اسْتِدْراجي، وصُعودٌ يكْشِفُ عن حقيقتك، وصُعودٌ لِتُبْتلى، ثمَّ هناك هُبوطٌ حادّ ؛ إلا إذا كان طائِعاً لله فَصُعودُهُ مُسْتَمِرّ ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)﴾
[ المدثر: الآية 16-18 ]
هذه الآية تُبَيِّن أنَّ عقْل الإنسان كَعَيْنِهِ ؛ عَيْنُ الإنسان رائِعَةٌ جداً ولكن لا قيمة لها من دون ضَوْء لو وَضَعْنا إنْساناً أعْمى في غُرْفَة، وإنْساناً بصيراً في أدّقِّ أنواع البَصَر وأطْفأنا المِصباح لهما، فهما سواء ! فالعَيْنُ لا قيمة لها من دون نور كذلك العقل لا قيمة له إلا إذا كان هناك وَحْيٌ يهْتدي به لا بدّ من وَحْيٍ فِبِدون الوَحْي إنَّهُ فكَّر وقدَّر، الأجانب يُفَكِّرون ويَرَوْنَ أنَّ السعادة بالإباحِيَّة وبالزِّنى والشذوذ، وبِكَسْب المال بأيِّ طريق، وبِقَهْر الشعوب، وغصْب الثروات، وبالاسْتِعْلاء ؛ تفْكيرهم قادهم إلى هذا غفلوا عن الآخرة وظنوا أنَّ هذه الدنيا لهم وحْدهم، زارني أخٌ صباحاً فقُلْتُ له كلمة موجَزَة مهما ذَهَبْتَ إلى بلاد الغرب ورأيْتَ من إنْجازات علميَّة حدائق، مواصَلات، نظام صارم، أرض خضْراء، بلادٍ غَنِيَّة، ونظام قاسي ؛ إنْ كان هناك آخرة المؤمنون أذْكى منهم ؛ من باب الدُّعابة إنْ لم تكنْ هناك آخرة هم أذْكى منا لأنَّهم يعيشون في الرَّفاه واغتصبوا ما أرادوا، ثمَّ الحساب منعدم! أما إذا كان هناك حساب دقيق وآخرة أبدِيَّة للمُحْسِنِ المُستقيم، هنا يُصبحُ المؤمنون أذكى منهم، لذلك الإنسان عليه أن لا يتسَرَّع ؛ قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)﴾
[ المدثر: الآية 18-26 ]
لا يُنكرُ الإنسان أنَّهُ يُمكن أن يتفلَّتَ من منهج الله دون أنْ يطْعن في الدِّين الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب، يقول لك: الدِّين شيءٌ قديم فيه سذاجة، ومحْدودِيَّة، فيه غَيْبِيات وهو غير عِلْمي لا ترى الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب إلا وهو مُتَفَلِّت عن المنهج الرباني ؛ هذا الرأي السَّلْبي حتى يتوازن مع نفْسِهِ، الدِّين حقّ وهو مُخالفٌ لأوامره يخْتَلّ توازنه ويقعُ في قلقٍ شديد، فلذلك الإنسان من علامة ضَعْفِهِ أنَّهُ يتفَلَّت من منهج الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ(28)لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)﴾
[ المدثر: الآية 18-30 ]
هذا كلام ربِّ العالمين أيها الإخوة، كما قُلْتُ سابِقاً الأمور لا تجْري على ما يُرام إلا ما شاء الله، غير المؤمنين هناك صُعود ثمّ هبوط، أما إذا كنت مؤمناً فَخَطُّك البياني دائِماً في صُعود واسْتِمْرار إنْ شاء الله، ويجْعَلُ الله للمؤمن نِعَمَ الآخرة مُتَّصِلَة بِنِعَم الدنيا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المدثر (74 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة في سورة المُدَّثِّر وهي قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[المدثر: الآية 38-47]
لو أنَّ تاجِراً ذهب إلى سِجْن عدرا، وسأل مسْجوناً هناك، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ يقول مثلاً: بضاعة غير نِظامِيَّة، وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال: تحْويل العملة خِلاف القانون، هذا الجواب من هذين السجينَيْن ألَيْساَ درساً بليغاً لِهذا التاجر الطليق، الآن ربنا عز وجل ينقلنا إلى مشهد من مشاهد يوم القِيامة ؛ جَهَنَّم ممتلئة بمن فيها، وقد سُئِلَ بعض من فيها: ما الذي أوْصَلَكم إليها ؟ هذا كلامٌ دقيق جداً، فالله عز وجل أعاننا على أنْفسنا، وأعْطانا أحد أكبر أسباب دُخول النار، قال:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 42-43]
الدينُ هو الصلاة ولا خير في دينٍ لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدِّين ومن هَدَمها فقد هدَم الدِّين، الصلاة هي الفرْض الذي لا يسْقط بِحالٍ، فالصيام يسقط عن المريض والمُسافر، ويسقط الحجّ عن المريض والفقير، والشهادة تُؤَدى مرَّةً واحدة، وكذا الزكاة على الفقير إلا الصلاة فهي الفرض المُتَكَرِّر الذي لا يسقط بِحال، وهي عماد الدِّين، فلو تَصَوَّرْتَ خَيْمة لها عمود بالوَسَط، لو ألْغَيْتَ هذا العمود لم تبْقَ خَيْمة وأصْبَحتْ قِماشاً على الأرض، هذه الخَيْمة بِهذا العَمود، فالصلاة عمود الدِّين أو عماد الدِّين، الشيء الذي يوصِل إلى النار قولهم: لم نكنُ من المُصَلين ! والدِّين اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق، فَهُناك حرَكَة نحو الله، وحركة نحو عِباد الله، نحوَ الله اتِّصالاً ونحو عباد الله إحْساناً قال تعالى:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾
[مريم: الآية 31]
الدِّينُ كُلِّه في كلمتين: اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق.
الآن هناك ألف مُشْكلة مع الخَلْق، وهذه المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله، فإذا صَحَّت صِلَتُهُ بالله حُلَّتْ مُشْكِلاته مع الخَلْق والطبيب الناجح إذا رأى اِرْتِفاع الحرارة يَعُدّ هذا الارْتفاع عارِضاً وليس مَرَضاً، فَهُوَ عرَضٌ لِمَرَضٍ، فهُوَ يُعالِجُ المَرَض وليس يُعالِجُ العَرَض أما الطبيب غير الناجح يُعْطي خافِض للحرارة أما السبب موْجود والمرض موجود فأنت بين أن تُعالِجَ العَرَض بِمُسَكِّن، وبين أنْ تُعالِجَ أصْل المَرَض بِدَواءٍ مُضادٍّ للالْتِهاب، إذاً المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله عز وجل، فالانْقِطاع عنه تعالى يُورث أنانِيَّة وكِبْر وعُدْوان وأن تأخذ ما ليس لك، وأن تخْدع وتكْذب وتُنافِق، هذه كُلُّها أعْراض الإعْراض، ولو أنَّك اِتَّصَلْتَ بالله عز وجل لَكُنْتَ إنْساناً آخر فلذلك الآية الكريمة:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
يعْني اكْتَسَبَت عملُها والعمل مُطْلق حركة الإنسان، فأنت لك حركة إذْ تخرج من البيتْ وتلْتقي مع صديق، دَخَلْتَ إلى بَيْتك، وعامَلْتَ زَوْجَتَك وأوْلادك حركتُك في الحياة ما بين بيْتِك وعمَلِك، وطريقِكَ وحِلِّكَ وتِرْحالِكَ وسَفَرِك وإقامَتِكَ ومَرَضِكَ وصِحَتِك وغناك وفَقْرِك، فالحَرَكَة هي الكَسْب وهي من اخْتِيارك وأنت منوطٌ بِهذا الكَسْب، وهذا الكَسْب والحركة والعمل إن كان كريماً أكْرَمَكَ، وإن كان لئيماً أسْلَمَك، وفي النِّهاية إنْسانٌ مُحْسن في بيْتِه وفي عَمَلِه، وصادق ومُستقيم، فهذا إذاً عمله صالح، وما دام عملهُ صالح فالثَّمَن الجَنَّة، قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
والدين كُلُّهُ قُيود، بل حُدود وضمانات لِسَلامَتِك، وهذه الأخيرة سبيل إلى الحُرِيَّة والرُّقَي، وتَرْكُ الدِّين كُلِّه هي حُرِيَّة البهائِم، وحُرِيَّة التَفَلُّت وتنْتهي إلى القَيْد ؛ إما قَيْدٍ نفْسي كالكآبة، وإما قيْدٍ حقيقيٍّ كَالسِّجْن، فإذا تَفَلَّتَ الإنسان من منْهج الله سَيَنْتهي بِمَرَضٍ نفْسي أو مهْجَعٍ من مهاجِع السِّجْن، أم إذا تَقَيَّد بِأمْر الله رَفَعَهُ الله عز وجل، فالنَّفْسُ رهينَةُ عَمَلِها ومَحْبوسَةٌ بِعَمَلِها، وبالحياة العَمَلِيَّة نفْس الشيء ؛ المُواطن المُنضَبط بالقوانين طليق، ومعه تأشيرة خُروج دائِماً، ويُسافر إلى أيِّ بلَدٍ أراده ولا أحد يمْنَعُهُ من ذلك، أما المُتَلَبِّسْ بِجَريمة قابِعٌ بالسِّجْن، وحُجِزَتْ نَفْسِيَّتُه قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)﴾
[المدثر: الآية 38-39]
قال تعالى:
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)﴾
[المدثر: الآية 40-42]
ما الذي أوْصَلَكم إلى النار قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 43]
التِّصال بالله منعدِم قال تعالى:
﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)﴾
[المدثر: الآية 44]
الإحْسان إلى الخلق منعدِم قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
مُصَمِّم أزْياء بِفِرَنْسا، يُحَدِّد للمُسلِمات في العالم الإسْلامي ثِيابَهُم، إذا أراد أنْ يُقَصِّر فله ذلك، وإن أراد التضْييق ضَيَّق، لو دَخلوا جُحْر ضَبٍّ لَدخَلْتُموه، يقولون لك: هكذا المُودا، رَكَّبوا صُحوناً فَرَكَّبْناها فأنت مع التيار العام والانْحِراف، ومع صَرْعات الأزْياء، والمُسْتَجَدات السَّخيفة ومع السُّلوط الرخيص، هكذا الناس، وهي حُجَّةُ الناس جميعاً ؛ هكذا الناس ! هل الكُلُّ على الغلط ؟! نعم كُلُّهم على الخطأ والغلط قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116﴾
[الأنعام: الآية 116]
وقال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28)﴾
[النجم: الآية 28]
وعندك بيْتاً ومُسْتأجر بيت وتوَدُّ النِّصْف الآخر لماذا ؟ كُلُّ الناس هكذا !! أصْبح هذا عُرْف، فإذا كان الإنسان ليس له بيت، وكان مُضْطر وسَيُصْبحُ بالطريق، يقول لك: سَنُعْطيه له بِنِصْف ثَمَنِهِ مع أنّه هذا الأخير له بيْت ! فالذي يُحَكِّم العادات والتقاليد غير الصحيحة ويَلْهَث وراء صَرْعات الأزْياء ؛ هذا هو معنى قوله تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
والناس تقول: ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قُطاع الرؤوس.
قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)﴾
[المدثر:الآية 46]
لا يوجد تَكْذيب قولي في العالم الإسلامي، لا يجْرأ مُسلم أنْ يقول ليس هناك آخرة، أما إذا تَفَحَّصْتَ عملَهُ تجِدُهُ قطْعاً، لا يؤمن بالآخرة، فالذي يأخذ ما ليس له هل هذا يؤمن بالحِساب الدقيق، وهل يؤمن بِقَوْله تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
لو ذَهَبْتَ إلى بَيْروت هناك أشْياءٌ جميلة جداً، لكن هناك أمور ليْسَت من أهْلك، كُلَّما اشْتَرَيْتَ شيئاً تُفَكِّر بالطريق عن الجُمْرك هل تُؤخذُ منِّي ؟! وهل يُدَقِّقون فيها ؟ معقول أن تجد في بَيْروت سيارة رخيصة ولا تُدْخِلُها للشام ! لن يُسْمح لك بإدْخالها، وكذا المؤمن كلما وَقَف بِمَوْقف فَكَّر بِمَوْقِفِه أمام الله عز وجل، وهل يُسامِحُني فيها الله تعالى ؟ هذا هو مَوْقف المؤمن إذاً التَّكْذيب عَمَلي وليس قَوْلي، الآن تجد ستة آلاف دَعْوة كُلُّها كَيْدِيَّة بِقَصْر العَدْل، وكُلٌّ يأكل الآخر، مع أنَّهُم مُصلون !! نقول بِصَوْتٍ كبير هذا الذي يأخذ ما ليس له عُدْواناً: هذا يُكَذِّبُ بالآخرة ولكن تَكْذيباً عمَلِياً وليس قوْلِياً إذْ لو كَذَّبْتَ قَوْلِياً لناقَشْناك، أما أنت تُلَبِّس في الكَلام وهذا أخْطر، يقول: لا سبحان الله نؤمن بالله واليوم الآخر، أم لو تَفَحَّصْنا عَمَلَك لَوَجَدْناهُ خالِياً من الإيمان، فَحَرَكَتُك خِلاف منهج الله تعالى فهذه أربع خصائص:
لم نك من المُصَلين ولم نَكُ نُطعمُ المسكين وحركتنا بالحياة أننا كنا نخوض مع الخائِضين، وسبب اِنْكِبابنا على المعاصي: التكذيب العَملي كنا نُكَذِّب بِيَوم الدِّين، بِصَراحة بالتعْبير العامي: لا أحد قابِض جهنَّم، أما لو وضَع كبريت على يده وَلْوَلَ، إذا كان زبون غشيم تُلْبِسُه أسْوء بِضاعة بِأغبى سِعْر، وتشْعر أنَّك شاطر، وإذا الأخ الكبير يأخذ كُلَّ الثَّرْوة ويسْتغِلّ ضَعْف إخْوته ويأخذ وكالة عامَّة ويتْركهم لا شيء، لذلك من آمن بقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
وقفَ عند حُدود الله، فهؤلاء الذين في النار سبب دُخولهم فيها هذه الأشياء الأربع، ونحن في الدنيا أعْطانا مَشْهد من مشاهد يوم القيامة قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾
[المدثر: الآية 43- 46]
الحقائق التي جاء بها الأنبياء يعرفها الناس جميعاً يومَ القِيامة، وهذه المعْرِفَة لا قيمة لها إطْلاقاً ولا تُقَدِّم ولا تُؤَخِّر تماماً كالذي يدخل للامتحان والورقة بيْضاء يأخذ صِفْر، ثمَّ إذا رجع إلى البيتْ يفْتح الكتاب فإذا به يفْهم السؤال، فَفَهْمُ السؤال بعد أداء الامتحان لا قيمة له إطْلاقاً، فلو قدَّم للوزير أنَّني عُدْتُ إلى المنزل وفَهِمْتُ الجواب على السؤال، كي يُدْرج اسمي مع الناجِحين ! لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾
[الأنعام: الآية 158]
الإيمان قيمتُه في الوقْت المُناسب، وأنت حيٌّ تُرْزق وأنت صحيح قَوِيٌّ غَنيّ، أما على فِراش الموت كُلُّهم يؤمن حتى فرعون، من الذي أنكر وُجود الله، الذين قالوا: لا إله هذا نفسُه تؤمن وسيقول كما قال تعالى:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
[يونس: الآية90]
فرعَون وآمن، والإنسان قبل فوات الأوان يجب أنْ يعرف الواحد الدّيان.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)﴾
[المدثر: الآية 48]
يا فاطمة بيت محمد ويا عباس عمَّ رسول الله أنقِضا نفْسَيْكما من النار فأنا لا أُغْني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بِأعْمالهم وتأتوني بِأنْسابكم من يبطئ به عمله لم يسْرِع به أجله، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
[الزمر: الآية 19]
يعني يا محمّد هل تُنْقذ من في النار؟ مُسْتحيل، أما مفهوم من مات مُوَحِّدا غير مُشْرك بالله فهذا درس الشفاعة له مفهومه الصحيح لا بد أن لا يخرج عليه الإنسان في فهْمه، أما أن يتفلَّت الإنسان ثمّ يقال شفاعة، فهذا مفْهوم ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، مثاله من قدَّم لامتحان اثنى عشرة مادّة فَنَجح إلا في واحدة تنقصُه بعض النقاط فهذا يُمكن أنْ يُشْفع له، أما كُلُّ المواد صِفْر ثمَّ الشفاعة !! هذا كلامٌ مَرْفوض.قال تعالى:
﴿ فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)﴾
[المدثر: الآية 49-51]
خلقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ أفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُهُ لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضتي لم أُخالِفْكَ في رِزْقِك، وعِزَّتي وجلالي: إن لم ترضَ بما قَسَمْتُهُ لك فلأُسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترْقُد فيها رقْد الوَحْش في البريَّة ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تريد وإنْ لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المدثر (74 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في أواخر سورة المدَّثر:﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فالإنسان يتحرَّك، يعْمل، ينتمي، يُوالي، يتعلَّق، يميل، من هذه الجِهَة التي ينبغي أنْ تميل إليها ؟ وأن تتعلَّق بها وتُحِبَّها ؟ وأن تمْحَضَها إخْلاصَك وحُبَّك ؟ وأن تُطيعَها وتُفْنِيَ شبابك فيها ؟ وتُمْضِيَ طول عُمْرك في طلب رِضْوانها ؟ إذا كنت تعرف من أنت ؟ فلن ترْضى إلا أنْ يكون الله عز وجل هو مَحَطُّ آمالك، ونِهايَةُ رغباتك.
الإنسانُ أحْياناً تصْغُرُ نفْسهُ فَيَتَعَلَّقُ بِزَوْجَةٍ، أو بِقَوِيٍّ يُواليهِ، يُقَدِّمُ له كُلَّ إمْكانِياته، طبْعاً هو أهْل التقْوى، ليس إلا الله أهْلٌ أن تُطيعَهُ وتتَّقِيَهُ وأن تُخْلِصَ له، لأنَّ المخْلوق ضعيف، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
[فاطر: الآية 14]
لكنَّ الله سبحانه وتعالى معك ويسْمَعُ دعاءَك، ويسْتجيبُ لك ويُحِبُّك فقَضِيَّةُ الإيمان هي ولاءٌ لله عز وجل، المؤمن يُوالي لله قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾
[البقرة: الآية 165]
إحْدى الصحابِيات الجليلات عَقِبَ معْركة أُحُد ذَهَبَتْ إلى أرْض المعْركة فإذا زَوْجُها بين القَتْلى، قالت: ما فعَلَ رسول الله ؟ فإذا بِأبيها بين القَتْلى فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا ابنها بين القَتْلى، فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا أخوها بين القَتْلى ؛ ما من امرأةٍ ترى زَوْجها وأباها وأخاها وابنها قتْلى وتسأل عن رسول الله ! فمازالتْ تسْأل عنه حتى رأتْهُ بِأُمِّ عَيْنِها واطْمأنَّتْ، وقالتْ: يا رسول الله كُلُّ مُصيبةٍ بعدك جَلَل !
أردتُ أن أبيِّنَ لكم أنت تُوالي من ؟ هناك من يعْصي الله من أجْل زَوْجَتِه معنى ذلك أنَّ ولاءه لِزَوْجَتِه، وإنسانٌ يعْصي الله من أجل أولاده، ومعنى ذلك أنَّ ولاءه لأوْلاده، إنْسان يعْصي الله من أجل قَوِيٍّ يتمنى قُرْباً منه أو نوالاً أو عطاءً أو يتَّقي شَرَّهُ فَيَعْصي الله، إذاً ولاؤُهُ لهذا القَويّ بينما المؤمن ولاؤُه لله عزَّ وجل، ومن كان الله وَلِيَّهُ كاهُ كُلَّ شيء.
الله عز وجل حينما يتدَخَّل فَكُلُّ شيء بِيَدِهِ، فَمَن هو العاقل ؟ هو الذي يُوالي أقْوى الأقْوِياء وهو الله تعالى، وملِكَ المُلوك، أنا ملِكُ المُلوك ومالكُ المُلوك قُلوبُ المُلوك بِيَدي، فإن العِبادُ أطاعوني حَوَّلْتُ قلوب المُلوك عليهم بالرَّحْمة والرأفة، وإنْ العباد عَصَوْني حَوَّلْتُ قُلوب العِباد عليهم بالسُّخط والنقْمة، فلا تشْغُلو أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلوك، وادْعوا لهم بالصلاح فإنَّ صلاحَهم بِصَلاحِكم، ما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بي من دون خَلْقي أعْرفُ ذلك من نِيَّتِه فَتَكيدُهُ أهْلُ السماوات والأرض إلا جعَلْتُ له من بين ذلك مخْرجاً وما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بِمَخْلوقٍ دوني أعْرِفُ ذلك من نِيَّتِه إلا جَعَلْتُ الأرضَ هَوِياً تحت قَدَمَيْه، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يَدَيْه، المؤمن وَلِيُّه الله، قال تعالى:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾
[يونس: الآية 62]
ولله رِجالٌ إذا دَعَوا الله أجابَهُم، وأعْظَمُ كرامَة ينالُها المؤمن عند الله كرامَةُ العِلْم وكرامة الدُّعاء المُسْتجاب، فحينما تكون وَلِياً لله عز وجل يكون دُعاؤُكَ مُسْتجاب وهو يَحْفَظُك لذلك قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
[الأفال: الآية 19]
وقال تعالى:
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
[البقرة: الآية 193]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾
[البقرة: الآية 153]
ماذا تعْني كلمة مع ؟! معَهُم بالتأييد والنَّصْر والحِفْظ والتَّوْفيق، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
[المائدة: الآية 12]
هذه مَعِيَّةُ الله مبْذولةٌ لكم جميعاً ؛ هو أهل التَّقْوى، ولذلك من قال: الله أكبر ألْفَ مرَّة وأطاعَ مخْلوقاً وعصى خالقاً فما قالها ولا مرَّة ولو رَدَّدها ألْف مرَّة، لو كانت لك بضاعة كاسِدة جاءك من يطْلبها أوْهَمْتَهُ أنَّها جيِّدة جداً، وكذَبْتَ عليه حتى بِعْتَها، مع أنَّكَ خالَفْتَ أمْر الله عز وجل إذْ كَتَمْتَ عَيْبَها وحقيقَتَها، فأنت بِهذا العَمَل ترى أنَّ بَيْع هذه السِّلْعة أغْلى من رضى الله تعالى، فالقَضِيَّة مع الله ليس كلاماً تتكَلَّمُه فَبِالكلام نحن فِداه، ونُحِبُّه ونُطيعُهُ، دينُكَ يظْهر في مَحَلِّكَ التِّجاري، وفي بَيْعِكَ وشِرائِك وفي صِدْقِكَ وأمانتك، فإذا كانت طاعة الله عندك أغنى من كُلِّ شيء كنت ولِياً لله وإن لم تكن كذلك كانت هناك مُشْكلة كبيرة تتعَرَّضُ لها، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56) ﴾
[المدثر: الآية 56]
فلا يليق بك أنْ تكون لِغَيْر الله، وإلا تحْتقِرُ نفْسك كلُّ إنسان يجْعل نفْسهُ تَبَعاً لِجِهَة أرْضِيَّة أو تبعاً لِجِهَة قَوِيَّة، أو لشَهْوة من شَهَواتِه، معنى ذلك أنَّهُ لا يعرف الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55) ﴾
[ المدثر: الآية 54-55 ]
فالإنسان بِصِحَّة جيِّدة وفي بَحْبوحة وفي بَيْتِهِ، يتحرَّك، وحواسُّهُ الخَمْس سليمة، وعندهُ قوتُ يومه، وله أهْل، أما حينما يقترب الأجل وكان هناك تقْصيرٌ سابقاً يصيحُ الرَّجُلُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهْل الأرض لَصُعِقوا، نَدَماً على ما فرَّطَ، قال تعالى:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
[الزمر: الآية 56]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾
[الفجر: الآية 24-30]
وقال تعالى:
﴿ َيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
[الفرقان: الآية 27]
فَكُلُّ إنسان ينْدم كان ذلك دليلاً على نَقْصٍ في العَقْل أما سيِّدُنا عليّ قال: لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، ولو عَلِمْتُ أنَّ غداً أجلي ما قَدَرْتُ أنْ أزيدَ في عَمَلي.
أنا وَقَفْتُ عند هاتين الكلمتين ؛ هو أهل التقوى أيْ أهْلٌ أنْ تُحِبَّهُ أبَدِي وسَرْمدي، لو أحْبَبْتَ من دونه ؛ أحْياناً يُحِبُّ الإنسان زوْجتهُ فإذا كبرَتْ بالسِّنّ ذهب أكثر بريقِها، أو تتنَكَّرُ له حينما يكبرُ أوْلادها تُهْمِلُ زوْجَها وما أكثر من يفْعَلْن ذلك، فَهُوَ مَحَضَها حُبَّهُ وإخْلاصَهُ، وهي قابَلَتْهُ إنْكاراً لِجَميلِهِ، والنبي قال: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (( رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قَالَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا وَلَكِنْ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ * ))
[ رواه أحمد ]
فَكُلُّ إنسان يضَعُ كُلَّ آمالهِ بِزَوْجَتِهِ أو أوْلاده أو مالِهِ، قال أحدهم كلمَةً أظُنُّهُ مؤمناً لكِنَّهُ غلط: الدراهِم كالمَراهِم، تَحُلُّ كُلَّ مُشْكِلَة، فإذا بالله بعثَ له مُشْكلة بَقِيَ بالسِّجن ثمانٍ وستون يوماً ولم تحلّ معه بالدراهم، فأنت بِتَوْفيق الله وحِفْظِهِ لا بِمالِك ولا بِأعْوانك، وكُلُّ إنسانٍ يتعلَّق بآخر ويضَعُ كُلَّ الثِّقَة عليه ويعْقِدُ كُلَّ الآمال عليه الله عز وجل يُلْهِمَ هذا المُتَّبَع أنْ يتنكَّرَ لك ! وهذا يحْصل دائِماً.
قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فإذا أراد أنْ يغفر لك فلا جِهَة تمْنعُه، أما الأشْخاص يقول لك: لا أستطيع والقانون لا يسْمحُ لي أنْ أُسامِحَكَ بالضَّريبة، وهناك لجنة مُبايعات فلا أستطيعُ أنْ آخُذها بهذا السِّعْر، فأيُّ جِهَةٍ أرْضِيَّة هناك جِهَةٌ أعلى منها قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
[المائدة: الآية 118]
الذي لا يحفظ كتاب الله يقول: فإنَّك أنت الغفور الرحيم ! ولكن الآية فإنَّك أنت العزيز الحكيم، أيْ إنْ أردْتَ أنْ تغْفر فلا جِهَة تُحاسِبُك لماذا غَفَرْتَ ؟! فلو أنَّ أعلى إنسانٍ أعْفاك من ضريبة لَحُوسِبَ، أما إذا أراد الله تعالى أنْ يغْفر لك فلا يوجد في الأرض جِهَةٌ تمْنَعُه ولله المَثَلُ الأعلى قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
المائدة: الآية 118)
عزيزٌ فلا يسْتطيعُ أحدٌ أن ينال منك أو أن يصِلَ إليك أو أن يُحاسِبَك.
فالقصْدُ من هذا أنْ تتَّجِهَ لله وحْدهُ، ولا تُعَلِّقَ الأمل على زَيْدٍ أم عُبَيْد إنما أنْ تُعَلِّقَ الأمل على الله عز وجل، وأكبر مرض يُصيبُ المسلمين الآن الشِّرْك الخَفيّ، أما الشِّرك الجليّ لا يوجد ولله الحمد، هناك آلاف الآلهة كُلُّها أصْنام وبوذاَ وما إلى ذلك، نحن لا يوجد لدينا آلهة نعْبدها من دون الله، لكن يوجد مليون إله نعْبُدُه ولا نشْعر، قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾
[ الفرقان: الآية 43 ]
فالهوى أحد هذه الآلهات تعْبده وأنت لا تشْعر، وتُضَحي بِطاعتك لله من أجل هواك، فالشِّرْك الخَفيّ كما قال النبي الكريم: أخوف ما أخاف عليكم الشِّرْك الخفيّ...شَهْوَةٌ خَفِيَّة وأعمال لغير الله ".
إذاً كما قال تعالى:
﴿ " كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فقوله تعالى: كلا إنه تذكرة أي القرآن، وقوله:
﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
هذا ربْط فضْل، وقَيْد فضْل وليس قيْدُ جَبْرٍ كلامٌ دقيق جداً، فأنا دخَلْتُ إلى مَحَلٍّ تِجاري يبيعُ ألْماس فأقول لك: اِخْتر ما شئْت فانْتَقَيْتَ خاتماً ثمنُهُ ثمان مائة ألف !! ثمَّ عند خروجك قلتُ لك: لولا أنَّني سَمَحْتُ لك بالاختيار لما أخذْتَ هذا الخاتم، فلو مَنَعْتُكَ أن تخْتار ربما كنتُ أهْدَيْتُكَ خاتماً ثمنه ثمان مائة ليرة، فَرَبْطُ مشيئة العَبْد بِمَشيئة الربّ ربْط فضْل وليس ربْط جبْرٍ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لولا أنَّ الله شاء لهم أنْ يذْكروا لما ذَكروا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يشاءوا لما شاءوا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يعْقِلوا لما عقلوا، أعْطاهم عقْلاً فهذا كُلُّه من مشيئة الله لنا، فقد شاء لنا أنْ نكون المخْلوقين الأوَّلين في الكون
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القيامة (75 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، النفوس أيها الإخوة في القرآن ثلاثة ؛ نفْسٌ أمَّارةٌ بالسوء، ونفْسٌ لوَّامة ونفْسٌ مطمئنَّة قال تعالى: ﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
فالنفسُ اللوَّامة قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
والنفس الأمَّارة بالسوء كما ورد في قِصَّة سيِّدنا يوسف قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
وأصْل هذا التَّقْسيم هو أنَّ الإنسان المخلوق الأوَّل أوْدَعَ الله تعالى فيه شَهَوات، قال تعالى
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾
[سورة آل عمران]
هذه لشَّهوات عَمْياء، والله عز وجل أعْطاه عقْلاً وفِطْرةً وشَرْعاً فالعَقْل ميزان والفِطْرة ميزان والشرْع ميزانٌ على ميزتانَي العقل والفِطْرة العلماء قالوا: الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع فالأصْل هو الشَّرْع لأنَّه كلام الخبير جلَّ وعلا، والغَرْب اسْتَحْسنوا تبادل الزَّوْجات، واسْتَحْسنوا زِنا المحارِم والشُّذوذ من ذُكورٍ مع الذُّكور والإناث مع الإناث، فالحَسَن مِقْياسُه الشَّرْع وليس عَقْلنا، أما العَقْل إذا اسْتنار بالوحْي توافق مع الشرْع فالعَقْل يحْتاج إلى وَحْيٍ ونورٍ، فَكُلُّ إنْسانٍ أوْدَعَ الله فيه الشَّهوات وهي حِيادِيَّة، فإذا قلتَ شَهْوَةً يعْني أنَّها حِيادِيَّة، يُمْكن أن تكون طريقاً لك إلى الله وسبيلاً إلى الجَنَّة، فالإنسان يشْتهي المرأة ويتزَوَّج ويُنْجِب أوْلاد، وطاهِرين طيِّبين ومؤمنين وهم في صحيفته إذا رَبَّاهم تَرْبِيَةً صحيحة فهم صَدَقَةٌ جارِيَة إلى يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ *))
[ رواه الترمذي ]
فالمرأة تُشْتهي، وهذه الشَّهْوة تُلَبَّى عن طريق الزَّواج فَتَرْقى، وتُلَبَّى عن طريق الزِّنا فَتَسْقُط، فالشَّهْوة هي سُلَّم نرْقى بها أو نهْوي بها.
كُلُّ إنسان له شَهَوات فإذا لم يرْجِع إلى عقْلِه ولم يصْغَ إلى فِطْرتِه ولم يطْلب العِلْم فَحَتْماً نفْسه أمَّارة بالسوء وهو طبيعِيٌّ جداً، فلو أنَّ مُحَرِّكا يندَفِع بِقُوَّة بِسُرْعة مائة وليس هناك مِقْواد، فالنُّزول بالوِدْيان حَتْمي لأنَّ الطرقات مُتَعَرِّجة والمحرِّك قَوِيّ إذاً الحادث حَتْمي، فالله عز وجل ما خلَقَ مفْساً أمَّارة بالسوء، لا ! بل جعَلَ فيها شَهَوات حِيادِيَّة، وهذه الشَّهوات ترْقى بها إلى الله، أو تهْوي بها إلى النار.
فأنت تحْتاج إلى شرْعٍ ومنْهَجٍ إلهي ؛ اِفْعل ولا تفْعَل، وتحتاج مع الشَّرْع إلى عَقْل، ومع العَقْل إلى فِطْرة، فالأصْل هو الشَّرْع، الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، إلا أنَّ العقْل والفِطْرة يُعيناك على ذلك فإذا لم يصْغَ الإنسان إلى فِطْرته ولم يسْتَجِب إلى عَقْلِه ولم يطْلب العِلْم الشَّرْعي فَنَفْسُهُ حَتْماً أمَّارةٌ بالسُّوء، هذه الأولى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول (( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ...* ))
[ رواه أبوداود ]
مَثَلٌ بسيط جداً ؛ كيلو سُكَّر ثَمَنُهُ ثلاثون لَيْرة، إذا وَضَعْتَهُ بِمُحَرِّك سيارة يُكَلِّفُك المُحَرِّك ثلاثين ألف !! فهل السُّكَر شرّ ؟ لا، وهل المُحَرِّك شرّ ؟ لا، إلا أنَّ وَضْعَ السُّكَر بالمُحَرِّك شرّ، فالشَرّ جاء من سوء الاسْتِعْمال، وليس بِأصْل الشيء وكذا لو وَضَعْتَ أوقَيَّة سكَّر داخل الطعام لا تسْتطيع أكْلها ! فالشَّر أساسه سوء الاسْتِخْدام والمنْهَج يُبَيِّن لك طريقة الاسْتِعْمال، فَكُلّ إنسانٍ خرج عن منهَج الله تعالى سَقَط، وأصْل الأشْياء كُلُّها خَيِّرَة، فالله تعالى خلَق الزَّوْجَيْن الذَّكَر والأُنْثى ولِقاؤهم وِفْقَ الشَّرْع ووِفْق الزَّواج وأسْرة، فلو أنَّ صَوْتهم علا في الجِماع لما كان هذا خَطأً لأنَّهُ حلال، دون أن ينْحَرِجوا، ولكن لو كان في الحرام تجدهم في خوْف واِرْباك، فالعَلاقة إذا كانت مَشْروعة لا حياء فيها، أما غير المَشْروعَة تخاف منها فالشَّهوات إذاً حِيادِيَّة والمنْهَج هو الشَّرْع، والعَقْل يُعينُك ولكن لا يكْفي وَحْده، والفِطْرة كذا لا تُعينك بِمُفْرَدِها، إذْ هناك فِطْرة مُنْطَمِسة وعَقْل مُنْحَرِف، أما العَقل المطلق يتوافق مع الشَّرْع، والفِطْرة السَّليمة تتوافق مع الشَّرْع، والحق دائرة يمُرّ بها خط النَّقْل وهو القرآن والسنَّة وخطّ الفِطْرة والواقِع، فالواقِع المَوْضوعي يتوافق مع الفِطْرة السَّليمة ومع العقل الصريح والنَّقل الصحيح، أما العقل المُنْحرِف والتَّبْريري لا يتوافق مع الشَّرْع.
الفِطْرة المُنْطَمِسَة تتناقض مع الشَّرْع، من هو الحَكَم ؟ هو الشَّرْع فالحَسَن ما حَسَّنه الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، فهذه هي النَّفْس الأمارة بالسوء، أما نفْسُ المؤمن، المؤمن بين إقْبال وتألُّق وبين فُتور أحْياناً تَغْلِبُهُ نفْسُهُ فَيَتَكَلَّم كَلِمَة غير مُناسِبَة، وتكون منه نظْرة غير مناسِبَة ماذا يفْعل ؟ لا يوجد إلا الله الذي يقْبل التوبة عن عِبادِه فَعَلامة المؤمن أنَّهُ يلوم نفْسَهُ دائِماً، والمؤمن إنسانٌ غير مَعْصوم فلا هو نَبِيٌّ ولا هو كافِر، إذْ الكافِر نفْسه أمَّارة بالسوء، والمؤمن نفْسُه لوَّامة أما الأنْبِياء نُفوسهم مُطْمَئِنَّة ؛ اِطْمَأنَّت إلى طاعَتِه وإقْباله وإلى صِلَتِه وإلى إخْلاصِه وأعْماله الصالحة، فَنَحن إذا أكْرَمَنا الله عز وجل مع النَّفْس اللَّوامَة.
لو صَدَر من الإنسان عَمَلٌ ولم يشْعُر بِشَيْء، فهذا نَفْسُهُ مَيِّتَة وهو الصِّنْف الرابِع، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[سورة فاطر]
قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ *))
[ رواه مسلم ]
فَمَعنى لو لم تُذْنِبوا أيْ لم تشْعُروا بِذُنوبِكم، سَهْرو كُلُّها غيبة وبعدها يقول لك: ماذا فَعَلْنا ! وهذا باع بِثَمَن مُغْرٍ جداً وبعدها يقول لك: هكذا البيْع شطارة، وذاك ظَلَم زَوْجته ثمَّ يقول لك: هذه مقطوعين لا أحد لها ! وأنا حُرّ فَكُلُّ إنسانٍ يرْتَكِبُ المعاصي ولا يتَحَرَّكُ له قَلْب ولا يتألَّم ولا يُحاسِب نفْسَهُ فهذا إنسانٌ مَيِّت ومعنى كلِمة يُذْنبون في هذا الحديث أيْ أنَّهم شَعَروا بِذُنوبِهِم، فلو كان هناك مثَلاً إنسان مُسْتلقي على الأرض، ثمَّ جئت بمرآة ووضَعْها قرب أنفه ولم تجد أثر البخار، ووضَعت له الإنارة الشَّديدة على عَيْنِه فلم تَصْغر، حينها تقول: هذا مَيِّت، ولا حياة فيه، وكذا حال الإنسان المُرلاْتكب للمعاصي والآثام ويأكل المال الحرام ولا يشْعر بشَيء فهذا مَيِّت وهو صِنْفٌ رابِع، لذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
هذا الكافر والمؤمن نفْسه لوَّامة، والذي وَصَل إلى مرْتَبَةٍ عالِيَةٍ في الإيمان أو كان نَبِيًّا فهذا نفْسُهُ مُطمئِنَّة، قال تعالى:
﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
علامة إيمانك أنَّك تُحاسِبُ نفْسك حِساباً عَسيراً، وهذا سيِّدُنا عمر عِمْلاق الإسلام والذي قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان نَبِيٌّ بعدي لكان عمر..." هذا الأخير جاء إلى حُذَيْفة ابن اليَمان وهو أمين سِرُّ رسول الله، وأمْلى عليه أسْماء المنافقين، وهذا سِرٌّ بين النبي وبين حُذَيْفَة فجاءه عمَر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا حُذَيْفة بِرَبِّك هل اسْمي مع المنافقين ؟! فالاطْمِئنان الساذج هو الحمق يقول أحد التابِعين: الْتَقَيْت بأربعين صَحابياً ما من أحدِ إلا ويخْشى النِّفاق على نفْسِه، وهذا كلّه من شِدَّة الخزف من الله والحرْص على طاعَتِه، فإذا الواحِد ارْتَكَب ما يُغْضِبُ ربَّه كأن ينظر نظْرة فيها سُخْرِيَة أو تَكَلَّمْتُ كلاماً غير صحيح أو شَهدْت شهادة فيها باطل، أو كنت تاجِراً فَبِعْتُ قِطْعة قُماش مثلاً منْكَمِشَة لِزَبون وبِسِعْر عالٍ ولم تُحاسِب نفْسَك فهذا يعني أنَّك مَيِّت وعَظَّم الله أجْركم.
فيا أيها الإخوة، ربنا عز وجل يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
وإذا قال تعالى لا أُقْسِم فهذا شيء عظيمٌ جداً، فلو قال لك إنسان الشَّمْس ساطِعة لَوافَقْتَهُ لأنَّها كذلك، ويكفي أن ينظر إليها ويراها، فهل يحْتاج الأمر إذاً أن تقول: والله والله والله هي ساطِعَة !!! فهذا رأي بعض المُفَسِّرين في قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾
[سورة القيامة]
وهذه النَّفْس اللَّوامَة نفْسٌ عَرَفَتْ ربَّها وحاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً، فإذا حاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً كان حِسابها يسيراً يوم القِيامة، قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
ويا أيها الإخوة هناك نقطة دقيقة جداً أرْجو أن تكون واضِحةً عندكم يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
الأوَّل معناه واضِح ؛ إنسانٌ على منْهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلِمَ العذاب والعِقاب والشِّدَّة والضِّيق ؟ ولمَ المرض الشديد والخوف المُرعِب ؟ لا داعي لهذا لأنَّ الله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[سورة النساء]
أما أنت في بَحبوحة الاسْتِقامة على منهج رسول الله قال علماء التَّفْسير: ما دامَتْ يا محمَّد سُنَّتُك في حياتِهم فَهُم في بَحْبوحَة من عذاب الله تعالى قال الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ليس شَخْصُكَ فيهم، ولكن سُنَّتُك فيهم، فإذا كانت بُيوتنا إسْلامِيَّة وتِجارتنا إسْلامِيَّة ونزهاتنا إسْلامِيَّة واحْتِفالاتنا إسْلامِيَّة وأعْراسنا إسْلامِيَّة وتَوْزيع الثَّرْوة إسْلامي وميراثنا إسْلامي فَنَحْنُ في بَحْبوحَةٍ من عذاب الله تعالى الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ولك بَحْبوحَةٌ ثانِيَة قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
إنسان غلط، فَطَلب المغْفرة من الله واسْتَغْفَر الله، وراجع نفْسَهُ وخاف من الله فمادام هو في حالة الخوف والاسْتِغفار واعْتِذار وطلب المُسامَحَة من الله تعالى ودفع صَدَقة أو صام فَهُوَ يسْتَرْضي الله تعالى، فالله عز وجل لما يجد عبْدَهُ تاب إليه واسْتغفر وندم وصام يغفر له إن شاء الله ومثل هذا المذْنِب في بَحْبوحَة من عذاب الله، وهذا معنى قَوْل الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
فنحن في بحْبوحَتَين ؛ بحْبوحَة تطبيق السنَّة وبَحْبوحَة الاسْتِغفار والتوبة والله عز وجل يُسْتَرْضى، أما الإنسان القَوِيّ لا يُسْترْضى، واسْتِرْضاء الله تعالى بالصَّدقة فَصَدَقَةُ السرّ تطفئ غضب الربّ، باكِروا بالصَّدقة فإنَّ البلاء لا يتخطاها، وهي تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ! فالله تعالى يُسْترضى بالتوبة الصَّدقة والصوم والاسْتِغفار، والذِّكْر والتَّسْبيح، فهذا يونس عليه وعلى نَبِيِّنا أفضل الصلاة والتَّسْليم قال وهو في بطْن الحوت في قوله تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
[سورة الأنبياء]
فهذه هي النفوس الثلاث أمارة بالسوء ولوامة ومطمئِنَّة والرابِعَة كما قلنا مَيِّتَة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القيامة (75 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في عِلْم المنطِق شيئان مُتعاكِسان، وشيْئان مُتناقِضان، فالشيئان المُتعاكِسان يجْتمعان كالأبْيَضِ والأسْود، أما الشيئان المتناقِضان فلا يجْتَمِعان كالظلام والنور، فَوُجود أحدهما ينْفي الآخر، فالأشْياء المتعاكِسَة تجْتَمِع بينما المتناقِضة لا تجْتَمِع.
حقيقتان إن آمَنْتَ بِأحَدِهما يجب أن تُنْكِرَ الأُخرى، فَوُجودُ إلهٍ في هذا الكون بِيَدِهِ كُلُّ شيء وكاملٌ كمالاً مُطْلَقاً، وإما أن تُؤمن بالعَبَثِيَّة فإن آمَنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى لأن تُؤمن بالله، وإن آمنتَ بالله فَيَجِب أن تنفي العَبَثِيَّة إطْلاقاً، يقول الله عز وجل: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
أكل أموال الناس بالباطل وطغى وبغى ويأتي الموت وينتهي كلُّ شيء ولا شيء بعد الموت، هذه هي العَبَثِيَّة، هناك ضعيف وقويّ وفقير وضعيف، وهناك صحيح ومريض، وإنسانٌ عَمَّر والآخر مات بِسِنٍّ مُبَكِّرَة، وهناك إنسان وسيم جداً وآخر دميم جداً، فهذا الذي تَمَتَّع بالمال طوال حياتِه وحار في إنْفاقِه، وهذا الذي يتمنى أن يكون معه ألف ليرة وهذا الذي أكل أَطْيَبَ الطعام، وهذا الذي لم يأكل شيئاً، وهذه المرأة التي تَمَتَّعَت بِجَمال صارِخ فَخَطَبها أغْنى الأغْنِياء، وهذه الذَّميمة التي ما خَطَبها أحد، ثمَّ يأتي الموت وينتهي كُلُّ شيء، ولا شيء بعد الموت ! هذه عَبَثِيَّة، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
فأنت إذا آمنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى أن تؤمن بالله تعالى إطْلاقاً، أم إذا آمَنْتَ بالإله فلا يُمْكن أن تعْتدي على أحد لأنَّك سَتَدْفَعُ الثَّمن باهِظا، ولا يمكن أن تأخذ مال أحد، فأنت مع الإنسان القَوِيّ وتنْضَبِط فَكَيْف بالله تعالى ؟! إذا عَلِمْتَ أنَّ هذا الإنسان القوِيّ يعلم كلّ حركاتك وسَكَناتك وسوف يُحاسِبُك حِساباً عسيراً، فلا يُمكن أن تُخالف أمره، فَكَيْف مع الواحِد الدَّيان ؟! فالله تعالى يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
يوم الجزاء والدَّيْمومة، ويوم تُوَفَّى كُلُّ نفْسٍ ما كَسَبَتْ ويوم تُسَوَّى الحِسابات، ويوم يؤخَذ من المظلوم للظالم، ويوم يأخذ للمغتصَب من مُغْتَصِب، يقوم العدْل المطلق بين الخلْق ؛ هذا يوم القِيامة، نحن في دار ابْتِلاء، وغذاً في جزاء، ونحن في دار تَكْليف وغداً تشْريف ونحن في دار عَمَل وغداً دار أمَل، ونحن في حياةٍ دُنيا مُتْعِبَة، والإنسان ينشأ ويتنامى إلى أن يَصِل إلى قِمَّةِ مَجْدِه، ثمَّ يأتي مَلَكُ الموت بعد أن ضَبَط أُموره، وحقَّق دَخْلاً كبيراً، واشْترى بيْتاً مُريحاً، ورَكِبَ مَرْكَبَة فَخْمَةً وعلا اسْمُه وذاع صيتُه يأتي ملكُ الموت ليأخذ منه ما جَمَعَهُ من عُمْرٍ مديد في ثانِيَةٍ واحِدَة، إذاً هذه الدنيا أحْقر من أن تكون عطاءً من الله تعالى، لأنَّ الله تعالى إذا أعْطى لا يأخذ، فالدنيا ليسَتْ عطاءً، ولو أنَّها تَعْدِل عند الله جناح بَعُوضة ما سَقى منها الكافر شَرْبة ماء، هي أحْقَر من أن تكون عَطاءً، وأحْقر من أن يكون الحِرْمان منها عِقاباً قد يحْرِمُها الله تعالى من أحْبابه، وقد يُعْطيها لأعْدائِه، والدليل أنَّهُ أعْطى المُلْك لمن لا يُحِبّ ولِمَن يُحِبّ، فهذا إذاً ليس مِقْياساً، فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، وأعْطى لِخِيرَتِه كَعُثْمان، فالمال إذاً ليس مِقْياساً، وكذا القوَّة فالعِبْرة أن تعْمل لِهذا اليوم الذي سوف يدْفع الإنسان فيه الحِساب دقيقاً فهذا أعْرابِيٌّ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يَعِظَهُ وأن لا يُطيل عليه فَتَلا عليه قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
فقال: كُفيت فقال عليه الصلاة والسلام فَقُهَ الرَّجل ! أي صار فقيهاً وكذا كلّ آية في كِتاب الله تعالى تَكْفينا طوال حياتنا، ألا يَكْفينا قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[سورة النساء]
أنت تحت المُراقبة، فلو قلنا لك أنت مُراقب فَيُمْكن أن تتوَهَّم الخطأ توهّماً، فَكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يُراقبك، فقوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
هي التي تَحَدَّثنا عنها البارحة بالتفصيل وذَكَرْنا أنَّ النفْس اللَّوامَة نفْسٌ يُحِبُّها الله عز وجل، قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الإبْهام دَرَسَهُ العلماء فَوَجدوا فيه مائة نقْطة، ومائة علامة، وطَبَعوا إبْهاماً بِحَجْم مائة مُرَبَّع، وطَبَعوا مائة ألف إبْهام، ومَرَّروا هذه المائة ألف على هذا الإبْهام فلم يكن يَجِدوا ولا واحِداً يُوافق الآخر ! بل إنَّ العلماء قالوا: لو أنَّ سَبْعة نِقاط تشابَهَت في إبْهامَيْن لكان الإبْهامان لِرَجُلٍ واحِد فهذا الإبْهام بَصْمة وتوقيع بل وأدَقُّ توقيع، بعض المُجْرمين بِأمْريكا وَضَعوا جزءً من جِلْدٍ على إبْهامِهِم بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة حتى يخْلصوا من موضوع البَصْمات، بعد ثلاثة أشْهر عاد شَكْل الإبْهام الأصْلي إلى الجِلْد الذي رُكِّب فوقه ! والعلماء قالوا: قُزَحِيَّة العَيْن هوِيَّة لك، ليس في الأرْض كُلِّها له قُزَحِيَّة عَيْن تُشْبِهُك، لذلك هناك أقْفال على قُزَحِيَّة العين يَضَعَهُ الإنسان عَيْنيْه على القِفْل فَيُفْتَحُ الباب ! ولا يُفْتح إلا لِصاحِب هاتين العَيْنين، وكذا رائِحَة الجِلْد هُويَّة، فَكُلُّ إنسانٍ له رائِحَة والكلاب البولِسيَّة تهْتدي بهذه الرائِحَة والكلب له قوَّة شمّ يُساوي مليون ضِعْف الإنسان، وكلّ إنسان له نَبْرة صوت خاصَّة وهي هَوِيَّة ثانية، وكلّ إنسان له بلازما دم خاص، وكل إنسان له زمرة نسيجِيَّة خاصَّة ؛ خمسة آلاف زمرة نسيجِيَّة، فَقُزَحِيَّة العَيْن ورائِحَة الجِلْد، ونبرة الصوت وبلازما الدم والزمرة النَّسيجِيَّة والإبهام، فالله تعالى جعل فرْداً لا شبيه لك، وذلك لِكَرامتك عند الله قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الشكل الذي على الإبهام سوف يعود كما كان، لكن متى ؟! قال:
﴿ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)﴾
لا يوجد لُجوء سياسي هناك، أما هنا فلَدَيْك لُجوء سياسي تنتقل به من دولة لأخرى، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سوة الأنعام]
فالإنسان في الدنيا له جماعة ووُسَطاء وأتباع، يقول لك أحدهم: فلان جاءَتْهُ أزْمَة، فَجاءَهُ مائة تلفون من أجله ! أما هناك كما قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سورة الأنعام]
قال تعالى:
﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25)وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26)وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ(27)كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28)فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29)وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ(30)﴾
[سورة الدخان]
خِطاباً لِفِرْعَون، فهذه الآية أيها الإخوة تُبَيِّن أنَّه لا عَبَثِيَّة في الكون قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
لن تُحاسَب ! طَلَّقْتَ زَوْجَتَك ظُلماً وأخذْتَ بيتها ولن تُحاسَب ! وأكلت أموال الناس بالباطل ولن تُحاسَب، واعْتَدَيْتَ على أعْراضِهم، واسْتَغَلَّيْتَ ضَعْفَهُم ولن تُحاسب، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)﴾
[سورة القيامة]
باللِّقاء الزوْجي يُفْرز الرجل خمسمائة مليون حُوَيْن، والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَيْنٍ واحدٍ ! أكبر رقم سَمِعْتُه خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجة وسَمِعْتُ رقماً بِمِلْيون، ولا أدري الدِّقة بينهما، أما هناك مليون أمر مُبَرْمَج على الحُوَيْن المنوي، وكذا على البُوَيْضَة، فإيَّاك أم تؤمن بالعَبَثِيَّة وأن تقول: هذا القوي يفْعل ما يشاء ! ألا يوجد إلهٌ يُحاسِبُه ؟! هذا سوء ظَنٍّ بالله عز وجل، هؤلاء سَيُحاسبون حِساباً عسيراً، الذين يعيشون على أنْقاض الشُّعوب ويتَحَكَّمون بِمَصائِر الشُّعوب، والله عز وجل يُمْهِل ولا يُهْمِل وإليكم هذه القِصَّة الرَّمْزِيَّة وهي شوحَةً جاءَت سيِّدنا سليمان قبل الطوفان وقد أوتِيَ لغة الطير، فقالت له: ربُّك عَجول أم مَهول ؟ فسأل ربَّهُ فقال تعالى: أنا مَهول ولسْتُ عَجول، فاطْمَأنَّتْ فَسَرَقَتْ لحْماً على النار فَعَلِقَتْ جمْرةٌ في اللَّحْم أحْرَقَت عُشَّ أوْلادِها فعادَتْ إليه وقالت له: ألم تقل إنَّه مَهول ؟! فقال له قل لها: هذا حِسابٌ قديم وليس على آخر شيء فَعَلْتيه !! قال: ما من علقة ولا اخْتلاج عِرْقٍ ولا خَدْشِ عودٍ إلا بما قَدَّمَتْ أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، فإذا وَقَع الإنسان بِمُشْكلة عليه أن يُراجِعَ نفْسه، فالله تعالى أكبر من أن يُصيبك بِمُصيبة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القيامة (75 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في سورة القيامة، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى:
﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
أيها الإخوة الكرام، إنسان يحمل دكتوراه، هل تُصَدِّقون أنَّهُ نالها وهو نائِم ؟ نالها في ليلة واحِدة وفي ساعَةٍ واحِدة ! قَدَّم طلباً للجامعة قائِلاً: يُرْجى مَنْحي دكتوراه، وهو لا يقرأو لا يكتب ! فَمُنِحَ هذه الشهادة لأنَّها مرْتبة عِلْمِيَّة، فهل مَرْتبة الإيمان هَيِّنَة على الناس إلى هذه الدَّرَجة ؟ لا لِطَلَبِ العلم، ولا يحضر مجالس العِلْم، وما قرأ القرآن، وما فَهِمَ كلام ربِّه، وما سأل عن حُكْمِ الشَّرْع في قَضِيَّاته، ثمَّ يقول لك: أنا مؤمن ! الإيمان يُبْنى عليه عَمَلاً فمن لم يعْمل عَمَلاً وِفْق إيمانِه فليس مؤمناً، لو أنَّ أحداً من الناس بأشَدِّ الحاجة إلى المال وقلتَ له في الجِهَة الفلانِيَّة تُعْطى لك حاجتك التَّامَّة، ولكن بِكَلِمَة، فلو أنَّ هذا الأخير ما تَحَرَّك كان دليلاً على أنَّ فيه خَلَلاً، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾
[سورة الأنعام]
هنا الإيمان باليوم الآخر يقوله الناس بألْسِنَتِهم إلا أنَّك تفاجئ أنَّ معظَمَ الناس يأكلون أموال بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسَبون ويعْتدون على أعْراض بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسبون، حركة المسلم والمؤمن المُعاصِر الآن تدلّ وكأنَّه لا قِيامة، اِغْتِصاب أموال وغيبة ونَميمة، وطَعْن، وحُضوض النَّفْس في أعلى درجة، وكأنَّ الله تعالى لن يُحاسِبَهم، تجد شَخْص بِسِنٍّ مُتَقَدِّن يريد أن يفْعل شيئاً الشباب لا يجرأ أن يفعله ! ألا يوجد موت ؟! دائِماً وراء هذه المُلْهِيات، ساعة النزول للقبر ماذا تقول لله عز وجل ؟ أين المَفَرّ ؟! لو أنَّ سارِقاً ارْتَكَب جريمة، حين يسْرق المال يتنعَّم ويزْني ويُسافِر، ثمَّ أُلْقِيَ القبْض عليه وسيقَ للمُحاسَبَة، قُبَيْل أن يُشْنَق يمكن أن ينْسى كُلَّ اللَّذائذ التي اسْتَمْتَع بها، فالإنسان حينما يدْنو أجله ويقرب من مُغادرة الدنيا يقول: لم أرَ خيراً قطّ ! في هذه اللَّحْظة تظْهر بُطولة الإنسان يُنَبَّؤ الإنسان ويقول أين المفَرّ ؟ أنا أقول للإخوة إياك ثمَّ إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، قال تعالى:
﴿ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
وقال تعالى:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)﴾
[سورة المؤمنون]
إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، كما أنَّ المَشْنوق قُبَيل أن يُشْنق يُحِبّ أن يبكي أو يضْحك المُهِمّ ؛ اِفْعَل ما شئْتَ سَيُشْنَق، لذا نحن الآن في بَحبوحة والتوبة مقبولة، والباب مَفْتوح، قال تعالى:
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)﴾
[سورة القيامة]
لا أهْل ولا مال ولا جماعة ولا أتْباع، ولا أحد.
قال تعالى:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾
[سورة القيامة]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
وقال تعالى:
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾
[سورة القيامة]
كُلُّ شيءٍ تُقَدِّمُهُ سوف تُخْبَرُ به، وكل شيء تُؤَخِّرُه سوف تُخْبر به، ما معنى بِما قَدَّم ؟ قدَّم من عملٍ صالحٍ فَتَقَدَّم به إلى الله، وهذا أخَّر فتأخَّر عن اللُّحوق بِأهْل الإيمان، فهناك ما يُقَدِّمُك وهناك ما يؤَخِّرُك، فالإيمان يُقَدِّمُك وكذا الاسْتِقامة والإخلاص والصِّدْق والإحْسان للناس، إلا أنَّ الكذِب يُؤَخِّرُك، الحقيقة العُظْمى في الكون ولا حقيقة بعدها ؛ كُلُّ شيءٍ يُقَدِّمك منه هو عمل صالح، وكلُّ شيء يُبْعِدُك عنه هو عَمَل سيئ كان لي صديق بِبَلَدٍ أجْنبي وقال لي: كنت أتَصَفَّحُ مَجَلَّة، ووجَدْتُ دِعاية لِهاتِف فضائي، مَرْسوم رجل دين واضِع قُبَّعَة على رأسِه، والأنوار تَشِعُّ منها، وتَمُرُّ أمامه فتاةٌ مُتَبَذِّلَة فَيَنْظر إليها فإذا هذه الأنوار تنْطفىء ! فهم أدْرَكوا بِفِطَرِهم أنَّ إطْلاق البصر لهذه الفتاة يَحْجُبهم عن الله، فإطْلاق البصر يُبْعِدُك وغَضُّهُ يُقَرِّبُك، وكذا الصَّبْر والضَّجَر، وضَبْط اللِّسان يُقَدِّمك وتفْليت اللِّسان يُبْعِدُك، وإنفاق المال يُقَرِّبك وحبْسه يُبْعِدك زَوْج مِثالي يُقَدِّمك وزوْجٌ سيِّء يُؤَخِّرُك، يُنَبَّؤُ الإنسان بِما قَدَّم وأخَّر، والعِبْرة أن تقْترب من الله.
قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
أحْياناً رجل قَوِيّ ومَلِك من ملوك الأرض، ولك عنده حاجة، تجد أنَّ الطريق له صَعْب وليس لك أن تُقابلَهُ،ولكنَّ مَلِكَ المُلوك سبحانه وتعالى وَضَع لك ألف طريق إليه، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فأنت بِبَيْتك إذا كنت زوْج صالح كان هذا طريقاً إليه تعالى، وكذا إذا كنت ابناً صالحاً، وممكن أن تخْدم زوْجَتَك بِالبيْت طريق إلى الله، وإذا صَدَقْت بِعَمَلِك كان هذا طريقاً إلى الله، فأنت تُصَلِّي باليوم خمْس صلوات أما إذا كنت ماشِياً بالطريق فكلَّما غَضَضْتَ بصرك عن محارِم ترْقى دَرَجة والآية الواضِحة جداً، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[سورة الكهف]
خَلَقنا لِيَرْحَمنا ولِيَتوب علينا، ولِيَسْتجيب لنا، فالمُشْكلة إذا جاء مَلَك الموت انتهى كلُّ شيء، كنت البارِحة مع طبيب قلب، وأنا شَخْصِياً لا أعْرِف قُطْر الشريان القلب التاجي الذي يشْغل الأرض كلَّها الآن، فَكُلُّ إنسان يضيق شِرْيانه التاجي يحْتاج إلى قصْطَرة، فالقُطْر ملم واحِد، فَكُلُّ آمالك وقوَّتِك وجَبَروتِك على هذا الطريق الواحد، فإذا انغلق أصْبحت الحياة جحيماً، فهل يُعْقل أن تكون كلَّ آمالك ومُنْجَزاتِك وكلّ سَيْطَرَتِك على ملم واحِد مَفْتوح، فهم خَمْسُ شرايين كُلُّ شِرْيان قُطْره ملم واحِد، والقَضِيَّة الثانِيَة أنَّ كلَّ آمالك مَبنِيَة على سُيولَة دمك، ومتى تَجَلَّط الدم أصْبحت مُشْكِلة، فما عليك إلا أن تتوب قبل تَجَمُّد الدَّم وتَضَيُّق الشريان، يُمْكِن أن تَكْذِب على كلّ أهل الأرض وتفوقهم بِحِيَلِك إلا نفْسَك فَمُسْتَحيل قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾
[سورة القيامة ]
مهما كانت عندك طلاقة لِسان وذكاء ونصوص وتُغطِّي اِنْحِرافاتك كُلِّها بالمنْطق، أما يوم القيامة فكما قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(65)﴾
[سورة يس]
لا تقل يوم القيامة أنا قَصْدي كذا ونَوَيْتُ كذا، إنَّما أعْمالك هي التي تنْطق، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(21)﴾
[سورة فصلت]
فهذه الآية:
﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
واحِد سرق فَسيق لِسَيِّدنا عمر كي يقْطع يده، فقال السارق هذه أوَّل مَرَّة، فقال له عمر: كَذَبْت إنَّ الله لا يفْضح من أوَّل مَرَّة، وهذا الذي أرْجوه من الله عز وجل أنْ نصْطَلِح معه قبل فوات الأوان، البارِحَة قرأت مقالة بِمَجَلَّة خليجِيَّة أنَّ الأمر القَلْبِيَّة تكون بالخمْسين والسِتِّين، أما الآن بالأربعينات أو الخمسينات، شيء ليس بِالحُسْبان وتَجِدُه بِكَامل قِواه ونشاطِه، في ثانِيَة انتهى، كان شَخْصاً وصار خَبَراً على الجُدْران اِعْلموا أنَّ ملك الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيْرنا وسيتَخَطى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذْرنا، فكُلُّ البطولة أنْ نَعُدَّ العِدَّة لِهذا اليوم إذا نُبِّئْت بأعْمالك لم فَعلْتَ كذا ؟ وإذا لم تسْتحِ فاصْنَع ما شئْت.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة القيامة (75 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة القيامة في الآية العشرين:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالله تعالى سمَّى هذه الحياة حياةً دُنيا، وسَمَّى الآخرة حياةً عُلْيا فالآخرة حياةٌ أبَدِيَّة، والدنيا حياةٌ مُنقَطِعة، والآخرة أساسها الإكرام والدنيا أساسها الكدْح والتَّعَب، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الانشقاق]
الدنيا أساسها السَّعْي والآخرة أساسها الإكرام، والدنيا دار ابْتِلاء والآخرة دار جزاء، والدنيا دار تَكْليف والآخرة دار تَشْريف، والدنيا منقطعة والآخرة مُتَّصِلَة، لذلك ربنا عز وجل في آيات كثيرة يلوم هؤلاء الناس الذين يَتَعَلَّقون بالحياة الدنيا، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
هناك درجات كثيرة بين الناس، فكما أنَّه هناك مسافة كبيرة جداً بين طبيبٍ وبين مُمرِّض، وبين أكبر أستاذ بالجامعة وبين مُعَلِّم بالقرية وبين تاجِرٍ وبين بائِع مُتَجَوِّل، وبين أعلى رتبة في الجيْش وبين مُتَجَوِّل إذاً هناك مسافات كبيرة حتى في البيوت ؛ بيت في طرف المدينة وبين ثمنه مائة وخمسون مليون ! وحتى بالمركبات، والطائرات والبواخر، وحتى بالطعام والشراب، قال تعالى:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الاسراء]
مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً وهي مُؤقَّتة، وقد تعني العكْس قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
ربَّ أشْعث أغبر ذي طمرين مدْفوعٍ بالأبواب لو أقْسم على الله تعالى لأبَرَّه أهْلاً بِمَن خَبَّرني جبريل بِقُدُومِه ؛ رَجُلٌ فقير من الصحابة قال: أَوَمِثْلي فقال:نعم يا أخي ! خامِلٌ في الأرض عَلَمٌ في السماء، فَمَرْتَبَة الدنيا لا تعني شيئاً، والمال لا يعْني شيئاً، أعْطاهُ الله تعالى لِعَدُوِّهِ قارون، قال تعالى:
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾
[سورة القصص]
والمُلْك لا يعْني شيئاً فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، أما المؤمن يُعْطاه كما قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾
[سورة يوسف]
فإذا آتاك الله تعالى الحِكْمة وعَرِفْتَ سِرَّ وُجودك وغاية ذلك، وعرفْتَ ربَّكَ ومَنْهَجَهُ، واسْتَعَنْتَ به على طاعته فأنت من الفائِزين، قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
خالقُ الكون يقول لك: إذا أطَعْتني فُزْتَ فوزاً عظيماً، والناس يرَوْن الفوْز بِجَمْع المال وبِبِناءٍ يملِكُهُ وبِأَرْض ارْتَفَعَ سِعْرها مائة ضِعْف وبِبَيْت كذلك، والفوز بِتِجارةٍ رابِحَة وبِوَكالة حَصْرِيَّة وبِزَوْجة جميلة، أما الفوز عند الله تعالى بِطَاعَتِه قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
فقوله تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)﴾
[سورة القيامة]
احْتِقاراً، أحْياناً عِصابة تسْرِق، وتقع في قَبْضَة العدالة والتُساق إلى السِّجْن، وتُعَذَّب حتى تعْتَرِف، وتُؤخذ الأموال كلّها منها، بعد هذا الحُكْم تجد هؤلاء العِصابة نَسِيَت كُلَّ المَلَذَّات التي تَمَتَّعَتْ بها في سَرِقاتها ! فالعِبْرة في النِّهاية والعاقِبَة ولِمَن يضْحك آخِراً، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
والله أيها الإخوة، لو أنَّ الٌنسان يقرأ كلام الله تعالى قِراءَةً مُتَأنِّيَة، فالله تعالى يقول ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
فَرَبُّنا عز وجل يُخْبرنا أنَّ متاع الدنيا قليل، وأنَّها أحْقَرُ من أن تكون عطاءً، والحِرْمان منها أحْقر من أن يكون عِقاباً، تافِهَة، لذلك العِبْرة أن تكون مُطيعاً لله تعالى فيها، أنا هؤلاء الناس الذين غفلوا عن الله عز وجل يَرَوْنها كُلَّ شيء، ويُعَظِّمونها ويُعَظِّمون أغْنِياءَها وأرْبابها وأقْوِياءَها، وينْسَوْن الله عز وجل فيأتي الموت فَيُنْهي هذا الغِنى.
قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالمؤمن الصادِق يسْعى للآخرة في كُلِّ يوم، وفي كُلِّ حَرَكة، وفي كُلِّ سَكَنة وفي كُلِّ كَسْب مالٍ، وفي كُلِّ إنْفاق مالٍ، وفي كُلِّ زِيارَةٍ يسْعى للآخرة قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
المؤمن الذي صَلى في الدنيا وضَبَط شَهَواتِه وأعْضاءَهُ ودَخْلَهُ وجوارِحَهُ واسْتقام على أمْر الله تعالى، وطلب العِلْم في الآخرة، يقول تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[سورة القيامة]
ففي الآخرة أيها الإخوة، يُتاحُ للمؤمن أن يرى الله عز وجل كما في الأحاديث الصحيحة، كما يرى القمر ليلة البدْر، وفي بعض الرِّوايات أنَّ الذي يرى الله عز وجل يغيب من نَشْوة النظر خمسين ألف عام !
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[ سورة القيامة]
ثمّ قال تعالى: ووُجوه يومئذ باسرة.." شديدة الكلوحة، كالِحَة ومُسْوَدَّة ومُغْبرَّة وقاتمَة، قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
الفاقرة الداهِيَة التي تقسم الظَّهْر، ففي النِّهاية البَشَرُ كلّهم على اخْتِلاف مشاربهم وأعراقِهم وأجْناسِهم ومِلَلِهم ونِحَلِهم، وكلّ هذه الاختلافات شَكْلِيَّة فالناس في الآخرة رجلان كما قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
كَمَن أُلْقِيَ القبْض عليه وينتظر العِقاب، ولا يعرف هل سَيكون بِسِجْن مُأبَّد أو أعمال شاقَّة ؟ فهذه الأيام تَمْضي عليه كالسنوات، وانْتِظار الحُكْم صَعْب جداً.
ثمَّ قال تعالى
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾
[سورة القيامة]
اِنْسَحَبت الروح قال تعالى:
﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)﴾
[سورة القيامة]
من يرْقى له، من يقرأ له قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
فالإنسان يمْرض إلا أنَّه في كُلِّ أمْراضِه يغلِبُ عليه الأمَل في الحياة أما أحْياناً تأتيه تقارير عن حالته النِّهائِيَّة، أحدهم قال له: أنت معك سرطان وسَتَعيش أربعة أشْهر ! ففي هذه الأيام ما عليك إلا أن تُنهي أمورك ووَصِيَّتَك، وأنْهي علاقاتِك، ثاني يوم تَوَفَّى هذا الشَّخْص، ولم ينتظر أربعة أشهر
قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
أحياناً المريض يَتَيَقَّن أنَّهُ سَيَنْتهي، كان هناك رجل حكوا لي عنه إلا أنَّها سبحان الله قِصَّة يصْعب أن تُصَدَّق وأنا لم أرَهُ إلا أنَّني سَمِعْتُ عنه ؛ رَجُلٌّ صالِح وكان يُنفق أموالاً طائلة في سبيل الله، وله مكْتب في الحريقة، كُلَّما دَخَلَتْ عليه لَجْنة خَيْرِيَّة له طريقة رائِعَة وهي أنَّهُ يعْطيهِم مِفتاح الصُّنْدوق ويقول لهم: خُذوا ما شِئْتم، ولا تُعْلِموني، أُصيب بِمَرضٍ في دَمِه ولِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى وَصَلَ الخبر له حيث أنَّه رفع السَّماعة الإضافِيَّة فكان من الطبيب لابنه، ولأنَّ عمله الطَيِّب ولأنَّه كان مُسْتقيماً ما تأثّر كثيراً، إنَّما خَبَّر صديقه من أصْدِقائِه وقال له: أنا انْتَهَيْتُ ! عندي صَفْقَة الفُلانِيَّة تُنهيها لي، وتُعْطي أرْباحها لأوْلادي ورَتَّب أموره وقضايا العمل والتِّجارة والاسْتيراد والمُسْتوْدعات، وثاني يوم وَدَّع كُلَّ أهْلِه، واحِداً واحِداً، وثالث يوم تَغَسَّل بِنَفْسِه، وفي الساعة الواحِدَة له شَيْخ بالشام صالِح، ذَهَب إليه وبَقِيَ يذكر الله عنده، وفي الساعة الثانِيَة فارق الحياة، هذا الأمر صَعْب جداً أن تعرف أنَّك في الرقت الفلاني سَتُفارِقُ الحياة، فَكَلامي أنَّك إنْ عَمِلْتَ عَمَلاً طَيِّباً لن يكون الموت مُخيفاً لك، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158)﴾
[سورة آل عمران]
تَجِد فلان من الناس مُهِمَّتُه جمْع المال، والله تعالى قال:وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ ﴿ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)﴾
[سورة القيامة]
سُئِلَ عالِمٌ جليل: كيف القُدوم على الله ؟ فقال: أما العبْدُ المؤمن فكالغائِب رُدَّ إلى أهْلِه، لو كان لك ابن بِمَنْطقة من البلاد الأوروبيَّة وبقي هناك ثماني سنوات فلو عَلِمْتم قُدومه لرَتَّبْتُم له غرفة خاصَّة به، وتطْبخون له أكْلات يُحِبُّها، أليس كذلك ؟! وأما العَبْد الكافر فكالعَبْد الآبِق رُدَّ إلى مَوْلاه، وهذه قِصَّة قديمة أذْكرها لكم ؛ أنَّ أحد الناس خرج من بلدِه إلى أروببا وهاجم نِظام بلَدِه وكان صَحَفِيًّا، ودَبَّروا له حتى أصْبح بين أيْديهم، فكيف سَيفعلون الآن به؟! قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
ففي النِّهاية نذْهب كلنا إلى الله تعالى، فالذي يأكل مال الحرام، ويعتدي على أعْراض الناس، والذي يسْتَعلي على خلق الله ؛ كُلُّه سَيُحاسَب وأصْعب ليلة في القبر هي أوَّلها، يقول الله عز جل: عَبْدي رجعوا فَتَركوك وفي التراب دَفَنوك، ولو بَقوا معك ما نَفَعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت، كُلَّما زُرْتُ بيْتاً لأُعَزِّي آتي بهذا الكلام، أرى بيْتاً فَخْماً، بِكامِل المُعِدَّات، أقول: أين صاحبُه الآن ؟! الثريَّات كُلُّها كريستال، وصالون ثمانية أمْتار، وتُحَف أقول كيف انتقل صاحِبُه إلى باب صغير ؟ نحن عندنا حيّ المالكي هو حيّ أكْواخ بالنِّسْبة لِحَيّ الشَّهْباء بِحَلَب، هناك فِلَّة أرانيها شَخْص وقال لي: هذه فيها رُخام من سنة الأربع والسَّبْعين، وكان الدولار بِثَلاثة ليرات وثَمانِيَة قِرْش، ثَمَنُ هذا الرُّخام خمْس ملايين ليرة، هذا الرُّخام هو رخام أونِكْس شَفاف، الآن ثَمَنها أكثر من ثمانمائة مليون !! صاحبها عمره اثنان وأربعون سنة، وكان طويل القامة، فكان القبْر قصيراً عليه، فاضْطر الذي حَفَر القبر أن يُمَيِّل رأسَه!! فهذا الذي كان يسْكن في بيْتِ ثمنه ثمان مائة مليون، كان مثْوه في قبر أصغر منه !
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)﴾
[سورة القيامة]
أعرف رجل، يقرب أحد أصْدِقائي، عاش بالسَّعودِيَّة ثلاثين سنة، وجَمَّع ثلاثة آلاف مليون وما صلى الفرْض بِحياتِه، ولا حجَّ ! ذهَب لاسْتنبول فمات بالفندق هناك، والبارِحَة بِجامِع النابلسي كان جالساً في القاعة فانقلب ومات في الصلاة ! الموت يأتي بَغْتَةً، والقبر صندوق العمَل.
قال تعالى:
﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)﴾
[سورة القيامة]
فالفاجِر يجْلس قَعْدَةً لا أدَب فيها، وقد يضْطجع اضْطِجاعاً غير لائِق.
ثمَّ قال تعالى: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35)﴾
[سورة القيامة]
أي أوْلى لك أن تؤمن،وأن تسْتقيم وأن تُفَكِّر بهذا اليوم، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
الذي خلق هذا الكون العظيم والذي خلقك ألا يُحاسِبُ أحداً ؟ هل يعْتدي الإنسان على من يُحِبُّ ويظْلم ثمَّ ينْجو من عذاب الله، وهل يُعْقل من جامِعَة بأرْقى الأساتِذة والغُرف والسَّكن ثمَّ لا يوجد فيها امْتِحان ؟! وكُلُّهم ناجِحون، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
هذا هو الإيمان إذا آمَنْتَ أنَّ هناك آخرة وحِساب ومَسْؤولِيَّة، وتُحاسَب على أدَقِّ الحركات السَّكَنات، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
ما من عثرة ولا اخْتلاج عِرق ولا خدْش عود إلا بما قَدَّمت أيديكم، وما يعْفوا الله أكثر.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانسان (76 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأولى من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
لا شكَّ أنّ أحدنا وقع تحت يدِه كتاب مَطبوع قبل تاريخ ميلاده، ففي أثناء طبع هذا الكتاب هل هناك شَخْص هو أنت ؟ فأنت إذا تَصَفَّحْتَ كتاباً قبل تاريخ ميلادِك ألم يخْطر في بالك أنَّهُ في أثناء طبْع هذا الكتاب لم تكن إطْلاقاً، ولم يكن لك وُجود ولا مكان ولا حجم ولا هُوِيَّة، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
فَمَن أنْعم عليك بِنِعْمة الإيجاد ؟ الله جلَّ جلاله، وُجِدْتَ بعد إذْ لم تكن هذه أكبر نِعْمة ألم تسأل نفْسك هذا السؤال ؛ لماذا أوْجَدني الله عز وجل ؟ لا يليق بالله ولا بِكَماله ولا بِعَظَمَتِه ولا بِطَلاق قدرته لِيَخْلق مَخْلوقاً لِيُعَذِّبَهُ، العوام يقولون كلاماً مُضْحِكاً ! يقولون: الله تعالى خَلَقنا للعذاب من قال لك هذا ؟ القرآن يردُّ على هذا، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)﴾
[سورة هود]
خلقهم لِيَرْحمهم، ولِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، وَخَلَقهم لِيُسْعِدَهم وليَجْعل لهم من نِعَم الدنيا مُتَّصِلَةً بِنِعَمِ الآخرة، ولله المَثَل الأعلى سيارة مُصَمَّمة أعلى تَصْميم كي تَكون لِخِدْمَتِك ولكي تنقلك إلى مكانٍ جميل فلو أنَّ إنساناً ساقَها وهو سَكْران، قد تَتَدَهْوروتنكسِرُ أضْلاعه، فَمَن المسؤول ؟ هو الذي قادها بِطَريقة مَغْلوطة والذي شَرِبَ الخَمْر وقاد السيارة والأصل أنَّ هذه المركبة صُنِعَت كي تنقلك إلى أيِّ مكانٍ تشاء وكي ترْتاح باسْتِعْمالها، وكي تسْعَدَ بها، صُمِّمَت لإسْعادِك وليس لِتَدْميرك أما لو قُدْتَها دون وَعْي وكان هناك حادِث والحادِث مؤْلم فأنت هو السَّبب، فربُّنا عز وجل خلقنا لِيُسْعِدنا ولِيَرْحَمنا، ولِيَنْصُرنا ويُطَمْئِننا خلقنا لِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، لِجَنَّةٍ يدوم نعيمها، لذلك أوَّل سؤال: ألم يمُرّ وقْتٌ في الأرض لم تكن مَذْكوراً ؟
لو رَجَعْنا إلى عَهْد رسول الله تعالى، فهل كُنَّا مَوْجودين ؟ لم نك إطْلاقاً وكذا إلى عهْد الصحابة والتابِعين والأمَوِيِّين والعباسيِّين وإلى عهْد الدُّوَل المُتتابعَة، هذه الأزْمِنَة لم نكن موجودين فيها، فهذه نِعْمةٌ أولى.
