المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيل مدرار القطار رقم 832


سيد يوسف مرسي
09-17-2017, 07:17 PM
http://www.riyadelounss.com/vb/uploaded/1_nnnn.gif





@@@@@@

القطار رقم 832

تمهيد :
يتساوى الليل والنهار في غمار قفر الصحراء ،على تلك الأريكة الشمطاء ، الليل يشدد قبضته . قسوة ...! ، والأجفان لا تركع أو تطاوعها السجود ،، تسبلهما عنوة ، فاطمة فوق جسر ملتهب وجمر ، تفتش كل حقائبها ، تنظر في المدى البعيد تراقب السحب وتأمل الغيث ، لا تزاور الشمس كهفها ولا تدركه ،،، مغمورة تحت جبل الظلام والحاجة الملحة تقبع في ظلام بهيم ، الكلب لا يبسط ذراعيه بالوصيد ، وأصحاب الكهف في رفاء النوم قابعون ، تود لو ضرب الله على أذنيها،، كما ضرب على أذان أهل الكهف فعاشوا قرونا هانئون ، أو فتصم ،فلا تسمع من الدنيا همساً ولا ركزا ولا يؤرقها ضجيج الصخب وطبول الحاجة والعوز ... الوجدان في حانة من قرع الضجيج وحقول دوائرها مزروعة بأشجار الأمل والتي لم تثمر بعد ،،، . قد يفقد اللب اتزانه حين تدق أجراس الخطر المحدق بها ، كأنها في حالة حرب ، تخشى حوا مات القذائف المترصدة ، فتهرب إلى مخبئها التي تظنه آمن ، لكن الصدى يأتي ويخترق جدرانها المشقوقة ، من بعيد تراقب وتجري بلا حيلة ، فاطمة تقدح جدران الخواء في معمعة الغرق والموج لا يرحم ولا يعترف بمن هو فاقد للغوص والسباحة ،مآسيها قد لا تنته وما من شعاع أو بريق .! ، كل النوافذ موصدة ، أين السكينة التي كانت تأملها وتترجاها ؟ ، يطوف الأمل بأحداقها طواف السراب ...! ، ويمد الأرق جسوره للعبور ويستوطنها ، فيذوب طيف الأمل في الفضاء الغائم ويبعث من الباطن الأنين وينهضها ، فتستغيث أنينا ، تمتطي زورقها في يم غاضب ، ويدها ترتعش وهي تقبض على دفة زورقها ، وما هي بقبطان . فاطمة ...!
******
بقلمي :سيد يوسف مرسي

سيد يوسف مرسي
09-17-2017, 07:27 PM
********
كيف ل فاطمة أن تخرج من قمقمها ؟ ، أن تبعث من رقاد الموت ، أن تمد خطاها عسى أن تجد مأوى ، متسعاً ، براحا بعيدا عن ً سطوة الكهف وفقر الحاجة والعوز ،
الحاجة تلح عليها وقد تراكمت الديون عليها وأهل الصدقات في هذا المكان لا يصلون إليها ، يجهلونها .... والطفل يعوزه الحليب وضرع الشاه ضامرة ، قيد شديد كبل قدميها ، شاء القدر أن لا يرى الطفل أبيه ولا يناديه مات أبوه بعد ولادته بعام واحد حينما خرج ولم يعد . ساعياً للرزق ، لكنه لم يعود ولن يعود ، هو كل ما عرفت من الناس والدنيا ، ولا سبيل إلا للسعي .! تعودت أن تتركه عند جارة لها عرفت فيها الود ووجدت في قلبها الشفقة ،
فهي تطمئن عليه مادام معها وفي رعايتها يلعب مع أطفالها وتجلسه معهم حين يأكلون . واليوم قررت فاطمة أن تخرج وأن تبعد أكثر مما كانت تبعد وإن كانت ستلقى من المشقة والتعب ما لا تتوقعه ، لقد تعودت على التعب والدح والكد ومن أجل سالم طفلها ستفعل المستحيل .
كان القرار أخذ مكانه وقلبت أمرها جيداً لا بد من عمل شيء ، فكل ما لديها قروش قليلة ستستعين بهم في مشوارها ،عقدت عزمها،،،،، . أمسكت سالم وأطالت النظر إليه ، حضنته بين ذراعيها ، ضمته ضمة بعد ضمة بين جناحيها ، كأنها تخشى ألا تعود إليه ، أو خشية أن يصيبه مكروه في غيابها عنه ، نزلت دمعتين حارتين من مقلتيها وخشيت أن يراهما سالم فيفزع فوضعت رأسه في صدرها ومسحت ما سال من دموع وهي تكظم نهمة البكاء ، رفعته بين يديها وهي تضمه إليها وكأنها تفرغ من الحنين إليه ما يحتاجه في غيابها . وخرجت تقصد جارتها أم محمد لتودعه معها حتى تعود ،
وتكتظ في حشاها وتتنفس أنيناً وهي تنظر طفلها ، وتمضي
************

آفراح
09-18-2017, 12:09 PM
قصة رائعة جدا ومؤثرة للغاية
هل مازالت الاحداث لأني بشوق لقراءة ما تبقى منها
تقديري ايها الشاعر الرائع لهذه القصة الممتعة
تحية

عاشقة الأنس
09-18-2017, 01:57 PM
في انتظار البقية أستاذ سيد يوسف مرسي
تعايشت مع القصة وأحداثها
ودي لك

