تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : العبادات التعاملية


السعيد
09-16-2018, 02:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الاول )

الموضوع : مقدمة عن الربا ومضارها






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.كسب المال :
أيها الأخوة، في أحد دروس الفجر في رمضان الأخير تحدثت عن موضوع الربا، و قد طلب إليَّ أخوة كرام أن أعالج هذا الموضوع بشكل مسهب بعد عيد الفطر، و هاأنذا أوفي بوعدي إن شاء الله، وقبل أن نبحث في موضوع الربا في الحقيقة أنّ البحث الأعم والأشمل موضوع كسب المال، لأن تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، ولأن المال مادة الشهوات، والله عز وجل قال:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/01.jpg
فالله جل جلاله أودع في الإنسان حبّ المال، هذا الحب أودعه فيه ليرقى الإنسان به إلى الله عز وجل من خلال ترك الحرام و إنفاق الحلال، فأنت ترقى مرة إذا تعففت عن مال حرام، و ترقى مرة ثانية إذا كسبت مالاً حلالاً فأنفقته في عمل طيب، إذاً تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، و لأن الله سبحانه و تعالى أودع حب المال في نفوس الخلق ليرقوا بهذا الحب مرة صابرين و مرة شاكرين، و لأن أساليب كسب المال كثيرة جداً، و الكسب الحلال بين واضح، و الكسب الحرام بين واضح، لكن هناك ألوف بل عشرات الألوف من طرائق كسب المال، وهذه يقع فيها الناس في شبهات، أي يشتبه عندهم هذا الدخل مع الحلال، و يشتبه عند بعض آخر مع الحرام، لذلك وجدتُ موضوعَ كسب المال موضوعاً أساسياً؛ أساسياً و خطيراً في حياة المسلم، لذلك إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة سنتحدث عن موضوع كسب المال، لأن كل الأخوة الحاضرين ما منهم واحد إلا و يكسب المال إما من خلال وظيفة، أو من عمل زراعي، أو صناعي، أو تجاري، أو من خدمة، أو من حرفة، فإذا شعر أن كسبه حلال أقبل على الله، ولأن العبد يدعو ويقول: يا رب يا رب و مأكله حرام و مشربه حرام و غذي بالحرام فأنى يستجاب له؟! (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
وكذلك فإنّ من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ربنا جل جلاله قد يتلف الإنسان إذا أكل أموال الناس بالباطل، فلا أعتقد أن في موضوعات الفقه موضوعاً أشد خطورة و أشد مساساً بإيمان المؤمن و إسلام المسلم وسعادة الإنسان من موضوع كسب المال. المعنى اللغوي للربا في القرآن الكريم :
ومن خلال دروس سابقة كنت أبين لكم أن الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط؛ خط النقل؛ و خط العقل؛ و خط الفطرة؛ و خط الواقع، و إذا حرم الله الربا بالنقل فالعقل يرفضه و الواقع يرفضه و الفطرة ترفضه و إليكم هذه الأدلة:
ما معنى كلمة ( الربا )؛ الربا في اللغة الزيادة، أربى فلان على فلان أي زاد عليه، رَبا الشيءُ أي زاد على ما كان عليه، الربوة المكان المرتفع، أربى فلانٌ ماله صيره زائداً كثيراً، هذا المعنى ورد في القرآن الكريم قال تعالى:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة : 276 ]
أي المال الذي تصدقت منه يربّيه الله عز وجل، أي يزيده ويضاعفه أضعافاً كثيرة، وقال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة : 265 ]
الربوة هي الموضع المرتفع قال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾
[ سورة الرعد: 17 ]
زبداً رابياً أي عالياً، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾
[ سورة الحج: 5 ]
أي: انتفخت، هذا في القرآن الكريم، الربا الزيادة. المعنى اللغوي للربا في السنة الشريفة و المعاجم اللغوية :
وأما في السنة المطهرة فكما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ إِلا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ))
[متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ]
معنى تربو أي تزيد، على كلٍّ في "لسان العرب" وهو معجم من أوسع المعاجم، وذات مرة طالب في الجامعة في قسم الآداب سئل عن لسان العرب ليتحدث عن نظام تأليفه، و عن خصائصه، و عن مؤلفه، و عن تاريخ تأليفه، لكنه لم يقرأ عنه شيئاً فما زاد على قوله: لسان العرب طويل، فرسبه الأستاذ بهذه الكلمة.
في معجم "لسان العرب" رَبا الشيء يربو ربواً أي نما وزاد، و في معجم الزمخشري المسمى "أساس البلاغة" ربا الشيء يربو أي زاد، وأرباه الله تعالى أي ضاعفه أضعافاً كثيرة، المعاجم كلها تؤكد أن الربا هو الزيادة. تعريف الربا الشرعي :
فما تعريف الربا الشرعي؟ بعد أن عرفناه بالمعنى اللغوي فما تعريفه الشرعي؟.
أيها الأخوة الأكارم، مرة ثانية هذا الدرس مهم جداً لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "في آخر الزمان يفشو الربا حتى الذي لا يأكل الربا قد يصيبه غباره".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/02.jpg
فإذا عرفنا بالضبط حدود هذا الدرس وتحرّينا الحلال استجاب لنا الله دعاءنا، ونحن الآن في أشد الحاجة إلى الدعاء بل إلى أن يُستجاب دعاؤنا وقد تكالبت علينا أمم الأرض قاطبةً:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
الربا: الزيادة على أصل المال من غير عقدِ تبايعٍ، أي أقرضت إنساناً مبلغاً واشترطت عليه أن يرده عليك بزيادة على أصله هذا ربا القروض.
تعريف آخر: الزيادة على أصل المال من غير بيع، هذا التعريف يشمل ربا القروض الذي كان سائداً في الجاهلية.
وأما ربا البيوع، فربا القروض شيء وربا البيوع شيء آخر، ربا البيوع: الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي هذا القلم بخمسين ليرة، معنى العوض: الخمسون مقابل تملّك هذا القلم فلو أخذت منه ستين ليرة مقابل أن تؤخر له في دفع الثمن فهذا الربا اسمه ربا البيوع وليس ربا القروض، فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، شرط البيع أن هذا القلم بخمسين فإذا أخذت زيادة عن الخمسين من غير شرط البيع وهو العوض فهذا المبلغ الذي أخذته عند العلماء ربا، هذا التعريف تعريف السرخسي وهو من أكبر فقهاء الأحناف.
والعلامة العيني يقول: فضل المال بلا عوض في معاوضة مال بمال، الخمسون مال والقلم مال، فإذا أقمت عقد معاوضة بين القلم والثمن فالذي تأخذه فوق الخمسين هذا فضل وهذا ربا البيوع.
هناك تعريف يجمع بينهما، هذا التعريف لابن العربي: الربا في اللغة الزيادة والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها عوض هي الربا. أنواع الربا :
أمّا الإمام الفخر الرازي فيقول: الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أي: الزيادة المشروطة الذي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، اقترضت من إنسان قرضاً فاستحق أداء القرض فلما أخّر لك الأداء طالبته بزيادة على أصل المال، هذا ربا النسيئة، هذا الربا هو ربا الجاهلية الذي كان شائعاً عند العرب قبل الإسلام، فالربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به من نسب معينة، والآن أي قرض من المصرف بفائدة هو يشبه ربا القروض.
يسمي العلماء ربا القروض الربا الجلي، وربا البيوع الربا الخفي، فكما أن هناك شركاً جلياً أن تعبد بوذا مثلاً، وشركاً خفياً كأن تخاف من إنسان أو تعلق الآمال عليه، والعلماء يرون أن هناك رباً جلياً ورباً خفياً، الربا الجلي ربا القروض، والربا الخفي ربا البيوع والظاهر بيع وشراء.
الإمام ابن القيم الجوزي يقول: الربا نوعان جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه بالجاهلية، أي التأخير، وسمّى بعض العلماء ربا القروض الربا الحقيقي.
يقول الشيخ الدهلوي: وعُلم أن الربا على وجهين؛ حقيقي ومحمول عليه. أما الحقيقي فهو في الديون وأما المحمول عليه فهو في البيوع.
يقول أحد علماء الأزهر: إن ذلك النوع أي ربا القروض هو أشد أنواع الربا تحريماً، وهو الجاري في التعامل بين الجماعات التي قام نظامها الاقتصادي على أساس ربوي، وقد سمى بعض العلماء القروض بربا القرآن حيث ثبت تحريمه بالقرآن الكريم، أما ربا البيوع على حسب تعريف السرخسي وهو إمام كبير من أئمة المذهب الحنفي فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي ثمن هذا القلم خمسون فإذا أخذت زيادة على الخمسين مقابل الأجل أي التأخير فهذا ربا البيوع، ربا القروض وربا البيوع، ربا القروض ربا القرآن، وربا البيوع ربا السنة التي نهى عنها النبي، ربا القروض الربا الحقيقي المحمول عليه، وربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي.
ربا البيوع :
و عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ مَا أُبَالِي أَنْ لا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي قِلابَةَ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/03.jpg
أي هذا القلم بخمسين، فلك عندي خمسون، فإن دفعتها لك الآن خذ أربعين مقابل الخمسين، و إذا أخرت لك الدفع صارت ستين، انتهى الموضوع القلم بخمسين، لو دفعت ثمنه نقداً كان بخمسين، الآن تفاوض على طريقة الدفع فإذا أخرت القبضة طالبته بالستين هذا الربا هو ربا البيوع، ولكن هناك من يزعم أن الربا يشبه البيع قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
لماذا يشبه البيع؟ يقول لك: أنت تشتري هذا القلم بأربعين وتبيعه بخمسين فقد زدت في الثمن والقرض كذلك لكن الفرق دقيق جداً، الإنسان الذي اشترى شيئاً وباعه قدم سلعةً، قدم خدمة، قدم جهداً، قدم محصولاً زراعياً فأفاد الناس، قدم صناعة لبّت حاجاتهم، أما الذي لم يقدم شيئاً إنما أقرض وطالب بزيادة على القرض فهذا يعني أنه جمع الأموال كلها بيده. علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة :
والحقيقة أننا الآن دخلنا في صلب الموضوع، وأخطر ما في الحياة الاجتماعية أنك أيها الإنسان عضو في الجماعة شئت أم أبيت، وبأيدي هذه الجماعة كتلة نقدية، هذه الكتلة كلما كانت موزعة بين أيدي أفراد الجماعة كان الوضع طيباً ونافعاً ومفيداً، وكان استقرارٌ، وصارت هناك طمأنينة، الجميع يأكلون، والجميع يشربون، والجميع يسكنون، والجميع يتزوجون، والجميع يفرحون، أما إذا جمعت هذه الكتلة النقدية في أيد قليلة وحرمت منها الأيدي الكثيرة بدأ اضطراب الحياة الاجتماعية، بدأت الثورات، بدأ العنف، والعالم اليوم ماذا يشكو؟ العنف، لا أعتقد أن في تاريخ البشرية عصراً يتصف بالعنف كهذا العصر، لماذا؟ لأن المال في كل مجتمع متداول بين أيدٍ قليلة، ربنا عز وجل يقول:
﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الحشر: 7 ]
فما علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة؟ الحقيقة أن الإنسان حينما يضع أمواله في جهة ربوية ماذا فعل؟ ما قدم شيئاً، أما أيّ إنسان آخر قدم محصولاً فهذا المحصول ساهم في خفض الأسعار.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/04.jpg
كما تعلمون جميعاً حينما يكون المحصول جيداً جداً يصبح السعر رخيصاً جداً.
تصوروا شكل مخروط، ولهذا المخروط محور داخلي، وهذا المحور الداخلي هو السعر، وهذه الدوائر التي تبدأ واسعة جداً في القاعدة ثم تضيق نحو الأعلى إلى أن تختفي، هذا المخروط ذو شكل دائري في قاعدته ثم تضيق هذه الدوائر إلى أن تصل إلى نقطة، فالمحور الداخلي هو السعر، والشريحة التي تشتري هذه السلعة دائرة، فكلما انخفض السعر اتسعت الشريحة، وكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وهذا مثل أطرحه بين أيديكم، الفاكهة التي إن شاء الله سوف تنمو بهذا الصيف، كرز مثلاً إذا كان الكيلو بمئة ليرة، الفليفلة بمئة ليرة كم إنسان يشتري الكيلو بمئة ليرة وشعبنا اثنا عشر مليوناً؟ افرض أنّ عدد من يشتريه خمسمئة ألف، لو صار الكيلو بخمسين ليرة فالذين يشترون مليوناً، فلو صار بخمسة وعشرين فعدد من يشترون أربعة ملايين، ولو كان باثني عشر ليرة ثمانية ملايين ولو كان الكيلو بست ليرات لقال أحدهم بعني كيلوين، أما إذا كان بمئة فضع لي أوقية، بالمئة أوقية إذا كان مضطراً ومترفاً أيضاً. فهذا المخروط كلما ارتفع السعر كلما الدائرة قلَّت وضاقت.
فإذا أثبتنا الآن أن الربا يسهم في رفع الأسعار معنى ذلك هناك علاقة حتمية بين الربا وبين تجمع الأموال في أيدٍ قليلة، وإذا أثبتنا أن تجمع الأموال في أيد قليلة سبّب أعمالَ العنف في العالم وسبب الثورات، إذاً فمعنى ذلك أن أخطر معصية يفعلها الإنسان هي معصية الربا، لأن شارب الخمر يؤذي نفسه، والزاني يؤذي نفسه وهذه التي زنى بها، أما المرابي فيؤذي مجتمعاً بأكمله، فكل أنواع الحرمان التي يعانيها الشباب، وكل الطرق المسدودة التي يقاسيها المتطلعون للزواج، وكل الأعمال المغلقة في وجه طالبي العمل، هذه كلها بسبب تجمُّع الكتلة النقدية بأيدٍ قليلة وانعدامها من أيدٍ كثيرة.
فإذا أثبتنا أن الربا يسهم في تجميع الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، إذاً فالربا سبب الاضطراب الاجتماعي في العالم أجمع، من هنا لم يرد في القرآن الكريم تهديد حول معصية كتهديد الربا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
لا توجد معصية توعد الله بها مرتكبها بالحرب إلا الربا لأن خطر الربا يشمل المجتمع بأكمله.
إصرار الحضارات القديمة على شناعة الربا و من هذه الحضارات :
1 ـ اليونان :
لكن الشيء الذي ربما تفاجؤون به وأنا مضطر أن أذكره لكم هو أن كل الحضارات القديمة أصرت على شناعة الربا.
اليونان: الإغريق أقدم حضارة في العالم ماذا يقولون؟ يقول أفلاطون في كتابه القانون: لا يحل لشخص أن يقرض بالربا.
أرسطو يقول: الربا من ضروب الكسب التي تخالف الطبيعة، ويقول أيضا ً: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه، في النظرة القديمة، أي بالربا المال يلد المال.
علاقة الربا بالبطالة و بارتفاع الأسعار :
الآن تصور أن إنساناً أنشأ مشروعاً زراعياً أو مشروعَ صناعةٍ زراعيةٍ، مشروع ألبان، طرح هذه المواد في الأسواق بأسعار معتدلة، هذا الطرح الكثيف بسعر معتدل يساهم بخفض الأسعار، أليس كذلك؟ كما قلت قبل قليل: كلما زاد الإنتاج انخفضت الأسعار، و كلما قلّ الإنتاج ارتفعت الأسعار، فالربا يعني أن المال يلد المال، أما بالطرق المشروعة فالمال يأتي من عمل إنتاجي، من عمل زراعي، من عمل صناعي، من عمل تجاري، من خدمات، تؤدي خدمة تأخذ مقابلها، الأعمال تلد الأموال، الطريق المشروع الأعمال تلد الأموال، أما بالربا فالمال يلد المال، الأعمال تسهم في بناء الأمة، تسهم في الرخاء، تسهم في توفير الحاجات، تسهم في خفض الأسعار، أما المال وحده أي إذا تولَّد المال عن طريق الربا فماذا قدم صاحب هذا المال للمجتمع؟ لم يقدم شيئاً، لم يطرح إنتاجاً زراعياً و لا صناعياً و لا قدم خدمات، و هناك شيء آخر أنت حينما تقوم بمشروع، وتنشئ مشروعاً أيَّ مشروع كان، فمئات الأشخاص بل عشرات المئات بل الألوف تستخدمهم و أنت لا تدري، تحتاج إلى فاتورة فلا بد من مطبعة، المطبعة تريد حبراً، و المطبعة تريد موظفين، و تريد محاسباً، و تريد عمالاً، و تريد مندوبَ مبيعاتٍ، و تحتاج إلى وسيلة نقل، النقل له عشرات الفروع، و هذه الوسيلة تحتاج إلى كهرباء، و إلى صيانة، و إلى وقود، و إلى أجهزة، و تحتاج إلى مَن يقودها لنقل البضاعة، تصور، لا توجد مؤسسة إلا و ألوف بل عشرات الألوف يعملون في خدمتها.
سمعت أن معمل سيارات بفرنسا، مئتا ألف شركة تقدم له سلعها لأنه معمل تجميع، فعدد كبير جداً يعملون من أجله وبسببه، أما الذي يضع أمواله في المصرف ليأخذ فائدتها، شَغَّلَ كم واحداً؟ و لا واحداً، إذاً الأعمال تسهم في خفض نسب البطالة، أما حينما يلد المال المال فهذا يسهم في رفع نسب البطالة.
إذاً موضوع الربا أيضاً له علاقة بالبطالة و له علاقة بارتفاع الأسعار، واعلم أنّ خفض الأسعار له تعليل دقيق جداً، فعندما يضع الإنسان ماله في مؤسسة ربوية ليأخذ فائدةً عليه فليس هناك مخاطرة، وليس هناك ضرائب، وليس هناك مواجهة مع موظف تموين أحياناً، والجمرك أحياناً، والتأمينات أحياناً، فلن يتعرض لأية مخاطرة، فإذا رأى الإنسان أنه يمكن أن يحصل ربحاً قدره خمسة عشر بالمئة أو أكثر من دون أية مفاجأة فهل يعقل أن يضع أمواله في مشاريع بأرباح تساوي أرباح الفوائد؟ لا. فهو عندئذ في منطق العصر مجنون، لكن لا يضع صاحب المشروع أمواله في الاستثمار العملي إلا إذا ضمن أرباحاً تفوق أضعافاً أرباحَ الفوائد، إذاً بشكل أو بآخر نظام الفائدة ساهم برفع الأسعار، ولو تصورنا مجتمعاً يخلو من ربا فممكنٌ لأيِّ مشروعٍ ينشئه أن يقنع بربح قدره بالمئة عشرة أو خمسة عشر، لكن ما دام الخمسة عشر تأتيه بلا مخاطرة فكيف يخاطر بوضع رأسماله في مشروع إلا إذا كان يضمن الربح أربعين بالمئة أو خمسين؟ ويقول: إذا كان الربح خمسة عشر فأنا أضع المال في البنك وأرتاح من كل هذا التعب ومن هذه المخاطرة والمواجهة.
إعادة لرأي اليونان في الربا :
اليونان والإغريق يقولون: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه وهو كسب مضاد للطبع السليم، هذا كلام أرسطو.
ويقول أرسطو وأفلاطون مجتمعين: يعرّضُ الربا فلاح الدولة للخطر، وذلك بمواجهة طبقةِ المقرضين الأغنياء ضد طبقة أخرى أي المقترضين الفقراء.
صار المجتمع طبقتين: طبقة مسحوقة وطبقة ساحقة، طبقة تقرض وتزداد أموالها وطبقة تقترض وتتضاءل أموالها هذا كلام أرسطو وأفلاطون في الحضارة الإغريقية، الحق تقبله العقول السليمة وترضى به الفطر السليمة وتأتي به الشرائع الحكيمة.
2 ـ الرومان :
الرومان يقولون: هو كسب غير طبيعي وهو سبب انقسام الشعب إلى طبقتين متعارضتين، وكان التعامل الربوي محظوراً رسمياً في الحكم الروماني.
الرومان و اليونان كان الربا عندهم محرماً وفلاسفتهم ومنظِّرو عقائدهم رأوا أنه كسب غير طبيعي.
3 ـ قريش :
أما قريش ففي الجاهلية كانت منحرفة انحرافاً خطيراً، وقد لا تصدقون أنها رغم انحرافها كانت تعتقد أن كسب الربا كسب خبيث، حينما قررت قريش بناء الكعبة ماذا شرطت؟ كما قال الإمام ابن إسحاق: لما أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عامر بن عائد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجراً وقال: "يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس."
فالكعبة بنيت بمال طيب وقد ورد هذا النص في سيرة ابن إسحاق:
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ، فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ، قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِاالأَرْضِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]
إذا ذهب الأخوة في موسم الحج أو العمرة إلى الكعبة، فالكعبة معروفة، وأمامها قوس دائري اسمه الحجر، فمن دخل بين القوس والكعبة عند الطواف فطوافه باطل لأن ما بين القوس والكعبة من الكعبة، فلا يقبل الطواف إلا إذا كان حول الكعبة، فالحجر من الكعبة. (( ... قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ... ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]
ما دام أصروا على بناء الكعبة وأن يكون المال مالاً حلالاً لا ربا فيه والنفقة قصرت فاكتفوا بهذا البناء ولم يتموه على الشكل المستطيل، وأساس الكعبة مستطيلة والأموال الطيبة لم تكفِ لبناء الكعبة بناءً كاملاً، فبني هذا المكعب وبقي الحجر بلا بناء. هذا ما أورده البخاري.
إذاً قريش كانت تؤمن أن الربا كسب خبيث وهذا قبل الإسلام وورد هذا أيضاً: سيدنا عمر سأل شيخاً معمراً من بني زهرة قال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة بالنفقة الطيبة فعجزت فتركوا بعض البيت في الحجر؟ فقال له: صدقت. 4 ـ الديانات السماوية :
وبعد فالديانات السماوية حرمت الربا والدليل قال تعالى:
﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
[ سورة النساء: 160-161 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/05.jpg
اليهود إذاً نهوا عن أكل الربا، وفي توراتهم أيضاً ورد هذا على الرغم من تحريفها. ورد في سفر الخروج: إذا أقرضت لفقير من شعبي ممن عندك فلا تكن له كالمرابي، ولا تقيم عليه الربا، إذا رقت حال أخيك وقصرت يده عندك فاعضدْه وليعش معك كغريب، أو نزيل، ولا تأخذ منه رباً، اتقِ إلهك فيعيش أخوك معك.
هذا في التوراة، لا تقرض أخاك بربا في فضة أو طعام أو شيء آخر مما يُقرَض بالربا.
إذاً عند الإغريق واليونان الربا محرم وهو كسب خبيث، وعند الرومان كسب خبيث، وفي الديانات السماوية اليهودية والنصرانية الربا محرم، بل إن المراباة تشبه عند اليهود سفك الدماء بالضبط، وهم الآن في العالم أصحاب البنوك كلها تقريباً ولم يبق من دينهم إلا التعصب.
والنصرانية أيضاً تحرم الربا وهناك أقوال كثيرة جداً للسيد المسيح تنهى عن أكل الربا، على كلٍّ من أقوال بعض الآباء: إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم.
نص آخر: إذا وجد واحد من الآن يأخذ الربا أو يجعل آخر يفعل هذا له أو يسلّف على حنطة بربا أو يحتال فيه بحيلة لأجل ربح نجس فيقطع ويجعل غريباً.
هذا أيضاً من كتب النصرانية، فالإغريق واليونان واليهود والنصارى والحكماء كل هؤلاء يحرمون الربا. حكم الربا في الإسلام :
أيها الأخوة الأكارم، وأمّا حكم الربا في الإسلام فقد قال تعالى:
﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
فهذه آية أهي قطعية الدلالة أم ظنية الدلالة؟ قطعية، هذه الآية من المتشابهات أم من المحكمات؟ آية محكمة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 278 ]
الإمام الطبري يقول: اتركوا ما بقي لكم من فضل على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تربو عليها إن كنتم مؤمنين، ماذا نستنبط من هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 278 ]
من لوازم الإيمان ترك الربا، فمن أكل الربا أثبت أنه ليس بمؤمن، أحد العلماء يقول: الربا والإيمان لا يجتمعان أبداً.
أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف آية قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 130-131]
من أكل الربا فقد كفر بما أنزل على محمد ومصيره إلى النار.
قال أبو حنيفة النعمان: أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوا أكل الربا..
وعن النبي عليه الصلاة والسلام: ((قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ، قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
الربا محرم و هو من أكبر الكبائر :
الآن فضلاً عن أن الربا محرم هو من أكبر الكبائر قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
هذه الآية، يستنبط منها أن الربا من أكبر الكبائر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/06.jpg
جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس وقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رجلاً سكران يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، يصعد إلى القمر من دون مركبة، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل في جوف ابن آدم أشر من الخمر فما حكمي يا إمام؟ قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، إذا كان أشر شيء يدخل جوف ابن آدم هو الخمر أتطلق امرأته؟ لا تطلق. أما إذا كان هناك شيء أشر من الخمر فتصبح امرأته طالقاً.
سمعت من يومين إنساناً شاهد صديقه يجري معاملة طلاق زوجته، فتحادث مع زوجته بود وجلسة صفاء وقال لها: فلانة سوف تطلق، قالت له: ليس معقولاً، فقال لها: علي الطلاق سوف يطلقها زوجها، فما طلقها زوجها، وأصبح لديهما إشكال وأنا لا أحب أنْ يجريَ الرجل على لسانه هذه الألفاظ، يكون نائماً فيصبح يتساءل يا ترى هل امرأتي بالحرام عندي؟ دخل بالوسواس فاحذروا.
فهذا رأى شخصاً يعاقر الخمر ويحاول أن يأخذ القمر فقال: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، ولما سأل الإمام "مالك" إمام دار الهجرة قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه في الغد فقال له: ارجع حتى أنظر فأتاه في الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله عز وجل وسنة نبيه فلم أَرَ شيئاً أشر من الربا وليس الخمر، لأن الله أذن به بالحرب، ليس من معصية في القرآن يقول الله عز وجل فيها: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله.
دائماً تذكروا قول النبي: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
كل معصية خطورتها بحسب شمولها، هناك معصية تؤذي فاعلها فقط، وهناك معصية تؤذي شخصاً آخر، أما الربا فيؤذي مجتمعاً بأكمله، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد بن حنبل في أبواب الربا: ((عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً ))
[أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ]
الإمام ابن حزم يقول: الربا من أكبر الكبائر. عقوبات الربا :
العقوبات: هناك عقوبات جماعية وعقوبات فردية، وهناك طبعاً عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية، دنيوية وجماعية وفردية، أما الجماعية:
(( فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ، قَالَ: وَقَالَ: مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ]
ألا ترون أيها الأخوة إلى ما يجري في العالم، حروب أهلية، زلازل، براكين، أعاصير، فيضانات، قتل، مذابح، ألا ترون؟ هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ]
هذا الحديث ورد في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في كتاب البيوع، هذه عقوبات جماعية.
العقوبات الفردية: قالوا: المتعامل بالربا يعرّض نفسه للقتال، في المجتمع المسلم يُستتاب فإن لم يتب يقاتل، والمرابي إن لم يتب فقد أمواله كلها، والدليل القرآني: - ربنا عز وجل يحرق هذا المعمل ويحرق المستودع بأفعاله التكوينية يمحق الله الربا. أما بأوامره التكليفية فهل عندنا حكم شرعي يجيز أن تؤخذ أموال المرابي كلها؟ - قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
وإن لم تتوبوا؟ أموالكم ليست لكم. هذا استنباط حكم مخالف، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لذلك المرابي يفقد حق التصرف في ماله، أما إذا تاب وأكل رأسماله فقط فعندئذ ينجو رأسماله فقط من المصادرة. الله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي :
بالمناسبة مثلاً: لو فرضنا أن إنساناً سرق، وهذا الإنسان يعيش في مجتمع لا يطبق فيه حكم قطع يد السارق، هذا حكم تكليفي قال تعالى:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة: 38 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/07.jpg
ربما قطعت يد السارق لا بأمر تكليفي بل بأمر تكويني، وهذا ممكن بحادث، فربنا عز وجل في المجتمعات التي لا تطبق أحكام الله عز وجل الله يتولى بنفسه تطبيق أحكامه، كما قال تعالى: يمحق الله الربا، بحسب القوانين النافذة مسموح لشخصٍ أن يقيم مؤسسة ربوية حتى في البلاد التي ترفع شعارات إسلامية ما أكثر البنوك والفوائد والربا، لكنّ المجتمع إذا لم يطبق حكم الله عز وجل فالله سبحانه من طريق الأمر التكويني يطبق حكمه، أنا سمعت قصة نادرة ولكن لها معنى: شخص يركب سيارة شاحنة، مسافر مقطوع أشار له واستغاث فتوقف وهو في طريقه إلى حلب، ساومه على مبلغ كبير ووافق الراكب، أخذ منه المبلغ بيده اليسرى وقال له: اذهب واركب من الخلف، بعد أن أخذ المبلغ حرك المركبة وانطلق بها ولم يسمح له أن يركب، هذا السائق وصل إلى مكان فمد يده ليشير إلى جهته اليسرى وأثناء حركته جاءت مركبة وقطعت يده اليسرى.
فهناك فعل تكويني وأمر تكليفي، فإذا عاش شخص في مجتمع وأمر الله غير مطبق فيه فسوف يطبق قهراً وله طريقة يُطبَّق بها، والله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي، وإذا كان الإنسان يتعامل مع المسلمين وكان بينه وبينهم عهد فإن أكل الربا فقد نقض العهد. المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي :
روى الحافظ بن أبي شيبة عن عامر أنه قال: قرأت كتاب أهل نجران فوجدت فيه إن أكلتم الربا فلا صلح بيننا وبينكم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصالح من يأكل الربا، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام أتوا أبا بكر رضي الله عنه فوفّى لهم بذلك، وكتب لهم كتاباً نحواً من كتاب رسول الله، فلما وُلي عمر أصاب هؤلاء الربا في زمانه فأجلاهم عمر رضي الله عنه ونقض عهده معهم.
إذاً حتى المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي.
عقوبة الربا في الآخرة :
أما في الآخرة فقال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
لا يقومون من قبورهم إلى الحساب إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والإنسان إذا كان يقع بالساعة يحس بإنهاك غير معقول، يقول لك: تحطمت، فإذا قام من هذه الوضعية المرضية يقوم متحطماً، وربنا عز وجل وصف آكلي الربا بأنهم لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
الإمام الطبري يقول: يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً يخفق، وأجمع المفسرون أنّ آكلي الربا لا يقومون من قبورهم يوم البعث إلا كالمجانين. ((عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا))
[متفق عليه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
النبي رأى رؤيا وعبّر عنها أو وصفها لأصحابه بهذه الطريقة. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ:رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرَائِيلُ قَالَ هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي :
وبعد: عندنا موضوع أخير وهو تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي:
((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ))
[مسلم عَنْ جابر ]
فإن أجَّر أحدهم داراً إلى مؤسسة ربوية، هل له علاقة؟ طبعاً أعانه قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
وإذا عمل إنسان إعلاناً إلى مؤسسة ربوية فهل له علاقة؟ له علاقة، خطاط له علاقة، فأي إنسان يقدم معاونة إلى مؤسسة ربوية له علاقة، هذا هو الحق.
وللبحث بقية، وكثير من الناس يظنون أنه إذا ألف الناس شيئاً أصبح حلالاً؟ لا ثم ألف لا، والباطل مهما عمّ ومهما انتشر ومهما اتسع فالحرام حرام والحلال حلال، فإذا أردتم النجاة في الدنيا والآخرة فعليكم بطاعة الله عز وجل. العلاقة بين الحلال و العافية :
شيء دقيق جداً أن يكون دخل الإنسان حلالاً، أنت تتعجب عندما ترى شخصاً بالخامسة والثمانين مثل الشباب يا رب ما هي القصة؟ أليس هناك قاعدة؟ نعم توجد قاعدة، زارني شخص قال: كم تقدر سني؟ قلت له: ستون عاماً، فقال لي: ست وسبعون، ثم قال لي: أنا مثل الحصان أستطيع أن أهد هذا الحائط ،وأقسم بالله أنه ما أكل في حياته درهماً حراماً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4671/ar-4671/08.jpg
إذاً هناك علاقة بين الحلال والعافية، إنسان بالسادسة والسبعين منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، ذاكرته قوية، وكذلك زوجته أكرمها الله، وطول لها عمرها، وقام بشهر عسل وهو بالتسعين من عمره، سألوه: يا سيدي ما هذه الصحة؟ قال: حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
فمن يطمع أن يكون عمره مديداً وصحته قوية نقول له: اكسب المال الحلال، والحلال فيه بركة، ترى شخصاً دخله قليلٌ ولكن في دخله بركة، عافاه الله من الأطباء والصيدليات والعمليات والتصوير الطبقي والمرنان الذي تكلفته ثلاثة عشر ألف ليرة، فإذا الله عز وجل عافانا من هذه النفقات الباهظة وكان الدخل محدوداً، واللهُ طرح فيه البركة بالتعبير العامي فهذا أفضل وأحسن عاقبة، أليس كذلك؟
لا أحد يتورط واسألوا: هل هناك شبهات في كسب المال؟ ولتبحث عن المال الحلال ولو كان قليلاً، فالله جل جلاله يبارك لك فيه، وابتعد عن المال الحرام ولو كان كثيراً فالله يمحقه ويتلفه.
وسنتابع هذا الموضوع في دروس قادمة إن شاء الله تعالى.

منال نور الهدى
09-16-2018, 08:11 PM
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك للخير والتقوى
طرح قيم وهادف أخي السعيد
في أمن الله وحفظه

السعيد
09-17-2018, 07:33 AM
تسلمين اختى منال

السعيد
09-17-2018, 07:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : مضار الربا








الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع دقيق ألا و هو "الربا" لقد بينت لكم في الدرس الماضي- و هذا هو الدرس الثاني- بينت لكم في الدرس الماضي أن تسعة أعشار المعاصي تأتي من كسب الرزق، واذكروا أنّ العلم نور و العلم حارس، و الإنسان عليه أن يتفقه، لأنه إذا تفقه عرف الحق من الباطل، والخير من الشر، و الحلال من الحرام، لكن الدرس اليوم محوره: مضار الربا، و قبل أن نتحدث عن مضار الربا لا بد من مقدمة قصيرة و هي أن المؤمن الحق إذا علم أن كل أمر تلقاه عن الله عز وجل أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت لديه أن هذا أمر الله و أن هذا أمر النبي عليه الصلاة و السلام فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تقنعه بالكف عن كل ما هو حرام، لكن إذا بحثنا عن حكمة التشريع و عن مضار المعاصي و عن فوائد الطاعات فهذا من أجل الدعوة إلى الله بشفافية ووضوح، المؤمن ما دام أن الله عز وجل قد أمره و نهاه، فالأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي، لأن الأمر تنبع قيمته من قيمة الآمر، و الآمر هو الله، و الآمر هو الخالق، على كلٍّ ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم ليزداد الإيمان قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 260 ]
مضار الربا :
ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم لنستطيع أن ندعوَ إلى الله لأن الدعوة المعللة التي تدعمها الأدلة و الشواهد الواقعية أجدى وأقوى، فيمكن أن تأمر الناس بأمر الله عز وجل، وأن تنهاهم عما نهى الله عنه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/01.jpg
أما حينما تقدم التحليل الدقيق و الفوائد العظيمة المترتبة على طاعة الله عز وجل و النتائج الخطيرة التي تنتج من معصية الله عز وجل فهذا من شأنه أن يقنع الناس بأحقية هذا الدين.
وبعد، فمضار الربا أيها الأخوة أكثر من أن تحصى كما بينت لكم في درس سابق، فالمعصية يكبر حجمها إذا كبر خطرها، هناك صغائر و هناك كبائر، فكلما ازداد الخطر الذي ينتج عن المعصية يزداد حجم المعصية، وكلما قلّ الخطر الذي ينجم عن المعصية يقل حجم المعصية، فما من آية بالقرآن الكريم، وما من معصية ذكرت في القرآن الكريم توعد الله مرتكبيها بحرب من الله ورسوله كمعصية الربا، المعصية الوحيدة التي توعد الله مرتكبها بحرب من الله ورسوله هي معصية الربا، لماذا؟ لأن هذه المعصية لها آثار سيئة في المجتمع بأكمله، أي مجتمع بأكمله يمكن أن يضطرب، يمكن أن يدمر، يمكن أن ينسحق من خلال هذه المعصية الخطيرة التي تفشت بالعالم كله. نتائج معصية الربا :
أول نتيجة خطيرة من نتائج معصية الربا، أن الربا يمنع من إنشاء المشروعات المفيدة للمجتمع، والإنسان بالأساس يريد أن يستثمر ماله ليأخذ منه عائداً يعود عليه، فهذا الاستثمار إما أن يكون في مشروعات نافعة وإما أن يكون عن طريق الربا.
الأصل أن المال إذا ولّدته الأعمال فهذه مشروعات بناءة ومفيدة، وتعود بالخير على المجتمع كله، أما المال إذا ولده المال فقط فهذا هو الربا.
الربا يعني أن المال يولد المال من دون أعمال، أما الأعمال إذا ولدت المال، فهذا يشير إلى أن صاحب العمل الذي ولد المال استفاد وكذلك المجتمع استفاد.
أيّ مشروعٍ زراعي، أيّ مشروعٍ صناعي، أي مشروع تجاري، أي مشروع خدمات مع أن أصحابه يربحون لكن هم يطرحون خدماتهم أو بضائعهم أو منتجاتهم على تنوعها في المجتمع، وإذا طرحت هذه المواد، أو تلك المنتجات، أو هذه الخدمات، انخفضت الأسعار، وهذه قاعدة صحيحة، والشواهد كثيرة جداً، عندنا قاعدة وهذه القاعدة أشرت إليها في الدرس الماضي؛ تصور مخروطاً ومحوراً، هذا المخروط هو مؤشر الأسعار، والدوائر متعاقبة، وأوسع دائرة في القاعدة ثم تصغر هذه الدوائر إلى أن تتلاشى في القمة، الدوائر تمثل الشرائح المستفيدة من هذه السلعة، أو هذه المادة المُنتَجة، أو هذه الخدمة، والمحور يمثل ارتفاع السعر، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المستفيدين منه، وهذه قاعدة ذهبية.
توافر المواد يخفض سعرها، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء، هناك بعض المواد حينما كانت ممنوعة كان سعرها مضاعفاً فلما سُمح باستيرادها وأصبحت مبذولة بين أيدي الناس انخفض سعرها إلى النصف.
الإنسان حينما يوظف أمواله في مشروعات إنتاجية يسهم بشكل أو بآخر بخفض الأسعار، والأسعار إذا انخفضت اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء.
فلو أن إنساناً أسس مشروعاً بقرض ربوي هل يستطيع أن يبيع سلعته بسعر يساوي سعر مشروع أسس من دون قرض ربوي، سؤال دقيق، فهذان مشروعان بحجم واحد، في اختصاص واحد، بسلعة واحدة.
مشروع أسس بقرض ربوي بحسب التكاليف وأحد هذه التكاليف الفائدة، وَضَعَ التكاليف ووضَع هامشَ ربحٍ وطرحَ السلعة في السوق.
المشروع الثاني القرض الحسن غير ربوي، وضعَ التكاليف ووضَع هامش الربح وطرحَ السلعة في السوق، أيّ السلعتين أعلى سعراً؟ سلعة المشروع الربوي. هذا بشكل مبسط.
أيّ مشروع بني على قرض ربوي يطرح سلعه بأسعار مرتفعة، الربا من هذه الزاوية يسهم برفع السعر، وإذا أسهم برفع السعر قلت نسبة المنتفعين، وإذا قلت نسبة المنتفعين اضطر المنتج أن يخفض إنتاجه، انظروا إلى هذه الحلقة المفرغة، انخفض الإنتاج.
أخطر شيء في الربا :
هناك قصة ترويها كتب الاقتصاد، الكساد الخطير الذي كان في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين والذي كان في أوربا، طفل صغير كادَ يموت من البرد سأل أباه: أين الفحم يا أبتِ؟ فوالده فُصِل من عمله لماذا؟ لأنه يوجد كساد بالفحم في المناجم ولا يوجد بيع فاستغنوا عن العمال، فلما سأل الابن أباه لماذا لا يوجد عندنا فحم؟ قال: يا بني لكثرة الفحم، ليس عندنا فحم نتدفَّأ به لوفرة الفحم في المعامل، فالفحم متوافر لأنَّ سعره مرتفع فصار كساد وصارت بطالة، والذي ترك عمله ليس في إمكانه أن يشتري فحماً يتدفَّأ به.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/02.jpg
القضية خطيرة جداً، قضية قوانين اقتصادية، هذا المحور المخروط؛ انتبهوا إليه، كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج، والبضائع تتكدس في المستودعات، ويخفضون الإنتاج، وإذا خفض الإنتاج استغنوا عن العمال ووقعت بطالة.
أخطر شيء في الربا أنه يصرف الناس إلى استثمار أموالهم بطريقة الربا المريحة، ويبعدهم عن استثمارها بالمشروعات الناجحة، هذا أول شيء، كانوا قبل سنوات عديدة يقيسون قوة الدولة الاقتصادية بمدى التغطية الذهبية لعملتها الورقية، وهذا المقياس أصبح فاسداً، أما الآن فالقوة الاقتصادية في أمة هي القدرة على الإنتاج، إذا كان عندها منتجات وتصدر أكثر مما تستورد فهذا البلد أو هذه الأمة قوية، إذاً الربا يسهم في صرف الأموال لا إلى مشروعات إنتاجية نافعة، بل إلى الاستثمار عن طريق الفائدة، وهذا يسهم في رفع الأسعار، وفي قلة المستفيدين من منتجات زراعية، أو صناعية، أو خدمات، وهذا يؤدي إلى البطالة.
أحد العلماء الاقتصاديين في العالم الغربي يقول: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى.
تصور إنساناً لا يعمل، يستيقظ الساعة الثانية عشرة ظهراً، لأن أمواله مستثمرة في مشروع ربوي، وربحه ثابت، لا يهمه نزلت المطر أم لا، ويقول: بلا مطر أفضل، ولا يهمه كساد ولا يهمه رواج، لا يهمه تقدم الأمة، فربحه ثابت، لذلك أقسى قلب هو قلب المرابي، أو الذي يستثمر ماله عن طريق الربا لأنه لا يوجد عنده مشكلة.
أما المزارع فقد أقسم لي بعضهم أن بعض المزارعين حينما هطلت الأمطار انهمرت مع الأمطار دموعهم فرحاً بهذه الأمطار، ترى المزارع متعلقاً برحمة الله، التاجر يشتري البضاعة ويقول: يا جبار تخرج من أعماق قلبه، مرة قلت لتاجر: هذا القماش جميل، فقال لي: ليس القماش جميلاً ولكن الذي يباع هو الجميل.
المرابي بما أن ربحه ثابت ودخله لا يهزه شيء، لا قحط السماء ولا كساد البضاعة ولا قانون ولا شيء آخر، فقلبه قاسٍ.
المال إذا ولد المال عمّ الشقاء :
لو فرضنا أنك ممنوع بمجتمع مسلم أن تستثمر مالك إلا في الأمور الإنتاجية، وأنك ممنوع عليك استثمار المال بالربا، فعندئذ ليس لديك إلا منفذ واحد وهو المشاريع، وكل مشروع يعين على الرخاء، ويعين على توافر الحاجات، لأن أصحاب المال استثمروا أموالهم في مشاريع نافعة، دمشق تعاني أزمة مواصلات حادة جداً يقول المواطن: انتظرت ساعة ولم أجد سيارة، هذه الأموال الضخمة التي استثمرت بالنقل، هذه الحافلات الصغيرة أصحابها ربحوا أو لم يربحوا، لكنَّهم حلوا مشكلة، وأصبح تنقُل الناس ببساطة وسهولة، قال لي إنسان: على بعض الخطوط مئتان وسبعون حافلة، وإذا اصطفت وراء بعضها تملأ الخط بكامله، عندما المال يستثمر في مشروعات إنتاجية أو خدمات يعم الخير على الناس كلهم، تكاد تكون أزمة المواصلات حلت في دمشق نهائياً عن طريق هذه السيارات، تصوروا أصحاب هذه السيارات لو أخذوا أموالهم ووضعوها في بنوك أجنبية وجاءتهم الحوالات كل شهر بالعملة الصعبة، وأنفقوها على حاجاتهم الشخصية من دون أن يشعروا أن لهم علاقة، فالأزمة تزداد إحكاماً.
المال إذا ولد المال عمّ الشقاء، والأعمال إذا ولدت المال عمّ الرخاء، عندنا خياران: إما أن تستثمر هذا المال بالطرق الربوية، وإما أن تستثمرها بالمشاريع الإنتاجية، تقول لي: أعمال العِمارة جيدة، وتاجر العمار يقدم بيوتاً للناس، وكلما كان متجاوباً مع حاجاتهم أفاد واستفاد، والشابُ يحتاج إلى غرفتين، ويريد أقل سعر ممكن، وأنا أرجو الله عز وجل أن يتجه تجار البناء إلى إنشاء وحدات سكنية صغيرة جداً، تلبي حاجة الشباب الفقراء بأقل تكلفة ممكنة، إنشاء مشاريع سكنية، وإنشاء مشاريع زراعية، وتجارية، ومشاريع صناعية، ومشاريع خدمية، كلّها تنهض بالأمة، ونحن عندنا قاعدة يجب الأخذ بها: لا يجوز أن يلد المال المال، والمال لا يولد إلا من خلال الأعمال، وإذا اتجه المال إلى أن ينمو من خلال الربا والفوائد تعطلت الأعمال، وقلّت الخدمات، وقلت السلع، وقلت المنتجات، وارتفعت الأسعار، وانقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة تملك ولا تعمل، وطبقة تعمل ولا تملك، طبقة عاطلة عن العمل وهي طبقة المرابين، وطبقة تعمل ولا تملك و كل جهدها لا يكفيها قوت يومها، لذلك الأجانب حكموا عقولهم وقالوا: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى في مهنهم ويصيرون مرابين. أما انخفاض سعر الربا فإنه يتيح فرصة لتطوير الأعمال والصناعة والزراعة وينفخ الروح في صناعتنا الميتة.
صفات المجتمع المتخلف :
مفكر غربي لا علاقة له بالقرآن، ولا بالربا، ولا بالتحريم، لكن من زاوية موضوعية رأى أن الربا إذا عمّ المجتمع أوقعنا في شر أعمالنا.
أحد الشيوخ العلماء يقول: إذا جرى نمو المال عن طريق الربا أفضى إلى ترك الصناعات و الزراعات التي هي أصول المكاسب، فلدينا بديلان إما أن تستثمر المال عن طريق الربا، ويتخلف فينا كل شيء، وإما أن تستثمره عن طريق مشاريع نافعة فنرقى جميعاً بها.
الإمام الفخر الرازي يقول: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدراهم إذا تمكن عن طريق عقد الربا من تحصيل الدراهم الزائدة نقداً أو نسيئة خفّ عليه اكتساب المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة.
والإنسان إذا كان غير مؤمن فليس معقولاً أن يبذل جهداً شاقاً، ويتحمل مخاطر شديدة حتى يربح بالمئة خمسة عشر أو عشرين في حين أنّ أيّ بنك أو أيّ مصرف في بعض الدول الأجنبية يقدم له هذا الربح نظير إيداع أمواله عنده، ثم يقول لك: أأنا مجنون لكي أعمل؟ أجل؛ هكذا يقول.
المجتمع الذي تستثمر أمواله عن طريق الربا مجتمع متخلف، بينما المجتمع التي تستثمر أمواله عن طريق المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مجتمع متطور ومجتمع ينمو، والقاعدة كلما توافرت السلعة انخفض سعرها، وإذا انخفض سعرها كثر المنتفعون بها، وإذا كثر المنتفعون بها عمّ الرخاء في المجتمع، وفي القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى:
﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الحشر : 7 ]
طرق استثمار المال:
المال أخطر ما فيه أن يتجمع في أيدٍ قليلةٍ، ويمكن أن نقول: إذا تجمعت الكتلة النقدية بين أيدي الناس ولا أعرف كم هي، قد تقول لي: خمسة آلاف مليون أو أكثر، والرقم كبير جداً فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تطغى، لكن هذه الكتلة إذا كانت موزعة في أوسع شريحة فنحن بخير، أما إذا تجمعت في أقل شريحة فالشقاء يعم، أمن العدل أن واحداً يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً، وهذا سبب كل المشكلات والاضطرابات والثورات وأعمال العنف.
حدثني أخ كريم يعمل في الأمن الجنائي أنه مع ضيق المكاسب وقلة الأعمال ارتفعت نسبة الإجرام إلى عشرة أمثال تقريباً، والعالم الغربي يعاني أخطر ما يعاني من البطالة، بأرقام دقيقة جداً، خمسة ملايين أو عشرة ملايين إلى درجة أن ثلاثة عشر بالمئة من القوى العاملة بلا عمل بسبب استثمار الأموال عن طريق الربا.
أما إذا استثمرت عن طريق المشروعات عمّ الرخاء، وهذه أول نقطة، المال إما أن تستثمره عن طريق الربا، أو عن طريق المشاريع الإنتاجية ، في الحالة الأولى يؤدي الربا إلى تخلف الأمة، وبالحالة الثانية تتقدم الأمة عن طريق الرخاء الاقتصادي.
بعض علماء الغرب يقول: إلغاء نظام الربا يوسع نطاق الاستثمار.
الربا أحد أسباب البطالة :
الشيء الثاني أن الربا أحد أسباب البطالة وهذه أشرت إليها في الدرس الماضي، فلا تتصور مشروعاً تجارياً أو صناعياً إلا وآلاف المصالح متعلقة به، عندك محل صغير فلابد من فواتير، إذاً فلا بد من مطبعة، و المطبعة تحتاج إلى خطاط، والمطبعة تحتاج إلى ورق، فلا بد من الاستيراد، والمستورد يريد محاسباً، والمحاسب يحتاج قرطاسية والقرطاسية... عمل متسلسل، عندما أنت تقيم مشروعاً يجب أن تُشغّل عشرات الألوف وأنت لا تدري فأنت مضطر أن تشتري حاجات، وخدماتٍ، تريد شاحنة والشاحنة لها من يصلحها من حين إلى آخر، وتحتاج زيتاً وقطع غيار، والذي يصلحها لك عنده موظفون يعطيهم معاشات، فالدولاب إذاً دائم الحركة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/04.jpg
ذات مرة قلت لكم: إنه لفت نظري شخصان في مكان، أحدهما صاحب معمل تطريز قال للآخر: بعنا السنة الماضية بيعاً مذهلاً، فسأله: ما السبب؟ قال له: كانت الأمطار غزيرة في الحسكة و في الجزيرة، وهو يصنع قماش تطريز و هذا بيعه قليل جداً، و لكن لأن الإنتاج الزراعي وفير جداً فالفلاح عندما اغتنى اشترى لزوجته أقمشة من الدرجة العالية، إذاً الحركة عبارة عن عجلة إذا دارت كل شيء يدور معها، فأول أضرار الربا أنه يسهم في البطالة، المرابي لا يوجد عنده غير حركة واحدة أن يضع المال بالمصرف و يأخذ إيصالاً و يقبع في بيته، لا يريد محاسباً، و لا يريد شاحنة، و لا يريد مطبعة، و لا يريد فواتير، ولا يريد أي شيء آخر، حينما أودع ماله في المصرف و قبع في بيته تقاضى الفوائد وقد يقول لك: و الله الحمد لله عندي دخل أعلى من حاجتي بكثير، و هناك نقطة هامة، هي نقطة خطيرة جداً وهي: أن الإنسان عندما يعمل يحقق وجوده، والقابع في بيته تجده في خلاف مع زوجته، وكل يوم هناك عراك طوال النهار، تطلب منه مغادرة البيت، وأن يتغيب عن المنزل لتتفرغ للعمل من دون تدخلاته، فالعمل يحقق ذات الإنسان، وعندئذ كل إنسان يأخذ دوره الحقيقي بالمجتمع.
إذاً الربا يسهم في انتشار البطالة، وهناك أرقام مخيفة في بريطانيا، فعدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين شخص بنسبة أربعة عشر بالمئة من مجموع العمال، طبعاً هذه الإحصاءات كثيرة جداً والآن الغرب يعاني من مشكلات كثيرة، وأسبابها:أولاً الربا، وثانياً حلول الآلة محل الإنسان.
فمثلاً كنا لكل نول نريد عاملاً يراقبه. وبالآلة تمّ الاستغناء عن آلاف العمال.
حدثني أخ كان بفرنسا قال لي: مئة نول تراقبها كاميرا تلفزيونية واحدة، فإذا كان في معمل ألف نول، عوضاً عن ألف عامل يكفي خمسة عمال و مراقب على الشاشة فقط، وكذلك التقدم التكنولوجي الحديث جداً ساهم بالبطالة، يقولون: إن أحد الكتاب عمل عملاً فنياً أدبياً مفاده أن التقدم العالي جداً في الصناعة له منعكس اجتماعي خطير ساهم بالبطالة أيضاً، أيْ بما أن كل شيء يحل عن طريق أجهزة التحكم الآلية فلم يعد هناك دور للإنسان، إنسان خارج الفضاء مثلاً عاد بعد ألفي سنة يجد الأمر تبدل تبدلاً جذرياً، كل شيء عن طريق الآلة و الإنسان لم يعد له عمل، فنحتاج إلى موظف من بني البشر فيتقدم ملايين يأخذون شخصاً واحداً، والباقي ينتحرون مللاً.
العمل يحقق وجود الإنسان :
إذاً العمل يحقق وجود الإنسان، و من دون عمل تفسد حياة الإنسان، أي أنّ الفراغ أحد أسباب الفساد الفكري و الخلقي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/05.jpg
إذاً الربا يسهم أيضاً في البطالة الاجتماعية، و البطالة خطيرة جداً، والفراغ خطير بالنسبة للشباب، وإذا كان الآباء قد أكرمهم الله بأبناء صالحين، فالابن الصالح أحد أسباب صلاحه انهماكه في عمل، أو دراسة، ويكون وقته مليئاً، أما إذا كان بلا عمل أو بلا دراسة فهذا الفراغ أحد أسباب الفساد، والربا بشكل أو بآخر يسهم بفساد الإنسان، والعاطل إنسان فاسد، بالمناسبة لكي لا أتجنى على بعض الأخوة كل إنسان يطلب علماً دينياً، أو غير ديني فهذا ليس عاطلاً، والذي يطلب العلم هذا إنسان عامل من أعلى درجة، فطلب العلم أعلى درجة، فإذا كان الإنسان لا يعمل لكنه يدرس أو يطلب العلم لا يجوز أن يسمى هذا عاطلاً أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه شريك يشكو شريكه طالب العلم، قال له: "لعلك ترزق به".
الربا معصية تسبب الشقاء :
عندنا شيء آخر أن الربا يسبب شقوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية، أنت عندك حالان وأنت بحاجة للمال، فلديك طريق رحماني وطريق شيطاني، الطريق الرحماني أساسه القرض الحسن، والطريق الشيطاني أساسه القرض الربوي، ومع انتشار القرض الربوي تضعف همة الناس للقرض الحسن، أول كلمة يقولها لك: معقول أن أجمد مالي؟ فكلما انتشر القرض الربوي تضاءل القرض الحسن، فالقرض الربوي عرّفوه أنه يساعد المدين كما يساعد حبل المشنقة على إنهاء حياة هذا الإنسان، كلما مضى يوم يدفع فقط الفوائد لا غير ويبقى الدين كما هو، وهذه المشكلة تعانيها الدول الصغيرة مع الدول الكبرى، فلو كانت قروضها كلها ربوية فإنك ترى خلال عشر سنوات أو عشرين سنة يسددون فقط الفوائد وأصل القروض ثابت، إذاً الناس يطلبون المساعدة عن طريق الربا، وهذا القرض لا يساعد بل يسحق، لأن المطلوب أن يوفي أصل الدين، وعليه أن يوفي الفوائد المركبة، والإنسان بالأساس فقير وحَمَّلْته فوق طاقته، فقد تقترض مئة ألف وتجد أربعين ألفاً فوائدها، وقَّع العقد على مئة وأخذ ستين، انتفع بستين وعليه أن يدفع المئة، فلو أراد أن يعمل بها عملاً صار رأسماله قليل والمطالب كثيرة جداً، فالقرض يسبب شقاوة للمقترض وليس مساعدةً له، لذلك تجد في بعض البلاد وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمثل هذا هناك مؤسسات للإقراض الحسن، مؤسسة للزكاة والإقراض الحسن، والقرض له فائدة كبيرة جداً، وليس كل إنسان يأخذ مساعدة، بل قد تجد إنساناً له قيمته وكرامته وعزته لا يحتاج إلا إلى قرض حسن، أما القرض مع فائدة ففوق طاقته يجب أن يسدّد أصل الدين والفوائد المركبة. أما القرض الحسن فيحل مشكلة كبيرة جداً، لذلك نرى القرآن الكريم شَجّع على القرض الحسن وعدّه عملاً صالحاً وشدد على القرض الربوي وعدّه معصية كبيرة.
في بعض بلاد شرق آسيا يولد الإنسان وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين، لأن القروض كلها تتنامى بفوائد مركبة، فولد مديناً وعاش مديناً ومات مديناً.
المرابي كأنه مصاص دماء يأخذ دماء الناس وتعبهم وعرقهم وكل جهدهم ولا يكفي ذلك كله لسداد ما عليهم.
قرأت في الجاهلية قبل الإسلام أحياناً كانت تصل نسبة الربا إلى ألف وثلاثمئة بالمئة، ثلاثة عشر مِثلاً، فالقرض الربوي أساسه الاستغلال والقرض الحسن أساسه الإحسان، بين أن تستغل حاجة الناس وبين أن تحسن إليهم فبينهما مسافة كبيرة جداً.
سبب تحريم الربا:
ابن القيم وهو من كبار العلماء المجددين يقول: الربا جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيد في المال، وكلما أخّر زاد في المال حتى تصير المئة آلافاً مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر بزيادة ما يبذله له تكلف لذلك ليفتدي من أثر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى آخر، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته، لذلك قال الله تعالى:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
[ سورة البقرة : 276]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/06.jpg
إن الفوائد قد تستغرق كل الممتلكات وكل شيء تملكه فيربو المال على المحتاج من غير نفع يجنيه، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، المستقرض سُحق ومص دمه، والمرابي سَحق ماله ومُحق من دون أن يفعل خيراً، فيأكل مال أخيه بالباطل ثم يمحق، ويقع أخوه في غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا.
لا تستغرب أحياناً أجر القرض الحسن عند الله سبحانه لا يقل عن أجر الصدقة، لأن القرض الحسن له أصحابه، والصدقة لها أصحابها، فالذي لا يقبل صدقةً تُحل مشكلته بالقرض الحسن.
الإمام الفخر الرازي يقول: السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض.
مادام يوجد قرض بفائدة فلا تجد معروفاً بين الناس، لأن الذي يأخذ فائدة على قرضه شعر أنه كسب، أما الذي يقرض قرضاً حسناً فإن كان ضعيف الإيمان شعر أن ماله تجمد بلا فائدة، فكلما شاع القرض الربوي قلّ القرض الحسن، شاع الاستغلال وقلّ الإحسان، وشاع التحكم وقلّ التواصل، شاعت القسوة وقلّ التراحم، وربنا عز وجل قال: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وإذا رآنا يقسو بعضنا على بعض إذاً نحرم رحمة الله عز وجل.
الربا إذا حُرِّم - هذا قول الفخر الرازي- طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حلّ الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان. استثمار المال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً :
بالمناسبة هناك موضوع حساس فقد شاع بالبلد الاستثمار بنسب ثابتة، وهذه تشبه الربا تماماً، يعطيه مئة ألف ويقول له: أريد عليها ثلاثة آلاف بالشهر، تحت كلام لا نريد حسابات ومشاكل، وكل اثني عشر شهراً يتقاضى ستة وثلاثين ألفاً، يا ترى الذي أخذ هذا المبلغ ربح ستة وثلاثين بالمئة؟ إذا ربح سبعين بالمئة فممكن أن يكون مرتاحاً بالدفع وإذا ربح ستين بالمئة أعطى أصحاب الأموال أكثر مما ربح، وإذا ربح ستةً وثلاثين صار خادماً مجاناً.
أيها الأخوة الكرام، القضية خطيرة ومنتشرة جداً حتى إن أناساً يصلون ورواد مساجد يقول: أريد على المئة ألف ثلاثة آلاف بالشهر، ويرفض ألفين وخمسمئة مثلاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4672/ar-4672/07.jpg
هذا هو الربا، النسبة الثابتة، فأي استثمار للمال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً، أحياناً بشكل آخر يقول لك: أنا أريد أن أشتري بيتاً وأملك نصف ثمنه، فيأخذ قرضاً من شخص يساوي نصفه الآخر، ويعدّه مؤجراً، ويعطيه على القرض مبلغاً، الصورة عقد إيجار لكنه عملياً ربا، متى يصح أن تعطي إنساناً مئة ألف وتساهم معه في شراء بيت وتأخذ أجرة؟ هذا البيت لو صار ضمن مشروع تنظيمي، وأموالك ذهبت لأنك أنت مالك، وكذلك لو صارت مشكلة والأسعار هبطت ومبلغك قَلَّ، أما أنت فتريد مبلغك كما هو وتريد أن تأخذ عليه أجراً في هذه المدة، الصورة عقد إيجار أما الحقيقة فعقد ربوي، وكلكم يعلم أن المرابين في بلاد كثيرة يأخذون شكلاً آخر، المرابي في دولة تمنع الربا يضع سجادة على باب المحل أي إنسان مقترض للربا يقول له: أتبيعني هذه وهناك عبارة مشهورة أتبيعني هذه السجادة بألف؟ يقول له: بعتك إياها، أتبيعني إياها ديناً؟ يقول له: بعتك إياها، يكتب في دفتر الذمة من فلان ألف ليرة ثمن سجادة وانتهى العقد، ثم يقول له: أتشتريها مني بثمانمئة يقول له: اشتريتها ويعطيه ثمنها نقداً، ما الذي حصل؟ دفع الثمانمئة وسجلت ألفاً، فهذا عقد ربوي، أما في الصورة فسجادة تباع شكلاً وتشترى وهماً.
خالق الكون ألا يعرف هذا؟ أتنطلي عليه هذه الحيلة، وأحياناً تكون الحيلة على شكل صندوق شاي ومرة على شكل سلعة ما، لا يوجد غيرها يبيعها باليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويسجلها ويشتريها نقداً ويدفع ثمنها، ففي دفتر الحسابات سجل ألفاً ودفع صاحبه ثمانمئة، وهذا عقد ربوي.
الإنسان حينما يسلك سبيل الحيلة الشرعية فهذا إيمانه بالله صفر، لا يعرف الله أبداً، ولكني أقول لكم وأكرر: أكثر شيء شائع بين المسلمين وبين رواد المساجد الاستثمار بنسب ثابتة وهذا يلتقي مع الربا تماماً من دون شك.
واستئجار البيوت؛ ساعدته في شراء بيت وأخذت أجرة إلى حين أن يوفيك القرض، فهذه الأجرة هي فائدة في الحقيقة، أما إذا ساعدته في شراء بيت وكتب باسمك وأخذت أجرة فهذا حلال، وبعد أن ينتهي وبعد حين يمكنك أن تبيع حصتك بسعر السوق، أو أن البيت إذا صدر بحقه قرار تنظيم وصار مستملكاً ونزل سعره أو ارتفع سعره وأنت مالك والمالك ضامن فلك ذلك.
والإمام الفخر الرازي يقول أيضاً: إن الفقراء الذين يشاهدون أنه أُخذتْ أموالهم بسبب الربا يلعنون المرابي ويدعون عليه.
شيء طبيعي جداً المال شقيق الروح، وكل إنسان أخذ من أموالك فوق طاقتك تلعنه وتتمنى دماره، أما الذي أعانك بقرض حسن فتدعو له، وشتان بين من يدعو لك وبين من يدعو عليك.
الربا أحد أسباب الحروب بين الدول :
وهناك من يقول: إن الربا أحد أسباب الحروب بين الدول، القروض الربوية التي أرهقت كاهل بعض الدول الفقيرة هي سبب حروب طاحنة، و سفك دماء كثيرة، إذاً: اجتماعياً، الربا يجعل تقاطع الصلات بين أفراد المجتمع، ويسبب البطالة، ويسهم في غلاء الأسعار، ويحرم البلاد قيمة المشاريع الإنتاجية، ولهذه العلل كلها البطالة والغلاء والعداوة وعدم إعمار الأرض، لهذه الأسباب كلها حرّم ربنا جل جلاله الربا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 275 ]
الملخص أن المال لا ينبغي أن يلد المال، والأعمال وحدها هي التي يمكن أن تلد المال، وبهذا تتوزع الكتلة النقدية بين أفراد المجتمع جميعاً، ويعم الرخاء، وتنهض الأمة، وما هذا الوعيد الخطير في القرآن الكريم للمرابين إلا بسبب أن الربا يعم ضرره الأمة كلها ويؤدي إلى هوانها وذلها.

السعيد
09-17-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : التدابير للاحتراز من الربا






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، ففي الدرس الماضي بفضل الله تعالى تبين لكم المضار التي تتحقق من أكل الربا، وهي كثيرة جداً من أبرزها: ارتفاع الأسعار، ومن أبرزها انتشار البطالة، ومن أبرزها وقوع العداوة والبغضاء والحقد بين طبقات المجتمع، ومن أبرزها أيضاً حرمان الأمة من أي مشروع إنمائي يعود بالخير عليها، هذه بعض مضار الربا التي تبينت لكم في الدرس الماضي.
وفي الدرس قبل الماضي تحدثنا عن ربا القروض وهو ربا القرآن، وهو ربا حقيقي، وهو الربا الجاهلي، وعن ربا البيوع وهو الربا المحمول على الربا الحقيقي ربا السنة، لأن السنة حرمته، وهو الربا الخفي، وإن ربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي، وبينت لكم أن هذا التحريم متعلق بالفطرة، فالإغريق والرومان وفلاسفة الأرض في قديم الزمان وجدوا في الربا تحطيماً للمجتمع، والأصل في ذلك أن المال لا ينبغي أن يلد المال، إذا ولد المالُ المال تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة لكن الأعمال النافعة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية هي التي يجب أن تولد المال.
وذكرت لكم مرات كثيرة كيف أن هناك مخروطاً يمثل موضوع الربا. فمحوره إن صحّ التعبير هو السعر، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة المنتفعة من هذه السلعة، وإذا ضاقت الشريحة صار التضخم النقدي، وانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة غنية مترفة وطبقة محرومة ونشأ الصراع. وكلُّ ما يجري في العالم اليوم من صراعات هو بسبب تجمع الأموال في دول قليلة أو في أفرادٍ قليلين، وحرمان الكثرة الكثيرة من هذا المال، والوضع الذي أراده الله جلّ جلاله هو أن يكون المال متداولاً بين جميع أفراد الأمة، الكتلة النقدية يجب أن تكون موزعة بين الجميع ليعيش الجميع في بحبوحة، وفي وئام، وفي محبة.
هذا ملخص للموضوعات السابقة، ويجب أن تعلموا أن الله حينما يحرم شيئاً فلأنه خالق الكون، الصانع الرب العليم الخبير الحكيم، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 19 ]
إذا حرم الله شيئاً ينبغي ألا ننتهي من بيان مضاره، وكلما زدنا الأمر بحثاً تكشفت لنا مضار لم نكن نعلمها. الربا يدمر الأمة بكاملها :
مرة ثانية أقول لكم: ما من معصية توعد الله بها مرتكبها بحرب من الله ورسوله أشد من الربا، لأن الربا يدمر مجتمعاً بأكمله، وحينما تصبح السلع فوق طاقة الأفراد الشرائية، تصبح الطرق أمام الشباب مسدودة، فينزح الشباب، وكل شاب حينما يرى الطريق مسدوداً أمامه فحلمه الوحيد أن يهاجر من بلده، فإذا خلت الأمة من أبنائها، من اليد العاملة، من طاقتها الفكرية، من شبابها، أصبحت أمة منهارة، تعيش على فتات الأمم الأخرى، فالقضية متداخلة، والله جلّ جلاله حينما حرم الربا فمعنى ذلك أن الربا يدمر الأمة بكاملها.
لكن الآن آمنّا أن الربا حرام وصدقنا، فكيف نتقي الوقوع في الربا؟ وهذا درسنا اليوم.
التدابير العامة الواقية من الربا :
ما هي التدابير العامة الواقية من الربا؟ ما البديل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/01.jpg
أين النظام الاقتصادي في الإسلام؟ ما البديل الذي يحقق مطالب الناس؟ الحقيقة هناك ملاحظة أحبّ أن أضعها بين أيديكم الآن، النظام الإسلامي نظام متكامل، أي مستحيل أن تأتي إلى إنسان مادي النزعة مقطوع عن الله عز وجل وتقول له: إياك أن تقرض قرضاً بفائدة لأنه حرام، فيتهمك بالجنون ويقول لك: أأجمد أموالي؟ ويحدثك عن التضخم النقدي، وعن انهيار العملة، وأن كل قرض حسن إتلاف للمال.
أيها الأخوة، هذا النظام الإسلامي نظام متكامل فحينما يكون الإنسان مؤمناً بالله، مؤمناً بما عند ربه من إكرام في الآخرة، مؤمناً بمهمته بالحياة، مؤمناً بدوره الإصلاحي، حينما ينقل كل اهتماماته إلى الآخرة يرى في القرض الحسن قربة إلى الله عز وجل، لا تخاطب إنساناً مادياً بأحكام الشريعة التفصيلية، العوام والناس لا يخاطبون إلا بأصول الشريعة، بينما المؤمنون هم الذين يخاطبون بفروع الشريعة، وهؤلاء تقول لأحدهم: أنت مؤمن وهذا كلام خالق الكون فاصدع، ومع ذلك فالله جل جلاله مع كثرة الشُبه والمبادئ الهدامة والنظم الفاسدة بالمجتمع الحديث فالله جل جلاله وَفّر للأمة من يحلل لها الأمر الإلهي ويبين عظمته، وفوائده، وأبعاده، ومراميه، وكما أن هناك ضلالات فهناك بينات.
1 ـ الإيمان بالله :
درس اليوم ما هي التدابير الواقية من الربا؟ الحقيقة وبكل وضوح أقول لكم: إن التدبير الأول الواقي من الربا أن تكون مؤمناً بالله، إنك إن كنت جائعاً وأمامك طبق نفيس وسلاح مشهور أمام رأسك إن أكلت يطلق النار هل تأكل؟ مستحيل.
مبدئياً إذا آمنت بالله عز وجل آمنت به خالقاً، وأنَّ أمرك كله بيده، وأن كيانك وأن أموالك بيده، وأن الله قادر على إتلاف المال كله لأسباب بسيطة، والله جل جلاله قادر على أن يمحق المال، قادر على أن يجعل المال كله لا يجدي أمام عضو متعطل في جسدك. إذا آمنت بالله، وبما عنده من إكرام فيما لو أطعته، وبما عنده من عذاب أليم في الدنيا و الآخرة فيما لو عصيته، إيمانك بالله أكبر وقاية من أن تقع في الربا، وكل إنسان يقع في الربا ولا يبالي فاحكموا عليه حكماً قطعياً أن إيمانه بالله ضعيف.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/02.jpg
كنت سابقاً أضرب لكم بعض الأمثلة، منها أنّ أيّ إنسان يركب مركبة و الإشارة حمراء، و يقف الشرطي عندها وإلى جانبه سيارة فيها نقيب، وإلى جانبها دراجتان ناريتان، و هو مواطن عادي لا يتمكن أن يتلافى المخالفة، فهل يتجاوز الإشارة الحمراء؟ مستحيل، ما دام واضع القانون يطولك علمه عن طريق هذا الشرطي و ذاك النقيب و هؤلاء راكبي الدراجات النارية، و بأنك إذا وقعت في مخالفته تطولك قدرته، ويصادر المركبة، أو يسحب الإجازة، فأنت لن تعصي، بل مستحيل أن تخالف، إذا تعاملت مع الله بهذه الطريقة، وأن الله يعلم، وهو قادر عليك سيعاقبك انتهى الأمر، إذا أيقنت أن الله يعلم و أنه سيحاسب انتهى الأمر، انتهت علاقتك بالمعاصي كلها، كيف تعصي الله و هو معك؟ كيف تعصيه و هو سيحاسبك؟ فلذلك الإيمان أول واق من الوقوع في الربا، فكل إنسان يأكل الربا أو يوكله فهذا مؤشر خطير على أن في إيمانه ضعفاً شديداً، الدليل قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور: 51]
إذا قلت: سمعت و أطعت فأنت مؤمن، و إن قلت: سمعت و لم أطع فأنت لست مؤمناً، نص الآية واضح جداً، أنت مؤمن حينما تطيع الله عز وجل، أما حينما لا تطيعه فإيمانك بتعبير لطيف ليس بالمستوى الكافي ليحملك على طاعة الله، إذاً هذا الإيمان لا ينجيك، أي يمكن أن أقول لك: إيمانك تشوبُه قناعات ضبابية لكن لا ترقى إلى مستوى أن يمنعك من معصيته قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور: 51]
من لوازم الإيمان السمع و الطاعة وعدم الإصغاء إلى الشيطان :
شيء آخر: الإنسان حينما يتوهم أن للشيطان سلطاناً عليه فهو ضعيف الإيمان بآيات الله عز وجل، وهو سبحانه يقول:
﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 99]
أنت مخير، و علامة إيمانك المبادرة إلى الطاعة، و حينما تدّعي أن الشيطان وسوس لك فالجواب القطعي ليس له عليك من سلطان، و الحقيقة الدامغة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 36 ]
هذه ثلاث آيات، فمن لوازم الإيمان السمع و الطاعة، ومن لوازم الإيمان عدم الإصغاء إلى الشيطان، ومن لوازم الإيمان ألا تتردد في طاعة الله عندما يظهر لك أمره، دققوا في آيات الربا قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" يخاطب المؤمنين اتقوا الله أي اتقوا عقابه، اتقوا إتلاف المال، اتقوا محق البركة، اتقوا التدمير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 278]
وقف المفسرون عند قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
وقفات متأنية، قال بعض المفسرين: إذا كان إيمانكم تاماً شاملاً لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فذروا ما بقي من الربا، إن كنت متصفاً بهذه الصفة فافعل كذا فإن لم تفعل فلست متصفاً بهذه الصفة، كأن الآية تقول: من لم يستجب لهذا الأمر يحكم على نفسه بأنه غير مؤمن. أدلة من السيرة النبوية حول تحريم الربا :
والآن إليكم الأدلة من السيرة النبوية: "سيدنا العباس بن عبد المطلب و رجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرة، و هم من بني عمرو بن عمير، فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حينما نزلت هذه الآية " أيْ أنّ الصحابة استجابوا، وهم طبعاً كانوا يرابون، و كانوا يشربون الخمر، لكنهم عرفوا الله عز وجل فاستجابوا، وحينما حرمت الخمر كنت لا ترى في المدينة إلا الخمر تسيل في الشوارع، أهرقوا الخمر و كسروا الدنان و ارتاحوا.
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه- دققوا في كلامه- قال: "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا".
أي هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حلال، و هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حرام، و هناك أشياء مشتبهة، فعلامة الورع أن الذي اشتبه عليه يدعه ورعاً، يدعه و يستريح.
(( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/03.jpg
إذا اشتبه عليك أمر فدعه و استرح.
"تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا"، وروى الإمام البيهقي عن ابن سيرين أن أبي بن كعب رضي الله عنه أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردها عمر رضي الله عنه، وسيدنا عمر أمير المؤمنين عملاق الإسلام، سيدنا عمر الإمام العادل الرحيم، وأحد الصحابة الكرام يحب أُبَيّاً حباً جماً وله أرض فيها بستان و عنده فاكهة، ماذا فعل هذا الصحابي؟ قال: أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه طبقاً من فاكهة بستانه، وهذا شيء طبيعي جداً، ماذا فعل هذا الصحابي؟ سيدنا عمر ردها، الهدية ترد؟ لا ترد، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فهذا الصحابي الجليل ما زاد على أن قدم هدية لسيدنا عمر فردها عليه فقال أبي: يا أمير المؤمنين لِمَ رددت عليّ هديتي وقد علمت أني من أطيب أهل المدينة ثمراً؟ هذا بستاني أعمل به بعرقي وكدّ يميني، وهذه من ثمار بستاني وقدمتها لك هدية أسوةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: قد علمت أني أسلفتك عشرة آلاف درهم، وخشيتي أن يكون لهذه الهدية صلة بالقرض لذلك رددتها عليك.
فسيدنا عمر بن الخطاب لعلمه أن كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، فدار في خلده أنه لعل هذه الهدية قدمتَها إليّ مكافأة لي على أني أقرضتك عشرة آلاف درهم، وخفت أن يكون هناك من علاقة بين هذا القرض وبين هذه الهدية فرددتها عليك، مع أنك طيب ومالك حلال وأنت أخ كريم ولكن هذا الذي حملني أن أردها عليك.
أحد أصحاب رسول الله أرسل غلاماً ليتجر له بالمال، بعث غلاماً له بأربعة آلاف إلى أصبهان ثم بلغه أنه قد مات، فركب إليه أو أرسل إليه فوجد المال قد بلغ أربعة وعشرين ألفاً، ربح ستة أمثال، فقيل له: إنه قد كان يقرض المال بالربا فأخذ هذا الصحابي الأربعة آلاف رأسماله وترك عشرين ألفاً، فقيل له خذه قال: ليس لي، قيل: هبه لنا، فتركه ولم يأخذ منه شيئاً، لأنه سمع أن هذا الكسب فيه شبهة الربا، أخذ رأسماله ولم يلو على شيء.
وأنا أقدم لكم في هذا الدرس نماذج من ورع الصحابة هؤلاء الذين أحبهم الله عز وجل، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام في الآفاق، ما خرجوا بالإسلام إلا عندما كانوا ورعين ووقفوا عند حدود الله عز وجل. القرض الحسن و القرض الربوي :
الحقيقة ما الذي يحل محل الربا؟ قلت لكم من قبل: إنّ الإنسان له صفتان؛ إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مادياً، إن كان محسناً يقرض القرض الحسن، وإن كان مادياً يقرض قرضاً ربوياً، وهاكم مستوى أكبر من ذلك، سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول:" كنا نعد المقرض بخيلاً إنما كانت المواساة".
إذا كنت في بحبوحة وأخوك احتاج إلى مبلغ من المال إذا أقرضته فهذا عمل جيد وأنت إنسان محسن، ولكن الأرقى من ذلك أن تقدمها له هبةً، إذا أنت في بحبوحة وأخوك في ضائقة فلا تحمله عبء الدين.
في مجتمعنا المادي المقرض إنسان عظيم ومحسنٌ كريمٌ، لأنه يقول لك: أدنته المبلغ حين كانت قبل سنة العملة الأجنبية بسعر كذا، أما الآن فصار السعر مرتفعاً وخسرنا ولم نستفد شيئاً، وخسرنا سبعة عشر بالمئة ويحسبها، ربنا عز وجل قادر على أن يغرِّمك مئات الملايين عن طيب خاطر من أجل صحتك أليس كذلك؟ وأحياناً غلطة تجارية تُذهب المال كله، واعلم أنك تعامل الله عز وجل، فدع هذا القرض يسبب لك خسارة لكن أنت أرضيت الله عز وجل، إذا كان كل شيء بالحسابات فهذه مشكلة كبيرة.
على عهد الصحابة المقرض كان يعد بخيلاً، لِمَ لم تواسه بمالك؟ لماذا تقرضه؟ واسِهِ بمالك، الآن المقرض يعد محسناً إحساناً كبيراً، وإذا الآن إنسان مقرض أحب أن يقرض فإنه يقرض مَن قَرَضَهُ، قال لي أحدهم: أقرضني بسعر عملة أجنبية وارتفعت عشرة أمثال سعرها، باع البيت ولم يكف لسداد قرضه علماً أنه أخذ منه قرضاً ليكمل ثمن البيت فباع البيت كله ولم يكف سداد قرضه.
أسمعُ كل قصة عن ارتفاع العملات المفاجئ أو عن انخفاضها المفاجئ لا يحتمل، والإنسان قد يضطر أن يبيع كل شيء يملكه ولا يكفي لسداد ما عليه، واعلم أنك إن أردت أن تقرض فأقرض بالعملة المتداولة، هناك شخص أذكى قال له: سوف آخذ أسعار العملات كلها بالسوق المجاورة وأعمل وسطي لها وأُديّنك المبلغ على هذا السعر بعد أن تعيد المبلغ إليّ سوف آخذ جميع أسعار العملات وآخذ وسطيها وأطلب منك المبلغ وفقها وهذا هو القرض غير الحسن.
إذا أقرض فليفعل خيراً، ويجب أن يكون محسناً، يعمل للآخرة، وليذهب بعض المال، ولترقَ عند الله رقياً يكرمك في الدنيا والآخرة، سيدنا عمر ردّ عليه هديته خوفاً من أن يكون لها علاقة بقرض قدمه له.
التوبة السريعة سبيل من وقع في الربا :
الحقيقة إذا وقع الإنسان في الربا أو كان يتعامل تعاملاً ربوياً وعرف الله عز وجل فلا يوجد أمامه سوى حل واحد أن يبادر إلى التوبة مبادرة سريعة، فإن المؤمن الصادق يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا وأشار به إلى الذباب.
(( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا ))
[ البخاري عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/04.jpg
علامة إيمانك أن ترى الذنب كأنه جبل جاثم على صدرك، وعلامة ضعف إيمانك أن ترى الذنب كأنه ذبابة، يقول: ما الذي صار؟ يقول: لا تدقق، لا يسعنا إلا عفوه، ونحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان، الله لا يعاملنا بعملنا، يا الله لا تسألنا عن شيء، ويعتقد أنه ردّ شيئاً من توعّد الله له ولأمثاله بهذا الكلام، وكله كلام غير شرعي وليس له معنى، ربنا عز وجل قال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93]
العجيب: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
كرامتك على الله أن تكون مستجاب الدعوة، وهذه الكرامة لا تتحقق إلا إذا كان دخلك حلالاً، وذلك لحكمة أرادها الله عز وجل، لكن شيء مغرٍ بالنظرة المادية، شيء لا حرج منه، والقرض الربوي فيه ربح هذا بالنظرة المادية، أما بالنظرة الإيمانية فالقرض الحسن فيه رضى من الله عز وجل قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
سوء الظن عصمة والحزم سوء الظن :
أيها الأخوة الكرام، أقول لكم هذا الكلام لأنّ شريحةً بالمجتمع كبيرة جداً لا ترضى أن تأخذ صدقةً، ولكن القرض يحل لها أكبر مشكلة، قد نرى إنساناً يسأل الناس إلحافاً وهذه شريحة وهذه لها جهـات أخرى، بإلحاح، بلا حياء، بقسوة، بتكرار، وعنده عدة كاملة، مرة قال لي أخ: امرأة جاءت تشكو الفقر المدقع رق لها أعضاء اللجنة وهم واعون جداً قالوا: نريد أن نرى البيت، قالت: البيت جاهز يا سيدي، قال: دخلنا في اليوم التالي وجدنا بيتاً لا يحتمل حاله فهو قميء جداً ليس فيه شيء سوى بساط وإناء وموقد غاز، شيء يُبَكّي، أحد أعضاء اللجنة ما ارتاح لهذا البيت فجاء في اليوم التالي وطرق الباب فلم يجد أحداً فلما زاد في الطرق فتح الجيران وقالوا: ما شأنك؟ قال: أين أصحاب البيت؟ قالوا: ليسوا هنا هناك بيتهم، فذهب إلى ذلك البيت فإذا بيت فيه كل شيء وهذا من العدة الخادعة لأهل الإحسان يخدعونهم بها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/05.jpg
إنها شريحة اجتماعية تعودت التسول وتتقنه وهناك من يصنعون العاهات؛ ترى يده مجبصنة وهذا الجبصين خُلّبي، يده لا شيء بها، وعصابة على عينه وعينه سليمة، يضعون ولداً صغيراً أمامهم، بائس المنظر، يستدر العطف، فهذه شريحة اجتماعية مخادعة، وهذا تسول يجب أن يكافح، كما أنّ هناك شريحة ثانية تقبل المعونة وفقرها مدقع، وتطالعك شريحة ثالثة لا تقبل إلا قرضاً وهذا شيء جميل، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، عندنا شريحة أولى وشريحة ثانية وثالثة، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، لذلك إذا حسبنا القرض على حساب العملات والتضخم النقدي لا أحد يقرض أحداً، هذا حساب باطل يجب أن تنوي فعل الخير وليكن الثمن ما يكون، لكن ليس أيّ إنسانٍ قال لك دَيِّني فتديّنه، عليك أن تتحقق، والمؤمن كيّس فطن حذر فلا بد أن تتحقق.
احترس من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة، والحزم سوء الظن، إن بعض الظن إثم، وليس كل الظن سيّئاً.
تعرفه جيداً، وتعرف أمانته وعفافه، وتعرف حاجته إلى هذا المبلغ، ومعك المبلغ وتمتنع، إذاً فإيمانك فيه ضعف، أنا لا أدعوك لتلقي بمالك جزافاً، المفرّط أولى بالخسارة وهناك كثير من الناس يحتالون ولهم منظر مقبول.
رجل يريد أن يذهب إلى الحج ويريد أن يضع مالَهُ عند شخص، دخل إلى المسجد وتفرس وجوه المصلين، فوجد واحداً خشوعه جيد، فهو يغمض عيونه في الصلاة فقال في نفسه: هذا الرجل مناسب وأمين، فقال له: أنا أريد أن أضع عندك مبلغاً من المال لأني ذاهب إلى الحج، فقال له: أنا صائم أيضاً يا سيدي، فقال له: لكن صيامك لم يعجبني.
بقي علينا أن امرأة سألت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت لها: بعت زيد بن أرقم حاجة إلى العطاء بثمانمئة درهم وابتعتها منه بستمئة، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: "بئس ما اشتريت أو بئس ما اشترى، أبلغي زيد بن الأرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب قالت: أرأيت إن أخذت رأسمالي قالت: لا بأس".
أي صلاة، صوم، حج، عمرة، أعمال صالحة، وله دخل حرام فهذه قاصمة الظهر.
أول تدبير احترازي للوقاية من الربا أن تقوي إيمانك بالله، وإذا قوي إيمانك بالله قوي طمعك بما عنده من إكرام في الدنيا والآخرة، وإذا قوي إيمانك بالله قوي خوفك من الله.
الإيمان بالله يعني الطمع برحمته، والخوف من عذابه، فأول وقاية من الربا أن تعمق إيمانك بالله إلى درجة أنك تخاف أن تعصيه، وهذا أمره واضح.
2 ـ الحث على اتقاء الشبهات :
وهناك تدبير احترازي آخر: وهو الحث على اتقاء الشبهات، نحن ليس لدينا خلاف أبداً في الأشياء الواضحة، الحلال بيّن والحرام بيّن، فألف ومئتا مليون مسلم لا يختلفون على أن السرقة حرام، وعلى أن الزنا حرام، وأكل مال اليتيم حرام، وألف ومئتا مليون لا يختلفون على أن الصدقة قربة من الله عز وجل، الحلال واضح والحرام واضح، لكن الذي يهلك المسلمين هذه الشبهات، فالورع يراها تشبه الحرام، وغير الورع يراها تشبه الحلال، الشبهات هي التي ضيعت دين الناس، لذلك فالتدبير الاحترازي الثاني الذي يقيك من الربا أن تدع الشبهات.
يا أخي هذه القضية فيها شبهة ولها فتوى، وهناك فتوى أخرى معاكسة، الأورع أن تدع الأمر، ونحن عندنا قاعدة ؛ قاعدة الحوط والأشياء الواضحة واضحة، والأشياء غير الواضحة عندك لكنها عند العلماء واضحة إليكم الأدلة: من الشبه أن قضية بالفقه تشبه الحلال من جهة وتشبه الحرام من جهة، وهي تشبه شيئين مختلفين أو تشبه شيئين متناقضين، لما قلت له: هذه السجادة ثمنها ألف ريال قال: اشتريــت وقيدها عليّ بيع إيجاب وقبول وثمن مؤجل، ثم قال الشاري للبائع: أتشتريها مني؟ فهذا بيع ثانٍ، قال: أشتريها بثمانمئة ريال، الذي حصل أنه قيّد عليه ألف ريال دين وأعطاه ثمانمئة، هذه الحادثة تشبه البيع والشراء من جهة وتشبه الربا من جهة ثانية، كذلك قرض بفائدة، هذه الشبهة وهي شيء يشبه شيئين مختلفين، متضادين ومتعاكسين أحدهما حرام والثاني حلال.
الحقيقة موضوع الشبهات أنّ الأشياء إما أن يكون أصلها حلالاً، وإما أن يكون أصلها حراماً، وإما أن يشك في أصلها، الشيء الحلال لا تدخله الشبهات، والشك لا يلغي اليقين، والشيء الحرام لا يجعله الوهم حلالاً، الحرام يبقى حراماً، الوهم والشك لا ينقلان الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام، لكن أصل الشبه أن أصل الشيء مشكوك بانتمائه إلى الحلال أم إلى الحرام.
الفرق بين الوسوسة و الشبهة :
لكن هناك أناس يتهمون الورعين أنهم مصابون بالوسواس!!
الإمام الغزالي ضرب مثلاً على الوسوسة أنّ شخصاً صاد سمكة وقال: هذه حرام أن آكلها لعل واحداً صادها قبلي، ووقعت منه في البحر، وبعد أن تملكها وقعت منه فهي ملكه، وأنا إذا أكلتها أقع في الحرام. فهذه وسوسة وهي نطاقها واسع جداً.
لكن اتقاء الشبهات غير الوساوس، واتقاء الوساوس غير اتقاء الشبهات، وهناك فرق بينهما، إذا شيء أصله حلال وأنت توسوست منه فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف وأصله فيه شبهة فاتقاؤه ليس وسوسةً، وحينما تتقي ما كان أصله معروفاً حلالاً واتقيته وسوسةً فهذه هي الوسوسة، أما حينما يكون أصل الشيء مشكوكاً فيه وتركته فهذا ليس وسوسة هذه فضيلة، فالفرق بين الوسوسة وترك الشبهة أن الوسوسة تتعلق بما كان أصله واضحاً، واضح أنه حلال وأنت جعلته حراماً.
قال لي إنسان: هذه الكنزة أنا لا ألبسها، قلت له: لماذا؟ قال: هذه أجنبية وهي من عند الكفار قادمة، ولأن كانت من عند الكفار فما يضيرك؟ ولك أن تتعامل مع أهل الكتاب فالنبي تعامل معهم. والتعامل معهم لا يجعل الشيء الذي اشتريته من إنسان كتابي حراماً إذا كنت قد دفعت له الثمن.
الوسوسة و الشبهة و الورع :
الوسوسة إذا توجهت إلى ما كان أصله واضحاً فأضفيت عليه من بعض الأوهام أنه حرام فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف أو أصله فيه شبهة وتركته فهذا عين الورع، ومثال ذلك: النبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرة فما أكلها لماذا؟ خاف أن تكون من تمر الصدقة، وحرام عليه أن يأكل الصدقة، وحلال له أن يأكل الهدية، ومن علامات نبوته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فوجد مرة تمرة فقال:
((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فَيَأْكُلَهَا إِلا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/06.jpg
أهذه وسوسة أم ورع؟ هذا ورع إذ ليس معروفاً أصلها.
أما إنسان توضأ يقيناً ثم شك أن وضوءه قد انتقض وهو متوضئ، هنا دخل الوسواس، الشك لا يلغي اليقين، فهذا الذي يعيد وضوءه مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً هذا مصاب بالوسوسة والنبي علمنا نضح الثوب إذا شعرنا أن هناك من بلل، فهذا بلل صنعناه بأيدينا حتى نقطع باب الوسوسة.
الوسوسة حينما تتعلق بالحلال وتتوهم أنه حرام فهذه وسوسة، أما الشيء المشكوك في أصله فهذه ليست وسوسة.
يقول لك: أليس الله قال؟ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
تقول له: نعم يقول لك: لماذا نجدُ أشياء غير واضحة بالدين وأين كمال الشريعة؟ بماذا تجيبه؟ الجواب حديث رسول الله: ((عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
ماذا يعني هذا الكلام؟ أن هناك من يعلمها. وإذا كان كثير من الناس لا يعلمونها فمعنى ذلك أن هناك من العلماء من يعلمها قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل : 43]
الاستثمارات بمال ثابت كالربا تماماً :
يقول لك: لا شيء في هذا، أنا ساعدته في ثمن هذا البيت، ودفعت معه مئتي ألف، ويعطيني أجرة الآن، ومبلغي مضمون، ووعدني بسنة واحدة وينقدني المئتي ألف، وأتوقف عن أخذ الأجرة؟ هذا ربا مثل الشمس. هذا البيت إذا استملك فمبلغك مضمون يقول: طبعاً مضمون، والمبلغ دين أدنته إياه، هذه الأجرة ربا، إذا كان فعلاً أنت لك نصف البيت والبيت استملك فمالك عنده شيء، أو إذا احترق فليس لك عنده شيء، انخفض سعره فليس لك عنده شيء، وإذا ارتفع سعره تأخذ ضعف مبلغك هذا، من أجل أن تكون الأجرة حلالاً فهذه هي الطريقة الصحيحة أنك تملكت تمليكاً صحيحاً، فإذا كان عوام الناس لا يعلمون أن هذه شبهة فهناك من يعلمها.
كل الاستثمارات بمال ثابت تشبه الربا، أريد على المئة ألف أربعة آلاف بالشهر هذا ربا، ولا يعترف لا بربح ولا بخسارة.
فالجواب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، لكن العلماء يعلمونها وأهل الذكر يعلمونها، وأنت إذا كان شيء لا تعرفه فاسأل قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل : 43]
وقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان: 59]
((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
قال بعض العلماء تعليقاً على هذا الحديث: الواجب على من اشتبه عليه الأمر أن يتوقف ويستبرئ لدينه ولا يقدم إلا على بصيرة، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم، وذلك معنى الحمى الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام. دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ أصل في اتقاء الشبهات :
الحديث الآخر:
((عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/07.jpg
يقول أحد الناس: أنا أشتري الحاجات من السوق، يخفضون لي من السعر، والذي كلفني بشراء الحاجات لا يملك الخبرة ولي حق أن أضيف!! هذه فيها شبهة أنت أجير والأجير مؤتمن، اطلب منه أجرتك، أو بدل عطلتك، أو نسبة على المشتريات بشكل واضح لا تخفي عليه.
ألي حق أن أعطي هذا الصانع مبلغاً؟ نعم لكن من ربحك فهذا ممكن، أما أن تضيفه على المُشترى فمستحيل، هناك أشياء دقيقة جداً اسأل عنها. ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
العلماء قالوا ومنهم ابن القيم في إيضاح هذا الحديث: ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
هو أصل في اتقاء الشبهات.
سيدنا الصديق كلكم يعلم شرب اللبن ثم علم أن فيه شبهة، فغلامه تكهن لإنسان في الجاهلية قال له: أنا لا أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني هذا المال فاشتريت به هذا اللبن فأشربته إياك، عندئذ تقيأه رضي الله عنه. إعادة لما سبق :
أول تدبير: قَوِّ إيمانك بالله حتى يكون إيمانك هو الرادع، ومعنى إيمانك بالله أن ترجو ما عنده، وترجو رحمته، وتخشى عذابه، فإذا رجوت رحمته وخشيت عذابه كان هذا الإيمان وحده رادعاً لك من الربا.
والتدبير الثاني: إذا كان هناك مقالات واجتهادات متضاربة فأريح شيء وأسلمه دع ما يريبك إلى ما لا يريبك:
((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
بعض الحيل الشرعية :
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى سنتناول الحيل الشرعية وهذه الحيل الشرعية كثيرة جداً. ترى الإنسان المخاتل يتصور أنّ الله سبحانه وتعالى الذي أمر ونهى كطفل صغير، هكذا يتعامل مع الله بأن هذه الحيلة تنطلي على الله عز وجل.
فمن هذه الحيل: أنت تحب أن تجلس مع امرأة أخيك، ولكن كيف؟ هناك طريقة، كيف يا سيدي؟ خذ بنتاً صغيرة، عمرها سنتان، وأَعقد عليها قِراناً وادفعها لامرأة أخيك لترضعها، فبذلك أصبحت أمها من الرضاعة، وأصبحت حماتك. طلق البنت، وبعدها تستطيع أن تجلس مع امرأة أخيك طول العمر لابسة ملابسها أم لا، بحجاب وبلا حجاب.
ألم تعلم بأن الله يرى؟ فماذا تفعل. أتحتال على الله وأخيك؟
تدفع زكاتك وتضعها في داخل رغيف خبز وتعطيه لفقير وبداخل الرغيف خمسة آلاف ليرة وتقول له: أتهبني هذا الرغيف؟ يقول: نعم، ثم تعطيه خمس ليرات، وتستعيد الخمسة الآلاف كاملة، وهناك حيل من نوع ثانٍ ومنتشرة وفي الدرس القادم إن شاء الله سنتابع حديثنا عن الحيل الشرعية.
لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا ؟
ويطالعنا الآن سؤال كبير: لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا، وألف ومئتا مليون مسلم يموتون تحت عجلات طغيان الكفر؟ فالله عز وجل قال:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[ سورة غافر: 60 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4673/ar-4673/08.jpg
معنى هذا أنّ مشكلة في حياتنا قائمة، بل مشكلات. سمعت أنه بإحدى القرى يأتي بدوي عنده غنم لا يملك ثمن العلف - يقول لك: بيع سلم- يبيع كيلو الصوف بخمسين وثمنه بالسوق مئة وخمسون، فاشترى الصوف وثمن الصوف ستمئة ألف يقول لك: بيع سلم، هذا ليس معقولاً هذا أشد أنواع الربا، بيع السلم على العين والرأس، وهو تشريع إسلامي وهو معاونة الشاري للبائع.
إذا بعت سلعة وقبلت أن تأخذ ثمنها تقسيطاً وبالسعر النقدي بمعاونة البائع للشاري، بيع السلم معاونة الشاري للبائع لكن أنْ تأخذ ثلاثة أمثال وتشتري الصوف بخمسين وثمنه مئة وخمسون، وتأخذ صوفاً بمئتي ألف ثم تبيع هذا الصوف بستمئة ألف، وربحت مئتين بالمئة، عندما يكون بيع السلم هكذا فالاحتيال واضح، وكذلك بالبيع العادي هناك احتيال، و كل الأشياء المحرمة مغطاة ببعض الفتاوى الضعيفة الهزيلة، فمن هذا الدجل لا يستجيب الله سبحانه لنا. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
و تسعة أعشار المعاصي في كسب المال. الزنا :
عندنا أيضاً بعد هذه الموضوعات موضوع الزنا، أكثر شيء يوقع الناس بالمعاصي شهوة المال وشهوة الجنس، الحجب الكثيفة بين الناس وبين الله في هاتين الشهوتين، فإذا ضبطنا هذين الموضوعين عندئذ نطمع برحمة الله لنا. وإذا انتهينا من موضوع الربا ومن تدابيره الاحترازية ننتقل بمشيئة الله إلى موضوع الزنا وكل ما يتعلق به والتدابير الاحترازية.
ليس الزنا فقط هو الزنا المعروف، بل العين تزني كذلك وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، أي هناك زنا مخفف إذا وقع به الإنسان حجب عن الله، لذلك أيها الأخوة شعارنا:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
تحرَّوا الحلال من أجل أن الله عز وجل يستجيب دعاءنا، وعندها إذا دعونا على أعدائنا فالله يستجيب، لأن الله عز وجل لا يريد مسلمين وهميين بل يريد مسلماً حقيقياً وبين أيديكم قرآن وسنة ولاشيء من عندنا مع أدلة واضحة وقطعية وهي حق، لدينا قرآن ولدينا سنة ومنطق وواقع وفطرة كلها تتكاتف لإظهار الحق.

السعيد
09-17-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : الحيل الشرعية






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، وقد سار الموضوع وفق الخطة التالية: تحريم الربا في القرآن والسنة، ثم كيف أن التدابير الوقائية لعدم الوقوع في هذه المعصية الكبيرة تقوم على الإيمان بالله عز وجل، والصلح معه، ومعرفة ما ينتظر العبد من ثواب إذا أطاعه، ومن عذاب أليم إذا عصاه، ولكن معظم الناس حينما يلجؤون إلى التعامل الربوي وهم يخشون الله عز وجل فيما يبدو يستخدمون الحيل الشرعية لأكل الربا تحت أسماء شرعية كالبيع والشراء. لذلك هذا الدرس مخصص للحيل الشرعية وكيف أن بعض المسلمين تزل أقدامهم فيحتالون على الشرع، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولكن الحقيقة أن الله الذي يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه الحيل، وربما كما ترون بعد قليل كان إثم المحتال أكبر من إثم الذي يرتكب المعصية من دون حيلة.
على كلٍّ هناك من يتعامل بالربا ويسمي هذا التعامل بغير اسمه ويظهر غير ما يبطن ويحاول عبثاً الاحتيال على الله عز وجل.
الله يعلم السّرّ و أخفى :
قلت لكم من قبل: إن بعض الناس يحتالون على الله، وكأن الله عز وجل لا يعلم سرهم ونجواهم، ولا يعلم نواياهم ومقاصدهم، إن هذا الاحتيال ينطوي على جهل بالله، جهل خطير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/01.jpg
أحد العلماء يقول: يخادعون الله كأنهم يخادعون آدمياً، لو أتوا الأمر عياناً كان أهون عند الله، أي حينما يعلن الإنسان ضعفه ويرتكب المعصية فهذا أخف في ميزان المعصية مما لو لجأ إلى حيلة وأظهر نفسه أنه لم يعص، ونسي أن الذي يحتال عليه هو خالق الكون، والموضوع أيها الأخوة له علاقة بالربا، ولكن أردت من موضوع الحيل الشرعية أن نعالج موضوع الحيلة مطلقاً، لأن أيّ إنسان يحتال ليتهرب من أداء ما عليه أو ليقترف ما نهى الله عنه إنسان يسلك طريق الحيلة، وهو إنما يفعل شيئاً يعبر عن جهله بالله، ولا أكتمكم أن إثم المحتال أشد من إثم العاصي من دون حيلة.
النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي روي عنه ضيّق على المحتالين الخناق.
فقال صلى الله عليه وسلم:
((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل))
[ أحمد عن أبي هريرة]
أنتم وطنوا أنفسكم أن أي إنسان أفتى لكم فتوى تنطوي على حيلة فهذه الحيلة مرفوضة لأنك تعامل الله، والله عز وجل لا تنطلي عليه الحيل، يعرف السر وأخفى، يعرف ما أظهرت وما أبطنت، ما أسررت وما أعلنت، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل))
[ أحمد عن أبي هريرة]
الحيلة في العرف اللغوي :
لو عدنا إلى معاجم اللغة ما معنى الحيلة في العرف اللغوي؟ في أوسع معجم من معاجم العربية معجم لسان العرب لابن منظور يقول: "الحيلة اسم من الاحتيال، الاحتيال مصدر والحيلة اسم، كأن تقول: غِشٌ وغَشٌ. غِش هو المادة المضافة إلى المادة المغشوشة، أما الغش فآلية الإضافة، السِّتر الرداء الذي تستر نفسك به أما السَّتر فعملية إرخاء الستار، السَترُ والسِتر والغَشُ والغِش والشَقُ والشِق، أي حينما تعمل هكذا بالخشب مثلاً فهذه العملية تسمى الشَّق أما هذا فاسمه شِق، الاحتيال، الحيلة اسم من الاحتيال والاحتيال مصدر.
فالاحتيال والحَوَل والحيل والحَوْل والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك بمعنى واحد.
الحِذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف هذا معنى الحيلة أو الاحتيال في معاجم اللغة، هذا المعنى اللغوي كما تعلمون نحن نستعرض المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
المعنى الشرعي للحيلة :
أما المعنى الشرعي للحيلة أو المعنى الذي غلب على استعمالها قبل الشرعي فهو: ما يتوصل به إلى حالة ما خفية، هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، أي إما أن تصل إلى هدفك بطريقة جلية واضحة مكشوفة معلنة وإما أن تصل إلى هدفك بطريقة خفية، أنت تريد أن تغادر هذا المجلس، هذا قصدك، يجوز لإنسان أن يقف ويقول للحاضرين: أنا عندي موعد السلام عليكم.
هذه طريقة لمغادرة المجلس بشكل جلي، أما إذا تصنّع أنه قد رعف وقد خرج إلى الحمام وبعدها لم يعد، الآن خرج بطريقة احتيال، فإذا خرجت بطريقة جلية شيء وإذا حققت مقصودك بطريقة خفية فهذه هي الحيلة التي وردت في العرف الاجتماعي وهي: ما يتوصل به إلى حالةٍ ما خفية، ما يتوصل به إلى مقصود عن طريق خفي.
أنواع الحيل :
لكن أيها الأخوة الحيلة تختلف اختلافاً بيناً بحسب الباعث عليها، قد يكون الباعث على الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل، وهذا أخطر شيء في أنواع الحيل أي: أن تستهدف بهذه الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل. هذا نوع.
وقد يكون الباعث على الحيلة إثبات حق أو دفع باطل، وهذا مقبول، بل الحيلة واجبة، وقد يكون الباعث على الحيلة السلامة من مكروه، أو من أذى، أو من عطب، وهذا جيد، وقد يكون الباعث على الحيلة الهروب من مندوب أو واجب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/02.jpg
تُقيّم الحيلة بحسب الباعث عليها، تقيّم الحيلة بحسب الهدف منها، فما كل حيلة حيلة، الحيل من صفات الأذكياء، أما أنت فيجوز لك مثلاً أن تحتال على زوجين متخاصمين للتوفيق بينهما بأسلوب لطيف، هذه حيلة مندوبة.
قد تحتال على إنسان بحمله على الصلاة وهذا ممكن، قد تحتال على إنسان لحمله على حضور مجالس العلم كذلك، فالحيلة أنواع كثيرة، لكن أخطر نوع فيها أن تستخدمها لإبطال حق أو لإحقاق باطل، الحيلة من أجل إحقاق حق أو إبطال باطل فهذه واجبة، بل ربما ترتقي أحياناً إلى مستوى الفرض بأن تحق الحق وأن تبطل الباطل.
لذلك بعض العلماء قسم الحيل وأعطاها أحكامها الشرعية فقال: إذا توصلت بطريق مباح إلى إبطال حق وإثبات باطل فهذه الحيلة حرام باتفاق العلماء، كأن وقعت فلاناً على ورقة فارغة من أجل وكالة لاستلام بريد، فإذا بهذا التوكيل الذي كان لاستلام البريد استخدم لبيع بيت، بين وكالة لاستلام بريد وبين بيع بيت هذه حيلة، اغتصبت منه البيت بهذه الطريقة.
وآخر كتب لك إيصالاً ووقع في أسفل الورقة وأنت انتبهت أنه يوجد مسافة كبيرة فأثبت بين آخر سطر وبين التوقيع عشرات الدفعات هذه حيلة، وممكن أن تستخدم الحيل لاغتصاب أموال الناس، يمكن أن تستخدم الحيل لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل، الحيل التي يستخدمها الناس لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل حرام أشد التحريم باتفاق علماء المسلمين.
استخدام الحيلة لإحقاق حق ولإبطال باطل فقط :
إن توصلت بالحيلة بطريق مباح إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، والواجب قريب من الفرض، وعند بعض المذاهب هو الفرض بعينه، إحقاق حق أو دفع باطل، وإن توصلت بها بطريق مباح إلى السلامة من مكروه فهي مستحبة أو مباحة، سَلمْتَ من مكروه أو من أذى بحيلة فهذا جائز لك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/03.jpg
تذكرون قصة السمكات الثلاث، السمكة العاقلة قالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها؛ وخلاصة القصة: مرّ صيادان بغدير ماء فيه سمكات ثلاث، كيسة وأكيس منها وعاجزة، وتواعد الصيادان أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمعت السمكات قولهما - وهي قصة رمزية لكن بليغة- فأما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوفت ولم تعرج على شيء حتى خرجت من الغدير، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، أما الأقل ذكاء وهي الكيسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سدّ فقالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يعدم من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت منقلبة على ظهرها تارة وعلى بطنها تارة، فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، فهذه احتالت وأنقذت نفسها من صيد محقق وأنقذت نفسها من الهلاك، وأما الثالثة فوقعت في شباك الصيد وأخذها الصيادان وذلك لعجزها عن الاحتيال لعدم فهمها فهلكت.
فالمؤمن كيس فطن حذر، إذا كان هناك هلاك محقق عليه أن ينقذ نفسه بطريقة أو بأخرى، سيدنا حذيفة بن اليمان أمره النبي أن يذهب إلى معسكر العدو لكي يتقصى الأخبار فلما أصبح بين ظهرانيهم قال أبو سفيان: لعل فيكم غريباً ليتفقد كل منكم صاحبه بأسرع من لمح البصر وضع يده على يد من بجانبه وقال له: من أنت؟ بهذه الحيلة نجا من الموت المحقق، فالمؤمن كيس فطن حذر، فالحيلة التي تستخدمها لتنجو من عذاب محقق، أو من ظلم، أو من هلاك، أو من مكروه، فهذا شيء سليم وطبيعي، وهذا يعبر عن ذكائك وتوفيق الله لك، والحيلة التي تستخدمها لإحقاق حق ولإبطال باطل هي مستحبة وترقى إلى مستوى الواجب، وأحياناً تكون الحيلة في التغابي:
ليس الغبي سيداً في قومه لكن سيد قومه المتغابي
***
أما أن تستخدم الحيلة لإبطال حق فأعوذ بالله أو لإحقاق باطل فهذه محرمة أشد التحريم. تقييم الحيلة ببواعثها وأهدافها :
الحيلة الشرعية، الحيلة تقيّم ببواعثها وأهدافها، الآن إذا توصلت بالحيلة إلى ترك مندوب فهي مكروهة، شيء ندبك الله أن تفعله وبالحيلة تملصت منه، فهذا صواب.
وهاأنذا أعود وأكرر: إذا توصلت بالحيلة إلى النجاة من مكروه أو أذى فهي واجبة ومستحبة، وإذا أردت بالحيلة إحقاق الحق فهي واجبة. أما الشيء الخطير في الحيلة إذا استخدمت الحيلة لإحقاق الباطل أو لإبطال الحق فهي محرمة أشد التحريم.
الحقيقة كلمة الحيلة إذا أطلقت انصرفت إلى النوع الأول؛ وهو أن تبطل بالحيلة الحق وأن تحق الباطل، كلمة حيلة تعني أبطلت الحق أو أثبت الباطل وهي أنواع كثيرة: لإحقاق الحق ومنع الباطل واجب، وللنجاة من ظلم وهلاك محقق مستحبة بل واجبة، ولترك مندوب مكروهة.
لكن إذا أطلقت الحيلة انصرفت إلى النوع الأول وهي الحيلة التي تحق الباطل وتبطل الحق.
العلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، أية حيلة؟ نقصد بالحيلة الحيلة التي نستخدمها لإبطال الحق أو إحقاق الباطل، لذلك فالعلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أي في دور البغاء في العصور القديمة كانت البغي تغطي نفسها فيدخل الرجل ويعمل عقداً وعندما يخرج يطلق، هذه كلها حيل وكل حيلة يقصد بها إحقاق باطل أو إبطال حق فهي محرمة بإجماع العلماء والمسلمين.
فالحيل كلها محرمة وغير جائزة في أيّ شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به عقداً محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك. فمثلاً: قبل أن يحول الحول على المال يهب الزوج بعضَه لزوجته فيقلّ عن نصاب الزكاة فيعفى من الزكاة، بعد أن يحول الحول تعود الزوجة وتهب زوجها ما وهبها قبل أيام فعاد المال لحوزته هذا منتهى الجهل والغباء، هذا كالمستهزئ بالله عز وجل وسوف ترون بعد قليل أن له عقاباً عند الله كبيراً.
حقيقة الحيل :
الإمام الشاطبي يقول: حقيقة الحيل أنها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي و تحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم القواعد الشرعية في الواقع، أي تفريغ الشرع من مضمونه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/04.jpg
لا تنسوا أيها الأخوة أن هناك قولاً رائعاً: "إن الشريعة عدل كلها، الشريعة رحمة كلها، الشريعة مصالح كلها، فكل قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة ولو أُدخلتْ عليها بألف قول وقول".
الطلاق مباح. هناك أزواج قبيل وفاتهم يطلقون زوجاتهم لئلا يأخذن من ميراثهم، يكون متأخرها أقل بكثير من نصيبها من الميراث، أي بالكلمة الدارجة مثل هؤلاء سوف يفرمون فرماً من قبل الله عز وجل، هذه الحيل استهزاء بالله عز وجل، ولعب بالشرع، واستخفاف بقواعد الشريعة.
الحقيقة وهناك حيل منها: إنسان سافر إلى بلد أجنبي أراد الزواج المؤقت وهو سيقيم أربع سنوات، فعند الإمام الأوزاعي التأبيد شرط لصحة عقد الزواج، أما هو لو جاء بفتاة ووقف أمام القاضي وحصل الإيجاب والقبول والشاهدان والمهر فالزواج فقهياً صحيح، لكنّه ماذا أضمر في صدره؟ أنه مؤقت، أضمر التوقيت، وأعلن التأبيد، فصار هذا الزواج صحيحاً قضاءً فاسداً ديانةً، هذه أيضاً حيلة ولابد من التأبيد في الزواج، هل تقبل لابنتك زواجاً مؤقتاً لأمد قصير لصيفية يقضيها سائح في بلدك؟ هل ترضى أن يأتي سائح من بلد عربي يتزوج ابنتك شهرين فقط أو شهراً واحداً؟ أنا متأكد أنك لن ترضاه، إذاً فكيف بك تحتال على الآخرين؟ فهذا مما لا يرضاه الله عز وجل، والمحتال مسؤول وسوف يسأل ويحاسب.
العلماء بعضهم أبطل الحيل قضاء وديانة، وبعضهم أبطلها ديانة وأثبتها قضاءً، وبعضهم أثبتها ديانة وقضاءً، والموضوع خلافي، ولكل أدلته التي سوف نمر بها بعد قليل إن شاء الله.
تغيير الاسم لا يغير المسمى :
على كلٍّ من الحيل أن تسمي الشيء بغير اسمه، فقد ظهرت فتوى بمصر مفادها أن المواطن يقرض الدولة مبلغاً يضعه في المصرف، والدولة تكافئه عليه بمكافأة في نهاية العام، فسمينا العقد الربوي قرضاً وسمينا الفائدة مكافأة.
يا ترى تَغَيُّر الاسم هل يُغير الحقيقة؟ إذا جئنا بخنزير وقلنا: هذا خروف، هل يصبح خروفاً؟ من السذاجة والبساطة أن تغير الاسم وتتوهم أن الحقيقة تغيرت، الخنزير يبقى خنزيراً، ضع عليه لوحة "خروف" اكتبها بالثلثي، بالرقعي، بالفارسي، بالكوفي، والإنكليزي يبقى خنزيراً، ومهما تفننت باللوحة والخطوط واللغات فهو خنزير لا تتغير حقيقته.
تغير الاسم لا يغير المسمى، فأية حيلة يبتغي المرء بها التحايل على تحليل الحرام عن طريق الاسم فهي مرفوضة، فالحرام حرام والحلال حلال.
الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا :
نعود إلى الربا؛ عندنا قاعدة أصولية: إن العبرة بما أضمر لا بما أظهر، أنت لو قلت لإنسان: بعتك هذا الكتاب ب، ع، ت، كاف الخطاب، بعتك هذا الكتاب بلا ثمن هذا عند الفقهاء عقد هبة لأنه بلا ثمن، وإذا قلت لإنسان وأنت ورع جداً وصاحب مكتبة: وهبتك هذا المصحف بألف ليرة هذا عقد بيع، تخاف من كلمة بيع لأن كتاب الله لا يباع، يقول له: بكم وِهبتُهُ؟ يقول له: بألف ليرة فقط، هذا عقد بيع لا عقد هبة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني هذه قاعدة أساسية، تغير الاسم لا يغير حقيقة الشيء، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أو القرآن الكريم شدد على المنافقين. من هم المنافقون؟ الذين أعلنوا بألسنتهم الإيمان بالله ورسوله والآية الدقيقة قال تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾
[ سورة المنافقون: 1 ]
إذاً العبرة بالألفاظ والمباني. فالمنافقون مؤمنون ظاهراً لأنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله عز وجل أثبت كذبهم وتوعدهم بعذاب أليم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
[ سورة المنافقون: 1 ]
فلو عددنا أن اللفظ وحده يكفي فالمنافق مؤمن أعلن الإيمان بلسانه، وشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وهو عند الله ليس مؤمناً، إن المنافقين هم الكافرون.
إذاً لو أن الأمر كما يدعي أصحاب الحيل بالألفاظ والمباني لأصبح المنافقون مؤمنين، لكن الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا. الحديث التالي أصل في منع الحيل :
الحديث الشريف الذي يعد أصلاً كبيراً في منع الحيل هو الحديث المتواتر الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام وقد رواه الإمام البخاري:
((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/05.jpg
إنما يعني أنّ العمل يقيّم حصراً بنية فاعله، هذا الحديث يبطل كل الحيل الشرعية، ينسفها من أساسها، ونحن نسميها حيلاً شرعية تجاوزاً، أي الحيل التي يحتال بها على الشرع.
يقول بعض العلماء: هذا الحديث أصل في إبطال الحيل، وبه احتج البخاري على ذلك، فإن من أراد أن يعامل رجلاً معاملة يعطيه بها ألفاً بألف وخمسمئة إلى أجل، هذا عقد ربوي كمن أقرضه تسعمئة قرضاً حسناً وباعه ثوباً يساوي مئة بستمئة، ثم استرد التسعمئة وأخـذ المئة من ثمن الثوب، والخمسمئة هي فائدة الألف، أما الصورة فبيع وشراء، أقرضه قرضاً حسناً بتسعمئة ليرة وباعه ثوباً قيمته مئة بستمئة فالذي حصل أنه أقرضه ألفاً واسترد ألفاً وخمسمئة. ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
يقول بعض الأئمة الكبار: النية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
والله يا أخوان، هذا الحديث أصل في الدين إذا عقلناه وفهمنا أبعاده ومراميه ومعانيه الدقيقة نتحرك عندئذ وفق الشرع تماماً لكن هناك آلاف التصرفات وهي كلها باطلة.
هذا الحديث يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أنه من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، هذه الصورة الشكلية لا تعفيه من إثم الربا. العبرة بما أضمر الإنسان لا بما أظهر :
القاعدة التي شرحناها قبل قليل: العبرة بما أضمر لا بما أظهر، إليكم الأدلة: فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش، فما هو النجش؟ قالوا: أنت أمام بائع تسوم سلعة فجاء شخص ودفع بها مبلغاً كبيراً، وأنت بحاجة إليها، فلما سمع المشتري أن هذا الشاري دفع ثمناً باهظاً رغب في هذه السلعة، واشتراها، وقال له: أنا جئت أولاً أعطني إياها، لكن الزبون الثاني قادم خلبي وممثل، قد كلفه البائع بهذا الدور التمثيلي، وهذا يجري أيضاً في بيع البيوت وغيرها.
((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش.
تعريفه الشرعي: الزيادة التي يقصد من خلالها الإضرار بالآخرين. ((حَدَّثَنا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ ))
[ متفق عليه عن ابن عُمَرُ ]
النجش هو حيلة، دخل إنسان متجراً، طلب هذه البضاعة، ودفع بها ثمناً غالياً، والشاري الأول بحاجة إليها، وكان يظن أنها غالية، فلما دفع الآخر هذا الرقم ثمناً لها، فإن الأول تقدم واشتراها.
في حياتنا اليومية آلاف بل عشرات الألوف من أساليب البيع والشراء المبنية على الحيلة التي يسمونها شرعية، فمن يضيع؟ الذي يضيع الجاهل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( غبن المسترسل ربا))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
إذا انسان جاهل ونيته طيبة ومعه مال ليشتري به حاجة، وأنت احتلت عليه، فهذا احتيال، فقد يقول لك الطبيب: تحتاج الزوجة لعملية قيصرية، ويستعظم الأمر، ويهوِّله للزوج ويصرّ على أن هذه الصورة خطيرة، ولا بد من قيصرية، بينما الولادة العادية تكلف ألفين أما القيصرية فتكلفتها ستة عشر ألفاً وينخدع الزوج.
الله عز وجل كبير، والذي يعرف الله لا يستطيع أن يتكلم خلاف الحق، ولا خلاف مصلحة المريض، ولا خلاف مصلحة الموكل، ولا خلاف مصلحة الطالب، ولا خلاف مصلحة الشاري، لأنك تعرف الله وهو مطلع على السر وأخفى، ومطلع على نواياك وعلى أساليبك. ولقد ذكرت مرةً قصةً: زارنا أخ كريم طبيب مشهور، فبعدما انتهت الخطبة أحب أن يجلس معي قليلاً، فمن حديث لحديث قال لي: زارتني مريضة معها ورم خبيث بالثدي، وقد وصل إلى كتفها، والمرأة فقيرة، ولها سبعة أولاد وزوجها موظف، وقال هذا الطبيب: وهو معروف بالصلاح والاستقامة والتفوق العلمي وقد تخرج خلال خمسين سنة أطباء كثيرون في الجامعة ممن درسهم، ورأى الأمر قد تفاقم إلى درجة كبيرة، والأمر يستعصي على الاستئصال الجراحي، والمعالجة بالأشعة، وعلى المعالجة بالدواء، وشعر أن هذه امرأة فقيرة، ولها أولاد كثر، وزوجها فقير، ثم قال: تألمت أشد الألم وكأنها ابنتي لكنني صببت نقمتي على زوجها، دخلت معه إلى غرفة أخرى وقلت له: أنت مجرم، قال: لماذا؟ قلت له: تأتيني في مثل هذا الوقت بعد أن تفاقم المرض إلى كتفها حتى صار لا يجدي لا استئصال جراحي، ولا معالجة دوائية، قال: أنا عند الطبيب الفلاني منذ سنة زميلك ولم يقل لي: إنه سرطان، جئنا وذهبنا مئات المرات، مرة يقول لي: التهاب ومرة كورتيزون ومرة... أدرك هذا الطبيب وزوج المريضة أن الأول قد ابتز أموالهما بهذا العام الطويل ولم يخبرهما بحقيقة المرض، فلو أخبرهما بالوقت المناسب لكان الأمل بالشفاء كبيراً جداً، ثم قال لي هذا الطبيب الكريم: فجأة وقع زوج المريضة على الأرض ساجداً وقال: يا رب أنت موجود، إن كان هذا الطبيب الأول قد فعل بنا هذا ابتزازاً فابتله بالمرض نفسه، ودعا دعاء اقشعر منه جلدي، وخففت عنه ما استطعت، لكن بعد أسبوعين توفيت المرأة، لأن الوضع كان خطيراً جداً، والقصة طوتها الأيام ونسيها هذا الطبيب، وبعد تسعة أشهر يأتيه مريض شاب مصاب بمرض السرطان بالصدر قد وصل إلى كتفه، وجلس على المقعد نفسه متهالكاً ضعيف المعنويات، فلما سألته عما يشكو قال: سرطان في الصدر، وقد وصل إلى كتفي فلما سألته عن اسمه قال: أنا زميلك يا طبيب، فلما عرف الاسم بالضبط فإذا هو الطبيب نفسه الذي ابتز الزوج ودعا عليه، وعمره خمس وثلاثون سنة. نهي النبي عن النجش :
الله عز وجل كبير، الإنسان قبل أن يحتال، ويبتز أموال الناس، وقبل أن يكذب عليهم، وقبل أن يوهمهم، وقبل أن يتفق مع المحلل بأن يقوم بتحليل أول بند مسجل والباقي يهمله والمال مناصفةً، قبل أن يعمل أساليب ويظن أنه ذكي فليعلم أنّ الله عز وجل كبير، وهذه الحيل مبنية على جهل بالله، وابتزاز أموال الناس وإيهامهم، هذه كلها أساليب يعاقَب عليها الإنسان بالدنيا قبل الآخرة.
فالنجش محرم، تُحضر زبوناً خلبياً يدفع سعراً عالياً حتى تثبت البيعة، فهذا حرام حرام.
مرة كنت في الحج وهناك أخ كريم روى لي قصة أن شخصاً يسكن في شمال جدة، وعنده أرض، ولما توسعت جدة أصبحت أرضه ضمن المخطط التنظيمي، فذهب لبيع هذه الأرض في مكتب عقاري، فرأوه جاهلاً فاحتالوا عليه، واشتروها بثلث قيمتها، وعمروا بناء من ثلاثة وعشرين طابقاً وهم ثلاثة شركاء، أول شريك وقع من سطح البناء فدقت عنقه ومات، الشريك الثاني مات بحادث، أما الثالث فقد بحث عن صاحب الأرض طيلة ستة أشهر حتى عثر عليه وأعطاه الفرق، وقال له: هذه الأرض كانت تساوي مليوناً ونصف وأخذناها منك بخمسمئة وأنا عليَّ ثلث هذه القيمة، ونقده ثلاثمائة وخمسين فقال له البدوي: "ترى أنت لحَّقْتَ نفسك "، أي أدرك نفسه قبل أن يعاقبه الله سبحانه.
الحيلة عاقبتها عقاب أليم فالنبي نهى عن النجش، أي تستعين بزبون خلبي حتى توهم الشاري أن هذه السلعة غالية الثمن ويشتريها، وهناك ألف نوع من الأساليب كله مبني على الغش وعلى الخداع.
النجش كما يقول العلامة العيني رحمه الله تعالى: "هو أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن".
خيار المجلس :
هناك حالة ثانية: أنت في مجلس البيع جاءك رجل ليشتري حاجة، وصار في إيجاب وقبول وصار بيع، ولكن ما دمت أنت وإياه في مجلس واحد يتمكن في المجلس نفسه أن يقول لك: اعذرني لا رغبة لي بالشراء وذلك من حقه. وهذا اسمه خيار المجلس، ما دام البائع والمشتري في مجلس واحد فمن حق المشتري أن يفسخ العقد، فماذا يفعل البائع؟ لما صار إيجاب وقبول يقول: عندي موعد اسمح لي ويخرج، إذا خرج البائع من المجلس فالبيع ثبت، لأنه لم يُعطِه مهلة أن يفكر، سألك عن السعر وقال لك: اشتريت، قلت له: اشتريت؟ قال: نعم. ثم قال: وأنا عندي موعد وخرج من مكتب البيع ليمنع المشتري من التفكير ويقتنع بصحة هذا الشراء، لكن إذا كان البائع ما زال موجوداً فحق فسخ البيع قائم بخيار المجلس فالنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/06.jpg

(( الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ))
[النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
أجل ليس له حق أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، أساس البيع فيه خيار، اشتريت بيتاً يجب أن تعرف أعليه رهن أو تنظيم، قال لك: اكشف عنه إذا ثبت لك أنه ليس عليه شيء البيع قائم، هذا الخيار بأصل العقد وقلت له: إني على عجلة من أمري ليس هناك مانع، لكن إذا البيع ليس فيه خيار، لم يبق سوى خيار واحد وهو خيار المجلس، بمجرد أن أجاب صار هناك إيجاب وقبول لكن إن قلت له: إني على عجل من أمري وغادرت، فأنت منعته من خيار المجلس والنبي الكريم نهى عن ذلك: (( ... وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ))
[النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
إذاً النبي نهى عن هذه الحيلة، الخروج السريع من المجلس من أجل أن يمنع الشاري من أن يستفيد من خيار المجلس، هذه حيلة نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. نهي النبي عن الاحتيال:
كلكم يعلم أنه لا يجوز للمحرم أن يصيد في أثناء إحرامه أما المتحلل فيجوز أن يصيد، فإذا متحلل صاد لمحرم فهذه حيلة شرعية، أنت لا يجوز أن تصيد أنا سوف أصيد لك وأطعمك لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ))
[أبو داود و الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
أنت كحاج أكلت لحماً من صيد قد صاده الصائد لك فهذا حرام، أنت لم تصطده لكن صيد لك.
ما دام النبي نهى عن النجش ونهى عن المفارقة لإسقاط خيار المجلس ونهى عن الاحتيال في إطعام المحرم طعاماً صادَهُ له المتحلل، إذاً النبي في هذه الأحاديث الثلاث منع الحيلة الشرعية. الاحتيال الشرعي خداع لله واستهزاء بآياته:
أحد العلماء يقول: الاحتيال الشرعي خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله.
مثلاً: حلف بالطلاق ثلاث مرات، فإن حلل لك شيخ يحرمه لك عشرة، فماذا يفعلون عندئذ؟ يزوجونها لشخص آخر مدة يوم واحد وهذا سماه النبي التيس المستعار:
((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ))
[ابن ماجه عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ]
التيس المستعار حيلة يسمونها شرعية، وهي غير صحيحة، فلذلك الإنسان قبل أن يتكلم، قبل أن يقف هذا الموقف، قبل أن يسلك هذا السبيل، فهناك عقوبات قاصمة وشديدة للمحتالين. المحتال أسوأ حالاً من مرتكب المعصية بغير حيلة :
قد تستغربون أن المحتال أسوأ حالاً وعاقبةً من مرتكب المعصية بغير حيلة، أنت على مستوى بسيط إذا كنت تملك بضاعة تنتقل من بلد إلى بلد، فإذا صرحت عنها فلك شأن، لكن إذا قلت: ليس معي شيء. فلما فتشوا الأغراض وجدوا في ثنيات هذه المحفظة مبلغاً من النقود فالجرم عندئذ يتضاعف، وقانون الجمارك إذا أنت صرحت أخف بكثير مما لو ضبط هذا الشيء من دون أن تصرح، ومعنى هذا أنك تحتال عليهم، لذلك المحتالون أسوأ حالاً من مرتكبي المعاصي من غير حيلة، لأن المرتكب معصية من غير حيلة ترجى توبته، فهو أولاً شاعر بذنبه، ونادم على فعله، ويرجو التوبة من الله، حاله النفسي أفضل بكثير من حال شخص يقول: لم أفعل شيئاً، وأنا أسير ضمن الشرع، لكنه في الحقيقة مرتكب لمعصية كبيرة بحيلة يتوهم أنها شرعية، وليس مستعداً أن يتوب، فحال العاصي من دون حيلة أفضل بكثير من حال مرتكب المعصية بحيلة شرعية، أما الدليل ففي قصة أصحاب الجنة، هذه القصة التي وردت في سورة القلم، هؤلاء احتالوا على الفقراء وأرادوا أن يقطفوا ثمارهم ليلاً ليمنعوا الفقراء من حقهم، فربنا عز وجل ابتلاهم بتدمير كل محصولهم قال تعالى: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
[ سورة القلم: 19]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4674/ar-4674/07.jpg
هذه القصة تفيد أن مرتكب المعصية بحيلة أشد إثماً وأسرع عقوبة من مرتكبيها من دون حيلة.
اليهود قصتهم شهيرة فقد حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالوا بعمل أحواض على الشاطئ ففي يوم الجمعة تأتي الأسماك لهذه الأحواض ويوم السبت يغلقون هذه الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين يصطادون السمك، فهم لم يصطادوا يوم السبت. إن السمك دخل الأحواض يوم الجمعة ثم قفلوا الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين اصطادوا السمك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 65-66]
قال بعض العلماء: اليهود أكلوا الربا، وأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وأكل المال الباطل أشد إثماً من أن يصطاد الإنسان ما أباحه الله أن يصطاده كل يوم ما عدا يوم السبت، ومع ذلك لأنهم ارتكبوا هذه المعصية عن طريق الاحتيال كان العقاب أسرع وأشد ومسخهم الله قردة خاسئين.
ملخص الكلام أن حال مرتكب المعصية من دون حيلة أفضل من حال مرتكبها بحيلة، وحال مرتكب المعصية بحيلة أشد عقاباً وأسرع انتقاماً من الله عز وجل ممن يرتكبها من دون حيلة فهذا، الدرس أعتقد كأنه يكفي لاستئصال ما يتوهم بعض الناس أنه يمكن أن يفعل المعاصي بحيلة يسمونها شرعية. سوء حال المحتالين :
النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن سوء حال المحتالين فقال:
((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))
[ البخاري عن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ]
يقولون: هذه بيرة من دون كحول، بيرة هذه حيلة، خمر باسم آخر، نوعوا الأسماء وأضافوا إضافات، على كلٍّ حينما يضيع الإسلام في هذه الحيل صار السلوك سلوكاً فاسداً، المظهر إسلامي والمخبر فيه معاصٍ، لذلك هؤلاء يدعون الله فلا يستجيب لهم، يا رب يا رب.
"يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له."
هذا التلفاز خيال وليس حقيقة، والمرأة التي ترقص خيالٌ، والتحريم يتناول المرأة الحقيقية، وهذا الغناء صدى وليس صوتاً حقيقياً منقولاً عبر الأمواج الصوتية، والغناء صدى والصور خيال هكذا يدعون، وكل معصية لها تعليل ولها تبرير ولها تفسير، ترى المسلم نموذجه نموذج إنسان عادي، ومثله مثل أيّ إنسان يرتكب كل المخالفات ضمن حيل شرعية، أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون وفيت هذا الدرس حقه، وأن أكون وضحت أن الحيلة معناها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "خداع لله واستهزاء بآيات الله وتلاعب بحدود الله"، إلا الحيلة التي تبتغي منها إحقاق حق وإبطال باطل، أو نجاة من ظلم محقق فهذه ليست حيلة بل هي واجبة ومستحبة، أما أن تبطل حقاً وأن تحق باطلاً، أو أن تتهرب من واجب ديني، أو فريضة، أو أن تقع فيما نهى الله عنه بأساليب خادعة فأساسها مرفوض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
أحياناً الإنسان يطلق زوجته بلا مؤخر عن طريق الخُلع يضايقها ويضايقها حتى تفتدي نفسها منه بلا شيء، هذا طلاق وقد أكل متأخرها لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا))
[ ابن ماجه عَنْ صُهَيْبُ الْخَيْرِ]
فأنت إذاً راقب نفسك، المدار هو نفسك، والمدار هو ما تنطوي عليه نفسك، الأمور بمقاصدها والعبرة في العقود، ليس للألفاظ والمباني ولكن للمقاصد والمعاني.
هذه كلها حقائق، العبرة فيما أضمرت لا بما أظهرت، فكل هذا الدرس يحوم حول أن الحيل الذي اعتادها الناس ليتهربوا من تكاليف الشرع، أو من واجبات الشرع، أو ليقعوا فيما حرم الله عز وجل هي في أساسها خداع لله، واستهزاء بآياته، وتلاعب بحدود الله تعالى.

السعيد
09-17-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس )

الموضوع :القرض الحسن - 1 - البديل الشرعى للربا




الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القرض الحسن :
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا، ولكن الحديث اليوم عن البديل الإسلامي للربا. إنه القرض الحسن، فماذا ورد عن القرض الحسن في القرآن والسنة وفي تاريخ الصحابة الكرام؟ وما هي الأحكام التفصيلية المتعلقة بالقرض الحسن؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، أسعى جهدي لأنتقل من موضوعات الفقه إلى ما نحن في أمس الحاجة إليه، موضوع القرض، ما من نشاط مالي بين المؤمنين أكثر أهمية من موضوع القرض، ما دام الإسلام قد حرم الربا لكن واقع الحياة الاجتماعية أن الإنسان أحياناً يحتاج إلى مال، فظروف الحياة صعبة، والدخول متفاوتة، والحاجات الطارئة كثيرة، وقد يكون الإنسان ذا عضلات مفتولة و لديه قدرة كبيرة على العمل لكنه يفتقر إلى المال، و هذا شيء طبيعي جداً، لذلك ما دام الربا محرماً، وما من معصية توعد الله مرتكبها حرباً من الله ورسوله كمعصية الربا، ما هو البديل الإسلامي لمثل هذه الحاجة الأساسية في المجتمع؟ ما البديل؟ البديل هو القرض الحسن، لذلك شرع الإسلام الاستقراض للإنفاق وللاستثمار، عملية جراحية طارئة، استقرض الإنسان ليشتري آلة يعمل عليها فيقتات من دخلها ثم يعيد القرض إلى صاحبه.
شرع الإسلام الاستقراض لعلة الإنفاق ولعلة الاستثمار، لكن المقترض أحياناً يماطل ويتهرب ويتعب الدائن، لذلك فالمقترض الذي لا يدفع ويماطل ويُتعب يسد على غيره باب العمل الصالح، و لذلك شدد الإسلام على المقترض لدرجة أنه لو جاهد مع رسول الله ووضع روحه على كفه وقتل في المعركة فعليه الصلاة والسلام كان لا يصلي عليه إذا كان عليه دين، و كما أن الإسلام حثّ على أن تقرض الآخرين، حثّ المقترض على أداء الدين بالكمال والتمام والإحسان.
تعريف القرض عند الفقهاء :
هذا ملخص الدرس أما تفاصيله فهي على النحو التالي: تعريف القرض عند الفقهاء: تمليك الشيء على أن ترد بدله، المال شيء وسمي القرض قرضاً لأن كلمة قَرَض تعني: قطع، لأنك تقتطع من مالك مالاً تقدمه لأخيك.
لكن القضية أن أساس القرض إيمان المؤمن بأنه لا يضيع له عند الله أجر العمل الصالح، وأساس القرض هو الإحسان، حينما تؤمن أنك جئت إلى الدنيا من أجل أن تكون محسناً فهذه العقيدة تنسجم مع القرض. أما إذا رأيت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال هو كل شيء، وأن المال هو مادة الشهوات، لذلك فالقرض لا يتناسب مع هذه العقيدة.
انسجام القرض الحسن مع عقيدة الإيمان :
الإسلام كلّ لا يتجزأ، لا يمكن أن تقنع إنساناً مادياً بالقرض، يقول لك: أنا لست بساذج، لكن المؤمن يبادر إليه عن طيب نفس منه، و حينما ترى أن بعض التكاليف يرفضها أهل الدنيا لا لأنها ليست منطقيةً، ولكن لأنها لا تنسجم مع عقيدة أهل الدنيا، لكن القرض الحسن ينسجم مع عقيدة الإيمان، فأنت جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح و هذا عمل صالح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/02.jpg
شخص مثلاً غادر إلى بلد أجنبي للسياحة فليس له شغل في المكتبات، و لا يذهب إليها، أما الذي ذهب إلى هذا البلد لطلب العلم فكل علاقته بالمكتبات يكاد يقيم فيها، إنسان سائح يحتاج إلى متنزه، وإلى فندق، إلى مطعم، إلى منظر جميل، إلى مركبة يستأجرها، إلى ملهى، إلى متحف، هذا منطق السياح، أما أن يدخل إلى مكتبة يقبع بها اثنتي عشرة ساعة، فهذا من شأن الطلاب لا من شأن السياح، فإذا كلفت سائحاً أن يدخل إلى هذه المكتبة ليمضي بها عشر ساعات يقول لك: أنا لست مجنوناً، طبعاً هذا التكليف يتناقض مع هذا العمل، لكن لو كلفت طالباً على مشارف الامتحان وسينال أعلى شهادة -الدكتوراه- وسيعود إلى بلده مزهواً بها متنعماً بهذه المرتبة العلمية، فهذا الإنسان الذي على مشارف الامتحان لا يقبل أن يذهب معك إلى نزهة مهما أغريته، هذا له منطق وذاك له منطق، فشيء طبيعي جداً أنّ الإنسان المادي الذي يرى الدنيا هي كل شيء، وهي محط الرحال، ونهاية الآمال، وأن المال عصب الحياة، طبيعي أن تكون هذه المنطلقات لا تنسجم مع القرض الحسن، إن الشخص الاقتصادي يقول لك: التضخم النقدي السنوي بالمئة سبعة عشر، و سأخسر إن أنا أقرضت هذه المئة، بمعنى أني سوف أستردها آخر السنة ثلاثَة و ثمانين ألفاً فأنا لست مجنوناً، هذا إذا ردها لي و كان المدين صادقاً بوعده.
يروون نكتة: "دَيّنتَهُ فرفش، تركته طَنّشْ، طالبته خَرمش".
أهل الدنيا يقولون كلمات وعبارات وتعليقات مفادها أن الذي يقرض الناس إنسان مجنون، ولا سيما في أيام التضخم النقدي، وإذا كان لابد أقرض بالعملة الصعبة.
أعرف رجلاً استقرض ثمانية عشر ألفاً بالعملة الصعبة ليشتري بيتاً، فاضطر أن يبيع البيت كله ليرد هذا القرض، فهذا القرض قرضه قرضاً، فهذه المقدمة مفادها: لا يمكن أن تطالب إنساناً مادياً قيمه مادية يعيش حول ذاته و الدنيا عنده هي كل شيء أن تعرض عليه القرض الحسن.
شيء طبيعي جداً أن الإنسان المؤمن يعلم علم اليقين أنه هنا في الأرض من أجل العمل الصالح، والقرض الحسن من أفضل الأعمال الصالحة كما سوف ترون، والقرض الحسن هو بديل الربا أي القرض الربوي، قد تجدون في كتب الفقه وكتب التاريخ والسيرة كلمة أسلف بمعنى أقرض، أسلفه: أقرضه، كلاهما بمعنى واحد.
شرعية القرض الحسن في الدين الحنيف :
الآن هل القرض مشروع في هذا الدين الحنيف؟ طبعاً القرض له سند شرعي.
((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ))
[النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
قد يسأل أحدكم هذا السؤال: أيعقل أن يُحيج الله نبيه إلى أن يقترض؟ طبعاً لأنه مشرع، لابد من أن يقرض، وأن يقترض، وأن يهب، و أن يقبل الهبة، وأن يرهن أحياناً، ولابد من أن يكون مثلاً أعلى، ولا بد من أن يكون هذا الشرع العظيم في حياته اليومية، لأنه قدوة، وكل شيء نظري ليس له قيمة. (( اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ))
[النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
يجب أن تشكر من أقرضك، قل له: وفقك الله لأنك أكرمتني، كنت في ضائقة شديدة و أفرجتني، و الله سبحانه قال: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾
شجعه على العمل الصالح، اجعل المحسن يزداد إحساناً، لكن أسمع كل قصة من مقترضين أساؤوا إلى من أقرضهم بالكلام القاسي، وبالإهمال، وأحياناً بالقسوة البالغة، هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون: 7 ]
(( ... إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ))
[النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
عليك أن تشكره بعبارات لطيفة جداً وأن تؤدي ما عليك له. من نوى نية صادقة بأداء الدين استحق العون من الله :
الآن أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا يقرضون و يستقرضون في حياته وبعد انتقاله إلى رحمة الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/03.jpg
في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يبدو أن صاحبين من أصحابه أقرض أحدهما الآخر، ويبدو أنهما اختلفا على أداء هذا القرض، وسمع النبي صوتهما فكشف ستر حجرته ونادى كعب بن مالك:
((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ ))
[متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ]
ما هذه القوة التي يملكها النبي عليه الصلاة والسلام؟ إشارة لم يكلف نفسه أن يقول كلمة واحدة، أشار إليه أن ضع الشطر من دَينِك.
في عهد النبي كان أصحابه الكرام يستقرضون ويقرضون. (( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَدَّانُ فَقِيلَ لَهَا مَا لَكِ وَلِلدَّيْنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ إِلا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنٌ فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ ))
[أحمد عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ]
احفظوا هذا الحديث، يكفي أن تنطوي على نية صادقة في أداء هذا الدين عندئذ تستحق العون من الله عز وجل. النبي الكريم و صحابته استقرضوا و أقرضوا :
سيدنا عمر بن الخطاب عملاق الإسلام، الإمام العادل، الورع، الشديد في أمر الله عز وجل، أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمئة درهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أتستسلفني وعندك بيت المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري، وتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة ولكن أستلفها منك لأني أعلم أنك سوف تطالبني إذا مت فتستوفيها من ورثتي.
هذا ورع ما بعده ورع، بيت المال بين يديه، ولا يقول: سآخذ هذا المبلغ و أعيده، بل قال: أخاف أن يصيبني قدري وتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين.
إذاً فالنبي عليه الصلاة والسلام استقرض وصحابته في حياته استقرضوا وبعد مماته استقرضوا.
التوفيق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي من غلبة الدين:
لكن الحقيقة أن الإنسان أحياناً يقع في حيرة و أحاديث كثير يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من خلالها من الدين:
(( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ، قَال:َ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي))
[أبو داود عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
وفي حديث آخر في صحيح البخاري: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ))
[البخاري عن عائشة]
فكيف يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الدين ويراه مع الإثم؟ وكيف يقول: من غلبة الدين وقهر الرجال؟ وكيف أن النبي استقرض وأصحابه استقرضوا وأقرضوا؟ كيف نوفق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من غلبة الدين وقهر الرجال؟ (( ... فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ))
[البخاري عن عائشة]
غرم: أي أصبح تحت عبء الدين.
ربما يدفع الدين صاحبه إلى أن يكذب، ويخلف وعده، هذه سلبيات الدين، و لذلك فالعلماء قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الدين، لأن الدين أحياناً يجر إلى صفات المنافقين. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه مشكلة الدين، ربما ساق صاحبه إلى أن يكذب، وإلى أن يخلف الوعد، لكن كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد بهذا الدين الذي استعان به أن بعض الناس يستدين لسبب تافه، وأحياناً ترى العلة غير مقبولة لشيء ثانوي، ولشيء يعد من الكماليات غير ضروري، وهذا الذي يستلف أو يستدين لسبب وجيه أو غير وجيه هذا يقع تحت عبء الدين، ترى شخصاً ينفق إنفاقاً غير معقول، كله دين، ويصبح عليه هذا المبلغ عبئاً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من غوائل الدين أي السلبيات؛ الهمُّ بالليل والذلُّ بالنهار، أن يحملك الدين على أن تكذب، أن يحملك الديْن على أن تخلف وعدك، أكثر المدينين يقول لك: أعدك يوم الخميس، و ليس في نيته ولا بعد شهر أن يعطيك فصار يكذب، تقول ابنته: قال بابا: إنه ليس هنا، كذب وكان وقحاً في كذبه، فهذا الدين لأسباب غير وجيهة ربما حمل صاحبه على الكذب، و على الإفلاس. الدَّين يجلب الخوف:
و: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدَّيْنُ ))
[أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/04.jpg
إن كنت غير مدين فأنت ملك، احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، أي تتحاشى أن تسلم عليه، وتتحاشى أن تمر بشارع فيه دكانه، كنتَ طليقاً ومطمئناً ورافع الرأس، لكن ليس عندك هذه الحاجة الكمالية، عندما اشتريتها حللت مشكلة داخلية، و وقعت في انهيار خارجي، كنتَ رافع الرأس أصبحتَ مطأطئ الرأس، كنتَ تسلم على هذا الدائن الآن تتهرب منه، كنت آمناً فأصبحت خائفاً، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدَّيْنُ ))
[أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ]
بعض العلماء شرح هذا الحديث فقال: لا تخيفوا أنفسكم بالديْن بعد أمنها من الغرماء لأن الديْن يجلب الخوف لشغل القلب به، و قضائه، و التذلل للغريم عند لقائه، و تحمل منته لتأخير أدائه، و ربما يعد بالوفاء فيخلف، و يحدث الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف فيحنث، أو يموت فيرتهن، هذه كلها من مغبة الدين. صفات حددها الشرع للاستدانة :
1 ـ أن يكون هذا القرض لسبب معقول :
أيها الأخوة الأكارم، الديْن ضرورة، و ما منا واحد إلا و اضطر أن يستقرض لكن الشرع حدد صفاتٍ إذا توافرت لك أن تستدين:
أول شيء: أن يكون هذا القرض لسبب معقول، دخلك محدود لا سمح الله و لا قدر، وطفلك الصغير يحتاج إلى عملية جراحية هل تقول: أنا لا أذلّ نفسي لأحد و لا أخيف نفسي بعد أمنها و لا أستقرض؟ والله هذا لا يجوز، و الله يجب عليك أن تستقرض لإنقاذ هذا الطفل، وهناك عاهات إن لم تُجرَ لها عملية في سن معينة أصبحت عاهات دائمة، فهذا الابن الذي يعلم أن أباه كان من الممكن أن يعالج هذه العاهة و حينما أخرها أصبحت عاهة دائمة ألا يحقد على أبيه؟ إذا كان هناك سبب معقول، سبب وجيه، قضية معالجة، قضية عملية جراحية، قضية شراء دواء لا بد منه، فهذا أحد أسباب الديْن المشروعة، و هو سبب معقول و مشروع للاستدانة.

2 ـ نية الأداء :
الشرط الثاني: نية الأداء، أي لو حللنا دم المؤمن المستقرض سنجد فيه كرية حمراء وكرية بيضاء و كرية أداء، لم يخطر في باله أبداً ألا يعطي، استقرض ليعطي، هذا مؤمن ورب الكعبة، أساساً مثل هؤلاء المؤمنين يشجعون على أن تقرض الناس.
3 ـ إمكانية وفاء الدين في المستقبل :
الشيء الثالث: و هذه ناحية خطيرة و هي إمكانية وفاء الدين في المستقبل. سألني أحد أخواننا الحجاج فقال: هل يمكنني أن أستدين؟ توجيه النبي لا، لكن عنده بضاعة بمئات الألوف و بأي لحظة يستطيع أن يبيعها، إذاً عندك شيء تغطي به، فأنت حينما تستقرض أعندك ما يغطي هذا القرض؟ أحياناً الإنسان تكون عنده بضاعة فحينما تباع البضاعة تغطي، عنده أرض، الأرض تغطي، عنده حلي، الحلي تغطي، عنده ديون على الآخرين، الديون حينما يقبضها تغطي، لكنّ إنساناً يستقرض مبلغاً ضخماً و ليس عنده شيء يغطيه فهذا أيضاً لا يجوز، إذاً صار أول شيء أن تستقرض، أو أن تستدين، أو أن تستلف، تستقرض، تستدين، تستلف، كلها بمعنى واحد، كل هذه الكلمات بمعنى واحد، لسبب معقول و مشروع وأساسي و خطير و مصيري يجب أن تستقرض.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/05.jpg
الشيء الثاني: نية الأداء الصادقة.
الشيء الثالث: إمكانية وفاء الدين في المستقبل. أي وجود ما يغطّي الدين.
الأدلة:
(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ]
أعرف رجلاً أصلحه الله و عافاه استقرض مبلغاً غير معقول، فجأة أنفق على أهله إنفاقاً مذهلاً، الطعام النفيس، الحلويات، الفواكه، النزهات، الثياب الجاهزة، ثم انتحر و مات وترك لورثته مئة ألف ليرة ديناً عليهم، لم يكونوا يريدون هذه النزهات، هناك كثير من الأشخاص يستقرضون للرفاه، و للنزهات، للولائم، للمظاهر، للحفلات، هذا لا يجوز ويحاسب الإنسان على هذا حساباً عسيراً. القرض لأسباب تافهة معصية :
بالمناسبة: هل الإسراف محرم؟ نعم محرم، الإسراف في المباحات، التبذير محرم؟ طبعاً محرم في المعاصي، علماء الفقه قالوا: إذا أسرفت أو بذرت من مال دين كان الإثم مضاعفاً، استقرضت للإسراف، استقرضت للتبذير، إثم الإسراف و التبذير يضاعف لأن هناك معصية، الإسراف مع معصية، القرض لسبب تافه، معصيتان، معنى ذلك القرض لأسباب تافهة معصية، و قد ذكر البخاري في صحيحه:
((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
دقة الحديث أي حسب السياق المنطقي: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، و من أخذها يريد إتلافها أتلفها الله؟ لا، أتلفه و فرق كبير بين أتلفها و بين أتلفه، أحياناً الله عز وجل يدمر هذا الإنسان، كل إنسان يأكل أموال الناس - و المال كما تعلمون شقيق الروح- يأخذ المال و لا ينوي أداءه يتلفه الله عز وجل. توعد الله من أخذ أموال الناس يريد إتلافها بالعذاب الأليم :
علماء الحديث قالوا: الإتلاف يقع في الدنيا غماً في معاشه أو في نفسه، حدثني أخ أن هناك شريكين، أحد الشريكين أخذ أموال الشركة اغتصاباً و عقد صفقة بمفرده ربح بها أربعة ملايين ليرة، و غادر البلد، و أوقع شريكه بدين لا يحتمل، و إفلاس، و في حرج شديد، قال لي: بعد أربع سنوات فوجئت به يمد يده للناس، إنه الأول الذي عقد تلك الصفقة ظلماً و عدواناً.
إذاً إتلاف المال أو إتلاف النفس عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
(( قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً صَدَاقًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهَا فَغَرَّهَا بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ادَّانَ مِنْ رَجُلٍ دَيْنًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهِ فَغَرَّهُ بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ سَارِقٌ ))
[أحمد عَنْ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ ]
(( سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
[متفق عليه عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
على الإنسان ألا يشتري شيئاً لا يملك ثمنه :
بقي علينا إمكانية وفاء الدين، فأول شرط: لسبب معقول وخطير وأساسي ومصيري، الشرط الثاني تنوي وفاء الدين، إمكانية وفاء الدين، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/06.jpg

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَلِيقٍ النَّصْرَانِيِّ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَقَالَ: وَمَا الْمَيْسَرَةُ وَمَتَى الْمَيْسَرَةُ وَاللَّهِ مَا لِمُحَمَّدٍ سَائِقَةٌ وَلا رَاعِيَةٌ فَرَجَعْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَا خَيْرُ مَنْ يُبَايَعُ لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أي لا تشترِ شيئاً لا تملك ثمنه، أخذت أموال الناس من أجل حاجة ليست أساسية: (( ...لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
وفي بعض الأحاديث التي تروى عن رسول الله، لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه. القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه :
بقي علينا موضوع القرض، يا ترى القرض مال فقط؟ العلماء قالوا: مجرى القرض أو نطاق القرض واسع جداً، فهو يجري في النقود و في المكيلات و الموزونات حتى والحيوانات، أحياناً فنجان قهوة يستقرض بين الجيران، كأس شاي طبعاً الشاي يعني أوراق الشاي، كأس من السكر هذه مكيلات، أي شيء ممكن أن تستقرضوه: مكيلات أو موزونات، القرض جائز كما قال الفقهاء في كل ما يحل تملكه أو تمليكه بهبة أو غيرها فهو ممكن، ربطة من الخبز ممكن، وعاء من اللبن تستقرضونه، يأتي الحلاب لعندك يوم الاثنين و لكن أردت اللبن يوم الأحد و عند جارك وعاء زائد، حدثني أخ من أخواننا أنه أوصى بائع اللبن على وعاء من اللبن و كان الحليب قليلاً قليلاً، و دفع ثمن الوعاء، و يوم يريد استلامه وجد وعاءين أحدهما ذا قشدة ثخينة صفراء، و الآخر قشدة رقيقة مستوية مع قليل من المصل، و قد كتب اسمه على الثاني، وكل واحد دافع ثمن وعاء اللبن، و اسمه مكتوب على الوعاء الذي له، قال له: هذا وعاؤك، فقال له: أعطني ذاك، قال: إنه ليس لك، قال: بدّل الورقة ما الذي يحصل؟ فخجل منه و بدل الورقة، فقال: أخذت هذا الوعاء ووضعته بسيارتي و سيارتي جديدة، و في طريقي إلى البيت يتقاطع طريقان، ظهر رجل طائش فضرب المكبح بسرعة فقلب الوعاء على الموكيت -فرش السيارة-، قال: لمدة شهرين و أنا أشعر برائحة اللبن في السيارة، فأحياناً الإنسان يطمع بشيء ليس له، فما هو لك هو لك، وما ليس لك فهو ليس لك.
حدثني شخص تاجر أقمشة محله من أكبر المحلات في دمشق، جاءه أحد زبائنه من المحافظات الشمالية، و عقد معه صفقة بخمسين ألفاً، عندما كان البيت سعره عشرة آلاف، رأى صفة قماش على الحائط قال له: أريد هذه، فقال له: مباعة، فقال له: أريدها، فقال له: إذا لم تعطني إياها ألغي الصفقة بالكامل، طبعاً بتجبُّر، تشاور مع صانعه وقال له الصانع: إننا بعناها، فقال له: تفضل وخذها، يقسم ذاك الشخص أن البضاعة كسدت و بقيت عنده حوالي عشرين سنة و لم تبع، ثم قال: بعد ذلك قصصتها أمتاراً مربعة و صرت أصر بها الأقمشة.
الإنسان يجب أن يعلم أن الله عز وجل هو الجبار، قال لك: بيعت، إذاّ قل له: لا أريدها.
القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه.
الأداء الحسن بالقرض الحسن:
النبي عليه الصلاة والسلام استقرض المكيلات والموزونات والحيوان لأنه مشرع، فاستلف النبي من رجل من الأنصار أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاري هذه الأصوعة فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه فضلاً عما أخذ منه، وقد علمنا النبي بهذا الأداء الحسن أن نحسن نحن الأداء كذلك.
أكرمك بالقرض فأنت أكرمته وزيادة، طبعاً هذه غير مشروطة، اسمها الأداء الحسن، ومرة اضطّر أن يشتري جملاً بتمر، و التمر غير موجود عنده، قال لأحد أصحابه: اذهب لخولة بنت الحكيم بن أمية فقل لها: إن كان عندك وسق من تمر فأسلفينا حتى نؤده إليك إن شاء الله، فذهب إليها الرجل ثم رجع بالخبر، قالت: نعم هو عندي يا رسول الله فابعث مـن يقبضه، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب به فأوفه الذي له، فذهب به فأوفاه الذي له، الأعرابي رجع و مرّ برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو جالس بين أصحابه فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: جزاك الله خيراً فقد أوفيت و أطبت، فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك خير عباد الله عند الله، الموفون المطيبون. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/07.jpg

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ وَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّا قَدِ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، قَالَ: فَقَالَ: الأعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ، قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ وَقَالُوا قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّه إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، فَقَال:َ الأَعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَلَمَّا رَآهُ لا يَفْقَهُ عَنْهُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقُلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لِلرَّجُلِ اذْهَبْ بِهِ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ قَالَتْ: فَمَرَّ الأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
النبي استلف تمراً و استلف أصوعة من القمح و الشعير و استلف بكر البكر ناقة فتية: (( عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ))
[مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ]
رباعياً: ناقة كبيرة عمرها ست سنوات.
أخذ بكرة عمرها سنة أعطاه ناقة عمرها ست سنوات، فالنبي علمنا بالقرض الحسن أن يكون هناك أداء حسن و كلام حسن و وعد صادق و مودة و شكر و حمد. الأدلة العامة و التفصيلية للترغيب في الإقراض :
و بعد بقي علينا في درس اليوم موضوع أن النبي عليه الصلاة و السلام رغّب في الإقراض، القرآن الكريم و النبي الكريم رغّبا في الإقراض بأدلة عامة و بأدلة تفصيلية، فمن الأدلة العامة قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحج: 77]
والقرض الحسن من أهم أفعال الخير وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكـَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
هذه أدلة عامة رغّب بها النبي عليه الصلاة والسلام في الإقراض بخاصة: (( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ قَالَ نَعَمْ فَهُوَ كَذَاكَ قَالَ فَخُذِ الآنَ))
[أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]
قد تدفع ألف ليرة صدقة و إذا أقرضت ألف ليرة كأنك تصدقت بخمسمئة هذا أول حديث.
لكن هناك حديثاً دقيقاً جداً: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ))
[ أحمد عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
أقرضته ألف ليرة قال لك: لا أملك، بعد يومين، كل يوم لك أجر مثليْ هذا القرض، جزاء التأخير بالمناقصات له معنى ثانٍ، والتأخير عند الله عز وجل يضاعف لك الأجر عن كل يوم. ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيـْهِ صَدَقَةٌ قُلْتُ سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ قَالَ: لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ ))
[أحمد عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
هناك حديث بالنصف وحديث بالمثل وحديث بالمثلين.
أي ضمن المدة المكتوبة بالسند لك مقابل الدين بالمثل، بعد المدة المطلوبة صار لك مثلان، أرأيتم إلى هذا الشرع العظيم؟ أنت لست خاسراً، إذا أخوك المؤمن أقرضته ورأيته معسراً وما بيع معه البيت و كذلك البضاعة لم تبع، و هو موعود بدفعة لم يأخذها، يأتيك ولا يبقى ساكتاً ويقول لك: لا أملك مالاً ويعرض لك العذر ويرجوك أن تنتظره.
أول حديث –شطر- نصف الدين صدقة، والحديث الثاني مثل الدين صدقة، والثالث مِثّلا الدين صدقة.
المثل ضمن الأجل الموعود، والمثلان بعد الأجل الموعود، أما الشطر فكيف نوفق بين الشطر وبين المثل وكلها أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء هذا بحسب النية، انحرجت صار عليك ضغط ممن حولك، أنك يجب أن تقرضه، و أنت لست مرتاحاً و أقرضته، لك الشطر، أما إن أقرضته بمبادرة منك فلك المثل، انتظرت عليه بعدما كان معسراً فلك المثلان.
هذا كلام النبي ولا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى".
معنى ذلك أقرضت بأسوأ احتمالات الإقراض فَلَكَ نصف القرض صدقة، بالحالات الطيبة مثل القرض صدقة، إذا أنظرت معسراً فلك ضعف القرض صدقة، فما قولكم؟ تقول لي: فرق عملة، إذا إنسان قال: فرق عملة يذهب هو فرق عملة. ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال:َ لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
الحزم سوء الظن :
بقي موضوعات: آداب التعامل مع المقترضين، وحسن التقاضي، ووضع الدين، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المعسرين؟ والحث والتشديد على أداء الدين، والأمر بأداء الدين، والحث على حسن القضاء، وتحريم المماطلة، هذه كلها موضوعات متعلقة بالدين، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في الدرس القادم والذي بعد القادم أن نعالج موضوع القرض الحسن معالجة وافية، و هو موضوع متعلق بالعمل الصالح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4675/ar-4675/08.jpg
ما منا واحد عند زواجه، عند سفره، عند تأسيس بعض مشروعاته إلّا و يحتاج إلى قرض، والله عز وجل يحبنا جميعاً إذا تعاملنا، لكن الإنسان يجب ألا يكون ساذجاً، شخص لا يعرفه إطلاقاً فليحذرهُ: " الحزم سوء الظن، احترز من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة "
فممكن أن تجمع بين الطيب والانطلاق إلى عمل صالح، أما أخوك المؤمن الذي تعرفه ملياً معرفة جيدة، وتعرف أمانته، وتعرف عفافه واستقامته وورعه، وأنت معك، وهو في أمس الحاجة إلى هذا القرض فماذا تفعل؟ لا يجوز أن تمتنع.
قالوا لملك: إنّ هناك نصّاباً كبيراً، و أنتم تعرفون ما معنى نصّاب، فقال: أَحضِروه لنراه. قال الملك: أنت كيف تنصب؟ قال: سيدي أريد عدة، أين العدة؟ لا أملك ثمنها، أعطوه، فلم يرجع قالوا له: يا سيدي نصب عليك و مضى.
أحياناً شخص عنده أساليب، ويعرف كيف يكلمك في مكان يخوفك، وفي محل ما يبكيك، أنت لا تكنْ ساذجاً، شخص لا تعرفه أتلقي له بمالك؟" المؤمن كيس فطن حذر "، لكن شخص تعرفه، وتعرف أمانته، و تعرف ورعه، وتعرف عزته، وأنت معك لا تتردد، اسأل عنه، قال سيدنا عمر، إني لا أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك، و هذا قول لا أنساه: " جاءه رسول من القادسية قال له: يا أمير المؤمنين مات خلق كثير، قال له: من هم؟ قال له: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر بكاء شديداً رضي الله عنه وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم "
" قال له: إني لا أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، ائتني بمن يعرفك، جاءه بواحد قال له: أنا أعرفه، فقال له: هل سافرت معه؟ قال له: لا، قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال له: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفه "
معنى ذلك أن الإنسان لا تعرفه حتى تسافر معه، أو تتعامل معه بقرض، أو بتجارة، أو بشراكة، عندئذ تعرفه، فالإنسان إذا طلب منه أحدٌ مبلغاً و هو لا يعرفه فليفعل كما فعل سيدنا عمر يقول: ائتني بمن يعرفك، نريد كفيلاً، قال لك: فلان عندي والثاني رجل عظيم، إذا قصر فخذ مني.
الإنسان لا يتورط ولا يكون ساذجاً، لكن إذا كانت حاجة وضرورة وإيمان وصدق ويسر لا تتردد.
أفضل قرض هو الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل :
القرض قد يحل آلاف المشكلات، وينتشل إنساناً معسراً، وأفضل قرض هو القرض الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل، أفضل زكاة تدفعها لمن ينقلب من قابض إلى دافع زكاة.
وأفضل قرض تدفعه لمن ينقلب من مقترض إلى مقرض، أقرضته وأخذت له آلة صوف اشتغل فيها، وفتح بيتاً، وأطعم أولاده، وردّ القرض، وقال لك: إذا كان عندك من يحتاج قرضاً فأنا جاهز، هذا أعظم قرض فقد حولته إلى منتج، هذا القرض الحسن، و هو باب كبير من أبواب العمل الصالح، وله إن شاء الله تفصيلات كبيرة جداً، وأنا أتوقع أن ينتهي خلال درسين قادمين، وهذا القرض الحسن بديل الربا، ولا تعبؤوا بكلام الناس إذ يقولون: موضوع العملة، و فرق أسعار العملة، والتضخم النقدي، هذا عند الله ليس له حساب إطلاقاً، الله عز وجل إذا أعطى أدهش، خسرت بالمئة ثلاثين نتيجة التضخم النقدي، بسنتين يعطيك الله بالمئة مئة من طرف ثانٍ وأنت تعامل الله عز وجل، و أنا لا أريد للمؤمن أن يصبح عقله مادياً، و له عقلية مدراء المصارف.

السعيد
09-17-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس )

الموضوع :القرض الحسن - 2 - اداب التعامل مع القرض الحسن






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن البديل الشرعي للربا ألا وهو القرض الحسن، وقد بينت لكم أن الربا عمل استغلالي بينما القرض الحسن عمل إنساني، وشتان بين العمل الاستغلالي والعمل الإنساني.
الربا اتباع لنزوة النفس وحرصها على المال، لكن القرض الحسن اتباع لأمر الله عز وجل، ودعوته للتعاون بين المؤمنين، والآية التي هي أصل في هذا قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
وبينت لكم في الدرس الماضي نقطة دقيقة جداً، وهي أن الأوامر الإلهية لها علاقة بالتصورات، والقيم، والقناعات، فإذا الإنسان يتصور أن الدنيا هي كل شيء، فمثل هذا الإنسان لا ينسجم مع القرض الحسن، و إذا تصورت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال قيمة ثمينة جداً، فشيء طبيعي أن ترفض القرض الحسن، أما إذا تصورت أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، وأن المال يعد نعمة إذا أنفقته في سبيل الله، أو إذا وظفته في خدمة الخلق، ويعد نقمة إذا استأثرت به.
أحكام الفقه متعلقة بالعقيدة.
أيها الأخوة الأكارم: من الخطورة بمكان أن نفصل العقيدة عن أحكام الفقه، أحكام الفقه أو الأوامر والنواهي التي وردت في التشريع الإسلامي كلها نابعة من العقيدة، لذلك فهي تؤمن بدور الحياة الدنيا في الإعداد للآخرة، وبقيمة العمل الصالح، وأن الإنسان جاء للدنيا من أجل العمل الصالح، فما لم يكن هناك انسجام بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية فإن هذه الأحكام الشرعية تبدو غريبة، وتبدو غير واقعية. النقص بمعرفة الله من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق :
أيها الأخوة الأكارم، هناك حديث شريف مرّ بنا في دروس الفجر التي تلقى كل يوم في أيام الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/01.jpg
يبدو لنا من هذا الحديث أن الإنسان لمّا يبخل بإنفاق المال، أو لا يهتم بأداء العبادات كما أراد الله عز وجل يغنيه عنها أن يقول: سبحان الله، لا، ليس هذا هو المعنى، لكن المعنى أنك إذا ضننت بالمال، أو ضننت بالوقت، إذا ضننت بالمال أن تنفقه، وبالوقت أن تبذله في طاعة الله وفي عبادة الله، فمعنى ذلك أنك لا تعرف الله، لذلك عد إلى معرفة الله، هناك نقص في المعرفة، والنقص بالمعرفة من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق، هذه قضية دقيقة جداً، كلما نمت عقيدتك كلما قوي إيمانك، وكلما صحت رؤيتك كلما تعمقت تصوراتك، وكلما فهمت فهماً أعمق ارتقى مستوى عملك.
فمن ضنّ بالمال أن ينفقه وجد نفسه تنازعه، وجد نفسه لا تستجيب له، لا تحب أن تنفق المال تحب أن تأخذه، تحب أن تكنزه، تحب أن تنفقه على شهواتها، فمن كان كذلك فليعلم علم اليقين أنه لا يعرف الله، لا تعرف ما عنده من إكرام إلا إذا أنفقت، ولا ما عنده من عقاب إلا إذا بخلت به.
ضربت مثلاً أن الإنسان أحياناً يقدم هدية لملك كأن يصور الملك صورة زيتية ويقدمها للملك، هل يبخل ببرواز جميل جداً؟ اختر لي أرخص برواز أريد أن أقتصد هل هذا معقول؟ أنت تقدم هدية لملك والملك قد يعطيك مبلغاً كبيراً قد يغنيك إلى آخر حياتك وأنت حينما تضن أن تُغلي البرواز فمعنى ذلك أنك لا تعرف من الملك، لا تعرف ماذا يعني عطاء الملك، ولما الإنسان يضن بالمال فهذا مؤشر قطعي على أنه لا يعرف الله، لا يعرف لمن هو يعطي، لا يعرف أن الله سيكافئه على هذا الإنفاق.
ضرورة ربط أحكام الفقه بالعقيدة :
عندما نبحث بالفقه بحثاً مستقلاً عن العقيدة، ونبحث بالأحكام الفقهية وحدها دون ربطها بالعقيدة، فقد يكون إنسان إيمانه ضعيفٌ، أو عقيدته غير صحيحة، قناعاته غير متينة، ورؤيته مهزوزة ومضطربة، مثل هذا الإنسان لا يرى أن هذه الأحكام معقولة، معقول أنا أقرض إنساناً مئة ألف لمدة سنة وبدون فائدة هل أنا مجنون؟
طبعاً إذا كان الإنسان لا يعرف الله عز وجل يرى إنفاق المال غباء، أما المؤمن فيرى إنفاق المال مغنماً، وغير المؤمن يراه -على وزن مغنماً- مغرماً، إذا رأيت إنفاق المال مغنماً فأنت مؤمن ورب الكعبة، أما إذا رأيت إنفاق المال مغرماً ففي الإيمان ضعف، وفي العقيدة ضلال.
أيها الأخوة الأكارم، أحكام الفقه يجب أن تُربط دائماً بالعقيدة، العقيدة إذا صحت صحّ العمل، فالإنسان لا يضن بوقته لمعرفة الله معرفة صحيحة، كم من انحراف في السلوك، كم من تكالب على الدنيا، كم من وقوع في الإثم و الحرام بسبب الجهل بما عند الله من إكرام إذا أطعته، وما عند الله من عقاب إذا عصيته، لا بدُّ من معرفة الآمر قبل الأمر، عندئذ من السهل جداً أن تقرض قرضاً حسناً، أنا أعرف أحد الأخوة الأكارم المحسنين رصد مبلغاً كبيراً قال: هذا لتفريج كرب المسلمين، قد يحتاج مؤمن إلى مبلغ، فأنا أفرج عن كربه بهذا المبلغ، لذلك أنا أردد هذا كثيراً: حظوظ النفس، المال حظ، والعلم حظ، والذكاء حظ، وطلاقة اللسان حظ، والأولاد والمركبة والزوجة كلها حظوظ، هذه لا تسمى نعماً ولا تسمى نقماً، موقوفة على نوع استخدامها، فإما أن ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين، إما أنها درجات إلى الجنة، وإمّا أنها دركات إلى النار، المال نفسه تنفقه في آلاف الأبواب، آلاف الأبواب مفتحة لإنفاق المال.
أخي أتعرفُ العصرونية، ما العصرونية؟ هذا الاسم نسبة لوالي اسمه عصرون باشا، قد أوقف وقفاً، فكل طفل صغير، جارية، خادم، كسرت آنيته و له أب قاسٍ، له رب عمل قاسٍ جداً، يأتي هذا الطفل بقطعة من هذا الإناء فيعطيه صاحب هذا الوقف إناءً جديداً، أي ألغى مشكلة قد تقع في البيوت، ألغى مشكلة قد تقع في هذا المحل، أبواب العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
فمن الممكن أن تنشِئَ ميتماً، مجمعاً، ففي دمشق عدة مياتم، طفل لا أب له ولا أم فيجدُ رعايةً وتعليماً وتوجيهاً ومطعماً ومنامة وموجهين، هذا عمل عظيم، دائماً وأبداً أيها الأخوة كل عملٍ صالحٍ سوف تلقى الله به، و الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا نقر في الناقور، و عندما يأتيه ملك الموت و له خمسة أولاد أو ستة يتوزعون، واحد هنا، و آخر يخبر الأقرباء، و ثالث ينعيه للأصدقاء، و رابع إلى حفار القبور، الخ......، وجميع آل الفقيد يساهمون كل في مهمة.
لكن الأهم كيف سيلقى الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً؟
العمل الصالح ثمنه الجنة :
أيها الأخوة الأكارم، أرجو الله عز وجل أن أتمكن من وضع هذه الحقيقة بين أيديكم فيجب أن يكون عندك سؤال أبدي، كيف و بماذا ألقى الله؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/02.jpg
ربيت أولادك؟ عمل طيب، كنت باراً بوالديك؟ عمل طيب، كنت زوجاً ناجحاً؟ عمل طيب، كنتِ أيتها الأخت زوجة ناجحةً؟ إذا رآك زوجك سر، وإذا أمرك أطعته، وإذا غاب عنك حفظته، الزوجة الصالحة تلقى الله بصلاحها، والزوج الصالح يلقى الله بصلاحه، والأبوة الكاملة عمل صالح يدخل الجنة، والبنوة الكاملة عمل يُدخل الجنة، والحرفة، والمهنة، و ليس من أحد منكم إلاّ له حرفة، واللهِ وأنا أعني ما أقول ولا أحنث بهذا اليمين يمكن أن تصل بحرفتك إلى أعلى عليين وأنت ساكت.
المسلمون؛ قدمْ لهم بضاعة جيدة، انصحْهم، ليكن السعر معتدلاً، قدمْ لهم خدمات جيدة، اختر حرفة ليس فيها شائبة، وليس لها مشكلة أبداً، كثير من الألبسة صناعتها و العمل بها الآن حرام، كثير من اللباس يسهم بإيقاظ الفتن في الطرقات، وإبراز مفاتن المرأة، فيقول: أنا ليس لي علاقة و نحن نقل: لك علاقة قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
هذه الآية يجب ألاّ تذهب من أذهاننا، أن أية حرفة وأي عمل يسهم بشكل أو بآخر في خدمة المسلمين و التأثير بحياتهم، والله هناك أخ من إخواننا أنا أكبرته كثيراً، دعي إلى عمـل أرباحه مجزية وكبيرة جداً لكن في ملهى قال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، لا تضع خبرتك وذكاءك في تمديد كهرباء لهذا الملهى، أو في صنع المنجور لهذا الملهى، حيث تقام به المعاصي بمختلف أنواعها. الدِّين نظام كامل :
نحن نريد مؤمناً لا يرى الدين صوماً وصلاةً فقط، بل يرى الدين نظاماً كاملاً، يدخل الدين في حرفتك، ويدخل بثيابك، وبمركبتك، وببيعك وشرائك، نظام كامل، أي مفردات الدين مئات الألوف، كل شيء منها متعلق بعلاقتك مع الله، سواء ما كان منها متعلقاً بجسدك، أو متعلقاً بأهلك، وأولادك، و بحرفتك، وتجارتك، وزراعتك، مثلاً أذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ))
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]
الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، أكثر الناس يفصل بين الصوم والصلاة وبين احتكار البضاعة، فيجمع البضاعة ويخزنها ويمنع بيعها حتى يرتفع سعر بيعها إلى أضعاف مضاعفة فيسرِّبُها بالتقنين، يقول لك: ضربة معلم، لا، بل هذه ضربة أحمق. ((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ))
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]
أنت ليكن همك رفاه المسلمين، فهل تفرح إذا المسلمون أكلوا بأسعار رخيصة أم يؤلمك هذا؟ إذا الناس أكلوا فاكهة بأسعار رخيصة وأنت كنت ضامناً بستاناً وأرباحك انخفضت للنصف فلا تحزن، افرح للمسلمين فقد أكلوا مشمشاً، كرزاً، أفضل من أن يقف الطفل أمام البائع ويقول لوالده: أريد كرزاً وثمن الكيلو خمسون ليرة، يقول له: امشِ و ينهره، وإذا اشترى الوالد لابنه الفاكهة المحببة وكان سعرها رخيصاً فهل تحزن؟
أنا أقول لكم: الدين ليس صوماً وصلاةً فقط فهو أعمق بكثير، الدين يدخل في صميم الحياة.
لي أخ كان في فرنسا قال: سألوا شخصاً في ندوة تلفزيونية، و هو زعيم حزب يساري شيوعي و قد أسلم، سأله المذيع وقال له: ما الذي أعجبك في الإسلام؟ وهل أنت مسلم حقاً؟ فقال هذا المفكر الفرنسي: كم معي من الوقت لأجيبك على هذا السؤال؟ قال له: خمس وأربعون دقيقة، قال له: والله لو بقيت خمسةً وأربعين يوماً أتحدث عن الإسلام لما كفت هذه الأيام في بيان إيجابيات الإسلام، ولكن أقول لك كلمة مختصرة: الدين هو الحياة، و الإسلام دين الحياة.
كنت أقول مرة لإخواننا: كم شخصاً يتسع الجامع الأموي؟ هناك تقدير أنه يتسع لخمسين ألفاً و لخمسين ألفاً في الصحن، فالجامع الأموي يسع مئة ألف مصلٍّ، تصوروا أن المئة ألف أغلقت الأبواب عليهم، فصلاتهم باطلة، هذا هو الحكم الفقهي، والإمام صلى صلاة متقنة، و قرأ فيها آيات الله عز وجل، وركع، وسجد، فلأن الباب مغلق فصلاتهم باطلة لماذا؟ هذا دين الله ليس فيه شيء مخبأ، بيوت الله مفتوحة، في الإسلام لا شيء يتكلم بين أربعة جدران، لا شيء في الإسلام تستحي أن تقوله للناس، ليس في الإسلام أسرار، العمل تحت ضوء الشمس، لا يوجد عمل سري في الإسلام أبداً، الإسلام يعمل تحت ضوء النهار لأنَّهُ دين الله عز وجل، لذلك من أحكام الفقه أنّ الجامع إذا أغلق بابـه فالصلاة باطلة، ليس في الإسلام اختيار أشخاص على ما يحبون. الإنسان مسير إما بإلهام ملك و إما بوسوسة شيطان :

أيها الأخوة الأكارم، أنا حريص على دروس الفقه كثيراً لكني أشعر أننا إذا ما ربطنا الفقه بالعقيدة فأحكام الفقه لا تبدو محببة للناس، إلا أن ربطها بالعقيدة ضروري، أنا ألح على موضوع القرض لأنه بديل الربا، أنا أسبوعياً أُسأل هل من أخذ من البنك قرضاً بفائدة وهو مضطر لذلك حرام؟ هؤلاء المسلمون كلهم تخلوا عنك؟ أليس فيهم أغنياء؟ يقول لك: فرق العملة، معنى هذا أننا عبدنا المال من دون الله، و رغم فرق العملة لتعملْ عملاً طيباً. هل تعرف أن الله سبحانه وتعالى قادر وأنت في أعلى درجات ذكائك، وأنت الذكاء عينه، والكياسة، والخبرة، وأنت الشاطر، وأنت تنتهز الفرص، وأنت في هذا المستوى أن يخسرك ثلاثة أرباع مالك؟ لأن الله عز وجل عظيم، يُؤتى الحذر من مأمنه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/03.jpg
مرة قال لي أخ أنه أمسك يده وما أنفق المال بل بخل به، و أحب أن يسافر خارج القطر فكر وفكر وفكر...خرج بفكرة أن يشتري عملة ورقية لبنانية، ثم اشترى عملة لبنانية، فماذا جرى للعملة اللبنانية؟ شخص آخر يده ماسكة، جاءته رحلة لمدة خمس سنوات إلى خارج القطر، وعنده بيت ملك فقال: هذا البيت حرام أن يبقى مجمداً طيلة هذه السنوات فهل أنا مجنون؟ فباع البيت ووضع أمواله في شركة استثمارية، فلما رجع أعطوه بالمئة عشرة بالسنة، لكن البيت ارتفع ثمنه عشرة أمثال، صار بلا بيت والمبلغ الذي بحوزته لا يساوي عشر ثمن بيت جديد.
لا يوجد مع الله ذكي، الله قادر أن يذهب المال كله باختيارك، ألا تسمع بهذا الدعاء: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم"، فالإنسان قد يفكر ويحسبها ثم يخسر نصف ماله، والذي يقرض قرضاً حسناً فالله عز وجل يلهمه عملاً لا يخطر في باله، الحقيقة أنا قناعتي أن الإنسان مسير إما بإلهام ملك، و إما بوسوسة شيطان، فالمؤمن يسدده المَلَكْ يا عبد الله افعل كذا فتراه يسير بهدى من الله من خير إلى خير، هذا الكلام أسوقه من أجل أن على الإنسان ألّا يبخل. إنسان تعرفه مؤمناً وصادقاً أقرضه. وأنا أتكلم عن المؤمنين وليس عن الشحاذين، المتسولون لهم مجال آخر أنا أتكلم عن مؤمن يحسبه الجاهل غنياً من التعفف. الله يحبنا أن نتعاون و نتآلف:
خطر في بالي اليوم خاطر وهو حق: إذا قال الله عز وجل لك: يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك فكيف تعرفه؟ هذا سؤال ثانٍ يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك، فأنت ما واجبك ما دام الله يأمرك؟ إذا الله أمرك أن تعطي من لا يسألك فواجبك أن تسأل وأن تتقصى. لتعرف من هو المحتاج و تستطيع أن تعينه.
عودوا أنفسكم يا أخوان: إذا التقيت بأخ، اسأله عن صحته، واسأله عن حالته المادية، واسأله عن بيته وأولاده، وعن دراسة أولاده ودخله، واسأله هل عليك ديون؟ لأن المؤمن لا يشكو، والمؤمن كريم النفس، وعزيز، المؤمن عنده شرف أما المتسول فأمره بحث آخر.
المؤمن لا يسأل، و مادام لا يسأل فلتتقصَّ أنت حالته، اسأله أنت وتحبب له، الله عز وجل يحبنا أن نتعاون، يحبنا أن نتآلف، يحبنا أن يعين بعضنا بعضاً، و الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أحياناً أرى شخصاً متألقاً كثيراً وأسأل هل هناك سبب لهذا التألق؟ فأفهم أن السبب عمله الطيب، و هموم الناس كلها على كتفه، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، أنت تعيش في مجتمع مسلم و كلهم أخوانك وأنت في بحبوحة فإذا صاروا في بحبوحة ألا يسرك هذا؟ أما أن تكون وحدك ببحبوحة فهذا ليس من إيجابيات الإسلام العظيم.
مرت بالناس فترة منذ خمس سنوات قبل أن يكرمنا الله بحمضيات من إنتاج بلدنا فقلّت في تلك الفترة: الحمضيات سعرها مرتفع لصعوبة استيرادها، و صار كيلو البرتقال بخمس وثلاثين أو أربعين ليرة، وكان الدخل قليلاً جداً قبل التضخم النقدي، فصار هذا الشيء فوق طاقة الفقير، أقسم بالله شخص و هو غني قال: و الله ما اشتريته خجلاً من الله عز وجل، أي أن آكل وحدي والناس كلها محرومة، فالإنسان إذا لم يشعر بشعور الآخرين تخلى عن بعض دينه.
سيدنا عمر وضعوا له مرة طعاماً نفيساً و كان وجه هذا السنام أطيب شيء فوضعوه أمامه فبكى قال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها و أكل الناس كراديسها"، مرة خاطب قلبه قال له: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين".
الدين الحقيقي هو الدين الذي يرسم السعادة على شفاه الآخرين :
نريد أن نعيش الإسلام أيها الأخوة فنحن عندنا خطب، و أشرطة، و أحاديث، و كتب، و مجلات، وألسنة طليقة بالدعوة إلى الله، فصار عندنا تخمة، الآن نريد إسلاماً مطبقاً، نريد مجتمعاً مسلماً، أريد إنساناً ينطق بإسلامه و هو صامت، حركته إسلامية، بيته إسلامي، متجره إسلامي، تعامله إسلامي، عبادته صحيحة، و الحقيقة تطور وسائل الإعلام، الكتب، الطباعة، المجلات، الصحف، الأشرطة، أحدث إشباعاً لدى الناس، أي يوجد كل شيء، كلّنا نريد الدين الحقيقي، و هذا هو الذي نبحث عنه، عندها ينظر الله عز وجل للعباد بعين الرحمة، و لدينا حديث قدسي يهز أعمق مشاعري:
"يا عبادي إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي"، و سأقول بصراحة: كل منا يبحث عن السعادة بدون شك، هل تصدق أن سعادة الإعطاء تفوق سعادة الأخذ؟ واللهِ إن المؤمن حينما يوفق إلى عمل صالح، إلى مسح دمعة من وجه مسلم، إلى رسم ابتسامة على وجه طفل صغير تكون سعادته بالغة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/04.jpg
ذات مرة زرت صديقاً و صاحب البيت والده يومها مصاب بمرض عضال، جاء لهذا الصديق هاتف، أن قابل الطبيب الفلاني، فقال له الطبيب: العملية جاهزة وتكلفتها مغطاة، فأجريـت للمريض عملية، ونجحت العملية، وزرته بعد أن شفاه الله رأيت البيت فيه فرحاً، الأطفـال يرقصون من الفرح، والدهم كان مريضاً وشفي، هذا الذي أدخل على هذه الأسرة السرور كم له من الأجر عند الله عز وجل؟؟
العملية فوق طاقة الإنسان، إنسان اتصل به بالهاتف وقال له: اتصل بالطبيب الفلاني الذي قال له: إن الاستعدادات للعملية تمت وأجرة العملية مغطاة.
شخص ما أقام حفلة ودفع مئة وخمسين ألف ليرة، وأربعة أخماس الطعام بقي على الطاولة، و قال بعضهم: شيء يكسر العين، شيء مرتب، لكن من أنفق على العملية أدخل على قلوب أسرة بكاملها السرور، هذا المال أنت محاسب عنه، ويجب أن تنفقه في مكانه الصحيح.
ذات مرة ذكرت لكم أن أحد أخواننا الكرام زار أخته يوماً و وجد مشكلة بالبيت، منازعة بين أخته وزوجها تريد منه ثلاثمئة ليرة بالشهر مصروف ألبسة، والزوج موظف ودخله محدود فلم يرض، فرأى أخوها أنه لو دفع المبلغ يحل هذه المشكلة، فقال لها: خذي مني شهرياً هذا المبلغ، قال لي: كل شهر أسلمها هذا المبلغ، بعد ستةِ أشهر طلبتْ منه أخته مجلس علم، أحضرت بناتها كلهن، درس لأخواته وبنات أخواته، قال لي: آية وحديث وحكم فقهي وتحفيظ قرآن، و على إثر ذلك تحجبت البنات كلهن و أنعم الله عليهن بأزواج أطهار.
فممكن بهذه الثلاثمئة بالشهر حلّ مشكلة عند أسرة وبعد ذلك نمت العلاقة، وطُلِب منه درس علم، وبعد ذلك البنات تحجبن، ثم جاءهن أزواج مؤمنون، أنت وفرت السعادة لخمسةِ بيوت بثلاثمئة ليرة، هذا المال كما تعرفون قيمته بِحَلِّ المشاكل، إنه حلال المشاكل، أنت حينما تنفق المال في طاعة الله، تجبر خاطر إنسان، و ترعى يتيماً، تقدم هدية لإنسان فإن كانت هناك خصومة تنقلب إلى مودة.
((تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[مالك عن عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
ولم يقل الهدية من طرف واحد بل قال: تهادوا، أي الهدية دَيْن، نحن نريد فقهاً مربوطاً بالعقيدة حتى ترى الأحكام سهلة جداً. الموت أكبر موعظة للإنسان :
إذا أنت شاهدت كتاباً هو أساس دراستك في الكلية، وثمنه ثمانمئة ليرة، هل تراه غالي الثمن؟ وعندما تأخذ دكتوراه كل صورة – إيكو- بألف ليرة، وكل تخطيط بألفي ليرة، إذا كان هذا القاموس سعره ثمانمئة هل تستغليه؟ تدفع فوراً، إذا أنت موقناً أن القاموس يفيدك في اختصاصك، و إذا كنت تعرف الله معرفة يقينية، فالمال صار إنفاقه سهلاً، لماذا المال فإني سوف أتركه.
مرة كنا بمدينة من مدن الشمال فيها حيّ و كأنه ليس في سوريا. هذا الحي فيه كل فيلا هندستها متميزة، أنا أذكر زرت هذا الحي سنة خمس و سبعين و تسعمئة و ألف، الفيلا تكلفتها ثمانية وثلاثون مليوناً، كان البيت في المالكي بمئتي ألف، قالوا: هذه الفيلا فيها رخام أونكس بخمسة ملايين ليرة، صاحبها توفي وعمره اثنتان وأربعون سنة، شاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله وهو طويل جداً، وعندما وضع في القبر جاء الحفار ودفعه في صدره حتى وسعه القبر.
أين كان يسكن وأين صار؟ الإنسان كلما قرأ هذه النعوة - وسيشيع إلى مثواه الأخير - يشعر أن بيته الذي كان يسكنه هو مثوى مؤقت.
مهما اعتنيت بهذا المثوى فهو مؤقت ألم تر بعينيك؟ ما حضرت مسوية في بيت في المالكي أو غيره إلا ويقولون لك: ثمنه ثلاثة وثمانون مليوناً، خمسون مليوناً، ألم يمت صاحبه؟ أين صاحبه؟ في مقبرة الباب الصغير، حيث لا رخام و لا دهان.
الموت أكبر موعظة، كل يوم نراه.
من استقام على أمر الله سعد و غني :
أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أنه لا تستطيع أن تطبق أحكام الفقه كما أراد الله إلا إذا آمنت بالله كما أراد الله: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله"، أي ارجع وجدد معرفتك بالله، مثلاً من باب التمثيل والتوضيح: عندما تعرف شخصاً كريماً لدرجة وغنياً ويزورك فماذا تقدم له؟ أتكتفي بفنجان قهوة فقط؟ إذا أحبّ أن يعطيك يعطيك مئة ألف، وزارك في البيت، أنت تعرف أن أي شيء تبذله من أجله سوف يعود عليك أضعافاً مضاعفة، إذا كنت تعرف حجمه المالي، وتعرف كرمه، وتعرف عظمته ترى أن كل شيء تبذله قليل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/05.jpg
هذا مع إنسان كيف مع الله عز وجل؟ أنت تعامل خالق الكون، هناك أحاديث لا أشبع منها.
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]
أحياناً يكون الإنسان شخصاً مرموقاً، و لا يستطيع أحد أن يتقرب منه إلا عن طريق أولاده، فيعطي الابن سكرة، فهذه ليست للابن بل هي للأب، إذا أنت أكرمت أخاك المؤمن فهذه التكرمة لله عز وجل، الله غني عنك، يا رب كيف أتقرب إليك؟ كلهم عبادك وأنت تحبهم و أنا سوف أخدمهم حتى تحبني، ترى الإنسان إذا كان تاجراً، صاحب مزرعة، صاحب متجر، جاءه زبون يحب أن يخدمه، يكرمه، فيراعيه ويلين معه القول.
ترى قسوة الإنسان من قسوة قلبه، وقسوة قلبه من بعده عن الله، وبعده عن الله من المعاصي، والمعاصي من الجهل، هذه سلسلة، لكن إن تستقم وتتصل بالله عز وجل تسعدْ ويلن قلبك ويصبح عملك طيباً، أما إن كان العمل سيئاً فمعنى هذا أن القلب قاسٍ، و أن الإنسان مقطوع، متلبس بالمعاصي، و مهما بحثنا فالعلم أول مرحلة للإصلاح، أول شيء أن تتعلم، لذلك حضور مجالس العلم شيء أساسي وضروري، و الإنسان من دون علم يصبح كالبهيمة يأكل ويرفس، تكرمه ويؤذيك، فهو جاهل تائه.
اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لو أنهم يعلمون لآمنوا به ونصروه، كذبوه واستهزؤوا به وردوا دعوته وضربوه.
معنى هذا أن العلم هو الأساس، والعلم له مكان و هو المسجد يُدّرس فيه، لا علم يأتي من دون سعي و من دون سبب، ومكانه في الجامع، والعلم موضوعه القرآن الكريم كلام الله عز وجل، موضوعه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. آداب التعامل مع المقترضين :
1 ـ إنظار المعسر :
و بعد فقد قال العلماء آداب التعامل مع المقترضين هي: إنظار المعسر: ليس هذه قضية مزاجية فالله أمرك، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 280 ]
إنظاره إذا كان معسراً، أنا أنصح المدينين أن المدين إذا كنت معسراً فبلغ صاحب الدين بعسرك، هناك شخص تدينه مبلغاً لشهرين، يمضي الشهران والأربعة أشهر والستة أشهر والسنة وهو مرتاح ومكيف، يا أخي قل لي، قدم اعتذارك، أنا معسر، خطأ فاحش بالمقترض أن يأتي الأجل ويبقى ساكتاً، عليك أن تبين ظروفك.
البيان يطرد الشيطان، قال لي أخ: إنه أقرض شخصاً يوماً ما، و عند استحقاق السند جاءه وقال له: أنا عندي مشكلة كذا وكذا سامحني، فقال له: معك شهر آخر، ثم قال لي: سررت كثيراً لقدومه.
لم يبق قلقاً، هل ينوي أن يعطيني أم لا؟ جاء وبلغني أنَّهُ الآن معسر. حكم الله للمعسر :
أول أدب من آداب المقرض أن يصبر، و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، و حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، قال لي أحد الأخوة إنه ديّن شخصاً خمسين ألفاً و يوم استحقاق السند حلّ الحجز على البيت بأن أقام دعوى ودفع عشرين ألفاً وتملك بيتين بأطراف المدينة، بسعر بخس عن طريق مناقصة، من أجل خمسين خسر بيتين و القصة قديمة، هناك أشخاص لا يرحمون.
حكم الله للمعسر الإنظار إلى أن يوسر، ما قولكم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/06.jpg

((مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
الله جعل إنظار المعسر سبباً لاستجابة الدعوة، وجعلها سبباً لتفريج الكرب، ما قولكم أن الله سبحانه وتعالى من خلال حديث رسوله صلى الله عليه وسلم بين أنه: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كل هذه الأحاديث من أجل أن نتعاون، ونتحابب، ويرحم بعضنا بعضاً. (( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ فَقَالَ آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ]
صار معنى إنظار المعسر عمل طيب جداً. الله أمرنا بالإقراض و أمر المقترض بأداء الدين :
وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته))
[الطبراني عن أبي اليسر]
مرة زرت شخصاً يبيع أقمشة ببلدة من بلدان القطر في الشمال قال لي: صار معي أزمة في المحل وكدت أن أفلس، لا يوجد بيع وعليّ ديون وطالبوني بإلحاح فأصابني ألم شديد، ثم قال: جاءني أحد التجار المؤمنين، و له معي مبلغ ضخم، ومعه سندات، و أردت أن أضيّفهُ لأنه جاء من الشام، فقلت له: أريد أن نتناول الطعام في البيت عندي، لأن البيت بالنسبة لي أوفر، و أنا في ضائقة شديدة، فقال له: نعم، فلما رأى بيته ستين متراً، ولا يملك سوى غرفة واحدة، قال له: اعفني كأني أكلت عندك، هذا التاجر قال: الذي يسكن في بيت مساحته ستون متراً لن يكون محتالاً، ليس عملية إفلاس احتيالي بل هو في ضائقة، أخرج هذا التاجر السندات ومزقها و قال له: انزل إلى الشام لأعطيك بضاعة وأي محل لم يعطك بضاعة قل لي، وعد واعمل.
والله يا أخوان تكلم وبكى، والتاجر توفي رحمه الله، قال لي: أنهضني ونشلني، عاد لعمله: تديّن واشتغل وربح و ردّ الديون، وقال لي: الآن بيتي مساحته مئتان وخمسون متراً، كان يتكلم ويبكي لأن هذا الإنسان الذي أنظره قال له: لا عليك من هذا الدين، انزل للشام وخذ بضاعة.
هكذا يحبنا الله أن نكون، أكثر الناس يتدين، ويبيع البضاعة، ويحل بها مشاكله، و يأتي أصحاب الدين فيقول لهم: السوق باردة و لا يوجد بيع، بينما يكون قد باع البضاعة، و عمل بثمن البضاعة عملاً آخر، وتجارة ثانية، وزوج أولاده، ومن ثم يعلن إفلاساً احتيالياً، هكذا يفعل كثير من الناس.
لذلك الدَّيْن توقف، و الديانة أحجموا عن الإدانة و الإقراض، وعندما توقف الدين توقفت عجلة الحياة، لا أحد فيه ذمة إلا القليل، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على المدين و لو مات شهيداً، لكن الله عز وجل أمرنا أن نقرض وندين، وبالمقابل كان عليه الصلاة والسلام يسأل عن صحابي جاهد معه: أعليه دين؟ فإذا قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم.
كما أمرنا بالإقراض أمر المقترض بأداء الدين وأنه معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي دينه.
لذلك الآن يقال عند كل ميت على المغتسل: وهبتم؟ وهبنا، و يأتي أحد أقربائه و يتحمل ديونه وإلا مشكلته كبيرة. (( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته))
بصراحة أقول لكم: إذا كان الإنسان ميسوراً جداً، وهذا الدائن فقير جداً، وهو مؤمن وصادق، وعفيف، وأموره صعبة جداً، أي إذا قلت له: سوف أسامحك بنصف الدين أو بالدين كله، فهل أنت مخطئ؟ لا، والله لست مخطئاً، قل له: مسامح، و نحن نقول لك: جزاك الله خيراً وعوض عليك. 2 ـ حُسُن التقاضي :
أما الأدب الثاني فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى المسجد:
((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
أول أدب إذا كان معسراً فأنظره، الأدب الثاني اسمه حُسُن التقاضي: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4676/ar-4676/07.jpg
و في الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 75 ]
هذا توجيه إلهي تريد أن تسترد دينك فيجب أن تطالب، لكن بعفاف وليس بقسوة، يوجد أشخاص يسبون، ويكسرون، ويلعنون، و هذا ليس سلوك المؤمن: ((مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ]
والنبي عليه الصلاة والسلام حثّ على السماحة في المعاملة، وترك التضييق على الناس في المطالبة، وذلك بدعائه للمتسامحين في البيع والشراء و الاقتضاء. ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ]
إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، أحياناً يبقى لك معه خمس ليرات، والبيعة بثلاثمئة وخمس ليرات لا يوجد معه تقول له: أريد خمس ليرات أحضرها إلي، لكن الأولى بك: سامحه بها، سمحاً إذا باع وإذا اشترى، و ليس معه أن يكمل لك، و بقي لك معه ليرة فالمسامحة خلق حميد. (( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ]
والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((...أَلا وَخَيْرُهُمُ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ أَلا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ أَلا ))
[مسلم عَنْ أبي سعيد الخدري]
أنت كمؤمن يجب أن تطالب بأدب وبرحمة وبلطف وعفاف، شرّ الناس من كان سيئ القضاء أو سيئ الطلب، الدُّرج مليء والبضاعة باعها في الأسبوع الماضي فلماذا المطل؟ هذا سيئ القضاء، لذلك مطل الغني ظلم، ليُّ الواجد يبيح عرضه، يصفونه: فلان سلعة، إذا قلت: لا يدفع فلا عليك لأن ليَّ الواجد يبيح عرضه. 3 ـ وضع الدين :
الأدب الثالث وضع الدين:
وضع الْدين أي أن تسامح بشيءٍ من الديْن إذا رأيت المدين معسراً، وضعُ جزءٍ من الدين هل فيه دليل قرآني؟ قال تعالى:
﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 280 ]
أي إذا أنت في بحبوحة وأخوك المقترض بضائقة مالية شديدة وقلت له: وضعت عنك بالمئة ثلاثين مسامحة، أو لك بالمئة خمسون هدية مني لك، أو بالمئة مئة أنا وأنت واحد. (( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا: كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ ))
[متفق عليه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ]
هذا الحديث له معنى جديد، أي يجوز أن تشفع بين دائن ومدين، قد يكون المدين خائفـاً والديان قوياً وأنت لك مكانة عند الاثنين فاذهب إلى الدائن وقل: على مهلك هوّن عليك، أنا أكفله، استنبط العلماء يجوز أن تشفع بين الدائن وبين المدين. ((عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا))
[البخاري عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
هؤلاء ديانة عاديون وليسوا من المؤمنين، أما المؤمن فهو يقدم روحه.
إن شاء الله في درس قادم نتابع القرض، و سأتوسع بالموضوع ليقيني أن القرض الحسن الآن هو الذي يحل مشاكل المسلمين، يقول لي شخص: أريد أن آخذ من البنك فائدة، قلت: ألا يوجد حولك أحد يقرضك؟ قال: لا، فهذا رجل وقع في ضائقة مالية وأخوه حجمه المالي يزيد عن مئتي مليون ليرة التجأ له، بلا جدوى، فقال لي: ذهبت إلى بلد عربي مجاور ولي مورّد ليس مسلماً، و قلت له: أنا بوضعٍ ماليٍ صعب جداً، و ما ملكت نفسي فبكيت أمامه، فقال له: انزل في الفندق الفلاني ثلاثة أيام لترتاح أعصابك ثم تعال إليَّ، قال: فأعطاني مبلغاً ضخماً وأعطاني بضاعة ثم أردف قائلاً لي: أحبه أكثر من أخي، وتكلمها بسذاجة، ذاك ليس مسلماً وقالها: أحبه أكثر من أخي.
"الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فإذا منع مالي عيالي أذقته عذابي و لا أبالي"
إذا إنسان وقع فمن له غير إخوانه ليساعدوه؟ هذا الإيمان، نحن نريد إسلاماً مطبقاً وتعاوناً، وليس معنى كلامي أن تقذف مالك جزافاً، لا تعرف الشخص فتدينه، لا، فأنا لا أقصد هذا، أنا أقول: شخص تعرفه جيداً، وتعرف صدقه، وعفافه، وتعرف إمكاناته، وتعرف أنه بحاجة إلى شيء أساسي، يحتاج إلى وقود في الشتاء، يحتاج إلى عملية جراحية لابنه، وأنت في بحبوحة وتقول: لا يكفي العباد إلا رب العباد، الله عز وجل جعلك خليفته في الأرض.
و إلى درس قادم إن شاء الله تعالى لنتابع الموضوع ذاته .

السعيد
09-17-2018, 07:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع )

الموضوع :القرض الحسن - 3 -الحث و التشديد على اداء الدين





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التوازن التشريعي :
أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، ولكن في الموضوعات التي عولجت في الأسابيع السابقة دخلنا في موضوع القرض لأن القرض الحسن هو بديل الربا.
في مجتمع الاستغلال: الربا، وفي مجتمع الإحسان: القرض الحسن، من يريد الدنيا يرابي، و من يريد الآخرة يقرض القرض الحسن، لكن قبل أن نتابع موضوع القرض أحب أن أضع بين أيديكم حقيقة أساسية من حقائق الإسلام ألا وهي التوازن التشريعي مثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمن سأله عن علاقة أبيه بماله قال له: "أنت ومالك لأبيك"، وتوجه إلى الآباء فقال: "رحم الله والداً أعان ولده على بره".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/01.jpg
الله عز وجل يرحم أباً رحم ابنه، أحياناً يجعله عنده في المحل ويقول له أبوه: ألا تأكل؟ و يقول هو: أريد أن أتزوج وأفتح بيتاً، لا يصح أن يتوازى ابن يعمل مع أبيه ليلاً نهاراً مع ابن لا يعمل معه.
"رحم الله والداً أعان ولده على بره"، توجه للرجال فقال: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً".
لما توجه إلى النساء قال: "اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله"، في الإسلام توازن، مثلاً إذا عقد إنسان عقداً على امرأة ولم يدخل بها ثم بدا له أن يطلقها قال تعالى:
﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة : 237 ]
فلها نصف المهر، فإن كان المهر مئتي ألف فلها مئة ألف، العقد تمّ البارحة واليوم بدا لك أن تنسحب من هذا العقد، و أن تطلق ادفع مئة ألف، أمرَ الزوجَ أن يدفع نصف المهر، فللبنت المخطوبة و أهلها كرامة، لكن لفت نظر الأهل، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة : 237 ]
ليلة واحدة مئة ألف ليس معقولاً، جلس دقيقتين معها بحضور أهلها، اسمح لنا بمئة ألف، لكنهم سامحوك هي و أهلها، توجه للشاب قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة : 237 ]
قدم لها سواراً، عَفَوْكَ من مئة ألف فقط قدم سواراً، هناك توازن، الأطراف المتقابلة دائماً يأمر كل طرف أن يكون محسناً، وفق هذا الموضوع هناك أمثلة كثيرة، الآباء والأبناء، الأزواج والزوجات، كل إنسان أعطاه الله عز وجل الموقف الكامل وأنصفه. قصتان ملحقتان بالدرس السابق :
الدرس الماضي والذي قبله والذي قبله كلها فيها حثٌّ على الإقراض الحسن، مرة مثل الصدقة، ومرة مثلا الصدقة، ومرة شطر الصدقة، إذا أردت أن تنفرج كربتك فأَنظرْ المعسر.
آيات وأحاديث وتوجيهات ومواقف من النبي عليه الصلاة والسلام ومن أصحاب رسول الله تدعونا إلى أن نقرض، وأن ننظر المعسر، اليوم موضوع آخر هو: التوازن في الإسلام.
دعوة الله عز وجل ودعوة نبيه إلى المقترض أن يفي بالقرض، وإلا لو أنه مات شهيداً في سبيل الله، فشهادته لا تعفيه من الدين، لكن قبل أن نمضي في موضوع الحث والتشديد على أداء الدين هناك قصتان ملحقتان بالدرس السابق وردتا في حديثين، فاسمعوهما؛ و كونوا ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه.
طبعاً تحدثنا عن إنظار المعسر، وكيف أن إنظار المعسر عمل طيب و كبير، وقد ذكرت لكم آيات وأحاديث كثيرة جداً تبين فضل إنظار المعسر، بل تبين فضل أن تضع شطراً من دَينه، بل تبين فضل أن تعفيه من هذا الدين أما الموقف العملي فما رواه عبد الله عن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه. عبد الله بن أبي قتادة روى عن أبيه، أي أن أباه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه فقال له: ما حملك على ذلك؟ قال: العسر، فاستحلفه على ذلك فحلف، فدعا بصكه فأعطاه إياه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((من أنظر معسراً أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة ))
[مُسْلِمٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ]
هذا موقف من أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم.
الموقف الثاني: (( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ: أَجَلْ كَانَ لِي عَلَى فُلانِ ابْنِ فُلانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ قَالُوا لا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي، قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لا أَكْذِبُكَ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا قَالَ: قُلْتُ آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْت: آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي وَإِلا أَنْتَ فِي حِلٍّ ))
[مسلم عن عُبَادَة بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]
هذا موقف أصحاب رسول الله، إذا أيقنت واستحلفته أنه معسر، وأنت في بحبوحة تصدق بهذا الدين عليه، هاتان القصتان ملحقتان بالدرس الماضي، أدركنا الوقت قبل أن نتابع الحديث عنهما.
الدرس الماضي كله حثٌّ من الله ورسوله على إنظار المعسر وعلى إعفائه من بعض الدين أو من كل الدين والآية الأساسية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 280 ]
أمر الشرع من استقرض بـ :
1 ـ أداء الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/02.jpg
اليوم الدرس يتناول الطرفَ الثاني: هذا الذي استقرض بماذا أمره الشرع؟ أمره بأداء الدين بنص الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 58 ]
والدين أمانة كما قال علماء التفسير، في الآية وجوب ردّ كل وديعة من أمانة وقرض وغير ذلك، القرض والقراض والوديعة أمانة في عنق المدين. (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُدًا قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
يتمنى أن يتحول هذا الجبل ذهباً خالصاً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ينفقه في ثلاثة أيام إلا ديناراً يرصده لدين لأن الدين مقدس، أي يمكن أن يدع بعض هذا الجبل لأداء الدين، لعظم حق الدائن على المدين.
الله جل جلاله ونبيه عليه الصلاة والسلام بينّا أن الدين من الأمانات التي تؤدى إلى أهلها، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.
2 ـ أن يؤدي الدين بإحسان :
الأمر الثاني: ليس الأمر أن تؤدي الدين بل أن تحسن قضاء الدين، أن تحسن القضاء فالله سبحانه وتعالى يحب الذي يؤدي الدين بإحسان:
((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كيف؟ أنت عليك سند بعشرة آلاف ليرة تستحق بعد سنة، وأنت الآن في بحبوحة وبقي شهران، ادفعها رأساً، يا أخي: أنا أدفع عند حلول الوقت، لا. ادفع إذا كان معك، وهذا من حسن القضاء، من حسن القضاء تعال إلى عندي وخذ مالك، لا. قال تعالى: ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 178]
من أين أخذت الدَّين، كل التجار يجب أن تدور عليهم لتأخذ منهم ديْنك وكله خلاف السنة، المؤمن يذهب هو إلى مَدينِهِ ليعطيه المبلغ، جالس ومرتاح و الكل يأتون لعنده ويقفون بذل وأدب حتى يعطيهم الجمعية، لماذا؟ اذهب إليه، و أداء إليه بإحسان.
فمن حسن القضاء أن تعطيه الدين قبل أوانه إذا تيسر لك.
ومن حسن القضاء أن تأتي إليه، لا أن تقول له: تعال إلي لأعطيك الدين.
ومن حسن القضاء أن تؤدي أداء حسناً، جاء إلى محلك ليأخذ الدين أنت تبيع سكاكر أعطه كيلو سكاكر، أكرمه، أنت تبيع حاجات وهو بحاجة إليها أكرمه نظير هذه الخدمة. ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وفي حديث آخر: ((إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ))
[مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ]
الناس يقولون: الديْن هالك إلا ما رده الله، هذا مجتمع بعيد عن الله عز وجل، لكن المؤمن الصادق دَيْنكَ عنده كأنه في صندوقك، لتكن مطمئناً أبداً لأنه يخاف الله عز وجل، ولأنه يخاف أن يملك المال ولا يؤديه لك.
فضلاً عن أن الله عز وجل ورسوله الكريم حثا المؤمنين الصادقين على أداء الدين حثا أيضاً على حسن أداء الدين. الله ورسوله حثا المؤمنين على أداء الدين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/03.jpg
الموضوع يتوسع معنا أكثر و هذه أمثلة، استعرت كتاباً ذات يوم من بيت صديقك، والكتاب سميك، و التقيت به في الطريق، تفضل هذا الكتاب، هو لا يريد أن يحمله في الطريق وأنت أخذته من بيته، فعليك أن تؤديه إليه إلى البيت وهذا من حسن الأداء، أخذت الكتاب غير مجلد جلده، فهذا من حسن الأداء، الله يحب الإحسان وأنت دائماً مهمتك أن تشجع على الخير، إذا إنسان قدم لك خدمة، ديَّنك وكنت مضطراً، فعندما يستقرض أحدهم يكون أذل من الشاة، وعندما يملك المال ما الذي صار؟ اذهب عنا و يتهرب من الدائن صاحب المال.
أيرضيك أن يقف الدائن أمامك ذليلاً ليأخذ حقه؟ مثل هذا الموقف يمنع الخير ويمنع المعروف بين الناس، هذا من سنته القولية أما من سنته العملية صلى الله عليه وسلم:
((فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي))
[متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
هكذا فعل النبي فلن تجد مسافة بين ما يفعل و بين ما يقول، دعانا إلى أداء الدين ودعانا إلى حسن أداء الدين، وحينما استقرض النبي من هذا الصحابي قال: قضاني وزادني و هذا اسمه حسن الأداء.
الأمر بالأداء والأمر بحسن الأداء.
3 ـ تحريم المماطلة :
الآن: تحريم المماطلة، اسمعوا ماذا قيل في تحريم المماطلة:
((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
الظلم من الكبائر، يقترف الإنسان الكبيرة إذا استقرض قرضاً وملك المال وطولب بهذا القرض وبدأ يماطل، تأتيه صباحاً يقول لك: مساءً إن شاء الله، تأتيه مساءً لا تجده، تذهب إليه ثانية فيقول: أنا سوف آتي إليك ولا يأتي، هذا إذا كان في نفس المدينة سهلة جداً أما إذا سافرت و أبعدت وتجشمت المشاق ومصاريف السفر والفندق، تذهب إليه صباحاً فيقال لك: تعال بعد الظهر. فهذه كبيرة. ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
كان السلف الصالح لا يجرؤ أن يأكل لونين إذا عليه دين ولا فاكهتين، بل يأكل مثلاً برتقالاً فقط.
الحد الأدنى لا يجوز لمن عليه دين أن يتوسع بالطعام والشراب ولا أن يتوسع بالأثاث ولا في الأدوات الكهربائية، عليه دين، قبل أن تتوسع أدّ للناس حقوقهم.
المماطل يفسق، مرتكب كبيرة و فاسق، والأغربُ من ذلك أنه ترد شهادته، أي يفقد حقوقه المدنية، لو أن مديناً يملك مالَ مدينِهِ وماطله في الأداء ودعي لأداء الشهادة ترد شهادته، لأنه مرتكب كبيرة وهو فاسق وهو ظالم.
أيها الأخوة، هذا هو الدِين، ليس الدين بالصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا هو الدين، الدُرج مليء وله عندك مال والبضاعة بعتها فأدّه حقه.
الآن يستدين ويشتري سيارة شاحنة، تطالبه يقول لك: أخذنا سيارة، كأنما أنا مكلف بأن أشتري له سيارة، وأنا لي عنده مال، معظم الأزمات الآن أسبابها السيارات، كل إنسان عليه دين اشترى بهذا المال سيارات ويماطل الناس، أهذا هو الدين؟ لا. إن الدين وفاء وحسن أداء.
هنا عندنا خلاف بين العلماء فالإمام النووي يقول: "المماطل لا يسمى ظالماً ولا فاسقاً ولا مرتكب كبيرة إلا إذا كرر المماطلة"، لمرة واحدة لا يسمى مماطلاً وهذا رأي الإمام النووي، لكن الإمام السّبكي ردّ عليه و قال: "هذه كبيرة ومرتكب الكبيرة يكفي أن يرتكبها مرة واحدة".
وأنا أرجح القول الثاني، ومادام المطل كبيراً يكفي أن تماطل مرة واحدة فأنت مرتكب كبيرة ترد شهادتك وتفسق.
التوازن بالتشريع كم حثنا على الإقراض الحسن بالمقابل كم حذر المدين من المماطلة، المشكلة أنه عندما ذوو الأعمال الصالحة يقابلون بالإساءة ينكمشون، أقرب مثل: كان قبلاً إذا الإنسان رأى في الطريق حادثاً يسعف المصاب، يوصله إلى المشفى فيعتقلونه ويبقى ثلاثة أيام موقوفاً، كثير من الناس ماتوا من النزيف لأنه لم يعد أحد يسعف أحداً. هذا اسمه منع الماعون حتى صدر قرار أنه إذا إنسان أسعف مصاباً فلا يُسأل إطلاقاً فليس من المعقول أن يفعل الإنسان عملاً صالحاً ويحجز عدة أيام حتى يظهر أنه ليس له علاقة. أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة :
منع الماعون هو الإساءة للمحسن، والقصة التي تعرفونها هي قصة لص الخيل في الصحراء الذي تظاهر بالفقر، وكان الحر شديداً والرمال محرقة، مرَّ به فارس على فرسه رق له ودعاه إلى ركوب فرسه، فما إن ركب خلفه حتى دفعه أرضاً وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: يا هذا لقد وهبتك الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا أشيع هذا الخبر ذهبت منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/04.jpg
سبعمئة شقة في الشام فارغة لا أحد يؤجرك، لأنَّ المستأجر إن دخل إلى البيت صار مالك البيت، ثم يقول: بلط الزرقاء، هذا القضاء أمامك، لا أحد يعيدها، ليس في الشام أزمة سكن بل أزمة إسكان فقط.
أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة، فينعدم الإحسان وينكمش المحسنون، مر بالسيارة فيشير لك إنسان، لماذا لا تركبه معك؟ احتمال أن يكون معه مخدرات فلا يرحمك القانون، شيء مخيف. أمّا إذا كان هناك معاونة وإحسان فيختلف الوضع.
النبي عليه الصلاة والسلام بالإضافة إلى هذا التشديد فهو نفسه امتنع عن الصلاة على من ترك ديناً، والقصة معروفة وكان يؤتى بالرجل الميت وعليه الدين فيسأل النبي عليه الصلاة والسلام هل ترك لدينه قضاءً؟ فإن قيل: إنه ترك صلى عليه وإلا قال: صلوا على صاحبكم، صحابي! لا. صلوا عليه، مجاهد! لا. صلوا على صاحبكم، خاض أحد وبدر والخندق صلوا على صاحبكم لأن عليه ديناً، هل يوجد أشد من هذا؟
صحيح أَمَرَك أن تدين لكن أمر المدين أن يؤدي، هناك نقطة بالشرع دقيقة جداً، الله أمرك ألا تسرق، أو أمرك بالتزام أمر معين، فإذا كان هناك ألف مليون مسلم فهؤلاء الألف مليون مسلم مأمورون أيضاً ألا يسرقوا منك.
أمرََك أن تؤدي الأمانة إلى أهلها كذلك أمر الألف مليون مسلم أن يؤدوا الأمانة لك، المؤمن إذا كان عنده أخٌ من الإخوان المستقيمين يعمل لديه، فلماذا يطمئن ويرتاح؟ لأنه لا يخاف أن يسرقه.
حقوق العباد وحقوق الله:
الله سبحانه عندما أمرك بالاستقامة أمر الناس أن يستقيموا معك، والأمر مُوَجّه و له مفعول آخر، الإمام النووي رضي الله عنه له توجيه قال: "إنما كان يترك النبي الصلاةَ على المدين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي عليهم عند وفاتهم".
كان يأخذ موقفاً حازماً وقاسياً لئلا يطمع الناس، النبي لا يصلي عليهم إذا كان عليهم دين.
((نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
موقوف رهن التحقيق، في ذمة التحقيق، ما دام عليه دين فنفسه معلقة بدينه، معنى ذلك أن على الإنسان قبل أن يستدين أن يعد للألف بل للمليون، و قبل أن يستقرض من مال المسلمين فعليه ألا يستقرض إلا لسبب خطير وجوهري. (( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ: اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِكَ ))
[مسلم عن أَبِي قَتَادَةَ]
و هنا يعرض سؤال لماذا في المرة الأولى عليه الصلاة والسلام قال له: نعم إذا قتلت في سبيل الله وأنت صابر والمرة الثانية قال له: أعد السؤال فلما أعاده قال له: إلا الدين؟ حتى يوضح النبي الكريم للسائل سبب التناقض، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِك، جبريل صحح.
لو قتلت في سبيل الله، أغلى شيء هي النفس والجود بالنفس أقصى غاية الجود، لو قتل الإنسان في سبيل الله لا تكفّر عنه خطايا من نوع الدين، لا يكفّر إلا بالأداء.
و لقد قلت في خطبة الحج: إن الحاج يتوهم أنه إذا حج بيت الله الحرام رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، أجمع العلماء على أن الذنوب التي تكفّر بالحج هي الذنوب التي بينك وبين الله فقط أما الذنوب التي بينك وبين العباد فهذه لا تسقط ولا تغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة، فانتبهوا.
حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله. حرص الشرع على أداء الحقوق :
الإمام النووي في شرح حديث مسلم رضي الله عنه يقول: " إلا الدين فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وإن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفّر حقوق الآدميين إنما يكفّر حقوق الله عز وجل". http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/05.jpg

((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ ))
[النسائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ ]
حديث صحيح يا أخوان، والنبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لهذا سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما عدا ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى".
أرأيتم أيها الأخوة حرص الشرع الحنيف على أداء الحقوق، أمرنا أن نقرض القرض الحسن لكن أمر المدين أن يؤدي أداء حسناً وحذره أشد التحذير.
عندنا قاعدة: أحياناً يوجد أمر ويوجد نهي، لكن يا ترى لو أن قانون السير نصه: يُرجَى السير على اليمين فقط، يُرجى...من دون أن ينص على عقوبات، هل يطبق هذا القانون؟ لا. فهذا القانون عندئذ بالتعبير القانوني يفتقر إلى المؤيد القانوني، ألا و هو: العقوبات الرادعة. عقوبات رادعة لمن استدان و لم يوفِ دينه :
1 ـ الحجر على المدين :
نحن الآن أمام التوجيهات المقنعة، النبي وجّه لكن يا ترى بالنظام الإسلامي، بالنظام التشريعي هل عندنا مؤيدات قانونية وعندنا عقوبات رادعة؟ نعم.
أولاً: المدين يحجر عليه و الحجر في الشريعة هو منع الإنسان من التصرف بماله، أول عقاب للمدين يفقد حريته في التصرف بماله، أصبح سفيهاً، يتدين ولا يوجد عنده إمكان أن يوفي، و له بيت لا يستطيع أن يبيعه، لو عمل عقداً لا ينفذ العقد، يصدر قرار من القاضي الشرعي بالحجر عليه أي فقد حق التصرف، فقد حقه الطبيعي.
الإمام النووي يقول: "من عليه ديون حالّة استحقت، زائدة على ماله يحجر عليه بسؤال الغرماء".
عليه ديون أكثر من ماله، والغرماء طلبوا من القاضي، والقاضي يصدر أمراً بالحجر عليه، أصبح بيته ليس ملكه و كذلك محله ومركبته من حق الغرماء.
الآن لو جاء هذا المحجور عليه وتصرف في ماله بعد الحجر لا ينفذ تصرفه، روى الإمام أحمد:
((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي دَيْنِهِ فَبَاعُوهُ بِثَمَانِ مِائَةٍ ))
[أحمد عَنْ جَابِرٍ]
المدبر: عبد قال له سيده: أنت حر بعد موتي، وصية سيده لم تنفذ ولم يؤخذ بها النبي عليه الصلاة والسلام نظراً لما عليه من دين.
لو أن إنساناً محجوراً عليه تصدق بالمال فصدقته مردودة عليه: (( بَاب لا صَدَقَةَ إِلا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ))
[البخاري بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى عن أبي هريرة]
تتصدق وأنت عليك دين. لا، وفِّ الدين ثم تصدق. (( ....َمَنْ أَخَذَ أموال الناس يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
2 ـ حبس المدين :
ثانياً: حبس المدين، في قطر عربي إسلامي هذا التشريع قائم، المدين على السجن، لكن يوجد هاتف في السجن لا يخرج حتى يقضي الدين، خبّر أهلك، إذا كان عليه سند دين لم يدفع يساق صاحبه إلى السجن، فقد قال عليه الصلاة و السلام:
(( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ يَقُولُ مَطَلْتَنِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ))
[البخاري بَاب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/06.jpg
قال لي: تعال غداً، عرضه: أن يتكلم الناس بحقه، يقال: هذا يأكل مالاً حراماً، وهذه ليست غيبة، ما الذي يحصل بين التجار؟ يأتي زبون ناعم فيستدين ثم لا يدفع، و لقد أمرنا النبي أن نشهّر به؛ أنه لا يدفع، إذا سألك جارك: فلان يريد أن يستدين مني هل أدينه؟ قل له: إياك أن تدينه، وقل عنه: إنه لا يدفع، هذا يأخذ ولا يعطي.
الإمام البخاري نقل عن سفيان أن عقوبته الحبس حتى يؤدي الدين، فالحبس مشروع حتى يؤدي الدين.
العلامة العيني قال في شرح هذا الحديث: مشروعية حبس المديون إذا كان قادراً على الوفاء تاديباً له لأنه ظالم عندئذ، والظلم محرم وإن قل.
والقاضي شريح أمر بحبس شخص لم يؤدِّ الدين.
هناك خلاف بين العلماء إذا كان المديون معسراً قالوا: الأولى ألا يحبس، أما إذا كان ميسوراً فيحبس حتى يؤدي الدين، إن كان معسراً له حق بالآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 280 ]
3 ـ مَنعُ المدين من السفر :
و بعد هذه مشكلة ثانية: تديَّنَ وعمل جواز سفر وهرب، أين ذاهب؟ مَنعُ المدين من السفر:
هذه كلها إجراءات قانونية أساسها شرعي، من أراد سفراً وعليه حق يُستحق قبل مدة سفره فلصاحب الحق منعه، تزوج وطلق ولم يدفع المهر، يتمكن والد المطلقة من تقديم كتاب للقضاء، ويبلغون دائرة الهجرة والجوازات و يمنعون سفره، المدين ممنوع أن يسافر، المدين يحبس، المدين لك أن تفضحه، المدين يحجر على أمواله، المدين يفقد حق التصرف بماله.
لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه، لا نستقرض إلا لسبب قاهر، لأمر خطير وأمر مصيري، لعملية جراحية فقط، أما لأشياء تافهة فهذا شيء مخيف.
الغارمون :
أمرنا الله عز وجل بالإقراض الحسن، وحثنا عليه وأمرنا بإنظار المعسر، وأمرنا أن نضع عنه شطر دينه أو كل دينه، وأمر المدين أن يؤدي واعتبره ظالماً مرتكب كبيرة وفاسقاً، وأمر بحبسه، وبالحجر على أمواله، وأمر بمنعه من السفر، وقال لنا نحن الطرف الثالث: ساعدوا المدين، يستحق المدين من أموال الزكاة والغارمين، انظر التوازن في التشريع، أنت كإنسان معك مال زكاة فيجوز لك أن تدفع من مال الزكاة لهذا المديون لكي يفي دينه، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/07.jpg
الغارمون كما قال الإمام القرطبي: "هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه"، أي يا إخوان: إذا إنسان أحبّ أن يدفع زكاة ماله له أقرباء اسأله أعليك دين؟ عليك عشرة آلاف ليرة فهذا مصرف للزكاة رائع جداً، الدَّيْن هَمّ عليه، ودخله محدود، فإذا أردت أن تدفع زكاة مالك خصص جزءاً من زكاة مالك للغارمين والمديونين.
"هم الذين ركبهم الدين، ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه"، الدين ثابت ، اللهم إلا من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها، استدان ليشتري جهاز فيديو، و الله لا ندفع له من الزكاة، هذا مديون مسكين لا ندفع له. احذروا لا ندفع له، إذا شخص تدين ليشتري جهازَ فسادٍ فهذا لا يجوز أن تدفع له من زكاتك وفاءً لهذا الدّين، الدين لعملية جراحية، أشياء أساسية قاهرة، أي بحاجة إلى جهاز أساسي في حياته، "و من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها و لا من غيرها إلا أن يتوب" فإذا تاب فلا مانع، و يعطى منها من له مال و عليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مال و عليه دين فهو فقير و غارم فيعطى بالوصفين، الذي عليه دين و ليس معه الوفاء هذا صار فقيراً و غارماً بآن واحد، اجتمعت صفتان، من عليه دين و ليس معه الوفاء، أحياناً معه مال و لكن لا يكفي دَينه، عليه مئة ألف و معه ثلاثون ألفاً يقال: معه ثلاثون ألفاً لكن لا يكفي. فدينه أكبر، فهذا اسمه غارم أما الذي لا يملك مالاً إطلاقاً فاسمه فقير و غارم يستحق الزكاة من جهتين، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة على من لزمته الديون: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أحياناً يغرم المرء بالضمان، يضمن المشمش بعشر ليرات، فيصبح ثمنه خمس ليرات، صار مديوناً وكل شيء قطفه لا يكفي ثمن الضمان، هذا غارم.
لو فرضنا أن الناس لم يتقدموا لمساعدة المدين، فالغارم يستحق جزءاً من بيت مال المسلمين هذا التشريع المتوازن. من تفقه بالدين ارتقت معرفته :
على كلٍّ هناك أبحاث متعلقة بالدين، و يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الشرع الحنيف نظام خالق الكون، نظام متكامل، الدين ضرورة وأداؤه ضرورة، والزكاة ضرورة، والصدقة ضرورة، والإنسان كلما تفقه بالدين ارتقت معرفته، أصبح عمله حكيماً قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة الزمر: 123 ]
أحياناً يشعر الإنسان أن هناك فتوراً في عبادته، يوازن نفسه مع إنسان جاهل من أصدقائه، يرى فضل الله عليه، والعلم نعمة من أفضل النعم، ما من نعمة تفضل نعمة العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم يحتاج إلى وقت، وإلى مكان، بيوت الله عز وجل هي المكان الصحيح لتلقي العلم، أي أن الجامع له دور كبير، دور التعليم، ودور التوجيه، ودور التعاون، و يجب على الإنسان أن يكون له مشرب علمي دائماً، هذا مما حضّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم. من علامة التوفيق أن يكون معروف الإنسان عند أهل الحفاظ :
الحقيقة أن الإنسان كما أقول لكم دائماً يتألق لمّا يطبق ما علم، ولما ينوي أن يقرض قرضاً حسناً، والله عز وجل متطلع على نيته، فأولاً يسوقه إلى إنسان يستحق هذا القرض، لأن من علامة التوفيق أن يكون معروفك عند أهل الحفاظ، و الإنسان أحياناً يصنع معروفاً مع أهل الجحود فيتألم ألماً شديداً، مع أن الإنسان مأمور كما ورد قال: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله، لكن من نعم الله الكبرى أن يكون المعروف مع إنسان يستحق المعروف، مع إنسان من أهل الوفاء، إنسان كريم، إنسان محسن، لا ينسى لك هذا الفضل، والقاعدة الثابتة: إن فعلت معروفاً يجب أن تنساه، وإن فعل أحد معك معروفاً يجب ألّا تنساه أبداً، أكمل شيء في الإنسان أنه إذا قدم لك أحد معروفاً فكلما شاهدته قل له: أنا لن أنسى فضلك عليّ، هذا كمال، وإن فعلت معروفاً مع إنسان فلتكن كأنك لا تعرفه ولا يعرفك. انسه فوراً، انسَ معروفك وتذكر معروف الآخرين هذا مما ينمي العلاقة بين المؤمنين، وهذا مما ينمي الود بينهم.
التعاون في أمور الدنيا والآخرة :
الإنسان من سعادته العظمى أن أعماله الصالحة مع إخوانه المؤمنين، فيعرفون قيمة أعماله ولا ينسون فضله عليهم، و تتوثق بينهم عرى المودة، والآية الأساسية قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
الحياة أصبحت معقدة جداً أيها الأخوة كان الإنسان قديماً يعاون أباه، وله غرفة في البيت العربي، والبيت عبارة عن ثلاثين غرفة، و عندما يتزوج الشاب فإنه يختص بغرفة من البيت، وانتهى الأمر، الآن لابد من التعاون، لأن الحياة معقدة، و الأعمال تحتم على الناس المعاونة، معي مئة ألف ليرة لا تساوي شيئاً والمحل فروغه بمليوني ليرة، ولابد من التعاون في أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
قيل: البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، والحقيقة عندما الأخ يأتي إلى الجامع، وله أخوان طيبون طاهرون، وله علاقات طيبة، يشعر بالأنس الاجتماعي ليس وحدك في الحياة. ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[متفق عليه عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4677/ar-4677/08.jpg
هذه علامة المجتمع المؤمن الصادق، فالإنسان يقدم ويُعَاوِن حتى يعاوَن، الحياة أخذ وعطاء، قلت لكم سابقاً: الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل ترفع زوجته رجليها لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها، ما أخذ شيئاً، أعطى البشرية كل شيء ولم يأخذ شيئاً، والمنحرفون أشد الانحراف أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، أما عامة المؤمنين الحياة أخذ وعطاء، أنت عاون، تتعاون بعد ذلك، أبسط مثل إنسان تزوج، له ثلاثون أو عشرون أخاً، جمعوا ألفاً ألفاً وأخذوا له براد و ثريا، رأى حاله بضائقة شديدة والأمور كلها تيسرت، بعد أن تزوج واستقر، الذي قدم له السجادة، الآن سوف يوفي الدين، الهدايا كلها ديون، والتعاون في الزواج، والعمل، والمرض، والصحة، والسفر، والإقامة، وتأسيس شركة، ومشروع، الله عز وجل يحب التعاون، يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة والجماعة رحمة والفرقة عذاب: ((... فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عُمَرَ]
من أراد أن يعمل عملاً صالحاً ألهمه الله أعمالاً رائعة :
الإنسان لا يكفي أن تحضر الدرس، لابد من أن يكون لك أخوان طيبون، ولك معهم علاقة طيبة، هناك معرفة ومذاكرة بالدين والعلاقة الطيبة مع إخوانك المؤمنين تجعلك عضواً في جماعة مؤمنة، وأنت عنصر فعال إيجابي، وهذا الذي يرضي الله عز وجل، أن المؤمن يكون متعاوناً مع أخوانه المؤمنين.
إنسان بالرياضيات متفوق، فليقم بعدد من الدروس لإخوانه الضعاف بالرياضيات، عندهم بكالوريا، لا يوجد مانع أن نتعاون، إنسان مختص باللغة الأجنبية إن كان أخوانه عندهم ضعف في هذه الدروس، باب التعاون كبير جداً، والإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً صالحاً يلهمه الله أعمالاً غريبة ورائعة.
في بعض البلاد الإسلامية إذا توفي إنسان كل المعزين يعزونه مع مبلغ من المال، فيجمع مبلغ ضخم، هناك العرف يستخدم المال وإذا كان من أخذ العزاء لا يحتاجه يتصدق به، والتعزية فيها مشاركة مادية أيضاً، الوالد مات توقف العمل والدخل قل، الحياة أساسها التعاون والتعاون البناء والصادق والمخلص لله عز وجل.
وأنت كلما شعرت نفسك تعطي وتأخذ تمتنت علاقتك بالمؤمنين، وكلما رأيت نفسك مستمعاً فقط، وكلما كلفت بعمل قلت: لا يوجد معي نقدي، يوجد أناس أذكياء جداً بالاعتذار ينسحب انسحاباً لطيفاً، وأرجو الله عز وجل أن يترجم هذا الدرس إلى سلوك يومي وإلى واقع.