النِّعْمة الثانِيَة هي نِعْمة الإمْداد، مَنَحَك الله تعالى نِعْمة الوُجود ثمّ نِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بالهواء، فالهواء ليس له فاتورة، ولو كان كذلك لكانت هذه مُشْكِلَة، تأتيك الفاتورة تجد فيها ؛ ثمان مائة ليرة تَنَفُّس ! تَدْفَع أو نقْطع عليك التَّنَفُّس !! شيء غير مَعْقول، إذْ هو مُباحٌ للجميع، وكذا الماء، والطعام وأمَدَّك بِزَوْجة تأنَسُ بها من جِنْسِك وطبيعتك ونفْسِك تُحِبُّ كما تُحِبُّ وتكْره كما تكْره وترقى كما ترْقى وتَسْمو كما تَسْمو جعلها مُتْعَةً لك وأنْجَب لك منها أوْلاداً، يملئون لك البيْت فرْحَةً، فإذا تَقَدَّمَتْ بك السِنّ كانوا لك مِعْواناً، فهو تعالى أمَدَّك بِكُلِّ شيء، ثمَّ دَلَّكَ عليه وأمَدَّك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد، يقول عليه الصلاة والسلام: أحِبوا الله لما يغْدوكم..." فهذه الكلية الصغيرة تعمل بِصَمْت ؛ الدم يُصَفَّى فيها في اليوم خمْس مرات، أما الكلية الصِّناعِيَّة فَثَمانِيَةُ ساعات ويدك مَمْدودة وأنت مُعَطَّل والسيروم بِيَدِك، كُلُّ هذا من أجل جمعة أو ثلاثة أيام ! والتَّصْفِيَة ثمانون بالمائة، وحجم الكلية قدْر هذه الطاولة، وكذا الكبد لولاه لما عِشْتَ ثلاث ساعات، وكذا القلب، فهذا دَسَّام خنزير ثَمَنُه ثمانون ألف وأحْياناً الشرْيان الأبْهر يتعطَّل ووَصْلة طولها اثْنى عشرة سنتمتر ثَمنها اثْنى عشَر ألف ! كُلُّ شيءٍ فيك ثَمين، فهذا زَرْع الكلية يُكَلِّف مليون أو مليونين، فالله تعالى أمَدَّك بالإمداد والإيجاد، والهُدى والرَّشاد، فإذا كان الإنسان من الشاكرين قَيَّدَ هذه النِّعَم بالشُّكْر، وإن لم يَشْكُرْها ضَيَّعَها وأحد أنواع شُكْر النِّعَم أن تسْتَعْمِلها في مَرْضاة الله، لا أن تنظر بِهذه العَيْن إلى ما حَرَّم الله، وكذا السَّمْع والنطْق والبطْش باليد ولا أن تقودك رجلك إلى ما لا يُرْضي الله، فالله تعالى قال:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
فهذه النُّطْفة تُلَقِّح البُوَيْضة، وهناك ثلاثة وعشرون مُوَرِّث وكذا البُوَيْضَة أصْبَحَ عددهم ستٌّ وأرْبعون، فالحُوَيْن المنوي فقط فيه ثلاث وعشرون مُوَرِّث، وفقط البُوَيْضة عليها ثلاث وعشرون، أما أيُّ خَلِيَّة أخرى عليها سِتٌّ وأربعون، لذلك الاسْتِنْساخ مُشْكِلَتُه أن نأخذ خَلِيَّةً عليها سِتاًّ وأربعون وليس ثلاث وعِشْرون، فهذا الذي يأتي هو أخٌ لأبيه أو أُخْتٌ لأمِّها، أما هنا من نُطْفَةٍ أمْشاج، الحُوَيْن والبُوَيْضة تفاعَلا وكَوَّنا هذا الجنين، وهذا الجنين فيه صِفات الأب والأمّ، وفيه أقْوى الصِّفتَيْن ويُتَلافى فيه أضْعَف الصِّفتَيْن، فهذه الآية وَحْدَها تنْفي الاسْتِنساخ قال تعالى:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
أي نَمْتَحِنُه، جَعَلْناهُ سميعاً كي يسْمَعَ الحقّ، وبصيراً لِيَرى الآيات، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)﴾
[سورة الملك]
أحدُ أسباب دُخول النار ما سَمِعَ وما عَقَلَ، فهو لا فَكَّر بالحق وتأمَّل ولا سَمِع له، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال]
هذه الآية تَكْفينا، أخٌ كان في أمْريكا ودَخَل إلى مَسجِد ووجَدَ شَخْص يبْدو من مَظْهره من أرْقى الأُسَر وشَخْصِيَة مُحْتَرَمَة جداً، تُنَظِّف المَسْجد فقال له: أنت من أين ؟ فقال: له أنا من أمريكا، ماذا تعمل ؟ قال: بأعلى الرتب البحْرِيَّة بأمريكا ! قال: كيف أسْلَمْت ؟ فقال له: ذَهَبْتُ إلى الشَّرْق بِمُهِمَّة، وسَكَنْتُ بِبَيْت وكان هناك رجل داعِيَة أقْنَعني بالإسلام فأسْلمْتُ، هذه الآية تُريحُ الإنسان، وهذه بِشارةٌ لكم ولي فمادام الله تعالى أسْمَعَنا الحق لَعَلَّ فينا خيراً، فالآية هكذا نَصُّها، قال تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)﴾
[سورة الليل]
لفظة على إذا أُضيفَتْ إلى ذات الله عز وجل تُفيد الإلْزام الذاتي، فالهُدى من الله، هو الذي يهْدي، فهو تعالى هداك بالعَقْل والفِطْرة وهداك بالقرآن والنبي العَدْنان والدُّعاة والمنامات، فالكَوْنُ يُعَرِّف بالله، وعَقْلُك يَصِلُ بك إلى الله، وفِطْرَتُك تَدُلُّك على الله، والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام يدلان على الله تعالى، وأفعال الله تدُلُّ عليه، والعلماء من بعد الأنبياء يَدُلُّون على الله، فقوله تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
السبيل المُوصِل إلى الله، والسبيل الموصِل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، والسبيل الموصِل إلى السلام مع الله تعالى، والسبيل الموصِل إلى الدنيا كما أرادها الله والآخِرة، أما الذي كفر وانْحرف وضَلَّ وتَكَبَّر فقد قال تعالى:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا(4)﴾
[سورة الإنسان]
لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)﴾
[سورة الإنسان]
أيها الإخوة، نحن في بَحْبوحَة الحياة والقلب يعْمل، الصِّحة طَيِّبَة فلما علينا إلا التوبة الصُّلْح مع الله، وما علينا إلا أن نُحاسِبَ أنفُسَنا حِساباً عسيراً، وأن نتوب قبل أن لا نتوب، وأن نُؤَدِّي ما علينا من حُقوق قبل أن لا نجِد، فمادُمْتَ حيًّا كُلُّ شيء مَحْلول، لو جِئْتني بملء السماوات والأرض غفرتها ولا أُبالي، يوم يعلم المعْرضون انْتِظاري لهم وشَوْقي إليهم، وترْك معاصيهم لَتَقَطَّعَت أوْصالهم من حُبِّي، ولماتوا شَوْقاً إليَّ إنِّي والإنس في نبإٍ عظيم أخْلق ويُعْبَدُ غيري، وأرزق ويُذْكر سِواي خيري إلى العباد نازِل، وشَرُّهم إليَّ صاعِد، أتحبب إليهم بِنِعَمي، وأنا الغَنِيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم تَلَقَّيْته من بعيد، ومن أعرض عنِّي منهم نادَيْتُه من قريب أهْل ذِكْري أهْلُ مَوَدَّتي، وأهْل شُكْري أهْل زِيادتي، وأهْل مَعْصِيَتي لا أُقَنِّطُهم من مَعْصِيَتي، إن تابوا فأنا حَبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبْتَليهم بالمصائِب لأُطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، الحَسَنَةُ عندي بِعَشَرَة أمْثالها وأزيد، والسَّيِّئة بِمِثْلِها وأعْفو وأنا أرْأف بالعَبْد من الأمِّ بِوَلَدِها خَلَقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ، أفَيُعْييني رغيف أسوقُه لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عَلَيَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضَتي لم أُخالِفْك في رِزقِك، وَعِزَّتي وجلالي إن لم ترْض بما قَسَمْتُهُ لك فلَأسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترقُد فيها رقْد الوَحْش في البَرِيَّة، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي وكنت عندي مَذْموماً، أنت تريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُك ما تريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
أيها الإخوة الكرام، مِحْوَرُ هذا الدرْس أنَّ ربَّنا عز وجل مَنَحَنا نِعْمَة الإيجاد، وأوْجَدَنا لِيُسْعِدنا ويرْحَمَنا، فإذا أخْطأنا شَقَيْنا، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
وقال تعالى:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)﴾
[سورة البقرة]
ثمَّ إنَّ الله تعالى أكْرَمَنا بِنِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بِمالٍ وبنين وبِنِعمَة الهُدى والرَّشاد، وما علينا إلا أن نسْتجيب، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال]
قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
فإن لم نسْتَجِب شَقَيْنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانسان (76 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الثالثة والعشرون والتي بعدها من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قد يُعَبّر عن ذات الله عز وجل في القرآن الكريم بِكَلِمَة أنا قال تعالى:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
وقد يُعَبَّر عن لفْظ الجلالة في القرآن الكريم بالضَّمير نحن، قال تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
فهل هناك فرْق بين التَّعْبيريَن ؟ متى يقول الله عن ذاته العَلِيَّة:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
﴿ومتى يقول الله عز وجل عن ذاته العَلِيَّة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قال علماء التَّفْسير، إذا كان المُراد ذات الله عز وجل جاء التَّعْبير إنَّني أنا الله أما إذا كان المَقْود أفعاله وأسْماؤُهُ فَكُلُّ أفعاله تَدْخُل فيها كُلُّ أسْمائِهِ، فَفِعْلُهُ رَحْمَةٌ وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ وقُوَّةٌ وَهَيْمَنة فإذا عَبَّر عن أفْعاله يقول: إنَّا نحن، فهذا القرآن رحْمة وعَدْل كما قال العلماء ؛ الشَّريعة عَدْلٌ كُلُّها، ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ كُلُّها، لا يليق بِشَريعة الله تعالى إلا أن تكون كذلك فأيَّةُ قَضِيَّة خَرَجَت من العَدْل إلى الجَوْر أو من الرَّحْمة إلى خِلافِها أو من المَصْلحة إلى المَفْسَدَة فليسَتْ من الشريعة ولو أُدْخِلَت عليها بألْف تأويل وتأويل، هل تُصَدَّق أن يذْهب مليون حاج أو أكثر إلى الدِّيار المُقَدَّسَة وأن يذْبحوا الخرفان ويُلقونها في العَراء فَيُصْبِحُ الجوُّ نَتِنا لِعِدَّةِ أشْهر ! هل هذه هي الشَّريعة ؟! لا، الآن تُذْبح في مَسالِخ وتُبَرَّد وتُرْسَل إلى الفقراء، هذه هي الشَّريعة، أما أن نذْبَح مليون خروف وتذْهب هباءً والناس يموتون بالجوع ! ليْسَت هذه الشَّريعة، فلابدّ أن تكون الشريعة رحْمةً وحِكْمَةً ومَصْلَحة، فإذا ورد في قوله تعالى: إنَّا نحن، فأسْماء الله تعالى كُلُّها حُسْنى وفُضْلى وأفعاله كُلُّها حكيمة فإذا كان التعبير عن أفْعاله يأتي ضمير الجَمْع، لأنَّ هذا الفِعْل تدْخل فيه أسْماؤُهُ كُلُّها، وإذا كان التعبير عن ذاته يقول: إنَّني أنا الله، أحْياناً الإنسان لا تتَّضِحُ له الصورة، لو دَخَلْنا إلى أكبر مَكْتبة بالعالم، ورأيْنا فيها فَرَضاً مليون مُجَلّد، أو أكثر وكانت كُلُّ هذه الكُتب في كَفَّة، وكتاب الله تعالى في كَفَّة هذا كلام خالق الكَوْن، دَخَل مُغَنِّي بريطاني في إيطاليا إلى مَكْتبة وهو مُغَنِّي شَهير جداً وتُباع أشْرِطَتُهُ بِمئات الملايين، ورأى في هذه المكتبة القرآن مُتَرْجَم، فسأل صاحب المَكْتبة من مُؤَلِّف هذا الكتاب ظن فأشار صاحب المَكْتبة إلى السَّماء فَسَخِرَ هذا المُغَنِّي أشَدَّ السُّخْرِيَة واشْترى الكتاب ليَنْتَقِدَهُ ويدْحض هذا الادِّعاء فآمَنَ بالله تعالى ! وتاب تَوْبَةً نصوحَة وكُلُّ دَخْلِهِ من الأغاني تَصَدَّق به، وكان يشْتري تسْجيلاته وأسْطُواناتِه ويُتْلِفُها لأن لا يرْتَكِب مَعْصِيَةً، وهو الآن من أكبر الدُّعاة إلى الله اسمهُ يوسف إسلام، لذلك فَضْلُ كلام الله على فضْل كلام خَلْقِهِ كَفَضْل الله على خلْقِه، وازِن بين خالق الكون وبين إنْسان ! بين عِلْمٍ مُطْلَقٍ وبين جَهْلٍ، وحِكْمَةٌ وغباوَة ! المسافة التي بين الله وبين خلْقِه هي نفْسها بين كلام الله وكلام خلْقِه، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلام الواحِد الدَّيان، قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فالله عز وجل قَضى أن تكون ذا دَخْلٍ مَحْدود فهذا قضاء الله عز وجل ويوم القيامة يكْشِفُ لك الحِكْمة فَتَذوب كالشَّمْعَة مَحَبَّةً لله عز وجل وقضى أن تكون أباً لِبَناتٍ فقط، فهذه هي حِكْمَتُهُ، وقضى أن تكون أباً لأوْلاد، وقضى أن تكون عقيماً أو صحيحاً أو مريضاً فهذه مشيئة الله وعلامة إيمانك بالله أن تحْتَرِم مشيئته وأن ترْضى بقَضائِه وقَدَرِه ولكن هذا متى ؟! بعد اسْتِنفاذ الجُهْد، فإذا كنت كَسول ولا أدْرس ثمَّ أقول حَسْبِيَ الله ونِعْم والوَكيل، هذا كلام باطِل، الأصْل أن أقول هذا بعد الاجْتِهاد وبذْل كُلّ ما في الوُسْع لِتَحْسين مَعيشَتي ونَيْل الدَّرَجات العُلْيا فإذا انتهى بك السَّعْي إلى هذا المكان فهذا قضاء الله تعالى وقدره.
إذاً قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
لو أنَّ أحدكم ذَهَب إلى طبيب أسْنان وقال له: أنت لك مُشْكلة في القلب والبنج لا يُناسِبك، ولا بدّ من أن تُقلع الضرْس من دون بنْج، واقْتَنَعْتَ أنت، فَمِن أجل قناعَتِك بالسَّبب تتَحَمَّل الألم وتصْبِر، وهذا الصبْر لا يحْتاج إلى جُهْد إطْلاقاً، ولكن متى يكون الأجْر على الصَّبْر عالياً ؟ إذا لم تكن الحِكْمة غير واضِحَة لك ! يا ترى ألا يسْتحق الله عز وجل أن تُسَلِّم له الأمْر ولو لم تتَّضِح لك الحِكْمة ؟ فأنت مع طبيب تُسَلِّم الأمْر فكيف مع الخالق، فالله عز وجل يمْتَحِنُ عُبودِيَّتك له، ويبْعث لك مشكلة غير معْقولة، وليس معها مُبَرِّر، ولو أنَّك في أعلى درجة من الاسْتِقامة تأتي مُشْكلة فلا تقل والله أنا المفروض لا تأتيني مثل هذه المصائب ! وأعلى امتحان عُبودِيَّة أن يقول الله عز وجل لِنَبِيٍّ كريم اِذْبَح ابنك، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الصافات]
وكلمَّا كان أمر الإلهي واضِح كلَّما كانت العبودِيَّة قليلة وكلَّما كان الأمر الإلهي غير واضِح كانت العبودِيَّة فيه أعلى، أبٌ قال لابنه نَظِّف أسْنانك وآخر قال لابنه أنت معك اِلْتِهاب أمْعاء ما عليك إلا أن تأكل الشاي واللَّبَن فقط كُلُّ هذا لِمَصْلحة الولد، أما إن كان الابن جائِعاً والطعام موجود وأراد أن يأكل ثمَّ يقول له الأب لا تأكل ! فهنا تظْهر طاعة الابن لأبيه لأنَّ الأمر معْقول وهذا اسْمه اِمْتِحان عُبودِيَّة، فالله تعالى يمْتَحِننا إمْتِحان عُبودِيَّة، فهذا سيِّدُ الخلق وحبيب الحق في الطائِف كَذَّبوه وسَخِروا منه واسْتَخَفوا بِدَعْوَتِه، وفي روايةٍ ضَربوه، قال عليه الصلاة والسلام: يا ربّ إن لم يكن بِكَ عليَّ غَضَبٌ فلا أُبالي ولك العُتْبَة حتى ترْضى ولَكِنَّ عافِيَتَك أوْسِعُ لي، وامْرأةٌ في مَعْرَكة أُحُد والله مليون رجل لا يُساوي قلامة ظفرها، رأَتْ زَوْجَها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورأتْ ابنها قَتيلاً فقالتْ: ما فعل رسول الله، ورأتْ أخاها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورَأَتْ أباها قتيلاً، إلى أن رأَتْهُ فقالتْ: يا رسول الله، كُلُّ مصيبةٍ بعدك تهون ! فنحن لِضَعْف إيماننا لا نُمْتَحَنُ هذه الامتحانات، هناك صحابي فقَدَ بَصَرَهُ، فقال: اُدْعو الله أن يردَّ لك بصرَك، فقال: والله إنَّني أسْتحي من الله، هو اخْتار لي هذا وأنا أرْفُضُه ! فالإيمان له مُسْتَوَيات، لما قال لنَبِيِّه اِذْبح ابنك، هل ذُبِحَ الابن ؟ لا، الله تعالى رحيم إلا أنَّهُ امْتحنَك، إذاً هناك امتحانات عُبودِيَّة، والواضِحَة لا تحتاج إلى صبْر، كَحال الذي يؤلِمُه ضِرْسه ولكن متى تحْتاج إلى الصبْر، إذا لم يكن الأمر واضِحاً، تجد شاباً مُسْتَقيماً فقَدَ عمله فجْأةً ! وما أكل مال الحرام، فأصْبَحَ يَدَّيَن أوَّل الشَّهْر وثانيه وثالثه ؛ هذا امتحان عُبوديَّة فإذا قال: يارب لك الحمْد، مَن أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب منَّا أعْطَيْناه، ومن اكْتفى عمَّا لنا كُنَّا له وما لنا تأتي الدنيا وهي راغِمَة، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عَوَّضَهُ الله تعالى خيراً منه، في دينه ودُنْياه، ولا يوجد واحِدٌ مِنَّا ليس له قائِمَة مُزْعِجات بِحَياتِه ونقائِص ومُشْكِلات، فإذا قلتَ أنت: يا ربّ أنا راضٍ حَدَّثونا عن رجل معه ورم خبيث بأمْعائِه، فَدَخَل إلى المُسْتشْفى، فأحد إخْواننا الأطِبَّاء قال: ما دخل عليه إنسان إلا بادَرَهُ بهذه الكلمة ؛ اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله ! وكانت به آلام لا يعلمها إلا الله تعالى وكان يُغْمِضُ عيْناه ويسْتَغْفِر، وكان يُكْثِرُ الحمْد، ثلاثة أيام تُوفِّي، ولِحِكْمةٍ بالغة بالغة بالغة جاء بعده مريض مُصاب بِنَفْس المرض، ما تَرَكَ نَبِيًّا ما سَبَّهُ فذاك المؤمن يحْمد وذاك يشْتم ! قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)﴾
[سورة النحل]
اسْتَعِن بالله على الصبْر، وفي آيةٍ ثانِيَة:
﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)﴾
[سورة المدثر]
هناك شَخْص ينْقهِر فَيَصْبر، فهذا ليس لله، ولكنَّهُ مَقْهور، أما المؤمن وهو في أعلى درجات القوَّة يصْبر لله، فاصْبِر وصابِر، وكان سيِّدنا عمر إذا أصابته مُصيبةٌ قال: الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمْد لله إذْ لم تكن أكبر منها، والحمد لله أَنَّني أُلْهِمْتُ الصَّبْر عليها.
قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فلا شيء يقعُ لك إلا والله تعالى هو الذي سمح فيه، والله تعالى حكيم وعادِل، وفَسِّر كُلَّ أفْعاله بالرَّحْمة والعَدْل واللُّطْف، فما دام الشيء وَقَع فهذا قرار ربِّك فاصْبِر والصَّبْر مُريح، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر]
كأنَّ لك شيك مَفْتوح، فهذه الصَّحابيَّة أُمُّ سَلَمة تُوُفِّي زوْجها ومن ألْمَع الصحابة والنبي علَّمَنا أن إذا أصابتْنا أن نقول: اللهمّ اخْلُفني خيراً منها فإذا بالنَّبي صلى الله عليه وسلَّم هو الذي خَطَبها.
فإذا صَبَرْتَ ورضيت بِقَضاء الله فالله تعالى يُحِبُّك ويُعَوِّضك أحْسن منه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانسان (76 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والعشرون من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلّ جلاله يأمرنا أن نذكره بُكْرَةً وأصيلاً، وصباحاً ومساءً، أي ذِكْراً كثيراً، وفي آيةٍ أخْرى يقول الله عز وجل:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
[سورة الأحزاب]
وقد ورد في الأثر القُدْسي: ابن آدم إنّك إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتَني كَفَرْتني، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران]
قالوا: حقَّ تُقاتِه أن تَذْكره فلا تنْساه، وأن تُطيعهُ فلا تعْصِيَه، وأن تشْكُرَهُ فلا تكْفره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: برءَ من النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله.." وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ * ))
[ رواه الترمذي ]
وما والاه ؛ أيُّ شيء يُقَرِّبُك من الله، فإذا جَلَسْتَ في مَجْلس عِلْم وتَعَلَّمْتَ تفْسير آية فهذا المَجْلس من ذِكْر الله، وإذا قرأْتَ كِتاب فِقْهٍ لِتَعْرِفَ أحْكام الشَّرْع والحلال والحرام فهذا من ذِكْر الله، وإذا تَلَوْتَ القرآن تِلاوَة تَعَبُّد فهو من ذِكْر الله، وإذا فَكَّرْت في السماوات والأرض التي بثَّها في الكون فهذا من ذِكْر الله، وإذا دَخَلْتَ إلى المسْجد لِتُصَلي، قال تعالى
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
فهذا من ذِكْر الله، والقلب لا يطْمئِنُّ إلا لِذِكْر الله تعالى، ولا يسْعَدُ إلا لِذِكْر الله، وما من شيء في الدنيا يمْلأ هذه الثَّغْرة، فقد تكون غَنِيًّا إلا أنَّك تجد شيئاً فارِغاً تبْحَثُ عن سَدِّه، وقد تكون قَوِيًّا وصحيحاً وقد تمْلك الدنيا بِما فيها، وما لم تذْكر الله فالقلب يصْدأ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ القلوب لتصْدأ كما يصْدأ الحديد..." وحينما قال الله عز وجل ألا بِذِكْر الله تَطمَئِنُّ القلوب، فلو قال تطْمئِنُّ القلوب بِذِكْر الله لَكان معنى الآية أنَّها تطْمَئِنُّ بِذِكْر الله وبِغَيْر ذِكْر الله، أما حينما جاءَت بهذه الصِّيغة المُقَدَّمة، فالمَعْمول إذا قُدِّم على العامل في اللُّغة أفاد الحصْر فلو أنَّ الله تعالى قال: مفاتيح الغيْب عنده، فهذا يمكن أن يكون عند غيره أما حينما قال:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)﴾
[سورة الأنعام]
صار هناك حصْر فالتَّقْديم والتأخير يُفيد الحصْر، فلما قال الله عز وجل:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد]
فالقلوب إذاً لا تطْمَئِنّ ولا تسْكن النُّفوس الأفئِدَة لا ترْتاح إلا بِذِكْر الله قال عليه الصلاة والسلام: وما جلس قوم مجْلساً..." لذلك احْرِص على أن تُكْثِرَ من ذِكْر الله، ولأمْر لا ينْصَبُّ على ذِكْر الله وحْدهُ، لأنَّ المنافق يذْكر الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[سورة النساء]
المؤمن يذْكر الله تعالى ذِكْراً كثيراً، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)﴾
[سورة المزمل]
ففي بعض الآثار أنَّه يجب أن تذكر الله تعالى حتى يُقال عنك مَجْنون وأنت أعْقَلُ العُقَلاء، والإنسان إذا ذَكَر الله تعالى ألْقى في قلبه طمأنينةً لو وُزِّعَت على أهْل بلدٍ لَكَفَتْهُم، إذا ذَكَرَ الله عز وجل ألْقى في قلبه سكينةً، وراحَةً، وسعادَةً، لأنَّ إن ذَكَرْتَهُ ذَكَرَك، وما ذَكَرني عبدي في نفْسه إلا ذَكَرْته في نفْسي، وما ذَكَرني في ملأ إلا ذَكَرْته في ملأ خير منه، وكلُّ إنسان يتَحَدَّث عن نفسه، ويقول: أنا يمْقُتُه الناس فإذا تَحَدَّثْت عن الله عز وجل أحَبَّك الناس، فَمَعْقِدُ الآمال، ومَحَطُّ الرِّحال، ومُنْتهى الغايات، هو الله تعالى، هناك أشْخاص عندهم عُقَد نفْسِيَّة في التَّحَدُّث عن أنْفسِهم وعن أعْمالهم، فهؤلاء يعبدون ذواتهم من دون الله، وهؤلاء يمْقتهم الخَلْق، أما إن أَرَدْتَ أن يُعَظِّمَك الخلْق بَيِّن عَظَمَة الله، سيِّدنا نور الدِّين الشَّهيد لما ردَّ التتار هولاكو ترْمونلاند أمر أن توضَع خمسين ألف رأس على شَكْل هرَم، وهو المعْروف بِبُرْج الروس ؛ خمْسين ألف رأس وُضِعَت على شَكْل هَرَم، ثمَّ نظر وقال: سامِحونا فإنَّا سَبب دُخولكم الجنَّة ! مَن الذي وَقَف في وَجهه ؟ الظاهِر بيبَرْس وقُطز ونور الدِّين الشَّهيد، وفي بعض المعارك سَجَد نور الدِّين الشَّهيد وقال: يا ربّ من هو الكلب نور الدِّين حتى تنْصره ! فالمؤمن يُعَتِّب على نفْسِه، وقد جاء رسولٌ من بعض الغزوات إلى سيِّدنا عمر فقال له عمر: طمْئِنِّي ؟ فقال: مات خلْقٌ كثير فذَكَر له منهم فلما قال له عمر: تابِع، قال له الرسول: إنَّك لا تعْرفهم، فبَكَى عمر بكاءً شديداً وقال: وما ضَرَّهم أنِّي لا أعْرفهم إذا كان الله يعْرِفُهم.
فيا أيها الإخوة، الذِّكْر جزْء كبير من الدِّين، وغِذاء القلب، والعِلْم غذاء العَقْل، والطَّعام والشَّراب غِذاء الجِسْم، فكما أنَّك بِحاجَة يوْمِيَّة إلى كأس ماء يوْمِيًّا عليك أن تذكر الله يَوْمِيًّا، ولما يُغَذِّي الإنسان جانِباً على آخر يُصبح له شَكْل كاريكاتوري ! لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً (24)﴾
[سورة الإنسان]
من أجل أن تصْبر اُذْكر اسم ربِّك، ومن أجل أن تطْمئِنّ وتسْعد وترْتاح اُذْكر اسم ربِّك، من صلى الفجْر في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُمسي ومن صلى العِشاء في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُصبِح قال تعالى:
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
يُشير لهم احْتِقاراً، أموات غير أحْياء ينامون ويسْتيقِظون، ويحْلمون بالأموال والتِّجارات والأرْباح ؛ ساحته النَّفْسِيَّة كُلّها دنيا.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
أحْياناً يُهَرِّب الواحد حشيش ويُعْطونه مائة ألف ! إلا أنَّه لما يحكمونه في السِّجْن ثلاثين سنة ينْسى حليب أمِّه، وإذا كان في التِّجارة إعْدام، فالذي يعيش على أنْقاض الآخرين وعلى أموال الآخرين، وعلى اغتصاب الأموال، المحاكم الآن كُلُّها دعاوى كَيْدِيَّة، دون مُبَرِّر، فلا تفْرح بالمال الحرام، ولا تفرح أنَّك طلَّقْتها ولا أحد معها، ولا تفْرح أنَّك أخْرجت شريكك من المَحَلّ فالذَّكاء لا يكون إلا بِطاعة الله.
ذكر لي أحد الإخوة، أنَّهُ كان ماشِياً بِسُرْعة في الطريق، وكانوا قد وضَعوا رادار جديد، فقالوا له: كنت مُسْرِعاً، فقال: لا، أنا لم أكن مُسرِعاً، فأعْطَوْهُ الصورة، فما عليه إلا أن يدْفع، فالعبرة أن تعمل عملاً لا تندم عليه، والله تعالى يُحاسب حِسلباً دقيقاً، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾
[سورة الحجر]
غفور رحيم إذا رَجَعْتُ وتُبْت ونَدِمْت، أما الإصْرار على الخطأ فقد قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾
[سورة الحجر]
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
فلا تأخذ شطْر الآية دون أن تكمِلَها، لأنَّ إن فَعَلْتَ هذا كأنَّ تقول: ويْلٌ للمُصَلِّين !
إذاً قال تعالى
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
فالإنسان يمْشي ويقف، فكيف يكون هذا ؟ لأنَّه يوجد هَيْكل عظْمي، عُنق الفخِذ يحْمل وزْن مائتان وخمْسون كيلو، وأمْتن نقطة بالعظْم عنق الفخِذ مِن أين جاءَت هذه المتانة ؟! فالإنسان أصْله ماء ونطْفة وبويْضة، ولو ظاهرةً بالفيزياء اسمها التَّرسُّب لما كان هناك عظْم، فأنت تأكل الجبن وهو فيه الكِلْس، وتأكل الحليب، فهذا الكِلْس يترسَّب على شَكْل عِظام مَتينة جداً، بل إنَّ الأسنان أقْسى عنصر بالكَوْن بعد الأَلْماس، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
ذكر لي طبيب جراح عِظام لما نَفُكّ مُشاشة عظْم عُنق الفخِذ من مَحَلِّها يساعدني أربعة أشْخاص ولا أقْدِر، وقرأْتُ في بحْثٍ أنّ هذا العظْم داخل إلى شِبْه كُرَة، وهناك تفْريغ من الهواء، لا يسْتطيع أن يفكوها عن بعْضِها، نحن خلقناهم وشَدَدْنا أسْرهم، فالإنسان مَشْدود وهذا يُلاحظ من حَمْل الابن، فلو كانت الأرْبِطَة ضعيفة لكان وزْن الابن يُمَزِّق الأرْبِطَة وتتقَطَّع أيديه، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانسان (76 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها إلى نِهاية السورة من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
أوَّلاً كلمة تذْكرة تعْني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، والقرآن يُذَكِّرك بشيءٍ مُنْطَبِعٍ فيك، كما لو زُرْت بلْدَة ثمَّ أريك صورة هذه البلدة، نقول لك: أتعرف هذه البلدة ؟ لولا أنَّك زُرْت هذه البلدة وانْطَبَعَت معالِمُها في ذِهْنِك ثمَّ أرَيْناك الصورة لما من معنى أن نقول لك: إنَّ هذه تَذْكِرة، فالتَّذْكرة لِشَيْءٍ رَأيْتهُ سابِقاً، فالنَّفْس البَشَرِيَّة مَفْطورة على ذِكْر الله، وفي أصْل فِطْرتها مؤمنة بالله، والخَلْق جميعاً في ساعات الشِدَّة يعودون إلى فِطْرَتِهم وحتى المُلْحِد إذا رَكِبَ سفينةً أو طائِرَةً واضْطَرَبَت وكادَتْ أن تقع أو تغْرق يقول: يا ألله ! إلا أنَّ الشَّهوات تطْمِسُ هذه الفِطْرة وتُبْعِدُها عن صفائِها، فَكُلُّ إنسانٍ مؤمن بالفِطْرة، لذلك جاء هذا القرآن الكريم لِيُذَكِّرنا بأصْل فِطْرتنا، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾
[سورة الإنسان]
كلمة تذْكرة تعني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، فالهُموم والشَّهوات والنوازِع والرَّغبات طَمَسَتْ هذه الفِطْرة.
المعنى الثاني: إنَّ هذه تَذْكرة، وأنت مُخَيَّر، والدليل قوله تعالى بعدها:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلَّ وعلا أعْظم وأجلّ من أن يقول كلاماً لا معنى له، لو أنَّنا مُجْبرون، ومُسَيَّرون ولَسْنا مُخَيَّرين لما كان هناك معنى لقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
فلو كنت راكباً سيارة والمِقْوَد بِيَدِك، لا يَصِحُّ عقْلا أن تقول لِواحِدٍ وراءك، لُفَّ على اليمين ! فلو أنّ الإنسان مُكْره ومُسَيَّر وليس مُخَيَّراً فالآية لا معنى لها، يقول لك الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
المعنى الثالث: أنَّ الله جلَّ جلاله جعل إليه ألف سبيل وسبيل لِرَحْمته بِنا فأنت قد تكون حاجتك عند قَوِيّ أو عند مَلِك ولكن لا سبيل ولا طريق إليه، ولا تسْتطيع أن تُقابله، ولا تسْتطيع أن تُرْسِل إليه رسالة، فهذا الإنسان القوِيّ والمَلِك لا سبيل إليه، لَكِنَّ مَلِكَ المُلوك لك إليه ألف سبيل وسبيل، فالعَمل الصالح سبيل، وتِلاوة القرآن سبيل، والإخلاص والوَرَع سبيل، إنْفاق المال سبيل، وترْبِيَة الأوْلاد سبيل، أن تكون زوْجاً كامِلاً سبيل، وأن تُطْعِمَ الفقراء سبيل، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فلو أنَّ واحِداً عَمَّرَ مسْجِداً، والثاني خطَبَ، والثالث دَرَّس، والرابع أطْعم الفقراء، والخامس أوْقَفَ أرْضاً لأبْناء السبيل والسادس رعى الأيْتام، والسابِع ألَّف كِتاب، فأيُّ عَمَلٍ يُقَرِّب إلى الله عز وجل فهو سبيل إليه، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
فأنت لك إلى الله ألف سبيل وسبيل، غَضُّ البصر سبيل، وأن تصوم يوماً تقرُّباً إلى الله سبيل، وأن تقرأ الله وأن تدْعُوَهُ وتسْتغفره وتتوب إليه، أن تُطْعِم حيوان، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
إلا أنَّه كما قال تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
والمعنى هنا دقيق جداً، لو قلْتُ للطلاب مثَلاً من شاء منكم أن ينْتَسِب لِكُلِيَّة الطِب فلْيُقَدِّم طلباً، وأنا أعلم أنَّ هذه الكليَّة لها علامات خاصَّة فَكُلُّ طلبٍ علامته دون المائتان مرْفوض ! مشيئَةُ الله تعالى مشيئةُ فحْصٍ واخْتِبار، ومشيئة اخْتِيار، إلا أنّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار فلو قال أحدهم: اللهمّ ارْزقني الجنَّة وما اسْتقام فهو كذَّاب، تطْلب الجنَّة ولا تعْمل عمل أهْل الجنَّة، تخْشى النار وأنت لا تتَّقيها، وتتحدَّث عن مَحَبَّة الله وأنت تعْصيه، فمشيئة الإنسان هنا مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
مشيئة الله تفْحص مشيئتكم فإن كنتم صادقين ومُخلصين ودَفَعْتُم الثَّمَن يشاء الله لكم ما تشاءون، ودليل هذا قوله تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
أي عليماً بِنَواياكم وصِدْقكم وإخْلاصِكم واسْتِقامتكم وورَعِكم وتوحيدكم.
قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
رحْمة الله مبْذولة لِكُلِّ الخلْق إلا الظالمين، قال تعالى:
﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
فأشَدُّ أنواع الظُّلْم أن تظْلِم نفْسَك، قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
أي أنَّ كُلّ إنسانٍ لم يتلبَّس بِظُلْمٍ هو في رحْمة الله، والدليل قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
[سورة الأنعام]
لذلك قال بعض العلماء الأجِلاء: الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالِصاً أو صواباً، فخالِصاً ما ابْتُغِيَ به وجْه الله، وصواباً ما وافق السنَّة، فأيّ عملٍ لم يُوافق السنَّة لا يقبله الله، وأيّ عملٍ لم يكن مُخْلِصاً لا يقبله الله، ويجب أن تعبد الله وِفْقَ ما شَرَّع، فالبارحة جاءني سؤال على الهاتِف وهو أنّ امْرأة حجَّتْ حجَّة الفرْض إلا أنَّها مُتَشَوِّقة للدِّيار المُقَدَّسة جداً، سَتَعْقِدُ عقْداً صورياً لِيَكون مَحْرماً لها ! سبحان الله ! الله عز وجل لا يُعْبد إلا وِفْق ما شَرَّع ولا يُعْبد إلا هو، فهذا تحايل وتجاوز للحدود الإلهيَّة، فَكُلُّ من لم يظلم نفْسَهُ أو لم يظلم غيره مُؤَهَّلٌ لِرَحْمة الله قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المرسلات (77 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المرسلات:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
[ سورة المرسلات ]
كلّ نشاطات الإنسان في الدنيا لا معنى لها إن لم تكن مُحْسِنَة لأنَّ علاقة الدنيا بالآخرة علاقة العمل الصالح، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾
[سورة الفجر]
فأنت في هذه الدنيا أُرْسِلْت إليها من أجل أن تعمل عملاً صالحاً يكون سَبَباً لِدُخول جَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرْض، مَخْلوقٌ للجَنَّة وثَمَنها في الدنيا وثمنها العمل الصالح، لذلك هذه الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سوة المرسلات)
الإحْسان كلمة مطلقة، يمكن أن تُحْسن إلى كُلِّ من حولك، والإحسان إتْقان العمل والنصح له، والرحْمة بالخلْق، وأن تكون زوْجاً مِثالِياً وأن تكون أباً كامِلاً، وتاجِراً أميناً، وأن زارِعاً مُسْتقيماً، ولا يوجد إنسان وأنتم سْامعون كلكم إلا وهو بِمَصْلحته ومِهْنته، وممكن أن يُحْسن وممكن أن يُسيء ويمكن أن يغُشّ، ويمكن للصَّيْدلي أن يمْسح نِهاية الصلاحِيَّة ويبيع الدواء، ويأخذ ثمنه، أما الدواء فقد انتهى مَفْعوله، وممكن مُحامي أن يوهِم المُوَكِّل أنَّ الدَّعْوى رابِحَة، وهو يعْلم عِلْم يقين أنَّها ليْسَت كذلك ويمكن لطبيب أن يقْنع المريض بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة لا جدْوى منها، وكذا المُدَرِّس يرْفع مستوى لأسْئِلة من أجْل دُروس خاصَّة، فالإحْسان والإساءة أبواب مفْتوحة، قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾
[سورة القيامة]
ممكن للكهربائي أن يصنع وصْلاتٍ غير جيِّدة ممكن أن تحرِقَ البيت وهذا من أجل أن يُوَفِّر ألف ليرة ! وممكن لأيِّ ميكانيكي أن يُسيء وكذا الفلاح يضع هُرمونات فيأتي الإنتاج كبير، ومنظره جميل وثمنه غالي، وهذه الهرمونات تهْريب ممنوع أن يأتي بها للبلاد، وكلُّ هذا من أجل أن يكون إنتاجه غالي، فالإحْسان الاسْتِقامة والصِّدق والأمانة وعدم الغِشّ، وأن تكون زوْجاً مُحْسِناً وأباً مُحْسِناً، وكُلُّ واحِدٍ منَّا يعرف أن يُحْسِن بالفِطْرة والدليل قوله تعالى وَنَفْسٍ ﴿ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾
[سورة الشمس]
أنت معك مُفْتي صغير وفِطْرة عالِيَة، وكلّ واحِد يغْلط أو يوهِم الناس أو يكْذب يحُسُّ بالانْقِباض وما من واحِدٍ إلا ويعْلم نفْسهُ عِلْمَ اليقين، وماذا يفْعَل لذلك الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
بالمناسبة قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾
[سورة القصص]
أنت أَحْسِن واصدُق ولا تغُشّ ولا تكْذِب وكُن صادِقاً فالله تعالى هو الرزاق ذكر لي أخٌ عندي قطعة لسَيارة ثمنها عشرين ألف، ولي ثمان سنوات وأنا أُرَحِّها من جَرْدٍ آخر، فجاء زبون، ولما طلبها كاد أن يخْتَلّ توازني طلب منِّي أن أُنزِلها وقال لي: هل هي أصْلِيَّة ؟ فقال له: لا ليْسَت أصْلِيَّة ! كُلُّ إنسان يظنّ أنّه يكْسب بالمَعْصِيَة فهو أحْمَق، بالمعْصِيَة لا كَسْب فيها تُجَمِّع النقود بالمئات حراماً، وتدفعهم بالملايين ! ذَكَر لي أخٌ أنَّ مَحَلَّه احْتَرق وقال لي لو خَبَّرني واحدٌ من الناس لأعْطَيْتُه سبعة ملايين ! وهذا في سنة الأربعة والسَّبعين، كُلُّ صَندوق فيه ثمان مئة ألف كُلّها صارَت فَحْماً ! ماذا قال لي بعدها ؟ ثلاثون سنة وأنا تاجر فَلَعَلَّ الله تعالى جَمَّعهم لي في هذه اللَّحْظَة، وذكر صديق لي فقال لي: بِعْتُ فلاناً من الناس سيارة وفيها عَيْب ضَخْم في المُحَرِّك ! ظَنَّ أنَّهُ ذكِيّ، بعدها ذهب لِطرْطوس واشْترى سيارة حديثة، بعد خمْسة أيام أُصيب بِحادِث سيارة ولم يبْق من سيارته شيء ! فجاءَني يرْجف فقلتُ له: ألم تقل لي: بِعْتها أحداً بِعَيْبِها !! الله تعالى كبير، مع الله لا يوجد ذكاء، فلا تغُشّ ولا تحْتال ولا تقل هذه لا أحد لها ولن أُعْطيها المتأخَّر.
سَمِعْتُ قِصَّةً ؛ إمام جامِع الورْد قبل خمسين أو ستِّين سنة رأى بالمنام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا فلان بَشِّر رفيقك فلان أنَّه رفيقي في الجَنَّة، وكان جارُهُ سَمَّان، وهو إمام، فتألَّم من البِشارة ! دَقَّ على جارِه وقال له: لي معي بِشارة لك، ومُهِمَّة جداً، إلا أنَّني لن أقولها لك حتَّى تقول لي ما فَعَلْتَ مع ربِّك حتى جاءَتْكَ هذه البِشارة التي هي من رسول الله، حينها حكى ؛ فقال له: والله تَزَوَّجْتُ واحِدَةً صالِحة ومن عائِلَة مَسْتورة، وبعد خمْسة أشْهر وَلَدَتْ ! فلم أحبّ أن أفْضَحها، وسَتَرْتُها وكان بإمكاني أن أُطَلِّقها، فقلتُ: لَعَلَّها غلْطة لن تُعاد، فجاء بقابِلَة وولَّدها وحَمَل هذا الصغير إلى الجامع بعد صلاة الفجْر بعدما نوى الإمام الصلاة وبعد الصلاة سَمِعوا بكاء الطِّفْل فالْتَفَّ المُصَلون، فتساءل عن الخبر وكأنَّه لا يعرف شيئاً، فلما قالوا: طِفْلٌ يبكي، قام هو وقال: أنا ليس لي ولد لعلِّي أكْفُلُه فأخَذَهُ على أساس أنَّهُ لقيط ورَدَّهُ لأمِّه !! وقال لها: ربِّيه فهو هذا الشَّخْص كان قادِراً على أن يفْضح إلا أنَّه اتَّقى الله، فالإنسان دون عمل فقير، الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، وسيِّدنا موسى لما تولى إلى الظلّ قال تعالى عنه:
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾
[سورة القصص]
فأنت فقير ولو كان معك ألف مليون إن لم يكن لك عمل، قال له يا بِشر: لا صَدَقَة ولا جِهاد فبِمَ تلقى الله عز وجل ؟
وأقول لكم الصراحة غير المخلوق هو الآن يأكل وينجب ويشْتغل، فإذا أنت حالك الأكل والشرب والإنجاب ونزْهات فأنت لا مَيِّزَة لك، أما إن كنت للخير ساعِياً وطلبْت العِلم أو أعَنْت عليه، وساهَمْت بِنَشْر الدِّين اُنظروا إلى الآية:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
هذه الباء هي باء السَّبب، ذكر أحد أصْدقائنا الأطِباء أنَّه جاءتْه امرأة فقيرة وأحسَّ هو بذلك وشعر منها بالخوف في الدَّفْع فلم يأخذ منها، فقال لي: ولله تعالى ما شَعَرْت بِسَعادة في العمل إلا في هذه الخِدْمة ! فأنت بِإمكانك أن تكون تاجِراً مُحْسِناً، أو طبيباً مُحْسِناً أو مُدرِّساً مُحْسِناً.
وهناك إخوة في قلوبهم الرَّحْمة، فهو لا يسْتطيع أن يرى أخاه يتألَّم، وأحد الإخوة كان عمره تسعة وسِتون سنة، منتصِب القامة وحادّ البصر وسمعه جيِّد وفي كلا خَدَّيْه ورْدة سُئِل ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حَفِظْناها في الصِّغر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، فأنت لا تدْري بِحَسَنة من يغنيك أو يرْحمك، فالأصل كما قال تعالى:
﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
كثير من إخواننا ذوي الشركات الضَّخْمة يتحمَّلون الذي يشْتغلون عندهم من أجل عائلته وأولاده ! ولا يوجد من لا يسْتطيع أن يخْدم الناس، أحد الإخوة ذهب لِمُدير الشركة وقال له والدتي لها تعويض ومُقْعدة والمبْلغ قدْر الوكالة فهل تتكَرَّم علينا على البيت، فقال: له في خِدْمتك فهذا الأخ لم يُصَدِّق من شِدَّة الفرح، فلما ذهَب معه، وقال له الأخ: هل أوصِلك ؟ قال له: لا أنا جئت لِوَجْه الله.
فيا أيها الإخوة، نودّ من كم الإحسان، والاسْتقامة الطريق سالك، أما المَشْي على طريق الاسْتِقامة لا بدّ له من عملٍ صالح، والعمل الصالح يرْفعك.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المرسلات (77 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة في سورة المرسلات وهي قوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[سورة المرسلات]
أوَّلاً كلمة وَيْل معناها الهلاك وبعضهم قال: هي واد في جَهَنَّم، والمعنى الأوْسَع هو الأقرب ؛ الهلاك للمُكَذِّبين، وهذا الوَيْل أي الهلاك لو أدْركه الإنسان وهو حَيّ لاخْتَلَّ توازنه، وما من بيْتٍ إلا ومَلَكُ الموت يقف فيه خمْس مرات فإذا وَجَد أنَّ العبْد قد انْقضى أجلُه وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سكراته فَمِن أهل البيت الضاربة وَجْهها، ومنها الصارخة بِوَيْلها، والمُمَزِّقَة ثوبها فيقول ملك الموت: فيم الجَزَع، ومِمَّ الفزَع، ما أذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ منكم رِزْقاً ولا قَرَّبْتُ لكم أجَلاً، وإنَّ لي فيكم عَوْدَة ثمَّ عوْدة ثمَّ عَوْدة حتى لا أبْقي منكم أحداً، فو الذي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِه لو يسْمعون كلامه ويروْن مكانه لّذَهِلوا عن مَيِّتِهم، ولَبَكَوا على أنْفسِهم
أوْضَحُ مثَلٍ في توضيح هذه الآية ؛ إنسان يرْكب مَرْكبة جَيِّدة في طريق هابِط، والهواء عليل، وأطراف الطريق كُلُّها ورود و زُهور، وهو مُسْتمْتِع بهذه الرِّحْلة وهذه الانْطِلاقة إلا أنَّ هذا الطريق شديد الانْحِدار وينتهي بِمُنعَطَف حادّ، وهو في هذه السرْعة العالية والمناظر الجميلة اكْتَشَف فجْأةً أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل ! ماذا سَيَفْعَل ؟! هذا هو الوَيْل، قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا * ))
[ رواه البخاري ]
لو يعلم الإنسان ما ينتظره من حِساب دقيق، كُلُّ شيء بِمِثْقال قال تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
هناك حِرَفٌ كثيرة مَبْنِيَّة على الظُّلْم وإيذاء الناس، وأخْذ أموالهم بالباطل فهذا الذي يفْعل هذا لو يعْلم الحقيقة لَصُعِقَ، ففي مِثالنا صاحب السيارة لو عَلِم في البداية أنَّ المِكْبح مُعَطَّل لما أسْرع، ولذلك البطولة أن تعرف الحقيقة المُرَّة في الوقْت المناسب، إذْ هناك حقيقة مُرَّة وهناك وَهْمٌ مُريح والوَهْم المُريح يقوله العوام، غفر الله لنا ! نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ! وأُمَّة محمَّد مَرْحومة ! أما لو تعلم الحقيقة فقد لا تنام، لذلك قالوا قد تقرأ قِصَّة وتنتهي منها وتتثاءب وتنام، وقد تقرأ مقالةً، وتنتهي منها وحينها تبدأ متاعِبُك، والشيء الدقيق أنَّ الحقيقة المُرَّة أفْضل ألْفَ مَرَّة من الوَهْم المُريح، فلذلك كما قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)﴾
[سورة المرسلات]
التَّكْذيب نوعان: تكذيب قولي اعْتِقادي وتكذيب عَمَلي فالتَّكذيب القولي لا أعتقِد أنَّ في العالم الإسلامي إلا قِلَّة قليلة جداً مِمَّن رَكِبَتْ رؤوسَها تُكَذِّبُ هذا القرآن تكْذيباً قوْلِيًّا، وقد نجد نسبَةً أكثر مِمَّن تُكَذِّب تكْذيباً اعْتِقادِياً أما جَمْهرَةُ المسلمين يُكَذِّبون تكْذيباً عَمَلِيًّا والتَّكْذيب العمَلي أخْطر أنواع التَّكْذيب ! لماذا ؟ لأنَّ الذي يُكَذِّب بِلسانِه تُناقِشُه وتُقْنِعُهُ، أما الذي يُقرُّ بِلِسانه ويعْتَقِدُ أنَّ هذا الدِّين حقّ ولا ترى في سُلوكِه ما ينبئ بِذلك فهذا إنْسان خطير جداً، فلو أنّك زرْتَ طبيباً راقٍ ووصَفَ لك وَصْفة وشَكَرْتهُ شُكْراً عميقاً، وصافَحْتَهُ بِحَرارة، لكِنَّك حينما لا تشْتري الوَصْفة فأنت لا تعبأ بِعِلْمِه، فأنت كَذَّبْتَ علمه بِسَبب عدم اشْتِراء الوَصْفة، فهذا هو أخْطر التكذيب أن تعتقد شيئاً وأن تقول شيئاً وأن تقول خِلاف الشيئيين وهو حال المسلمين، تقول لأحدهم هناك آخرة، فيُجيبُك أنَّ الآخرة حق ! فلِمَ تأكل المال الحرام، ولم نساؤك غير مُنضَبِطات، وكذا بناتك ولك مليون شبْهة ومعصِيَة بِحَياتِك تجد أنَّ آخر كلامه يقول لك: نسأل الله أن يتوب علينا ! فهذا يُكَذِّب تكذيباً عَمَلِيًّا، قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)﴾
[سورة المرسلات]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾
[سورة محمد]
قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20)وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
لو أنَّ واحِداً حُكِمَ عليه بالإعْدام وطلب قطعة لحْم يُطْعِموه، كلّ شيء يريده، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)﴾
[سورة الأعراف]
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[سورة المرسلات]
لا تفْهم هذه الآية بِشَكْل ضَيِّق، فالرُّكوع هو الخُضوع، إذا دَعَوْته أن يسْتجيب لله لا يسْتجيب، وإلى أن يُطيعه لا يُطيعه، وإلى أن ينتهي عما تعالى عنه نهى لا ينتهي قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
العبرة ليس بما تقول ولكن بما تفْعل، فالركوع هو الخضوع لله عز وجل.
دخلتُ مَرَّة في قَضِيَّة إصْلاح ذات البيْن ؛ فتاة يعْضِلُها أبوها عن الزواج، فأنا دُيعت إلى إقْناع الأب، وجَلَسْتُ عنده من التاسِعَة ليلاً إلى الثانِيَة عشر ليلاً، فقد جاءَها ثلاثون خطيباً، ورَفَضَهم جميعاً، وآخر خطيب ممتاز جداً، وسألوا عنه وتَحَقَّقوا منه، ولا إشْكال، ويقول لها أبوها: إذا تتَزَوَّجي أُطَلِّق أُمّك ! شيء عجيب، آخر كلام قاله لي أبوها: لو يأتي رسول الله ويقول لي: زَوِّجْها لن أُزَوِّجها ! قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
لا يسْتجيب.
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[ سورة المرسلات ]
الكون ينطق بِوُجود الله ووَحْدَانِيَّتِه وكماله، والقرآن كذلك والحوادث وكذا أفعاله تعالى، وخلقه وكلامه ؛ كُلُّ هذا ينطق بالحق، روى من قبلنا أنَّ أحدهم جاء بِطُنّ مِلْح وقال: من أكله أعْطيه جائزة فَخْمَة وأُزَوِّجُه بِنْتي، فَتَراوَد عليه الناس جميعاً وما استطاعوا، فجاءه واحد من الناس وقال له: إذا كانت أمامك كُلّ هذه البيِّنات من الناس وإلى الآن لم تسْتَفِد منها فَبِأيِّ حديث بعده يؤمنون.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النبأ (78 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النبأ سورة عمَّ يقول الله عز وجل: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)﴾
[ سورة النبأ ]
أي عن ماذا ؟ الميم أساسها اسْتِفهامِيَّة، فإذا اتَّصل حرْف الجرّ بِما الاسْتِفهامِيَّة حُذِفَت ألفها، تقول: عمَّ وفيمَ ولِمَ، وإلامَ، وهذا للتَّفْريق بينها وبين ما المَصْدَرِيّة، أسْأل طالباً تَفَوَّق في النَّجاح قائِلاً: بِمَ نِلْتَ هذا المجموع ؟ يقول لك بِما بَذَلْتُ من جُهْدٍ، فالأولى اسْتِفهامِيَّة والثانِيَة مَصْدَرِيَّة، وهنا عَمَّ، ويمكن لِكُلِّ واحِدٍ منَّل بِحياته له آلاف الأنباء، فهو يأكل يسْمع الأخبار أنَّ طائرة سَقَطَت فيها أربع مائة وخمسين راكِباً ولم ينجو منهم أحد! وأنت تأكل سلَطَة وشاي ومُرْتاح فهذا نبأ لا علاقة لك فيه، أما لو كان أحد رُكاب الطائرة وبَلَّغوه أنَّها على وَشَك السُّقوط، ذكر لي أحد إخواننا وكان مُظيفاً بالطائرة أنَّهم أحد المرات دخلوا في سحابة مُكَهْرَبَة، مما أدى إلى انقطاع رأس الطائرة فقال لي: والله لو رأيْت حال الركاب لما صَدَّقْت ؛ أحدهم يبكي والآخر يندب شعْره، وذاك مُنْبطِح، شيء عجيب ! فما استطَعنا أن نُهَدِّأهم إلا واحِداً وجَدْناه ساكِتاً فقلنا لعلَّه يمكن أن يُسْكِتَهم بحُكم أنَّه مُسافر مثلهم فلما ذهبنا إليه وجَدْناه مُغْمىً عليه !! فيخْتلف الحال بين أن تسْمع نبأ طائرة وأنت تأكل مع أهْلك، وبين أن تكون أحد رُكاب الطائرة، هناك أنباء خطيرة، وأذْكر مَرَّةً أنَّنا كُنَّا مَدْعُوِّين لِطعام غذاء في بسْتان بالغوطة والداعي أخ من إخواننا، والبستان لِعَمِّه، ونحن جالسين جاء عَمُّه وكنَّا ثلاثين واحد، فما سَلَّم علينا ! فَسَألْتُه عن هذا، فقال ك دَعْهُ يا أستاذ فلقد جاء من غسيل الكِلْيَة ! وهو الآن مُهْتَمّ بحاله ولا يرى أحداً، إذاً هناك نبأ عظيم أيها الإخوة، هذا النبأ أوَّلُه عند الموت حينما يوقِن الإنسان بالمُغادرة، ويُصبح بِحالة أخْرى، فَكَيْف يوم الحِساب بِكُلِّ نظْرة، وبِكُلِّ حِساب وقِرْش وموْقف، هذا هو النبأ العظيم قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
كلا سَيَعلمون الأولى على فِراش الموت، وكلا سَيَعْلمون الثانِيَة هي يوم القِيامة أنَّهم كانوا عُصاةً أغْبِياء، والعاصي أيها الإخوة غَبِيّ والتقيّ هو العاقِل لأنَّ الحِساب دقيق، قال تعالى
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ إنَّ لِكُلِّ سيِّئة عِقاباً، ولِكُلِّ حَسَنَة ثواباً، قال تعالى:فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
نحن مختلفون فيما بيننا، في الكلام والحِساب ودِقَّتِه، وبين موقِن أنَّ القَضِيّة سَهْلة جداً، وإنسان مؤمن بالشفاعة الآخر غير مؤمن بها، وذاك يقول لا تُدَقِّقوا علينا، ذاك يُسَهِّل.
فقوله تعالى
﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
هذا تهْديد، وبالتعبير العامي: غداً ترى ! وغداً سَتَعْلم !
الآن عندنا علاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
ما يعني هذا الكلام ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
أي الذي خلق الأرض مِهاداً سَيُحاسِبُكم، والذي خلق الجبال أوتاداً سَيُحاسِبُكم والذي خلقكم أزواجاً من ذكر وأنثى سَيُحاسِبُكم، والذي جعل نومكم سباتاً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل النهار معاشاً سَيُحاسِبُكم والذي بنى فوقكم سبْعاً شِداداً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل الشمْس والقمر سِراجاً وهاجاً سَيُحاسِبُكم والذي أنزل الأمطار وأحيى الأرض بعد موتِها سَيُحاسِبُكم، والذي أخْرج الحبّ والنبات سَيُحاسِبُكم، والذي جعل من هذه الأنهار جناتٍ وألفافاً سَيُحاسِبُكم، كُلُّ هذا في يوم الفصْل، والذي خلق الكون لا يُعْقل أن يخلق الإنسان سُدىً ! بِرَبِّكم، أنتم الآن تعيشون حياة مَدَنِيَّة، هل هناك دوْلة في العالم تنشأ جامعة تُكَلِّفها ألف مليون، ومساحات وأبْنِيَة ومُدَرَّجات وقاعات ومُحاضَرات وأبْنِيَة للطلاب، وحدائِق وملاعب ومطاعِم، ومخابر وأجْهزة تقْنِيَّة، ثمَّ بعد هذا لا توجد امْتِحانات ! هل يُعقل هذا على الإنسان العادي ؟ لا، فكيف بالذي خلق هذا الكون ؟!! فالذي خلق الكون سَيُحاسِبُكم، وهو الذي يعلم السِرَّ وأخْفى ولا تخْفى عليه خافِيَة، قال تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾
[ سورة الحاقة ]
ومهما كنت ذَكِيًّا فالله تعالى ليس معه ذكاء، ولو أقْنَعْتني أنّ هذا المعدن ذهب وكنت طليق اللِّسان وأوْهَمْتني، فَمَن الخسْران ؟ ومن الرابِح ؟ فأنت علاقتك مع الله، وكُلُّ إنسان يُحاوِل أن يوهِم الناس فهو أحْمَق ولو قَنِعوا ما ينفعوك، ولو اتَّهموك لن يُخْسِروك، تجد أحدهم يقول لك: أنا معي فتْوة بِرَبِّكم أي المفتين أعْظم ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكُلُّ علماء الأرض لا يُساوي شيئاً منه عليه الصلاة والسلام، فلو أنَّك اسْتَطَعْت أن تأخذ فتْوى من فَمِ النبي عليه الصلاة والسلام لِصَالِحِك ولم تكن مُحِقَّا لا تنجو من عذاب الله، ولم تسْتَفِد شيئاً، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾
[ سورة الزمر ]
فما عليك إلا أن تُدَقِّق باثين هذه العلاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
الذي خلق هذا الكون سَيُحاسِبُكم قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21)﴾
[ سورة النبأ ]
لا توجد دُول قَوِيَّة تُسَخِّر العالم لِمَصْلَحَتها، يعيش شعْبها في رفاه مُنقَطِع النَّظير والشُّعوب الأخرى تموت من الجوع، فهل يُعْقل أن لا تكون آخرة العالم كُلُّه يئِنُّ من الجوع، وهو وَحْده يعيش حياة تفوق حدَّ الخيال، ثمَّ نموت ولا شيء بعد هذا !! قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[ سورة إبراهيم ]
خمس مائة طفل يموتون بالعِراق أليس لهم ربّ ؟ الألف قتيل بين العراق والإيران ماتوا بِلُعْبة أجْنَبِيَّة، أليس لهم ربّ، وهذه الشُّعوب الجائِعَة بإفريقيا والصومال من أجل كيْد أجنبي، أليس هناك إله يُحاسِب ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
الذَكّي هو المُسْتقيم، والعاصي هو الغَبِيّ لأنَّه سَيَدْفع الثَّمن بعد حين.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآَباً (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26)﴾
[ سورة النبأ ]
هناك عَدْل إلهي، وعدله رائِع، وأسْماؤُه كُلُّها مُحَقَّقة في الدنيا إلا اسم العَدْل قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)﴾
[ سورة الروم ]
اِعْمَل ما شئْت فَكُلُّ شيء مُسَجَّل سوف ترى أعْمالك كُلَّها في أزْمانها وصُوَرِها، قال تعالى:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾
[ سورة الكهف ]
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ * ))
[رواه مسلم ]
فمن وجد خيراً فلْيَحْمد اله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفْسَه.
قال تعالى:
﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (27)﴾
[ سورة النبأ ]
السبب أنَّهم كانوا لا يرْجون حِساباً، يقول لك: من مات ورجع وقال لك أنَّه توجد آخرة ؟
قال تعالى:
﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّاباً (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْساً دِهَاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38)﴾
[ سورة النبأ ]
اِلْحقوا بالركْب، مادام هناك قلب ينْبض، وتمْشي عليك أن تُسارِع.
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَباً (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (40)﴾
[ سورة النبأ ]
أيها الإخوة، هذا الكلام كلام ربِّ العالمين، وهو جوابٌ على كُلِّ من شَكَّ بالآخرة، فالذي خلق الكون هو الذي سَيُحاسِب، وأنت إذا آمنْتَ أنَّ الله يعلم وسَيُحاسِب، لا بدّ من أن تسْتقيم على أمْره.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-16-2018, 01:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النازعات (79 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النازعات يقول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
الطامَّة تُلْغي كُلَّ ما سِواها، كيف أنَّ الإنسان بالدنيا له مائة قَضِيَّة ومَشْروع، ومائة مُشْكلة تَحُلُّها، تنشأ مُشْكلة تُنْسيك كُلَّ شيء ! إذاً هناك أشياء تُنْسيك أشياءً أخْرى، وشيءٌ يُنْسي شيئان وآخر يُنْسي مائة شيء، وشيء يُنسي كُلّ شيء، فهذه الطامَّة ينسى فيها الإنسان كُلَّ شيء، لذلك يقول الإنسان لم أرَ خيراً قطّ، عاش مائة سنة أكثر، وكان من الأغْنياء، وأصْحاب الاسْتِضافات، والنزْهات، ومُتَمَتِّع بالنِّساء والشراب والأكل، فإذا وقَفَ هذا الموقف يقول: لم أرَ خيراً قطّ وينسى كُلَّ شيء، فهذا معنى الطامَّة.
بالدنيا الإنسان أحياناً لا يرى شيئاً، فإذا شَعَر بتَقْرير أثناء عِلاجه يتدَهْور، فهذا طبيب قال للمريض بقِيَ لك أربعة أشْهر، وفي اليوم الثاني مات، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
لذلك أيها الإخوة هناك دُعاء: اللهم إنَّا نعوذ بك من فجْأة نقْمتك، وتحَوُّل عافِيَتِك زجميع سَخَطِك، ولك العُتبى حتى ترْضى، والإنسان بِلَحْظة تُصبح حياته جحيماً، ويفقد كُلَّ شيء، وأحد الشباب ذَهَب للخليج كي يشْتغل ورَغِبَ أن يقْتني سيارة، فاقْتناها، أوَّل رِحْلة من أبو ضبي إلى دُبَيّ انْشَلَّ نصفه السفلي بِحادِث، طبْعاً كُلَّ شيء بِقَضاء وقَدَرٍ من الله، هناك مصائِب تسْحق الإنسان، فنحن لما نطيع الله عز وجل - ديِقول معي - يُنشِأ الله لك عليه حق، قال له يا معاذ ما حقّ العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم، ألا تُحِبُّ أن يكون لك ضَمان من الله وقد اسْتنبط الإمام الشافعي اسْتنباطاً مذْهِلاً في قوله تعالى ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾
[ سورة المائدة ]
فالله تعالى ما قَبِلَ اِدِّعاءهم لأنَّه كاذِب، ولو قَبِلَهُ ما عَذَّبهم، فاسْتنبط الإمام الشافعي أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّب أحْبابه، فإذا كنت مُحِبًّا لله ولِخَلْقِه ومُلْتَزِماً بِأمْره وترْجو رحْمته أنْشأ لك حقًّا عليه، وهو أن لا تُعَذَّب، وإنَّني أقول هذه الآية ألف مرَّة وهي قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
[ سورة الجاثِيَة ]
أن يسْتوي هؤلاء وهؤلاء ؛ هذا يتناقض مع وُجود الله، يسْتحيل على من يخاف الله ويرْجو رحْمته وعذابه ويرْجو رِضاه، ويُخْلِصُ لِخَلْقِه ولا يؤْذيهم ولا يأخذ أموالهم ويطمْئنهم ويهْديهم إلى سبيل الله، فهذا الإنسان له حياة خاصَّة ؛ حياته غير حياتهم وزواجُه غير زواجهم وراحتُه غير راحتهم، وعمله غير عملهم.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)﴾
[ سورة النازعات ]
أحد الصحفيِّين والقصَّة لها ثلاثون سنة الآن هرب من بلده وذهب إلى بلدٍ آخر، وبدأ يُهاجم نظام بلده، واسْتطاعوا أن يأتوا، ماذا سيفعلون به ؟ هذا هو معنى قوْل الله عز وجل:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[ سورة الغاشية ]
كلُّ المخلوقات بيده الله عز وجل، وعُدَّ للمليار قبل أن تُفَكِّر بإيذاء إنسان وأخذ ماله وبيته أو محَلِّه التِّجاري فالله تعالى أكبر، وحَدَّثني مرَّة أخ وكان طيَّاراً، فقال لي: أثناء التَّدْريب كان في الطائرة خطا فسَقَطَت - طبْعاً قفز من المقْعد دون مِظَلَّة - واحْترقَت، فأقْسَم بالله أنَّه من لحْظة مُغادَرَتي الطائرة إلى لحْظة هُبوطي على الأرض، عُرِضَتْ عليَّ كُلُّ أعمالي ! واسألوا الناس أثناء الخطر لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
كيف أكل الأموال ؟ وكيف طَلَّق ؟ وكيف خالف الشَّرْع ؟.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
هاتين الآيتين تكفِيان، فالذي جاوز الحدّ كانت له جهنَّم جاهِزة، ومن قال إنِّي أخاف الله فإنَّ الجنَّة هي مأواه، واتِّباع الهوى هوان، واخَجْلتي من عِتاب ربِّي إذا قال لي أسْرَفْتَ يا فلان، إلى متى أنت في المعاصي تسير مُرْخى العِنان عندي لك الصُّلْح وهو بِرِّي وعندك السَّيْف والسِّنان، ترْضى أن تنقضي الليالي وما انقَضَت حرْبك العوان، فاسْتحي من كتابٍ كريم يُحصى به العقل واللِّسان، واستحي من شيبةٍ تراها في النار مَسْجونَةً تُهان، فالطاغي مأواه الجحيم، والتقي مأواه الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)﴾
[ سورة النازعات ]
كُلُّ واحِدٍ منَّا له عُمْر، كيف مضى هذا العُمْر ؟ السِّتين كيْف مَضَت ؟ وكذا الخمسين والأربعين ؟ يقول لك: البارحة كنَّا غلمان وفي المدْرسة، فإذا الأربعين مَضَت كَلَمْحِ البصر، فَمِن باب أولى العشرين، دائِماً هناك سؤال قاسي ومُحْرِج ؛ كم بَقِيَ لي ؟
إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كُلِّ ما قَدَّمْتَ مسْؤول
لا يلفت نظري إلا رجل بالأربعين ولا يُصلي، أو يُصلي وهو مُنشَغِل بالشهوات، أو لا يذكر الله ولا يقرأ القرآن، ولا يفعل الخير، كان لنا صديق من إخواننا يعْمل مُهَنْدِس، وكانت هناك أخوه صاحب شركة ضَخْمة، مُقيمٌ بالسّعودِيَّة، ثلاثين سنة ما صلى وما حجَّ، ويوماً ذَهَب لاستنبول، فمات هناك، ترك ثلاثة آلاف مليون ! خاسِر، الإنسان أحْياناً يقع في خطأ كبير حينما ينسى الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)﴾
[ سورة التوبة ]
لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾
[ سورة الزخرف ]
يوم القيامة يوم مُخيف، وقبلها، مُغادرة الدنيا، وقبل المغادرة المرض الذي يسْبق الموت، لو زُرْتَ شخْصاً في مرَضِه تجد رقيقاً وخاضِعاً وهذا شيء جميل، لكن ليتنا أحْببنا الله قبل المرض ! ليتنا أحْببناه ونحن أقْوياء وأغْنياء.
أيها الإخوة، هاتان تكْفِيان كُلَّ إنسان ؛ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
بالمناسبة، خُذوا منِّي هذه القاعِدة، يسْتحيل أن تخاف من الله، ثمَّ يُخيفك مِمَّن سِواه ! أما إن لم تَخَف منه يُخيفك من أحْقَر إنسان، يأتي شَخْص تافه يجعلك ترْجف، من اتَّقى الله هابهُ كُلُّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه من كُلِّ شيء، إن أردْت أن تكون أقْوى فتَوَكَّل على الله، وإن أردْت أن تكون أغْنى الناس فَكُن بما في يدي الله أوْثق منك ممل في يَدَيْك، وإن أردْت أن تكون أكْرم الناس فاتَّق الله، وأرْجو الله سبحانه وتعالى أي ينفعنا بهذا القرآن الكريم، وأن يكون ربيع قلوبنا ومنْهج حياتنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة عبس (80 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، خروجا عن التسلسل الذي نسير فيه في تفسير سورة الحج،أخ كريم رجاني بإلحاح أن أوضح معاني أوائل سورة عبس وتولى وها أنا ألبي رغبته.
قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
أيها الأخوة الكرام لابد من حقيقة بين أيديكم، هي أن الوصف شيء و التقييم شيء آخر، أقول لكم: فلان قعد أو وقف أنا لا أقيِّم عمله إنما أصف عمله، أما لو قلت: قعد مخطئا أو قعد تائها أو أخطأ حينما قعد أنا قيَّمت عمله، و فرق بين التقييم و الوصف، فربنا سبحانه و تعالى يصف، قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
و لا يقيِّم، والشيء الثاني لو أن لهذا المسجد بابين وليس هناك ما يمنع أن تخرج من أحدهما و من أي باب خرج لست عاصيا، أما حينما أصدر أمرا: ممنوع الخروج من هذا الباب،وخرجت
منه فعندئذ تكون عاصيا، متى تكون المعصية ؟ بعد التكليف، أما قبل التكليف ليست هناك معصية، هذه حقيقة ثانية، الحقيقة الأولى الوصف شيء و التقييم شيء آخر والله سبحانه وتعالى في هذه السورة وصف ولم يقيِّم و الحقيقة الثانية لا يمكن أن تكون عاصيا إلا بعد التمثيل أما قبل التكليف لست عاصيا، من أنت إذا ؟ أنت مجتهد، و المجتهد بين الأجر و الأجرين، إن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر، هذه الحقيقة الثانية، و الحقيقة الثالثة هناك عتب لك و عتب عليك، وفرق كبير بينهما، قد يجد الأب ابنه يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل يدرس فيعتب له لا عليه، ارفق بنفسك يا بني، وإذا كان هناك تعنيتا ليس معناه أن الابن أخطأ بل هو يبالغ في الدراسة، فهناك عتب لك وهناك عتب عليك، أما لو رآه يلعب بالنرد و الفحص على الأبواب يعنفه، لكن هذا التعنيت غير هذا التعنيت، الأول يعتب له والثاني يعتب عليه،هذه الحقيقة الثالثة، و الحقيقة الرابعة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم عنده رؤوس قريش، جاءه أحد أصحابه ـ وبربكم و نحن في هذا الزمان لو أن رجلا داعية إلى الله عز وجل أيهما أهون عليه وأمتع له أن يجلس مع إخوانه المحبين الصادقين المتفانين في خدمته أم مع عدو لدود وخصم عنيد كافر ملحد أيهما أهون ؟ الأهون أن تجلس مع إخوانك المحبين المخلصين المعظمين، النبي كان بين خيارين، بين أن يجلس مع أحد أصحابه وهو ابن أم مكتوم الأعمى و بين أن يجلس مع خصم عنيد شرس منكر، النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد أنه إذا جلس مع هذا الخصم الشرس المنكر و أخذ الله بيده و اهتدى اهتدت معه قريش، لأن الأمة برؤوسها وبوجهائها و زعمائها و بأغنيائها، فالأقوياء إذا سلكوا سبيلا تبعه الآخرون، هذا اجتهاد النبي، هل هناك أمر و نهي و تكليف ؟ النبي اختار الطريق الأصعب اختار أن يجلس مع الأشرس مع العنيد فلعل هؤلاء التائهون الشاردون يهتدون، الشيء الرابع أن الله تعالى كان من الممكن أن لا تقع هذه الحادثة، فلماذا وقعت ؟ وجاء الوحي يلفت نظر النبي إلى أن هذا الرجل الذي ترجو منه الخير أنا أعرفه و أنت لا تعرفه، لا رجوى منه، و لا خير فيه و لا أمل معه، لا تعلق على لقاءك معه أيَّة فائدة، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، فربنا عز وجل لفت نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى أنه لا جدوى من هذا الرجل فاجلس مع ابن أم مكتوم، فماذا فعل النبي ؟ النبي كان في أعلى درجات الكمال وفي أعلى، درجات الاجتهاد و كان محبا مخلصا واختار الطريق الأصعب واختار أن يجلس مع الإنسان العنيد، ما فعل شيئا، و الله تعالى ما قيَّم له عمله إلا أنه وصف له عمله، سأضرب لكم مثلا ؛ لو فرضنا أن واحدا منكم له قريب ملحد و يجلس معه، وفي جلسة حامية و نقاش حامي الوطيس دخل ابنه الصغير في الصف الرابع و قال له: حلَّلي هذه المسألة يا أبي فقال له: اذهب لا وقت لي، إنه في نقاش حاد يتوقف عليه إسلام القريب وهدايته، و من هو ابن أم مكتوم ؟ أحد أصحاب رسول الله، في أي وقت يمكن أن يلتقي به، فالنبي ما فعل شيئا، هذا الذي يتهمه الناس به أن الله عاتبه، عتب له ولم يعتب عليه ووصف عمله و لم يقيِّمه، ولا معصية قبل التكليف، والنبي اجتهد واختار الطريق الأصعب الذي يضمن هداية كل قريش، ولكن الله بيَّن أن مقام النبوة شيء و مقام الألوهية شيء آخر، النبي لا يعلم و الله يعلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام على علو مقامه وعلى أنه سيد الخلق و حبيب الحق جاءه وفد طلب منه سبعين قارئا للقرآن ليعلمهم القرآن، فأعطاهم سبعين و في الطريق ذبحوهم، لِمَ لمْ يعلم ؟ هذا شأن البشر لا يعلمون، لا يعلم إلا أن يُعلَم، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[سورة البقرة]
النقطة الخامسة أن الله أراد أن يبين أن العبد عبد و أن الرب رب و أن مقام النبوة مقام و أن مقام الألوهية مقام آخر، قال تعالى: عبس و تولى..تلهى وصف الله عز وجل اجتهاد النبي الذي لم يكن في معصية وليس هناك عتب عليه بل عتب له وهو وصف وليس هناك تقييم والله عز وجل يعلم والنبي لا يعلم وهذا مقام النبوة وذاك مقام الألوهية، هذا كل إشكال هذه السورة.
الشيء الآخر أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيِّن أن هذا الوحي هو أصل الدين، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْي))
[رواه البخاري]
لِماذا ضمه هذه الضمات الثلاث ؟ لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام هو في أعلى درجات اليقظة، ضمه وأرسله وخاف عليه الصلاة و السلام و حينما تحدث الناس ما تحدثوا عن السيدة عائشة في حديث الإفك لو أن الوحي بيد النبي يملك مجيئه وإرساله بعد ساعة تنزل آية تبرئ السيدة عائشة، ولكن تأخر الوحي في حديث الإفك ثلاثين يوما، لا يملك جلبا له ولا دفعا، فديننا بكلياته وحي السماء إلى الأرض، فلذلك موضوع الوحي واضح، لو أن الوحي من عند النبي لما تكلم بهذه الآيات، وهنا أبلغ من ذلك، ماذا قال عنه الكفار قالوا عنه ساحر و مجنون شاعر وكاهن، السؤال الدقيق الآن ؛ لماذا أثبت الله هذه التهم في الوحي ؟ أصبحت قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ولو كان الوحي من عند النبي لما ذكر عن نفسه هذه التهم، وما قال عن نفسه إنه مجنون ولا ساحر ولا كاهن ولا شاعر، لكن هناك آلاف الأدلة تبين أن هذا الوحي مستقل عن النبي، النبي على علو مقامه لا يملك له جلبا و لا دفعا، لا يعلم، و سأله مرة إنسانٌ فقال له: غدا أجيبك، معتمدا على أن الوحي سيأتيه غدا، فلم يأته، فهذا مقام النبوة، فهناك فرق بين مقام النبوة ومقام الألوهية، والشيء الثاني أن الله أراد أن يصف لا أن يحكم عليه، و إن كان هناك من عتب فهو عتب له لا عليه، و النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون مخالفا لأنه لا معصية قبل التكليف.
هذه بعض النقاط التي يمكن أن تقال في هذه السورة الكريمة، قال تعالى
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
ونحن بالمقابل المؤمن الصادق المخلص من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، والله عز وجل يعلم أن هذا الذي تعلِّق عليه الآمال لا خير فيه ولا جدوى منه ولا تتعب نفسك معه، ووقتك أثمن من أن تجلس معه، فاجلس مع هذا المنيب الصادق لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة عبس (80 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، سورة عبس التي مَطْلعها بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
بعضهم يقولون إنَّ هذه الآيات هي عِتاب للنبي عليه الصلاة والسلام وفرْقٌ كبير بين أن يعْتِبَ الله عليه ، وبين أن يعْتِبَ له ، لو أنَّ لك ابناً لا يدْرس تَعْتَبُ عليه وتُعَنِّفُهُ أما إن كانت دِراسته فوق طاقته حيث يدْرس في الساعة الثانية والثالثة الرابعة ولا ينام الليل إطْلاقاً تُعَنِّفُهُ إلا أنَّكَ تعْتَبُ له لا عليه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يُخالف في هذا المَوْقف حُكْماً شَرْعِياً إنِّما جاءهُ زُعماءُ قُرَيْش ، وقد عقد عليه الصلاة والسلام الأمَلَ أنْ يهْتَدوا فإذا اهْتَدَوا اهْتَدى معهم خَلْقٌ كثير ، أيُّهما أهْوَنُ على النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يجْلس مع ابن أمّ مكْتوم الصحابيّ الجليل الذي يذُوبُ مَحَبَّةً للنبي أم أن يجْلِسَ مع مُعْرِضين وكُفار ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُرْضي الله تعالى أكْثر باجْتِهادِهِ فلو كان بابان لهذا المَسْجد ، ولا يوجد أيَّة علامة تُشير إلى أنَّ هذا الباب ممنوع الخُروج منه أو مسْموح ، وخرج أحدهم باباً من هذين ؛ فَهَل يُعَدُّ عاصِياً ؟! لا معْصِيَةَ إلا بالتَّكْليف ، فلو كان هناك تَكْليف وفعل النبي خِلافه فهذا يسْتحيل على النبي عليه الصلاة والسلام أن يفْعل خِلاف التَّكْليف ! إنَّما كان اجْتِهاداً منه صلى الله عليه وسلّم واخْتار الأصْعب فنحن قلنا لو أنَّ الأب رأى ابنه قد بالغ في الدِّراسة بحيث خاف عليه أبوه وعَنَّفه وعاتبه فهذا له وليس عليه ، والابن اخْتار الأصْعب وليس الأسْهل، لذلك العلماء قالوا: إنَّ الله جلَّ جلاله في هذه السورة يعْتَبُ لِصالِح النبي عليه الصلاة والسلام ولا يعْتَبُ عليه ، فقد لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء الذين تريد أن تعْتني بهم لا خيْر فيهم ، ولا جَدْوى منهم ، ولا تُتْعِب نفْسَكَ معهم إذْ قُلوبهم مُغَلَّفَة ، قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فلأنَّ على قلوبهم غِشاوة خَتَمَ الله على قلوبهم ، وهذا الخَتْم هو تَحْصيلُ حاصِل ، فمنافذ العقْل والقلب السَّمْع والبصر فالله تعالى ختم على قلوبهم لأنَّ على سمْعهم وعلى أبْصارهم غِشاوة ، وحُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمّ فَحُبُّ الدنيا غِشاوةٌ على الحقّ فلا يسْمعه ، وغِشاوة على البصر فلا يرى الحق ! فَخَتْمُ القلب تحْصيل حاصِلٍ ، فَرَبُّنا عز وجل قَدَّر في النبي عليه الصلاة والسلام حِرْصَهُ على هِداية الخَلْق واهْتِمامه على هؤلاء الكِبار من زُعَماء قريش إلا أنَّهُ لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء لا خير فيهم ، فلا داعي أن تُتْعِبَ نفْسَكَ معهم قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فَهَؤُلاء الذين يَرَوْن في هذه السورة مَطْعَناً للنبي عليه الصلاة والسلام واهِمون ، وقف النبي في أعلى دَرَجة من الكمال ، واخْتار الأصعب والذي لا يحْتَمِلُهُ بشَر ، فأعظم داعية بهذا البلد يختار أن يبقى مع أخٍ له في الله من أن يبقى مع مُلْحد يطْعن بالدِّين والقرآن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، ولأنَّهُ ليس هناك تكْليف فلا مَعْصِيَة بلا تكْليف فاجْتَهَدَ ، فالأمر كَمَن كان أسْتاذ لغة عربِيَّة ، وجاءَكَ ضَيْف مهمّ تبْني عليه طريقاً كبيراً في الدَّعوة ، ثمّ يأتي ابنك والحديث جارٍ ويقول لك: اُعْرض لي هذا البيْت !
ذكرتُ لأخٍ أنا يهمني ابنك أكثر منك ، فاسْتغرب ! لأنَّك أنت مَضْمون أما ابنك فأمامه مزالق كثيرة ، وألف إنسان يسْحبه للباطل ، وألف شيء مُغْري ، فأنت زبون مَضْمون.
فالله تعالى قال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5)﴾
[ سورة عبس ]
أي هذا المنحرف الشارد ، الواقع عليه غضب الله ، كلَّما قلت كذا وكذا يقول لك ممكن أن تكون هذه المَقولة صحيحة ! ليس له تَلَهّف للحقّ ، أما المؤمن فله لَهْفة للحق ، وشَغَف ، وحبّ لِسَماع الحق ، ويبْدو هذا على وجْهه وعلى اهْتِمامه ، لذلك من تَكَلَّم بالحِكْمة لِغَيْر أهْلِها فقد ظَلَمها ومن منعها أهلها فقد ظَلَمهم ، والله عز وجل قال:
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾
[ سورة الأعلى ]
فأنت تُذَكِّر الإنسان في حياء وخجلٍ من الله تعالى ، ورحمة في قلبه أما هناك أناس شارِدون على منهج الله عز وجل فهؤلاء لا تُجْدي معهم النَّصيحة ، ولا تنْفعُ معهم حقيقة !
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
هل هذا تقْريعٌ أم وَصْفٌ ؟ هذا وَصْفٌ ! فالله تعالى وَصَفَ مَوْقف النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)﴾
(سورة عبس )
ولم يقل له لمَ عَبَسْتَ ؟ ولِمَ لم تعْبس ؟ فهذا وَصْف ، فالله تعالى قال
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)
[ سورة عبس ]
فالله عز وجل قال:
﴿ طه(1)مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2)إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3)﴾
[ سورة طه ]
فَلِكَثْرة اهْتِمامه وصلاته وقِيامه وتِلاوته فكأنَّما يبْدو أنَّهُ شَقِيَ بهذا القرآن مِن شِدَّة ما تَحَمَّل من متاعب ، فالله عز وجل يُسَلي نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام ويُخَفِّفُ عنه ، مَهْلاً يا محمَد ، فقد روى البخاري ،
(( قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا *))
[ رواه البخاري ]
فهل يُعْقل من خالق الكون أن يخلق المَجَرات يَتَوَدَّد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال تعالى:
﴿ وَالضُّحَى(1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الْأُولَى(4)وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(7)وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9)وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ(10)وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11) ﴾
[ سورة الضحى ]
كُلّ واحد مِنَّا يُفَكِّر ؛ ألم تكن إنساناً صغيراً ؟! ألم تكن بلا بيْتٍ ولا زَوْجة فالله تعالى أكْرَمَك ورزَقَك ومَنَحَك شهادة عُلْيا ومَكَّنَكَ من حِرْفة وجعل لك شيئاً تَرْتَزِقُ به وسَتَرَك ورزقك ، ومنَحَكَ قوَّة وأراح لك بالك ، فَكُلّ إنسان يجب أن يُفَكِّر بِنِعَمِ الله عز وجل ، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)﴾
[ سورة الشرح ]
أيها الإخوة الكرام ، هذه هي مُقَدِّمة هذه السورة ، إنَّهُ لا مَعْصِيَةَ إلا بعد التَّكْليف ، وإنَّ الله في هذه السورة عَتِبَ له لا عليه ، والنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُكَلِّفُهُ ثَمَناً باهِظاً لكِنَّ الله جل جلاله لفَتَ نظره إلى أنَّ هذا الذي تَعْتني به لا خيْر فيه ، ودَعْكَ منه ولا تُلْقي له بالاً فإنَّ قلبه بعيدٌ عن أن يُصْغي إلى الحق.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة عبس (80 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، يقول الله عز وجل في الآية السابعة عشرة وما بعْدها ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31)﴾
[ سورة عبس ]
الإنسان حينما يكْفر يُهْلِكُ نفْسه لأنَّ الله تعالى خلق الإنسان لِيُسْعِدَهُ في الدنيا والآخرة فإذا أعْرَضَ عن ربِّه ، وكأنَّهُ قُتِلَ ، قُتِلَ لإعراضِهِ عن ربِّه ، وشَقِيَ وأهلك نفْسه.