سيد يوسف مرسي
09-18-2017, 08:22 PM
بداية الرحلة


كان على فاطمة أن تمضي أن تقاوم لقد قررت وما من سبيل .! ، بالرغم أنها تسعى للمجهول ، غير عابئة بما يدور حولها ،الطريق الذي سوف تقطعه عدة كيلو مترات كي تصل إلى محطة القطار الذي سوف ينقلها ، لا بأس سوف تقطعها مشيا على الأقدام ولن تتسول أجرة المركبة التي سوف تلحقها بالقطار قبل وصوله ، تعودت فاطمة على السير أكثر من ذلك ، مضت وهي في تيه الخيال والتصور ، حتى إنذارات أصحاب المركبات القادمة من الخلف لم تؤثر فيها كأنها لا تسمع ولا ولا ترى ، ماضية مأخوذة في طوفان بحرها ، الأمواج تشتد ضراوة كلما اقتربت من رصيف الوصول للقطار القادم . يبدو أنها وصلت على حافة الوقت المقرر لوصول القطار ، فما أن وطئت قدماها واستهلت أرض الرصيف حتى بادرها مكبر الصوت بالمحطة ، على السادة الركاب المتجهون إلي الصعيد ( القطار رقم 832إلى الرصيف رقم 1 سيصل الرصيف حالاً ) . انقبض قلب فاطمة وكاد يغشى عليها وهي تتمالك وتخشى أن تخر قواها فتسقط تحت عجلات القطار ، فوجئت بجيوش الركاب من المسافرين تدفعها ، وسقطت على رأسها حقائب المسافرين من الركاب من الخلف فالكل يود الحصول على مقعد نظراً للزحام الشديد من الركاب وكثرة المسافرين إلى بلادهم القاصية عن عاصمة أم الدنيا ، ظلت مدفوعة بكتل الركاب والحقائب من الخلف وعن اليمين وعن الشمال وما من موضع لقدم تمر في تلك اللحظة ، وحتى يتحرك القطار قد يستمر هذا الوضع على هذا الحال كما هي العادة في القطارات المتجهة ناحية الصعيد ، وقد تمر عدة محطات حتى يفرغ القطار بعضاً من ركابه و شحنته البشرية ،
تسمرت بجانب كرسي تجلس عليه السيدات وبنتان ومكان به ما زال خالياً يوحي للناظرين بأنه غير شاغر وخاليا أو أنه محجوز لأحد الركاب والذي لم يأت بعد ،
نظرت فاطمة إلى المقعد الفارغ وكأنها توحي بحاجتها بالطلب للجلوس وهي تهمس وتشير للمرأة ، استجابة السيدة وبنتيها وسمحا لها بالجلوس بعد أن تبادلا الإشارة بالنظرات ، فتلقت فاطمة أشارة استجابة وبشاشة من المرأة وبنتيها لها وأفسحن لها لتجلس وكأنهن رأونا فيها حسن المجاورة والجلوس معهم ووضعت مخرتها في المقعد وظهرها وتنهدت تنهيدة البركان الذي ينفس عن مخزونه الملتهب في الفضاء ليقذف حممه ودخانه الأسود حتى تكسف الشمس فلا ترى للعين ،،،! ويتحرك القطار معلنا الرحيل وهو يطلق نفيره معلناً مغادرته الرصيف ، وفاطمة تظل على موعد مع القدر ،،

سيد يوسف مرسي
09-18-2017, 08:24 PM
حلم الطريق


أِخِذ فاطمة النطاق الخارجي خارج القطار حين راحت تجري بأحداقها كما يجري القطار ويلفحها الهواء البارد الرطب في وجهها من النافذة المفتوحة بجانبها في القطار وهي ترقب المباني التي تجري للخلف والزراعات فأخذت بعيداً فلثمها لاثم وأسبل أجفانها وغاصت ولم تدري أين هي . ..!
داهمها النوم ولم تتركها الكوابيس والأحلام ، رأت : فيما يرى النائم أنها تمشي في صحراء مقفرة والشمس تميل للغروب في كبد السماء وكلب عقور يمشي خلفها وهي تمسك بيد طفلها سالم ثم يتجه الكلب لعقرها من الخلف فتهم للإفلات منه وهي تقول : بيني وبينك ربنا لا تعضني وترفع طفلها وهي تحضنه مخافة أن يصيبه أذى ويعضه الكلب ، فإذا بالكلب يختفي وترى الشمس كأنها أشرقت من جديد ورجل بثياب بيض ولحية مدلاة يقف على قارعة الطريق ويقول مري ولا تخافي سأكون معك حتى نهاية الطريق ، فإذا بفاطمة تنتفض لتري يد السيدة التي بجوارها تمسك يدها لتوقظها من نومها وقد ألقت بذراعها ورأسها عليها . وأفاقت فاطمة وكأن ما رأته كان حقيقة ، تلفتت حولها لترى وتتأكد وتخرج بقايا شهقة كانت بداخلها كأنها تسترد روحها من جديد وهي تقول ( اللهم اجعله خيرا ) ،سترك يا رب أنت مع الغلبان مع المسكين وتخرج شهقتها المحمومة وتذهب عبر النافذة المكسورة لتجري مرة أخرى مع القطار على الأرض كما تجري الثوابت وترتد ..!

سيد يوسف مرسي
09-18-2017, 08:27 PM
حلم في الطريق


أِخِذ فاطمة النطاق الخارجي خارج القطار حين راحت تجري بأحداقها كما يجري القطار ويلفحها الهواء البارد الرطب في وجهها من النافذة المفتوحة بجانبها في القطار وهي ترقب المباني التي تجري للخلف والزراعات فأخذت بعيداً فلثمها لاثم وأسبل أجفانها وغاصت ولم تدري أين هي . ..!
داهمها النوم ولم تتركها الكوابيس والأحلام ، رأت : فيما يرى النائم أنها تمشي في صحراء مقفرة والشمس تميل للغروب في كبد السماء وكلب عقور يمشي خلفها وهي تمسك بيد طفلها سالم ثم يتجه الكلب لعقرها من الخلف فتهم للإفلات منه وهي تقول : بيني وبينك ربنا لا تعضني وترفع طفلها وهي تحضنه مخافة أن يصيبه أذى ويعضه الكلب ، فإذا بالكلب يختفي وترى الشمس كأنها أشرقت من جديد ورجل بثياب بيض ولحية مدلاة يقف على قارعة الطريق ويقول مري ولا تخافي سأكون معك حتى نهاية الطريق ، فإذا بفاطمة تنتفض لتري يد السيدة التي بجوارها تمسك يدها لتوقظها من نومها وقد ألقت بذراعها ورأسها عليها . وأفاقت فاطمة وكأن ما رأته كان حقيقة ، تلفتت حولها لترى وتتأكد وتخرج بقايا شهقة كانت بداخلها كأنها تسترد روحها من جديد وهي تقول ( اللهم اجعله خيرا ) ،سترك يا رب أنت مع الغلبان مع المسكين وتخرج شهقتها المحمومة وتذهب عبر النافذة المكسورة لتجري مرة أخرى مع القطار على الأرض كما تجري الثوابت وترتد ..!

