المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفقة الاسلامى 2


السعيد
09-08-2018, 07:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الاول )


الموضوع : شروط الزواج





تحريم الزواج بالمشركة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء . من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة ، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة ، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر ، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة أي هذا اللانمطي ، اللاديني ، الذي لا يؤمن بشيء ، ويفعل كل شيء ، هذه الإباحية ، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها .
فالوثنية من تؤمن بالوثن ، من تعبد صنماً ، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية، والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت ، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة كالوجودية ، ونحوها من مذاهب الملاحدة ، هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن . ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة : 221]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/01.jpg
أي الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة ، وإن كانا على خلاف ذلك ، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم ، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم .
الحقيقة هناك سبب أو علة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة ، هذا الإنسان الذي لا دين له . . ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواه ، فيه نظام ، فيه ما يجوز وفيه ما لا يجوز ، فيه ما هو مباح وفيه ما هو غير مباح ، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء ، أي اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة : 222]
خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة : 183]
هذه العلة ، السبب ، الهدف . . ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[سورة البقرة : 222]
فالزوج المشرك أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً ، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به . هذه العلة ، فالإنسان الذي لا دين له ، لا كتاب سماوي لديه ، لا يخاف من الله ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخـــف من لا يخافني " .
هذا الذي لا يخاف الله يخيف ، ليس عنده رادع ، ليس عنده شيء لا يجوز ، ليس عنده شيء حرام ، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية ، للرحمة ، للقيم . دابة فلتانة . ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف : 28]
علة الزواج بكتابية :
أما الكتابية فشيء آخر ، الكتابية تؤمن بالله ، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى ، تؤمن بشيء لا يجوز وشيء يجوز ، فالكتابية شيء ، والمشركة شيء آخر ، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها .
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب .
الحقيقة يوجد آيتان ، آية تبيح وآية لا تبيح ، وبعضهم جمع بينهما ، لأن هناك حالات تبيح ، وهناك حالات لا تبيح ، أي إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين ، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين ، فإذا كان الدين المسيحي أقوى من الإسلام في العالم ، وله مركز الصدارة ، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين ، أو لدين أقوى الأبوين ، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين .
شيء عانيته بنفسي ، زرت صديقي ، هو متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب ، قال لي: أولادي على دين أمهم ، يميلون إلى أمهم . حتى طالب كان ديانته الإسلام ، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه ، أي إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الأولاد على دين أمهم . أما إذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً ، لكن المسلمين هناك مراحل يكونون فيها في مركز الصدارة ، وفي مركز القوة ، و مراحل أخرى ينتابهم الضعف ، فإذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو مركز الصدارة ، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً ، دينك هو الأقوى .
هناك شيء آخر : الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود ، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج ، فلعل هذه المرأة الكتابية إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء ، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً ، في هداية زوجته وأهل زوجته . أي لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ ، لسبب وجيه ، أن يأخذ بيدها ، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها ، أو إذا كان دينه هو الأقوى . أما في بعض الحالات فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشؤون تنشئة لا ترضي الأب ، وهذا ما يحصل كثيراً ، كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها .
تحريم زواج المسلمة بغير المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/02.jpg
أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً ، هناك حكمة بالغة ، لأن للرجل القوامة ، الرجال قوامون على النساء ، مسلمة تخاف من الله ، تحب أن تطيع الله عز وجل ، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور ، لا يمكن هذا ، يأمرها أن تختلط مع الرجال، يأمرها بما لا يرضي الله ، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع ، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده ، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده ، والولاية له ، والقوامة عائدة للزوج ، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[سورة الممتحنة :10]
هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم . تعدد الزوجات :
أما الزيادة على الأربع فطبعاً ربنا عز وجل قال :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
[سورة النساء : 3]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/03.jpg
طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة ، مثنى وثلاث أي اثنتان زائد ثلاث صاروا خمس ، ورباع زائد أربع صاروا تسع ، بعضهم فهم مثنى على اثنتين اثنتين أي أربع ، وثلاث ست صاروا عشر ، ورباع ثماني صاروا ثماني عشرة . طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس ، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنتين ، ثلاث ، أربع ، ما أحد فعلها إطلاقاً ، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب إطلاقاً ، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى ، ثلاث ثلاث ، رباع رباع ، إذا أردت التكرار تكرر .
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير ، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية ؟ لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة ، مثنى أو ثلاث أو رباع ، لو استخدمنا أو فهذه للتخير ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إما اثنتان وإما ثلاث ، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاث ، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل ، هي أوضح شيء مثنى وثلاث ورباع ، فقال الإمام الشافعي : بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة ، وهناك أدلة أخرى . النبي الكريم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : اختر منهن أربع . إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع ، أما في هذه الأيام فالواحد ليس بمقدوره أن يأخذ أكثر من واحدة .
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات ، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات . * * *
المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة . ((إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم))
[ الطبراني عن أبي أمامة ]
هذا الحديث له معنيان ، المعنى الأول : أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل ، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير ؟ تنتظر إكراماً من إنسان مقطوع عن الله ، تنتظر إنساناً لا يعرف الله أن ينصفك ، مستحيل ، تنتظر إنساناً يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل ؟ مستحيل ، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب . . الناس يستخدمون عبارة أن فلاناً ابن عائلة أي ابن أسرة عريقة ، يبدو أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة ، لها تقاليد ، لها عادات مقتبسة من الدين ، فالإنسان يردعه دينه ، أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب ، الدين بحكم العقل دين ، أما أولاد الأسر الراقية فبحكم العادة ، ألفوا عادات راقية ، فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين ، وأن هذا الدَّيِّن يعرف مهمته في الحياة ، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح ، وهذا العمل هو بغيته ، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود ، هذا الدين ، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية ، هذه الأسرة كما قلنا : لها تربيتها ، لها عاداتها ، فيها الحياء ، فيها الوقار ، الصغير يحترم الكبير ، الكبير يحنو على الصغير ، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة ، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم .
أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين ، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع ، فقلت لابنه : ألا تغار على سمعة أبيك ؟ قال : نعم ، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك ، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور ، أي يخاف على سمعته ، يخاف على سمعة أبيه ، يخاف على اسم أبيه ، فهذا ليس بداع ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة ، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة ، أما الأول فبحكم العقيدة . أو بذي حلم ، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة ، أي إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضجاً جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم ، حتى إني أقول كلمة : إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج ، ويختلف عنه في البواعث .
مثلاً مدير دائرة مؤمن ، ومدير دائرة ذكي ، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل ، بحكم ورعه ، بحكم خوفه من الله عز وجل ، يعدل بين الموظفين ، يتواضع لهم ، يبحث في مشكلاتهم ، يعين ضعيفهم ، يقبل العذر من المقصر، لطيف ودود ، هذه صفات المؤمن .
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين ، لا حباً بالله ، ولا خوفاً من عقاب الله ، ولا يبتغي بهذا العمل رضا الله أبداً ، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس ، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة ، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين ، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع ، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس ، ينتزع محبتهم ، ينتزع مودتهم وتكون له هذه ، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق . هذه المشكلة التي تحير المؤمن . يا أخي الجماعة في أوربا صادقون . . نعم ، لا يغشون . . نعم ، بضاعتهم درجة أولى صحيح ، يصنفونها لك تصنيفاً صحياً ، الشحن ، المواعيد كلها مضبوطة ، لا يوجد عندهم غش ، لا يوجد عندهم خداع ، نعم ، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث ، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل ، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا ، فرق كبير . . هذا الذي يعانيه بعض المسلمين . الإنسان الذكي لا يكذب ، الذكي لا يخلف وعده ، الذكي لا يتكبر . .
الآن إذا رجل تكبر ، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه ، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس ، وسخريتهم لا تحتمل . يأتي إنسان يتواضع ، إذا تواضع يثنون عليه ، يا أخي ما هذا ؟ متواضع ، نفسه هنية مثلاً ، لا يتكبر ، عطف علينا ، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له : الله يعطيك العافية ، كيف صحتك ؟ كيف أولادك ؟ هل يلزمك شيء ؟ هذا العمل يقوم فيه ذكي ، حتى ينتزع إعجابه ، الآذن يتكلم ، يقول لك : ما هذا ؟ مديرنا متواضع ، مديرنا الجديد ابن حلال ، هو هكذا يريد ، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول : " يا رب ، قرأنا القرآن من أجل رضاك ، يقول لهم : كذبتم ، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل، تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل ، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل " لما الإنسان يكون ذكياً يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين ، أما بالنوايا فشتان بينهما أين الثرى من الثريا ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/04.jpg
التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين ، أو لذي حسب ، أو لذي حلم ، طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجلاً جريحاً ، ورأى جمهرة من الناس حوله ، وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه ، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح ، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى ، إذا كانت نيته تكثير الزبائن - لأن الناس يثنون عليه - فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة ، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة ، عمله رحيم وهو خال من الرحمة . أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي ، يأتيه شخص له قيمته ، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي ، وهذا الشخص الوجيه الكبير الحق ليس معه ، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير والحكم انتشر وبلغ الناس ، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته ، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء ، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً ، حكمه عادل وهو ليس بعادل . لذلك النوايا دقيقة جداً ، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير ؟ هل أبتغي به السمعة والجاه ؟ (( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[متفق عليه عن عمر ]
(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))
[شعب الإيمان عن معاذ]
إذاً : " إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب ، أو لذي حلم " .
هذا أخلاقي ، أخلاقه جاءت من ذكائه ، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته ، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه ، هذا متدين ، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل ، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً . إذا إنسان رأى ابنه اقترب من المدفأة ، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه ؟ بشكل لا شعوري يصرخ فيه ، توبيخ الأب أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفأة ليس عملاً إرادياً ، عمل لا إرادي عفوي . المعروف عفوي عند المؤمن :
المعروف بالمؤمن عفوي ، غير مقصود ، لا يفكر ، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً ، شخص استجار به يجيره ، استغاث به يغيثه ، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعدها فوراً ، لا يناقش الأمور . أعمل أم لا أعمل ؟ ماذا سيتكلمون عني ؟ هذا شيء بالمؤمن غير وارد ، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة ، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه ، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه ، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز ألا يبيعه شقة ثانية ، ليس من باب وفاء دين ، لا ، لكن إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا ، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمئة ألف ، حسابه معي عشرون ألفاً سأدفعه قبل أسبوع ، إن دفعته قبل أسبوع سيحس هذا البائع الكبير أنني أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط ، أما أنا فمتأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع و طلبت منه مئة ألف سيعطيني ، ولكن بعد أن آخذ هذه المئة ألف أماطله . يقول لك : دخل في قلبي غرقنا ، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان ، يسمونه تكتيك ، بالتعريف الحديث مناورة . أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك ، مخادعة ، مناورة ، تكتيك . عندك تكتيك واستراتيجية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/05.jpg
المؤمن أخلاقه استراتيجية ، أي ثابتة ، لا يغير ، لا تحت ضرورة ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط ، أخلاقه هي هي ، أما الكافر فأحياناً يعمل خطة مرحلية ، أحياناً إنسان يقول لك : أتضع أموالي عندك ؟ تقول له : نعم ، أنا أعطي بالمئة ثمانية وأربعين أرباحاً ، ما هذا الكلام ؟ مبلغ مذهل ، أين ما كان بالمئة عشرة ، أو بالمئة خمسة عشر ، بالمئة عشرون إذا كان الإنسان موفقاً جداً ، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة ، عندئذ يأخذها ويهرب بها . وهذا شيء يقع باستمرار . هذا المعنى الأول : أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية ، أن هذه الأسرة لها عادات راقية بحكم العادة ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق ، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء . والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً ، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة ، وهناك شكاوى كثيرة تصلني ، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا ، وفعل معي كذا وكذا وكذا ، كان الرد بمنتهى الوقاحة ، بمنتهى اللؤم ، كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة ؟ لأن هذا ليس صاحب دين ، وليس صاحب نسب رفيع ، وليس صاحب ذكاء عال . . لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة ، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته ، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروفاً مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً ، أو رداً سيئاً ، أو رداً فيه مقاومة ، فالإنسان لا يُفاجأ ، و قد جاء في الحديث الشريف :
((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]
أي الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين ، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى ، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم ، لا ، أولادك أولى ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا مستجير بك ، فتعطيه من قوت أولادك ، تعطيه من حصة أولادك ، وتنجده ، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم . المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة هم المقلون يوم القيامة :
و:
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . طبعاً الحديث طويل ، وهذه أول فقرة منه ، المكثر يقول : عندي مال لا تأكله النيران ، أهلكت مالاً لبداً ، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة ، وبأن أموالهم لا تفنى ، وأن أموالهم بازدياد ، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا ، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة ، هم الفقراء ، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا ، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال ، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح ، هو الذي يجدي . (( . . .إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/06.jpg
لذلك قال الله تعالى : ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف : 32]
النبي الكريم استثنى ، قال : (( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
هنا في الحديث دقة بالغة ، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً . لذلك قال العلماء : لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله ، قال تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾
[سورة الفجر : 15-17]
قال ربنا له : كلا . . ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام ، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل . ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي . .﴾
[سورة الفجر : 15]
أي أدخل إلى بيته كل وسائل الراحة . ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي . . كلا﴾
[سورة الفجر : 16-17]
ربنا عز وجل قال : كلا . . وكلا أداة ردع ، أي لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق ، لا هذا القول صحيح ، ولا هذا القول صحيح ، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكراماً ، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة ، إنه معالجة ، الحرمان معالجة ، والعطاء إكرام . النبي الكريم قال : " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - لماذا سماه النبي خيراً - قال : فَنَفَحَ - نفح أي أعطى - فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". .
أي سأله عن يمينه شخص فأعطاه ، عن شماله فأعطاه ، سأله شخص قرضاً لثمانية أشهر دفع له ، سأله شخص عطاء من دون قرض ، فدفع له . أي اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير . وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . . قال : هذا الإنسان المكثر هنيئاً له ، هذا قد يسبق المقل ، لأن المال قوة ، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله . وحبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي . التيسير و التعسير :
وفي حديث آخر :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم ، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم ، الملائكة تكرم طالب العلم ، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/07.jpg
هذا المعنى معنى تكريم ، أي الملائكة تكرم طالب العلم ، بعضهم توسع في هذا المعنى ، فقال: الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه ، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم ، ما الذي جعل أبو حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مرّ في الحج بشيخ يدرس في الحرم ، وقد سمع منه هذا الحديث :" من طلب العلم تكفل الله له برزقه " يلهمك إذا كنت تاجراً يلهمك الصفقات الرابحة ، فيكون عملك قليلاً وربحك كثيراً . إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى ، أخلاقهم عالية ، شراؤهم سهل ، دفعهم جيد . إذا كنت موظفاً تنتزع ثقة رؤسائك ، يعطونك إضافات ليست لغيرك . أي مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه . أب عادي يكون راغباً أن يكون ابنه طبيباً ، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوقاً بدراسته ، وأحياناً عنده فحص لا يدع أحداً يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له : أنا أحضر الخبز ، اجلس وادرس ، إذا جاءه ضيوف ، ويريدون غرضاً إذا قالوا : أوصل فلانة خالتك ، الأب ينهى الأم يقول : دعيه يدرس ، أي إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوقاً يريحه من أعباء البيت ، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة ، يمكن أن يبالغ بإكرامه . فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه . معقول إذا اتجه إنسان إلى الله يتعب بحياته ؟ العكس هو الصحيح . الإنسان عندما يتجه إلى غير الله عز وجل ، يذيقه الله مرارة الدنيا . الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر . . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . تسمع من الناس قصصاً ، ترى رغم ذكائهم ، رغم تقديرهم للأمور ، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان ، تأتيهم مزعجات ، يتورطون تورطات ما كان لهم بها .
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا ، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً ، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل : 5-7 ]
تلقى شخصاً تريده ، بيته بعيد ، الحاجة لا تجدها فوراً . آلة منتجة تعطلت ، تحضر خبيراً فيخربها ، يكسر قطعة فيها ، بدلاً من أن يصلحها . إذا كنت موفقاً تحضر شخصاً يلهمه الله إلى الحق ، يقول لك : العطل من هنا ، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخصاً بدل أن يعطلها خمسة أيام يصلحها في ساعة ، إن كان في التجارة ، أو في الصناعة ، أو في الزراعة فالإنسان عندما يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه . ليس معنى هذا أن يمد يده إلى الناس ، لا ، ليست واردة ، معنى يتكفل له برزقه يلهمه أعمالاً مريحة ، ودخلها معقول ، انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل ، يقول لك : آه ، يخرج منه آهة محروقة حرقاً ، يقول : اشتغلنا ثلاث سنوات بلا مقابل ، يدخل بمشروع ، يدفع ، يسهر ، يركض ، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات عمل ، انظر إلى الدنيا ما أصعبها الخسارة مؤلمة جداً . إنسان يتعب ، يحضر بضاعة ، يبيعها ، يشحنها ، يحصل ثمنها ، يشتغل فيها سنتين ، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة ، هذا عمل بلا مقابل ، فالله عز وجل قادر أن يشغل الإنسان بلا مقابل طول عمره ، يقول لك التجار كلمة مضحكة : مثل مطحنة الجن ، خرير وعجيج على الفاضي ، يشغله ، يشغله ، بالآخر لا يوجد محصول ، لا يوجد نتيجة ، أما المؤمن فموفق . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]
إعانة الملائكة طالب العلم على أمر معاشه :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
أي أول شيء تعينه على أمر معاشه ، أنا أدعو هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا - الإنسان ينضبط بالدين ، يعرف الحرام من الحلال ، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز ، عنده منظومة قيم ينضبط فيها - وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا - أيضاً الدنيا إذا إنسان بحاجة إلى المال ، ما عنده قوام الحياة شيء صعب - وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر " فالملائكة تعينه على حوائجه ، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه ، الملائكة تكرمه . . على الإنسان أن يسعى للدار الآخرة :
انظروا إلى الحياة الدنيا ، انظروا إلى عمارة ترتفع ، نشاط ، اليوم جبل إسمنت ، ثاني يوم جاء الإسمنت ، ثالث يوم جاء نجار الباطون ، ترى الذي يبني العمارة كتلة انتباه ، كتلة يقظة ، نشاط البناء ، نشاط التجارة ، نشاط الصناعة ، نشاط العلم ، دراسات في الجامعة، أي هناك نشاطات عديدة ، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي ، لا يوجد نشاط عند الله أكثر قدسية منه ، تذهب تزور أقرباءك ، تحصّل مبلغاً ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة ، تشتري بيتاً ، تبيع بيتاً ، تبدل سيارتك ، تعمل نزهة ، هذه نشاطات مشروعة ، مباحات ، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم ، أن تعرف الله عز وجل ، خُلقت من أجل أن تعرفه ، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
حقيقة كبيرة جداً إنسان يظن أن هذا مات ، لذلك النبي الكريم قال : (( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))
[التمهيد لابن عبد البر عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/08.jpg
إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً ، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به ، هذا عمل فيه إهانة ، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل ، إهانة له . حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين . قال : يا أمية بن خلف ، يا هشام بن عيينة ، يافلان ، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس . . الحديث طويل ، الصحابة تعجبوا ، قالوا : يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني - يسمعون مثلكم - فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى ، ومن فرح ، و من أهانه يرى الميت كل ذلك، ويسمع ما يقولون ، فالنبي الكريم يقول : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
وقال : ((إن العبد إذا وضع في قبره , وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ..))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
أما هذا الشعور الذي لا يوصف فهو اشترى البيت ، هو فرش البيت على ذوقه ، قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى ، جاءه تاجر ، قال له : أريد غرفة نوم من خشب الجوز ، قال له : والله لا يوجد جوز عندنا زان . . قال : أريدها جوزاً ، قال له : إذاً اشتر لي خشب جوز ، اشـتروا خشب جوز ، قال : هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة ، يكون أبيض بعد تخميره سنة يصير أسود ، أخذنا له خشب الجوز ، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهراً ، قال : ما مرّ بحياته كهذا الزبون ، زار الخشبات وقت التخمير مرتين أو ثلاث ، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم ، قال لي : هناك عقدة بالخشب بالرجل من الداخل ، فرفض و قال : بدل لي إياها ، كل أسبوعين أو ثلاثة له زيارة ، يتفقد غرفة النوم ، الخزانة ، البخ ، المسكات ، المرايا . هذا معه وسواس . وبعد ذلك ، قال له : اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة ، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة ، ورتبوها ودوكروها ، قال له : أما تريد أخذ الغرفة إنها حاجزة محل عندنا ؟ قال له : غداً إن شاء الله ، خبرته ليأتي ليأخذها رفعت السماعة سمعت ضجيجاً ثم جاء إلى التلفون من يكلمني فكانت امرأة قلت لها : أختي الغرفة ، قالت : لا نريد الغرفة مات صاحبها . غضبت . سبحان الله ، فعلى الإنسان أن يسعى للدار الآخرة . ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
((العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. . .))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
هو عمر هذا البيت ، هو فرش هذا البيت ، هو رتب هذا البيت ، دفنوه بنفس اليوم، قال لي شخص : شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء ، مع أنه مكروه ، ما الدليل ؟ معنى هذا أن هناك مشكلة بالبيت ، هو اشترى البيت !!
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه ، يعلق آماله بولده . . قال رجل لشاب : أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً : رايح أسكر على روح أبي . أبوه خلف له مالاً كثيراً ومات ، فهذا الابن يشرب خمراً على روح والده . قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال له : عبدي أما علمت أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - أي جعلتهم فقراء ، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم - والثاني قال له : ماذا صنعت في المال ؟ قال له : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين . فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ". اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك فقط . الله عز وجل يرزقهم ، ويعافيهم ، ويهديهم ، ويجعلهم قرة عين ، ويجعلهم خلفاء لك ويجعل لهم أعمالاً صالحة مستمرة . (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه :
الحديث قبل الأخير :
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1645/ar-1645/09.jpg
أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء ، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق ، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله ، هناك أشياء غالية كثيراً ، معنى هذا أن عليها طلباً كثيراً ، وقد تكون تغضب الله عز وجل ، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد ، إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ، قرأت مقالة لكاتب أن حجزاً برأس السنة لا يوجد ، كل الأماكن لا يوجد بها محلات ، معنى هذا أن الطلب كثير على الفنادق ، سهرة بالفندق الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، عشاء مع أعمال لا يعلمها إلا الله ، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله ، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة ، لا يوجد محلات ، واضطر أن يعملها بالبيت ، أحضر رفاقه وعملها بالبيت . قال : (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
أي أنت تعلق بالذي رفعه الله ، الله رفع قراءة القرآن ، رفع فهم القرآن ، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن ، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل ، رفع أن تكون محسناً ، رفع أن تكون محباً لله ورسوله ، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع ، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل بما عنده من متاع . أي يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته ، وأجهزته فقط . لكن المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه . (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
الأولاد مجبنة و مبخلة :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن الولد مبخلة ، مجبنة ، مجهلة ، محزنة ))
[ صحيح الجامع عن الأسود بن خلف و خولة بن حكيم ]
أي هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف ، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاداً يجب أن يعتدل ، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل . أما معنى مبخلة أي قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده ، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا ، لأن الله عز وجل قال : ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة 272]
فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح ، بالخير ، بالإنفاق ، بالمال الخوف على الأولاد من بعده . مبخلة ، أي إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع ، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم . وسيدنا الصديق أعطى كل ماله ، فلما قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله . ممكن أتصور إنساناً ينفق ماله ثم يفقره الله ؟ هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات ، أنفق أنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً . لا يمكن ، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان . جعله بخيلاً ، الابن جعل أباه بخيلاً ، هذا معنى مبخلة .
