منال نور الهدى
09-25-2012, 05:43 PM
في السنة الخامسة للهجرة خرج وفد من زعماء اليهود نحو مكة ، ليحرضوا
كفارها على غزو المدينة ، ومحاولة القضاء على الإسلام والمسلمين ، فتعاهدوا
معهم على ذلك ، ثم خرجوا نحو غطفان ليكتمل عقد الأحزاب ، وتداعت
الجموع ، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة وبنو سليم ،
وخرجت من الشرق قبائل غطفان ، وكذلك خرجت بنو أسد ، واتجهت الأحزاب
الكافرة نحو المدينة حتى تجمع حولها جيش كبير بلغ عدده عشرة آلاف مقاتل
بقيادة أبي سفيان ، والمسلمون حينئذ في حال شديدة من جوع شديد ،
وبرد قارص ، وعدد قليل ، وأعداء كُثر ، ولقد وصف الله تعالى هذا
الموقف بقوله : { إ ِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ
الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدا }(الأحزاب 11:10) .
ولما سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزحف الأحزاب إلى المدينة ،
وعزمها على حرب المسلمين والقضاء عليهم ، استشار أصحابه ، فقرروا بعد
الشورى التحصن في المدينة والدفاع عنها ، وأشار سلمان الفارسي ـ
رضي الله عنه ـ اعتمادا علي خبرته في حرب الفرس بحفر خندق حول
المدينة ، وقال : " يا رسول الله ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا
خندقنا علينا " ، فوافقه وأقره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر بحفر
الخندق حول المدينة ، وتمّ تقسيم العمل بين الصحابة بحيث تولّى كل
عشرة منهم حفر أربعين ذراعاً ، ثم بدأ العمل بهمّة وعزيمة على الرغم
من برودة الجوّ وقلة الطعام وكثرة الأعداء المحاصرين لهم .
ومثل هذه الظروف الصعبة تحتاج إلى حزم ، لكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يعلم أن هؤلاء الجند إنما هم بشر كغيرهم ، لهم نفوس بحاجة إلى الراحة من
عناء العمل ، كما أنها بحاجة إلى من يدخل السرور عليهم حتى تنسى تلك
الآلام التي تعانيها فوق معاناة تعب الحفر، ولهذا فإن النبي -
صلى الله عليه وسلم - كان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل
التراب ليروح عن نفوسهم .
فعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره ـ وكان رجلا كثير
الشعر ـ ، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا*** ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا*** وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ***وإن أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته ) رواه البخاري .
وعن أنس - رضي الله عنه - أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -
كانوا يقولون يوم الخندق: ( نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا ،
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: اللهم إن الخير خير الآخرة ،
فاغفر للأنصار والمهاجرة ) رواه مسلم .
لقد كانت لحكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا التبسط والمرح في
ذلك الوقت أثرها في التخفيف عن الصحابة مما يعانونه نتيجة للظروف
الصعبة التي يمرون بها ، كما كان لها أثرها في بعث الهمة والنشاط ،
لإنجاز العمل الكبير الذي كُلِفوا بإتمامه ، قبل وصول عدوهم .
لم يكن حفر الخندق أمرا سهلا ، بل اقترن بصعوبات جمَّة ، فقد كان الجو باردا ،
والريح شديدة ، والأعداء كُثر، بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الذي
يتوقعونه في كل لحظة ، وكان الصحابة يحفرون بأيديهم وينقلون التراب
على ظهورهم ، وقد شاركهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهمة عالية
لا تعرف الكلل ، وكان يقوم برفع معنوياتهم ، وبث الأمل في نفوسهم ،
فأعطى القدوة الحسنة لأصحابه حتى بذلوا ما في وسعهم لإنجاز حفر ذلك الخندق .
عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أمرنا رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ بحفر الخندق ، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها
المعاول ، فشكوناها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجاء فأخذ المعول
ثم قال : باسم الله ، فضرب ضربة ، فكسر ثلث الحجر ، وقال : الله أكبر ،
أعطيتُ مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ،
ثم قال : باسم الله ، وضرب أخرى ، فكسر ثلث الحجر ، فقال : الله أكبر ،
أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر المدائن ، وأبصر قصرها الأبيض
من مكاني هذا ، ثم قال : باسم الله ، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر ،
فقال : الله أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء
من مكاني هذا ) رواه أحمد .
وفي حفر الخندق ظهرت مشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحابة ـ
رضي الله عنهم ـ في آلامهم وآمالهم ، وسرائهم وضرائهم ، فعاني مثلهم أثناء
الحفر من ألم التعب والجوع ، بل وصل به الأمر إلى أن ربط حجرا على
بطنه الشريف من شدة الجوع ، وحين وجد ما يسد رمقه بعد جوع استمر
ثلاثة أيام ، لم يستأثر بذلك دونهم ، بل دعاهم إليه وشاركهم فيه .
عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( لما حُفِر الخندق رأيت بالنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ خَمْصا (جوعا) شديدا ، فانكفأت (رجعت) إلى امرأتي ،
فقلت : هل عندك شيء ؟ ، فإني رأيت برسول الله – صلى الله عليه وسلم -
خمصا شديدا ، فأخرجت إليَّ جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن
(شاة في البيت) فذبحتها ، وطحنت الشعير ، ففرغت إلى فراغي وقطعتها
في بُرْمتها ، ثم وليت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقالت :
لا تفضحني برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - وبمن معه . فجئته فساررته ،
فقلت : يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا ، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا ،
فتعال أنت ونفر معك ، فصاح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : يا أهل
الخندق ! إن جابراً قد صنع لكم سؤرا (بقية طعام) فَحَيْهلا بكم ، وقال رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ : لا تُنْزِلَنَّ بُرْمَتكُم (قِدْركم) ، ولا تخبزن عجينتكم حتى
أجيء ، فجئت وجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقْدم الناس حتى جئت
امرأتي ، فقالت : بك وبك (أي ذمَّته) ، فقلت : قد فعلت الذي قلتِ لي ،
فأخرجت له عجينتنا فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ،
ثم قال : ادعي خابزة فلتخبز معك ، واقدحي (اغرفي) من برمتكم ولا تنزلوها ،
وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا (شبعوا وانصرفوا)
وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو ) رواه البخاري .
لقد تولى المسلمون وعلى رأسهم رسول الله ـ صل الله عليه وسلم ـ ، المهمة الشاقة
في حفر الخندق ، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع ، بعرض تسعة
أذرع ، وعمق يقرب من عشرة أذرع ، فقد تم إنجازه في سرعة مذهلة ،
لم تتجاوز ستة أيام ، واستطاع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحمي المسلمين
والدولة المسلمة ، وكانت لحكمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشاورته
لأصحابه ، ومشاركته لهم آلامهم وآمالهم ، الأثر كبير في الروح العالية
التي سيطرت على المسلمين أتناء العمل ، ومن أسباب كسب المعركة
وانتصار المسلمين فيها .
وفي مشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه وجنده في حفر الخندق
درس للقادة على مر التاريخ ألا يتميزوا عن جنودهم ، ويشاركوهم في آلامهم
وآمالهم ، وأن يعطوهم القدوة بفعلهم ، فقد كان النبي ـ صلي الله عليه ـ
وسلم قدوة للقائد والعالِم ، بل للناس جميعا ، قال الله تعالي :
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }(الأحزاب:21) .
كفارها على غزو المدينة ، ومحاولة القضاء على الإسلام والمسلمين ، فتعاهدوا
معهم على ذلك ، ثم خرجوا نحو غطفان ليكتمل عقد الأحزاب ، وتداعت
الجموع ، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة وبنو سليم ،
وخرجت من الشرق قبائل غطفان ، وكذلك خرجت بنو أسد ، واتجهت الأحزاب
الكافرة نحو المدينة حتى تجمع حولها جيش كبير بلغ عدده عشرة آلاف مقاتل
بقيادة أبي سفيان ، والمسلمون حينئذ في حال شديدة من جوع شديد ،
وبرد قارص ، وعدد قليل ، وأعداء كُثر ، ولقد وصف الله تعالى هذا
الموقف بقوله : { إ ِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ
الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدا }(الأحزاب 11:10) .
ولما سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزحف الأحزاب إلى المدينة ،
وعزمها على حرب المسلمين والقضاء عليهم ، استشار أصحابه ، فقرروا بعد
الشورى التحصن في المدينة والدفاع عنها ، وأشار سلمان الفارسي ـ
رضي الله عنه ـ اعتمادا علي خبرته في حرب الفرس بحفر خندق حول
المدينة ، وقال : " يا رسول الله ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا
خندقنا علينا " ، فوافقه وأقره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر بحفر
الخندق حول المدينة ، وتمّ تقسيم العمل بين الصحابة بحيث تولّى كل
عشرة منهم حفر أربعين ذراعاً ، ثم بدأ العمل بهمّة وعزيمة على الرغم
من برودة الجوّ وقلة الطعام وكثرة الأعداء المحاصرين لهم .
ومثل هذه الظروف الصعبة تحتاج إلى حزم ، لكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يعلم أن هؤلاء الجند إنما هم بشر كغيرهم ، لهم نفوس بحاجة إلى الراحة من
عناء العمل ، كما أنها بحاجة إلى من يدخل السرور عليهم حتى تنسى تلك
الآلام التي تعانيها فوق معاناة تعب الحفر، ولهذا فإن النبي -
صلى الله عليه وسلم - كان يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل
التراب ليروح عن نفوسهم .
فعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره ـ وكان رجلا كثير
الشعر ـ ، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا*** ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا*** وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ***وإن أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته ) رواه البخاري .