محمد العتابي
09-19-2017, 07:43 PM
قصة جميلة استمتعت بقرائتها
يسلمو سيد يوسف على الطرح الراقي
تحياتي

منال نور الهدى
09-23-2017, 10:17 PM
قصة جميلة ومعبرة ومؤثرة و مشوقة
في انتظار الأجزاء الأخرى شاعرنا سيد يوسف مرسي
لروحك السعادة

سيد يوسف مرسي
10-06-2017, 09:56 PM
التذكرة


دنا محصل التذاكر ودخل العربة التي تجلس بها وبدأ يقترب أكثر فأكثر من مقعدها ، قلمه لا يفارق يده وطرقاته التي لا تتوقف بمؤخرة القلم على أطراف المقاعد للتنبيه على الركاب والمسافرين لإبراز تذاكرهم والتحقق منها ، مقلتيه في عينيه تدوران كأنه يستكشف ويقرأ الوجوه في حلقة المقاعد التي يتوسطها ، لسانه لا يكف أبداً وهو ينادي (تذكرتك يا أستاذ ) ، (تذكرتك يا هانم ) صندوق التذاكر بين يديه وكأنه يعضض عليه بأسنانه ويخشى عليه من السقوط وقد علق في رقبته صفارة تتدلى بسلسلة حديده على صدره يستعملها عند اللزوم ، إما لطلب النجدة أو للتنبيه عن شيء سيؤثر على سير القطار . ها وقد حان دورها وأقترب المحصل أكثر ووقف فوق رأسها ، مالت برأسها إلى أسفل لتخفي وجهها وكأنها تسند رأسها على صدرها تتصنع النوم أو تصنعه ، عسى أن يتركها وتتمنى أن ينساها فهي لا تملك التذكرة ولا ثمنها .! وحينما خرجت وأودعت طفلها عند جارتها لم تفش سر خروجها أو تغيبها لها ، قد جعلت كل شيء في مكنون وجدانها يحترق به قلبها ، أفضل من تسأل الناس إلحافا على صدقة أو معونة ، فالحياء يملكها وإن كانت فاطمة لا تملك حتى قوتها ، في عوزه واحتياج شديدان ، لم يدخل الفتات معدتها وأحشاؤها تكاد تتقطع من قلة الطعام ، فمنذ يومين وهى تعيش على الماء القارح فمن أين يأتيها أو يعطيها ثمن التذكرة أو أجرة القطار ؟ إنما خرجت فاطمة وهي تسلم أمرها لله وتلقي حملها عليه فهو القادر على كفايتها ، الله وحده وهي تؤمن أن الله لن يتركها أبدا لتضيع ،
غمزها المحصل في كتفها وكأنه يوقظها فتظاهرت بالإفاقة على وخز القلم ورفعت عينيها إليه وصمتت لا تعرف بماذا تجيب ؟ وبماذا ترد..؟ ،رفع المحصل صوته وهو يحدق فيها ويقول تذكرة يا ست ، تذكرة يا هانم من فضلك ، التفتت فاطمة حولها على الجالسين كأنها تستجير وتطلب النجدة ، فما وجدت منهم غير النظر بالعيون والا مبالاة ، لقد حوصرت فاطمة و ليس هناك رد منها ولا استجابة .! وفتح المحصل قاموسه وراح يمطرها بوابل من الزجر خلصينا يا هانم ألم تسمعي ، ورآنا شغل تغرغرت عيناها وطأطأت رأسها والمحصل يستعجلها بالدفع أو التذكرة ، ويشتد المحصل غضباً ويمسك بكتفها ويخرجها من المقعد ويقول سأسلمك لنقطة الشرطة أو المحطة القادمة وهو يدفع بها أمامه والناس تنظر إليها في استغراب ولا تعرف سبب ذلك فقد ظن البعض أنها من المتسولات اللاتي يجيبون في القطارات أو من بائعات الهوى الذين يصطادون زبائنهم من القطارات أو محطات الوصول أو من النساء اللاتي لديهن خفة في اليد وسرقة الركاب هكذا الناس في ظنونهم لا يعرفون الدافع الذي جعل المحصل يأخذها ليسلمها للشرطة ،
مدفوعة أمامه كالمجرمة التي أمسك بها . تنكب فاطمة وتسقط على مقاعد الركاب وتنقلب على الأرض لا تدري ما يفعل بها ..!
وما الذي سيحدث لها ........

سيد يوسف مرسي
10-06-2017, 10:06 PM
سقطت فاطمة كما تسقط الأمتعة من فوق الرفوف ،
أدى سقوط فاطمة على الركاب الجالسين في مقاعدهم وتمددها جثة هامدة في طرقة القطار إلى استياء الركاب والنفور فزجروا المحصل وانهال عليه البعض بالتوبيخ والسب وهمَّ البعض أن يفتك به أو يضربه لولا أن نجا بجسده بأعجوبة من تحت هدير غضب الركاب ووقوعه بين أيدي أفراد نقطة شرطة القطار ليحتمي بهم وليجد ملاذاً بعيداً عن بطش الركاب به .وامتدت الأيادي ترفع فاطمة من بين المقاعد وتقدم لها الإسعافات الأولية وعلت الأصوات كلٌ يلقي بدلوه ،وتهب سيدة تمسك بيدها زجاجة ماء لتنثرها على وجهها وهي مترنحة بين الأيادي لتتحرك وترفع إسبال عينيها من غماء ويتوقف القطار على محطة بني سويف وتنزل فاطمة محمولة لتوضع في عربة الإسعاف وتنقل إلي المستشفى غير عالمة بالذي حدث ، ولم تكف لسانها كلمة تعلقت على شفتيها ولسانها ، ولدي ...! ، ولدي...! سالم ...!