ما أكْفَره ! ما الذي جعله يكْفر ؟ إما أن نفْهَمَها اسْتِفْهامِيَّة ، والأصَّح أن تكون تَعَجُّبِيَّة ، ما أشَدَّ كُفره مع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفة ، ففي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمسمائة مليون حُوَيْن ، الإنسان مُخَلَّق من حُوَيْنٍ واحد ، يدْخل إلى البيْضة لِيُلَقِّحها ، وهذه البيْضة والحُوَيْن هي أوَّل لْقِ الإنسان، تنْقسِمُ البُوَيْضَةُ المُلَقَّحة إلى عشرة آلاف قِسْمٍ وهي في طريقها إلى الرَّحم دون أن يزيد حجْمها ، فلو زاد حجمها لتَعَثَّر سَيْرُها ، وتنْغَرِسُ في جِدار الرَّحِم ، ويأتي الغِذاء ، وفي أشْهر عديدة تُصبح هذه البُوَيْضة المُلَقَّحة والحُوَيْن المَنَوي عليه مُوَرِّثات ثلاثةٌ وعِشرون مُوَرِّث وكذا على البُوَيْضة فَيَكون مَجْموعهم ستٌّ وأربعون ، والله عز وجل قال
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[ سورة الإنسان ]
فَمَعْنى أمْشاج أنَّ الإنسان مُخَلَّق من أُمِّه وأبيه ، وأغْرَب ما في الأمْر أنَّ المُوَرِّثات تنْقسِمُ إلى قِسْمَيْن:
قِسْمٍ يُشَكِّلُ الجنين ، وقِسْمٍ يودَع في جِهاز الجنين التناسلي لِيَكون ابن الجنين كالجنين ، وهذه هي السُّلالة ، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فتجد الصِّينيِّين لهم شَكْل ، والأفارِقَة ، والعرب لهم شَكْل ، فَمِن أين جاء الشَّكْل المُسْتَمِرّ؟ لأنَّ المُوَرِّثات تنقسِمُ إلى قسمين ، فالاستنساخ ليس من نطْفة أمْشاجٍ نبْتليه ، إنْ نَجَح فهو إن كان من الأنثى فالمولود هو أخوها وليس ابنها ، وإن كان مأخوذاً من الرَّجل فكذلك ؛ لماذا ؟ لأنَّهُ ليس هناك أمشاج ، بل هو مُخَلَّق من مِحْفَظَة واحدة ، ومن النُّطْفة فقط ، تُأخذ خَلِيَّة من ثَدْيِها تُنْزَعُ منها المُوَرِّثات وتُزْرع في الرَِّحم وتنْبت ، على كُلٍّ صِفات الرَّجل إن كان أقْوى فالجنين يَتَخَلّق وِفق صفات أبيه ، وإن كانت صِفات الأمّ أقْوى يَتَخَلَّق وِفْق صِفات أمِّه ، فالضَّعْف إن كان بالحُوَيْن أو البُوَيْضة يتخَلَّق الجنين بالصِفات الأقوى من الأب أو الأم ، ورد قَوْل لِسَيِّدنا عمر: اقْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، فإذا الإنسان تَزَوَّج من أقاربه الضَّعْف يتَكَرَّر ويُصبح واضِحاً ، وقد عُقِدَ مؤْتَمَر لتَحْسين النَّسْل بِسُوريا قبل عشْر أعوام تَقْريباً ، وكان رئيس المجْمع العِلمي العربي حيّ ، فَبَعْدما انْتَهت المُحاضَرات بِأمْريكا ومن أوروبا أُلْقِيَتْ مُحاضَرات لِعُلَماء كبار في طُرُق تَحْسين النَّسْل ، فقام رئيس المَجْمع العِلْمي وقال: ناقِلاً هذه المَقولة اغْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، أي سَبَب الضَّعْف هو الزواج من الأقارب.
إذاً مِن أيِّ شيءٍ خلقه ؟! من نطفةٍ خلقه ، وبعدها أصبح الدِّماغ مائة وأربعون خَلِيَّة ، وثلاثمائة ألف شَعْرة لِكُلِّ شَعْرة وريد وَشِرْيان ، وغُدَّة عَرَقِيَّة وغُدَّة دَهْنِيَّة ، وعَصَب مُحَرِّك ، وعَضَلَة ، وأصبح مائة وثلاثين مليون عُصَيَّة بالشَّبَكِيَّة ، وعِشْرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة بالأنف، ولِكُلّ نِهاية سَبْعة أهْداب ، ولِكُلِّ هُدْبٍ مادَّة مُخاطِيَّة تتفاعل مع الرائِحَة ويتَشَكَّل شَكْل هَنْدسي وتُشْحن إلى الدِّماغ ، وبالدِّماغ تأتي على مِلَف الروائِح عَشْرة آلاف بنْد ، وتُسْتَعْرَضُ هذه واحِدَةً واحِدة إلى أن تعْرِف أنَّ هذه الرائِحَة ياسَمين بِخِلال ثواني ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَرَه ! المَعِدَة تَحْوي خمسُ وثلاثون مليون عُصارة هاضِمَة ، وهناك بالكِلْيَة طريق طوله مائة كيلو متْر يقْطعه الدَّم في اليوْم خمْسة مرَّات ؛ شيء بالجِسْم مُذْهل وبِكُلِّ ثانِيَة يولد اثنان ونِصف مليون كريَّة حَمْراء ، وبِكُلِّ ثانِيَة يموت اثنان ونصف مليون كريَّة حمْراء ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَره ، وما الذي حَمَلَهُ على أن يكْفر ؟ وما أشَدّ كفره ! ومع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفةٍ مُخَلَّقة وغير مُخَلَّقة ، ومن نطفة أمْشاجٍ ، ونطْفة ضَعيفة ، عَظْمُ عُنُق الفخذ يحْمل مائتان وخمسين كيلوغرام، كُلّ هذا وأصْل الإنسان من ماءٍ مهين ، معنى مَهين أنَّهُ يسْتَحْيي به لو كان على ثَوْبِه ، فهذا الماء المَهين كيف أصْبح عَظْماً قاسٍ ؟
فيا أيها الإخوة الكرام ، ربنا عز وجل يقول: أيها الإنسان أنت حينما كَفَرْت أهْلَكْتَ نفْسك وأشْقَيْتها وقتلْتَها ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)﴾
[سورة عبس]
تجد الطِّفْل رئتاهُ وهو جنين مُعَطَّلتان ! بِقَلْبِه يوجد ثُقْب اسْمه ثُقْب بوتال وهو ضِمْن الأُذَيْنين ينتقل الدَّم من أُذَيْن لآخر ، فَحينما يَلِد تأتي جَلْطة فتُغْلِق هذا الثُّقْب ، من فعل هذا ؟! فَتْحُ القلب يحْتاج إلى ثلاث مئة ألف ليرة ، فلو بَقِيَ الثُّقْب مَفْتوحاً أُصيب الجنين بِمَرض الزَّرَق ، يعيش عَشْر سَنوات وبعدها يموت الطِّفْل ، كان لي صديق بنته معها هذا المرض وبيته عَشْر درجات ، ربْع ساعة من أجْل تصعد طابِقاً واحِداً ، وكذا الأمعاء والرئتان والبِنْكِرْياس ، فالإنسان أحْياناً يرى حَيَوانا يخاف منه فهذا بِواسِطَة العَيْن إذْ تُرْسِل إشارة إلى الدِّماغ ، فَيُدْرك الدِّماغ الخطر ويُكَلِّف وسيط بينه وبين ملِكَة الجِهاز الهُرْموني ، والوسيط هذا جِسْم تحت السرير البصري ، والغُدَّة النُّخامِيَّة وزْنها نِصف غرام ، تُعْطي اثْنى عَشَرَ هرمون وأحد الهرمونات اسمه الكزر ، وهو الذي يُنَبِّهك على وُجود الخطر ، ويبْعث هرمون يُضَعِّف ضَرَبات القلْب ، وهرمون يرْفع وجيب الرئتان ، وهرمون يطْرح سُكَّر زائِد بالدم ، وهرمون يطْرح هرمون التَجَلَّط ، وهرمون يُضَيِّق الأوْعِيَة فَتَجِد الإنسان قد اصْفَرَّ لونه ما هذا الإنسان؟! وكذا غُدَده الصَّماء والدرقِيَّة والعِظام ؛ من أيِّ شيء خلقه ؟! قال تعالى:
﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فهذا الرَّحِم فيه الغُلام ، وحجم الرحم سبعة مائة وخمسون سم3 فإذا أراد طلْقاً ، يفعل تَقَلُّصات لطيفة ، إلى أن يخْرج الطِّفل قُوَّة التَّقلّص لو كان الطريق مَفْتوحاً لَقُذِفَ الولد إلى اثْنى عَشَر متْر ! ثمَّ هناك عَمَلِيَّة ميكانيكيَّة إذْ عَظْمُ الحوْض يتَوَسَّع وذلك بِهُرْمونٍ خاصٍ يقْلب الجنين ويجْعل رأسه لِتَحْت ، وهرمون يفتح الغشاء الذي حول الجنين ، ثمَّ الرَّحِم يضْغط فَيَخْرج الغُلام ، بعدما يخْرخ يخْرُجُ معه الخَلاص ، وبع الخَلاص يَتَقَلَّص الرَّحِم تَقَلُّص ويُصْبح مثل الصَّخْر ، فلولا هذا التَّقَلّص لماتَتْ الأمّ لأنَّ جميع الشرايين مَفْتوجة ، فَكُلّ هذه الشرايين تُغْلق والعلماء قالوا: لو عُكِسَ التَّقَلُّصان لماتَت الأمّ وجنينها ، فلو كان التقلّص عنيف مات الجنين ولو كان ليِّناً ماتت الأم ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فالوِلادة عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جداً ، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22)﴾
[سورة عبس]
فَمِن نطْفة إلى علقة إلى مضْغة إلى جنين فولد يَسَّره ثمَّ يكْبر ويصبح شخْصاً كبيراً ، غَنِياًّ، ثمَّ أزْمة قلْبِيَّة ؛ عَظَّم الله أجْركم ، ثمَّ يوم القيامة الحِساب.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)﴾
[سورة عبس]
إلى الآن ما تاب وما اسْتقام ! وما اْطلح مع الله ، فهذه الآيات تكْفي فالله أمرك أن تصوم فهل صُمْت ؟ وأمرك أن تزكي فهل زَكَّيْت ؟وأمرك أن تضْبط لسان فهل فعلْتَ ؟ وغضّ البصر ، هذا هو دَرْس اليوم الإنسان كأنَّه قتل نفْسه حينما يكْفر مع أنَّه لا مُبَرِّرَ للكُفْر ، فقد كان من لا شيء ، فكُلّ من قال: أنا فَهُوَ أحْمَق ، خلق من نطفة خرجت من عورة ودخلت إلى عوْرة ، ولو كانت على الثِّياب لاسْتَحْيَيْتَ بها ؛ من ماءٍ مهين ! فعلى الإنسان أن لا ينْسى أصْله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة عبس (80 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الرابعة والعشرون والتي بعدها، وهي قوله تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
أيها الإخوة الكرام، علماء الأصول قالوا: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، المسلمون في أواخر عهدهم ؛ في عصور تخلفهم فهموا الدِّين عبادات شعائرية صلاةً وزكاةً وصياماً وحجاً بينما كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذه اللام لام الأمر، قال تعالى فلْينظر الإنسان إلى طعامه، فأنت مأمور أيها الإنسان أن تُفَكِّر في طعامك، كأس الماء هذا من أين جاء، كيف أصبح عذْباً فُراتاً بعدما كان مِلْحاً أُجاجاً ؟ من أعطى خصائص التَّبَخُّر للماء ؟ من جاعل الماء يتبَخَّر بِدَرجات دُنيا ؟ ومن جعل الهواء يحْمِل بُخار الماء بتفاوت الدرجات؟ من ساق الرياح لتسوق السحاب؟ كيف واجهَ السحابُ المتحمل لبخار الماء جبهةً باردةً فتَخَلّ عن الماء الزائد فأصبح مطراً ؟ كيف سلكه ينابيع ؟ كيف تفجرت الينابيع ؟ كيف كان هذا الماء العذب ؟ فَمثلا في أندنيسيا أربعين ألف جزيرة لكل جزيرة نبع ماءٍ خاص بها يتناسب مع مساحتها، في بعض الجبال بهِمَلايا ينابيع ماء في قمة الجبل ولا يمكن أن تُفسَّر هذه الظاهرة إلا بِمُسْتوْدعٍ في جبل أعلى، من أجل الوُعول، إذْ تعيش هناك في القِمَم حيوانات اسمها الوُعول، وهذه الحيوانات ينبغي أن تشْرب، لها ينلبيع في قِمَم الجِبال، ولابد أن يكون مُسْتودع هذا الماء في جَبَلٍ أعلى، كما أنَّهُ لا بدّ من تَمْديدات، حتى أنَّ بعض الأنهار في الجُزر كَنَهْر التايْمْزفي بريطانيا، كُلُّ أمطار بريطانيا لا تكْفي لِغَزارة هذا النَّهْر، يقولون : إنَّ مُسْتَوْدعاته في أوروبا، وهوناك تَمْديدات تحت الأرْض، فقَضِيَّة الماء العَذْب هس قَضِيَّة تحتاج إلى تأمُّل شديد، فالله عز وجل قال :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
الإنسان لا يسْتطيع أن يُخَزِّن الماء أبداً فإذا خَزَّنه فسَدَ، أما ربُّنا جلَّ جلاله يُخَزِّن الماء العَذْب الفُرات في جُيوبٍ في أعماق الجِبال، وهناك فَتْحات مُقَنَّنة، فَمَثَلاً نبْع الفيجة من ستَّة عشر متْر بالثانِيَة إلى نصْف متْر بالثانِيَة إلا أنَّ مُسْتوْدعه من نبْع الفيجة إلى قُرْب حمْص، ومن سيف البادِيَة إلى جنوب لبنان ؛ هذا هو حَوْض ماء الفيجة، كُلُّ هذه المدينة لا قيمة لها إطْلاقاً بِبُيوتِها وشوارِعها ومُسْتَشْفياتها من دون هذا النَّبْع، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أوْكَلَ لنا تَخْزين المِياه لاحْتاج كُلُّ بَيْتٍ إلى مساحة بيْتٍ آخر بالضَّبْط، فطيلة العام يحْتاج الإنسان إلى الماء العَذْب ما يُساوي مساحة بيْتِهِ، فالله تعالى تولى لنا تَخْزين الماء، وقال تعالى :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
ذَكَرْتُ قبل يومين في خُطْبة الجُمعة أنَّ مِرْصَجاً عِمْلاقاً أوربِّياً يعْمل بالأشِعَّة الحمْراء اكْتَشَفَ وُجود سَحابة في الكون، وهذه السَّحابة يُمْكن أن تمْلأ مُحيطات العالم بسِتِّين مرَّة في أربعٍ وعِشرين ساعة ! والأرض كما تعْلمون أربعة أخْماسِها مُحيطات، اليابِسَة خُمْس، فقارَّة آسيا وأوروبا وإفْريقيا وأمريكا الشماليَّة والجنوبِيَّة، وقارَّة المُتَجَمِّد الجنوب كُلُّ هذه القارات تُساوي خُمْس مساحة الأرض ! والمُحيط أعْماقه في بعض المُحيطات اثْنى عشر ألف متْر !!! في وادي مِرْيانة بالمُحيط الهادي وهو أعْمق نقْطة في المُحيط، هذه المُحيطات تمْلؤُها هذه السحابة سِتِّين مرَّة في يومٍ واحد قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
يوهِمُنا أعْداؤُنا أنَّ هناك حرْب مياه، فهذا التَّقْنين تَقْنين تأديب لا تقْنين عَجْز ! ذَكَرَ لي أخ البارحة كان بِحوران فقال لي : القمْح هناك أعلى من قامة الإنسان وخيْراتٍ لا يعْلمها إلا الله، حوران وحْدها كانت تُطْعم الدَّوْلة الرومانِيَّة!
ورومانْيا كان فيها تسعةُ وخمسون مليون نسمة، ويذْكر التاريخ أنَّ عدد الساكنين بِسُوريا في العهْد الروماني تسعةُ وخمسون مليون، وحوران وحْدها تُمِدُّ هذه الملايين المُمَلْيَنَة بالقمْح الذي يحْتلّ أعلى درجة في المواصفات، فربُّنا أيّ شيء عنده خزائِنُه، وفي إحدى السنوات وهذه ذَكَرْتها لكم كان اسْتِهلاك القطْر كُلُّه مليون طنّ القمْح، وكان إنتاجنا للقمْح ثلاثة ونصف مليون، فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش ! وفي سنة من السَّنوات كان هناك شحّ للمياه في دِمَشْق، والمياه الجَوْفِيَة انْخَفَض مُسْتواها إلى درجة كبيرة جداً حتى أصْبح هناك عطش مُهَدَّدون به جاءتْ سنة مجموع أمطار دمشق ثلاث مائة وخمسون ملم، هناك ينابيع من ثلاثين عاماً تَفَجَّرَتْ، مياه عين منين وصلَتْ إلى برْزة وعين الصاحب تَفَجَّرَتْ، عشرات الينابيع في غوطة تَفَجَّرَتْ، وكانت قد جَفَّتْ من ثلاثين عاماً، فلا أحد يقلق على نقْص المياه والغِذاء فهذا من وَهْم الكُفار لنا، أنَّ هناك أزْمَة سُكانِيَّة وانْفِجار سُكاني، ونقْص للمياه يُنَوِّعون، فَمَرَّةً يقولون حرْبُ نفْط، ومرَّةً حرْبُ قمْح، والآن حرْب مياه وإذا الله عز وجل قَنَّن فهو تقْنين تأديب لا تقْنين عجْز، قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
فأنت تأكل ثلاث وَجَبات باليوم، فكأس الحليب مَثَلاً لو خطر بِبَالك من أين يأتي ؟ هذه البقرة، وهذا المَعْمل الصامت، ومعمل الغذاء الكامل فيه الكالسيوم والمغْنزيوم والحديد والفوسْفات وفيتامينات ومواد سُكَرِيَّة ومواد دَسِمَة ومواد مُرَمِّمة، وهناك بقر يُعْطي ستين كيلو في اليوم فلو كان هذا الحليب لولدها فهو لا يحْتاج إلا كيليين حليب، والآن أصبح هناك تهْجين بقر على بقر من نوعٍ آخر، أصْبح يُنْتِج باليوم ستين كيلو حليب باليوم ! فالدم يمُرّ في الخَلِيَّة الثَّدْيِيَة البقريَّة على شَكْل قُبَّة وحول هذه القبَّة مجموعة شَعْرِيات كثيفة جداً، أربع مائة حجم من الدَّم تمرّ في هذه الشَّعْريات كي يصَنَّع حجْم حليب واحد، فكُلّ لتر من الحليب يُسْهم في صُنْعه أربعمائة لتْر دم تمْشي في قُبَّة هذه الخليَّة الثَّدْيِيَة، والخليَّة الثَّدْيِيَة المُصَنِّعة للحليب حتى الآن لا أحد يعْرف كيف تَعْمل وكأنَّها عَقْل فالدَّم يمرّ في أعْلاها، فَتَخْتار الدَّم من بين فرْثٍ ودمٍ، فالفرث هذه الفضلات السائِلَة، نحن لدينا فرْث جامد وهو الغائط، وفرْث سائل وهو حمض اللَّبن وفرثْ غازي وهو غاز الفحْم، نواتِج الاحتراق الصُّلْبة غائِط، والسائلة حمْض البول بالدم، والغازِيَّة غاز الفحْم، فَرَبُّنا عزَّ وجل قال : هذه الخلِيَّة الثَّدْيِيَة تخْتار مواد السُكَّرِيَّة من الدم، مواد بروتينِيَّة والدِّهنيات، والفيتامينات، والمعادن، تختار غِذاء كامل قال تعالى :
﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾
[سورة النحل]
فكأس الحليب هو من فضْل الله عز وجل، قال تعالى :
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)﴾
(سورة النحل)
خُلِقَتْ خِصِّيصاً لكم، وذَلَّلْناها لكم، أحد إخواننا بِجوبر حكى لي أنَّ بقرةً جَنَّتْ فَقَتَلَتْ أوَّ رجل والثاني والثالث، واسْتطاع صاحبها أن يُلْقي عليها الرَّصاص فقَتَلها، وثَمَنها سبعين ألف، فَهُوَ أساساً جَنَّ بِأوروبا إذْ خالفوا منهج الله عز وجل وأطْعَموا البقر طحين اللَّحْم، والجِيَف، والبقر مُصَمّم لِيَأكل النبات، فهو حيوان نباتي فهم تشاطروا وأطْعموه الجيَف فأصْبح هناك جُنون البقر فاضْطَرُّوا لِيَعْدموا ثلاثة عشر مليون بقرة ! ثمنها ثلاثون مليار جُنَيْه اسْتَرْليني ! ثمَّ بعد هذا عرفوا خَطَأهم، والآن مُنِيَتْ بريطانيا بأكبر كارِثَة بِحَياتها في موضوع جُنون البقر لأنَّه بِأُسْتُراليا أطْلقوا النار على عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! ودُفِنَتْ تحت الأرض فالكافر وَحْش، فَكم من شَعْبٍ يموت من الجوع ؟ عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! قال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
اُنظر إلى هذه الغنمة والبقرة من خلقها ؟ ومن جَعَلها مُذَلَّلة ؟ لو أنَّ الله تعالى رَكَّب أخلاق الضَّبع بالغنمة ! وهذا الزَّيْتون من أرْقى أنواع الدهْن وهو يُعَدُّ الآن دواء وليس غِذاءً فهو دواء للضَّغْط المُرْتفع والكولِستِرول المرْتفع، ولِتَصَلُّب الشرايين والنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ *))
[ رواه الترمذي ]
فأنت تأكل اللَّبن والجُبْن والقشْطة وكُلّ مُشْتقات الحليب، فَمَن الذي سخَّر هذا المعمل المُذْهِل ؟! ورَوْثُ البقر سمادٌ غالٍ، فالسَّماد العُضْوي أغلى سماد روْثُ البقر ثمَنُ الكيلو عشْرُ ليْرات وجلدها للأحذِيَة والمصْنوعات الجِلْدِيَّة، ولحْمها يُؤْكل، هناك جداران وسط الثَّدْي مُتعامدان، وهناك أربع حلْمات للبقرة، كلّ حلمة تُعْطي ربع الضرع تماماً، وهو مُقَسَّم إلى أربع أجْواف، وهل فَكَّرْتَ بالقمْح فهو ينْضج بِيَوْم واحد، والبندورة تنْضج على ثلاثة أشْهر، لو كان الحقْل ينْضج بِيَوم واحد ماذا نفْعل بالطماطم، وكذا البطيخ ! من الذي صَمَّم أنَّ البطيخ له حلزون يمْسكها الفلاح فإذا انْكسر معنى ذلك أن قد نضجَت وإذا لم ينْكسر أي لم تنْضج بعد ! أما القمْح والعدس والحمص بِيَوم واحد فالمحاصيل الأساسيَّة تنْضج بيوم واحد، أما أشْجار الفواكه وغيرها فَبِالتَّسَلْسُل، من برْمج هذه الأمور، فالله تعالى قال :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29)﴾
[سورة عبس]
شجرة التَّمْر تعيش ستَّة آلاف سنة، أطْول شَجَرة مُعَمِّرة، وفيها ستة وأربعون مادَّة غِذائِيَّة، وأسْرع مادَّة سُكَّرِيَّة على الإطلاق تنتقل من الفم إلى الدم، فإذا جلس الإنسان لِيَأكل لو أكل عشْر أضْعاف لن يشْبع حتى يصِل السكَّر إلى مرْكز الشِّبَع، فالنبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمنا أن نأكل التمْر أوَّلاً، كيف أنَّ القمْح مادَّة أساسِيَّة جداً لنا ؛ يُسَموه مَحْصول اسْتراتيجي، التِّبْن المادَّة العَلَفِيَّة الأولى، والحيوان يسْتطيع أن يعيش على التِّبْن فقط، قال تعالى :
﴿ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
يجب أن تُفَكِّر في خلق السماوات والأرض، وفي طعامك، فلا بدّ أن تُعْمِلَ العقْل في الآيات الكَوْنِيَّة لأنَّها طريق الإيمان بالله عز وجل.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة عبس (80 )
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة عبس وهي قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)﴾
[سورة عبس]
الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة، يوم يفرّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه فالإنسان له زوْجة وأمّ وولد وأخ وأب، لماذا بدأ الله تعالى بالأخ ؟ لأنَّ أمَّه وأبيه كبيران في كبيران وولده صغير، من الذي يُعينك عند الشِدَّة ففي هذه الآية قُدِّم الأخ على كلّ الأقرباء، في آيةٍ أخرى قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾
[سورة التوبة]
قُدِّمَ الأب، وفي آيةٍ ثالثة:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14) ﴾
[ سورة آل عمران ]
قُدِّمَت المرأة، وفي آيةٍ رابعة قال تعالى:
﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11)﴾
[ سورة المعارج ]
فما هذا الترتيب ؟ في آيةٍ قُدِّمَ الولد، وفي أخرى قُدِّمَت المرأة، وفي آيةٍ قُدِّمَ الأب، وفي آيةٍ قُدِّم الابن، وفي أخرى الأخ، ففي مَوْطن الاسْتِنجاد والاسْتِعانة والاسْتِغاثة، فالذي يُنجدك أخوك أما أبوك وأمَّك وابنك ضِعاف، فالابن صغير وأمَّك وأبوك كبيران، فالمُؤَهَّل كي يُنجدك أخوك أما في موطن الاعتِزاز الاجْتِماعي نبدأ بالأب ؛ قُل إن كان آباؤكم تقول: أنا ابن فلان، في موطن الشَّهوة المرأة، زُيِّن للناس حبّ الشهوات من النِّساء، في موطِن الفِدْيَة أغنى شيء الولد، يودُّ المُجرم لو يفْتدي من عذاب يومئذٍ بِبَنيه، فهذه الآية:
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)﴾
[سورة عبس]
وقد ورد في بعض الآثار النَّبَوِيَّة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ((سألتْهُ السيِّدة عائشَة أيَعْرِفُ بعضنا بعْضاً يوم القيامة ؟ - هل يمكن أن يقول الإنسان فلان ابني وذاك أخي - فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، إلا في ثلاثة مواقف إذا الصُّحُف نُشِرَت، وعند الميزان، وعند الصِّراط....))
في هذه المواطن الثلاثة لو وقَعَت عَيْن الأم على ابنها لا تعْرفه ! وذاك من هَوْل المصيبة، حَدَّثني أخٌ بالقاهرة أنَّه لما حدث زلزال بها أنّ شِدَّة خوف أحد الأمَّهات حَمَلْتها على أن تحْمل حِذاءها مكان ابنها الصغير ! قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2) ﴾
[ سورة الحج ]
وفي غير هذه المواطن قد تقع عَيْنُ الأم على ابنها، تقول له: يا بني جعلْتُ لك بطْني وِعاءً وصَدْري سِقاءً، وحجري وِطاءً فهل من حَسَنَةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟! الأم تسْتنجد ابنها ! بِماذا يُجيبها الابن ؟ يقول لها: ليْتني أسْتطيع يا أُمَّاه !! فإنَّني أشْكو مما أنت تَشْكين ! فالله عز وجل قال:
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(101) ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فالأنْساب في الدنيا كي نتراحم، وكي تسْتَمِرَّ الحياة، تجد الأب يعْمل ليْل نهار من أجل أولاده، ومن أجل إسْعادِهم، ومن أجل اسْتِقْرارهم، أما لو كان تواصل النَّسب في اليوم الآخرة لما كانت هناك جنَّة ! قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[ سورة الأنعام ]
قال:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)﴾
[ سورة عبس ]
طبْعاً الأقارب كلَّهم ذُكِروا ؛ من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته وبنيه، قُدِّمَ الأخ لأنَّه الأخ كل المُنْجد، ومع ذلك هذا الأخ يوم القِيامة يَفِرُّ منك ويتخلى عنك، ويقول: نفْسي نفْسي فالله تعالى يُقَدِّمُ لنا صُوَر حقيقيَّة لِيَوْم القيامة، وذلك كي يُنَبِّهنا لأهَمِّيَة الموضوع، ومن أجل أن نكون على بَيِّنَة من أمرنا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾
[ سورة عبس ]
ورد بِبَعض الأحاديث أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( يُحْشَر الناس يوم القيامة حُفاةً عراةً...))
لو أنَّ أحداً مَحْكوم عليه بالإعْدام، وفي الطريق من نافذة السيارة رأى امْرأة جميلة فهل ينتَبِه إليها ؟! عنده شأنٌ يُغْنيه عن النَّظر دعانا أحد المرات أخٌ إلى مزْرعَتِه، مع بعض الأصْدِقاء، فقال لي هذه مزْرعة عَمِّي، بعد جاء عَمُّه وما سَلَّم علينا ونحن ثلاثين واحِد، فقُلْت هذا هو عَمّك ! ألا يُسَلِّم علينا ؟ فقال: لم يرَكُم، لقد جاء من مُسْتَشْفى غسيل الكُلْيَتَيْن ! فالمَرَضُ يُنْسيك أن تُسَلِّم على الناس قال تعالى:
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾
[ سورة عبس ]
لا يوجد إنسان ليس لديه مُشْكِلة إلا أنَّ بعض المشاكل عويصة، ليس مُلاحق ولا مطْلوب ولا مرض يحتاج إلى أمريكا مُعالجة فقط أمراض صغيرة كوليسْتِيرول وشُحوم وسكَّر عالي، والحموض الثلاثيَّة، فأحد الإخوة رحمه الله تعالى سِتُّ عَمَلِيَّات أقامَها في سنة ونِصْف، لم يَعُد يحْوي شيئاً في بطْنِه، أقاموا المَعِدَة والمُسْتَقيم والأمعاء الدقيقة ونصف البِنْكِرْياس ! فعلى الإنسان أن يشْكر الله تعالى على ما عنده لا على ما ينْقصُه، فَكِّر بما عندك، لأنَّ الله تعالى قال:
﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[ سورة الأعراف ]
إن كان تاجراً بالسوق أو مُوَظَّف بالمعاش، فهو دائِماً في شَكْوى، وهذه صِفَة من صفات البعيد عن الله تعالى، أما المؤمن يُفَكِّر بما عنده من نِعَم، لذلك على الإنسان أن يشْكر الله عز وجل حتى يُديمَها تعالى عليه قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾
[ سورة إبراهيم ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)﴾
[ سورة عبس ]
فالناجِح مُبْيَضَّ الوَجْه والخاسِر مُسْوَدَّ الوَجْه، قال تعالى:
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)﴾
[سورة عبس]
فالمُؤمن وجْهه مُشْرِق، لي صديق قاضي تَحْقيق، والقِصَّة قديمة فكنت جالس أمامه وكان معه شَخْص يُحَقِّق معه وَجْهه مُخيف، ثمَّ دخل آخر وَجْهه مُشْرق فقال: له صلَّحْتُ ساعتك، فوازَنْتُ بين هذين الشَّخْصَين فذاك وَجهه مُشرِق لأنَّه نبيل، ذاك مُجْرِم وَجهه كالح وأسْود، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106)وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾
[سورة آل عمران]
فالعِبْرة بالنِّهاية والعاقِبَة، وبِمَن يضْحك أخيراً وبِهذا الوَجه النَّظِر الذي ينظر إلى الله تعالى، وأن تكون في الدنيا صالِحاً كي يكون وَجْهك يوم القيامة مُبْيَضًّا وضاحِكاً ومُسْتَبْشِراً، وإلا وَجْهٌ أسْود ووجْهٌ مُغْبَر، ترْهَقُها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة.
فهذا مَشْهد من مشاهد يوم القيامة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُنْقِضنا من النار، وأن يُدْخِلَنا الجَنَّة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانفطار (82 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات التي في سورة الانفطار، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾
[سورة الانفطار]
القرآن الكريم يُخاطب في الإنسان عقْله تارَةً، ويُخاطِبُ في الإنسان قلْبَهُ تارَةً أخرى، وفي بعض الآيات يُخاطب القرآن الكريم عقْل وقلْب الإنسان في آيَةٍ واحدة، ومن هذه الآيات هذه الآية، والنبي عليه الصلاة والسلام أحياناً في أحاديثه يُخاطِبُ عقْل الإنسان، فقد جاءه رجل وقال له
(( ائْذن لي بالزنا فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ * ))
[ رواه أحمد ]
فالنبي خاطب عقْله، وأحياناً يقول:" أحِبُّوا الله لما يغْدوكم به من نعمه فالحديث الأوَّل خاطب في الإنسان عقْله، وفي الحديث الثاني خاطب في الإنسان قلْبَهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام اقْتَبَسَ هذه الطريقة في مُخاطبة الناس من القرآن الكريم، لذلك أيّ دَعْوة إذا اتَّجَهت إلى عقل الإنسان وحده لا تنْجح، والإنسان عقْلٌ يُدْرِك وقلْبٌ يُحِبّ، وأيّ دَعْوةٍ إذا اتَّجهت إلى قلب الإنسان وحْده لا تنْجح، لا تنْجح الدعوة إلا إذا تَوَجَّهَت إلى قلب الإنسان وعقْلِهِ معاً، فالعَقْل يحْتاج إلى غِذاء، والقلب يحْتاج إلى غذِاء، وكذا الجِسْم، وأيّ تجاهل لأحد هذه الجوانب الثلاثة هو تجاهل للواقِع، وفَشَل في نقْل الحقائِق لِهذا الإنسان.
هذه الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
التَّسْوِيَة شيء، وإتْقانُ الصَّنْعة شيءٌ آخر، مثال ذلك ؛ لو بَنَيْنا غُرْفة من أجل أن نضع فيها سيارة، فقد تُبْنى الغرفة من أعلى درجة من الإتْقان ولكن ليْسَت مُتماثِلَة مع السيارة فإذا دَخَلَتْ هذه السيارة لا يسْتطيع سائِقُها أن يفْتح الباب لِيَخْرج، نقول هذه الغرفة ليْسَت مُسَوَّات مع هذه السيارة، قد تدْخل ويبقى قِسْمٌ منها خارج الغرفة، فالقياسات غير مناسبة، منه نقول التَّسْوِيَة من التناسب، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالأنْفُ فوق الفمِ، فإذا كان الطعامُ فاسِداً كان الأنف جاهِزاً، علاقة بينهما، وهذه العَيْنَيْن من اجل البُعْد الثالث، لأنَّك بالواحدة ترى الطول والعرْض، وبالعَيْنَيْن ترى العُمْق، والأذنان من أجل جهَة الصوت فالواحدة تعرف الصوت ولكن لا تعرف جِهَةَ الصوت وكذا المفاصل مربوطة بإتْقان وبحيث لو أنَّ الأب حَمَل الأب من يده كافِيَة لِحَمْل وزْن الطِّفل كلَّه وإلا لانْهار كلّ إنسان، فهذا تناسب مُحْكم، فقد يحْمِلُ الإنسان أثْقال كبيرة جداً، فَعِظامه متينة لِدَرَجَة أنَّه يحْمِل خمسمائة كيلو ! عظْمُ عُنق الفخذ يتحَمَّل هذا الوزْن، فهذه هي كَلِمَة سوَّاك لو أنَّ الله تعالى جعل بالشَّعر أعْصاب حِسّ لما أصبح الإنسان يقْدِر أن يُحْلِق ! وتُصْبح الحِلاقة تحتاج إلى عَمَلِيَّة جِراحِيَّة كاملة ! فالله تعالى ما جعل بالشَّعْر أعْصاب حِسّ، ولا بالأظافر، والله عز وجل جعل المثانة لها عَضَلات لو لم يكن فيها عَضَلات لاحْتاج الإنسان كي يُفْرِغَ مثانته إلى أَمَدٍ طويل وقد لا تُفَرَّغ حتى يأتي هواء من أعلى، إذْ لا بدّ لها من أنبوب تنْفيس وأيُّ مُسْتوْدع ماء من دون أنبوب تنْفيس لا يتحرَّك لكن بالعضلات تُفَرَّغ المثانة بِدَقائِق، ولولا المثانة كُلّ عشرين ثانية نقْطتا بوْل، ولاحْتاج الإنسان إلى فوطة، أما بالمثانة تتَجَمَّع، وأنت نظيف ومكانتك عالِيَة ودون إحراج، في جلْسة ولِقاء، فهذه المثانة لها عَطاء كبير ثمَّ عندنا أعظم الأشياء، وهو أنَّه لدينا عضلات إراديَّة وعَضَلات لا إرادِيَّة فالقلب ينْبض من دون إرادتِك، لو كان بِإرادَتِك فَلأدْنى سبب يقف القلب وكذا الرئتان تتحَرَّكان من دون إرادَتِك، وهناك عضلات إرادِيَّة كعضلات اليد إلا أنَّ عضلات إفْراغ المثانة فهي نوع مُسْتَقِلّ فهي إرادِيَّة إلى حدّ، لما البول امْتلأت المثانة به ربَّما يتَّجِه نحو الكلْيَتَين ويصبح هناك تَسَمُّم حينها يمكن أن تبول من دون إرادَتِك إنْقاضاً لِحَياتِك، فَكُلّ أعضاء الإنسان لها بحْث، فالأنف فيه عشرون مليون نِهاية عَصَبِيَّة، كُلّ نِهاية تنتهي بِسَبْعة أهْداب، وكلّ هُدْب مُغَطَّى بِمادَّة مُخاطِيَة، تتفاعل مع الرائِحة، ويتشَكَّل شكْل هنْدسي، يُرْسل إلى ملف الدِّماغ فيه عشْرة آلاف رائِحَة، يُعْرض على هذه الروائِح كُلِّها واحِدة واحِدَة إلى أن تتوافق هذه الرائحة مع البند في الملف، تعرف هذه رائِحَة ياسمين، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
مائة وأربعون مليار خَلِيَّة في الدِماغ لم تُعرف وظيفتها بعد، أربعة عشرة مليار خَلِيَّة في قِشْرة الدِّماغ، والغدَّة الصَّماء النُّخامِيَّة ملِكَة الغُدد، وزْنها نصف غرام تتَحَكَّم بِكُل غُدد الإنسان، وترسل اثنى عشر هُرمون، ولو تَعَطَّل هُرمون واحِد لأصْبَحتْ حياةُ الإنسان جحيماً ! هُرمون النموّ لولاه لَتَقَزَّم الإنسان، أو لَتَعَمْلَق، وهرمون توازن السوائل لولاه لَشَرِبَ الإنسان في اليوم برْميل ماء ولأفْرَغَهُ، وهرمون الدَّرَقِيَّة، هرمون الكظر لو واجه الإنسان عَدُوًّا أعطى هذا الأخير أمْر بالتَصرّف، ويرسل إلى القلب هرمون يرْفع ضرباته إلى المائة والثمانين، وهرمون إلى الرئتين وإلى الأوْعِيَة كي تضيق ويصْفرّ الخائِف، وهرمون إلى الكبد ويتْلف كَمِيَّة سُكَّر، وهرمون إلى بعض الأجْهزة تطلق هرمون التَجَلُّط هذه كُلُّها نصْف غرام، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
طيِّب هذا الذي خلق الإنسان بهذا الإعْجاز ألا يُحاسِبُه ؟! قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40)﴾
[سورة القيامة]
إذا هذه الآية من أدَقِّ الآيات التي تُخاطب الإنسان ؛ ما غَرَّك بِرَبِّك الكريم فإذا كان طالب عند أستاذ قدير جداً وأشاع بين أصْدِقائِه أن نأخذ إلى الأُستاذ هَدِيَّة كي يُعطينا الأسْئِلَة نقول: هذا الطالب اغْتَرَّ بِهذا الأُسْتاذ وَظَنَّ به ما لا يليق به فما معنى هذه الآية ؟ الإنسان يأكل أموال الناس بالباطل ويكْذِبُ عليهم وينتَهِكُ أعْراضهم، فهل يتركك الله تعالى من دون حِساب، أنت مُغْتَرٌّ به، الاغْتِرار بالله أن تظنَّ به ظناًّ لا يليق به، إنسان له قَضِيَّة عند قاضي فَتَوَهَّم أنَّ القاضي بِمَبْلغ ضَخْم يحْكُمُ لي، نقول هذا الخصْم اغْتَرَّ بالقاضي وظنَّ بِه ظنًّا لا يليق به، القاضي نزيه ويطْرده كان هناك قاضي، أنَّهُ يحبُّ الرطب في بواكيره، طُرِقَ بابه مَرَّةً ففتح الخادِم الباب، وأعْطِيَ له طبق من الرطب في بواكيره نفيسٌ جداً، فقال القاضي من أتى به، فقال رجل بالباب، فقال له: صِفْهُ لي ؟ فقال: كذا وكذا، فَعَلِمَ القاضي أنَّهُ أحد المُتخاصِمَيْن، فقال له: رُدَّهُ، فَرَدَّهُ وفي اليوم التالي ذهب إلى الخليفة لِيعْتَذِر عن منْصِب القضاء، فقال له: وَلِمَ ؟ فقال له والله جاءني رجل مع طبَقٍ من الرطب فَرَدَدْتُهُ، لأنَّهُ خصْمٌ، في اليوم التالي لما كان معي تَمَنَّيْتُ أن يكون الحق معه ! مع أنِّي رَدَدْتُ الطبق فكيف لو قَبِلْتُهُ ! لذلك قالوا: القاضِيان إلى النار، وقاضٍ إلى جهَنَّم - وهي مُعَدَّلة حديثاً -، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾
[ سورة الانفطار ]
لو ركَّب لك عَيْناك في الخلف ماذا تفْعل ؟ لو رَكَّب لك الفم في مكان آخر! لو لم تكن هناك عَضَلة تقْبض كُلَّ شيءٍ بالمُسْتقيم، ماذا فَعَلْتَ ؟! فالإنسان في آخر عُمره إذا لم يتَمَكَّن أن يضْبط نفْسه يأكل إهانات من زوْجَتِه حتى يشْبع ! أليس كذلك ؟ فَكُلُّ كرامتك بهذه العضلة، وصِرْتَ مُحْتاجاً لِفوطة واحْتِياطات، فعلى الإنسان أن ينْتَبِه ؛ هذا الذي خلقه في أحْسَن تقْويم ينبغي أن يتَّقي أمْره، ما غَرَّك بِرَبِّك الكريم ؟! ولماذا تظنّ ظنَّ السوء به تعالى ؟ وأنّ الله لن يُحاسِب، وكل من ظنَّ هذا فهو إنسانٌ وقع في شَرِّ عمله فأنت أمام خِيار صَعْب إما أن تؤمن أنَّ لهذا الكون إلهاً عظيماً عادِلاً، وإما أن تؤمن بالعَبَثِيَّة ! قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[ سورة المؤمنون ]
ففي الجامعة مَثَلاً، هذا درس بِجِدِّيَّة، وهذا شاكس، وذاك تأخَّر، وهذا ما تأدَّب وبالأخير أخذوا كلَّهم مائة درجة ! أهَذه جامِعَة ؟! العِبْرة أن تأتي النتائِج مُتوافقة مع المُقَدِّمات، وإلا ما قيمة هذه الجامِعَة ؟!
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالرأس يدور، ولو لم يكن كذلك َكَلَّفَك أن تدور كُلِّيَّةً ! من نِعَمِ الله العُظْمى ولولا هذه المفاصل لما أكلْتَ، إلا أن تأكل كالهِرَّة على صَحْن الأكل وكذا الإبهام، ما كَتَبْتَ وما خَيَّطْتَ ! وهذه المعِدَة فيها وخمْسٌ وثلاثون مليون عصارة هاضِمَة، وبالقلب يضخّ باليوم ثمانِيَة أمْتار مُكَعَّبَة، فالذي عنده مُسْتودع للوَقود السائِل يقول لك: ملأنا ألف لتْر ! وقلب الإنسان المُتَوَسِّط يضخُّ بِعُمْره ما يمْلأُ أكبر ناطِحَة سحاب بالعالم،
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾
[سورة الانفطار]
فالذي خَلَقَك فَسَوَّاك فَعَدَلك يجب أن تُطيعه، وأن تحِبَّه وأو تنْصاع لأوامره ونواهيه وأن تُخْلِص له، وأن لا تؤذِيَ عبادَه، الخلْق كلُّهم عِيال الرحمن وأحبُّهم أنفعهم لِعِيالِه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانفطار (82 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة عشْرة، والتي بعدها من سورة الانفطار، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
يبْدو من خلال هذه الآية أنَّ البشر على اخْتِلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم وانْتِماءاتهم وأجْناسِهم وطبقاتِهم ؛ كُلُّ هذه التَّقْسيمات التي يسْتعملها البشر في تقسيم الناس من أقوياء وضعفاء، ومُسْتَغِلِّين ومُسْتَغَلُّون، دُوَل عُظْمة ونامِيَة ومُتقَدِّمة ومتأخِّرة، وجنوب وشرق وغرب، كُلُّ هذه التَّقْسيمات مُلَخَّصَةٌ عند الله عز وجل بِنَوْعيْن اثنين لا ثالث لهما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
الناس رجُلان لا ثالث لهما: رجُلٌّ عرف الله تعالى فأَحْسَن إلى خلقه واسْتَقام على أمْره فَسَعِدَ في الدنيا، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه ومهما كان جنْسهُ، ورجل غفل عن الله وبالتالي تَفَلَّت عن منهجه ولأنَّه ألَّه الشَّهوات فَشَقِيَ في الدنيا والآخرة، مهما كان اتِّجاهه ومهما كانت ملَّتُه، ومهما كان جنْسهُ، ولن تَجِد رجل ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:
(( فيما رواه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ * ))
[ رواه الترمذي ]
هذا تقسيم القرآن.
الأنبياء ملَكُوا القلوب بِكَمالهم، والأقوياء مَلَكوا الرِّقاب بِقُوَّتِهم، وما من واحِدٍ من بني البشر إلا وتابِعٌ لِنَبِيٍّ أو لِقَوِيّ، فإذا كنت تابِع لِنَبِيّ رأس مالك كمالك، ويُلْقي الله تعالى مَحَبَّتك في قلوب الخلْق، وإذا كنت تابع لِقَوِيّ رأس مالك قُوَّتَك، تمْلِك بِها الرِّقاب لا القلوب، دخل سيِّدنا عمر عِمْلاق الإسلام على النبي عليه الصلاة والسلام ورآه مُضْطَجِعاً على حَصير وقد أثَّر في خَدِّه الشريف، فَبَكى، فقال: ما يُبْكيك يا عمر فقال رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرْس وعابد النار والطاغِيَة الذي يبْني مَجْده على أنْقاض الناس ينام الحرير والدِّيباج فقال: يا عمر إنَّما هي نُبُوَّةٌ وليْسَتْ مُلْكاً " هذا هو الجواب، وفي رِواية: أفي شَكٍّ أنت يا عمر، وفي رِوايةٍ ثالثة: أما ترْضى أن تكون الجنَّةُ لنا والنار لهم ؟! فهذه الآية تَقْسيم مصيري وفرْزٌ كامل، كُنْ أيَّ إنسان فأنت إما برٌّ وإما فاجِر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
والنُّقْطة الدقيقة كما كنت أقول لكم لا يوجد صحابي فداه النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّه وأبيه قال له: ارْمِ سَعْدُ فداك أبي وأمي..." كم هو يُحِبُّهُ ويُقَدِّرُه ؟ وكان إذا دخل قال: هذا خالي، وأروني خالاً مثل خالي ! النبي عليه الصلاة والسلام عظيم يُرَحِّب بأصْحابه ويُداعِبُهُم، ومع هذا كلِّه قال له عمر: يا سَعْدُ لا يَغُرَنَّكَ أنَّك خال رسول الله ! فالخلْق كلُّهم عند الله تعالى سَواسِيَة وليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعته ؛ فَعلاقتك مع الله وحده، ولو اسْتَطَعْتَ أن تنتزِعَ حُكْماً من فمِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق، ولم تكن مُحِقاً لا تنْجو من عذاب الله تعالى، علاقتك مع الله وحْده، أقول لكم هذه الكلمة: من سابِع المُسْتَحيلات أن تخاف من الله، وأن يُخيفك أحدٌ من خلقه مُسْتحيل أن تخافه ثمَّ يُخيفك من خلقه أما إن لم تَخَفْهُ يُمكن أن تخاف من خلقه ويمكن أن يُسَلّط عليك الأقوياء والقُساة الذين لا يرْحمون، أما إذا كنت مع الله فهو معك، وإذا كان معك فَمَنْ عليك ؟ دائِماً وأبداً أثْمن شيء هو مَعيَّةُ الله تعالى، يقول الله عز وجل:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
فإذا الواحد مثلاً كان يعرف شَخْصِيَّة في البلد، يقول لك: معي تلفون فلان، بِأيِّ لحْظة أُخَبِّرُه ! فهو يتَقَوَّى بِشَخْصٍ قويّ ويطْمئِنّ، فكيف إذا كنت مع خالق الأرض والسماوات وإذا كان الله تعالى يُحِبُّك، كيف تكون أنت ؟ قال تعالى:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
إلا أنَّ مَعِيَّة الله مشْروطة، أما قوله تعالى: أينما كنتم فهو معكم.." فهي مَعِيَّة عامَّة، كلّ مخلوق معه بِعِلْمِه ولو كان كافِراً، أما هو مع المؤمن بالتوفيق والنَّصْر والتأييد والنَّصْر، فَشَتَّان بين مَعِيَّة العِلْم ومَعِيَّة التوفيق ! كما أنَّ مَعِيَّة الله تعالى لها ثَمَن، عز وجل:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾
[سورة المائدة]
وقال:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)﴾
[سورة الإنفطار]
في الدنيا والآخرة، إذاً هي مُطلقة وغير مُقَيَّدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أبو بكر في الجنَّة..." ففي الدنيا جَنَّة من لم يدْخُلها لم يدْخل جَنَّة الآخرة فَجَنَّةُ الدنيا القُرْب من الله تعالى، ويقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعْدائي بي بُسْتاني في صَدْري، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة وإن سَجَنوني فَسِجْني خلْوة، وإن قَتَلوني فَقَتْلي شَهادة ! فالمُطْلق على إطْلاقه، في الدنيا نعيم القُرْب وفي الآخرة نعيم القرب والجنّة ورِضْوان الله عز وجل، ففي الجنَّة حور العين لو أطَلَّت إحْداهنّ على الأرْض لَغَلَبَ نور وجْهها ضوْء الشمْس والقمر، وفي الجنَّة بساتين وعَسَل مُصَفى، ولبَن لم يتغَيَّر طعْمه، وعسل وماء غير آثن، وخمْر لَذَّة للشاربين، وجنات تجْري من تحتِها الأنهار، فهل من شيء أفضل من هذا ؟ نعم، النَّظر إلى وجْه الله تعالى، الله تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾
[سورة القيامة]
وهل من فوق هذا ؟ نعم، ورِضْوان من الله عز وجل قال تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾
[سورة التوبة]
أن يرضى الله عنك هو أعلى عطاء يناله مَخْلوق بالكون، أن يكون الله تعالى راضٍ عنك، قال تعالى:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(8)﴾
[ سورة البيِّنة ]
كما أنَّك تتمنى رِضاه هو سَيُرْضيك، قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾
[ سورة الضحى ]
أما إذا كنت مؤمن دون سوف انتظر، فالدنيا ليسَت مِقْياسَك، قال تعالى
﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾
[ سورة الواقعة ]
المِقْياس هو الآخرة.
إذاً كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾
[سورة الإنفطار]
في جحيم البُعد والإخْفاق والنَّكَد والمعيشة الضَّنْك والضِّيق والخُصومات والحَسَد والخوف، وفي جحيم الشِّرْك، أنواع مُنَوَّعَة، أما هذه العَيْن فهي ترى الفاجر غَنِيّ كأن يكون بيْته فَخْم، والأثاث فخْم وسيارات، فهذا الجحيم يكون ظاهِراً للعَيان يوم الدِّين، قال تعالى:
﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)﴾
[ سورة الانفطار ]
فالدنيا فيها وسَائِط، وجماعات وأتْباع، فالحياة الدنيا مبْنيَّة على العلاقات، أما بالآخرة فقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[ سورة الأنعام ]
وقال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
[ سورة الانفطار ]
يمكن أغلى شيء بِحَياتك ابنتك، والبنت غير الصَّبِيّ، والبنت ولاؤُها لأبيها أشَدّ، يقول عليه الصلاة والسلام: فاطمة بضْعة منِّي من أكرمها.ز.."، وحينما جاءتْهُ فاطِمَة ضَمَّها وشَمَّها وقال: ريْحانةٌ أشمّها وعلى الله تعالى رزقها ومع ذلك قال: يا فاطمة بنت محمد أنا لا أغني عنك من الله شيئاً..." وقال عليه الصلاة والسلام: إنما أهلك الله بني إسرائيل أنَهم إذا سرق فيهم الشريك تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا فيه الحدّ، ويْمُ الله لو أنَّ فاطمة بنت محد سرقت لقطعت يدها..." هذا هو الدِّين.
فآيات اليوم: قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
[سورة الإنفطار]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المطففين (83 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، سورة المطفِّفين تبدأ بقوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
الوَيْل هو الهلاك والشَّقاء، لِمَن ؟ للمُطَفِّف، نحن عندنا كفْر وعندنا انْحِراف، فالإنسان قد يعتقد اعْتِقاداً فاسِداً، وعقيدته الفاسدة توصِلُه إلى المعاصي والآثام، وأحْياناً يرْتكب معْصِيَة كبيرة تُلغي اعْتِقاده، قولوا لِفُلان أنَّه أبْطل جِهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، الانْحِراف يبدأ من العقيدة ويظْهر في السُّلوك، وقد يبدأ في السلوك فَيُلْغي العقيدة إنَّ فلانة تذكر أنَّها تُكثر من صلاتها، وصِيامها وصَدَقتها، غير أنَّها تُؤذي جيرانها بِلِسانِها، فقال: هي في النار، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ *))
[ رواه مسلم ]
فقد يبدأ الخلل من العقيدة ويظْهر في السُّلوك، وقد يبدأ من السلوك، وهو مسلمٌ ابن مُسْلم وناشئ في بلاد إسلامِيَّة، واستَمَع إلى آلاف الخُطَب، إلا أنَّ حُبَّ المال غلبهُ فَطَفَّى ؛ من هو المُطَفِّف ؟ قال: المُطَفِّفون الذين يُنقِصون الكَيْل أو الميزان فبائِع الأقْمِشَة إذا اسْتَلَم البِضاعة، تجد الثوْب مرخي وعامِل قوس على المتر فإذا باع شَدَّ الثوب ؛ هذا من التَّطْفيف، وأحْياناً القَصَّاب يضع اللَّحْم بِعُنْف على الميزان ويرْفعها مُباشَرَة، والصائِغ المِرْوحة فوق الميزان ! يخْتلف الميزان حينها، هناك للتَّطْفيف مليون أُسْلوب، قد تخْفى على مُعْظم الناس إلا أنَّها لا تخْفى على الواحِد الدَيَّان، المُطَفِّف يأكل أموال الناس بالباطل، والذي لا يُعْطي الناس أموالهم يدْخل في هذا الغِشّ طبْعاً العِلْم حرْف، والقِياس ألف ؛ الغشّ في المواصفات والغِشّ في المصْدر اشْترى جوخ إنجليزي وهو تايْواني ! وهذا يضع قطعة مكتوب عليها إنتاج فرنسا، ومصدر القماش تايواني ! هذا مُطَفِّف، وأساليب التَّطْفيف في الأقْمِشَة المواد الأوَّلِيَّة ومواد الغِذاء، وحتى الآن في مجال تصْنيع الكمبيوتر أصْبحت بعض الشركات عندنا تأتي بِبِضاعة رخيصة وتبيعها على أساس أنَّها ذات جَوْدة ! وفي بعض البلاد المجاورة تُغَيِّر لُصاقة منتجاتها من المأكولات بعد انتِهاء المُدَّة بِلُصاقة حديثة مثلها لِسَنَتَيْن قادِمَتَيْن ! ثمَّ تُرْسِلها تهْريب، وفي مِصْر وصل الأمر إلى أنَّه بيعَتْ لُحوم الكِلاب بحيث نزعوا اللُصاقة المكتوب عليها لحْم البشر وأبْدلوها بِلُصاقة لحم الكلاب، وبيعَتْ للبَشَر، فالمال شقيق الروح، وحقوق العباد مَبْنِيَّة على المُشاححة، وحُقوق الله عز وجل مَبْنِيَّة على المُشاححة فالله عز وجل يقول:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
تجد له مِكْيالَيْن مِكْيال شِراء، ومِكيال بيع، فالأمْثِلَة لا تنتهي، فأساليب الغِشّ والتَّطْفيف وتغيير المُواصَفات ومنشأ البِضاعة، فأحْياناً تُعَطَّش الشاة وبعدها تُتْرك تشْرب الماء ويبيعها بِوَزْنٍ زائِدٍ.
أيها الإخوة، الرزاق هو الله، إن رآك مُسْتقيماً رزق رِزْقاً حلالاً طيِّباً وبارك له فيه، فهذه الآية واسِعة كثيراً، وتدخل في كُلّ المجالات ومع كُلِّ المصالح، فهذا الدَّلال باع أحدهم بيْتاً في الطابق الخامس، والزبون ما شَعَر بهذا لأنَّ الدلال كان يقُصُّ عليه قِصَّة مُمْتِعة فباعَهُ البيْت ! والبيت شمالي، وهو صلى العِشاء من جِهَة الشمال، فقال الدلال: البيت قبْلي ! كُلُّ هذا من بعد الناس عن الله، وحِرْصِهم على الدِّرْهم والدِّينار، والدِّرْهم الحرام.
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
لو قُلْتَ لِنَجار غُرْفة نوم، أريد تَخْت واحد، يخْصُم لك مائتان ليرة خمْسة آلاف ففي الخْصم مبالغ زهيدة وفي البيع مبالغ خيالية، إن رأى التخْت كبيراً حاسبك على الكِبَر، وإن رآه ثقيلاً حاسبك على الوزْن، لا توجد قاعِدَة مُحدَّدة في البيع، الجهالة تُفْضي إلى المنازعة، لذلك إذا أدْت أن تسْتريح عليه أن يُوَضِّح كُلَّ شيء شِراءً أو بيْعاً، كُلُّ نقْطة غامِضة في البيْع أو الشِّراء تنتهي إلى قَضاء ومنازَعة، وأحْياناً يُدْفع على القضايا أضْعاف موضوع الخِلاف، فالإنسان البَطَل الذي لا يُحْرج نفسه بالدخول لهذه الأماكن.
قال تعالى:
﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل ويَغُشُّهم، الزَّيْت أحْياناً له مواضيع لا تنتهي، بائِع يضع قالب واحدة بجنة مثل القشطة، يُذَوِّق الناس منه، والباقي من تحت لا يُرى، حياةٌ مَبْنِيَّة على الغِشّ والخِداع، ولذا نزع الله البركة من أيدي الناس.
الإنسان حينما يعلم أنَّه مُراقب ينضبط، فلو أنَّ شخْصاً علِم أنَّ الطريق مُراقب بالرادار ينضبط، لأنّ السيارة مُصَوَّرة، مع الرقْم والوقت والسرعة، فإذا أنت شَعَرْت أنَّ الإنسان يضبط انْضبط معه، فَكَيف الله عز وجل ؟ قال تعالى
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[ سورة النِّساء ]
قد يسأل سائل لماذا سورة المُطَفِّفين التي تتحَدَّث بشأن سلوكي اقْتُحِمَت بين آيات تتحَدَّث عن الكون ؛ بين سورة إذا السماء انفطرت وإذا الشَّمْس كُوِّرَت، والسماء ذات البروج ؟ فما سِرُّ ذلك ؟ قال: الذي لا يؤمن بهذه الآيات فهو كافر والذي يعْصي الله يُحْجَب عن الله كمن كان كافِراً، فالعِبْرة المُؤَدَّى الكافر مَحْجوب بِكُفْره، فإذا كان الواحد فاسِق أو ظالم أو مُعتدي عن الناس فهذا مَحْجوب بِمَعْصِيَتِه، فربُّنا عز وجل جعل هذه السورة المُتَعَلِّقَة بِسُلوك تعاملي جعلها بين سُوَرٍ تتحَدَّث عن الإيمان بالله، فكما أنَّ الكفر يحْجبك عن الله فالتَّطْفيف يحْجبك عن الله، وإمَّا أن يبدأ الخلل في فسادٍ في العقيدة فيَنْعَكِس في فسادٍ في السُّلوك، وإما أن يبدأ من السلوك فيُلْغي العقيدة، ما قيمة إيمانك بالله إن لم تكن مُنضَبِطاً، السيِّدَة عائِشَة لها كلمة ؛ تقول: بلِّغوا فلاناً من الذين تعامل معهم النبي عليه الصلاة والسلام إنَّهُ أبْطل جِهاده مع رسول الله ! أذْكر أنَّني وَقَفْت مرَّة أمام بائع بندورة، وَضَع نَوْعَين، نوع جَيِّد جداً سعره ستَّ ليرات، ونوع شيِّء جداً سعره ليرتين، فوقف شَخْص لم أنتبِه له، ووضَع من النوع الجيِّد ثمَّ في الأخير وَضَع من النوع السيِّء، أخذ ستَّ كيلو من النوع الجَيِّد وضعه من تحت والرديء من فوق، والبائِع مَشْغول لم ينتبِه، فهذا تَطْفيف، ذكرْتُ لكم هذا كي تعلموا أنّ هناك تطْفيف من المُشْترين، وهناك قِصَّتين أذكرهم لكم ؛ أحد إخواننا الكرام رجل فقير، وعِصامي وليس له محَلَّ تِجاري فاضْطَرَّ أن يبيع القُماش على الرَّصيف بالحَميدِيَّة فجاءَتْهُ امرأة إيرانِيَّة فاشْتَرَتْ قِطْعة، وكان معها دولارات، فهي بِذِهْنِها أنَّها دَفَعَتْ له دولار، أما هي دَفَعَت مائة دولار خطأً، بعد ما ذَهَبَتْ تطلَّع في النقود فإذا هي مائة دولار ! فتَرَك البَسْطة ولاحقها، وأعْطاها ثَمَنها وأخذ حَقَّه، وكان يُراقبه صاحب مَحَلّ فأعْجَبَتْهُ أمانته، فقال له: هل تُشارِكُني ؟ فقال أتمنَّى، خلال أسبوعَيْن أصْبح بِمَحَلّ، والله تعالى وَفَّق هذا التاجر المُخْلص واشْترى بيت وسيارة وهو من إخواننا الكِرام وذكر لي أخ من إخواننا أنَّ واحِداً بِمَنطقة سِتِّ رُقِيَّة، كذلك امرأة اشْترتْ قِطْعة قُماش كذلك دَفَعَت بالخطأ مائة دولار، فوجد البائِع هذا مَغْنم، إلا أنَّها راجَعَت الشرْطة فأخذوه وضُرِبَ حتى أقَرَّ ودفَّعوه خمْسة آلاف ليرة فوق المبلغ، أرَأيْتُم الاسْتِقامة ؟ فالمُسْتقيم صار غَنِيًّا، قال عليه الصلاة والسلام: الأمانة غِنىً..." فالمؤمن لا يأكل مال الحرام تَرْك دانِقٍ من حرام خير من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام ! فحاوِل أن تُؤَدِّي الذي عليك، حَدَّثني أخٌ أنَّ قطعة سيارة ما بيعَت معه عشرين سنة، وهي تتنقل من جَرد لآخر، فجاءه زبون أحد المرات فقال: له هل هي أصْلِيَّة ؟ فأجابه: ليستْ أصْلِيَّة ! فقال الزبون أعطينها ! كلمة واحِدَة فقط تفْصل بين الحلال والحرام، فلو قال له: أصْلِيَّة لكان ثمنها حرام فقوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾
[سورة المطففين]
تشْمل كُلَّ المصالح، فالقَضِيَّة دقيقة تدْخل مع كلِّ واحِدٍ منَّا، ما من واحِدٍ يخرج من هذه الآية، وكُلّ واحِد بالمَصْلحة يسْتطيع أن يغُشّ، فلو أنَّ الثَّيْدلي غيَّر تاريخ الدواء لكان مُطَفِّف، فالدواء إن انتهت مدَّته أصْبح سامًّا، لأنه تَفَكَّكت ذراته، والذي يقول لك مثَلاً لا بدّ لك من اثنى عشر تحْليلاً، وأنت لا تحْتاج إلا إلى واحد، فالآن هناك عُقود بين الأطِبَّاء والمُحَلِّلين، هذا تَطْفيف، والله تعالى حينها يَمْحَق البَرَكة، المِهَن الراقِيَة داخِلة في هذا الموضوع، وكذا ذوي المِهَن المُنْحَطَّة، وبائِعوا البطيخ والزَّيْت والأقْمِشَة، وكُلَّ مصالح المسلمين.
قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المطففين (83 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المطَفِّفون:
﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)﴾
[سورة المطففين ]
أي أعمال الكفار كُلُّها مُثَبَّتة في كِتاب ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9)﴾
[ سورة المطففين ]
كلمة مرْقوم تعني شيْئين: أنَّهُ مُرَقَّم، وتعني أنَّه مُصَوَّر، فالرَّقْم الصورة الرَّقم العدد، فهو إما مَرْقوم من الصورة، وإما مرْقوم من العدد، أحْياناً الدفاتِر التِّجارِيَّة مُرَقَّمة ومَخْتومة بالمالِيَة، فلا يسْتطيع البائِع إذا كتب مليون أن يمْحي هذا الرقم لأنّ صفحاته مُرَقَّمة ولا يُمْكن أن تُنزع منها صَفْحة، أما مرْقوم بِمَعنى مُصَوَّر وهو من الصورة أي كُلُّ مُخالفة مع صورتها، وهذا أبْلغ، فأنت إذا جاوَزْت السرْعة في الطريق يلتقط الرادار السرعة والوقت والرقم والشارع، وقد تكون صادِقَة أو كاذِبة لكن إذا كان معها صورة السيارة، ورقمها انتهى الأمْر كان هذا دليلاً، فَكِتاب الإنسان صَفْحاتُهُ مُرَقَّمَة ولا يُمْكن أن تُنْزَع منها صَفْحة، وهي مرْقومة أي لا يُمْكن أن تُنْزع منها الصُّوَر، لذلك هذا الكتاب يُعْرض على الإنسان يوم القِيامة، يقول كما قال تعالى :
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾
[ سورة الكهف ]
فأنت في الدنيا إذا شَعَرْتَ أنَّك مُراقَب، كيف تتصَرَّف ؟ إذا خطّك الهاتفي مُراقب ؛ كيف تشْعر ؟ وإذا عَلِمْت أنَّ فلاناً من الناس يُلاحقك كيف تشْعر ؟ فكيف إذا كنت تحت مُراقبة الله عز وجل، والآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[ سورة النِّساء ]
الإنسان يخاف الله قَدَر مَعْرِفَتِه به، ويرْحم الخَلْق بِقَدَر اتِّصاله به، وفي قلبك رحْمةٌ بِقَدْر اتِّصالك بالله، وتخاف منه بِقَدْر معْرفتك به، ولاحظ الإنسان أنَّه كلَّما ارْتقى علْمه ازْداد خوْفه أذْكر أنَّني دخَلْتُ مَرَّة لِمَعْمَل فَوَجَدْتُ صاحِبُه بألَمٍ شديد، وقال لي: انْظر فوَجَدْتُ كُلَّ شيء على ما يُرام، حتى أراني شَق موجود بالسَّقف وقال لي: جئت البارحة بِمُهَنْدس فقال لي الأساس في حال انْهِيار إذْ سُلِّطَت عليه المياه المالحة، فهي التي فَتَّتَتْ التربة تحت الأساس، وأقلّ تكلفة خمس مائة ألف ليرة تدْعيم للأساس! فهذا الشّق لما رآه المهندس قال: هناك انهيار ولو رآه دهان لقال مَعْجَنة، فانْظر الفرق بين أن تعجنه وبين أن تدعم الأساس كلَّه، فهذا هو الفرق بين العِلم والجَهْل، فكُلَّما ارْتقى العِلْم يشْتَدُّ الخوف، مرَّةً كنت جالساً مه طبيب جراح قلب فقُدِّم له قشْطة فلما رَضِيَ أن يأكلها، وهذا من شِدَّة ما يراه من انْسِداد الأوْعِيَة من هذه المأكولات، فَكُلّما ازْدادا العِلْم ازْدادا الخوف العكْس بالعكْس ومرَّة قال لي طالب: أنا لا أخاف من الله، فقلتُ له: أنت بالذات لك الحق أن لا تخاف الله ! فقال: كيف ؟ فقلت: أحْياناً الطِّفْل إذا أخذه أبوه معه إلى المزْرعة، وتركه، ثمّ جاءه ثعبان فإنَّ هذا الطِّفْل لا يخاف لماذا لأنَّه لا يُدْرك أنّ هذا الثعبان يقتل، وكذلك الإنسان إذا فقَدَ الإدْراك على الأمور فإنَّه لا يخاف منها !
أشَدُّ الناس خوْفاً من الله رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد قيل له: مَثِّل بِهؤلاء الذي مَثَّلوا بِعَمِّك الحمْزة، فقال: لا أُمَثِّل بهم فَيُمَثِّل الله بي ولو كنت نَبِيًّا ! المؤمن يَعُدُّ للمليون قبل أن يؤْذي الإنسان، وقبل أن يُسَبِّب مشاكل ويهزّ كيانه ويؤذي إنسان يَعُدُّ للمليون، قال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[ سورة البروج ]
هتف لي أحد الأشْخاص من أقص أمْريكا، وقال لي: يا أستاذ، أنا أعمالي تفوق حدّ الخيال ! ما هي ؟ قال: أُنْتِجُ أفلام الدعارة !! وقد تُبْتُ إلى الله تعالى من شريطٍ سَمِعْتُهُ لك حيث فَسَّرْت فيه قوله تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[ سورة البروج ]
وذَكَرْتَ قِصَّة نزَلَت عليَّ كالصاعِقَة: وهي أنَّ رجلاً مُتَزَوِّج كان له أبناء وبنات، وكان هَمُّه أن يتجوَّل في منطِقَة مملوءة بالنساء، يملأ عيناه بالنَّظر للحَسْناوات فأُصيب بِمَرض ارْتِخاء الجفون، بحيث لو أراد النَّظر رفع جفْناه بِيَدَيْه ! فقال: وقد أثَّرَت فيَّ هذه القِصَّة، وتَرَكَت فيَّ أثراً كبيراً، فالإنسان إن لم يخَف من الفله فهو أحْمَق وغَبِيّ وجاهِل، وأنت تخاف بِقَدْر معْرِفَتِك به، وترْحم الخلْق بِقَدْر اتِّصالك بالله، ومن لا يرْحم لا يُرْحم، وإن أرَدْتُم رحْمتي فارْحَموا خَلْقي، تجده يحلف أيمان كلُّها كذب ويغْتاب ويسْتَعْلي ويأكل مال حرام.
قال لي أخٌ، الحمد لله يا أستاذ أنَّني بعْت البارحة أحداً من الناس سيارتي وفيها عطل بالمُحَرِّك ! وإذا به يأخذ سيارة من النوع الحديث واصْطدم بها بالباص بعد خمْسة أيام من يبعِهِ السيارة الأولى، والله عز وجل بالمرصاد، قال تعالى: إنَّ الله كان عليكم رقيباً، فَكُلَّما كبرت علمك به كلَّما ازْداد خوفك منه تعالى، وأشَدُّ الناس خوفاً من الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، والمؤمن يَعُدُّ للمليون قبل أن يتكَلَّم، عندنا أخٌ كريم يُعَدُّ أوَّل إنسان خبير بالكمبيوتر بالمعامل قال لي: دُعيت إلى أحد المعامل للإصلاح فلم أتناسب مع صاحب المعمل وقلت له: أنت بِحاجةٍ لي، فَتَركني ولم يقل شيئاً، وكان عنده مشكلة في الكمبيوتر فَبقيت معها ثمانِيَة أيام لم يتبيَّن معي الخطأ، ثمَّ قلتُ لعلِّي أُراجع نفسي فلرُبَّما قلت كلاماً مُخالفاً للشَّرْع فإذا بي أجد أنَّني قلتُ له: أنت بِحاجَةٍ لي !! فَتُبْتُ إلى الله، وفي اليوم التاسِع انْحَلَّتْ المُشْكلة بِرُبْع ساعة ! فإذا قلت: يا الله تولاك، وإذا قلت: أنا تَخَلَّى عنك، فهؤلاء الصحابة وقالوا: لن نُغْلب من قِلَّة، فقال تعالى:
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾
[ سورة التوبة ]
وفيهم رسول الله، فهذا مُلَخَّص المُلَخَّص إذا قلت: يا الله تولاك، وإذا قلت: أنا تَخَلَّى عنك، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام بعث خادِماً فتأخَّر والنبي أدْركه الغضب الشديد، أنت إذا بَعَثْت واحِداً من أجل ربع ساعة لا يبقى خمْس ساعات ! فلما جاء قال له النبي عليه الصلاة والسلام: والله لولا خَشْية القِصاص لأوْجَعْتُكَ بهذا السِّواك، ماذا يفعل السِّواك ؟ ومَرَّ عليه الصلاة والسلام أمام صحابيٍّ يضرب غلامه، فقال له: اِعْلَم أبا ذَرّ أن الله أقْدر عليك منك عليه، وفي أحد المرات أوْقف الحجاج إنساناً لِيَقْتُلَه فقال له: أسألك بالذي أنت بين يَدَيه أذَلُّ منِّي بين يَدَيْك، وهو على عِقابك أقدر منك على عقابي، فاسْتَحْيى الحجاج من الله، وعفى عنه، فَعَظمة الإنسان كلّها على مليمتر شريان قلبه، وعلى خلاياه، ومتى حدث إشْكال أصبح في النَّعْي ! كان شَخْصاً ملء السمْع والبصر، وصار في الخبر، هذه هي الدنيا، فأنت أيها الأخ ترْحم الناس بِقَدْر اتِّصالك بالله فإذا كان قلبك قاسِياً فأنت مقْطوعٌ عن الله تعالى ولو صَلَّيْت، وأنت تخاف منه بِقَدْر معرِفَتِك به، وكلَّما ازْدَدْتَ معرِفَةً ازْدَدْتَ منه خوفاً، وأشَدُّ الناس خوفاً من الله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، هناك أشْخاص لا تتركه نفسه يقتل ولو نمْلة، ولقد دَخَلَت امرأة النار في هِرَّةٍ حَبَسَتْها فلا هي أطْعَمَتها ولا هي أطْلَقَتْها تأكل من الأرض، فعلى الإنسان أن ينتبه، فالحِساب شديد، وكُلُّ إنسان سَيُشاهد فلم فيديو يوم القيامة ؛ هكذا الآية كتابٌ مرقوم، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾
[ سورة الإسراء ]
ذكروا أنَّ في ألمانيا إذا الضابط خان تُعْرض عليه خِيانته، ويُتْرَك له الحُكْم على نفْسه، فيأخذ مُسَدَّس ويقتل نفْسه، إياك أن تتجاوز، واطلب من الله السلامة، وإياك أن تحْتقر إنساناً، وأن تُخَوِّف إنساناً أو تقْهَرَه الإنسان بُنْيان الله وملْعونٌ من هَدَم بُنيان الله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المطففين (83 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
هذه هي الآية العاشرة من سورة المُطَفِّفين.
الإنسان إذا صَدَّق بِيَوم الدِّين، وصَدَّق بِيَوم الحِساب، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ مهما دَقَّ تقْبض عمله، وأنَّ كُلَّ سيِّئةٍ مهما دَقَّتْ تدْفع ثَمَنها، إذا صَدَّق الإنسان بيوم الدِّين فلا بدّ من أن يسْتقيم، فإن لم يسْتَقيم يضْطرّ إلى أن يُكَذِّب بِيَوم الدِّين، حتى يتوازن، فهذه قَضِيَّة التوازن الداخلي والتوازن الداخلي بالإنسان يخْتَلّ إذا آمَنَ بِيَوم الدِّين وما اسْتقام يَحُسُّ بالخطأ والذَّنْب، ويَحُسُّ وكأنَّه يمْشي بطَريق مَسْدود، أما إذا كَذَّبَ بِيَوْم الدِّين يتَوَهَّم أنَّه يستعيد توازنه، لذلك كما قال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾
[ سورة الماعون ]
هو نفسه، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[ سورة القصص ]
أنت حينما تؤمن بِيَوم الدِّين تسْتقيم على أمْر الله، وإذا كنت مُسْتقيماً على أمْر الله، ترى نفْسك مُنْدَفِعاً إلى الإيمان بِيَوم الدِّين ؛ لأنَّه لِصالِحِك فالله تعالى قال:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
[ سورة المطفِّفين ]
وهناك آيةٌ ثانيَة وهي قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74)﴾
[ سورة المؤمنون ]
فالإنسان لمَّا يأكل مال الحرام ويغْتَصِب بيْت وشَرِكات، ويعْتدي على شريكه، وعلى أمْوال زوْجته، حينما يحْتَلُّ شيْئاً ليس له الحقّ أن يحْتَلَّهُ ؛ كيف تُوازِن ؟ توازن بِحيث لا آخرة موجودة، والحياة للشاطِر، والقَوِيّ يأكل الضعيف أما لو آمن أنَّ هناك حِساب دقيق، وعذاب أليم لا يفْعَل هذا، لذلك دائِماً وأبَداً الإساءة مُرْتبطة بالتَّكْذيب باليوم الآخر، لكن ليس من الضروري أن تُكَذِّب بِلِسانك، فهذا لا يفْعله أحدٌ في العالم الإسْلامي، أما عَمَلِيًّا فلا يعْتقد اعْتِقاداً جازِماً أنَّ الله تعالى سَيُحاسِب ، وسَيُحاسِبُ الناس حِساباً دقيقاً، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ *))
[ رواه مسلم ]
فإذا أردَت أخفَّ من ذلم فاسْتَعِدَّ للبلاء.
قال تعالى
﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10)هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13)أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14)إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15)﴾
[ سورة القلم ]
لماذا تُتْلى آياتنا على إنسان تنْهَمِرُ دُموعه خَشْيَةً لله ؟! وتُتْلى آياتنا على إنسان فيقول: أساطير الأوَّلين ؟ فالذي تنهمرُ دُموعه عند سماع الآيات هذا أراد الإيمان والحقيقة وأراد الله عز وجل، فجاء الكلام مُولفِقاً لما أراد، أما الذي تُتْلى عليه آياتنا فيقول: أساطير الأوَّلين، فَهُوَ إنسان أراد الدنيا، وشَهَواتها لذلك لا يَعْتَدُّ بهذا الكلام، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[ سورة المطففين ]
هناك آية دقيقة جداً يقول فيها تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ(199)كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(201)فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(202)﴾
[ سورة الشعراء ]
فلو نزل هذا القرآن باللُّغة الفارِسِيَّة، وكان النبي فارِسِياً، وجاء من بلاد فارس إلى مكَّة، وقرأ عليهم القرآن بالفارِسي، هل يؤمنون بالله عز وجل ؟ مُسْتحيل ! لذلك قال تعالى في آخر الآية:
﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)﴾
[ سورة المطففين ]
القرآن الفصيح العربي الواضِح المُعْجِز البليغ، إذا قرأه مُجْرِم كأنَّه باللُّغَة الفارِسِيَّة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ(199)كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ(200)لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(201)فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(202)﴾
[ سورة الشعراء ]
فهم لا يؤمنون به حتى يرَوْن العذاب الأليم، والكافر يخاف بِعَيْنِه فقط ! لو قلتَ لِواحدٍ يُدَخِّن أنَّ الدخان يُسَبِّب سرطان وجَلْطة وضيق أوْعِيَة، لا يدعه، أما حينما يُصابُ بالسرطان فِعْلاً يدَعُ الدُّخان متى ترك الدُّخان ؟ حينما جاءهُ المرض، فالذي يَخاف بِعَيْنه وحواسِّه قريب من البهائِم ؛ الإنسان يخاف بِعَقْلِه، قبل أن يأتي المرض، يؤمن بِيَوم الدِّين قبل أن يأتي يوم الدِّين، أما الحقيقة المُذْهِلَة أنَّ كُلَّ كُفار الأرض وعلى رأسِهم فِرْعون الذي قال: أنا ربُّكم الأعلى، حينما أدْركه الغَرَق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل! كُلُّ كُفار الأرض بِمللهم وقاراتِهم ؛ حينما يأتيهم مَلَكُ الموت يعْرفون الحقيقة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، فالتَّكْذيب يأتي من جراء من يخاف بِعَيْنِه وحواسِّه فقط أما المؤمن يخاف بِعَقْلِه، لذلك لا يُكَذِّب ولكن يؤمن بالدليل.