مجبنة : أي الإنسان أحياناً يقف مواقف مشرفة ، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يخزي بيت عمه ، يقف موقفاً لا يليق به ، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق ، هذا العمل لا يجوز، أي شخص دين يصلي يعمل عرساً مختلطاً بفندق ؟ هذه مشكلة ، هكذا طلبوا بيت العروس ، طلبوا عرساً مختلطاً بالذات ، أي رجال ونساء ، المرأة بأبهى زينة ، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم ، فلان وزوجته ، هذه زوجته ، هذه زوجة فلان ، جاؤوا بأحدث طرز ، كلها فتنة ورجال ونساء . دين وتصلي وتعمل عرساً مختلطاً بفندق !! جبن أن يرفض بسبب الابن ، فالأولاد مبخلة مجبنة ، الإنسان أحياناً يسافر في طلب العلم ، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً ، هذه على موضوع الفقر فسرها الفقهاء . لها تفسير آخر : إذا الإنسان جالس مع أولاده ، وحان درس العلم و تريد ابنته أن تأتي إليه هي و زوجها ، يتخلى عن الدرس ، عليه أن يقول لها : لا يا ابنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك ، أنا سأغيب ساعة وأرجع ، مكانتك محفوظة أما هذا فمجلس العلم لابد منه . فأحياناً الإنسان من أجل أولاده يجهل أي يصير جاهلاً هذا معنى مجهلة .
أما محزنة : إنسان قبل الزواج ، أو قبل أن ينجب أولاداً ، تهمه صحته ، بعدما أنجب أولاداً ، وابنه ارتفعت حرارته يا ترى التهاب سحايا ؟ يا ترى التهاب أمعاء ؟ صار الأب لا ينام الليل ، طبعاً صار معه متاعب ، ومشاغل ، وأسباب للحزن عن طريق أبنائه ، الحديث ليس فيه نهي ولا أمر ، الحديث فيه تقرير ، أي من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل ، وعلى الجهل ، وعلى الحزن ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً . سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى ، قالت ممرضة : دخلت لبيت فولدت المرأة بنتاً فبكوا كثيراً ، من غرائب الصدف بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر ، البيت الآخر جاءهم صبي بكوا كثيراً لأن هذا الصبي السابع ، فهذا الحديث فيه تقرير ، تقرير لحقيقة أن الذي عنده بنات الحمد لله ، والذي عنده بنات وذكور الحمد لله ، والذي لا يوجد عنده أي الله فرغه لطاعته ، الحمد لله .
والله هناك دعاء هذا الدعاء من أدق الأدعية ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

السعيد
09-08-2018, 07:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : حقوق الزوجة






الحقوق المعنوية للزوجة :
1 ـ حسن المعاشرة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في موضوع الزواج إلى حقوق الزوجة ، وحقوق الزوجة كما بينا من قبل حقوق مادية ، كالمهر ، والجهاز ، والنفقة ، وحقوق معنوية .
أولى هذه الحقوق المعنوية حسن المعاشرة .
2 ـ صيانة الزوجة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/01.jpg
والحق الثاني غير حسن المعاشرة صيانة الزوجة ، فماذا تعني صيانة الزوجة ؟ يجب على الزوج أن يصون الزوجة ، ويحفظها من كل ما يخدش شرفها .
هناك أزواج يأخذون من زوجاتهم حظوظهم ، ولكن لا يعنون بشرف زوجتهم ، وسمعتها ، وصيانتها ، فهم يستهترون بالقواعد الشرعية التي شرعها الله عز وجل ، فكلما يسلم عرضها ، ويمتهن كرامتها ، ويعرض سمعتها لمقالة السوء ، هذا مما يتحمله الزوج أمام الله عز وجل .
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( إن الله يغار - الغيرة على الزوجة خلق عظيم - وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
الفرق بين غيرة الله و غيرة المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/02.jpg
ما الفرق بين غيرة الله عز وجل وبين غيرة المؤمن ، الله سبحانه وتعالى يغار على عبده أن يعصيه ، لذلك مما يدل على غيرة الله عز وجل أن العبد إذا عصاه ساق له من الشدائد ما يجعله يعود إليه راشداً غانماً .
الله سبحانه وتعالى يغار أيضاً أن يرى عبده يعتمد على مخلوق مثله ، من علامة غيرة الله عز وجل أن هذا المخلوق الذي اعتمد العبد عليه يخذله ، هذه علامة ثانية . إذا اعتمدت على عبد من عباد الله ، وعلقت عليه الآمال يغار الله عز وجل ، إذا تذللت أمام فلان وفلان عبد مثلك لا يملك شيئاً ، لا يقدم ولا يؤخر ، يغار الله عز وجل ، فيجعل الإساءة عن طريق هذا الذي اعتمدت عليه ، إذا التفت إلى ما سواه يغار الله عز وجل ، حتى أن بعضهم يفسر أن سيدنا إبراهيم عليه أتمّ الصلاة والتسليم حينما التفت إلى ابنه إسماعيل وهو نبي كريم غار الله عز وجل ، فأمره أن يذبح ابنه . لما يركن المؤمن لشيء مما سوى الله عز وجل ، إذا ركن المؤمن لزوجته ، وظن فيها سعادته لابد من أن تسيء هذه الزوجة ، لأن الله يغار خلقتك من أجلي ، لم أخلقك من أجلها .
إذا تعلق الإنسان بأي جهة من الجهات ، ورأى فيها خلاصه فإن الله يغار ، هذه غيرة الله ، من غيرة الله عز وجل أن العبد إذا بقي شارداً عن الله ، ملتفتاً إلى الدنيا بعث إليه شيئاً يذكره بالله ، حتى يسمع صوت عبده .
أي إذا إنسان زوج ابنه ، كان يأتي إليه كل يوم مرة ، بعدما زوجه لم يعد يأتيه بالشهر مرةً ، يتألم الأب ، أنسيتنا ؟ . .
الأب زوج ابنه ، النفقات على الأب ، هو اختار له إياها ، لما رآها نسي الأب . الأب يغار ، والله سبحانه وتعالى إذا رأى عبداً مؤمناً ، في الشدة ملتفت إليه ، فلما آتاه الدنيا نسيه ، يغار ، يسلبها منه . إذا أحب الإنسان ألا يسلبه الله النعم فلا يتعلق بها ، إذا تعلق بها سلبها الله منه ، هذه غيرة الله عز وجل ، أما غيرة المؤمن : (( وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
لأن الله يغار حرم الفواحش ، أي أن يتعلق إنسان بغير زوجته الله يغار ، وهذا محرم ، زوج يميل إلى غير زوجته ، زوجة تميل إلى غير زوجها ، يصير استلطاف ، إن الله يغار ، هذا لم يسمح الله به عز وجل ، سمح لك بالزوجة ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
(( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه ، وما أحد أحب إليه العذر من الله عز وجل ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
الحديث جميل جداً ، يوضح أخلاق الله عز وجل . http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/03.jpg
((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ))
[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]
أي إذا إنسان وهو في محله التجاري دخلت عليه امرأة ، إذا كان يحب الله عز وجل فالله يغار أن يلتفت هذا الرجل إلى هذه المرأة ، يجب أن تكون التفاته إلى زوجته فقط ، والزوجة إذا كانت مؤمنة تصون نفسها ، وتخاف أن تكون غيرة الله عز وجل قد اطلعت عليها، لذلك من علامات إيمان المؤمن العفة عند الرجال وعند النساء .
هناك فكرة ساذجة ، سخيفة أن الرجل لا يعيبه شيء ، والله الذي لا إله إلا هو إن الذي يعيب المرأة يعيب الرجل ، في عالم الإيمان ما يعيب المرأة يعيب الرجل ، أما في عالم الجهلة فالرجل لا يعيبه شيء ، أما المرأة فقط فيعيبها كل شيء ، المرأة والرجل سواء في العيب . ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم :
1 ـ العاق لوالديه :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عن عبد الله عن أبيه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/04.jpg
العاق لوالديه : لا يوجد إنسان أقرب لإنسان من الأب لابنه ، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة أبداً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ]
وفي رواية " فلن يُغفر له . . " . لو أن في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل ، أي أقل كلمة ، أقل صوت ، أف اسم صوت ، يعني أتضجر ، أقل كلمة في اللغة إصدار صوت من الشفتين هو الفاء ، في هذه الكلمة عقوق للوالدين : " ما بر أباه من شدّ النظر إليه "
قال له : أحضر لنا هذه الحاجة من السوق ، فنظر له هكذا وقال : طيب . ذهب فأحضر الحاجة من السوق ثم عاد ، ولكن هذه النظرة فيها عقوق للوالدين . لذلك من علامات أهل الإيمان أن الأبناء يعتزون بآبائهم .
والنبي الكريم قال: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعا]
2 ـ الديوث :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عبد الله عن أبيه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/05.jpg
من هو الديوث ؟ النبي الكريم في أحاديث أخرى عرف الديوث قال: " الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله " أي إذا أخذنا التعريف الدقيق : الذي يرضى الفاحشة في أهله بالمئة خمسة في بلادنا ، الذي يبلغه أن امرأته تأتي المنكر وتأتي الفاحشة ويسكت هؤلاء قلة قليلة ، ولكن الذي لا يغار على عرضه كثرة كثيرة ، أي إذا الأب جالس وزوجته على الشرفة تنشر الغسيل ، وهي متبذلة في ثيابها ، هذا الذي يرى زوجته هكذا ، ولا يتحرك فيه شيء ، هذا في عرف رسول الله ديوث ، الديوث لا يدخل الجنة ، الذي يفتخر أن تظهر زوجته بأكمل زينتها أمام الأجانب ، ويدعو الناس إلى التعرف على زوجته . . أعرفك عليها زوجتي المصون . أي مصون هذه ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/06.jpg
هذا الذي يرضى الفاحشة في أهله ، أو لا يغار على عرضه ديوث ، والديوث لا يدخل الجنة ، ولا يذهبن الظن بكم إلى أن هذا تشدداً ، حينما تبدو المرأة بزينتها أمام أجنبي لابد من أن تقع أشياء لا تُحمد عقباها ، أقل هذه الأشياء ميل القلب ، أي أطهر إنسان إذا التقى إنسانة في مكان ، في دائرة ، في غرفة ، وتملى منها ، لو لم ينبس ببنت شفة أقل شيء أنه يميل إليها وينقطع عن الله عز وجل ، لكن الإنسان إذا مال إلى زوجته لا ينقطع عن الله ، يقوم ويصلي ويقبل في صلاته ، لأن هذه حلاله ، يصلي العشاء ، ويصلي الفجر ، ويقبل على الله ، ويستغرق في كمال الله ، وهو مائل إلى زوجته ، لأن هذا يرضي الله عز وجل ، حتى أن النبي الكريم قال : "إذا نظر الرجل إلى امرأته نظرة رحمة أظلهما الله برحمته " ، و أن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، كأن الله في عليائه يرضى عن زوجين متحابين ، سبحان الله ! يرضى عن زوجين ودودين ، يرضى عن زوجة تؤثر رضا زوجها وعن زوج يؤثر رضا زوجته ، هذا كله شيء مباح ، هذه القناة الصحيحة ، هذا الشيء المسموح به . ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
3 ـ المرأة المترجلة :
إذاً العاق لوالديه ، والديوث ، ورجلة النساء ، أي المرأة المسترجلة التي تبدو كالرجال فيما تلبس ، أو فيما تقول ، أو تقلدهم فيما يفعلون ، في كلامهم ، في حركاتهم ، في تصرفاتهم ، في أشياء ترى أنها ترتفع في نظر الناس إذا قلدت الرجال . . شيء يقوله علماء النفس : المرأة هي أنثى وفيها أنوثة ، إذا استرجلت المرأة فقدت أنوثتها ، وإذا فقدت المرأة أنوثتها فقدت أجمل ما فيها ؛ فالوقاحة ، والصوت المرتفع ، والتصرفات التي تكون معهودة عند الرجال إذا فعلتها النساء فقدن أنوثتهن .
الطلاقة ، أحياناً أنت تغض بصرك وهي تنظر إليك ، أنت مستح منها وهي تنظر إليك ، هذه امرأة مسترجلة ، رجلة .
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فالمرأة الرجلة ، والديوث ، والعاق لوالديه هؤلاء لا يدخلون الجنة .
ويقول عليه الصلاة والسلام : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ، ومدمن الخمر قالوا : يا رسول أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله ))
[الدلائل في غريب الحديث عن عمار بن ياسر]
تقول : والله جاء رفيقك في غيابك ، يقول : أدخلته ؟ ليس من اللائق ألا تدخليه ، لماذا أدخله ؟ أأستقبله في البيت في غيابك ؟ لا يبالي . يأتي رفيقه يقول : هاتي القهوة أم فلان. ماذا هاتي القهوة ؟؟ هذا شيء لا يجوز ، هذا ديوث .
" قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال : الذي لا يبالي من دخل على أهله ، قلنا : فما الرجلة من النساء ؟ قال: التي تتشبه بالرجال " .الغيرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/07.jpg
إذاً وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته فإنه يُطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة ، هنا حالتان ، حالة سليمة ، وحالة مرضية . مرضان ووضع سليم ، المرض الأول المبالغة في الغيرة ، هذه مرض ، والمرض الثاني عدم الغيرة ، ديوث ، لا يبالي ، لا يهمه . أما الوضع السوي فالاعتدال في الغيرة ، فلا يبالغ في إساءة الظن بها ، ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها ، ولا يحصي جميع عيوبها ، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل .
(( إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ))
[النسائي وأبو داود وأحمد عن جابر بن عتيك الأنصاري]
الغيرة في الريبة : شعرت الوضع غير طبيعي ، صار هناك ريبة ، هناك وضع لست مرتاحاً له ، الآن الغيرة يحبها الله . لكن زوجتك مؤمنة طاهرة ، لم تر أبداً في سلوكها شيئاً شاذاً ، تقصي الحركات والسكنات ، ومن خبّرك ؟ وأريد أن أحضر جهازاً يسجل لي المخابرات الآتية في البيت ، المبالغة في هذا الموضوع يفسد العلاقة الزوجية ، إن كانت هذه الغيرة مبنية على ريبة فهي التي يحبها الله عز وجل ، وإن كانت هذه الغيرة غير مبنية على ريبة فهذه التي يبغضها الله عز وجل ، وهي التي تسيء العلاقة بين الزوجين .
كذلك المرأة ، هناك امرأة غيورة ، والغيرة في النساء مرض وضعها الطبيعي سوي ، هناك امرأة لا تبالي ، هذه مريضة ، وهناك امرأة تبالي كثيراً لدرجة أنها ترهق زوجها بالتحقيقات ؛ أين كنت ؟ ومع من ذهبت ؟ وامرأة بين بين ، هذه تغار على زوجها إن ارتابت في سلوكه ، ولا تغار عليه إذا كانت واثقة من أخلاقه . ((وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ ))
أي إذا كنت أمام عدو لله يجب أن تظهر بمظهر قوي ، إن هذه المشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن . الله عز وجل يحب الرجل رابط الجأش عند الصدمات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/08.jpg
وعند الصدمة ، أحياناً الإنسان يبلغ نبأ مفجعاً ، الله يحب الإنسان إذا تبلغ نبأ مفجعاً أن يكون متماسكاً ، الصبر عند الصدمة الأولى ، أي إذا المرأة بكت لا مانع ، المرأة تبكي ، والطفل يبكي ، والصغير يبكي ، والشاب يبكي ، والشابة تبكي ، والبكاء لا يزلزل مكانة الباكي ، أما إذا الزوج بكي فتنهار الأسرة كلها ، أي بكاء الزوجة شرف لها ، بكاء الابن شرف له ، لكن بكاء الرجل عند المصيبة ، بكاؤه إذا تجلى الله على قلبه هذا بكاء الصحابة الكرام ، هذا بكاء الصديقين ، هذا البكاء الذي يحبه الله عز وجل ، إن لم تبكوا فتباكوا ، أي إذا إنسان جلس بذكر الله عز وجل وفاضت عيناه في الدموع أقول لك : هنيئاً له، قلبه حي ، هناك حياة بقلبه ، هناك نبض ، تذرف عيناه بالدموع ، هذا البكاء ليس له علاقة في حديثنا ، أما إنسان بلغه نبأ فبكى ، هو الرجل هو القيم في البيت ، لذلك من صفات الرجال محنكون في الأزمات ، متماسكون عند الزلازل ، أحياناً قائد جيش إذا فرطت أعصابه تفرط المعركة كلها ، القيادة العالية ، التماسك الداخلي ، مهما كانت الأخبار سيئة في الحرف ، مهما كان هناك تقدم واجتياح ترى القواد الكبار متماسكين ، لأنه إذا انهارت أعصابه انتهت المعركة . حتى ربان السفينة ، يكون هناك أخطار هائلة ، على وشك الغرق ، ربان الطائرة ، قائد الطائرة يكون في مطبات جوية خطيرة جداً ، أحياناً يكون في عطل خطير بالطائرة ، إذا انهار الربان ينتهي ، ويموت الركاب جميعهم . هناك مناصب قيادية أحوج ما يحتاج فيها الإنسان إلى رباطة الجأش وتماسك الأعصاب . فالله عز وجل يحب الإنسان أن يكون عند الصدمة رابط الجأش متماسكاً .
" ثلاثة أنا فيهن رجل ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من كتاب الله تعالى ، ما مشيت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ، ما صليت صلاة فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها " رجولة :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور: 37]
سُئلت امرأة مسترجلة : أنك على هذا الموقف ثابتة ؟ قالت لهم : هل أنا رجل حتى أقلب ؟ أي نحن في عصر ضاعت قيمة الرجال ، أي هي تترفع عن أن تكون رجلاً فتغير موقفها . شيء مؤلم . الاختيال :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/09.jpg
الاختيال الذي يبغضه الله عز وجل الاختيال بالباطل ، يقولون إن أحد الصحابة كان له شأن - ليس اختيالاً حاشا لله ، كبر لا - في موقف ظنه الصحابة تيهاً ، فقيل له : ما هذا التيه يا فلان ؟ قال: هذا ليس تيهاً ولكنها عز وطاعة .
الطائع يشعر بعزة ، إذا إنسان طائع لله عز وجل يحس نفسه غالياً على الله ، أحياناً بحياتنا الاجتماعية إذا رجل له مكانة كبيرة في دائرة ، عنده موظف مخلص ، ومستقيم وإنجازه شديد ، ومقرب من هذا المسؤول الكبير ، ترى هذا الموظف المخلص المستقيم النزيه عنده نوع من أنواع الكبرياء ، هذه مقبولة . . الحمد لله الذي أخرجنا من ذل معصيته إلى عز طاعته . والله الذي لا إله إلا الله في قلب المؤمن عزة لو جمعت أهل الأرض كلهم وما فيهم من كبر لا يبلغون ما عنده من عزة ، قال تعالى :
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[سورة النساء: 139]
المؤمن عزيز .
سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، جاءه رجل يقول له: يا أخي أنت أخي في الله ، خذ هذا البستان بكامله ، هدية ، قال له: بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق . أحياناً إذا قلت لإنسان : خذ هذا المبلغ ، يتألم ، إذا دين آخذه ، أنت كن رقيقاً ، وقل له: دين . بكلمة دين حفظت له ماء وجهه .
وقال علي كرم الله وجهه :" لا تكثر الغيرة على أهلك فتؤتى بسوء من أجلها"
أي إذا شخص أكثر الغيرة ، هناك شخص كان يقفل الباب ، ما هذا الكلام ؟ الشباك مفتوح ، إذا قفلت الباب هناك هاتف ، لا يوجد حل وسط ، إما ثقة ، أو عدم ثقة ، أنت ابحث عن زوجة من أرقى الناس ، من أشرف العوائل ، ادرس الأمر دراسة ملية ، لا تتسرع بالزواج لأن الشك يتلف الأعصاب . * * *
أحاديث تبدأ بكلمة إنما :
إلى بعض الأحاديث الشريفة . هناك بعض الأحاديث القصيرة التي تبدأ بكلمة إنما . .
تفسير إنما البيع عن تراض :
(( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
طبعاً المعنى واضح ، والحديث من الأحاديث الواضحة ، لكن أردت أن أذكره لفكرة واحدة ، هو أن بعض الباعة يستغلون جهل بعض الزبائن ، يقول لك: هو راض . مثلاً يأتي زبون ، هذه الحاجة سعرها عشرة ، رآه غشيماً قال له: ثلاثون ، قال له: راعينا ، قال بخمس وعشرين من أجلك ، أنت ابن حلال ، يقول : إذاً أعطني ، ماذا يظن هذا البائع ؟ أن هذا البيع عن تراض ، لو كُشف لهذا الشاري أن هذه الحاجة سعرها عشر ليرات ، هل يرضى ؟ لا يرض ، لذلك التراضي هنا ليس معناه أن يرضى وهو لا يعلم ، أن يرضى وهو يعلم السعر الحقيقي ، هذه الناحية أضعها بين أيديكم لأنها خطيرة .
أخي هو رضي ، أحياناً يخفي العيب ، النبي الكريم قال : " من باع عيباً " ما سماه سلعة ، باع عيباً ، فكلمة تراضي ، الإنسان لا يرضى إذا كان مغبوناً ، أما يرضى إذا كان جاهلاً ، فرضاه وهو جاهل لا قيمة له ، ولا علاقة له بهذا الحديث إطلاقاً .
رضا الشاري الجاهل لا علاقة له بهذا الحديث ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((غبن المسترسل حرام ))
[الطبراني عن أبي أمامة]
من هو المسترسل الغشيم ؟ الجاهل ، سبحان الله إذا الباعة غير مؤمنين و عرفوا أن هذا الشاري جاهل يرفعون السعر إلى درجة مذهلة ، لذلك عندما يسخر الله أناساً لقمع أناس فالله حكيم ، وهؤلاء دواء لهؤلاء ، وأما المستقيم فلا سلطان لأحد عليه . (( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
أي التراضي الحقيقي . تفسير إنما الحلف حنث أو ندم :
حديث آخر : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أي نوع من أنواع الأيمان حنث أو ندم ، حلفت ألا تزور بيت أختك ، إن زرتها حنثت في يمينك ، وإن لم تزرها تندم وتقول : ما كان يجب عليّ أن أحلف هذا اليمين . هناك حالة ندم ، فالإنسان يكون حراً طليقاً يقيد نفسه بيده . حلفت يميناً ألا تذهب زوجتك إلى عند أمها ، الآن إذا ذهبت صار هناك طلقة ، وإن لم تذهب فأنت متألم أي زودتها في هذا اليمين ، أمها !! مثل ما تحب أن تزور أمك هي تحب أن تزور أمها ، فكل إنسان يحلف لابد من أن يندم ، ولا بد من أن يحنث ، والحنث مشكلة ، والندم مشكلة . وقال أصيحابي الكرار أو الردى فقلت : هما أمران أحلاهما مر
***
انظر إلى هذا الكلام الموجز : (( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أحياناً يكون له جار سمان ، يتشاجر هو وإياه ، يحلف بالله ألا يشتري منه ، يأتيه أحياناً ضيف ، ويلزمه أوقية لبن ، وهو بجانبه ، والباعة بعيدون ، فيتغلب غلبة لأنه حلف اليمين ، لا تحلف يميناً ، لا تقيد نفسك أبداً ، كن حراً طليقاً ، أنت قل بنفسك : لن أشتري من عنده ، وأنا أجد من علامة جهل الإنسان كثرة أيمانه ، كيفما تحرك يحلف يميناً ، تراه مقيداً ، من شيخ إلى شيخ ، حلفت طلقت أم لم أطلق ، والله نحتاج نحن إلى مجلس خبراء من أجل هذا الموضوع . تفسير إنما الطاعة في المعروف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3700/10.jpg
(( إنما الطاعة في المعروف ))
[ البخاري عن علي]
أحاديث كلها موجزة ، أحياناً تظن الزوجة أن الله أمرها بطاعة زوجها ، وإذا أمرها بالسفور ؟ فهذه ليست طاعة ، إذا أمرها أن تدخل على رفيقه وتسلم عليه ، هذه ليست طاعة . حيثما وردت كلمة طاعة في القرآن والحديث فيعني في المعروف ، فيما شرع الله ، فيما أمر به ، فيما سمح به ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أي مخلوق . من يطيع مخلوقاً في معصية الخالق كمن يتلقى أمراً من عميد ، ويتلقى أمراً من عريف ، فيطيع العريف ويعصي العميد ، يكون لا يعرف الرتب إطلاقاً ، لا يعرف الصلاحيات ، هذا إنسان لا تقدم طاعته ولا تؤخر ، ولا تقدم معصيته ولا تؤخر ، ولكن ذاك الذي يملك الثكنة ، هذا مثل منتزع من حياتنا ، فالذي يطيع إنساناً ويعصي إلهاً ، هذا منتهى الحمق ، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله . تفسير النساء شقائق الرجال :

ربنا عز وجل يزوج الرجال بما يشبههن من النساء ، وأغلب الظن أنه هذه الزوجة أنسب زوجة لي . أي الزواج حدث ضخم . طبعاً في حالات شاذة ، لها تفسير ، أما الحالة العامة فإن الطيبين للطيبات .