سيد يوسف مرسي
11-02-2017, 06:14 PM
انتهى جمال من نوبته في القطار 832ودخل مكتب التسليم والتحصيل بالمحطة ليسلم دفتر التذاكر وحصيلة المخالفات التي حررها في نوبته التي كانت مقررة ، عرج بقدميه خارج المحطة كعادته وهو في اشيتاق للجلوس على مقهاه المعتاد وكرسيه المعتاد وعلى قدح من الشاي وشوقه أشد على حجرين من دخان (المعسل) التوباك يشدهما ،فرأسه أصبحت ثقيلة والصداع تملكها وعبأها . يزدحم المقهى في تلك اللحظة برواده ومرتاديه ،لقد شغر مكانه بزبون أخر ، بحث جمال على مكان يجلس فيه بعيداً عن ضوضاء الشارع فلم يجد لكنه وجد مقعداً في زاوية للمقهى هو أقرب في الجلوس لصاحبها المعلم حنفي ،أوى إليه كما يأوي الطفل إلى صدر أمه وكأنه أراد أن يلقي حمولته من على كتفه ، ألقى جمال بجسده على المقعد ومدد رجليه واتكأ بظهره للخلف وهو يرفع رأسه في السماء كأنه يستدعي أمراً في ذاته ، لكن قاطعة صبي المعلم ( حبظلم ) وكأنه أراد أن يرجعه إلى وعيه لم يعطه الفرصة لقد جاءه مسرعاً يرفع صوته يعبأ به المقهى ويسمعه المعلم الكبير ، مرحباً به كالعادة حمداً على السلامة يا ريس جمال القهوة نورت ، شاي ،قهوة سادة، شيشة ، مشروب( ساقع) بارد أو مثلج أنت تأمر يا عمنا وكأنه يستعجله الطلب ، أشار جمال (لحبظلم )بصفته النادل أو الجرسون في المقهى وكأنه يهامسه شاي (مظبوط ) مضبوط القيمة في السكر والشاي وشيشة تكون متغيرة ونظيفة ، تلقف (حبظلم )الطلب من الريس جمال وهو يصرخ بأعلى صوته شاي مظبوط وشيشة للريس جمال ،سرعان ما عاد صبي المعلم بالطلب يحمل الشاي بيد ويحمل الشيشة باليد الأخرى ، تلقف جمال مبسم الشيشة وكأنه يعض عليها من شدة الشوق لها وهو يشد عليها ليخرج دخان التوباك من جوفها الذي سار يتغلغل في رئتيه ويخرج الفائض من( شكمانيه ) أي منخاريه أو فتحيي أنفه كالمركبة التي خف محركها وتحتاج إلى عمرة وأصبح يتلذذ وهو يسمع كركرت الماء بداخل زجاجة الشيشة البيضاء كأنها تشاطره الضحك والدخان يتصاعد في جوفها كالسحب ويتكور وهو يدور ليجد متنفساً للانطلاق من محبسه لينطلق في إلى رئتيه ثم إلى الفضاء ،

سيد يوسف مرسي
11-02-2017, 06:15 PM
لم يكن ما حدث مع فاطمة موضع ترحاب في صدر جمال ولا كان يود ذلك .!
ففي داخل قفصه معركة يدور رحاها ولا يعرف كيف يخرج من تلك المعركة التي فرضت عليه ..... في صدره وفي وجدانه ، كثرت الأسئلة المطروحة وتجمعت بأم رأسه وهو يقلبها ويدور معها كما تدور الناعورة . عله يجد مناصاً يلجأ إليه أو رؤية تبصره بما حدث بحيث لا يكن مخطئاً ، أن ما حدث كان بمحض الصدفة معك يا جمال... ؟ قد تكون تلك المرأة بريئة مما ظننت فيها .! أم أن خوفك من المفتش الذي كان يسعى خلفك جعلك تغلظ عليها ويموت قلبك ؟ ، فتسقط المرأة المسكينة بفعلك على الركاب والأرض جثة هامدة ، ما أغلظ قلبك يا قاسي ...! قد تكون في حاجة للتذكرة وليس بها مقدرة لدفعا ، لا.! كيف ؟ إنها قروش قليلة .... ، هناك من لا يستطيع دفع ثمن التذكرة .! أهي منهم ؟ تبدو عليها علامات الفقر ، يا لك من جاحد غليظ القلب .! ،أسئلة كثيرة وحوار لم ينقطع وماذا ستفعل معها ، أليس من الواجب عليك أن تعرف ما آل من أمرها ، ماذا لو ماتت ؟ ستكون أنت القاتل ، وماذا لو ظلت على قيد الحياة وسئلت عن سبب سقوطها . وهنا انتابه الخوف وكأنه سرق اختطف من مقعده وغاب بعينيه في السماء ، وخرجت آه من جوفه بزفير يكاد يحرق المقهى برواده وعلا صوته بالآهة وتغيرت ملامح وجهه وهو يقول : معلون أبو الشغل ، معلون أبو التذاكر والقطارات معلون أبو الفقر وأبو الفلوس ، ملعون أبوك يا دنيا ..!

سيد يوسف مرسي
11-02-2017, 06:20 PM
كان المعلم حنفي كعادته يراقب رواد قهوته وزبائنه ، وجمال ما هو ببعيد عنه وليس من زبائن القهوة الجدد ، بل زبون دائم كثيراً ما يحادثه ويوده والحديث بينهما سجال لتجاذب الطرف والنكات ، والحج حنفي رجل أكلته الدنيا وعصرته عصراً فيستطيع أن يقرأ وجوه أصحابه وزبائنه بفراسته المعهودة وحنكته وخبرته في الحياة ، فيتدخل في حل بعض المشكلات التي تعرض عليه من بعض زبائن القهوة وروادها لما اتسم به من شهامة ابن البلد وصدق النية فيما يفعل فاشتهر بين أهل الحي وذاع صيته وصار محل تقدير واحترام للجميع يشار عند الضرورة ولا يفتر عنك إن طلبته هكذا كان المعلم حنفي أو الحاج حنفي .
التقط الحاج حنفي من ملامح جمال شيئاً أرقه في مجلسه فقد رأى ملامح جمال تنقبض وتنبسط وهمهمات وشرود لم يعتاده على جمال من قبل ، لذلك وضعه تحت عين المراقبة وهو ينظره بخفية لا يثير انتباهه وينتظر أن يقدم جمال بما عنده ليفك رموز الحيرة له ،كان لشرود جمال الزائد ليوحي بأمر فوق تصور الحاج حنفي فاستل كرسيه وانتصب من مقامه ووضع الكرسي أمام جمال وهو يبتسم ويقول : مالك يا بني ؟ لست كعادتك هَمُك يبدو ثقيلاً وها أنا أسمعك .!