وعن أنس - رضي الله عنه - أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -
كانوا يقولون يوم الخندق: ( نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا ،
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: اللهم إن الخير خير الآخرة ،
فاغفر للأنصار والمهاجرة ) رواه مسلم .
لقد كانت لحكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا التبسط والمرح في
ذلك الوقت أثرها في التخفيف عن الصحابة مما يعانونه نتيجة للظروف
الصعبة التي يمرون بها ، كما كان لها أثرها في بعث الهمة والنشاط ،
لإنجاز العمل الكبير الذي كُلِفوا بإتمامه ، قبل وصول عدوهم .
لم يكن حفر الخندق أمرا سهلا ، بل اقترن بصعوبات جمَّة ، فقد كان الجو باردا ،
والريح شديدة ، والأعداء كُثر، بالإضافة إلى الخوف من قدوم العدو الذي
يتوقعونه في كل لحظة ، وكان الصحابة يحفرون بأيديهم وينقلون التراب
على ظهورهم ، وقد شاركهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهمة عالية
لا تعرف الكلل ، وكان يقوم برفع معنوياتهم ، وبث الأمل في نفوسهم ،
فأعطى القدوة الحسنة لأصحابه حتى بذلوا ما في وسعهم لإنجاز حفر ذلك الخندق .
عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أمرنا رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ بحفر الخندق ، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها
المعاول ، فشكوناها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجاء فأخذ المعول
ثم قال : باسم الله ، فضرب ضربة ، فكسر ثلث الحجر ، وقال : الله أكبر ،
أعطيتُ مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ،
ثم قال : باسم الله ، وضرب أخرى ، فكسر ثلث الحجر ، فقال : الله أكبر ،
أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر المدائن ، وأبصر قصرها الأبيض
من مكاني هذا ، ثم قال : باسم الله ، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر ،
فقال : الله أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء
من مكاني هذا ) رواه أحمد .
وفي حفر الخندق ظهرت مشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحابة ـ
رضي الله عنهم ـ في آلامهم وآمالهم ، وسرائهم وضرائهم ، فعاني مثلهم أثناء
الحفر من ألم التعب والجوع ، بل وصل به الأمر إلى أن ربط حجرا على
بطنه الشريف من شدة الجوع ، وحين وجد ما يسد رمقه بعد جوع استمر
ثلاثة أيام ، لم يستأثر بذلك دونهم ، بل دعاهم إليه وشاركهم فيه .
عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( لما حُفِر الخندق رأيت بالنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ خَمْصا (جوعا) شديدا ، فانكفأت (رجعت) إلى امرأتي ،
فقلت : هل عندك شيء ؟ ، فإني رأيت برسول الله – صلى الله عليه وسلم -
خمصا شديدا ، فأخرجت إليَّ جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن
(شاة في البيت) فذبحتها ، وطحنت الشعير ، ففرغت إلى فراغي وقطعتها
في بُرْمتها ، ثم وليت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقالت :
لا تفضحني برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - وبمن معه . فجئته فساررته ،
فقلت : يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا ، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا ،
فتعال أنت ونفر معك ، فصاح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : يا أهل
الخندق ! إن جابراً قد صنع لكم سؤرا (بقية طعام) فَحَيْهلا بكم ، وقال رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ : لا تُنْزِلَنَّ بُرْمَتكُم (قِدْركم) ، ولا تخبزن عجينتكم حتى
أجيء ، فجئت وجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقْدم الناس حتى جئت
امرأتي ، فقالت : بك وبك (أي ذمَّته) ، فقلت : قد فعلت الذي قلتِ لي ،
فأخرجت له عجينتنا فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ،
ثم قال : ادعي خابزة فلتخبز معك ، واقدحي (اغرفي) من برمتكم ولا تنزلوها ،
وهم ألف ، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا (شبعوا وانصرفوا)
وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز كما هو ) رواه البخاري .
لقد تولى المسلمون وعلى رأسهم رسول الله ـ صل الله عليه وسلم ـ ، المهمة الشاقة
في حفر الخندق ، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع ، بعرض تسعة
أذرع ، وعمق يقرب من عشرة أذرع ، فقد تم إنجازه في سرعة مذهلة ،
لم تتجاوز ستة أيام ، واستطاع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحمي المسلمين
والدولة المسلمة ، وكانت لحكمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشاورته
لأصحابه ، ومشاركته لهم آلامهم وآمالهم ، الأثر كبير في الروح العالية
التي سيطرت على المسلمين أتناء العمل ، ومن أسباب كسب المعركة
وانتصار المسلمين فيها .
وفي مشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه وجنده في حفر الخندق
درس للقادة على مر التاريخ ألا يتميزوا عن جنودهم ، ويشاركوهم في آلامهم
وآمالهم ، وأن يعطوهم القدوة بفعلهم ، فقد كان النبي ـ صلي الله عليه ـ
وسلم قدوة للقائد والعالِم ، بل للناس جميعا ، قال الله تعالي :
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }(الأحزاب:21) .