الطيبون للطيبات والطيبات للطيبين ، والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . له غلطة ، لها غلطة ، له خبرات سابقة ، لها خبرات سابقة ، عفيف جداً ، عفيفة جداً ، ورع ، ورعة: (( إنما النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))
[ الترمذي عن السيدة عائشة ]
هناك رجل فطن و هناك امرأة فطنة ، رجل عنده ذكاء اجتماعي و رجل أحمق و امرأة حمقاء . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
هذه الحقيقة اكتشفت حديثاً أن جزءاً من أخلاق المجتمعات يتأثر بنوع الطعام بنوع اللحوم التي يأكلها المجتمع . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
وتخيروا لنطفكم فإن العرق دسـاس ، فهذه الأحاديث : " إنما النساء شقائق الرجال " ، " إنما الطاعة في معروف " ، " إنما الحلف حنث أو ندم " ، " إنما البيـع عن تـراض " .
حقائق أساسية : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . لا تحلف يميناً مهما يكن السبب ، إلا إذا استحلفت ، إذا استحلفت لا خيار لك .
قال له : أنا والله حلفت ، ولكن نويت على غيرها . قال : له أخذت منه المبلغ؟ قال : ما أخذتهم أنا سيدي ، قصده المفاتيح ما أخذهم ، اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف . يحنث بيمينه بحسب نية المستحلف لا بحسب نية الحالف . * * *
فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين :

والآن إلى السيرة التي نتحدث عنها كل أسبوع ، وهي متابعة لقصة سيدنا عمير ابن سعد .
عمير هذا الشاب الصغير الذي لا يزيد عمره عن عشر سنين ، والذي حدثتكم عنه في الدرس السابق ، وكيف أنه كان سبباً في توبة عمه زوج أمه الجلاس ، وكيف أنه وقف موقفاً رائعاً .
اليوم خطر في بالي خاطر ، النبي الكريم كان يصلي ، بعد أن نوى الصلاة وائتم به الصحابة الكرام ، جاء رجل متأخراً فأحدث من الجلبة والضجيج في الجامع ما شوش على المصلين صلاتهم ، بعد أن انتهى النبي الكريم من صلاته ، قال لهذا الرجل : " زادك الله حرصاً ولا تعد ". استنبط العلماء من هذا القول أن فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين ؛ الحقيقة الأولى : أن تبدأ بالثناء على الذي تنتقده .
عندك ابن غلط ؛ أنا والله يا بني مسرور من أمانتك ، ومن أدبك ، ومن صلاتك، لكن هذا الموضوع لا أحبه لك . لما الابن سمع كلمات الثناء بما هو أهله ، الشيء الواقعي صار بعد هذا الثناء يتحمل النقد ، هذه بتلك ، صار هناك تعادل .
أساساً ألّف كتاب اسمه : كيف تكسب الأصدقاء ؟ لدييل كارينجي ، هذا مؤلف أمريكي ، الكتاب طُبع منه خمسة ملايين نسخة ، من أوسع الكتب انتشاراً ، أي كيف تعامل الناس معاملة يحبوك فيها ؟ هناك رجل عالم في مصر ، ألف كتاباً تعقيباً على هذا الكتاب ماذا فعل ؟ دلل على أن كل قواعد هذا الكتاب إنما هي آيات كريمة ، وأحاديث شريفة . ففي أحد الفصول ، أنه إذا أردت أن تنتقد مرؤوساً لك ؛ أنت مدير معمل ، مدير مؤسسة ، رئيس دائرة، مدير ثانوية ، مدير مدرسة ، ضابط في قطعة عسكرية ، عندك عنصر أساء ، لابد من أن تحاسبه ، لما تحاسب هذا العنصر على خطئه ولا تذكر محاسنه ، هذا العنصر ينقم عليك ، هذا العنصر عامل جهده ، جاء باكراً ، عامل أعمالاً لا بأس بها ، غلط غلطة مع مراجع مثلاً استدعاه المدير ، هذه كيف تغلطها ؟ يتألم بنفسه ، أنه أما رأى دوامي مضبوطاًَ ؟ أما رأى إخلاصي ؟ ألم ير أني لم أرتشِ في حياتي ؟ لما المدير العام يقول له : أنا مسرور من نزاهتك وأنا أعرف أن دوامك مضبوط . وأنا بلغني أنك إنسان نبيه ، لكن هذا الموضوع لا تريد أن توصف به ، والموضوع كذا وكذا وكذا . الثناء الحقيقي ، المعتدل ، الواقعي ، إذا بدأ به الذي يحاسب ، ثم ثنى بالخطأ هذا الخطأ يُتقبل ، فالنبي الكرم لما ركض هذا الإنسان أحدث جلبة وضجيجاً وصياحاً في المسجد ، وشوش على المصلين ، هذا عمل سيئ ، ولكن بدافع ماذا؟ بدافع حرصه على الصلاة ، قال له عليه الصلاة والسلام: " زادك الله حرصاً ولا تعد"
جربوا هذه القاعدة ، لا يوجد واحد منا إلا و يكون تحت يده أحد ، قد يكون أباً ، قد يكون معلماً ، قد يكون عنده موظفون في محل تجاري ، أنت أثني على ما هو موجود ، ثم ثني بالخطأ ، وعلى انفراد ، إذا فعلت هذا أمام الناس صار تشهيراً ، والإنسان قلّما يعترف بخطئه إذا كان في ملأ . لا يعترف بخطئه . تذكير الآخرين بفضلهم قبل انتقادهم :
لذلك سيدنا عمير بن سعد كان الجلاس أمامه قد تكلم بكلمة فيها كفر ، لكن أحسن له كثيراً ، قال له: والله يا عماه ، ما من رجل على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك . بدأ بموقفه ، حتى لا يقول ما هذا اللؤم ؟ ربيته ، أطعمته ، كسوته ، اعتنيت به و هكذا تكلم ، أي أنا أعرف فضلك عليّ .
سيدنا رسول الله بلغه أن بعض الأنصار في أنفسهم حزن ، قال له: يا رسول الله: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم - سيدنا سعد بن عبادة - قال: ولمَ ؟ قال: في هذا الفيء الذي وزعته على الأنصار ؟ قال له : يا سعد أين أنت منهم ؟ قال: ما أنا إلا من قومي . والله أنا مثلهم حزين أيضاً . قال له : اجمع لي قومك ، فجمع قومه ، قال لهم : " يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، يا معشر الأنصار ، أما أنكم لو قلتم لصدقتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، أتيتنا عائلاً فأغنيناك ، أتيتنا ضعيفاً فنصرناك - هذا صحيح - لو قلتم هذا أنتم صادقون ، ولو قلتم للناس هذا أنتم مصدقون ، أنتم صادقون ومصدقون . ولكن يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ألم تكونوا أعداءً فألف بين قلوبكم ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ؟" متى بدأ بفضله عليهم ؟ بعدما ذكر فضلهم كما يتوهمون ، لا ينسى الجميل صلى الله عليه وسلم .
صهره دخل مع المشركين في حربه ، أبو العاص ، كان أحد الجنود أو أحد الأبطال إن كان هناك بطولة لجيش الكفار في بدر . ألقي القبض عليه أسيراً ، استعرض الأسرى فرأى صهره . . قال : والله ما ذممناه صهراً . كصهر ممتاز ، أما هنا فيحارب رسول الله . بكلمة ما ذممناه صهراً ذوبه ذوباناً . وضمه إلى بيته ، وأكرمه ، وقبل الفداء الأقل من المطلوب وأرجعه إلى زوجته . انظر هذه المواقف كلها ، أنت تريد أن تنتقد .
الآن معظم مشاكل الناس الانتقاد ، ينتقده بقسوة فيقطعه ، إن كان الأب مع ابنه ، إن كان الأخ مع أخيه ، الشريك مع شريكه ، الزوجة مع زوجها ، انتقاد حاد ، مؤذ ، كلمة قاسية ، اذكر الميزات ، هذه التي تشكو منها ، أليست عفيفة ؟ نعم ، أليست شريفة ؟ نعم . أليست سيدة منزل جيدة ؟ نعم . تطبخ ؟ تطبخ ، نظيفة ؟ نظيفة ، إذا كنت تريد أن تعاتب زوجتك ، قل لها : والله أنا ممنون من اهتمامك ، ومن ترتيبك ، ومن نظافتك ، ومن ، ولكن لي عندك ملاحظة . انظر الآن كلمة ممنون برد وسلام . أما إذا بدأت بالنقد تلقى بركاناً . . لذلك إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً قالت: لم أر منك خيراً قط .
إذا إنسان بلغ سيدنا رسول الله ما معنى هذا ؟ أنه صار نماماً ، أنه تكلم عنك هكذا ، قال له: إني ذاهب إليه ، لأقول له ما قلت . وبهذا الكلام أعطاه فرصة ليتوب . ذكر فضله وانتقده ، وأعطاه فرصة ، وذهب وما غدر به ، وطفل عمره عشر سنوات .
كيفية اختيار عمر بن الخطاب ولاته :
سيدنا عمر رضي الله عنه كان يختار ولاته ، وكأنه يختار قدره . مهم كثيراً أن يحسن الخليفة اختيار الولاة ، لأنه أحد أسباب نجاحه في خلافته حسن اختياره للولاة ، وأحد أسباب إخفاق الخليفة سوء الاختيار للولاة ، هؤلاء الحواشي خطيرون جداً ، لأنه إن كانوا محسنين فالناس في بحبوحة ، وإن كانوا سيئين فالناس في بلاء .
قال : وكان رغم بصيرته النافذة ، وخبرته المحيطة يستأني طويلاً ، ويدقق كثيراً في اختيار ولاته ومعاونيه . اسمعوا هذه العبارة كان يقول سيدنا عمر: أريد رجلاً إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم ، هكذا يريده. والله هذا مقياس من أرفع المقاييس ، يعين أميراً عليهم إنساناً منهم متواضعاً ، هو ليس أميراً عامل حاله أمير بالرعاية والاهتمام والشؤون والخدمة . إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم . أريد والياً ، لا يميز نفسه على الناس في ملبس ، ولا في مطعم ، ولا في مسكن . يقيم فيهم الصلاة ، ويقسم بينهم بالحق، ويحكم فيهم بالعدل ، ولا يغلق بابه دون حوائجهم .
هذه الشروط الواجب توافرها في الولاة . والدليل هكذا كان سيدنا عمر ، ترك اللحم أثناء المجاعة أربعين يوماً فكركب بطنه فحدثه ، قال: يا بطني ، قرقر إن شئت أولا تقرقر ، فوالله لن تأكل اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، جاءته هدية من أذربيجان طعام نفيس ، فلما أكلها قال : يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا هذا طعام الخاصة . فلفظها من فمه .
إلزام أمير المؤمنين عمر عمير بن سعد بولاية حمص :
في ضوء هذه المعايير اختار سيدنا عمر عمير بن سعد بعدما كبر والياً على حمص ، وحاول عمير أن يخلص منها وينجو ، ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها إلزاماً وفرضها عليه فرضاً ، واستخار الله عميراً ومضى إلى واجبه وعمله ، وفي حمص مضى عليه عام كامل ، لم يصل إلى المدينة منه خراج ، ولا كتاب ، ولا خبر ، ولا شيء ، بل ولم يُبلغ أمير المؤمنين رضي الله عنه كتاباً ، و نادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له: اكتب إلى عمير ليأتي إلينا ، فدعاه على جناح السرعة سيدنا عمير جاء من حمص إلى المدينة ، وسيدنا عمر كتب فقال: ذات يوم شهدت في شوارع المدينة رجلاً أشعث أغبر تغشاه وعاء السفر ، يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً ، متعباً ، من طول ما لاقى من عناء ، وما بذل من جهد ، على كتفه اليمنى جراب وقصعة – قصعة : صحن - وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء . مطرة ، وصحن ، وجراب . وإنه ليتوكأ على عصا لا يؤودها حمله الضامر الوهنان ، وجلس إلى مجلس عمر في خطا وئيدة وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين . من هذا ؟ سيدنا عمير ، ما استدعاه عمر ، جاء .
ويرد عمر السلام ثم يسأله ، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء ما شأنك يا عمير ؟ قال : شأني ما ترى ، ألست تراني صحيح البدن ؟ قال: بلى ، معي الدنيا أجرّها بقرنيها ، هذه معي ، كل الدنيا أجرها ، هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة ،
قال: يا عمير ما معك ؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي ، وقصعتي آكل فيها ، وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدواً إن عرض ، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعها ، هذا كل دنياي ، جئت من حمص أنا وأغراضي كلها ، قال عمر: أجئت ماشياً ؟ قال : نعم . قال : أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟ قال: إنهم لم يفعلوا ، وإني لم أسألهم .
قال له : فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟ قال : أتيت البلد الذي بعثتني إليه فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم - انظر إلى هذه الإشارة ، الصلحاء ولاهم جباية الأموال ، أحياناً يكون هناك أخطاء كبيرة جداً في جباية الأموال ، أحياناً يتحمل الإنسان فوق طاقته ، أحياناً تنهار أسر - قال له عمر: فما جئتنا بشيء ؟ طبعاً الوالي يجبي الأموال ينفقها على المحتاجين ، والفائض يرسله إلى الخليفة . فقال له : أما جئتنا بشيء ؟ قال له : أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم ، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها ، ولو بقي منها شيء لأتيتك به .
قال له: أما جئتنا بشيء ؟ قال : لا ، فصاح عمر وهو منبهر سعيد : جددوا لعمير عهداً ، تمديد سنة ثانية ، فأجابه عمير في استغناء عظيم : تلك أيام قد خلت ، لا عملت لك ولا لأحد بعدك .
سيدنا عمر ماذا قال ؟ قال : وددت لو أن لي رجالاً مثل عمير ، أستعين بهم على أعمال المسلمين أي نزاهة فوق التصور ، لم يملك من الدنيا إلا هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة كما يسمونها الآن ، وهذه العصا ، جاء بكل متاعه من حمص ، مشياً على قدميه ، فأمير حمص سيدنا عمير رسم واجباته فقال : ألا إن الإسلام حائط منيع ، وباب وثيق ، فحائط الإسلام العدل ، وبابه الحق .
له حائط ، وله باب ، الحائط هو العدل ، والباب هو الحق ، فإذا نُقض الحائط ، أي لا يوجد عدل ، وحطم الباب ، استفتح الإسلام ، ولا يزال الإسلام مينعاً .
طبعاً استفتح الإسلام أي انتهى ، فتحت بلاد المسلمين ، وأخذت أرضهم ، وانتهكت حرماتهم ، وفعل بهم أعداؤهم ما يشاؤون ، متى ؟ إذا انهار الحائط وهو العدل ، وتخرب الباب وهو الحق ، ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد سلطانه ، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ، ولا ضرباً بالسوط ، ولكن قضاءً بالحق ، وأخذاً بالعدل ، هذا كان منهجه في إدارة شؤون حمص .
سيدنا عمير رأيتم في الأسبوع الماضي حينما كان شاباً صغيراً كيف وقف من عمه الجلاس ، وحينما كبر وعينه سيدنا عمر والياً على حمص ، رأيتم تقشفه ، وزهده وورعه ، وتقاه . وكل واحد منا إذا تعفف عن الحرام ، إذا زهد في الدنيا ، وأحب الله ، وكان عند أمره فهو من أسعد الناس بلا شك ، ولا يزيده الزمن إلا سعادة ، والزمن في صالحه ، ومهما امتد به العمر يزداد رفعة ، وسعادة ، ومكانة ، فإذا جاء الموت كان الموت عرسه ، وفرحته الكبرى ، لأن الله عز وجل أعدّ للمؤمنين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
إمكانية الهدى موجودة عند كل إنسان :
هناك سؤال : هؤلاء الصحابة هل هم من طينة ونحن من طينة ثانية ؟ لا والله . والله الذي لا إله إلا هو حينما خلق الله الخلق لم يميز أحداً على أحد ، فرعون عنده استعداد أن يكون مؤمناً كبيراً ، لذلك :
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
إمكانية الهدى عند فرعون موجودة ، إذا رأيت إنساناً ضالاً بعيداً عن الحق ، عنده استعداد أن يكون من كبار المؤمنين ، كهؤلاء الصحابة الذين بلغوا الأوج ، سعدوا وأسعدوا ، أخلصوا لله فكسبوا الدنيا ، هم ملوك الآخرة ، هؤلاء الصحابة هم ملوك الآخرة .
أحياناً يكون الإنسان له عمل متواضع ، يأتي إلى مكان آخر له شأن كبير ، فالإنسان قد يكون في الدنيا إنساناً عادياً ، لكن إذا انتقل إلى الدار الآخرة قد يكون ملكاً من ملوك الآخرة ، يُشار له بالبنان . ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾
[سورة الواقعة]
الإنسان ألا يغار ، هذه القصص ألا تبعث الغيرة في نفس أحدنا ؟ والإله موجود كما هو ، وأبواب البطولة مفتوحة ، أبواب التقوى ، والعمل الصالح ، ومد يد المعونة للناس ، وذكر الله ، وقراءة القرآن ، والتفكر في آلاء الله ، كله مفتوح ، والله هو هو ، وكل الفرص التي كانت متاحة لهؤلاء الصحابة متاحة لكم ، ولي الآن . ألا تستطيع أن تكون ورعاً ؟ نعم . ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، ألا تستطيع أن تكون محسناً ؟ نعم . ألا تستطيع أن تكون محباً لله ؟ نعم . كله بيدك ، فلماذا هؤلاء كانوا هكذا ولماذا نحن هكذا? نحن ألف كألف ، وكانوا واحداً كألف ، فلذلك سُمي عصر رسول الله عصر الأبطال . إذا الطفل هكذا مواقفه ، ولما كبر صار والياً على حمص ، هكذا مواقفهم ، الإنسان يستطيع أن يسلك هذا الجانب . على الإنسان محاسبة نفسه ليرتفع عند الله عز وجل :
أنا أردت من هذه القصص ليس المتعة ، أي إذا خطر ببال أحدكم أن هذه القصص ممتعة ، هي ممتعة ، ولكن والله ما أردتها لأنها ممتعة ، ولكني أردتها كدرس عملي أمامنا ، وحافز يحفزنا إلى أن نكون على قدم هؤلاء ، قال: لا تسبوا أصحابي من بعدي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغتم مد أحدهم ولا نصيفه .
ورع ، محبة ، استقامة ، طهر ، إخلاص ، صدق ، تضحية ، هكذا كانوا والأبواب مفتحة ، فالإنسان يحاسب نفسه ، أنا ماذا فعلت من هذه القصص ؟ من هذه المواقف المشرفة ؟ هل لي مواقف مثلها ؟ هل لي مواقف أفخر بها عند الله عز وجل ؟ لقد رضي الله .
الآن أرقى لقب ، يقول لك : معه بورد ، يكتبها عند أحسن خطاط يضع لها إضاءة من الداخل . والله كلمة رضي الله عنه والله أرقى من بورد ، إذا كان إنسان مذنب رضي عنك فأعطاك هذه الشهادة ، فكيف إذا رضي عنك الإله ؟
ما معنى منحوه شهادة ؟ رضوا عنه . متى يمنح الدكتور الطالب الإجازة ؟ عندما يرضى عن مستواه العلمي ، كأنها رضي فلان عنه ، فإذا رضي فلان عنه فمنحه هذه الشهادة فكيف إذا رضي الله عنه ؟ فكلمة رضي الله عنه أعلى لقب علمي ، أعلى لقب أخلاقي ، أعلى لقب إنساني ، الإنسان يسعى أن يرضي الله عز وجل ، لذلك :
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾
[ سورة الفتح : 18]
لذلك : "ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم " . إن شاء الله عز وجل يكرمنا ، ويكون لأحدنا موقف مشرف ، موقف أخلاقي ، موقف فيه نبل ، موقف فيه تضحية ، فيه معاونة ، فيه ورع ، فيه عفة . قال لي مرة شخص : دُعيت إلى امرأة ذات منصب وجمال ، فقلت : إني أخاف الله رب العالمين . . هذه القصة وقعت معه من ثلاثين سنة كلما رأى شخصاً يحكيها له ، يفتخر فيها ، هذا موقف ، موقف مشرف ، لا أحد يخشاه إلا الله .
والإنسان كلما تقدم بهذا الموضوع يسعد ، في فترة يحس حاله كتلة من السعادة متنقلة ، شيء عظيم عند الله عز وجل ، أما المال وحده فلا يرفع الإنسان عند الله عز وجل ، لا المال ولا الشهرة ولا أي شيء من متاع الدنيا .

السعيد
09-08-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : حقوق الزوج





حقوق الزوج على زوجته :
1 ـ أن يكون أمره نافذاً :
أيها الأخوة المؤمنون: حقوق الزوج على زوجته ، تحدثنا في الدرس الماضي كيف أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
[سورة النساء34: ]
وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لموفدة النساء إليه : (( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته ، يعدل ذلك كله- أي يعدل الجهاد في سبيل الله - ))
[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
وكيف أن المرأة إذا صلت خمسها ، وأطاعت زوجها ، وحفظت فرجها ، دخلت جنة ربها . وكيف أن المرأة إذا ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة .
عقبت على هذه الأحاديث التي في صالح الزوج أن المرء يجب أن يكون أهلاً لهذه المعاملة ، عليه أن يكون كريماً ، عليه أن يكون حليماً ، عليه أن يكون ورعاً ، إذا حقق هذه الصفات استحق أن تكون هذه الأحاديث مما تعنيه . والحديث الأخير الذي أنهيت به موضوع الفقه في الدرس الماضي قوله عليه الصلاة والسلام : ((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب – بعير- وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولمن يُتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه ، فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكته حتى تتوب أو ترجع ، وإن كان ظالماً ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/01.jpg
لحسن سير الحياة في الأسرة لابد من طرف أمره نافذ ، وهو الزوج كونه ظالم أو غير ظالم بحث آخر ، لكن لابد من إنسان يأمر فيطاع ، لابد لهذه السفينة من ربان ، لابد لهذه الطائرة من طيار وقائد إذا أمر يُنفذ الأمر ، بصرف النظر عن قناعة معاونه بأحقية هذا الأمر ، أو عدم قناعته ، لذلك وإن كان ظالماً .
حينما جاء النبي الكريم أخو إحدى الصحابيات يستأذنه في أن تخرج أخته لعيادة أبيها ، قال له: " قل لأختك طاعتها لزوجها خير من عيادة أبيها" وكره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتدي على حق الزوج .
هذا ملخص الأحاديث التي سيقت في الأسبوع الماضي ، وقد رجوت الأخوة الأكارم أنهم إذا ذكروا هذه الأحاديث في ثورة الغضب فإن الزوجة تكفر بها ، وقد تسمعك كلاماً لا ترضاه ، لا ينبغي أن تستغل هذا الحديث استغلالاً شخصياً ، قبل أن تقول هكذا يقول عليه الصلاة والسلام راقب نفسك ، هل أنت في مستوى هذه الأحاديث ؟
لذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام مرةً إلى أصحابه قائلاً: "غضبت أمكم غضبت أمكم " السيدة عائشة ، يُستنبط من هذا الحديث أن المرأة إذا غضبت على الزوج أن يسكت ، وإذا غضب الزوج على المرأة أن تسكت .
أي إذا مسكنا زجاجتين وصدمناهما ببعضهما تتكسران ، أما قطعة من الإسفنج وقطعة من الزجاج فلا يحصل شيء ، الأولى تمتص الثانية ، فإذا كانت الزوجة غضبانة فأنت مثّل دوراً سلبياً ، فإذا كنت أنت الغاضب عليها أن تمسك . النبي الكريم هكذا علمنا ، خرج على أصحابه وقال: "غضبت أمكم غضبت أمكم "
المرأة أحياناً يكون عليها ضغوط كثيرة ، الزوج يخرج من البيت يرجع الظهر أحياناً تتعسر في أمور الغسيل ، أحياناً يكون حاجات ناقصة في البيت ، فالرجل حين يرجع إلى البيت ويلقى زوجته غاضبة عليه أن يتلقى هذا بصدر واسع . 2 ـ عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت :
الحق الثاني الذي على المرأة : عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت ، إذا قال زوجها: فلانة لا أريد أن تدخل بيتي فمعنى ذلك أن فلانة لا ينبغي أن تدخل بيته ، رضيت أم غضبت ، أعجبها ذلك أم لم يعجبها ، فمصلحة الزوجة مع زوجها لا مع جاراتها ، وكم من مشكلة وقعت بسبب أن هذه الزوجة الحمقاء آثرت علاقتها الطيبة بجيرانها ، وضحت برضا زوجها ، لذلك إذا أمر الزوج أن هذه فلانة لا أحب أن تدخل بيتي ، فللزوج وجهة نظر تحترم، قد تدخل امرأة إلى البيت من أهل اليسار ، ليس عكس اليمين ، أي الغنى ، فكلما وقع بصرها على شيء في البيت ازدرته ، فانطمست الزوجة ، فإذا عاد الزوج أقامت عليه النكير؛ أنت لا تعرف قدري ، أنت لا تقدم لي على الأعياد شيئاً يُذكر ، أنت لا تكرمني بسبب هذه الزائرة الظالمة التي لا تعرف الله عز وجل .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ليس منا من فرق " .