سيد يوسف مرسي
11-02-2017, 06:24 PM
استطاع المعلم حنفي أن يخرج المكبوت من جوف جمال بطريقة المعلم والأب اللبيب فهو صاحب الفراسة والحنكة ..... تنهد المعلم حنفي تنهيدة طويلة ملتهبة وهو يدور برأسه ناحية الشارع ونادي الجرسون وهو يشير إليه أن يأتي بشيشة وفنجان قهوة للريس جمال ، يعترض جمال : لا يا معلم كفاية .! اشرب يا جمال فلدينا ما نقوله ...! جاء (حبظلم ) بالعجلة تلبية لأمر الحاج حنفي وهو يضع الشيشة أمام جمال ويعبث في جمرها وينفخ فيه لتعطي دخانها بغزارة لرئتي جمال وهو يقول طلب المعلم حنفي يا ريس . صدح الآذان من فوق مآذنه المسجد المجاور لصلاة العصر . وكان على الحاج حنفي أن يمضي للصلاة ثم يعود فلا يستطيع تأخير صلاته كما تعود ، وقف المعلم حنفي وتأهب للذهاب للصلاة لكن يده تمتد فيمسك يد جمال ليخرج به من المقهى وظن جمال أن المعلم سيذهب به إلى مكان ما ..! لكن المعلم قصد الترغيب في جمال قبل أن يقبل على حل ، مشى جمال بجانب المعلم حنفي دون أن ينبس بكلمة واحدة ولم يقل ولم يسأل وكأنه مسخر أو مأسور قابل للتشكيل في تلك اللحظة فلم يبدي نفورا أو امتعاضاً ، بل هو راغب فيما يقوله ويمليه عليه الحاج حنفي ، ولم يدري جمال إلا وهو على أعتاب المسجد يمد يده لينزع نعليه من قدميه ، أدرك جمال الصلاة التي كان منقطعاً عنها منذ فترة ووقف في الصف يرفع يديه إلى السماء يبتغي الفرج والخروج من هذا الضيق ويطلب من الله الستر وتخر عيناه كأنه عاد من المعصية إلى التوبة ،

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:28 AM
***********
[10 الحلقة العاشرة ]
خرج (ج) من المسجد وقد أدى أول صلاة له بعد انقطاع ، وقد ضحك على شيطانه وأحس بطمأنينة تسري في وجدانه وجوارحه وأحس بالسكينة في داخله التي كثيراً ما اشتاق لها ، وقبل أن يلتفت كان الحاج حنفي يجلس بجواره يهنئنه على الصلاة ويبارك له سعيه إلى المسجد ورجوعه إلى ربه وهو يبتسم له مسروراً .
قال الحاج حنفي وهو ينظر إليه : كان عليك أن تذهب خلفها وتسلمها أنت إلى المستشفى حتى لا تقع في هذه الحيرة ، (ج) : لا أستطيع يا معلم أن أترك نوبتي
كنت سأجازى وأعاقب ، لا يا (ج) .. أنت خشيت المسائلة من البشر ...؟ ،(ج) : يا حج : الأمر ليس بهذه السهولة واليسر كما تتوقع ، فهذه مسؤولية ، كيف أترك نوبتي والقطار بدون محصل ؟الحاج حنفي : معك زميل وتستطيع أن تستأذن ... (ج) : دون توفير لبديل عني أو بإعلام رئيس الحركة قبل مغادرتي القطار ، كان الأمر بالنسبة لي صعب ولا أخفي عليك يا حاج خفت أن تكون قد ماتت وما زلت أخشى .....! فأنا الذي دفعتها ، لكن أقسم بالله لم أقصد إيذائها بمكروه ، إنما هذا المفتش اللعين الذي لا يود تركي كان معي في نفس القطار بل نفس العربة واقترب منها فأردت أن اثبت له أنني غير مهمل كما يدعي ، ولا تنسى يا حاج فقد تسبب لي هذا المفتش في عقابي العام الماضي ودخلت في تحقيق ، فقد أوقع بي الجزاء
من قبل ، الحاج حنفي : لا عليك يا ( ج) ، سنبدأ سوياً ونسأل رجال الإسعاف بالمحطة التي نزلت بها ونعرف أخبارها ، ألا تعرف تتصل بزملائك أو رجال الإسعاف ؟ ، وما هي إلا بضع دقائق إلا وهما في مكتب الكمسارية والمحصلين بالمحطة ، ويقبض (ج) على سماعة التليفون ويده ترتعش ، ألو : ، من : (ج) ، مرحباً .....، من معي ؟ فهمي .! أهلاً فهمي وكيف حالك ؟ الحمد الله . وأنت تمام . فهمي ؟ ألا تعرف أخباراً عن الراكبة التي أخذتها عربة الإسعاف من المحطة الساعة الواحدة ظهرا، انتظر ....!
حديث يدور يقطف منه (ج) بعض أطرافة يغمر سماعة التليفون وهو على عجلة
وينتظر خبراً أو معلومة .....!