آفراح
09-17-2018, 12:15 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد
09-17-2018, 01:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : شركة المضاربة







الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.القرض الاستهلاكي :
أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، وقد تحدثنا في دروس ثلاث سابقة عن بديل الربا وهو القرض الحسن، وبينّا أن الربا أساسه الاستغلال، والقرض الحسن أساسه الإحسان، وبينّا أن الربا أساسه اتباع الهوى، لكن القرض الحسن أساسه طاعة الرحمن، واليوم ننتقل إلى موضوع أراه من أخطر موضوعات سلسلة من الدروس لماذا؟ لأن دين الله عز وجل لابد من أن يحل كل مشكلات الإنسان، لو أن نظاماً وضعياً ما عجز عن مواجهة مشكلة فشيء طبيعي لأن الإنسان يخطئ ويصيب.
لكن دين الله، لكن التشريع الإلهي، المنهج الرباني، هل يعجز عن حلّ مشكلات المجتمع؟ هذا شيء مستحيل عقلاً، فتحدثنا في الدرس الماضي عن القرض الحسن، هذا فيما يتعلق بالتعبير المعاصر بالقرض الاستهلاكي أي إنسان يواجه نفقة طارئة لا يملكها مثلاً عملية جراحية يقترض لها، هذا قرض استهلاكي، ونقول للمقرض: جزاك الله خيراً، أنت إنسان محسن، وأنت إنسان عظيم ورحيم، وأنت ابتغيت الأجر عند الله رب العالمين.
القرض الاستثماري :
عندنا الآن مشكلة أخرى، عندنا فئة كبيرة في المجتمع تملك المال لكنها متقدمة في السن، أو أنها امرأة لا تقوى على تنمية هذا المبلغ، أو أنه مال لطفل صغير يتيم، أو أنه مال وصاحبه مسافر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/01.jpg
إذاً نحن أمام حالة أن إنساناً يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره، وعندنا فئة أخرى، شباب في ريعان الشباب مفتولو العضلات يتحرقون على عمل ولا يجدون، أولئك عندهم الأموال ولا يستطيعون أن يعملوا، وهؤلاء عندهم كل طاقات العمل وليس عندهم مال ليعملوا به.
الدرس الماضي تحدثنا عن قرض استهلاكي لنفقة طارئة، وظننا الخير والكرم بالذي أقرض إقراضاً حسناً، وإن كنت ميسوراً ومعك مال زائد فأعط جزءاً من مالك كقرض حسن لهذا الإنسان المحتاج.
الحالة اليوم من نوع آخر؛ شاب يحمل شهادة هندسة لكن لا يملك أرضاً يزرعها، لا يملك أية إمكانية ليقيم مشروعاً لكنه خبير، درس خمس سنوات هندسة، وذاك درس خمس سنوات علوماً طبيعية، بإمكانه أن ينشئ معمل صابون، لكن لا يملك مالاً، ولكن بإمكاناته العلمية وخبراته الجيدة وطاقاته الخلاقة ونشاطه في أعلى درجة قادر على إنشاء مؤسسة مثمرة ومنتجة.
الأول معه المال لكنه متقدم في السن، وهذا الشاب لا يحتاج إلى قرض استهلاكي، يحتاج إلى قرض استثماري، والأول لا يحتاج أن يقرض من دون أن يستفيد، فمن أين يأكل؟ أنت إنسان في بحبوحة أقرضت لوجه الله، والحالة الثانية إنسان معه مئة ألف لا يملك غيرها ولا يستطيع أن يستثمرها، وشاب يحتاج إلى مئة ألف لكنه لا يملكها، أيعقل أن نقول للأول: أقرضه قرضاً حسناً؟ هذا ليس معقولاً لأنه يجب أن يأكل وينفق.
نظام المضاربة :
من أعظم ما في الشرع نظام المضاربة، هذه شركة قائمة على جهد ومال، المال من جهة والجهد من جهة أخرى، هذا بماله وهذا بعمله وذاك بطاقته، أي يجب أن يبقى في ذهنك أيها الأخ الكريم أن الله عز وجل حينما قال:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
دين الله عز وجل دين الخالق، دين رب العالمين كامل وتام، التمام صفة عددية والكمال صفة نوعية، فمن حيث عدد القضايا التي عالجها الدين فعددها تام يغطي كل حركات الإنسان، ونشاطاته، وأحواله في كل حياته، ودين كامل يعالج معالجة وافية وكاملة كل قضية من قضايا الإنسان، والآن كيف نحل مشكلة القرض الاستثماري؟ كيف نحل مشكلة من يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره ومن يملك الجهد والطاقة والخبرة ولا يملك المال؟ الشرع الحنيف شرع ما يسمى بشركة المضاربة، المضاربة شركة تقضي حاجتين في وقت واحد، تقضي حاجة صاحب المال الذي لا يستطيع لكبر سنه، أو لصغر سنه، أو لجنسه: أنثى، أو لسفره، أو لجهله أن يستثمر ماله وهو في أمس الحاجة إلى أن يأكل، لا من رأسماله بل من ريع رأسماله، وتحل مشكلة الشاب المفتول العضلات والممتلئ نشاطاً بأن يأكل من خلال عمله، وهذا الشاب لا يقبل صدقة، ولا مساعدة، شاب في أول حياته لماذا الصدقة؟ أروع ما في هذا الدين أنه شرع تشريعاً حكيماً لهؤلاء ولهؤلاء.
ومن باب البشارة أن النبي عليه الصلاة والسلام بشخصه كان أول شريك مضارب في الإسلام، اتجر بمال خديجة رضي الله عنها، كان أميناً إلى أعلى درجة، وكان وفياً إلى أعلى درجة، فشركة المضاربة تحل مشاكل الناس جميعاً. المضاربة هي البديل الآخر للربا:
البنوك ماذا تعمل؟ هي مخالفةٌ للشرع، لكن تحل مشكلة من معه مال ولا يستطيع أن يستثمره، فتأخذ هذا المال وتقرضه بالربا وتدفع لصاحب المال نسبة ثابتةً، لكن شركة المضاربة تحل هذه المشكلة وفق الشرع، ومن خلال قنوات الشرع، وفق منهج الله عز وجل، لذلك فإني دائماً أشجع أخواننا الكرام من الشباب ومن أصحاب الأموال أن يتعاونوا لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتعاون، قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/02.jpg
البر صلاح الدنيا، أي أجمل ما في الدنيا أن شاباً يعمل بإخلاص وصدق وإتقان ويدفع لصاحب المال ريعاً معقولاً، ويكتسب مالاً حلالاً، ليس فيه شبهة القرض الربوي، ولا شبهة الربح الثابت، ولا شيء من هذا القبيـل، لكن قد يقول قائل: يا أخي هناك كثير من الشركات الاستثمارية وكلها أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال وأصله؟ هذا صحيح وطبيعي لأن هؤلاء ليسوا منضبطين بالشرع، وهؤلاء ليسوا مسلمين حقاً، الشرع موضوع للمؤمنين الصادقين، كل إنسان رفع لافتة وقال: أنا مسلم، فهل أصبح مسلماً حقاً؟ كل إنسان ادعى الورع أهو ورع فعلاً؟ كل إنسان ادعى أنه مطبق للشرع أهو فعلاً مطبق للشرع؟ فإذا الناس خاب ظنهم ببعض الشركات التي أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال كله فاتجه الناس نحو المصارف والبنوك، فهذا لا يبرر أن نلغي التعامل في موضوع المضاربة، لذلك موضوع درسنا اليوم: المضاربة، البديل الآخر للربا والقرض الاستهلاكي، أول بديل إذا كنت في حاجة إلى قرض استهلاكي كإجراء عملية جراحية أو ترميم بيت مثلاً فهناك إنسان ميسور الحال معه مال فائض نقول له: أيها الغني أقرض هذا الإنسان المؤمن الصادق الطاهر الفقير قرضاً حسناً تبتغي به وجه الله وهذا موضوع الدروس الثلاث السابقة. أصل شركة المضاربة :
لكنّا اليوم مع إنسان يملك مبلغاً من المال وهو مضطر أن يأكل وينفق، لكن لا من أصل المال، بل من ريعه، وإنسان آخر لا يقبل الصدقة ولا المساعدة، يريد أن يعمل وأن يبني نفسه، وهذا شيء جميل، أفنقول لصاحب المال أقرض أم اجعل بينك وبين هذا الشاب شركة مضاربة منك المال ومنه الجهد والربح بينكما بنسب تتفقان عليها؟ هذا أصل شركة المضاربة، هو البديل لأي مشروع أساسه الربا، وقد بينت لكم في درس سابق لو أننا أتينا بمشروعين اثنين متشابهين من حيث كتلة المال، ونوع العمل، وكل شروط العمل، الشركة الأولى أساسها قرض ربوي، ممولة بقرض ربوي، والشركة الثانية ممولة بعقد مضاربة بين صاحب مال وبين شريكِ عملٍ، أسعار شركة المضاربة أقل بكثير من أسعار الشركة الربوية لماذا؟ لأن فائدة القرض الربوي تضاف إلى الكلف، أما هنا فليس عندهم فائدة القرض الربوي، بل صاحب المال يأخذ من الربح نصيبه. إذاً الأسعار تهبط، ولو حلّتْ شركات المضاربة مكان الإقراض الربوي الاستثماري لهبطت الأسعار، فإلى تفاصيل هذه الشركة التي هي الحل الوحيد لحاجتين متكافئتين، حاجة أصحاب الأموال لاستثمار أموالهم، وحاجة أصحاب الأعمال إلى تأمين تمويلٍ لأعمالهم، إنها شركة المضاربة والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق كان أول شريك مضارب في الإسلام.
مشروعية شركة المضاربة :
بعيداً عن مصطلحات الفقهاء، للتعريف اللغوي والتعريف الشرعي، نبدأ بمشروعية هذه الشركة، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾
[ سورة المزمل : 20]
ضرب في الأرض أي سافر يبتغي الرزق، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[ سورة الجمعة : 10]
﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾
[سورة البقرة: 198]
هذه الآيات الثلاثة، يرى بعض العلماء أن فيها إشارة إلى شركة المضاربة.
لكن السنة فصلت فالنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون سافر بمال قبل النبوة، وسافر بمال خديجة رضي الله عنها، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان، فشركة المضاربة كانت معروفة في العالم العربي قبل بعثة النبي وبعد بعثة النبي، والنبي كان شريكاً مضارباً، إذاً كل شيء فعله النبي هو تشريع. قصة جرت مع أصحاب رسول الله :
السنة النبوية كما تعلمون هي أقواله وأفعاله وإقراره، قصة جرت مع أصحاب رسول الله:
((حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ ثُمَّ قَال: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا فَقَالا وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا قَالا لا فَقَالَ:عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ))
[مالك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ]
سيدنا عمر بن الخطاب شديد، رأى يوماً إبلاً سمينة قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لعبد الله بن عمر، قال: ائتوني به، جاؤوا به، قال: لمن هذه وهو متجهم الوجه؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت؟ أي يا أبتِ قل لي ما المخالفة التي خالفت بها الشرع؟ البيع حلال والشراء حلال.
استمعوا ماذا قال سيدنا عمر قال له: ويقول الناس ارعَوْا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، هل تعرف لماذا سمنت الإبل التي تملكها؟ لأنك ابني، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين. من حقّ صاحب المال أن يشترط على المضارب :
((الإمام البيهقي روى عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى مالَ يتيمٍ مضاربةً وكان يعمل به في العراق))
[البيهقي عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده]
وروى الإمام مالك: ((عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالاً قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا ))
[مالك عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/03.jpg
وروى الإمام الدار قطني: (( عن عروة بن الزبير وعن غيره أن حكيم بن حزام رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً يضرب له به، ألا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به في بطن مسيل وإن فعلت شيئاً من ذلك ضمنت لي مالي))
[الدار قطني عن عروة بن الزبير]
ومن حق صاحب المال إذاً أن يشترط على المضارب ممنوع أن تتجر في البضاعة المهربة، ممنوع أن تسافر به خارج القطر، من حق المضارب أن يشترط على العامل، شريك العمل.
كان حكيم بن حزام يشترط ألا تجعل مالي في كبد رطبة، تتاجر لي في الغنم وتقول لي: ماتت الغنم، ولا تحمله في بحر فتغرق، ولا تنزل به في بطن مسيل، يأتي سيل عارم ويتلف البضاعة، وإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت لي مالي وأنت مسؤول.
هذه فيها أحكام فقهية سوف نوضحها بعد قليل، من حق صاحب المال أن يشترط على صاحب العمل شروطاً فإذا خالفها ضمن المال والخسارة، وعندئذ تقع وحدها على المضارب فقط لا على صاحب المال، والإمام البيهقي يروي: ((عن نافع رضي الله عنه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكون عنده مال اليتيم فيزكيه ويعطيه مضاربة ويستقرض فيه))
[البيهقي عن نافع رضي الله عنه]
لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه اتجروا بمال اليتامى لا تأكلها الزكاة. وجوب الزكاة على المال النامي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/04.jpg
بالمناسبة نحن نعلم أن الزكاة لا تجب إلا على المال النامي، وأصل المال لا ينمو، السلع مثلاً: بيت كان ثمنه عشرين ألفاً في عام خمسة وستين، اليوم ثمنه ثمانية ملايين فقد نما. أما الليرة فهي ليرة وما اختلفت، فالمال لا ينمو والذي ينمو البضاعة إذ تشتد الحاجة إليها فيزداد سعرها، فلماذا أوجب الله الزكاة في المال مع أنه لا ينمو بل بالعكس قد يتراجع؟ العلماء قالوا: أوجب الله الزكاة في المال لئلا يكنز، وإذا كنزه الإنسان أكلته الزكاة، أنت مسلم معك مال وخائف عليه، كل سنة تخرج اثنين ونصف بالمئة زكاته على أربعين سنة ينفد المال كله.
إما أن تستثمره وإما أنّ الزكاة تأكل المال، فحكمة الشارع الحكيم من فرض الزكاة على المال ولو كان ورقياً لئلا يكنز، فيحرم منه الشاب الذي يتمنى أن يكون هذا المال معه ليعمل به.
لكن يا ترى إذا الناس أساؤوا فهل يلتغي الشرع؟ لا، ثم لا، وإذا كان هناك أشخاص احتالوا وأكلوا أموال الناس بالباطل وكذبوا وأعطوا أرباحاً وهمية ثم أكلوا أصل المال، أنلغي الشرع؟
هذه الأخطاء وقعت ولكن هؤلاء الأشخاص غير ملتزمين وليسوا منضبطين وليسوا ورعين، فإذا أخطأ الإنسان فهل يعطل الشرع؟ لا.
شركة المضاربة فيها تأمين حاجة أصحاب الأموال والأعمال :
لم ينقل عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه أنكر التعامل بالمضاربة.
أهم ما في الموضوع أن شركة المضاربة فيها تأمين الحاجتين وتلبيتهما، حاجة أصحاب الأموال وحاجة أصحاب الأعمال.
وأروع عمل يقول لك: ضربنا عصفورين بحجر، مثل عامي، العمل الرائع أن تحقق هدفين في عمل واحد، هناك أناس في أمس الحاجة إلى أن يكسبوا مالاً من أموالهم المجمدة، وهناك أناس لا يقبلون الصدقة وهم في أمس الحاجة إلى مال يعملون به.
فإذا قلنا إلى هؤلاء ادفعوا إلى هؤلاء، ويا هؤلاء اعملوا وأعطوا هؤلاء، معنى ذلك هذا تشريع حكيم لبّى حاجتين متكافئتين في وقت واحد.
التجارة تحتاج إلى مؤمن صادق واستقامة و توفيق :
لكن النبي الكريم قال:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا ولا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
بطولتك أن تبحث عن المؤمن الصادق، الذي لو قطعته إرباً إرباً لا يأكل قرشاً حراماً، ابحث عن هذا وادفع له المال، وخذ منه ربحاً حلالاً، وهو بنيته الطيبة يوفقه الله عز وجل. ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
أخواننا التجار يعرفون مع الله لا يوجد أحد ذكي، يوجد تاجر موفق وتاجر غير موفق، أي أكبر تاجر وأذكى تاجر وأطول خبرة عند التاجر يمكن أن يريه الله عز وجل صفقة متألقة نيرة ويكون فيها إفلاسه، ويمكن أن يلهم الله التاجر المؤمن صفقة في نظر الناس عادية جداً يربح منها أرباحاً طائلة جداً. الأمر إذاً رهن توفيق الله، والتجارة تحتاج إلى استقامة وإلى توفيق الله فقط، لا تحتاج إلى ذكاء من أعلى مستوى.
ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم
***
ترى في المجتمع إنساناً شعلةَ ذكاء، لا يملك قرشاً في جيبه، وآخر على البساطة يأتيه المال جزافاً، من دون حساب، الرزق له قوانين. أسباب زيادة الرزق :
1 ـ الاستقامة :
نحن سابقاً تكلمنا بخطبة أو بخطبتين فيما أذكر عن أسباب زيادة الرزق وذكرت في وقتها الاستقامة والدليل قال تعالى:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن: 16-17 ]
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف : 96 ]

2 ـ الأمانة :
الأمانة: (( الأمانة غنىً ))
[ القضاعي عن أنس ]
الإنسان الأمين موثوق، والموثوق تدفع له الأموال، ويعمل عملاً طيباً حلالاً، وينتفع وينفع.
3 ـ إتقان العمل :
إتقان العمل عاملٌ للرزق:
(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))
[ الجامع الصغير عن عائشة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/05.jpg
انظر إلى أصحاب الحرف ترى المتقن ليس عنده كساد، وغير المتقن عمله يقول لك: أعمل شهراً وأقف شهرين، ويقول: عندنا ركود وكساد، بينما المتقن عمله في نفس الوقت يقول لك: عندي عمل لشهرين قادمين، لماذا فلان يعمل قليلاً ويقف بلا عمل كثيراً وفلان دائماً عنده عمل؟ فالمتقن لا يشكو فتور السوق وعليه طلب كثير.
أسمع عن بلاط كان الناس يوصون عليه من قبل سنتين، فمعمل البلاط لسنتين مشغول، عمله متقن، والعامل لا يمكن أن يبلط مع رفرفة، وميل صحيح.
تلاحظ شركات ليس لها دعاية، لأنها ليست بحاجة إلى دعاية، إنتاجها نافق من دون دعاية، وعندما تبدأ بالدعاية فمعنى هذا أن عندها كساداً، وعلامة الكساد الدعاية، إذاً: الإتقان الشديد وحده هو دعاية.
يا أخوان، بإتقان عملك تجعل كل زبائنك يدعون لك مجاناً، كن نجاراً متقناً فهذا الزبون يمدحك سنتين وهو لا يشعر، يقول: الله يوجه له كل خير، صنع لنا أبواباً جيدة، بينما رجل اشترى طقم جلوس فأول يوم فرح به ودعا الضيوف لبيته فكسر الطقم، فذهب إلى الذي باعه فقال له: الطقم انهار. فقال: الظاهر جلستم عليه.
إنسان رأى عرقاً أخضر في غرفة النوم، فالخشب لم يجف بعد، أصابَتْه بعض القطرات من السقف فنبت عرق أخضر.
تريد أن يثني الناس كلهم على بضاعتك فأتقن عملك، تجعل الناس يروجون بضاعتك وهم لا يشعرون، إذاً شركة المضاربة فيها دفع الحاجتين، تلبية حاجتين في وقت واحد. نطاق المضاربة نطاق واسع :
الآن نطاق المضاربة واسع جداً، يجوز أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى أربعة، لا شيء يمنع أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى خمسة، عندنا قاعدة: مثل غربي، إياك أن تضع البيض كله في سلة واحدة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/06.jpg
والتجار يقولون: اجمع عيالك وفرق مالك، أحياناً تكون مصلحة رائجة فإن كان كل ماله في هذه المصلحة، فربما بقرار تنتهي هذه المصلحة، مرة كنت في حمص هناك محلات عند موقف شركات الباصات تبيع بيعاً مذهلاً من طعامٍ وشرابٍ وسندويش، فلما نقل مركز الباصات إلى خارج حمص، العشرون محلاً أغلقت، فإذا كان المال كله في عمل واحد وصارت مشكلة توقف العمل، فتوزيع الأموال حكمة، فيجوز دفع الأموال إلى اثنين أو ثلاثة.
إذا كان هذا مربحه أكبر نميل إليه، يجوز دفع المال إلى اثنين وأكثر مضاربةً، ويمكن أن تكون أنت شريك العمل وأن تأخذ أموالاً من أكثر من شخص، مشروعك أكبر من حدود شخص، قد تحتاج إلى مئة شخص أو خمسين فيمكن أن تدفع إلى أكثر من واحد ويمكن أن تأخذ من أكثر من واحد هذا يجوز في تشريع المضاربة.
أحياناً أنت شريك مضارب ومعك مال أكثر من طاقتك، يمكن أن تضارب أنت به، تثق بإنسان عنده خبرة جيدة تدفع له هذا المال وتقول له: أنت مسؤول، إذا استأذنت صاحب المال فلست مسؤول، إن لم تستأذنه فأنت مسؤول، فالخسارة عليك، ممكن لِلْمضارب أن يضارب إذا كان حجم عمله لا يحتمل الكتلة النقدية التي معه، يمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى، أي يأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة واحدة ويأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة ثانية فيقوم بمشروعين في وقت واحد.
من الممكن أن تدفع المال لأكثر من مضارب، ومن الممكن للمضارب أن يأخذ من أكثر من إنسان، ويمكن للمضارب أن يضارب، ويمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى لموضوع آخر.
يمكن أن يكون رأس المال نقداً أو عروضاً، إنسان عنده بضاعة قال صاحبها: بع هذه البضاعة واجعل مالها مضاربة بيني وبينك، أو قيّمها وبعها مضاربة بيني وبينك، قد يضع إنسان بضاعة عند آخر بالأمانة كأن يضع عنده قماشاً ويقول له: بع هذا القماش والربح بيننا، شخص عنده محل ولا يملك بضاعة، وشخص مستورد يملك بضاعة كثيرة، أعطاه عشر صفقات وقال له: بع هذه الصفقات والربح بيني وبينك مناصفة.
يمكن أن تأخذ مالاً ويمكن أن تأخذ بضاعة، يمكن أن تكون المضاربة في جميع أنواع التجارة المباحة، أي نوع من أنواع التجارة المباحة تجري فيها المضاربة.
بالصناعة ممكن، وفي الزراعة والتجارة ممكن، وفي الخدمات ممكن، مكتب هندسي والمهندس لا يملك إلا اختصاصه يحتاج إلى مكتب، وإلى موظفين، جاء إنسان ممول، ممكن صيدلية، إنسان يحمـل شهادة صيدلة لكن لا يملك المال، وهناك جهة موَّلت المحل والأدوية والتجهيزات والربح بينهما، ليس هناك شركات أوسع من المضاربة.
قواعد استنبطها العلماء في المضاربة:
لكن هذه المضاربة ولئلا يستغل طرف الطرف الآخر، ولئلا يحيف طرف على الطرف الآخر، ولئلا يظلم طرف الطرف الآخر، هناك قواعد استنبطها العلماء، هذه القواعد تعد كالشروط بعضها برأس المال، رأس المال لا يستحق الربح إلا إذا سلمته، أنا واضع مبلغاً فماذا ربحنا؟ طبعاً هذا شرط بديهي.
لا بد من تسليم رأس المال حتى يستحق الربح، ولا يستحق رأس المال الربح إلا من تاريخ التسليم، فمن قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز، فيه ظلم، ومن قبل لا يجوز فيه ظلم للمضارب.
أعطاه المال في شهر نيسان قال له: أنا أريد الربح من أول السنة لا يجوز، من قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز.
شدة شروط صاحب المال تقيد الشريك و تقلل الربح:
من حيث تصرف العامل يوجد عدة آراء: إذا دفعت المال للشريك المضارب، ولم تشترط عليه شيئاً، ولم تقنن له قانوناً، ولم تحظر عليه محظوراً، فأنت مسؤول عن كل تصرفاته، أما إن قلت له :أنا لا أوافق على أن أشتري بضاعة غير نظامية، فإن اشترى بضاعة غير نظامية وصودرت فهو مسؤول وحده عن ذلك، إذا خالف المضارب تعليمات صاحب المال يصبح ضامناً أي مسؤولاً.
يجوز أن تشترط ويجوز ألا تشترط، إن كان لك ثقة كبيرة في هذا المضارب لا تقيده، تعرفه من حكمته وعقله الكبير وذكائه وورعه أنه يختار الشيء المناسب لهذا المال، أما إن كنت تعرفه طائشاً فاحذر.
ذهب مفتش في التعليم الابتدائي إلى قرية من قرى محافظة ريف دمشق، ودخل إلى صف وسمع درس المعلم اللطيف، وأحب أن يتقرب من الطلاب فسأل طالباً: أنت يا بني ماذا تحب أن تكون عندما تكبر؟ هل تحب أن تكون طياراً مثلاً أو مهندساً؟ فقال له الطالب: مهرب، أستاذ.
إذا أنت اشترطت على المضارب ألا يشتري بضاعة غير نظامية واشترى فهو مسؤول، ممكن لك أن تشترط ألا يتعامل بنقد غير سوري، يوجد قوانين قاسية لمن يتعامل بنقد غير سوري، عشرون سنة في السجن أحياناً فأنت ليس لك مصلحة، وأنت كصاحب مال عليك أن تقول: هذا ممنوع وذاك ممنوع، والمال يبقى في سوريا ولا يخرج خارج القطر، لا يجوز لك استثمار عن طريق العملة لأن هذه ممنوعة، بضاعة غير نظامية مرفوضة فأنت لك حق أن تشترط، وإذا لم تشترط معنى هذا أن لك ثقة كبيرة في هذه الجهة من حيث العلم والحكمة والورع...
طبعاً هناك شروط قاسية جداً، والشروط إذا اشتدت قيدت شريك العمل وقللت فرص الربح، إذا قال له مثلاً: بأية لحظة أطلب المال تقدمه، فهذا كلام فارغ، اشترى فيه بضاعة وليس معقولاً أن يعطيك المال في أية لحظة، فإن كان المال لا يعمل معنى هذا أنه أعطاك ربا، إذا مالك في الصندوق وبأي لحظة يدفعه لك فمعنى هذا أن المال لم يربح وأعطاك ربحاً خلبياً وهمياً.
صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال :
عندنا حكم خاص: إذا المضارب خالف تعليمات صاحب المال بعضهم يقول: يضمن الخسارة ولا يأخذ شيئاً من الربح، إن ربح فلصاحب المال وإن خسر فعليه تأديب له لأنه خالف تعليمات صاحب المال.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/07.jpg
لو فرضنا أن هذا المضارب أعطاه مليوناً أو نصف مليون، فذهب واشترى بضاعة بعشرة ملايين ولسبب أو لآخر البضاعة تلفت أو هبط سعرها فجأة وعليه التزام دفع عشرة ملايين، فالشريك المضارب عليه أن يدفع هذه الخسارة الكبيرة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال الذي دفعه إليه، أما أن تحمله أكثر من حجمه فلا، وهذه يسمونها: توصية شركة بسيطة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال.
أعطاك مئة ألف فعملك ضمن المئة ألف، فأية خسارة تزيد على حجم المال كله فصاحب المال ليس مسؤولاً عنها، لا يسأل إلا في حدود رأسماله الذي دفعه إليك.
الآن أكبر مشكلة في التجارة، أن يعمل التاجر بعشرة أضعاف حجمه المالي، فأحياناً تقع هزات فوق طاقة الاحتمال، معه مبلغ تدين عشرة أمثاله، واشترى صفقة وفي نيته أن يسترد ربحها أضعافاً مضاعفة، الصفقة لم تبع أو صودرت أو نشأ منها مشكلة.
صار معرض خارج سوريا وهؤلاء التجار اجتهدوا، وأرسلوا بضاعة كبيرة جداً، بينهم تاجر حتى يمرر أكبر كمية بضاعة ممكنة وضع الأسعار: العُشر في الفواتير، والقصد أن يبيع البضاعة ويربح أضعافاً مضاعفة، مسموح للتاجر فرضاً بمبلغ ثلاثمئة ألف ليرة والقصة قديمة، هؤلاء التجار حتى يخرجوا بضاعة بمبلغ مليوني ليرة أعطوا أسعاراً لبضاعتهم على الفواتير بقيمة العشر، ووضعوا ضمن البضاعة تهريبات كبيرة جداً، القطر الآخر الذي كان سوف يقام فيه المعرض قال: أنا سوف أشتري البضاعة بفواتيرها، فكل شيء ضمن البضاعة وفيها مهربات خيالية، راحت البضاعة كلها بمبلغ عُشر ثمنها، فلو فرضنا أن هذا استدان عشرة أضعاف رأسماله ما الذي حلّ به؟ العاقل الذي يعمل ضمن حدود رأسماله، أما أكثر فقد تقع هزات لا تحتملها.
خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر.
نفقة العامل :
بقي موضوع نفقة العامل: وهو موضوع خلافي أيضاً، شريك العمل إذا سافر، أكثر العلماء قالوا: إن مصروف الطعام والشراب والمبيت وغسل الثياب من حساب شركة المضاربة، أما في بلده فطعامه في بيته.
لكن هناك لفتة لطيفة قالوا: فأيام سفره لم يبع شيئاً، ولا أحضر بضاعة، فيدفع شريك المال نفقات السفر والإقامة في الفنادق، ولكنه إذا أكل في مطعم على البحر وبذخ فلا يجوز أن يعمل هكذا، فالشركة لا تتحمل هذه النفقة، فموضوع النفقة موضوع خلافي، بعضهم أجاز نفقته في بلده، وبعضهم منع النفقة كلياً، وبعضهم وقف موقفاً متوسطاً قال: في السفر نعطيه لنفقة الطعام والشراب وغسل الثياب الحد الأدنى إن احتمل العمل ذلك، وأحياناً يبيع بحجم كبير ويقبض أموالاً كثيرة والشركة تتحمل هذه النفقات.
قالوا: إذا خرج المضارب إلى سفر بماله ومال شريكه فالنفقة بينهما وليس كلها عليه، قد يقول لك: أنا سوف أبيعك مرابحة اكشف الفواتير، قد يكون سافر إلى أوربا وسافر إلى إجراء ثلاثين صفقة ومعها سياحة وضع كل نفقات الفنادق والطعام على حساب صفقة واحدة ويقول هذه هي التكلفة: كلفنا السفر ثلاثمئة وخمسين ألفاً.
هذا كذب وأنت أحضرت ثلاثين صفقة وعملت سياحة أيضاً، فهذه تحتاج إلى تقوى، الإنسان إذا لم يتقِ الله عز وجل فالله يتلف له ماله.
(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
ما يتعلق بالأرباح والخسائر :
الأرباح والخسائر هذه بين صاحب المال وصاحب العمل وهو بالاتفاق، المسلمون عند شروطهم، هناك أعمال مركز الثقل فيها الجهد، ممكن أن نأخذ لرجل محلاً خارج دمشق بدون فروغ، ونأخذ له عُدة تصليح سيارات بعشرة آلاف ونقول له: اعمل، يأتيه محرك يعمل به بجهده، وعضلاته، وخبرته، ليس من المعقول أن نقول له: نصف للمال ونصف للجهد، بل يأخذ للجهد ثمانين بالمئة لأن المال قليل جداً والجهد كبير جداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/08.jpg
نفتح محلَ بيعٍ فقط ليس فيه جهد كبير، والبضاعة كلها مسعرة، والمحل مكلف ملايين، ضع فيه شريكاً مضارباً يكفيه بالمئة ثلاثون أو خمسة وثلاثون، فكل مصلحة لها عرف، بعض المصالح تستدعي خمسين بخمسين، وبعضها ثمانين بعشرين، المرجح هو الجهد. هل الأصل والأساس للجهد أم للمال؟ هذا يعرفه أصحاب الحرف وأصحاب المصالح وهذا بالاتفاق.
المسلمون عند شروطهم، لكن لا يجوز أبداً أن يأخذ صاحب المال ربحاً ثابتاً وإلا انقلب إلى ربا، له نصيب ثابت وليس ربحاً ثابتاً، يقول له: أريد خمساً وثلاثين بالمئة نصيب ثابت، أو أريد خمسين بالمئة، وفرق كبير بين الربح والنصيب، النصيب مشروع أما الربح فلا يجوز لأنه صار ربا.
أما الخسارة فهي على صاحب المال وحده لأن هذا شريك الجهد، خسر جهده، عمل سنةً مجاناً وأكل بالدين، الخسارة على صاحب المال، إلا في حالتين إذا كان هناك عدوان أو تقصير أو مخالفة للتعليمات فالخسارة يتحملها شريك الجهد وهو ضامن ومسؤول.
أنا لا أقدم لكم تعليمات تفصيلية، أقدم لكم الأشياء الأساسية في هذا الموضوع، لأن الدرس ينتهي مع انتهاء هذا الموضوع.
ما يفعله الإنسان في حلّ شركة المضاربة :
الآن أردنا حل هذه الشركة ولدينا بضاعة، لو قلت لامرأة عمرها ثمانون سنة واضعة معك المال: تعالي وخذي القماش، أموالك أصبحت قماشاً، وهي لا تستطيع أن تبيع القماش، التعليمات أو الأصول الشرعية ينبغي أن تقلب البضاعة إلى مال ثم تردها إلى صاحب المال، أعطاك مالاً تعطيه مالاً، أما أن تقول: تعال وخذ بضاعة فلا.
أما لو فرضنا شريك المال تاجر مقتدر، وأحب أن ينوع أعماله، ووضع معك مالاً، وهذه البضاعة تلزمه، فممكن أن يبيعها ويربح بها فتعطيه بضاعة عندئذ.
هل من المعقول أن تكلف إنساناً ليس له خبرة تجارية وتعطيه بضاعة؟ هذا ظلم شديد، وأحياناً بالعكس البضاعة غالية جداً تقول له: انتظر حتى أبيعها، ويمكن أن تباع الآن ولكن عليك أن تنتظر فترة أطول، وفي بعض الأحوال صاحب المال يُظلم أو صاحب الجهد يُظلم فلا بد من العدل بينهما، الأكمل أن تدفع لصاحب المال ماله والربح بينك وبينه.
لو فرضنا عقد المضاربة كان فاسداً فماذا نعمل؟ ينقلب الشريك المضارب إلى أجير يأخذ أجر المثل والربح كله لرأس المال.
كما قلت قبل قليل: هذه الأحكام المتعلقة بالمضاربة أحكام إجمالية وأحكام غير تفصيلية، لكن القصد من هذا الموضوع أن في الإسلام الحل لكل مشكلة قائمة في كل مجتمع إنساني، إنسان معه مال لا يستطيع استثماره يود أن يعيش منه يدفعه إلى إنسان يملك الطاقة ولا يملك المال هذا يكمل هذا، وحاجتان أساسيتان تلبيان في عقد واحد.
تدابير احترازية :
بقي من الدرس الماضي فكرة أود أن أعرج عليها حتى يكون الموضوع تاماً، نحن حينما تحدثنا عن القرض الحسن في الدرس الماضي وصلنا إلى أن هناك تدابير احترازية تُلزم المقترض أن يدفع للمقرض ماله، من هذه التدابير منعه من السفر، ومن هذه التدابير حبسه، ومن هذه التدابير الحجر عليه ومنعه من التبرع بماله، هذه كلها من التدابير الاحترازية.
مساعدة المدينين لأداء ديونهم :
آخر موضوع بعد عقوبة حبس المدين، مساعدة المدينين لأداء ديونهم، أروع ما في الشرع أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا في الزكاة مصرفاً هو مصرف الغارمين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4678/ar-4678/09.jpg
الغارمون هم أصحاب الديون التي لا يطيقون وفاءَها، هؤلاء يجب لهم في الزكاة ما يغطي لهم هذه الديون، هذه نقطة دقيقة جداً قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[ سورة التوبة : 60]
الغارم هو الذي ركبه دين لا يستطيع أن يؤديه، الإمام القرطبي يقول:
"الغارمون هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه، إلا من اقترض في سفاهة فإنه لا يعطى منها".
يقول المزكي: ماذا عليك من دين؟ يقول الغارم: ثلاثة آلاف، لماذا استقرضتهم؟ يقول: ذهبنا إلى اللاذقية للتنـزه، واشترينا فيديو، الدين في سفاهة لا يمكن أن يؤدى من الزكاة، يكون الدَّين مشروعاً لسبب جوهري كعملية جراحية، ترميم بيت يكاد ينهار مثلاً. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
شروط دفع الدَّين عن الغريم من بيت مال المسلمين:
صاحب الدَّين المشروع يجوز أن يأخذ من أموال الزكاة، إذا لم يتقدم أحد فماذا نفعل؟ إنسان غارم عليه دين لا يطيق وفاءه، وما أحد تقدم، وهناك أزمة ولا توجد سيولة نقدية بين أيدي الناس، الشرع قال: بيت مال المسلمين متكفل بأن يحمل عن هذا الغريم دينه، لكن العلماء قالوا: لا يدفع بيت مال المسلمين الدين عن الغريم إلا في شروط: أن يكون هذا الدين لسبب معقول، وجيه وأساسي، عمل جراحي، آلة ليأكل منها، وأن يكون صاحب الدين قد بذل كل جهده في تأدية الدين فلم يستطع، فدينه على بيت مال المسلمين ليوفي دينه، و أن يوجد في بيت المال مال، فيمكن حينئذ أن يلبي بيت المال حاجة المدين.
عندنا قاعدة أساسية: لا تركة إلا بعد أداء الدين، شخص ترك بيتاً وترك سيارة ومحلاً تجارياً، هذه ليست تركة إلا بعد أن تؤدى ديونه، ما لم تؤدّ ديونه فهذه ليست تركة، والدين يؤخذ من رأس المال، قال تعالى:
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
[ سورة النساء: 12]
كما قال العلماء: لا تركة إلا بعد أداء الدين، حجم التركة التي تركها الميت هو المبلغ المنقول أو غير المنقول بعد أداء ديونه لعظم الدين، فالدين يؤخذ قبل كل شيء ولو استغرق التركة كلها، ولو عنده أيتام، أصحاب الأموال مفضلون.

السعيد
09-17-2018, 01:13 PM
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم

السعيد
09-17-2018, 01:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : مقدمة عن القضاء





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القضاء :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع من أبرز موضوعات الفقه الإسلامي، هو موضوع القضاء، منذ أن شرفني الله عز وجل بالتدريس و الخطابة في هذا المسجد ما خطر في بالي أبداً أن أعالج هذا الموضوع، لظني أنه موضوع اختصاصي، من شأن القضاة وحدهم، ولكن مع مرور الزمن تبين أن هناك أشخاصاً كثيرين يقومون بشكل أو بآخر بدور القضاة.
فالبنت التي تأتي أباها وقد غضبت من زوجها، أليس الأب قاضياً؟ يستمع منها ما شاء له أن يستمع، ولا يخطر في باله أبداً أن يسأل صهره الكريم ما القصة؟ وما الحدث؟ فالأب الذي يحكم على صهره دون أن يستمع منه، ويكتفي بكلام ابنته، فهو قاض ظالم، والأم كذلك، ورئيس الدائرة الذي يختلف أمامه موظفان، فيرجح جانباً على جانب، من دون أن يأخذ بأسباب القضاء.
تكشف لي من خلال مضي الأيام أن القضاة الذين يقضون بين الناس أكبر بكثير، وعددهم أكثر بكثير من القضاة الذين نصبوا في قصر العدل، ألا يختلف التجار فيما بينهم؟ أكثر التجار يحكمون بعضهم في بت قضاياهم المعلقة، إذاً التاجر قد يكون قاضياً، و رئيس الدائرة قد يكون قاضياً، والأب قد يكون قاضياً، والأم قد تكون قاضية.
ولا أعتقد أن هناك شعوراً يمس النفس البشرية أشد إيلاماً من الشعور بالظلم، أحياناً إذا ظلمت طفلاً صغيراً لا تزيد سنه عن خمس سنوات يكاد يخرج من جلده، تقول: طفل، إذا شكا رفيقه ضربت الاثنين معاً وقلت لهم: اذهبوا، فالمظلوم من الأطفال يكاد يتمزق، أي ما من شعور يسحق النفس كأن تشعر أنها مظلومة، لذلك ورد في الأثر أن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ستين عاماً.
والقصة التي تروى أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله عز وجل قال: يا ربي عبدتك خمسين عاماً وأنا في دورة الخلاء؟ فقال الله عز وجل: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، أي أن يكون الحجر في دورة المياه هذا أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاصٍ ظالم.
القضاء أن تقضي بين الناس بالحق :
كما قلت قبل قليل: ما خطر في بالي في العشرين سنة الماضية أن أعالج موضوع القضاء، إلا أنني تأكدت أنه ما من واحد، إن كان أباً، أو أماً، أو كان موظفاً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو مديراً، أو رئيس دائرة، ما من إنسان إلا وهو يقوم بدور القاضي شاء أم أبى، يا ترى هناك بديهيات في القضاء، هناك مبادئ أساسية، نحن هنا في هذا الدرس لا يعقل أن ندخل في تفاصيل القضاء، ولكن هناك مبادئ أساسية مثلاً، أحد أكبر هذه المبادئ أن تستمع إلى الطرف الآخر، هناك أناس كثيرون يحكمون على أشخاص من زاوية واحدة، يغذى من جهة واحدة، فإذا أراد أن يحكم حكماً وكانت معلوماته من طرف واحد ثم استمع إلى الطرف الآخر يصعق، فهذه بديهية من بديهيات القضاء، أنا لا أتحدث عن القضاء الرسمي، أن تكون مستشاراً في محكمة استئناف، ولا أن تكون قاضي صلح، ولكن أن تكون قاضياً بين ابنتك وزوجها، أن تكون قاضياً بين تاجرين، بين شريكين، أن تكون مدير لمدرسة واختلف مدرسان، الحكم إليك، هذا هو القضاء، أن تقضي بين الناس بالحق، فلذلك قالوا: القضاء غاية رسالات الله.
العدل أساس الرخاء و الاطمئنان :
ما الذي يطمئن الناس؟ أن يشعروا أن الحقوق مصونة، وأن كل من اعتدى عليها مدان، و سينال عقابه الصارم، إذا شاع في المجتمع هذا الشعور نحن بخير.
ولا أدل على ذلك من أن أحد رؤساء الوزارة في الدول الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، طبعاً بلاده كلها مهدمة، المعامل مخربة، والزراعة متعطلة، الأموال مفقودة، كل شيء صفر، وقف في مجلس العموم، وسأل وزراءه وزيراً وزيراً، كيف حال الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها خربت بالقنابل، كيف حال النقد عندك يا وزير المالية؟ قال له: لا يوجد نقد، إفلاس كامل، كيف حال الصناعة؟ كيف حال التجارة؟ طبعاً يريد شيئاً، هذا رئيس الوزراء وصل إلى وزير العدل، فقال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال: بخير، قال: إذاً كلنا بخير.
أي لا يوجد شيء يمس حياة كل إنسان كالقضاء، كأن يصل الإنسان إلى حتفه أساساً.
سيدنا عمر مشى في الطريق رأى غلماناً فلما رأوه تفرقوا إلا واحداً منهم، سأله: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، و لست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، هذا الغلام الصغير رسم سياسة المجتمع، أي في المجتمع الذي يخاف فيه المذنب ويطمئن البريء هذا مجتمع متفوق جداً، هذا مجتمع متقدم، وفي المجتمع الذي يخاف فيه البريء ويطمئن المذنب هذا تخلف قضائي ما بعده تخلف، أي هذا المجتمع في طريق الهاوية.
((عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[البخاري عَنِ الزُّهْرِيِّ ]
ما من مجتمع يشعر بالطمأنينة، والرخاء، والطيب كالمجتمع الذي يسوده العدل. العدل أساس الملك :
نحن اتفقنا في دروس كثيرة الإنسان مسؤول في الدائرة التي أقامه الله بها، لا علاقة لنا نحن بالأمور العامة، لنا علاقة بالبيوت، أي لا يستطيع الأب أن يعدل بين أولاده، ممكن يعطي ابناً، يزود أول ابن ببيت وسيارة، ويعطيه نصف المعمل، وعنده خمسة أولاد بلا شيء، ممكن! ممكن ابن من زوجة يعطيه كل شيء، وابن الزوجة المطلقة لا يعطيه شيئاً، ممكن! هذا قاض تفضل، فلذلك لا أعتقد أن واحداً من الحاضرين ولا إنسان في المجتمع إلا ويتعرض إلى موقف القضاء، فالأب محكم بين أولاده، فإما أن يعدل بينهم، وإما أن يجور عليهم.
((عَنِ الشَّعْبِيِّ عليه الصلاة والسلام، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ: لا، قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلا إِذًا ))
[ مسلم عَنِ الشَّعْبِيِّ ]
فأنا كنت أتوهم أن هذا الموضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، ثم وجدت أن هذا الموضوع من ألصق الموضوعات بالمؤمنين، أي أنت قاض في أغلب الأحيان، في بيتك قاض، مع أولادك قاض، بين أولادك قاض، بين الذكور والإناث قاض، بين زوجتك وأهلها، بين صهرك وابنتك، لابد من أن تقف موقف القاضي، على مستوى الأسرة، لذلك العدل أساس الملك، ما من أسرة ترقى وتزدهر إلا بالعدل، بين الذكور والإناث، وبين الإناث والذكور، فالعدل إذاً قيمة من قيم الإيمان العليا، بل إنه هدف من هدف رسالات الأنبياء، العدل يشيع الطمأنينة بين الناس، و ينشر الأمن.
حدثني أخ يعمل في الأمن الجنائي، موضوع الجرائم وما الجرائم، قال لي: دخلت علينا امرأة محجبة وسمعت صوت شاب يصيح من التعذيب، هذه المرأة خرجت عن طورها، وانطلقت تسب هؤلاء الذين يعذبون الشاب، قال لي هذا الضابط: ترفقنا بها وقلنا لها: يا أختي هذا الشاب الذي نعاقبه زنا بفتاة قاصر وقتلها، قال لي هذا الضابط: فجأةً انقلبت هذه المرأة إلى امرأة أخرى تلهج بالثناء والدعاء لهم، شيء مريح، إنسان يزني بفتاة قاصر، ويقتلها!! إن الله يذع في السلطان ما لا يذعه في القرآن. إقامة العدل يشيع الأمن :
لذلك العدل من أوثق الموضوعات في حياة المؤمنين، وكم من رجل يصلي ويصوم، ويحج، ولا يقيم العدل في بيته، ولا مع أولاده، ولا بين أصهاره، تجد صهراً مقرباً، وصهراً منبوذاً، أنا سمعت قصة من صديق، طبعاً زوجته لها أب ميسور الحال، و له بيت مصيف من أرقى المصايف، فهذه الفتاة دعت زوجها وأولادها إلى زيارة أبيها في هذا المصيف، في أحد أيام العيد رأت أخوتها هناك هي من أم غير الأم التي مع أبيها، طبعاً الأولاد الآخرون مدعوون لتناول طعام الغذاء عند أبيهم، في أول أيام العيد، في المصيف والطعام ما لذّ وطاب، هذه الفتاة التي هي ابنة صاحب البيت، مع زوجها، لم تستقبل الاستقبال الكافي، ثم طردت، أو ما يشبه الطرد حتى يفرغ الجو لأخوتها الأخريات، تقول هذه الفتاة: تألمت ألماً لا يعلمه إلا الله، كسر قلبها، هذا ظلم، هذه ابنتك، وهذه ابنتك، عندما تستقبل هؤلاء وترحب بهم، وتدعوهم لتناول طعام الغذاء، وهذه لأنها من زوجة مطلقة، وزوجتك الحالية لا ترضى عنها، طردت من البيت في أول أيام العيد، لما أعطيت ابنتك من هذه الزوجة خمسة آلاف وأعطيت هذه خمسمئة، وهذه ابنتك و هذه ابنتك هذا ظلم كبير، و هناك كل موقف من الآباء يهتز له عرش الرحمن.
فلذلك أيها الأخوة، هذا الموضوع ليس اختصاصياً، هذا الموضوع لصيق بكل مؤمن، طبعاً أنا لا أعالجه من زاوية القضاء الرسمي، و المحاكم الصلح، والبداية، والاستئناف، والنقد، ولا أعالجه من نواح أخرى، أنا أعالج موضوع القضاء من حياة المؤمن، هو في أسرة، هو شريك في عمل، هو حكم تجاري، هو مدرس على طلاب، هو مهندس على عمال، لا يوجد إنسان إلا وكل إليه أمر بعض الأشخاص، فكل مجموعة أشخاص تحت رعايتك، فأنت بشكل أو بآخر قاضٍ عليهم، لذلك القضاء العدل يشيع الطمأنينة، يشيع الأمن، تشتد العلاقات بين الأفراد، تقوى الثقة بين الحاكم والمحكوم، تنمو الثروة، لأن بالطمأنينة الإنسان يتحرك، أما أخذ ماله، أقام دعوى بقيت لعشر سنوات، ثم خرج السارق بكفالة، وانتهى الأمر، والموضوع تلفلف، فهذا الشيء مؤلم جداً.
مهمة الأنبياء :
الحقيقة مهمة الأنبياء والرسل القيام بأمر العدل وتنفيذه، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
[ سورة الحديد : 25 ]
آية واضحة جداً: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾
[ سورة الحديد : 25 ]
إذاً أحد أكبر أهداف إرسال الأنبياء والمرسلين أن يقوموا بالعدل والقسط بين الناس. أكبر أهداف الأنبياء أن يقوموا بالعدل والقسط :
(( بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
يقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام كان عمه العباس مقيماً في مكة، و كان قد آمن به، وأخفى عن المشركين إيمانه، وإسلامه، وقام بدور خطير جداً، كان عين النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، فكلما أجمعت قريش أمراً ضد محمد عليه الصلاة والسلام، كان العباس يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بالخبر، فما دام عمه العباس بين علية القوم في مكة فلن يفاجأ النبي عليه الصلاة والسلام، أي هذا موقف ذكي جداً، أن إنساناً له خصم، وخصم شرس وقوي، و يتربص به الدوائر، فأن يكون لك عينٌ بين صفوفه، وبين قياداته، القضية في منتهى الذكاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أسلم عمه العباس أمره أن يبقى في مكة، وأن يخفي عن الناس إسلامه، ليكون عيناً له في هذه البؤرة الخطرة، جاءت معركة بدر، دققوا الآن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ألا يقتلوا عمه العباس، هكذا الأمر جاء من دون تفاصيل، إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، الأمر غامض، لو قال النبي لهم إن عمي أسلم فلا تقتلوه شاع الخبر، وصل إلى مكة فانتهى دور عمه، لو أمر عمه ألا يخرج مع المشركين بحرب محمد ينكشف عندهم أيضاً، إن لم يشارك عمه في الخروج لحربه ينكشف أمره، وإن لم يأمر أصحابه ألا يقتلوه ربما قتلوه على أنه مشرك، ولو أنه أعلن أن عمه قد أسلم ينكشف أمره، فالنبي لحكمة بالغة قال: إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، هناك صحابي ضعيف الإيمان قال: أحدنا يقتل أخاه وأباه في الحرب، وينهانا النبي عن قتل عمه، أي ما رأى الحكمة بل رآها عصبية، لأنه ألزم ألا يقتل عمه، أما نحن فنقتل آباءنا، فلما كشف الأمر لهذا الصحابي يقول هذا الصحابي: بقيت عشر سنوات وأنا أتقرب إلى الله بالنوافل والصدقات لعل الله يغفر لي هذا الظن السيئ برسول الله، قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ أي إذا المؤمن ما عدل من يعدل؟ لكن الذي يعرف الله لم يعدل، إذا كان جائراً، ظالماً، على مستوى أولاده، من يعدل إذاً؟ الكافر سيعدل؟ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾
[ سورة الحديد : 25 ]
كلّ إنسان قاض في عمله :
النبي عليه الصلاة والسلام حينما أنشأ أول دولة في المدينة نصب نفسه قاضياً بين الناس، فجاء في الصحيفة المعاهدة بينه وبين اليهود، إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، معنى هذا أن الإنسان الكبير هو القاضي، الآن كبير العائلة هو القاضي بين أفراد العائلة، الأب هو القاضي، المعلم هو القاضي، المهندس هو القاضي، الطبيب في المستشفى هو القاضي، بأي مكان الرجل القيادي شاء أم أبى هو قاض أيضاً، كل هذه التمهيدات من أجل أن تنتبهوا إلى أنكم في الأعم الأغلب تعملون عمل القاضي، إما في بيتكم، أو في مساجدكم، أو في أعمالكم، وَاللَّهِ سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 105-106 ]
على الإنسان أن يكون عادلاً بين كل من يلوذ به :
أيها الأخوة، الآن جانب كبير من دينك أساسه أن تكون عادلاً بين كل من يلوذ بك، بين كل من تتولى ولايته، تتولى أمره، وبين كل من ولاك الله عليهم، أي أحد أكبر الجوانب بإيمانك فيما ولاك الله عليهم.
((عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ ))
[ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام]
القاضي لما يستلهم الله عز وجل، الله يلهمه الصواب، والإنسان مفتقر لله عز وجل. ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 78-79]
أحياناً القاضي إذا كان مستعيناً بالله، مفتقراً إليه، يكشف الله عن بصيرته، ويرى المذنب من غير المذنب.
يقول سيدنا علي: " فو الذي فلق الحبة، ما شككت في قضاء بين اثنين"، أي يتضح له الحكم حتى يكون جلياً، واضحاً، لا لبس فيه، لا غموض فيه، لا اضطراب فيه. إذا حكمت بين اثنين فلا تسمع لأحدهما دون الآخر :
الآن نصيحة لوجه الله تعالى: إذا إنسان شكا لك عن إنسان لا تستمع إليه، قل له: آتِ بخصمك وتعال، لأنه إن استمعت له وحده سيلقي عليك معلومات كثيفة جداً كلها من جانب واحد، و يخفي عنك الجانب الآخر، فلو جلس أمام خصمه ليتحدث إليك، أربعة أخماس الكلام يسكت عنه، الخصم موجود، فأول شيء إذا حكمت بين اثنين بين ولديك، وبين بناتك، بين أصدقائك، بين شركائك، إياك أن تصغي إلى واحد منهم في غيبة الآخر، لأن كل إنسان يتكلم وفق ما يريد، يبرز نقاطاً، ويخفي نقاطاً، النقاط التي أبرزها يبالغ بها، والنقاط التي ليست في صالحه يكتمها، فلو كان الخصم جالساً تأكدوا - كما أقول لكم - تسعة أعشار الكلام الذي كان سيقوله أمامك وحده عن خصمه لن يقوله لك في حضور خصمه، فأنت حتى توفر وقتك، وجهدك، إذا حكمت بين اثنين لا تقبل أن تسمع لواحد منهما منفرداً عن الآخر، لأن فيه خطورة، الخطورة أنه قال:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
***
أنت كقاض خال الذهن، يأتي أول إنسان صفحتك بيضاء يملؤها بحجج، واتهامات، وإشارات ضد خصمه، الخصم الثاني عليه مهمتان: يزيل من ذهنك ما ثبت عنه، ثم يبين حجته، فأنت كلفت الخصم فوق طاقته، أما إن لم تستمع إلا إلى الاثنين معاً فهذا من الحكمة بمكان.
قال له يا علي: ((...إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ...))
[ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام]
هذه أول قاعدة، كل إنسان كُلف أن يقضي بين اثنين، رفعت إليه قضية، أول نصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام عليه أن يستمع إلى الخصمين معاً، والأكمل أن يستمع إليها معاً في مجلس واحد.
يروى أن أحد القضاة في العصر العباسي كان من أنزه القضاة، طرق بابه، وقدم الطارق طبقاً من الرطب، أي أكلة نفيسة جداً من أرقى أنواع الحلويات في ذلك الزمان، من الرطب في بواكيره، فهذا الرطب في بواكيره كان يحبه القاضي، فسأل الغلام: من قدم هذا الطبق؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي، قال: شكله كيت وكيت، فعرف أن هذا أحد خصومه في القضاء، أحد المتداعيين، المتقاضيين عنده، فرد الطبق، وفي اليوم التالي حكم بينهما، وفي اليوم الثالث توجه إلى الخليفة، وقال: أرجو أن تعفيني من منصب القضاء، قال له ولمَ؟ قال له: وَاللَّهِ قبل يومين طرق بابي فقدم لي طبق من رطب في بواكيره، وقد عرف الناس أنني أحب هذه الفاكهة في بواكيرها، فلما علمت أنه من أحد الخصوم رددته، في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته فكيف لو قبلته؟ هكذا كان القضاة.
أما الآن إنسان له دعوة إخلاء، تلقى هاتفاً، فقال له: أنا فلان القاضي، وخصمك دفع لي ثلاثمئة ألف، ما قولك أنت تزيد عليهم أم يذهب من يدك البيت؟ انتبه، هذا القاضي موديل جديد، قال له: في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته، فكيف لو قبلته؟ لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّار))
[ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ]
والآن ثلاثة، طبعاً إلا من رحم ربك، المؤمن مؤمن، لا يغير ولا يبدل، بكل عصر، وكل مصر، أما إذا الإنسان غاب عنه الإيمان وطمع في الدنيا فالأمر خطير. القضاء فرض كفاية :
الشيء الثاني: القضاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إذا اعتذر الجميع، فعلى الحاكم أن يجبر من يثق بعلمه وورعه على منصب القضاء.
((عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))
[ البخاري عن الزُّهْرِيُّ]
((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ))
[أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ]
وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث: ((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))
[ أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ]
و قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))
[البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
وقال أيضاً :((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ ))
[أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ]
وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث.((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))
[أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ]
لأنها حقوق العباد.((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]
وفي حديث آخر.((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، وهذا تعبير شائع، ما ذبح لكنه هلك، وقد فسر المفسرون هذا الحديث، أنه من تولى القضاء و لم يكن أهلاً له، ولم يكن عالماً بالكتاب والسنة، ولم يكن خبيراً بأحوال النفس البشرية، ولم يكن مطلعاً على العلم الشرعي، من ولي القضاء من دون أدواته فقد ذبح بغير سكين.((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))
[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
القضاء عمل جليل وعظيم :
القضاء عمل جليل، وعمل عظيم، أحياناً يتلقى تهديدات، أحياناً يأتيه خصمان متفاوتان، أحدهما رفيع الشأن، والثاني من عامة الناس، والحكم مع هذا الأول، أحياناً يأتيه غني وفقير، أحياناً يأتيه قوي وضعيف، أحياناً يأتيه حاكم ومحكوم، فالقاضي يحتاج إلى مستوى رفيع جداً من الإيمان، ومن مراقبة الله عز وجل، والخوف منه.((عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ))
[ البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه ]
لذلك قالوا: طالب الولاية لا يولى.((عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ))
[الترمذي عن أنس ]
إذا أكره عليه؛ معنى هذا هو متعفف، معنى هذا هو ورع، فإذا أكره أنزل الله عليه ملكاً يسدده، فإذا طلبه، وطلب الشفعاء من أجله عندئذٍ أوكل إلى نفسه، وقد يقع في شر عمله، وقد يكون تدميره في تدبيره، والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الأكمل هو السبب بامتناع بعض الأئمة الكبار في قبول منصب القضاء. صفات القاضي :
من طريف ما يروى، أن ابن شريح دعي إلى أن يتولى القضاء - قضاء مصر - فلما عرض عليه الأمير امتنع فدعا له في السيف، قلنا قبل قليل: يجوز للحاكم أن يجبر صاحب الكفاءة، والعلم، والورع على أن يتولى القضاء، فدعا له بالسيف، أي إما أن تقبل، وإما أن أقطع رأسك، لا يوجد غيرك مناسباً، فلما رأى ذلك، أخرج مفتاحاً كان معه - مفتاح بيته - وقال: هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير هذا تركه، هذا المفتاح وتفضل واقتلني، ولا أتسلم القضاء.
العلماء قالوا: لا يصلح للقضاء إلا من كان عالماً بالكتاب والسنة، فقيهاً في دين الله، قادراً على التفرقة بين الصواب والخطأ، بريء من الجور، بعيداً عن الهوى.
والفقهاء اشترطوا أيضاً في القاضي أن يرقى إلى مستوى الاجتهاد، فيكون عالماً بآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، عالماً بأقوال السلف، وما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه، عالماً باللغة، عالماً بالقياس، وأن يكون مكلفاً ذكراً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، هذه الصفات التي أوجبها الفقهاء في القاضي.
((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً))
[البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ]
الحكمة من عدم تولي امرأة القضاء :
الآن هناك رغبة عند معظم الشعوب أن تولي عليها امرأة، رئاسة وزارة، تركية وفرنسا، وانكلترا، والهند، لأن المرأة على جانب رفيع جداً من المكانة عند الله، هي مشرفة كالرجل، مكلفة كالرجل، ولكن ليس الذكر كالأنثى، لها صفات وخصائص تؤهلها لأن تكون أماً في المرتبة الأولى، أما أن تكون قاضيةً، هل بإمكان امرأة امتلأت عاطفة حب أن تحكم بالإعدام على إنسان؟ صعب جداً، أن تحقق في موضوع أخلاقي، في جريمة جنسية مثلاً، فالله عز وجل أكرمها بالحياء، أبرز ما في المرأة حياؤها، أن تستمع إلى التفاصيل من المجرمين، وأن تدير النقاش فيما بينهم، هذا شيء صعب جداً، وقد قال الله عز وجل:
﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة صَ : 26 ]
من ليس أهلاً للحكم فلا يقضِ بين الناس :
الله جلّ جلاله وجه الخطاب لسيدنا داود، قال يا داود:
﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة صَ : 26 ]
والإنسان عليه أن تكون هذه الآية نبراساً أمامه، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، إذا كان النبي وهو المعصوم يخشى عليه من اتباع الهوى، فأولى أن يخشى غيره ذلك، هذا تحت قاعدة الأولى من باب أولى، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مأموراً بالاستقامة فنحن من باب أولى.((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ))
[أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ]
انظر إلى الجهل، إن لم تكن عارفاً بالحكم وقضيت ظلماً، هذا القاضي بالنار، وإن عرف الحق وقضى بخلافه فهو بالنار، أما إذا عرف الحق وقضى به فهو بالجنة، لذلك النبي قال:((...الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ..))
[ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
لذلك كان بعض القضاة لا يصدر حكماً إلا إذا تأكد أن هناك فتوى لفقيه كبير تؤكد حكمه، حتى أن بعضهم كان يزيل حكمه برأي المجتهد الكبير، على مذهب أبي حنيفة الموضوع في الحاشية الفلانية، في كتاب السرخسي، صفحة كذا، الحكم القضائي من شدة ورعه، يأتي باجتهاد الفقهاء، مدعماً به حكمه.
والعلماء قالوا: كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له أن يقضي بين الناس، فإن حكم فهو آثم، ولا ينفذ حكمه، ولو وافق الحق، لأنه قد يوافق الحق صدفة، من لم يكن أهلاً للحكم في القضاء بين الناس، لا يملك العلم بالكتاب والسنة، ولا بالأحكام الفقهية، ولا بالقدرة على التفريق بين الحق والباطل، وليس يعلم دقائق اللغة العربية، من لم يكن كذلك لا يحق له أن يحكم، وإذا حكم لا ينفذ حكمه ولو جاء صواباً لأن هذا فاقد الأهلية.((عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ، قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ ))
[أحمد عَنْ مُعَاذٍ ]
كلكم يذكر أن سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه جاءته امرأة تشكو زوجها، قالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، أي يصوم النهار، ويقوم الليل، يبدو أن سيدنا عمر كانت أعباؤه كثيرة جداً، فقال لها: بارك الله لك في زوجك، والله شيء جميل، صوام في النهار، قوّام في الليل، في الليل يصلي وفي النهار يصوم، أحد الصحابة الكرام كان إلى جانبه فقال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها، لا تمدحه إنها تشكوه، قال: إن فهمت كذلك فاقض بينهما، فهذا الصحابي قضى لها أن يخصص لها كل أربعة أيام يوماً واحداً، من أين جاء بهذا الحكم؟ لو أن هذا الإنسان له أربعة زوجات، وفق السنة، نصيبها يوم من أربعة، أعطاها يوماً من أربعة أيام، أعجب به سيدنا عمر فولاه قضاء البصرة.
أحياناً الله عز وجل يلهم القاضي الحكم الصحيح:(( قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي))
[أحمد عَنْ مُعَاذٍ ]
متى يكون الاجتهاد؟ عندما لا يكون للقضية مورد في النص.قواعد متعلقة بالقضاء :
الآن عندنا مجموعة قواعد، أحياناً الإنسان يسألك سؤالاً أن تحكم بين اثنين وأنت مستعجل، أنت مقدم على عمل، أنت جائع، أنت في حر شديد، العلماء قالوا: على القاضي أن يتحرى الحق، فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش عليه فكره، فلا يقضي أثناء الغضب، ماذا قال سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد وحدثه عن بلقيس قال:
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
[ سورة النمل: 27]
هناك نصيحة أن الإنسان لا يتخذ قراراً وهو غاضب، كل قضية صاحبها غاضب ليقل في نفسه لا أحكم على هذا الموضوع إلا بعد أسبوع، بعد أسبوع يهدأ الإنسان، والله أنا أعاني من أخواننا، تجد أخاً متزناً وهادئاً، بساعة غضب طلق زوجته، وهو يحرص عليها حرصاً بالغاً، وهو يكره فراقها كفراق دينه، غضب ذهب إلى بعض العلماء قال: العملية منتهية، لا يوجد أمل، علماء آخرون أفتوا له فوقع في تشويش كبير، كلها من ساعة الغضب.
فلذلك القاضي عليه ألا يقضي وهو غضبان، ولا في أثناء الجوع المفرط، أحياناً عنده اجتماعات ببعض الوزارات يفرضون ضرائب بعد الساعة الثانية والنصف، كلهم متعبون و يريدون أن ينهوا هذا الاجتماع بسرعة، فيضعون بالمئة مئة ضرائب، هذا الاجتماع يجب ألا يتم إلا بعد الظهر حيث يكونون مرتاحين، القاضي إذا كان جائعاً جوعاً مفرطاً، أو يعاني من الهم المقلق، ابنه مريض مرضاً خطيراً، معه التهاب سحايا، فيجب ألا يقضي بهذا الوقت لأنه مشوش، أو في الخوف المزعج، أو في النعاس الغالب، ما سمع الثاني سمع الأول ثم نام، والثاني ما سمعه عندما تكلم، أو في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، أو في شغل القلب، ، إذا كان القاضي شاباً خاطباً، وصار هناك مشكلة مع خطيبته مثلاً، هذا تشوش، يجب ألا يحكم الآن، إذاً في الغضب الشديد، أو الجوع المفرط، أو الهم المقلق، أو الخوف المزعج، أو النعاس الغالب، أو الحر الشديد، أو البرد الشديد، أو شغل القلب شغلاًً يصرفه عن المعرفة الصحيحة، كل هذا استنبط من حديث النبي الكريم:(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ]
من يستطيع أن يشهد شهادة تقيم الحق فليفعل :
عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذا رأيت إنساناً مظلوماً، و كان بإمكانك أن تشهد شهادة صحيحة تنقذه من الظلم فهذا عمل عظيم، لا تقول: لا وقت لديّ، هذا كلام الشياطين، هذا كلام الجهال، إذا كان بإمكانك أن تشهد شهادة تقيم الحق، تنصف المظلوم، فافعل، هذا من أجلّ الأعمال الصالحة، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾
[ سورة البقرة : 282]
إنسان مستقيم لا يعرف غير زوجته، زوجته محجبة، غاض بصره، يتهم بأنه يفسد، جاؤوا بشاهد زور وشهد وحلف يميناً، سألوا الكذاب: تحلف؟ قال: جاء الفرج، يحلف طبعاً، أما المؤمن فلا يشهد إلا بالحق، كل واحد منكم معرض لأن يكون شاهداً بقضية لا يتردد، لا يرفض، لا يقول لا وقت لدي، أنقذ هذا الإنسان المظلوم من الظلم. القضاء مسؤولية كبيرة جداً :
هذا الموضوع له تفصيلات أخرى، أي الإنسان أقل شيء يقضي بين أولاده، أقل شيء يقضي بين صهره وابنته، أقل شيء يقضي بين شريكين، أقل شيء يقضي بين بعض الأقارب، إذا كان كبير العائلة قاضياً بين كل أفراد هذه العائلة، فنحن هذا الموضوعات ليست اختصاصية، هذه موضوعات عامة، أهم ما فيها إياك أن تستمع من طرف واحد، أنا لولا أنني ترفع إليّ مجموعة قضايا ملخصها أن ابنته تشاجرت مع زوجها فذهبت إلى والدها و تكلمت ما شاء لها أن تتكلم، الأب عاقل، وكبير العائلة، وفهمان، ومثقف، سمع منها فقط، حتى امتلأ حقداً على صهره، وأخذ موقفاً عنيفاً، ما كلف خاطره أن يسأل صهره مرة يا بني احكِ أنت ماذا فعلت معك، هذا لا يجوز أبداً، هذا شيء يتكرر، لولا أنه تكرر مرات كثيرة جداً لما قلته لكم، أحياناً ابنك يشتكي لك عن جاره، اسمع من الجار أيضاً، قد يكون ابنك هو الظالم، من السذاجة، والغباء، وضيق الأفق، والتخلف العقلي أساساً أن تنحاز مع ابنك انحيازاً أعمى، وهو على باطل، هذا سلوك جاهلي أساساً، من هو المؤمن؟ المؤمن إنسان راق، علامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، فأنتم قضاة، شئتم أم أبيتم، أنت وجارك، وأنت وأخوك، وأنت وابن عمك، وأنت وشريكك، وأنت صديقك، وأنت وأحد الأخوان بالمسجد، وأحياناً ببيعة تختلفون، هل من المعقول من أجل بيعة ترفعون على القضاء؟ ضعوا حكماً بينكم، لا يوجد إنسان إلا ويحكم بقضية، فإذا حكم بقضية أول شيء ليستمع إلى الطرفين معاً، والأولى في مجلس واحد، ألا تكون غضبان، ألا تكون جوعان، ألا تكون مزعوجاً، ألا تكون مشوشاً، ثم إذا عرفت الحق فاقض وإلا اعتذر، إن عرفت الحق فاقض به وإلا إن لم تملك أدوات الحكم ابتعد عن الحكم، لأن هذا يحتاج إلى مسؤولية كبيرة جداً، والعدل من صفات المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام من جملة ما أرسله الله ليحكم بين الناس بما أراه الله.

السعيد
09-17-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : واجبات القاضى






الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القضاء :
أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع القضاء، ولقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه من خلال سنوات قليلة ما خطر في بالي أن أعالج موضوع القضاء ظناً من أنه موضوع اختصاصي، وكأنني وجدت بالتجربة أنه ما من واحد منكم إلا ويأخذ دور القاضي شاء أم أبى، من خلال حياته اليومية، فالأب قاضٍ بين أولاده، والمعلم قاضٍ بين تلاميذه، وأي منصب قيادي مستشفى، مدرسة، رئيس هذا المنصب، رئيس هذه المؤسسة، هو بشكل أو بآخر، قاضٍ بين موظفيه، و بعض التجار ينصبون حكاماً بين التجار المتخاصمين.
فدور القضاء يمس كل مسلم، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن هناك قواعد لابد من أن تأخذ بها، و لو لم تكن قاضياً، ولو كنت عاملاً، ولو كنت طبيباً، ولو كنت مدرساً، لابد من أن تأخذ دور القاضي.
و بينت أيضاً كمثال صارخ متكرر أن الإنسان إذا جاءته ابنته تشكو زوجها أليس قاضياً بينهما؟ فلو أنه استمع إلى ابنته فقط، وبنى حكماً، وأخذ موقفاً من صهره دون أن يجتمع بصهره ولا مرة واحدة فهذا العم أو هذا الأب أخذ دور القاضي وهو لا يدري، وأجحف بحق الصهر وهو لا يدري، لأنه خالف مبدأً أساسياً من مبادئ القضاء، وهو أن تستمع إلى الطرفين معاً، والأولى أن تستمع إليهما في مجلس واحد، وذكرت لكم أيضاً أنك إذا استمعت إلى أحد الأطراف منفرداً تكلم لك الساعات الطوال، فإذا استمعت إليه وخصمه إلى جانبه صار كلامه ربع ساعة، لماذا؟ لأن الإنسان في غيبة خصمه يتكلم كما يريد، أما إذا كان خصمه أمامه، فلابد من أن يتوقع أن يعارضه، وأن يكذبه، فلا يتكلم إلا بما هو يقيني.
تسوية القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء :
الآن القاضي، من واجبات القاضي أن يسوي بين الخصمين- يروى وَاللَّهِ أعلم بصحة هذه القصة- أن سيدنا عمر كان إلى جانبه الإمام علي كرم الله وجهه، دخل يهودي ليخاصم علي أمام سيدنا عمر، فقال عمر: انطلاقاً من التسوية بين الطرفين قم يا أبا الحسن وقف إلى جنب الرجل، كان يجلس إلى جنبه، فتغير لون سيدنا علي، وكأنه غضب، فلما حكم سيدنا عمر، وكان الحق مع سيدنا علي، قال له مالك يا أبا الحسن أوجدت علي؟ أي هل حزنت مني، قال: نعم، قال له: ولمَ؟ قال: لأنك ميزتني عليه، فقلت لي قم يا أبا الحسن ولم تقل لي قم يا علي، طبعاً إذا إنسان خاطب خصمه قال له: أبو فلان والثاني ما اسمك أنت؟ ما سوى بينهما، سأل عن اسمه بفظاظة، والثاني أبو فلان، ما سوى بينهما.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/01.jpg
فإذا كنت أباً، كنت معلماً، كنت رئيس دائرة، ضابط بسكنة، أي منصب قيادي يجب أن تسوي بين الخصمين، قال: هناك عدد من المواضيع يجب أن تسوي بين الخصمين في الدخول عليك، أي إنسان يدخل لعند القاضي، يجلس ساعات طويلة، على كنبة والشاي، والقهوة بعد ذلك يدخل الخصم الثاني على الواقف، ما الموضوع بسرعة قل لي؟ هذا ليس قاضياً، قال: في الدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، ممكن القاضي يقبل على خصم بابتسامة، بإشراقة وجه، ويقبل على خصم آخر بعبوس، إذا فعل ذلك فليس قاضياً عدلاً، في الإقبال عليهما، لما الخصم تتجهم بوجهه تربكه، تضعف له معنوياته، يفقد حجته، والثاني عندما تبتسم في وجهه تعطيه شعوراً أنه هو المنتصر، هو قوي، رفعت معنويات خصم، وخفضت معنويات خصم، ليس هذا هو القاضي العدل.
أحياناً الحماية تكون قاضية في البيت، عندها كنتها، وعندها ابنتها، ابنتها بالتعبير الدارج: يا حبيبتي، ويا عيني، لأدنى شكوى معها حق تعبانة، أما كنتها فلا يوجد شي من هذا، باسمها، مع قسوة، مع تجهم، هذا إنسان عادي، من حثالة البشر من يفعل هذا.
قال: بالدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، وفي الاستماع لهما، أحدهما سمع له ثلث ساعة، والثاني كل كلمتين يقاطعه، خلصنا، بسرعة، وفي الاستماع لهما، وأخطر شيء وفي الحكم عليهما، إذاً يجب أن يسوي القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء، في الدخول عليه، و في الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، بابتسامة، أو بعبوس ، والاستماع لهما، والحكم عليهما.
التسوية في الأفعال لا في القلب :
لكن العلماء قالوا: المطلوب التسوية في الأفعال، لا في القلب، القلب لا تملكه.
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ، قَالَ أَبو دَاود يَعْنِي الْقَلْبَ ))
[ أبي داود عَنْ عَائِشَةَ]
إذا أحد الخصمين، لطيف المعشر، رقيق، ذكي، طليق اللسان، أديب، حيي، مؤمن، والثاني مذهبه بغالي، أنت معقول ألا تحب الأول؟ ليس بيدك، أنت أميل للأول ميل القلب لا تؤاخذ عليه، مؤاخذ على الجور في الأفعال، أنت محاسب على أفعالك، دخلا عليك سويت بينهما في الدخول، سويت بينهما في الجلوس، سويت بينهما في الإقبال عليهما، سويت بينهما في الاستماع إليهما، أنصفت في حكمك لهما، أنت عادل، أما مال قلبك لهذا دون هذا، رأيت طلاقة لسان هذا، وعي هذا، وسامة هذا، ودمامة هذا، حجة هذا وخرق هذا، فمال قلبك للأذكى، للأعقل، للألطف، للأبلغ في كلامه، لمن كان لطيفاً أديباً، لا تؤاخذ على ميل القلب، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
[ سورة النساء : 129]
أن زوجاً يعدل بين زوجتين بقلبه؟ مستحيل، لابد من فروق فردية بينهما، لكنه مكلف أن يعدل بأفعاله، هذه نقطة مهمة جداً، والمطلوب منه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب. ابتعاد القاضي عما يضرّ أحد الخصمين :
أنا لا أتحدث عن القضاة الشرعيين، أو القضاة في المحكمة، أنا أتحدث عن كل واحد منكم إذا كان قاضياً، أي واحد من أخوتنا الكرام إذا كان حكماً في موضوع http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/02.jpg
كان أخاً أكبر وعنده أخوة صغار اختلفوا، كان أخاً أكبر عنده أخت متزوجة اختلفت مع زوجها، صار قاضياً، كانت حماية عندها ابنتان، أب عنده أولاد، كل إنسان له دور في الحياة، قال: القاضي لا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجته، يقول له: يمكن أنت اعترفت بهذا الشيء لأنهم عذبوك أليس كذلك؟ لقنه الحجة، لا يجوز أن يلقن القاضي الحجة لأحد الخصمين، هناك قضاة يحاول أن يلقن الحجة، هو ضربك من الخلف، أنت كنت واقفاً، هو لم يكن واقفاً، هو الضارب، أتاه هاتف: يجب أن تتوصى بفلان، فلقنه الحجة، ولا ينبغي أن يلقن الواحد منهما حجته، ولا شاهداً شهادته، لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، بالمقابل ولا ينبغي للقاضي أن يخاطب المحامي أن قل كذا بالمذكرة، اكتب كذا، بيّن كذا، اذكر الوثيقة الفلانية، ما عاد قاضياً، لا ينبغي للقاضي أبداً أن يلقن حجة لخصم، ولا أن يلقن شهادة لشاهد، لأن هذا يضر بأحد الخصمين، كما أنه لا ينبغي أن يلقن المدعي فحوى الدعوى، اجعل الدعوى مثلاً إنكار التوقيع، لم يخطر بباله، وقع توقيعاً صحيحاً، وما خطر ببال الخصم أبداً أن التوقيع ممكن أن يجر ثماني سنوات، قال له: أنت ادع أن هذا ليس توقيعك، ما عاد قاضياً، ممكن أن يلقن القاضي المدعي فحوى الدعوى، لقن المدعي أن يدعي، وأن يطلب الاستحلاف، ولم يلقن المدعى عليه الإنكار، أو الإقرار.
على القاضي ألا يضيف أحد الخصمين دون الآخر :
الآن القاضي لا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر، أحضر لأحد الخصمين فنجان قهوة، هذا غير صحيح، دخل لمكتبه، غيّر القوس، وقعد جلسة طويلة، ومزح، ومودة، وقهوة، وعصير، لا ينبغي أن يضيف القاضي أحد الخصمين دون الآخر، قال: لأن ذلك يكسر قلب الآخر، كما أن القاضي لا ينبغي أن يجيب إلى ضيافة أحدهما، أنت قاض، وعندك خصمان، أحد الخصمين دعاك إلى وليمة، إلى نزهة، إلى زيارته، لا ينبغي للقاضي لا أن يضيف، ولا أن يقبل ضيافة أحد الخصمين ما داما متخاصمين، لكن لو أن الدعوى انتهت، وحكم بالعدل، ودعي من قبلهما معاً، أو من قبل أحدهما، ما دام الدعوى انتهت، وأصدر الحكم فلابأس، لكن القاضي النزيه معروف عنه أنه لا يزور أحداً، ولا يقبل دعوى، سداً لذريعة أن يتهم أن هذا الذي دعاه له قضية عنده، و قلتم لكم الدرس الماضي كيف أن أحد قضاة جاءته هدية ثمينة، طبق من الرطب في بواكيره، فلما سأل الغلام من قدم هذا الطبق؟ قال: فلان، قال: صفه لي؟ قال: كيت و كيت، فعلم أنه أحد المتخاصمين، قال: أعطه إياه، في اليوم التالي و قف الخصمان أمامه تمنى أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق، فلما تمنى هذه الأمنية توجه إلى الخليفة يطلب منه أن يعفيه من هذا المنصب، قال له: ولمَ؟ قال له: لأني تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم لي الطبق، مع أنني رددته فكيف لو قبلته؟؟
وروي أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، ممكن أن يتحاكم إليك اثنان، ادعهما معاً لطعام الغذاء، إذا كنت قاضياً، طبعاً قطاع خاص، قال: و ينبغي للقاضي ألا يقبل هدية من أحد إلا إذا كانت ممن جرت عادته بأن يهديه قبل تولي منصب القضاء، إذا كان هناك قرابة، أو هدايا مستمرة قبل أن يكون قاضياً، و هناك رأي أن هذا الشيء مكروه، وهناك رأي أن هذا لا يجوز، لكن الهدية إن كانت سائدة قبل تولي منصب القضاء ربما غفر لمن قدمها، أما إذا قدمت بعد تولي منصب القضاء فهذه ليست هدية وإنما رشوة. (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ – أي أجرينا له رزقاً - رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ ))
[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
و:((الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
طبعاً هنا تنصرف إلى القضاء بالذات، الراشي والمرتشي ملعونان، إذا استويا في القصد والإرادة، إذا أراد الراشي أن يحكم القاضي له وهو ليس محقاً، وأراد القاضي أن يستفيد من هذه الرشوة فيحكم لأحدهما ولو كان مبطلاً، فالراشي والمرتشي متساويان في اللعنة. من يعطي اتقاء الظلم لا شيء عليه :
إلا أن بعض العلماء قال: إذا أعطى الرجل ليتوصل بعطيته إلى حق منع منه، أو أن يدفع عن نفسه ظلماً محققاً، فإن الذي يعطي اتقاء الظلم، أو لدفع ظلم متحقق ثابت، لا يمكن تلافيه نرجو أن يعفو الله عنه، المعطي غير الآخذ، إنسان له حق ضائع، ولا يستطيع أن يأخذه إلا بأن يدفع شيئاً لمن يمنع عنه الحق، فالذي يمنع الحق آثم لا محالة أما الذي يدفع ليدفع عنه ظلماً، متحققاً، ثابتاً، فلا يمكن تلافيه إلا بهذه الطريقة، المرجو أن يعفو الله عنه وألا يؤاخذ، قال هذا الإنسان الذي يدفع المال ليدفع عن نفسه ظلماً محققاً، ثابتاً، لا يمكن أن يتلافاه المرجو أن الدافع يعفو الله عنه، وليس على سبيل القطع، المرجو على سبيل الظن الحسن بالله عز وجل، أو من دفع مالاً ليصل إلى حق، أو ليدفع ظلماً عنه، دفعاً لظلم أو وصول لحق، و ليس هناك طريق آخر إلا هذا الطريق، المرجو أن يعفو الله عنه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/03.jpg
روي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، أما الآخذ فيستحق وعيد الله عز وجل، لأنه أكل السحت، ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ ... ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال: من هو الذي يدخل في وعيد الله ووعيد رسوله؟ قال الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه أداؤه، أي عليك حق لابد من أن تؤدي، أنت لا تؤديه إلا بمبلغ من المال، هذا هو المرتشي، أو عمل ضار باطل يجب عليك تركه، لا تتركه إلا مقابل مبلغ من المال، أي الذي يمتنع عن أداء واجبه إلا بمبلغ، أو يحاول أن يوقع الضرر الكبير، ولا يمتنع عن إيقاع الضرر إلا بمبلغ، إذا أمكنك أن تؤذي الناس، ولم تمنع أذاك عنهم إلا بمقابل شيء، أو كان الأمر متعلقاً بك أن تنفعهم فلم تنفعهم، وهو واجب عليك، إلا أن يدفعوا لك، هذا الذي لا يمتنع عن إيقاع الأذى، ولا يفعل ما هو واجب عليه إلا مقابل شيء، فهذا ينطبق عليه وعيد الله ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام هي :
1 ـ الرشوة :
قال: القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام، الرشوة، والهدية، والأجرة، والرزق، فأما الرشوة فإن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام، على الآخذ والمعطي معاً، وإن كانت ليحكم القاضي بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، أي إنسان مظلوم، والقاضي لا ينقذه من ظلمه إلا مقابل مبلغ فالمعطي نرجو الله ألا يؤاخذه الله، لكن الآخذ آثمٌ دائماً، وقيل: تحرم لأن الذي يدفع يوقع هذا الحاكم - القاضي - بالإثم، لأنه سبب إفساده، وقيل: تحرم أي من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً، ظلماً لا يمكن تلافيه، الكلمات دقيقة جداً، كل كلمة تعني شيئاً، أي إذا إنسان عنده معمل أغذية بوظة، أي شيء، أخذت عينة من هذه الأغذية فإذا الحليب لا دسم فيه، حليب بودرة، استحق أن يعاقب، وأن يسجن عرفياً، والضبط عادل، لأن البائع ظالم، يأخذ ثمن الحليب كامل الدسم، الطازج، ويدفع لأطفالنا حليباً لا دسم فيه، وهو مجفف، فهذا الضبط عادل، فإذا دفع مبلغاً من المال ليتلافى السجن، أو ليتلافى العقاب، فهذا المبلغ حرام على الدافع أيضاً، لأنه ضرر متحقق، لكن ليس ظالماً، ضرر متحقق، عادل، من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً ظالماً لا يمكن تلافيه، نرجو الله أن يعفو عن الدافع، أما الآخذ فما دام هذا الشيء من واجبه فلم يفعله إلا بمقابل، وما دام مأموراً ألا يفعله فلم يمتنع عن فعله إلا بمقابل، فهو آثم لا محالة، قال: هذه الرشوة.
2 ـ الهدية :
وأما الهدية فإن كان ممن يهاديه قبل الولاية فلا يحرم أن تستديم، إذا كان هناك تعامل بين هذا الإنسان وبين ذاك القاضي قبل أن يكون قاضياً فلا يحرم أن تستديم، وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية الآن إذا كانت هذه الهدية بعد الولاية فهي رشوة وليست هدية.
لو إنسان له قريب قاض، وعنده مزرعة، قدم له صندوق فاكهة، و لا يوجد علاقة بينه وبين القاضي، و لا يوجد خصومة، فلا مانع، أما إذا كان هناك خصومة فلا يجوز أن يقدم له شيء، قال: فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على القاضي وعلى الخصم، على أي إنسان، قال هذه النوع الثاني الهدية.
3 ـ الأجرة :
النوع الثالث: الأجرة، فإن كان للقاضي جراية من بيت المال ورزق منه حرمت بالاتفاق، لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال في القضاء فلا وجه لأجرة، وإن كان لا جراية له من بيت المال، أحياناً نوكل إنساناً يحكم في قضية شائكة، قضية تجارية، تحتاج إلى شهر وكل يوم سهر للساعة الثانية عشرة، ممكن أن نعطيه أجرة، أخي أنت لك أتعابك أنت ادرس هذه الوثائق، ادرس الفواتير، ادرس الحسابات، وأنت حكم، اسمع منا، وخذ تصاريح منا، واحكم بيننا http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/04.jpg
هذا صار حكماً تجارياً، الوقت ثمين، معقول أن نشغل إنسان مئة ساعة على شهر زمان، وكل يوم عشر ساعات، أو على أسبوعين، و لا ندفع له شيء؟ ممكن إذا كان بالأصل غير قاض، وليست له جراية من بيت المال، كلفناه أن يكون حكماً في قضية شائكة، وتحتاج إلى جهد كبير كبير، وإلى وقت طويل طويل، لا مانع من أن نعطيه أجرة على عمله.
لذلك قالوا: إن تولية القضاء من كان غنياً أولى من توليته من كان فقيراً، لذلك في بعض البلاد الأجنبية القاضي ليس له معاش، لا راتب له إطلاقاً، معه دفتر شكات يقبض أي مبلغ يريده، لأنه لو إنسان دفع له مئة ألف يتمكن أن يأخذهم من دون رشوة، يكتب شك بمئة ألف، أما إذا قاض مؤمن، لو كان دخله أقل من حاجته لا يأخذ درهماً حراماً، هناك قاض ببعض البلاد لما تقاعد سحب ثلاثين ألف جنيه بيوم واحد فلما سئل لماذا أخذت هذا المبلغ؟ قال: هناك خصم عندي، دفع لي هذا المبلغ فأخذته من الخزانة العامة حتى لا أقع تحت ضغط هذا الخصم، أما المؤمن فعليه من الله رقيب.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[سورة النساء:1]
رسالة عمر بن الخطاب في القضاء :
سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه أرسل رسالة في القضاء، أرسلها إلى أبي موسى الأشعري، هذه الرسالة الآن أينما دخلت إلى قاعات المحاكم أو إلى مكاتب القضاة الفخمة أو إلى مكاتب المحامين، إنها مطبوعة و موضوعة على الجدار، سيدنا عمر الذي عاش في الصحراء، والذي تعلم من رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكتب رسالة في القضاء تعد منهجاً ودستوراً لكل القضاة في العالم: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، و سنة متبعة"، أي الله عز وجل فرض علينا أن نكون قضاة عادلين.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾
[سورة النساء:58]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[سورة المائدة: 42]
يقولون: إن الحجاج سأل أعرابياً من أنا؟ قال له: أنت قاسط عادل، فقال لمن حوله: أتعلمون ماذا قال لي؟ قالوا: قال لك: قاسط عادل، قال: بل قال لي: أنت ظالم كافر، وكيف؟ لأن كلمة أقسط معناها عدل، أما قسط بمعنى ظلم، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾
[سورة الجن: 15]
وعادل: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
[سورة الأنعام: 1]
عدل عن الإيمان إلى الكفر، فقال: قال لي: أنت ظالم كافر، لذلك: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً"، تقف موقفاً فيه عدل، تقف موقفاً فيه إنصاف، أن تكون مع الحق، أحياناً معظم الناس مع أولادهم على الباطل، أما الأب المؤمن فيقف مع الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لعل ابنه على باطل.
يروون أن القاضي شريح كان بين ابنه وبين شخص خصومة، فجاء ابنه إليه وقال: يا أبت هناك خصومة بيني وبين فلان أعرضها لك فإن شئت نرفعها إليك، فإذا رفعناها إليك الحق مع من؟ قال له: الحق معك، ارفعها إلي، فلما رفعت إليه حكم على ابنه، فوجئ ابنه، قال: يا بني خشيت إن قلت لك أنت لست على حق أن تذهب إلى غيري فأردت أن أقتص لخصمك منك أنا.
قال له: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك" الإضبارة يتصفحها تصفحاً، لا، لا يكفي، يجب أن تقرأها كلمة كلمة، أن تقرأ الوثائق وثيقة وثيقة، أن تقرأ مذكرات المحامين مذكرة مذكرة، أن تقرأ إفادات الشهود إفادة إفادة، أن تقرأ بهدوء، وتمعن، لتكتشف الحق، قال له: "فافهم إذا أدلي إليك"، استمعوا القصة لما قالت له زوجي صوام قوام، ما انتبه، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها هي لا تمدحه، قال: فاحكم بينهما إذاً، " فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" أي إذا كان المحامي لامعاً، معه أدلة قوية، لكن القاضي ما قرأ المذكرة، قرأ كلمتين، كله كلام، هو لا يوجد عنده وقت، هذا عمل خطير جداً، يجب أن تقرأ المذكرة كلمة كلمة.
كنت مرة عند قاض، فخبر قاضياً دونه، قال له: اقرأ الإضبارة خمس مرات، أي أراد أن يقرأ بتؤدة، وتفهم، افهم القضية، اقرأ الإفادات، اقرأ التقارير، اقرأ الضبط كلمة كلمة، اقرأ مذكرات المحامين، "فافهم إذا أدلي إليك"، أحياناً قضية تعرض في وقت غير مناسب، أحياناً مثلاً بعد الخطبة يكون الإنسان متعباً، ممكن أن يسأل سؤالاً لطيفاً سريعاً، أما قضية متشابكة، عقود تجارية، دفع وما سجل، لا أستطيع أن أفهم لك الموضوع الآن، أي كل وقت له وقت، لكل مقام مقال، وهناك وقت لا يناسب الإنسان أن يفهم قضايا متشابكة، لكن هذه القضية تحتاج إلى جلسة هادئة، تسمع كلمة كلمة، تعبيراً تعبيراً، مصطلحاً مصطلحاً، حتى تفهم عليه، "فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له"، إذا شعر المحامي أن القاضي لا يقرأ المذكرة، لا يوجد عنده وقت، أجلناها شهرين، قدم مذكرة، ردّ عليه مثل الرد الأول، فهذا ليس قاضياً، لا يقرأ شيئاً، " فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك" ابتسامة ابتسامة، عبوس عبوس، تجهم تجهم، لا تعبير لا تعبير، أحياناً وجهه مثل الجدار، لا تعرفه حزيناً أم مسروراً، هذا وجه بلا تعبير، ليس له أي تعبير، " آس بين الناس في وجهك"، بشاشة مع بشاشة، ابتسام مع ابتسام، عبوس مع عبوس، تجهم مع تجهم، لا تعبير مع لا تعبير، أما اختلاف " فآسي بين الناس بوجهك وعدلك في مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك". الحكم السريع في القضايا يريح النفس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/05.jpg
هناك الكثير من القصص المشهورة ، أحياناً القاضي يُشعر الخصم أنه لا يوجد أمل ينصفه، ينصرف عنه، أحياناً ترتكب جرائم في قصر العدل، يشعر ولي المقتول أنه لم يأخذ حقه، فيأخذ حقه بنفسه، لذلك القضاء يجب ألا يطول كثيراً، قضية ثماني سنوات وقضية عشر سنوات، محامي ربى ابنه على المحاماة، كبر الابن وأصبح محامياً، بجلسة واحدة أنهى قضية، يقول له والده: لماذا أنهيتها؟ أنا ربيتك منها يا بني، هذه الطول في القضايا شيء مستحيل، ثلاث عشرة سنة، خمس عشرة سنة، اثنتا عشرة سنة، ثماني سنوات، إذاً الحكم العادل هو الحكم السريع، قال: "حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى"، عبء تقديم الوثائق، و الأدلة، والصكوك، والإيصالات، والفواتير على من؟ على المدعي، " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، الآن هناك قضايا لا يوجد فيها وثائق، لا يوجد غير اليمين، القاضي أحياناً، الدعوى أساسها أن له معه مئة ألف، من دون إيصال، لا يوجد طريقة ثانية، إلا أن يدعو المدعى عليه بحلف اليمين، أحياناً يدعى المدعي لحلف اليمين، تحلف يميناً؟ أنا مدع! حلف اليمين على المدعى عليه، النبي عليه الصلاة والسلام جعل هذا قانوناً، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر .
الصلح سيد الأحكام :
"والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحلّ حراماً، أو حرم حلالاً"، ممكن أن يكون الصلح خير، قالوا: الصلح سيد الأحكام، فكل قاض إذا تمكن من الصلح يريح النفس، تلاحظ المتخاصمين يدخلون على القضاء يبقون عشر سنوات، يصبح مع الواحد حقد، مستعد إذا كان الخلاف على مئة ألف أن يدفع مئتي ألف ليكسر رأس خصمه، المحامون يفرحون، لأنها تصبح من حظهم، فأفضل شيء الصلح، وأفضل عمل المحامي الاستشارة الوقائية، عوض أن تدخله بالخصومة استشره قبل الخصومة، اعمل عقداً وخذ رأيه بالعقد، عقد الشراكة سجله بمحكمة البداية، اشتريت أرضاً، أخي من يملكها؟ فلان يوقعها لك، لا، أريد حصر إرث لأعرف من هم الذين يملكونها، إنسان اشترى أرضاً، تخلف مالك واحد عن التوقع، أخذها بثلاثمئة ألف، أصبح ثمنها خمسة و عشرين مليوناً، الدعوى بالقضاء من ثلاث عشرة سنة لأن هناك توقيعاً ناقصاً، أحد الورثة باع بالإيجاب والقبول، لكنه كان مسافراً فلم يوقع، فالأسعار ارتفعت كثيراً، من ثلاثمئة ألف لعدة ملايين، وجد الذي لم يوقع معه فرصة ذهبية أن يرفض البيع، يطلب أسعاراً خاصة.
الجهل أكبر سبب للخلاف بين الناس :
لا ترى اثنين بالقضاء إلا بسبب جهل، البطل هو الذي لا يدخل القصر العدلي إطلاقاً، كل شيء موثق، الدّين له سند، والشراكة لها عقد، والبيع له طابو، والزواج بالمحكمة، كله موثق، أما زواج عرفي، أخي من أجل أن يدخل علينا، كل الكتاب يكتب بيوم واحد، بكل عشر زيجات تسع يريدون كتاباً على الورق، لماذا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/06.jpg
حتى يستطيع أن يدخل و يخرج، كلام ليس له معنى، لو صار هناك خلاف ينكر الزواج، لو صار هناك حمل وأنكر الزواج صارت فضيحة أليس كذلك؟
قال سيدنا معاوية لسيدنا عمر بن العاص: ما بلغ من دهائك؟ كان عمر بن العاص من كبار دهاة العرب، قال له: ما بلغ من دهائك؟ قال له: وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، أنا لا أدخل بالأصل.
فإذا الإنسان تمكن ألا يدخل يكون عاقلاً جداً، لأن القضاء يهز الأعصاب، ويحطم النفوس، تجد أسرتين عشر سنوات، سهراتهم كلها حقد وغليان، أحياناً يكونون أخوات، أحياناً أقرباء، عندما يدخلوا القضاء أصبحت العداوة مستمرة، صار هناك أحقاد وضغائن وتكسير رؤوس، أعرف شخصاً دفع ثلاثة أضعاف موضوع الدعوى حتى يكسر رأس خصمه، لماذا الشرع؟ من أجل ألا تختصم مع أحد، حتى تكون متفرغاً للعبادة، فلكل قضية حل، قرض ضع سند، بيت بعقد موثق، ورثة خذ توقيعهم كلهم، عقد شراكة في محكمة البداية، لا تدع قضية سائبة، لا تدع قضية مفتوحة، دفع مبلغاً ضع وصلاً، كل شيء ثبته، ترتاح.
كل إنسان ساهم بإفساد الآخرين آثم مثلهم :
هناك نقطة مهمة جداً إذا أنت أهملت هذه الأمور، وخصمك زاغ عن الحق وأغراه الشيطان بأكل المال بالباطل، فأنت مؤاخذ، أنت ساهمت بإفساد إنسان، مثلاً لو أن شخصاً وضع على الطاولة خمسين ألفاً، والمحل فيه بضاعة و موظفون، وفقدوا يا ترى الذي أخذهم آثم؟ لا شك آثم، سارق، و المهمل الذي تركهم بهذا المكان أيضاً آثم،لأنه ساهم بإفساد إنسان، لولا هذا المال بهذه الطريقة ما سرق، فالسارق يوم القيامة يقول: يا رب هو الذي أغراني بسرقته، لو كان في مكان حرز حريز أنا ما كنت أخذته، لكنه أغراني بسرقته، فكل إنسان يساهم بشكل أو بآخر بإفساد الآخرين فهو آثم مثلهم.
التراجع عن الخطأ فضيلة :
قال: " ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق "، التراجع فضيلة، الاعتراف بالذنب فضيلة، سيدنا عمر على المنبر قال: "أخطأ عمر وأصابت امرأة" مرة كان على المنبر يخطب خطبة رائعة جداً قطع خطبته وقال: يا بن الخطاب، كنت غلاماً ترعى إبلاً على قراريط لبني فلان، وأكمل الخطبة، هذا الكلام ليس له علاقة بالخطبة، أي قطع غير منسجم، فلما سأله سيدنا ابن عوف لماذا قلت هكذا على المنبر؟ فقال له: جاءتني نفسي وقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد، أعلى شخصية، فأردت أن أعرفها حقها، أنت كنت عميراً ترعى الإبل على دريهمات لبني كذا، الكبر مهلك، "ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق ؛ لأن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5570/ar-5570/07.jpg
أحياناً الأب يضرب ابنه ظلماً، يظن أنه هو من كسر هذه الحاجة، أو هو عمل هذا الشيء، لو الإنسان غلط يجب أن يعتذر، لو أخطأ الإنسان مع إنسان أدنى منه، صار هناك ظلم، قدم اعتذارك، قدم هدية، رمم فيها ما حصل، أما لا يتراجع، هناك أشخاص يدركون أنهم على باطل، وأنهم اقترفوا ظلماً شديداً، ومع ذلك لا يتراجعون.
"الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله"، أي الذي فيه نص واضح قضيته سهلة، أما قضية ليس لها نص، تحتاج إلى اجتهاد، وإلى قياس، وإلى أدلة، الأمر إذا كان كذلك فإياك أن تتسرع، "الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله".
ولهذه الوصية تتمة نشرحها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله متابعة شرح هذه الوصية، والحديث عن شفاعة القاضي، هل له أن يشفع؟ والحديث عن نفاذ حكم القاضي ظاهراً، وعن القضاء عن الغائب، حكم غيابي، والقضاء بين الذميين، و ظهور حكم جديد للقاضي، كيف يتصرف، ونماذج من القضاء من عصر صدر الإسلام، هذه الموضوعات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-17-2018, 01:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : شفاعة القاضى






الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
كل إنسانٍ لابد من أن يقف موقف القاضي في حياته :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا منطلقين من مقولة أن كل إنسانٍ لابد من أن يقف في موقف القاضي في يوم من أيام حياته، بل في بعض أيام حياته، و بعض الناس يقف هذا الموقف في معظم أيام حياته، ولو لم يكن له علاقة بالقضاء، أو بسلك القضاء، أو بما يتعلق بالقضاء.
طبيعة الحياة اليومية فيها مواجهات، وفي كل مجتمع رجل كبير، يلجأ إليه، يحتكم إليه، فإن كنت أباً فأنت قاضٍ بين أولادك، وإن كنت عماً فأنت قاض بين صهرك وابنتك، وإن كنت تاجراً قديماً فأنت قاض بين التجار المحدثين، فلابد للمسلم أن يقف موقف القاضي شاء أو أبى، لذلك المبادئ الأساسية التي نص عليها القرآن والسنة يجب أن تكون بين أيديكم، حتى لو وقفت موقف القاضي، قضيت بالحق، القضاء كما تعلمون له مفهوم واسع، ومفهوم ضيق، فأن تلجأ إلى المحاكم، إلى القضاء الرسمي، هذا قضاء، لكن أن تلجأ إلى صديق ليكون حكماً بينك وبين صديق آخر فهذا أيضاً قضاء.
العدل و الإحسان :
هناك موضوع جديد وهو شفاعة القاضي، لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾
[ سورة النساء: 128]
أحياناً الإنسان يكسب الحكم، لكن يخسر الطرف الآخر، لا تنسوا أيها الأخوة أن كل مؤمن مأمور بالعدل وبالإحسان، المؤمن الذي لا يحب أن يقطع الناس عن الله عز وجل، أحياناً يرى أن يربح أخاه وأن يجعله قريباً منه، وأن يجعل هذا الأخ المتخاصم معه مشدوداً إلى الدين أربح عنده من أن يأخذ ماله، لذلك من أروع الآيات قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
أنا أذكر أن أخاً يعمل في دكان، وهذه الدكان تقع في محضر، والمحضر اشتراه رجلاً، الدكان يجب أن تهدم بأمر محافظة دمشق، لأنها أصبحت ليس لها وجود على المخطط التنظيمي، والذي اشترى المحضر اشتراه نظيفاً، صاحب هذه الدكان عرض أمره على رجل قال: ماذا أفعل؟ أين أذهب؟ فلما استدعي صاحب الأرض الذي اشتراها قال كلاماً صحيحاً، قال: أنا اشتريت أرضاً نظيفة، ليس فيها دكان، أنا لا ذنب لي، قلت له: وَاللَّهِ معك الحق، ولكن لا تنسى أن الله يأمر بالعدل، وهذا هو العدل، ويأمر بالإحسان، أتريد أن تجعل أخاك في الطريق؟ قال: لا وَاللَّه، في ذلك الوقت الله عز وجل وفقه أنه دُفع له مبلغ من المال و جمع له مبلغٌ آخر، و اشترى دكاناً في بعض الجادات العليا، أي العدل أن نمسك بهذا الإنسان، ونلقي به في الطريق، هذا العدل، أما الإحسان فألا نتخلى عنه.
المؤمن الصادق مأمور بالعدل والإحسان :
في أي قضية أيها الأخوة لا تنسى أنك مأمور بالعدل والإحسان، إنسان تزوج امرأة على أساس أنها بنت، وهذه المرأة من أسرة معروفة، وما إلى ذلك، بعد خمسة أشهر يرى أن حملها في مستوى الشهر التاسع، إذاً هذا المولود ليس منه، إذاً هي زلت قدمها وانحرفت، العدل أن يطلقها، العدل أن يخبر أهلها، العدل أن يلقيها خارج المنزل لكن الإحسان، لذلك أحد خطباء دمشق قبل خمسين عاماً رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام يقول له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، هذا العالم اختل توازنه، أنا الذي أخطب، وأنا الذي أتكلم، وأنا صاحب العمامة البيضاء، وأنا من أهل العلم، وأنا، وأنا، والمنام يقول: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، إذاً ماذا فعل جاري؟ جاري سمان، أنا أحق بهذه البشرى منه، فلما ذهب إليه وناشده أن يخبره بما فعل، وأقسم عليه أن له عنده بشارة من رسول الله، ولن يخبره إياها إلا إذا أخبره بما فعل، قال: تزوجت امرأة من أسرة معروفة، وبعد خمسة أشهر وجدتها في شهرها التاسع، عطفت عليها ورثيت لحالها، فجئت بقابلة في منتصف الليل وولدتها، وأخذت الغلام تحت إبطي ودخلت إلى المسجد، بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر، وضعت الغلام وراء الباب، وصليت مع الناس كأحد المصلين، فلما انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير، وتحلق المصلون حوله، وتظاهرت أنني لا أعلم شيئاً، قلت: ما الأمر؟ قال: تعال وانظر إلى هذا الغلام، قال: أعطوني إياه أنا أكفله، وأخذه ورده إلى أمه و سترها، هذا الإحسان، العدل أن يطلقها، العدل أن يفضحها، العدل أن يخبر أهلها، أما إذا تابت على يديه توبة نصوحة، وسترها، وكان بإمكانه أن يسحقها، وكان بإمكانه أن يفضحها، وكان بإمكانه أن ينبذها:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
المؤمن الصادق دائماً يشعر أنه مأمور بالعدل والإحسان، أحياناً لأن تربح أخاك ولا يعلم هذا إلا الله، لأن تربح أخاك أغلى عندك من أن تأخذ حقك منه و تخسره، هذا ليس قسرياً، هذا شيء طوعي، الطوعي غير القسري، القسري أعطه حقه، أما إذا كان أخ ضعيف رقيق الحال، لك عنده حق، فإذا سامحته به، وكسبته، مرة قرأت كلمة لأحد الأدباء وَاللَّهِ أعجبتني، قال: لأن يربح الإنسان إنساناً خير له من أن يربح الدنيا وما فيها، أن تشعر أن هذا الإنسان قدمت له عملاً طيباً، دائماً في الخلافات لاحظ العدل والإحسان، الإنسان يكفيه مشاحنة أن يقول: آخذ حقي لا أدعه، خذ حقك، وامحق، هكذا يقال له، أنا لا أدعو إلى ترك الحقوق لكن أدعو إلى بعض المسامحة، أدعو إلى الرحمة، أدعو إلى تأليف القلوب، أدعو إلى غض البصر أحياناً، أدعو إلى الحل الوسط، أدعو إلى سددوا وقاربوا، أدعو إلى التسامح ما بينكم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف يكون القاضي شفيعاً. شفاعة القاضي :
لذلك قال العلماء: للقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة، ويطلب من الخصوم أن يصطلحوا، أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه، هكذا علمنا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هناك شخص يأتي لعندك، ويحكي لك قصة أخ، ينظر منك أن تمسك هذا الأخ وتفرمه حتى ينبسط، أنا أب أيضاً، أنت أخ وهو أخ، نحن نعاتبه ونوجهه ونسمع منه، نلتمس له العذر، أما من أجل أن تفشي غليلك فهذا ليس من أخلاق المؤمن.
أحد الصحابة الفقراء جداً في ساعة من ساعات صفائه ماذا يفعل؟ ماذا يقدم لله عز وجل؟ لا يملك شيئاً فرفع يديه إلى الله عز وجل وقال: يا رب أنا عرضي أسامح به كل من تكلم عني، أملك أن أسامح، من تكلم عني شيئاً أنا أسامحه.
يقولون إن أحد العلماء تكلم الناس عنه كثيراً بالباطل، لأن الحسد دائم، الحسد شغال بكل العصور، كل ذي نعمة محسود، تجد إنساناً إن وفقه الله كان له خصوم كثر، كانوا يشككون فيه، أناس يطعنون بعلمه، ناس يطعنون بنزاهته، أناس بإخلاصه، أناس يتهمونه تهماً ليس لها أصل، قال له رجل: وَاللَّهِ إنني أشفق عليك من كثرة ما يقول الناس عنك، قال له: هل سمعت مني شيئاً عنهم؟ قال له: لا وَاللَّهِ، قال: إذاً عليهم فأشفق، الإنسان بطولته أن يبقى مستقيماً، أن يبقى في طاعة الله.
القاضي له أن يشفع لأن الصلح سيد الأحكام :
إذاً أول شيء نستفيده من هذا الدرس أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد فارتفعت أصواتهما- أي كانا يتحاوران في دَين، طبعاً المساجد وقتها كانت صغيرة، هذا الذي ترونه الآن، الحرم المدني، القسم العثماني الذي بناه العثمانيون لا يزيد عن واحد من مئة من حجم الحرم الحقيقي الآن، هذا الحرم أربعة أمثال مسجد رسول الله، حتى في الأعمدة يقول لك: هذه حدود المسجد في عهد رسول الله، مسجد صغير، وحوله غرف للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما تحاور هذان الصحابيان في أمر دين- حتى سمعها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول، فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب لقد فعلت يا رسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للثاني: قم فاقضه، دخل النبي شفيعاً بين اثنين بحكم مكانته، أمر كعب أن ينزل عن شطر دينه، وأمر الطرف الآخر أن يقضي دينه، إذاً القاضي له أن يشفع، لأن الله يقول:
﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾
[ سورة النساء: 128]
الصلح سيد الأحكام، إذا كنت تستطيع أن توفق بين اثنين يحتكمان لك، وأن توفق بينهما، زوجان متشاكسان، طالبة الطلاق وهو يريد أن يتخلص منها، إذا وفقك الله أن تجمع بينهما على خير هذه بطولة، بين شريكين، بين زوجين، بين أخوين، هذا من الأعمال الطيبة.
لكن دائماً وأبداً لا تنسوا أن العدل قسري، وأن الإحسان طوعي، لا تستطيع أن تجبر على الإحسان، لكن على العدل لك أن تجبر، وأساساً القاضي يجبر، القاضي يصدر حكماً يوضع في التنفيذ، المعنيون في التنفيذ ينفذون حكم القاضي قسراً، العدل قسري، أما الإحسان فطوعي، أنا أتمنى على الإنسان ألا يأمر بالإحسان أمراً، يستثير نخوة المؤمن، يستثير حماسه، يبين له آثار الإحسان، آثار العفو، آثار المسامحة، إذا بين له الآثار عندئذ لا يجد هذا الخصم وداً من أن يسامح. حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً :
يا أخوان هناك نقطة في هذا الدرس، أنا أراها أخطر نقطة في هذا الدرس، قال العلماء: حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، كيف؟ ادعى إنسان على أن له على زيد مئة ألف، فقال القاضي: ائتني بالشهود، فلفق شاهدين كاذبين مرتزقين مأجورين، وشهدا أمام القاضي، وأقسما اليمين، وقالا: نحن نشهد أن لفلان على فلان مئة ألف، شيء جميل، القاضي ليس آثماً، طلب الشهادة فجاءته، استحلف الشهود فحلفوا، وشهدوا بادعاء المدعي، فحكم القاضي لزيد بمئة ألف على عبيد، زيد معه الآن حكم قاض، قاض شرعي، وقاض من كبار القضاة، وقاض القضاة، وقاض ورع إلى أقصى درجة، ونزيه إلى أقصى درجة، هل هذا الحكم الذي مع زيد على عبيد يجعل له حقاً على عبيد؟ أبداً، و لو أن القاضي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لو أن إنساناً ادعى أنه طلق زوجته، تطليقات ثلاثة، وهو لم يطلقها وجاء بشهود، عندئذ أصدر القاضي حكماً بطلاق هذه المرأة من زوجها، وجاء رجل ليتزوجها هي عليه حرام، لأن الطلاق لم يقع، ولا زالت على عصمة الأول، فانتبهوا لهذا النقطة الدقيقة، لو أنك ملكت حكماً قضائياً من أرفع مستوى، والأغرب من ذلك، لو أن هذا الحكم من فم النبي عليه الصلاة والسلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))
[ متفق عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]
لذلك دائماً، كلما سئلت أقول: هذه الفتوى على وصفك، على ما تقول، فلو لم تكن صادقاً فيما تقول هذه الفتوى ليست لك، لا تعتمد عليها، لا تأخذها حجة، هي ليست بحجة، لذلك قالوا: الفتوى على قدر النص، قال له: يا سيدي لما طلقتها كنت لا أرى بعيوني، لما طلقتها كنت مجنوناً، هل يقع هذا الطلاق يا سيدي؟ قال له: والله يا بني قال عليه الصلاة والسلام: "لا طلاق في إغضاب"، أخذنا فتوى دبرنا حالنا، لا لم تدبر حالك إن لم تكن غاضباً على النحو الذي وصفه النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد طلقت امرأتك، ولو قال لك شيخ الشيوخ أنه لا يقع، الفتوى على قدر النص، ما دمت قد قلت أنا حينما طلقتها كنت في غضب شديد، كدت أجن، كأنني مجنون، على هذا الكلام الطلاق لا يقع لكن تطابق كلامك مع الواقع محاسب أنت عليه، المفتي ليس عليه إثم، أفتى على قدر النص. الفتوى أمانة :
كل إنسان له وظيفة بالحياة، والإنسان ما دام ضمن عمله فهو محترم، أما إذا تجاوز اختصاصه إلى اختصاص آخر لا يبدو محترماً، الإفتاء اختصاص، والاجتهاد اختصاص، والتدريس اختصاص، والقضاء اختصاص، والدعوة إلى الله اختصاص، والعلم اختصاص، والتربية اختصاص، أنا أتمنى على كل إنسان أن يتجه إلى أصحاب الاختصاص، اسألني عن قضية بالقانون أنا لا أعرفها، ولا يطعن هذا في مكانتي أنني لا أعرفها، كل إنسان أقامه الله بعمل، المحاماة اختصاص، كل سنة يوجد مئتي قانون، وتعديلات، وتعديل التعديل، وإلغاء، وتعليق، ونسخ، واجتهاد محكمة النقض، من يحفظ هذا؟ هذا اختصاص القضاة والمحامين، فأنت اسأل أصحاب الاختصاص دائماً.
أخواننا نصف العلم لا أدري، القصة أقولها دائماً الإمام مالك إمام دار الهجرة، أنا لست متأكداً الإمام مالك أم الإمام أحمد بن حنبل، لكن كان وحيد عصره وفريد زمانه، كان الإمام الأول، جاءه وفد من المغرب، من بلاد الأندلس، طبعاً ليس الآن طائرة ثماني ساعات، قاعد، مرتاح، ثلاث وجبات، ومرطبات، من بلاد الأندلس إلى المدينة أي هناك سير خمسة أشهر، جاء وفد يحمل ثلاثين سؤالاً من بلاد المغرب، ليسأل هذا الإمام العظيم، إما أنه الإمام مالك أو الإمام أحمد بن حنبل، وأرجح الظن أنه الإمام أحمد بن حنبل، فعرضوا عليه هذه الأسئلة، هذا الإمام الأوحد، أي أعلى شخصية علمية في العالم، فقال: هذا السؤال هذا جوابه، وهذا السؤال هذا جوابه، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً، وقال: الباقي لا أدري، لا أعلم، هم دهشوا، صعقوا، الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟!‍ قال: قولوا لهم الإمام أحمد لا يعلم.
الإفتاء جسر إلى جهنم، كلما لقيت إنساناً جباناً بالفتوى احترمه زيادة، كلما لقيت إنساناً سريعاً بالفتوى احتقره، لأن الفتوى أمانة، أي إذا كان الشيء حراماً وقلت له: حلال خرب بيتك، وإذا الشيء كان بالعكس حلال حرمته عليه، أيضاً حسابك يوم القيامة، أنت لا تعلم لماذا تفتي بهذا الموضوع؟ فلذلك الإنسان لا يفتي بسرعة.
ماذا يحصل مع الناس؟ كلما لقوا إنساناً عنده مسحة دينية يقولون: وَاللَّهِ ابننا صاحب دين، ابنكم صاحب دين على العين والرأس، له دروس علم لكن ليس مفتياً، الإفتاء منصب، الإفتاء اختصاص، فقل: لا أعلم، قل لا أعلم وافتخر فيها، لأن نصف العلم لا أدري، ومن علامة العالم أنه يكثر من قول لا أعلم، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، في اللحظة التي تتوهم أنك تعلم فأنت لا تعلم، قل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء.
المؤمن وقّاف عند كتاب الله :
هذه أخطر فكرة في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولو معك حكم، و لو كان القانون معك، لن تنجو، أخي المادة كذا لصالحي، صح، وبالقبر لصالحك؟ هذه بالدنيا لصالحك، ما دام هناك قضاء ومحاكم، المادة الخامسة و الثلاثون من القانون الفلاني لصالحي و القبر؟
مرة أحد أخواننا الكرام استشارني استشارة أعجبتني، هناك محضر تمكن من أن يخلصه بنصف القيمة، سألته: كيف خلصته بنصف قيمته؟ هذا المحضر لثلاثين أسرة، إذاً هذا يحتاج إلى دعوى إزالة شيوع، هذه الدعوى من مستلزماتها أن يوضع هذا المحضر في المزاد العلني، بالمزاد العلني ممكن أن تجري مؤامرة، أي يأتون بأشخاص خلبيين، يدخلون بالمزايدة، ويرفعون الأسعار قليلاً قليلاً، هذا الذي حصل، أحضر أربعة أشخاص أو خمسة، ونزلوا بالمزايدة، مثلاً المحضر ثمنه ثمانمئة ألف - القصة قديمة من اثنتي عشرة سنة- الآن ثمنه ملايين، كان ثمنه ثمانمئة ألف، بدؤوا بأربعمئة، جاء أول مزايد قال: أربعمئة وعشرة آلاف، الثاني أربعمئة وخمسة عشر، رفعوا إلى أربعمئة وخمسين، نصف القيمة، ذكاء هذا؟ لا ليس ذكاء، لأن له أصحاباً أيتام، قصر، بعدما اشترى هذا المحضر بنصف القيمة، وسوف يعمره، انتبه، وسألني هذا الأخ الكريم، قال لي: أنا أخاف من القبر، قلت له: معك حق، قال لي: ما الحل؟ قلت له: أن تدفع لأصحابه ثمنه الحقيقي، القانون معك، الآن المحضر لك، تذهب إلى المحافظة غداً، وتقدم نتيجة المزايدة، تدفع التأمين، تدفع الثمن ويطوب لك، القانون كله أصبح معك، لكن هؤلاء القصر الأيتام محضرهم ثمنه ثمانمئة ألف، إذا نقدتهم أربعمئة ألف هل يرضى الله عنك؟ قال: لا وَاللَّهِ بعد أسبوع جاءني و قال لي: انسحبت من هذا المشروع خوفاً من الله فقط، والنصف مليون وقتها بقدر خمسين مليوناً الآن.
هذا المؤمن، المؤمن وقاف عند كتاب الله.
الاستقامة و الأمانة :
قلت يوم الجمعة: الاستقامة مليون بند وأكبر بند فيها ترك الحرام، ترك المال الحرام، مع المال الحرام لا يوجد صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا وجهة، ولا قلب مستنير، ولا وجه مستنير، ولا صلة بالله، محجوب، آكل مال حرام، يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أيها الأخوة لو معك مئة مليون بالحرام، ولاحظت يوم القيامة كيف تحاسب عنها لهانت على نفسك.
أنا من حوالي ستة أشهر جاءتني قصاصة، وقرأتها لكم، وَاللَّهِ أعتز بها، وضعتها عندي، هذه القصاصة من أحد أخواننا وأنا أحترمه احتراماً كثيراً مع أني لا أعرفه، تكلمت مرة في درس في الكويت عن الأمانة، قلت وقتها: الأمانة ليس ما عليك من حقوق، أو سندات الأمانة ليس أن تدفع ذمة مرتبة عليك، ليس أن تدفع سنداً مستحقاً، ليس أن تؤدي ديناً لتاجر، هذا سلوك مدني، ما معنى مدني؟ أي خصمك بلوى، إن لم تدفع معه سند، يبعث لك مذكرة عن طريق محامي، يبعث لك بطاقة بريدية، يتكلم عنك أن سلعة فلان كذا، ينزع لك اسمك، يقاضيك، فأنت وجدت الأسلم أن تدفع السند، لكن ما هي الأمانة التي تعد عند الله عبادة؟ هي حالات نادرة، أن إنساناً أعطاك مئة ألف، ما أبلغ أحد من الخلق، لا زوجته، ولا أولاده، ولا أخذ منك وصلاً، ومات، لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يقاضيك، ومع ذلك حملت هذا المبلغ وتوجهت إلى ورثة المتوفى، وأعطيتهم إياه، هذه الأمانة، تكلمت القصة وأنا بالعثمان قبل سنة تقريباً، ولمحت بالموضوع مرة ثانية بدرس بالنابلسي، جاءتني قصاصة ورق، يقول لي صاحبها: والله يا أستاذنا أديت قبل أسابيع اثني عشر مليون ليرة لورثة، ليس معهم وثيقة بهذا المبلغ، دفع اثني عشر مليوناً بناء على درس الاثنين بالكويت، هذه الأمانة، و الله يوم القيامة يشعر بسعادة، يشعر براحة، الإنسان ليس له إلا ما أكل.
((عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ]
كل شيء ليس لك، تأمل بهذا البيت أين صاحبه؟ كله جبصين، انظر الغرف الواسعة، المناظر الطبيعية، انظر السجاد الإيراني الثمين، أين صاحبه؟ أنا مرة حضرت دفن ميت، والله الإنسان كان غالياً عليّ، لكنه أنيق، نظيف جداً، مرتب جداً، وضعوه بالقبر، وأحضروا البلاطة ووضعوها فوق الفتحة، فلم تتغطَ الفتحة بشكل تام، فكان هناك تراب جانب القبر وهناك مجرفة، وضع التراب فنزل فوقه، أين سريره الأنيق؟ أين بيته الفخم؟ تدفئة مركزية، جبصين، ألمنيوم، هو بالأخير في القبر.
لذلك حكم القاضي لا يحل حراماً، لو معك من رسول الله فتوى لو المادة الخامسة و السبعون كلها لصالحك، لو أخذت حكماً من محكمة النقض انتهى، لكنك لم تنته من الله، هذا الكلام أبرز ما في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لأن القانون لو كان معك، حكم القاضي لو كان لصالحك، لا ينجيك من عذاب الله، وقد قال الشافعي: " حكم الحاكم لا يحلل الحرام". القضاء على الغائب :
عندنا موضوع آخر وهو القضاء على الغائب، يا ترى هل يجوز للمدعي أن يدعي على غائب وهذا الغائب ليس له وكيل؟ طبعاً نحن نعرف بالقضاء ممكن أن تقيم دعوى على إنسان غائب، والغائب يبلغ بالصحف المحلية، فإذا لم يحضر يحكم غيابياً، هكذا القانون والقانون له أصل بالشرع، الأدلة، أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾
[ سورة ص : 26 ]
فالحكم بالحق أمر ثابت، لا أعطل هذا الحكم أو ذاك الأمر لمجرد أن أحد الخصوم غائب، يغيب إلى ما شاء الله، يتزوج ويغيب، هذه الزوجة تريد نفقة، أخي غائب لا نستطيع أم نقيم عليه دعوى نفقة، لأنه غائب، هذا كلام غير مقبول، الغائب تقام عليه الدعوة ويحكم غيابياً لأن الحق أحق أن يتبع.
هناك دليل عندنا غير الآية، دليل عملي، قال سيدنا عمر: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضي عليه ببيع ماله غائباً، شخص عليه ديون، وترك بيته وهرب، سيدنا عمر قال: من كان له عليه دين فليرفع إلينا دينه حتى نبيع ماله، ونقسمه بين غرمائه، الشخص غائب الدليل القوي: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾
[ سورة ص : 26 ]
والدليل الثاني: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضى عليه ببيع ماله غائباً، لكن هنا يوجد استدراك، إذا حضر الذي حكم عليه بالغياب – غيابياً- القاضي عليه أن يستمع إليه، إذا حضر كانت حجته قائمة، وتسمع، ويعمل بمقتضاها، لو أدى ذلك إلى نقض الحكم، لأن الحكم الغيابي حكم مشروط.
إنسان ادعى أن له على فلان مئة ألف، و أحضر بينة – وصلاً - وشهوداً، وكل شيء، و قال: إن لهذا الشخص بيتاً، أعطني البيت، أو ضع يدي عليه، أو نبيع البيت وآخذ حقي، أصدر حكم ببيع البيت ووفاء الثمن للغريم، بعد ذلك جاء الغائب، قال: هو استرد دينه مني وهذا الدليل، هذا الوصل ينقض الحكم، لأن الحق قديم، لأن تعود إلى الصواب خير من أن تمضي في الخطأ، لذلك الغائب إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها، ولو أدى إلى نقض الحكم، لأنه في حكم المشروط، بعض المذاهب قالوا: لا بد من أن يكون لهذا الغائب وكيل ينوب عنه. تحاكم الذميين إلى قضاة المسلمين :
الآن إذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جاز ذلك، ويقضى بينهم بما أنزل الله وبما يقضى بين المسلمين، يقول الله تبارك وتعالى:
﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 42 ]
لذلك المحاكم الشريعة الإسلامية تقبل أي قضايا شخصية لغير المسلمين، ممكن إلا أن يكون لهذا الطوائف محاكم مذهبية خاصة، أما لو أن شخصين ترافعا في قضية شرعية أو شخصية، يمكن أن يحكم بينهم القاضي الشرعي الإسلامي.
الآن عندنا قضية يثيرها بعض الأخوة كثيراً، هل لصاحب الحق أن يأخذ من المماطل حقه من دون أن يقاضيه؟ لك مع إنسان دين ثابت، لم يدفع لك من ثلاث عشرة سنة، جاءك شخص قال لك: هذا المبلغ لفلان، أعطه له، فلان غريمك تستطيع أن تأخذ حقك هذا موضوع نبحثه إن شاء الله. العدل أساس الملك :
أخرج أبو نعيم في الحلية- حلية الأولياء- قال: افتقد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه درعاً له، وجدها عند يهودي، التقطها فعرفها، سيدنا علي على علو مقامه، افتقد درعاً له وجدها مع يهودي، فقال: درعي؟ سقطت عن جمل له أورق، قال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي بين وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً، كان من أشهر القضاة، فلما رأى علياً قد أقبل تحرف عن موضعه، وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تساويهم في المجلس وساق الحديث، قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين، تصور أمير مؤمنين، حاكم المسلمين، بلاد الحجاز، والشام، ومصر، والعراق كلها تحت أمرته، وخصمه يهودي، من الشرذمة القليلة، اختصم مع خصمه على درع، وتوجه هذا الأمير العظيم مع اليهودي إلى قاضي المسلمين شريح، قال شريح: تكلم يا أمير المؤمنين، قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، فالتقطتها هذا اليهودي، قال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، مبشر بالجنة، ممكن أن يكذب؟ مستحيل ولكن لا بد من شاهدين، فدعا قنبراً، والحسن بن علي، وشهدا أنها درعه، فقال شريح أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها، فقال علي كرم الله وجه، ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال عليه الصلاة والسلام: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟" ثم قال لليهودي: خذ الدرع، قال: خذها واذهب، إليك هذه، القاضي مقتنع مئة بالمئة بأن الدرع لسيدنا علي، لكن الإجراءات لا بد لها من شهود، قنبر مقبول، أما ابنك فغير مقبول، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين وقضى له ورضي؟ صدقت و الله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فوهبها إليه علي كرم الله وجهه، وأجازه بتسعمئة.
العدل شيء لا يصدق، قلت لكم في أول درس: إذا كان العدل بخير فنحن جميعاً بخير، هذه القاعدة البسيطة رسمها طفل صغير، لمَ لم تهرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة :
علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة أن يطمئن المستقيم، وأن يخاف المذنب، أما إذا خاف المستقيم واطمأن المذنب فهذه حالة مرضية خطيرة جداً، مادمت مستقيماً يجب ألا تخاف أحداً.
تلخيص لما سبق :
نرجو الله سبحانه وتعالى مرة ثانية أن هذا الموضوع ما كان يخطر ببالي إطلاقاً خلال عشرين سنة لأن أطرحه، كلي قناعة أنه موضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، لكني وجدت وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ما من واحد منكم إلا ويحكم بين شخصين، وهو لا يشعر، هذه مبادئ العدل، مبادئ الشهادة، وعندنا موضوعات مهمة جداً، الشهادة، واليمين، وموضوع الخصوم، موضوع المساواة، هذه كلها موضوعات يجب أن تكون ماثلة أمامكم،أي ممكن أن أقول لكم شيئاً أساسياً بالدرسين السابقين ألا تستمع من طرف واحد، استمع إلى الطرفين معاً والأكمل أن يكونا في مجلس واحد.
الشيء الثاني حكم القاضي لا يحل حراماً، علاقتك مع الله لو معك القانون كله، لو القاضي من طرفك، لو معك حكم، لو معك فتوى من رسول الله، لن تنجو من عذاب الله إلا إن استقمت على أمره.
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى عندنا موضوع الدعاوى والبينات، موضوع الإقرار، موضوع الشهود، موضوعات لطيفة كلها ونحتاجها، لا سمح الله ونحن في القضاء أحياناً تنتبه أنت هذا ليس إقراراً، هذه الشهادة غير صحيحة، هذا الشاهد كان مسافراً وقت وقوع الحادث.

السعيد
09-17-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : الدعوة و البيان






الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الدعوى و معناها اللغوي :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع القضاء، وقد تحدثنا في دروس سابقة عن مهمة القاضي، وعن شروط القاضي، وعن نزاهة القاضي، وعن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالقضاء.
واليوم ننتقل إلى أحد أكبر موضوعات القضاء وهو الدعوة والبينات، يقول لك: أقمت عليه دعوى، أقام عليّ دعوى، هناك ثلاثة آلاف وخمسمئة دعوى بمحكمة النقض، ما معنى كلمة دعوى؟ الدعاوي جمع دعوى ومعناها اللغوي: الطلب.
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان:77]
دعانا إلى طاعته: أي طلب منا أن نطيعه، دعانا إلى معرفته: طلب منا أن نعرفه، دعونا إلى الله ورسوله: أي طلبنا من الناس أن يتعرفوا إلى الله ورسوله، فالدعاوي جمع دعوى، والدعوى الطلب وقد قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
[ سورة فصلت: 31]
أي ما تطلبون. الدنيا مبنية على السعي والكدح و الآخرة على الطلب :
هذا يقودنا إلى حقيقة أساسية في الجنة وهي أن الدنيا مبنية على السعي، والكدح، وبذل الجهد، والتعب، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الانشقاق: 6]
لكن الجنة مبنية على نوع آخر، على نظام آخر، لمجرد الطلب اطلب أي شيء تراه أمامك للتو، خطر في باله صديق قديم له في الدنيا. ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾
[ سورة الصافات: 51 ـ 55]
ما من حاجة للسفر، ما من حاجة لبذل الجهد، ما من حاجة لكسب الرزق، لتحمل الحر والقر، والمخاطرات، لا يوجد تعب، لا يوجد إرهاق، لا يوجد سأم، لا يوجد ضجر، لا يوجد شيخوخة، لا يوجد كبر، أنت في أعلى درجات النشاط، أي شيءٍ يخطر في بالك فهو أمامك: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
[ سورة فصلت: 31]
يدعون يطلبون فالدعوى هي الطلب. معنى الدعوى في الشرع :
لكن الدعوى في الشرع لها معنى دقيق، وهي إضافة إنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره أو ذمته، أقمت عليه دعوى بمئة ألف ليرة، أي أنني أضفت إلى نفسي هذا المال، وطالبت به، فهو في ذمته، أو في يده، فالدعوى إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره، أو في ذمته، والمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك نقطة دقيقة جداً، أي إذا شخص له عند الآخر دين ولم يطالب به سقط هذا الدين، الآية الكريمة.
﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾
[ سورة آل عمران: 75]
الحياء و الخجل :
كل حق يحتاج إلى مطالبة، الحق الذي لا يطالب به يترك، وهذا يقودنا إلى حقيقة أساسية، وهي أن الخجل مرض، والجرأة فضيلة، الحياء فضيلة، والخجل مرض، كأنني أرى أنه لا فرق بين الحياء والخجل، لا، فرق كبير، الحياء أن تستحي من الله، الحياء أن تستحي من الفحشاء والمنكر، من شيءٍ شائن، من شيءٍ لا يرضي الله، أما الخجل وهو رذيلة فأن تخجل أن تطالب بحقك.
﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 148]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/01.jpg
لك حق تسكت عنه خجلاً، هذا ليس فضيلة، هذا رذيلة، لذلك الحياء فضيلة، الحياء من الإيمان، أما الخجل فمن ضعف الشخصية، تخجل أن تأخذ حقك، تخجل أن تطالب، هذا ليس مقبولاً، قد يكون هذا المال ليس حقك، بل حق أولادك، حق أهلك، أحياناً تجد أخوات- واردة كثير - وهناك عشرات القصص، أخ كبير مسيطر على المال كله، أخ صغير له أولاد على مشارف الزواج، ليس عندهم بيوت، كل شيء مجمد، يقول لك: أستحي لا أستطيع أن أطالب أخي الكبير، هذا حق أولادك، لكن الأولاد ينحرفون، بلا بيوت، بلا زواج، هناك ميراث ضخم بمئات الملايين مجمد، لأن أكبر الأخوة مسافر، أو بعيد عن الحاجة اليومية، أو مسيطر، الذي يخجل من أخذ حقه هذا ليس فضيلة بل نقص في الإنسان، أما الحياء فأن تستحي من الله حق الحياء. ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
فالمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك ذلك الحق. الحق العام و الحق الخاص :
لذلك يقولون: تحريك الدعوى، إذا الإنسان ما حرك الدعوى فالدعوى ميتة، الحق ميت، الحق منته، ضائع، لكن هناك حق عام، لو أن إنساناً ارتكب جريمة، لو أن المدعى عليه سكت، ولم يطالب، هناك حق عام هذا لا بد منه، لذلك يعد تحرير الرقبة حقاً عاماً، لكن الدية حق خاص، فالذي يقتل مؤمناً خطأً عليه حقان، حق عام، وحق خاص، حق عام هو أنه أزهق نفساً مؤمنة، بريئة، بغير ذنب، لا بد من أن يدخل لمجتمع المسلمين نفس مؤمنة.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 92]
﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾
هذا الحق العام، أم الحق الخاص ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾
المدعى عليه هو المطالب بالحق، وإذا سكت لن يترك، اختلف الأمر، المدعي إذا سكت عن المطالبة ترك حقه، أما المدعى عليه فإنسان اقترف ؟إثماً، أكل مالاً ليس له، هو سكت لكن سكوته لا يعني أنه قد سومح، لا، إذاً ترك المدعي المطالبة شيء وترك المدعى عليه المطالبة شيء آخر، ترك المدعي المطالبة يسقط حقه، لكن ترك المدعى عليه المطالبة لا يسقط مسؤوليته، فرق بينهما.
قال: ممن تصح الدعوى؟ الدعوى لا تصح إلا من الحر، العاقل، البالغ، الراشد، فالعبد، والمجنون، والمعتوه، والصبي، والسفيه لا تقبل دعواهم، بالتعبير القانوني تشطب، وكما تجب هذه الشروط بالنسبة للمدعي فإنها تجب أيضاً بالنسبة للمنكر الدعوى. الدعوى و البينات :
أول شيء أيها الأخوة: أي أهم ما في هذا الدرس هذا العنوان: لا دعوى إلا ببينة، لولا البينة لقال من شاء ما شاء، لولا البينة لكان هناك مئات ألوف الدعاوي في المحاكم، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لي معك مئة مليون، رجاء من دون دليل قل: ألف مليون، لابد من بينة، البينة أساس الدعوى، ولا دعوى إلا ببينة، ولا تثبت الدعوى إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر.
((عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ))
[ البخاري عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/02.jpg
أحياناً يتوفى رجل غني، أخي أنا مُدين المرحوم مئة ألف، لكن كان لي ثقة فيه فلم آخذ منه وصلاً، كلام لا فائدة منه، أنا الغرض الفلاني لي لكنني أعرته للمحروم، إذا كل إنسان مات، ونحن مكلفون أن نصدق كل دعاوى الناس، ما بقي شيء للورثة، لذلك لا دعوى إلا بدليل، فانتبه الآن أنت، إذا كان لك عند إنسان شيء، والإنسان مات فجأة، لا شيء لك عنده، لذلك خذ وصلاً، اطلب بينة، إيصالاً، سنداً، شهوداً، تسجيلاً رسمياً، توقيعاً، لأن لو كان لك مع إنسان مئة ألف ومات فجأة بحادث، وتقدمت إلى الورثة، وحلفت لهم أيماناً مغلظة وذكرت لهم قرائن كثيرة، قد يقبلون، والأغلب أنهم يقبلون، وإن لم يقبلوا لا شيء عليهم، لأن المال شقيق الروح، الآن تجد شخصاً الأسعار هبطت فجأة صار معه جلطة ومات، ما تفسير ذلك؟ المال شقيق الروح، يقولون: مرض السكر، إذا كانوا تجاراً للسكر وانخفضت أسعار السكر، وكانوا قد اشتروه بأسعار عالية ارتفع السكر بدمائهم، إذا انخفضت أسعاره في السوق ارتفعت نسب السكر في دمائهم، معنى هذا أنه صار هناك اضطراب شديد، المال شقيق الروح، فالإنسان عندما يدين ماله، يدفع ماله لجهة، يتساهل بالإيصال، يموت فجأة.
قال لنا أخ من أخواننا: عندما كان مسموح التعامل بالعملات الأجنبية قبل اثنتي عشرة سنة إنسان يريد أن يصرف مبلغاً ضخماً يستبدله بالعملة أجنبية، وقف عند أحد محلات الصرافة أول سوق الحميدية، و أعطاه ستمئة ألف بالسبعينات، هذا المبلغ الآن يعادل ستة ملايين، قال له: الآن أمهلني لبعد الظهر، قال له: أعطيني إيصالاً بهم، بدأ بكتابة الإيصال، فجاء أخوه و قال له: تأخرنا على موعدنا في عين الخضراء، فلم يأخذ الإيصال صار حادث فمات هذا الشخص، عاد الرجل عند العصر فشاهد النعوة، مساء رأى النعوة، ذهب إلى الورثة وتذلل أمامهم، وأقسم الأيمان المغلظة، واضطربت نفسه، كل إنسان مفرط يدفع الثمن باهظاً.
إذاً لا دعوى بلا بينة، هذه ضعها ببالك، أقرضت إنساناً ، هذا البيت سلمته حتى تتلافى ضريبة معينة، أو عليك حجز جمركي، فقيدت البيت باسم أحدهم، وما أخذت منه تصريحاً معاكساً، ومات الشخص، و الله البيت بيتي، كلام لا معنى له، هذا البيت اشتراه والدنا، أعطاك إياه عيرة، مؤقتاً، نريد حقه، لو تتبعت قضايا القضاء، أو مضامين الدعاوي في قصر العدل لوجدت العجب العجاب، ولا أبالغ تسعة أعشار القضايا لو طبق أصحابها أحكام الشريعة لما دخلوا قصر العدل.
قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال له: و الله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه.
إذا الإنسان ذكي يدخل وينظر، أما إذا كان أكثر ذكاء لا أدخل و هذا أفضل، فكل إنسان يمضي من حياته ستين أو سبعين سنة ما دخل قصر العدل معنى هذا أنه إنسان في أعلى درجات الصدق والأدب، لأنه عرف ما له وما عليه. الحكمة من الأحكام الشرعية التي شرعها الله :
أساساً هناك نقطة مهمة جداً، ما هذه الأحكام الشرعية التي شرعها الله عز وجل إلا من أجل أن تكون متفرغاً لعبادته، قلت لكم سابقاً: دعوى واحدة تهز أعصاب أسرتين ثماني سنوات، ثماني سنوات أعصاب مضطربة، توتر عال، موضوع المجالس كلها، ماذا قال لك المحامي؟ والله قال: هناك أمل لكن ضعيف، هذا لا يعرف شيئاً اذهب إلى غيره، يأتي إلى محام ثان: والله هذه ليست سهلة، هذا بطنه كبير، و هناك أناس من أجل مئة ألف يدفعون خمسمئة ألف، دخل بالغيظ، يريد أن يغيظ خصمه، لم يعد يهمه المبلغ، أسرتان ثماني سنوات دخلوا بمتاهة قصر العدل، والمحاكمات، وابتزاز المحامين أحياناً غير المؤمنين طبعاً من أجل غلطة بسيطة، لم يأخذ إيصالاً، لم يسجله بالطابو، لم يعمل عقد شراكة بمحكمة البداية، لم يعمل تصريحاً بكاتب العدل، لأنك استكسلت، يوم ونصف بقصر العدل أمضيت ثماني سنوات بالمحاكم مع خصمك.
أيها الأخوة الأكارم: بطولتكم أن الإنسان لا يحتاج أبداً أن يدخل قصر العدل، طبق الشرع.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/03.jpg
كتبت، تفضل هذا توقيعك، سكت، أنا ألاحظ أحياناً بين الأخوة التجار، سيدي قال: إنه لم يستلم شيئاً، أنت اعمل له إيصالاً، حدد الكمية والوزن، وخذ توقيعه، قال لك: لا، تفضل هذا أفضل بكثير، أنا أعتقد أن هناك مئات ألوف القضايا الشائكة بين التجار أساسها عدم التسجيل، أساسها التسليم، إنسان قال لي كلمة قال: أنا ثماني سنوات ما ربحت حتى ضبطت أموري، أحد أكبر معامل المفروشات، يطلب مثلاً خمسين ثوب قماش، يقول له: بعثتهم، تأتي الشاحنة يقول له، أفرغهم في المستودع، هذا انتبه أنه لا يعد، ولا يكيل، صار كلما يطلب طلبية يفقد ثلثها، سيارة شاحنة فيها قماش كنبات، يقول له: أفرغ ما تحمل في المستودع، لا يربح، دائماً يخسر لأنه لم يستلم، ما أخذ الثوب قرأ متراجه، وسجله، وضعه بالمستودع، كل إنسان لا يسجل لا يوجد عنده رصيد بضاعة، لا يوجد عنده إيصالات، أموره عشوائية، تسليم بلا توقيع، استلام بلا عد، لا يربح، و يصير وراء الناس، لن تربح حتى تضبط أمورك، الله وصف أهل الدنيا غير المؤمنين، قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28]
إذاً هذه قضية أساسية، لا دعوى إلا ببينة، دع معك إيصالاً، دع معك صورة العقد، دع معك وثيقة، خذ رقماً، خذ تاريخاً، خذ توقيعاً، اعمل عقد شركة، سجلها بقصر العدل، اعمل كاتب عدل، هذا كله من الشرع، حتى لا تضطر أن تدخل لقصر العدل، ادخله مرة لأخذ توقيع، أو لتصريح، أحسن من أن تدخله ثماني سنوات وأعصابك متوترة، لا تفهموا من كلامي أنه يجب ألا تدخلوا إلى قصر العدل، قد يكون لك صديق قاض، قد تدخل لتشفع لإنسان، هذه لا علاقة لها، لكن لا يدخل مدعياً، ولا مدعى عليه، أما إذا دخلت لأن لك صديقاً فلا يوجد مانع. المدعي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه وصحتها :
أحياناً تجد شيئاً مضحكاً جداً، إنسان يأخذ دور القاضي، يطالب المدعى عليه بدليل عكسي، البينة على من ادعى، كل إنسان يدعي يقدم هو الدليل، الوثائق، الوقائع، الشهود، الأدلة، الإيصالات، الحسابات، أما تطالب المدعى عليه بتقديم دليل عكسي فهذا منتهى الحمق، أنت تستطيع أن تثبت أنه لا يوجد له معك شيء، هو يذكر واقعة، أو حادثة، يأتي بشهود، يقدم وصلاً، أما أنا فأريد أن أثبت أنه ليس له معي شيء، بالأصل أنا بريء، فلذلك لا دعوى إلا ببينة، كي تبقى أعصابك مرتاحة، وصلاتك صحيحة، ونفسك مطمئنة، ووقتك مريح، وحتى تأتي بيوت الله عز وجل مرتاحاً، كن دقيقاً في تعاملك، فأي شيء لك على الناس خذ به بينة.
مرة حدثني أخ، هناك موضوع استثمار بين أخ وأخ، قال له: و الله أريد خمسة آلاف، قال له: تكرم، مرّ الأخ الذي معه مبلغ الاستثمار على دكان الأخ الذي يستثمر عنده، قال له: هذه الخمسة آلاف، وجد ابنه خذ هذا المبلغ وأعطه لوالدك، قال له: أريد وصلاً، هناك ورقة صغيرة كتب عليها الإيصال وخبأه، بعد سنة أثناء الجرد قال له: أنا ما أخذت منك شيئاً، فأجابه: بل أخذت خمسة آلاف، قال: لا أذكر، قال له: انتظر، أحضر له الورقة الصغيرة، قال له: نعم لا تؤاخذني، شيء مريح جداً، سبحان الله الإنسان غريب كل شيء عليه ينساه، الذي يتذكره هو الذي له لا عليه.
أول حقيقة في هذا الموضوع: أن المدعي هو الذي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه، وصحتها، لأن الأصل في المدعى عليه البراءة، انظر ما أجمل الدين، هناك أنظمة كل إنسان متهم ما لم يثبت براءته، أما النظام الإلهي فالإنسان بريء في الأصل، ما لم تثبت إدانته، الأصل أنت بريء، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الذمم البراءة، ما لم تثبت إدانته.
((البينة على المدعي واليمين على من أنكر ))
[البيقهي والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما]
أنا عشرات المرات سمعت أشخاصاً يطالبون المدعي أن يحلف اليمين، أي يعكسون الآية، أو يطالبون المدعى عليه أن يأتي بالأدلة، المدعي يقدم الأدلة، والمدعى عليه يقدم الأدلة المعاكسة، المدعي يدعي والمنكر يحلف اليمين، إذا لم يكن هناك أدلة، الدليل يشترط أن يكون قطعياً لأن الدليل الظني لا يفيد اليقين، قال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾
[ سورة النجم: 28 ]
هذا إيصال، هذا المبلغ ليس لك، هذا لفلان، أنا أعطيته إياه، صار هذا دليلاً ظنياً، القطعي أن تقدم إيصالاً باسمك، أنا الموقع فلان الفلاني استقرضت من السيد فلان، اسمك فلان، هناك دليل قطعي، و هناك دليل ظني، الدليل الظني لا قيمة له في الدعاوي والقضاء. ((عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لرجل ترى الشمس، قال نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع ))
[الحاكم عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما]
القضية إذا كانت كالشمس في رابعة النهار اشهد عليها، أو فدع أي نحتاج إلى أدلة قطعية لا أدلة ظنية. الإقرار :
طرق إثبات الدعوى كثيرة، أحد هذه الطرق الإقرار، قال أحد الولاة لسيدنا عمر: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله، أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا أطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/04.jpg
يا أخون هناك قضية مهمة الإقرار، مشكلته مشكلة، إذا أقررت بشيء وأصبحت مداناً بموجبه لا تستطيع أن تلغي إقرارك، المرء مأخوذ بإقراره، قال لي أخ بدعوى سير دخل على القاضي اضطرب، قال له: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم، سيدي الضبط جاء عكس الحادثة، كلمة نعم أي مقر، القاضي ما قرأ على المتهم الضبط، القاضي يسأل المتهم: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم سيدي، القاضي ما أسمعه إياه، وهذا الإنسان ما قرأ الضبط، قال له: أقر، اكتب أقر، على السجن رأساً، هذه كبيرة جداً، ما معنى إقرار؟ الإقرار سيد الأدلة، إذا الأدلة سلسلناها أعلى أنواع الأدلة الإقرار، الإقرار نعم أنا فعلت كذا.
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 51]
انتهى الأمر، صار سيدنا يوسف بريئاً عليه الصلاة والسلام: " أنا راودته عن نفسه " هذا إقرار، فأحياناً الإنسان يضطرب فيقر، يقر بجريمة أحياناً، يقر بعمل خطير جداً، لا تقل نعم، إياك أن توقع على شيء، على بياض لا يوجد توقيع، عمل وكالة عامة طلق له زوجته، عمل وكالة عامة أخذ له أمواله كلها، أنا إذا رأيت إنساناً على الفطرة إياك أن توقع على شيء، لأن أي توقيع، إنسان وقّع على أجرة بيت، كتب تسلمت من فلان مبلغ كذا، قال له: وقع هنا في الأسفل، كل شهرين نفس الرقم، أقام دعوى إنه لا يدفع، قال له: أنا دافع له سيدي انظر هذه القائمة، وهذا توقيعه في الأسفل، هذا أول شهر، وهذا ثاني شهر، وثالث شهر، لأنه عمل فاصلاً بين توقيعه وبين المبلغ انتبه، لا توقع إلا على سواد لا على بياض، وإياك أن تجعل بين توقيعك وبين المبلغ مسافة فارغة، اعمل خطاً مائلاً ووقع، فلو كتب معنى هذا هناك تزوير، انتبه، أنا قد سمعت قصصاً أساسها الغفلة، والبساطة، التعبير اليومي الدروشة، فالمؤمن كيس فطن حذر. مشروعية الإقرار بالكتاب و السنة :
الإقرار خطير جداً، المرء مأخوذ بإقراره، أحياناً تكون هناك مغالطات، أنت مقر على الضبط؟ نعم سيدي، خذه إلى السجن، معنى هذا أنه اعترف بكل شيء، الضبط كله مزور ، اقرأه لي حتى أسمعه ، فالإقرار أخطر شيء، هو سيد الأدلة، الإقرار في اللغة الإثبات، قرّ الشيء يقر، أي استقر، الإقرار بالشرع الاعتراف، اعتراف المدعى عليه بمضمون الدعوى أقوى الأدلة، لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة، عندنا سيد الأدلة وعندنا سيد الأحكام، سيد الأدلة الإقرار، وسيد الأحكام الصلح، إذا كنت قاضياً أقنعت الخصمين بالصلح، أنت أعظم قاضي صار هناك مودة و ألفة.
أجمع العلماء على أن الإقرار مشروع بالكتاب والسنة، لقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 135]
ما معنى أن يشهد الإنسان على نفسه، أي أن يقر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( يا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يقولون: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو كان على نفسك، أحياناً الإنسان يحرج إذا اعترف بخطئه، أو بفعله، أو بذنبه، لكن الاعتراف بالذنب فضيلة، الإنسان لو أخترق جدار الخجل وقال: أنا فعلت هذا، هذا شيء عظيم، فالمؤمن يقر بالحق طواعية من دون ضغط، من دون إحراج. طلب العلو في الدنيا دليل حبها :
و:
((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/05.jpg
أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، في الآخرة ليس هكذا، هذا في الدنيا فقط، ساكن ببيت، غرفتان وصالون، هناك بيوت غرفة واحدة، هناك بيت الأسيقة فيها مكشوفة، عندك بيت و لكنك لم تستطع أن تدهنه، نعمة الحمد لله، هناك أرض فيها اهتزازات، بيوتنا مستقرة، فالإنسان كلما نظر إلى من هو أدنى منه سعد بدنياه، أما من نظر إلى من هو أعلى منه شقي بدنياه، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، عمل عرساً، دعا مئة مدعو، أحضر فرقة منشدين، وألقيت كلمات طيبة، ووزع بوظة، لكن هناك عرساً يكلف خمساً وعشرين مليوناً، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، ما القصد؟ القصد أن يفرح الناس، يصبح هناك تعارف بين الأقرباء، الإنسان عندما يطلب العلو في الدنيا دليل حبه للدنيا، ودليل بعده عن الله عز وجل: ((قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
الابتعاد عن الدنيا و زينتها :
وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما وقعت عينه على مباهج الدنيا يقول:
(( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ ... ))
[ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ]
و الله عز وجل علمنا، لما خرج قارون بزينته: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القصص: 79]
تجد شخصاً إذا رأى بيتاً فخماً أو مركبة فخمة يتنهد تنهيدة تطلع من أعماقه، آه ليتني أملك مثل هذه السيارة: ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
هنيئاً له، يقول لك: هو فوق الريح، رأى ليلة القدر، فتح الله عليه، كأنه فهم القرآن، راجت تجارته، فتح عليه، يفهمون الفتح فقط بالمال، حتى إذا كتبوا على المحلات التجارية. ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
[ سورة الفتح: 1]
يقصدون الغلة فقط، يكون الدرج ممتلئاً، أغلب الظن هكذا هذا الآية يحبها التجار: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
[ سورة الفتح: 1]
هذه الآية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان السلف الصالح يقولون: فتح الله عليك فتوح العارفين، أنار لك قلبك، فأن تتعرف على كلام الله عز وجل، تصبح داعية إلى الله، هذا الفتح، أما الآن فالفتح هو الغلة. من الاستهزاء بالقرآن أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه :
بالمناسبة من الاستهزاء بالقرآن الكريم أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه، عندما يطالبونه يقولون له:
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 96]
هذه آية كريمة، لا علاقة لها بالمطالبة بالدين، فحينما تستخدم آيات القرآن الكريم لغير ما وضعت له، أو لغير ما أنزلت من أجله، فهذا سوء أدب من الله عز وجل.
لو إنسان اسمه يحيى، قال له: يا يحيى خذ الكتاب، لا يجوز، هو اسمه يحيى ومعك كتاب أنت، أنت الآن استخدمت القرآن الكريم استخداماً آخر: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
علاقتنا بالنص كلمة: ((... أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا... ))
[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
الصادق عظيم، أحياناً هناك مواقف حرجة، أنا فعلت هذا، هذا الذي حصل، أحياناً هناك إنسان يغلي غلياناً، أحياناً الأب عما يغضب، في غضب شديد يقول: من فعل هذا؟ يقول ابنه: أنا فعلت هذا، أنا أقول لكم هذه الكلمة الصادقة تطفئ غضب الأب، الصدق محترم. شروط صحة الإقرار :
وكان عليه الصلاة والسلام يقضي بالإقرار، بالدماء، والحدود، والأموال، الإقرار يقضي به النبي بالدماء، والحدود، والأموال، ويشترط لصحة الإقرار العقل، والبلوغ، والرضا، وجواز التصرف، وألا يكون المقر هازلاً، وألا يكون أقرّ بمُحال عقلاً، من وضع الجبل بهذا المكان؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/06.jpg
أنا، أقر هذا العمل مستحيل عقلاً، يجب أن يكون موضوع الإقرار معقولاً، فلا يصح إقرار المجنون، ولا الصغير، ولا المكره، ولا المحجور عليه، ولا الهازل، ولا بما يحيله العقل، يجعله مستحيلاً، أو تحيله العادة، لأن كذبه في هذه الأحوال معلوم، ولا يحل الحكم الكذب.
أخطر ما في الإقرار، ومتى صح الإقرار كان ملزماً للمقر، بعت ووقعت، أنا لا أريد أن أبيع، لكن أنت وقعت، قلت: أنا بعت، أقررت بالبيع، انتهى الأمر، أيضاً بالمناسبة مشكلات كثيرة أساسها الإقرار السريع، بالمناسبة الإقرار المتعلق بحق من حقوق الناس لا يمكن الرجوع عنه، لا أعرف، لست منتبهاً، لم أفكر، وقعت على بياض، استعجلت، عليّ ضغط، مستعجل عندي موعد، كله كلام غير مقبول، وقعت أنك بعت هذا البيت، هذا إقرار.
أخ ذكر لي جاء أناس لعنده يخطبون ابنته، رأوا أن البنت مناسبة، قالوا له: هل تقبل أن تزوجنا ابنتك؟ قال: قبلت، على مهر كذا، هذا ليس زواجاً، بلى هذا زواج، زواج شرعي، ما دام هناك إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهد، فهذا زواج، لست مقتنعاً بالزواج، لا تتزوج، الآن ابنتك على ذمة زوجها، ولا تستطيع أن تزوجها لآخر، ما لم تحدث مخالعة، إقرار أيها الأخوة، الإقرار خطير، موضوع الزواج صارت زوجته.
المرء مأخوذ بإقراره :
أقول لكم قصة وقعت لكن لن تصدقوها، في هذه البلدة وقعت، كان هناك أربعة أصدقاء يجلسون في كازية يتسامرون، قال أحدهم للآخر: هل تبيع هذه الكازية؟ قال له: نعم أبيعها، ما الثمن؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، ضحكوا وانتهى الأمر، بعد اثنتي عشرة سنة الشخص الذي اشترى الكازية مشافهة قال هذه القصة لقريبه و هو محام، فقال له هذا المحامي: هي لك، قال له: غير معقول، قال له، والله هي لك، أقم دعوى، و أحضر الشهود ففعل هذا لكنه لم يدفع لصاحبها حقها، فقال له: الدفع ليس له قيمة، ثمن الكازية ذمة، صار حقها اثني عشر مليوناً، لأنه قال له: بعت، صار هناك إيجاب و قبول و شهود، و انتهى الأمر، و دعي لحلف اليمين، حلف قال: أنا قلت بعتها، وهناك شهود فلان كان قاعداً، يا أخي ما دفع شيئاً؟ أنت هل قلت له: أريد حقها، ما طالبته.
كازية تقدر باثني عشر مليوناً راحت بستمئة ألف، كلمة بعت، انتبهوا، الشرع ليس بحاجة إلى الورق، بالزواج والبيع هناك إقرار فقط، أقررت انتهى الأمر، المرء مأخوذ بإقراره، زوج}تك، أي زوجته، البنت له صارت، أغرب من هذا بالشرع هل تشتري هذا البيت؟ نعم أشتري، انتهى كل شيء، سعره كذا وافقت، ما دفعت شيئاً، بعد ساعة احترق البيت لابد من دفع ثمنه مع أنه محروق، احترق على حسابك لأنك قلت اشتريت، انتبهوا بالبيوت، والدكاكين، بالزواج، عندما تقول: نعم بعت، زوجت، اشتريت، المرء مأخوذ بإقراره ما دام إقراره في حق لبني البشر لا يستطيع المرء أن يعود عن إقراره أبداً.
الإقرار المتعلق بحق من حقوق الله يصح الرجوع عنه :
قال: أما إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق الله تعالى، كما في حد الزنى والخمر، قال: فإنه يصح الرجوع عنه، لقوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ ))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ]
هذا موضوع خلافي، إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق البشر لا رجوع فيه، والمرء مأخوذ بإقراره، أغلق قلمك، وضعه بجيبك، لا توقع، ولا تقل وافقت، إلا بعد دراسة، اسأل الخبراء صرنا في حياة معقدة جداً، إذا لك أخ محام تثق بدينه وعلمه اسأله قبل أن توقع، قبل أن تقر.
الآن إنسان يفتح محلاً صغيراً، بالمالية مقطوعة ضريبته ثمانمئة بالسنة، ألف ليرة بالسنة، لأن له محلاً تجارياً له أن يستورد، جاء صديقه استورد على اسمه مثلاً بخمسين ألف دولار، طالبوه بضريبة مليون ليرة، لا تقل له: لابأس استورد نحن أخوان، هل تعرف أبعاد هذه؟ عندما أعطيته اسمك، و سجلك التجاري، واستورد، أنت المكلف أمام المالية، صرت أنت مكلفاً، تنصل منه هداك الله، هناك قصص واقعة، قصص ما أكثرها، أحياناً الضريبة تصل إلى خمسين بالمئة. الإقرار حجة قاصرة :
عندنا قاعدة أن الإقرار حجة قاصرة، كيف؟ إنسان ادعى على عشرة أن له عندهم أموالاً، اعترف اثنان من عشرة، اعتراف الاثنين أن عليهم هذا المال لفلان لا ينسحب على بقية المدعى عليهم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5572/ar-5572/07.jpg
الإنسان لا يتمكن أن يقر إلا على نفسه، أما إقراره على نفسه فينسحب على غيره هذا الإقرار مع أنه سيد الأدلة لكنه حجة قاصرة، أما البينة فحجة متعدية، أنا قدمت إيصالاً بعشرة تواقيع، هي بينة، هذه البينة تلزم كل هؤلاء بالمبلغ، الإقرار دليل، والبينة دليل، لكن البينة حجة متعدية أما الإقرار فحجة قاصرة، أنا ادعيت على عشرة أشخاص أن لي عندهم مالاً، اعترف اثنان، اعتراف الاثنين لا ينطبق على البقية، فالإقرار مع أنه أقوى الأدلة، لكنه حجة قاصرة، بينما البينة حجة متعدية، لو أحضر مئة توقيع، المئة صاروا ملزمين بالدفع، معنى هذا أن البينة أقوى للمستقبل.
ثم إن الإقرار كلام واحد لا يتجزأ، إنسان أقرّ أنا أخذت المبلغ ديناً، ويوجد بالإقرار بعته الغرض الفلاني، أخذ كلمة دين، الإقرار لا يتجزأ، أحياناً يكون هناك حقوق متداخلة، فإذا أخذنا فقرة بالإقرار صار هناك ظلم، الإقرار كلام واحد، وحدة لا تتجزأ، لا يجوز أن نأخذ بعض الإقرار وأن ندع بعضه الآخر.
الميراث و مرض الموت :
الآن عندنا موضوع دقيق جداً موضوع مرض الموت، أكثر المشكلات تحدث بهذا المرض، قال: إذا أقرّ إنسان لأحد ورثته بدين، عنده خمسة أولاد، أقرّ لأحد الأولاد أنه يا بني أنت لك عندي خمسمئة ألف ليرة، فإن كان في مرض موته لا يصح هذا الإقرار، ما لم يصدقه باقي الورثة، إذا كان الإنسان بمرض وفاته، وأقرّ لأحد الورثة بدين هذا الإقرار لا يصح، إلا إذا قبله ووافق عليه باقي الورثة، ذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان ورثته، أحياناً يكون عنده ثلاث بنات، وثلاثة صبيان، لا أريد أن أعطي الأصهار، يعترف لثلاثة أولاد أن لكل واحد منهم مليون، الإرث ثلاثة ملايين، مات الشخص، ثلاثة ملايين وزعوهم على الأولاد، سند رسمي إقرار، البنات حرموا، قال: لا يصح إقرار إنسان لأحد الورثة بالدين ما لم يصدق باقي الورثة، قال: أما إذا كان الإقرار في حال صحته فإنه جائز، واحتمال الحرمان حرمان سائر الورثة، إذاً مرض الموت له حكم خاص، أما إذا أقرّ لأجنبي وليس لورثته، الإقرار مهما بلغ لا يزيد عن حجم ثلث المال عند الفقهاء، لو أقر بمئة مليون لإنسان غير الورثة ضمن الثلث، والثلثين للورثة، قال: إذا الإنسان بصحته يوجد عليه دين ثم أقر للآخر بهذا الدين في مرضه يجب وفاء الدين، هكذا الحكم الشرعي، بعض العلماء لهم رأي آخر، أن الإنسان إقراره عند الوفاة مقبول حتى لورثته، لأن الإنسان حينما يواجه الموت أغلب الظن يخاف الله عز وجل، ويخاف الحساب، فيغلب على ظننا أنه أراد بهذا الإقرار إيصال الحق لأصحابه.
على كل الإنسان قال: التقوى أقوى، والعاقبة للمتقين، وسيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله، والإنسان يتعلم أحكام الشرع حتى يعيش حياة هادئة، وديعة، مطمئنة، وخالية من قصور العدل، من المحاكمات، ومن تشنج الأعصاب وما إلى ذلك، وكل إنسان يعرف بما له وما عليه هو من أسعد الناس، وأبعدهم عن دخول متاهات المحاكم.

السعيد
09-17-2018, 01:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : الشهادة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الشهادة :
أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى فقرة من فقرات هذا الموضوع، بل إلى موضوع أساسي في هذا الموضوع الكبير، ألا وهو الشهادة.
الشهادة أيها الأخوة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة، أن يرى عين الشيء لأن الشاهد يخبر عما شاهد، وقيل: الشهادة مأخوذة من الإعلام، لقوله تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سورة آل عمران: 18]
الشهادة إذاً أن تشاهد ثم تعلم، هناك تلق و إلقاء، هناك إطلاع وإخبار من المشاهدة، ومن الإعلام، والشاهد حامل الشهادة، ومؤديها، لأنه شاهد لما غاب عن غيره، عندنا عالم الشهود، وعالم الغيب، فلان شهد، وفلان غاب، يؤكد هذا المعنى أنه من شهد معصية فأنكرها كأن كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها.
الشيء الأساسي في الشهادة أيها الأخوة لا شهادة إلا بعلم لذلك الشاهد الزور يرتكب كبيرة: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
بالمناسبة، العطف يقتضي التجانس، هذه قاعدة في اللغة، أي ليس معقولاً أن تقول: اشتريت أرضاً وملعقة، ليس هناك تجانس بينهما، اشتريت ملعقة وشوكة، معقول اشتريت أرضاً وبستاناً، فالعطف يقتضي التجانس، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل شهادة الزور كالإشراك بالله، لأن شهادة الزور فيها تضييع للحقوق، وتضليل للقاضي، وعدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذاً لا شهادة إلا بعلم، ومن أين يأتي العلم؟ قال: يأتي أولاً من الرؤية، ثانياً من السماع، لو سمع الإنسان رجلاً يقول لزوجته: أنت طالق، فهذه شهادة أتته عن طريق السماع، أما لو رأيت إنساناً اعتدى على إنسان بالضرب هذه رؤية، فالرؤية أحد أسباب العلم، والسماع أحد أسباب العلم أيضاً. الاستفاضة :
عندنا شيء آخر في الشهادة: الاستفاضة، أي سمع أهل البلدة جميعاً أن فلاناً تزوج فلانة، هو ما رأى عقد الزواج، ما ذهب إلى المحكمة الشرعية، ولا رأى عقد الزواج، ولا كان حاضراً يوم العقد، فسمع بأذنه الإيجاب، والقبول، والشاهدين، والمهر لكن هذا الخبر استفاض، ما من أحد إلا وقال: ما هذا العرف يا أخي؟ بيت فلان أقاموا عرساً لا مثيل له، البلدة كلها تتحدث عن هذا العرس، هذه استفاضة، أي خبر شاع إلى درجة أنه أصبح يغلب على اليقين أنه وقع، الاستفاضة هي الشهرة، اشتهر بين الناس أن فلاناً زوج فلانة، اشتهر بين الناس أن فلاناً مات، هو ما رآه مات، وما رآه وهو يدفن وما قرأ نعوته، لكن خبر فلان هل تدرون؟ توفي فلان، شاع بين الناس، و استفاض بين الناس، و اشتهر بين الناس، قال: هذا أحد أسباب العلم، الشهادة فالشاهد، رأى، أو سمع، أو انتهى إلى علمه بالتوافر والاستفاضة والشهرة.
عند السادة الشافعية تصح الشهادة بالاستفاضة، في النسب والولادة، والموت والعتق، والولاء، والولاية، والوقف، والعزل والنكاح وتوابعه، والتعديل، والتجريح والوصية، والرشد، والسفر والملك، هذه الموضوعات التي أقرّ السادة الشافعية أنه يمكن للشاهد أن يستخدم النوع الثالث وهو الاستفاضة، أو الشهرة، في الإدلاء في شهادته.
أبو حنيفة قال: خمسة أشياء تصح فيها الاستفاضة، النكاح والدخول والنسب والموت وولاية القضاء.
لو فرضنا إنساناً كان في حرب، كان في الجبهة، وتناقل الجنود أن فلاناً استشهد هو ما رآه، هو ما رأى جثته، ولا رأى مقتله، لكن تناقل كل الجنود أن فلاناً الفلاني استشهد، فزوجته بعد حين، بعد سنوات، طلبت من القاضي أن يطلقها منه لعلة غيابه المديد، فالقاضي يحتاج إلى شاهد، فإذا استدعي هذا الشاهد، وقد كان جندياً في المعركة وقال له: وَاللَّهِ يا سيدي قد سمعت كل الناس، كل المحاربين، كل الجنود يقولون: فلان استشهد، إذاً هذه شهادة، شهادة بالاستفاضة، أي النكاح، النسب، الموت، العتق، الولاء، الوقف، الملك، الطلاق، أي هذه الموضوعات التي يمكن أن تكون محصورة في شهادة الاستفاضة، أو الشهرة، أو تناقل الأخبار.
حكم الشهادة :
على كل أيها الأخوة الكرام: هذا الموضوع مهم جداً، لأنه بالشهود تستخلص الحقوق، بالشهادة يعرف الحق من الباطل، بالشهادة يمكن أن نصل إلى الحكم الصحيح، فكل إنسان يسهم في إحقاق الحق له عند الله أجر كبير، لكن قد تفاجؤون أن حكم الشهادة كلكم يعلم في الفقه أن الأمور كلها بين خمسة أحكام في الأعم الأغلب، بين الإباحة وبين الفرضية، وبين التحريم، وبين أنها مندوبة، أو مكروهة، فرض، تحريم، مندوب، مكروه، إباحة.
الإباحة: يستوي دليل الإباحة، لا يوجد دليل لا في التحريم ولا في التحليل، إذاً الشيء مباح، والأصل في الأشياء الإباحة.
الفرضية: كل أحكامها قطعية الدلالة.
التحريم: أيضاً قطعي الدلالة.
المكروه: الكراهة نوعان تحريمية أقرب إلى الحرام، تنزيهية أقرب إلى الحلال.
المندوبية.
صار عندنا إباحة، مندوب، مكروه، فرض، تحريم، فأي شيء تفعله لابد من أن ينتظمه أحد هذه الأحكام.
حكم الإدلاء بالشهادة :
الإدلاء في الشهادة ما حكمه ؟ قد تفاجؤون أنه فرض عين، كيف أنك مأمور أن تصلي، كيف أنك مأمور أن تصوم رمضان، أن تحج البيت إذا كنت مستطيعاً، كيف أنك مأمور أن تكون صادقاً، مأمور أنت أيها المسلم أن تدلي بشهادتك، أما كلمة لا دخل لي، هذه ليست آية ولا حديثاً، هذه كلمة من الشيطان لا دخل لنا بهذه القصة، سلامتك يا رأسي، تنسحب بانتظام، هذه كلها كلمات الشيطان لأن الشيطان يهمه أن يكون هناك ظلم، يهمه ألا يظهر الحق، فإذا إنسان شاهد حادث مرور، الآن العقلاء جميعاً ينسحبون، يقول: لا دخل لي، غداً يأخذوني إلى المحكمة خمس مرات أو ست، أنت هل تعلم أنك إذا ذهبت إلى المحكمة وأدليت بشهادتك أنك عملت عملاً عظيماً؟؟ قد يكون السائق بريئاً، قد تكون سيارته واقفة، والضبط كتب أنه ينطلق بسرعة جنونية، طبعاً الضبط له ملابسات، الضبط أن السائق ينطلق بسرعة جنونية، والواقع أن السيارة كانت واقفة، والإنسان اصطدم بها، أليس في الأرض صاحب مروءة ينطلق للإدلاء بشهادته لإحقاق الحق؟ إذاً الإنسان الذي يظن أنه ذكي، في قضية ينسحب، ويتملص فهذا في الدنيا، أما عند الموت فلا يرتاح، أما المؤمن إذا رأى حادثاً، رأى منازعة، رأى خصومة زوجية، أحياناً يكون الزوج ظالماً جداً ومع ذلك يتواطأ مع الشهود ليقنعوا القاضي الشرعي أنها هي الظالمة، فإذا كانت عند القاضي ظالمة خسرت مهرها، أو صداقها، فإذا أنت على صلة مع الأسرة، وتعرف أن الزوج ظالم، وذهبت إلى القاضي وأدليت بشهادتك هذا عمل عظيم، أي ما من شعور يسحق النفس كالشعور بالظلم، شعور مؤلم جداً، فكل إنسان يدلي بشهادته يكون حقق العدالة، إذاً هي فرض عين، على من تحملها، متى دعي إليها وخيف من ضياع الحق، تحملت الشهادة؛ أي كنت شاهداً ودعيت إلى الإدلاء بهذه الشهادة فهي فرض عين، بل تجب إذا خيف من ضياعه و لو لم يدع إذا تحملتها ودعيت فالإدلاء بالشهادة فرض عين، أما إذا تحملتها ولم تدع، وانطلقت من ذاتك، مبادرة منك إلى الشهادة فهذه أيضاً واجب، فرض عين إذا دعيت، وواجب إذا لم تدع، الواجب أقصى درجة، العشاء فرض، والوتر واجب، عند بعض المذاهب الأحكام فرض وواجب، وسنة، أي مندوب، ومباح، ومكروه، ومحرم، هناك فرض وواجب، إذا تحملت الشهادة، ودعيت إلى أن تدلي بها فهذا فرض عين، أما إذا لم تدع، وذهبت إلى الإدلاء بها فهذا واجب، لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 283]
قلبه آثم، أي بعيد عن الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ))
[ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
وفي أداء الشهادة نصر له، النبي عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تنصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً، مظلوماً أن تشهد معه، وظالماً أن تشهد ضده، إن شهدت ضده أوقفته عند حده.
ادعت امرأة على مستأجر بيت أنه فاسد أخلاقياً، وقد أخبرها المحامي أنه لا سبيل إلى إخلاء البيت إلا بهذه الطريقة، المستأجر محمي بالقانون، ومستأجر هذا البيت إنسان مستقيم، دخله محدود، ورفع الأجرة مرات عديدة، فلما عجز عن مجاراة طموح صاحبة البيت، استقر البيت على أجرة ثابتة، فسألت محامياً فقال لها: ليس لك إلا طريق واحد، أن تقيم عليه دعوى فساد أخلاقي، فلما القاضي طلب الشهود، جاءت صاحبت البيت بابنتها، وابنة المدعي لا تقبل شهادتها للمحاباة - سنرى بعد قليل – فقال: ائتني بشاهده أخرى أقنعت صاحبة البيت طالبة تسكن عندهم في البيت أن تدلي بالشهادة، وافقت هذه الطالبة بعد شهر، هم حين وافقت فرحوا فرحاً شديداً، وأكرموها، وأطعموها أطيب الطعام، وغسلوا لها الثياب، فلما جاء يوم المحاكمة قالت للقاضي: وَاللَّهِ ما علمت رجلاً أكثر ورع وإيمان من هذا الإنسان، ما أطلق بصره بالحرام ولا مرة واحدة، وما مكن نظره مني وأنا أسير، لماذا فاجأت هؤلاء؟ لأنها ذكية جداً، لو أنها رفضت لبحثوا عن شاهدة زور، أما حينما أقنعتهم أنها تشهد، إنها تدخر شهادتها الحقيقية، فهذه الشهادة أسقطت الدعوى، وشطبت، أحياناً الشاهد له موقف حازم. (( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ))
[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ]
وجوب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها دون ضرر :
إلا أنها تجب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها بلا ضرر يلحقه، في بدنه أو عرضه، أو ماله، أو أهله، لقول الله عز وجل:
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
لو فرضنا إنساناً خدمته إلزامية، ولا يوجد إجازة، نقول له: اهرب وادخل السجن ستة عشر يوماً؟ هذا. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ﴾
[ سورة البقرة: 286 ]
إذا طلب إجازة وأعطاه رئيسه إجازة لابأس، إذا لم يعطه إجازة، كان هناك استنفار شديد، جاهزية عظمى، عليا، ما تكلف، إذاً الإنسان متى قدر على أدائها وجبت عليه، أحياناً يلحق الشاهد الضرر، شاهد عامل يومي فإذا غاب عن عمله يوماً بقي بلا دخل بمثل هذه الحالة يجب أن نعوض على الشاهد مقدار الضرر، أجرة يوم، هذا يسمونه إذن سفر بالنظام العام، لو جئنا بشاهد من حلب إلى الشام يمنح إذن سفر، تعويض يوم نظير الانتقال والطعام والمبيت، أي " ولا يضار كاتب ولا شهيد "، أحياناً الناس لا يوجد فيهم ذوق، يأتي بالشاهد من مكان بعيد وينتظر دوره الطويل، وحينما ينتهي يقولون له: شكراً فضلت، هذا عطل وقته، وعطل عمله، وعطل إمكاناته، فإذا عوضت عليه بعض الضرر فهذا من قبيل الإحسان، في حالة واحدة تنقلب الشهادة من واجب إلى مندوب إذا كثر الشهود ولم نخف ضياع الحق، مئة إنسان شاهدوا الحادثة، صار الحكم الآن مندوباً، أي لك أن تشهد، وإذا حل محلك إنسان فأنت معفى من الشهادة.
إذا تخلف إنسان عن الإدلاء بالشهادة، وكان معه عشرات من الشهود عندئذ التخلف لا يدخله في الإثم، صار معذوراً. صفات صاحب الشهادة :
1 ـ الإسلام :
الآن أي إنسان يشهد؟ لابد من أن يكون الشاهد مسلماً، فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم، لأن الكافر كذاب، وله مصلحة في إحقاق الباطل، وإزهاق الحق، الكافر حينما كفر بالله عز وجل، ليس بعد الكفر ذنب، الأخلاق وحدة، هذا الذي كفر بربه أيكون وفياً للحقيقة؟ لا، هذا الذي أنكر وجود خالقه، هذا الذي قابل نعم الله بالكفران، بالمعاصي والآثام، هذا الموقف الجاحد، أيعقل أن يخرج منه موقف وفي؟ لا، الوفاء كتلة، أقول لكم بصراحة كلمة: القيم لا تتجزأ، إنسان أمين مالياً أما على أعراض الناس ليس أميناً، فهذا خائن، لأن الأمانة واحدة، الأمانة وحدة لا تتجزأ، فإذا كان فلان أميناً على أموال الناس، ليس أميناً على أعراضهم، فأمانته على أموال الناس أمانة تمثيلية، الخيانة واحدة والأمانة واحدة، من كان أميناً على أموال الناس، فهو على أعراضهم أشد أمانة، ومن كان على أعراضهم أميناً فهو على أموالهم أشد أمانة، والأمانة وحدة لا تتجزأ أبداً، فلذلك الكافر ما دام قد خان الحقيقة العظمى، ما دام رد على خلقه ونعم الله عليه بالكفر، والجحود، والمعصية، والانحراف، هذا خان الحقيقة العظمى، فكيف يؤتمن على حقيقة جزئية؟ يغير ويبدل، لذلك الله عز وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
[ سورة الحجرات: 6 ]
أنا بالنسبة لي، أقيس عقل الإنسان من سرعة تصديقه، هذا الذي يتسرع فيصدق الخبر من دون تمحيص، من دون بحث، من دون دليل، هي الغوغاء، يقول لك: غوغائية، الآن عامة الناس كلمة تأخذهم وكلمة تسترجعهم، هذا الخط العريض، أما الخلاصة، النخبة، الخواص، فهؤلاء راسخون كالجبل، أي خبر يصدقه يكون أحمق، أي مقالة قرأها إذاً صحيحة، أربعة أخماس الصحافة كلها كذب أحياناً، أحياناً تجد خبراً هدفه الطعن بالدين، اكتشفوا مثلاً مستحاثة تثبت أن الإنسان أصله قرد، انتهى الأمر، مقالة قرأها وانتهى الأمر، القضية أعمق من ذلك، فكل إنسان يتسرع بقبول الأشياء، دليل عدم نضجه، وكل إنسان يتروى، يتثبت أحياناً هناك قصص مثيرة جداً، العوام تناقلوها وانتهى الأمر أما الخواص فيمحصونها، ويدرسونها، ويطلبون الدليل، أنت سمعتها بأذنك؟ لا و الله، رفيقي سمع الخبر، أنت الخبر متى سمعته، لما ضيقت عليه يقول لك سمع رفيقي هذا الخبر، تسأله: متى اجتمعت به؟ و الله منذ شهر، القصة من يومين، إذاً صار هناك تناقض، انتهى، فالقصة ليس لها أصل، والعوام يتناقلون أكثر القصص الكاذبة، فكل إنسان يتلقى معلوماته من عامة الناس، هذا إنسان من الدرجة الخامسة، أما المؤمن فكيس فطن حذر، لا يصدق بسرعة، يطلب الدليل.
اسمعوا هذه القاعدة المنهجية ما أجملها: إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، نقل لك إنسان خبراً، تأكد من صحة الخبر، تأكد من الناقل، قد يكون أحد الرواة كاذباً، قد يكون أحد الرواة مغرضاً، قد يكون أحد الرواة مطعون بأخلاقه، مطعون بعدالته، مطعون بضبطه، إذاً علم الحديث رائع جداً يعلمك الخبر الصحيح، من هو المثقف ثقافة عالية؟ من هم خاصة المجتمع؟ هؤلاء الذين عندهم منهج دقيق جداً في القبول والرفض، لا يقبل إلا بالدليل، ولا يرفض إلا بالدليل، أحياناً تجد مشاكل الزوجات والزواج، تحكي لأبيها كلمتين تكون ذكية جداً، تعرف من أين يجرح والدها، والأب طائش أيضاً، وغوغائي، رأساً يأتي بها، أبداً تعرف مستواك العلمي، والثقافي، والاجتماعي من سرعة التصديق، لا تصدق كل ما يقال لك، طبعاً هذه بالعلاقات الزوجية، مرة امرأة عادية ليس لها مشكلة إطلاقاً، لكنها غير فقيهة وقفت على باب بائع ألانت له القول، من دون أن يكون عندها نية سيئة، هو طمع بها وعرف بيتها فجاءها في ضحوة النهار، فتحت له الباب فاقتحم البيت وهي في أتم ثيابها، طلبت من ابنها أن يبلغ والده، في بيتنا رجل، فذهب الطفل ليخبر أباه، فعاد ورأى رجلاً في البيت أغلق الباب واتصل بالشرطة، وجاء وألقى القبض على الشخص، واتهم زوجته بالزنا، و طلقها فوراً، له منها أولاد، بعد حين تأكد أنها بريئة هي التي أخبرت، طبعاً هي أذنبت لأنه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 32 ]
المرأة المؤمنة لا يمكن أن تلين بالقول للبائع، كلام في منتهى الجدية، الشراء يحتاج إلى جدية، على كل بعد سنة ندم أشد الندم لأنه تسرع، لماذا أرسلت ابنك إليك ؟ معناها هي طلبت، رأيتها في كامل ثيابها، اسمع القصة، التسرع أحد صفات ضعاف العقول، الطبقة الدنيا في المجتمع، الغوغائية، هي بسرعة تقبل الخبر، لا تصدق، تحقق، تريث، اطلب الدليل، اطلب الشهود، إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، برمج عقلك على الأدلة، برمج عقلك على الشهود، برمج عقلك على تقصي الحقائق الصحيحة، فالإسلام، لا تجوز شهادة كافر على مسلم، إلا في حالات نادرة، إذا الإنسان المسلم في سفر حضرته الوفاة وأراد أن يوصي ولم يجد إلا كافراً ممكن، إنسان مقيم ببلد أجنبي، وحضرته الوفاة، كان مسافراً بمهمة شعر بدنو أجله، و له ببلده مشكلات، أحضر جاره النصراني وقال له: اشهد أن البيت الفلاني لفلان، الوضع ممكن، وهو مسافر إذا حضرته الوفاة ولم يجد مسلماً يمكن أن يشهد ذمياً أو من أهل الكتاب على وصيته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآَثِمِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 106 ]
الأحناف أجازوا شهادة الكفار بعضهم على بعض، لأن ملة الكفر واحدة، النبي عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنا، واردة. 2 ـ العدالة :
الصفة الثانية: العدالة، نحن قلنا سابقاً: عندنا صفتان أساسيتان بالمؤمن، العدالة والضبط. العدالة: صفة أخلاقية. الضبط: صفة عقلية. أحياناً إنسان طيب لكنه ينسى كثيراً، وهناك إنسان آخر خبيث يحب أن يغير الحقيقة، فالعدالة صفة أخلاقية والضبط صفة عقلية، الشاهد يجب أن يتصف بالعدالة، قال: هي صفة زائدة عن الإسلام يجب توافرها بالشهود، من هو العدل؟ قال: الذي يغلب خيره شره أي في الأعم الأغلب سمعته طيبة، لا يتكلم أحد عنه أنه أكل مالاً حراماً، ولا اعتدى، ولا عمل عملاً مشيناً، من غلب عليه الصلاح والتعفف، تعريف العدالة، من غلب عليه الصلاح، معصوم؟ لا ليس معصوماً، العصمة للأنبياء، النبي معصوم، والولي محفوظ، معنى معصوم أنه لا يمكن أن نجد خطأ في أقواله، وفي أفعاله، وفي أحواله، مستحيل، من؟ النبي، أما الولي فمحفوظ بمعنى أنه لو زلت قدمه قليلاً عاد إلى الله وتاب، أي تعامله مع الله أنه يفهم على الإشارة، يفهم فهماً سريعاً، الآن المؤمن كلما ارتقى إيمانه يفهم على ربه، أحياناً يحس بنفسه محجوباً بالصلاة، هناك تقصير، وهضم حقوق، وإساءة، قلت لكم مرة: إنسان سمع من أستاذه أن لكل سيئة عقاباً، غلط غلطة، فحسب توجيه أستاذه عنده مشكلة، انتظر لم يحدث معه شيء اليوم، جاء إلى البيت الوضع سليم، خرج من البيت الوضع سليم، هو ينتظر الضربة من الله، مضى يومان ثلاثة، أسبوع، بالمناجاة قال: يا ربي عصيتك ولم تعاقبني؟ قال وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفيك هذه؟ إذا كان هناك طفل حساس، أي إذا أدار والده وجهه عنه غلى غلياناً إذا عنده حساسية، وإنسان يحتاج إلى عصي حتى يفهم، العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، كلما ارتقى مستواك تفهم بسرعة، هذه بين بعض الناس، أما مع الله عز وجل فكلما ارتقى مستواك تفهم على الله بسرعة، القضية معسرة لماذا تعسرت؟ لأن الله لا يريدها، وجدت نفسك في الصلاة في حجاب إذاً أنت متلبس بمعصية، لذلك من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، الله عز وجل قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
[ سورة الطلاق: 2 ]
يجب أن يكون الشاهد عدلاً، أي معروف بالصلاح والتستر، أي لو فرضنا غلط، لا يحب أن يتكلم عن غلطه، يستحي، لو فرضنا أنه لم يصلِّ الصبح حاضر، يقول: أنا لم أستيقظ اليوم على الصلاة، يستر نفسه، التستر علامة الصلاح، من غلب عليه الصلاح والتستر هذه دليل العدالة . ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾
[ سورة الحجرات: 6 ]
هذه الآية أساسية بالموضوع، إذاً ليس عدلاً، إذاً خبره ليس صحيحاً، شهادته ليست مقبولة، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية"، فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا من اشتهر بالكذب، أو بسوء الحال وفساد الأخلاق، هذا في المختار في معنى العدالة، فاسق، فاسقة، زانٍ، زانية، خائن، خائنة، من اشتهر بالكذب هذه الشهادات كلها مرفوضة، هذه العدالة، الصلاح بالدين، هذا الصلاح بالدين أن يؤدي الفرائض، والنوافل، أن يجتنب المحرمات، والمكروهات، ألا يرتكب الكبائر، وألا يصر على الصغائر، وأن يؤدي الفرائض، والنوافل، وأن يجتنب المحرمات والمكروهات، وألا يرتكب كبيرة، وألا يصر على صغيرة، كلام واضح مثل الشمس، هذا إنسان دين أدى الفرائض، والواجبات و المندوبات، وترك المحرمات، والمكروهات، وما ارتكب كبائر وما أصر على الصغائر، هذا الدين، أما المروءة فأن يفعل الإنسان ما يزينه بين الناس، وأن يجتنب ما يشينه، هذا معنى قول النبي: "من جاءكم من ترضون دينه وخلقه".
جاء رجل و خطب ابنة أحدهم، فسأله الأب: هل عندك بيت؟ قال له: طبعاً، قال : أرني ورقة الطابو، قال له: عندك محل؟ قال له: طبعاً ، فقال: أرني ورقة الطابو، قال له: هذه ورقة الطابو، قال له: أنت شريك أم صانع؟ قال له: إني شريك، ارني عقد الشراكة، تفضل هذا عقد الشراكة، عندك سيارة ؟ نعم عندي، وَاللَّه شي جميل، وافق الأب وصار هذا الرجل خطيب ابنته، وبعد لم يعقد القران، دخل إلى المحل مرة، قال الأب لأصدقائه: فلان خطيب ابنتي، نظر إليه واحد، وقال له: هذا نصراني؟ فسأله: هل أنت نصراني فعلاً ؟ قال له: لم تسألني عن ديني، أنت سألتني عن بيتي، عندي بيت، وعلى سيارتي، وعلى محلي، عن ديني لم تسألني، والآن أكثر الناس المهم أن يكون عنده بيت، ومعمل، وسيارة ، وانتهى، فاسق، فاجر، زان، شارب خمر مثل بعضها، بعد ذلك يدفعوا الثمن، يقرأ القرآن ويقول: صدق الله العظيم الله، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
فإذا أنت اخترت إنساناً مشركاً، أو فاسقاً، أو فاجراً، على إنسان مؤمن معنى هذا أنت ما صدقت الله عز وجل. حكم شهادة الفاسق إذا تاب :
هناك سؤال الآن، هل تقبل شهادة الفاسق إذا تاب؟ اتفق الفقهاء على شهادة الفاسق إذا تاب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولي في هذا الموضوع تعليق لطيف؛ أحياناً الإنسان يكون له ماض، ويتوب منه، الآن صالح، الآن مستقيم، الآن طاهر، الآن منيب، الآن تائب، لا يوجد عمل أكثر كراهية لله عز وجل وإجرام من أن تذكر الإنسان بماضيه، أن تنبش الماضي، أنت لم تكن جيداً، الشيطان يتكلم، صار جيداً الآن وتاب، ورجع إلى الله عز وجل، وصلى، وصام، وحجب زوجته، وترك الملهيات، وحرر دخله، هل يجب أن تذكره بماضيه؟ هل تنبش له الماضي؟ سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه سأل رجله له أخت زنت وأقيم عليها الحد، ومضى عليها عهد طويل وتابت من ذنبها، وجاءها خاطب فهذا الأخ احتار من باب الورع أيذكر للخاطب ماضيها؟ فسأل سيدنا عمر، سيدنا عمر غلى كالمرجل، قال له: وَاللَّهِ لو أخبرته لقتلتك، هي تابت، سيدنا يوسف- انظر إلى كمال الأنبياء- عندما التقى بإخوته قال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة يوسف: 100 ]
أيهما أشد خطراً الجب أم السجن؟ الإنسان في السجن مضمونة حياته، ومضمون طعامه، وشرابه، لكن محجوزة حريته، أما بالجب فالموت محقق، لماذا أغفل الجب وذكر السجن؟ لئلا يذكر أخوته بجريمتهم، منتهى الأدب، ذكر السجن وأغفل الجب قال: وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، ما عمل نفسه مبرأ وأخوته مجرمين، قال: نحن الاثنان اختلفنا، ودخل بيننا الشيطان، هو نبي، هو إنسان طاهر، ما عمل شيئاً إطلاقاً، هم افتروا عليه، وماذا قال؟ قال العكس: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف: 100 ]
هذا اللطف، وهذا الكمال، إنسان تعرفه ما كان مستقيماً، الآن استقام، شجعه، اثن عليه، طيب له نفسه، رحب فيه ترحيباً زائداً، الآن إذا الإنسان كان له ماض وتاب إلى الله عز وجل، وجد المؤمنين رحبوا به، اهتموا به، أعانوه على الشيطان، أما إذا ذكروه بماضيه، الآن أنت أصبحت جدياً نحن لا نعرفك هكذا.
مرة قرأت خبراً، إنسانة تعمل في الفن وتابت إلى الله وتحجبت حجاباً تاماً، حتى وجهها، أي وضعت نقاباً، وانتهت من كل هذه الأعمال، مديرة برامج بالرائي كل أسبوع تظهر لها فيلم من أفلامها هي محجبة، وتلك نكاية بالحق، وإحراج لها، كل إنسان ينبش ماضي الأشخاص، من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، حتى يفضحه في عقر داره، فمن تاب علينا أن نعينه على التوبة، ترك هذا الأمر أعنه على تركه، ترك هذا السلوك أعنه على تركه، اثن عليه، انفتح عليه، عاونه، وإلا يكون عملنا كعمل الشيطان، لذلك تقبل شهادة الفاسق إذا تاب، إلا في حالة واحدة، إلا إذا كان فسقه بسبب القذف، أي اتهم امرأة بريئة بالزنا، قال: القذف له حكم شرعي. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور: 4 ]
إذاً كم هي المرأة غالية على الله سبحانه وتعالى؟ امرأة بريئة تتهم في عفتها وفي شرفها، الذي اتهمها لا تقبل شهادته أبداً، أي فقد حقه المدني، فقد اعتباره الاجتماعي، لذلك في قول: قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، قبل أن تنهش في أعراض الناس، قبل أن تتهم الفتيات البريئات، الطاهرات، العفيفات، من دون تحقق، من دون دليل، عليك أن تنتبه.
يروى قصة لا أعرف مدى صحتها مؤثرة جداً مغسلة في عهد الإمام مالك، إمام دار الهجرة، كانت تغسل امرأة فالتصقت يدها بجلد الميتة، قصة لها مغزى، الله أعلم بصحتها، لكنها مؤثرة جداً، قطعة واحدة يد المغسلة مع جسد الميتة، بذلت محاولات بعد ذلك صرخت ماذا نفعل؟ أنقطع جزءاً من لحم الميتة أم نقطع يد المغسلة؟ لا يوجد حل فاستفتوا الإمام مالك، فقال: هذه المغسلة أغلب الظن اتهمتها بالزنا وهي على مغتسل الموت فاجلدوها ثمانين جلدة ومع الجلدة الثمانين فكت يدها. لذلك هناك غيبة القلب، لو بقيت ساكتاً و اتهمت إنساناً وهو بريء بقلبك، افتحوا كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي هناك باب اسمه غيبة القلب، لم تتكلم بأي كلمة، لكن تتهم الآخرين اتهامات باطلة، فهذه المرأة المغسلة ما نزعت يدها من جسد الميتة إلا بعد أن جلدت ثمانين جلدة، وهذا حد القذف، لذلك: قذف محصنة يهدم عمل ثمانين سنة. شروط أخرى للشاهد :
بقي من شروط الشاهد المسلم البلوغ، والعقل، والكلام، والحفظ، والضبط، ونفي التهمة، وبعدها ننتقل إلى حد الشهادة، هناك موضوعات تحتاج إلى أربعة شهود، موضوعات إلى ثلاثة، موضوعات إلى اثنين حصراً، موضوعات لرجل وامرأتين، موضوعات امرأة واحدة تكفي، موضوع رقيق جداً، ودقيق جداً، وما منا واحد إلا وهو في أمس الحاجة لهذا الموضوع، لأن الحياة كلها مشكلات، علاقات مالية، علاقات أسرية، صدام، حوادث سير، فأنت شاهد ويجب أن تفقه وأن تعرف هذا الموضوع معرفة دقيقة إن شاء الله في الدرس القادم نتابع هذا الموضوع، ربما استغرق إتمام الموضوع درساً آخر وبعدها ننتقل إلى اليمين.
أرأيتم أيها الأخوة كيف أن هذه الموضوعات من ألصق الموضوعات في حياة المؤمن، وينبغي أن نعرفها جميعاً، لأن هذا الفقه، إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه، والفقه في الدين أن تعرف ماذا ينبغي أن تفعل؟ ماذا ينبغي، وفي القدر الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي، وهذه الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

السعيد
09-17-2018, 01:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : الشاهد







الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من صفات الشاهد :
1 ـ العدالة :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا في بعض موضوعاته الكبرى، ألا وهو الشهادة، وقد تحدثنا في الدرس السابق عن أن الشاهد يشترط فيه أن يكون مسلماً، وأن يكون الشاهد أيضاً ذا عدالة، وبينت لكم أن العدالة صفة نفسية بينما الضبط صفة عقلية، العدالة - وهذا موضوع ذكرته كثيراً من قبل لكن متصل بموضوعنا- العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
أما الكذاب فتسقط عدالته، الظالم تسقط عدالته، المخلف وعده تسقط عدالته، وإذا سقطت عدالته فقد اعتباره، وفقد مكانته، وفقد حقوقه الاجتماعية، يكفي أن تقول: فلان لا تقبل شهادته، أي ساقط، ساقط اجتماعياً، لأنه كاذب، أو لأنه ظالم، من هو الظالم؟ لو عرف الله لما ظلم، هو لا يعرف الله إطلاقاً، لو أن عرف الله سبحانه وتعالى قيوم السموات والأرض، وأن عدله مطلق، وأنه لا بد من أن يعاقبه ما ظلم، إذاً الذي يظلم هو لا يعرف الله إطلاقاً، فالذي يكذب. (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]
أي ممكن أن يكون المؤمن اجتماعياً، أو انعزالياً، أو منفتحاً، أو منغلقاً، أو حريصاً، أو ينفق كثيراً، يتحمل الإيمان آلاف الطباع، وكلهم على العين والرأس، مؤمن حاد الطبع، مؤمن هادئ جداً، مؤمن عصبي كما يقولون، مؤمن عنده راحة نفسية، هذه كلها طباع مقبولة: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]
فالكذب يتناقض مع الإيمان، مرة ذكرت أو سألني أخ كريم، شيء عجيب، يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؟ (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))
[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أي هناك معاص كثيرة يغفرها الله عز وجل، أما مثقال ذرة من كبر فتدخل النار؟ الجواب لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل.
ضربت مثلاً كيلو حليب يتحمل كيلو ماء، وشرب الحليب مع الماء مقبول، طبعاً من دون أن تشتريه مغشوشاً، لو أنت أضفت الماء للحليب ممكن، ألا تضيف الماء للبن لتعمل لبناً عيراناً؟ يا ترى الماء الكثير مع اللبن هل يفسده؟ لا يفسده، شراب طيب، أما قطرة كاز في إناء الحليب فتلقيه في المجاري، انتهى. أشياء تفسد العمل :
هناك أشياء تفسد العمل، الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، انتهى الأمر، فالعدالة:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
أنا أرى أن الإنسان لو كان فقيراً من المال لكنه ظاهر العدالة فهو في أعلى عليين، ولو كثر ماله وسقطت عدالته فهو في أسفل السافلين، البطولة أن تتعامل من مقاييس رب العالمين، ابتغوا الرفعة عند الله، أنت تتعامل مع ما جاء به القرآن والسنة، فالظلم يسقط العدالة، والكذب يسقط العدالة، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، أي إسقاط العدالة كأن تأتي بكأس من البلور وتأتي بمطرقة وتحطمه، هذا الكأس تحطم، لكن هناك أعمال لا تسقط العدالة، لكنها تجرحها، أحياناً الكأس لا يتحطم لكنه يشعر، هنا العلماء عدوا أكثر من ثلاثين حالة تجرح العدالة، الأكل في الطريق يجرحها، الحديث عن النساء يجرحها، التنزه في الطرقات يجرحها، صحبت الأراذل تجرحها، من علا صوته في البيت يجرح عدالته، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام تجرحها، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة في قياس المركبات تجرح العدالة، الطائش، أرعن، مجروح العدالة، من قاد جرذوناً - حيوان مخيف- كلب عقور، يربي الكلاب، هذا يجرح العدالة، وهناك حالات كثيرة تجرح العدالة، فالشاهد ينبغي أن يكون ضابطاً عدلاً، أي واع، عنده وعي وعدل، وعنده ورع، وعنده استقامة، هذه العدالة. 2 ـ البلوغ و العقل :
ثم البلوغ والعقل، هنا يوجد موضوع لطيف أنه لو أن أطفالاً صغاراً يلعبون، فجرح بعضهم بعضاً، هل تقبل شهادة الصغار؟ العلماء وقفوا عند هذا السؤال وقفة لطيفة جداً، فقالوا: هؤلاء الصغار إذا اجتمعوا جميعاً على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا، لو أنهم تفرقوا، وذهبوا إلى أهليهم ربما الأهل أوحوا إليهم بشهادة معينة لعلاقات قديمة، أما الأطفال الصغار، إن اجتمعوا على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا إلى أهليهم، فشهادتهم أقوى من شهادة الكبار لماذا؟ لأن الكبار ما كانوا يلعبون في ملعب، شهادتهم إن اتفقت، وقبل أن يتفرقوا أقوى من شهادة الراشدين، الغائبين عن ملعبهم، هم يحضرون، لذلك بعض العلماء أخذ بشهادة الصغار خلافاً لهذه القاعدة في موضوعات الصغار في ملاعبهم، في لهوهم، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يدعو إلى اللعب، كان يقول: أنا لم أخلق لهذا، فقلت اليوم في حديث: يا رب هو حينما كان صغيراً عرف مهمته، نحن الكبار هل نعرف مهمتنا في الحياة؟ هل نعرف رسالتنا؟ هل نعرف ما يصلح لنا وما يفسدنا؟ هل نعرف الهدف الكبير من خلقنا؟
3 ـ الكلام :
الآن من شروط الشهادة الكلام، لا بد من أن ينطق، أما إذا كان أخرساً فشهادته مرفوضة ولو تكلم، أي سبحان الله هناك إعجاز في القرآن الكريم.
﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة النمل: 80]
الأصم يفهم، أما إذا أدبر فلا يفهم، الأصم يفهم بالإشارة، على كلٍّ الأخرس ولو أشار، ولو فهمت إشارته لا تقبل شهادته، لأنها قضية حقوق، إلا أن بعض العلماء أجاز أن الأخرس إذا كتب فشهادته مقبولة فشهادة كتابية، أنه يتمتع بوعي. 4 ـ الضبط :
ولا تقبل أيضاً شهادة من عرف بضعف الضبط، الضبط صفة عقلية، أي نساء، كثير النسيان، ضعيف الملكات، محدود الإمكانات، مثل هذا الإنسان لا يفرق بين رجل ورجل، بين حادث وحادث، فهذا الضعيف في ملكاته كثير النسيان، المحدود في إمكاناته، العلماء لا يقبلون شهادته، قلنا لكم مرة: إن إنساناً ذهب لطبيب يشكو له مرض النسيان، حدثه عن مرضه طويلاً، فلما انتهى سأله الطبيب هذا المرض منذ متى كان معك؟ قال له: أي مرض هذا؟ طبعاً نسي ماذا قال له فكثير النسيان لا تقبل شهادته .
5 ـ ألا تكون له علاقة حميمة مع المتهم :
لكن سبحان الله ما أعظم هذا الشرع، من أبرز شروط الشاهد في القضاء الإسلامي أن تنفى عنه التهمة، أية تهمة هذه؟ الإنسان لا تقبل شهادته لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، ولا شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة المنفق على المنفق عليه، لأن المنفق له يد بيضاء، فإذا أوحى إلى المنفق عليه اشهد هكذا، ربما خاف على رزقه فشهد، فحيثما كانت علاقة بين رجلين، علاقة حميمة، وطيدة، متينة، تقتضي المحاباة، فالشهادة عندئذ لا تقبل.
6 ـ عدم قبول شهادة العدو على عدوه :
كذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، أيعقل أن يكون الخصم حكماً؟ ألم يقل الشاعر:
يا أعدل الناس إلا في معاملتــي فيك الخصام وأنت الخصم والحـكم
أعيذها نظرات منــــك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
***
الخصم لا يكون حكماً، كما أنه لا يكون شاهداً، لذلك الشرع الحنيف رفض شهادة الخصم على خصمه.
بالمناسبة حينما أقول شهادة، إذا أضفت لها اللام، هي شهادة له أما إذا أضفت على، عليه، شهدت له أي صدقته، شهدت عليه أي كذبته، فشهادة العدو على عدوه لا تقبل، لأنه عدو، ولصالحه أن يوقع بعدوه الضر، لكن دقة الشرع دقيقة جداً قال: إذا كان بين رجلين خصومة دنيوية، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة، أما إذا كان بين الرجلين خصومة أخروية، فالشهادة مقبولة، كيف؟ لأن الرجل إذا كان خصماً عقائدياً لرجل معناها رجل مؤمن، والمؤمن يخاف الله عز وجل، وهو مظنة الصدق والصلاح، لذلك لو سألت مؤمناً صادقاً أن يشهد على عدوه لا يشهد إلا بالحق، لذلك شهادة الخصم الأخروي مقبولة ولو على عدوه، أي إنسان معروف بالصلاح، والتقى، والورع، يبيع دينه بعمل بسيط؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو قطع إرباً إرباً ما باع دينه، لا يشهد إلا بما رأى، شخصية المؤمن شخصية فذة، إنسان متميز، إنسان رائع، المؤمن رجل مبادئ، التبر عنده كالتراب، الدنيا كلها تحت قدمه إذا تعارضت مع مبادئه، لذلك إذا كان بين رجلين خصومة أخروية أي الرجلان أحدهما رجل مؤمن، تقي، متمسك بالدين، ورع، يخاف الله عز وجل لو شهد على عدوه شهادة فهي مقبولة، أما في خصومة دنيوية، مثلاً مختلفين على محضر، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة. عدم قبول الشهادة للقريب أما عليه فمقبولة :
هناك نقطة دقيقة: قلت قبل قليل: إنه لا تجوز شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها، ولا شهادة المنفق للمنفق عليه، لكن تجوز الشهادة عليهما فهمتم؟ الشهادة لهما لا تجوز، أما عليهما فتجوز، لو أن إنساناً شهد على ابنه أنه هو المتسبب بإيذاء هذا الرجل، معنى هذا أنه أب ورع جداً، أنه واع جداً، شهد على ابنه أنه هو المتسبب، هذه مقبول، لا تقبل الشهادة له، أما عليه فتقبل.
7 ـ ألا يكون خائناً أو مجلوداً بحدٍّ :
وقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمرٍ على أخيه المسلم.
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، وَلا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ، وَلا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَلا ظَنِينٍ فِي وَلاءٍ وَلا قَرَابَةٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ الْقَانِعُ التَّابِعُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَلا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلا مِنْ حَدِيثِهِ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ وَلا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ عَدْلا فَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الأَخِ لأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرِيبِهِ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ لا تَجُوزُ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى الآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ إِحْنَةٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ،وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ غِمْرٍ لأَخِيهِ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
قال الغمر: هو صاحب الحقد، هناك إنسان حقود، المؤمن غر كريم، سليم الصدر، نظيف القلب، يألف ويؤلف، ينسى العداوة، يسامح، ويتجاوب، لكن غير المؤمن أو بعض المؤمنين المقصرين فعنده حقد، فقال: صاحب الحقد هو ذو الغمر، والعداوة تظهر في الأقوال والأفعال، ومن مظاهر العداوة أن تفرح بمصيبة ألمت بأخيك، وبالمناسبة هذا الكلام قد يكون خطيراً إذا أنت إنسان، وألمت بأخيك المسلم مصيبة، وفرحت بهذه المصيبة، ادمغ نفسك بالنفاق ولا تحابي نفسك، هذه صفات المنافق، أنت كمؤمن ينبغي أنت تفرح بالخير يصيب إخوانك المؤمنين، أخوك تزوج، لماذا تزوج قبلي؟ أرجو الله ألا يوفقه بهذا الزواج، هذا ليس مؤمناً، هذا إنسان بعيد عن الدين، حقود، حسود، أما المؤمن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ يتبدى إيمانك بفرحك الشديد بالخير يصل إلى أخيك، وهناك أدلة كثيرة من هذه الأدلة أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 29]
ما قال: لا تأكلوا أموال إخوانكم، ما قال: لا تأكلوا مال أخيكم قال: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
لأن الله سبحانه وتعالى يشير بهذه الآية إلى أن مال أخيك هو مالك، كأنه مالك، تفرح به، وتحرص على صيانته، وعلى تنميته، فحينما تشعر أن مال أخيك هو بمثابة مالك لا من حيث أن تأكله بل من حيث أن تحرص على سلامته، وأن تحرص على تنميته، وأن تحرص على حفظه، هذا معنى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
إنك إذا أكلت مال أخيك كأنما أكلت مالك. الإسلام دين المحبة و التآلف :
نحن لا نذوق عظمة الإسلام إلا إذا عشنا بالإسلام، إلا إذا عشنا الإسلام في بيوتنا، في أعمالنا، في علاقاتنا، أي أروع ما في الإسلام هذا المجتمع الإسلامي الذي يسعد به المسلمون، أنت لست وحدك في الحياة، لك مئة أخ وأخ، لك ألف أخ، كلما تعاونا، وتكاتفنا، وتسامحنا، وعذر بعضنا بعضاً، وتعاون بعضنا مع بعض، أصبحنا نحب بعضنا أكثر، لذلك يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة، لذلك ربنا عز وجل إن رأى شريكين مخلصين يبارك لهما في أعمالهما، أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، شركة على التأبيد، بنية خالصة مباركة تجد أن هذه الشركة بارك الله بها، وحفظها، ونماها، إذاً قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، .... وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، ... ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
أما له فلا تجوز، وقد قال عليه الصلاة والسلام حديثاً اعتمده الإمام الشافعي: "لا تجوز خصم على خصمه". جواز شهادة الأخ لأخيه و الصديق لصديقه :
العلماء بعضهم قال: شهادة الأقرباء تجوز، أي نحن استثنينا الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والأب لابنه، والابن لأبيه، لأن علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، بضعة منه، ماذا قال النبي الكريم؟ "فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن أغضبها فقد أغضبني"، علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، كذلك الابن بابيه علاقة حميمة، علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها، أما على مستوى الأخوة فربما قبلت شهادة الأخ لأخيه أو على أخيه، على أخيه مقبولة، أما لأخيه العلماء فأجازوا هذه الشهادة، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه، الأخ لأخيه تجوز، والصديق لصديقه تجوز.
8 ـ ألا يكون مجهول الحال :
أما شهادة مجهول الحال، شخص لا نعرفه يشهد، هناك قصة رائعة جداً، وهذه القصة لها دلالات كثيرة، حصلت في عهد عمر بن الخطاب، فقد شهد عند عمر بن الخطاب رجل فقال له عمر: يا هذا لست أعرفك؟- أنت قد تكون أنزه إنسان، أعلم إنسان، لكن الشخص لا يعرفك، اعذره، ما عرفني، أنا معروف بين الناس كلهم، وقال لي: ما اسمك؟- قال له: يا هذا لست أعرفك، لكن من أدب سيدنا عمر، قال له: ولا يضرك أني لا أعرفك، هذا شيء لا يضرك، لأن بعض الغزوات القاسية جاء رسول من هذه المعركة الحاسمة يخبر سيدنا عمر أن هناك شهداء كثر، فقال عمر من هم؟ قال الرسول: يا أمير المؤمنين لست تعرفهم، فصار يبكي سيدنا عمر، قال: وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ انظر إلى هذا الأدب، وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يرتقي أدبه، قال له: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، أنت بمكانتك العلية.
وأنا كنت أقول دائماً إن الإنسان أحياناً يكون معه كيلو معدن أنا أقول: معدن لأن لي هدفاً، لو أنه بذكاء، وبحنكة، وبطلاقة لسان، وبأسلوب دعائي أوهم أن هذا المعدن ذهب خالص، أربع وعشرون و هو تنك، هو الخاسر، والناس صدقوه، وظنوا أن معه ذهباً، هذا الذهب العظيم، ولو أن إنساناً آخر معه كيلو معدن وهو ذهب حقيقي والناس يظنونه معدناً خفيفاً هو الرابح.
خيرك منك، وشرك منك، وعلاقتك بالدرجة الأولى مع نفسك، قال: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك لأني لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، نريد شاهداً، ومن يعرف بهذا الشاهد أنه رجل عاقل، مستقيم، من أهل الصلاح، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، فقال له سيدنا عمر: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، شيء جميل، قال: هل هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، إنسان ذهب معك في سفر، صرفت كذا و كذا ما قال لك ما الحساب؟ إذاً يوجد حساب، ونفقات، وطعام، وأجور، أنت ساكت وهو ساكت، هو من دون سفر إنسان راق جداً، بالسفر كشف، إنسان يسكن إلى جانبك، جارك، يا ترى هذا الجار مؤمن؟ ورع؟ مستقيم بصلاته؟ بغض بصره؟ في بيته هل هناك ملهيات؟ لا يوجد ملهيات، تعرفه جارك الجانب بك، قال: لا، لا أعرفه، قال: هل رافقته بالسفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: يا هذا إنك لا تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك هذا لا يعرفك، سيدنا عمر أخذ السفر، وأخذ الجوار، وأخذ التعامل بالدرهم والدينار، لذلك أقرب الناس لك جارك، أحياناً الشخص لا تعرفه إطلاقاً، تلتقي به في مجلس، في بيت، في زيارة، في العيد، إذا نظرت إليه لا تعرف ما اسمه، ولا عمله، ولا ثقافته، ولا شهاداته، لا تعرفه إلا من هندامه، من قوامه، ومن شكله، قال: إذا تكلم تنسى شكله، ولباسه، وهندامه، فإذا عاملك تنسى حديثه، إذا تكلم بالقيم، والدين، والورع، أو تكلم بالدعوة إلى الله، و عندما عاملته بالدرهم والدينار كان بلا ذمة و لا أمانة، كل كلامه سقط، لذلك الإنسان عندما يخطئ، إذا كان معه شيء من العلم، وألقاه على الناس، ثم أساء معاملتهم، يا ليته يسقط هو وحده، لكن المشكلة أن كل الذي ألقيته على الناس من علم ومن حقائق تسقط مع سقوط المتكلم، الملاحظ أن الإنسان إذا تكلم بالعلم، وله مواقف أخرى غير مقبولة، تكلم بما ليس قانعاً به، الكلام الثاني يبطل الأول.
أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي من يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح :
نحن عندنا في اللغة العربية أثناء التصحيح قاعدة، لو إنسان قال: مفعول به صح مفعول به، لكنه مرفوع، بالسلم إذا قال: مفعول به علامة، ومنصوب علامة ثانية، أصبح له علامتان، لو قال: مفعول به مرفوع، كلمة مرفوع تذهب صحة أول قسم، إذا قال: مفعول به منصوب يأخذ العلامتين، إذا قال: مفعول به علامة، إذا قال مفعول به مرفوع يأخذ الصفر، قال: مفعول به لكن الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، هذه القاعدة نفسها إذا تكلمت كلاماً صحيحاً، وأتبعته بكلام سيئ، فالكلام السيئ يذهب قيمة الكلام الصحيح، لذلك أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي هو الذي يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
دعا وعمل صالحاً، لو دعا إلى الله ولم يعمل صالحاً تسقط دعوته.
إذا إنسان قال لك: هذا كتاب، وهذا إبريق، هذا ليس إبريقاً، لكن قال لك: هذا إبريق ليكون هذا أيضاً ليس كتاباً، انتبهت إلى أول الكلام، مادام ارتكب حماقة في وصف هذا الكأس وقال: هذا إبريق كبير، وهو كأس صغير، أنت الآن تشك بأول وصف.
فإذا دعوت إلى الله إياك أن تقول كلاماً في موضوع آخر غير صحيح، لأن الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول.
لذلك أنا أشعر كثيراً في حالات زواج هناك شيء مؤلم جداً، أنه سألت عنه؟ سألنا عنه، قال: آدمي، ما معنى آدمي؟ سألوا شخصاً لا علاقة له، فتبني أسرة على شكل غير صحيح، ثم يفاجؤون أنه يشرب الخمر، أو أنه لا يصلي، لذلك القصة هي دقيقة جداً ويجب أن نأخذ بها، الجار يعرف حقيقة جاره، والذي يحتكك معك بالدرهم والدينار يعرف ورعك، واستقامتك، والذي يسافر معك يعرف مكارم أخلاقك. عدم جواز شهادة البدوي على الحضري إلا إذا كان عدلاً مرضياً :
بعض العلماء قالوا: لا تجوز شهادة البدوي على الحضري، هذا موضوع خلافي أي في الحياة الحضرية هناك ملابسات، أمور متداخلة، تعقيدات، البدوي عاش بالصحراء، حياته بسيطة، لا يوجد فيها تعقيدات، بعضهم قال: إن البدوي لا يجوز أن يشهد على الحضري للمفارقة الحادة بين الحياتين، حياة فيها بساطة، وحياة فيها تعقيد، لكن الصحيح كما قال بعض العلماء: جواز شهادته إذا كان عدلاً مرضياً، وهو من رجالنا، من أهل ديننا، والعموميات في القرآن الكريم الدالة على الشهادة تسوي بين البدوي والحضري، إذا كان بدوي مؤمن، أنا لي كلمة أقولها دائماً أتمنى أن تكون دقيقة عندكم: و الله أيها الأخوة لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، لا يجوز أن يضاف على كلمة مؤمن كلمة، مؤمن، إن كان بدوياً مؤمن، إن كان حضرياً مؤمن، إن كان يحمل شهادة عليا مؤمن، إن كان لا يحمل شهادة مؤمن، يقرأ القرآن، أي من أجل أن يقوى الإسلام، أقول أنا كلمة: لو أن المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا كالمسلمين الآن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الإسلام لا يخرج من مكة، أما لأنه خرج من مكة، ووصل إلى أطراف الدنيا، معنى ذلك أن الصحابة كانوا في مستوى رفيع جداً من إنكار الذات، واحد من الصحابة رآه النبي يبكي - سيدنا بلال الحبشي- قال له: ما يبكيك يا بلال؟ قال له: غرابة نسبي، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، بالمقابل ولو كان هاشمياً قرشياً ولم يكن مؤمناً فلا علاقة له بي، والدليل الله عز وجل قال:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
[ سورة المسد: 1-2 ]
وقال النبي الكريم: سلمان منا آل البيت. مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة :
لن تكون مؤمناً إلا إذا تخليت عن كل أنواع العنصرية فيك، كل إنسان يعتز بأسرته، ببلده، بحيه، بوالده، باختصاصه، إنسان عنصري.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات: 13]
بدوي، حضري، مدني، ريفي، من هذه الأسرة، من هذه الفئة، هذه كلها عنعنات جاهلية.
سيدنا عمر لما جاءه بدوي من فزارة يشتكي جبلة، قال له: يا بن أيهم أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن يكتم شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال أرض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك- ملك من ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم - قال له: أرض الفتى أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد، بالصعلوك تساوى.
مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو كنت مديراً عاماً لأكبر مؤسسة، وعندك مستخدم مسلم من إخوانك، إن رأيت نفسك فوقه فأنت لا تعرف الله، قد يكون فوقك يوم القيامة. ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان العاقل والموفق هو الذي يكتفي قبل فوات الأوان، المقياس الذي يقيس الله به عباده هو الطاعة، الله يقيس عباده بالطاعة، يقيس عباده بالإخلاص، يقيس عباده بخدمة الخلق، الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هناك عنعنات جاهلية، التمايز الأسري، التمايز المالي، الاجتماعي، أنا من بيت فلان، هناك كثير من الأسر لها نظرة فوقية ليعض الأسر، هذه كلها من الجاهلية.
مرّ أحد الصحابة يبدو أنه تغاضب مع سيدنا بلال، قال له: يا بن السوداء، يا لطيف، يا لطيف، القيامة قامت ولم تقعد، قال له عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية، هذا الصحابي ما قبل إلا أن يضع خده على الأرض ليأتي ابن السوداء و يضع رجله فوق خده، لعل الله يغفر له، مجتمع المسلمين مجتمع الطبقة الواحدة: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات: 13]
المقاييس التي يتعامل الله بها مع عباده :
النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المرات قال: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة- بشارة- أحد الصحابة من شدة رغبته بالتفوق والتنافس الشريف بين الصحابة الكرام ادعى أنه على خلاف مع زوجته، وأراد أن يضيف عند هذا الصحابي الذي بشره النبي بالجنة، نام عنده، ووجده أنه عادي، صلاة زائدة لا يوجد، نام، طبعاً صلى الفجر بوقته، هو تصور أنه يصلي مئة ركعة بالليل، وجده شخص عادي جداً، إذاً كيف بشره النبي بالجنة وعباداته لا تزيد عما هو مألوف بين الصحابة الكرام؟ ثم عرف هذا الصحابي أن هذا الذي بشره النبي بالجنة لا يحمل غلاً في قلبه لأحد، هذا مقياس.
مرة قلت لكم: شخص رأى النبي الكريم، هو رجل له دعوة، وإمام مسجد، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، كان جاره سمان، له قصة مع زوجته، فأنت إذا كنت عاقلاً وتمكنت أن تضع يدك على المقياس الذي يقيس الله به عباده، هذا المقياس هو أهم مقياس، الله يقيس عباده بالإخلاص، بالطاعة، بخدمة الخلق، قال: لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، هناك شخص صلاته في أول صف، لكن لا يمكن أن يقدم خدمة، ينسحب فوراً، وهناك إنسان معطاء، حياته مبنية على البذل.
لذلك أيها الأخوة موضوع المقياس الدقيق الذي ينبغي أن نقيس به أنفسنا هو مقياس أساسه الإخلاص، أول نقطة تكلمتها أساسه خدمة الخلق، لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا، المقياس الثاني الورع:
((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))
[ ورد في الأثر ]
درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، دع خيراً عليه الشر يربو، أعتقد ست كلمات، الورع، والإخلاص، وخدمة الخلق هذه المقاييس الله جل جلاله يتعامل بها مع عباده.
هناك مقاييس أخرى الشيخ أحمد الشامي رحمه الله خرج في جنازته خمسين ألفاً، وخمسة آلاف امرأة، كلهن كن مطلقات فأفتى لأزواجهن بإرجاعهن، وفاء له خرجن في جنازته، ما بقي إنسان في القطر ما قدم تعزية، و هو كان قصير القامة جداً، مقياس العلم والعمل فقط، هذا المقياس الوحيد، شيء والله لا يصدق الذي حدث بعد وفاته.
إذاً الإخلاص، والورع، وخدمة الخلق، وأن يكون طعامك حلالاً، إذا الإنسان في عمله كذب فالأكل حرام، طعامه أصبح حراماً إذا كان هناك غش، أو تدليس، أو كذب، لذلك يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له، اجعل أن يكون طعامك حلالاً، أي من عمل مشروع، من عمل لا يوجد به كذب، أو تدليس، أو غش، أو إيهام، واحرص على أن تكون ورعاً، واحرص على أن تكون مع الورع مخلصاً وعندئذٍ ترى أنك في أعلى مقام. نصاب الشهادة :
بقي موضوع لا أحب أن أرجئه للدرس القادم من لوازم الشهادة فاسمحوا لي أن أتابعه، أولاً: نصاب الشهادة، هناك موضوعات لابد من أربعة شهود.
﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾
[ سورة النساء: 15]
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور: 4]
إذا إنسان اتهم امرأة بالزنا، ودبر ثلاثة، يجلد، يجب أن يكون هناك أربعة شهود، لأن الإنسان شرفه وسمعته أثمن ما يملكه، ممكن أن تأكل خبزاً يابساً، لكن لك اسم متألق بالبلد، هذه المرأة قد تكون أفقر امرأة بالبلدة، لكن اسمها نظيف، أما أن تتهمها بعرضها، بشرفها، لابد من أن تأتي بأربعة شهود، فإن جئت بثلاثة فلابد من أن تجلد، كم هي المرأة عند الله غالية: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾
[ سورة النساء: 15]
ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر :
الآن لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، بالمناسبة ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، لما أنت تنطلق لتمد يدك إذاً أنت قررت أن تكون فقيراً، انتهى الأمر، عندما تتخذ قراراً أن تمد يدك تستجدي، وتتضعضع أمام الأغنياء، أنت الآن حكمت على نفسك بالفقر، ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أنا أنصح كل أخواننا بدل أن تطلب قرضاً وتنوي العمل الله عز وجل سيوفقك، وتصبح دافعاً للزكاة، وأعظم أنواع الزكاة إذا أعطيتها لإنسان جعلته دافع زكاة، كان قابض زكاة صار دافع زكاة، فقال النبي الكريم:
(( لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة ))
[ مسلم عن قبيصة]
صار معه حادث دهس، والدية مئتا ألف، و لا يملكهم، تحمل شيئاً لا يطيقه، بيته انهار مثلاً، تحمل شيئاً فوق طاقته، بضاعته احترقت، فلس، هناك أحياناً كوارث طبيعية، فهذا الإنسان تحل له المسألة، فلس، بضاعته تلفت، أو أسعارها أصبحت بالحضيض، عليه ديون للناس، انكشف، عمل حادثاً مثلاً، والسيارة ليست له تغرم بتصليحها، مئتا ألف فرضاً، صار هناك حادث دهس خطأً دفعوا له مئتي ألف، هذا أمر قاهر، قال: ((...حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً، من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجة من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة))
الإنسان يقبل أن يأكل مالاً وهو قوي، شديد، عتيد، كاسب، شاب، شيء لا يحتمل، والله أنا أحياناً أنظر إلى شخص يمتلئ قلبي أدباً منه، شاب في مقتبل حياته يمد يده على مواقف السيارات، أنت مؤمن؟ لا ورب الكعبة، كل إنسان الله عز وجل آتاه صحة، وشباباً، عليه أن يكسب ماله، إذاً أربعة شهود لمن؟ لحالات الزنا، ثلاثة لحل المسألة، وتقبل شهادة رجلين دون النساء في جميع الحقوق والحدود. شهادة النساء في الحدود غير جائزة :
بالمناسبة شهادة النساء في الحدود غير جائزة، ما السبب؟ لأن المرأة أساسها تستحي، طبيعة المرأة طبعاً المرأة الشريفة، المرأة الكاملة، المرأة كما أرادها الله، طبيعتها أساسها الحياء، هل بإمكان امرأة أن تبحلق في جريمة أو في حادث زن؟ لا تستطيع، طبيعتها أساسها الحياء، لذلك لأنها يغلب عليها الحياء لا تستطيع أن تملك نظرها في جريمة أخلاقية، لذلك لا تقبل شهادة النساء في الحدود، عند عامة الفقهاء، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾
[ سورة الطلاق: 2]
في الحقوق المدنية تجوز شهادة. ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾
[ سورة البقرة: 282]
المرأة طبيعتها انفعالية، عاطفية، تهتم بالانفعالات، والعواطف، الأمور الدقيقة الدقيقة هذه من اختصاص الرجال، فامرأتان يقومان بمقام رجل في الشهادة. قبول شهادة الرجل الواحد في العبادات :
أما شهادة الرجل الواحد في العبادات، أخبرت النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيت الهلال فصام، يمكن أن يدخل مئة مليون مسلم في العبادة بشهادة رجل واحد، أربعة ثلاثة، اثنان، واحد، واحد في العبادات، الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد في بعض الحالات الاستثنائية، على الولادة، شهادة المعلم وحده في شهادة الصبيان، شهادة الخبير وحده في تقييم المتلفات، أحياناً القاضي يكلف خبيراً ليقدر مقدار الخسارة، السيارة عملت حادثاً كم خسرت من ثمنها؟ خبير واحد، هذا شاهد، وتقبل شهادة الواحد في تزكية الشهود وجرحهم، والحاكم معه سياسة شرعية، معه حرية حركة، قال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة رجل واحد إذا عرف صدقه، وورعه، وعدالته، وضبطه في غير الحدود طبعاً، الله عز وجل ما أوجب على الحكام القضاة أن يحكموا بشاهدين، لكن أوجب علينا أن نحفظ حقنا بشاهدين، هناك فرق أحياناً القاضي له قناعة، قنع أن هذا الإنسان لا يكذب، وأدلى بشهادة صحيحة فحكم على شهادته.
جواز شهادة امرأة مسلمة ورعة في القضايا الاختصاصية :
وقبل عند الفقهاء شهادة امرأة واحدة أي مسلمة، ورعة، في قضايا النساء أحياناً يصير خلاف يا ترى هذه الزوجة بكر أم بنت؟ بنت أم امرأة؟ من يحكم على هذا؟ امرأة خبيرة، امرأة واحدة تكفي، امرأة واحدة ورعة تقدم تقريراً أنها بكر، لا كما ادعى زوجها.
الخلاصة إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد قبلت شهادته، والمرضعة وحدها تكفي شهادتها، أنا أرضعت فلاناً، حرم على أخته من الرضاعة، المرضعة تكفي، وتجوز شهادة القابلة في الاستهلال، ما الاستهلال؟ إذا الطفل ولد وقال: واع أي بكى، أحياناً كلمة واع تغير مليون ليرة إن كان هناك ميراث، إذا ولد بكى وتوفي بعد ذلك، يتغير كل الميراث، إذا ولد ميت ليس له ميراث، إذا ولد حي وعلامة أنه حي إذا بكى، بعد أن بكى مات فوراً، هذا الطفل ورث، وسوف يورث في قضايا الإرث يجوز بالملايين، بمئات الملايين، تقبل شهادة القابلة في قضايا الاستهلال.
عند الحنابلة ما لم يطلع عليه الرجال غالباً تقبل فيه شهادة امرأة عدل، القضايا النسائية المحضة، أحياناً يكون هناك عيب بالزوجة، يوجب الفراق، والطلاق، والقاضي كيف يتأكد من هذا العيب؟ يجب أن يستخدم امرأة خبيرة، مسلمة، ورعة، عدل، تقبل شهادتها وحدها، طبعاً هذا موضوع اختصاصي، لكن إجمالاً الشهادة شيء مهم جداً، لأن الشهود بهم تستخرج الحقوق.
عندنا أربع شهادات للقذف، للاتهام بالزنا، إن لم يؤمن أربعة شهود بل ثلاثة فسيجلد، و هناك ثلاثة شهود في موضوع المسألة، شاهدان في الحقوق العامة، غير الحدود، رجل وامرأتان في بقية الحقوق، ممكن رجل عدل واحد وامرأة عدل واحدة، في قضايا اختصاصية، كالخبرة، والقضايا النسائية، وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات القضاء وهو اليمين.