العَمَل الشيِّء حِجابٌ بينك وبين الله، قال تعالى
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ(88)﴾
[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)﴾
[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[ سورة البقرة ]
أي لأنَّ على سمعهم وأبصارهم غِشاوة خَتَم الله على قلوبهم، فهذه الآية الكريمة:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[ سورة المطففين ]
العمل الشيِّء حِجاب بينك وبين الله، ويجعل هذا القرآن كالفارِسِيَّة، والله عز وجل قال:
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾
[ سورة الإسراء ]
فالعِبْرة أن تكون مُسْتقيماً حتى تتفَتَّح أُذُنك وبصيرتك.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 08:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المطففين (83 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في قوله تعالى من سورة المطفِّفين:﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
هذه الآيات وآيات أخرى تُبَيِّن أنَّ سلوك الإنسان له علاقة بِهِدايته فَكُلَّما كنت أقرب إلى الاسْتِقامة كنت أقرب إلى الهُدى والدليل كما قلتُ في درْس سابق قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)﴾
[سورة الشعراء]
إنسان فارِسِيٌّ وأعْجمي لو نزل هذا القرآن عليه، وجاء هذا الأعْجمي إلى مكَّة المكَرَّمة وقرأ عليهم القرآن بِلُغَة فارِس ما كانوا به مؤمنين وأنت الآن لو ذَهَبْت إلى تركيا أو إلى بلاد فارس، لا تفْهم ولا كلمة لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)﴾
[سورة الشعراء]
الإنسان حينما يعْصي وينْحرف ويخطأ، وينتهِك حرمات الله عز وجل يُصْبح على عَيْنه غِشاوة، وفي آذانِه وقْر، قال تعالى:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[سورة البقرة]
وهذه الآية تُؤكِّد المعنى نفْسه ؛ قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
وقال تعالى:
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ(88)﴾
(سورة البقرة)
القلب المُغَلَّف الذي لا يعي الخير أساسه سُلوك منحرف، آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)﴾
[سورة الماعون]
وقال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
هناك طريقان لا ثالث لهما فإن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر حتْماً قال تعالى:: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
هناك طريق الاسْتِجابة وطريق الهوى، وطريق العقْل وطريق الشَّهوة طريق الدنيا وطريق الآخرة، وطريق الخير وطريق الشر، وطريق القرب من الله وطريق البعد عنه، وطريق المعْصِيَة وطريق الطاعة وطريق الإنصاف وطريق الظلْم، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
لذلك كلَّما كنت مُسْتقيماً كانت أُذنك واعِيَةً، وكلَّما كان المرء منْحرفاً كانت أُذُنه صَمَّاء عن سماع الحق، لذلك قد تعجب من الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام، ألم يرَوا فَصاحته ؟ ألم يرَوا كماله ورحْمته وعطْفه ؟ ألم يرَوا لطْفه ؟ ومع ذلك تَمَنَّوا أن يقْتلوه، والذين ابْتعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلَّم زَمَنِيًّا واسْتقاموا على أمْره إذا زاروا مقامه يبْكون ! ما هذه المُفارقة ؟ كلّما كنت أقْرب إلى الاسْتِقامة كلَّما كنت أقرب إلى الهدى، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
[سورة الطففين]
أيها الإخوة، هناك أمراض لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وهناك مصائِب لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، مصائب تُصيب الإنسان ؛ تُصيب أهْله وأولاده، مصائب تُصيب ماله، يفقِدُ الإنسان بعض أحْبابه، ويخْسر الإنسان ماله كلَّهُ يُعْلِنُ إفْلاسه ويُصاب بِمَرض عُضال، إذا سألْتني ؛ ما هي أكبر مُصيبة على الإطْلاق تُصيب الإنسان في دُنْياه وآخرته ؟ هي هذه الآية الكريمة:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾
[سورة المطففين]
كُلُّ السعادة في القُرْب من الله والنَّظر إلى وجْهه الكريم، هؤلاء الكافرون المُنْحرفون مَحْجوبون عن ربِّهم في الدنيا، قد تُؤْتى المال كُلَّه وقد تُؤتى أعلى منْصب وأجْمل زوْجةٍ وأجْمل بيْت، إلا أنَّك إذا كنت محْجوباً عن الله فأنت أشْقى الأشْقِياء، وقد تكون فقيراً وقد تكون مريضاً ومُضْطهَداً ومُعَذَّباً، وقد تكون مَحْروماً إلا أنَّه إذا تجلى الله تعالى على قلبك فأنت أسْعد الناس يا داود مرِضْتُ فلم تَعُدْني ! قال: كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين ؟! قال: مرِضَ عبدي فُلان ولم تَعُده ألم تعلم أنَّك لو عُدْته لوَجَدْتني عنده، أنا أخذْت منه صِحَّته إلا أنَّني عَوَّضْتُ عليه قرْباً وتَجَلِيًّا ونوراً وطمأنينةً وأمْناً وسلاماً، لذلك لِيَكُن نصيبك من الله تعالى رحْمته والإقبال عليه وأن يُلقي عليك من أنواره وأن يُطمئِنَ قلبك، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾
[سورة المطففين]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)﴾
[سورة الإنفطار]
نعيم القُرْب، ونعيم الجنات التي تجْري من تحْتِها الأنهار، ونعيم الحور العين، ونعيم رِضْوان الله عز وجل، ونعيم النظر لِوَجه الله الكريم، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)﴾
[سورة الإنفطار]
فَمِن شِدَّة النعيم والسرور والطمأنينة، وجْهه مُتألِّق، والإنسان أحْياناً في الدنيا يُوَفَّق بِتِجارة أو شهادة أو مَنْصب أو عمل أو بِصِحَّة فإذا بك تجده مُتألِّق في وجهه.
قال تعالى:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
سَأُصَوِّر لك سِباق والطريق طويل جداً، وهناك ألف سيارة من أحْدث الماركات ! ومن أعلى المُحَرِّكات، وبِأمْهر السائِقين، فإذا بآخر الطريق مغارة، فلما تصل السيارة الأولى تسْقط، وكذا الثانِيَة، فهل يَهُمُّنا أن نعرف الأوَّل والآخر ؟ كُلُّكم سَيَموتون، وموتهم مُحَقَّق والكُلّ دمار، فهكذا سِباق الدنيا، فقير مات وغنِيّ مات، وكذا القويّ والضعيف، والصحيح والسقيم، والوسيم والذميم ؛ سِباق مُضْحِك وهذا تنافس أحْمق، وهو التنافس على الدنيا، أما الله عز وجل قال:
﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
تنافس في معرفة الله، وتنافس في الآخرة، وفي الإنفاق والدعوة إلى الله، وفي رِعاية الصِّغار، فهذا هو التنافس المعقول لأنّ فيه جوائز أعدَّها الله للمؤمنين، فالله تعالى يقول:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[سورة المطففين]
وهناك آية أخرى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
[سورة الصافات]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)﴾
[سورة المطففين]
دَعَوْهُ لفندق خمس نجمات فأبى أن يُلبِّي ! يقولون عنه: مجنون ويستهزئون به، والآخرين يقولون: لا يزال من الذين يُحَجِّبون أزواجهم ؛ لن نأكلها له ! ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32)﴾
[سورةالمطففين]
لا يعيش في عصْره ومُتخَلِّف ومُتَزَمِّت، ومُتَقَوْقِع وانْعِزالي، تفكيره ثمَّ قال تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[سورة المطففين]
البطولة في آخر المطاف، فالبطولة أن تكون آخر الضاحكين، فالله تعالى قال:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
[سورة المطففين]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانشقاق (84 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الانْشقاق، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
(سورة الإنشقاق)
كم من إنسان خَدَمَ جِهَة ثمَّ خاب ظَنُّه ؟ وكم من إنسان أنْفق ماله وخَسِر ؟ وكم من إنسان أنْشأ علاقات ولم تُثْمِر هذه العلاقات ؟ أيَّةُ جِهَة أرْضِيَّة قد تُخَيِّبُ ظنَّك، وقد توقِعُكَ في الإحباط إلا أنَّ الله عز وجل يقول: أيُّ جُهْدٍ وأيُّ وقْتٍ وأيُّ مالٍ وأيُّ حركةٍ وصِلَة وأيُّ ذهابٍ وإيَّاب، وأيُّ منْعٍ أو إنفاق، وأيُّ صِلَةٍ أو قطيعَةٍ إذا ابْتَغَيْتَ بها وجْه الله فإنَّك سوف تُلاقيها أضْعافاً مُضاعفة، أي تكون تاجِراً مع الله تعالى، والله عز وجل أرادك أن ترْبح عليه أرْباحاً طائلة وإياك أن تُتاجِر مع سِواه فإنَّ خاسِرٌ لا محالة، مهما تاجَرْت مع سِواه ثمَّ جاءك مرض ما يفْعل هؤلاء اتِّجاهك ؟ زيارة فقط ! وإذا مات بِطاقة تَعْزِيَة أكثر من هذا لا يوجد ! أما الله تعالى يقول:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
(سورة الغاشية)
المفروض على الإنسان مادام علاقته مع الله والمصير إليه تعالى عليه أن يُحَسِّن علاقته معه، كثير من المُوَظَّفين لهم ذكاء زائِد، ويُحاول أن يسْتطْلع، من الذي سوف يأتي بعد المُدير الحالي، فإذا عرِفَ من فإنَّهُ يقيم علاقات طَيِّبَة، زيارات وهدايا يقول لك: أُرَكِّز وضْعي معه وهذا منْطق الإنسان الذَكِّي ومنطق الإنسان الذي يبْحث عن مصالِحِه العُلْيا، فأنت مصْلحتك الكبرى مع الله، وممكن أن تُقيم علاقتك معه الآن ؛ علاقة طَيِّبة بِخِدْمة عِباده والنُّصْح لهم وطلب العلم ونشْر العلم وحمْل النفْس على طاعته، لذلك قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشاق ]
والله لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لَكَفَتْ ! كلام الواحد الدَّيان وكلام خالق الأكوان، فإذا كان الإنسان مُتْعب ومُرْهق، فإذا مع غير الله كان النَّدَم والإحْباط والخسارة، أحْياناً ينتمي الإنسان إلى جهة بِزَعْمٍ منهم أن يفعلوا له كذا وكذا، فيَسْتَغِلُّوه ثمَّ يرْمونه ! والله أيها الإخوة، الإنسان أحْياناً يُعامل مثل هذا المنديل، تُمْسح به أقْذر عَمَلِيَّة ثُمَّ يُلْقى، قال تعالى
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
قال: إنَّ الرجل لَيُطْعِمُ زَوْجته لُقْمةً واحِدة، يراها يوم القيامة كَجَبل أُحد، قال تعالى: يَاأَيُّهَا ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾
[ سورة الصف ]
إذا كنت عالِماً كنت مِمَّن تاجر مع خالق الكون، ولا يليق أن تكون مع غير الله إن فعَلْت هذا احْتَقَرْت نفْسك، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)﴾
[ سورة البقرة ]
إذا كنت مع غير الله احْتقَرْت نفْسك لأنَّك ما وَضَعْتها في مُسْتواها فأصْلها أن تكون لله، سألوا عالماً جليلاً من علماء مِصْر، وأثِقُ بِنَزاهتِهم وبُعْدهم عن الدنيا، وعن الِّنفاق، فاضْطَرّ أن يُجْري عَمَلِيَّة فإذا باليوم الواحد فاكْسات ورسائل والهواتف ليل نهار، فأحد المحطات الإخبارِيَّة أجْرت معه حِوار وسألتْه ما هذه المكانة التي أنت فيها ؟ فقال لهم كلمة في مُنتهى الأدب مع الله: قال لهم إنَّني مَحْسوب على الله ! فمهما كنت مُهِمًّا في الدنيا وجاءتْك المَنِيَّة فالتَّعْزِيَة في الدرجة الأولى، وباقات وُرود وأكثر من هذه لا شيء ! أما عند الله تعالى الجِنان إلى أبد الآبدين قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
سأعرض عليكم بعض الأمْثلة: سيِّدُنا عثمان جاءَتْهُ ستُّ مائة ناقة مُحَمَّلة بالبضائِع من الشام، وهي تُعادل سِتُّ مائة شاحنة الآن ! وكُلُّها له، فجاءه التُّجار، فدفعوا له سِعْر فقال: دُفِعَ أكثر، ورفعوا السِّعْر فطلب أكثر إلى أن طلب سِعْراً غير معْقول، فقالوا: هذه ليْست تِجارة، فقال: من الذي دفع أكثر قالوا: الله تعالى، فقال: هي لِوَجْه الله تعالى ! وكان ذاك العام عام مجاعة، لذلك تاجِر مع الله وبِإخْلاص ومن دون ضَجَّة، والله تعالى يُعَوِّض عليك أضْعافاً كثيرة، قال: من أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب مِنَّا أعطيْناه، ومن اكْتفى بنا عمَّا لنا كنَّا له وما لنا، والله الدنيا أحْقر من أن تُحْرم منها ؛ تأتيك وهي ذليلة، وقد أوْحى ربُّك للدنيا أنَّه من خَدَمني فاخْدُميه، ومن خَدَمَكِ فاسْتَخْدميه ذكرْتُ مثَلاً مِراراً إلا أنَّه يُناسب في هذا المقام، هناك رجل تُوُفِّي رحمه الله تعالى، وكان صاحب دُعابة، وصانِع بالمَحَلّ في الحميديَّة، ويُكَنِّس هذا المَحَلّ ويجْمع القُمامة بِعُلْبة ويلُّفها بِشَريط أحْمر وورق هدايا ولها عقْدة فيأتي واحد غشيم يظنّ أنّ فيها شيئاً ثميناً، ويهرب بها، فبعد أمتار يفْتحها الهارب وهو يجْري فلا يجد شيئاً فيَضْحك عليه هذا الرجل، وكذا حال الإنسان إذا جاءه ملَكُ الموت، ظنَّ أنَّ الدنيا شيء ثمين فإذا هي غثاء لا شيء فيها بِمالها ونِسائِها، فحتى لا يحدث للإنسان خَيْبَة أمَل قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
[ سورة الانشقاق ]
أعمالك كُلُّها تجدها كبيرةً جداً، وأضعاف مُضاعفة.
قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)﴾
[ سورة الانشقاق ]
فالكافر كان في أهْله مسْروراً، غارقٌ بالمعاصي والآثام، ويضْحك ملء فيهِ، يقول سيِّدنا عمر عَجِبْتُ لثلاث: عجِبْتُ لِمُؤَمِّل والموت يطْلبه، وضاحِكٍ ملء فيه ولا يدْري أساخِطٌ عنه الله أو راضٍ، وغافل وليس بِمَغْولٍ عنه، فمن كان من أهل الإيمان فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسْروراً، ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13)﴾
[ سورة الانشقاق ]
يدْعوا بالهلاك، فهذين النموذجين أحدهما أُعْطِيَ الكتاب بِيَمينه، فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، كمن جاء الأوَّل في الدِّراسة، وذهب إلى أهله يضْحك من شِدَّة الفرح، فنقول: إنَّ هذا الطالب انْقلب إلى أهله مسْروراً، أما الطالب الراسب فقد كان يسْهر مع رفاقه بالليل ويضْحكون، والمصير هو الإحْباط والرسوب، لذلك يدْعوا ثُبوراُ أي بِهلاكه، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)﴾
[ سورة الانشقاق ]
أي لن ينتقل إلى دار المقام، قال تعالى
﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15)﴾
[ سورة الانشقاق ]
فأنت تحت المراقبة قال تعالى:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(220)﴾
[ سورة الشعراء ]
فأنت مَكْشوف تماماً، فإذا كنت طاهِراً أحَبَّك الله، وإذا أحَبَّك ألْقى حُبَّ في الخلْق.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 08:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانشقاق (84 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . سورة الانشقاق : فلا أقسم بالشفق .....
مركز ثقل هذه السورة قوله تعالى : لتركبن طبقا عن طبق .
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة الانشقاق آيات كريمة وهي قوله تعالى :
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآيات : 16-19 ]
مركز الثِّقل في هذه الآية ، قوله تعالى :
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
فالإنسان يمْشي في ممرّ إجباري وينتقل من حال إلى حال ، ومن اهْتِمام لآخر إلى أن ينتهي الأجل ويُحاسبه الله على كُلِّ أعماله فالطِّفْل يولد وأوَّل موضوع بِوِلادته أنَّه سليم أو غير سليم ، فإذا أدْرك الأب والأمّ أنَّه سليم شكرا الله عز وجل على ذلك ، هذا أوَّل طبَق ؛ سَلامة المَوْلود ثمَّ يفرح الأهل حينما تظْهر أسنانه ، وحينما يمْشي وحينما يُصْبِحُ نظيفاً ، ثمَّ حينما يقول بابا وهي أوَّل كلمة ، كُلُّ طَوْر من أطْوار الطِّفْل طبَق ، والآن أصبح في سِنِّ المدْرسة وذهب إلى هناك ، وحفظ بعض الأناشيد ، وطرِبَ له الأهْل ، ثمَّ دخل الإعدادي ثمَّ الثانوي ، ثمَّ موضوع الجامعة ومُسْتقبله ، ثمَّ موضوع العَمَل ، وموضوع الدِّراسة ، ثمَّ موضوع الزواج ، وكذا مُشْكِلَة العُقْم ، وما أنْجب ، فإذا أنْجب أصْبح الموضوع موضوع ثاني ، وهو ترْبيَتُهم وتعليمهم وتزْويجهم ، وكذا موضوع الصِّحَة ، قال تعالى :
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 19 ]
يوم خطَب دخل في موضوع المرأة ؛ تَوَفَّقْت أم لم تُوَفَّق ! طويلة أم قصيرة ! جميلة أم دميمة ، هذه قِصَّة الناس جميعاً ، وآخر شيء صِحَّته ، معه كولسترول أو الْتِهاب مفاصل أو ضَعْف أسنانه ، والشُّحوم الثلاثيَّة مُرْتَفِعة ، فالصِّحة طَبَق وتَزْويج بناته طَبَق ، وكذا أولاده ونجاحه في زواجه طَبَق ، نوعُ زَوْجَته طَبَق ودِراسَتُه طبَق ، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 16 ]
الأرض كُرَة ، ولا يوجد شَكْل هَنْدسي تتداخل فيه الظُّلْمة والنور كالكُرَة قال تعالى : ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 5 ]
لو أنَّ الأرض مُكَعَّب يدور يأتي النور فجْأةً ، ويأتي الظلام فَجْأةً ، أما لأنَّ الأرض كُرَة يتداخل الظلام مع النور ، غابَتْ الشَّمْس أما الجوّ واضِح كيف يتلاشى الضوء شَيْئاً فشَيئاً خِلال عِشْرين دقيقة ؟ دَخَلْنا فيما بين المغرب والعِشاء ، ففي العِشاء اخْتفى الشَّفَق ، وما دام هناك شَفَق معنى ذلك أنَّ آثار الشَّمْس لا تزال واضِحَة ، لأنّ الشَّمْس أشِعَّتها مُسْتقيمة والأرض كُرَة ، فلَمَّا غابَتْ عَيْنُ الشَّمْس بَقِيَت أَشِعَّتُها ، وأشِعَّتُها تصْطدِم بالسَّحاب فَتَجِد أنَّ هناك شَفَق أحْمر ، وهو سحاب جاءَتْهُ أَشِعَّة الشَّمْس ، والأرض تدور وهي كُرَة ، والشَّمْس ثابتة ، والشَّفَق آيَةٌ دالَّةٌ على عَظَمَة الله ، وعلى كُرَوِيَّة الأرض ، وعلى أَشِعَّة الشَّمْس وعلى السُّحُب ، لذلك وَقْت العِشاء هو وقْتُ غِياب الشّفق ، ووقْتُ المغرب هو وَقْتُ غِياب عَيْن الشَّمْس ، وَقْتُ الفَجْر هو وَقْتُ بدء أثر الشَّمْس قبل أن تظْهر عَيْنُها ، والمغرب كالفجْر تماماً ، فالمَغْرب غابَتْ عَيْن الشَّمْس وبَقِيَ ضوءها ، والفجْر جاء ضوءها قبل أن تأتي عَيْنُها ، فالفَجْر ظُهور آثار الشَّمْس ، قال تعالى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
فالفجر الصادق يظْهر في خَيْط أبيض في الأُفُق والشَّمْس ظُهور عَيْن الشَّمْس والظُّهْر انتِصاف الشَّمْس في كَبِد السَّماء مع الزوال قليلاً ، والمغْرِب غِياب عَيْنِ الشَّمْس ؛ بين انْتِصاف الشَّمْس في كَبِد السَّماء وبين غِيابها العَصْر ، والعِشاء غِيابُ الشَّفَقِ الأحْمَر فقوله تعالى : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة هود الآية : 114 ]
هذه الأوقات الخَمْس فَزُلُفاً من الليل هو الفجْر والعِشاء ، وطَرَفَي النَّهار شُروق الشَّمْس وغِيابها، وضِمْن النَّهار الظُّهْر والعصْر ، قال تعالى : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾
[ سورة الانشقاق الآية : 16 ]
ما علاقة الشَّفَق بتَرْكَبُنَّ طبَقاً عن طبَق ؟ الذي خلق الكون هو الذي خلق الإنسان ، وهو الذي صَمَّم هذا الإنسان لِيَمُرّ من طوْر لآخر وهو الذي سَيُحاسِب الإنسان ، وكما قال بعض الفلاسفة في فرنسا : عوامل السعادة ثلاثة : الوقت والصِّحة والمال ، بِمَنْظورهم وفَهْمِهم دائِماً ينْقصك أحد عوامل السعادة ، ففي سِنِّ الشباب ينقصك عامل المال ، ويكون لك عامِلَي الصِّحة والوقت ، وفي منتَصف العُمر ينقصك الوقت ، فلصِّحة موْجودة والمال موجود لكن لا يوجد وَقْت ، لأنَّها مرحلة تأسيس الأعمال ، وفي خريف العُمر ينقصك الصِّحة ، ففي مَنْظور أهْل الدنيا الإنسان دائِماً تنقصه أحد عوامل السعادة ، أما في منظور الإيمان حينما تعرف الله عز وجل وتَصْطَلِح معه وتُطَبِّقُ منهجه فأنت معه دائِماً ، تُواجِهُ كُلَّ مُشْكِلات الحياة من دون قلق وخوف ، ومن دون ألَم والله عز وجل إذا مكا أقْسم كان هناك معنى ، وإذا لم يُقْسِم كان هناك معنى آخر ، فإذا قال تعالى : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآية : 1 ]
أقْسم ، وكذا قال تعالى : ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
[ سورة الفجر الآيات : 1-2 ]
والليل إذا يغشى ؛ كُلُّ هذا قَسَم ، أما إذا قال : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ ﴾
[ سورة التكوير الآيات : 15-16 ]
العلماء قالوا : إذا لم يُقْسِم فبالنِّسْبة إليه ، وإذا أَقْسم فبالنِّسْبة إلينا ، وهناك معنى آخر وهو أنَّه تعالى إذا قال : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ ﴾
أي أنَّ هذا الأمْر شيء بديهي ، قال تعالى : ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[ سورة الانشقاق الآيات : 20-24 ]
نحن الآن في طَوْر التَّبليغ وفي طَوْر التَّكْليف ، ونحن الآن في طَوْر السماع ، وباب المَغْفِرَة مَفْتوح ، وباب التوبة الصُّلْح مع الله تعالى مَفْتوح الأبواب الآن كُلُّها مُفَتَّحَة فإذا جاء الأَجَل أُغْلِقَت هذه الأبواب كُلُّها وعندها يقول : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[سورة المؤمنون الآيات : 99-100]
يتمنَّى أنْ يُؤَخَّر ساعة والله تعالى يقول : ولن يُؤخِّر الله نفْساً إذا جاء أجلها فالإنسان يسْتَغِلّ وقْته ، وكان عليه الصلاة والسلام يمْشي مع أصْحابه فرَأَوْا قبْراً فقال صاحب هذا القَبْر إلى رَكْعَتَيْن مِمَّا تحْقِرون من تنفُّلِكم أفضل عنده من كُلِّ دُنياكم ، دُنيا عريقة فيها محَلات ومعامل وقُصور ومزارع ، فالإنسان أيُّ طبق كان فيه فباب التوبة مَفْتوح ؛ بالكُهول أو الشباب أو بعده وأخْطر شيء بالحياة أن يُعَلِّق تَوْبَتَهُ على أحد الأطباق كأن يقول إلى أن أتزَوَّج أو إلى أن أُأَسِّس عَمَلاً ، أو حينما أعود من السَّفر ، أو حينما أُنْجِبُ الأولاد ، وقد ورد بالأثر : هلَكَ مُسَوِّفون " لا ترْبط صُلْحك مع الله بِطَبَق من هذه الأطْباق ، أَنْهَيْت الزواج جاء الأولاد وأنْهَيْت الأولاد جاءت الصِّحة ، فأَيُّ إنسان يربط صُلحه مع الله بِطَبَق من هذه الأطباق فقد ضلَّ سواء السبيل ، الصُّلْح مع الله تعالى يُبْرم فَوْراً فأنت لك يوم مَشهود ، ويوم مَوْعود ، ويومٌ مَوْرود ، ويومٌ ممدود ، ويومٌ مَفْقود أخْطر أيَّامِك المَشْهورة ؛ ففيه تَتُوب ، وفيه تؤمن ، وفيه تعبد وتفعل الخير وتطلب العِلْم ، إذاً مرْكز الثِّقل في هذه الآية لترْكَبُنَّ طبَقاً عن طبَق ، ولا يجوز أبداً أن تربط تَوْبتك بِأحد هذه الأطباق ، وحتى الذين يموتون عندهم قوائِم أعمال لم تنْتَهِ ، سَل أهْل المُتَوَفَّى تجد له بنود كثيرة لم تَنْتَهِ ، وقد جاءَه الموت ، فأَيُّ إنسان - هنا النقطة الدقيقة - يُعَلِّق صُلْحَهُ مع الله بأحد هذه الأطباق فقد ضلَّ سواء السبيل ، وهذه الأطباق لابدّ منها ، وكُلّ وَقْت له هُموم ، فهذا هو اكبر خطأ ؛ التَّسْويف ، وهذه الأطباق لا علاقة لها بإيمانك ، وهي مَمَرّ إجْباري لِكُلّ الناس ، فَكُلّ إنسان بِحَسَب سِنِّه له اهْتِمامات ، فعلى مُسْتوى الطلاب تجدهم يتكلَّمون على الأساتذة ، ويجعلوا حديثهم واهْتِمامهم على العلامات ومستوى الامْتِحانات ، ولما يخْطب حديثه على النِّساء ، وما اتَّصل بهم ، فهذه الأطباق مَمَرّ إجباري لِكُلِّ الناس ، فلا تربط هذا بالدِّين .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة البروج، في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
[سورة البروج]
فالأرض كما تعلمون تدور حول الشَّمْس في ثلاث مائة وخمْسة وستِّين يوماً ورُبْعاً، سُرعة الأرض حول الشَّمس ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة فَمُنْذ أن أذَّنَ الظُّهْر مضى ثلاثون دقيقة، فإذا ثلاثون كيلومتر بالثانِية ضرْب ثلاثين ؛ ألف وثمان مائة كيلو، ضَرْب عشرة ثمانية عشرة ألف حوالي خمسين ألف كيلومتر نحن نمشي من أذان الظهر إلى الآن، من أذان الظُّهر وحتى هذه الساعة قطَعَتْ الأرض خمسين ألف كيلومتر وسرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة في هذه الدَّوْرة أيها الإخوة تَمُرّ بِبُروج، وهناك اثنى عشَرة بُرجاً ؛ بُرج العقرب وبرج الأسد وبرج الجدي إلخ... أحد هذه البروج هو برْج العقرب، فيه نَجْمٌ أحمر اللَّون ومتألِّق صغير، قالوا: هذا النَّجْم يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! والشَّمس تَكْبُرُ الأرض بِمِليون وثلاث مائة ألف مرَّة، وبين الأرض والشَّمْس مائة وخمسون كيلومتر، وهذا النَّجْم الضغير يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! رئيس أكبر قاعدة فضاء أمريكِيَّة مُسْلم من مِصْر، سُئِل في لِقاء عن الشُّموس فقال: الشُّموس لها ثلاثة أطوار ؛ الطَّوْر الأحمر، والطَّوْر الأبيَض والطَّوْر الأَسْوَد، شَمْسُنا شَمْسٌ حَمْراء اللَّون في منتصف عُمْرها، ومضى على تألُّقِها خَمْسَة آلاف مليون سنة، ويُنْتَظَر في استِمرار تألُّقِها خمْسة آلاف مليون سنة ! وحينما تتجاوَزُ الشَّمْس الطَّوْر الأوَّل تنتقِلُ إلى الطَّوْر الثاني ويزيد حَجْمُها مراتٍ كثيرة، ثُمَّ تَنْكَمِشُ فجْأةً إلى واحد بالمائة، وتنقلِبُ أَشِعَّتُها من حمْراء إلى بيْضاء، وعِنْدئِذٍ تتضاعَفُ حرارتها أضْعافاً كثيرة، ثُمَّ تدْخل الشَّمْس في مرحلةٍ ثالثة وهي مرحلة السَّوَاد، تَصَوَّر متر كلغ مُكَعَّب من الحديد ضُغَطَ في ذَرَّة لا تُرى بالعَيْن ولا بِالمِجْهر، وحينها تدْخُل الشَّمْس في مرْحلة التَّكَدُّس فَتَنْكَمِشُ إلى حجْمٍ قليل جداً من شِدَّة الضَّغْط الذي تتحَمَّلُه وينعدِمُ خروج الشُّعاع منها، لأنَّ الشُّعاع كَتَفسير دقيق ذرات كهربائِيَّة تخرج من الجِسْم المُلْتَهِب، وهذا هو النور، هذا الثُّقْبُ الأسود مَقْبرة النُّجوم ولو أنَّ الأرض اقْتربَت من هذا الثُّقْب لأصْبَحَت في حجْم البَيْضَة مع الوَزْن نفْسه، وهذا أحدَث ما في العِلْم الشَّمْس الحَمْراء والشَّمْس البيْضاء والشَّمْس السَّوداء، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " مِن أين جاء هذا النبي صلى الله عليه وسلَّم بِهذا العِلْم ؟ هذا الحديث الذي ورد في سنن الترمذي وابن ماجه من دلائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
[سورة البروج]
أحدُ البروج بُرْج العَقْرَب، وأحَدُ نُجومِه قَلْبُ العَقْرب، ويتَّسِعُ للشَّمْس والأرض والمسافة بينهما، لذلك أنت حينما ترى النُّجوم بيضاء في الليل، وليس حمْراء، البيضاء يعني في المرحلة الثانِيَة، والسوداء لا تراها أبداً، ثُقْب أسْوَد كالمَقْبَرَة، ثُمَّ إنَّ هذه الأرض - دَقِّقوا معي- في دَوْرَتِها حول الشَّمْس، المسار إهليلجي، وسرعة الأرض ثلاثون كيلومتر بالثانِيَة، وعندنا قانون الجاذِبِيَّة، الكُتَل تتجاذب بِحَسب حُجومها مضروباً بجداء المسافة بينهما وهذا القانون الذي اكْتَشَفَهُ نيوتن والأرض حينما تقترب من القطْر الأصغري، نحن عندنا القطْر أعظمي بالشِّكْل الإهليلجي، وعندنا القطر الأصغري، الأرض حينما تصل إلى القطر الأصغري تزيد من سرعَتِها وكأنَّها عاقلة، وينشأ من هذه الزِّيادة قُوَّة نابِذة تُكافىء القُوَّة الجاذِبَة، وإلا تنجذب الأرض إلى الشَّمْس فتتبَخَّر في ثانية واحِدَة ! لو بَقِيَت علىسرعتخا هنا لتَفَلَّتَت من جاذِبِيَّة الشَّمْس فَذَهَبَت في الفضاء الخارجي، وانْعَدَمَت أشِعَّةُ الشَّمْس في برودة مُميتة لمات على من في الأرض من أحْياء، والعلماء قالوا: لو أنَّها تفَلَّتَتْ وأرَدْنا أن نُعيدها إلى الشَّمْس كافْتِراض، قالوا: نربطها بِمِليون مليون حبْل فولاذي، قُطْر الحَبْل خَمْسة أمتار، هذه الحِبال تُزْرع على سَطح الأرض المُقابل للشَّمْس، فإذا زُرِعَت أصْبَحنا أمام غابة من الحِبال بين كُلّ حَبْلَيْن خمْس أمتار، وحينها ينعدم البناء والزِّراعة، وتنعدِمُ الشَّمْس أساساً وكُلٌّ من هذه الحِبال يتَحَمَّل قُوَّة شدّ مقدارها مليونين طنّ، فَقُوَّة جذْب الأرض للشَّمْس بِقُوَّة تُساوي مليون مليون طنّ، وَكُلّ هذه القُوَّة المُخيفة من أجل أن تحْرِف الأرض ثلاثة ملمتر كلّ ثانِيَة، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾
[سورة الرعد]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(41)﴾
[سورة فاطر]
معنى الزوال الانْحِراف ولو أنَّها اِنْحَرَفَت عن مسارها لَدَخَلَتْ في ظلام الكَوْن وفي بُرودَةٍ مُميتة قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾
[سورة النمل]
قال تعالى
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)﴾
(سورة البروج)
الذي خلق السماوات والأرض سوْفَ يجْمَعُنا جميعاً في يوم نُحاسب فيه وعلاقة السماء والبُروج والكواكب والمَجَرَّات والسُّرْعات العاليَة، هي بِعلاقة اليوم الآخر، فالذي خلق هذا الكون لم يَخْلُقْهُ عَبَثاً والذي خَلَق الإنسان لم يخْلُقْهُ سُداً، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[سورة المؤمنون]
أيها الإخوة، إنَّ هذه الآيات الكَوْنِيَّة إذا لم نُفَكِّر فيها عطَّلْناها، وإذا عطَّلْناها عَطَّلْنا ثُلث القرآن، وإن لم نؤمن بالله تعالى من خِلال الكَوْن فكَيْف نؤمن به ؟ قال تعالى:
﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾
[سورة الجاثية]
الإيمان عن طريق الآيات الكونِيَّة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . قال تعالى : قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود .........
أيها الإخوة الكرام ، الآيات في سورة البروج ، وهي قوله تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾
[ سورة البروج الآيات : 4-7 ]
هؤلاء الذي حفروا أخْدوداً ووضَعوا فيه المؤمنين وأحْرقوهم ، ما ذَنْب هؤلاء الذين أُلقوا في هذا الأخدود وحُرِقوا قال تعالى : ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
[ سورة البروج الآية : 8]
ليْسُوا قَتَلَة وليْسُوا مُجْرمين ، وليسوا قُطاع طُرُق ، ولكنَّ ذَنْبهم الوحيد هو أنّهم آمنوا بالله، لأنَّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة قديمة ، وهي معركة مُسْتَمِرَّة ولن تنتهي إلا بِقِيام الساعة ، فَلِذلك لِمن كان مع أهل الحقّ ، وفي خَنْدق أهل الحق ، وخَنْدق المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن ساهَمَ بِشَكْلٍ أو بآخر لِنَصْر دين الله ، ونصْر المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن دافَع عن مؤمن ، والوَيْل ثمّ الوَيْل ثم الوَيْل لِمَن كان في خنْدق المُعادي ، ولِمَن ساهَمَ بِشَكْل أو آخر في إزْعاج المؤمنين ، وفي إطفاء نور الحق أو الطَّعْن بالدِّين ، أو ضَعْضَعة ثقَةِ الناس بالحقّ .
الحقيقة ، لا بدّ أن تكون مع الحق أو الباطل ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص الآية : 50]
هناك طريقان لا ثالث لهما ، إن لم تَكُن على أحدهما فأنت على الآخر حَتْماً ، والدليل الآية السابقة ، وقال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص الآية : 50]
فلِذلك القَضِيَّة اِثْنَيْنِيَّة لا تحْتَمِل حالاً ثالثة ، هناك ولاء ، وهناك براء ، فالمؤمن الصادق ولاؤه للدِّين والحق والمؤمنين ، والخير والصادقين ويتبرَّأُ من الكُفار والفُجَّار والعُصاة ويَدْعَمُ المؤمنين بِحَرَكَتِه اليَوْمِيَّة ويُدافِعُ عنهم ويُعينهم ، ويُقَدِّم لهم ما يسْتطيع ، ولا يتعاطف مع الساخرين ، ولا يُدافع عنهم ، ولا يَدْعَمُهم لايُثْني عليهم ، لا يوجد حلّ وَسَط ، فالمنافق مُذَبْذَب لا مع هؤلاء ، ولا مع هؤلاء ، أما المؤمن فأمْرُهُ واضِح ، والله تعالى قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 6]
إلا أنَّ صِنْفاً آخر يقول كما قال تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة البقرة الآيات : 8-15]
لذلك القَضِيَّة حاسِمَة ، إن لم تكن مع أهل الإيمان فأنت حَتْماً مع أهل الكفر ، أما الذي يتوَهَّم أنَّه مع هؤلاء ومع هؤلاء ، ويظنّ أنَّهُ ذَكِيًّا فهذا في الدَّرْك الأسْفل من النار ، وهؤلاء هم المنافقون ، والسَّبَب أنَّهم أعْلنوا شيئاً وأبْطَنوا شيئاً آخر ، تركوا شيئاً وفعلوا شيئاً آخر ، لأنَّهم غَشُّوا المؤمنين ، فالإنسان الكافر والمُلْحِد ، والفاجر لا أحد يقتدي به أما الذي يوهِمُ الناس أنَّه مؤمن ، وأنَّه يفْعل فِعْل الكُفار فهذا إنسان غشَّاش لذلك هو في الدَّرْك الأسفل من النار ، ولا يوجد إنسان يجمع بين الحالين ، والمؤمن له لَوْنٌ واحد ، ومن اسْتطاع ان يُرْضِيَ الناس كُلَّهم فَهُوَ منافق .
قال تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة البروج الآيات : 4-9 ]
قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا .....
الآن المُؤَيِّد القانوني قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾
[ سورة البروج الآية : 10 ]
فهذا المؤمن إن أرَدْتَ أن تُلْبِسَهُ تُهْمَةً هو بريءٌ منها ، وإن أرَدْتَ أن تفْضَحَهُ ظلماً ، وإن أرَدْتَ أن تُخيفه ، هل تعرف من هو خَصْمُكَ ؟ الله جلَّ جلاله ، والدليل خِطاب الله عز وجل لِزَوْجَتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
[ سورة التحريم الآية : 4 ]
هل يُعْقل أن نسْتَنْفِر القُوَّات البحرِيَّة والجَوِيَّة لامْرأتَيْن ؟ ما معنى هذه الآية ؟ الله تعالى يُخاطب زَوْجتَين ، قال تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
[ سورة التحريم الآية : 4 ]
قُلْتُ لأحَدِهم : كُلّ هؤلاء العباد عِباد الله وعِياله ، فإنْ أرَدْتَ أن تُؤْذِيَهم أو أن تبْتزَّ أموالهم ، او أن تُخيفهم ، فالله قد يبتليك بالسَّرطان أو خثرة بالدِّماغ ، وتشَمُّع بالكَبِد أو فَشَل كبدي ، وأمراض تُعويك مثل الكلب ، أمراض الأورام الخبيثة بالأحْشاء لا تُحْتَمَل ، وكُلُّ هؤلاء عباد الله وكُلُّهم خَلْقُه ، فإذا أرَدتَ أن تُخيفَهم أو تبْتَزَّ أموالهم ، أو أن تُؤْذِيَهم فإنَّ خَصْمَكَ هو الله .
أحدهم يطوف حول الكعبة ، وهو يقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟! وراءه رجل قال له : يا هذا ما أشد كلامك ويأسك من رحمة الله ؟ قال له : ذنبي عظيم ، قال له : ما ذنبك ؟ قال له : كنت جندياً في قمع فتنة ، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة ، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً ، وامرأة ، وطفلين ، قتلت الرجل ، وقلت لامرأته : أعطيني كل ما عندك ، أعطتني كل ما عندها ، فقتلت ولدها الأول ، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة - من الذهب - ، أعجبتني أيما إعجاب ، تأملتها ، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ ، البيتان: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
قبل أن تُفَكِّر في إذْيَةِ مؤمن ، أو أن تُلْبِسَه تُهْمة ، أو تُشَوِّه سُمْعَتَهُ أو تبْتَزَّ ماله فَهَل تعْلم من هو خَصْمُه ؟ من أمْرُكَ كُلُّهُ بِيَدِه ؟ الشريان بِيَدِه ، وكذا الكلية ـ والخثرة بالدِّماغ ، وزَوْجتك بِيَده ، فقَبْل أن تُؤْذي عليك أن تعُدَّ للمليون ؛ من هو الطرف الآخر ، فمعنى هذه الآية أنّ أيَّ إنسان فكَّر أن يُؤْذي ، عليه أن يعلم من هو الطرف الآخر ! هل تستطيع أن تؤذي شرْطِيًّا ؟ قد تكون أقوى منه الآن ، إلا أنَّ هذا الأخير وراءه الدَّولة كلَّها ، أليس كذلك ؟ تَعُدُّ للمليون كي تتكَلَّم معه ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾
[ سورة البروج الآية : 10 ]
عليك أن تُدافع على المؤمنين ، لذلك كُل إنسان يقتل مؤمناً مُتَعَمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها ، وأن تكون أداة وَصْل ، تُدافع عن المؤمنين وتُعينهم وتُطَمْئِنُهم ، وأَدْخِل عليهم السرور ، هذه هي مُهِمَّة المؤمن ، عُدَّ للمليون قبل أن تُفَكِّر في إذْيَة المؤمن .
قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة البروج الآيات : 11-12 ]
إذا الله تعالى بَطَش شيء يُحَيِّر العُقول ، قال لي أحدهم مرض وبيت بالأُجرة ، ودَعْوة إخلاء ، وليس معه مال للدواء ، ناهيك أن يأكل ، وأولاده عاقُّون ، مِن كُلّ الجِهات ، وذكر لي أحدهم : عندي مرضين ؛ مرض القلب ، ومرض المعدة ، فدَوَاء المعِدَة يُؤذي القلب ودواء القلب يُؤذي المعِدَة ! إنَّ بطْش ربِّك لشَديد ، وأحدهم دخل الحديد في رأسه بِحادِث ؛ لأنَّه قبل ثلاثين يوما ظَلَم إنسان ظُلماً غير مَحْدود .
ثمَّ قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾
[ سورة البروج الآيات : 13-14 ]
هذه الآيات نشْرحها غداً إن شاء الله .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة البروج، وهي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
[سورة البروج]
الغفور صِيغة مُبالغة، فهناك رجل غافِر، على وزْن فاعِل، وصيغة اسم الفاعل هذه من الفِعْل الثُّلاثي، غَفَرَ يغْفِرُ غافِر، أما إذا كان الإنسان شديد المغفرة وكثير المغفِرَة فإنَّنا نسْتخْدِم اسم فاعل مُبالغ به على وزْن فعول، ووزْن فعيل وكذا فاعول، وفَعِل، هناك ما يقرب من عَشْر صِيَغٍ لِمُبالغة اسم الفاعل ؛ مِن هذه الصِّيَغ وَزن فَعُول، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾
[سورة البروج]
ما معنى أن يكون اسم الله تعالى مُبالَغاً في صيغته ؟ قال العلماء: إذا بولِغَ باسم الفاعل كاسمٍ من أسماء الله الحُسنى كان معنى ذلك أنّ الله تعالى شديد المَغْفِرَة ؛ لِمَعْنَيَيْن: نوْعاً وعدداً، عدداً فلو كان لك مليون ذَنْب، واسْتَغْفَرْتَ الله فإنَّك تجده غفَّاراً، أما نوعًا كما قَتَل تِسعاً وتِسْعون إنسانا، وسأل أحد الكَهَنَة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألِيَ تَوْبَة ؟ فقال: لا، فأتَمَّ به المائة ! ثُمَّ أخْبَرَنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ لِهذا الإنسان مَغْفِرَة، فأوَّلاً تتَّسِعُ مغفرة الله تعالى لِكُلِّ ذَنْب ولِملايين الذُّنوب وتتَّسِعُ لأكبر ذَنْبٍ يَخْطُر بِبَالك شَرْط أن تتوب إليه إذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطَلَح مع الله، والنُّقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى يقول:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
ليس الخِطاب مُوَجَّهٌ إلى العُصاة وإنَّما لِمَن أسْرف في المَعْصِيَة، لا تقْنَطوا من رحْمة الله، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾
[سورة الحجر]
وإذا قال العَبْد: يا ربّ، وهو راكِع، قال الله: لبَّيْك يا عَبْدي، وإذا قال: يا ربّ، وهو ساجِد قال الله له لبَّيْك يا عبدي، فإذا قال العَبْد يا ربّ وهو عاصٍ، قال الله له، لبَّيْك ثمَّ لبَّيْك ثمَّ لَبَّيْك ! هل تتصَوَّر أنَّ خالق الأكوان يفْرَحُ بِتَوْبَتِك ؟ للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد، تصَوَّر أنَّه معك سَنَد بِخَمْسة مائة ألْف، وضاعَ منك، واْنتَبَه صاحِب السَّنَد، فقال لك: اِعْطنيه، وخُذ المَبْلَغ ! ثمّ بعد عناءٍ وَجَدَتْه، فكيف يكون فَرَحُك ؟! إنسان عقيم وغَنِيّ، ويتمنَّى ولَد فإذا امْرأتُه حامِل، كم فَرَحُهُ ؟ وإنسان على وَشَك الموت عطَشاً ورأى الماء ! للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد وهذا الذي رَكِبَ ناقَتَهُ لِيَجْتاز الصَّحْراء، وعليها طعامه وشرابه، جلس لِيَسْتريح تحت ظِلّ النَّخْلة فلما أفاق لم يَجِد الناقَّة فأيْقَن بالهلاك، فَبَكى حتى أدْرَكَهُ النُّعاس فأفاق فإذا به رأى الناقة، ومن شِدَّة فرحِه قال: يا ربّ، أنا ربُّك وأنت عبْدي ! يقول عليه الصلاة والسلام: للَّه أفرحُ بِتَوْبة عبْده من ذلك البَدَوي من ناقته ! وإذا تاب العبْد توْبَةً نصوحا أنْسى الله حافِظَيْه، والملائكة كُلَّهم وبِقاع الأرض خطاياه وذُنوبَه، والصُّلح بِلَمْحَة وإذا تاب الإنسان - صَدِّقوني أيها الإخوة - يشْعُر كأنَّ ثِقْلاً كالجبل أُزيح عنه، واله عز وجل يُشْعِرُه أنَّهُ قَبِلَهُ، وعفى عنه، أما عَلِمْتَ يا مُعاذ أنَّ الإسلام يهْدِمُ ما كان قبله والهِجْرة تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجّ يهْدِمُ ما كان قبله، ومن وقَفَ في عرفات، ولم يغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله تعالى قد غفَرَ له فلا حجَّ له، لا بدّ أنيغلبَ على ظَنِّك أنَّ الله تعالى قَبِلَك واجْتباك والتَّوبة بِيَدِكم أيها الإخوة وما عليك إلا أن تقول: يا ربّ، تُبْتُ إليك ومِن خِلال خِبْرَتي المًتواضِعَة في الدعوة إلى الله رُبْع قرْن أكثر من عشْرة أشْخاص قالوا بالحَرْف الواحِد: أُسْتاذ لا يوجد ذَنْب يُمْكن أن تتصَوَّره لم نفْعَلْهُ ! والله عز وجل قَبِلَهم، فهذه قَضَتْ عُمْرَها بالرَّقْص فتابتْ وتَحَجَّبَت وتنقَّبَت بِمِصْر، ومُديرة التلفزيون هناك تعرضلها كُلّ أسبوع فِيلْم نِكايَةً لِحِجابِها أنا أُعْطيكم أمثلة ناطِقة، مهما كان الذَّنْب كبير فإنَّ الله غفور، صيغة مُبالغة ؛ إنسانة تُتاجِر بِجِسْمِها تابَتْ فتاب الله عليها، وكذا قاتِل وزاني فالله تعالى ينتظرك، لو يعلَمُ المُعْرِضون انْتِظاري لهم، وشَوْقي إلى تَرْك معاصيهِم تقطَّقتعَت أوْصالهم من حُبّي ولماتوا شَوْقاً إليّ، هذه إرادَتي للمُعْرِضين فَكَيف بالمُقْبِلين ؟ أحدهم ناجى ربَّه فقال: يا ربّ، إذا كانت رَحْمتُك ولُطْفُك بِمَن قال: أنا ربُّكم الأعلى ماذا قال فرعون لموسى قال تعالى:
﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)﴾
[سورة النازعات]
فَكَيْفَ رَحْمتك بِمَن قال: سبحان ربِّيَ الأعلى ؟! إذا كانتْ رحْمتك بِمَن قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري فَكَيْفَ رحْمتك بِمَن قال: لا إله إلا الله فمادام القلب ينبض فالنَّجاة حاصِلَة، ومادام نُمُوّ الخلايا طبيعي فباب التوبة مَفْتوح، ما دام الدم فيه سُيولة فباب التوبة مَفْتوح، فإذا أصبح بالدَّم جَلطة أو ضاق الشريان أو نَمَتْ الخلايا عَشْوائِيًا، كانت المُشْكلة، لذلك أيها الإخوة، عليكم باغْتِنام الصِّحَة، واغْتَنِم خَمْسًا قبل خَمْس، شبابك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتك قبل موتِك، والتوبة تنْعَقِدُ بِكَلِمة واحِدة، يا ربِّ تُبْتُ إليك، ويقول سبحانه وتعالى: وأنا يا عبْدي قَبِلْتُ قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
والله عز وجل يُغَطِّي لك الماضي كُلَّهُ بالمَغْفِرَة والمُسْتَقْبل بالطُمأنينة فالماضي مَغْفورةٌ ذُنوبه والمُسْتَقْبل مضْمونَةٌ حوادِثَهُ، قال تعالى:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾
[سورة البقرة]
والله تعالى ما أمرنا أن نسْتَغْفِرَهُ إلا لِيَسْتغْفِرَ لنا، وما أمَرَنا أنْ نَدْعُوَهُ إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا أن نسْتعين به ؛ إياك نعبد وإياك نسْتعين إلا لِيُعيننا ووَسِعَت رحْمة الله كُلَّ شيء.
قالوا: مَرَّةً دعا سيّدنا موسى الله تعالى بِالسُّقْيا، حين قحَطَت الأرض وجفَّتْ، فناجى ربَُّ بالسُّقْيا، فقال الله: يا موسى إنَّ فيكم عاصِيًا ! فَغَضِبَ سيِّدُنا موسى وقال لِقَوْمه: من كان فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرْنا، ثُمَّ هَطَلَت الأمْطار ولم يُغادِر أحد المَجْلس ! فسأل موسى ربَّه: من هذا العاصي يا ربّ ؟ فقال له: عَجَبًا لك يا موسى ، أسْتُرُه وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! والله تعالى يسْتُر وشُعور التائب لا يوصف ولو جاء الموت، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾
[سورة آل عمران]
إلا أنَّ العِبْرة أن نموت على الإيمان وعلى الطاعة، لا أن نموت ونحن على الهوائي المُقَعَّر ! وقد حدث هذا، فالعِبْرة أن يراك تائِبًا ومُنيباً وطائِعاً وأن يراك مُحِبًا، والتوبة لها ثلاثة شُروط: عِلْمٌ وحال وعمَل فإذا أنت لم تَحْضُر مَجْلِس العِلْم، كيف تعرف أنَّك مُذْنِبٌ ؟! إذا كان الواحد ضغْطه ثمانية عشر فاصل اثنى عشر ! مُهَدَّد بِفَقْد البصر، وبِجَلْطة في الدِّماغ وبأمراض وبيلة، فكيف يُعالِج هذه الأمراض إن لم يعْلم أنَّ ضَغْطه مُرْتَفِع ؟! والضَّغْط ليس له أعراض وقلَّما يكون له أعْراض فأنت تُعالِجُ ضَغْطك إذا عَلِمْتَ أنّه مُرتفِع، وكذا دروس العِلْم ؛ هذه البِضاعة حرام، وهذا الكَسْب غير مَشْروع، ووَضْعُ زوْجتِك غير صحيح، وهذا البيْت مُغْتَصب، فأنت كيف تعرف الحلال والحرام إن لم تتعَلَّم أحكام الفِقْه وكتاب الله وسُنَّة رسول الله، فالتوبة عِلْم، فإذا كان هناك عِلْم ينْشأ النَّدَم والحال، وإذا كان هناك حال كانتهناك ثلاثة أعْمال: الماضي بالإصْلاح والحاضِر بالإقْلاع، والمُسْتَقْبل بالعَزيمة، وحاجة الناس إلى العِلْم كحاجَتِهم إلى الهواء، والإمام مالك يقول: حاجة الناس إلى العِلْم أشَدُّ من حاجتِهم إلى الأكل والشراب، لأنّك أنت تأكل في اليوم مرَّتَين أو ثلاثة، أما في الطريق فهناك مائة امرأة ! فإن لم تغضّ بصَرَك وَقَعْت في مُشْكلة، وإن لم تَضْبِط لِسانَكَ وَقَعْتَ في الغيبة والنَّميمة، وسُخْرِيَة والعين والفم واليد، فإذا لم يعرف الإنسان الشَّرْع، كيف يتوب إلى ذَنْبِهِ وكآخِر فِكْرة أعْتَقِد أنّ أربعاً أو خمْسة آيات، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119)﴾
[سورة النحل]
افْتح المُعْجم في كلمة بعدِها، تجِد أنَّ الله غفور رحيم ولكن بِشَرْط، وهو بعد التوبة والإيمان والعَمَل الصالِح، تابوا فتاب عليهم، وهناك تاب الله عليهم لِيَتوبوا ؛ شيءٌ يُحَيِّر ! فَتَوْبَةُ الله مِن قبل أم مِن بعد ؟ قال: تابوا فتاب الله عليهم، أي تابوا فَقَبِلَ الله توْبَتَهم أما تب الله عليهم أي ساق لهم من الشدائِد ما يَحْمِلُهم بها على التوبة، وشُعور التوبة شُعور لا يُقَدَّر والآية هذه واضِحَة والصُّلْح بِلَمْحَة والله غفور رحيم، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾
[سورة الحجر]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه وتعالى يقول في آخر سورة البروج:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
[سورة البروج]
الوَدود، أي أنَّ أفعاله سبحانه وتعالى فيها مَوَدَّةٌ لِخَلْقِه، خَلَقَكَ في أحْسَن تَقْويم، ومنَحَكَ عَيْنَيْن لِتَرى بهما البُعْد الثالث فلو أنَّها كانت عينًا واحِدَة لرأيْتَ بُعْدَيْن فقط، ومنَحَك أُذُنَيْن لِتعْرِفَ بهما جِهَة الصَّوْت ولو كانت أُذُنًا واحِدَة لما عَرِفْت جِهَة الصَّوْت، ومنَحَك جِهاز التوازن فلو نظَرْت إلى بعض المَحَلَّات التِّجارِيَّة وفيها أشْخاص مِن الشَّمْع تُسْتَخْدم لِتُوضَع عليها الأجْهزة لها قاعِدَة عريضة جداً تزيد عن سبعين سنتمتر، لأنَّ هذا الإنسان من أجل أن يبقى واقفاً لا بدّ من قاعِدَة اسْتِناد لذلك لابدّ له من قَدَمَيْن كَخُفَّي الجَمَل، والإنسان إذا سار في الطِّين وَعَلِقَ به يُصْبِحُ المَشْيُ شاقًا فهذه القَدَم اللَّطيفة، ما سِرُّ انْتِصاب قامَتِك مع قاعِدَة اسْتِناد صغيرة جداً بِدليل أنّ المَيِّت لا يُمْكِن أن يقوم، هل تستطيع أن تُوقِفَ ميِّتًا ؟ مُستحيل، فهذا بِفَضْل جِهاز توازن أودِع في الأذن الوُسْطى، وهذا الجِهاز ثلاث قَنَوات، فيها سائل وأشْعار والإنسان إذا مال قليلاً بِحُكْم بقاء السائل مُسْتوي رغم الملَيان، فهذا السائل يصِل إلى الأشْعار فلولا هذا الجهاز ما أمْكن أن يمْشي على قَدَمَيْه إطْلاقاً، ولا أمْكَنَهُ أن يرْكَب درَّاجة، راكِب الدراجة، هل تستطيع أن تُبقيها واقفة إلا بِفَضْل جِهاز التوازن، فالإنسان كرَّمَه الله تعالى أعظمَ تَكْريم، ولو لم يكن فيها عضلات، لما أمْكَنَك تفريغُها ولاحْتَجْتَ إلى أُنبوب تَهْوِيَة، بهذه العَضلات تُفَرَّغ بِثَواني معدودات ثمَّ لولا هذه المثانة للَزِمَك كُلّ عشرين ثانِيَة أن تنزِل نقطة بول، ولاحتاج الإنسان إلى فُوَط ، وهذا شيء مُزْعِج ؛ رائِحَة، فالله تعالى كرَّمَك وعَزَّزَك من خِلال المثاني ومن خِلال هذه العضلة العجيبة، والعَضلَة القابِضَة، وهي في أشَدِّ حالات القَبْض أنت مُرْتاح، فلو كنت تحتاج إلى شَدِّ دائِم لأصْبَحَت الحياة شاقَّة، فهاتان العضلتان التي تُحْدِثان الغائِط والبَوْل، وهي في أشَدِّ حالات التَقَلُّص تكون مُرْتاحاً، فهذا تَكْريم، والله تعالى جعل هذا الرأْس يدور هكذا، وهذه عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جعل هذا الرُّسغ وهذا الإبهام وهذا المِفْصَل، فلو فَكَّر الإنسان في جِسْمِهِ لَعَلِمَ قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾
[سورة البروج]
مَنَحَك الطعام والشراب وأنواع مُنَوَّعة من الطعام والشراب، ومُبَرْمَجَة كرز ثمَّ التُّفاح ثمَّ الدراق ؛ كُلُّ هذا بِبَرْنامج لطيف وخُضراوات تنْضج اتِّباعاً خِلال شَهْرين، وجعل لك الهواء، وهو ينثر الضَّوء، فبِالقَمَر إما أن يكون هناك أشِعَّة شَمْس أو ظلام دامِس، أما الهواء فهو يجعل المنطقة لا شَمْسِيَّة ولا ظلامِيَّة، وجعل لك الهواء وسيط بينك وبين الآخرين، فلو لا الهواء لما كان هناك كلام ولا صوْت، وذَكَرْتُ البارحة أنَّ هذه المَوْجَة الصَّوْتِيَة تتخامَد، ولو أنَّها لا تتخامَد لكانتْ أصوات البِحار وأمواجها في كُلِّ مكان ! وأصْوات الانْفِجارات في كُلِّ مكان، وأصْوات المعامِل في كُلِّ مكان، لأنّ المَوْجة الكَهْرطيسِيَّة لا تتخامد، فقد أرْسَلوا للمُشْتري مَرْكبة بِأعلى سُرْعة صَنَعها الإنسان أربعين ألف ميل في الساعة أي ستِّين كيلو متر في الساعة ! هذه بَقِيَتْ تَمْشي في الفضاء الخارِجي سِتّ سنوات حتى وَصَلَت إلى كَوْكب ضِمْن المجموعة الشَّمْسِيَّة ؛ مِن هذه الكوكب المُشْتري أُرْسِلَن إشارات وصُوَر كيف أُرْسِلَت هذه الإشارات والصُّوَر ؟ عن طريق مَوْجَة كَهْرطيسِيَّة أما الصَّوْتِيَّة فَتَتَخامَد، فلو أنَّها لا تتخامَد فالحياة على وَجْه الأرض لا تُطاق، أحْياناً تكون في بُستان وفي نُزْهة ويكون مُحَرِّك الماء مُشْعَلاً يُفْسِدُ عليك الاسْتِمْتاع بالطبيعة، فهذه السُّحب التي تَزِن ملايين الأطْنان بل آلاف ملايين الأطْنان ؛ يقول لك: مُنْخَفَض جَوِّي يُغَطِّي القُطْر كُلَّه ! وإذا رَكِب الإنسان الطائرة يعرِفُ قيمة هذه الآية، يجد فوق السَّحاب جِبال وأكَمَات سُحُبِيَّة ووِدْيان، قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾
[سورة النمل]
بلا ضجيج، والذي عنده مركبة إذا صَوْت المُحَرِّك يتشَوَّش وهذه الأرض التي تَمْشي ثلاثين كيلو متر في الثانِيَة ألا تُبْدي صَوْتاً ؟ سُكون واسْتِقْرار تام ! قال تعالى:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾
[سورة النمل]
فالأرض وحَجْم الأرض، والشَّمْس والقمر والفُصول والليل والنَّهار والنباتات والأطْيار، والخُضار والفواكِه، وهذا الماء العَذْب، قال تعالى:
﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70)﴾
[سورة الواقعة]
وقال تعالى:
﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
قال لي أحد إخواننا بِعِين الفيجة: كُلّ ثانِيَة أربع وعشرون متر مُكَعَّب هذه سُقْيا دِمَشق، من سَخَّرَها ؟ وأين حُدود هذا النَّبْع ؟ نصف لبنان فوق حوْض الفيجة، فَتْحَتُه في عين الفيجة أما امْتِداده إلى حِمْص، ما قيمة هذه البَلْدة من دون هذا الماء العَذْب الفُرات، فهذه مَوَدَّة من الله عز وجل، ثمَّ أنت لك زوْجة بالبَيْت، وهي مثلك تفرح وتتألَّم وتشْعر وتُشاركك متاعِبك وأفراحك، ومُؤْنِسَة ومُمْتِعة، وجاءك منها ولَد يمْلأ البيت فرَحًا وأنْساً أليس هذه مَوَدَّة من الله تعالى، وبعدها صَوَّرَك في أحْسن صورة وجعل لك قِوام ورأس وشَعْر، قال ﴿ تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾
[سورة البلد]
فإذا وُلِدَ الطِّفل، من الذي عَلَّمَهُ مصُّ الثَّدْي ؟ عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جدًا لو أنَّ الطِّفْل لا يعلم كيفِيَّة مَصِّه لِثَدْي أُمِّه، كيف يفْعل أبوه ؟ يُحْكِمُ الإغلاق ويَسْحب الحليب، ومن جعل أوَّل الأربع والعشرين ساعة صَمْغَة فهذا الطِّفل يولد وفيه أنابيب مملوءة شَحمًا، فلا بدّ في الأربع والعشرين ساعة لا يكون هناك حليب، وإنَّما مادَّة مُزيلة للشَّحْم يأخذ صَمْغة ويُخْرج لون أسْوَد، مَن صَمَّم هذا التَّصْميم ؟ قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾
[سورة عبس]
ومن الذي أعطى أمْر لِحَوْض المرأة أن يتوسَّع ؟ ومن أعطى أمْر للطِّفْل أن ينقلِب ؟ ومن أعطى أمْر للغِشاء يتمزَّق ؟ وأمْر للرَّحِم أن يتقلَّص تقلُّصًا مُتَزَامِنًا وبِلُطْف، كم بين الطَّلْقتين ؟ ثلث ساعة ثمَّ خمسة عشرة دقيقة ثم أربعة عشر ثمّ خمْسة عشر، ثمَّ تتسارَع الطَّلَقات ضَغْط عضلات لطيف، فإذا خَرَجَ الجنين ينقبِض الرَّحِم انْقِباض شديد جدًا، ويُصْبح الرَّحِم مثل الصَّخْر، ولو لم يكن كذلك لماتَتْ المرأة من النَّزيف ! ولمّا ينزل الولد يقطع مائة ألف شريان كُلُّها مَفْتوحة ويأتي الرَّحِم فَيَنْقَبِض انْقِباضاً شديداً، ويمْنَع نزيف الدَّم، ولو كان تقَلُّص الطَّلْق شديداً، وتقَلُّص الرَّحِم لَيِّنًا، لماتت الأم وولدها، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾
[سورة عبس]
هذا هو معنى ودود هل الصَّنوبر أساسي في حياتنا ؟ وهل الفلفل أساسي ؟ وَكُلّ أنواع الخضر والفواكه ؛ كُلّ هذه ليْسَت ؟ أساسِيَّة، إنَّما الحليب والقمْح هما الأساسيَّان، فلماذا توجد كل هذه الأنواع من الخُضر والفواكه، ولماذا يوجد ثلاثون نوعًا من العِنب ؟ وحَدَّثني جماعة من الدكاترة أنَّ خمساً وأربعون ألف نوع من القَمْح ! وكذا الشعير، والحُمَص والعدس وكذا الأطيار والأسماك، فأنت ضِمْن نِعَم الله، لذلك قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾
[سورة البروج]
توَدَّد إليك، فلذلك الإنسان غافل عن الله، وكان عليه أن يشْكره أذكر مَرَّةً كُنَّا في صلاة جنازة، وكان لي صديق كنت أنا وهو على مقعد الدِّراسة وتسلَّم منْصب رفيع جدا، وكان عمره ستِّين سنة، دخَلْنا لِنُشَيِّع جنازة أحد إخواننا فلم يدخل معنا ! تَعَجَّبْنا، هل أنت أكبر من أن تُصَلِّي ؟ من منحك نِعْمة الوُجود والإمداد ؟ ألا يسْتَحِقّ هذا أن تُصَلِّي له ؟ لذلك علينا أن نلحق بالتوبة النصوح قال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)﴾
الكون له، دقِّق الآن في قوله تعالى:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
[سورة البروج]
الأحداث قال تعالى:
﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة آل عمران]
قدر ما كان الإنسان قويّ فلا يمكنه أن يكون فعَّال لما يريد، لو أصابه مرض عُضال فهل هو فعَّال لما يريد ؟ لو اجْتَمَعنا وقرَّرنا أن تنزل الأمطار، فهل نستطيع أن نقول: قرَّر المجلس إنزال الأمطار ! فهل يتحقَّق هذا ؟! مرَّةً كنت عند طبيب قلب فجاءهُ هاتف، ويبدو أنَّه غنِيّ جدًا، فقال له: أيّ مكان بالعالم نبعثه، وأيّ رقم يُكَلِّف ندْفَعُهُ ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! السَّرَطان بِدَرَجَتِهِ الخامِسَة ! فَشَعَرْتُ حينها أنَّ الإنسان ضعيف ومَقْهور، من الفعَّال لِما يريد ؟ الله وحْدَهُ فإذا كنت مع الفعَّال لِما يريد أحْسن من أن تكون مع إنسان لا يفْعل ما يريد، يريد مليون قَضِيَّة فلا يَتَحَقَّق منها شيء، كلمة فعَّال لما يريد معناه: الله تعالى قادِر؛ كُنْ فيَكون ! فإذا كنت مع من يقول: كن فيكون ! فأنت من أسْعد الناس، وإذا كنت مع عَبْدٍ ضعيف، إذا بعَثَ لك أحد الأقرباء برْقِيَّة عن وفاة شَخْص ؟ فهل تستطيع أن تمْنَعَ عنه الموت ؟ أو أن تمْنَعَ عنه المرض، إذاً كما قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
[سورة البروج]
هو القاهر وهو الكبير والعظيم، وإذا أعْطى أدْهَش، وإذا حاسب أدْهَش، زُرْتُ أحد التُّجار في معمله، وهو نائِم على طاولة الخياطة ويأكل من علبة سردين ! فقال: لي كان عندي ثلاثة مصانِع، وثمانين عامِل، وثلاثة سيَّارات، للنُّزْهة وللبلد وللعَمَل خَفْ من الذي إذا أخذَ أدْهَش، قال له: يا معاذ ما حقُّ الله على عِباده ؟ قال: أي يعْبُدوه قال: فما حقُّ العباد على الله إذا عبَدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم ! فالله منَحَكَ حقٌّ عليه، وقال لك: طالِبْني فيه وهذا أعظم حقّ ؛ قال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) ﴾
[سورة البروج]
أنت تُريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتًُك ما تريد وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، ماذا فعلوا إخْوة يوسف ؟ أرادوا به كَيْدًا وأرادوا أن يقْتلوه الله تعالى قال:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾
[سورة يوسف]
جعلهُ عزيز مصر، وجعل إخوته تحت إمْرتِهِ، قالت: امْرأة رأتْهُ حينما كان عَبْداً في القصْر، ثمَّ كيف صار عزيز مِصر، قالت: سبحان مَن جَعَل العبيد مُلوكًا لِطاعَتِه، وسبحان مَن جَعَل المُلوك عبيدًا لِمَعْصِيَتِه، قال أحدهم: ألْقَتْني أمريكا خارِج إيران كما تُلقى الفأرة المَيِّتَة خارج المنزل ! فالله يقْهَر عِباده، وأنت كُنْ مع القويّ والعادِل والرحيم، وكن في خِدْمة عبيده، والسَّعْي لهم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطارق (86 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في لُغَتِنا اليَوْمِيَّة نسْتخدم القسَم، تقول لإنسانٍ: والله، هذا كلامٌ ناقِص ! أين جواب القَسَم ؟ فإذا قُلْتَ: والله إنِّي لأُحِبُّك ! كان قولك: أُحِبُّك جواباً للقَسَم، تالله لأفْعَلَنَّ كذا وكذا، فما من قَسَمٍ إلا ويحْتاج إلى جواب، والدليل: لو كُنْتَ في مَجْلسٍ وقام أحدهم وقال: والله ثمّ والله ثمَّ والله، ثُمَّ سَكَت، لما فَهِمْتَ المَقصود من كلامه، فَكُلّ كلامٍ يحْتاج إلى قَسَم، والآن لو طَبَّقْنا هذه القاعِدَة في القسَم على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾
[ سورة الطارق]
إلى هنا لم يأت جواب القَسَم ثمّ قال تعالى:
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
هذا جواب القَسَم، لا يوجد إنسان فَلْتان ولا يوجد إنسان لا يُحاسَب، ولا يوجد إنسان يتحرَّك على مِزاجِه دون أن يُسأل لماذا فَعَلْت ؟ الذي خلق الكون، وخلق هذه النُّجوم، المَجَرَّات تقريباً مليون مليون مَجَرَّة، وبالمَجَرَّة وَسَطِيًّا مليون مليون نجْم، ولا تزال حدود الكون غير معْروفة، أحدث معلومة على أبْعَد مَجَرَّة اكْتُشِفَتْ حتَّى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون ألف مليون، والضوء يقْطع في السَّنة ثلاثمائة ألف ضرْب ستِّين ضرْب ستِّين ضرْب أربع وعشرون ضرْب ثلاث مائة وخمْسٌ وسِتُّون ولأنَّ الضوء يقطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثمائة ألف كيلومتر، والله عز وجل قال:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾
[ سورة الواقعة ]
المسافات بينها ثمّ قال:
﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾
[ سورة الواقعة ]
إذا كنتم تعلمون ما معنى قول الله عز وجل:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾
(سورة الطارق )
تَجِدُ نجْمَةً بعيدة مُتألِّقة وبيْضاء، حجمها سنتمتر بالعين، وهذه النَّجْمة قد تتَّسِع للأرض والشَّمْس والمسافة بينهما، وبين الأرض والشَّمْس مائة وسِتٌّ وخمسون كيلومتر، والشَّمْس يتَّسِعُ جوْفُها إلى مليون وثلاثمائة أرْض، وبينهما مائة وستّ وخمسون سنة ضَوْئِيَّة وهناك نَجْم يبْدو حجْمُه واحِد سنتمتر مُرَبَّع بالعَيْن المُجَرَّد اسْمُهُ قلب العقْرب واسمه برْج العقرب يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما فقوله تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾
[ سورة الطارق ]
هذا النَّجْم:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾
[ سورة الطارق ]
يعني يَصِلُ ضوْؤُهُ إلينا، فإذا أشْعَلَ الواحِدُ مِنَّا الضوء الشَّديد يُرى إلى خمْسين متر وحتى مائتان متر، لكن لا يُمْكننا أن نصِلَ بِنَظَرِنا إلى حلب، وكذا بِحِمْص، طيِّب وَضَوْءٌ يأتي إلينا من مِلْيارات ملْيارات السنوات الضَّوْئِيَّة ويَصِلُ إلينا، لذلك شَمْسُنا شَمْسٌ حمراء في منتصف عُمرها، وكذا النُّجوم لها أعْمار، أما إذا تَقَدَّم بها العُمْر يزْداد حجْمُها كثيراً، ثُمَّ تنْكمِشُ إلى واحد بالمائة وينقلبُ ضوءها إلى لوْنٍ أبْيَض، والضَّوْء الأبْيَض حرارته عالِيَةٌ جدًا، وبعد حين ينقلبُ ضوءها إلى ضوْءٍ أسْوَد وينْعَدِمُ ضوءها، وهي حالةُ التكَدُّس، وهذه الذَرَّات تتراكَم على بعْضِها بعْضًا، ومن شِدَّة الضَّغْط لا يسْمَحُ الضَّغْط بِخُروج الضوْء منها، فَيَغْدو ثُقْبًا أسْوَدًا هي مَقْبَرَةُ النُّجوم، ولو أنَّ الأرْض مرَّتْ بِجَانِبِها لأصْبَحَت بِحَجْم بيْضَة، فالشَّمْس تنتقِل من طَوْر أحْمر إلى طَوْر أبْيَض إلى طَوْر أسْوَد، فهذا النَّجْم الثاقِب الذي تراه مِن بُعْد ملاين وملايين السنوات الضَّوْئِيَّة، الذي خلق هذا النَّجْم لن يتْرُكَكَ سُدًى، ولن يدَعَكَ تفْعَلُ ما تشاء دون أن يُحاسِبَك، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
هذا هو جواب القَسَم، هناك ملائكة وسِجِلاَّت وشريط مُلَوَّن ناطِق، وكُلّ الأعمال والحركات مُسَجَلَّة فيه ويوم القِيامة يُقال لِهذا الإنسان كما قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾
[سورة الكهف ]
فالقَضِيَّة أن تُؤمِن أنَّ هناك حِساب، وأن تَكْفُر بما يُسَمِّيه الناس العَبَثِيَّة، إذْ لا عَبَثِيَّة في ديننا، ولا يوجد إنسان يأكل مال الناس وينْفذ، ولا يوجد من يعْتَدي على أعْراض الناس ولا يحْدُث له شيء، ولا شيءَ بعد الموت هذا الشيء مُسْتَحيل، ولِهذا هذه السورة تُؤَكِّد اليوم الآخر، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
هناك حَفَظَة ورُقَباء وملائكة وهَيْبَة إلا أنَّ الله عز وجل لطيف، ولا يُشْعِرُكَ أنَّ هناك رقابة، أما لو راقَبَك فلن تسْتطيع أن تتحَمَّل، أما الله عز وجل لطيف والحبْل مرخي حتى تتوَهَّم أنَّك لسْتَ مُقَيَّد، وفي أيَّةِ لحْظة يُشَدُّ الحَبْل فإذا أنت في قَبْضَة الله، قال تعالى
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل فلو أنَّ شَخْصاً أبْلَغوه أن هاتِفَك مُراقَب، يَعُدّ للملْيون قبل أن يقول كلمة يُحاسَبُ عليها، وإنَّما يمْشي بالطرق السَّليمَة الواضِحَة، ولا يتْرُك قَضِيَّة عليها شُبْهَة، والله عز وجل يقول:
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
والدليل:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾
[ سورة الطارق ]
كُلّ واحِد له أولاد وكُلٌّ مِنَّا يعرف سبب خلْق الولد، ومن أين أتى ؟ الماء المَهين، والذي خمس مائة مليون حُوَيْن منوي تحْتاج البيْضَة إلى حُوَيْن واحِد، وفي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمس مائة مليون يفْرزها الرَّجل، وتحتاج البُوَيْضة إلى حُوَيْن واحِد لا يُرى بالعَيْن، ويدْخُل البُوَيْضة ويَتِمُّ التَّلْقيح ويتِمُّ الانْقِسام إلى عشْرة آلاف قِسْم، وهي في طريقها إلى الرَّحِم دون أن يزْداد حجْمُها، فإذا وَصَلَتْ إلى الرَّحِم انْغَرَسَت فيه، وبدأت التَّغْذِيَة، وبعد تِسْعَة أشْهر تجِدُه طِفْلاً ؛ رأس وجمجمة ودِماغ، ومائة وأربعين مليار خَلِيَّة اسْتِنادِيَّة بالدِّماغ، عَيْن تحوي مائة ومليون عُصَيَّة ومخروط وشَمّ من عشرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة، وكُل نِهاية تحْوي سبْعة أهْداب، وكُلّ هُدب له مادَّة مُخاطِيَّة، وأذن متكوِّنة من أذُنٍ داخِلِيَّة ووُسْطى وخارِجِيَّة وصيوان، وأمور مُعَقَّدَة جدًا، وأعْصاب سَمْع وذَوْق، وبلعوم ورئتان، وقلب، ودَسَّمات، وشريان أبْهر، وشريان تاجي ودم يُضَخ للرِّئة ومنها إلى القلب، ومن القلب إلى الجِسم، ومن الجِسم إلى القلب مرَّةً ثانِيَة، وكلية تحوي طريق فيه مائة كيلومتر يمُرُّ فيها الدمّ خمْسة مرَّات ؛ كُلُّ هذا من ماءٍ مهين، قال تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾
[ سورة الطارق ]
هَيْكل عظْمي متين، أسْناخ رِؤَوِيَّة لو نُشِرَت لكانت مساحتها مائتان متر مربَّع ! وبالشَّعْر ثلاثمائة ألف شَعْرة وبالشَّعْرة شريان ووريد وغُدَّة دَهْنِيَّة وصِبْغِيَّة عصَب وعضَلة، وهذه العِظام والعضلات والشُّحوم وغضاريف، وغُدَّة النُّخامِيَّة وزنها نصْف غرام تُفْرِز اثنى عشر هرمون، وكُلّ هُرمون لو تعطَّل إفْرازه لأصْبَحت حياة الإنسان جحيماً والله عز وجل يقول:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)﴾
[ سورة الطارق ]
فالذي خلقك أوَّل الخَلْق قادِر أن يُعيدَك خلْقًا آخر.
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)﴾
[سورة الطارق ]
تُمْتَحَنُ هذه النُّفوس من حِقْد وحَسَد وغِشّ وكِبْر ونِيَّة الاغْتِصاب والاسْتيلاء على أموال الناس، ونِيَّة بناء المَجْد على أنْقاض الآخرين ؛ كُلُّ هذا مَكْشوف، والإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته وَقْتَها ضعيف، قال تعالى:
﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)﴾
[سورة الطارق ]
سورةٌ خطيرة جدًا، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
[ سورة الطارق ]
أي كُلُّ نفْس عليها حافظ يُسَجِّل كُلَّ أفعالها، وطريق الإيمان بالله:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾
[ سورة الطارق ]
العلماء فَهِموا هذه الآية أنَّ البِحار تتبَخَّر، والبُخار يصْعَدُ في السماء، ويعود أمْطارًا وحينما تقَدَّم العِلْم وجَدوا هذه الأمْواج الكهرطيسِيَّة التي تُبَثُّ إلى الفضاء الخارِجي لولا أنَّه هناك طبقة اسمها الأثير لما عادَت إلى الأرض إذْ أنَّ هذه الطبقة هي التي تردّ الأمواج الكهرطيسِيَّة إلى الأرض، ولولاها لما كانت هناك إذاعة، ثُمَّ اكْتَشَفوا أنَّ السماء ذات الرَّجع ؛ هذه الكلمة تنتظم الكون كُلَّه، أيُّ كوكبٍ في الفضاء يدور في مسار مُغْلَق، ومعنى مسار مُغْلق أنَّ الكوكب يعود إلى نقطة انْطِلاقِه، ولو كان المسار غير هذا لما عاد، ولكن لما كان مُغْلقًا فَكُلّ ستة وسبعون سنة يعود إلى مكانه، وهذا في كُلُّ نَجْم في السَّماء، فالأرض تدور حول الشَّمْس وتعود إلى مكان انْطلاقها، فقالوا: هذه كلمة جَمَعَت خصائِص الكون كُلِّه ! لو أنَّ الكون لا يتحرَّك بِفِعْل الجاذِبِيَّة لأصْبَحَ كُتْلَةً واحِدة وهذه الحرَكَة ينشأ عنها قُوَّة جاذِبَة تكافئ القُوَّة النابِذة، لو ألْغَيْنا الحركة لجَذَبَتْ كُلّ الكواكب بعضها بعْضًا حتى تَجْتَمِع في كُتْلَةٍ واحِدَة ولانتهى الكون، فهذه الحركة فيها بَرَكَة، وهذه الحَرَكة ينشأ عنها قِوى، قال تعالى: والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصَّدع.." يخرجُ منها النبات:
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)﴾
[ سورة الطارق ]
قال تعالى:
﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)﴾
[ سورة آل عمران ]
وقال تعالى:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾
[ سورة إبراهيم ]
أعداء الدِّين يمْكُرون لكنّ الله يُدَبِّرُ تَدْبيراً يردُّ عليهم، قال تعالى:
﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾
[ سورة الطارق ]
هذا تهْديد، أي سوف يلقى هؤلاء حِساباً عسيرًا، وعذابًا أليمًا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاعلى (87 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، سورة الأعلى تبدأ بِقَوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾
[سورة الأعلى]
التَسبيح التَّنْزيه، والتَّسبيح التَّعْظيم والتَّسبيح الخُضوع، فمَنَ نَزَّه الله تعالى عمَّا لا يليق به، ومَجَّدَ الله عز وجل، وخضَعَ له فقد سبَّحَهُ والإنسان مأمور، وكل أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتضي الوُجوب، فَسَبِّحْ فِعْلُ أمْرٍ، فالإنسان مُكَلَّفٌ أن يُمَجِّدَ الله وأن يُنَزِّهَهُ وأن يخْضَعَ له لِيَكون مُسَبِّحًا له.
تُنَزِّهُهُ مِن خِلال التَّعَرُّف عليه من الكون الذي هو مَظْهر لأسْمائِهِ ومِن خِلال التَّعَرُّف عليه من كلامه ؛ فالقرآن كَوْنٌ ناطِق، والكَوْنُ قرآنٌ صامِت، وأنت مُكَلَّفٌ أن تُسَبِّحَهُ وأن تعرِفَهُ مِن خِلال أفْعالِهِ فأفْعالُهُ تَدُلُّ عليه وخَلْقُهُ يدُلُّ عليه وكلامُهُ يدُلُّ عليه فإذا تفَكَّرْتَ في خلْق السماوات والأرض، وإذا تأمّلْتَ في أفعال الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾
[سورة الروم]
وإذا قرأتَ القرآن بِتَدَبُّر عَمَّا لا يليق به ومَجَّدْتَهُ وعَظَّمْتَهُ وخَضَعْتَ له في النِّهاية فقد سبَّحْتَهُ تعالى وهذه طُرق سالكَة إلى الله، قال تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾
[سورة الأعلى]
لكن ما جاء اسم الذات الله هنا اسمٌ من أسماء الصِّفات وأقرب اسم من أسماء الصِّفات هو الربّ سبِّحْ اسم الذي يُرَبِّيك، والذي منَحَكَ نِعْمَة الوُجود والإمْداد، والذي دلَّكَ عليه ويسَّر لك أُمورَك.
قال تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
[سورة الأعلى]
أيها الإخوة الكرام، التَّسْوِيَة غير الخَلْق، والفرق دقيق جدًا، فقد تكون مُهَنْدِسًا، وتنشئ غرفَةً مَبْنِيَّة على عِلْم، ولها أساس، ونِسْبَة الإسْمَنْت جيِّدة، والسَّقْف مَدْروس لكن قد تكون هذه لغرفة مُعَدَّة لِمَبيت سيَّارة لكنَّ مساحتها لا تكفي، فقد تدخل السيارة ولكنَّك لا تستطيع فتْح الباب نقول هذه الغرفة مَبْنِيَّة على عِلْم ولكِنَّها غير مُسَوَّاة مع السيَّارة ! فيجب أن تفتح هذه السيارة بِرَاحة وغطاء السيارة كذلك ؛ كلّ هذا والمركبة داخل الغرفة، إذًا التَّسْوِيَة غير العِلْم ؛ فالشيء قد يكون مَبْنِيًّا على عِلْم إلا أنَّه غير مناسب للاستِعمال فلاني، فمثلاً القمْح فيه علم إلا أنّه مناسب كغِذاء كامل للإنسان، وهو مُسَوَّى معه، وكذا الحليب الذي هو من إنتاج البقرة إلا أنَّ تركيبه يتناسب مع الإنسان، فالتَّسْوِيَة هي التَّنْسيق والتناسب فأنت أحْيانًا ترى في هَيْكَل السيَّارة فتْحَة ثمَّ تكتَشف أنَّ هذه الفتْحة لِمُرور كَبل كبير كهربائي، وألم ترَ في الجمجمة فتحات في قعْر المَحْجر هذه لِمُرور العصب البصري، وأنت تشعر أنَّه هذه الجمجمة مُسَوَّات تَسْوِيَةً كاملَة، وهذا موضوع طويل جدًا يبْدأ بالإنسان والحيوان والنبات فالصُّوص الصغير الذي في البيضة ينشأ له نُتوء صغيرة في مِنْقارهِ لِيَكْسِرَ به البيْضة فإذا كُسِرَت وخرج منها تلاشى هذا النُّتوء.