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:29 AM
[ الحلقة الحادية عشر ]
علت البشاشة والتبسم وجه (ج) وهو يتلقى أخبار منكوبته وضحيته وتهلل وجهه وأدار نفسه ناحية الحاج حنفي يزف إليه نبأه ال سار، مازالت على قيد الحياة يا حج تتلقى العلاج بقسم الرعاية المركزة بالمستشفى العام ببني سويف وهى تتماثل بالشفاء ، لحظة صمت وكأن الحاج حنفي يود المزيد . لم يتوانى الحاج حنفي ولم ينتظر ،جذبه نحوه واتجه ناحية موقف (الباصات ) سيارات الأجرة التي تسلك الطريق لبني سويف ، الطريق طويل والحاج في عجلة من أمره للوصول لباب المستشفى ، يلتفت (ج) على حين غرة ..... ناحية الحاج حنفي يا حاج : مهلاً ...والله لا أعرف اسمها ولا موطنها ...! فكيف بنا بالسؤال عنها يا حج ..؟ ، الحاج : سيدبرها المولى يا (ج) ما دمت تنوي وتقصد الخير فلا تخشى شيئاً من السوء وإن لاقيت شدة وعناء ... أمضي لمشوارك ولا تنظر خلفك دون تردد.. ،
هبطا ج والحاج حنفي من المركبة التي كانت تقلهما واتجها نحو باب المستشفي ودلفا من الباب نحو صالة وعنبر استقبال المرضي ... كانت صالة الاستقبال تعج بالرواد الذين يلتمسون الشفاء وهم في عجلة لإسعافهم والوقوف على حالتهم المرضية ، أما أصحاب الزى الأبيض فهم في حركة اسطوانية لا تتوقف ولا تهدأ
هناك في غرفة الاستقبال وقفت إحدى الممرضات بزيها الأبيض وفي يدها حقنة تعدها لإحدى المرضى لتدفع بها وتغرسها في مؤخرة إحدى المرضى وهو يئن ويتلوى وقد أمسك به شاب في مقتبل العمر ليثبته في أثناء دفع الإبرة وغرسها
في عضلة مؤخرته ، على الجانب الأخر جلس موظف شاب على منضدة بمقربة يقلب دفتراً (سجلاً ) وعدداً من الأوراق بين يديه ....!
الحاج حنفي : من فضلك يا أستاذ ...! لم يسمع الموظف صوت الحاج حنفي أو سمع ... عاجلته فتاه تلبس الزى الأبيض في نفس اللحظة ، نعم : سيدي ..أدار الحاج حنفي نفسه ناحيتها .. تكرر الفتاه السؤال برقة مرة ثانية نعم : يا حاج
الحاج حنفي : دخلت هنا امرأة بعد ظهر اليوم في عربة إسعاف جاءت من المحطة مغمى عليها الموظف : ما اسمها ..؟
سكت الحاج حنفي ونظر إلى (ج) وكأنه يتجاهل سؤال الموظف أو لم يسمعه
الموظف الجالس مردفاً : تقصد سكينة ....؟
الحاج حنفي : نعم ، المرأة التي أحضرتها عربة الإسعاف من محطة القطار ....
الموظف : الدور الثاني غرفة العناية المركزة
الحاج حنفي : شكراً جزيلاً
شد الحاج حنفي (ج) وعرج السلم إلى الدور الثاني باحثاً عن سكينة وكأنه في عجلة من أمرة وقد انتابته شعلة من الشباب ليصعد سلم المستشفى بحيوية وسرعة افتقدها من زمن ....

• * * * *

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:32 AM
[ الحلقة الثانية عشر ]

غرفة العناية المركزة مغلقة ... لا يسمح عادة للزوار بدخولها أو الدخول بأحذيتهم وهم ينتعلونها فكل شيء بالعناية معقم لتحاشي التلوث وسلامة المرضى فنادراً ما يدخل زائراً ويسمح له بالدخول ...وصل الحاج حنفي و(ج) باب الغرفة فكيف يتسنى لهما بالدخول ؟ ...لحظة انتظار معبأة بالأرق والحيرة أمام الباب الزجاجي المغلق .....هناك من خلف الزجاج ترقد امرأة فوق السرير وقد أسند ووقف حامل المحلول بجانب السرير يسقط محتواه قطرات منتظمة وامرأة من أهل الفن التمريضي تدور حولها ..ترفع المرأة عودها واتجهت بوجهها ناحية الباب الزجاجي المفصد لتخرج .. (ج) ...! يرى ملامح وجه المرأة القادمة المتجه إلى الباب تلك الملامح لا تتوه عنه ابدأ مهما تقادم الدهر لقد أخذ (ج) شطراً وفيراً وتقاسم مع تلك المرأة هذه الملامح فتركت أثرها به و حفرت في وجدانه والتي لا يستطيع أن ينساها أبدأً أو يتخلص منها ....يا ه ... يا ه ويا ه لهذا القدر أخيراً أعثر عليك .. وقف (ج) وقد تسمر في مكانه وثبت ... كأنه وثنا ً ثبت ورصد ليقف أمام الباب ،الحاج حنفي : ينادي على (ج) ويكلمه وهو غائب عن الوجود لقد نسى ما جاء إليه وبصدده تماماً فقد شغله أمراً غير الأمر الذي جاء من أجلهِ وأتى به إلى مستشفى بني سويف ....! ماذا تفعل أمي .. يبدو أنها تعمل هنا ، ليكون اللقاء على غير موعد مع القدر .....
الحاج حنفي : أمك ..أمك يا جمال ..!
نعم : أمي يا حج
أين كانت عنك ؟ . لا أعرف وسأعرف
أفاقت شادية على رجلين يقفان في الباب يسدان الطريق أمامها ، تحاول أن تمرق منهما لتمر إلى سبيلها ويد تمتد لتمنعها المرور ....إلى أين أنت ذاهبة ؟.
تفتح شادية عينيها لتتفحص المتكلم وتعترض لتمرق وتأخذها الملامح والبسمة المصنوعة لتقف مكانها دون حراك ....
ألا تريدي ورؤيتي ...؟ ، من ؟ ألم ترينني في وقت ما ...!
(ج) : ما زلت لك نكرة ..؟
لحظة سادت بينهما والعيون معلقة وصدى دقات قلب (ج) ترتفع رويداً رويدا وتتسارع وهو ينتظر كلمة تخرج من شفتيها لينعم بها ويسعد بعد هذا جفاء
وتنكر له من أم تركته وهو طفل صغير وراح تعدو خلف نزواتها ..إلا ...!