السعيد
09-17-2018, 01:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : اليمين





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.اليمين :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وسننتقل اليوم إلى موضوع اليمين، وقد مرّ بنا من قبل موضوع الأيمان، ولكن اليمين اليوم من زاوية القضاء فقط.
فالمدعي قد يعجز على أن يأتي ببينة، وثيقة، سند، إيصال، مستمسك، قد يعجز عن أن يدلي ببينة، بوثيقة قطعية الثبوت، ما بقي له إلا يمين المدعى عليه، هناك تعليق لطيف جداً: الذي قصر في أخذ وثيقة صار عرضة لقلق شديد، يكفي أن يحلف خصمه، الدعوى ردت وخسر الدعوى، فكل إنسان يفرط في أخذ وثيقة، إيصال، عقد موثق، مسجل، مصدق، كل إنسان يقصر في طلب وثيقة من الطرف الآخر، إذا حصل خلاف وأنكر الطرف الآخر، ولا تملك أنت الوثيقة، ما بقي لك إلا يمين المدعى عليه، فإن حلف خسرت الدعوى، القلق الذي يعانيه المدعي، الذي لم يأخذ وثيقة من الطرف الآخر هو جزاء التقصير، هناك دعاوى كثيرة في قصر العدل، ليس هناك بينة، سبحان الله! أحياناً الإنسان بجهله، أو بجهالته، أو لرعونته، أو بوسوسة من الشيطان، يعد أخذ الوثيقة عيباً، عاراً، هو إنسان لا يسأل، المال ليس له قيمة، ويهم الطرف الآخر أن يكتب وصلاً يقول له: أبداً نحن لا يوجد إيصال بيننا:
أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما
***
تجد هذه الشركة قائمة على الود، والمحبة، والتفاني بعد أشهر أصبح هناك خلاف، منازعات، مواقف عدوانية، وقع الشك، لا يوجد غير القضاء، جئنا إلى القضاء لا يوجد وثائق، هناك عقد؟ و الله لا يوجد، إذاً عندما أخذت المليون أعطيته إيصالاً؟ قال: لا والله ما أخذنا إيصالاً، لا يوجد إيصال بالمليون، ولا عقد شراكة، لا يوجد غير اليمين، وتعرفوا المثل المعروف: الكذاب سألوه تحلف قال: جاء الفرج، أحلف طبعاً. المفسد أشدّ جرماً من الفاسد :
يا أخوان كلكم شباب مقبلون على حياة عملية، يمكن لم يعد الإنسان يستطيع أن يعمل لوحده، لابد من شركة، لابد من تعاون، لابد من علاقة هذه العلاقة، إن لم تكن موثقة الآثم هو الذي يفسد أخاه، أبسط مثل وأنا أعيده كثيراً: أنت ممكن أن تضع على الطاولة خمسمئة ليرة، ممكن أن تكون في الدرج، أو في الصندوق، ما دام على الطاولة صار هناك عملية إغراء لإنسان فيأخذها، هذا الإنسان ما خطر بباله أن يأكل مالاً حراماً، أما حينما رأى المال سائباً في مكان غير صحيح، لا يوجد دقة بالتعامل معه، فأخذ هذا المال، فيا ليت الإثم يبقى على الذي أخذ لكن الذي سمح له أن يأخذ، أو جعل هذا المال عرضةً، و جعله مغرياً أشد إثماً، الأول فاسد، أما الذي سمح له أن يأخذه لتقصيره فمفسد، والمفسد أشد جرماً من الفاسد.
الآن في قانون المخدرات الجديد إذا الإنسان أفسد الآخرين يعدم، كل من يعمل بتجارة المخدرات يعدم، أما الذي تعاطى المخدرات لمرة واحدة فعنده خمس عشرة سنة سجناً، الإعدام لمن يتجر، لمن يفسد.
إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة، وأنكر المدعى عليه هذا الحق ليس له إلا يمين المدعى عليه، طبعاً هذا خاص بالأموال، والعروض، ولا يجوز هذا في دعاوى العقوبات والحدود، بالأموال والعروض، أي الدعاوى المدنية، خلاف على مال، أما إذا في اقتراف للحدود، فالحدود لها علم آخر، ولها فقه آخر، الحديث الصحيح الذي رواه البيقهي والطبراني عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ]
من ينُكر يدعى لحلف اليمين :
الذي ينكر يدعى لحلف اليمين، والمدعي يقدم البينة، لذلك في القانون- قانون المحاكمات السوري- عبء تقديم الأدلة على المدعي وقد روى البخاري ومسلم.
((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) فَقَرَأَ إِلَى ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) إِلَى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
(( إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لا يوجد حل وسط، ما معك شهود يدعى إلى حلف اليمين، إذا حلف، هو أساساً كنت أروي لكم هذه القصة كثيراً أن أحد الولاة في عهد سينا عمر، وجه له سؤالاً قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فقال سيدنا عمر: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقى هؤلاء ربهم بخيانتهم أهون من أن ألقى ربي بدمائهم.
إذاً اليمين، ويسمونها القضاة اليمين الحاسمة، إما أن يحلف، وإما أن يحكم. اليمين الغموس أخطر يمين في الدين :
إن حلف لا يحكم، فقال عليه الصلاة والسلام:
((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
والعلماء سموها اليمين الغموس، وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، وتخرجه من الإسلام، وهذه اليمين لا كفارة لها، لأن الذي يكفر عن يمينه هو مسلم، من حلف هذا اليمين خرج من الإسلام، وغمس في النار، واسألوا أهل العلم، واسألوا القضاة، كم من شخص حلف يميناً غموساً وقع مشلولاً أمام القاضي، أحياناً الله يؤخر العقاب، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 137 ]
وفي آية ثم انظروا. ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 11 ]
إذا وقع مشلولاً فوراً يكون " فانظروا " وإذا الله أعطاه فرصة يمكن ألا يصير معه شيء، لكن لحين، فإن لم يتوب جاء البلاء.
إذاً هذا اليمين أخطر يمين في الدين: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة :
لو سحبت وثيقة من إضبارة الدعوى، لو سرقت وثيقة، لا يوجد حلف اليمين، أي حينما سرقت هذه الوثيقة صار القاضي ملزماً أن يحكم لزيد على عبيد، إذاً اقتطعنا بهذه الوثيقة التي سحبناها مال امرئ مسلم، فالإنسان أيها الأخوة هناك أشياء كثيرة يمكن أن يفعلها ويجد الله تواباً رحيماً، إلا أن يقتطع حق امرئ مسلم، لا تنسوا أن حقوق العباد مبينة على المشاححة بينما حقوق الله عز وجل مبينة على المسامحة، مهما تكن الذنوب التي بينك وبين الله فالصلحة بلمحة، أما الذنوب بينك وبين العباد فهذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة.
هناك كلمة لا ننتبه لها نحن، هذه الكلمة، هذا حديث شريف.
(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
معنى المأكل الحرام أي يغش، فمأكله صار حراماً، يكذب، يدلس، يوهم، يغير أوصاف البضاعة، يأخذ سعراً فوق ما تستحق، أية طريقة ولو أنها مقبولة عند الناس الآن تقريباً يقول لك: هكذا العمل.
أنا لي قريب يعمل في تصليح السيارات، له جار جاءه شخص معه سيارة جديدة اقتناها حديثاً، فيها علة خفية، العلة ليست خفية على الخبير، لكن على صاحبها خفية، طلب منه عشرة آلاف ليرة، وثلاثة أيام، القريب جاره، قال له يا فلان: السعر ليس معقولاً؟ تنتهي بنصف ساعة، يكفيها ألف ليرة، قال له: هكذا العمل، أنت لا تعرف أن تعمل، قال لي قريبي: أول يوم خبّر أسرته أخذهم إلى بلودان بالسيارة، صلحها بدقيقتين، وثاني يوم أخذهم إلى الوادي، واليوم الثلاث إلى المطار، جاء صاحبها ليأخذ السيارة دفع العشرة آلاف أخذ السيارة، هذا الإنسان ظن نفسه ذكياً جداً، ومعلماً، ويعرف أن يكسب المال، باليوم الخامس دخلت نثرة حديد في عين ابنه، ابنه يعمل في مخرطة، اضطر يأخذه إلى لبنان - القصة قديمة جداً- كانت الليرة اللبنانية بمئة وستين قرشاً سورياً، دفع ستة عشر ألف ليرة لبنانية عملية جراحية بالمشفى الأمريكي، حتى نزعت هذه القطعة من قرنية العين، فستة عشر ضرب مئة و ستين الناتج خمسة و عشرون، أخذ عشرة آلاف دفعهم خمسة و عشرين، و على هذا فقِس.
كل إنسان يظن نفسه بكسب المال الحرام ذكياً هو أحمق وغبي، قال: يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال: عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟ من بلاء إلى بلاء، من مصيبة إلى مصيبة، من ضبط إلى ضبط، من مصادرة إلى مصادرة، قال له: كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: كم عاقبتك ولم تدر؟ من يُعمل عقله يقف عند حدود الله :
أيها الأخوة الكرام: عقل الإنسان إذا أعمله يقف عند حدود الله، هذه القصة واحدة من آلاف، كل واحد منكم يعرف ذلك.
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الغش يدخل بالمال الحرام، الكذب يدخل بالمال الحرام، التدليس يدخل بالمال الحرام، إخفاء العيب يدخل بالمال الحرام، تغيير صفات البضاعة يدخل بالمال الحرام، الربح الفاحش يدخل بالربح الحرام، بقى الشيء الذي يستنبط، إذا الإنسان استقام يعيش كريماً، أما الغنى الفاحش الفجائي فلن يناله، الغنى الفاحش، الغير المعقول، بين عشية أو ضحاها خلال سنوات يحكي بمئة مليون، هناك مشكلة، معنى هذا أن هناك مشكلة في الكسب، أما وفق الشرع، وفق الأصول، لن يصل إلى ثروة طائلة في وقت قصير: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
هذا يذكرننا بقوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[ سورة الأحقاف: 31]
من للتبعيض، لماذا يا ربي من، كلهم سوى فرض مرة، ما بين وبينكم اغفره لكم، لكن ما بينكم وبين العباد لا يغفره إلا العباد، اذهب إلى العبد فأدي، أو ليسامحك.
لي قريب ثان دخل شخص ألقى له ظرفاً، فتحه وجد فيه مالاً، دخل لعنده أكل من اثنتي عشرة سنة قطعة من الكاتو ولم يدفع ثمنها، بعدما اصطلح مع الله حاسب نفسه واستحى أن يقول له: أنا أكلت من عندك دون أن أدفع الثمن، هذا الظرف وضع فيه ثمن الكاتو على السعر القديم طبعاً، خطأ هذا يجب أن يضع على السعر الجديد. الصلح مع الله يكون بأداء الحقوق :
على كلٍّ الإنسان عندما يحاسب نفسه إنسان عظيم، قال لي أخواننا عنده معمل دخل لعنده شخص شاب، يبدو الصلاح عليه، قال له: عرفتني؟ قال: لا والله ما عرفتك، قال له: أنا كنت عندك من اثنتي عشرة سنة موظفاً، فقال له: نعم تذكرت، قال له: كنت آخذ من عندك بضاعة ولا تدري، وآخذ مالاً ولا تدري، في ذلك الوقت كان هذا الشخص يفقد مالاً من جيبه، يفقد بضاعة، لم يترك شيئاً ليكشف ذلك الإنسان و لم يتمكن من ذلك، كان حاذقاً جداً، بعد ذلك يئس، ثم توقف عن ذلك، هذا بعدما راجع نفسه مع الله، جاء إلى صاحب المعمل ليعترف له أنه هو الذي كان يأخذ المال والبضاعة من وراء ظهره، وأنه جاء مستغفراً ليدفع ما عليه، الأخ الكريم قال له يا بني نظير توبتك أنا أسامحك، وإذا رغبت لك محل في هذا المعمل بأعلى راتب.
لا يوجد أجمل من الصلح مع الله، أي أداء الحقوق، لذلك التوبة أيها الأخوة لها ثلاثة فروع: فرع متعلق بالماضي، وفرع متعلق بالحاضر، وفرع متعلق بالمستقبل، الماضي إصلاح، والحاضر إقلاع، والمستقبل عزيمة، بالماضي الأخطاء الماضية كلها، الحقوق السابقة عليك أن تؤديها، إلا في حالة واحدة، إنسان كان بحلب مثلاً وأكل و لم يدفع ما عليه، ذهب فشاهد المنطقة كلها مهدمة، لأن هناك تنظيماً، وجد ساحة كبيرة أين المحل؟ لا يوجد محل، بهذه الحالة يدفع المبلغ الذي لم يدفعه سابقاً صدقة، تسجل في صحيفة صاحب المال، صاحب الدكان، هذا الحل الوحيد، أما هناك أشخاص يقولون: نحن سوف ندفعها صدقة حتى لا نواجه خطأنا أمام الشخص، ما دام الشخص موجوداً وتعرفه يجب أن تؤدي الحق إليه، لكن لست مكلفاً أن تؤدي الحق بشكل فاضح، بطريقة أو بأخرى، هذا المال إذا وصل إليه انتهى الأمر، هذا المال إذا وصل إليه دون أن تفضح نفسك لا يوجد مانع، لكن حقوق العباد مرة ثانية لا تؤدى إلا بالأداء أو المسامحة، وأكبر غلطة وأكبر وهم أخواننا الحجاج يتوهمون إذا حجوا بيت الله الحرام عادوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هذا الكلام لا ينصرف إلا إلى الذنوب التي بينك وبين الله، أما مغتصب لبيت وراح ليحج الحمد لله الله غفر لي، لا يوجد مغفرة هنا، مغتصب دكاناً، عليك ديون لم تؤدها، أخي حججنا فمحيت ذنوبنا، ما ذهب شيء عليك بالحج إطلاقاً، هذه كيوم ولدته أمه فقط بالذي بينك وبين الله، انتبهوا، هذا الوهم الكبير عند العوام، أما آكل أموال الناس بالحرام، تغش الناس، لك أعمال سيئة جداً، هذا المعنى لا يقبل، والمعنى غير شرعي.
((عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، قَالَ: لا، قَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ))
[ مسلم عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ]
لا يوجد غير اليمين، أي القلق الذي ينتاب المدعي إذا لم يبق له إلا يمين خصمه هو جزاء تقصيره في أخذ مستند أصولي. اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه :
الآن اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
وعن ابن عباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل حلفه:" احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء". حكم وجود البينة بعد حلف اليمين :
هناك موضوع دقيق جداً أنتم أيها الأخوة في أمس الحاجة إليه، إنسان حلف يميناً، سقطت الدعوى، لأن الخصم حلف، بعد أن حلف المدعى عليه اليمين عثر المدعي على وثيقة، على إيصال، على عقد، على شاهد، هنا اختلف العلماء، اليمين حلف، والدعوى ردت وسقطت، وبرئ المدعى عليه، فجأة المدعي عثر على وثيقة، ما الذي يحصل؟ استمعوا الآن إلى آراء الفقهاء إلى هذا الموضوع.
وقف العلماء في هذه المسألة مواقف ثلاث: منهم من قال: لا تقبل هذه البينة، بعد حلف اليمين لا تقبل، منهم من قال: تقبل، منهم من قال: تقبل بشروط، لا تقبل إطلاقاً، وتقبل إطلاقاً، وتقبل بشروط.
أما الذين رأوا أنها لا تقبل لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
فاليمين حجة، وقد حلف المدعى عليه اليمين، فهذه حجة يقوم عليها حكم، فلما حكم القاضي بسقوط الدعوى بحلف اليمين ظهرت بينة أخرى، لذلك أهل الظاهر قالوا: لا تقبل، لأنه قامت حجة كافية لإصدار حكم، ونحن عندنا قاعدة بالقضاء: إذا عندنا حجة كافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها.
أما الذين رأوا أنها تقبل، تقبل البينة بعد حلف اليمين فهم الحنفية والشافعية والحنابلة، قالوا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وهذا رأي عمر بن الخطاب رَضِي اللَّه عَنْه، حجتهم في ذلك أن اليمين في الأصل حجة ضعيفة، وهي لا تقطع النزاع، إذاً تقبل البينة بعدها لأنها هي الأصل، واليمين هي البديل، ومتى جاء الأصيل غاب البديل، الأصل السند، الأصل العقد، الأصل الوصل، لا يوجد وصل، لا يوجد عقد، لا يوجد سند، البديل اليمين، بعد أن حلف اليمين عثرنا على الأصل، الأصل إذا جاء بطل البديل، هذا رأي الطرف الآخر.
لكن العلماء الآخرون الذين قالوا تقبل بشروط، رأيهم أن المدعي إذا كان يجهل هذه البينة، لم يعثر عليها، لم يجدها، لا يعلمها، وقبل حلف يمين المدعى عليه، ثم وجدها بعد حين، أو عثر عليها تقبل هذه البينة، أما إذا أثبت المدعى عليه أن هذه البينة معلومة عنده، وفي حوزته، ولم يستخدمها بل استخدم اليمين، لأنه في زعمه أقوى فعندئذ لا تقبل هذه البينة.
إذاً الذين قالوا بعدم قبول البينة بعد اليمين انطلقوا من أن اليمين حجة تكفي لإصدار حكم، والحجة الكافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها.
والذين قالوا: تقبل البينة بعد اليمين، انطلقوا من أن البينة هي الأصل، واليمين دليل ظني، واليمين هو الخلف أي البديل فإذا وجد الأصل يجب أن يغيب البديل.
والفريق الثالث رأوا أن البينة إذا كانت معلومة للمدعي ولم يستخدمها، وآثر عليها يمين المدعى عليه لا تقبل، أما إذا عثر عليها بعد حلف اليمين ولم يكن يعلمها فعندئذ تقبل. عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي :
الآن هذا المدعى عليه قال: أنا لا أحلف اليمين، إذا عرضت اليمين على المدعى عليه لعدم وجود بينة المدعي فنكل ولم يحلفها عد نكوله في مثل هذا إقراراً للدعوى، عدم الحلف إقرارٌ لدعوى المدعي إذ لو كان صادقاً لحلف، والنكول يكون صراحة أو بالسكوت احلف بقي ساكتاً، يا أخي احلف، معنى هذا أنه نكل، أما قال: أنا لا أحلف، إما صراحة، أو بالسكوت، على كلٍّ صراحة أو بالسكوت عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي، الأرجح أنه إذا لم يحلف لا يجوز للقاضي أن يقول للمدعي إذاً أنت احلف أنك على حق، هذه اسمها رد اليمين، ما دام المدعى عليه نكل بحلف اليمين، لم يحلف، هناك من يرى أن على القاضي أن يرد اليمين على المدعي، إذاً أنت احلف أنك على حق، هذا موضوع خلافي لماذا؟ قال لأن اليمين كما قال عليه الصلاة والسلام تكون على النفي فقط لا على الإثبات، واليمين على من أنكر، يحلف مع الإنكار، أما الإثبات فلا يحتاج إلى يمين، الإثبات يحتاج إلى أدلة.
النّكول وحده لا يكفي للحكم :
أما عند الإمام مالك، والإمام الشافعي، فأن النكول وحده لا يكفي للحكم على المدعي عليه، لأنه حجة ضعيفة، أي عندنا هنا حالة شخص لا يحلف، هو على حق والمبلغ ما أخذه، وليس في ذمته لكن عنده ورعاً بحيث أن الموضوع بكامله لا يساوي عنده حلف يمين بالله عز وجل، هذا ورع، فنحن إذا إنسان رفض أن يحلف نعده متهماً؟ لا، هذا رأي الإمام الشافعي، والإمام مالك، النكول وحده لا يكفي للحكم، أنا أعرف شخصاً ولو كان على الحق مئة بالمئة لا يحلف، الله أغلى من ذلك، والدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة، ليأكل هذا المال ولا يحلف، هذا رأي الإمام الشافعي، أي ليس النكول كافياً لإصدار حكم بالاتهام، لذلك الإمام الشافعي يرى أن ترد اليمين على المدعي، احلف أنت إذاً أنك على حق، هنا يوجد مشكلة، إذا المدعى عليه استغل ورعه، هذه كثيراً ما تحدث، يكون هناك بعض المحامين عندهم حاسة سادسة، يكون الطرف الخصم ديناً، ورعاً، ولبسوه تهمة يعرف نقطة الضعف عنده، من اليمين، أكثر المحامين الذين عندهم حنكة، الخصم ما وضعه؟ إذا كان وضعه ديناً جيد، الدين عنده نقطة ضعف، وهي يخاف من الله كثيراً، يبدأ باليمين، الرد الطبيعي أن الإنسان عندما يكون ورعاً ويأبى أن يحلف اليمين لا لأنه مذنب بل لأنه متورع عن ذلك، القاضي يقول له: إذاً أنت احلف اليمين أنك على حق.
قصة معروفة لما دخل أبو حنيفة على المنصور وعند المنصور أحد خصومه وأراد هذا الخصم اللدود أن يحرجه، وأن يفسد ما بين المنصور وبين أبي حنيفة من علاقة فقال: يا إمام إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم؟ فقال أبو حنيفة لخصمه: الخليفة على الحق أم على الباطل؟ أجبني، قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق.
إذا شعر القاضي أن هذا المتهم المدعي عليه ورع، ودين، ولا يحلف اليمين، إذاً أنت أيها المدعي احلف أنك على حق، فإن حلفت نعطيك الحق، وإذا لم يحلف ردت الدعوى.
قال: هناك دليل هو أن النبي عليه الصلاة والسلام رد اليمين على طالب الحق ويبدو أن العلة هذه أن إنساناً ورعاً، لا يحلف اليمين، هل يعد هذا دليل على أنه مذنب؟ لا، لذلك النبي ردّ على من لم يحلف رد عليه اليمين، هذا الحديث الذي فيه رد اليمين من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، في هذا الحديث راوي اسمه مسروق، هو غير معروف، والراوي المجهول الحال هذا يضعف الحديث.
اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف :
النقطة الثانية: هناك أشخاص بجهل فاضح أنا حلفت لكن نويت على الخبز لا على النقود، ساذجة، جهل، حمق، طبعاً الجواب السهل البسيط : اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف، نيتك ليس لها قيمة إطلاقاً، نيتك على نية المستحلف الذي استحلفك، فأنا سمعت من أناس كثيرين أنه ظن حاله شاطراً ونوى نية أخرى، والقاضي عندما حلفه نوى نية أخرى وحلف وقال لي: نفدت، أنا ما قصدت النقود، هذا الجهل لماذا العلم ضروري يا أخوان؟ حلف يميناً غموساً وهو لا يدري، وخرج بها من الإسلام وهو لا يدري، أي من الكبائر اليمين الغموس، فلذلك اليمين على نية المستحلف فإذا حلف أحد المتناقضين، كانت اليمين على نية القاضي، وعلى نية المستحلف الذي تعلق حقه فيها، لا على نية الحالف، لما تقدم في باب الأيمان حديث صريح، حديث للنبي عليه الصلاة والسلام.
((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لكن بعض العلماء قالوا: يجوز التورية إذا اضطر إليها إذا كان مظلوماً، إما أن تقول إن الكتب السماوية مخلوقة وإما أن نقطع رأسك وكلام الله قديم، وهذه العقيدة الصحيحة، قال له: الزبور، والتوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، وقصد أصابعه هذه حالات نادرة، إذا كنت مظلوماً ظلماً واضحاً وأكيداً، العلماء قالوا: للمظلوم أن يوري يمينه، أحد الأئمة قال له: التوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، ونجا من القتل. الشاهد الواحد ندعمه بيمين المدعي :
الآن عندنا حالة ما قال له النبي الكريم:
((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
معنى هذا: شاهدان في شاهد واحد، هناك حل لطيف إذا الإنسان عنده شاهد واحد ممكن أن يستخدم هذا الشاهد مع يمينه، شاهد ويمين، شاهد شهد هذه الواقعة، والمدعي يحلف يميناً إضافة للشاهد، لو كان هناك شاهدان لا يوجد مشكلة، الشاهدان يكفيان لإثبات الحق، لكن شاهد واحد ندعم هذا الشاهد بيمين المدعي، أتينا بالشاهد، وأنا أحلف اليمين، القاضي أنا الذي أراه كلما كان قريباً من الله عز وجل الله يلهم القاضي، أي هناك بإخلاصهم في إظهار الحق، الله عز وجل يرشدهم إلى أساليب مبتكرة في كشف الحقيقة، دائماً القانون يعطي للقاضي حرية الحركة، أحياناً تنشأ عنده قناعات.
اسمع إقرار قانون المخدرات أنه لو فرضنا إنساناً بريئاً، ودس في جيبه قطعة حشيش، وأخبرت النيابة بهذا، إذا ما أعطينا للقاضي حرية حركة راح إعداماً، أو حوكم ثلاثين سنة، يجب على القاضي أن يدرس حالة الشخص، إذا ما عرف أنه يتعاطى المخدرات، سمعته طيبة، دين، إذا هذه مدسوسة عليه، يعطى القاضي حرية الحركة كيلا نقع في ظلم شديد، القوانين دائماً تعطي القاضي حرية الحركة، له قناعات، الشافعي يقول: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن، لأنه لا يمنع أنه يجوز أقل مما نص عليه. القرين القاطعة :
الآن عندنا شيء اسمه القرين القاطعة، خرج الإنسان من دار خالية، خائفاً مرعوباً، مدهوشاً، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل إلى الدار فإذا فيها شخص مذبوح هي قرينة، هنا لا يوجد إقرار، ولا شهود، ولا يمين، ولا بينة، لكن هناك قرينة، إنسان خرج من داره خائفاً، مدهوشاً، معه سكين، عليها آثار دم، دخلنا إلى الدار فإذا فيها إنسان مذبوح، هذا يسمون القرينة القاطعة، قصة وقعت في هذه البلدة.
ضابط شرطة يسكن في بناء بالطابق الثالث، نازل رأى باباً فتح، خرج منه إنسان خائف، هو قبض عليه احتياطاً، دخل إلى البيت شاهد إنساناً ميتاً وحده، على القرينة القاطعة، اتهم هذا بالقتل، طبعاً وضع في السجن، وحوكم، وحكم عليه بعشرين سنة، بعد ست سنوات إنسان اقترف جريمة، وأثناء الاعتراف اعترف بهذه الجريمة والجريمة السابقة التي اتهم بها هذا الإنسان الخائف، طبعاً صدر قرار بإطلاق سراحه، وتعويض، لي صديق كان وقت إطلاق سراحه في المحكمة، يعمل بالقضاء، بفضول منه سأله قال له: تعال إلي، أنت دخلت إلى السجن ست سنوات ظلماً، بربك هل فعلت مع الله شيئاً تستحق عليه هذا العقاب الخاطئ؟ قال له: نعم وأكثر والله، أي إذا القاضي غلط الله لا يغلط، هناك أشخاص يساقون إلى جريمة وهم منها بريئون، لكنهم اقترفوا جريمة سابقة.
حدثني قاض و الله من فمه، قال: حكمنا على إنسان قاتل بالإعدام، وكلفت المحامي أن يبلغه الحكم، قال له المحكوم بالإعدام أستاذ أنت قاتله؟ قال له: لا، قال له: وأنا ما قتلته، أنا قاتل إنساناً غيره، فأنتم اطمئنوا إذا القاضي غلط الله لا يغلط، عدالة مطلقة، لكن المشكلة أن الإنسان يحاسب بذنب آخر، أما هو من هذا الذنب بريء، بالطرف الثاني هناك مشكلة، لذلك:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 49]
هذه تابعة للحساب القديم، معروفة عندكم، الشوحة قالت لسيدنا سليمان: اسأل لنا ربك الله هل هو مهول أم عجول؟ سأله فقال له: قل لها أنا مهول و لست عجولاً، أي على التراخي، هذه شاهدت أناساً يأكلون اللحم، خطفت اللحم وطارت به، فعلقت بصة نار باللحم احترق عشها مع البيض الذي فيه، وراح كل شيء، استغربت فعادت إلى سيدنا سليمان، فقالت له؟ ألم تقل أن الله مهول كان الله عجولاً؟ قال: يا رب ماذا أقول لها؟ قال: قل لها: هذا حساب قديم، فأحياناً يكون هناك حساب قديم متداخل، هذه القرينة القاطعة.
عندنا مثل إنسان على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه يركض وراءه يطالبه بالعمامة، هذه قرينة كافية أن العمامة للثاني، معه عمامة، وبيده عمامة، والثاني بلا عمامة ولحقه، معناها قرينة كافية، لذلك بعض الأجانب عندهم شيء اسمه المحلفين، المحلفون أشخاص عاديون، يأتون بخمسين شخصاً من الشارع، ويسمعونهم وقائع الجريمة، الإنسان بالفطرة يحس أن هذا مجرماً وهذا بريئاً، فالقضاة يأخذون برأي المحلفين وهم من عامة الناس وهذا لا يوجد عليه ضغوط، أحياناً تجد الدعوى فيها ملف تلفيق، وفيها وثائق مزورة، وفيها شهود زور، أما أن يأتي إنسان من عامة الطريق اسمع القصة يقول: و الله فلان متهم، وفلان بريء، فالأخذ بالمحلفين له وجهة نظر أن هذا الإنسان لا يوجد عليه ضغوط، و ليس له مصلحة لا مع زيد، ولا مع عبيد.
قال: رجلان في سفينة، وفي السفينة دقيق، أحدهما تاجر والثاني صاحب السفينة، الدقيق لمن؟ للتاجر، والسفينة لمن؟ لصاحب السفينة، هذه قرينة كافية، أي هناك أشياء واضحة كالشمس. الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي إذا تواضع الناس واتفقوا :
الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي، لكن إذا تواضع الناس، واتفق الناس على أن تكون الوثائق كلها مكتوبة، تواقيع، وشهود، تؤخذ بها، قد تكون شهادة مكتوبة بالأصل، الدين قائم على الإدلاء الشفهي، بعت؟ بعت، زوجت؟ زوجت، لكن أحيانا أخوان يسألونني نريد كتاباً و لكن ليس كتاب محكمة، ما القصة؟ أنا أعرف لماذا، إذا ما تمّ الزواج، لأنهم متوقعون الطلاق سلفاً، إذا الزواج لم يتم لا تسجل الزوجة أنها مطلقة، جوابي على السؤال: قبل مئة سنة كيف كنت تشتري البيت؟ ترى البيت يعجبك، الثمن مناسب، معك الثمن تعطيه ثلاثمئة ليرة ذهبية، يعطيك مفتاح البيت، فقط، هذا الشراء الآن أنت تقبل أن تشتري بيتاً على المفتاح فقط؟ تريد الورقة الخضراء، الأمور تعقدت، الحياة أصبحت معقدة، الأحكام تدور مع الزمان، فكما أنه اليوم لا يمكن أن تقبل بشراء بيت بالتسليم فقط بالمفتاح، لابد من إقرار الجهات المسؤولة، كذلك في الزواج أنا أقترح وأتمنى على كل أولياء الأمور ألا يسمحوا بالزواج العرفي، هو أولاً ممنوع، والذي يجري العقد مؤاخذ، ويحاسب حساباً عسيراً، وكل الأشخاص المشبوهين يطلبون الزواج العرفي خارج المحكمة، وخارج المحكمة يكفي أن يقول لا أعرفها، وانتهى الأمر، ضاعت حقوقها، هي عند الناس زانية، لذلك كما أن البيت لا يشترى إلا بالسجل العقاري، كذلك البنت لا تزوج إلا بعد قران أصولي في المحكمة، تسمع أحياناً حجة مضحكة، يقول فيها: لا يوجد أسهل من عقد القران في الدولة، ثاني يوم يأتي القاضي إلى عندك إلى البيت، لا يوجد مشكلة أبداً إلا أن تكون في نية خبيثة، أو في نوايا غير مشروحة عند الزوج.
التناقض :
عندنا في الدرس القادم موضوعاً جيداً جداً، لكم أن تستخدموه أنتم: التناقض، إذا وقع الشهود في تناقض، أو وقع في الاعتراف تناقض، فالتناقض دليل قطعي على إبطال الدعوى، أو على أن المدعي ليس صادقاً في دعواه، فالتناقض موضوع أيضاً ضروري جداً أن نصل إليه، أنا بالمناسبة هذا الموضوع ليس اختصاصياً، أنا أحكي الأشياء الأساسية، مبسطة مع الأمثلة لكم، للخلافات المنزلية، أب عنده أولاد، تاجر عند موظفون، أي أنت قاض شئت أم أبيت، هذه بعض الأشياء الأساسية في القضاء، أما التفاصيل في مجلات، وفي اجتهاد محكمة النقد، وفي أراء للعلماء مفصلة بالموسوعات الفقهية، وفي تفاصيل أنتم في غنى عنها طبعاً، أما القاضي عليه أن يعلمها كلها، والمحامي، ومن يعمل في القضاء، هذه من لوازم حرفته، أما أنتم فنعطيكم كما قال المثل تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء، هي باب شيء عن كل شيء.

السعيد
09-17-2018, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : التناقض في الشهادة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التناقض :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن ننتقل اليوم إلى موضوع يعد أحد الأدلة السلبية في القضاء، ألا وهو التناقض، وقبل أن نمضي في الحديث عن التناقض، وعن تناقض الشهود، وعن تناقض المدعي، وعن تناقض البينات، لابد من وقفة قصيرة حول موضوع التناقض في شكل عام.
لا أبالغ إذا قلت: إنه ما من صفة في الإنسان أحطّ من التناقض، لأن الإنسان إذا تناقض تخلى عن إنسانيته، وتخلى عن عقله، والناس يراقبونه مراقبة دقيقة، مهما يكن الإنسان صغير السن، أو ضعيف الملكات، بإمكانه أن يكشف التناقض بشكل جلي واضح، تناقض الأفكار، تناقض العادات، تناقض السلوك، تناقض الأقوال، فالصفة الذميمة الدنيئة في الإنسان أن يتناقض في تصرفاته، وفي أقواله، وهذا الموضوع يقودنا إلى موضوع أخلاقي هو في الأساس موضوع قضائي، لكن التناقض يقودنا إلى موضوع أخلاقي.
فالذي يعامل الناس كما لا يحب أن يعاملوه إنسان متناقض،الذي يعامل الأشخاص البعيدين عنه بعكس ما يعامل القريبين منه، أي الذي يزين بميزانين، يكيل بمكيالين، مصالحه، وعلاقاته النسبية تؤثر في أحكامه، هذا إنسان وقع في أحط دركات التناقض، وأحط دركات الإنسانية، لذلك الشيء الذي يؤلم ولاسيما ما تسمعونه وما يجري في العالم اليوم من تناقض، أي الأقوياء يقيسون بعدة مقاييس، لهم عدة موازين، يسلكون مع الشعوب الضعيفة سلوكاً، ومع الشعوب الأخرى سلوكاً آخر، يعلنون أفكاراً لا يلبثون أن يتخلوا عنها في منطقة أخرى وفي مجتمع آخر، لذلك كما أقول لكم: ما من شيء يهبط بالإنسان إلى أدنى مستويات الدناءة كأن يكون متناقضاً، أو أن يقيس بمقياسين، أو أن يكيل بمكيالين، والإنسان حينما ينحرف يناقض، المستقيم لا يتناقض أبداً أما حينما يكذب، سوف يكذب في هذا الموطن، وينسى ما قال في موطن آخر فيتكلم في كلام آخر، لذلك لا يمكن لإنسان أن يكذب دون أن يكشف، كيف يعرفون الكاذب؟ هناك في علم النفس روائج للكذب، يوجهون له مئة سؤال، كل هذه الأسئلة حول موضوعات عديدة، لكن بصيغ مختلفة، إذا أراد أن يكذب، يكذب في جانب، ثم يصدق في جانب آخر، يكشف تناقضه فيعرف أنه كاذب، أي كم دخلك في الشهر؟ يعطي رقماً كبيراً، ممَ تعاني؟ يقول لك: أنا أعاني من عدم القدرة على الالتزام بين دخلي ومصروفي، الآن قلت إن دخلك كبير، روائج الكذب أساسها التناقض، موضوعات محددة تطرح عليها أسئلة عديدة، مختلفة فإذا صدق في جهة وكذب في جهة يكشف تناقضه وبالتالي يتبين كذبه.
على كلٍّ دائماً أقول لكم الحديث الشريف:
((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا، إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]
الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان، ولا تنسوا المثل الذي طرحته لكم من قبل أن اللبن في البيت يتحمل ضعفيه ماء، ممكن تعمل لبناً ممدداً، عيران، لكن اللبن لا يتحمل نقطة واحدة من النفط تلقيه في المهملات، إذا شعرت أن فيه راحة نفط. تناقض الكذب مع الإيمان :
لذلك الكذب يتناقض مع الإيمان، الإيمان لا يقبل الكذب إطلاقاً والخيانة، من الذي يكشف الكذب؟ التناقض، فالإنسان إذا كذب في البيع والشراء تجده يتحدث حديثاً يكون هناك شخص اشترى منه هذه الحاجة، الله وكيلك رأسمالها كذا، بعد سنة أو ستة أشهر يتكلم قصة عن شراء هذه البضاعة أخذناها لهطاً، أخذناها بسعر قليل، ينسى أنه قد باع زبوناً وقال رأسمالها غال عليّ، ينكشف، من أراد ألا يظهر التناقض لا يكذب إطلاقاً، إنه إن كذب ولو مرة لابد من أن ينكشف، والإنسان إذا كذب سقط من عين الآخرين، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا طلع على كذب بعض أهله، كان يقاطعهم إلى حين طويل، لشدة ألمه، لشدة اشمئزازه من الكاذب.
على كلٍّ القاضي والمحقق حينما يكتشف أن هناك تناقضاً في الإفادة يعلم علم اليقين أن في هذه القضية إثبات ضد هذا المتهم، التناقض شيء مهم جداً، يكشف كذب الشهود، يكشف كذب الإدعاء، يكشف كذب البينات.
من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها قبل صدور الحكم يعاقب :
قال: إذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها في حضور القاضي قبل إصدار الحكم تكون شهادتهم كأن لم تكن، لكن يعذرون، معنى يعذرون أي يعاقبون، أدلى بشهادة أمام القاضي، والقاضي قبل أن يصدر الحكم قال له الشهود: لا نحن كنا مخطئين، الحدث وقع كمايلي، إذا أدى الشهود بشهادة متناقضة لشهادتهم الأولى عندئذ القاضي يعاقبهم. ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء: 36]
هل تصدقون أيها الأخوة أن جريمة قتل وقعت بسبب شهادة كاذبة، امرأة قدمت تحليلاً لتعرف ما إذا كانت حاملاً أم غير حامل، طبعاً المخبر لا يعرف لمن هذا التحليل، الموظف المكلف بالتحليل وقع هذا الأنبوب من يده، انتهى، فخاف من الطبيب أن يعنفه فكتب: الحمل إيجابي، هي فتاة، هناك مشكلة عائلية، وتهمة كبيرة، وهي بريئة، اتفقوا على أن يحللوا، فلما جاءت النتيجة إيجابية قتلت الفتاة، ذبحت، لأن هذا الموظف ما انتبه قال: نضع إيجابياً نبشر الجماعة، هي قضية خطيرة جداً، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء: 36]
أي القضية ممكن أن يظهر منها مضاعفات خطيرة جداً، يجوز أن تقع جريمة، أو طلاقاً، أو تشرد أسرة، أو تضيع الحقوق، من أجل الإدلاء بشهادة غير صحيحة.
أيها الأخوة الكرام، الإنسان كلما عرف حدود مسؤولياته يتأدب مع الله عز وجل، ويتأدب مع الخلق، إذاً هذا الشاهد أدلى بشهادة، ثم أدلى بشهادة مناقضة، القاضي عليه أن يعاقبه، لكن هذه الشهادة الأولى كأن لم تكن، تلغى، ويحكم القاضي في ضوء الشهادة الجديدة التي أدلى بها الشاهد مناقضة للشهادة السابقة. من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها بعد صدور الحكم لا ينتقد الحكم :
قال: أما إذا رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حضور القاضي، فلا ينتقد الحكم الذي حكم به، ويضمن الشهود المحكوم به، أي إذا أدلى الشاهد بشهادة، والقاضي اتخذها حجة، وأصدر قراراً، ثم جاء الشهود إلى القاضي، وأدلوا بشهادة مناقضة للشهادة السابقة، وكان القاضي قد أصدر الحكم، هذا الحكم نافذ، لكن الشهود يضمنون كل الأضرار التي لحقت بالمحكوم عليه.
وقد روي أن رجلين شهدا عند الإمام علي كرم الله وجه على آخر بالسرقة فقطع يده، ثم عادا بعد ذلك برجل غيره قائلين: إنما السارق هذا، كنا مخطئين، بعد أن قطعت يده، فقال علي كرم الله وجهه: لا أصدقكما على هذا الآخر، وأضمنكما دية يد الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً، قطعت أيديكما، لا أصدقكما على هذا الآخر وأنتما تضمنان دية اليد المقطوعة، الآن الموضوع سوف يأخذني إلى موضوع آخر ليس له علاقة بالفقه له علاقة بالطب.
الانتباه في العمليات الجراحية و خاصة الاستئصال :
أيها الأخوة الكرام، إذا كان هناك موضوع جراحي، استئصال، لا تكتفي برأي طبيب واحد، زارنا طبيب كريم في أحد خطب الجمعة وبعد الخطبة حدثني بقصة يشيب لهولها الولدان، امرأة استأصل ثديها على أساس أنها مصابة بورم خبيث، الذي استأصل الثدي أرسلها إلى طبيب آخر ليجري لها الأشعة، لئلا ينمو مرة ثانية، الطبيب الثاني طبيب متفوق جداً، نظر إلى البنية النسيجية لم ير فيها أثر السرطان إطلاقاً، فتوجه إلى الطبيب الأول، وقال له: أنت أرسلت لي هذه المريضة كي أجري لها الأشعة، والأشعة كما تعلم تؤذي الرئة، لكن تضمن عدم نمو السرطان مرة ثانية؟راجع نفسك وتأكد، فلما تأمل الطبيب الأول بطبيعة النسيج قال:والله معك الحق، لا تجري لها الأشعة، أي كان هناك خطأ بالاستئصال، فقال لي الطبيب وأنا شاكر له: أستاذ أي شيء فيه استئصال لا يمكن أن يكون برأي طبيب واحد، بعد حين أحد أخواننا الكرام قال لي: ابنتي تحتاج إلى استئصال كلية والعملية غداً، يجب أن نجريها فوراً و هكذا قال الطبيب، قلت له: قف، اذهب إلى طبيب آخر، وطبيب ثالث، الطبيب الآخر قال: ممكن أن تعمل بعد فترة، لم ير من المناسبة أن تستأصل، بعد شهرين أو ثلاثة عادت الكلية إلى وضعها الطبيعي، هذه ليس لها علاقة بالفقه، هي بالطب شي اسمه استئصال، لا يمكن أن يكون بناء على طبيب واحد، إذا دخل مبضع الجراح مشكلة كبيرة جداً، الإنسان الله عز وجل أعطاه عقلاً، طبيب واثنان وثلاثة ومجمع أطباء، وتواتر، وتحاليل، حتى نقرر استئصال هذا العضو، أما لنصيحة واحدة، لتوجيه واحد، لرأي واحد، هذا لا يكون، هذه نصيحة قدمها هذا الطبيب الكريم، قال: أستاذ بالاستئصال لا يمكن أن يبنى على رأي طبيب واحد، لأنه عانى، قال لي: أنا عانيت شيئاً كثيراً، طبعاً هو كان اختصاصه في الأورام الخبيثة.
تناقض الشهود بعد إصدار الحكم دليل فسقهم :
هذا السارق قال: إنما السارق هذا، فقال علي: لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً لقطعت أيديكما، لا تنس:
﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء: 36]
أحياناً تمسك القميص تعمل هكذا أي تحركه، أربع حركات يطلقون امرأة، هل تعلم والله فلان أخذ فلانة، خير إن شاء الله، الله ما بيننا وبينها هذه الحركة فقط تطلقها: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء: 36]
هذا الذي يرى يظن أنه يرى ولم ير، يظن أنه سمع ولم يسمع، يفكر فيتهم، يحلل فيفتري، هذا يحاسب، لذلك أيها الأخوة الكرام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
[ سورة الحجرات: 6]
إذا تناقض الشهود بعد إصدار الحكم لماذا يثبت الحكم؟ العلماء قالوا: إن الحكم ثبت بقول عدولٍ، وسبب شرعي، ودعوى الشهود بعد ذلك، الكذب اعتراف منهم أنهم فسقة، والفاسق لا ينقض الحكم لقوله، سيبقى الحكم على ما كان عليه، هذا رأي. رجوع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود :
هناك رأي آخر أن القاضي ولو أصدر حكماً مبرماً، بناء على شهادة شهود، ثم هؤلاء الشهود أدلوا بشهادة مناقضة للشهادة الأولى، القاضي عليه أن يرجع لأن الحق قديم والرجوع عن الخطأ فضيلة، وعندنا قاعدة أساسية أن الحدود تدرأ بالشبهات، ما دام الشاهد الذي بنيت عليه الحكم أيها القاضي تناقض بشهادته، وتراجع عن شهادته إذاً الدليل أصابه شبهة، إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل الاستشهاد به، وبطل الاستدلال به، هذا الرأي الثاني.
الرأي الثاني يجب أن يرجع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود، لكن في كل الأحوال الشاهد المتناقض يعاقب، يعاقب لأنه افترى، أولاً: ضلل القاضي، وثانياً: أوقع القاضي في ظلمٍ شديد، والظلم ظلمات يوم القيامة، وعدل ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، أن تعدل ساعة.
ضرورة براءة الذمة :
الآن عندنا شيء آخر: المدعي تناقض، فهمنا تناقض الشهود قبل الحكم وبعد الحكم، قبل الحكم كأن لم يشهدوا ويعاقبوا، وبعد الحكم هناك اتجاهان، إما أن يثبت الحكم، ويعاقب الشهود، وإما أن يرجع القاضي عن حكمه بناء على أن الاحتمال تطرق إلى الاستدلال، والحق قديم، والرجوع عن الخطأ فضيلة، أما إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه، بطلت الدعوى، انتبهوا أيها الأخوة هذا أخطر حكم بالدرس، إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، مثلاً إذا أقرّ إنسان بمال لغيره، ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، بالقضاء تعريف أو مصطلح مشهور: لم تسمع الدعوى، شطبت الدعوى، أو لم تسمع، أو لا تقبل هذه الدعوى، لا تقبل في الأصل، ولا تقرأ، ولا يلتفت إليها، الإنسان مأخوذ بإقراره، مسؤول بإقراره، أحياناً يقر، ثم يرى شيئاً آخر يطالب القاضي يقول: الدعوى ساقطة، الدعوى مشطوبة، الدعوى لا تسمع، الدعوى مرفوضة شكلاً ومضموناً، انتهى الأمر، فقبل أن توقع، قبل أن تقر، الإنسان مأخوذ بإقراره، ودائماً أقول لكم: عند أهل الدين نقطة ضعف، إذا كان الرجل ديناً وعدك، أنت وعدتني، يقول له: أنت وعدتني، أنت صاحب دين، أنت تصلي، أنت ابن مشايخ، وأنت ابن جوامع، هكذا قال له دينك؟ دائماً الإنسان الذكي غير المؤمن يعرف نقطة ضعف المؤمن، المؤمن يخاف على سمعته، ألم تعدني أنت؟ لماذا تراجعت؟ أين العهد؟ يعمل درس مزاودة، كلمة حق أريد بها باطل، أما إذا كان بعض الناس يشعرون إذا القضية تحل عند المشايخ، يذهبون إلى المشايخ، سيدي نريد حكم الشرع في هذه القضية، يكون هناك مئة ألف قضية يلجأ فيها إلى القانون، إلا هذه لا يستفيد منها لأن القانون مع فلان، ويعرف أن الشرع ينصره فيلجأ إليه، هذا الأسلوب باطل، إذا لقيت القضاء طريقه مسدود تأتي إلى المشايخ، سيدي نحن نريد الشرع، يكون بيته غر شرعي، ولا بيعه شرعي، ولا أهل بيته شرعيون، ولا سلوكه شرعي، لا يوجد عنده شيء شرعي، يريد مصلحته، هناك قانون يحمي الموظف، إذاً لا يوجد غير الشرع، ملك حر هذا.
على كلٍّ هذا الذي أقوله واقع، قبل أن تقر، قبل أن توقع، قبل أن تبصم، قبل أن توافق، انتبه، إذا بدا لك في المستقبل شيء لا تستطيع أن ترجع، اشتريت البيت، ابحث عنه قد يكون مرهوناً، قد يكون عليه تنظيم، قد يكون عليه تجاوز، أملاك عامة، قد يكون عليه مشاكل كثيرة، قبل أن توقع، قبل أن تقر، يجب أن تتأكد من إقرارك.
إذاً: إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، فإذا أقرّ بمال لغيره ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، أخي عملنا براءة ذمة، يقول له: بريء الذمة فيوقع، تراجع الدفاتر تظهر لك معه عشرة آلاف وقد أعطيته براءة ذمة، راحوا عليك العشرة آلاف، أنت أبرأته انتهى الأمر، لذلك عد الخطأ والنسيان، إذا أنت أبرأت شخصاً تحفظ، عد الخطأ والنسيان، أو أمهل البراءة حتى تراجع دفاترك، أي الملخص أن الإنسان مأخوذ بإقراره، بعدما يقر لا يوجد يتراجع لأن الإنسان ليس طفلاً، قال: إذا أبرأ أحد آخر من جميع الدعاوى فلا يصح له أن يدعي عليه بشيء، أبداً، إذاً أخطر شيء براءة الذمة، أحياناً شريكان يتفككوا، براءة ذمة، أحياناً زبون ومورد يتفككوا براءة ذمة، براءة الذمة خطيرة جداً.
قال: المدعى عليه يجوز أن يقدم البينة التي يدفع بها دعوى المدعي ليثبت براءته إذا كانت لديه هذه البينة، فإن لم تكن لديه هذه البينة جاز له أن يقدم بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود، وتجريح بينة المدعي، ممكن أن تقدم أنت بينة تناقض البينة التي أقيمت عليك، ممكن أن تقدم شهوداً يطعنون بالبينة التي أخذت بها، لأنه إذا قدمت بينة مناقضة للأولى أو قدمت شهوداً طعنوا بالبينة، فصار هناك تناقض، والتناقض يحل أي مشكلة.
إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسمت الذمة مناصفة :
أحياناً وهذا يقع في كل علاقاتنا المالية، عليك ذمة لإنسان طالبك فيها أنت تذكر أنك دفعتها، عندك ظن، هو يذكر أنه لم يأخذها منك، لا معه هو دليل، ولا معك دليل، أو معه دليل، ومعك دليل، أنت كاتب بدفترك دفعة لفلان، وهو كاتب بدفتره فلان لم يدفع، أي على الحالتين دفتره عكس دفترك، أو ظنه عكس ظنك، فالنبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الحالة حكم بالنصف، أي إذا صار هناك خلاف على عشرة ليرات، لا يوجد دليل قطعي أو على عشرة آلاف، أو خمسة آلاف، أنت لست متذكراً، وهو ليس متذكراً، أنت لست متأكداً دفعت، هو ليس متأكداً أنك دفعت، وقع في مشكلة، هنا تناقض إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسم المدعى بين المدعي والمدعى عليه مناصفة، هكذا فعل النبي:
((عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ))
[أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]
أي ثمنه طبعاً، الأريح للنفس سجل، خذ توقيعاً، الآن كل قضية مثلاً تحاسب السمان أخي كم الحساب؟ يقول لك: ثلاثة آلاف، تدفعهم وتمشي، بعدما أخذهم منك، دخل زبون طلب منه حاجة لم يسجل، بعد شهر نسي الدفعة، قال: لنا معك أستاذ ثمانية آلاف، تقول له: لماذا ثمانية آلاف لقد دفعت لك ثلاثة آلاف، يقول لك: لكن ذلك غير مسجل عندي، تدخل معه بنقاش، الأولى ألا تخرج من المحل ليكتب سددت، خالص، وقع، التاريخ، أنهي الموضوع، لاحظت أنا ملاحظة الإنسان كلما كان دقيقاً في تعامله مع الآخرين ريح حاله، ريح حاله من الإحراج، من جلسات التحكيم، من المناقشة، من العي بالتعبير الشائع، ريح حاله من أنه متهم، من الكلام الغير مقبول، هناك متاعب لا يعلمها إلا الله أساسها الإهمال، خذ وصلاً، خذ توقيعاً، وقع له، قل له: سدد، اكتب خالص، اكتب الدفعة وصلت، دفع ومشى، قبض ما سجل، أخي دفعنا، لا لم تدفع، والإنسان سبحان الله أميل أن ينسى الذي عليه، وأميل أن يتذكر الذي له، يتذكر الدفعة مرتين، أخي دفعت، أكيد دفعت لي، الإنسان يميل لأن يتذكر لمصلحته وينسى لمصلحته، ومن كتب حجة على من لم يكتب إذا إنسان لم يسجل المسجَل حجة عليه، أيضاً: ((عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ]
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، فإذا كان في يدي أحدهما بينة فعلى خصمه البينة، فإن لم يأتِ بها فالقول لصاحب اليد مع يمينه، فالأرض بيد من؟ بيد فلان، إنسان ادعى ملكها، صار هناك دعوى وصار هناك يد، إن جاء بالبينة انتهى الأمر، إذا لم يكن هناك بينة هي لمن بيده مع يمينه، البينة على من ادعى واليمن على من أنكر، ولو جاء كل واحد ببينة، أرض هذا أحضر حجة قديمة، وحجة أخرى قديمة، صار عندنا حجتان متكافئتان ومتناقضتان، فالقاضي يرجح لمن الأرض بيده، يرجح البينة مع شمول اليد على هذه الأرض، أيضاً هناك شاهد آخر أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما نتجت عندي، وأقام بينة، فقضى بها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن هي في يده أخرجه البيهقي. على الشاهد أن يحلف اليمين قبل أن يدلي بشهادته :
كلكم يعلم الآن أن الشاهد قبل أن يدلي بشهادته يحلف اليمين على كتاب الله، هذا إجراء أخير، إجراء مستحدث، الأصل أن الشاهد صادق، الأصل الإنسان بريء ما لم تثبت إدانته، لكن الآن لشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، أنا سمعت أمام المحاكم تريد شاهداً يا أخ؟ يعرضون أنفسهم، يقول له: أنا أرخص منه، لضعف الإيمان، ولشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، صار هناك إجراء مستحدث، أن الشاهد تقوى شهادته باليمين، قال: إن عدالة الشهود في هذا الزمن قد أصبحت غير معلومة، فوجب تقويتها باليمين، هذا رأي مجلة الأحكام العدلية، هذه المجلة تعد أعلى مرجع تعديلي في الحكم العثماني، أحكام المجلة إذا ألح المشهود عليه، على الحاكم قبل الحكم تحليف الشهود أنهم لم يكونوا في شهادتهم كاذبين، وكان هناك لزوم لتقوية الشهادة باليمين كان للحاكم أن يحلف الشهود، وأن يقول لهم إن حلفتم قلبت شهادتكم وإلا فلا.
الآن لأتفه قضية، ولو قضية تموينية، التسعيرة نازلة من على القماش، الشاهد يجب أن يحلف على كتاب الله، هذه نقطة ضعف فينا من ضعف الإيمان، من شيوع الكذب، من كثرة شهود الزور، صار القاضي لا يقبل الشاهد إلا مع تقوية الشهادة باليمين، لأنه لما سألوا الكاذب تحلف؟ قال: جاء الفرج، ومع ذلك هناك من يحلف على غير ما هو كائن، و عند الأحناف الشاهد لا يمين عليه لأن لفظ الشهادة يتضمن معنى اليمين.
شهادة الزور من أكبر الكبائر :
أما شهادة الزور فهي من أكبر الكبائر، ليست كبيرة فقط بل من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر، لأنها مناصرة للظالم، وهضم لحق المظلوم، وتضليل للقضاء، وإيغار للصدور، وتأريث للشحناء بين الناس.
القرآن الكريم فيه قاعدة، أن المعطوف والعطوف عليه لابد من أن يكونا مشتركين في شيء واحد، العطف يقتدي المشاركة، والعطف يقتدي المجانسة، والمثل معروف لا أحد يقول: أنا اشتريت سيارة وملعقة لا يتناسبون، هذه ثمنها ثلاثة عشر مليوناً وهذه ثمنها خمسة ليرات لا يتناسبون، ما اشتريت مثلاً أرضاً ومحفظة، لا يتناسبون، فالعطف يقتدي المشاركة، اسمع الآية الكريمة يقول الله عز وجل:
﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾
[ سورة الحج: 30]
أي الله عز وجل جعل قول الزور قريباً من عبادة الأوثان. ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ ))
[ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
الآن هناك تعاون كبير بين الناس، أنا أشهد معك، وتعلم أنه مبطل، وتعلم أنه آكل حقوق، وتعلم أن خصمه مظلوم أنا أشهد معك، أين يمشي الناس؟ (( لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ ))
[ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
و: ((عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ ))
[ متفق عليه عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ]
هل تصدقون أن أكبر قول زور أو أن أكبر شهادة زور أن تقول على الله ما لا تعلم، والآية الكريمة التي ذكرت أنواع المعاصي آخر شيء على أنها أخطر شيء: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:169 ]
تنفر الناس من حضرة الله عز وجل، وتفسر الآيات تفسيراً غير صحيح، توهم الناس أن عز وجل قد تعبده طوال حياتك، وإذا شاء وضعك في جهنم، هكذا، أنت تقدر أن تعارضه؟ لا أقدر أن أعارضه، هذا الكمال الإلهي، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا، أين قوله تعالى؟ ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة غافر: 17]
أين قوله تعالى؟ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 49]
أين قوله تعالى؟ ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 124]
أين قوله تعالى؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة:7]
خمسون آية أو ستون آية تبين نزاهة الله سبحانه وتعالى المطلقة، وأنت تريد أن تقنع الناس أن هذا العبد يمضي كل حياته في طاعة الله وقد يضعه في النار لا لشيء، هل أنت بإمكانك أن تسأله؟ أنت في ملكه وهو حر في ملكه؟ هكذا يقول لك، هذا الكلام غير صحيح، هذا الكلام منفر، هذا الكلام ما أراده الله، هذا الكلام يبعد الناس عن الله عز وجل، أنا أرى أن هذا الكلام عن الله من أكبر الكبائر، أكبر شهادة زور، أكبر قول زور أن تتهم عدالة الله، أن تتهم رحمة الله، أن تبين أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم عباده. ((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
أي أعادها مرة، وثانية، وثالثة، لأن هذه الشهادة تُضيع الحقوق، تعين الظالم على ظلمه. شهادة الحق أعظم شهادة :
أنا ذكرت قصة قبل درسين على ما أذكر الآن مناسبة جداً، ولها علاقة بهذا الموضوع، القصة أن إنساناً مؤمناً توفي رحمه الله أعرفه جيداً، رجل مستقيم، وورع، وملتزم، وابن مساجد، ساكن ببيت قد استأجره، ورفع الأجرة مرات عديدة حتى بلغت الأجرة أكثر من ثلثي راتبه، وما عاد بإمكانه أن يرفعها، أصحاب البيت يريدون البيت، صاحبة البيت سألت محامياً، قال لها: لا يوجد غير طريقة واحدة، أن تدعي عليه بالفساد الأخلاقي، أقيمت عليه دعوى فساد أخلاقي، أنه كان يكشف عورته أمام جيرانه، هكذا اشتكت، دعوى قذرة، هذه تريد شاهداً، جاءت المدعية بابنتها شاهدة، فالقاضي بحسب ما اتفقنا بالشهود رفض هذه الشهادة للمحاباة، وهذا مرّ معنا سابقاً، فقال لها: ابحثي عن شاهد آخر أو عن شاهدة أخرى، عندهم بالبيت طالبة جامعية قالوا لها: هل تشهدين معنا؟ قالت: لهم نعم أشهد، وجدوا أن الفرج قد جاء، وانحلت القضية، إذا شهدت هذه الطالبة بمضمون الدعوى أخلي البيت، واستعيد، هذه الطالبة رسمت خطة، بعد شهر جاء موعد الدعوى، والقاضي استحلفها على كتاب الله، وقال: هل رأيته يفعل هذا؟ قالت له: والله يا سيدي لم ينظر إلى امرأة إطلاقاً، ما رأيت أعف منه، ولا أشد حشمة وأدباً، هي خافت أن يبحثوا عن شاهدة تشهد لهم، فقبلت هي حتى تشهد بالحق وشهادتها كانت الحكم الفاصل.
لا يوجد أعظم من شهادة الحق، أحياناً حادث سير يكون السائق واقفاً، يزور الضبط ويكتب أنه كان منطلقاً بسرعة عالية، مقابل أشياء، فنحن عندما نشهد شهادة حق وفق ما وقع هذا عمل عظيم.
الظلم ظلمات يوم القيامة :
قلت لكم: إن حجراً ضجّ بالشكوى إلى الله قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً في بيت الخلاء - القصة رمزية - قال له: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، أي الحجر في المرحاض أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاض ظالم، الظلم ظلمات يوم القيامة، لا يوجد شعور مسعد يفوق أن تحكم بالعدل، أو أن تكون منصفاً، أحياناً بالبيت كنة مظلومة، كلهم ضدها، ليس لها نصير أبداً، تعمل ليلاً نهاراً، دائماً عليها ضغط، دائماً حماتها تخرب العلاقة بينها وبين زوجها، أي لا نصير لها أبداً، هناك نساء مضطهدات واللَّه كبير، إنسان يظلم امرأته ويقول: ليس لها أحد إنها مقطوعة، الله وراؤها، الله عز وجل هو وكيلها، والله كبير وعقابه أليم، وبطشه شديد، هذا الدرس ليس للقضاة، هذا لنا كلنا، على الإنسان أن يكون منصفاً بين كنته وبين ابنته، وبين ابنه وبين صهره، بين فلان وفلان، بين جيرانه وبين شركائه، أحياناً يكون هناك شريك قوي، المحل باسمه، والرخصة باسمه، والامتياز باسمه، و شريكه الثاني ضعيف لكن قد دفع معه مالاً، وضعيف الشخصية، لكنه مسيطر عليه، يشغله ليلاً نهاراً، ولا يعطيه حقه، الله كبير، فالإنسان أنا أقول عندما تنفك شركة، أو يصير طلاق، الله مع المظلوم دائماً، بالمستقبل يكشف لك من هو المظلوم، المظلوم يوفق والظالم يمحق.
فهذه الموضوعات مرة ثانية وثالثة قد تتوهمون أنها لا علاقة لنا بها، لا يوجد إنسان ليس له علاقة فيها، كلمة الشهادة، وكلمة التناقض، واحلف يميناً، والدليل معك، و من قال لك هذا الكلام؟ الإنسان لا يشعر يكون مرة قاضياً، ومرة مدعياً، ومرة مدعى عليه، ومرة شاهداً، ومرة متناقضاً، ومرة يحلف يميناً، ومرة يكذب، ومرة يصدق، هذا كله يجري في حياتنا اليومية.
الالتزام أجمل شيء بحياة الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، أجمل شيء بالحياة أن يكون الإنسان ملتزماً، من إنسان يقف عند حدود الله، يقف عند الأمر والنهي، يعرف ما له وما عليه، إنسان يعيش مطمئناً، يحيا سعيداً، يحيا حميداً بين الناس، يحيا متألق الاسم، هناك أشخاص يقولون لك: أنا لا أعرف قصر العدل، ما دخلت لمخفر بحياتي، والله هذا وسام شرف، لأنه يعامل الناس بأصول، إن تعامل مادياً هناك إيصالات، وعقود، لا يوجد مجال للكذب والافتراء، وفي الأصل لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، بالأصل إذا أنت لك أصدقاء غير مؤمنين هؤلاء ألغام إن شاركتهم يأكلوا مالك، إن أحسنت لهم يسيئوا لك، إن سلمت لهم يطعنوك، إن صدقتهم يكذبوك، إن أمنتهم يخونوك، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، والإنسان يتعلم، لكن هناك فرقاً بين أن يأتي خبير بالألغام ويقول لك: انتبه هذه قنبلة، ابتعد عنها، وبين أن تكشفها بنفسك، إذا امتحنتها بنفسك وانفجرت بين يديك، عرفتها قنبلة، لكن لم يعد بحياته وقت ليستفيد من هذا الدرس، هذه النقطة دقيقة جداً، أحياناً يقع الإنسان في مشكلة مدمرة ينتهي بجلطة إلى القبر رأساً، أخي اتعظنا، لم يعد هناك وقت لأن تتعظ، مرة إنسان دخل للمستشفى طبعاً كان مدمن تدخين، صار معه سرطان بالرئة، زاره أحد أقربائي، و يكون أيضاً قريبه، زاره قال له: أنا لي مع هذه السيجارة حساب طويل لكن عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج منها، خرج ميتاً، أي حساب طويل هذا؟ تحاسبت وخلصت، وانتهى الأمر، قال له: لي حساب معها طويل عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج إلا ميتاً، انتهى، هذه القصة أنه أحياناً السعيد يأخذ خبرات جاهزة، من هو الخبير؟ الله عز وجل قال:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14]
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
الله وحده الخبير، نحن خبراتنا تأتي بالتراكم، خبراتنا محدثة تتنامى، أما الله عز وجل فخبرته قديمة، كل إنسان يهتدي بهدي الله عز وجل لا يغلط أبداً، لا يضطر أن يدخل إلى محاكم، ولا إلى مخافر، ولا تتمرغ سمعته في الوحل، لأنه بالأساس قال له يا عمر ما بلغ من دهائك؟ قال له: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، قال له: أما أنا والله لا أدخل مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، إذا أنت دخلت وخرجت، أنا لا أدخل إطلاقاً، أيهما أذكى؟ لا يدخل إطلاقاً، هذا دخل وخرج، أما الأذكى فلا يدخل إطلاقاً.
هذا الكلام إن شاء الله نحن نطبقه، وأنا أحبّ الإنسان أن يكون منصفاً، ويكون منهجياً، الشهادة هكذا، اليمين هكذا، الدعوى هكذا، البينة هكذا، التناقض هكذا، لعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا بهذا الفقه، والفقه ضروري جداً، إذا أحبّ الله عبداً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه.

السعيد
09-17-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : الاكراه يغير الحكم






الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الإكراه :
أيها الأخوة الأكارم، من لوازم بحث القضاء في الفقه موضوع دقيق دقيق هو الإكراه، أي القاضي إذا أراد أن يحكم على إنسان وثبت لدى القاضي أن هذا الإنسان كان مكرهاً فيما فعل فالإكراه يغير الحكم كله، ولكن ما من موضوع في الفقه ماع بين أيدي الناس أو تبخر حتى أصبح كالغاز كهذا الموضوع.
معلوم لديكم أن الأشياء الصلبة حجمها ثابت وشكلها ثابت، وأن الأشياء المائعة حجمها ثابت وشكلها متغير، وأن الأشياء الغازية حجمها متغير وشكلها متغير.
ما من موضوع في الفقه الإسلامي ماع أو تميع أو تبخر فأصبح كالغاز بين أيدي المسلمين كموضوع الإكراه، أو موضوع الاضطرار، يرتكب المسلم معظم المعاصي وهو مضطر، فما حدود الضرورة؟ أقول لكم وأعني ما أقول: إن من أخطر الموضوعات أن يعلم المؤمن ماذا تعني الضرورة، ما معنى الضرورات تبيح المحظورات؟ ما معنى الإكراه؟ أما كلما شعرنا أننا بحاجة إلى شيء ادعينا أننا مكرهون، أو مضطرون، من أجل تحقيق الحاجات الثانوية ندعي الإكراه، وندعي الضرورة.
الإكراه في اللغة :
أيها الأخوة الكرام موضوع الإكراه موضوع دقيق دقيق، له حدود دقيقة عند الفقهاء، لأن أكبر حجة يحتج بها الإنسان في التعامل الربوي أحياناً، في ارتكاب المحظورات المتعلقة بكسب المال، أو بإنفاق المال، أو بعلاقته بالنساء، أكثر المعاصي مغطاة عند المسلمين مضطر ماذا أفعل؟ أنا مضطر، من أجل الضرورة يفعل كل شيء، هذه كلمة الضرورة ليس لها حدود، أما أنها مائعة فتمط كيفما نشاء.
العلماء قالوا: الإكراه في اللغة حمل الإنسان على أمرٍ لا يريده طبعاً أو شرعاً، حمل الإنسان قهراً، وجبراً، وغصباً على أن يفعل شيئاً، أو على أن يقول شيئاً لا يريده، لا بحسب طبعه، أو بحسب الشرع، هذا في اللغة، أما في الشرع فحمل الغير على ما يكره بالوعيد بالقتل، أو التهديد بالضرب، أو السجن، أو إتلاف المال، أو الأذى الشديد، أو الإيلام القوي الذي لا يحتمل، متى تستجيب؟ إذا هدد الإنسان بالقتل، أو بقطع أحد أعضائه، أو بالتعذيب الذي لا يحتمل، أو بفقد ماله كله، هذه الضرورات حصراً؛ خوف الموت، أو فقد الحياة، أو خوف تلف أحد الأعضاء، أو الأجهزة، أو التعذيب الذي لا يحتمل، أو فقد المال كله، هذه الأبواب الأربع هي حصراً الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لو فعلت هذا لأخذ عليّ مأخذ، هذا ليس ضرورة، وليس هذا إكراهاً، لو فعلت هذا لأخذوا عني فكرة معينة، هذا ليس ضرورة ولا إكراهاً، اختلط عند العوام وعند بعض المؤمنين ما هو ضروري، أو ما هو إكراه، أو ما هو حرج، أو ضيق، أو توهم ضرر لا يحصل.
شروط الإكراه و أنواعه :
قال: يشترط في الإكراه أن يغلب على ظن المُكرَه إنفاذ ما توعد به المُكرِه، أي أحياناً:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع
***
أحياناً الإنسان يهدده إنساناً آخر، أو يتوعده، لكن يشعر في قرارة نفسه أن هذا كلاماً فارغاً، هذا الذي يهدد لا يفعل ما يقول، لا ينفذ ما يهدد به، أو لا يستطيع أن ينفذ، لا ينفذ، أو لا يستطيع، هذا ليس إكراهاً، ولا ينطوي تحت باب الإكراه، من هدد إنساناً والإنسان المُكرَه المهدد غلب على ظنه أن المُكرِه لا ينفذ وعيده، أو لا يستطيع تنفيذ وعيده.
عند بعض الفقهاء لا فرق بين إكراه الحاكم، وإكراه اللصوص، قد يكون إنساناً عادياً لكن مسلحاً، فاجأك بتهديد، لا فرق بين إكراه الحاكم وإكراه اللصوص، إلا أن بعض الفقهاء قال: الإكراه فقط إكراه السلطان، لأن غير السلطان لا يملك أن يكره، هذا موضوع خلافي بين الفقهاء.
العلماء قالوا: الإكراه ينقسم إلى قسمين، إكراه على كلام، وإكراه على فعل، قد يكره الإنسان أن يقول كلاماً، وقد يكره أن يقول فعلاً، أي هذا الموضوع من الدقة بحيث أخشى أو أخاف أن يفهم على غير حقيقته، دققوا فيما أقول: الإكراه يعني إذا غلب على يقينك أن الذي يهددك يفعل ما يعدك به، من إذا قال فعل، إذا هددت بالقتل، أو بفقد أحد الأعضاء، أو بالإيلام الذي لا يحتمل، أو بفقد المال كله، الآن ينطبق عليك شرط الإكراه، شرط الإكراه الذي يرفع عنك الإثم في الدنيا والآخرة. الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف :
الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النحل: 106]
﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾
[ سورة النحل: 106]
أي إنسان إذا نطق بكلام لا يرضي الله عز وجل تحت تهديد شديد، أو وعيد شديد، وكان الذي يتوعد يفعل ما يقول، ويغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل قال: هذا إكراه حقيقي، والآية تؤكد ذلك: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾
[ سورة النحل: 106]
لماذا؟ لأن حياة الإنسان مقدمة على كل شيء. مقاصد كبرى في الشريعة :
عندنا بالشريعة خمسة مقاصد كبرى، المقصد الأول: هو الدين، والمقصد الثاني: هو الحياة، والمقصد الثالث هو العرض، و المقصد الرابع هو المال، والخامس هو العقل، من اعتدى على العقل بالخمرة يقام عليه الحد، من اعتدى على المال بالسرقة يقام عليه الحد، من اعتدى على العرض بالقذف يقام عليه الحد، من اعتدى على الحياة بالقتل يقام عليه الحد، من اعتدى على الدين بإفساد العقيدة، أو الطعن في الدين، يقام عليه الحد، الشريعة كلها ذات خمسة مقاصد: الدين والحياة والعرض والعقل والمال.
لذلك قال أحد العلماء: الشريعة مصلحة كلها، وعدالة كلها، ورحمة كلها، فأية قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، أي الشريعة رحمة، والقسوة ليست من الشريعة، الشريعة عدالة، الظلم ليس من الشريعة، الشريعة مصلحة، المفسدة ليست من الشريعة، ولو احتال بعضهم بإدخال المفاسد، أو القسوة، أو الظلم على الشريعة بألف تأويل وتأويل.
في موضوع المقاصد هناك تدريج، أي أولاً: الدين، ثانياً: الحياة، ثالثاً: العرض، رابعاً: المال، خامساً: العقل، هذا الترتيب مهم جداً، لأنه بإمكانك دائماً أن تفتدي بالثاني الأول، فالإنسان قد يفقد حياته من أجل دينه عمل مشروع، هو الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد ماله من أجل عرضه عمل مشروع، قال عليه الصلاة والسلام:
(( ذبوا عن أعراضكم بأموالكم))
[ الخطيب عن أبي هريرة]
وقد يفتدي المهم بالمهم، إذاً هناك ترتيب، طبعاً هذه المقاصد الأساسية، وكل مقصد من هذه المقاصد له ثلاثة أبواب؛ باب الضرورات، وباب الحاجات، وباب المتممات، الضرورات والحاجات والمتممات، وبإمكان كل إنسان يفدي الضرورة بالحاجة والحاجة بالمتمم، مثلاً كشف العورة حرام في الدين أليس كذلك؟ أما إذا امرأة أصابها مرض عضال، ولا بد من طبيب يعالجها فالحفاظ على الحياة ضرورة، بينما كشف العورة من حاجيات الدين، لا من فرائضه، من حاجياته، إذاً نضحي بكشف العورة من أجل بقاء الحياة، بالدين مشروع، أي ممكن أن تعملوا جدولاً خمسة حقول أفقية، وثلاثة حقول عامودية، المجموع خمسة عشر، بالحقول الأفقية الدين، الحياة، العرض، العقل، المال، العرضية: الضرورات، الحاجات، المتممات، فنحن دائماً نتحرك من الأدنى إلى الأعلى، ومن اليسار إلى اليمين، دائماً نضحي بالأبعد عن الضرورة، الحاجة، المتمم، أو الأبعد عن الدين هكذا، هذا جدول طبعاً مستنبط من الكتاب، والسنة، وأحكام الفقهاء، لكن مريح جداً يجعلك تتحرك حركة صحيحة وفق ما يريد الله عز وجل. إذا وقع الإكراه لا يؤاخذ الإنسان به ولا يترتب عليه حكم :
أولاً: إذا نطق الإنسان بكلمة الكفر مكرهاً، الآن فهمنا معنى مكرهاً، مكره أي كانت حياته معرضة للقتل، أو فقد أحد أعضائه، أو فقد ماله كله، أو التعذيب الذي لا يحتمل، وإذا قذف غيره فلا يقام عليه الحد، وإذا أقرّ فلا يأخذ بإقراره، وإذا عقدَ عقد زواج لا ينعقد هذا العقد، وإذا عقَدَ عقْد هبة لا يصح هذا العقد، وإذا باع فإن بيعه فاسد لا ينعقد، وإذا حلف أو نذر فإنه لا يلزمه شيء، وإذا طلق زوجته هذا الطلاق لا يقع لأنه مكره، وإذا راجعها، فإن رجعته لزوجته لا تصح، والأصل في هذا كله قول الله عز وجل:
﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النحل: 106]
أما أسباب نزول هذه الآية فما ذكر المفسرون بالتفاسير عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، من شدة التعذيب قاربهم في بعض ما أرادوا، أي قال ما طلب إليه، فشكا ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عمار كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: لا عليك، إن عادوا فعد"، رحمة بأمته، لأن النبي ما كلف الناس فوق طاقاتهم، هذا من التيسير على المؤمنين.
قالوا: إذا وقع الإكراه لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
[ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
هذا من باب رفع الحرج عن الأمة، الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ممكن أن تجمع غلطاً فيكون الحساب أقل بألف ليرة، والبائع لم يدقق، قبض المبلغ منك ثم اكتشف بعد حين أنه قبض أقل بألف ليرة، ولم يثبت عنده نية سيئة، هذا خطأ، والنسيان: "اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر".
والإكراه كما تحدثنا قبل قليل: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
[ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة :
لكن هناك رأي دقيق هو أن العزيمة عند الإكراه على الكفر أفضل، أي هناك اجتهادان، أن تنطق بكلمة الكفر، أو أن تفعل محظوراً، هذا رخصة، أما إذا رفضت أن تنطق بالكفر، ولم تفعل محظوراً، وتعرضت للخطر الشديد هذه عزيمة، والعزيمة أفضل من الرخصة.
إليكم هذه القصة التي جرت بعهد النبي عليه الصلاة والسلام، مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لأحدهما: ما تقولوا في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضاً كذلك، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، أنا لا أسمع، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد ذلك في جوابه فقتله، فبلغ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبرهما، فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له.
معناها اجتهادات، لك أن تأخذ بالرخصة ولا شيء عليك، ولك أن تأخذ بالعزيمة، فهنيئاً لك، إذاً الحكم الثاني: العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة، لكن كل إنسان له عزيمة.
لما سئل: القرآن مخلوق أم قديم؟ قال: قديم، فحجز في السجن في عهد المعتزلة لما أقنعوا الخليفة بمذهبهم، تبنى الخليفة مذهبهم، وجمع العلماء، وأكرههم على هذا المبدأ، طبعاً مبدأ باطل، عالم آخر قال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كلها مخلوقة وقصد أصابعه.
هنا اجتهاد، لا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالرخصة، ولا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالعزيمة، كل إنسان تصرف بحسب إمكاناته، وقوة إيمانه، وعزيمته، فالذي أخذ بالرخصة لا شيء عليه، والذي أخذ بالعزيمة هنيئاً له، هذا الإكراه على القول.
الإكراه على العمل :
فما الإكراه عن العمل؟ قال: الإكراه على الفعل نوعان؛ ما تبيحه الضرورة، وما لا تبيحه الضرورة، فما تبيحه الضرورة مثل الإكراه على شرب الخمر، أو أكل الميتة، أو أكل لحم الخنزير، يقول لك: والله نحن مضطرون ذهبنا إلى فرنسا لا يوجد غير لحم خنزير ماذا نفعل؟ مضطرون أن نأكله، هذا كلام مضحك، أي لا تأكل لحم الخنزير إلا إذا شهر عليك سلاح، إذا لم تأكل تموت فوراً، هذه ضرورة، أو كنت في الصحراء وبينك وبين الموت شعرة، لا يوجد لحم، ماذا نفعل؟ لا تأكل لحماً، أخطر شيء في هذا الموضوع مثلما قلت توسعه، تميعه، كلمة ضرورة ماعت، أصبحت الحاجات الثانوية ضرورات، أي إذا فعل هذا يؤخذ عليه ذلك، أخي مضطر، إذا فعل ذلك يظن أنه كذا، إن لم يفعل يؤاخذ على فعله، هذا كله كلام فارغ، الضرورات حينما يغلب على يقينك أنك ستفقد حياتك، أو تفقد أحد أعضائك، أو تعذب عذاباً لا تحتمله، أو تفقد مالك كله، هذه الضرورة، ما سوى ذلك ليست ضرورات، ولا تباح بها المحظورات، ومن يفعلها آثم، وله عقاب في الدنيا والآخرة، أي الإنسان كما قال الله عز وجل:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 195]
هذه آية قرآنية، إذا كان الهلاك جوعاً يجب أن تأكل ولو لحم خنزير، القضية دقيقة جداً، هناك إنسان في رمضان يقول لك: أنا معي قرحة لن أصوم، جرب أول يوم، إذا حدث معك آلام لا تحتمل افطر، لكن معك قرحة مخففة، أي تحس بمغص خفيف، عليك أن تصبر، فالورع دائماً يؤثر العزائم ويبتعد عن الرخص، إلا عندما تكون الرخصة أحب إلى الله من العزيمة. من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله :
لكن العلماء أجمعوا على من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله لماذا؟ لأنه لابد من أن يموت أحد شخصين، فأنت حينما تفعل ذلك افتديت نفسك بأخيك، حينما يفعل المكره على القتل ما أكره عليه افتدى نفسه بأخيه، أحدهما ميت، لا أنت أولى أن تموت، لا تقبل، هذا أيضاً حكم، واسألوا الله العافية من هذه المواقف الحرجة.
العلماء قالوا: لا حد على مكره، لو قدر أن رجلاً استكره على الزنى فزنى، فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك المرأة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
[ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
شروط الإكراه :
1 ـ أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً :
الآن إلى بعض التفاصيل، من كتاب آخر، شروط الإكراه وهذا أبرز ما في البحث.
الشرط الأول: أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناءً عليه كان أبو حنيفة النعمان يقول: لا إكراه إلا من السلطان، لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به، أحياناً شخص عادي يقول لك: سأريك، خير إن شاء الله، ماذا يفعل؟ لكن الأئمة الثالث عدا أبي حنيفة قالوا: يتحقق الإكراه من السلطان وغيره لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط، إذا إنسان كان في الصحراء و إنسان من قطاع الطرق أشهر عليه مسدساً، هذا مكره، وقد يفعل ما يهدد به، كلمة رائعة أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه لأن صاحبي أبي حنيفة مع الأئمة الثلاث، يتحقق الإكراه بالسلطان وغيره، قال: الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، أي كل عصر له ترتيبات.
الآن في أمريكا بعض الأحياء أي زنجي يشهر عليك مسدساً أينما ذهبت ينصحونك أن تعطيه كل ما تملك، وإلا تخسر حياتك، لي صديق توفي رحمه الله، له أخت تقيم في أمريكا، مرض زوجها مرضاً شديداً، وعندهم بقالية ضخمة، فطلبت من أخيها المقيم في دمشق أن يحضر إلى أمريكا، ليساعدهم في إدارة البقالية في الصيف، طبعاً على حساب الأسرة، و الله حدثني من فمه، قال لي: ذهبت إلى هناك، بعد يومين ذهبت مع أختي إلى البقالية، شي جميل، بقالية ضخمة قالت لي: هنا مسدس، خير، قالت له: قد يفاجئك لص وهنا مسدس، قال لي: اثنا عشر مسدساً في البقالية، بحيث أينما كنت، لو شهر عليك إنسان تكون مهيئاً نفسك، قال لي: ما هذا العمل؟ ورجع فوراً، هذا مجتمع أوربا أي لا يقدر إنسان أن يمشي بعد المغرب في بعض المدن، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب، هذا الإحصاء أنا قرأته في السنة الخامسة و الستين، الآن أكثر بكثير، كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب .
طبعاً بدول العالم المتقدم لو أرادوا أن ينقلوا الأموال من بنك إلى بنك، أو من بلد إلى بلد، ينقلونها بقطارات مصفحة تصفيحاً لا يخترقه قنابل المدافع، قطارات، أو سيارات مصفحة، مع مرافقة، مع أسلحة، مع هيلوكبتر يطير فوقها، حدثني شخص قال لي: كنت في بلد إسلامي تطبق فيه حد قطع اليد، يد السارق، أقسم بالله من العاصمة إلى محافظة نائية في الجنوب، تبعد عن العاصمة آلاف الكيلو مترات، رواتب هذه المحافظة موضوعة بأكياس كبيرة تنقلها شاحنة، أي بك آب، الأكياس موضوعة بالخلف، وتسير هذه السيارة آمنة مطمئنة، ألفا كيلو متر لنقل الرواتب، من بلد إلى بلد، لأن هناك قطع يد، ألم يسأل الإمام الشافعي؟ قال له:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟
***
قال: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
هناك قصص كثيرة جداً عن بعض البلاد التي تقيم حكم الله في قطع يد السارق ترى العجب العجاب، أي الأمن بشكل لا يصدق، مع أنه لا يوجد علم، ولا تمدن، لكن هناك إقامة لحدود الله، ستة عشر مليون سرقة في عام أربعة و ستين في أمريكا، بينما لو طبق حكم الله في قطع يد السارق لا يحتاج بلد يزيد سكانه عن خمسين مليوناً إلا أن يقطعوا بالعام يداً أو يدين فقط.
إذاً أول شرط للإكراه، أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً. 2 ـ أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه :
الشرط الثاني: أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده، لو لم يحقق ما أكره عليه.
مثلاً من باب الطرفة أحياناً الأم تقول لابنها: والله لأذبحك، ممكن أن تذبحه؟ هو يصدق هذا الكلام، إذا ارتفعت حرارته يطير عقلها، حرارته أربعون تموت من الألم عليه، فكلمة الأم سأذبحك ليس لها معنى إطلاقاً، أما هي باللغة ذبح، لكن هذا الكلام لا يعني شيئاً.
الأم هل تقدر أن تذبح ابنها كقوة عضلية؟ نعم تقدر، تذبح دجاجة أحياناً، معها سكين حادة، القدرة غير التنفيذ.
الشرط الأول: أن تكون قادرة، أما الشرط الثاني فأن يغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل ما يقول، ليس قادراً فقط، قادر ويفعل، أصبحوا شرطين، قادر ويفعل، نضرب مثلاً أحياناً، نستفيد من هذه النقطة بموضوع آخر، أنا أستخدم هذا المثل لوضوحه، إذا إنسان ركب سيارة ومعه زوجته وأولاده، و يمشي في طريق وعلى اليمين واد سحيق، من حيث القدرة العضلية، ألا يستطيع أن يحرف المقود تسعين درجة وينزل في الوادي؟ من حيث القدرة العضلية يقدر وإذا كان المقود هيدروليك بالخنصر، إذاً أيفعلها؟ مستحيل، أولاً: يخاف على حبه لبقائه وحبه لأهله وأولاده، شيء مستحيل، إذاً لما يقول لك إنسان: إن الله عز وجل قادر، يستطيع أن يضع عبده طوال حياته في جهنم قادر لكنه لا يفعلها، لقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56]
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف: 156 ]
عبد من عباده استنفذ كل عمره في طاعته، وفي خدمة عباده، وفي الدعاء، وفي الدعوة إليه، وفي المعروف، وفي النهي عن المنكر، الله قادر لا يوجد شك، لكن أين رحمته؟ ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف: 156 ]
أين؟ إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أين؟ لو أن عبدي تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، أين؟ لو أتاني ماشياً أتيته هرولة ،تلغي ثلاثين آية أو أربعين آية وتقول: لكن الله قادر، كما أن الأب الذي معه زوجته التي يحبها وأولاده، بإمكانه بحركة بسيطة جداً أن ينزل بالوادي بالسيارة، لكن لا يفعلها، مستحيل أن يفعلها، لأن ربنا قال: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56]
هذه كلمة "على" في حق الله عز تفيد أن الله ألزم نفسه بالعدل بين العباد، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. حسن الظن بالله ثمن الجنة :
يا أخوان حسن الظن بالله ثمن الجنة، هناك أفكار لا تقبلوها، يقول لك: هو حر بملكه، يضرب لك مثلاً مضحكاً أن النجار عنده لوحا خشب هو يمكن أن يضع لوحاً كباب مرحاض ولوحاً كباب لقصر، لك دعوى معه؟ لا ليس لي دعوى معه، لكن النجار الحكيم إذا كان اللوح من الدرجة الثانية يضعه باباً للمرحاض، وإذا كان اللوح من الدرجة الأولى يضعه باباً للقصر، طبعاً هناك حكمة بالنص، فهذا كلام غير مقبول إطلاقاً.
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة غافر: 17 ]
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 49]
لا فتيل، ولا قطمير، ولا ظلم اليوم، بعد ذلك لا يوجد جملة تفيد أشد أنواع النفي كهذه الجملة، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾
أي دائماً الإنسان ينفي الحدث، أو ينفي الشأن، نفي الحدث شيء، ونفي الشأن شيء آخر، يكون أكبر حرامي في الأرض، أنت سرقت يقول لك: لا لم أسرق، هذه لم أسرق هو نفى سرقة هذا الشيء، أما هو فأكبر حرامي، فهذا النفي نفي ماذا؟ نفي الحدث، أما كلمة ما كان له أن يسرق أي السرقة ليست من طبعه، ولا من شأنه، ولا من سجيته، ولا يريدها، ولا يقرها، ولا يرحب بها، بل يمقتها، ويكرهها، اثنا عشر معنى علماء النحو استنبطوا من قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 40]
أي لا ظلمهم، ولا يريد أن يظلمهم، ولا يحب أن يظلمهم، ولا يمكن أن يظلمهم، ولا يعقل أن يظلمهم، وهو غني عن ظلمهم، بعيد عن الظلم: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
[ سورة العنكبوت: 40]
هي أشد أنواع النفي، فالإنسان كلما عرف الله معرفة جيدة أقبل عليه، وكلما أساء الظن به ابتعد عنه، وحسن الظن بالله ثمن الجنة، وحسن الظن بالله من حسن العبادة ،هذا الكلام لا تقبلوه، لأن الله عز وجل حر بملكه، فعلاً حر بملكه، أيضاً الله عز وجل قال: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 180]
الله إضافة إلى أنه قادر، هو كامل، الله موجود وواحد وقادر وكامل، قادر يفعل كل شيء، لكن كامل.
الشرط الثاني إذاً أن يغلب على ظن المستكره أن المكره ينفذ تهديده، أول بند: قادر على تنفيذ تهديده، ممكن أن يقول عريف لرتبه عالية أنا سأريك، من أنت؟ هذا غير قادر، أما لو كان قادراً لكان منصفاً. 3 ـ أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أو مال :
الشرط الثالث: أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس، أو عضو، أو مال أو متضمناً أذى لا يحتمل، أو أن من يهمهم أمرهم كإيذاء ابنه، أو زوجته، أو أخيه، أيضاً هذا يدخل في الإكراه.
4 ـ أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه :
أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه، فإذا كان يفعله قبل الإكراه وأكره عليه وفعله هذا ليس له قيمة إطلاقاً، من عادته أنه يشرب أكرهه، قال: أجبروني، أنت سابقاً كنت تشرب، هذا لا يسمى إكراهاً، الشرع دقيق جداً، يقول: أخي مضطر وكل قضية مضطر، كل قضية ليس لي خيار، الظرف صعب، كلها هذه كلمات مطاطة، ظرف صعب ومضطر.
5 ـ أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه :
أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، أي إذا ما كنت تشرب و قالوا لك: لن نعطيك إجازة إلا إذا شربت، خير إن شاء الله لا أريد هذه الإجازة، يجب أن يكون العمل هاماً جداًً، يكون الشيء المستكره عليه أشد من الذي يهدد. 6 ـ أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد :
أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد، أمرت بمعصية ولو فعلتها لا تنجو لا تفعلها، لو فعلتها ونجوت أصبح الإكراه معقولاً، لو فعلتها إن لم تنج لا تفعلها، التهديد بعد سنة، هذا ليس بتهديد، يكون الآن، بعد شهر ليس تهديداً. 7 ـ أن يكون التهديد آنياً :
لا يصح الإكراه إلا إذا كان آنياً أما بعد شهر، بعد شهرين، فهذا ليس مقبولاً.
8 ـ من أكره على عمل فليفعل الحد الأدنى منه :
الآن إذا أكرهت على عمل وفعلت زيادة عنه شعرة، إنسان مضطر من أجل أن يبقى حياً أن يأكل، أي تأكل حتى تشبع من لحم محرم، لا يجوز، يجب أن تأكل الحد الأدنى، الذي يبقيك حياً، زيادة ما عاد إكراهاً، ولا عاد اضطراراً.
﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173]
أن يعود إليها مرة ثانية، هذا الشرط الثامن. 9 ـ من أكره على أحد فعلين لا يسمى مكرهاً :
هناك شرط أصابه الشافعية أنه لو أن إنساناً أكره على أحد فعلين، لا يسمى مكرهاً، أي إذا كان عنده ملايين، أكره على فقد أحد الملايين، يكفيه المال الثاني، إذاً ما عاد مكرهاً، المكره على فقد ماله كله، إنسان له دخل من جهة، وله دخل من جهة، هذه الجهة فرضوا عليه شيئاً لو لم يفعل لسرحوه من عمله، له دخل ثان، ما عاد مكرهاً، صار عندنا تسعة شروط.
10 ـ من أكره على بيع لوفاء دين مستحق عليه هذا ليس إكراهاً :
أما العاشر فلو أكرهت على بيع البيت من وفاء دين مستحق عليك، هذا ليس إكراهاً، هذا حق، والله أكرهني، لا ليس إكراهاً، لذلك القاضي يكره، يكره على بيع الملك وفاء للدين، إذا كان هناك حجز إذاً عليك حق ثابت ما عاد إكراهاً، إذا القاضي أكرهك على بيع ما تملك من أجل أن تسدد بعض الديون الثابتة عليك ليس هذا إكراهاً، هذا أمر القاضي، لأن القاضي ملزم، وحكمه شرعي، وأنت عليك حق.
تلخيص لما سبق :
هذه عشرة شروط متعلقة بالإكراه ينبغي أن تعرفوها جيداً، لأن أكثر كلمة أسمعها ممن أتعامل معهم يقول: أخي مضطر، الظروف صعبة، الأمور معقدة، نريد أن نشتري براد، من أجل براد تقترض بفائدة ربوية؟ هذه ليست ضرورة، يقدر الإنسان أن يعيش بلا براد، طبعاً إذا كان موجوداً أفضل لكن تضطر أن تأكل الربا، أو تطعم الربا، أو تعمل قرضاً ربوياً من أجل ماء باردة هذه ليست ضرورة، أكثر كلمة أسمعها مثلما قلت لكم موضوع أنه مضطر، كلمة مطاطة صارت هذه الضرورات، وهذه شروط الإكراه، طبعاً يلتقي الإكراه مع الاضطرار، لأن الأمور متداخلة، إنسان قال لك: إما أن تأكل هذا اللحم أو أقتلك، هذا إكراه، تمشي بالطريق لا يوجد طعام، على مشارف الموت، هذا ليس إكراهاً هذا اضطرار، يلتقي الإكراه مع الاضطرار، إما أن تكره وإما أن تضطر، على كلٍّ
﴿ فمن اضطر﴾
تعني أنك مضطر أو مكره، أوسع ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾
ألا تزيد عن الحد الأدنى، وألا تعود إليه، فلا إثم عليك، ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴾
طبعاً الموضوع طويل وله حيثيات طويلة، وفروع كثيرة، لكن هذا الشيء الأساسي أي الإكراه دخل في القضاء، لذلك كل شيء ينتزع من إنسان بالإكراه يعد باطلاً، العقود كلها تكون باطلة، أحياناً بيع، شراء، زواج، طلاق، ربا، بالإكراه، كله باطل، لماذا ألحقناه بالقضاء؟ لأنه إذا ثبت للقاضي أنه مكره على هذه الأقوال الحكم صار غير مناسب، اختلف الحكم كله، وحتى الإنسان لا يتوسع إلى درجة فقد كيانه الديني، كل شيء أعطاه رخصة ومضطر، و ماذا نفعل؟ والزمن صعب يا أخي، وبرقبتنا أولاد، والمعيشة صعبة، يريد أن يعيش أرقى معيشة لأنه مضطر، لذلك نغش، وندلس، ونكذب، ونأكل مالاً حراماً، ونرفع السعر بشكل فاحش جداً، ونعطي وصفاً للبضاعة سيئاً، كله بحجة: مضطرون، هذا كلام مرفوض، نحن توسعنا بالموضوع لأنه تعلق بموضوعات أخرى.

السعيد
09-18-2018, 08:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : القواعد العامة - 1






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.أخطر موضوع على الإطلاق في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله موضوع الحلال و الحرام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الأول من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عليكم أن أخطر موضوع في الدين بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بعد أن تستقر حقائق الإيمان في نفس المؤمن، إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، بعد أن سعى الإنسان إلى أداء العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ليس هناك موضوع على الإطلاق أخطر ولا أهم إلى نفس المؤمن من موضوع الحلال والحرام، لأن الإنسان إذا اقترف الحرام كان الحرام حجاباً بينه وبين الله.
العلوم الدينية علوم كثيرة جداً، علوم أدوات، علوم فرعية، علوم فقهية، ما من موضوع على الإطلاق أخطر في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله من موضوع الحلال و الحرام.

قواعد كلية في الحلال والحرام :
1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة :
قبل أن نمضي في الحديث عن الحلال والحرام في حياة الإنسان الشخصية؛ في طعامه وشرابه، وفي علاقاته الاجتماعية، في زواجه، في كسبه للمال، في إنفاقه للمال، في سفره، في حله وفي ترحاله، قبل أن نمضي في هذه الموضوعات لابد من درس أو درسين نتحدث فيهما عن حقائق أساسيه وقواعد كلية في الحلال والحرام، فمن أول هذه القواعد الكلية في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل أن كل شيء مباح لماذا؟ وما الدليل؟ لقول الله عز وجل:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾
[ سورة البقرة : 29]
ولقول الله عز وجل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية: 13 ]
ولقول الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
[ سورة لقمان: 20 ]
أيّ قضية سكت عنها الدين قضية مباحة :
الأصل في الأشياء الإباحة لذلك لا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، إذاً النص غير صحيح أو النص صحيح ولكن غير صريح، نعود إلى أصل القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تحريم إلا بنص صريح صحيح.
قضية سكت عنها الدين إذاً هي مباحة، أصل القاعدة أن كل شيء مباح في الأصل ما لم يرد في تحريمه نص صحيح صريح، لو اعتمدت على نص غير صحيح هذا الشيء يبقى على أصل القاعدة مباحاً لو اعتمدت على نص صحيح، لكن دلالته ليست قطعية، يرجع الحكم إلى أن هذا الشيء مباح وفق القاعدة الأصلية الأولية، فالقاعدة الأولى في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح من قبل الله عز وجل في كتابه، أو من دوام النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، لذلك موضوع الحلال والحرام لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يقول لك هذا حلال وهذا حرام إلا بالدليل.
أكثر كلام أسمعه أستاذ قالوا: هذا الشيء حرام، أين الدليل؟ ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً وخطراً وانحرافاً من تحليل الحرام، سيّان أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً.
بطولة الإنسان ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل :
أول قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صريح صحيح في تحريمها، لذلك المؤمن لا يعمل فكره إلا بالطريقة التالية؛ إن كنت ناقلاً فالصحة، إن كنت مدعياً فالدليل، لا يقبل شيئاً محرماً إلا بالدليل القطعي، طالبه بنص صحيح، قرآن كريم، حديث صحيح، حديث متواتر، حديث حسن، وطالبه بدلالة واضحة صريحة، أما أن تعتمد نصاً ضعيفاً، أو موضوعاً، أو أن تعتمد مدلولاً ظنياً، فهذا لا يجعل هذا الشيء حراماًً، بالمناسبة أي إنسان مهما كان علمه محدوداً بإمكانه أن يقول لك: هذا حرام، لكن البطولة ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل، هذا حلال وهذا الدليل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/02.jpg
القاعدة الأولى الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل نص صحيح صريح يحرمه.
بالمناسبة أخواننا الكرام، هذا الشرع من عند خالق الكون، من عند الصانع، من عند الخبير، فعندما يتطاول الإنسان ويحرم ما أحله الله، أو يحلل ما حرمه الله، فقد ارتكب إثماً كبيراً، لذلك لا أبالغ إن قلت: إن أكبر معصية على الإطلاق هناك إثم، هناك عدوان،هناك فحشاء، هناك منكر، هناك نفاق، هناك شرك، هناك كفر، وفوق كل هذه وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً، الدليل العقلي أن الله لا يعقل أن يخلق شيئاً من أجل الإنسان ثم يحرمه عليه، شيء عبس، يخلق ما في الكون من أجل الإنسان ثم يحرم هذه الطيبات على الإنسان؟ أما إذا حرم بعض هذه الجزئيات فالحكمة بالغة بالغة سوف نراها بعد قليل.
أيها الأخوة الكرام، في الشرع الإسلامي أشياء أمرنا الله بها، وفي الشرع الإسلامي أشياء نهانا الله عنها، وفي هذا الشرع العظيم أشياء كثيرة جداً سكت الله عنها لم يأمرنا بها ولم ينهنا عنها هي المباحات، لذلك يمكن أن نقول: هناك أمر واجب، فرض، واجب مستحب أو مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام.
فيجب أن يعمل عقل المؤمن دائماً، كل حركة، كل سكنة، كل تصرف، كل موقف، يجب أن يصنفه في أحد هذه الأحكام الستة، فرض، واجب، مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً تحريماً، حرام.
التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله :
النقطة الثانية أن دائرة المباحات كبيرة جداً، وأن دائرة المحرمات صغيرة جداً، أي لو أخذنا نسبة المحرمات إلى نسبة المباحات لوجدنا أنها نسبة تكاد لا تذكر، وقد يسأل سائل - وعالجت هذا الموضوع صباحاً في صلاة الفجر - لماذا خلق الله لحم الخنزير؟ لماذا خلق الله التخمر؟ هذا قانون كيميائي لماذا خلقه الله عز وجل؟ لأن الدنيا دار ابتلاء، لأن الدنيا في أصلها دار ابتلاء:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك: 2 ]
إنا كنا مبتلين لأن الدنيا هي دار بلاء وامتحان، لذلك لابد من منهيات، لابد من محرمات، لو ألغيت المحرمات ألغي التكليف، ألغي حمل الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، لابد من أشياء محرمة لتمتحن في تركها، لا تظهر إرادة المؤمن في طاعة الله إلا بترك المحرمات، فلو تصورنا أن الله خلق كل شيء مباح إطلاقاً للإنسان، من هو الطائع؟ من هو العاصي؟ من هو المستقيم؟ من هو المنحرف؟ من هو الصالح؟ من هو الفائز؟
ألغيت العبادة، ألغي التكليف، ألغيت الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، ألغيت الجنة، لابد من المحرمات، حكمة وجود المحرمات متعلقة بحكمة التكليف، وبحكمة الابتلاء، وبحكمة الامتحان، والدليل: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 35 ]
إذاً بالواقع لحم الخنزير محرم مقابل هذا التحريم كم من أنواع اللحم حلال أكله؟ مئات، الخمر محرمة مقابل هذا التحريم كم نوع من أنواع الشراب اللذيذة الطيبة الطاهرة محللة؟ أنواع منوعة.
لذلك ورد في الحديث: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته ))
[البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء]
التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله. المباح لا يحتاج إلى دليل أما التحريم فيحتاج إلى دليل :
لذلك المؤمن لا يحزن، كل شيء في الأصل مباح. قال لي مرة إنسان هل يجوز أن ألبس كنزة مصنوعة في بريطانيا؟ قلت له: يجوز، قال: لا يجوز، قلت: لماذا؟ قال: صنعها الكفار، قلت: هذا شيء مباح.
إذاً:
(( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾))
[البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/03.jpg
أنت لست مع إنسان يذكر وينسى، أنت مع خالق الأكوان، فالذي أمرك به هو الحلال، والذي نهاك عنه هو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو، يجوز أن نأكل على الطاولة يجوز، المباح لا يحتاج إلى دليل، لماذا؟ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، المباح لا يحتاج إلى دليل، أما التحريم فيحتاج إلى دليل، لو كان الأصل كل شيء محرم صار المباح يحتاج إلى دليل، الأصل أن كل شيء مباح، فالحرام يحتاج إلى دليل، سئل عليه الصلاة والسلام عن السمن والجبن والفراء فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾))
[البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء]
الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.
قال لهم: اذبحوا بقرة، ما لونها؟ ما هي إن البقر تشابه علينا؟ ما زالوا يسألون عن صفات تفصيلية في البقرة حتى ضيق عليهم، ذلك يعني أن الله حرم لحم الخنزير، وحرم الدم المسفوح، وحرم الميتة، لكن لم يتحدث عن الجبن ولا عن السمن إذاً حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة. ((إن الله افترض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها))
[ الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقى عن أبى ثعلبة الخشني]
الإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات بل تشمل الأفعال ما لم يأت نص في تحريمها :
نستنبط من هذا أن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي أمرنا الله بها، وأن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي نهى الله عنها، وهناك حكمة بالغة لا حدود لها لا تقل عن حكمة المأمورات والمنهيات هي الأشياء التي سكت الله عنها، حكمة في الذي أمر، وحكمة في الذي نهى، وحكمة في الذي سكت.
النقطة الثانية أن قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تتعلق بالأعيان بل تشمل الأفعال، أن تأكل لحماً معيناً، أو أن تشرب شراباً معيناً، أو أن تفعل فعلاً معيناً، صار هناك تعزية لا يوجد مانع إن ذهب الرجل وعزى أخاه، أحياناً هناك عادات وتقاليد وتصرفات ليست متعلقة بالحلال والحرام مباحة، فالإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات، تشمل الأفعال والعادات والتقاليد ما لم يأت نص في تحريمها.
بالمناسبة العبادات لا يجوز أن تضيف عليها شيء، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار:
(( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ))
[ متفق عليه عن عائشة]
أما لو أحدثت سلوكاً اجتماعياً ولم تسمِه عبادة ليس له علاقة لا بالحلال ولا بالحرام على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة، العبادات أنشأها الشارع الحكيم فلا يستطيع إنسان أن يضيف عليها شيء، لكن المعاملات أنشأها الإنسان، والشرع إما أنه أقرها، أو صححها، أو عدلها، أو بدلها. تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات وعادات :
العبادات الشرع الحكيم أنشأها أصلاً ابتداء، إذاً لا يجوز أن تضيف عليها لكن المعاملات أنشأها الإنسان، رأي الشرع فيها أنه أقرها، أو عدلها، أو هذبها، أو صححها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/04.jpg
قال بعض العلماء: إن تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات يصلح فيها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم.
لذلك أصل العبادات التوقيت، أنها موقوتة على نص صحيح، أصل العبادات التوقيت فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى:
﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾
[سورة الشورى: 21]
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾
[ سورة يونس: 59]
أصل الحلال والحرام في العبادات أن الله شرعها ابتداء، بينما أصل المعاملات أن الناس ابتدؤوها، لكن الشرع صححها، أو أقرها، أو عدلها، أو بدلها.
قال بعض الصحابة الكرام - سيدنا جابر بن عبد الله - في الحديث الصحيح قال: ((كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن))
[ مسلم عن جابر]
كنا نعزل ماءنا عن رحم أزواجنا والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن.
هذه قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح في تحريمها. 2 ـ التحليل والتحريم من حق الله وحده :
القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده، لا يستطيع إنسان كائناً من كان ولو كان نبي أن يحرم من عنده أو أن يحلل، قال تعالى:
﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 50]
قال بعضهم ثلاث نصائح تكتب: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع.
أول كلمة في الخلافة التي ألقاها الخليفة الصديق عليه رضوان الله قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع.
مؤمن كبير، صدّيق، صحابي جليل، تابعي جليل، فقيه كبير، هو يكتشف الأحكام ولا يأتي بالأحكام من عنده، يكتشف، يستنبط، الله جلّ جلاله في القرآن الكريم نعى على أهل الكتاب أنهم جعلوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[ سورة التوبة: 31]
كلام وإن بدا لكم كلام بديهي إلا أنه ينبغي أن نقوله؛ إنسان مهما علا شأنه لا يستطيع أن يقول لك: هذا حرام، لماذا؟ هكذا، لا يوجد هكذا في الدين. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
الحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله :
كلام الأشخاص لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، الأنبياء يبلغون، والعلماء يبينون، والمشرع هو الله، هذه قواعد خطيرة وأساسية في علوم الدين، جاء عدي بن حاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد اتبع النصرانية قبل الإسلام، فلما سمع النبي يقرأ هذه الآية :
﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[ سورة التوبة: 31]
قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم.
أنت عندما تلتقي مع إنسان لا تقول: إنه إله، أما حين يأمرك بما تخالف الشرع وتنصاع له فأنت عاملته كإله، جعلته إلهاً لا بلسانك بل بسلوكك، أمرك بقطيعة الرحم، مثلاً انصعت له، أنت ماذا فعلت؟ أنت خالفت شرع الله عز وجل واتبعته، أنت ما قلت: إنه إله لكن اتباعك إياه بما يخالف الشريعة جعلته إلهاً وأنت لا تدري، قال: يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم قال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم، وهناك رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام: ألا إنهم لم يكونوا يعبدوهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان بيناً بلا تفصيل بيناً:
الآن لو أردنا أن نطبق هذه القاعدة، لو فرضنا إنساناً له موجه ديني، هذا الموجه أمره أمراً مخالفاً للقرآن، أو خلاف السنة، وطبقه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ عبده من دون الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/05.jpg
الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، لذلك روى الإمام الشافعي في كتابه الأم عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتية"، الحقيقة أجرؤوكم على الفتية أجرؤوكم على النار، أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، كلمة كبيرة جداً أن تقول هذا حلال وهذا حرام، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني كالشمس تقول له: هذا حلال.
وإذا قال لك: اسرق، تقول له: حرام، طبعاً القصد هنا الشبهات، قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيّن بلا تفسير، إنما حرم عليكم الميتة أي أَكْل لحمٍ ميتٍ، فإن كان الشيء بيّناً كالشمس قل: هذا حرام وهذا حلال، و إن كان الشيء مُختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل.
هؤلاء العلماء يخشون أن يفتوا، أن يقولوا: هذا حرام وهذا حلال، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني أن هذا حلال وهذا حرام فلابأس، إذا قال لك: اسرق، تقول له: هذا حرام القصد هنا الشبهات.
قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفصيل.
﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ ﴾
[ سورة البقرة: 173]
أكل لحم الميتة حرام، الشيء إذا كان بيّناً كالشمس قل: هذا حلال وهذا حرام، إذا كان مختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل. ترفع العلماء عن قول هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي :
قال: حدثنا ابن السائب عن ربيع بن خيثم - وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحلّ هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه، و يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت لم أحرمه.
وحدثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به، فأما نقول هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا!
كلمة حلال شيء مشتبه فيه، وكلمة حرام شيء مشتبه به، كان العلماء الورعون يترفعون على أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي، لذلك قال بعض العلماء إن السلف الصالح لم يطلقوا الحرام إلا على ما عمل تحريمه قطعاً.
افعله ولا بأس، نرجو الله أن يغفر لك به، لا تقل: هذا حلال أو حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي هذا من الورع، طبعاً إذا كان الشيء فيه دليل بيّن كالشمس وقال: هذا حرام لقوله تعالى: حرمت عليكم كذا وكذا أو هذا حلال لا يوجد مانع، أما في الشبهات فقبل أن تقول: هذا حرام بسرعة أو هذا حلال تريث، قل: لا يعجبني، لا أستحسنه، لا أرتاح له، افعله ولا بأس نرجو أن يغفر الله لكم، لا تقل: هذا حلال أو هذا حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي، هذا من الورع، لذلك أنا لا أرى كلمة جبن بمعنى الخوف تليق بالإنسان إلا في موضع الفتوى إذا قلت جباناً في الفتوى، هذا مديح وليس ذماً، لأن الفتوى خطيرة.
وفد جاء وفد من المغرب، سار ثلاثة أشهر حتى وصل إلى بلاد أحمد بن حنبل، معهم ثلاثون سؤالاً، أجابهم عن سبعة عشر سؤالاً والباقي قال: لا أعلم، قالوا: معقول الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ قال لهم: قولوا لهم الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم، السلف الصالح ورع جداً أي لا يتكلم كلمة إلا إن كان متأكداً منها.
3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر :
القاعدة الثالثة: أن تحريم الحلال أو تحليل الحرام قرين الشرك، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام خصّ تحريم الحلال بحديث خاص قال:
((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون))
[رواه مسلم عن ابن مسعود ]
من هم المتنطعون؟ الذين يسارعون أن يقولوا كلمة حرام على ما أحله الله. الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا و خبير في أمور الآخرة :
أذكر أخاً من أخواننا الكرام في ضائقة مالية شديدة جداً، عليه ديون مالية كثيرة، وهو يعمل في حرفة تزيينية- الصدف- جاءه عرض ألف بيت مصحف،وهو في أمس الحاجة لهذا العرض، الذي عرض عليه ليس مسلماً، فقال: حرام من عنده، جهل، اسأل يا أخي، ترفض عرضاً تجارياً من إنسان غير مسلم لصنع بيوت للمصحف، الإنسان عندما يضيق على نفسه ولا يسأل، أنت تحتاج إلى خبير في الحياة، خبير في الدنيا، والآية الكريمة قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 43 ]
وأنت بحاجة ماسة إلى خبير في الآخرة لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان: 59 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/06.jpg
ففي قضايا الدنيا يجب أن ترجع إلى مؤمن خبير في الدنيا، وفي أمور الآخرة يجب أن ترجع إلى إنسان خبير في موضوع الآخرة، ومفتاح العلم السؤال، وأنت إذا سألت استعرت عقل الرجل، عقله كله، خبراته استعرتها بسؤال، اسأل، أذكر قصتين؛ - طبيب زارنا قبل سنة تقريباً - فتاة في ريعان الشباب عقد قرانها شعرت بألم في ثديها، فأشير عليها باستئصاله لأن به ورماً خبيثاً، الطبيب الذي زارنا قال: جاءت لي هذه الفتاة لأجري عليها أشعة لئلا يعاود هذا المرض الظهور مرة ثانية، فحصت النسيج الذي استأصل منه الثدي فلم أجد شيئاً من شدة هول الموقف قال: ركبت سيارتي واتجهت إلى هذا الطبيب الجراح الذي استأصل الثدي، قلت له: انظر إلى النسيج أنت حولت هذه الفتاة إليّ كي أجري عليها الأشعة، وهذه الأشعة ربما أضرت برئتيها، فهل تريد أن تضيف إلى الخطأ الأول خطأ ثانياً؟ قال: فلما تأمل الطبيب الجراح بالنسيج الذي استأصل منه الثدي تراجع عن موقفه وقال: معك حق.
هذا الطبيب قال لي كلاماً قال: أرجو ألا تسمح لإنسان باستئصال جزء من جسمه إلا بعد مشاورة عدة أطباء، الاستئصال ليس له حل، أنا هذه القاعدة بقيت في ذهني، إن كان هناك استئصال فلابد من طبيبين أو ثلاثة فإذا توفرت آراؤهم نفعل، أخ كريم له فتاة مريضة لابد من استئصال أحد أعضائها، استشارني قلت له: اسأل طبيباً أخر، سأل طبيباً آخر قال: ليس هناك ضرورة، بعد حين شفيت و هذا العضو المصاب صار يعمل بشكل منتظم.
الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا، وبحاجة إلى خبير في أمور الآخرة، والقضية قضية ثقة من دون رسوم، فاسأل به خبيراً: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 43 ]
هذا دين، يا ترى هذه حلال؟ حرام؟ يجوز؟ لا يجوز؟ ترضي الله؟ لا ترضي الله؟ أفعل هذا؟ لا أفعل هذا؟ والنبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه جل جلاله أنه قال: (( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً))
[مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي]
أي فطرتهم سليمة فطرتهم متوافقة مع الدين الحنيف. للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين :
الأصل للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين، لكن الشياطين اجتالتهم فشوهت أمامهم معالم الدين، حرمت عليهم ما أحلّ الله، مثلاً امرأة يمكن أن ترضى من زوجها أن يزني ولا ترضى لزوجها أن يتزوج امرأة ثانية، هناك من بين المسلمات من يرضون شيئاً مشروعاً، مرة سألوا عالمة في علم النفس عن رأيها في التعدد فقالت: كيف يكون لي رأي في هذا الموضوع وقد أباحه الله عز وجل؟ لا أقول: الله أوجبه، أباحه في ضرورة، مثلاً امرأة لا تنجب أيعقل أن نلقيها في الطريق من أجل أن نتزوج امرأة تنجب؟ لا أبداً، نقترن بامرأة تنجب، امرأة مريضة في ظروف معقدة جداً، صعبة جداً، وهذا الشرع ليس لإنسان أو إنسانين بل لكل المسلمين، فلذلك:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب: 36]
من طرح موضوعاً بتّ فيه الشرع فقد أشرك :
لمجرد أن تطرح موضوعاً على بساط البحث بت فيه الشرع فأنت لست بمؤمن، قضية حكم فيها الشرع أحلها الله أو حرمها الله، لذلك تحريم الحلال قانون الشرك، وتحليل الحرام قانون الشرك، لنضرب مثلاً قال الله عز وجل:
﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 103]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/07.jpg
ما هي البحيرة؟ قال: إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكراً شقوا أذنها، ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم هذه بحيرة، وكان الرجل إذا قدم من سفر، أو برأ من مرض، أو نحو ذلك سيب ناقته وخلاها، وجعلها كالبحيرة تسمى سائبة، وكانت الشاة إذا ولدت أنثى هي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهي لآلهتهم، وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم تسمى الوصيلة، والفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ويسمى الحام، من أين أتيتم بهذه الأحكام؟ الله قال: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 103]
هذا مثل واضح، الحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله لهذا الدين، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 32]
4 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام :
هناك قاعدة أخرى من قواعد الحلال والحرام، من هذه القواعد: أن في الحلال ما يغني عن الحرام، أعبر عن هذه الحقيقة كثيراً بأن ليس في الإسلام حرمان، إذا الله حرم الزنى أحلّ الزواج، إذا حرم لحم الخنزير أحلّ مئات أنواع اللحوم، إذا حرم الخمر أباح الأشربة الطيبة، إذا حرم الربا أحلّ البيع.
أي لا يوجد حرام إلا وله بدائل عشرات بل مئات بل ألوف، لا يوجد حرمان في الإسلام لكن هناك قناة قذرة و قناة نظيفة، لذلك مثلاً اليانصيب حرام لكن لو عشرة أشخاص كل واحد وضع ألفاً في الشهر، وعملوا قرعة، كل شهر إلى فلان، هذه لا يوجد فيها شيء، هذه حلال، اليانصيب حرام، هناك أشياء محرمة لها بديل شرعي رائع، التأمين لو اجتمع عشرة أشخاص أو مئة شخص في مصلحة واحدة، وكل واحد وضع جزءاً من مستورداته في صندوق واحد، تلفت بضاعته يأخذ من هذا الصندوق تعويضاً عن بضاعته حلال، هذه الحصيلة للجميع، هذا التأمين التعاوني، لا يوجد عليه شائبة نهائياً، طبعاً ليس المقام مقام تفاصيل لكن ما من شيء محرم إلا له بدائل كثيرة، لكن العلة فينا لا نريد منهج الله أما لو أردنا منهج الله فكل شيء حرمه الله له بديل، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا*يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾
[ سورة النساء: 26-28]
5 ـ ما أدى إلى الحرام فهو حرام :
القاعدة الأخرى: أنه ما أدى إلى الحرام فهو حرام، الزنا حرام ومقدماته حرام، النظر حرام، الخلوة حرام، الأدب الساقط حرام، المشاهدات الماجنة حرام، كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، الخمر حرام، بيعها حرام، أن تجلس مع شارب خمر حرام، أن تعصرها، أن تنقلها، أن تعلن عنها، أن تتاجر بها.
كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، ولذلك قاعدة أوسع: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مالا يتم الفرض به فهو فرض، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الوضوء فرض لماذا؟ لأن الصلاة لا تصح إلا به، الصلاة فرض الوضوء فرض، النبي قال: لعن الله الخمر وشاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها.
ما أدى إلى حرام فهو حرام الأصل في هذا الموضوع تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، قال: أنا عندي بيت أستثمره كل ليلة خمسة آلاف، وأنا لا دخل لي، إن شاء الله في رقبتهم، يتم فيه الزنا، والبيت بيتك، وأنت مسؤول، وأنت لك نصيب من هذا الإثم، لأنك قدمت المكان.
لذلك هذه الآية أصل:
﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
لا تساهم لا من قريب ولا من بعيد، لا تقدم مشورة ولا نصيحة، أنا أعمل تزيينات لملهى، أنت ساهمت في هذا المكان الذي يعصى الله فيه، لا كهرباء ولا تزيين قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام. 6 ـ التحايل على الحرام حرام :
آخر قاعدة : التحايل على الحرام حرام، أنا لا أتعامل بالربا لكن آتي بسجادة، يأتيني الذي يطلب القرض الربوي أقول له: هل تشتري هذه السجادة مثلاً بعشرة آلاف ليرة؟ يقول: نعم، يشتريها ديناً، فإذا اشتراها ديناً يقول لي: هل تشتريها نقداً؟ أقول له: نعم بثمانية آلاف، أنقده الثمانية آلاف وأكتب في دفتري عشرة آلاف ثمن سجادة بيعت ديناً، اشتراها ديناً وباعني إياها نقداً، أنا بعت واشتريت، هذا ربا لكن بسورة بيع وشراء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4922/ar-4922/08.jpg
هذا التحايل والتحايل على الحرام حرام، أنا أريد أن أسكن مثلاً مع أخي وزوجة أخي، وزوجة الأخ أجنبية ما هو الحل؟ يقول لك أحدهم: هذه سهلة، فتاة صغيرة، عمرها سنتان من بيت الجيران، يطلب من امرأة أخيه أن ترضعها، ثم يخطب هذه الفتاة، تصبح زوجته وأمها حماته، يطلقها بعد ساعة، الحماة محرمة على التأبيد، جلس معها، انتهت المشكلة.
التحايل على الحرام حرام، اليهود ماذا فعلوا؟ حرم عليهم الصيد يوم السبت، جعلوا حفراً على شاطئ البحر يوم الجمعة تأتي الحيتان إلى هذه الحفر، الجمعة مساءً يغلقون طريق العودة، الحيتان حصرت في هذه الأحواض، يصطادونها يوم الأحد، الله عز وجل ذكر هذا في القرآن الكريم، وكل إنسان يحتال على الحرام واقع في الحرام نفسه وهو لا يشعر، وهو غبي، الله الذي حرم هذا الشيء وهو يراك.
هذا باب الحيل الشرعية و الاسم الأصح الحيل غير الشرعية، يقول لك: حجاب شرعي لا بل حجاب شارعي، وهذه الحيل غير شرعية، من الحيل الشرعية تسمية الشيء بغير اسمه وتغيير صورته مع بقاء حقيقته، مثلاً ليستحل طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع.
مثلاً ماذا يسمي الناس الخمر؟ مشروبات روحية غير القيم الروحية، ماذا يسمون الربا؟ فائدة، ماذا يسمون الفنون الساقطة؟ فن العمل الخليع اسمه فن، والخمر اسمه مشروبات روحية، والربا اسمها فائدة، لو غيرت الاسم الحقيقة ثابتة إذاً التحايل على الحرام حرام.
وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه القواعد، وبعدها ننتقل إلى الحلال والحرام في الأطعمة، والأشربة، والألبسة، والعلاقات الاجتماعية، والحالات الشخصية.

السعيد
09-18-2018, 08:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع : القواعد العامة - 2






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحلال والحرام أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عنكم أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 81-82]
أي لو أنك آمنت ولم تعرف الحلال والحرام وتلبست بظلم لن تنجو من عذاب الله، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
وكلكم يعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، و: (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة: 53]
الصلاة، والصوم، والزكاة، وإذا حج العبد بمال حرام وقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، لذلك أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، وإن شاء الله تعالى بدأت هذه السلسلة من الدروس فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بها، ويعيننا على تطبيق ما جاء فيها، هذا هو الدرس الثاني في هذه السلسلة، ولابد أن نبقى درساً ثانياً في الحديث عن قواعد الحلال والحرام. قواعد الحرام و الحلال :
1 ـ الحلال طيب والحرام خبيث :
أيها الأخوة الكرام، من قواعد الحلال والحرام أن التحريم متعلق بالخبائث تعلقاً علمياً، ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، أنعم عليه بنعمة الوجود أو نعمة الإيجاد، وأنعم عليه بنعمة الإمداد، وأنعم عليه بنعمة الهدى والرشاد، والإنسان ضعيف والله هو القوي، والإنسان جاهل والله هو العالم، لذلك من حق الربوبية أن تأمر هذا العبد بما تشاء بلا سؤال ولا تعليل، ولكن رحمة الله عز وجل، وحكمته، وكماله، جعل أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح عباده ومعللة بالخير، أنت إذا كنت ضعيفاً أمام قوي وأعطاك أمراً لا تستطيع ولا تجرؤ أن تسأله لماذا أمرتني بهذا الأمر؟ وما الحكمة من ذلك؟ مع إنسان لا قيمة له إطلاقاً نفذ ثم اعترض، أنت مع خالق الأكوان عبد ضعيف، أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، له أن يأمرك بحكم ربوبيته، ولك أن تطيع بحكم عبوديتك، ومع ذلك رحمة الله عز وجل وحكمته وكمالاته اقتضت أن تكون أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح خلقه، لذلك قال بعض العلماء: الشريعة رحمة كلها، مصلحة كلها، عدل كلها، هذا هو المدخل، إذا رأيت أمراً إلهياً فثم المصلحة الإنسانية، إذا رأيت نهياً إلهياً فثم المضرة الإنسانية هذه الفكرة الأولى.
عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي أما عند المسلمين فالحرام متعلق بالخبائث :
إلا أنه هناك حالات استثنائية الله سبحانه وتعالى عاقب اليهود بتحريم ما أحلّ لهم، هذه حالة ليست في ديننا، حالة استثنائية، قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 146]
عند أهل الكتاب عوقبوا بتحريم ما أحلّ الله لهم، قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا*وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾
[ سورة الأنعام: 146]
إذاً عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي، تحريم تأديبي، أما عندنا فالحرام متعلق بالخبائث، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، كل شيء تطيب نفسك به حلال، كل شيء تخبث النفس به حرام، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، حيثما وجدت أمر الله عز وجل فثمة الخير، وثمة المصلحة، وثمة الرحمة، وثمة العدالة، وحيثما وجدت النهي فثمة الهلاك، والشقاء، والفساد، والظلم، والقسوة، لذلك الدين الإسلامي كما تفضل الله به علينا الله جل جلاله وصفه فقال: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾
[ سورة الأعراف:157]
يأمرهم بما تعرفه النفس بأنه خير بفطرتها، وينهاهم عما تنكره النفس بفطرتها، ويحل لهم الطيبات ما تطيب نفوسهم به، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم. أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم و العكس صحيح :
في ديننا الأوامر كلها والنواهي كلها متعلقة بمصلحة العباد، فيها رحمة، وفيها مصلحة، وفيها عدالة، وإذا قلت: حرام فمعنى ذلك أنه خبيث، وإذا قلت: حلال فمعنى ذلك أنه طيب، تطيب النفس به، وتحلو النفس به، وترتاح النفس له، والحرام تخبث به النفس، في هذا الدين القويم شرع الله التوبة النصوح تكفيراً للذنوب، وشرع الله الحسنات اللاتي تذهبن السيئات، وشرع الله الصدقات، وساق الله المصائب، فمن خلال التوبة، أو من خلال الحسنة، أو من خلال الصدقة، أو من خلال المصيبة، تطهر النفس من ذنوبها، لكن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم تأديباً لهم، لذلك الحقيقة الأساسية واليقينية أن التحريم متعلق بالخبائث، لذلك أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم، نقول: هذا التحريم جاء بالدليل العام، الخمر محرمة بالدليل العام، أما المخدرات فيقولون: أخي ما وردت المخدرات في القرآن الكريم محرمة بالدليل العام. أي شيء تخبث به النفس فهو محرم،عندنا قاعدة، الشيء إذا كان خالص النفع فهو حلال يقيناً، أو أنني أشعر بعطش شديد، وشربت هذا الكأس من الماء البارد، الفرات، العذب، الحلال، هذا حلال خالص، لأنه نافع نفعاً خالصاً، الشيء النافع نفعاً خالصاً هو حلال يقيناً، والشيء الضار محض حرام يقيناً، والشيء الذي يغلب نفعه على ضره يحتاج إلى شرح، فالخمر مثلاً قال تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 219]
هل أحد يشك أن الخمر محرمة والله سبحانه وتعالى أثبت لها بعض النفع في التجارة؟ يجوز إذا كان مطعم بأماكن يرتادها سياح أجانب، إذا كان هناك خمور يرتاده عدد أكبر، لكن الخمر محرم لذلك ما غلب شره على نفعه فهو حرام. الحلال هو كل شيء تطيب النفس به :
ما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، إذا الإنسان أكل أي طعام وأكثر منه لدرجة قد يضره الطعام هل نقول هذا الطعام محرم؟ لا، كل شيء إذا أسرفت منه فيه ضرر، قال تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
[سورة الأعراف الآية:31]
الآن آية تتوج هذا البحث قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة المائدة: 4]
كل شيء تطيب النفس به فهو حلال وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾
[ سورة المائدة : 5 ]
الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به :
إلا أن هناك نقطة ضرورية جداً هو أن الأمر كلما كان واضحاً وضوحاً شديداً كلما اتضح شره تركه هين على النفس، وتضعف فيه كلمة التعدد، لو أن عدواً لك نصحك بشيء واضح لك، تترك هذا الشيء، وكلما ضعفت الحكمة وغابت عنك الحكمة ارتفع مستوى الأمر تعبدياً. فلذلك النقطة الضرورية جداً أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تنفذ الأمر قبضت كل ثماره، انتهى الأمر، غض بصرك دون أن تعلم ما حكمة غض البصر، وماذا يحصل بالنفس حين يغض البصر؟ ولماذا يسعد الرجل بزوجته إذا غض بصره؟ لو لم تعرف كل هذه الحكم، وكل هذه التفصيلات، وكل هذه التحليلات، لمجرد أن تغض البصر تسعد ببيتك، بارد اسأله ماذا يحصل في داخله لا يعرف، عدم معرفته بما يجري داخل المكيف هل يمنعه من أن يستفيد منه؟ لا، والله نحن عندنا قاعدة: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، صدوق يرفع الله شأنك، كيف؟ لا أعرف، كن أميناً يكثر مالك، الأمانة غنى،ً كيف؟ لا أعرف، طبعاً الدعاة يجب أن يعرفوا أما آحاد المسلمين فعرفوا أم لم يعرفوا لمجرد أن يطبقوا يقطفون الثمار، أنا لا أدعو إلى عدم معرفة الحكمة، لا، بل لا تعلق تطبيق الأمر على معرفة الحكمة، طبق ولا تخف، هذا أمر الله عز وجل، هذه تعليمات الصانع، مرة حدثني أخ عن نقطة دقيقة، قال لي: كنت أصلح سيارتي عند صديق، هناك قطعة معدنية أمسكها هذا المصلح ورماها، قال: هذه لا لزوم لها، فقلت له: شركة عمرها مئة عام، وفيها آلاف المهندسين، أنا لا أقتنع أنك أكثر فهماً من هؤلاء، وأنت أيها الإنسان يجب أن تعتقد مهما فلسف لك الشر، وزينت لك المعصية، ومهما جيء بأدلة تبدو منطقية كي تستبيح أمراً نهاك الله عنه، هل معك حجة أقوى من أن الذي خلق الإنسان هو الخبير به؟ البشر لو اجتمعوا لا يعرفون حكمة الأمر والنهي، طاعة، تشريع، في بعض البلدان الإسلامية الإنسان لمجرد أن يطلق امرأته تتملك نصف ثروته، لأن المرأة نصف المجتمع، ولابد من إنصافها، شيء جميل، ما الذي حصل؟ الذي حصل أن الناس عزفوا عن الزواج، قال لي أحدهم في هذا البلد الإسلامي: صار والد الفتاة يضع في يد الخاطب سند أمانة بقيمة نصف مليون فيما لو طلقت ابنتنا وطالبناك بنصف ثروتك طالبنا بهذا السند، بلد آخر بشرق أسيا شرع تشريعاً خلاف تشريع الخالق، لا يجوز لأسرة أن تنجب إلا ولداً واحداً، وفي هذه البلاد يحبون الذكور، فإذا أنجبت الزوجة أنثى خنقت ودفنت إلى أن تأتي بذكر يسجل، الآن هناك قرى بأكملها ليس فيها إناث، قرأت في جريدة دمشقية قديمة من شهر أن عصابات في هذا البلد تخطف الفتيات في سن الزواج، الله خبير، هو المشرع، لذلك عليك أن تتيقن أن أمر الله خير كله، و أن أي نهي نهى الله عنه شر كله.
دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم :
سمعت في بلاد الغرب حينما يأكل بعض هؤلاء عند المسلمين يرون اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، هم يقطعون رأس الدابة بآلات حادة سريعة، الدماء تبقى في الدابة، والأمراض كلها في الدماء، والدم كما تعلمون مجمع فيه كل الأمراض، الآن صدر تشريع: لا يجوز قطع رأس الذبيحة، يجب أن يخرج دمها عن طريق القلب، وعن طريق الأمر الاستثنائي الذي يأتي عن طريق الدماء، يجب أن نعلم علم اليقين أن النبي نهانا أن نذبح الذبيحة بقطع رأسها، أمرنا أن نقطع أوداجها فقط، لأن القلب يتلقى أمراً كهربائياً ذاتياً بالضربات النظامية، لكنه يتلقى أمراً استثنائياً عن طريق الدماغ بالضربات الاستثنائية، فلو قطع رأس الذبيحة بقي القلب ينبض النبضات النظامية، هذا النبض بهذه السرعة لا يكفي لإخراج دم الذبيحة، أما حين يبقى الرأس عالقاً، والعصب موصولاً، ويأتي أمر استثنائي للقلب، ترفع ضربات القلب إلى المئة والثمانين ضربة فيخرج الدم كله خارج الذبيحة، فإذا اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، وهذه هي الزكاة الشرعية، وسوف نأتي عليها بعد حين في باب الأطعمة.
الآن ما من معمل على وجه الأرض يصنع حليب الأطفال إلا وألزموه من قبل الدولة أن يكتب: لا شيء يعدل حليب الأم، لأن أنزيمات الهضم في الطفل لا تستطيع هضم أربعة أمثال الدسم في حليب البقر، ما الذي يحصل؟ يبقى الدسم غير مهضوم في دم الطفل، ما الذي يجهد الكلية ويتعبها؟ هذا الدسم الزائد عن طاقة الطفل، لذلك أحد أسباب أمراض الكليتين المزمن الإرضاع الصناعي، الحموض الأمينية إذا ارتفعت نسبتها بالدم صار هناك قصور عقلي، وقد حدثني أخ كريم كان في أمريكا قال: أرجع العلماء القصور العقلي إلى الإرضاع الصناعي بنسبة ثمانون بالمئة، وكلكم يعلم أنه أعلى نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي لا يرضعن أطفالهم، وأخفض نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي يرضعن أولادهم، قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
2 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام :
إذاً النقطة الدقيقة الآن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تطبق تقطف الثمار، يقول عليه الصلاة والسلام:
((اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق))
[ابن ماجه عن معاذ بن جبل]
أشياء مستقذرة، إنسان يفرغ مثانته ويتغوط في مكان، في ظل يجلس الناس فيه، أو على قارعة الطريق، أو في موارد الماء، الآن ثلاثمئة مليون إنسان مصاب بأمراض القذارة في العالم، إحصاء منظمة الصحة العالمية، البول مجمع الأمراض، مجمع الجراثيم، إذا طرح في ماءٍ، أو في طريق، أو في مكان يجلس الناس عليه، يسبب انتشار الأوبئة والعدوى، النقطة التي نريد أن نوضحها أيضاً في الحلال والحرام هو ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
لذلك الذي يعد سبباً في الحرام محرم لا لذاته ولكن سداً لذريعة الحرام، حتى إن زراعة العنب في بلاد تكثر فيها صناعة الخمور تعد في الفقه حراماً، لأن هذا العنب مصيره إلى معامل الخمور، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الله حرم الزنا كل مقدماته حرام، التبرج، الخلوة، الاختلاط، الصور، الأدب المكشوف، الغناء الفاحش، هذا كله يؤدي إلى الحرام، إذاً فهو حرام، النظر حرام يؤدي إلى ما هو أكبر منه، نظرة فابتسامة فموعد فلقاء.
الخمر محرمة أن يعصرها الإنسان، وأن يحملها، وأن يأكل ثمنها، وأن يبيعها، وأن يعلن عنها، كله محرم، الربا لعن الله آكله، وموكله، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام سداً للذريعة، كل ما أعان على الحرام فهو حرام.
أحياناً الإنسان يكون عنده مكتب إعلان، إذا أعلن عن بضاعة محرمة فهو روج لها، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
ما كان سبباً كافياً، أو ما كان سبباً غير كاف، أو ما كان معيناً، أو ما كان مروجاً، أو ما كان موضحاً، كل ما أعان على الحرام فهو حرام، هي قاعدة أساسية. 3 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام :
الآن القاعدة التي تليها؛ النية الحسنة لا تجعل الحلال حراماً، أشخاص كثيرون يقولون، النية طيبة، لا تكفي، النية الطيبة شيء عظيم في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ))
[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
ولا تنسوا أن المباحات والعادات بالنوايا الطيبة تغدو عبادات، إذا الإنسان أكل الطعام وهل في الأرض كلها إنسان لا يأكل؟ المؤمن إذا أكل الطعام بنية التقوي على طاعة الله فهو عبادة، إذا ارتدى ثياباً بنية أن يظهر كمسلم بمظهر لائق فهو عبادة، المسلم له معاملة خاصة، نواياه الطيبة، ومعرفته بالله عز وجل، تجعل كل أعماله المباحة والمألوفة عبادات، هذه هي ناحية قيمة النية في العمل.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وفي بضع أحدكم صدقة, قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟ قال: أفرأيتم لو وضعه في حرام, هل عليه وزر؟ قالوا : نعم. قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))
[مسلم عن أبي ذر]
وفي حديث آخر: ((من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر))
[مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة]
إذاً النوايا الطيبة تجعل العادات، والمباحات، والأعمال المألوفة التي يفعلها كل الناس في العالم عبادات، أرأيتم أيها الأخوة إلى أثر النية الطيبة في العمل؟ وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، لو تصابيت لأولادك هذا العمل لك صدقة: (( من كان له صبي فليتصابَ له ))
[ من الجامع الصغير عن أبي معاوية ]
أي إذا أخذت ابنك بالعيد وركبته ببعض الألعاب، وأنت إنسان عظيم، ولك مكانة كبيرة، هذا لا يطعن في مكانتك، هذا يعلي قدرك عند الله، حفظته من الزيغ. العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً :
قدمت هذه المقدمة لأصل إلى فكرة خطيرة جداً؛ أرأيتم إلى أن النية كيف أنها تجعل المباح والعادات عبادات، الآن عملك الذي ترتزق منه لمجرد أن يكون مشروعاً في الأصل، وسلكت فيه الطرق المشروعة، ونويت منه كفاية نفسك، وكفاية أهلك، ولم يشغلك عن طاعة، ولا عن طلب علم، ولاعن أداء واجب ديني، انقلب هذا العمل إلى عبادة، أما العكس غير صحيح، فالنوايا الطيبة مهما سمت لا يمكن أن تجعل الحرام حلالاً، النوايا الطيبة تجعل المباح عبادة، أما الحرام فحرام مهما كانت وراءه نية عالية، لذلك يقول الفضيل: "العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً".
خالص ما ابتغي فيه وجه الله، وصواب ما وافق السنة، العمل يجب أن يوافق السنة، ويجب أن تبتغي فيه وجه الله، الآن إن ابتغيت به وجه الله وكان غير موافق للسنة فهو مرفوض.
لو أنك فعلت شيئاً موافقاً للسنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالص ما ابتغي به وجه الله، وصواب ما وافق السنة،الدليل قال تعالى:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾
[سورة النمل: 19 ]
لذلك كل عمل يقوم فيه المؤمن ولو كان مباحاً فيه نية عالية أصبح عبادة، أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، أخي أنا قصدي نبيل، هدفي كبير، قصدي بعيد، هدفي الإصلاح، لا تقبل الأعمال بنوايا طيبة إذا كانت مخالفة للسنة، لأن الهدف النبيل له وسيلة نبيلة، الأهداف لا تبرر الوسائل، يجب أن تختار أهدافاً نبيلة، وأن تختار لها وسائل نبيلة، لذلك الغاية تبرر الواسطة، هذا كلام مرفوض وغير مقبول، لأنه يجب أن تكون الواسطة من جنس الغاية، من جمع مال من ربا، أومن سحت، فهو حرام، لو قدمه في وجه الخير، يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة؛ فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام يقال: خذوه إلى النار، فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال يقال: خذوه إلى النار، جمع المال من حلال وأنفقه في حرام خذوه إلى النار. النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر :
لذلك النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر، الشر شر في أي نية، الحرام في الإسلام لا تؤثر فيه النوايا، ولا المقاصد، لكن المباحات والعادات إذا كان وراءها نوايا طيبة تنقلب إلى عبادات، الدليل:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، القلب المشترك الله جل جلاله لا يقبل عليه، والعمل المشترك لا يقبله، لا يقبل قلباً مشتركاً -فيه شرك- ولا عملاً مشتركاً -فيه حرام وفيه حلال- إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾
[سورة المؤمنون: 51]
وقال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
[سورة البقرة: 57]
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يقول : يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ ))
[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال :
أرأيتم أيها الأخوة معي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أكبر نشاط علمي عليه أن يتجه إليه المؤمن بعد معرفة الله تقصي الحلال والحرام في بيته، في عمله، في كلامه، في لقاءاته، في نشاطاته، في سفره، في حله وترحاله، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ومن جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه ))
[ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة]
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يكسب عبد مالاً حراماً ، فيتصدق به فيُقبل منه ، ولا ينفق منه فيبارَك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ،إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث))
[ أحمد عن ابن مسعود]
تركه لم ينفقه ولم يتصدق منه، لذلك العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال، والعبادة الحقيقية في إنفاق المال تحري الوجه الصحيح الذي يريده الله عز وجل.
ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وأخطر شيء الذي يبيع ويشتري، من دخل السوق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى، إذاً فقه معرفة الأحكام الفقهية لمن يشتري فرض عين. 4 ـ الحرام في ديننا حرام على الجميع :
الآن عندنا قاعدة الحرام في ديننا حرام على الجميع، استثناءات لا يوجد، الحرام يتسم بالشمول والاطراد، ليس هناك حرام على العجمي، حلال للعربي، ليس هناك شيء محظور على الأسود، حلال للأبيض، ليس هناك جواز ولا ترخيص ممنوح لطبقة دون طبقة، ولا لطائفة دون طائفة، الحرام حرام على الجميع، والحلال حلال للجميع، حتى لو كان الإنسان في مرتبة كاهن، أو رجل دين، الكل تحت الشرع.
أحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***
المسلم ليس له خصوصية تجعل الحرام حلالاً، إن الله سبحانه وتعالى رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فما أحلّ الله لشريعته فهو حلال، وما حرم فهو حرام، السرقة مثلاً السارق يعاقب أكان مسلماً أم غير مسلم، المسروق منه أكان مسلماً أم غير مسلم، يعاقب السارق، السارق أو المسروق مسلم أم غير مسلم الحكم واحد، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((والله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها .. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا كانوا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. ))
[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]
هذا كان سبب هلاك الأقوام السابقة. الإسلام سواسية مطلقة :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
[سورة المائدة: 8]
الآية تخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين؟ الكفار.
يا أيها المؤمنون لا يحملنكم بغضكم للكفار على أن تظلموهم، اعدلوا هو أقرب للتقوى، إن عدلتم معهم كنتم أنتم أقرب إليّ، اعدلوا هو أقرب للتقوى، لكن اليهود كما تعلمون يحرمون أشياء على ملتهم، ويحلون أشياء على غير ملتهم، في الإسلام الحرام حرام على كل الناس، وعلى كل الأجناس، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل المستويات، استثناءات لا يوجد أبداً، هذا هو الدين، سيدنا عمر ألم يقل لجبلة بن الأيهم: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفك .
قال : كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟
قال عمر : نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني .
فقال عمر : عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
هذا هو الإسلام سواسية مطلقة. الحرام حرام على كل الأشخاص :
الله عز وجل وصف خلاف هذه الحالة عند اليهود، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 75 ]
أي غير اليهود، أنت كمسلم جاءك شخص غير مسلم يخطر ببالك ولو لثانية واحدة أن تأخذ منه أجرة مضاعفة أو تضحك عليه؟ إن فعلت هذا تكون لا تفقه في الدين شيئاً، بالعكس ربما كان عقابك عند الله أشد لأنه كافر، لأن لو عنده اعتقاد بسيط بالدين نفرته منه، يقول: هكذا عمل معي المسلم، لذلك الحرام حرام على كل الأشخاص، استثناءات أقوام، فئات، طبقات، طوائف، عصور، أزمنة، رجال دين، الحرام حرام، صاحب أكبر كتاب في تاريخ الحضارة يقول: إن كل الجماعات البشرية تقريباً تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها - نظرة بدائية متخلفة تفتقر إلى المنطق والواقع، كل فئة تقول: نحن أفضل الناس- وأحضر شواهد يقول: مثلاً القبائل الهندية في أمريكا تقول: الناس نحن ولا ناس سوانا، نحن فقط، أحضر شواهد كثيرة، كل إنسان أفقه ضيق، يتوهم أنه سيد المخلوقات وما سواه لا شيء، هذا كله الإسلام رفضه رفضاً قاطعاً، وقال: الناس سواسية كأسنان المشط. 5 ـ اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات :
بقي من هذه القواعد إن اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات، إذا وقع الإنسان في شبهة كان إلى ما استبان من الحرام أوقع، وإن ترك الشبهة كان إلى ما استبان من الحرام أترك.
فأنت حين تدع الشبهات فقد جعلت بينك وبين الحرام سياجاً، طبعاً كلكم يعلم أن الحلال بين والحرام بين، ليس في الحلال البين ولا الحرام البين مشكلة، لكن المشكلة في هذه المنطقة بين الحلال البين والحرام البين، هذه الشبهات، الشبهات لا يعلمها كثير من الناس، هل معنى هذا الكلام أن الكل لا يعلمها؟ لا،لا يعلمها عامة الناس لكن الله عز وجل اختص أهل الذكر بمعرفتها، قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 43]
فالشبهات مجهولة عند عوام الناس، لذلك قال النبي الكريم: (( الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس، أمن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه، فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يُواقع الحرام ))
[البخاري عن النعمان بن بشير]
أحياناً تجد في قضية شرعية دليلاً يمكن أن يجعلها حلالاً، وهناك دليل بقوته يمكن أن يجعلها حراماً، ماذا تفعل أنت؟ الأحوط تركها، لأن هناك دليلاً يجعلها حلالاً، ودليلاً آخر يجعلها حراماً، فالأكمل أن تدعها، لذلك الورع دائماً يسلك سبيل الاحتياط، الأحوط خذ الأحوط تكن في حرز حريز. نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً :
آخر موضوع في هذه القواعد، طبعاً تحدثنا عن اتقاء الشبهات، وأن الحرام حرام على الجميع، وأن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تجعل الحرام حلالاً، وأن في الحلال ما يغني عن الحرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام، هذه كلها قواعد أساسية في الحلال والحرام، مهدت لكم بها موضوعات الحلال والحرام التي سوف نأخذها على تفصيل في دروس إن شاء الله سبحانه وتعالى، الآن الله عز وجل مع أنه ضيق دائرة الحرام تضييقاً شديداً:
﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً، ومع ذلك رحمة بالخلق، ومراعاة لضعف الإنسان أحياناً، الله عز وجل في أربع مواضع في كتاب الله قال: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173]
ولاسيما في الأطعمة، ما معنى غير باغ؟ إنسان أحياناً يشرف على الموت له أن يأكل لحم الخنزير، هو لا يبغي أن يأكله، لا يتمنى أن يأكله، لا يريد أن يأكله، ولكن أكله مضطراً، فإذا أكله مضطراً هل يأكل منه حتى يشبع؟ لا، يأكل منه القدر الذي يبقيه حياً، لا يتجاوز الحد الذي هو مضطر إليه، هناك أشخاص إن أخذ ربا يتبحبح فيها، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها، لو إنسان مضطر أن يأكل لحم خنزير، كم لقمة يأكل حتى يزول عنه خطر الموت؟ ليس حتى يشبع: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173]
لا يبغي أن يعصي الله، لا يبغي التمتع بهذا الحرام، ولا يريد أن يتجاوز الحد الذي ينجيه من الهلاك، هذا معنى قوله تعالى: فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه. الضرورة التي تبيح المحظور هي الضرورة التي تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها :
عندنا قاعدة أصولية: إذا بلغ على يقينك أنك وأهلك ومن تعول سيهلكون من الجوع أو العري أو التشرد عندئذ الضرورات تبيح المحظورات.
لكن ما رأيت قاعدة توسع بها الناس وشدوها إلى مصالحهم مثل هذه القاعدة، يكون ليس مضطراً إلى هذا الشيء ويتوسع به توسعة، الرفاه عنده ضرورة، السفر ضرورة، فرش البيت ضرورة، يقول: أنا مضطر، اسأل من المضطر؟ أريد بشكل قاطع أن تعلموا من هو المضطر، من غلب على يقينه أنه هالك هو وأهله من الجوع أو العري أو التشرد هذا هو المضطر الذي تباح له المحظورات، والعلماء صنفوا الحاجات إلى ثلاثة أقسام؛ ضرورات، حاجات، تحسينات، التحسينات ليست ضرورة، والحاجة ليست ضرورة، الضرورة ما توقفت عليها حياتك وسلامتك، إذا غلب على يقينه أنه ميت، أو سيفقد أحد أعضائه هو ومن معه إما من الجوع أو العري أو التشرد فهذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها.
مثلاً لو أن امرأة أصيبت بمرض لا يستطيع معالجته إلا طبيب رجل، لا ينبغي أن يبدو من أعضاء جسمها إلا القدر الذي لابد منه لمعالجتها، هذا الكلام يقال للطبيب، ويقال للمريضة، الضرورة تقدر بقدرها فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ لا يبغي المعصية، ولا يتجاوزها عن القدر الذي يكفيه لا إثم عليه.
أيها الأخوة الكرام، ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى الحلال والحرام في الأطعمة والأشربة، ثم في الملبس والزينة، ثم في البيت، ثم في الكسب والاحتراف، إلى موضوعات أخرى نحن في أمس الحاجة إليها إن شاء الله تعالى بعد أن نعرف الله.
الآن الموضوع الأول الحلال والحرام؛ بيتك، عملك، أولادك، زوجتك، بناتك، كسب المال، إنفاق المال، لهوك، سفرك، إقامتك، يجب أن تعرف حدود الله عز وجل .

السعيد
09-18-2018, 08:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( العشرون )

الموضوع : المحرمات : الدم - لحم الخنزير- الميتة - وما احل بة لغير الله






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تذكرة بالدروس السابقة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في درسين بفضل الله تعالى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده، وأن تحريم الحلال أو تحليل الحرام يعادل الشرك بالله عز وجل، وأن التحريم متعلق بالخبائث، يحرم عليهم الخبائث: ﴿ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (157) ﴾
[سورة الأعراف ]
أي أن هناك علاقة علمية بين المعصية ونتائجها، و بين الطاعة ونتائجها، وليس التحليل رمزياً، ولا التحريم رمزياً، إنما العلاقة بين التحريم ونتائجه وبين التحليل ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وبينت أيضاً أن في الحلال ما يغني عن الحرام، وأنه ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، إن كل شهوة أودعها الله في الإنسان لها قناة نظيفة يمكن أن تسلكها وأنت مرتاح، وأنت مقبل، وأنت سعيد، وبينت أيضاً أنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، الشيء الذي يؤدي إلى حرام هو حرام أيضاً، وبينت أن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تبرر الحرام، وأن اتقاء الشبهات من الورع، وأنه لا محاباة ولا تفرقة في الحرمات، فالمحرم على الجميع، وليس هناك استثناءات، ثم أنهيت الموضوعين السابقين بأن الضرورات تبيح المحظورات، ومعنى الضرورات أن تكون أنت وأهلك على وشك الموت جوعاً، أو عرياً، أو تشرداً، هذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لا كما يفهمها الناس متوسعين، فكلما شعر بحاجة إلى شيء يقول: أن مضطر، ومن خلال هذه الضرورة المتوهمة يبيح لنفسه المحظورات. الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/02.jpg
في الدرسين السابقين تحدثت عن قواعد عامة في الحلال والحرام، لكن ننتقل الآن إلى التفاصيل، إلى الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم، وأول شيء يختص في حياتك الشخصية ما تأكله: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أي كُلْ حلالاً أو اكسب رزقاً حلالاً، الحديث يشير إلى المعنيين معاً، كُلْ الشيء الذي أباحه الله لك، أو اكسب رزقاً حلالاً عن طريق الصدق، والأمانة، وعدم الغش، وعدم التدليس، وعدم الاحتكار، وعدم الاستغلال، وعدم الإيهام، الحديث يتجه إلى معنيين؛ أن يكون الكسب حلالاً وفق منهج الله، وتطبيق شرع الله، والتأدب بآداب الإسلام، أو أن يكون الطعام الذي تأكله حلالاً، بمعنى مما أباحه الله لك، طبعاً في الحياة الشخصية للمسلم الأطعمة، والأشربة، و الملبس، والزينة، وحياته في بيته، وكسبه، واحترافه، هذه الموضوعات الكبرى التي سوف نقف عندها وقفة متأنية إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة. طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم :
نبدأ اليوم موضوع الأطعمة والأشربة؛ المسلم يضبط ما يدخل، ويضبط ما يخرج، ما يدخل من طعام، وما يخرج من كلام، يجب أن تضبط ما تأكل، وأن تضبط ما تقول: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أحمد عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/03.jpg
أيها الأخوة الكرام، العرب في الجاهلية حرموا بعض الحيوانات بغير حق، حرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامية، وذكرت هذا بالتفصيل في الدرس الماضي، واستباحوا لأنفسهم بعض الخبائث كالميتة، والدم المسفوح، جاء الإسلام في شأن الأطعمة ولاسيما ذات الأصل الحيواني ليبين وليوضح ما هو حلال وما هو حرام، لذلك ذكرت لكم في الدرس الماضي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك إذا آمنت بالله ولم تستقم على أمره أنت محجوب عنه، ما قيمة هذا الإيمان؟ إبليس قال: ربي فبعزتك لأغوينهم أجمعين، أخطر شيء بعد الإيمان بالله أن تتعرف إلى منهج الله، إلى شرع الله، إلى الحلال إلى الحرام، إلى الأمر، إلى النهي، إلى المباح، إلى المكروه، إلى الفرض، إلى الواجب، إلى الحرام، لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم.
مثلاً لو أجلسنا إنساناً إلى مقعد طائرة وقلنا له: طِرْ بها من دون أن يكون متعلماً أصول قيادة الطائرة، احتمال سقوط الطائرة كم بالمئة؟ مئة بالمئة، هذه المعلومات أساسية في سلامته، وإلا لابد من السقوط، والإنسان يمشي في الدنيا في متاهات، وفي حقول ألغام، السوق فتنة، آلاف الشبهات بالمال، آلاف الشبهات في إنفاق المال، آلاف الشبهات في عقد البيع، في عقد الشراء، في العلاقات الاجتماعية، تفقهوا قبل أن تدخلوا السوق، فمن دخل السوق بلا فقه وقع بالربا شاء أم أبى، فلذلك طلب الفقه حتم واجب. العلم الذي ينبغي أن يُعرف بالضرورة :
أخواننا الكرام: العلماء فرقوا بين علمين؛ بين علم هو فرض عين، وبين علم هو فرض كفاية، فرض العين ما ينبغي أن تفعله بالضرورة، عندك فراغ أم لا،أنت مهندس، أنت طبيب، أنت تاجر، لست مختصاً، هذا كلام غير مقبول، الإنسان عندما يجلس خلف مقود السيارة هناك مجموعة معلومات إذا لم يعرفها يعمل حادثاً، لكن قل له: ممَ صنعت هذه المكابح؟ ليس شرطاً أن يعرف كيف صنع هذا الحديد، ولف هذا اللف الجميل، ليس من الضروري أن يعرف كيف طليت هذه السيارة ،لا يعرف مما صنع محركها، لكن هناك مجموعة حقائق بالقيادة إذا ما عرفها أهلك نفسه، هذه الحقائق التي لابد منها سماها العلماء: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة.
الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/04.jpg
أخواننا الكرام، الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة، من الحقائق التي لا يعذر الإنسان بجهله بها، أنت مع شرطي يقول لك: لا جهل في القانون، إذا ارتكبت مخالفة سير تقول: لا أعلم؟ هل يسمع منك هذا الكلام؟ هل يقبل منك هذا الكلام؟ لا يقبل منك، لا جهل في القانون، فلذلك عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحلال والحرام، والأمر النهي، ومعنى كلام ربه، هذا الحضور ليس استهلاكاً للوقت بل هو استثمار للوقت، هذا الحضور يقيك، ألم يقل سيدنا علي لابنه: "يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال".
من حين لأخر ينشرون في الجريدة اليومية قصة واقعية مأخوذة من مخابر وزارة الصحة، مثلاً إنسان زلت قدمه بعلاقة محرمة مع فتاة جر مرض الإيدز لزوجته ولخمسة أولاد، الأولاد يسأمون الحياة، وأمهم تبكي ليلاً نهاراً، وهو على وشك الموت، الإنسان الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به. الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني :
أيها الأخوة أولاً: ما هو الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني؟ في الأعم الأغلب النباتات الأشياء المحرمة فيها قليلة جداً، إلا أن الأطعمة ذات المنشأ الحيواني هناك تفاصيل في ذلك، الآية الكريمة قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
[ سورة البقرة: 168 ]
ما علاقة لا تتبعوا خطوات الشيطان بقوله تعالى؟ أي لا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما أحلّ الله لكم، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحليل ما أحلّ الله لكم، الذي يحلل ما حرم الله اتبع خطوات الشيطان، والذي يحرم ما هو حلال اتبع خطوات الشيطان، ومرة ثانية: ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً من تحليل الحرام، كلاهما إثم، وكلاهما يوازي الشرك بالله، هو شرع لك أنت سلكت طريقاً آخر، فكل إنسان يحلل الحرام أو يحرم الحلال فقد عمل عملاً قريباً من الشرك، لكنه شرك في التشريع، أي أشرك نفسه مع الله في التشريع، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
[ سورة البقرة: 168 ]
الآية الثانية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 172 ]
المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز وعشرة على التفصيل :
كم نوع من أنواع اللحوم؟ أنواع لا تعد ولا تحصى، قال الله تعالى:
﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
الآية الثالثة: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الأنعام: 145 ]
هذه الآية الثالثة، المحرمات أربع؛ الميتة، والدم، ولحم الخنزير، هذه محرمة لذاتها، وما أهل لغير الله به، لو أكلت لحم ضان لم تذكر اسم الله عليه، وذكرت اسم فلان، أو علان، أو الصنم الفلاني، هناك ثلاثة أشياء محرمة لذاتها، وهناك شيء محرم لغيره، الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، هذه المحرمات الأربع ثلاثة لذاتها، وواحدة لغيرها، هذا على الإيجاز، أما على التفصيل فعشرة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾
[ سورة المائدة:3]
المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز، وعشرة على التفصيل، طبعاً لأن المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، هذه مع الميتة، وما ذبح على النصب هذا مع ما أهل به لغير الله، وسنأتي على هذا بالتفصيل بعد قليل إن شاء الله. حاجة ضعاف الإيمان إلى التعليل :
أولاً: عندنا اتجاهان في شرح الأحكام الفقهية، الاتجاه الأول إذا آمنت أن لهذا الكون خالقاً عظيماً خلق السماوات والأرض، لأي أمر أمرك به، أو أي نهي نهاك عنه، لأنه أمر ولأنه نهي هذه علة كافية، أنت عندك جهاز معقد قرأت التعليمات وجدت أن الشركة الصانعة عمرها مئة عام، وعندها ثمانية آلاف مهندس، أعطت توجيهاً تشعر بكل خلية بجسمك، وبكل قطرة بدمك، أن هذا الكلام صحيح، وهذه التوجيهات يجب أن تنفذ، ولا يخطر في بالك أبداً أن تناقش هذه الشركة الصانعة في هذه التوجيهات، لأنها هي الصانعة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/05.jpg
عندنا اتجاهان؛ الأول أن تقول: لأن الله حرم علينا الميتة فهي حرام، لكن إذا أردت أن تقنع ضعاف الإيمان تحتاج إلى التعليل، لكن لو فرضنا أن الإنسان لم يعرف التعليل ألا ينبغي أن ينفذ الأمر الإلهي؟ لا ينبغي أن تعلقه على التعليل، لكن التعليل يقوي إيمانك، التعليل يجعل الشريعة معقولة، التعليل يجعلك تعلم الناس، أما المؤمن الصادق فلأن الله أمر انتهى، لأن الله نهى انتهى، علة أي أمر أنه أمر، لكن هذه الدابة إذا ماتت دمها فيها، كل الأمراض والأوبئة وعوامل الضعف في الدم، فإذا بقي الدم في الدابة فقد أصبحت مؤذية في تناولها، لذلك الآن حدثني أخ كريم حضر معنا الجمعة مقيم في أمريكا قال: صدر قانون فيدرالي يمنع قطع رأس الذبيحة على مستوى الولايات كلها، حين يقطعون رأس الذبيحة القلب يضرب الضربات النظامية -ثمانون ضربة- هذه الضربات النظامية لا تكفي لإخراج الدم، فتبقى الذبيحة زرقاء الدم، وطعمها غير مستساغ، عرفوا هذا من التجربة عادوا إلى الشرع مقهورين لا متعبدين، لكن إذا قطعت أوداج الذبيحة جاء الأمر الاستثنائي من الدماغ إلى القلب، ورفع الضربات إلى مئة وثمانين ضربة، وهي تخرج الدم كله من الذبيحة، وهم بالتجربة وجدوا أنه لابد أن تكون الذبيحة خالية من الدم، كانت كل الطرق القديمة في المسالخ الأجنبية تقطع الرأس كالمقصلة تماماً، الآن منع قطع الرأس ليبقى الأمر الاستثنائي من الدماغ ساري المفعول، حتى القلب يضخ الدم كله خارج الذبيحة، بربكم هل في عهد النبي وبعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى قبيل خمسين عاماً هل يمكن أن يعرف الإنسان ما حكمة النبي حين أمر بعدم قطع رأس الذبيحة وبقطع أوداجها فقط؟ هذا ليس من عند النبي، هذا وحي يوحى، وسوف ترون أنه كلما تقدم العلم -وأنا أعني ما أقول- كشف عن إعجاز هذا التشريع، ولا يستبعد أن تروا يوماً العالم كله يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ربما ليس عن تعبُّد لله عز وجل، ولكن العلم يصل إلى أن هذا الذي وصل إليه القرآن هو عين الحقيقة.
الحكمة من تحريم أكل الميتة :
لذلك الميتة حرمت، قال: هناك تعليل لهذا التحريم؛ الطبع السليم يتقزز من أكل الميتة، الإنسان تعاف نفسه أن يأكل لحم دابة ماتت، والإنسان بفطرته، وطبيعته، وعقلانيته، يرفض أكل لحم الميتة، والله عز وجل حرمه، طبعاً شيء طبيعي أن يتوافق النقل مع العقل، مع الفطرة، مع الواقع، شيء طبيعي وهذا هو الحق، هناك تعليم لطيف أن الإنسان ينبغي أن تكون أعماله كلها هادفة، فهو حين يذبح هذه الدابة يذبحها ليأكلها، أصبحت أعماله هادفة لا يوجد عنده عمل عشوائي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/06.jpg
الشيء الآخر: عندما تموت الدابة، أي ماتت لعلة، لمرض، لجرثوم، لمرض، لتسمم، فالدابة الميتة مظنة مرض، مظنة خطر على الإنسان، وهذه علة أخرى، وهناك شيء ثان دقيق جداً أن البهائم التي خلقها الله عز وجل تأكل الميتة، وأجسامها مهيأة بعصارات هاضمة تهضم اللحم المتفسخ، وتراه طعاماً لذيذاً، فعندما حرم ربنا علينا أكل لحم الدابة الميتة أتاح للدواب أن تأكل http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/07.jpg
هناك حكمة بالغة ترى سنبلة ولها ساق، قد تعجب أن القمح غذاء كامل للإنسان، مصمم على أن يكون غذاء كاملاً فيه ستة معادن، خمسة فيتامينات، مواد نشوية -طبعاً رأسه في عبه أي مع النخالة- أما هذا الخبز الأبيض فهذا غراء جيد للمعدة وقالوا: احذروا السموم البيضاء؛ الطحين الأبيض، والملح الأبيض، والسكر الأبيض، هذه سموم ثلاثة.
الطبع السليم يستقذر، والعاقل تعاف نفسه، والدابة الميتة دمها فيها، وماتت لعلة، أو مرض خطير، أو لتسمم، وفوق هذا وذاك الله جلّ جلاله حين حرمها علينا، أباحها لبقية البهائم من أجل أن تكون طعاماً لها، أعود إلى السنبلة هذه السنبلة فيها الغذاء الكامل للإنسان هل تصدقون أن ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان؟ لذلك التبن يعد المادة الأساسية للحيوان، يقولون: إن هناك زراعة إستراتيجية هي القمح، والبهائم طعامها الإستراتيجي التبن، فساق القمح غذاء أساسي وكامل، والقمح غذاء كامل لنا.
﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) ﴾
[سورة النازعات]
دافع الإنسان للعناية بالحيوان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/08.jpg
الحيوان إذا ذبح فهو لنا، فإذا مات فلغيرنا.
هناك شيء ثان؛ الدابة إذا ماتت يحرم أن تأكلها، هناك توجيه تربوي رائع: أيها الإنسان احرص على حياتها، عالجها من أمراضها، أطعمها، اعتنِ بها، فإذا ماتت خسرتها، لا يسمح لك بأكلها، هذا توجيه تربوي رائع جداً، هذه البقرة ثمنها سبعون ألفاً إذا ماتت لا تستطيع أكلها أبداً إلى الدفن، معنى ذلك أنت من أجل أن تحافظ على ثمنها، وعلى مردوها، عليك أن تعتني بها، لو أنه سمح أن نأكل الميتة لما اعتنيت بها، تأكلها، يقول: ثمنها موجود، أما لأن الدابة الميتة لا تؤكل، محرم أكلها، فعليك أن تعتني بها، أن تطعمها، أن تعالجها من أمراضها، أن توفر لها حاجاتها، إذاً أكبر دافع للإنسان كي يعتني بالحيوان أنه إذا مات هذا الحيوان حرم الله عليه أن يأكله، طبعاً هذه تعليلات، وهناك أشياء أخرى لا نعلمها الله يعلمها، أما إذا أمر الله بشيء فالأشياء من هذا الأمر لا تعد ولا تحصى ، والإنسان يشتغل ويعرف بعض الحكم.
ماذا يستنبط من كلمة -أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا- ؟
هناك رجل كان سبب إسلامه كلمة:
﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/09.jpg
الله لم يقل: دماً، قال: مسفوحاً، ماذا نستنبط من كلمة دماً مسفوحاً؟ الدم في الجسم يصفى عن طريق الرئتين، الإنسان يستنشق الأوكسجين ويطرح غاز الفحم، غاز الفحم من أين هو؟ نتائج احتراق المواد السكرية والدسمة في الخلايا البشرية بالأوكسجين، الأوكسجين يحرق المواد الدسمة والبروتينية، فضلات غاز الفحم تطرح عن طريق الرئتين، الإنسان يتنفس أي تطهير دائم للدم من غاز الفحم، الكليتان ماذا تفعلان؟ تطهران الدم من كل السموم، والأوبئة، والسكر الزائد، الكلية مصفاة ولكنها حية، سائل فيه سكر وملح وبروتين...مواد لا يعلمها إلا الله، تختار النسب النظامية، سبعة بالألف سكر، بروتين، بوتاسيوم، والباقي بول، وأي نسب غير نظامية، أو سامة، أو مواد وفضلات تطرح في البول، إذاً: الكليتان تنقيان الدم، والرئتان تنقيان الدم، وملايين الغدد العرقية تنقي الدم، ثلاث مصاف،الكليتان والرئتان والغدد العرقية هذه كلها تنقي الدم، والدم يجري فهو طاهر، أما إذا سفح الدم فصار نجساً ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾
فالميتة حرمت لعلة بقاء الدم فيها، فالأصل هو الدم سبب التحريم والدم المسفوح أيضاً، الإنسان كل عوامل ضعفه، وعوامل المرض كلها في دمه، أهل الجاهلية قبل الإسلام كان إذا جاع الرجل يأتي بعظم مدبب مؤنف مثل السكين يدخله في جسم الجزور –الناقة- ويأخذ الدم فيشربه،هذا شيء واقع في الجاهلية، حتى قال الأعشى: وإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن عظيم حديد فتفصد
***
كان الإنسان في الجاهلية يدخل العظم المؤنف إلى جسم الدابة ليشرب من دمها أي بمثابة غذاء، والدم محرم.
الحكمة من تحريم لحم الخنزير :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/10.jpg
الشيء الثالث: لحم الخنزير، والخنزير طبعاً يأكل اللحوم، ويأكل اللحوم القذرة، أطيب أكلة عنده الجرذان، ويأكل الخنزير الميت، ويأكل الفطائس، واللحوم المتفسخة، فإذا جعلناه في مزارع وضبطنا غذاءه لا يصبح حلالاً، له وظيفة أخرى، وظيفته أن ينقي الأرض من الجيف، هذه وظيفته، فالإنسان لجهله صار يأكله، والحديث عن مضار لحم الخنزير حديث من باب تحصيل حاصل، لو أنه يوجد وقت متسع لوجدت أن فيه دودة شريطية تعيش في لحمه، وهناك أمراض كثيرة تنمو في لحمه، حتى لو شويته أو طبخته، ومع ذلك العلة الأقوى أن الله حرمه، وكفى المؤمن علة التحريم أن الله حرمه وانتهى الأمر.
لكن لو عملت دراسة عن لحم الخنزير، أنا أذكر أن هناك أخاً من أخواننا الكرام عمل ندوة من عشر سنوات في لبنان عن لحم الخنزير، ثاني يوم المبيعات هبطت إلى النصف، و أذكر أن له صديقاً من هولندا ذكر له مضار لحم الخنزير، هذا الصديق ما وسعه إلا أن يرسل برقية إلى زوجته للامتناع عن تناول لحم الخنزير حتى يعود ويقنعها، العلم حجة قوية جداً، في العالم الغربي هم مغرمون بلحم الخنزير هذا موضوع ثان، هناك بحوث ما تزال في البداية أن الإنسان يتأثر بوضع الحيوان النفسي، هذا شيء بدأنا نستطلعه، فالخنزير يقارب زوجته عياناً أمام بقية الخنازير، وهناك حيوان لا يسمح أن يراه أحد و هو مع أنثاه،الجمل من هؤلاء،السمك، أما الخنزير! فيقولون: فلان مخنزر، يبدو أن تناول هذا اللحم له علاقة ببعض الطباع الاجتماعية.
الله عز وجل سمح للإنسان أن يأكل اللحم الذي تطيب به نفسه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/11.jpg
أما ما أهل به لغير الله أي إذا ذبحنا هذا الخروف على اسم غير الله عز وجل، على اسم صنم، أو على اسم إله مفترى، أو على اسم شخص، هذا أهل أي ذبح لغير الله، أما ما ذبح على النصب، فلو توجهت إلى صنم وذبحت أمامه خروفاً ولو بقيت ساكتاً هذا حرام، إذا ذبحته بمكان بعيد عن الصنم من أجل هذا الصنم هذا أهل لغير الله به، أما إذا توجهت إلى الصنم وذبحته أمامه وأنت ساكت فحرام، طبعاً ذبحته من أجله، فواحدة أهل لغير الله به، والثانية ذبح على النصب، كلاهما إشراك بالله عز وجل.
الإنسان حين يقول: الله أكبر! أي يا رب هذا الحيوان خلقته لنا، وذللته لنا، وسمحت لنا أن نذبحه لنأكله، ونحن نفعل ذلك باسمك، وإرضاءً لك، وتنفيذاً لشريعتك، هذا معنى الله أكبر، نحن لا نرتكب جريمة بذبح الخروف، نقول: الله أكبر! الله سمح لنا أن نفعل هذا، وكما تعلمون هناك غلو، غلو في الإفراط وغلو في التفريط، في الإفراط هناك شعوب تأكل لحم الكلاب بآسيا، والقطط، وبسنغافورة الثعابين يوضع في أقفاص وهو حي يذبح ويسلخ ويقدم للشاري أطيب طعام، في بلاد يأتون بالقرد وهو حي يقطعون قبة رأسه ويأكلون دماغه وهو حي، هناك حيوانات تؤكل تعافها النفس، وهناك أناس حرموا اللحم كلياً مثل المعري،النباتيون، هؤلاء غالوا وهؤلاء غالوا.
الله عز وجل سمح لنا أن نأكل اللحم الذي تطيب به نفوسنا. تفسير المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع :
الآن إلى التفصيل؛ المنخنقة: هي التي تموت خنقاً، إما أن يلتف وثاقها حول عنقها، أو أن تدخل رأسها في مضيق فتموت، والموقوذة التي تضرب بالعصا ونحو ذلك فتموت، والمتردية التي تسقط من شاهق فتموت، والنطيحة التي نطحتها أختها فتموت، أما الآن لو أن كبشاً نطح غنمة في مذبحها بقرنه وسال دمها هذه اسمها نطيحة، لا يجوز أكلها لو دخل قرنه في مذبحها وسال دمها فحرام أكلها اسمها نطيحة ولا يجوز أكلها، فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، كل حيوان مفترس إذا أكل دابة مما سمح الله لنا أن نأكله لا يليق بالإنسان أن يأكل فضلات حيوان، لكن الله عز وجل قال: إلا ما زكيتم، إن كانت على وشك أن تموت بادرت إلى ذبحها، الحكم الفقهي أنها إذا حركت يدها أو ذنبها أي فيها حياة وإذا ذبحتها فهي حلال، بادرتم إلى ذبحها، هناك رأي فقهي آخر: إذا ذبحتها يجب أن ينفجر الدم انفجاراً ، إن لم ينفجر الأولى ألا نأكلها، هذا الحكم على تنوع المذاهب أيضاً فيه حكمة أن المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع هذه إذا ماتت بهذه الطريقة خسرتها.
إذاً ماذا على صاحبها أن يفعل؟ أن يمنع الدواب من أن تنطح بعضها بعضاً، وأن يقيها المخاطر، أن تتردى من شاهق، أن يقيها الاختناق، ألا يضربها، فإذا ماتت خسر ثمنها، أيضاً تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع تحريم وقائي تربوي حتى الإنسان يعتني بالحيوان. الحكمة من أكل السمك دون أن يذبح :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/12.jpg
قال: إلا ما زكيتم، أي ذبحتموها قبل أن تموت، أما السمك والجراد، مرة سألني شخص قال: إذا كان بقاء الدم في الحيوان يؤذي فكيف نأكل السمك دون أن نذبحه؟ وإذا كان أكل السمك جائزاً ودمه فيه لماذا نشترط تزكية الدابة الأخرى الغنم؟ سؤال منطقي؛ إذا الدم هو العلة فالدم يبقى في السمك، ويبقى في الجراد، النبي الكريم قال: "أحلت لكم ميتتان السمك والجراد".
الحقيقة الشيء الذي لا يصدق أن السمك حينما تصطاده، أو حينما يخرج من الماء، ينتقل دمه كله إلى غلاصمه، فكأنك ذبحته، وقلّما تجد دماً في السمك، الصيادون يفتحون الغلاصم يرونها متوردة أي كل الدم صار في الغلاصم، فصيد السمك حينما يخرج السمك من الماء ينتقل دمه إلى غلاصمه وكأنه ذبح، وربما كشف العلم في المستقبل موضوع الجراد.
في الصحيحين عن جابر :
(( أن النبي ( ص ) بعث سرية من أصحابه فوجدوا حوتاً كبيراً قد جزر عنه البحر -أي ميتاً- فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما ثم قدموا إلى المدينة فأخبروا الرسول عليه السلام فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم))
[ صحيح عن جابر]
إذاً مسموح أن تأكل السمك دون أن يذبح. إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4924/13.jpg
بقي الدابة التي تموت هل يجوز أن ننتفع بجلدها ؟ الجواب: نعم:
((عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تصدق على مولاة لميمونة أم المؤمنين بشاة فماتت فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ، يعني جلدها، فانتفعتم به فقالوا يا رسول الله إنها ماتت فقال عليه الصلاة والسلام إنما حرام أكلها))
[مسلم عن ابن عباس]
جلدها مال ولا يجوز أن نتلف المال، وقال عليه الصلاة والسلام: ((دباغ الأديم زكاته))
[الطيالسي عن سلمة بن المحق الهذلي]
أي يجعل استعماله حلالاً إذا دبغته، وفي حديث آخر: ((دباغه يذهب بخبثه))
[ المستدرك عن ابن عباس]
وفي حديث رواه الإمام مسلم: (( إذا دبغ الإيهاب فقد طهر ))
[مسلم عن ابن عباس]
لو الدابة ماتت يمكن أن ننتفع بجلدها، وهذا يبين النظرة الاقتصادية، إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من قعب، بقي في القعب فضلة فقال: ردوها إلى النهر لعل لله ينفع بها قوماً آخرين.
بقيت فضلة من الماء ما سمح النبي أن تهرق، إتلاف المال والتبذير في استعمال الماء هذا ليس من أخلاق المسلم. الضرورة :
بقي أخوانا الكرام موضوع الضرورة؛ قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾
ما معنى باغٍ؟ أي ابتغى، أراد أن يأكل من لحم الخنزير ليذوق هذا اللحم، طعمه طيب مثلاً؟ هذا باغٍ أي بغى أن يأكل، ولا عادٍ أي على وشك أن يموت جوعاً يكفيه أربع لقمات ينبغي ألا يزيد عليهن أية لقمة، أي لا يتجاوز الحد الذي يبقيه حياً، العلماء فصلوا قالوا: الإنسان الذي لا يجد طعاماً ليوم وليلة على التمام عند ذلك يجوز له أن يأكل، أي اليوم بكامله والليل بكامله لثاني يوم لاشيء يضعه في فمه ممكن، هذه الضرورة، يوشك أن يهلك جوعاً له أن يأكل ما حرم الله عليه غير باغٍ ولا عادٍ.
هناك نقطة مهمة أخيرة الإنسان لا يملك ثمن طعام لكن يعيش ضمن مجتمع، له أقارب، له أهل، الفرد إذا كان لا يملك ثمن طعام لا يعد مضطراً، يجب أن يطلب الطعام من أقربائه، أنا جائع أريد أن آكل أي لا يكفي ألا تجد طعاماً وتأكل لحم الخنزير، هذه حالة في الصحراء، في مكان منقطع لا يوجد إنسان يطعمك لقمة، ضمن مجتمع مسلم أنت لست مضطراً، يقول أحدهم: أنا مضطر إلى قرض ربوي، ألا يوجد أحد يقرضك؟ يقول: لا يوجد أحد، يقال له: سألت؟ يقول: لم أسأل، إنسان مقطوع من شجرة ليس معقولاً؟! يجب أن تبحث عن قرض حسن، لا يسأل أحداً ويقول: أنا مضطر، ما دمت في مجتمع مسلم فأنت لست مضطراً، الإنسان عندما يتقي أن يعصي الله عز وجل الله يلقي في قلوب الآخرين الاندفاع نحو خدمته، الإنسان إذا نوى وصمم ألا يعصي الله الله عز وجل يهيئ له سبل الحلال.
النقطة الدقيقة الأخيرة أن الإنسان لا يعد مضطراً إذا كان في مجتمع مسلم، هذا الكلام في سفر، في بادية، في صحراء، على وشك الموت جوعاً، وهناك خنزير بري ممكن، أما ضمن مدينة لك أهل وأقرباء، لا تملك ثمن طعام دعيت إلى مطعم فيه لحم خنزير فعليك ألا تأكل إلا ما أحل الله لك، لا يوجد معي، أسأل، أقترض، أطلب الطعام، ولا آكل ما حرم الله، ولهذا الدرس تتمة نتابعها إن شاء الله تعالى، لكن سوف نصل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى اللحوم التي لم تذبح الذبح الشرعي، اللحوم التي تذبح بطريقة الصعق هل يجوز أكلها؟
إن لم يكبر عليها هناك رخصة أنت كبر عليها وكُلها، التكبير له حل أما التذكية الشرعية فليس لها حل، هذا إن شاء الله نعالجه في درس سابق.
الطعام شيء أساسي وهناك معلبات ولحوم مستوردة هل تجوز؟ وما هي حدود الحلال والحرام؟

السعيد
09-18-2018, 08:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الحادى و العشرون )

الموضوع : الحلال والحرام فى الملبس و الزينة






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
معرفة منهج الله أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في دروس سابقة أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله أن تعرف منهجه، وأن تحمل نفسك على سلوك ذلك المنهج، بل إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل لا يشغله شيء إلا أن يبحث عن أمره ونهيه، والله سبحانه وتعالى يبين أن المرجح الوحيد بين الخلق هي الطاعة والتقوى، حين قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[سورة الحجرات:الآية 13]
وليس الولي الذي يطير في الهواء، وليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، الولي كل الولي أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
يوجد سلوك أبحث عن اسم له -سلوك استعراضي- أن تضع المصحف في جيبك، أن تعلقه في مركبتك، أن تضعه في بيتك، إن هذا سلوك استعراضي، إذا لم يكن هناك طاعة حقيقية لله عز وجل فهذا السلوك الاستعراضي لا يقدم ولا يؤخر. سبيل تعظيم الله تعظيم أمره ودليل محبتك له طاعته :
كن عميقاً، تعلق بجوهر الدين، اقتدِ بأصحاب رسول الله الذين -رضي الله عنهم- لأنهم كانوا عند الأمر والنهي، ومن صفات سيدنا الفاروق -عملاق الإسلام- أنه كان وقافاً عند كتاب الله.
فلذلك موضوع الحلال والحرام، هذا الموضوع قد لا يلفت نظر الذين قصروا في معرفة الله، لأن شرف الأمر من شرف الآمر، فكلما عَظُم الله عندك عظم أمره، وكلما جلَّ ربك في عينك جلَّ أمره أيضاً، فسبيل تعظيم الله تعظيم أمره، ودليل محبتك له طاعته، بل إن الله تعالى جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقياساً لمحبته، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾
[سورة آل عمران:الآية31]
من هذا المنطلق بدأنا هذه السلسلة من الدروس، نتحدث فيها عن الحلال والحرام، كان موضوع الدرس الماضي الحلال والحرام في الأطعمة، وبينت كيف أن الله سبحانه تعالى حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَ به لغير الله. الملبس والزينة في حياة المسلم :
واليوم ننتقل إلى جانب آخر من جوانب حياة المسلم، ألا وهو الملبس والزينة، فالإسلام أباحها للمسلم، بأن يكون ذا هيئةٍ حسنة، لا أدري لماذا استقر في عقول الناس في العصور الوسطى أو عصور الانحطاط إن من علامات المسلم الولي أن تكون هيئته مزرية، من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس ))
[ أحمد عن قيس بن بشر ]
إصلاح حال ثيابك، إصلاح شأنك، وإصلاح ثيابك، والتجمل من الدين، فلذلك أباح الإسلام للمسلم أن يكون ذا هيئة حسنة، وأن يكون كريم المظهر، أنت سفير -سفير أي دولة - سفير الإسلام، أنت عند الناس مسلم، والمسلم يجب أن يكون حسن المظهر، جميل الهندام، متمتعاً بما خلق الله له من زينةٍ، وثيابٍ، وريش، من دون إسراف، ولا مخيلةٍ، ولا عُلُوٍ على الناس، إلا أن المظهر جزءٌ من شخصيتك، بل إن علماء النفس يقولون: "الإنسان إذا اعتنى بمظهره فهذا يظهر في قوة شخصيته".
إذا وجد خطأ في ثيابك، أو خطأ في هندامك، أو خطأ بشكلك العام، أي لست مهتماً بشعرك، ولست مهتماً برائحتك، و لست مهتماً بنظافتك، هذا مما يضعف شخصيتك، وقد يربكك في الكلام، أحد أسباب الحبسة في الكلام ضعف الثقة بالذات، وأحد أسباب قوة الشخصية الهندام الحسن، فلذلك ليس غريباً أن يكون المؤمن ذا هندام حسن، و ذا مظهر طيب ومقبول. الغرض من الثياب :
أيها الأخوة الكرام: الغرض من الثياب بشكل بديهي أمران؛ ستر العورة والتزين به، والله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بما هيأ له من لباس ورياش. من خلق القطن؟ الله جلّ جلاله، من خلق الصوف لننتفع به؟ الله جلّ جلاله، إنّ ما ننعم به من ثياب إنما هي من خلق الله عز و جل، لكنه أكرمنا بأن ألهمنا أن نغزلها، وأن ننسجها، وأن نخيطها، وأن نصبغها، كي نتزين بها.
الحقيقة يوجد في الإنسان شيء عجيب، الإنسان خلق عارياً لكن الله أعطاه هذا الفكر فصنع به أجمل الثياب، خلق بلا مأوى أعطاه الله هذا الفكر فسكن أجمل البيوت، الله عز و جل عندما أعطى الفكر للإنسان أعطاه كل شيء على الإطلاق، فبه لبس أحسن الثياب، و به سكن أجمل البيوت، وبه انتقل بسرعة عن طريق مركبات اخترعها، هذا الفكر كرم الله به الإنسان، وهو أثمن عطاءٍ على الإطلاق، إلا أنه ينبغي أن تعمله لما خُلق له، هذا الفكر خلق من أجل أن تعرف الله عز و جل من خلاله.
إذاً التستر والتزين، والإنسان إذا انحرف عن هذين الشرطين فقد استجاب لنداء الشيطان قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾
[سورة الأعراف: الآية 27 ]
صار التعري من لوازم الكفر. ارتباط ثياب المرأة بدينها
ارتباطاً وثيقاً : موضوع الثياب متعلق بالدين ولاسيما المرأة، فالمرأة كل سنتمتر من ثيابها يقابله زيادة في إيمانها، فالمرأة بالدرجة الأولى ثيابها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدينها وإيمانها، فكلما تسترت ارتقت عند الله، وكلما تبذلت سقطت من عين الله، لأنه حينما تتبذل تصبح مؤذيةً لخلق الله لا إيذاء سلبياً بل إيذاء إيجابياً، تغريهم به- في الطريق شاب أعزب، في الطريق رجل متزوج أو امرأته مريضة - فهذه التي تبدو في أجمل زينة في الطريق هذه تؤذي عباد الله عز وجل.
فيمكن أن نقول: إن دين المرأة مرتبط بثيابها، طبعاً مرتبط بثيابها بعض الارتباط، لو رأيت طالباً في الطريق يرتدي ثياب الفتوة، أقل ما يشير إلى أنه طالب علم هذه الثياب، قد يكون فاشلاً في دراسته، قد يكون راسباً، قد يكون مفصولاً، لكن أقل ما يشير إلى أن هذا الطالب طالب هو الثياب، والمرأة أقل ما يؤكد انتمائها للدين حجابها. هل يكفي الحجاب وحده؟ لا يكفي.
لكن أقل أشارة إلى أنها مسلمة ثيابها، أما أعلى إشارة حبها لله، طلبها للعلم، رعايتها لزوجها، عنايتها بأولادها، معرفتها بربها، إخلاصها لزوجها، لكن أقل دليل على أنها امرأة مسلمة حجابها.
فموضوع الحجاب -الحجاب للمرأة- وموضوع التستر للرجل هذا مرتبط بدينه، فالكافر دوماً يميل إلى التعري، إلى كشف العورات، إلى التبذل، إلى إثارة الشهوات، لذلك ليس غريباً أن أقول لكم: إن الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل. فالزنا أساسه تبذل المرأة، والخلوة، والاختلاط. الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل :

حتى إن الانحرافات الخطيرة في الجنس أساسها التبذل - تبذل امرأةٍ أمام امرأةٍ ربما قادهما إلى الانحراف، وتبذل شابٍ أمام شابٍ ربما قادهما إلى الانحراف - لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((الفخذ عورة ))
[ الترمذي عن ابن عباس]
دقق الانحرافات الخطيرة، رجل يحمل دكتوراه في بلد عربي، أرسل ابنه إلى بلد غربي -إلى أمريكا- بقي سنوات عدة، ثم فوجئ الأب بأن ابنه يعلمه أنه تزوج، وأنه ينتظره في أمريكا ليهنئه بهذا الزواج، ذهب الأب، طرق باب ابنه، ففتح الباب، فصعق، ابنه تزوج ولكن ليس هو الزوج، إنه الزوجة، زواج شاذ، أصيب بجلطة مباشرة، لو سألتني الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات بعد الزنا، الزنا معروف بين رجل وامرأة، الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات أساسها كشف العورات والتبذل، فيجب أن نعتقد أن الثياب جزء من الدين. المؤمن الصادق يحصن نفسه من خطرين شديدين؛ المرأة والمال :

الآن: الإنسان يرتدي أقل الثياب لا يبالي بنظر الناس له، هذا أيضاً لا يجوز، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾
[سورة الأعراف: الآية 27 ]
إن هذه الشهوة الجنسية التي أودعها الله في الإنسان من أجل أن يكوّن أسرة، تثمر ولداً صالحاً، أو فتاة صالحةً، أن يكون الوئام بين الزوجين، هذه الشهوة بإمكان أي إنسان حقير أن يفجرها بالعري، والصور المكشوفة، والأعمال الفنية الساقطة، والتقاط المحطات الفضائية.
فهذا الذي يفجر الإنسان تفجيراً إنه كاللغم، إنسان حقير يعطيه عود ثقاب ينفجر.
لذلك نرى في الإسلام أحكاماً كثيرة جداً متعلقة بالمرأة، وأحكاماً كثيرة جداً متعلقة بكسب المال؛ منطقتان خطيرتان يؤخذ منهما الإنسان؛ المرأة والمال، والمؤمن الصادق يحصن نفسه من هذين اللغمين الذين ربما أوديا به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( استوصوا بالنساء خيراً ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
(( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ))
[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]
لذلك سماها النبي عليه الصلاة والسلام : (( حبائل الشيطان ))
[فيض القدير شرح الجامع الصغير]
والمال أيضاً يعتبر مادة الشهوات، فلذلك المؤمن يحصن نفسه من هذين الخطرين الشديدين؛ المرأة والمال. للثياب وظيفتان؛ الستر و التزين :
إن قول الله عز و جل:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾
[سورة الأعراف:الآية 27 ]
وقوله عز و جل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾
[سورة الأعراف:الآية 31]
يوضح الله عز و جل في هاتين الآيتين أن للثياب وظيفتين؛ وظيفة الستر و وظيفة التزين. فإذا انتقى الإنسان لوناً جيداً لا مانع من ذلك، وإذا ارتدى ألواناً متناسبة لا مانع أيضاً، و إن اختار ألواناً هادئة لا مانع أيضاً، فضلاً عن أن هذا الثوب يستر عورته، إذا اجتهد في حسن اختيار اللون فهذا شيء غير محرم، إنه يحقق هدف الزينة.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه سأله. ((قلت: يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: "إن استطعت ألا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا، قال: "فالله أحق أن يستحيا منه))
[أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده]
التستر جزءٌ من الدين :
إذاً كما قدمت لكم: التستر جزءٌ من الدين، والفسق والمعصية تميلان إلى التعري، وإذا بلغ الفجور أقصى حده تنشأ نوادي العُراة حيث يكون الإنسان فيها كالبهيمة.
سبحان الله! قضية ذوقية، الإنسان جميل بالثياب، وبشع بلا ثياب، ولكن الأذواق سقطت في وحُولِ الشهوات، حتى المرأة جمالها في حشمتها، وفي ثيابها السابغة، فإذا تبذلت سقطت من عين الناس.
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
(( أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟ ))
[ الموطأ عن عطاء بن يسار]
وكأنه الآن يوجد اتجاه للشعر الثائر والمبعثر - أحدث صرعة في تصفيف الشعر - الأذواق هبطت، الأذواق الثابتة أصبحت ساقطة.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تنظفوا فإن الإسلام نظيف))
[ ابن حبان عن عائشة]
هذه كلمة مطلقة – يقولون: فلان نظيف - قد تعني أكثر من أنه نظيف البدن، واضح، علاقاته واضحة، سره كعلانيته، لا يوجد عنده خبث ولا خداع، مبادئه صريحة، ووسائل مبادئه أوضح من مبادئه. النظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة :
على كلٍٍّ: تنظفوا فإن الإسلام نظيف، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة، ويبدو أن المؤمن إذا تنظف كأنه تقرب إلى الله عز و جل، كيف؟ لأن الله عز و جل يقول:
﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾
[سورة البقرة: الآية222]
الله يحب الطاهر، إذا نظف الإنسان جسمه وبالغ في الاستحمام، تعطر وارتدى ثياباً نظيفة، تأنق فيها، اعتنى بها، فهذا من الدين، أليس عاراً أن يكون الفاسق الفاجر الكافر أشد نظافة وأناقة من المؤمن؟ أليس هذا عاراً على المؤمنين، أليس عاراً أن يكون متجر الكافر مرتباً نظيفاً منظماً ومتجر الإنسان المسلم مضطرباً فيه الفوضى والغبار أيليق هذا بالمسلم.
على كلٍّ: النظافة عامة، النبي عليه الصلاة والسلام حث على نظافة الثياب ونظافة الأبدان ونظافة البيوت ونظافة الطرق وعني خاصة بنظافة الأسنان ونظافة الأيدي ونظافة الرأس وهناك أحاديث كثيرة. الوضوء وطهارة البدن والثياب والمكان أول فريضةٍ تعبديةٍ شرطها النظافة :
هل تصدقون أنه في العالم الآن ثلاثمئة مليون إنسان مريض بسبب القذارة، ثلاثمئة مليون إحصاء منظمة الصحة العالمية مصابون بأمراض القذارة، التهابات الأمعاء وما إلى ذلك. وهل تعجبون أن النظافة جعلها الله مفتاحاً وشرطاً لأول فريضة تعبدية في الإسلام وهي الصلاة، الصلاة عماد الدين شرطها الطهارة، الوضوء، وطهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، هذه هي الصلاة، هل تستطيع الصلاة على مكان نجس؟ هل تستطيع الصلاة في ثياب نجسة؟ في بدن نجس؟ لا تستطيع.
الوضوء، وطهارة البدن، والثياب، والمكان، أول فريضةٍ تعبديةٍ على الإطلاق، شرطها النظافة.
رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال:
(( أما كان يجد ما يسكن به شعره؟ ))
ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: (( أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟ ))
[ أبو داود عن جابر بن عبد الله]
يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام بلطف. أول انطباع للإنسان يكون عن الشكل ثم المنطق ثم المعاملة :
الذي أريده أنت مؤمن، و أنت محسوب على المؤمنين، مظنة إيمان عند أهلك، عند أخوتك، عند أصحابك، عند جيرانك، عند زملائك في حيكَ - هذا مسلم يحضر دروس علم - فهذا الإنسان بالذات ينبغي أن يكون في أعلى درجة من النظافة والأناقة، أنا لا أقول أن تلبس ثياباً فخمة غالية أبداً، يمكن أن ترتدي أرخص ثوبٍ لكنه نظيف. يمكن أن تختار ألواناً متناسبة - أيليق بإنسان يؤم الناس في المساجد أن يركب دراجة وحذاء بلا جوارب وبلا رباطات، ويرفع ثوبه مظهراً ملابسه الداخلية، هل يليق بالإنسان هكذا - أهكذا المؤمن؟ يقول لك درويش، ليس هذا هو الدين:
(( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس ))
[ أحمد عن سهل بن الحنظلية]
أساساً الشخص إذا التقى بشخص آخر أول مرة يتفحصه من هيئته فقط، أول انطباع الشكل، الأناقة، النظافة، الشعر، الثوب، الترتيب، أول انطباع، عندما يتكلم الإنسان ينسى الناس ثيابه وينتبهون لكلامه، وعندما يعاملهم ينسون كلامه.
أولاً: الشكل ثم المنطق ثم المعاملة.
قال: أتعرفه؟ قال: نعم أعرفه، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه، يا هذا إني لا أعرفك لكن سيدنا عمر كان أديباً، فقال له: ولا يضرك أني لا أعرفك. على الإنسان ألا يصغر نفسه أمام إنسان لا يعرف الله :
هناك نقطة أريد لفت النظر إليها: المسلم لا يصغر نفسه أبداً، فكلمة واحدة يصغر بها الإنسان، أو إلحاح يصغر فيه، أو يطمع بشيء ما فيسقط، فالطمع أذل رقاب الرجال.
وسعنا الدائرة الآن نتجاوز الثياب، والهندام، والأناقة، والنظافة، فالإلحاح على طلب الشيء بعض الأحيان يصغرك - قال له يا هذا: لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك - اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
ونوسع الموضوع فنقول: إياك أن تصغر نفسك أمام إنسان لا يعرف الله، أحياناً الابتسامة الزائدة تضعف مركزك، أحياناً الانحناء، ولم الانحناء؟ ارفع رأسك، فكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً. الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده :
((أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ : أَلَكَ مَالٌ؟ قَالَ : نَعَم؟ قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قَالَ : قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ : فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ))
[ أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه]
إنه ميسور الحال، لمَ هذا المظهر الذي لا يليق بك؟ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليك، للعوام مثل لطيف: الذي لا يمتلك القديم لا يمتلك الجديد. فالنبي الكريم قال: ((ما على أحدكم إن وجد سَعَة أن يتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته))
[ ابن حبان عن عائشة]
عندك ثياب لعملك اليومي، وثياب ليوم الجمعة، فيوم الجمعة عيد - دعيت إلى عقد قران، إلى احتفال، إلى لقاء، إلى سهرة - يكون هذا الثوب جديداً خاصاً للقاءات، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا، له ثياب يرتديها يوم الجمعة، وعند لقاء الوفود، وكان عليةَ قومه يفعلون كذلك. بل إن القرآن الكريم يقول: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾
[سورة الأعراف:الآية32]
من حرم هذه؟ تحريم الذهب و الحرير على الرجال :
وما نزال في موضوع الثياب فهناك شيئان محرمان على الإنسان في موضوع الملبس والزينة، أولاهما: التحلي بالذهب، وثانيهما: لبس الحرير، فعن علي كرم الله وجهه قال: ((إن نبي الله صلى الله عليه و سلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي))
[ أبو داود عن علي]
سمعت مرةً مقالة علمية موثقة عن ضرر الذهب للرجال بالذات، وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ))
[ صحيح عن عمر]
وقال صلى الله عليه وسلم في حلة الحرير: (( إنما هذه لباس من لا خلاق له ))
[ البخاري عن عمر]
ورأى النبي خاتماً من ذهبٍ في يد رجل فنزعه وطرحه في الأرض وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده))
[ مسلم عن عبد الله بن عباس]
فقيل للرجل بعدما ذهب النبي: خذ خاتمك انتفع به، بعه، قال: لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرى الآن الخاتم، والقلم، والقداحة، والساعة، كلها ذهب تعتبر هذه للرجل العصري. إباحة النبي الكريم التختم بالفضة :
أما التختم بالفضة فقد أباحه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من وَرِق، و الوَرِق هو الفضة، وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر رضي الله عنه، ثم كان في يد عمر رضي الله عنه، ثم كان بعد في يد عثمان، ثم وقع بعد في بئر أريس، أما المعادن كالحديد فلم يرد نص صحيح في تحريمها، لكنه ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد الزواج من امرأة وهبت نفسها له:
((التمس ولو خاتماً من حديد))
[رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي]
لكن إذا كان هناك أمراض جلدية وعلاجها الحرير فلا مانع، لبس الحرير لعلة علاجية من مرض جلدي لا مانع من ذلك. الحكمة من تحريم الذهب والحرير :
قد يسأل أحدكم: ما حكمة تحريم الذهب والحرير؟
هناك أهداف كثيرة، أحد هذه الأهداف أن هذا الدين العظيم دين القوة والجهاد، ولبس الحرير والذهب من قبل الرجال يضعضع مكانتهم القوية، اقتربوا إلى النعومة، إلى التخنث، إلى الاسترخاء، إلى التجمل، فالذهب والحرير يضعفان في الرجل قوته وجهاده و عزيمته، أو كأنه بالذهب والحرير ينافس النساء، ويتقرب إليهن، ويتشبه بهن.
وهناك شيء آخر لي صديق تقدم لنَيل شهادة عليا في جامعة غربية، قال لي: كان يوجد مادة تسمى التربية والمستقبل، واستقدموا لهذه المادة أستاذاً من بلاد بعيدة، هذه المادة حينما درسها في هذه السنة لفت نظره شيء، ملخص هذه المادة أن المجتمع البشري يجب أن يرشِّد الاستهلاك وإلا يدفع الثمن باهظاً، كيف؟ افتح خزانة ثياب امرأة كم ثوب لا تلبسه؟ ما العلة؟ لبسته في حفلة سابقة، هذه الثياب لها ثمن باهظ، مدفوع ثمنها، مخيطة فيها كلف، استهلكت جهداً بشرياً كبيراً، تلبس مرة أو مرتين وتلقى في الخزانة، هذا إسراف في استهلاك خيرات الأرض، هذا الاستهلاك الشديد سببا الآن الفقر الشديد، أي أحد أسباب اختلال التوازن في الموارد هذا الاستهلاك غير المرشد، وأساساً كل إنسان يستهلك المواد استهلاكاً غير مرشد هذا سفيه، يحكم عليه بالسفاهة، ولا أكتم أن الأقوياء نظروا إلى هؤلاء الأغنياء أصحاب الثروات النفطية، فرأوا أنهم لا ينفقون أموالهم إنفاقاً حكيماً، إنفاقاً فيه التبذير والإسراف، شيء غير معقول، لذلك أرادوا أن يأخذوا هذه الأموال بطريقةٍ أو بأُخرى، إنفاق المال بشكل غير مرشّد دليل سفاهة الإنسان، سماه الله عز وجل سفيهاً فقال:
﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾
[سورة النساء: الآية 5]
الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة :
كل إنسان يبالغ في الإنفاق بشكل يستهلك هذه المواد التي أكرمنا الله بها استهلاكاً غير مرشدٍ هذا يحكم عليه بالسفاهة.
ولقوله تعالى:
﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾
[سورة الإسراء: الآية 16]
ولقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قريةٍ من نذيرٍ إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾
[سورة سبأ: الآية 34]
أقول لكم هذا كثيراً، ثماني آيات حصراً في كتاب الله قُرن الكفر بالترف، وذكرت ذلك سابقاً، أنت دخلك هكذا، وحاجتك الأساسية هكذا، طعام وشراب ولباس وبيت ومركبة، وهناك فائضٌ كبير، هذا الفائض يمكن أن تصل به في الجنة إلى أعلى عليين، استهلكته بأشياء تافهة لا تقدم ولا تؤخر في الحياة الدنيا، لو يعلم الغني كم يرقى إلى الله بماله، كم يحل آلاف المشكلات بماله، كم يسعد بإنفاق ماله، لأخذ حاجته، وأنفق الباقي في سبيل الله، والله سبحانه وتعالى يعده وعداً أكيداً أن يخلف عليه ما أنفقه.
إن موضوع الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة.
كنت في بعض البلاد قبل أسابيع، لفت نظري أن رقم السيارة إذا كان دون الخمسين سعره مئة ألف درهم أي مليون ليرة - رقمك سبعة وخمسون - ما هذه القيمة العظيمة؟ رقم سيارته سبعة وخمسون يدفع سعرها مليون ليرة، كم إنسان تحل مشكلته بهذه المليون ليرة؟ فالإنسان عندما يبتعد عن الله عز وجل يتعلق بقيم مضحكة - فليكن رقم سيارتك خمسة عشر ألفاً ماذا يحدث؟ ألا تسير إلا على السبعة والخمسين- شيء ليس له معنى، وعندنا في هذه البلاد أصبحت ليلة الزفاف تكلف عشرين مليوناً، زفاف بعشرين مليوناً؟ كم إنسان تحل مشكلته بهذه الملايين؟ يجب أن نعتقد اعتقاداً يقينياً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾
[سورة الإسراء: الآية 27]
إذاً: الكفار كانوا إخوان الشياطين هذا قياس منطقي، كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان. تعلمناها بالمنطق الصوري. الله تعالى حرم التبذير و نهانا عن الإسراف :
إذاً قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾
[سورة الإسراء: الآية 27]
يؤكد بأن المبذرين كفار، فلذلك ينفق الإنسان كما أمره الله حين قال: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾
[سورة الأعراف: الآية 31]
في كل شيء، اسكن في بيت، وارتدِ الثياب، وتناول الطعام، وربِّ أولادك، وألبسهم، وأطعمهم، لكن بالمعقول، بالاعتدال، من دون أن تفسدهم، من دون أن تجعلهم يتكبرون على الناس، فالإسراف يجب أن يعالج، الإسراف في المباحات، والتبذير في المعاصي، فكما أن الله تعالى حرم التبذير نهانا عن الإسراف، يقولون: غني! وإذا كان معك أموال طائلة! هل يجب أن تستهلكها بأهداف خسيسة؟ المسلم وقاف عند كلام الله يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله :
على كلٍّ في درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى موضوع: إباحة الذهب والحرير للنساء فيه حكمة بالغة، هذان محرمان على الرجال، محللان للنساء، ولازلنا في موضوعات متعلقةٍ بلباس المرأة المسلمة، و موضوعات أخرى متعلقة باللباس والزينة، وهذه كما قلت لكم من صلب الدين، الحلال والحرام من صلب الدين، وعلامة إيمانك بالله سعيك الحثيث لمعرفة حكم الله في كل شيء، وعلامة صدقك في طلب الحق تطبيقك لما عليك من حكم الله، مشروع أُطبق، غير مشروع لا أُطَبق.
في الحقيقة العصر الحالي عصر زينة، عصر زخرف، قال الله تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) ﴾
[سورة يونس: الآية24ـ25]
فكلوا واشربوا ولا تسرفوا، والمسلم وقاف عند كلام الله، يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويركل بقدمه كل التقاليد والعادات التي تتناقض مع دينه، له إلهٌ واحد لا يعبد غيره، لا يعبد التقاليد، ولا المظاهر، ولا العادات.