أي إنسان يفرق بين زوجين ، بين أخوين ، بين أم وابنها ، بين شريكين ليس من أمة سيدنا محمد ، وقد يكون التفريق ببعض الملاحظات .
امرأة زارت امرأة أخرى ؛ كم كان مهرك ؟ تقول : عشرة آلاف ، عشرة ، لماذا من بهذا الوقت قبل بعشرة ؟ شيطان داخل فيها ، إن تكلمت على المهر تؤذي ، وإن تكلمت على نوع الصيغة تؤذي ، وإن تكلمت على البيت تقول : ما هذا البيت ؟ أيسكن هذا البيت؟ والله خم دجاج أفضل منه . يأتي الزوج يرى زوجتها مقلوبة ، لم تكن هكذا ، هو مسرور وراض و هي راضية ، فإذا أمر الزوج أن هذه المرأة التي تزورنا كل حين فتفسد العلاقة فيما بيننا ينبغي ألا تأتينا ، فعلى الزوجة أن تنصاع لهذا الأمر .
طبعاً كل إنسان له مشكلة ، والناس كما يقال بلاء للناس ، أحياناً الإنسان يكون مرتاحاً ، كلمة سيئة ، ساعة غفلة من الزوجة ، وساعة يقظة شيطانية من الزائرة ، ترى أن عرى الزوجية قد فصمت وصار الخصام والمشاحنة ، وما من مشكلة إذا أردت أن أعمم إلا وراءها إنسان سبب الإيقاع بين هذين الشخصين .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/02.jpg
لذلك يتمنى الشيطان أن يفرق تلك العلاقات ، أي ما من علاقة يرضى عنها الله سبحانه وتعالى كأن تكون العلاقة بين الزوجين طيبة ، وما من علاقة يكرهها الله عز وجل كأن يكون الخصام والشقاق . تدخل إلى بيت متواضع جداً بالجادة العاشرة إن كان هناك عشر جادات ، الأرض عدسة ، الفرش إسفنج فقط ، الجلائل خام أبيض ، و لكن هناك سعادة، و مودة ، و رحمة ، هذا البيت جنة . وتدخل إلى بيت فرشه مكلف مليون ليرة ، ثمنه مليونان، وجميع الأجهزة الكهربائية موجودة من دون استثناء ، وهذا البيت قطعة من جهنم .
سر الزواج الوفاق بين الزوجين ، وأبشع ما في الزواج أن يكون الخصام والنكد. تلقى البنت تنشأ على النكد ، البنت تشرب من أمها ، إذا زُوجت هذه الفتاة تكون علاقتها بزوجها سيئة ، لأنها رأت علاقة أمها بأبيها ، وإذا كانت العلاقة طيبة بين الأم والأب ، أغلب الظن بأن زواج البنات ناجح ؛ لأنك ترى المودة والرحمة والتسامح واللطف والاعتذار تتعلم من أمها ، فالإنسان إذا خطب الأهل لا يكون مخطئاً ، إذا أصرّ على معرفة طبيعة العلاقة في هذا البيت بين الزوجين ؛ هل هناك تسامح ؟ هل هناك مودة ؟ هل هناك احترام ؟ هل هناك شقاق ؟ خصام ؟ نكد ؟ إغاظة ؟ إذا تزوج إنسان ابنة بيت فيه خصام أغلب الظن أنه لن يرتاح، إذاً هذا أمر قطعي ، أنا أريد أن أوضح ذلك ، إذا قال الزوج : لا أريد أن تدخل فلانة إلى بيتي . . لكن أنا سأهمس في أذن الأزواج : إياك أن تستخدم هذا الحق في منع الزوجة أن ترى أهلها . لا أسمح لأمك أن تدخل بيتي . لا ، هذا فيه ظلم ، هذه أمها ، إن قلت ذلك ووقع منك يمين معظم ، فكأن الطلاق صار بيد الزوجة ، كانت تخاف منك ، فصرت تخاف منها ، فإذا سمحت لأمها بدخول البيت وقعت طلقة . لا ينبغي أن تستخدم هذا الحق استخداماً تعسفياً ، بالقوانين مادة تقول : التعسف في استعمال السلطة ، مثلاً موظف في دائرة وموظف آخر في دائرة ، الأول أعلى من الثاني ، لم يرض الثاني أن يتواطأ مع الأول لكسب حرام ، فأمر بنقله إلى محافظة نائية ، نقول : إن هذا النقل تعسفي ، لم يُقصد منه المصلحة العامة ، لكن القصد الكيد والإبعاد . كذلك الزوج أعطاه الله صلاحيات ، كل إنسان أعطاه الله صلاحيات لا ينبغي أن يستخدمها بشكل تعسفي . أي إذا رسول الله قال للمرأة : " إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وأطاعت زوجها ، دخلت جنة ربها "، لا ينبغي لهذا الزوج أن يستخدم هذه السلطة بشكل تعسفي . الإنسان العاقل دائماً يجعل مجالاً كبيراً جداً للمودة .
أحبب حبيبك يوماً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما . أي لا ينبغي أن يعادي الرجل أهل زوجته ، صار هناك مشكلة يعاتب عاتباً لطيفاً فقط . أما يقيم النكير ، ويسب ، ويبهدل ، ويخبط الأبواب ويطردهم. أنت ما أبغضتهم هوناً ما ، أبغضتهم بالمبالغة ، فكأنك قطعت حبال المودة .
الاعتدال علامة عقل الإنسان الراجح :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/03.jpg
الإنسان علامة عقله الراجح اعتداله ، علامة عقله الراجح أنه معتدل في انفعالاته، معتدل في تصرفاته ، معتدل في كلامه . أي إذا دخل إلى البيت فوجد شيئاً لا يعجبه قال : والله إذا هذا الشيء وقع مرة ثانية سأحزن ، . . شيء جميل ، أريد أن أحزن الكلام معقول أما أريد أن أطلق فوقعت مرة ثانية بمشكلة ، أحرجت أنت ، إن ما طلقت لم يعد لكلامك قيمة وإن طلقت خربت بيتك ، لا تقل أريد أن أطلق . إن وقعت مرة ثانية سأحزن ، أما أريد أن أعمل شيئاً لن تسري منه ، ما هذا الشيء ؟ هذا الشيء المخفي يخيف كثيراً . إنسان دخل إلى مطعم فقال: هل تعشيني أم أعمل مثلما صنع أبي البارحة فخاف منه ، أن يكون أبوه مجرماً ، أو قاتل قتيل ، قال له: لا تعال أعشيك ، فصنع له عشاءً فخماً ، بعد أن انتهى قال له: ماذا صنع أبوك ؟ قال له: نام بلا عشاء . فإذا إنسان قال : إن أعيد هذا الشيء سترون شيئاً كبيراً ، ما هذا الشيء ؟ الله يعلم ، هذا شيء واسع ، مفتوح ، إذاً هناك أزواج ما عندهم حكمة ، الإنسان لا يحدد ، ولا يذكر عقوبات محددة ، يذكر عقوبات معممة ، لذلك قال الله تعالى :
﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
[سورة النجم: 16]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/04.jpg
هذا اسمه في البلاغة إيجاز غني ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، لقد أصابني ما أصابني ، آلمني ما آلمني ، إيجاز ولكنه غني يحتمل معاني كثيرة . أحياناً الإنسان يتخاصم مع سمان بجانبه ، يحلف يميناً ألا يشتري من عنده ، ثم يأتيه ضيف بعد أسبوعين ويريد كبريت ، والسمان فاتح ، والمحل بعيد جداً ، تقع بحرج ، إذا خاصمت السمان جارك قل له : والله أحزنتني ، إذا قلت له : أحزنتني فقط واضطررت أن تذهب إليه مرة ثانية ، لا يصير شيئاً ، لا احتقرك ، ولا تحداك ، أما إذا قلت له : والله لن أشتري منك بعد الآن ، وكنت مضطراً فتوقفت عنه تقع بحرج كبير .
الإنسان كلما ازداد عقله لا يحلف أيماناً ، ولا يحدد عقوبات ، ولا يقيد نفسه ، أنت حر ابق حراً . أنا ألاحظ أن معظم الكلمات تأتي من كلمة مرتجلة غير مدروسة ، لذلك يتمنى سيدنا عمر أن تكون له رقبة مثل رقبة الجمل ، الكلمة قبل أن ينطق بها تمشي مسافة طويلة ، يدرسها وهي تمشي ، تُحكى ، أو لا تحكى ، تجوز أم ما تجوز ، هناك كلمة تهد علاقة ، تفصم علاقة كبيرة ، تفصم شركة ، كلمة واحدة ، هناك كلمة تطلق . ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة البقرة: 269]
كل إنسان مأمور بالإحسان :
ولا تنسوا أن الله عز وجل يأمرنا جميعاً قال : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
أنت مأمور . أكثر الناس يظنون أن الأوامر هي الصلاة والصوم والحج والزكاة مع أنك لو دققت في كتاب الله لوجدت أن أي أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
أنت لست مخيراً ، أنت مأمور بالإحسان ؛ أخي ليس له حق عندي ، نعم ليس له حق عندك ، هذا عدل ، والإحسان ؟ له حق عندك بالإحسان . رجل طلق زوجته لأسباب قاهرة ، عاهد نفسه أن يقدم لها معاشاً شهرياً ما امتد به العمر ، لم يقصر ولا شهر ، يطرق الباب هذا المبلغ يكفيها ، الطلاق كان لأسباب مشروعة وقاهرة ، هذا إحسان ، أنت مأمور به. لذلك في بعض الآيات القرآنية تقول : حقاً على المحسنين ، حقاً على المتقين .
الآن إذا إنسان من أهل الكرم ، من أهل الجود ، وشخص أكرمك كنت في مدينة وضيفك ، وأكرمك ، ونمت عنده ليلتين ، رجع هذا الشخص المضيف فزارك في بلدك ، له عليك بالقضاء حق أن ينام عندك ، له عليك في القضاء حق أن تعشيه ، لكنك أنت كإنسان كريم تجد أنك مدين له ، ولا بد من أن تقابله على ضيافته بضيافة أكبر ، هذا حق على المحسن ، حق على المتقي ، حق على المؤمن ، فالإنسان لا يقول : ليس له عندي حق ، أنت كمؤمن عندك حق كبير ، له عندك حق الإحسان ، ولو لم يكن له عندك حق ثابت ، هذه الآية تحل مليون مشكلة ، وما من إنسان يصلي الجمعة في المسجد إلا ويقرؤها الخطيب قبل أن ينزل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
والقصة المشهورة قلتها لكم سابقاً ، الذي وجد زوجته حاملاً ليس منه ، فسترها وأكرمها ، وجعلها زوجة طيبة ، إمام المسجد المجاور رأى في المنام رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول له : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة .
يستطيع أن يطلقها ، من حقه ، لأنها أتت فاحشة ، يستطيع أن يفضحها ، لكنه قبلها ، وجبر خاطرها ، فقال له : إنه رفيقي في الجنة . لا تعاملوا الناس على العدل عاملوهم على الإحسان ، أنت أدِّ ما عليك ، والناس يفعلون ما يشاؤون ، إن قدموا لك حقك لابأس ، وإن لم يقدموا فالله يعرف من المحسن . لذلك في حديث كلما أذكره يقشعر بدني ، قال عليه الصلاة والسلام : ((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب ]
أنت تتمتع به ، العمل الطيب فيه سعادة كبرى ، لا يعلمها إلا من ذاقها . 3 ـ خدمة المرأة زوجها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/05.jpg
والحق الثالث الذي للزوج على الزوجة خدمة المرأة زوجها ، أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، وأصل ذلك في قوله تعالى: ، انظر إلى الآية ما أدقها :
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة البقرة : 228]
أي أنت تريد من زوجتك أن تتزين لك ، هذا حقك ، ولها حق مشابه .
(( اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم واستاكوا، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ))
[ابن عساكر عن عبد الله بن ميمون القداح]
إن كان لك عليها هذا الحق ، فلها عليك مثل هذا الحق ، ربنا عز وجل يقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة البقرة :228]
بالمعروف أي المألوف ، بيت معقول خدمته ، أما أحياناً تأتي الكنة إلى بيت ثماني غرف وصالون ، الكل يرتاحون ، وعليها المسح والجلي والطبخ والعزائم ، هذا شيء فوق طاقتها ، أما بيت مؤلف من غرفتين وصالون ، بيت معقول خدمته وطبخه ، أما تطبخ لعشرة أشخاص فهناك أشخاص ليس عندهم إنصاف ، هذه كنة .
الدرجة هي القيادة فقط ، أنا أشبهها بالرتب العسكرية ، مثل عميد ولواء ، درجة واحدة بينهما ، لكن ليس مجنداً ولواء . درجة واحدة ، هذا له رتبة ، وهذا له رتبة ، هذا له معاش ضخم ، وهذا له معاش ضخم ، هذا له مكتب فخم ، وهذا له مكتب فخم ، لكن هذا آمر هذا ، هذا قائد اللواء ، هذا معاون قائد اللواء . فإذا صحّ أن يطرح هذا المثل في البيت المرأة لها حقوق مشابهة لحقوق الزوج ، وعليها واجبات مشابهة لواجبات الزواج ، وله عليها درجة واحدة ، فالآية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها ، فكلما طولبت المرأة بحق طولب الرجل بمثله . فكأن النبي الكريم استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/06.jpg
هذه أصل من أصول النظام الاجتماعي ، المرأة متفرغة لخدمة زوجها وأولادها والزوج متفرغ لتأمين نفقات هذه الأسرة وحسن قيادتها . لذلك في المجتمعات المستهترة المنحل خلقياً ، أرقى مرتبة تنالها امرأة أن يُكتب على هويتها سيدة منزل ، أي متفرغة لتربية الأولاد ، الطيار إذا جلس في غرفته يكون محصوراً ، هذا مكانه الطبيعي مكان القيادة ، فلما المرأة تخرج من بيتها من أجل أن تقوم بأعمال مشابهة للرجل ضاع البيت وضاع الأولاد ، ولما الرجل يكون باله مشوشاً ، مضطرباً ؛ هل حضر ابنه أم لم يحضر ؟ فتح الباب ، دخل مع رفيقه إلى البيت ، صنعوا شيئاً ، مشوش . لا ينتج ، حتى الرجل ينتج إنتاجاً مضاعفاً ، وحتى المرأة تكون مصونة ، الأصل الذي جاء به القرآن الكريم : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
ولا يخطر في بال أحدكم أن هذه الآية موجهة لنساء النبي فقط إن كن مأمورات بأن يقررن في بيوتهن ، فنساء المؤمنين من باب أولى أن يقررن في بيوتهن . بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت :
وهناك بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين علي كرم الله وجهه وبين فاطمة رضي الله عنها ، فجعل على فاطمة خدمة البيت ، وجعل على علي العمل والكسب ، لا يوجد أحد ابنته أشرف من السيدة فاطمة ، أي صهره وابنته حكم على فاطمة بخدمة البيت ، وحكم على علي بالكسب والعمل ، هذا توزيع النبي الكريم .
وقد روى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه سلم تشكوا إليه ما تلقى في يديها من الألم وتسأله خادمة ، فقال: " ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم "
كأن النبي ما أحب أن يكون الإنسان عنده خادم في البيت ليس ما أحب للمؤمنين ، بل ما أحبها لابنته ، لو أعطى إشارة يأتيها مئة خادم ، مئة إنسان يخدمونها ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحب ذلك ، الإنسان يخدم نفسه ، ويكون أكثر تواضعاً ، وأكثر إرضاءً لله عز وجل ، وإن الله يكره العبد أن يُرى متميزاً على أقرانه ، منظر غير مقبول ، إنسان مرتاح والثاني يعمل ، أما الزوج فليس مرتاحاً و هو تعب جداً ، وهناك كل هم يهد جبلاً ، قد يكون عمل البيت أشق ، مسح ، جلي ، غسيل ، يجوز الرجل ذهب إلى المكتب ثلاث ساعات يوجد عنده هموم ، كل هم يجعله يفكر ، خمس ساعات في المكتب ، عليه دفع ولا يوجد بيع ، وسندات مستحقة ماذا يعمل ؟ تقول له : أنت لا تعمل شيئاً في المكتب ، جالس مرتاح ، لا ليس مرتاحاً . أحياناً الأعمال المادية أخف من الأعمال التي تصيب الهم في الإنسان .
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله - أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام حواري رسول الله ، وعبد الله بن الزبير ابنها ، هذا الطفل الصغير الذي مر به سيدنا عمر في الطريق ورأى غلمان كثيرين فلما رأوه تفرقوا لهيبته إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه ، فلما حاذاه عمر قال له: يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال : أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك- هذا عبد الله بن الزبير . وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه وكنت أحش له ، وأقوم عليه ، وكانت تعلفه ، وتسقي الماء ، وتخرج الدلو ، وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ "
تقوم بخدمة شاقة لها أجر كبير . ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها كما أن على الرجل أن يقوم بالإنفاق عليها . وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ، هذه التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني ، من أكرمها فقد أكرمني ، ومن أغضبها فقد أغضبني "
وكل أب إذا عنده ابنة يشعر هذا الشعور نفسه ، أي لا يوجد أغلى من البنت، لذلك الزوج إذا كان مخلصاً ، إذا كان مستقيماً ، إذا أكرم الزوجة ، فله مكانة عند الأب قد تزيد عن أولاده . الصهر غال .
شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة ، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك . شكت له فما تكلم ولا كلمة ، عليها الخدمة . قال ابن القيم: " وهذا أمر لا ريب فيه "، لا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها .
أنا والله ابنتي لا تخدم أحداً ، احضر لها خادمة ، من ابنتك ؟ أشرف من السيدة فاطمة ؟ لا . من أنت ؟ أعظم من رسول الله ؟ لا . هو رسول الله ، أبوها وهي ابنته ، وكانت تخدم زوجها . يقول له : احضر لها جلاية ، كيف كان أجدادنا يعيشون ؟ جاءت الرسول صلى الله عليه وسلم تشكو الخدمة فلم يشكها ، أي لم يسمع منها ، دعواها مشطوبة ، غير مقبولة .
4 ـ تجاوز الصدق بين الزوجين :
آخر موضوع : تجاوز الصدق بين الزوجين ، العنوان قد يثير التباساً أي يكذبون على بعضهما ؟ لا . ولكن اسمعوا أي صدق يجب أن نتجاوزه بين الزوجين .
روي عن ابن أبي عذرة الدؤلي أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن ، فثارت له في النساء في ذلك أحدوثة يكرهها ، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته : أنشدك بالله هل تبغضينني – تكرهيني – قالت : لا تنشدني بالله – لا تحرجني – قال : فإنما أنشدك بالله ، قالت: نعم . فقال لابن الأرقم : أتسمع ؟ انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب . فقال لعمر : إنكم تتحدثون أني أظلم النساء وأخلعهن فاسأل ابن الأرقم ، فسأله فأخبره فأرسل إلى هذه المرأة وقال : أنت قلت إنك تبغضين زوجك ؟ قالت: إني أول من تاب ، إنه ناشدني - أي حلفني بالله- فتحرجت أن أكذب ، أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ - أقول أحبه وأنا لا أحبه - قال: نعم تكذبين .
ليس هذا هو الصدق ، أحياناً يكون الزوج كريماً ، ميسور الحال ، أخلاقه عالية، مؤمن ، فيه علة بخَلقه يسأل زوجته أتحبينني ؟ لا أحبك ، هذا ليس صدقاً ، هذه وقاحة . . قالت : أأكذب ، قال: نعم تكذبين .
والعكس أحياناً يكون ، أي نصيبه ، ليست كاملة ، فيها مجموعة علل ، كيف تراني ؟ يقول لها : والله الحمد لله ، أنا مسرور منك كثيراً . أنت تكذب بهذا الكلام ، هذا الكذب يحبه الله ، هذا الكذب يرضاه الله عز وجل ، هذا الكذب أنت مأمور به ، هناك أزواج سبحان الله ما عندهم حكمة ، لو كنت مثل فلانة . أذهب لها كل معنوياتها ، رأته لا يحبها ، فلما دخل إلى البيت ليست لابسة ، يائسة ، لا يوجد أمل ، أزالت اسمك من القائمة ، أما المؤمن فلا يتكلم هذا الكلام ، الحمد لله أكرمني الله بك ، لا يوجد أحسن منك ، أنت أنسب واحدة لي ، هذا الموضوع دقيق جداً .
(( قالت: أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم تكذبين ، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك ، فإن أقل البيوت الذي يُبنى على الحب ))
كلمة بيت ، ليس هناك بيت واحد مبني على حب صاعق ، أي حب مجنون ليلى، البيت مبني على التعامل بالإسلام ، على الإيمان ، على الرضا بقضاء الله ، على الرضا بما قسمه الله لك من زوجة وهي كذلك ، الكلام دقيق : " فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب "
هناك بنت أصل ، وهناك ابن أصل ، لا يكسر خاطرها ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا نصيبها . زوجك صحته زيادة ، قولي له أن يخفف وزنه . ما هذا الكلام ؟ أتكرهها فيه ؟ هناك أشخاص كثيرون كلامهم ثقيل ، فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب .
كل إنسان يعمل بأصله ، الأصيل لا يحرج امرأته ، لا يحمر وجهها ، لا يخجلها، لا ييئسها منه ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا الحديث دقيق جداً ، وله آثار كبيرة، مسموح للزوج أن يكذب على زوجته تقرباً لها ، تطييباً لقلبها ، ومسموح للزوجة أن تكذب على زوجها تطييباً لقلبه وإكراماً له .
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتحدث عن إمساك الزوجة بمنزل الزوجية، وعن الانتقال بالزوجة أي السفر بها ، ومنع الزوجة من العمل ، وخروج المرأة لطلب العلم، وتأديب الزوجة عند النشوز ، وتزين المرأة لزوجها ، هذه كلها موضوعات الدروس القادمة إن شاء الله تعالى .
***
أحاديث تبدأ بإنما :
الحديث الأول الاستئذان من أجل النظر :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة : لأن أحاديث كثيرة تبدأ بكلمة إنما . أي إذا قلت : إنما شوقي شاعر . إذا قلت : شوقي شاعر ماذا تعني باللغة ؟ المعنى الدقيق لها أنه شاعر ، هل يمنع أن يكون كاتباً ؟ لا ، هل يمنع أن يكون حقوقياً ؟ لا كان هو حقوقياً ، هل يمنع أن يكون مثلاً تاجراً ؟ لا . إذا قلت : شوقي شاعر معناها شاعر ، ولا يمنع أن يكون أديباً ، أو كاتباً ، أو قصصياً ، أو محامياً . إذا قلت : إنما شوقي شاعر . اختلف الوضع شاعر فقط ، أي حصرنا شوقي بالشعر ، إذا قلنا : الشاعر شوقي . عكسناها ، أيضاً شوقي شاعر . أما إذا قلنا : إنما الشاعر شوقي ، أي لا شاعر غيره . فكلما وجدنا كلمة إنما تعني أداة حصر وقصر فمثلاً :
﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر: 28 ]
معناها العلماء وحدهم يخشون الله ، إذا قلنا : العلماء يخشون الله ، لا تمنع أن يخشى الله بعض الجهال ، قلنا : العلماء يخشون الله لا يمنع أن يخشى الله غير العلماء ، أما إذا قلنا : إنما يخشى الله من عباده العلماء أي العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله .