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:33 AM
[ الحلقة الثالثة عشر ]

ما هو إلا أن كومة القش التي كانت تخفي تحتها الإبرة قد انقشعت بفعل العوامل المناخية وتحرك الريح وهبوبها فقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فقد الريح كشفت عن الإبرة التي كانت تخفتي تحت أعواد كومة القش وقد وضحت للعين والرأي وبدون قصد وقد أعياه البحث وسلم أمره لربه فكانت عناية الله تحوطه وقد تسلطت عليه زوجة الأب فأغرت عليه أبيه حتى ُطرد من البيت فآخى العراء والأرصفة وتدثر بالجدران وعضه الجوع حتى كاد أن يُفتك به فأكل من صناديق الزبالة ( القمامة ) ليقيم عوده ، وهاهي الأيام تكشف المستور ويظهر المختفي
ويعود الغائب .....
جودة ...جودة : ولدي ولدي حبيبي وهي تفتح ذراعيها وتتقدم نحوه لتجعله بين ذراعيها وتضمه إلى صدرها ، والحاج حنفي يقف مشدوها لا يتحرك إلا من عينيه
تدوران يرى ويتأمل وينتظر وقد أدهشة الموقف المتردي والفتور بين جودة وأمه
لكن يبدو عليه السرور ويظهره كلما لاحت ابتسامة من إحدى الطرفين جودة ...وأمه ...... جودة : كم اشتقت لتلك الكلمة من فمك ؟ ، قولي وكرري وأعيدها على مسمعي قولي وتكلمي ، لماذا سكت لسانك وتوقف ؟ ...
شادية : سامحني يا جودة سامحني يا ولدي قصرت في حقك وتركتك ...!
يعلم الله غصب عني ... كيف يا أمي غصب عنك ؟
أين قلبك ؟ يا أمي ... أين الأمومة ؟ رعايتي خاطر رَجُلكِ ولم تراعني .....!
وتهطل الدموع بغزارة محمومة من عيني جودة ويروح في نوبة من البكاء كأنه يحترق ويضع الحاج حنفي يده على كتفه يربت عليه ويهنهنه كطفل رضيع ويشد من أزره ويدفع به إلى الأمام ليضعه في حضن أمه .....
وتطوق شادية جودة بذراعيها ويأخذها ما أخذ جودة وهما يتعانقان في نوبة شوق عارمة أخذت وجدانهما فتلاحما والتصقا بعضهما ببعض وامتزجت الدموع بالفرح
والغربة بالحنين واللقاء بالخاطر فكل الجفاء أعدمته اللحظة ....
تقدم الحاج حنفي قائلاً : أعتقد يا جودة أن القدر أتى بك هنا إلى لتتلقي بأمك لتكتمل سعادتك وقد كنت خائفاً مرعوباً وأنا أدفع فيك دفعاً لـتأت معي ... نعم: يا حج كنت مرعوباً وما زلت كما قلت .. لا تخف يا جوده ربك كريم ورحيم بعباده ....
ينظر جودة إلى الحاج حنفي وهو يمسك يده ويدير وجهه ناحيتها ، قائلاً : أمي ....أمي ... كلمة غابت كثيراً عنه وخرجت رغم أنفه ...

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:35 AM
[ الحلقة الرابعة عشر ]


اشتد العناق وطال ودب في الأحاسيس انتشاء يمخر في أوصال الجسد والجوارح ويندي مناطق الجفاء وينتفض الشعور من الكساد إلى النشاط ، تتوالى توابع اللقاء الغير منشأ والحاج حنفي يتابع بأحاسيس جياشة ووجدان حاضرة وقلب رقيق ، يتابع اللحظة والموقف وقد أخذته اللحظة وتغرغرت عيناه وهو يدنوا منهما ويفرد ذراعيه دون إدراك أو وعي ويحوطهما ويطوقهما وهو يسكب من فؤاده حنيناً لينثره فوق رأسيهما وقد شاركهما اللحظة والموقف .....
شعور غداق ممهور بالود والطيب وتعانق ثلاثتهم وتلاحموا كسجد واحد يتراقصون طرباً ، ترقصهم لحظة يملؤها الفرح وتعبأها الغبطة وتسودها دموع الفرح ، كأنهم اجتمعوا لأداء لحناً من أجمل الألحان عن الحب والعاطفة يسرق القلوب فتهتز الأعضاء طرباً وغراما .....
سبحانك ربي جئت بجودة وجمعت بينه وبين أمه بعد جفاء أدمى قلبه قبل أن يدمي منكبيه وكاد يقتله ، هل كانت الظروف تلعب دورها ؟ أو أم لعبت الظروف دورها بفنية كي تبعد جودة وتفرقه عن أمه ليرى الجفاء والقسوة من أبيه .....
لكن ما هي تلك الظروف التي وقفت سداً أمامه ؟. لا يعرف جودة تلك الظروف ولم يقف على أرضية تؤكد أو تنفي أو تذكر شيئاً عنها ....
ماذا كان بك يا أمي ؟ ، هل أغراك عيش الأغنياء وحياتهم وكرهت حياة التقشف والفقر وجريت خلف رغباتك وشهواتك ...! أم أبي عبد المجيد سيء الخلق عدواني
لم تستطع يا أمي أن تعيشي معه فهربت بجلدك من تحت وطأة القهر وفررت بجلدك معزية في فلذة كبدك تاركة إياي للمجهول ... لا أعلم
لقد عرج جوده كثيراً ليقف على أرضية وسبب مقنع ولم تسمح له الظروف أن يسأل أبيه عبد المجيد أو حتى احد من الجيران عن سبب انفصال أمه عن أبيه
لكنه دائما ما كان يركن إلى بند الكراهية بين أمه وأبيه وخاصة أمه ، ويقول : ولولا كراهيتها لأبي وكرهها الشديد له وبغضها ما تركتني وتخلت عني بهذه الطريقة ، فلم تسأل يوماً عني ولم تأت يوماً لتراني ، لقد اختفت تماماً كأن الأرض انشقت وابتلعتها ،،، حتى أهلها وأخواله لا يعرف عنهم شيئاً ولم يأت أحداً ليراه حتى أيقن أنه غريب بين الناس مخلوق أخر منبوذ ...وقد ذاق الأمرين فلا صدر حنون يأوي إليه ويلجأ له وقت الشدة فلا ينام مثل باقي أقرانه الذين يعرفهم ، تدمع عيناه حينما يرى أب ينادي ابنه ويرفق به ويربت على كتفه أو يقبله أو أم ذاهبة إلى المدرسة تمسك بيد ابنها لتركب به مركبة تنقلهما إلى المدرسة وهي حريصة عليه وتخاف عليه وهي تحوطه بيدها وتمر به لتعبر شارع من اتجاه حيث أتجاه معاكس لقد افتقد جودة ذلك مبكراً ......