السعيد
09-18-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : لباس المرأة و زينتها






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المرأة جعلها الله محببةً و أودع في فطرتها حبّ التزين :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/01.jpg
ولازلنا في موضوع اللباس والزينة، وقد أنهينا في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل ما يتعلق من اللباس بالرجال، وننتقل اليوم إلى ما يتعلق من اللباس بالنساء.
أيها الأخوة الكرام: لاشك أن ألصق شيء بدين المرأة لباسها، لأن لباسها على قدر دينها، فكلما كان لباسها سابغاً كان دينها متيناً، و النبي صلى الله عليه و سلم حينما حرم الذهب من خلال السنة النبوية لقول الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾
[سورة النجم: الآية 3 ـ 4 ]
حينما حرم الذهب والحرير على المؤمنين أحلّ للنساء المؤمنات التزين بالحرير والذهب، ذلك أن وظيفة المرأة تختلف عن وظيفة الرجل، المرأة جعلها الله محببةً، و أودع في فطرتها حب التزين.
لاحظ طفلاً صغيراً قد يمسك بقضيب ويركبه كأنه فارس، انظر إلى طفلة صغيرة تمسك الوسادة وتضمها إلى صدرها، وتربت عليها وكأنها أم لها، هذا مُركب في أصل الفطرة، فجلت حكمة الله عز وجل، الطفل الصغير قبل أن يعي دوره في الحياة يقلد الفرسان، والبنت الصغيرة قبل أن تعي دورها في الحياة تقلد الأمهات، فهذا مركب في أصل الفطرة. عناية المرأة بهيئتها و زينتها جزء من دينها :
لذلك مركب في أصل الفطرة عند المرأة حب التزين، وهذه الخصيصة تتناسب مع كونها سكناً للرجل، لقوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾
[سورة الروم: الآية 21 ]
بل إن المرأة التي تتزين لزوجها تفعل هذا بدافع من دينها، لأنها كلما تزينت، وبدت بشكل مقبول ومرغوب، كان زوجها أبعد عن الحرام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمر الشباب بالزواج لأنه أغض للبصر.
المرأة التي تهمل زينتها حتى تحمل زوجها على التطلع لغيرها، هذه امرأة عاصية ولو صلت قيام الليل، هذه امرأة عاصية ولو حفظت القرآن.
كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها، ألك بي حاجة؟ فإن قال: نعم، كان ما أراد، وإن قال: لا، ذهبت إلى مُصَلاها وصَلت ليلها.
فجزء من دين المرأة أن تعتني بهيئتها وزينتها، وقد رُكب هذا في طبعها، لكن انطلاقاً من أن طبيعة الحياة الدنيا طبيعة ابتلاءٍ، فهذا التزين موضوع في أصل فطرة المرأة، فإما أن يكون هذا التزين للزوج فهو الطاعة والعبادة، وإما أن يكون هذا التزين لغير الزوج فهو المعصية والفجور. حبّ التزين مركب في طبيعة المرأة وهذا كمال فيها :
النساء المؤمنات يتزين لأزواجهن، بل إن المرأة تخشى أن ترتدي ثوباً جديداً لا يكون زوجها هو أول من يراه، إذاً أردتُ من هذه المقدمة إلى أن أصل إلى أن حب التزين مركب في طبيعة المرأة، لأن هذا كمال فيها، وإذا بالغ الزوج في التزيُّن فهذا نقص فيه.
المؤمن يتجمل، ويرتدي ثياباً نظيفةً، وجميلةً، ويتعطر، ويرجل شعره، لكن إذا بالغ في ذلك فقد انحرف عن فطرته، وعن مهمته.
لذلك تعلق النساء بالحلي، بالذهب، بالماس، باللؤلؤ، هذا تعلق في أصل فطرة النساء، وقد يكون إكرامهن بهذا.
أحياناً الزوج لا يقنع بهذا، لكن هذا متعلق بها لا بك، فكما أنك لا تقنع بهذه اللعبة التي تملأ نفس ابنتك أو ابنك، إن هذه اللعبة جزءاً من حياتها، فالعبرة لا على ما تحب أنت وتشتهي بل على ما يحب الأهل ويشتهون.
إذاً تقتضي أنوثة المرأة أن تتزين لزوجها، وهي كما قلت قبل قليل: هي سكنٌ لزوجها، فلذلك سمح الشرع لها أن تستعمل الذهب والحرير كي تتزين لزوجها لأنها سكن له، تؤنسه، وتنسيه متاعب اليوم. التزين والتعطر والتأنق والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/02.jpg
أخواننا الكرام: بالمناسبة بيت المؤمن جنة، لا لأنه واسع، ولا لأنه كبير، ولا لأنه فخم، بل لأن فيه طاعة الله عز وجل، إلا أن الانحراف من أين يبدأ؟ حينما تتزين المرأة لغير زوجها، لذلك في الحديث الشريف:
(( أيما امرأة استعطرت فمرت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عينٍ زانية ))
[ النسائي و الحاكم و أحمد عن أبي موسى الأشعري ]
إذاً التزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة، والتزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل لغير الزوج، ربما أوردها إلى النار لأنها زانية، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾
[سورة النور: الآية 31 ]
وقس على هذا أشياء كثيرة. المرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين :
المرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة لا يبدو منها للرجال إلا ما لا تستطيع إخفاءه؛ كطولها، أو امتلاء جسمها، أو لون ثيابها فقط، لا يبدو منها للرجال إلا الذي لا أتستطيع إخفاءه، لقوله تعالى:
﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾
[سورة النور: الآية 31]
عن غير قصدٍ أو إرادةٍ. طولها ليس بإمكانها أن تخفيه، امتلاء جسمها ليس بإمكانها أن تخفيه، لون ثيابها ليس بإمكانها أن تخفيه، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾
[سورة النور:الآية 31 ]
إذاً التبذل، والتكشف، وارتداء الثياب الضيقة، والرقيقة، هذا كله من المعاصي الكبرى في حياة المرأة، لأنها تعتدي على المسلمين، تعتدي عليهم بلفت نظرهم إليها، والشعور بالحرمان ممن لم يتزوج، والشعور بالندم ممن تزوج على غير هذه الشاكلة، فالمرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين اعتداء. من تبرز مفاتنها للناس تدعوهم بلسان الحال لا بلسان المقال :
لكن النساء يقُلن غير هذا، تقول امرأة: إني امرأة شريفة، لو أنك شريفة كما تدعين لما آذيت المسلمين، ولما خربت بيوتهم كما يكون أحياناً، ولما دعوت الناس إليك بلسان الحال لا بلسان المقال، أيما امرأة تبرز مفاتنها إنما تدعو الرجال إليها بلسان حالها لا بلسان مقالها، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾
[سورة النور: الآية 31]
أولاً: من المحرمات، أنا حينما أقول من المحرمات الشيء المحرم شيء كبير جداً، وليس هذا من عند أي إنسان، هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف، أو يشف عما تحته، أو ما يحدد أجزاء البدن، أو ما يبرز خطوطه، فالقضية متعلقة بالدين. النساء يعتقدن أن هذا متعلق بالصرعات الحديثة، دين المرأة فوق كل شيء. الحكمة من جمع شيئين متناقضين في وصف النبي للنساء :
اسمعوا في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/03.jpg
هل خطر في بالكم لماذا جمع النبي هذين الصنفين معاً؟ ((قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ))
لماذا جمع بين هذين الصنفين؟ لأن الذي يستبد كيف يستبد بالناس؟ عن طريق إطلاق الشهوات، الإنسان إذا اتبع الشهوة أصبح ضعيفاً، أصبح كالخرقة، يخاف من كل شيء، ويخنع لكل قوي، فمن لوازم المستبدين أنهم يطلقون الشهوات من دون ضابطٍ لها إطلاقاً، طبعاً هذا الوصف قلّما يلتفت الناس إليه، وصفٌ من دلائل النبـوة [ كاسيات عاريات ]
شيئان متناقضان، أحدهما ينقض الآخر، فكيف جمع النبي بينهما؟ هل بإمكانك أن تقول: هذا الحرم مظلمٌ ومنير في آنٍ واحد؟ مستحيل. إن قلت مظلماً نقضت وجود النور فيه، وإن قلت منيراً نقضت وجود الظلام فيه. فهناك شيئان متعاكسان وهناك شيئان متناقضان، أي أن أحدهما ينقض وجود الآخر فكيف قال النبي: كاسيات عاريات؟ (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ))
إن كانت كاسية كيف تكون عارية؟ وإن كانت عارية كيف تكون كاسية؟
ما كان أحدٌ يعرف كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى آخر الزمان وكأنه رأى بعينه ما يرتدي النساء، إنها ترتدي لكن هذا الذي ترتديه لا يستر شيئاً، إما أن يشف لرقته عن لون بشرتها، أو أنه يصف حجم أعضائها فكأنها عارية، وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
لذلك المرأة التي يحبها الله ورسوله لا يبدو شيئاً من جسمها أبداً، ثيابها صفيقة –سميكة-، وسابغة، وفضفاضة، الثياب الفضفاضة هذه ثياب المؤمنات لا يبدو شيءٌ من خطوط جسمها.
إذاً: ((...ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ))
أي هؤلاء النساء بهذا الزي الفاضح، وهذه الثياب المتبذلة، يدعون الرجال إليهن بلسان الحال، مائلات إلى الرجال، مميلات للرجال، على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، الأسنمة جمع سنام، بعض أنواع الجمال لها سنام عظيم، فهذا الذين يفعلونه بشعورهن يزداد طولها عشرة سنتمتراً: ((....رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ))
من تشبه من الرجال بالمرأة أو تشبهت المرأة به فقد وقع تحت لعنة النبي :
هذا الدرس دقيق، كل واحد من أخواننا الكرام له زوجة، له ابنة، يجب أن يلاحظ ماذا تلبس في الطريق، هل ترتدي ثياباً تصف حجم أعضائها؟ هل ترتدي ثياباً تحدد معالم جسمها؟ إن كانت تفعل هذا فقد وقعت في أشد أنواع الحرام، ينبغي أن يأمرها، وأن ينهاها، وأن يتابع خروج زوجته وبناته بنفسه، فهذا جزءٌ من دينه، وجزءٌ من إقامة الإسلام في البيت.
والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر في أحاديث كثيرة أنه من المحظور على المرأة أن تلبس لبس الرجل، فالبنطال الآن من ثياب الرجال، فإذا لبست النساء هذا النوع من الثياب فقد وقعن فيما نهى عنه النبي عليه الصلاة السلام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال))
[ البخاري عن عبد الله بن عباس]
قال العلماء يدخل في التشبه الكلام، إذا إنسان تكلم وقلد المرأة في كلامها، في ترقيق صوته، أو في حركات وجهه، أو في انحناء جسمه، أو إن قلدت المرأة الرجل في صوته الجهوري، وفي نظراته القاسية الحادة، فالمرأة التي تقلد الرجل في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، أو أن الرجل الذي يقلد المرأة في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، فقد وقع تحت لعنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو الدين، الدين كيف ترتدي ثيابك؟ كيف يخرج أهلك وبناتك؟ هذا جزء من الدين. أجمل ما في الشاب رجولته وأجمل ما في المرأة أنوثتها :
ما معنى الفساد؟ لو قلنا: إن هذا الماء فاسد لا سمح الله، ما معنى ماء فاسد؟ أي أخرجناه عن طبيعته، الماء لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، فإذا رأينا لهذا الماء لوناً أو رائحةً أو طعماً نقول: إن هذا الماء فاسد، إذاً الله جلّ جلاله خلق المرأة على طبيعة معينة، وعلى فطرة معينة، وعلى جِبِلةٍ معينة، فحينما ندفعها إلى الخروج عن جِبِلتها، وعن طبيعتها، وعن فطرتها، ماذا فعلنا بها؟ أفسدناها.
فإذا دفعناها إلى مجتمع الرجال، إلى أن تختلط بهم، وتتعامل معهم، وأن تكون بينهم طوال النهار، ماذا فعنا بها؟ أفسدنا طبيعتها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/04.jpg
كانت تبدو صاحبة حياءٍ فإذا بها تتواقح، المرأة إذا خرجت عن أنوثتها خرجت عن أجمل ما فيها، فالمرأة ينبغي ألا تسترجل، والرجل ينبغي ألا يتخنث.
ذكرت سابقاً بأن إنساناً أرسل ابنه إلى بلاد الغرب ليتابع تحصيله العالي، بعد سنوات عدة جاءته رسالة من ابنه أنه قد تزوج، ويدعو أباه لزيارته في بيت الزوجية، أبوه رجل من أصحاب المكانة الاجتماعية في بلده، عندما ذهب إلى ابنه وجده الزوجة وليس الزوج -زواج شاذ-، فلما وجد ابنه هكذا وقع مغشياً عليه، وقد أصابته أزمة قلبية، شيء لا يحتمل أن يتخنث الشاب، الشاب أجمل ما فيه رجولته، فتوته، جرأته، وأجمل ما في المرأة حياؤها، قال تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾
[سورة القصص:الآية 25 ]
لفت نظر سيدنا موسى في بنت سيدنا شعيب حياءها، والفتاتان بنتا سيدنا شعيب ما الذي لفت نظرهما في سيدنا موسى؟ قوته وأمانته، فقال تعالى: ﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾
[سورة القصص:الآية 26 ]
لذلك من الأحكام الفرعية أن الرجال نُهوا عن أن يلبسوا المعصفر - ثياب ألوانها فاقعة وفيها ورود أشجار- هذه الثياب المعصفرة ذات الألوان الفاقعة هذا مما نهي عنه الرجال أن يلبسوه. ضبط نوع الثياب من دون إسراف ولا مخيلةٍ :
الآن نريد الذي يضبط نوع اللباس، الضابط ألا يكون الثوب ثوب شهرة ولا ثوباً مهجوراً، فكل ثوبٍ يتمّشى مع أحدث صرعات الأزياء هذا ثوب شهرة، الإنسان إذا لبسه يغلب عليه الاستعلاء، والزهو، والكبر.
قاعدة أساسية لك أن تأكل، أن تشرب، وأن ترتدي الثياب، وأن تذهب، وأن تنام، وأن تفعل من دون إسراف ولا مخيلةٍ، المباحات يجب أن تمارسها من دون مزلق، من دون إسرافٍ، ومن دون مخيلةٍ أي كبرٍ، فقال الله تعالى في ذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾
[ سورة لقمان: الآية 18]
طبعاً يجب الآن مراعاة الدقة، الإسراف في التعامل مع هذه الأشياء، الإسراف أقرب للناحية المادية، أما الاختيال فأقرب إلى الناحية النفسية، من دون إسراف في إنفاقها، ومن دون مخيلةٍ في الكبر أو الزهو بها. ويقول عليه الصلاة والسلام: (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ))
[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر]
أحياناً يلبس الإنسان، و يتجمل، ويقف أمام المرآة، يتفحص شكله، هندامه، أناقته، ثيابه، ألوان ثيابه، تعجبه نفسه، فإذا خرج من البيت رأى نفسه فوق الناس، هذا هو الخيلاء.
الإسراف أن تكثر من استهلاك هذه الألبسة إلى درجة غير معقولة، فاللباس ينبغي ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من لبس ثوب شهرةٍ ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة ))
[أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن ابن عمر]
رجل سأل سيدنا عبد الله بن عمر، قال: ماذا ألبس من الثياب؟ فقال هذا الصحابي الجليل: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعبك فيه الحكماء، الثياب المبتذلة المهجورة التي لا يعقل أن يلبسها المؤمن، لماذا نهى النبي عنها؟ لأن السفهاء يزدرونك بهذه الثياب، يقيّمونك من ثيابك فقط، والألبسة الشهيرة المتطورة التي توافق أحدث ما في المجلات، هذا الثوب ثوب شهرة يعيبك فيه الحكماء لتجاوزه حدّ الاعتدال. تحريم الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل :
الآن عندنا موضوع الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرم الوشم، وتحديد الأسنان، الوشم محرم أيها الأخوة، إنسان موشوم طبعاً يرسمون على الجلد رسوماً معينة؛ حيوانات، وأدوات، وأشكال هندسية، وهذا اللون يبقى مع الإنسان حتى الموت، الوشم محرم في الإسلام لأنه ينضوي تحت قوله تعالى:
﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾
[سورة النساء: الآية 119]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/05.jpg
بعض النساء في الصين يلبسن أحذية معدنية كي تبقى أقدامهم صغيرة، وهذا مما يؤذيهن، يوجد كثير من الأعمال تقوم بها الشعوب تغير خلق الله عز وجل، هذا محرم في الإسلام: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الواشمة والمستوشمة - الواشمة التي تقوم بفعل الوشم، والمستوشمة التي تطلب الوشم - والواشرة والمستوشرة - الواشرة: هي التي تقطع من أسنانها الطويلة أو تبرد من أسنانها هذه الواشرة أي التي تفعل فعل الوشر، والمستوشرة التي تطلب تحديد أسنانها-))
[متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ]
وحرم النبي صلى الله عليه وسلم التفلج، والتفلج أن تباعد بين الأسنان، قال: (( لعن المتفلجات للحسن ))
[ البخاري عن عبد الله بن مسعود]
ويبدو أن كل عصر له أذواق خاصة، فحينما يكون ذوق الرجال للأسنان المتباعدة، تأتي النساء ويبردن أسنانهن لتبدو الأسنان متباعدة وهذا تغيير بخلق الله، وهذا من فعل الشيطان.
طبعاً بعض العلماء ألحق بهذا التغيير جراحات التجميل، إذا كانت جراحات التجميل لإزالة عيبٍ خلقي يسبب لصاحبه الإحراج فهذا مما أجازه العلماء، أما إذا كانت جراحات التجميل من أجل أن تلفت المرأة النظر - الآن تتم عمليات جراحية في بلاد الغرب شيء غريب جداً، لا يعقل هذه العمليات الجراحية التي تفعلها المرأة أو الرجل من أجل التجمل، ومن أجل أن تبدو المرأة في سنٍ أقل من سنها- فهذا محرم، أما إذا كان هناك عيب خلقي يسبب لصاحبه أزمة نفسية، فالعملية الجراحية مقبولة عند العلماء. على المرأة ألا تغير خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها :
وأيضاً لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، هناك بعض الأفعال تفعلها المرأة كي تبدو في نظر الناس جميلةً، لكن كما قلت قبل قليل: إذا كان في هذا تغيير في خلق الله فهذا محرم.
سمح للمرأة أن تحف حاجبيها، الحف شيء والنمصُ شيءٌ آخر.
على كلٍّ تتأكد حرمة النمص حينما كان النمص شعاراً للنساءِ البغايا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الجاهلية.
في الجاهلية كانت النساء البغايا ينمصن حواجبهن، فطبعاً هذا تشبه المرأة بامرأة خليعة بغية، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنهُ وقال:
(( لعن الله النامصة والمتنمصة ))
[متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ]
أي التي تطلب أن ينتف شعر حاجبيها، لكن حف الحواجب ورد فيه إجازةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن نقف قليلاً - شؤون المرأة لا نريد أن ندخل في تفاصيلها، الأخوة الداعيات أولى بهذا الموضوع منا-، لكن المبدأ الأساسي ألا تغير المرأة خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها. الإرضاع هو خلق الله عز وجل وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله :
المرأة التي لا ترضع ابنها حفاظاً على -كما تتوهم- أناقتها، وعلى جمالها، هذه ماذا تفعل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/06.jpg
تغير خلق الله. وأنتم تعلمون من دروس سابقة أن الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، هذا شيء قطعي، الآن هذا البحث فُرغ من قطعيته، الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً للقلب والأوعية مزمنة، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً في الكليتين، والإرضاع غير الطبيعي يسبب اضطرابات نفسية، فالمرأة التي لا تريد أن ترضع أولادها حفاظاً على رشاقتها، أو على شكلها، هذه ماذا تفعل؟ تغير خلق الله عز وجل، فنحن القصد أن تحافظ على خلق الله. ماذا أراد الله من المرأة؟ أن ترضع وليدها قال تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾
[سورة البقرة:الآية 233 ]
الإرضاع هو خلق الله عز وجل، وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله، لذلك العقاب جاهز، أعلى نسبة لسرطانات الثدي في النساء اللواتي لا يرضعن أولادهن، وأقل نسبة لسرطانات الثدي عند النساء اللاتي يرضعن أولادهن. ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة :
النبي عليه الصلاة والسلام سمح للرجل أن يغير لون شعره إذا علاه الشيب، هذا مسموح، لكن إذا كان متقدماً في السن كثيراً لا ينبغي أن يستعمل اللون الأسود، صبغ الشعر باللون الأسود يليق بأصحاب السن المعتدلة، أما الذي تقدم في السن كثيراً فينبغي أن يصبغ شعره بِلَونٍ آخر، وإذا أبقاه على حاله فلا مانع، أي مسموح للرجل أن يغير لون شعر رأسه، لكن إذا خطب امرأةً وكان يخضب شعره ينبغي أن يعلمها أنه يخضب وإلا غشها، هذا من الأحكام الشرعية .
النبي عليه الصلاة والسلام جيء له بوالد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما وقف بين يدي النبي كان رأسه كأنه الثغامة بياضاً، فقال: (( غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ))
[مسلم عن جابر بن عبد الله]
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
إذاً ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة. الأسرة مؤسسة أوكل الله قيادتها إلى الرجل :
مرة ثانية أريد أن أذكر أخوتنا الكرام بأن لباس المرأة جزءٌ خطيرٌ من دينها.
إننا لم نذكر هذه الموضوعات وتلك التفصيلات إلا كي ينتبه الرجل إلى المظهر الذي تخرج فيه امرأته في الطريق، وينبغي أن يراعي ثياب بناته حينما يخرجون، المرأة المؤمنة لا تلهث وراء صرعات العصر، هذا اللهث لا يليق بامرأة مسلمة، أي ينبغي أن تكون الثياب فضفاضة سابغةً سميكةً ساترةً هذا الذي يرضي الله عز وجل، عندما يقول الرجل: ليس لي علاقة هي حرة، فإنه ليس رجلاً وليس قيمَ البيت، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾
[سورة النساء:الآية 34 ]
الأسرة مؤسسة، أوكل الله إليك قيادتها، لكن متى تكون قيماً على امرأتك؟ الآية واضحة قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾
[سورة النساء: الآية 34]
فإذا كنت أفضل منها علماً، وأفضل منها ورعاً، وأنفقت عليها، وكنت كريماً، ملكت زِمامَ الأمر، وملكت قوامة البيت، فالقوامة هي شرط من شروط الزواج الناجح، والزوج بيده أن يحدد النمط الذي ينبغي أن تخرج به امرأته إلى الطريق، إن المفهوم الشائع أن زوجتي شريفة، وطاهرة، وعفيفة، لكنها تحب أن تلبس كما يلبس الناس، هذا كلام مرفوض في الدين، هذا افتراء على الدين، المؤمن ينبغي أن يتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة النبي، ولا تنسوا أن الوعيد شديد، كيف توصل العلماء إلى حرمة هذا؟ هناك أحاديث كثيرة النبي لم يقل محرم بل قال: ((...لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
فالنبي الكريم حينما بين ووضح أن هذه المرأة الكاسية العارية المائلة المميلة لا تدخل الجنة ولا تجد ريحها معنى ذلك أن هذا اللباس محرم. عبارات توجب التحريم :
العلماء أدرجوا عدة عبارات إذا وردت في السنة فهي محرمة " ليس منا ":
(( ليس منا من خبب امرأة على زوجها ))
[ الطبراني عن ابن عباس]
(( ليس منا من تشبه بغيرنا ))
بالأجانب.
[الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده]
((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))
[مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة]
((ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية ))
[ أبو داود عن جبير بن مطعم]
دققوا "ليس منا" هذه توجب التحريم، "لعن الله" توجب التحريم، و"غضب الله عليه" توجب التحريم، "لا يدخل الجنة" توجب التحريم. فهناك عند العلماء مقاييس دقيقة، هذا الحديث يستنبط منه أنه من يفعل كذا وكذا فقد وقع في الحرام، والحرام شيءٌُ خطير، الحرام مهلك أيها الأخوة. عدم التساهل بلباس الفتيات الصغيرات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4926/ar-4926/07.jpg
شيء آخر: الملاحظ أن البنت الصغيرة يتساهل في ثيابها، وكل أهلها يزعمون بأنها لا تزال صغيرة، لكن هذه إذا لم تؤدبها بآداب الإسلام عندما تكبر لا تستطيع أن تحملها على التخلق والتأدب بآداب الإسلام، لوجود حكم تكليفي، وحكم تأديبي، ابنك الصغير مثلاً تلزمه أن يصوم إلى الظهيرة، أو كل يومين يوم، هل هذا أمر تكليفي؟ لا هذا أمر تأديبي، لكن إذا بلغ السن التي ينبغي أن يصوم بها وجد نفسه مؤهلاً لهذه الفريضة، لذلك ولو أن البنت صغيرة جداً يجب أن تنشأ على الآداب الإسلامية، فإذا نشأت وهي صغيرة على الآداب الإسلامية في اللباس، هذه النشأةُ تنمو معها شيئاً فشيئاً، أما إذا أهملنا الفتاة الصغيرة وبدت معالم جسمها لكل من في البيت وهي صغيرة هذه حينما تكبر لا نستطيع أن نحملها على طاعة الله، والتأدب بآداب المسلمين. سؤال عن حكم العطور التي يخالطها الكحول :
ورد سؤال: العطور التي يخالطها الكحول هل هي محرمة؟
الأولى أن يستعمل الإنسان العطور الزيتية، هذه بإجماع العلماء لاشيء فيها، العطور التي يخالطها الكحول عند المتشددين محرمة، وعند المعتدلين قالوا: هذه نجاسة حكمية معفو عنها، وحينما تزول من الجلد تزول نجاستها.
فالإنسان الأولى أن يستخدم العطور الزيتية، وإذا استخدم العطور الكحولية فعند المعتدلين لا يرون بها بأساً لأنها نجاسة حكمية وليست حقيقية، ولأنها نجاسة معفو عنها، ولأنها إذا تبخرت زالت نجاستها، والحل الوسط أنك إذا كنت على وشك الصلاة ينبغي ألا تستعملها -العطور الكحولية - أما العطور الزيتية فلك أن تستعملها قبل الصلاة، هذا هو الرأي المعتدل.

السعيد
09-18-2018, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : الحلال و الحرام فى المسكن





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المسكن والبيت :
أيها الأخوة الكرام: نحن في الدرس السادس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد قلت كثيراً: إن أخطر موضوع بعد معرفة الله عز وجل الحلال والحرام، لأنك إذا عرفته تشعر باندفاع قوي إلى أن تبحث عن أمره، وتطبق أمره، وطلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، انطلاقاً من معرفته بالله عز وجل، وانطلاقاً من حبه له، وانصياعاً لأمره، عليه أن يعرف أمره, كيف تأتمر بأمره إذا لم تعرف أمره؟ كلام عام ائتمروا بأمر الله، أطيعوا الله، كلمة أطيعوا الله من لوازمها أن تعرف أمر الله، أن تعرفوا حكم الله، أن تعرفوا الحلال، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح، والواجب، في الدروس السابقة تحدثنا عن الحلال والحرام في المطعم والمشرب، وانتقلنا إلى الملبس، وإلى الزينة، واليوم ننتقل إلى المسكن والبيت.
فمن حق المؤمن أن يكون له مكان يؤويه من عوامل الطبيعة، ويشعره بالخصوصية، والحرية، والاستقلال، الإنسان لو سكن مع إنسان آخر لا يشعر بالخصوصية أبداً، أحياناً يكون الإنسان في سفر مع شخص هذا الشخص يقيد حريته، المنزل والمأوى للمؤمن كما ورد: جنة المؤمن داره، داره يقيه من عوامل الطبيعة، من الحر، والقر، والرياح، والمطر، ويشعره بالخصوصية، ويشعره بالاستقلال والحرية، والعوام لهم أقوال كثيرة في البيت: البيت مأوى.
ومرة ملك سأل وزيره فقال له من الملك؟ قال: أنت، قال: لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه. المسكن من نعم الله عز وجل على العبد :
الإنسان في البيت يستريح، وتسكن النفس في البيت، لذلك سمي البيت سكناً، لكن ضجيج المدينة ألغى هذه الصفة في البيت، لا تستطيع أن تنام، ضجيج مستمر، لكن لا يسمى السكن سكناً إلا إذا خيم عليه السكون http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/01.jpg
لذلك الإنسان إذا ذهب إلى الريف، ونام في بيت بعيد عن الضوضاء، والضجيج، يشعر بخدر في أعصابه، بسبب السكون، والأذكياء والعقلاء يسكنون في أماكن هادئة، وهناك أخوة كرام يسكنون خارج دمشق ينعمون بنعمة السكون والهدوء ولا يعرفها إلا من فقدها، والمؤمن دائماً يعرف ما عنده، الهواء النقي، والماء النقي، هذا من نعم الله على العبد، الله جلّ جلاله يقول: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين*﴾
[ سورة النحل: 80]
كيف أن الزوجة سكن، والبيت سكن، إذا اجتمع البيت مع الزوجة صار سكناً وسكناً، وهذه نعم كبرى ينبغي أن نشكرها، الذي يملك مفتاح بيت؛ ملك، أجرة، صغير، كبير، عال، منخفض، قريب، بعيد، معك مفتاح مأوى مساءً تأوي إليه، ولا يعرف قيمة المأوى إلا من فقد المأوى.
مرة حدثني أخ قال: كنت في بلد في أيام الصيف، ازدحام سياحي شديد، قال: منذ الظهيرة وحتى الساعة الواحدة في الليل وأنا أبحث عن مكان أنام فيه، لا فندق خمس نجوم ولا أربع ولا ثلاث ولا اثنين ولا واحد، ولا غرفة، ولا مكان، ولا أي مكان، ما عرفت قيمة المأوى إلا في هذه الساعة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته يقول: "الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له" أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها :
نحن في نعم كبرى، أيها الأخوة! اذهبوا إلى آسيا نصف الشعب يسكن في الطرقات، وفي الطرقات ينجبون الأولاد على الأرصفة، في الساحات العامة، على قوارب في الأنهار، تحت ظلال الأشجار، في الغابات، في الكهوف، وفي بعض الدول الفقيرة يسكنون في المقابر، ويحملون شهادات عليا، فلذلك نحن في نعمة كبرى، الذي يملك مفتاح بيت، الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/02.jpg
والإنسان لا يذم بيته، لو فقده يبكي عليه، أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما يتحدث عن سعادة الدنيا يقول: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء))
[ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده]
مركب هنيء، وزوجة صالحة، وجار صالح، ومسكن واسع، وهناك أقوال أخرى: "من سعادة المرء في الدنيا أن تكون زوجته صالحة، وأولاده أبراراً، ومنزله واسعاً، ومركبه وطيئاً، ورزقه في بلده".
المؤمن دائماً يعرف ما عنده، ما لا ينقصه، والمنافق يبحث عن الذي ينقصه، دائماً ساخط على ربه، دائماً يتطلع إلى ما عند الآخرين، دائماً يندب حظه يشعرك أنه محروم، لكن المؤمن الصادق يضع يده على النعم التي هو فيها، كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت.
إذا شرب كأس ماء هذا الطريق سالك، وإخراجه سالك، لا يوجد حصر بول ولا يحتاج إلى تمييل، ولا إلى عملية في المثانة، والكلية تعمل.
قال لي أخ: له قريب توقفت كليتاه عن العمل ذهب لغسل كليتيه، قالت له الممرضة بعنف وقسوة: إياك أن تشرب الماء هذا الأسبوع الآلة معطلة، الذي يشرب الماء الفرات براحة وبلا حساب هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء))
[ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده]
وكان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، فقيل له: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وهل ترك هذا الدعاء شيئاً" النظافة من صفات المؤمن :
إلا أنه المؤمن من صفات إيمانه أن النظافة تتعلق ببدنه، وتتعلق بثوبه، وتتعلق ببيته وأثاث بيته، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ))
[الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ]
المؤمن إذا دخلت إلى بيته تفوح من بيته رائحة النظافة، النظافة لها رائحة، التنظيف المستمر للبيت يشعر براحة، مرة دخلت إلى بيت مهمل يسكنه شباب غير متزوجين، هناك رائحة مستمرة في هذا البيت، رائحة القذارة، القذارة لها رائحة مستمرة في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((...فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ))
[الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/03.jpg
الأفنية جمع فناء وهو بهو البيت أو ساحته.
تنظيف البيت جزء من دينك، تنظيف أثاث البيت جزء من دينك، تنظيف الجدران، النوافذ، الأبواب، مدخل البيت، هذا جزء من دينك-المؤمن بيتوتي بالتعبير اليومي، وغير المؤمن زقاقاتي- تجده بالفنادق والمقاهي والنوادي خارج البيت، البيت للنوم فقط، أما المؤمن فبيته جنته، يعتني به، وحينما أتحدث عن نظافة البيت، وعن ترتيبه، وعن أناقته، لا أقصد أبداً البذخ والإسراف، النظافة وحدها، والترتيب، والانسجام في ألوان البيت، أحياناً ترى لون الإسمنت مزعجاً، مؤذياً، يخرش العين، طلاء رخيص أبيض اللون أو لون دافئ إذا كان البيت تحت الأرض، إذا كان البيت مشرق، الألوان الباردة مريحة، إذا كان البيت رطباً أو بارداً يوجد ألوان دافئة مريحة، لون الكريم لون دافئ، الألماس لون بارد، البيوت الواسعة يناسبها لون بارد، والبيوت الباردة يناسبها لون دافئ، والبيوت الواسعة يلزمها لون يصغرها، والبيوت الصغيرة يلزمها لون يكبرها، الأزرق يوسع البيت، تشعر بأنه أوسع مما هو على حقيقته. البيت مملكة الإنسان عليه العناية به مع الابتعاد عن الزهو و التكبر :
القضية ليست قضية بذخ وإسراف وترف، لكن هذا البيت جنتك، ولا حرج على المسلم أن يعتني ببيته، إذا اعتنى بالنباتات في بيته http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/04.jpg
يمكن أجمل هواية على الإطلاق النباتات، ببيته مخلوق يسبح الله عز وجل، ولا تنسوا أن الله عز وجل خلق للإنسان آلاف النباتات لا تعيش إلا في الغرف، عند المختصين بالأزهار قسم كبير جداً اسمه نباتات الصالونات هذه تعيش وتنمو في أعلى درجات النمو وهي في الغرفة، هذه النباتات خلقت لكي تمتع عينك بها، لذلك ترى بيتاً صغيراً ورخيصاً، أثاثه رخيص جداً لكن فيه ذوق، فيه نظافة، فيه ترتيب، ترتيب في الأثاث والذوق، في الألوان والنظافة، و هذا هو الأصل لقوله تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾
[سورة الأعراف: 32]
لمن خلقت الأزهار المنوعة بالمئات؟ أحياناً ياسمينة في البيت، أو بعض النباتات ذات الرائحة الفواحة، أخواننا الكرام يدخلون المسجد في الصيف يشعرون برائحة عطرة، هناك نباتات لها رائحة عطرة خلقها الله لنا، الإنسان إذا اعتنى بأثاث بيته، نظافة بيته، ترتيب بيته، النباتات تسبح الله عز وجل، من منا يكره رائحة الياسمين؟ من منا يكره رائحة الفل؟ يقولون: فلان مثل الفلة، إذا أردنا أن نرفع الإنسان إلى أعلى مستوى قلنا له: فلة، بياض ورائحة طيبة، المشكلة في الموضوع أن يأخذك الزهو في البيت، الآن وقعت في المعصية، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))
[ مسلم عن عبد الله بن مسعود]
النظافة والتعطر والتأنق جزء من الدين :
أحياناً ترى الكافر - وهذا شيء يؤسف له- أنيقاً إلى أعلى درجة، قطعة فنية شكله، وشعره، وثيابه، وقمصانه، الكافر قطعة فنية والمؤمن وسخاً لدرجة غير معقولة:
(( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس ))
[ أحمد عن سهل بن الحنظلية]
النظافة والتعطر والتأنق هذا جزء من الدين، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))
[أحمد عن عبد الله بن مسعود ]
أي أقرّه على فعله، وإقرار النبي تشريع، وفي رواية أخرى: ((أن رجلا جميلا أتى النبي ( ص ) فقال : إني أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل أفمن الكبر ذلك يا رسول الله قال : لا ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس))
[أبو داود من حديث أبي هريرة ]
أي إذا كان الإنسان ثيابه نظيفة، ونعله جميل، ومتعطر، ونظيف، وشعره مرجل، أصبح قطعة فنية.
الكِبر أن ترد الحق، أن ترفضه، الكبر أن تتكبر عليه، الكبر أن تستعلي على الحق، ألا تنصاع لأمر الله، هذا هو الكبر، وأن تغمص الناس، تظلمهم، تجحدهم، تنتقص مكانتهم، تطعن في علمهم، تطعن في إخلاصهم، الطعن في الناس ورد الحق هو الكبر في عينه، أما أن يكون ثوبك حسناً، ونعلك حسناً، فهذا ليس من الكبر في شيء. الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات و التبذير في المعاصي :
لكن ما هو المحرم في اللباس والبيت؟ الغلو، ومحرم الإسراف والترف والزهو والاستعلاء، اقرؤوا إن شئتم القرآن الكريم، أو ابحثوا في مادة الترف عن آيات ثمان حصراً، قرن الله سبحانه وتعالى المترفين بالكفر، المترف كافر، أولاً: الله جلّ جلاله نهانا عن الإسراف في كل شيء، والكفار -وهذا شيء يؤسف له- كل شيء عندهم له حساب، أحياناً هذه العبوات الذي يستهلكها الناس ثمنها أغلى من الشراب، تسع ليرات ثمن عبوة المياه الغازية، وأربع أو ثلاث ليرات ثمن المياه التي فيها، نشربها ونلقيها هذا إسراف.
حدثني أخ قال لي: كنت في أوربا، أفخر فندق قدم له زجاجات من المياه الغازية، عمر الزجاجة سنوات كثيرة، مستهلكة استهلاكاً كبيراً، الحفاظ على المال جزء من الدين، استهلاك المواد، أحياناً ترى موظفاً يمسك ورقة ثمنها نصف ليرة ومطوعة بثلاثين قرشاً يجفف بها يديه بعد أن يغسل، أحياناً يكتب رقم هاتف على ورقة أكبر قياس، يقولون: إن بعض الدول المتخلفة من أشد الدول استهلاكاً للورق في العالم، المواد ليس لها قيمة عندهم، هم فقراء مع ذلك مسرفون، الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات، ونهى عن التبذير في المعاصي، لا إسراف ولا تبذير، قال الله تعالى:
﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ﴾
[ سورة الإسراء:27]
المحرم في البيت :
الآن: ما المحرم في البيت؟ آنية الذهب والفضة هذه محرمة، أناس كثيرون يريد مسكات ذهب، حنفيات ذهب، هذا محرم في الدين، روى الإمام مسلم في صحيحه:
((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه ))
[ مسلم عن أم سلمة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/05.jpg
الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، ولكن أيها الأخوة قبل أن تتساءلوا الآنية الذهبية شيء و المذهبة شيء آخر، وآنية الفضة شيء والمفضضة شيء آخر، التحريم أن تكون الآنية من الذهب الخالص أو من الفضة الخالصة، أما الآن فعن طريق الترسيب الكهربائي - التلبيس - قد تلبس الحاجات من معادن رخيصة بطبقة رقيقة جداً لا جرم لها، هذا شيء ليس محرماً في الدين، المحرم أن تستخدم الآنية وهي من الذهب الخالص، أو من الفضة الخالصة، ففي الحديث الشريف: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم - للكفار - في الدنيا ولنا في الآخرة))
[البخاري عن حذيفة بن اليمان]
علة التحريم :
قد يسأل سائل ما علة التحريم؟ المؤمن الورع ينصاع لأمر الله لمجرد أن هذا أمر الله، وأمر رسوله، علة أي أمر أنه أمر الله، أسرع طريق لفهم الأوامر هذا أمر الله وكفى، لكن لو أردنا التحليل، هناك علة اجتماعية، وهناك علة اقتصادية، الذهب والفضة جعلهم الله معادن ثمينة، وجعلهم معادن ليكونوا تقديراً للقيم في الأرض أي نقداً، مرة قرأت في مجلة مقالة عن باخرة غرقت قبل ثمانين عاماً، وفيها عدد كبير من سبائك الذهب، طبعاً صار الآن هواة للتنقيب عن السفن الغارقة، باخرة عام 1912 غرقت، الآن وصلوا إليها، وأخذوا محتوياتها، لكن ما كنت أعرف قيمة الذهب حتى قرأت هذا الموضوع في هذه المجلة، هذا الذهب الذي استخرج من البحر، والذي بقي في البحر ثمانين عاماً غسل كأنه صب الآن، بريقه ولمعانه هو هو، لذلك المؤمن كالذهب لا يتغير، والمنافق كالمعادن الخسيسة سريع التغير، والأصح من ذلك: للذهب - في البحر مياه مالحة ومع ذلك و بعد ثمانين سنة كأن هذه السبائك صبت الآن- بريق ما بعده بريق، قلت: سبحان الله! هذا هو الذهب، لذلك الذهب لا يتأثر بالبيئة، أما المعدن الخسيس فيتأثر بالبيئة، إذا قال إنسان: ماذا أفعل بيئتي عاطلة؟ معنى هذا أنت خسيس أيضاً، كل إنسان يتأثر بالبيئة معدنه خسيس، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: ((الناس معادن))
[ صحيح عن أبي هريرة]
المعدن الثمين لا يتأثر بالبيئة، والمعدن الخسيس يتأثر بالبيئة، فهذه السبائك بقيت في البحر ثمانين عاماً، وحينما استخرجت وغسلت كأنها صبت لتوها، العلة الاقتصادية بتحريم الذهب والفضة أن هذين المعدنين جعلهم الله عز وجل نقدين، إذا كان الإنسان يملك ليرة ذهبية حتى لو ألغيت قيمتها فيها، أما إذا كان يملك خمسين جنيهاً مصرياً و قد ألغي هذا بقرار ما قيمته؟ صفر، العملة الورقية عبارة عن سندات على المعادن الثمينة الذهب والفضة، إيصالات فقط، وليس فيها قيمة ذاتية، أما الذهب والفضة ففيها قيمة ذاتية.
مثلاً: لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة سورية، ووضعناهم بشكل هرم، بشكل جميل، ووضعت بساحة عامة، ماذا فعلنا؟ هذه المليارات كم مشروع تؤسس؟ وكم عامل يعمل بهذا المبلغ؟ وكم معمل نؤسس؟ وكم يد عاملة نشغل؟ وكم إنسان يتزوج؟ وكم مرفق ينشأ؟ وكم حاجة تلبى؟ وكم أسرة تسعد؟ لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة على شكل هرم، وعملناهم بشكل تزييني في ساحة عامة، هل نكون أفلحنا؟
هذا مثل صارخ، توضحت الفكرة؟ أنت عندما تجمد المعادن الثمينة التي جعلها الله قوام الحياة، تصور أنه لا يوجد عملة ورقية، الذي صنع إبريقاً من ذهب هذا تجمد، هل من المعقول أن تحضر حاسوباً ثمنه ثلاثون مليوناً وتجعله في البيت كطاولة؟ ليس معقولاً، هل من الممكن أن تحضر حاسوباً معقداً جداً وحينما تستخدم الذهب والفضة الذين جعلهما الله نقداً ثابتاً لينتفع الناس بهما تجعله آنية مجمدة؟ الناحية الاقتصادية تجميد النقد، ومنع تداوله والانتفاع به، لو فرضنا أنت علّمْت خمسمائة ليرة وتتبعتها، تنتقل في اليوم إلى خمسين يد، ففي اليوم الواحد من إنسان إلى إنسان باع واشترى وربح. قيمة المال بالتداول بين الناس :
هذا المال جعله الله متداولاً، فإذا حصر جمد، أخطر شيء يصيبه أن يجمد، الله عز وجل قال: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾
[ سورة الحشر:7]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/06.jpg
يجب أن يتداول بين الناس، فالمال قيمته بالتداول، لماذا فرض الله الزكاة على النقد وهو غير نام، الأنعام تنمو، والنبات ينمو، والبقر تلد، لماذا فرض الله الزكاة على النقدين الذهب والفضة؟ لئلا يكنز، فإذا كنز أكلته الزكاة، الزكاة تأكل المال بأربعين سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة))
[ الطبراني عن أنس]
المال إن لم يستثمر - وكم يوظف في مشاريع حيوية، في البناء، في الزراعة، في الصناعة، في التجارة- يجمد، إذا جمد كأنك سحبته من الأيدي، وإذا سحبته من أيدي الناس افتقروا إليه، يقولون: لا يوجد سيولة، كل الناس يشكون عدم السيولة، هناك مشاريع امتصت السيولة، الكتلة النقدية يجب أن تبقى بين أيدي الناس، لذلك أيها الأخوة على الإنسان ألا يجمد الذهب بآنية، أو بمسكة، أو بصنبور، أو بملعقة، أو بصحن، أو بإبريق.
ما الفرق بين من يكنز الذهب والفضة في صناديق ولا يستخدمها ولا يتداولها وبين من يجمدها في أوان؟ التحصيل واحد، العلة الاقتصادية هي أن هذين المعدنين هما نقد ينبغي أن ينتفع الناس به، فإذا جمد عطلت قيمته. السبب الاجتماعي لتحريم الذهب و الفضة :
أما السبب الاجتماعي فقالوا: هذا فيه إسراف، وفيه خيلاء، وفيه زهو، وفيه استعلاء، وفيه كسر لقلب الفقير.
لهذا قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط".
هو عنده طقم معالق، ثمنه ثلاثون ليرة، مئة ليرة، جيد ولطيف، يرى معالق ذهبية، يشعر أنه محروم، أواني فضية: ((يا عائشة! إِن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
لذلك استخدام الذهب والفضة كأوانٍ وملاعق وحاجات في البيت هذا محرم، طبعاً هذا التحريم ينسحب على الرجال والنساء معاً، الذهب لعلة، لحكمة خاصة، هذه الحكمة متعلقة بجبلة المرأة، وبحرصها على أن تبدو جميلة أمام زوجها، والتزين بالمناسبة للزوج لكن هذا التزين انحراف، الله سمح للمرأة أن تستخدم الذهب والفضة، الآن النساء يستخدمن الذهب والفضة في الأعراس للتفاخر والتباهي، لذلك التزين للزوج لا لكسر قلب الفقراء، لا للاستعلاء على نظيراتها، أساساً الاتجاه نحو الكبر دليل ضعف الإيمان، فالذهب والفضة محرمان في البيت، هذا المؤمن.
وفي حديث ذكرته قبل قليل: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه ))
[ مسلم عن أم سلمة]
تحريم النبي التماثيل والصور في البيوت :
الآن أكثر البيوت فيها تماثيل، أحياناً طير من برونز، أو من رخام، أو من معدن مفضض، هذه التماثيل أيضاً قال عليه الصلاة والسلام عنها:
(( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة))
[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
خرج من عندهم وهو على الله ساخط، السبب لأن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، لذلك سداً لكل ذريعة توصل إلى أن يعبد شيء من دون الله حرم النبي عليه الصلاة والسلام - وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى- التماثيل والصور في البيوت، فقال: (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة))
[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
وحرم الإسلام على المسلم أن يشتغل بصناعة التماثيل ولو صنعها للكفار، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى..... ومِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ))
[ الشيخان عن عائشة]
طبعاً إذا رسمت شجرة ليس هناك مخالفة، أما الحيوانات فهذه ينبغي أن تبتعد عنها، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من صوّر صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. العلة الكبيرة في تحريم التماثيل :
العلة الكبيرة في تحريم التماثيل كي لا تتخذ أصناماً تعبد من دون الله، قال: وهذا الذي يصنع التماثيل يأخذه الزهو كأنه صنع شيء نادر، بل إن بعض النحاتين بعد أن صنع تمثالاً قال له: تكلم، وكأنه أراد أن ينفخ فيه الروح من شدة إعجابه بصنعته أمره أن يتكلم.
قال عليه الصلاة والسلام: ((الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))
[ مسلم عن ابن عمر]
وفي الحديث القدسي: (( ومن أظلم من ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبّة او ليخلقوا شعيرة))
[ مسلم عن أبي زرعة]
من لوازم هذا الفن أن أكثر النحاتين ينحتون الصور العارية للنساء، تماثيل عارية يمثلونها، والتماثيل كما قلت لكم هي من خصائص أهل الترف والفجور. قصة تحريم التماثيل :
النبي عليه الصلاة والسلام -سأذكر لكم شيئاً من تواضعه- ما كان يحب أن يعظم هذا التعظيم الذي فعله بعض أصحابه مرة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ))
[رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
ومرة قال: (( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً ))
[ أبو داود عن أبي أمامة]
الأعاجم يعظمون ملوكهم لذاتهم كإشراك بالله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا الله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد".
أنا أعجبني أن المسؤولين في الديار الحجازية منعوا الطواف حول قبر النبي، عندما ينتهي القبر تجد حاجزاً ينقلك إلى خارج المسجد، أما أن تطوف حوله كأنه كعبة فهذا لا يجوز، قف وسلم عليه وقل له: اللهم إنك بلغت الأمانة.
أما أن تطوف حول القبر فهذا لا يجوز، لو درسنا بتأن تاريخ عبادة الأصنام لفوجئنا أن بعض هذه الأصنام هي رموز لرجال صالحين أحبهم الناس، كانوا صالحين فعلاً، أحبوهم، أرادوا أن يذكروهم دائماً، فصنعوا لهم تماثيل، فعبدوا من دون الله عز وجل، هذه قصة التماثيل. النبي الكريم كان متواضعاً و لم يرد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه :
شيء آخر: بعضهم لا يستغرب أن يكون بوذا نبياً من قبل، هو الآن إله، له تماثيل في شرق آسيا، وتقدم له أفخر أنواع الفواكه ليأكلها في الليل، ويأكلها الكهنة في الليل، حجر يأكل؟ هكذا يرون أنهم إذا وضعوا هذه الفاكهة أمام هذا التمثال يأكلها ليلاً وهذا من إكرامهم، ولكنهم يتسللون خفية ويأكلونها، ويطعمونها أهليهم وأولادهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ))
[مسلم عن أنس بن مالك]
أذكر لكم كثيراً أن السيدة عائشة حينما برأها الوحي كان أبوها أمامها فقال لها: يا بنيتي قومي إلى النبي فاشكريه، فقالت: والله لا أقوم إلا لله، على مسمع من النبي فابتسم عليه الصلاة والسلام وقال: "عرفت الحق لأهله".
النبي كان متواضعاً، وما كان يريد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه، فوق مقامه مقام الألوهية، هو أعلى مقام لكن هو عبد. لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات :
أيها الأخوة في نهاية هذا الدرس أذكر لكم أن لعب الأطفال لا علاقة لها بهذا الدرس، هذه اللعب لا يقصد منها التعظيم، ولا الزهو، ولا الاستعلاء إنما هي تحقق رغبة في الصغار، لذلك الإسلام لم يضق بها ذرعاً، لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
((كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه و سلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي))
[ البخاري عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4928/ar-4928/07.jpg
إذا أخذ الإنسان زوجة صغيرة، لا يتحملها أن تبدو صغيرة - عقلها صغير- يريدها أن تتصرف و كأن عمرها ثلاثون سنة، وهي عمرها خمسة عشر عاماً، هذا موقف غير واقعي، هذا السن له خصائص، أنت اخترتها صغيرة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي سن السيدة عائشة فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هذا؟ قالت: بناتي))
[ أبو داود عن عائشة]
الطفلة الصغيرة وهي في أصغر سن تمسك بالوسادة وتجعلها ابنتها، وتربت على طرفها، وترضعها، هكذا الطفل، هذه الفطرة، الفطرة شيء والبنية شيء: ((قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه))
[ أبو داود عن عائشة]
ابتسامته ومداعبته وهو نبي مرسل، وهو مشرع، لو أنها محرمة لما ابتسم، ولا ضحك، ولا أقرها، العلماء استنبطوا أن لعب الأطفال لا علاقة له بهذا الموضوع، وقد تأتي بلعبة لطفل تملأ حياته سروراً.
قال الشوكاني: "في هذا الحديث دليل على أنه يجوز تمكين الصغار من اللعب بالتماثيل".
قال القاضي عياض: "إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة"، هناك رخصة أن يلعب الطفل الصغير أو البنت الصغيرة بلعبة صغيرة، هذا مستثنى من درس التماثيل والاستعلاء بالتماثيل، ولهذا الدرس تتمة إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-18-2018, 12:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : الكرامة فى العمل





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
كرامة الإنسان أن يكون له عمل :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثامن من سلسلة دروس: "الحلال والحرام"، وقد بدأنا في الدرس الماضي في موضوع العمل، ووقفنا عند الكرامة في العمل.
العاطل لا كرامة له، قال سيدنا عمر: "إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني" فكرامة الإنسان أن يكون له عمل، أي عمل ما لم يكن محرماً في الشريعة شكلاً أو مضموناً أو أسلوباً فهذا العمل شريف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))
[ متفق عليه عن الزبير بن العوام]
إذاً من هو الذي ينبغي أن يذم؟ هو القوي الذي لا يعمل، هو الكسول، هو الذي يرضى أن يكون عالة على الناس، هو الذي تعرض عليه الأعمال فيرفضها، لا يحب أن يعمل، وجد أن مدّ اليد أهون من العمل، هذا الذي ينبغي أن يذم.
أما الإنسان الذي خرج من بيته ليكسب رزقه فهذا عمل شريف. المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما كان عمله :
أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية وثالثة ورابعة، لا يوجد في الإسلام ازدواجية، عملك دينك، عملك عبادتك، عملك جزء من رسالتك في الحياة، فالمجتمع الإسلامي متكامل، كل إنسان أتقن عمله، وأخلص في عمله، ورحم الناس في عمله، وكان عمله مشروعاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، و ابتغى كفاية نفسه، وخدمة أهله، وخدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، ولا عن طلب علم، انقلب عمله إلى عبادة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/01.jpg
النقطة الدقيقة: لا يجوز لإنسان له عمل مكتبي أن يحتقر من له عمل عضلي، قد يكون هناك مدير عام وعنده حاجب، الحاجب مكلف بالتنظيف، المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما يكن هذا العمل، مادام العمل مشروعاً، وشريفاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، فهو عمل طيب.
وللمسلم أن يكتسب رزقه عن طريق الزراعة، أو التجارة، أو الصناعة، أو عن طريق حرفة من الحرف، أو وظيفة من الوظائف، يكاد يكون النظام الإسلامي لا يقبل أن يأخذ الإنسان المال إلا مقابل سلعة، أو حرفةٍ، أو وظيفةٍ، أو خدمةٍ، أو تجارةٍ، أو صناعةٍ، أو زراعة، بهذه الطريقة طبعاً هناك كسب، وهناك عدوان على الكسب، من يملك القوة فبحكم قوته، أو سيطرته، أو أساليبه الملتوية، يعتدي على كسب الآخرين، هذا الذي يأخذه سماه العلماء سحتاً، يأكل السحت وتعريف السحت: كسب الكسب، إما بالاحتيال أو بالقوة. إذا كان قوياً أو إذا كان ذكياً، فإما أن يحتال ليأخذ كسب الآخرين، وإما أن يجبرهم على أن يأخذ كسبهم، في كلا الحالتين هذا هو السحت. الحكمة من جعل الأرض بساطاً ممتداً :
الآن لو بدأنا بالزراعة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾
[سورة نوح:الآية 19-20]
الأرض منبسطة، أحياناً يوجد تضاريس حادة، أوضح مثال مكة المكرمة، جبال كثيرة جداً، انحدارها حاد، صخرية، لو أن الأرض كلها كذلك لمتنا من الجوع، والله جعل لكم الأرض بساطاً، ممتدة.
ذكرت منذ مدة لو فرضنا أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، وسارت في أعماق الفضاء الخارجي، وأردنا أن نعيدها إلى حظيرة الشمس، نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، قوة شد كل حبل تقدر بمليوني طن، كل حبل فولاذي مضفور قطره خمسة أمتار يتحمل قوى شد تعادل مليوني طن، نحن نحتاج إلى مليون مليون حبل، معنى هذا أن الأرض مجذوبة إلى الشمس بقوة تعادل ملونين ضرب مليون مليون طن.
إن كل هذه القوة من أجل أن تحرفها ثلاثة ميليمتر في الثانية الواحدة، من أجل أن تسير على مسار مغلق، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾
[ سورة البروج:الآية 1]
لو أردنا أن نزرع هذه الحبال على السطح المقابل للشمس، وهذه الحبال كما تعلمون يزيد طولها عن مئة وست وخمسين مليون كيلومتر، لو أردنا أن نزرع مليون مليون حبل، قطر كل حبل خمسة أمتار، لفوجئنا أن بين الحبلين خمسة أمتار فقط، فنحن أمام غابة من الحبال الفولاذية التي تعيق أشعة الشمس لأنها تتداخل، وتعيق زراعة الأرض، وبناء الأبنية، عندئذٍ تستحيل الحياة على وجه الأرض، الآن دقق في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
[سورة الرعد: الآية 2]
هناك عمد ولكنكم لا ترونها، الله لطيف، عمود ولكن عمود من قوى الجذب يمكنك أن تمشي خلاله، لا يعيق الرؤيا ولا الحركة، ما هو عمود: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
[سورة الرعد: الآية 2]
﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ﴾
[سورة نوح:الآية 19]
تصميم المعادن وصفات المعادن خصيصاً لراحة الإنسان :
أريد أن أوضح هذه الحقيقة: لمعت فكرة في ذهني أن هذا الزجاج شيء ثمين، تستقبل الشمس في أيام الشتاء، والهواء لا يدخل، والبرد لا يدخل، تنعم بأشعة الشمس، وتستمتع المناظر الجميلة، وبالدفء، وبأشعة الشمس عن طريق هذا البلور.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/02.jpg
كيف صنع هذا البلور؟ من رمل خاص، وبمعالجة خاصة، الإنسان صدفةً استطاع أن يصنع من الرمل زجاجاً، أما أن الرمل في علم الله فقد صمم خصيصاً ليكون زجاجاً.
الرصاص عندما يبرد يزداد حجمه، هذه خاصة مهمة جداً، وهذه الخاصة المهمة أدركتها عندما وجدت أن المحافظة تريد أن تلغي الحديقة، والحديقة لها سور، وهذا السور مثبت في حجارة، كيف ثبت الحديد في الحجر؟ حفرت في الحجر حفرة، وضع الحديد، وصب الرصاص، الرصاص من خصائصه أنه يتمدد حينما يبرد، فإذا كانت الحفرة على شكل إجاصة وتمدد الرصاص الذي لفت نظري أن المهندسين فضلوا أن يقطعوا هذا الحديد بالأكسجين عن أن يقلعوه من الحجر، مستحيل أن يخرج الحديد من الحجر عن طريق الرصاص، إن الرصاص إذا برد تمدد مثل الجبصين تماماً.
هذه الخاصة هل عثرنا عليها صدفة؟ لا. صمم الرصاص بهذه الخاصة ليكون عوناً للإنسان على تثبيت الحديد بالحجر.
تجد محلاً تجارياً ضخماً مقفولاً بقفل، القفل مربوط بمثلث حديدي مزروع في الحجر، كيف؟ عن طريق الرصاص، يستحيل قلعه.
إذاً المعادن وصفات المعادن هذه كلها مصممة خصيصاً لراحة الإنسان، الفضة تطهر المياه لقوله تعالى:
﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة﴾
[سورة الإنسان: الآية 15]
لِمَ لم يقل من ذهب؟ أنا قرأت كتاباً عن الفلذات، الفضة من خصائصها أنها تطهر السوائل، ففي معامل تكرير المياه آخر مرحلة الماء يمر بأنابيب من الفضة، ففي هذا المعدن خاصة هي التطهير والتعقيم.﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾
[سورة نوح:الآية 19-20]
الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر :
﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾
[ سورة الرحمن:الآية 10]
لو أن الله قال: وضع الأرض للأنام أي للأنام ولغير الأنام، أما حينما قدمنا المفعول به فوجد القصر، كقولك: ﴿إياك نعبد﴾
فرق كبير بين أن تقول نعبد إياك وبين أن تقول إياك نعبد. إذا قلت: نعبد إياك ونعبد غيرك، أما إياك نعبد: فنعبدك وحدك يا رب. تقديم المفعول على الفعل يفيد القصر والحصر.﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾
[سورة الرحمن:الآية 10]
أي هذه الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر، فيها هواء، فيها ماء، حجم الأرض يتناسب مع وزن الإنسان، أو وزن الإنسان يتناسب مع حجمها، أنت على القمر وزنك السدس، ستون كيلو على الأرض على القمر عشرة كيلو، لو كانت الأرض أكبر كان وزنك مئتي كيلو، الحياة صعبة جداً، بالقمر رواد الفضاء يشكون من خفتهم، يرتدون ثياباً ثقيلة جداً كي يثبتوا على سطح القمر، في الأرض الوزن يتناسب مع الحجم:﴿والأرض وضعها للأنام* فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام* والحب ذو العصف والريحان*فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾
[سورة الرحمن:الآية 10-13]
الذرة لها قنوات عبارة عن أنابيب دقيقة جداً يعبر من خلالها غبار الطلع، شيء لا يصدق، لكن مشكلة الإنسان أن الأشياء المألوفة قد لا ينتبه إليها، لكن لو دقق في كل شيء لرأى العجب العجاب.
الحكمة من نضج الخضار والفواكه بالتدريج ونضج المحاصيل في يوم واحد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/03.jpg
هل تستطيع تجميد الماء بدون تبريد؟ البطيخ ماء لو عصرت البطيخ لوجدت أن سبعاً وتسعين بالمئة ماء، بشعريات دقيقة وحبيبات دقيقة تجد ماء محلى وملوناً، وهذه القشرة القاسية- تجد السيارة تحمل خمسة طن من البطيخ- تتحمل الضغط، الشكل الكروي شكل يتحمل الضغوط، والضغوط تتوزع على سطحه كله، فلذلك الإنسان لو فكر في الفواكه والثمار، مثلاً المحاصيل تنضج في يوم واحد، أما الفواكه فتنضج تباعاً، والخضار تنضج تباعاً، تدخل إلى بيت مزروع بالطماطم تجد واحداً من خمسين أحمر والباقي أخضر، كل يومين تجنى الثمار الناضجة، حكمة بالغة، نضج الخضار والفواكه بالتدريج أما نضج المحاصيل ففي يوم واحد.
قال لي أخ: ضمنت حقل بطيخ، حملت منه تسعين سيارة، كل يوم سيارة لمدة ثلاثة أشهر، كيف علم بالبطيخ الناضج؟ يوجد إشارة، يوجد حلزون صغير إذا انكسر تكون البطيخة ناضجة، وإذا بقي طرياً لم تنضج، وعلامات ممكن أن نفكر قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ﴾
[سورة عبس:الآية 24-25]
استعمالات الخشب :
آية ثانية قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[سورة الأنعام:الآية99]
هذه الآية الوحيدة، نبات كل شيء، ممكن أن تعمل إحصاء عن أنواع النبات، يوجد نبات يعطيك حبات مسبحة، و يوجد نبات يعطيك ليف الحمّام، يوجد نبات يعطيك المسواك، يوجد نبات يعطيك نكاشات أسنان، يوجد نبات للأثاث –الزان-، يوجد نبات للنوافذ –كندي-، يوجد نبات للكبريت –الشوح للاستعمال الطري-، مئة نوع من الخشب، يوجد نبات يتمدد على الماء للأساسات، بعض الأبنية القديمة أساسها خشب، يوجد نبات لونه وردي مثل اللحم اللحام يضع دفاً من المشمش.
أخبرني أخ كريم خبير في معامل النسيج، معمل ضخم جاء بآلات ضخمة، وضعت على منصات إسمنتية، والآلات من أرقى شركة، فلما أدير المعمل لم ينجح في عمله، الخيط يقطع. لم يتركوا خبيراً إلا وسألوه، جاء خبيراً دارساً في ألمانيا، ألغى المنصة الإسمنتية ووضع منصة من خشب التوت، اشتغل المعمل، لماذا؟ قال: لأن هذا الخشب أليافه متينة ومرنة، فعندما يصل المكوك للآخر هناك صدمة الخشب يمتصها، أما الإسمنت فلا يمتصها فيردها فينقطع الخيط. ظاهرة النبات ظاهرة تلفت النظر صممت خصيصاً لخدمة الإنسان :
لو دققت في خصائص الخشب، خصائص المعادن، أشباه المعادن، ترى العجب العجاب، وترى أنها صممت خصيصاً لخدمة الإنسان، هي مسخرة للإنسان:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[سورة الأنعام:الآية99]
يوجد نبات طعام، يوجد نبات كوشوك، يوجد نبات فلين، يوجد نبات للمنظر، يوجد أشجار زينة، يوجد أشجار نخيل كزينة لا يحمل ثماراً- شواهق-، يوجد أشجار مظلات قف عندها أحيانا تجدها دائرة نظامية، جذع مستقيم، الأغصان مطبقة، الأوراق صغيرة، الأوراق دائمة الخضرة، هذا الشجر تشعر بأنه صمم ليكون مظلة للإنسان، في بعض المناطق الساحلية أمام كل بيت مظلة صيفاً شتاءً، تقول: هذه الشجرة إنما صممت لتكون مظلة للإنسان، يوجد أشجار حدودية، فيها شوك، جميلة جداً، ولها أزهار، ولها أوراق، ولكن اجتيازها صعب، تسمى بالزراعة أشجار حدودية، يوجد نبات لإمتاع العين، أنواع الورود، وأنواع الأبصال، وأنواع الرياحين، لا يعلمها إلا الله، ويوجد نباتات للبيوت؛ نباتات صالونات، هذا من فضل الله على الإنسان، ويوجد نباتات تعطينا البهارات، يوجد نباتات تمتع الحواس، يوجد نباتات عطرية، ويوجد نباتات أدوية، نبات كل شيء، أحصيهم، شيء لا يصدق، ظاهرة النبات وحدها تلفت النظر، معقول بذرة لها أجنحة تطير من قارة لقارة لها حلزون فإذا وقعت على الأرض غمس الحلزون في التراب ثم فتحت فتحة فنزل البذر إلى التراب وأنت لا تدري؟ الرعويات والغابات العذراء إنما زرعت بهذه الطريقة الذاتية بدون مزارع: ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾
[سورة الأنعام:الآية99]
وقوله تعالى:﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون* وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾
[سورة الحجر:الآية19-20]
ما من مسلم يغْرس غَرساً أو يزرَع زَرعاً إلا كان له به صدقة :
ما هي البذرة؟ كائن حي، لها رشيم، ولها سويق، ولها جذير، لها محفظة غذاء، إذا زرعته في القطن بعد حين ينمو السويق ويورق وينمو الجذير، تمسك بالمحفظة فارغة، أخذوا قمحاً من الأهرامات مخزناً منذ ستة آلاف عام، زرع فنبت، فهذا الرشيم يعيش ستة آلاف عام، قال عليه الصلاة والسلام:(( ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأكلَ منه طَير، أو إنسان، أو بَهِيمة، إلا كان له به صدقة ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/04.jpg
غير موضوع التجارة، والبيع والشراء، والربح، أي إنسان يأكل من هذا الزرع، أي طائر يأكل من هذا الزرع، هذا يعد في صحيفة زارعه صدقة.
مقتضى الحديث كما يقول شراح الحديث: أن الثواب مستمر مادام الزرع أو الغرس مأكول منه، ولو أنك بعته، لو بعت هذا البستان، لو دخل إنسان وأكل من هذا الشجر بلا إذن، لو أكل الطير، أي زرع يؤكل لزارعه أجر كبير مادام الزرع أو الغرس مأكولاً منه، أو منتفعاً به، ولو مات غارسه، أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى ملك غيره، قال العلماء: في سعة الله عز وجل أنه يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب على ما في الحياة، العلماء قالوا: ستة أشياء يثاب صاحبها بعد موته: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط - أحدهم أنشأ حصناً على الحدود، فأصبح هذا الحصن مركز قوة للمدافعين - رباط، زرع، غرس، ولد صالح، علم ينتفع به، صدقة جارية، هذه الأشياء الستة مستفادة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الذي فعلها يثاب بعد موته.
قال: روي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير؟ وهذه لا تثمر إلا بعد كذا وكذا عاماً، فقال أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري، انظر إلى الإيمان، أنا عليّ أن أزرعها، لوا أكل غيري منها الأجر لي، هذه أحاديث صحيحة.
لمجرد أن تزرع زرعاً، أو أن تغرس غرساً، أي إنسان أكله بحق أو بغير حق – طائر، إنسان دفع ثمنه أو لم يدفع ثمنه، بعت البستان، انتقل لملكية أخرى، أنت حي، بعد الممات، الأجر ثابت - هل هناك في أي دين آخر ما يدعو للحث على الزراعة كهذه الأحاديث؟ قطع الشجرة إثم كبير :
بعض المفكرين يقولون: ويلٌ لأمة تأكل ما لا تزرع، الأمة التي تخطط لمستقبلها تخطيطاً سليماً ينبغي أن تأكل ما تزرع، أن تكتفي ذاتياً، وهناك حديث معروف عندكم جميعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ))
[أخرجه البزار عن أنس بن مالك]
يوم القيامة الدنيا انتهت، عليك أن تغرس هذه الفسيلة، لذلك قطع الشجرة إثم كبير.
في بعض البلدان - بلدان الخليج - لأنها صحراء فحتى جعلوها خضراء دفعوا عليها ألوف الملايين، فقال لي أحد المهندسين: عند المسؤولين تحويل الشارع أهون من قطع شجرة لقيمتها، تحويل شارع من جهة إلى جهة أهون عندهم من قطع شجرة.
سمعت بوجود جزاء يزيد عن خمسين إلى ستين ألف ليرة لمن يقطع شجرة دون ترخيص.
يقول رجل:((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأذني هاتين: مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ))
[ أحمد عن رجل من أصحاب النبي]
دقق في الحديث ، كل شيء يصاب من ثمرها، كل من أكل منها، لو دخل إنسان بغير حق أكل منها، بيع، هدية، سرقة، بأية طريقة.((مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ))
[ أحمد عن رجل من أصحاب النبي]
الحاجة إلى الزراعة و الصناعة و التجارة تختلف باختلاف الأحوال :
استدل بعضهم على أن الزراعة هي أفضل المكاسب، وقال آخرون: بل الصناعة وعمل اليد أفضل، وقال آخرون: التجارة.
ما الصواب؟ بعضهم قال: الزراعة، وبعضهم قال: الصناعة، وبعضهم قال: التجارة، فما الصواب؟ الصواب: إذا كنا نستورد الطعام والشراب فأول شيء أن نزرع طعامنا وشرابنا، أما إذا كان لنا أعداء يتربصون بنا فلا بد من صناعة السلاح، صناعة السلاح الذي يحفظ أرضنا، وديننا، وعزتنا، وكرامتنا، تأتي في الدرجة الأولى، وإذا كان موقعنا تجاري ممكن أن نؤمن أعمالاً كبيرة عن طريق التجارة، فالصواب أن كل قطر وكل بلد له ظروفه، و ملابساته، سمعت من أحدهم: بلد صحراوي يوجد مخزون ماء جيد في أعماق الأرض، فزرعوا قمحاً، هذا القمح اشتروه من الفلاح بـستة ريالات، سعره بالدول الأخرى ريال واحد، استنفذوا مخزون الماء كله فلم تربح معهم، الإنسان يجب أن يوازن، كانوا يحفرون ستين متراً يجدون الماء، الآن يحفرون ثلاثة آلاف متر و لا يوجد ماء، استنفذنا الماء كله، وأقمنا محصولاً لم يكن مردوده كما استهلك من الماء، فكل قطر له ظروفه، وملابساته، قال بعض المحققين: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فحيث احتيج إلى الأقوات فالزراعة أفضل، وحيث احتيج إلى التجارة فالتجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصناعة فالصناعة أفضل. الحلال والحرام بالزراعة :
الآن الحلال والحرام بالزراعة: كل نبات محرم استعماله محرم زراعته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/05.jpg
بقطر عربي مجاور عطلت الزراعات الغذائية لتحل محلها زراعة المخدرات الكيلو ثمنه يقدر بمئة ألف، فزراعة الغذاء عطلت وحلت محلها زراعة النباتات المخدرة، فلذلك أي نبات محرم استعماله محرم زراعته.
إذا كان حكم الدخان حراماً فزراعة الدخان حرام، وإذا كان حكمه مكروهاً فزراعته مكروهة، مادام الحشيش محرماً قطعاً فزراعته محرمة قطعاً.
بل إن زراعة العنب إذا علم الزارع أن مصيره إلى معامل الخمور تحرم زراعته، أحياناً يزرع اليانسون هذا إلى معامل الخمور، كل إنسان يزرع صنفاً يعلم أنه ينتهي إلى معمل خمر الزراعة محرمة ولو زرع عنباً، هذا هو الحكم الشرعي.
سمعت عن رجل أعطوه دواء مسكناً، وفي بلد آخر يستخدم كمخدر، بكميات أكبر يصبح مخدراً من المخدرات، في هذا البلد ممنوع استعماله لأن استخدامه ليس استخداماً طبياً بل استخدام إدمان، فالبلد مانع، وجاء إنسان فهربه وربح أرباحاً طائلة، لكنه وقع في شر عمله - غير تقي - ويعلم أن هذا الدواء حينما ينقل من بلد لآخر لا يستخدم كدواء يستخدم كمخدر.
سألني أخ: يوجد مادة لاصقة في بلد أوربي شرقي تستخدم كمخدر، يضعونها في مكان ثم يعرضونها للحرارة ثم يستنشقون بخارها فتخدرهم تخديراً كاملاً، قال لي: فيها أرباح طائلة، قلت له: حرام، في الأساس هي مادة لاصقة، ويعلم علم اليقين أنها تستعمل كمخدر، درسنا الحلال والحرام.
أيّ شيء يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن يزرع أن يتاجر به أو يباع :
أي شيء تعلم أنه يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن تزرعه، ولا أن تتجر به، ولا أن تبيعه، لأنه كما قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾
[سورة المائدة: الآية 2]
قال لي: مادة لاصقة ببلد أوربي شرقي يعرضونها للحرارة، ويستنشقون بخارها، مفعولها كفعل المخدر تماماً.
قال لي: إننا نبيع منها بكميات كبيرة، كلاصق! لكن يستعملونها هكذا انتهى الأمر.
هذه التجارة اركلها بقدمك، أحياناً يوجد أدوية مسكنة تستعمل كمخدرات بكميات كبيرة، أحياناً الكحول الطبي يشرب - في بعض البلاد يشرب - وله مفعول الخمر، الكحول الطبي! دقق في هذا الموضوع!
أية زراعة إذا انتهت إلى محرم فهي محرمة، يسمى هذا في الفقه باب سد الذرائع.
عندنا حكم جديد: لو إنسان ربى خنزيراً ليبيعه لغير المسلمين – يقول: ليس لي علاقة بدينهم حلال؟ - لا يجوز أن تتجر بشيء محرم، ولو بعته لغير المسلمين، هذا هو الحكم الشرعي.
فكل إنسان يزرع يجب أن ينتبه! يوجد أحياناً زراعات كزراعة العنب فهي رائجة جداً، إنها تباع لمعامل تقطير العنب، يوجد زراعة اليانسون رائجة جداً لكن تباع لمعامل الخمور، فأي زراعة تباع لمعامل الخمور زراعتها محرمة، لأنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، وهذا التحريم ليس لذاته ولكن لغيره، ويأتي تحت باب سد الذرائع، هذا هو الحكم الشرعي للزراعة.
يوجد شيء آخر: أحياناً المزارع تستخدم هرموناً يؤدي إلى نمو النبات، يتألق لونه، ويرتفع سعره، ويزداد المحصول، لكن هذا الهرمون يتراكم في الجسم، والهرمون مسرطن، والهرمون ممنوع بيعه، والدول التي تبيعه لنا ممنوع عندها استخدام الهرمون نفسه، وكل فلاح يستخدم هذا الهرمون ليكبر البضاعة قبل أوانها ويبيعها بسعر أعلى على حساب صحة الناس، هذا الإنسان محاسب عند الله، طبعاً يدخل فيها أشياء كثيرة، كل مادة مسرطنة، مادة مؤذية، تتراكم في الجسم، هذه ينبغي أن تبتعد عنها، لذلك ينصح -إذا كانت هناك البلوى عامة ولا أحد ينضبط بالشرع - أن تختار القطعة الصغيرة من الطماطم، لأن الكبيرة أغلب الظن أنها مهرمنة، لاحظت أن المهندسين الزراعيين يختارون القطعة الصغيرة، هذه لا يوجد فيها هرمون، الهرمون مادة كيماوية وتستقر في الجسم بالنهاية تسرع النمو، وتزيد في عقد النبات، وترفع السعر، لكنها تؤذي الجسم، هذا هو الحلال والحرام في الزراعة. تحريم بيع العينة لأنه تحايل على الشرع :
لكن ورد حديث يحتاج إلى تفسير يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا تبايعتم بالعينة ))
بيع العينة هو في الصورة بيع شرعي وفي الحقيقة ربوي، ممكن أن تضع سجادة في المحل يأتي من يريد أن يستقرض بالربا لعندك، يقول لك: أتبيعني هذه السجادة؟ تقول له: نعم، بكم؟ بخمسين ألفاً، يقول لك: اشتريتها ديناً، وهي معلقة على الجدار، ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً؟ يقول لك: نعم بـأربعين ألفاً، فيخرج من الدرج أربعين ألفاً ينقدها له، ويسجل في دفتر الذمم، ذمة سجادة بـخمسين ألفاً، الشكل بيع صحيح، إيجاب وقبول، اشتراها بـخمسين ألفاً ديناً ثم باعها بـأربعين ألفاً نقداً، هذا اسمه بيع العينة، أي تحايل على الربا، فالإنسان مراب وعنده هذه السجادة منذ أربعين سنة لم يبعها ولم يشترها، معلقة على هذا الجدار، تباع في اليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً وهي معلقة على الجدار، والغبار قد تراكم عليها، هذا اسمه بيع العينة.
قال: بيع العينة تحايل على الشرع، يقول عليه الصلاة والسلام:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ))
[ أبو داود عن ابن عمر]
مثلاً: إنسان أنشأ مزرعة، وعاش فيها ببحوحة، وهدوء، ونشاط، لا علاقة له بأحد، ولم يتعرف إلى الله، ولم يخدم إنساناً، ولم يدعُ إلى الله، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن منكر، ولا يريد أحداً، مناظر جميلة، وثمرات يانعة، ومسبح، وفيلا، إذا الإنسان ركن إلى الدنيا، الزراعة أحياناً لها علاقة بالدنيا، نزرع كي نأكل، ونزرع لنكتفي، أما إذا استخدمنا الزراعة كهواية استقللنا بها عن كل نشاط ديني، فقال:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ))
[ أبو داود عن ابن عمر]
إتقان الصناعات فرض كفاية :
يجب على المزارع ألا يغفل عن الله عز وجل، ألا ينسى الله عز وجل، ألا يترك طلب العلم، الحياة بالتوازن، بالوسطية، لا نهمل الزراعة حتى نموت ونستورد كل شيء، ولا نتعلق فيها تعلقاً ينسينا كل شيء، الزراعة سلسة مسلية وجميلة وممتعة، تجد الإنسان يعيش في مزرعته لا يريد أحداً، لكن يبقى جاهلاً، لذلك علماء الشريعة قالوا: إن إتقان الصناعات فرض كفاية، كل أمة أسلامية يجب أن يكون فيها من كل الصناعات، بحيث لو أنها أهملت لأثم الجميع http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/06.jpg
كل صناعة ضرورية يجب أن يختص بعض الناس بإتقانها، و إلا أثم جميع الناس. قال: أثمت الجماعة كلها وبخاصة أولي الأمر وأهل الحل والعقد. أهل الحل والعقد: كمجلس الشورى الذين ينتخبون أهل الحل والعقد، وأولي الأمر المنفذون، والجماعة كلها تأثم إذا تعطلت فيها بعض الصناعات الأساسية.
مثلاً: ما قولكم أن صناعة غلاف الأدوية - هكذا بلغني قديماً- تصنع من مادة هلامية داخل فيها شحم الخنزير؟ فالأمة كلها تأثم إذا لم يكن عندنا مصنع يصنع الغلاف –البرشام- غلاف الأدوية، يوجد أشياء فيها شحوم خنزير كثيرة جداً، فالأمة كلها تأثم إذا أهملنا صناعة نقيم بها شرع الله عز وجل، يوجد معاجين أسنان فيها شحم خنزير، يوجد حلويات تأتي استيراداً وهي غالية الثمن فيها شحوم خنزير، كل دهن حيواني مستورد من بلد أجنبي في الأعم الأغلب فيه شحم خنزير.
فمتى نأثم؟ إذا أهملنا الصناعة، نحن في أمس الحاجة إليها أهملناها وبقينا نستوردها من بلاد لا تحلل ولا تحرم أبداً. الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين :
يقول الإمام الغزالي في إحيائه نص مهم جداً أرجو أن تدققوا فيه: "أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب"، مثلاً عند المسلمين لا يوجد طبيب مسلم نسائي، هناك طبيب غير مسلم يكشف على عورات النساء، والأكمل أن يتواجد طبيبة، يجب أن تختار أولاً طبيبة، فإن لم يكن هناك طبيبة، تبحث عن طبيب مسلم، لا يوجد فأنت مضطر، فإن لم يكن هناك إنسان طبيب مسلم صادق أمين ورع متفوق ماهر الجماعة كلها تأثم.
الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين.
قال: "أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروريٌ في المعاملات"
كلية التجارة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل. الحسابات عصب التجارة، إذا لم يتوفر المختصون بالحسابات الأمة كلها تأثم، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها يصبح البلد كله آثماً، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين.
فالطب والحساب من فروض الكفايات، وكل علم وكل صناعة دقيقة قد نستوردها من بلد غربي وقد يكون البلد الغربي غير منضبط.
آيات كثيرة في كتاب الله تشير إلى الصناعة :
قال الله عز و جل:﴿وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾
[سورة سبأ: الآية 10-11]
﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون﴾
[ سورة الأنبياء: الآية 80]
﴿ وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾
[ سورة سبأ: الآية 12]
هناك آيات كثيرة جداً في كتاب الله تشير إلى الصناعة، فالصناعة كما قلنا: فرض كفاية، والعرب في الجاهلية كانوا يتقنون بعض الحرف، هذا راعي غنم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ . فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
سيدنا النبي، سيد الخلق وحبيب الحق، كان راعي غنم، والغنم ليست له، أي لم يكن غنياً، كان أجيراً، كنت أرعاها لقراريط لأهل مكة، لذلك قالوا: الفخر للعاملين لا للمترفين ولا للعاطلين.
العمل النظيف وسام شرف للإنسان :
الإنسان نراه أحياناً يرتدي ثياب العمل، ميكانيكي، ثوب أزرق ملطخ بالزيوت والشحوم والطين، مستلقِ تحت السيارة، هذا وسام شرف له، هذا عمل نظيف http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4930/ar-4930/07.jpg
قال لي شخص كلمة - مكتبه لا يوصف – لكن تجارته محرمة، قال لي: أنا عملي قذر، من فمه قال لي: أنا عملي قذر، ومكتب لا يوصف في فخامته، في اليوم التالي ذهبت إلى إنسان يعمل في الميكانيك، رأيته منبطحاً في أيام الشتاء تحت السيارة، والطين كثير، والمطر تهطل بغزارة، ويرتدي ثياباً مهترئة مبللة زرقاء، أصلها زرقاء اللون، جاءها الزيت والشحم والماء والطين فلا لون لها، وأصلح المركبة تصليحاً جيداً وأخذ أجراً معتدلاً، والله قلت في نفسي: هذا عمل نظيف، انظر المفارقة: مكتب فيه من الأناقة ما لا يوصف، قال لي صاحبه: أنا عملي قذر، وإنسان آخر يعمل في تصليح المركبات وبوضع لا يوصف من القذارة - حسب مصلحته- ومع ذلك أنا قلت: هذا هو العمل النظيف، العمل النظيف أن يكون مشروعاً، والدخل مشروعاً.
يوجد نصيحة للمسلمين: الإنسان لو لبس ثياباً مبتذلة في عمله، هذه الثياب وسام شرف له.
زرت أخاً يعمل في تصليح المركبات، فأشار إلى إنسان يعمل عنده قال لي - معه لسانس - وما كنت أتمنى أن يقول هذه الكلمة، هو يفتخر أن عنده عمالاً يحملون إجازات ما كان مني إلا أن ذكرت له هذا الحديث: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده))
[ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وجدت رداً مناسباً، هو يريد أن يصغره - أنا عندي عمال معها لسانس و تعمل في المكنسيان ـ وهو قد يكون أمياً، فقلت له:((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده))
[ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام :
يبدو أن العمل اليدوي هو أحلّ عمل، فيه جهد حقيقي، يوجد عمل أساسه الاحتيال، والإيهام، والكذب، والتدجيل أحيانا، يوجد دلال صلى العشاء باتجاه الشمال، باع البيت ليلاً، ظنّ المشترون بأن البيت قبلي والنوافذ كلها نحو الشمال، قام لصلاة العشاء باتجاه الشمال، طبعاً أخذ أجرته مبلغاً ضخماً، هذا احتيال، صلى باتجاه الشمال ليوهم الشاري بأن البيت قبلي وقد بيع البيت ليلاً.
أما العمل اليدوي فعمل فيه جهد حقيقي، فيه حلّ حقيقي.
الآن أخواننا الكرام أية مصلحةٍ، أية صناعةٍ، تفضي إلى حرام فهي حرام، يقولون: أربح شيء تركيب الصحون الفضائية، ابقَ بدون عمل أفضل من أن تعمل بهذه المصلحة.
يوجد مهن كثيرة جداً، تأجير الأفلام رائجة كثيراً!
أية صنعة، أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام، والدليل الوحيد القطعي قوله تعالى:﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾
[سورة المائدة: الآية 2]
لا تساهموا في آلات اللهو، أجهزة اللهو، أي كل شيء فيه معصية لا تساهم في صنعه.
البغاء شيء بديهي حرام، الفنون المبنية على إثارة الغرائز شيء بديهي، صناعات التماثيل بديهية، الأشياء التي فيها إثارة للشهوات، رسام يرسم امرأة شبه عارية، كلامي عنها كلها تحصيل حاصل بأنها حرام من دون أن أضيف شيئاً، فكل هذه الصناعات التي لها علاقة بالحرام فهي حرام.
سألني أخ سؤالاً: ما هو الحكم الشرعي بالمال الذي يكسبه بعض التجار بوساطة ترويج سلعهم بدعاية تلفزيونية تظهر فيها فتيات كاسيات عاريات ألا يعد حراماً؟
أكيد الأخ السائل لم يرد جواباً، أراد إعلامكم بأنه حرام، لأنه قال: لأن ما اقترن بحرام فهو حرام، كل شيء اقترن بحرام فهو حرام. الحرام حرام وما أعان على الحرام فهو حرام وما اقترن بالحرام فهو حرام :
الحرام حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما اقترن بالحرام فهو حرام.
أنت تصنع مادة منظفة - لاشيء عليك -، تصنع مادة عطرية، تصنع طعاماً لأطفال –لا شيء عليك ـ، أما إذا كانت امرأة شبه عارية تعرضه للناس اقترن هذا بحرام، يوجد -والعياذ بالله- من يفعل هذا بلا ورع إطلاقاً، ويصلي أيضاً، ويحضر مجالس علم، ثم يقول: هذا عمل. المسلم ملتزم.
أعرف أشخاصاً يصنعون إعلانات لكن لا يستخدمون النساء بل الرجال،
إن شاء الله ننتقل في الدرس القادم إلى التجارة، موضوع التجارة، وموضوع الحرف، وموضوع الوظائف، هذه كلها فيها أشياء حلال، وفيها أشياء حرام، لكن أنا أشعر أن الأشياء المحرمة تعرفونها جميعاً، ما أردت أن أفصل بها، البغاء؛ مثلاً إن جاءك زبون يريد أن يستأجر بيتك في الليلة الواحدة بخمسة آلاف، فهل يوجد من لا يشك في هذا؟ تقول: هم أحرار و أنت تعلم علم اليقين أن هذا المبلغ لا يدفع إلا من أجل الحرام، وهذه شائعة جداً تأجير البيوت للسياح، ويعلم المؤجر علم اليقين أن هذا البيت مستأجر للزنا وشرب الخمر، يقول: بالشهر كله خمسة آلاف، بالليلة الواحدة خمسة آلاف، يظن نفسه شاطراً وذكياً.
فطبعاً أشياء لا أفصل بها لأني أثق أنكم تعرفونها جميعاً.
فكل تجارة تفضي إلى حرام، كل صناعة تفضي إلى حرام ، كل زراعة تفضي إلى حرام فهي حرام، ودرسنا الحلال والحرام.
حتى الإنسان الذي يبيع كؤوساً للخمور لها شكل خاص، هذه ينبغي ألا يبيعها، كل شيء متعلق بالخمور ومستلزماتها و أوانيها، أحياناً أوانٍ للثلج تقدم مع المشروب هذه الأواني ممنوع بيعها.
يبيعون طاولات الزهر، أشياء كلها محرمة، يجب الانتباه، حتى بيع الدخان فيه مشكلة، فإذا كان محرماً فبيعه محرم، إذا كان مكروهاً فبيعه مكروه، حسب ما ذكر العلماء.
فكما قلت لكم: أخطر درس بعد معرفة الله الحلال والحرام، ومنعني من التفاصيل أنني أتكلم مع مؤمنين، ويعلمونها بالفطرة والبديهة، ولا حاجة للتفاصيل في هذه.

السعيد
09-18-2018, 12:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : الاكتساب بالتجارة و الوظائف





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ورود التجارة في القرآن الكريم و السنة الشريفة :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس التاسع من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/01.jpg
وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الاكتساب بالتجارة، تحدثنا عن الاكتساب بالزراعة والصناعة، وها نحن ننتقل إلى الاكتساب بالتجارة والوظائف.
أيها الأخوة الكرام: وردت التجارة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، وقدت وردت تحت كلمة: يبتغون من فضل الله، فالسفر من بلد إلى بلد بنية التجارة هو ابتغاء من فضل الله، وقد قرن مع الجهاد في سبيل الله، يقول الله عز وجل: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾
[سورة المزمل:الآية 20]
الإمام الشافعي يقول: "من لم يعهد منه سفر لم يعهد منه علم"، فالسفر ربما وسع أفق الإنسان، ربما كان في طلب العلم، وأشرف أنواع السفر على الإطلاق ما كان في طلب العلم الشرعي، أو العلم الشريف، يليه الفرار بالدين، يليه طلب الرزق. ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾
[سورة المزمل:الآية 20]
إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يُبتغى بها فضل الله عز وجل :
إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يبتغى بها فضل الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾
[سورة فاطر: الآية 12]
﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾
[سورة الروم: الآية 46]
هذا التبادل التجاري بين البلاد من رحمة الله، الآن كيف يعاقبون دولة بالحصار التجاري؟ يعاقبونها أشد المعاقبة، تفقد الأدوية، تفقد المواد الغذائية، حليب الأطفال، يعاني المجتمع معاناة شديدة جداً حينما يمنع من التجارة الخارجية، هذا الشيء ملموس ترتفع الأسعار إلى عشرين أو ثلاثين ضعفاً، أحياناً تفتقد المواد يعاني الإنسان معاناة شديدة، الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، من هو الجالب؟ الذي يأتي بالبضاعة التي يحتاجها المسلمون ويبيعها، هذا عمل طيب، لذلك قال تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾
[سورة الروم: الآية 46]
إشارة أخرى إلى التجارة: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾
[سورة القصص: الآية 57]
التبادل التجاري أحد أساليب نشر الحق :
الحقيقة إذا الإنسان أكرمه الله بحجٍ أو بعمرة ٍيرى العجب العجاب، كل أنواع الفواكه والأغذية تجبى إلى هذا البلد، هذا بفضل التبادل التجاري بين البلدان.
والدرس قبل البارحة، درس الجمعة عندما قال الله عز و جل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾
[سورة الحجرات: الآية 13]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/02.jpg
أي جعل حاجات بعض الشعوب عند شعوب أخرى من أجل التعارف، أنت من أجل تأمين هذه الحاجة تبحث عن مصادرها، فإذا بحثت عن مصادرها التقيت بأناس آخرين، لعل بهذا التعارف ينتشر الدين، لعل بهذا التعارف ينتشر الحق، ولا عجب فإن أكبر بلد إسلامي في العالم الآن اندونيسيا، يعد مئة وخمسين مليون إنسان، هذه البلاد لم تفتح من خلال الحرب أبداً، فتحت عن طريق التجار.
إذاً عندما يجعل ربنا عز و جل في كل بلد إنتاج متميز، يحتاجه العالم بأسره، البن يحتاجه العالم بأسره، الشاي يحتاجه العالم بأسره، الأرز يحتاجه العالم بأسره، قصب السكر يحتاجه العالم بأسره، ويوجد بلاد تفوقت في قصب السكر، وبلاد أخرى بالأرز، وأخرى بالقمح، وأخرى بالبن، وبلاد بالشاي، فهذه المواد التي يحتاجها العالم بأسره تقتضي أن يسافر الناس إلى هذه البلاد ليشتروا هذه المواد، من خلال هذا الشراء والتبادل التجاري يكون التعارف، من أجل أن تنشر الحق، من أجل أن تنشر هذه الرسالة الخالدة في أمم الأرض، فلذلك أحد أساليب نشر الحق هو التبادل التجاري، أكبر قطر إسلامي على الإطلاق إنما فتحه المسلمون لا بسيوفهم ولكن ببضائعهم، ومعاملاتهم، وانضباطهم، وكمالاتهم: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾
[سورة القصص: الآية 57]
الله عز وجل قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض :
سيدنا إبراهيم يقول كما جاء في قوله تعالى:
﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾
[سورة إبراهيم:الآية37]
بلاد صحراوية يرزقهم عن طريق التبادل التجاري، فالتجارة والشراء والبيع والاستيراد والتصدير واختصاص كل بلد بإنتاج يحتاجه العالم بأسره، هذا من أجل أن يتعرف الشعب على الشعب الآخر من أجل أن ينتشر الحق.
الله عز و جل كما قهر الأفراد أن يسكنوا مع بعضهم قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض، الشعب المنعزل شعب يعيش في أوهام. أهداف التجارة :
والآن العبارة التي تدور على الألسنة أن الأرض أصبحت قرية صغيرة، التواصل، والسفر، والتبادل التجاري، خفف غلواء اتجاهات منحرفة كثيرة جداً، فكأن القصد الإلهي أن توزع هذه المواد الأساسية في قارات الأرض الخمس، الهدف من ذلك التعارف، والتعارف وسيلة لنشر الحق، ولنشر هذه الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/03.jpg
وإشارة أخرى في القرآن الكريم حينما قال الله عز وجل: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾
[سورة قريش: الآية 1-2]
هذه رحلة تجارية، رحلة إلى اليمن في الشتاء، ورحلة إلى الشام في الصيف، هذا تبادل تجاري أيضاً، وقول الله تعالى: ﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق*ليشهدوا منافع لهم﴾
[سورة الحج: الآية 27-28]
سمح الله تعالى للحجاج أن يعقدوا صفقات تجارية في الحج، وهذه إشارة في القرآن الكريم: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾
[سورة الحج: الآية 28]
ويوجد إشارة أخرى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾
[ سورة النور: الآية 37]
معناها يتاجرون، لكن تجارتهم لا تلهيهم عن إقامة الصلوات، وعن أداء الفروض الدينية، وعن طلب العلم. أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا ويتعبد ربه وقلبه مطمئن :
لذلك الإنسان السعيد هو الذي ينظم وقته؛ وقت لطلب العلم، ووقت لكسب الرزق، ووقت لتربية الأولاد، ووقت للاستجمام، ووقت للمطالعة، تنظيم الوقت من خصائص الموفقين في حياتهم، والإنسان الذي- دققوا في هذا الكلام- لا يملك وقت فراغ يملأه بحسب اتجاهه الشخصي هذا ليس إنساناً، هذا الذي يعمل ليلاً نهاراً، يخرج من البيت قبل أن يستيقظ أطفاله، ويعود بعد أن يناموا ويقول: أنا أعمل من أجلهم، أنت أطعمتهم لكن ضيعتهم، أنت وفرت لهم الغذاء لكن لم توفر لهم الغذاء الروحي، لم تكن قيماً عليهم، قيل: المؤمنون ليسوا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنهم رجال أعمال.
أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا، ويتعبد ربه وقلبه مطمئن، كما وصف الناس أصحاب رسول الله قالوا: رهبان في الليل فرسان في النهار.
فالإنسان الذي له مهنة، له حرفة، له تجارة، له وظيفة، له صناعة، له زراعة، منتج، عامل، متقن، ينفع المسلمين، وله اتجاهه الديني، و يعرف الله عز و جل، هذا إنسان متميز، فالمسلمون ليسوا أجلاس مساجد، يجلس في المسجد ليلاً نهاراً، فقد لقي عيسى بن مريم رجلاً فقال : ما تصنع ؟ قال : أتعبد قال : من يعولك ؟ قال أخي فقال : أخوك أعبد منك
والصحابة أثنوا على رجل، فسأل النبي: من يقوم بشأنه؟ قالوا: نحن جميعاً نقوم بشأنه، قال: كلكم أفضل منه. إتقان العمل جزء من الدين :
فالإنسان الذي له حرفة، له عمل، له تجارة، له وظيفة أتقنها، كسب رزق منها، تزوج ستر فتاة، جبر بخاطر فتاة، أنجب أولاداً، رباهم تربية عالية، هذا الدين، أما الدين ذلّ، وخنوع، ومد يد، وتمسكن، وتذلل، وتضعضع، فليس هذا هو الدين: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/04.jpg
الدين قوة، قال له: ارفع رأسك يا أخي، متى موت علينا ديننا، ارفع رأسك وأتقن عملك، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
[ سورة يونس: الآية 26]
قانون العز إتقان العمل، المتقن يرفع رأسه، أما إذا وجد أخطاء في صناعته، أخطاء في وظيفته، فلم يستوعب عمله، يوجد إهمال، يوجد تقصير، يوجد تسيب، يوجد أضرار فادحة، يبرر أخطائه بعدم الانتباه، وعدم المعرفة، هذا ليس مؤمناً، النبي عليه الصلاة والسلام دفن أحد أصحابه الذي سوى القبر ترك فيه فرجةً فقال عليه الصلاة والسلام: "هذه الفرجة لا تؤذي الميت ولكنها تؤذي الحي".
تجد شخصاً يركب مفتاح الكهرباء بشكل مائل، هذه تؤذي الإنسان، لا يوجد لديك ميزان زئبق؟ تكلف من الوقت ثانية واحدة، أما لو ركب من غير ميزان ومائل فكلما ألقى إنسان نظرة على هذا المفتاح يتألم، لماذا هكذا مائل؟ أليس كذلك؟
أخواننا الكرام: إتقان العمل جزء من الدين، والشيء المؤسف أن أهل الدنيا غير المنضبطين بالإسلام أتقنوا أعمالهم فبلغوا الأوج، يقول لك: البضاعة محجوزة لثلاث سنوات قف في الدور لماذا؟ لوجود إتقان .
على مستوى داخلي، إذا وجد عشرة أشخاص يعملون بالكهرباء والسوق كسدت من الذي لا يتعطل؟ المتقن، المتقن لا يتعطل ويعمل باستمرار، من الذي يستغنى عنه؟ غير المتقن، طبعاً إذا وجد رواج كلهم يعملون، أما إذا وجد كساد فلا يعمل إلا المتقن. كل إنسان محاسب على عمله :
أخواننا الكرام: مرة ثانية إتقان العمل جزء من الدين، والدليل:
(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))
[الجامع الصغير عن عائشة]
ركبت لوح الزجاج بمسمارين فقط، انكسر، جاء على الولد، فقتله، يقول لك: ترتيب الله، هذا ليس ترتيب الله، هذا خطأ منك، هذا خطأ ممن ركب هذا الزجاج، كلما أخطأنا نعزوها إلى القضاء والقدر، هذا موقف غير إسلامي وغير صحيح، إن الإنسان محاسب لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾
[سورة يس: الآية 12]
رجل يركب سيارته يأتي من جدة إلى الشام، في طريقه غيّر زيت المحرك لسيارته، صاحب مركز تغيير الزيت أمر صانعه الصغير أن يغير الزيت، الصانع لم يشد البرغي بشكل جيد، الزيت تسرب على الطريق، تعطل المحرك، الحرارة ستٌ وخمسون وقف في الصحراء، نزل من السيارة ليرى سبب العطل، رفع غطاء المحرك، أصيب بضربة شمس فمات، هل تصدقوني أن صاحب هذا المركز يحاسب كقاتل؟ طبعاً.
أخذ أحدهم تحليلاً للحمل إلى المخبر، الموظف وقعت العينة من يده فانكسرت فكتب: الحمل إيجابي، جاء الأب مساءً، قالوا له: مبارك، ابنتك حامل، وابنته غير متزوجة يوجد مشكلة، فذهب وذبحها، وقعت هذه الحادثة بالشام: (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))
[الجامع الصغير عن عائشة]
فالمؤمنون ليسوا متسكعين، ولا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنما هم رجال أعمال، في الليل رهبان وفي النهار فرسان.
وسيدنا عمر يقول: " إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني ".
إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا . ما جاء في السنة عن التجارة :
الآن هذا ما جاء في القرآن عن التجارة، ماذا جاء في السنة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: (( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري]
أيها الأخوة الكرام: ألا ترون أن هذا العطاء لا يستحقونه أم ما هو التفسير؟ إنسان يبيع ويشتري و يتاجر ويربح ومع الشهداء والنبيين يوم القيامة ماذا فعل؟ التجارة ممتعة مسلية مسعدة، بيع، وشراء، وربح، وأموال طائلة، ومع الصديقين والأنبياء والشهداء يوم القيامة، أيستحقون هذا الشيء؟ هذا قول النبي، الحديث رواه الحاكم والترمذي بإسناد حسن، الجواب: أن الدعاة إلى الله نوعان؛ يمكن أن تدعو إلى الله بلسانك، ويمكن أن تكون داعية عن طريق عملك واستقامتك، فكما أن أكبر بلد إسلامي فتح عن طريق التجارة، إذاً التجار المسلمون دعاة إلى الله، دعاة إلى الله باستقامتهم، دعاة إلى الله بتعففهم عن الأرباح الفاحشة، دعاة إلى الله بنصحهم، بعدم غشهم، بتواضعهم، فهناك دعوة باللسان، وهناك دعوة بالسلوك، وربما كانت لغة العمل أبلغ من لغة القول، أي عندما يكبح التاجر نفسه عن الأرباح الطائلة غير المشروعة، يكبح نفسه عن احتكار البضاعة، يكبح نفسه عن رفع الأسعار الجنونية، يرحم الناس، يرق لهم، يلبي حاجاتهم، ييسر لهم مطالبهم، هذا التاجر قدم خدمة كبيرة جداً، لأنه لا يوجد إنسان إلا يشتري ويبيع، فإذا الباعة متواضعون رحماء ينشرون الإسلام بتواضعهم و رحمتهم، يقول التجار كلمة لطيفة عن كلمة التاجر: التاجر حرف التاء تقي، والألف أمين، والجيم جريء، والراء رحيم، ولها تفسير ثان ولكن لا يليق. إتقان المؤمن لعمله فلا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق :
يوجد حديث أقل صحة من هذين أن: (( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا ـ يمدحوا ـ وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))
[ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ]
سبع صفات، الإنسان إذا باع واشترى، وربح ربحاً معقولاً، ووفر بضاعة جيدة، بسعر معتدل، بمعاملة طيبة، ورحم الناس بها، هذا قدم حاجة كبيرة جداً.
أحياناً تسمع من الناس عرضاً – بارك الله له- اشتريت حاجة متقنة، استعملتها سنتين، ثلاث، أربع سنوات ضجرت منها، وهي جيدة، وسعرها معتدل، يمكن هذا الشاري يدعو للبائع آلاف المرات خلال سنوات استعمالها، بارك الله له بهذه البضاعة جيدة.
أحدهم اشترى طقم كنبات، أول يوم جاءه ضيوف جلسوا فانكسر هذا الطقم، فذهب إلى الذي اشتراه منه فقال له: ما هذا؟ فأجابه البائع: هل جلستم عليه؟.
اشترى أحدهم غرفة نوم، رأى غصناً أخضر يخرج منها، ما هذا العرق الأخضر معقول ! ما هو؟ تبين أن الخشب غير جاف، فنبت الغصن الأخضر في غرفة النوم. وبالإضافة إلى الكثير من الأعمال السيئة هناك عمل غير متقن باستعمال بسيط تجده غير صالح للاستعمال، وبالمناسبة الرخيص هو الغالي، والغالي هو الرخيص، فالفقير على فقره تبيعه حذاء سيئاً جداً بعد يومين يصبح بحاجة إلى لاصق، فالمؤمن يتقن عمله و لا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق. ضرورة توفر سوق إسلامية ملتزمة بتعاليم الإسلام و توجيهاته :
هل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بنى مسجداً في المدينة، بعد أن أصبح للمسلمين كيان، بنى مسجداً، ثم بنى سوقاً خاصاً للمسلمين، لا يوجد به ربا ولا كذب ولا يوجد يهود- هذا يرويه كتّاب السيرة- كانت سوق بني قينقاع من قبل، وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه سوقاً، وظلّ يرعاه بتعاليمه وتوجيهاته، فلا غش، ولا تطفيف، ولا احتكار، ولا تناجش، إلى غير ذلك مما يقع فيه بعض التجار.
سوق إسلامي، الآن يوجد سوق مشتركة نريد سوقاً إسلامياً، لا يوجد كذب، ولا أيمان، ولا غش، ولا احتكار، و لا تدليس، ولا استغلال، و لا إيهام، ولا بيع ضرر، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بنى المسجد، بنى سوقاً إسلامياً، والتجار في هذه السوق يتعاملون تعاملاً جيداً.
بلغني أن الزنوج في أمريكا في بعض أحياء نيويورك أسسوا مثل منطقة إسلامية، وأقاموا حراساً من عندهم يمنعون دخول البغايا وتجار المخدرات، هذه السوق أسسوها على مبادئ الإسلام.
يذكر لي أحد الأخوة الكرام الذي كان هناك أن معظم الشركات في أمريكا تتهافت على فتح مكاتب أو متاجر في هذا السوق، لا يوجد فيه مخدرات، ولا بغاء، ولا جرائم، ولا قتل، وأعلى دخل دخل أصحاب هذا السوق، وأقل المشكلات عندهم، فنحن بحاجة إلى سوق إسلامية. المؤمن المستقيم الطاهر الورع ينبغي على المسلم أن يدعمه :
إذا كان أخ مؤمن له مصلحة من المفروض أن ندعمه، نشتري من عنده ولو كان محله أبعد، لأنه عندما يكون أحدهم مستقيماً مؤمناً أنت دعمته، فإن دعمته فإنك دعمت الحق، أما غيره فكذاب، غشاش، دجال، يزور البضاعة، يوجد أشخاص يمحي تاريخ انتهاء الصلاحية هذا غش كبير، البضاعة فقدت مفعولها. وهناك إنسان يقدم بضاعة سيئة، بضاعة فاسدة، ولا يعنيه ذلك، يعنيه الربح فقط، أما المؤمن المستقيم الطاهر الورع فهذا ينبغي أن ندعمه، فأنا والله أرتاح جداً إن كان أخ له مصلحة يملك متجراً، يملك مشروعاً، والأخوان ذهبوا إليه، ساعدوه، واشتروا من عنده، جبر خاطر، ودعم، وتقوية، انصر أخاك، لكن إذا وجد أخ يمتلك مصلحة، والأخوان ذهبوا إليه، يجب ألا يرفع أسعاره، يقول: هؤلاء أخواننا وليسوا غرباء، وهذه أيضاً تعتبر مشكلة، يجب أن تبيع بسعر السوق. تقول: هذا أخ طيب لا يجادلني بالسعر فترفع السعر، أنا عندي أولاد، هذا كلام غير مقبول.
فتوجيهي دوماً أنه إذا كان لك أخ له مصلحة ورفع سعره فاتركه واذهب للغريب تأديباً له، أما إذا كان سعره من سعر السوق فهو أولى، إذا كان متقناً في عمله وسعره معتدلاً هذا ينبغي أن تدعمه، أي إذا اغتنى أخوك ينفق ماله في الحلال، يدفع زكاة ماله، ينفع الفقراء، أما إذا كان فاجراً عاصياً وأغنيته فسوف يسهر في الفندق، ويشتري الخمر، يذهب لسياحةٍ كلها فسق، وفجور بأرباحه. فأنت بين أن تدعم إنساناً مستقيماً، ينفق ماله في وجوه صحيحة، ولصالح المسلمين، وبين أن تدعم إنساناً فاسقاً، فاجراً، ينفق ماله في المعاصي والآثام، فكل إنسان يمتلك مصلحة، مؤمن، يجب أن نساعده، ونشتري من عنده، ونشجعه، ونقويه، وندعمه، هذا سلوك إيماني صحيح.
أروع موقف عند الله عز و جل تعاون المؤمنين :
سيدنا بن عوف كما تعلمون آخاه النبي مع سعد بن الربيع، وسعد بن الريبع من أغنياء الأنصار، وقال لعبد الرحمن بن عوف المهاجر: يا أخي عندي بستانان خذ واحداً منهما، وعندي حانوتان خذ واحداً منهما، هذا موقف فيه مؤاثرة، ووصفهم الله عز و جل فقال:
﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾
[سورة الحشر: الآية 9]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/05.jpg
إلا أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له: "بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق".
فالأنصاري كان في أعلى درجات المؤاثرة، والمهاجر كان في أعلى درجات التعفف.
هكذا ربى النبي أصحابه، ربى قسماً على المؤاثرة وربى الآخرين على التعفف، فكما أن الأول قال له: دونك نصف مالي، أي خذ نصف مالي، قال له الثاني: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق.
لا يوجد موقف أروع عند الله عز و جل من تعاون المؤمنين.
سيدنا الصّديق كان تاجر بزّ أي قماش، فكان يتاجر ويسعى حتى أنه يوم بايعه المسلمون على الخلافة وضع القماش على كتفه وذهب إلى السوق. سيدنا الصّديق ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، وضع القماش على كتفه ليتاجر، لكن الصحابة منعوه وأعطوه مقابل تفرغه لقيادة هذه الأمة.
سيدنا عمر كان يعقد الصفقات ويتاجر في السوق، من أين كان يعيش؟ من عمله.
سيدنا عثمان كان يعيش من التجارة، سيدنا ابن عوف كان يعمل، سيدنا أبو عبيدة كان قصاباً، أبو حنيفة كان تاجر أقمشة، ابن حنبل، كبار الصحابة، كبار العلماء، لهم أعمال يكسبون منها أرزاقهم، لأنهم قدوة للآخرين. التجارة المحرمة :
الآن طبعاً درسنا الأساسي الحلال والحرام، فالتجارة حلال إن كانت البضاعة في الأصل مشروعة، وفضلاً عن أن البضاعة مشروعة ينبغي أن تسلك في التعامل مع الآخرين الأساليب المشروعة التي أمر الله بها، لكن ما هي التجارة المحرمة؟
أولاً- أية تجارةٍ إذا كان موضوع التجارة بضاعة محرمة بذاتها، أو بضاعة محرمة لغيرها، أي الخنزير والخمر والتماثيل وكل شيء محرم في الأصل ممنوع بيعه وشرائه، تبيع قماشاً ولكنك أوهمت الشاري أن البضاعة راقية جداً، وهي من مصدر متدن، فالتحريم بالتجارة إما لعين البضاعة، أو لأسلوب التعامل مع الآخرين، فالخمور، والمخدرات، والخنازير، والأصنام، والتماثيل، ويوجد كؤوس الخمور، كؤوس الخمور محرمة بيعها وشراؤها، أحياناً طاولات النرد، أشرطة الكاسيت التي كلها غناء، أشرطة الفيديو التي فيها أفلام ساقطة، كل شيء محرم تجارته محرمة، يقول: العمل عبادة ماذا فعل؟ تجده يتجاهل، هذا عمل وأنا مضطر، لا، أية بضاعة تتعامل بها إذا كانت محرمة فالتجارة بها محرمة، كل إنسان يراقب نفسه، هذا يبيع الدخان، الدخان بين الكراهة التحريمية وبين التحريم وأنت تبيع الدخان، أخي ماذا نفعل؟ ماذا نفعل هذا كلام مرفوض. أي تجارة موضوعها أو موادها التي تتعامل بها محرمة فتجارتها محرمة.
الآن البضاعة حلال ولكن يوجد كذب، تدليس، غش، إيهام، احتكار، عمل يوجد فيه خطأ، أيضاً أصبح التحريم مرةً لذاته ومرةً لغيره.
الإنسان هل له الحق أن يتاجر بالذهب والحرير؟ نعم. لأنه مباح للنساء استعمال الذهب والحرير، أما إذا كان يصنع للرجال ذهباً أو حريراً فلا يجوز هذا، يوجد بعض الألبسة الحريرية الصافية للرجال ممنوع بيعها لأنها في الأساس محرمة على الرجال: ((خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى ، فرأى الناس يتبايعون، فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق))
[ الترمذي عن رفاعة بن رافع]
أحياناً يقول لك: لو عينت موظفة على مستوى راق من الشكل تجلب زبائن، خيراً إن شاء الله. هذا لم يستقم على أمر الله، أو نعرض إعلاناً عن طريق نساء كاسيات عاريات لنجلب الزبائن هذا أيضاً حرام. ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق))
مرة خرج عليه الصلاة والسلام إلى التجار، قال: وكنا تجاراً، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر التجار إياكم والكذب))
[ الطبراني عن واثلة]
فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة :
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ))
[أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي ذر]
الذي لا ينظر الله إليه يوم القيامة وله عذاب أليم هو الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب: (( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
وعن أبي سعيد قال: ((مر أعرابي بشاة فقلت : تبيعنيها بثلاثة دراهم؟ قال : لا والله ثم باعنيها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : باع آخرته بدنياه ))
[ ابن حبان عن أبي سعيد الخدري]
يحلف يميناً معظّمة أن رأسمالها أغلى، والحقيقة رأسمالها أقل، يقول لك: والله خسرانة، هو يطمع أن يربح بها مئة بالمئة فربح بها سبعين بالمئة، يقول لك: خسران، هو يكون قد خسر ثلاثين بالمئة، هكذا يقولها، فالكذب بالتجارة خطير جداً. طبعاً الغش يخرج الغاش من ملة الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
والتطفيف بالكيل والوزن لقوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾
[سورة المطففين: الآية 1]
إذا كال القماش للبيع يشده، وإذا كاله ليشتريه يرخيه، فيتدلى القماش عن المتر مشكلاً قوساً لأنه الآن يشتري، أما إذا كان يبيع فيشده، يصبح الفرق ثلاثة سنتيمترات، فبين الله تعالى عقوبة ذلك بقوله: ﴿ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾
[سورة المطففين: الآية 1-2-3]
الاحتكار:((الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[الدارمي عن عمر بن الخطاب ]
الربا: (( دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً ))
[ مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ]
رواه الإمام أحمد ورجاله رجال موثقون. الاشتغال بالوظائف :
بيقي الموضوع الأخير هو الاشتغال بالوظائف.
قال: للمسلم أن يكسب رزقه عن طريق الوظيفة سواء أكانت هذه الوظيفة تابعة لأولي الأمر، أم لهيئة، أم لشخص، كلها وظيفة، لكن الشرط مادام قادراً على أداء واجبات هذه الوظيفة، متحملاً لتبعاتها، ولا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه لمناصب القضاء والحكم إلا بشرط سأذكره بعد قليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
((وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا يُدْلَوْنَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا))
[ ابن حبان عن عائشة]
إذا شغلت وظيفة وأهملت واجبك الوظيفي و أناس تضرروا فأنت مسؤول، إذا شغلت عملاً وقصّرت، أهملت، ظلمت، سيبت، حابيت، تعاملت تعاملاً غير أخلاقي، أعطيت لأسباب غير موضوعية، فهذا الإنسان قال: يتمنى يوم القيامة أن ذؤابته معلقة بالثريا وأنه مدلى بين السماء والأرض وأنه لم يحصل على عمل كهذا في الدنيا.
وسيدنا أبو ذر كما تعلمون قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟- أي توظفني- فقال عليه الصلاة والسلام: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))
[ مسلم عن أبي ذر]
من وجّه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء :
وقال عليه الصلاة والسلام: ((القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار))
[ أبو داود و ابن ماجه عن بريدة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/06.jpg
أحدهم علق بأنه الآن قاضٍ في النار وقاضيان في جهنم، أي الأكثرية انحرفوا، لكن القضاء شيء خطير جداً، قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار، الذي في الجنة عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فأحدهم عرف الحق فقضى بخلافه، والثاني ما عرف الحق فقضى بجهله، كلاهما في النار.
قال بعضهم: من اتخذ المنصب رباً اتخذه المنصب عبداً، ومن وجه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء.
أيضاً سيدنا عبد الرحمن بن سُمرة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها))
[ البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة]
عندما يطلبها الإنسان بإلحاح معنى ذلك أنه يبتغي مكاسب غير مشروعة منها، أما إذا كلف بها و أجبر عليها فيعان عليها.
وعن أنس رضي الله عنه قال:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده ))
[ الترمذي عن أنس]
يوجد قاض في عهد المنصور، معروف في المدينة أنه يحب الرطب في بواكيره، طرق بابه ذات يوم، قدم له طبق رطب، فسأل الغلام: من جاء به؟ قال: رجل، قال: صفه لي، قال: كيت وكيت. فعرف أنه أحد المتخاصمين، فقال: رده، أعطه إياه، بعد أيام عدة طلب مقابلة الخليفة، طلب منه إعفاءه من القضاء، قال له: لماذا؟ أنت من خيرة القضاة؟ فذكر له طبق الرطب الذي رده، قال له: والله في اليوم التالي وقف المتخاصمان أمامي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم طبق الرطب مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته؟
إذاً:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده ))
[ الترمذي عن أنس]
يوجد حالة خاصة: الإنسان إذا علم أن هذا المنصب ليس هناك من يشغله بحقه، والمؤمن واثق أنه إذا تسلمه ينفع المسلمين، قال: يجوز أن يطلبه كما فعل سيدنا يوسف في قوله تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة يوسف: الآية 55]
ممكن إذا كان المنصب حساساً، وأنت نزيه، وعندك علم، وواثق من نفسك، ولم يتقدم أحد، والمسلمون معطلة مصالحهم، لك أن تطلب هذا المنصب لخدمة المسلمين. الوظائف المحرمة :
قال: ما الوظائف المحرمة؟
قال: أية وظيفة إذا أوقعت بالمسلمين ضرراً، مثلاً بالأرض المحتلة إذا تعاون أحدهم مع اليهود ليضر المسلمين هذه وظيفة محرمة.
في عهود الاستعمار إذا انضم أحدهم للجيش الفرنسي المستعمر مثلاً، هذا الجيش لماذا هو هنا؟ من أجل أن يؤذي المسلمين، ويسلب خيراتهم، وأموالهم، ويقمع حريتهم، فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين هذه الوظيفة محرمة، أية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين الانضمام إلى هذه الوظيفة محرم.
بل إن ذهب أحدهم إلى أمريكا, وهو ذكي جداً، أغراه معمل أسلحة براتب ضخم، وجنسية، إلى آخره، هذا المعمل يصنع أسلحة من أجل إيذاء المسلمين في العالم، يقول: راتب ضخم، وفيلا، إلى أين تسير أنت؟ هذا المعمل يصنع الأسلحة لقتل المسلمين في العالم، إذاً محرمة. فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين، أو في معمل سلاح موجه إلى صدور المسلمين، هذه وظيفة محرمة.
إذا سافر أحدنا إلى بلاد الغرب، يوجد مغريات كثيرة جداً، إذا ثبت لك أن عملك في بلاد الغرب مهمته إيقاع الأذى بالمسلمين، بعض الأحيان يوجد أشخاص معهم شهادات عليا في الكيمياء والفيزياء يوظفون في معامل تصنع السلاح الكيماوي، هذا طبعاً شيء محرم.
أية وظيفة في سلك مهمة هذا السلك إيقاع الأذى بالمسلمين في أي مكان في العالم طبعاً محرمة.
الآن وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم حرام، وأية وظيفة تعين على حرام فهي حرام، إنسان توظف في مؤسسة ربوية فإذا كنت فيها فعملك يعين على هذا الحرام، أو مؤسسة قمعية فعملك يعين على الحرام، في محل خمور، في نواد ليلية، في مراقص، في بارات، فأي عمل فيه معصية الوظيفة فيه محرمة، أقول: الله الغني.
وظيفة مشروعة دخلها واحد بالعشرة من دخل هذه الوظيفة خير لك.
لذلك أية وظيفة تعين على الحرام فهي حرام، أية وظيفة تعين على الإثم والظلم فهي حرام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء))
[مسلم عن جابر]
((لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا))
[ الطبراني عن عبد الله بن عمر]
الابتعاد عن المهن التي تضعف اتصال الإنسان بالله عز وجل :
يوجد إشارة لطيفة بأنه يوجد مهن ترقق الدين، مثلاً محلات بيع للنساء، تريد كريم يتناسب مع لون بشرتها، تنظر إلى وجهها لترى ما يناسبها، تقول لك: يناسبني هذا مثلاً، هذه مشكلة، عملك مع نساء وزينة النساء إنها مشكلة.
يوجد مهن متعلقة بالنساء فقط، والآن النساء غير منضبطات، لا يوجد حياء إطلاقاً، لا يوجد خجل، لا يوجد روادع، من علامات آخر الزمان ترفع النخوة من رؤوس الرجال، ويذهب الحياء من وجوه النساء، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
إذا لم يكن هناك حياء، ولا خجل، يوجد وقاحة، وتفلت، وتكشف، وتبذل من النساء، فالمهن المتعلقة بالنساء فقط ترقق الدين، أذن الظهر قم إلى الصلاة، صعب، تجد نفسك محجوباً، إذا وجد الاختلاط، والنظر، والتعليقات، والترحيب الزائد أين بقي الدين؟ فإن كانت الوظائف بمكان يرقق الدين فستضعف اتصال الإنسان بالله عز و جل.
فلو فرضنا محلاً بأرقى متاجر دمشق، كلف ديكوره عشرون مليوناً، و قارن بينه و بين متجر في زقاق الجن مع الشحم والزيت، الثاني أشرف و أنظف لعدم وجود المعصية، يوجد إتقان في العمل، ولو كان متجراً فخماً جداً ومكيفاً، لكن كل الزبائن نساء متبذلات، كاسيات، عاريات، وقحات، وأنت يجب أن تعاملهم وتقنعهم بالشراء، وتنظر إليهم، وتؤانسهم، إنها ترقق الدين كثيراً، لذلك النبي الكريم قال: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات))
[ مسلم عن أبي هريرة]
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس))
[رواه الترمذي عن عطية بن عروة السعدي ]
قاعدة ثابتة في كسب المال :
أخواننا الكرام: كقاعدة أخيرة وثابتة في كسب المال، الكسب الحلال هو الذي تكون فيه منافع متبادلة، أي كسب يبنى على إفقار الآخرين، أو على إضرار الآخرين، هو كسب حرام، إذا لم يكن هناك منافع متبادلة لا يوجد معارضة، اليانصيب وجهه من هنا، كل كسب يبنى على إفقار الآخرين كسب حرام، الدليل قوله تعالى:
﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
[سورة النساء: الآية 29]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4934/ar-4934/07.jpg
هذا أول شرط ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
قال: عندما تبني ثروتك على إفقار الآخرين كأنك قتلتهم، المال قوام الحياة فلا بد من التراضي أولاً، ولا بد من أن يكون هذا الكسب فيه منفعة مشتركة.
أنت اشتريت حاجة، أنت بحاجة إلى قميص دفعت ثمنه وأخذته، فصاحب القميص عمل وقدم سلعة وربح، وأنت ارتديت قميصاً في الصيف، هذه منفعة مشتركة.
فأي منفعة مشتركة متبادلة في عوض هذا كسب مشروع.
أما أخذت من كل شخص خمس ليرات، وأعطيت ربعهم لشخص في اليانصيب، والباقي لم يأخذوا شيئاً، فالذي أخذ وأنت الذي ربحت أنتما الاثنان منتفعان أما البقية فلم ينتفعوا بشيء، فأي كسب يبنى على إيقاع الضرر بالآخرين، أو على إفقارهم، أو على حرمانهم من أي شيء، هذا كسب غير مشروع، أما الكسب المشروع فهو الكسب الذي يحقق منفعة متبادلة: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾
[سورة النساء: الآية 29]
الدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين دخل حرام :
إذا أنت أفقرت أخاك، دقق الآن لم يقل: ولا تقتلوا أخوانكم أو المسلمين، قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
إذا أفقرت أخاك و صار أخوك مجرماً لن تنام الليل، اسأل ضباط الأمن الجنائي يقولون: كلما جاءت ضائقة مالية ترتفع نسب الجرائم.
إذا أفقرت أخاك المسلم تحوله إلى مجرم، إذا لم يتواجد الإيمان، أولاده جائعون، تتصاعد نسب الجرائم، و الاختلاسات، والسرقات حينما تقل الدخول، فكل دخل يبنى على حرمان الآخرين دخل حرام، لماذا الربا حرام؟ لأن المال يلد المال، والربا يجمع الأموال كلها بأيد قليلة، ويحرم منها الكثرة الكثيرة، فالدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين هذا دخل حرام، هذا المبدأ الأساسي، قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾
[سورة النساء: الآية 29]
إذا أنت حرمت أخاك المال قتلته، وإذا قتلته سوف يقتلك، هذه قاعدة: إذا حرمته المال قتلته وإذا قتلته سوف تحوله إلى مجرم.
لذلك في أوربة معمل نسيج مثلاً لكل نول يوجد عامل، جاء الآن الكمبيوتر والكاميرا والمراقبة التلفزيونية، أصبح لكل مئة نول عامل واحد، فارتفعت بذلك نسب الجرائم، وكثرت البطالة، فوجدت الضرائب الأمنية، لكيلا يسرق المعمل يدفع ضريبة كبيرة جداً، لم يستفد شيئاً، عندما حلت الآلة محل الإنسان، الإنسان أصبح بلا عمل، أصبح عبئاً على الأمة والمجتمع. فإذا أفقرت أخاك أي أنك قتلته، وإذا قتلته قتلت نفسك. العنف لا يلد إلا العنف. والآية دقيقة جداً، علاقتها:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
[سورة النساء: الآية 29]
إذا أخذت مال أخيك أفقرته، بقي بلا شيء، حولته إلى مجرم، وأقلقك، وهدد أمنك:﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) ﴾
[سورة النساء: الآية 29]
أيها الأخوة: إن شاء الله تعالى في الدرس القادم ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام في الزواج وحياة الأسرة، أنهينا موضوع الأعمال الزراعة والصناعة والتجارة والوظائف.

السعيد
09-18-2018, 12:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : امر الزواج و العلاقات الاسرية






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حياة الإنسان مبنية على أساس الابتلاء :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/01.jpg
وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الحلال والحرام في أمر الزواج والعلاقات الأسرية.
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: طبيعة الحياة الدنيا بأكملها طبيعة أساسها الابتلاء، وكل ما ركب في الإنسان حيادي في الأصل، يمكن أن يوجه توجيهاً صحيحاً أو توجيهاً خاطئاً، لذلك أراد ربنا سبحانه وتعالى حينما خلقنا أن نعمر الأرض، لذلك نحن جميعاً مقهورون، بمعنى أن دافع الجوع الذي أودعه الله فينا من أجل أن يبقى أفرادنا، دافع الجوع يحقق بقاء الفرد، والدافع الجنسي يحقق بقاء النوع.
نحن شئنا أم أبينا، لابد من أن نأكل حتى نبقى أحياء، ولابد من أن نتزاوج حتى يبقى النوع البشري، فهذا الدافع يدفعنا إلى الزواج، دافع الجوع يدفعنا إلى تناول الطعام من أجل أن نبقى، ودافع الغريزة يدفعنا إلى الزواج من أجل أن يبقى النوع.
لكن كما قلت قبل قليل: الحياة الدنيا بأكملها، بكل مظاهرها، بل إن حياة الإنسان بالذات مبنية على أساس الابتلاء. اتجاهات العالم الغربي في موضوع الشهوات :
الدافع الجنسي يمكن أن يكبت، وليس هذا من الدين، ويمكن أن يطلق، وليس هذا من الدين، هناك اتجاهات في العالم الغربي إلى إطلاق هذا الدافع من غير قيد أو شرط، أيّ علاقة حققت اللذة فهي مباحة عندهم، زنا، شذوذ، زنا محارم، تبادل زوجات، أي علاقة تحقق اللذة مشروعة في العالم الغربي، فهي مباحة عندهم، والآن يدفعون الثمن في أعلى درجات الغرامات، يكفي أن مرض الإيدز منتشر في العالم برقم فلكي، سبعة عشر مليون إنسان مصاب بهذا المرض، وهذا المرض الآن يتكاثر، وعندنا سلسلة حسابية وسلسة هندسية، والآن اخترعوا سلسلة انفجارية، كل نصف ساعة يموت إنسان بهذا المرض، وسببه إطلاق الشهوة، وبعض المذاهب الأخرى في آسيا كبتت الغريزة الجنسية كلياً، شيء قذر، ليس هذا من الدين، إذا كبتت هذه الغريزة تعطل هذا الهدف النبيل منها، وإذا أطلقت تفلتتْ.
الإسلام وسط بين طرفين :
أيها الأخوة، الإسلام وسطي، وقالوا: الفضيلة وسط بين طرفين، لو ذهبنا هذا المذهب لوجدنا أن كل الفضائل تقع في منطقة متوسطة بين طرفي رذيلة، يمكن أن يكون الإسلام في مجمله وسطاً، لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة البقرة: 143]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/02.jpg
والآن أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أن العالم انقسم إلى شرق وغرب، إلى شرق يؤمن بالمجموع، وإلى غرب يؤمن بالفرد، إلى شرق يؤمن بالمجموع ولو سحق الفرد، وإلى غرب يؤمن بالفرد ولو سحق المجموع، ما الذي حصل؟ الشرق عاد عن تطرفه إلى الوسطية مقهوراً لا عن إيمان، والغرب عاد عن تطرفه مقهوراً إلى الوسط، لذلك أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى أن هذا الدين يكون هو الدين الذي يظهره الله عز وجل على الدين كله، بسبب أنه وسطي، فالرهبانية التي ابتدعها غير المسلمين ] مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [، ولأننا ما كتبناها عليهم ]فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [، لذلك تجد انحرافات لا حصر لها فيمن نذروا أن يدعوا هذه الغريزة بدافع ديني فيما يدعون، الانحرافات الجنسية تتفاقم في أوساطهم.
فلذلك لا أحد يتحرك حركة مخالفة لمنهج الله في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نذروا أن يدعوا الطعام، وبعضهم يدع الزواج، فلم علم النبي قال: (( أنا أشدكم لله خشية، أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أكل اللحم، وأتزوج النساء، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي))
[ البخاري عن عائشة ]
المنهج الذي جاء به النبي من عند الله يؤهل الإنسان ليصل إلى أعلى مرتبة :
أريد أن أقول: يمكن أن تصل إلى أعلى مراتب الإيمان وأنت في الوسطية، الطرق التي تقول: لابد من خلع الدنيا كلياً، لابد من ترك الزواج، لابد من ترك العمل، لابد من التجرد، لابد من الزهد، الزهد الغير معقول، هذا تطرف وغلو في الدين، يمكن أن تتزوج، وأن تعمل، وأن تتوازن، وأن تأكل، وأن تشرب، وأن تلبس، وأن تكون إنساناً طبيعيًّاً، وأنت في أعلى درجات الإيمان، هذا المنهج الذي جاء به النبي يؤهلك إلى أعلى مرتبة عند الله، فلا تبحث عن منهج آخر، لا تبحث عن بديل غير واقعي، لا تبحث عن بديل فيه تطرف، لا تبحث عن بديل فيه غلو، ولا يستطيع إنسان كائناً من كان على وجه الأرض أن يضيف على الدين شيئاً أو أن يحذف منه شيئاً.
فلذلك الفرق الإسلامية والطرق التي ابتدعت، هذه على العين والرأس إذا غطيت بالقرآن والسنة، أما إذا كان فيها توجيهات ليست مغطاة بالقرآن والسنة فلا نأخذ بها، قال تعالى:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[سورة المائدة:4]
لا مرتبة في الدين بترك العمل :
لا تعتقد أن هناك مرتبة تنالها بتجاوز الكتاب والسنة، ليس هناك مرتبة تنالها بترك الزواج، ليس هناك مرتبة بالدين تنالها بترك العمل، تكون عالة على غيرك، لا، سيدنا النبي كان راعياً للغنم، وعمل تاجراً، تجارة داخلية وتجارة خارجية، وكان أول شريك مضارب في الإسلام، أخذ المال من خديجة، وتاجر به، لها نصف الربح نظير مالها، وله نصف الربح نظير جهده، علمنا النبي، نحن نريد عودة إلى ينابيع الدين، كيف هؤلاء المسلمون فتحوا العالم؟ فتحوه لأنهم جلساء متكئون؟ لا والله! زاهدون مهمشون في الحياة؟ خرجوا من الحياة؟ لو فعلوا هذا ما فتحوا العالم.
سيدنا عمر دخل إلى بلدة فرأى معظم من يعمل فيها ليسوا من المسلمين، التجارة والصناعة بغير يد المسلمين فعنفهم أشد التعنيف، وقال لهم -ودققوا في قوله-: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟
سيدنا عمر هذا الصحابي الجليل، العملاق من عمالقة الإسلام رأى أن في الحياة منتجاً ومستهلكاً، وأن المنتج هو السيد، وأن المستهلك هو المسود، أن المنتج هو الغني، وأن المستهلك هو الفقير، المنتج هو القوي، والمستهلك هو الضعيف، ولا يريدنا أهل الغرب إلا مستهلكين، لا يريدون إلا أن نكون سوقاً رائجة لمنتجاتهم.
لذلك المؤمن يبحث في مشروع ينفع المسلمين، يرفع من معيشتهم، يحل مشكلاتهم، هذا إنسان في أعلى درجات العبادة، ديننا منهج كامل، لا يوجد تطرف، لا يوجد انسحاب من الحياة، ولا تقوقع، ولا هروب، هذا مجتمع مسلم، يجب أن ننهض جميعاً في خدمة وتربية أبنائنا، لتأمين فرص عمل ولحل مشكلات. الإسلام نهى عن التبتل واعتزال النساء وأمر بتيسير الزواج :
لذلك الإسلام وسطي لم يكبح هذه الغريزة التي أودعها الله فينا، شيء الله خلقه فينا، زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، هذا ليس خطأ منا، إنما هو مركب في أصل فطرتنا، فلم يكبح هذه الغريزة كما فعلت الرهبانية، ولم يطلقها كما أطلقتها العلمانية، الرهبانية تطرفت بكبح هذه الغريزة، والعلمانية تطرفت بإطلاق هذه الغريزة، الإسلام وسطي، هذه الغريزة التي أودعها الله فينا رسم لها قنوات نظيفة.
في الإسلام هناك زوجة فقط، العلاقة التي تروى بها هذه الغريزة لا يمكن أن تكون إلا عن طريق الزواج.
لذلك أريد أيها الأخوة أن أشير إلى ناحية، لو أن الرجل زنا كل يوم بامرأة سراً لا شيء عليه، أما إذا تزوج امرأة أخرى لضرورة قاهرة تقام عليه الدنيا، هذا خلاف المنهج الإلهي، امرأة لا تنجب، امرأة مريضة، امرأة لا تكفي زوجها، هل نسمح للزوج أن يذهب يمنة ويسرة لكي لا تخدش مكانته الاجتماعية أم نسمح له بتنفيذ شرع الله عز وجل؟ هل يعقل أن يبقى في كل بيت ست أو سبع بنات في سن الزواج لا خاطب ولا من يطرق الباب وإنسان يعاني ما يعاني من مشكلة الزواج؟ زوجته العقيم أو المريضة أو... فيجب أن نطبق الإسلام كما أراده الله عز وجل، لا كما يعجبنا، يعجبنا منه ما يعجبنا، ونرفض منه ما نرفض.
الموضوع الأولي أن هذه الغريزة لن تكبح كما فعلت الرهبانية، ولن تطلق كما فعلت العلمانية، ولكن رسمت لها قنوات نظيفة تروى من خلالها.
الإسلام نهى عن التبتل، ونهى عن اعتزال النساء، وأمر بتيسير الزواج، كيف يرضى الله عنا ونحن نعطل كلامه؟، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة النور: 32]
الأمر لمن موجه؟ لمجموع المسلمين، أو لأولي الأمر، أو لأولياء الأمور، أو لأولياء الفتيات والفتيان، أنكحوا، أي زوجوا، خففوا القيود، أزيلوا العقبات، فهذا إنسان أودع الله فيه هذه الغريزة، ولم يتمكن من الزواج إلى سن الأربعين، ماذا يفعل في نفسه من العشرين حتى الأربعين؟ التساهل مع الخاطب وسيلة للقضاء على المتع الرخيصة :
أخواننا الكرام، أقول: إذا لم نتحرك جميعاً، ونذلل العقبات، ونيسر السبل، إذا لم نتساهل مع الخاطبين، إذا لم نقبل بشروط دون طموحاتنا، يحل السفاح مكان النكاح، وتكثر دور الدعارة، وتكثر وسائل المتعة الرخيصة.
هناك نقطة دقيقة أحب أن تكون بين أيديكم، شاب من يومين ذكر لي مشكلته يسكن في بيت، والبيت فيه صحن هوائي، ذكر لي أشياء أكاد لا أصدقها، شاب في ريعان الشباب، والده يرى هذه المناظر التي لا يعقل أن تكون في بيت إسلامي، خمس عشرة محطة تركية تبث برامج يستحي الإنسان أن يراها بمفرده، فكيف أمام زوجته وأولاده؟ هكذا بيوت المسلمين الآن، تعرف البيوت من الأسطحة، كم شمسية في هذه البيوت على الأسطحة؟! القضية خطيرة، يلعب أحدنا بالنار، ويلعب بقنابل في أيّ لحظة تتفجر.
الذي أرجوه من الله عز وجل أن نتحرك، وأن تسعى بتزويج شاب بفتاة، إذا عندك فتاة في سن الزواج، لا تعرقل زواجها، لا تضع العراقيل أمامها، لا تضع المستحيلات،
﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
الحكمة من الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة :
الحقيقة هناك سؤال: لماذا هذه الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة؟ قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾
[سورة الأحزاب: 32]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/03.jpg
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب: 53]
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرُ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور:30]
هذه الأمور موجودة في القرآن، ليست حديثاً ضعيفًا، ولا تعليق صحابي، ولا رأي عالم، إنها آيات محكمة في كتاب الله واضحة كالشمس، ] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ[، لأن هذا القرآن من عند الخبير الذي خلقنا، والذي أودع فينا هذه الغريزة، والذي صممها لتكون حيادية، إما أن ترقى بها إلى الجنة، بهذه الغريزة بالذات، وإما أن تكون دركات إلى النار، درجات إلى الجنة أو دركات إلى النار، الغريزة نفسها كحب النساء.
تصور إنساناً روى هذه الغريزة وفق منهج الله، خطب فتاة مسلمة من أسرة مسلمة، من أسرة مؤمنة، إسلامي، فيه ورع، فيه علم، فيه حياء، فيه أدب، فيه حجاب، فيه صون، وأنجب منها أولاداً، ورباهم تربية إسلامية، سعد بها، وسعد بأولاده، وسعد ببناته وأصهاره، هذا التصميم الإلهي.
وتصور إنسانًا من ملهى إلى ملهى، من مرقص إلى مرقص، يروي هذه الغريزة من دار إلى دار، هنا تروى، وهنا تروى. العقل أداة معرفة الله :
قلت قبل قليل في أول الدرس: إن كل شيء خلق في الإنسان مصمم بشكل حيادي، إما أن ترقى به، وإما أن تهوي به، فالعقل أداة معرفة الله، يمكن أن تصل من خلاله إلى الله، ويمكن أن تصل من خلاله إلى أكبر عمل إجرامي، العقل نفسه، الشهوة نفسها، يمكن أن تغدو هذه الشهوة معراجاً لك إلى الله، والشهوة نفسها دركات إلى النار، حب العلو في الأرض، يمكن أن تهب حياتك للحق، فيرفع الله لك ذكرك، فتعلو في الأرض عن غير قصد منك، ويمكن أن تجعل علوك في الأرض أحد أهدافك الكبرى، فترقى عن طريق إتلاف الآخرين، وسحقهم، وأخذ أموالهم، واغتصاب حقوقهم.
حاجة الحياة إلى علم حقيقي :
أيها الأخوة الكرام، الحياة تحتاج إلى علم حقيقي، علم عميق، يجب أن تعرف من أنت؟ لماذا ركبت فيك هذه الشهوات؟ ماذا ينبغي أن تفعل؟ لأن الشيء الخطير أنه يمكن لإنسان أن يفقد دينه بامرأة، لأن المعاصي دليل الكفر، أو أن يفقد اتصاله بالله بخروجه عن منهج الله، أو أن يفقد سعادته كلها بشهوة منحرفة، فلا تعجب إذا رأيت في القرآن الكريم آيات كثيرة تنظم علاقة المرأة بالرجل، ولا تعجب أن الذين سلموا من العطب هم الذين طبقوا منهج الله عز وجل، لا تعجب، ولا تعجب أن البيوت التي انهارت بسبب مخالفة لمنهج الله.
كلّ المشكلات والمصائب بسبب الخروج عن منهج الله :
هناك نقطة أحبّ أن أذكرها بشكل واضح، بحكم عمل الدعاة تأتيهم مشكلات، تعرض عليهم قضايا الإنسان، من تقاطع هذه المعلومات يتضح أن كل مشكلاتنا بسبب خروجنا عن منهج الله، والإنسان أحياناً بكل بساطة يسافر إلى بلد آخر، ويترك زوجته في البيت مع أخويه الشابين، الذي حدث أنه اعتدى أحدهما على امرأة أخيه، وكانا في خلوة، زوجة بمفردها في البيت ومعها شابان في ريعان الشباب، والزوج غائب في بلد آخر، هذا هل يعرف منهج الله عز وجل؟ هذه الخلوة سببت الزنا، لو كان لديه وقت ونفَس طويل يتتبع كل مشكلة يجد أول خيط المشكلة من مخالفة منهج الله.
الأمثلة كثيرة جداً، عندما ترى أمراً ونهياً يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا النهي يؤكده ألف قصة، ألف قصة وقعت، ودمرت الأسرة بسبب التساهل في هذا النهي.
من ثمرات إطلاق عنان الشهوة المحرمة :
1 ـ اختلاط الأنساب :
لو أن هذه الشهوة التي أودعها الله في هذا الإنسان أطلق عنانها بلا قيد، بلا ردع، بلا قيمة، بلا منهج، بلا مبدأ، ما الذي يحصل؟
في المجتمعات الغربية احتمال كبير أن تكون زوجته أخته، وهو لا يدري.
خطب شاب فتاة، واستشار والده، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، فخطب فتاة ثانية، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، خطب الثالثة، قال له: إنها أختك، وأمك لا تدري، اشتكى لأمه، قالت له: خذ ما شئت، إنك لست ابنه، وهو لا يدري.
هذه أول ثمرة من ثمار إطلاق هذه الشهوة بلا قيد، في بلادنا - والحمد لله -الأسرة فلان زوجته وأولاده، الأمور واضحة وضوحاً تاماً وشديداً بسبب بقية الدين الذي عندنا .
صدقوني أيها الأخوة، خبير من دولة أجنبية يقيم حفلاً بمناسبة أنه رزق بمولود، وبقي في الشام سنتين متتاليتين، وزوجته في هولندا، كيف أنجبت هذا المولود؟ ليس شرطًا أن يكون منه، ولكن جاءه مولود، شيء طبيعي عندهم، فأول جريمة من التفلت اختلاط الأنساب.
2 ـ الجناية على النسل :
ثم الجناية على النسل، هذا الذي ينجبه الإنسان مشكوك بنسبه إنسان ضائع.
أنا لي صديق أخذ شهادة طب من أمريكا، يرسل إلى والده رسالة يقول له: عندي مناوبة في مستشفى شيكاغو خمس عشرة حالة تأتينا لأطفال صغار رضع، يأتون إلى المستشفى، إسعاف، لأنهم تلقوا ضربات بآلات حادة من والديهم، عندما يتبع الإنسان الجنس بشكل أرعن يصبح وحشاً.
وهناك تفسير آخر، هم يعتقدون أن هؤلاء ليس منهم من غيرهم، لذلك جنوا اختلاط الأنساب والجناية على النسل وانحلال الأسرة.
3 ـ انحلال الأسرة :
مرة قلت لكم: هناك إحصاء، ستة وثلاثون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في ألمانيا، وأربعة وستون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في أمريكا، واثنان من ألف في سوريا تنتهي إلى الطلاق.
مرة القاضي الشرعي الأول قال لي: نسب الطلاق اثنان من ألف، هذا من آثار الدين، لأن الزوجة ليس لها تجربة سابقة، والزوج كذلك، ويوجد طاعة لله، كذلك يوجد استقرار في الحياة الزوجية، وتفكك الروابط وانتشار الأمراض، الأمراض التي تظهر النبي الكريم له حديث أعدّه من دلائل النبوة قال:
(( وما فعل قوم الفاحشة حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأمراض التي لم تكن في أسلافهم))
[ ابن ماجه عن ابن عمر ]
الآن هناك مرض اسمه آكلة لحوم البشر، هذا أسرع من الإيدز، ينتهي الإنسان في أربع وعشرين ساعة، والأسباب انحراف جنسي، وهناك مرض الآن في إفريقيا جديد أيضاً مخيف، ومرض في اليابان، والأول في إنكلترا غير الإيدز، فلذلك الأمراض تستشري، وتنهار الأخلاق، وتظهر الشهوات، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾
[سورة الإسراء: 32]
لكن كلام خالق الكون كلام دقيق، قال تعالى: ] وَلاَ تَقْرَبُوا [، لم يقل: لا تزنوا، لأن الزنا لا يكون مباشرة، هناك تمهيدات، استثارت، قراءات، مشاهدة أفلام معينة، أصدقاء، خلوة، إطلاق بصر، هذه كلها أسباب الزنا. الحرام في علاقة المرأة بالرجل :
الآن دخلنا في الدرس الحرام في علاقة المرأة بالرجل.
1 ـ الخلوة بالأجنبية :
البند الأول الخلوة بالأجنبية، النبي لم يقل: ما خلا فاسق بفاسقة، ولم يقل: ما خلا مؤمن بمؤمنة، قال:
((أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ))
[ سنن الترمذي عن ابن عمر]
أيّ رجل مع أي امرأة.
عند الخلوة تجتمع خواطر. حكم الخلوة بالأجنبية :
الحكم الشرعي: الإسلام حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، من هي المرأة الأجنبية؟ هي التي لا تكون زوجة له، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه الزواج منها حرمة مؤبدة، إذا خلا رجل بامرأة لها زوج، حينما تطلق تصبح حلالاً له، ويتزوجها، إذًا هي أجنبية لا يحق له أن يخلو بها مع أنها أجنبية ومحرمة عليه، لأنها متزوجة، ولكن هذه الحرمة ليست أبدية، بل حرمة مؤقتة لهذا الزواج.
من هي المرأة الأجنبية و كيف تعامل ؟
التعريف الدقيق: الخلوة بالمرأة الأجنبية التي لا تكون زوجته، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه زواجه منها حرمة مؤبدة، كالأم والأخت والعمة والخالة، يمكن أن تخلو مع أمك، وأختك، وعمتك، وخالتك، وابنة أخيك، وابنة أختك فقط، أما امرأة أخيك فأشد حرمة، لأنه إذا طلقها تبح له، فالحرمة غير مؤبدة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان ))
[ صحيح عن ابن عباس]
أما الآية الدقيقة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب: 53]
الأكمل ألا تعلّم امرأة إلا من وراء حجاب، الهاتف قد يكون حجاباً، يمكن أن تستمع إلى شكواها على الهاتف، أو من وراء حجاب، أو أن تجيبها عن سؤال من وراء حجاب، أما اللقاء المباشر ولو كان لعلة نبيلة وشريفة فلا يجوز.
لا تخلُ بامرأة ولو لتعلمها القرآن، ولا تدخل على ذي سلطان ولو تقول: آمره وأنهاه.
الآية الكريمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب: 53]
قال الإمام القرطبي: " يريد الله عز وجل أن ذلكم السؤال والمتاع من وراء حجاب أن هذا الموقف أطهر للقلب "، من ماذا؟ قال: " من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال ".
تكون الخواطر الغريزية بالمشاهدة، وإلا فلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
" من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال، أي أن ذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ".
وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه، ولا أن يقول: أنا واثق من نفسي. الابتعاد عن الاختلاط لأنه أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/04.jpg
أحدث موضوع علمي قرأته، والله هذا الموضوع حلّ لي ألف مشكلة، حينما يثار الإنسان جنسياً الدماغ يفرز مادة يعطل محاكمته، وهذا يفسر أن الإنسان إذا خلا بامرأة تكون أقل بكثير جداً من زوجته، ومع ذلك تزل قدمه، لأنه خلا بامرأة، وخرق الحدود، وتجاوزها.
قال:
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
" أي أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ".
سيدنا يوسف هذا النبي العظيم الذي هو القدوة لكل شاب في عفته، وفي بعده عن الحرام، ماذا قال هذا النبي الكريم؟ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾
[ سورة يوسف]
لا يقل الواحد أنا أثق بنفسي، أكبر إنسان قد تنهار مقاومته حينما يخرق منهج الله عز وجل، عندما تطبق المنهج الله يحميك. الحمو الموت :
وهناك حالة خاصة، قال: ويحذر النبي أشد التحذير من خلوة المرأة، بيت الحمو أشد، أي أقارب زوجها، كأخيه وابن عمه، لأن الأخ له مدخل، وله كلام، وله مداخلة، وله سؤال، النبي الكريم يحذر المرأة من الخلوة بأقارب زوجها أشد التحريم، لأن هذا قد يجر إلى عواقب سيئة.
في هذا المسجد بالذات وصلني أكثر من خمسين قصة خلال عدد من السنوات عن حالات لا يمكن أن تصدق جرت بين المرأة وأخ زوجها، من الحرام الشنيع بسبب الخلوة، يقول لك: هل معقول ألا يدخل أخي في غيابي؟ نعم معقول ونصف ألا يدخل في غيابك، هنا لا يوجد مجاملات، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت ))
[البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر]
ماذا فسر المفسرون هذه الكلمة: "الحمو الموت" فسرها المفسرون بأن الخلوة تؤدي إلى الخطر والهلاك، أي هلاك الدين، الإنسان في بحبوحة، أما عندما يقترف جريمة الزنا فيقع في حجاب مع الله كبير جداً، نحن في نعمة لا أحد يعرفها، أنك لم ترتكب كبيرة، فأنت في بحبوحة مع الله، هناك تقصير وأخطاء صغيرة، أما إذا ارتكب الإنسان كبيرة أو شرب الخمر يشعر بالضيق، فهذه البحبوحة تشعرك أن الطريق إلى الله سالك، والصغائر يعفو الله عنها، أما الكبائر: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخلْكُمْ مُدْخَلاً كريمًا ﴾
[ سورة النساء :31]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/05.jpg
هلاك الدين إذا وقعت هذه المعصية، وهلاك المرأة بفراق زوجها.
امرأة متزوجة لها أولاد، ولها مكانة، تطلق، وتفضح بين الناس، تصبح قصتها مثاراً للسخرية بين الناس، هذا هلاك ثان، هدرت كرامتها الاجتماعية، وهدرت مكانتها الدينية، والقريب كالأخ إذا ارتكب الفاحشة مع زوجة أخيه يصير الأمر إلى دماء وقتل.
حدثني أخ في بعض البلاد أن أخاً اعتدى على زوجة أخيه، والأخ كان لحاماً، عندما بلغه ذلك قطعه مئة قطعة، أحضر السيخ وقطعه، هلاك المرأة وهلاك دينها، هلاكها كزوجة وفضيحتها، ثم تقطيع العلاقات الاجتماعية، وسبب ذلك الخلوة الحمو، قال عليه الصلاة والسلام: (( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت ))
[البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر]
هذا حديث متفق عليه في أعلى درجة من الصحة، رواه الإمام البخاري ومسلم
تهلك لاقترافها المعصية، وتهلك لطلاقها وفضيحتها، وتهلك الأسرة بتفتيت العلاقات المقدسة بينهم.
أول شيء في المحرمات الخلوة، أنت في البيت، وجاءت زوجة أخيك، وأنت في البيت بمفردك، لا تدخلها، ولا تستحِ، هذه مجاملة الشيطان، الأهل غير موجودين، أو سأخرج ادخلي، أما أنك أنت وزوجة أخيك بمفردكم فلا يجوز، وكلام الناس أن هذا مثل أخي، لا يوجد بارود لا ينفجر، قال تعالى: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴾
[ سورة المجادلة: 2]
هي مثل أمي، هذا كله كلام الشيطان، لا معنى له. 2 ـ تحريم نظر الجنسين بعضهما إلى بعض :
أولاً: العين مفتاح القلب، والنظر رسول فتنة الزنا:
كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
***
في ذهني آلاف القصص، انهيار بيوت، تطليق زوجات، تشرد أولاد، جرائم قتل، عداء أبدي بين أخوين بسبب خلوة ونظر.
من شأن المسلم ألا يخلو بامرأة أجنبية إلا أن تكون زوجته، أو إحدى محارمه الذين يحرم له الزواج منها تحريماً مؤبداً لا مؤقتاً. وقوف عند قوله تعالى -مِنْ أَبْصَارِهِمْ -:
قال تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَائِهِنّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَ أَوْ نِسَائِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفِلِ الّذِينِ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور:30-31]
هذه الآية أساسية في هذا الموضوع، ويجب أن نقف عندها كلمةً كَلمةً. 1 ـ من للتبعيض :
أولاً: في هذه الآية توجيه مشترك للرجال والنساء في غض البصر، غض البصر مدرسة، لابد من غض البصر، امرأة كانت أو رجل.
الآية لم تقل: غضوا أبصاركم، قال: يغضوا من أبصارهم، لك أن تنظر إلى زوجتك، لك أن تنظر إلى أمك وأختك، إلى ابنتك، إلى عمتك، إلى خالتك، وبنت أخيك، وخالتك، هذه هي المحارم، والغض على غير هؤلاء، من للتبعيض، هذا أول معنى من معاني من.
2 ـ عدم التدقيق في التفاصيل عند النظر إلى المحارم :
إذا نظرت إلى المحارم مثلاً إذا نظرت إلى أختك، ينبغي أن تغض البصر، أي لا تدقق في التفاصيل، ألا تنظر بشهوة، ألا تدقق بخطوط الجسم، المرأة تتحرك، ومن حركتها يظهر شيء من جسمها، تغض بصرك، مع العلم أنها أختك، لك أن تراها بكل بساطة وبكل وضوح، لو أنها نائمة ومكشفة يجب أن تغض بصرك عنها، وألا تدخل عليها إلا بإذن، وعلى أمك أيضاً، كيف أستأذن وهي أمي؟ فقال النبي: أتريد أن تراها عريانة؟
أختك في الغرفة، تقرع الباب ادخل، الاستئذان موضوع ثانٍ، في البيت الواحد يستأذن على أمه، وأخته، وابنته، لأن له أن ينظر إليهم بأوضاعهم الطبيعية، لباس الخدمة نصف كُمّ، تحت الركبة، بلا كم، هذه مشكلة، القصير مشكلة، لذلك ثياب الخدمة هي ثياب المحارم، فالغض على المحارم مع عدم التدقيق في التفاصيل، ولا في خطوط الجسم، لا تنظر في حالات خاصة، ولو كانت أمك أو أختك يجب غض البصر، هذا المعنى الثاني.
3 ـ لك النظرة الأولى و ليس لك الثانية :
لو أنك واجهت امرأة فجأة في منعطف فوقعت النظرة الأولى، فغضّ عن الثانية، الأولى لك، والثانية عليك، فهذه ثلاث معان لـ [ من ]، عن نساء دون نساء، وعن نظرة دون نظرة، وعن مرة دون مرة.
أيها الأخوة، أنا حريص جداً أن يكون معكم نصوص صحيحة، هذا دين، لذلك النص الصحيح يجب أن نعض عليه بالنواجذ، قال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي:
(( يا علي، لا تتبع النظرَةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليس لك الثانية))
[أحمد وأبو داود والترمذي عن علي ]
وهذا معنى [ من ] الثالث.
معنى [ من ] الأول: لك أن تنظر إلى المحارم، وأن تغض عن غير المحارم.
المعنى الثاني: نوع النظر، إذا نظرت إلى المحارم فعليك أن تنظر نظراً إجمالياً، نظر عاديًّاً بريئاً، أما لو دققت بالتفاصيل، وفي الجزئيات، وفي الخطوط، وفي بعض الحركات والحالات فيجب أن تغض البصر.
المعنى الثالث: لو أنك نظرت فجأة إلى امرأة أجنبية لا تحل لك، الأولى لك، والثانية عليك.
الحديث الذي رواه الإمام البخاري لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم النظرة إلى المرأة بشهوة من الزنا فقال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر))
[البخاري عن أبي هريرة ]
النظر بريدٌ إلى الزنا :
هناك نقطة دقيقة، إذا اكتفى الواحد بالنظر، وقال: أنا لا أفعل شيئاً، هناك مشكلة كبيرة قالها الشاعر:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظــرُ
رأيت الذي لا كله أنت قـادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4936/ar-4936/06.jpg
هذه الشهوة تتطور، ليس نظر فقط، الوردة تنظر لها، وتكتفي بالنظر إليها، شيء جميل تنظر إليه، وتكتفي بالنظر إليه.
الناحية الثانية: إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك الأمر لا يبقى عند حدود النظر، هناك تطور.
عندما أمرنا الله بغض البصر كما قال بعض العلماء فهو من باب سد الذرائع، لأنك بغض البصر تسد الذريعة إلى الزنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر))
[البخاري عن أبي هريرة ]
وفي درس آخر ننتقل إلى تحريم النظر إلى العورات، وحدود إباحة النظر إلى الرجل والمرأة، وهذا كله متعلق بشأن الزواج، وشأن العلاقات الأسرية.

سوالف احساس
09-18-2018, 09:21 PM
بارك الله بك السعيد ع قيم الجلب وتم الفائدة
وفقك الله !

السعيد
09-19-2018, 07:41 AM
تسلمين اختى سوالف على حضورك الدائم

السعيد
09-19-2018, 07:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : العورات






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. نهي النبي عليه الصلاة و السلام عن النظر إلى العورات :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم كثيراً أن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله هو الحلال والحرام، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، وكيف تطيع الله عز وجل إن لم تعرف حدوده؟ وكيف تعبده إن لم تعرف منهجه؟ فلذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/01.jpg
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الحلال والحرام في علاقة الرجل بالمرأة إلى تحريم النظر إلى العورات.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر إلى العورات ولو كان من رجل إلى رجل أو من امرأة إلى امرأة، طبعاً من امرأة إلى رجل أشد بكثير، من رجل إلى امرأة أشد بكثير، لكنه نهى عن النظر إلى العورات، ولو من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة، وهذا مما يغفل عنه كثير من المسلمين بشهوة أو بغير شهوة، كل كلمة لها معنى.
نهى عن النظر إلى العورات ولو كان من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة، بشهوة أو بغير شهوة، لأنه إذا قال الإنسان: أنا لا أشتهي ثم يشتهي، فالشهوة تتنامى، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
إذا اعتبرنا لا نافية، النفي هنا أقوى، أو أن نقول: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، لا ناهية، كلاهما يصح. النظر المباح إذا خيفت معه الفتنة يصبح محرماً :
الانحرافات الجنسية ربما كان مبعثها أن يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، أو المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لا نظر ولا مس، الحديث رواه الإمام مسلم، واستدل العلماء في الحديث الشريف على عدم جواز اضطجاع الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة في ثوب واحد، أي إذا كان هناك مباشرة في الجسد فهناك نهي شديد عن هذا.
أما عورة الرجل الذي لا يجوز النظر إليها من رجل أو امرأة فتحدد فيما بين السرة والركبة، وعورة المرأة جميع بدنها والوجه والكفان موضوع يحتاج إلى تفصيل، الأصل أن المرأة عورة من فرقها إلى قدمها، والقاعدة أنه ما لا يجوز النظر إليه من العورات لا يجوز أن يمس باليد، أو بجزء من البدن، كل هذه الأحكام تستثنى أو توقف عند الضرورة والمعالجة، أي للطبيب المسلم الورع أن ينظر إلى موقع الألم من جسم المرأة، وأن يعالجه، وأن يجسه بيده إن كان الفحص يقضي هذا.
هذا الحديث رواه الإمام مسلم وهو أصل في هذا الموضوع، القاعدة التي يجب أن تكون واضحة عندكم جميعاً النظر المباح إذا خيفت معه الفتنة يصبح محرماً.
ولا تنسوا أننا في عصر فتنة، إذا ورد في أحكام الفقهاء ما يشير إلى أنه إذا أمنت الفتنة، الآن الفتنة قائمة، والفتنة يقظى، والعصر عصر جنس، والعصر عصر شهوة وامرأة، فلذلك الأولى أن يأخذ بالأحوط.
من سماحة الإسلام أنه عفا عن النظرة الأولى الفجائية التي لا يملك الإنسان حيالها غض بصره لذلك قال أحدهم: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة - أي البغتة من غير قصد - فقال : " اصرف بصرك "؟ ))
[مسلم فى صحيحه عن جرير بن عبد الله]
أي لا تعاود البصر مرة ثانية هذا من عفو الإسلام وسماحته. الآية الكريمة التالية تشير إلى تحريم إبداء زينة المرأة :
لكن الإنسان يعلم وحده علم اليقين ماذا تعني النظرة الأولى، أي كلما اشتد الورع تقصر هذه النظرة إلى أن تكون كالخطفة، الآية الكريمة التي تشير إلى إبداء زينة المرأة أو إلى تحريم إبداء زينة المرأة هي قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور: آية 31]
قال العلماء: زينة المرأة الزينة الطبيعية أو زينة الحلي، على كلٍّ ولا يبدين زينتهن، المواضع التي زين الله بها المرأة هذه الزينة الطبيعية، أو المواضع التي توضع فيها الزينة الظاهرة، كالقرط والعقد والسوار والخلخال، هذه المواضع قال تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور: آية 31]
والدقة في التعبير أن الله عز وجل لم يقل إلا ما أظهرن منها، إلا ما ظهر منها عن غير قصد، وقد فسر العلماء هذا الظهور عن غير قصد أن طول المرأة ليس في إمكانها أن تخفيه، وأن لون ثيابها ليس في إمكانها أن تخفيه، وامتلاء جسمها أو عدم امتلاء جسمها ليس في إمكانها أن تخفيه، لذلك قال تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور: آية 31]
المرأة المؤمنة الطاهرة ترتدي ثياباً سابغة داخلية لئلا يبدو شيء من جسمها :
وقد أشار بعض العلماء إلى أن هذه الزينة التي زين الله بها المرأة لو أنها ظهرت عن غير قصد، وقعت في الطريق مثلاً، بالمناسبة المرأة المؤمنة الطاهرة ترتدي ثياباً سابغة داخلية، بحيث لو أنها تعثرت في الطريق لا يبدو شيء من جسمها، هذا من آداب الإسلام أن ترتدي المرأة ثياب احتياط فيما لو تعثرت قدمها وأصبحت طريحة الأرض لا يبدو شيء منها.
على كلٍّ حال لو كان هناك فعل غير مقصود وظهر شيء من زينتها هذا أيضاً مما عفا عنه الإسلام.
﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
أما الشيء الذي بإمكانها أن تظهره أو ألا تظهره فليس هو المقصود، لو كان هو المقصود لجاءت الآية إلا ما أظهرن منها، إذا كان بإمكان المرأة أن تظهر أو لا تظهر لجاء النص كما يلي: ولا يبدين زينتهن إلا ما أظهرن منها، أما إلا ما ظهر منها عن غير قصد، فطولها لا يمكنها أن تخفيه، وامتلاء جسمها لا يمكنها أن تخفيه، ولون ثيابها لا يمكنها أن تخفيه، وإذا تعثرت وظهر بعض أعضائها هذا ليس عن قصد، ولا عن رغبة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
وهناك آراء أخرى هذا الرأي هو أوجه الآراء، وهو الرأي المعتمد. على المرأة المسلمة أن تجتهد في إخفاء زينتها ما استطاعت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/02.jpg
تعليق لطيف: الأكمل للمرأة المسلمة أن تجتهد في إخفاء زينتها ما استطاعت، وذلك لانتشار الفساد، وكثرة الفسوق في عصرنا، ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾
[سورة النور: آية 31]
والخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس، والجيوب جمع جيب وهو فتحة الصدر من الثوب، وليضربن بخمرهن على جيوبهن مروراً بوجوههن يؤكد هذا قول السيدة عائشة رضي الله عنها وقد أورد هذا الإمام البخاري: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حازونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها))
[ البخاري عن عائشة]
كما يحق للخاطب أن يرى استثناءً من عورة المرأة وجهها وكفيها.
العلماء استدلوا بهذا الحديث على أن الوجه عورة، ثم إن الله تعالى يقول: ﴿ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾
[سورة الأحزاب:آية 53]
الأولى بالإنسان أن يأخذ بالأحوط :
أما الحديث الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه))
[ أبو داود عن عائشة]
قال: هذا الحديث فيه ضعف، فيه انقطاع وفيه راوٍ كذاب.
الموضوع: هناك المتشددون، وهناك المتساهلون، والأحوط أولى، هذا الموضوع احتمالي قال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾
[سورة النور: آية 31]
الآن موضوع الزينة الطبيعية والمجلوبة المصنوعة، أن تضع القرط في أذنها، والعقد في جيدها، والسوار في معصمها، والخلخال في رجلها، مكان الزينة زينة، والزينة نفسها المجلوبة زينة. الأصناف التي استثناها القرآن الكريم من إخفاء الزينة :
ثم قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ﴾
استثنى القرآن الكريم من إخفاء الزينة هؤلاء الأصناف الآتي ذكرهم، أولاً بعولتهن، البعل له حكم خاص، أي الزوج مستثنى من كل قيد، الزوج له أن يرى من زوجته ما يشاء، وكذلك المرأة وفي الحديث الشريف: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك))
[أحمد والبخاري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده]
الصنف الثاني: ﴿ آبائهن﴾
ويدخل في الآباء الأجداد من قبل الأب، أو من قبل الأم، ﴿آباء بعولتهن﴾
فقد أصبح لهم حكم الآباء بالنسبة إليهن، أي والد زوجها، ثم أبنائهن و مثل هؤلاء أبناء أبناءهن و أبناء بناتهن، الفروع مهما نزلت و الأصول مهما علت، أبناء أزواجهن لضرورة الاختلاط بهن و لأنها بمنزلة أمهن في البيت.
لكن بعد قليل أشير إلى أن هناك محارم كالأم، و البنت، و الأخت، و بنت الأخت، و بنت الأخ، و هناك محارم تأتي بالمصاهرة كزوجة الابن، هذه لها حكم آخر سوف أشير إليه بعد قليل.﴿إخوانهن﴾
أكانوا أشقاء أو من أب أو من أم، ﴿ بني إخوانهن﴾
لما بين الرجل و عمته من حرمة أبدية، ﴿بني أخواتهن﴾
لما بين الرجل وخالته من حرمة أبدية، ﴿نسائهن﴾
أي النساء المتصلات بهن نسباً أو ديناً، هذا معنى نسائهن، أما المرأة غير المسلمة فلا يجوز أن ترى من زينة المسلمة إلا ما يراه الرجل على الصحيح لعلة أنها تصف للناس شكل المرأة، ومواضع الفتنة فيها، وكأن الرجال ينظرون إليها. وأما قول الله عز وجل:
﴿ أو ما ملكت أيمانهن﴾
العلماء أشاروا للإماء دون الذكور، الجارية في البيت لها أن تنظر إلى سيدتها، أما العبد الذكر في البيت إذا نظر إلى سيدته فيشتهيها، هذا حكم الطبيعة، ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾
هؤلاء الذين لصفة طارئة فيهم فقدوا شهيتهم للنساء، ولهم علاقة بهذا البيت، ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾
هم الصغار الذي لو تكن في نفسهم المشاعر الجنسية، إبداء الزينة يجوز لهؤلاء الأصناف جميعاً. ﴿ لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾
الحقيقة أن الآية أغفلت صنفان ممن يحق لهم أن يروا زينة المرأة العم والخال، والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول: ((عم الرجل صنو أبيه))
[ مسلم عن أبي هريرة]
على النساء أن يظهرن أمام محارمهن بثياب الخدمة :
أيها الأخوة: حينما أبيح للرجل أن يرى محارمه هؤلاء أمه، وبنته، وأخته، وبنت أخته، وبنت أخيه، وعمته، وخالته، هذه المحارم العلماء أشاروا إلى مصطلح وهو أن يظهرن أمام محارمهن بثياب الخدمة، وثياب الخدمة هي الثياب التي ترتديها المرأة أثناء خدمة البيت، أي لها أن تظهر وجهها، وشعرها، وجيدها، ومعصمها، وساقيها، أي تحت الركبة وقريب من الرقبة تحت العضد، هذه ثياب الخدمة التي يجوز للرجل أن ينظر إلى أمه، أو أخته، أو بنت أخيه، أو بنت أخته، أو عمته، أو خالته.
المرأة التي تظهر مفاتنها لسان حالها يدعو الرجال إلى التحرش بها :
ثم إن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾
[سورة الأحزاب: آية 59 ]
في الآية إشارة لطيفة جداً إلى أن الرجل إذا نظر إلى امرأة وقد أظهرت مفاتنها ربما أوقع بها الأذى إما بلسانه، أو بيده، فالمرأة التي تظهر مفاتنها لسان حالها دعا الرجال إلى التحرش بها، هذه قاعدة.
أي امرأة تظهر مفاتنها عن عمد وقصد لسان حالها يدعو الرجال أو الذئاب إلى أن يتحرشوا بها، وأن يسمعوها كلاماً مخجلاً وأن يمدوا إليها أيديهم. حجاب المرأة هو أقل ما تعرف به ولكن أكثر علامة تقواها وورعها وحفظ لسانها :
لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾
[سورة الأحزاب: آية 59 ]
هناك إشارة لطيفة في هذه الآية إلى أن حجاب المرأة هو أقل ما تعرف به، هناك نساء يتوهمن أنهن لمجرد أنهن تحجبن فعلن كل شيء، ما فعلن إلا شيئاً واحداً، هناك معرفتهن بكتاب الله، معرفتهن بحديث رسول الله، قيامهن بواجباتهن تجاه أزواجهن و أولادهن، كما أن الطالب أقل شيء يعرف أنه طالب زيه الرسمي، هذا الزي الرسمي الذي يرتديه طالب الجامعة أو طالب الثانوي هو أقل ما يشير إلى أنه طالب علم، لكن الحقيقة ليس هذا الزي هو الدليل الوحيد، هناك علمه، وتفوقه، وأوراق امتحانه، ونجاحه في الامتحانات، لكن أقل علامة تشير إلى أنه طالب علم هو ذلك الزي، وكذلك المرأة المسلمة أقل علامة تدل على أنها مسلمة هو حجابها، ولكن أكثر علامة تقواها، ورعها، حفظ لسانها، حفظ مال زوجها، حفظ نفسها في غيبة زوجها، حسن رعايتها لزوجها وأولادها هذا الذي يعليها عند الله عز وجل. (( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]
(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر ]
المرأة المؤمنة معروفة بالحشمة و الوقار :
في الآية إشارتان لطيفتان؛ الأولى أن إظهار أية فتنة في المرأة يعبر عن رغبتها في أن تستجلب نظر الرجال لو لم تعترف بذلك، المرأة التي تحب أن تظهر مفاتنها عن طريق الثياب غير الشرعية إنما هي امرأة عندها رغبة عميقة إلى أن تلفت نظر الرجال إليها، لذلك إذا آذوها بالكلام أو بغير الكلام فهي المتسببة، هناك من تتوهم إنها شريفة بمعنى أن أحد اًلا يستطيع أن ينالها بالأذى، حينما تظهر مفاتنها في الطريق هي تدعو الآخرين إلى أن ينالوها بالأذى، لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً﴾
[سورة الأحزاب: آية 59 ]
يعرفن بالحشمة والوقار ﴿فلا يؤذين﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/03.jpg
أما هذا الجمال الذي أودعه الله في المرأة فهذا من أجل أن ينشأ بينها وبين زوجها مودة بالغة، هذا الجمال لزوجها ليس لعامة المسلمين، وكلمة ﴿أدنى أن يعرفن﴾
الحجاب وحده لا يكفي، لو أنها تحجبت وكانت ثرثارة، مغتابة، مهملة لزوجها، حسودة، حقودة، وتريد أن تزول النعم عن غيرها لتصير إليها، حجابها هذا لا يغني عنها من الله شيئاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في النار ))
[أخرجه البزار عن أبي هريرة ]
﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾
أي أقل شيء، أقل علامة تشير إلى أن هذه المرأة مسلمة حجابها، أما أكبر علامة فتربيتها لأولادها، رعايتها لزوجها، ضبط لسانها، ضبط مشاعرها، الإخلاص لزوجها، هذه أعلى علامة، أدنى علامة ثيابها، كما أن أدنى علامة تشير إلى أن هذا الشاب طالب الثياب الرسمية التي ألزم أن يرتديها لكن قد يأخذ أصفاراً في كل المواد، جاهل فهل يعد هذا الزي الذي يرتديه الطالب دليلاً قطعياً على علمه؟ لا هذا أقل دليل، لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾
[سورة الأحزاب: آية 59 ]
ويوجد آراء لمفكرين معاصرين أدباء أن أية امرأة تظهر مفاتنها هي تدعو الشباب إليها، تدعو الناس إلى التعليق عليها، وإيذائها بالكلام وبغير الكلام. المرأة ليست للجميع هي خاصة لزوجها ومحارمها :
هناك حديثان شريفان؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر الذي بينها وبين الله عز وجل ))
[رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرطهما ورد هذا في الترغيب والترهيب عن أبي مليح الهذلي]
امرأة تخلع ثيابها وتبدي محاسنها في غير بيت زوجها.
أحياناً يكون الزوج واثقاً منها، أرسلها إلى بيت أختها مثلاً زوج أختها بدت أمامه بأبهى زينة، خلعت معطفها، وخلعت ثيابها، وبدت مفاتنها أمام زوج أختها. ((ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر الذي بينها وبين الله عز وجل ))
[رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرطهما ورد هذا في الترغيب والترهيب عن أبي مليح الهذلي]
ابن ماجه عن أبي مليح الهذلي] هؤلاء نساء المسلمين اللواتي يذهبن إلى الأعراس بأبهى زينة وكأنها في ليلة عرسها، المدعوة ليست العروس، ثم يأتي هذا العريس الشاب يجلس مع عروسه، ويمتع نظره بهؤلاء الجالسات، ويأتي المصور ليصور، ويطبع من هذا الشريط النسخ العديدة، وكل إنسان في بيته يراه، ثم يسأل من هذه ؟زوجة فلان، هذا ما يجري في بيوت المسلمين، هل هناك مبالغة؟
لذلك كلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن وكلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء.
وفي حديث آخر عن أم سلمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره))
[ أحمد و الطبراني عن أم سلمة]
أي أن الله عز وجل زين المرأة -وهذا من فضل الله عليها- جعلها محبوبة، وجعلها مطلوبة، وجعلها مرغوبة بهذه الزينة، هذه الزينة لمن سمح الله له أن يراها؛ لزوجها، وثياب الخدمة لأبيها، وأخيها، وابنها، وعمها، وخالها، وابن أخيها، وابن أختها، أما أن تكون لوحة فنية للجميع، فليست للجميع بل هي خاصة لزوجها ومحارمها. تميز المرأة المسلمة عن غير المسلمة بخلق الاحتشام والعفاف والحياء :
قد يسأل سائل هؤلاء الفتيات الكاسيات العاريات أين آباؤهن؟ أين أزواجهن؟ أين إخوانهن؟
ثم إن المرأة المسلمة تتميز عن غير المسلمة بخلق التصون، و الاحتشام، والعفاف، والحياء، وصدقوني أيها الأخوة: للاحتشام والعفاف والتصون والحياء جمال لا يعرفه إلا من أتاه الله ذوقاً رفيعاً، المرأة جميلة جداً باحتشامها، وبصونها، وبعفافها، وحينما تتبذل تصبح كالشيء الساقط المبتذل، والمرأة الكافرة من لوازمها التكشف وإبداء الزينة عن قصد أو عن غير قصد، والأصح عن قصد، لذلك قال الله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 33]
ما هو التبرج؟ نحن درسنا محوره الحلال والحرام في علاقات الرجل بالمرأة، فذكرنا الحجاب، وذكرنا إبداء الزينة المباح، والآن نصل إلى موضوع التبرج. تعريف التبرج :
التبرج في المعنى الدقيق: التكشف والظهور للعيون، ومنها بروج مشيدة، البرج: الشيء العالي الظاهر، وبروج السماء معروفة عندكم، والسماء ذات البروج في هذه المجموعات من النجوم التي ترى بوضوح شديد في أثناء حركة الأرض حول الشمس، قال الإمام الزمخشري في شرح معنى التبرج: "تكلف إظهار ما يجب إخفاءه"، أي تكشف المرأة وإبداء زينتها الظاهرة والخفية وإظهار محاسنها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/04.jpg
التبرج قد يبدو في المشية، وقد يبدو في الحديث، ممكن أن يكون كلام المرأة في لين، لين كلامها من التبرج، طريقة مشيتها من التبرج، إظهار زينتها الظاهرة والباطنة من التبرج، وقد يكون هذا الذي يجب إخفاؤه موضعاً في الجسم، أو حركة العضو منه، أو طريقة في الكلام، أو المشي، أو حلية مما تتزين النساء منه، أو يلبسنه، قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 33]
الأصل أن تقر المرأة في بيتها، خروجها لسبب استثنائي، وليس الأصل أنها في الطريق والبيت استثناء، القاعدة هو البيت والاستثناء هو الخروج، لذلك قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 33]
أي إذا خرجتم لضرورة لا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، هناك من يفهم الآية فهماً سقيماً، يقول لك: هذه الآية لنساء النبي، والجواب بسيط جداً إذا قلنا للطالب المجتهد: اقرأ، فلأن يكون هذا الأمر موجهاً للكسول من باب أولى، إذا كان الطالب المجتهد مأموراً أن يقرأ وأن يذاكر، فالطالب الكسول من باب أولى، إذا كانت نساء النبي وبنات النبي مأمورات أن يقررن في بيوتهن فلأن يكون هذا الأمر موجهاً إلى نساء المسلمين من باب أولى.
من معاني التبرج :
الآن بعض العلماء من السلف الصالح يقول: التبرج أن تمشي المرأة بين الرجال بلا حياء لا يهمها، لكن ابنتي سيدنا شعيب: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) ﴾
[ سورة القصص ]
كانتا متنحيتين إلى جانب، هناك ازدحام، أما أن تدخل المرأة في الزحام بين الرجال ولا تعبئ بذلك فهذا الخلق ليس من أخلاق المرأة المؤمنة.
قال: التبرج كانت المرأة تخرج وتمشي بين الرجال متبرجة، مظهرة زينتها.
وقال قتاده: كان لهن مشية تكسر وتغنج و هذا من التبرج، وقال مقاتل التبرج إنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، أي حجاب رفع عتب، قد ينزاح إلى نصف رأسها وقد تبدو كل معالم وجهها، يبدو عنقها أحياناً هذا هو من معاني التبرج. من صور التبرج في الجاهلية :
الاختلاط بالرجال، والتكسر بالمشي، ولبس الخمار على نحو يبدو معه أو منه بعض محاسنها.
طبعاً لو أن علماء السلف الصالح رأوا ماذا تفعل النساء في الطرقات لصعقوا. إذا الخمار غير مشدود وظهرت بعض المفاتن هذا هو التبرج.
أما إذا ألقي الخمار كلياً، وظهرت المرأة كما خلقها الله إلا من ثياب تظهر ولا تخفي، فهذا هو الذي وصل إليه المسلمون اليوم، لأنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، الكفار لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، الذي وصلنا من أزياء اليهودي الفرنسي يتحكم بنساء المسلمين كلهم، هكذا الموضة، معقول مصمم أزياء يهودي فرنسي هو يتحكم بثياب نسائنا؟ هذا من ضعف المسلمين، ومن تخاذلهم، ومن تقصيرهم.
ما يخرج المرأة عن حدّ التبرج :
ما الذي يخرج المرأة عن حد التبرج؟ قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/05.jpg
ما الذي يجعل هذه المرأة في نظر الدين ليست متبرجة؟ قال: غض البصر، فإن أثمن زينة للمرأة هو الحياء، وأبرز عنوان الحياء غض البصر، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
[سورة النور:آية31]
والمرأة الفاسقة وقحة تنظر إلى الرجال بحدة، وتعلق تعليقات خبيثة، ومما يبرئ المرأة من التبرج عدم اختلاطها بالرجال، اختلاط تماسك وتماس، كما يحدث في المركبات العامة، مكان مزدحم، لا تعبأ تدخل بين الرجال، وقد يلتقي الصدر مع الصدر والظهر مع الظهر ولا تعبأ بذلك.
أيها الأخوة دققوا في هذا الحديث الشريف؛ قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني و البيهقي وقال رجاله ثقات والحديث صحيح: ((لأن يُطْعَن في رأس أحدِكم بِمِخْيَطٍ مِن حديد خيرٌ له مِن أن يَمَسَّ امرَأَةً لا تحلُّ لَه ))
[ الطبراني و البيهقي عن معقل بن يسار]
الله عز وجل هو الخبير، وهذا النبي الكريم رسول الخبير، أودع في كل رجل هذه الشهوة، لأنه أصبح تماس، لذلك النبي الكريم قال: ((إني لا أصافح النساء))
[ الترمذي عن محمد بن المنكدر]
إذا كان هناك مباشرة يد بيد ينشأ منها فساد كبير. شروط الثياب التي إذا ارتدتها المرأة خرجت من وصف التبرج :
1 ـ أن تغطي جميع الجسم على أرجح الأقوال :
ما هي الثياب التي إذا ارتدتها المرأة خرجت من وصف التبرج؟ قال: أولاً أن يغطي جميع الجسم على أرجح الأقوال، لذلك المعطف السابغ إلى أسفل أفضل، كأن دين المرأة مرتبط بطول ثيابها، الرجل قد يرتدي ثياباً متنوعة، أما كلما زاد الثوب مسافة في المرأة كان هذا دليلاً على زيادة إيمانها وحرصها.
2 ـ ألا تشف وتصف ما تحتها :
الشرط الثاني: ألا يشف ويصف ما تحته، فالثياب الرقيقة الشفافة هذه محرمة في الإسلام، قد ترتدي المرأة قميصاً شفافاً، هذا محرم أشد التحريم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح أن من أهل النار:
((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ... لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))
[ مسلم عن أبي هريرة]
سبحان الله! العلماء قديماً حاروا في هذا الحديث كيف كاسيات عاريات؟ الآن واضح جداً، مرتدية ثيابها ولكن هذه الثياب لا تسترها، بالعكس تظهر محاسنها.
وفي الحديث دخل نسوة على عائشة رضي الله عنها وعليهن ثياب رقاق فقالت: "إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات".
وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة " النور " امرأة تلبس هذا.
الشرط الأول: أن يغطي جميع الجسم.
الشرط الثاني: ألا يشف عما تحته. 3 ـ ألا تحدد أجزاء الجسم وتبرز خطوطه ومفاتنه :
الشرط الثالث: ألا يحدد أجزاء الجسم، ويبرز خطوطه ومفاتنه، فجميع الثياب الضيقة التي تبرز خطوط جسم المرأة ومعالم أعضائها هذه محرمة.
4 ـ ألا يكون الثوب مما يختص بلبسه الرجال :
ألا يكون الثوب مما يختص بلبسه الرجال، البنطال يرتديه الرجال فإذا لبسته المرأة في الطريق فهي ملعونة، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((...َلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[ من سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس ]
وبالعكس لعن الله أيضاً المتشبهين من الرجال بالنساء، من عام أو عامين لاحظت ثياباً يرتديها الشباب بلا أكمام، ممقوتة أشد المقت لأنها تشبه بالنساء، الحديث الشريف: (( لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[ من سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس ]
5 ـ الثياب التي تختص بها الكافرات لا ينبغي لنساء المؤمنين أن يرتدينها :
الآن الثياب التي تختص بها الكافرات المنحرفات هذه الثياب أيضاً لا ينبغي لنساء المؤمنين أن يرتدينها لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((من تشبه بقوم فهو منهم))
[ أبو داود عن ابن عمر]
6 ـ الألوان الصارخة والمزخرفة والصور التي تلفت النظر :
الآن الألوان الصارخة والمزخرفة والصور في ثياب المرأة التي تلفت النظر هي أيضاً محرمة، هذا الشرط السادس.
7 ـ أن تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها وفي حديثها وتتجنب الإثارة :
الشرط السابع أن تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها، وفي حديثها، وتتجنب الإثارة في سائر حركات جسمها، قال تعالى:
﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 32]
على المؤمنة أن تتكلم الكلام الذي لا يغري الرجال فيها :
اسمعوا أدب القرآن الكريم قالت بنت سيدنا شعيب:
﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
[سورة القصص:آية 25]
كلام لا يحتاج إلى جواب، لو أنها قالت: إن أبي يدعوك، سوف يسألها ما المناسبة؟ ولماذا؟ صار حواراً.
كيف سألها عن حالها؟ قال تعالى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) ﴾
[سورة القصص:آية 23]
يوجد ألف عبارة فيها طول، فيها مؤانسة، فيها استطراد، فيها تفصيل، المؤمن يتكلم الكلام الدقيق الموجز الذي لا يشعر بشيء، والمؤمنة تتكلم الكلام الذي لا يغري الرجال فيها.
امرأة متزوجة ولها أولاد لكنها جاهلة، وقفت على بائع وساومته في ثمن المبيع مساومة فيها تكسر، وفيها لين، وفيها استعطاف، حتى أنه ظن أنها تقبل أن يأتي إلى بيتها، بعد دقائق بيتها قريب من محل البائع دق الباب ففتحت، فدخل ما كان منها إلا أنها استغاثت بابنها وزوجها في محل قريب أيضاً، فقالت: ادعُ والدك، الأب في حالة غضب شديد أغلق الباب، وأتى بالشرطة، وساقها إلى المخفر، وكتب الضبط، وطلقها، مع أنها بريئة لم تفعل شيئاً، لكن جهلها بأصول الحديث مع الرجال أغرى هذا الرجل بها فدخل البيت عنوة، وهو يظن أنها ترضى أن تزل قدمها معه، فلذلك: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (32) ﴾
[ سورة الأحزاب]
وأكثر شيء في أثناء البيع والشراء الكلام اللين، السعر محدد تشتري أو لا تشتري، أما الكلام الساقط الذي فيه تكسر ولين فيجب الابتعاد عنه. على المرأة ألا تتعمد جلب نظر الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين :
الآن من شروط ثياب المرأة التي تخرجها عن التبرج ألا تتعمد جلب نظر الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين، قال تعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
[سورة النور:آية 31]
أخواننا الكرام: لا يوجد إنسان عنده شيء يتكلم به إلا أن ينقل عن القرآن والسنة، لا يوجد شيء من عندنا، ولا يوجد إنسان أهل أن يشرع إنما أنا متبع هكذا قال سيدنا الصديق، ولا يوجد شيء اسمه قضية مزاجية، قرآن وحديث صحيح. ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية))
[ أبو داود عن أبي موسى الشعري]
من خرجت لحاجة لا شيء عليها :
الحديث الآخر:
((المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية))
[ الترمذي عن أبي موسى]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4937/ar-4937/06.jpg
النبي وصفها بالزانية، ولكن ليس معنى هذا أن المرأة محرم عليها أن تخرج من بيتها لحاجة؛ لتزور أباها؛ أو لتطلب العلم في المسجد، قال عليه الصلاة والسلام لزوجته سودة: ((قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن))
[ البخاري عن عائشة]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا استأذنت امرأة أحدكم -إلى المسجد- فلا يمنعها))
[رواه البخاري عن ابن عمر ]
لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، العلم لك ولها، هي إنسانة مثلك تماماً، مساوية لك تماماً، تعرف الله كما تعرفه أنت، وتقبل عليه كما تقبل عليه أنت، وتحبه كما تحبه أنت، وترقى عنده كما ترقى عنده أنت، لذلك إذا منعتها من العلم فقد حطمتها.
وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))
[ رواه البخاري مسلم عن أبي هريرة]
لا يحل لمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مطلقة أو متوفى عنها زوجها في عدتها :
موضوع النظر إلى المخطوبة هذا الموضوع دقيق أكمل ما فيه أنه لا يحل لمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مطلقة أو متوفى عنها زوجها في عدتها.
هناك أخطاء كبيرة جداً تقع، امرأة مطلقة قبل أن تنتهي عدتها يتقدم أحد لخطبتها، أو امرأة متوفى عنها زوجها، لأن وقت العدة حرم للزوجية السابقة فلا يجوز الاعتداء عليه، لكن له أن يُفهم المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة رغبته في الزواج منها في التعريض والتلميح لا بالإظهار والتصريح قال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾
[سورة البقرة: آية235]
لا مانع، أنا فلانة أحترمها احتراماً كبيراً، جعلها الله من نصيبي، كلمة لك أن تقولها في العدة، تطمئن هي من جهة أما كطلب رسمي فلا.
لا تطلب المرأة للزواج إلا بعد انقضاء عدتها.
ويحرم عليه أن يخطب على خطبة أخيه، فلان طرق هذا البيت وخطب ابنتهم منهم أنت لا يجوز أن تخطب هذه البنت قبل أن يبت في أمر الأول، فإذا وصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر ذلك أن الخاطب قبله قد اكتسب حقاً فيجب أن يصان، رعاية لحسن العلاقة والمودة بين الناس، قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلاَ يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ))
[ مسلم عن عقبة بن عامر]
وفي حديث آخر رواه البخاري: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث لا يؤخرن؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً))
[الترمذي عن علي]
و : (( إذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ))

السعيد
09-19-2018, 07:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع :المحرمات من النساء





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ضرورة معرفة الله و معرفة أمره :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وما زلت أقول وأكرر: إن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله هو الحلال والحرام، لأنك إذا عرفت الله تشعر بدافع قوي إلى أن تتقرب إليه، كيف تتقرب إليه؟ بطاعته، كيف تطيعه؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4938/ar-4938/01.jpg
بمعرفة أمره، فمعرفة أحكام الفقه تأتي في الدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، ولكن أيها الأخوة هناك مقدمة أبدأ بها حديثي عن موضوع الزواج، هذه المقدمة هو أنه لابد من معرفة الله، ولابد من معرفة أمره، معرفة أمره من أجل التطبيق، ومعرفة الله من أجل أن تطيعه، لكن معرفة الله كما يقول العلماء لها مصادر ثلاثة؛ وأنا كثيراً ما أردد هذه المصادر، خلقه يدلك عليه، وأفعاله تدلك عليه، وأمره ونهيه يدلانك عليه، فكل الأحداث التي تجري أمامك إنما هي من أفعال الله، ولكل حدث حكمة ما بعدها حكمة، خلق هذا الكون الذي أمامك بسماواته وأرضه والأرض وما فيها من نبات وحيوان وإنسان.
فخلقه يدل عليه هذا مصدر، أفعاله تدل عليه، طبعاً طالبني بالدليل قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 11 ]
الأمر أن تنظر، لذلك المؤمن الصادق لا يستمع إلى قصة إلا ويدقق في حكمتها. أفعال الله عز وجل وحدها يمكن أن تنبئ الإنسان بالحقائق :
أخوتنا الكرام: إذا قصة فيها ظلم شديد ولم يتضح لك وجه الحكمة فيها، عرفت فصلاً وغابت عنك الفصول الأخرى لا ترويها للناس قصة ناقصة، هذه القصة لا تفيدهم بل تحيرهم، الله عز وجل أفعاله كلها حكيمة، ومعنى أنه حكيم أن كل شيء وقع لو لم يقع على النحو الذي وقع لكان نقص في حكمة الله، فأنت لا تروي القصة إلا إذا تأكدت من كل فصولها، لأن هذه القصة تبرز حقيقة إيمانية، أو تبرز شرحاً لآية كريمة، أو تجسيداً لحديث شريف، أفعال الله تدل عليه.
والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في هذا الدين كتاب ولا سنة، لو أنك نظرت فيما يجري في الأرض على مستوى جماعي، وعلى مستوى فردي، كل حدث يقع وراءه حكمة ما بعدها حكمة، لو أن الإنسان باحث اجتماعي، ومنظر، وعنده نفس طويل، وعنده باع طويل، في تتبع الأحداث، لاكتشفت القوانين تلو القوانين من أفعال الله عز وجل، فأفعال الله عز وجل وحدها يمكن أن تنبئكم بالحقائق، مثلاً تتبع الشاب المستقيم كيف أن الله يوفقه بعمله، وفي زواجه، وفي صحته، وفي مكانته، ترى أن كل هذه القصص تجسدها الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
[سورة النحل الآية : 97 ]
تتبع أناساً أعرضوا عن الله، أعرض عن ذكر الله، ألقى الدين وراء ظهره، آمن بالمادة، آمن بالواقع، انغمس بالملذات، إن لم تجده أشقى الأشقياء فهذا الدين باطل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾
[سورة طه الآية:124]
الإنسان إما أن يتعامل بالأفكار المجردة وإما أن يتعامل بالحوادث :
هذه النقطة أحبّ أن أوضحها لكم، لا تروي قصة لا تعرف كل فصولها، إنك إن فعلت اجترأت على الحقيقة، يوجد فصل لا تعرفه، هناك فصلان لا تعرفهما، هناك تسعة فصول لا تعرفهم، لم تعرف إلا الفصل الأخير، ويبدو أن هذا الفصل الأخير فيه ظلم ما بعده ظلم، فإذا رويت هذه القصة على أنها قصة غريبة ماذا فعلت أنت؟ أنت لم تفعل شيئاً بل خربت، وهدمت، لأن الإمام الغزالي قال: "لأن يرتكب العوام الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون"، يروي لك قصة كلها ظلم، ويقول لك: هذا ترتيبه، ويقول أيضاً: سبحان الله،
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 180 ]
أنا أحياناً أتابع بعض القصص في الصحف اليومية يعجبني من هذه القصص أن الجريمة حينما يكتشف القاتل تروى في الصحف، العدالة تأخذ مجراها، في بعض البلاد تقع الجريمة توصف كل تفاصيلها دون أن يعثر على القاتل، هذا يوقع القارئ في قلق، لأن هناك ظلماً، أما هنا ففي صحفنا زاوية الحياة الاجتماعية، أن الجريمة ما لم يكتشف مرتكبها لا تنشر إلى أن يكتشف تنشر، هذا يبعث الطمأنينة.
الإنسان إما أن يتعامل بالأفكار المجردة، وإما أن يتعامل بالحوادث، وهناك قصص لها أسلوب تربوي رائع، والمستمع لا يشعر ولا يقصد ولا يدري أنه تلقن عشرات المبادئ من خلال القصة، لذلك قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة يوسف الآية: 111]
المستقبل للحق و للمؤمنين :
المؤمن الصادق إذا أراد أن يرسخ الحق في النفوس هناك قصص نموذجية، إذا وصلت إليه قصة نموذجية في تفسير آية، نموذجية في إيضاح حديث، يجب أن يكتبها، وأن يحفظها، وأن يتلوها، لأن هناك مناسبات تجلس مع أناس ليسوا مستعدين لتلقي العلم المجرد أن تأتيه بآية تلو آية، وقال الطبري وقال الزمخشري وقال القرطبي... هناك أناس ليسوا مستعدين لسماع هذه العلوم المجردة المفعمة بالأدلة والبراهين، يضجر، فيمكن أن توصله لما تريد من خلال قصة ممتعة تشده إليها، تشرئب عنقه إليك، يستمع إليك، من خلال هذه القصة تسري كل المبادئ التي تريدها، لذلك مثلاً لا إله إلا الله كلمة التوحيد وردت في كتاب الله بشكل مباشر قال تعالى:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[سورة محمد الآية : 19 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4938/ar-4938/02.jpg
وقد وردت في أكبر قصة في كتاب الله قصة سيدنا يوسف، لو أن كل القصة قرأتها، وتبصرت في مدلولاتها، وتعمقت فيها، لا تجد إلا لها مغزى واحداً وهو لا إله إلا الله والمغزى الله ذكره صراحة قال تعالى: ﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف الآية :21 ]
أمره هو النافذ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، اليوم في درس الطاغوسية ذكرت آيتين الآية الأولى قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[ سورة آل عمران الآية :12]
الآية الثانية قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 105]
المستقبل للحق، والمستقبل للمؤمنين، وربنا قال: العاقبة للمؤمنين، فكل ما يشاع أنه لن تقوم للدين قائمة، والعالم كله يحارب الدين، هناك حرب عالمية ثالثة ضد الدين، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر. كتاب الله عز وجل يثبت قلب المؤمن :
المؤمن ما الذي يثبت قلبه؟ كتاب الله، كلام خالق الكون، يقول لك: كذا وكذا، لذلك قال تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) ﴾
[سورة الأنعام الآية: 115]
أوجه تفسير هذه الآية أن كتاب الله جلّ جلاله من دفته إلى دفته لا يزيد عن خبر وأمر، فالخبر صادق والأمر عادل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 115]
ٍ
هذا الكلام كله في الفقرة الثانية من المقدمة، إذا أردت أن تعرف الله لك أن تفكر في خلقه، في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[سورة آل عمران الآيات:190-191]
وإذا أردت أن تعرفه من طريق آخر، من باب آخر، من مصدر آخر، فعليك بأفعاله، أفعاله تنبئ عنه، قل سيروا في الأرض ثم انظروا، قصة سمعتها، حادث سمعته لا ترويه ما لم تستكمل كل الفصول، إذا استكملت كل الفصول القصة تصبح صارخة في تجسيد آية، أو حديث. عظمة الخالق المشرع من خلال التشريع :
طبعاً أنا أريد الفقرة الثالثة درسنا في الحلال والحرام، وإذا أردت أن تعرف الله لك أن تدرس أمره وشرعه لا دراسة تطبيق بل دراسة تأمل، مثلاً ممكن أخ كريم ناجح نجاحاً بالغاً في زواجه، ولا يحتاج هذا الأخ إطلاقاً إلى أحكام الطلاق، ولا لأحكام العدة، ماذا يفيده أن يقرأ أحكام الطلاق؟ إذا تأملت في شرع الله عز وجل لا من أجل تطبيقه بل من أجل أن تكشف عظمة هذا التشريع، عظمة الخالق المشرع من خلال التشريع، صار للتشريع وظيفتان، وظيفة تطبيقية: إذا طبقناه سلمنا وسعدنا، وله وظيفة تعريفية بالله عز وجل .
عندما الإنسان يحضر مجلس علم وهناك أحكام شرعية، يقول: أنا لست بحاجة إلى أحكام شرعية، أنا لست بحاجة إلى أن أطلق، ما علاقتي بالطلاق؟ لا، الآن علاقتك بأحكام الطلاق لا من أجل أن تطلق، بل من أجل أن تكشف عظمة المشرع من خلال هذا التشريع.
قرأت خبراً صغيراً أن في الصين الشعبية صدر قانون يجبر الأسرة على إنجاب ولد واحد، سبحان الله! وأنا لا أشعر من حين لآخر أطلع على صحيفة يومية أرى خبراً متابعاً لهذا الخبر، بعد حين قرأت خبراً آخر أنه صارت الأسرة إذا أنجبت أنثى تخنقها وتقتلها من أجل أن يكون ولدها الوحيد المسموح به ذكراً، فإذا أنجبت ولداً ذكراً سجلته في السجلات الرسمية، هذا الخبر الثاني، أما الخبر الثالث فأعطيت تعليمات للمستشفيات في الصين، لا يجوز للزوجين أن يختبرا نوع الجنين عن طريق الكومبيوتر، تحليل السائل الأمنيوسي، الناس الأغنياء يحللون سلفاً فيجرون عملية الإجهاض من أجل أن يأتي الولد ذكراً ثم تابعت الخبر، هناك خبر رابع نشأت عصابات في الصين بخطف الفتيات في سن الزواج، آخر خبر تابعته في سنة ألفين أن هناك خمسين مليون شاب ليس لهم أنثى في الصين.
الإنسان حينما يشرع يخرب وهو لا يدري :
لاحظ عندما إنسان يقترح تشريعاً وهو بعيد عن تشريع السماء، خمسون مليون إنسان ليس لهم نساء، عصابات لخطف الفتيات من الطرقات في سن الزواج، قرى بأكملها ليس فيها إلا الذكور الآن، الفتيات تقتل كما كانت تقتل بالجاهلية من أجل أن يسجل الذكر الوحيد في السجلات الرسمية، الإنسان عندما يشرع ماذا نتج عن ذلك؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4938/ar-4938/03.jpg
حدثني صديق كان في بلد عربي، هذا البلد ألزم الزوج إذا طلق زوجته أن يعطيها نصف ممتلكاته، فقال لي- وهو ابنته هناك متزوجة-: حلّ السفاح مكان النكاح، الإنسان له ثروة، وله أراض وبيوت، وليس مستعداً إذا نشب خلاف بينه وبين زوجته أن تمتلك نصف أملاكه، لها مهر، ولها الحق به، أما أن تمتلك نصف المعمل فقال لي: صار الآباء يغرون خاطبي فتياتهم بسندات أمانة بمبالغ فلكية، هذه السندات إذا طالبناكم وفق القانون بنصف الممتلكات طالبونا بهذا السند، ولكن تعالوا وتزوجوا بناتنا، الإنسان حينما يشرع يخرب وهو لا يدري.
أحياناً أسعار السيارات تفاقمت كثيراً، ارتفعت فمنع بيع السيارات، طبعاً يوجد استثناء بين الزوج وزوجته ممكن، فشهدت هذه البلدة عقود زواج صورية من أجل بيع سيارة وصار مآس، امرأة غنية جداً تزوجت بعقد وهمي زوجاً من أجل أن تشتري سيارة منه، فاكتشف الزوج أنها غنية جداً فلم يطلقها، إذا الإنسان شرع مشكلة كبيرة جداً، وهذا التشريع لم ينجح، وإنما ألغي، كل شيء غير صحيح لا يستمر، هناك كلمة يقولها العامة: لا يصح إلا الصحيح، يلغى، يعدل، يبدل، فهذه المقدمة أردتها أنك ينبغي أن تعرف الله أولاً، لأن ما قيمة أن تعرف أمره ونهيه وأنت لا تعرف الأمر؟ الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر لا يطبق الأمر، يحتال عليه، أو يطبقه تطبيقاً شكلياً، الإنسان إذا أراد أن يوظف يحتاج إلى حسن سلوك، يوجد في الحي مختار، وهذا المختار مطلع على كل الأسر، ويعرف مداخلها ومخارجها، فإذا أعطى إنساناً حسن سلوك، أي أن هذا الإنسان عظيم، الآن أي إنسان يأخذ حسن سلوك من المختار دون أن يعرفه، هذه الورقة لا معنى لها فرغت من مضمونها، أحياناً الشيء يفرغ من مضمونه كلياً، أنا أريد من هذه المقدمة أن أصل إلى أنه إذا تأملت في شرع الله لا بنية تطبيقه قد لا تحتاج هذا الموضوع، ولكن بنية أن تعرف المشرع، وعظمة هذا المشرع من خلال هذا الشرع، الإسلام كالطود الشامخ، ألف وخمسمئة عام أحكامه باقية بقاء الكون لأنه من عند الصانع.
الدين الإسلامي دين راسخ كالطود الشامخ :
هناك نقطة دقيقة: الإسلام لأنه تشريع خالق الأكوان فهو باق و مستمر، أما أي نظام آخر، أي نظام وضعي آخر، مهما عمّر في النهاية يتهاوى و يسقط، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
[سورة الإسراء الآية: 81]
ونحن في هذه الحقبة رأينا بأم أعيننا كيف أن مذاهب انتشرت حتى غطت ثلثي الأرض وبعد ذلك تهاوت كبيت العنكبوت: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
[سورة الإسراء الآية: 81]
أكبر نعمة من فضل الله علينا أنا مع الحق، والحق لا يتأثر، لم تزده الأيام إلا إشراقاً.
أيها الأخوة: لولا أن هذا الدين دين الله لألغي من ألف سنة، تلاشى، لذلك هو كالجبل الشامخ، كم فئة أرادت أن تطفئ نور الله عز وجل؟ أرادت أن تقتلعه من جذوره؟ أرادت أن تفجره من داخله؟ أن تمحوه؟ محيت هي وبقي الحق شامخاً، لذلك هذا الدين من يحاول إطفاء نور الله كمن يحاول إطفاء النار بالزيت، يزيده قوة إلى قوته. يحرم على المسلم أن يتزوج من إحدى النساء الآتي ذكرهن :
وصلنا في الدرس الماضي إلى المحرمات من النساء، شيء بديهي لا أحد يأخذ أمه، لكن درسنا الآن ليس أحكاماً شرعية، الحكم من الأحكام، يحرم على المسلم أن يتزوج من إحدى النساء الآتي ذكرهن:
أولاً: زوجة الأب سواء أطلقها أو مات عنها، سواء أكانت على عصمته، أو طلقها، أو مات عنها، يحرم على المسلم الزواج من زوجة الأب، وهذا الزواج كان في الجاهلية جائز فأبطله الإسلام، لأن زوجة الأب لها مكانة الأم، توفيت الأم فحلت هذه الزوجة محل الأم، إذاً هي في مقام الأم، الزواج منها يسيء إليها.
الإسلام فيه ذكر وأنثى، لكن الأنثى هناك زوجة وهناك أم وأخت وبنت، أعطى الإسلام قدسية للأم والبنت والأخت، سبحان الله! لعل لهذا تفسيراً علمياً، الإنسان لا يشتهي أخته إلا إذا كان شاذاً يعيش في الغرب، هذا موضوع ثان، أما الإنسان السوي فلا يشتهي أخته، ولا أمه، يوجد موانع طبيعية، وأنا أكاد أن أقول: موانع فيزيولوجية، إما اتحاد الدم لا أدري، إلا أن هذا الشيء ثابت.
الإسلام حرم زوجة الأب رعاية لحرمتها ولحرمة الأب.
الأم والجدة مهما علت من قبل الأب أو الأم، والبنت ومثلها بنت ابنته مهما امتدت الفروع والأصول.
والأخت سواء أكانت شقيقة أو أختاً لأب أو أختاً لأم، والعمة أخت الأب شقيقة كانت أو شقيقة لأب أو أم، والخالة أخت الأم أو الخالة لأم أو الخالة لأب، عندنا خالة شقيقة أو خالة لأب أو خالة لأم، الخالات و العمات والبنات والأمهات وبنات الأخ وبنات الأم مذكورات في الآية.
هؤلاء القريبات يطلق عليهم الإسلام لفظ المحارم، لأن هذه المحارم محرمة على الإنسان حرمة أبدية، أما يوجد محرمات حرمة مؤقتة فأخت الزوجة محرمة عليه لكنها حرمة مؤقتة، ف لو أن زوجها طلقها تحل لك من بعده.
الأم والجدة وإن علت من قبل الأب أو من قبل الأم، والبنت ومثلها بنت البنت، ومثلها بنت ابنه وبنت ابنته مهما امتدت الفروع، والأخت شقيقة كانت أو أختاً لأب أو أختاً لأم، والعمة أخت الأب شقيقة أو لأب أو لأم، أخت والده أو من أمه، أخت والده الشقيقة هذه عمة، والخالة أخت الأم شقيقة كانت أو لأب أو لأم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، هؤلاء النسوة هن المحارم التي حرم الله الزواج منهن على التأبيد في كل الأحوال.
الرجل الذي يمت لهن بهذه الصلة اسمه محرم، هن محارم وهو محرم عليهن.
بعض الحكم التي استنبطها العلماء من هذا التحريم الأبدي :
الآن هناك بعض الحكم التي استنبطها العلماء من هذا التحريم الأبدي، درسنا اليوم ليس له صبغة تشريعية، صبغة حكمية، لكي تعرف عظمة المشرع، هل تصدقون أن بعض الحيوانات لا يمكن أن تقترن اقتراناً جنسياً ببناتها أو أخواتها.
هؤلاء الذين يفعلون زنا المحارم في الغرب هؤلاء ليسوا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً كما قال الله عز وجل، فالأخوة الذين درسوا علوماً طبيعية يعلمون علم اليقين أن هناك حيوانات لا يمكن أن تقترن اقتراناً جنسياً بما يسمى عندهم محارم، لا يمكن، فما بالك بشيوع زنا المحارم في بلاد الغرب؟ هذا خلاف الفطرة، خلاف الطبيعة البشرية، لكن هذا ليس مستبعداً قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة الآيات: 6-7]
تصور أحقر حيوان في الأرض الإنسان الكافر أحقر منه. فاعل الخير خير من الخير وفاعل الشر شرّ من الشر :
لذلك مرّ معي أن فاعل الخير خير من الخير، تصور عملاً عظيماً، رجل بنى مستشفى تتسع لألف سرير، وأتى لها بأعلى الأطباء مجاناً لكل فقير، هذا عمل عظيم، كلف آلاف الملايين، الذي فعله أفضل عند الله من هذا الفعل لماذا؟ لأن هذا الفعل بشكل أو بآخر ينتهي مع يوم القيامة، لكن الذي فعل هذا الفعل يسعد به إلى أبد الآبدين، الفكرة دقيقة، مهما كان العمل الطيب عظيماً هذا العمل ينتهي مع انتهاء الحياة الدنيا، هذا أبعد تقدير، لكن الذي فعل هذا العمل العظيم تنتهي الدنيا وتبدأ سعادته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4938/ar-4938/04.jpg
فأيهما أعظم فعل الخير أم فاعل الخير؟ الفاعل.
وفاعل الشر شر من الشر، فيما أذكر قبل سنوات احتفل باليابان بنهاية آثار القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما ونكازاكي، انتهت الآثار، الذين ماتوا ثلاثمئة ألف إنسان، ماتوا في خمس ثوان، هذه أول قنبلة ذرية ألقيت في أواخر الحرب العالمية الثانية، لو أن هذه القنبلة لم تلق لكان كل الناس الآن قد ماتوا بشكل طبيعي، معنى هذا أن هذه الجريمة الكبيرة وقعت وانتهت آثارها، لو لم تقع لمات الذين قتلوا موتاً طبيعياً، لكن هذا الذي أمر بإلقاء هذه القنبلة هو فاعل شر، تنتهي الحياة الدنيا ويأتي يوم القيامة ويبدأ شقاؤه إلى أبد الآبدين، لذلك: فاعل الشر شر من الشر.
سمعت أن الطيار الذي ألقى القنبلة أصيب بمرض في عقله، لم يتحمل عذاب نفسه لأنه ساهم بقتل ثلاثمئة ألف إنسان في خمس ثوان، طبعاً الله عز وجل قال: قاتلوا الذين يقاتلوكم، المقاتل يقاتل أما الطفل البريء، المرأة في البيت، في كل الأعراف الدولية قتل المدنيين جريمة.
ذكرت أن فاعل الخير خير من الخير، وأن فاعل الشر شر من الشر، فالحياة كلها تزول و يبقى فيها العمل الصالح، لذلك هنيئاً لمن ركز كل نشاطه، وكل وقته، وكل جهوده، وكل طاقاته، على عمل يرضي ربه. شعور الإنسان أن الله راض عنه شعور لا يقدر بثمن :
أخواننا الكرام: شعور الإنسان أن الله راض عنه هذا الشعور لا يقدر بثمن، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
[سورة النحل الآية : 97 ]
شعورك أن الله عز وجل الذي خلقك راض عنك لا يقدر بثمن، شيعت جنازة وضعوا قرآناً في مركبة النعش جاءت الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾
[سورة الأعلى الآية: 25]
وهذه الجنازة تمشي من البيت إلى القبر، ما وجدت آية أقرب إلى هذا الوضع من هذه الآية، كل واحد منا مهما طال به العمر، مهما اشتدت قوته، مهما علا شأنه، مهما لمع ذكره، مهما تألق نجمه، لابد من أن يأتي إلى القبر: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾
[سورة الأعلى الآية: 25]
الحقيقة مع أن الطبع البشري يأبى أن يميل إلى هذه المحارم، لكن لولا أن الله حرم منهن الزواج على التأبيد، لكان عندنا مشكلة، يوجد اختلاط دائم، في البيت والدته، وأخته، وابنته، لولا أن الطبع البشري يأبى، والشريعة قطعت بهذا الأمر، لكان هناك فساد عريض ما بعده فساد، سبحان الله تجد الأم مقدسة، والبنت مقدسة، والأخت مقدسة، ولا يخطر في بال الإنسان السوي طبعاً أي خاطر جنسي تجاه هذه المحارم، يقول لك: خالتي مثل والدتي، عمتي مثل والدتي، ابنتي، أختي، بنت ابني، بنت ابنتي، هذه الخواطر بريئة وراقية تجاه المحارم. على الإنسان أن يؤدي الذي عليه و يطلب من الله الذي له :
هناك طبع وهناك تحريم، بين الإنسان وبين هذه المحارم مودة ومحبة، لو أن الإنسان سمح بالزواج منهن لضاقت دوائر المودات، أنت عندك خمسة شباب مضطر شئت أم أبيت أن تصاهر خمس أسر، مصاهرة ويصبح مودة ومحبة ولقاء، وشعور أن صار فلان صهرنا، وهذه كنتنا، الزواج من دوائر أوسع من دوائر المحارم ينمي العلاقات الاجتماعية.
سبحان الله! عندما يصبح زواجاً يصبح مودة، ومحبة، وتعاون، وألفة، والله عز وجل قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾
[سورة الروم الآية: 21]
أخواننا الآباء يعرفون هذه الحقيقة، الفتاة أغلى شيء عليها في الحياة والدها وأمها، فإذا خطبت أغلى إنسان في الوجود هو زوجها، وتتمنى أن تأخذ كل شيء من بيت أهلها إلى بيت زوجها، هكذا طبيعة الفتاة، لذلك النبي الكريم حينما سئل: (( مَن أعظم الرجال حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، فلما سئل: مَن أعظم النساء حقاً على الرجل؟ قال : أمه ))
[ الجامع الصغير عن عائشة ]
قاعدة مهمة جداً، أعظم امرأة في حياتك أمك، أعظم رجل في حياتك أيتها الأنثى زوجك، هذا هو النظام الإسلامي.
أنا لا أرى جريمة أكبر من الذي يبالغ في إكرام زوجته ويبالغ في عقوق أمه التي أنجبته، وإذا كان هناك خطأ من الأم، الأم غير معصومة، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، أنت عاملها كأم وانتهى الأمر وعلى الله الباقي.
هناك رجل شكا للنبي عقوق ابنه، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام من شدة تأثره، ألقى أمامه قصيدة شعرية، وذكر له عقوق ابنه. التباعد أفضل طريقة لتحسين النسل :
هناك نقطة دقيقة جداً في العلوم أن البويضة والحوين يتلاقحان، على البويضة مورثات، وعلى الحوين مورثات، معي معلومات دقيقة أن على البويضة خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، و على الحوين خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، لكن نحن لو أخذنا المورثات بشكل عام، هناك مورثات في الذكر والأنثى، هذه المورثات مع التباعد يأتي المولود قوي البنية، لأن الأقوى في المورثات يغلب الأضعف، أما مع التقارب فالضعف يزداد، لذلك أنا أذكر أنه عقد في الشام أسبوع علم، واستقدم القائمون على هذا الأسبوع علماء من معظم البلاد المتقدمة علمياً، وكان الموضوع الرئيس في هذا الأسبوع: تحسين النسل، وكل عالم أدلى بدلوه في هذا الأسبوع، أذكر أن هذا الأسبوع من عشر سنوات أو أكثر وكان أحد كبار الأطباء - وهو عضو في المجمع العلمي العربي توفي رحمه الله - بعد أن سمع كل هذه المحاضرات التي جاء بها الأطباء من شتى بقاع الأرض، وبينوا بحسب علمهم وخبراتهم وأحدث الطرق العلمية طرائق تحسين النسل، قام رئيس مجمع اللغة العربية وهو طبيب وألقى كلمة مختصرة قال: كل هذه الكلمات يلخصها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغتربوا لا تضووا))
[قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلاً معتمداً. قلت: إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب "قد أضويتم فأنكحوا في النوابغ" رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وقال معناه تزوجوا الغرائب قال: ويقال: اغربوا لا تضووا]
إذا الإنسان بعد يأتي النسل قوياً، فإذا اقترب يأتي النسل ضعيفاً، أما إذا اقترب زيادة أخذ أخته من الرضاعة وهو لا يدري، كثيراً ما يصاب المولود بعته، هشاشة بالعظام، بخلل خطير في جسمه، لأن المورثات إذا كان هناك ضعف الضعف يزداد، أما إذا كان هناك تباعد فالجهة الأقوى تغلب الجهة الأضعف، والله أعلم. فوائد الإرضاع الطبيعي :
الآن المحرمات من الرضاع، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب))
[البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس]
قال: هناك شرطان، بالمناسبة وأتمنى أن يكون هذا بين أيديكم، الآن لا أحد يرضع أحداً إطلاقاً، إذا كان هناك حليب بثدي الأم أرضعت ابنها، هناك أسباب كثيرة تمنع الأم عن إرضاع ابنها، طبعاً البديل الحليب الاصطناعي، لكنه ثبت أن معظم حالات سرطان الثدي يصبن به اللواتي لا يرضعن أولادهن، وأن النساء اللواتي يرضعن أولادهن قلّما يصبن بسرطان الثدي هذه واحدة.
الشيء الثاني: أن الإنسان إذا أطعم ولده حليب القوارير - أي حليب البقر- هذا الحليب فيه أربعة أمثال الحموض الأمينية عن التي توجد في حليب الأم، جهاز الهضم والخمائر غير مؤهلة أن تهضم هذه النسبة العالية من الحموض الأمينية، الشيء الذي لا يصدق أن التخلف العقلي أحد ثمار الإرضاع الغير طبيعي، الآفات القلبية والوعائية أحد ثمار الإرضاع الغير طبيعي، آفات الكليتين والكبد أحد أخطار الإرضاع غير الطبيعي، الذي لفت نظري في هذا الموضوع العلمي أن البديل ليس الإرضاع الاصطناعي بل الإرضاع من امرأة أخرى، لذلك ورد في القرآن الإرضاع، والآن شيء معطل كلياً، لا أحد يرضع، البديل الإرضاع الصناعي، حليب القوارير، لكن لو عرفنا أن هذا الشرع من عند خالق الكون، لو فرضنا لسبب أو لآخر الأم توفيت، البديل ليس حليب القوارير، البديل أن تبحث له عن مرضعة، لأن حليب الأم فيه كل مناعة الأم، موضوع طويل عالجته في خطبة، إلا أنه أجريت تجارب لاختبار ذكاء الشعوب، وجد أن بعض الشعوب الفقيرة جداً يتمتع أولادها بأعلى نسبة من الذكاء، بسبب قد لا يخطر على بالكم هو أن كل النساء يرضعن أولادهم إرضاعاً طبيعياً حتى أنه في أقوى بلد في العالم كانت درجة الذكاء سبعاً وعشرين بالمئة لأن الإرضاع عندهم كان إرضاعاً صناعياً. النجدان هدية من الله عز وجل :
ثمانون بالمئة من التخلف العقلي في المجتمعات سببه الإرضاع الغير طبيعي، الله قال:
﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) ﴾
[ سورة البلد]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4938/ar-4938/05.jpg
النجدان هدية من الله عز وجل، ابن عباس قال: "النجدان هما الثديان"، لاحظ طفلاً ولد الآن، لو أصبعك نظيفة جداً وضعتها في فمه تشعر بقوة مص شديدة جداً، من علمه ذلك؟ نحن مر معنا في الجامعة أنه يوجد منعكس واحد يولد مع الطفل اسمه منعكس المص، لولا هذا المنعكس لما كنا في هذا المكان، لا نعيش، كيف تعلم طفلاً ولد الآن أن انتبه يا بني ضع فمك على حلمة ثدي أمك، وأحكم إغلاق فمك، واسحب الهواء، هل تستطيع أن تكلمه هذا الكلام؟ الآن ولِد.
تصور أن هذا المنعكس غير موجود، لا يوجد حياة، المنعكس الوحيد في الجنس البشري منعكس المص، الآن ولد لمجرد أن تضع أصبعك في فمه يسحب بإحكام، الله عز وجل صمم الطفل يرضع من والدته، الحليب في الصيف بارد، في الشتاء دافئ، هل تصدقون أن حليب الأم يتبدل تركيبه في أثناء الرضعة الواحدة هذا ما أثبته العلم.
حليب الأم يتبدل تركيزه وتركيبه في أثناء الرضعة الواحدة، أول الإرضاع أربعة أمثال الماء في نهاية الرضعة أربعة أمثال السكر، كان ممدداً ثم صار مركزاً بالسكر وبالحموض الأمينية، موضوع لا أذكر تفاصيله، ولكن ذكرته في الخطبة بشكل مفصل، معقم فيه كل مناعة الأم، فيه مواد تمنع الالتهاب، أكثر الأطفال الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً معهم التهاب أمعاء مزمن، وعندهم مقاومة هشة للأمراض، وليس معهم مناعة، لذلك الإرضاع هو البديل، حينما يستحيل حليب الأم يصعب أن ترضع الأم ولدها لأسباب كثيرة منها الوفاة، ومنها الطلاق، البديل ليس حليب القوارير ولكن المرضعات، وإن كان الآن هذا الشيء غير مطبق، أما هذا هو الشرع. أحكام الرضاع في الشرع :
لذلك عندنا أحكام الرضاع في الشرع، قال: متى يحكم أن هذا الطفل أخ لهذه الفتاة من الرضاعة؟ قال: إذا رضع في سن الرضاع في العامين الأوليين، لأن الإرضاع التام عامان: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ(233)﴾
[ سورة البقرة]
إذا رضع الطفل من ثدي أم خمس رضعات مشبعات، أي أن الطفل يرضع ويرضع حتى يدع الثدي من تلقاء نفسه، لو أنه أرضع ونزع عن ثدي أمه هذه ليست برضعة، الرضعة المشبعة هي التي يرضع منها الطفل من ثدي هذه المرأة حتى يبعد فمه عن ثديها من تلقاء ذاته، خمس رضعات مشبعات في السنتين الأوليتين، يقال: هذا الطفل أخ لهذه الفتاة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب ))
[البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس]
صار عندنا أخت من الرضاع، وأم مرضعة، وعمة من الرضاع، وخالة من الرضاع، كل النسبيات يقاس عليهن المرضعات. المحرمات بالمصاهرة :
المحرمات بالمصاهرة؛ أم الزوجة هذه يحرمها الإسلام على التأبيد بمجرد العقد على ابنتها، ولو لم يدخل بها لأنها تصبح للرجل بمنزلة أمه، أنا مرة قلت في عقد قران أن الإنسان له ثلاثة آباء؛ له أب أنجبه، وأب زوجه، وأب دله على الله، الحقيقة أن كل إنسان يسيء إلى عمه أنا أعده إنساناً غير سوي، لأن هذا العم ربى لك هذه الفتاة حتى أصبحت في سن الزواج أتكافئه على ذلك بالإساءة إليه؟ يقاس على هذه المقولة كما أن للإنسان أباً أنجبه وأباً زوجه وأباً دله على الله، أم زوجته بمثابة أمه، لذلك هناك أصهار يتفننون بالإساءة لحماتهم لماذا؟ هذه أم زوجتك، إذا تكلمت زوجته كلمة عن أمه يقيم عليها القيامة، أما إذا قضى سهرة بأكملها يتكلم عن أخطاء أم زوجته فلا شيء عليه، هذا تناقض في الإنسان المؤمن، الكامل يرعى حرمة أم زوجته، بصرف النظر عن وضعها معه، هذه أم زوجتك عليك أن تحترمها، وعليك أن تبجلها، وأن تعاملها كأمك، والشرع هكذا فعل لمجرد أن تعقد العقد على ابنتها أصبحت محرمة حرمة أبدية ولو لم تدخل بها، عقد فقط ثم صار هناك طلاق أصبحت بمثابة الأم.
الآن الربيبة بنت الزوجة، إنسان تزوج زوجة ولها بنت هذه ربيبة بمثابة ابنتك لا يجوز الزواج منها محرمة، لكن سبحان الله الحكم الشرعي أنها لا تحرم على الزوج إلا إذا دخل بأمها، أما إذا لم يدخل فله أن يتزوج منها، والتفسير دقيق جداً: الأم أحياناً لو أن الزوج لها ثم اختار ابنتها لا تحقد على ابنتها أما العكس فغير صحيح، لو أن الزوج للبنت ثم اختار الأم تحقد على أمها، فلمجرد أنه عقد على البنت تحرم أمها على التأبيد، أما العقد على الأم فلا يحرم البنت إلا بعد الدخول بها، اللاتي دخلتم بهن، الآية الكريمة .
وحليلة الابن، طبعاً الابن الصلب، أما المتبنى فالإسلام أنهى هذه العادة السيئة بالتبني، أنا لا أقول عادت هذه العادة، ولكن إذا قال لك إنسان: هذه مثل أختي لا تصدقه، الأجنبية أجنبية، والأم أم، الله عز وجل أمر نبيه الكريم السيد العظيم أمره أن يتزوج زوجة متبناه ليبطل هذه العادة نهائياً، وكان عليه حرج شديد، حتى أن الله كأنما عاتبه قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
شيء كبير جداً المتبنى في الجاهلية ابن، وهذه زوجة الابن، فالنبي أمر أن يتزوج زينب زوجة متبناه زيد، كان زيد اسمه زيد بن محمد، لذلك العجيب أن في القرآن كله ما ورد اسم صحابي على الإطلاق إلا زيد لماذا؟ قال: تكريماً له، لأن الله عندما منع التبني كان اسمه زيد بن محمد فصار اسمه زيد بن حارثة، حرم هذا النسب الشريف فعوضه الله في القرآن الكريم بأن ذكر اسمه يتلى إلى يوم القيامة. تحريم الجمع بين الأختين :
لكن أريد أن أبين أن المحارم النسبيات غير المحرمات بالمصاهرة، يوجد فرق أي زوجة الأب لا يجوز الخلوة بها، أحياناً يكون الابن من سن زوجة أبيه، كذلك زوجة الابن لا يجوز الخلوة بها، هناك ترتيب؛ أول بند: الزوجة لا يوجد أي قيد أو شرط، محارم النسب، محارم المصاهرة، محارم المصاهرة لا يجوز الخلوة بهم، مما حرمه الإسلام على المسلم وكان هذا في الجاهلية مشروعاً الجمع بين الأختين، أقدس علاقة بين إنسانيين الأخوات، لو أن إنساناً تزوج أختين سوف يكون هناك منافسة، وحسداً، ومشادة، وبغضاء، كما بين الضرائر دائماً، نكون حطمنا هذه العلاقة المقدسة لذلك الله عز وجل حرم الجمع بين الأختين، وكان هذا في الجاهلية قائماً يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[ سورة الحشر الآية: 7 ]
النبي عليه الصلاة والسلام قاس على الجمع بين الأختين والجمع بين الزوجة وعمتها، والزوجة وخالتها، قال: إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم.
من المحرمات المتزوجات المرأة المتزوجة لا تحل لك إلا أن تزول عنها يد الزوج بموت، أو بطلاق، وأن تستوفي العدة التي أمر الله بها، وفاء لحق الزوجية، وبراءة للرحم.