الطِّفل الصَّغير تجد أنفهُ قاسي وغُضروفُه كذلك ؛ فإذا تقَدَّمَتْ به السِنّ أصْبَحَ طَرِيًّا ؛ لأنَّهُ هو صغير ويرْضَعُ من ثدْيأُمِّه، فلو كان أنفُهُ ليِّن لأُغْلقَ عليه مَجْرى التَّنَفُّس، فلا بدَّ من غُضْروف قاسٍ لِأنْف الطِّفْل وقناة الدَّمْع مُسَوَّاة مع الدَّمْع، وهي أدَقُّ قناةٍ في جِسْم الإنسان، ولو سُدَّتْ لأصْبَحَ الأمر صعب جدًا، والدّمْع قلوي، والمادَّة القَلَوِيَّة تُخَرِّش الجلد، والبروسْتات غُدَّة في ملتقى مجرى ماء الحياة مع البَوْل ؛ ففي ملتقى المَجْرَيَيْن هنا الغُدَّة، تعْمل ثمانين عامًا، وهي تُفْرِز مادَّة قُلَوِيَّة تتناسب مع المادَّة الحمْضِيَّة في البول لِتُعَدِّلها، وفي وقت خروج ماء الحياة ؛ ففي هذا المجرى هناك بول، تُفْرِز هذه الغدَّة مادَّة مُطَهِّرة ثمَّ مادَّة مُعَطِّرَة ثمَّ مادَّة مُغَدِّيَة ؛ هذه هي البروستات التي تعمل ثمانين عامًا دون توَقُّف، وكذلك وأنت نائِم يزْداد اللُّعاب، ويأتي أمر للدِّماغ إلى لسان المزمار يغلق طريق الهواء، ويفتح طريق المري، فَتَبْلع اللُّعاب.
خلقُ الإنسان كامِل يحوي تَسْوِيَة كاملة، وأنت نائم هناك عضلات لحْمِيَّة تلف العظْم من فوق ومن تحت، وهي تحوي أوْعِيَة، ومع الضَّغْط تضيق لمْعَتُها، فَيَخْضَرّ الإنسان، ما معنى اخْضرار جسم الإنسان ؟ معنى ذلك أنَّ التَّرْوِية منعدِمة وضاقَتْ ! إذْ هناك مراكز ضَعْط في الإنسان تعطي إشارة للدِّماغ وأنت نائِم، فَيُعْطي الدِّماغ أمْر فينْقَلِبُ الإنسان ؛ شيء لا يُصَدَّق !
تمشي بالطريق تسْمع بوق سيَّارة، هناك جِهاز بالدِّماغ يحسب تفاضل وُصول الصَّوْتَين إلى الأذن، والتَّفاضل واحد على ألف وستُّ مائة جزء بالثانِيَة تكْشِفُ الصوت باليمين فتَتَّجِه إلى اليسار ! الذي خلق فَسَوَّى.
أيضًا خلق النَّبات، فالبطيخ على الأرض، ولو كان على الشَّجر للزِمَ من ذلك وفيات سنوِيَّة نتيجتها البَطِّيخ !! والمحاصيل الاسْتراتيجِيَّة تنْضج بِيَوم واحِد ؛ القمح والعدس والحمص، أما المحاصيل كالخضراوات والفاواكه فهي تنْضج خِلال تسعون يومًا، وذكر لي أخ كيفِيَّة معرِفَة نضج البطيخ أم لا ؛ له حلزون فإذا انْكسر كان ذلك دليل النُّضج وإن لم ينكسر كان دليل عدم النُّضج ! والله تعالى قال:
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾
[سورة النحل]
وكذا البقرة تُعْطي الحليب ؛ غُدَّة ثَدْيِيَّة على شَكْل قُبَّة تعطي الحليب وهي تخْتار من الدَّم الذي فوقها فيتامينات ؛ شُحوم وبروتينات ومعادن وسُكَّرِيات، وترشح من تحت نقطة حليب وكلّ أربعة مائة لتر دم تجْري فوق الغُدَّة الثَّدْيِيَة تصنع منهم لتر واحد من الحليب، وزْن الحليب يُمَزِّق جدار الضَّرع لو كانت كمِيَّة الحليب أربعمائة لتر ! وجدار الضرع يحوي جداران متعامِدان.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
[سورة الأعلى]
كل حيوان له أجْهزة تتناسب مع وَضْعِهِ فالخَفَّاش أعْمى، ولكن له جِهاز رادار، إذْ وَضَعوا جِهاز خفَّاش في غرفة وقسموها بحاجز وفَتَحوا ثغْرةً قدْر جِسْمِهِ، فهو لمَّا فرَّ عبَرَ من تلك الفتْحة أربعة مائة مرَّة دون أن يصْطدم بِجِدار الغرفة ! كل هذا عن طريق الرادار والسَّمَك بالبحر كيف يعرف على أيِّ ارتِفاعٍ هو ؟ بالضَّغْط، فعلى حراشِفِها العُلْيا، وفي هذا الخطّ أنبوب مُفَرَّغ من الهواء، والسَّمَكة تعْلم بِأيِّ ارتِفاعٍ هي من البحر، ثمَّ بالسَّمَكة مِحْفظة وبأسْفلها أعْصاب حسَّاسة، وهناك حبَّات رمْل، ومادام الحبَّات بِأرْض المحفظة وضْعُها مستقيم، ظهرها نحو السَّطح وبطْنها نحو القاع، فلو أنَّ السَّمَكة انْقلبَتْ لَعَلِمَتْ جِهَة جسْمها أهي نحو الأعلى أم نحو الأسفل وهناك سمَك يعْبر المُحيطات من أعالي النِّيل إلى مَصَبِّهِ، غلى غرب جبل طارق إلى شمال إسبانيا وإلى بحْر الشَّمال، إلى أن يسْتقِرّ، كل هذا كما قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
[سورة الأعلى]
وقال تعالى
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)﴾
[سورة طه]
فالله تعالى أعْطاه الأجْهزة الكاملة ثمَّ هداه، أحد بُستانِيِّين رأى أفعى يأكلها قنْفذ، يأكل قطْعة ويذْهب لِمَكان يأكل حشيشة، فهذا البُسْتاني قلَعَ الحشيشة، فأكل القنفذ حشيشَةً ثانِيَة فمات ! من الذي هدى هذا القنفذ إلى أن يأكل حشيشًا يتناسب مع سُمِّ الأفعى ؟! الله عز وجل، والله عز وجل، وُعول في رؤوس الجبال بهِمَلايا، هناك ينابيع في رؤوس الجبال، فَحَسَب قوانين الفيزياء لا يمْكِن أن تكون ينابيع بِقِمَم الجِبال إلا أن تكون مُسْتوْدعاتِها في جبالٍ أعلى منها.
أربعة آلاف جزيرة ماء بأندونِيسيا، وبكل جزرة ماء عَذْب، يتناسب مع مساحتِها، وكلٌّ منها لها تَمْديدات تحت الأرض، كيف تعرف الله؟ مِن خلال خلْقِهِ وكلامِه وأفعالِهِ.
صَنَعوا مَرْكبة سَمَّوْها المُتَحَدِّي بأمريكا، وبعد سبعين ثانِيَة أصْبَحَت كتْلة من اللَّهَب ! تَحَدَّوا مَن ؟ الذي تَحَدَّوْهُ تَحَدَّاهم !!
الله تعالى هداك إلى مصالِحِك، فالطَّعام المُتَفَسِّخ يرُدُّه الإنسان ولا يتقَبَّلُه، والتَّقَيُّق عَمَلِيَّة مُعَقَّدَة جدًا، وهو لِمَصْلحة الإنسان، والرائِحَة الكريهة يفِرُّ منها، أعْطاهُ حوَسيًّا، فالآية مفهومها عميق وكل شيء ينطوي تحتها، قال تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
(سورة الأعلى)
فاليَد تتلاءم مع الإنسان ولولا المِفْصَل لما أكَلْتَ، فلولاه لأكلْتَ مثل الهِرَّة ! فالله تعالى كرَّمَك وجعل لك مَفْصل، وآخر دائِري بِكُلّ الحركات وجعل لك إبْهامًا ؛ فهل لك أن تكتب دونه ؟! وهل لك أن تخيط دونه ؟ الذي خلق فَسَوَّى، ولولا مفصَل الرأس الدائري للَزِمَك أن تتَحَرَّك كُلِيَّةً ! فالسيارة مثلاً قد تتوقَّف فجْأةً لانعدام البنزين، أما مع الإنسان فهذا غير ممكن، هناك حِكْمة إلهِيَّة ؛ إذْ لمَّا تجوع لدَيْك نقْص بالمُسْتودَعات وليس بالدَّم، فلو فَحَصْنا دمَ جائِعٍ لَوَجَدْنا مواد غِذائِيَّة كامِلَة، فإحْساسك بالجوع يعني أنَّ مستودعات الغِذاء بالكبد نقُصَت، والدليل أنَّ الإنسان لمَّا يكون جَوْعان ويأتيه خبر سار أو مُؤْلِم ينْسى جوعَهُ ! أمَّا أن يبْرك كالسيارة مرَّةً واحِدَة فهذا غير ممكن ؛ الذي خلق فَسَوَّى.
هذا الطِّفل الصغير ليس معه أطْفال إذْ لو كانت معه أسنان لأذْهَبَ حلَمَةَ ثدْي أمِّهِ ! ثمَّ إنَّ هناك أسنان لطيفة لَبَنِيَّ، وسُقوط هذا السِنّ اللَّبني آيَةٌ ن آيات الله الدالَّة على عظمَتِه تعالى، فلا يوجد أن طبيب بالعالم يستطيع أن ينزَع سِنّ إنسان إلا أن يؤلِمَهُ، أما الله تعالى تكون تأكل فَيَسْقُط السنّ لِوَحْدِه !.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)﴾
[سورة الأعلى]
فهو تعالى خلقنا وخلق لنا طعامًا، وخلق لأنْعامِنا طعامًا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)﴾
[سورة الأعلى]
ففي الربيع الأرض كالجنَّة، والبُروج خضْراء والأشجار ثمَّ بيضاء ثمَّ صفراء ؛ دَوْرَة مِن بِدايَة إلى قِمَّة تألُّق ثمّ نِهايَة، والإنسان كذلك ؛ يصعد خمسة درجات سواء، وينزل خمْسة خمْسَة، أما لما يَصِل إلى التِّسْعين فإنَّك تراه يمْشي خَطْوَةً خَطْوَة ودرجَةً درَجَة.
كان أحدهم بالشام له أب رياضي يحْمل بغْل على كتفِهِ، بعدها لمَّا كبر أصْبَحَ يمْشي خطوة خطْوة، فعلى الإنسان إذا كان شابًّا قَوِيًّا عليه أن لا ينسى خريف العمر ! ويا بُنَي حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، والإنسان إذا أمْضى شبابه في طاعة الله، فإنَّ له خريف عمْرٍ متألِّق، وبِكُلّ قِواه العَقْلِيَّة، ومن حفظ القرآن متَّعَهُ الله بعَقْلِهِ حتّى يموت.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاعلى (87 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
[سورة الأعلى]
النبي عليه الصَّلاة والسلام لا ينسى بِمَعونَةِ الله، فإذا نَسَيَ فقد شاء الله له أن ينسى ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، فقد صلى عليه الصلاة والسلام الظهر ركْعتَين فقال له أحدُ أصْحابِهِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ! أَقَصُرَتِ الصَّلاة أم نسيت ؟! فقال: إنَّ كلّ ذلك لم يكن ! فقال هذا الصَّحابي الجليل ذو اليَدَين: بعضُهُ قد كان، فسأل أصْحابَهُ الكرام: فإذا به عليه الصَّلاة والسلام صلَّى ركْعتَين: فقامَ وصلَّى ركْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، وقال عليه الصَّلاة والسلام: إنَّما نُسِّيتُ كي أَسُنّ ! فلو أنَّه لم ينْسَ هذه الصَّلاة طوال حياته فكيف يُشََّعُ لنا سُجود السَّهْو، فالله تعالى أنْساهُ ذلك كي يُسَنّ.
إذًا ذاكِرَتُك بِيَدِ الله، فإمَّا أن تتذَكَّر وإمَّا أن تنْسى، والنِّسْيان مِن نِعَم الله الكبرى، فأحْيانًا يتكلَّم الإنسان كلمة لا أدَبَ فيها، وغير لائِقَة بِسَاعَة غَضَب، ولو أنَّهُ يذْكرُها لاحْترق بها طوال عمره، ولكِنَّ فضْل الله على الإنسان عظيم فَهُناك مواقف مُحْرِجَة، ومواقف ضَغْط وقَمْع وكلمات مُحْرِجَة، لو أنَّ الإنسان يتذَكَّر كلّ هذه المواقف المُؤْلِمَة لكان في جحيم، إلا أنَّهُ مِن نِعْمة الله علينا أنَّنا ننْسى، والنبي عليه الصَّلاة والسلام ينسى، ولكنَّ الله تعالى لا ينْسى ؛ قال تعالى:
﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾
[سورة طه]
فالله تعالى قال:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾
[سورة الأعلى]
يُفْهَمُ معنى جديد وهو أنَّ الإنسان يتَذَكَّر بِقَدْر اهْتِمامِه، فَكُلَّما زاد اهْتِمامُك بِمَوضوع تَذَكَّرْتَهُ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، فأنت قد تدخل إلى محَل فيه آلاف القطع تسأل عن واحِدَة فَتَجِد الأب يرْسل ابنه إلى المكان الفلاني في الرفّ الفلاني وفي الطابق الفلاني ! ما هذه الذاكرة؟ كل هذا لأنَّه مهْتَمّ وهناك ميزانِيَّة وكَسْب مال ؛ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك.
النبي عليه الصلاة والسلام بشَرٌ مثلنا، ولولا أنَّه بشَر وتَجْري عليه جميع خصائِص البشر لما كان سيِّد البَشَر، لماذا إذا قرأ القرآن أو أقرئ عليه مرَّةً واحِدَة حَفِظَهُ ؟ لِشِدَّة اهْتِمامِه، وكُلَّما زاد اهْتِمامُك في موضوع قَوِيَت ذاكرتك فيه، فالذاكرة القَوِيَّة ليس لها علاقة بالبُنْيَة الدِّماغِيَّة، ولكن بالبُنْيَة النَّفْسِيَّة، فالشيء الذي تهْتَمُّ له لا تنْساه والشيء الذي لا تهْتَمُّ له تنْساه، ودَقِّق في الناس تَجِدُهم يُعْطونَك معْلومات دقيقة في شؤون دُنياهم، أما أن يحْفظ حديثًا فَذاكِرتُه خالِيَة وذاك يحْضر الخُطَب قائِلاً: إنَّها في القِمَّة ولكنَّه لا يفْقه ولا يذْكُر منها شيئًا ! والآخر تشَهَّد وهو واقفٌ ! وذلك صلَّى ثلاث ركعات ؛ حَلَّ في كلّ ركْعة صندوق من صناديقهِ! فإذا كانت صلاتك كذا فَابْك على نفْسِك، والصَّلاة عماد الدِّين من أقامَها فقد أقام الدِّين، ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدِّين، وأوَّل ما يُحاسب عليه المرء هو الصَّلاة فإن صحَّت فاز ورَبِح، وإن لم تَصِحّ خاب وخَسِر.
قال تعالى:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
[سورة الأعلى]
لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، والدليل تجد إنسانًا في موضوع ذاكرته رائِعَة، وفي موضوعات أخرى قليلة فأخوكم المتَحَدِّث سألتُ أخًا عن عَمِّه، فاسْتَغْرَب وقال لي: قبل سَنَتيْن ألْقَيْت تعْزِيَةً وموعِظةً على وفاتِهِ !! أما الأمور المتَعَلِّقَة بالدِّين من قرآن وسنَّة يلزَمُ عليك أن لا تنْساها.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾
[سورة الأعلى]
إلا إذا شاء الله لك أن تنسى، ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، والإنسان أحْيانًا تنْحَلًُّ مُشْكِلَةً له بالنِّسْيان ! فالنِّسْيان من نِعَمِ الله الكبرى، فالله تعالى يُذَكِّرُكَ لِحِكْمَة ويُنْسيك لِحِكْمَة، ويُقَسِّي القلب ويُلَيِّنُهُ لِحِكْمَة، فإذا كنت أمام إنسان، علاقتك بالله، يُلَيِّن قلْبَهُ فَيَخْدُمُكَ، ويُقَسِّي قلبَهُ فَيُتْعِبُكَ، وإذا ذَكَّرَهُ قِصَّةً قديمة يُهْلِكُكَ، وإذا أنساه إيَّاه تمشي قَضِيَّتُك ؛ فَعَلاقَتُكَ ليس مع الإنسان ولكن مع الواحِدِ الدَّيان، فَمُلَخَّص المُلَخَّص أنَّ هناك وُحوش كاسرَة مرْبوطون بإحْكام وبِيَد إنسان عظيم وحكيم ونزيه وكريم فعلاقتك أنت ليس مع الوُحوش ولكن بِمَن هي في يَدِهِ، فإذا أرْخى الزِّمام نَهَشوك، وإذا أحْكَمَهم سَلِمْتَ منهم، والدليل قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي(39)﴾
[سورة المرسلات]
فلو كنت تمشي بالطريق ورأيتَ كلْبًا عاقًّا بِيَدِ صاحِبِه، فهل علاقتك مع الطلب أم مع صاحب الكلب ؟ مع صاحب الكلب، لأنَّه إن أرْخى الزِّمام نَهشَكَ، وهذا توحيد رائِع وما تعَلَّمت العبيد أفضل من التوحيد.
جاء توْجيهٌ لِوَالي البصْرة في عهْد الحسن البصري، وكان سيِّد التابعين، وهذا التَّوجيه مُزْعِج من الخليفة ؛ ماذا يفْعل ؟ إن لم يُنَفِّذ التَّوْجيه أبعَدَهُ الخليفة ؛ هذا إن لم يُعَذِّبْهُ، وإن نفَّذْتُهُ غضب الله عليَّ جلّ جلاله، فاسْتحْقَقْتُ النار، فقال له الحسن رحمه الله: غنَّ الله يمْنعُك من يزيد ولكِنَّ يزيد لا يمْنعك من الله، فأنت إن أرْضَيْتَ الله عز وجل يمْنَعُ عنك يزيد، أما إن أغْضَبْتَ الله عز وجل ؛ فَمَن يمْنَعُهُ عنك، والله عز وجل مُهَيْمِن.
قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾
[سورة الأعلى]
فهو تعالى يعْلم الجَهْر وبالمُقابل السرّ، ويعْلَمُ ما تُمِنُّه وما خَفِيَ عنك، أربعة أشياء، لذلك علم ما كان وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
فواحِدٌ مثلاً على دَخْل مُعْتَدِل من البيْت إلى المسْجد ؛ لو كان مع هذا ألف مليون ماذا سَيَفْعَل ؟ لا يعْلم إلا الله ماذا سيَفْعَل ؟ قد لا يسْتقيم على أمْر الله، لذلك ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا أعْطاك، لذلك الإنسان يوم القيامة يُلَخِّص علاقته بكلمة واحدة، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وحتَّى أهل النار ؛ تُكْشَفُ الحقائق ورحْمة الله تعالى وحِكْمَتُهُ وعَدْلُهُ وما ساق للإنسان مِن مصائِب، مِن أجل أن يرْتَدِع بها، ولا يوجد إلا أن يقول كلمة واحِدَةً كل الخَلْق ؛، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
قال تعالى:
﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8)﴾
[ سورة الأعلى ]
أيها الإخوة، لا شيءَ أمْتَعَ من التيْسير، احْيانًا في عَمَلك ؛ عقَبَة صغيرة المَشْروع فشل، ورقة صغيرة ذهب من جرَّائِها كل الملف ! لا يوجد أصْعب من التَّعْسير، وهو يصنع في الإنسان خِبْرة حزينة صادِمَة، أما التَّيْسير فَهُوَ مُريح، ولِكُلٍّ من التَّعْسير والتَّيْسير مُريح.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
[ سورة الليل ]
بنى حياته على العطاء، واتَّقى أن يعْصي الله، فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرى ؛ في عمله وعلاقاته وصِحَّتِه،و ترْبِيَة أولاده، وفي كلّ شؤون حياتِه.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
[ سورة الليل ]
بنى حياته على البخل والأخذ، واسْتغْنى عن طاعة الله وكذَّب بهذا الدِّين العظيم فَسَنُيَسِّره للعُسْرى.
فهذا رجل من الأغنياء ؛ مصانع ومعامل وشركات، وحجْمُه المالي كبير جدًا، كان هناك قاطع كهربائي مُعَطَّل، فذهب ليُصْلِحَه وصعد الكرسي، فإذا به يسْقط في الأرض فوق هذا القطعة التي طولها ثمانية عشرة سنتمتر في مِقعَدَتِه وقضيبِهِ، ذهب إلى المستشفى، فمات بهذا المرض وهو تَسَمُّم بالنُّسُج ؛ ترك عشرين مليون دولار ! ولو جلَسْتَ معه فأكثر كلمة يرْويها...خُوزقنار !!! فالإنسان قد تنتهي حياته على أتْفه سبب، وآخر مؤمن يحْفظه الله، لذلك كما قال تعالى
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
[ سورة الليل ]
فالتَّيْسير له قانون، وكذا التَّعْسير، ولا تقل لي: يدهُ خضْراء ؛ هذا كلام لا قيمة له ! والدَّهْر معه ! هذا كلام فارغ، هذا كذب، ولا تقل لي القدَر قلب له ظهر المجنّ ! أيُّ قدَرٍ، قُل لي مُوَفَّق أم لا ! وأُمورُه مُيَسَّرة أم لا ! فهي مُيَسَّرة لأنَّه أعطى واتَّقى وصَدَّق بالحسنة، ومُعسَّرة لأنَّه بخل واسْتغنى وكذَّب بالحسنى ؛ هذا قانون إلهي، فإذا منت مِمَّن يرْجو أن تتيَسَّر له تِجارته وتربيَةُ أولاده ؛ أعْطِ واتَّق وصَدِّق بالحُسنى، والحياة جنَّة أو نار، فهي جنَّة بِطاعة الله، ونارٌ بِمَعْصِيَتِه، وهي تيْسير أو تعْسير، ولا يُحَقَّقُ شيء إلا بِتَوفيق الله، قال تعالى:
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ﴾
[ سورة هود ]
وأحْيانًا ربُّنا عز وجل لأتْفَه سبب يُعَسِّر لك أمْرك، والله تعالى يمْكنه أن يُضَيِّع لك عشرين ساعة من دون فائدة، وقَّفتْ آلة وتحتاج إلى قطْعة، قمتَ بِفاكس وبريد واتِّصالات، ولمَّا وصلَت، بعد هذه الأيام إذا بها أكبر حجْمًا من التي طلَبْتَها !! فإذا الواحد بَخِل أن يُصلي أو اسْتثْقل أن يحضر مجْلس علم جوزِيَ.
ذكر لي أحد الإخوة - وهو الآن قد تُوُفِّي رحمه الله - أنَّه ذهب يوم جمعة إلى التنزُّه ولم يُصلِّ ! ونحن في النُّزْهة قال لي أحد الأطفال هناك: وقد أحْببتُه لِحُسن مُعامَلَتِه: هل أمْلأُ لك من ماء بقين ؟! فقلتُ: نعم، لمَّا ركِبْنا السيَّارة، ومشَيْنا نصف الطريق إذا بي أفْقِدُ جزداني!! فيه ميكانيك السيارة وشهادة سواقة، وبقيت ستَّة أشْهر مِن فرْع لآخر حتنَّى اسْتَكْمَلْتُ الأوراق !! زكاة الوقت الصلوات وحضور مجالس العلم، حينما يُزَكِّي الله لك وقْتَك
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-17-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاعلى (87 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الأعلى ؛ الآيات الأخيرة وهي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾
[ سورة الأعلى ]
أقِفُ عند قوله أفْلَحَ، فَكُلّ إنسانٍ عنده مِقْياس للفَلاح، فأحدُهم يتَوَهَّم أنّ حِيازة المال هو الفلاح، وآخر أن يَتَزَوَّج امْرأةً تروق له ؛ هي الفَلاح وإنسان آخر يَتَوَهَّم أنَّه إن كان في منصبٍ رفيعٍ هو الفلاح، وذاك يَتَوَهَّم أنَّه إن امْتَلَك البيوت والحوانيت هو الفلاح، وذلك يتَوَهَّم أنَّهُ إن انْغَمَسَ في الشَّهوات إلى قِمَّة رأسِه هو الفلاَح ؛ لذا قُلْ لي ما مِقْياس الفَلاح عندك أقول لك: مَن أنت ؟! ما مِقْياس الفَلاح في القرآن ؟ قد أفْلَحَ من تَزَكَّى، وكلمة: قد أفلَحَ وَرَدَت في القرآن الكريم في بضْع آيات، وهي في قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾
[ سورة الأعلى ]
وفي قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾
[ سورة الشمس ]
وفي قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7)وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8)﴾
فقط، فالفَلاَح كُلُّ الفلاح، والنَّجاح كُلّ النَّجاح، والفوز كلّ الفَوْز، والتَّفَوّق كلّ التَّفَوّق في أن تُزَكِّيَ نَفْسَك لأنَّها أمانَةٌ بين يدَيْك، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
[ سورة الأحزاب ]
فما معنى الأمانة ؟ بالمَفْهوم الضَّيِّق ؛ مَبْلغٌ أودِعَ عندك، وعليك أن تُؤَدِّيَه بالتَّمام والكمال في الوقت المناسب أما الأمانة بِمَفْهومها الواسِع أيّ شيء وُضِعَ تحت تَصَرّفك وأطلقت يَدُكَ فيه فإمَّا أن تَحْفَظَها وإما أن تُضَيِّعَها، وإما أن تُتْقِن وإما أن تُهْمِل، وإما أن تُنْصِف وإما أن تَعْدِل، وإما أن تُؤَدِّي الحُقوق وإما أن تُقَصِّر فلذلك أخطر أنواع الأمانات أمانة التّكليف، فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة، فإذا كان المُعَلِّم في صفٍّ فيه أربعون طالبًا، وعَيَّن من التلاميذ من هو ليس كُفْؤًا، وكان من هو أتقى منه وأعلم وأذكى فقد خان الله ورسوله والمؤمنون، قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بِسَارِقٍ أو ناهِب ؟ قال: أقْطَعُ يَدَهُ، قال: إذاً إذا جاءَني من رَعِيَّتِك وهو جائِعٌ أو عاطل فسَأقْطَعُ يدَك، إنّ اله قد اسْتَخْلَفَنا عن خلقِهِ لِنَسُدَّ جَوْعَتَهم ونسْتُرَ عوْرَتهم، ونُوَفِّرَ لهم حِرْفَتَهم، فإنْ وَفَّيْناهم ذلك تقَاضْينا شكرها فإنّ هذه الأيْدي خُلِقَت لِتَعْمَل، فإذا لم تَجِد في الطاعة عَمَلاً الْتَمَسَت في المَعْصِيَة أعْمالاً، أمانة الوِلاية ؛ فهذا سيِّدُنا عمر كان يطوف في المدينة فرأى قافِلَةً فقال: لِعَبد الرحمن ابن عَوْف تعال لِنَحْرسها ! بكى طِفْل فقام عمر إلى أُمِّه فقال لها عمر: أرْضِعيه، وبكى ثانِيَةً فقال: أرْضِعيه، فَبَكى ثالثَةً فقال: يا أمَةَ السوء أرْضِعيه، فقالتْ: وما شأنك بنا ؟! إنَّني أفْطِمُه، فقال: ولِمَ ؟ فقالتْ: لأنّ عمر ابن الخطاب لا يُعْطينا العَطاء إلا بعد الفِطام ! فَضَرَب جَبْهَتَهُ وقال: وَيْلَك يا ابن الخَطَّاب كم قَتَلْتَ من أطفال المسلمين ؟ وصلى صلاة الفَجْر في أصْحابه فَلَم يسمع أصحابه صَوْته مِن شِدَّة بُكائه، وهو يقول: ربِّي هل قَبِلْتَ تَوْبَتي فأهَنِّأها، أم رَدَدْتها فأُعَزِّيَها ؟!
وهذا سيّدنا عمر ابن عبد العزيز رأَتْهُ زوْجَته فاطمة بنت عبد المَلِك يبكي في مُصَلاَّه فقالت: ما يُبكيك ؟ فقال: دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: نظرْتُ في الفقير والبائس والأرملة الضائعة وابن السبيل وفي ذا حب القوت القليل والعيال الكثير، وفي المريض والأسير، وذكَرَ أربعين أو خمسين صنف، فَعَلِمْتُ أنّ الله سَيَسْألني عنهم جميعًا وأنَّ حجيجي دونهم رسول الله، فلِهذا أبْكي ! فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة التَّعْيين، وكذا أمانة الزَّوْجِيَّة، وأمانة الواجب فهذا المواطن الذي أمامك أمانَةٌ في عُنقك، فإمَّا أن تنصحه وإما أن تغشَّه وإمَّا أن تُيَسِّر أموره وإما تُعَقِّدَها عليه لِتَبْتَزَّ ماله، فأنت إذا كنت طبيبًا فالمريض أمانة في عُنقك، وإذا كنت مُحامِيًا فالمُوَكِّل أمانة في عنقِك إما أن تُلْهِمَه أنَّ الدَّعْوة رابِحَة فتَأخُذَ أمواله وإما أن تنْصَح له فيتصالح مع الخَصْم، وكذا إن كنت مُهَنْدِسًا كان هذا البناء أمانة في عُنقك فإذا انْهار وقتل بعض الأشْخاص فأنت المُتَسَبِّب ؛ لذا عليك أن تضَعَ الإسْمَنْت الكافي والحديد الكافي، أشرف على الأمور بِنَفْسِك، وإن كنت مُعَلِّمًا فَهَذا الطالب أمانةٌ في عُنقك، أو كنت ربَّ بيْت فالزَّوْجة أمانة في عُنقك، وكذا أمانة الأولاد، فأصْبَح لدينا أمانة التَّبليغ وأمانة التَّعْيين وأمانة التَّبْيين، وأمانة الوِلاية والتَّوْلِيَة، وأمانة الواجب، وأمانة المجالس، أما أعظم أمانةٍ فَهِيَ أمانة التَّكْليف، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
[ سورة الأحزاب ]
إن صَحَّتْ أمانة التَّبليغ صَحَّت كلّ الأمانات، وإن لم تَصِحّ أمانة التَّبْليغ والتَّكْليف لم تَصِحّ كلّ الأمانات، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة نفسه التي هي بين جَنْبَيْه لم يُؤَدِّيَ أمانة الآخرين، يا موسى خَفْ ثلاثًا: خَفْني وخَفْ نَفْسَك وخَفْ مَن لا يخافُني، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة التَّكْليف لم يُؤَدِّ أيَّة أمانة أخرى، لذلك قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾
[ سورة الأعلى ]
ومن هو الذي تزَكَّى ؟ هو الذي أدَّى أمانة التَّكْليف ؛ نَفْسُك بين جَنْبَيْك ووُضِعَت أمانةً في عُنقك، وأطلقَت يدك في نفسك فإمَّا أن تُزَكِّيَها وإما أن تُدُيِّسَها، ولن تفلح إلا إذا زَكَّيْتَها، كيف تُزَكِّيها ؟ ينبغي أن تُعَرِّفَها بالله، وأن تُعَرِّفَها بِمَنْهَجِه، فصار بِذلك طلب العِلْم فرْض أن تحْمِلَها على طاعة الله ؛ وهي الإرادة كي تتقَرَّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِباده ؛ وذلك بالأعمال الصالحة، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
[ سورة الكهف ]
إذاً قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)/
[ سورة الأعلى ]
كيف يتَزَكَّى ؟ يذكر اسم الله، ويُفَكِّر في خلقه، وفي آياته وأفْعاله، ففي خلقه كما قال تعالى ﴿: إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6)/
[ سورة يونس ]
في قرآنِهِ قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾
[ سورة محمد ]
في أفعاله، قال تعالى:
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾
[ سورة الروم ]
فأنت إذا فَكَّرْتَ في أفعاله وفي قرآنه وفي آياته عَرَفْتَهُ وإذا عرَفْتَهُ اتَّصَلْتَ به فإذا اتَّصَلْتَ به زَكَتْ نفسُك، وإذا زَكَتْ تكون قد أدَّيْتَ أمانة التَّكْليف، وتكون بهذا قد حَقَّقْتَ الهَدَف الذي من أجله خُلِقْتَ، لذا يا ربِّي كما أقْرَرْتَ أعْيُنَ أهل الدنيا بِدُنْياهم أقْرِرْ أعْيُنَنَا بِرِضْوانِك، والناس إذا سأل بعضهم بعْضًا فاسْأل الله أنت ! وإن لَجَأوا إلى الأقْوِياء اِلْجَأ إلى الله أنت، وإن اغْتَنَوا واكْتَفَوا فاغْتَنِ بالله أنت، لكن أكبر عَقَبَة كما قال تعالى:
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾
[ سورة الأعلى ]
حُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمَ وحُبُّكَ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة والدنيا دار من لا دار له، ولها يسْعى من لا عَقْل له، ودار الدنيا الذي تُجَمِّعُه في خمسين عاماً تُفْقده في ثانِيَة واحِدة، فَكُلّ شيء تمْلِكُه وكلّ مكانةٍ حَصَّلْتَها، وكلّ حجْمِك الاجْتِماعي والاقْتِصادي والمالي، والبورد والدكتوراه، والمنْصِب الرفيع والقوَّة كلّ هذا الحجم مُتَعَلِّق بميلمتر قطر شريانك التاجي فإذا ضاق كانت الطامَّة الكبرى، وتدْخل بِمَتاهة ثانِيَة، تحتاج إلى قسطرة وتوسيعه بالبالون، ووَضْع نابض، وتجريفات ؛ كنت بِوَادٍ وأصْبَحْتَ بلِوَادٍ آخر، فَقُطْر الشريان التاجي، والأمر الثاني نُمُوّ الخلايا، والأمر الثالث مادام الدم سائِلاً فأنت مرْتاح، أما إذا تَجَمَّد انتَهَت الحياة ؛ ثلاثة عوامل بسيطة ؛ سُيولة الدَّم، وعلى تَوَسُّع الشريان التاجي، وعلى نموّ الخلايا وكلّ هذه ليْسَت لك، قال تعالى:
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾
[ سورة الأعلى ]
بِرَبِّكم إذا خُيِّر الواحد بين أن يرْكب سيَّارة ربْع ساعة فقط، وبين أن يرْكب درَّاجة ويمتلِكَها، طبِّيب إذا خَيَّروه بين أن يركب سيَّارة وبين أن يتملَّكها ! هل يترَدَّد ثانية ؟ طيِّب إذا خيَّروه بين أن يركب سيَّارة فَخْمة ثمنها غالٍ جدًا ويمتلكها، وبين أن يركب درَّاجة ! هل يترَدَّد ؟! لذا قال تعالى:
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
[ سورة الأعلى ]
فيها ما لا عينٌ رأَت ولا أذن سَمِعت ولا خطر على قلب بشر، وإلى أبد الآبدين أما الدنيا ففيها هرم، والْتِهاب مفاصِل، وفيها ارْتِفاع كوليسترول، وهذه الأكلة لا آكلها لأنَّها ممنوعة عليَّ، وهذا اللَّحم ممنوع، ولا بدّ أن أمْشي والمَشْيُ ممنوع لأنَّ المفاصل هشَّة، فقد كان بالبؤرة وأصبح بالهامش، دنيا فيها قلق ؛ قد تموت زوجتك، وقد يفقِد أحبابه وأصدِقاءه، وقد تخسر مالك، هموم ؛ الحياة كلّها مشاكل، خُذ من الدنيا ما شئت، وخذ بِقَدَرِها هَمًّا، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حَتْفه دون أن يشعر، قال تعالى
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
[ سورة الأعلى ]
أخذ بيتان مَكْسِيَّان بالميسات اثنا عشر طابقًا ولم يكن هناك مصعد، فَنَزَع البلاط والسيراميك، رَجَّع البيت وكأنَّه الآن بُنِي، واشْتَغَل بالكِسوة أكثر من سَنَتَيْن ونصف، وعَمَّر البيت بأفضل أنواع الكسوة، وبعدما انتهى من التَّعمير وافَتْهُ المَنِيَّة ! هذه هي الدنيا، وهذا عاش طوال حياته بِبَيْتٍ قَبْو، ورطوبة، وجَمَّع من الدراهم قِرْشًا فوق أخيه إلى أن اشْترى وأمَّن بيْتًا بالمُهاجرين، وله إطْلالة على الشام، حينها قال لِزَوْجته الآن أمَنَّا مُستقْبَلَنا ! وبعد جمعة توَفَّى ؛ هذه هي الدنيا وهذا ترك ألف مليون، وأحد الورَثَة نصيبهُ كان تسعين مليون وخِلال سِتَّة أشهر وهو في مالِيَة طالِع ونازل، وقبل أن يأخذ نصيبه من المال، دخل إلى الحمام وأثناء قضاء حاجته وافَتْهُ المَنِيَّة ! قال تعالى
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾
[سورة الأعلى ]
كل شيء مُتَوَقِّف على نبْض القلب فإذا تَوَقَّف عَظَّمَ الله أجركم، كُلُّنا على هذا الطريق شِئْنا أم أبَيْنا، ومن هو العاقِل ؟ الذي يعمل للآخرة، قال تعالى:
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾
[سورة الأعلى ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الغاشِيَة وَصْفٌ لِحال أهل النار، وحال أهل الجَنَّة، ويتَّضِح من حال هذين الوَصْفَيْن أنَّ البَشَر جميعًا سوف ينتهون إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار، فَو َالذي نفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾
[ سورة الغاشية ]
أحْيانًا يكون الإنسان يعيش ولَدَيْهِ نشاطات وتِجارة، ولِقاءات وزِيارات وسَفَر وطُموحات وتأسيس مشاريع، لا سَمَحَ الله يأتيه مَرَضٌ عُضال يُنْسيه كُلَّ شيء، كُلُّ هذا يُلْغى، فإذا بهذه الأُسْرة يتغَشَّاها هَمٌّ كبير، فَيَوْم القِيامة السيِّدَة عائِشَة سألتْ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قال: يُحْشَر الناس حُفاة عُراة..." الآن لو ساقوه إلى الإعدام، ومن نافذة السيَّارة رأى امرأة سافرة وبِأبْشع صورة ؛ فَهَل يشْتَهيها ؟ هل يراها ؟ لا ينظر إليها إطْلاقًا وكأنَّها لم تَكُن ! لذلك قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾
[ سورة الغاشية ]
يوم القِيامة يومٌ آتٍ لا مَحَالةَ، قال تعالى: يَغْشى الناس هذا عذاب أليم..." قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾
[ سورة الغاشية ]
ساكنة، أوْضَح تفسير لهذه الآية اُنْظر إلى صُوَر المُجْرِمين حينما يُلقى القَبْض عليهم وهم وراء القُضْبان.
قال تعالى:
﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)﴾
[ سورة الغاشية ]
مُجْرِم، ثمَّ قال تعالى:
﴿ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5)﴾
[ سورة الغاشية ]
فإذا الإنسان سَكَب في صَحْنه والطعام حارّ، فأوَّل لُقْمة يحْترق لِسانه.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)﴾
[ سورة الغاشية ]
شَوْك، الماء يغلي والطعام كالشوك لا يُسْمِن ولا يغني من جوع، هؤلاء أهل النار.
قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾
[ سورة الغاشية ]
أحْيانًا ترى إنسانًا مُرْتاح وأكْله جيِّد، عصير وبيت مُكَيَّف، وليس له مُشْكِلة ؛ ترى وَجْهه مُتألِّق، فهذا مثال من حياتنا الدنيا، فَكَيف بالإنسان يوم القيامة إذا كان بالجَنَّة ووصَل إليها.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9)﴾
[ سورة الغاشية ]
الإنسان أحْيانًا يرْضى عن نفْسِه، وأحْيانًا يَحْتَقِرُ نفْسه ؛ اِتَّصَل بي رجل الآن قبل ساعات، وقال لي: اِرْتَكَبْتُ ذَنْبًا سَقَطْتُ من عَين الله، وأنا أقول لإخواننا: والله لأنْ يسْقُطَ الإنسان من السماء إلى الأرض فَتَنْحَطِمُ أضْلاعه أهْوَنُ مِن أن يسْقط من عَيْن الله ؛ لمَّا يكذب أو يسْرق أو يبْتَزَّ أموال الناس، ويُدَلِّس أو يُعَذِّب الناس، فالبُطولة أن ترْضى عن نفْسِك لأنَّها أقرب إليك، وأنت على نفْسِك بصيرة ولو ألْقَيْتَ المعاذير، قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾
[ سورة القيامة ]
واحِد وجد سيَّارة بِبَلَد مُجاوِر وغالِيَة جدًا، وفَنَظَر إلى المِفْتاح فَوَجَدَهُ فيها، فشَغَّلَها ومَشَى، وما انْتَبَه بعد حين أنْ وَجَدَ رضيعًا فَخَنَقَهُ ورماه بالسَّاقِيَة ! صار معه حادِث جعله أولاده أشلاء، وجاء المُعَزُّون وقالوا: والله أمثالكم لا تسْتَحِقُّون مثل هذه المصائب، فقالتْ زوْجته: لا، بل نسْتحِقّ أكثر من هذا ! فالإنسان يعرف نفسَه، وإذا كان ماشي بالحرام يعرفها، وإذا كان يؤْذي الناس يعرف نفسه، وهذا أحدهم كان من طَبْعِهِ الأذى فقال:
حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مذْهبي ما كنت بالغالي ولا بِالمُتَعَصِّبِ
يَأبي فُؤادي أن يميل إلى الأذى حُبُّ الأذِيَّة من طِباع العَقْرب
هناك أشْخاص كالعقرب، تجده يتلَذَّذُ بالأذى، يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، فالفائدة أقلّ الفائدة أت تُؤذي كي تنتفِع إلا هناك من يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، ثمّ أتَمَّ البيْتَ قائِلاً
لي أن أردَّ مساءةً بِمَساءَةٍ لو أنَّني أرْضى بِبَرقٍ خُلَّدِ
حَسْبُ المسيء شُعوره ومقالُه في سِرِّه يا ليتني لم أُذْنِبِ
فالإنسان لمَّا يكون سَعْيُهُ جيِّد يرْضى عن نفْسِه، وهذا شُعور جَيِّد جدًّا وحينما يَحْتال يسْقط من عَيْنِ نفْسِه، فقد تكون في عَيْن الناس كبيرًا وأنت في عيْنِكَ صغيرًا، قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾
[ سورة القيامة ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)﴾
[ سورة الغاشية ]
الإنسان أحْيانًا كي يبْرد يتَحَمَّل صوت مُزْعِج من المُكَيِّف، فإذا ألْغى الصوت شَعَر بالحرّ، ففي الجنَّة لا تسْمع فيها لاغِيَة ؛ هُدوء.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾
[ سورة الغاشية ]
النَّمارِق وسائِد، والزَّرابِيّ البُسط الفاخِرَة، مصيرنا جميعًا إما إلى هؤلاء، إما إلى هؤلاء، والدنيا فيها خِيارات كثيرة،قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾
[ سورة الملك ]
أما عند الموت هناك خِيارَيْن ! إلا أنَّه بالدنيا هناك من دَخْله ألف، وألْفَيْن وثلاثة وأربعة إلى مائة ألف، وهناك من دَخْلُه مليون باليوم، وهناك مائة مليون ! الفارق في الدنيا كبير،أما عند الموت فَكُلُّ هؤلاء إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم، لذلك قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾
[ سورة الملك ]
فالطريق إلى الجنَّة أن تعبد الله، والطريق إلى طاعته، فهو كما قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
أي أنْ تعرف الله مِن خِلال خلْقه، وإن شاء اله تعالى غدًا نتَحَدَّث عن هذه الآيات الثلاث:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
مِن أكبر الآيات الدالة على عظمة الله تعالى الإبل.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في أواخر سورة الغاشِية وهي قوله تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
[ سورة الغاشية ]
أوّل شيء الآيات التي في القرآن الكريم، والتي تتَحَدَّث عن الآيات الكَوْنِيَّة تَقْتَرِبُ من رُبع القرآن ؛ فهذه الآيات التي اخْتارها الله لنا موضوعات للتَّفَكُّر، كم هناك مِن الحيوانات ؟ هناك الملايين من أنواع الأسماك، وثلاثمائة ألف نوع من الطيور، والله عزَّ وجل اخْتار الإبِل، قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
[ سورة الغاشية ]
لو أنَّ الإنسان بادئ ذي بدء اسْتَخْدم هذه الآيات القرآنِيَّة الكونِيَّة وفَكَّر فيها لَوَصَل إلى الله عز وجل، لذا هي مَنْهج، وعلى هذا الإنسان إذا فَكَّر، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة على الإطلاق لأنَّه يزيدك معْرِفَةً بالله، وإذا عرَفْتَ الله تعالى عَرَفْتَ كُلَّ شيء، لذا طاعة مَن يعْرِف الله، ومَن لا يعرِف الله تعالى بينهما فرْقٌ كبير، فالذي لا يعرِفُ الله تعالى مُقاوَمَتُهُ هَشَّة، وتحت تأثير أيّ ضَغْط يخْرِقُ الاسْتِقامة، وتحت تأثير أيّ إغْراء يخرق الاسْتِقامة، بينما الذي يعرف الله تعالى لو قَطَّعْتَهُ إرْبًا إرْبًا لا يتَغَيَّر، قال تعالى:
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾
[ سورة الأحزاب ]
لو تساءَلْنا: رجلان مؤمنان، مِن أبوان مُسْلِمان، عاشا في بيئةٍ واحدَة، وفي مُعْطَياتٍ واحِدَة، فَلِما هذا يُطيعُ الله، وذاك يَعْصي الله تعالى ؟! لو أرَدْتَ جوابًا عِلْمِيًّا، فالذي يُطيعُ الله تَجِدُه انْطَلَق مِن معْرِفَة الله، والذي يعْصي الله انْطَلَقَ من ضَعْف معرِفَتِه بالله تعالى، فالإنسان ضِمْنَ الجَيْش، مهما كان مُسْتواه يعرف معنى لِواء، ويعرف معنى عصْيان أوامِر القادَة، كما أنَّه يعرِف معنى أنْ تُطيعَ أمْرًا فقَدْ ترْتَقي، وتترَفَّع إلى رُتْبة أعلى، فأنت ضِمْن هذا النِّطاق المَحْدود تعرفُ معنى الطاعة ومعنى المَعْصِيَة، أما الإنسان المَدَني والذي يبْعُد عن النِّطاق العَسْكري لا يُقَدِّر هذه الرُّتَب والصلاحِيَّات والإمْكانات، والعُقوبات، والمُكافئات، لذا أنت تُطيعُ الله تعالى بِقَدْر ما تعْرِفُه، والإنسان يَعْصي الله بِقَدْر ضَعْفِ إيمانه لذلك الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُك على طاعة الله تعالى، فإنْ لم يَحْمِلْك على طاعة الله، فلا قيمة لهذا الإيمان، إنَّهُ إيمان كما قال بعضهم إيمانٌ إبْليسي ! فإبْليسُ آمَنَ، وقال تعالى
﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾
[ سورة الحجر ]
يُخاطب الله تعالى بالرُّبوبِيَّة، ويحلف به تعالى، فالمُلَخَّص أنَّ الإيمان الذي لا يحْمِلُك على طاعة الله تعالى لا قيمة له، أما حينما تَسْتقيم على طاعة الله، فهذا الإيمان حقيقيّ، مِن أجْل أن يَزْداد إيماني قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
[ سورة الغاشية ]
قال العلماء: الله جلَّ جلاله زوَّدَ الإبِل بِعَيْنَيْن تُشْبِهان الميكروسْكوب والتيليسْكوب بِآنٍ واحِد ! فالثاني يُقَرِّب البعيد، والأوَّل يُكَبِّر الصغير، فَعَيْنُ الجَمَل تُريهِ البعيد قريبًا، والصغير كبيرًا، وقد يأتي غُبار في الصَّحْراء يُعيق الرؤيا، فَلِلْجَمَل جَفْنٌ خاصّ يمْنعُ هذا الغُبار الدقيق جدًا الذي يُؤذي العَيْن، والجَمَل يستطيع أن يعيش بلا ماء ثلاثة أشْهر ! إذْ أجْهزة الجَمَل قادِرَة أن تأخذ ماء الخلايا، فالخَلِيَّة فيها ماء، وهذا السَّنام الذي تراه في الجَمَل هذه مُدَّخَرة غِذائِيَّة حتَّى هذا التاريخ، هناك دُوَل عُظْمى تسْتعين بالجَمَل على اجْتِياز الصَّحْراء، إذْ هناك عقَبات ورِمال وجبال من الرِّمال لا يستطيع اجْتِيازَها إلا الجَمَل ؛ مُصَمَّم للصَّحْراء، وهناك أكثر من خَمْسة عشرة مليون جمل بالأرض الآن، والجِمال لها طِباع عجيبة إلى درَجَة غير مَعْقولة، فالجَمَل لو أراد أن يسْتريح على جَنْبِهِ لبَطَلَتْ قيمته كُلِيًّا ! كيف تُحَمِّل عليه ؟ فلو أرَدْتَ أن تُحَمِّل عليه وهو واقِف لاحْتَجْتَ إلى سُلَّم، ولو تَحَرَّك أثناء التَّحْميل لسَقَط صاحبه مَغْشِيًّا عليه فهذه حِكْمَةٌ رائِعَة أنَّه يجْلس جلسةً نِظاميَّة، وهو مُنْخَفِض ؛ تَضَعُ عليه الأحْمال كُلَّها ثمّ ينْهَض وكأنَّ شيئًا لم يكن، إذاً اله تعالى هيَّأ له سفينة في بطنه، وسفينتان في يَدَيه، وسفينتان في رجليه فإذا جلس ارْتاح بطنه.
ثمَّ لماذا هذه الرَّقَبة الطويلة ؟ لأنَّه لو وقفَ لَوَقَعَ الحِمْل مِن عَلى ظَهْره هذه الرَّقَبَة الطويلة تُمَثِّل زراع القَبَّان الطويلة، وبها يتوازن حينما يقف ولأنَّ الجَمَل يعيش في الصَّحْراء، والتي فيها الشَّوْك، فإنَّ أطْيَبُ طعامٍ يأكله هو الشَّوك، كيف أنَّ ألَذَّ الطعام لدَيْك اللُّحوم مع الرزّ مثَلاً فإنَّ الله تعالى رَكَّبَ طَبْعَ الجَمَل على حُبِّ الشَّوْك، يأكل الشَّوْك وكأنَّهُ يأكل الحَلَوِيَّات الفاخِرَة، وفيه لُعاب سميك جدًا، لأنَّ هذه صَحْراء قاسِيَة، ولابدّ أن يستهلك الجَمَل أقلّ قَدَر مِن الماء، ولذلك بَوْل الجَمَل لَزِج، لأنَّهُ مُرَكَّز ترْكيزًا شديداً، وأقَلّ كَمِيَّة من الماء تَجْمع حمض اللَّبَن بِدَمِه فإذا بال الجمَل كان بوْله سميكًا ولَزِجًا لاسْتِهْلاك أقلّ كَمِيَّة ماء في جسمه، وحَتى فَمُه لكي لا يستهلك كمِيَّة من الماء فإنَّ شَفَتاهُ مُبَطَّنَتَان تَلْتَقِمان اللُّقْمة وتُغْلِقُهما، الجمَل مُعَمِّر، ويعيش زمنًا وثَمَنُه الآن بِبَلَدِنا تقريبًا مائة وخمسون ألفاً، فَسَيِّدُنا عثمان رضي الله عنه جاءَهُ في تِجارتِه ستُّ مائة جَمَل مُحَمَّلة بالبَضائِع، وعَرَضَها للبَيْع مِثل شاحنة وزنها عشرين طنًا في عصرنا، ربُّنا عزَّ وجل كيف أنَّ هذا الحيوان مُصَمَّم للصَّحراء في حركته، اُنْظر خُفَّ الجَمَل مُصَمَّم للرِّمال فلو أنَّ خُفَّ الجَمَل كَأرْجُل الحِصان لانتهى ولانْغَرَسَت رجلاه، ولسَبَّب هذا عرقلة الحَرَكة، وبِإمكانِهِ أن يُغْلِقَ أُذُنَه كي لا تؤْذيها الرِّمال هذا كُلُّه مِن خلق الله عز وجل.
صَنْعَةُ الله عز وجل مُتْقَنَة، وحينما قال الله عز وجل:
﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)﴾
[ سورة الملك ]
يعني النَّمْلة والبعوضة، لا يوجد مَخلوق هَيِّن على الإنسان كالبَعُوضَة، فلو أنَّه قَتَل بعوضَةً أحْرَجَتْهُ بالصَّلاة لارْتاح منها، ولا يُفَكِّر نِهائِيًّا أنَّه قَتَل نفْسًا ! هذه البَعُوضة لها ثلاثة قُلوب ؛ قَلْب مركزي، وقلب لِكُلِّ جناح، وجناح البَعُوضَة يرِفّ أرْبعة آلاف مرَّة في الثانيَة ! والبَعوضة لها جِهاز رادار، فهي تَتَّجِه لِجَبين الإنسان في الظلام الدامس دون أن تتَّجِه إلى الوِسادة، لأنَّها تحمل جِهاز رادار فَهِيَ تَتَّجِهه إلى الهَدَف مِن دون رؤْيا أو بِأشِعَّةٍ تحت الحمراء، ولها جِهاز تَخْدير فإذا وَقَعَت على جبين إنسان فهِيَ تُخدِّر هذا الموقِع لكي لا يقتلَها ! والبَعوضة لها جِهاز تَمْييع، فالدَّم لا يدخل في خُرطومِها، فلا بدّ أن تُمَيِّعَهُ، ولها جهازٌ تَحْليلي، هناك دَمٌ يُناسبها وآخر لا يُناسِبُها، ولها مخالِب لِتَقِفَ على سَطْحٍ خَشِن، ولها محاجِم تعتَمِد تَفْريغ الهواء لِتَقِفَ على سَطْحٍ أمْلَس، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)﴾
[ سورة البقرة ]
إذاً أيُّها الإخوة، لو تَفَكَّرْنا في موضوعات التي وَرَدَت في القرآن عن الكَوْن لكان هذا مَنْهَجًا للتَّفَكُّر لنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، تَحَدَّثْتُ في الدرس الماضي عن قوله تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾
[ سورة الغاشية ]
كلُّ ما علاك فَهُوَ سماء، وفي السَّماء مَجَرَّات يُقَدِّرُها بعض العلماء مليون مليون مجَرَّة، والمجَرَّة مجْموعة نُجوم، وكُلّ هذه الأرقام في حُدود ما عرفهُ العلماء الآن، والمسْتقبل يكشِف عن حقائق مُذْهلَة، والكَون ما سِوى الله، ونَظَرِيًّا الكون مَحْدود، لأنَّ ما سوى الله حادِث، والحادِث يسْبِقُهُ عَدَم وينتهي إلى عدم، إذًا مَحْدود، ويبْدو لنا أنَّ ما غير سِوى الله مَحْدود وكُلَّما تقَدَّم العِلْم كشَفَ عن حقائق في الفَلَك يصْعُبُ تَصَوُّرها، فَمَجَرَّةً تَبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة ؛ هذه مِن سنَتَيْن أرْسَلوا مَرْكَبَة إلى المُشْتَري بِسُرْعَة أربعين ألف ميل بالساعة ، وهي أعلى سرعةٍ وصَلَها الإنسان، وأربعين ألف ميل تعني سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة ؛ فالطائرة النَّفاثة تسعة مائة كيلومتر، والتي تسْبق جدار الصَّوْت ألف ومائتان أو أكثر؛ هنا سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة، وبَقِيَتْ هذه المركبة تمْشي نحو المشْتري ستَّة سنوات، والمُشْتري كوكب في المجموعة الشَّمْسِيَّة، والمجموعة الشَّمْسِيَّة قطْرها الضَّوئي ثلاثة عشرة ساعة يعني الضوء يقْطعُها مِن أوَّلِها إلى آخرِها في ثلاثة عشر ساعة، والقمر ثانية ضَوْئِيَّة، وقطعهُ الإنسان بأربعة أيَّام، والشَّمْسُ تبْعُد عنَّا ثمانِيَة دقائق ضَوْئِيَّة، أمَّا المسافة فمائة مائة وستُّ وخمسون مليون كيلومتر ! فَسِتَّةُ سنوات إلى أن وَصَلوا إلى المُشْتري، في المركبة يوجد مرْصَد عِمْلاق، وهذا المرْصد، وقد رصَدَ أبْعَد جرَّة كُشِفَت حتى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون هو ألف مليون والسَّنة الضَّوْئِيَّة بالثانية ثلاثمائة ألف كيلومتر، وبالدقيقة ضرْب ستِّين، وباليوم ضرب أربعًا وعشرون ساعة وبالسنة ضرب ثلاثمائة وخمس وستون ؛ هذا ما يقطَعُهُ الضَّوْء في سنة واحِدَة، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾
[ سورة الواقعة ]
فقوله تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾
[ سورة الغاشية ]
دخلنا الآن في صُلْب الآية كيف رُفِعَت ؟ هناك تجاذب بين الكواكب، والتَّجاذب يقتضي التجاذب، لمَ لا تنجذب الكواكب كلُّها إلى أكبر كتلة في الكون ؟! نَظَرِيًّا ينبغي أن يجْتمع الكون كلّه وِفْق نِظام الجاذِبِيَّة في كتلةٍ واحِدَة، فلماذا كما هو عليه ؟ حركة مع توازن، قال: الحركة عند العوام فيها بركَة ! والحركة في الكواكب ينشأ عنها قوَّة نابذة تكافئ القوة الجاذِبَة، فما دام الكوكب يدور فهو إذًا في وَضْعهِ المِثالي، فإذا تَوَقَّف انْجَذَب، فالله عز وجل قال:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾
[ سورة الطارق ]
أي أنَّ كل كوكب في السماء ينطلق ويرجع إلى مكان انْطِلاقِهِ، فَكُلُّ كواكب الكون إذًا تدور في مسارات مُغْلَقَة.
الآن هناك سؤال أدَقّ ! إذا كان لدينا كتْلتان مغناطيسيتان بِحَجْمٍ واحِد ووضَعْناهما على سطْحٍ مُسْتوي، وجئْنا بِكُرة حديديَّة ثقيلة، فهل نستطيع أن نضَعها بين الكتلتين في الوسَك الهندسي تمامًا بِحَيث لا تنجذب لا إلى هنا ولا إلى هنا ؟ نَظَرِيًّا ممكن أما عَمَلِيًّا فهذا مُسْتحيل لأنَّه لو انْجَذَبَتْ واحد بالمليار ميلي، لا يوجد أجْهزة دقيقة تضعُها في الوسط تمامًا !
الآن لو أنَّ الكتلتين مُتفاوِتتان في الحجْم، هنا نحْتاج إلى حِسابات ! المسافات والقوى الجذْب والكتلة، ونحتاج إلى مختَصُّوا رياضيات وفيزياء، طيِّب لو كانت ثلاثة كُتَل ! مِن سابع المستحيلات أن يضع إنسان كتلة في الهواء بِحَيث تبقى مُستَقِرَّة، فإذا كانت عشرون كتلة متفاوتة في الحجم والمسافات بِقُوَّة الجذب والفراغ وهي مُتَحَرِّكَة والمُحَصِّلة اسْتِقرار المُتَحَرِّك؛ وهذا شيء يَصْعُب تَصَوُّره، فالكون كُلُّه مَجَرَّات وحُجوم مُتفاوِتَة وأماكن مُتفاوِتَة والكون كلُّه يدور ومُحَصِّلة هذا الدَّوران توازن حرَكي ؛ حَرَكَة مع توازن بحيث لو أيّ كتلة زاد انْجذابها إلى كتلة ثانِيَة ارْتَطَمَت بها ؛ ولا يعرف هذا الكلام إلا أستاذ رياضيات مُتَعَمِّق بالهَنْدسَة الفراغِيَّة، وهذا معنى قوله تعالى
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾
[ سورة الرعد ]
من يستطيع أن يُعَمِّرَ جامِعًا دون دعائِم ! ومن دون جدران ! هذا فوق طاقة البشر، لكن هذا هو وَضْعُ الكون، قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾
[ سورة الغاشية ]
وما الذي جعلها متوازنة ؟ فالقِطار باليابان إذا وصل متأخِّرًا ثلاثة دقائق يَدْفَع للرُّكاب تَعْويض، فلا بدّ أن ينطلق من توكيو إلى أوساكا وهناك حوالي ستُّ مائة كيلومتر، فيَلْزَم أن يصل بِفارِق أقلّ من ثلاثة دقائق، طيِّب أدَقُّ ساعَةٍ بالعالم ساعة بيكبِن ؛ كيف تُضْبط ؟ على مُرور نجْم، فهي حينما ترْصُد نجْمًا بِسَمْتٍ دقيق، يأتي في وقْتٍ مناسب لا يزيد ولا يتأخَّر ثانِيَة، فَحَركات النُّجوم بِمِعشار الثواني تنضبط، وتمْشي مسافات مُذْهِلَة، ولا أدَلَّ على ذلك، فالإنسان أحيانًا لا ينتبِه إذْ هناك تَقْويم، ففي اليوم التاسع عشر آب المغرب على الساعة السابعة وثلاثة عشر فرَضًا، فهل يُعْقَل أن نعرِف بعد سِتِّين يومٍ وبعد سنة وبعد ألف سنة، نعرف تَوْقيت المغرب مثلاً، فهذا التَّقْويم ماذا يعْني ؟ يعني أنَّ حركة الكواكب بِمِعْشار الثانِيَة، ونحن نتنبَّأ بِنِظام دقيق أنَّ الأرض دَوْرَتُها ثابتة، وكذا سرْعتها، وحركتها حول الشَّمْس ثابتة، وهذا التَّقْويم مأخوذ من دَوْرة الأرض حول نفسِها، ومن دورتِها حول الشَّمس، وكلّ هذه الدَّورات بِسُرْعاتٍ ثابتة لا تزيد ولا تنقص ! الأمر الثاني أنت عندك نهار وليل، فالأرض تدور ولو أنَّها واقفة لما كان هناك ليل ونهار، ولكان هناك نهار وليل سَرْمدي، فالنَّهار السَّرْمدي ثلاثمائة وخمسين درجة فوق الصِّفر ؛ حينها يموت كلّ شيء، الليل السرْمدي ومائتان وسبعون درجة تحت الصِّفْر، ولانْتَهَت الحياة حينها أما بِدَورَتِها ينشأ الليل والنهار.
لو أنّ الأرض محورُها عمودي ؛ لكان هناك ليل ونهار ولكن فُصول ثابِتَة ! الصَّيْف أبدي والشِّتاء أبدي والرَّبيع أبدي، ولكن بِمَيْل المِحْوَر صار هناك صيف مُتَبَدِّل، وشتاء مُتَبَدِّل، وربيع مُتَبَدِّل، وخريف مُتَبَدِّل، وبِحَرَكَتِها حول نفْسِها نشأ الليل والنَّهار، فلو كان محورها متوازي مع مِحْوَر دورانِها لالْتَغى الليل والنَّهار ! فالميل دقيق جدًا في الأرض، فالله تعالى ذكَرَ الليل والنهار، وذَكر الشَّمس والقمر بِآيات كثيرة جدًا، وقال تعالى:
﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾
[ سورة يس ]
فالأرض شَكَّلَت حلزون في حركتها حول الشَّمس.
فالله عز وجل يأمرنا قائِلاً:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾
[ سورة الغاشية ]
أشِعَّةُ الشمْس في الصَّيْف لا تدْخل الغرف وفي الشِّتاء تَصِل إلى أقْصى مكان في الغرفة، ما معنى ذلك ؟ أنَّ الشَّمْس في الصَّيْف عمودِيَّة وفي الشِّتاء مائلة، فما هو الصَّيْف ؟ أن تكون أشِعَّةُ الشمْس عمودِيَّة على سطْح الأرض، فالأرض مِحْوَرُها مائِل.
طيِّب مَن جعل هذه الدَّوْرَة أثنى عشرة ساعة ؟ ليلاً ونهارًا ! تَصَوَّر لو كان الأمر ساعة ليل وساعة نهار، أو سنة ليل وسنة نهار، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)﴾
[ سورة القصص ]
هذه آيَةٌ قُرْآنِيَّة، ونحن عندنا اخْتِلاف الليل والنهار، وعندنا اخْتِلاف طول اللَّيل والنَّهار ففي الصَّيْف تجد المغرب على الساعة الثامِنَة، وبالشِّتاء الرابعة وستُّ وثلاثون دقيقة، فاختِلاف الليل والنهار آية من آيات الله تعالى.
الإنسان إذا فكَّر في هذا الكون المُحْكَم، وصُنْعَ الله الذي أتْقَنَ كلّ شيء عرف الله، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة، وقَضِيَّة الكوْن قَضِيَّة كبيرة جدًا في حل أن تسْتوْعِب حركة الأرض حول نفْسِها، والله عز وجل قال:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾
[ سورة الشعراء ]
ومرَّةً قال:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17)﴾
[سورة الرحمن ]
وذكر مرَّةً:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40)﴾
[ سورة المعارج ]
فمرَّة بالإفراد والأخرى بالتَّثْنِيَة وتلك بالجمْع !
فما هذا ؟ فَرَبُّ المشرِق يعني ربُّ المشرِق إجْمالاً، أما ربُّ المَشرقين فهي النِّهاية العُظْمى في الشِّتاء، والعُظْمى في الصَّيْف، وفي الحقيقة كلّ يوم هناك مشرق ومغرب جديد ؛ ربُّ المشارق والمغارب فهذا كلام خالق الكون وليس كلام إنسان، وعِلْمُ الفلَك عِلْمٌ كبير جدًا، فالأرض تسير حول الشَّمْس بِمَسار إهْليلجي تسْتغرق حركتها حول الشَّمْس ثلاثمائة وخمس وسِتون يومًا وربْع ! وفي أثناء سَيْرِها تمُرُّ بالبُروج، وفي كل شهر تمرّ بِبُرْجٍ، ولذلك نُجوم السماء تختلف من شهر إلى شهر، فهناك نُجوم ثابتة مع الأرض وتدور معها، ومُتَحَرِّكَة تبْدو ثابتة، فالله تعالى قال: والسماء ذات البروج واليوم...مشهود " أبراج السماء بحْث قائِم بِذاتِه ؛ ضَرْب التَّبابِنَة، ففي أيام غِياب القمر الشديدة نام على السَّطْح يجد مثل الغبار في السماء ؛ وهذا هو ضَرْب التَّبابِنَة وهي مجَرَّتُنا، وهي تبْدو على شَكل عضَلة، والمجموعة الشَّمسيَّة بِأكْملها نقطة في هذه العضلة ! هذه نراها بالصَّيف أيام غياب القمر، كأنَّ سحابة مُمْتَدَّة، وهي مجَرَّة مُتَوَسِّطة جدًا، وأقرب نجْم فيها مُلْتَهِب بُعْدُهُ عنَّا أربعة سنوات ضَوْئِيَّة، ولو كانت هناك سيَّارة وطريق مُعَبَّد لاحْتَجْنا أنْ نصِلَ إليه خمسين مليون سنة، وهو أقرب نجْم مُلْتَهِب على الإطلاق، قال تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم..عظيم "
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس الرابع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾
[ سورة الغاشية ]
الجبال من آيات الله الدالة على عظَمَتِه.
بادئ ذي بدْء جعل الله الجبال رواسيَ لأن لا تَميد بنا الأرض وكلّ شيء يدور بِسُرْعة عاليَة يضْطرب، ومِن أجل أن لا يضْطرب لا بدّ من أن توضَعَ في أماكن من جِسْمهِ أوْزان بحيث هذه الأوْزان تُعَدِّل سُرْعَة الدَّورَان، ويبْقى الدَّوران مُسْتَقِرًّا، قال تعالى:
﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10)﴾
[ سورة لقمان ]
فالأرض تدور حول نفْسِها بِسُرْعة ألف وستِّين كيلومتر بالساعة، فأسْرَع طائرة ألف ومائتان، والطائرة العادِيَّة تسعمائة وهي النَّفاثة التي تخْرِقُ جِدار الصَّوت، فدَوْرة الأرض حول نفْسِها بِسُرْعة ألف وستِّين كيلومتر بالساعة ؛ وهي دوْرة سريعة جدًا، فهذه الجبال جعلها الله تعالى في أماكن مُعَيَّنَة مِن اجل أن يسْتَقِرَّ دَوَران الأرض، ومِن أجل أن تكون الأرض قَرَارًا ! ينشئ بناء يبقى ثلاثين سنة إلى سبعين أو أكثر ولا تجد فيه بعد ذلك ولا شقّ ! والسَّبب أنَّ الأرض مُسْتَقَرّة في دَوْرَتِها، ودوْرَتُها حول الشَّمْس ثلاثين كيلومتر بالثانِيَة، فهناك حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، وهي مع الحركَتَين تبْدو مُسْتَقِرَّة تمامًا، أما الإنسان فلم يسْتطع حتَّى الآن أن يصْنعَ مرْكَبَةً تسْتَقِرّ اسْتِقْرارًا تامًا أثناء حركَتِها، وهذا مهما كانت المركبة عالِيَة المستوى ؛ لا سفينة ولا باخرة ولا طائرة ولا سيَّارة فلا بدّ مِن أن تضطرب كل من هذه الوسائل.
قوله تعالى:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾
[ سورة النمل ]
لها عِدَّة معاني ؛ الأشياء التي على سطْح الأرض تسْتقرُّ على سطْح الأرض ؛ كيف تسْتقِرّ ؟ متى عَرَفنا قيمة الجاذِبِيَّة ؟ حينما أُرْسِلَت مرْكبة إلى الفضاء، ففي منطقة بين الأرض والقمر تنْعَدِمُ الجاذِبِيَّة، وهو شيء مُزْعِج جدًا، ينام على السرير فإذا اسْتيْقَظ وَجَد نفْسَه في السَّقف، فأنْ تضع الكأس على الطاوِلَة ويستقِرّ كما وضَعْتَهُ ؛ هذه نِعْمة لا يعْرفها إلا من فقَدَها؛ قوله تعالى:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾
[ سورة النمل ]
كل هذا بِفِعْل الجاذِبِيَّة، أما لو انْعَدَمت الجاذِبِيَّة لما اسْتَطَعنا أن نزِنَ التفاح ! ولو كان طنًّا !! أما بِفِعْل الجاذِبِيَّة فإنَّ حبَّات التُّفاح تنْجذِب إلى الأرض وهذا هو الوَزْن، فالله تعالى جعل الأرض مُسْتَقِرَّة بِمَعنى ما عليها مُسْتَقِرّ.
المعنى الثاني: على الرُّغْم من حركتِها هي مُسْتَقِرَّة اسْتِقْراراً تامًا، والدليل الزلازِل، ففي بِضْعة ثواني تتَحَطَّمُ عمارات، القاهرة تحطَّمت عمارة كاملة في بضْعة ثواني لمَّا باغت درجة الزلزال سبعة على ريشتر، لذلك الدُّعاء النبوي الشريف: اللَّهم أرِنَا نعمك بِكَثرتها لا بزوالها، فهذا فندق بالمغرب ثلاثين طابق أصبح كلّه بالأرض ولم يبْق إلا اسمُه ! قال تعالى:
﴿ أءمنتم من في السماء أن يخْسف بكم ﴾
الزلازل تُبَيِّن لكم نِعْمة الاسْتِقرار، وهنا بالشام هزَّتْ هزَّة أربعة ريشتر، فالضَّمان الوحيد هو الله، وأن يسْمَحَ لك أن يحْفظك، وان يحْفظ لك بيْتَكَ وجِسْمَكَ، وأن يحْفظ لك صِحَّتَك.
قال تعالى:
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾
[ سورة الغاشية ]
الجبل الذي تَرَوْنهُ طبْعًا أعلى جبل في العالم هو الهِمالايا ارتِفاعه أثنى عشر ألف وثماني مائة متْر ! وكلّ جبلٍ تَرَوْنهُ فإنَّ ثلثه مَغْروس في الأرض، والله تعالى جعل الجبال أوْتاد، والأرض فيها طبَقات ولها كثافة ومع الدَّوَران تضْطرب الأرض، فيأتي الجبل فيَرْدِف هذه الطَّبقات بِبَعْضِها بعض وانغِراس ثلث من الجبل في الأرض كانْغِراس الضِّرس تمامًا.
فأصبح الجبل وتدًا، ومرْساة، ومصَدٌّ للرِّياح، والجبال مناطق فيها برودة فإذا كان الحرّ ففي الجبال تجد نعومة، كما أنَّها خزَّانات للمياه فهذا نَهْر الأمازون كثافتُه ثلاثمائة ألف متر مُكَعَّب بالثانِيَة ! أعلى كثافة نهر بالعالم ؛ فأين مُسْتوْدعاته ؟ بالجبال، لذلك أكثر آيات الجبال تُرافقها آيات المياه، قال تعالى
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)﴾
[ سورة الغاشية ]
فهي آية من آيتان الله تعالى، وهي على ألْوان ؛ هناك جبال سوداء وحمراء وجبال كِلْسِيَّة، وكل جبل له بُنْيَة، وهي تزيد مِن مساحة الأرض، وهي تُعْطي الأرض جمالاً، وتعْطي برودة، وهي تربط طبقات الأرض بعضها ببَعْض، وهي مِصَدَّات ورواسي، وهي مستوْدَعات.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في الآيات التي أوْرَدَها الله عز وجل لِتَكون دليلاً على معرفة الله عز وجل، وعلى معرفة أسمائه الحسنى وصِاتِه الفضلى، وآية اليوم قوله تعالى:
﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
(سورة الغاشية )
الأرض تبْدو مُسَطَّحَة، وهي في الوقْت نفْسِه كُرَة، لَكِنَّ حجْمَها الكبير مع أنَّها كُرَة تبْدو مُسَطَّحَة !
أوَّلاً الأرض تتوافق مع حاجات الإنسان، لو أنَّها تضاريس مائلة حادَّة وسَخْرِيَّة، يموت البشر جوعًا، ففي منطقة السويْداء منطقة اسمُها اللَّجات ؛ سَخْرِيَّة، فلو أنَّ الأراضي كلُّها هكذا لما بقِيَ واحِدٌ على قَيْد الحياة، لكنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الأرض تُرابِيَّة، فيها ثمانِيَة عشر معْدَنًا، وهناك مُكَوِّنات النَّبات، فالأرض أوَّلاً مُمْتَدَّة، هي كُرَةٌ وتَبْدو أنَّها ممْتَدَّة لِعِظَمِ حجْمِها.
ثانياً: هي أُفقِيَّة وليْسَت مائِلَة، وثالثًا: تُرابِيَّة، ووزْنُك يتناسب مع حجْم الأرض، ولو أنَّ الإنسان صَعِدَ إلى القمر لكان وزْنُهُ سدُس الوزْن الحالي، فلو كان بالأرض وزْنُهُ ستِّين كلغ لكان وَزْنُه بالقمر عشرة كلغ !
ولو كانت الأرض حجْمُها ضعف الحجم الحالي لأصبح من وزنُه ستِّين مائة وعشرين ! فَحَجْمُ الأرض متناسب مع الإنسان، ودَوْرَتُها حول نفْسِها متناسبة مع طاقتِهِ، فالإنسان يعْمل ثمانية ساعات ويأكل ويعود إلى بيْتِه، ويجْلسُ مع أهْلِهِ وينام، فكيف لو كان الليل ساعة والنهار ساعة ! أو الليل ستَّة أشْهر، والنَّهار ستَّة أشْهر، فَوَزْنُهُ متناسِب مع حجْم الأرض، وطاقاتِهِ مع العمل متناسبة مع سرعة دورانها حول نفْسِها، وتَحَمُّله للحرارة والبرودة متناسبة مع الفُصول الأربعة فَبالشِّتاء صفْر، وبالصَّيْف أربعون، أما لو الأمر مائتان تحت الصِّفْر لانْتهى الإنسان !
وبالمناسبة لو أنَّ الإنسان ذهَب إلى فرْلاندا، أقلّ درجة حرارة بالعالم هناك ؛ تسْعةٌ وسِتُّون تحت الصِّفْر، والإنسان هناك بِإمكانِهِ أن يرْتدي قُفَّازات، ويرْتَدي طاقِيَّة ومِعْطَف وجوارب صوفِيَّة وألْبِسَة داخِلِيَّة إلا أنَّهُ لا يستطيع أن يقي عَيْنَيْه ! إذًا لا بدّ أن يتَجَمَّد ماء العَيْن فَوْرًا لِهذا ربُّنا جلّ جلاله جعل فيماء العَيْن مادَّةً مُضَادَّةً للتَّجَمُّد، وذلك من أجبل أن ترى ؛ خَلْقٌ كامِل قال تعالى:
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾
[ سورة النمل ]
فَوَزْنُك يتناسب مع حجْم الأرض، وطاقاتِك مع العمل متناسبة مع سرعة دورانها حول نفْسِها.
الآن الأرض ليْسَت تضاريسُها حادَّة، ومُيول حادّ، أحيانًا هناك أراضي جَبَلِيَّة مُشْكِلَتُها بالأمطار تُجْرَفُ التربة ؛ شيء لا يُحْتَمَل وبناء جدْران اسْتِنادِيَّة هذا شيء مُكْلِف كُلْفَةً كثيرة، فلو كانت مائلة وصَخْرِيَّة لمات الناس جوعًا، قال تعالى:
﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
والله عز وجل جعل أربع أخْماس الأرض ماء ! لماذا ؟ لأنَّ هذه المُسَطَّحات المائِيَّة تكْفي لإرْواء الخُمْس، ولو كان البحر نصف الأرض لمات الناس جوعًا، فهذه المُسَطَّحات المائِيَّة تتبَخَّر مياهُها بالشَّمْس الشديدة وتُصْبح سحابًا وتُساق إلى اليابسة فَتُرْوى الأرض، وتَحْيى النباتات.
الأمر الآخر ؛ أنَّ الله تعالى جعل السَّواحِل وجعل رؤوس، وخُلْجان وقنوات، وجعل معابِر ومِياه عَذْبة، وبَحْث الأنهار وَحْده مِن أعْظَم ما يُؤَكِّدُ عظَمَة الله عز وجل.
بِأيِّ مكان هناك ينابيع ماء عذْب، أربعة وعشرون ألف جزيرة بِأنْدونيسْيا هناك نبْع عّضْب يتناسب مع الجزيرة، وكل نبع له تمْديدات تحت الأرض ؛ فَنَهْر التَّايْمز بابريطانيا، كلّ أمطار بريطانيا لا تطفي لِغَزارة نهْر التَّايْمز، وعلماء الجغرافيا يَرَوْن أنَّ مُسْتوْدعاتُهُ بِأوروبا ومُمَدَّدَة تحت بحر المانس إلى ينابيع نهر التايمز بابريطانيا.
ونهر الأمازون كما قلتُ لكم ؛ ثلاثمائة ألف متر مُكَعَّب بالثانية، وهناك من يقول أنَّ هناك حرْب مياه، ثمّ حرب البترول، ثمّ انتَقَلنا إلى حرب القَمْح، والآن نحن في حرب المياه، وكأنّ الله سبحانه وتعالى ليس عنده مياهٌ عذْبة لِيَسْقي بها البشر، مع أنَّني قرأتُ مقالَةً عِلْمِيَّة عن مرْصَدٍ أوروبِيِّ يعْمل تحت الأشِعَّة الحمراء، كشَفَ سحابةً يُمْكن أن تملأَ مُحيطات العالم سِتِّين مرَّة في كلّ أربعة وعشرين ساعة بالمِياه العَذْبة ؛ سحابة واحدة ! قال تعالى:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[ سورة الحجر ]
لذلك ربُّنا عز وجا إذا قنَّن كان التَّقنين تقْنين تأديب وليس تقْنين عَجْز.
قال تعالى:
﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
فيها فلْزات، ما هي الفلْزات ؟ يعني الحديد، فلو كان الحديد كُتَلاً في أعْماق الأرض فلا يُمْكن أن يُسْتَخْرج، أما الفلْزات هو حديد مع تُراب ؛ تَجْمَعُ التُّراب بِعَرَبات في معامِل صهْر الحديد، لو كان المعادن ليس على شَكْل فلْزات لما أمْكن أن نسْتفيد منها، وكم هناك معادن بالأرض ؟! لا يعلمها إلا الله ؛ معْدَن خفيف جدًا ومتين هو الألمنيوم، ومعدن ناقل للحرارة وهو النُّحاس صالح للطَّبْخ، مرَّةً لفت نظري وأنا أنظر إلى حديقة وهم يهْدِمونها، كان هناك أعمِدَة حديديَّة مُثْبتة بالحِجارة، فالآن يقْطعون الحديد لا بِسَحْبِهِ من الحجَر بل عن طريق الأكسجين ! فسألْتَ هل يُمْكِن أن تقْطع الحديد بالأكسجين ؟ فقال: هذا أسْهل شيء ! لأنَّ الحديد بعدما دخل إلى الحجَر فلا يوجد قُوَّة يمكننا أن ننزعه من الحجر ولكن بِفَضْل معْدن الرَّصاص ! ما هذا المعْدَن ؟ فقال لي: نحن نَحْفر حُفْرَةً بالحَجَر مثل الأجاصة نضَعُ الحديد ونَسْكُب الرَّصاص المُذاب فالرَّصاص ينْصهر لِدَرَجة مائة ؛ على الغاز ينصهر، وهذا المعدن هو الوحيد إذا تبرَّد اتَّسَع حجْمُه، فيَضَعون الحديد بالحجر بِحُفرة على شكل أجاصة ويسْكبون قليلاً من الرَّصاص، فإذا برُدَ توَسَّع، ولا توجد قوَّة تنزعُه بعد ذلك ! لذا حَشْوُ الأسنان الآن عن طريق مَسْحوق الرَّصاص وبالتَّبْريد يتوسَّع.