لقد فتحت السماء ذات ليلة أبوابها من ليال أيام فصل الشتاء ، وكان جودة حينها قيد الطرد بعد أن أغرت زوجت أبيه به وأوغرت صدره عليه بأشياء لم يرتكبها ولم يفعلها فاشتد غضب أبيه وانهال عليه ضرباً مبرحاً لا يعرف رأسه من ضلعه
ولا عينه من أذنه ولا يده من رجله كان عبد المجيد وهو يضرب في جوده كالعجان
الذي يلكم العجين بيديه ويعصره ويقلبه فيجعل الأسفل في الأعلى ويقلب الشمال إلى اليمن واليمن إلى الشمال حتى يصير العجين صالحاً للخبيز أو كما يريد لعجينه .... أن يكون هكذا .....لقد حاول جودة بكل قواه أن يفر ويفلت من أمام أبيه ومن تحت قبضته لكن دون جدوى أو فائدة ولولا تدخل بعض الجيران والمارة ما نجا جودة من قبضة أبيه ولا من جبروته وغضبه ، لقد توسل جوده وتشفع لأبيه أن يتركه ويصدقه ولو لمرة واحدة في حياته دون أن يسمع لتلك الحية الملتفة حوله
وتلك الشيطانة الماردة أم عرقوب ، لكن يبدو أن أم عرقوب كانت ناجحة في مسعاها ومقصدها فدست السُمَ في العسل وراحت تسقه لأبيه وتغلل السُّمَ في عقل ولب الرجل حتى كاد أن يهلكه ، لقد استطاعت أم عرقوب أن تفعل شيئاً في سبيل
طرده من البيت ليخلوا لها الجو وتصفى لها السماء ولا شيء يبقى في البيت يعكر
لها صفو ومزاج ويفسد لها مقصد ....

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:36 AM
[ الحلقة الخامسة عشر ]
كانت أم عرقوب كثيراً ما تشكو وتستقبل عبد المجيد عند عودته باكية وعيناها تخر بالدموع ، ولا يعرف جوده كيف تأتيها الدموع وتخر بهذه الطريقة وكلما رآها أبيه جُن جنونه واستشاط غضباً عليه كأنها أوصلت عيناها بهر جاري لا يتوقف وعرفت طريقة كيف تغرف منه أو حفرت مجرى إلى عيناها تغذيها بعرض مستمر كلما دعتها الحاجة لذلك ....لينال جوده نصيبه علقة ساخنة وشوطاً من الضرب والسباب والشتائم ويختم عادة ذلك بقسمٍ أو ويمين أن يخرج هذا الملعون من البيت ولا ينام ليلته في هذا الدار ولا يعتب له عتبة .....
نجا جودة من تحت قبضة أبيه بأعجوبة وراح يعدو تحت وابل من المطر لا يحميه جلد ولا وبر مشرد مثل الكلاب الضالة التي ليس لها صاحب ولا دار في الشوارع
وقد انفلجت أبواب السماء وفتحت على مصراعيها وراحت تهطل بغزارة وتعبأت الشوارع وأرتفع منسوب الماء في الأقدام فغرق جودة وتبللت ملابسه وهو يطوي على نفسه مرتجفاً من البرد وخائفاً من العسس وهو لا يستطيع أن يدخل بيت أو يقف أمام باب خشية الشك فيه أنه من أولاد الشوارع أو الصبيان المسرحين من قبل طائفة من البلطجية لسرقة المساكن والشقق في تلك اللحظات التي يندر فيها المار في الشوارع ، فلم يجد في تلك الليلة من مأوى أو قلب حنون يعطف عليه
ليحتمي من المطر والبرد وينال الدفء مثل باقي البشر وكان الجوع قد عضه
في أحشاءه مثل عض الوحوش المفترسة في فريستها ولولا فضل الله عليه
أن أرسل له واحداً مثل الحاج حنفي ليراه ويشفق في حالته فيأخذه معه ليدثره
ويطعمه لكان ولصار في حالٍ غير الحال ، وبالرغم من ذلك وبالرغم هذه المعاناة
وتنكر أبيه له وتنكر أمه وغيابها عنه واختفاؤها عنه إلا أنه لم يك جافياً ولم يقسوا
عليها حين رآها وعرفها وتقابل معها بل ارتمي في حضنها وعلى صدرها كأنه طفل رضيع يشتاق إليها وإلى حنينها تلك جودة المحصل الشاب بهيئة السكك الحديدة
والذي جاء يعتذر ويفعل شيئاً لضحيته برحلة القطار 832 خط الصعيد ....


*****

سيد يوسف مرسي
11-14-2018, 09:42 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


للعلم والأحاطة :

لكل الأخوة الأفاضل الشواعر والشاعرات والأدباء والأديبات
أنوه عن : تم تغير أسماء بعض أبطال الرواية وخاصة بطلتها
من فاطمة إلى سكينة وجمال إلى جودة

فمعذرة إلى ماتم عمله من تغير
وأتمنى لكم قراءة ومتعة في متصفحنا
بارك الله فيكم ولكم كامل التقدير