السعيد
09-19-2018, 07:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : العلاقة بين الزوجين





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من سعادة الإنسان أن تأتي مقاييسه متوافقة مع مقاييس القرآن :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى العلاقة بين الزوجين وما فيها من الأحكام الشرعية، ولاسيما العلاقات التي حرمها الشارع الحكيم.
أيها الأخوة الكرام: قبل أن أمضي في هذا الموضوع أريد أن أضع بين أيديكم هذه المقدمة، من سعادة الإنسان أن تأتي مقاييسه متوافقة مع مقاييس القرآن، أن تأتي حياته متوافقة مع التصميم الإلهي، الله جلّ جلاله حينما صمم الذكر والأنثى، حينما شرع لنا الزواج، ماذا أراد من هذا الزواج؟ أراد الوفاق، أراد المودة، أراد السكنى، قال تعالى:﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾
[سورة الروم:آية 21]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/01.jpg
الإنسان الموفق هو الذي يسعى لتوفيق زواجه وفق المخطط الإلهي، في النهاية أسعد الناس هم الذين توافقت حياتهم مع منهج الله، توافق زواجه، عمله، علاقاته، نشاطاته، حركته، هذه الحركة إن إلى الزواج، أو إلى العمل، أو إلى الراحة، أو إلى اللهو المباح البريء، حينما تأتي علاقات الإنسان، ونشاطاته، وحركته في الحياة، متوافقة مع منهج الله عز وجل فهذا من السعداء لأنه صار في انسجام و تناغم.
كيف أن السيارة الحديثة جداً لو سارت على طريق صخري، حفر، وصخور، وتلال، ووهاد، وأطيان، وغبار، كل ميزاتها تفقدها بهذا الطريق، أما إذا سارت على طريق معبد، فتشعر بكل ميزات هذه السيارة، لأن هذا الطريق متوافق معها، هذا الطريق لهذه السيارة، وهذا الطريق لهذه السيارة، فتصور سيارة أحدث طراز تسير في طريق وعر، حفر، صخور، من أسفلها الصخر ارتطم بقاعدتها، أجهزتها تعطلت، مكابحها تأثرت، أما حينما تسير هذه السيارة على طريق معبد فتقول: هذه السيارة لهذا الطريق، وهذا الطريق لهذه السيارة، هناك شيء دقيق جداً وهو أن طبيعة النفس البشرية متوافقة مع الشريعة، فكل إنسان عرف الله، وطبق منهجه، يشعر براحة هي راحة التوافق. المؤمن يتحرى أن تأتي علاقاته متوافقة مع منهج الله عز وجل :
هذه النفس مصممة لهذه الشريعة، لذلك الإنسان إذا ابتعد عن هذه الشريعة يشعر بفراغ، و قلق، و ضياع، و خوف من المستقبل، و شعور أنه مكشوف شعور بالخطر المستمر، أما حينما يؤمن، وحينما يتوب، فيشعر بالانسجام والتوافق، فلذلك الله عز وجل شرع لنا الزواج، مثلاً قال تعالى:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
[سورة النساء:آية 34]
الزوج المؤمن جعل هذه الآية متوافقة مع طبيعته، الله عز وجل أراد من هذا الزواج أن يكون الزوج هو القيم، القوامة للزوج لا للزوجة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[سورة النساء:آية 19]
ينبغي أن تكون المعاشرة كذلك، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾
[سورة النساء:آية 19]
المقدمة أن المؤمن يتحرى أن تأتي علاقاته متوافقة مع منهج الله عز وجل. الله عز وجل جعل الزواج تلبية للحاجة التي أودعها في الإنسان :
الآن العلاقة بين الزوجين: الحقيقة شئنا أو أبينا، أحببنا أم كرهنا، الله جلّ جلاله أودع في الإنسان حاجة إلى الجنس الآخر، اعترفت أم لم تعترف، هي واقعة، الإنسان بحاجة إلى امرأة، والمرأة بحاجة إلى رجل، وما خلق الله هذه الحالة المتبادلة إلا ليكون الزواج.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/02.jpg
التخطيط الإلهي أو منهج الله يتطلب أن تلبى هذه الحاجة ضمن الزوجية، في النكاح لا في السفاح، الفساد في العالم أساسه أن هذه الحاجة تلبى ولكن في السفاح لا في النكاح، تبتغى في الملاهي، في النوادي، في الزنا، في بيوت الدعارة، أما المؤمن فهذه الحاجة لا يصرفها إلا في القناة التي شرعها الله عز وجل.
أريد موضوعاً أكبر من درسنا، أنه أنت من علامات التوفيق أن تبحث عن التخطيط الإلهي، الله عز وجل شرع لنا الزواج، أعطانا في كتاب الله بعض مواصفاته، فكل واحد منا مكلف أن يسأل نفسه هذا السؤال: هل زواجي وفق المواصفات التي وردت في كتاب الله؟ وكل شيء ممكن بتوفيق الله، لا تقل: هذا فوق طاقتي، استعن بالله ولا تعجز، لا تقل: هذا فوق طاقتي، لأن الله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها، الله عز وجل جعل الزواج تلبية لهذه الحاجة التي أودعها في الإنسان، لها عندك حاجة ولك عندها حاجة.
أهداف الزواج :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/03.jpg
هناك هدف أبعد؛ المصاهرة تقرب بين القبائل، والعشائر، والأسر، المصاهرة من الانصهار، هاتان الأسرتان عن طريق الزواج تلتئمان، تتقاربان، لهم من هذه الأسرة صهر ولهم من هذه الأسرة صهرة-الصهرة تؤنث-.
فضلاً عن أن الزواج يلبي هذه الحاجة الفطرية، الزواج يؤلف بين الأسر، بين القبائل، بين الشعوب أحياناً، أحياناً إذا تزوج الملك من شعب آخر يصبح مصاهرة بين الشعبين.
هناك شيء آخر بالزواج؛ هو أن له ثماراً وهي الأولاد، صار الزواج تلبية حاجة، وتقريباً بين أفراد المجتمع، وإنجاب أولاد، وينصب عليهم الحنان والعطف، كل هذا الخير من الزواج، وكل الشر من الزنا.
امرأة قطفت زهرة شبابها وألقيت في الطريق، أما الزوجة فلا تلقى في الطريق، لها زوج، ولها أولاد، ولها بنات، ولها أصهار، وكلما تقدم بها العمر ازدادت رفعة.
الآية التالية أصل في العلاقة الزوجية :
لذلك قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾
[سورة الروم:آية 21]
هذه الآية شعار ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾

هل الزوجة سكن للزوج أم أنها مبعث الضجر؟ يقول لك: بيتي جحيم، سعادتي أن أخرج من البيت، وقد تقول الزوجة: حينما يخرج زوجي أتنفس الصعداء، حالة مرضية ينبغي أن تعالج، الله عز وجل قال: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾
السكون هنا الراحة. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
المودة بالتعريف الدقيق السلوك المعبر عن الحب، الحب كامن في القلب، والمودة سلوك ظاهر، الله عز وجل أشار إلى الدليل على المدلول وجعل بينكم مودة أي سلوك ينم عن محبة في القلب ورحمة، أما الرحمة فدقيقة جداً، الإنسان إذا كانت زوجته كما يتمنى يحبها، أما لو أنها أصيبت بمرض عضال فيرحمها، أنت بين الحب والرحمة، وإن كان الزوج ملء السمع والبصر، مقتدر، غني، طبعاً تحبه، أما إذا افتقر أو مرض فترحمه.
إما أن يكون الحب وإما أن تكون الرحمة، هذه الآية أصل في العلاقة الزوجية: ﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
النقاط الأساسية في العلاقة بين الزوجين :
الآن في العلاقة الحسية بين الزوجين، الإسلام منهج كامل، هذا المنهج يصل إلى أخصّ علاقة بينك وبين زوجتك، الإسلام ليس قضية مبادئ كبرى، مبادئ دولية.
الإسلام مبادئ دولية، على اجتماعية، على نفسية، على خاصة جداً، على حميمة، كلمة حميمة أو علاقات حميمة يعبر بها عن أخص العلاقات، ومنهج الله عز وجل يصل بالمؤمن إلى أخص العلاقات.
ما هو المنهج الإلهي فيما بين الزوجين من علاقة حسية؟ قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
[سورة البقرة:آية 222]
والله أتمنى أن يكون بين يدي عدة مقالات علمية قرأتها عن الأخطار الجسيمة التي تنجم عن الاتصال الزوجي أثناء المحيض، مرة قرأت مقالة -لست متأكداً- أكثر من عشرين بنداً وكل بند أخطر من الثاني.
الله قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
أهل الكتاب فريقان؛ فريق إذا حاضت المرأة أخرجها من البيت، وطردها، ولم يدعها تأكل، وفريق لم يعبأ بحيضها إطلاقاً.
أما الإسلام فوسطي قال: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
ما أمرك أن تعتزل عشرتها، ولا أن تجلس معها، اجلس معها، وكُلْ من طبخها، وسامرها، واسهر معها، ولكن عليك أن تعتزلها في أيام الحيض، وأن تعتزل مكان الحرث فقط، وما فوقه، وما تحته، ليس اعتزالاً كاملاً، قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾
[سورة البقرة:آية 222]
حتى يطهرن، يطهرن الأولى تفيد انقطاع الدم، فإذا تطهرن تفيد الاغتسال، أول طهر: انقطاع الدم، ثاني طهر: الاغتسال، ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾
أنت مأمور أن تأتي من المكان الذي أمرك الله أن تأتيها منه.
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ذاك المكان طاهر، المكان الآخر نجس، هذه العلاقة الحميمة الحسية بين الزوجين تحكمها هذه الآية، عليك أن تتقي المحيض، وأن تتقي المكان الآخر المنحرف، هاتان النقطتان الأساسيتان في العلاقة بين الزوجين. تشريع الله في العلاقة الحميمة بين الزوجين :
هناك توجيه ثان قال تعالى:
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾
[سورة البقرة: آية223]
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾
الحرث مكان الزراعة، مكان الإنبات، وفي المرأة مكان واحد للإنبات، المكان الآخر قذر، الآيات واضحة لكنها لطيفة، وفيها كنايات لطيفة جداً. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾
ليس كالبهائم، هناك تمهيد، وكلام طيب، وسلوك تمهيدي يرقى بالإنسان عن العلاقة البهيمة مع زوجته، هذا تشريع ربنا في العلاقة الحميمة بين الزوجين. المنهج الإلهي فيما بين الزوجين :
1 ـ المودة و الرحمة :
أولاً: العلاقة العامة:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾
[سورة الروم:آية 21]
سكنى ومودة ورحمة. 2 ـ اعتزال النساء في أيام الحيض :
العلاقة الحسية الآية الكريمة:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾
[سورة البقرة:آية 222]
3 ـ الكلام الطيب والأعمال التمهيدية التي ترفع العلاقة بين الزوجين :
الإشارة الثالثة: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾
[سورة البقرة: آية223]
﴿أَنَّى﴾
تفيد الزمان، في أي وقت شئتم، و ﴿أَنَّى﴾
تفيد الكيفية، كيف شئتم، لكن هناك صمام واحد، كيف شئتم في صمام واحد وأنى شئتم في أي وقت. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾
التقديم: الكلام الطيب، والأعمال التمهيدية، التي ترفع هذه العلاقة عن علاقة البهائم، وقال بعض العلماء: إن هذا التقديم له أثر كبير في قوة النسل، هناك سؤال: قد ينجب الإنسان طفلاً متين البنية وطفلاً ضعيفاً ما الذي تغير؟ لعل التقديم ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾
هو سبب لبنية المولود القوية، والله أعلم. ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾
[سورة البقرة: آية223]
4 ـ حفظ أسرار الزوجية :
الأدب الرابع: حفظ أسرار الزوجية: بصراحة سأسمح لنفسي أن أتكلم كلاماً دقيقاً، وأرجو ألا يكون قاسياً، لا يمكن لمؤمن يعرف الله أن يتحدث عن العلاقة بينه وبين زوجته، لأن الله عز وجل وصف المؤمنات بأنهن ، حافظات للغيب بما حفظ الله، أسرار الزوجية لا يمكن أن تذاع، ولا يمكن أن يتحدث بها.
كتمان العلاقة بين الرجل و زوجته كتماناً مطلقاً :
أيها الأخ الكريم: ترتكب كبيرة لو حدثتك نفسك أن تحدث الناس على علاقتك بزوجتك وعما تمّ بينكم البارحة، لا يقول هذا إلا عديم المروءة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/04.jpg
الحكم الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم أقبل علينا بوجهه فقال: ((مَجَالِسَكُمْ هَلْ مِنْكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَرْخَى سِتْرَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُحَدِّثُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا وَفَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا؟ فَسَكَتُوا فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ فَجَثَتْ فَتَاةٌ كَعَابٌ عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَيُحَدِّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيُحَدِّثْنَ، فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ إِنَّ مَثَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ وَشَيْطَانَةٍ لَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالسِّكَّةِ قَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
الذي يتحدث كأنه فعل هذا أمام الناس، نقل كل شيء، عندنا أربعة أحكام شرعية؛ نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم في مكان الحرث، ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، عليك أن تكتم العلاقة بينك وبين زوجتك كتماناً مطلقاً.
هذا شرف المجالس، الطفل بينه وبين الزواج مراحل فسيحة، فإذا لم ير شيئاً هناك موضوع أن الأعضاء التناسلية جعلها الله أعضاء مزدوجة، هل خطر في بالكم تلك الحكمة، فلإفراغ المثانة هدف، الطفل الصغير يعيش فترة طويلة ويظن أن هذا من أجل إفراغ المثانة فقط، الازدواج من أجل أن يكون الإنسان في البداية سليماً معافى مرتاحاً من هذا، فكل إنسان يثير هذه الرغبة في وقت مبكر يسهم في إفساد الفطرة، وإنما يسهم في إفساد فطرة الله عز وجل. تحديد النسل :
وأما تحديد النسل فموضوع الساعة، لكن الصحابة الكرام كما ورد في الصحيحين عن جابر كنا نعزل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعزل أي لا نسمح للماء أن يستقر في الرحم، أقوال بدائية لكن هي أرقى طريقة لأن الطرق الأخرى لها مضاعفات، اللولب يسبب تليف الرحم، والحبوب تسبب أحياناً سمنة، وترهلاً، وتوتراً عصبياً، وبعض المضاعفات، وهذا خطير جداً على الإنسان، الهرمونات خطيرة جداً، فأي إنسان يلعب في هرموناته قضية خطيرة جداً فيبقى العزل أفضل طريقة.
يقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم:
((كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه و سلم فلم ينهنا ))
[ مسلم عن جابر]
أنا أي جواب حول هذا الموضوع أقول: افعل ما بدا لك والمقدر كائن، إنسان عمل منع حمل ثلاث سنوات ثم أنجبت امرأته ثلاثة توائم، افعل ما بدا لك والمقدر كائن، يوجد رجل أنجب اثني عشر طفلاً خطأ، لكن الإنسان إذا اتخذ وسيلة لمنع الحمل يجب أن تكون مدروسة، لأن الشركات الطبية في العالم هدفها الربح، لأن الحبوب والهرمونات لها مضاعفات في جسم المرأة، في نفسيتها وتوترها العصبي، هم القصد عندهم أن يبيعوا، لذلك الآن ترى بعد أن بيع منه ملايين يقولون: دواء مسرطن، الأطباء المتفوقون قلّما يستعملون الدواء، جسمك نباتي أما هذه الأدوية الكيميائية فتفعل شيئاً وتسيء في أشياء.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل هو الموؤودة الصغرى فقال عليه الصلاة والسلام: ((كذبت يهود، ولو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه))
[ السنن الصغرى عن أبي سعيد الخدري]
تبين أن العزل في أحاديث تجيزه، الإنسان على مستوى الأسرة من دون إلزام من الدولة، عندما صار إلزام من الدولة حكومة الصين ألزمت كل الأسر أن تنجب مولوداً واحداً، فالذي حصل أن كل أنثى كانت تخنق بعد أن تولد إلى أن يأتي الذكر يسجل في السجلات، الآن هناك عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج، في عام ألفين هناك خمسون مليون صيني بلا امرأة، هناك مضاعفات خطيرة،أي تنظيم الأسرة مباح لرب الأسرة، أما إذا جعل قانوناً فهناك مضاعفات خطيرة جداً من هذا القانون.
في مجلس عمر رضي الله عنه تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموؤودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موؤودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة، حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم علقة، ثم عظاماً، ثم تكسى لحماً، ثم تكون خلقاً آخر.فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك.
النقطة الدقيقة أن الإنسان في حالات يمكن للطبيب المسلم الورع الحاذق أن يأمر بإسقاط الجنين حفاظاً على صحة أمه، ليس العزل فقط مباحاً، في الحالات الضرورية يجوز إسقاط الجنين حفاظاً على حياة أمه. تربية الأولاد في الإسلام أخطر شيء في دين الرجل :
النقطة الثانية: الذي يقول:
((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة))
[ الديلمي عن ابن عمر]
أنا متأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أبداً بهذا الحديث أن يتباهى بالعدد، ولكنه أراد أن يتباهى بنا بالنوع، لذلك هذا الذي ينجب الأولاد، ويلقيهم في الطرقات، في الشوارع، بلا تربية، بلا تغذية، بلا تعليم، بلا توجيه، تجعلهم عالة على الناس، عبئاً على المجتمع، أطفال صغار جياع مرضى ليس هذا هو الإسلام.
ليس هذا هو الإسلام لأن تربية الأولاد في الإسلام أخطر شيء في دين الرجل، أفضل كسب الرجل ولده، أي أنا مع إذا أنجبت غلاماً يجب أن تحتاط له، يجب أن تحتاط لهذا الإنجاب بأن تؤمن له كل حاجاته، هذا واجب الأبوة تجاه الابن.
يقول لك الأب أحياناً: أنا عصامي، وأحب أن يكون ابني عصامياً، يلقيه في التهلكة، يلقيه في الفساد، يلقيه في سن مبكرة بين الذئاب ويقول: أنا عصامي.
إذا كنت أنت قد نجوت، إذا أنت كنت تعيش في سنة الأربعينات، في الثلاثينات، المجتمع كان سليماً، والانحراف قليلاً، والجريمة نادرة، والناس يخافون من الله عز وجل.
الآن هناك مخدرات من أول مرة يصبح مدمناً، شيء مخيف، والإنسان يجب أن يقرأ ما يحدث، الآن في الصحف يكتبون بعض الحوادث، وأنا مرتاح لهذه الكتابة، ما معنى أن إنساناً أرسل ابنته لتحضر اللبن؟ احتمال ألا تعود.
الأب مسؤول عن أبنائه، تسيب، عدم تدقيق، متى رجعت؟ متى غادرت؟ أن تذهب وحدها إلى السوق، هناك أخطار، لذلك عندما الإنسان ينجح في أداء هذه الرسالة يسعد أيما سعادة. مسؤولية الزوج عن زوجته و مسؤولية الزوجة عن زوجها :
يجوز إسقاط الحمل حفاظاً على صحة الأم بإرشاد طبيب مسلم حاذق ورع، أما هناك أسباب غير معقولة، صار هناك حمل في رحم الأم مثلاً فيقول الزوج: عندي ثلاثة أولاد هذا يكفي، هذا السبب غير مقبول.
أحياناً الإنسان يغفل عن كلمات يرددها كل يوم عدة مرات، وهي أخطاء في اللغة، فلان زوج أي اثنان فرد وزوج، فلان زوج فلانة، وفلانة زوجة فلان، الإنسان حينما يتزوج صار شخصين، الشخص الثاني اندمج به كلياً، أصبحت مسؤولاً، يهمك مصلحة الطرف الأخر، يهمك إطعامه، يهمك كسوته وتربيته، فلذلك الزوج مسؤول مسؤولية كبيرة عن زوجته، والزوجة مسؤولة عن زوجها، كم من الزيجات ينحرف فيها الأزواج؟ لأن المرأة مهملة، عازفة عن مهمتها التي أرادها الله لها، فلذلك المرأة المؤمنة تتزين لزوجها، والفاسقة لغير زوجها، للطريق، أبشع ما عندها لزوجها، وأجمل ما عندها من زينة ظاهرة وباطنة وكلام لطيف للأجنبي للغريب، هذا من علامة فسق المرأة وفجورها وانحرافها، وربما كان هذا سبب غضب الله عليها، هناك وصف أروع من هذا قال تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾
[سورة البقرة:آية 187]
في هذه الآية تعبير دقيق عن غاية الاندماج، هناك إنسان أقرب له من ثيابه التي يرتديها، هذا معنى القرب، والمعنى الآخر الإنسان عنده هذه الحاجة قضاها في البيت عن طريق عفيف، فإنه أغض للبصر، هذه الحاجة ملباة ضمن الزوجية في أعلى درجات العفة، في أعلى درجات غض البصر، في أعلى درجات الحفظ.
فسرها الأجانب قالوا: المرأة بنطال للرجل، أي تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى روح.
التفسير المادي غريب جداً، الحقيقة أن الشيء الآخر مادام هناك اندماج شديد قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) ﴾
[سورة البقرة: آية 228]
بين المرأة و زوجها درجة واحدة هي درجة القيادة :
انظر المؤمن كما أن له عليها حقاً، لها عليه حق، تريدها أن تكون في مظهر حسن عليك أن تكون أنت في مظهر حسن، يريدها أن تحترم أمه عليك أن تحترم أمها، يريد منها أن تحترم أباه فعليك أن تحترم أباها، يريد منها أن تسعى لراحته وعليك أن تسعى لراحتها، قال تعالى:
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) ﴾
[سورة البقرة: آية 228]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/05.jpg
أي درجة واحدة، درجة القيادة، أحياناً يكون في الجيش عميدان، لكن أحدهما أقدم بشهر يصبح هو قائد الكتيبة، لكن الثاني ليس جندياً، هو عميد لكن أحدث بشهر، صار هناك قدم، أنا أريد من هذا المثل ليس أنت لواء وهي مجند، أنت لواء وهي عميد، درجة واحدة بينكم لأن الآية هكذا تشير، وللرجال عليهن درجة.
إذا أنت مؤمن وانطلقت من هذه الآية أنه بينك وبينها درجة واحدة هي درجة القيادة، لأن المركب يحتاج إلى قائد واحد، قائدان يتعثر المركب، أما من أروع الآيات فهذه الآية، درجة القيادة لا تعسف، ولا تسلط، ولا استعلاء، القرار للزوج، سؤال: هل له أن يسألها؟ أن يستشيرها؟ له، الدليل قال تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ (6) ﴾
[سورة الطلاق: آية 6]
وائتمروا فعل أمر ماضيه تأمرا أي أمر كل الآخر، فعل مشاركة أي هو أمرها وهي أمرته، إذاً ممكن أن تستشيرها، والنبي استشار أم سلمة في الحديبية، وأخذ برأيها تعليماً لنا، مع أن هناك درجة لك عليها هذا لا يمنع أن تستشيرها، وأن تأخذ برأيها، وهناك أهداف كثيرة جداً من هذه الاستشارة منها رفع مقامها، وتأليف قلبها، وإشعارها أنها شريكة الحياة. حق الزوجة على الزوج :
سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت"، هذا كلام نبوة أي أنت لست مكلفاً أن تأكل مالاً حراماً من أجل أن تطعمها إذا طعمت، لا يجوز أن تأكل ما لذّ وطاب وحدك مع أصدقائك في المطعم، في النزهة وتدع لها الطعام الخشن، لا يجوز.
قال يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، مبادئ: أن تطعمها إذا طعمت، أي إذا كان الإنسان دخله محدوداً، ودخله لا يسمح له إلا بأخشن الطعام، ليس مكلفاً أن يأكل مالاً حراماً، ولا يرتشي، ولا يغش الناس، ولا يلعب، ولا يزور، حتى يطعمها ما لذ وطاب، ليس مكلفاً، هذه إمكاناته، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، أن تطعمها إذا طعمت، أنت متى تؤاخذ؟ إذا طعمت ولم تطعمها، إذا اكتسيت ولم تكسُها، هنا المؤاخذة، ولا تضرب الوجه لأن الوجه مكان مكرم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الوجه".
ولا تقبح، يسب الساعة التي تعرف فيها عليها، وعلى أهلها، ويعد حظه أسوأ حظ وهي بلاء من الله، هذا الكلام يباعد بين الزوجين.
هناك قرار اتخذه من يوم الزواج هل الزوجة مناسبة؟ نعم مناسبة، إذا كانت مناسبة فكل شيء يصغر لا يكبر، أما إذا كبرت الأمور وهي مناسبة فيحدث اضطراب أي زوجة مناسبة وهي أم أولادك يجب تصغير كل شيء ويقول العوام: كبرها بتكبر، صغرها بتصغر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/06.jpg
قال لي أحدهم كلمة: لله رجال إذا أرادوا أراد، قلت له هذه الكلمة صغرها أي إذا دعوا الله استجاب لهم، وكبرها أي إن لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله.
كذلك مع الزوجة يمكن أن تتكلم كلمة في ساعة غضب فتطلقها أي كبرتها، وممكن أن تتجاهل الكلمة فتصغرها.
رجل سرق ماله من الصحابة فقال: اللهم إن كان هذا الذي أخذه أخذه عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه.
والعاقل دائماً الأمور يصغرها، يجعلها في حجمها الطبيعي، لكل شيء حجم، العقلاء الموفقون في حياتهم دائماً يعطون الشيء حجمه الحقيقي، أما الجهلاء والعوام والسوقة والدهماء فأصغر قضية يجعلها أكبر قضية، لي ملاحظة ذكرتني بها هذه الكلمة، زوجتك في البيت صار هناك خصومة، ومشادة، وملاسنة، وهي في البيت أكبر قضية بينك وبينها تتضاءل حتى تتلاشى بعد يومين أو ثلاثة، وهي عند أهلها أصغر قضية تتنامى، غضب فأرسلها إلى بيت أبيها، هناك عمتها، وخالتها، يقولون لها: البيت بيتك وصدره لك فيكبر رأسها، وهو كبر رأسه لماذا لم تتصل؟ نصيحة لوجه الله دعها في البيت.
الإنسان قبل أن يتخذ قراراً يجب أن يفكر هي في البيت أكبر قضية تصغر، أما هي خارج البيت فأصغر قضية تكبر.
الحكمة، قال: ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
هناك نقطة ثالثة: أنت حينما تنزعج من قضية إياك أن تتخذ قراراً وأنت غضبان، اتخذ قراراً بعد أسبوع، لأن الأمور بعد أسبوع تختلف، والرؤية تتغير ، وصار ندم ومعذرة وأسباب مبررة، اختلف الأمر كله.
قال: أن تطعمها إذا طعمت، أو تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت.
حق الزوج على زوجته :
ومن حق الزوج على زوجته كما قال عليه الصلاة والسلام:
((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره، ولا تخرج وهو كاره، ولا تطيع فيه أحداً، ولا تخشن بصدره، ولا تعتزل فراشه))
[الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل]
له رؤية، هذا الجار وهذه الجارة فاسدة، فإذا أذنت لها بالدخول إلى البيت فقد خالفت منهج رسول الله، هي مع زوجها ليس مع الغريب، أحياناً يكون هناك خصومة بين زوجها وبين أخوتها في شراكة هي مع زوجها، وألا تتآمر مع والدها ضد زوجها، لأن أقدس عقد هو عقد الزواج.
قال: ((....فإن كان هو أظلم فلتأته حتى ترضيه فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها وإن هو لم يرض فقد أبلغت عند الله عذرها))
[الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل]
أخوتنا أو أخواتنا لا ينتبهن لهذا الحديث، المرأة ولو أن زوجها ظالم إذا استرضته فلها عند الله أجر كبير، لأن القيادة له. حق كل من الزوجين على الآخر :
وهناك حق مشترك قال: على كل من الزوجين أن يصبر على صاحبه، لذلك الزوج المؤمن له ميزة هو يتقرب إلى الله بصبره على سلبياتها، وبإكرامها، وهي تتقرب إلى الله بصبرها عليه، وإكرامه، فصار الصبر والإكرام قربتان إلى الله لكل من الزوجين بصاحبه، هذا آخر شيء في الحقوق الزوجية.
والحديث الشريف:
(( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
أذكر مرة جاءني رجل إلى البيت يشكو زوجته وهو على وشك تطليقها، فألهمني الله عز وجل فقلت له: هي تخونك؟ فقال: معاذ الله، فسألته هل طبخها سيئ؟ فقال: لا والله طبخها جيد، فتركته يتكلم عن ميزاتها بالتدريج وهو لا يشعر، ثم خجل من نفسه، لا تخونه، ومخلصة، وشريفة، وتصلي، وطبخها جيد، ونظيفة، فإذا كان فيها شيء طارئ فمن المستحيل أن يكون الطلاق لشيء طارئ، الطلاق يهتز له عرش الرحمن.
أنا أعرف شخصاً طلق امرأته، و الزوجة الجديدة لم ترض أن تسكن مع أولاده من المطلقة، الأولاد وضعوا عند جهة قريبة، هذه الجهة لم ترع الأولاد، فانحرفوا انحرافاً شديداً، فبقي انحراف أولاده غصة في قلبه إلى يوم القيامة، فالطلاق عمل كبير.
والإنسان إذا جاءه أولاد أي إن رزقه الله ولداً من زوجته ينبغي أن يضع حظ نفسه تحت قدمه، فهذا الكلام الذي يتكلمه يجب أن يكون قبل إنجاب الأولاد، والآن مصلحة الأولاد قبل كل شيء، بعد أن تنجب ضع حظ نفسك تحت قدمك، هذا هو الموقف الكامل لذلك: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
وقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾
[سورة النساء:آية 19]
المعاشرة بالمعروف أي أن تحتمل الأذى منها لا أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها.
الله عز وجل جعل لكل إنسان مواد امتحان في حياته، هذا من زوجته، وهذا من أولاده، وهذا من صحته، وهذا من رزقه، لك مادة امتحان مع الله، وقد تكون الزوجة هي مادة امتحانك مع الله.
أخواننا الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( ثَلَاثَةٌ لَا تَرْتَفِعُ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْراً رَجُلٌ أَمَّ قَوْماً وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَأخوان مُتَصَارِمَان -أي متخاصمانِ-))
[رواه الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ]
هؤلاء الثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً. النص الصحيح المشروح منهج كل داعية :
هناك ملاحظة أريد أن أذكرها لك، إنسان مرة يقول لي: ما الكتاب الذي تدرسنا منه؟ أنا لا أدرس من كتاب معين، أنا أختار من عدة كتب يهمني النصوص، الآيات والأحاديث، وأنا أشرحها لكم ارتجالاً، فليس هناك كتاب معين، لأن الكتب بعضها فيه تساهل وبعضها فيه شدة.
مشكلة أنا أريد أن أعطيكم درساً مصفى، لذلك ورقة من هنا وورقة من هناك، حديث من هنا وحديث من هناك أجمعها.
الإمام الشاطبي في كتابه الشهير "الموافقات" من أعظم كتب الأصول في المقدمة الثانية عشرة يقول: "العلم يؤخذ من المعلم المحقق الورع"، لأنه مثلاً ورد في بعض الكتب أن امرأة حسناء ومضيئة صلت بين الصحابة فصلى بعضهم خلفها ليرى محاسنها وبعضهم أمامها هناك أشياء مشكلة.
أريد أن أقرر أن النص الصحيح المشروح هو منهجي في هذا الدرس، وأنا أختار من كل الكتب، ومن كل المراجع، ولا أتقيد بمرجع واحد، هذه الملاحظة ينبغي أن تكون بين أذهانكم.
ليس في حياة المسلم معصية :
أما حينما تصبح العلاقة بين الزوجين مستحيلة، وحينما يكون بقاء الزوجية خطر على الزوجين، ومدعاة إلى انحرافهما، فيأتي وقتئذ الطلاق ليكون الحل الحاسم، وصمام الأمان الذي جعله الله في الزواج الإسلامي.
في المجتمعات التي لا يكون فيها طلاق هناك هجران مدى الحياة، ومع الهجران انحراف خطير، ليس في حياة المسلم معصية، قال تعالى:
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾
[سورة الطلاق: آية 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5796/ar-5796/07.jpg
قالت: يا أبا أمية إنني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره فقل لي ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه؟ ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هو كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ثم قعدت، قال: فألجأتني إلى أن أخطب قلت: لقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، وما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا، قالت: فمن من الجيران تحب أن أسمح لهم بدخول بيتك ومن تكره؟ قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك، قال: ومضى عليّ عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، رحبت بها أجمل ترحيب، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت أمها: يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك؟ قلت: والله هي خير زوجة، قالت أمها: أدب ما شئت أن تؤدب وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن الأمر والطاعة، قال: ومضى علي عشرين عاماً لم أجد ما يعكر صفائي. سعادة الإنسان الزوجية بيده :
أخواننا الكرام: صدقوني سعادتك الزوجية بيدك، طبق منهج الله وانظر، أنت تملك الثمن، أحدها غض البصر، والمعاشرة بالمعروف، وأن تتقرب إلى الله بالصبر على زوجتك، وخدمتها، وأن تأخذ بيدها إلى الله، وأن يهمك أمر دينها لا أمر دنياها.
قد تروق الزوجة لزوجها، هو مرتاح ولكن هي ليس فيها دين، عندئذ لا تسعدك إلا إذا عرفت الله عز وجل.
لذلك تسعد بالله فتسعدها بالله فتسعدك، لا تسعدك إلا في المرحلة الثالثة.

السعيد
09-19-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : الطلاق





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إباحة الطلاق لئلا يتخذ عدم الوفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الرابع عشر من دروس سلسلة: "الحلال والحرام في الإسلام"، منطلقين من أن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله أن تعرف أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وحقه، وما ينبغي أن تفعله وما ينبغي ألا تفعله، لأن الخطوة الأولى في عبادة الله عز وجل طاعته، وكيف تطيعه وأنت لا تعرف أمره؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/01.jpg
أيها الأخوة مازلنا في العلاقات الأسرية في موضوع الحلال والحرام، وفي الدرس الماضي كان الموضوع في العوامل التي يستقر بها الزواج، ولكن الزواج أحياناً يغدو استمراره خطيراً في حالات خاصة، لذلك لكي لا يتخذ هذا الإخفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد من قبل الزوج، أو من قبل الزوجة، لكي لا يتخذ عدم الوفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد أباح الله الطلاق، مع أنه أبغض الحلال إليه، مع أن الطلاق يهتز إليه عرش الرحمن.
لذلك المؤمن الصادق لا يُطلق إلا لسبب جوهري، أما هذا الذي يطلق كلما عنَّ له أن يطلق فهذا اسمه مطلاق، وهذا فاقد المروءة، وهذا مجروحة عدالته.
النبي صلى الله عليه وسلم أمر برأب الصدع، وإصلاح ذات البين، وقال: الصلح خير: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
الطلاق يصدع البناء الأسري :
و قد بينَّ عليه الصلاة والسلام أنه ما عبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر، وقد ذكرت لكم في درس سابق أن الإنسان حينما يتزوج، وحينما ينجب أولاداً، ينبغي أن يضع حظوظه المادية تحت قدمه إكراماً لأولاده الذين أنجبهم، والذين سيضيعون ويتشردون في الأرض إذا طلق أمهم، أو افترق الأب عن الأم، لذلك هذا الدرس متعلق بموضوع الطلاق، وقد عالجته مراراً، والسبب الذي جعلني أعالجه مرة جديدة هو أنني حينما أنزل من على المنبر صدقوني ما من أسبوع تنتهي الخطبة إلا وعشرات الأسئلة المتعلقة بالطلاق تنهال عليّ، أكبر حيز من الأسئلة التي تطرح على الخطباء والعلماء وطالبي العلم في موضوع الطلاق.
هذه الكثرة والكثافة في الأسئلة دليل أن هناك أخطاء فاحشة في التعامل الزوجي، أنا الذي أراه أن الإنسان حينما يطلق يهتز كيانه، وعليه أن يأخذ الفتوى، إن أخذ الفتوى من شيخ متساهل شكّ في صحتها، وإن أخذها من شيخ متشدد قصم ظهره، فأنت بين شك وتردد، وبين فتوى تفصم الأسرة وتشرد الأولاد، وقد تكون غنياً عن هذا كله لو عالجت الأمر فيما بينك وبين زوجتك في أي أسلوب عدا الطلاق.
ولقد ذكرت في الدرس الماضي أن الإنسان حينما يرى أن زوجته إجمالاً مقبولة عليه أن يضيق الهوة، ويلملم الأمور، ويطوق الحوادث، وعليه أن يصغر لا أن يكبر إذا كانت هذه الزوجة بمجملها مقبولة.
أما في التفاصيل لا يوجد امرأة مقبولة، ولحكمة أرادها الله، لأنها لو جعلها الله كاملة كمالاً كما تشتهي لعبدتها من دون الله، لذلك الزوجة ترضى منها خلقاً ولا ترضى منها خلقاً آخر، هذه بتلك قال تعالى:
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة: آية 216]
وأنت في الدنيا في دار ابتلاء لا في دار جزاء، في دار عمل لا في دار أمل، في دار جد وكد لا في دار نعيم وطرب.
دقق في هذا المثل: بيت دفعت ثمنه من عرق جبينك وكد يمينك، وقد لا يعجبك طلاؤه، أما إذا رأيته متصدعاً وأنت مؤمن فلا تستطيع أن تبيعه للشاري دون أن تبين له هذه العلة الخطيرة، وإذا كشفت هذه العلة لا أحد يشتريه منك، وإذا سكنت فيه سكنت على أعصابك، متى يسقط؟ متى يتصدع؟ الطلاق يصدع البناء، ابن عباس رضي الله عنه قال: "أيرتكب أحدكم احموقته ثم يقول: يا بن عباس يا بن عباس". الزواج هو أخطر حدث في حياة الإنسان :
ما رأيت أعقل من الزوج الذي يعد للمليون قبل أن يقول: أنت طالق، وبحسب الخبرة المتواضعة التي حصلت من هذا المسجد خلال عشرين عاماً وجدت أنه ما من زوج طلق زوجته إلا وندم بعد ذلك ندماً شديداً، لأنه وهو في وسط الأزمة متضايق من السلبيات وهو غافل عن الإيجابيات، والعاقل هو الذي يزن الأمور بميزان صحيح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/02.jpg
سَجِّلْ الإيجابيات والسلبيات وقبل أن تقول: أنت طالق، هذه أم أولادك، وهؤلاء الأولاد سيكبرون وسيتألمون أشد الألم وسيحقدون حينما تطلق أمهم، والأولى للإنسان قبل أن يتزوج أن يبحث عن واحدة لا يحتاج إلى أن يطلقها، تزوج امرأة لا تحتاج إلى أن تطلقها أي تزوج الأهل قبل أن تتزوج الفتاة.
تزوج بيتاً مسلماً، بيتاً مؤمناً، فيه علم، فيه توجيه، فيه حياء، فيه خلق، فيه رضا باليسير، فيه تواضع، لذلك هناك خطأ بالإنسان لا يستطيع أن يستفيد منه، مثلاً عندما يرى إنسان قنبلة يقول: هل هذه قنبلة أم غير قنبلة؟ منزوعة الفتيل أم غير منزوعة؟ فإذا أمسكها ثم فوجئ بأنها انفجرت خلال ربع ثانية يعلم أنها قنبلة؟ ولكن هذا العلم لا ينفعه إطلاقاً؟ لقد انفجرت وأطاحت به.
لذلك الإنسان يقرأ، ويسأل، ويستفتي، ويستشير، ويدقق، ويحقق، ويتابع، ويمحص قبل أن يقول: وافقت.
ما من إنسان يشكو من زوجته شكوى لا تحتمل إلا بسبب أنه تسرع في اختيارها، قد لا تناسبه، قد لا تأتمر بأمره، منبتها غير منبته، ثقافتها غير ثقافته، عادات أهلها وتقاليدهم غير عادات أهله وتقاليدهم، إن أخطر حدث في حياتك هو الزواج.
مرة أخ كريم أجلس معه، أعرفه تاجراً، و هو تاجر موفق، ثم فوجئت أنه طبيب أسنان ترك حرفته إلى التجارة، إذاً حرفتك التي هي جزء من شخصيتك يمكن أن تتركها إلى حرفة أخرى ولا شيء عليك، البيت تبيعه، السيارة تبيعها، تستبدلها، كل شيء يستبدل أما الزوجة أم أولادك فيوجد ميثاق غليظ بينك وبينها، تكشفت عليك، وتكشفت عليها، والذي بينكما لا يعلمه إلا الله، والذي تراه منها لا يستطيع أبوها أن يراه منها، ولا أخوها، ولا ابنها، هذا ميثاق غليظ، فقبل أن تعقد هذا الميثاق الغليظ يجب أن تعد كثيراً، وأن تتريث كثيراً، أن تحقق، وأن تسأل، وأن تستشير، وأن تتأمل، وأن تمحص، وأن تستمهل، و إلا بعد أن ينعقد هذا الرباط المقدس فصمه صعب، والمرأة كسرها طلاقها.
إبريق يمكن أن يكون فيه شيء غير نظيف ينظف، أما لو كسرته في المطرقة فهذا هو الطلاق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
الحقيقة الإنسان يكون ذكياً جداً وعنده حكمة بالغة في حياته العملية، أما في بيته فغير حكيم لأسباب تافهة لا تقدم ولا تؤخر، يجعل بيته جحيماً لا يطاق لأسباب تافهة، أحياناً يتسرع يفصم هذه العروة المقدسة لغضبة يغضبها، لذنب ترتكبه زوجته. الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل طلاق محرم :
الذي دعاني أن أعالج هذا الموضوع مرة ومرة أنني حينما أنزل من على المنبر طابور من الأخوة الكرام يستفتيني في موضوع الطلاق، طلقت وبثلاث وماذا أفعل؟ وماذا أصنع؟ لك منها أولاد؟ لي منها خمسة أولاد، تلاحظ تسكع على أبواب المساجد هذا متشدد، والمتشدد يتهم المتساهل بالجهل، والمتساهل يتهم المتشدد بالتزمت http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/03.jpg
وأنت بين المتساهل والمتشدد تضيع بينهما، وقد أغناك عن هذا كله لو أنك لم تطلق، نصيحة دقيقة وعميقة موضوع الطلاق انزعه من قاموسك حتى الطاء واللام والألف والقاف على مستوى حروف انزعهم، تتعامل مع زوجتك، ممكن أن تؤدبها، وأن تهجرها، ممكن أن تغضب، أو أن تتغاضب، افعل ما تشاء إلا أن تطلقها فقد اهتز كيان البيت، بيت متصدع، إن سكنت فيه قلق، وإن تركته أصعب، وهذا الذي يحدث.
أيها الأخوة الحكم الشرعي الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل الأخرى التي ذكرت طلاق محرم محظور في الإسلام، بسبب أن في فمها ثلاثة أسنان بهن حشوة يريد أن يطلقها، أو رأيتها في الليل، أسباب مضحكة.
الذي يطلق لأسباب سخيفة طلاقه محرم، الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل و الوسائل الأخرى، نصحتها، وعظتها، هجرتها، أتيت بحكم من أهلها وحكم من أهلك، شكوتها إلى أهلها، صبرت عليها، أعطيتها مهلة، زجرتها، أحسنت إليها، أخذت بيدها، حينما تستنفذ كل الوسائل وكل المراحل ويصبح البيت جحيماً لا يطاق لعل الله يعذرك إذا طلقتها، لأن المرأة كسرها طلاقها.
الطلاق إيقاع الضرر بالنفس وبالزوجة :
الطلاق كما وصفه بعض الفقهاء إيقاع الضرر في النفس وبالزوجة، وأنت أول متضرر، لأنه عندما تطلق أصبح هناك عقبة، ما من امرأة تخطبها وتعلم أنك مطلق إلا وتتجه إلى الذي طلقتها، ولن تنصح المطلقة إنساناً بالزواج ممن طلقها.
وقال لي أحد الأخوة الأكارم أن مطلقته كانت حجر عثرة أمام زواجه من بضع فتيات، كلما خطب امرأة وعلموا أنه مطلق توجهوا إلى مطلقته وسألوها فقالت شيء وقع وأشياء لم تقع من أجل أن تنتقم منه، الإنسان عندما يطلق صار عقبة أمام زواجه من أخرى.
الأشياء الداخلية تنشر على الملأ، الطلاق فضيحة، فالطلاق عند الفقهاء إيقاع الضرر بالزوج والزوجة، وهناك قاعدة أن السجان سجين، مدير السجن مسجون مع المساجين لا يغادر، والمطلق مطلق في الوقت نفسه، لذلك قالوا: ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا.
أعظم شيء يؤتى من قبل الله أن تكون حكيماً، وكم من زوج كان حكيماً مع زوجة دون الوسط فسعد بها وسعدت به، وكم من زوج أحمق عنده زوجة قريبة من الكمال شقي بها بسبب حمقه وتسرعه، إعدام المصلحة التي بين الزوجين حرام، وإتلاف المال حرام، مكلفة مئة ألف هذا المبلغ ضخم، مئتا ألف، إذا طلقتها دفعت لها المتأخر، وعليك أن تدفع مهراً جديداً، أتلفت المال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا ضرر ولا ضرار ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا أحب الذواقين من الرجال والذواقات من النساء))
[الطبراني عن أبي موسى]
أي أنه يتزوج فقط للمتعة، قصيرة قليلاً نطلقها، هذه كذا وهذه كذا، هذا موقف شهواني غير مقبول إطلاقاً.
ودائماً سبحان الله! الزوجة الثانية تأتي أسوأ، كلما غيّر يغير نحو الأسوأ، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله لايحب الذواقين والذواقات ))
[الديلمي عن أبي هريرة]
محظورات الطلاق :
أول محظور في الطلاق لا يجوز أن تطلق المرأة وهي حائض، وهناك حكمة لا تخفى عليكم لعل هذه الفترة التي كان الزوج مبتعداً عن زوجته كان متوتراً، لذلك لا تطلق المرأة وهي حائض، ولا وهي نفساء، المرأة لا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه، إذا طلقها في طهر لم يمسها فيه معنى ذلك أنه يحسب العدة حساباً دقيقاً، الآن هي حائض مضت مدة الحيض واغتسلت وهي الآن طاهرة، امتنع عنها معنى ذلك أنه عاقل ومخطط ومصمم والطلاق قرار اتخذه عن تبصر، وعن علم، وعن قصد، وعن تؤدة.
في الصحيح أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: مره فليراجعها ثم إن شاء طلقها وهي طاهر قبل أن يمسـ فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى في قوله:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
[ سورة الطلاق :آية1]
الطلاق قرار هادئ، مدروس، مخطط له، معه عدة، معه حساب، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
أي مستقبلات عدتهن في حالة الطهر وأحصوا العدة.
قد يسأل سائل: من طلق امرأته وهي حائض أو طلقها في طهر مسها فيه أو طلقها في حيض أو نفاس هل يقع هذا الطلاق؟ المشهور عند جمهور العلماء أنه يقع، والمطلق آثم، وعند بعض الفقهاء إنه لا يقع، لذلك المذهب المتساهل في هذا الشأن أن الطلاق إذا تمّ في فترة الحيض، أو في طهر مسها فيه زوجها لا يقع، لكن هذا رأي القلة لا الكثرة.
روى أبو داود بسند صحيح أن ابن عمر سئل كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقص على السائل قصته حينما طلق امرأته وهي حائض وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئاً.
هذه الحجة التي يحتج بها من لا يجيزون إيقاع الطلاق في أثناء الحيض. لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل أو ترك :
الآن الموضوع في العلاقات الزوجية؛ لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل هذا، أوترك ذاك، أو يهدد به زوجته إن فعلت كذا فهي طالق، هذا لا يرتكبه إلا السفلة من الناس، لأتفه سبب عليه بالطلاق، إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق، إن زارتك أختك فأنت طالق، إن فعلت كذا فأنت طالق http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/04.jpg
هذا الطلاق المعلق، الحقيقة بعض العلماء سماه طلاق قسمة يمين، لذلك هذا العالم الجليل أفتى فقال: من حلف على امرأته يمين طلاق ليحملها على فعل ما، أو ليمنعها من فعل ما، وهو يكره فراقها كفراق دينه، قال: هذا طلاق قسمي، هو يمين فقط يكفر عنه بكفارة اليمين، طبعاً هذا الرأي لا يقبله بعض العلماء، هو فتوى واجتهاد تأخذ به بعض المحاكم الشرعية، أو تأخذ به المحاكم الشرعية في الأقطار الإسلامية، لكن العلماء الذين يفتون لا يقبلونه.
من حلف على امرأته ليحملها على فعل ما، أو ليمنعها من فعل ما، وهو يكره فراقها كفراق دينه، الأرجح أنه يمين طلاق قسمي لا يقع، ومع ذلك فإذا سألت المشايخ يقول لك: طلقت امرأتك، وابتعد عنها فوراً ولا سبيل لك إليها، لذلك من الأحكام الفقهية في هذا الموضوع لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل، أو ترك، أو يهدد به زوجته إن فعلت فهي طالق.
لليمين في الإسلام صيغة خاصة لم يأذن الشرع بغيرها وهي الحلف بالله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام:
((من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك))
[الترمذي عن ابن عمر]
و: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))
[ متفق عليه عن ابن عمر]
نصيحة صادقة ومخلصة كلمة الطلاق بحروفها الأربعة ابتعد عنها تعش حياة مستقرة هانئة، أعرف رجلاً طلق وعرض مشكلته بعشر صفحات، كلما يستفتي رجلاً يطلب منه التفاصيل، فضاقت نفسه ذرعاً بهذه التفاصيل، فكتبها على الآلة الكاتبة، وجعلها عشر صفحات، ومن خلال هذا التوضيح أخذ فتوى برد زوجته ومع ذلك يقول لي: لست مطمئناً أشعر وكأني في زنا.
الطلاق يدخل الإنسان في متاهة لا نهاية لها :
موضوع الطلاق يدخلك في متاهة لا نهاية لها، لذلك تزوج امرأة لا تحتاج معها أن تطلقها، ولا تحل المشكلة بمشكلة، أحياناً انزعجت من أختها لأنها زارتها وطلبت منها أن تغير وضعها، فزوجتك لم يعد البيت يعجبها، تقول لك: هذا البيت مثل اللعبة، من قال لك هذا؟ أختي بيتها كبير قالت: لماذا لا تبيع هذا البيت وتشتري بيتاً أوسع منه؟ القضية تحتاج إلى خمسة ملايين، فانزعج من أختها وحلف يمين طلاق إن أتت أختك إلى هذا البيت فأنت طالق.
دخل في الطلاق كان منزعجاً من أختها، صار هو وزوجته في مشكلة كبيرة، حلّ مشكلة بمشكلة، والذي يحل مشكلة بمشكلة ثانية أحمق، أضرب مثلاً مضحكاً، رجل ذهب إلى طبيب تجميل يوجد ندبة في خده الأيسر قال له: الحل سهل، نأخذ قطعة من خدك الأيمن ونضعها هنا، كل إنسان يحل مشكلة بمشكلة أحمق، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك))
[الترمذي عن ابن عمر]
و: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))
[ متفق عليه عن ابن عمر]
لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ آية لها عدة معان :
ذكرت هذا في الدرس الماضي أن الواجب في شريعة الإسلام أن تبقى المطلقة في بيت الزوجية مدة العدة، قال تعالى:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾
[سورة الطلاق: آية 1]
طبعاً الآية لها عدة معان، أحد هذه المعاني: لا تخرجوهن من بيوتهن أضيف البيت إلى المرأة مع أنه في السجلات العقارية لك، لماذا؟ لأن البيت هو المكان الوحيد الذي يمكن للمرأة أن تؤكد فيه شخصيتها، دع البيت لها في ترتيبه، وتنظيمه، وإصلاحه.
هناك أزواج إذا وضعت هذه القطعة هنا يقيم عليها النكير، إذا غيّرت تغييراً طفيفاً في الأثاث يقيم عليها القيامة، إذا عدلت، إذا بدلت، هذا البيت مجال لإثبات شخصيتها، لذلك في هذه الآية إشارة لطيفة أضيف البيت إلى الزوجة لا إضافة تملك بل إضافة إشراف، هذه واحدة.
لا تخرجوهن من بيوتهن هذا البيت غير أنه عزي إليها، عزي إليها على انفراد، معنى هذا أنه إذا كان هناك خمس أسر في بيت واحد، والنساء أجنبيات على الأزواج، ويوجد حمامات، وهناك مطبخ، واستيقاظ، ونوم، و مفاجئات وأخطاء في الحركة، أصبح خمسون معصية في البيت، لذلك هناك إشارة ثانية لا تخرجوهن من بيوتهن أولاً البيت أضيف إلى المرأة، والبيت تستقل به المرأة، طبعاً أكمل زواج أن تستقل المرأة وزوجها في البيت.
لذلك لو سألتني بيت غرفة ومنافعها برأس الجبل، أو بيت بأرقى أحياء دمشق خمسمئة متر لكن مع مجموعة أسر، أقول لك: لا، لأنه لو تزينت لزوجها لفتت نظر الآخرين، كلهم أجانب، أخوة الزوج أجانب، وإذا لم تتزين حرم من زينتها، وإذا صار هناك طعام مشترك صار هناك حديث ممتع، قد يكون شيئاً يلفت النظر والنبي قال: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ))
[متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
لذلك يفضل أن يسكن الإنسان في بيت صغير منفرد ضماناً لسعادته الزوجية، ولإقامة شرع الله عز وجل، من أن يسكن في بيت كبير لكن فيه اختلاط بين الأخوة والأخوات. الحكمة من بقاء المطلقة في بيت الزوجية في أثناء العدة :
بالمناسبة أخواننا الكرام هذه حقيقة ثابتة، هناك مشكلات هوائية رغوية، غضبان طلق، هذه المشكلة بثلاثة أيام تنتهي، فإذا بقيت الزوجة في بيت زوجها هذه المشكلة تتضاءل، تصغر، تتلاشى بعد ثلاثة أيام، أما إذا خرجت إلى بيت زوجها تفاقمت المشكلة، فلذلك المطلقة يجب أن تبقى في بيت الزوجية في أثناء العدة، والآية الكريمة قال تعالى:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾
[سورة الطلاق: آية 1]
لعله كان غضبان فزال الغضب، له عندها حاجة هذه الحاجة حملته على مراجعتها، حتى العلماء قالوا: لو وضع يده على يدها فقد أرجعها.
وهي في بيتك لو طلقتها طبعاً حسبت طلقة لكن لو طلقتها يكفي أن تضع يدك على يدها لترجعها، ويكفي أن تقول: لقد راجعتك، لست بحاجة إلى شاهد، ولا مهر، ولا عقد، تقول لها: راجعتك لفظاً أو أن تراجعها عملياً انتهى الأمر وهي عندك في البيت، والمشكلة قد نسيتها وتضاءلت وليست بشيء.
أما إذا مضت العدة وهي ثلاثة قروء ملكت نفسها، وبانت عنك بينونة صغرى، وبإمكانك أن تعيدها بعقد جديد ومهر جديد، هذا هو النظام. الله عز وجل جعل الطلاق مرتين لأن فصم العلاقة الزوجية خطير جداً :
الله عز وجل جعل الطلاق مرتين، الثالثة في بينونة كبرى، أي جعله ثلاث مرات، أول مرة ممكن أن تتلافى الأخطاء لو أخطأت، أحياناً في بعض البرامج يقولون لك: متأكد أم تنسحب؟ لأن فصم العلاقة الزوجية خطير جداً.
الله عز وجل قبل أن يحكم بالبينونة الكبرى، جعل أول طلاق يمكن أن تعيدها إليك بكلمة أو بلمسة، فإذا مضت العدة ملكت نفسها، وعندئذ يمكن أن تعيدها إليك بعقد جديد، عادت واتبعت الوسائل الذي شرعها الله في تأديبها ولم تجدِ كلها، حلفت عليه يمين طلاق ثان تبقى عندك في البيت ولك أن تراجعها في أثناء العدة، فإن راجعتها قضي الأمر، وإن لم تراجعها بانت بينونة صغرى، وملكت نفسها، وبإمكانك أن تعيدها بعقد جديد ومهر جديد، أما الثالثة -الطلاق مرتان- فبينونة كبرى لا بد من أن تنكح زوجاً آخر.
لكن الشيء الذي لا يصدق، والذي يكاد الإنسان أن يخرج من جلده منه، هو هذا الإنسان الذي ينكحها في ليلة واحدة ويعيدها إليك، هذا الشيء مستحيل، يجب أن يكون الزواج طبيعياً حقيقياً، خطبت وتزوجت على التأبيد، فإن كان سبب الطلاق المتكرر منها طلقها الزوج الجديد، وعندئذ تأكد أنها هي السبب، الآن ربما قبلت أن تعود إلى الزوج الأول، أما إذا كان السبب من الزوج، الزوج الجديد لا يطلقها وتبقى له، هذه هي الحكمة.
الزوجة تركب رأسها وتظن أن السبب من زوجها، وهو الظالم، فإذا كانت هي الظالمة الزوج الجديد سوف يطلقها، عندئذ تعلم علم اليقين أنها هي السبب، أما إذا كان الزوج الأول هو الظالم فالزوج الجديد لا يطلقها، وعوقب الأول بالحرمان الأبدي منها.
أما ما يجري على الساحة من هذا التيس المستعار، الذي يستعار في ليلة واحدة فهذا شيء ما أنزل الله به من سلطان، وأعداء الدين يعدونه مأخذاً لأن سوء التطبيق يسبب سوء الفهم، سوء التصديق يسبب سوء الفهم، الآيات الكريمة قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) ﴾
[سورة الطلاق: آية 1]
للزوجة حقوق و عليها واجبات :
أما إذا الفراق لابد منه فهناك ثلاث آيات: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/05.jpg

﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾
[سورة الطلاق: آية 2]
الزواج زواج، الزوجة لها حقوق، تسكن معها، وتطعمها، وتكسوها، وتحسن إليها، وهي كزوجة ينبغي ألا ترد له أمراً، وينبغي ألا تمتنع عنه إذا طلبها، وأن ترضى به وتحترمه، قال تعالى: ﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229) ﴾
[سورة البقرة:آية229]
﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾
[سورة الطلاق: آية 2]
﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) ﴾
[ سورة البقرة: آية 241]
أما هذا الذي يطلق ثلاث مرات دفعة واحدة، لقد خالف منهج الله عز وجل، طبعاً إذا طلقها أول مرة والعدة مضت ولم يراجعها، ومرة ثانية والعدة مضت ولم يراجعها، ومرة ثالثة، معنى هذا أن هناك خلافاً مستحكماً، معنى ذلك أن الأولى أن تطلق، حينما يأتي الطلاق مرة بعد مرة، أما الذي يطلق ثلاث مرات في جلسة واحدة فهذا يلعب بدين الله، لقول الله عز وجل: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾
[سورة البقرة:آية 229]
لا يجوز للزوج أن يتمسك بزوجته كي يوقع بها الضرر :
الشيء الدقيق في الموضوع لا يجوز أن تمسك بالمرأة كي توقع بها الضرر، أحياناً يكون المتأخر كبيراً تكارهها، تأتي في منتصف الليل، تهينها، تضربها، تجيعها، تهين أهلها، حتى تفتدي بنفسها، هذا الشيء محرم أشد التحريم.
قال لي أخ يعرف جماعة: إنسان خطب فتاة يبدو أنها من بيت إسلامي وهي بارعة الجمال، والشاب متفلت، لفت نظره فقط جمالها، فتزوجها فلما أمرها بما يغضب الله عز وجل امتنعت، أمرها أن تستقبل أصدقاءه فامتنعت، أن تسهر معه في الفنادق امتنعت، أن تدخل إلى الملاهي امتنعت، فلما امتنعت كرهها ومتأخرها كبير جداً ماذا فعل ؟ أمه خططت له أن يكارهها، بدأ يكارهها، ويهينها، ويضربها، ويمنع عنها الطعام والشراب، إلى أن طلبت منه النجاة بنفسها، عندئذ قبلت المخالعة وخلعها، مقابل أن برأته مما لها عليه، وانتهى الأمر، وتزوج امرأة كما يريد على شاكلته، الأخ الكريم يروي القصة التالية: هذا الشاب الأحمق يتندر بذكائه في الهروب من مهر زوجته، فكلما نجا من مصيبة يقول: نجونا منها كما نجونا من مهر فلانة الأولى، مرة ركب مركبته، زوجته الجديدة إلى جانبه، أمه ركبت خلفه، ووالده ركب خلف امرأته الجديدة، وصار يسرع، ويدخل بين السيارات، وكلما حذره أبوه أو أمه من مغبة هذه السرعة البالغة يقول: نجونا كما نجونا من مهر فلانة، ثم في نهاية المطاف دخل في سيارة شطرته شطرين هو وأمه، ونجا أبوه.
الشيء الطيف في القصة أن أباه كان ينكر على زوجته و ابنه ما يفعلان في هذه المرأة الأولى الطاهرة، بينما الأم هي التي خططت ففرمت هي وابنها، من العمل الكبير والخطير أن يكاره الإنسان زوجته كي ينجو من مهرها الشرعي، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
أما قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام عليه الصلاة والسلام غضبان وقال:
((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟))
[النسائي من حديث محمود بن لبيد]
لا يجوز منع المطلقة من الزواج بمن ترضى :
عندنا حكم آخر: لا يجوز منع المطلقة من الزواج بمن ترضى، هناك أزواج يطلقها، ويهدد أهلها بأنها إذا تزوجت سوف يفعل ويفعل، هذا لا يجوز لقول الله عز وجل:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) ﴾
[سورة البقرة:آية232 ]
إذا طلقتها ولم تتزوج عندك جهة قلقة، جهة تسبب لك المتاعب، ولو أنك طلقتها تشيع عنك الأخبار، أما إذا تزوجت والقضية حلت فهذه لصالحك، فلا ينبغي للمطلق أن يمنع مطلقته من الزواج من أي رجل تشاء إذا تراضوا بينهم بالمعروف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾
[سورة البقرة: آية 229]
على الأب ألا يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تريده :
أحياناً يكون الزواج زواج مصلحة، هي شابة في مقتبل العمر، وزوجها طمع أهلها في ماله، أعطوها إياه وهو في سن متقدمة، هو في سن وهي في سن، والمسافة كبيرة بينهما، هو منته وهي في ريعان شبابها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4940/ar-4940/06.jpg
الرجل إذا كان كبيراً في السن هو له مطلب قليل جداً وهي في ريعان الشباب، فإن خاف أهلها ألا تقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تسامحه في كل شيء.
جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق، ولا دين، ولكني لا أطيقه بغضاً، فسألها عما أخذ منها، قالت: حديقة، فقال عليه الصلاة والسلام: ردي له الحديقة وطلقها تطليقة.
لذلك على الأب ألا يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تريده، وأنا أتألم أحياناً عندما أرى القضية شكلية، كاتب العقد ينهض أمام الناس جميعاً ويتوجه إلى الفتاة ويسألها هل أنت راضية عن هذا الزوج؟ هذا الإجراء لا ينبغي أن يكون شكلياً.
هذه هي المخالعة إذا امرأة خافت على نفسها أن تنحرف، أحياناً يكون الزوج دميماً جداً، غير مقبول إطلاقاً، أو كبيراً في السن، الأب يحسب حساباً آخر، هو راغب في الغنى وبمال الصهر، وهي شابة، لذلك على الإنسان ألا يكون مجرماً بحق ابنته، ويجب أن يختار لها الزوج الذي يرضيها، والذي يسعدها، والذي تفتخر به، وترضى به، لا الذي تستحي به، أو تتألم منه.
((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم الله عليها رائحة الجنة ))
[الطبري عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم]
هناك زوجة تمضي حياتها كلها تندب حظها من زوجها، إذا أحسن إليها الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيراً قط، قال: مثل هذه المرأة حرام عليها رائحة الجنة. تحريم إلحاق الضرر بالزوجة لحملها على المخالعة :
حرام أيضاً أن تضر الزوجة لتحملها على طلب المخالعة، الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) ﴾
[سورة النساء: آية 19-21]
لا ينبغي أن تزيد مدة بعد الزوج عن زوجته عن أربعة أشهر :
إذا الإنسان حلف ألا يقرب امرأته، هذا يمين إيلاء، وهذا اليمين إذا مضى عليه أربعة أشهر ولم يقترب منها تطلق منه، لذلك قال تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ﴾
[سورة البقرة: 226-227]
أيها الأخوة لا ينبغي أن تزيد مدة بعد الزوج عن زوجته عن أربعة أشهر.
سيدنا عمر مرة سمع امرأة تقول: فوالله لولا الله أني أراقبهْ لحرِّكَ من هذا السرير جوانبه
***
أي أن زوجها في الجهاد غاب عنها مدة طويلة فتضايقت، وأنا أعجب يقول أحدهم: وجدت عملاً في الخليج لكن بمفردي وجيد، كيف جيد؟ تترك زوجتك بمفردها سنة بكاملها، لا يجوز أن يبتعد الرجل عن امرأته فوق أربعة أشهر هذا حكم شرعي، سيدنا عمر ما سمح لقائد جيش في الجهاد أن يبقي الجندي فوق أربعة أشهر خارج بيته.
بحث عمر قصتها فعرف أن زوجها غائب في كتائب المجاهدين من زمن طويل، فسأل ابنته حفصة قال: يا بنيتي ما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: أربعة أشهر، وعندئذ عزم أمير المؤمنين ألا يغيب زوج عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.
لو وجدت عملاً دخله كبير يقتضي أن تبتعد عن زوجتك وأولادك سنتين لست برابح، الأولاد ضاعوا، والزوجة امرأة ولها حاجة، تصبح تصغي إلى أي كلمة، تستلطف أي حديث، تتجاوب مع أي كلام لطيف، بحاجة ماسة إلى زوج، أين أنت؟ بقاؤك مع زوجتك أكبر مكسب، ومع أولادك، هذا هو العمل الحقيقي، إن أمكن أن تسافر مع زوجتك وأولادك لا يوجد مانع، أما من أجل أن ترفع الدخل قليلاً و تضحي في سعادتك الزوجية فخطأ كبير.
أيها الأخوة ننتقل في الدرس القادم إلى الحلال والحرام فيما بين الوالد والأولاد وهذا موضوع دقيق نعالجه في الدرس القادم.

السعيد
09-19-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الحادى و الثلاثون )

الموضوع : العلاقة بين الابناء و الاباء





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
العلاقة بين الآباء والأبناء في الإسلام :
أيها الأخوة الكرام: لازلنا مع سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" ومع الدرس الخامس عشر، وموضوع الدرس: العلاقة بين الآباء والأبناء في الإسلام، وما هو واجب وما هو محرم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: قبل كل شيء الولد كما يقول العلماء: سر أبيه، وحامل خصائصه، وهو في حياة الأب قرة عين، وهو بعد الموت امتداد لوجود الأب، ومظهر لخلوده، يرث منه الملامح، والسمات، والخصائص، والميزات، يرث الحسن منه كما يرث القبيح والجيد والرديء، وهو بضعة من قلبه، وفلذة من كبده، هذا هو الابن، لذلك حرم الله الزنا وفرض الزواج، حرم السفاح وأمر بالنكاح، حتى تصان الأنساب ولا تختلط المياه ويعرف الولد أباه، ويعرف الأب ابنه، أخطر ما في موضوع الزواج أنه يحفظ الأنساب، هذا ابنه حقاً وهذا أبوه حقاً، وفي مجتمع الغرب حيث شاع الزنا وحلّ السفاح مكان النكاح اختلطت الأنساب.
يا أبي أحببت فلانة أأتزوجها؟ قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما اختار فتاة ثانية قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما اختار الثالثة قال أيضاً: هذه أختك وأمك لا تدري، فلما شكا إلى أمه قالت له: خذ أياً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري. من أكبر الكبائر أن ينكر الإنسان نسبة أولاده إليه :
الإسلام فيه حفظ للأنساب، فيه نعمة لا يعرفها أحد إلا من فقدها، أن الأب على يقينه بوجوده أن هؤلاء أولاده، وأن الأبناء على يقين كيقينهم بوجودهم أن هذا والدهم، وهذه نعمة كبرى نعمة صفاء الأنساب، لذلك أمر الله بالزواج وحرم السفاح، شيء آخر، طبعاً لئلا يسقى زرع الرجل بماء غيره، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي زرعه بماء غيره.
عندما يكون هناك زنا صار هناك مكان للحرث والماء ليس من الأب، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بحديث موجز بليغ جامع مانع قال: (( الولد للفراش ))
[مسلم عن أبي هريرة]
عندما يكون هناك زوجية صحيحة، فالذي تلده المرأة هو ابن الزوج قطعاً، ولا يحتاج إلى إثبات، ولا إلى تصريح.
أي أن أي مولود تلده المرأة على فراش الزوجية هو من أبيه قطعاً، لذلك أيها الأخوة الكرام: لا يحل للزوج أو للأب أن ينكر نسبة ابنه إليه وهذا من أكبر الكبائر، وهذا يلحق بالابن أكبر الضرر، وأكبر الأذى، وأكبر العار، كما أنه يلحق بالأم أكبر الضرر، وأكبر الأذى، وأكبر العار، لذلك من الكبائر أن ينكر الإنسان نسبة أولاده إليه، لكن الشرع واقعي لو أن الأب شعر أن هناك مشكلة، أن هناك خيانة، ماذا يفعل؟ في سورة النور حل لهذه المشكلة، ما هذه المشكلة؟ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ﴾
[سورة النور: آية 6ـ9]
فإذا تلاعنا على من يستقر اللعن؟ يتخذ القاضي قراراً بالتفريق، وإلحاق الابن بأمه بعد الملاعنة، أكبر ذنب ألا يعترف الأب بولده، أما إذا كان هناك بينة فعليه أن يتلاعن هو وزوجته أمام القاضي.
طبعاً هنا في الآية شيء دقيق، والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
الزوج يصدق إذا رأى بعينه الخيانة، لكن الزوجة بإمكانها أن ترد بشهادة خامسة كل شهاداته، إنها إن فعلت هذا كذباً فإن غضب الله عليها، أما هو إذا افترى على زوجته فعليه لعنة الله، وفرق كبير بين اللعنة والغضب، إنه إن افترى عليها أسقطها وحطمها، أما هي إن كذبت دفاعاً عن شرفها فتنال غضب الله، لكن لعنة الله أشد من غضبه. التبني هو الموضوع المحرم في العلاقة بين الآباء والأبناء :
أيها الأخوة: الموضوع المحرم في العلاقة بين الآباء والأبناء هو التبني، التبني كان عند العرب في الجاهلية، وكان هذا السلوك متأصلاًً أشد التأصل في كيانهم، فكان الواحد يتبنى طفلاً، ويلحقه بنسبه، وينال من ميراثه، ويحرم عليه أن يتزوج زوجة متبناه، كما يحرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه، فكان في الجاهلية نظام التبني، هذا النظام قائم على أن أي رجل له زوجة وأولاد من حقه أن يلحق طفلاً بأسرته إلحاقاً كاملاً، يكنى بكنيته، ويلحق بنسبه، وينال من ميراثه، ويحرم عليه ما يحرم من الأبناء على الآباء، هذه العادة ليس لها أساس من الشرع، الابن ابن لكن المتبنى ليس ابناً، هذا المتبنى بكلمة: أنت ابني، أو كلمة: أنت كابني، لا يشعر بعاطفة الأبوة تجاه أبيه، كما أن الأب لا يشعر بعاطفة الأبوة تجاه ابنه، كما أن هذا الابن يميل إلى امرأة أبيه لأنه متبنى يشتهيها، هي أجنبية وليست أمه، فكلمة يقولها الأب: أنت ابني، وألحقه بنسبه، وأعطاه من ميراثه، وحرم على الأب ما يحرم عليه من ابنه، هذه الأحكام الثلاثة ليس لها أصل، فلذلك هذه العادة الجاهلية الشائعة نتج عنها فساد عريض، الابن ينشأ بين أمه وأبيه، هذه أمه وهذا أبوه، في قلبه عاطفة تجاه أمه، وفي قلبه عاطفة تجاه أبيه، والأب يحنو على ابنه، والأم تحنو على ابنها، ولكن هذا الطفل الغريب بكلمة أنت ابني لا يكون ابنه، لا يشعر بشعور الابن تجاه أبيه، ولا يشعر بشعور الأم المقدسة، هي امرأة أجنبية قد يشتهيها، فهذه العادة تؤدي إلى فساد عريض ضمن الأسرة الواحدة، إذا أسرة دخلها شاب أجنبي، أو فتاة أجنبية، في الأعمّ الأغلب يحصل فساد كبير جداً، لأن أحياناً بعض البلاد الأجنبية إذا طالب أحبّ أن يتعلم لغة يلتحق بإحدى الأسر في بريطانية، قال: يعامل كواحد منهم، هو ليس واحداً منهم، هو أجنبي بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وقد يقع الفساد العريض، وقد تزل القدم، وقد ينحرف انحرافاً خطيراً مع فتيات هذا البيت، لأنه ليس واحداً منهم، وهذه قضية خطيرة جداً.
تحريم التبني بالأمر التكليفي :
قضية التبني محرمة في الإسلام، لكن الذي يلفت النظر أن هذه العادة السيئة حرمها الله مرتين، حرمها بأمره التكليفي، وحرمها بسلوك النبي العملي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/02.jpg
كيف حرمت بالأمر التكليفي؟ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾
[سورة الأحزاب: آية 4]
أنت إذا ادعيت أن هذا ابنك وهو ليس ابنك، إذا أحدكم قال: هذا كرسي يصبح كرسياً؟ هذه كلمة لا تقدم ولا تأخر، ولا تفعل شيئاً. ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
[سورة الأحزاب: آية 5]
لكن الذي حصل أن سيدنا زيداً هذا الذي كان عبداً، وقدمته السيدة خديجة هدية للنبي عليه الصلاة والسلام، وحينما عرف أبواه مكان ابنهما أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبا منه ابنهما، والنبي بكل كرم أخلاق، وبكل بساطة عفوية، عرض عليه أن يذهب مع أبيه، أو أن يختار النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الغلام الذي عاش في كنف النبي، ونشأ في بيته الشريف، اختار النبي على أبيه وأمه، فقال: ويحك أتفضل هذا الرجل على أمك وأبيك؟ فقال: لقد رأيت منه ما أنساني أمي وأبي. النبي صلى الله عليه وسلم سلك سلوكاً عملياً في إبطال عادة التبني :
هذا الصحابي الجليل سيدنا زيد حينما اختار النبي على أمه وأبيه، خرج النبي عليه الصلاة والسلام وأعلنها في الملأ أن زيداً ابني بالتبني، أن زيداً بن محمد، فصار اسم سيدنا: زيد بن محمد على العادة السائدة في الجاهلية، زيد تزوج ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وكان يشكو من زوجته كثيراً، وقد أوحى الله إلى النبي أن يتزوج زينب، أي الآن تماماً هل يعقل لأب لابنه زوجة أن يتزوج زوجة ابنه؟ مستحيل.
وكانت زوجة المتبنى قبل نزول هذا الحكم بمثابة زوجة الابن حقاً، لذلك الله عز وجل ألغى هذه العادة بآيتين، وسوف يلغيها بسلوك النبي عليه الصلاة والسلام.
فالذي حصل أن الله سبحانه وتعالى أمر زيداً أن يطلق امرأته، وأمر النبي أن يتزوجها، طبعاً هناك قصة ترويها بعض الكتب صدقوني لا أصل لها، والنبي أعظم بكثير وأجلّ بكثير أن يفعل ذلك، أنه كان يمشي في الطريق رأى باباً مفتوحاً نظر فإذا امرأة تستحم من غير ثياب، وقعت في نفسه فقال: سبحان الله!
هذه قصة ساقطة ضعها تحت قدمك، النبي أعظم من ذلك، وأجل من ذلك، وأرقى من ذلك، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه القصة لا أصل لها، إنها من ترويج أعداء الإسلام.
أراد الله عز وجل أن يبطل هذه العادة المستحكمة الشائعة في الجاهلية، وهي عادة التبني، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زوجة متبناه زينب، وكان هذا على النبي صعباً جداً.
مخالفة شيء مألوف وموثق في الحياة، فلذلك الله عز وجل أشار إلى هذا في آية دقيقة جداً، قال تعالى:
﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 37]
بهذه الآية سلك النبي صلى الله عليه وسلم سلوكاً عملياً في إبطال عادة التبني.
إنسان يُدخل لبيته شاباً ليس ابنه، وهو يشتهي أخته بالتبني، ويشتهي أمه بالتبني، وقد تشتهي الأم ابنها بالتبني، فساد عريض، واختلاط أنساب شديد، وفوضى لا نهاية لها. إنهاء ثلاثة أشياء مع عادة التبني هي :
1 ـ إلغاء أن يرث المتبنى من الذي تبناه :

لذلك الله عز وجل بعد إنهاء هذه العادة أنهى معها ثلاثة أشياء، ألغى أن يرث المتبنى من الذي تبناه، قال تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾
[سورة الأنفال:آية 75]
2 ـ حرم أن يكون المتبنى كالابن :
وحرم مع المحرمات قال تعالى:
﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾
[سورة النساء:آية 23]
3 ـ سمح للآباء أن يتزوجوا زوجات متبنيهم :
محرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه و ليس المتبنى، فلذلك نزل القرآن الكريم في هذا الموضوع فقال الله عز وجل:
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾
[سورة الأحزاب:آية 37]
فكلما شكا زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم امرأته، يقول النبي: أمسك عليك زوجك، معنى هذا أن الله أوحى إليه أن على النبي الكريم أن يتزوج زوجة متبناه، واتقِ الله قال تعالى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) ﴾
[سورة الأحزاب:آية 37ـ40]
الإسلام حرم عادة التبني الذي كانت شائعة في الجاهلية، ومتعمقة الجذور في المجتمع الجاهلي، حرم أن يكون المتبنى كالابن هذه كلمة لا تفعل شيئاً، ولا تغير حقيقة، ولا تقيم حكماً، وسمح للآباء أن يتزوجوا زوجات متبنيهم, لأن هذا المتبني ليس ابناً، ومنع الآباء من أن يورثوا أولادهم بالتبني، ومنعت هذه العادة من أصلها. ليس محرماً أن يتولى الإنسان طفلاً بالرعاية و العناية ليس له أحد يرعاه :
ولكن قد نفهم الآن شيئاً آخر وهو: لو أن هناك طفلاً يتيماً رضيعاً توفيت أمه بعد أن ولدته، وكان أبوه مسافراً، وليس لهذا الطفل أحد يرعاه، إذا ضممته إلى بيتك كان رضيعاً، وأغدقت عليه من عطفك، ورعايتك، وأنفقت عليه، وتوليته بالتربية والرعاية، فهل هذا الشيء محرم؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/03.jpg
لا أبداً ليس محرماً، المحرم أن تلحق نسبه بنسبك، والمحرم أن يختلط بأسرتك، والمحرم أن يرث منك، أما إن لم تلحقه بنسبك، ولم يرث منك، ولم يختلط نسبه بنسبك، و أوليته بالرعاية والعطف، فلما صار طفلاً يعرف عورات النساء وضعته في مكان آخر، أخذته رضيعاً حتى بلغ العاشرة، هذا ليس محرماً، هذا من أجل الأعمال عند الله عز وجل، عندما حرم الإسلام التبني حرم الإلحاق النسبي، وحرم منع الزواج من زوجة المتبنى، وحرم أن يرث المتبنى من المتبني، أما إذا كان ضممته إليك كرعاية، وعطف، وتربية، وإطعام، وإكرام، فهذا من الأعمال الجليلة الصالحة، وليس هذا محرم في الإسلام.
وهناك أشخاص كثر يفعلون مثل هذه الأعمال الطيبة، ولهم عند الله أجر كبير، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، يشير إلى السبابة والوسطى وفرج بينهما))
[ البخاري و أبو داود عن سهل بن سعد]
واللقيط في معنى اليتيم، أنا حدثني أخ يمشي في الطريق إلى صلاة الفجر، مشى إلى جوار حاوية فرأى فيها كيساً أسود يتحرك، فدهش أمسك بالكيس فإذا فيه غلام ولد لتوه يتحرك، إذا أخذه، ورباه، واعتنى به، إلى أن أصبح طفلاً يعرف عورات النساء، رباه عشر سنوات، ووضعه في ميتم، أو في مؤسسة خيرية، وتولى رعايته إلى أن زوجه، ولو أنها فتاة صغيرة إلى أن شبت وضعها في مكان مناسب عند أحد أقربائها، وزوجها، هذا ليس حراماً في الإسلام، هذا من الأعمال الجليلة.
أما الحرام فاختلاط الأنساب، وإدخال طفل غريب إلى البيت. إشكالات التلقيح الصناعي :
الشيء الذي حرمه الإسلام كما يجري الآن في بعض البلاد من التلقيح الصناعي أحياناً يؤخذ ماء رجل آخر يوضع في رحم الزوجة، هذا زنا، مسموح فقط من التلقيح الصناعي إذا كان العلم تقدم، والحوينات عند الرجل غير كافية لإحداث الإخصاب، يأتون بهذه الحوينات ويأتون بالبويضة، الحوينات من الأب والبويضة من الأم، وتوضع البويضة والحوينات في أنبوب، ويتم التلقيح، ثم تزرع هذه البويضة الملقحة في رحم المرأة، هذا شيء لا غبار عليه، وقد أجازه مجمع الفقه الإسلامي.
هذه الحالة الوحيدة التي يجوز أن يفعلها من كان يشكو ضعفاً في حويناته، أو ضعفاً في المبايض من قبل المرأة، أما ما سوى ذلك - أن يؤخذ ماء رجل آخر، أو بويضة امرأة أخرى، أو أن يستأجر رحماً لوضع الماء مع البويضة - فهذا كله حرام، وهذا يلتقي كله مع الزنا، وفيه اختلاط الأنساب.
ولا يخفى أيها الأخوة أن في المجتمعات الغربية الآن حالات كثيرة وقائمة أن يتزوج الإنسان من أخته وهو لا يدري، فوضى، واختلاط في الأنساب، فيمكن للإنسان أن يخطب فتاة هي أخته في الأساس.
تشديد الإسلام على صفاء النسب وعلى عدم اختلاط الأنساب :
الآن كما أنه محرم على الأب أشد التحريم أن ينكر نسب ابنه إلا عن طريق التلاعن الذي ذكرته قبل قليل، محرم على الابن أن ينتسب إلى غير أبيه، وهذا التحريم من أشد أنواع التحريم، قال عليه الصلاة والسلام:
((من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلاً))
[ مسلم عن إبراهيم التيمي عن أبيه]
وفي حديث آخر مروي عن سيدنا سعد بن أبي وقاص أنه قال: ((من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام ))
[ مسلم عن سعد بن أبي وقاص]
دققوا في تشديد الإسلام على صفاء النسب، وعلى عدم اختلاط الأنساب. تحريم قتل الأولاد في الإسلام :
الآن ما هو محرم أشد التحريم؟ قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) ﴾
[سورة الإسراء: آية 31]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/04.jpg
الآن في بعض المجتمعات الشرقية حيث فرض على الأب والأم إنجاب طفل واحد فإذا جاءت الأنثى قتلت وخنقت، هذا يجري في الصين الآن، وهناك عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج، لأنه حينما قتلت البنات ما الذي حصل؟ نقص هذا العدد، وفي بعض الإحصاءات أن في عام ألفين خمسين مليون شاب صيني ليس لهن زوجات، لذلك ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾
محرم أشد التحريم.
الإجهاض من أنواع قتل الولد، وهو محرم، وما مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة إلا من أجل تحليل الإجهاض، والآن في أمريكا الإجهاض أصبح مسموحاً به، أي امرأة تدخل إلى أي مستشفى حكومي تجري عملية إجهاض دون أن تكون مسؤولة أو محاسبة على عملها، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * ﴾
[سورة التكوير: آية 8ـ9]
وفي الحديث الصحيح سئل عليه الصلاة والسلام أي الذنب أعظم؟ قال" أن تجعل لله نداً وهو الذي خلقك، ثم قيل أي أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.
الإجهاض، الإسقاط، القتل أحياناً في بعض المجتمعات، هذا محرم أشد التحريم حتى أن الله سبحانه وتعالى حينما أمر النبي أن يبايع النساء بايعهن على أن: ﴿ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾
[ سورة الممتحنة : آية 12]
حقوق الابن على أبيه :
الآن من حق الابن على أبيه أن يحفظ له حياته، ومن حق الابن على أبيه أن يحسن تسميته، فلا ينبغي أن يسميه باسم يتأذى معه إذا كبر، يحرم عليه أن يسميه عبد لغير الله، عبد النبي غلط.
الحق الأول أن يحفظ له حياته، والحق الثاني أن يحسن تسميته، والحق الثالث أن يرعاه، وأن يربيه، وأن ينفق عليه، فلا يجوز إهماله، ولا إضاعته، الحقيقة اليتيم الحقيقي الذي يجد أماً تخلت أو أباً مشغولاً، هذا هو اليتيم الحقيقي، ليس اليتيم من فقد والده أو والدته ولكن اليتيم الحقيقي من وجد أماً تخلت عنه أو أباً مشغولاً، قال عليه الصلاة والسلام:
(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمرو ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/05.jpg
أنا أقول هذه الكلمة: الناس أنت لهم وغيرك لهم، لكن أولادك من لهم غيرك؟ أنت وحدك مسؤول عنهم، لأن الله سبحانه وتعالى جعلهم في رعايتك، وجعلهم تحت جناحيك، فلذلك مسؤولية الآباء مسؤولية كبيرة جداً جداً، هم مسؤولون عن تربية أبنائهم التربية الإيمانية، وعن تربية أولادهم التربية الخلقية، وعن تربية أولادهم التربية الجسمية، وعن تربية أولادهم التربية العقلية، وعن تربية أولادهم التربية النفسية، وعن تربية أولادهم التربية الاجتماعية، وعن تربية أولادهم التربية الجنسية، وهذه التربيات هي مسؤولية الآباء.
نحن أمضينا في هذا الموضوع ثلاثين درساً في تربية الأولاد في الإسلام، تربية الأولاد تربية إيمانية، وأخلاقية، وعقلية، وجسمية، و نفسية، واجتماعية، وجنسية.
والإنسان إذا اطلع على هذه الدروس، أو استمع إليها، أو قرأ بعض الكتب التي تعالج هذا الموضوع، يتعلم كيف يربي أولاده.
ولا أبالغ أيها الأخوة إن أعظم عمل على الإطلاق أن تربي أولادك التربية الإسلامية الصحيحة، لأنك إن ربيت أولادك هكذا أنت لن تموت، لأنهم استمرار لك، ولك صدقة جارية لا تنقطع، مع أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له. وأد البنات :
أيها الأخوة: لازلت في العلاقة بين الآباء والأولاد، أول فكرة الولد سر أبيه، واستمرار لوجود الأب، وثمرة قلبه، والولد محرم على الأب ألا يعترف بالنسب إليه أشد التحريم، محرم على الأب أن يدخل على هذه الأسرة من ليس منها، التبني، محرم على الأب أن يقتل ابنه بطريقة أو بأخرى، الآن أقف عند نقطة دقيقة: بربكم لو أن أباً جاهلاً كما هي الحال في الجاهلية وأد ابنته والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * ﴾
[سورة التكوير: آية 8ـ9]
إنه إن وأدها وماتت قبل البلوغ، وأدها وهي في السنة الأولى من عمرها أين مصير هذه الفتاة؟ إلى الجنة، أما إذا كبرت وأفسدها أين مصيرها؟ إلى النار، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
[سورة البقرة:191]
عندما قلت: أب يقتل ابنه وجدت على وجوهكم الاستغراب، هل هناك أب يقتل ابنه؟ في الصين فعلوها، أنا أتابع هذا الموضوع من أوله؛ أول شيء منعت الأسرة إلا من إنجاب ولد واحد، ما الذي كان يحصل؟ تأتي البنت تخنق إلى أن يأتي الغلام فيسجل، واجهوا مشكلة نقص الفتيات، ظهرت عصابات لخطف الفتيات، في عام ألفين هناك خمسون مليون صيني بلا زوجات، هذه مشكلة. الأب الذي أفسد ابنته وسمح لها أن تخرج كما يحلو لها دفعها إلى النار :
لكن أنا أقول لكم كلاماً آخر طبعاً ليس في عالمنا الإسلامي أي أب في المئة ألف يقتل ابنه، هناك حالات شاذة في بعض المدن في شمال شرق سوريا أب قتل ستة أولاد، قتلهم واحداً واحداً، طبعاً عنده اختلال عقلي، فلما قلت محرم قتل الأبناء رأيت على وجوهكم استغراباً، هذا الذي يربي ابنه تربية لا أخلاقية يطلقه إلى الشهوات، لا يحمله على الطاعات، يدفعه إلى الكسب الحرام، أين مصير هذا الابن؟ إلى النار لذلك دقق في قوله تعالى:
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
[سورة البقرة:191]
الأب الجاهل الذي قتل ابنته، ووأدها، مصيرها إلى الجنة، أما الأب الذي أفسد ابنته، وسمح لها أن تخرج كما يحلو لها، وأن تظهر مفاتنها للشباب في الطريق، وهو أب مسلم، ويصلي الجمعة أحياناً، فهذا الأب ليته قتلها، هو الآن أفسدها، فلما أفسدها كانت هذه الفتنة أشد من القتل، الحديث الشريف قال عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمرو ]
((إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته))
[ابن حبان وأبو نعيم عن أنس]
يوجد أزواج يهمهم من زوجاتهم أن تكون زوجة جيدة، طبخ، تنظيف، لكن هل صلت؟ الغسيل نشرته في الشرفة وهي متكشفة أمام الأجانب والجيران لا يبالي كثيراً، ليس عنده غيرة أحياناً، أما إذا كان الطبخ غير جاهز يقيم النكير، مثل هذا الزوج لا يرعى حقاً لزوجته. المساواة بين الأبناء في العطية :
الآن يجب على الآباء - وإنني ألح على هذه الفكرة- أن يسووا بين أبنائهم في العطية حتى يكونوا لهم في البر سواء.
أول قضية أسأل عنها كل أسبوع: الطلاق، ثاني قضية عدم العدل بين الأبناء أب يحرم البنات، وما أكثر هذه الظاهرة، أو أب يحرم أبناءه من زوجة لا يحبها، له زوجتان.
حدثني أخ متزوج فتاة هي بنت لأم مطلقة في أيام العيد وأبوها من أهل الغنى ذهبت إلى بيت أبيها هي وزوجها، فرأت بنات الأم الثانية عند أبيهم، ما كان من الأب إلا أن طردها بشكل أو بآخر، إرضاء لزوجته الجديدة أخرجها من البيت تبكي.
أما بناته الأخريات من الزوجة الجديدة فيسرحون ويمرحون في البيت، أما هذه البنت من زوجة مطلقة فصرفت من البيت، فلذلك الشيء الدقيق أن يسوي بين أبنائه الذكور والإناث في العطية من هذه الزوجة أو من تلك الزوجة، بقول عليه الصلاة والسلام:
((اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ))
[ أحمد عن النعمان بن بشير]
و هناك حديث صحيح وقصة هذا الحديث أن امرأة بشير بن سعد الأنصاري طلبت إليه أن يخص ولدها النعمان بن بشير بمنحة مالية، وأرادت توثيق هذه الهبة، فطلبت من زوجها أن يشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه وقال: ((إِني نَحَلْتُ ابني هذا غُلاما كان لي. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : فارجعْهُ ».
وفي رواية قال: « تَصَدَّقَ عَليَّ أبي ببعض ماله ، فقالت أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رواحة : لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فانطلق أبي إِلى النبي لِيُشهده على صدقتي. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : أفعلتَ هذا بِوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ قال: لا ، قال: اتقوا الله ، واعْدِلُوا في أولادكم ، فرجع أبي، فَرَدَّ تلك الصدقة ».
وفي أخرى : فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : « يا بشير ، أَلَكَ وَلَد سِوَى هذا؟ قال : نعم ، قال: أكلَّهُمْ وهبت له مثل هذا؟ قال: لا ، قال: فلا تُشْهِدْني إِذَنْ ، فإِني لا أشهد على جَور».
وفي أخرى : « أشْهِدْ على هذا غيري. ثم قال: أَيَسُرُّكَ أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء؟ قال : بلى. قال: فلا ، إِذن » ))
[ متفق عليه عن النعمان بن بشير]
الإنسان قد يعبد الله ستين عاماً ثم لا يعدل بين أولاده فتجب له النار.
أسوأ خاتمة خاتمة رجل أنهى حياته بحرمان بعض أولاده، أو حرمان البنات، وما أكثر الأسر التي تحرم البنات، يقول لك: هذا المال ذهب لغريب.
إذا ابنتك وسعت منزلها في حياتك ودعت لك ما المانع؟
هذه القصة وقعت في عهد النبي. من خرج عن العدل لمصلحة راجحة لا شيء عليه :
أخواننا الكرام: الأب الموفق الذي يرجو رحمة الله، الأب الذي يرجو أن يموت على الإيمان، الأب الذي يرجو أن ينجو من عذاب الله، ومن عذاب القبر، عليه أن يعدل بين أولاده في العطية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4941/ar-4941/06.jpg
قد يقول أحدكم: هذا الولد يخدمني أكثر، أنت إذا حرمت المقصر زد في إبعاده عنك، وزد في حقده على أخيه، اعدل بينهم، ودع إكرامهم لك، دع ربك يجازيهم عن إكرامهم لك.
اعدل بينهم في العطية، الإمام أحمد يرى - وهذا رأي وجيه- إذا ابن فيه عاهة، كسيح مثلاً، الأب خصه في دكان ليقتات منها استثناء عن أخوته، أحياناً بنت زوجها دخله محدود، البيت مستأجر يوجد ورقة إخلاء، أما بقية البنات فأزواجهم تجار، ودخلهم كبير، فخص هذه البنت الفقيرة ببيت تأوي إليه هي وزوجها، لا يوجد مانع عند الإمام أحمد.
إذا أنت خرجت عن العدل ولكن لمصلحة راجحة راجحة ولك حجة أمام الله عز وجل، الإمام أحمد يرى أنه لاشيء على الإنسان، قال تعالى:
﴿ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
[سورة النساء: آية 11]
الحقيقة يقول لك أخ: أنا لا أفعل هذا الشيء، هذا الدين ليس لك، هذا الدين لمجموع المجتمع الإسلامي، أي أنا أشعر أحياناً أن هناك أحكاماً ألقيها عليكم أعتقد أن معظمكم لا يفعلها إطلاقاً، لا يوجد أحد يقصر مع أولاده، يجيعهم، لكن هذا هو الشرع، أنا أريد أن أذكر حكم الله.
إن هذا الدين لمجموع الأمة، قد يكون طالب علم متفوق، مخلص، ورع، يتوهم بأن الدرس ليس له، أما هذا الدرس فلمجموع الأمة، أما ما أكثر الآباء الذين لا يعدلون مع أولادهم، وتجد الابن محروقاً، مطعوناً في الصميم، حينما يعمل عملاً مجهداً ولا يأخذ من أبيه حقه، قد يؤثر ابن زوجة جديدة على ابنه من زوجته القديمة. من خالف شرع الله في الميراث فله عذاب مهين :
نعم آية المواريث تبدأ بقوله تعالى:
﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾
[سورة النساء: آية 12ـ 14]
﴿أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة النساء: آية 176]
من خالف شرع الله في الميراث قال: أعدّ الله له ناراً خالداً فيها، و له عذاب مهين، هذه كلها في آيات المواريث. واجبات الأبناء تجاه آبائهم :
الآن كما أن الآباء عليهم واجبات تجاه الأبناء في العدل، في العطاء، في الرعاية، في التربية، في الإنفاق، في أن يحسن اسمه، في أن يحسن اختيار أمه، ألا يقتله، ألا ينكر نسبه، الآن على الأبناء واجبات كثيرة، من هذه الواجبات: البر و الطاعة والإكرام قال تعالى:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾
[سورة الأحقاف:آية 15]
و هناك رجل سأل الرسول: (( يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي؟ قال : أمُّك '، قال : ثم مَنْ؟ قال : أمُّك، قال : ثم مَنْ؟ قال : أمُّك، قال : ثم مَنْ؟ قال : أبُوك . وفي رواية قال أمَّك، ثم أمك، ثم أباك ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه. قال: الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور))
[ متفق عليه عن أبي بكرة]
وقال عليه الصلاة والسلام: (( ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر ))

[البيهقي عن عمار بن ياسر]
المتشبهة بالرجال، لبس البنطال للمرأة هذه رجلة.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات))
[الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي والطبراني والخرائطي عن أبي بكرة]
وحينما نهى الله عز وجل أن يقول الابن لأبيه كلمة أف ورد في الأثر أنه لو كان في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل.
أي أقل شيء أن تتنفس بصوت مسموع أمام أبيك، هذا محرم. الابتعاد عن أية إساءة للناس تسبب لعن الوالدين :
الحقيقة هناك نقطة مهمة جداً، قال عليه الصلاة والسلام:
((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه))
[البخاري عن عبد الله بن عمرو]
إذا إنسان لسانه بذيء وأطلق سباباً، طبعاً الطرف الآخر سيسب الأب، فالذي سبّ أباه هو الذي سبّ آباء الناس حتى سبوا أباه، طبعاً الإساءة مطلق الإساءة أية إساءة للناس تسبب لعن الوالدين. تقديم بر الوالدين على الجهاد :
آخر شيء في الدرس الجهاد ذروة سنام الإسلام، ومع ذلك:
((جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد، فقال : أحيٌّ وَاِلَداكَ؟ . قال : نعم . قال : ففيهما فجاهدْ ))
[البخاري عن عبد الله بن عمرو]
((أقبل رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: «هل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم، بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما))
[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
وفي حديث آخر قال: ((ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما))
[ النسائي عن عبد الله بن عمرو]
الطاعة و العبادة لله وحده والإحسان للوالدين :
آخر شيء لو أن الوالدين كانا كفاراً، وأمراك بمعصية، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[سورة لقمان: آية 15]
طلب منك الوالد أن تقضي له حاجة، تشتري له دواء، تركب له مدفأة، تقدم له طعاماً، ولو كان كافراً، عليك أن تؤدي حقه، أما إذا أمرك بمعصية الله هذا الأمر وحده لا ينبغي أن ينفذ لقول الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

السعيد
09-19-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : الحياة العامة للمسلم






الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الدين و الثقافة :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السادس عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وندخل الآن في الحياة العامة للمسلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: هناك مصطلح في تاريخ الحضارات اسمه الثقافة، الثقافة هي مجموع المعتقدات، والتصورات، والأساطير، و العادات، والتقاليد، وأنماط المعيشة، وطرائق الفرح والزواج، وأساليب الحزن، كل أمة لها تقاليد، لها عادات، لها تصورات، لها تراث، لها أساليب في الحياة، مجموع هذه التصورات والمعتقدات والأساليب والعادات والتقاليد تسمى في علم الحضارة ثقافة، الثقافة شيء والدين شيء آخر، الدين وحي من السماء: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
[سورة فصلت: الآية 42]
الدين من عند خالق الكون حق صرف، أما العادات والتقاليد والأساليب والأنماط والتصورات والمعتقدات والأساطير وما توارثه الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء فهذا يدخل تحت مصطلح الثقافة، لكن الإسلام هذا الدين القويم، هذا التشريع الرشيد، هذا الدستور الحكيم، هل ترك الثقافة سائدة؟ يعتقد الناس بالأوهام، يصدقون بالخرافات، يسحرون، يلجؤون إلى الكهان والعرافين، ويقعون في الأوهام، هذا صلب عمل الدين، هذا مبرر وجود الدين. الإسلام لا يقبل ثقافة خرافية ولا سلوكاً لا يتناسب مع منهج الله :
لذلك الإسلام ينطلق من أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، ومربياً حكيماً، خلق الكون وفق نظام السببية، كل شي له سبب، وكل شيء له غاية، ولا تناقض في الكون، وهذه هي نفسها مبادئ العقل، هذه خصائص الكون وتلك مبادئ العقل، فأية فكرة، أو تصور، أو خرافة، أو معتقد، أو عادة، أو تقليد، أو نمط معيشة، أو أسلوب حياة، يتناقض مع هذه المبادئ الأساسية فهي مرفوضة، أي المرأة في الهند يجب أن تحرق مع زوجها الميت وهي حية، تسجى إلى جانبه، ويحرق هو الميت وهي الحية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/02.jpg
هكذا التقاليد، أكبر قطيع بقر في العالم في الهند لأن البقرة عندهم إله، وصدقوني هناك شعوب في قمة النجاح العلمي، والصناعي، والتكنولوجي، وتنافس أكبر الدول الصناعية في العالم، تعبد ذكر الرجل، وشعوب أخرى تعبد الجرب، وشعوب تعبد الموج، وأخوة كرام مصدقون عندي كانوا في هذه البلاد ورؤوا بأم أعينهم كيف أن هذه الشعوب تعبد هذه الأوثان من دون الله.
درسنا اليوم الثقافة، الإسلام لا يقبل ثقافة خرافية، لا يقبل سلوكاً لا يتناسب مع منهج الله، لا يقبل معتقداً خرافياً، لا يقبل أضاليل، ترهات، لا يقبل الدجل أبداً، فلذلك المؤمن علمي، أكبر مثل أضعه بين أيديكم الصحابة الكرام، عندما توفي ابن النبي عليه الصلاة والسلام إبراهيم لحكمة أرادها الله كسفت الشمس فقالوا: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فلما سمع النبي هذا الكلام صعد المنبر وخطب الناس وقال: "إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه".
ليته سكت لعظّمه الصحابة أكثر، لا.
هذه أمانة علمية، هذه خرافة لا أصل لها، هذا وهم باطل، هذا ادعاء لا يصح، لا يوجد إنسان مؤمن عنده خرافات أبداً، دجل، خرافة، أوهام، أكاذيب، هذا الإسلام حاربه أشد المحاربة، قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾
[سورة المؤمنون: الآية 71]
بناء الكون على أنظمة بالغة في الدقة :
الآن ونحن مسلمون، والقرآن بين أيدينا، والسنة بين أيدينا، ونحضر خطب الجمعة، ومعظم الناس يذهبون إلى المشعوذين، يقول لك: مسحور، كتبوا لي ماء مالحاً، لست متفاهماً مع زوجتي، الجن داخلون بي، يقول لك: هذا الشيخ يخرج الجني مني، كل هذا خلط بخلط، خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك لا يوجد مؤمن دجال http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/03.jpg
لا يوجد مؤمن خرافي، إياكم أن تعتقدوا بخرافات وأباطيل ودجل، والحقيقة أقول لكم هذه الكلمة: والله لا يوجد شيء في الإنسان أقبح من الجهل، لا يوجد شيء أقبح من أن تتوهم شيئاً غير صحيح، الإنسان المخلوق الأول المكرم الذي أكرمه الله بالقوة الإدراكية، هذا الإنسان المميز العاقل الذي جعل الله له الكون مسخراً، يعتقد بأن البقرة إله، وأن هناك من يسيء العلاقة بينه وبين زوجته كالسحرة، لذلك هذا الكون مبني على أنظمة بالغة الدقة، على رأسها نظام السببية، ومنها نظام الغائية، ومنها نظام الهوية، وعدم التناقض، فالعقل هذه مبادئه، فلا نقبل أبداً إلا الشيء الذي ورد به نص صحيح، قرآن كريم أو سنة صحيحة، وما سوى ذلك لا نقبل به أبداً، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾
[ سورة الأحزاب : الآية 62]
﴿ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾
[سورة فاطر: الآية 43]
مثلا: تفاحة قبل أن تغسلها أكلتها وقلت: توكلت على الله، لا يضر مع اسمه شيء، الله الشافي، هذه زعبرة، اغسلها، نظام الجرثوم قد يصل إليك رغم كل التمتمات، اغسلها، اعقل وتوكل، قال يا رسول الله: أعقلها أم أتوكل، قال: اعقلها وتوكل، خذ بكل الأسباب وتوكل على رب الأرباب، إن لم تأخذ بالأسباب فقد عصيت، وإن اعتمدت عليها فقد أشركت، هذا هو الدين.
والإيمان الصحيح أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد على رب الأرباب. الإيمان الصحيح أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد على رب الأرباب :
لذلك اسمحوا لي أن أقول لكم: إن الذي لا يأخذ بالأسباب يحتقر نظام الكون، والله سبحانه وتعالى لن يغير هذا النظام من أجله، قال لك الطبيب: ضغطك مرتفع دع الملح، لو أنك فقيه لعلمت أن هذا الأمر من الطبيب يرقى إلى مستوى الفرض في دينك، لأن حياتك ليست ملكك، ملك أولادك وزوجتك، وملك المسلمين، وملك أخوانك، وإن هذا يعقبك.
يجب أن نأخذ بالأسباب، الغربيين أخذوا بالأسباب، وتفوقوا لكن ألهوها وعبدوها من دون الله، والشرقيون لجهلهم تركوا الأخذ بالأسباب، فتحكم بهم من أخذ بالأسباب، وأصبحوا في قبضتهم، سيدنا عمر دخل على قرية فرأى معظم الباعة من الأقباط فعنف أهل هذه القرية تعنيفاً شديداً، فقالوا: إنّ الله سخرهم لنا، كما يقول بعض أهل النفط، لا يعملون يركبون أفخر السيارات، يركبون الطائرات، يأتون بكل المخترعات، لكن بين عشية أو ضحاها فقدت من بين أيديهم الكتلة النقدية، وانتقلت إلى غيرهم بأساليب ماكرة تعرفونها جميعاً، دولة تمتلك مئة وخمسين ملياراً كاحتياطي، أصبحت مديونة بخمسين ملياراً، عامان فقط، يجب أن نأخذ بالأسباب وأن نتوكل على رب الأرباب.
سيدنا عمر عنفهم لأن هؤلاء الذين يعملون وينتجون ليسوا مسلمين، فقالوا: إن الله سخرهم لنا -كما يدعي بعض الكسالى- فما كان من هذا الخليفة الراشد الذي له نظر بعيد إلا أن قال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟
سيدنا عمر قبل ألف وأربعمئة عام أدرك أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف، المنتج يتحكم برقبة المستهلك، أنت مؤمن يجب أن تسد ثغرة في الحياة العامة، أنت مهندس زراعي، أنت مهندس مدني، أنت طبيب، أنت خبير كيماوي، أنت صاحب حرفة، أنت تاجر، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمسك النبي بيد أحد أصحابه وكانت خشنة رفعها وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله.
والله أحياناً تقع عيني على أخ في لباس العري التعبير المهني – ميكانيكي- والله أكُنّ له كل احترام، ينتهي العمل يرتدي أجمل الثياب، ويأتي إلى المسجد، الله يحب صاحب الحرفة، يحب الذي يأكل من عمل يده، يحب الذي ينفع المسلمين.
أقول ثانية: لا تنتظر أن يغير الله الأنظمة والقوانين من أجلك، إنك إن لم تعبأ بها تحتقرها، واحتقارك لها يؤدي بك للاستخفاف بخالقها، تجد المسلم بعيداً عن الأسباب، والكافر يأخذ بالأسباب بحذافيرها، ونحن لا نأخذ بها لا بطعامنا، ولا بشرابنا، ولا بحركتنا، ولا بنظام حياتنا، ولا بنظام تجارتنا، أي شيء عشوائي كيفي، لذلك دائما جهدنا لغيرنا، وغيرنا هو الذي يتحكم بنا.
أول نقطة: درسنا عن الثقافة اليوم، و ماذا يوجد في المجتمع من تقاليد و أوهام و معتقدات و عادات.
لا يعلم الغيب إلا الله :
أولاً: ليس في الكون كله إنسان واحد، أو جان واحد، أو ملك واحد يعلم الغيب، تستطيع بهذه الآية أن تمسك ألف قصة وتركلها بقدمك، لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل: الآية 65]
لا ملائكة، ولا جن، ولا بشر يعلمون الغيب، ابدأ بفنجان القهوة سوف يأتيك مال، كذب، حظك هذا الأسبوع تقرأه من خلال مجلة مزقها لأن هذا كلام فارغ لا يعني شيئاً، رقمك ثلاثة عشر كذب، يوم الأربعاء امتحانك، وإذا كان يوم الأربعاء لن أنجح لأنه يوم الأربعاء، كلها خرافات. الإسلام حرب على الأوهام والخرافات والترهات والأباطيل :
دققوا لا يوجد شيء في الإنسان أقبح من الجهل، أن تعتقد بشيء غير صحيح، والله قبل سنوات زرت مصر، ودخلت إلى الأهرامات، وجدت أن هذه الأمة التي بنت هذه الأهرامات تنطلق من الجهل، تعتقد أنه يوجد حياة في القبر، الطعام، والشراب، والخبز، واللحم، والمركبات، القبر محدود، مساحته خمسون متراً، لماذا المركبة؟ يوجد مركبة، وعجلات، وذهب، وفضة، وحلي مدفون تحت الأرض لعقيدة واهمة، تحتقر أمة بأكملها، الفراعنة جهلوا الحقيقة، حضارتهم تحت التراب كلها، لاعتقاد واه غير صحيح، لا يوجد شيء يزري بالإنسان كالجهل، أو كالوهم، لذلك الإسلام حرب على الأوهام، والخرافات، والترهات، والأباطيل، والدجل، والكذب، والتزوير، استمعوا إلى قول الله عز و جل:
﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل: الآية 65]
الآن أضعكم أمام قصة ليس لها حكمة عند الله إلا أن تعتقد أن أحداً في الكون لا يعلم الغيب، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام جاءه وفد من بعض القبائل وطلبوا منه سبعين قارئاً ليعلموا قومهم القرآن الكريم، والنبي بعث معهم هؤلاء السبعين، سبعون قارئاً وعالماً، في الطريق ذبحوهم، لمَ لم يعلم النبي هذه الحقيقة؟ لأنه بشر لا يعلمها، النبي علم آلاف الحقائق المستقبلية عن طرق إعلام الله له، فالنبي يعلم الغيب إذا أعلمه الله، أما إذا لم يعلمه فلا يعلم الغيب، هذا درس بليغ لا يعلم الغيب إلا الله.
قبل يوم أو يومين سألني صديق أن فلاناً يكشف للمستقبل، ويعلم الغيب، كلام من هذا القبيل، فقلت له: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق يقول الله له آمراً: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف : الآية 188]
الله عز وجل أعطانا شاهداً كبيراً سيدنا سليمان أوتي لغة الطير، وقد سخر الله له الجن، كلفهم بأعمال شاقة ومتعبة، ومات سليمان عليه السلام متكئاً على عصاه، ولحكمة أرادها الله حفظ الله له جسمه، وما علموا أنه مات إلا بعد أن أكلت الدابة أي السوسة مِنْسَأَتَهُ، فلما خر تبينت الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أليست هذه القصة دالة دلالة واضحة على أن الجن لا يعلمون الغيب؟ كلفهم بأعمال شاقة، عذبهم عذاباً مهيناً ومات، لو علموا أنه مات لكفوا عن هذه الأعمال الشاقة، لكن ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل مِنْسَأَتَهُ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. الجهل أعدى أعداء الإنسان :
أخواننا الكرام: كلما سمعت قصة تفيد بأن الشيخ الفلاني يعلم الغيب، يشاهد لك حظك، الشيخ الفلاني، الكاهن الفلاني، الفلكي الفلاني، وكلما وجدت في المجلة حظك هذا الأسبوع، وكلما جلست مع شخص دجال يقرأ لك فنجان القهوة فيقول: سوف يأتيك مال، أو لك عدو يتربص بك احذر منه، هذا كله كلام دجل في دجل، لا تعبأ به أبداً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إني لست بكاهن، وإن الكاهن والكهانة والكهان في النار.
بعض الناس على سذاجتهم في عهد النبي خبؤوا له شيئاً بأيديهم ثم قالوا له: ماذا بيدنا يا رسول الله؟ أنت نبي قل ما بيدنا؟ أي امتحان سخيف، فقال: إن لست بكاهن، وإن الكاهن والكهانة والكهان في النار.
إذا خبأت بيدك ليرة ذهبية وسألت عالماً جليلاً هل تعلم ما بيدي؟ يقول لك: لا أعلم وهذا مما أفتخر به أنني لا أعلم.
أيها الأخوة الكرام: أنا لا أنطلق من وهم، أنا أستمع إلى آلاف القصص من مسلمين، يأتون السحرة والمشعوذين، طبعا باسم مشايخ ليفكوا لهم السحر، ليكتبوا لهم الحجاب، ليوفقوهم في أعمالهم، ليكشفوا لهم عن خصومهم، طبعاً هذا الشيء ليس له أساس من الصحة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ))
[مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ]
هذا هو الحق، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد))
[أبو داود وأحمد والحاكم عن أبي هريرة]
أنواع الكفر :
عندنا كفر اعتقادي، وهناك كفر عملي، فكل إنسان صدق ساحراً أو كاهناً كذب القرآن الكريم حكماً، إن صدقت الساحر أو الكاهن كذبت القرآن الكريم حكماً، وقد أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يصرح لأمته فقال:
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[ سورة الأنعام:الآية50]
أنا عبد أتبع ما يوحى إلي، لذلك المؤمن الصادق لا يستحي من كلمة لا أعلم، أنا عبد وهذا لا أعلمه. خير الإنسان منه و شره منه :
العرب في الجاهلية كانوا يستقسمون بالأزلام، أي يأتون لمكان عندهم مقدس يوجد سهام مكتوب على أحدها أمرني ربي أن أفعل، ويوجد سهام مكتوب عليها أمرني ألا أفعل، ويوجد سهام لم يكتب عليها شيء، فكل إنسان يغمض عينيه، ويأخذ من بين هذه السهام سهماً، فإن كان افعل سافر وتاجر وتزوج، وإن كان لا تفعل على السهم امتنع عن السفر أو الزواج أو التجارة، وإن جاء السهم فارغاً أعاد الكرة، لذلك قال الله تعالى مندداً ومحرماً:
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾
[سورة المائدة: الآية 3]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/04.jpg
الآن احمل عليها آلاف السلوك، امسك مسبحة وقل: سافر أم لا سافر، سافر أم لا أسافر مثلها تماماً. ويوجد أشياء ليس لها أصل في لقرآن الكريم يفتح القرآن وجد آية تقول: افعل، هذه ليس لها أصل، أي شيء يقاس عليها محرم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لن يَلِج الدرجات من تَكَهَّن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
إذا ألغيت السفر لأجل التشاؤم فأنت لست مؤمناً، طبعا التطير العرب كانوا إن طار الطير عن يمينهم تفاءلوا وإن طار عن شمالهم تشاءموا، والله عز وجل قال: ﴿ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
[سورة النمل: الآية 47]
وقال: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾
[سورة يس: الآية 19]
عملك الطيب يأتي لك بالخير، وعملك السيئ يأتي لك بالشر، خيرك منك وشرك منك، وخيرك عند الله وشرك عند الله، يوجد الآن موضوع الأرقام يقول لك: ما اسمك؟ تقول له: سعيد السين ثلاثة عشر، والعين أربعة عشر، والياء ستة، تسع وتسعون ليس لك حظ لا تتعب نفسك، والله أشخاص مثقفون ويعتقدون بهذا، مشكلة، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، قضية علم. اجتناب السحر :
الآن يقول عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/05.jpg

(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
طبعا الشاهد من أجل اجتنبوا السحر، وربنا عز وجل قال: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾
[سورة البقرة: الآية 102]
أما ما يتداوله الناس تعلم السحر ولا تعمل به هذا ليس حديثاً، وليس له أساس من الصحة، لأنه إذا تعلمت السحر وقعت في شركه، وقعت في شر عملك، تعلم السحر ولا تعمل به كلام لا أصل له، الدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ * ﴾
[سورة الفلق ]
النفاثات في العقد السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه، والأخ وأخيه، والشريك وشريكه، ومن شر النفاثات في العقد.
بعض فقهاء المسلمين عدّوا السحر كفراً، من سحر فقد كفر، وبعضهم قال: إنه يؤدي إلى الكفر، وبعضهم حكم بتطهير المجتمع من الساحر، المجتمع المسلم لا يسمح لساحر أن يعمل بين أفراده. من سحر فقد أشرك :
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ خَمْسٍ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
لا يدخل الجنة من آمن بالسحر، والله أنا التقيت بعشرات بل بمئات، إنسان ملء السمع والبصر يصلي في المساجد، يستمع إلى الخطب، يقول لك: الشيخ الفلاني يفك السحر، الشيخ الفلاني يخرج لي الجني، هذا كلام ليس له أساس من الصحة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من نفث في عقدة فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ))
[ ورد في الأثر]
(( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له))
[ البزار عن عمران بن حصين]
الذي يأتي الكاهن هذا تُكهن له، والكاهن نفسه تكهن، والذي يأتي الساحر سُحر له والذي سحر هو الساحر، والذي تشاءم هو المتطير والذي يؤمن بهذا ويصدقه أيضا مسؤول ويحاسب. تعليق التمائم :
الآن تعليق التمائم، التمائم حدوة حصان يضعها في السيارة، أو حذاء طفل صغير، أو يقول: عين الحاسد تبلى بالعمى ويرسم سهماً، هذا كله دجل، وهذا كله لا يفعل شيئاً، لا يحميك إلا أن تكون مطيعاً لله عز و جل، لا تضع حدوة، ولا حذاء طفل صغير، ولا تضع تمتمات، وأحياناً يضع يده في الدم ويضعها على السيارة يقول لك: لن يصيبنا حادث، ثم تتحطم السيارة تحطيماً، ليس لهذه البقعة من الدماء علاقة إطلاقاً، أحياناً أرى حجاباً أفتح أول ورقة والثانية والثالثة والرابعة والخامسة كلما أغلق ورقة يلصقها، ويضع لها غلافاً، فيصبح سميكاً، كلها فارغة، ثم تجد خطوطاً، مربعات، دوائر، كلام ليس له معنى، وخط في منتهى القبح، وليس له معنى، ويدفع عليه أجر، سعر هذا الحجاب خروف بخمسة آلاف، ضعها لن يصيبه شيء، كله وهم، شخص مرض ماذا فعل النبي؟ قال:
(( تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وقد أنزل له شفاء ))
[أخرجه الحاكم عن أسامة بن شريك مرداس الأسلمي ]
انظر ما أجمل هذا الكلام، تداووا عباد الله فإن الذي خلق الداء خلق الدواء، الله حكيم خلق المرض ليقربك منه، وإذا شفيت يوجد دواء جاهز تشفى منه، وإن كان هناك شيء من أدويتكم خير ففي هذه الثلاث؛ شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كي بنار، يقول لك: جلسة كهربائية أي كي بنار شرطة محجم، عملية شربة عسل فيه شفاء للناس، طبعاً هذه من الطب النبوي الشريف، و عن عقبة بن عامر: ((أنه جاء في ركب عشرة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فبايع تسعة و أمسك عن بيعة رجل منهم فقالوا : ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال : إن في عضده تميمة))
[ المستدرك عن عقبة بن عامر]
التميمة سوار يوضع في العضد، أو في الرجل، والعرب يعتقدون في الجاهلية أن الذي يضعه لا يموت، لذلك يوجد بيتان شعريان شهيران قال له: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع
***
فأجابه الشاعر قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
***
والتميمة سوار يوضع في العضد، أو في الرجل، فإذا وضع لا يموت صاحبه، فالنبي يبايع هؤلاء العشرة رأى أحدهم يضع تميمة فلم يبايعه، فقالوا: لمَ يا رسول الله؟ فقال: إن في عضده تميمة، فقطع الرجل التميمة فبايعه النبي، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من علق فقد أشرك))
[ المستدرك عن عقبة بن عامر]
أحياناً يضع الشخص ستائر في السيارة يعتقد أن الناس يخافون منه، لا تفعل شيئاً، أحياناً يحاول أن يضع صوراً أو أشياء، هذه لا تفعل شيئاً، هذا شرك بالله عز و جل: ((من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له ))
[ ابن حبان عن عقبة بن عامر]
طبعاً ويحمل على التميمة كل شيء آخر يقوم مقام التميمة، ومن أودع ودعة فلا أودع الله له.
رأى النبي شخصاً يضع على عضده حلقة فقال له: ((النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة ، فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا))
[ أحمد عن عمران بن حصين]
من الوهن أي كي لا أمرض. العاقل من يشتري الأمن ممن يملكه و هو الله عز وجل :
أخواننا الكرام: دققوا في بيوتكم، في مركباتكم، في محلاتكم التجارية، شيء غير صحيح، غير شرعي، كلمة من أجل أن يكثر الزبائن، كل هذا خلط بخلط، استقم ولا تغش، وكن أميناً، واخدم الناس، وانصحهم فيرزقك الله، لا يوجد عندنا إلا هذا الطريق.
وعن عيسى قال: دخلنا على أبي معبد نعوده فقلنا: ألا تعلق شيئاً؟ فقال: الموت أقرب من ذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((من علق شيئاً وكل إليه))
[رواه الطبراني في ترجمة أبي معبد الجهني في الكنى قال: وقد قيل: إنه عبد الله بن عكيم]
بالمقابل يقول لك: أنا مؤمن، إذا شخص مؤمن ما معنى هذا؟ أي اشترى الأمن ممن لا يملكه، الله هو الحافظ. الابتعاد عن الرقى و التولة :
قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))
[أبو داود والحاكم عن ابن مسعود]
قالوا: هذه الرقى والتمائم فقد عرفناها فما هي التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء ليتحببن إلى أزواجهن.
أي خيط يربطونه بمكان معين ليتحببن إلى أزواجهن، والله لا يحبها زوجها لماذا؟ لأنها مقصرة في بيتها، وتجيبه إجابة قاسية، ولا تعتني به، ومقطوعة عن الله عز وجل، فلا يحبها زوجها، فبدل أن تقوم بواجبات زوجها، وبخدمة زوجها، وبخدمة أولادها، وبالإخلاص لربها، تستخدم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك قيل: (( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر ]
قالت امرأة لأخرى: تأكدي أن الله عز وجل لا يسألك لا عن عملك، ولا عن خدمة زوجك، ولا عن خدمة أولادك، يسألك فقط عن صلاتك، فصلي قيام الليل، وصومي، فالنبي يقول: (( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر ]
كلامها غلط، و أيما امرأة مات زوجها عنها وهو راض عنها دخلت الجنة.
إذا صامت شهرها، وصلت خمسها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها.
انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك، هذا هو توجيه النبي، يوجد الآن نساء لا تعبأ بزوجها، ولا تأتمر بأمره، وتخرج عاصية له، وتدعي أنها تدعو إلى الله عز وجل، هذا السلوك غير إسلامي، الإسلامي أن يبقى الزوج هو صاحب القوامة في البيت افعلي الخير ما تشائين ولكن ضمن نطاق الانسجام مع الزوج. التشاؤم :
الآن التشاؤم، التشاؤم ورد كثيراً في كتاب الله، قال قوم صالح له:
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾
[سورة النمل: الآية 47]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/06.jpg
أي تشاءمنا منك، وكان قوم فرعون: ﴿يطَّيّروا بموسَى وَمَن معهُ﴾
[ سورة الأعراف: الآية 131]
وقال بعض الأقوام لأنبيائهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾
[سورة يس: الآية 18]
فما كان جواب هؤلاء الأنبياء إلا أن قالوا: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾
[سورة يس: الآية 19]
أي خيركم منكم وشركم منكم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له))
[ البزار عن عمران بن حصين]
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْعِيَافَةَ وَالطِّيَرَةَ وَالطَّرْقَ مِنْ الْجِبْتِ))
[أحمد عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ]
و الجبت هو الطاغوت.
من الشيطان التشاؤم والتكهن والطيرة هذه كلها من الشيطان.
العيافة هي الخلط في الرمل وهو ضرب من التكهن، والطرق الضرب بالحصى وهو نوع من التكهن، و الجبت ما عبد من دون الله . الابتعاد عن الظن والطيرة والحسد :
ثلاثة مهلكة الظن والطيرة والحسد، فإن ظننت فلا تحقق، وإن تطيرت فلا ترجع، وإن حسدت فلا تبغي، إذا تشاءمت لا ترجع عن سفرك، وإذا حسدت فلا تبغي على المحسود، وإذا ظننت فلا تحقق ظنك.
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه:
((الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك))
[ أبو داود عن ابن مسعود]
الناس يستعملونها فيقولون: دخل فلان فتعطلت البيعة، ليس لها علاقة، يقول: الزوجة قدمها شؤم، ليس لها علاقة، بريئة، إذا أحبّ الله أن يؤدب زوجها المنحرف ليس لها علاقة أبداً، زوجها منحرف وكسبه حرام فأدبه الله هي لا علاقة لها، فيجب ألا يكون عندنا تشاؤم بشخص ولا بيوم ولا بعدد ولا بشيء.
يوجد نقطة مهمة جداً سيدنا ابن مسعود قال: يا رسول الله ما منا إلا - أي يتشاءم أحدنا أحياناً فيخاف- ولم يتابع حديثه فأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ولكن الله يذهبه بالتوكل ))
[ أبو داود عن ابن مسعود]
إذا تشاءمت دون أن تشعر تشاؤمك هذا يذهبه الله بالتوكل فينتهي الأمر. العصبية :
من الأمراض المتفشية بالثقافات التي نعيشها العصبية، قال عليه الصلاة والسلام:
((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية))
[ مسلم عن جبير بن مطعم]
التعصب انحياز أعمى، العصبية تعريفها الدقيق أن تعين قومك على الظلم، أي أوقعك أخوك في مشكلة أنت مع الخصم من دون تفهم، هذه عصبية، جارك، ابنك، دوماً مع قريبك ضد الشخص الآخر، أن تعين قومك على الظلم، هذا تعريف النبي صلى الله عليه وسلم أن تعين قومك على الظلم، لكن النبي قال في حديث آخر: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ : تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ))
[ البخاري عن أنس]
أحد أخواننا المحامين والله أكبرته جداً، حدثني أنه توكل عن موكل، الموكل أقنعه أنه مظلوم، قال لي: بدأنا بالدعوى وقطعنا مراحل، وأنا في منتصف الطريق جاءني من أثق به وقال لي: إن الموكل ظالم، وأخفى عنك حقائق كثيرة، وهذه هي الحقائق، قال لي هذا الأخ الكريم: أتيت موكلي وضغطت عليه واستحلفته بالله حتى قال لي الحقيقة فإذا هو ظالم، قال: والله ما كان مني إلا أن رفعت مذكرة إلى القاضي بالحقيقة وما فعلها أحد قبلي، أي أخذت على يده، طبعاً قد يقول أحدكم: لا يجوز هذا في عرف المحاماة، لكن النبي قال: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ : تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ))
[ البخاري عن أنس]
مضلل يأكل مالاً حراماً، يلقي أيتاماً في الطريق سيشردهم، سيدمرهم، والقصة كلها كذب، وليس لها أساس، والأوراق كلها مزورة، وهو الوكيل، فما فعل إلا أن تكلم بالحقيقة أمام القاضي فمنع هذا الظلم وانتهى هذا المؤمن، لو أن جميع المحامين يقفون مع الحق لقلّت الدعاوى إلى العشر.
قال لي أحد القضاة: خمسة بالمئة خصومة حقيقية من كل الدعاوى في قصر العدل، والباقي كلها دعاوى كيدية أي أساسها باطل. الله عز وجل لا يرضى عن المؤمن إلا إذا أنصف الآخرين :
الله جلّ جلاله يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾
[ سورة النساء: الآية 135]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا (8) ﴾
[سورة المائدة: الآية 8]
هذه الآية تأخذ بالألباب، المخاطب من؟ المؤمنون، من هم أعداؤهم التقليديون؟ الكفار، أيها المؤمن إذا حملك بغضك للكافر على أن تظلمه وأنت متوهم أنك ترضيني بهذا فأنت واهم، إني لا أرضى عنك إلا إذا أنصفت الكافر: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾
[ سورة المائدة]
أي هذا الكافر إذا عدلت وأنصفته قربته إليّ وقربته إليك، أما إذا زدته ظلماً زدته بعداً عن الله وعن المؤمنين.
أقول لكم: يمكن أن تقصر مع مؤمن فيسامحك، أو يأخذ موقفاً شخصياً منك، أما إذا أسأت لغير المسلم سيحقد على دينك، وسيشهر لا بك بل بدينك، وسيربط هذا التقصير وهذه الإساءة مع دينك، لذلك قبل أن تسيء لغير المسلم عد للمليون، المسلم قد يعفو وقد لا يدخل الإسلام كطرف، يقول لك: فلان أساء، أما غير المسلم إذا أسأت له فيقول: الإسلام يربي المسلمين تربية ظالمة، وهذه هي أخلاق المسلمين. المؤمن قلبه لا يحب الكافر ويكره عمله لكنه ينصفه :
أيها الأخوة موضوع التقاليد والعادات والثقافات التي تعيشها الأمة يجب أن يكون متوافقاً مع الدين، منسجماً مع العقيدة الصحيحة، فلا وهم، ولا دجل، ولا خرافة، ولا اعتقاد خاطئ، إننا إذا فعلنا ذلك فقد ضيعنا هويتنا، يقول الله عز وجل: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم ﴾
[سورة المجادلة: الآية 22]
ويقول الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾
[سورة التوبة: الآية 23]
قد يقول أحدكم ما علاقة هاتين الآيتين بالدرس؟ أنت مكلف أن تنصف الكافر، وأن تعطيه حقه من دون أن تواليه، من دون أن ترضى عن عمله، من دون أن تقيم معه علاقة حميمة: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ﴾
[سورة المجادلة: الآية 22]
لكن المودة شيء وإعطاء الحق شيء آخر، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ فقال له: والله لا أحبك، قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا والله حقك سيصل إليك، الحق شيء آخر.
ذكرت الآيتين لكي لا نتوهم أن إنصاف الكافر وإعطاءه حقه يعني أن تقيم معه علاقة حميمة وأن تحبه، لا، قلبك لا يحبه ويكره عمله لكنك تنصفه. العالم و العابد :
أيها الأخوة: المؤمن عالم، وإن الله عالم يحب كل عالم، وفضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك، الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما، والعلم يقتضي أن تكون واقعياً، والعلم يقتضي الدليل والتعليل، العلم له منهج وله أسس، العلم الديني أساسه الكتاب والسنة، يوجد آلاف القصص لا أصل لها، ولا تعني شيئاً، وقد تصدم حقائق الشرع، الذي يغش الحليب شكا لشيخه خسارات مستمرة فقال له: يا بني أصبح الغش ضرورياً، برر كلامه بأن الناس أصبح مالهم حراماً، فإذا غششت بعت، هذا كلام خلاف الدين، تجد قصصاً في بطون الكتب تصادم نصوص الشرع مباشرة، نحن لا نؤمن إلا بالكتاب والسنة، فقصة تصادم نصاً قرآنياً يجب أن ترفضها، تصادم نصاً صحيحاً لرسول الله يجب أن ترفضها، قصة تدعوك إلى المعصية مستحيل، فلذلك أيها الأخوة درسنا اليوم متعلق بالثقافة، والثقافة مجموع العادات، والتقاليد، والتصورات، وأنماط السلوك، هذه كلها يجب أن تكون منضبطة بالشرع، ولو محصتم في بيوتكم لوجدتم مئات بل آلاف الأساليب في الحياة لا أصل لها، أول خميسه، وثاني خميسه، أول أربعينة، هذا كله ليس له أساس من الصحة، لا يوجد إلا الكتاب والسنة الذي بين النبي عليه الصلاة والسلام، أحكام الشرع.
المسلمون طبقة واحدة أفلحهم عند الله أتقاهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4942/ar-4942/07.jpg
إن شاء الله في درس قادم نتابع الموضوع في فقرة أساسية هي المساواة بين المؤمنين، لا لوم، ولا عِرق، ولا غنى، ولا ذكاء، هذه كلها ليست بشيء في مقياس الإيمان، سيدنا الصديق وضع يده بيد بلال وقال: هذا أخي حقاً، سيدنا عمر خرج وهو أمير المؤمنين إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال الحبشي العبد الأسود، الإسلام ما فرّق بين الناس أبداً، المسلمون طبقة واحدة أفلحهم عند الله أتقاهم لقوله تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[سورة الحجرات: الآية 13]
وإن لم ننطلق من هذه القيمة فنحن في جاهلية، يكفي أن تقول: أنا ابن ، أو حجمي المالي كذا، أو أنا شركتي من الدرجة الأولى، حينما تفتخر بمالك، أو بانتمائك، أو بقرابتك، أو بنسبك، أو بعرقك، أو بكونك في المدينة لست ريفياً، فهذه هي الجاهلية بعينها، أنت مؤمن تفتخر أنك مؤمن.

عاشقة الأنس
09-19-2018, 10:48 AM
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك

السعيد
09-19-2018, 02:03 PM
تسلمين اختى عاشقة على تكرمك وتواجدك

السعيد
09-19-2018, 02:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : الاعداد فى الانساب والالوان - الكاء و الحداد على الميت - البيوع





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الاعتداد بالأنساب والألوان من الجاهلية :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السابع عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/01.jpg
وكان الموضوع في الدرس الماضي حول الحلال والحرام في الثقافة، وفي المعتقدات، وفي أساليب الحياة وأنماط السلوك، ووصلنا إلى موضوع أنه لا اعتداد بالأنساب والألوان، ومن يعتد بالنسب أو باللون ففيه جاهلية.
روى البخاري رحمه الله تعالى أن أبا ذر و بلال الحبشي رضي الله عنهما -وكلاهما من السابقين الأولين - تغاضبا، وفي ساعة غضب قال أبو ذر لبلال: يا بن السوداء. فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : (( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ))
[ البخاري ومسلم عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]
لا يجوز أن تعتد أو أن تفتخر أو أن تزهو بنسب ولا بلون، كما أنه لا يجوز أن تعيّر إنساناً لا بنسب ولا بلون، هذا أصل من أصول الدين.
من يعتد بنسبه أو بلونه ففيه جاهلية، ومن يعير الناس بنسبهم الوضيع أو بجاهليتهم أو بلونهم ففيه جاهلية، وهذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري أصل في هذا الموضوع. الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية :
أيها الأخوة الكرام: وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله))
[ أحمد عن أبي ذر]
لا تستطيع أن تفتخر لا بلون، ولا بأب، ولا بأسرة، ولا بعرق، ولا بمنبت، ولا بطائفة، إلا بتقوى الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[سورة الحجرات: الآية 13]
فالإنسان من خلال هذا الحديث يعرف ما إذا كان فيه جاهلية أو ليس فيه جاهلية.
الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ))
[أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ]
كل هذه التقسيمات التي ترونها في المجتمعات المتعددة تقسيمات لون، تقسيمات عرق، ساعة يقال لك: تطهير عرقي، وساعة يقال لك: ملون، وساعة يقال لك: دول الشمال و دول الجنوب، وساعة يقال لك: الأغنياء والفقراء، والعرق الآري والسكسوني، و أصحاب المنبت الرفيع، وطبقة النبلاء، وطبقة الجنود، وطبقة الحكام، كل هذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان: (( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ))
[أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ]
لا تقل أصلي وفصلي يا فتى إنما أصل الفتى ما قد حصل
***
على الإنسان ألا يفتخر إلا بإيمانه و استقامته :
لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يسير مع هوى نفسه في التفاخر في الأنساب و الأحساب، والتعاظم بالآباء والأجداد، وقول بعضهم لبعض: أنا ابن فلان: أنا ابن جلا وطلاع الثنــايا متى أضع العمامة تعرفونـــي
***
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
***
لقيه عدوه في طريق البصرة فولى هارباً، فقال له غلامه – للمتنبي- ألست القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من بـه صمــم
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/02.jpg
فقال لغلامه: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل حتى قتل.
التفاخر بالآباء، والأجداد، والنسب، واللون، دعوى الجاهلية، لا تفتخر إلا بإيمانك، لا تفتخر إلا باستقامتك، لا تفتخر إلا بعلمك الذي أنعم الله به عليك، وإذا علمْتَ حقيقةً لا تفتخر تقول: هذا من فضل الله علي، النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والمرسلين ومع ذلك قال: (( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟))
[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]
كلما تعاظم إيمانك تواضعت لله عز و جل، وأنت في أعلى درجات العبودية تكون متواضعا لله.
الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية :
النقطة الدقيقة: إذا كان الناس جميعاً ينتمون إلى نسب واحد، إلى أصل واحد، ولو فرضاً أن للأنساب قيمة فما فضل الإنسان إذا خلقه الله من هذا العرق؟ أو من هذا الجنس؟ أو من هذه القارة؟ أو من هذه المنطقة؟ وما ذنب الذي خلق من منطقة أخرى؟ هذا كلام لا يقبله عقل، ولا تقره شريعة، ولا تألفه نفوس على فطرتها الصحيحة. يقول عليه الصلاة والسلام:
((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ))
[ ابن كثير عن عقبة بن عامر]
إن هذه الأنساب لا أحد يستحي بنسبه، أنت عبد لله وعبد الله حر، لا أحد يفخر بنسبه، لا أحد يعير أحداً بنسبه أبداً، فلذلك الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية، والنبي عليه الصلاة والسلام بصراحة ما بعدها صراحة، وبقوة ما بعدها قوة، ولصاحب له قال: ((أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية))
[ صحيح عن أبي ذر]
((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ))
[ ابن كثير عن عقبة بن عامر]
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: ((النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ، إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ ))
[ الطبري عن عقبة بن عامر]
هل لك خيار بنسبك؟ أنت في نسبك مسيّر مئة في المئة.
هل اخترت أنت أمك وأباك؟ لا.
هل لك اختيار من مجيئك من هذا الأب؟ أو من هذه الأم؟ أو من هذا العرق؟ أو من هذا الإقليم؟ أو من هذه العشيرة؟ أبداً.
فالإنسان لا يعير بشيء لم يفعله، ولا يفخر بشيء لم يصنعه. الناس رجلان لا ثالث لهما :
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
النبي عليه الصلاة والسلام على غير عادته هجم هجمة على هؤلاء الذين يفتخرون بآبائهم، وأحياناً ترى أمة إسلامية بدل أن تفتخر بدينها أو بإسلامها تفتخر بالفراعنة، تفتخر بأقوام جاؤوا قبل آلاف السنين و كفروا بالله، وأهلكهم الله، ومع ذلك نفتخر بهم، غير معقول.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
كل البشر الخمسة آلاف مليون، هذا التقسيم النبوي.
الناس على اختلاف مللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وألوانهم، وأديانهم، ومنابتهم، وثقافاتهم، رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي ولا ثالث لهما. ((...الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
لذلك نحن أبناء الفراعنة، نحن أبناء كذا إلى آخره من هؤلاء الأقوام، الآراميون الكلدانيون كلهم أقوام كفروا بالله عز وجل، وأهلكهم الله عز وجل، افتخر بنبيك الذي عمّ شرعه الأرض، افتخر بعلمك، افتخر بتقواك، افتخر بما تحفظ من كتاب الله، افتخر بالأعمال الصالحة التي أجراها الله على يديك. النياحة على الموتى من الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمعات الإسلامية :
في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم يلقي خطبة تعد منهجاً للبشرية قال: (( يا أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))
[رواه ابن النجار عن أبي سعيد]
الأنساب والألوان، انتهى الأمر، والآية الكريمة: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[سورة الحجرات: الآية 13]
من الأمراض الاجتماعية التي تتفشى في المجتمعات الإسلامية لضعف إيمانها وانحرافها النياحة على الموتى. علامة الإيمان الرضا بقضاء الله و قدره :
لذلك أنا قبل أسبوع أو أكثر أحد علماء حلب الأجلاء توفي ابنه بحادث سير، ابنه طبيب، وأنهى الاختصاص، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب وعرسه بعد فترة، وحصل على الشهادة الثانوية، ودخل الشريعة، فتوفاه الله بحادث سير، فذهبنا لتعزية أبيه، فوجئت أن هذا الأب العالم تلقى هذا الخبر بصبر جميل، ما كنت أتوقع أن أجد الرضا والاستسلام لقضاء الله، والبسمة، والترحيب، رحب بنا ودعانا إلى طعام الغداء، وكان استقباله رائعاً جداً، يا رب هذا الذي توفي ابنه في الثلاثين دكتوراه في الطب، وأنهى الاختصاص القلبي، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب، و حصل على الشهادة الثانوية، ودخل كلية الشريعة، أي جمع مجدي الدنيا والآخرة، ويحفظ كتاب الله بأكمله، وعرسه بعد حين، و توفي بحادث سير، الذي فوجئت به ليس الحادث موقف الأب، الاستسلام لقضاء الله وقدره، الرضا بقضاء الله وقدره، ما كنت أتوقع أن أرى الأب بهذه الحالة أبداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/03.jpg
أيها الأخوة: علامة الإيمان الرضا بقضاء الله، علامة الكفر والجحود النياحة، جسر البيت هدم، الصراخ بالويل، شد الشعر، تمزيق الثوب، هذه كلها من عمل الجاهلية.
كانت الصحابيات فقيهات، صحابي جليل له ابن مريض بمرض عضال، فجاء مساء متعباً قال: كيف حال فلان؟ قالت: هو في أهدأ حال، أوهمته أنه في صحة جيدة، أعدت له طعام العشاء، وهيأت نفسها له، واستيقظا وصليا الفجر وقالت له: لو أن الجيران أعارونا عارية ثم استردوها أتغضب؟ قال: لا، عارية مستردة. قالت: هكذا الله سبحانه وتعالى استرد عاريته أي ابنك ميت.
وروي أنه قصّ على النبي قصته فقال عليه الصلاة والسلام: ((بارك الله لكما في ليلتكما))
[ أحمد عن أنس]
وتروي كتب التاريخ أن هذا الصحابي أنجب اثني عشر ولداً كلهم من حفاظ كتاب الله.
هكذا تلقي القضاء والقدر، هذا قرار الله، هذه مشيئته، هذه إرادته، ألا ترضى بقضائه وقدره؟ ألا ترضى بحكمه؟ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. من سُلب منه شيء و صبر عوضه الله أضعافاً مضاعفة من الرحمة و التجلي :
لذلك الإيمان، سمعت بأنه عقد مؤتمر في أوربة للأمراض النفسية، وحضره عالم نفس من سوريا، كان مندوباً لسوريا في هذا المؤتمر، ذكر لي هذا الأخ -عالم النفس- بأنه قال في محاضرته بالمؤتمر: إننا ببساطة ليس عندنا أمراض نفسية بالحد الوبائي الذي عندكم، ولسبب بسيط جداً هو أننا نؤمن بالله، ونؤمن بقضائه وقدره، وأن القضاء والقدر خيره وشره من عند الله تعالى، هذه النفسية المستسلمة التي تقبل القضاء والقدر شيء رائع جداً، هذه هي الصحة النفسية، وأساساً الآن أحد أكبر أسباب الأمراض كلها الشدة النفسية، الشدة النفسية أساسها أن تسخط على قضاء الله وقدره، أما الإيمان فأن ترضى بقضاء الله وقدره، يا رب لك الحمد أنا راض، لذلك رسول الله علمنا في الطائف وقد ردوا دعوته، وسخروا منه، واستهزؤوا به، وبالغوا في إيذائه، قال:
(( يا رب! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
لا أعرف كيف أعبر لكم عن مؤمن جاءه قضاء مكروه، فقد ماله، أو فقد شيئاً من صحته: (( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
أنا عندما سلبت من عبدي الصحة عوضت له أضعافاً مضاعفة من التجلي، إذا إنسان زار مريضاً مؤمناً يشعر بسعادة، المريض قريب من الله، عندما فقد شيئاً من صحته جاءته أشياء من رحمة الله، لذلك أنا أنصحكم جميعاً أن تزوروا مرضى المؤمنين، تشاهدون بأم أعينكم كيف أن هذا المؤمن بهذا المرض اقترب من الله. تمني المؤمن أن يعيش طويلاً طمعاً بالعمل الصالح و ليس خوفاً من الموت :
والموت يعده الناس أكبر المصائب، أما عند المؤمن فهو عرسه، هو عند المؤمن ساعة صلحه مع الله، هو عند المؤمن ساعة فرحه، ساعة نيل الجائزة، لذلك الموت لا يخيف المؤمن، أنا أقول لكم بشكل واقعي: المؤمن يتمنى أن يعيش طويلاً لا خوفاً من الموت ولكن طمعاً بالعمل الصالح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( خيركم من طال عمره وحسن عمله))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
هكذا يقول النبي، أما الفزع الذي ينهار معه الإنسان فلا، المؤمن أرقى من ذلك.
والله أيها الأخوة: إن شئتم اقرؤوا، قرأت تاريخ سبعين صحابياً، والله الذي لفت نظري أنهم جميعاً كانوا في أسعد لحظات حياتهم حينما جاءهم الموت، في أسعد لحظات حياتهم، يوم الجائزة.
لذلك كلمة المؤمن عند تلقي المصائب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ويوجد كلمة بليغة للنبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن لله ما أعطى، وله ما أخذ".
الذي أعطاه هو له ثم أخذ ما له. لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله أن تحدّ على مَيت فَوق ثلاث لَيال إلا على زوجها :
ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية))
[ البخاري عن ابن مسعود]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/04.jpg
الآن يوجد نساء يخرجون بثياب متبذلة إلى الطريق، يتبعون الميت، ويصرخون بويلهم، ويمزقون ثيابهم في الطريق، هذه جاهلية، المؤمن يرضى بقضاء الله، لذلك لا يحل لمسلم أن يلبس من شارات الحداد، أو أن يترك التزين، أو أن يغير الزي، والهيئة المعتادة إظهاراً للجزع والحزن، يلبس أسود، يرخي لحيته، لا.
يوجد حالة واحدة إلا ما كان من الزوجة على زوجها فإنه يجب عليها أن تحد عليه أربعة أشهر وعشراً وفاء لحق الزوجية، ولهذا الرباط المقدس الذي جمع الله بينهما فيه، وألا تكون معرضاً للزينة وملفتة للأنظار فقط المرأة.
لذلك الشيء الذي لا يصدق أن الصحابة كانوا إذا جاءتهم مصيبة من نوع موت الأقارب كانوا يتزينون إعلاناً عن رضاهم بقضاء الله وقدره.
توفي متوفى كالأب، والابن، والأخ، فلا يحل للمرأة كائنة من كانت، عدا الزوجة أن تحد عليه أكثر من ثلاث ليال، ترى أحياناً توفي والدها تبقى مرتدية السواد ثلاثة أشهر، تعمي قلب زوجها، لا يجوز، لا يحل للمرأة أن تحد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام ، أب، ابن، أخ، فقط ثلاثة أيام، أما الزوج فهذا أقدس عقد في الحياة.
روى البخاري عن زينب بنت أبي سلمة أنها روت عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، وعن زينب بنت جحش عندما توفي أخوها، أن كل منهما دعت بطيب لمست منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا))
[ البخاري عن أم حبيبة]
طلبت الطيب وتطيبت تنفيذاً لسنة النبي، أما المرأة التي مات زوجها فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتساهل معها أبداً، فقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنه زوجها، وقد اشتكت عينها أتكحلها، الكحل ليس للزينة كدواء وقد تتزين به المرأة. قال عليه الصلاة والسلام: لا مرتين أو ثلاث، كل مرة يقول: لا، وهو يدل على حرمة التزين والتجمل طوال مدة العدة، على الزوج تشدد النبي أشد التشدد أما على غير الزوج: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا))
[ البخاري عن أم حبيبة]
الحزن مشروع أما الأعمال التي فيها تجاوز فقد حرمها النبي الكريم :
أما الآن السؤال: الحزن من دون جزع، البكاء من دون عويل، ومن دون لطم، وتمزيق ثياب، وشد شعر، هذا حزن شرعي ومقبول لا إثم فيه إطلاقاً، فقد دمعت عين النبي عليه الصلاة والسلام حين مات ابنه إبراهيم فقال:
((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
هذا موقف شريف، هذه السنة، الحزن مشروع لكن اللطم غير مشروع، و النياحة غير مشروعة، وتمزيق الثياب غير مشروع، وشد الشعر غير مشروع، والصراخ بالويل غير مشروع، والخروج خلف الجنازة غير مشروع، طبعاً أقصد للنساء.
يروى أن عمر سمع بعض النسوة يبكين على خالد بن الوليد، فأراد بعض الرجال منعهم، فقال له: "دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نفع أو لقلقة"، سيدنا عمر قال: دعهن يبكين على أبي سليمان، البكاء مشروع، الحزن مشروع، أما الأعمال التي فيها تجاوز فهذه التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم. معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة :
ننتقل في الحلال والحرام إلى موضوع المعاملات، أي الإنسان مضطر شاء أم أبى أن يشتري أكثر حاجاته، لأنه يتقن حاجة ويحتاج إلى ألف حاجة، إذاً البيع والشراء سلوك يومي، لذلك أعتقد أن أحكام البيوع يجب أن يعرفها كل مسلم، ما من مسلم على وجه الأرض إلا يبيع ويشتري، فهذا سلوك يومي، لذلك معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة.
ما يحرم في البيع و الشراء :
1 ـ يحرم بيع الأشياء المحرمة :
أول شيء محرم في البيع والشراء أنه يحرم بيع الأشياء المحرمة، جهاز لهو، عود، لحم خنزير، خمر، كؤوس الخمر، كل شيء محرم استعماله محرم بيعه، كالتماثيل، هدايا، أشياء، نهى الشرع عنها، معالق من الذهب الخالص ممنوعة هذه لأنها محرمة، فالشيء الذي حرمه الشرع حرم بيعه، وقبض ثمنه، والتعامل معه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ))
[ متفق عليه عن جابر بن عبد الله]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/05.jpg
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه))
[ ابن حبان عن ابن عباس]
يقول لي أخ مثلاً: أنا عملي في الكهرباء هل أستطيع تركيب دش مثلاً، أقول له: لا، لا يجوز، لا يجوز أن تعين على معصية، ولا أن تسهل معصية، ولا أن تسهم في إصلاح معصية، لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
[سورة المائدة: الآية 2]
يوجد مصالح كثيرة جداً قائمة على أشياء محرمة، أسهم في هذه المؤسسة السياحية يدفعون أرباحاً تقدر بثمانية وعشرين بالمئة، ممتازة، هذه فيها بيع خمور، فيها مراقص، وفيها نواد ليلية، وفيها معاص لا يعلمها إلا الله، و إن كان الربح ثمانية وعشرين بالمئة، خذ خمسة بالمئة أرباحاً حلالاً أفضل من ثمانية وعشرين بالمئة أرباحاً حراماً، كل شيء محرم محرم أن تقبض ثمنه، قال لي شريك في مطعم يبيع الخمر وهو واثق من نفسه: أنا ليس لي علاقة أبداً، برقبة شريكي، برقبته إن شاء الله، أنا آخذ قرشي حلالاً من هذا المطعم.
مطعم يبيع الخمر وهو شريكه بالنصف ثم قال: إن قرشه يأخذه حلالاً؟! برقبة شريكه، هذا كلام فارغ وليس له معنى إطلاقاً.
فأي شيء محرم بيعه محرم قبض ثمنه، ومحرم التعامل معه. 2 ـ بيع الغرر :
أيضا من الأشياء التي حرم الله التعامل معها قال: بيع الغرر محظور، كل عقد بيع فيه ثغرة مجهولة، هذه الثغرة سبب للمنازعة، سبب للخصومة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الجهالة تفضي إلى المنازعة".
أي عقد وضح فيه كل شيء، كمية البضاعة، وألوانها، وأطوالها، ومتى تصل، وطريقة قبض الثمن، معجل أو مؤجل، كلما ذكرت التفصيلات تلاشت الخلافات، وكلما أبقيت شيئاً مجهولاً أثرت المشكلات.
يوجد أخ إلى جانبه نجار يبيع غرف نوم، وجد غرفة نوم مناسبة جدا أعجبته، قال له: احجز لي هذه الغرفة، أجابه النجار: أمرك يا جار، أول أسبوع بعث له بخمسة آلاف، الثاني خمسة، الثالث خمسة، قدر الجار سعرها بحوالي خمسة وعشرين ألفاً، أرسل إليه ثلاثين ألفاً، قال له النجار: أين بقية المبلغ؟ ثم اختصموا وتصارخوا وتشاددوا ورفعوا الأمر إلى القضاء، أنت عندما قلت له: اترك لي هذه الغرفة لمَ لم تسأله عن ثمنها؟ وأنت أيها النجار عندما قلت له: أمرك يا جار لمَ لم تقل له ثمنها؟ كل شيء فيه جهالة فيه خصومة، تحب أن تدخل السوق ثلاثين أربعين سنة لا تختلف مع إنسان وضّح كل شيء، يوجد نقطة غامضة البضاعة متى تصل؟ دعها للتيسير، هذا ليس عقد بيع، متوقع بعد أسبوع أو أسبوعين، الموسم جاء، قارب الموسم على الانتهاء، سوف تقلب للسنة القادمة قال: دعها للتيسير، يختلفون تفسخ البيعة تنشئ خصومات، لا تترك نقطة غامضة في عقود البيع، الجهالة تفضي إلى المنازعة.
نهي النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة و يسبب المنازعة :
لذلك نهى النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة، لذلك نهى النبي عن بيع ما في صلب الفحل، حصان هل تستطيع بيع الجنين الذي في بطنه؟ قد ينزل ميتاً، نهى عن بيع ما في بطن الناقة، نهى عن بيع الطير في الهواء، نهى عن بيع السمك في الماء، هذا كله بيع غرر.
وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان الناس يبيعون الثمار في الحقول أو الحدائق قبل أن يبدو ثمرها، وبعد العقد ودفع الثمن تأتي آفة سماوية فتهلكها، فيختصم البائع والشاري يقول لك: إنما بعتني تمراً و لم أجده؟ جاء طائف مسها من الصقيع فأتلفها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وقال: ((نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قيل: وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر قال: أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه))
[ صحيح عن أنس بن مالك]
إذاً أن تشتري الثمر قبل أن يبدو صلاحه، أن تشتري الحب قبل أن يشتد، أن تشتري الفاكهة قبل أن تسود، منهي عنه، وأن تشتري السمك في الماء، والطير في الهواء، وما في بطن الفحل، وما في بطن الناقة، هذا كله بيع غرر، وقد يلحق بها بيع بناء لم ينشأ بعد، أو تشتري بناء لم ينشأ بعد، طبعا لهذا الموضوع تفصيلات لها مجال آخر، لكن العلماء قالوا: ما كل غرر حرام، أنت اشتريت بيتاً هل تعلم كم كيس إسمنت وضع في أساساته؟ يجب أن يوضع سبعة أكياس في المتر المكعب و هم وضعوا أربعة فأنت لا تعرف، يوجد أشياء لا يمكن أن تعرف حتى الذي باعك هذا البيت لا يعرف ماذا في أساساته؟ وماذا في ثنايا جدرانه؟ هذا فيه غرر لكن هذا غرر لا يمكن تلافيه، الغرر الفاحش محرم أما غير الفاحش اشتريت طاولة فهل يا ترى هذا الترس خشب نشارة أم لاتيه؟ يوجد غرر، لو سألت البائع ينبغي أن يقول لك الحقيقة، العلماء قالوا: الغرر القليل معفو عنه أما الغرر الكثير فلا يجوز، أنت اشتريت حقل جزر، أو فجل، أو بصل، أو بطاطا، اقتلعت عدد من النبتات شاهدت من خلالها حجم الحبة، لكن هل تستطيع أن تعرف مستوى الحب في كل الحقل؟ لا تستطيع، البطاطا تحت الأرض، والجزر تحت الأرض، والبصل تحت الأرض، أخذت عينات عشوائية، أحياناً تشتري جبن تأخذ مئة تنكة، تستطيع أن تأخذ خمس عينات عشوائية وتفحصها، أما أن تفحص التنك كله فكل التنك مختوم لا تستطيع، يوجد غرر لكن غرر خفيف معفو عنه، أما الغرر الفاحش فهذا الذي يسبب المنازعة. تحديد الأسعار :
يوجد عندنا موضوع الأسعار هذا أيضاً من الموضوعات المهمة، النبي عليه الصلاة والسلام حينما غلى السعر في عهده قالوا يا رسول الله: سعّر لنا، قال: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
منذ فترة اشترى الضمّانة المشمش بالغوطة بعشرين إلى ثلاثين ليرة للكيلو الغرام الواحد، جاءت كميات خيالية، بيع كيلو الغرام الواحد بخمس ليرات، اشترى بثلاثين وباع بخمس، الله هو المسعر، يكثر الكمية يهبط السعر، يقللها يرتفع السعر، النبي قال: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
إذاً من الظلم الشديد أن تعطي سعراً بخساً لحاجة ثمينة، أي إذا كنت موظفاً وكلفت بتخمين أرض مستملكة الدونم سعره خمسة ملايين خمنته بخمسة آلاف ليرة هل تظن أنك تنجو من عذاب الله؟ لا تنجو.
يجب أن تعطي السعر الحقيقي، هذا مال ملك حر، فكل إنسان ولو كان موظفاً لا ينجو من عذاب الله، أحياناً تكلف بتسعير إنتاج التفاح إذا كان هناك وجوب أن تبيعه لبعض المؤسسات يجب أن تعطي السعر الحقيقي لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾
[سورة الأعراف: الآية 85]
يا رسول الله سعر لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
أحيانا يقول لك: أعطني فواتيرك؟ سعرنا لك، لكن يوجد مصاريف لا يستطيع إظهارها إذاً لم تلاحظها، أنت أعطيته سعراً غير صحيح، ظلمته بهذا السعر، فالذي يعرف الله عز وجل يتقي الله في التسعير، لكنكم الآن توهمتم أن النبي ينهى عن أصل التسعير؟ لا. على الحاكم أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية إن وجد تلاعب بالأسعار :
هذا الحديث صحيح لكن يوجد حالات يجوز أن يسعر الحاكم المسلم الحاجات الأساسية كاللحم، والرز، والسكر، والمواد الأساسية، والأدوية، هذه أشياء أساسية ينبغي أن تسعر مستثناة من هذا الحديث، ولاسيما إذا وجد الاحتكار، لو فرضنا أن أناساً مؤمنين طيبين مستقيمين ورعين لا بأس، وجد الاحتكار الربح ثلاثمئة بالمئة، سبعة مستوردين استوردوا هذه السلعة وجعلوها عند واحد منهم، ورفعوا سعرها إلى أربعة أضعاف، الآن نقول له: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، على الحاكم أن يسعر التسعير الطبيعي لهذه السلعة، يرى رأسمالها، يضع هامش ربح معقول حفاظاً على مصالح المسلمين، نحن نعد مصالح المسلمين العامة أفضل من مصالح أفراد معينين، لذلك إذا جرى تدخل غير طبيعي في حركة السوق، إذا وجد الاحتكار و التلاعب بالأسعار، مصلحة المجموع مفضلة على مصلحة الأفراد، لذلك التسعير أحياناً ولاسيما في الأقوات الأساسية مشروع.
إذا أدت حرية التسعير إلى التلاعب بأقوات الناس، ورفع الأسعار رفعاً جنونياً وظلم، وسحق الفقير، الحاكم ينبغي أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية هذا من الدين أيضاً.
العرض والطلب :
يوجد نقطة مهمة جداً وهي أن السوق له حركة طبيعية؛ العرض والطلب، هذه الحركة الطبيعية تحقق سعراً معقولاً دائماً أساسه العرض والطلب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4943/ar-4943/06.jpg
أما إذا وجد تدخل مفتعل في حركة السوق كإخفاء البضاعة، أو عرض شديد، أحياناً يحتكر أحدهم مادة يأتي تاجر ناشئ يستوردها، المحتكر الكبير يخفض سعرها إلى النصف، يدفع خسارة ثمانية ملايين حتى يخرج هذا التاجر الناشئ من السوق، يفلس، عندما يخرج التاجر الناشئ يرفع المحتكر السعر أربعة أمثال لأنه بقي وحيداً في السوق، هنا وجد التلاعب، وجد التدخل في حركة السوق الطبيعية، الآن يأتي التسعير ضرورياً في هذه الحالة، أما إذا كانت الحركة الطبيعية، لاحظ أحياناً توجد حركة طبيعية تجد السعر بانخفاض مستمر كان سعر السكر بثلاث وثلاثين ليرة أصبح بست عشرة، وجدت الحركة الطبيعية، مسموح استيراده، مسموح بيعه بشكل حر، وجدت الحركة الطبيعية للسوق هبط لسعره الطبيعي، هذا هو سعره العالمي، من ثلاث وثلاثين إلى ست عشرة، أما إذا وجد الاحتكار فيوجد تدخل غير طبيعي، يوجد إيهام، هذا كله يحتاج إلى تسعير.
من أنواع الاحتكار أن الشاري قد يكون محتكراً هل تصدقون ذلك؟ نحن نتوهم أن البائع هو المحتكر، لا، الشاري قد يحتكر، أنت بحاجة في السنة إلى ربطة معكرونة طوال العام، قيل إنها سوف ترفع أسعارها وتفقد من السوق فاشتريت عشر ربطات، هذا الشاري الذي أقبل على شراء البضاعة بكميات كبيرة تفوق حاجته هو الذي سبب نقص هذه البضاعة، فأصبح المحتكر الشاري، خذ حاجتك الوضع طبيعي، خذ خمسة أمثال حاجتك تخزين، تخزين نقصت البضاعة وارتفع السعر.
الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن :
أيها الأخوة: قصة قديمة جداً لكن لها دلالة، عدة تجار كبار اتفقوا على أن يحصروا فيهم بعض المواد الغذائية، فكلما جاء أصحاب معامل الحلويات يقولون: لم نستورد هذه السنة، خذوا من عند فلان، اتفقوا جميعاً على أن يجعلوا البيع عند واحد، واستوردوا كميات كبيرة، ورفعوا السعر أربعة أمثال، وحققوا أرباحاً خيالية، واشتروا بيوتاً فخمة، ومركبات فخمة، أما ما يأكله الفقير من حلويات ارتفع سعره أربعة أمثال نتيجة الاحتكار، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((من احتكر الطعام أربعين ليلة يريد به الغلاء فقد برئ من الله وبرئ الله منه ))
[ مشكاة المصابيح عن ابن عمر]
وقال عليه الصلاة والسلام: (( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ))
[ مسلم عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
لا يوجد تعنيف، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾
[سورة القصص: الآية 8]
هل خاطئ تخيف؟ من احتكر فهو خاطئ، ما قولك؟ يحشر مع فرعون ومع هامان المحتكر، من أجل تحقيق ثراء فاحش تجوع الناس وتضاعف السعر؟ الفقير كلما ارتفع السعر انخفض دخله عملياً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن أغلاها فرح ))
[البيهقي عن معاذ]
إذا كثّر الله عز وجل الفاكهة أصبح سعر الكرز خمس ليرات أو عشر ليرات يتضايق، ما هذه الأسعار؟ تبهدل هذا الصنف، دع الفقير يأكل الكرز هو وأسرته، ويمتع أبناءه، يؤلمك أن يأكل الناس هذه الفاكهة جميعاً؟ يؤلمه، المحتكر إن سمع برخص ساءه وإن سمع بغلاء فرح.
امتحن نفسك أيها الأخ، إذا انخفض السعر الربح انخفض، لكن الناس كلهم أكلوا و فرّج عليهم، هذه الفاكهة أكلها الجميع، أحياناً الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن، الآن يقول عليه الصلاة والسلام: (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
مطرود من رحمة الله.

من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فليتبوأ مقعده من النار :
الحقيقة معنى الجالب أي استورد بضاعة و باعها بسعر معتدل، وربح ربحاً قليلاً، استورد مرة أخرى وأخرى، قلب رأسماله ثماني مرات، في ثماني مرات حقق ربحاً كبيراً لكنه نفع الناس كثيراً، لو أنه جلب المادة مرة واحدة ورفع سعرها أربع مرات حقق ربحاً كبيراً بصفقة واحدة، هذا محتكر، اجعلهم ثماني صفقات وبع بسعر معتدل، المؤمن يوجد بقلبه رحمة.
روى معقل بن يسار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أثقله المرض فأتاه عبيد الله بن زياد ليعوده فقال له: هل تعلم يا معقل أني سفكت دماً حراماً؟ قال: لا أعلم، قال: هل علمت أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت، فقال معقل: أجلسوني فأجلسوه ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قال: أنت سمعته من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، غير مرة ولا مرتين ))
[ أحمد عن معقل بن يسار]
وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم، وهذه من أدق الموضوعات التي يحتاجها المسلمون بشكل كبير، لأن البيع والشراء نشاط كل إنسان، ولو كان شارياً، يوجد شار محتكر وهناك بائع محتكر.

السعيد
09-19-2018, 02:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : البيوع





الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
بيع الحاضر للبادي نوع من أنواع الاحتكار :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الثامن عشر من دروس سلسلة: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا زلنا في موضوع البيوع، وقد تحدثت بفضل الله تعالى في الدرس الماضي عن الاحتكار ومما يلحق بالاحتكار أن يبيع الحاضر للبادي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/01.jpg
الحاضر هو ساكن المدينة، والبادي هو ساكن البادية، فقد يقدم بدوي ليبيع حاجته في سوق المدينة بسعر يومه، فيأتيه ابن المدينة فيقول له: خلِّ متاعك عندي حتى أبيعه لك على المهلة بثمن غال، ولو باع البادي بنفسه لأرخص وانتفع أهل المدينة وانتفع هو أيضاً.
هذه الصورة أيها الأخوة من صور البيوع أن يبيع الحاضر للبادي كانت شائعة جداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنس رضي الله عنه: "نهينا أن يبيع حاضر لباد ولو كان أخاه لأبيه وأمه".
لأن هذه السلعة لها ثمن إذا باعها بثمنها بسعر السوق انتفع الناس بها، فإذا جاء المدني وخزنها حتى يرتفع الثمن ثم باعها، منع طرحها في الأسواق، فبهذا تدخل هذا الإنسان بحركة السوق الطبيعية.
السوق له حركة طبيعية، إن كانت الحركة طبيعية تستقر الأسعار على وضع مقبول، أما إذا حدث تدخل، أو افتعال، أو اصطناع، أو إيهام، أو حبس بضاعة، أو رفع سعر، أو اتفاق على منع البيع، فهذا كله تدخل في حركة السوق الطبيعية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ))
[ مسلم عن جابر]
كنت مرة في أحد أسواق دمشق أريد أن أشتري حاجة من بائع يحتاجها البيت، طلبت هذه الحاجة من البائع فقال لي أحد الواقفين: هذه الحاجة لا تشتريها، يمكن أن تستغني عنها، البائع انزعج منه أشد الانزعاج، أدركت أن هذه الملاحظة التي وجهها لي أغاظت البائع: ((دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ))
[ مسلم عن جابر]
ويوجد رواية: "دع الناس في غفلاتهم"، شخص يرغب بشراء هذه الحاجة، لا تشتريها، لست بحاجة إليها، ليس لها فائدة، أمام البائع تكون قد قطعت رزقه بهذه الطريقة، وهذا ليس من صفة المؤمن، على كلٍّ أن يبيع الحاضر للبادي نوع من أنواع الاحتكار، بضاعة مبذولة جاء الحاضر فخزنها ليبيعها بسعر مرتفع، لو أن صاحبها باعها وقبض ثمنها نقداً لتحرك بهذا المال، الآن أصبحت هذه الحاجة ديناً، وقد يكون هذا الحاضر متلاعباً، هو لم يستفد وأهل المدينة لم يستفيدوا. الدين النصيحة :
وكلمة النبي عليه الصلاة والسلام: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ))
[ مسلم عن جابر]
هذه الكلمة تضع مبدأ هاماً في الميدان التجاري، أن تترك السوق لتتحرك حركة طبيعية عندئذ تستقر الأسعار على شيء معقول، وكلكم يعلم بعض السلع حينما كانت مفقودة كان ثمنها أربعة أمثال، وفي الحد الأدنى كان ثمنها مثلين، فلما بذلت وسمح باستيرادها وأوضح شيء مادة الموز مثلاً، كان الكيلو بمئة وست وسبعين ليرة والآن أصبح بخمس وعشرين، لما بذلت وسمح باستيرادها وجدت الحركة الطبيعية فهبط السعر، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد التدخل المفتعل عندئذ هذا التدخل يرفع السعر، يستفيد قلة قليلة ويتضرر كثرة كثيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ))
[ مسلم عن جابر]
فقال: لا يكون له سمساراً، طبعا السمسار له مصالح خاصة قد تتناقض مع مصالح أهل المدينة، ومع مصالح البائع، لكن لو أن الإنسان نصح الدين نصيحة، السمسار شيء والناصح شيء آخر، أحياناً السمسار يزين لك الشيء وهو من أسوأ الأشياء كي يبيعك إياه ويأخذ حصته، مصلحته في البيع أن يزين لك، وقد يتكلم كلاماً مناقضاً لكلام سابق، إذا أراد أن يبيع بيتاً يزينه للشاري، ويبخسه لصاحبه، حتى يقنع الشاري بأعلى ثمن، ويقنع البائع بأرخص ثمن، مرة دلال صلى باتجاه الشمال ليلاً، أراد أن يصلي والبيت له نوافذ كثيرة فلما صلى باتجاه النوافذ توهم الشاري أن جهة هذا البيت نحو القبلة.
أحياناً الوسيط له مصلحة في البيع، يزين السلعة لجهة ويبخسها لجهة ثانية، أما لو أن الإنسان ليس له مصلحة ونصح فالدين النصيحة وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ ))
[ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ]
وهذا من واجب الدين: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))
[ مسلم عن تميم الداري ]
الوسطاء إذا قاموا بواجباتهم فأجرهم حلال :
أقول لكم هذه الكلمة بصراحة: إذا استنصحك أحدهم لو تكلمت له بخلاف ما أنت قانع فقد هبط إيمانك إلى مستوى كبير جداً، الدين نصيحة المؤمن نصوح ولا يعبأ إطلاقاً بمكاسبه المادية التي قد تأتيه من عدم نصيحته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/02.jpg
لكن بالمناسبة الوسطاء إذا قاموا بواجباتهم فأجرهم حلال، أحياناً مستورد يأتي ببضاعة وهو لا يذهب للتجار الصغار ليعرضها عليهم، يأتي إنسان يأخذ هذه البضاعة ويجول بها في الأسواق، فإذا أعطيته أجراً مقطوعاً لا مانع، وإن أعطيته نسبة لا مانع، فأجر الوسيط حلال مادام هناك جهد كبير بذله، أنت استوردت وقبعت في مكتبك أما هذا الوسيط فدار في الأسواق كلها، وعرض البضاعة، وبيّن ميزاتها، فمن المعروف أن هذا الجهد يحتاج إلى أجر، مادام هناك جهد حقيقي ولا يوجد كذب، ولا تدليس، ولا إيهام، ولا إغراء، ولا تبخيس، الأجر الذي يتقاضاه الوسيط حلال بهذه الشروط.
أيها الأخوة: المسلمون كما قال عليه الصلاة والسلام عند شروطهم، أحياناً يتوهم بعض الأشخاص أن الدلال أجره حرام، أو الوساطة، كما قلت قبل قليل: إذا بذل جهداً حقيقياً وكان هناك صدق ولم يكن هناك كذب، فهذا الجهد الحقيقي مع هذه الاستقامة لها أجرها، إما أجر مقطوع، أو أجر نسبي، بحسب المبيع، لكن أحياناً لا يفعل الوسيط شيئاً، ولا حركة، ولا سكنة، ولا كلمة، ويطلب مبلغاً يشعر البائع أنه مبلغ كبير جداً، وهناك إيهام، وهناك مشادة، مثل هذا العمل يشبه أكل المال الحرام.
البخاري في صحيحه يقول: "لم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار شيئاً"، وقال ابن عباس: "لا بأس بأن يقول بع هذا الثوب فما زاد عن كذا وكذا فهو لك"، وقال ابن سيرين: "إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك فلا بأس".
ممكن إنسان أن يستخدم وسيطاً في المبيع إما بأجر، أو بنسبة، أو بما زاد عن هذا الثمن فهو لك. تلقي الركبان من الصور التي نهى عنها الشرع الحكيم في البيع والشراء :
من الصور التي نهى عنها الشرع الحكيم في البيع والشراء تلقي الركبان، أي أناس يحملون بضاعة يتلقونهم خارج المدينة، صاحب البضاعة يجهل سعرها، يجهل سعر السوق، أي جاهل، فنأخذها منه قبل أن يعرف سعرها الحقيقي، أحيانا يوجد قرار منع استيراد ويوجد سلع متوافرة بكثرة، إنسان علم هذا الخبر سراً فاتجه ليشتري البضاعة بأرخص الأثمان، هذا هو تلقي الركبان، لو علم البائع أن هناك قرار منع والسلعة ارتفع ثمنها لا يبيعها طبعاً، تلقي الركبان استغلال جهل البائع، وشراء البضاعة بأرخص الأثمان، أيضا هذا النوع من البيع والشراء نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن صاحب البضاعة يأتي إلى السوق يسأل عن السعر، يبيع بضاعته بسعر السوق، أما إذا تلقيته قبل أن يصل فهو جاهل تستغل جهله لتأخذ أكبر ربح ممكن فهذا ما نهى عنه النبي الكريم.
من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى :
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام جعل لمن يريد السوق خياراً، الخيار موضوع بالفقه دقيق جداً، مثلاً من اشترى ولم ير فله الخيار إذا رأى، أنا أشتري بيتاً على خيار شرط أنه ليس مرهوناً، وليس واقعاً في منطقة تنظيمية، ولا في منطقة استملاكية، فلو ظهر خلاف هذا يفسد العقد هذا اسمه خيار الشرط، أنا أشتري حاجة على أنها سليمة من العيوب، لو ظهر عيب هذا خيار العيب، أنا أشتري بضاعة على أن سعرها معتدل، فلو ظهر غبن فاحش هذا خيار الغبن، أنا أبيع بضاعة على أن سعرها هذا مناسب، فإذا وصلت إلى السوق وتبين السعر أعلى بكثير يحق لي أن أفسخ العقد، وأن أطالب المشتري برد البضاعة، وقبض الثمن، هذا خيار الغبن الفاحش، لذلك أنا لا أشتري بضاعة لا أراها، أحيانا يبيعون القماش على المساطر، الألوان مناسبة جداً تأتي البضاعة على خلاف المساطر، على خلاف النماذج، من اشترى ولم ير فله الخيار إذا رأى.
خيار المجلس :
يوجد في الفقه الإسلامي عدة خيارات للبائع والشاري، ويوجد خيار المجلس، أنا عرضت عليك هذه البضاعة بهذا السعر، أنت لم تتكلم، لم تقل نعم، ولم تقل لا، وانفض المجلس، تأتيني بعد ساعة تقول لي: أنا اشتريت، أقول لك: لا، انتهى المجلس، هذا الخيار متعلق بالمجلس، والمجلس انتهى، لذلك يوجد خيار مجلس، معقول أن أسمع سعراً وألا أتكلم ولا كلمة؟ وجد العرض لكن القبول لم يكن مني، بعد حين وجدت العرض مناسباً جداً فذهبت إلى صاحب البضاعة أطالبه بتسليمها كلها، في المجلس الذي كنا فيه أنا عرضت لكنك لم تستجب، وانتهى المجلس، وانتهى العرض مع هذا المجلس.
أحكام البيع والشراء يجب أن يعرفها كل مسلم بالضرورة :
أنا أكاد أقول: إن أحكام البيع والشراء يجب أن يعرفها كل مسلم، لا يوجد إنسان لا يشتري، النشاط الوحيد الذي يفعله كل مسلم البيع والشراء، مهما كنت فقيراً، لابد من أن تشتري قوت يومك، فأحكام البيع والشراء هذه من العلوم التي يجب أن تُعلم بالضرورة، إن هذا العلم دين لأنه إذا صحّ البيع صحت الاستقامة، صحت الصلاة، وإذا البيع فاسد أحياناً أرض مغتصبة، لا ينبغي أن تشجع على شراء بيت فيها أرض مغتصبة، مال مسروق، أنت لا تدري أغراك السعر المتدني، لو علمت أن شراء المال المسروق شراكة في السرقة شرعاً وقانوناً لما فعلت هذا، أي يجب أن تعلم المنهيات في البيع والشراء، لاتبع ما ليس عندك، إذا بعت ما ليس عندك فأنت مسؤول، أنت بعت والبيع إيجاب وقبول، أنت بعت ولا تملك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك.
الرحل، الآن نشتري ألف طن من البن، يباعون ألف مرة وهم بمستودعاتهم، كل البيع فاسد، لا يجوز أن تباع البضاعة قبل أن تجلب إلى مستودعاتك، هذه تجارة حقيقية، ليس قصدك أن تجلب بضاعة لينتفع الناس بها، القصد أن تربح بطريقة تشبه القمار، لذلك الإنسان المسلم عليه أن يتعلم أحكام الفقه ولاسيما في البيوع، لأن ما من مسلم على وجه الأرض إلا وفي يومه الواحد نشاط كثير في البيع والشراء ، أما أخواننا الباعة التجار فموضوع الفقه الأول بالنسبة إليهم هو البيوع، الأول لأن عملك تاجر، عملك بائع، والمصنع يبيع، والمزارع يبيع، والتاجر يبيع، فكل إنسان يبيع ويشتري ينبغي أن يتعلم أحكام البيوع، هي من العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة.
الغش من لوازم الكفر والنفاق والبعد عن الله عز و جل :
الحقيقة كما أقول لكم دائماً، ما من موضوع بعد الإيمان بالله أجدر أن يعرف كالحلال والحرام، لأنك إن آمنت بالله اندفعت إلى طاعته، أين أمره؟ أمره الأحكام الفقهية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/03.jpg
والإسلام أيضاً يحرم الغش والخداع بكل صورة من الصور في كل بيع وشراء، الحقيقة مع تقدم العلوم، مع تقدم الذكاء الشيطاني، وجدت أساليب في الغش لا تخطر على بال، معامل تقام في دول غنية عملها تغير لصاقات انتهاء الصلاحية، بضائع لا يعلمها إلا الله، أجبان، معلبات، لحم، كلها عليها انتهاء الصلاحية، معامل بأعلى مستوى تكنولوجي عملها أن تغير هذه الصلاحية لصلاحية بعدها، وتباع للدول الفقيرة على أنها بضاعة مهربة، ويقبل الناس عليها إقبالاً شديداً، هذا أحد أنواع الغش.
سمعت عن تاجر كان يستورد لحوماً تعطى للكلاب، ويغير أغلفتها الخارجية ويبيعها للناس، فالغش مستشر، أكاد أقول لكم: إن أكبر ظاهرة في المجتمعات المتفلتة هي الغش، وأصبح الغش علماً، تشتري حاجة توقن أنها من صنع هذا البلد، يستوردون مثلاً قماشاً مصنوعاً في دولة من العالم الثالث توضع على حاشيته اسم دولة عريقة في صناعة هذا القماش، فالشاري يرى حاشية صنعت في الدولة الفلانية فيشتري، لذلك الغش من لوازم الكفر، والنفاق، والبعد عن الله عز و جل، لعلي بالغت في هذا، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
هل هناك من كبيرة أكبر من أن يرفع انتماؤك لهذا الدين ولهذه الأمة؟ من غشنا فليس منا. على الإنسان عدم كتمان العيب في البضاعة :
ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما ))
[ متفق عليه عن حكيم بن حزام]
البيعان أي البائع والشاري على التغليب، لي صديق يبيع قطع للسيارات، قال لي: قطعة بقيت عندي ثلاث أو أربع سنوات وثمنها مرتفع، يقدر ثمنها من عشرين إلى ثلاثين ألفاً، وتنتقل من جرد لجرد، طلبها قليل، قال: جاء إنسان يطلبها، فصعدت السلم لأعطيه إياها في الرف العالي، قال لي: وأنا على السلم سألني أصلية؟ هي ليست كذالك، وقع في صراع ثم قال له: ليست أصلية، قال له: أعطني إياها، كلمة ليست أصلية أصبح البيع حلالاً. (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما ))
[ متفق عليه عن حكيم بن حزام]
سمعت عن إنسان له درس دين ببعض قرى الغوطة، عليه إقبال شديد، السبب؟ هو بقال ولا يكذب أبداً، قال له أحدهم: عندك بيض؟ فقال له: نعم، قال: طازج؟ قال: لا والله، منذ أربعة أيام وجاري الآن جاءته وجبة، هذا هو الدين بكل بساطة، لا تكذب أبداً، لا يوجد رزق يأتيك بالحرام، أي إذا الله عز و جل أراد أن يرزقك هو أجلّ وأكرم من أن يجعل رزقك عن طريق غير مشروع، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، والله عندي آلاف القصص على أن كل مؤمن ترك شبهة في الرزق الله عز و جل تكريماً له أعطاه أضعافاً مضاعفة على ترفعه، البارحة قال لي أخ كريم تأثرت بكلامه: أنا أعمل في التدفئة، بناء لا يرضي الله، عرض عليّ أن أدفئه، فندق خمس نجوم، وصالات، ونواد ليلية، وصالات رقص، وخمور إلى آخره، أي كل الموبقات فيه، فيه نجوم الظهر وليس خمس نجوم، قال: عرض عليّ أن أدفئه، قال: والله أنا بلا عمل منذ سنة ونصف فرفضت، وأنا في أشد الحاجة لهذا العرض، قال: بعد أيام جاءني عمل لمسجد من أكبر مساجد دمشق، وببساطة بالغة وقع عليّ هذا العقد، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، والله يا أخوان أنا لي كلمة أرددها كثيراً أشعر أنها ممكن أن تفي بالحاجة: زوال الكون أهون على الله أن يضيع مؤمناً استقام على أمره وخشي معصيته، آلاف القصص، دع شيئاً لا يرضي الله، والله أجلّ وأكرم من أن يجعلك خاسراً، سيجعلك رابحاً في المقدمة. (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما ))
[ متفق عليه عن حكيم بن حزام]
أضرب أحياناً مثلاً هو جزئي، قال لك الشاري: أعطني بنطالاً يكون اللون دارجاً، عندك لون زيتي كاسد فقلت له: هذا أدرج لون، أنت الآن خنت هذا الشاري، الخيانة تكون بصور شتى، أحياناً يكون عندك قماش سيئ جداً تصنع منه بنطالاً، يسألونك: جيد؟ فتقول: أنا أرتدي منه، أنت خيطته خصيصاً، فكلما سألك الشاري عن جودته تقول له: انظر هذا أكبر دليل، هذا دليل معاكس، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلَّا يُبَيِّنُ مَا فِيهِ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا يُبَيِّنُه ))
[ أحمد عن واثلة]
قال لي أخ: بعنا سيارة فيها عيب بالمحرك، المحرك مشعور، الحمد لله بعناها و لبسناها للزبون، شعر بنشوة بأنه لبسها للزبون، والله بعد خمسة أيام ذهب إلى طرطوس لاستلام سيارة، وكان البيع سريعاً واختار لونها كحلي أحدث طراز، خمسة أيام حصل له حادث جعل السيارة مصفحة وجاءني يشكو، فقلت له: ألم تقل لي من أسبوع لبستها لزبون؟ الله كبير.
يجب على الإنسان عدم كتمان العيب في البضاعة، لأنها و لو بيعت بسعر منخفض يكون البيع حلالاً. من استقام على أمر الله يحفظه الله من كل سوء :
أما كتم العيب غش ومن غشنا فليس منا، ويوجد حديث أشد تقريعاً: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
لو غششت ملحداً، لو غششت عابد صنم، لو غششت مجوسياً، لست منا، يوجد أمثلة كثيرة جداً، ويوجد قصص والله عز وجل قال: "لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ فقال: عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟"، تجد أحدهم من مشكلة إلى مشكلة، من صادرة لصادرة، ومن ضبط لضبط، ومن مخالفة لمخالفة، ومن سجن لسجن، لماذا يحدث بنا هذا؟ من الغش.
فالإنسان عندما يستقيم يحفظه الله، لا أعرف ماذا أقول لكم؟ يمكن أن يكون الدين كله استقامة؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[ رواه الطبراني عن ابن عباس ]
ما معنى أطب مطعمك؟ ضع سمناً بلدياً له؟ لا، إذا اشتريت طعامك بمال حلال فطعامك طيب، ومعنى مال حلال أي كسب حلال لا يوجد فيه كذب، ولا يوجد فيه احتكار، ولا يوجد فيه غش، ولا يوجد فيه تدليس، ولا يوجد فيه مبالغة، ولا يوجد فيه إيهام، ولا يوجد فيه اتفاق، لا يوجد فيه أية مخالفة للشرع، لا تلقي ركبان، ولا بيع حاضر لباد، ولا محتكر، ولا غش، ولا إيهام، ولا لعب بالوزن، ولا بالكيل، ولا بالمساحة، أحياناً أقل شيء يفعله بعض التجار إذا اشترى القماش يرخيه تراه يشكل مع المتر قوساً هذا إذا اشترى، أما إذا باع فيشده، قياس القماش في الشراء خط منحن وقياسه في البيع مثل وتر العود، تراه يشده هذا غش، أيضاً بالكيل يوجد غش، بالمساحة يوجد غش، بالعدد يوجد غش، مرّ عليه الصلاة والسلام برجل يبيع حبوباً فأعجبته الحبوب، أدخل يده فيها فرأى بللاً، أحياناً تشتري صندوق فاكهة تجد بداخله قطعة خشب ووزن الصندوق اثنان أو ثلاثة أو خمسة كيلو غرامات، تجده أحياناً يضع فيها قطعة حطب، قطع خشب كبيرة موضوعة في الصندوق، وأنت اشتريت الكيلو بخمس عشرة أو بعشرين ليرة هذا غش أيضاً، أو كلها منقوعة بالماء، تجد آثار الغش واضحة فنجد: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ، مَا هَذَا؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ : مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
ويوجد رواية أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بطعام وقد حسنه صاحبه، فوضع يده فيه فإذا هو طعام رديء فقال: ((بع هذا على حدة وهذا على حدة من غشنا فليس منا ))
[حسن عن عبد الله بن عمر ]
الآن يقول: بالتجانس في التموين، التجانس بيع البضاعة الجيدة على حدة والسيئة على حدة، وكل شيء بسعر. أكثر شيء مؤلم كل أنواع الخضار والفواكه الطبقة الأولى من الصندوق من أروع ما يكون، وفي الأسفل قمامة، وجد الغش، أما لو قمنا بالتجانس درجة أولى، ثانية، ثالثة.
باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري: أبرأ لك من عيب فيها إنها تقلب العلف برجلها، لها عادة سيئة تقلب العلف برجلها. كثرة الحلف مع البيع يزيد الحرمة فيه :
الآن إذا كثر الحلف مع البيع تشتد الحرمة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم التجار عن كثرة الحلف بعامة، وعن الحلف الكاذب بخاصة، سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه كان إذا أقسم يميناً في البيع صادقاً دفع ديناراً صدقة، حتى لا يسمح لنفسه بالحلف: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
[سورة المائدة:الآية 89]
أما إذا كان كاذباً معنى هذا أن الإنسان خرج عن طريق الاستقامة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
أولا: حلف بالله العظيم لأشياء خسيسة، وثانياً تغرير للشاري بأنه صادق. تطفيف المكيال والميزان لون من ألوان الغش :
من ألوان الغش تطفيف المكيال والميزان هذا من ألوان الغش. قال تعالى:
﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة الأنعام: الآية 152]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/04.jpg
حكى لي أخ قصة قال: أنا والدي من تجار الغنم، وأردت أن أنوب عنه بعد أن تقدم في السن، وأنا جاهل لا أعلم من الفقه شيئاً، قال له أحدهم: حلال أن تأخذ أموال البدو، فقال: ركبت سيارة وذهبت إلى البادية، واشتريت كمية من الصوف كبيرة، أردت أن أوهم صاحب الصوف أن الوزن دقيق فأقول له: هذه الجرزة ثلاثة وعشرون كيلو وخمسمئة غرام، سبع وعشرون وثلاثمئة غرام، هذا البدوي أول مرة في حياته يسمع الغرامات، فقال له: والله زين، لكن بعد أن انتهى من الوزن وجد الكمية مقدرة بثمانية أطنان، فكانت بعد الوزن خمسة أطنان، فقال له البدوي: إن شاء الله تجدها في صحتك، لم يقتنع بالكمية أما الغرامات فأحبها، فقال: ثم حملنا هذا الصوف ورجعنا، عندما قال البدوي: تجدها في صحتك خفت أنا أول مرة في حياتي، قال: دخلت في صراع مع نفسي، هذه في أعماق البادية، أعود وأعطيه الفرق، أتركه، أعطيه الفرق، دون أن يشعر أبلغه بأني لعبت عليه، قال: دخلت بصراع طويل، وانتهى الصراع عندما وصلت لمنطقة الضمير، قال: بالضبط أحاكي نفسي ضع في الخرج ماذا حدث؟ قال: والله لم أكمل هذا القرار الداخلي إلا وجدت نفسي في بركة من الدماء، السيارة انقلبت، والصوف تبعثر، والسمن ساح، والميزان انكسر، وأنا وسط بركة من الدماء، أسعفه الناس إلى خيمة قريبة، وانتقل إلى الشام بعدها، وسأل أحد العلماء في الشام فقال له: ارجع وأعطه الفرق، قال: والله رجعت وسامحني وأعطاني تنكة سمنة هدية، لكن متى حاسبه الله عز و جل؟ عندما اتخذ القرار. ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
[سورة الزخرف:الآية 79]
هذا ما قررته، ضع في الخرج، قف عندك.
أحياناً الإنسان يقع في صراع فيتخذ قراراً فيعاقبه الله. موضوع الوزن والكيل والمساحة والعددلا لعب فيه :
لعب بعض الناس بالوزن والعدد والمكيال والمساحة يظنونها شطارة، لا يوجد شطارة، هذا حق، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( إذا وزنتم فأرجحوا))
[ ابن ماجه عن جابر]
أحياناً يبيعك مثلاً مادة مرتفعة الثمن، الكيلو بأربعمئة ليرة، العلبة كرتون يبيع العلبة بأربعمئة ليرة، يبيعك أشياء ثمينة، كيس من النشاء فيه كميات كبيرة من الوزن، حتى أنه يوجد باعة يوجهون المروحة على الميزان، والمروحة تنشئ حركة في الميزان أحياناً إذا مالت إلى جهة الكفة ترجح، فموضوع الوزن والكيل والمساحة والعدد لا شطارة فيها يجب أن تؤدي الذي عليك وأنت صاغر و إلا تقع في الحرام، وإذا وزنتم فأرجحوا، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[سورة الأنعام: الآية 152]
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾
[سورة الإسراء:الآية 35]
سورة المطففين جاءت في وسط الآيات المكية الدالة على عظمة الله :
والله تعالى يقول:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
[سورة المطففين: الآية 1]
في وسط الآيات المكية الدالة على عظمة الله جاءت سورة المطففين، كأن الله أراد أن يقول: إذا طففت الكيل والميزان لا تنتفع بكل هذه الآيات، الإنسان عندما ينحرف يصبح على قلبه غشاوة، لكن يوجد أشياء من الصعب تلافيها، لو بعت زيت محرك ووضعته بالمحرك يبقى في المكيال شيء من الزيت لأن الزيت لزج، فوق طاقة الإنسان ألا يترك شيئاً، فيوجد أشياء معفو عنها لأنها فوق طاقة الإنسان: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[سورة البقرة: الآية 233]
العدل المطلق، المطلق لعله يصعب على بعض البشر، الشيء الذي لا تستطيع أن تفعله هذا معفو عنه، قوم سيدنا شعيب أهلكهم الله عز و جل لأنهم انحرفوا في الكيل والوزن، ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
[سورة الشعراء: الآية 181-182-183]
شراء المنهوب والمسروق من الأشياء المحرمة في البيع والشراء :
الآن من الأشياء المحرمة في البيع والشراء شراء المنهوب والمسروق، وشراء المنهوب والمسروق مشاركة للناهب والسارق، يقول عليه الصلاة والسلام:
((من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها ))
[أخرجه الحاكم في المستدرك وعنه البيهقي في السنن الكبرى وأبو القاسم الفضل بن جعفر المؤذن]
كيف يعلم أنها سرقة؟ من سعرها، الآن إذا اشترى السلعة بأقل من ثمانين بالمئة من رأسمالها تعد مسروقة، يوجد في الشرع الإسلامي أن طول أمد المسروق والناهب لا يحله، لا يوجد عندنا في الإسلام تقادم، المسروق مسروق ولو بقي معك مئة عام، المسروق مسروق والمنهوب منهوب، فالإنسان يجب أن يتحرى أن يشتري شيئاً مسروقاً أو منهوباً أو مصادراً ظلماً. أكل المال عن طريق الربا من المحرمات أيضاً في البيع والشراء :
ثم إنه من المحرمات في البيع والشراء والتعامل أكل المال عن طريق الربا لقوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/05.jpg

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
[سورة النساء: الآية 29]
وأثنى الله جلّ جلاله على الضاربين في الأرض بالتجارة فقال: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾
[سورة المزمل: الآية 20]
الحقيقة ومن أشد أنواع النهي هو النهي عن الربا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ * وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة: الآية 278-279]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا ظهر الربا والزنى في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله))
[ الطبراني عن ابن عباس]
من باب تمييع الموضوع في العهد القديم جاء: إذا افتقر أخوك فاحمله ولا تطلب منه ربحاً ولا منفعة، وفي الإنجيل: "افعلوا الخيرات وأقرضوا غير منتظرين عائدتها وإذن يكون ثوابكم جزيلاً"، ففي الأديان كلها الربا محرمة، لكن اليهود بعد أن حرفوا التوراة أباحوه لأنفسهم، أباحوا أكل الربا من غير اليهودي وحرموه على أنفسهم. في الربا يلد المال المال وفي الكسب المشروع تلد الأعمال المال :
أيها الأخوة: موضوع الربا تمت معالجته في هذا المسجد قبل أشهر أو قبل سنة فيما أعتقد، هناك ثمانية أشرطة، وهناك تفاصيل جميلة جداً وقتها قيلت، ولكن بشكل موجز، الآن نقول: الربا أكل المال بالباطل، أكل المال بلا عوض، المال ألصق شيء بالإنسان، المال قوام حياته، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، والمال ينمو بالأعمال بالعوض، وينمو بالربا بلا عوض، والشيء الذي هو أصل في التحريم أنه لا يجوز أن تأخذ مالاً إلا بعوض، أما بلا عوض نما المال من المال، والذي سيحصل تجتمع الأموال بأيد قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، وعندئذ كل أنواع الفساد الأخلاقي والاجتماعي والجرائم أساسها هذا الفرق الطبقي الكبير، في الربا يلد المال المال، وفي الكسب المشروع تلد الأعمال المال، الأعمال فيها منفعة، أنت صنعت أبواباً، صنعت ألبسة، زرعت أرضاً، أنشأت بناء، قدمت خدمات، قدمت حاجات، قدمت منافع، مقابل هذه المنافع ربحت، أصبح هذا المال الذي أخذته مقابل عوض أما في الربا فالمال ذاته يلد المال بهذه الطريقة من دون جهد، ومن دون إبداع، ومن دون تعب، ومن دون عوض، حينما ينمو المال نمواً ذاتياً عن طريق الربا تتجمع الأموال الطائلة في أيد قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، هنا محط الشاهد، أصل التحريم ألا يلد المال المال، وتحدثت عن هذا بالتفصيل في دروس سابقة، كيف أن المال إذا ولد المال فشت البطالة، شيء مريح جداً تضع مليون بالبنك تأخذ بالمئة ثمانية عشر، البنك أجنبي تأخذ في السنة مئة وثمانين ألفاً نقسمها على اثني عشر شهراً نجد أنه يأخذ خمسة عشر ألفاً في الشهر وهو مرتاح، لا مسؤولية، ولا وظيفة، ولا عمل، ولا دوام، لو كل إنسان ودع ماله في البنك، وأخذ الفائدة، لم يعمل، تشيع البطالة، أما الآن أفتح محلاً تجارياً إنك تشغل مئتي إنسان من أجل فتح المتجر بشكل غير مباشر، أنت بحاجة لفواتير، ولمن ينقل لك البضاعة، ومحاسب، وطباعة، وتغليف، وورق، وتنقلات، ومواصلات، وسفر، وفندق، لا يوجد إنسان يعمل بعمل إلا ويشغل معه المئات بل الألوف، أما إذا نما ماله عن طريق الربا فتشيع البطالة في المجتمع، والموضوع دقيق يحتاج إلى تفصيلات كثيرة جداً.
الربا يرفع الأسعار و يجمع الأموال بأيد قليلة ويحرم منها الكثرة الكثيرة :
على كلٍّ أول شيء في هذا الموضوع الربا يرفع الأسعار، وعندنا قاعدة: السعر إذا ارتفع الشريحة المستفيدة تصغر، أوضح مثل لو أن فاكهة الكيلو منها بمئة ليرة كم إنسان بالشام يشترون منها؟ كم إنسان يشترون فاكهة بمئة؟ بـسبعين؟ بخمسين؟ بأربعين؟ بثلاثين؟ بعشرين؟ بعشرة؟ بخمسة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4944/ar-4944/06.jpg
إذا الكيلو بخمسة ليرات معظم الناس يشترون، فكلما ارتفع السعر تضيق شريحة المستفيدين منه، إذا ارتفعت الأسعار والشريحة ضاقت وجد فرق طبقي كبير جداً، وجد كثرة كثيرة محرومة، وقلة قليلة منعمة، هذا الفرق الطبقي الكبير يسبب اضطرابات، وجرائم، وسرقات، وحرمان، إلى أن ينتهي بالثورات، أساسه الفرق الطبقي، لذلك عندما نهى الله عز وجل أشد النهي عن أكل الربا لأنه طريقة من طرق تجميع الأموال بأيد قليلة وحرمان الكثرة الكثيرة منها، مثلاً لو لم توجد الربا في الأرض يمكن أن نضع الأموال في مشروع تجاري نربح بالمئة عشرة، أما إذا كان أي مصرف يعطي بالمئة ثمانية عشر من دون جهد، من دون ضرائب، من دون مسؤولية، من دون أخطاء، من دون مغامرة، فأصبح إذا وضع إنسان أمواله من أجل أن يستثمرها في مشروع تجاري، أو صناعي، لا يرضى ربحاً بأقل من خمسين بالمئة، مادام يوجد ثمانية عشر مضمونين بلا جهد معنى هذا أنه لِيغامر برأسماله يريد أربعين بالمئة، أما لو لم توجد الربا بالأساس يمكن أن يقنع الإنسان بربح خمسة عشر بالمئة، معنى هذا أن الأسعار هبطت، وإذا هبطت الأسعار الشرائح المستفيدة توسعت، وعمّ الخير، قضية معقدة جداً، كلما ارتفع السعر ازداد الفرق الطبقي في المجتمع، معنى هذا أن الربا يسهم في رفع السعر، ويسهم في البطالة، لأن الأعمال تلد الأعمال، أما نمو الأموال ربوياً فيعطل الأعمال، عندما يكون القرض ربوياً لا يوجد مكان للقرض الحسن، ينقطع الخير، إذا كل قرض ربوي أصبح القرض الحسن فيه خسارة كبيرة، ينعدم الخير في المجتمع، هذه قضية أخلاقية.
يوجد شيء آخر: دائماً المقرض غني والمقترض فقير، فالفقير على فقره عليه أن يرد القرض مع الفائدة المركبة، فأرهقناه، وسحقناه، هذه قضية أخلاقية أيضاً، وهذا التحريم لا يتجه إلى آكل الربا بل إلى موكله الذي ساهم في إشاعة الربا، لذلك لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه.
طبعاً البحث مختصر لأننا مررنا عليه بشكل مفصل جداً في ثمانية دروس متعلقة بموضوع الربا مع التفاصيل والأدلة القوية، والآن مرورنا على الموضوع كان مروراً سريعاً.
وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل لموضوع الدين الذي هو بديل الربا، القرض الحسن.