هذا هو القصر . (( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/07.jpg
إذاً ما حكمة يا الله ؟ ما حكمة طرق الباب ؟ لو إنسان باب صديقه مفتوح أله حق أن يدخل فوراً ؟ لا يجوز ، إذاً ما العلة ؟ النظر ، لما ينظر الإنسان إلى زوجة صديقه فقد أتى إثماً كبيراً ، الإنسان في بيته حر ، يتحلل من الثياب أحياناً ، يتبذل في بيته ، المرأة تطبخ ، تجلي ، تغسل ، تلبس لباساً خفيفاً ، ألبسة غير سابلة ، حرة في بيتها مادام بيتها غير مكشوف مستور . فلما يكون الاستئذان موجوداً معناها من أجل البصر .
هناك أشخاص كثيرون ، يدخلون إلى غرفة في المستشفى ، أخي نريد أن نزور صديقنا ، إذاً صديقك زوجته عنده ، يجب أن تطرق الباب ، أخي هنا مستشفى ؟ أيضاً يجب أن تستأذن ، أينما كنت يجب أن تستأذن . . السلام عليكم أأدخل ؟ السلام عليكم أأدخل ؟ فإن قيل لك ادخل تدخل وإلا انتظر ، وإلا انصرف . إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ، حتى لا تقع عينك على امرأة لا تحل لك . لكن علماء الحديث وسعوا هذا الحديث ، قال: ليس من أجل المرأة فقط حتى من أجل الرجل .
الإنسان أحياناً يكون في بيته جالس بقميص شيال مثلاً ، ليس مؤاخذاً ، هو في بيته أو بمحل مثلاً ، وبالمحل له غرفة داخلية يعزل المحل ، متخفف من ثيابه ، يجب أن تطرق الباب ، لو كان المستودع داخلياً ، انقر نقرتين على الباب ، أنا فلان ، لو كان رجلاً ، طبعاً المرأة أشد إثماً ، وأكثر حرجاً ، وأكثر إيلاماً للزوج أن يراها الأجنبي ولكن لا يمنع هذا أن يكون من أجل الزوج أيضاً . ((إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
لذلك علمنا عليه الصلاة والسلام أن إذا طرقنا باباً أن نعطي ظهورنا للباب أولاً وأن نقف بإزاء المصراع الثابت ، في مصراع متحرك ومصراع ثابت ، أول شيء نعطي ظهرنا للباب وفي حذاء المصراع الثابت ، هناك أشخاص يقفون مواجه الباب ، وعلى الباب المتحرك ، يُفتح الباب فيرى داخل البيت . هكذا أدبنا عليه الصلاة والسلام . الحديث الثاني إنما الدّين النصح :
حديث آخر وأخير : يقول عليه الصلاة والسلام :
(( إنما الدين النصح ))
[ أبو الشيخ الأصبهاني عن ابن عمر]
تنصح زبائنك ، أما إن كنت لا تنصحهم فلست ديناً ، ولو كنت تصلي مئة ركعة كل يوم ، وعامل ثلاثاً وعشرين عمرة ، خير إن شاء الله ، و حاجج ثماني مرات ، و تصوم اثنين وخميس ، وعاشوراء ، ونصف شعبان ، وسبع وعشرين من رجب ، وتصلي قيام الليل، والأوابين ، والضحى ، و لكنك لا تنصح زبائنك لست ديناً . . http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3699/08.jpg
(( إنما الدين النصح ))
يجب أن تنصح زبونك ، وكأن الحاجة لك هل تأخذها أنت ؟ أنا لا آخذها ، ولكنها رخيصة ، هذه فيها عيب . ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
[ سورة النور: 55 ]
لما فهموا الدين النصح فتحوا العالم ، ولما فهمناه صوماً وصلاة وحجاً وزكاة فقط تلك الله يعفو عنا ، يقول لك : أخي الله يسامحنا نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان ، يقول لك: الله قال : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾
[سورة يوسف: 53]
يتكلم لك بكلام من القرآن ، يفعل ما يشاء ، يغش ، ويكذب ، ويغير الحقائق ، أما عندما يؤذن الظهر ، يقول : أخي بالإذن أريد أن أصلي ، ما هذه الصلاة ؟ إن راحت أو ما راحت الصلاة مثل بعضها ،لما تغش الناس بمصالحهم ، وتكذب عليهم.
أحياناً عامل البلور يضع للبلور مسماراً في كل جهة فقط ، أحياناً يضرب الباب ضربة قوية فينكسر البلور ، ثمنه خمسون ليرة . حتى يوفر دقيقة واحدة دفعك خمسين ليرة ، ويصلي ، والله قال لي أخ عن دهانين شركاء ، أحدهما له لحية ، والصلاة بالجامع ، والله شيء جميل ، أنعم بها وأنعم به ، ولكن صاحب البيت قال لهم : أنا مشغول ، وهذا المفتاح دهنوا البيت ، أنا واثق بكم .
الشريك الأول ليس له مظهر ديني ولكنه ورع ، قال له: هناك هاتف بهذا البيت إذا لزمني أن أخبر زوجتي هل عندك مانع ؟ قال: لا والله مسامح ، خبر على حسابك بقدر ما تريد . الثاني الذي له لحية خبر مخابرة إلى السعودية ، فيها ثلاثمئة وخمس وخمسون ليرة ، قال : أما هو فقال لنا خبروا ، أهو قال لك خبر مخابرة خارجية ؟ قال: خبر مخابرة داخلية سمح لك ، قال له : أريد أن أقول له ، قال : لا تقل له ما فيها شيء . فكوا الشركة من هذا العمل ، قال له: أنت لست إنساناً مستقيماً ، إذا أنت زيك ديني ، والفاتورة جاءت ثلاثمئة وخمس وخمسين ، ماذا يقول على دينك ؟ أهكذا المسلم ؟ غدار ؟ . دهنت البيت أخذت أجرة مضاعفة بهذه الطريقة .
فأنا قناعتي أن الدين بالاستقامة ليس بالمظهر ، مع أن المظهر أنعم به وأكرم ، أنا أحترم المظهر ، ليس معناها أنا أطعن بالمظهر لكن مظهراً من دون مخبر ليس له قيمة . كان هناك طفل بسوق الحميدية أصلحه الله وهداه ، يكنس المحل ، يجمع الغبار ، يحضر علبة جرابات ثقيلة ، يضعهم فيها ويلفهم بورق هدايا ، و شريطة حمراء ثم يضعها على الرصيف. يأتي رجل يراها يظنها واقعة من شخص يأخذها وينظر حوله هل أحد يراه ؟ . ثم يتبعه ، وعندما يبعد مئتي متر ويفك الشريطة الحمراء و يفتح العلبة يراها وسخاً .
هناك شخص تراه ، مظهره فخم جداً ، افتحه تراه أعوذ بالله ، غشاش ، آكل مال حرام ، لا يؤتمن ، كذاب . الدين مخبراً وليس مظهراً . (( إنما الدين النصح ))
هناك أحاديث بروايات أخرى : (( إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))
[ مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد عن تميم الداري ]
***
على الإنسان أن يكون مستقيماً ورعاً و صادقاً :
والآن إلى قصة صحابي جليل رضوان الله عليه : غريب لو قرأت النصوص القديمة ، قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: " كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، ونقطع الرحم ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه ، ونسبه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده، وندع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار " لم يتكلم عن الصلاة ، هذه الصلاة وسيلة ليست غاية ، الغاية أن تكون إنساناً شريفاً ، مؤتمناً ، صادقاً ، ورعاً لذلك :
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
لذلك قال تعالى : ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[سورة الكهف من الآية 105]
هؤلاء الذين يعصون الله في السر ، ويعبدونه في العلانية لا شأن لهم عند الله . أبو طلحة الأنصاري :
ضيفنا اليوم الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري ، وله قصة مثيرة عرف زيد ابن سهل النجاري المكنّى بأبي طلحة أن الرميصاء بنت ملحان النجارية المكناة بأم سليم قد غدت أيماً ، أي مات زوجها فاستطار فرحاً بهذا الخبر ، ولا غرو ، فقد كانت أم سليم سيدة حصاناً رزاناً ، راجحة العقل ، مكتملة الصفاة . يظهر أنها إنسانة ممتازة ، درجة أولى كمالاً وصلاحاً ، كمال في العقل ، وصلاح في الشكل .
فعزم على أن يبادر إلى خطبتها قبل أن يسبقه إليها أحد من الذين يسعون إلى أمثالها من النساء ، وكان أبو طلحة على ثقة من أن أم سليم لن تؤثر عليه أحداً من طالبها - كان واثقاً من نفسه ، يظهر أنه من وجهاء المدينة ، ومن أغنيائها - فهو رجل مكتمل الرجولة، مرموق المنزلة ، طائل الثروة ، وهو إلى ذلك فارس وأحد رماة يثرب المعدودين .
مضى أبو طلحة إلى بيت أم سليم ، وفيما هو في بعض طريقه تذكر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعي المكي مصعب بن عمير فآمنت بمحمد واتبعت دينه . هو في الطريق قال لنفسه : لكنها أسلمت أي هذا شيء كأنه عيب صار فيها .
سيدنا رسول الله قبل أن يهاجر بعث إلى المدينة مصعب بن عمير يدعو إلى الدين الجديد ، وآمن من آمن من الأنصار مع هذا الصحابي الجليل قبل أن يأتي النبي إلى المدينة . لكنه ما لبث أن قال في نفسه : وما في ذلك عناء ، ألم يكن زوجها الذي توفي عنها مستمسكاً بدين آبائه ، نائياً بجانبه عن محمد ودعوته ؟
بلغ أبو طلحة منزل أم سليم ، واستأذن عليها ، فأذنت له وكان ابنها أنس حاضراً فعرض نفسه عليها ، فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد ، لكني لن أتزوجك وأنت كافر - انظروا دقة الكلام ، كلام مثل الرياضيات - لم تقل لن أتزوجك لأنك كافر . لا ، وأنت كافر معناها إذا آمنت أتزوجك ، الواو الحالية ، لن أتزوجك على هذه الحال ، إعراب الجملة حالية والواو واو الحال . لن أتزوجك وأنت رجل كافر . فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك أي هذه حجة غير صحيحة ، وأنها قد آثرت عليه رجلاً آخر أكثر منه مالاً وأعز نفراً . فقال لها: والله ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم . قالت: وما الذي يمنعني إذاً ؟
قال: الأصفر والأبيض - العوام يقولون : والله لا أخذنا منه لا أصفر ولا أبيض . أي لا فضة ولا ذهب - قالت: الذهب والفضة ؟ قال: نعم . قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة ، وأشهد الله ورسوله ، أنك إن أسلمت رضيت بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة ، وجعلت إسلامك لي مهراً ، حتى أؤكد لك أن سبب رفضي أنك كافر ، لو أسلمت لرضيت بإسلامك مهراً لي .
فما إن سمع أبو طلحة كلام أم سليم حتى انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب ، وخصّ به نفسه كما كان يفعل السادة من قومه ، لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً - كما يقولون - فقالت له : ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض ؟ قال: بلى . قالت: أفلا تشعر بالخجل وأنت تعبد هذا الجذع من الشجرة ؟ جعلت بعضه إلهاً بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يصطلي به ، شجرة قسم صنعته أنت إلهاً وقسم جعله غيرك حطباً، إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً ، ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام ، قال: ومن لي بالإسلام ؟ قالت: أنا لك به ، قال: وكيف ؟ قالت: تنطق بكلمة الحق ، فتشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ثم تمضي إلى بيتك فتحطم صنمك ، ثم ترمي به .
فانطلقت أسارير أبي طلحة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله أي الله أعلم فرح بها زوجة فأسلم ، ثم تزوج من أم سليم ، فكان المسلمون يقولون ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم . أكرم مهراً ، فقد جعلت صداقها الإسلام . جهاد و جود أبي طلحة الأنصاري :
منذ ذلك اليوم انضوى أبو طلحة تحت لواء الإسلام ، ووضع طاقاته الفذة كلها في خدمته ، فكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، ومعه زوجه أم سليم ، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أمّرهم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة على مسلمي يثرب - جعله أميراً- ثم إنه شهد مع رسول الله مغازيه كلها ، أي بدر ، وأحد ، والخندق ، وأبلى فيها أشرف البلاء وأعزه ، لكن أعظم أيام أبي طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم أحد . وهاكم خبر ذلك اليوم .
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً خالط شغاف قلبه ، وجرى مجرى الدم من عروقه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه ، وكان إذا بقي معه جثا بين يديه وقال له: نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله فنفذ إليه المشركون من كل جانب ، حتى إن المرجفين أرجفوا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فازداد المسلمون وهناً على وهن وأعطوا ظهورهم لأعداء الله ، عند ذلك لم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نفر قليل في طليعتهم أبو طلحة ، قالوا : انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الراسخ بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به ، أي جعل نفسه ترساً لرسول الله .
ثم وتر أبو طلحة قوسه التي لا تفل ، وركب عليها سهامه التي لا تخيب ، وجعل - هو أحد الرماة الكبار ، بالأساس كان رامياً من رماة معدودين - وجعل يذود بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرمي جنود المشركين واحداً إثر واحد ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة ليرى مواقع سهامه ، فكان يرده خوفاً عليه ويقول له: بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك . رسول الله أحب أن يرى السهام ما مصيرها ، هل تصيب ؟ وكان عليه رضوان الله يقول : إن نحري دون نحرك ، وصدري دون صدرك ، جُعلت فداك يا رسول الله ، وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله ومعه الجعبة من السهام ، فيميل عليه النبي ويقول له : انثر سهامك بين يدي أبي طلحة ولا تمض بها .
ولا زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاثة أقواس ، وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين ، ثم انجلت المعركة ، وسلم الله نبيه وصانه بصونه . أي هذا موقف لا يُقدر بثمن ، أن جعل من نفسه ترساً لرسول الله وقال: نفسي دون نفسك ، ونحري دون نحرك ، جعلت فداك . كما كان جواداً بنفسه في سبيل الله ، وفي ساعات البأس كان أكثر جهاداً بماله في مواقف البذل ، من ذلك أنه كان له بستان ، من نخيل وأعناب لم تعرف يثرب بستاناً أعظم منه شجراً ، ولا أطيب ثمراً ، ولا أعذب ماءً ، وفيما كان أبو طلحة يصلي تحت أفيائه الظليلة أثار انتباهه طائر غرد ، أخضر اللون ، أحمر المنقار ، مخضب الرجلين . طائر جميل جداً وهو يصلي نظر إليه . وقد جعل يتواثب على أفنان - الأفنان : الأغصان - الأشجار طرباً مغرداً متراقصاً ، فأعجبه منظره ، وسبح بفكره معه ، ثم ما لبث أن رجع إلى نفسه فإذا هو لا يذكر كم صلى . كم ركعة ، اثنتان أم ثلاث ، لا يدري ، فما إن فرغ من صلاته حتى غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له نفسه التي صرفها البستان ، وشجره الوارف ، وطيره الغرد عن صلاته ثم قال : اشهد يا رسول الله أنني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى ، لأنه شغله عن الصلاة ، هل أحدنا إذا رأى شيئاً في البيت وأعجبه وما عرف كم ركعة صلى ، أيقدمه لله هدية جزاءً عن شروده في الصلاة ؟ بستان واسع فيه أشجار مثمرة ، فيه خيرات ، لأنه شغله عن صلاته قدمه هدية لله عز وجل ، لشدة حرصه على الصلاة .
يروون أن سيدنا رسول الله علمنا ، أهديت له بردة يمانية ، فصلى بها ركعتين ثم خلعها ، فقال : خذوها عني كادت تفتنني عن صلاتي ، أي بعضهم يقولون تعليماً لنا : الإنسان إذا التفت لغير الله في الصلاة كأنه ما صلى .
خروج أبي طلحة للغزو و موته في عِرض البحر :
المسلمون عزموا على غزوة في البحر في خلافة عثمان بن عفان ، أول غزوة في البحر . إذا ذهبت إلى قبرص ترى جوامع في مدن قبرص كلها ، هذه الجوامع بفضل سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي فتحها بحراً .
فأخذ أبو طلحة يعد نفسه للخروج مع جيش المسلمين فقال له أبناؤه : يرحمك الله يا أبانا لقد صرت شيخاً كبيراً ، وقد غزوت مع رسول الله ، وأبي بكر ، وعمر ، لم تفتك غزوة واحدة ، بدر وأحد والخندق ومؤتة ، والغزوات كلها ، وحنين ، ومع سيدنا الصديق ، حرب المرتدين ، وفتوح الشام ، والقادسية ، واليرموك ، ومع سيدنا عمر . يكفيك ، تقاعد . لا يوجد تقاعد في الجهاد ، يرحمك الله يا أبانا ، لقد صرت شيخاً كبيراً - بالمناسبة لا شيخوخة في الإسلام المسلم لا يشيخ أبداً ، عمره النفسي سبعة عشر ، ثمانية عشر دائماً ، أما عمره الزمني فيصير خمساً وثمانين ممكن ، يشيخ جسمه ولا تشيخ نفسه - فهلا ركنت إلى الراحة وتركتنا نغزو عنك ، نحن أولادك ، نيابة عنك .
فقال: إن الله عز وجل يقول - اسمعوا كيف فهموا كلام ربنا عز وجل :
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 41]
انظروا فهمه الدقيق لهذه الآية ، ما معنى خفافاً ، الشاب خفيف ، الطفل إن صعد الدرج يصعد خمس درجات معاً ، وإن نزل على الدرابزين ينزل زحفاً ، بدقيقة يصبح تحت ، خفيف ، أما انظر الإنسان في الثلاثين درجة درجة ، بالسبعين بالثمانين ، يضع رجله على الدرجة ويسحب الثانية إليها ، ثم يرتاح عشر دقائق ، فربنا عز وجل قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾
[سورة التوبة: 41]
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباناً ، ولم يحدد لنا سناً ، ثم أبى إلا الخروج ، وبينا كان الشيخ المُعَمَر أبو طلحة - المُعَمَر يصح ، والمُعمِر يصح ، إذا قلنا : معمَر اسم مفعول عمره الله عز وجل ، إذا قلنا معمِر كان عمره طويلاً - وبينما كان الشيخ المعَمَر أبو طلحة على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر ، مرض مرضاً شديداً فارق على إثره الحياة ، فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها ، فلم يعثروا على مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام ، وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيه شيء كأنه نائم . وفي عرض البحر بعيداً عن الأهل والوطن ، نائياً عن العشير والسكن دُفن أبو طلحة ، أغلب الظن بجزر من جزر اليونان ، حول قبرص . وما يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل .
أي إذا إنسان دفن بمدفنة العائلة لها بناء فخم ، ونوافذ عليها حديد ، وشاهدتان من أمام ومن وراء ، ويا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، وكان آكل ربا ماذا استفاد ؟ وإذا دُفن بباب صغير أو بالدحداح ، أو وضع له قبر صنعوا له مقاماً . . وإذا رجل كان الله راضياً عنه ودُفن في البحر لا مانع ، وماذا يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل ؟
هذا صحابي جليل أحب أم سليم ، وكيف تزوجها ، وكان مهرها الإسلام ، وكيف أنفق البستان بكامله ، وكيف جاهد ، وكيف وقف موقفاً من رسول الله ، يشهد له التاريخ . رضي الله عنه وأرضاه أعلى لقب يحوزه إنسان في الدنيا ، لا يوجد معه بورد ، يقول لك: فلان معه بورد ، بالحرب العالمية يقول لك : فلان ماريشال أي أعلى رتبة عسكرية ، أعلى رتبة يحوزها إنسان أن يُقال بعد اسمه رضي الله عنه .
إذا رضي الله عن إنسان فقد سعد في الدنيا والآخرة .
***
الصيام أثناء الامتحان :
جاءني سؤال من أخت كريمة ، تقول : أنا طالبة من طالبات جامعة دمشق فرع الطب أريد فتوى بالنسبة لصيام شهر رمضان المبارك والامتحان على الأبواب ، فهل يجوز لي أن أفطره ؟ لا أستطيع تقديم الامتحان ، ثم أصوم شهراً متتالياً بعد الفحص ، فما حكم ذلك فأنا في حيرة وقلق ؟ طبعاً هذا السؤال ربما يكثر وروده في هذه الأيام ، لأن فحوص الجامعة وفحوص الشهادتين الإعدادية ، والثانوية ، ولم تنج إلى الفحوص الانتقالية من رمضان .
ما سمعت في كتاب الله إجازة للإفطار إلا للمريض أو المسافر فإن كنتم مرضى أو على سفر ، أي المرض والسفر عذران مقبولان عند الله ، لكن اسمعوا ماذا قال الله عن السفر والمرض .
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
[سورة البقرة :184]
أي الذي يطيق الصيام في السفر إذا أفطر فعليه فدية ، ليس قضاءً فقط ، قضاء وفدية ، أي إذا رجل ركب طائرة ذهب إلى فرنسا في رمضان ، والطائرة مكيفة ، وجالس على مقعد وثير ، يصير سريراً إذا أحب ، ومن فندق مكيف إلى فندق مكيف ، وأفطر ، لأن الله قال : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾
[ سورة البقرة :184]
وقال : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾
من يطيق الصيام مع السفر أو يطيق الصيام مع المرض ؟ أي عنده دسك ، آلام في الظهر ، وآلام في الرجل ، لكن هذا لا علاقة له بالمعدة والطعام والشراب ، والأدوية كلها خارجية ، تسطيح على ظهره ، هذا يطيق الصيام مع المرض إذا أفطر فعليه إضافة إلى القضاء فدية . طعام مسكين ، قال : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
إفطار يوم لا يعدله صيام الدهر كله ، لذلك نحن بتوفيق الله عز وجل ننصح الأخت الكريمة ونقول لها كما قال الله عز وجل : وأن تصومي خير لك إن كنت تعلمين ، السبب الامتحان دقيق جداً إذا طالب آثر رضاء الله عز وجل وصام ، هناك مليون طريقة للتوفيق .
أحياناً الله عز وجل يلهم هذا الطالب فيقرأ بحثاً معيناً ، يقول لك : إني أقرأه ، جاء رفيقه ، قال له: البحث قرأته ؟ قال: ما قرأته ؟ فيقول له : اقرأه . في اليوم الثاني جاء في الامتحان سؤال قد يأخذ علامة تامة ، إلهام من الله عز وجل ، هذا شيء بيد الله وحده ، فإذا راقب الله عز وجل إنساناً طالباً أو طالبة يصوم في رمضان ، في شهر الصوم والامتحان في هذا الشهر الله سبحانه وتعالى لا أقول أغلب الظن ، لئلا تجربوا ، الله لا يجرب ولا يُشارط، لكن لا أعتقد طالباً يصوم برمضان ويؤدي امتحاناً ويخفق في امتحانه إلا إذا ترك الأخذ بالأسباب أي ما درس إطلاقاً ، أنا سوف أصوم وأنجح ، لا تنجح بالصوم ، أما إذا درس وعمل جهده وصام برمضان أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى سيوفقه .
بالمناسبة ممكن للطالب برمضان أن ينام العصر بقدر ما يقدر ، يجبر نفسه على الاستلقاء ساعتين أو ثلاث ، حتى يقدر بعد الإفطار إلى السحور أن يبقى يقظاً . إذا سهر من الإفطار إلى السحور وصلى الصبح ونام ساعتين ، استيقظ الساعة الثامنة ، ثم درس بنشاط من الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة كاف ، اشرب كمية كافية ، كُلْ أكلاً يقيم أودك ، اعتمد الطعام والشراب ، واسهر طوال الليل ، و نم العصر ، وحاول بالسهرة أن تشرب قدر ما تستطيع ، لعل التفوق يكون في هذا الامتحان في رمضان ، الله عز وجل موجود .
قال النبي الكريم : " إذا استشير أحدكم فليشر ما هو صانع لنفسه "
بعيد عن موضوع فتوى رسمية وكيف الجواب ، ليس هذا عملي إطلاقاً ، لكن أنا لا أفطر ، لو كنت طالباً في رمضان لا أفطر ، وليكن ما يكون ، ولا يكون إلا الخير . ولا يكون إلا النجاح ، هذا الكلام ليس للأخت الكريمة ، لكل طالب في الثانوية أو الكفاءة أو الجامعة ، هذا الجواب للجميع .

السعيد
09-08-2018, 07:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : التبرج





حمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ وصلنا في هذه الموضوعات إلى موضوع التبرج .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/01.jpg
التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه ، إظهار محاسن المرأة التي أمر الله بإخفائها ، الآية القرآنية التي تتحدث عن التبرج قوله تعالى :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
بهذه الآية أسئلة كثيرة ، أول شيء حينما يذكر الله عز وجل شيئاً في كتابه الكريم فمعنى ذلك أن هذا الشيء أساسي في سلامة المرء وسعادته في الدنيا والآخرة .