فالله تعالى خلق رصاصًا ونُحاسًا وحديدًا بِأنواعِه، والحديد إذا لم يصْدأ نموت نحن !! كيف ؟! في جسْم الإنسان حديد يفعل مسمار ستَّة عشر ولك أنت أملاح الحديد ؛ ولأنّ الحديد يصْدأ فهو يُصبحُ أملاحًا فأنت تأكل العدس وهو فيه الحديد، والسبانِخ وتفاح ؛ كل هذه فيها حديد فالتُّفاح فيه حديد ! كيف لو قَطَعْتَ تُفاحَّة وتركْتها لوَجَدْتَها اسْوَدَّتْ فهذا دليل على أنّ الحديد فيها تأكْسَد ! فالله تعالى جعل هذه المعادن في الفواكه والخُضار على شكْل أملاح، فلو كان الحديد نفْسُه نأكلهُ لَمِتْنا فالإنسان إذا اصْفَرَّ لونُه لكان علامةً أنَّ معه فقْر دمّ، وفَقْر الدمّ يعني ينْقُصُه الحديد، فالذي معه بُستان ووَجَد أوراقها أخضر فاتِح كان هذا دليلاً على أنّ الشجرة تحتاج إلى شلات الحديد، والخضار الداكن يعني أنَّ هناك حديد جيِّد بالتُرْبة، لذلك من أحد الأسْمِدَة شلاَّت الحديد وهي لا بدّ منها ؛ نِظامٌ دقيق جدًا ! فالله عز وجل هذه الأرض جعل فيها معادن وأشباه معادن وفلزات، وينابيع، وبترول ؛ ما هو البترول ؟ البترول في عُهودٍ قديمة جدًا كانت هناك أمطار عزيرة بالأرض تَشَكَلَّت من جرَّائِها غابات عِمْلاقة، فهذه الغابات دُفِنَت تحت الأرض فكانت بتْرولاً ! والدليل قوله تعالى:
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾
[ سورة يس ]
كنتُ أقرأ هذه الآية فأشْعُرُ بِحَرح ! يا ربّ الشَّجر الأخضر لا يشعل، إنَّما الشَّجر اليابس هو الذي يشعل، فَرَبُّنا لمَّا قال شَجَر لولا هذه المادَّة الكلوروفيل ؛ مادَّة اليَخْضور لما كان الشَّجر وهذا الشَّجر العملاق دُفِنَ فكان بتْرولاً، فهذه الآية هي آية البترول فالأر وَحْدها بِتَضاريسِها وجبالها وسُهولها وهِضابِها وتلالها وجبالها العمْلاقة فأنت أحْيانًا كي تبني بيْتًا بلاستيكي يُكَلِّفُك الأمر إلى مائة وخمسون ألف ولو كان بيْتًا زُجاجِيًّا لكَلَّف مليون ! فالله تعالى جعلك لك مدينة كلَّها بلاستيكِيَّة ؛ غَوْرُ فلسطين وهي أعْمَقُ نقْطة في الأرض، زُرْتُها مرَّةً قبل لأن تُحْتَلّ وصَلْنا إلى محَلٍّ كتبوا فيه: هنا مُستوى سطْح البحْر ! تابعْنا فإذا ستُّ مئة نتر تحت سطْح البحر ! غَور فلسطين بيت بلاستيكي كلُّه كانت تأتينا الخُضار والفواكِه بِأثناء الشِّتاء، وهناك آية فيها إعْجاز قرآني، طبْعًا جرَتْ معركة بين الفرس والروم في غَوْر فلسطين، وقبل سنوات مَعدودة اكْتُشَف أنَّ هذه المنطقة أعْمق نقطة على سطْح الأرض فالله تعالى قال:
﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
[ سورة الروم ]
وبعدما كشفْنا أشِعَّة اللَّيْزر عرفنا أنَّ غَوْر فلسطين أعْمق نقطة أما الله تعالى قال:
﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2) ﴾
فيا أيها الإخوة الكرام، أرضٌ للزِّراعة أقول لك: جَرِّب فَلِكُّلّ أرض خصائص، فالسَّفرجل مثلاً بالشام أطْيَب منطقة ينمو فيها هي الأشْرَفِيَّة ومنطقة أخرى تُناسب البندورة بِحُوران، فَتُرْبَة حوران أنْسَب ترْبة للبندورة، وفيها منطقة ينمو فيها قمْح قاسي، وهو أقْسى قمح في العالم ما هذا السرّ ؟ كل تربة لها خصائص ؛ هذه للشاي وتلك للبنّ والأخرى للتفاح، وهذه للزَّيتون، تَركيب التُّرب عجيب جدًا، لذلك الإنسان لا يزرع إلا بالأماكن المناسبة للزِّراعة لِتِلك التي يوَدُّ زراعتها، فَمَن صنَع هذه التُّرْبَة ؟ ومن أعْطاها مُكَوِّناتِها ؟ التُّرْبة تحوي تقريبًا ثمانية عشرة معْدَنًا، وهذه المعادن تُحَلّ بالماء على شَكْل أمْلاح ويأتي النبات فيأخذ هذا الماء المعْدني إلى أعلى قِمَّة في الشَّجَرة عن طريق ظاهرة غريبة جدًا اسْمُها الحُلول
ثمّ الأرض فيها جاذِبِيَّة والإنسان يسْتغرب، وهي أنَّها كُرَوِيَّة وهنا يوجد بِحار فَلِمَ لا تنْزِل البِحار ؟ كُلّ شيء بالأرض مَرْبوط بالمَرْكز فلو ذَهَب الإنسان إلى أر جنتين لكان هنْدَسِيًّا رأسه نحو الأرض ورجله نحو السماء ، ولكانت السماء نحو الأسفل ! على كُلٍّ هناك آيات الأرض كثيرة جدًا تسْطيحُها وكُرَوِيَّتُها، وانْجِذاب الأشاء إليها، وحجمها وسُرعتها وتركيب تربتِها، هذا كُلُّه تنْطوي تحت هذه الآية الكريمة قال تعالى:
﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 )
الدرس السادس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، آخر آيات سورة الغاشية هي قوله تعالى
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
[ سورة الغاشية ]
الإنسان مُخَيَّر ولا يستطيع أحَدٌ أن يُجْبرَهُ على شيء، والدليل قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾
[ سورة القصص ]
قال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ
[ سورة الشورى ]
فإنسانٌ لإنسان ينْصَحُه، أما أن يجْبره فلا يمكن والأبلَغُ من ذلك، قوله تعالى:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾
[ سورة إبراهيم ]
فَحَتَّى الشيطان الذي يسْعى جُهْدهُ لإغْواء بني آدم ليس له على الإنسان سُلطان بل كما قال: إلا أني دعوتكم فاستَجَبْتُم لي ! فالإنسان في الأصل مُخَيَّر، وجاء إلى الدنيا وفْق هذا الشَّرط، ولولا أنَّهُ مُخَيَّر لما كان هناك معنى للتَّكْليف، ولا لِحَمْل الأمانة ولا للجنَّة ولا للنار، ولا لثَّواب ولا للعِقاب ؛ كُلُّ هذا يُلْغى لو أنَّهُ مُجْبر، فالله تعالى لو أجْبر على الطاعة لبَطَل الثَّواب، ولو أنَّه أجْبرهم على النعْصِيَة لبَطَل العِقاب، فَتَخْيير الإنسان هو سبب رُقِيِّهِ، قال تعالى: فذَكِّر إنما أنت مذكر...مسيطر " لذلك الذين رأَوا النبي عليه الصلاة والسلام وكماله وعلْمَهُ ورحْمَتَهُ وبلاغَتَهُ، وسَمِعوا الوَحْي من فَمِهِ الشريف، ولم يؤمنوا به ! عَمُّه أبو لهب وأبو جهل وأبو طالب ؛ كُلُّهم كفروا به ! قال تعالى:
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
[ سورة الغاشية ]
فالإنسان إذا أراد الحقيقة كلّ شيء يدلُّه عليه، ولو رفضَها لو الْتَقى بِاكْبر الأنبياء ولو رأى المعجِزات، فبنو إسرائيل رأَوا البحر أصبحَ يابِسًا وساروا فيه فلمَّا خرجوا مِن ضَفَّتِه الثانِيَة دخل فرعون فعاد البحر بحْرًا فَغَرِقَ، وهل من آيَةٍ أبْلَغُ من هذه الآية ؟! ومع ذلك لمَّا رأَول أناسًا يعْكِفون على أصْنامٍ يعْبُدونها من دون الله قالوا:
﴿ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)﴾
[ سورة الأعراف ]
كلامٌ دقيق ؛ فالإنسان إذا أراد الحقيقة كلّ شيء يدلُّه عليه،ويستفيد من أيّ نصّ ومن أيّ كتاب ومقولة ودرس، ولو رفضَها لو الْتَقى بِاكْبر الأنبياء ولو رأى المعجِزات ؛ لا يؤمن بك، قالوا: لن نؤمن بك يا صالح جتَّى تخرج ناقَةٌ من هذا الجبل !قال تعالى:
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا(14)وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا(15)﴾
[ سورة الشمس ]
توضيحٌ لهذه الحقيقة: أرْخَص آلة تَصْوير إذا فيها فيلم تأخذ صورة، وأغْلى آلة تَصْوير إذا لم يكن فيها فيلم لا تأخذ أيَّة صورة ! فالفيلم هو سبب الحقيقة، فالإنسان إذا أراد الحقيقة وصل إليها، وإن رفضها فهو يرفضها حَتْمًا، والدليل أنَّ أحداث الدنيا لو درسْتها دراسة دقيقة مِن زاوية القرآن الكريم لوَجَدْتها تنطق بِوُجود الله وقدرته ووحْدانِيَّتِه، قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65)﴾
[ سورة الأنعام ]
والآية الثانية قوله تعالى:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾
[ سورة النحل ]
إذًا كما قال تعالى:
﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)﴾
(سورة الغاشية )
توَلَّى ؛ اعرض عن الله وكذَّب هذا الدِّين، ولم يعْبأ بِهذا المنهج، فهذا يُعَذِّبُه الله العذاب الأكبر فعَذاب الدنيا أصغر ؛ الأمراض العُضالة، والقَهْر، وفَقْد الحُرِيَّة، والفقْر الشديد، والذلّ والعذاب المُهين والأليم ؛ كل هذا أصْغر قال تعالى: ولنذيقنَّهم من العذاب الأدنى..." فالعذاب في النار عذابٌ أكبر والسَّعيد مَن نجى من هذا العذاب، قال تعالى: فمن زحزح عن النار..." لو وَصَلْتَ إلى قِمَّة المالي أو الإداري أو العلمي ؛ يأتي الموت يُنْهي هذا النَّجاح ويبْقى الحِساب.
ثمَّ قال تعالى: إنَّ إلينا إيابهم...حسابهم " أوَّل ليلة يوضَعُ فيها المَيِّت في قبْره يقول له الله عز وجل: عَبْدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دَفَنوك، ولو بَقُوا معك ما نفعوك، ولم يبْقَ لك إلا أنا، وأنا الحيّ الذي لا يموت، أنْصَحُ كلّ أخ أن يتَّبِعَ جنازة كلّ ميِّت ولو لم يعْرِفْهُ، كنتُ قبل يومَين في تشْييع جنازة أحد إخواننا، فقُلْتُ كلمَةً فيها سطْرين وذلك لِشِدَّة الحرّ، فَخِفْتُ على الحاضرين: اِعْلموا أنَّ ملَكَ الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيرنا وسيتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلا بدّ أن يأتي يوم ويكون مَحَلّ هذا المَيِّت الذي أنتم أمامه نحن ! فهذا الذي يعيش في بيْتٍ أنيق ورفاهة سَيُوضَع في قبْرٍ ويُرْمى عليه التراب ؛ اِعْلموا أنَّ ملَكَ الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيرنا وسيتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلْنَتَّخِذ حِذْرنا، الكيِّس من ذان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني ؛ وهذا حال المسلمين الآن، غارقين بالمعاصي سهرات فاجرة، وتِجارة فاسدة، ورِبْح حرام، ونساؤُهُ كاسِيات عاريات، ثمَّ يقول: تسَعُنا رحْمةُ الله، أعطى نفسَهُ هواها وتمنى على الله الأماني.
العاقل كلّ العاقل، والذكِيّ كل الذَكيّ، والفالِح كلّ الفالِح، والمُتَفَوِّق كلّ المُتَفَوِّق مَن يُعِدُّ لِهذه الساعة التي لا بدّ منها، يُعِدُّ لها بالتوبة والاسْتِقامة والعمل الصالِح، وطلب العِلم وتعْليمه، لذلك كما قال تعالى: " إنَّا إلينا إيابهم..." يوضَع بالقَبْر، وسَيُعامَل إلى الأبَد وِفْقَ ما سَلَك في الدنيا، فقد ينجح الواحد من الصف الحادي عشر إلى الباكالوريا وقد تكون علامته تعيسة أو جيِّدة ؛ المُهِمّ نَجَح أما للارْتِقاء إلى الجامعة لا بدّ من علامات تخْتَلِف من فرْعٍ لآخر، هناك علامات هنْدسة وعلامات للطبّ، وأخرى كليَّة علوم، ومعهد مُتَوَسِّط، فَمَجْموع علاماته يُحَدِّد مصيرَهُ، أما النَّجاح الآلي في الصُّفوف الأخرى هو نجاح لا اعْتِبار له ! فكذلك يوم القيامة اسْتِقامتنا تُحَدِّدُ مصيرَنا الأبدي، ومتى يُحَدَّدُ هذا ؟ عند الموت، فَكُلُّنا يموت ولا يبْقى إلا ذو العِزَّة والجبروت، والليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجْر، والعُمْر مهما طال فلا بدّ مِن نزول القَبْر.
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامتُهُ يوْمًا على آلَةٍ حَدْباء محمول
فإذا حَمَلْتَ إلى القُبور جنازَةً فاعْلَم بأنَّك بعدَها مَحْمول
كان عندي شريط قديم سَمِعْتُه، فإذا ثمانيَة أشخاص في هذا الشريط قد ماتوا ! فقُلْتُ ياتي وقت ويكون كلّ مَن في الشريط قد ماتوا ! هذه الدنيا ! هي ساعةٌ فاجْعَلْها طاعة، والنَّفْسُ طمَّاعة فَعَوِّدْها القناعة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الفجر (89 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في سورة الفجر آيات كريمة دقيقة جداً يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20)﴾
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً(20)﴾
أيها الأخوة:
مفتاح هذه الآيات في كلمة كلا ؟ كلا في اللغة العربية، أداة ردعٍ ونفيٍ والردع غير النفي ؟ إذا واحد سألك هل صليت الظهر ؟ تقول له لا.
أما لو قال لك هل أنت سارق ؟ وأنت إنسان عظيم، لك مكانتك، رجل مؤمن، لا تقول له لا ! تقول له كلا ! إنك تردعه وتنفي عنك هذا الشيء.الإنسان أيام يتوهم إذا الله أغناه ومتعه بالصحة، وعمل له بيت فخم، وعنده زوجه وأولاد، يتوهم الإنسان أن الله يحبه.
وإذا إنسان آخر الله حرمه، دخله محدود، أقل من مصروفه، بزواجه غير سعيد، عنده أولاد غير أبرار، يتوهم أن الله حارمه ما بحبه.
هذان المعنيان ليسا صحيحين قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾
هذه مقولته، هذه دعواه، هذا توهمه، هذا تصوره، لا.
وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ـ إنسان دخله محدودـ فيقول ربي أهانن.
الله عز وجل قال: ﴿كَلَّا ﴾
هذا كلامكم، هذا ادعائكم، هذا وهمكم، كيف !!!
ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء،ليس عطائي إكراماً.
لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء فإذا واحد يتمتع بصحة، له دخل كبير، له بيت، هذه نعم ولا شك.
أما يتوهم أن الله يحبه، والله عز وجل أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاها لقارون، وأعطى القوة لمن لا يحب أعطاها لفرعون، لكن الذي يحبه الله عز وجل آتاه العلم والحكمة..
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
(سورة القصص: الآية 14 )
الله عز وجل قال هذا ابتلاء، الآن دخلنا في صميم الآية.
إذاً حظوظ الدنيا، كلمة حظوظ أنا وسعتها، الصحة حظ من حظوظ الدنيا... المال حظ... الزواج الناجح حظ... الأولاد حظ... السمعة حظ... الذكاء حظ... حظوظ الدنيا ليست نعماً وليست نقماً حياديه.
إما أنها سلم ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أنها دركات تهوي بها إلى أسفل السافلين، يا أما سلم يا أما دركة.
متى تبدو هذه النعم سلم ؟ قال إذا وظفتها في طاعة الله.
هذا المال أنفقته فيما يرضي الله، الآن أصبح نعمه، لماذا أصبح نعمه لأن خير هذا المال سيعود عليك بعد الموت.
الزوجة.. إذا أخذت بيدها إلى الله وحملتها على طاعة الله، الزوجة نعمه أصبحت الآن، لأنك تنتفع بعملك هذا بعد الموت.
الأولاد.. نعمه ونقمه ؟! إذا ربيتهم تربية إسلامية نعمه، لأنك تلقى هذا العمل بعد الموت، ينقطع العمل ويبقى الولد الصالح صدقة لك جارية.
إذاً نستنبط استنباطا أن حظوظ الدنيا مجتمعة أو متفرقة، إما أنها درجات نرقى بها إلى الجنة،وإما أنها دركات نهوي بها إلى النار حياديه إذا وظفتها في طاعة الله.
الإنسان أيام عنده بالبيت سكين يستخدمها في تحضير الطعام، وأيام المجرم يذبح بها رجلاً آخر، فهي حياديه.
السكين.....إما أنها تعينك على تحضير الطعام، وإما أنها تعينك على ارتكاب جريمة.
أبداً ؟! إما أنها درجات نرقى بها، وإما أنها دركات نهوي بها.
الواحد لا يتوهم أن المال دليل محبة الله، قارون أغنا منا، لا يتوهم إذا كان الإنسان في منصب رفيع هذا دليل محبة الله، لا!!!
فرعون ما كان الله يحبه، سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان قوي، بس كان الله يحبه، سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان الله يحبه مع أنه كان غنياً.
إذاً... الغنى ليس مؤثراً والقوة ليست مؤثراً، لكن الشيء الدقيق هو العلم والحكمة وطاعة الله عز وجل.
إذاً... ملخص الآية، يا عبادي هذه الحظوظ التي أعطيكم إياها لا تعدوها مؤثرات على رضائي عنكم،المؤثر هو طاعتكم لي فقط، إنها درجات ترقون بها أو دركات تسقطون بها.
إنما الله أكد لنا، هذا وهمكم، هذه مقولتكم، هذا ادعائكم، هذا ظنكم ليس عطائي إكراماً وليس منعي حرماناً عطائي ابتلاء وحرماني دواء لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
(سورة القصص: الآية 77 )
صحتك كيف تنفقها، مالك كيف تنفقه، وقتك كيف تنفقه.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
(سورة القصص: الآية 77 )
في بهذه السورة كلمة وجاء ربك. بعض الآيات بالقرآن الكريم متعلقة بذات الله عز وجل.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
(سورة الفتح: الآية 10)
هل له يد.
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
(سورة الطور: الآية 48 )
هل له عين.
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾
(سورة المجادلة: الآية 1 )
هل له سمع.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
الله يأتي.
قال هذه الآيات المتعلقة بذات الله، في أربعة مواقف منهم، موقفين صحيحين، وموقفين فاسدين.
السلف الصالح فوضوا أمر معناها إلى الله، أما الخلف أولو.
هناك من فوض وهو على حق، وهناك من أول وهو على حق، لكن الذي أنكر هذه الصفات الزائدة على ذات الله عز وجل فقد عطل، وأما الذي أثبتها كما هي فقد جسَم، والتجسَيم عقيدة فاسدة والتعطيل عقيدة فاسدة، أما التفويض عقيدة صحيحه والتأويل عقيدة صحيحه.
تأويل هذه الآية.
إنسان يرتكب المعاصي باستعمال حرام يظن حاله ذكي، الله يرخي الحبل يقول لك ما صار لي شئ كله خلط هذا الذي تحكوا، يكون ماله حرام، الله يعطي مهله حتى يأخذ أبعاده الكامله، بعدين فجأة بشد الحبل الله عز وجل، إذاً هو في قبضة الله.
وقع لإنسان قصة.
واحد راكب سيارة، ذهب لعند البريد، أصيب بأزمة قلبية، وهو عما يقود السيارة، صدفة لحسن الحظ ولرحمة الله به، أثناء الوقوف في ازدحام، واقف، والله عز وجل مرَر شريكه أو صديقه في هل المكان، رأساً حمله وحطه في المقعد الخلفي، وقاد السيارة إلى مشفى الشامي، إلى العناية المشددة، فهذا بعد ما صحي طلب آلة تسجيل، جابوا له آلة تسجيل، قال المحل الفلاني ليس لي، أن مغتصبه من أخوتي الأيتام، والأرض الفلانيه ليست لي، كان أكبر أخوته، ومسيطر وقعن تنازل وعملن وكالة، كل شيء سجل باسمه، خلاهن بلا شيء، لما صار معه الأزمة هي أتذكر، هذا بعد مرور فترة شفي تماماً وقام، وين الشريط، أعطني، كسر، على القديم رجع، هذا يلي صار معه إنذار، بعد ثمانية أشهر وجاء ربك. قالوا العلماء وجاء أمر ربك، نحنا أنذرناك ما فهمت علينا، فكانت القاضية بعد ثمانية أشهر.
فربنا أيام، الإنسان بعصي ربه، الله بمهلة، يأخذ أبعاده، يرخي له الحبل، فإذا أخذ أبعاده وأصر على معصيته.
واحد راح ليشتري صوف من البادية، كان والده من كبار تجار الصوف، من الكبار، وكان صالح وصاحب ذمة، بعد ما تقاعد الأب، وكل ابنه بالتجارة.
راح على البادية ليشتري صوف، فكر أن الشطارة أن تأكل حق الناس فصار يزين للبدوي الصوفات بالغرامات، هذا البدوي بحياته ما سمع غرامات، بسمع أن الجزة 23 كيلو غرام، قال له 23 كيلو و800 غرام وقال له هذا هو الزين، والله شغلة غير معقولة.
بعد ما انتهى الميزان، البدوي يحس بالحاسة السادسة، وجد أن كوم الصوف مثلاً حقه 30 ألف قال له حقه 20 ألف، قال له إن شاء الله بتلقاها بصحتك إذا كان أنت غلبت عليَ.
هذا الإنسان، القصة والله سمعتها منه من فمه، قال ركبنا السيارة وحملنا الصوفات والسمنات ومشينا، قال لي دخلت بصراع مع نفسي لك أرجع أعطيه الفرق أو تم ساكت، شو ساوي بحالي، هذا خوفني.
قال لي بقيت ماشي من محل شراء الصوف إلى الضمير وأنا داخل في صراع مع نفسي.
قال لي عند الضمير قلت في نفسي حط بالخرج شو صار، قال لي ما كملت هذه الكلمة، لأني أخذت قرار، لقيت نفسي وسط بركة من الدماء والسيارة قلبت والسمن انكب وجاءوا البدو وأخذوني وأسعفوني.
فأنا ماذا قلت.
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ﴾
هذا الذي طلع معك بعدين، حط بالخرج وقف لقلك.
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
(سورة حم: الآية 79 )
الله عز وجل عالجوا لما أخذ قرار لما دخل بصراع مع نفسه، الله ما عالجوا، وهذا لما الله بعت له هل الأزمة حتى يرجع المال لأصحابه، فلما صحي وجد ما في شيء، هات الشريط، كسر الشريط، رجع على القديم.
قال له وقف لقلك، هي معنى وجاء ربك الله ما بيجي بس بيجي أمره الإنسان يظن حاله بحمقه وجهله أنه شاطر.
أكل مال الناس، اعتدى على أعراض الناس، ما صار معه شيء، الله عز وجل من سممه في خلقه، أنه يؤخر أمره قليلاً، حتى الإنسان يأخذ أبعاده حتى ينعرف اتجاهه الحقيقي، نعرف عند الناس وعند الله عز وجل وجاء أمر ربك وجاء ربك يعني... جاء أمره.
في آية تفيدنا في هذا الموطن الله عز وجل قال:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
(سورة يونس: الآية 39 )
كلكن تتوهموا أن التأويل هو التفسير، العلماء قالوا تأويل القرآن وقوع الوعد والوعيد .
إذا إنسان واقع بمال حرام أو له علاقة محرمة أو معتدي على آخرين عدوان أدبي أو مادي أو معنوي إلى آخره.
الله عز وجل، تأويل الآيات وقوع الوعد والوعيد كأنه الله عز وجل شهد بخلقه إن هذا الكلام كلامه والدليل تنفيذ الوعد.
لو فرضنا طالب جاءوا على المدرسة، مكتوب على السبورة غداً الساعة الأولى مذاكرة رياضيات، هذا كلام، يا ترى من كتب الكلام، يا ترى الأستاذ كتبه، لعلى مزحه من طالب، هذا الكلام، ثاني يوم الساعة الأولى إذا قال الأستاذ: افتحوا الأوراق عندكم مذاكرة، معناها الكلام صحيح، معناه كلام الأستاذ، لما ثاني يوم الساعة الأولى يقول افتحوا الأوراق عندكم مذاكرة، مثل ما بلغتكم البارحة، معناه تنفيذ الأمر تنفيذ الوعيد، هو الشهادة لله لعباده أن هذا القرآن كلامه.
أخوانا في آيتين ننهي فيهن الدرس.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
(سورة طه: الآية 124)
إذا بتلاقي واحد بالأرض سعيد بالبعد عن الله بكون القرآن باطل ولا واحد. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
واحد سئل سؤال غريب، قال الأغنياء، وين معيشة الضنك، عما ياكلوا أكل،مركبات وبيوت، وين معيشة الضنك.
أجاب علماء التفسير... ضيق القلب .
إذا الإنسان صار ماله كثير وعيش وفير ومعرض عن الله عز وجل بيصير بقلبه قلق وشقاء، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم .
وجاء ربك.. ضعوا في أذهانكم أن معناها وجاء أمر ربك رد الله على المعامل هو عقاب.
الإنسان يكون أحمق وغبي إذا كان قال لك أنا عما أعصي ربي ما صار معي شيء، قال يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني قال يا عبدي كم عاقبتك ولم تدري.
مالك أشعر أنت من مصيبة لمصيبة ومن مطب لمطب ومن ضيق لضيق ومن شقاء زوجي لشقاء زوجي ومن عقوق أولاد لعقوق أولاد ومن تلف مال لتلف مال.
إذاً... المصائب كلها عبارة عن عقوبات من الله عز وجل.
قال له :يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني قال يا عبدي كم عاقبتك ولم تدري.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الفجر (89 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الفجْر قوله تعالى الآية الخامسة عشرة: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه...أهانني " الإنسان يتوَهَّم أنّه إذا كان غَنِيًّا فقد كرَّمه الله، وأنَّه إن كان فقيرًا فقد أهانه الله، فالله تعالى يردُّ على هذا الوَهْم ؛ كَلاَّ وهي أداة ردْعٍ ونفْيٍ، ليْسَت نفْيًا فقط، فلو قال لك أحدهم: هل أنت سارق ؟ تقول له: كلاَّ، ترْدَعُهُ على هذه التُّهْمة أما لو سألك: هل أنت جائع ؟ تقول له: لا، فالجوع ليس تُهْمَة، فَكَلاَّ تُضيف إلى النَّفْي الرَّدْع، أي يا عبادي ليس عطائي إكْرامًا، ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابتِلاء، وحِرْماني دواء ؛ وهذا مع التَّفصيل
إنسان آتاه الله المال ؛ هل يُعَدُّ المال نِعْمَةً ؟ لا ! هل يُعَدُّ نِقْمَةً ؟ لا ! ليس نِعْمَةً وليس نقْمَة، إنَّما المال ابتِلاء، فهو يكون نِعْمة إذا أُنْفقَ في طاعة الله، ويكون نقْمَةً إذا أُنْفِقَ في معْصِيَة الله، فهُوَ مَوْقوف على كَيْفِيَّة اسْتِخْدامِه ؛ ليس نِعْمَةً وليس نقْمَة وليس عطاءً إنَّما ابْتِلاء، وقِسْ على المال كلّ حُظوظ الحياة، فالذَّكاء هل هو نِعْمَة أم نِقْمَة ؟ هو مَوْقوف على نَوْع اسْتِعْمال الذَّكاء، فلو اسْتَعْمَلْتَ الذَّكاء في أخذ أموال الناس والإيقاء بينهم، وفي قهْرِهِم فَهُوَ ذكاء، ولو اسْتَخْدَمْتَ الذَّكاء في نَشْر الحق، وعَرْضِهِ عرْضًا رائِعًا، وفي تأليف القلوب وحل مُشْكِلاتِهم ؛ الدُّنْيَوِيَّة والأُخْرَوِيَّة فهذا الذَّكاء نِعْمة كبيرة وُظِّف في الحق.
طيِّب الوَسامَة ؛ واحِد وسيم، إذا الوسامَة جعلها في الحق بأن دعا إلى الله وشَكْلُهُ وسيم وأنيق، فالناس تُحِبُّ الشَّكْل الوَسيم، أما إن اسْتَخْدَمَ وسامَتَهُ لإغْواء الفتيات فقد جعل هذا الحظّ نِقْمَة ومَعْصِيَةً ؛ فما مِن حظٍّ مِن حُظوظ الدنيا إلا ويُوَظَّفُ في الخير أو الشرّ.
دُعينَا مَرَّةً لافْتِتاح مسْجد في الصَّبورة ؛ مَسْجِدٌ رائِع ضِمْن حديقة، ويحوي كلّ المرافق الرائِعَة، والذي بنى المَسْجِد اسْتَقْبلَنا واحِدًا واحِدًا ثمَّ دعانا إلى الغذاء، ثُمَّ ألقيت الكلمات مِن قِبَل عدَدٍ من العلماء وحينما ودَّعَنا كان باشًّا ! رَكِبْتُ مَرْكَبة مُتَّجِهًا إلى دمَشْق فإذا على الطَّرف الآخر مَلْهى ؛ وما مِن موبِقَةٍ إلا وفي هذا المَلْهى، فهذا المَسْجد احْتاج إلى أموال، وهذا الملْهى احْتاج إلى أموال، فالمال واحِد ولكن من المال ما أُنفِق لِيَكون مسْجِدًا، ومنه ما أُنْفق لِيَكون ملْهًى.
واحِدٌ آتاه الله تعالى صوْتًا حَسَنًا، قرأ القرآن ؛ مات ولكن صَوْتُه يصدح به إلى يوم القيامة، وهذا مُغَنِّي مات فأُغْنِيَّاتُه تصْدح إلى يوم القيامة، وكذا الخط الحسَن، والمال والعقل والحسَب والنَّسب والأولاد فكلّ هذه ليْسَت نِعَمًا ولا نِقَمًا، إنَّما هي ابْتِلاء ! يا عبادي ليس عطائي إكْرامًا، ولا مَنْعي حِرْمانًا، عطائي ابتِلاء، وحِرْماني دواء ؛ قال تعالى: فأما الإنسان إذا...فيقول " هو الذي يقول هذا الكلام الواهِم والذي يحلم به، فأكثر الناس الآن إذا آتاه الله المال، ويقولون: إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! لا يدَعُ ملْهى، ولا مكانًا مُنْحَطًّا إلا وزارهُ ثمَّ تقول: إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! إذًا الله تعالى لا يحبّ عبده ! مِن مكَّة إلى المدينة إلى الطائف ! ما رأى شيئًا ؛ لا هذه المُدُن الجميلة، ولا هذه الملاهي الضَّخْمَة، إنَّما بِلاد قاحِلة وسوداء، وصحْراء حارَّة فَمِن أين هذه المقولات ؟ إذا أحَبَّ عبْدَهُ أرى لهُ مُلْكَهُ ! قال تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت..." حقيقة الكون، وحقيقة الإنسان، وحقيقة العمل الصالح، فهذه نُقْطة دقيقة جدًا ؛ حُظوظ الدنيا مِن مال ونَسَب وحسب وجمال وذكاء واخْتِصاصات، وهذه الشهادات العالِيَة قد يسْتخدِمُها لابتزاز أموال الناس ؛ لأنّ الناس يُصَدِّقونه، فلو قال الطبيب للمريض لا بدّ لك مِن تخطيط، فهل يستطيع المريض أن يُناقِشَهُ ؟! وقد يقول لك: لا بدّ لك مِن ثمانِيَة تحاليل ! أما إن وظَّف الإنسان اخْتِصاصه في خِدْمة المسلمين أصبحَ نِعْمة، فَيُمكِن لك أن تَحُلّ مليون مشكلة وأنت في المنصب، وممكن بالمنصب نفسه تكسب مليون مشكلة كل يوم ! ويكون منْصِبك هاوٍ بك إلى أسفل جهنَّم، إما أن تُحِق الحق لِوَجه الله، وإما أن تُحِقَّ الباطل مُقبل مبْلغ تأخذه، وحينها يصبح الحق باطلاً، والباطل حقًّا، لذلك قالوا بآخر الزمان قاضيان إلى النار وقاضي إلى الجنَّة، وفيها تعديل وهو قاضيان إلى النار وقاضٍ إلى جهنَّم ! الحُكْم لِمَن يدْفَع، وهذه مُشْكِلَة، لذلك أيها الإخوة، الحُظوظ تُوَظَّف في الحق وتُوَظَّف في الباطل.
أحد إخواننا العلماء كان بِبَلَدٍ إسْلامي، فقالوا له أحد كبار الأغنِياء قدَّم لِطَلبة العلم الشرعي بسيط ؛ كم ؟ ثلاثمائة مليون دولار ! فقال: والله أُحبّ أن أرى هذا الإنسان، فأقاموا جلسة للفطور، فجاء هذا العالم الدِّمَشقي حتَّى يلْتقي مع هذا الغنِيّ المُحْسِن، فما جاء هذا الغنِيّ ! انْتَظَر ساعة وأكثر، فسأل عنه أين هو ؟ فقالوا له: جاء وله الآن وقد بقي طويلاً ينتظر ولكن مِن شِدَّة أنَّه مُتواضع لا يظهر عليه أنَّهُ دفه مبْلَغًا كهذا ! أما أحدهم يدْفع خمسة وعشرون ألفًا فتراه يحبّ أن يجلس على الرُّخام ! أنا والله أغْبط العلماء، فقد يصِلوا إلى أعلى مرتبة بالجنَّة، ويُنافِسوا أكبر عالم في الإسلام، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في اثنتين:..." فالغنيّ المؤمن إذا وظَّف ماله في الحق وصل إلى رتبة كبيرة ؛ فَكَم كم أسرة تُعاني البؤس وشقاء المعيشة ؟ وكم من إنسان يحْتاج إلى عَمَلِيَّة جراحِيَّة ؟ وكم من شابٍّ طرق الزواج مُغْلَقَة أمامه، فمجال العمل الصالح بالمال لا يُعَدُّ ولا يُحْصى، والأغنياء المؤمنون يمكنهم أن يصلوا إلى أعلى مرتبة في الجنَّة بِمَالهِم فقط ! كما أنَّ العلماء يصلون بِعِلْمِهم وإنْفاقِه فالمال إذًا قُوَّة تُوَظَّف في الحق فتُؤتي أُكلها يانِعَةً.
شيخ الأزهر السابق جاد الحق، فَمَشى بِجَنازته ستَّة ملايين إنسان، ساكن بِبَيْت مائة متر طابق رابع، ومعه الْتِهاب مفاصِل ! وتحت يدِهِ مئات الملايين للأزْهر، ولا توجد قريَة بِمِصر إلا أنشأ فيها معهد شرعي تابِع للأزهر، وتُوُفِّيَ وهو فقير، فالعِبْرة أن يموت الإنسان على حقّ، فالعالم إذا توَفَّى يُحْدِث هزَّة للعالم كلِّه له، ترك تفسير قرآن ودعوة إلى الله وصَحْوة إسلامِيَّة، وهناك مَن ترَكَ ملْهى فهو له صَدَقَة جارِيَّة إلى يوم القيامة !
فالقَصْد مِن كلامي ؛ أنّ الحُظوظ إما أن تُوَظَّف في الخير، وإمَّا في الشرّ، يقولون لك في بعض البلاد المُجاوِرَة كازينو ؛ القاعة الواحد مُكَلِّفَةً لثلاثين مليون دولار !! قاعة قِمَار، وحفلة بِفُنْدق خمسة نجوم كلَّفَتْ سِتِّين مليون ؛ حفلة عرس ! لو تأمَّن بيتًا بِمئة ألف في أطراف دمشق، وخمسين ألف لوازم الزوج، فكم مِن شابٍّ سيَتَزَوَّج ؟! لذلك الكفار إذا أنفقوا الأموال أنفقُوها إسرافًا وتبْذيرًا، وإن منعوها منعوها بُخْلاً وتقْتيرًا.
أحد إخواننا أراد أن ينشأ جامِعًا في نَهْر عيشَة، فوَجَد قطْعَةً مساحتها ثلاثمائة متر لإنسانٍ مُدَرِّس فقير معاشُه ثلاثة آلاف ليرة فقط، وهو أرخَص معاش في الدَّوْلة، فهذا الغنِيّ أراد أن يشتري هذه القطعة وثمنها ثلاثة ملايين ونصف ! فباعهُ هذا الفقير القطعة بِمليونين، وقال له: مليون ونصف هذه عند التنازل للأوقاف، فهذا الغنيّ لا يفْهم شيئًا من هذا ! فقال له ما الأوقاف ؟ قال الغنيّ: هذه نريد أن نُقيمَها جامِعًا فقال الفقير: جامِع ! فقَطَّع الشيك وقال له: أنا أوْلى أنْ أُقَدِّمَها لله منك ! يقول هذا الغنيّ: والله ما احْتَقَرْتُ نفْسي وما صَغُرَت أمام إنسان كانْذِلالها أمام هذا الفقير الذي راتبُهُ زهيد، ما هي الدنيا ؟ عمل صالِح فابْذُل علْمك ومالك ووقْتَك وخِبْرتَكَ حتّى تُلاقي الله وهو راضٍ عنك قال تعالى: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه...كلا "ليس عطائي إكرامًا ولا منْعي حِرْمانًا ، عطائي ابْتِلاء، وحِرْماني دواء، أنت مُبْتَلى فيما أُعطيتَ وفيما مُنِعْتَ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام: اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عونا لي فيما تحب، وما زللت عنِّي ما أحبّ فاجْعَلْهُ لي فراغًا فيما تحبّ.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البلد (90 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة البلد، الآية الأولى قوله تعالى:لا أقسم بهذا البلد...البلد " ماذا نفْهم من هذه الآية ؟ نفهم منها أنَّ الإنسان هو أكرم المخلوقات على الله، وأنَّ سيِّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم هو أكْرَمُ أكْرَمِ البشر على الله، لذا قيمة هذا البلد ؛ مكَّة المُكَرَّمة لِحِلِّ النبي عليه الصلاة والسلام فيه، قال تعالى:لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد..".
ثمَّ قال تعالى:ووالد وما ولد.." نِظامُ الأُبُوَّة هو نِظامٌ يُعَرِّف بالله عز وجل، فأكثركم آباء، يعيش الأب لابنِهِ ويتمنَّى أن يكون أفْضَل منه ومهما أساء الابن إليه لو جاءهُ تائِبًا لقَبِلَهُ وأحَبَّهُ، ومِن نِظام الأُبوَّة ومن الرَّحمة التي أودِعَت في قلوب الآباء والأمَّهات ؛ تعرف الله، إذا كان قلب الأب والأم هكذا، وإذا كان الأب والأمّ يعيشان لأوْلادِهِما يجوعان كي يشْبعوا، ويعْرِيان كي يكْتسي، ويرْفعانِهِ إلى أعلى عِلِيِّين، ويتمنَّيان أن يكون أفضَل منهما بِرَحْمَةٍ أوْدَعَها الله تعالى في قلوبهما، فكيف بالله عز وجل ذي الرَّحْمة العظمى.
من الثابت أنَّ أعْظم الخلق بالخَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك ؛ قال تعالى:فَبِما رحْمَةٍ..."، تنْكير تقليل، فَكُلّ هذا اللِّين وهذه الرَّحْمة فاللَّهمّ اغْفِر له، وارْحَمْهُم، وقوله صلى الله عليه وسلَّم:اللَّهم اهْد قومي فإنَّهم لا يعلمون، آذَوْهُ،و سَلَّطوا عليه سُفَهاءَهم، وكذَّبوه وسَخِروا منه، ومع ذلك قال:اللَّهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ! فَكُلّ هذه الرَّحمة وهذا اللِّين وهذا العَطْف، قال عليه الصلاة والسلام:لو تعلمون ما أعلام...." ومع أنَّك نبِيٌّ مُرْسَل وسيِّدُ الخلْق، وحبيب الحق ومه أنَّهُ يوحى إليك وأوتيتَ المُعْجِزات، مع كُلِّ هذه الخصائص والميزات، وكل هذه الفضائل، قال تعالى:ولو كنت فضًّا غليظ القلب..." فهذا الذي لم يُؤْتَ المعجزة وليس معْصومًا، ولم يفْقَه الفقه العالي فهذا يعني أنَّه أحْمق، الْتِفاف الناس حوْلك، أو انْفِضاضُهم عنك قانون فإذا كان بقلبك رحْمة حقيقيَّة اشْتقَقْتَها من الله عز وجل مِن خلال اتِّصالك به مُنْعَكَس هذه الرَّحْمة يُثير الجانب، فإذا كان القلب منقَطِعًا عن الله عز وجل، فَمِن مُنْعَكَسات القلب الغِلْظة والفضاضة، قال تعالى:ولو كنت فضًّا غليظ القلب..." القرآن كلَّه قوانين، فقانون الْتِفاف الناس حوْلَك اتِّصالُك بالله، وقانون انْفِضاض الناس حوْلك انْقِطاع القلب عن الله تعالى، لذلك لا أُقسم بهذا البلد لأنَّه حِلٌّ بهذا البلد لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم سيِّد الخلق، بل إنَّ جنس الإنسان إذا عرف الواحِدَ الدَّيان يفوق الملائكة المُقَرَّبين، فالإنسان أكرم الخلق على الله، رُكِّب الملك بِعَقل دون شَهْوة، ورُكِّب الحيوان من شَهْوةٍ دون عقْل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سَمى عقله عن شهْوته أصبح فوق الملائكة، والدليل قول الله عز وجل:إنَّ الذين آمنوا و...خير البريَّة " والآية الثانِيَة قوله تعالى:...شر البريّة " فأنت بين أن تكون فوق الملائكة المُقَرَّبين وبين أن يكون الكافر في أسفل السافلين.
كان من الممكن أن يخلق الله البشر جميعًا دُفْعَةً واحدة من دون آباء حينها تنعدِمُ الرَّحْمة، أما أن يكون هذا ابن فلان، وكل رحْمة الأب يصبُّها في ابنه فإذا كبر الأب رأى ابنه أمامه يُعينُه
ثمَّ قال تعالى:لقد خلقنا الإنسان في كبد.." خُلِق في ضَعْف وفي نِظام سَعْيٍ، فالواحد حتَّى يشْتري البيت ؛ يقول لك:طلعتْ روحي ! وحتَّى وصل إلى زوْجة طلعتْ روحي مرَّة ثانِيَة ! وكذا حتَّى أنْجب، ثمَّ ترْبِيَة الأولاد، فالحياة أساسها بذْل جهْد ! قال تعالى:يا أيها الإنسان إنَّك كادح إلى..." نِظام الدنيا نِظام جُهْدٍ، أما نِظام الآخرة فهو نِظام إكْرام، ولهم ما يشاءون فيها، فأنت مِن أجل أن تأكل صَحن مُقَبِّلات تحْتاج إلى ساعة ؛ مِن غَسْل وتنظيف و... أما في الآخرة كلّ ما يخْطر بِبَالِك تجده أمامك، قال تعالى:إنَّه كان لي قرين فاطَّلع..." مِن أجل أن ترى ابنك بأمريكا تحتاج إلى ثلاثة أشهر للتأشيرة ويدفع وينتظر الدَّوْر كي يراه، أما في الآخرة لا شيء مِن هذا ! في الآخرة فقط يخْطر بِبَالك ترى ما تريد، والقُطوف في الجنّة دانِيَة، الغُصن يأتي إليك، تشْتهي أن تأكل فيأتي الغصن إليك، فَنِظام الآخرة نِظام تَكْريم، ونِظام الحياة الدنيا نِظام سَعْي وجُهْد، والدنيا ثَمَن الآخرة، والانضِباط في الدنيا لِسَنوات مَحْدودة ثَمَن عطاء أبدي لا ينتهي، فالصّلوات محدودة، وكذا الصيام والحج والعمرة، فَمَجموعة تَصَرُّفات منضَبِطَة ثَمَن جنَّة إلى أبد الآبدين، وحينما ينقطع عن الله تعالى ويجْهل قال تعالى:أيحسب أن لن...أحد " كان طِفْلاً، لولا منعَكس المَصّ لما وُجِد إنسان يعيش مِنَّا، والطِّفل يولَد معه، فلولا منعَكَس النَّص لما وُجِدْنا الآن، فلولا هذا المنعكس لما أمْكَنَكَ أن تُعَلِّم ابنك وهو طفل صغير وُلِدَ الآن أن يمُصَّ ثَدْي أمِّه ؛ يولَدُ الطِّفل من هنا فَيَمُصُّ مباشرة حلمة ثدي أُمِّه ! كيف يتعَلَّم هذا الطِّفل أن يمصّ ثَدْي أُمِّه ؟
قال تعالى:ألم نجعل له عينين...النَّجدين " حليب باردٌ في الصَّيف، وساخن في الشِّتاء، ومُعَقَّم، ويتبدَّل ترْكيبُهُ في أثناء الرَّضْعة الواحدة نسْبة الماء بِأوَّل الرَّعة تكون سِتِّين بالمائة وبآخرها أربعين بالمائة، أما الأمّ ابنها يبكي تضع الحليب على النار حتَّى يغلي، ثمَّ مرحلة التبريد وكل مناعة الأم في حليبها، لذلك أحْمَق إنسان هو الذي يسْمح لَزوْجَتِه أن تُرْضِعَ ابنها! حِفاظًا على قِوامها، وأحد أكبر سرطان الثَّدْي عدم الإرْضاع !! لأنّ الله تعالى قدَّم الثَّدْي هَدِيَّة للطِّفْل والأمّ حرَمَتْهُ منه وأحد أسباب الانْتانات المعوِيَّة هو الحليب الصِّناعي، واحد أسباب القَسْوة في المعاملة الحليب الصِّناعي، وأحد أسباب أمراض القلب والأوْعِيَّة الحليب الصِّناعي ؛ هناك بُحوث طويلة أنَّهم وَجَدوا أذْكى شَعْب في العالم هو شَعْبٌ يعيش بِالباسيفيك، هذه الجزيرة لا تعرف الإرضاع الصِّناعي إطْلاقًا، والآن يُعْزى الذَّكاء البشري إلى الإرْضاع الطبيعي، أمريكا مرْتبتُها بالذَّكاء الرابعة عشرة
قال تعالى:أيحسب أن لن يقدر عليه أحد..." سلوا الأطِبَّاء ؛ ما هو الإنسان ؟ كُلّ عظَمَتِك وقُوَّتِك وذكاءك وأموالك وهيْمَنَتِك بِفَتْحة شرْيانِكَ التاجي الذي قُطْرُه ميلمتر واحد ! إذا ضاق بدأت متاعب لا تنتهي وهو الذي يُغَذِّي قلب، فإذا ضاق هذا الشريان للزِمَك تجريف وبالون وروسور وأروبا ومليون ليرة، وكذلك إذا نَمَتْ هذه الخلايا نُمُوًّا عَشْوائِيًّا، وهذا المرض حتَّى الآن لا سبب له، يُصيبُ كلّ الأعمار وإذا تَجَمَّد الدمّ، فأنت كلّ حياتِك مَبْنِيَّة على هذه الأمور التي في جسَدِك ثمّ قال تعالى:يقول أهْلكْتُ مالاً لبدًا.." أقمنا بالصَّيف في نزهة كلَّفَتْنا ثمان مائة ألف ! وعرس كلَّفَنا عشرين مليون، ويعني بِكُلْفة السيارة والبيت.
قال تعالى:أيحْسب ألم يره أحد.." مِن أين جاء بِهذا المال ؟ الذي أعطاك ألا يراك ؟ وخالقُك! كيف كسب المال.
ثمَّ قال تعالى : ﴿ ألم نجعل له عينين...النجدين﴾
فكيف بِخالق العَيْنين ثمّ قال تعالى:فلا اقْتَحَم العقبة.." ما الذي يمْنعُك من أن تتوب الآن ؟ وأن تُصَلِّي ؟ وأن تسأل الله السلامة واللُّطْف.
ثمَّ قال تعالى:وما أدراك...فك رقبة " ما معنى هذه الآية ؟ مادام الإنسان عبْدًا لِشَهواتِه فالطريق إلى الله مَسْدود، فإن أمْكَنَك أن تفُكَّ رقَبَتَك من أسْر الشَّهوات انتهى الأمر، فأنت إما أن تكون عبْدًا لله، وإما أن تكون عبْدًا لبَطْنِك أو لِفَرْجِك أو للدِّرْهم والدِّينار.
ثمّ قال تعالى:" فلا اقتحم العقبة...فك رقبة " هناك من يقول:فكّ رقبة ذَبْح خروف ! ولكنَّ المعنى أعْمَق بِكَثير،فما دُمْتَ عبْدًا لِشَهْوَتِك فالعَقَبة كؤود بينك وبين الله، ولكن حينما تتحَرَّر من أسْرِ الشَّهْوة وتغْدو عبْدًا لله فالطريق سالِك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
﴿ تعس عبْد الدرهم..." ﴾
ما صلَّى العصْر من أجل أنّ بِنْطالُهُ مَكْوي !! وهناك إنسان عَبْد الفرْج، وآخر عبْدُ البطْن، وذاك عبْدُ الدِّرْهم والدِّينار.
ثمّ قال تعالى:أو إطعام في يوم ذي مسغبة.." أن تتحَرَّرَ من الشَّهوات وأن تبْذِل ما في وُسْعِكَ من أجل الله.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يتيماً ذا...ثمّ...مؤصَدة ".﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشمس (91 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشمس، قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
[ سورة الشمس ]
لو تتبَّعْنا فِعْلَ أفلح في القرآن الكريم نَجِدُهُ في عِدَّة آيات فقط قال تعالى
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)﴾
[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)﴾
[ سورة الأعلى ]
الفلاحُ هو النَّجاح، لكن بِنَظَر الناس ؛ ما هو الفلاح ؟ لو سألتَ ألف إنسانٍ ما هو الفلاح ؟ قد يقول بعضهم: أن تكون غَنِيًّا، وقد يقول بعضهم: أن تكون قَوِيًّا، وقد يقول بعضهم: أن تكون وسيمًا، وقد يقول بعضهم: أن تُمارِسَ كلّ الشَّهوات، إلا أنَّ مِقْياس الفلاح في القرآن ؛ قد أفلح مَن زكَّاها ! لأنَّ الإنسان يحبّ ثلاثة أشياء في أصْل فِطْرَتِهِ: يُحِبّ الكمال، ويحبّ الجمال، ويحبّ النَّوال ؛ العطاء فلو أعْطاك إنسانٌ ذميم مليون تُحِبُّهُ مِن أعْماقِك.
الكمال كلُّهُ عند الله تعالى، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[ سورة الأعراف ]
فإن كنتَ تُحِبُّ الكمال، فالله تعالى مَنْبع الكمال، وإن كنتَ تحبّ الجمال فالله أصل الجمال، وكل ما في الكَون مِن جَمال مَسْحَةٌ مِن جمال الله عز وجل ؛ وإنَّ الله جميل، وأقرب دليل أنَّ الإنسان إذا شَعَرَ أنَّ الله تعالى يُحِبُّه يمْتلأُ قلبُهُ سعادَةً لو وُزِّعَت على أهل الأرض لَكَفَتْهُم، النَّشْوَةُ الجمالِيَّة، هناك تعْبيرات فلْسَفِيَّة في كُتب الفلْسَفَة ؛ النَّشْوَةُ الجمالِيَّة! وهي التي يُحْدِثُها القُرْب من الله تعالى تَفوق كُلَّ نَشْوَة، وأنت قد تذْهب إلى مَصْيَف حوله خمسون سيَّارة بعد الساعة العاشرة ليلاً ؛ ماذا يفْعَلُ هؤلاء هنا ؟ يجْلسون على طاولات ويأكلون ويُمْتِعون نظرهم بامْرأة شِبْه عارِيَة ترْقُص أو تُغَنِّي ؛ هؤلاء رُوَّاد المَلاهي والحانات والأماكن التي تُرْتَكَبُ فيها المعاصي، فلو عرفوا ما عند الله تعالى مِن سعادة لكانوا أوَّل سابِقٍ إلى باب الله عز وجل إلا أنَّ الأزْمَة أزْمَةُ عِلْم، ولو يعْلم المُلوك ما نحن عليه لقاتَلونا عليه بالسُّيوف، وفي الدنيا جنَّة من لم يدْخُلْها لم يدْخُل جنَّة الآخرة ! ما يفْعلُ أعْدائي بي ؛ بُسْتاني في صدْري، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة، وإن حَبَسوني فَحَبْسي خَلْوَة، وإن قتلوني فقَتْلي شَهادة.
الإيمان مَرْتَبَة عِلْمِيَّة، ومرْتَبَة جمالِيَّة، ومرْتَبَة خُلُقِيَّة، فهي عِلْمِيَّة إذْ أنَّ المؤمن عرف الحقيقة، والحقيقة المطْلقة هي الله عز وجل، هل هناك فلاح ونجاح عِلْمي يفوق أن تعرِفَ الحقيقة المُطْلَقَة ؟ فهذا أنْشْتايْن عرف نَظَرِيَّةً نِسْبِيَّة، وعرف قوانين فيزْيائِيَّة، وأرْخَميدِس عرف قانون السوائل والضَغْط، ونيوتن عرف قاون الجاذِبِيَّة، وبوتال عرف ثُقْب بوتال بالقلب، فَكُلّ عالِم عرف شيئًا من مَخْلوقات الله، أما المؤمن الصادِق عرف الله! دَقِّقوا ؛ هذا القرآن اُدْخُل لأيِّ مكْتَبَةٍ في العالم مَن صاحب هذا القرآن ؟! هو الواحد الدَّيان، فَضْلُ القرآن على أيِّ كتابٍ مُؤَلَّفٍ في الأرض كَفَضْل الله تعالى على خَلْقِهِ، وبين القرآن وبين أيِّ كتاب كما بين الله تعالى وبين عبادِهِ.
طيِّب ؛ بين المؤمن الذي عرف الحقيقة المطلقة وهي الله، وبين أيِّ عالِمٍ كما بين الله وعباده ! الإيمان درَجَة عِلْمِيَّة لأنَّهُ عرف الله، والإيمان درجة خُلُقِيَّة لأنَّ سلوك المؤمن مَحْكوم بِمَنظوم قِيَم أخْلاقِيَّة دقيقة جدًا.
حدَّثني أخٌ كان بِمَسْمَكِة ؛ اشْترى سَمَكًا، فالعامِل مباشرة أراد قطع السَّمك وهو يتحرَّك، وذلك لِيُنَظِّفَهُ ! وهذا لا يجوز، حتَّى يموت قال تعالى:
﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(36)﴾
[ سورة الحج ]
فأنت إن نَزَعْتَ أحْشاءها وهي تتحَرَّك فهذا تعْذيب ! فقال له: لم يقُل لي أحَدٌ هذا الكلام، وأنا لي الآن ثلاث سنوات ! الجواب: لأنَّكم شارِدون، أما المؤمن فلهُ مَنْهَج ولا يستطيع أن يُعَذِّب مَخْلوقًا، ولذلك مُعَلِّمُ الناس الخير تُصَلِّي عليه الملائكة، وحتَّى الحيتان في البحر، والمؤمن منْضَبط، وقال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ* ))
[ رواه مسلم ]
إذا قتلتم فأحسِنوا القتْلة..." فالإيمان درَجَة خُلُقِيَّة.
والإيمان درجَة جمالِيَّة، لأنَّ المؤمن يسْتَمْتِعُ بالقُرْب من الله تعالى وهي مُتْعَةٌ تفوق أيَّ مُتْعَة، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُوَاصِلُوا قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ قَالَ فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ *))
[ رواه البخاري ]
وأسْعَدُ الخلق قاطِبَةً هو النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنّه أقرب الخلق إلى الله، فالإنسان يُحِبُّ الجمال والله منْبَعُ الجمال، ويحبُّ الكمال والله مَنْبه الكمال، ويُحِبُّ النَّوال وهو العَطاء، فَكُلُّ عطاءات الأرض هي من الله، فإذا الأب قبَل ابنَهُ ما معنى ذلك ؟ لولا أنَّ الله تعالى أوْدَعَ في قلْب هذا الأب هذه الرَّحْمة ما قبَّل ابنهُ ! مرَّ سيِّدنا موسى - وهذه قِصَّة رمْزِيَّة - على امْرأة تخْبز على التَّنور وابنُها تضَعُه على جانب التَّنور، وكلَّما وضَعَتْ رغيفًا في التَّنور قبَّلَت ابنها وضَمَّتْهُ فَعَجِبَ سيِّدُنا موسى من هذه الرَّحْمة التي أودِعَت في هذه المرأة، فرَبُّنا عز وجل أراد أن يُعَرِّفَهُ بالله فنزَعَ منها الرَّحْمة، ولما بكى ابنُها ألْقَتْهُ في التَّنور ! فالنَّوال هو العَطاء، أرْقى إنسان له دَخْل يكْسب منها قوتًا، إذا تجَمَّدتْ نقطة دم أدَّتْ به إلى الجنون، وأقرب الناس إليه ؛ ابنه يُرْسِلُهُ إلى مَشْفى الجنون ! فأين هي مكانتُك ؟ وقيمتك ؟! ما معنى جنّ ؟ يعني أنَّ نقطة دم تجَلَّطَت في شرْيان فرْعي من الدِّماغ ! وسَدَّت مكان الذاكرة ففَقَدَ كُلَّ ما عرفهُ !
صَيْدَلي مَشْهور جاء ابنُه من أمْريكا، فقال الأب لابنه: من أنت ؟! أُصيب بِفَقْد الذاكرة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ(67)﴾
[ سورة يس ]
أخٌ من إخواننا الكرام توفَّاهُ الله عز وجل، وقبل أن يموت بِشَهْر خرج من معْمَلِهِ فلم يعرف مكان بيْتِه ! وظَلَّ ساعَةً يمشي يبْحث عن بيْتِه، وهو يمْشي تذَكَّر بيْتَ ابنِه، فذَهَب إليه وقال له: دُلَّني على بيْتي ! فالإنسان كُلُّه عطاءٌ من الله، وإذا وصَلْتَ إلى بيْتِك فهذا من الله، وإن رأَيْتَ ابنك هذا مِن الله تعالى، وإذا مكَّنَكَ الله من مَصْلَحِةٍ فهذا مِن الله تعالى؛ كهربائي أو صناعي أو مهندس أو كاتب هي كلُّها من الله فالله عز وجل مصْدر النَّوال والكمال والجمال، فما هو الفلاح ؟ قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
[ سورة الشمس ]
من عرَّف نفْسَهُ بِرَبِّها، وحمَلَها على طاعتِه فأقْبَلَت عليه فتَزَكَّتْ، وزكاة النَّفْس في الدنيا ثَمَنُ الجنَّة إلى أبَدِ الآبِدين.
والله تعالى قال:
﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
[ سورة الشمس ]
هو مَن حَمَل نفْسَهُ على الغفْلة ؛ غافِلٌ و شارِدٌ ولم يتقَيَّد بِمَنْهَج، فعَلَ ما يُريد وأكل ما يشاء، وذهب إلى مكان يُحِبّ، وأطْلق بصرَهُ بالحرام، وخان الأمانة، فأنت لن تكون فالِحًا إلى أن ينْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، ومِقياس الفلاح في القرآن كما قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
[ سورة الشمس ]
ومِقياس الفلاح عندك المال، ولكن عند الموت لا يوجد المال، فأَحَد أكبر أغنياء العالم عنده صندوق حديد على شَكل غرفة كبيرة، كان يُقْرِض الحكومة البريطانِيَّة، فأحد المرَّات دخل إلى صندوقه الحديدي، وأُغْلِقَ عليه الباب فبات يصيح أيَّامًا، وقد ظنَّ أهله أنَّه سافر، جرح أصبُعه وكتب في الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعًا وعطَشًا !!
وكان هناك ثريٌّ بِلُبْنان قبْر جميل جدًا ومُطِلّ على البحر بأعلى منطقة، وعنده طائرة خاصَّة، فوَقَعَتْ ؛ زَوْجَتُهُ دفَعَت الملايين كي تُنْقِذَهُ فَعَثَروا على الطَّيار ولم يعْثُروا على صاحب القبر !! لن تُفْلِح إلا إذا انْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، تكون فالِحًا وناجِحًا وعاقِلاً ومُتَفَوِّقًا إذا عرفْتَ الله وأطَعْتَهُ وتقَرَّبْتَ إليه، زكاة هذه النفس ثمن الجنَّة ؛ ثمنُ جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾
(سورة آل عمران )
متاع الغرور، عِشْ ما شئْتَ فإنَّك ميِّت، ولذائذ الدنيا لا بدّ مِن أن تتْرُكَها أو تتْرُكَكَ، فالموتُ يحْرِمُك مِن كلّ شيء، وأحْيانًا وهو حيّ يفقد بصره، وحركتَهُ.
فهذه الحظوظ ؛ الصَّحة والوَسامة والذَّكاء إما أن تفْقِدَها وإما أن تفْقِدَك أما في الجنَّة قال تعالى
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾
[ سورة ق ]
فَمُلَخَّص الدرس يجب أن ينْطبق مِقْياس الفلاح عندك على مِقْياس الفلاح في القرآن، ففي القرآن قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
[ سورة الشمس ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشمس (91 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشمس التي مطلعها قوله تعالى:
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾
[ سورة الشمس ]
كيف أنَ هذه الشَّمس عظيمة، وهذا النهار وهذا الليل، وهذا القمر ؛ نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْكَ لها جِبِلَّة عظيمة، ولها خصائص، فكما أنَّ لِهذا الجسم خصائص فلِهذه النَّفْس خصائص، والإنسان حينما يكْشِفُ خصائص نفْسِهِ يسْعُد مع ربِّه وأحَدُ أكبرُ هذه الخصائص ؛ ألْهَمَها فُجورها وتقْواها، وأحدُ أكبر هذه الخصائص ؛ ونفْس وما سوَّاها فكيف سَوَّاها ؟ الإنسان مَبْدَئِيًّا لو لم يَصِلْهُ الشَّرْع ولم يتلَقَّ العِلْم، ولم يجْلِس مجْلِسَ عِلْم، ولم لم يقرأ كتاب، ولو لم يستمِع إلى خطاب، لو أصْغى إلى فطْرَتِه لعرَفَ أنَّه إن كان على صواب أو خطأ ! لأنَّ هذه النَّفْس من خصائصها أنَّك إذا انْحَرَفْتَ عن المبادئ التي جُبِلْتَ عليها تَشْعُرُ بِضيقٍ ! فالإنسان المؤمن إذا ارْتَقَتْ نفْسُهُ، وأصْبَحَ على حساسِيَّةٍ مُرْهَفَةٍ بحيث لو أخْطأ لَشَعَرَ أنَّهُ أخْطا، فكيف أنَّ الإنسان إذا جاع يشْعر أنَّه قد جاع، فلا حاجة لأحَدٍ أن يُعْلِمَه، أما الوَقودُ إذا انتهى فهُناك مُؤَشِّر، لو لم ينْتَبِه إلى المُؤِِّر تقْطَعُهُ، وكذا للحرارة مُؤَشِّر، فلو كان مع حديث شَيِّق وارْتَفَعت حرارة المُحَرِّك ولم ينْتَبِه له يحْتَرِقُ المُحَرِّك ! فالأجْهزة المُعْلِمَة بعْضُها ضَوْئي، والآخر صَوْتي، أم الإحْساس بالجوع؛ ما نَوْعُهُ ؟! لا يوجد عندك لا ضوء ولا صوت، لكن لمَّا تجوع تشْعر به، فهذا إحْساس مُرَكَّب بِطَبيعَة الجِسْم، ولولا هذا الإحْساس لَمات جميع الناس وهم لا يشْعرون ! تنْقُص الكَمِّيات ولا يشعر بها ولا يُلَبِّي حاجِيات الجسم فَيَموت، أما ربُّنا عز وجل خصَّ الإنسان، وصَمَّم هذا الجسد بحيث كَمِيَّة الغِذاء في مستَوْدعات الكبد إذا قلَّتْ عن حَدِّها الأدْنى يشْعُر بالجوع، والإنسان يأكل أحْيانًا خُبْزًا يابِسًا مِن شدَّة الجوع، ويأكل أخْشَن الطَّعام، ويراهُ أطْيَب الطَّعام مِن شِدَّة الجوع، وقد ورد في بعض الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: نعم الإدام الخل " يعني أطْيَبُ طعام على الإطْلاق أن يكون الآكل جائِعًا ! فإذا كان جائِعًا تذَوَّق للطَّعام طَعْمًا لا مثيل له، وأكثر الناس يقولون لك: أكلْنا أكْلَة لا أنْساها إلى الموت، وقد تجدها عادِيَّة إلا أنَّه كان جَوْعانًا ! فالجوع الشديد جعله يتذَوَّق هذا الطَّعام، وحينما يشْبع الإنسان لو وضَعْتَ أمامه أطْيَب الطَّعام تعافُ نفسُه الطَّعام، أحْيانًا الإنسان مِن شِدَّة التُّخْمة والخلط بالطَّعام يحْدث معه إقْياء، لو ذَكرْتَ له أشْهى الطَّعام لرأيْتَهُ يحبّ أن يتقيَّأ، ويكاد يخرج من جلده تقزُّزًا منه، فهذه من خصائص الجسم ؛ الجوع والشبَع وكذا العطش !
لا شيء يعْدِلُ كأس الماء، لو جئت له بأطيب المشروبات لا يرْتوي إلا بالماء.
فَنَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك، والتي هي أمانةٌ في عُنُقِك لها خصائص، وأحد أكبر خصائصها أنَّك إن انْحَرَفْتَ عن منهَج الله عاقَبَتْكَ نفْسُك بالضِّيق قبل غيرك ! أنت تُسَمِّي هذه كآبَة، وشُعور بالكراهِيَّة، وضيق سَمِّيها ما شئْتَ، المُهِمّ هذا عقوبة النَّفس لِصاحبها جرَّاء خروجه عن منهج الله، فهي أوَّل من تُعاقبُك، وفي أحد الفنادق الفخْمة بألْمانيا مكتوب على الفُرش أنَّه إذا أصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في فُروشِنَا ولكن في ذُنوبِك !
والإنسان حكيم نفْسِه، هناك شَخْص عنده عِناية بالغَة بِجِسْمه، لا يثقل بالأكل، ولا يأكل
الحلويات، وهذه لا يأكلها، يأكل أكْلَةً واحِدَة ويقول لك: الإنسان حكيم نفْسِه، وإذا لم أكن حكيم نفْسي أدْفَعُ الثَّمَن باهظ فهذا في الجِسْم، الآن تعال إلى نفْسِه، إذا الإنسان بلغ من الوَعْي الرُّوحي والوَعْي الدِّيني، أنَّهُ إذا غلط شعر بِحِجاب مع الله عز وجل فحاسَبَ نفسَهُ حساب عسير، فأكبر مِقْياس دقيق دقيق بِصَواب عَمَلِك أن تستطيع أن تتَّصِل بالله عَقِبَ هذا العمل، فأنت إذا عَمِلْتَ عملاً وانْتُقِدْتَ، وأنت إذا اسْتَطَعْتَ ان تُصَلِّي صلاةً صحيحة بعد هذا العمل فأنت على حقّ، لكن هذا ليس مِقْياسًا لِكُلّ الناس وإنَّما لِمَن صَفَتْ نفْسُه ولِمَن كانت فطْرَتُهُ سليمة، فالإنسان عليه أن يُحاسب نفسَهُ حسابًا عسيرًا، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
(سورة الشمس )
الشيطان أحْيانًا يُلْقي في روعِكَ معنى في تفسير هذه الآية ما أراده الله تعالى أبَدًا، ولو آمَنْتَ به لخَرَجْتَ عن دائرة صواب العقيدة، وهو أنّ الله تعالى ألْهَمَ هذه النَّفْس بِمَعنى خلق فيها الفُجور، وخلقَ فيها التَّقْوى! فإذا كان الله تعالى خلق في هذه النَّفْس الفُجور فكيف يُحاسِبُها ؟! وإذا خلق فيها التَّقْوى فكيف يُجازيها بالجنَّة ؟! فهي لا تقْواها منها، ولا فُجورها منها !إنَّما هو مِن خلْق الله فيها، وهذا المعنى جَبْري فاسِد، ومعنى غير مَقْبول إطْلاقًا، أما ألْهَمَها فُجورها وتقْواها أي أعْلَمَها ذاتِيًّا فكيف أنَّك إن جعْتَ تعرف ذاتِيًّا أنَّك جائِعٌ، وهل يستطيع أحدٌ أن يدخل إلى إحْساسك العضلي، وهذا شُعور فطْري ثابت مع كلّ إنسان، وكذا إن ارْتَقَتْ نفْسُك إلى مستوى الحساسِيَّة النَّفْسِيَّة بحيث أنَّك إذا تَكَلَّمْتَ كلمَةً غير صحيحة وشَعَرْتَ بالسُّقوط الداخلي، وبالحجاب الخارجي فهذه علامة طيِّبَة جدًا على أنَّك حيّ، لأنَّ الله عز وجل قال:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[سورة النحل]
أحدهم شرب الخمْر إلى أن تمايَل، فدَخَل بيْتَهُ فَذَبَح زوْجته وخمْسة أولاد ! سكْران، ولمَّا صحى مِن سُكْرِهِ قتَلَ نفْسَهُ !! ما الذي عَذَّبَهُ ؟ الفطْرة، وهناك رجل بِبَعْض المُدن كان يمْشي بِسَيَّارتِه على الساعة الثانِيَة ليلاً، وأبٌ مُدَخِّن بعث ابنه على البقَّالِيَّة، فهذا الرَّجل دحس هذا الطِّفل ومات الطِّفل الساعة ليلاً، ولا شرطي ولا أيّ شيء ؛ القَضِيَّة كُتِبَتْ ضِدَّ مَجْهول ! هذا الذي دحس هذا الطِّفل بقِيَ عشرين يوْمًا ما ذاق طعْمَ النَّوْم، مع أنَّ لا أحد يُلاحِقُه من الشرْطة، فَذَهَب إلى طبيب نفْسي وقال له الطبيب: لا حلَّ لك إلا أنْ تدْفَعَ دِيَّة هذا الطِّفْل كي تسْتطيع أن تنام !
رجلٌ سألني من هذا المسْجد وقال: كنتَ راجِعًا من حلب، وحدث معي خطأ فدحَسْتْ إنسان كبير بالسِنّ، وتابَعْتُ السَّيْر ولا أحَدَ لاحَقَني، والقِصَّة لها أربَعَة سنوات، قال لي: لا أسْتطيع أن أرْتاح ولا أن أنام منذ ذاك الحين !! فقُلْتُ له: اِرْجِع إلى تلك المنطقة وسَل عن الشيخ الذي مات ؛ مَن هم أهْلُه ؟! كي ترْتاح، هذه أمْثِلَة صارِخَة، وهذه هي الفطرة، أما الذي ليس فيه هذه الفطرة، فهو ينطبق عليه قوله تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[ سورة النحل ]
وقوله تعالى:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[ سورة فاطر ]
ذكر لي أحدهم فقال: أنا جاهِل، وأبي مِن أحد كبار المواشي والصوف، فَكَبُرَ بالسِنّ، فَجَعَلَني محَلَّهُ، ولم يُعَلِّمْني أحَدٌ إنَّما قالوا لي: هؤلاء البَدْو اِذْبَحْهُم !! أي تضاحَك عليهم، فَبِعْتُ أحدهم صوفًا وتضاحَكْتُ عليه بالوَزن، فَعِوَض أن يدْفع أثنى عشرة ألفًا دفع عشرين !!ولكن قال لي هذا البدوي: إن شاء الله، إن لَعِبْتَ بي تجِدُها بِصِحَّتِك! فقال لي: وأنا بالطريق ونفْسي تُراوِدُني ؛ هل أُرجِعُ له ما أخذْتُه منه ؟ وبقيتُ على تلك الحال وأنا أمْشي بالسيارة، ونفسي بين مدٍّ وجزر إلى أن اتَّخَذْتُ قرارًا قائِلاً: وماذا يحْدُث إن أخذْتُ له..ولم أُكْمِل الكلام حتَّى وَجَدْتُ نفسي في شلال من الدِّماء ! انْقَلَبَتْ بي السيارة، فهو لمَّا بِصِراع أعطاه الله مُهلة، أما لما اتَّخَذ قرَارًا عاقبَهُ الله، لأنًّ الله عز وجل قال:
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)﴾
[ سورة الزخرف ]
هكذا أردْتَ، إذاً سَتَرَى ! فدَخَل المشفى، ولما خرج، ذهب للبدوي وقال له: قد سرقتُك في الصوف ! فخُذْ ثمنَكَ، قال له البدوي: لا هذه هدِيَّةٌ مِنِّي، وأعطاهُ سمْنًا !!!
كُنْتُ بالعُمْرة، فَذَكَر لي صديق قِصَّةً دقيقة جدًا، بَدَوِيًّا ساكن بشَمال جدَّة، فلمَّا توسَّعتْ جدَّة أربعين كيلومتر نحو الشَّمال، أصْبَحَت أرضُه فريبة من المدينة، اِشْترَوْها منه ثلاثة مُجْرِمين، وضَحِكوا عليه بالثَّمَن وعمَّروها باثني عشرة طابِقًا، فأوَّل شريك وقع من فوق إلى تحت ونزل ميِّتًا، وثاني شريك مات بِحَادِث، فانْتَبَه الثالث، وشَعَر أنَّ أمامه خطر كبير، فَبَحَث عن هذا البدَوي حتَّى وجَدَهُ، فقال له: كنتُ غالِطًا وأعْطاهُ ثلاثة أمْثال حِصَّتِه، فقال له البَدَوي: ترى ترى أنت لَحَّقْتَ حالك !! فَدَرْسُنا اليوم عن الفِطرة السَّليمة، والي يُراجع نفْسه عند الغلط، فالله عز وجل قال:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾
[سورة القيامة]
فالذي فطْرته سليمة عليه أن يشكر الله عز وجل، والذي فطْرتُه مطْموسة عليه بِطَلب العلم حتَّى ترجع الفطرة سليمة لأنَّها المقياس الدقيق والله تعالى قال:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)﴾
(سورة الشمس)
والدنيا كلّ شيء مَحْلول فيها، وفيها المُسامَحَة والاعْتِذار، وطلب عَفْو أما في الآخرة فلا شيء من هذا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الليل (92 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، ما مِن شيء أحبُّ إلى الإنسان من تَيْسير أعْمالهِ وما مِن شيء يُزْعِجُ الإنسان من التَّعْسير، وفرق كبير بينهما !
التَّيسير مُريحٌ ومُسْعِد، أما التَّعْسير مُزْعِج، والإنسان أحْيانًا لا يعرف للتَّيْسير والتَّعْسير قانونًا، ويظُنّه قاعِدَة عَشْوائِيَّة ؛ فالأمور أحْيانًا تُيَسَّر، وأحْيانًا تُعَسَّر، يكاد الإنسان يخْرج من جلْدِهِ من تعْسير أموره، وأحْيانًا يشْعُر أنَّ التَّيْسير يُسْعِدُهُ إلى درجة كبيرة، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى بيَّن في سورة اللَّيل للتَّيْسير والتَّعْسير قانونًا.
لا يوجد مع الله تعالى ذَكِيّ، فَيُمْكِن أن تقوم بِعَمَل ميكانيكي تشْتَغِل عشْرة ساعات، وبعد أن تنتهي تكْتَشِف أنَّ هناك قِطْعَةً يجب أن تضَعَها في أوَّل مرْحَلَة !! فهذه العشْر ساعات هُدِرَت، وقد تتعَطَّل آلة فَتُراسِل شركة أجنبية وتنتظر بالبريد أيامًا إلى أن يأتيك قياسٌ أكبر من الذي طلبْتَهُ !! فَهِموا القياس غلط ؛ الآلة مُعَطَّلَة، والعُمَّال تدفع عنهم.
أحيانًا يأتي صقيع مَحْصوله ثلاثمائة ألف حتى مليون، فالصَّقيع بِثَلاثة دقائق، لكن كل شيء أصبَحَ أسْوَدًا، قال تعالى:﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)﴾
[ سورة القلم ]
أحْيانًا يأتي المطر أكثر مِمَّا ينبغي فَيُتْلِفُ المحاصيل وأحْيانًا يأتي مطر يُنْقِذُ ألف مليون، وأحْيانًا يأتي مطر أثناء حصْد القطن والقمح تُفْسِدُ كلّ المحْصول، فالأمور كُلُّها بِيَد الله عز وجل، فهو تعالى يجْعل من الماء رحْمة، ومن الماء نِقْمَة، ومِن الرِّياح نعمة، ومنه نقْمة، ومن الحرّ أحْيانًا نعمة، ومنه ما هو نِقْمَة، فَكُلُّ شيء بِيَد الله عز وجل، والتَّيْسير مُريح، والتَّعْسير صَعْب.
أحْيانًا تشْتري بِضاعة، ولا شيء يُحَطِّم التاجر مِن أن يشْتري بِضاعة وتبْقى مُكَدَّسية عنده، ولا أحد يسأله عنها ! والله عز وجل قال:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾
[ سورة التوبة ]
أصْعبُ شيء بالتِّجارة الكساد، فالتِّجارة بِيَد الله، ورواجُها وكسادُها منه تعالى.
أحْيانًا تخْليص بِضاعة، بِسَبب تافه جدًا البِضاعة لا تُخَلَّص، ويجب أن تُعيدَها إلى مصْدَرِها ؛ هذا بالاستيراد، بالسُّوق المحلِّي تشتري شيئًا تظنُّ أنَّك ترْبَحُ به فإذا السِّعْر غالي، إذْ هناك عرض بِسِعْر أقلّ بِكَثير فلا يكون أمامك إلا أن تخْسر خسارَةً كُبْرى، والله عز وجل يقْدر على أن يُشَغِّلَك سنَةً بِكَامِلِها وحسابات وتحْصيل، ثمَّ المُحَصِّلَة خسارة ثمان مائة ألف !! لو جلَسْتَ في بيْتِك وألْقَيْت رأسك على الوِسادة لَكُنْتَ أسْعَدَ من هذا، رغْمَ التَّعَب الشديد والجُهد خسارة، وأحْيانًا بِجُهْد يسير وقليل ربِحٌ كبير، وأحْيانًا تخْتار زوْجَةُ مُناسِبَة وتُريحُكَ، وهناك زوْجة عِبء عليك، أحيانا يأتيك ولدَ رحْمة من الله ؛ ووهبنا له إسحاق، وأحيانًا يقول الأب: لو يندَعِس ابني أحْتَفِلُ !! لماذا ؟! لأنَّهُ مُجْرِم فالابن نِقْمة أو رحْمة، وكذا التِّجارة والصِّناعة.
أحْيانًا يأتيك جارٌ يُعيفُكَ المَسْكن كُلَّهُ !! تبيعُ المنزل بِرُبْعِ قيمتِه فقط تتخلَّص منه !! فالأمْر بِيَد الله تعالى.
فهذا التَّعْسير والتَّيْسير ؛ ما هو قانونه وما هي أحْوالهُ ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال:(( اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً..))
" والله عز وجل يقول:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
هذه الآية قانون التَّيْسير والتَّعْسير.
أعْطى وبنى حياته على العطاء، ويُعْطي من ماله وجُهْدِهِ وخِبْرَتِه ومِن ابْتِسامَتِه واهْتِمامه وحِكْمَتَهُ لِكُلِّ الناس، وقبل العَطاء اتَّقى أن يعْصي الله تعالى اسْتِقامَةً، وقبل الاسْتِقامة صَدَّق بهذا الدِّين، فَهُوَ آمَنَ واسْتَقام وعمِلَ عملاً صالِحًا ؛ هذا الإنسان سَيُيَسَّرُ لليُسْرى، وله مُعامَلَة خاصَّة، وأقوى دليل قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
[ سورة الجاثية ]
أحْيانًا الإنسان يُخَطِّط لِرِحْلَة وسفر، لا يترك شيئًا إلا ومعه ؛ مال وزوجَة وأولاد وسيارة، ولِأتْفَهِ الأسباب تُصْبح الرِّحْلة قِطْعَةً من الجحيم ! وأحْيانًا مِن دون تَخْطيط يقول لك: ذَهَبنا رِحْلَةً لا ننْساها إلى الموت ! فالله يُيَسِّر السَّفر ويُعَسِّرُه، ويُلْهِمِ الناس فَيُضايِقوك، ويُلْهِمُهُم فَيُعينوك، لماذا يُضايِقُك فلان أو يُكْرِمُك ؟! هذا الشَّخْص بِيَد الله إذا أحَبَّ الله تعالى أن يُكْرِمَك ألْهَمَهُ، وإذا أحبَّ تعالى أن يُضايِقَك ضايَقَك مِن أجل كلمة فقط.
لذلك قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾
[ سورة الليل ]
والآية الدقيقة جدًا قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
[ سورة الجاثية ]
مِن سابِع المُسْتحيلات أن يسْتوي المُحْسِنُ مع المُسيء، والمُسْتقيم مع المُنْحَرِف، والصادق مع الكاذب، والمُخْلِص مع الخائن، والمُتَفَلِّتْ مع المُنْضَبِط، ومَن كان دَخْلُهُ حلالاً، ومَن كان دَخْلُهُ حرامًا، واسْمَعوا هذه الكلمة وسَجِّلوها: أن يسْتَوِيَ الذين اجْترَحوا السيِّئات مع الذين آمنوا وعملوا الصالِحات، أن يسْتَوِيَ هؤلاء، وهؤلاء، هذا لا يتناقض مع عدالة الله تعالى فَحَسْب بل يتناقضُ مع وُجودِه، فأنت أمام خِيارٍ صعْب ؛ إمَّا أن تؤمن أنَّ لِهذا الكون إلهًا عادِلاً، وما دام هو المُسَيْطِر والأمر يرجع إليه، ومادام ملكوت السماوات والأرض بِيَدِهِ فلَن يُسَوِّيَ بين الذين اجْترَحوا السيِّئات وبين الذين آمنوا وعملوا الصالِحات ؛ تعمل السيِّئات وتظنَّ نفْسَك شاطِرًا وفالحًا، والناس لا يفْهمون ؛ هذا هو الغباء بِعَيْنِه، والآخر يعمل الصالحات ويسْتقيم ويلْزَمُ دروس العِلْم ويطلب العلم، ويكون بِأسْفل القائِمَة ؛ هذا مُسْتحيل ! وهذا يتناقض مع وُجود الله.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
بنى حياته على الأخذ، وقد ذَكَرْتُ بِخُطْبَةِ الجمعة أنَّ النَّمْلَةُ تُعَلِّم الإنسان درْسًا لا يُنْسى بالمُؤاثَرة، فالنَّمْلة غن كانتْ شبْعانَة والْتَقَتْ مع نمْلة جَوْعانَة لها جِهاز ضخّ ! تَضُخّ لها من خُلاصاتِها الغِذائِيَّة إلى للنَّمْلة الجائِعة، فأحَدُهم علَّق على هذا تعْليقًا جيِّدًا فقال: أما نحن البشر ؛ الذي سَيَنْفَجِر شبَعًا، له جِهاز مَصّ وليس ضخّ، فَفَوْقَ غِناه يمُصّ جُهود الآخرين، له أموال لا تأكلها النِّيران وتَجِدُهُ يُحاسِبُ على اللِّيرة ! هذا هو اللُّؤْم، هذه ليْسَت شطارة.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
بنى حياته على الأخذ وليس على العَطاء فالأنبياء أعْطَوا ولم يأخُذوا، والذين على نقيضِهم أخَذوا ولم يُعْطوا، وبَقِيَّةُ الناس يأخُذون ويُعْطون ؛ يُقَدِّم خِدْمَة ويأخذ الأَجْر عليها إلا أنَّهُ يُقَدِّمُها بِإخلاص وليس بِغِشّ.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
لا تَقُل لي: فلان يَدُهُ خضْراء، وهذا محظوظ ؛ هذا شِرْك، فلا يوجد كلٌّ من هذا، وهذا كلام اله تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
يُؤتى الحَذِرُ مِن مَأمَنِه، اِلْتَقَيْتُ بِطَبيب بأمْريكا يُعَدُّ الأوَّل بالطِبّ، معه أخبث مرض بالقلب، إلا أنَّه نَسِيَ الله فأصابَهُ الله تعالى بِمَرضٍ في اخْتِصاصهِ فَمَع الله لا يوجد ذَكِيّ !