السعيد
09-19-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : الدين - التأمين - بيع السلم - بيع الاهل




الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الحكم الأول المتعلق بالدَّين :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الدين.
أولاً: الحكم الأول المتعلق بالدين قال تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
[سورة الأنعام:الآية 142]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/01.jpg
المسرف أحيانا يلجأ إلى الدين، لأنه مسرف، لأن إنفاقه لا يتناسب مع دخله، يفتقر هذا الإنسان إلى التخطيط ،إلى الحساب الدقيق، إلى الموازنة، إلى الحكمة في الإنفاق، وقد قال الله عز و جل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾
[سورة الفرقان: الآية 67]
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما عال من اقتصد))
[ أحمد عن ابن عباس]
ولو نحيت جزءاً يسيراً جداً من دخلك للطوارئ.
فالإسراف نهانا الله عنه، والتبذير النهي عنه أشد، لأن الإسراف في المباحات بينما التبذير في المعاصي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا أخوان الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * ﴾
[سورة الإسراء: الآية 26-27]
الإسراف منهي عنه، والتبذير منهي عنه، وعباد الرحمن إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وما عال من اقتصد، إذاً الإنسان متى يستقرض؟ عند الضرورة القصوى، عند الضرورة التي لا تحتمل التأخير، كإجراء عملية جراحية، كشراء حاجات أساسية، هذا الاقتراض مشروع في الإسلام، أما الاقتراض لعلة الإسراف أو بسبب التبذير أو لحاجات ثانوية فهناك نهي عن هذا في الأصل. غلبة الدين تعادل قهر الرجال :
لو وقفنا عند السنة النبوية المطهرة لوجدنا العجب العجاب، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه الشريف: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ ))
[ أبو داود عن أبي سعيد الخدري]
أي رجل قوي شرس لئيم لا يحبك يريد أن يسحقك، عجباً للنبي صلى الله عليه وسلم كيف جمع بين غلبة الدين وقهر الرجال، أي غلبة الدين تعادل قهر الرجال، كيف أن الرجل إذا قهر فجر قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾
[سورة الشعراء: الآية 130]
الجمع بين غلبة الدين وقهر الرجال في مستوى واحد، بل إن القاعدة في اللغة تقول: إن العطف يقتضي التشابه، والعطف يقتضي المشاركة من غلبة الدين و قهر الرجال، فما دام الموضوع طرق بهذا الشكل نرى قول الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[سورة الإسراء: الآية 23]
رفع الله الإحسان للوالدين إلى مستوى عبادة الله، وقال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
[سورة محمد: الآية 5]
رفع الله صلاح البال إلى مستوى الهدى، فالعطف يقتضي المشاركة، التجانس، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ ))
[ أبو داود عن أبي سعيد الخدري]
والإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام: (( وإياك وما يعتذر منه ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]
فالدين كما يروى وهم بالليل وذل بالنهار: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ ))
[ أبو داود عن أبي سعيد الخدري]
وفي حديث آخر أو دعاء آخر يقول: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْدَلُ الدَّيْنُ بِالْكُفْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
وقد نقل عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً". الإنسان يصبر على فقد الحاجة ولا يصبر على همّ الدين :
الإنسان إذا افتقر، وافتقر، وغلبه الدين، ووقف الناس على بابه، وأغلظوا له بالقول، وتابعوه ليلاً نهاراً، مرة بالهاتف، وأخرى باللقاء المباشر، ومرة هددوه، ومرة أوعدوه، فقد لا يحتمل، فالنبي استعاذ من غلبة الدين وقهر الرجال، واستعاذ من الدين والكفر، وكان يقول صلى الله عليه وسلم في صلاته: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم))
[ البخاري عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/02.jpg
المغرم الدين، الدين قرن مرة بالمأثم، ومرة بالكفر، ومرة بقهر الرجال، إذاً المفروض أن الإنسان يصبر على فقد الحاجة ولا يصبر على همّ الدين ، وورد عن رسول الله أنني لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه.
هناك تصرفات غير واعية من أناس كثيرين في الاقتراض بشكل عشوائي، وحينما يأتي سداد الدين يعجز، فإذا عجز اضطر لأن يكذب. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز و جل مبنية على المسامحة :
أيضا يوجد حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام في دعائه الشريف:
((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ))
[ البخاري عن عائشة]
إذا وجد الدين ماذا يفعل الرجل؟ إذا حدث كذب، وإذا وعد فأخلف دخل في خصلتين من خصال المنافق وهو لا يدري.
والحقيقة يوجد شيء مخيف كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي على الميت إذا عرف أنه مات وعليه دين، وقد يكون هذا الميت أحد أصحابه، وقد يكون هذا الميت جاهد معه، وقد يكون هذا الميت وضع روحه على كفه في سبيل الله، ومع ذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام:" أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم" .
إلا أن أصحاب رسول الله كانوا على درجة عالية من الوفاء، فكان إذا قال عليه الصلاة والسلام: صلوا على صاحبكم. ينبري أحدهم ويقول: يا رسول الله عليّ دينه صلِّ عليه.
هذا الشهيد ماذا قدم لله؟ الشهيد قدم روحه، وقد قال الشاعر:
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
***
ومع ذلك دققوا في هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: (( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ))
[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن ابن عمرو ]
قدم روحه، انتهى، قدم أثمن ما يملك، ومع ذلك يغفر له كل شيء إلا الدين، فإنه لا يغفر، لماذا؟ لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله عز و جل مبنية على المسامحة، والله لا أصدق ولا أتصور إنساناً أكل أموال الناس وولى هارباً، يقول: فليفعلوا ما يشاؤون، هذه المحاكم، وفعلها أناس آخرون، وفعلها أناس كثيرون، أخذ أربعين مليوناً وخمسين مليوناً و اختفى، باعتقاده الموضوع انتهى، ويظن أنه ذكي، ويظن أنه فالح بهذا، والله يكيل الله له الصاع صاعين، لأنه: (( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
من صدق في أداء الدين أدى الله عنه :
قد يقول أحدكم من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفها الله، هذا هو السياق، لا، من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله – أتلف الله صاحب المال- والله أعرف رجلاً أخذ مبلغاً كبيراً، وأنا أثق بإيمانه، ووصل إلى مستوى الإفلاس، وهذا المبلغ الكبير برقبته، والأسواق لا تساعد، كساد ما بعده كساد، جمود ما بعده جمود، لا بيع، ولا شراء، ولا حركة أبداً، وهذا المبلغ الذي أخذه أكبر من أن يؤديه، مرة قال لي: بقدرة قادر، و رحمة رحيم، وإلهام حكيم، الله عز وجل يسر له عملاً وسط الكساد، وسط الجمود، عملاً رائجاً جداً، فوفّى معظم هذا المبلغ، قلت له: والله لم تفعل شيئاً إلا أنك نويت ردّ هذا المبلغ، الوضع لا يساعد أبداً لكنك يبدو أنك نويت بصدق وفاء أداء هذا المبلغ فأدى الله عنك، هذا كلام دقيق للذي عليه دين.
الله عز و جل لا ينتظر ممن عليه دين إلا أن يصدق في أداء الدين، وعلى الله الباقي، وأعني ما أقول، الذي عليه دين الله عز و جل لا ينتظر منه إلا أن يكون صادقاً في وفاء هذا الدين، وعندئذ يتولى الله عنه أداء هذا الدين، ييسر له عملاً لم يكن في الحسبان، ييسر له أمره وسط الجمود، ووسط الكساد، ووسط الموت، لأن الله عز و جل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم هذا وعد ربنا على لسان النبي، والنبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى قال: (( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
صاحب الدين عندما يكون رقيقاً ويصبر له عند الله أجر كبير :
بالمناسبة صاحب الدين عندما يكون رقيقاً، وحليماً، ويصبر، له عند الله أجر كبير أيضاً، صاحب الدين بإمكانه أن يكون فاجراً، بإمكانه أن يقسو في الكلام، بإمكانه أن يثير ضجة كبيرة، بإمكانه أن يفعل شيئاً منكراً، لكن إذا تلطف في مطالبة المدين ورحمه أحياناً فكأنما تصدق عليه، ما كل شيء مال، ما كل الربح مال، أحياناً صبرك ربح، والله عز و جل قال: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾
[سورة البقرة: الآية 280]
أنت تنتظر هذا المدين المعسر ابتغاء وجه الله، الله عز و جل أكرم الأكرمين يكافئك على هذا الصبر الجميل الشيء الكثير. القرض الربوي من لوازم أهل الدنيا و القرض الحسن من لوازم أهل الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/03.jpg
على كلٍّ موضوع الدين موضوع أساسي في الدين، نحن عندنا قرض ربوي، وعندنا قرض حسن ، القرض الربوي من لوازم أهل الدنيا، وأهل الأموال الذين لا يعبؤون لا بمنهج، ولا بدين، ولا بقرآن كريم، ولا بسنة، لا يتصور أن يقرض مبلغاً بدون فائدة، أما المؤمن فلأن أساس حياته على العطاء لا على الأخذ، المؤمن إذا قرأ قوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾
[سورة البقرة: الآية 245]
المؤمن إذا قرأ هذه الآية يندفع إلى خدمة الخلق، أنا أعرف أن أجر القرض ربما كان أشد من أجر الصدقة، أعلم أن هناك أناساً كثيرين لا يقبلون الصدقة، محترمين، نفسهم عزيزة، لكن يستقرضون، فإذا فرجت همهم فلك أجر كبير: ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة...... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))
[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
من أسدى إليك معروفاً فلم تكافئه ساهمت في تقليل الخير :
الآن شاع بين الناس أن أخاً ميسور الحال يرصد مبلغاً لإقراضه للمحتاجين، هذا المبلغ من يد ليد ليد، وأنت أيها المؤمن إذا أخذت أموال الناس ورددتها شاركتهم فيها، وأعنت على الخير، وساهمت في فعل الخير، أما إذا اقترضت مبلغاً ومضى، قال لي شخص: أقرضت شخصاً مئة وخمسين ألفاً، والله من يومين قالها لي، قلت له: منذ متى؟ قال: منذ خمسة وأربعين عاماً، قال لي: منذ أسبوع ردها لي، مئة وخمسون ألفاً قبل خمس وأربعين سنة كم تساوي؟ قال: والله دفعها لي قبل أيام، وأنا أطالبه، مثل هذا الإنسان يبطل المعروف، يروى أن لصاً من لصوص الصحراء، من لصوص الخيل، يتصنع المسكنة والفقر، مرّ فارس فرقّ له، بلا حذاء، بلا نعل، ورمال الصحراء كالنار، كالجمر، فقال له: اركب ورائي، ما إن امتطى الجواد وراءه حتى دفع صاحبها إلى الأرض، وعدا بها لا يلوي على شيء، وهو من لصوص الخيل، يقول له صاحب الخيل، صاحب الفرس: يا هذا لقد وهبت لك الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها، الشيء القريب من أذهانكم، شخص يركب مركبته ليس معه أحد يشير له شخص لا يركبه، أنا أقول: معه حق، أحدهم ركب شخصاً هذا الشخص كان قاتلاً إلى الآن بالسجن، ركّب شخصاً يحمل حشيشاً، هذا الذي يطلب المعونة ومعه لغم يمنع الماعون، عندما يكون الناس بمستوى راق يشجعون على فعل الخير، فكلما حدثت مشكلة الناس تخاف و ترتعد، فكلما غدر إنسان أو ارتكب عملاً قبيحاً يبعد الناس عن فعل الخير، لا يستطيع أحدنا أن يُركب شخصاً لا يعرفه، يا ترى معه حشيش؟ معه مخدرات؟ ملاحق؟ قاتل؟ لا يعرف من هو الشخص؟ يفترون عليه أحياناً، إذاً هؤلاء الذين فعلوا هذه الأعمال منعوا الخير.
الملخص إذا أسدي إليك معروف فلم تكافئ بل أسأت، أنت تسهم في تقليل فعل الخير في المجتمع، وهذه مشكلة كبيرة.
بيع الأجل وبيع السلم والإقراض :
عندنا القرض، وإذا إنسان باع شيئاً ما، وأجّل قبض الثمن، هذا عمل صالح، ويوجد عمل صالح بالمقابل هو بيع السلم أي أنت أحياناً تكون راعياً، أو صاحب غنم لا يملك ثمن علف هذه الأغنام، فيضطر إلى بيع صوفها سلفاً، هذا اسمه بيع السلم، وله في الفقه شروط كثيرة، أما بيع السلم فمعاونة الشاري للبائع، والبيع لأجل معاونة البائع للشاري، مرة البائع يعاون بالبيع لأجل، ومرة الشاري يعاون بالشراء بالسلم، والقرض إقراض لله عز وجل، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[سورة البقرة: الآية 245]
لكن الله لم يكلفك بالإقراض، أن تقرض أي إنسان دون أن تعرفه، هناك نصابون كثيرون، هناك أناس مخادعون، النبي علية الصلاة والسلام كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد، أما إنسان معروف، واثق من أمانته، واثق من رد الدين، وطلب منك مبلغاً، الأولى والأكمل والمروءة تقول: أن تنجده.
الإقراض من الأعمال الصالحة، والبيع لأجل من دون زيادة أيضاً من الأعمال الصالحة، وبيع السلم من دون استغلال، أي إذا صاحب غنم في البادية احتاج إلى ثمن علف، والغنم على وشك الموت جوعاً، فاضطر أن يبيع صوف غنمه لمن يدفع له ثمنه مسبقاً، فإذا كان كيلو الصوف أو رطل الصوف بخمسين ليرة اشتراه بالسلم بعشر ليرات، أليس هذا استغلالاً؟ هذا أشد أنواع الاستغلال، بيع السلم بلا استغلال، بلا بخس للثمن، وبيع لأجل بلا زيادة، أصبح بيع الأجل عمل صالح، وبيع السلم عمل صالح، والإقراض عمل صالح مزدوج. المضاربة والقرض بدائل الاستثمار الربوي :
الآن الشرع الحكيم لأنه كما قال أحد العلماء: الشريعة مصلحة كلها، ورحمة كلها، وعدل كلها، وأية قضية خرجت من الرحمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، الشريعة عدل، والشريعة مصلحة، والشريعة رحمة، فمن باب مصلحة المجتمع هناك أشخاص يملكون المال ولا يتقنون الأعمال، إما لجهلهم، أو لكبر سنهم، أو لأنهم من الجنس الأنثوي، أو لأنهم صغار قصر، فالذي يملك المال ولا يملك الأعمال هذا بحاجة لمن يستثمر له ماله، ويوجد أناس كثيرون يملكون الطاقة والجهد والخبرة لكنهم مفتقرون إلى المال، فإذا تعاون هؤلاء مع هؤلاء بما يسمى بشركات المضاربة والقرض فهذا أحلّ وجه من وجوه استثمار المال، فهذا الذي يأخذ أموال الناس ثم يختفي، يأخذ أموال الناس ثم يفلس، يأخذ أموال الناس ويعطيهم أرباحاً وهمية خيالية إلى أن يختفي، هذا ماذا فعل؟ الوضع الشرعي الدقيق الواضح الصرف شركة المضاربة، فلما أسيء استغلالها قوينا جانب المصرف، قوينا جانب البنك، وقوينا الاستثمار الربوي، فكل إنسان أساء مع من وضع معه المال ساهم وهو لا يدري في تقوية جانب القرض الربوي، وطبعا القرض الربوي حرام، واستثمار الأموال بطريق الإقراض الربوي أيضاً حرام بإجماع العلماء، أما حينما تسيء استخدام الوجه المشروع تقوي الجانب المحرم وأنت لا تشعر، أي الذين أخذوا أموال الناس، و أنكروها، أو سافروا بها، أو اختفوا، كل الناس تقوى عندهم أن الاستثمار الربوي أكثر أماناً، أما لو الجانب الأول أخذ أموال الناس، وعمل بها بالعدل، والإنصاف، والرحمة، لما شك الناس في هذا الطريق المشروع، ولجؤوا إلى طريق آخر غير مشروع. ولا يخفى عن أذهانكم أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شريك مضارب في الإسلام، أخذ أموال السيدة خديجة، وتاجر بها في الشام، وكان في أعلى درجات الأمانة، والاستقامة، والإخلاص، وربما أخبار النبي في تجارته مع خديجة كان أكبر دافع لها على أن تتزوجه لأمانته، وخلقه، وإخلاصه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/04.jpg
أحياناً تجد مهندساً مثلاً يتحرق على عمل، لا يوجد مال، شخص معه مال يتحرق على من يُشغل له هذا المال، شيء طبيعي جداً هذا هو البديل، إن الذين يقولون: لا بد من إيداع الأموال في المصارف هؤلاء غير واقعيين، هناك بدائل كثيرة لكن أنت ابحث عن المؤمن، ابحث عن المستقيم، الدنيا لا تخلو، أن تقول: لم يبق أحد هذا كلام غير علمي، كلام فيه مبالغة، الدنيا لا تخلو من إنسان مستقيم، ببعض البلاد فيما أعلم شركات كبيرة جداً أعطت أرباحاً طائلة وكلها مشروعة، وكادت البنوك أن تفلس، لأنه أعطى ثلاثة وعشرين بالمئة أرباحاً، وكلها مشاريع حيوية، ومشاريع جيدة ومشروعة، فلذلك بديل الاستثمار الربوي عقد المضاربة، والقرض، وهذا ما يفعله معظم الناس.
إلا أن المنزلق الوحيد أن هناك تجاراً كثيرين يعطون فوائد ثابتة، وأرباحاً ثابتة، وهذا يجعل هذه التجارة ربوية، يجب أن يكون الربح حقيقياً على أساس موازنة، ومتاجرة، وأرباح، وخسائر، أما أن تعطي على الألف مبلغاً كل شهر فهذا ربا حقيقي، وإن كان على شكل استثمار الأموال عند بعض التجار، تجار كثيرون لا يتورعون أن يعطوا نسبة ثابتة وهذه النسب الثابت تلتقي مع الاستثمار الربوي لقاء تاماً. الإسلام دين التعاون :
الله عز وجل ندبنا إلى التعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
[سورة المائدة: الآية 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/05.jpg
والآن الحقيقة إذا أراد أن ينشئ مشروعاً عن طريق فرد واحد، ربما كان هذا قبل سنوات، أما الآن أقل مشروع يحتاج إلى ملايين، لذلك لا بد من التعاون، والإسلام دين التعاون، دين المؤاثرة، دين التكاتف، فأنا أشجع على التعاون فيما بين الأخوة المؤمنين، على عمل صناعي، على عمل تجاري، على عمل زراعي، ويد الله مع الجماعة، والأحاديث كثيرة جداً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما ))
[ سنن الدار قطني عن أبي حيان التيمي عن أبيه]
معنى يد الله على الشريكين أي بالتوفيق والنصر والتأييد والحفظ: ((يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما ))
[ سنن الدار قطني عن أبي حيان التيمي عن أبيه]
والله يوجد شركات عمرها أربع وعشرين سنة، وثلاثين سنة، منتهى الأمانة، منتهى الإخلاص، والله عز وجل يوفق الشركة كلها.
يوجد حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما))
[ أبو داود عن أبي هررة]
طبعا وضحت من قبل معنى الخيانة، معنى الخيانة ليس أن تفتح الصندوق، وتأخذ مالاً، وتضعه في جيبك، هذه ليست خيانة، هذه سرقة، أما الخيانة فأن تفكر أن تأخذ منه الخبرة ثم تلقيه خارج الشركة، كيف أن الزواج على التأبيد الشركة التي يرضى الله عنها هي شركة على التأبيد، قد تنفصل بعد حين، أما حينما وقّعنا، وحينما عقدنا العزم على هذه الشركة، فنوينا الاستمرار، من أجل عدم وجود الغدر، أو عدم وجود نوايا سيئة، أو عدم وجود الخطط التي يرسمها أحد الشركاء ليلقي بالشريكين خارج الشركة، طبعا نحن لا ندخل في التفاصيل، هذه التفاصيل مشروحة بشكل تفصيلي في دروس سابقة، نحن عندنا عدة دروس عن شركات المضاربة، عدة دروس عن الدين، عن القرض، عن الربا، لكن نمر عليها مروراً سريعاً أما التفاصيل فسبق أن وقفنا عند التفصيلات، والأحكام الفقهية، والأمور الفرعية بشكل دقيق. أحكام التأمين :
أما التأمين، التأمين التعاوني ليس مشروعاً فحسب بل مندوباً إليه، التأمين التعاوني غير التأمين الاستغلالي، أو غير التأمين التجاري، إذا كان هناك مئة تاجر اتفقوا أن يضعوا في صندوق مشترك نسباً من دخولهم، فإذا أصيب أحدهم بكارثة دفعوا له تعويضاً عن هذه الكارثة، هذا التأمين من أفضل أنواع التأمين، مشروع لأن فيه عوضاً، لو أن واحداً لم يصب بكارثة، الأموال التي لهم تبقى لهم، ولا تذهب بلا عوض، أما التأمين الاستثماري فإن لم تصب بشيء ضاع عليك المبلغ، دفعت مبلغاً كبيراً ولم تأخذ ما يقابله، من هنا جاءت الحرمة، ليس هناك معاوضة، لذلك كل شيء فيه تعاون، وفيه حفظ حقوق، وفيه معاوضة مشروع، الإسلام مرن، والإسلام واقعي، والإسلام دين، يجب أن يغطي كل حاجات المجتمع، وأن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، هذا هو الإسلام: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة الآية : 3 ]
فممكن أن ننشئ تأميناً تعاونياً، طبعاً هذا الإسلام، أساسه أن كل أصحاب مصلحة، كل أصحاب حرفة، يتعاونون في إيداع مبلغ من دخولهم في صندوق، فإذا أصيب أحد بتلف في بضاعته، أو بكارثة، عوضنا له مباشرة، والباقي لنا، وما في الصندوق يمكن أن نستثمره في طريق مشروع فينمو، هذا هو التأمين التعاوني لا شيء عليه.
بل حتى الجمعيات التعاونية التي يتعاون أعضاؤها على إنشاء دور للسكن ما لم يكن هناك قرض ربوي فهي حلال، بل مندوب إليها، ما لم يكن هناك قرض ربوي على اسم أعضائها، لولا هذه العلة لكانت هذه الجمعيات وفق منهج الله عز وجل، و الشرع يباركها، ويدعمها، ويؤيدها. المزارعة و تربية الحيوان :
والذي عنده أرض زراعية، ويريد أن يستغلها، هناك أساليب كثيرة لاستغلالها، ومن هذه الأساليب أن يقوم هو بزراعتها وله أجر لا يعلمه إلا الله، لأنه قدم إنتاجاً زراعياً، قدم غذاء للناس، والطريقة الثانية إن لم يتمكن من زراعتها فيندب أن يقدمها لأخ يحتاج إليها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ))
[ البخاري عن جابر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/06.jpg
والطريقة الثالثة: أن يعطيها لمن يزرعها بآلته، وبذره، وحيوانه، على أن يكون له نسبة، هذه المزارعة.
شركة المضاربة في التجارة، أما المزارعة ففي الزراعة، ممكن الأرض أن تقدمها، وهناك من يزرعها، ويعتني بها، ويحصدها، ويعطيك بعضاً من الغلة، هذه أيضاً مزارعة.
وكذلك يجوز أن تشترك مع أخيك في تربية الحيوان، ممكن أن تنمي الثروة الحيوانية، أو أن تنمي الأرض الزراعية، أو أن تتاجر مع أخوانك، أو أن تضارب، بمعنى أن تقدم الجهد ومنهم التمويل، أو تقدم التمويل ومنهم الجهد، هذه كلها أساليب لاستثمار الأموال، لأن المال قوام الحياة، والإنسان حينما يكسب المال المشروع هذا العمل جزء من الدين، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، أي بعد أن تصلي، وتصوم، وتحج، عليك أن تطلب الحلال، ومن بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له، وإني أرى الرجل من غير عمل يسقط من عيني كما قال سيدنا عمر، ونعم العبد الذي يكسب قوته بجهده، وعرق جبينه، فنحن مع العمل والنبي عليه الصلاة والسلام أمسك يد عبد الله بن مسعود وكانت خشنة رفعها بين أصحابه وقال: "إن هذه اليد يحبها الله ورسوله". الإنسان يصل إلى مرضاة الله عز وجل من خلال عمله المهني :
الإنسان يمكن أن يصل إلى مرضاة الله عز وجل من خلال عمله المهني، والحقيقة يوجد نقطة مهمة جداً، نحن حياتنا حياة تعاون، فالله عز وجل أرادنا أن نكون في مجتمع، والدليل أن الله سبحانه وتعالى مكّن كل واحد من خلقه من عمل، وجعله مفتقراً إلى آلاف الأعمال، مكنك من عمل وجعلك مفتقراً إلى آلاف الأعمال، معنى هذا أن الله عز وجل أرادنا أن نكون متعاونين، وهذا من تخطيط الله عز وجل، وهذا من مشيئة الله وإرادته، فالتعاون أمر إلهي ثابت لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
[سورة المائدة: الآية 2]
النقطة الدقيقة أن العمل المهني الذي تحترفه يمكن أن يكون سبباً لدخول الجنة وحده، أولاً: أن يكون مشروعاً، عملك مشروع، عملك في إطعام الناس، في تأمين كسائهم، في تأمين تعليم أولادهم، في تأمين معالجة أبنائهم، فالعمل الطبابة والتعليم والتدريس، والعمل في المواد الغذائية، والعمل في الملبوسات، طبعاً مع بعض الاستثناءات هذا كله مشروع، أما عندما تأتي بمعجونة لحم وتنشئ معمل مرتديلا، والمعجونة تأتي بها من بلاد أجنبية، يغلب على ظنك أن فيها شحم خنزير وتقول: مصنعة وطنياً فهذا غش كبير، قرأت خبراً منذ مدة في الجريدة أن باخرة في طرطوس فحص اللحم فيها فإذا هو فاسد فردت، معنى هذا أن المعامل الوطنية تأتي بمعجونة المرتديلا استيراداً، وتضعها في علب، والناس يتوهمون أن هذا لحم ضان، لحم حلال، فالعمل في الأغذية شيء جيد جداً، لكن إذا وجد التدليس، أو الكذب، أو مواد محرمة، أنت لست متأكداً منها، يوجد مواد ممنوعة، يوجد أحياناً جبن أساسه مصنع من منفحة الخنزير، يوجد جبن مخلوط بشحم خنزير مثلاً، فينبغي لمن يستورد هذه البضاعة أو لمن يستورد مادتها الأولية أن ينتبه، هؤلاء مسلمون أمامك، تطعمهم وهم واثقون منك، لذلك موضوع التعامل مع غذاء المسلمين يحتاج إلى ورع شديد، يوجد مواد مسرطنة، يوجد مواد رخيصة جداً، يوجد أصبغة رخيصة تسبب سرطانات، يوجد مواد فاسدة، يوجد مواد منته مفعولها، طبعاً الإنسان لا يستطيع أن يكشف الحقيقة. الدين الحقيقي يظهر في العمل :
لذلك العمل في غذاء المسلمين، والعمل في تقديم المواد الزراعية لهم، عمل طيب، فالعمل إذا كان في الأصل مشروعاً وسلك فيه المسلم الطرق المشروعة؛ لا يوجد كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا إيهام، يستطيع صيدلي أن يمحي تاريخ الانتهاء ويضع تاريخاً جديداً ويصلي؟ والله ارتكب كبيرة، ما قيمة هذه الصلاة؟ الدواء انتهى مفعوله فيحك مكان الانتهاء أو يضع رقماً جديداً، أو يتحايل بوضع لصاقة فوق تاريخ الانتهاء بشكل أو بآخر، هذا حرام، الدين الحقيقي يظهر في عملك، لا يتجلى دين الإنسان وهو في المسجد، وهو يصلي، جميعنا نصلي، يتجلى دينك الحقيقي في معملك، يتجلى الدين الحقيقي في معمل الغذاء، ممكن أن تضع مادة خطيرة مسرطنة في مادة الطحينة من أجل أن يكون لونها مناسباً، وترفع السعر عشر ليرات، ممكن أن تفعلها وقد فعلها قبلك أناس كثيرون، مادة مبيضة لكنها تستعمل في الطلاء، تضعها أنت في مادة غذائية، من أجل أن تؤكل، وهذا الذي يشتري لا يملك القدرة على الفحص، فنحن بحاجة ماسة إلى ضمير، أو إلى مراقبة لله عز و جل، يوجد أشياء كثيرة، ممكن أن تستعمل هرموناً ممنوعاً استعماله، وممنوعاً استيراده، وممنوعاً استعماله في بلد المنشأ، هذا الهرمون يكبر الثمرة، تجد الثمرة حجمها كبير، ولأنه متألق هذه خضراوات مهرمنة، مع الاستمرار تتراكم هذه المواد المسرطنة في الجسم.
محاسبة النفس أمر ضروري في حياة الإنسان :
يوجد ملاحظة بأن الأمراض الخبيثة زادت بشكل كبير ما هي أسبابها؟ أسبابها يوجد أخطاء كبيرة جداً في غذائنا، مواد هرمونية، كل المعلبات تحتوي مواد حافظة، مسموح بوضع اثنين بالمئة يضعون خمسة بالمئة، من أجل ألا تتلف بعد حين، الخمسة بالمئة مؤذية أما اثنين بالمئة فغير مؤذية، فالمعمل الذي يضع نسبة عالية من الهرمونات في هذه المعلبات ضماناً لسلامتها يكون قد أذى الإنسان.
يوجد كثير من الأمراض مثلاً السمون المهدرجة كلها هذه سمون مشبعة لا تهضم، وهذه تسبب ضيقاً في الشرايين، هذه السمون كلها ممنوع استعمالها في بلد المنشأ، للتصدير فقط، فالإنسان يجب أن يفكر، فإذا كان عملك عملاً غذائياً هؤلاء المسلمون محاسب أنت عنهم عند الله عز و جل، فحاسب نفسك آلاف المرات.
قال لي أخ هنا في هذا المسجد أكبرته كثيراً عنده معمل مواد غذائية، بلغه أن المياه بهذه المنطقة ملوثة، فأصبح يأتي بالمياه النقية من مكان بعيد، ويدفع مبالغ طائلة كي يصنع المادة الغذائية بمياه نقية، إشاعة بلغته أن الماء في هذه المنطقة ملوث فخاف من الله عز و جل، أخ كريم آخر يحدثني فقال: والله أختار من المواد الأساسية أفضل الأنواع، لأن الذي يأكل هذه الحلويات أولادنا، هم أطفال بريئون، فعندما يعامل الإنسان الله عز و جل الله يكافئه، ويعطيه، ويحفظه، ويقويه، ويحفظ ماله من التلف، والذي يجني أرباحاً طائلة عن طريق الغش والتدليس الله عز و جل يدمره. الدين يتجلى أكثر ما يتجلى في أعمال الإنسان :
أخواننا الكرام: عملك، مهنتك، أكبر جزء من دينك، ليس أكبر جزء من دينك صلاتك، الصلاة عماد الدين، والصلاة كالامتحان، ساعات الامتحان مناسبة تقبض الجائزة على عبادتك التعاملية، فكل واحد ممكن إذا كان عمله مشروعاً، وسلك به الطرق المشروعة، وابتغى به كفاية نفسه، وكفاية أهله، وابتغى منه خدمة المسلمين، ولم يشغله عن طلب العلم، ولا عن أداء واجب، ولا عن أداء فريضة، انقلب هذا العمل إلى عبادة تامة تامة تامة.
عجبا لأمر المؤمن وهو في معمله يعبد الله، وهو في مكتبه يعبد الله، وهو في عيادته يعبد الله، وهو في مكتبه الهندسي يعبد الله، ولذلك الدين يتجلى أكثر ما يتجلى في أعمالك. من طبق التوجيهات النبوية و الأحكام الفقهية شعر بسعادة لا توصف :
جاءتني رسالة سأقرؤها لكم: يقول صاحب الرسالة: نشكر لكم توجيهاتكم في هذا الموضوع – القرض- وأنا من الذين كنت في ضائقة مالية شديدة، فقام أخ كريم من هذا المسجد وفرج عني هذا الدين فجزاه الله كل خير، أترى العمل الطيب ما أجمله! إن الله عز و جل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، والإنسان لا يرقى عند الله إلا بمعاونة أخوانه، والإسلام أساسه علاقات بأعلى درجة من التعاون، هل يوجد أحد منا - شيء لم يحدث بعد - يقول لأخيه خذ نصف مالي؟ نصف بيتي؟ نصف دكاني؟ هكذا فعل الصحابة، الصحابة عندما آخى النبي بينهم وبين المهاجرين عرض الأنصار على المهاجرين نصف بيوتهم، وبساتينهم، وحوانيتهم، والطرف الثاني كان صاحب عزة وكرامة قال ابن عوف: لا يا أخي جزاك الله عني كل خير، دلني على السوق بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، الآن يقول لك: إذا قلنا نريد فقر حال، يأتي الأغنياء يتسابقون على فقر الحال، إذا أردنا أن نجري عملية جراحية مجاناً للفقراء نتفاجأ بأن الأغنياء يجرونها مجاناً، الأغنياء المقتدرون يبذلون ماء وجوههم، ويدّعون الفقر لإجرائها مجاناً، أما سيدنا ابن عوف قال له: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق.
والحقيقة أخواننا الكرام كل كلامنا نظري، أما إذا طبق والله تشعرون بسعادة لا توصف، وأنا مصر على هذا المثل، الفرق بين سماع التوجيهات النبوية، أو سماع الأحكام الفقهية، أو سماع السيرة النبوية، وبين تطبيقها، كالمسافة بين أن تقول: ألف مليون وأن تملكها، كم هي المسافة كبيرة أن تقول: ألف مليون ولا تملك قيمة رغيف الخبز، وبين أن تملك هذا المبلغ، وكل هذه التوجيهات، وكل هذه الأحكام الفقهية، وكل هذه المثل العليا التي تحدثت عنها في هذا الدرس لا قيمة لها لا بالنسبة لي ولا إليكم إن لم تطبق. ثمار الدين الإسلامي لا تقطف إلا بالتطبيق :
سمعت مرة كلمة أعجبتني، المتكلم ليتكلم ما شاء، يحاسبه الله على مدى تطبيقه لما يقول، والمستمع ليستمع ما شاء، يحاسبه الله على مدى تطبيقه لما يسمع، لا المتكلم يفلح إن لم يطبق، ولا المستمع يفلح إن لم يطبق، لا تقل هذا يتحدث إلينا، المتكلم مثل المستمع لا يرقى إلا بالتطبيق، لأن الكلام سهل جداً، لا يكلف شيئاً، لا ترقى إلا بالتطبيق، فانظر سمعت أول درس، والثاني، وأنت ملازم للدروس، ومن رواد المسجد منذ عشرين عاماً، لا يرقى الله بك إلا عند التطبيق، والمتكلم مهما تكلم، ومهما كان فصيحاً، ومهما شق في الكلام، ومهما حلل، ومهما بيّن، ومهما جاء بالأدلة، إذا لم يطبق كلامه لا يرقى عند الله أبداً، أسباب الرقي هو التطبيق للمتكلم والمستمع، فلذلك أخواننا الكرام عندما يطبق الإنسان يتألق تألقاً شديداً، ويعرف ثمار هذا الدين، بل إن ثمار هذا الدين لا تقطف إلا بالتطبيق، لذلك الإنسان عندما ينطلق للعمل الصالح يشعر أن الدين شيء عظيم، وإذا لم يطبقه يمل منه فيقول: والله شيء ممل، وأنا أستمع لهذا كثيراً، يقول لك كل: هذا معاد، شيء ممل، فلان انتهى، لا يوجد عنده شيء جديد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4945/ar-4945/07.jpg
الحقيقة ليس المتكلم لم يبق عنده شيء جديد، المستمع ليس عنده عمل إطلاقاً، عند عدم وجود العمل يشعر الإنسان بالملل، ادعُ شخصاً للطعام، ضع له الصحون والأطباق، لكن دون طعام شيء ممل، ادعه مرة ثانية يقول لك: مشغول، مادام لم يأكل لن يأتي مرة ثانية، أما لو أكل تدعوه مرة ثانية يأتي فوراً، فإذا طبق الإنسان يتألق، ويعرف ثمار الدين، وإذا لم يطبق كل شيء فعلاً يمل، الله عز وجل أعاد في القرآن الكريم قصة سيدنا موسى سبع عشرة مرة، يوجد في القرآن أشياء كثيرة معادة لأنها أساسية لابد من ترسيخها، فالإنسان يتألق بالتطبيق، ويسأم ويضجر بعدم التطبيق، إذا اشترى أحدنا سيارة، أول يوم يغسلها وفي اليوم الثاني يلمعها ولكن لم يركبها ولا مرة ثم يكرهها، إذا لم يستعملها لا يحبها، عبء عليه، رسوم، وتنظيف، ومشكلات، مرة انكسر الزجاج، ومرة أخرى أصلحه، إذا لم يركبها عبء عليه، يكرهها، أما إذا قطف ثمارها فيحبها، وكذلك كل شيء في الحياة.
فالله نسأل أن يلهمنا التطبيق، وأن يلهمنا أن نترجم هذه الأحكام الفقهية إلى حياة يومية.
المسلمون يد واحدة وقلب واحد وإحساس واحد :
أحياناً أسمع قصصاً يقشعر جلدي، أحد أخواننا الذين أكرمهم الله بالإسلام، بعد أن لم يكونوا مسلمين، أخ دون أن يُعلم أحداً أمّن له منزلاً، هذا عمل بطولي، أن تؤمن لإنسان منزلاً، وأن تعينه بعمل، أن تؤمن له عملاً وتعينه بقضايا أساسية، الحياة تعاون، ونحن يجب أن نعيش الإسلام، نحن أسرة واحدة، أجمل شيء في الحياة أن تعيش الجماعة المسلمة، المؤمنون يرعى بعضهم بعضاً كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
المسلمون يد واحدة، قلب واحد، إحساس واحد، كلهم لواحد والواحد للجميع، وعلامة إيمانك أن تفرح فرحاً شديداً إذا أخوك ارتقى، أخذ شهادة عليا، وأصبح طبيباً، واشترى منزلاً، وأسس شركة، افرح له لأنه قوة للمسلمين، وإذا مرض أخوك أصبح عبئاً عليك، إذا قوي أصبح في خدمة المسلمين.
فنحن الهدف من هذا الدرس أيها الأخوة أن نشمر اليوم، تكلمنا عن القرض الحسن، والبيع لأجل، والبيع السلم، والمضاربة، والتأمين، هذه الموضوعات طبعاً أنا عالجتها معالجة مطولة، ومتأنية جداً في دروس سابقة، واليوم أردت أن أذكر بها لأن طبيعة الدرس طبيعة إجمالية، لكن القرض الحسن شيء عظيم جداً، والمضاربة شيء عظيم، أيضاً الصبر شيء عظيم، تصبر على أخوانك فقد يكون هناك كساد لا يوجد رواج، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

السعيد
09-19-2018, 02:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : الادلة من الكتاب والسنة واقوال العلماء






على الإنسان أن يأكل الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفسه وتُستجابُ به دعوته :
﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[سورة المؤمنون]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/01.jpg
قد يفهم قارئٌ أو رجلٌ أن كلوا من الطيبات أي كلوا الأكل الطيب، هذا فهمُ ساذج، فقد قال عليه الصلاة و السلام:(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَفِ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ليس المقصود من هذه الآية أن تأكل ما لذَّ وطاب، وإن كان المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً، ولا يُطعم إلا طيباً:
﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾
[سورة الكهف]
مع أنَّ المؤمن كالنحلة يأكل طيباً ويُطعم طيباً، ولكن كلمة الطيبات هنا تعني شيئاً آخر، كلوا من الطيبات أي كلوا الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفوسكم، وتُستجابُ به دعوتكم. العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة :
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾
أي قلم الحبر لا يؤثر على ورقةٍ فيها شحمٌ، أو دهنٌ، لا يؤثر الحبر إلا على ورقٍ نظيف، القلم لا يخطُّ إلا على ورقٍ نظيف، فالعمل السيئ، والأكل الحرام، والانحراف، يُبطل العمل الصالح، إن أردت بالعمل الصالح المكافأة في الدنيا، فلو خلطت العمل الصالح مع الطالح تأتيك المكافأة في الدنيا، لو إنسان خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً الله سبحانه وتعالى أكرمُ من أن يُضيّع عليه عمله الصالح مهما كان قليلاً، إلا أنكَ إذا أردت بالعمل الصالح الآخرة، وما عندَ الله من نعيمٍ مُقيم، فإنَّ هذا العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة، لذلك: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
[سورة الكهف]
ارتباط الاستقامة بالعمل الصالح :
يجب أن يُبنى العمل الصالح على الاستقامة، كما لو أتيت بمواد البناء وهي بأسعارٍ باهظة، وأقمت بناءً شامخاً لا أساس له، لابُدَّ من أن ينهار، ومعنى ينهار أنَّ هذه المواد الأولية التي دفعت ثمنها ألوف الألوف لا قيمة لها، لابُدَّ من أن تقع وتُهدّم بما أنَّ الأساس غير موجود، الأساس هو العمل الصالح.
بشكل آخر الاستقامة، الاستقامة طريقٌ معبّد والعمل الصالح سيرٌ على هذا الطريق، فكما أنَّ الاستقامة وحدها لا تكفي، كذلك العمل الصالح وحده لا يكفي، لأنه ما بُنيّ على فسادٍ فهو فاسد، فقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾
أي كلوا رزقاً حلالاً، كلوا الرزق الذي كسبتموه كسباً حلالاً، كلوا طعاماً حلالاً تطيبُ به نفوسكم: (( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ـ وهناك زيادة ببعض الروايات ـ واستجملوا مهنكم ))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
إذاً: الأمر بالأكل من الطيبات، أي الحلال مقدّمٌ على العمل الصالح، مثلاً إنسان بفوائد أمواله الطائلة يبني مسجداً! لابُدَّ من أن يكون مستقيماً حتى يُقبل منه إشادة هذا المسجد، بفوائد أمواله يتصدّق ليست مقبولة: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ]))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أكل أموال الناس بالباطل حرمت الجنة عليه :
الأغنياء يُحشرون أربع فِرقٍ: منهم من كَسِبَ مالاً حلالاً وأنفقه في حرام يُقال خذوه إلى النار، ومنهم من كَسِبَ مالاً حراماً وأنفقه في حلال يُقال خذوه إلى النار، وقوله تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/02.jpg
أي هذه الآية وحدها قد نمضي في شرحِها أسابيع، من غشَّ في البضاعة فكأنما أكلَ أموال الناس بالباطل، أنت بِعته مادةً من نوع كذا، فلما تسلّمها وجدها من نوع آخر، النوع الذي بعته إيّاه رخيص أي أنكَ بِعته بلوراً وطنياً على أنه ياباني، الوطني سعر متره يقدر بستين ليرة، أمّا الياباني فسعر متره ثلاثمئة ليرة، أنتَ تبيع ألمنيوم في المحلات العالية وضعت وطني على أساس أنه أجنبي، بين الستين وبين الثلاثمئة و الخمسين مسافة كبيرة جداً، هذا اسمه أكل أموال الناس بالباطل.
لو فرضنا قمت بتصليح قطعة ما بشكل غير متقن وأخذت على أنها متقنة.. فهذا أكل أموال الناس بالباطل.. هذا الباب واسع جداً، الغش، كتم العيب، بِعته سجادة فيها عيب ولم ينتبه لها، وعلى أساس أنه اشتراها كاملة، ولو عَرَفَ أنَّ فيها عيباً لَما دفعَ هذا الثمن، فأنت أكلت جزءاً من رِبحِكَ بالباطل.
أنت صانع عِند معلّم قال لك: افتح الساعة الثامنة وأنت تفتح الساعة العاشرة، فأنت أكلت جزءاً من أجرتك بالباطل، تمَّ تكليفكَ بعمل معيّن فلم تتقنه، وضعت للبلور مسماراً واحداً، وبضربة واحدة انكسر البلور، ثمنه ثمانون ليرة.. أنت أكلت مال الناس بالباطل.. قال عليه الصلاة والسلام: (( من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان دينا وهو ينوي ألا يؤديه إلى صاحبه - أحسبه قال - فهو سارق))
[ مسند البزار عن أبي هريرة]
الدين المعاملة :
في هذا الدرس يتضّح لكم وهذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لكم أنَّ الدين ليس صلاةً وصياماً وحجاً وعُمرةً فحسبُ، ولكن الدين المعاملة، جوهر الدين هذا الانضباط في كسبِ المال، الانضباط في إنفاق المال، الانضباط في علاقتِكَ بالنساء، هذا هو الدين.. إذا كان كذلك صحّت الصلاة، وصحَّ الصوم، وصحَّ الحجُ، وصحّت العمرةُ، وصحّت الزكاةُ، هذه كُلُها تُقبلُ إذا كان في الأخلاقِ استقامة، وفي العملِ طيب، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[سورة النساء]
طبعاً العلماء قالوا: " إنَّ الغني يجب أن يتعفف عن أخذ الأجرة على إدارة أموال اليتامى ".. الغني: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾
[سورة النساء]
والأخذ بالمعروف يعني أن تأخذ أجر المثل أو حاجتكَ أيهما أقل، أجرَ المثلِ أخذت له مئة ألف قُمت بتشغيلهم في صفقة، وأنت تحتاج في الشهر خمسة آلاف، قمت بتشغيلهم شهرين فربحوا خمسين ألفاً، خمسة وعشرون لك وخمسة وعشرون لهم ؟؟ " أنت تحتاج إلى عشرة آلاف فقط، فيجب أن تأخذ العشرة آلاف، هذه حاجتُكَ لأنها أقل، تحتاج إلى عشرة آلاف في الشهرين وربحت الصفقة عشرة آلاف تأخذ لك خمسة وله خمسة، تأخذ الخمسة هذا أجرُ المثل أيهما أقل، هذا هو الأكل بالمعروف، " وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ". ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها التحذير إلا معصية الربا :
وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) ﴾
[سورة البقرة]
إن كنتم مؤمنين تذرون أكلَ الرِبا، " وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا " كلُّ الرِبا بكامله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة]
ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها هذا التحذير إلاَ هذه المعصية، لأنكَ إذا أكلت الرِبا أو أطعمته فإن مجتمعاً بكاملِهِ يُصاب بالعطب والعَطَلْ، ماذا يحدث؟ يُصبح المالُ دولةً بينَ الأغنياء، إنسان يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً.. هذا الذي يحدث.. والمال إذا كان دولةً بين الأغنياء يقع المجتمع في شرٍ كبير، لأنَّ هذا الغني يقدر على كُلِّ شيء بمالِهِ، والغالبية العُظمى لا تقدرُ على شيء واحدٍ بفقرِها، تنشأ الأحقاد، تنشأ الجرائم، حتى أنَّ هناك بعض البحوث الاجتماعية أنَّ الفقر الشديد حيثما وُجِدْ ارتفعت الجريمة، الأوربيون اخترعوا أجهزة تُغنيهم عن الموظفين، مثلاً معمل نسيج وضعوا على كل نول كاميرا تلفزيونية، وكانوا يحتاجون سابقاً عاملاً لكل نول، الآن لكل مئتي نول خمسة عمال يُراقبون الشاشات، معامل النسيج استغنت عن العمال، ومحلات البيع الكبرى هناك أربع كاميرات تُراقب الزبائن، والحساب على المخرج في الأسفل.. ما الذي حدث؟.. ظهرت بطالة واسعة، واستخدم هؤلاء العاطلون عن العمل أساليب العنف لكسب المال، فانخفضت نفقات الموظفين، وارتفعت نفقات الأمن عندهم.. لم نستفيد أي شيء.. تخطيط خاطئ، لأنَّ المال بهذه الطريقة يُصبح دُولةً بين الأغنياء، لذلك ربنا عزّ وجل قال في موضوع الرِبا: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* ﴾
[سورة البقرة]
﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة]
طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم :
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((طلب العلم فريضة على كل مسلم ))
[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]
((طلب الحلال فريضة على كل مسلم ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/03.jpg
أن تعرف الحلال والحرام، حتى إنَّ بعض العلماء وفّق بين الحديثين قال: " طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم "، وأنكَ إذا عرفت الحلال والحرام طابَ مطعمُك، وإذا طاب مطعمُك استُجيبت دعوتك. (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ]ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
((طلب العلم فريضة على كل مسلم ))
[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]
((طلب الحلال فريضة على كل مسلم ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
والتوفيق بينهما: طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كُل مسلم، يا أيها التجار! يا أيها العمال! يا أصحاب الحِرف! تفقّهوا قبل أن تدخلوا السوق، يقول لكَ: وجدنا له عقدة، دخل في شُبهة الرِبا، نقدي سعر وبالتقسيط سعر آخر، إنسان اشترى ربع بيت وأجرّه لآخر، والشرط أن يرد المبلغ بعد خمس سنوات ذاته، أصبح مثل الرِبا كأنّه أجّرَ مبلغاً بفائدة قدرُها كذا شهرياً، لكن هذا الشراء حُر بعد كذا سنة يتم عقد بيعٍ جديد بسعر جديد، قد يكون أعلى وقد يكون أدنى. من يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله :
هناك حديث آخر: ((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله ))
[ الطبراني عن أبي هريرة]
إنسان يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله، سيدنا ابن مسعود أمسكَ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً فرأى النبي الكريم يده خشنة، أو رأى بها جرحاً من عمله، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه اليد لا تمسُها النار".
فتاة لمست يد أبيها فرأتها خشنة فقالت: هذه كــف أبي خشنهـا ضرب مسحاة ونقل بالزبيـل
***
فقال لها أبوها: ويحكِ لا تستنكري كدَّ يدي ليس من يسعى لِعرضٍ بذليل
إنما الذِلّةُ أن يمشـي الفتى ساحبَ الذيل إلى وجه البخيل
***
هذا هو الذُل..، ما الذُل ؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثمَّ يردّه، هذا هو الذُل، أمّا أن تعملَ عملاً شاقاً فهذا هو العِزّ. (( لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ فَيَجِيء بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))
[ أحمد عن عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهٍِ]
((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله ))
[ الطبراني عن أبي هريرة]
(( من طلب الدنيا في عفافٍ كانَ في درجة الشهداء ))
[ الطبراني عن أبي هريرة]
(( من أكل الحلال أربعين يوماً نوّرَ الله قلبه وأجرى ينابيع الحِكمة من قلبه على لِسانِهِ ))
[أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أيوب ]
((من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه))
[أبو نعيم في الحلية عن أبي أيوب]
من كان طائعاً لله مخلصاً في طلب الحلال فتحت أمامه سبل المعيشة :
الناس الآن بعيدون عن الحلال، لو أكلوا الحلال لَعَرَفوا كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يتجلّى عليهم، نومهم هنيء، يقظتهم هنيئة، حياتهم مباركة، هناك بركةٌ في مصروفِهم، في إنفاقِهم، يُبارك الله لهم في أهلِهم، في أولادِهم، في زوجاتِهم، في بيوتهم، في أولادهم، في زوجاتهم، في طعامِهم، في شرابِهم، في نومِهم، في يقظتِهم، في حِلِّهم، في ترحالِهم... لأنَّ تسعة أعشار المعصية من كسب الرِزق- تسعة أعشار المعصية- لو جمعنا المعاصي كلها تسعةُ أعشارِها في كسب الرِزق، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( أطب مطعمكَ تُستجب دعوتك))
[ الطبراني عن سعد بن أبي وقاص]
و قال أيضاً : (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
مهما ضاقت سُبُل المعيشة في الدنيا هي مُفتّحةٌ على مصارِعِها لمن كان طائعاً لله عزّ وجل، مخلصاً في طلب الحلال.
إنَّ لله ملكاً يُنادي كلَّ ليلةٍ: من أكلَ حراماً لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، الصرف: النافلة، والعدل: الفرض، لا فرض ولا نافلة يُقبل منه لو أكل حراماً، أي إذا إنسان قال في تشديد: إنَّ هذا الكلام ليس كلامي، كلام النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* ﴾
[سورة النجم]
الحرام طريق الإنسان إلى النار :
و قال عليه الصلاة والسلام:
((مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَادَامَ عَلَيْهِ ))
[ أحمد عن ابن عمر]
مادامَ هذا الثوب يرتديه لا يقبل الله صلاته، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من لم يُبال من أين اكتسب المال لم يُبال الله من أينَ أدخله النار ))
[أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/04.jpg
يقول لك: " حط بالخرج " لا يسأل، لم يعبأ، لم يكترث، لم يُبال، هناك مرض اسمه عدم المبالاة، لا يسأل، إنسان قال: أنا أجلس مع الصالحين أُصبح صالحاً، ومع الأراذل أصبح مثلهم، يشربون فأشرب... يفتخر بهذا الاتجاه، أينَ عقلُك؟ أينّ تمييزُك؟ هناك بالَ بمعنى اكترث مضارِعهُ يُبالي، وهناك بالَ مضارِعُهَ يَبُولُ، هناك شاعر قال: لا يُبالي وإذا بالَ " من بالَ يبولُ لا من بالَ يُبالي "، هذا الذي لا يُبالي من أين يكتفي برزقهُ لا يُبالي الله من أيُّ بابٍ يُدخله النار، وقال عليه الصلاة والسلام: ((العبادةُ عشرةُ أجزاءٍ تسعةٌ منها في طلبِ الحلال))
[ أبو منصور الديلمي من حديث أنس]
تسعةُ أجزاء من عشرة أجزاء في طلب الحلال، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أمسى كالاًّ في طلب الحلال باتَ مغفوراً له وأصبحَ الله عنه راضٍ))
[الطبراني عن ابن عباس]
ازرع أرضاً، افتح محلاً تجارياً، بِع بضاعة حلالاً، طعام، شراب، قماش، حاجات المسلمين قُم بتوفيرها لهم، بِعها وأحضرها واربح، أنت تأخذ وتُعطي، الأنبياءُ وحدهم أعطوا ولم يأخذوا، والأبالسة والشياطين والمنافقون والفُجّار أخذوا ولم يُعطوا، وعامة الناس يأخذون ويُعطون، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أصابَ مالاً من مأثمٍ فوصل به رحماً، أو تصدقَ به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعاً ثم قذفه في النار))
[رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة]
الاستقامة و الورع :
الآن أكثر الناس يأخذون الفوائد ويعطونها للفقراء، متوازن هذه بتلك، قال عليه الصلاة والسلام:
(( خير دينكم الورع ))
[ شعب الإيمان عن قتادة بن مطرف]
ما الورع ؟ الاستقامة غير الورع، الاستقامة ألا تقع في الحرام، أما الورع فأن تُبقي بينك وبين الحرام هامش أمان، الورع: أن تضع ما لا بأس به حذراً مما بهِ بأس، الورع: (( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
(( من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله ))
[ ورد في الأثر]
يُروى أنَّ الله تعالى قال في بعض كتبه: وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم، أي إذا عندك موظف ورع لأقصى الحدود ولو أخطأ تخجل من أن تُحاسبه، لأن له أعمالاً طيبة كثيرة تغطي على كُل أغلاطه " وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم " هكذا جاء في بعض الكُتب، وقال عليه الصلاة والسلام: ((درهم ربا أشد عند الله من ثلاثين زنيةً في الإسلام ))
[أحمد والدار قطني من حديث عبد الله بن حنظلة]
النُصح والاستقامة والصدق في القول والعمل أساس الإيمان :
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَلا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قَالُوا وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ وَلا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالا مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ وَلا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ إِنَّ الْخَبِيثَ لا يَمْحُو الْخَبِيث ))
[ احمد عن عبد الله بن مسعود]
إمساكه غير مقبول وتركه زاد إلى النار، لذلك معظم الناس يظن أنه ذكي وشاطر وتاجر وعريق بالتجارة إذا كسب مالاً حراماً في عمله، يقول لك: ألبسته إياها، باع بيعة فيها عيب لم يُره إياه، قال لي إنسان: أتتني بيعة، عندي ستوكات قماش- زبالة- فاشتراها مني إنسان و طلب مني أن أشحنها له، و عندما اكتشف العيب فيها أراد أن يعود ويتشاجر، فقلت له: لا يوجد عندي غير هذه البضاعة هذا الحاضر، بعد أن أخذ ثمنها نقداً، والتاجر وضع ثقته فيه، يقول: إنها زبالة، وقطع موصولة، وألوان مختلفة، وستوكات ألوان، وضعهم في الطرد وأرسلهم... أحياناً الإنسان يغش فيظن أنه قد ربح، هذا ربح عاجل، أما الذكي فيبحث عن ربح للمدى البعيد، هذا ربح قريب ينتهي إلى الدمار، لكن النُصحَ والاستقامة والصدق في القول، والعمل، وعدم الغش، وعدم كتم العيب.
قال لي شخص يبيع قطع تبديل جاءه شخص وطلب منه قطعة معينة، قال له: موجودة، فسأله على أنها أصلية؟ فسكت البائع ودار في ذهنه أنه إذا قلت له إنها غير أصلية فيعدل عن شرائها.. أصبح معه صراع سريع.. فقال له: لا هذه تقليد، فأجابه المشتري أحضرها لي.
إنسان آخر يبيع قماشاً، دخل عليه زبون، وشاهد بضاعة أعجبته، وأخذ عدة أثواب من القماش مجموع ثمنهم 35000 ليرة، المبلغ نقدي، والبضاعة كانت كاسدة، فسأله الزبون: هل هذا القماش بحاجة إلى كي؟ فأجابه البائع: نعم، فرفض الزبون شراء الأثواب وقال له: ضعها، لو قال له البائع: لا، كانت كل البيعة حراماً، لو أنه أجابه بسؤال: كيف الطقس عندكم؟ مباشرةً قَلَبَ الموضوع، البيعة كلها حرام، نعم هذه البضاعة فيها هذا العيب قال له: لا أريدها، وتربح، وتفتح منزلاً، وتتزوج بالصدق، والخطأ الكبير أنَّ الناس يظنون إذا لم يكذبوا يموتون جوعاً، هذا أكبر غلط، تأكل رزقاً طيباًَ، كثيراً، مباركاً وأنت صادق وليكن ما يكن. من يحب الله و رسوله يحب عباده أيضاً :
هناك تاجر أول صفقة اشتراها من القماش وعلى ما يبدو أنه غير خبير في الأسعار عرضها بسعر تسع ليرات ورأسمالِها ثماني ليرات و نصف ولم تُبع معه، ثم عرضها برأسمالها ولم تُبع، وصل إلى الخمس ليرات ولم تُبع، فجاءه زبون غير خبير بالأسعار مثله وطلب أن يرى البضاعة فأعجبته، فسأل عن سعرها فقال: بتسع ليرات، فقال الزبون: اشتريت، فقال البائع: لكن نقدي فوافق المشتري، بعدها أخذ يفكر البائع أنَّ هذا المشتري تاجر حديث عهد سوف يأخذ البضاعة ويضع فيها رأسمالِهِ فسوف تكسد البضاعة ومن ثمَّ سوف يُفلّس، فقال للمشتري: لا أبيعُكَ إياها ولا بخمس، والله عزّ وجل أخذ بيده والآن معه ملايين.. انظر للصدق.. حيث أنه عرض بيعها بخمس ليرات ولم تُبع معه، وجاء بيعها بتسع، ونقدي ولم يرضَ أن يبيعها، لأنهُ في زمانِهِ أول ما عمِلَ في التجارة أخذ سيارة وذهب إلى البادية، وقالت بعض الأخبار: إنه يستطيع أن يغش البدو في البيع والشراء، ذهب إلى البادية أخذ سيارة وقبان لشراء الصوف، وجد صوفاً عند شخص يعرف والده، فأعجبه وأراد أن يزن الصوف، ووضعوا الجزّة في القبان، وطلب من صاحب الصوف أن يكتب، وقال: اكتب 32 و800 غرام، هذا البدوي لم يسمع بالغرامات طيلة حياته.. وأصبح مسروراً، عند انتهاء الصفقة عند المشتري في الحدس العام أنه أنا خصمت حوالي عشرة آلاف، فإذا هم سبعة آلاف، والبدوي شعر بأن هناك بُعداً في الميزان فقال له: " إن شاء الله تجدها في صحتك، والذي وقعت معه هذه القصة سمعتُها من فمِهِ، قال لي: شعرت بحرج، أنا غلطان - خاف على سمعته - أيعود بعد يوم؟ لم يجد الوضع مناسباً، قال لي: وسارت الأمور وأخذ معه صفائح من السمن وركب في السيارة باتجاه الشام، قال لي: حوالي ساعة سير في البادية وأنا في صراع نفسي أأعود وأُعطيه الفرق؟ ماذا سأقول له؟ لعبت عليك في الميزان، قال: وصلت لمكان وقلت: " ما الذي حدث؟ لم يحدث شيئاً "، قال: والله لم أُكمل - وهو خاطر داخلي- وجدت نفسي وسط بحر من الدماء، حيث انقلبت السيارة، وتبعثر السمن، وجرح، مادام في صِراع الله يُعطيه مهلة، لكن عندما اتخذ القرار قال له: قف الآن، فتاب هذا الشخص عن أكل المال الحرام، فعندما جاءه ذلك الزبون ودفع في الصفقة تسع ليرات رفض أن يبيعها وقال له: هذه بخمس ولم تُبع معي، هذه ستعرضك للإفلاس، اذهب.
كنت عند شخص في الحريقة فجاءه شخص فتح محله من جديد يريد كنزات، وهو عنده كنزات لآخر الموسم، وهذا الشخص حديث عهد بالسوق فقال له البائع: لا تأخذ شيئاً الآن أبداً، وعنده بضاعة يُريد أن يبيعها هذا الشخص، ولكن بما أنه فتح محلاً جديداً وآخر الموسم، وانتهى الموسم، وموديلات جميعها قديمة، قال له: لا تأخذ شيئاً، وعلى أول الموسم الصيفي تأتي لعندي، لكم سُررت- والله شيء جميل-، أي الإيمان النصيحة، لم يقم بتوريطه، ولو أنَّ شخصاً ليس فيه دين يبيعه بيعة كبيرة، البضاعة انتهى موسمها، وانتهت، وهذا فتح الآن محله ويضع كنزات شتوية بموديلات قديمة لا تعمل معه... والله لكم سررت منه... هذا الإيمان.
ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صلاةٍ ولا صيام ولكن بشيء وقرَ في صدرِهِ ألا هو حُب الله ورسوله.
الذي يُحب الله ورسوله يُحب عباده أيضاً.
أقوال تُبيّنُ عِظَمَ أكلِ المال الحرام :
ورد في بعض الآثار أن الصديّق رضي الله عنه شرب لبناً من كسبِ عبدٍ ثمَّ سألَ عبده من أين جئت بهذا المال؟ قال العبد: تكهنّت بقومٍ فأعطوني... والله أعلم بهذه القصة لكن لها مغزى... فأدخل إصبعه في فيهِ وجعلَ يقيئ حتى ظننتُ أنَّ نفسهُ ستخرج، ثم قال: "اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء"، أي أنه رضي الله عنه لم يتحمل أن يأكل مالاً حراماً، والنبي الكريم أُخبِرَ بذلك فقال: أو ما علمتم أنَّ الصديّقَ لا يدخل جوفه إلا طيباً؟
وكذلك شرب سيدنا عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيأ، وقالت عائشة رضي الله عنها: "إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهو الورع".
_ وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصُمتم حتى تكونوا كالأوتار من شدة النحول، لم يقبل الله منكم ذلك إلا بورعٍ حاجز" أي ورعٌ يحجزكم عن المعاصي.
- وقال إبراهيم بن الأدهم رحمه الله: "ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخُلُ جوفه".
- وقال الفُضيل: "من عَرَفَ ما يدخل جوفه كتبه الله صديّقاً فانظر عند من تُفطر يا مسكين".
- وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: "من أنفقَ من الحرامِ في طاعة الله كان كمن طهّرَ الثوب النجس بالبولِ".
- وقال يحيى بن معاذ: "الطاعةُ خِزانة من خزائن الله إلا أنَّ مفتاحَها الدعاء وأسنانُ هذا المفتاح لُقمُ الحلال".
- وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ في جوفهِ حرام".
- وقال سهلُ: "لا يبلغُ العبدُ حقيقة الإيمان حتى يكونَ فيهِ أربعُ خِصال: أداءُ الفرائضِ بالسُنة، وأكلُ الحلالِ بالورع، واجتناب النهي من الظاهر والباطن، والصبرُ على ذلك إلى الموت"، وقال أيضاً: "من أحبَّ أن يُكاشَفَ بآيات الصديّقين فلا يأكُلُ إلا حلالاً ولا يعملُ إلا في سنةٍ أو ضرورة".
كُلُ هذه الآيات وهذه الأحاديث تُبيّنُ لكم عِظَمَ أكلِ المال الحرام، وكيفَ أنه يحجُبُ عن اللهِ سبحانه وتعالى.
- ويُقال: من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه.
أنت تقوم بمحاسبة شخص قلت له: أنا أعطيتُك دفعة، أجابك: أنا لم آخذها منك، صار هناك شك، قال لك تذمم؟ فأجبت بنعم، أنت متأكد بالمئة خمسون.. تكون قد أكلت مالاً حراماً.. ما دمت متأكداً فادفع نصف الذمة، إذا كنت متأكداً بالمئة مئة ليس هناك مانع تذمم، كلمة تذمم كلمة كبيرة جداً وفي الآخرة ليس لها حل، الآن تُحل وتُحل بالمال، قال: وهو تأويل قوله تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
أي أنَّ كسبهم الحرام حجبهم عن الله سبحانه وتعالى.
- قال ابن المبارك: "ردُّ درهم من شبهةٍ أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف درهم". الدينُ يُصلح النفس و يهذبها :
الآن ناحية مهمة جداً: "من أكل الحرام عصت جوارحُهُ شاءَ أم أبى، عَلِمَ أو لم يعلم"، أي إذا أكل الحرام تجده ينظر للنساء ويكذب.. لا يقدر لأنه أكل مالاً حراماً، ومن كانت طُعمته حلالاً أطاعته جوارحُهُ ووفِقَ للخيراتِ، وقال بعض السلف: "إن أول لقمةٍ يأكُلُها العبدُ من حلالٍ يغفر له ما سلفَ من ذنوبِهِ".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/05.jpg
قال لي أخ قصة: عنده معمل ينقص المال فيه، أي أنه يضع الخمسمئة فلا يجدها، فبذل جهداً كبيراً في المراقبة فلم يتوصل لنتيجة، أحضر عاملاً وكلّفه بمراقبة العمال دون أن يشعروا، هناك نقص في البضاعة والأموال، ومن ثم تلاشت هذه الظاهرة، وبعد مُضي عدة سنوات طرقَ بابه طارقٌ يستأذنه بالدخول، قال: من أنت ؟ قال: أنا كنتُ عاملاً عندك قبل سنوات، وكنتُ آخذ من مالِكَ من دون أن تشعر، وقد تُبتُ إلى الله عزّ وجل، وجئتُكَ لأدفع لكَ كل ما تُريد، فكان هذا الرجل كريم الأخلاق فأجابه: وأنا نظيرَ توبتِكَ وندمِكَ واستقامتك وهبتُ لكَ هذا الذي أخذته مني عن طيبِ خاطر، وإن شئت أن تعود إلى عملِك فمكانُكَ محجوز
لا يوجد شيء في الحياة أثمن من الأمانة أبداً، والنبي الكريم قال: (( الأمانة غنى ))
[الجامع الصغير عن أنس]
ولا يوجد شيء يُصلح النفس كالدين، الدينُ وحده يُصلح النفس، بالدين تستقيم، وعلى قدر عدم وجود دين في الشخص قد يكون ذكياً يُعطيك كشف حساب منظم، حتى وإن كان غير منظم يقوم بتنظيمه، ليس بالصعب عليه، فإن لم يكن هناك دين تُصبح نهب الأموال بالباطل. شرف المؤمن أمانته و ورعه :
فنصيحة: لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا تُعامل إلا المؤمن، ولا تُشارك إلا المؤمن، ولا تستخدم إلا المؤمن، ولا تُوظّف إلا المؤمن... قد يحدث خطأ ولكن يكون غير مقصود، أما أن يقوم بخيانتك فلا يقوم بذلك:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عن أبي أمامة ]
لأنه من المستحيل وهما يتناقضان مع الإيمان، وأقول لكم هذه الكلمة: إن كان في الأرض كلها إنسان واحد أمين وبقي محتاجاً فأنا المسؤول.. لا يُمكن.. الأمانة غِنىً، الأمين الله يُغنيه من فضله، والله يُغنيه بأسباب، مادام أميناً فهو موثوق، وما دام موثوقاً تتهافت عليه الناس، أي أنهم يثقون به لأمانتهِ، وعدالتهِ، واستقامته، وورعهِ، ويُسلمونه أموالهم.
عندنا شخص والله أنا أفخر به، تعامل مع شخص ليس مسلماً، فوجد الشخص الغير المسلم منه أمانة، فأحب أن يُشاركه، فعرض عليه المحل والأدوات، وكما يُريد يُعطيه حتى المليون، أي نصراني أراد أن يُشارك مسلماً لأمانته، هذا شرف المؤمن، شرفه بأمانته، شرفه بورعهِ.... وإلا لا فرقَ بينه وبين أي إنسان آخر.
قال: "إن أول لقمةٍ يأكلها العبد من حلال يغفر الله له ما سَلَفَ من ذنوبِهِ، ومن أقام نفسه مقام ذلٍ في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر". صفات الواعظ :
وروى السلفُ أنَّ الواعِظَ إذا جلسَ للناس قال العلماء: "تفقدوا منه ثلاثاً، فإن كان معتقداً ببدعةٍ فلا تُجالِسوه فإنه عن لِسان الشيطان ينطق، وإن كان سيئ الطُعمةِ فعن الهوى ينطق، وإن لم يكن مكين العقلِ فإنه يُفسد بكلامِهِ أكثر مما يُصلح".
إذاً: ثلاثة أشياء: إن كان يعتقد اعتقادات فاسدة، يعتقد بعض البِدع، فهو ينطق على لِسان الشيطان ليُضلَّ الناس، وإن كان في مطعمه حرام فهو ينطق عن الهوى، يبيح الرِبا بنسب قليلة، ويُبيح المنكرات، ويُبيح بعض أجهزة اللهو، ويبيح الاختلاط، فيقول لك: لضرورات العصر، لطلب العلم، لأشياء كثيرة... تجده يوسّعها على الناس بشكل كبير، ولم يعد شيئاً من الدين إطلاقاً، إذا كان قد نطقَ عن بدعة فهو ينطق بلسان الشيطان، وإن نطقَ عن هوى، عن شهوة أو نزوة ينطق بلسان الهوى، وإذا كان عقله غير مكين فهو يُفسد ولا يصلح.
من الأخبار أنَّ الدنيا حلالُها حِساب، وحرامُها عذاب، وشُبهتُها عِتاب، وقد قال بعض الصالحين: " نحنُ لا نأكل إلا حلالاً فبذلك تستقيم قلوبنا، ويدوم حالُنا، ونُكاشف الملكوت، ونشاهد الآخرة، ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لَمَا رجعنا إلى شيء من علم اليقين، ولَذَهَبَ الخوف من قلوبِنا، والمشاهدةُ من قلوبِنا ". الدين انضباط في الحلال والحرام واستقامة ومحبة :
وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن نعيم صحبةٌ طويلة فهَجَرَهُ أحمد لمّا سمعهُ يقول: إني لا أسألُ أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطانُ شيئاً لأكلته، فاعتذر يحيى وقال: كنتُ أمزح، فقال تمزحُ بالدين " من أخطر الأشياء المزحُ بالدين ": ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾
[سورة التوبة ]
أما علمتَ أنَّ الأكل من الدين؟ وقد قدّمه الله تعالى عن العمل الصالح: ﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾
[سورة المؤمنون: الآية51 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4946/ar-4946/06.jpg
بِشرُ الحافي رحمه الله كان من الورعين، مرةً طرقوا بابه، وكان غارقاً في الملذات والشُرب والمعاصي، فطرق بابه طارق، وقال لعبدهِ: قُل لسيّدِكَ إن كانَ حُراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنعُ العبيد. يُقال أنَّ هذه الكلمة تركت في نفسِهِ أثراً بليغاً، فتَبِعَ الرجلَ حافياً، وصار اسمه بِشرُ الحافي، وأصبح رجلاً صالحاً وعارفاً، سُئِلَ مرةً قيلَ له: من أينَ تأكل يا بِشرُ؟ فقالَ: من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، وقال: يدٌ أقصر من يد، ولقمةٌ أصغر من لُقمة، وهكذا كان السلف الصالح يحترزون عن الشُبُهات. (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[ صحيح عن النعمان بن بشير ]
أي المؤمن الصادق إذا ترك هذا الدرس بنفسه أثراً كبيراً يذهب منذ اليوم، ويضع في دفتر ما عنده من مشكلات مالية، شبهات، بعض الدخول غير مطمئن لها، ويُسجلها ويتصدّق، وإن عَرَفَ صاحِبها يُعطيه المبلغ، وإن لم يعرفه يتصدّق، حتى يُحرر ذمته، لكي يكون مطمئناً، هذا هو الدين، الدين انضباط في الحلال والحرام، الدين استقامة، الدين محبة، الدين ثبوت، وليس الدين في الصلاة والصيام فقط ولكن الصلاة والصيام لا تُقبلان إلا على أساسٍ من استقامة ونظافةٍ تامتين.

السعيد
09-19-2018, 02:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع : مداخل الكسب الحلال



كلمة المال لا تعني الدراهم فقط فالمال هو كل شيء له قيمة وله ثمن :
أيها الأخوة المؤمنون: وصلنا في موضوع الحلال والحرام إلى أصناف الحلال ومداخِلِهِ، فالحرام إما أن يكون حراماً لعينهِ، لصفةٍ في عينِهِ كالخمر، ولحم الخنزير، والدم، والميتة.. هذا مُحرّمٌ لعينِ هذا الشيء.. وهناك تفصيلات في موضوع اللحوم، والأطيار، والأسماك، وجميع الحيوانات، ما ينبغي أن نأكله، وما لا ينبغي، يأتي ذكره مفصّلاً في باب الأطعمة إن شاء الله تعالى.
وهناك ما يحرم لا لذاته، قد يحرم أن تأكل الخبز لا لأن الخبز حرام بل لأنَّ طريقة كسبه كانت حراماً، هذا شيء محرّم لصفة كسبه أو لطريقة كسبه، أو كما يقول العلماء: لخللٍ في إثبات اليد عليه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4947/ar-4947/01.jpg
فالمال كلمة المال لا تعني الدراهم فقط، المال كل شيء له قيمة وله ثمن، يُقال: له مال، فالقماش مال، والطعام مال. فأخذُ المال إما أن يكون باختيار المالك، وإما أن يكون بغير اختياره، فالذي بغير اختياره كالإرث، نأخذ مال هذا الرجل الذي مات من دون اختيار منه، وإمّا أن يكون من مالكٍ أو من غير مالكٍ، حشائش الأرض، وماء البئر، ومعادن الأرض، هذه تؤخذ من غير مالك، إمّا أن يكون لهذا المال مالكاً أو ليس له مالك.
الذي ليس له مالك له حُكم، والذي له مالك له حُكم، الذي له مالك إمّا أن يؤخذ باختياره وله تفصيلات، وإما أن يُؤخذ من غير اختياره، والذي يُؤخذ من مالك إمّا أن يُؤخذ قهراً وهو حلال، أو يُؤخذ تراضياً وهو حلال، وهناك تفصيلات، والمأخوذ قهراً إما أن يكون بصكوك عصمة المالك كالغنائم، أو باستحقاق الأخذ في الزكاة ممن يمتنع عن أدائِها والنفقات الواجبة عليهم تُؤخذ قهراً من غير اختيار، والمأخوذ تراضياً إمّا أن يكون بِعِوض كالبيع والشراء والأجرة والصداق، وإمّا أن يُؤخذ بغير عِوض كالهِبة والوصية، هذا الإجمال تفصيلُهُ أنَّ كسبَ المالِ لابُدَّ من أن ينطوي تحت ستة بنود؟
كسبَ المالِ ينطوي تحت ستة بنود :
1 ـ ما يؤخذ من غير مالك :
البند الأول ما يُؤخذ من غير مالِك: كالمعادن وإحياء الموات، أرضٌ ليسَ لها صاحب، قام بوضع سور لها، وحفرَ لها بئراً، وزرعها فأثمرت... هذا مالٌ مأخوذ من غير مالِك، والمعادن كفلذات المعادن التي تُستخرج من باطن الأرض، والاصطياد، والاحتطاب، والاستسقاء من الأنهر، والاحتشاشُ - قطعُ الحشيش - فهذا كلّه حلالٌ بشرطِ ألا يكون المأخوذ مختصّاً بذي حُرمةٍ من الآدميين، هذا المال الذي لا مالِكَ له كماء النهر، والحشيش الذي ينبُتُ عفواً من غير زرعٍ، والأرض التي تُوضع اليدُ عليها وتستصلح، ويُحيا مواتُها، هذا كله مالٌ يؤخذ من غير مالك في نص الشرع هو حلال ما لم يتعلّق به أحد.
2 ـ المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له :
وأمّا المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له: فهو كالفيء والغنيمة، المال الذي يُؤخذ قهراً إثرَ الحروب التي تنشِبُ بسببِ نشرِ الدين، ونشر الحق، وإعلاء كلمة الله، هؤلاء الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله، يريدون أن يعثوا في الأرض فساداً، هؤلاء إذا أرادوا أن يقفوا في وجه الحق، وانتصر المسلمون عليهم، تُؤخذ أموالُهم قهراً عن غير اختيار منهم، وهو الفيء والغنيمةُ، الغنيمةُ تُؤخذ إثرَ حربٍ، والفيء يُؤخذُ من دونِ حربٍ، وهذا حلالٌ بشرطِ أن يُؤخذ منها الخُمس ويُعطى للمستحقين، وتُقسّمَ بين المحاربين بالعدلِ، ولهذا الموضوع تفصيلٌ طويل في كتاب السيّرِ وكتاب الفيء والغنيمةِ وكتاب الجزية.
3 ـ ما يُؤخذ قهراً باستحقاق :
ومن هذه الأموال ما يُؤخذ قهراً باستحقاق: عندَ امتناع من وَجَبَ عليه دفعُ هذا المال فيُؤخذ دونَ رِضاهُ، وذلكَ حلالٌ إذا تمَّ سببُ الاستحقاق، مثلاً زوجٌ امتنعَ عن الإنفاقِ على أولادِهِ وزوجتهِ، يحكمُ عليه القاضي بدفع النفقة قهراً من دون رأيٍ أو اختيار، لا يكون هذا المال المأخوذ قهراً من دون إذنِ مالِكِهِ إلا بشروط من هذه الشروط:
أن يكون سببُ الاستحقاق شرعيّاً، وأن يكون وصفُ المستحقِّ وصفاً صحيحاً، وأن يقتصر على القدر المستحق.
أن يكون صاحب الحق حقيقةً، وأن يكون سببُ الاستحقاق واقعاً فعلاً، وأن يُؤخذ بالقدر الذي امتنع عن دفعهِ لأصحاب الحقوق، إذا فعلنا ذلك أخذنا هذا المال حلالاً، ويجب أن يُستوفى هذا المال عن طريق السلطان أو القاضي، وهذا يُفصّلُ في كتاب الوقف والنفقات والصدقات والزكاة وما إلى ذلك " هذا كله يأتي معنا بالتفصيل في المستقبل ".
4 ـ ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ :
ومن هذا المال ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ: - بالتراضي- وذلك حلالٌ إذا روعيَّ شرطُ العِوضين وشرط العاقدين وشرطُ اللفظين.. أي اللفظ صحيح، الإيجاب والقبول، والعِوض مال وليس شيئاً آخر لا قيمة له، وأن يكون البائع والشاري بتمام الأهلية الشرعية والعقلية.
موضوع البيعِ والسلمِ، والإجارةِ، والحوالةِ، والضمانِ، والقِراضِ، والشركةِ، والمساقاةِ، والشُفعةِ، والصُلحِ، والخلعِ، والكتابةِ، والصداقِ، هذه كُلُها تدخل في باب العِوض " أخذُ المالِ بِعِوضٍ عن طريق التراضي ".
5 ـ ما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ :
وما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ: وهو حلالٌ إذا روعيَ فيه شرطُ المعقود عليه كالإرثِ والهِبةِ والوصيةِ والصدقةِ.
6 ـ الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك :
وأمّا الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك: فهو الإرثُ وهو حلالٌ إذا كانَ المورّثُ قد اكتسب المالَ من بعض الجِهات الخمس من وجهٍ حلال.. أي إذا كانَ مالُ الإرثِ مغتصباً، فالعلماء لهم آراءٌ متباينة في هذا الموضوع، إن كان اكتساب هذا المال من هذه الطُرق الخمس كانَ هذا المالُ المورّث حلالاً مئةً في المئة، أمّا إن كانَ مالاً مغتصباً فللعلماءِ شروط وخِلافاتٌ حولَ هذا الموضوع.
طبعاً هذا الذي أقوله ليس هو الدرس، إنما هو إطلالةٌ على موضوعات كثيرة سوف نعالجها إن شاء الله في المستقبل.
الآن: يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: "اعلم أنَّ الحرام كلّهُ خبيث ما قلَّ منه وما كثُر، وما ظهرَ وما اختفى، الحرام كُلّهُ خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعض".
طبعاً أنا أسرعت في المقدمة لأنها مقدمة، ولأنَّ هناك تفصيلات وافيةً في شروحِها.
مراتب الورع عن الحرام :
الآن أُفصّل: الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضه أخبث من بعضٍ، والحلال كُلّهُ طيّب ولكنَّ بعضهُ أطيب من بعضٍ.
على كُلِّ مادامَ من الحلال ما كان بعضهُ أطيب من بعضٍ، ومادام الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعضٍ، فقد صنّف الإمام الغزالي الورع عن الحرام في أربع مراتب، وكل واحد من الحاضرين يتمكّن أن يُصنّف نفسه مع أحد هذه المراتب :
1 ـ ورع العدول :
أولاً: ورع العدول: العدلُ مأخوذ من الحديث النبوي الشريف:
(( من عاملَ الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم، فهو من كملُت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرُمت غيبته ))
[أخرجه العسكري في الامثال والديلمي في مسنده عن الحسين بن علي]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4947/ar-4947/02.jpg
العدالة: أي المسلم الذي طبّقَ تعاليم الدين لم يُقصّر في واحدة ما دامَ قد طبّقَ أوامر الله سبحانه وتعالى، وطبّقَ تعاليم الدين، فهو مسلمٌ عدلٌ.. أي يتمتع بحقوقه الإسلامية كما يتمتع المواطن اليوم بحقوقه المدنيّة، المسلم العدلُ يتمتّع بحقوقه الإسلامية تُقبل شهادته.
ورع العدول وهو الذي يوجِبُ الفِسقَ باقتحامه، لو أكلتَ لُقمةً من حرامٍ فقد خرقتَ هذه القاعدة، العدلُ لا يأكلُ ولا لقمةً من حرام، فأيُّ عملٍ يفعله المسلم ويخرق به حدود الشرع فقد دَخَلَ في الفِسقِ: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُون ﴾
[سورة يونس]
يوجب الفِسقَ باقتحامه، وتسقط العدالة به، لو أخذتَ ما ليسَ لك تسقُطُ عدالتُك، لو ظلمتَ إنساناً في أرضٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أكلتَ مالاً من حرامٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أخطأ معك البائع ولم ترُدَّ له البقية تسقُطُ عدالتُك، لو بِعتَ بثمنين حالّ ومؤجّل تسقُطُ عدالتُك: (( أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهادَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ))
[ أخرجه زيادات رزين عن عائشة أم المؤمنين ]
لو أخفيتَ عيباً تسقُطُ عدالتُك، أي أكلت أموال الناس بالباطل، لو غيّرت وصف القِماش - قماش وطني وأحضرت لصاقة مكتوب عليها بالأجنبي صنع فرنسا وأحضرت مكواة وألصقت اللصاقة على القماش - ماذا تكون قد فعلتَ بنفسك؟ سقطت عدالتُك، لأنك توهِمُ هذا الشاري أنَّ هذا القِماش أجنبي عن طريق هذه اللُصاقة الأجنبية، سقطت عدالتُك.. أكلت مال الناس بالباطل وأنكَ عندئذٍ تبيعُ هذا القِماش على أنه أجنبي بأربعة أضعاف سعر الوطني تسقُطُ عدالتُك، طبعاً العلماء في موضوع العدالة قاموا بالتوسيع. الفرق بين جرح العدالة و سقوط العدالة :
طبعاً هناك تسقُطُ عدالتُك، وهناك تُجرحُ عدالتُك، من مشى حافياً في الطريق تُجرحُ عدالتُه أو لا تُقبل شهادته، من بالَ في الطرق تُجرحُ عدالتُه، من علا صياحهُ في البيت تُجرحُ عدالتُه، من طففَ بتمرةٍ واحدة - أي أنَّ عين الميزان لم تأت على العين تماماً - تُجرحُ عدالته، من صَحِبَ الأراذِلَ تُجرحُ عدالته، من تحدّثَ عن النساء - فلانة شكلُها كذا - تُجرحُ عدالته، من لَعِبَ الشطرنج وهو موضعُ خلافي بين الفقهاء تُجرحُ عدالته، من أطلقَ لفرسِهِ العِنان - أي أنه أسرع في قيادة السيارة - تُجرحُ عدالته، من قادَ برذوناً تُجرحُ عدالته، من تنزّه في الطرقات تُجرحُ عدالته، من خَرَجَ بهيئةٍ قميئة وهو مُسلم تُجرحُ عدالته، أحصى الفقهاء ما يزيد عن ثلاثٍ وثلاثين صفةً إذا تلّبسَ بِها المرءُ المسلم جُرِحت عدالتُه، أمّا إذا أكلَ أموال الناس بالباطل سقطت عدالتُه، إبريق قد نُحطمه وقد يُصابُ بكسرٍ ويبقى متماسكاً.. إسقاط العدالة أنَّ هذا المسلم لا عدالة له.
حدثني أخ عن رجل وقفَ عند بائع خضار، البائع قام بفرز الخضار لنوعين، نوع بست ليرات ونوع بليرتين، فبينما كان البائع مشغولاً في البيع قام هذا الشاري بملء كيس من النوع الجيد ثمَّ وضع فوق هذا النوع الجيد نوعاً رديئاً ليوهم البائع أنه اشترى من النوع الرديء، هذا الذي فعلَ هذا سقطت عدالته، خرجَ من الإسلام لأنه فسق.. دخلَ في الفِسق..
فورع العدول هو الورع الذي فيما لو خَرَقَ الإنسانُ قواعد الدين دخلَ في الفِسقِ، وسقطت عدالته، وثبت عليه إثم العصيان، وتعرّض للنارِ بسببهِ، وهو الورع عن كل ما تُحرّمه فتاوى الفقهاء. هذا الحد الأدنى من الورع.. ورع العدول.
2 ـ ورع الصالحين :
هناك ورعٌ أعلى من ذلك وهو ورع الصالحين، وهو الامتناع عمّا يتطرقُ إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص في التناول بناءً على الظاهر، مثلاً إنسان سألك: أنا شريك مُضارب سافرت إلى الجهة الفلانية من أجل الشركة فهل لي أن آكل على حساب الشركة؟ تقول له: نعم وتدفع ثمن المبيت وأجرة الطريق، ولكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كان هذا السفرُ مفتعلاً لمصلحةٍ شخصيةٍ وقلتَ أنت: إنَّ هذا السفر لأجل الشركة، المفتي يقول لك: يجوز أن تأكل، لكَ أن تأكل على حِساب الشركة، ولكَ أن تدفعَ ثمن الركوب، وثمن المبيت، ولكن من يعلم أنَّ هذا السفر لِصالح الشركة أم تقتضيه مصلحة شخصية؟ لا يعلم هذا إلاّ الله.
ورع الصالحين: الامتناع عمّا يتطرق إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص بأخذه بِناءً على الظاهر، فهو من مواقع الشُبُهة، فنسمي التحرّجَ عن ذلك ورع الصالحين وهو من الدرجة الثانية، أي أنّه هناك فتوى، الورع الأول ليسَ فيه فتوى، جميع المفتين يُفتون بأنَّ هذا العمل حرام فمن فعله دَخَلَ في الفِسق، واستوجب الإثم، ووقعَ في المعصية:
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(33) ﴾
[سورة يونس]
لكنَّ ورع الصالحين هناكَ فتوى تُبيحُهُ، عِنَدَكَ مال أيتام أنت تقول: أنا فقير سألت مفت قلت له: أنا فقير وأُدير مالاً للأيتام فهل لي أن آكل منه بالمعروف؟ يقول لكَ: نعم، كُلْ منه بالمعروف، لكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كنتَ فقيراً حقيقةً، أو غنياً، أو مكتفياً، فالورع الأعلى من ذلك أنهُ يخاف ألاّ يكون وصفُهُ صحيحاً، يخاف أن يتوهّم نفسه فقيراً وهو مكتف إذاً يترّفع عن أن مال الأيتام لا لأنَّ الإفتاء حذّرَ عليه ذلك .. لا.. المُفتي سَمَحَ له ولكن هو ليسَ متأكداً ما إذا كانت هذه الفتوى تنطبق عليه أو لا تنطبق، تحرّجاً عن الحرام ترّفعَ عن أكل مال الأيتام وقال: أنا أُرجّح أن أكونَ مكتفياً ولا أُريد أن آخُذَ على عملي شيئاً.. هذا ورع الصالحين..
ورع الصالحين الفتوى تُحلّهُ ولكنَّ الشُبهةَ تتبعهُ - فيهِ شُبُهة -، ورع العدول الفتوى تُحرّمُهُ وفِعلُهُ يوجِبُ الإثمَ والعصيان، ورع الصالحين الفتوى تُبيحُه ولكنَّ الشبُهة تُداخِلُهُ، لكنَّ ورع المتقين ما لا تُحرّمُهُ الفتوى، ولا شُبُهةَ في حِلِّهِ، ولكن يخافُ منه أن يقودنا إلى حرام. الفتوى تُحلُّهُ، ولا شُبُهة داخلةٌ فيه، ولكن نخاف إذا فعلنا هذا أن يقودنا إلى أكل مالٍ حرام في المستقبل. 3 ـ ورع المتقين :
ثالثاً: ورع المتقين.. وهو كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ))
[ الترمذي و ابن ماجه عن عطية السعدي]
4 ـ ورع الصّدّيقين :
أمّا الدرجة الرابعة فهذه الدرجة تُسمّى ورع الصديقين؛ ورع العدول، ورع الصالحين، ورع المتقين، الآن ورع الصديقين، ما لابأسَ به أسلم ولا يُخاف منه إلى أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يُتناول لغير الله.
شخص من أهل الدنيا أرسل يدعوك إلى وليمة لم تذهب إليها إرضاءً لله، ولم يدعُكَ لله، الأكل حلال ليس فيه شُبُهة، ولا بأس، ولا يؤدي إلى حرام، لكنَّ هذا العمل لم يكن لله عزّ وجل.. هذا ورع الصديقين..، هذه درجات الورع، بالمناسبة:
((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
رأسُ الدين الورع. تفصيلات في مراتب الورع :
هناك تفصيلات: ورع العدول كل ما تقتضي الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقدِ شرطٍ من الشروط فهو الحرام المُطلق.. أي.. السرقة هذه حرام مُطلق، أخذُ مالٍ غصباً هذا حرام مُطلق.
الدرجة الثانية أمثلتُها كل شُبُهةٍ لا توجبُ اجتنابها ولكن يُستحبُ اجتنابها، سألت المُفتي قال لك: ليس هناك مانع، الشرع رخّص لكَ ذلك، ولكن المستحب تركُها لأنَّ مدى انطباقها على الإنسان غير دقيق.
وهناك تفصيلات: من الشُبُهات ما يجبُ اجتنابها لأنها تُلحق بالحرام، ومنه ما يُكره اجتنابها، ومِنها ما يُستحبُ اجتنابها.. يجبُ ويُكرهُ ويُستحبُ:
(( فعن أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَحْفَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ لا أَدْرِي مَا هِيَ فَقَالَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
يُحكى عن ابن سيرين أنه تركَ لشريكٍ له أربعة آلاف درهم لأنه حاكَ في قلبهِ شيء مع اتفاق العلماءِ على أنه لا بأسَ به لكنه تركها على أنه حاكَ في قلبهِ شيء.
سيدنا عمر كان يقول: "كُنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام".
أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إنَّ من تمام التقوى أن يتقي العبدُ في مثقالِ ذرّة" إذا أردت التقوى الصحيحة إذا كان هناك صانع في محل سكاكر، إذا أمسك بقطعة سكر واحدة ووضعها في فمه وقع في الحرام، لأنَّ الأمانة مُطلقة والخيانة نسبية ، الأمانة مُطلقة الأمين أمين على قطعة سمسم أو على مليون قطعة، تقول: مستودع الوقود مُحكم - المُحكم حالة واحدة أي أن تضع فيه ألف ليتر وقوداً سائلاً وتغيب خمس سنوات، فإذا كان مغلقاً من الأعلى تعود تجدهم على حالهم ، هذا معنى مُحكم- الإحكام حالة واحدة، الأمانة مُطلقة والإحكام مُطلق، أما إذا كان في المستودع بعض الخلل مثلاً فيه ثقب فخلال شهرين يفرغ الوقود من المستودع، وهناك ثقب يُفرّغه في أسبوع، وثقب آخر يُفرّغه خلال ساعة، أما إذا كان غير مستقيم فهناك شيء يُعدّل شيئاً هذا يأكل، وهناك غيره يحمل، وغيره يُنظّف المحل.. بين أن يأكل وبين أن يحمل وبين أن يُنظّف درجات. أمثلة عن ورع المتقين :
من أمثلة ورع المتقين أن يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، حتى يكون هذا التركُ حِجاباً بين العبد وبين النار، هناك شخص له على إنسان مئة درهم فحملها إليه، فأخذَ منها تسعةً وتسعين وتورّعَ عن استيفاء الكُل خيفة الزيادة، كان للدراهم أوزان مختلفة، أمّا الآن فالأمور مضبوطة، أما الدرهم فكان وزنه يفرق نصف أو ربع غرام، فلو أخذ مئة درهم كما أقرضها لعلَّ هذه المئة يزيد وزنُها عن التي أعطاها فكان يأخذ تسعةً وتسعين من باب الورع.
ومن ذلك ما روى عن علي بن معبد أنه قال: كنت ساكناً في بيت بالأجرة، فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر تراب من حائط، فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا علي بن معبد سيعلم غداً الذي يقول وما قدر تراب من حائط، ولعل معنى ذلك أنه يرى كيف يحط من منزلته، فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين، و الإنسان إذا ترك ورع المتقين ضاعت منه التقوى.
سيدنا عمر وصله مِسكُ البحرين فقال: وددتُ لو أنَّ امرأة وزنت حتى أُقسّمهُ بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، ثمَّ قالت: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، فقال: لا أحببتُ أن تضعيهِ بكفِكِ ثمَّ تقولينَ فيها هذا من أثر المِسكِ فتمسحين بها عنُقَكِ فأصيبُ بذلك فضلاً على المسلمين.. هذا ورع المتقين.. كَرِهَ أن تقسِمَ زوجته هذا المِسكَ بين المسلمين ففي يدِها من أثرِ المِسكِ تضعهُ على عُنِقِها فيكون عمر قد أصابه من المِسكِ فوق ما أصابَ من المسلمين الباقين.
سيدنا عمر بن عبد العزيز حينما كان المِسكُ يُقسم أمامه كان يُغلِقُ أنفهُ فقال أحدهم له: وماذا تفعل رائحته؟ قال: وهل يُنتفع إلا برائحته !؟ - هل هناك غير الرائحة؟ - عندما كان ينتهي الدوام عند سيدنا عمر بن عبد العزيز يُطفئ السِراج لأنَّ ذلك أصبح وقتاً خاصاً.
سيدنا الحسن رضي الله عنه أخذ تمرةً واحدة من تمر الصدقة وكان صغيراً فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " كخ.. كخ "، هذا الذي تقوله العامة مأخوذٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، " كخ.. كخ " أي دعها لأنه من تمر الصدقة.
بعضهم كان عند محتضر - أي عند إنسان يُلاقي سكرات الموت - فمات ليلاً فقال: أطفئوا السِراج فقد حَدَثَ للورثة حقٌ بدُهنِ السِراج - أصبح المال للورثة الآن-.
ورع الصّدّيقين أرقى درجة من درجات الورع :
هناك أمثلة كثيرة جداً قد لا تُصدّق لشدّة الورع، هكذا كانوا، لو نُقِلَ هؤلاء الأطهار الورِعون إلى هذا الزمان لَشابَ شعرُهم.. أي معظم الناس لا يتورّع عن أكل المال الحرام من أيّة طريقة، ويتباهى بالأكل الحرام بل إنَّ الذي لا يأكُل حراماً يُتهم بالجنون.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4947/ar-4947/03.jpg
الآن ورع المتقين الذي يُفضي إلى شيء غير مُباح هناك فتوى بإباحته وليس فيه شُبُهة، لكن لو فعلته ربما انتهيت إلى شيء حرام، لذلك الدخول إلى بيوت الأغنياء الإنسان يتمنى أن يكون عنده منزل كهذا المنزل، وفخامة كهذه الفخامة.. أي هذا العمل في النهاية قد يُوصِلُ إلى أن يشتهي الإنسان أن يكون له مثل هذا فيأكل مالاً حراماً، فالنظر إلى دور الأغنياء وتجمّلِهم مُباحٌ في نفسِهِ ولكنه يُهيّج الحِرصَ، ويدعو إلى طلبِ مثلِهِ، ويلزمُ منه ارتكاب ما لا يحلُّ في تحصيلِهِ وهكذا المُباحات كُلُّها.
أما ورع الصديّقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابهِ معصيةٌ، ولا يُستعانُ بهِ على معصية، ولا يُقصدُ منهُ في الحالِ والمآلِ قضاءُ وطرٍ، بل يُتناول للهِ تعالى.. هذا أرقى شيء.. وللتقوي على عبادتِهِ، واستبقاء الحياة لأجلِهِ، وهؤلاءِ هم الذين يرونَ أن كُل ما ليسَ للهِ حرام، وهذه رتبة المتوحدين المتجرديّنَ عن حظوظ أنفِسِهم، المنفردين للهِ تعالى بالقصدِ، ولا شكَ في أن من يتورّع عمّا يوصَلُ إليه أو يُستعانُ عليهِ بمعصيةٍ يتورّعُ عمّا يقترنُ بسببِ اكتسابه معصية أو كراهية.. هذا أرقى درجة تورّع الصديقين.. وسوف نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله. علامة المؤمن أنه ورِع :
الذي أريد أن أقوله لكم: ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
والدين ليس بالصلاة والصيامِ فحسبُ ولكنه بالورع وعلامة المؤمن أنه ورِع. نبذةٍ قصيرةٍ عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام :
الآن عندنا نصوص جامعة لصفات النبي من شتّى الجوانب، نقرأ بعضها، ونُؤجِلُ بعضها إلى درسٍ آخر.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مُفخّماً- أي يملأ العين - يتلألأُ وجهه تلألؤ القمر ليلةَ البدر.. هكذا قال حسان رضي الله عنه: وأحسن منك لم ترَ قطُّ عيني وأجمل منكَ لم تلد النساء
خُلقــتَ مبرّأً من كُلِّ عيبٍ كأنكَ قد خُلِقتَ كما تشاءُ
***
- أطول من المربوع - المربوع بين القصير والطويل - كانَ أطول من المربوع وأقصرَ من المشذّب - الطويل البائن -.
- لا يأس من طولٍ ولا تقتحمهُ عين من قِصَرٍ - لا يُنظر له هكذا ولا هكذا -.
- عظيم الهامة - رأسه متناسب مع جسمه - وكِبَر الرأس - هكذا جاء في الحاشية - دليل رجاحة العقل.
- رَجِلَ الشعرٍ -كان شعره جَعِداً -.
- أزهر اللون - أبيض مُشرب بالحُمرة -.
- واسع الجبين - جبينه واسعٌ طولاً وعرضاً -.
- أزجَ الحواجب- حواجبه متصلة - سوابغ في غير قرن، بينهما عِرقُ يدره عندَ الغضب - إذا غَضِب نَبَضَ هذا العِرق - فكان أصحابه الكِرام يعرفونه غضبان من هذا العِرق الذي في جبينِهِ.
- له نورٌ يعلوه أي وجهه يتلألأ نوراً.
- كثّ اللحية - شعره غزير -.
- سهلَ الخدين - ليس ناتئَ الوجنتين -.
- ضليعَ الفم - فمُهُ يتناسب مع وجهِهِ - وهذا دليل فصاحتِهِ صلى الله عليه وسلم.
- مُفلّجَ الأسنان - أي بين أسنانِهِ مسافات ليست متراكمة بعضُها فوق بعض -.
- دقيق المسربة - أي هناك خط من الشعر من أعلى صدرِهِ إلى صُرتِهِ-.
- كأنَّ عنقه جيدُ دميةٍ في صفاء الفِضّة.
- معتدلُ الخلقِ – أي تناسب الوزن مع الحجم مع الطول مع الأعضاء -.
- بادِنٌ - ممتلئ -.
- متماسِكٌ - أي قوي البُنية -.
- سواءُ البطنِ والظهرِ.
- عريضُ الصدرِ، بعيدُ ما بينَ المنكبين.
- أنور المتجرّد - أي إذا أرادَ الوضوء له أعضاء بيضاء كالثلج-.
- أشعرُ الذراعين والمنكبين.
- طويل الزندين رحبُ الراحة - أي يده واسعة -.
- شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ - أي كفاه وقدماه ممتلئتان -.
- ثائِرُ الأطراف - أطرافه مستقيمة -.
- خمصان الأخمصين - أي قدمه ليست بطحاء، أخمصه عال - إذا زالَ زالَ قِلعاً - أي مشيتُهُ تَنِمُو عن نشاط-.
- يمشي هوناً بتؤدة، إذا مشى كأنه ينحطُّ من صبب - من مرتفع -، وإذا التفتَ التفتَ جميعاً.
- خافِضَ الطرفِ، نظرهُ إلى الأرضِ أطولُ من نظرهُ إلى السماء.
المؤمن تعرفه من نظراته في الطريق، عينُهُ في الأرض، أمّا غير المؤمن فعلى النوافذ والشرفات، وإذا فُتِحَ باب مباشرةً ينظر.. هذا غير المؤمن، أمّا المؤمن فنظرهُ إلى الأرض.
- جُلُّ نظرِهِ الملاحظة، يستنبط من كلِّ شيء موعظةً، من كلِّ حادثةٍ درساً، من كُلِّ آيةٍ فهماً، من كُلِّ بارقةٍ حالاً.
- يبدأُ من لَقِيَ بالسلام.
لازِلنا في صفات النبي عليه الصلاة والسلام، اليوم انتهت الصفات الجسمية ننتقل غداً إلى آدابِهِ في منطِقِهِ وسكوتِهِ، وإلى آدابِهِ إذا دَخَلَ منزِلَهُ، وإلى آدابه إذا خَرَجَ من منزلَهُ، وإلى آدابِهِ في مجالِسِهِ، وإلى آدابِهِ مع جلسائِهِ، وإلى آدابِهِ في سكوتِهِ، وإلى آدابِهِ العامة في وقارِهِ وتكريمِهِ أهلَ الفضل وما إلى ذلك.

السعيد
09-19-2018, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع : الورع و الشبهات








الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة الأكارم: وصلنا في إحياء علوم الدين و في باب الحلال و الحرام إلى موضوع درجات الورع، و بينّا في الدرس الماضي أن هناك ورع العدول أو أن في الأمر فتوى تحذر فعله، فلو فعل هذا الأمر وقع في الحرام، وقع في الإثم، فالترفع و التنزه و الاحتراز عن فعل شيء تنهى عنه الفتوى هذا هو ورع العدول، لأنه من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهم ممن كملت مروءته، و ظهرت عدالته، ووجبت أخوته، و حرمت غيبته، لكن ورع الصالحين ما أحلته الفتوى، و لكن مع هذا الحل شبهة، شبهة في انطباق هذه الفتوى على هذه الحالة، الفتوى قد تنطبق و قد لا تنطبق، يقول لك أحدهم: طلقت امرأتي و أنا غاضب، قال عليه الصلاة و السلام: (( لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ ))
[أبو داود عن عائشة]
الإغلاق هو الغضب و لكن أي غضب هذا؟ الغضب الذي لا تعرف فيه السماء من الأرض، و الطول من العرض، فإذا قال أحدهم: طلقت زوجتي و أنا غاضب تقول له: قال عليه الصلاة و السلام: (( لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/01.jpg
يوجد فتوى أن هذا الطلاق لا يقع، و لكن يا ترى هل حالة الغضب التي تلبس فيها تنطبق على الحالة التي وصفها النبي عليه السلام؟ الفتوى تحل إلغاء الطلاق، و لكن هل تنطبق الفتوى على هذه الحالة؟ هناك فتوى و لكن مع الشبهة، فالترفع عن شيء أفتى به المفتون هو ورع الصالحين، أما ورع الأتقياء المتقين فالفتوى تحله و لا شبهة فيه، و لكن قد يفضي هذا إلى اشتهاء الحرام، الترفع عن شيء أباحته الفتوى، و لا شبهة فيه، و لكنه قد يودي إلى أن يشتهي الإنسان الحرام، أو أن يقع فيه، فهذا ورع المتقين، و أما ورع الصديقين، إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي، فلا شيء في الدنيا يشغله إن لم يكن متصلاً بك، لا ينشغل عن الله بشيء، صحابي جليل له قدم راسخة في الإسلام سأل النبي عليه السلام: ما الإسلام يا رسول الله؟ قال: أن تخلي لله نفسك، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *﴾
[ سورة المؤمنون ]
قيل ما اللغو؟ قال: كل ما سوى الله لغو، و قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * ﴾
[ سورة الواقعة ]
يوجد عندنا سابقين.
وقال تعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ * ﴾
[ سورة الواقعة ]
و عندنا أصحاب اليمين كثرة من الأولين و كثرة من الآخرين، و عندنا أصحاب الشمال، هؤلاء في آخر الزمان يشكلون الأغلبية العظمى، لذلك بدأ الدين غريباً و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، هذا ورع الصديقين، و قد فسر النبي عليه الصلاة و السلام ورع الصديقين فقال: (( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ))
[ الترمذي و ابن ماجه عن عطية السعدي]
الشبهات :
ننتقل إلى موضوع الشبهات لأنكم كما لاحظتم في مراتب الورع؛ ورع العدول، ورع الصالحين، ورع الأتقياء، ورع الصديقين، وردت كلمة الشبهة، النبي عليه الصلاة و السلام في حديث جامع مانع وضحها قال: ((الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
دقة الحديث عجيبة، لا يعلمها الناس؟ لا، لا يعلمها كثير من الناس، أما القليل فيعلمونها، إذاً اسأل، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل]
(( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
فالحديث واضح؛ عندنا حلال مطلق؛ و عندنا حرام مطلق؛ و عندنا شبهات كثيرة جداً لا يعلمها كثير من الناس، شرب الخمر حرام مطلق، الزنا حرام مطلق، السرقة حرام مطلق، أن تشرب من ماء السماء حلال مطلق، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾
[ سورة الفرقان ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/02.jpg
أن تأكل طعاماً اشتريته بكسب يدك حلال مطلق، أن تنظر إلى زوجتك حلال مطلق، عندنا حرام مطلق، و عندنا حلال مطلق، و بين الحلال و الحرام أي الحلال أبيض ناصع و الحرام أسود داكن، و عندنا مليون لون رمادي بينهما، الحقيقة شركات الأقمشة أحياناً تعطي نماذج للألوان ممكن أن تدرج لوناً واحداً ثمانمئة ألف درجة، يمكن أن يتدرج اللون الأخضر فقط لأن العين السليمة تستطيع أن تفرق بين لونين من أصل ثمانمئة ألف لون للون الواحد، معنى ذلك أن العين تستطيع أن تميز بين ثمانمئة ألف لون رمادي، الحلال أبيض ناصع و الحرام المطلق أسود داكن و بين الأبيض و الأسود ثمانمئة ألف لون خليط بينهما، هذه الشبهات، لذلك معظم الفتاوى في الشبهات، ما سمعت أحداً يسأل يا سيدي هل شرب الخمر حرام؟ طبعاً حرام، هل الزنا حرام؟ ((عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا؟ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ))
[ أحمد عن أبي أمامة]
تصور هذا الأعرابي أن أخته يزنى بها، قال هذا الأعرابي: دخلت على النبي عليه الصلاة و السلام و ليس شيء أحب إلي من الزنا و خرجت من عنده و ليس شيء أبغض إلي من الزنا. التناقض أبشع شيء في الإنسان :
أحياناً الشاب يقع بتناقض عجيب، إذا كان يمشي وراء أخته و لاحظ أن شاباً يلقي على مسمعها كلمة، يشعر أنه يكاد ينفجر غيظاً، قد ينقض على هذا الشاب ليمزقه إرباً إرباً، إرَباً إرَباً خطأ، الصواب إرْباً إرْباً، فما بال هذا الشاب يلقي كلمة على مسامع فتاة؟ أبشع شيء في الإنسان التناقض، أبشع شيء أن تعامل الناس بمقياسين، بميزانين، أن تزين للناس بميزان و أن تزين لنفسك بميزان. (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
الحلال المطلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/03.jpg
ماذا يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين و نحن نكشف الغطاء عنها فنقول: الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة توجب تحريماً لعينه، و لا يتعلق بأسباب تحصيله، صفة توجب تحريمه، الحلال المطلق كشرب ماء السماء، ليس في عين الماء شيء يحرم، وأيضاً ليس في طريقة كسبه شيء يحرم كما ذكرنا من قبل، عندنا شيء حرام لذاته، و حرام بطريقة كسبه، فالتفاحة حلال أن تأكلها و قد تكوم حراماً إن أخذت سرقة، هي حلال، لحم الخنزير حرام لذاته أي عين اللحم محرم أما عين التفاح فليس محرماً، لكن التفاح قد يحرم لسبب كسبه، الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة توجب تحريماً لعينه، العلماء وجدوا في كتاب الله ثلاثة أشياء؛ أي حلال مطلق أحدها ماء السماء قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾
[ سورة الفرقان ]
ثانيها: ما تهبه الزوجة لزوجها قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾
[ سورة النساء ]
و الثالثة نسيتها، لأن أحد المحدثين قال: حدثني سفيان بن عيينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كانت فيه خصلتان دخل الجنة" أما الخصلة الأولى فقد نسيها الراوي، و أما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا.
أول شيء ماء السماء، ماء السماء مبارك طيب، أي إذا جمع إنسان ماء السماء و شربه فهذا حلال مطلق، و إذا وهبت له زوجته شيئاً من مالها ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾
بعض الصالحين تملك زوجته شيئاً من المال، طلب منها أن تهبه إياه، قال: هذا المال مبارك و أنه هبة الزوجة لزوجها، مثلاً الشرع لا يجيز أن يعطي الإنسان زوجته الزكاة لأن نفقتها عليه، فإذا أعطاها الزكاة فقد تهَرَبَ من نفقتها، صارت حيلة، لكن الزوجة الموسرة يجب عليها أن تدفع زكاة مالها لزوجها، قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾
[ سورة النساء ]
قال: مثال ذلك الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد لكن النبي الكريم قال: (( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلأِ وَالنَّارِ ))
[ ابن ماجه عن ابن عباس ]
الحرام المحض :
و الحرام المحض ما فيه صفة محرمة كالخمر، و النجاسة، أو حصل بسبب منهي عنه، كالظلم، و الربا، هذان الطرفان ظاهران، عندنا حلال مطلق، و عندنا حرام مطلق، الحلال المطلق ما لم يكن في صفته شيء يوجب تحريمه، و ما لم يكن في طريقة كسبه شيء يوجب تحريمه، و الحرام المطلق ما كان في ذاته شيء يوجب تحريمه، أو في طريقة كسبه شيء يوجب تحريمه، لا أعتقد أنه يوجد خلاف بين المسلمين في أطراف الدنيا على موضوع الحلال المطلق و الحرام المطلق، أما الخلافات كلها ففيما بينهما و هي الشبهات.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/04.jpg
قال: و يلحق بهذا أي يلحق بالحلال المطلق و الحرام المطلق شيء ما تحقق أمره و لكن يحتمل تغييره و لم يكن لذلك الاحتمال سبب ظاهر يدل عليه، العبارة معقدة، المثل يوضحها: ما تحقق حِله و لكن يحتمل تغير هذا الحِل إلى الحرمة و لكن ليس هناك سبب ظاهر بالذي عليه، فإن صيد البر و البحر حلال إلا أنه من صاد ظبية أو سمكة فإنه يحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه، أو أن هذه السمكة صادها صياد ثم وقعت في البحر مرة ثانية منه، قال: هذا الاحتمال وارد لكن ليس هناك سبب ظاهر يؤكده، قال: هذا الورع خامس أنواع الورع من يقترح له تسمية؟ ورع العدول فهمناه، ورع الصالحين واضح، ورع الأتقياء واضح، ورع الصديقين، ترك هذه السمكة التي يحتمل بعد أن صدتها أنه قد صادها صياد آخر فتملكها ثم وقعت منه في البحر، فجئت أنت و صدتها، تركها أحد أنواع الورع ما هو هذا النوع؟ هذه السمكة لعله أحد صادها ثم وقعت منه مرة ثانية فامتلكها هذه ملكه، قال لي رجل: جاءتني كنزة هدية قلت له: ماذا في ذلك؟ قال لي: لكنها صنع إنكلترا، قلت له: إذاً حرام، هذه أصبحت وسوسة و هذا ورع الموسوسين، و الوسواس مرض، فقد درسنا بعلم النفس المرضي في الجامعة ثلاثمئة مرض أشد أنواعها شيوعاً مرض الوساوس المتسلطة، أحياناً يصيب المرأة وسواس نظافة فتمسح الدرج عشر مرات، تخلع لأولادها و زوجها الحذاء من أسفل البناء، و إذا جاء رجل غريب بالخطأ تعيد جميع المسح، أحياناً يأتي ضيف للبيت عندما يذهب من البيت تغسل كل الشراشف، يكون جلس على ديوان فقط هذا مرض، صلى الله عليه وسلم علمنا إذا الإنسان قضى حاجة ينضح ثوبه الداخلي بشيء من الماء، فإذا شعر ببلل هذا البلل ليس من البول من هذا الماء الذي نضحه حتى يقطع الشك باليقين، علمنا ألا نتوسوس، يا ترى أنا متوضئ؟ إن كنت موقناً أنك متوضئ و شككت في نقض الوضوء فأنت متوضئ، الشك لا يقطع اليقين، علمنا طرائق لا تقع بالخطأ أبداً، لا تدع الشيطان يوسوس لك، هناك أمراض كثيرة، فهذا مرض الوساوس المتسلطة مرض خطير جداً فقال: هذا ورع الموسوسين، هذه السمكة بعد أن اصطدتها أنا قد يكون أحدهم قد اصطادها و هربت منه و نزلت للبحر، سيدنا عمر كان يمشي في الطريق رأى بركة ماء مع أصحابه، بعض أصحابه قالوا لصاحب البركة: يا هذا هل ترد السباع هذه البركة؟ قال له: يا صاحب البركة لا تجبنا، لا تتكلم و لا كلمة، الأصل في الأشياء الإباحة، إذا دعاك أحدهم هل أنت مالك حلال؟ ماذا تعمل؟ و كيف تبيع و تشتري؟ هذا ورع الموسوسين قال تعالى:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[ سورة البقرة ]
هذا شيء ما كلفنا الله به. أنواع الشبهات :
1 - ما ثبت أنه حلال و لكن يمكن أن يغير إلى حرام و لكن ليس هناك سبب يؤكده :
قال: يلحق بالحلال المطلق ما ثبت أنه حلال، و لكن يمكن أن يغير إلى حرام، و لكن ليس هناك سبب يؤكده إطلاقاً، قال: و هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر، إذاً أصبح هناك فرق بين ماء المطر و السمكة، ماء المطر حلال مطلق لا يمكن أن يغير إلى حرام، أما السمكة فنظرياً يمكن أن يكون قد اصطادها إنسان قبلك، و أفلتت منه، صار عندنا حلال مطلق، و ملحق بالحلال المطلق هذا ورع الموسوسين، أما لو دل عليه دليل فمثل أن يجد في الظبية جرحاً لا يقدر عليه، صاد ظبية فإذا بها جرح بليغ من صياد آخر، صار الآن دليل إذاً هذه شبهة، قال: و حدّ الشبهة ما تعارض فيه اعتقادان صدرا عن شيئين متناقضين، إذا خيرت إنساناً مثلاً بين سيارة و بين دراجة، ليس من المعقول أن يفكر، نريد أن نقدم لك هدية تحب دراجة أم سيارة؟ اترك لي إياها لغد، لا يقول هذا، فالشبهة بين شيئين متوازنين، الإنسان يقع بحيرة بين زوجته ووالدته مصدرين مهمين في الحياة، الأم لها مكانة و الزوجة لها مكانة، فإذا حصل بينهما تصادم الأمر أصبح مقلقاً، لكن من غير المعقول إنسان يوازن بين شيء ثمين و شيء غث، هذا الشبهة مشكلتها أنها من جهة حلال و من جهة حرام، أي يوجد أدلة تؤكد أنها حلال، و يوجد أدلة تؤكد أنها حرام، فعندما صار السببان المحلل و المحرم متوازيين أصبح الأمر يدعو للتساؤل، هذا تعريف الشبهة، فالشبهة ما تعارض فيها اعتقادان صدرا عن شيئين متناقضين، و مثالات الشبهة كثيرة أهمها: الشك في السبب المحلل أو المحرم، و ينقسم هذا السبب إلى أربعة أنواع: أن يكون الحل معلوماً من قبل - الحلال معلوم - ثم يقع الشك في سبب الحل، مثلاً أن يرى صيداً فيجرحه فيقع في الماء فيراه ميتاً و لا يدري أمات بالغرق أم بالجرح؟ إن مات بالجرح حلال و إن مات بالغرق حرام لأنه أصبح مخنوقاً، الأصل أن الصيد حلال لكن موضوع الصيد دقيق، أي هذا العصفور الذي يصطاده الصياد لغير مأكلة يأتي يوم القيامة و له دوي كدوي النحل يقول: يا رب سله لمَ قتلني؟ إذا قلت إن الصيد حلال بمعنى أنك إذا كنت مسافراً، و نفذ طعامك و شرابك، و كدت تموت جوعاً، الإنسان من أكرم المخلوقات، له أن يصطاد طائراً فيأكله، الصيد بقصد الأكل خوف الجوع، أو خوف الموت، هذا هو الصيد الحلال، هناك أحاديث كثيرة و آيات لا مجال الآن لتفصيلها، أما هواية الصيد أن تخرج إلى البادية لتفجع الحيوانات، لتقتلها، لا لمأكلة، و لكن بدافع التسلية، فهذا الصيد حرام لأنه عملية إزهاق أرواح، لغير مأكلة، و هناك أحاديث كثيرة من اصطاد لغير مأكلة، كلمة لغير مأكلة علة كبيرة تجعل الحلال حراماً، على كلٍّ من رأى ظبية فجرحها ثم وقعت في الماء فرآها ميتة هل يا ترى ماتت لسبب هذا الجرح؟ إذاً حلال، أم ماتت بسبب الغرق؟ حرام، هذا أول نوع الأصل أنها حلال لكن السبب المحلل دخل فيه الشك، الصيد حلال، طريقة الموت غرقاً حرام، موتاً بجرح حلال، وقعت في الماء رأيتها ميتة هذه أحد أنواع الشبهات، فقيل هذا النوع يجب اجتنابه و يحرم الإقدام عليه.
2 ـ أن يعرف الحِل و يشك في المحرم :
النوع الثاني: أن يعرف الحِل و يشك في المحرم، شيء حلال و لكن قد يأتيه سبب يجعله حراماً، هذا السبب ليس قطعياً عنده، شك في السبب فالأصل هو الحِل، لو طار طائر فقال رجل: إن كان هذا غراباً فامرأته طالق، و قال آخر: وإن لم يكن غراباً فامرأته طالق، ثم التبس الأمر، الرجلان ما عرفا أن هذا غراب أم ليس غراباً؟ فنقول: الأصل أن هذه زوجة، و أن هذا السبب الآخر سبب غير كاف للطلاق، الزوجة حلال الإنسان، و الطائر شككنا بكونه هل هو غراب أم ليس غراباً، لكن يا ترى هل هذا المثل واقعي؟ أي من المعقول مسلم يعلق مصيره مع زوجته على غراب أم ليس غراب، هذا من سخف بعض الناس، أي إنسان يربط مصير سعادته الزوجية بمشكلة خارج بيته إنسان سخيف، لذلك بعض العلماء اضطروا أن يفتوا أنه إن لم تكن الزوجة موضوعاً للطلاق، إن لم تكن الزوجة طرفاً في يمين الطلاق، و كان الزوج يكره فراقها كفراق دينه فهذا الطلاق لا يقع، بعض العلماء أفتوا هذه الفتوى، و أخذت بها بعض المحاكم أو معظم المحاكم، زوجة جالسة بالبيت مسلمة، محجبة، مصلية، صائمة، تخدم زوجها بإخلاص، ترعى أولادها، تنظف بيتها، تطبخ طعامها، زوجها و هو في السوق تشاجر مع إنسان فحلف يمين طلاق فحنث بيمينه فهي طالق؟ بعض العلماء اضطر أن ليس هذا يمين طلاق لأن هذه الزوجة ليست طرفاً في هذا الموضوع إطلاقاً، ليست مذنبة، زوج أحمق، زوج أرعن اختلف مع صديقه، مع جاره، مع شارٍ، فحلف بالطلاق، كيف يجوز لهذه المرأة المسكينة المستقيمة أن يقول لها اذهبي إلى بيت أهلك فأنت طالق؟ أي هذا المثل غير مقبول، سبب المحرم مشكوك فيه.
3 ـ أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب فهو مشكوك فيه :
النوع الثالث: أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب فهو مشكوك فيه، أن يرمي إلى صيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً وليس عليه أثر سوى سهمه، رمى ظبية بسهم فغابت عنه تبعها فرآها ميتة، أغلب الظن أنها ماتت بسبب سهمه، هو ولم يجد سهماً آخر، الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل وهو أنها ماتت.
4 ـ أن يكون الحِل معلوماً و يغلب على الظن أنه طرأ المحرم :
النوع الرابع: أي احتمال من دون دليل صار وسوسة، رجل دخل للبيت لعل رجلاً دخل بغيابنا؟ لا حول و لا قوة إلا بالله إذاً ما هو الدليل؟ لا يوجد دليل، هل وجدت مصباحاً مضيئاً و أنت قبل أن تذهب أطفأت جميع المصابيح؟ لا، البراد مفتوح؟ لا، خزانتك ملعوب بها؟ لا، هذا مكانه في مستشفى الأمراض العقلية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/05.jpg
إذا لم يكن هناك دليل على الاحتمال صار هذا وسوسة، أن يكون الحِل معلوماً و لكن يغلب على الظن أنه طرأ المحرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعاً، الأساس أنه حلال لكن طرأ عليه شيء يغلب عليه الظن أنه حرام فصار هناك حرمة، لم تعرف أنت أن هذا الإناء فيه نجاسة، لكن بدا لك بعض الأدلة على أن هذا نجاسة، تغير لونه، أو طعمه، أو تغير فيه شيء، فهذا أيضاً وجب الترك.
هذه أربعة أنواع، النوع الأول: أن يكون الحِل معلوماً ثم يقع الشك في المحلل، و النوع الثاني: أن يكون الحِل ثابتاً و يشك بالمحرم، و الثالث: أن يكون الأصل التحريم و لكن طرأ ما يوجب التحليل، و الرابع: أن يكون الحِل معلوماً و يغلب على الظن أنه طرأ المحرم، و في درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى نوع آخر من أنواع الشبهات، و هو اختلاط الحلال بالحرام، درس اليوم سبب التحريم و التحليل، عندنا سبب محلل و سبب محرم، قد يكون المحلل سابقاً والمحرم سابقاً، المحلل سابق و المحرم مشكوك فيه ضعيف، المحرم سابق و المحلل دليله ضعيف، هذا كله توضح في هذا الدرس إن شاء الله ، الدرس القادم ننتقل لموضوع آخر و هو اختلاط الحلال بالحرام.
* * *
بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ حكمته صلى الله عليه و سلم :
و الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كنا قد وصلنا إلى نصوص أُثرت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تصف شمائله الكريمة وصفاً مباشراً، بدأنا في الدرس الماضي بوصف هيئته الشريفة، وقد لخصها سيدنا حسان بن ثابت في بيتين من الشعر:
وأحسن منك لم ترَ قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عــيب كأنك خلقت كما تشـــاء
***
سبحان الله! الإنسان يجمع بعض المحاسن، أما أن يجمع المحاسن كلها من جمال الهيئة إلى جمال الخلق، إلى الشجاعة، إلى البأس، إلى الحلم، إلى الرحمة، إلى العلم، إلى الخبرة، إلى فن القيادة، إلى الأبوة المثالية، إلى الأخوة الصادقة، إلى السياسة الحكيمة، أي لا أنسى حينما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في بعض المعارك على أناس ضعيفي الإيمان تأليفاً لقلوبهم، الذي لم ينالهم نصيب من الغنائم حزنوا وغضبوا، وجاء زعيمهم سيدنا سعد بن عبادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ - الملخص حزنوا منك - لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟- أي أنت ناقل أم أنت معهم غضبان؟ هذه منتهى السياسة، الذي نقل لك الخبر هو حيادي أم انضم إليهم؟- قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي - أي أنا حزين أيضاً- وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ - بماذا بدأ صلى الله عليه وسلم؟ ما بدأ بفضله عليهم بدأ بفضلهم عليه، خجلهم- قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ - أنتم صادقون إن قلتم هذا للناس الناس يصدقونكم، خجلوا- وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ -أي إذا عندك ابن غال عليك أحسنت إليه إحساناً منقطع النظير، وعندك برتقال قدمته للضيف ولم تطعمه، يجب ألا يتكلم ابنك- أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا ))
[ الدارمي عن أبي سعيد الخدري ]
قال هذه قمة السياسة الحكيمة، أي امتص النقمة وطيب خاطرهم وأنهى الفتنة بكلمات رقيقة. حكمة أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم :
سيدنا معاوية جاءته رسالة من عبد الله بن الزبير قال له: أما بعد فيا معاوية - باسمه - إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن والسلام، خليفة المسلمين يحكم عشرة أقطار من أقطار هذه الأيام، تأتيه رسالة من مواطن، أما بعد: فيا معاوية، وكان أمامه ابنه يزيد فقال له: اقرأ يا يزيد، فاضطرب يزيد وقال: أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك، أي جيش طوله من المدينة إلى الشام يأتوك برأسه، فتبسم معاوية وقال: غير ذلك أولى، أمر الكاتب أن يكتب فقال اكتب: أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله -الزبير حواري رسول الله وهذا ابنه- قال له: أما بعد فيا معاوية، ماذا قال له معاوية؟ أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، فتلقى الجواب: أما بعد فيا أمير المؤمنين، أول رسالة فيا معاوية، الرسالة الثانية فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، فقال لابنه يزيد تعال واقرأ، تريد أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه؟ ثم قال: يا بني! من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز عن أخطاء الآخرين استمال إليه القلوب.
2 ـ منطقه صلى الله عليه و سلم :
هذا مثل من حكمته أما منطقه صلى الله عليه وسلم، فقال الحسن رضي الله عنه: فقلت صف لي منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان رسول الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، أحياناً ترى الابن يضحك والأم حزينة، يكون هناك ابن ثان مسافر جاءت رسالة أنه مريض الابن فرحان والأم حزينة، قلب الأم كبير يسع كل الأولاد، أما هذا الطفل الفرحان لا يوجد عنده همّ، أخوه مريض ماذا يفعل له؟ هذه يقولها الأخ، أما الأم فلا تقول هذا، يخيم عليها الحزن، من شدة رأفته صلى الله عليه وسلم، من شدة رحمته بأمته، كان إذا رأى أن أمته هالكة كان دائم الأحزان، كان دائم الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، مثل معظم الناس إذا أكل وأحب أن ينام لا أحد يوقظه، وإذا سهر لا أحد يزعجه، وإن دخل إلى غرفته لا أحد يطرق بابه، وإن ذهب إلى نزهة لا أحد يعكره، أي همه الأوحد السرور، هذا ليس من صفات المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل عندما بعث به إلى اليمن:
(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))
[ أحمد عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/06.jpg
حتى لا تأخذوا الحديث على ظاهره، الله عز وجل قد ينعم على عبد ولكن التنعم ليس مقصوداً لذاته، أن يجلس الإنسان ليتنعم هذا ما عرف مهمته في الدنيا، قد يتنزه، أما أن يجعل النعيم هدفاً له كبيراً ولا هدف له سوى النعيم فهذا لا يعرف الله سبحانه وتعالى، لأن المؤمنين كما قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
[ سورة السجدة ]
المضجع ليس السرير فقط لا يركن للدنيا، لا لمالها، ولا لنسائها ولا للذاتها، ولا لوجهتها، لا يركن إلا لرضاء الله عز وجل على كل حال، يوجد عندنا هذه النقطة الدقيقة يمكن أن تفحص نفسك بها، ما الذي يحزنك أن تفوتك الدنيا أم أن تفوتك مرضاة الله عز وجل؟ يوجد شخص لو قصر في عبادته، لو قصر في حضور مجلس علم، لو عصى لا يبالي، لكن إذا بيعة فضت يقول لك: والله كانت هذه البيعة مربحة، لا حول ولا قوة إلا بالله، يتألم تماماً، بيت ذهب منه شراؤه أجرى عقداً فقلب صاحب البيت يتألم كثيراً، قل لي ما الذي يحزنك أقل لك من أنت، المؤمن يحزن أن يقع في معصية، وأهل الدنيا يحزنون إذا فاتهم شيء من الدنيا.
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي.
"عجبت لثلاث -كما قال سيدنا عمر- عجبت لمؤمل والموت يطلبه- يكسي بيت ملأ الدنيا ضجيجاً، احتار هل يجعل الشوفاج تمديداً أرضياً أم مكشوفاً؟ بقي شهرين متردداً، بعد هذا تمّ القرار أنه سوف يعمله أرضياً، وبعد عشرين سنة إذا صار خلل لا يكسر البلاط يجري تمديداً ثانياً مكشوفاً، بعد عشرين سنة، أمده طويل- عجبت لمؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أم راض". 3 ـ كان صلى الله عليه و سلم طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة :
طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، قال: تكلم إذا اشتهيت أن تسكت، واسكت إذا اشتهيت أن تتكلم، من أدق المقاييس يتكلمون على فلان قالوا قصتين أو ثلاث مخزية، أنت عندك قصة أفظع من هؤلاء اشتهيت أن تتكلم ولا يوجد حاجة أن تتكلم اسكت، اشتهيت أن تتكلم فاسكت، إذا سألك إنسان عن آية والآية تحتاج إلى تفصيلات كثيرة ولا يوجد عندك وقت وسألك كأنك شمرت وقلت: يا رب وأنت متعب اشتهيت أن تسكت فتكلم، اشتهيت الكلام فاسكت.
لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه ببسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل لا فضول فيه، لا يوجد فيه كلمة زائدة، أي خذ كلام الناس تسعة أعشاره كلام فارغ ليس له معنى، تمضية وقت، كلام يلقيه الناس على عواهنهم إما غيبة أو نميمة، إما وصف للدنيا، أو وصف نزهاتهم.
قال له: هل قابلته؟ قال: قابلته وقفت على الباب ثم دخلت، وأحضر لي قهوة، كله كلام فارغ، ماذا قال لك في نهاية الحديث ربع ساعة حتى دخل إلى عنده... يوجد شخص كلامه فصل أي لا يوجد عنده كلام حشو، النبي الكريم كان كلامه فصل لا فضول فيه ولا تقصير، أحياناً تجر الزوجة من زوجها الكلام جراً، هل دعوك إلى الطعام؟ ماذا وضعوا لك؟ يقول طعاماً، ماذا تحدثتم؟ لم نتحدث شيئاً، تجر الكلمة منه جراً، وهذا تقصير، لا فضول ولا تقصير صلى الله عليه وسلم.
لذلك يؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: "نضر الله وجه من أوجز في كلامه، واقتصر على حاجته".
أحياناً يقول لك قصة لا علاقة لك فيها، أي شيء لا يهمك أنت بل يهمه هو، تفصيلات سخيفة، يضيع لك وقتك ولا يوجد داع له، كلام مختصر مفيد، دخل أحد الشعراء على أحد الملوك، قال الشاعر للملك: إنّ، قال الملك للشاعر: و، انتهت المقابلة ما فهم القاعدون شيئاً، فسألوا: ماذا قلت له وماذا قال لك؟ قال: قلت له: إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها، وقال لي: والشعراء يتبعهم الغاوون.
ولكن أحياناً يكون الإيجاز مخلاً، إنسان ترك وصية قال: فلان له عليّ ألف درهم ونصف، اضطر القاضي أن يحيل هذه القضية إلى أحد علماء النحو حتى يعرب الضمير، يا ترى ألف وخمسمئة أم ألف ونصف درهم؟ هذه الهاء تعود على الألف أي ألف وخمسمئة؟ أم تعود على الدرهم ألف ونصف درهم؟ هذا اسمه إيجاز مخل، البلاغة بين الإطناب الممل وبين الإيجاز المخل.
4 ـ كان يُعظّم النعمة وإن دقت :
ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، الآن تدخل إلى عند رجل بيته ملك، وسيارته على الباب، ويأكل ألذ الطعام، ويلبس، وأولاده بصحة جيدة، يشكي الهم، والفقر، يقول: لا يوجد سوق، السوق مسموم، لا نبيع ولا نشتري، كل هذه النعم لا تشاهدها، هذا من كفر نعمة الله، قل: الحمد لله رب العالمين.
يعظم النعمة وإن دقت، ما عاب طعاماً قط، دعي إلى خل وخبز فقال عليه الصلاة والسلام:
(( نعم الإدام الخل))
[ أبو داود عن جابر]
و قال أيضاً: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[ أحمد عن أبي هريرة ]
مقادم، وليس مقادم في المدينة لو دعي إلى خارج المدينة، مثل الشام والمخيم، إنسان دعاك وقال: تعال إلى المخيم أنت مدعو، أول باص وثاني باص ثم قدم لك مقادم، ليس أنت بل سيد الخلق.
ما هذا التواضع؟ دعاك معنى هذا أنه يحبك، أكبر دعوة ليس الطعام هو نفسه، أنت أجب لمحبته وليس للطعام، يعظم النعمة مهما دقت، غير أنه لم يذم ذواقاً ولا يمدحه، ما عاب طعاماً قط إن أحبه أكله، وإن لم يحبه لم يأكله، أهو حرام؟ قال: لا بل تعافه نفسي. 5 ـ لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها :
لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، إذا إنسان تجاوز الحق كان يغضب غضباً شديداً ولا يغضب لنفسه أبداً، مثلاً ترى الزوج خرجت زوجته على الشرفة تنشر الغسيل لباسها غير جيد، أما الطعام ما كان جاهزاً فيقيم القيامة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4948/ar-4948/07.jpg
هذا الزوج يغضب لنفسه ولا يغضب للحق، أما الزوج المؤمن إذا حصل في البيت مخالفة للشرع فيقيم القيامة أما إذا قصروا بحقه فيتساهل.
مرّ معي حديث دقيق جداً:
(( لا يكون الرجل قيم أهله حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس ))
[ كنز العمال عن علي]
عنده قميصان الأول سكري والثاني أبيض، عنده بدلة طحيني طبعاً السكري أجمل يتناسب مع البدلة أكثر من الأبيض، وجد السكري غير مكوي غضب، عندما غضب لسبب دنيوي قلّت مكانته، أما إذا تجاوز عن هذا التقصير وغضب لله إذا انتهك أحد محارمه فساعتئذٍ يكون هذا الغضب لله.
فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كله وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها وضرب راحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، إذا تحدث وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه تواضعاً لله عز وجل، جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حَبِّ الغمام، أي أسنان بيضاء ناصعة.
الآن رجل بالعشرينات أسنانه محشاة، ومركب جسرين الأول ذهب والثاني معدن، ثم يضع بدلة، إذا فرح غض طرفه تواضعاً لله عز وجل، جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حَبِّ الغمام، وإن شاء الله نتابع في درس قادم شمائله صلى الله عليه وسلم.

السعيد
09-19-2018, 02:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : حكمة القرض و حكمة الشرعى








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القرض :
أيها الأخوة الكرام، كما أنه منذ حين تحدثنا عن موضوع تشتد الحاجة إلى بحثه ألا وهو موضوع الغيبة، واليوم ندخل في موضوع تشتد الحاجة إليه ألا وهو القرض، فلعل من أوسع نشاطات الناس فيما بينهم قضية القرض، وينشأ عن القرض مشكلات كثيرة بعضها يرجع إلى الجهل بأحكام القرض، وبعضها يرجع إلى سوء النية في الاقتراض والإقراض، و لأن موضوع القرض من أدق الموضوعات الفقهية، ولأنه لا يخلو إنسان من أن يقرض أو أن يستقرض وكلاهما له مضاعفات وله عطاءات، فلذلك ورد في صحيح ابن ماجة:
(( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
أنا فيما أرى تشتد الحاجة إلى القرض أضعاف ما تشتد الحاجة إلى الصدقة، لأن قلة قليلةً جداً يمكن أن تأخذ الصدقة، لكن القرض كل إنسان يحتاج إليه، فإذا نظم وعرف أحكامه الدقيقة وأشير إلى بواعثه الدقيقة كان القرض نفعاً للمسلمين، نفعاً للمقرض ونفعاً للمقترض. أيّ عمل صالح تقدمه لمؤمن هو قرض لله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، يكفينا أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[سورة البقرة: 245]
والعلماء قالوا إن أي عمل صالح تقدمه لأخ لك في الله، إنما هو في حقيقته قرض لله عز وجل، أنت حينما تخدم أخاك، حينما تعينه، حينما تأخذ بيده، حينما تفرج كربه، حينما تيسر عليه أمره، إنما تقرض الله قرضاً حسناً، وإذا أقرضت الله ماذا تنتظر من الله؟ أن يضاعفه لك أضعافاً كثيرة، والله يقبض ويبسط، لو لم يكن في القرآن كله إلا هذه الآية المتعلقة بقرض المال وبأوسع من القرض لكفت.
هذا من حيث المقرض. من أخذ أَموال النَّاس يريد أَداءها أَدَّى اللَّه عنه :
أما المقترض فيقول عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
أيها الأخوة: والله لهذا الحديث الشريف كلمة واحدة، لو عليك مئة ألف مليون، الله عز وجل لا يريد منك إلا أن ترد هذا المال، إذا انعقدت نيتك على أن ترد هذا المال أدى الله عنك، يسر أمرك، حلّ العسير، سهّل البعيد، أزال العقبات لمجرد أن تنعقد نيتك على رد هذا القرض: (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا .. ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
لعلكم تتوهمون لو أن النبي يقول أتلفها الله، قال: (( .... أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
نظام الزكاة وحده يكفل توزيع الأموال توزيعاً عادلاً :
لسيدنا علي كرم الله وجهه قول رائع يقول: "لئن كان هناك فقير فبظلم من الغني" http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/02.jpg
أي كأن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغةٍ بالغة جعل الإنسان حينما يغتني، وحينما يمنع زكاة ماله، وحينما يسلك طرائق غير مشروعة في كسب المال من احتكار، إلى غش، إلى تدليس، لعل هذا المال الوفير الذي أصبح في حوزته هو مقتطع من لقمة الفقير، مثلاً لو قلنا إلى إنسان: سرْ على طريق عرضه ستين متراً، مهارته لا تبدو في القيادة لو نام يبقى على الطريق، أما لو قلنا لإنسان: سرْ على طريق عرضه كعرض مركبتك، وعلى يمينك وادٍ وعلى يسارك وادٍ، هذا الامتحان صعب لو أنك غفلت دقيقة وقعت في الوادي، نظام الحياة نظام أساسه الابتلاء، الإنسان حينما يغتني بأساليب غير مشروعة هو الذي يسبب فقراً مدقعاً، ما اتخم غني إلا بجوع فقير، لذلك سيدنا علي يقول: "لئن كان هناك فقير فبظلم من الغني".
حدثني أخ كريم قال: صدقني ولا أربعة بالمئة ولا ثلاثة بالمئة من أغنياء المسلمين يؤدون زكاة أموالهم، قلت: لو أن جميع الأغنياء أدوا زكاة أموالهم ما بقي فقير، حجم الزكاة حجم فلكي، لا يعطي الفقراء معونات، لا يؤمن لهم أعمالاً، أو موارد رزق دائمة، لا يحل مشكلة الشباب، لو لم يكن في الإسلام إلا نظام الزكاة لكفت، نظام الزكاة وحده هو الذي يكفل توزيع الأموال توزيعاً عادلاً.
آية الدَّين موجهة للمؤمنين :
ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يخاطب عامة الناس في موضوع الإقراض قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
آية الدين موجهة للمؤمنين، يوجد نقطة دقيقة جداً أحبّ أن أضعها بين أيديكم هو أن غير المؤمن لا يتحرك إلا بالمقابل، لا يتحرك حركة، لا يتكلم كلمة، لا يدخل في وساطة إلا مقابل أجر، وهذا الأجر حظه من كل أعماله، وليس له عند الله شيء، أما المؤمن فأساس حياته العطاء، القرض لا يليق إلا للمؤمن، لغير المؤمن يحسبه ويقول: يوجد تضخم نقدي بالمئة سبعة عشر، إن أقرضت مئة ألف معنى هذا أبي سأستردها سبعة وثمانين ألفاً، أو ثلاثة وثمانين ألفاً، معنى هذا أنه يوجد خسارة، طبعاً الله عز وجل قال: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
القرض عمل صالح وليس سلوكاً تجارياً :
القرض في الحقيقة عمل صالح وليس سلوكاً تجارياً، دقق الآن إذا أردت أن تقيّمه بميزان تجاري فأنت لست مؤمناً، القرض لا يقيّم بميزان تجاري، يقيّم بميزان العمل الصالح، والشيء الدقيق كما ورد عن السيد المسيح: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وأنت أيها المؤمن لست بالمال وحده تحيا، تحيا أنت برضوان الله عنك، تحيا بأعمالك الصالحة لو كان هناك تضخم نقدي الله عز وجل يضاعفه لك أضعافاً كثيرة، الله عز وجل قادر على أن يرزقك رزقاً وفيراً من حيث لا تحتسب، فإذا ضحيت بإقراض مؤمن وكان التضخم النقدي كبيراً وقد أخذت المال بعد حين أقل من قيمته الحقيقية فهذا عند الله لا يضيع، أمور التجارة والتضخم النقدي وحساب تجميد الأموال يعلمه الله عز وجل.
علاقة القرض بالمال :
أيها الأخوة، لعلكم تعجبون ما علاقة القرض بالمال؟ القرض هو القطع، قرض قطع، المقترض يقتطع من مال المقرض جزءاً يأخذه، والمقرض يقتطع من ماله جزءاً يعطيه للمقترض، فأصل القرض في اللغة اقتطاع جزء من المال من إنسان إلى إنسان، في الاصطلاح الفقهي تمليك بعض المال للغير على أن يرد مثله بعد حين.
أيها الأخوة، بعض الأئمة حاولوا التفريق بين القرض والدين، القرض شيء والدين شيء آخر، في رأي أبو هلال العسكري القرض حينما تدفع نقداً لإنسان فهذا قرض أما إذا بعت بضاعة وسجلت ثمنها على فلان فهذا هو الدين، الدين هو أثمان البضائع، أما القرض فهو النقد الذي يعطى من إنسان إلى إنسان.
على المسلم ألا يدخل مقياس الربح و الخسارة عند الإقراض :
أردت قبل كل شيء أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة، القرض عمل صالح لا يوزن بميزان التجارة، وكل إنسان إذا طلب منه قرض ودخل في حساباته سوف أجمد هذا المال سنة، وسوف أحسب لو وضعته في مشروع كان يعطي ثمانية عشر بالمئة إذا كان تفكيرك هكذا لا تقرض، أنت بعيد عن هذه الآية، لا يمكن أن تدخل مقياس الربح والخسارة و تضخم الأموال والأرباح والاستثمار إذا طلب منك أن تقرض إنساناً مبلغاً.
(( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ))
[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/03.jpg
حدثني صديق قال: جاءه شاب مقدم على زواج، ويحتاج إلى مبلغ من المال، فلما شعر أن المبلغ مؤمن قال لي: والله ما كان من هذا الشاب إلا أن بكى من شدة الفرح وخرّ لله ساجداً يشكر الله، إنسان مضطر لمبلغ من المال حتى ينجز شيئاً أساسياً في حياته، ولا يملكه، وطرق بابك وتوسم فيك الخير والصلاح وأنت لبيته، ولكن والله أيها الأخوة من أخذ أموال الناس ولم يردها، من أخذ أموال الناس وماطلهم، من أخذ أموال الناس وتجاهل أصحاب الأموال، من أخذ أموال الناس ولم يعبأ بهذا المال، والله يحاسب حساباً عسيراً لماذا؟ لأنه منع الخير، الآن كل إنسان أقرض ولم يسترد الدين، أقرض ولم يسترده يقول لك: حلفت يميناً ألا أدين، من الذي حمله على هذا اليمين؟ هؤلاء الذين ماطلوا، فالإنسان إذا عمل على تطبيق الشريعة وأحكام القرض يروج القرض، من أخذ أموال الناس شاركهم في أموالهم، من أخذ وأعطى شاركهم في أموالهم، لكن الحقيقة أدق حديث في هذا الموضع: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ))
[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
الإقراض يسجل عند الله صدقة :
أما الحديث الذي فيه بشارة:
(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]
أنا أعرف أناساً كثيرين والحمد لله، طالب علم إفريقي أنهى دراسته وهو في طريقة إلى بلده دخل إلى مكتبة، وهذه الكتب مهمة جداً سينشئ معهداً شرعياً هناك، أراد أن يشتري وسأل عن هذا الكتاب وعن هذا الكتاب، فكان هناك رجل يقف قال له: كل هذه الكتب أعطه إياها وخذ ثمنها مني، وقال له: لكم علينا حق كبير، لا أحد يعرف الآخرة لها ثمن، وهذا طالب علم أنهى دراسته وذاهب إلى بلده في إفريقيا ليؤسس معهداً شرعياً، جامع وهو في أمس الحاجة إلى هذه الكتب، ولما شعر أنه لا يملك ثمنها كلها عدّ هذا من أفضل الأعمال، وقال لي: الفاتورة ستة آلاف، وقال له: أعطه كل هذه الكتب وخذ ثمنها مني، إذا الإنسان ليس له عمل صالح، كل إنسان يوجد عنده اختصاص: أناس عندهم مال، علم، قوة، أناس عندهم جاه، خبرات، إذا الإنسان ما قدم شيئاً مما أتاه الله كيف يرقى؟ كيف يلقى الله؟
وطالب علم أيضاً حدثني سائق تكسي رأى طالباً إفريقياً آخر عليه أن يذهب إلى بيروت ليتابع أطروحته، سائق تكسي أخذه إلى بيروت وانتظره ساعات طويلة وأعاده إلى بلده مع الهدايا وقال له: ادع لنا يا أستاذ فقط، ولم يأخذ منه درهماً واحداً، مع الله تضيع هذه؟ هذا عمل طيب، طالب علم ضيف عندنا، فقير الحال، مضطر أن يسافر، إذا علم الإنسان أن الله هو المعطي والمعز عندئذٍ يقدم كل ما عنده لله عز وجل. (( عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ أُذُنَانٍ يُقْرِضُ عَلْقَمَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِهِ فَلَمَّا خَرَجَ عَطَاؤُهُ تَقَاضَاهَا مِنْهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقَضَاهُ فَكَأَنَّ عَلْقَمَةَ غَضِبَ فَمَكَثَ أَشْهُرًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِي قَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةً يَا أُمَّ عُتْبَةَ هَلُمِّي تِلْكَ الْخَرِيطَةَ الْمَخْتُومَةَ الَّتِي عِنْدَكِ فَجَاءَتْ بِهَا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدَرَاهِمُكَ الَّتِي قَضَيْتَنِي مَا حَرَّكْتُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَلِلَّهِ أَبُوكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ بِي قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْكَ، قَالَ: مَا سَمِعْتَ مِنِّي، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ أَنْبَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ))
[ابن ماجه عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ]
أي إذا أقرضت إنساناً مرتين أنت قدمت له شيئاً ثميناً، إحدى هاتين المرتين تسجل لك عند الله صدقة، إذا أخ ببحبوحة رصد مبلغاً من المال لحل مشاكل المؤمنين، يقرض ويسترد، هذا من أجلّ الأعمال، يجب أن تعلم علم اليقين من خلال هذا الحديث الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام أن الإقراض يسجل عند الله صدقة، فلك أن تقتطع شيئاً من مالك، وأن تجعله في متناول المقترضين. المؤمن سخي و عفيف :
لكن أيها الأخوة الشيء اللطيف في الإسلام بقدر ما المؤمن سخي بقدر ما الثاني عفيف، سيدنا سعد بن الربيع ماذا قال لعبد الرحمن بن عوف؟ دونك نصف مالي، هاتان الدكانان اختر إحداهما، هذان البستانان خذ أحدهما، ماذا قال له ابن عوف؟ قال له: بارك الله لك بمالك ولكن دلني على السوق.
حدثني رجل ممن يعتني بسيرة أصحاب رسول الله: من خلال مطالعاتي كلها ما ثبت عندي أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً مع أن كل الأنصار بذلوا نصف أموالهم، إذا إنسان رغب أن يفعل خيراً يجب ألا يستغل.
((عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردا، ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما ))
[ المهذب عن أبي الدرداء رضي الله عنه]
هذه نقطة مهمة جداً، أي إذا أنت رصدت مبلغاً من المال وليكن مبلغاً رمزياً أقرضته مرة، مرتين، ثلاث، أربع، خمس، قال: أحبّ إليّ من أن أتصدق بهما، كيف؟ إذا معك عشرة آلاف تصدقت بها انتفع بها واحد، أما لو دورتها بين عشرة انتفع بها عشرة، فلان انتفع بها ردها لك، ثم أعطيتها لفلان ردها إليك، أعطيتها لفلان، ولكن هذا النظام وهذا التوجيه يحتاج إلى مؤمنين من أعلى درجات العفة، من أعلى درجات الغيرة، من أعلى درجات الحرص، الذي يمنع الماعون إنسان يعطل الخير.
مرة قلت لكم: رجل في الصحراء يمتطي حصاناً رأى رجلاً في الحر اللاهب ينتعل رمال الصحراء المحرقة، دعاه إلى ركوب الخيل وإذا هذا الرجل أحد لصوص الصحراء ما إن اعتلى الخيل حتى دفع صاحب الخيل إلى الأرض وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: لقد وهبت لك هذه الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فإذا شاع هذا الخبر تذهب منها المروءة، وبذهاب مروءتها يذهب أجمل ما فيها. الحياة جميلة بالتعاون :
الحياة جميلة بالتعاون، حدثني أخ بمثل دقيق جداً قال: لو أتينا بمسمار وأدخلناه في لوح خشبي، وجئنا بالأوكسجين وسلطناه عليه خلال نصف دقيقة يذوب- معروف عندكم لحام الأوكسجين- لماذا؟ لأن الحرارة التي أخذها المسمار وزعها على اللوح، أخذ و وزع، هذا المثل دقيق، أنت كمؤمن مع المؤمنين مهما كان عليك شدة تتوزع، أما إذا لم يكن هناك تعاون، المجتمع المنحرف، المجتمع المادي، المجتمع الكافر، أساسه أفراد ليس أساسه تعاوناً، تأتي المصيبة على الرجل تسحقه سحقاً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/04.jpg
أما مجتمع المؤمنين فلست وحدك في الحياة، أنا والله أعرف عشرات بل مئات القصص، يوم الجمعة حدثتكم عن صندوق العافية، لي يومان أو ثلاثة وأنا في أعلى درجات السرور، صار شيء من الوعد إنسان يحتاج إلى عملية بخمسمئة ألف، مبلغ كبير جداً فوق طاقة الناس، إن قضى بعِلته يأثم جميع المسلمين وإذا كلفنا جهة فوق طاقتها هذه العملية، الآن والحمد لله يمكن أن يجبى من المساجد كل أسبوع لصندوق العافية، وهذا المريض يفحصه أطباء من أعلى مستوى، ويقررون إذا تعالج مرضه في القطر، أو خارج القطر، والمبلغ مغطى، هذا تكافل اجتماعي، أي الفقير يجب أن يعالج بأعلى درجة، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة المائدة : 2 ]
و قال عليه الصلاة و السلام: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمٍ؟ قَالُوا: وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِمَعْنَاهُ قَالَ عِرْضِي لِمَنْ شَتَمَنِي))
[أبو داود عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَجْلانَ]
لا يملك شيئاً، أفقر صحابي كان إذا خرج من بيته يقول: "اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك"، أي إذا رجل تكلم عليه كلاماً غير صحيح أنا مسامحه وسأقرضه بحقي، وأنا لي حق بمطالبته في الذي تكلمه عني ظلماً، إني أقرضت للمسلمين عرضي، وقد روي عن ابن عمر أنه قال: "أقرض من عرضك ليوم فقرك"، أي من سبك فلا تأخذ منه حقاً ولا تقم عليه حداً حتى تأتي يوم القيامة موفور الأجر. عدم الاقتراض إلا ممن يملك التصرف :
أخواننا الكرام، من البديهيات أنه لا يصح أن تقترض إلا ممن يملك التصرف http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/05.jpg
إذا إنسان سفيه أو صغير هذا إقراضه باطل، ويحرم أن تستعين بالقرض على معصية، إنسانة تتقاضى من جمعية خيرية مبلغاً كل شهر، فوجئ من يعطيها هذا المبلغ أنها ركبت صحناً بثلاثة وثلاثين ألفاً، فلما طالبوها أن كيف هذا؟ فقالت: والله بالدين أخذته، هذه وقعت في وقت قريب، جمعية خيرية وهي تتقاضى ثلاثة آلاف في الشهر، فلما سألوها عن هذا الصحن قالت لهم: بالدين أخذته، هذا القرض ليس له أجر طبعاً.
من هو آكل السحت؟ قال: هو الذي يستقرض مالاً وفي نيته ألا يؤديه، لذلك ورد أنه من تزوج امرأة على صداقٍ وفي نيته ألا يؤديه لها لقي الله زان، ومن أخذ مال وفي نيته ألا يؤديه لقي الله سارقاً، روي عن السيدة عائشة أنها كانت تستدين فقيل لها: مالكِ وللدين؟ فقالت:
((عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هَمَّهُ قَضَاؤُهُ أَوْ هَمَّ بِقَضَائِهِ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَارِسٌ ))
[أحمد عن عَائِشَةَ]
وأنا ألتمس من الله ذلك العون. من نوى قضاء دينه تولى الله عنه ردّه :
أخ من مدة أقرض أخاً، وهذا الأخ صار معه شيء قاهر، ففقد كل أمواله، والمبلغ ضخم، فهذا الأخ الثاني صادق، ولكنه والله لا يملك شيئاً، ولا مصروف يومه، والمبلغ المقترض كبير، والذي أقرض هذا المبلغ لا يملك غيره، وقعت مشكلة، حدّثت المقترض قلت له: انظر الله عز وجل لا يطالبك إلا بشيء واحد أن تنوي أداء هذا الدين، وتأثر تأثراً كبيراً، وبعد عدة شهور فاجأني أن الله عز وجل رغم الأزمة المستحكمة في البيع والشراء، وكساد البضاعة، وبرود الأسواق، الله يسر له طريقة من طرق البيع، يوجد تجار كبار أعطوه بضاعة ولم يأخذوا ثمنها، بضاعة جيدة باعها نقداً، واستطاع خلال ثمانية أشهر أن يرد هذا المبلغ الضخم، أنا الذي استفدته أن هذا قول النبي لا ينطق عن الهوى، لا تملك إلا أن تنوي قضاء هذا الدين، وعندئذ يتولى الله عنك أن يرده: " تعرضوا للرزق فإن غلب أحدكم فليستدن "، قبل أن تفكر بالدين تحرك حركة في طلب الرزق.
عن ابن عمر أنه كان يزكي مال اليتيم، ويستقرض منه، ويدفعه مضاربةً، إذا زكاه ذهب عنه شره، وإذا استقرض منه كان الله في عون هذا اليتيم، ويدفعه مضاربةً لئلا تأكله الزكاة.
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ لِخَازِنِهِ اذْهَبْ فَخُذْ لِي بِدَيْنٍ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ لَيْلَةً إِلا وَاللَّهُ مَعِي بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ]
إنسان عليه دين وفي نيته أن يؤدي هذا الدين الله معه بالتوفيق، والنصر، والحفظ. الاستقراض يكون لأشياء أساسية فقط :
إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَلافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ فَأَفْلَسَ فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجَّ أَلا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ ))
[مالك عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَلافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ]
كيف نوفق بين هذه الأحاديث؟ إياكم والدين أي أن تستدين لشيء ثانوي، شيء ليس أساسياً، أما يوجد عمليات جراحية، تأمين وقود، أحياناً لا يوجد عندك وقود، عندك برد شديد، أحياناً تأمين طعام، جدار انهدم، أن تستقرض لأشياء أساسية لا يوجد مانع أما أن تستقرض لأشياء ثانوية فلا. (( عن سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَسَأَلاهُ فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا فَأَمَّا الأقْرَعُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ فَلَفَّهُ فِي عِمَامَتِهِ وَانْطَلَقَ وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرَانِي حَامِلاً إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لا أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ ))
[أبو داود عن سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ]
حكم الاقتراض :
أيها الأخوة، الإقراض مندوب، الاقتراض مباح، إلا أن هذه الإباحة تتبدل من حرمة إلى فرض إلى كراهية إلى إباحةٍ، فلو أن الإنسان استقرض ليفعل معصية فهذا القرض حرام، استقرض ليجري عملية لابنه هذا القرض فرض، لا أملك ماذا أفعل؟ ابنك يحتاج إلى عملية، أنت الشرع يأمرك أن تقترض قرضاً واجباً، فرض، إذا كان هناك عملية ولم تجر يتفاقم الأمر فالقرض واجب، إذا كاد الإنسان أن يموت من البرد، وعند طفل رضيع ولد حديثاً، والحرارة خمس تحت الصفر، ولا يوجد عنده وقود سائل، ولا يملك فعليه أن يقترض، يوجد حالات معينة يجب أن تستقرض والله يوفي عنك، موضوع خطر، عملية برد شديد، هذا القرض واجب، والقرض الحرام أن تستقرض بمعصية، أما إذا شيء غير أساسي صار شيئاً مكروهاً، أما الشيء الأساسي وعندك ما يغطيك صار مباحاً، فالقرض يتراوح بين الواجب والفرضية والحرمة والإباحة وبين الكراهة.
أخواننا الكرام، الحاجة مرض عضال، أو عملية جراحية، أو نفقة ضرورية لا تقوم الحياة إلا بها، لذلك الذي عليه دين الفقهاء حرموا عليه أن يأكل فاكهتين أو لونين من الطعام، أنت عليك دين ولو علم الدائن أنك تأكل وتشرب كما يشتهي يتألم ألماً شديداً، وللنبي قول دقيق: "لا أشتري حاجةً لا أملك ثمنها". ما المقصود بذلك؟ الأشياء الثانوية، الترف الكماليات.
من استقرض ينبغي أن يؤدي دينه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/06.jpg
هناك أمر دقيق جداً في الدين، الإنسان إذا استقرض ينبغي أن يتيقن أنه بإمكانه أن يؤدي هذا الدين، يوجد عنده مال مجمد، دكان، بيت لم يبع معه، سجادة، له حساب مع شخص، أما أنه يستقرض مبلغاً ضخماً، ويقول لك: أريد خمسمئة ألف وكل شهر أدفع لك ألفاً من يعطيك؟ هذا كلام غير معقول، لماذا تريد هذا المبلغ؟ أريد أن أعمل مشروعاً و أشتغل، أدخل معك شريكاً، لا يريد قرضاً، هذا الكلام غير معقول، والله أسمع كلاماً غريباً جداً، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
تثبيت الدَّين بكتابة أو رهن :
إذا إنسان لم يكتب، يوجد مشكلة، يموت الإنسان فجأةً، أنت دينته ثلاثمئة ألف، طرقت باب الورثة هل يوجد معك وصل؟ لا، ليس لك عندهم شيء، سؤال لو كنت مكانهم هل تعطي كل إنسان على دعواه؟ من يومين يوجد مشكلة توفي شخص فجأةً جاء رجل معه وصل بمئتي ألف، والثاني قال: لي معه ثمانمئة ألف ولكن لا يوجد وصل، هل هذا معقول؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5797/ar-5797/07.jpg
يوجد احتمالان؛ أن تكون فعلاً أعطيته ثمانمئة ألف ولكن لم تأخذ وصلاً منه، الورثة هل من الممكن أن يعطوا كل مدع دعواه؟ لا ليسوا مكلفين، إذا ما دفعوا ليسوا مكلفين، إذا ما دفعوا معنى هذا أن أباهم المتوفى أكل مالاً حراماً، ولو أعطوه ولم يكن قد أعطاه آباهم أطعموا المعطى مالاً حراماً، يوجد مشكلة أحدهم ظالم إما المتوفي أو المدعي، إذا لا يوجد ورقة يوجد مشكلة، دائماً يقول لك: أنا واثق منه إذا كان حياً وإذا مات؟ لم يكن الموضوع موضوع ثقة، موضوع حقوق، لم يكلف الوريث أن يدفع ديون والده شفهياً.
يوجد طرفة بالقرض، قال: استقرض من الأصمعي خليل له- صديقه - فقال: حباً وكرامة ولكن سكن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، وهذا أحياناً شيء وارد، قطعة ذهب ثمنها مئة ألف ضمانة لا يوجد مشكلة، فقال له: يا أبا سعيد ألا تثق بي؟ قال: بلى وإن خليل الله إبراهيم كان واثقاً من ربه ولكن قال له: ليطمئن قلبي يا رب، فلذلك ممكن أن تطلب رهناً إذا شخص لا تعرفه أعطه رهناً يكافئ القرض ولا يوجد مشكلة أهم من الوصل.
بالمناسبة ممكن أن تطلب ضماناً، إيصالاً، ممكن أن تطلب رهناً، ممكن تطلب كفيلاً ضامناً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( فِي الْخُطْبَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِي))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
بالتعبير العامي، الكفيل حطاط، بالتعبير الفصيح والزعيم غارم، أنت ممكن أن تطلب إيصالاً أو رهناً أو كفيلاً. التعريف بمن أراد القرض ضروري :
آخر شيء في الدرس أن سيدنا عمر جاء لعنده من يريد أن يستقرض منه، فقال له: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، قال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال له: لا، قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائماً بالمسجد يصلي يخفض رأسه طوراً ويرفعه أخرى؟ فقال: نعم، قال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل اذهب فائتني بمن يعرفك، يوجد لهذه القصة تتمة، قال له: يا هذا أنا لا أعرفك ولا يضرك أنني لا أعرفك، قد تكون إنساناً كاملاً ولا أعرفك.
الموضوع أن التعريف ضروري، يوجد حالات فيها سذاجة، يعطيه مبلغاً يختفي الذي أخذ المبلغ، إن شاء الله تعالى في درس قادم نتابع هذا الموضوع لأن المسلمين في أمس الحاجة إليه.

السعيد
09-20-2018, 08:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : الاداء الحسن وشروط القرض





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أحكام تفصيلية في القرض :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس القرض، والقرض كما تعلمون تشتد الحاجة إليه فيما بين المسلمين، وله أحكام تفصيلية أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى معرفتها وإلى تطبيقها.
العلماء يقولون: يصح القرض في المثلي، كالمكيل والموزون، القمح يكال أو يوزن، الشيء الذي يكال أو يوزن اسمه مثلي، يمكن أن تأخذ مد قمح وأن ترده، طبعاً لا ترد العين نفسها بل ترد مثلها، كيلاً أو وزناً، إذا اقترضت مد قمح وطحنته وخبزته وأكلته عينه استهلكت، أما حينما ترد مد قمح من مثله فأنت لم ترد العين لكنك رددت المثل كيلاً أو مثلاً فالذي يمكن أن يكال أو أن يوزن يصح فيه القرض، والمعدود أيضاً المتقارب يصح فيه القرض، البيض مثلاً، حبات الجوز هذه تعد عداً، يوجد بلاد تبيع الحاجة عداً، أحياناً وزناً.
ما يصح فيه القرض :
يصح القرض في المثلي، كالمكيل، أو الموزون، أو عداً، وفيما هو زرعي من الزراعة، أن تكيله طولاً كالقماش، وجاز قرض الخبز وزناً وعداً، كله إقراض، أو أن تقرض مالاً، الشيء الذي يزن يعد، يكال، وكل شيء مثلي يصح القرض به، الخمسمئة ليرة تنفقها وتستهلكها وبعد حين قدمت خمسمئة ليرة مثلها، إذاً يصح القرض فيما هو موزون أو مكيل أو معدود إذا كان حجم المعدود متقارباً.
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا... ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/01.jpg
قد يسأل أحدكم أليس في الصحابة الكرام من هو غني يقدم للنبي كل حاجاته دون أن يلجئه إلى القرض؟ الجواب النبي صلى الله عليه مشرع لابد من أن يستقرض ليعلمنا كيف نستقرض وكيف نقرض، أحياناً يفعل النبي شيئاً لا لأنه محتاج إليه بل لأنه مشرع. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أي الإنسان حينما يقرض، أو حينما يستقرض ويؤدي، يؤدى إليه الأخذ والعطاء وفق أصول مشروعة، المجتمع الذي يفعل هذا مجتمع عند النبي مقدس، وللعوام أقول في هذا المعنى: من أخذ وأعطى شارك الناس أموالهم، العبرة أن تأخذ وأن تعطي في الوقت المحدد. الأحكام التي استنبطها العلماء من الحديث السابق :
هذا الحديث استنبط منه العلماء أحكاماً كثيرة، استنبطوا منه جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض، وعلى جواز المطالبة بالدين إذا حلّ أجله، لك أن تطالب ولا إثم عليك، لا يمنعك الحياء أن تطالب بما لك من قرض.
استنبط العلماء من هذا الحديث أحكاماً كثيرة أولاً: الأداء الحسن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدى إليه القرض ودعاه إلى الطعام، لا يوجد أجمل من إنسان أقرضك مبلغاً من المال أديته من الإحسان، مع الشكر، مع الامتنان، هذا يعين على انتشار الخير، الخير يفشو بين الناس وينكمش، يفشو إذا جازيت على الخير خيراً مثله، وينكمش إذا أسأت لمن أحسن إليك.
إنسان اتصل بي في هذا الأسبوع أقرض إنساناً مئة ألف، قرض حسن طالبه وهو مضطر أن يبيع بيته، وأن يشتري بيتاً أفضل من بيته، والفرق مئة ألف، أقرضه إلى أن يتيسر له بيع بيته، هذا الإنسان ماطله ثم ماطله ثم ماطله بقي سنوات يطالبه، آخر كلمة قالها له: عليك بالقضاء، هذا بربكم لو جاءه بعد حين إنسان آخر يستقرضه أيقرض أحداً؟ انتهى المعروف، فكل إنسان يقدم لك معروفاً ولا ترد عليه بمعروف مثله أنت ماذا تفعل؟ أنت منعت الخير، أحياناً الإنسان يشجع على الخير، ويوجد حالات ينفر من الخير، بين أن تعين وبين أن تمنع، وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الذين يمنعون الماعون، طبعاً قصة طويلة ذكرت لكم أطرافها فقط، إنسان أقرضك ثم طالبك ثم ماطلت إلى أن قسا عليه بالكلام وقال له: افعل ما بدا لك وهذا القضاء، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
بشكل أو بآخر الناس ليسوا أنبياء، إنسان عادي عمل عملاً طيباً إن قابلته بالإساءة منعته أن يفعل خيراً إلى يوم القيامة، إلا أن المؤمن لا يتأثر، المؤمن الصادق لا يتأثر بهذا الموقف، يصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصاب أهله أصاب أهله، وإن لم يصب أهله فهو أهله، هذا شأن المؤمن الصادق، لكن أنا لا أقول إن الناس جميعاً في هذا المستوى الرفيع من الإيمان، الناس يتأثرون بمواقف الآخرين.
يجوز للمُديّن أن يطالب بالدين إذا حلّ أجله :
أيها الأخوة الكرام، موضوع دقيق جداً في القرض هو أنه طبعاً يجوز أن تطالب بالدين إذا حلّ أجله.
(( ثَلاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَأَخْلاطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لا لِلْبَيْعِ ))
[ابن ماجه عَنْ صَالِحِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ]
هذه معونة من البائع إلى الشاري، أي إذا الإنسان جمع بين القمح والشعير للاستهلاك لا للبيع. ((قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ))
[البخاري عن ابن عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
عدم ثبات خيار المجلس و خيار الشرط بالقرض :
أيها الأخوة الكرام، الآن يوجد عندنا موضوع في القرض دقيق، لا يثبت بالقرض خيار المجلس ولا خيار الشرط http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/02.jpg
أنت في البيع هناك خيار المجلس، إذا عرضت على إنسان أن تبيعه شيئاً وهو في المجلس، ما دام في المجلس والمجلس واحد إلى نهاية المجلس يقول لك: اشتريت، وإذا قال لك: اشتريت لزم البيع، أما إذا غادر المجلس ولم يقبل سقط حقه في لزوم البيع، لو عاد إليك بعد حين لك أن تبيعه بسعر آخر، هذا اسمه خيار المجلس، أما خيار الشرط أنت اشتريت بيتاً بشرط أن يكون صحيفته بيضاء في السجلات العقارية، وصار ثمن وإيجاب وقبول وشاهدان، فلما طالبته بوثيقة براءة الذمة قال لك: العقار مشغول بذمة، أو مرهون بذمة، هذا اسمه خيار الشرط، فسخ العقد، أنت اشترطت أن يكون المبيع بريء الذمة من أي تعلق، قال: في القرض لا يثبت لا خيار المجلس ولا خيار الشرط، لأن المقصود من الخيار الفسخ والقرض، يجوز لكل من العاقدين أن يفسخ إذا شاء، القرض عمل صالح يجوز بأي لحظة أنا أريد مالي، لا يوجد شيء يمنعك أن تطالب بمالك بعد حين، بعد دقيقة، فسخ العقد بيد المتعاقدين دائماً فلا معنى لخيار المجلس ولا لخيار الشرط، عند جمهور الفقهاء قال: لا يشترط الأجل في القرض، فإذا أجل القرض إلى أجل مسمى معلوم لم يتأجل وكان حالاً، باعتبار أن القرض محض تبرع، فيحق للمتبرع المطالبة ببدله بالحال، وهذا بخلاف البدل في البيع.
الفرق بين القرض و الدّين :
الآن موضوع دقيق إذا بعت إنساناً حاجة على أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا قرض أم دين؟ الدين له أجل، لا يحق لمن باع حاجةً نسيئةً أن يطالب بثمنها حالاً، أما القرض فيجوز، أن تقرضه مئة ألف وتقول له بعد ساعة أريدها، هذا الفرق بين القرض والدين، إن دينته أي بعته حاجةً واشترط عليك أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا دين، الدين إلى أجل، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
أما القرض فلا يصح فيه إلا أن يكون حالاً، فإذا أجبر فمن باب الإحسان، أنت لا يحق لك أن تطالب بالدين إلا عند حلول الأجل، أما لك أن تطالب بالقرض قبل حدّ حلول الأجل، لأن الأجل غير ثابت في القرض، إلا أن الإمام مالك قال: يتأجل القرض بالتأجيل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ))
[ المستدرك عن عائشة]
موضوع الأجل في القرض موضوع خلافي، أما الأجل بالدين فثابت. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
هذا دليل على جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله وعدم تأخير الوفاء به أي التسويف. ثبات القرض بالقبض أو العقد :
الآن القرض متى يثبت؟ إنسان أقرضك مد قمح، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يثبت القرض بالقبض، فلو اقترض إنسان مد حنطة وقبضه فله الاحتفاظ به ورد مثله، وإن طلب المقرض رد العين، لما الإنسان اقترض شيئاً تملكه هذا التملك يثبت بالقرض، من باب التوضيح إنسان أقرضك مد قمح، أنت حينما سلم لك هذا المد تملكته، فلو طالبك بعد دقيقةٍ لك أن ترد مثله لا أن ترد عينه لأن القرض يثبت بالمقابضة.
عند المالكية: يثبت القرض بالعقد، اتفقنا ولو لم يقبض هذه السلعة، أو تملك هذا الإنسان هذا المبلغ فلو هلك هلك على ذمته، طبعاً هذه الموضوعات فقهية.
كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام :
أما الموضوع المتعلق بالقرض والخطير جداً والتي تنزلق فيه أقدام أناس كثيرين فموضوع القرض الذي جر منفعةً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/03.jpg
القاعدة الفقهية تقول: كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام، إلا أن هذه المنفعة ينبغي أن تكون مشروطة، فإن لم تكن مشروطةً ولا متعارفاً عليها فلا بأس بذلك، المنفعة المشروطة أو المتعارف عليها، والمتعارف كالمشروط، العرف كالشرط، أي معروف إن أقرضت إنساناً هذا المبلغ يؤديه إليك بالمئة مئة وعشرة، إذا كان معروفاً هذا القرض جرّ نفعاً فهو ربا، إذا كان معروفاً أو اشترطت رده لي بهذه القيمة فصار القرض ربوياً، كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، هذا النفع إن كان مشروطاً كان ربا، وإن كان متعارفاً عليه فهو ربا، إلا أنه إن لم يشترط وإن لم يتعارف عليه كان أداءً حسناً، هذه حكم الهدية للمقرض إن كانت بشرط كرهت تحريماً، وإن لم تكن بشرط ولا بتعارف جازت، وكانت أداءً حسناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض وأدى القرض أداءً حسناً.
تحريم الانتفاع بشيء من أموال المقترض :
الإمام مالك يرى أنه يحرم الانتفاع بشيء من أموال المقترض، قال: كأن تركب دابته، أو أن تستعير سيارته، وأن تأكل في بيته، أنت دينته مبلغاً ضخماً، الغداء عندك اليوم، وثاني يوم غداء، وثالث يوم، وأنت مرتاح تأكل عنده، فإن أكلت في بيته أو ركبت دابته فقد انتفعت بهذا القرض، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، كما تحرم الهدية، هدية المقترض لرب المال، صار عسر، قدم له هدية حتى يطيل المدة، هذه الهدية مقابل زيادة المدة صارت هذه الهدية من نوع الربا.
أن تستعمل مركبته، تأكل في بيته، أو أن تقدم له هديةً، أو أن يقدم لك هديةً من أجل أن تؤخر القرض، فهذا قرض جرّ منفعة.
حكم الزيادة في القرض و حكم الزيادة في الدين :
أما عند وفاء الدين دققوا الآن، إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز له، النبي استقرض ناقة وأدى ناقةً أكبر منها، جائز لا يوجد شرط ولا عرف، ولا هدية إلا أنه حين وفاء الدين أردت أن تدفع الدين وزيادة، هذا أداء حسن لأنه غير مشروط، طبعاً اتفقنا أنه يوجد دين ويوجد قرض في الدرس الماضي وضحت لكم هذا، الدين ما هو؟ الدين أنت بعته سلعة وسجلت عليه، وفي ذمته ثمنها، هذا دين، أما إذا أقرضته مبلغاً من المال عداً ونقداً فهذا قرض، فالزيادة في القرض لها حكم، والزيادة في الدين لها حكم.
إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز ذلك مطلقاً إذا كان الدين بسبب بيع سلعة، أما إذا كان الدين بسبب قرض سلفاً فمنع ذلك مطلقاً إن كانت الزيادة بشرط، إذا كان بشرط ربا حتماً، ربا حقيقي، إذا أنت أقرضته مالاً واشترطت عليه أن يرده إليك زائداً هذا هو الربا، أو عدةٍ أو عادة، أنت اشترطت عليه، أو وعدك أن يعطيك زيادة، أو المألوف في هذا التعامل الزيادة، عادة أو عدة شرط في القرض المالي فهو ربا حقيقي، إن كانت هذه الزيادة بغير شرط ولا وعد ولا عادةٍ جازت اتفاقاً عند المالكية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام استلف بكراً وقضى رباعياً، أي عمره أربع سنوات، لكن يوجد رأي آخر: إذا كان الزيادة في القرض ضعف المبلغ المدفوع لا تكون مقبولة في الشرع إلا إذا كانت يسيرة جداً، وإلا انقلبت إلى ربا.
عدم اجتماع القرض وشرط البيع :
أيها الأخوة الكرام، لا يجتمع قرض وشرط بيع، قال: أن تقرض ألفاً على أن يبيعك داره بهذا الثمن، إذا أقرضت مع الشرط أيضاً هذا القرض جرّ منفعةً.
(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ))
[النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
أنا أقرضك مليوناً على أن تبيعني هذا البيت بهذا الثمن، مثلاً البيت ثمنه أربعة ملايين، أشتريه بثلاثة ونصف، وأنا سوف أدينك مليوناً معنى هذا النصف مليون مقابل القرض واضح جداً.
نهى الرسول صلى الله عليه على أن يجتمع سلف أي دين وبيع، هذا أيضاً محرم. من سمى للزمن ثمناً وقع في شبهة الربا :
كما نهى النبي عن بيعتين في بيعة، أي نقداً وعدةٍ، نقداً وتقسيطاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/04.jpg
الحكم الدقيق سوف أقوله لكم وقلته كثيراً، لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تدفع بأي طريقة، ولك أن تبيع بأي ثمن، ولك أن تقبض الثمن بأية طريقة، بعد عام، بعد عامين، على خمس دفعات، ولك أن تدفع الثمن بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، كنت ضربت على ذلك مثلاً، هذا الكتاب ثمنه مئة ليرة، لو جلدناه تجليداً أفخم من هذا التجليد، وبعناه بمئة وثلاثين جاز البيع لأن الثلاثين في الكتاب، لو أننا كتبنا على هذا الكتاب بالحروف المذهبة اسم صاحب الكتاب صار بمئة وخمسين، العشرون بالكتاب، لو أننا طبعناه على ورق ثقيل غال جداً صار ثمنه مئتين، كل هذه الزيادات في الكتاب، لو أننا مثلاً جعلنا حروفه نافرة كزيادة في الفخامة صار بمئتين وخمسين، الخمسون بالكتاب، أما إذا بعناه لأجل بثلاثمئة فهذه الخمسون الأخيرة مقابل ماذا؟ مقابل الأجل، فإذا سميت للزمن ثمناً لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تبيع بأي ثمن، لك أن تقبض بأية طريقة، ولك أن تدفع بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، لذلك ورد في الحديث الشريف:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قلت له: نقداً بهذا السعر، ونسيئةً بهذا السعر، إما أن تكتفي بالسعر الأقل أو يكون الربا. لا يجوز للمقترض أن يؤدي بعض الدين أو أقل منه إلا بالمحاللة :
الآن لو أن المقترض أدى دون القرض، وأحله المقرض من القرض جاز، أنت أقرضت مئة ألف ردها لك ثمانين، قلت له: سامحك الله، جاز.
أحد العلماء يقول: لا يجوز أن يقضي المقترض دون الحق بغير محاللة، يجب أن يقول لك: سامحتك، أما لا يوجد غير هؤلاء وإذا ما أخذتهم فليس لك عندي شيء، لا يجوز أن تؤدي بعض الدين أو أقل من الدين المستحق إلا بالمحاللة.
كلكم يعلم الحديث الصحيح:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ]
يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: ((لا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ))
[الترمذي عَنِ الْعَلاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
((مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]
لقوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا آكِلُ الرِّبَا فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ ))
[ابن ماجه عن أبِي هُرَيْرَةَ]
أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه قال: من شدة ورعه كان لا يقعد في ظل شجرة أو جدارٍ من له عليه دين، لا ينتفع بظل جدار مرهون عنده، أو جدار إنسان عليه دين له. الهدية في القرض :
الآن عندنا موضوع الهدية في القرض، هذه الهدية في الشرط إن اشترطت كرهت تحريماً، وإلا فلا، وعند المالكية تحرم هدية المقترض لرب المال إن قصد المهدي بهديته تأخير الوفاء، وهذا يقع كثيراً.
(( عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الرَّجُلُ مِنَّا يُقْرِضُ أَخَاهُ الْمَالَ فَيُهْدِي لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ إِلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ))
[ابن ماجه عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ]
لك صديق يوصلك إلى بيتك وتوصله يوجد تعامل قبل القرض، صار القرض واستمر هذا التعامل لا يوجد مانع، وإذا كان هناك هدايا متبادلة، منافع متبادلة، يوجد أخذ وعطاء قبل القرض، جاء القرض واستمرت هذه العادة، هذه ليس لها علاقة بهذا القرض: ((عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ))
[البخاري عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
القت الجاف من النبات، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قبول هدية المدين لأنها قريبة من الربا، يوجد قصة طريفة: رجل كان يهدي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فخذ جزور- يوجد تعامل بينهما - قال إلى أن جاءه ذات يوم بخصم فقال له يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصل كما تفصل الفخذ من سائر الجزور؟ قال عمر: فما زال يرددها حتى خفت على نفسي فقضى عليه عمر، ثم بعث إلى عماله فقال: أما بعد فإياكم والهدايا فإنها من الرشاوى، كره بالهدية فحكم ضده. (( مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا إِلا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا إِلا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ ))
[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
وكان عمر بن عبد العزيز يقول رحمه الله تعالى: كانت الهدية فيما مضى هدية أما اليوم فهي رشوة، هذه الهدية في القرض. الترغيب في القرض وأداء الديون :
بقي موضوع أخير نختم به الدرس وهو الترغيب في القرض وأداء الديون.
أيها الأخوة: المشكلة مع تطورات الحياة إن صح التعبير مع ما يسمى بالتضخم النقدي، فكأن القرض الحسن ألغي، هناك من يدفع صدقة، أو يدفع زكاة ماله، لكن القرض الحسن لا يغني لا عن الزكاة ولا عن الصدقة، لأنه يوجد إنسان لا يقبل زكاة، ولا صدقة، وقد يكون غير محتاج، فإذا أنت حسبت القرض الحسن على أساس التضخم، هذه عقلية تجارية، أما إذا حسبت القرض الحسن على أساس العمل الصالح فهذه عقلية إيمانية، العقلية التجارية القرض يلتغي، أما بالعقلية الإيمانية فالقرض ينتشر، الآن دققوا فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً الحديث المعروف.
((أتدري ما حق الجار إذا استعانك أعنته، و إذا استقرضك أقرضته، و إذا افتقر عدت عليه، و إذا مرض عدته، و إذا أصابه خير هنأته، و إذا أصابته مصيبة عزيته، و إذا مات اتبعت جنازته، و لا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، و لا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، و إن اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً و لا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده - الشاهد في هذا الحديث المعروف عندك، وإن استقرضك أقرضته- ))
[ شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
هذا من حق الجار، فكيف حق الجار المسلم؟ أصبح له حقان، فكيف من حق الجار المسلم القريب؟ أصبح له ثلاثة حقوق. الصدقة بعشرة أمثالها و القرض بثمانية عشر ضعفاً :
أيها الأخوة، الصدقة بعشرة دققوا في هذا الحديث:
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/05.jpg
الصدقة بعشرة أمثالها، والقرض بثمانية عشر، وصلة الأخوات بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين، الصدقة بعشرة، القرض بثمانية عشر، صلة الأخوان بعشرين أما صلة الرحم فبأربعة وعشرين. (( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ))
[البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ]
أنا لفت نظري هذا التعقيب الأخير، إلا شيئاً أرصده لدين، أي إذا إنسان ميسور الحال، و رصد مبلغاً من المال ليس هو زكاة وليس هو صدقة، رصده للإقراض، لحل مشكلات المؤمنين، والله هذا من أجلّ الأعمال، أحياناً مثلاً تعطي عشرة آلاف تدينها عشرة آلاف، إذا رجل ميسور - وما أقلهم هؤلاء - يمكن أن يرصد مبلغاً من المال للإقراض، وكل إنسان يرد القرض يكون قد ساهم بالخير، وكل إنسان يماطل أو يختفي يكون قد ساهم بمنع الخير. من وفى بعهده كافأه الله عز وجل :
أنا أذكر قصة أن رجلاً له صديق على مقعد الدراسة، الأول فتح محل بقالية والثاني صار من كبار تجار البناء، لما كبروا هذا الفقير أراد الزواج لا يوجد بيت عنده، فذهب إلى صديقه التاجر قال له: أعندك بيت تؤجرني إياه؟ قال: أنا لا أؤجر، أنا أبيع فقط، فلح عليه مرة ثانية وثالثة، قال له مرة: لك عليّ إن أجرتني بيتاً وطلبته مني أن أسلمك إياه بعد أسبوع، عهد علي، يبدو هذه الكلمة أعطته لتاجر البناء شعوراً فيوجد عنده بيت في أبي رمانة قال له: اسكن فيه، وأخذ منه أجرة، كان يوجد كساد ولم يكن رواج في البيع والشراء، سكن به ثماني سنوات، طبعاً البيت كان يساوي مئة ألف أصبح ثمنه ثمانمئة ألف، ثمانية أمثال، جاء زبون اشتراه بثمانمئة ألف، هذا تاجر البناء طرق باب صديقه المستأجر، قال له: ألم تقل عهداً عليّ أن أسلمك البيت بعد أسبوع، قال له: نعم، فقال له: معك من الوقت ستة أشهر، أنا بعت البيت- هذه القصة وقعت في هذه البلدة- بعد أسبوع يطرق باب مالك البيت ويقدم له المفتاح، المالك لم يستوعب الموضوع أين ذهب بنفسه؟ أين سكن؟ وظنها مزحة فذهب إلى البيت رآه فارغاً، ومرتباً نظيفاً، جاهز للسكنى فوراً، لما أغلق الباب فتح باب الجيران وسألوا صاحب البيت: بربك كم دفعت لهذا المستأجر؟ قال: والله لم أدفع له شيئاً إلا أنه عاهدني إن طالبته بهذا البيت ردّه إليّ بعد أسبوع، قالوا: عجيب أمر هذا المستأجر، والله باع كل أثاث بيته وسكن في فندق، قال: ما هذا الكلام؟ قالوا: هذا الذي حصل، باع أثاث بيته بعشر قيمته، فذهب إلى الفندق، رآه فعلاً قد استأجر غرفتين هو و أولاده فقال له: ما هذا؟ قال له: أنا عاهدتك والمسلمون عند شروطهم، يبدو أن هذا التاجر أثار هذا الموقف الأخلاقي الذي فيه وفاء بالعهد كل مشاعر الأخلاق عنده، فأقسم عليه بكل المقدسات التي يؤمن بها، أن يعود إلى البيت، وأن يعقد له عقد بيع في الثمن الذي كان يستحقه حين سكنه بمئة ألف، وكل أجرة دفعها تعد من ثمن هذا البيت، وتعهد بتأمين أثاث البيت كله.
أنا أقول لكم كلمة أيها الأخوة: صدقوني يوجد بدمشق سبعمئة ألف شقة مغلقة، العلماء قالوا: ليس هناك أزمة سكن، أزمة إسكان، أزمة السكن شيء وأزمة الإسكان شيء آخر، لما الناس مرجت عهودهم وضاعت أمانتهم، أخوانا الكرام:
(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا يوجد عهد، لا يوجد فيه دين، أنا قلت بعض العبارات لعلها قاسية: إذا الإنسان أعطى عهداً وما نفذه يضع صلاته، وصيامه، وعباداته في الحاوية ويرتاح، لا أقول هذا من عندي، إنسان خالف بالتعامل الشرعي فبلغ هذا السيدة عائشة فقالت: "قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله".
والله لو كنا عند عهودنا ومواثيقنا لكنا في حالة غير هذه الحال، ترى الإنسان يتلوى على غرفة ليسكن بها لا يجد وسبعمئة ألف شقة مغلقة، السبب لا يوجد عهد، تسكنه يتملك البيت ويقول لك: هذه المحاكم لا يوجد لك عندي شيء، هذا هو الإسلام؟ ما قيمة الصلاة والصوم؟ ما قيمة العبادات إذا لم يكن هناك وفاء بالعهد؟ صدقوني أيها الأخوة لا يوجد إنسان يفي بعهده ولو دفع الثمن باهظاً إلا وكافأه الله عز وجل. لا إِيمان لمَنْ لا أَمَانة له وَلا دين لمن لا عَهد له :
لنا أخ من أخواننا يسكن في بيت، تقول صاحبة البيت له: انظر يا فلان إذا طالبتك بالبيت تؤديه إلي، قال لها: حاضر، وهو في أشد أزمة البيت قالت له: أريد البيت، البيت في المرابط في المهاجرين، قال لها: حاضر، جاءته بمحام وكتب لها عقد التنازل بإلغاء المحاكمة، يقول لي هذا الأخ: والله بعد أن وقعت هذا التنازل، قال لي المحامي بالكلمة غير اللائقة: أنت حمار، بقيت في الطريق، قصة طويلة ليس هناك مجال لتفصيلاتها، إلا أن هذا الإنسان بتفاصيل مدهشة بعد أربعة أشهر اشترى بيتاً في البناء الذي يعمل به، طابق ثامن وأربع جهات مكشوف، وبسعر معتدل، والله يسر له ثمنه، قال لي: أنا ما أدركت سر توفيقي في شراء هذا البيت إلا بعد أن عرفت أن ابنة صاحبة البيت فتاة فاتها قطار الزواج فجاءها خاطب ليس عنده بيت، فقالت لأمها: لو طالبت فلاناً بالبيت وأداه لنا لتزوجت به، فلما لبى طلبها وذهبت هذه الفتاة إلى العمرة، هذه الفتاة تقول: منذ أن غادرت بلدتها في الطواف والسعي، وفي المدينة تقول: يا رب وفق فلاناً – المستأجر- لشراء بيت أفضل من بيتنا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/06.jpg
الإنسان يكون وفياً، وعنده عهده، ويؤدي ما عليه، شيء لا يقدر بثمن، نحن فقدنا العهد، فقدنا الأمانة، فقدنا الوفاء، فالناس مرجت عهودهم، يقول لك: ألف قلبة ولا غلبة، يقلب، أما المؤمن بالشرع فوفاء العهد أقدس عنده من كل شيء، لذلك يقدم، نحن بحاجة إلى من يفي بوعده.
الموضوع الذي قلته قبل قليل: نحن يوجد عندنا أزمة إسكان لا أزمة سكن، لا يوجد عهد، يقول لك: فقط أنا أريد هذا البيت لمدة شهر، أنا مرة لي أخ من أخواننا أحدهم يدهن بيته فطلب أن يسكن في بيت ثان كإعارة لمدة شهر، سكن فيه وتملكه ومضى عليه عشر سنوات وإلى الآن متملكه، وهم إلى الآن في المحاكم، هؤلاء هم المسلمون الذين يستحقون النصر من الله عز وجل؟ عشرون ثلاثون ألف دعوة إخلاء في البلد، طبعاً هذا الموضوع حساس جداً لا أحد يأخذ مني أحكاماً، يوجد مستأجر ظالم ويوجد مالك ظالم، أنا لا أدخل في التفاصيل، كل حالة لها تفصيل، لكن الإنسان إذا أعطى عهداً ينبغي أن يكون عند عهده.
(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا يوجد عهد لا يوجد دين. إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((إن لله عباداً اختصهم بحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله))
[الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر]
إذا رجل طرق بابه، يُسأل مالاً، معاونة، صدقة، زكاة، خدمة، ليل نهار لا يتأخر، إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس، إذا أحبك الله عز وجل جعل حوائج الناس إليك، لا تتأفف اصبر، طرق الباب ليلاً ونهاراً، ذو الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، أنت عندما الإنسان يثقل عليك بالطلب تصور أن الله قادر أن يضعك مكانه، هذا التصور يريحك، رجل أعرابي شدّ النبي من ثوبه، وقال له: أعطني من مال الله: (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
انظر إلى الحلم، الإنسان أحياناً يكون بحاجة، يطرق بساعة متأخرة، يتصل بساعة مبكرة، صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، إذا أنت ميسور والله أتاك حلماً وإمكانيات، لا تتأفف، لا تتبرم، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، هذا الحديث شعار لكل مسلم: ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
هذا الحديث شعار لكل مؤمن. إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سير إليه حوائج الناس، ابن عباس رضي الله عنه، يقول: ورد علينا المدينة الوليد بن عتبة والياً وكأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك فقيراً إلا أغناه، ولا مديوناً إلا أدى عنه الدين، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، وكلمنا كلاماً أحلى من العسل. (( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ ))
[أحمد عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ]
المستدين تاجر الله في الأرض :
أنا منذ أسبوع أخ من أخواننا بقي هنا ست عشرة سنة يطلب العلم، وهو من إفريقيا، وأخذ ماجستير والحمد لله، دخل إلى مكتبة، هذا الكتاب ضروري ثمنه ثلاثة آلاف، وهذا بألفين، يقول له: ما ثمن هذه الكتب؟ وكان هناك رجل يقف أمامه، فقال له هذا الرجل: أعطه كل الكتب وخذ ثمنها مني، وقال له: لكم علينا دين كبير http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5798/ar-5798/07.jpg
إذا إنسان ساهم لطالب علم في بلدنا فله أجر كبير، وأنا أطمئنكم هذه البلدة الطيبة مرغوبة عند كل طلاب العلم في إفريقيا، وآسيا، وشمال أوربا، يفضلونها على مصر والحجاز، السبب طالب العلم مكرم عندنا، وهو ضيفنا، أحدكم إذا رأى طالب علم يوجد أخوان أفارقة، صينيون، أتراك، أخوان من بلاد مختلفة، وهي محجة هؤلاء الطلاب، أنت يوجد عندك شيء زيادة، طالب علم يقيم سنتين، في الشتاء لا يوجد عنده بساط على البلاط وأنا والله لا أدري، ألا يوجد أحدكم عنده بساط قديم؟ سجادة مستعملة؟ أعيره إياها، أحياناً تنحل قضايا ليس بالهبة، ولكن بالاستعارة، ويسكن في بيت ولا يوجد عنده أثاث إطلاقاً، أحياناً لا يوجد عنده طعام، إذا الإنسان رأى طالب علم حوله غريباً، ليس له أحد في الشام، وأعانه فهذا من أعظم الأعمال.
(( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْسَجَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ ))
[الترمذي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ]
منح منيحة أي أعطاه مالاً، هدى زقاقاً أي دله على الطريق، أعطى أو دلّ.
وعن ابن مسعود وهذا الحديث أجمل شيء: ((كل قرض صدقة))
[ شعب الإيمان عن ابن مسعود]
وقال جعفر بن محمد: "المستدين تاجر الله في الأرض، وذلك لما يكسب المقرض من الثواب والحسنات".
أيها الأخوة الكرام، نحن نريد أن نرد على انقراض القرض، القرض انقرض نفسه بالإقراض، طبعاً أنا لا أقول: ارم مالك على أشخاص لا تعرفهم، أنا ما أردت هذا الكلام، أما شخص موثوق، مؤمن، معروف، وأنت معك، وهو مضطر إلى مبلغ من المال يحل مشاكله، فهذا العمل كالصدقة تماماً بل بثمانية عشر ضعفاً.

السعيد
09-20-2018, 08:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الحادى و الاربعون )

الموضوع : الترهيب من الدين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الترهيب من الدّين :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من دروس القرض، والقرض كما نوهت في درس سابق من أوسع النشاطات المالية التي يمارسها الأفراد متعاونين فيما بينهم، لذلك وضع الشرع الحنيف قواعد وضوابط من أجل أن يرد القرض إلى صاحبه، ومن أجل أن تسري هذه العلاقة الطيبة بين الناس.
موضوع اليوم الترهيب من الدين، قد يقول أحدكم: كيف شجع النبي على الإقراض وكيف رهب منه؟ الإنسان أحياناً يستقرض من دون حاجة، فمن أراد أن يستقرض مبلغاً من المال ليتوسع، ليحقق بعض الكماليات، مثل هذا الإنسان أنبه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد والحاكم:
(( الدين راية الله في الأرض فإذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه))
[أحمد و الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما]
الدين فيه ذل، لأنك مدين إلى إنسان، وهذا الذل يرهق النفس، وكل الشرائع التي شرعها الله عز وجل من أجل أن تضبط الأمور، وأن يكون الإنسان حراً من القيود، وأن يتفرغ إلى طاعة الله وعبادته. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة :
بالمناسبة أي شيءٍ يشوش عليك حياتك، ويحملك ما لا تطيق، ويجعلك في اضطراب نفسي شديد، هذا الشيء يعيق عليك أن تعبد الله عز وجل، يبعدك عن طاعة الله، فلذلك الدَّين كما يقولون همّ في الليل وذل في النهار.
((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاكَ ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاكَ إِلا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/01.jpg
إن قتل الإنسان في سبيل الله، إن أعطى كل ما يملك، إن جاد بنفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومع ذلك يكفر الله له بهذا الاستشهاد كل الخطايا إلا الدين، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، هذا الحديث الثاني وهو في صحيح مسلم. ((يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ ))
[مسلم ، أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
شهيد قدم روحه، قدم نفسه ومع ذلك الدين لا يسقط عن الشهيد. (( عنَ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً ))
[أبو داود عنَ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيَّ عَنْ أَبِيهِ]
إنسان يكون عنده محل تجاري ويستقرض، فإذا مات هذا المحل يغطي دينه، عنده ذهب لزوجته، امرأة عندها ذهب استقرضت، ماتت، الذهب الذي عندها يغطي دينها، إنسان استقرض عنده بضاعة، بضاعته تغطي دينه، فالإنسان عندما يستقرض ينبغي بادئ ذي بدء أن يفكر كيف يغطي هذا الدين.
والحقيقة هناك من يقول: الذي يستقرض ولا يهيئ ما يغطي هذا الدين يموت عاصياً، وقد وقع في الكبائر. (( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاثٍ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[الترمذي عَنْ ثَوْبَانَ]
المال قوام الحياة :
أيها الأخوة، لأن المال كما يقولون شقيق الروح، والمال قوام الحياة، والإنسان إذا استقرض و رد القرض كما استقرضه شجع العمل الصالح، دائماً وأبداً اعتقد مايلي: إما إن تكون محبباً لشرع الله، أو مبغضاً له، فإذا استقرضت وأديت هذا الدين أشعت هذا العمل الطيب، إن استقرضت ولم تؤدِ الدين، أكثر الناس يحرمون على أنفسهم قضاء حوائج بعضهم بعضاً، يقول: أنا حلفت يميناً ألا أدين، لأن أهل الدنيا حينما يستقرض يكون في ألطف حالاته فإذا طولب صار في أغلظ حالاته، يتكبر، ويسب، وقد يعنف، وقد يختفي، وقد لا يرد على الهاتف، وقد يطرق بابه ويقول: قولوا له لست هنا، فهذا ليس من أخلاق المؤمن.
يروى أن لقمان الحكيم قال: حملت الحديد والجندل- والجندل هو الصخر - فلم أحمل شيئاً أثقل من الدين.
تحذير النبي من الدَّين :
طبعاً مرةً ثانية: هذا الترهيب لمن يستقرض قرضاً لا لحاجة أساسية، لا لعملية جراحية، لا ليأكل ويشرب، بل يستقرض ليوسع معيشته، ليشتري بعض الكماليات ليظهر أمام الناس بمظهر الغنى، هنا جاء تحذير الدين.
((لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدَّيْنُ ))
[أحمد عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/02.jpg
الإنسان أحياناً قد لا ينتبه يوجد شيء في حياته أساسي وهو الأمن، قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 81 ]
الإنسان إذا ما كذب حر، رافع الرأس، إذا ما عليه دين طليق الحركة، والإنسان إذا تحمل شظف العيش وتخفف من الدين أفضل من أن يثقل كاهله بالدين، أنا أقول هذا الكلام أنطلق من واقع من أجل حفلة زفاف تنوء الأسرة تحت ثقل الدين خمس سنوات، من أجل حفلة لساعات معدودات، والشيء الذي تعرفونه أن إرضاء الناس شيء محال، رجل وضع في كل علبة ملبس ليرة ذهبية، الأغنياء احتقروه نحن فقراء ليضع لنا قطعة نقدية؟ والفقراء قالوا: يجعلهم اثنتان، لا يوجد أحد يرضي الناس، فالذي يبذخ ويترف من أجل انتزاع إعجاب الناس، ويتحمل ضغط الدين لسنوات معدودة، ليس هذا من الحكمة في شيء. مقياس الحياة الأسرية :
شيء آخر لو أراد الإنسان أن يوسع على عياله، قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))
[مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة]
أما إذا إنسان لم يوسع الله عليه فليس مضطراً أن يوسع على عياله، أي أجمل مقياس في الحياة الأسرية أطعمهم مما تأكل، وألبسهم مما تلبس، الله ما كلفك أن تطعمهم أطيب الطعام وأن تستقرض، وأن تكون ذليلاً، وأن تكون مرهقاً، وأن تكون تحت كابوس الدائن، لا الله ما كلفك، أطعمهم مما تأكل، وأنت في أعلى درجات الورع، وأنت في أعلى درجات الوفاء الزوجي أن تطعمها مما تأكل، طبعاً من الخيانة الزوجية أن تأكل ما لذّ وطاب في المطاعم، ومع أصدقائك، وفي السهرات، وأن تدع لهم طعاماً خشناً، هذا لا يجوز، أما لو كان دخلك محدوداً فلا تسمح لنفسك أن تستقرض من أجل أن توسع على عيالك، وكانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها: نحن بك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، تقول هذه الصحابية: نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، اتق الله بنا، المرأة المؤمنة صابرة والمرأة المؤمنة تعين زوجها في ساعات الضيق، والحديث الشريف: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَتْ عِيرٌ الْمَدِينَةَ فَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَرَبِحَ أَوَاقِيَّ فَقَسَمَهَا فِي أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ لا أَشْتَرِي شَيْئًا لَيْسَ عِنْدِي ثَمَنُهُ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الدَّين مجمع كل بؤس :
إنسان ملك ثمن شيء يشتريه، أي أن تحتاج، أن يقل مستوى معيشتك بافتقادك إلى هذه الآلة أهون ألف مرة من أن تشتري هذه الآلة ديناً، صار عندك عبء خارجي، ودائماً الحياة فيها مفاجآت، الآن يعاني الذي يعمل في التجارة كساداً في البيع، يوجد عنده التزامات، موقّع سندات، اشترى بضاعة بالملايين، يتمزق الإنسان، ليس هذا من الحكمة في شيء، أكثر الناس يكون معه مليون يعمل بعشرة ملايين، فلو بارت الأسواق صار هناك إفلاسات، هروب، مواقف صعبة جداً، وكان يقال: الأذلاء ثلاثة النمام والكذاب والمديان - كثير الدين لسبب أو لغير سبب- أنا أعرف أناساً كثيرين همه أن يستدين، لحاجة ولغير حاجة، لشيء أساسي، لشيء ثانوي، ليقيم حفلة، ليشتري ثياباً فخمة، ليصلح بيته، ليوسع غرفته، وإذا ضاقت عليه الأمور تحمل ضغطاً لا يحتمل، وقيل أيضاً: الدَّين رق فلينظر أحدكم أين يضع رقه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/03.jpg
ويوجد دائنون قساة يطالبونه مطالبة عنيفةً قاسية، مع أن الذي يطالب ينبغي أن يكون رفيقاً، و رقيقاً، ورحيماً، قال حكيم: الدين مجمع كل بؤس، همّ بالليل وذل بالنهار، وهو ساجور الله تعالى في أرضه، الساجور هو القيد الذي يوضع في رقبة الدواب، فإذا أراد الله أن يذل عبداً جعله طوقاً في عنقه.
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَهِدَ جَنَازَةً سَأَلَ هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ هَلْ لَهُ وَفَاءٌ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ قَالُوا لا قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
في حديث آخر، صحابي جليل توفي فأراد النبي أن يصلي عليه فقال النبي: أعليه دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم: (( أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا: لا، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[النسائي عن ابْنَ الأكْوَعِ]
وتتمة هذا الحديث في اليوم التالي سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسعود أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم التالي: أدفعت الدين؟ قال: لا، تعهد ضمنه ولم يؤده، في اليوم الثالث قال: أدفعت الدين؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده، دققوا أي جلد المتوفى لم يبترد بضمان الدين، لكنه ابترد بأداء الدين، فرق بين الأداء والضمان، الذي ضمن صلى عليه النبي، لكنه حين أدى الدين ابترد جلده، والله أيها الأخوة من باب النصيحة الإنسان يراجع كل حساباته، يراجع ما عليه من ديون، ما عليه من حقوق، ينوي أداءها في لحظته، يوجد بحث سنصل إليه الآن حينما يعلم الله منك نية الأداء يؤدي عنك. تعلق نفس المؤمن بدينه :
وفي موضوع آخر متعلق بهذا الموضوع الخطير، نفس المؤمن متعلقة بدينه:
(( نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أنا جاءني رجل وهذه القصة من عشرين عاماً تقريباً، كان أخوه وقد توفاه الله ناظر وصية، وعليه ثمانية آلاف ليرة لم يؤدها، أنفقها ولم يؤدها وأدركه الموت، هذا الأخ من أخواننا الكرام، أخوه تاجر كان ناظر وصية وفي رقبته ثمانية آلاف ليرة، رآه يحترق يقول له: أخي الثمانية آلاف أدها عني، وفعلاً في اليوم التالي أداها عنه، شيء مخيف أنا لا أحب أن يكون المنام أساس التدريس ولا أساس الدين، المنام إعلام شخصي من الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/04.jpg
المنام شيء عظيم لكن لصاحبه فقط، لكن مرةً أعرف رجلاً يروي هذه القصة له عمة، أو خالة يحبها حباً جماً توفاها الله عز وجل من حين إلى آخر يراها في المنام، وهي تشتعل، رآها خلال ثماني سنوات كل شهرين أو ثلاثة في منام مخيف، وهو قلق أشد القلق على عمته أو خالته، ثم رآها بعد ثماني سنوات بأبهى حلة، وجهها منير، متألق ترتدي ثياباً بيضاء وهي مشرقة، سألها كيف حالتك؟ قالت: الحمد لله، قال: ما الذي حل بك من قبل؟ قالت: بالتعبير العامي الحليبات- الحليب- ثم علم أن لهذه المرأة أولاداً من زوجها و أولاداً من زوجته السابقة، فكانت تسقي أولادها حليباً صرفاً وأولاد زوجها حليباً ممزوجاً بالماء حسب هذه الرؤيا ثماني سنوات تحترق بهذا الذنب العظيم، أحياناً كما قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إعلام من الله عز وجل: (( عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الأولَيَيْنِ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إِلا خَيْرًا إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَدَّى عَنْهُ حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ ))
[أبو داود عَنْ سَمُرَةَ]
(( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلانٍ أَحَدٌ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: رَجُلٌ هُوَ ذَا فَكَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ حُبِسَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ ))
[أحمد عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ]
الله عز وجل أطلع النبي أن أحد هؤلاء من بني جندب على باب الجنة حبس على دين، معنى هذا أن نفس المؤمن معلقة بدينه. (( عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ فَنَظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَ بَصَرَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا نَزَلَ مِنَ التَّشْدِيدِ، قَالَ: فَسَكَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا فَلَمْ نَرَهَا خَيْرًا حَتَّى أَصْبَحْنَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ، قَالَ: فِي الدَّيْنِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ ))
[أحمد عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ]
من تدخل لمنع إحقاق الحق فقد أفسد على الله شريعته :
أنا أضعكم أمام نصوص صحيحة عن الذي لا ينطق عن الهوى، عن رسول الله المشرع، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الشَّأَمِ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فَأَتَيْنَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْنَا يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلا بِالدِّرْهَمِ وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/05.jpg
ردغة الخبال مكان في النار، أن تقول في مؤمن ما ليس فيه، أن تفتري على المؤمن، أن تنسب إلى مؤمن قولاً ما قاله، أن تذكر للناس عيباً في المؤمن لا يتصف فيه، أن تنسب إلى مؤمن عملاً سيئاً ما فعله، أن تنسب إلى مؤمن عقيدةً زائغةً ما اعتقدها. ((... مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ... ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
أي الله عز وجل شرع تشريعاً فأنت حاولت أن تعطل هذا التشريع، تعطيل هذا التشريع أنت أفسدت على الله شرعه وحكمته، مثلاً إنسان غش الناس في بضاعتهم أو في غذائهم، استخدم مادة فاسدة تسبب أمراض للناس، وطبعاً أولي الأمر من أولى واجباتهم ضبط هذا الغش، وتحرير ضبط وإيداع صاحبه بالسجن، يأتي إنسان يتدخل ويشفع ويدفع مالاً ويتكلم مع القاضي، يعمل وليمة، وترتيباً يخلصه، إذا كان مظلوماً لا يوجد مانع، وإذا كان ظالماً؟ بضاعة فيها مواد مسرطنة، لحوم فاسدة أحياناً، تسبب أمراضاً للناس وبيلة يتدخل، نحن إذا تدخلنا لمنع إحقاق الحق أو لمنع إقامة الحدود فقد أفسدنا على الله شريعته، أنا أرى إذا كان هناك موضوع يمس قوت المسلمين، مصالح المسلمين، يمس مستوى معيشة المسلمين، وإنسان ليس عنده رادع من دين، ولا من خلق، ولا خوف من الله، إذا اقترف شيئاً سبب للمسلمين ضرراً كبيراً لا ينبغي أن تدّعي الرحمة والشفقة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النور : 2 ]
عند الله حساب بالحسنات والسيئات :
ضبطوا أناساً يأخذون الدواب الميتة من الطرقات، يجعلونها طعاماً، ضبطوا أناساً يضعون أصبغة البلاط في سكاكر الأطفال، أصبغة رخيصة جداً ملونة، ضبطوا أناساً يبيعون لحم القطط، أي إنسان بهذا المستوى هل من الممكن أن تتدخل و تحميه من العقاب؟ هذه نقطة مهمة:
((... مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ... ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
الآن تسمعون أن هذا البقر المجنون إذا أكل لحمه، أو شرب حليبه يؤدي إلى الوفاة، البارحة مات في اليونان رجل، طبعاً هذا موضوع آخر، كل إنسان غيّر خلق الله يدفع الثمن، لو أن إنساناً يوجد عنده بضاعة تؤذي المسلمين لا ينبغي أن يبيعها، وأن يخفي عيبها، هذا الشيء مدمر. ((... وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلا بِالدِّرْهَمِ وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ ... ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
عند الله عز وجل هناك حساب بالحسنات والسيئات، أنت اغتبت إنساناً، الذي اغتيب له عند المغتاب دين، وسوف يأخذه من حسناته فإن فنيت طرح عليه من سيئاته، عند الله يوجد حسابات غير الدرهم والدينار. ((... وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ ... ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
امرأة على ابن أختها دين - مبلغ ضخم- والدائن شرس قال لها: أعطيني عقداً لبيتك صورياً وأوقف عنكم المطالبة، وهي امرأة بسيطة بيتها ثمنه يقدر بعشرين مليوناً، قدمت له عقداً صورياً، هذا العقد قدم للمحكمة على أنه عقد بيع قطعي، والآن يطالبها بالتسليم، الآن ترى مجرى القضية يلفت النظر، كأن القاضي مع هذا المغتصب، كأن المحامي مع هذا المغتصب. ((... وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ ... ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
شيء مخيف أن تكون أنت طرفاً في قضية فيها ظلم، تدافع عن باطل، تدخل في قضية باطلة وهذا الكلام يحتاجه أخواننا المحامون، أي إذا كانت أتعاب الدعوى أتعابها مليوناً اركلهم بقدمك إن كانوا باطلاً، لو كان المحامون لا يتسلمون قضايا غير عادلة لكنا في حال غير هذا الحال: ((.... وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ))
[أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ]
على الإنسان أن يسجل كل شيء عليه :
و:
((عن علي رضي الله عنه قال: كان عليه الصلاة والسلام إذا أوتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، يسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة، وإن قيل ليس عليه دين صلى عليه، فأوتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل النبي الكريم أصحابه قال: على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم ديناران، فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هما علي يا رسول الله، فتقدم وصلى عليه، ثم قال لعلي: جزاك الله خيراً، فك الله رهنك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصةً أم للمسلمين عامة؟ فقال الرسول: بل للمسلمين عامة ))
[ الدار قطني عن علي رضي الله عنه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/06.jpg
إذا مسلم فك رهان أخيه فهذا عمل عظيم، له قريب توفي وعليه دين فقال: علي دينه هذا عمل عظيم، هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته صعد المنبر وقال: "أيها الناس من كنت أخذت له مالاً فليسألني إياه، ومن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا طبيعتي" وهو سيد الخلق وحبيب الحق.
الإنسان قبل أن يحج، أن يبدأ بعمل، قبل أن يتزوج يعمل حسابات من حين إلى آخر، يسجل والتسجيل سُنة، رجل عليه دين ولم يسجل، هذا الدائن وقع بحرج استحى أن يطالبك، إن طالبك تنزعج، وإن لم يطالبك أكلت مالاً حراماً، وإن سكت مغبون، والمغبون لا أجر له، هذه الحالة تحير، هذا ورع، ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
أي أموره مسيبة بلا ضوابط، رجل يلزمه دفتر في جيبه دائماً، استقرض مبلغ يسجله فوراً، الحياة فيها متاعب كثيرة يأتي يوم عليك وتنسى، تنسى أن عليك ديناً نهائياً. (( عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: صاحب الدين مغلول في قبره حتى يقضى دينه ))
[عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
(( عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلاثَ مِائَةِ دِينَارٍ وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلا امْرَأَةً تَدَّعِي دِينَارَيْنِ وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: أَعْطِهَا فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ ))
[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ]
علاقة الدين بالزكاة :
أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة رائعة جداً سوف نتابعها في درس قادم، ويوجد علاقة الدين بالزكاة هذا نبحثه في درس قادم.
تقول: أدينه بشرط أن يدفع زكاة ذلك المال الذي أخذه، هذا غير جائز، هذا المال مالك، وزكاة مالك عليك، وأنت إذا أقرضته أقرضته لله، وهو من أجلّ الأعمال الصالحة، أما إذا ألزمت المستقرض أن يدفع زكاة هذا المال فهذا لا يجوز، زكاة المال على صاحب المال، والله عز وجل يعطيك أضعافاً مضاعفة، أما أن تشترط على الذي استقرض هذا المبلغ أن يدفع زكاته فكأنما جررت نفعاً، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا.
الشرط عند الإقراض :
يوجد موضوع أن إنساناً استقرض مبلغاً لأربع سنوات والعملة اختلفت أسعارها، الحقيقة حتى الآن إذا لم يكن هناك شرط فالمال يؤدى كما أخذ بالعملة نفسها، أما عند الأحناف إذا اشترط المقرض أن يكون تقييم القرض بالذهب، وأن يرد ذهباً فلا يوجد مانع، لأن المئة ألف يساوون مثلاً عشرين ليرة ذهبية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5799/ar-5799/07.jpg
أنا أريد بعد سنة أو سنتين أن ترد لي عشرين ليرة ذهبية، لا يوجد مانع، ولابد من الشرط عند الإقراض، أما بلا شرط المئة ألف مئة ألف، وأن هذا الذي استقرض هذا المبلغ إذا نظر إلى فرق العملة و رده فهذا من إحسانه، وإذا لا يوجد شرط المئة ألف مئة ألف، يوجد حالات الآن قرض من ثلاثين سنة خمسة آلاف ثمن بيت، الآن ثمن خمس بلوكات، هذه نقطة مهمة جداً إذا القرض طال صار مشكلة كبيرة، والحقيقة مع تفاوت العملات الآن يوجد قروض في أساسها بضعة آلاف لو حسبتها على سعر الذهب أو العملات الصعبة لأصبحت نصف مليون، وهي أساسها خمسة آلاف ليرة، وإذا المقترض دفع أكثر فهذا إحسان منه، وإذا كان هناك شرط ممكن المئة ألف تساوي عشرين ليرة ذهبية أنا أقول له: رد لي المبلغ عشرين ليرة ذهبية، لا يوجد مانع، نكون يسرنا على الناس رواج القروض، وإذا هبط سعر الذهب، يقول: أنا أريد مئة ألف، نقول له: لا، تأخذ العشرين ليرة ذهبية، يوجد حالات السعر يهبط نلتزم بالشرط.
يمكن أن تشترط بالعملة التي تريدها، وأن تستردها بهذه العملة أو بالذهب لا يوجد مانع، ولكن لابد من الشرط، مرّ عليّ نمط غريب يريد أن يقرض مليون ليرة، ذكر له اسم اثنتي عشرة عملة صعبة، الجنيه الإسترليني، المارك، الدولار، الين، ترى أسعارهم اليوم وتجمعهم وتأخذ المتوسط وبعد سنوات تأخذ أسعار العملات كلها وتأخذ المتوسط وتؤدي لي الدين بهذه السعر، إذا عملة من العملات ارتفعت كسب، نحن نقول لمثل هذا: اجلس في بيتك ولا تقرض أحداً.
عدم تأدية الديون إلا ببينة أو شهود :
إنسان جاءه رجل قال له: لي دين مع والدك مئة ألف بلا بينة، لا تعطه شيئاً إلا إذا اقتنعت، وأحضر شهوداً وأشياء دقيقة، وإلا فلا، لماذا لم تطالبه وهو حي؟ لم يكن لدي وقت، هذا كلام غير مقبول، لا تؤدى الديون إلا ببينة أو شهود، أما بلا دليل فلا تؤدى إطلاقاً، إذا فعلنا ذلك صار لكل إنسان أن يدعي على الميت ما شاء من الديون.

السعيد
09-20-2018, 08:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع : المدين يحاسب على نيتة






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الإخلاص والنية الطيبة :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع من دروس القرض، ونظراً لأن القرض من أوسع النشاطات الإنسانية بين الناس لذلك نحن في أمس الحاجة إلى معرفة أحكامه التفصيلة، الموضوع اليوم: المدين يحاسب على نيته.
بادئ ذي بدء يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ البخاري عن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/01.jpg
إنما أداة قصر، أي قيمة العمل محصورة في نيته، والنية أيها الأخوة لها شأن كبير كبير، وخطير خطير في حياة المسلم، قد يأتي الإنسان بعمل عظيم قال تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾
[ سورة الفرقان: 23 ]
الإخلاص والنية الطيبة سبب قبول العمل، الله سبحانه وتعالى لا يقبل العمل المشترك، كما أنه لا يقبل على القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه، موضوع النية موضوع دقيق، إلا أن الإنسان أحياناً يتساءل كيف أنوي نوايا طيبة؟ الحقيقة أن النية الطيبة محصلة إيمانك، محصلة توحيدك، محصلة استقامتك، محصلة أعمالك الصالحة، يمكن أن نجمع كل النشاطات، نشاط تلقي العلم نشاط فكري، نشاط تعليم العلم نشاط توحيدي، نشاط سلوكي، عمل صالح، كل هذه النشاطات الدينية تسهم مجتمعةً في صياغ النية التي ينوي بها الإنسان عمله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ... ))
[ البخاري عن عمر ]
قد نعجب أشد العجب أن إنساناً مات في ساحة الجهاد يقال له يوم القيامة: قاتلت ليقال عنك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، تعلمت العلم ليقال عليك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، قرأت القرآن ليقال عنك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، فشيء خطير خطير أن نصحح نوايانا، من تعلم العلم ليجادل به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فليتجهز إلى النار. النية الطيبة أساسها التوحيد :
أيها الأخوة، موضوع النية دقيق أريد أن أقف عنده قليلاً، ما الذي يسمو بنية الإنسان؟ توحيده، إذا وحّد معنى وحّد أنه لم يرَ مع الله أحداً، الله هو كل شيء، هو المعطي، هو المانع، هو المسعد، هو المشقي، هو المحيي، هو المميت، الله كل شيء، إذاً تتجه إليه مخلصاً، النية الطيبة أساسها التوحيد، التوحيد هو الذي يقودك إلى نية طيبة، ومعرفتك بالله عز وجل من خلال خلقه، من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، أيضاً تقودك إلى النوايا الطيبة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/02.jpg
مثلاً ورد أنه من استدان ديناً وهو يريد أن يقضيه، هذه الإرادة لا يعلمها إلا الله، استدان ديناً، والشيء المعلن جمعة، شهر، ستة أشهر، وقد يمتد هذا إلى سنوات وسنوات ولا يقضى الدين، الشيء المعلن لا قيمة له إطلاقاً، العبرة بالواقع، من استدان ديناً وهو يريد أن يقضيه فمات ولم يقضِ دينه- يريد ومات- الله سبحانه وتعالى قادر على أن يرضي غريمه بما شاء ويغفر للمتوفى، يقول الله عز وجل للدائن يوم القيامة: انظر إلى هذا القصر، يقول: يا ربي لمن هذا القصر؟ قال: لمن يدفع لي ثمنه، قال: وما ثمنه؟ قال: أن تعفو عن أخيك، أن تسامح أخاك، يقول: يا رب أشهد أني سامحته، لو فرضنا إنساناً توفي وعليه دين وفي نيته أن يؤديه يوم كان حياً، الله عز وجل أدى عنه، أي حمل دائنه على أن يسامحه وغفر له وسامحه، فالعبرة أنك حينما تستقرض هذا المبلغ من المال أن تنوي أداءه، ومن استدان ديناً وهو لا يريد أن يقضيه ومات على ذلك لم يقض دينه، يقال له: أظننت أنّا لن نوفي فلاناً حقه منك؟ فيأخذ من حسناته فتجعل في حسنات الدائن، فإن لم يكن له حسنات أخذت من سيئات الدائن فجعلت في سيئات المدين، هذا موضوع جديد ودقيق، إنسان استقرض قرضاً أو استدان ديناً وفي نيته أن يؤديه، لو أنه مات فجأةً فالله سبحانه وتعالى يحمل دائنه على أن يسامحه يوم القيامة ويعفو عنه.
هذا موضوع متعلق بالدين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
الله عز وجل رب النوايا :
أحياناً تنشأ ظروف ليست في الحسبان، إنسان استقرض قرضاً والله عز وجل يعينه على وفاء الدين بالتوفيق، تروج تجارته، يأتيه مبلغ من المال لم يكن بالحسبان، هذا بشرط أنه ينوي أداء الدين، فالإنسان ليدقق في موضوع نيته، على موضوع نيته تكون المعونة من الله عز وجل. ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِه))
[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/03.jpg
الله عز وجل رب النوايا، إنسان يستقرض ليشتري حاجات ثانوية، يستقرض لينفق المال جزافاً، أما إذا الإنسان استقرض لأمر جلل، فهناك ظروف قاهرة الإنسان يكون في أعلى درجات الانضباط، يشتري بضاعة ينشأ ظرف طارئ يسمح باستيرادها، تهبط أسعارها خسر نصف رأس ماله، لو أن رأس ماله قرض - أي دين -ماذا يفعل؟ خسر، فإذا إنسان خسر في تجارة، أو احترق بيته، أو سرق، هذه ظروف قاهرة، فمن استقرض ليقف على قدميه بعد ظرف قاهر شيء ومن استقرض ليشتري وليظهر بمظهر لائق أمام الناس ولينفق المال جزافاً شيء آخر، ربنا عز وجل يعلم علماً يقيناً الباعث الحقيقي لهذا القرض. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا مَاتَ إِلا مَنْ يَدِينُ فِي ثَلاثِ خِلالٍ الرَّجُلُ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَسْتَدِينُ يَتَقَوَّى بِهِ لِعَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ، وَرَجُلٌ يَمُوتُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ لا يَجِدُ مَا يُكَفِّنُهُ وَيُوَارِيهِ إِلا بِدَيْنٍ وَرَجُلٌ خَافَ اللَّهَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ فَيَنْكِحُ خَشْيَةً عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْ هَؤُلاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
دين الزواج، قلت لكم سابقاً: يوجد أحاديث كثيرة في الجامع الصغير تبدأ بكلمة حق، حق الأب على ابنه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره، حق الولد على والده، إلا أن حديثاً واحداً تقرأه فيقشعر جلدك حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف. قضية النية في الدين مهمة جداً :
أخواننا هناك قصة لولا أنني أثق ثقةً كبيرة في قائلها يصعب أن تصدق، على موضوع عندما تكون نية الإنسان طيبة الله عز وجل يتولى أمره، رجل مقيم في بلد خليجي وحضر إلى الشام في الصيف، له أصدقاء، من خلال مناقشات معينة حول استثمار الأموال يضع مبلغاً ضخماً هو كل ما يملك في حياته في شركة في الخليج استثمارية ضخمة جداً تعطي أرباحاً تقدر بسبعين بالمئة، والناس كلهم أقبلوا عليها إقبالاً جنونياً، فهذا الرجل المهندس له قريب في الشام من طلاب العلم ومخلص، من حديث إلى حديث قال له: أنا أضع مالي في الجهة الفلانية والأرباح طائلة وأنا مرتاح جداً، تفاصيل القصة لا سبيل إلى ذكرها، إلا أن ملخصها أن هذا المال موضوع في هذه الجهة بشكل لا يرضي الله، والجهة ليست منضبطة، ويوجد شبهة الربا، والأرباح غير معقولة، والأرباح خلبية، فجرى نقاش حاد بين هذا المهندس الذي وضع ماله في هذه الشركة الاستثمارية وبين قريبه طالب العلم، هذا النقاش انتهى بعد منتصف الليل إلى قناعة الضيف أن هذه الطريقة بالاستثمار مشبوهة ولا ترضي الله عز وجل، وفيها مظنة ربا، والقصة قديمة، والاتصال الهاتفي كان صعباً جداً، فبعد أن انتهت هذه السهرة قال الرجل الضيف: والله سأتصل وهو معه أسهم اسمية تباع لحاملها، بأخي أو بشريكي وأطلب منه أن يبيع هذه الأسهم تبرئة لذمتي أمام الله، القصة تتمتها أنه في اليوم التالي اتصل لم يفلح في الاتصال، اتصل مساءً لم يفلح، اتصل صباحاً لم يفلح،مساء لم يفلح، صباح اليوم الثالث لم يفلح، مساء اليوم الرابع لم يفلح فقال: أنا حينما أعود بعد شهر أبيع هذه الأسهم وأنجو من شبهة الربا وانتهى الأمر، أمضى في الشام ثلاثين يوماً، وعاد إلى بلده في الخليج، أما هنا فبدأت القصة حينما وطأت قدمه أرض المطار، قال له أخوه: هل علمت ماذا حلّ بهذه الشركة الضخمة؟ قال: لا، قال: فلست، يروي من حضر أن هذا الإنسان كان قد وضع مليون دينار كويتي في هذه الشركة وقع مغشياً عليه، كل ما يملك في حياته، الشركة فلست، يبدو أن أخاه عجل عليه بهذا الخبر، قال له: قم والله لم ينجُ من المستثمرين في هذه الشركة إلا أنت، قال له: كيف؟ قال له: قبل شهر رأيتك في المنام تأمرني أن أبيع أسهمك في هذه الشركة بسعر شرائك، هل يعقل أن أبيعها؟ رأيتك مرةً ثانية في الليلة نفسها لا يعقل، رأيتك مرةً ثالثة في الليلة نفسها، حينما رأيت الرؤيا ثلاث مرات خفت، وبعت لك الأسهم، وقبضت ثمنها، وبعد أيام معدودة أعلنت الشركة إفلاسها، هذا نوى وهو في الشام أن ينجو من شبهة الربا، طبعاً قريبه صديقي، والقصة سمعتها من أحد الطرفين، وهي قصة غريبة جداً، الله أحياناً يتدخل، هو نوى أن ينجو من شبهة الربا، فلذلك قضية النية في الدين مهمة جداً.
المدين يحاسب على نيته :
أنا والله أعرف أخاً عليه مبلغ بحسب دخله، لا يستطيع أن يوفيه ولا بعشر سنوات، استقرض مبلغاً ضخماً، وكانت تجارته جيدة جداً، حدث أمر قاهر بتجارته فشبه فلس، ولا يوجد معه دخل لطعامه وشرابه، والمبلغ كبير جداً، ولا يستطيع أن يوفيه في أقل من عشر سنين، سبحان الله فجأة فتح له باب رزق وخلال سبعة أشهر وفِّي هذا المبلغ الكبير، أنا تيقنت وقتها أن هذا الأخ الكريم يبدو أنه نوى بشكل واضح جداً، والله علم ذلك أن يؤدي هذا الدين، فأدى الله عنه، محور الدرس الآن المدين يحاسب على نيته.
(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
مجمل النشاط الديني يتوج بنية الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/04.jpg
بالمناسبة المدين لا ينبغي أن يأكل إلا لوناً واحداً، ولا يشتري إلا فاكهة نوعاً واحداً، ونوعاً متوسطاً، سوف يحضر فقط فريز، لا، يوجد فاكهة غالية جداً، فاكهة عادية نوع واحد، طعام نوع واحد إلى أن يفي الدين، لازلنا في موضوع النية، من أصدق امرأة صداقاً- أي تزوج امرأة على صداقٍ - وفي نيته ألا يوفيه إياها لقي الله زانياً، صدقوني كلام النبي.
ومن استقرض ديناً وفي نيته ألا يؤديه لقي الله سارقاً، نحن اليوم في موضوع النية، إنما الأعمال بالنيات، نيتك محصلة دينك، محصلة معرفتك، محصلة توحيدك، محصلة استقامتك، محصلة تفكرك، محصلة أعمالك الصالحة، كل النشاطات الدينية تنتهي بالنية، كيف أن المجتمع مثلاً ثروته القومية، مع إنتاجه الزراعي، مع إنتاجه الصناعي، مع صادراته، مع موازنة صادراته، مع استيراده، كل هذا يسهم في تحديد سعر النقد عنده سعر النقد متعلق بمجمل النشاط الاقتصادي، كذلك مجمل النشاط الديني يتوج بنية الإنسان. من يأخذ ويعطي يملك أقدس شيء وهو ثقة الناس به :
من استقرض قرضاً وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة يحفظونه، ويدعون له حتى يقضيه، يوجد قصة وردت في السيرة النبوية الشريفة، لعلها قصة رمزية إلا أن النبي رواها:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ قَالَ ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا...))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
طبعاً لا يبنى حكم شرعي من هذه القصة. (("... قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأجَلِ الَّذِي كَانَ أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مَعَهَا إِلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا الْبَحْرَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي اسْتَلَفْتُ مِنْ فُلانٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلاً فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً فَرَضِيَ بِكَ وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ وَإِنِّي قَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالَّذِي لَهُ فَلَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ.. ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الوقت مقدس، حلّ الدين، طبعاً قصة رمزية ليس القصد أن نستنبط منها أحكاماً لكن القصد كي تروا كيف أن الأجل مقدس. ((... حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ يَنْظُرُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَطْلُبُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيءُ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لأهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ، قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهِ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِأَلْفِكَ رَاشِدًا ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لعل القصة تشير إلى أن الإنسان عندما يحل أجل الدين، والأجل مقدس لأن الدائن بنى على الأجل أعمالاً، قال: أنا لي مبلغ كذا يأتيني في واحد الشهر، ومبلغ سوف يأتيني في خمسة الشهر، يهيئ مشروعاً، صفقة، جاء أول الشهر وخمسة الشهر لا يوجد شيء، أحياناً الإنسان عندما يأخذ ويعطي يملك أقدس شيء في الحياة وهو ثقة الناس به، تستطيع أن تأخذ مرة واحدة ولا تعطي، ولكن مرة ثانية انتهيت، أخطر شيء الإنسان أن ينتهي من بين أصدقائه، من بين إخوانه، من مجتمعه، يستطيع أن يلعب على الناس مرة واحدة، ولكن مرتين صعب، أما المؤمن فيأخذ ويعطي، هذا الأخذ والعطاء يكون اكتسب شيئاً لا يقدر بثمن وهو الثقة، ثقة الناس به، الحقيقة الموثوق أكبر غني، لأنه مهما طلب يعطونه الناس، والإنسان إذا ما وثق به فقير جداً، لو طلب أصغر مبلغ لا أعطيه مرسة يشنق نفسه بها، هكذا يقول الناس، وهذا من عدم وفاء الدين، طبعاً توقيع الإنسان و وعده يجب أن يحافظ عليه. من ملك ثقة الناس ملك كل شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/05.jpg
يقولون: قصص رمزية ولكن والله لها معنى كبير، السلف الصالح إنسان وضع عند إنسان أمانة وهو يريد قضاء فريضة الحج، عاد بعد فريضة الحج غلط بالمحل، ودخل إلى محل قبله، وقال له: الأمانة، قال له: أي أمانة،؟ قال: التي أودعتها عندك قبل الحج، قال له: كم ليرة؟ قال: ثلاثين، فقال له: هذا المبلغ، خاف على اسمه، كان الناس يقولون: ألف غلبة ولا قلبة، اسم، الاسم متألق جداً، يوجد اسم لا يباع بمليار، اسم تجاري صدق، أمانة، أحياناً الإنسان يدين بضاعة ويقول لك: كأنها عندي، كأن ثمنها معي، يوجد شخص تخاف أن تعطيه أقل مبلغ، وشخص ولو طلب أكبر مبلغ تعطيه، فالإنسان الحقيقة إذا ملك ثقة الناس ملك كل شيء، وإذا الناس سحبت الثقة منه فقد كل شيء، يوجد مثل فرنسي أحياناً أنا أذكره: تستطيع أن تخدع الناس كلهم لبعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعضهم لكل الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا شيء مستحيل.
الوصية من تمام النية في أداء الدَّين :
يوجد شيء دقيق جداً في موضوع الدين، قال: من تمام النية في أداء الدين الوصية، أنت عندما تتدين مبلغاً ولا تكتب، يوجد مشكلة، من منا يضمن حياته لبعد ساعة؟ الإنسان أحياناً يموت بحادث، يموت بسكتة قلبية، بخثرة دماغية، أحياناً يسكت، يفقد ذاكرته، يفقد النطق، إذا استقرض مبلغاً من المال في حياته وما سجله و وافته المنية، ما الذي يحصل؟ هذا الدائن إذا جاء بعد الوفاة يطالب بدين بلا بينة لا يصدق، فإذا لم يعطَ تعلق حقه في ذمة الميت، وعذب بهذا الحق، فمشكلة كبيرة جداً، اكتب في وصيتك: فلان له عليّ مئة ألف ليرة تؤدى له بالتمام والكمال عند الوفاة، عند الوفاة التي تسبق الأجل المحدد، أنت استقرضت مئة ألف لسنة، إذا الإنسان مات قبل السنة يجب أن يكتب في الوصية ذلك، فكل شيء مكتوب يحل مشكلة.
نظراً لأهمية الدين الشرع الحنيف جعل أداء الديون مقدماً على تنفيذ الوصايا.
حسن القضاء في الدين :
الآن يوجد عندنا موضوع ثان متعلق بالدين اسمه حسن القضاء في الدين:
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: لِي صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
طبعاً هذا الأداء الحسن أولاً غير مشروط، وغير متوقع، وغير مطلوب، أما إذا أديت الدين و زدت عليه تكريماً لهذا الذي أقرضك فهذا اسمه أداء حسن. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/06.jpg
مسموح لصاحب الحق أن يشتد بالمطالبة، لذلك قالوا: صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى.
طبعاً قد يقول أحدكم كيف كان هذا؟ يكون لأنه يوجد إنسان غير معصوم، الأعرابي غير معصوم، وغير مستقيم أحياناً، وغير منضبط، لكن ليظهر كمال النبي، ليظهر حلم النبي، ليظهر عفو النبي، والنبي مشرع وقدوة لنا.
إذا إنسان تكلم بعصبية ورفع صوته لأنه صاحب حق، أنت اقبله لأنه محروق، لأنه صاحب حاجة، لأنه مضطر، وأعظم شيء بالإنسان أن يفهم الأمور لا من زاويته، بل من زاوية الآخرين، أساساً الناجحون في الحياة الذي يستوعبون الناس أحد خصائصهم ذلك، إذا إنسان وقف موقفاً قاسياً منهم لا ينظر إلى هذا الموقف من زاويته هو، بل من زاوية الطرف الثاني فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ... دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحياناً أنت موظف يأتيك مراجع جاء من بلد بعيد، وجاء البارحة فقلت له: تعال غداً، ينام في فندق ويدفع مبلغاً ضخماً، جاء في اليوم الثاني، وأنت مرتاح، تعال غداً أيضاً فخرج منه صوت عال، احلم عليه هو مسافر وأنت مقيم، هو نام في فندق، أنت في بيتك مرتاح، وهو على أحر من الجمر، فإذا إنسان له حاجة ورفع صوته تحمله، تصرف تصرفاً غير حكيم تحمله. ((... ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فهذا شاهد على أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أدى الدين يؤدي الدين ويزيد في الأداء تحت باب حسن أداء الدين، وقد ورد في الحديث الشريف: ((... لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ... ))
[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ]
أي يأخذ حقه وهو مطمئن. الضعيف قوي حتى يأخذ حقه والقوي ضعيف حتى يعطي الحق :
يروون عقب الحرب العالمية الثانية- الثالثة بدأت-الدمار عمّ فصار اجتماع في بريطانية في مجلس العموم، ورئيس الوزارة بدأ يسأل وزيراً وزيراً، كيف الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها مدمرة، كيف الزراعة عندك يا فلان؟ الحقول كلها محروقة، كيف الخزينة عندك يا فلان؟ الخزانة فارغة، لا يوجد وزير إلا قال له صفر، طبعاً عقب حرب مدمرة استمرت سنوات وحصدت خمسين مليون إنسان، معروفة عندكم هذه الحرب، فسأل وزير العدل قال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال له: بخير، فقال: كلنا إذاً بخير، العدل جيد كلنا بخير، طبعاً يقول عليه الصلاة والسلام: ((... لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ... ))
[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5801/ar-5801/07.jpg
الضعيف قوي حتى يأخذ حقه، والقوي ضعيف حتى يعطي الحق، هكذا قال سيدنا الصديق: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له"، هكذا قال سيدنا الصديق رضي الله عنه، ويقول الرسول صلى الله عليه: (( من انصرف غريمه عنه وهو راض صلت عليه دواب الأرض ))
[ الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب]
رجل له معك مال أديت له المال وقلت له: جزاك الله خيراً، قال لك: أنت أيضاً أديت المبلغ في الوقت المناسب وأنا شاكر جداً، إذا غريمك انصرف وهو راض عنك رضي الله عنك، إذا جاء غريمك قولوا له: ليس موجوداً، لا يوجد غيري لك معه مال؟ بدأ يكبر في الكلام، أخي هذه المحاكم لا أعطيك شيئاً، إذا انصرف عنك الغريم وهو متألم أنت كنت أمامه ذليلاً، ضعيفاً، تترجاه وتتوسل إليه، فلما ملكت المال وأصبح المال بيدك ومضى عليه سنوات وسنوات وطرق بابك تطرده وتقسو عليه!! ترفع صوتك أمامه وتدعوه إلى القضاء!! أساساً من يفعل هذا يمنع الخير في المجتمع، هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم يمنعون الماعون: ((من انصرف غريمه وهو ساخط كتب عليه في كل يوم وليلة وجمعة وشهر ظلم ))
[ الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب]
(( عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَقُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ لِي عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ فَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا ))
[البخاري عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ]
المؤمن سهل في قضائه و في اقتضائه :
أيها الأخوة، بحسب امرئ من البخل أن يقول: آخذ حقي ولا أدع منه شيئاً.
أي لا أسامحك ولا بقرش.
(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى))
[البخاري عن جابر بن عبد الله ]
((عن عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يَلُومُنِي، قَالَ: أَوَ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ رَجُلاً كَانَ سَهْلاً مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا ))
[أحمد عن عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
إذا باع هناك سهولة، تسامح، طيب نفس، تساهل، إذا اشترى هناك تساهل أيضاً، قال لك: أنا أحتاج والدين لبعد أسبوع معك دفعة من الدين؟ لا السند بعد أسبوع، هذا سهل القضاء، كن سهلاً في قضائك وفي اقتضائك. (( من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الأبرار))
[ الدار قطني عن ابن عباس]
من أعظم الأعمال أن تقضي عن أبيك ديناً، أنت لست مكلفاً بذلك لكن من الوفاء أن تقضي عن أبيك ديناً. (( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَفَ مِنْهُ حِينَ غَزَا حُنَيْنًا ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهَا إِيَّاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ))
[ ابن ماجه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
جزاء من أقرضك قرضاً أن تفي له هذا القرض وأن تشكره. من استقرض ولم يوف بعهده منع الخير في المجتمع :
أيها الأخوة الكرام، من خلال هذا الدرس في موضوعيه، موضوع أثر النية في القرض، وموضوع الأداء الحسن ينبغي أن نتعامل مع بعضنا بعضاً وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية الكريمة:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
قال العلماء: أنت فيهم أي سنتك مطبقة فيهم، والإنسان لأن يربح أخاً أكبر من أن يربح الدنيا وما فيها، أحياناً تربح المبلغ وتخسر أخوك، أنت أكبر خاسر لأن أخاك الذي خسرته سوف يتحدث عنك، وسوف تسقط في نظر المجتمع، أنا كما يبدو لي أن القرض يحل مشكلات كثيرة جداً، أما حينما استمرأ الناس أن يماطلوا من أقرضهم تجد مع تقدم الزمن يكاد هذا القرض ينعدم، قرض لا يوجد، مشكلة كثيرة ندور على أناس كثيرين يملكون المال ولا يقرضون، يبدو أن لهم تجربة مرة سيئة جداً، هذا الذي استقرض ولم يوف بعهده منع الخير في المجتمع، أحياناً أنت حينما تستقرض وتوفي تدعم الحق، وتعطي المقرض معنوية طيبة، وأن يعيد هذه الخبرة مع إنسان آخر.