لا يظن بعض الناس أن الله عز وجل ذكر آية في القرآن الكريم فيها توجيه اجتماعي أن هذه الآية من الثانويات ، ما دام الله عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
معنى ذلك أن بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة ويسعد به الرجال ، وتسعد به النساء ، ويسعد الناس في الدنيا والآخرة .
المرأة إذا خرجت من بيتها ، وخالطت الرجال سببت فساداً كبيراً . لأن المرأة محببة إلى الرجال هذه فطرة ، قال تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[سورة آل عمران : 14]
كيف أن البارود يشتعل بالنار ، من خصائص هذه المادة اشتعالها بالنار ، فإذا منعت النار عن البارود فهذا مبني على علم كبير ، ربنا عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/02.jpg
فلما خرجت ابنتا سيدنا شعيب عليه على نبينا أفضل الصلاة والسلام لسقي الغنم قالتا : ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص: 23]
أي ما خرجنا إلا لسبب قاهر ، أما من غير سبب قاهر فينبغي أن تبقى المرأة في بيتها ، وليس معنى ذلك أن تبقى جاهلة ، بعض الجهلة يقرن بين بقاء المرأة في بيتها وبين الجهل ، يجب أن تبقى في بيتها وهي في قمة الفهم ، والتأدب بأخلاق الإسلام والتفقه في الدين وفهم كتاب الله ، واتباع سنة رسول الله ، قربنا عز وجل يقول : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لا حاجة إلى التفصيل لأن كلكم تعرفون ذلك ، ولو أن امرأة متبرجة تعمل في مكان، يراها الرجال كل يوم ، وكل ساعة ، الرجال على أنواع ، بعضهم كالذئب ، بعضهم كالثعلب ، بعضهم يشتهي ما ليس عنده ، هذا شيء طبيعي أن يتقرب الرجال إليها ، فإذا تقرب الرجال إليها شعرت بقيمتها ، وبخطورة جمالها في الحياة ، لذلك تستعلي على زوجها في البيت، تفسد علاقتها مع زوجها ، وتفسد علاقة الأزواج مع زوجاتهم ، وتحتل مكان رجل لو عُين مكانها لتزوج ، إذاً عطلت مكاناً لرجل ، وعطلت زواجاً لأنثى ، ورزقها مضمون على أبيها أو على زوجها ، هذا نظام الإسلام . فربنا عز وجل حينما قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي النظام الأمثل أن تتفرغ المرأة لرعاية زوجها وأولادها ، وأن تكون عالمة لأمر دينها وحقوق زوجها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
العلاقة بين الآيتين التاليتين:
السؤال الدقيق : لماذا قرن الله عز وجل بين أمره الشريف العظيم
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
- وبين نهيه الآخر - : ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لماذا قرنهما مع بعضهما ؟ الأصل أن تبقى المرأة في البيت . يا بنيتي يا فاطمة - هكذا قال عليه الصلاة والسلام - ما خير ما تفعله المرأة ؟ قالت : ألا ترى وألا تُرى . (( صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا ))
[ سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]
الدار مجمل الغرف مع الساحة الثانوية ، مع الفناء ، أما البيت فالغرفة ، " وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في بيتها " . إذا في غرفتين ، غرفة مطلة على فناء الدار ، وغرفة داخلية ، لأن المرأة كلها فتنة ، صوتها فتنة ، حركتها ، مشيتها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
ما علاقة النهي الثاني ؟ فإذا خرجتن لأمر ضروري لا تبرجن ، إذا قلنا لإنسان : لا تأكل أكل النهم ، فهل نحن ننهاه عن الأكل ؟ لا . لا تقوموا لي كما يقوم الأعاجم ، الأعاجم يقومون تعظيماً لملوكهم ، أما إذا قام الصحابة الكرام لنبيهم فهذا التعظيم ليس لذاته ، بل لحقيقته العظمى ، إذاً النهي ليس نهياً مطلقاً . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/03.jpg
المرأة لابد من أن تتبرج لزوجها ، فإذا تركت التبرج لزوجها أثمت ، لأنها إذا تبرجت لزوجها كان تبرجها لزوجها أغض لبصره ، وأحصن لنفسه ، لكن المرأة غير المسلمة تتبرج لغير زوجها ، للأجانب في الطرقات ، تظهر مفاتنها لمن ليس له علاقة بها ، تبرز مفاتنها لمن لا يجوز له أن يرى مفاتنها ، تبرز مفاتنها فتفسد علاقة الأزواج بزوجاتهم ، أو تفسد علاقة الشباب بربهم ، أو تفسد علاقة المجتمع بعضه ببعض . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي هذه الفتنة ، هذا الجمال الذي منحه الله للمرأة ، حينما منحه إياها من أجل أن يكون عوناً لها على أن يحبها زوجها ، من أجل الوفاق الزوجي ، أي المرأة محببة ، لو أنها تقوم بتربية الأولاد وتقوم بالوضع ، وبالحمل ، وبالرضاع ، وبالخدمة ، وبالطبخ وليس لها شكل مقبول ، لم تستقم الحياة الزوجية ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لها هذا الشكل المحبب وقال : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
من أجل أن تكون الألفة بينهما : ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
[سورة الروم: 21]
هذه مودة ، تأتي من أنها محببة للرجل ، هذا الشيء الذي منحه الله إياه لعلة واضحة ، إذا استخدمت لغير ما خلقت له فقد فسدت وأفسدت . على المرأة صون عرضها و عفافها لأن هذا أثمن ما تملك :
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
في الجاهلية كانت النساء تتبرج لا بقصد إرضاء أزواجهن ، بل بقصد إبراز مفاتنهن، لذلك هذه تصل في تفرغ المرأة لزوجها ، وفي صونها لنفسها ، وأثمن ما تملك المرأة شرفها وعرضها وعفافها ، فإذا عرضت هذا الشيء الثمين لأنظار الناس كلهم فقد أثارت حولها الذئاب ، الجوهرة المكنونة توضع في علبة مخملية ، وفي صندوق ، أما الشيء التافه الذي لا قيمة له فتراه ملقياً في الطريق . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/04.jpg
من الكلمة الأولى يُفهم أن هناك جاهلية أمر وأدهى سوف تأتي في آخر الزمان . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
أكثر المفسرين فسروا هذه الآية أن الجلباب يجب أن يستر جسد المرأة كله ، من رأسها إلى أخمصها ، هذا هو الجلباب ، وسُمح أن تبقى عين واحدة مكشوفة كي ترى طريقها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
والآن هات لي واحدة لا يرى الناس وجهها ، لا يستطيع أحد مهما بلغ فسقه أن يسمعها كلمة في الطريق ، ولا أن يتحرش بها ، ولا أن يصف شكلها ، ولا أن يتكلم كلاماً يؤذيها، لأنه لا يراها ، فإذا بدا الوجه ، وهو موطن الفتنة في المرأة كانت التعليقات ، إن كان فاتناً علق الناس تعليقاً خاصاً ، فإن لم يعلقوا أضمروا في نفوسهم ما لا تُحمد عقباه ، وإن نظروا وكان في الوجه دمامة تكلموا بكلمات تعقد هذه المرأة ، لذلك قال الله عزوجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
معنى المرأة التي تظهر مفاتنها قد تؤذي ، وقد تؤذى ، تؤذي بإثارة الشهوات وقد تؤذى ببعض الكلمات التي تجرح شعورها إن بقي عندها شعور .
على كلٍّ الآية الثانية : ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
المفسرون قالوا : الذي يظهر من زينة المرأة طولها ، هل تستطيع أن تخفي طولها؟ كونها ممتلئة الجسم أو نحيلة ؟ هذا شيء لا تستطيع أن تخفيه ، لذلك الآية الكريمة : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
أما الوجه لو أن الوجه مستثنى من هذه الآية إلا ما أظهرن ، بيدها أن تظهره أو لا تظهره ، أما إلا ما ظهر ليس إلا ما أظهرن منها ، الوجه إلا ما أظهرنا ، والمعصم إلا ما أظهرن ، والرقبة إلا ما أظهرن ، كل هذه الأعضاء يمكن سترها ، إلا ما ظهر من دون قصد، ومن دون إرادة ، ومن دون إمكان ، إلا ما ظهر منها ، قالوا : طولها ، وقالوا : ثيابها. ابتعاد المرأة عن التبرج :
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾
[سورة النور : 31]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/05.jpg
الجيب فتحة الصدر ، يضربن بخمورهن ، والخمار الرداء التي تختمر به المرأة، والخمر تستر عقل الإنسان ، والخمار يستر المرأة ولتضرب خمارها على جيبها مروراً بوجهها . ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور : 31]
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يُرى منها ))
[أبو داود عن عائشة]
أي المرأة إذا بلغت سن البلوغ لا ينبغي أن يراها الأجنبي لأنه إذا رآها زرعت الشهوة في قلبه ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((... إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان ...))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
أي إذا رأيتها مقبلة بزينتها حركت الشهوة ، وإذا رأيتها مدبرة حركت الشهوة لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
ويقول عليه الصلاة والسلام : (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
[ مسلم وأحمد عن أبي هريرة]
أي الثوب إذا شفّ عن لون الجلد فهذا ليس بثوب ، إنها بهذه الثياب كاسية عارية، أي القماش الرقيق الذي يظهر ملامح الجسد يدخل بهذا الحديث كاسية عارية ، والثياب الثخينة إذا كانت ضيقة فوصفت حجم العضو كاسية عارية . ((.....كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
كيف أفهم أن امرأة مؤمنة تظهر مفاتنها للأجنبي ؟ إيمانها بقلبها كبير ، لا تدع الصلاة ، أي غطاء رأسها في محفظتها ، لكن مضطرة ، هذا كلام مرفوض ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
أب سأل بناته ، لماذا أنتن متحجبات ؟ فأجابت كل فتاة كلمة بحسب مستواها قالت إحداهن : لأن الله أمر بذلك ، وقالت أخرى : لأنني بهذا أرضي الله عز وجل ، وقالت ثالثة : أنا متحجبة لئلا أؤذي عباد الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/06.jpg
شاب في مقتبل حياته ، ملتهب ، إذا رأى فتاة وكان منظرها مثيراً لشهوته ، ماذا يصنع بنفسه ؟ جاهل ، ليس له مجلس علم يعلمه غض البصر ، ليس له أستاذ يعلمه الدين الصحيح ، ليس له تعلق بالآخرة ، سيفسق ، سينحرف ، سوف يبتغي وراء ذلك ، هي شريفة ما جرؤ على التكلم معها ، ولا تكلم معها ، ونظرها في الأرض ، ولكن زرعت الفتنة في نفسه.
إذا لبست المرأة لباساً حديثاً وفق أحدث الموضات ، معنى ذلك أنها تدعو الناس إلى النظر إليها ، تدعو الناس إلى التهامها بعيونهم ، وتقول إنها شريفة ، أين شرفها ؟ لو أنها شريفة لحجبت مفاتنها عن الذئاب . أقول الذئاب بالذات .
مثل مضحك ، إذا رجل ركب سيارة عامة ترى أبوابها مخلوعة لها وضع خاص هذه عامة ، أما السيارة الخاصة فمنتظمة ، أيضاً المرأة لما تظهر مفاتنها صارت عمومي ليست خصوصي ، مستهلكة من الجميع ، يستمتع بها الجميع ، ولا شأن لها عند الله عز وجل أما هذه المرأة التي خلقها لتكون لزوجها ، فعندئذ يرزقها الله بهاءً إلى أمد طويل ، سبحان الله المرأة التي تصون نفسها بالخمسينات مشرقة ، والتي يراها الأجنبي صباحاً ومساءً بسن مبكرة يذهب رونقها ، ويذهب جمالها لأنها استهلكت ، استهلكت وأهلكت . الحياة السليمة أساسها تطبيق لكتاب الله :
وعن موسى بن يسار رضي الله عنه قالت : " مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف - الآن أين ما مشيت ، على بعد ثلاثة أمتار تشم رائحة المرأة ، أي يدفع الناس على العطورات مبالغ طائلة ، النساء في الطريق ، إذا كان الرجل غير منتبه يشم رائحة نسائية فينظر طبعاً أهل الدنيا . فسيدنا أبو هريرة مر بامرأة وريحها تعصف ، فقال لها : أين تريدين يا أمة ؟ قالت إلى المسجد ، فقال : وتتطيبين ؟ قالت نعم ، قال : فارجعي فاغتسلي ..أي إذا خرجت المرأة متعطرة خرجت زانية ، قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
((لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِ امْرَأَةٍ صَلاَةً خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ ))
[ أبو يعلى عن أبي هريرة]
الموضوع حساس ودقيق ، وكل منا يعرف أبعاده ، ويعرف كم من طلاق تم بسبب الاختلاط ، كم من شقاء وقع في بيت بسبب التبرج ، كم من انحراف وقع من زوج أو من زوجة بسبب ذلك .
أحياناً في هذا المسجد تأتيني مشكلات ، شيء لا يُذكر ، إنسان غائب عن زوجته دخلت إلى بيت الجار في غيبته ، طبعاً هناك إهمال للشرع ، هذا الشرع إذا طبقته كان وقاية لك من المشكلات ، ومن المفاجآت ، ومن الأمور التي لا تحتملها ، فإذا أطلقته ، ولم تكن عالماً بمضار الاختلاط نلت فوق ما تستطيع ..
رجل والله في هذا المسجد ، القصة من ثماني سنوات، بعدما انتهت خطبة الجمعة قال لي سؤالاً : قال : والله زوجتي وجدتها مع رجل ، قلت : له ما السبب ؟ قال لي : جارنا دخل إليّ ، زارني ، فقلت لا : فلان مثل أخيك هات القهوة ، هذا جاهل بما يكون من عواقب الاختلاط . الإنسان الذي يحب نفسه ويحب أن يمضي عمراً مع زوجته في اطمئنان ودعة ، واطمئنان إلى أخلاقها ، وإلى استقامتها ووفائها ، لا يعرض نفسه إلى مهالك بسبب جهله بالدين.
إنسان آخر دعا زوجته إلى العمل خارج المنزل ، بوظيفة حساسة لها علاقة بضرائب معينة، جاءتها الهدايا ، جاءتها المبالغ ، اشترت بيتاً آخر ، غابت عن البيت ، استعلت على زوجها ، بعد ذلك شعر أن على نفسها جنت براقش ، تركته بعد ذلك ، من هو أمام من هو معجب بها ، وبقيمتها ، وبدخلها .
أحدهم نفخ قربة وركب فيها بالنهر ، في منتصف الطريق نفست فغرق ، فقال له بعضهم : يداك أوكتا وفوك ونفخ ، أي ربطتا ، هذا من صنعك .
تسمعه أحياناً يقول لزوجته : يجب أن تظهري على إخوتي كلهم من دون شيء هؤلاء إخوتي . هل هذه آية أم حديث ؟ من أين أتيت بها ؟ جهل .
أحياناً الأهل يشترطون على الزوج أن ابنتهم تختلط مع أخوة زوجها شرطاً ، لا تعمل لنا تفرقة في العائلة ، نحن ربينا سوية ، شيء جميل ما هذه العادات ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/07.jpg
صنف آخر ، أن فلانة ربيتها ، أين هي ؟ صارت زوجة ، يجب ألا تحجبها عني أنا مربيها ، ما هذا الكلام ؟ كلام جهل ، وترى مضاعفات ، وانحرافات ، وغمز ، ولمز ، ويفاجئون بعضهم بأوضاع غير سليمة ، ويشتكون من بعضهم ، ويخونون بعضهم ، وتصير عداوات . هذه كلها منافذ الشيطان .
فإذا أردت أن تحيا سليماً من هذه الآفات فطبق كتاب الله .
إذا اشترى رجل سيارة ، معها نشرة بالعربية ، مرة قرأتها بكاملها هي من ستين أو سبعين صفحة تقريباً ، متى يجب أن تضع الزيت ، كيف تمسح البلور ، إذا مستحته من دون ماء ينجرح ، لابد أن تفحصها كل فترة من أسفلها لتزفيتها ، وإلا تهترئ ، وجدت أشياء ضرورية جداً . من أفهم جهة تعطيك النصائح الصحيحة في صيانة السيارات ؟ المعمل . أما إذا سألت رجلاً ليس له علاقة بالمصلحة إطلاقاً فيعطيك نصائح غير صحيحة ، يقول لك : لا تحميها صباحاً فوراً امش لا يوجد وقت . غير فهمان .
فالإنسان حينما يتلقى النصائح بأمور حياته من جهات غير خبيرة يدفع الثمن ، أما إذا تلقى النصيحة من خبير : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
[ سورة الملك : 14 ]
نحن من خلقه ، وهذا الكتاب القرآن الكريم هو دستورنا في الحياة تخالفه فتدفع الثمن . علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية :
كنت أقول دائماً : إن الإنسان إذا لمس مدفأة تحترق يده ، العلاقة بين لمسها واحتراق اليد هذه علاقة سبب بنتيجة ، أي علاقة علمية ، أما إذا اشترى الأب دراجة لابنه الناجح هذه علاقة حكيمة ، الأب قال لابنه : إذا نجحت أشتري لك دراجة . هذه علاقة ليست بالضرورة، علاقة وضعها الأب ، فلما نجح الابن اشترى له دراجة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/08.jpg
علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية ، أي كل معصية فيها بذور نتائجها ، من دون تدخل من الله ، نفس المعصية . تيار ستة آلاف فولت ، يقول لك : خطر الموت ، أي ما من حاجة إذا مسكه إنسان يأتي آخر و يكتب له ضبطاً ويخالفه ، يموت لوحده منه ، من دون تدخل الدولة ، إذا إنسان مسك تياراً توتره عال وخالف اللوحة المرسوم عليها جمجمة وعظمتين ، ومسكه يصبح فحماً فوراً ، لا حاجة لأن يكتبه مخالفة ، ويحيلوه على القضاء ، ما من حاجة لذلك . مسك التيار نفسه يحول صاحبه فحماً فوراً ، يجب أن تفهم الدين هكذا ، الاختلاط يسبب خراب البيوت ، التبرج يسبب فساد العلاقة بين الأزواج كلهم ، كل معصية لله عز وجل تسبب فساد الحياة من دون تدخل من الله ، الله لا يعاقب أحداً ، عمل نظاماً دقيقاً ، تخالف فتقع . إذا رجل حرك المقود على اليمين فجأة وعلى اليمين واد ، هذا التحريك بحد ذاته فيه بذور الوقوع في الوادي ، هكذا الشرع ، لذلك أوامر الشرع ليست قيوداً للإنسان ولكنها ضمان لسلامته .
الحرام هو ما حرمه الله :
لا أقول من باب المبالغة إذا الإنسان أحب نفسه يستقيم على أمر الله ، يحب أن يعيش حياة هادئة مع زوجته يقول لك : والله عشت معها خمساً وأربعين سنة ما رأيت منها شيئاً أكرهه ، معناها أنت حصنتها وحصنت نفسك ، أما المفاجآت فلا يعلمها إلا الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/09.jpg
لا أحب أن أخوض بهذه الموضوعات كثيراً لأنني سمعت قصصاً يقشعر منها البدن من الاختلاط . قال رجل لأستاذ في المدرسة : أخي عنده ثلاثة أولاد ، من كل أخ واحد، مني واحد ومن أخيه الثاني واحد ، ومنه واحد . اختلاط ، هذا أخي ، وإذا أخوك ؟ الحمو الموت.
الذي حرمه الله فهو حرام ، سبحان الله أرى عوائل لا أقول في قمة الجهل ، لا ، الجهل ليس له قمة ، بل في حضيض الجهل ، إذا أراد الشاب فيهم أن يطبق الشرع يقيمون عليه النكير ، لماذا ؟ من أين أتيت بهذا الدين ؟ هذا قرآن كريم ، حديث رسول الله ، ألا يعجبكم قرآن الله عز وجل :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
و : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور الآية 31]
معدودون سبعة لا يوجد غيرهم . ابن عمها ليس وارداً ، أخي نحن هكذا تربينا . ابن خالتها غير وارد ، أخو زوجها غير وارد ، خال زوجها غير وارد ، فبذلك يخالفون الشرع ، وتقع المشكلات . * * *
ارتقاء الإيمان يؤدي إلى صفاء النّفس :

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة التي درجنا قبل رمضان على شرحها بفضل الله وتوفيقه .
قد يكون الحق مراً ، أو الحق قاس على بعض الناس ، هذا الحق ونحن نقول: النسب النظامية بالكولسترول هكذا ، إذا أنت عندك نسبة عالية تقول : أنا لا أعاني من شيء ، فالإنسان إذا انحرف عن الشرع هذه حالة مرضية ، والعلاج حتمي فإما أن يعالج نفسه قبل أن يعالجه الله عز وجل ، حتمية المعالجة ، رحمة الله عز وجل تقتضي أن يعالج كل العباد .
يقول لك : نحن نخالف ولم يحدث معنا شيء ، هذا كلام فيه جهل أيضاً ، هناك أمراض دور حضانتها ثلاثون سنة وأمراض عشر سنوات ، وأمراض خمس سنوات ، إذا إنسان وضع في الأساسات خمسة أكياس بدلاً من سبعة ، ثم يقول لك : لم يحدث شيء ، نقول له : طول بالك .. هذا الحديث : ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا))
[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/10.jpg
الإنسان كلما ارتقى إيمانه تصفُ نفسه ، يصبح يرى ما لا يراه الناس ، إذا كانت المطر ستهطل ، يجوز واحد من أهل الدنيا يقول : قالوا : اليوم ستنزل المطر ، انظر كم ميلي نزلت اليوم ، يأتي بباله مطر نزلت ، وكم ميلي ، وكان يجب ألا تنزل المطر لأنه يوجد عنده شيء من دون تغطية ، عنده إسمنت من دون تغطية ، هذا تفكيره ، يأتي المؤمن يرى المطر تنزل، يراها رحمة الله ، يرى يد الله تنزله ، يرى استجابة الله لعباده ، يخطر بباله معاني قد يبكي منها ، كل هذه المعاني لا تخطر في بال الكافر أبداً .
المؤمن يأكل فاكهة ، يرى الذي خلقها بهذا القوام ، بهذا الشكل ، بهذه الرائحة ، بهذا الطعم ، بهذا السعر ، بهذه الكمية ، بهذه الغزارة كانت تراباً ، بستان فيه أجاص ، وتفاح، وخوخ ، ومشمش ، أثمار متفاوتة في الأشكال والألوان والطعوم ، هذه حامضة ، وهذه حلوة ، هذه هلامية ، هذه قاسية ، هذه لها قشرة ، هذه ليس لها قشرة ، هذه شكلها كثمرة ، هذه شكلها مربع ، هذه شكلها كروي ، هذه شكلها دائري ، هذه كبيرة ، هذه صغيرة، يرى رحمة الله عز وجل ، لذلك المؤمن يرى ما لا يراه الناس ، لو كبر إيمانه أكثر يحس أن هذه المخلوقات تسبح الله عز وجل .
إذا إنسان رأى زهرة يقشعر بدنه أمامها ، كائن جميل خلقه الله ، تسبح بحمد الله ، تجنب أن يدوس على زهرة في الطريق ، إذا ارتقى أكثر ، كأنها تخاطبه ويخاطبها .
إنسان صالح بقي بالطعام رزة فأكلها ، قال : سمعتها تقول : رب لا تذرني فرداً وألحقني بالصالحين .
الله خلقها من أجلك أيها الإنسان ، لمَ تتركها هكذا هملاً ؟ خلقت من أجلك . الأصل هو الدين :
كلما صفت نفس الإنسان يرى ويسمع ما لا يراه الناس وما لا يسمعون . الأنبياء ..
(( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[ مسلم عن جابر بن سمرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/11.jpg
دخل على بستان صلى الله عليه وسلم فرأى جملاً ، فلما رآه حن - بكى الجمل- فتقدم منه ، ومسح ذفريه ، وقال : (( من صاحب هذا الجمل؟ قال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، قال له النبي الكريم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
لا تنكر على العلماء الكبار ، لا تنكر على العارفين بالله ، أحوالهم شفافية ، نفوسهم كشوفاتهم ، قل : الله أعلم .
أخي هل هذه : يا سارية الجبل الجبل ، أنت في مستوى سيدنا عمر ؟! . قال : أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل ، قال : يا سارية الجبل الجبل ..
إذا سمع الإنسان هذه الحادثة من عالم دكتور في الجامعة هذه حقيقة علمية .. كم نحن مخدرون ، دخل عندنا دكتور قال لنا : هذه الحادثة اسمها التخاطر النفسي ، النفس لا تزال كائناً مجهولاً ، لها شعاع .