وكذا بالتِّجارة، يُريك صَفْقَة تقول سوف أخرج من الغرق، لكنَّك بالأخير تجد انَّك فلَّسْتَ منها ؛ اسْتَعِن بالله، وإذا كُنْتَ مُسْتَقيمًا وفَّقَك الله، ومع الله توجد الاسْتِقامة وليس الذَّكاء، وقدْر ما تكون ذَكِيًّا تُفْلِس، وقدْر ما تكون تَقِيًّا تربَح، فقد تعمل عملاً لا يُرْضي مَن حوْلَك لكنَّ الله تعالى يُرْبِحُكَ فيه، وأحْيانًا تعمل عمَلاً لا يُرضي الله فتَخْسر فَمن ابْتغى وجْه الله تعالى مكَّن له عملَهُ.
لا يوجد إلا التوحيد، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
هذا قانون التَّعْسير والتَّيْسير، وكلّ شيء خِلاف ذلك شِرْك، ونحن في حياتنا اليَوْمِيَّة هناك آلاف الكلمات هي شِرْك، نحن لا طَيَرَة ولا تشاؤُمَ ولا يوم أربِعاء، ولا يوم الثالث عشر ولا... إنَّما بالاسْتِقامَة تُيَسَّر الأمور وبالمعْصِيَة تُعَسَّر، والتَّعْسير تأديب، والتَّيْسير إكرام، فأنت آمَنْتَ واسْتَقَمْتَ وعَمِلْتَ الصالِحات تكون دَفَعْتَ ثمَن التَّيْسير، أو كذَّبْتَ واسْتَغْنَيْتَ عن طاعة الله، وأخذْتَ ولم تُعْط حينها تكون مُيَسَّرًا للعُسْرى لذا عليكم أن تجْعلوا القرآن قوانين حياتِكم، ولا تأخذوا كلام الناس، ونحن عندنا كلام الشيطان، وعندنا كلام الرحمن، وكلام فيه معنى، وآخر لا معنى له، بعضهم يقول: امْش بِجَنازة ولا تمْش بزواج، فهذا لا آية ولا حديث، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: أفضل شفاعة أن تشْفع بين اثنين في نِكاح فأعْظم عمل أن تكون سبب زواج شاب بِمُؤمنة، ونحن عندنا آية ؛ قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[ سورة الليل ]
فالله يُرْخي الحبْل، ويسْتدْرِجُك، وبعد ذلك تكون أنت الغالِط والخاسر فالحرام يُجْمعُ دفْعةً، ويُدْفَعُ دُفْعَةً ! الذَكيّ هو الذي يُطيع الله عز وجل وإذا كان المنحرف هو الفهمان يكون هذا الدِّين باطل ؛ سبحانك إنَّه لا يذل من والت ولا يعِزُّ من عادَيْت.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الليل (92 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في الدرس الماضي تَحَدَّثْنا عن قانون التَّيْسير والتَّعْسير في سورة الليل ؛ قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾
[سرة الليل]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾
[سورة الليل]
الهَدَف الأوَّل لِمُعْظَمِ الناس جَمْعُ المال، والإنسان أحْيانًا ينتقل من مرْحلة كَسْب الرِّزْق إلى مرحلة الجَمْع ! رِزْقُهُ مَضْمون، عنده أموال لو أراد أن يُنْفِقَها أجْزَأتْهُ عَشَرات السِّنين ولكِنَّهُ ينتَقِلُ إلى مَرْحلةٍ ثانية وهي مرْحَلة الجَمْع ؛ مع أنّ الله جلَّ جلاله يقول: ورحمة ربِّك خير..." ذَكَرْتُ قبل يَوْمَين هذه المُفارَقَة ؛ وهي أنّ أهْل الدنيا أو الأغْنِياء أو الأقْوِياء أو الذين انْغَمَسوا في الشَّهوات إلى قِمَّة رؤوسِهم يأتيهم مَلَكُ المَوْت فيَدَعون كلّ شيء ويَذْهبون إلى الآخرة فُرادى، فَكَمْ مِن مرَّةٍ أدَّيْتُ واجِبَ التَّعْزِيَة في بُيوتٍ والله يزيدُ ثَمَنُها عن مائة مليون ! فيها من الفَرْش والزِّينَة ما يزيد عن نِصْف هذا المَبْلَغ، وأصْحابُها تحت أطْباق الثرا في مَقْبرة باب الصَّغير !! ألَيْسَتْ هذه مُفارَقَة ؟ ألا ينبغي للإنسان أن يقِفَ ؛ إلى أين ؟ ثمَّ ماذا؟ جَمَعْتَ أمْوالاً طائِلَة، أَجِبْ عن هذا السُّؤال فقط: ثمَّ ماذا ؟! ووَصَلْتَ إلى أعْلى مَرْتَبَة ثمَّ ماذا ؟ مارَسْتَ كلّ الشَّهَوات ؛ ثمَّ ماذا ؟ وهناك حديث شريف يَقْصم الظَّهْر يقول عليه الصلاة والسلام: بادروا بالأعمال الصالحة...".
فالآية هنا:
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾
[سورة الليل]
أكثر مَنْظر يَهُزُّ مشاعِري حينما يوضَعُ قَبْرٌ على نَعْشَيْن، ويُفْتَحُ غِطاء النَّعْش ويُحْمَل الميِّت ويَنْزِل شَخْص إلى أسْفَل القبر، ويتلقَّى هذا الميِّت ويفْتحُ عن وَجْهه ويوضَعُ في القبر، ويُهال التُّراب عليه ثمَّ يقِفُ أقرِباؤُهُ يتقبَّلون التَّعازي وانتهى الأمْر، وطُوِيَتْ صَفْحَةٌ وأصْبَحَ هذا الإنسان في القبر رهينَ عَمَلِهِ ؛ إما أنَّهُ رَوْضَة من رِياض الجنَّة أو حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار !!!
أكثر شيء يَلْفِتُ النَّظَر ويَدْعو إلى العَجَب أنَّ هؤلاء الناس يتحرَّكون وهذه الساعة التي لا بدّ منها ليس داخِلَةً في حِساباتِهِم إطْلاقًا ؛ قال تعالى:
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾
[سورة الليل]
ولو أنَّ كُلاًّ منَّا سأل نفْسَهُ: هل بَقِيَ بِقَدْر ما مَضَى ؟!! اِذْهَب إلى دائرة دَفْن المَوْتى، وابْحَث عن أعْمارِهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: مُعْتَرك المنايا بين السِّتين والسَّبْعين ؛ هذا في أحْسن التَّقْديرات، وأنا أعْتقِدُ أنّ الرَّقْم هَبَط، فأكْثَر الناس بالأربعين أو الخمسين، أصْبحت هنا جَلْطات حتَّى بالخامسة والعِشْرون، وهذا شيء غريب جدًا ويلْفِتُ النَّظر، فالأزَمَات القَلْبِيَّة هبَطَت إلى الخامسة والعشرين سنة، فقد حدَّثني طبيبًا مُخْتَصًّا بالأوْرام الخبيثة قائِلاً: إنَّ سرَطَان الثَّدْي كان فوق السِّتِّين، والآن فتَيات بالخامسة والعشرين !!
قال تعالى:
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)﴾
(سورة الليل)
إذا جَمَعْتَ المال بالحرام ماذا سَتُجيبُ الله يوم القِيامة ؟ يقول الميِّت وهو في النَّعْش: يا أَهْلي يا ولَدي، لا تَلْعَبنَّ بكم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلّ وحَرُم وأنْفَقْتُهُ في حِلِّهِ وفي غير حِلِّه فالهَناء لكم والتَّبِعَةُ عليكم.
تُغْنيك طاعَتُكَ لله تعالى، واسْتِقامَتُك على طاعة الله، والعمل الصالح وطلب العِلْم، وتَعْليمُهُ، وإنْفاق المال، وخِدْمَةُ الخَلْق، أما الثَّرْوَة الطائِلَة التي تَرَكْتَها لا تنْفَعُك، وبالمناسبة ؛ شيء بديهي وبديهي ذَكَرْتُهُ مئات المرَّات ؛ هُنَاك كَسْبٌ، وهناك رِزْقٌ، فالرِّزْق ما انْتَفَعْتَ به فقط الطَّعام الذي أكَلْتَهُ وهذا القميص الذي تَرْتديه، وهذا السرير الذي تنام عَليه هو رِزْقُك، أما حَجْمُكَ المالي فَهَذا كَسْبُك، الكَسْبُ لن تنْتَفِعَ به لكِنَّكَ مُحاسَبٌ عنه، بينما رِزْقُك انْتَفَعْتَ به إلا أنَّهُ الذي أكَلْتَهُ أفْنَيْتَهُ والذي لَبِسْتَهُ أبْلَيْتَهُ، وبَقِيَ الذي أنْفَقْتَهُ، فلم يبْقى لك من رِزْقِكَ و كسْبِك إلا الذي أنْفَقْتَهُ، وأبْلَغُ مَقولَةٍ قالَها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: وكان قدْ وزَّع شاةً، ولم يبْقَ إلا كتِفُها فقالت: دَعْها لنا ! فَتَبَسَّم عليه الصلاة والسلام وقال: بل بَقِيَت كلُّها إلا كتفُها...." فالذي أنْفَقْناهُ هو الذي بَقِيَ، فالإنسان كم يُنْفِقُ في سبيل الله ؟ الذي أنْفَقَهُ هو الذي سَيَجِدُهُ يوم القِيامَة، وهذا القبر هو لِكُل الناس، ولا يوجَد قبْر خمْسَة نُجوم !!!
ثمَّ قال تعالى - ودَقِّقوا في هذا -:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾
[سورة الليل]
لا تَقُل: حتَّى يَهْدِيَني الله !! هذا كلام الشَّيْطان، فالشَّيْطان مِن مُهِمَّاتِه التَّسْويف والله عز وجل ألْزَمَ نَفْسَهُ بِهُدى الخَلْق، فهو تعالى هدانَا بالكَوْن، وهدانا بالقرآن وسُنَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام، وهدانا بِأفْعالهِ، فهو تعالى هدانا وانتهى الأمْر، إنَّما بَقِيَ علينا أن نسْتَجيب لذا لا تَقُل: حتَّى يَهْدِيَني الله !! أبٌ أعْطى لابنِهِ غُرْفَة خاصَّة، ومَرتبة خاصَّة ومكتبة خاصَّة، ودَخل كبير، ثمّ أدْخَلَهُ الجامِعَة ؛ فقال الأب: ألا تَدْرُس فهل يُعْقَل أن يكون جواب الابن: حتَّى تُريد أنت ! غُرْفة ومكْتَب وسيارة و.. كُلُّ هذا تَعْبير عن إرادتي وحُبِّي لك بالدِّراسة ؛ كلامٌ لا مَعْنى له فأفْعال الأب السابِقَة تُؤَكِّد أنَّهُ يُريد لابنه أن يدْرس، فلا يُعْقَل أن يقول الابن بعدها: حتَّى تُريد أنت ! لذا كُلّ إنسان يقول: حتَّى يريد الله يكون كذَّابًا، فالله تعالى أرادَكَ أن تُؤْمِن، قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)﴾
[سورة النساء]
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)﴾
[سورة الليل]
لنا، نَحْكُمُ فيها ما نُريد وشأْنُكَ بِيَد الله، وأمْرُكَ إلى الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
ولا تَقُل: يُمْكِن للإنسان أن يَعْبُدَ الله تعالى ثمَّ يكون مَصيرُهُ جهَنَّم ! هذا كلامٌ يقولُهُ الشَّيْطان، قال تعالى:
﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15)﴾
[سورة الليل]
لا يَصْلاها إنْسان بريء، أو مُصَلِّي، إذْ هُناك دُعاة جُهَّال يوهِمون الناس أنَّهُ ممكِن أن تُطيعَهُ طوال حياتِك ثمّ يكون مصيرُكَ إلى النار ! هذا يتناقَضُ مع عدالة الله، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)﴾
[سورة الزلزلة]
أيُعْقل أن يَجْعَلَ الذين أطاعوه وأحَبُّوه وجاهَدوا أنْفسهم في سبيلِهِ في النار ؟! قال تعالى: ذَلِكَ ﴿ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾
[سورة سبأ]
أي هل سبَقَ أن جازَيْنا إنْسانًا مُسْتقيمًا ؟! قال تعالى:
﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15)﴾
[سورة الليل]
فالذي شَقِيَ بِالبُعْد عن الله هو الذي يَصْلى النار الكبرى، والذي شَقِيَ بانْحِرافِهِ، وبِحُبِّ الدنيا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)﴾
[سورة الليل]
كذَّب بِهذا الدِّين ولم يَعْبأ به، وأدار ظَهْرَهُ له.
ثمَّ قال تعال:[سورة الليل]
وهو الذي اتَّقى الله عز وجل، قال تعالى:
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ(102)﴾
[سورة الأنبياء]
فالمؤمن لا علاقة له، إنَّما العَذاب لأهْل الدنيا، والأتْقى هو الأشَدُّ اتِّقاءً لله عز وجل، وأشَدُّ اتِّقاءً لِنَارِ جهَنَّم.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17)﴾
[سورة الليل]
إنْفاق المال، أيُّها الإخوَة أقْرَبُ طريقٍ إلى الله تعالى ؛ لأنَّ المال مُحَبَّب، حينما تُنْفِقُ مِن مالِك تَسْعَد.
وزُرْتُ مرَّةً مريضًا معه احْتِشاء قلب ؛ فقير ويَعْمَل بِمَعْمَل، ويَكْسِبُ قوتَ يَوْمِهِ، وله خَمْس أولاد ؛ بيْت عربي بالميدان، فَوَجَدْتُ كآبَةً مُخَيِّمَة على هذا البيت، ويَحْتاج إلى عَمَلِيَّة ثلاثمائة ألف ليرة سورِيَّة وليس معه منها ولا خَمْسُ لَيْرات، وهو لا يسْتطيع أن يتَحَرَّك فاتَّصَلَتْ إنْسانَةٌ مُحْسِنَة وقالتْ له: راجِع الدُّكْتور فلان ؛ جرَّاح قلب فذَهَب إليه، فقال له الطبيب: هناك إنسانة مُحْسِنَة تبَرَّعَت لك بِعَمَلِيَّة قلب كامِلَة ! ونَجَحَتْ العَمَلِيَّة نجاحًا باهِرًا، وزُرْتُهُ بعد العَمَلِيَّة: والله أيُّها الإخوة، مِن شِدَّة فَرْحَة أولادِهِ كادوا أن يرْقُصوا ؛ فهذه المُحْسِنَة مَسَحَت البُكاء من أطْفال هذا الإنسان، بالمُقابل هناك مَنْ يدْفَع ستِّين مليون مِن أجل عُرْس، ويأتي بالراقِصات، والخُمور، فلو يعْلَمُ الأغْنياء كم لهم من أجْر لو مسَحوا دُموع الفقراء بِأموالهم، والآية دقيقة:
﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18)﴾
[سورة الليل]
فالله تعالى يُسْتَرْضى بالصَّدَقة، وصَدَقَةُ السِرّ تُطْفأُ غَضَب الربّ والصَّدَق تَقَعُ في يدِ الله قبل أن تَقَع في يدِ الفقير، فأنت إذا أرَدْتَ أن تسْتَرْضِيَ الله تعالى فادْفَعْ مِن مالِك وإن أرَدْتَ أن تُطْفِأ غضَبَ الله تعالى فادْفَع من مالِكَ، وإن أرَدْتَ أن تُرَمِّمَ مَعْصِيَةً فَعَلْتَها عن غير قَصْدٍ فادْفَع من مالك، واحْذَروا المنّ فإنَّهُ يُذْهِب ثواب الصَّدَقة.
قال تعالى:
﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19)﴾
[سورة الليل]
كانت هناك فقيرة لها بعض السِّهام في شركة، فأعْطَوْهم تَعْويض وكانت لي قريبة ليس بِإمْكانِها أن تنْزل، وكانَت مُقْعَدَة، والوَكالة قيمتُها تُساوي قيمَة الأسْهم!
فسألْتُ حينها مُوَظَّفًا فقُلْتُ له: هناك إنسانة فقيرة مُقْعَدَة ؛ هي بِأمسِّ الحاجة إلى هذا المَبْلَغ، والوَكالة تُساوي قيمة المَبْلَغ، فَهَلْ يُمْكِنُك أن تأتي معي إلى البيت تُعطيها المَبْلَغ ؟ فقال لي: نعم، فقلتُ له معي سيارة، فقال لي: لا، آتِ لِوَحْدي ! فلمَّا قال لي هكذا شَكَكْتُ به، فرَجَعْتُ أنا إلى بيت قريبتي هذه، وكان المَوْعِد عصْرًا، فلمَّا دنى العَصْر دقَّ هذا الشَّخْص الباب: ففتَحْتُ فإذا به ! وقال لي: أين الحاجَّة، فبَصَمَتْ ووقَّعَتْ، ثمَّ صلى العَصْر، ولمَّا أرَدْتُ أن أوصِلَه بالسيارة أبى، فحاوَلْتُ معه مرارًا فلم يرْضَ، وقال لي: لا تَنْزَع لي شُغْلي، فأنا قد احْتَسَبْتُ هذا لله تعالى !
لذا ألا يُحِبُّ الواحِدُ مِنَّا عملاً خالِصًا يُقرِّبُهُ إلى الله، كي تقول يوم القيامة: يا ربّ، هذا فَعَلْتُهُ مِن أجْلِك.
قال تعالى:
﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)﴾
[سورة الليل]
آخر بِشارَة قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾
[سورة الليل]
فالله تعالى يُعالِجُنا من عِدَّة جِهات ؛ فهذا من بيْتِهِ، وهذا من ولَدِهِ وهذا من دَخْلِهِ، وهذا من زَوْجته، وهذا مِن صِحَّتِه، إلا أنَّهُ سيهيئ لنا الجنَّة إن شاء الله، قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾
[سورة الليل]
كَقَوْل الطبيب للمريض أثناء المُعالجَة: لم يبْق الكثير وسنَنْتهي، فقط تَحَمَّلْنا قليلاً فالله عز وجل مِن رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ يُطَمْئِنُهم، فهذا الذي كما قال تعالى:
﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)﴾
[سورة الليل]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 09:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الضحى (93 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مِن سورة الضُّحى قوله تعالى: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
هذه الآية مُوَجَّهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك قاعِدَةٌ في التَّفْسير أنَّ كُلَّ آيَةٍ مُوَجَّهَةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي مُوَجَّهَةٌ حُكْمًا إلى المؤمنين، ما لم تَقُمْ قرينَةٌ تَدُلّ على عَكْس ذلك.
النبي عليه الصَّلاة والسلام لهُ خُصوصِيَّات، فإذا قامَتْ قَرينَة في الآية تَدُلّ على عَكْس ذلك انْصَرَفَت الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، أما إن لم تَقُم هذه القرينة فَكُلّ خِطابٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو حُكْمًا خِطابٌ إلى المؤمنين.
فالله عز وجل وهو الخبير، وهو العليم، وهو الرحمن الرحيم قال:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
فالذي يرى أنَّ الأولى خير من الآخرة يُكَذِّب هذه الآية، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
هذه السيارة رُبْع ساعة، وبين أن تتملَّك هذه الدَّراجة الناريَّة فأَيُّهُما تَخْتار ؟ الدَّراجَّى لأنَّها سَتُصْبح مُلْكًا لك ! الآن تَخْيير ثانٍ خيَّرْناك بين سيَّارتَيْن ؛ أن تركَب الأولى رُبع ساعة، وأن تتمَلَّك الثانِيَة فماذا تَخْتار ؟! طبْعًا الثانِيَة مِن دون تَرَدُّد، طيِّب فلو خَيَّرْناك بين أن تركبَ هذه الدَّراجة رُبع ساعة وبين أن تتمَلَّكَ هذه السيَّارة ! هنا لو تَرَدَّد الإنسان ثانية في عدم أخْذ السيارة فهُوَ مَجْنون.
الدنيا مَحْدودة ؛ وهي سَنَوات مَعْدودة، يقول الإمام علي رضي الله عنه: يا بُنَيّ، العِلْم خَيْرٌ من المال، لأنَّ العِلْم يَحْرُسك، وأنت تَحْرس المال، والمال تُنْقِصُهُ النَّفَقَة، والعلم يَزْكو على الإنْفاق، مات خُزَّان المال وهم أحْياء، وهم أحْياء مانوا ميِّتين:
ليس مَن مات فاسْتَراح بِمَيِّتٍ إنَّما الميِّتُ ميِّتُ الأحْياء
وقال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[سورة النحل]
إنسانٌ بلا هَدَف، وبلا قِيَم، وبلا آخرة ولا منْهج، كائِنٌ شارِد وكائِنٌ يبْحَث عن شَهَواتِه، ويريدُ كلّ بلا ثَمَن، ويبيعُ دينه وآخِرَتَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا قليل ! ويَسُبُّ الإله لأَدْنى انْزِعاج؛ وهذا حال الناس، لذلك قال تعالى
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)﴾
[سورة الإسراء]
ذَكَرْتُ لكم مثلاً كثيرًا إلا أنَّ ما كانه مُلائِم جدًا في هذا الدرس ؛ أَحَدُ سيَّارات ا لنَّقْل العام كانت واقفَة في المَرْجة باتِّجاه الشَّرْق مُتَّجِهَةً من جِهةَ المُهاجِرين، في أيَّام الصَّيْف الحارَّة تَصْعد إليها، تَجِدُ على اليمين شمْس، وعلى اليَسار ظلّ، الراكب العاقل يَجْلس في الشَّمْس لأنَّ هذه السيارة مُتَّجِهَة نحو المُهاجرين فإذا دارَت فَخِلال أقلّ من دقيقة يُصبح المكان المُظلَّل مُشْمِسًا، لذا الراكب يُمْتَحَن عَقلُهُ في مكان جُلوسِهِ، فالذي عطَّل عَقْلَهُ يجْلس في الظلّ، وبعد دقيقة تلْدغه الشَّمْس إلى نِهاية الطريق، والذي اسْتَخْدَمَ عَقْلَهُ يجْلس في الشَّمْس ويتحمَّلُها دقيقة، وينْعُمُ بالظل عشرين دقيقة، فهذا المَثَل يُعَبِّرُ عن الدنيا والآخرة، فالذي اسْتَعْجل الطَّيِّبات في الدنيا خَسِر الآخرة.
الآية دقيقة جدًا، قال تعالى:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
أحْيانًا يأتي الابن المدْرسة جائِعًا، وهي تَطْبخ ألَذَّ الطَّعام فإذا به يأكل زيتون وخبر وزَعْتر، تقول الأم: اِصْبِر ! فإذا به يأكل أخْشَن طعام، ويُضَيِّع أطْيَب طعام، فَرَبُّنا عز وجل خَلَقَنا لِجَنَّةٍ عرْضُها السَّماوات والأرض، والإنسان لِجَهْلِهِ ولِطَيْشِهِ اسْتَعْجل الحياة الدنيا:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
وللآخرة خير لك من الأولى، وربنا عز وجل يقول:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
الدنيا متاعُها قليل، وهي تَضُرّ وتَهُرَ وتَمُر، وهي دارُ مَن لا دارَ له ولها يَسْعى مَن لا عَقْل له، والدنيا جيفَة طُلابُها كِلابُها.
مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ ميِّتَة أُلْقِيَت في الطريق جيفة، ولها رائحة لا تُحْتَمَل، ((فقال عليه الصلاة والسلام: اُنْظروا كم هي هَيِّنة على أهلها حتى ألْقَوها في الطريق: والذي بعث محمَّدا بالحق لا الدنيا أهْوَن على الله من هذه الشاة على أهلها..))
والحديث المَعْروف: ((لو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة....))
هل تَقْبَلوا هذه النَّصيحة من العلي الكبير ؟ والعليم الخبير ؟ ومن رب العالمين ؟ ومِمَّن بِيَدِهِ ملكوت السماوات والأرض:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
قد يوعَدُ الطالب حين ذهابِهِ إلى أحَدِ الدُّول ؛ أمريكا أو فرنسا أنَّهُ إن تَحَصَّل على دكْتوراه سيَحْصَل على أكبر منْصب، ودَخْل كبير ومنزِل و... إلا أنَّ هذا الطالب قد يَغْتَرّ فَيَنْغَمِسُ في الشَّهوات واللَّذائِذ والموبِقات، ويُضَيِّع مُسْتَقْبَلَهُ كُلَّهُ، ويُصْبِحُ في مَزْبَلَة المُجْتَمَع، لذا :
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
الدِّينُ قِيَمٌ وحُدود، ومَنْهَج، هذا حلال وذاك حرام، هذه تَجوز وتِلك لا تَجوز، فالله تعالى قال لك:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
ليْسَت هذه الدنيا دار عطاء، بل هي دار ابْتِلاء، وليْسَت دار جزاء بل دار عَمل، وليْسَت دار تَشْريف، بل دار تَكْليف، فَهَل يُعْقل أن نَضَع للطالب مَقْعَد اسْفَنْجي من النَّوع الرفيع ؟ مُسْتحيل هذا، بل نَضَعُ له مَقْعَد خَشَب حتَّى لا ينام، وهل يُعْقَل أثناء الدَّرس نأتي له بالمُكَسَّرات والموالِح وشراب و... هذه مَدْرسَة الجوُّ المُريح غير مَوْجود فيها فَطَبيعة المَدْرَسة تَقْتضي أن يكون هناك سبُّورة ومُحاضِر، وانتهى الأمر.
هذه الدار تتناقَض مع النَّعيم، يقول عليه الصلاة والسلام: إيَّاك عبْد الله والتَّنَعُّم فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين...." وإيَّاك أن تَقْصِد التَّنَعُّم لِذاته فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين.
دَرْسُنا اليوم:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
بين المؤمن والكافر سَوْفَ، فالكافر اسْتَعْجل، وأراد النتائج مُباشَرة، أما المؤمن صبَرَ، وانْتَظَر وَعْد الله عز وجل.
أحدهم يطوف حول الكعبة ويقول: يا رب، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ وكان ورائِه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، وهل أنت راضٍ عنه حَتَّى يرْضى عنك ؟ فقال له: يا سبحان الله ! مَن أنت ؟ فقال له: أنا محمَّد ابن إدْريس، قال: كيْفَ أرْضى عن الله، وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمَة، فقد رضيتَ عن الله.
لذا أيها الإخوة، مَن أحَبَّ دُنْياه أضَرَّ بآخِرَتِه، فَحُبُّ الدنيا والآخرة لا يَجْتَمِعان، فلا بدّمن أن تُؤثر الآخرة على الدنيا، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
هناك أخٌ يَصْنع غُرَف نوم، وله صالة فخْرة جِدًّا، قال لي: أتى أحد الأصدقاء عندي، وقد جاء معه شَخْص فطلب منِّي أن أصْنع له غرفة نوم، فما ارْتاح إلا أن أحْضَرْنا خشَبًا وبقي هذا الخشب يجف أكثر فأكثر من الرطوبة لِمُدَّة سنَة، ثمّ لمَّا جفَّ بدأ طلب هذا الزَّبون بالكتالوك وأنواع الغُرَف فقد بقِيَ ستَّة أشْهر حتَّى اسْتَقَرَّ على نَوْع من هذه الأنواع، ثمّ بدأ باخْتِيار اللَّون فبَقِيَ مُدَّة طويلة وهو يبْحث عن أفضلها، لمَّا انْتَهَيْنا، وذلك بعد سنَتَيْن، طَلَبْناه فقال: أنا أدْهن الغرفة فأَمْهَلْناهُ مُدَّةً، ثمَّ أصْبح هناك طلب على هذه الغرفة، فهَدَّدْتُهُ مرَّةً أن إذا لم تأت بِعْتُها، فقال لي: ساءتِ يوم الخميس، في ذلك اليوم انْتَظَرْتُهُ فلم يأتِ، فَذَهَبْتُ إلى دارِهِ فإذا بي أسْمَعُ ضَجيجًا في البيت، فطَرَقْتُ الباب وقلتُ: قولوا له أن يأتي يأخذ غرفتَهُ، فقالوا لي: لقد مات صاحِبُها !!!
هذه هي الدنيا، وهناك آلاف القِصص من هذا النوع ؛ اشْترى بيْتًا وما سكنَهُ، وأخَذَ شهادة وما تعيَّن فيها، قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
وهنيئًا لِمَن نَقَل اهْتِمامتهُ إلى الدار الآخرة، وعاش في الدنيا مؤمِنًا وطائِعًا لله تعالى، قال تعالى:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 10:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الضحى (93 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، العلماء يقولون: إنَّ كلّ آية يُخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام فيها خِطاب حُكمي لأُمَّتهِ، فسُورة الضحى كما بدأناها يوم الأحد، قال تعالى:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
وأيُّ مؤمن إذا اسْتسْلم لله عز وجل واصْطَلَحَ معه ونفَّذ أمْرَهُ وتوَكَّل عليه قد تكون حياتُهُ مَشْحونة بِبَعْض المتاعب لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى ولكنَّه في المستقبل سوف يرْضى رِضاءً لا حُدود له، ويذوب خجَلاً من الله عز وجل، ويؤَكِّد هذا قوله تعالى:
﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾
[سورة يونس]
يقول الله عز وجل يُخاطب النبي:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6)﴾
[سورة الضحى]
أحْيانًا الظروف الصعبة التي ينشأ فيها الطفل سبب نُبوغِهِ، وعَبْقَرِيَّتِهِ وتألُّقه وحُظوظه العريضة في الدنيا، وأحْيانًا ينشأ الطفل في بيت غِنًى وكلّ شيء مُتَوَفِّر، فهذا الطِّفل فقَدَ الدافع، ولذا أغلب النُّجباء لا يُنجِبون فالنَّجيب يصِلُ إلى مُستوى راقٍ جدًا، فأوْلادُهُ في بَحْبوحة وأمورهم مُيَسَّرَة، لا يحْتاجون إلى شيء، فالظَّرْف الصَّعْب الذي ينشأ فيه الإنسان ربَّما كان سببَ تَفَوُّقِهِ في الدنيا.
الشيء الآخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمه شديد القوى، لا يُسْمح لأبٍ أو لأُم أن يقولا: نحن اللَّذان قمنا بِتَرْبِيَتِك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نشأ يتيم الأب والأم لِحِكْمةٍ بالغةٍ أرادها الله عز وجل، ولا أحد له فضْل عليه إلا الله، ولا يستطيع أحد أن يعْزو هذا التَّفَوُّق وهذه التَّرْبِيَة إليه، فأكْثر الآباء الآن إذا تألَّق ابنه يقول لك: أنا الذي ربَّيْتُهُ، وتَعِبْتُ عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراده تعالى يتيمًا وكذلك لِيُواسي كل يتيم، وسيِّدُ الأيتام، ومع ذلك فالإنسان إذا افْتَقَر إلى الله تعالى تألَّق، فإذا حُقِّقَتْ له كُلُّ حاجاتِهِ في الدنيا يَخْبو.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)﴾
[سورة الضحى]
هنا الضلال الذي في حق النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يعرف الطريف لِهِداية قومِهِ ! فلم يكن يعرف كيف يدْعو إلى الله ؟ فَرَبًُّنا عز وجل حينما أنْزل عليه الوحي وتوضَّح أنَّه رسولهُ علمت معالم الدَّعوة إلى الله تعالى.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
[سورة الضحى]
كان إذا دخل بيته يقول: هل عندكم شيء ؟ يقولون: لا، فيَقُول عليه الصلاة والسلام: إنِّي صائِم ! لي صديق دخل السِّجن خمسون يومًا ثمَّ خرج، فقالتْ له زوْجته: ليس هناك طعام ! فَبَكى وقال: هناك مَن يأكل من الحواضر ستَّة أشهر ! فإذا الإنسان وجد طعامًا فلْيَشْكر الله تعالى، الذين يُنَقِّبون في الحلوِيات بشَر، أليس كذلك ؟ ما الذي حَمَلهم على التَّنْقيب بِالحاويات ؟ الجوع والجوع كما يقول العامّة: كافر ! قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾
[سورة قريش]
كان عليه الصلاة والسلام تَعْظُمُ عنده النِّعْمة مهما قلَّتْ، فكأسٌ صافي بارد نعمة كبيرة، ففي بعض المناطق هذا الماء يُشْتَرى، وليس بدرجة الموجود في الحنفِيَّة ! فكان عليه الصلاة والسلام يُحافظ على النعمة، فمرَّةً توضَّأ من قعب فضَلَت فيه فضْلة فقال رُدُّوه في النَّهر ينفعُ الله به قوْمًا آخرين، فلم يهْدر هذا الكمِيَّة الصغيرة.
بالمُقابل كما قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾
[سورة الضحى]
لا تقل: فلان لا أحد له، ونستفيد منه، ونضْغط عليه، هناك ناس لِئام ؛ إذا الزَّوجة لا أهل لها يسْحَقوها بالخِدْمة الشاقَّة، وإذا صانِع يتيم ولا أب له يضغط عليه معلِّمهُ ضغْطًا شديدًا، القلب القاسي بعيد عن الله تعالى، ولو صام وصلى وزعم أنَّه مسلم، وأبْعَدُ قلب عن الله تعالى القلب القاسي، فأنت إن لم تُعامِل هذا الصبيّ وكأنَّه ابنك فأنت لسْتَ مؤمنًا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)﴾
[سورة الضحى]
قَوْلٌ مَعروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
هناك من فهِمَ الآيو فهْمًا غير صحيح ؛ يجْلس بِمِجْلس ويقول: أخذنا كذا بألف ليرة وكذا وكذا.. هذا كلام مُضْحِك وفيه تبجُّح، هذا كلام فيه كَسْر للفقير، سافَرْنا ودَفَعنا كذا، ونزَلْنا بالفندق الفلاني، وكلَّف الغذاء كذا، والعرس كذا، ليس هذا هو المعنى، نِعْمة الله المُشتَركة الهواء والماء والشمس والقمر ؛ هذه النِّعم التي يشْترك فيها الناس جميعًا، اُذْكر نِعَم الله عز وجل حتى يُحِبَّ الناسُ الله، والحديث الشريف أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه..." لا تَحكي نِعَمَك الخاصَّة وميِّزاتِك فهذه تُحْدِث حرق وإبعاد، وأفهم البشر في هذا النِّساء ؛ زوْجي كذا، واشْترى السيارة الفلانيَّة وذهَبْنا للمحلّ الفلاني، كلّ هذا الحديث شيْطاني وتفرقة، أما لو تحدَّثْت عن الله تعالى فإنَّك تجْمع القلوب.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
هي النِّعَم التي يعيشُها كلّ إنسان نِعْمة البصر والسَّمع والنطق والحركة والمأوى، الأشياء التي إن ذَكَرْتَها شَكَر الناس ربَّهم، أما أن تتكلَّم عن نِعَمِك الخاصَّة التي تنفرد بها، والتي إن ذَكَرْتها أقَمتَ حاجِزًا بينك وبين الناس.
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي فَمَن نازعني شيئًا منهما قصَمْتُه ولا أُبالي، فالإنسان يتكلَّم كلمة ولا يُلقي لها بالاً تَهْوي به في جهنَّم في سبعين خريفًا، والرَّجل يتكلَّم الكلمة من رِضْوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يرفعه في جنَّة إلى أعلى عِلِيِّين.
ذكر لي أحد الأغنياء أنَّ أباه كان فقيرًا، وكان طفْلاً صغيرًا، فلما نأكل أغْمس الخبز في الزيت وأضع الخبر على الزَّعتر، فلما أكبسُها أي أضغطها كثيرًا آخذ كفًّا من يدي أبي، كل هذا مِن شِدَّة الفقر، والآن أصبح غنِيًّا وله معامل، فالإنسان إذا تذَكَّر ماضيه يذوب حُبًّا لله تعالى.
فالآن هناك أشخاص ليس لديهم بيتًا ولا زوجَةً، ولا مال ولا أولاد، ويشْتهي كلّ شيء، فإذا يسَّر الله لك عليك أن تشْكره، وكل إنسان يتذَكَّر ماضيه يعلم فضل الله عليه، وهذا نوع من أنواع الشكر، فلا ينسى أحدنا النِّعم التي غُمِرْنا بها.
تشَمُّع كَبِد يُكَلِّف زَرْعه ستَّة ملايين ليرة الآن، معنى هذا أنّ الذي معه كبد فثَمَنُه ستَّة ملايين ليرة، وزرْع كلوة يُكَلِّف مليونين الآن، قرنيَّة العين ثمنها خمسمائة ألف، اِجْمع ثمنك قِطَعًا للتَّبديل تجد نفسك ثمنها مائة مليون، فالذي عنده صِحَّة عليه أن يشكر الله عز وجل وهي من نِعَم الله تعالى الكُبرى، أحد إخواننا أمُّه كل جمعة تغسل الكلية بالأربعاء فإذا حضر الاثنين تتوتَّر أعْصابها، فهذه الكلية ثمانية ساعات على الآلة، ونفقَة وتعقيم وانتظار وآلام، فالذي عنده كلية سليمة عليه أن يشكر الله، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني..." بِبَعض الأمراض قد تصبح حياة الإنسان جحيمًا لا يُطاق، فإياك أن تؤذي الناس، وأن تضع مواد خطيرة بالمصنع فالله يبتلي بأمراض خطيرة ؛ فشل كلوي، وتشمُّع كبد وشلل، والله تعالى كريم، وقال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[سورة البروج]
إذًا هذه الآيات مع أنَّها للنبي عليه الصلاة والسلام فهي لكُلّ مؤمن، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
[سورة الضحى]
ذكر لي أحدهم أنَّ له أسطول من البرادات من جدَّة إلى استنبول لِنَقل الفواكه، أكبر تاجر خضراوات بالمملكة، فقال لي: أنا لي مرتبة دونه، ولكن ما فاتني فرض صلاة، ولا أعرف المال الحرام، ولا المرأة الحرام.
فالإنسان إذا لم يكن معه بيت ثم أصبح معه، أو لم تكن له زوجة ثم رزق، أو لم تكن له شهادة ثم أصبح من ذوي الشهادات، أو لم يكن له أولاد ثم رزق، عليه أن يشكر الله تعالى على هذه النِّعَم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 10:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشرح (94 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشرح، يقول الله تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
(سورة الشرح)
أوَّل نقطة في هذه السورة أنَّ الله سبحانه وتعالى شاء للإنسان أن يمرّ في طريقه إلى الله بِمَضائِق، وهذه الأخيرة مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام بِشَكل حادّ، وكل مؤمن لا بدّ أن يمرّ بِمَضائق على حسب إيمانه وبما يستطيع، أما أن يصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، وبلا ثمَن، فهذا من سابع المستحيلات، هذا العَطاء الكبير لا بد له من مضائق، أحْيانًا مضائق مالِيَّة، ماذا تفعل ؟ قد نمْتحن سيارة بِطَريق هابطة ؛ ممتازة ولك أن تطفئ المُحَرِّك، ولكن كيف تُمْتَحن المركبة ؟ بالطريق الصاعدة، فإذا مرّ الإنسان بامتِحان الرَّخاء، يقول لك: فضل من الله فهو نجَحَ بامْتِحان الرَّخاء، ولا بدّ من امْتِحان الشدَّة ! قد تكون المضائق مالِيَة فهل يأكل المال الحرام ؟ هل يضْجَر ؟ هل يتفلَّت ؟ وقد يمرّ بِمَضايِق اجْتِماعِيَّة ؛ هناك أُناس يُحارِبونه ظُلمًا وعُدْوانًا، هل يرى يد الله فوق أيديهم ؟ أم ينسى أنَّ هؤلاء مُسَيَّرون ؟ هل يُوَحِّد أم يَحْقِد أو يستسلِم ؟ وهناك مضائق صِحِيَّة، وهناك مضائق في الدَّعوة فهؤلاء الدعاة لهم حِساب خاص، يَمُرُّون بِمَضائق، فإن لم يصبروا يقول الله عز وجل: اُخْرج من هذا الطريق فلَسْت أهلاً له، لذا لا تتصَوَّر أن تدخل الجنَّة دون امْتِحان، وأقول امْتِحان صعب، ولسْتُ بهذا مُتشائِمًا لكنَّ ربنَّا سبحانه وتعالى قال:
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)﴾
[سورة آل عمران]
أعرف رجل، أخوه حطَّم له سيارتهُ مِن شِدَّة غِناه لم يسْتطع أن يراها، وقال لهم: بيعوها ! دخل عند مُوَظَّف فأهانهُ، حينها دخل مُباشَرَةً عند طبيب قلب مباشرةً، فهذا امتِحان المال سهْل عنده أما امْتِحان العزّ والكرامة لم يستطع له.
فأنا لسْتُ مُتَشائِمًا ولكن أؤكِّد لكم حسب القرآن الكريم أنَّهُ لا يُمْكن أن نصل إلى هذه الجنَّة التي وعدنا الله بها، من دون أن تدْفع الثَّمَن، وثَمَنُها أن تنْجحَ في الامْتِحان، هل يوجد في الأرض مَن يقول لك: أنا دُكتور ولم يَمْتَحِن ؟! يُؤَلِّف أطْروحة بِخَمْس سنوات يُحاسِبونه على الفاصلة والحركة، ويُعيدوه الكتابة والفصْل، والدكتور لم يُعْجِبْهُ، والمُشْرِف ما راق له هذا الفصل، ومراجعك قليلة، وأَعِد البَحْث فهذه مرتبة في الدنيا وقد لا تعني شيئًا الآن، فكَيف مرتبة الجنَّة ؟! فلقد كان النبي عليه الصلاة والسلام مُتضَايِق جدًا، ولكن ما بعد الضِّيق إلا الفَرَج، وما بعد الشِدَّة إلا الرَّخاء، وما بعد الامْتِحان الصَّعْب إلا العطاء، دقِّق ! أصْعَب امْتِحان مرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؛ كُذِّب وسُخِر منه، ونالوهُ بالأذى، وبعد الطائف الإسراء والمعْراج، وأنَّهُ سيِّدُ الأنبياء والمرسلين، ولا يوجد مِحْنة إلا ووراءَها مِنْحة، ولا يوجد شِدَّة إلا ووراءها شَدَّة إلى الله، فهذا مِن بشائر الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)﴾
[سورة الشرح]
هذا الحِمْل الثَّقيل قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
ولا يوجد إنسان يعْمل في الحق إلا ويرْفع الله له ذِكْرَهُ، والإنسان إذا كان مع الله له مكانة خاصَّة، وله قُدْسِيَّة خاصَّة، ومُعامَلَة خاصَّة والله عز وجل يُلْبِسُهُ ثَوْب الهَيْبَة، مُهاب لأنَّه هاب الله فهابَهُ كُلّ شيء ومَن لم يَهَب الله أهابَهُ الله مِن كلّ شيء، تجدهُ يخاف من الآذِن الذي عندهُ وتجِدُهُ مُدير عام، ومن لم يتَّقِ الله أهابَهُ الله تعالى مِن كلّ شيء لذلك هذه السورة تشْرح الصَّدْر، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)﴾
[سورة الشرح]
قد تقول هي للنَّبي، وبالمُقابل لِكُل إنسان مؤمن صادِق مع الله عز وجل، وقد تسألني عن الدليل، قال تعالى:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
[سورة الأنبياء]
قيسوا على هذه الآية ؛ عندك هُموم البنات والأولاد والمَعاش والصحَّة فالله يُمرِّرُك من مضائق، لذا وطِّن نفْسَك فلا بدّ من أن تمرّ بِمَضائق وبُطولتُكَ أن تقول: يا رب، لك الحمد ! وأنا راضي
هم الأحِبَّة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم مَعْدِل وإن عَدَلوا
والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كبدي باق على حبِّهم راضٍ لما فعلوا
إنسان معه مرض خبيث بالأمعاء، والآلام لا تُحْتَمَل، أَقْسَمَ لي طبيبُهُ الخاص، ما زارَهُ إنسان إلى المُستشفى إلا ويقول له: اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله، ويا رب لك الحمد، ومات بِأحْلى حالة، فاله عز وجل يسوق لك امْتِحان مرض والفقْر والشدَّة والهمّ والحزَن، ولكن اِجْعَل شِعارك: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العتبة حتى ترضى ولكن عافيتُكَ أوْسَعُ لي، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]
أحيانًا يكون إنسان مسْحوقٌ بالهَمّ، ابْتِلاء، والحديث: مَن قصَّر بالعَمَل ابْتَلاهُ الله بالهَمّ، فهناك هُموم تَسْحق، وقد يأتي الهمّ فيَسْحَق ثمّ يُزاح عنه، حينها يتنفَّس الصُّعَداء، سيَهْديهم ويُصْلِحُ بالهم، فالمؤمن الذي يطْلب الجنّة، أما الذي لا يطْلبها انتَهَت المشكلة، قال تعالى:
﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
فإذا الإنسان بلا هَدَف فلا مُشْكِلة لأنَّهُ هو أصْلاً مُشْكِلة، أما إذا كنتَ تطلب الجنَّة ومَقْعَد صِدْق عند مليك مقتَدِر، وأن تكون في أعلى عِلِيِّين عليك أن تَتَحَمَّل.
أحد الإخوة تَوَكَّل بِعَمار مَسْجِد، فلا بدّ مِن أن يُقابل بعض المَسْؤولين وقد تكون منهم شِدَّة فهو قال لي: الجنَّة لها ثَمَن ومرْحَبًا بِثَمَن الجنَّة.
النُّقطة الدقيقة قوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
هذه لِكُلّ مؤمن له منها نَصيب، والله تعالى يرْفع لك ذِكْرَك وشأنَك وثَوْب مهابة ومحبَّة ويتدافَعون لِخِدْمَتِك، وأحيانًا الإنسان يُهان، والله عز وجل له عذاب مُهين، رأيْتُ مرَّة ضابطًا يضرب إنسانًا مُحْتَرَمًا بِكَفّ ! عذاب وأحيانًا عَدُوُّك يَخْدُمك، وكل واحِدٍ منَّا له من هذه الآية نصيب، خَف منه يُخَوِّف منك الناس، وأحِبَّه يُلقي محبَّتَك في قُلوب الناس، وهَبْهُ يَجْعَلُكَ مُهابًا عند الناس، وكما تَدين تُدان، وكما تُعامِل الله تُعامَل، كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد، إن ذَكَرْتَني في نفْسِك ذَكَرْتُكَ في ملإٍ من ملائكتي وخير منه، ويُطْرَحُ اسمُكَ بأعلى مُجْتَمَع ويُثْنى عليك لأنَّ تذكُر الله بين خلْقِهِ، وهذا هو معنى قوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
كان هناك قصَّابًا، فقال لي: أنا والشيخ أبو الحَسَن سواء، فقلْتُ له: ما بال الثرى من الثريا ! مهما كانت الصِّنْعَة، المُهِمّ ما حالهُ الآن ؟ مؤمن تقي، وعالم ورع، فالمؤمن حتى في أفراد الأُسْرَة مُحْتَرَم وفي الأقارب.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5)﴾
[سورة الشرح]
هي إنَّ بعد العُسر يُسْرًا، يأتي عُسْر ويجيء بعده يُسْر، لكنَّ الله تعالى من رحْمته ولكي يُطمْئِنَكَ قال لك مع العسر يوجد عُسْر ! فهذا الذي يُزْعِجُكَ يُرافِقُهُ اليُسْر، وهناك قاعدة لُغَوِيَّة تعْرِفونها، وهي أنَّ الكلمة إن كانت نكِرة وتكرَّرَتْ فالمعنى يتكَرَّر، أما إذا المعرفة فالمعنى نفسُهُ، ولن يغلب عُسر يُسْرَين، فالعُسر هنا معرفة، وكلمة يُسر نكرة، قال العلماء: يُسْر في الدنيا وآخر في الآخرة، فمهما تنوَّع العُسر فدائِمًا اليُسر مُضاعَف.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]
أنا عندي جرد الآن ! طيِّب ألم ينتهي هذا الجَرْد الآن ؟! وأنا عندي فحْص، لَمْ نرَك بالدَّرْس والصلوات، وأنا عندي مُشْكلة ؛ ابني سيَعْمَل عَمَلِيَّة، وقد ورد: هلك المُسَوِّفون، فإذا شَغَلَك شيء وانتهى لم يعد هناك عُذْر فكأنَّ الله عز وجل يقْبلُ عذْرك، قال الإمام علي كرَّم الله وجْههُ: إنّ للنَّفْس إقْدامًا وإدْبارًا، فإذا أدْبَرَتْ فاحْمِلوها على الفرائض وإذا أقْبَلَت فاحْمِلوها على النَّوافل، فالواحد إذا انتَهت مُشْكلتُه فلا عُذْر له، لذا كما قال تعالى:
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 10:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التين (95 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، في سورة التِّين يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
الكَمَال البَشَري كمالٌ مٌطْلق، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾
[سورة البلد]
بالعَيْنَين ترى البُعْد الثالث، وقال تعالى:
﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾
[سورة البلد]
الله تعالى علَّم الإنسان البيان، فَهُوَ يتكلَّم ويسْمع ويكتب ويقرأ، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)﴾
[سورة الرحمان]
وجعلهُ يُدْرِك، والأشياء التي غابَتْ عنه، فالماء يَدُلّ على الغدير والبَعْر يدلّ على البعير، والأقدام تدلّ على المسير، أَفَسَماءٌ ذات أبْراج ! وأض ذات فِجاج ! أفلا يدُلاَّن على الحكيم الخبير ؟ كرَّمهُ بالعَقل والعَيْنين والأذُنَين فَبِهِما يعرف جِهَة الصَّوت، وجعل الله الأنْف فوق الفم، فلو أنّ الطَّعام فاسِد عافَهُ الإنسان، ولو أدْخل قَسْرًا لتقَيَّأَهُ، وجعلهُ منتَصِبَ القامة على قدَمَين صَغيرتَيْن بِفضْل جِهازٍ بالِغِ التَّعْقيد في الأُذُن ؛ جِهاز التَّوازُن، فلولا هذا الجِهاز لاحْتاج الإنسان إلى آلات بالغَة التَّعْقيد، فالإنسان لو سار في الطِّين وحمل حذاءَهُ وزْنًا من الطِّين يُصْبِحُ المَشي أشْغالاً شاقَّة، فالله أكْرَمَهُ بِجِهَاز التَّوازن وإدراك جِهَة الصَّوت، وكرَّمَهُ بالألوان ؛ فالقِطَط ترى الأبيَض والأَسْوَد، وجعل لهُ شَعْرًا كَتَاجٍ يُتَوِّج رأسَهُ، وثلاثمائة ألف شَعْرة، لِكُلِّ شَعْرة ويد وشِريان وعضلة وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تَقْويم، والإنسان كُلْيَتاهُ تُفْرِزان كلّ عِشْرين ثانِيَة نُقْطة، لولا المَثَانَة لكانت حالة الإنسان لا تُطاق، وهذه المَثَانَة تُجَمِّع لِتْر ونِصْف تَقْريبًا ؛ خمس ساعات أو أكثر تجد نفْسَكَ نظيفًا دون أن تظهر منك ولا قطرة بَول، وتُسافِر وأنت مُرتاح، وللمَثانَة عضَلات مِن أجل تَوْفير الوَقت، ولولا هذه العَضَلات لكَانَ إفْراغُها مُسْتَحيلاً ؛ وجعَلَ الله قلْبًا يعمل حتى وأنت نائِم لو كلَّفَك بالنَّبْض لما أمْكَنَكَ أن تنام، تنامُ فَتَموت، ولو كلَّفَك بالتَّنَفُّس لما أمْكَنَك أن تنام ؛هناك مَرْكز التَّنْبيه الدَّوري للبَصَلَة السِّيسائِيَّة، إذا تعطَّل هذا المركز لما أمْكَنَ لأحدٍ أن ينام ؛ يُجْري تنَفُّس اصْطِناعي فإذا غفل ماتَ فَوْرًا، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
قلب ورِئتين ومَعِدَة وأمْعاء، وأمعاء طَويلة طولها ثمانِيَة أمْتار مِن أجْل أن تأخذ خُلاصَة الطَّعام مِن خِلالها.
قال تعالى:
﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾
[سورة البلد]
لبَنٌ في الثَّدْيَيْن بارِدٌ في الصَّيف، وساخِنٌ في الشِّتاء، ومُعَقَّم وفيه مناعَةُ الأمّ، ومواد تَمْنَع الْتِصاق الطَّعام والجراثيم بالأمعاء، فَحَليب الأم فيه مَيِّزات مُذْهِلَة، والله قال:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
فإن لم يَعْرِفْنا، ولم يسِرْ على منهج الله حينها كما قال تعالى:
﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾
[سورة التين]
ذكر لي أخ له والِدَة مُلْقاة على ديوان، وأيْديها وأرجُلها مُربَّطَة، فقلتُ له: لماذا ؟! قال: لأنّنا إن فَكَكْنَا عنها الرِّباط خلَعَتْ كلّ ثِيابِها، وأكلَتْ مِن غائِطِها !! قال تعالى
﴿ : مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾
[سورة النحل]
فالإنسان إذا ما عرفَ الله يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، والأصل في خريف العمر لا في ربيع العُمر، ففي الربيع كلّ الناس تتساو، أما التَّفاوُت ففي الخريف ؛ كيف أمْضى حياته ؟ في طاعة الله إذًا له خريف مُتَألِّق وكيف أمضى حياته ؟ بِدَخْل حلال، وإن أمْضاهُ بالمَعْصِيَة فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، قال تعالى:
﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾
[سورة النحل]
رَدَدْناهُ أسْفَل سافلين بعد أن خلقناهُ في أحْسَن تَقْويم، فإذا شَكَر بَقِيَ في أحْسَن تَقْويم وفي شبابٍ دائِم، أما إن لم يَشْكُر فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾
[سورة التين]
المؤمنون خطُّهم البياني صاعِد، والموت نقطة على هذا الخط، ويبقى بعد الموت صاعِدًا إلى الجنَّة.
كُلُّ أجر مَمْنون لا يُعَدّ عطاءً إلَهِيًّا، فالدنيا مَقْطوعة، فالرِّزق ما انتفَعْتَ به، والكَسب ما لم تنتَفِع به ولكنَّك مُحاسَبٌ عليه، فَكُلّ عَطاء ينتهي بالموت فليس عطاءً، ولا يليق بالله تعالى أن يكون هذا هو عَطاؤُهُ، ولا يليق بِكَرَمِ الله أن يُعطي الإنسان الدنيا، فلو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى الكافر منها شَربَة ماء، فقلد مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ ومُتَفَسِّخَةٍ فقال عليه الصلاة والسلام: كم هذه الشاة هيِّنة على أهْلها ! للدُّنيا أهْوَنُ على الله من هذه الشاة على أهْلِها..." قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
وقال تعالى:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
البُطولة أن تعمل للآخرة، لا أن تعمل للدُّنيا ؛ لأنَّ الدنيا مُنقَطِعة شبَّهْتُ للإخوة في الأسبوع السابق أنَّ لو سباق سيارات فيه ألف سيارة وكلُّها متنوِّعة من حجم وشكل وموديل، وينتهي هذا السِّباق بِقاطِع وحُفْرة بالنِّهاية، فَكُلُّهم تنتظرهم هذه الحُفرة بالأولى والثانية والأخيرة والكبيرة والصغيرة والأحدث موديل !! فهل هذا سِباق ؟! هذا سِباق أحْمَق، وهكذا الدنيا ؛ الفقير يموت والغني يموت، وكذا الضعيف والقويّ والموت واحِد، فالموت يجمعُ بيننا؛ لذا قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾
[سورة التين]
ثمَّ قال تعالى:
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾
[سورة التين]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العلق (96 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
سورة العلق :
أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل في سورة العلق :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 1-5 ]
اقْرَأْ أول آية نزلت :
أوَّل آية أُنْزِلَت في كتاب الله تعالى : اِقرأ ، فهذا الدِّين العَظيم دِينُ عِلْم ودينُ حقيقة ، ودين مَنْهج ودليل وتَعليم وعَقْل ، إلا أنَّ القِراءة مُطْلقة وواسِعَة جدًا ، ويجب أن تقرأ باسم ربِّك ، وما لم تَخْتَر مَوْضوعًا يَنْفَعُكَ في الدنيا والآخرة فهذه القِراءة لا تنْفَع ، وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربَّهُ فقال :
(( اللهمّ إنِّي أعوذ بك مِن عِلْمٍ لا ينفَع ، ومِن قلبٍ لا يَخْشَع ، ومِن عَيْنٍ لا تَدْمَع ، ومِن أُذُنٍ لا تَسْمَع ))
وليس كُلّ عِلْمٍ نافِع ، فَهُناك عِلمٌ نافِع وغير نافِع ، وليس كلّ عِلمٍ مُسْعِد ، والعِلم الدِّيني هو وحْدهُ المُسْعِد في الدنيا والآخرة ، فقوله تعالى : ﴿ اقْرَأْ ﴾
فهِيَ قِراءة ليْسَت مُطلقَة ؛ بل قِراءَةً تنتهي بِها إلى ربِّك ، وتتعرَّفُ بها إلى ربِّك ، وتُعَظِّم فيها ربَّك ، وقِراءَةً هادِفَة .
قال تعالى : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 1-3 ]
الإكرام الإلهي :
أكْرَمَك بِنِعْمة الوُجود ، وأكْرَمَك بِنِعْمة الإيجاد والإمْداد ، والهُدى والرَّشاد ، ثمَّ قال تعالى :
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
[ سورة العلق الآية : 4 ]
قال تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
[ سورة الرحمن الآيات : 1-4 ]
فالبيان إحْدى نعَم الله الكُبرى على الإنسان ؛ بالنُّطْق والسَّماع تنتقل المعارِف بين المُتعاصِرين ، ولكن بالقلم والكتابة والقراءة تنتقل المعارف بين الأجْيال ، وبين الأُمَم ، فلولا نِعْمة القَلَم لما انْتَفَعتْ أُمَّة بِأُمَّة ، ولا جيلٌ مِن جيل ، والدليل نأخذ أحد العلماء ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ، كان يَحْضُر درسه عدد كبير جدًا فلما انتهى التواصل الشَّفَهي ومات انتهى عِلْمُهُ ، أما حينما ألَّف كتاب عِلْم الأحياء فَعِلْمُهُ مُسْتَمِر إلى يوم القيامة ، فبِالكتابة تنتقل المعارف من جيلٍ إلى جِيلٍ ، ومِن أُمَّة إلى أخرى .
أيها الإخوة ؛ قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 6-7 ]
فالإنسان في ساعة الافْتِقار يقول : يا ربّ ، فإذا أغْناهُ الله وأتَمَّ عليه نِعْمة الصِّحة والمال ينسى الله عز وجل ، فالإنسان المؤمن يشْكر الله وهو في الرَّخاء ، ولكنَّ الشارِد يَذْكره وهو في الافْتِقار والشدَّة ، لذا : يستغني ، يتجاوَزُ حُدوده ، ويتجاوَز في تَصَوُّراتِهِ ، وفي سُلوكِهِ ؛ متى ؟ ﴿ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
أنْ رأى نفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عن الله ، لذلك إما أن ترى نَفْسَك مُفْتَقِرًا إلى الله ، وإما أن يُريكَ الله افْتقارَك إليه ، إن رأَيْتَهُ وَحْدكَ فهذه نِعْمةٌ عُظْمى ، فالصَّحابة الكِرام رأَوْا افْتِقارهم إلى الله في بَدْر فَنَصَرَهُم الله ، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 123 ]
لكنهم في حُنَيْن رَأَوْا كَثْرَتَهُم فَخَذَلَهُم الله ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 25 ]
فأنت إن رأَيْتَ افْتِقارَك تَوَلاَّك الله ، وإن اعْتَدَدْتَ بِقُوَّتِك وعِلْمِك ومالِك ، واسَتَغْنَيْتَ عن الله ضِمْنًا خذَلَك الله ، لذا مع الاسْتِغْناء الخِذْلان ، ومع الافتِقار الإمْداد والرِّعايَة ، إذًا يُمكن أن نقول : أنت كلّ يوم في امْتِحانَيْن ؛ امْتِحان الافْتِقار ، وامْتِحان الاسْتِغْناء ، فبِافْتِقارِكَ يتولاَّك الله ، وباسْتِغْنائِكَ يَكِلُكَ الله إلى نفْسِكَ ، ومَن توكَّل على نفْسِهِ أَوْكَلَهُ الله إيَّاها ويُؤتَى الحَذِرُ مِن مَأْمَنِهِ ، ويُؤْتى صاحِب الاخْتِصاص من اخْتِصاصِهِ وصاحِب التَّفَوُّق من تَفَوُّقِهِ ، وصاحِبُ المال مِن مالِهِ ، لذا كُلَّما اسْتَغْنَيْتَ عن الله عز وجل أُخِذْتَ من اخْتِصاصِك ، ومِن مَأمَنِك وتَفَوُّقِك ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 6-8 ]
الموازنة الإلهية :
الآن وازِنْ بين شَخْصَيْن ؛ قال تعالى :
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 9-10 ]
رَجُلٌ يَنْهى الناس عن الصلاة ؛ حديثُهُ كاذِب ومُنْحَرِف ولئيم وأناني وكاذِب ومُنافق ودجَّال ، ما دام يقطع الناس عن الصلاة فَهُوَ مع شَهوَتِهِ ومُنْقَطِع عن الله ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَوَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَالَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَوَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون ]
قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص الآية : 5 ]
أين الجواب ؟ اُنْظر إلى أفعالِهِ وشَخْصِيَّتِهِ ووُعودِهِ وكلامِهِ ودناءَتِهِ وخِيانَتِهِ ، واحْتِيالِهِ واعْوِجاجِهِ فأخْلاقُهُ المُنْحَرِفَة أقْوى دليل على انْحِرافِهِ ، وهو أصْغَر مِن أن يُناقَش ألا يَكفي أنَّهُ كذَّاب ؟ ومُحْتال ؟ وأناني ؟ وقَذِر ؟ ويَخُون ؟ أرأيْتَ إن كان على الهُدى ؛ اُنْظر إلى صِدْقِهِ وأمانتِهِ وعِفَّتِهِ واستِقامَتِهِ ومُروءَتِهِ وتواضُعِهِ ورَحْمَتِهِ ، سُلوك المؤمن أكبَر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على انْحِرافِهِ ، فهذه الآية قَوِيَّة جدًا ! قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 9-10 ]
انْتَهَتْ الآية ! أرأيْتَ إلى أخْلاقِهِ وطِباعِهِ وعلاقاتِهِ وقَسْوِتِهِ وعلاقتِهِ بِزَوْجَتِهِ وأولادهِ ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 11-12 ]
قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 15-16 ]
مِن أشدّ أنواع التَّنكيل أن تَمْسِكَ الإنسان بِمُقَدِّمة رأسِهِ وتضرب الأرض بِرَأسِهِ ! تضْرب به فناصِيَةُ الإنسان مقدِّمة رأسِه ، قال تعالى : ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾
ماذا يوجَد في ذِهْنِهِ ؟ خُبْث واخْتِيال ، وشَطط وتَفْكير بالمعاصي ، قال تعالى :
﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾
[ سورة العلق الآية : 17 ]
يأتي الإنسان يوم القِيامة وَحْده فَرْدًا ، فَهُوَ في الدنيا له جماعَة ، وأتْباع وأعْوان ، فالإنسان أحْيانًا قد يَحْتاج إلى العِقاب فيأتي مائة تلفون يتوسَّطون لِهذا الشَّخص ! معنى ذلك أنَّ له أتْباع ، وشبَكَة مُواصلات ، وهذه الشَّبَكة تنتهي يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾
[ سورة العلق الآية : 17 ]
ليس معه أحد ، تقول له : يا بني جَعَلْتُ لك صَدْري سِقاءً وبَطْني وِعاءً وحجري وِطاءً فهل مِن حسَنَةٍ يعود عليَّ خبرها اليوم ؟ فيقول : يا أُمِّي ليتني أسْتطيعُ ذلك إنَّما أشْكو مِمَّا أنت تَشْكين ، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون الآية : 101 ]
وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 48 ]
ثمَّ قال تعالى : ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 18-19 ]
فإذا قال لك إنسانٌ : لا تُصَلِّي ! فلا تُطِعْهُ واسْجُد واقْتَرِب .
سألني البارِحَة إنسان يعْمل في مُؤَسَّسة وصاحِبُها مؤمن ، يَمْنَعُهُ مِن صلاة الجُمُعة ، وهو تحت طائِلَة الطَّرْد من العمل !! فقُلْتُ له : لِيَطْرُدْكَ من العَمَل والله هو الغَنِيّ ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق .
قالتْ له : إما أن تكْفر وإما أن أدَعَ الطَّعام حتى أموت ؛ سـيِّدُنا سَعْد ، فقال لها : يا أُمِّي لو كانت لك مائة نفْس فَخَرَجَت واحِدة تلْوَ الأخرى لما كفَرْتُ مُحَمَّد ، فَكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي !!
ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق .
والي البصرة قال : إنَّ يزيد يأمرني أن أُنَفِّذ كذا وإن نفَّذْت الأمر عصَيْتُ الله .
فقال الحسن : إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله !
يأتي مرض خبيث لا يُمْكِن أن يُخَلِّصَهُ أحَد ، أقْرَبُ الناس يبتعِدُ منك ! يأتي عِقاب أليم ، أما إن كنتَ مع الله يُخَلِّصُك من كلّ أحَد ، ويمنع كلّ أحدٍ منك ، أما إذا كنت مع الجبابرة فلا أحد يمنعُكَ منهم ، ولا أحد يمنَعُكَ من الجبار الأعلى .
إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله !
ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التكاثر (102 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه و تعالى في سورة قصيرة يقول:
﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ(1)حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ(2)كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾
[سورة التكاثر]
سأشرح كلمةَ " النعيم "، قال تعالى:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾
[سورة التكاثر]
النعيمُ هو الصحة و الفراغ و الأمن و الكفايةُ، فمن متَّعه اللهُ بصحته و أمَّنه و كفاه و جعله متفرِّغا لعمل ما، و لم يستخدم هذه النعمَ الأربع في معرفة الله و في طاعته و التقرُّب إليه كان مغبونا أشدُّ الغبن و خاسرا أشدَّ الخسارة، لقول النبيِّ عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))
[ رواه البخاري ]
لو أن أبا غنيًّا أعطى ابنَه مبلغا ضخما ليتاجر به و يؤسِّس مشروعا و ليشتري بيتا و ليتزوج، لو أن الابنَ جمع هذا المبلغ ووضعه في صندوق و أغلق عليه هل هو رابح أم خاسر ؟ خاسر، و لو أنه أحرقه، لكان مجنونا، و لوأنه أنفق على مصروفه منه فهو خاسر، فالصحة و الفراغ و الأمنُ و الكفاية، أحيانا الإنسانُ يشكو لي بعضَ المشكلات فأقول له: هل أنت مضطر أن تغسل كليتيك كلَّ أسبوعٍ مرةً، يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيَّر دسام قلبك ؟ يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيِّر شريانَ القلب ؟ لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تجري عملية جراحيةً في الدماغ ؟ لا، فإذا كان الإنسانُ معافى في جسده هذا رأس مال، و رأس المال الثاني عندك دوام إلى الساعة الثانية ثم تتغدى و تنام بعد الظهر، و الباقي وقت فراغ، كيف تمضيه ؟ في مجلس العلم أم على النرد ؟ أو في غيبة ونميمة ؟ أو متابعة مسلسلٍ ساقطٍ ؟ نتائج معروفة و قصص مكرَّرةٌ، حثالةُ المجتمع كيف تمضي هذا الوقت ؟ فالفراغ رأس مالٍ ثانٍ، وأنت لستَ مُلاحقا ؟ تتحرك كيف تشاء و تسافر و تنتقل كيف شئت، فهذا رأس مال ثالث، الأمن،رأس مال رابع عندك قوت يومك، و حاجاتك الأساسية مغطاة، فهذه الرأسامالينُ الأربعةُ إما أن تنفقها استهلاكا في المباحات و إما أن تستثمرها عند الله عز وجل، بمعرفته و معرفة منهجه و تطبيقه و الأعمال الصالحة التي تقرِّبك إليه، فكلُّ إنسان أنفق من رأس ماله خاسر أشدَّ الخسارة، و كلُّ إنسان أتلف رأس ماله أحمق أشدَّ الحمق، أما الإنسان الذي يتاجر برأس ماله ليكسب ربحًا ينفق منه فهو الإنسانُ الإنسانُ العاقل،لذلك قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾
[سورة الصف]
التجارة لها رأس مال و لها ربحٌ، فرأسُ مالك صحتُك و فراغك و أمنُك و كفايتُك،أوَّلُ شيء النجاةُ من العذاب الأليم، و ثاني شيء قال تعالى:
﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)﴾
[سورة الصف]
ومع هديَّة تشجيعية سلفا،قال تعالى:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾
[سورة الصف]
لذلك التجارةُ مع الله رابحةٌ أشدَّ الربح، و نحن في الأرض أرباحُ التجارة من العشرة إلى العشرين، و الصناعة من العشرين إلى الثلاثين و الأرباحُ الوهمية للنصَّابين سبعون بالمائة، و في النهاية يذهب رأسُ المال كلِّه، أما من الممكن أن تتعامل مع خالق الكون و يعطيك عن الليرة مليون، و عن الليرة مليار، إلى أن ينتهي نفَسُك.
فلذلك أيها الإخوةُ أردتُ من هذا الدرس الاستثنائي أن أذكِّر أنَّ نعيمَ الصحة و الفراغ و الكفاية و نعيم الأمن هذه رأسُ مال الإنسان، الصحة هي الشبابُ و القوَّة و الحركةُ، فماذا تعمل بها ؟ في طاعةٍ أم في معصية ؟ أم في هموم ؟ و الوقتُ الفراغ ماذا تعمل به ؟ في لقاءات فارغة و حديث فارغ و غيبة و نميمة ؟ أم في طلب العلم ؟ أم في مذاكرة العلم ؟ أم في الجلوس مع الذي تثق انه ينقلك من حال إلى حالٍ ؟
أيها الإخوة الأكارم، العمرُ قصيرٌ، و هذا الذي يموت لو أن الدنيا كلَّها في يده، وجاءه ملك الموت ؛ يقول له: أُعطيك كلَّ مال يدي على أن تتْركني أبقى ساعة ! كي أسْتغفر الله !! وأُصلي ركْعتين ! لذلك مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بقَبر، فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مِمَّا تحْقرون
(( فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول: ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))
[ رواه البخاري ]
فإذا كانت معك قِطعة ألماس ثمنها خمسة ملايين ورثتها من والدك، ولم تدْر أنها من ألماس، فَبِعْتها خمسة ليرات ! ثمَّ عرفت الحقيقة، ماذا تفعل ؟! ألا يشعر هذا الإنسان بالألم ؟! ألا يندم أشدَّ النَّدم ؟! باع الصِّحة والفراغ والأمن والكِفاية بِالكلام الفارغ، والمباحات والاسْترخاء، وما عمِلَ عملاً صالحًا، لذا ورد أنَّ المؤمن لا يندم يوم القيامة إلا على شيءٍ واحِدٍ ؛ على ساعة مرَّت لم يذْكر الله فيها، وكلَّما كبُرَ عقلُ الإنسان يحْرسُ على العقل، وهو أثْمَنُ شيءٍ، أحدُ علمائنا وهو الشيخ بدر الدِّين الحسني مرِّ على مقْهى يلعبون النَّرْد، فقال: يا ليت الوقت يُشْترى من هؤلاء فنَشْتريه منهم ! تجِدُ المؤمن ليس لديه الفراغ، مشاريع وأعمال صالحة، وأعمال جليلة وخيِّرة، وكلَّها تحتاج إلى الوقت الكثير، لذا تَجِدُه يقْتصد في الوقت، والإنسان الشارد التائه يُنفق الوقت جُزافًا، وفي أشياء تافهة ولِقاءات تافهة، وبِمَوضوعات تافهة، وساعات طويلة في الكلام الفارغ والبيوت والنِّساء، وقد قال عليه الصلاة والسلام
(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * ))
[ رواه أبو داود ]
فأنا أنصحُ إخوتنا الكرام ؛ هذا الوقت هو أثمن شيءٍ تمْلكُهُ، وأنت كلَّكَ وقتٌ، وأثْمن شيءٍ تملكه، والله ذهبنا في الأسبوع القادم لِتَعْزِيَة شابٍّ يحْضر عندنا في المسْجد مات بعد عرْسِهِ بخَمسة وعشرين يومًا !! فالموت لا يعرف لا صغير ولا كبير، لذا إن جلسْتَ مع أهلك ذَكِّرهم بالله واقرءوا قِصَصًا عن الصَّحابة، وإن كان لك وقْتًا فارغًا فاقْرأ فيه القرآن، وابْحَث في المفيد، لأنَّ كل شيء ينتهي عند الموت هو خسارة، وكلّ شيء يسْتمرّ بعد الموت رِبْح، لذا رأسُ مالنا أربعة أشياء ؛ الصِّحة والفراغ والأمْن والكِفاية، وأربحانا النَّجاة مِن عذابٍ أليم، والمغفرة ودُخول الجنَّة، فإذا وصلْتَ لهذا فقد ربِحت لأشدّ الرِّبح، فالرِّبح ليس كثرة المال، والموت يُنهي كلّ شيء، فالأصل هو ما يدخل معك القبر، فذَكاؤُكَ، وفلاحُك وتفوقُّك، وعقْلك في أن تذهب لدار الآخرة ومعك أعمال صالحة تُغنيك عن الدنيا، وهنا قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾
[سورة فصلت]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 01:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التكاثر (102 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة التكاثر حقيقة خطيرة، وأنَّ في حياة الإنسان شيئًا ثمينًا، وفي حياتِهِ شيئًا خسيسًا، ما هو اللَّهو ؟ أنْ تشْتغل بالخسيس عن النَّفيسِ، فَرَبُّنا عز وجل خلق الإنسان لِجَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرض، فهو في الدنيا يلْهو لِجَمْع المال، أكثر الناس إذا تجاوَزُوا كسْب الرِّزْق انْتَقَلوا إلى الجَمْع ؛ حاجاتُهُ مَحْدودة، والإنسان يُعَدُّ رِزْقُهُ ما انتفَعَ به حصْرًا، فالطَّعام الذي يأكله والثِّياب التي يَرْتديها والبيْتُ الذي يسْكُنُه، وزوْجته وأولادُه هؤلاء رِزْقهُ، أما حجْمُهُ المالي على الورَق فهذا كَسْبُهُ، ومُشْكِلَةُ الكَسْب أنَّ الإنسان لم ينْتَفِع به ولكنَّهُ مُحاسَبٌ عليه، أغْلَبُ الناس بعد تجاوَزَ مرحلة الكسب ينتقل إلى مرْحلة الجَمْع والتَّنافس والتَّكاثر إلى أن يُصْبِحَ عبْدًا للمال، وإلى أن يخْسَرَ هذا في ثانِيَةٍ واحِدَة، فإذا هو في نَدَمٍ شديد ولاتَ ساعَةَ مَنْدَم، فالله عز وجل يُخبرنا ويُقَرِّعنا، فقال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
ألهاكم عن معرفة ربِّكم، وعن طاعتهِ، وعن العمل بالآخرة، وأيّ إنسانٍ إذا سألْتَهُ لمَ لا تأتي إلى درْس العِلْم يقول لك: مَشْغول ! ما هو الشُّغْل الذي يَصْرِفُكَ عن سرِّ وجودك، وعن غاية وُجودِك ؟ وعن معرفة ربِّك ؟ وما معنى قول المؤذِّن: الله أكبر ؟! فالله أكبر مِنْ أيِّ شيءٍ بين يَدَيْكَ، ومِن أيِّ صَفْقَةٍ رابِحَة، ومِن أيِّ مَغْنَمٍ كبير ؛ الله أكبر، لذلك كان النبي وأصحابه إذا سَمِعوا الأذان انْصرَفوا إلى تَلْبِيَة النِّداء فَرَبُّنا عز وجل يقول:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
التنافس على الدنيا، وجمْع المال، فالتَّنافس مَحمود إذا كان في الآخرة، قال تعالى
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
وفي ذلك لكنَّه مَذْموم إذا كان على الدنيا، فالطَّعامُ مَحْدود، والمعِدَة لها حجْم، وترْتدي في وقت واحِدٍ ثوْبًا واحِدًا، وتنامُ في وقتٍ واحِدٍ على سرير واحِد، وتجلس في بيتٍ واحِدٍ في وقتٍ واحِد وتركب مركبةً واحِدة، فمهما كان حجْمُكَ المالي فاسْتِهْلاكُكَ مَحْدود، بل إنَّك إن أسْرَفْتَ في الشَّهوات دَفَعْتَ الثَّمَن باهِظًا، فهناك أمراض كبيرة جدًا تتأتَّى من الإسْراف، قال تعالى:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
أي اشْتَغَلْتُم بالخَسيس عن النَّفيس، إنسانٌ غاص البحْر وتجشَّم صُعوبة الغَوْص، وبين أيْديهِ اللآلئ فجَمَع الأصْداف وترك اللآلئ، فاللؤلؤة الواحِدَة بِخَمْس مائة ألف، نقول له شَغَلَتْكَ الأصداف عن اللآلئ ! إنَّك خاسِرٌ لا محالة، فَكُلّ إنسان يؤثِر الدنيا على الآخرة، والمال على حب الله، ويؤثِر جلْسَةً لا تُرضي الله على مجلس فيه طاعة الله، وحديثًا فارِغًا عن ذِكْر لله عز وجل، ويؤْثِرُ أن يُتابِعَ مُسَلْسَلاً لا معنى له، تافِه، وكُلّهُ خيانات على طلب العِلم ومُجالسَة الصالحين.
ماذا بعد هذا الجَمع ؟ وبعد هذا الحجم المالي الكبير ؟ والرَّقَم الفلكي لِثَرْوَتِك ؟ قال تعالى:
﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
فلا بدّ مِنْ نَعْوَةٍ تُلْصَقُ على الجُدْران، قد يُكتب في نعْيِه درجته العِلْمِيَّة ولكن ما مصير هذا الإنسان بين يدي الواحد الدَّيان وهو في القبر ؟ ماذا ينفعُهُ في القبر إلا عمله ؟ لو أنَّ إنسانًا مَدَحَتْهُ الخلائقُ كُلُّها ولم يكن الله راضِيًا عنه لا ينْفَعُهُ مديحُهم شيئًا ! لا ينفَعُكَ إلا أن يكون الله راضِيًا عنك، فالله تعالى قال:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
يقول الله بعد هذا: "كلاَّ " أداة رَدْع ونهي، لا تفْعلوا ذلك ! قال تعالى:
﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾
[سورة التكاثر]
كلا، ردع و زجر، سَتَعْلمون أنَّكم خاسِرون، كلاَّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، تُرَفْرف روح الميِّت فوق النَّعْش وتقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بِكُم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ أو حرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غيْر حِلِّه، فالهناء لكم والتَّبِعَةُ عليّ، فكلاّ سوف تعلمون في الدنيا، وكلا سوف تعلمون في الآخرة، وكلاّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، فالميِّت يرى مكانه من النار في القبر فيَصيحُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهل الأرض لَصُعِقُوا، والمؤمن يرى مكانَهُ في الجنَّة، فيقول: لم أرَ شَرًّا قطّ !
قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾
[سورة التكاثر]
واحدٌ راكب مرْكبةً فخْمَةً في طريق جميل، عن يمينِهِ وشمالِه حدائق غنَّاء، والسيارة منطلقة، والنَّسيم يُداعِبُ وَجْههُ، وهو مُبْتَسِمٌ ويَضْحك ويَمْزَح، فإذا علِمَ عِلْمَ يقين أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل، وأنَّ هذا الطريق الهابِط ينتهي بِطريق حادّ يُوَلْوِل !: قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾
[سورة التكاثر]
لَتَرَوُنَّ هذا البيت الفَخْم الذي اغْتُصِبَ مِن أصْحابِهِ جحيمًا، ولَتَرَوُنَّ هذه التِّجارة الرابِحَة التي بِضاعَتُها مُحَرَّمة، لَتَرَوُنَّ هذا المَبْلغ الكبير الذي أُخِذ بطريقةٍ غير مَشْروعة جحيمًا، فالذين يفْرَحون بالحرام هم حَمْقى لو عرفوا أنَّهم سَيُحاسَبون لرأوا هذه المكاسِب جحيمًا.
علم اليقين في الدنيا، أما حينما تُعايِنُ عذاب القبر في القبر، قال تعالى:
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾
[سورة التكاثر]
عِلْمُ اليقين، وعَيْنُ اليقين، فالأوَّل اسْتِنتاجي، أما الثاني فَشُهودي.
قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
[سورة التكاثر]
نِعْمة الصِّحة كيف اسْتُعْمِلَتْ ؟ أفي الاسْتِرخاء والتَّوَطِّي أم في طاعة الله ؟! ليس عندك غَسْل كلاوي، ولا زرْع دسَّام، ولا مرض خبيث في الدمّ، ولا مشكلة أبدًا، فالصِّحة كيف اسْتغلْتها ؟
نِعْمة الفراغ ؛ من الرابعة مساءً إلى العاشرة ! أين أمْضَيْت وقتَكَ هذا ؟ باللَّعِب والنَّرْدشير، ومُتابَعَة المُسَلْسلات، هذا الوقت الفراغ سوف نبْكي عليه دَمًا، نُسْأل عن وقْتِنا، وصِحَّتِنا، وكذا نِعْمة الأَمْن فلَسْنا مُلاحَقين، ما فَعَلْتَ بهذه النِّعْمة، ونِعْمة الكِفايَة، كيف أنْفقْتها ؟ لك مال يُغَطِّي نفقاتِك، فالله عز وجل أعْطانا نِعْمة الصِّحَة، ونِعْمة الفراغ ونِعْمة الأمْن، بل إنَّ بعض المُفَسِّرين قالوا: لتُسأَلُنَّ عن كأس الماء البارِد ! هل حَمِدْتُم الله عليه ؟ لك بيتُ وزوْجة وأولاد وصِحَّة طيِّبة ووقْتُ فراغٍ، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
[سورة التكاثر]
يقول الله عز وجل لِبَعْض عِباده يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أُنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، قال ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنِّ الذي خشيتَهُ على أولادك مِن بعدِك قد أنْزَلْتُهُ بِهم، ويسأل عبْدًا آخر: أعْطَيْتُكَ مالاً فما صَنَعْتَ فيه ؟ يقول له: يا رب، أنْفَقْتُهُ على كُل محتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين، فقال: يا عبْدي، أنا الحافظ لأوْلادِك مِن بعدِك.