السعيد
09-20-2018, 09:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع : موازنة بين الصدقة و القرض



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ورود القرض الحسن في القرآن الكريم :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من دروس القرض الحسن، القرض الحسن ورد في القرآن الكريم في خمس آيات، الآية الأولى في سورة البقرة:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
وفي سورة المائدة: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة: 12 ]
وفي سورة الحديد: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد : 18 ]
وفي سورة التغابن: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 11 ]
وفي سورة المزمل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
[ سورة المزمل: 20 ]
في خمس آيات في كتاب الله ربنا سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين تارةً ويصفهم تارةً أخرى بأنهم يقرضون قرضاً حسناً. أنواع التجارة :
الحقيقة أيها الأخوة التجارة نوعان: تجارة مع الناس وتجارة مع الله، التجارة مع الناس رابحة أو خاسرة، وإذا ربحتَ ربحت ربحاً معقولاً، عشرون بالمئة، ثلاثون بالمئة، أما إذا ربحت مئة بالمئة فتعد تاجراً فذاً، أما إذا ربحت مئتين بالمئة فشيء غير معقول، إلا أنك إذا تاجرت مع الله الربح ليس له حدود، التجارة نوعان تجارة مع العباد، وتجارة مع رب العباد، مع العباد تربح أو تخسر، وإذا ربحت فتربح بحدود معقولة، لكن التجارة مع الله عز وجل لا حدود لها، وكلها بالقرض الحسن، قال بعضهم: "القرض الحسن لا وفاء له إلا من خزائن رحمة الله".
كيفية تعامل أصحاب النبي مع القرآن الكريم :
لما نزل قوله تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/01.jpg
قال أبو الدحداح: الآن دققوا كيف يتعامل أصحاب النبي مع القرآن الكريم.
قال زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عنا؟ قال: نعم، يريد أن يدخلكم به الجنة، الله سبحانه وتعالى جعل القرض الحسن ثمن الجنة، القرض الحسن بمفهومه الواسع، أي عمل صالح هو قرض حسن، ليس القرض الحسن هو إعطاء المال، أي عمل صالح مع أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل هو قرض حسن، هذا الصحابي ما استوعب خالق الكون يستقرضنا!!
فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عنا؟ قال: نعم إنما يريد أن يدخلكم به الجنة، قال: فإني إن أقرضت ربي قرضاً حسناً يضمن لي ولصبيتي الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، فقال أبو الدحداح: يا رسول الله ناولني يدك، فناوله النبي الكريم يده، فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضاً لله تعالى- هبة- فقال عليه الصلاة والسلام: اجعل أحدهما لله تعالى والأخرى دعها معيشةً لك ولعيالك، النبي اقترح عليه أن يجعل أحدها لله تعالى والثانية معيشةً له ولعياله، فقال أبو الدحداح: أشهدك يا رسول الله أني جعلت خيرهما لله تعالى، الأجمل الأكبر، وهو حائط فيه ستمئة نخلة. قال عليه الصلاة والسلام: إذاً يجزيك الله به الجنة. القرض الحسن تجارة مع الله :
الآن وازنوا بين رجل معاصر أراد أن يعمل صالحاً وذهب إلى امرأته ليخبرها بهذا العمل الصالح، ماذا تقول له امرأته؟ وبين صحابية جليلة جاء زوجها ليخرجها من البستان.
قال: فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها بالحديقة تدور تحت النخل، فناداها يا أم الدحداح: قالت لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضت ربي حائطاً - والله لو أنها امرأة معاصرة لصرخت بالويل-، قالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أقبلت على أبنائها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما بأكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر.. ، هكذا كان أصحاب النبي، نزلت آية:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
أيها الأخوة، هذه تجارة مع الله القرض الحسن تجارة مع الله، مطلق العمل الصالح، قد تبذل من مالك، من وقتك، من جهدك، من خبرتك، من علمك، من جاهك، قد تعين مريضاً، قد تعين أرملةً، حيواناً مجروحاً، قد تعين مخلوقاً كائناً من كان، كله قرض حسن. القرض الحسن أفضل من الصدقة :
الحقيقة ما سرّ أن القرض الحسن أفضل من الصدقة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/02.jpg
السر أنه ما كل إنسان يقبل الصدقة، أما كل إنسان إذا كان محتاجاً إلى المال يقبل القرض الحسن، وتبقى نفسه عزيزة رافع الرأس، دائرة الصدقة تضيق، لكن دائرة القرض الحسن تتسع، كل إنسان يكون له عمل، له بيت يضطر إلى قرض حسن، فإذا شاع القرض الحسن بين الأخوة المؤمنين حلت مشكلاتهم، القرض الحسن أوسع من الصدقة، شيء آخر بالحديث القدسي المعروف:
((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا الحديث أصل وهو صحيح وقد ورد في الكتب التسع. حقيقة الدَّين :
أخواننا الكرام هذا الحديث من أصول الدين:
(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا ))
[ الجامع الصغير عن ابن عباس]
الاعتكاف أن تدع عملك ليلاً نهاراً في المسجد، صيام وصلاة والشهر ثلاثون يوماً، يقول النبي: (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا ))
أيها الأخوة: السلف الصالح كانوا يفقهون حقيقة الدين، سيدنا ابن عباس كما قلت لكم رأى رجلاً ركبه الهم، قال: مالك؟ قال: عليّ ديون لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج من معتكفه، فقال له رجل فضولي: أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا، لكنني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. تعلق القرض الحسن بكل عمل صالح :
مرة ثانية أخواننا الكرام القرض الحسن لا يتعلق بالمال وحده يتعلق بكل عمل صالح، ابن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 261 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/03.jpg
قال عليه الصلاة والسلام: "ربي زد أمتي في كل سنبلة مئة حبة أي سبع سنابل، فنزل قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
هاتان الآيتان متكاملتان، سيدنا عثمان - والقصة معروفة- أتته بضاعة من الشام دفعوا له ضعف ثمنها، بالمئة مئة وصلوا معه إلى خمسة أضعاف، قال: دُفع أكثر، قالوا: من دفع لك أكثر من هذا؟ قال: إنها لله عز وجل، وعدني الحسنى بعشرة أمثالها.
سيدنا عمر رضي الله عنه كتب إلى ابنه عبد الله يوصيه قال: "أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وزاد قلبك".
أيها الأخوة، القرض الحسن من أجلّ الأعمال الصالحة عند الله، الحقيقة القرض الحسن يؤكد صدق الإيمان.
أدعية عن رسول الله نصح بها الغرماء :
يوجد موضوع آخر في الدين، ولعل هذا من آخر دروس الدين، الإنسان أحياناً يكون عليه دين لا يطيق وفاءه، يوجد طائفة كبيرة جداً من الأدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها نصح بها النبي الغرماء.
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ.. ))
[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
كلكم يعلم المؤمن عملي، يوجد نص ورد عن سيدنا عمر رأى رجلاً يقرأ القرآن في وقت العمل، قال له: إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به أفتخذت قراءته عملاً؟ (( ... مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ.. ))
[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
يوجد وقت للصلاة، و وقت للتهجد. ((... قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ))
[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
هذا الدعاء من أصح الأدعية. (( عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ... ))
[مسلم عَنْ سُهَيْلٍ]
أنا أدعو أحياناً على المنبر: " الله صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وبذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء".
أحياناً الإنسان يكون على درجة عالية من الإيمان، على درجة عالية من الاستقامة، على درجة عالية من العمل الصالح، أنا أدعو وأقول:" اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم أقرر أعيننا من رضوانك"، يقول لك: عندي أرض تضاعفت مئة ضعف ويكشر، عندي وكالة، بيت، فيلا، كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم أقرر أعيننا من رضوانك. (( عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: أَتَى عَلِيًّا رَضِي اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي...))
[أحمد عَنْ أَبِي وَائِلٍ]
أي عن وفاء ما عليّ لسيدي حتى يعتقني. ((... فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَنَانِيرَ لأدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي وَائِلٍ]
هذا دعاء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوجد دعاء آخر: "اللهم فارج الهم وكاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحماء الدنيا والآخرة أسألك أن ترحمني برحمةً من عندك تغنني بها عن رحمة من سواك". الدعاء بإخلاص دعاء مستجاب :
والله قبل أيام التقيت برجل صالح وهو يعمل بالتجارة، أقرض رجلاً مبلغاً كبيراً، وهذا الإنسان ليس جيداً وهو محتال، وقد أخذ من أناس كثيرين أموالاً طائلة، ويبدو أن هذا المال هلك، قال لي: والله صليت قيام الليل ودعوت في وقت السحر وقلت: يا رب هذا المال تعلم أنه حلال فرده لي، على ثلاثة أيام، يقسم بالله العظيم أن الله تعالى ألهم هذا المحتال أن يعطيه الدين، أعطاه إياه على دفعات ثلاثة ولم يعطِ أحداً غيره، أنا أقول لكم قيام الليل.
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/04.jpg
إذا ضاقت الحيل ليس لك إلا الله، ليس لك إلا أن تقوم الليل وتنفذ دعوة الله عز وجل، هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ قال لي: والله بعد أن يئست أن أسترد من مالي درهماً واحداً وعلمت أنه نصاب محتال وقد أخذ أموالاً طائلة من أناس كثيرين وامتنع عن الدفع، ما وجدت من حيلة إلا أن أدعو الله عز وجل، ثلاث ليالي وأنا أدعو الله عز وجل ليرد لي المال، فما كان من هذا المحتال بشكل أو بآخر وبسبب لا يعلمه أن ردّ له الدين على ثلاث دفعات، ولم يعطِ أحداً سواه.
آلاف الشواهد أيها الأخوة، الله عز وجل يحب أن يريك آياته، وهذه من آياته، تدعوه ولا يستجيب لك؟ والدعاء في الدين، إذا رجل قال بإخلاص يا رب اقض عني الدين، يوجد إنسان ما عليه دين، ما أكثر الديون في هذا الزمان، ديون لا أطيق لها سداداً، والله عز وجل موجود، قلت لكم في الدرس الماضي: أحد أخواننا الكرام أصابه مصيبة في ماله، فذهب معظم رأس ماله، وعليه دين مليون وأكثر ولا يجد قوت يومه، أيضاً لا يوجد إلا الدعاء، الله عز وجل يسر له، بأقل من سنة قضى دينه، بظرف استثنائي وقلّما يقع، والقصة لها تفاصيل كثيرة، من أقل من عام مكنه الله أن يرد دينه، إذا كان لك دين اطلب من الله أن يرد لك إياه، وإذا عليك دين اطلب من الله أن يعينك على وفائه، والحديث الأساسي في هذا الموضوع: ((منْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
المتوفى لا يبرأ من دَينه إلا بالأداء :
ذكرت لكم أن العام الماضي كنت في العمرة، بين المغرب والعشاء يوجد درس في الحرم النبوي قلت: أستمع إلى الدرس وسماع الدرس واجب، هذا المدرس ذكر حديثاً ذكرته لكم عدة مرات، أحد أصحاب النبي توفي فجاء النبي ليصلي عليه قال: أعليه دين؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/05.jpg
(( عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الأنْصَارِيُّ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ ))
[أبو داود عَنْ جَابِرٍ]

هذه القصة لها تتمتها، أن النبي الكريم في اليوم التالي سأل ابن مسعود أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الثالث أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الرابع أدفعت الدين؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
استنبط العلماء أن المتوفى لا يبرأ من دينه بالضمان بل يبرأ من دينه بالأداء، حكم شرعي لو كفل دينه رجل تبقى ذمة المتوفى معلقة إلى أن يؤدى الدين. حقوق العباد مبنية على المشاححة :
الآن نحن في موسم الحج، يوجد وهم عند الناس شائع أن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هذا الكلام صحيح وغير صحيح، هو حديث شريف، صحيح فيما بينك وبين الله، وليس صحيحاً فيما بينك وبين العباد، ما بينك وبين العباد لا يسقط إلا بحالتين بالأداء أو بالمسامحة، إذا حججت ألف حجة لابد من أن تؤدي ما عليك أو أن يسامحك الذي له عليك حق، أما تغتاب الناس، تأكل أموالهم، وتحج والله عز وجل يغفر لي، فهذا كلام فارغ، حقوق العباد مبنية على المشاححة.
دعاء أداء الدَّين :
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني ذو عيال وعليّ دين وقد اشتدت حالتي فعلمني دعاء إذا دعوت به رزقني الله ما أقضي به ديني، وأستعين به على عيالي، فقال: يا عبد الله توضأ وأسبغ الوضوء ثم صلِّ ركعتين تتم فيهما الركوع والسجود ثم قل: يا ماجد، يا واجد، يا كريم، أتوجه إليك بمحمد نبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى الله ربك ورب كل شيء أن تصلي على محمد، وعلى أهل بيته، وأسألك نفحةً من نفحاتك، وفتحاً يسيراً، ورزقاً واسعاً، ألم به شعثي، وأقضي به ديني، وأستعين به على عيالي، هذا أيضاً حديث في أداء الدين، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ فَالِقَ الإصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ))
[عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ]
الدعاء الذي أدعوه دائماً: "اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا"، صلاح الدنيا يكون بالمال، المال قوام الحياة.
يوجد دعاء قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 26 ]
يقول سيدنا جعفر: بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من دعاء ربه كائنة ما كانت.
أي إذا كان هناك مشكلة أصابتك ودعتك إلى أن تدعو الله كثيراً، هذه المشكلة بارك الله فيها، لماذا؟ لأنها سبب هذا الدعاء، أية مشكلة دعتك إلى أن تدعو الله بإخلاص، وبلهفة، وبإقبال، فهذه المشكلة مباركة لأنها سبب اتصالك بالله عز وجل. حرية المسلم كرامته وذله دَينه :
قال أحدهم للآخر: أتحج وعليك دين؟ قال: نعم الحج أقضى للدين، كيف؟ الدعاء هناك مستجاب، العلماء يقولون: الإنسان إذا رأى الكعبة أول مرة له عند رؤيتها دعاء مستجاب، أنا أنصح أخواننا الذين ذهبوا إلى الحج أو العمرة أول مرة حينما تواجه الكعبة أول ما تواجهها ينبغي أن تدعو الله كثيراً، لأن لك عند الله دعاء مستجاباً، والحج كله دعاء.
يقول أحدهم: ما احتجت إلى شيء استقرضته إلا استقرضته من نفسي، قالوا كيف؟ قال: أصبر على نفسي حتى أجد ثمنه، بدل أن أستقرض ثمنه وأتحمل ذلّ الدين أصبر على نفسي و أستقرضه من نفسي.
قال بعض الشعراء:
وإذا غلا شيء عليّ تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/06.jpg
إذا الناس تعودوا كل شيء غلى يتركونه الأسعار تهبط، كل شيء على، الإنسان لا يعظم شيئاً، شيء ارتفع سعره بشكل غير طبيعي، إذا زاد إقبال الناس عليه كان الاحتكار وكان الاستغلال، فإذا ارتفع ثمن شيء ارتفاعاً فاحشاً المعالجة الواعية بترك هذا الشيء، سمعت في بعض البلاد يوجد جمعيات تجول الأسواق، وتدرس الأسعار، فإن رأت أن سلعةً زاد سعرها بشكل غير طبيعي دعت الناس إلى ترك شرائها، إذا دعي الناس إلى ترك شراء هذه السلعة رجعت إلى سعرها المعتاد.
قال بعض الشعراء: لقد كان القريض سمير قلبي فألهتني القروض عن القريض
***
القريض الشعر، وألهته هذه الديون عن الشعر، بعضهم قال: حرية المسلم كرامته، وذله دينه، وعذابه سوء خلقه، وقال بعضهم: أربعة لا تستقل مهما كانت قليلة لها نتائج خطيرة، الدَّين، والنار، والعداوة، والمرض، الدين إذا كان قليلاً يدعو إلى مزيد من الدين، إذا إنسان استبرأ الدين يستدين أيضاً إلى درجة صار وفاؤه فوق طاقته، النار معظم النار من مستصغر الشرر، أحياناً دخينة تلقى في غابة تحرق خمسة وعشرين دونماً، أحياناً تحرق ثلاثمئة وخمسين دونماً. كل قضية في البداية أمرها سهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5802/ar-5802/07.jpg
هناك نقطة مهمة جداً، أحياناً تنشأ مشكلة أنت لا تبالي فيها تظن أنها ستبقى بهذا الحجم، بينك وبين صهرك، بينك وبين ابنتك، بينك وبين شريكك مثلاً، بينك وبين صديقك تنشأ مشكلة أنت تظن أن حجمها صغير وتعتقد أنها تبقى بهذا الحجم، لا، إذا أنت لم تعالجها سريعاً هذه المشكلة تتفاقم من مشكلة صغيرة جداً تصبح عداوة كبيرة جداً، العداوة تتفجر، والنار تتفاقم، والدَّين يكثر.
والمرض يقول أخواننا الأطباء: القضية في البداية أمرها سهل، لو فرضنا ورماً خبيثاً في أوله سهل معالجته بالأشعة، بالاستئصال، أما إذا انتشر صار صعباً، أكثر الأمراض في البدايات سهلة جداً، أربعة لا تستقل.
رجل شاعر كان مديناً فقال:
ألا ليت النهار يـعود ليلاً فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج لا تطيق لها قضاءً ولا رداً و روعات الغريم
***
الشاعر أحمد شوقي معروف عندكم، كان من فصحاء الشعراء، وكان أمير الشعراء، مرةً حضر حفل تكريم بطل عالمي في رفع الأثقال فأنشأ قصيدة قال فيها: قل لي نصـير وأنت بر صادق أحملـــت إنساناً عليك ثقيلا
أحملـت ديناً في حياتـك مرةً أحملت يوماً في الضلوع غليلا
أحملت ظلماً من قريــب غادرٍ أو كاشح بالأمس كان خليـلا
أحملت منا من بالنهار مكـرراً والليل من مسد إليك جميـلا
أحمـلت طغيان اللئيم إذا اغتنى أو نال من جاه الأمور قليـلا
تلــك الحيــاة وهذه أثقالها وزن الحديد بها فعاد ضئيـلا
لمَ لا يَلِينُ لك الحـديدُ ولم تزَلْ تتلو عليه وتقرأ التنزيــلا؟
***
البطل لا الذي يحمل الأثقال هناك ديون لا تحتمل، هناك أغلال لا تحتمل، هناك ثقل لا يحتمل، هناك غدر لا يحتمل، هناك ظلم لا يحتمل، هناك قهر لا يحتمل، فحمل هذه الأثقال أشد على النفس من حمل الأثقال.
البطولة هذا الذي يتحمل قال: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد
***
ما الذل؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده، واللهِ والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين. أقوال في الدَّين :
سيدنا ابن عوف كان من أغنياء الصحابة، قيل له: بم نلت هذه الثروة؟ قال: لأني ما بعت ديناً ولا استقليت ربحاً، هذه خبرة في التجارة، تجارة الدين ليست تجارة، الدين هالك إلا ما رده الله.
قال ابن جريج رآه سيدنا عمر وهو متقنع، فقال يا أبا خالد إن لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلة، فقلت: إن لقمان لم يكن عليه دين، هو تقنّع ليهرب من غرمائه.
سيدنا أبو عبيدة روى أن عمر بن الخطاب - وهذه قصة رهيبة جداً- أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمئة درهم، سيدنا عمر يستلف من سيدنا ابن عوف أربعمئة درهم؟ فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين حتى يأخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكن أستسلفها منك لما أعلم من حرصك فإذا مت جئت واستوفيتها من ميراثي.
وقال ابن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي به دينه، ويصل به رحمه، ويكف به وجهه.
قال الطحاوي: ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم، رجل أعطى ماله سفيهاً وقد قال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء : 5 ]
ورجل داين بدين ولم يشهد- لم يكتب إيصالاً فأنكر عليه الدين، هو المسؤول المقصر وهو أولى بالخسارة-.
وقال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة أمور؛ إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب، العجلة في هذه الخمسة محمودة.
كان عليه الصلاة والسلام جالساً وحياله جحر، ثقب في الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: "لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل الله قوله تعالى: إن مع العسر يسراً".
قال: ثلاثة تذهب عن القلب الحزن: صحبة العالم، وقضاء الدين، ومشاهدة الحبيب، إذا الإنسان أدى ما عليه وأخذ الإيصال يشعر نفسه صار خفيفاً، انطلق.
أحد الحكماء قال: إني ذقت الطيبات كلها فلم أجد أطيب من العافية، وذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس، ونقلت الحديد والصخر فلم أجد أثقل من الدين. القرض الحسن و جزاؤه عند الله :
أيها الأخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الموضوعات الخمس عن القرض الحسن، والقرض الحسن الناس الآن في أمس الحاجة إليه، إذا لك أخ تثق بدينه وبأمانته، وأنت ميسور وأحب أن يستقرض منك قرضاً، هذا القرض أعظم عند الله من الصدقة، وجزاء القرض الحسن أن الله يعطي الإنسان من خزائن رحمته، وخمس آيات أهمها قوله تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

السعيد
09-20-2018, 09:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع : تعريف البيع والشراء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شطر الدين معرفة الله و تطبيق أوامره :
أيها الأخوة الكرام، عطفاً على درس الجمعة وعلى آية سورة الجمعة وهي قوله تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة الجمعة : 2 ]
فإذا كانت تلاوة الآيات الكونية الدالة على عظمة الله والاتصال بالله وتزكية النفس تطهيراً وتحلية هو علم الحقيقة فتعليم الكتاب والحكمة منه أي السنة النبوية المطهرة هو علم الشريعة، الشيء الأساسي في حياة المؤمن أنه بالكون يعرفه و بالشرع يعبده، أنت حينما تعبد الله تندفع اندفاعاً كبيراً لتطبيق أمره، إذاً شطر الدين أن تعرف الله وشطره الآخر أن تعرف أمره وأن تطبقه. البيع و الشراء :
كنت في حيرة من موضوع جديد نتابع به دروس الأحد من موضوعات الفقه التي هي شديدة العلاقة بحياتنا اليومية، ما وجدت نشاطاً في حياة الإنسان المعاصر يدور مع الناس كيفما داروا كنشاط البيع والشراء http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4949/ar-4949/01.jpg
إن كنت تاجراً تبيع وتشتري، وإن كنت مستهلكاً تشتري وتبيع، والبيع والشراء من أوسع النشاطات الإنسانية، فلذلك لأنه نشاط يومي وضروري وأساسي، ويدور مع الإنسان كيفما دار، لابد من معرفة أحكام البيع والشراء، لأن سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: "من دخل السوق قبل أن يفقه وقع في الربا شاء أم أبى" دخول السوق، البيع، الشراء، التراضي، هناك عشرات أو مئات أنواع البيوع المحرمة، وهناك بيوع حلال مئة بالمئة، لذلك أردت في هذه الدروس التي نحن فيها، طبعاً درس الجمعة تفسير، درس الأحد سنة إما حديث أو فقه وكلاهما من السنة، فلذلك نبدأ بهذا الدرس، سلسلة دروس عن أحكام البيوع في الإسلام، لأنه لا يوجد رجل من أخواننا الحاضرين إلا يبيع ويشتري فإذا عرف أحكام البيع والشراء شعر براحةٍ تجاه ربه أنه سلك الطريق الصحيح في العلاقات المالية، ولا تنسوا أيضاً أن الأحكام الشرعية تسعون بالمئة منها متعلق بالنساء والبيع والشراء، بالنساء إثم، بالبيع والشراء عدوان، أحياناً الإنسان يستجيب إلى شهوة دون أن يؤذي أحداً، أحياناً يأخذ مالاً ليس له وقع في العدوان، فالمؤمن بعيد عن الإثم والعدوان.
الدين كامل يغطي كل حاجات الناس :
باب البيع واسع، أحكامه كثيرة ومتشعبة، وقضاياه متجددة، يوجد مئات بل بضع مئات من الأساليب المستحدثة في البيع والشراء لم تكن من قبل، إلا الذي يطمئننا أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
ففي ضوء هذه الآية الكريمة لا يمكن أن تكون هناك حالة في البيع والشراء إلا وقد غطيت بحكم شرعي مستنبط من كتاب الله أو سنة نبي الله، لأن الدين كامل ويغطي كل حاجات الناس، حاجة الناس إلى البيع والشراء حاجة ماسة، معرفة هذه الأحكام من الضرورات الملحة، لذلك ننطلق في هذا الدرس من كليات البيع والشراء وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى ننتقل إلى التفاصيل. البيع لغة :
البيع في اللغة مطلق المبادلة، أصل النشاط المعاشي للإنسان القديم المبادلة، ومعنى البيع في اللغة مطلق المبادلة، الحقيقة الإنسان عندما يشتري حاجة لو لم يرَ أن هذه الحاجة أثمن من ثمنها لما اشتراها، وأن البائع لو لم يرَ أن هذا الثمن أثمن منها لما باعها، حينما تشتري سلعة تتوهم أو تعلم أنها أثمن من ثمنها، وحينما تبيع حاجةً تتوهم أو تعلم أن ثمن هذا الشيء الذي تبيعه أثمن منه، من هنا يتم البيع والشراء.
مرة قرأت كتاباً مترجماً عنوانه: "فن البيع"، أما مؤلف هذا الكتاب فتوسع في تعريف البيع توسعاً لا يصدق، المحامي يبيع ويشتري، يبيع خبرته ويأخذ ثمنها، كل إنسان إذا وسعت مفهوم البيع يأخذ ويعطي، يعطي علماً، يعطي سلعةً، يعطي قناعةً، يعطي توجيهاً ويأخذ ثمنه.
فالبيع في اللغة: مطلق المبادلة، وقد عرفه بعض علماء اللغة فقالوا: إعطاء المثمن وأخذ الثمن، هذه مثمن أي ثمنت، وضع لها ثمن، إعطاء المثمن وأخذ الثمن، هذا تعريف الراغب الأصفهاني للبيع.
الشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن، أحياناً وقد تستغربون قال تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾
[ سورة البقرة: 207 ]
ما معنى يشري؟ أي يبيع، في اللغة العربية يبيع بمعنى يشتري ويبيع، ويشتري بمعنى يبيع ويشتري، فهذان الفعلان يتناوبان بالمعنيين التاليين، يسمى البيع شراءً ويسمى الشراء بيعاً فتقول: باعه الشيء وباع منه أي اشترى منه، يشري نفسه أي يبيع نفسه. التعريف الشرعي للبيع :
أما التعريف الشرعي فنحن عندنا في المصطلحات مصطلح لغوي ومصطلح شرعي، الصلاة مصطلح شرعي، أن تتوضأ وتتجه نحو القبلة وأن تكبر وأن تقرأ دعاء الثناء والفاتحة وسورة وتركع وتسجد، أما الصلاة بمعناها اللغوي فاتصال، فنحن حينما نتحدث بالفقه نعول على المعنى الشرعي لا المعنى اللغوي، الحج القصد هذا المعنى اللغوي أما الشرعي فأن تقصد بيت الله الحرام في وقت معلوم وفي مكان معلوم، الصيام بالمعنى اللغوي إمساك، مطلق الإمساك، أما الصيام بالمعنى الشرعي فالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس بنية، هذا التعريف الشرعي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4949/ar-4949/02.jpg
البيع مطلق المبادلة أما شرعاً فنقل الملك بعوض جائز من إنسان إلى إنسان بثمن، يجوز قبضه وحيازته والانتفاع به.
تعريف آخر للبيع والشراء، البيع مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي، أؤكد لكم مرةً ثانية أنني ما اخترت هذا الموضوع إلا لأنه ما منا واحد على الإطلاق إلا يبيع ويشتري.
مرة أناس يجلسون في ساحة محطة وقود جلسة سمر عصراً، يشربون النراجيل ويتحدثون، قال أحدهم: أتبيع هذه المحطة؟ قال له: نعم، قال: بكم؟ قال: بستمئة ألف، قال: اشتريت، كلام بكلام، وانفض المجلس وذهب كل في حال سبيله، ومضى عشر سنوات، للذي قال اشتريت صديق محامي يذكر له هذه الطرفة أن فلاناً قال لي تشتري؟ فقلت له: اشتريت، المحطة أصبح ثمنها عشرة ملايين ليرة، فهذا المحامي ولا أقره على عمله قال له: هذه المحطة لك، ألم تقل اشتريت أصبحت لك، فبالإسلام لا يوجد كتابة شيء دقيق جداً، قلت اشتريت انتقلت ملكيتها إلى الذي قال اشتريت، لو أن الشاري اشترط دفع الثمن ولم يدفع العقد لم ينعقد، إذا سكت البائع عن قبض الثمن وقال: بعتك، قال: قبلت، انتقلت ملكية المحطة من فلان إلى فلان وبقي ثمنها في ذمة الشاري، القصة طويلة أقيمت دعوة وجيء بالشهود لينطقوا أنه قال اشتريت، قال بعتك، وقال اشتريت فقط، يا سيدي ما دفع، الدفع موضوع ثان، ثمن هذه المحطة بقي في ذمته لمَ لم تطالبه؟ والقصة شهيرة جداً رواها لي أحد السادة المحامين، وشيء لا يصدق محطة وقود ثمنها عشرة ملايين تنتقل ملكيتها بستمئة ألف ليرة وهذا الذي حصل، سقت هذه القصة الغريبة الحادة كي يتنبه لها الإنسان.
تشتري هذه الحاجة بكم تبيعها؟ بألف ليرة، فقال له: اشتريت، بعد دقيقة احترقت ينبغي أن تدفع ثمنها لأنها انتقلت ملكيتها إليك وتلفها على حسابك، أشياء كثيرة جداً في البيوع، يوجد مآس كبيرة جداً بسبب جهل الناس بأحكام البيع والشراء يتسرعون يقول: اشتريت؟ يقول: بعت، ما كتبنا، الكتابة مثبتة أما إذا أتيت بشهود سمعوك تقول بعتك فالبيع تمّ وانعقد، طبعاً هذه حادثة نادرة جداً حادثة محطة الوقود، لكن ذكرتها كي يتنبه الأخوة الكرام إلى القضية في البيع والشراء لا يوجد فيها مزاح إذا قلت اشتريت ويوجد شاهد انتقلت الملكية إليك.
الرضا أحد شروط صحة البيع :
من أدق التعاريف مبادلة مالٍ بمال على سبيل التراضي، يقول لك: التاجر راضياً لأنه غافل، لأنه جاهل، لو كشفت الحقيقة هل يرضى أن تبيعه سلعة المئة بألف؟ والنبي الكريم يقول:
(( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 29 ]
فالرضا أحد شروط صحة البيع، أما المال فهو كل ما يجوز تملّكه والانتفاع به والتصرف فيه، هل يجوز أن تتملك خنزيراً؟ لا، إذاً لا يجوز بيعه ليس مالاً، الخنزير، الخمر هذه أشياء لا تملك ولا تباع، تعريف المال: ما يجوز تملكه والانتفاع به والتصرف فيه بالبيع والهبة والصدقة وغير ذلك من وجوه التصرف شرعاً. تبادل المنافع :
الحقيقة التبادل ليس مقصوراً على الأموال إنما هو عام وشامل، هناك تبادل المنافع إلا أن تبادل المنافع لا يسمى بيعاً، أحياناً تخدمه ويخدمك، تعلمه رياضيات يعلمك لغة عربية مثلاً، أي تعاونه بقضية ويعاونك بقضية، تبادل المنافع ليس بيعاً، البيع محصور فيما كان قائماً على أخذ شيء له ثمن على سبيل التراضي بين المعطي والآخذ، شرحت له مسألة رياضيات هذه منفعة، طبعاً لها أجرة لكن ليست بيعاً وهي اسمها جُعالة، التدريس والطبابة والمحاماة، أجر المدرس والطبيب والمحامي ليس بيعاً، ليس مبادلة مال بمال، ليس هناك عوض، هناك بذل جهد، هناك بذل عناية، الطبيب يستحق أجره ولو لم يشف المريض، المدرس يستحق أجره ولو لم ينجح الطالب، والمحامي يستحق أجره ولو لم تنجح القضية، إلا أن المحامي الذي يوقن أن هذه القضية لا تنجح، وأن اجتهاد محكمة النقد مناقض لأساسها، هذا المحامي لا يجوز أن يأخذ هذه الدعوى أصلاً، ولا يطمع الموكل أنها ستنجح، والمدرس الذي يوقن أن هذا الطالب سوف لا ينجح لا ينبغي أن يطمئنه تطميناً كاذباً، وكذلك الطبيب، أحياناً يكون المرض خبيثاً بالدرجة الخامسة ولا يوجد أمل بالشفاء، يقول إنسان: أفتح البطن وأنزع كتلة وأخيط فآخذ خمسين ألف ليرة، أحسن من بلاء، هذا لا يجوز الطبيب أجره جعالة وكذلك المحامي والمدرس، إلا أنه لابد من الأمل يكون هناك أمل بالمئة خمسين، بالمئة تسعين أما ما بلغت لا يوجد أمل إطلاقاً لماذا أخذت مال هذا المريض؟
مشروعية البيع في ديننا :
طبعاً البيع والشراء يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الشرع العظيم كل نشاطات الإنسان مغطاة بأحكام شرعية، الأحكام الشرعية تبدأ بالفرض، ثم بالمندوب، ثم بالواجب، بالمستحب، بالمباح، بالمكروه تنزيهاً، بالمكروه تحريماً، بالحرام، هذه الأحكام الخمس من الفرضية إلى التحريم مروراً بالواجب والندب والإباحة والكراهة، كذلك البيع والشراء تتناوله الأحكام الخمس يوجد بيع محرم، محرم أن تبيع لحم الخنزير، أدوات اللهو، محرم أن تبيع الخمر، ويوجد بيع فرض، ينبغي أن تبيع المواد الغذائية الأساسية عند الحاجة إليها دون أن تمتنع عن بيعها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4949/ar-4949/03.jpg
أيها الأخوة: الدليل القرآني على أن البيع مشروع في ديننا العظيم قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 275 ]
هذا أكبر دليل، والدليل الثاني: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
طبعاً يوجد عندنا بيع الثمين وبيع الخسيس، كأس عرق سوس لا تحتاج إلى شهود تدفع ثمنها وتشرب لا يوجد بعتك وبعتني أشهد، المناولة فقط للأشياء الخسيسة هي بيع وشراء، أما الأشياء الثمينة بيت، مركبة، أرض، فأشهدوا إذا تبايعتم، هذا دليل آخر، والدليل الثالث، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
أموالكم. الغش والتدليس أكل للمال بالباطل :
الإله العظيم سمى مال أخيك مالك من زاوية واحدة، من زاوية الضرورة، العناية به والحفظ له، يجب أن تحفظ مال أخيك وكأنه مالك، أحياناً إنسان يشتري قماشاً وهذا القماش محمي أي أخذ حرارة زائدة فضعفت مقاومته، تمسك القماش بضغط بسيط يتمزق، ممكن أن تخيطه قمصاناً وتبيعه لا يأتي في بال الشاري لكن دفع خمسمئة ليرة، وفرح به على العيد وهو يلبسه صار قطعتين، أنت ماذا فعلت؟ أنت أكلت ماله بالباطل، يجب أن يلبس قميص بخمسمئة ليرة يعيش خمس سنوات، غسيل ولبس وكوي، من أول لبس تمزع، القماش مضروب، هناك إنسان باع طقم كنبات أول يوم صار في الأرض، ركض الشاري للبائع فقال له: الظاهر أنكم جلستم عليه.
فلذلك أن تبيع حاجةً سيئةً فيها غش هذا أكل المال بالباطل، كل أنواع الغش والتدليس والاحتيال تعد أكلاً للمال بالباطل، لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، كلمة بينكم تفيد أن الوضع الاجتماعي السليم أن تكون الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعاً، هذه رحمة الله عز وجل، الناس كلها تملك ثمن طعام وشراب ولباس وبيوت ومركبات، أما عرس بستين مليوناً وألف شاب لا يملكون غرفة يتزوجون بها فهذه مشكلة، معنى هذا الكتلة النقدية ليست متداولة بين أيدي الناس، لا تأكلوا أموالكم التي ينبغي أن تكون بينكم متداولةً، لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم.
الحكمة من تحريم الربا :
بصراحة كل طريقة تجمع الأموال بأيد قليلة و تحرم منها الكثرة الكثيرة هذه طريقة تدمر المجتمع، لماذا الربا محرم أشد التحريم؟ لماذا ربنا سبحانه وتعالى يتهدد آكل الربا بحرب من الله ورسوله؟ لأن شارب الخمر يؤذي نفسه، والزاني يؤذي نفسه وامرأة معه، أما المرابي فيؤذي مجتمعاً بأكمله، المال في هذا المجتمع ينتقل إلى أيد قليلة، الشيء الدقيق في الشرع أن الشرع رفض وحرم أشد التحريم أن يلد المال المال، تجلس في بيتك وتضع مئة مليون وتأخذ على المئة اثني عشر، أو ستة عشر، لا تعمل، ولا تقدم سلعة، ولا خدمة، ولا صنعة، ولا تزرع، ولا تعمل شيئاً، إلا أن المال يلد المال http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4949/ar-4949/04.jpg
المال إذا ولد المال تجمعت الأموال في أيد قليلة وحرمت منها الأيدي الكثيرة، أما إذا ولدت الأعمال فالمال شيء دقيق جداً أيها الأخوة، أي محل تجاري إذا فتح يشغل خمسمئة إنسان من دون أن يشعر يحتاج إلى فواتير، حبر، مطبعة، ورق، المطبعة فيها موظفون، فيها محاسب، نقل البضاعة يحتاج إلى سيارة، وإلى من يحمل البضاعة، إلى سائق سيارة، إلى بنزين، تصليح سيارة، وأنت لا تدري فتحت مؤسسة بسيطة، خمسمئة إنسان يكسب من وراء هذه المؤسسة وأنت لا تدري.
ملخص الملخص بلا تعقيدات فقهية المال يجب أن يتولد من الأعمال، هذا صنع باباً، مفروشات، هذا طبب، هذا حلق شعراً، هذا صلح كهرباء، هذا جَلَّسَ سيارة، هذا صحح محركاً، قدم شيئاً، إما زرع أو صنع أو تاجر أو قدم خدمات، أو خبرات، أو معونات، المال جاء على أثر عمل مشروع، أنت مرتاح، المال ولد المال غير مشروع، الربا أساسه أن المال يلد المال.
لأن المال إذا ولد المال صار هناك غني وفقير، أما إذا الأعمال ولدت الأعمال فالكل في حق الحياة سواء.
أركان البيع والشراء :
1 ـ التراضي :
أخواننا الكرام، لا أريد أن أدخلكم في تفاصيل وفي خلافيات فقهية أنتم في غنى عنها، لكن أوضح لكم أركان البيع والشراء بشكل مبسط، أول ركن من أركان البيع والشراء أن يكون هناك من يدل على الرضا لنقل الملك من المالك إلى المشتري، صراحةً كأن يقول: بعتك هذا الشيء أو أعطيتك هذا الشيء بمبلغ كذا، بعتك هذا الشيء بمبلغ كذا، أو أعطيتك هذا الشيء بمبلغ كذا، أو ملكت هذا الشيء بمبلغ كذا، أو هو لك، أو هات الثمن، أو هو حلال عليك ونحو ذلك من أي لفظ يشعر بالرضا من انتقال المبيع من المالك إلى الشاري، لابد من أن يكون هناك رضا:
﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
بالأشياء الخسيسة المعاطاة تكفي أي يوجد حاجات ثمن الحاجة ليرتان وضعت ليرتين وأخذت الحاجة، الإشارة والمناولة تحل محل التراضي المعلن صراحةً في الأشياء الثمينة.
الحقيقة لا يلزم في الإيجاب والقبول ألفاظ معينة، لأنه يوجد قاعدة أصولية: العبرة في العقود في المقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
سؤال: لو قلت لأحدكم وهبتك هذا القلم بمئة ليرة، هذا عقد هبة؟ نوع العقد بيع واللفظ هبة، العقد بيع، لو قلت: بعتك هذا القلم بلا ثمن، هذا عقد هبة، العبرة بالعقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، هذه قاعدة لا يوجد لفظ معين، أي لفظ يدل على الإيجاب والقبول، الإيجاب من قبل البائع والقبول من قبل الشاري مع التراضي صحّ البيع أي أكبر ركن من أركان البيع التراضي صراحةً، ضمناً، أو إشارة، أو تناولاً. 2 ـ الإيجاب والقبول :
والشيء الثاني الإيجاب والقبول، إلا أنه تشتري هذا البيت؟ بكم، ثلاثة ملايين، سكت وجلس ربع ساعة، وذهب، بعد أسبوع المبلغ جاهز، ماذا جاهز أنت لم تقل اشتريت، ولم تقل قبلت الآن ثمنه خمسة ملايين ونصف.
3 ـ الإيجاب والقبول في مجلس واحد :
لا يصح البيع إلا بالتراضي والإيجاب والقبول في مجلس واحد، لعل بعض العلماء يقول: تشتري هذه البيت، بكم؟ بثلاثة ملايين، ماذا طبخت اليوم؟ بامية، كبيرة أم صغيرة؟ صغيرة، بكم الكيلو أخذته؟ بندورة دبس أم عصير طازج؟
يجب أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل، أما بعد أن دخل موضوع جديد انقطع المجلس، لو أنت قبلت قد لا يقبل البائع، أما إذا اختلف المجلس فالبيع لا يصح، التراضي، الإيجاب والقبول، وأن يتم الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل.
4 ـ توافق الإيجاب مع القبول حتى ينعقد البيع :
يوجد حالة رابعة: تشتري هذا البيت؟ نعم أشتري، بكم؟ بثلاثة ملايين، لا بمليونين، ما توافق رقم البائع مع الشاري، البيع لم ينعقد لا بد من التوافق، صار التراضي، الإيجاب والقبول، وأن يتم الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل، وتوافق الإيجاب مع القبول حتى ينعقد البيع.
5 ـ أن يكون الإيجاب بلفظ الماضي :
الآن يجب أن يكون الإيجاب بلفظ الماضي، بعتك، أما أبيعك فهذا ليس عقد بيع هذا عقد وعد بالبيع، هناك فرق، يجب أن يكون الإيجاب بالفعل الماضي، بعتك، تقول أنت: اشتريت بالماضي، أما أبيعك و أشتري فلا يصح، إلا أن العلماء يوجد عندهم حالة واحدة، إذا قلت له: أبيعك وناولته الشيء، وقال لك: أنا أشتري منك وأخذ الشيء منك ونقدك ثمنه، تبادل المبيع مع الثمن في الوقت الحاضر يجيز أن يكون الإيجاب والقبول في الفعل المضارع، أما أصل البيع فأن يستخدم الفعل الماضي بعتك واشتريت.
6 ـ أن يصدر البيع عن إنسان عاقل مختار :
الآن حتى يصح البيع يجب أن يصدر البيع عن إنسان عاقل مختار، فكل إنسان أكرهناه بقوة السلاح على أن يبيع شيئاً العقد لا ينعقد، يجب أن يكون مختاراً، وأن يكون عاقلاً، فالمجنون بيعه باطل، والمكره بيعه باطل، فالمجنون لا يبيع ولا يشتري، المكره لا يبيع ولا يشتري ولو أتى بصيغة تدل على أنه راض، لا عبرة لرضائه ما دام كان مكرهاً، ولا عبرة لرضائه ما دام مجنوناً، العاقل والمختار يصح منهما الشراء والبيع، ولا يشترط أن يكون بالغاً، والصبي المميز يجوز بيعه وشراؤه بشرط أن يأذن له وليه بذلك.
7 ـ الإسلام ليس من شرط البيع والشراء :
ولا يشترط الإسلام بالبيع والشراء، يمكن من أن تشتري من أهل الكتاب، يمكن أن تشتري من غير المسلمين، يمكن أن تبيع غير المسلمين، فليس من شرط البيع والشراء الإسلام، إلا أن السلاح لا يباع في زمن الفتنة.
8 ـ أن يكون مملوكاً للبائع :
يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً للبائع، مقدوراً على تسليمه، رجل مرة باع شخصاً حافلة تراب، قال له: كل يوم مئة ألف، فقال له: بكم؟ طبعاً هي طرفة هل يستطيع أن يسلمه الحافلة، يوجد أشياء لا تسلم، لابد من أن يكون المبيع مملوكاً من قبل البائع، وطاهراً، ولا يكون لحم الخنزير ولا الميتة ولا الخمر قادراً على تسليمه، يوجد أشياء لا تسلم.
9 ـ أن يكون مباحاً تملكه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4949/ar-4949/05.jpg
شيء آخر: يجب أن يكون مباحاً تملكه، معلوم القدر والصفة منتفع بها، هذه شروط الشيء المبيع.
هذه أركان البيع بشكل إجمالي، التراضي صراحةً أو ضمناً أو إشارةً أو تعاطياً، الإيجاب والقبول، الإيجاب من البائع والقبول من المشتري في مجلس واحد متصل مع توافق الإيجاب والقبول ثلاثة بثلاثة وأن يكون الإيجاب والقبول باللفظ الماضي، بالمضارع لابد من قرينةٍ تدل على أن الإيجاب تمّ بصحة تامة والقبول تمّ بصحة تامة، الإيجاب والقبول يجب أن يصدرا عن مميز مختار، فالمجنون بيعه باطل وشراؤه باطل، والمكره بيعه باطل وشراؤه باطل.
الإسلام ليس شرطاً في صحة البيع لك أن تبيع غير المسلمين ولك أن تشتري منهم، يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً، طهراً، مقدوراً على تسليمه للمشتري، مباحاً تملكه، معلوم القدر والصفة، منتفع به.
البيع والشراء نشاط أساسي في حياة الإنسان :
أيها الأخوة، إلا أن الشرع الحكيم استثناءً من بعض أركان المبيع هناك حالات، مثلاً بيع الأخرس يجوز، بيع الأعمى، بيع المزايدة، هذه أنواع من البيوع جازها الشرع تمشياً مع مصالح المسلمين، بيع السلم، بيع العرايا، هذا إن شاء الله نأخذه في درس قادم؛ بيع الأخرس يجوز، بيع الأعمى، بيع المزايدة، بيع السلم، بيع العرايا، هذه بيوع أجازها الشرع، ويوجد بيوع محرمة على الإطلاق، نبدأ بالبيوع التي أجازها الشرع والبيوع التي حرمها الشرع، لكن أريد أن أقول لكم، نشاط البيع والشراء نشاط أساسي في حياة الإنسان حتى لو كان موظفاً، دخله محدود لابد من أن يشتري الحاجات، فحينما يسلك المؤمن الذي عرف الله الأسلوب الصحيح في البيع والشراء يضمن أن بيعه صحيح، وأن هذه اللقمة التي يأكلها حلال هو وأولاده، وقلت لكم قبل قليل: "من دخل السوق من دون فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى"، ويوجد أساليب من البيع لا تعد ولا تحصى بعضها محرم، وبعضها مكروه، وبعضها باطل، وبعضها فاسد، فالإنسان لابد من أن يستيقن من أحكام البيوع لأنها أحد أدوات سلامة علاقته مع الله عز وجل.
أحياناً ترى طفلاً صغيراً غير مميز باعك حاجة بثمن بخس، أنت مؤمن، نحن قلنا: طفل مميز، علامة تمييزه أن السعر معقول، أما أحياناً بربع الثمن لا يعرف، وأنت مؤمن لا تشتري منه نبهه للثمن، وضعه أبوه في المحل وذهب للغداء، فرح بنفسه وباع ونسي صفراً وأنت مؤمن، كثير من الحالات يوجد بيع بسعر غير معقول، المؤمن يتفقه لكي لا يقع في الحرام.
حدثني أخ اشترى حاجة بسعر مرتفع من يوم لضعفين أو ثلاثة، منع استيرادها ارتفع سعرها، جاء إلى بائع فباعه على السعر القديم، فذهب إلى البيت ولم يستطع أن ينام، في اليوم الثاني قال له: البضاعة ارتفع ثمنها إلى ثلاثة أضعاف وأنت مخير وأنا جاهز فأخذ نصف الفرق إكراماً له، يوجد مؤمن رضا الله عز وجل أغلى عنده من أي شيء، ومن أي سلعة، والبيع والشراء -كما قلت لكم- نشاط يومي، لا يوجد رجل إلا يبيع ويشتري، أنا واقف أمام شخص وضع نوعين من الطماطم، نوع الكيلو بليرتين، ونوع بستة، لاحظت رجلاً عبأ من الذي ثمنه بستة ليرات و وجههم من الذي ثمنهم بليرتين وزان، أربعة كيلو وأعطاه على الكيلو ليرتين، صدقوني مثل هذا الإنسان ينبغي أن يضع صلاته وصيامه بالحاوية، هذه سرقة.
يوجد أساليب كثيرة جداً إما غلط في الحساب، أو يأخذ شيئاً غير صحيح، هذا الشيء لا يسمى شطارة، هذا يسمى معصية وسرقة مبطنة، فالإنسان ينتبه ليس كل شيء رخيص يشرى، إن شاء الله في الدرس القادم ننتقل إلى بعض البيوع التي أباحها الشرع الحكيم، وفي الدرس بعد القادم ننتقل إلى بيوع حرمها الشرع، ثم هناك أحكام تفصيلية هذه فيما أعتقد نحتاجها أشد الحاجة.

السعيد
09-20-2018, 02:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع : البيوع المحرمة - 1 - بيع المكره و التلجئة و الهازل





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. البيع والشراء :
أيها الأخوة الكرام، قبل أربعة دروس تكلمت عن موضوع البيوع، وذكرت أن أوسع نشاط للإنسان هو البيع والشراء، ما منا واحد على الإطلاق إلا يشتري ويبيع، ولأن الحرمة في البيع قد تدخل في بيوعنا ونحن لا ندري، فلذلك وقتها أردت أن أبدأ سلسلة دروس حول البيع والشراء ثم بدأت بالدرس الأول، وعرفت البيع، ثم ذكرت أركان البيع الصحيح، ووعدتكم أن أتابع الموضوع ولسبب أو لآخر وجدت موضوع الكبائر مهم جداً فبدأت في موضوع الكبائر ولم أصل إلى كل الكبائر بل إلى الكبائر التي لا تعرف أنها كبائر.
البيوع المحرمة :
1 ـ بيع المكره :
والآن نعود إلى موضوع البيوع ونبدأ بالبيوع المحرمة، هناك أناس كثيرون يبيعون أو يشترون والحرمة واضحة في بيعهم أو شرائهم، ومن هذه البيوع وهي كثيرة جداً - لكن نقف عند أبرزها- بيع المكره، لا يجوز لأحد أن يكره أحداً على بيع شيء، فإن من باب أكل أموال الناس بالباطل، أي هناك سرقة وهناك إكراه على بيع و هذا نوع من السرقة آخر، كما أن السرقة أكل لأموال الناس بالباطل، كما أن الغش في البيع أكل لأموال الناس بالباطل، كذلك أن تكره إنساناً على أن يبيع شيئاً هو في أمس الحاجة إليه هذا نوع من البيوع المحرمة الباطلة بيع المكره، وهو إثم كبير وحرام عظيم، الدليل قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 29 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/01.jpg
من أكل أموال الناس بالباطل أي تلجئهم إلى بيع ما في أيديهم إكراهاً، معنى هذا أنك أنت أقوى، استخدمت قوتك في إجبار الناس على بيع ما في حوزتهم، والتراضي كما تعلمون، ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
أي الإنسان عندما يبيع حاجةً يبيعها وهو بأعلى درجات الرضا، وحينما يشتري حاجة يشتريها وهو بأعلى أنواع الرضا، فإذا كان هناك رضاً من البائع مثله بالإيجاب، ورضاً من الشاري مثله بالقبول، إذا تمّ الإيجاب والقبول فالبيع صحيح، إلا أنه لا بد من ملاحظة، هو أن الرضا بحسب ما يسمع، لو سمعت أن هذه السلعة اشتريتها بمئة بعتها له بمئة وعشرة، أما إذا اشتريتها بعشرة وبعتها له بمئة وقلت له: اشتريتها بتسعين، لو كشفت الحقيقة يرضى؟ هناك من يفهم التراضي أنك إذا أعطيته معلومات مغلوطة فرضي، لا، ينبغي أن يرضى فيما لو كشفت الحقيقة، بل إن بعض العلماء يقول: إذا باع أحد سلعة مكرهاً لا ينعقد البيع أصلاً، لأن هذا من باب أكل أموال الناس بالباطل. تقديم مصلحة المجموع على مصلحة الفرد :
يوجد استثناءات، نريد أن نوسع طريقاً فلابد من أن نجبر صاحب الأرض على أن يبيع هذه الأرض لمصلحة المسلمين العامة، وحينما تقتضي مصلحة المسلمين العامة أن نجبر أحداً من المسلمين على بيع أرضه، أو على بيع بيته، يجب أن نعوض ما يساوي ثمنها حقيقةً، يوجد عندنا استثناء لأن القاعدة الأساسية أن مصلحة المجموع مقدمة على مصلحة الفرد فأحياناً نضطر إلى إنشاء جسر، أو فتح طريق، أو إنشاء مدرسة، أو بناء مسجد، الحاكم هو الذي يقرر المصلحة العامة، عندئذ يجبر صاحب الأرض أو العقار على بيع أرضه ولكن الخطأ ألا نعطيه حقه، يجب أن نعطيه الثمن الحقيقي لهذه الأرض.
تقديم حق الغرماء على مصلحة الفرد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/02.jpg
يوجد حالة أخرى مسموحة؛ إنسان يوجد عليه ديون وقد أعلن إفلاسه، طبعاً نحن نكرهه على أن يبيع دكانه أو مركبته أو بيته في المصيف من أجل أن نسدد عنه الدين للغرماء.
على كلٍّ مصلحة المسلمين مقدمة على مصلحة الفرد، وحق الغرماء مقدم على مصلحة الفرد، في مثل هاتين الحالتين يمكن أن نكره إنساناً على أن يبيع ما بحوزته وفاءً لديونه، أو تحقيقاً لمصلحة ثابتة للمسلمين، قلت مصلحة ثابتة، لأنه أحياناً تتخذ المصلحة ذريعةً لمصلحة شخصية، أما الشيء الذي ينبغي ألا ننساه فهو أنك إذا أكرهت إنساناً على أن يبيع شيئاً لمصلحة المسلمين العامة أو سداداً للغرماء ينبغي أن تعطيه حقه كاملاً لا أن تعطيه عشر حقه.
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :
أحياناً الإنسان يغيب عن ذهنه إذا كنت أنت موظفاً و أوكل إليك تقييم هذه الأرض وقيّمتها بعشر ثمنها نظراً لما تملك من سلطة لا تنجو من عذاب الله، أنت و وظيفتك مسؤولان عند الله عز وجل عن تقييم هذه الأرض بعشر ثمنها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حقوق، وكلكم يعلم أن حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، وكلكم يعلم أن الحق البشري لا يسقط إلا بالأداء أو المسامحة، هذا بيع الإكراه محرم قطعاً، معنى الإكراه أنه يوجد إنسان قوي والمالك ضعيف والذي أكرهه قوي، ما من قوي إلا وهناك من فوقه أقوى منه، فوق كل قوي أقوى، فوق كل عليم أعلم، والإنسان إذا خاف الله فيمن دونه كفاه الله فيمن فوقه.
أحياناً إنسان يجد أن الطرف الآخر ضعيف لا يملك أن يشتكي، هذا الإكراه على البيع من البيوع المحرمة التي لا تنعقد أصلاً، حتى لو أكرهنا أحداً لمصلحة المسلمين أو أداءً لحقوق الغرماء ينبغي أن نعطيه حقه بالتمام والكمال.
2 ـ بيع التلجئة :
البيع الثاني، بيع التلجئة، قد يجد المرء نفسه مضطراً لبيع صوري خوفاً من ظالم، أحياناً هناك من سيأخذ أمواله كلها مصادرةً بغير حق ظلماً وعدواناً، فإذا باع بيته بيعاً صورياً هذا البيع اسمه بيع التلجئةِ، أي ألجِئ إلى بيع بيته كي ينجو من المصادرة الظالمة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/03.jpg
لو فرضنا إنساناً عليه ديون وباع أملاكه كلها ليفر من أداء الديون هذا بيع غير صحيح، أو هو لا يعتبر عند الفقهاء بيع التلجئة، لأن البيع من أجل أداء الحقوق، أما إذا كان هناك حقوق، إذا كانت أملاكه سوف تصادر ظلماً وعدواناً عندئذ مسموح له أن يبيع بعض ممتلكاته بيع التلجئة، يتفق مع رجل أن يتظاهرا ببيع شيء حتى لا يأخذه الظالم، نقول الظالم لأنه يوجد استملاك ظالم أو مصاردة ظالمة، إلا أنه لو أن الذي سجلته باسمه ادعى أنه له أنت بعته بيعاً شكلياً من أجل أن ينجو هذا البيت من المصادرة الظالمة، والذي اشترى هذا البيت- وهذا والله وقع- أنا حدثني أخ: إنسان اضطر أن يبيع بيته بيع تلجئة لشخص، والبيت ثمين جداً، وهذا الذي باعه إياه قريبه، بعد أن تملّك البيت في السجلات الرسمية قال هو لي ولن أعيده إليك وبقيا في المحاكم ثماني سنوات.
بيع التلجئة أن تبيع بعض ما تملك خوفاً من اغتصاب ظالم، فالذي تملك البيت لا يحق أن يقول هذا البيت بيتي سجل باسمي، وقد حصل أمام القاضي العقاري إيجاب وقبول، الجواب هذا البيع لا يصح ولا ينعقد عند جمهور الفقهاء، ولو كان البيت باسمك، وما أكثر البيوت بأسماء غير صاحبيها، كما قلت قبل قليل: هذا البيع لا يصح ولا ينعقد لأن نية البيع غير موجودة، وإنما الأعمال بالنيات، والتراضي بين البائع والشاري معدوم.
الأمور بمقاصدها :
زارني شخص وحدثني عن إنسان له ابن أخ شقي تاجر بالمخدرات صار عليه ديون كثيرة جداً، فصاحب الدين هدد أقرباءه وأقنع امرأةً ساذجة على أن تطوب بيتاً ثمنه أربعون مليوناً لكن كضمانة من أجل ستة ملايين، بعد أن طوبت له البيت من أجل أن تحفظ ابن أخيها ادعى الذي طوب له البيت أنه ملكه، أنا لا أتكلم من هواء، أتكلم من وقائع، هناك أناس كثيرون يخافون ظلماً ينقلون البيت إلى قريب فإذا بهذا القريب تسول له نفسه أن يغتصب هذا البيت، ما الحكم الشرعي في هذه الحالة؟ قال: هذا البيت لا يصح ولا ينعقد عند جمهور الفقهاء، لأن نية البيع والشراء غير متحققةٍ، والتراضي بين البيع والشاري معدوم، والأمور بمقاصدها، هذه قاعدة أصيلة بالفقه، أنا أقول مثلاً: بعتك هذا المصحف الشريف بلا ثمن، أنا أقول: بعتك هذا عقد هبةٍ عند الفقهاء، أنا أقول: وهبتك هذا المصحف الشريف بألف ليرة مع أن كلمة هبة جعلته بيعاً، وكلمة بيع جعلته هبةً، فالأمور بمقاصدها.
هذا البيع - قال العلماء - من الحيل المباحة شرعاً، أي إذا كان ممكن أن تخسر مالك الذي حصّلته بطريق مشروع وبكد يمينك وعرق جبينك، أن تخسره اغتصاباً من قبل ظالم لك أن تحتال وأن تبيع هذا الشيء لشخص آخر، أما هذا الشخص الذي اشتراه لو أنه ادعى أنه ملكه فالجواب إن البيع في الأصل لن ينعقد ولن يصح، لأن نية البيع في الأصل لم تصح، والتراضي بين البائع والشاري غير موجود قطعاً، هذا بيع التلجئة، أن ينعقد بيع التلجئة انعقاده محرم.
3 ـ بيع الهازل :
قال: ومثله بيع الهازل، ذكرت لكم قبل عدة دروس أن إنساناً يجلس جلسة مسائية مع أصدقاء له في محطة وقود، فقال له أحدهم: أتبيع هذه المحطة؟ قال: أبيعها، قال بكم؟ قال: بستمئة ألف، قال: اشتريتها، والبيع هزل بهزل، لا أحد حرك ساكناً ولا إنسان دفع مبلغاً ولا إنسان سلم، بعد ست أو سبع سنوات لهذا الذي قال: اشتريت محامياً حدثه بالقصة فقال له: هي لك، ودخلا بالقضاء واستطاع تملّك هذه الكازية بعشر ثمنها، أما هو إذا أثبت أن هذا البيع هازل فلا ينعقد، أحياناً الإنسان يتسلى تشتري أنا أبيع، بعتك تسلية فقط، مزاح، تمضية وقت فراغ، لا يوجد نية بيع ولا شراء، قال: هذا بيع الهازل لا ينعقد أصلاً، لو أن الذي قال اشتريت تمسك بهذه الكلمة وقال: هو لي، قال: القاضي مكلف أن يستمع إلى قرائن من قبل البائع تؤكد أنه هازل، وينبغي أن يحلف اليمين حتى يلغى هذا العقد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/04.jpg
ألم يقل مرة سيدنا معاوية لسيدنا عمرو بن العاص وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب، قال: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، فقال له معاوية: لست بداهية أما أنا فما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، أيهما أهون أن تدخل في مأزق وأن تجهد لتخرج منه أم ألا تدخل أصلاً؟ هذا بيع الهازل، يوجد دعوة ويمين وأدلة وقرائن، فإذا ما أديت الأدلة والقرائن وما حلفت يميناً ينعقد البيع وقد يكون بثمن بخس، فما أحوجك إلى أن تحتاج هذا الموضوع كله؟ فعليك ألا تتحدث عن بيع وشراء إلا جاداً، ثلاثة جدهن جد وهزلهن هزل، منها الطلاق والعتاق والزواج، أحياناً الإنسان وهو يمزح، أريد أن أتزوج فلانة، تكون فلانة إنسانة فاتها قطار الزواج وصلتها هذه الكلمة غرقت في نشوة ما بعدها نشوة، وبدأت تفكر وتحلم طوال الليل، متى سيأتي خاطباً؟ أين سأسكن؟ أسكن مع أهلي، والقصة كلها هو يهزل بها هزلاً، أن تمزح بموضوع الزواج هذا مزاح ممنوع، موضوع الطلاق ممنوع، موضوع العتاق ممنوع، موضوع البيع والشراء ممنوع، عقاب الذي يمزح يقع البيع إذا لم تأت بقرائن، لابد من أن تأتي بقرائن للقاضي حتى لا ينعقد هذا البيع.
تعريف العاقل :
أخواننا الكرام، تعريف العاقل هو إنسان لا يندم، حينما تندم معنى هذا أنه يوجد عمل خطأ أساسه تفكير خطأ، أو عدم تفكير، نتج عن عدم التفكير أو عن التفكير خطأ، عمل خطأ، والعمل الخطأ نتج بعده ندم، حينما تندم أنت عطلت عقلك أو أسأت استخدامه فالعاقل لا يندم لأن العقل في أساسه أن ترى الشيء قبل أن يقع، هذا العقل.
ذكرت قبل يومين في درس الفجر أن البهيمة الحيوان يخاف بعينه والإنسان يخاف بعقله، فأنت انظر متى ترتدع عندما ترى المرض لا سمح الله؟
ضربت مثلاً الدخان أنا أعرف أناساً كثيرين خمسة شرايين بقلبهم مسدودة من الدخان، أعرف أناساً كثيرين أصيبوا بسرطان بالرئة من الدخان بعد أن أصيبوا أقلعوا، ما الذي أخافهم؟ عينهم لا عقلهم، أما لو إنسان قرأ مقالة عن الدخان وكيف أن الدخان يجلط الدم وأن احتمال إصابة الإنسان بالجلطة من بين المدخنين ثمانية أمثال، وأن الدخان يسرع القلب وتضطرب له الأعضاء، واحتمال سرطان الحنجرة والرئة قائم، واحتمال الغر غرين قائم، وهو إتلاف للمال بغير مبرر، وقد قال بعض العلماء: المدخن الغني مبذر والفقير سفيه لأنه ينفق ماله بلا طائل لما يضره، والغني مبذر، ولا يوجد إنسان حينما يبدأ الدخان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا يوجد إنسان عندما ينتهي يقول: يا ربي لك الحمد، لا تسمي ولا تحمد، لأن أساسه غير صحيح، أنا شاهدي إذا خفت بعقلك فأنت إنسان، أما إذا خفت بعينك فأنت دون مستوى البشر قال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر: 24]
﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[ سورة المؤمنون: 100]
عشرات الآيات تبين أن الإنسان لا يرى الحقيقة عندئذ لات ساعة مندم، أما البطل فهو الذي يرى الحقيقة قبل أن تقع، المهندس يقول لك: هذا البناء خطر يجب أن تخليه، الساكن إذا كان غير مثقف لا يستعمل عقله يقول لك: أين أذهب؟ لا يوجد لي مكان آخر، إذا وقع البيت خلال ثوان يشعر أنه كان ينبغي أن يخرج، خاف بعينه.
بيع الهازل يحتاج إلى أن تأتي بقرائن، وأن تحلف اليمين على أنك هازل، وهناك أدلة تقنع القاضي بها لئلا ينعقد البيع، وأنا ذكرت هذا من قبل، الإسلام لا يحتاج إلى ورق بالأساس، زوجتك وقبلت، وبعتك واشتريت، الإسلام شفوي الورق للتأكيد، أما إذا قام شهود على أنك قلت أنك بعت، وشهود على أنك قلت اشتريت، فينعقد البيع والشراء. 4 ـ بيع المضطر :
الآن بيع آخر محرم، البيع الأول بيع المكره، المكره يوجد جهة خارجية أكرهته، وبيع التلجئة باع بيعاً صورياً لينجو من اغتصاب ظالم، وأما بيع الهازل فهو الذي جعل من البيع والشراء موضوعاًً للهزل والسخرية، أما بيع المضطر، قد يضطر الإنسان لبيع شيء مما يمتلكه لسداد دين حل سداده، أو لأي ضرورة من ضرورات الحياة، فيعرض هذا الشيء على بعض من يعلم حاله، فهل يجوز أن يشتريه منه أو لا يجوز؟ الجواب: يقول لك: مضطر أخذناه بنصف قيمة، طبعاً المكره يوجد جهة أكرهتك، والتلجئة أيضاً من داخل نفسك أقمت بيعاً شكلياً، أما بيع المضطر فبيع حقيقي والدافع ذاتي، وأكثر المشترين إذا شعروا بالحاسة السادسة أن هذا البائع مضطر يبخسون بالثمن، والله أعرف إنساناً باع شيئاً بربع قيمته لضرورة قاهرة، لعملية جراحية، فهذا الشاري ظن أنه ذكي جداً، وأنه شاطر جداً، وأنه هكذا الشراء، هذا بيع المضطر، قال: يجوز أن يشتريه منه بالثمن المتعارف عليه، البيع صحيح ولا شيء عليك إذا اشتريت هذا الشيء من مضطر بسعره الحقيقي، أو بسعر لا يشعر البائع أنه غبن به، أحياناً الإنسان سعّره بمئة باعه بتسعين لا يوجد مشكلة، هو مضطر للمال والفرق بسيط، أما سعّره بمئة باعه بخمس أو بعشر فهذه يسمونها بالعلوم الحديثة عقود إذعان، عقود الإذعان غير صحيحة، الشاري مذعن، أكره على أن يبيع بهذا السعر، قال ولا يجوز.
أيها الأخ: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، قبل أن تصلي وقبل أن تحج هل علاقاتك المالية شرعية؟ العلماء قالوا: لا يجوز، بيع حرام أن يشتريه منه بثمن بخسٍ انتهازاً لحاجته للبيع، أو استغلالاً لظروفه المحرجة التي يمر بها، فإن ذلك ليس من الدين في شيء، طبعاً قد تقول أنت: هو عرض بهذا السعر، عرض بسعر وأنا كاسرته لماذا باعني؟ هذا كلام غير مقبول، هو باعك لأن ابنه ينتظر عملية جراحية، يوجد طبيب توقف عن العملية قال: أحضروا لي مئة وخمسين ألفاً، ولما جاؤوا بهذا المبلغ من جهات عدة، عدّ هذا المبلغ ورقة ورقة، أحياناً يوجد حالات تبيع حاجاتك بربع قيمة، بيع المضطر، إذا اشتريت هذه الحاجة بسعرها الحقيقي، أو بسعر أقل بقليل لكن الذي باعها ما شعر أنه غبن قال: هذا بيع صحيح، أما إذا شعر البائع أنه مغبون بشكل غير معقول فهذا البيع لا يجوز أصلاً وهو بيع محرم.
من غبن إنساناً في بيعه عاقبه الله :
يوجد نقطة أحب أن أذكر أخواننا بها، يوجد شيء اسمه إذا إنسان باع عن طيب نفس، باع وهو راض فالذي اشترى هذه الحاجة يهنأ بها، والله عز وجل يبارك له فيها، وهناك آلاف الأمثلة حينما تشتري حاجة اضطراراً تتعطل بيديك، يصيبها الخلل، قد تضيع منك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/05.jpg
أنا أذكر إنساناً يوجد عنده سيارة فيها عيب خطير فباعها، قال لي وهو لا يشعر: بعتها ولبستها لشخص، وظن نفسه ذكياً جداً وحقق إنجازاً عظيماً لأنه خلص منها، وذهب إلى طرطوس، واشترى سيارة من الوكالة، وقال لي: أخذتها كحلي، في اليوم الخامس والله ضربت ضرباً شوهها بكاملها جاءني وهو مضطرب، قلت له: ألم تقل لي قبل يومين أنك لبست السابقة لإنسان؟ الله كبير.
أخواننا الكرام، إذا الإنسان اشترى حاجة من إنسان مضطر بنصف ثمنها الله جل جلاله لا يبارك له فيها، مرة قال لي أخ كلمة وهو صديق عمل، قال لي: لي والد صالح أردت أن أذهب إلى قبرص في العيد لا يوجد مكان في الطائرة، لي أصحاب أقوياء تمكنت عن طريق أصحابي أن ألغي حجز اثنين بتهمة، فقال له والدي: إذا ذهبت إلى هذا المكان للاستجمام لن تسعد، وإن ذهبت إلى هذا المكان لن تربح لأنه مبني على ظلم إنسان، ذهب - القصة طويلة - أصابه خوف، أول ليلة لم يجد فنادق ولا درجة ثانية ولا رابعة ولا بيوت ولا سكن، سائق التاكسي دعاه لعنده في البيت، في منتصف الليل والد سائق التاكسي دخل عليه بشكل مخيف، فظن أنه دخل ليقتله لأن معه مالاً، فقال لي: يجب أن أغير مكاني لأن الفرشة ابتلت من شدة الخوف، فوضع المال بوجاء الحمام، قال: أصابني خوف ما أصبت به بحياتي.
العمل الصالح ثمن رقي الإنسان عند ربه :
يقول له: أبقِ الحاجة عندك وسأقرضك ما يكفيك لهذه الأزمة، هذا أشرف موقف عندئذ ترقى عند الله، أخوك المؤمن عرض لك حاجة بنصف ثمنها لأنه مضطر وأنت معك مبلغ من المال قل له: دع الحاجة عندك وأنا سأقرضك هذا المبلغ لوجه الله، أنت ترتقي عند الله عز وجل، أي حتى لو باعك الشيء بأقل من سعره الحقيقي بقليل أنت الأكمل والأورع أن تترفع عن هذا القليل، وأن تعاونه إما بالشراء بالسعر المساوي للقيمة أو أن تقرضه هذا المبلغ لوجه الله تعالى.
(( حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَوْ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، قَالَ: وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وَيَنْهَدُ الأشْرَارُ، وَيُسْتَذَلُّ الأخْيَارُ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ، قَالَ: وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّينَ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ ))
[أبو داود عن شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ]
5 ـ بيع المجنون :
إذاً أول بيع بيع المكره، جهة قوية أكرهت إنساناً على بيع ما في يده.
البيع الثاني: بيع التلجئة، هذا من الحيل المشروعة تلافياً للظلم، وبيع الهازل، وبيع المضطر، وبيع المجنون، قال: في شروط البيع أن يكون البائع عاقلاً، فلا يجوز بحالٍ بيع المجنون، وأقول مرة ثانية: أنا لا أتحدث من فراغ، هناك أناس معهم لوثة جنون، باعوا معظم ممتلكاتهم بأرباع أثمانها، وقد حدثني أخوان كرام عنهم، مشكلة كبيرة هذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان، لأن المسألة لو أن المجنون يفيق في بعض الأوقات ويجن في بعضها فباع أو اشترى في الوقت الذي يفيق فيه صح بيعه وشراؤه، وسائر العقود عند جمهور الفقهاء بشرط أن تقوم على ذلك بينة، مجنون لكن تأتيه نوبات متباعدة، بعيداً عن هذه النوبات المتباعدة باع بيتاً بسعر معقول، ويوجد قرائن على أنه عاقل في وقتها، قال: هذا البيع عند جمهور الفقهاء يصح لأنه الجنون ليس ثابتاً بل نوبياً، والجنون وحالة العقل التي باع بها البيت هناك قرائن تؤكد أنه يشعر بملكاته التامة، لابد أن يشهد على هذا البيع شاهدان من العدول على أنه باع واشترى في وقت كان فيه عاقلاً.
6 ـ بيع من خفّ عقله وضعف رأيه :
آخر موضوع في هذا الدرس، بيع من خف عقله وضعف رأيه، يوجد أشخاص قرارهم في البيع والشراء غير حكيم، سريعو البيع وسريعو الشراء، هذا يقال له خف عقله، أحياناً يشتري بشكل غير معقول من دون تدقيق، من دون فحص البضاعة، وأحياناً يبيع بشكل غير معقول، لا يجوز بيع من خفّ عقله جداً ولا شراؤه، بل يجب الحجر عليه لقوله تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5 ]
من تحرى الحلال بارك الله له :
نحن بالدرس الماضي ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
[ سورة المنافقون: 9 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/06.jpg
ذكرت أن الإنسان لو اشتغل بالمال عن ذكر الله فقد اشتغل بالخسيس عن النفيس، المعنى المخالف لهذه الآية: لو أن الإنسان لم يشغله ماله عن ذكر الله، طلب المال عمل جيد وضروري لأن المال قوام الحياة، أوضح مثل ترى شاباً الطرق أمامه مسدودة، لا يوجد عنده بيت، ولا أثاث، ولا زوجة، حينما يكسب المال ويتزوج فيحصن نفسه يشتري بيتاً صغيراً، يأوي إلى بيت تطمئن نفسه، يسعد فتاةً أخرى، يشكل أسرة هي أساس المجتمع، هذا الذي سمح له بعمل.
أنا أذكر لكم قول سيدنا عمر حينما سأل أحد الولاة قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك.
أحد الأخوة الكرام، يوجد عنده معمل وعنده ثمانون عاملاً، قال لي: العمل ضعف كثيراً، أنا أفكر أن أغلق المعمل وأرتاح، عندي مال يكفيني إلى نهاية حياتي، قلت له: وهؤلاء الثمانون عاملاً ماذا تفعل بهم؟ لو أنك لم تربح شيئاً، لو أن الأرباح صفر إلا أن حركة البيع والشراء تغطي المصاريف أنت الآن تقوم بعمل عظيم، ما هو هذا العمل العظيم؟ أنك تمد ثمانين أسرة بحاجاتهم، والسيد المسيح يقول: "ليس بالخبز وحده يحيا به الإنسان"، ما كل ربح مال يوجد أرباح معنوية، أحياناً يكون أخ عنده بيت زائد عن حاجته يؤجره إلى شاب مؤمن وشابة مؤمنة متزوجان، يوجد بيوت تؤجر في الليلة الواحدة بعشرة آلاف ليرة ماذا يجري فيها؟ قيام ليل، وهو يعلم ماذا يجري في هذه الليلة الواحدة، أما إن أجره إلى أسرة شريفة مؤمنة بعشر الأجرة المعقولة، هذا الدخل فيه بركة، ما معنى بركة؟ أي الله عز وجل يعطيك من الشيء القليل شيئاً كثيراً، أنا والله أجد هذا الشيء واضحاً في حياة بعض الأخوة، ترى دخله محدوداً، وصحته جيدة، ولباسه أنيقاً، وأولاده تربيتهم عالية، كيف يدبر نفسه بهذا الدخل؟ يوجد بركة، الله عز وجل يتم عليه الصحة هو وزوجته وأولاده، والأشياء يشتريها من منابعها وفي أوقات محددة، بذخ لا يوجد عنده، تبذير لا يوجد عنده، إسراف لا يوجد عنده، والله عز وجل يحفظ هذه الأسرة، فإذا الإنسان آثر الدخل القليل الحلال على الدخل الكبير الحرام الله عز وجل يبارك له بهذا الدخل القليل، الإنسان عندما يتحرى الحلال الله عز وجل يطرح في رزقه البركة، ترى بشيء قليل فعل الشيء الكثير. الحكمة من أن الحلال صعب و الحرام سهل :
المال ضروري جداً لكن لحكمة أرادها الله عز وجل بالغةٍ بالغةٍ، جعل الكسب الحلال صعباً، وجعل الكسب الحرام سهلاً، قال لي أخ: والله مقصف يبيع الخمور، فيه رقص، ولحوم، وفنانون وفنانات، قال: أربعة ملايين ونصف ربحه في خمسة وأربعين يوماً أقسم بالله، معنى هذا أن الرزق الحلال صعب والحرام سهل، لو الله عكس الآية لو جعل الحلال سهلاً والحرام صعباً لأقبل الناس جميعاً على الحلال لا حباً بالله ولا تعبداً له ولكن طلباً للوفرة، ولأعرض الناس عن الحرام لا خوفاً من الله ولا كراهيةً له، ولكن تلافياً للخسارة، أما الآية فمعكوسة الله جعلك أمام امتحان صعب، أحياناً يوجد أعمال أرباحها وفيرة لكن فيها شبهات، يوجد أعمال أرباحها قليلة ولكن فيها صلاح المجتمع، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))
[رواه ابن عساكر عن أنس ، والطبري عن ابن عباس ]
لا تفرح بالكثير الخبيث افرح بالقليل الطيب: (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
المؤمن مقيد بآلاف القيود، هذه القيود أوسمة شرف. تعريف السفيه في اللغة :
أخواننا الكرام هذه الآية الكريمة، المؤمن على هدى، ماذا تفيد على؟ تفيد الاستعلاء، الهدى يرفعك، الهدى كله قيود ومع ذلك يرفعك، والضلال كله تفلت ومع ذلك يكون معه مرض نفسي، أو كآبة، أو يدخل السجن، يكون متفلتاً والتفلت يؤدي إلى أن تفقد حريتك، والاستقامة والعفاف تؤدي إلى أن ترتفع عند الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[ سورة سبأ: 24 ]
السفيه في اللغة من خفّ عقله جداً إلى درجة لا يحسن فيه التصرف، يلحق بالسفيه الصبي غير المميز، أيضاً هذا بيعه لا ينعقد، صبي غير مميز، يوجد صبي ذكي يبيع ويشتري أفضل من والده، الصبي غير المميز بيعه لا ينعقد يلحق بمن خف عقله أو ضعف رأيه. الصدق و الأمانة يوصلان الإنسان إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4950/ar-4950/07.jpg
العلماء قالوا: أما من خفّ عقله بعض الشيء وضعف رأيه إلى حد ما بحيث يدرك شيئاً ويغيب عنه آخر، قال: هذا يجوز بيعه بحيث يقول لمن باعه أو اشترى منه لا تخدعني، أحياناً يكون هناك رجل خبراته محدودة، أنا بذمتك إذا خدعتني، رأيه ضعيف والشاري ورع، اشترى منه وأعطاه سعره الحقيقي.
يوجد رجل من الأغنياء تزوج امرأة دون أن تعلم زوجته الأولى، الزوجة الأولى رأته تغير عليها، وهي حصيفة وذكية، دققت وأرسلت من يعلمها أين يذهب، عرفت أنه تزوج امرأة ثانية، انظروا إلى الورع ثم أن هذا الزوج توفاه الله عز وجل فما كان من زوجته الأولى إلا أن أرسلت بنصيب الزوجة الثانية إلى بيتها، ما كان من الثانية إلا قالت للأولى: والله طلقني قبل أيام وليس لي عنده شيء، هذا مجتمع، مجتمع عظيم، عندما يكون هناك أمانة وصدق نرقى، أساساً سيدنا جعفر ذكر للنجاشي عن الإسلام، قال له: "وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة"، الدين كله أمانة وصدق، أما الصوم والصلاة فمن أجل أن تقطف ثمار الأمانة والصدق، إذا أنت أمين وصادق واتصلت بالله عز وجل ترى الطريق سالكاً، أما إذا لا يوجد أمانة ولا صدق فلن تصل إلى الله عز وجل.
خيار الشرط :
لذلك: ترك دانق من حرام خير من ثماني حجج بعد حجة الإسلام.
((عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ قَالَ هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ رَجُلاً قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ وَكَانَ لا يَدَعُ عَلَى ذَلِكَ التِّجَارَةَ وَكَانَ لا يَزَالُ يُغْبَنُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ فَقُلْ لا خِلابَةَ ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلاثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا))
[ ابن ماجه عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ]
إذا إنسان لم يتأكد من السعر اشترى بيتاً، لعله مصادر، لعله مرهون، قال له: أعطيني خياراً، الخيار بالبيع موجود، اطلب خياراً ثلاثة أيام هذا بيع شرعي، إما أن تقول وافقت أو لم أوافق، ويوجد حالات يقول فيها العلماء: "من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى" أنت خذ خيار الشرط على أن أبحث في السجلات الرسمية عن وضع هذا البيع، فإذا ظهر أن عليه رهناً، أو ضريبة، أنا في حل من هذا العقد، وأهم هذه الشروط خيار الشرط، أنت يوجد عندك قضية ما بحثتها، أنا عندي هذا الشرط أنا أريد البيت نظيفاً من كل رهن أو مشكلة أو كل ضريبة سابقة، أعطني ثلاثة أيام خيار شرط.
الذي أريد أن أقوله لكم: جزء كبير من عبادتك بيعك وشراؤك، أنت تصلي الصلاة عبادة، تصوم، تحج، لكن إذا في البيع يوجد خطأ اليوم درسنا بيع من ضعف عقله، بيع المجنون، بيع المضطر، بيع الهازل، بيع التلجئة، بيع المكره، هذه كلها بيوع محرمة ولا تنعقد أصلاً إلا بحالات كما ذكرت قبل قليل، وإن شاء الله تعالى في درس قادم نتابع هذه الأنواع المحرمة، وبعد أن ننتهي منها ننتقل إلى الأنواع الجائزة، نكون قد أخذنا فكرة عن حقيقة البيع والشراء، وعن شروط البيع والشراء، وعن أركان البيع والشراء، وعن أنواع البيع المحرم، وأنواع البيع الجائز، حتى الإنسان يبيع ويشتري وهو مطمئن أنه وفق الشرع، يقول سيدنا عمر: "من دخل السوق قبل أن يتفقه أكل الربا شاء أم أبى"، وقع في الربا.

السعيد
09-20-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع : البيوع المحرمة - 2 - بيع النجس والمتنجس







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدين المعاملة :
أيها الأخوة الكرام، بدأنا في الدرس الماضي الحديث عن أنواع البيوع المحرمة، و وعدتكم أن أتابع هذا الموضوع في هذا الدرس، وما اخترت لكم موضوع البيوع إلا لأن كل إنسان كائن من كان لابد من أن يبيع أو يشتري، فإذا صحّ بيعه وصح شراؤه، واستقامت وجهته إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الدين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في التعبير الجامع المانع: الدين المعاملة.
ذكرت هذا كثيراً من قبل أن هنالك عبادات تعاملية، وهناك عبادات شعائرية، فالصلاة والصوم والحج عبادات شعائرية، والبيع والزواج والطلاق عبادات تعاملية، فإن صحت عباداتك التعاملية صحت عباداتك الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة السلام حينما قال:
(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وإقامة الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))
[البخاري عن عبد الله بن عمر ]
يستفاد من هذا الحديث أن العبادات شيء والإسلام شيء آخر، الإسلام بناء أخلاقي، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إنصاف، الإسلام تواضع، حب، إخلاص، إقبال على الله عز وجل، هذا الإسلام، دعائمه الصلوات والصيام والحج والزكاة، بني الإسلام على خمس فما لم تصح هذه العبادات التعاملية لا تصح العبادات الشعائرية، وكنت قد ضربت المثل التالي، العبادات التعاملية عام دراسي، والعبادات الشعائرية الامتحان ثلاث ساعات، العام الدراسي تسعة أشهر، دراستك وحفظك ومراجعتك تتبدى في هذه الساعات الثلاثة، فإن لم تصح الدراسة لا يصح الامتحان، إن لم تجتهد في أثناء العام الدراسي لا معنى للامتحان، فهذه النقطة تغيب عن معظم المسلمين، يتوهمون أن الدين أن تصلي، الدين أن تصدق، فإن صدقت تصلي، الدين أن تكون أميناً فإن كنت أميناً تصلي، الدين أن تكون منصفاً، فإن أنصفت الناس تصلي، أما أن تظن أن الصلاة شيء منفصل عن الدين فهذا ما أوقع معظم المسلمين في أكثر بقاع المسلمين بعمل خطير هو فصل الدين عن الحياة، يصلي ويصوم ويحج فإذا دخلت إلى بيته لم تجده بيتاً إسلامياً، الدين المعاملة، يجب أن نعنى بالعبادات الشعائرية وأن نعنى أيضاً بالعبادات التعاملية كي تصح عباداتنا الشعائرية.
أقوى دليل في هذا الموضوع أن النجاشي لما سأل سيدنا جعفر عن الإسلام أجابه إجابةً أخلاقية، قال له: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، بماذا أمرنا؟ بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. صحة العبادات الشعائرية مرتبط بصحة العبادات التعاملية :
الدين كله حسن الخلق، الدين تواضع لله، الدين صدق، الدين أمانة، لذلك هذه أكبر نقطة، لا تصح عباداتك الشعائرية من صلاة وصوم وحج إلا إذا صحت عباداتك التعاملية، الآن طالبني بالدليل، قال تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت: 45 ]
فإن لم تنهَ لم تنعقد الصلاة، الدليل: (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
الدليل: (( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))
[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/01.jpg
لو أنفقت زكاة مالك ولم تكن مستقيماً، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة: 53]
هذه الزكاة، والصيام، والحج، والصلاة، من هو المفلس النبي الكريم سأل أصحابه: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
و: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأثْوَارِ مِنَ الأقِطِ وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وأن السيدة عائشة رضي الله عنها ذكر لها عن أحد الأصحاب الذين وقعوا في مخالفة كبيرة في البيع والشراء، قالت: قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله. ديننا أخلاق واستقامة وإخلاص وصدق :
أخواننا الكرام، كلام دقيق وخطير، ديننا معاملة، ديننا أخلاق، ديننا استقامة، ديننا إخلاص، صدق، فإن طبقت العبادات التعاملية صحت عباداتك الشعائرية، والشيء الدقيق أنك إذا طبقت العبادات التعاملية وجدت الطريق سالكاً إلى الله، من السهل أن تقبل على الله، من السهل أن تتصل به، من السهل أن يخشع قلبك له، من السهل جداً أن تشعر بحلاوة الصلاة، وحلاوة الإقبال على الله لأن عملك طيب، يدك نظيفة، وجوارحك منضبطة، بيتك إسلامي، وعملك إسلامي، فالطريق إلى الله سالك.
إذا الإنسان اعتاد أن يسلك إلى الله، اعتاد أن يتصل به، يكون عنده ميزان حساس جداً، لمجرد أن يقع في مخالفة تعاملية يشعر أن حجاباً كان بينه وبين الله، قال تعالى:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة: 14-15 ]
لو أنك كذبت كذبةً واحدة قم وصلِّ، المقياس هو الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: الصلاة ميزان.
فمن وفى استوفى، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها، الصلاة ميزان، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 61 ]
اجعل ميزانك الصلاة، إذا فعلت شيئاً وقمت إلى الصلاة فشعرت أن بينك وبين الله حجاباً هذا الشيء غلط، هذه فطرتك، قال تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس: 8 ]
النفس إذا فجرت تعلم أنها فجرت وتحجب عن ربها، والنفس إذا استقامت تعلم أنها استقامت وتتصل بربها، أي المنطلق في هذه الدروس دروس البيوع أنه إذا صحت معاملاتك صحت صلاتك، وأي إنسان - وصدقوا ما أقول- يدّعي أنه موصول بالله وليس مستقيماً على أمره فهو كاذب، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، الله عز وجل كماله مطلق لعلك ترى قوياً يتقرب إليه المتقربون بولائهم وإعلان ولائهم وهم ليسوا مستقيمين، الإنسان لا يعلم. العبرة أن يصل الإنسان إلى الله :
إنسان سلم عليك سلاماً لطيفاً، احترمك احتراماً تحبه، لا تعلم ماذا يعمل لكن الله يعلم، أنت بإمكانك أن تتقرب إلى إنسان تراه عظيماً ولو لم تكن مستقيماً، لكنك لم تستطع أن تتصل بالله، ولا أن تنال منه شيئاً إن لم تكن كاملاً، فلذلك لا أحد يقول في نفسه: أنا أضع عقبات تعجيزية والله من أجل أن نوفر أوقاتنا، وأن نربح أنفسنا، ما لم تكن طيباً فالله لا يقبلك، ما لم تكن مستقيماً فالله لا يتجلى عليك، ما لم تكن صادقاً أميناً فالله لا يوفقك، العبرة أن تصل إلى الله، أي أية وسيلة اسلكها والعبرة أن تصل إلى الله، ولن تصل إليه إلا بطاعته، ولن تصل إليه إلا بالإحسان إلى خلقه، ولن تصل إليه إلا إذا كنت كاملاً، يمكن أن تغلط ممكن، لكن ولي الله لا تضره معصية بمعنى أنه لا يصر عليها يتوب منها سريعاً، سرعان ما يتوب منها، سرعان ما يستغفر، المؤمن مذنب تواب، أنا لا أقول إنكم معصومون، أما الذي يريد أن يصر على معصية فهذا محجوب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
الدين معرفة بالله وطاعة له :
أنا سمعت أو قرأت في كتب الفقه أن أهل بلدةٍ لو اتفقوا على أن يلغوا الأذان لحوربوا، يمكن أن ينسوا الأذان أما إذا اتفقوا على أن يعطلوا شعيرة من شعائر الله ما داموا قد أصروا على هذه المعصية فهم حجبوا عن الله عز وجل.
النقطة الثانية الإنسان متى يحتاج الإنسان إلى الفقه؟ حينما يشعر أنه في أمس الحاجة إليه، حينما يعرف الله، بعد أن تعرفه تريد أن تتقرب إليه، ما من طريق أقرب إلى الله من طاعته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/02.jpg
ما تقرب المتقربون إلا بطاعة الله، ما تقرب العباد إلى الله بأحب ما افترضه عليهم، فأنت حينما تعرف الله، وترجو ما عند الله، تسأل ما حكم الله في هذا؟ أقول لكم أيها الأخوة: المؤمن الصادق شغله الشاغل أن يتحرى أمر الله وأن يطبقه، أي إذا صحّ أن نقول عرف الله لا أقول عرفه المعرفة الكاملة، أقول عرفه معرفة لا بأس بها، عرفه معرفة دفعته إلى الطاعة، عرفه معرفة حملته على الطاعة، إن وصلت إلى هذه المعرفة يجب أن تبحث عن أمره ونهيه، لأنك إن عرفته لابد من أن تتقرب إليه، أنت لاحظ نفسك لو إنسان من بني البشر وجدته متألقاً في نظرك، تألق علمي، تألق أخلاقي تحب أن تتقرب إليه، أحياناً تدعوه إلى وليمة، أحياناً تقدم له هدية، أحياناً تزوره، أحياناً تطلب منه الدعاء، كل واحد منا إذا رأى شخصاً كبيراً يتقرب منه ولله المثل الأعلى إذا أنت وجدت عظمة الله، ورحمة الله، وقدرة الله، وتربية الله، وأردت أن تتقرب إليه ماذا تفعل؟ بطاعته، أي إنسان عرف الله المعرفة الصحيحة يجد نفسه مندفعاً إلى طاعة الله، كيف أطيعه؟ لابد من معرفة أحكامه، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقي سنوات طويلة في مكة يرسخ الإيمان أما عندما انتقل إلى المدينة نزل التشريع، فالمؤمن بعد فترة طويلة من معرفة الله والتفكر في آياته والتأمل في أسمائه الحسنى الآن يشعر بحاجة جديدة إلى معرفة أوامره ونواهيه، فالدين معرفة بالله وطاعة له، طاعته أي أوامره، من هنا انطلقنا من موضوع البيوع، هناك بيوع محرمة. بيع النجس والمتنجس :
الآن البيع المحرم الثامن بيع النجس والمتنجس، فلا يجوز شرعاً بيع النجس كالخمر والخنزير والميتة، ما معنى كلمة نجس؟ أي عينه نجسة، فالميتة نجسة، والخنزير نجس، والخمر نجس، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 90 ]
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ ))
[الترمذي عن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/03.jpg لا يجوز بيع النجس والمتنجس

فلا يجوز شرعاً بيع النجس كالخمر والخنزير والميتة، ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كزيت إذا تنجس، والسمن المائع، السمن والعسل ونحوه، في الشتاء إذا وقعت بالسمن فأرة، والسمن جامد يمكن أن تقطع من كتلة السمن شيئاً حول الفأرة أما السمن السائل أو الزيت إذا سقط فيه ما ينجسه فلا يجوز بيعه.
أما ما يمكن تطهيره كالثوب والطعام اليابس فيغسل، ويجوز بيعه بشرط أن يخبر البائع المشتري بما أصاب سلعته حتى يسلم من خصلة الغش الذي هو من الكبائر. كلّ شيء غير طاهر محرم بيعه :
مرّ معنا أن الغش من الكبائر، فلا يجوز بيع النجس من الخمر والخنزير والدم، كما أنه لا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن أن يطهر، أما إذا كان جافاً فبإمكانه أن يطهر، من أجل أن تخرج من الغش ينبغي أن تخبر الشاري، الشافعية استثنوا من ذلك ما إن باع الإنسان داراً مبنية بآجر نجس، أو دار مسمدة بذبل هذا يصح عند السادة الشافعية، بل إن جمهور العلماء يعد أن الطهارة شرط في صحة الانعقاد، الأصل أن كل شيء غير طاهر محرم بيعه، النبي عليه الصلاة والسلام قيل له:
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأصْنَامِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ: لا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ ))
[متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
على أنه لا يجوز بيعه، ويجوز الانتفاع به، بقية العلماء لا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها، هذا بيع محرم، بيع النجس والمتنجس، البيع المحرم أيضاً بيع ما لا يقدر على تسليمه، تبيع شيئاً ولا تقدر على أن تسلمه، كمن يبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والحيوان الشارد الغائب، استثنوا من ذلك خلايا النحل لأنها لو خرجت تعود إلى الخلية قطعاً، ممكن للإنسان أن يبيع خلية نحل والنحلات في الحقول، لأن هذا النحل لابد من أن يأوي إلى خليته مساءً، وهناك كلمة سر إن لم تذكرها النحلة تقتل، لا يمكن أن تدخل نحلة إلى غير خليتها، نظام لا يصدق.
وما دمنا قد تحدثنا عن النحل فهناك شيء لا يصدق في النحل، هناك نحلات مستطلعات تذهب للتعرف على أماكن الرحيق بالزهر، تعود وتخبر النحلات برقصات، هذه الرقصات تخبر بها النحلات عن المسافة بينها وبين حقل الزهور، وعن جهة حقل الزهور، وعن كثافة حقل الزهور. لا يجوز للمكلف أن يبيع ما لا يقدر على تسليمه :
والدليل على أنه لا يجوز للمكلف أن يبيع ما لا يقدر على تسليمه ما رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي:
(( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: َأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ قَالَ: لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))
[أبو داود والترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]
حدثني أخ كان حديث عهد بالتجارة ولم يتفقه بأصول التجارة، قال: خرجت إلى حمص، هو تاجر أقمشة وجد مسطرة قماش جيدة في حمص فحملها وانطلق بها إلى مدينة أخرى وباعها هناك بسعر جيد جداً، عاد ليشتريها ويبيعها البضاعة بيعت، فاضطر أن يشتريها بأغلى مما باعها لأنه خالف توجيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))
[أبو داود والترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/04.jpg
أي لا تبع ما ليس في ملكك وقدرتك على تسليمه، يوجد استثناءات بسيطة الإنسان أحياناً يبيع الصوف الذي على غنمه هذا بيع السلم مستثنى، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك، والقضية لها تفاصيل كثيرة جداً، طبعاً لو طبقنا هذا الحديث ألغينا ما يسمى بيع المضاربات، كميات كبيرة في أراضيها تباع وتشترى مئات المرات، وكلما بيعت واشتريت ارتفع سعرها، فحينما لا تنوي شراء البضاعة ونقلها إلى مستودعك تكون أقرب منك إلى المقامرة لا إلى المتاجرة، حينما تشتري وتبيع وليس في نيتك أن تستقدم البضاعة إلى مستودعاتك النية ليست إذاً أن تأتي ببضاعة وأن تبيعها للمسلمين وأن تحل بها مشكلاتهم، النية أن تربح عن الطريق البيع والشراء والبضاعة في مكانها، هذا بيع المضاربة ينتهي، طبعاً يوجد استثناءات بسيطة ليس هنا مجال لذكرها.
أحياناً تكون البضاعة في طريقها إليك تعرض أنت مساطرها فالشاري بالخيار إذا جاءت، من لم يشترِ ما لم يرَ له الخيار إذا رأى، لكن البضاعة في طريقها إليك، أما إذا كانت البضاعة لا تنوي أن تستقدمها إطلاقاً، لا تنوي أن تنقلها إلى رحلك، تبيع وتشتري، والبضاعة في مكانها، هذا كما قلت قبل قليل أقرب إلى المقامرة من المتاجرة، والإنسان إذا اشترى بضاعة وحازها إلى رحله، النية أن يبيعها، وإذا طرحها في السوق حلت أزمة وانتفع الناس بها، وانتفع هو ببيعها، فهدم التجارة ألا تستقدم البضاعة وأن تبيعها للناس، فهذه مقامرة لذلك هذا يسمونه بيع المضاربات وبيع المضاربات يرفع الأسعار ولا ينتفع الناس. بيع المضاربات :
مرت فترة القيم الثابتة ارتفعت ارتفاعاً مذهلاً، السبب هذه الأرض تباع وتشترى عشرات المرات دون أن تعمر، هذا البيت على العظم يباع ويشترى إلا أن يبلغ سعراً غير معقول، لا أحد سكنه، هذا الذي يشتري ويبيع دون أن يفعل شيئاً هذا يسهم في رفع الأسعار دون أن يدري، هذا سماه العلماء بيع المضاربات، النبي حسمه بهذا الحديث، "... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ".
مرة ثانية أقول لكم: أنا لا ألقي تفاصيل بالفروع أو بفروع الفروع، كل موضوع إذا أردت أن تصل إلى أدق تفاصيله هناك كتب بالفروع، أنا أعطيكم أصول هذا الموضوع، أما كل شيء ففيه تفاصيل واستثناءات وتوجيهات واجتهادات.
تحريم بيع الغرر :
بيع الغرر، بيع الغرر أيضاً محرم، من البيوع الفاسدة، وهو أيضاً بيع ما لا يعلم قدره ولا صفته، لا تعرف ما قدره ولا صفته، تبيع وتشتري، يكون في الغالب مبنياً على الغش والخداع، روى مسلم والترمذي وأبو داود:
(( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
كان العرب في الجاهلية يمسك أحدهم حصاة ويلقيها فحيثما وصلت تكون حدود الأرض، إذا إنسان رياضي يأخذ أربعة أمثال الغير رياضي معنى هذا أن هذا الشيء أصبح مقامرة.
مرة قال لي أخ اشترى أرضاً: أخذني صاحب الأرض ليريني إياها، أرض رائعة جداً، أرض منبسطة مطلة على سهل جميل، سعرها معتدل، فاشتراها بعد ذلك كان عرضها ثلاثاً وعشرين متراً وطولها مئة وستة وثمانين متراً، هذا بيع الغرر، صاحب الأرض أوهمه أن الأرض منبسطة وهي شريط، ما طلب مخططات، ما طلب حدوداً، بيع الغرر شيء غير معروفة مساحته، أو شيء معروفة مساحته وأبعاده غير معروفة، تأخذ أرضاً ضيقة.
يروون أن إنساناً كثير الكذب وعنده عبد كلما كذب يكذبه العبد، فانزعج منه انزعاجاً كبيراً، اشترى له عباءة وقال له البسها و اسكت، قال هذا الرجل: أنا عندي أرض من هنا إلى بيروت - أحد كذباته- هذا العبد لم يتحمل خلع أول كم، فقال: لكن عرضها متر، فقالوا له: معقول؟ فقال لهم: هذا ضيقها عليّ، كنت سوف أعرضها.
الغرر أي الشيء الغير واضح، لا كميته، ولا أطواله، ولا أبعاده، وكل إنسان يحب أن يغش لا تفهم منه شيئاً، أتركها لله بنصيبها، الآن انتظر، لا يعطيك معلومات دقيقة لأنه ينوي أن يغشك لذلك قالوا: الجهالة تفضي إلى المنازعة.
اطلب الكمية والنوعية والسعر والتسليم وطريقة الدفع، اتفقوا عليها و وقعوا ، أما كل شيء فيه جهالة فمشكلة، كانوا في الجاهلية الغواص يبتاعون منه ما يعثر عليه، ينتظرونه ولو لم يأتِ بشيء يأخذ مبلغاً من المال، لو جاء بلآلئ عشرة أضعاف ما أخذ يجب أن يدفعها للشاري أيضاً هذه مقامرة، بيع الغرر، وبيع الغواص يغوص ويخرج هذه الغوصة بألف، لو جاء بالصدف ولم يأت باللؤلؤة يأخذ ألفاً، لو جاء بلآلئ قيمتها عشرة آلاف يأخذ ألفاً، هذا أيضاً بيع الغرر. بيع البخت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/05.jpg
بيع البخت، أي بهذه السلعة هدية ثمينة قد تكون وقد لا تكون وما أكثر هذه الآن، أحياناً يشتري الطفل مئة علبة لا ليأكل ما فيها بل من أجل الهدية، دفعنا الأب ثمن مئة قطعة، قالت أم: إن ابنها يشتري ويلقي في المهملات يهمه الصورة، صار هناك تبديد للأموال، هذا بيع البخت، تشتري شيئاً لا تعلم ما إذا كان فيه هدية أو لا يوجد هدية، هم يضعون في كل عشرة آلاف هدية واحدة يصبح الشراء الهدف منه البحث عن الهدية، هذا بيع البخت أيضاً في الشرع محرم.
كل هذه الأنواع أقرب إلى المقامرة من التجارة، وهو نوع من أكل أموال الناس بالباطل، الإمام النووي يقول: بيع الغرر النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جداً .
بيع النجش :
بيع النجش بيع محرم أيضاً، ما بيع النجش؟ أن تشتري أنت شراءً خلبياً بسعر مرتفع من أجل أن تقنع إنساناً مغفلاً، هذه يفعلها بعض التجار، يأتي إنسان يطلب سلعة يعطيه السعر يجدها غالية الثمن، فيقول رجل: أنا أخذها وهذا السعر، الأول تعلق بها يشتري الثاني شراء خلبياً صورياً من أجل أن يقنع الأول بشراء هذه السلعة.
يوجد رجل متفق مع الصانع، يدخل شخص ويرى كنزة بكم هذه؟ يقول له: معلمي بكم؟ فيذكر المعلم رقم مثلاً مئتا ليرة .
وقد روى الترمذي وأبو داود:
((لا تَنَاجَشُوا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا البيع بيع التناجش بيع خلبي بيع تمثيلي، مثل ذلك مثلاً محضر يباع بالمزاد العلني، للمحضر مئتا مالك لم يتفقوا، المحضر يباع بالمزاد العلني، أحياناً يدخل عشرة متفقين والعشرة يمثلون واحداً يزيدون شيئاً بسيطاً، يبدأ المحضر بمليونين، يقول أحدهم: مليونين وخمسين ألفاً، يصعد الثاني خمسة آلاف، عشرة آلاف، يستقر مثلاً على مليونين وخمسمئة، والمحضر ثمنه أربعة ملايين، هذا البيع فيه تمثيل، طبعاً هذا البيع فيه مزاودة قليلة جداً، إنك إن تكلمت شيئاً لا تقصده باتفاق مسبق فهذا ينطوي تحت بيع النجش، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَنَاجَشُوا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
بيع الثمر :
والبيع المحرم الآخر بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، أي الضمان ينبغي ألا يشتري ثمراً يمكن أن يصاب بالصقيع، بعد أن ينجو من الصقيع ويبدو صلاحه، العنب يسود والحب يشتد بدا صلاحه يشتري، أما أن تشتري قبل أن يظهر صلاحه، لو أصابته آفة سماوية لو جاءه صقيع وتلف الثمر فتنشأ منازعة، يقول الشاري للبائع تريد أن تأخذ مالي لم أجنِ شيئاً من مزرعتك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تَنَاجَشُوا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/06.jpg
((نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ))
[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
وفي لفظ آخر: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
((لا تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ))
[متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]
لذلك إذا بعت الثمر قبل أن ينجو من الآفة السماوية وقبل أن يبدو صلاحه فهذا بيع فيه غرر، قد يصاب بآفة سماوية وقد تنشأ مشكلة كبيرة بين البائع والشاري.
طبعاً كل ثمرة، وكل صنف من الثمار له صلاح خاص، الحب يشتد، العنب يسود، هناك شيء يصفر، يخضر، يبيض، كل ثمرة لها صلاح خاص، هذه تابعة إلى العرف. صلاح البال يحتاج إلى طاعة لله :
أنا الذي أجده أن كل هذه الأحكام الفقهية لها هدف واحد أن تنتظم الحياة بين البشر كي يتفرغ البشر إلى عبادة الله، الآن كل قضية تدخل مع إنسان بخصومة ست سنوات أو سبع في القضاء كل هذه السنوات تحطم الأعصاب، بسبب متابعة القضايا والدفع، والإنسان عمره أصغر من أن يضيعه في خصومات كان في غنى عنها، قلت لكم مرة سيدنا معاوية سأل سيدنا عمرو بن العاص وكان من دهاة العرب، قال: يا عمر ما بلغ من دهائك؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا وأحسنت الخروج منه، قال: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه.
أنت من أجل أن تعبد الله، وأن تصفو نفسك، أخواننا الكرام سلامة الصدر وراحة البال شيء ثمين جداً، فكل إنسان يفرط، لا يسجل عقد شراكة، لا يأخذ إيصالاً والمبلغ يذهب جزافاً، يتألم أشد الألم، دخل في متاهات القضاة والمحامين، والأمل، والتوقع، والخوف، دمرت حياته النفسية، لذلك تطبيق الشرع من أجل أن يتفرغ قلبك لمعرفة الله، لهذا ربنا جل جلاله رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى، قال تعالى:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد: 5]
صلاح البال يحتاج إلى طاعة لله، أطع الله عز وجل، طبق شرعه لا تقع في مشكلة، يبدو أنه ما من مشكلة في الأرض تقع إلا بسبب مخالفة لمنهج الله هذا يبدو جلياً واضحاً، يبدو أن أي مخالفة لمنهج الله بسبب الجهل، فنحن عدونا الأول هو الجهل، وعلاجنا في العلم نتفقه، لو دخلت إلى قصر العدل لوجدت كل الدعاوى التي تعد بالألوف بعشرات الألوف سببها مخالفة قواعد الشرع.
حتى في الزواج كل إنسان يرغب أن يجلس مع خطيبته فترة طويلة بلا عقد حتى يجربها ويمتحن أخلاقها، لو أنه وقع الذي يخشى أن يقع ثم اختفى الخطيب ماذا تفعل؟ على القضاء صار في البيت كارثة، فكل إنسان يتساهل في أمور الشرع يدفع الثمن باهظاً، دائماً الإنسان الأحوط يطبق قواعد الشرع. البيوع المحرمة :
فبدا لنا الآن أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه بيع محرم، وأن بيع النجش بيع محرم وأن بيع الغرر بيع محرم، وأن بيع ما لا تقدر على تسليمه بيع محرم لأنه أقرب إلى المقامرة، وأن بيع النجس والمتنجس بيع محرم، وأن بيع الصبي، وبيع من خف عقله هذا في الدرس الماضي بيع محرم، وبيع المضطر، وبيع المجنون، وبيع الهازل، بيع التلجئة، وبيع المكره كل هذه من البيوع المحرمة، لهذا قال سيدنا عمر: "تفقهوا قبل أن تدخلوا الأسواق فمن دخل السوق قبل أن يتفقه أكل الربا شاء أو أبى"، وقع في ربا، أو في غبن، غرر وهذه من ضرورات البيع والشراء، الإنسان يسأل، قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 43]
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان: 59]
والله سبحانه تعالى أمرنا أن نسأل، أنت عندك مسؤولون، إنسان يعرف الله اسأله وإنسان يعرف أحكامه، أو يعرف الله ويعرف أحكام الشرع، وإنسان يعرف أمور الدنيا فاستشر واستخر، اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك. الاستشارة و الاستخارة :
أي موضوع الاستشارة والاستخارة وإن كان بعيد عن درسنا مهمة جداً، أنت تنقصك المعلومات تأخذها من شخص يجتمع فيه خصلتان الإخلاص والخبرة، فأنت مكلف أن تستشير أولي الخبرة من المؤمنين وصلت إلى معلومات الآن تخاف أن يكون هناك معلومات غابت عنك، الآن تستخير الله بعلمه، تستخيره بقدرته، لأنك يا الله تعلم وأنا لا أعلم، وتقدر وأنا لا أقدر، إن كان في هذا الأمر صلاح لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فقدره لي، وإن لم يكن لي فيه صلاح في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث شاء، هذه الاستخارة والنبي قال:
(( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4996/ar-4996/07.jpg ما خاب من استخار ولا ندم من استشار

استشر المؤمنين الخبراء واستخر رب العالمين، والاستخارة شيء مهم جداً لأن الله رب العالمين يرى هذا العبد يصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء، ويفوض أمره إلى الله، جواب الاستخارة إن رأيت التيسير فتابع الأمر، إن رأيت التعسير فقف، لأن جواب الله عز وجل تيسير أو تعسير، إن كان الأمر فيه صلاح لك فتيسير، ما فيه صلاح لك فتعسير. المؤمنون أمرهم شورى بينهم :
الإنسان إذا اتصل بالله أصبحت قدراته مفتوحة، أما إذا انقطع عن الله فأصبحت قدراته مغلقة، أنت إن كنت مع الله موصولاً استعنت بعلمه، واستعنت بحكمته، واستعنت بتوفيقه وبنصره، بتأيتده، أما الإنسان إذا كان بعيداً عن الله عز وجل فقدراته محدودة، وقد تكون متضائلة، وقد تكون موهومة، يقع في شر عمله، والإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أجمل شيء أن المؤمنين قد وصفوا الله أن أمرهم شورى بينهم، وأن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة السلام فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران:159]
أنت عود نفسك أن تستشير لأنك إذا استشرت الرجال استعرت عقولهم، استشر أولي الخبرة من المؤمنين، ثم استخر الله عز وجل، وهذه أحكام الشريعة.

السعيد
09-20-2018, 02:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : البيوع المحرمة - 3 - بيع السمسار وتلقى الركبان






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الهدف من الحياة طاعة الله :
أيها الأخوة الكرام، ذكرت لكم في الدروس السابقة أن الإنسان إذا كان على جانب من معرفة الله عز وجل يجد نفسه مندفعاً أشد الاندفاع إلى التقرب منه، ولا شيء يقرب إلى الله كطاعته، لذلك قبل يومين سألني أخ كريم قال: ما الهدف من الحياة؟ أن نعيش في بحبوحة أم أن نبكي في الصلاة أم ألا نرى أحداً فاسقاً من حولنا؟ أم ماذا؟ قلت: الهدف أن تطيع الله لأن الله عز وجل يقول:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 71 ]
ينبغي أن تطيعه في سرك وعلانيتك، في نشاطك وجهدك، في فرحك وحزنك، في خلوتك جلوتك، يجب أن تعبد الله في كل أحيانك، وفي كل أوقاتك، وفي كل شأنك، وفي كل حركاتك وسكناتك، لأنك إن أطعته حققت الهدف من وجودك، متى يأتي دور الفقه؟ الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر يتفنن في التفلت منه، أما الذي يعرف الآمر قبل الأمر فيتفانى في طاعته، فأنت حينما تتعرف إلى الله عز وجل وتقدر الله حقّ قدره، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 91 ]
أنت حينما تقدره حق قدره تبحث عن أمره ونهيه، قصة تعرفونها، أخ كريم يعمل في لف المحركات قال لي: قبل أن أعرف الله أحياناً يأتيني محرك معطوب كلفة لفه خمسة آلاف ليرة، أفتحه فإذا خط خارجي قد فلت يكلفني دقائق، يوصل هذا الخط خارجياً ويعود المحرك كما كان، ولما يأتي صاحب المحرك آخذ منه خمسة آلاف ليرة، أما حينما عرفت الله فأخذت منه خمساً وعشرين ليرة والشرط خمسة آلاف ليرة، من الذي يعلم؟ الله وحده يعلم، لن تنضبط، لن تستقيم إلا إذا عرفت أن الله معك، حاضر وناظر، يعرف سرك ونجواك. ما من إنسان إلا ونشاطه الأكبر البيع والشراء :
لذلك كلما شعرت بحاجة إلى معرفة أحكام الفقه كلما اندفعت اندفاعاً شديداً إلى معرفة أحكام الفقه، معنى ذلك أن هذه بادرة طيبة، بادرة تعني أنك أردت أن تصل إلى الله من خلال طاعته، في الأديان الوضعية هناك طقوس يتوهم المتوهمون أنها توصلهم إلى معبودهم، أما عندنا في الإسلام فهناك عبادات، وهناك طاعات، وهناك معاملات، وهناك آداب توصلك إلى الله، هي التي توصلك إلى الله، هي التي يعول عليها، فلذلك بدأنا قبل أسبوعين بالبيوع المحرمة، ولماذا اخترت البيوع بالذات؟ لأنه ما من إنسان إلا ونشاطه الأكبر البيع والشراء، كن من شئت لابد من أن تبيع وتشتري، ولأن أكل لقمة من حرام تجرح العدالة، ولأن الله سبحانه وتعالى لا يقبلنا إلا إذا كان مطعمنا حلالاً، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟ من هذا المنطلق كانت هذه الدروس المتعلقة بالبيوع، وبدأت بالمحرمات وهذا هو الدرس الثالث عن البيوع المحرمة.
نهي النبي أن يكون الحضري سمساراً للبادي :
الآن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الحضري الذي يسكن المدن سمساراً للبادي الذي يسكن البوادي والقرى النائية وذلك بأن يتلقاه، يأتي بدوي معه سمن، جبن، فواكه، معه منتجات باديته، أو منتجات قريته، يقول له صاحب أحد المحلات اليوم السعر منخفض دع البضاعة عندي، وأنا أبيعها لك بسعر مرتفع بعد حين، هذا الشيء نهى عنه النبي.
(( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ))
[أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
لأنه يوجد نقطة دقيقة ذكرتها قبل يومين، هي أن السعر حر لك أن تبيع بأي سعر، ولك أن تشتري بأي سعر، إلا أن ولي أمر المسلمين إذا حدد أسعار المواد الأساسية كالخبز، والسكر، والرز، وما إلى ذلك، إذا حدد أسعار بعض السلع الأساسية ينبغي للمسلم أن يتقيد بذلك، لأن هذا لمصلحة العامة، حوض سمك لك أن تشتريه بأي سعر، ولك أن تبيعه بأي سعر، لكن متى يصبح سعره معقولاً؟ إذا انتفى الغش، وانتفى التدليس، وانتفى الإيهام، وانتفى إخفاء العيب، وانتفى الاستغلال، كل المعاصي المتعلقة بالبيع والشراء إذا انتفت السعر يستقر بشكل طبيعي ومعقول، لأنه هناك منافسة، كل إنسان يحب أن يبيع يضع هامش ربح معقول، ويسعّر، أقل من هذا السعر لا يستطيع أن يعيش من هذه التجارة، الأسعار تتحرك وتضطرب إلى أن تنخفض إلى الحد المعقول، والآن أي سلعة فيها منافسة، والناس أحرار في شرائها وبيعها، ترى سعرها أقل سعر، إذا توافرت المواد تنخفض الأسعار للربع أو إلى الأربعين بالمئة، التغى الاحتكار، التغى الاستغلال، التغى إخفاء العيب، التغى الغش، التغى الكذب، التغى التدليس، أي معصية بالبيع والشراء إذا ألغيت السعر سعر السوق هو السعر الطبيعي والمعقول والمألوف. على الإنسان ألا يحدث تغيراً مفتعلاً في حركة السوق :
لذلك لما يأتي قَرَوي ولا تقولوا قُرَوي لأن النسب لا يصح مع الجمع، يقول لك مباراة دُولية غلط، مباراة دَولية، حينما يأتي قَروي مع جبنه أوسمنه أو بيضه أو تفاحه أو فاكهته أو محصوله إلى السوق ليبيعه، عرض هذه البضاعة بشكل طبيعي يحدد سعرها المعقول، فلو جاء صاحب الدكان وقال: ابقها عندي الآن السعر قليل أنا أبيعها لك، أي أجرى تعديلاًَ على حركة السوق، وأي تعديل مفتعل على حركة السوق غير الطبيعية هذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، أحياناً إشاعة، أحياناً إيهام، أحياناً كذب، أحياناً تدليس، إخبار غير صحيح، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
الحديث البليغ: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
[مسلم عن أبي هريرة]
غش مطلقاً، لو غششت مجوسياً فلست منا، ليس منا من غش ومن غشنا فليس منا، هذا الحضري صاحب الدكان يقول لهذا البدوي: اجعل البضاعة عندي اليوم غير مناسب أنا أبيعها لك بعد حين بسعر أعلى، الآن غيّر حركة السوق، لأنه يوجد قول: الله هو المسعر أحياناً تجد فاكهة الكيلو بثلاث ليرات أو ليرتين، يوجد سنوات بخمسين ليرة، الكمية بيد الله عز وجل، والموضوع فعلاً عجيب، كل سنة يوجد محصول رخيص، مرة المشمش، ومرة الكرز، مرة التفاح، مرة البطاطا، بثلاث ليرات بيعت البطاطا، رأس مالها أغلى بكثير، الله هو المسعر، الكميات تحدد الأسعار، فلذلك حينما يقول الحاضر للبادي: أنا أبيع لك بضاعتك فقد خالف منهج رسول الله، أساس منهج رسول الله ألا تحدث تغيراً مفتعلاً في حركة السوق الطبيعية، عرض وطلب هذه الحركة الطبيعية تحدد سعراً معقولاً يرضى به الكل. نهي النبي عن تلقي الركبان :
شيء آخر: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تلقي الركبان، أي أصحاب البضائع؛ السمون، الزيوت فرضاً، الأجبان، الفواكه، التفاح من مناطق معينة، يخرج التاجر إلى هذه الطرق ويشتريها منه في الطريق هذا اسمه بيع تلقي الركبان، صاحب هذه البضاعة لم يصل إلى السوق، لم يعرف سعرها الحقيقي أوهمته بسعر غير حقيقي، هذا البيع حرام، دعه يصل إلى السوق ويعرف سعر بضاعته، عندئذ يطلب السعر المناسب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام أيضاً:
(( لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
(( ... وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ...))
[البخاري عن أبي هريرة]
كم باعك هذه السلعة؟ أنا عندي أرخص أعدها له وخذ من عندي، النجش كما قلنا في الدرس السابق بيع وهم من أجل رفع السعر. غبن المسترسل حرام :
يبدو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نكون صافين، أن نعبده ونحن فارغون من الهموم، إنسان باع شيئاً بنصف سعره يتألم ألماً شديداً، الغبن مؤلم، إنسان يكون صغيراً ساذجاً يوهمه إنسان بشيء ويشتري منه الحاجة بنصف قيمتها، يشعر بألم وضيق، أنت أساساً بالتعبير العامي لا تتهنى بالسلعة إذا اشتريتها إلا أن يكون صاحبها راضياً، فإذا غششته أو أوهمته أو أقنعته أن السعر قليل وغداً سوف ترتفع الأسعار لن يبارك الله لك، حدثني أخ عمل بالتجارة هو خبرته ضعيفة جداً أول صفقة اشتراها، فاشترى قماشاً عرضه على تاجر كبير، التاجر الكبير ذكي جداً ولكن ذكاءه ذكاء شيطاني، أبدى من العطف والغيرة على مصلحة هذا التاجر الناشئ الشيء الكثير، قال له: كم متراً اشتريت؟ قال له: خمسة آلاف، فقال له: أصلحك الله هل يوجد أحد يشتري خمسة آلاف، فقال له: إن شاء الله عرضين؟ فقال له: عرض، فقال له: هذا ليس مطلوباً أبداً، بأسلوب ذكي جعل الشاري يبرك، بعد ذلك اشتراها منه برأس مالها، باعها في اليوم الثاني بأربعة أضعاف رأسمالها، ويعد نفسه شاطراً لكنه غبي هذا نوع من السرقة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
المحتكر خاطئ :
يوجد أساليب ذكية جداً بالشراء والبيع مع الغبن، لكن الله بالمرصاد الذي تجمعه من هذا الطريق يتلفه الله دفعةً واحدة من طريق آخر، لا تلقوا الركبان يوجد تاءين حذفت الأولى تخفيفاً، لا تتلقوا الركبان.
(( لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ... ))
[البخاري عن أبي هريرة]
هذه توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، لو أنه جاء باد معه بضاعة واشتراها منه الحاضر بسعرها الصحيح لا يوجد مشكلة أبداً، أما أن يشتريها منه بسعر قليل ثم يبيعها بسعر عال فلا يجوز، أو أن يحبس البضاعة ليرتفع سعرها لا يجوز. (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
المحتكر خاطئ، من المحتكر؟ هو الذي يحبس البضاعة ليرتفع ثمنها كما يكون البائع محتكراً يكون الشاري محتكراً، كل إنسان يشتري أكثر من حاجته هذا الشراء المفتعل يسبب أزمة في السوق، يرتفع السعر فجأةً، ارتفاع السعر بسبب الشراء الغير معقول، أحياناً الإنسان بخبر بسيط يكثر من الكميات، يصبح هناك جنون على طلب السلعة يرتفع سعرها أضعافاً مضاعفة، رفع الأسعار مخيف.
قال لي أخ محاضر: صار منافسة على محضر، المحضر بدأ بخمسين ستين مليوناً انتهت مزاودته على مئتين وتسعين مليوناً، متر الهواء أغلى من متر المنتهي عماره، الآن إلى النصف الأسعار وعلى هذا المحضر للربع، فالإنسان يرحم المسلمون عندما يبيع بسعر معتدل يكون عمل عملاً صالحاً.
إذا رجل يعرف السعر بالمدينة هذه حالة استثنائية، ثم تلقى رجلاً ريفياً معه بضاعة فاشتراها منه بسعر المدينة ليس إثماً، أنت تسير في طريق وإنسان معه جبن السعر مئة وعشرون، قلت له: بسعر السوق، مئة وعشرون لا شيء عليك، إذا أنت اشتريت بسعر معقول، بسعر سوق المدينة، أنت ما تلقيت الركبان، أنت مستثنى، أنت لم تغشه، ولا أردت أن تأخذ بضاعته رخيصةً، ولا أردت أن تخدعه. بيع الكلب من البيوع المحرمة :
قال: من البيوع المحرمة بيع الكلب، اختلف الفقهاء في بيع الكلب، الشافعي قال: لا يجوز بيعه أصلاً، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه والانتفاع بثمنه مع الكراهة إذا لم يكن للحاجة، وفرّق المالكية بين الكلب المأذون في اتخاذه وهو الكلب الذي يحرس الزرع والماشية وما في حكمهما ويخشى عليهم من اللصوص مثلاً، والكلب غير المأذون كالكلب الذي يقتنى للعب به ونحو ذلك، أي إذا كلب اقتني هواية شيء والكلب الذي يقتنى لأداء مهمة شيء آخر، في بعض الأرياف، وبعض الأماكن النائية لصوص، هناك كلاب الحماية لها دور كبير، ويوجد كلاب بوليسية ثمينة جداً، الكلب عنده حاسة شم مليون ضعف حاسة الإنسان، يكفي أن تعطيه أحد أدوات مجرم يبحث عن هذه الرائحة من بين خمسمئة ألف إنسان، الله عز وجل أعطى هذا الحيوان حاسة شم تفوق حدّ الخيال، وكثيراً ما اكتشفت الجرائم عن طريق الكلاب، فهذه الكلاب لها قدرات عالية أعطاها الله إياها.
قيمة الإنسان بمعرفته بربه وبأخلاقه واستقامته :
بالمناسبة ما من صفة بالإنسان مادية إلا وهي في الحيوان أبلغ من الإنسان، الصقر يستطيع أن يرى السمكة في الماء وهو في أعالي الأجواء، ينقض على السمك وهو في الماء، ينقض على فريسته وهو على ارتفاع شاهق، بل إن بعض العلماء يقول: إن الصقر يرى رؤيةً تزيد عن رؤية الإنسان بثماني مرات، كأن معه تلسكوباً وميكروسكوباً، الجمل يرى في الصحراء الشيء البعيد قريب، والصغير كبير، عينه ميكروسكوب وتلسكوب تقرب وتكبر، الكلب مليون ضعف حاسة الشم عنده تزيد عن حاسة شم الإنسان، والحديث في هذا الموضوع طويل، فالإنسان إذا افتخر بسمعه، وبصره، وشمه، وحجمه، و وزنه ففي كل صفة من صفاته حيوان يزيد عليه في هذا، الإنسان قيمته بمعرفته بربه وبأخلاقه واستقامته.
الله وحده هو الذي يعلم :
لذلك قال العلماء: يجوز بيع الأول ولا يجوز بيع الثاني، فكل ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه.
((رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
الكاهن الذي ينبئ بالغيب يتكهن، والكهانة هي التنبؤ بالغيب وكما تعلمون لا يعلم الغيب إلا الله. ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[أحمد عن أبي هريرة]
وأنا إلى الآن أسمع من رواد المساجد، اليوم سمعت الظهر أن إنساناً ابنه منحرف، معنى هذا أنه مسحور، ذهب إلى إنسان يفك له السحر دخل في متاهة الخرافات، الله سبحانه وتعالى هو الضار النافع، أحياناً يعزو النجاة على يد إنسان والله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾
[ سورة الجن : 21]
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ِلَّةٌ ﴾
[ سورة الأعراف : 188]
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 50]
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية :15 ]
أربع آيات احفظوهم، هذا مقام النبي، ممكن إنسان دون النبي يفوق النبي في هذه الخصائص؟ لا، لا أحد يعلم الغيب، أنا لا أقول أن ترد بلسانك لك أن تركل بقدمك مليون قصة مفادها أن فلاناً يعلم وفلاناً لا يعلم، لا أحد يعلم، الله وحده هو الذي يعلم. (( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
من جمع ثروة على أنقاض الشباب خسر الدنيا و الآخرة :
أحياناً يوجد دخول إلى ملاه، مقاصف، فيها معاص، فيها نساء، رقص، هذه كلها مال حرام بحرام، لي طالب حدثني عن بعض أقربائه كان يملك دار سينما وحصّل ثروة طائلة - القصة قبل ثلاثين سنة- حصّل مبلغاً يزيد عن عشرة ملايين ليرة قبل ثلاثين سنة، الآن هذا المبلغ يعادل ألف مليون، أصيب بمرض خبيث، دخل عليه هذا الطالب وهو خاله، رآه يبكي قال: إنني جمعت هذا المبلغ كي أستمتع به في حياتي وها قد عاجلني الموت قبل أن أستمتع به، من أين جمعه؟ بناءً على إفساد أخلاق الشباب، كلما كان الفيلم منحرفاً وفيه مناظر مغرية يقبل عليه الشباب أكثر، فالإنسان عندما يجمع ثروة على أنقاض الشباب، وعلى أنقاض أخلاق الناس، وعلى أنقاض الغيبة، وعلى أساليب غير صحيحة، هذا المال يذهب ويذهب معه صاحبه، هذا المال يتلف ويتلف صاحبه، هذه حقائق ثابتة.
حلوان الكاهن :
(( ... نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
حلوان الكاهن، أكثر الناس يكونون في نزهة تأتي المنجمة تتكلم، أو فنجان قهوة، أو حظك هذا الأسبوع، أو البروج، هذه كلها حرام بحرام، لأن أحداً لا يعلم الغيب إلا الله، والله عز وجل أكرمنا بالدين، وأخرجنا من الخزعبلات، والترهات، والأباطيل، والخدع، ونقلنا إلى المعرفة الصحيحة، العجيب حينما ترى أناساً يصدقون هذه الأكاذيب، حينما تراهم من بين الشاردين ليس هذا مشكلة، أما حينما تراهم من بين الذين يرتادون المساجد، هذا فك لي السحر، وهذا يريد ديك أبيض وديك أسود معاً، يريد خروف فيه لطعة سوداء في ليته حتى ينفك السحر، كله كذب ودجل، الله عز وجل علمنا: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف: 200 ]
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾
[ سورة الناس : 1-4 ]
لمجرد أن تستعيذ بالله يخنس هذا الشيطان وينتهي. بيع السِّنَّور :
أيضاً الفقهاء اختلفوا في بيع السِّنَّور، السنور بكسر السين المشددة وفتح النون المشددة، هو الهر قال بعضهم: يحرم بيعه، وقال بعضهم الآخر: يكره بيعه، والأصح عند الجمهور جواز بيعه لعدم صحة ورود النهي عن بيعه في السنة، يكره، وإذا صحّ أنه نهي عنه، فنهي عنه نهي كراهة تنزيه لأن بيعه ليس من مكارم الأخلاق، إلا إذا إنسان أراد أن يشتريه لهدف، لكي يؤدي وظيفته في أكل القوارض، قال: يجوز أن تشتريه، وهذا شيء لا شيء فيه.
النهي عن بيع أدوات اللهو :
قال لا يجوز بيع أدوات اللهو كالطبل والمزمار والطاولة والشطرنج وغيرها مما لا ينتفع به شرعاً، نقل هذا الإمام النووي عن فقهاء كثيرين، قال صاحب قوت القلوب: كل ما كان سبباً لمعصية من آلة وأداةٍ فهو معصية ينبغي ألا يصنعه و لا يبيعه وألا يعاون على صنعه ولا بيعه، أي بيع أدوات اللهو القديمة والحديثة، والحديثة جداً هذه الصاج الذي يضعونه على السطح هذا أيضاً يحرم بيعه وشراؤه، بيع أدوات اللهو محرم عند الفقهاء جميعاً، كل ما كان سبباً لمعصية محرم بيعه وشراؤه لأنك إن اشتريته أفسدت نفسك وإن بعته أفسدت غيرك، والله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
نهي النبي عن البيعتين في بيعة :
وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البيعتين في بيعة لما فيه من الغبن والربا والخلل في الصيغة وجهل الثمن وغيرها، الآن دققوا في بيعتين في بيعة، رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة:
((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال: صورة هذا البيع كان الرجل يبيع سلعةً ديناً فإذا حان الأجل ولم يتمكن هذا الشاري أن يسدد ما عليه باعه السلعة نفسها مرة ثانية بسعر أعلى، شيء واحد بيع مرتين.
هذه صورة، أوكس الثمنين الأقل أو يكون الربا، ما تمكن من التسديد في اليوم المعين باعه الشيء مرة ثانية بسعر أعلى، صورة من صور الربا أخذ فائدة مضاعفة بسبب التأخير.
أو الإنسان باع قمحه والذي اشترى القمح اشتراه بثمن بخس فلما حان وقت تسليم القمح لم يتمكن من ذلك، فباعه القمح بسعر أعلى ليشتريه بسعر أعلى أيضاً، طريقة من طرق الاحتيال على نيل ربح زائد عن الحد المعقول، أما أوضح صورة متداولة لهذا البيع فأن تقول: هذا الشيء نسيئة بكذا وحال بكذا، براد يباع نقداً بكذا وتقسيطاً بكذا، بيعتين في بيعة، شيء واحد له سعران، سعر الحال وسعر المؤجل، طبعاً المؤجل أعلى، أنا أقول دائماً: لك أن تشتري بأي ثمن ولك أن تبيع بأي ثمن، ولك أن تدفع الثمن بأي طريقة ولك أن تقبض الثمن بأي طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فوقعت في الربا، أي كتاب ورق أسمر بمئة ليرة، يوجد طبعة ورق أبيض بمئة وخمس وعشرين، الخمسة والعشرون في الكتاب، يوجد طبعة مجلدة بمئة وخمسين، يوجد طبعة مجلدة جلد طبيعي بمئة وخمسين، كلما السعر ارتفع الفرق بالكتاب، يوجد طبعة مجلدة بجلد طبيعي وعليها اسم صاحب الكتاب بالحروف المذهبة بمئتين، أما هذا الكتاب فنقداً بمئتين تقسيطاً بثلاثمئة، المئة الأخيرة هل هي في الكتاب مقابل الزمن؟ لك أن تشتري بأي سعر ولك أن تبيع بأي سعر ولك أن تقبض الثمن بأي طريقة نقداً أو تقسيطاً ولك أن تدفع بأي طريقة نقداً أو تقسيطاً، أما حينما تسمي صراحةً أو ضمناً للزمن ثمناً، نقداً بكذا وتقسيطاً بكذا فأنت ماذا فعلت؟ سميت للزمن ثمناً وقعت في الربا وهذا الحديث الشريف الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أوضح دليل على تحريم هذه الطريقة: (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
تحريم بيع المسلم على بيع أخيه :
أيضاً محرم أن يبيع المسلم على بيع أخيه:
(( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
المؤمن عفيف، المؤمن رحيم، المؤمن أديب، المؤمن لا ينشئ عداوة مع إخوانه، فإذا إنسان اشترى شيئاً أو باع شيئاً ابتعد، فإذا اشترى أو ترك، إذا اشترى انتهى الأمر، إذا ترك اقترب واشتر أنت مكانه، أما أن تحشر أنفك وأن تفسد هذه البيعة وأن تغري البائع بسعر أعلى أو أن توهم الشاري أنه مغبون كي تحل محله فهذا سلوك لا أخلاقي لا يتناسب مع أخلاق المؤمن: (( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
ويوجد حديث آخر: ((لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
وحديث ثالث: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه بديهيات في عالم الإيمان. من سوء الأدب والأخلاق أن تنشر نصيحة سلبية :
أحياناً أخ من إخواننا قال لي: أنا عندي عمل تجاري وضريبة أدفعها في السنة، وجدت تدقيقاً غير معقول، تدقيق لم آلفه من قبل، بحثت فوجدت أن رجلاً سألني عن بيت للزواج يبدو أن البيت سيئ فنصحته ألا يتزوج من هذا البيت، هذا الذي نُصح نقل هذه النصيحة إلى أصحاب الأمر، ونشأت العداوات، هؤلاء وصلوا إلى موظفي المالية فأصبحوا يثيرون على هذا الإنسان مشكلات لا تنتهي، أنت إذا إنسان نصحك ونصحته، من سوء الأدب والأخلاق أن تنشر هذه النصيحة، أما كلما رجل نصحته ينقل للطرف الآخر نصيحتك له فهذه تفت المجتمع، طبعاً أنت محرم عليك أن تغتاب الناس إلا إذا استنصحت، زواج، شراكة، بيت ليس له أساسات، له مشكلة، يوجد إنذار بالهدم، إنذار بالإخلاء، يوجد فيه خطر كبير، وإنسان أعجبه البيت رخيص وثالث طابق ومشمس، البناء الذي في مصر انهار بلا إنذار سمعت اثني عشر طابقاً بثواني صار كوماً من الأنقاض ومات عشرات تحت الأنقاض، حتى يوجد إنسانة جاءت من أمريكا إلى مصر ودخلت إلى هذا البناء بعد ثانيتين انهار هذا البناء، بقيت تحت الأنقاض ستاً وثلاثين ساعة، القضاء والقدر من أمريكا إلى القاهرة لتزور هذا البناء يمكن فيه مصرف لثانية انهار البناء، فإذا قال لك: سعر البيت مناسب وتعلم أنت علم اليقين أنه يوجد خطر على أساساته فإن بقيت ساكتاً خنته، فأنت مضطر إذا استنصحت أن تنصح، في شراء بيت، في زواج، في شراكة، أما الطرف الذي استنصحك فيكون عديم الذوق، وعديم الأخلاق، إذا نقل نصيحتك السلبية إلى الطرف الآخر، يكون بعيداً جداً عن صفات الذوق والأخلاق، فهو أحدث مشكلة لم تنتهِ ودماراً للأسرتين، لأنه استنصحه ونصحه ونقل النصيحة للآخرين، وصدقوني من بين المؤمنين أناس كثيرون جداً يسألك تقول له الصح لا يحلو له إلا أن ينقل هذه النصيحة للطرف الآخر هكذا قال عنك، أنا نصحتك أنت لماذا فعلت هذا؟ لذلك نهى النبي:
(( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
البيع وقت النداء يوم الجمعة من البيوع المحرمة :
أيضاً من البيوع المحرمة البيع وقت النداء يوم الجمعة، يحرم على كل من تجب عليه الجمعة أن يبيع أو يشتري عند النداء لصلاة الجمعة، مرة رجل جاء من بلد إسلامي وهناك الصلاة بالإكراه أي إذا أذن الظهر والمحل مفتوح شيء كبير جداً، مع الصلوات الخمسة لا يمكن أن تجد محلاً مفتوحاً في كل البلاد، أتى من هذه البلاد إلى بلدنا في الصيف ودخل إلى أحد المساجد المزدحمة في صلاة الجمعة، فوجد أعداداً كبيرة جداً، هو لفت نظره شيء أنتم جميعاً قد لا تنتبهون إليه، قال هذا الزائر: كل هؤلاء الذين أتوا إلى هذا المسجد جاؤوا طواعيةً وباختيارهم، قال له صديقه: ما هو الدليل؟ قال: لأن هناك على باب المسجد بائع يبيع العوجة وما صلى، ولا أحد أجبره.
شيء جميل جداً هذا الازدحام وهذا الإقبال على المساجد اختياراً، نحن لا يوجد عندنا اختيار، قال تعالى:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 256 ]
نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق :
أيضاً قصة سمعتها تبشر، حدثني أخ جاء بطائرة أجنبية وهو في الطريق إلى دمشق أذيع في الطائرة أنكم في دمشق أأمن بلد في العالم، تستطيعون أن تتجولوا حتى ساعة متأخرة من الليل دون أن تخشوا شيئاً، ترى أباً أرسل ابنه في الساعة الواحدة مساءً ليحضر الخبز، طفل صغير، تأتي المرأة أحياناً من بيت أهلها إلى بيت زوجها الساعة الثانية عشرة مساءً، هذه من نعم الله العظمى، نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، أكثر البلاد الغربية لا تستطيع أن تتجول بعد غياب الشمس، إذا دخلت إلى الفندق هناك تعليمات إذا داهمك لص أعطه كل ما تملك و إلا تفقد حياتك، هذه من أعظم الدول رقياً بالمقياس المادي، أيضاً هذا البلاغ أذيع في الطائرة أنكم في دمشق في أأمن بلد في العالم.
أخ أيضاً زارنا شاهد أربعة محلات أو خمسة في الأسواق وقت الظهر موضوع كرسي على الباب وصاحبها في الصلاة، محلات فيها بضائع ثمينة جداً هذه من نعم الله علينا، نعمة الأمن، ونعمة الطمأنينة، معظم الناس يدخلون بيوتهم آمنين مطمئنين.
اختلاف الفقهاء في حكم البيع وقت النداء :
يحرم على كل من تجب عليه الجمعة أن يبيع عند النداء لصلاة الجمعة لقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة : 9 ]
طبعاً التحريم قطعي أما بقي فالبيع ينعقد أو لا ينعقد؟ أي إذا بعت بيتاً بخمسين مليوناً وقت النداء وجاءك بعد ذلك سبعين هل تستطيع أن تقلب هذه البيعة؟ هذا البيع حكم وقت النداء، يوجد فقهاء يقولون: البيع ينعقد ولكن المتعاقدين وقعا في المعصية، ويوجد فقهاء قالوا: لا ينعقد، البيع باطل، أيّ بيع مهما كان كبيراً إذا تمّ وقت النداء فهذا بيع باطل لا ينعقد أصلاً، بعضهم قال: ينعقد إلا أن الذين عقدا وقعوا في معصية كبيرة. بيع أوراق اليانصيب من البيوع المحرمة :
ومن آخر البيوع المحرمة بيع أوراق اليانصيب، طبعاً نحن يوجد عندنا مبدأ في الإسلام المعاوضة، أن تدفع شيئاً دون أن تأخذ شيئاً لا يجوز، أو أن تأخذ دون أن تقدم لا يجوز هذا أصل اليانصيب، قال لي أخ من أخواننا الكرام - والآن ليس معنا - : ضاقت به الدنيا، بيته بعيد، وعمله بعيد، والازدحام على المواصلات قديماً كان شديداً جداً، ضاقت نفسه وقبل أن يصطلح مع الله اشترى ورقة يانصيب، لعلها تربح فيشتري سيارة، وشاءت الصدف أنه بعد أن اشتراها، اشتراها الخميس دخل إلى الجامع يوم الجمعة لأداء صلاة الجمعة، فكانت الخطبة على اليانصيب، قال لي: والله أخرجتها من جيبي ومزقتها أثناء الخطبة، لأنها حرام، له عمل دخله قليل جداً قال لي: جاءني زبون- هو يطبع أقمشة بألفين أو ثلاثة آلاف- أراد طبع خمسين ألف قميص، ودفع له مبلغاً جيداً، وأعطاه رعبوناً كبيراً، وأنجز العمل صار معه سبعة وعشرون ألفاً، نزل إلى السوق رأى سيارة ممتازة بسبعة وعشرين ألفاً، له أخ قال له: تعال وانظر إلى هذه السيارة هذه التي نركبها الآن بهذه الطريقة جاءت، فأنا دمعت عيني أنه مزق الورقة خوفاً من الله، الله لم يدعه بلا سيارة، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، صدقوني أيها الأخوة من سابع المستحيلات زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً خوفاً منه ثم لا يعوضك الله خيراً منه في الدنيا والآخرة.
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه :
لكن يوجد شقان: في دينه ودنياه، في دينه بقي الطريق إلى الله سالكاً، ما عصيت، أنت تصلي، وأنت مرتاح تصلي، وأنت وجهك أبيض، وضعت مصلحتك تحت قدمك هذه في دينه، ودنياه تأتيه الدنيا وهي راغمة، هذا الحديث أخواننا اجعلوه شعاراً لكم، قبل أن تقدم على شبهة، قبل أن تفكر في مخالفة لا تنسى هذا الحديث:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
وهذا الحديث له تطبيقات لا تعد ولا تحصى، أنا متأكد لا يوجد رجل منكم إلا ويوجد عنده قصتان أو ثلاث أو أربع حول هذا الحديث، والشيء الملموس الشيء الذي فيه شبهة ضعه تحت قدمك، تأتيك الدنيا وهي راغمة.
قال لي أخ من الأخوان عرض عليه بيت ولكن فيه شبهة، طريقة ربوية فسألني قلت له: لا يجوز، فرفضه، بعد حين جاء إنسان عرض عليه بيت، وتقريباً الدفع أكثر من مريح، والآن البيت له، هذه قاعدة: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
يوجد قول آخر يكمل هذا الحديث: "من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى".
إذا أردت الوصول إلى هدفك بمعصية ابتعد الهدف عنك، أما إذا أردته بطاعةٍ فالهدف اقترب منك.
قال: جاء في الفتاوى الإسلامية أن بيع الأشياء عن طريق اليانصيب حرام بلا شك لأنه بيع باطل أو فاسد للجهالة، لكونه على خطر، لأن كل من يدفع شيئاً لا يدري عن المبيع الذي يأخذه، ولا إن كان يأخذ في نظير ما دفع شيئاً فهو حرام كالقمار تماماً.

السعيد
09-20-2018, 02:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع : البيوع الجائزة






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
البيع والشراء من أوسع نشاطات الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، من خلال الدروس السابقة تبين أن الإنسان حينما يعرف الله عز وجل ينطلق برغبة شديدة إلى معرفة أمره ونهيه، لأنك إن عرفته لابد من أن تتقرب إليه، وأول شيءٍ تتقرب إليه أن تطيعه، ومن لوازم طاعته أن تعرف أمره ونهيه، ولأن موضوع البيع والشراء نشاط واسع جداً لا يعفى منه إنسان، ما من إنسان إلا ويشتري ويبيع، لأن الإنسان في الأصل أراده الله اجتماعياً، كيف يشتري ويبيع؟ سمح له أن يتقن شيئاً وهو محتاج إلى مليون شيء، فيبيع ما عنده ويشتري ما عند الآخرين، الله عز وجل أرادنا أن نكون في مجتمع، وسمح لكل منا أن يختص، فالذي تبيعه هو اختصاصك، والذي تشتريه هو ما تحتاجه.
نشاط البيع والشراء هو من أوسع نشاطات الإنسان، وبينت في دروس ثلاث سابقة البيوع المحرمة التي حرمها الله عز وجل من خلال بيان النبي عليه الصلاة والسلام.
من البيوع الجائزة :
1 ـ بيع الأخرس :
واليوم ننتقل إلى البيوع الجائزة، هناك بيوع قد يتوهم بعضنا أنها محرمة وإنها جائزة، من هذه البيوع بيع الأخرس، بيع الأخرس صحيح إذا أفصح عن رضاه بإشارة مفهمةٍ أنه رضي بشراء هذه الحاجة، ورضي بدفع ثمنها المحدد، كأن يعطي الشيء للمشتري أو يأخذ المشتري السلعة، إذا أعطاه الثمن معنى هذا أنه رض، وإذا قبض السلعة معنى أنه رضي، إذا هزّ برأسه معنى هذا أنه رضي، إذا أشار بيده معنى هذا أنه رضي، فالأخرس بيعه جائز، قال: إن لم يستطع الأخرس التعبير عن رضاه بوسيلة متعارف عليها قام وليه بالبيع والشراء نيابة عنه، والذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة إذا سلب من إنسان قدرةً، أو عضواً، أو حاسةً، يعوضه أضعافاً مضاعفة، مرة كان أحد طلابي في الجامعة كفيف البصر، جاء وقت الامتحان، امتحنته وهو يلقي درساً، الذي لا يصدق أنه يتحرك بين الطلاب فإذا وصل إلى الحائط قبل سنتمترات يعود، بقي مع الطلاب أسبوعين أو ثلاثة يتوجه للطالب ويقول له: تكلم فلان وهو كفيف البصر، رأيت منه العجب العجاب، أي ممكن أن يتحسس حدود الصف، يتعرف إلى أماكن الطلاب، يسأل طالباً ويتوجه نحوه، فالله سبحانه وتعالى حينما يسلب من إنسان حاسةً يعوضه قدرات فائقة في حواس أخرى.
فأول موضوع في درسنا بيع الأخرس صحيح بشرط أن يعبر عن رضاه بحركة بقبض المبيع، أو هز رأسه، أو حركة يديه، فإن لم يستطع التعبير عن رضاه بحركة أو بإشارة أو بعمل يقوم حينئذ وليه بالبيع والشراء.
2 ـ بيع الأعمى :
البيع الآخر، جائز بيع الأعمى، يجوز بيع الأعمى وشراؤه إذا كان يعرف السلعة معرفةً تامة، عن طريق اللمس، أو الشم، أو الذوق، أو كان قد رآها قبل إصابته بالعمى، أو وصفت له وصفاً يفيد العلم بها، أو وصفاً يفيد الاطمئنان إليها، عندئذ يجوز بيع الأعمى ومرّ معي حديث:
(( ترك السلام على الضرير خيانة))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة]
أي أخ كريم يسير في الطريق لا يراك إن لم تسلم عليه فقد خنته، يجب أن تسلم عليه، يوجد حكم خاص بفاقد البصر إن لم يستطع معرفة أوصاف هذه السلعة معرفة تامة جاز له أن يشتريها بشرط، أن يكون له الخيار في ردها، يأخذها إلى بيته تراها زوجته، يراها أولاده، إن أعجبتهم تمّ البيع، وإلا من حقه أن يرد المبيع، هذا حكم خاص بالعمى أما لو أن مع الأعمى بصيراً والبصير رآها و وصفها له قال: لزمه البيع ولا خيار له، لأن هذا البصير كان بمنزلة الوكيل. 3 ـ بيع المزايدة :
قد تتساءلون ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/02.jpg

((لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ عُمَر]
وفي النسائي: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عُمَر]
هناك نهي جازم أن تبتاع على بيع أخيك، أو أن تشتري على شراء أخيك، أو أن تخطب على خطبة أخيك، إلا أن هناك استثناءً رحمة بالمسلمين أردت أن تبيع حاجةً بأعلى سعر، لك أن تبيعها مزايداً، لو سألني أحدكم أين وجه التفضيل بينهما؟ لو أنك اشتريت سلعةً من أخ كريم ثم جاء أخ ثالث أفسد بينكما، وباعك سلعةً مشابهة بسعر أدنى على بيعه أو اشترى منك سلعة مشابهة بسعر أعلى على شراء، قامت عداوة بينك وبين أخيك، هذا البيع يسبب عداوات، أما حينما تقول: معي هذه الحاجة من يشتريها بأعلى ثمن؟ قام أحدهم قال: عليّ بدرهمين، قام الثاني قال: عليّ بثلاثة دراهم، هنا فرق كبير، البيع على البيع مداخلة على بيع حصل أما بيع المزايدة فليس هناك مداخلة، لم يشترها أحد، تبيعها أنت لمن يدفع أكثر. قصة دقيقة جداً لها دلالات تشريعية :
الحقيقة أن هناك قصة دقيقة جداً ومعبرة جداً ولها دلالات تشريعية بالغ، هذه القصة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يسأله مالاً- صدقة- فقال عليه الصلاة والسلام أما عندك شيء؟ روى أبو داود في سننه :
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
هذه القصة وردت في الصحاح، لك أن تبيع بالمزايدة، بالمقابل ولك أن تشتري بطريقة المناقصة، تشتري بالمناقصة وتبيع بالمزايدة، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا فعل هذا؟ رجل سأله صدقةً، سأله مالاً، قال: أعندك شيء؟ ويبدو أن هذا السائل فقير جداً: ((... فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ... ))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
ثم توجه النبي إلى صاحب الحلس والقعب السائل: ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ...))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/03.jpg
تروي الكتب الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام شدّ بيده الشريفة على هذا القدوم يداً خشبية وقال: اذهب واحتطب: ((... فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا...))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
طبعاً أول استنباط أن النبي عليه الصلاة والسلام أدرك حقيقةً عميقةً جداً أن الإنسان لا يستطيع أن ينتج ولا أن يعمل إذا كان في بيته حاجة، أو في مرض، أو في انهيار، أو في جوع فقال له: ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ.... ))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
الإنسان إذا اطمأن على أهله، هم مقيمون في البيت يأكلون ويشربون، هم في صحة جيدة، الآن صار في الإمكان أن تعمل، وأن تنتج، وأن تبدع، لذلك دور المرأة في البيت مهم جداً، إذا كفتك المرأة أمر أولادك، وأمر حاجاتك، وأمر طعامك، وأمر لباسك، وانطلقت إلى عملك فنصف جهدك بسببها، لو لم توفر لك هذه الحاجات لما أمكنك أن تنطلق إلى عملك، تنطلق إلى عملك وتأتي ظهراً فتجد الصغار قد أكلوا وارتاحوا والبيت نظيف. ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))
[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
هذه القصة لها دلالات. قيمة العمل :
العمل شرف والإنسان لا يستطيع أن يرفع رأسه إلا إذا أكل من عمله، وكد يده، وعرق جبينه، فالعمل شرف، والنبي عليه الصلاة والسلام أكد قيمة العمل في أحاديثه كثيراً، نحن علاقتنا بهذه القصة أنه يجوز أن تبيع بالمزايدة ويجوز أن تشتري بالمناقصة، لأنه إذا بعت على بيع أخيك أفسدت علاقة بين اثنين، أما إذا بعت بالمزايدة فما أفسدت على أحد، لأن السلعة لم تبعها بعد أنت تبيعها لمن يدفع أكثر، إلا أنه بالمناسبة أحياناً يكون هناك محضر، له مالكون كثيرون، تقام دعوى إزالة شيوع، قد يأتي أناس كثيرون يمثلون طرفاً واحداً، يجرون مزايدة تمثيلية، كل منهم يرفع قيمة المحضر قليلاً إلى أن يرسوا المحضر على قيمة بأقل من قيمته الحقيقية، لا تعد هذا ذكاءً ولا شطارةً ولا فلاحاً، هذا مخالف لطبيعة البيع والشراء.
4 ـ بيع السلم :
شيء آخر: هناك ما يسمى ببيع السلم، بيع السلم عرفه الفقهاء بأنه بيع شيء موصوف مؤجل في ذمة البائع، معلوم الكيل والوزن والقدر، معلوم الأجل، بشكل ملخص إنسان يوجد عنده قطيع من الأغنام، والسنة جافة، والكلأ غير موجود، والأغنام جائعة أو كادت أن تموت جوعاً، ولا يملك ثمن إطعامها ماذا يفعل؟ بإمكانه أن يبيع صوفها، يبيع صوفها بعد ستة أشهر ويأخذ الثمن سلفاً ويشتري به علفاً لهذه الأغنام.
بيع السلم إحسان من الشاري للبائع، المشتري بحاجة إلى صوف لكن بإمكانه أن ينتظر مدةً طويلة ليستلم بها الصوف لكن يعطي الثمن سلفاً، من هنا سمي هذا البيع السلم، قال: هو جائز ولو فيه بعض الغرر، لكن الشريعة الإسلامية غلبت مصالح المسلمين على الغرر القليل، قال: سمح بهذا البيع رعايةً لمصالح الناس وتوسعةً عليهم في أبواب المعاملات.
بيع السلم نوع من الدين :
طبعاً كما تعلمون أيها الأخوة الأصل في البيع أن يكون المبيع موجوداً وقت البيع، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك هذا الأصل في المبيع، الفقهاء حرموا بيع المعدوم غير الموجود إلا أنه هناك استثناء، طبعاً لماذا أراد الشرع الحكيم أن يكون الشيء المباع موجوداً؟ قال: دفعاً للغرر ودفعاً للغبن، الشيء الغائب قد تغتر به فتدفع أكثر من ثمنه، وقد تغبن بهذا الثمن، إلا أن السلم هو سلف تدفع قيمة السلعة سلفاً وتقبضها بعد حين بعكس بيع التقسيط، تأخذ السلعة سلفاً وتدفع ثمنها مقسطاً إلى أقساط، على كلٍّ السلم نوع من الدين، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 282]
السلم نوع من الدين، و الحقيقة بكل بيع جائز يوجد انحرافات خطيرة جداً، أنا كنت في قرية أعلموني أن أهل القرية أغنياء جداً، وأن علاقاتهم في البادية علاقات ممتازة أساسها بيع السلم، فيأتي صاحب قطيع الغنم مضطراً ليأكل ويشرب وليطعم غنمه علفاً فيبيع صوف غنمه بخمس قيمته نقداً، هذا أشد أنواع الربا، بعد أشهر عديدة يتسلم دافع الثمن الصوف بثمن بخس يربح به أضعافاً مضاعفة، طبعاً هذا بيع المضطر أما بيع السلم ليس هكذا، بيع السلم أن تشتري بضاعةً وتنتظر حتى تتسلمها بعد حين من أجل ألا نقع في الغرر والغبن يجب أن تكون هذه البضاعة أولاً معلومة الكيل، والوزن، والقدر، معلومة النوع والصنف، معلومة الأجل. إقرار المسلمين بيع السلم :
وأما السنة فقد رويت أحاديث كثيرة من الكتب الصحاح وغيرها عن أن النبي عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/04.jpg
أي أنت اشتريت قمحاً سلماً، يجب أن يكون في عقد السلم كمية القمح، ونوع القمح، ونقائه من الشوائب، كل الصفات التي يجب أن تتوافر في القمح الجيد، أو في أي قمح آخر، لابد من صفات محددة، كميات محددة، بأوقات محددة.
وقد روى الإمام البخاري وأبو داود: ((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي السَّلَفِ فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ))
[البخاري عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ]
القرآن أشار إليه في آية الدين والسنة بينته تفصيلاً في حديثين صحيحين وقد ثبت بالإجماع كما حكى الإمام القرطبي عن أن بيع السلم أقره جميع المسلمين، كل شيء حلال مشروع، صحيح مشروع، يمكن أن ينحرف إلى أسلوب آخر، فإذا اشترينا سلعة سلماً بأبخس الأثمان مستغلين اضطرار بائعها فقد وقعنا فيما يسمى بالغبن الفاحش، وغبن المسترسل كما قال عليه الصلاة والسلام ربا، غبن المسترسل حرام. شروط بيع السلم :
السلم له ستة شروط: أن يكون هذا في الذمة، القمح بعد ستة أشهر، الصوف بعد سنة، أن يكون المسلم فيه بالذمة أن يكون موصوفاً، كل أخواننا أصحاب الحرف يقولون لك: هذا تفاح نوعه كذا، قمح نوعه كذا، عنب نوعه كذا، صوف نوعه كذا، أن يكون موصوفاً، وأن يكون مقدراً، وأن يكون مؤجلاً، وأن يكون الأجل معلوماً أي بعد ستة أشهر بدءاً من كذا، وأن يكون موجوداً عند محل الأجل، أنت تشتري من إنسان قمحاً عنده أرض، وقد زرعه من توه، شيء أصله موجود، عنده قطيع غنم الصوف الذي على ظهر الغنم سوف يقصه، أن يكون موجوداً، وأما الثلاثة ففي رأس المال أن يكون معلوم الجنس مقدراً نقداً معلوم الجنس، ورقي، ذهب، فضة، والكم، هناك بعض الحالات أكثر هذه البيوع شيوعاً أن يطلب رجل له أرض مزروعة من رجل آخر ثمن قدرٍ معين من زرعه على أن يقبضه فوراً أو بعد يومين أو ثلاثة، على أن يعطيه ما اشتراه من الزرع أو الثمر في شهر كذا أو حين الحصاد، فينتفع صاحب الزرع بالثمن في وجوه الانتفاع الجائزة، وينتظر المشتري إلى الوقت المعلوم، ويأخذ ما اشتراه مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً بالصفة التي وصفت له.
أي بشكل مختصر بيع السلم معونة من الشاري إلى البائع، بيع السلم جائز إلا أنه كما قلت لكم منتشر انتشاراً كبيراً في بعض الأماكن بشكل مشوه، بشكل خرج من بيع السلم إلى الغبن الفاحش، والغبن الفاحش يساوي الربا تماماً.
وننتقل إلى موضوع في المبيع، بدأنا ببيع الأخرس، وبيع الأعمى، وبيع المزايدة، وبيع السلم، وكل هذه البيوع لماذا ذكرناها؟ قد يتوهم الإنسان أنها غير جائزة لأن فيها شرطاً قد اختل، الأعمى لا يرى كيف يرضى؟ والأخرس لا يعبر عن رضاه؟ كيف يبيع ويشتري؟ والمزايدة كأنها بيع على بيع، والسلم كأنه بيع المعدوم، بيع المعدوم له وجه صحيح وهو بيع السلم، وبيع الأخرس والأعمى إذا عبر عن رضاه بطريقة أو بأخرى بيع شرعي جائز، وبيع المزايدة بيع شرعه الشرع الإسلامي لمصلحة المسلمين، بيع المزايدة وشراء المناقصة وكلاهما جائز.
الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم :
1 ـ الصدق و الأمانة :
الآن ننتقل إلى الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم، من أولى هذه الصفات قال العلماء: الصدق والأمانة.
((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
والحقيقة لا تستكثروا عليه هذه الصفة، لا لأنه: (( لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ: رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ وآناء النَّهارِ ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ))
[ رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
فالنبي الكريم جمع بينهما وجعلهما في سوية واحدة، ويمكن أن تصل إلى أعلى درجات الجنة بإنفاق المال، لأن المال شقيق الروح، فلذلك التاجر الصدوق داعية إلى الله لا بلسانه ولكن بمعاملته، ولا تستغربوا أن أكبر قطر إسلامي الآن اندونيسيا قريب من مئتي مليون هذا القطر ما دخله فرس ولا سيف، انتشر فيه الإسلام عن طريق التجار وحدهم ومن خلال معاملتهم الطيبة، فالصدق والأمانة أول آداب البيع والشراء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]
مرة قال لي أخ: عندي قطعة تبديل غالية جداً بقيت عندي خمس سنوات، مللت من تحويلها من جرد إلى جرد، وثمنها غال، جاء إنسان طلبها فصعدت على السلم كي أجلبها لها، قال لي: وأنا على السلم قال لي: أصلية؟ قلت: لا والله ليست أصلية، قال: هاتها.
هي كلمة لو قال أصلية ولم تكن كذلك البيع صار فيه كذب، وصار فيه غش لأنه قال الحقيقة البيع صار صحيحاً، فأحياناً تنعقد صفقة كلها حرام لأن فيها كذباً، وأحياناً تصدق، الصدق جعل بيعها صحيحاً.
أحياناً يتوهم أحدكم أنه لا يستطيع أن يبيع بضاعة سيئة، لا لك أن تبيع بضاعة سيئة ولكن بيّن ضعفها، رخيصة السبب فيها هذه العلل، إنسان يريد أن يشتري بضاعة رخيصة، أنت قد لا تستعملها، لكن الإنسان قد يريد بضاعة بهذا المستوى فلا تمنعه من ذلك، العبرة أن تبين ولا تكذب فقط، هذا القماش قابل للانكماش: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]
يوجد رواية للبخاري: فإن صدق البيعان. أي البائع والشاري هذا على سبيل التغليب، تقول مثلاً: النيران الشمس والقمر أو القمران أو الشمسان، وأوضح تغليب الوالدان، الأب ولد لا ما ولد إنك غلبت الولادة على الأبوين معاً تقول: الوالدان. (( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا ))
[البخاري عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
ارتباط نجاح الإنسان بالعمل بطريقة جني المال :
الآن يوجد نقطة دقيقة نجاحك بالعمل التجاري، أو الصناعي، أو الزراعي لا بحجم المال الذي تجنيه ولكن بطريقة جنيه، فإذا كانت طريقة جنيه صحيحةً بارك الله لك في هذا القدر، وإذا بارك لك في هذا القدر من المال نفعك كثيره وقليله، أما إذا محقت بركة المال فلن تنتفع به لا بكثيره ولا بقليله، المال شيء عجيب بين أن تنتفع به وبين أن تسعد به وبين أن يبارك لك فيه وبين أن تعيش أنت وأهلك، وبين أن يكون المال بين يديك وأنت محروم منه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/05.jpg
أحياناً علة في جسم الإنسان وبيلة تحرم الإنسان قيمة المال كله، ما قيمة المال؟ أكثر الناس يستخدمون هذا المثل، يقول لك: الصحة تمثل الرقم واحد، المال صفر أمامه أصبح عشرة، الزواج الناجح صفر ثان أصبح مئة، الأولاد الأبرار صفر ثالث أصبحوا ألفاً، المركب الجيد عشرة آلاف، الدار الواسعة صفر خامس، أما لو حذفت هذا الواحد فما قيمة المال بلا صحة؟ وما قيمة البيت الواسع بلا صحة؟ ما قيمة المركبة الفارهة بلا صحة؟ هذا عند أهل الدنيا، أما عند أهل الإيمان فيوجد ترتيب آخر، واحد الإيمان والصحة صفر، جيد جداً، المال صفر، الزواج صفر، الأولاد الأبرار صفر، والمنزل الواسع صفر، والمركب الجيد صفر، أما إذا ألغيت الإيمان فلا قيمة لكل حظوظ الدنيا مجتمعةً.
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّاجِرُ الأمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
الحقيقة الذي يبدو لي أن التاجر داعية بعمله، أنا سمعت أن بائعاً متواضعاً في بعض مناطق ريف دمشق له درس في مسجد لكنه صادق تماماً في بيعه وشرائه، لولا أنه صادق لما أتى إليه أحد، يقول له أحدهم: أعندك بيض؟ يقول: نعم عندي، يقول له: طازج؟ يقول: لا جاري قبل قليل جاءه البيض الطازج، لا يكذب أبداً، أحد أخواننا والده رجل صالح وبائع متواضع عليه إقبال شديد جداً لاستقامته، وإخلاصه، وصدقه، فمرة جاء لصوص وفتحوا المحل ووضعوا أثمن ما في المحل في سيارة شاحنة فلما جلس السائق ليقودها لم تعمل فتركها وولى هارباً، فجاء صاحب المحل الساعة السابعة ليرى بضاعته على ظهر شاحنة أمام المحل، المستقيم الله يحفظه. الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه :
قيل لسيدنا أبي ذر الغفاري كما أعتقد، أو لأبي الدرداء إن محلك قد احترق، قال: لا لم يحترق، قيل: لقد احترق، فذهبوا فرأوا محل جاره قد احترق، فلما عادوا إليه قال: أعلم ذلك، الله عز وجل يطمئن طالما أديت زكاته، وكان صاحبه مستقيماً، ما غش، ما دلس، ما احتكر، نصح المسلمين، خدمهم، الله عز وجل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
لكن أحياناً التاجر يكون تاجراً، أحياناً يستغل حاجة الناس، يكذب، يدلس، يغش، يخفي العيب، يزور، ممكن لذلك قال:
(( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ ))
[الترمذي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
التجارة مغرية، أحياناً الناس لا يعرفون حقيقة البضاعة، أنت تشتري الدواء تدفع ثمنه خمسين ليرة، يوجد مادة فعالة في الدواء، لو معمل الدواء أنقص المادة إلى النصف أنت لا تعلم ذلك ولا تملك قدرة على معرفة ذلك إلا بالاستعمال، ممكن أن تبيع إلى أمد قصير بيعاً كثيراً وأن تربح أموالاً طائلةً لكن هذا لا يستمر، الله يتدخل ويؤدب، والناس ينسحبون.
والحديث معروف: "إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعثروا". 2 ـ التنزه عن الحلف :
من أدب البيع والشراء فضلاً عن الصدق والأمانة التنزه عن الحلف، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 224 ]
﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[ سورة المائدة: 89 ]
لا تحلف بموضوعات سخيفة، والأولى أن تحفظ يمينك، وأبو حنيفة النعمان رضي الله عنه كان يدفع ديناراً ذهباً لكل يمين يحلفها صادقاً بها. (( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ]
وقد روى الإمام البخاري ومسلم: (( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))
[متفق عليه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
الطريقة السليمة في كسب المال تسبب البركة من الله :
أقول مرة ثانية: لا تعتد بحجم المال الذي تربحه، يجب أن تهتم بطريقة كسب المال، لأن الطريقة السليمة الشرعية تسبب البركة من الله عز وجل، والبركة أن تنتفع بالقليل الانتفاع الكثير.
3 ـ التصدق بشيء من المال :
وهناك من آداب البيع التصدق بشيء من مالك، مرة أخ حدثني قال لي: كنا في مدينة نتناول طعام الفطور في مطعم، الطعام يكلف عشرين ليرة، جاء طفل يبدو أنه فقير جداً واشتهى أن يأكل من هذا الطعام الذي يقدم في هذا المطعم، قال لصاحب المطعم: أتبيعني طبق الفول بهذا المبلغ ومعه ربع ليرة؟ قال له: نعم، لصاحب المطعم ابن - قدم له الطبق مع مقبلات وخبز، وأخذ منه ربع ليرة- عاتبه، قال: يا بني اشتهى أن يأكل، يوجد أشخاص نفوسهم حامضة لا يقبل أن يعطي شيئاً من دون ثمن.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/06.jpg
من آداب البيع والشراء أن تتصدق، طبيب المريض لا يملك، مرة حدثني أخ دخل إلى صيدلية امرأة كبيرة بالسن معها وصفة طبية والمبلغ الذي معها لا يكفي الوصفة ينقصها خمس ليرات فصاحب الصيدلية أرجع الدواء بعنف وقال لها: اذهبي وأحضري المبلغ، فقال لي: أنا لم أتحمل هذا الموقف فقلت له: أرجعه وهذا الفرق، هذا الأخ لم يتحمل هذه القسوة البالغة على إنسانة لا تملك ثمن الدواء الكامل، فقال لي: بعد فترة كان عندنا سفرة إلى البادية، ضللنا الطريق وكدنا نموت، فدعوت الله في بركة هذا العمل الذي فعلته قبل يومين كي ينقذنا والله أنقذنا، الإنسان لا يعرف بأي عمل صالح الله ينصره، والنبي علمنا إذا الإنسان وقع في ضائقة يتذكر أعماله الصالحة الخالصة ويذكرها فالله سبحانه وتعالى ينجيه بها، قال لي: كدنا نموت عطشاً، الطريق ضللناه، السيارة تعطلت فاضطرا أن يمشيا على قدميهما، الله عز وجل جمعهم براع معه ماء وأنقذهم ودلهم على أقرب مكان فيه ماء ومواصلات، تصدق بشيء من المال.
أحياناً تبيع بضاعة، غذاء اشتهاه إنساناً، تقف امرأة على بائع دجاج ماذا تشتري من عنده؟ أرجل الدجاج، الأرجل تباع كطعام للكلاب، قالت له: والله سأطبخها لأولادي وأطعمهم، يوجد فقر مدقع، تشتري أرجل الدجاج كي تطعمهم مرقتها.
الصدقة تمحو السيئة :
الإنسان يجب أن يرق قلبه، القصد إذا عندك بضاعة طعام أو شراب أو حاجات أساسية غير الزكاة، هنا التوجيه غير الزكاة، أن يجعل من بعض ماله صدقةً غير موضوع الزكاة، لقوله تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾
[ سورة هود : 114 ]
الحقيقة لعله يكون في البيع والشراء خطأ، يمين، إخفاء عيب دون أن تشعر انسقت مع مصلحة البيع، هذه الصدقات لعلها تمحو السيئات.
مرة قال لي أخ تاجر: خسرت ثمانية ملايين بحريق المحل، صار حريق جماعي بخان الجمرك قال لي: لو رجل اتصل بي هاتفياً وأعلمني بالحريق وفرت ثمانية ملايين، محله آخر محل احترق، نزل الساعة العاشرة رأى كل شيء منته، ثم قال: لعل الله سبحانه وتعالى جعلها كفارةً لما مضى، قال: ثلاثون سنة بالتجارة لعل هناك أخطاء، أو كلام غير صحيح، أو إخفاء عيوب، غبن بالبيع والشراء، هذا المبلغ من عام أربعة وسبعين مبلغ كبير جداً، التصدق بشيء من ماله لقوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾
[ سورة هود : 114 ]
((عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ))
[ابن ماجه عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ]
أي الصدقة لعلها ترمم الأخطاء الطفيفة غير المقصودة في البيع والشراء، وكما يعلم أخوتنا الكرام صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع البلاء، تدفع حسد الحاسدين، تزيد في بركة المال. 4 ـ السماحة و التيسير :
من آداب البيع والشراء السماحة والتيسير، رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى، يوجد أشخاص أولاً عندهم عنف وتدقيق لا يحتمل، جشع، محاسبة تفوق الحد المعقول.
العلماء فسروا سمحاً إذا باع أي يتجاوز عن المعسر ولا يرد السائل، ولا يمنع من خير، ولا يسكت عن ضيم كل هذا من السماحة.
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ قَالَ قَالَ اللَّهُ: عَزَّ وَجَلَّ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]
أن تتجاوز عن معسر هذا عمل صالح، كبير، من آداب التجارة الصدق والأمانة، ثاني أدب التنزه عن الحلف، وثالث أدب التصدق بشيء من المال، والسماحة والتيسير. 5 ـ معرفة الحلال و الحرام :
خامس أدب معرفة الحلال والحرام، أنا كنت أسمع أنه عند العصر ينتهي البيع والشراء عند التجار، كل يوم له نزهة صغيرة هكذا سمعت، والمغرب درس علم، والعشاء في بيته، قيام الليل والفجر في المسجد.
(( عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِي فِي بُكُورِهَا ))
[الترمذي عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7331/ar-7331/07.jpg
معرفة الحلال والحرام، أي طلب العلم فرض عين، يوجد علم ينبغي أن يعرف بالضرورة هذا فرض عين من أجل أن تعرف الحلال والحرام سيدنا عمر يقول: " لا يبع في سوقنا إلا من تفقه بالدين، وإلا أكل الربا شاء أو أبى". 6 ـ الإكثار من ذكر الله :
آخر أدب من آداب البيع والشراء الإكثار من ذكر الله، سمعت عن تاجر إذا فتح محله التجاري يقول: بسم الله الرحمن الرحيم نويت خدمة المسلمين، ينوي أن يخدم المسلمين، صارت عبادة، يبيعهم بضاعة جيدة بمعاملة طيبة، بسعر معتدل، الإنسان المسلم الذكي قلب عمله إلى عبادة، يوجد إنسان ينوي أن يجمع الأموال، لا، نويت خدمة المسلمين هذه نية طيبة جداً، الإكثار من ذكر الله.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل السوق يقول: "أعوذ بالله من يمين فاجرة أو صفقة خاسرة".
الله يورطه أحياناً إذا ماله حرام يتورط بصفقة خاسرة يفلس فيها، قال: الذكر بالقلب واللسان معاً، قال تعالى:
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور: 37]
يوجد بائع عصير شيء لا يصدق، حينما يؤذن الظهر يغلق المحل ويذهب، شيء طبيعي، أما الشيء الغير طبيعي أن ترى عشرين رجلاً ينتظرونه، ينتظرونه ثلث ساعة، ألا تذهبوا وتصلوا معه؟ من أجل كأس عصير!! عمله متقن و ورع، فلذلك الإكثار من ذكر الله، هذا من آداب البيع والشراء، كلمة رجال أي أبطال، وليس ذكوراً.
أكاد أقول لكم الضابط الذي يضبط ما إن كنت منغمساً في الدنيا أو أنها في يديك توظفها بالخير موضوع العبادات، إذا لم تلهك الدنيا عن عباداتك فأنت والله نقلتها من قلبك إلى يديك، أما إذا غفلت بها عن عباداتك والله هي متشعبة في قلبك.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا قد أفدتم من هذا الموضوع، تحدثنا في درس قديم عن تعريف البيع والشراء وعن أركانه وشروطه، وتحدثنا عن البيوع المحرمة وتحدثنا عن البيوع الجائزة، وتحدثنا عن آداب البيع والشراء.

السعيد
09-20-2018, 02:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : البيوع المنهى عنها





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
بيان النبي هو التشريع الكامل :
أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء أبين لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بيّن لأصحابه ولأمته من بعده ما نزل عليه من قرآن كريم، هذا البيان هو التشريع الكامل، وهذا التشريع الكامل يجسد قول الله عز وجل:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة : 3]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7334/ar-7334/01.jpg
لو أن هناك حالات في الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية ليس لها حكم شرعي فهذا نقص في الدين، أما حينما نوقن أن الكتاب والسنة يغطيان تشريعياً كل حاجات الناس إلى يوم القيامة فعندئذ نبحث فيما قاله النبي، وفيما جاء به من أقوال وأفعال وإقرار عن حالات مشابهة للتي قالها صلى الله عليه وسلم. البيوع التي نهى عنها النبي :
في هذا الدرس موضوع الدرس العام موضوع البيوع التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أدري لما قفز إلى ذهني أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا : ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[من مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ]
هي في البيت عدد المزالق قليل جداً، أما الرجل الذي يكسب المال فهناك بضع مئات من الأحاديث الشريفة تبين ما ينبغي وما لا ينبغي في كسب المال، وفي البيع والشراء، ومن أحاديث تزيد عن تسعمئة حديث اخترت لكم بعض الأحاديث التي تبين أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى.
البيوع التي نهى عنها النبي كثيرة جداً، وما أكثر ما يقع بها بعض الناس، اليوم إنسان سألني سؤالاً، قال لي: أنا أشتري حاجة وأدفع ثمنها ويرجوني البائع ألا أبيعها لشهر وبعد شهر يأتيني بالثمن الذي أخذه ويعطيني ربحاً ويسترد هذه الحاجة، هل في هذا خطأ؟ قلت له: فيه كل الخطأ، هذا هو الربا بعينه، بالحقيقة أنت ما بعته حينما تبيعه هذه الحاجة أو حينما تشتري منه هذه الحاجة وتعطيه ثمنها ويشرط عليك ألا تبيعها لا يجتمع بالفقه الإسلامي بيع وشرط، حينما تبيع أطلقت يد الشاري في المبيع فيما اشتراه، له أن يبيعه، له أن يستعمله، له أن يؤجره، له أن يرهنه، أما إذا بعته شيئاً واشترطت عليه ألا يبيعه فاجتمع بيع وشرط، هذا الشرط يفسد البيع، قلت له: أنت في الحقيقة لم تشتر منه شيئاً إنما أقرضته مبلغاً من المال لشهر وأخذت الساعة رهينةً لهذا القرض، وحينما أدى لك هذا المال أعطاك ربحاً وهو الفائدة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. القرض الربوي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7334/ar-7334/02.jpg
أيها الأخوة، أرأيتم إلى هذا السؤال؟ عملية قرض ربوي محض، أنا اشتريت حاجة من إنسان شراء شرعياً لكن رجاني ألا أبيعها وبعد شهر جاءني بثمنها، وأعطاني ربحاً عليها، مع أن الشكل بيع وشراء وربح، الحقيقة قرض ربوي ورهينة هذه هي الحقيقة، الإنسان حينما يكون دخله مشبوهاً يأكل مالاً حراماً، وهذا المال الحرام إذا اشترى به حاجةً هذه تسمم حياته كلها، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، من هذا السؤال الذي طرح علي اليوم استوحيت موضوع هذا الدرس، كم هناك من بيوع حرمها النبي عليه الصلاة والسلام والناس لا يعرفونها.
من الشيء الشائع بين الناس أن كل إنسان معه مبلغ من المال يعطيه لإنسان يعمل في التجارة ويأخذ على الألف مبلغاً ثابتاً هذا هو الربا بعينه، الاستثمار والمضاربة يجب أن تعطيه الربح الحقيقي، لابد من حساب متاجرة، لابد من جرد، تعطيه الربح الحقيقي، تعطيه نسبةً من الربح الحقيقي هذا مشروع، أما أن تعطيه على الألف مبلغاً معين دون أن تجري حساباً فهذا قرض ربوي. للشيطان منفذان المال و المرأة :
وجدت أن هناك مزالق كثيرة جداً يقع فيها الناس، والحقيقة لو أن التشريع الإسلامي فرزته لوجدت أن تسعين بالمئة من أحكام التشريع متعلقة بكسب المال وعلاقتك بالنساء، فإذا ضمنت ألا تأكل مالاً حراماً، وألا تنظر عينك إلى ما حرم الله فقد أغلقت على الشيطان منافذه، الشيطان له منفذان منفذ المال ومنفذ المرأة، إن صحّ التعبير في الرجل نقطتا ضعف المرأة والمال، فإذا أحكم إغلاقهما لن يستطيع أحد أن يذله، الذين يسقطون كيف يسقطون؟ إما بأكل مال حرام، أو اعتداء على عرض حرام، هذا سبب السقوط والضعف، والإنسان هذان الشيئان ينهيانه، فلذلك من دخل السوق ولم يتفقه أكل الربا شاء أم أبى، أنت حينما تبيع وتشتري حينما تكون لك حرفة، تجارة، أحكام الفقه معرفتها فرض عين على كل من يعمل بالتجارة، لماذا؟ لأنه قد يأكل الربا وهو يظن أنه يأكل حلالاً.
من البيوع المحرمة بيع النجش :
هناك حالات كثيرة، إنسان يساهم مع إنسان في شراء بيت يقول له: شرط أن تضمن لي المبلغ بالتمام والكمال ثم أعطني أجرة على هذه الحصة، بيت ثمنه أربعة ملايين دفعت معه مليوناً ضمن لك هذا المبلغ لا ينقص ولا يزيد، وفي أثناء بقائه معك عليك أن تؤدي أجرة البيت، قرض ربوي، أما حينما تشتري معه ربع البيت وتأخذ منه أجرة وحينما تريد أن تبيع هذه الحصة بسعر السوق فقد يزيد ثمن البيت، أو قد ينقص، أو قد ينظم، أو قد يهلك، فإذا كان هناك ضمان صار قرضاً ربوياً، مزالق الكسب الحرام أيها الأخوة لا تعد ولا تحصى الآن البيع الأول المحرم:
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجْشِ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
الآن ندخل في مناقصة أو مزايدة، أربعة أشخاص أو خمسة يمثلون طرفاً واحداً، وتكون الأرض المعدة للعمار أصحابها أيتام و أرامل، فهؤلاء الخمسة يزيدون بمبالغ قليلة جداً ليستقر السعر على سعر دون سعرها الحقيقي عن طريق هذه التمثيلية، أي أنت تدفع سعراً أنت لا تريد أن تشتري إما أن تدفع سعراً عالياً من أجل أن تمكن الشاري من شراء هذه السلعة، أو تدفع سعراً قليلاً من أجل أن تمكن البائع من بيع هذه السلعة، أنت لست شارٍ ولا بائع ولكنك ممثل، تدخل مع هذه العقود من أجل أن ترفع السعر، أو أن تخفض السعر، فبيع النجش موجود في كل زمان، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع النجش، هذا أول نوع من أنواع البيع المحرم. (( مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلُبْهَا فَإِنْ رَضِيَ حِلابَهَا أَمْسَكَهَا وَإِلا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحياناً نحبس الحليب بالضرع يوماً ويومين وثلاثة ثم نأتي بهذه الغنمة إلى السوق أو بقرة نحبس حليبها في ضرعها، فحينما يرى الشاري ما شاء الله الضرع منتفخ هذه كل يوم تعطي أربعين كيلو يدفع ثمنها خمسة وثمانين ألفاً، يحضرها ويحلب الحليب في اليوم الثاني فيحصل على اثني عشر كيلو، هذه شاة أو غنمة أو بقرة مصراة، يقاس على هذا حالات كثيرة جداً مشابهة، فأي حالة مشابهة لهذه الحالة فهي بيع محرم.
أي توهم الإنسان، يوجد حالات كثيرة جداً فيها غش، فهذه البقرة المصراة، أو الغنمة المصراة، أو الشاة المصراة يقاس عليها آلاف الحالات.
حدثني صديق إنسان عنده محل يسمونه سوبر ماركت، أراد أن يبيعها وهذه تشبه البقرة المصراة وضع إعلاناً بالجريدة أنه يستقبل الزبائن بين الساعة الواحدة والنصف والساعة الثانية لا يوجد عنده وقت، يأتي الشاري ليس معقولاً، الزبائن مئة شخص والبيع على أوجه، يطلب سعراً عالياً ويقول له: أنا الآن ليس لدي وقت تعال إلى البيت، ترى بعينك ليس لدينا وقت، هذا يأتي إلى البيت يدفع سعراً عالياً جداً، يأتي في اليوم الثاني لا يوجد أي زبون أول يوم وثاني يوم، هناك مقابل المحل يوجد معمل مياه غازية يعطل بين الساعة الواحدة والنصف والثانية فكل العمال يدخلون إلى هذا المحل ويشترون، متى يستقبل الشارين؟ بين الواحدة والنصف والثانية ظهراً هذا وقت راحة هذا المعمل، فكل الزبائن يدخلون بهذا الوقت، فباع بسعر كبير جداً عن طريق هذا الإيهام كالبقرة المصراة تماماً. الزكاة تجب لا في عين المحاصيل بل في علتها :
كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس المقصود منه الصفة الضيقة، الصفة الواسعة، لما قال النبي: "تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب"، الآن يوجد مزارع فريز، تضمن بمئات الألوف، مزارع فاكهة نادرة جداً وغالية جداً، العلماء قالوا: تجب الزكاة لا في عينها بل في علتها، على عهد النبي كان هناك قمح وشعير وزبيب وتمر، أما الآن فيوجد عندنا عشرون نوعاً من الفاكهة وكل نوع غال جداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7334/ar-7334/03.jpg
فتجب الزكاة لا في عينها بل في علتها، ما علتها؟ أنه محصول أساسي يباع بثمن كبير، لذلك هذه البقرة المصراة أو الغنمة المصراة هذه تشبه هذا البيع، جاء الشاري بوقت فيه ازدحام شديد، فدفع ثمناً غالياً، فلما اكتشف الحقيقة أنه في اليوم نصف ساعة فقط ازدحام على هذا المحل، هو سأل المفتي في مصر وهذه القصة وقعت في مصر، هل يجوز أن أبيعها ثانيةً في هذه الطريقة؟ هذا كان سؤاله الجواب لا، لا يجوز إذا الإنسان كان مغفلاً لا ينبغي أن يفعل ما فعل به مع الآخرين.
هذه النقطة دقيقة، رجل عنده خمسة آلاف قداحة غاز كاسدة ذهب إلى بعض المحلات التي فتحت جديداً وأعطاهم قطعاً مجاناً مسطرة اعرضها عندك لا أريد ثمنها، صاحب المعمل الذي عنده كساد أرسل شخصاً إلى هذا المحل، قال له: عندك من هذه؟ قال له: نعم، قال: أريد خمسة آلاف، تساوم معه على السعر وأعطاه خمسة وعشرين ألفاً، فهذا الرجل شعر بقوة فذهب إلى المعمل قال: أريد القداحات، فقال صاحب المعمل: نقدي، استدان ودفع ثمن القداحات وأحضرهم بالتمام والكمال، ما جاء صاحبهم في اليوم الثاني ولا الثالث، لأن المعمل أرسل هذا الشخص.
يوجد أساليب اليوم نوع من السرقة، الإنسان يجب أن يكون حذراً، المؤمن كيس فطن حذر، تساوموا ودفع رعبوناً وغاب، طبعاً صاحب المعمل استغنى عن الخمسة آلاف وحمله الخمسة آلاف قداحة ودفع ثمنهم نقداً.
ما نهى عنه النبي الكريم :
1 ـ أن يبيع حاضر لباد :
((عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قال: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ))
[البخاري عَنْ أنس بن مالك]
أحياناً يأتي الأعرابي معه بضاعة، يأتون يوم الجمعة السعر يهبط قليلاً، يقول له صاحب أحد المحلات: لا تبع اليوم البضاعة دعها عندي أنا أبيعها لك بثمن مرتفع غداً، هذا منهي عنه، أن تمنع السعر المنخفض وتحتكر البضاعة وتبيعها بسعر مرتفع، البادي هو الذي يسكن البادية قد يأتي بصوف، قد يأتي بحليب، بجبن، بسمن، وأغلب الظن يأتون بوقت متقارب، فحينما يأتون جميعاً السعر يهبط، وهناك أناس فضوليون يقول له: لا تبع اجعل البضاعة عندي أنا أبيعها لك بسعر أعلى، معنى ذلك أن كل إنسان ساهم برفع السعر محاسب عند الله عز وجل، المحتكر إذا أرخص الله السلع حزن، وإذا ارتفعت فرح، المؤمن بالعكس. 2 ـ تلقي الركبان :
و:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا وَعَنِ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يوجد أشخاص يسافر إلى منبع البضاعة ويعتم على البائع السعر الحقيقي بالسوق، لا يوجد سعر بل كساد كم تبيعني؟ يوهمه أنه لا يوجد سعر، كل إنسان يذهب ليشتري الحاجات بأقل من أسعارها الحقيقية ليمنع صاحب البضاعة من أن يعرف الثمن هذا بيع محرم أيضاً، ممنوع أن يبيع حاضر لباد، وممنوع للحاضر أن يتلقى الركبان فيشتري منهم قبل أن يصلوا إلى المدينة، دعه يصل ويعرف السعر ويبيع وهو مرتاح، أما أنت عندما تلقيته قبل أن يصل وعرضت عليه سعراً أقل من السعر الحقيقي فأكلت منه مالاً حراماً. 3 ـ أن تسأل المرأة طلاق أختها :
((... وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا ... ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يكون هناك حالة معينة، الزوج لا يوجد عنده أولاد فتزوج امرأة ثانية من أجل أن تنجب له أولاداً، والأولى معززة مكرمة تذهب إلى بيت أهلها لا أعود حتى تطلقها، هو لم يرتكب معصية وهو مضطر إلى ولد، وهذه الأولى لا تنجب، ابق معها، لا أعود إلا إذا طلقتها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تسأل المرأة طلاق أختها. 4 ـ أن يَسْتَام الرَّجل علَى سوم أَخِيه :
ونهى:
((... وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي إنسان اشترى حاجة تسأل الشاري بكم اشتريتها أنا أبيعك بأقل من هذا الثمن، هذا محرم وهذا يفعله معظم الناس، يوجد نوع من الحشرية إنسان اشترى وانتهى الأمر صار إيجاب وقبول وبيع، يجب أن يعلم بكم اشترى، أو البائع كم باع، من أجل أن يوقع بينهما ويستغل هذا الخلاف لصالحه هذا أيضاً محرم، كل شيء فيه جهالة ممنوع التعامل فيه. 5 ـ شراء ما في بطون الأنعام :
و:
((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أي قد تلد أنثى أو ذكراً، أنا أشتري ما في بطنها بكذا، هذا فيه جهالة قد يأتي ميتاً وقد يكون ذكراً أو أنثى، أو أنا أشتري ما في ضرع هذه البقرة، اشتريه باللتر، توقع صاحبها عشرة كيلو فكانوا خمسة عشر يتضايق: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ ...))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
6 ـ ضربة الغائص :
ونهى أيضاً :
(( .... وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
يقول إنسان لغواص يصيد اللؤلؤ: هذه الغوصة بألف ليرة، كل شيء تأتي به من أعماق البحر بألف ليرة، قد يأتي بلؤلؤ حقيقي وقد يأتي بمحار كاذب، كل شيء فيه جهالة منهي عنه. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
آداب المؤمنين :
الشيء الثاني أيها الأخوة من آداب المؤمنين لا يدخل على بيع ولا على خطبة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ ))
[مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ]
فلان خاطب أي لم يقل لا ولم يقل نعم، يجب أن ننتظر حتى يعطي رأيه، إذا قال: نعم انتهى الأمر، وإذا قال: لا ندخل، أما إنسان خاطب ولم يبت في أمر هذه الفتاة فلا ينبغي أن تخطب مرة ثانية على خطبة واحد آخر. 7 ـ بيع الماء :
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ ))
[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
أحياناً يكون إنسان عنده بئر، وهذا البئر غزير، وحاجته من الخمسة إنش إنش واحد، ويوجد عنده أربعة فائض، منهي عن بيع الماء إلا في حالة واحدة أن يكون استخراج الماء ذو كلفة، أما إذا لا يوجد كلفة فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء. ((الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ الْمَاءِ والكلأ وَالنَّارِ))
[أبو داود عَنْ أَبِي خِرَاشٍ]
8 ـ بيع الثمر حتى يبدو صلاحها :
و نهى أيضاً:
(( عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ ))
[البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
هذا الكلام لمن يضمن الفاكهة، فقبل أن يبدو صلاحها ينبغي ألا تباع وألا تشترى: (( ... وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ ))
[البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
أخواننا الذين يضمنون يوجد وقت إذا وصلوا إليه انتهى الصقيع، والثمار واضحة وبدا صلاحها عندئذ نشتري ما على الشجر، أما أن نشتري قبل أن تنتهي مدة الخطر، أو قبل أن يبدو صلاحها، فلا يجوز أن نشتري فاكهة على أشجارها. على الإنسان ألا يكتفي بوزن واحد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7334/ar-7334/04.jpg
(( عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ))
[البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
اشتريت طعاماً يجب أن تكيل هذا الطعام إما بالوزن أو بالكيل، ينبغي ألا تبيعه حتى تستوفيه، هذا يحدث في تقبيض المال، رجل قابض خمسة آلاف يقول له: هذه خمسة آلاف ليرة الآن قبضتها، لعلك سحبت منها مئة ونسيت، لا تعطي هذا المبلغ إلا إذا عددته أمامه، خذه وعده فإذا سلمته عده مرة ثانية، هذه قاعدة في التعامل، اشتريت طعاماً يجب أن تزينه أو أن تكيله، هذا يحدث كثيراً، إنسان اشترى حاجة ذهب ليتغدى باع ابنه منها جاء بعد الظهر زبون قال له: اليوم اشتريتها خذها، هؤلاء خمسة وعشرون كيلو، ولكن بيع منهم خمسة كيلو، من أجل دقة العمل ومن أجل سلامة الدخل ينبغي أن تعد أو تزين وحينما تسلم تعد أو تزين، ألا تكتفي بوزن واحد. على الإنسان ألا يبيع ما لا يملك :
أتمنى على الأخوة الأكارم ألا يظن أن هذه الأشياء غير واقعية، هناك آلاف الحالات بشكل آخر أما الجوهر فواحد، أنا ذكرت قبل قليل أن الغنمة المصراة والآن لا أحد يبيع غنماً، أكثر الأخوان الحاضرون في المدينة، لكن الذي باع المحل التجاري أثناء الازدحام هذه حالة مشابهة تماماً للغنمة المصراة، والآن كذلك أي حديث شريف له تطبيقات عديدة جداً بأساليب أخرى بالعصر الحديث.
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِي؟، قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
أي بعت التفاح قبل أن يبدو صلاحها، جاء صقيع ذهب بكل الثمر، تطالب الذي اشترى بهذا المبلغ، تأخذ هذا المبلغ مقابل ماذا؟ لا يوجد شيء، أنت بعت قبل أن يبدو الصلاح، لو أنك أنت بعت بعدما يبدو الصلاح وصار مشكلة أخرى البستان صودر أو استملك هذا موضوع ثان، أما حينما تأتي جائحة سماوية وأنت بعت قبل أن يبدو الصلاح بما تأخذ مال أخيك تأخذه ظلماً. (( عَنْ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ))
[البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
مثلاً ناقة أو دابة حبلى، تشتري ما في بطنها وما سينجبه بطنها، هذه قضية غير معقولة وكان في الجاهلية من يفعل هذا. (( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ بَيْعٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ ))
[ النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
لا تبع ما لا يكن في حوزتك. محاسبة المقصر :
جميع المشكلات التي تتأتى فيما بين الناس سببها أنهم يبيعون ما لا يملكون، وفي القانون المدني هذا البائع اسمه بائع فضولي لا يملك شيئاً، أما من ألصق ما قرأت في قانون الإيجارات، إذا إنسان أجّر بيتاً الذي أجر ليس مالكاً، مؤجر فضولي، والمالك لم يوقع، ولم يلتقِ بالمستأجر، إذا مضى عامان ولم يتدخل المالك الحقيقي فهذا البيع يثبت، أين أنت قاعد؟
هذا الذي يهمل ماله إلى درجة أنه يؤجر لسنتين أو سنة وهو لا يوجد عنده علم هذا العقد الفضولي يثبت لأن الأول مقصر، مرة قال لي أخ وهو شريك مع شخص بمصلحة يغيب عن البلد كثيراً مضى أربع سنوات فوجئ أن هذا المكان الذي هو موضع شراكة بين اثنين يبيع بضاعة محرمة، يبيع خمراً، فقال لي: أنا لا أعلم ما يبيع، أين أنت؟ فكل إنسان مقصر يحاسب.
كل إنسان يبيع ما ليس عنده يدخل بمتاهة كبيرة :
و:
((عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، قَالَ: لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))
[الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]
هذا يحدث كثيراً، يوجد عندك الحاجة الفلانية؟ يقول له: نعم، يتصل بالهاتف أرسل لي هذه الحاجة، إذا أنت بلغت البائع أنك تبيعها له على حسابه لا يوجد مانع، أما أنت حينما تبيع الزبون معنى ذلك أنها ملك لك، وهي ليست ملكاً لك فينشأ مشكلات كثيرة أحياناً تشتريها من البائع والزبون لا يشتريها منك.
قال لي شخص: كسدت عندي أربع سنوات قطعة للسيارة غالية جداً، جاءه زبون قال له: عندك هذه القطعة، قال له: عندي، خبر وأحضرها ولم يتفقوا على سعرها الذي أحضرها من عنده لا يعيدها، وهو أعطاك إياها بيعاً، ما معنى البيع؟ إيجاب وقبول واتفاق صار بيع قطعي، والملكية انتقلت من هذا إلى هذا، وهناك والله آلاف المشاكل من أجل أن يحقق ربحاً يشتري ولا يعلم ماذا يفعل، ليشتري ليبيع تنشأ مشكلة في أثناء البيع هو شار فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))
[الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]
حدثني شخص أنه في سفر لعمل دخل إلى بائع جملة رأى مسطرة جيدة قماش أخذ هذه المسطرة ولم يشترِ منه شيئاً، وصل إلى مدينة أخرى عرضها فوجدت رواجاً كبيراً، باع منها كمية كبيرة، جاء حتى يشتري ويسلم البضاعة انتهت، الذي اشترى البضاعة منه ألزمه بكل متر ربحاً خيالياً وإلا له معه مبلغ يخصم من الدين، فقال لي هذا الشخص: خرب بيتي لأني أخذت المسطرة وعرضتها في مكان آخر، فلما عدت بنفس اليوم أو بيوم ثاني لنشتري البضاعة ونسلمها انتهت البضاعة، فرض عليه الشاري بكل متر ربحاً خيالياً وإن لم يدفع له يحسمه من الحساب، فكل إنسان يبيع ما ليس عنده يدخل بمتاهة كبيرة جداً. النذر :
(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا طَلاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلا بَيْعَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ زَادَ ابْنُ الصَّبَّاحِ وَلا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ ))
[ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
أحياناً إنسان في ساعة شدة يقول: نذراً علي إن شفى الله لي ابني لأذبح عشرة خراف، ثمنهم خمسون ألفاً وراتبه أربعة آلاف من أين يحضرهم؟ وقع بإشكال كبير، الإنسان يتعقل، وهنا الجواب: (( ...لا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ ))
[ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
ممكن أن تقول: أنا سوف أعطي هذه المروحة إذا نجح ابني وهذه المروحة لأبيك، هذا نوع من الحمق، الإنسان أحياناً يعطي شيئاً ليس له. من حلف على معصية فلا يمين له :
((... مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ.. ))
[ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
إذا حلفت أن تعصي الله احنث ولا تعص الله. ((...وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ... ))
[ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
إنسان حلف ألا يزور أخته لا يمين له، ينبغي أن تزور أختك وأن تكفر عن يمينك. ((... وَلا نَذْرَ إِلا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ))
[ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
رجل عنده في المحل بضاعة محرمة يا رب إذا وفقتني سوف أذبح خروفاً، هذا نذر لم يبتغ فيه وجه الله تعالى، فالنذر ينبغي أن يبتغى فيه وجه الله تعالى. من عمل في التجارة ينبغي أن يتوقع الربح والخسارة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7334/ar-7334/05.jpg
هناك نقطة مهمة جداً بعض الناس يدفعون أموالهم حتى يستثمروها وهو يريد ربحاً مضموناً لا يخطر في باله الخسارة أبداً، فإذا الذي يعمل في المضاربة خسر لا يقبل، لا يتحمل خسارة، وهذا ظلم شديد، وصار ربا، إذا كان المضارب الذي يعطي ماله ولا يوجد تقصير ولا عدوان و لكن هناك ظروفاً سيئة فإذا أنت رفضت تحمل الخسارة هذا رفض ظالم غير معقول.
(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ))
[النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
ربح مضمون لا يوجد، نقول: نربح إن شاء الله، وكل إنسان أراد أن يعمل في التجارة ينبغي أن يتوقع الربح والخسارة، أما الربح متوقع والخسارة مرفوضة فهذا موقف ظالم.

السعيد
09-20-2018, 02:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : مقدمة عن فلسفة المال للامام الغزالى






الحمــد لله رب العالميـن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
ما منا واحد إلا ويتعامل بالنقد يشتري به ويبيع به، وقد يغيب عن ذهنه حقيقة هذا النقد، هذا المال: الليرة، ماذا يعني النقد ؟
قد لا تصدقون أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فهم حقيقة النقد، قبل أن تأتي النظريات الحديثة في تعريف النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، فهناك نص للإمام الغزالي في الإحياء يُعد من أندر النصوص في تعريف النقد وفلسفة النقد ودور النقد في الحياة الاقتصادية، من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنيا.
الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم أن المال هو قوام الحياة، الشاب بالمال يتزوج ويشتري بيتـاً وأثاثاً، ينجب أولاداً ويربي أولاده ويأتي بالطعام والشراب، يعالج أولاده إذا مرضوا، المال قوام الحياة وكسب المال جزء من الدِين، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة.
فيقول هذا الإمام الجليل: من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنـيا وهما شيئان لا منفعة في أعيانهما، إذا واحد كان جـائعاً جداً ومعه خمس مائة ليرة هل يستطيع أن يأكلها ؟ إذا كانت حالة برد شديد ومعه ألف ليرة هل يتغطى بها ؟ لا، وفي حال مرض شديد ومعه ألف ليرة هل يستخدمها كدواء ؟ ينقعها ويشرب ماءها.
النقطة الدقيقة جداً في المال أن المال لا يُنتفع به مباشرةً، من جعله سلعةً وقع في الربا، المال ثمن وليس شيئاً، ليس سلعة.
يروى من باب التقريب أن إنساناً كان يقطع فيافي الصحراء، على ناقة ثم نفذ طعامه وشرابه فأيقن بالموت وبعد أن أيقن بالموت وكادت نفسه تفيض من شدة الخوف، لمح عن بعد شجرةً فأشرق في نفسه نور من الأمل، هرع نحو الشجرة فشرب حتى ارتوى لكنه جائع جوعاً شديداً فإذا بكيس إلى جانب الشجرة سر به سروراً عظيماً وهو يتوهم أن فيه خبزاً ولكن يا للأسف فقد فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ فصاح قائلاً: واأسفاه هذه لآلئ.
إنسان مقطوع في الصحراء، جاء من الكويت إلى الشام قبل أن يكون الطريق معبداً وفي الطريق صحراوي ضل الطريق وبقي يبحث عن الطريق ساعات وساعات إلى أن نفذ الماء الذي معه فوجد ميتاً هو وزوجته وأولاده وقد (هبج) إن صح التعبير وجهه بأظافره من ألم العذاب وكـان معه مئات ألوف الليرات في السيارة.
مائة ألف ليرة لا تغني عن كأس ماء، قيل يا أمير المؤمنين: بكم تشتري هذه الكأس من الماء إذا منع عنك ؟ قـال: بنصف ملكي، قال: فإذا شربته ومنع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال السائل: كل ملكك يساوي كأس ماء تشربها وتخرجها فاتق الله.
الإمام الغزالي يقول: هما شيئان الدراهم والدنانير، لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة وأنا لا أبالغ إن قلت قد يحتاج أحدكم إلى مليون حاجة، قد يلزمه زر، قد يلزمه إبرة قد يلزمه أن يعالج ابنه، قد يلزمه أن يشتري ثقّابة ليضع الأوراق في الإضبارة، قد يلزمه أن يأكل، قد يلزمه أن يتعلم، قد يلزمه أن يسافر و إذا كان عنده مركبة فأكثر من أربعة مائة ألف قطـعة في السيارة وكل قطعة لها اسم، وكلها معرضة للتلف والتبديل.
يقول الإمام الغزالي: الإنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه، يحتاج إلى مسكة من أجل الجبن، يريد محلباً وحبة بركة، أحياناً يحتاج إلى عصفر وإلى ملح ليمون ويحتاج إلى خل أحياناً.
انظر البيت كم حاجة فيه، يحتاج إلى قدح للشراب وقدح للشاي وفنجان قهــوة، إلى أوانٍ وأدوات وإلى مبيد للصراصير أحياناً، يحتاج إلى أدوية منعشة وإلى أدوية مسكنة، إذا أردت أن تعد الحاجات التي أنت في حاجة إليها ولا أبالغ تفوق المليون حاجة ولكن نحن لا نشعر بها، نشتريها تباعاً.
قال قد يعجز عما يحتاج ويملك ما يستغني عنه، هنا المشكلة، معك حاجات لا تحتاجها وأنت بحاجة إلى حاجات تلزمك، ما هو العمل ؟ كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جَملٍ يركبه، طبعاً النص قديم، ولكن نبدل هذا النص.
مثلاً: شخص زرع حبة البركة وعنده ثمانية أطنان أو عشرين طناً وهو يحتاج إلى دراجة وثياب، حاجات معينة ولابد منها.
كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه وكمن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج إلى زعفران فلابد من معاوضة.
أصل المال أن كل إنسان عنده نوع من الحاجات، فائض عن حاجته، ويحتاج إلى حاجات كثيرة هو في أشد الحاجة إليها، كيف نتبادل مع بعضنا بعضاً ؟ ولا بد في مقدار العوض من تقدير، هل معقول أن نعطيه أوقية زعفران بجمل، إذا كان شخص يلزمه مادة غذائية وعنده خمسة أطنان من قمح هل يعطي قنطار القمح بكيلو جبن، ليس معقولاً. فما هو الطريق؟
قالوا: إذاً لا يبدّل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران. ولا مناسبة بين الزعفران والجمل.
أي كم أوقية من البن تساوي سيارة، لا يتناسبان إطلاقاً، لو لا وجود المال لتعقدت الأمور، هل بالوزن يمكن أن نشتري بن ونبيع البن بوزن الجمل، هل ذلك ممكن ؟ لا حل لهذه القضية.
قالوا: وكـذا كمن يشتري داراً بثياب، أو دقيقاً بحمار لا يوجد تناسب بين الأشياء، فلا يدري كم الجمل يساوي من الزعفران،عندئذ تستحيل المعاملات بين الناس. فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط يحكم بينها بحكمٍ عدل، فيُعرف كلُ واحد برتبته ومنزلـته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب عُلم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين.
هذه ثمنها خمسين ليرة وهذه ثمنها خمس مائة ليرة، دخل عنصر ثالث وهو المال لو أنت بحاجة إلى كأس وعندك هذه المسجلة هل من المعقول أن تدفعها مقابل هذا الكأس ؟ عندما أقول لك هذه ثمنها مائة ليرة، وهذه خمسون ليرة، عشر كؤوس تساوي مسجلة، فالمال هو الذي يقوم الأشياء كلها، أريد أن أشغّل إنساناً عندي ماذا أعطيه ؟ لو أعطيته الدقيق هو بحاجة إلى ثياب أما أنا فأقول له: أنت تعمل في اليوم بخمس مائة ليرة وأنت بهذه الخمس مائة تشتري ما تشاء.
ما هو النقد ؟ هو تعبير عن الجهد البشري، أو تعبير عن السلعة، وكلٌّ يقوم بالمال رأى بالنقد.
قال: وخلق الله الدراهم والدنانير حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما، الحقيقة كلمة المال لا تعني النقد، المال شيء ينتفع به مباشرةً الجمل مال، الطائر مال، الماء مال إذا كنت تستخرجه من أعماق الأرض، الطعام مال، السجاد مال، الثريا مال، الطاولة مال، كل شيء تنتفع به مال.
أما النقد: كل شيء يُقَيمُ به المال هو النقد، والنقد له فلسفة عميقة جداً، وسيط تقيم به كل الأشياء وإذا قُيمتْ صار من السهل أن تتبادل السلع والمنافع والخبرات والخدمات، لا يمكن أن نتبادل السلع والخدمات والخبرات إلا عن طريق الوسيط الذي هو المال.
شخص راتبه فرضاً عشرة آلاف ليرة، يلزم ابنه درس رياضيات والدرس مثلاً قيمته بخمسمائة ليرة في الساعة، يدفع خمسمائة مقابل الدرس، هل من المعقول أن يدفع جهده كله مقابل الدرس مستحيل، إذاً عندنا وسيط بين كل السلع وبين كل الأموال وبين كل الخدمات.
يقال مثلاً: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث إنهما متساويان بشيء واحد إذاً هما متساويان وهذا المال مقوِّم لذلك حينما يلد المال المال وقعنا في مخالفة كبيرة الأعمال تلد المال، أما المال لا يلد المال إذا ولد المال المال نقلناه من ثمن إلى سلعة وهنا الحرمة.
إذا أودعنا المال في المصرف وأخذنا فائدة معنى المال ولد المال، معنى ذلك حولناه إلى سلعة، نحن ينبغي أن نجعل المال يُكتسب على الأعمال طبعاً، الموضوع يحتاج إلى تفصيل كبير، حينما يقتصر كسب المال على الأعمال ترخص الأسعار وتنعدم البطالة ويعمـــل الجميع وينخفض مستوى المعيشة، وحينما تلد الأعمال المال تعمر الأرض وتذهب الرذائل وتختفي الجرائم.
أما حينما يلد المـال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، دخلنا في متاهة الجرائم والسرقات والدعارة.
باحثة اجتماعية كتبت تقريراً عن دراستها، زارت كل سجون النساء، فاكتشفت حقيقةً مرة أن تسعين بالمائة من النساء اللواتي يعملن بالدعارة يعملن عن حاجة إلى المال لا عن فساد خلقي، وعشرة بالمائة فاسدات بطبعهن، معنى هذا مسؤولية المجتمع، حينما يلد المال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وبعض الناس يقيم حفل عرس بستين مليوناً أو بستين ألفاً والشباب عندئذٍ لا يستطيعون الزواج ولا يحظى أحدهم بغرفة في أطراف المدينة، يعني وقع الخلل فمن أين يأتي؟
يأتي الخلل من سوء توزيع الثروة، لأن هذه الكتلة النقدية يجب أن تكون متداولة بين الناس، فالكتلة النقدية إذا كانت في أيدي الجميع فنحن بخير ونحن في بحبوحة والمسلم الصادق ولو أن الأسعار تدَنّت وقلَّ ربح التاجر لكان الناس جميعاً تنعموا وجميعاً أكلوا.
شخص ضمن محصول مشمش فرضاً والسعر بثلاث ليرات فأكل جميع الناس هذه الفاكهة ولم يبق: أحد من الناس إلا وأكل من هذه الفاكهة حتى شبع، فالمسلم الصادق لو قلّ ربحه يشعر أن المسلمين انتعشوا، دائماً المؤمن إذا الله عز وجل أرخص الأسعار فرح، والمحتكر إذا أرخصها الله حزن يقول لك: تبهدل سعرها، دعه يتبهدل والناس تأكل.
لذلك أهل الكفر والعياذ بالله تكون المحاصيل جيدة جداً فيتلفون مئات الأطنان من البن حفاظاً على السعر.
وفي أمريكا عندما أسعار الحمضيـــات انخفضت فمحصول سنة بكامله وضعوه في أماكن شاسعة وتركوه يتلف للحفاظ على سعره المرتفع، صار الزنوج الفقراء يدخلون من تحت الأسوار ليأكلوا البرتقال مجاناً و في العام التالي سمموه لئلا يأكله أحد، وحوش. وأكبر عمل وحشي قرأت عنه قبل سنوات أنه تم إطلاق النار على عشرين مليون رأس غنم في أستراليا أعدمت بالرصاص ودفنت تحت الأرض وشعوب بأكملها تموت من الجوع والشيء بالشيء يذكر يا أيها الأخوة لا بد من أن أعلق على ما سمعتم في هذين اليومين، أقول لكم:
في مؤتمر صحفي بُثّ على عشر محطات فضائية استمع إلى هذا المؤتمر سبعمائة مليون إنسان تقول امرأة أنا زنيت في اليوم الفلاني مع فلان وفي اليوم الفلاني مع فلان، وذكرت سبع حالات خيانة، والعالم كله يبكي من أجلها عند وفاتها منذ أيام وقد سار في جنازتها سبعة ملايين.
ماهذا العالم الذي نعيشه ؟ وهؤلاء الذين اغتصبوا في البوسنة والهرسك خمسة وثلاثين ألف امرأة اغتصبوهن في البوسنة و ما بكي أحد. هذه المقابر الجماعية التي اكتشفت في البوسنة والهرسك ما بكى من أجلها أحد، هؤلاء الخمس مائة ألف طفل ماتوا في العراق جوعاً بسبب الحصار الاقتصادي ما بكى من أجلهم أحد، هؤلاء المليون إنسان ماتوا في هذه الحروب التي تجري في هذه الدول المتخلفة ما بكى من أجلهم أحد.
من أجل هذه المرأة الفاسقة، عندما ماتت الدنيا قامت ولم تقعــد، وأحد الأثرياء العرب يشتري سيارتها بمليون دولار، لأنها من رائحتها.
هذا عصرنا لا بد أن نكفـر بالكفر، لا بد من أن تحتقر الكفر والفجور. والطريـــق إلى الله لا يكون سالكاً إذا عظّمت هؤلاء الكاذبين، يكذبون ويدجلون ويغيرون الحقائق ويقيسون بمقياسين.
المال إذا ولد المال ماذا حصل ؟ تجمعت هذه الأموال في أيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة فكان الزنا وبيوت الدعارة والجرائم والقتل لأن المال قوام الحياة.
سيدنا عمر رضي الله عنه أول سؤال كان يطرحه على ولاته، كيف الأسعار عندكم ؟ قال يوماً لأحد ولاته ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، قال: أقطع يده، قال له إذاً، إذا جاءني من رعيتك جائع أوعاطل فسأقطع يدك، يعني ما دمنا تحدثنا عن هذه التي ماتت قبل يومين ومشى في جنازتها سبعة ملايين والعالم كله يبكي من أجلها فإني أذكركم بتصريح قرأته بأم عيني في جريدة تتحدث عن وزير الصحة البريطاني يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانية عقد مؤتمراً صحفياً وقال أنا شاذ جنسياً نحن في أي عصر ؟ والله هذه الدول التي يسمونها دول العالم الثالث فيها بقية حياء وفيها بقية خجل وبقية رحمة وفيها بقية قيم. يجب أن نعتز بإسلامنا ونعتز بديننا وأن نعتـــز بعلاقاتنا الاجتماعية وأن نعتز بما بقي من حب للخير والفضيلة، أولئك وحوش في أثواب بشر.
الآن لا ينبغي أن يكون لأحدٍ غرضٌ في عين المال، عين النقد هو لا ينتفع به مباشرةً، ينتفع به بالوساطة، به تشتري الطعام، به تشتري المدفأة به تشتري سريراً، به تشتري مركبة، هل يمكن أن ننتفع به مباشرةً ؟ لا، من جعله سلعةً ولم يجعله ثمناً يعني كسب المال الحرام، المال إذا ولد المال كان الربا، والشيء الثابت قولاً واحداً أنه إذا فشا الربا ارتفعت الأسعار وفشت البطالة وتفاوت الناس في دخلهم وربنا عز وجل قال:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
(سورة الحشر )
ما هي الحالة الصحية الرائعة ؟ أن يأكل كل الناس وأن يسكن كل الناس في بيوت، وأن يعالج كل الناس بالأدوية الجيدة وأن يعيش كل الناس في بحبوحة، هذه هي الحالة الصحية الجيدة.
سيدنا عمر جاءه رسول من أذربيجان معه هدية ثمينة: طعام حلوى، أكل منها قطعة واحدة، وقال للرسول: هـل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام، قال: لا هذا طعام الخاصة، أخرج اللقمة من فمه وقال: حرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يشبع منه المسلمون، ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر الناس إن لم تأكل مما يأكلون ؟
ومرة عندما ترك أكل اللحم شهرين متتابعين فاشتهى اللحم فخاطب بطنه وقال له: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبــع منه صبية المسلمين.
دعي إلى طعام وضع له على طبق، أطيب ما في الجزور قال: بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها.
لذلك قالوا: من ملك المال ملك كل شيء، هو الوسيط وهو الأداة للتقويم أداة العدل في التبادل، إذا فقدت النقود لجأ الناس للمقايضــة. أحياناً تجد بالجريدة بيت يعرض مقابل بيت فلا ترتاح لعل هذا البيت لا يساوي هذا البيت، مقايضة بيت ببيت نظراً لشح المال وعندنا مشـكلة أن المال قليل والسـلع كثيرة جداً فتجد مائة عرض بالجريدة للمقايضة مباشرة، والمقايضة ماذا تفعل ؟ هذا البيت لا يساوي هذا المحل، أما لو قومنا البيت بالمال و قومنا المحل بالمال صار هناك موازنة، إذا ملك شخص قماشاً فهل هو إذا ملك القماش ملك كل شيء ؟ لا ملك القماش فقط، أما لو باع القماش بالمال و صار معه رصيد ضخم فالآن ملك كل شيء، يقول لك البضاعة مجمدة أما لو باعها بالنقد فالإنسان حر بالنقد، يشتري طعاماً، يشتري ثياباً، يشتري منزلاً، يشتري مركبة، يسافر، يتاجر، يؤسس عملاً، هذا كله كلام الإمام الغزالي قبل أن تظهر النظريات الاقتصادية و قبل أن تظهر قيمة النقد و فلسفة النقد قال:
من ملك المال ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه دابة لا ثوب، فشخص معه قماش فقط و لزمه طعام فجاء لصاحب الطعام قال له أنا عندي قماش وأريد طعاماً، فيقول أنا أريد دابة لا قماشاً، فمع السلامة، أما مادام معه نقد فإنه يشتري به الطعام بكل حرية.
قال: المال كالمرآة ليس لها لون لكنها تحكي كل شيء، أي شيء تضعه أمامها يرتسم فيها.
النقد ينبغي ألا يكون غرضاً في ذاته، حتى إن الإنسان إذا كسب المال بنية استعماله في الخير فله أجر، أما حينما يكنز المال للمال عطل وظيفته، و لنأتِ بمثل بسيط: إذا أحضــرنا مائة مليار ليرة، من فئة الخمسمائة، و شكلنا منها نصباً تذكارياً في ساحة عامة ثم طليناها بمادة عازلة و جعلناها بشكل تمثال جميل أو مجسم جمالي جميل فهذه المائة مليار ليرة ماذا فعلنا بها عطلناها، فالمال وظيفته الوحيدة أن يكون متداولاً لذلك الذي يكنز الذهب و الفضة ماذا يفعل ؟ يعطل قيمتها، يعطل الدور الذي أراده الله لها، لذلك نتساءل: لم فرض الله تعالى الزكاة ؟ لئلا يخزن الناس المال، لأنك إن خزنت المال و أنت كمسلم تؤدي فالزكاة كل عام الزكاة تأكل المال كله ، فلئلا يؤكل المال تستثمره فالزكاة لها حكمة سلبية: أنك إن لم تستثمر مالك تأكله الزكاة و قد ورد هذا عن رسول الله
((عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ))
لأنك لو خزنتها و دفعت زكاة مالهم كل عام بعد حين تنفذ هذه الأموال إذ أن الزكاة تأكلها.
قال العلماء إن كل من عمل عملاً لا يليق بالحكمة التي خلق الله المال من أجلها فقد كفر نعمة الله تعالى، وبشكل عام البخيل الذي يكنز المال يعيش فقيراً ليموت غنياً، شخص وجدوه ميتاً من أربعة أيام، ثلاثة و نصف مليون ومليون ومليون كله مكردس وهو لا ينفق شيئاً منها، كنز المـال مخالفة لحكمة المـال، أكمل شيء، وهذا الشيء الناس بعيدون عنه جداً أنك تجد إنساناً كبيراً في السن لا يقوى على أن يعمل إطلاقاً معه مال، تجد شاباً كتلة حياة ونشاط وحيوية ولا يملك من المال شيئاً، فلو كان هناك أمانة وثقة واستقامة وخوف من الله لما وجدت عندنا مشكلة إطلاقاً لأن لدينا أموالاً ولدينا مشاريع أعمال، ذاك شـاب متوقد حيوية ونشاطاً ليس معه مال وهناك إنسان معه مال ولا إمكانية عنده ليشغله، فلو دفع هذا المال لهذا الشاب لتكاملا وهذا أشرف طريق لاستثمار المال المضاربة، لكن حينما أساء الناس ولوج هذا الباب المشروع قَوّوا مركز المصارف، وعندما أخذ الناس الأموال ليستثمروها فأكلوها أضعفوا ثقة الناس بهذا الباب المشروع. والنبي عليه الصلاة والسلام كان أول مضارب في الإسلام
اتّجر بمال خديجة. فمنها المال و منه الجهد والربح بينهما إذاً أول مضارب هو النبي عليه الصلاة و السلام، فالطريق الأكمل لاستثمار المال أن يشترك اثنان: واحد بماله و الآخر بجهده و أن يتقاسما الربح و الخسارة و انتهى الأمر لكن هذ1 الطريق أساء الناس استخدامه فكفر الناس بهذه الطريقة، فصار الاستثمار الربوي هو الأفضل عند الناس وهذه مشكلة كبيرة جداً.
والمهم الآن أن نفهم معنى هذه الآية الكريمة:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾
(سورة التوبة)
طبعاً بالمناسبة ؛ المـال الذي تُؤدّى زكاته ليـس بكنز، مهما كثر والمال الذي لا تؤدى زكاته هو كنز مهما قلّ.
المال خلق ليحل مشكلات الناس، خلق لخدمة الإنسان فإذا كنت أنت في خدمته وقد انقلبت المفاهيم ؛ قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾
(سورة الجاثية )
كل الكون مسخر للإنسان يجرى في الخليج سباق للهجن للعمال يضعون طفلاً صغيراً على ظهر الجمل لأنه خفيف الوزن ويعدو، لكن هذه الحركة المستمرة للجمل وعمود الطفل الفقري لا يزال طرياً يسبب له العدو تشوهات في عموده الفقري، وكثـيراً ما يقـع هذا الطفل من على الجمل فيموت، في هذه الحالة من المسخر للآخر ؟ الطفل مسخر للجمل، أما الأصل أن يسخر الجمل للإنسان، الآية عُكست، هذا إنسان فهل يعقل أن نضحي به من أجل سباق ؟ هل يعـقل أن نشوه عموده الفقري من أجل سباق ؟ يجب أن نعلم من هو المسخر للآخر، كل مافي الكون مسخر للإنسان والإنسان مكرم وهو المخلوق الأول.
فقال: كل من استعمل المال كسلعة وخالف فيه حكمة الله عز وجل فقد كفر نعمة المال وقد يحرمه الله من نعمة المال، فالمال إما أن تكون في خدمته وهذا هو شقاء الإنسان وإما أن يكون في خدمتك.
الحقيقة في سلم المال خط أحمر، دون هذا الخط هو في خدمتك بعد هذا الخط أنت في خدمته قد تضيع دنياك وتضيع آخرتك من أجل إدارة هذه الأموال وفي النهاية ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به، يعني هذا الثوب الذي لبسته وهذا الطعام الذي أكلته وهذا السرير الذي نمت عليه، هذا هو المال الذي انتفعت به وما سوى ذلك تحاسب عليه من دون أن تنتفع به، هنا الفرق بين الكسب والرزق، الرزق ما انتفعت به، أما الكسب فما كان في خزانتك، و هناك شيء من الواقعية، شخص يملك خمسين ليرة و شخص معه خمسون مليوناً أرادا أن يأكلا فسعة معدة كل واحد منهما واحدة فهذا تشبعه لقيمات و هذا تشبعه لقيمات إذاً ما قيمة هذا المال الفائض ؟ محاسب عليه، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت.
الإمام الغزالي قال: من طلب النقد لغير ما وضع له فقد ظلم نفسه.
أيها الأخوة الكرام أنا ذكرت هذا الموضوع تمهيداً لموضوع دقيق في أحكام الربا وأرجو الله تعالى أن أحسن اختيار موضوعات درس الأحد من الموضوعات التي تشتد الحاجة إليها، لا أحد من الحاضرين إلا يبيع ويشتري شاء أم أبى.
يجب أن تفهم ما حكمة المال، هو قوام الحياة فالذي يبخل به يظلم نفسه، والذي ينفقه جزافاً يظلم نفسه وإنفاق المال سفهاً يعد من السفاهة لذلك فالسفيه يحجر عليه، ينبغي أن تعلم أن المتقين هم كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67)﴾
(سورة الفرقان )
يعني جزء من دينك أن تعلم كيف تنفق المال، يروى أن سيدنا رسول الله جاءه فقير فأرسله إلى بعض أصحابه دخل عليه أرضاً فيها بقية حبات قمح فرآه يجمع هذه الحبات، فما سأله ودار بخلده أن هذا الذي يجمع حبات القمح بخيل فانصرف عنه، جاء النبي الكريم وقال له رأيته يفعل كذا وكذا قال له: عد واسأله، فسأله فأعطاه قطيعاً من الإبل، قال له: عجبت لك تجمع الحب وتعطي هذا العطاء، قال له: يا أخي نجمع هكذا لننفق هكذا.
المؤمن عجيب أمره، سمعت من يومين قصة صدقوني كاد قلبي يدمى لها رجل دعي إلى وليمة في دول الخليج، و الداعي إنسان عظيم جداً وغني كبير أقسم ناقل الخبر بالله أن أكثر من عشرين رجل يحملون المنسف عليه جمل وفوق الجمل خروف، أقسم بالله أن رائحة السمن تشم على بعد أكثر من خمسين متراً كم واحداً المدعوون ؟ عشرة أشخاص، هذا المنسف يطعم ألف رجل، أكل الضيوف شيئاً لا يذكر فلما جاء وقت غسل اليدين غسلوا أيديهم فوق هذا المنسف فقال واحد من المدعوين: يا سيدي، بأدب جم أليس هناك من يأكل هذا الطعام، قال: لا يجوز أن يأكل منه أحد بعدي، هذا يلقى بالقمامة قال لي: والله بأم عيني رأيت ما سمعت، أنا مدعو وليست قضية خبر سمعناه، بل شاهد عيان.
أين (( يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود))
أين هي: والله المؤمن يحرص على حبة رز، حبة رز واحدة لا يدعها في الصحن، كل شيء له حل، أنا مـرة دعيت إلى عقد قران وأنا أذكر هذا مادحاً لا ذامّاً، رجل من كبار الأغنياء دعا ألف شخص، دفع ثمن العشاء مليون ليرة، كل شخص ألف ليرة، سوف تقول إسراف، وأنا حضرت الدعوة فوجدت أنه لم يؤكل عُشر الطعام، سألت ثاني يوم ماذا فعل بالطعام، قال: أكله طلاب أحد المياتم لمدة اثني عشر يوماً وضع في برادات في علب فاخرة و أكل الأيتام منه طيلة اثني عشر يوماً، والذي أقام هذا الحفل قدم مليون ليرة للفقراء لتزويج الشباب.
لا نستطيع أن نتكلم، مادام ولا حبة رز ذهبت ضياعاً، كله انتهى إلى بطون جائعة والرجل غني أحب أن يكون الحفل فاخراً، ولكنه مهيئ فريق عمل، فبعد أن انتهى الطعام كله وضع بأكياس وعلب كرتون وحمل إلى البرادات، ميتم أكل اثني عشر يوماً من هذا الطعام.
((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود))
وإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم وقد حصل هذا، دول غنية جداً أصبحت الآن فقيرة جداً، قال لي أخ: كان المواطن من هذه الدول لا يعمل إطلاقاً ويحتقر العمل ولا بعشرة آلاف ريال، الآن يعمل بألف وخمس مائة فقط، لا يوجد طعام، حينما يلقون بالطعام في القمامة فهذا هو الجزء، سلط عليهم من يأخذ ما في أيديهم.
وإن شاء الله في الدرس القادم حديثنا عن موضوع ربوي مهم جداً، عن ربا النسيئة وربا الفضل، أي عن ربا القرض وربا البيع والموضوع حساس جداً ومهم جداً وجعلت هذه المقدمة للإمام الغزالي عن فلسفة المال وعن قيمة المال تمهيداً لهذين الدرسين.