هناك حادثة سجلها العلماء أن امرأة في إيطالية ابنها في باريس رأت وهي في المطبخ أن ابنها قد داسته سيارة ، رأته في عينها هذه اسمها أحلام اليقظة ، بعد أربعة أيام جاء ابنها بنعش مع تقرير بنفس الدقيقة ، قال : هذه حادثة علمية ثابتة اسمها التخاطر النفسي تفسيرها صعب ، عندما يقولها دكتور في الجامعة ساعتئذ يا سارية الجبل الجبل صحيحة ، إذا لم يقلها الدكتور فهي غير صحيحة ، هذا هو الجهل ، إذا كان شيء بالعلم يوافق الدين أقبله ؟ لا ، إذا كان الدين يوافق العلم تقبل الدين ، الأصل هو الدين ، الأصل ما جاء به كتاب الله . أنواع الحقائق :
لذلك بعض العلماء قالوا : الحقائق نوعان ، حقائق تنحدر إلينا عن طريق الوحي للأنبياء ، وحقائق نكشفها عن طريق التجربة ، مصدرها واحد.
ربنا عز وجل قال : العسل فيه شفاء للناس ، كلام إله ، حقيقة ثابتة قطعية ، قد يكون العلماء كشفوا للعسل مليون فائدة ، وألفوا عنه كتباً ، هذا العلم جاءنا عن طريق التجربة، وكلمة فيه شفاء للناس هذا عن طريق الوحي ، العلم الذي جاءنا عن طريق التجربة علم ناقص أحياناً يعتريه الشك والخطأ والنسيان ، وأما العلم الذي جاءنا عن طريق الوحي فكامل مكمل . أي إذا مسكت مذياعاً ونزعت منه الصمام توقف الصوت ، قلت : هذا من أجل الصوت ، قد يكون الصمام على طريق الصوت من أجل شيء آخر ، أما إذا قال لك مخترع الجهاز : هذا الصمام من أجل ثلاثين فائدة هي كذا وكذا وكذا ، هذا علم كامل من مخترع الجهاز ، أما إذا نزعت الصمام ورأيت آثار نزعه فغاب الصوت قلت : هذا من أجل الصوت هذا علم ناقص ، قد يكون الصمام على طريق الصوت ، أما هو فمهمته تصفية الصوت لا إحداث الصوت ، فالعلم التجريبي علم له قيمته ولكن يبقى ناقصاً ، أما علم الأنبياء فكامل ، لما قال الله :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/12.jpg
الآن العلماء الأجانب يقترحون إنشاء جامعات للفتيات وجامعات للذكور في أمريكا نفسها ، وجدوا سبعاً وعشرين ألف لقيط في الحدائق ، هناك بلاد نصف سكانها بالقضاء . الآن الأجانب بدافع علمي بحت يقترحون أن تكون جامعات للفتيات وجامعات للذكور . (( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[مسلم عن جابر بن سمرة ]
يقول عليه الصلاة والسلام : (( قَالَ : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا تعليم لنا ، إياك أن تكون شاهداً على جور . (( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا جور . الأب العاقل المؤمن يعدل بين أولاده ، بصرف النظر عن فروقهم الفردية ، واحد بهلول ، واحد لا يوجد عنده إمكانيات يكون بهلولاً ، واحد قريب منه ، بعيد عنه ، واحد متزوج عنده غضبان على كنته لا يريد أن يعطيه شيئاً من الميراث ، واحد ليس متزوجاً بعد ، هذه كلها اعتبارات لا قيمة لها عند الشرع . هؤلاء جميعاً أولادك ، ساوِ بينهم في العطية ، قال له : إني لا أشهد على جور ، هذا جور .
يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَاوَزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[البخاري عن أبي قتادة ]
كان عليه الصلاة والسلام حكيماً ، دخل في الصلاة وفي نيته أن يطيل الصلاة سمع بكاء الصغير وأمه تصلي خلف الصفوف ، فاقتصر من الصلاة رفقاً بهذه الأم التي تشفق على ابنها من البكاء . لذلك كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاة في تمام .
أي أحياناً تصير الصلاة عرض عضلات ، حافظ والله شيء جميل أما إذا كان لوحده وصلى عشر ساعات فلا مانع ، لكن مع الناس أحدهم لا يستطيع أن يقف كثيراً ، أي تحملك أن تقرأ نصف صفحة ، ثلاثة أرباع الصفحة ، خمس صفحات ، أما إذا كان في قيام ليل فهذا لحاله ، ليس له علاقة ، أما الصلاة العادية ، الصلوات الخمس ، فكان أخف الناس صلاة في تمام ، أي يؤدي خصائصها وأركانها وشروطها بالتمام والكمال مع خفة في الصلاة، أي نصف صفحة ، ثلاثة آيات ، أربع آيات ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
التأدب بآداب الإسلام :
أنت بعت صحوناً ، أخي هذه الصحون يا ترى يريد أن يضع فيها مستلزمات المشروب ؟ هذا ليس شغلك .
أنت بعت صحوناً ، صحون يوضع بها طعام ، هناك شخص يدقق بشكل مزعج .
الإنسان إذا دخل المسجد ، و رأى إماماً ، يسأل : أخي هذا الإمام ورع ؟ هذا ليس شغلك ، صلِّ وراء كل بر وفاجر . إذا تعرفه فاجراً سلفاً فلا تصلِّ وراءه ، أما دخلت إلى المسجد فصلّ من أجل وحدة الصف .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/13.jpg
إنسان وضع لك طعاماً ، يا ترى هل ماله حلال ؟ إذا قلت له : مالك حلال يجوز أن ينفر منك ، إن قلت له : أنا لا أعرف هل دخلك حلال أم حرام ؟ يعمل معه تحقيقاُ من أجل لقمتين ، حل عنه لا يريد أن يطعمك .
النبي الكريم كان رقيقاً ، قال :
(( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
كان بعض الأصحاب مع سيدنا عمر في البادية ، وجدوا ماء يريدون أن يتوضؤون منه ، قال : يا صاحب الماء هل ترد الوحوش هذا الماء ؟ قال سيدنا عمر : يا صاحب الماء لا تخبرنا ، أي ماء موجود ، ونظيف ، وطاهر ، إذا كنت تريد أن تتبع الأمور لأقصاها صار هذا تعنتاً .
الإنسان يجب أن يتأدب بأدب الإسلام ، هناك شخص يحل غلاظته على الناس باسم الدين ، أنا من أجل أن أتحقق ، من أجل أن أدقق وأتقصى الحلال ، أنت تقصى الحلال بشكل لطيف ليس بشكل مزعج للناس ، لئلا يكره الناس دينك .
إنسان اضطر أن يصافح شخصاً مشركاً ، هو مسك العباءة وصافحه قال: هذا مشرك نجس ، هذه ليس لباقة أن تصافحه بالعباءة ، ليست نجاسة عينية ، نجاسة حكمية ، قد يكون منذ قليل كان في الحمام غسل بصابون معطر ووضع عطراً على يديه ، ليس يديه النجسة، بل تصرفاته نجسة . ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28 ]
لا يصافحه إلا بالعباءة ، هذا مما ينفر الناس من الدين .
مرة أحدهم قال لي : ضع لي عندك هذا الغرض ، كتبت عليه السيد فلان ، هو ليس مسلماً بل نصرانياً ، قيل لي : كيف تقول عنه سيد ؟ كان سيعمل لي مشكلة ، قلت له : أنا أقصد السيد هو الذئب ، وجمعه أسياد فسكت . نفدت منه بهذا التوجيه . يكون هو له عمل أسوأ منه ، لكنه تزين بالباطل ، المسلم إذا لم يكن ورعاً مستقيماً ما هذه الادعاءات الكاذبة ؟ (( إني لا أصافح النساء ))
[النسائي وابن ماجه وأحمد ومالك عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ]
تراه يصافح معظم الناس وضحكته ظاهرة ، ويشد على يدها من باب المودة وهي أجنبية عنه .
إني لا أصافح النساء ، يقولون عنه : جلف ، لا يوجد عنده لباقة ، عند الله مكرم. إني لا أقبل هدية مشرك ، بعض الأشخاص يقبلون أية هدية ، إن كانت من مشرك لها معانٍ كثيرة ، لكن هناك استثناءات قليلة ، إذا كان هذا المشرك فيه نواة طيبة ، ويُرجى له الصلاح وقبلتها تأليفاً لقلبه ، فالنبي فعل هذا حينما قبل مارية القبطية من المقوقس ، أما للأفراد فلا يجوز ، فإذا فعلوها فقد خالفوا هذا الحديث الشريف . لا تصح إلا من أنبياء أو ممن بيدهم ولاية الأمور ، أما من أفراد فتقبل هدية من مشرك معنى ذلك كأنها رشوة ، أي خذها واسكت. فالإنسان إذا جاءه خير عن طريق مشرك ، أو كافر يميل نحوه ، إذا مال قلبه إلى مشرك تنتقل له أحواله ، شهواته ، دناءته ، ميوله المرضية ، هذا كله يأتيه عن طريق العدوى ، من أحبّ قوماً فهو معهم . كل نفس تُحشر على هواها ، فمن هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه علمه شيئاً. (( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺒﺭ ﻭﺍﻟﺼﻠﺔ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
هناك مزاح غليظ يسبب جلطة أحياناً ، يسبب طلاقاً ، أحدهم خطب امرأة قيل له هذه ليست من مستواك ، ففي اليوم الثاني طلقها ، بعد أسبوعين قال له : ماذا صنعت ؟ قال له: والله كنت أمزح معك مزاحاً . كان قد طلقها وانتهى ، هذا المزاح مدمر . " إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً " .
معناها المداعبة والمزاح مستحب من المؤمن ، لكن المزاح الذي لا يخدش حياء إنسان ، ولا يجرح إنسان ، أي له شروط كثيرة جداً ، مطلق المزاح غير مطلوب .
من كثر مزاحه استخف به ، إياك وكثرة الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب.
لكن المزاح اللطيف ، القليل ، يضفي بهجة ، وأنساً ، ويسبب محبة وميل القلوب نحو المتكلم . الفكاهة بالتعليم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/14.jpg
درسنا في التربية موضوعاً مستقلاً ، الفكاهة بالتعليم ، أحياناً تشعر أن الطلاب قد تعبوا ، وبقي لانتهاء الدرس ثلث ساعة ، أحياناً طرفة أدبية تعطي نشاطاً و استماعاً إلى ساعة ثانية . ولكن له شروط ، ألا تمزح على طالب بالذات ، أو على مهنة أولياء الطلاب ، هذا شيء لا يجوز ، لذلك المعلم الناجح يعرف مهن أولياء الطلاب كلهم ، ولو كان هناك طرفة ممتعة جداً تمس إحدى المهن فلا يستخدمها أبداً ، لأنها تجرح طالباً . فالمزاح المطلوب هو الذي لا يؤذي أحداً ، ولا يحرج إنساناً ، ولا يجرح نفساً ، ولا يخدش شعوراً . هناك مزاح ليس له علاقة بالحاضرين إطلاقاً ، مزاح أدبي ، مزاح لغوي ، فكرة معينة ، مفارقة.
(( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
التأدب بآداب النبي الكريم :
قال :
(( إنما يقيم من أذن ))
[ كنز العمال عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/15.jpg
إنما يقيم الصلاة من أذن ، ما علاقة هذه بهذه ؟ كان في المئذنة أنهى الأذان ، فقام غيره ليصلي ، ثم بدؤوا بالصلاة وهو لم ينزل من المئذنة ، بهذه الطريقة المؤذن نفسه الذي كان في رأس المئذنة هو الذي يقيم الصلاة ، هذا نظام اجتماعي .
ساقي القوم آخرهم شرباً ، إذا إبريق ليمون والحاضرون عشرة ، فعبأ كأساً وشربها ، ثم صب كأساً وكأساً ثالثاً انتهى الإبريق ، إذاً كان يجب بحسب الشرع أن يشرب آخر واحد ، ساقي القوم آخرهم شرباً ، اعمل حسابك ، الكل يريد أن يشرب وأنت آخر واحد معنى هذا عليك أن توازن بحيث يبقى لك شيء في الآخر . إنما يقيم الصلاة من أذن ، تريد أن تسبق المؤذن لا يجوز ، الذي أذن يقيم الصلاة .
العيادة فواق ناقة ، زرت مريضاً ، يريد أن يأخذ إبرة ، أو يقضي حاجة ، قعد وانبسط ، جلس ثلاث ساعات والمريض يغلي .
العيادة فواق ناقة ، مقدار حلب ناقة ، أي عشر دقائق . * * *
نعيم بن مسعود :
والآن إلى قصة لصحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه .
قام هذا الصحابي بعمل كبير جداً . هذه القصة مفادها أن المؤمن يجب أن يكون ذكياً ، المؤمنون كلهم مكرمون ، ولكن هناك مؤمناً محدوداً ، ومؤمناً متقد الذكاء ، متقد الذكاء يجري الله على يديه خيراً كثيراً .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/16.jpg
قال : نعيم بن مسعود فتى يقظ الفؤاد ، ألمعي الذكاء ، خرَّاج ولاج ، لا تعوقه معضلة ، ولا تعجزه مشكلة ، يمثل ابن الصحراء بكل ما حباه الله من صحة الحدس ، وسرعة البديهة ، وشدة الدهاء ، لكنه كان صاحب صبوة - له ميول- وخدين متعة ، كان ينشدهما أكثر ما ينشدهما عند يهود يثرب - طبعاً قبل أن يسلم - فكان كلما تاقت نفسه لقينة أو هفا سمعه لوتر شدّ رحاله إلى منازل قومه في نجد ، ويمم وجهه شطر المدينة حيث يبذل المال ليهودها بسخاء ، ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر ، ومن هناك فقد كان نعيم بن مسعود كثير التردد على يثرب ، وثيق الصلة بمن فيها من اليهود وبخاصة بنو قريظة ، ولما أكرم الله الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم كان نعيم بن مسعود ما يزال مرخياً لنفسه العنان، فأعرض عن هذا الدين الجديد أشد الإعراض خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه ولذاته .
أحياناً ترى شخصاً خلافه مع الدين ليس عقائدياً ، خلافه ليس إيديولوجياً ، خلاف تضارب مصالح ، له عدة شهوات مستمتع بها ، يخاف إذا تدين أن يحرم منها ، يقول لك : أخي لا أريد مازال الوقت باكراً .
سيدنا نعيم كان من هذا القبيل ، ثم ما لبث أن وجد نفسه مسوقاً إلى الانضمام إلى خصوم الإسلام .. كان على الحياد فصار مع الخصوم ، مدفوعاً دفعاً إلى إشهار السيف في وجه المسلمين ، لكن نعيم بن مسعود فتح لنفسه يوم غزوة الأحزاب صفحة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وخطّ في هذه الصفحة قصة من روائع قصص مكائد الحروب .
قصة من روائع قصص مكائد الحروب :
الحقيقة قصة مثيرة جداً ، قصة ما يزال يرويها التاريخ بكثير من الانبهار بفصولها المحكمة ، والإعجاب ببطلها الأريب اللبيب .
فقبيل غزوة الأحزاب بقليل هبت طائفة من يهود بني النضير في يثرب وطفق زعماؤهم يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على دينه ، فقدموا على قريش - من بني النضير - وحرضوهم على قتال المسلمين ، وعاهدوهم على الانضمام إليهم عند وصولهم إلى المدينة ، وضربوا بذلك موعداً لا يخلفونه ، ثم تركوهم وانطلقوا إلى غطفان في نجد ، فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه ، ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره، وأسرّوا إليهم بما تمّ بينهم وبين قريش .
وفد من بني النضير ذهبوا إلى قريش وحرضوهم على قتال المسلمين ، ليس قتالاً ولكنه استئصال ، حرب إبادة ، إنهاء الإسلام كله ، وانطلقوا بعدها إلى غطفان ، وحرضوهم كذلك وعاهدوهم على ما عاهدوهم عليه ، وآذنوهم بالموعد المتفق عليه .
خرجت قريش من مكة بقضها وقضيضها، وخيلها ورجلها ، بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب متجهة شطر المدينة ، كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعديدها ، بقيادة عيينة بن حصين الغطفاني ، وكان في طليعة رجال غطفان بطل قصتنا نعيم بن مسعود .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3794/ar-3794/17.jpg
خرج مع الأحزاب ليحارب رسول الله ، كان في القمة ، فلما بلغ الرسول صلوات الله عليه نبأ خروجهم جمع أصحابه الكرام وشاورهم في الأمر ، فقرّ قرارهم على أن يحفروا خندقاً حول المدينة ، ليصدوا عنها هذا الزحف غير المقدس الكبير الذي لا طاقة لها به ، وليقف الخندق في وجه الجيش الكثيف الغازي .
هذا كله معروف لديكم ، وما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد يقتربان من مشارف المدينة حتى مضى زعماء يهود بني النضير إلى زعماء يهود بني قريظة القاطنين بالمدينة .
الآن مؤامرة ثالثة ، زعماء بني النضير ذهبوا إلى زعماء بني قريظة وهم يسكنون في المدينة نفسها، وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي ، ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد ، فقال لهم زعماء بني قريظة : لقد دعوتمونا إلى أن نبغي ، ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمد ميثاقاً ، على أن نسالمه ونوادعه لقاء أن نعيش في المدينة آمنين مطمئنين ، وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا معه لم يجف بعد ، ونحن نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب أن يبطش بنا بطشة جبارة ، وأن يستأصلنا من المدينة استئصالاً جزاء غدرنا به .. لكن زعماء بنو النضير مازالوا يغرونهم بنقض العهد ، ويزينون لهم الغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويؤكدون لهم بأن الدائرة ستدور عليه في هذه المرة لا محالة .
ويشدون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين ، فما لبث بنو قريظة أن لانوا لهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه ، وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه .
النبي الكريم حفر الخندق تجاه الجيش الغازي ، أما بنو قريظة فيسكنون خلفهم ..
فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة .. حاصرت جيوش الأحزاب المدينة وقطعت عن أهلها الميرة والقوت ، وشعر النبي صلوات الله عليه أنه وقع بين كيد عدوين؛ قريش، وغطفان ، وبنو قريظة ، وبنو النضير .
فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمون من خارج المدينة ، وبنو قريظة متربصون متأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة ، ثم إن المنافقين الذين في قلوبهم مرض أخذوا يكشفون عن مخبآت نفوسهم ويقولون : كان محمد يعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء حاجته .
ثم طفقوا ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة إذا نشب القتال ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين .
أعتقد هذه النقطة أخطر نقطة مرّ بها المسلمون .
وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام قريباً من عشرين يوماً لجأ النبي صلوات الله عليه وسلامه إلى ربه ، وجعل يدعوه دعاء المضطر ، ويقول : "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك .."
إذا الإنسان وقع في مأزق حرج وتقطعت به الآمال يلتجئ إلى الله عز وجل ، هو في حسب الظاهر .

السعيد
09-08-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : انواع الطلاق





حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين. أنواع الطلاق :
1 ـ الطلاق الرجعي :
أيها الأخوة المؤمنون ، وصلنا في موضوع الطلاق إلى الطلاق السني ، والطلاق البِدْعي .
واليوم نتحدَّث إن شاء الله تعالى عن الطلاق الرجعي ، والطلاق البائن، فالطلاق الرجعي هو الذي يوقعُه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة .
فعليه أن يكون دخل بالزوجة حقيقة وإلا الطلاق لا يقع ، أي دخل على زوجته دخولاً حقيقيًا ، أو طلّقها على مال ، أو كان الطلاق مكمِّلاً للثلاث كان طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه ، معنى رجعي أي يمكن تداركهُ ، يمكن أن يعود الزوج ، ويرجع إلى زوجته .
الطلاق الرجعي لا يمْنعُ الاستمتاع بالزوجة ، لأنّه لا يرفع عقْد الزواج ، أي طلّقها في طهْرٍ لم يمسَّها فيه ، لها الحقّ أن تتزيَّن وأن تتبرّج وأن تبدو بأجمل زينة ، هذا كلّه من حقّها وله الحقّ أن ينظر إليها ، الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، ولا يُزيل المُلْك ، ملْكُه عليها قائم ولا يؤثِّر في الحلّ ، لا يحلّ عقْد الزواج ، إلا أنَّه لا يترتَّب عليه أثرهُ ما دامت المطلَّقة في العدّة ، ما دامت المطلّقة في الحيضات الثلاث لا يظهر أثرهُ ، لا يظهر أثرهُ إلا بعد انقضاء العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة ، ولم يُراجِعها بانَتْ منه بيْنونةً صغرى ، إذًا الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، وإن مات أحدهما ورثهُ الآخر ، مادامت العِدَّة لمْ تنْقض ، ونفقتها واجبة عليه ، فما دام العدّة قائمة والزواج قائم ؛ كلّ شيء قائم .
والرجعة حقّ للزوج مدّة العِدَّة ، إذا قال لها : راجعتُك ومسَّ يدها ، فقد راجعها ، وقد أنهى هذه الطَّلْقة ، وهو حقّ أثبتَهُ الشارعُ له ، ولهذا لا يملك إسقاطهُ ، فلو قال : لا رجعة لي كان له الحق في الرجوع ، أيْ كلامه لا يقدّم ولا يؤخِّر ، ، ولا يغيّر من الحقوق التي ثبَّتها الله عز وجل ، قال تعالى :
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وإذا كانت الرجعة حقّاً له ، فلا يشترط رضا الزوجة وعلمها إن بانَت عنه ما دامتْ ضِمْن العِدَّة ، علمها ورضاها لا يشترط ، المقصود هو ، إذا ندم على فعلته ، وقال لها : راجعتكِ أو مسَّ يدها فقد راجعها و انتَهت الطَّلْقة .
ولا تحتاج إلى وليّ ، فجعل الله الحقّ للأزواج لقول الله عز وجل : ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وتصحّ المراجعة بالقول مثل أن يقول : راجعتك ، مثل أن يضع يده على يدها ، وروى الشافعي أنّ المُراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقائل عليه ، ولا تصحّ إلا باللّقاء.
قال أبو حنيفة : لا بأس للزَّوجة أن تتزيَّن لِزَوجها ، طبعًا المطلّقة طلاقًا رجعيًّا ، وتتطيَّب له ، وتتشوّق ، وتلبس الحليّ ، وتُبدي الجمال والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بِدُخوله بِقَولٍ ، أو حركة من تَنَحْنُحٍ ، أو خفق نعْلٍ .
الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته ، فإن كانت الطلقة الأولى احْتَسَبَتْ ، وبقيَت له طلقتان ، وإن كانت له الثانية احتسبَتْ وبقِيَت له طلقة واحدة ، ومُراجعتها لا تمْحو الأثر ، فلو طلّقها في طُهْر لم يمسَّها فيه ، وبعد أسبوعين ندم على هذه التطليقة ، وقال لها : راجعْتُك ‍، فما انتهى كلّ شيء ، فهذه حُسِبَت طلقة ولو راجعها ، لو أنّه تراجع عن هذه الطلقة حُسبَت طلقة ، إنّ المراجعة لا تمحو الأثر ، وهذه حكمة بالغة لكي لا يصبح الطلاق لعبًا بين الأزواج .
مثلاً ، وإن كانت الثانية احْتسبَت وبقيَت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحي هذا الأثر ، بل لو تركت حتى انْقضَت عِدَّتها من غير مراجعة وتزوَّجَت زوْجًا آخر ، ثمَّ عادَت إلى زوجها الأوّل ، عادَت إليه بما بقي لها من الطَّلقات ‍! فالطلقة هذه ثابتة ، شيء دقيق ، أنت قلتَ لها بِساعة غضب : طلّقتك ، وكانت في طُهْرٍ لم تمسَّها فيه ، وبعد ساعةٍ ندِمت ، وقلت لها : راجعتك ولمسْت يدها ، رجعَت واحْتُسبَت طلقةً ، فلو أنَّكَ طلَّقتها طلاقًا فيه بيْنونة صغرى وتزوَّجَتْ مكانك رجلاً آخر ثمّ طلَّقها ، وعُدْت إليها بقي لك عندها طلقتان ، احْتُسب الواحدة . 2 ـ الطلاق البائن :
أما الطلاق البائن فهو الطلاق المُكمّل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول والطلاق على المال ؛ أي مخالعة ، وقبل الدخول مباشرةً ينفذ مرَّةً واحدة أو الطلاق المُكمِّل للثلاث .