سورةٌ دقيقة جدًا، قال تعالى:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾
[سورة التكاثر]
رجل أنْشأ قصْر بِحَلَب، وكان تاجِرًا كبيرًا، وأنا رأيْتُ هذا القَصْر، وهذا في سنة الأربع والسَّبْعين، وحينها كان يُكَلِّف خمسةً وثلاثين مليون !! أما الآن فهذا القصْر يُكَلِّف ثلاثمائة وخمسين مليون !!! وكان طويل القامة، مات في الثانِيَة والأربعين، وُضِعَ في قبْرٍ قصير فاضْطُرَّ الحفَّار أن يدْفعَهُ مِن رأسِه حتَّى أصْبَحَ رأسُه مُعْوجًّا !! ورأيْت أعْرَق مطْعم في الولايات المُتَّحِدَة، فقيل لي أنَّ صاحِب هذا المطْعم ذهَب مع زوْجتِه في نزْهة بَحْرِيَّة وغابَتْ أخْبارُهُ، أطْعَمَ الناس أربعين عامًا أفْخَرَ أنواع السَّمَك وأكلَهُ السَّمَك !! لذا مهما عَلَوت إلا والموت ينتظِر، ماذا بعد جَمْع المال ؟ القبر، وماذا بعد بُلوغ أعلى المراتب ؟ القبر، وماذا بعد الاسْتِمتاع بِكُلّ أنواع اللَّذات والشَّهوات ؟ القبر سبحان مَن قَهَر عِبادَهُ بالموت ! وكُلُّ مَخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجْر
والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامة يومًا على آلة حدْباء مَحْمولُ
فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً فاعْلَم بأنَّك بعدها مَحمــول.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العصر (103 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيّدنا محمد الصـادق الوعـد الأمين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم .
اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
تفسير سورة العصر .
أيها الإخوة الكرام ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول :
سورة العصر لو تدبَّرَها الناس لَكَفَتْهُم .
أي لو لم يَكُن في القرآن الكريم كُلِّه إلا هذه السورة لَكَفَتْ ، يقول الله عز وجل :
﴿ وَالْعَصْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 1 ]
الزمن :
العصْر : هو الزَّمَن ومُطلق الزَّمن ، يُقْسِمُ الله عز وجل بِمُطْلق الزَّمن لماذا ؟!
لأنَّ الإنسان في الأصل زَمَن ، إنَّه بِضْعة أيَّام كُلَّما انْقضى يوم انْقضى بضعٌ منه .
الزَّمَن البُعْد الرابِع للأشياء .
فالشيء طول وعرض وارْتِفاع ، فإذا تَحَرَّك شكَّل زمنًا ، والزَّمَن بالأساس مسافة .
سرعة الضوء :
وأدَقُّ ما اطَّلَعْتُ عليه مُؤَخَّرًا أنَّ هذه النَّظَرِيَّة النِّسْبِيَّة " نَظَرِيَّة انْشْتاين " التي أقامَت العالم وأقْعَدَتْهُ مُلَخَّصُها أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءاً ، والضوء يقْطع بالثانِيَة ثلاثمائة ألف كيلومتر ، وحينما قال الله عز وجل :
﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾
[ سورة السجدة الآية : 5 ]
نحن نَعُدُّ التَّقْويم القمَري ، والقمر يدور حول الأرض دوْرَةً كُلَّ شَهْر ، فإذا أخَذْنا المسافة بين مركز الأرض ومركز القمر ، فهذا نِصْف قطر دائرة سَيْرِهِ ، فَمِن نصف محيط الدائرة نعرف مُحيط الدائرة ، فَكَم يقْطع القمر في مسيره حول الأرض في ألف عام ؟ قسِّم المسافة التي يقْطعها القمر في دَورانِه حول الأرض في ألف عام ، قسِّم هذا الرَّقم على عدد ثواني اليوم ، ينْتُج سرْعة الضَّوء بالدِّقة ، والآية الثانية قوله تعالى : ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾
[ سورة المعارج الآية : 4 ]
ففي هاتين الآيتين أصل سرْعة الضَّوء .
أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءً .
كتْلَتُهُ صفْر ، وحجْمه لانِهائي .
إذا سار الجسم مع الضَّوء توقَّف الزَّمن .
فإذا سبق الضَّوء تراجَعَ الزَّمَن .
فإذا تأخَّرنا عن الضوء تراخى الزَّمَن . من الخاسر ؟
قال تعالى :
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
مُضِيُّ الزَّمَن يسْتهلِكُهُ ، اُنْظر إلى صورتك قبل عشرين عامًا ، وقبل ثلاثين ، وَجه مشْدود وشعر كثيف ، هذا فِعْل مَن ؟ هذا فِعْل الزَّمن ، ماذا قال سيِّدنا عمر بن عبد العزيز ؟ الليل والنهار يَعْملان فيك فاعْمَل فيهما العمل الصالِح ، فَمُضِيُّ الزَّمَن وحْدهُ يسْتهلِكُنا ، ونحن في خسارة مُحَقَّقة ، قال تعالى ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
مُضيُّ الزَّمَن وحدهُ يسْتهلكنا ، واحِد عاش ثلاثًا وسِتِّين سنة ، ينْعَدُّ كَم مرَّةً سافَرَ ؟ وكم مرَّة انْعَزَم ؟ وكم مرَّة تنزَّه ؟ لأنّ الإنسان بِضْعة أيَّام إذا انْقضى يوم منه انْقضى بضعٌ منه ، وهناك حالةٌ واحِدَة تتلافى فيها الخَسارة فهذا الزَّمَن إما أن تُنْفِقَهُ إنْفاقًا اسْتِهلاكِيًّا ، وإما أن تُنْفِقَهُ إنفاقًا اسْتِثْمارِيًّا فالإنفاق الاسْتِهلاكي أنْ تأكل وتَشْرب وتتنعَّم وتنام وتكسب المال ، وتنْغَمِس في المَلذَّات ، أما الإنفاق الاسْتِثْماري أن تؤمِن وأن تدْعو وأن تصْبِر ، قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
هذه أركان النَّجاة ، مَن أراد أن لا يَخْسَر فلا بدّ أن يؤْمِن كُلّ ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله علْمًا ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله قرْبًا ، فأنت ينبغي أن تزْداد قُرْبًا وأن تزْداد عِلْمًا لكي لا تَخْسَر ، ومَن لم يَكُن في زِيادة فَهو في خُسْران ، والمَغْبون مَن تساوى يوْماه ، فإذا مضَى اليوم ، وقد تكون الغلَّة مليون من المبيعات ولم تزْدَد عِلْمًا بالله فهذه هي الخسارة ، فالله يُقْسِم في قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
يُقْسِم الله لهذا المَخلوق الذي هو من الزَّمَن أنَّهُ في خسارة ، قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
أن تُؤْمِن هذه أحدُ أركان النَّجاة ، وان تَدْعُوَ إلى الله فرْضُ عَيْن ، وأن تصْبر على الطاعة وعن الشَّهوة وعن قضاء الله وقدَرِه ، وهذه كُلُّها من أركان النَّجاة .
فهذه السورة تَكفي الإنسان ، والعاقل الذي يقول : كم بقي مِنِّي ؟ وليس كم مضى ؟ يَعُدُّ بالتَّنازُل ، فالذي بقي في الأعمّ الأغْلَب أقلّ مِمَّا ، ومَن بلَغَ الأربعين دَخَل في أسواق الآخرة ، كَمَن يذهب لِنُزْهة وفي يومه الأخير يَجْمع أغراضَهُ ويعْكس كلّ حركاتِهِ ، ويشْتري هداياه ، وهذا شأن الناس جميعًا ، وكذا مَن دخَل الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، فإذا قال الإنسان : كَم بقِيَ لي ؟ هذا العُمْر بعد الأربعين هو عُمْر الطاعة والعِبادة والإقبال والتِّلاوة وطلب العلم ، أت تُعِدَّ للآخرة ، لكي لا يقول : يا ليتني قدَّمتُ لحياتي ، ولكي لا يعضّ على يديه .
أيها الإخوة ؛ معنى خُسْر ؛ أنَّ الذي جمَّعْتَهُ في الدنيا كُلِّها تَخْسَرُهُ في ثانِيَة واحدَة ، وأهْل الكُفْر يَبْلُغون قِمَم المَجْد ، أما إذا ماتوا ترَكوا كُلَّ شيء ، أما أهْل الإيمان إذا ماتوا أخَذُوا معهم كُلَّ شيء ، ومَن آثَر دُنياهُ على آخرتِهِ خَسِرَهما معًا ، ومَن آثَر آخرتهُ على دُنياه ربِحَهُمَا معًا ، وهذه السورة تقْرؤونها جميعًا في الصلاة ، ولو تدبَّرها الناس لَكَفَتْهُم ، فإن لم تَدْعُ إلى الله فأنت خاسِر ، فالتَّواصي بالحق كي تتَّسِعَ دوائِره وتضيق دوائر الباطل ، أما إذا سكَتْنا كان الأمر على العَكْس .
قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
أنت حينما تسْتقيم على أمر الله وتدعوا إلى الله وتصْبر على طاعته وعن شَهَواتِك ، وعلى القضاء والقدر تُحَقِّقُ الهَدَفَ مِن وُجودِكَ ، ولن تخْسَرَ أبدًا .
أيها الإخوة ؛ أنتم تقرؤون هذه السورة ، وعليكم بِتَدَبُّرِها ، ومَن تدبَّرَها سَعِدَ في الدنيا ، وسَعِدَ في الآخرة .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الفيل (105 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، سورة الفيل تبْدأ بِقَوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
أصْحاب الفيل ؛ أبْرَهَةُ الأشْرم أراد أن يأتي إلى الكعبة لِيُهَدِّمَها، وهو مع جُنودِهِ قُوَّة كبيرة، فهذا درْسٌ بليغ للبشَرِيَّة إلى يوم القيامة، والله وحده هو القويّ، ولا قوِيَّ مع الله تعالى أبَدًا، فأكبر قُوَّة على وَجْه الأرض تتهاوى كَبَيْتِ العَنْكبوت، وتَرَوْن بِأَعْيُنِكم مِمَّا يجري بيننا من أحداث أنَّ قِوَى كبيرة جدًا تُؤْمِنَ بأَنَّهُ لا إله، وتُصبح كعصْف مأكول فهذه سنَّة الله في خلْقِهِ، والإنسان حينما يَعْتَدُّ بِنَفْسِهِ، وينسى أنَّ الله مَوجود، وأنَّه تعالى بِيَدِه كُلّ شيء، وقادِر على كُلّ شيء، وأنَّه بِلَحْظةٍ واحِدَة يجعل هذا المخلوق خبرًا بعد أن كان حقيقةً، وأنّ الله سبحانه وتعالى بِإمكانهِ وبِقُدْرتِهِ في أيِّ لحْظة أن يجْعل الأقوياء المبطلين أحاديث، قال تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)﴾
[سورة سبأ]
فربنَّا عز وجل لإظْهار حِكْمتِهِ سلَّط عليهم طيْرًا أبابيل، وقد قال بعض المُفَسِّرين: الطَّيْر الأبابيل أضْعف أنواع الطَّيْر، ألْقَتْ عليهم حِجارَةً مِن سِجِّيل، وكُلّ حجَرٍ مُسَجَّل عليه اسم الذي سَيَقْتُلُه، وحجَرٌ مِن طينٍ يابِس، فجعلهم كعَصْف مَأكول، وهذه حقيقة بدَأتْ بِقَوْله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
مع أنَّ الذين خُوطِبوا لم يَرَوا هذه الحقيقة، إنَّما سَمِعوا بها، فقَوْل الله عز وجل: ألَمْ تر ؟ أيْ أنَّ المؤمن يتلقَّى الخَبَر عن الله عز وجل وكأنَّهُ رآهُ، لِمِصْداقِيَّتِهِ، والعِلْم حَرْف والتَّكرار ألف كما يقولون وقِس على أصْحاب الفيل كُلَّ قوَّة غاشِمَة في الأرض تريد أن تَسْتَعلي على الخَلْق، فالحَرْب العالميَّة الثانِيَة ؛ هذا الذي جَعَلَ من الشَّعْب الألماني أعْظَم شَعْب في العالم، وجَعَلَنا نحن في مُؤَخِّرة الشُّعوب ؛ مع البرابرة أين انتهى به جَبَروتُهُ ؟ انْهَزَمَ ومُزِّقَت بلادُهُ، فَقِصَّةُ أصْحاب الفيل تتكَرَّر، وأيُّ قوَّة ظالمَةٍ غاشِمَة تَسْتعلي على الخلق، وتبني مَجْدها على أنقاضهم، الله عز وجل يُظْهِرُ آياتهِ، سأقول لكم هذه الحقيقة القِوى الغاشِمَة هذه التي تَسْتَعْبِدُ الشُّعوب، وتُسَخِّرُها لِمَصالِحِها وتَنْهَبُ ثَرواتها، هذه قوى هاوِيَة، وهذه الخِطَط إذا ما نَجَحَتْ إلى ما شاء الله فَنَجاحُ هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فلا بدَّ مِن أن يُظْهِرَ الله آياتِهِ، عرفْتُ الله مِن نقْض العزائِم، تجد دَوْلَةً عُظْمى عاتِيَة تقول: سياسَتُنا الخارِجِيَّة كَسِياسَتِنا الداخلية ! أيُّ جِهَةٍ في الأرض يجب أن تأتَمِرُ ؛ هذا يجب أن يُعاقب بالحِصار، وهذا يُعاقَب بِمَنْع الطَّيران، أما التي تَخْرِقُ كُلَّ القوانين الدَّوْلِيَّة ولا تعْبأ بأيِّ قرار فهذه لا تُحاسَب فهذه القِوَى المُتَجَبِّرة في العالم، وهذه القِوى الطاغِيَة حِسابُها كأصْحاب الفيل قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
والذي لا يرى أنَّ هذه القِوى الطاغِيَة مُسَيْطِرَة ومُهَيْمِنَة تارَةً بالأقمار الصِّناعِيَّة، وتارةً بالرَّصْد الجَوِّي، وتارةً بالتَّحليل الكيماوي، وهم مُسْتَعِدُّون أن يُفْنوا الشُّعوب ؛ سِتُّ مائة طفْلٍ يموتون كُلَّ عام في العراق ولا يزالون يدَّعون أنَّ هناك شيئًا أخْفاهم عنهم، وفي السُّودان كُلَّ يوم مائة ألف صباحًا يموتون جوعًا من الحِصار، فهذه القِوَى الجبارة أيُّها الإخوة، وهذه الفِتَن في العالم يصْطَنِعُها الأقوياء لِيُضْعِفوا الشُّعوب ويبْدو أنَّ أصْحاب الفيل كانوا أكبر قوَّة في الجزيرة العربيَّة طغيانًا قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
فأراد أبْرَهَة أن يَهْدِمَ الكعْبة ونَسِيَ أنَّ الله بِيَدِهِ كُلّ شيء، كما أنَّهُ أراد بعض الطُّغاة في تركيا أن يُلْغوا الإسلام ؛ كمال أتَاتوُرْك ! مات وبقيَ الإسلام.
كُلّ إنسان إذا اعْتَزَّ بِقُوَّتِه وجَبَروتِهِ، ونَسِيَ المُبْتَدى والمُنْتهى، ونسِيَ الجبار الأعلى، وطغى وبغى، فالله عز وجل سيَقْصِمُهُ، فهذا على مُسْتوى جماعي، وعلى مستوى فرْدي إذا اغتنى واحتلَّ مرْكزًا حساسًا وقال: أنا ربُّكم الأعلى !! فالله عز وجل قد يسوق له مرضًا يجْعلُهُ يبْكي كالأطفال ! لذا كُلّ مَن تَجَبَّر وطغى واسْتَعْلى ويتجاوَز الحُدود فهذا ينْتظِرُهُ القَصْم، والمؤمن يُعالَج، قال تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾
[سورة البقرة]
فالمؤمن مُبْتَلى، والمؤمن يُعالَج، أما الذي يطْغى ويَبْغى، وينسى المبتدى والمنتهى، فهذا ينتظرهُ القصْم، يصْعد إلى أعلى مكان ويسْقط من ذاك المكان !
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)﴾
[ سورة الفيل]
كَيْدُ الله غير كيْدِهم، فَكَيْدُ الله تعالى رَدٌّ على كَيْدِهِم، وكَيْدُ فيه حِكمة وعَدْلٌ ورحمة، قال تعالى:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾
[ سورة إبراهيم]
وقال تعالى
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾
[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾
[سورة غافر]
وقال تعالى
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾
[سورة آل عمران]
المؤمن لا يَضْعُف ولا يسْتكين، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
فالإنسان أحْيانًا يرى قُوَّة غاشِمَة التي تتحكَّم في العالم الآن، فهذه تأتيه أعاصير ثلاثون مليار خسائِر، أعاصير مُدَمِّرة، وحريق مُدَمِّر و فيضانات مُدَمِّرة، انْتِشار أمراض خبيثة ؛ كُلّ عَشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدز ولا يوجَد زواج يسْتَمِر أكثر من سَنَتَيْن، وأطْوَل زواج سنتَيْن ! يقول رئيسهم كلينتون قبل سنة: أربعة أخْطار تُواجِه ُ بلادنا ! أنتم قد تتوهَّمون مثلاً أن يقول: اليابان أو الاتِّحاد الأوروبي !! قال: انْحِلال الأخلاق، وتَفَكُّك الأُسْرة، وشُيوع الجريمة، وانْتِشار المُخَدِّرات، لذا فهؤلاء الثلَّة لهم انْهِيارٌ داخلي، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾
[سورة الطارق]
وَمَنْ هَوِيَ الكَفَرَة حُشِرَ معهم، لا ينْفَعُهُ عملُهُ شيئًا، حدَّثني أخٌ زارنا قبل أسبوعَين مُقيمٌ بأمريكا يعْمل بِشَرِكَة ضَخْمة بالكمبيوتر، قال لي: قبل خمْس سنَوات لو اكْتَشَفَتْ الشَّرِكَة أنَّ أحَدَ المُوَظَّفين يُساكِن امرأة ليْسَت زوْجَتَهُ يُطْرَد من وظيفَتِه ! وقبل أشْهُر زُفَّتْ إلينا بُشرى لِكُلَّ المُوَظَّفين أنَّ أيَّة علاقةٍ شاذَّة بين مُوَظَّف وشريك له يسْتحِقّ ميِّزات المُتَزَوِّج !! أيُّ شُذوذ جنْسي يسْتحق التَّعويض، ذَكَر بين ذَكَر أو أنثى بين أنثى أو ما شاكل ذلك !! هذا هو الانْحِلال أيها الإخوة، فالشُّذوذ عندهم يُصيبُ عِلْيَة القَوم، شَخْص ذو مَنصب رفيع، ومكانة كُبرى، ففي مؤْتَمر صحفي رئيس وزير الصِّحة البريطاني، وهو مُكَلَّف بِحِماية الصِّحة بِبْريطانيا، وأخطَر شيء يُواجِهُهُ الإيدز ! يقول: أنا شاذٌّ جِنْسِيًّا!! وزير الصِّحة والذي يَحمِل الدكتورة يقول هذا الكلام فالإنسان يسْتحي أن ينْتمي إلى هذا المُجْتَمَع، وهذه امرأة تُقيم مؤتَمر صُحفي بُثَّ على أثنى عشرة قناة فضائِيَّة، وهذا البرنامَج رآهُ سِتُّ مائة مليون بالعالم، تقول: أنا زَنَيْت اليوم الفلاني مع فُلان، واليوم الفلاني مع فلان، ولمَّا ماتَتْ بِحادِث مشى بِجنازَتِها ستَّة ملايين إنسان !!! رؤساء الدُّوَل بَكَوْا وأرْسَلوا مَن يُمَثِّلُهم في جنازتها، لذا نحن نعيش في أيِّ عَصْر ؟! كيف إذا كان المعروف فيكم مُنْكَرًا، والمُنْكر معْروفًا ؟ وكيف بِكُم إن أمرْتُم بالمُنكر، ونَهَيْتُم عن المعروف ؟ وكيف بِم إذا ائتُمِن الخائن وخُوِّن الأمين ؟! وكيف بكم إذا صُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادِق ؟! نحن في آخر الزَّمان، القابض على دينِهِ كالقابِض على الجَمْر، وأجْرُهُ كَأَجْر سَبْعين فقالوا: أمِنَّا أم منهم ؟ فقال: بل منكم لأنَّكم تَجِدون على الخير مِعْوانًا ولا يَجِدون.
فهذه السورة تنتظر كُلّ الفسَقَة والفُجَّار والأقْوِياء، والطُّغاة في العالم الذين يعيشون على أنقاض الشُّعوب البريئة.
والله أيها الإخوة، إنَّ الأخبار مُؤلِمَة، تأتي باخِرة مُساعدات غِذائِيَّة للصومال، نصفُها نفايات ذَرِيَّة تُلقى على سواحِلِها، وبالاسْم مُساعَدَة كلمة جهَنَّم يستأهلها هؤلاء، تجدُ جِهَةً واحِدَة تبيع السِّلاح للطَّرفَيْن فهذا الذي يَحْتَرِمُ الغربيِّين، ويُبَجِّلُهم ويرى أنَّهم مُتَحَضِّرون هو إنسانٌ أْحمَق وأعْمى، والمسلِم هو الشريف والصادِق والرَّحيم، ولازِلنا بِخَيْر أيها الإخوة، ولازالَت جوامِعُنا ممتلئة، فنحن في نِعْمة كُبرى نرْجو الله أن يُديمَها علينا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النصر (110 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون:يقول الله عز وجل : ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )
قال ابن عباس:إن هذه السورة نعوة النبي عليه الصلاة والسلام، العظماء ليس لهم مطامح شخصية، ولا مصالح فردية، فإذا أدوا رسالتهم انتهت مهمتهم، دخل الناس في دين الله أفواجاً، أشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق جهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، شعور الإنسان حينما يأتي إلى الدنيا ويتعرف إلى الله ويجعل طاعته كل همه، وخدمة خلقه كل همه، ونشر الحق كل همه، هذا الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يعيش في سعادة لا توصف، لأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، استفاد من عمره الثمين، أيعقل أن يقسم الله خالق الكون، يقسم قال تعالى :
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾
( سورة الشمس )
وقوله أيضاً :
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
( سورة البروج )
وقال :
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)﴾
( سورة الليل )
أما أن يقسم خالق الكون بعمر النبي، قال تعالى:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
( سورة الحجر )
يقسم بهذا العمر الذي ما ضيع منه ثانية واحدة، ولا شغلته الدنيا عن الآخرة، حتى حينما كان صغيراً دعي إلى اللعب فقال عليه الصلاة والسلام وهو طفل صغير:أنا لم أخلق لهذا، جاءته الرسالة، رسالة التوحيد، قالت له السيدة خديجة:خذ قسطاً من الراحة، فقال كلمة تقشعر لها الأبدان، قال:يا خديجة انتهى عهد النوم، قام وشمر، قال تعالى :
﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)﴾
( سورة طه )
لو أحدنا سأل نفسه أنا ماذا قدمت، حينما يأتيني أجلي ما العمل الذي أعرضه على الله، يا رب صنعت جبصين ولكنه رائع جداً وهو أفخر شيء، أو كان عندي مزرعة يا رب، مسبح مفلتر، والآن احكي لنا عملك عند الموت لا يحكى في المسبح ولا في الفيلا ولا في التجارة ولا في المركبة، لا يقال إلا في العمل الصالح، ماذا فعلت لا صدقة ولا جهاد بماذا إذاً ستلقى الله ؟ ما العمل الذي تقدمه بين يدي الله عز وجل ؟ هل ربيت أولاداً تربية عالية فكانوا أناساً صالحين، هل ساهمت في ميتم في معهد شرعي، هل تبنيت داعية، ماذا قدمت من جهدك في خدمة الخلق ؟ لذلك متى يدخل الناس في دين الله افواجاً، إذا كان المؤمن خير، المؤمن معطاء، المؤمن فهم دينه فهماً حقيقياً، هناك حالة والعياذ بالله يخرج الناس من دين الله أفواجاً، كلما خيب إنسان ظناً بالدين يخرجون، أي كل من يعمل في الحقل الديني إذا لم يكن هناك أعلى درجة من الكمال والطهر والنزاهة والاستقامة والصدق إذا لم يكن كذلك، يخرج الناس من دين الله أفواجاً، أغلب الظن إذا وجدت إنسان شارد اسأله، يقول لك:أنا كرهت الدين من أجل فلان، سبب نفوره من الدين هو فلان، فبين أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً وبين أن يخرج الناس من دين الله أفواجاً، إن هذا الدين كما ورد في الأثر القدسي قد ارتضيته لنفسي، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأقيموه بهما ما صحبتموه، يعني أخ من إخواننا وضع ابنه عند شخص لأن الشخص بدأ يستقيم ويمشي بالدين لم يسمح لابنه أن يأخذ ساعة إجازة منه حتى لا يقول استغل الدين، أحد إخواننا يحضر هذا الدرس موظف في دائرة حول الجامع، قدّم لمدير الدائرة إجازة ستة أيام، قال له:ليس لدينا وقت، قال له:أنا مستهلكها، قال له:وكيف ذلك، قال له:أنا أصلي كل يوم ربع ساعة جمّعتهم أصبحوا ستة أيام، قال له المدير:أنت في أي جامع ومن شيخك، قال لي:والله يا أستاذ في الجمعة الثانية جاء إلى الدرس في النابلسي هذا المدير العام، لماذا جاء؟ لأنه وجد إنسان نزيه، واحد حاسب نفسه على كل يوم نصف ساعة وجمّعهم وأخذ إجازة بهم، إجازته السنوية، وهو يصلي، صلى وقت الوظيفة، أنا لا أقول لكم أن تفعلوا ذلك لا، ما الذي جاء بالمدير العام إلى الجامع ؟ إنه تصرف هذا الموظف الورع، بالورع ترقى، بالأمانة بالاستقامة بالنزاهة بالصدق، فأنت بيدك، الصلاة لا تدخل الناس في دين الله أفواجاً، أما الصدق فهو يدخل الناس والأمانة، الصلاة عماد الدين لكن وحدها لا تكفي لابد من استقامة معها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾
( سورة فصلت )
وقال أيضاً :
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾
( سورة فصلت )
أنت مخير إذا أحببت أن تدخل الناس في دين الله أفواجاً كن كاملاً، وهل تحب أن تخرجهم أفواجاً استغل الدين للمصالح الشخصية، ضع الدين بالوحل، ارتزق بالدين، حينما تفعل ذلك عندها يخرج الناس من دين الله أفواجاً، قال الإمام أبو حنيفة رأى طفل أمامه حفرة، قال له:إياك يا غلام أن تسقط، كان هذا الطفل نبيهاً جداً، قال له:بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم، وزلة العالِم سقوط العالَم معه، لأنه قدوة ومثل أعلى، وأنت كأب قدوة، بابا قل لهم لست هنا، ماذا فعلت مع ابنك، علمته الكذب صار أكبر كذاب سيقول لك لم أجدهم، أين النقود ؟ سيقول لك وقعوا مني، مع أنه صرفهم، أنت علمته الكذب، قلت له:قل أنا لست هنا، قال لك:وقعت مني النقود، شيء مخيف الدين قال:
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
فمجرد أن تكذب أو أن تخون انتهى الدين، قال الرسول الكريم :
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ قَالَ:لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ))
فالتعليق على قوله تعالى :
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)﴾
( سورة النصر )
ذات مرة صحابي أثناء الهجرة قبض عليه الكفار فقال لهم:والله إن أطلقتموني عهداً لكم لا أحاربكم ما حييت، وصل إلى المدينة وبلّغ النبي والنبي فرح به، هذا الصحابي نسي، بعد ثلاث سنوات صار في غزوة ففرح لأنه سيجاهد، قال له:ألم تعاهدهم ارجع، هذا الدين، مادمت عاهدتهم انتهى، فإذا نحن صدقنا، استقمنا، كنا ورعين، كنا أعفة، لم نحتال على أحد، صلينا، أصبحت الصلاة عظيمة، أصبحت الصلاة تاج، أمّا صلينا، مثلاً واحد يريد الذهاب إلى الحج ويضع ماله عند شخص دخل إلى المسجد وجد شخص يغمض عينيه ويتعصور قال:هذا والله أفضل شخص خشوعه ممتاز، قال له:والله أنا أريد أن أذهب إلى الحج وأضع معك أمانة، قال له:والله أنا أيضاً صائم، قال له: ولكن والله أنا صيامك لم يعجبني، فالتظاهر بالدين شيء خطير جداً، النبي وصف الأتقياء الأخفياء :
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فَقَالَ:مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ:يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَْبْرَارَ الأَْتْقِيَاءَ الأَْخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ))
تقي خفي يرجو رحمة الله، فإذا أردت أن تدخل الناس في دين الله أفواجا كن صادقاً، قال له:عندك بيض، سمان في زملكا، قال له:عندي، قال له:طازجة ؟ قال له:لا غير طازجة، عند جاري طازجة، هذا هو الصدق، هل عندك الجرأة بأن لا تكذب إطلاقاً ولا بكلمة، عندها تصبح مؤمن وتدخل الناس في دين الله أفواجاً، واحد تزوج امرأة من دون علم الأولى، الأولى شعرت أن وضعه قد تغير، تتبعته علمت أنه متزوج لم تتكلم شيئاً، توفي وهي الزوجة الأولى ومن ورعها جمعت التركة، وأرسلت لضرتها حقها من التركة من الميراث وهي لم يعلن زواجها، قالت لها:والله البارحة وقبل أن يموت بيومين قد طلقني، وأرجعتهم، هذا هو الدين، قال له:بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له:ليست لي، قال:قل له ماتت أو أكلها الذئب، وخذ ثمنها قال له:والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، لأنني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذا هو الدين كله، هذا البدوي الراعي، يمكن ليس عنده ثقافة إطلاقاً، ليس لديه مكتبة في خيمته، ولا مسجلة، ولا الشارقة، ولا صحن، عنده هذا الورع، والذي عنده معلومات الثقلين وغير ورع ليس له قيمة، وضع يده على جوهر الدين، جوهر الدين الورع، هذا هو الورع، فأنت عندما تكون ورع يكون الدين إلى الله سالك، صار هناك رضى من الله، صار هناك إقبال على الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاخلاص (112 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون: ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، لأن القرآن فيه أمر ونهي وفيه إخبار، وفيه صفات الله عز وجل وصفاته الحسنى، فهذه السورة فيها وصف دقيق للذات الإلهية، يقول الله عز وجل:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾
( سورة الإخلاص )
الضمائر كلها في العربية تعود على اسم قبلها، الضمائر ضمائر مستترة وضمائر ظاهرة، ضمائر متصلة وضمائر منفصلة، الضمير كله في العربية يعود على اسم قبله، إلا ضميراً واحداً وهو ضمير الشأن يعود على ما بعده.
قل هو نبأ عظيم تعود على النبأ.
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾
( سورة الإخلاص )
هو في هذه السورة ضمير شأن يعود على ما بعده، ولكن استعمال ضمير الشأن استعمال دقيق واستعمال خاص بمعنى بأن الشيء البارز الصارخ الذي لا يشك به أحد، أحياناً فيما بين الناس يقول أحدهم هو، من هو ؟ الشيء المعروف المدرك الظاهر، فربنا عز وجل هو الحقيقة الكبرى في الكون، كل ما في الكون من خلقه وبأمره، وإليه مصيره، أحياناً يقول لك يوجد في هذا البيت رجل واحد، يوجد في هذه المؤسسة مدير واحد بيده كل شيء، هذا الكون أمره بيد الله، خلقه بيد الله تسييره بيد الله، مصيره إلى الله، كلمة الله هي كل شيء.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
ربنا عز وجل يقول:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾
( سورة الإخلاص )
الذي خلق الكون ألا تعرفه ؟ الذي أمدك بما تحتاج، ألا تعرفه ؟ هو رب العالمين، ألا تعرفه ؟ هو المسير، هو الخالق، هو البارئ، هو المصور، أما كلمة الله قال عنها علماء التوحيد هي علم على الذات، الله عز وجل ذات كاملة، الاسم الذي يشير إلى هذه الذات الكاملة هو الله، ما سوى ذلك أسماءه، تقول الغني، القوي، الرحيم، اللطيف، الودود، الحليم، الخبير، هذه أسماءه، أما إذا جمعت كل هذه الأسماء بكلمة واحدة الله، اسم علم على الذات، إذا قلت الله أي الرحيم والعليم والقدير، واللطيف، والسميع، والمجيب.
قل هو الله أحد، الحقيقة كأنما الله عز وجل يدعونا إلى معرفته، هل عرفته هو الخالق، كان الله ولم يكن معه شيء، هل عرفته هو القوي الأرض كلها إذا دخلت في ثقب أسود فضائي أصبحت في حجم البيضة الأرض الخمس قارات الخمس والبحار أربعة أخماس، والأرض محيطها أربعين ألف كيلو متر، ووزنها عشرة بليون بليون طن، هذه إذا دخلت في ثقب أسود من ثقوب الفضاء ذات الضغط المرتفع يصبح بحجم البيضة، هذه قوة الثقب الأسود ومن منح هذا الثقب هذه القوة ؟ القوي، هل يوجد جهة في الأرض تقول أنا، من علامات قيام الساعة قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾
( سورة يونس )
أكبر مدينة في العالم بقدرة الله تغدو تحت الأرض بثلاث ثواني، وترون بأعينكم ما يجري في العالم، أعاصير تدمر كل شيء، فيضانات تجعل ملايين مملينة بلا مأوى، تتلف المحاصيل، تخرب البيوت، فيضان نهر واحد ارتفع منسوبه ثلاثة أمتار أحرق الأخضر واليابس، زلزال واحد فجعلناها حصيداً كأن لم تغنى بالأمس، ماذا أقول القوي هل عرفت القوي ؟ قل هو الله أعرفته قوياً، أعرفته رحيماً أرحم الخلق بالخلق رسول الله، والله عز وجل رحمته واسعة قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
( سورة آل عمران )
امرأة تقبل ابنها وتضمه وهي تخبز على تنور، رآها النبي مع أصحابه قال أتلقي هذه المرأة ابنها إلى النار، احتمال امرأة لها مولود جميل جداً عقلها يكاد يختل من محبتها له، احتمال أن تلقيه بالتنور بالمائة كم ؟ صفر، قال: أتلقي هذه المرأة ولدها إلى التنور ؟ قالوا: معاذ الله، قال: والذي نفس محمد بيده الله أرحم بعبده من هذه بولدها.
هل عرفت رحمة الله ؟ قل هو الله، يجب أن تعرف رحمته، يجب أن تعرف قوته، يجب أن تعرف رحمته، يجب أن تعرف عدله.
إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف بالقضاء
فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
زارني طبيب قديم وقال لي أنا أحمل ثلاثة بورد، وخرجت خمسين جيل أطباء، اختصاصه بالسرطان والأشعة فزارته امرأة مع زوجها معها سرطان بالثدي منتشر إلى كتفها، فانفرد بزوجها وقال له: إنك مجرم، قال: لما، فقال له: لأنك تأخرت كثيراً في مجيئها إلي، السرطان يبدأ كحبة الحمص، والأمل كبير بالشفاء يستأصل، يعالج بالأشعة، أما تأتيني بعد سنتين من بدء المرض، فقال له زوجها: لا يا طبيب نحن عند الطبيب الفلاني وما قال هذا الكلام ونحن عنده سنتين نعالج ويعطينا كورتيزون ومسكنات، فقال له طالب الطب سنة الثالثة يعرف السرطان، عرف الزوج أن هذا الطبيب أراد أن يبتز هذه المريضة، لو قال لها سرطان ليس اختصاصي تذهب إلى غيره، فأوهما أنه قضية ورم عادي يزول ببعض الأدوية، يقول لي هذا الطبيب من شدة فزع الزوج وألمه وقع على الأرض وخاطب الله وهو منبطح وقال له: يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم من هذا الطبيب، قال لي وبعد ستة أيام توفيت وانتهى الأمر، بعد حين يأتيني شاب وسيم، يجلس في المكان الذي جلس فيه زوج المريضة وقال لي: أنا زميلك فقال له ما اسمك فإذ هو نفسه الطبيب ومعه سرطان في الصدر.
أقسم لي وبحسب خبرته عمر هذا الورم أحد عشر شهر، في الساعة التي وقع فيها الزوج على الأرض وابتهل إلى الله أن ينتقم منه، الله قوي أنت حينما تؤمن بالله، لا يوجد إلا الله إله، حينما ترى مع الله أحداً، لا يوجد مع الله قوي، لا يوجد مع الله غني هو الغني وحده لا يوجد مع الله رحيم هو الرحيم وحده، هو اللطيف وحده، لذلك قل هو الله أحد، أحد، إذا وجد معه واحد رحيم لم يعد أحد، أذا وجد بهذه المنطقة طبيبين معهم بورد لا أستطيع أن أقول أنني وحدي معي هذه الشهادة و هي أنه طبيب و فلان معه مثلها، ما معنى أحد ؟ أي الله عز وجل ليس في خلقه واحد يشركه في صفاته و أسمائه، قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾
( سورة الإخلاص )
فلذلك من السذاجة المضحكة أن تظن أنه لمجرد أنك تقول الله خلق الكون فإنك تعرفه لا و الله، لا بد من أن تقف عند أسمائه اسماً اسماً، لا بد من أن تعرف القوي و الغني و الرحيم و اللطيف، الله عز وجل لطيف.
أما هذا طبيب أسنان إن أراد أن يقلع ضرساً لطفل صغير لا بد من تخديره بإبرة ألمها لا يقل عن قلع الضرس، غرس الإبرة في النيرة مؤلم لكن الله عز وجل حينما يريد أن يبدل لهذا الطفل أسنانه هل يوجد ألم ؟ فجأة وجد سنه يأكله مع الطعام.
اسمه اللطيف، بلطف بالغ لو واحد رافقك الآن يضيق خلقك منه بعد ذلك يا أخي ابتعد عني، الإنسان ظله ثقيل، الله معنا كلنا و لكن بلطف لا تحس أنه مشكلة، هو معك أينما كنت في خلوتك و في جلوتك الله عز وجل لطيف، و يجب أن تعرف شيئاً عن لطفه و عن رحمته و عن قدرته، مركبة فضائية سموها المتحدي أطلقوها و سموها المتحدي و فيها سبعة رواد فضاء مع امرأة بعد سبعين ثانية كانت كتلة لهب في السماء، قوي مع أنه يوجد فحص دقيق و يوجد عد تنازلي، أنا أدعوكم في هذه الصورة إلى معرفة الله و إلى معرفة أسماء الله الحسنى، و هناك دروس من فضل الله فيها توفيق يمكن أن تستمع لكل اسم ساعة بأكملها أو خمسين دقيقة، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الرزاق، السميع، العليم، الخبير، أحد أكبر مهماتك في الإيمان أن تعرف أسماء الله الحسنى، وحده الرحيم ولا رحيم سواه، وحده القوي ولا قوي سواه.
العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي.
قل هو الله أحد يعني واحد غير أحد، واحد عدداً، أحد نوعاً، لو فرضنا طبيب بقرية ولكنه درجة عاشرة ولكن نقول هذا واحد، ولكن طبيب بين مائة ألف طبيب لا يوجد أحد بمستوى علمه نقول هذا أحد، الواحد غير العدد، فالواحد غير الأحد، الله عز وجل قال: قل هو الله أحد، كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك، كلمة الله تعني أسماءه الحسنى كلها، الكلمة الجامعة المانعة، يا رحيم، يا قوي هذا دعاء كله كلام طيب، أما إذا قلت يا الله أي رحيم و عليم و قوي و قدير و متين و خبير و رزاق و سميع و مجيب، إذا قلت يا الله أي مائة اسم، كلمة يا الله تغني عن مائة اسم، قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾
( سورة الإخلاص )
ليس في خلقه من يشركه في علمه و لا في قدرته، فحينما ترى أن الله عز وجل بيده كل شيء و إليه مصير كل شيء و هو فوق كل شيء و هو في كل شيء و هو قبل كل شيء و هو بعد كل شيء و ليس شيئاً في شيء عندئذ تتوجه إليه وحده، هذا التوحيد و هذا هو الدين كله قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء )
حينما توقن أنه ليس مع الله أحد و لا يرقى إلى كماله أحد تتجه إليه وحده، أما و الله أيها الأخوة آلاف مؤلفة، ملايين مملينة من المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله و هم يعبدون آلاف الآلهة، لأقول لكم الآن أمثلة:
من أطاع مخلوقاً كائناً من كان و عصى خالقه فهو ما قال قل هو الله أحد، الذي أطاعه و عصى من أجله ربه رآه أقوى من الله فآثر طاعته على طاعة الله.
من أرضى زوجته على حساب دينه ما قال قل هو الله أحد إطلاقاً، رأى رضاء زوجته أغلى عنده من إرضاء الله عز وجل.
فالقضية ليست قضية كلام إنها قضية ممارسات، فالإنسان حينما يغش و سيربح مائة ألف بهذا الغش، رأى هذه المائة ألف أغلى عنده من رضوان الله، عصى الله و غش الناس، فالذي يغش الناس لم يقل قل هو الله أحد إطلاقاً و الذي لا يقيم الإسلام في بيته إرضاءً لزوجته لم يقل قل هو الله أحد، يعبد زوجته مع الله، و الذي يطيع مخلوقاً و يعصي خالقاً لم يقل قل هو الله أحد، القضية خطيرة جداً، القضية ليست أن تقول قل هو الله أحد قلها، إبليس قال له ربي فبعزتك، أي دخل الجنة ؟ كلا، العبرة ألا ترى مع الله أحداً، هو وحده الرحيم و القوي، أما حينما تيأس فلا يوجد أمل للمسلمين، أي الأقوياء أقوى من الله لأن الله ما فيه أن يساوي شيئاً، الفعل فعلهم، أنت أشركت و لم تشعر، حينما تيأس معنى ذلك توهمت أن أقوياء الأرض أقوى من الله أي أن الله لا يتدخل، هم يفعلون ما يفعلون و الأمر كما يريدون، هذا هو الشرك، ينبغي أن ترى أن الله بيده كل شيء و أنه لا إله إلا الله و أن الأمر راجع إليه و أنه يفعل ما يشاء و أنه لا يُسأل عما يفعل و هم يُسألون و أنه بيده الخلق و الأمر قال تعالى:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
(سورة الكهف )
و كذلك:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)﴾
( سورة الفتح )
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾
( سورة الأنفال )
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾
( سورة فاطر )
هذا التوحيد، فهذه سورة التوحيد و تعدل ثلث القرآن و لنا جلسة أخرى إن شاء الله مع هذه السورة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاخلاص (112 )
الدرس الثانى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، لا زلنا في سورة الإخلاص:﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾
معنى الصمد ؛ أي أن الله جل جلاله لا يستمد وجوده، ولا استمرار وجوده من أحد، أما نحن سبقنا عدم، ثم وجودنا، وننتهي إلى عدم، ونحن موجودون مفتقرون إلى أسباب استمرارنا، لولا الهواء نموت، لولا الماء نموت، لولا الطعام نموت، لولا الزواج تنشئ مشكلة كبيرة جداً، لو تعطل أحد الأجهزة لأصبحت حياتنا جحيماً، أي جهاز، أي عضو، فنحن مفتقرون إلى الله في كل شيء، لكن الله جل جلاله غني عن كل خلقه.
﴿ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ﴾
( سورة إبراهيم: 8 )
﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ﴾
( سورة الزمر: 7 )
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ))
(قطعة من حديث طويل، أخرجه مسلم )
وجود الإنسان مفتقر إلى من يمد بالحياة، في شخص له مشكلة كبيرة، رجل توسط أن يحلها له، مقابل مبلغ ضخم جداً، فجاء على أمل أن يستقبله في المطار، ويحل له هذه المشكلة، جاء من أمريكة وصل الجمعة، كان الذي وعده أن يحل له المشكلة وتقاض مبلغ كبير مات الخميس، ما في إنسان يملك وجوده بعد دقيقة، إطلاقاً، لكن الله جل جلاله " الله الصمد " لا يحتاج في وجوده، ولا في استمرار وجوده إلى جهة خارجة عنه، إذا الإنسان ضغط على رقبته يموت، إذا وضع له غاز يموت، إذا توقف قلبه يموت، يعني نحن مفتقرون إلى ألف شرط، حتى نكون في صحة طيبة، ألف شرط، القلب بانتظام الدسامات، الشرايين، الأوردة، الكبد، الكليتين، المعدة، الأمعاء الأعصاب، الجهاز العضلي، الجهاز العظمي، الغدد كلها، نحن مفتقرون إلى الله في كل شيء، ما معنى العزيز ؟ يعني الصمد، يعني يحتاجه كل شيء، في كل شيء، من أوسع التعريفات، يحتاجه كل شيء في كل شيء، لكن الله جل جلاله غني عن كل شيء، من أي شيء، هذا معنى " الله الصمد " وجوده ذاتي، حي باقي على الدوام لا بداية له، ولا نهاية له، قديم باقي، أزلي أبدي، لا شيء قبله ولا شيء بعده.
النقطة الدقيقة الآن الإنسان إذا تعلق بما سوى الله، ما سوى الله فان.
﴿ كل من عليها فان ﴾
( سورة الرحمن: 26 )
ما سوى الله ضعيف.
﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾
(سورة الفرقان: 3 )
أما إذا ربط مصيرك مع الإله، الإله الأبدي الأزلي، يعني ممكن إنسان يعلق آماله على شخص قوي، يموت فجأة، أو ينحى عن مكانه، ضاعت كل آماله، أما إذا كنت مع الله عز وجل، ما في عندك مشكلة إطلاقاً، لأن الله حي باقي على الدوام، بيده الأمر.
﴿ ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾
( سورة هود: 123 )
بيده مقاليد السماوات والأرض، لا يشرك في حكمه أحد، خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، هذا الله عز وجل.
لذلك أيها الأخوة الكرام: لا يليق بك كإنسان، أنت مخلوق أول مخلوق مكرم، مخلوق مكلف، لا يليق بك كإنسان أن تكون لغير الله إذا كنت لغير الله احتقرت نفسك، أنت لله، هذا الذي يبع نفسه إلى ما سوى الله، يحتقر نفسه، لأن الله عز وجل يقول: خلقت لك الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك، لا تتشاغل بما ضمنت لك عم افترضت عليك، الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن ؟ لله الواحد الديان لمجرد أن تكون تابع لأحد، مجيراً لأحد، أن تكون محسوباً على أحد فقد احتقرت نفسك.
سئل عالم رحمه الله كان في بريطانية يجري عملية جراحية سألته إذاعة لندن أنه ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ ماذا يقول ؟ أجاب إجابة رائعة، قال لأنني محسوب على الله، الآن فلان محسوب على فلان، فلان من جماعة فلان، فلان لفلان، فلان خادم لفلان فلان مجير لفلان، لمجرد أن تكون تابع للإنسان احتقرت نفسك أنت لأن هذا الإنسان ضعيف مثلك، لا يملك لك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا رزقاً، ولا أمنا، لذلك من أشد العذاب أن تعلق أملك على إنسان ضعيف مثلك، يموت، كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
أحد خلفاء بني أمية الكبار كان في الحج، رأى في الحرم المكي عالماً جليلاً، أراد أن يتقرب إلى الله بخدمته، قال له سلني حاجتك قال له والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، التقى به خارج الحرم، قال له سلني حاجتك، قال له وَاللَّهِ ما سألتها من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها ؟ قال له سلني حاجتك، قال له أدخلني الجنة وأنقذني من النار، قال له هذه لا أملكها، قال له إذاً ليس لي عندك حاجة.
عظمة المؤمن أنه محسوب على الله، وَاللَّهِ عز وجل لا يخزيه أبداً، هارون الرشيد على علو قدره، وكل القصص التي تشير إلى أنه عنده جواري، ونساء، كلها لا أصل لها، كان يحج عاماً، ويغزو عاماً على علو قدره، وعلى تدينه وصل إلى المدينة فقال: أريد عالماً نستفيد منه، فجاءوا الإمام مالك، إمام دار الهجرة، قالوا يا إمام أجب أمير المؤمنين، قال قولوا له يا هارون العلم يؤتى ولا يأتي، فلما قالوا له هذا قال صدق، نحن نأتيه، فلما أخبروه، قال قولوا له إن أتيتنا لا ينبغي أن تتخطى الرقاب، يجب أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس، قال صح كلام طيب، فلما وصل إلى المسجد أعطوه كرسياً في آخر بالمسجد يجلس عليه، فقال الإمام مالك من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه قال خذوا عني هذا الكرسي، جلس على الأرض، لأن الإمام مالك محسوب على الله.
سؤل الإمام حسن البصري، يا إمام لم نلت هذا المقام ؟ قال لاستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، الآية معكوسة الآن فإذا استغنى الناس عن علمي هذا الذي يعلمهم، وكان هو محتاج إلى دنياهم سقط العلم والعلماء، لاستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
المنصور كان من أقوى خلفاء بني العباس، التقى بأبي حنيفة مرةً قال له يا أبى حنيفة: لو تغشيتنا، تعال وزرنا، نحبك نحن، قال ولم أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء إنك إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني، مالي حاجة، حينما تكون محسوباً على الله ترفع رأسك، حينما تكون محسوباً على الله لا تنافق أبداً، لأن الذي منحك الحياة هو وحده يأخذها منك، ولا جهةً أخرى، إن الذي منحك الرزق هو وحده يمدك به ودقق في قوله تعالى:
﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾
أيها الأخوة الكرام: هذا معنى " الله الصمد " كن مع الصمد إذا كنت معه، وقعت عين المطاردين على عين أبي بكر، قال له يا رسول الله وقعت عينه على عيني، قال يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾
(سورة الأعراف: 198)
الله جل جلاله لا تدركه الأبصار، فإذا كنت معه أيضاً لا تدركك الأبصار، إذا كنت ملتجأً إليه، الآخرون لا يرون عليك شيئاً، فإذا كنت معتزاً بنفسك بحثوا لك عن مشكلات لا نهاية لها، إذا كنت معه لا أحد يستطيع أن يصل إليك، إذا كان الله معك فمن عليك، عدوك اللدود يخدمك، وإذا تخلى الله عنك أقرب الناس إليك، زوجتك، وأولادك يهينوك، إذا تولاك الله خدمك أعدائك، وإذا تخلى الله عنك أهانك أقربائك هذه حقيقة، ينبغي أن نكون مع الله.
كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
فإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منـعك
يعني الله عز وجل له معنى ألف خيار وخيار مليون خيار ممكن عضو بسيط يعطله الله عز وجل، تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فأنت تحت ألطاف الله عز وجل، إذا كنت معه كان معك عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، ما في إلا إله واحد، هذا الذي يقود أقوى دولة بالعالم، الله عز وجل فضحه 12مرة زنى بها هذا التي عنده في البيت الأبيض أليس كذلك ؟ الله عز وجل بيده كل شيء، هذا الذي يظن أنه أقوى إنسان بالعالم امرأة ضعيفة وضعته بالوحل أليس كذلك ؟ هذا ربنا عز وجل أما إذا كنت مع الله لا يستطيع أهل الأرض جميعاً أن يصلوا إليك، لأنه " الله الصمد " أما أنت وجودك مبني على عوامل خارجية، لكن ربنا عز وجل وجوده ذاتي، قديم، أبدي حي باقي على الدوام.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاخلاص (112 )
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في سورة الإخلاص، التي تتحدث عن الله عز وجل، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، لأن فيها وصفاً جامعاً مانعاً لذات الله عز وجل تحدثت في الدرس الماضي " الله الصمد " أن وجوده ذاتي لا يحتاج إلى شيءٍ خارج عنه، بعكس مخلوقاته، وجودهم مفتقر إلى إمداد خارجي، واستمرار حياتهم مفتقرة إلى إمداد خارجي، ومصيرهم إلى الفناء، أي مخلوق ما سوى الله، يسبقه عدم، وينتهي إلى عدم إذاً هو حادث، الله وحده واجب الوجود، ما سواه ممكن الوجود، يعني سبقه عدم، وسيعقبه عدم، له بداية وله نهاية، مادام ممكن الوجود لابد له من موجد، وما دام ممكن الوجود لابد له من نهاية لوجوده شأن مخلوقات الله هكذا، المخلوق حادث يسبقه عدم إذاً لا بد له من موجد، وينتهي إلى عدم، إذاً لا بد له من خالق لهذا العدم.
﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾
( سورة الملك: 2 )
أما:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾
الإنسان من طبيعته أنه زمن، والزمن له تأثير واضح فيه، فكل منا قبل أربعين عاماً غير وضعه الآن، لونه، تجاعيد وجهه، لون شعره، انحناء قامته، ضعف قوته، هذه من تأثيرات الزمن، وكما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما فالإنسان يحتاج إلى ولد، هذا الولد يعد استمراراً لوجوده، لأنه ضعيف ولأن صحته خطها البياني هابط، ولأنه يكبر سنه، ويضعف بصره ويشيب شعره، وينحني ظهره، إذاً هو يميل نحو الضعف، يميل نحو التلاشي، في بالإنسان في أعماقه رغبة أن يبقى مستمراً، كيف يبقى الإنسان مستمراً من خلال أولاده، ينجب أولاد، ينشئهم كما يتمنى أولاً يتمنى أن يعنونوه حينما يكبر، ويبتغي أن يكونوا استمراراً لوجوده كل هذه المعاني لا تليق بذات الله جل جلاله " لم يلد " الإنسان يلد ليكون ابنه خليفة له، يلد ليكون ابنه معيناً له، يلد ليحقق في ابنه ما فقده في ذاته، هذا شيء معروف، الإنسان إذا فاته العلم، يتمناه في ولده والأب الذي فاته الغنى يتمناه في ولده، فالإنسان أحياناً، الإنسان حينما يتزوج يهدف إلى إنجاب ولدٍ يعينه حينما تضعف سنه، ويهدف إلى إنجاب ولدٍ يكون استمراراً لوجوده، ويهدف إلى إنجاب ولدٍ يكون تحقيقاً لما عجز عن تحقيقه، هذه علة رغبة الناس من إنجاب الأولاد، لكن هذه الأهداف الثلاثة لا تليق بالله عز وجل، لذلك " لم يلد " الله عز وجل هو هو، لا يضعف، لا يطرأ على أسمائه الحسنى وصفاته أي تعديل هو هو، لأن الزمن من خلقه، نحن خاضعون للزمن، نحن تحت سيطرة الزمن، نحن أشخاص نتحرك لهدف ثابت، البعد الزمني أساسي عندنا، أما الزمن عند الله عز وجل من خلقه، أحد مخلوقاته هو الزمن، لذلك نحن نخضع للزمن في تطوير أجسامناً، وتغيرها من حالة إلى حالة، لكن الله جل جلاله حي باقي على الدوام، نحن ننام من شدة التعب، نتعب في النهار فننام في الليل، ربنا عز وجل:
﴿ الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ﴾
( سورة البقرة: 255 )
نحن ننسى.
﴿ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ﴾
( سورة طه: 52 )
نحن نخطئ ربنا عز وجل يقول:
﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾
( سورة هود: 56 )
الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة إلزام ذاتي، فكل ما خطر في بالك بالله بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء، واحد لا شريك له، يقول الناس واحد أحد، فرد صمد، من الكلمات التي يصفون بها ذات الله عز وجل واحد أحد، فرد صمد، يعني تعليق لطيف، واحد ليس له شريك، وأحد ليس له مثيل، واحد غير أحد، واحد ليس له شريك يعني في بهذه القرية طبيب واحد، قد يكون من الدرجة العاشرة، لكن ما في طبيب آخر، نقول طبيب واحد، لكن في بالقرية مائة طبيب إلا أن هذا الطبيب متفوق باختصاصه نقول هذا أحد، من بين الأطباء، أول معنى واحد لا شريك له، أما الثاني، واحد لا مثيل له، واحد أحد طبعاً واحد تعطي المعنى العددي الكمي، أما أحد تعطي العدد النوعي نقول هذا الطالب كان الأول، يعني في مائتين وخمسين طالب هو الأول في نجاحه، أو الرابع، ما معناه هو أربع أشخاص هو واحد، أما مرتبته الرابع، وزن فاعل في الأعداد، تعطي معنى النوع، أما العدد الأساسي يعطي معنى الكم، هؤلاء أربعة، العدد أربعة، أما هذا فلان هو الرابع في صفه، مرتبته الرابعة، فلذلك ربنا عز وجل قال:
﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾
( سورة الزخرف: 81 )
الأول هنا بمعنى أول من عبد الله عز وجل ، نال الدرجة الأولى في العبادة، فالأول هنا تعني، النوع " لم يلد " لا يحتاج إلى ولد وهذا رد على من قال إن لله ولد " لم يلد " لا يحتاج إلى ولد، ليستمر به وجوده، ولا يحتاج إلى ولد ليعينه، ولا يحتاج إلى ولد ليكمل نقصه به، أما كل واحد منا، يتزوج ليكمل نقصه بزوجته، هو في عنده أفق واسع لكن عنده فقر بالعاطفة، المرأة تكمل زوجها بعاطفتها، والزوج يكمل زوجته بأفقه، وفكره، وقراره، وإرادته، وجلده، فكل منا يتكامل مع الآخر، يكمل نقصه في، والآباء دائماً يبحثون عن أولاد ليكملوا نقصهم بهم، يلي فاته يحققه في ابنه، قال ربنا عز وجل " لم يلد ".
أما: " ولم يولد " ما في جهة كانت سبب في وجوده، لكن الإنسان الله سبب وجوده، الإنسان له مسبب، له مسبب مباشر أبوه وأمه، وله مسبب غير مباشر وهو الله عز وجل، فالأب والأم سبب وجود الإنسان، تزوجا فأنجبا، لكن الله عز وجل لولا أنه خلق هذه النطفة في رحم الأم، ونقلها من حال إلى حال، لما كنت إنساناً والدليل يقول الله عز وجل:
﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾
( سورة الإنسان: 1 )
ما كان لك وجود أنت، لكن أبوك وأمك كانا سببي وجودك، و الله عز وجل هو مسبب الأسباب.
الشيء الثاني: " لم يلد ولم يولد " ما في جهة أكبر منه، ما في أعظم منه " لم يلد ولم يولد " لا يحتاج إلى ولد، وليس بسبب أب أكبر منه.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾
يعني، شو معنى الله أكبر ؟ مهما عرفت من كماله، فهو أكبر مهما عرفت من قوته هو أقوى، مهما عرفت من رحمته فهو أرحم مهما عرفت من علمه فهو أعلم، أيام تقرأ مقالة لإنسان علمية تشعر بوجع في رأسك، من شدة تعقيدها، وهي كشف لقانون كوني، فكيف مقنن القانون، كيف ؟ كيف وما تسقط من ورقة إلا وهو يعلمها، في أيام الخريف كم ورقة تسقط، بالعالم كله ؟.
﴿ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ﴾
( سورة لقمان: 27 )
الواحد منا إذا اشترى ليتر حبر، أنا أعتقد يكفيه من صف الأول لخمسين سنة قادمة، ليتر حبر واحد، إذا في عنده متر مكعب حبر إذا في عنده خمس أمتار مكعبة حبر، إذا في عنده بحيرة كبحيرة بردى نبع بردى حبر، إذا في عنده بحر المتوسط كله حبر، المحيط الهادي الخمس محيطات، ضرب سبعة ﴿ سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾
﴿ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ﴾
( سورة طه: 109 )
تصور إنسان واقف بالطريق توجه نحو الشمس وتحمس لينفخ عليها كي تنطفئ، تصور، كلام دقيق أقوله، وقف بالشمس توجه نحو قرصها وسحب نفس طويل وأراد أن ينفخ عليها كي تنطفئ الشمس، كم هو أحمق، دقق في قوله تعالى:
﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ".﴾
( سورة الصف: 8 )
نور الله أبلغ من نور الشمس، الشمس لا تستطيع أن تحرك ساكناً فيها، لسان لهبها طوله مليون كيلومتر، لسان لهبها، في أيام الكسوف هناك تصوير للشمس، طبعاً يغيب عنا قرص الشمس تماماً تبق الألسنة، ألسنة اللهب قاسوها عن طريق الطيف، وجد طولها مليون كيلومتر لسان لهب الشمس، فهل تستطيع أن تطفئها بنفخة ؟ وهذا الذي يتوهم أنه يستطيع أن ينهي الإسلام، إنسان يحتاج إلى مشفى مجانين يعني زرت تركيا، وزرت هذا قصر بهجت دولاما، يلي كان ساكنه كمال أتترك، وهذا الرجل أراد أن يلغي الإسلام، إلغاء كلي، يغير اللغة ويغير، ومنع الأذان، ومنع التدين، ومنع اقتناء المصحف، ومنع خطر ببالي وأنا في قصره خاطر، أنه ولا ألف طاغية يلغوا الإسلام يفطسوا والإسلام باقي، ولا ألف طاغية كأن تترك، يلغون الإسلام يفطسون والإسلام باق شامخاً.
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ﴾
( سورة التوبة: 32 )
لا تقلق على الإسلام إنه دين الله، أقلق هل سمح الله لك أن تنصره أو لم يسمح ؟ هل منحك هذا الشرف ؟ هل منحك أن تكون جندي لهذا الدين ؟ هل منحك شرف أن يجري الله الخير على يديك ؟ على هذا أقلق، وما سوى ذلك لا تقلق، فإن الله سبحانه وتعالى ناصر نبيه والدليل:
الآن صدق أو لا تصدق، إنسان ملاحق وضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، أثناء الهجرة تبعه سراقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، ثم تبعه ثانية، فغاصت ثانية، فطلب الأمان، طيب واحد ملاحق، وضعت مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول له يا سراقة، دقق، ما قالها وهو في المدينة، ما قالها وهو في أعلى مراتب قوته، قالها وهو في أضعف حالة وهو ملاحق مهدور دمه، قال له كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى تصور هيك إذا واحد باليمن بقرية من قرى صنعاء تقول له كيف بك إذا جلست محل كلينتون، تصور، كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، دهش، في عهد سيدنا عمر جيء بتاج كسرى، وحلي كسرى وكل مقتنيات كسرى، وقال عمر أين سراقة، فجاء سراقة ألبسه سواري وتاجه، وقال بخ بخ أعرابياً من بني مدلج يلبس تاج كسرى لقد صدق رسول الله، النبي ما كان قلق على الدين، وهو في طريق الهجرة، مهدور دمه، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ما كان قلق على الدين، لما ذهب إلى الطائف وكذبوه وآذوه، قال له سيدنا أسامة والده زيد، قال له كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك، قال إن الله ناصر نبيه، شايف الثقة، أنا أقول لكم، لا تقلقوا على الإسلام، إن الله سينصره، لكن لنقلق ما إذا سمح الله لنا أن نصره أو لم يسمح، بقوله تعالى:
﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾
( سورة محمد: 38 )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الفلق (113 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ بدأت في الدرس قبل الماضي بسورة الفلق وشرحنا بعض منها وها أنا أتابع شرح هذه السورة .
ربنا جل جلاله هو رب الفلق ، رب الصبح ، رب الضياء ، رب النور ، هو المنور ، هو الهادي ، هو الذي يكشف ، هو الذي يبين ، بالمعنى المادي من خلق الشمس ونور بها العوالم ؟ الله جل جلاله ، بالمعنى الآخر المعنوي من ألقى في قلب المؤمن نوراً يهديه سواء السبيل وهذا ثابت في القرآن الكريم قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[سورة الحديد الآية : 28 ]
فهناك نور مادي يريك ظواهر الأشياء ، وهناك نور آخر يلقى في قلب المؤمن فيرى الحق حقاً ويرى الباطل باطلاً ، وذكرت في درس سابق أن كل أفعال الإنسان أساسها رؤية ، فالذي يسرق يرى أن السرقة مغنم والذي يزني يرى أن الزنا مغنم ، والمؤمن لأن رؤيته صحيحة يرى أن طاعة الله هي المغنم قال تعالى :
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 71 ]
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 10 ]
فالقضية قضية رؤية ، أفعالك وحركاتك ، وسكناتك وحركاتك على وجه الأرض تنطلق من رؤية فإذا صححت الرؤية صح العمل وسعدت في الدنيا والآخرة ، وإذا اضطربت الرؤية فسد العمل .
ما من إنسان على وجه الأرض يرتكب خطأ أو يأكل مالاً حراماً أو يقتنص لذة محرمة إلا وهو يرى أن هذا العمل صواب وأن هذا العمل مغنم وأن هذا العمل فيه مكسب كبير قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
[ سورة الحج الآية : 46 ]
إنسان أوصى جاره بزوجته وسافر فخانه في زوجته ، فجاءه كلب وأكله بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( خان صاحبه ، والكلب قتله ، والكلب خير منه ))
رأى أن الخيانة مغنماً ، والمؤمن يرى أن الإخلاص مغنماً الذي ينور القلوب هو الله ، فإذا كنت مع النور أنت مع الله ، أنت مع الحقيقة ، أنت مع الصواب ، أنت مع الرؤية الصحيحة ، أنت مع الحق قال تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾
[ سورة الفلق الآية : 1 ]
لكن يوجد في العوالم أشرار ، ما هو الشر ؟ الشر المطلق ليس له وجود على الإطلاق وهو الشر للشر ، الشر المطلق يتنافى مع وجود الله تعالى لكن يوجد شر نسبي ، أي هو شر بالنسبة لهذا الإنسان لكن في النتيجة هو خير .
الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق ، يوظف الشر النسبي للخير المطلق ، تؤتي الملك لمن تشاء هذا خير ، وتنزع الملك ممن تشاء هذا شر نسبي لمن نزع الملك منه ، وتعز من تشاء هذا خير ، وتذل من تشاء هذا شر نسبي لأنه بيدك الخير المطلق .
لو فرضنا أب عالم ومربي وله ابن شدد عليه وحاسبه ، وضربه ، ووبخه ، وضيق عليه حتى نال أعلى شهادة وعاش حياة كريمة ، فماذا نقول ؟ هناك شرور نسبية أصابت هذا الابن انتهت به إلى الخير وهذا فعل الله عز وجل ، من شر ما خلق ، الشر في الأصل إذا نسب إلى مخلوق لابد من أن يكون مخيراً ، ولابد من أن تكون أودعت فيه الشهوات ، ولابد من أن يكون قد ترك منهج الله ، يخرج منه الشر .
الشر إساءة استعمال ، فالمرأة مصممة للرجل ولكن مصممة أن تكون زوجة له لا أن تكون عشيقة له .
الشر هو الخروج عن حكم الله عز وجل ، المال محبب ، الله أودعه في النفوس ، لكن حينما كسب عن طريق حرام صار شراً .
المخلوقات خلقت خيرة ، أما إساءة استعمالها يؤدي إلى الشر ، إخوانا الذين لهم علاقة بالميكانيك كيلو سكر ثمنه ثلاثون ليرة ضعه في محرك سيارة يكلفك المحرك ثلاثون ألفاً ، السكر مادة أساسية وغذائية ، أما وضع السكر بالمحرك يتلف المحرك ، فالمحرك خير لنفع الإنسان لينقله من مكان إلى مكان والسكر مادة غذائية أساسية ، أما سوء استعمال السكر بالمحرك صنع شراً ، وهذا الشر ليس من الأصل شر ، شر طارئ ، شر ناتج عن سوء الاستعمال .
كل شيء الله خلقه خير ، يأتي الشر من إساءة الاستعمال ، من إفساد الشيء ، من إخراجه عن صفاته الأساسية ، من شر ما خلق ، الله ما خلق شراً ابتداءاً ولا خلق شراً أصيلاً ، الشر عارض بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( والشر ليس إليك ))
شركة سيارات تصنع أرقى أنواع السيارات حينما يقود إنسان هذه السيارة سكران وينزل في وادي وينقطع عموده الفقري ويصاب بالشلل ويخسر قيمة السيارة ، شرور السيارة تلفت والصحة تلفت ، هل نقول أن هذا المعمل يصنع الشر ؟ لا ، يصنع سيارة مريحة جداً مصممة لتؤدي كل رغباتك ، أما إساءة استعمال السيارة أن يقودها إنسان وهو ثمل ، لا نقول أن المعمل يصنع السيارات لتموت الناس بها ، لا ، المعمل يصنع سيارات ليرتاح الناس بها ، فالشر ليس في أصل الخلق ، الشر طارئ ناتج عن سوء الاستعمال ، ناتج عن إنسان مخير أودعت فيه الشهوات ضرب منهج الله عرض الطريق ، وتحرك حركة عشوائية .
أحدهم جائع أكل تفاحة ، شيء طبيعي أن يأكل تفاحة وهو جائع ، لكن إن أكلها سرقةً خالف الحكم ، لو أكلها تسولاً خالف الكرامة ، لو أكلها ضيافةً حقق الفائدة ، لو اشتراها بماله ، هذه التفاحة لك بإمكانك أن تأكلها تسولاً ، وبإمكانك أن تأكلها سرقةً لا سمح الله ، ...
شراء ، هدية ، تسول ، سرقة ، أما أصل التفاحة خير وهي مصصمة لك وأنت مهيأ لها ، أما حينما تأكلها سرقةً صار الشر مخالفة الحكم الشرعي ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾
[ سورة الفلق الآيات : 1-3 ]
وقب يعني دخل ، والغاسق هو الليل ، والإنسان في النهار حواسه تنقل له كل ما حوله ، أما في الليل تتعطل حاسة البصر ، لأنه نائم ولو كان مستيقظ الظلام ستر ، يوجد مفاجآت في الليل ، الله عز وجل جعل الليل لباس ، وجعل الليل سكن ، وجعل الليل نوم ، والنوم نوع من الموت ، الإنسان وهو نائم معطل كل شيء عنده فما الذي يحفظ الإنسان وهو نائم الله عز وجل لذلك الإنسان إذا أوى إلى فراشه يقول : يا رب إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فأحفظها مما تحفظ به عبادك الصالحين إما أن تفسر الغاسق الشيطان إذا دخل صدر الإنسان ، أو هذا الليل البهيم إذا لف الأرض بسواده . ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾
[ سورة الفلق الآية : 4 ]
أول مهمة للشيطان إفساد العلاقات ، أول مهمة من مهمات الشيطان إيقاع العداوات بين البشر ، التحريش بين المؤمنين ، إفساد العلاقة بين الزوجين ، إفساد العلاقة ضمن الأسرة الواحدة ، إفساد العلاقة بين الأخ وأخيه ، بين الأم وابنها ، بين البنت وأبيها ، أي فساد علاقة مبعثه الشيطان . ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾
[ سورة الفلق الآية : 5 ]
الحاسد هو إنسان محروم وجاهل وحاقد ، وإنسان آخر محسود خرج على قومه بزينته ، هل من المعقول أن يقف مستخدم على باب فندق خمس نجوم ، الناس يأتون بسيارات فاخرة مع زوجات شبه عرايا يأكلون ويرقصون ويتنعمون وهذا الحاجب يقف ، سوف يحسد ويشتهي أن يكون غنياً ، ويشتهي أن يكون قوياً ، ويشتهي أن يكون له زوجة كهذه الزوجة ، ويشتهي أن ينام ويرتاح لا أن يسهر ويحرس .
عندما الإنسان يظهر بزينته ، بما يملك من مال ورفاه ، لعله يزرع في صدر المحروم الحسد ، والحاسد الجاهل يحقد ، والله أعلم تخرج أشعة من هذا الحاسد تخرق المحسود .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( إن العين لتضع الجمل في القدر ، والرجل في القبر ))
المحسود الغافل تصيبه عين الحاسد ، الحاسد إنسان محروم وحاقد ، ومشرك وجاهل يتمنى أن تزول هذه النعمة عن هذا الإنسان لتصير إليه كيف أنك الآن بأشعة الليزر تجري عملية ترقيع شبكية ، يوجد أشعة لطيفة لا تراها تخرق الجسم وتفعل فعلها في الجسم ، لذلك الحاسد والله أعلم وهو ثابت في القرآن والسنة ، قارون خرج على قومه بزينته قال تعالى : ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القصص الآية : 79 ]
قال تعالى : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة القصص الآية : 83 ]
الإنسان عندما يريد العلو في الأرض يسلط عليه الحاسد ، يسلط عليه إنسان حاقد محروم يصيبه بأشعة قاتلة ، امرأة تتباهى بأولادها يمرض ، إنسان يتباهى بثيابه الغالية جداً تتمزق ، يتباهى بمركبته الغالية جداً يجري حادث ، إذا الإنسان أراد أن يستعلي ببيته بأولاده بثيابه بمركبته يأتي الحاسد يتألم محروم حاقد ، عنده أشعة قاتلة ، المحسود غافل يصاب هذا المحسود بشر عمله ، إلا إذا كان المحسود متواضع ومتأدب مع الله ولم يظهر ما عنده وكان موصول بالله ، عندئذ هو محصن لا تصيبه عين الحاسد إذا كان مستعيذ بالله من عين الحاسد لا تؤذيه عين الحاسد .
معنى ذلك أنك إذا كنت متصل بالله لا يؤذيك لا شيطان ولا جن ولا عين حاسد ولا ساحر ، كل هؤلاء مع الشياطين ، والشيطان مهمته أن يصل إلى الغافل عن الله ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 155 ]
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾
[ سورة الحجر الآية : 42 ]
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 201 ]
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾
[ سورة الفلق ]
الشر إفساد العلاقات ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ))
أخطر شيء في مجتمعاتنا فساد ذات البين عن طريق الحسد ، وعن طريق الكبر ، وعن طريق العجب ، فكل الأمراض يقابلها أدوية مرة ، مرة دخلت إلى بيت فاستقبلني صاحب البيت وقال لي هذا البيت مساحته أربع مائة متر ، فقلت له : الله يهنئك به ، فقال لي : هذا الطقم من إيطالية أحضرناه معنا ، فقلت له : الله يهنئك به ، فقال لي هذا البلاط من إيطالية ، وأخرت هذا الحديث ، ماذا تريد من هذا الكلام كله ؟ أن تستعلي ، قال تعالى : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء الآية : 21 ]
مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً بل هي مؤقتة ، مرتبة الآخرة تعني كل شيء وهي أبدية ، فالعبرة أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر ، العبرة أن تكون عند الله في مرتبة عالية .
والحمد لله رب العالمين
السعيد
04-18-2018, 02:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الناس (114 )
الدرس الاول
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون: يقول الله عز وجل في سورة الناس
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾
( سورة الناس )
الرب هو المربي، الرب هو الممد، يمد المربى بكل حاجاته ويربيه وينقله من حال إلى حال، أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى ا_لإنسان رب العالمين، هو الذي يربي، يربي جسمك ويربي نفسك ويعدّك لجنة عرضها السماوات والأرض.
فالمربي عنده مكافآت وعنده عقوبات لأنه مربي والدليل قصة: ثلاثة أولاد في الطريق يدخنون، مر والد أحدهم، انفعال والد هذا الولد كان بأعلى درجة، والثاني ابن أخيه والثالث لا يعرفه غريب، لعله يؤدب ابنه أشد التأديب ويتألم أشد الألم ويصب عليه جام غضبه، ابن أخيه يعنفه، أما الثالث فيقول له اذهب.
والانفعال الكبير أشد اتجاه الابن، وأقل منه اتجاه ابن الأخ، والثالث لا يتكلم معه ولا كلمة، فالمربي يمد الجسم ويربي النفس، وينقلها من حال إلى حال كي تكون مهيأة لجنة الله عز وجل.
كل ما يسوقه الله لعباده مما يكرهونه هو من باب التربية، أشرك الإنسان يربيه، اعتد بنفسه يربيه، اتجه لغير الله يربيه، أكل مال حرام يربيه، نظر إلى من لا تحل له يربيه، الله عز وجل مربي.
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
( سورة الأنعام )
مثل: ابن مريض مرض عضال، الأب عرف المرض ولكن خاف على أمه أن تنهار أعصابها، لم يبلغها المرض ولكن قال لها: إياك أن تطعميه هذا الطعام، ففي غيبة الأب رجاها ابنها أن يأكل هذا الطعام فسمحت له، الذي سمح جاهل والذي منع عالم، لو أن الأب أطلعها على مرض ابنها لمنعت عنه هذا الطعام ولو فعل ما فعل.
عندما تعلم حكمة المنع تقف موقفاً شديداً، أما حينما لا تعلم تتساهل، ربنا عز وجل رحيم وعليم، الرحيم أحياناً يعطيك شيء يضرك، رحمة مع جهل، هناك والدة جاهلة طلب منها ابنها وهو يعاني من التهاب في الأمعاء حاد والطبيب أمره أن يبقى على الحليب والنشويات، وهناك طعام مغلظ جداً اشتهاه الابن فأطعمته، هذه الأم تمثل الرحمة مع الجهل أما لو فرضنا أن والده طبيب، الأب يمثل الرحمة مع العلم، فربنا رحيم ولله المثل الأعلى رحيم وعليم، لذلك يسوق من الشدائد لكل إنسان أشرك، أو انحرف، أو زلت قدمه، أو ارتكب منهي، أو اعتد بنفسه أو تكبر يسوق له علاجاً يحجمه ويعيده إلى حجمه الصحيح إلى عبوديته هذا معنى قل أعوذ برب الناس، ولكن المربي لا يملك، أما ربنا عز وجل رب ومالك كل شيء قال تعالى:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)﴾
( سورة الناس )
إله الناس المسير، أنت تربي هذا الابن وتملك ناصيته، أما الشمس ليست بيدك، القمر ليس بيدك، صار فيضان في الصين يمكن ثلث مساحة الصين مغمورة بالمياه الآن، كل شيء فسد، لو فرضنا أن في الصين مربين لكن أمر الإمطار ليس بيدهم، أما ربنا عز وجل هو المسير وكل ما في الكون يسيره هو، كل ما في الكون يملكه، أنت تملك بيت صدر قرار استملاك فقدت البيت، أنت مالك ولكن لا تملك مصير البيت، إنسان استأجر بيت يملك المنفعة ولا يملك الرقبة، يصدر قرار استئجار جديد فيخرجونك من البيت، إنسان مالك الرقبة ولا يملك المنفعة، بيت أجاره في الشهر مائة ليرة وثمنه عشرون مليون
إنسان يملك الرقبة ولا يملك المنفعة، وإنسان مالك المنفعة ولا يملك الرقبة، إنسان يملك المنفعة والرقبة لكن لا يملك المصير، أما ملكية الله عز وجل يملك خلقاً وتصرفاً ومصيراً، أعلى أنواع الملكية.
معمل طائرات حربية صنع ألف طائرة وباعهم، هو صنع ولكن هذه الطائرات بيد دولة أخرى تحارب بها تفعل سلم، تعتدي على دولة أخرى يقول المعمل أنا صنعتها وبعتها ولكن لا أملكها، الله عز وجل مالك خلقاً، ومالك تصرفاً، ومالك مصيراً.
﴿ إِلَهِ النَّاسِ (3)﴾
( سورة الناس )
حركة المجرات بيد الله عز وجل، هذا الرب وهذا المالك وهذا الإله استعذ به من أخطر مرض، من شر الوسواس، كل إنسان مفروز له ملك وشيطان، الملك يلهمه الصواب والشيطان يلهمه الفساد، والإنسان مخير قال تعالى:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾
( سورة الحجر )
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾
( سورة ابراهيم )
لكن أنت أيها الإنسان يوجد معك سلاح فعال، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾
( سورة الناس )
لمجرد أن تستعيذ بالله يخنس، أيام يكون هناك اثنين يسبون بعضهم قل الله يهرب الشيطان، لا تملك إلا أن تستعيذ بالله الشيطان يخنس، لأن الشر أساسه فكرة، أساسه وسوسة، الذين ارتكبوا الجرائم، أخذ زوجته على بستان منذ شهرين، يظهر أنها ضربها ضرب مبرح فابتسمت امرأة أخيه فذبحها من رأسها، وبكي ابنها فذبحه، هل من المعقول إنسان يذبح إنسانين لأنها ابتسمت هذه هي الجريمة ما تفسيرها؟
يوجد وسواس جعل في رأسه الحمية تبتسم اذبحها.
أكثر الجرائم والحماقات، حلف طلاق وعنده خمس أولاد لسبب تافه، وسواس خناس، خلاف بين شريكين بسيط قال له افسخ الشركة هذا هو الوسواس، يفسد العلاقات التجارية والعلاقات الأسرية، الأقارب ثلاثون سنة يحاربون بعضهم البعض، وسواس خناس، والأولاد يحملون عداوات الآباء، أسر مفككة، الجرائم، الحماقات، الآثام، عندما تزل قدم فتاة تنتقل من امرأة إلى عاهرة، من شر الوسواس الخناس، كل شيء من الشر يرتكب بسبب هذا الخناس، الشيطان جاهز.
﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾
( سورة الناس )
إذا قال لك صديق لا تصلي الآن، ماذا فيها الصلاة، هذا شيطان ولكن إنسي، يوجد شيطان إنسي وشيطان جني، انتهى مفعول الدواء فيقول له غير التاريخ فيغير الصيدلي التاريخ ويبيعها وأنا كنت أظن أنه لا يفيد فكان هذا الدواء يؤذي، لما المواد تتفكك تصبح مواد سامة.
يوجد مليون مشكلة بسبب الوسواس الخناس، أحياناً تزوير، أحياناً غش فلذلك الإنسان إذا شخص قال لك كلمة غلط قل له أنت شيطان، أما إذا جاءك خاطر غلط هذا شيطان الجن، الخواطر جن أما الحديث الشفوي إنس قال تعالى:
﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾
( سورة الناس )
أنت عندما تحضر ونش ارتفاعه ثلاثون متر يحمل ستين طن، هل من المعقول أن تحضر هذا الونش من أجل أن يرفع علبة فارغة هل هذا معقول ؟ عندما تحضر ونش ستين طن معنى هذا أنه يوجد عندك بضاعة وزنها ستين طن.
من أي شي أعوذ بالله ؟ من وسوسة، لا، الوسوسة وراءها جريمة، وراءها البعد عن الله، وراءها الزنا، وراءها أكل المال الحرام، وراءها الانحراف، وراءها استخدام أجهزة مفسدة في البيت، وراءها التفرقة بين الأسر، وراءها الغش في التجارة.
ممكن أن تضع مادة مسرطنة، مادة غذائية انتهى مفعولها ليس لها قيمة يشترونها معامل غذائية ويقولون انفرمت في هذا المعمل ويشعر نفسه أنه شاطر استطاع أن يأخذ بضاعة نصف قيمتها ويصنعها وباعها، صار إشكال كلفوه بخمس مائة ألف أو إغلاق المعمل، من الذي خسرك الشيطان، وسوس لك أن تضع مادة منتهي مفعولها، وهيأ لك أناس يكشفون الحقيقة.
هذا الوسواس شيء خطير جداً، حتى يتناسب مع الاستعاذة، أنت تستعيذ برب الناس وملك الناس وإله الناس هل هو شيء بسيط ؟ لا ليس بسيط، كل شر في الأرض أساسه وسوسة، أساسه فكرة، فعل الشر أساسه فكرة والفكرة تأتي من الشيطان، فالإنسان إما مع الشيطان وإما مع الرحمن، إما أن يكون رباني، وإما شيطاني، إما رحماني وإما شيطاني، فالمؤمن يستعيذ بالله ويستعيذ برب الناس وبإله الناس وملك الناس من شر الوسواس الخناس.
يوجد مليون معصية ترتكبها ولا أحد يستطيع أن يضبطك، يقول طبيب أنت تحتاج إلى اثني عشر تحليل، هل يستطيع أذكى مريض أن يكتشف هذا الاحتيال ؟ أبداً أنت تحتاج إلى اثنين والعشرة بينك وبين المحلل، ممكن مهندس أن يسحب قضبان الحديد بعد أن كشف، سحب قضبان الحديد، ممكن محامي أن يقول لموكله دعواك رابحة مائة بالمائة وهي خاسرة مائة بالمائة، لا يعرف، الوسواس خطير جداً، الوسواس أطعمك مال حرام، دفعك إلى معصية كبيرة، دفعك إلى فراق زوجي، إلى فك شراكة، كل حماقات الناس أساسها الوسواس إلا أن هذا الوسواس خناس، إذا قلت أعوذ بالله خنس.
والحمد لله رب العالمين
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, النسخة الماسية
diamond