السعيد
09-20-2018, 02:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الحادى و الخمسون )

الموضوع : الربا النسيئة و ربا الفضل






الحمد لله رب العالمــين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تمهيد:
أيها الأخوة الأكارم؛ كما تعلمـــــون في الإنسان نقطتا ضعف خطيرتان:
موضوع المال وموضوع المرأة...
لذلك تجد في التشريع الإسلامي أحكاماً كثيرةً تتعلق بكسب المال وإنفاقه وبالعلاقة بالمرأة وأردت بالدرس الماضي أن أبدأ موضوعاً تشتد الحاجة إليه، وهي حالات تخفى على معظم الناس فيها شبهة الربا، والإنسان حينما يحرر دخله من الحرام يكون طعامه طيباً وإذا كان طعامه طيباً كان مستجاب الدعوة وإذا كان مستجاب الدعوة كان أقوى الناس على الإطلاق. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس]
وطيب الطعام يكون بأن تشتريه بمال حلال والمال الحلال هو المال الذي برأ من شبهة الكسب الحرام ومن أبرز أنواع الكسب الحرام الكسب الربوي. الربا:
أيها الأخوة الكرام؛ ينقسم الربا إلى نوعــين كبيرين أوضحهما علماء المسلمين، وفصّلوا أحكامهما:
الأول:
ربا النسيئة من النسيء وهو التأجيل.
الثاني:
ربا الفضل أي الزيادة ولو من دون تأخير.
ربا النسيئة وربا الفضل...
الزيادة مع التأجيل ربا النسيئة، والزيادة من دون تأجيل ربا الفضل.
نحا علماء الاقتصاد هذا النحو في تقسيم الربا لكنهم استعملوا أسماء جديدة من هذه الأسماء ربا الديون وهو ربا النسيئة، وربا البيوع وهو ربا الفضل، إذاً عندنا نوعان من الربا:
1- ربا النسيئة...
2- وربا الفضل...
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7323/ar-7323/01.jpg
الزيادة مقابل الأجل ربا النسيئة، الزيادة من دون أجل ولكن في البيع هو ربا الفضل.
أيها الأخوة؛ النوع الأول كان شائعاً في الجاهلية يمكن أن نسميه ربا الديون:
وهو فضل العين على الدين:
يعني أقرضت مائة ليرة تستردها مائة وعشرين، فضل العين على الدين...
وفضل الحلول على الأجل:
يعني إذا أعطيته المبلغ وفي وقته أديته مائة، فإن أخرته أديته مائة وعشرين، وهو ينطبق على المعاملات المصرفية الربوية التي ذكرناها.
يعني أي قرض بفائدة قلّت أو كثُرت هو ربا الديون وهو ربا النسيئة وهو ربا الجاهلية وهو ربا القرآن، كلها أسماء لمسمى واحد.
قوام هذا الربا أو قوام هذه المعصية الكبيرة الزيادة على الدين مقابل الأجل وهذا يتناول صوراً كثيرة بعضها ظاهر جلي، وبعضها خفي.
الظاهر الجلي:
طبعاً الظاهر الجلي كلكم تعرفونه إنسان استقرض قرضاً ربوياً، يعني أخذ الألف ليردها ألفاً وثلاث مائة هذا ظاهر جلي.
الظاهر الخفي:
ولكن الذي يخفى على الناس أنواع أخرى منها مثلاً:
النوع الأول:
النوع الأول والمعروف والمشهور الذي لا يختلف فيها اثنان الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل وهو معروف .
النوع الثاني:
الزيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعةٍ بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير.
اشتريت حاجة على أن تؤدي ثمنها في الوقت المناسب فلم تستطع أن تؤدي ثمنها في هذا الوقت فتأخرت في الأداء فزاد عليك البائع في الثمن، زيادة في ثمن الشـيء مقابل الأجل هذا نوع يخفى على معظم الناس.
النوع الثالث:
مبادلة صـك بنقد يدفع حالاً أقل من قيمة الصك.
معك سند، معك إيصال، شك، يستحق بعد شهرين تأتي إلى جهة أو إلى مصرف تحسم هذا الشك أو تحسم هذا السند أو تحسم هذا الصك، تأخذ أقل من قيمته حالاً على أن يأخذه المصرف بعد شهرين مؤجلاً، هذا أيضاً نوع من أنواع الربا ويفعله معظم الناس.
معه سندات بضاعة باعها بمائة ألف تستحق بعد ستة أشهر يأتي إلى المصرف يضعها بين يديه ويعطيه المصرف قيمتها محسوماً منها ستة بالمائة مقابل أنه قبضها حالاً والمصرف يأخذها بعد ستة أشهر هذا أيضاً نوعٌ من أنواع الربا.
إذاً الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل هذا نوع واضح صارخٌ لا يختلف فيه اثنان وهو ربا القروض، ربا القرآن، ربا الجاهلية، وهو الذي نص عليه القرآن وحرمه أشد التحريم.
وهناك أنواع خفية زيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعة بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير، فلو أن إنساناً اشترى سلعة بثمن على أن يؤدي الثمن بعد ستة أشهر دون زيادة في الثمن فلا يوجد مشكلة أبداً ولا شيء عليه، أما إذا اشترى سلعة بثمن فتأخر عن دفع الثمن فزاد البائع مبلغاً من المال مقابل هذا التأخير، مقابل هذا الأجل، فقد وقع في ربا ولكن بشكل آخر ليس ربا القروض ولكن ربا البيوع. النوع الرابع:
وإليكم شكلاً آخر من أشكال الربا، اشتراط منفعة مادية ولو باسم هدية زيادة على مبلغ الدَيْن وهذا طبق القاعدة الشهيرة كل قرضٍ جرَ نفعاً فهو ربا.
إنسان أقرض إنساناً مائة ألف على أن يسكن بيته لشهرين، على أن يأخذ مركبته لشهرين، أية منفعة مادية أو معنوية، منفعة رقبة، منفعة إيجار، أية منفعة وصلت إليك عن طريق هذا الدين طبعاً هذه المنفعة مشروطة، فهو نوع من الربا لكنه يخفى على كثير من الناس، وقد تسمعون أن إنساناً أحياناً يقترض مليون ليرة على أن يعطي المقرض بيته لسنة يسكنه، وبعد عام يؤدي له المليون، مليون دون زيادة، لكن هناك منفعة جاءت هذا المقرض عندما سكن هذا البيت لسنة.
إذاً أية منفعة مشروطة على الدين فهو نوع من الربا ليس جلياً ولكنه نوع خفي.
القرض له ثلاثة وجوه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7323/ar-7323/02.jpg
(( حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلاً سَلَفًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَذَلِكَ الرِّبَا ، قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ))
[أخرجه مالك في الموطأ]
القرض بشتى أنواعه، أو البيع لأجل في شتى أنواعه؛ هو عمل تبتغي به وجه الله، هـو عمل فيه مساعدة للفقراء، إن أقرضته أو بعته حاجة إلى أجل فابتغ بذلك وجه الله. الوجه الأول للقرض: ابتغاء وجه الله تعالى.
(( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ))
أي: إنسان أقرض مائة ألف وابتغى بها وجه الله، على طريقة الحسابات المادية فهذه المائة ألف ترد له بعد حين أقل بفعل التضخم النقدي، فلو أديتها بعد عام مائة ألف فهي في الحقيقة ثمانون ألفاً، تضخّم كل سنة تقريباً سبعة عشر بالمائة، يعني إذا أنت كسبت وجه الله تعالى هل تعلم ماذا كسبت؟
إذا كسبت رضوان الله تعالى.
إذا كسبت أن الله راض عنك.
إذا كسبت أن الله سوف يكافئك أضعافاً مضاعفة.
فالله ماذا عنده.....
عنده كل شيء، عنده السعادة، عنده التوفيق، عنده رفع الذكر، عنده الطمأنينة، عنده الأمن، عنده الغنى، عنده القوة.
إذا ابتغيت به وجه الله سبحانه وتعالى هذا المعنى يرد في آية قرآنية قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الشورى الآية: 40]
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾
[سورة الشورى الآية: 39]
مثال:
يعني إذا كان لك مع مواطن مبلغٌ من المال وقال لك مَلِكُ هذا البلد مثلاً:
دعه له ولك عندي أجر.
فماذا يعطي الملك؟!!!
يعطي بيتاً، فأقلُّ عطائه بيت، أقل عطائه مركبة.
وأنت لك معه عشرة آلاف قال لك دعها ولك عندي مكافأة!!!
يجب أن تعلم ماذا يعني عندما يقول الملك لك عندي مكافاة، فكيف إذا قال لك ملك الملوك:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الشورى الآية: 40]
إخواننا الكرام؛ ألا ينبغي أن تفعل شيئاً لوجه الله، أحياناً بإمكانك أن تأخذ حقك من الطرف الآخر بقوة القانون أو بقوة العرف أو بقوتك أنت، لكنك عفوت عنه ابتغاء وجه الله.
قال لي أخ ذكر اسم تاجر كبير توفي رحمه الله فصار يبكي.
قلت له: لماذا تبكي؟!
قال: والله ما ذكرته مرة إلا بكيت.
قلت له: ما قصتك قال؟!
قال: أنا في مقتبل حياتي، اشتريت بضاعةً وأصبت في أزمة في العمل التجاري فلم أستطع سداد ثمنها فجاء صاحب البضاعة من الشام وهو في بلد آخر، ومعه السندات وبإمكانه أن يحجز على بيتي وعلى أثاث بيتي وعلى محلي، بإمكانه أن يفعل ما يشاء، فلما رآني صادقاً ورآني في ضيق شديد أمسك هذه السندات ومزقها لوجه الله تعالى وقال له: تعال وخذ بضاعة من جديد، وإذا أردت بضاعة من عند غيري قل لي لآخذها لك.
سبحان الله بهذه النية الطيبة فإن هذا التاجر المكسور والذي على وشك الإفلاس بهذه البضاعة الثانية التي أخذها ديناً نهض وباع وربح وسدد كل الديون.
قال لي: لولا هذا الموقف الأخلاقي إذ مزق هذه السندات لوجه الله، ودعاني أن أشتري بضاعة أخرى بدين من عنده أو من عند غيره، لما وجدتني بما أنا عليه الآن، طبعاً كنا في زيارته في بيته، فله بيت واسع وأموره ميسرة.
قال لي: كل هذه البحبوحة وهذا الفضل من هذا الذي أعانني حينما وقعت.
أنت حينما تفعل خيراً تبتغي به وجه الله، هل تعلم ماذا عند الله، الله إذا أعطى أدهش. الوجه الثاني للقرض: ابتغاء وجه صاحبك.
((فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ))
أردتَ أن تخدم إنساناً بذاته فقد يكون هذا الإنسان قريباً وقد يكون جاراً وقال: لك وجه صاحبك، فلا مانع يمنع من ذلك. الوجه الثالث للقرض: من أجل المنفعة والربح.
أما النوع الثالث من السلف فهو:
((وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا))
يعني أقرضت قرضاً واشترطت على المدين أن يؤديه إليك بزيادة. الخلاصة.
(( قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ))
لك معه مائة ألف أعطاك ثمانين ألفاً وأنت قبلت وخفضت له هذا الدين، فلك ثوابك عند الله تعالى.
واحد اقترض قرضاً وهذه حالة نادرة، صعبة جداً، حالة شائكة والخيط رفيع.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7323/ar-7323/03.jpg
إنسان أقرض قرضاً حسناً لوجه الله تعالى ولا يريد إلا المبلغ بالذات، فالذي اقترض المبلـغ قدم له هدية لم تخطر على باله ولم يشترطها، هذا اسمه أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينتظرها ولم تطلبها نفسه.
يعني يمكن لإنسان أن يتدين دينةً ويستفيد منها، وتحل له مشكلة كبيرة والذي أقرضه إنسان طيب صالح مؤمن ورع، فلما أداها له أداها مع كلمة شكر أو مع هدية صغيرة أو مع شيء يسعد قلبه، الثاني رفض وتورع وخاف فقال له: هذا أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لا شيء فيه.
وأنا ذكرت كلمة الفائدة المشروطة على القرض، الذي إن أقرضك اشترط عليك فهذا هو المحرم.
العلة في ذلك أن عقد القرض يوجب على المقترض أن يرد مثل ما أخذ دون أي زيادة، فإن أُلزم بزيادة على مقدار القرض بصورة ظاهرة أو خفية كانت هذه الزيادة ربا.
عقد القرض يجب أن يؤدى كما أخذ، إن أُدي زيادة فهذه الزيادة المشروطة ربا واضح لاشك فيه.
قال بعض العلماء:
أجمع العلماء أن المسلف، المقرض، إذا اشترط على المستلف زيادة أو هدية، فقال له: أعطني هدية فهي ربا، أي هدية يشترطها المقرض ربا.
وقد روى ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعةً. الآن عندنا حالات خاصة.
إن شرط أن يؤجره داره أو أن يبيعه شيئاً لم يجز.
أنا سوف أقرضك قرضاً لكن أجرني بيتك بالشهر بمائة ليرة وهو يساوي عشرة آلاف، أو أنا سوف أقرضك هذا القرض على أن تأجرني بيتك هذا لمدة ستة أشهر، وبالشهر ألف ليرة، وأجرة البيت حقيقة عشرة آلاف ليرة، استأجر البيت ولكن هذه الأجرة ليست طبيعية وهي مخفضة جداً بسبب هذا القرض فهي إذاً منفعة.
أو أقرضه مليونين على أن تبيعني هذا البيت بمليونين والبيت ثمنه أربعة ملايين أو ثلاثة ملايين، فهذه كلها حالات قروض مشروطة.
الآن في الإسلام بيع السلم أيضاً يشتري الصوف ولكن بسعر بخس، الصوف ثمن الكيلو خمسون ليرة يشتريه بعشر ليرات فهذا الراعي باع صوف غنمه بخُمس ثمنه مقابل هذا السلم.
لهذا منع السلف رضي الله عنهم قبول هدية المقترض إلا أن يحسبها المقترض من الدين.
يوجد استثناء بسيط واحد اقترض مائة ألف وقدم لك هدية وأنت بحاجة إلى هذه الهدية، وعدها دفعة أولى من هذا القرض هذه الهدية ثمنها ألف كتبت على ظهر الإيصال ألف ليرة دفعة أولى من القرض فليس في هذا مشكلة.
روي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي من ثمرة أرضه، قدم له سلة تفاح مثلاً، من ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبها ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبما منعت هديتنا.
هنا يوجد حكم جديد، أخوان أو صديقان أو جاران أو شريكان بينهما تعامل وهدايا بين الحين والحين وعنده بعض الفواكه الناضجة وقدم لجاره هدية من هذه المزرعة وجرى قرض بينهما، مادامت هذه الهدية مألوفة قبل القرض وبعد القرض فليس من مشكلة.
كذلك: أشخاص عندهم مزارع ولهم أصدقاء أو أقارب ومن عادتهم مع قدوم محصول الكرز أن يقدم لصديقه صندوق كرزٍ ومع قدوم محصول العنب يقدم صندوقاً كذلك، هذان الصديقان أو الجاران الهدية بينهما شائعة، فإذا جرى بينهما قرض فهذه الهدية لا علاقة لها بالقرض إطلاقاً، لأنها كانت قبل القرض واستمرت بعد القرض، إذاً لا علاقة لها بالقرض.
إذاً عنـدما قـال له: أنا من عـادتي أن أقدم لك من هذه الثمرة اليانعة وعندي من أطيب ثمر المدينة ومن عادتي أن أقدمها لك فلم رددتها؟ عندئذ قبلها سيدنا عمر منه.
هذا حكم آخر: لما توهم عمر رضي الله عنه أن هذه الهدية بسبب القرض رفضها، فلما تيقن أنها لا علاقة لها بالقرض قبلها، فالحكم الشرعي إذا كان هذا التهادي وارد قبل القرض وهو من شأن هذين الشخصين الصديقين، الجارين فلا شيء عليهما في هذا القرض.
(( عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا))
[ أخرجه البخاري]
الهدية المشروطة تعد ربا. الربا الخفي والحيل الربوية وأحكامها:
لازلت أؤكد أن الربا الجلي يعرفه جميع المسلمين ولكنني ألح على هذه الحالات من البيع التي يدخلها الربا وظاهرها بيع حلال، هنـاك بيوع يفعلها كثير من الناس نهى عنهـا النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الربا الخفي كما في هذا الحديث الشريف، الآن دققوا في هذا الحديث:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))
[ أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي]
هذه الأنواع يدخلها الربا الخفي.
هذا الحديث أيها الأخوة أصل من أصول المعاملات المالية، وهو نص في تحريم الحيل الربوية وقد اجتمع على أربعة أحكام: الحكم الأول: تحريم السلف والبيع.
وهذا من ذرائع الربا، الإمام أحمد بن حنبل يقول: هو أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه بيعاً يزاد عليه.
مثلاً: أنا أقرضت إنساناً مائة ألف على أن أبيعه حاجة ثمنها سبع مائة ألف فبعته إياها بمليون، أو ثمنها سبعون ألفاً فبعتها بمائة ألف، وأنا أقرضته مائة ألف وسوف أستردها مائة ألف قرض حسن لكن اشترط هذا القرض أن أبيعه حاجة بمائة ألف ثمنها سبعون ألفاً فالأمر واضح أن هذا سلف وبيع، ذريعة للربا، ربا خفي.
يقول لك هذا قرض حسن وهذا بيع مشروع لم نفعل شيئاً، لكن هذا الذي باعك إياه لا يساوي أكثر من سبعين ألفاً ورضيت أنت بهذا السعر المرتفع مقابل أنه أقرضك مائة ألف إلى عام هذا نوع من الربا الخفي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
الحكم الثاني: لا شرطان في بيع.
ما معنى شرطان في بيع؟ العلماء فسروا هذا القول للنبي الكريم تفاسير عديدة، أن يقول بعتك بكذا نقداً وبكذا نسيئة شرطان في بيع، نقداً بهذا السعر وتقسيطاً بهذا السعر، هكذا فسر بعض العلماء قول النبي الكريم.
(( وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ))
بعتك هذه السلعة على أن تبيعني هذه السلعة بالسعر الفلاني ربط بيعاً ببيع، كل بيع مشروط بشرط هو فاسد، باع بيعة بسعر مرتفع على أن يشتري مني هذا بسعر معين.
وبعضهم فسر هذا النص: (( وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ))
بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحرم الحيل الربوية فإذا قال الإنسان لصاحبه: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئةً هذا بيع العينة وهذا شائع في البلاد الإسلامية.
إنسان يضع سجادة يبيعها بيعاً شرعياً، يبيعها نسيئة بخمسة آلاف، يقول لك الشاري اشتريتها بخمسة آلاف ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً تقول له: نعـم بأربعـة آلاف فيعطيه أربعة آلاف ويسجل عليه خمسة آلاف، يعني أقرضه الأربعة آلاف بخمسة آلاف، أما هو بالظاهر باعه سجادة أو باعه صندوقاً أو باعه سلعة معينة، بيع العينة ذريعة إلى الربا.
النبي عليه السلام حينما قال: (( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7323/ar-7323/04.jpg
أيّ قرض مشروط ببيع أو شراء بسعر غير طبيعي فهو ذريعة إلى الربا.
والذريعة الثانية: نهى النبي عن شرطين في بيع أول معنى للشرطين أن هذه السلعة تبيعها نقداً بكذا ونسيئة بكذا ، الزيادة مقابل الأجل هذا أول تفسير ، ثاني تفسير أبيعك هذا الشيء على أن تبيعني ذاك الشيء .
التفسير الثالث: أن تبيع نسيئة وأن تشتري نقداً بثمن أقل وهو بيع العينة وهذه الحيل الربوية نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الحيل أحياناً أن يقدم إنسان لإنسان قرضاً ليستكمل به ثمن بيت، بيت بخمسة ملايين قدم له مليوناً يقول له اكتب لي خمس البيت، وأعطني أجرة.
أما أن يشرط عليه أن هذا المليون يجب يعطيه مليوناً بعد عام ، فإذا اشترط عليه أن يؤدى بعد عام مليوناً بالتمام والكمال فالأجرة ربا، أما إذا دفع مليون خمس البيت وسجل باسمه وأعطاه أجرة ولكن بعد عام صار تنظيم على البيت فأصبحت قيمته بما فيها قيمة مليون القرض أصبحت مئتي ألف، فإذا كنت مستعداً أن القرض أو خمس البيت أن يرتفع أو أن ينخفض فالأجرة حلال وأنت لك خمس البيت سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت، صعوداً أو هبوطاً، حتى لو احترق، أنت اشترطت ضمان المليون أعطني أجرة عليه كل شهر لأني أملك في بيتك خمس هذه ذريعة إلى الربا.
والآن أكثر استثمار المال عند التجار بأن يكون الربح ثابتاً من دون حسابات أعطيك على الألف كذا، الظاهر استثمار والباطن ربا، لا يوجد جرد ولا حساب أرباح ولا خسائر ولا تعرف شيئاً عن المحل، أعطاه مائة ألف بربحٍ ثابت في الاستثمار فهو ربا، طبعاً؛ أنا أعلم أنكم أجمعون تعلمون الربا الصريح، أنا أدخل في متاهات الربا الخفي الذي ينطلي على كثير من الناس، ترى شخصاً صالحاً صائماً مصلياً من رواد المساجد ويقول لك: فلان جيد وضعت معه مالاً ويعطيني أرباحاً جيدة، لكن لا يحب أن يدخلنا في الحسابات بل يعطينا أرباحاً ثابتة وهذا أريح لنا، أكلت الربا وأنت لا تدري، قرض عادي ما هو الفرق بين هذه الحالة وبين أن تضع مبلغاً في مصرف وأن تأخذ مبلغاً شهرياً فالحالة هي هي، لماذا الاستثمار حلال؟ لأنه فيه ربح وخسارة، أعتقد أن هذا الحديث أصل في العلاقات الربوية:
(( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))
الحكم الثالث: ولا ربح ما لم تضمن.
ما تفسيرها: ولا ربح ما لم تضمن؟
النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تباع السلعة حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
مثـلاً: تاجر استورد شاياً، بناً، قماشاً، باع البضاعة وهي في عرض البحر، فلو صار أمر قاهر، لو منع من استلامها، أو لو أن البضاعة صودرت، أو لو غرقت الباخرة فلا يحل أن تبيع شيئاً ما لم تكن ضامناً تسليمه، أنت حينما تبيع ما لا تملك فإنك لا تضمن تسليمه لذلك نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ما الذي يحصل الآن؟ يحصل ما يسمى بالمضاربات كيف كان البيت سابقاً قبل عشر سنوات، البيت يباع خمسين مرة من إنسان إلى إنسان إلى إنسان والبيت لازال على العظم ولا أحد اشتراه ونوى أن يسكنه فعلاً لكن يتاجر بالعقارات، الأسعار صعدت إلى مستوى غير معقول حتى قيل أن أغلى بيت في العالم في سوريا، هذه مضاربات وليست تجارة، فالبيت يجب أن يباع لمن يسكنه، والمركبة لمن يركبها، والأرض لمن يزرعها، أما أن تكون سلعة للمضاربات فلا يصح، ترى مائة طن بن لازالـت في البرازيل باع المائة طن لواحد والواحد لواحد بالفاكسات فهذا صار قماراً، مادام التاجر لم يحزها إلى رحله ولم يستقدمها إلى مستودعاته ولم تكن في ضمانة تمكنه من أن يسلمها للشارين فهذا بيع غير صحيح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7323/ar-7323/05.jpg
لا يجوز لمن اشترى سلعة أن يبيعها قبل أن يستلمها بصورة شرعية، تدخل بها السلعة في ضمان المشتري، ولعلكم استمعتم إلى قصص كثيرة جداً عن تجار باعوا على المساطر، ولم يتمكنوا من تسليم البضاعة ثم دخلوا مع خصومهم بدعاوى وخصومات ومشكلات لا نهاية لها.
ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب مخالفة شرعية، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك.
(( وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))
الحكم الرابع: ولا بيع ما ليس عندك.
تحريم بيع ما ليس عندك، قال أحد العلماء: وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك، فمطابق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس هو على ثقة، بل قد يحصل عليه أو لا يحصل، فيكون له غرراً كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، يا ترى يسلم أم لا يسلم البضاعة؟ وصلت أم لم تصل؟ هذه كلها متاهات نهى عنها الشارع الحكيم.
وقال بعض العلماء: وحينما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عنده، إنما نهى عنه لكونه غير مضمون عنده ولا ثابت في ذمته ولا في يده، فالمبيع لا بد أن يكون ثابتاً في يده وذمة المشتري، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما.
الخاتمة:
أيها الأخوة؛ هذا الموضوع دقيق وحساس وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً عندكم لأن كسب المال أكبر جزء من الدِّين:
إن صح كسبك وصح إنفاقك فقد نجوت من المال الحرام.
لأن الإنسان يوم القيامة يسأل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ))
[ أخرجه الدرامي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
أما عن المال فيسأل سؤالين من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟
وهذا سؤال خطير والمسلمون حينما يكون دخلهم حلالاً وإنفاقهم حلالاً يعيشون في بحبوحة وسلام وعافية. ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة النحل الآية: 43]
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[ سورة الفرقان الآية: 59]
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
[ سورة الذاريات الآية: 58]
وكلمة حق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً، وحينما تترك شيئاً لوجه الله يعوضك الله خيراً منه في دينك ودنياك.

السعيد
09-21-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع : الاموال التى يقع فيها الربا






الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
نتابع الموضوع الذي بدأناه في الأسبوع الماضي حول بعض المعاملات الربوية وقد ذكرت شيئاً عن ربا النسيئة أو ربا الفضل أو ربـا البيوع وربا القروض، واليوم ننتقل إلى الأموال التي يقع بها الربا، أرجو من الله تعالى أن يوفقني إلى توضيح دقائق هذا الموضوع وأعينوني أنتم بمتابعتي كلمة بكلمة.
إن الربا بقسميه أيها الأخوة ربـا الديون وربا البيوع لا يقتصر وقوعه على معاملات الذهب والفضة والنقود كما يتوهم كثير من الناس، ربا النسيئة وربـا الفضل، ربا القروض وربا البيوع لا يقع في النقود: الذهب والفضة والنقد فقط بل يصل إلى مواد كثيرة، فالربا يجري في الذهب والفضة والنقود وفي غيرها أيضاً وقد بين عليه الصلاة والسلام عدداً من الأشياء التي يجري فيها الربا وهذه الأشياء اختارها النبي عليه الصلاة والسلام لأنها كانت شائعة في عصره.
والعلماء لهم مقولة رائعة وهي أن: التـحريم أو الإيجاب يجب في علتها لا في عينها، فلو أن النبــي عليه الصلاة والسلام قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والزبيب والتمر، فصار هناك مائة محصول في أيامنا هذه تدر أرباحاً كبيرة جداً، فالعلماء وصلوا إلى هذه الحقيقة، تجب الزكاة في علة هذه الأصناف لا في عينها، يعني في الحمص، والعدس مثلاً، والرز فكل محصول يلتقي مع القمح والشعير والزبيب والتمر تجب فيه الزكاة فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ))
(أخرجه الستة)
البرُ هو القمح وهاء وهاء أي يقول: كل واحد من المتبايعين للآخر هاء فيعطيه ما في يده يداً بيد، يعني المقابضة في المجلس، يعني هات وهات المقابضة في مجلس واحد يداً بيد.
يعني خذ مني وأعطني، بعد قليل نكتشف معكم حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع الخطير الذي يعود نفعه على الأمة بأكملها.
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ))
معنى ألوانه أي أجناسه كالحنطة بالشعير، الشعير جنس والحنطة جنس إذا اختلفت ألوانه أي اختلفت أجناسه يجوز زيادة أحدهما عن الآخر ولكن يجب التقابض بالحال.
((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ))
(أخرجه مسلم)
نستنبط من هذه الأحاديـث: أنه لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب والبر بالبرُ، و القمح بالقمح لماذا ؟
أنت تعطي تمراً لتأخذ تمراً، فالمعنى أن فيه مشكلة، لعلك أعطيت التمر الرديء واشتريت بما يساويه التمر الجيد، أو أخذت لا أقول اشتريت، أعطيت التمر الرديء وأخذت التمر الجيد، أو أعطيت التمر الجيد وأخذت مقابله تمراً رديئاً ضعفاً، تأتي إلى إنسان لا يعلم أنواع التمر فتعطيه تمراً رديئاً بتمرٍ جيد صار فيه أكل مال حرام، إذا كان الصنف واحد يجب أن تكون المبادلة سواء بسواء، كيلو بكيلو، مائة كيلو بمائة كيلو، لأنهم كانوا في الجاهلية يبيعون التمر الجيد بضعفين أو ثلاثة من التمر الرديء، يأخذ هذا الإنسان التمر الرديء ليعطيه تمراً جيداً مع من لا يعرف أنواع التمر، فمادام هناك تبادل من جنس واحد يجب أن تكون الكميتان متساويتين لئلا يقع التدليس والاستغلال، فتأكل حينئذٍ مال أخيك بغير حق.
أول حكم يستنبط من هذه الأحاديث: لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب ولا البر بالبر إلا بشرطين:
1 ـ المساواة لقوله صلى الله عليه وسلم:
((مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ))
وهو تأكيدٌ لقوله: "مثلاً بمثل"، مما يوجب الاحتياط في ذلك، كذلك قوله:
لا تزيدوا بعضها على بعض.
((فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ ))
كل هذا من أجل ألا يقع الاستغلال بين الناس، من أجل ألا يأكل بعض الناس أموال بعضهم الآخر بالباطل، من أجل ألا يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يأكل ماله بالباطل، تأخذ بضاعته بأبخس الأثمان. فمن أجل لا يقع هذا فلا يجـوز مبادلـة صنف بصنف من نوع واحد إلا مثلاً بمثل ويداً بيد وسواء بسواء وقابضةً مع التساوي في مجلس واحد.
2 ـ الشرط الثاني التقابض فلا يجوز أن يكون أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً،
لقوله صلى الله عليه وسلم:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تَبِيعــُوا الذَّهـَبَ بِالذَّهـَبِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ ولا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلا مِثلاً بِمِثْلٍ وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ))
وقوله صلى الله عليه وسلم:
((إِلا هَاءَ وَهَاءَ ))
يعني خذ وأعطني أو يداً بيد، المساواة والتقابض في مجلس واحد.
الآن لا عبرة باختلاف البدليـن جودة ورداءةً، هنا المشكلة، إن أردت أن تلغي النقود كوسيط لا يجوز إلا أن تعطــي كمية بكمية متساويتين، سواء بسواء ومثلاً بمثل، وأن يجري التقابض في مجلس واحد يداً بيد، هاء وهاء خذ وأعطني فلا عبرة لاختلاف البدين جودة ورداءةً.
ذهب بذهب عيار أربعة وعشــرين وثمانية عشر، مادام ذهب بذهب لا عبرة باختلاف هذه المتسميات وإن كان لها أصل في سباكة الذهب، طبعاً يوجد حل دقيق بعد قليل، فلا يجوز بيع مائة كيل قمح جيد، بمائة وخمسةٍ رديئةً، لو فتحنا هذا الباب يدخل التدليس، يُستغل جهل الإنسان يمكن أن نبيعه مداً جيداً ونأخذ منه أربعة أمداد رديئة هذه الأمداد نأخذها ونعطيها لإنسان جاهل مقابل أربعة أمداد جيدة، هذه الحيل وهذه الأساليب الرخيصة في ابتزاز أموال الناس وبخسهم أموالهم بغير حق، فالشارع الحكيم حرمها.
((عَنْ أَبِي سعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصــَاعٍ وَلا صـَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ وَلا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ ))
كيف درهم بدرهمين ؟ كانت سباكة الدراهم كيفية كل درهم له وزن فيقول لك هذا الوزن ضعف هذا، مثلاً يمثلاً إذا اتحد الصنف يجب أن تكون الكميتان متساويتين سواء بسواء لكي لا يقـع الغبـن الفاحش ولئلا يقـع أكل أموال الناس بالباطل ولئلا يفضي هذا إلى منازعة شديدة، لا درهم بدرهمين لأن الدراهم كانت في أيامهم تتفاوت جودة ورداءة.
((عن سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ بِلالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا قَالَ بلالٌ كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ ))
وهذا مثل قريب من حياتنا: أحياناً يكون تفاح صغير الحجم لكنه طيب جداً وإلى جانبـه تفاح كبير مُغذّى بأسمدة كيميائية، الحجم كبير واللــون زاهٍ بلا طعم، إذا أعطاك شـخص كيلواً من الحجم الكبير وأخذ خمسة من الحجم الصغير ألا يكون غبنك، فمادامت المادة جنسها واحد فسواء بسواء وانتهى الأمر.
يوجد عندي تمر رديء وتمر جيد، يوجد عندي ذهب عيار ثمانية عشر وذهب عيار أربعة وعشرين، عندي قمح يصلح لعمل معين قاسٍ جداً أريد أن أبيعه بثمن عالٍ وأريد ان اشتري قمحاً للخبز، فماذا أفعل ؟
((فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ ))
دخل وسيط وهو المال، بع الذي عندك وهو له سعر في السوق قد يكون سعر الكيلو فرضاً ستين والرديء أربعيـن، عندما أنت أعطيت مد واحد صاعاً واحداً وأخذت صاعين فقد صار الفرق بالمائة خمسين، لو عرضت على أحد التمر الجيد الذي سعره ستون و أخذت بدلـه الرديء بخمس وأربعيـن، فماذا فعلت ؟ أعطيته صاعاً واحداً جيداً وأخذت مقابله صاعين من الرديء فقد حصل غبن، الحل إذاً بع التمر الذي عندك نقداً واشترِ بمالك تمراً آخر.
بع الذهب الذي عندك واشترِ به ذهباً آخر. هذا هو الحل والمقايضة والمبادلة لا تجوز إلا بحالات دقيقة جداً إن كانت من جنس واحد سواء بسواء يداً بيد هاء بهاء.
3 ـ الحكم الثالث إذا بيع صنف بصنف آخر، ليس الصنفان من نوع واحد كالقمح بالشعير حل التفاضل، ممكن تفاح بعنب، قمح بشعير، رز ببرغل، حل التفاضل بأن يكون أحدهما أكثر من الآخر، فستق عبيد وفستق حلبي فرق كبير بينهما، لكن حرم النّساء أي التأجيل بل يجب أن يقبض كل فريق ما ابتاعه من الآخر في المجلس الواحد والأحاديث صريحة جداً في هذا كقوله صلى الله عليه وسلم:
((فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ))
إذاً في موضوع التبادل حين اتحاد الصنف يجب أن يتـم التقابض في المجلس وأن تكون الكميــات متساوية، لكن إذا اشترى سلعة من السلع المذكورة غير الذهب والفضة فاشتراها بذهب أو فضة أو نقود يحل التأجيل لما أخرجه البخاري ومسلم:
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ))
طبعاً هذا الحديث له تفسير دقيق، تفسير تشريعي، يجوز التعامل مع أهل الكتاب ولا سيما النصارى، فالنبــي عليه الصـلاة والسلام كان بإمكانه أن يأخذ هذا من أصحابه ولكنه مشرع وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة في أذهانكم، فالإنسان أحياناً لنقص علم عنده يقول: كيف هاجر عمر متحدياً المشركين ؟ وقال: من أراد أن تثكله أمه أو ييتم ولده فليلحق بي إلى هذا الوادي، خرج سيدنا عمر رافع الرأس عزيزاً شاهراً سيفه وهاجر، بينما النبي عليه الصلاة والسلام تخفّى وذهب مع أبي بكر إلى غار ثور وهيأ من يمحو آثارهما ومن يأتيهما بالأخبار ومن يأتيهما بالزاد ومن يهيئ الناقة للرحيل واستأجرا خبيراً.
أيعقل أن يكون عمر أشجع من رسول الله، عمر بن الخطاب يهاجر أمام الناس في وضح النهار متحدياً المشركين والنبي عليه الصلاة والسلام يتسلل من بيته إلى غار ثور كيف ؟ الجواب: النبي مشرع، بينما سيدنا عمر غير مشرع، سيدنا عمر لا يمثل أحداً آخر بل يمثل ذاته فقط، فإذا نجح نجح وإذا لم ينجح لم ينجح، أما النبي فهو مشرع لكل المسلمين.
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر كما فعل عمر لكان من السنة المغامرة والاقتحام ولصار أخذ الاحتياط حراماً ولَعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً وهلكت أمته من بعده، هذه نقطة دقيقة جداً أرجو أن تكون واضحة عندكم فالنبي مشرع، صلى الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، قال: كل هذا لم يكن، قال ذو اليدين: بعضـه قد كان، فلما سـأل أصحابه الكرام وتأكد أنه صلى ركعتين ((فقـال عليه الصلاة والسلام: إنما نسيت كي أسن لكم سجود السهو))
ولو أنه في كل حياته لم ينس ولا مرة، كيف يسن لنا سجود السهو، فالنبي مشرع.
في معركة بدر لحكمة بالغة بالغة بالغة ثلاث مرات أرادها الله عز وجل حجب عنه الموقـع المناسب، حجبــه عنه وحياً وإلهاماً، لا وحياً ولا إلهاماً لا بالوحي عرف الموقع المناسب ولا بإلهام، اجتهد واختار موقعاً، جاء صحابي جليل اسمه الحباب بن المنذر بأدب يأخذ الألباب، قال: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمكيدة قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال: يا رسول الله هذا ليس بموقع قال: أين الموقع فدله على موقع آخر، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا هو الصواب، فأعطى أمراً فأقام المسلمون في هذا الموقع الجديد.
هذا الفعـل أراده الله سبحانه وتعـالى، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار الموقع المناسب أول مرة ما عرفنا موقف النبي حينما ينصح، كل الأحداث الذي وقعت للنبـي أحداث مقصـودة لذاتها وتتضح من خلالهـا حكمة بالغة، أليس من الممكن أن يكون بيت رسول الله منتظماً وهادئاً وساكناً إلى أقصى الحدود ممكن، لماذا السيدة عائشة حينما رأت طبـق طعام جاء من عنـد ضرتها صفية أمسكته وكسرته فماذا كان موقف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ كان بإمكانه أن يفعل كل شيء ولكن قدر أنها قد أصيبت بالغيرة فقال: ((غضبت أمكم غضبت أمكم))
لولا هذه المشكلة التي ظهرت في بيت النبي ما ظهر موقف النبي الكامل، والنبي مشرع لنا، ولما قال ربنا عز وجل :
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾
(سورة النساء )
قال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، والنبي وقف موقفاً كاملاً.
هذا العقد الذي في صدر السيدة عائشة لماذا انقطع ؟ لو لم ينقطع لما ذهبت لتبحث عنه وبقيت في موقعها ولركبت هودجها، لما كان شيء اسمه حديث الإفك ولما وقعت مشكلة، لو أن هذا العقد لم ينفرط لما كان هناك حديث إفك، لو أنها بحثت عنه قريباً من موقعها فدعاها الصحابة إلى ركوب الهودج لما كان حديث الإفك، لو أنهم عندما حملوا الهودج رأوه خفيفاً لما كان حديث الإفك، لو أن الهودج حمل ولم ينتبه الصحابة أنه خال من السيدة عائشة ولم يأت مسطح وراءها لما كان حديث الإفك أكثر من عشرين حالة، لو أنها كانت على غير ما كانت لماذا كان هذا الحديث ؟ قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾
(سورة النور )
حديث الإفك وقع لحكمـة بالغة بالغة وكأن الله أراد أن يكـون، وكان بتقدير عزيز حكيم.
الحباب بن المنذر حينما صحح الموقع للنبي عليه الصلاة والسلام عرفنا من النبي خُلُق الإصغاء للنصيحة والرجوع إلى الحق.
سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينمـا هاجـر إلى المدينة وأخذ بكل الأسباب علّمنا تشريعاً، فالنبي مشرع لذلك الذي يفعله يجب أن يؤخذ على أنه حدث تشريع لا على أنه صدفةً، وبعد، فالذي تحدثنا عنه هو الذهب والفضة والقمح والشعير والملح.
4 ـ الحكم الرابع، لا تختص هذه الأحكام الذي أخذناها بهذه الأصناف الستة التي ذكرت في الأحاديث بل اجتهد الأئمة الأربعة وغيرهم أن أحكام الربا تجري فيها وفي غيرها وإن اختلفوا في غيرها، فعند الإمام الشافعي كل المطعومات حتى التفاح تجري فيها أحكام الربا، يعني رز برز وهناك رز ثمنه أربعة أضعاف ثمن غيره.
وعند المالكية تشمل هذه الأحكام كل مطعوم يكال ويقتات به ويدخر كالذرة والأرز.
أيها الأخوة الكرام:
الحكمة من تحريم ربا البيوع التي أشرنا إليها في الدرس الماضي هي سد ذريعة الربا، وإحكام الغلق أمام كل حيلة قد تسلك للتوصل إلى الربا، يعني أن الربا محرم بشكل واضح وجلي، لكن إذا باع إنسان قطعة أمامه أو أي شيء باعه ديناً بسعر ثم اشتراه نقداً بسعر آخر مثلاً لو باع إنسان سجادة ديناً بألف واشتراها نقداً بثمان مائة، يظن بعضهم أنه: ما فعل شيئاً محرماً باع واشترى، لكن هذا البيع والشراء هو بيع العينة وهو وسيلة إلى الربا، فالشارع الحكيم حينما يحرم شيئاً يسد كل المسارب إليه وهذا ما يسميه الفقهاء بسد الذرائع.
الزنا حرام والشرع الحكيم سد كل مسارب الزنا، سد النظر إلى المرأة الأجنبية وسد الخلوة و صحبة الأراذل وسد النظر إلى ما لا يُرضي الله عز وجل وسد كل طريق يوصل إلى الزنا، فلذلك عندما يحرم الشارع الحكيم شيئاً يسد المسارب عليه تطبيقاً لقاعدة سد الزرائع وهي مما امتازت به هذه الشريعة السمحة، لذلك تحريم ربا الفضل يشتمل على الحكم السابقة لتحريم الربا إضافة لأمور أخرى منها:
عندما يصبح كل شيء بغير سعره الحقيقي يختلط الحابل بالنابل، وكل شيء إذا دفعنا ثمنه مؤجلاً بسعر أعلى اختفى السعر الحقيقي للسلعة، إذا عم هذا النوع من البيوع اختفى سعر السلعة الحقيقي والإنسان أحياناً عنده مال، هذا المال قد يستطيع أن يستفيد منه استفادة كاملة لو اشترى به الحاجات نقداً أما حينما يشتريها نسيئة مؤجلة قد يذهب معظم دخله أو يذهب جزء كبير منه هدراً فالربا ذهب بمالهم دون أن يستفيدوا منه الاستفادة الكاملة، لأنهم يجهلون القيم الحقيقية للسلع أو يتجاهلونها شاءوا أم أبوا، و فيما يروي التاريخ، فقد كان اليهود يستغلون جهل الناس أبشع استغلال فقد يبيعون الأشياء الجيدة بأضعاف مضاعفة من الأشياء الرديئة ثم يأتون إلى هؤلاء الذين يجهلون قيم هذه الأشياء فيبيعونها بأسعار باهظة فهم يشترون ويبيعون من أجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل.
وعندنا حالات نادرة: إذا باع شخص شيئاً بجنسه مؤجلاً فهو بمثابة دين للمشتري، يعني باع قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، اشترى قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، هذا صار دين فقط وتجري عليه كل أحكام الدين بشرط ألا يشترط عليه أن يرد هذا القمح من نوع أجود، إذاً يقع ربا أو اشترط عليه أن يرده في وقت يغلو فيه السعر فكذلك صار ربا.
الحكم الثاني: إذا بيع جنسٌ بآخر نساءً أي مؤجل فإنه قد يلحق أحد الطرفين غبن كبير نتيجةً للتقلبات المفاجئة للأسعـار في هذه السلـع، يعني إذا الإنسان باع جنساً بآخر مساءً ما الذي يحدث أحياناً، الإنسان قد يشتري بضاعة بعملة أجنبية مساءً، وبعض التجار أفلسوا لأنهم اشتروا بضاعة بعملة أجنبية وارتفع سعرها فجأةً إلى ضعفين أو ثلاثة، فهو قد باع هذه البضاعة على أن ثمنَ هذه العملة سبعٌ وعشرون فصار ثمن هذه العملة خمسين مثلاً ففلّس، فهذه حكمة الشارع الحكيم أنه لا يجوز أن يكون البيع مساءً أو الدفع مساءً.
القصد من منع التفرق قبل التقابض و إنجاز التقابض في وقت واحد هو إنجاز هذه العملية بالسرعة التي تؤمن للطرفين مغبة تقلبات الأسعار،و في حالات كثيرة جداً تأخير الدفع سبب الإفلاس.
وللعلماء اجتهاد في حقيقة النقد، النقد له وظيفتان رئيسيتان ووظيفتان ثانويتان.
1 ـ الوظيفة الأولى الرئيسية أو الرئيسة هو وسيط للمبادلة، ونحن قبل قليل تحدثنا عن ربا الفضل وربا النسيئة، ربا الفضل ربا في مبادلة، إذا دخل المال بينهما وسيطاً فلا يوجد مشكلة، بعت هذا التمر بثمن واشتريت ذاك التمر بثمن، فالمال وسيط للمبادلة، أما الآن فالناس عادوا للمبادلة ترى الآن الصحف فيها إعلانات كلها مقايضة بيع بيت بأرض وأرض بمحل، سوف نرجع إلى ما كنا عليه قبل وجود النقد لقلة النقد بين أيدي الناس.
2 ـ النقد له وظيفة ثانية هي مقياس للقيمة، تقول سعر هذا القمح مائة ليرة فهذا قمح قاسٍ يصـلح للصناعـة، سعر هذا القمـح ستـون ليرة يصلح للخبز، للاستعمال اليومي، المال صار أحد وسائل التقييم، هذا البيت قِبليّ ثمنه ثلاثة ملايين وثمن الشمالي مليونين، صار المال أحد وسائل التقييم وأحد وسائل المبادلة أولاً، والتقييم ثانياً.
3 ـ المال مستودع للقيمة والجهد، شخص واحد اشتغل فاعلاً فأخذ مساءً ثلاث مائة ليرة هذه الثمن مائة جهد إنسان لمدة ثماني ساعات، طبيب في مستشفى أخذ في الشهر عشرة آلاف، هذه العشر آلاف جهد إنسان داوم كل يوم ثماني ساعات لست وعشرين يوماً، فـصار المال له وظيفـة ثانويـة لعـلاج المرضى مستودع للقيمة والجهد، الوقت له قيمة ترجم إلى مال والعلم له قيمة ترجم إلى مال، الجهد العضلي له قيمة ترجم إلى مال.
للإمام الغزالي لفتة لطيفة جداً قال: الأطعمـة خلقت ليتغذى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها فإن فُتح بابُ المعاملة فيها يجب تقييدها بالأيدي ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له، فما خلق الله الطعام إلا ليأكل والحاجة للأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج، هذا يسمونه المضاربة، أنا أشتري بيتاً ليس في حاجة إليه أنا لا أبتغـي السكن أبتغي التجارة واشتراه إنسان وباعه واشتراه إنسان آخر وباعه، فهذا الأمر كان قبل خمس سنوات أو عشر سنوات فكل إنسان باعه بأغلى من سابقه فالبيت بيع عشر مرات كان بمائة ألف صار بخمس مائة ألف جاء الساكن الحقيقي صار السعر فوق طاقته، هؤلاء الذين ربحوا ماذا قدموا للأمة ؟ ما قدموا شيئاً. بيت على العظم بيع عشر مرات أرض بور لم تزرع بيعت عشر مرات، هذه التجارة الجوفاء هذه التجارة الإسفنجية، هذه التجارة التي تقوم على المضاربة ولا تبني اقتصاد أمة، لكي لا يقع هذا في الشرع نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة تفضي إلى هذه المضاربة، يعني لا ينبغي أن يخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج هناك بين الناس مستغنٍ وبينهم محتاج، يعني ينبغي أن يشتري البيت الذي يسكنه وينبغي أن يشتري المركبة الذي يركبها وينبغي أن يشتري الأرض الذي يزرعها، ألغينا المضاربة وألغينا التضخم النقدي وألغينا التجارة الإسفنجية وألغينا كل شيء يوهم أننا في بحبوحة ونحـن في الحقيقة نعاني ضوائق لا ضائقة واحدة.
إنسان مثلاً عنده تمر يبيعه ليشتري سمناً فهذا معقول، أما أن يبيع التمر بتمر معنى هذا أنه وقعت مشكلة، يريد أن يخدع الناس بأن يبيعهم تمراً رديئاً ليأخذ مكانه تمراً جيداً يستغل جهلهم لذلك حرم الشارع الحكيم ربا الفضل، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأحكام التشريعية قيد نطاق البيع بالمقايضة لأن البيع بالمقايضة كثيراً ما يدخل فيه الغبن الفاحش وكثيراً ما يقع به الضرر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمرك أن تبيع تمرك بأي ثمن تشاء وأن تشتري بالذي معك من المال أي تمر تشاء، وبهذا نكون خرجنا من موضوع ربا الفضل بهذه الطريقة، وإن شاء الله تعالى بقي في هذا البحث موضوعان آخران، الموضوع الأول: هل يمكن أن يكون هناك مصرف إسلامي ؟ هذا سؤال كبير يمكن تحقيقه بكل بساطة ولكن الأمر منوط بإرادة الإنسان بأن يطيع الله عز وجل في كل تصرفاته.

السعيد
09-21-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع : مواصفات البنك الاسلامى





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
مازلنا في موضوع الربا لأن كسب المال وإنفاق المال موضوع كبير جداً في الدِّين، ولأن الإنسان حينما يحصن نفسه من المال الحرام ومن العمل الحرام فقد وقي.
أيها الأخوة: قبل الحديث عن الموضوع الذي نحــن بصدده أريد أن أضع بين أيديكم مشكلة تعاني منها الدول الإسلامية هذه المشكلة تتضح بالمثال التالي:
بلد من البلدان الزراعية، اقتصادها زراعي لها ثقافة وقيم ومثل معينة، فجأةً ظهر عندها ثروات باطنية فأرادت أن تحـول اقتصادها من اقتصاد زراعي إلـى اقتصاد صناعي، ليس عندهـا المؤهلات كـي تصـنع معملاً، فآثرت أن تشتري معملاً جاهزاً، اشترت هذا المعمل الجاهز على المفتاح وهي في أمس الحاجة إلى من يتقن إدارته وتشغيله، طلبت من البلد المصنّع لهذا المعمـل أن يأتي بفنيين يسيّرون أمر هذا المعمل وطلبت كذلك أن ترسل إليهم عناصر تتدرب على تشغيل هذا المعمل، نحن بلد زراعي لنا قيم ومثل ولنا مبادئ وعادات ولنا ثقافات معينة فماذا فعلنا ؟ أردنا أن نحول اقتصادنا من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي ولا نملك المؤهلات لتشغيل معمل، طبعاً هذا مثل، فماذا فعلنا ؟
استوردنا معملاً على المفتاح، ونحن بحاجة إلى من يديره ويشغله فطلبنا من البلد المصنع أن يرسل لنا طاقماً فنياً لتسيير هذا المعمل، ولئلا يبقى هذا الطاقم دائماً وله رواتب عالية جداً، طلبنا من الجهة المصنّعة أن تدرب لنا موظفين تدريباً فنياً عالياً، دربنا هؤلاء الموظفين ما الذي حصل ؟ صار عندنا أشخاص تفكيرهم وعلاقاتهم غربية، والذين ذهبوا إليهم تدربوا عندهم، فنحـن ماذا فعلنا ؟ لم نستورد معملاً ولكن في النهاية استوردنا ثقافةً، فهذه الثقافــة إن كانت تتناقض مع ثقافتنا ومع علاقتنا ومع قيمنا ومع مثلنا فإنها تحدث مشكلة تهز كياننا، وقد أتيت بمثل بسيط لبيان مدى الضرر بثقافتنا نتيجة استيراد معمل.
لو استقدمنا مشروع مصرف ربوي، طبعاً التعامل والأساليب والمبادئ والخطط والتي يقوم عليها المصرف تنعكس على عقول من يعمل في هذا المصرف، ونحن من أجل أن نحدّث حياتنا وأن نطورها دون أن نشعر تسربت إلينا ثقافة غريبة عن ثقافتنا، هجينة على ثقافتنا، وهي ثقافة تتناقض مع مبادئنا فلذلك ما الذي يقي المسلمون اليوم في أن يذوبوا في مجتمعات أخرى تؤمن بغير ما نؤمن، وتعتقد بغير ما نعتقد، وتسعى إلى غير ما نسعى، وتحكمها قيم غير قيمنا، لا بد من أن نؤسلم كل شيء، لنا أن نستورد إنجازاً حضارياً لكن هذا الإنجاز الحضاري يجب أن يُطوّع بإسلامنا، يُطوّع بمنهج ربنا يُطوّع لمبادئنا، هذا مثل ذكرته لكم كي نشعر أننا نرتمي في أحضان الآخرين. وهكذا تجد أن حياتنا غربية وأنماط علاقاتنا غير إسلامية وتفكيرنا غير إسلامي وتصورنا غير إسلامي، علاقاتنا الاجتماعية غير إسلامية، ثم إن قيمنا أصبحت غير إسلامية والمسألة كلها أننا أردنا أن نحدّث حياتنا فمن دون أن نشعر أخذنا قيم الغرب.
سئل أحد الأدباء ماذا نأخذ وماذا ندع من ثقافة الغربيين ؟
فقال إجابةً رائعةً: نأخذ ما في عقولهم وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا وإحساسهم ملكهم، لكن الثقافة قدر شائع بين كل الأمم والشعوب ممكن أن تأخذ إنجازاً حضارياً ولكن ممكن أيضاً أن تجعله وفق منهج الله عز وجل وهذا ممكن أن يكون.
شيء آخر هناك فتوى في المذهب الحنفي تجيز أن تودع الأموال في بلاد الكفر أو البلاد المعاهدة إن صح التعبير، المشكلة في هذه الفتوى التي ذكرها الأحناف بقصـد إضعافهم، أما حينما وضـع المسلمـون أموالهم في بلاد الغرب بدل أن يضعفـوهم قَوّوهم بهـذا، تصور دولـة صغيرة معها ألف مليـار ومليارات من الدولارات، كلها أموال المسلمين هذه قويت وصنعت السلاح وباعت السلاح، من دفع الثمن ؟ هؤلاء الضعاف الذين وضعوا أموالهم في بلاد الغرب.
أنا أقول لكم بدافع إسلامي ينبغـي أن يُستثمر المال في بلاد المسلميـن لأن هذا يقويهم ويرقى بصناعتهم ويرقى بعلاقاتهم كلها، هذا الموضوع مختصر أصلُ منه إلى موضوع دقيق ذكرت جزءاً منه في درس سابق هذا الجزء هو: أنه ممكن أن نستخدم المصرف الإسلامي في إنجاز هذه المهمات الشرعية:
تحويل النقود إلى مكان آخر مقابل مبلغ يسير من المال، تحويل النقود من بلد إلى بلد هذا لا شيء عليه إطـلاقاً، ومـا يـأخذه المصرف نظير التحويـل هو أجرة مشروعة، وهـذا بند من بنود عمل المصرف الإسلامي ولا شيء عليه من وجهةٍ شرعية.
شيء آخر إصدار شيكات للسفر فالمسافر ينتقل من بلد إلى بلد قد لا يستطيع أن يحمل معه أموال عندئذ يكون مُعرضاً للسرقة، إذاً يمكنه أن يأخذ ما يسمى شيكاً في بلد ويصرفه في بلد آخر هذا البند الثاني أيضاً لا شيء عليه كذلك.
الشيء التالي: يمكن للمصرف الإسلامي أن يحصّل الديون التي يضعها الدائنون لدى المصرف ويوقعون عليها بتكليف المصرف بقبضها مقابل أجر عمل على هذا العمل. وأجر تحصيل هذا البند الثالث لا شيء فيه أيضاً.
يمكن أن يؤجر هذا المصرف خزائن حديدية لمن يبغي أن يحفظ أمواله في هذا المصرف وهذا أيضاً عمل رابع ولا شائبة فيه.
5 ـ يمكن أن يسـهل المصرف تعامل الدول مع بعضهـا بعضاً أو تعامـل التجار أو المعامل مع بعضها بعضاً.
الشيء الدقيـق في هذا الموضوع هو أنه هل يعجـز الإسلام عن تأميـن حاجة المسلمين إلى مصارف إسلامية صحيحة ؟
الحقيقة الإسلام منهج كامل وحاجة الناس إلى مصرف إسلامي حاجة أساسية، لو تصورنا من باب التصور ملامح هذا المصرف الإسلامي، كيف يعمل ؟ الحقيقة لدينا أشياء لطيفة جداً أريد أن أضعها بين أيديكم.
6 ـ هذا المصرف يمكن أن يقبل ودائع بحسابات جارية، دون أن يعطي عليها فوائد وهذا شيء مشروع أن يقبل ودائع بحسابات جارية بل إن معظم المصارف حتى بالدول الغربية الحساب الجاري لا تعطي عليه أية فائدة، فإذا وضعت هذا المال في مصرف إسلامي بحـساب جارٍ لا شيء عليك، وفي دراسة لطيفة أنّه في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف أكثر من خمسين بالمائة من مجموع الودائع في بعض المصارف الكبرى كانت بحسابات جارية لا فائدة عليها.
أما الودائع بعيدة المدى، لآجال مديدة بعد سنة أو سنتين، قالوا فهذه تعود إلى المرابحة ممكن بهذا المال إنشاء مشروع حيوي أساسي تجاري، صناعي، زراعي ويوزع ربحه على المودعين في هذا الحساب طويل الأجلأو قصير الأجل، ففي حال قصير الأجل فالمودع ضمن المال في مكان أمين واستجَرَّ منه متى أراد، أما إذا وضع المال لأجل طويل يستطيع أن يوظف هذا المال في مشروع يربح أو يخسر وهذا أيضاً شيء مشروع.
البند الأول الحساب الجاري هذا لا يربح شيئاً لكن المودع وضع المال في مكان أمين واستجر منه عند حاجته ونظم حساباته، الآن المسلمون بحاجة ماسة إلى مصرف إسلامي أنا أذكر لكم هذه الخصائص حتى يتبين الإنسان ويعتقد حازماً أن الإسلام منهج دقيق جداً، منهج يغطي كل حاجات المجتمع.
وممكن لهذا المصرف أن يقرض قرضاً حسناً لمن يثق بأمانته والشخص الذي لا يعرفه المصرف يأخذ منه رهناً. إذاً البند الثالث من بنود عمل المصرف القرض الحسن برهن أو بغير رهن وبلا فائدة، هناك خدمة كبيرة جداً: مصرف زراعي، مصرف صناعي، مصرف تجاري ممكن أن يشتري هذا المودع حاجته وأن يبيعها إياه مرابحةً وهذا أقره مجمـع الفقـه الإسلامي، ويمكن لهذا المصـرف أن يمول المزارعين والصناعيين والتجار مقابل مرابحة مشروعة بالإسلام.
هذا المصرف أيضاً بإمكانه أن يكـون شريكَ مضاربةٍ مع جهات ذات خبرات عالية في الاقتصاد وبالنسبة لمشروع كبير جداً يحتاج إلى تمويل فهذا المصرف يكون شريكَ مضاربةٍ في تمويل مشروع ضخم يعود الربح على المضاربين أو على المودعين في هذا المصرف.
أيها الأخوة:
أنا ذكرت هذا الموضوع من أجل أن يعتقد الإنسان أو أن يوقن أن منهج الله كامل مهما تطورت الحياة ومهما اشتدت الحاجة إلى مؤسسات مالية تغطي حاجات المجتمع فالإسلام عنده من التشريعات الدقيقة الحكيمة ما يوفـر لهذا المجتمع كل حاجاته، مثلاً لو أنني ذكرت إلى جانب هذا الموضوع موضوع التأمين، يمكن أن يشترك مائة تاجر فرضاً ويضعون في صندوق بنسب مستورداتهم مبلغاً من المال فأي تاجر أصيب بمصيبة في تجارته ؛ تلفت بضاعته مثلاً أو غرقت تجارته يُعطى من هذا الصندوق تعويض بضاعته، لو أن واحداً من هؤلاء المائة لم يصب بشيء فهذا المبلغ للمائة، هذا اسمه تأمين تعاوني، هذا ليس مباحاً فقط بل مندوب إليه، التأمين التعاوني.
أنا سمعت من أخ كريم منذ يومين أن إحدى الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا، أعتقد ماليزيا حققت فائضاً من عملها التجاري يزيد عن مليار دولار أو عن مائة مليار، قال هناك الخبراء اكتشفوا أنها كُلما قلّت الفائدة على المبالغ المودعة حدث نمو اقتصادي كبير، فإلى أن تصل الفائدة إلى الصفر يكون النمو في أعلى مستوى، هذا النظام نظام خالق الكون الله الذي حرم الربا هو الذي خلق الإنسان فحينما نعتقد أن هذا التحريم مبني على أسس وعلى قواعد ترتاح نفسك، والأصل كله في هذا الموضوع أن هذا المال كتلة ووضعها الطبيعي الذي يريده الله عز وجل أن تكون موزعة بين كل الناس قال تعالى:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
(سورة الحشر )
الحالة المرضية الوبائية أن يتجمع المال بأيدٍ قليلة، وأما الحالة الصحية أن يكون هذا المال متداولاً بين كل الناس.
الآن إذا ولّد المال المال تجمـع المال في أيدٍ قليلـة، وإذا ولـّدت الأعمال المال توزع هذا المال على الأيدي الكثيرة والمال قوام هذه الحياة وقد جاء هذا في القرآن الكريم، فإذا جمع المال في أيدي قليلة، كانت كارثة على المجتمع أما إذا تداول الناس جميعاً هذا المال ضمنت أن التداولَ تلده الأعمال لا أن المصارف الربوية هي التي تلـده، أيّ إنسان يريد أن يعمـل في نسبة معروفـة بين التجار، الحد الأدنى للمصـاريف عشر المبيعات يعني بع بمليون مصروفك بمائة ألف فهذه لمن ؟ لمن ينقل لك البضاعة ويخزن لك البضـاعة، لمن يضـع لك البضـاعة في حاويات، للمخلـص للمحاسب، أنت حينما تقـوم بتأسيس عمل تجاري تحتاج إلى عشرات الأشخاص بعضهم يعمل معك مباشرةً وبعضهم يعمل معك بشكل غير مباشر، حينما تؤسس عملاً تستخدم أيداً عاملة، والآن معروف أن المشكلة الأولى في العالم مشكلة البطالة وهناك علاقة وثيقة جداً بين البطالة والربا.
الربا ما أساسه ؟ مال يلد المال، فالمصاريف قليلة جداً، أما الأعمال حينما تلد المال لا بد من عشر هذا المبلغ، عشر الحركة المالية يذهب مصاريف منوعة، معنى ذلك أننا حققنا فرصَ عملٍ كثيرة جداً للناس.
أيها الأخوة:
الإنسان حينما يقنع أن هناك نظاماً إسلامياً كاملاً فهذا يدفعه إلى أن يبحث عن البديل للنظام الربوي غير الإسلامي، الربا كما قال الله عز وجل:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾
(سورة البقرة )
كلكم يعلم أيها الأخوة أن عندنا ما يسمى بالموشور، الموشور شكل هندسي عبارة عن دوائر متناقصـة إلى أن تنتهي إلى الصفـر وهذه الدوائر لها محور لو سمينا المحور هو السعر فكل سعر له دائرة متعلقة به، فكلما ارتفع السعر صغرت الدائرة وكلما انخفـض السعـر اتسعت الدائـرة، هناك علاقـة بين السعر وبين الشريحة المستفيدة من هذه السلعة، ما الذي يحصل ؟ أنه إذا انخفضت الأسعار عم الخير.
أوضح مثل: فاكهة من فواكـه الصيف لو بيعـت بخمس ليرات لاشترى هذه الفاكهة في المدينة مليون إنسان، ولو بيعت بعشر ليرات لاشتراها نصف مليون، بخمسة عشر: مائتا ألف، بعشرين: مائة ألف، بخمس وعشرين: وخمسون ألفاً، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، إن ضاقت الشريحة صار هناك أناس منتفعون وأناس محرومون، إن كان هناك تفاوت بين الناس، أناس يذوقون أصعب مشاعر الجوع والحرمان وأناس يتمتعون بكل مباهج الحياة و هذا الفارق الشديد في حياة الناس يسبب كل المشكلات وكل الإحباطات وكل العقد النفسية بل وكل أعمال العنف التي تجري في العالم اليوم.
والذين يعملون في الأمن الجنائي يعلمون هذه الحقيقة، كلما اشتدت البطالة اتسعت دائرة الجرائم، وكلما اتسع العمل قلّت البطالة.
أيها الأخوة:
الشيء الآخر: في موضوع الربا أن الربا يسهم في رفع الأسعار والسبب: أنك حينما يكون متـاحاً لك أن تستثمر المال في طريق ربوي آمن فليس هناك مغامرة، التجارة فيها مغامرة، والتجارة فيها متاعب وفيها يعني حل مشكلات بشكل يومي، أما الذي يضع ماله في البنك فلا متاعب عنده ولا ضرائب ولا رسوم مالية ولا جمارك ولا تموين تأمينات هذا كله معفى منه، ما الذي يحصل ؟
كلما وضعت الأموال في البنوك انتشرت البطالة، البطالة تسبب أزمة اجتماعية، وكذلك كلما وضعت الأموال في البنوك بحرز هناك شيء آخر فلا تجد من يغامر بماله في عمل تجاري أو صناعي أو زراعي لأنه متاح له أن يأخذ الربح من مصرف ربوي بلا جهد، لو أن المصرف أعطى ثمانية عشر بالمـائة أو خمسة عشر، لما كان يضع في العمل الصناعي أو التجاري رأس مال ضخم، إلا مقابل ربح كبير، ماذا يعني الربح الكبير يعني ارتفاع الأسعار، ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وإذا ضاقت الشريحة صار هناك فرق طبقي كبير وكثرت المشكلات.
ذكرت مرة أن الإنسان عندما يشرب الخمر يؤذي من ؟ يؤذي نفسه فقط وإذا زنا يؤذي نفسه والتي زنا بها، أما إذا أكل الربا يسهم بشكل أو بآخر في هدم المجتمع، لذلك ما من معصية توعد الله مرتكبيها بالحرب إلا الربا قال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾
(سورة البقرة )
والحقيقة حينما يكون المجتمع في بحبوحة فهو في خير، إنسان له عمل والعمل يعود عليه بدخل، الدخل يجعله يفكر بالزواج وفي اقتناء بيت، إذا بدأنا بمال انتقلنا إلى شراء بيت ثم غرفة نوم، وغرفة ضيوف، ثلاجة غسالة خطبنا فتاة، واضطر لشراء ذهب لخطيبة وموضوع الزواج أساسي في المجتمع فحينما تحل البطالة محل العمل تنشأ فوضى اجتماعية والحقيقة أننــي لا أبالغ إذا قلت أننا لو حلّلنا مشكلات العالم كله لوجدنا هذه المشكلات تعود قطعاً إلى مخالفة منهج الله سبحانه وتعالى في الناحية الاقتصادية. فالربا يسهم في البطالـة ويسهم في رفع الأسعار، ما دام هناك جهة تعطيك مبلغاً مضموناً بلا جهد فأنت لن تغامر بمالك في مشروع تتحمل المغامرة والمتاعب والمشكلات والضرائب من مزاولة العمل إلا بربح كبير جداً معنى ذلك أنك دون أن تشعر تعلم أن وجود بنك ربوي يسهم في رفع الأسعار، وكذلك فللمصرف الإسلامي مهمات أخرى:
يمكن أن يجمع الزكاة ويوزعها أيضاً على المستحقين بجهاز فني وبجهاز يكون متمكناً من أداء هذه المهمة ويمكن لهذا المصرف أن يأخذ أموال الصدقات ليجعلها قروضاً حسنة يوزعها على المستحقين وهذا أيضاً جزء من عمل المصرف الإسلامي ويمكن أن يعطي قروضاً إنتاجية، قروضاً استثمارية عن طريق المرابحة وهذا أيضاً مشروع في الإسلام.
أيها الأخوة:
هناك نقطتا ضعف في الإنسان، المال والمرأة، فإذا حصن نفسه ضد إغراء المرأة وإغراء المال فقد حقق تسعة أعشار دينه فمن تزوج فقد ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر.
الإنسان حينما يحصن نفسه تجاه المال الحرام وتجاه المرأة التي لا تحل له فقد نجا من مطبات ومن ألغام كثيرة جداً، يوجد شيء آخر في الموضوع أن الإنسان أحياناً ينتقل في عمله من تحصيل رزقه إلى جمع المال وجمع المال يؤدي إلى حالة مرضية أحياناً في بعض الحالات يكون المال في خدمتك وفي حالات أخرى تكون أنت في خدمته وحينما ينتقل الإنسان من مخدوم إلى خادم ضيع من حياته جزءاً كبيراً، لذلك العلماء فرقوا أيضاً بين ما هو كسب وبين ما هو رزق. فالكسب هو حجمك المالي، والرزق هو الذي تنتفع به حصراً، الذي لا تنتفع به محاسب عليه، وهذه مصيبة كبرى بينما رزقك هو الذي أكلت فأفنيت ولبست فأبليت، أما الذي يبقـى لك هو ما تصدقت فأبقيت، وما سوى ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت وما تصدقت فأبقيت، ما ليس لك فهـو كسب وليس رزقاً و شيء آخر في موضـوع كسب المال، المال الحلال بالتعبير الشائـع فيه بركة، معنى فيه بركة تنتفع به أعلى أنواع الانتفاع، والمال الحرام من خصائصه أنه يذهب بشكل غير مريح وكأن الله سبحانه وتعالى يعاقبك ويحاسب على الإنفاق غير المشروع، والإنسان كلما حرص على كسب الحلال كلما مكنه الله عز وجل من أن ينتفع به إلى أعلى درجات الانتفاع.
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
ذكرنا في هذا الدرس أنه ما من حالة اجتماعية أو مالية أو اقتصادية، ما من حاجة يحتاجها المجتمع إلا ولها تشريع يغطي هذه الحالة والدليل أن الله عز وجل حينما قال:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾
(سورة المائدة )
أنت تتعامل مع منهج خالق الكون، سمعت خبراً قبل أيام أن تلك البلدة الإسلامية التي حققت أعلى نمو اقتصادي سببه أنها اقتربت من منهــج الله عز وجل، بلد نامٍ يحقق ألف مليار، مبلـغ كبير جداً وهذا فائض معنى ذلك أن الأخ بمنهج الله يحقق نجاحاً كبيراً.
هناك شيء آخر أن سيدنا عمر حينما مر على بلد ورأى أكثر الفاعليات فيه بيد الأقباط فعنف أهله تعنيفاً شديداً وقال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم.
وأنا في خطب كثيـرة ذكرت، كيف أن الفقـر ليس قدراً وقلت: هناك فقر القدر وهناك فقر الكسل وهناك فقر الإنفاق، فقر القدر إنسان عاجز مصاب بإحدى حواسه الخمس أو مصاب بشلل أو مصاب بعاهة، فهذا فقر لكن فقر القدر.
أما الكسول فقد يفتقر ولكن افتقار الكسول لا يسمى افتقار القدر بل فقر الكسل.
أما فقر الإنفاق:
((فقد حدث النبي عليه الصلاة والسلام عليه فقال: قال له أحد أصحابه: قال والله إني أحبك قال عليه الصلاة والسلام: انظـر ماذا تقول، قال: والله إني أحبك، قال انظر ماذا تقـول، قال: والله إني أحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول فلَلَفقر أقرب إليك من شرك نعليك ))
ما معنى ذلك ؟ يعني إن أحببتني رق قلبك وأنفقت مالك على كل محتاج ومسكين وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي يخاطب عبداً من عباده الأغنياء:
((عبدي أعطيتك مالاً كثيراً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيء مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول له الله عز وجل: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه، يقول يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين بثقتي أنك خير حافظ وأنت أرحم الراحمين، يقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأولادك من بعدك))
أيها الأخوة:
هناك نقطة أخيرة في الدرس أن المصرف الربوي كيف ينمي أمواله ؟ يأخذ أموال المودعين يضعها في بنوك أخرى في فائدة عالية وينقلها من بنك إلى بنك ومن عملة إلى عملة يتقصى بها أعلى الأرباح. أما المصرف الإسلامي فماذا يفعل ؟ ليس أمامه إلا طريق واحد أن يستثمر هذا المال في مشاريع، إذاً المصرف الإسلامي كل مدخراته في مشاريع زراعية وصناعية وتجارية، ماذا فعـل في البلد ؟ رخاء كبيراً وصارت هناك فرص عمل كبيرة جداً وهذه أحدث حركة إنفاق عام، فلو أن شركة رأس مالها ثلاثمائة مليون بدأت بمشروع فكم عاملاً تحتاج و كم نشاطاً تجارياً وصناعياً أحدثت، ممكن تستقطب ألف عامل، وألف مؤسسة، أنا سمعت مصنع سيارات ارتبط به أكثر من أربع مائة مصنع وكل مصنع به آلاف العمال معنى ذلك أن العمل الإنتاجي يحتاج إلى يد عاملة كبيرة جداً ومن مزايا المصرف الإسلامي أنه مسموح له فقط أن ينمي أمواله عن طريق المضاربة، أي مشاريع زراعية وصناعية وهذه المشاريع من شأنها أن تشغل اليد العاملة وتلغي البطالة وتحقق الرخاء والإنسان حينما يكسب المال سوف ينفقه على حاجاته الأساسية، مشكلة التضخم النقدي توفر كل شيء ولكن لا تحدث حركة في السوق، كل شيء جامد إذا لم تكن حركة فلا ربح ولا إنفاق: حلقة مفرغة، إذا وُجد كسب وجد إنفاق والإنفاق يدعو إلى مزيد من الإنفاق، إذا قلّ الكسب قلّ الانفاق وكل شيء توقفت حركته، ترى مشروعاً يجب أن يبيع باليوم بمائة ألف فيبيع باليوم بألف أو ألفين، ما الذي يحصل يصرف موظفيه واحداً تلو الآخر، يقلص إنتاجه ويحدث انكماش اقتصادي، الإنسان حينما يطبق هذا المنهج العظيم يقطف ثماره اليانعة بشكل أو بآخر.
لو أن الإنسان لم يفقــه حكمة تحريم الربا، ولو أنه لم يفقه حكمة المضاربة المشروعة التي شرعها الله عز وجل فلمجرد أن يطبقها تطبيقاً صحيحاً يقطف ثمارها عن علم أو عن غير علم، وهذه قاعدة في علم الأصول أن ـ الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ـ لو لم تعلم حكمة منع الربا ولو لم تعلم حكمة القرض الحسن لقطفت كل ثمار هذا النظام وأنت لا تشعر لذلك إلى مزيد من طاعة الله عز وجل حتى في كسب الأموال.
أخواننا الكرام ممن يعملون في التجارة والصناعة والزراعة أحياناً يسألك أحدهم مسألة: هل هذه حرام ؟ بحسب منطق العصر أن هذا الهرمون يكبر الثمرة ويعطيها ألواناً زاهية ويكون سعرها أعلى ويدرُّ ربحاً أكثر، أنت لو طبقت منهج الله عز وجل ولم تؤذِ عباده لجعل الله لك ربحاً من باب آخر أوسع بكثير.
فكـل مشـكلات النـاس أنهم يبحثون عن ربح سـريع ولا يعبئـون بمنهج الله عز وجل، الإنسان عندما يطبق هذا المنهج بشكل صحيح فالله عز وجل هو الذي يعطي ويغني.
طبعاً هذه الدروس الثـلاثة في هذا الموضوع الدقيق أعتقد أنها كانت وافية وشاملة، بأول درس تحدثنا عن تعريف ربا النسيئة وربا الفضل، في الدرس الثاني تكلمنا عن الأموال التي تقع في محل الربا بشكل تفصيلي وعن بعض المبادلات التجارية التي حرمها الشرع الحنيف، وفي هذا الدرس تحدثت عن مشكلة استيراد أنظمة اقتصادية غربية وهذه لا بد من أن يرافقها ثقافات وقيم تتناقض مع ديننا ومع أهدافنا ومثلنا فلابد من أن نؤسلم كل شيء مستورد، بأن نجعله وفق الإسلام وليس هذا ببعيد، و يمكن أن تنشأ شركات تأمين إسلامية وبنوك إسلامية تطبق أحكام الدين مائة بمائة دون أن يكون هناك شبهة فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نستمتع بكل شيء إسلامي مريح للنفس وفيه طمأنينة.

السعيد
09-21-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : البيع النقدي وبيع التقسيط





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهـم لا علم لنا إلا ما علمتنـا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علمــاً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممـن يستمعون القول فيتبعــون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
أخ كريم قدم لي أوراقاً مصورةً من كتاب في شرح الأحاديث الصحيحة، وجدت أن من أمانة التبيين، حيث أن أمانة التبيين هي أمانة العلماء، وأمانة التبليغ هي أمانة الأنبياء، والله سبحانه وتعالى أخذ العهد على العلماء أن يبينوا للناس، فدوري في هذا الدرس أن أبين ما في هذه الأوراق.
الموضوع حول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
( الترمذي ـ النسائي ـ أحمد)
يحتاج الأخوة الكرام في هذا الدرس إلى دقة في الإصغاء، درس الفقه قد يبدو جافاً لكنه خطير، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا الدرس
((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي، وحدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي هذا سند الحديث قلت هذا سند حسن وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي ثم ابن حزم في المحلّى ورواه النسائي والترمذي، وصححه ـ يعني قال صحيح، وابن الجارود وابن حبان والبغوي في شرح السنة وصححه أيضاً الإمام أحمد والبيهقي من طرق عن محمد بن عمرو بلفظ نهى عن بيعتين في بيعة.
الآن في السند، السند صحيح في كل هذه الكتب الصحيحة ورد هذا الحديث: (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
وقال البيهقي، قال عبد الوهاب يقول في شرح هذا الحديث: هو لك بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين مثلاً، معنى بيعتين في بيعة هو لك نقداً بعشرة ونسيئةً بعشرين، وبهذا فسره الإمام ابن قتيبة، ومن البيوع المنهي عنها شرطان في بيع واحد هو أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين وإلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير، وهو بمعنى بيعتين في بيعة، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعتين في بيعة واحدة أن يقول نقداً كذا ونسيئةً كذا، إلى شهر بكذا وإلى شهرين بكذا.
طبعاً نهى عن بيعتين في بيعة، وقال هذا الحديث بهذا اللفظ مختصر صحيح، ولابن مسعود قول ((الصفقة في الصفقتين ربا))
أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة أيضاً، وابن حبان، والطبراني وسنده صحيح.
الآن للإمام أحمد ولابن حبان رواية: ((لا تصلح صفقتان في صفقة ولفظ ابن حبان لا يحل صفقتان في صفقة))
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لا تَصْلُحُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ))
(البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ الدارمي )
وسنده صحيح أيضاً، ورواه ابن نصر في السنة وزاد في روايته: أن يقول الرجل إن كان بنقد فبكذا وكذا وإن كان إلى أجل فبكذا و كذا، أعتقد أنه واضح وهو رواية لأحمد، راوي هذا الحديث سماك الراوي عن عبد الرحمن، مَن سماك ؟ سماك بن حرب تابعي معروف قال: أدركت ثمانين صحابياً وقد فسره هذا الراوي كما قلت آنفاً: أن تقول نقداً بكذا ونسيئةً بكذا، هذا تفسير راوي الحديث الذي هو تابعي جليل لقي ثمانين صحابياً.
قال علماء الحديث فتفسير هذا التابعي للحديث ينبغي أن يقدم عند التعارض مع تفسيرات أخرى، فلو أن لهذا الحديث تفسيرات أخرى وفسره راويه، وهو تابعي جليل لقي ثمانيــن صحابياً فتفسير الراوي ينبغي أن يقدم على تفسيرات أخرى غير هذا التفسير، ولاسيما وهو أحد رواة الحديث، والراوي كما قال العلماء أدرى بمرويه من غيره، لأن المفروض أنّه تلقى الرواية من الذي رواه عنه مقروناً بالفهم والمتابعة، ومن ثم فكيف وقد وافقه على ذلك جمع من علماء الأمة وفقهائها، من هم العلماء الذين فسروا هذا الحديث بهذا التفسير ؟ أول عالم هو ابن سيرين قال: كان يكره أن أقول أبيعك بعشرة دنانير نقداً أو بخمسة عشر إلى أجل والكراهية أساسها النهي.
والإمام طاووس قال: إذا قال هو بكذا وكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجليــن، لو أن إنساناً قال أبيعك هذه السلعة بمائة إلى شهر وبمائتين إلى أربعة أشهر، كيف يصحح هذا البيع ؟ أن يدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين هذا قول الإمام طاووس، وابن سيرين كان يكره أن أقول أبيعك بعشرة دنانير نقداً أو بخمسة عشر إلى أجل.
والإمام سفيان الثوري أيضاً يقول: إذا قلت أبيعك بالنقد إلى كذا وبالنسيئة بكذا وكذا فذهب به المشتري، مثلاً بائع قال للمشتري: أبيعك هذه السلعة بألف نقداً وبألف وخمسمائة نسيئةً أي إلى أجل، أي تقسيطاً، فالمشتري حمل هذه السلعة وذهب قال: هو بالخيار في البيعين ما لم يكن وقع بيع على أحدهما فإذا وقع بيع على أحدهما فهو مكروه وهو بيعتان في بيعة وهو مردود ومنهي عنه، صاحب البيع إذا وجد بضاعته عند الشاري فأخذها انتهـى الأمر فإن لم يجدها فعليه أن يأخذ أقل الثمنين لأطول الأجلين هذا رأي سفيان الثوري لتفسير هذا الحديث.
لازلنا مع الحديث الشريف ((مَنْ بَـاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْـعَةٍ فَلَـهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
والإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى قيل له فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين أو على هذين الشرطين فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، هذا رابع إمام، الآن أئمة الحديث، الإمام النسائي: قال تحت باب بيعتيـن في بيعة هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً وبمائتي درهم نسيئةً و بنحوه، هذا تفسير الحديث (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
الإمام النسائي إمام كبير من أئمة الحديث يقول معنى هذا الحديث: أن يقول البائع أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً وبمائتي درهم نسيئة وقد فسر ابن عمرو هذا الحديث أيضاً.
((عنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))
( الترمذي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي )
العالم الثاني من علماء الحديث ابن حبان قال في صحيحه: ذكر الزجر عن بيع الشيء بمائة دينار نسيئةً وبتسعين دينار نقداً.
أول عالم ابن سيرين، ثم طاووس، وسفيان الثوري، و الأوزاعي والإمام النسائي، وابن حبان، وابن الأثير في غريب الحديث ذكر في شرح الحديثيـن المشار إليهما آنفاً.
الآن معنى الحديث الشريف الصحيح الذي رواه عدد كبير من علماء الحديث في الكتب الصحيحة:
((حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
(الترمذي ـ النسائي ـ أحمد )
فضلاً عن أن راوي هذا الحديث تابعي وقد لقي ثمانين صحابياً وقد فسر هذا التابعي الجليل وهو راوي الحديث، وهو أقدر من يفهم معنى الحديث لأنه حينما تلقى الحديث عن الذي أخذ منه تلقاه مع الفهم السديد لهذا الحديث، هذا الراوي يرى أن معنى الحديث: أن تقول أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً أو بمائتين نسيئةً، وفضلاً عن فهم الراوي لهذا الحديث ولأنه شهد ثمانين صحابياً، ولأنه حين التعارض مع تفسيرات أخرى لهذا الحديث نأخذ تفسير راوي الحديث وهو تابعي جليل فضلاً عن ذلك فهناك علماء كبار من أمثال الأوزاعي وطاووس، وسفيان الثوري، والنسائي، وابن حبان، وابن الأثير كل هؤلاء العلماء شرحوا هذا الحديث كما شرحه راوي الحديث التابعي الجليل سِمَاك.
أيها الأخوة:
وقيل في تفسير البيعتين أقوال أخــرى، حتى أكون معكم موضوعياً هناك علماء آخرون فسروا البيعتين تفسيراً آخر ولكن تفسير العلماء والفقهاء وتفسير علماء الحديث وراوي الحديث هذا التفسير: أن تقول أبيعك هذه السلعة بكذا نقداً وبكذا نسيئةً، وما تقدم من تفسير البيعتين كما يقول مؤلف الكتاب هو الصحيح، وقد اختلف العلماء في ذلك قديماً وحديثاً على ثلاثة أقوال: حكم بيع النسيئـة، حكم بيع الأجل أو المصطلح الحديث حكم بيع التقسيط، اختلف فيه العلماء قديماً وحديثاً على ثلاثة أقوال، يعني الأقوال المختلفة جداً جمعت في أقوال ثلاثة القول الأول: أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم، بيع النسيئة مع الزيادة في الثمن باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما يعني البائـع قال هذه السلعة بمائة نقداً وبمائة وخمسين نسيئةً فالشاري اعتمد على أحد البيعين وخرج من المحل وقد وقع خياره على أن يشتري نقداً أو نسيئةً هذا المذهب الثاني، لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما، أو إذا ذكر البائع ثمن السلعــة نسيئةً فقط هذا المذهب الثاني.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز كالمذهب الأول ولكن إذا وقع ودفع الشاري أقل السعرين إلى أطول الأجلين جاز.
صار معنا ثلاثة مذاهب في بيع النسيئة وبيع الأجل وبيع التقسيط، كلها أسماء لمسمى واحد، أوضح لكم الحقيقة بشكل عرضي، كتاب ورقه أسمر جلده بسيط رخيص ثمنه مائة ليرة، فلما جعلنــــا الورق أبيض صار بمائة وخمسين، فالخمسين في الكتاب، هذه الزيادة في الثمن في الكتاب ؟ طبعاً في الكتاب كان ورق أسمر رخيص صار ورق أبيض الآن نبيعـــك كتاباً بورق أبيض ومجلد بمائتين، الخمسين الثانية في الكتــــاب ؟ طبعاً في الكتاب، الآن كتبنا اسمك بحروف مذهبة على الكتاب فطالبناك بمائتين وخمسين ليرة الخمسين الثالثة في الكتاب ؟ في الكتاب إلى الآن الزيادة يقابلها زيادة في النوعية أليس كذلك، الآن الكتاب بثلاث مائة ليرة إلى ستة أشهر، هل هذه الزيادة في الكتاب ؟ لا ولكنها مقابل الأجل، هذا هو موضوع الدرس الزيادة التي مقابل الزمن مقابل الأجل بيع النسيئة، بيع الأجل، بيع التقسيط مع الزيادة.... أما التقسيــط بلا زيادة عمل صحيح، لو بعت تقسيطاً من دون زيادة عمل صالح، فالمذهب الأول أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم والمذهب الثاني أنه لا يجــوز إلا إذا تفرقا على أحدهما أو اكتفى البائع بسعر النسيئة دون أن يذكر السعر النقدي هذا المذهب الثاني والمذهب الثالث لا يجوز كالمذهب الأول إلا أنه إذا وقع ودفع الشاري أقل الثمنين لأطول الأجلين صح البيع.
دليل المذهب الأول أن هناك نهيـاً في الأحـاديث المتقدمة، الحديث الشهير )) مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ((
هذا الحديث شرحه الراوي وهو تابعي ولقي ثمانين صحابياً وفسر البيعتين أن تقول حالاً بكذا وآجلاً بكذا، نقداً بكذا ونسيئةً بكذا، وأئمة كبار كابن سيرين، وطـاووس، سفيان الثوري، و الأوزاعي، ومحدثون كبار كالنسائي، وابن حبان، وابن الأثير فسرا هذا الحديث كما فسره راوي الحديث.
والملخص أن هناك ثلاثةَ مذاهب الأول أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم، والثاني أنه لا يجوز إلا إذا تفرق المتبايعان على أحدهمــا أو اكتفى البائع بذكر سعر النسيئة، والثالث أنه لا يجوز ولكنه إذا وقع صح أن يأخذ البائع أقل الثمنين لأطول الأجلين.
دليل المذهب الأول هذا الحديث الصحيح الذي فيه نهي عن بيعتين في بيعة، ودليل المذهب الثالث هو قول النبي عليه الصلاة والسلام ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
يعني ممكن أن تدفع الأقل لأطول الأجلين صح البيع.
لكن أصحاب المذهب الثاني بينوا علة المنع بأنها الجهالة، أي أن هذا الشاري خرج من المحل التجاري ولم يتضح له أو لم يستقــر السعـر عنده على أحد السعرين، فأصحاب المذهب الثاني عدوا الجهالة هي العلة في التحريم، فلو لم يكن هناك جهالة لما وجدت مشكلة، هذا الرأي المعارض، مادام الشاري خرج من المحل ولم يستقر على أحد السعرين ففي الأمر جهالة.
قال بعض العلماء: هذا التعليل مردود لأنه مجرد رأي مقابل النص الصحيح، الرأي لا يمنع نصاً صريحاً، يـقول عليه الصلاة والسلام: ((فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
لا يوجد كلمة جهالة حينما قلنا: إن العلة هي الجهالة السعر واضح، سعر النقدي واضح وسعر الأجل واضح، فـهذا خرج لا على جهالة بل على علم، إن دفع السعر نقداً فالسعر كذا وإن دفعه نسيئةً فالسعر كذا، أن تقول: إن التحريم بسبب الجهالة، فلو اتضح السعرين لم يعد هناك جهالة إذاً البيع صحيح هذا الكلام مردود، لأنه مجرد رأي مقابل النص الصحيح في حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود أنه ربا، هذا من جهة ومن جهة ثانية أن هذا التعليل مبني على القول بوجوب الإيجاب والقبول لكن السنة تقبل بيع المعاطاة، أي إنسان اشترى شيئاً يوجد دلائل بأنه راضٍ بهذا الثمن، يعني هل من المعقول لو أنك أردت أن تشتري مثلاً كأس شراب في الطريق أن تقول له: بعتــك هذا الكأس بليرتين وأنا قبلت أن أشربه بليرتين، تشرب الكأس وتمشي، بيع المعاطاة بيع بسيط، الشاري رضي بهذا الثمن فما ناقش ولا اعترض، أصحاب مذهب أن هذا البيع باطل أو أنه يصح بشرط أن تدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين ينطلقون من أن البيع الشرعي يحتاج إلى رضى ويحتاج إلى طيب نفس فقط قال تعالى:
﴿أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
(سورة النساء)
فأي إشارة إلى أن الشاري راض والبائع راض فهو بيع شرعي لا يحتاج إلى إيجاب وقبول، فبيع المعاطاة يحقق التراضي وطيبة النفس وهو بيع شرعي فقد أذن الله به والزيادة عليه من إيجاب وقبول ما لم يوجبه الشرع.
الآن المشتري حينما ينصرف بمشتراه فإما أن يدفع الثمن وإما أن يؤجل، فإذا باع، دفع الثمن فالبيع صحيح بأقل الثمنين، وحينما يؤجل ينصرف. هنا موضع الخلاف هو يعلم كم سيدفع لو أجّل، هنا لا يوجد جهالة والبيـــع لا يحتاج إلى إيجاب وقبول، يحتاج إلى التراضي والتراضي حاصل، أما المذهب الثالث أن هذا البيع مرفوض وغير صحيح أما إذا دفع الشاري أقل الثمنين بأطول الأجلين فهو صحيح وهو حديثنا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أول الدرس، يقول عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ بَاعَ بَيعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
هذا دليل المذهب الثالث، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما يقول: الصفقة في الصفقتين ربا.
((لا تَصْلُحُ صفْقَتَانِ فِي صفْقَةٍ ))
الآن لو قال لك أحدهم هذا الثمن لك أن تدفعه حالاً أو آجلاً ولا يتغير فاخترت أحدهما فأنت لست ممن اشترى شيئاً بعقدين، مادام الثمن واحد أنت خرجت من هذا الخلاف كلياً.
أيها الأخوة:
الآن المشتري إذا اشترى بيعتين في بيعة على ما وصفنا وأراد مجانبة الربا فله أوكسهما، لو أنك دخلت إلى محل وعرض عليك البائـــع سعرين، سعر حال وسعر آجل، فاخترت السعر الأقل حالاً لا يوجد مشكلة أو اخترت السعر الأقل ورضي معك إلى أجل لا يوجد مشكلة، إذا حاورته وحككته وقبل منك أن يعطيك أقل السعرين بأطول الأجلين لا يوجد شيء عليك بيعك صحيح وشراؤك صحيح.
القول الثاني الآن وهو أضعف الأقوال (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
المذهب الأول أن هذا البيع باطل كلياً هذا مذهب ابن حزم، والمذهب الثالث أنه باطل أو أنه فاسد يصحح إذا دفعت أقل الثمنين لأطول الأجلين، أما المذهب الثاني أن هذا البيع علةُ تحريمِهِ الجهالةُ فلو وضحت نقداً بكذا ونسيئةً بكذا صح البيع إذا خرج المشتري على أحد العقدين فالـبيع صحيح وهذا ما يقوله معظم الذين يبيحون بيع التقسيط باختلاف الثمن، القول الثاني هو أضعف الأقوال لأنه لا دليل عنده إلا الرأي، والرأي غير صحيح والرأي هو أن العلة هي الجهالة، الجهالة غير موجودة، لأنه وضحه البائع قال نقداً بكذا، لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: "...أَوِ الرِّبَا " العلة هي الربا، هي التفاضل، علة التحريم التفاضل وليس الجهالة، والحديث واضح وكلام ابن مسعود رضي الله عنه ((الصفقة في الصفقتين ربا))
فالعلة هي الربا وليست الجهالة، وحديث ابن مسعود مطابق لكل هذه الأحاديث كلها ولكنه يزيد عليها بعلة التحريم الصفقتان في الصفقة ربا ((لا تَصْلُحُ صفْقَتَانِ فِي صفْقَةٍ))
هذا الحديث بين علة التحريم والحديث الصحيح محور الدرس: هذا البيع فاسد وليس باطلاً.
بالمناسبة لو أن إنسان تزوج إمرأة فإذا هي أخته من الرضاعة ما حكــم هذا الزواج ؟ باطل ينبغــي أن يفسخ فوراً، إنسان تزوج فتاةً بلا مهر ما حكم هذا الزواج ؟ فاسد هذا الزواج يصحح بمهــر المثل، بين كلمة باطل وفاسد مسافة كبيرة، الباطل لا يصحح أما الفاسد يصحح. فإذا قلت هذا البيع باطل لأن النبي قال فله أوكسهما أو الربا فالنبي سمح بتصحيح هذا البيــع، أما ابن حزم قال: البيع باطل مطلقاً، أما الذي قال العلة: هي الجهالة فالعلـة مردودة ليست العلة هي الجهالة. فقد خرج المشتري وهو يعلم علم اليقين الثمن نقداً والثمن نسيئةً فإن دفع نقداً كان بها، وإن قبل نسيئة دفع أول قسط، فالقسط عنده معلوم وكم قسط معلوم، ومتى تنتهي الأقساط معلومة فأن نقول: إن هناك جهلاً فهذه علة ليست مقبولة إطلاقاً.
حديث ابن مسعود بين العلة، علة التحريم الربا التفاوت بالسعر حديث النبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا البيع يصحح بأن تدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين، يقول صاحب الكتاب: هذا ما بدا لي من طريقة الجمع بين الأحاديث والتفقه فيها، وما اخترته من أقوال العلماء حولها، فإن أصبت فمــن الله وإن أخطأت فمن تقصيري ونفسي ـ كلام طيب وكلام فيه تواضع ـ والله أسأل أن يعفره لي وكل ذنب لي، كذلك يقول: واعلم يا أخي المسلم أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم وهي بيع التقسيط وأخذ الزيادة مقابل الأجل وكلمـا طال الأجل زيد في الزيادة، يعني أكثر سؤال واجهته في أمريكا البيت ثمنه مائة ألف دولار وتقسيطاً ثلاث مائة ألف، ثلاثة أمثال ولأن الذي يذهب إلى هناك لا يملك هذه المائة فيشتري بيتاً بالتقسيط لثلاثين عاماً، وهذا شيء مؤلم، وما من يوم إلا وسئلت هذا السؤال عشرات المرات، مشكلــة كبيرة جداً أكثر الجالية المسلمة تسكن في بيت بهذه الطريقة ولأنها تسأل دائماً هناك انزعاج، هناك شعور بأنه في الأمر خطأ.
فهذه المعاملة هي غير شرعية من جهة ولأنها تنافي روح الإسلام القائم على التعاون، مثلاً إنسان عنده غنم في البادية لا يملك ثمن علف، يستطيع أن يبيع صوف الغنم والتسليم بعد ستة أشهر وأن يأخذ ثمــن الصوف نقداً، هذه الحالة اسمها بيع السلم، ما ملخصها أو ما حكمتها ؟ معاونة الشاري للبائع، بيع التقسيط من دون زيادة ما حكمة هذا البيع ؟ معاونة البائـع للشاري، يعني بيع التقسيط إحسان وبيع السلم إحسان هذا ما يتميز به الإسلام، إنسان مضطر إلى حاجة لا يملك ثمنها فإن بعته إياها فأنت حققت عملاً صالحــاً كبيراً عند الله عز وجل، طبعاً ما يكون محتالاً معه مال ويكتمــه ويشغله بمحـل آخر وقال لك أعطني بالتقسيط هذا موضوع آخر، أما إذا إنسان محتاج في أمس الحاجة وأخذها تقسيطاً بسعرها نقداً فأنت عملت عملاً صالحاً ليس له علاقة بالتجارة.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى ))
( البخاري ـ الترمذي )
وفي حديث آخر رواه الحاكم:
(( من كان هيناً ليناً قريباً حرمه الله على النار))
أيها الأخوة:
لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله في درس قادم نشرحه حين نلتقي ونجيب على أي سؤال إن شاء الله، هذه أمانة التبيين بلغتكم إيـاها، وأنت لك أن تفعل ما تشاء، أنا بينت لك الأحاديث وشرحها وكيف شرحها راوي الحديث وكيف علماء كبار قالوا بهذا الشرح، وكيف علماء السنة قالوا بهذا الشرح، وكيف أن الذين أجازوا اعتمدوا على علة الجهالة والجهالة مردودة في هذا الموضوع.

السعيد
09-21-2018, 02:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع :مقدمة عن البيعتين فى البيعة و البيع بشكل عام





الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين،اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،إنك أنت العليم الحكيم،اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام:
بادئ ذي بـدء في الدين أصول وفي الدين فروع،الأصل أن تؤمن بالله موجوداً،وواحداً،وكاملاً،الأصل أن تؤمن به خالقاً ورباً ومسيراً،الأصل أن تؤمن أنه لا معبودَ بحق إلا الله،وهذا الإيمان متاح لك من خلال الكون الذي هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى،وأداة هذا الإيمان العقل الذي أودعه الله في الإنسان فهو مناط التكليف،فأنت بعقلك ومن خلال الكـون المعجز يمكن أن تصل إلى قناعةٍ يقينيةً،يقينيـة،يقينية أن لهذا الكـون خالقـاً عظيماً،ورباً رحيماً،وإلهاً حكيماً.
ثم إنك إن تصفحت كلام الله عز وجل من خلال إعجاز القرآن تدرك أن هذا القرآن كلام الله بالدليل العقلي القطعي الثابت،يعني إلى درجة،والله ولا أبالغ،أنه ما من خلية من جسدك،وما من قطرة في دمك إلا وتنطق بأن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه وهذا عن طريق العقل.
ثم إنك يمكن أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أنه جاء بهذا القرآن،فالإيمان بالله،والإيمان بكلامه،والإيمان برسوله الذي سيبين كلامه هذه أصول الدين،انتهى بعد ذلك دور العقل العقل أوصلك إلى الله وأوصلك إلى كلامه وأوصلك إلى رسوله وأوصلك إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً،وأوصلك إلى أن كلامه معجزٌ،وأوصلك إلى رسوله مبيناً.
ثم يأتي دور التلقي،و تفتح القرآن فتقرأ قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النور )
ولا مجال هنا لكلمة لماذا،فهذا كلام الله،قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
يعني يا من آمنتم بي،يا من آمنتم بعظمتي،يا من آمنتم بعلمي،يا من آمنتم بحكمتي،يا من آمنتم برحمتي،يا من آمنتم بقوتي،يا من آمنتم بمحبتي لكم ؛ افعلوا كذا،بعد أن آمنتَ بالله بعقلك،وآمنتَ برسول الله بعقلك،وآمنتَ بكتابه بعقلك،الآن جاء دور التلقي جاء دور الأخذ عن الله،الآن جاء دور النص،الدين،بالتعريف الجامع المانع نقل عن الله،الدين وحي أوحاه الله.
النقطة الدقيقة ؛ أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تحكم عقلك بالنص،يعني:أنت صاحبت إنساناً سنتين أو ثلاثاً،أو أربعاً وجدته قمة في الأدب،قمة في العلم،قمة في الوفاء،قمة في الورع،قمة في العفة،وكان ذاهباً إلى بيروت مثلاً فقلت له اشترِ لي هذه الحاجة فاشتراها لك ودفعت له ثمنها،لمجرد أن تسأل شخصاً آخر عن سعر هذه الحاجة فأنت بشكل أو بآخر تكذبه.
فبعد أن آمنتَ بالله من خلال العقـل وبالدليل العقلـي اليقيني،بعد أن آمنت برسول الله،بعد أن آمنت بكتابه،فقد انتهى دور العقل،وجاء دور النقل،انتهى دور التحقيق وجاء دور التصديق،انتهى دور المحاكمة وجاء دور المسالمة،هذه الحالة تأتي عقب الإيمان بالله،فأنت بالكون تعرفه،و بعد أن عرفته كيف تصل إليه ؟ كيف تتقرب إليه ؟ بتنفيذ أمره ونهيه،إذاً شرطان أساسيان أن تؤمن به وأن تطيعه فإن آمنت به ولم تطعه فما انتفعت بهذا الإيمان،لو أطعته تقليداً فمقاومتك هشة لا تصمد أمام إغراء ولا أمام ضغط،لأقل ضغط تترك،ولأقل إغراء تكفر،لذلك يمكن أن ترى في المساجد شاباً أقبل على الدين إقبالاً عاطفياً وليس إقبالاً عقلياً واندفع اندفاعاً هشاً،فإن فتاة قد تصرفه عن الدين كله،أو أي ضغط فلو قال له أحدهم أخذوا اسمك فلن يقرب المسجد أبداً،وانتهى يعني أن أقل ضغط أو أقل إغراء ينهيه.
فمن أطاعه ولم يتحقق من عظمته فمقاومته هشة،ومن عرفه ولم يطعه فما انتفع بهذه المعرفة،فالبطولة الآن بعد أن عرفته أن تتحرك وفق منهجه،والله أيها الأخوة ما لم تأتِ حركتك اليومية وفق منهج الله فأنت لم تنتفع بهذه المعرفة إطلاقاً،يجب أن تأتي حركتك اليومية سواء:في بيتك،في نومك،في استيقاظك،في علاقتك بأهلك،في علاقتك بأولادك،في عنايتك بجسمك،في عنايتك بطعامك،في كسب مالك،في تجارتك،في بيعك،في شرائك،في نزهتك،في أفراحك في أتراحك،في علاقتك مع من هم فوقك،في علاقتك مع من هم دونك،في كل حركاتك وسكناتك،ما لم تأتِ هذه الحركة وفق منهج الله فأنت لم تنتفع بهذه المعرفة.
وأوسع نشاط بشري هو البيع والشراء،فليس من رجل من إخواننا الحاضرين وغير الحاضرين،وليس من إنسان على وجه الأرض إلا ويمارس هذا النشاط يومياً،ولن تجد إنساناً على وجه الأرض إلا وهو ذو عـلاقة بشكل أو بآخر بامرأة،هي زوجته طبعاً،وإن لم تكن زوجته فهي امرأة لا تحل له،فقضية المال والنساء أوسع مساحة يحتلها الشرع أجل أقول:مساحة المال والنساء،وقضية المال والمرأة نقطتا ضعف في الإنسان لا يؤخذ إلا منهما،فأحياناً أجد شاباً يقول لي انصحني يا أستاذ،أنظر إليه فماذا أقول له ؟ في سن الإقبال على الحياة أقول له:غض بصرك،وقد يقول لي إنسان آخر عمره خمسة وخمسين عاماً انصحني فهو تاجر كبيـر،أقول له:اضبط دخلـك،فبعض الناس أول نصيحة له ضبط الدخل،وهناك إنسان أول نصيحة له غض البصر،و لعل تسعة أعشار الأحكام الشرعية في تنظيم كسب المال وإنفاقه وفي تنظيم علاقتك بالمرأة،لذلك يعد أوسع نشاط للإنسان وأكثر نشاط وأدوم نشاط:نشاط البيع والشراء،والبيع معلوم بالضرورة أنه حـلال،بالقرآن والسنة وإجماع الأمة البيع حلال في جـميع مصادر التشريع:بالقرآن والسنة وإجـماع الأمة،
قال تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾
(سورة البقرة )
آية واضحة كالشمس،وقال تعالى،وهذه الآية أيها الأخوة من أدق الآيات في القرآن الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
وكلما قرأت هذه الآية تذكَّرْ هذا التقدم،يعني يا من آمنتم بي،يا من عرفتموني،يا من آمنتم بحكمتي،يا من آمنتم بعلمي،يا من آمنتم برحمتي،يا من آمنتم بمحبتي لكم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
(سورة النساء )
لا تأكلوا أموالكم بالباطل،عندي جيبان في هذا الثوب لو وضعت خمسمائة ليرة نزعتها من هذا الجيب ووضعتها في الجيب الآخر فهل اعتديتُ على أحد،فما معنى قول الله عز وجل لا تأكلوا أموالكم ؟ هـذا مالي أنقله من مكان إلى مكان،رجل باع بيتاً واشترى سيارة فماذا فعل؟ ما اعتدى على أحد،الآية ليس هذا معناها،معناها لا تأكلوا أموال بعضكم بعضاً بالباطل لأن مجتمع المؤمنين مجتمع متكافل متضامن،متعاون،فلو أكلت مـال أخيك فأفقرته كأنك أكلت مالك،وإذا أغنيته كأنك اغتنيت أنت به،ويوجد معنى دقيق جاء به المفسرون أنك يجب أن تتعامل مع مال أخيك وكأنه مالك من زاوية واحدة وهي:ضرورة الحفاظ عليه،فلأن تمتنع عن أكله حراماً من باب أولى.
يعني إذا إنسان أعارك سيارة وقال لك:هذه مثل سيارتك.ما معنى هذا ؟ أنت يجب أن تقودها وأن تعتنـي بها وأن تتجنـب أن تصيبها بالعطب والعطل وكأنها سيارتك،إذا قال لك هذه كأنها سيارتك هل معنى هذا أنه ملكك إياها ؟ وهل معنى هذا أنك ذهبت إلى الدوائر الرسمية و امتلكتها؟ لا.عندما قال لك:كأنها سيارتـك يعني احرص عليها واعتـن بها.إنسان أعارك سيـارة لأمر ضروري وقال لك:هذه سيارتك ما معنى هذا الكلام ؟ ليس معنى هذا الكلام أنه وهبها لك،معنى هذا الكلام أنه يرجوك أن تعتني بها وكأنها سيارتك بالضبط،هذا معنى قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾
(سورة النساء )
لا تأكلوا أموال إخوانكم فهو من زاوية واحدة:مالكم من حيث ضرورة الحفاظ عليه،قال تعالى:
﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
(سورة النساء )
بالباطل قيد هل هناك أكل لأموال إخوانكم بالحق ؟ نعم التجارة تشتري السلعة بخمسين وتبيعها بسبعين أنت أكلت من ماله ولكن نظير خدمة كبيرة،أنت استوردت ودفعـت أموالاً منـذ ستة أشهر ودفعـت ضرائـب ودفعت رسوماً واستخدمت موظفيـن،جئت بهذه البضاعـة جزأتها ووزعتها،وشغّلت عندك مندوبين للمبيعات،عندك طقم موظفين من أجل أن توصل هذ السلعة إلى جوار أخيك في الإنسانية،وهو اشترى السلعة بسبعين وأنت اشتريتها بخمسين،عليك مصاريف خمسة أو عشرة و ربحت عليه عشرة فأنت أكلت ماله ولكن هذا الأكل بالحق لأن الله أحل البيع.
فمعنى هذا أنّ أكل مال المسلم له وجهان،وجـه حـق ووجه باطل والنهي تناول الباطل،قال تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
( سورة النساء )
يعني بغير مسوغ،من دون مسوغ،أحياناً تشتري سلعة لها علبة ومختومة،ومغلفة بغلاف،وينشأ ظرف قاهر وكأنك ندمت على شرائها،أو لم تنتبه لبعض خصائصها فتقول:هل ممكن أن تعيدها،هناك باعة يقول له:تخسر بها خمس مائة ليرة ولو أنه فتحها واستعملها فهذا موضوع آخر وليس للبائع مصلحة أن يُعيدها أما كونه ما فتحها ولا استعملها فإذا قال لك البائع تخسر خمس مائة ليرة خلال ربع ساعة،أنت سـلمت إنساناً آلة وأرجعتها لمكانها كما أخذتها رددتها،هذه الخمسمائة لمَ أخذتها أيها البائع ؟ مقابـل ماذا ؟ مقابـل لا شيء.أنت إذاً بالباطل أخذتها،قد يسأل سائـل أيجوز أن أرجـع ؟ العـدل قسري والإحسان طوعي،إذا تم البيـع بالإيجـاب والقبـول،والقبض والتسليم ولا يوجـد عيب وأعطيت الشاري خيار المجلس وما اعترض ونقدك الثمن وسلمته البضاعة وكان راضياً ثم بدا له بعد حين أن يعيد هذه السلعة فأنت بالخيار إن رفضت أن ترجعها له فأنت بالعدل وإن أرجعتها له فأنت بالإحسان والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
(سورة النحل )
فكما أنـك مأمور بالعدل مأمور بالإحسان،ومن أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته:
"عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
( أبي داود ـ أحمد )
ذات مرة قال لي أخ وقد توفي رحمه الله،يبيـع مفروشات:جاءتـني امرأة فاشترت طقم كنبات،لفت نظـري أنها تريد أن تدفع ثمـن هذا الطقم خمسات وعشرات،فافرض أن الطقم ثمنه ثمانية آلاف،أو عشـرة آلاف،وقد نقدتني إياه خمسات وعشرات،سلمتها إياه وقبضت الثمن،ثم قال:وفي اليوم التالي جاءتنـي تبكي وتقـول إنها وفـرت من مصروف البيت ثمن هذا الطقم فلما رآه زوجها قال:إن لم ترجعيه وتأتيني بثمنه أطلقكِ،فجاءت ترجو البائع أن يرجع هذه البضاعة،قال لها:حباً وكرامة،أقسم بالله أنه وضعه على الرصيف ريثما يرده إلى مستودعه فجاء من اشتراه بسعر أغلى.
((...مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقيَامَةِ))
إن الله يأمر بالعدل والإحسان،لكن إن أرجعت هذا الطقم لها أي إن أرجعت هذه الآلة ولم تستعملها إطلاقاً وألزمتها أن تدفع خسارة ألف ليرة فهذه الألف فيمَ أخذتها ؟ بالباطل هذه لا وجه لها،رجل باع طقم كنبات والذي اشتراه فرح به ودعا أصدقاءَه،أول ما جلسوا عليه خفس،عاد إلى عنده يغلي و قال:الطقم خفس،فقال له:لعلكم جلستم عليه.
هذا موضوع آخر ليس له علاقة بالدرس،قال تعالى:
﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
( سورة النساء )
فالتجارة أكل للمال لكن بالحق لا بالباطل،الآن يقول لك:التراضي يا أخي وقـد رضي،ولو كشفت له الحقيقة،لو كشفت له أن هـذه البضاعـة ليست مستوردة إنما هي محلية لكن الماركة مزورة فلن يشتري،بالمناسبة صار عندنا معامل بأعلى درجة من التقنية تصنع علامات فارقة،وعلامات صناعة،وصنع في فرنسا،وصنع في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متقن جداً،فإذا أنت بعت بضاعة على أنها أجنبية،فهناك مثلاً قماش من الصيـن مثلاً يوضـع عليه حاشية:فرنسي،والفرنسي غـالٍ جداً ويوجـد جوخ مثلاً من الدرجة العاشرة ويوضع عليه حاشية:إنكليزي يباع بسعر كبير.هذا غش فلـو أن هذا الذي اشترى هذه البضاعة كشفت له الحقيقة فلـن يرضى،الناس يتمسكون بالرضى الظاهري بالرضى الابتدائي وليس الرضى النهائي فهذا ليس رضى.لو كشف له أنه ربح عليه أضعاف مضاعفة،رأسماله مـائة وبـاع بـألف،هل يرضى ؟ لا يرضى،قال تعالى:
﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
( سورة النساء )
بالمناسبة البيع لا يكون حلالاً إلا بتحقيق شروط وانتفاء موانع،هناك شروط يجب أن تتحقق وهناك موانع يجب أن تنتقي،حتى يكون البيع حلالاً،من هذه الشروط،شروط صحة البيع:التراضي،أن يرضى البائع والشاري،أنت لاحظ عندما تشتري آلة ويقول لك صاحبها هذه ثمنها ألفا ليرة،فالذي يحصل تماماً أن الذي اشترى هذه الآلة رأى أنها أثمن من ألفي ليرة،والذي باع هذه الآلة رأى أن الألفين أثـمن منها،لا أحد يبيع حاجة إلا ويعتقد أن ثمنها أثمن منها،ولا أحد يشتري حاجة إلا إذا اعتقد أنها أثمن من ثمنها،إذا كانت المعلومات صحيحة والمواصفات مكشوفة،أما إذا كان تدليس في البيع،فهذا التدليس أخو الكذب،يا أخي:أنا ما كذبت،لا،أنت أوهمته أن … بكذا وكذا
إنسان خطب فتاة أين البيت ؟ بالمالكي،يا لطيف،طار عقلهم فوراً وافقوا،من دون تردد،ثم ظهر أنه شارع المالكي في ببيلا.
يقول لك أنا ما كذبت،صح ولكن أنت أوهمتهم أن بيتك في المالكي بدمشق لا في مالكي ببيلا،التدليس أخو الكـذب،فإذا أنت ما كذبت،ولا دلست،ولا أوهمت،ولا احتكرت،ولا استغللْت،ولا زورت فالبيع صحيح وسليم.
قال لي أخ إنه يضع إضاءة حمراء أمام محل بيع الفروج،لأن الفروج الزهر يكون طازجاً،وغير منقوع بالماء،هذا الضوء الأحمر مخفيّ،والزبون يتوهم أنه طازج،ولكن هذا اللون الأحمر مصدر تدليس،أوهمته أن الفروج طازج،وهناك أساليب لا تعد ولا تحصى في الغش والتدليس والكذب على كل البيع لا يكون حلالاً إلا بتحقيق شروط وانتفاء موانع.
فمن صحة شروط البيع أو من شروط صحة البيع:التراضي التراضي إذا كشفت الحقائق،ممكن أن تشتري مثلاً قماشاً إنكليزياً حسب الحاشية،لبدلة فيكون تايوانياً،ثم انتفاء الجهالة في الثمن،هذه حادثة وقعت خلاصتها:شخص عنده محل تجاري جاره يبيع غرف نوم رأى غرفة جيدة أعجبته فقال له هذه أرسلها إلى بيتي،فبادر وأرسلها فوراً،جاره ما سأله ما الثمن؟ لا الشاري سأل عن الثمن ولا البائع ذكر الثمن،دفع دفعة،ثم دفعة كلما أرسل دفعة يقول الشاري لنفسه لعله انتهى.ثم اختلفوا،الشاري بذهنه مائة ألف فكانت خمسمائة الف،وتقاتلوا،فالجهالة تفضي إلى المنازعة.حدثني أخ وهي طرفة ولكن لها معنى دقيق،قال لي:أنا عملي بالأقمشة وكل مرة ننقل البضاعة عن طريق من يحترف هذه الحرفة وتقع عند كل نقل بضاعة مشكلة كبيرة يكون الشرط خمس مائة يريد ألفاً،ألم نتفق على خمس مائة فيدعي أن الأثواب وزنها ثقيل والطريق طويل،قال لي:مرة أحببت أن أعمل تجربة فجاء بهؤلاء الذين ينقلون البضاعة إلى مكان البضاعة وقال لرئيسهم عد الأثواب فقال له:لا مشكلة،فقال له:أريد أن تعدهم،فعدهم ثم قال له:احمل الثوب،لماذا ؟ قال له:لعله يكون ثقيلاً فحملــه،امشِ معي ووصـل إلى المكان المحدد والمكان بالطابق الرابع وممنوع استخدام المصعد،فصعدوا بدون مصعد ووضعوا البضاعة بغرفة على الرف العلوي،إذا قال له:عددهم كثير فقد عدهم وإذا قال له وزنهم ثقيل،حملهم،وإذا قال له الطريق طويل قاسه إذا قال له ما سمحوا لنا أن نستخدم المصعد نريد أن تزيد أجرتنا فلا يحـق لهـم،ثم قال:ولأول مرة في حياتي أشارطهم مثلاً خمسمائة فقبلوا وانتهى الأمر.وقال:معوضين أستاذ وانتهى كل شيء،
يا إخواننا الكرام:
ما من مشكلة في التجارة إلا بسبب الجهالة،العلماء قالوا:الجهالة تفضي إلى المنازعة،وضِّح،كل إغفال،أو غمغمة،أو اتفاق ضبابي،كل اتفاق لا يوجد فيه وضوح بالثمن فالبيع باطل،من شروط صحة البيع التراضي،وانتفاء الجهالة بالثمن والسلعة،يطلعه على مساطر رائعة،تأتي البضاعة خلاف هذه المساطر،قال:من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى.
يوجد أساليب للبيع كثيرة بيت خامس طابق الدلال من ذكائه في كل ميدة يقول له قصة لا ينتبه الشاري،يقول له قصة يرتاح الشاري صعد ثاني طابق قصة ثانية ليرتاح،يصل إلى فوق مرتاحاً ويرى بيتاً نشطاً له إطلالة جميلة فيشتريه فوراً،لو صعد بشكل مستمر يصل متعباً فلا يشتري،فهذه عملية التدليس،كما أن الكذب،والتزوير،حتى إن أحدهم حدثني أنه صلى باتجاه الشمال والدلال ما دله على جهة القبلة،لأن البيت رآه في الليل وقال له:قبلي،أنا لم أصلِ بعد أعطوني سجادة وصلى باتجاه الشمال،اعتقد أنه قبلي واشترى البيت فكان شمالي الاتجاه.
من شروط صحة البيع التراضي،وانتفاء الجهالة في الثمن والسلعة لكل من المتبايعين،قد يكون البيت مرهوناً وهناك دعوى وعليه ضريبة مالية كبيرة جداً متراكمة،أو قد تكون الأرض ليست واضحة المعالم يقول له:مربعة،ويكون عرضها عشرين متراً وطولها مائتا متر،اطلب المخطط،هذه كلها دروس،المؤمن كيس فطن حذر،وليس كيس قطن،قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾
(سورة النساء )
وأجمل كلمة قالها سيدنا عمر:لست بالخب ولا الخب يخدعني لست من الخبث بحيث أخدع ولا من السذاجة بحيث أخدع،أنا لا أخدع ولا أنخدع،مؤمن وليس ساذج.
وبعد كل هذا فمن شروط صحة البيع كذلك قدرة البائع على تسليم السلعة،يعني باع بضاعة قبل أن يحوزها إلى رَحله،قال لي صديق رأى مساطر بضاعة أعجبته أخذها من دون اتفاق وسافر بها إلى بعض المحافظات وعرضها بثمن فيه ربح كبير وباعها ورجع ليتم الصفقة فأخبره أن الصفقة بيعت من قبل مجيئه إليه وانتهت،الذي اشتراها منه طلب منه ربحاً على كل متر بثمن البضاعة وله معه مبلغ ضخم قال له أنت بعتني مثلاً ألف"يرد"أريد بكل"يرد"ربحاً،خمسين ليرة،ضرب ألف بخمسين،أريد أن تخصم لي من حسابك خمسين ألف،لأنه تاجر غشيم،والثمن غال جداً فكانت النتيجة خسارة كبيرة.
لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك،لكن هذه الكلمة أيها الأخوة تحل مشكلة في العالم خطيرة جداً،بيع المضاربة،أكثر البيوع في العالم مثلاً خمسين ألف طن بن في البرازيل تباع ألف مرة وهي لازالت في المستودعات،تباع بالفاكسات،بعت واشتريت.هذا صار قمار و ليست تجارة،عندما تحوزها إلى رحلك فأنت تاجر حقيقي استوردتها كي ينتفع الناس بها،فكل بيع وشراء صوري الهدفُ منه المقامرة هذا بيع المضاربة،ما الذي ينفي هذا البيع ؟ لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك،وقدرة البائع على تسليم السلعة وحيازة السلعة في ملكه قبل بيعها،وأن لا يكون فيها عيب قادح،وألا يكون البيع لكل من البائع والمشتري خيار النكل،يوجد عندنا مجلسُ عقدٍ ضمن المجلس لك تقول قبلت أولا،لك أن تنكل ما دمت في مجلس العقد فإذا خرجت من المجلس ثبت البيع،من حق البائع والشاري ضمن مجلس العقد أن ينكل كل منهما ما لم يفترقا فإذا افترقا ثبت البيع.
يا أيها الأخوة:
كلمة دقيقة جداً:الإسلام نصوصه كلها شفهية،يعني إذا أنت قلت اشتريت وقال لك الطرف الثاني بعت،فكلمة اشتريت وكلمة بعت نقلت الملكية إليك لو احترقت البضاعة على الذي قال اشتريت ولو لم يدفع ثمنها.
وهناك قصة جرت في الشام من أشهر القصص:جلسة في محطـة وقود عصراً،جلسة مؤانسة،تسلية وزعوا كؤوس الشاي قال الأول للثاني أتبيعني هذه المحطة ؟ فقال له:أبيعها،قال له:بكم،قال:بست مائة ألف،قال له:اشتريت،لا البائـع جاد ولا المشتري جاد ولم يحـدث شيء بعـد هذا الإيجاب والقبـول ولا كلمة ولا اتصال هاتفـي ولا لقاء لمدة اثنتي عشرة سنة،الذي قال اشتريت له محام بارع جداً قال له:هذه المحطة ملكك صار ثمنها اثني عشر مليوناً،أقام دعوى عليه وجاء بالشهود فعلاً قال له بعتك وقال له اشتريت،قال له:ولكن ما دفع الثمن،فقال له:موضوع آخر،أنت ما طالبته.
اثنان في قطار وشوهدت محفظة كبيرة جداً على مقعد قـال له أزح هذه الحقيبة،قال له:لا أزيحها،تلاسنوا،تشاحنوا تماسكوا،تضاربوا،جاءت الشرطة بالقطار أوقفوا القطار ما هي المشكلة ؟ قال له:هذه المحفظة لا يرفعها من هنا،فقال له:لماذا لم ترفعها من هنا ؟ فقال له:ليست لي هي لفلان،فقالوا له:لماذا لم ترفعها من هنا ؟ فقال:ما أحد طلب مني أن أرفعها من هنا.
مادمت في مجلس العقد فأنت مخير،أن تقول رفضت،أو أن تقول بعت،قال اشتريت،هكذا سمعت الموضوع وما تحققت منه،نقلت هذه المحطة لمن قال اشتريت بعد اثني عشر عاماً بستمائة ألف ليرة فانتبهوا بالزواج لا يوجد مزاح،ثلاثة هزلهـن جد وجدهـن جد الزواج والإعتاق والطلاق،والبيع لا يوجد فيه مزاح أن تقول له بعتك فإذا شهد شهود فأنت بعته وانتهى الأمر،لا تقل بعتك،دائماً تريث،مرة ثانية الإيجاب والقبول هما شـرطا البيع ولو لم يكن عقد مكتوب. عندنا شرط آخر مانع،وألا يكون هذا البيع مراد به الربا كبيع العينة في أكثر البلاد الإسلامية طبعاً الربا محرم ولكن هناك حيلة على الربا هي:بيع العينة،يعني يضع أحدهم سجادة أو صندوق شاي أو أي حاجة فيأتي مقترض الربا،يشتري صندوق الشاي بألف ليرة مثلاً ديناً بعد ما يشتريه بألف ليرة ديناً يبيعه لصاحب المحل نقداً بثمان مائة ليرة يسجل ألفاً ويدفع ثمان مائة،في بلد إسلامي آخر صندوق شاي بالريالات،في بلد إسلامي سجادة يعني ممكن أن يتم قرض ربوي بفائدة عالية جداً من خلال بيع صوري شكلي،فيشتري الصندوق بألف ديناً ثم يشتري منه البائع نقداً بثمان مائة،قالوا:وألا يكون هذا البيع مراد به الربا كبيع العينة والمقصود من قوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
(سورة البقرة )
ليس على إطلاقـه العـام كما يتصـوره الناس بل أحل الله البيع بشروطه ومواصفاته التي بينتها الآيات وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،وليس كل ما يسميه الناس بيعاً هو حلال،بل الحلال ما جاء موافقاً للشروط والمواصفات التي شرعها الله تبارك وتعالى وأما ما كان بيعاً ينطوي على غرر أو حيلة أو ربا فهو حرام،كما نهى النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَنَهَانـَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلامَسَةِ وَهِيَ بُيُوعٌ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ))
( النسائي )
والنبي نهى عن أكثر من ثلاثين نوعاً من أنواع البيوع،فإذا قال هؤلاء وأحل الله البيع فهناك بيوع محرمة،النبي نهى عن ثلاثين نوعاً من أنواع البيوع.
بقي في هذا الدرس تقسيم لطيف للبيوع،ينقسم البيع إلى قسمين بيع ناجز وبيع مؤجل،البيع الناجز:أن يتم فيه التبادل بين البائع والشاري يداً بيد في وقت واحد،ونعني بالتبادل:الثمن والسلعة دفعتَ واستلمتُ،باللغة الأجنبية،كاش أند كاري،ادفع واحمل وامشِ هذا بيع يداً بيد في وقت واحد تبادل البائع والشاري السلعة والثمن.
أو السلعة بالسلعة بعته قمحاً مثلاً بتمر،التمر مال والقمح مال كقمح بقمح أو قمح بتمر وهذا له صورتان،صورة مشروعة وصورة محرمة،البيع الناجز أن يتم به التبادل حالاً بين المتبايعين بين البائع والمشتري،يعني تبادل السلعة بالثمن أو تبادل السلعة بالسلعة،أكرر:لهذا البيع الناجز صورتان،صورة محرمة وصورة مشروعة فالمحرمة بيع صنف بجنسه متفاضلاً،أن تبيع قمح بقمح أبيع قمح حوراني بقمح مستورد متفاضلاً،هذا بيع محرم كبيع صنف بجنسه متفاضلاً كبيع تمر بتمر مع الزيادة أو بيع ذهب بذهب مع الزيادة أو بيع فضة بفضة مع الزيادة وهذا كله قطعي التحريم.
الصورة المشروعة من هذا البيع إذا اختلفت هذه الأصناف:بعنا تمراً بقمح،يجوز البيع والاستبدال مع الزيادة،كيف شئنا،فيجوز بيع طن قمح بنصف طن تمر بشرط أن يكون التسليم في الحال.هذا حكم البيع الناجز:لك أن تبيع شيئاً بشيء،سلعةً بثمن،سلعةً بسلعة بشرط يداً بيد،إذا وجد تماثل فممنوع التفاضل،وواجب أن يكون التسليم حالاً يداً بيد،إذا لم يكن تماثل ممكن أن يكون تفاضل لكن الشرط المستمر هو التسليم يداً بيد ومثلاً بمثل.
أما إذا تأخر فيه تسليم بدل عن بدل وهذا له صور كثيـرة بعضها مشروع وبعضها غير مشروع،الآن نلخص البيـع العاجل:البيـع العاجل التسليم فوري والدفع فوري،دفع وتسليم،دفعت الألفين أخذت المسجلة،إذا كان في تماثل ممنوع التفاضل،قمح بقمح من دون تفاضل تمر بتمر من دون تفاضل،قمح بتمر ممكن لكن لابد من أن يكون التسليم في وقت واحد،يعني إذا الإنسان اشترى ذهباً بعملة سورية ممنوع أن يتأخر التسليم لا العملة السورية ولا الذهب ممنوع مباشرةً،حتى إذا الإنسان باع عملة بعملة يجب أن يكون سعر اليوم والتسليم مباشرةً حتى يكون حلالاً،سعر اليوم والتسليم مباشرةً،هذا إذا كان بيع العملة مسموحاً به طبعاً.
الآن بيع الأجل:الصور المحرمة بيع الأجل له صور عديدة،بيع الأجل بيع تمر مثلاً أو قمح بصنف آخر كالشعير إلى أجل هذا لا يجوز إجماعاً أقول لا يجوز إجماعاً أن تبيع صنفاً بصنف مع التأجيل في التسليم لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
"عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيـرُ بِالشَّعِيـرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ))
(الترمذي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ ابي داود ـ أحمد ـ الدارمي )
عندنا ثلاث كلمات بَر،وبُر،وبِر،البَر اليابسة،والبِر الإحسان ماذا بقي ؟ إذا كان قمح ؟ البُر،إذا وجد تماثل فممنوع التفاضل،إذا كان اختلاف بالنوع فمسموح التفاضل أما بالحالات كلها يداً بيد،هذا صنف.
الآن يوجد صنف آخر اشترى سلعة ودفع ثمنها وتسليمها آجلاً،هذا بيع السلم يجوز بلا إشكال.هذا وضع استثنائي النبي شرعه،يعني راعٍ يوجد عنده ألف رأس غنم على وشك الموت جوعاً ليس معه ثمن علف ممكن أن يبيع صوف الغنم الآن ويقبض ثمنه ويشتري طعاماً وعلفاً للغنم ويسلم الصوف بعد ستة أشهر هذا بيع السلم شراء سلعة مما تخرجه الأرض زراعة قمح،أو صوف أو ما شاكل ذلك ليست موجودة الآن،يعني بيع التقسيط معاونة البائع للشاري،قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
(سورة المائدة )
بيع السلم معاونة الشاري للبائع،السلف الصالح كانوا قديماً إذا رأوا إنساناً يبيع عنباً وتأخر بعض الوقت ولا يمكنه ترك البضاعة في الطريق كان بعض الصالحين يشترون العنب منه ويجعلونه خلاً يعني هذا شراء لوجه الله أحياناً تشتري هذه الحاجة وتعاون بها،أحياناً طفل يتسول منك لا تعطه،أما إذا باعك مسكة اشترِ منه،إذا كان يبيع فاشترِ منه،إذا طفل فقير جداً وقال له أبوه اذهب واعمل فاشترى علب محارم أو مسكة...،فإذا طلب منك التسول لا تعطه لأنك إن أعطيته تعلمه على التسول،أما طلب منك أن يبيعك ولم تكن بحاجة إلى هذه السلعة اشترها منه و لك أجر. الآن بيع سلعة بالدراهم والدنانير على أن يستلم المشتري السلعة وقت العقد ويؤجل تسليم الثمن هذا بيع المؤجل أي بيع التقسيط فإذا كان السعر واحداً لا يتأثر بالدفع الفوري أو بالدفع على أقساط فالبيع مشروع فله أوكسهما،أما إذا كان السعر يتأثر بالزمن فهذا الموضوع موضوع الدرس الماضي.

السعيد
09-21-2018, 02:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : العرف وما تعارف علية الناس





الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين،اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،إنك أنت العليم الحكيم،اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام:
أعيد وأكرر:مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان،أن يسلم وأن يسعد،لا يسلم إلا باتباع منهج الله،ولا يسعد إلا بالقرب من الله،قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
(سورة الرعد)
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
(سورة فصلت )
تسلم باتباع المنهج،وتسعد بالقــرب من الله،وسيلة القرب من الله العمل الصالح قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
(سورة الكهف )
هذه الجمل هي خلاصة خلاصة الخلاصة،السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان،تسلم باتباع المنهــج وتسعد بالقرب من الله،وأداة القرب العمل الصالح.
وبعد،فمن أجل أن تعرف هذه الحقائق لابد من طلب العلم،طلب العلم هو الحاجة العليا عند الإنسان،يؤكد الإنسان إنسانيته بطلب العلــــم في الدرس الماضي تحدثت عن بيع التقسيط،وفي الدرس قبل الماضي بينت مقدمةً لهذا الدرس،ووجدت من المناسب أن يكون محور هذا الدرس إجابة عن سؤال يسأله كل الناس.يا أخي الناس كلهم هكذا،الناس جميعاً هكذا يفعلون،وهل كل الناس على خطأ ؟ يتوهم المسلم غير طالب العلم،يتوهم المسلم الذي لم يتحقق،الذي لم يتعلم الذي لم يطلب العلم،يتوهم أن ما يفعله الناس هو الصحيح،وغاب عنه قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
(سورة الأنعام )
لذلك الإجابة عن هذا السؤال الذي يلقيه كل إنسان،يا أخي الناس كلهم هكذا،هل كل الناس غلطوا ؟ وأنتم وحدكم تعرفون ؟ لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يقول في الدين برأيه،ولا حتى الصحابة،الدين توقيفي من عند الله،النبي عليه الصلاة والسلام قال كما علمه الله سبحانه،قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
(سورة الأنعام )
بكل قضيةٍ هناك رأي شخصي إلا بالدين،في كل قضية يوجد توجه تصور،رأي،نزعة،هذا في أمور الدنيا،أما في الدين فهو وحي من السماء،حقاً الدين وحي من السماء،الدين توقيفي،الدين نقل،والعقل لفهم النقل،لا للتحكم بالنقل،لا لإلغاء النقل،لا فَلَيُّ عنق النص ليوافق مصالحنا فهذا ليس من الدين في شيء،لذلك محور هذا اللقاء وبالله التوفيق،العرف،هذا العرف الذي يحتج به معظم المسلمون هكذا تعارف الناس،هكذا ألفنا،هكذا وجدنا أهل السوق،هكذا وجدنا آباءنا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/01.jpg
العرف،بالتعريف الدقيق:ما اعتاده الناس،هل اعتاد الناس أنك إذا ألقيت إنساناً في النار لا تحرقه النار،النار تحرق عادةً،أما عقلاً يمكن أن يبطل الله مفعولها،قال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾
(سورة الأنبياء )
يجب أن نفرق بين ما هو مألوف وبين ما هو ممكن،فالعرف عادةً ما اعتاده الناس،وما ألفوه،وما تواضعــوا عليه في شؤون حياتهم حتى أنسوا به،واطمأنوا إليه،وأصبح الأمر معروفاً سواء كان عرفاً قولياً،أو عـرفاً عملياً،أو عرفاً عاماً،أو عرفاً خاصاً،أي ما استقر في النفس من جهة العقول وتلقته الطباع بالقبول،هذا العرف:ما تعارف الناس عليه،ما ألفه الناس،ما تواضع عليه الناس،هناك أعراف قولية،هناك أعراف عملية،هناك أعراف عامة،هناك أعراف خاصة.
من الأعراف القولية أنك إذا قلت:أكلت لحماً المقصود:لحماً غير السمك،فلو أن إنساناً حلف يمين طلاق على ألا يذوق لحماً وأكل سمكاً لا يحنث بيمينه،لأن كلمة اللحم عرفاً لحم ضأن،أما لغةً فالسمك لحم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾
(سورة النحل )
لغةً السمك لحم أما عرفاً فلا،إذا رجل سألك ماذا تغذيت ؟ تقول لـه:سمكاً ولا تقول لحماً،ماذا أكلتم البارحة ؟ لحماً،يعني لحم ضأن أو لحم بقر،العرف القولي أن كلمة لـحم تعارف الناس على أنها تعني لحم الضأن،وكلمة سمك لها معنى آخر،هذا يتعلـق بالبيوع بالطلاق،فالعرف يؤخــذ به في موضوع الأيمان،مثلاً كلمة:ولد،تعني ذكر أما في اللغة قال تعالى:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾
(سورة البقرة )
الولد في اللغة ذكر أو أنثى،أما في العرف الولد ذكر فقط،إذاً في موضوع الأيمان يؤخذ بالعرف،هذه أعراف قوليـة،يوجد عندنا أعراف عملية،إنسان يسير في الطريق والحر شديد،وبائع يبيــــع عرق سوس والكؤوس ملأى وموضوعة على الطاولة،يمسك بكأس يشربها ويضع ليرتين ويمشي،لا يقول له أتبيعني هذا الكأس بليرتين يقول له:وأنا قد قبلت،ما وردت إطلاقاً،هذا بيع المعاطاة،يعني ألفنا الأشـياء الخسيسة،قضية كأس شـراب،كأس عصير،لا تحتاج لا إلى إيجـاب ولا إلى قبول،تشـرب هذه الكأس وتدفـع الثمن وأنت ساكت فهذا عرف عملي.
وبعد،عندنا عرف عام،عندنا عرف خاص،العرف العام يطبق في كل البلاد،والعرف الخاص في بعض البلاد،دعيـت إلى مؤتمـر في المغـرب،في المطار حذروني إياك أن تقول الله يعطيك العافية،لأن هذه معناها هناك:الله يدمرك،أعوذ بالله منعونا أن نقول هذه الكلمة في بلدة في شمال إفريقيا،يعني إذا إنسان عالم كبير وباحث كبير وله باع طويل في التأليف اسمه نكاشة،هذه عندنا غير مقبولة،النكَّاشة الكبير،بينما عندنا غير واردة،هذا عرف خاص،يعني نكش مثل بحث،ولكن عندنا النكاشة للبابور،أما هناك عالم كبير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/02.jpg
أممكن لخليفة أن يقف أمامه شاعر كبير ويمدحه ويقول له أنت جرثومة ؟ والله يقطع رأسه،كلمة جرثومة يوم قيلت لخليفة كانت تعني أصل الشيء،قال له:أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب،أبو تمام للمعتصم،كلمـة عصابة الآن أعوذ بالله،قال عليه الصـلاة والسلام:إن تهـلك أيتها العصابة فلن تعبد بعد اليوم،النبي سمّى أصحابه عصابة،عصبة خير،وفي اسم قديم لهيئة أكل حقوق الأمم عفواً لهيئة الأمم،هناك إنسان سماها هيئة أكل حقوق الأمم،كان اسمها عصبة الأمم.
إذاً،عندنا عرف خاص،وعرف عام،وكل بلد له كلمات،وله تقاليد،وله أعراف،هذا الشيء لا غبار عليه ولا يقدم ولا يؤخر لكن يوجد نقطة دقيقة جداً ما الفرق بين العــرف والإجمـاع ؟ عندنا قرآن،وسنة،وإجماع،وقياس،الإجمـاع شيء والعرف شيء آخر الإجماع العلماء الكبار،المجتهدون النخبة اتفقوا على شيء هذا اسمه إجماع أجمعت الأمة أي أجمع علماء الأمة،أحياناً تعقد مؤتمــرات فقهية يتخذ فيها قرار بالإجماع،ويوجد عندنا إجماع سكوتي،إنسان ألف كتاباً ونشره،ما أحد اعترض عليه،ولا أحد رد عليه،معنى هذا أنه صار عليه إجماع سكوتي،أما إذا ألف كتاباً،وألف قراءات معاصرة ورد عليه ألف إنسان وسفهوه بمعنى أن هذا الكلام فيه غلط،لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
"لا تجتمع أمتي على خطأ"
لذلك قال علماء العقيدة النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومـة بمجموعها،فإذا كنت مع الجماعـة لا تغلط بل تسأل وتأخذ الجواب الصحيح،تلتقي مع أخيك تراه يغض بصـره،تلتقي مع أخيك تراه يتعفف عن شيء لا يرضي الله،تتعلم منه أشياء كثيرة،الإنسان إذا عاش وحده أو ترك الجماعة ينصّب نفسه مفتياً يقول لك انظـر إلى هذه لا شيء عليها أقنعنـي بها،إلى درجة والله،هكذا قال،ولعله كاذب أو صـادق ما أدري قال لي:هل الله حرم الخمر،هات لي آية أن الخمر حرام،قلت له أعوذ بالله ما هذا الكلام،قلت له:فاجتنبوه أشد أنواع التحريم،قال تعالى:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾
(سورة الحج )
هل هناك من ذنب أكبر من أن تعبد صنماً ؟ جاء التحريم:فاجتنبوا الرجس من الأوثان يعني أبقِ بينك وبينه هامشَ أمانٍ،هكذا.
إذاً الإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة،أما العرف ما تواضع عليه الناس جميعاً،هؤلاء يُسَمَّون حديثاً:الخط العريض في المجتمع يعني الدهماء،سوقة الناس،وهناك حالياً أعراف وتقاليد ما أنزل الله بهـا من سلطان يفعلها معظم الناس،الدليل:اذهب إلى قمـة قاسيون وألق نظــرة على الناس هناك ترَ ما تعارف عليه الناس،كيف يمضـون سهراتهم،القـضية سهلة جداً،أعراس الناس،الاختلاط يجب علــى العريس أن ينصمــد أمام عدد كبير من النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات وإلا فهو أعور،أعوذ بالله،هذا عرف،آلاف الأعراف ما أنزل الله بها من سلطان لا أصل لها.
و السؤال الدقيق الذي يطالعنا الآن ما علاقة الإسلام بالأعراف والتقاليد ؟ كلام دقيق،الإسلام أقر من الأعراف ما كان صالحاً وتلاءم مع مقاصده ومبادئه ورفض من الأعراف ما ليس كذلك،أو أدخل علـى بعض الأعراف تصحيحات وتعديلات،فهناك أعراف رفضها،كان في الجاهليــة عرف:أن يأتي الأب بابنته التي هي كالوردة فيلقيها في حفرة ويهيل عليها التراب،قال تعالى:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
(سورة التكوير )
وكان من أعراف الجاهلية أن ترى امرأة لها عشرة أزواج،أجل،تعدد الرجال بالجاهلية كان موجوداً،وكان في عشرات الأنواع من الزواج الباطل هذا كان في الجاهلية،على كل الإسلام رفض بعض الأعراف وقبل بعضها وصحح بعضها الآخر،والأصل الإسلام،الأصل منهج الله وعند المؤمنين الصادقيــن هناك عرف:يجب أول يومٍ من العيد أن يجتمــع الأولاد عند أمهم،هذا شيء طيب بارك الله بهم،هذا يتوافق مع مقاصد الشريعة في بر الوالدين،وهناك عشرات الأعراف التي أقرها الإسلام حلف الفضول كان في الجاهلية والـنبي باركه،قال:لو دعيت إلى حلف مثله للَّبيت،وبارك هذا الحلف،حلف لإقامة العدل ونصرة المظلوم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/03.jpg
فالإسلام أقر بعض الأعراف وألغى بعضها وعدل بعضها الآخر،فالأصل هو الشرع فما وافق الشرع قبلناه وما حاد عنه قليلاً صححناه وما ناقضه رفضناه ولو كان عرفاً يسري في الأمة جميعها،هذا أهم ما في الدرس،والأصل هو الشرع،أهم ما في الدرس هذه الكلمات:ما وافق الشرع من الأعراف والتقاليد قبلناه على العين والرأس وما حاد عنه قليلاً صححناه وما ناقضة رفضناه ولو كان عرفاً يسري في الأمة جميعاً،هذا شأن المؤمن.
حالياً عندنا بالنسبة للإنسـان ثوابـت غـطاها الإسـلام بالنصوص القطعية ومتغيرات إن لم يأتِ بها نص صريح فالمرجع في هذه المتغيرات العرف،إليكم شرح ذلك،قال تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
(سورة البقرة )
كم نعطــي هذه المرضعة ؟ كم أجرها ؟ ألف،عشرة آلاف،مائة ألف،خمسمائة ليرة،ليرة،من يحدد هذا المبلغ ؟ العرف،هذه الآية القرآنية تركت تحديد الأجر إلى العرف،آية ثانية،قال تعالى:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
(سورة البقرة )
ما قيمة هذه المتعــة للمطلقة ؟ يحددها العرف.لذلك فالقرآن الكريم لو حدد تحديداً جامداً،وتحديداً صارماً لهلك الناس،لو قال القرآن الكريم خمس دراهم لهلك الناس،يعنــي لنا أخوان تزوجوا بالستينات،كان المتأخر ألفين والمتقدم ثلاثة،مبلغ جيد يساوي ثمن بيت،بالستينات كان البيت ثمنه إذا كان ملحقاً أو قبواً ستة آلاف ليرة،كعرف:فمهـر هذه المرأة يساوي ثمن بيت،يأتي إنسان متزوج بالستينات يقول لها سوف أعطيك ألفين هل لكِ عندي شيء ؟ ماذا ألفين ؟ لا يكفيها هذا المبلغ يومين فاختلف الأمر فالقرآن لعظمة هذا التشريع لم يحدد المبلغ بل تركه للعرف.
رجل نام فرأى في المنام شيئاً مسعداً كان راتبه خمسة آلاف فرأى في المنام أن راتبه مليون،أصابه فرح في المنام يفوق حد الخيال،ثم في المنام طرق الباب فجاء عامل البريد معه فاتورة الهاتف بسبع مائة وخمسين ألفاً فما استفاد شيئاً.
طبيب أسنان جاءه إنسان من الريف فصنع له بدلة،هذا الريفي عنده سمن وغنم،وكان قد أحضر معه صفيحة سمن كبيرة من النوع البلدي،قال له ماشي الحال،واعتبر هذا الطبيب هذه الصفيحة مقابل بدلة الأسنان،ثم شاءت الأقدار أن يمتد به العمر إلى ما بعد خمس وعشرين سنة،فهذه البذلــة تلفت وجاء إلى الطبيب نفسه فقال له اصنع لي بدلة جديدة فقال له ستة آلاف فخرج هذا الريفي من جلده،وقال له هل معقول ؟ فقال له الطبيب أعطني صفيحة سمنة مرة ثانية وأنا أقبل،فالأعراف هكذا والأسعار اختلفت.
القرآن الكريم ما حدد مبلغاً بل ترك الأشياء المتغيرة للأعراف،انظر عظمة التشريع،هناك أشياء دقيقة في التشريع قد لا ننتبه لها فالله عز وجل حرم الخمر وبين رسوله علة التحريم وهي الإسكار،فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((...كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ...))
( مسلم ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ النسائي ـ أحمد ـ الدارمي )
لأن الله يعلم أن سيكون بعد حين آلاف المشروبات كلها خمر ولكن ليس اسمَها خمر،ابتكروا مائة اسم للخمر،لو أنه حرم الخمر من دون تعليل لكان فقط نوع واحد محرم وألف نوع مباح،فلما جاء بالعلة صار كل مسكر حرام،دخل فيه الهيروين،المخدرات،لأنها تؤدي مفعول الخمر بل وأكثر،لأنه سوف يكون مخدرات،أنواع من المشروبات،أسماء ما أنزل الله بها من سلطان،فالعلة التي ذكرها الحديث حسمت الأمر.
ذات مرة كنت في مؤتمر والأمور ماعت جداً،فقلت لهم إذا كان الأمر كذلك فهناك قيم روحية،وهناك مشروبات روحية فهل يكون الأمر سواءً ؟ يعني حين تميع الأمور جداً فقد يكــون من الممكن ذات يوم مئات المشروبات كلها خمر فجاءت علة التحريم وهي الإسكار لتحسم الخلاف والتمادي،لهذا قال عليــه الصلاة والسلام:
((...كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ..))
وما أسكر كثيره فقليله حرام،ما أسكر كثيره فملء الفم منه حرام.ما أسكر كثيره فالقطرة منه حرام،لكن الخنزير حُرم من دون تعليل،فلن يكون هناك خنازير أخرى في آخر الزمان،خنزير واحد لا يوجد غيره،طبعاً هناك إنسان مثل الخنزير هذا موضوع ثان،أما في الأصل خنزير واحد،ولا توجد حيوانات سوف تصبح خنازير،والخنزير واحد،فما جاء مع التحريم علة تبين تحريم لحم الخنزير.
((عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))
( مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ أحمد ـ الدارمي )
ما حدود التفرق ؟ يا ترى إذا خرج من المحل،أو طرح موضوع آخر،أو ركب سيارته،أو سلم عليه،فالنبي قال:"...مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا..."أما تحديد مفهوم التفرق ترك للعرف فكل عصر له ظروفه أحياناً يكون اتصال هاتفـي،انقطع الاتصال وصار إيجاب وقبول بالهاتف،أو أغلق السماعة،فما كان من ذكر للهـاتف،لأنه سيكون.الآن خيار مجلس،المهم هناك تفـرق،يا ترى التفرق بخروج الإنسان من المحل وإما بطرح موضوع جديد،أو بدخول إنسان آخر،أو بطرح صفقة جديدة،أو بانقطاع الاتصال الهاتفي،هذا أيضاً ترك للعرف. ((عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ مِنْهَا يَعْنِي أَجْرًا وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ))
(مسلم ـ الترمذي ـ الدارمي )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/04.jpg
الإحياء كيف يكون،ببناء سور،بحفر بئر،بزرع نبات،بإشادة بناء،من يحدد إحياء الأرض كيف يكـون ؟ العرف،كل عصر له ترتيـب،الآن لو أن إنساناً وضـع على قارعة الطريق حاجـة وإنسان أخذها ومشى هل تقطع يده كسارق،قال العلمــاء:لابد من أن تكون في حرز،كنت مرة في منطقة اصطياف،وإنسان وضع على الطـريق برميل ماء،وضعه والشيء الذي يفهم من ذلك أنه لا يريده،وضعه على قارعة الطريق،فجاء إنسان حمله ومشى،أقام عليه شكوى في المخفر وأحضروه،لدى الناس جهل كبير،لما أنت تضع شيئاً على قارعة الطريق وكأنك استغنيت عنه،فإذا إنسان حمله لا يعد سارقاً،ليس في حرز،ما هو الحرز ؟ أيضاً مفهوم الحرز ترك للعرف.
في زماننا:إنسان يشتري بيتاً بمائة مليون ودفع الثمن،كيف يتم قبض البيت؟ البيت لا يقبض باليد،قديماً قبل مائة عام يتم قبض البيت بإعطاء المفتاح و ما كان هناك طابو،الآن فهل تقبل أن تشتـري بيتاً على المفتاح؟ قد يكون عنده خمسون مفتاحاً لهذا البيت،هذه الأيام لا تقبل إلا بالسجل العقـاري،هذا هو القبض،عندما يسمع قاضي السجل العقاري الإقرار والقبول وأنك قبضت الثمن ويقول قبضت الثمن يوافق القاضي على إجراءات البيع بعد عدة أيام يأخذ ورقة التمليك الحقيقية.
ابن مسعود يقول:ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن،هذا هو العرف،المسلمون وليس الفسقة منهم،وقال بعض العلماء:إن العادة مُحَكَّمَةٌ في أمور كثيرة،أحد طلاب العلم الضعفاء في اللغة قرأ إن العادة مَحْكَمَة،ما كان يفهم كيف يشرحها،العادة مُحَكَّمَةٌ في أمور كثيرة،المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
اشتريت بيتاً و بعد أن اشتريته ودفعت الثمن جئت إلى البيت فوجدت أنه ليس للنوافذ منجور،كان هناك على النوافذ منجور فنزعت جميعها،نوافذ ألمنيوم غالية الثمن ففكها،يقول له:هل أنت قلت لي أنك تريـد نوافذ معه،ما هذا الكلام ؟ عُرف البيت مع النوافذ،قد يختلفون على المكيف لا.فالمكيف لا علاقة له بالبيت،يختلفون علـى الهاتف،أما علـى الأبواب فلا يختلفون،بيـت مع أبواب،بيت مع نوافذ،بـيت مـع أباجورات،فالمعروف عُرفـاً كالمشروط شرطاً.
وقيل التعيين بالعرف كالتعيين بالنص،والممتنع عادةً كالممتنع حقيقةً،هذا كله عن علاقة الأعراف والتقاليد بهذا الفرع العظيم والعلماء قالوا:
والعرف بالشرع له اعتبار لذا عليه الشرع قد يدار

أيها الأخوة:
رعاية الأعراف والتقاليد نوع من أنواع رعاية مصالح المسلمين لأن الشريعة كما تعلمون مصلحـة كلها،رحمـة كلها،حكمة كلها وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة،ومن العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة في شيء ولو أدخلت عليها ألف تأويل وتأويل.
الآن من مصالح الشريعة المعتبرة أن يقر الإسلام مصلحة المسلمين فيما لا يتعارض مع الشرع،قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
(سورة البقرة )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/05.jpg
في زماننا هذا الناس اتفق الناس على أن المهر متقدم ومتأخر،هذا ليس من الشرع هذا من العرف لكن المقدم مائة ألف ولا يملكها العريس يُكتب المقدم مائة ألف غير مقبوضة دين في ذمتي لا يوجد مشكلة ما دام المسلمين وجدوا هذه مصلحة لهم وفيها تيسير للزواج وحفظ حقوق للزوجة،جمعنا بين حفظ الحقوق وبين تيسير الزواج فجعلنا بعض المهر مؤخراً يدفع على التراخي،يقول لك المعجل والمؤجل،هذا ليس من الشرع ولكن من العرف الذي قبله الشرع.
أعرابي دخل المسجد فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام:
((عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))
( الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد )
هذا أصل في الشرع،الشرع يدور مع التيسير من دون أن يتناقض مع الأمر الإلهي.
وبعد فهذا كلام دقيـق:العرف يعتبـر ويعتد به إن لم يخالف نصاً ثابتاً أو إجماعاً يقينياً،أو إن لم يكـن من ورائه ضرر خالص أو راجح،أما العرف المصادم للنصوص الذي يحل حراماً،أو يبطل واجباً،أو يقر بـدعةً في دين الله،أو يشيع فساداً،أو ضرراً في دنيا الناس فلا اعتبار له إطلاقاً ولا يجوز أن يراعى في تقنين أو فتوى أو قضاء.
هذا أيضاً كلام دقيق هو صلب ما في الدرس،إذا وافق العرف الشرع على العين والرأس وإن صادم نصاً شرعياً نركله بقدمنا،والحقيقة المؤلمة ومع الأسف الشديد هناك عشرات الأعراف في بيوت المسلمين ليست من الشرع،الاختلاط منها،وإذا الشاب له انتماء لمسجد أراد أن يقيم أمر الله في بيته يقوم عليه الناس ولا يراعونه أبداً بل يقولون له:لا تُفرّقْ العائلة،هكذا ربينا،هكذا نشأنا.
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ
من أنت ؟ أنت مشرّع،معك وحي ؟ مجتهد،من أنت ؟ إنسان عادي،هكذا ربينا،هكذا ربانا والدنا،قال تعالى:
﴿أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
(سورة البقرة )
يعني:أمثلة كثيرة،أكبر أعراف المجتمع الإسلامي التي تسبب فساداً كبيراً الاختلاط،حدثني أخ:أقرباؤه ذهبوا إلى الساحل مجموعات وكانوا في تكشف،وتفلت،قال لي:ثلاثة طلاقات بعد هذه النزهة كل واحد تعلق بزوجة الثاني،صار نظر وامتلأت العيون من الحـرام وصار اسـتلطاف،ونفـور نحـوه من زوجته،الاختلاط أكبر الأعراف التي ينبغي أن نحاربها،لأنه مظنة و سبب لفساد كبير.
من الأعراف مثلاً،احتفالات المسلمين في أعراسهم،و دخول العريس على النساء المدعــوات،بيوتات مسلمـة يحضـرون في المساجـد يصلـون،ثم في الأعراس تتكشف نسائهم.
أو أن معملاً يجب أن يصنع دعاية يحضر نساء كاسيات عاريات ويعرضهن لترويج بضاعة ولا ينتبه أنه مسلم.
يقول لك المبيعات ارتفعت،ولكن أذهبتَ آخرتــك،أكلُ الربا أصبح من الأعراف يقول لك:هل من المعقول أن أجمد أموالي ؟ لا تجمدها،جُمدت أنت معها.
أزياء النساء اللواتي يخطرن بها في الأسواق،يقولون:هكذا الموضة،من الذي قال ذلك ؟ يعني كأن الموضة آلهة أخرى،عند كثيرين خوف شديد من أن نخرج على المألـوف،المألوف منحـرف،لذلك العظماء هم يقودون البيئة ولا تقودهم البيئة،العظماء يغيرون في البيئة ولا يتأثرون بالبيئة،لا يتأثر بالبيئة إلا الرعاع،يا بني الناس ثلاثة:عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة،وهمج رعاع أتباع كل ناعق،لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم.
والله حدثني أخ يعمل في شركة طيران،فإحدى شركات الطيران في المغرب العربي لا أعرف يا ترى مغرب،أو جزائر،أو تونس،لا أعرف وكانت تُقِل رحلة حجاج،تعطلـت في تونس فأكثر الحجاج و الحاجات سبحـوا في البحر لتمضية الوقت باختلاط،ما قولك فالسباحة عرف،نساء ورجال يسبحون في البحر وأنتم حجاج أيضاً ! لأن الحاج إذا حج بمال حرام ناداه منادٍ إذا قال لبيك اللهم لبيك يقال له:لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك،إذا كان في المال شبهة فكيف إذا كانت معصية قائمة،في الحج ترى نساء بعد طواف الإفاضة وقد ترى المرأة نصف عارية تقريباً،كيف كنتِ حاجة ؟ الأمور هكذا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4665/ar-4665/06.jpg
العرف يجب أن ُيَحّجم،يجب أن ننظر إلى أن هذا العرف إذا صادم نصاً يجب أن نركله بأقدامنا أما إذا توافق مع نص فلا مانع من الأحذية.
الحقيقة:العرف مرجع في حالة دقيقة وهي:كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف. أيها الأخوة:
أختم هذا الدرس بحديث شريف وقد يفهم فهماً بعيداً عن تصوركم يقول عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ))
( أبي داود ـ أحمد ـ ابن ماجة ـ مالك )
من أدق معاني هذا الحديث يعني إذا لم تستحِ من الله في هذا العمل فاصنع ما تشاء،لا تعبأ بالناس،تقول له زوجته ازنِ كل يوم بواحدة لكن لا تتزوج عليّ،الـعرف:أنه ممنـوع أن تتزوج امرأة ثانية هذه كبيـرة،والزنا لا يوجد به مشكلة،حينما نخاف من العرف ونعصي الله فنحن في أدنى درجة وفي أبعد ما نكون عن الدين العرف مقبول إذا وافق النص الشرعي ومرفوض إذا صادم نصاً شرعياً،إذا لم تستحِ من الله فافعل ما تشاء.
لو فرضنـا حالات نادرة،وأنا لا أشجع على ذلك لأن الإنسان بواحـدة لا يخلص لكن لو فرضنا أن إنساناً زوجته مريضة مرضاً شديداً ولا تصلح كزوجة أبداً،صار غير محصن هل نسمح له أن ينحرف أم يتزوج ؟ لا.بل نسمح له أن يتزوج،امرأة لا تنجب يطلقها ؟ لا،لا تطلقها.عاملها كزوجة محترمة إلى أعلى درجة،لكن إذا كنت بحاجة ماسة إلى ولد فهذا من حقك أن تتزوج،الله عز وجل سمح بالتعدد واشترط فيه العـدل،والإنسان لا يُقبل على هذا ويطبق العدل التام بالتعدد إلا إذا كان مضطراً بمرض أو مشكلة إلى آخره. حالياً هناك أعراف تصـادم نصوصاً شرعية،والناس يخضعـون للعرف ولا يخضعون للشرع،الدرس كما أنتظر هو جواب لسؤال الناس كلهم هكذا،فهل هم على خطأ ؟ لا تقل الناس كلهم كذلك،قال تعالى:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
(سورة الأنعام )
((عنُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))
( مسند الإمام أحمد )
والإحساس بالغربة إحساس صحي وجيد،في زمن الفساد،قال تعالى:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾
(سورة الكهف )
الكـهف جامعـك،وبيتك،ادخل بيتـك وصلّ،واجلس مع أولادك واقـرأ القرآن،وكهفك أيضاً جامعك،قال تعالى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾
(سورة الكهف )
فيا أيها الأخوة:
الذي أتمنـاه أن يكون الشرع محكّماً في حياتنـا،العرف ما وافق الشرع وما خالفه لا يجوز اتباعه ولا العمل به.

السعيد
09-21-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : شروط البائع و الشاري



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. نشاط البيع والشراء نشاط عام لكل المسلمين :
أيها الأخوة المؤمنون، لا شك أن هذا الدرس - درس الأحد- مخصص للسنّة النبوية المطهرة، فهناك موضوعات كثيرة تعرض مـن خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابد من أن نتعرض من حين لآخر إلـى موضوعات في الفقه، تشتد الحاجة إليها، لو سألنا أنفسنا: أي موضوع فقهي يحتاجه كل مسلم كائناً من كان في أي عمل وفـي أي مرتبة وفي أي حقل؟ الجواب: هو البيوع، البيع والشراء، ما منا واحد إلا ويشتري أو يبيع، ولو كان موظفاً، ولو كان في حرفة فكرية، ولو كان بعيداً عن الأسواق، لا يخلو مسلم كائناً من كان من بيع أو شراء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/01.jpg
أيها الأخوة، ليس هناك من موضوع أخطر في حياة المؤمن بعد معرفة الله من أوامر الله ونواهيه، أنت عرفت الله، عرفت جانباً من عظمة الله، تشتد الحاجة الآن إلى أن تتقرب منه بطاعته، طاعته تحتاج إلى معرفة أمره، لذلك الاهتمام الأول لكل مؤمن أن يعرف الله أولاً، والاهتمام الثاني أن يعرف منهجه، فلذلك نشاط البيع والشراء نشاط عام لكل المسلمين، وحينما يذكر بعض العلماء هذا المصطلح العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة تماماً كالمظلي قد يجهل مئات الحقائق عن مظلته، قد يجهل شكلها، ولونها، ونوع قماشها، ونوع خيوطها، ونوع حبالها، وألوان حبالها، إلا أن معلومة واحدة لو جهلها نزل ميتاً، طريقة فتح المظلة نوع من العلم متعلق بالمظلة ينبغي أن يعلم بالضرورة، وأيضاً أحكام البيع والشراء، لأن كل مسلم يمارسها من دون استثناء، فأحكام البيع والشراء عِلمٌ في الفقه ينبغي أن يُعلم بالضرورة.
فأنت كسائق سيارة قد لا تحتاج إلى فهم مما صنع المكبح، وكيف كان قوام هذه المركبة انسيابياً، هذا المعدن طُرِق أم ضُغط، هذا ليس من شأنك أن تعرفه، لكن لابد من أن تعرف كيف تقلع بالسيارة، وكيف توقفها عند الضرورة، وكيف تصونها من التلف والخلل.
حقائق في البيع و الشراء :
أيها الأخوة الكرام: في موضوع البيع والشراء بعض الحقائق، الحقيقة الأولى التمهيدية: كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا...... ))
[ أبو داود عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ]
المسلمون ولاسيما في مثل هذه الأيام يطلبون أرزاقهم في ساعة متأخرة من النهار، وقد جعلوا ليلهم نهاراً، ونهارهم ليلاً، وهذه مشكلة كبيرة، بعض الأمم المتقدمة اقتصادياً من الساعة الخامسة لا ترى مكاناً في الطريق، ينامون باكراً ليستيقظوا باكراً، فكأن الساعات الأولى من النهار لها مهمة كبيرة جداً، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: ((... اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ ))
[ أبو داود عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/02.jpg
حدثني صاحب معمل قال لي: والله منذ خمس وعشرين سنة أنا في المعمل من الساعة الخامسة صباحاً، ومعمله يعد الأول في اختصاصه، فبورك لأمتي في بكورها.
الشيء الثاني: عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يحب أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال))
[رواه الديلمي في مسند الفردوس عن علي]
أي متعباً في طلب الحلال، ولحكمة بالغة بالغة جعل الله الحرام سهلاً، والحلال صعباً، لو أن الأمر كان معكوساً لأقبل الناس على الحلال لا حباً بالله، ولا خوفاً منه، ولا طلباً لرضاه، ولا طلباً للجنة، لأنه سهل، ولترك الناس الحرام لا لحرمته، ولا لأنه سبب غضب الله عز وجل، ولكن لأنه صعب، الآية معكوسة: الحلال صعب، والحرام سهل، وأوضح مثل: قد تعمل امرأة في البيوت طوال النهار وتأخذ مبلغاً، وقد ترتزق المرأة بثدييها فتأخذ أضعاف هذا المبلغ في ساعة واحدة، أي شيء طريقه حرام قد تجده سهلاً، وأي شيء طريقه حلال قد تجده صعباً.
هل تصدقون أن أغنى الناس قافلة هم تجار المخدرات؟! أموال المخدرات أرقام فلكية، ويسعى أصحابها إلى غسلها في البنوك، لدينا مشكلة في العالم اسمها غسيل الأموال أي مال حرام يوضع في بنك على أنه مال مشروع ثم يأخذ شرعيته من إيداعه في هذا البنك، لذلك تجار المخدرات من أغنى الأغنياء، ذلك لأنهم يكسبون المال الحرام. على الإنسان أن يكون طعامه طيباً بعد أداء العبادات :
الآن مع ضيق الأرزاق ومع الشدة العامة على الناس تجد أماكن اللهو لها أرباح كبيرة جداً، أحياناً تجد خمسين سيارة تقف أمام ملهى، ماذا يوجد بداخل هذا الملهى؟ امرأة ترقص، ومغنٍ يغني، وخمر تدار، وأرباحهم فلكية، مع أشد الأوقات ضيقاً! لذلك لا تطمع بمال كثير حرام، ابحث عن الحلال ولو كان قليلاً، الحلال فيه بركة من الله عز وجل، الله عز وجل يحفظ لك صحتك، وأهلك، ومالك من خلال المال الحلال، ولكن المال الحرام يذهب ويذهب أهله معه، والحلال يتلف، لكن الحرام يُتلِف أهله، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
فأول شيء بعد أداء العبادات أن يكون طعامك طيباً، معنى الطعام الطيب أي طعام أُشتُري بمال حلال، والمال الحلال كُسِب كسباً مشروعاً، أي لا كذب فيه، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتكار، ولا تجاوز. هذا الحديث أيها الأخوة يعد من أركان الفقه: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
اجعل طعامك طيباً من خلال شرائك له بمال حلال، كسبته بكد يمينك وعرق جبينك. مفهوم البركة :
نحن أيها الأخوة تعاملنا مع الحضارة الغربية، أعطتنا عقلية مادية، نحن لا يوجد بحياتنا مفهوم البركة غير واضح وغير مستعمل هذا المفهوم، لكن الله عز وجل إذا بارك في شيء نفعك منه نفعاً كثيراً بشيء قد يكون قليلاً، أحياناً مال كثير لكن لا بركة فيه، أما المؤمن ولو أن دخله قليل لكن الله سبحانه وتعالى يطرح البركة فيه، طبعاً لن تجد في الآلات الحاسبة زراً خاصاً للبركة، واحد زائد واحد اثنان، والدليل: لو أقرضت مئة ألف قرضاً حسناً ستعود لك بعد عام ثمانين ألفاً بحسب التضخم النقدي في العالم، ولو أقرضت هذا المبلغ ربوياً لجاءك مئة وعشرين ألفاً لكن الله عز وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/03.jpg

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
خلاف حسابات الناس، فإذا كان هناك قرض حسن مع القرض الحسن بركة، وإذا وجد قرض ربوي فمع القرض الربوي محق للمال، والله عز وجل عنده ألوان وأنواع من إتلاف المال الحرام.
حدثني أخ من تركيا قال: معمل ضخم جداً يصنع فوط الأطفال، متحلل من كل قيمة دينية، أكثر إعلاناته امرأة بشكل فاضح، يأكل الربا ويوكل الربا، ويعيّن نساء كاسيات عاريات، لا علاقة لهذا المعمل بالدين، وأرباحه بأوجها، وأول معمل، شيء يلفت النظر، أعرض عن الدين وعن شرع الله كلياً، ولم يعباً بحلال ولا بحرام، لكنه تعلم أصول التسويق، قال لي هذا الأخ من تركيا: في ليلة واحدة احترق المعمل بأكمله ولم يبق منه شيء، الله عز وجل قال: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
الله يرخي الحبل إلى أن يتوهم العاصي أنه لا يوجد حساب، لكن في أية لحظة يقع هذا الإنسان المتفلت من طاعة الله في قبضة الله. التعب في طلب الحلال :
أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية الكسب الحرام سهل، والكسب الحلال صعب، هذه حكمة بالغة، لو أن الكسب الحرام صعب لتركه الناس لصعوبته فقط، ولو أن الكسب الحلال سهل لأقبل الناس عليه لا حباً بالله، ولا خوفاً منه، ولا طلباً لمرضاته، ولا سعياً لدخول الجنة، لكن لأنه سهل أقبلوا عليه، أما الله عز وجل جعل الكسب الحرام سهلاً، والكسب الحلال صعباً، إنسان يتاجر سنة يتعب ويستورد ويبيع ويجمع ثمن البضاعة ويبذل جهود جبارة، وقد لا يأخذ ربحاً بعد عام بأكمله يساوي ما يأخذه إنسان منحرف في يوم واحد، أنا رأيت بيتاً في القاهرة تسكنه إنسانة تعمل في الفن، ثمن البيت عشرون مليون دولار، تقريباً ألف مليون ليرة سورية، مساحته ألف متر، على طابقين، فيه مسبح، وكل شيء يخطر في بال إنسان موجود في هذا البيت، تسكنه امرأة تعرض جسمها على الناس فقط، الحرام سهل، والكسب كبير جداً.
إن الله تعالى يحب أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال، أي متعباً في طلب الحلال من المعاناة.
المؤمن بطلبه للحلال هو في طاعة الله :
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مالك بن أنس:
(( طلب الحلال واجب على كل مسلم ))
[ الجامع الصغير عن مالك بن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/04.jpg
أنت في طلب الحلال في عبادة، تخيل شاباً يعمل ثماني ساعات ليكسب قوت أولاده، ليكسب لهم طعامهم وشرابهم وثيابهم وثمن أقساط مدارسهم، وليكسب لهم مبلغاً يعالجهم فيه عند الطبيب عند الضرورة، هذا كله أعمال بطولية، لذلك المؤمن عاداته عبادات، طلبه للحلال عبادة، والمؤمن بطلبه للحلال هو في طاعة الله دائماً. ((عن رافع بن خديج قال: قيل: يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: "كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور))
[الإمام جلال الدين السيوطي عن رافع بن خديج]
سلعة جيدة، سعرها معتدل، مع معاملة طيبة، هذا التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، لأنه كان داعية بمعاملته، وأكبر قطر إسلامي على الإطلاق فُتِح عن طريق التجار، التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة.
إذاً كل بيع مبرور، أنت بحاجة إلى سلع كثيرة، قد تجد سلعة جيدة وسعرها معتدل، والذي باعك إياها عاملك معاملة طيبة، هذا داعية إلى الله دون أن يشعر، هذا داعية صامت.الإسلام دين الفطرة والواقع والتوازن :
أيها الأخوة، الإسلام عملي، والإسلام دين الفطرة، والإسلام دين الواقع والتوازن والتعادل، فأنت حينما تعمل وتكسب رزق أولادك أنت في عبادة، لذلك العلماء قالوا: العمل إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، ولم يشغلك عن واجب ديني، ولا عن طاعة، ولا عن طلب علم، وأردت من خلاله كفاية نفسك وأهلك، ونفع المسلمين، انقلب إلى عبادة، لذلك أروع شيء في حياة المؤمن أنه يعبد الله في المسجد، ويعبد الله في عمله، وكان السلف الصالح إذا فتح باب دكانه يقول: نويت خدمة المسلمين.
والله يوجد أخ من إخواننا أنا أحترمه كثيراً، عنده معمل يبيع فيه مواد غذائية للأطفال يقول: هذا الطفل أخذ من والده عشر ليرات، هل يعقل أن أطعمه غذاء فاسداً؟ توجد مواد غذائية مضى وقت صلاحيتها هذه تباع للمعامل بأسعار رخيصة جداً، فهو يقسم بالله أنه يشتري أفضل الأنواع بأعلى الأسعار، كي يأكل هذا الطفل الذي هو ابن مسلم هذه القطعة جيدة نافعة مفيدة ينتفع بها جسمه، بهذه النية طبعاً قال لي: بحسب الحسابات ينبغي ألا أربح لأن المنافسين كلفتهم قليلة، وبضائعهم من الدرجة الرابعة والخامسة وهذا لا يظهر، يوجد أغلفة جميلة وفخمة جداً، لا يظهر نوع المواد الدهنية والمواد السكرية والمواد الأخرى، ومع ذلك قال: والله توجد البركة أربح ببركة الله، و هذا إذا لقي الله عز وجل يوم القيامة يلقاه بوجه أبيض، يا رب أنا نفعت المسلمين، أنا ما غششتهم، وما أطعمتهم طعاماً قد غششتهم فيه، ما أطعمتهم طعاماً فاسداً، ما بنيت ثروتي على جوعهم، ولا على غشهم، ولا الاحتيال عليهم، فإذا كل مؤمن عرف الله وراقب الله فيما يبيع ويشتري لقي الله و هو راض عنه.
لو أن إنسان وجد فأرة في تنكة زيت، لا يمكن له أن يبيعها، ثمنها ألفان لا يمكن، لكن إذا كان إيمانه ضعيفاً فيبيعها.
طلب العلم فريضة على كل مسلم :
أيها الأخوة، سيدنا عمر روي عنه أنه قال: "لا بيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى".
وطلب العلم فريضة على كل مسلم، مادام فرض عليك أن تأكل الحلال إذاً فرض عليك أن تعلم ما الحلال، هذه عندنا قاعدة أصولية: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنّة إلا به فهو سنّة، مادام الله عز وجل فرض عليك أن تأكل مالاً حلالاً إذاً فرض يتبع هذا الفرض أن تعلم ما الحلال.
شيء واضح بيّن كالشمس، وشيء واضح في حرمته كالشمس، هذا الشيئان ليسا مشكلة، السرقة وشرب الخمر حرام، والبيع المبرور حلال، لكن بين الحلال البين والحرام البين منطقة واسعة جداً من المشتبهات، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((.... الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/05.jpg
أنت قد تجد مادة حمراء رجراجة فوق بعض الحلويات، يا ترى هذه أُخذت من عظام الخنزير لأنها مستوردة أم أُخذت من عظام الغنم؟ هذه قضية مشتبه بها، لحم الخنزير حرام مئة بالمئة واضح، ولحم الضأن واضح، لكن هذه المادة الرجراجة هل أُخذت من عظام الخنزير إذا جاءت مستوردة على شكل مسحوق أم استُوردت من بلد إسلامي يحلل عظام المواشي والأنعام؟ هذا يحتاج إلى تحقيق، إذا كان لا وقت لديك لأن تحقق فالأولى ألا تأكله، هذا الشرع.
يوجد حلال واضح بيّن نيّر، وحرام واضح بيّن، واضح صارخ، بينهما أمور مشتبهات تشبه الحلال وتشبه الحرام، الورع يدع ما اشتبه عليه طلباً لسلامة دينه وعرضه.معنى البيع لغةً :
أخواننا الكرام: معنى البيع لغةً مطلق المبادلة، أعطيتك هذا الكأس وأخذت منك عشرين ليرة، مبادلة، من تعاريف البيع الشرعية، طبعاً التعريف اللغوي مطلق المبادلة، من تعاريفه الشرعية مبادلة مال بمال، نحن عندنا وهم أن المال هو النقد، كل شيء ينتفع به فهو مال، فتعريف البيع مبادلة مال بمال، فالقمح مال، والورق النقدي مال، أنا بحاجة إلى القمح ومعي مال، وبائع القمح بحاجة إلى المال، وليس بحاجة إلى القمح، هو اشتراه ليبيعه، مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، أو نقل ملك بعوض على الوجه المأذون، لكن في اللغة العربية عندنا كلمات تسمى من ألفاظ التضاد، فالنبي هو العبد، المولى هو العبد، والمولى هو السيد، وشرى باع واشترى، معنى باع اشترى، ومعنى اشترى باع.
﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾
[ سورة يوسف : 20 ]
أي باعوه بثمن بخس. ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 207]
أي من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فشرى أو اشترى تعني باع واشترى وباع تعني اشترى وباع، كما يطلق على العروس عريس، وعلى العريس عروس. مشروعية البيع :
طبعاً البيع شيء مشروع لأنه بالبيع تتحقق مصالح العباد، قال تعالى:
﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾
[ سورة البقرة: 275]
كلام معجز أن البيع الأعمال و الربا الأموال، بالبيع يأتي المال و المال أكبر كتلة نقدية تتوزع بين أيدي الناس جميعاً، كأن الله عز وجل جعل هذه الكتلة النقدية موزعة بين أيدي الناس جميعاً لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم، لئلا يتداول المال بين الأغنياء شرّع الله البيع وحرم الربا، لو كان الربا مسموحاً به هذه الكتلة النقدية يتداولها الأغنياء فقط، المال إذا ولد المال لم يعد هناك فرص عمل، سيحقق هذا ارتفاع في الأسعار، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المنتفعين به، أصبح هناك تفاوت طبقي كبير جداً، صار هناك حسد وحقد ودعارة وسرقة واحتيال ونصب وكذب وغش، كلما تفاوت الدخل، إنسان يملك ملايين مملينة، ومليون إنسان لا يملك ما تقوم به حياته، لذلك آية موجزة وأحل الله البيع لأن الأعمال ترد المال.
سمعت عن معمل سيارات فرنسي قال: مئتا شركة في فرنسا تنظم لهذا المعمل حاجاته الأساسية، معمل سيارات متعاقد مع مئتي شركة، عندما العمل يدر المال لابد من أن توزع الأعمال بين كل الناس، وأبسط مثل بين أيديكم افتح محلاً تجارياً تحتاج إلى فاتورة ودفتر فواتير، يوجد مطبعة، المطبعة فيها عمال، تشتري حبراً وورقاً، تعين عمالاً، عندك مخزن، عندك شاحنة، فأنت عندما اضطررت لدفتر فواتير شغّلت مطبعة، واضطررت لمستودع شغّلت تجار البناء، بنوا مستودعك، واضطررت لتعيين موظفين هيأت فرصة عمل دون أن تشعر، عندك أناس يعيشون من هذا العمل مباشرة، وعندك آلاف مؤلفة من الناس يعيشون من هذا العمل بشكل غير مباشر، فالعمل إذا ولد المال كان المال موزعاً بين كل الناس، أما إذا ولد المال المال، المال لا يحتاج إلى مقر، ولا إلى مكاتب، ولا إلى مستودعات، ولا إلى موظفين، ولا إلى مندوبي مبيعات، لا يحتاج إلى شيء إلا أن يضع ماله في البنك، ويأخذ أرباحه كل عام فقط. ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾
[ سورة البقرة: 275]
من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: ((عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ ))
[ أحمد عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ]
من جهل بقواعد البيع و الشراء أكل الربا شاء أم أبى :
أخواننا الكرام، لأن هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى بين الناس بسبب جهلهم بقواعد البيع والشراء، لأن الذي يجهل هذه القواعد يأكل الربا شاء أم أبى، أمثلة بسيطة: يقول: والله الحمد لله أنا أكرمني الله بإنسان أمين وضعت عنده قرشين للاستثمار، رجل واضح لا يحب المشاكل، يعطيني ربحاً ثابتاً، على الألف كذا، لا يحب أن يدخل بحسابات ولا بجرد، هذا عين الربا، وضعت عنده مئة ألف أعطاك ربحاً ثابتاً بالشهر، هذا ربا، لعله ربح أربعة أضعاف أو لم يربح، إن ربح أربعة أضعاف ظلمك، وإن لم يربح وأعطاك ربح ظلمته، هذا مثل بسيط بين أيديكم: يشتري بيتاً لزمه مليون ليرة يطلب من رجل فيريد حصة بالبيت يقول له: على عيني، البيت أربعة ملايين، المليون ربع البيت، كتب له ربع البيت، ويلزم له أجرة طبعاً أعطاه أجرة، بعدما انتهت المدة، أو بعدما أصبح الشاري ببحبوحة، اشترط عليه أن يدفع له المليون بالتمام والكمال، إذا ضمن الذي ساهم في شراء هذا البيت مبلغه بالتمام والكمال فكل أجرة يأخذها من ساكن البيت تعد فائدة ربوية، أما إذا دفع معه مليوناً وبعد سنتين البيت قُيّم هنا الصعوبة، يجب أن تأخذ قيمة البيت بعد انتهاء العلاقة بينك وبين الذي اشترى البيت، قيمة البيت الحقيقية، عندئذ تغدو الأجرة حلالاً، هذه أمثلة يقع بها معظم الناس، لذلك البيع له أثر، أثره نقل الملكية من البائع إلى الشاري، ونقل ملكية الثمن من الشاري إلى البائع، وحلل لكل منهما التصرف فيما أخذه، فالذي اشترى البيت له أن يعدل وأن يبدّل فيه، أصبح ملكاً له حراً يفعل به ما يشاء، والذي أخذ المال له أن ينفقه على حاجاته أو على سفره أو على أولاده هو حر.
فأثر البيع يبنى نقل الملكية من البائع إلى الشاري بالمبيع، ونقل ملكية الثمن من الشاري إلى البائع بالنسبة للثمن.
أركان البيع :
1 ـ الإيجاب و القبول :
أركان البيع: الإيجاب والقبول، بعتك يقول: اشتريت، قد يقول لك الشاري: أتبيعني؟ الإيجاب من الشاري ممكن، يقول لك البائع: قبلت، قد يقول لك البائع: أتشتري هذه السلعة بهذا الثمن؟ يقول الشاري: قد قبلت، الإيجاب والقبول كلمتان يتلفظ بهما الشاري والبائع، ولا عبرة لمن يبدأ، قد يكون المجيب شارياً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/06.jpg
وقد يكون المجيب بائعاً، لكن العلماء استثنوا الأشياء الخسيسة، فيمكن أن تقف عند بائع عصير، توجد كأس من عرق السوس غير معقول أن تقول له: أتبيعني هذا الكأس بليرتين؟ يشرد ويقول: نعم قبلت بيعك الكأس بليرتين، يلزمنا شاهد أيضا، هذا غير معقول، هذا اسمه بيع التعاطي، الأشياء الخسيسة لا تحتاج لا إلى إيجاب ولا إلى قبول، لكن تحتاج لأن تدفع الليرتين وتشرب الكأس وانتهى الأمر، فهذا الإيجاب والقبول في الأشياء الثمينة، والأشياء الخسيسة إيجابها وقبولها المعاطاة أي سلمته الثمن وسلمك المبيع.
لا تحتاج ألفاظ الإيجاب والقبول إلى ألفاظ معينة، هذا الدين يسر، أية كلمة تشير إلى أنك قبلت أن تبيع، وأية كلمة تشير إلى أنك قبلت أن تشتري فهي إيجاب وقبول، لو قال لك البائع: بعت، أعطيت، ملكت، هو لك، هات الثمن، هذه كلها ألفاظ مشروعة، لو قال المشتري: اشتريت، أخذت، قبلت، رضيت، خذ الثمن، هذا كله إيجاب وقبول، لكن لابد من شروط في الصيغة، قال: يشترط في الإيجاب والقبول أن يتصل كل منهما بالآخر في مجلس واحد، ليس بينهما فاصل، قال: أتبيع هذا البيت بخمسة ملايين؟ فقال صاحب البيت لك: نعم بعتك إياه، تمّ البيع من مجلس واحد، قلت له: أتبيع هذا البيت بمليونين؟ لم يتكلم، غاب ساعة ودخل، إذا قال: نعم البيع لم ينعقد لأن المجلس ما اتصل، أصبح هناك فاصل لابد من أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد.
2 ـ توافق الإيجاب والقبول في مجلس العقد :
الشيء الثاني المهم: ينبغي أن يتوافق الإيجاب والقبول أكثر من منازعات، بكم هذه السلعة؟ تقول له: المتر بمئة، فيقول: أعطني خمسة أتواب، لم يقل له أنه قبل، يكتبهم عنده بحساب التاجر المتر بثمانين وليس بمئة، وعند الحساب يتشاجرون، أهم شيء أن يتوافق الإيجاب والقبول في مجلس العقد، والآن الأكمل أن يكون خطي، ورقة ثلاثمئة متر قماش المتر بمئة ليرة وقّع، أما دائماً فالبائع يضع سعراً، والشاري يضع سعراً، والمشاجرة عند الحساب، هذا يقع في اليوم آلاف المرات، يجب أن يتوافق الإيجاب والقبول توافقاً تاماً في مجلس العقد.
حدثني أخ قال: لي جار يبيع غرف نوم، عنده غرفة جميلة جداً قال له: ابعثها لي، فأرسلها له فوراً، بعث له أول جمعة خمسة آلاف، الجمعة الثانية عشرة آلاف، الجمعة الثالثة خمسة آلاف..... أصبح المبلغ ثمانين ألفاً، لم يعد يرسل، قال له: أين الباقي؟ قال أي باقي؟ قال: ثمنها مئة وخمسون ألفاً، تشاجروا ودخلوا محاكم وتشادوا وتشاتموا، الجهالة تفضي إلى المنازعة، كن واضحاً بكل شيء، لا تقل له: ابعثها لي، كم ثمنها؟ قال: مئة وخمسون، قل له: ليس لي مصلحة فيها، شكراً، ابعثها، وهو بعث دفعات، أهم شيء أنك كمسلم لا تحتاج إلى القضاء.
قال: يا عمر: ما بلغ من دهائك؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال: والله لست بداهية، سيدنا معاوية يقول له: أما أنا فما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، كل شيء واضح.
حدثني أخ اضطر أن أنقل أقمشة من مكان لمكان، هؤلاء الذين يعملون في نقل الأقمشة متعبون جداً، لا تقدر عليهم، قال: مرة جاء رئيسهم قال له: عد الأثواب، قال: لا يهم، قال: لا بل عدهم كم توب؟ فعدهم، قال له: احمل توباً، حمله، امش معي فمشى الطريق كله، قال له: هذا المصعد ممنوع استعماله، قال: أربعة طوابق، هذا الممشى لآخره هذا الباب تدخل للداخل توجد غرفة على اليمين على الرفوف، قال: ثم أعطيه ما يطلب، إذا قال: الكمية كثيرة لقد أرغمه أن يعدّهم، إذا قال له: ثقيلة الوزن، جعله يحملها، إذا قال له: الطريق طويل، هو مشى وقدر المسافة، لم يسمحوا لنا بالمصعد، بلغه بذلك، الغرفة بآخر الممشى قلت لك ذلك ضمن المكتب إلى الداخل غرفة على اليمين على الرفوف، لو طبقتم هذه الطريقة بكل حياتكم لما وجدت المشاكل، كل شيء أوضحه، هو أساساً الفقه من أجل ماذا؟ من أجل أن تتفرغ لعبادة الله، لا تكون بمحكمة ولا بحكم تجاري، وقّع واكتب ورقة، ثبّت كل شيء بتوقيع، بشاهد، بعقد.
أعرف رجلاً دخل بمدرسة كان رأسمالها لا يذكر لتفاهته، بعد عدة سنوات أصبح المبلغ تقريباً مئة ضعف، التعليم الخاص راج، وارتفعت أسعار المدارس، فهو دخل معه كشريك، دفع له عدداً من الدفعات بقدر رأسماله، هو فكر أن هذه أرباحها، الشريك يظن أنها أرباح، والأول أعطاه رأسماله دون أن يشعر، فلما جلسا للمحاسبة قال: أنا أخذتهم منك قرضاً، كاد أن يُصعق، لا يوجد وضوح، تدخل معي في هذا المشروع؟ أدخل معك، كلام شفهي بشفهي، اعمل عقداً واكتبه، فأنا أنصح الأخوة الكرام القرض بإيصال، البيع بثمن، أو بعقد، بأصول واضحة، الصفات واضحة.
3 ـ أن يكون بلفظ الماضي :
قال بعض العلماء: أن يكون بلفظ الماضي كأن يقول البائع: بعتك، يقول المشتري: قبلت، أو بالمضارع إن أريد به الحال، أبيع وأشتري، أما إذا أريد به المستقبل فهذا ليس بيعاً ولا شراءً، هذا اسمه وعد بالبيع، لا بيع ولا شراء، ولا يترتب على الوعد بالبيع شيء، إلا إذا إنسان يحترم اسمه عمل له وعداً بالبيع.
في الفقه شيء لطيف قال: ينعقد البيع بالإيجاب والقبول، وينعقد بالكتابة، الآن أكثر الاستيراد يلزمه رسالة مكتوبة تصل عبر الفاكس أو الإيميل، فممكن أن ينعقد بيع بالكتابة يوجد شروط يقبلها المشتري، ويرسل رسالة بتوقيعه.
قال: إذا كان كل من المتعاقدين بعيد عن الآخر، أو كان العاقد بالكتابة أخرس لا ينطق، أو ينعقد البيع عن طريق رسول من أحد المتعاقدين، مندوب يمكن.
أيها الأخوة، شروط البيع بعضها متصل بالعاقد وبعضها متصل بالمعقود عليه، الشروط التي لها علاقة بالعاقد أن يكون العاقد عاقلاً و مميِزاً، فلا يصح عقد المجنون ولا السكران ولا الصبي غير المميِز، فالمجنون والسكران والصبي الذي لا يميز عقده باطل.
قال: الصبي المميِز عقده صحيح، لكن صحته تتوقف على إذن الولي، إذا الولي أجازه يصبح عقده صحيحاً.
شروط صحة المعقود عليه :
الآن نحن أمام شروط صحة المعقود عليه: المعقود عليه له شروط أولها: طهارة العيب، وإمكان الانتفاع بهذا المبيع، وملكية العاقد له، والقدرة على تسليمه، والعلم به، وكون المبيع مقبوضاً، وسوف نفصل هذه الشروط لأنها مهمة جداً في دروس قادمة إن شاء الله تعالى.
الزواج والبيوع من أهم موضوعات الفقه :
أيها الأخوة، قضية البيوع قضية صعبة جداً لأن كل واحد منا يبيع ويشتري شاء أم أبى، وتعد أول موضوعات الفقه، الزواج والبيوع حاجتان أساسيتان، حاجة المسلم إلى تكوين أسرة، وحاجته إلى كسب رزقه، وقد قيل: إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت، فإذا الإنسان وفّق إلى زوجة صالحة يجب أن يعلم قواعد الزواج، وفرائضه، وسننه، ومستحباته، ومكرهاته، ومحرماته، قضية الزواج وقضية البيوع من أهم موضوعات الفقه، لأنها تدور مع المؤمن في كل شؤون الحياة.
الفقه يدور مع حاجات الناس كيفما داروا :
و:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ....))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7335/ar-7335/07.jpg
لكن في شرح طويل سنأتي على شرح هذا الحديث، يوجد شيء محرم بيعه وشراؤه كلحم الخنزير ولحم الميتة كالخمر والأصنام، فقال: ((...ِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ....))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
طبعاً يجوز بوقت من الأوقات سمّ الأفعى لا ينتفع به، أما الآن فمهم جداً، الفقه يدور مع حاجات الناس كيفما داروا، لأن الله عز وجل قبل أن نعبده باشتراط العلماء، الأفعى لا ينتفع بها سابقاً، أما الآن فأول دواء لخفض الضغط مأخوذ من سم الأفعى، الإنسان إذا لدغته أفعى لا سمح الله ضغطه يصل إلى الصفر، فيموت الملدوغ بانخفاض الضغط، أخذوا سم الأفعى ومددوه وعالجوه فأصبح أنجح دواء لخفض الضغط، فما كان لا ينتفع به سابقاً ينتفع به لاحقاً، وهناك أمثلة كثيرة.

السعيد
09-21-2018, 02:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : شروط المبيع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط المبيع :
1 ـ أن يكون طاهر العيب :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنـا في أهـم موضوع من موضوعات الفقه ألا وهو البيوع، ذلك أن كل مسلم لا يخلو من أن يبيع أو أن يشتري، فلذلك طلب الفقه حكم واجب على كل مسلم، وصلنا في الدرس الماضي إلى شروط المبيع، تحدثنا عن شروط البائع أو الشاري ووصلنا إلى شروط المبيع.
أول شيء في هذه الشروط أن يكون طاهر العيب، المبيع البضاعة، الشيء الذي تبيعه أو الشيء الذي تشتريه، ينبغي أن يكون طاهر العيب، لحديث جابر:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/01.jpg
الحقيقة: قد يفهم بعض الأخوة أن استخدام هذه المواد المحرم أكلها حرام، الجواب: لا، حرام بيعها، أما الشيء الذي يحرم أكله فقد ينتفع به فالضمير يعود إلى البيع بدليل أن البيع هو الذي نعاه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث نفسه، وعلى هذا يجوز الانتفاع بشحم الميتة بغير البيع فيدهن بها الجلود، ويستضاء بها وغير ذلك، مما لا يكون أكلاً أو يدخل في بدن الإنسان.
أحد كبار العلماء قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم حرام قولان: أحدهما أن هذه الأفعال حرام، والثاني أن البيع حرام، فإن كان المشتري يشتريه من أجل أن ينتفع به طبعاً القولان مبنيان على أن السؤال: هل وقع التحريم عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أو عن الانتفاع المذكور؟
الأول: اختاره هذا العالم الجليل أن البيع حرام لكن الانتفاع بهذه المواد ليس حراماً والدليل: ((... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
جملوه أي أذابوه، والعلة في التحريم هي النجاسة عند جمهور العلماء، فيتعدى هذا إلى كل نجس، أول شرط من شروط البيع أن يكون طاهر العيب، فكل شيء نجس محرم بيعه، ولكن ليس محرم أن ننتفع به. تصميم الله عز وجل هو الكمال المطلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/02.jpg
السادة الأحناف استثنوا من تحريم البيع بيع الأرواث والأزبال النجسة التي تدعو الضرورة إلى استعمالها في البساتين، الأسمدة الحقيقة الآن هي الأسمدة العضوية، والعالم في حقب كثيرة سار في طريق مسدود حينما استبدل الأسمدة الطبيعية بالأسمدة الكيماوية، الأسمدة الكيماوية رفعت ملوحة التربة وسببت مشكلات لا تنتهي، الآن عادوا إلى أصل التصميم، عادوا إلى السماد الطبيعي، حتى في مكافحة الأوبئة الزراعية عادوا إلى المكافحة الحيوية، لأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء موزون مع ما يقابله، فكل حشرة لها حشرة تلتهمها، فالآن بعد أن يئسوا من مكافحة الآفات الزراعية عادوا إلى المكافحة الحيوية، وعادوا إلى السماد الطبيعي، الشيء الدقيق أن تصميم الله عز وجل هو الكمال المطلق، وأي تعديل لهذا التصميم، وأي خروج عنه، وأي استبدال لهذا التصميم بتصميم آخر، فهو نحو الأسوأ قولاً واحداً.
على المؤمن أن يعتز بدينه الإسلامي :
الآن: أهل الدنيا عادوا إلى الدين لا عبادة بل عادوا إليه اضطراراً، قبل أن ينحل الاتحاد السوفيتي حرم الخمر تحريماً قطعياً لا لأسباب تعبدية، ولا لأسباب دينية، ولكن لأسباب اجتماعية واقتصادية، حسبوا كم من ساعات العمل تضيع بسبب شرب الخمر، الآن هناك جامعات في أمريكا بعضها للذكور وبعضها للإناث، وكلما تقدم العلم وجد بالبحث الدقيق والتحليل العميق أن التصميم الإلهي هو الكمال المطلق، وأي تصميم آخر نقص محقق، لذلك عودة أهل الدنيا الشاردين إلى أحكام الدين لا عن تعبد ولكن عن اضطرار، لذلك كلما تقدم العلم اقترب من الدين، الدين هو الأصل، والذي يؤلم أشد الألم أن بعض المسلمين إذا رأوا قضية دينية توافقت مع الدين يفرحون بالدين، أن تفرح بدينك لأن العلم يوافقه هذا ضعف في إيمانك، ينبغي أن تفرح للعلم إذا اقترب من الدين.
هكذا سمعت: مركز إسلامي بدولة عظيمة صاحب منصب رفيع جداً يقترب من رئيس الجمهورية زار هذا المركز، رئيس هذا المركز أُخذ بهذه الزيارة، نائب رئيس جمهورية في دولة عظمى تحكم العالم الآن فكان هناك احتفال بمركز إسلامي، وهذا النائب زار هذا المركز فقال له من يشرف على هذا المركز: إن مجيئكم على هذا المركز اعتراف بنا وبديننا، فقال هذا المسؤول الكبير قال: إن دينكم يحتل ثلث العالم، وإن نبيكم أعظم قائد في العالم، ودينكم وقائدكم أكبر بكثير من أن يحتاج إلى اعتراف به من أمثالي، فالقضية أن تعتز بدينك، أنت معك الوحي ومعك الحق المطلق، أنت معك تعلـيمات الصانع ومعك الحق الخيّر، لكن من ضعف المسلمين يأتون بأدلة على عظم دينهم من أعداء الدين.
الانصياع لأمر الله حباً لطاعته :
عثرت في موضع معلوماتي على أن المرأة المتبرجة تزداد احتمالات إصابتها بسرطان الجلد، وهذه النسب بدأت ترتفع في العالم الغربي، ذلك أن جلد المرأة حساس جداً، فإذا كشفت هذا الجلد ومشت في الشمس ساعات طويلة فالشمس وحدها مع التعرض لها ساعات طويلة ممكن أن تسبب سرطان للجلد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/03.jpg
التعليق الدقيق: أن المرأة إذا خافت على جلدها من السرطان فتحجبت فإنها لا تعبد الله أبداً، تعبد مصلحتها، وتعبد ذاتها، وتعبد سلامتها، لكن المرأة المؤمنة لو علمت أن أشعة الشمس تزيد جسمها صحة ونشاطاً وتزيد جلدها حيوية، فالقضية التعبدية تغيب عن معظم الناس.
توجد نغمة أنا أحياناً أستخدمها لكن مع ضعاف الإيمان، الصلاة تعد تمرينات رياضية من أكمل الأنواع، ومتوازنة ومعتدلة، ويمكن أن يفعلها كل إنسان ذكراً كان أم أنثى، كبيراً أو صغيراً، في أي وقت وفي أي مكان، أنت إذا أقبلت على الصلاة لأنها تليّن عضلاتك أنت لست عابداً لله، وإذا أقبلت على الوضوء لأنه يوسع شرايينك فأنت لست عابداً لله، إذا أقبلت على الصيام لأنه يصون أجهزتك فأنت لست عابداً لله، ينبغي أن تنصاع لأمر الله حباً بطاعته فقط، قد تأتي منفعة جانبية لا مانع، لكن ألا يكون الباعث لهذه الطاعة سلامة الجسم.
جواز بيع كل نجس ينتفع به :
من شروط البيع الأولى: أن يكون المبيع طاهر العيب، فالأشياء النجسة كالخمر، كالخنزير، كلحم الميتة يحرم بيعه، ولا يمنع أن نستخدمها كما أشار النبي عليه الصلاة والسلام في غير أكلها وشربها.
يجوز بيع كل نجس ينتفع به في غير الأكل والشرب كالزيت النجس يصبح منه وقعت فأرة في الزيت هل نبيع الزيت؟ أصبح زيتاً نجساً وبيعه محرم، ماذا نفعل؟ نستخدم هذا الزيت للاستصلاح، أو لصنع الصابون فرضاً، الأحناف أجازوا بيع الشيء النجس بغير الأكل والشرب من أين جاؤوا بالدليل؟ الحقيقة: الحديث الأول النبي الكريم قال: إنه حرام، وقد عقّب بعض العلماء على هذا التحريم أن النبي عليه الصلاة والسلام في البدايات لئلا يختلط الحلال بالحرام منع بيع الأشياء النجسة، لكن بعد حين بعد أن ترسّخ الحق في النفوس سمح ببيعها استناداً إلى هذا الحديث الشريف:
((عن ابن عمر سُئل عن زيت وقعت فيه فأرة فقال: استصبحوا به وادهنوا به أدمكم ))
[البيهقي بسند صحيح عن ابن عمر]
سمح أن نستصبح بالزيت وأن ندهن به الجلد، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ على شاة فوجدها ميتة ملقاة فقال: ((...هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أ َكْلُهَا ))
[مسلم عن ابن عباس]
ومعنى هذا: أنه يجوز الانتفاع في غير الأكل ومادام الانتفاع جائزاً فإنه يجوز بيعها، حتى لا يقع إشكال لماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((..... لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ .....))
[مسلم عن أبي سعيد الخدري]
حديث صحيح من أمهات الأحاديث، النبي عليه الصلاة والسلام في مرحلة معينة خاف أن يختلط كلامه بالقرآن الكريم فقال: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي" بعد أن نضج الصحابة الكرام وأصبح أسلوب القرآن واضحاً بيناً نيّراً سمح بالكتابة قال: ((..... قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ ))
[الدارمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
التحريم مرحلة، كذلك تحريم بيع الأشياء النجسة لغير الأكل والشرب كان مرحلياً، فلما توضح هذا الأمر عند أصحاب رسول الله قال: ((...هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ .. ))
[مسلم عن ابن عباس]
وكل شيء ينتفع به يجوز بيعه، هذا رأي السادة الأحناف.
أخواننا الكرام، كل إنسان يعمل في البيع والشراء ينبغي أن يقف على أحكام الشرع في البيع والشراء، لأنه من لم يتفقه أكل الربا شاء أم أبى، ودائماً وأبداً هناك ما يسمى في الفقه العلم الذي ينبغي أن يُعلَم بالضرورة، ما هو العلم؟ أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وحقوق الزوجة، وحقوق الزوج، والبيع والشراء، يمكن أن يندمج تحت بنود العلم الذي ينبغي أن يُعلَم بالضرورة لأنه ما من واحد منا إلا ويبيع ويشتري ولو لم يكن تاجراً. 2 ـ أن يكون منتفعاً به :
الشرط الثاني: أن يكون منتفعاً به، فلا يجوز بيع الحشرات ولا الحيّة ولا الـفأرة إلا إذا كان ينتفع بها.
بالمناسبة الفقه أحياناً يدور مع المتغيرات، يوجد بالإنسان ثوابت هذه لا تتغير لا بمكان، ولا بزمان، ولا بظرف، ولا ببيئة، ولا بحضر، ولا ببدو، ولا بريف، ولا بتخلف، ولا بتقدم.... هذه الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة لا يختلف فيها اثنان، يقول: الدين فيه اختلاف، في الثوابت ليس هناك اختلاف أبداً، لأن الله جل جلاله جعـل الأحكام المتعلقة بالثوابت قطعية الدلالة لا تحتاج إلى اجتهاد أبداً، أنا إن قلت لك: أعط فلاناً ألفاً ومئة درهم هذا النص لا يحتاج لا إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلا اجتهاد، ولا إلى فهم واضح، القضايا الكبيرة المتعلقة بالعقيدة والعبادات الكبرى أحكامها جاءت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، أما المتغيرات فجاءت بنصوص ظنية الدلالة، والنص الظني الدلالة من قبل الله عز وجل له حكم خاص، لو أن النص ظني الدلالة من قبل غير الله لكان يفسر تفسيراً آخر، كل إنسان يتكلم قد تأتي عبارته فضفاضة فتحتمل معاني كثيرة، إذا أنت قلت: القمح مادة خطيرة تقصد أنت أنها أساسية، لكن الثاني سمعها أنها مادة مفجرة، لا ليس كذلك، فكلمة خطيرة كلمة فضفاضة، المعنى الذي أردته أنت هو فهم معنى آخر، هذه كلمة اسمها احتمالية، فإذا ورد في القرآن نص احتمالي أو نص ظني الدلالة فله خصائص أخرى أن الله أراد كل الاحتمالات معاً هذه نقطة مهمة جداً.
فالاجتهاد محله النص الظني الدلالة، النص يفهم على حالات عديدة، لو قلت لك: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه، هذا نصف آخر، النصف الأول أعطه ألفاً وخمسمئة درهم نص قطعي الدلالة لا يحتاج إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلى اجتهاد، ولا إلى استنباط، كله مقطوع، أما إذا قلت لك: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه يا ترى نصفه تعود إلى الألف أم إلى الدرهم؟ مسافة كبيرة جداً، لو قلت: أعط فلاناً مليون دولار ونصفه مثلاً، فالفرق نصف مليون دولار، مئتان وخمسون مليوناً الفرق، فالعبرة أن تعيد هذا الضمير إلى الألف أو إلى المليون دولار، هذا اسمه نص احتمالي، وهو موضع الاجتهاد، المتغيرات في حياتنا مغطاة بنص احتمالي فمثلاً: الأفعى لا تباع أبداً لأنها ليست نافعة، ضارة مميتة، لكن الآن أول دواء للضغط مأخوذ من سمّ الأفعى، الأفعى حينما تلدغ الإنسان يموت فوراً لانخفاض ضغطه إلى الصفر، فإذا أخذنا سمّ الأفعى ومددناه وأعطيناه مقادير قليلة هو خير دواء لارتفاع الضغط، فالآن الأفعى ينتفع بها، فالشرع يدور مع المتغيرات أحياناً، قال: لا يجوز بيع الحشرات ولا الحية ولا الفأرة إلا إذا كان ينتفع بها، إذاً توجد حالة استثناء.
يجوز بيع الهرة، والنحل، وبيع الفهد لحديقة الحيوان، وما يصلح للصيد، أو ينتفع بجلده، يجوز بيع الفيل للحمل، بيع الببغاء والطاووس والطيور المليحة الصورة وإن كانت لا تؤكل، يجوز بيع الكلب مع أن النبي نهى عنه، لكن كلب الحراسة هو الكلب المعلل، فكلب الصيد والحراسة مستثنى من بيع الكلب.
إذاً الشرط الثاني في المبيع أن يكون منتفعاً به، فإذا الشيء كان بعصر لم يكن منتفعاً به ثم أصبح منتفع به يأخذ حكماً جديداً، الفقه اجتهادي ويمكن أن يدور مع التفوق، لكن الشيء الذي حرمه الله قطعاً لا يمكن أن يأتي وقت يصبح فيه حلالاً.
3 ـ أن يكون مملوكاً :
الشرط الثالث: أن يكون المبيع مملوكاً، من الذي يبيع شيئاً لا يملكه؟ قال: هو إنسان فضولي، الآن توجد آلاف المطبات وآلاف الأخطار من أن تشتري بيتاً ممَن لا يملكه، أن تشتري بيتاً بوكالة مزورة، البيع باطل، فالإنسان قبل أن يشتري يجب أن يتأكد من أن الذي باعه هذا البيت مالك له، وتمت بيوع بيوتات بمئات الملايين بوكالات مزورة، الفقه يبعدك عن المحاكم، من تفقه في دينه كان يقظاً، فبيت تشتريه ينبغي أن تعلم من صاحبه، بالقوانين النافذة إذا استأجر أحد بيتاً من إنسان ليس مالكاً لهذا البيت وبقي المالك بعد علمه ساكتاً سنتين يصبح العقد صحيحاً، فإذا أنت أيضاً كنت مالكاً حقيقياً وجاء إنسان وأجّر بيتك أو باع بيتك وبقيت أنت ساكتاً مدة سنتين يجعل هذا البيع صحيحاً،فكم من حالة بيع أو إيجار تألم مالك البيت وبقي ساكتاً إهمالاً فانقلب العقد إلى عقد صحيح.
الفضولي: هو الذي يعقد لغيره دون إذنه كأن يبيع الزوج ما تملكه الزوجة بدون إذنها، أو أن تتري لها ملكاً دون إذنه بالشراء، فلدينا شراء فضولي وبيع فضولي، أو أن يبيع لغيره في غيبته، أو أن يشتري لغيره في غيبته، قال: عقد الفضولي يعتبر عقداً صحيحاً إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك، إذا المالك أجاز أصبح العقد صحيحاً، فإذا أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل.
أدلة من حياة الرسول :
الآن أدلة من حياة رسول الله:
((...عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا لِأَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ فَبِعْتُ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ.....))
[الترمذي عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ]
طبعاً بيع حلال اشترى بالدينار شاتين، باع الشاة بدينار بقي دينار. ((...عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا فَجَاءَ بِالْأُضْحِيَّةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَار.. ))
[الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]
ففي الحديث الأول أن عروة اشترى الشاة الثانية وباعها من دون إذن مالكها، وهو النبي الكريم، ولما رجع وأخبره أقرّه ودعا له، فدلّ ذلك على صحة شراء الشاة الثانية وبيعه إياها لأن النبي أقره على هذا البيع، فأنت تبعث موظفاً عندك يبيع أو يشتري فإذا سُئلت عن هذا موافق؟ موافق نعم. 4 ـ أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه شرعاً وحسّاً :
الشرط الرابع: أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه شرعاً وحسّاً، فما لا يقدر على تسليمه حسّاً لا يصح بيعه، كالسمك في الماء سموه بيع الغرر.
((لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/04.jpg
[ أحمد عن عبد الله بن مسعود ]
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ....عَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
والمراد به أن يقول من يعتاد الغوص لغيره: ما أخرجته في هذه الغوصة فهو لك بهذا الثمن، لوجود شيء مجهول. الجهالة تفضي إلى المنازعة :
أخواننا الكرام، بالبيع والشراء أكبر سبب للتنازع والخصومات والمحاكم والنكوص بالبيع هو الجهل، فالجهالة تفضي إلى المنازعة، فكلما وضحت واستوضحت الأمور فأنت في أمان، وكلما كان هناك جهالة في المبيع في الثمن، في وقت التسليم، في وقت القبض، ووقت الدفع، هذه الجهالات تسبب المنازعات.
بصراحة الذي يحصل هو البائع يريد أن يبيع فيغفل الشروط القاسية الذي يتحملها المشتري، والمشتري يريد أن يشتري فيغفل طريقة الدفع، تصبح حالة بالعامة اسمها المغمغة، لا يوجد شيء واضح، البائع متعلق بالبيع يضع سعراً عالياً وقبضاً فورياً، والشاري متعلق بالمبيع يضع سعراً بخساً وأداء متأخراً فيتصادمان.
تكاد تكون أكبر المشكلات بين التجار الجهالة، يشتري على مسطرة قماش ألوان زاهية جداً تأتي البضاعة على غير ما اشترى تنشأ منازعة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/05.jpg
أنت إن أردت أن تكون مرتاحاً، وألا تدخل إلى المحاكم إطلاقاً، وألا تقع في منازعات لا تنتهي، كن واضحاً في كل شيء، فضربة الغائص وشراء السمك في الماء وبيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد أن يرجع بيع ليس صحيحاً، أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، كثير من الأشخاص يمسك مساطر بيده يبيع عليهم، أنت تبيع ما لا تملك وما لا تقدر على تسليمه، لو أنك عدت إلى صاحب البضاعة فقال لك: بعتها، وأنت بعت بضاعة في مكان آخر، لا تستطيع أن تسلم هذه البضاعة لأنك لا تملكها، ويقع أناس كثيرون في أخطاء لا تعد ولا تحصى، معه مسطرة يبيع لم يدفع ثمن البضاعة يظن نفسه أنه متفوق في البيع والشراء، قد ترجع لتأخذ البضاعة يقول لك: لا يوجد قد بعناها، وأنت بعت بيعاً غير صحيح، بعت ما لا تملك، لا تبع ما ليس عندك، لا يجوز بيع اللبن في الضرع، ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان، ولا يجوز أن يباع التمر حتى يبدو صلاحه، ولا يجوز بيع السمن قبل أن يستخرج من اللبن، ولا يجوز بيع المرهون ولا الموقوف، كم بيت يُشترى الآن وعليه إشارة رهن؟ البيع باطل، لست قادراً على تسليمه.
ودائماً يا إخوان البائع عندما يريد أن يخدع المشتري يقول: أنا مضطر لأن تعطيني جواباً الآن، يريد أن يبيع بيتاً حتى تذهب إلى السجلات الرسمية لتكشف في لوحة هذا البيت يلزمك يومين، فأنت لا تعجل قل له: لا يوجد نصيب، لا بد من أن أكشف حقيقة هذا البيت، قد يكون مرهوناً، قد يكون بالأساسات خلل كبير، وأمر بإخلاء البيت، قد يكون وقد يكون... أساليب الغش في البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، أهم شيء في الموضوع أن يكون كل من المبيع والثمن معلوماً.
في كل بضاعة قياسات وأشكال وألوان ودرجات ومراتب، فغرفة نوم كلمة عامة، الصالة فيها عشرون غرفة نوم، قلت له: ابعث لي غرفة نوم، يجب أن تكون معيناً، فلذلك يجب أن يكون المبيع والثمن معلوماً.
جار قال لجاره النجار: ابعث لي هذه، فبعثها له، وأرسل له ثمنها بدفعات أسبوعية، ثم أوقف الدفعات قال له: أين الباقي؟ هو يعتقد أنها بثمانين ألفاً لكن ثمنها مئة وخمسون، واختلفوا ودخلوا المحاكم، يجب أن يكون المبيع والثمن معلوماً، وسأضيف وطريقة الدفع معلومة، والتسليم معلوماً، متى يسلم المبيع؟ متى يستحق دفع الثمن؟ ما نوع الثمن؟ أحياناً يكون بدون توضيح يوجد عملات محلية وعملات دولية وسعر مجاور أوضح كل شيء، يقول العلماء: إذا كان الثمن والمبيع مجهولين أو كان أحدهما مجهولاً فإن البيع لا يصح لما فيه من غرر، والعلم بالمبيع يكتفى فيه بالمشاهدة، لكن هنا يوجد لغم، تفضل هذه سيارة، الشاري لا خبرة لديه اليوم توجد سيارات تظنها لم تركب بعد وهي قالبة ومقطوعة فيجب أن توضح حقيقة هذه المركبة، فإذا كان المبيع والثمن مجهولين أو كان أحدهما مجهولاً فإن البيع لا يصح.
بيع ما غاب عن مجلس العقل:
أيها الأخوة، أما إذا كان البيع غائباً عن مجلس العقل فيجوز البيع، لكن إذا رأيت المبيع بعد حين لك أن تنجز المبيع أو ألا تنجزه، من اشترى دون أن يرى فله الخيار إذا رأى، ممكن أن يغيب المبيع عن مجلس العقل، مباع بالشحن لها مصادر، لو جاءت البضاعة بحقيقة بخلاف هذه النماذج يفسخ البيع، قال: يجوز بيع ما غاب عن مجلس العقل بشرط أن يوصف وصفاً يؤدي إلى العلم به، فإذا ظهر موافقاً للوصف لزم البيع، وإن ظهر مخالفاً ثبت لمن لم يره من المتعاقدين الخيار في إمضاء العقد.
((....عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما قَالَ بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ.....))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما]
روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه ))
[ الدار قطني عن أبي هريرة]
وأحياناً يكون هناك مشقة للرؤية، اشترى ألف علبة سمنة هل من المعقول أن يفتح واحدة واحدة، يأخذ عينات عشوائي لا على التعيين يفحصهم، كل عشر واحدة فبكل مصلحة يوجد تقاليد تحل محل الرؤية، مثلاً: الجزر واللفت والبطاطا والبصل هذه لا تشترى إذا رأيتها تحت الأرض، فيوجد خبراء يقدرون حجمها وقيمتها. بيع الجزاف :
عندنا شيء اسمه بيع الجزاف كم من الألبسة تباع من غير عدد كما تراها، أحياناً طعام كومة دون وزن هذا البيع جزاف أيضاً يصح، ترى شكلها إجمالاً أما بالتفاصيل فلا يوجد، بيع الجزاف هو الذي لا يعلم قدره على التفصيل، وهذا البيع كان متعارفاً عليه بين الصحابة الكرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان المتبايعان يعقدان العقد على سلعة مشاهدة لا يعلم مقدارها إلا في التخمين من الخبراء، وقال ابن عمر: كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق.
لكن الجزاف يحتاج إلى نقل حتى يصح البيع وله تفصيل دقيق، بالنقل إذا وجد شيء غير صحيح ينكشف، مرة وجدت صحن حلويات تقدر فيه كيلوان ظهر أنه قشرة رقيقة وكله ورق مجموع في الأسفل فقط قشرة خارجية، فهذا بيع جزاف، أنت اشتريت كيلوان فإذا بالوزن وقيتان، ففي موضوع الجزاف ينبغي أن ينقل حتى يصح البيع.
5 ـ أن يكون المبيع مقبوضاً :
ومن شروط البيع أيضاً أن يكون المبيع مقبوضاً، إذا إنسان باع شيئاً وكان اشتراه سابقاً وكان يملكه ينبغي أن يكون مقبوضاً لديه، هذا ينقلنا إلى بيع خطير جداً بيع المضاربات، خمسون ألف طن بالبرازيل فرضاً يباعوا ألف مرة وهم بمكانهم، يصبح البيع مقامرة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7337/ar-7337/06.jpg
لأن الشاري ما ضمن المبيع اشترى وأصبح ملكه لكن في ضمان البائع، فهو باع وربح لكن لم يضمن المبيع، فإذا لم يوجد ضمان البيع أصبح ربوياً، أما أنت عندما تأتي بالبضاعة إلى بلدك تستوردها وتخزنها أصبح هناك ضمان، ولو تلفت فهي على مسؤوليتك، الموضوع دقيق، فلا يصح أن تشتري بضاعة من بائع لم يقبضها، وإذا أقفلنا هذا الشرط دخلنا في المضاربات الدولية، تجد البلد بحاجة ماسة لمادة أساسية غذائية، هذه المادة تباع بكميات فلكية في منابعها باليوم مئات المرات، وتتحقق أرباحاً طائلة والبضاعة في مكانها، فكأنك قامرت بمادة غذائية.
((عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ ))
[البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
فرضاً: أحدهم اشترى مادة غذائية، وكون الذي باعها قبض ثمنها وهي عنده بمخازنها، قبض ثمنها فلم يعد يهمه سلامتها، فالأول باعها وهي فاسدة دون أن يعلم باعها مرة ثانية، أما حينما يأخذها إلى مخازنه، ويضمن سلامتها، ويعلم أحوالها، يكون بيعه صحيحاً، فلئلا تباع ولاسيما المواد الغذائية تباع من دون ضمان ومن دون تفحص فلابد من أن تنقلها إلى رحلك، وحول هذا الموضوع مذاهب شتى بعضه يختصر على المواد الغذائية وبعضهم يعمم على كل المواد، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى الإشهاد على عقد البيع والحمد لله رب العالمين. أسئلة و أجوبة :
سؤال:
أنا أعمل في محل بيع شوكولا، ثمن الكيلو ثلاثمئة وخمسون، نضع الشوكولا في علبة بلاستيك ونحتسبها مع الوزن، وزن العلبة مئتان وخمسون غراماً، نشتري العلبة بثماني عشرة ليرة، وتباع للزبون كوزن بخمس وثمانين ليرة بسعر الشوكولا، أحياناً تشتري الأجاص بصندوق، ثمن الكيلو خمسون ليرة، وتحسب بالصندوق كيليين، يحضرون الحطب ويضعونه بالماء مدة، بالزاوية توجد حطبة كبيرة منقوعة بالماء ومحسوبة أنها كيلوان وهي خمسة كيلو، ثلاثة كيلو بخمسين فيوجد غش واضح جداً، يوجد مواد غالية جداً توضع في ورق ثمين وورق ثخين وله وزن، هذا كله من الغش.
سؤال:
أخ يقول: أنا أقرأ القرآن قراءة عادية لا ألتزم بقواعد التجويد لأني أجهلها وسني يقارب الخمسين هل ضروري أن أذهب لأتعلم القواعد الصحيحة؟
طبعاً الأكمل أن تقرأه مجوداً، أما إن لم تستطع النبي الكريم ذكر الذي يتعتع في القرآن، الأكمل أن تقرأه مجوداً، وحق تلاوته أن تقرأه تلاوة صحيحة، وأن تقرأه قراءة مجودة، وأن تفهمه وتعمل به، هذه المعاني كلها تنطوي تحت حق تلاوته.
سؤال:
أنا أبيع أقمشة على مساطر موجودة عندي لضيق المحل وبالاتفاق مع البائع الأساسي هل هذا جائز؟
إذا كانت البضاعة موجودة وتملكها في المستودع ومعك مساطرها، والآن تكلمنا إذا توافقت المساطر مع البضاعة البيع جائز، أما إذا اختلفت فالبيع غير جائز.
سؤال:
- يقول: بيع مجلات البوردا جائزة؟
إذا وجد في البيت مجلة وفيها صور نساء شبه عارية وأكثر مجلات الأزياء هكذا ويوجد بالبيت شباب وصغار ومراهقون والصورة لها أثر كبير جداً لدرجة أنها تدفع إلى المعصية، فطبعاً الأب المنضبط عنده مقص رقابة بالبيت، لا يسمح بمجلة فيها صور فاضحة أو صور شبه عارية على أساس مجلة أزياء، أنت متزوج وعندك زوجة لكن هذا ليس عنده زوجة، يوجد فرق كبير بين أحدهم عنده زوجة والآخر لا زوجة لديه، فعلى كل لا ينبغي أن يكون في البيت شيئاً يثير شهوة الصغار أو المراهقين ويدفعهم إلى المعصية.
سؤال:
أخ يقول لأخ: أنا يلزمني مبلغ وقد يكون مليون ليرة وأنا مسافر أعطيك على كل سفرة خمسين ألفاً؟
نحن نريد ربحاً حقيقياً قد يزيد وقد ينقص، أما أخذت منه مليوناً وكلما سافرت على السعودية أعطيته خمسين ألفاً على السفرة كأنك أعطيته ربحاً ثابتاً، والربح الثابت تقريباً ربا، فلذلك الاستثمار بالتجارة يكون حلالاً صرفاً إذا كان الربح حقيقياً محققاً محسوباً مدروساً فالمساهمة حلال، أما إذا كان الربح مقطوع فأصبح كأنه فائدة .






الختام