والطلاق البائن إن شاء الله تعالى نأخذه في درس آخر ، وربّما أمكن إعطاؤهُ في هذا الدرس .
وهو ينقسم إلى بائن بَيْنونةً صُغرى ، وهو ما كان دون الثلاث ، وبائن بَينونة كبرى وهو المكمِّلُ للثلاث ، فإذا طلَّقها في طهْرٍ لمْ يمسَّها فيه ، ومضَتْ عِدَّتها كاملةً ثلاث حيضات ولم يراجعها ولم يمسَّها فهذه طلقة بانَت عنه ، لكن بيْنونة صغرى ، لا ترجع إليه إلا بعقْد جديد ، ومهْر جديد ، ورِضاءٍ منها ، لكن لا تحتاج إلى أن تُزوَّج بغيره ، هذه هي البينونة الصغرى .
الطلاق البائن بيْنونةً صغرى يُزيل قيْد الزّوْجيَّة بِمُجرّد صدوره ، وإذا كان مُزيلاً للرابطة الزوجيّة ، فإنّ المطلّقة تصير أجْنبيَّةً عن زوجها ، فلا يحلّ له الاستمتاع بها ، لا يستمتع بها إلا ضمن العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة بانَتْ عنه بيْنونةً صغرى ، ولا يرثُ أحدهما الآخر إذا مات ، يحلّ بالطلاق البائن موعد مؤخَّر الصداق ، فنحن عندنا مهر مؤجّل ، ومهر معجَّل ، المؤجّل يحِلّ في حالتين ، أيّهما أبْعَد ، وأيّهما أقرب ، الطلاق أو الموت ، وللزّوج أن يعيد المطلّقة طلاقًا بيْنونةً صغرى إلى عصمته بِعَقْدٍ ومهْرٍ جديدَيْن دون أن تتزوَّج زوجًا آخر ، وإذا أعادها عادَت إليه بما بقيَ من الطَّلقات، عادَت إليه على تطليقة واحدة ، أو على تطليقتين ، فإذا كان طلَّقها واحدةً من قبْل ، فإنّه يملك عليها طلْقتَيْن بعد العَوْدة إلى عصمتِهِ ، وإذا كان طلَّقها طلْقتَين لا يملك عليها إلا طلْقةً واحدة .
وأما الطلاق البائن بَيْنونةً كبرى فيُزيل قَيْد الزَّوجيَّة تمامًا مثل طلاق البينونة الصغرى ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنّه لا يُحِلّ للرجل أن يعيد من أبانها بيْنونةً كبرى إلى عصمته ، إلا بعد أن تنكحَ زوْجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا لبْسَ فيه ، ويدخل بها دون إرادة التحليل ، فإن طلَّقها فلا تحلّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيره ، فإن طلَّقها الطَّلقة الثالثة ، فلا تحلّ لزوجها الأوّل إلا بعد أن تتزوَّج آخر ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته. وفي لفظ: حتى يجامعها ))
[البيهقي عن عائشة]
أي حتى يتمّ الزواج الحقيقيّ ، هذا فيما يتعلّق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن البَينونة الكبرى أو الصغرى ، الصغرى ربطت نفسها ، وينعقد زواج جديد بِعَقد جديد ، ومهر جديد ، ورضاء الزوجة ، أما البينونة الكبرى فلا بد من الزواج من رجل آخر زواجًا صحيحًا لا تحليل فيه ، أما الطلاق الرجعي طلّقها في طهر لمْ يمسّها فيه، فإن راجعها في خلال العدَّة ثلاثة أطهار رجعت له من دون عقْد ومن دون مهْر ، وانتهى الأمر ، ولكنّها احْتُسبَت طلقةً ، ولو أنَّه طلّقها طلاقًا رجعيًا ، وبانَت عنه بيْنونة صغرى ، ثمّ تزوَّجَت برجل آخر ، ثمّ طلّقها ، فعادَت إليه عادَت إليه على طَلقتين ، فالطلاق لعِبٌ بالنار ، فلو قلت : طلّقتك ، وبعد ساعة راجعتها احْتُسِبَت طلْقة ، فالأفضل ، والأوْجه ، والأعقل ألا تلجأ إلى الطلاق إلا في حالات نصَّ عليها الشّرع أما أن يُتَّخَذ أداةً لِرَدع الزَّوجة فهذا لعبٌ بالنار ، ويوقع الرجل في شبهة الحرام ويبقى مُشوَّشًا ، ومُتْعبًا ، ويصبح متعباً بالفتاوى المتناقضة التي يجمعها من عامّة الناس . * * *
تحريم الدخول على النساء :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
" طبعًا المقصود بالنساء الأجنبيّات ، أنا من خلال ملاحظتي أرى أنّ بعض الرجال أو بعض الشباب يكثر الدخول إلى بيت قبل التأكّد من أنّ هذا البيت مثلاً ليس فيه نساء ، سريع الدخول إلى البيوت ، قليل الاستئذان ، سريع القبول ، النبي الكريم قال : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
لأنّ أوّل شيء هناك تهمة ، فالإنسان قد يُتَّهَم وهو بريء ، وهناك شيء آخر ، قد يقعُ هو فريسة لهذه المخاطرة ، لأنّ النبي صلى اله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم قال : (( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ... ))
[أحمد عن عمر]
لماذا لم يقل : ما خلا كافر بكافرة ؟ ولماذا لم يقل ما خلا منافق بِمنافقة ؟ قال : ما خلا رجلٌ ، وهذه كلمة مطلقة ، وما دامت الكلمة نكرة ، وتنكيرها شمولي أيْ أيّ رجلٍ كائنًا من كان - مؤمن ، كافر ، فاسق ، عاص ، طائع - أيّ رجلٍ إذا خلا بامرأة كان الشيطان ثالثهما ، إياكم والدخول على النساء ، أحيانًا الإنسان يطرق باب أخيه ، أخوه له زوجة ، تقول له : أخوك غير موجود ، يقول لها : سأرتاح عندك قليلاً ثمّ أذهب ، تقول له : لا، هذا لا يجوز ، هذه زوجة الأخ امرأة أجنبية لا تحلّ لك أن تدخل عليها ، ولا أن تنظر إليها ، قيل يا رسول الله : الحمو ؟ فقال : الحمو الموت ..." أحيانًا تقول : النَّمِر الموت ، أي النَّمر يفضي بك إلى الموت ، فالحمو الموت أي يفضي خطره إلى الموت ، وربّما كان الموت أهْون ، حديث مقتضب وموجز ، و تكمن بلاغته صلى الله عليه وسلّم في إيجازه ، إياكم والدخول على النساء ، المقصود الأجنبيّات اللاتي لا تحلّ لك أن تراهنّ ، الإمام مالك رضي الله عنه توسَّع في هذا الحديث ، فمَنَعَ الدخول على النساء اللاتي لا يحلّ لك الزواج منهنّ خوْفَ ما قد يخطر في البال من تهمٍ بعيد ، نهى الابن على أن يدخل على زوجة أبيه ، لا تحلّ له، ولكن قطع الابن من أمّه أكبر بكثير من طبعه من زوجة أبيه .
السادة الأحناف نهَوا الرجال عن الاختلاء بالصِّهرة الشابة ، الكنَّة ، فهي محرّم الزواج منها ، ولك أن تنظر إليها ، ولكن في حضرة الابن يجوز ، ولكن في غيبة الابن فالأكمل والأولى ألا تخْلُوَ بها ، لذلك قال بعضهم : لا تبلغ أن تكون من المتّقين ، حتى تدع ما لا بأس به ، حذرًا ممَّا به بأس ، زوجة الأب لا ينبغي أن تخْلُوَ بها ، مع أنَّها لا تحلّ لك ، والصِّهرة الشابة زوجة الابن الشابة لا يقبل لك أن تخلُوَ بها، أما بحضور ابنك فهي زوجة ابنك ، ولك أن تحادثها ، وتجلس معها ، وتأكلا معًا، الإمام مالك توسَّع في فهْم هذا الحديث حتى وسَعهُ إلى دائرة تَحِلّ ، ولكن منعَ الخَلوَة من باب الكمال .
إياكم والدخول على النساء، هناك أشخاص سريع الدخول ، امرأة في غرفة لوحدها ولو أنّها مسنَّة لا يجوز الدخول عليها ، مثلاً زوجة أخي ، وأخي مسافر ، قد يحتاجون إلى أغراض ، فيذهب ويبقى ساعة عندهم ، يمكن لأحد الجيران ألا يعرف هذا ، يعرفون أنّ زوجها بالحج أو مسافر ، وجاء رجل فبقيّ ساعة ثمّ خرج ! ممكن أن تسبِّب سمعة سيّئة للبيت ، قال النبي الكريم : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
هذا كمال المؤمن ، قٌال عليه الصلاة والسلام : " الإيمان عفّة عن المطامع، الإيمان عِفّة عن المحارم ..." الإنسان كلّما كان عفيفًا أكثر كلّما ارتفع في نظر الناس، هناك شهوَة ، هناك شهوتين مهلكتين ؛ النساء والمال ، (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ))
[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]
الورع :
الورع قال عليه الصلاة والسلام : لا ورعَ كالكفّ ..." ترك المحارم ورع ، وهذا حدّ ، وهو أحد أنواع الورع ، فأنت إذا سألتني ما الورع ؟ أقول لك : الاستقامة على أمر الله تعالى ، ترْك ما نهى الله عنه ، وهناك تعريف أرقى ؛ ترْك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس، هذا ترْك مضانّ التُّهم ، فالدخول مثلاً على زوجة الابن وهي وحدها في البيت ، هناك احتمال بالمئة خمسة أو بالمئة سبعة ، احتمال بسيط جدًّا ، فاحتمال أن يميل قلبه إلى أمّه هذا ينتفي كُليًّا ، أما زوجة أبيه فالاحتمال أكثر ، لذا الإمام مالك وسّع الدخول ، وهذا من كمال الورع ، أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأس ، أن تدع مضانّ المعصِيَة ، فتَرْك المعصيَة ورع ، وترك مضانّ المعصيّة ورع أرقى ، ترك ما يشغل القلب عن الله عز وجل هذا أرقى درجات الورع ، شيءٌ مباح ، لكنّك إذا اشتغلتَ به أبْعدك عن الله عز وجل ، وهذا أرقى درجات الورع ، أي القلب له عز وجل وما جعل الله عز وجل لرجل من قلبين في جوفه .
النهي عن محادثة النساء :
شيءٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : إياكم ومحادثة النساء ، تجد شخصًا طليق اللّسان ، إذا كان عنده زبونة بالمحلّ يسوق الحديث من موضوع إلى موضوع ! هذا لا يجوز قال تعالى :
﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 32]
نساءً ورجالاً ، كم سعر هذا القماش ؟ سعر هذا القماش المتر بعشرة ، أما هذا اليوم فمناسب ، وهذا اللون مناسب لك ، هذا كلّه كلام باطل ، إياكم ومحادثة النساء ، الواحد قد يكون طليق اللسان ، وقد يكون فصيحًا ، وقد يكون له ذكاءً ، وقد يكون له قدرة على إدارة حديث ممتع ولبق ، ولكن لا يظهر هذه البراعة على النساء ، فربّما أهلكهُ هذا الحديث : (( إياكم ومحادثة النساء ))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
أكثر الناس لهم جولات في الحديث مع أقربائهنّ ، بنت خالته ، بنت عمّته ، زبونة بالمحلّ ، وهو لا يدري أنّ هذا حجاباً بينه وبين الله تعالى ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد ابتعد عن الله تعالى بعدًا كبيرًا ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد سدّ الطريق إلى الله عز وجل : (( إياكم ومحادثة النساء فإنَّه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا همّ بها))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
الصمت أحد أنواع العبادة الراقية :
الحديث الثالث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
(( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا يكون هناك امرأة فلتانة ، قد تحكي كلمةً لا تبالي بها ، قد لا تعلّق عليها أهميّة ، هذه الكلمة خطيرة جدًّا ، كأن تقول : والله سمعتُ أنّه يريد الزواج عليها! وهو ما سمع ، مزاح فقط ! هذه الكلمة في هذه الفتنة ، الزوجة في بيت أهلها ، والزوج مزعوج ، وهي تتلقّف الأخبار بفارغ الصّبر ، تتلقّف شبح الخبر ، وهو ينتظر ردّ الفعل، وأعصابهُ متوتّرة ، يأتي إنسان خاليّ البال مرتاح ينقل كلمة غير دقيقة فإذا هي تُسبّب الطلاق ، هذا مثل ، فالإنسان بالفتنة تكون أعصابهُ متوتّرة لا يحتمل كلمة ، ويشبه الطالب بالامتحان ، قبل الفحص بِساعتين يقول لك : فلان أتى بالأسئلة ، وتكون هذه مزحة ، تجد أعصابه تضطرب ، وقد يجد أنّ موضوعًا ما درسه ، لذا المؤمن لا يلعب بأعصاب الناس ، فهناك حالات يحدث فيها توتّر شديد ، فهذا الذي يُشيع أخبارًا سيّئة في الحروب ، هذا مؤاخذ عند الله عز وجل ، وفي الأزمات الكبرى، وفي موضوع الطلاق ، وفي موضوع الفراق ، وموضوع خصومة شديدة ، مثل هذه الموضوعات الخطيرة الكلام فيها خطير ، لأنّ أعصاب الطَّرَفين متوتِّرة إلى أقصى الحدود ، وأيّ كلمة قد تخرب بنيانًا ، أو قد تقوّض دعائم الصلح ، لذا قال عليه الصلاة والسلام : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا خطبة ، عند أهل الزوجة وعند أهل الزوج حساسيّة بالغة أن تقول: الزوج بخيل ، أنت تمزح فقط ، ولكن هناك من يظنّها حقيقة فيتَّهمون بعضهم بالبخل، وينقل الكلام لأهل الزوجة ، فيقولون : لا نعطي البخيل !!! هذا وضع خطِر، أنت بالحاسّة السادسة تعلم أن هناك حالات يكون فيها الإنسان في أقصى درجات التوكّل ، الكلام قد يفضي إلى التهلكة ، الكلام قد يفصل علاقة شريفة ، قد يقطع خيرًا كثيرًا : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحدهم تزوّج امرأة ، فقال لي شخص : هذه المرأة ليْسَت من مُستواه ! هذه فقيرة وهو قصَدَ شيئًا ، وانفعل الزوج ، وحصل الطلاق ! أحيانًا الإنسان يحذّر أنيسه فيقول : لا نعرف الله أعلم ، هو يقصد موضوع الإرث ، وذاك فهم موضوعًا أخلاقيًّا فحدث الطلاق ، في الفتن المؤمن الراقي ، والمؤمن في حدّه الأدنى يلْزم الصَّمت .
أحيانًا تحصل خطبة ، ولا تتِمّ ، نريد أن نفهم لماذا فسِخَت الخطبة ؟ يمكن أن يكون لهذا الزوج وضعٌ خاص مثلاً ، وما ناسبتْهُ هذه الزوجة ، ولكن قد تناسب غيره ، لا ينبغي أن تلوك الحديث بين الناس ، أحد أنواع العبادة الراقية الصّمت . * * *
أمنية أربعة شباب في فناء الكعبة :
والآن إلى قصّة تابعيّ جليل ؛ هو عروة بن الزبير ، ما كانت شمس الأصيل تُلَملم خيوطها الذهبيّة عن بيت الله الحرام ، وتأذن للنَّسمات النبيلة بأن تتردَّد في رحابه الطاهرة ، حتى شرع الطائفون بالبيت من بقايا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وكبار التابعين يعطّرون الأجواء بالتّهليل والتكبير ، ويقرعون الأرجاء بصالح الدعاء ، حتى أخذ الناس يتحلَّقون زمرًا زمرًا حول الكعبة المعظَّمة الرائدة وسط البيت في مهابة وجلال ، ويملؤون عيونهم من بهائها الأسمى ، ويُديرون أحاديث لا لغو فيها ولا تأثيم ، وبالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان ، صلاح الوجوه ، كرام الأحساب ، معطّري الأردان ، كأنّهم حمامات المسجد نَصاعةً ؛ هم عبد الله بن الزبير ، وأخوه مصعب بن الزبير ، وأخوهما عروَة بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان، أربعة شباب في فناء الكعبة تحلّقوا قُبَيل الغروب ، وجلسوا ، ودار حديث الفتية الأبرار ثمّ ما لبث أن قال أحدهم : لِيَتَمَنَّى كُلّ منَّا على الله ما يحبّ ، فانطلق أخْيِلَتُهم تحلّق في عالم الغيب الرَّحب ، ومضَت أحلامهم تتوق في رِياض الأماني الخضْر ، ثمّ قال عبد الله بن الزبير : أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز ، وأن أنال الخلافة ، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَين - الكوفة والبصرة - فلا يُنازعني فيهما منازع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنعان بذلك فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان ، مَنْ بقيَ عروَة بن الزّبير ، وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه وقالوا : وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال : بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذ الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته ، قصّة واقعيّة ، أربعة شباب في فناء الكعبة ، تمنّى الأول أن يكون ملك الحجاز ، وتمنّى الثاني أن يكون ملِك العراق ، وتمنّى الثالث أن يكون خليفة المسلمين كلّهم ، وتمنّى الرابع أن يكون عالمًا بِكِتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ربّنا عز وجل قال :
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 20]
والشيء الثابت في العلم الدّيني أنّ الله عز وجل متكفّل أن يعطيّ كلّ مخلوق سُؤلهُ ، لكنّ الشرط أن يكون الطلب في صدق شديد ، إن كنت بطلبك صادقًا تصل إليه وربّ الكعبة ، فالذي وصلت إليه هو الذي أنت فيه سابق ، والذي لم تصل إليه هو الذي تمنَّيْتهُ ، فالتَّمَنِّي شيء ، والطّلب السابق شيء . قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
من سعى في طلب شيء ، وصلهُ وربّ الكعبة ، أحدكم يطلب من الله تعالى، إذا طلبت أن تختم كتاب الله ، والله لن تموت إلا بعد أن تفهم كتاب الله ، وإن طلبْت الدنيا تأتيك الدنيا ، إلا أنّ الله تعالى إذا كان يُحِبّ عبْدًا ، وطلبَ الدنيا ، وكانت الدنيا تؤذيه ، ربّما أخَّرها له فلعلَّه يُغَيِّر رأيَهُ ، قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 18]
وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
والآية الثالثة : ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
ودار الزمان دورته ، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقب موت يزيد ، فيَحكِمُ الحجاز والبصرة واليمن وخراسان والعراق ، هذا الطّفل الصغير صار رجلاً ، وحكمَ هذه البلاد ثمّ وثب عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنّى فيه ما تمنّى ، وإذا بمصعب بن الزبير يتولّى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله ، ويُكْتب هو الآخر دون ولايته أيضًا ، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه ، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مَقْتَل عبد الله بن الزبير ، وأخيه مصعب على أيدي جنوده .
ثمّ وجدوه أعظم ملوك الدنيا في زمانه ، فماذا كان أمر عروَة بن الزبير ؟ كلّ واحد تمنّى أمنية . عروة بن الزبير نشأته و حياته :
ولد عروة في بيت من أعزّ البيوت شأنًا وأرفعها مقامًا ، أبوه الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأوّل من سلّ سيفًا في الإسلام ، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ، هذا والدهُ .
وأمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها المُلقَّبة بذات النّطاقين ، وجدّه من أمّه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، وجدّته من أبيه صفيّة بن عبد المطّلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وخالته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، فقد نزل إلى قبرها حينما دُفنت بنفسه وسوّى عليها لحْدها بيَديه ، أفتظنّ بعد هذا الحسب حسبًا ؟ وأنّ فوق هذا الشَّرَف شرَفًا ؟ وحقّق عروَة أمنيته التي تمنّاها على الله عند الكعبة المعظّمة ، علامة صدق طلبه السعي ، أكبّ على طلب العلم ، وانقطع له ، واغْتنَم البقيّة الباقية من صحابة رسول الله ، فطفق يؤمّ بيوتهم ، ويصلّي خلفهم ، ويتتبّعُ مجالسهم ، حتى روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وأيّوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، والنعمان بن بشير ,
هم طلب العلم و هؤلاء طلبوا الخلافة والمُلْك ، هذا طلب العلم ، تتبَّع صحابة رسول الله ، صلّى خلفهم ، سألهم ، روى عنهم ، نقل عنهم ، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أمّ المؤمنين ، حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المؤمنين في دينهم ، ويتَّعظ بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله عز وجل من أمر العباد والبلاد ، من ذلك لمّا قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك ، جاءه الناس فسلّموا عليه ، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم وأكرمَ مجالسهم ، ثمّ حمِد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال : إنّي دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ ، فأنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم أي برأي من حضر منكم ، فإن رأيْتم أحدًا يتعدّى على أحد ، أو كان لعامل مظلمة فأسألكم أن تبلّغوني ذلك ، فدعا له عروة بن الزبير بخير ، ورجا له من الله السّداد والرّشاد ، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل ، فقد كان صوّاماً في الهواجر ، قوّامًا في العتمات ، رطب اللّسان دائمًا بذكر الله عز وجل ، وكان إلى ذلك ختيمًا لكتاب الله جلّ وعلا ، عاكفًا على تلاوته ، فكان يقرأ ربع القرآن كلّ نهارٍ نظراً في المصحف ، ثمّ يقوم به الليل تلاوةً عن ظهْر قلب ، ولم يُعْرف عنه ترْك ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته ، غير مرّة واحدة بِخَطب نزلَ به سيأتيكم نبأه بعد قليل .
كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه ، وقُرّة عينه ، وجنّة ربِّه فيُتقِنها ويتقن شعائرها أتمّ الإتقان ، ويُطيلها غاية الطول ، - طبعًا وحده - وروِيَ عنه أنّه رأى رجلا يصلّي صلاةً خفيفة ، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه وقال له : يا بن أخي ، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟! والله إنّي لأسأل الله تبارك وتعالى كلّ شيءٍ حتى الملْح ! وأنا أدعوكم لذلك ، حياتنا كلّها مشاكل ، صلِّ وادْعُ الله في الصلاة حتى تحسّ أنّ ربّنا عز وجل سمعك ، وقد أدّى رغبتَك ، وكان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سَخِيّ اليد ، سمْحًا ، جوادًا ، ومِمَّا أُثر عن جوده أنّه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة ، عذب الماء ، ذليل الأشجار ، باسط النخيل ، وكان يُسَوِّر بستانه طوال العام لحماية أشجاره من أذى الماشيَة ، وعبث الصُّبْيَة ، حتى إذا آن أوان الرُّطَب وأيْنعت الثِّمار ، وطابَتْ واشْتَهَتْها النُّفوس كسر حائط البستان من أكثر من جهة ليُجيز للناس دخوله ! أما الآن فيقول له : انْتبه الفواكه مرشوشة بالمواد السامّة !! ولا تكون هناك مواد ولا شيء !!! أما ذاك فكان يكسر جدران البستان حتى يتيح للمارة الأكل منها ، والآن بأمريكا حتى يُحافظوا على سعر الفواكه يتْلفون قسمًا كبيرًا منها ، فأبناء الجيوش كانوا يذهبون إلى أماكن إتلاف هذه الفواكه ، لما أكلوا البرتقال خفّ البيع ، العام القادم سمّموا البرتقال حتى لا يأكل الطفل الفقير البرتقال من دون دراهم ، يشتريها أبوه من السوق فيبقى السعر مرتفعاً !! وُحُوشٌ فكان الناس يلمّون به ذاهبين آيبين ، ويأكلون من ثمره ما لذّ الأكل ، ويحملون ما طاب لهم الحمْل ، وكان كلّما دخل بستانه هذا ردّد قوله عز وجل :
﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 39 ]
قبل عشرين أو ثلاثين سنة هكذا قيل لي : يخرج الفلاّح من البستان ويضع سلّة تفاح بالطريق ، هذا مشمش ، وهذا تين ، وهذا تفاح ، فالناس في الطريق يأكلون ما يشتهون، الآن كيلو التوت بخمس عشرة ليرة ، وقد كان لا يُباع إطلاقًا ، التوت وقف مبذول للناس كلّهم، ولكن لمَّا بخل الناس شدَّد الله عليهم ، والآن في بعض القرى، وقد شاهدْت هذه بنفسي ، كلّما مرّ المارّ يسلّمونه فواكه ضيافةً ، والله عز وجل يُعطيهم ثمارًا فوق الحُسبان ، خيرات وبركات ، وتصدير وأسعار جودة ، أما أهل هذه القرية فلا تمرّ إلا وتأخذ فاكهةً مجَّانًا . امتحان الله عز وجل لعروة بن الزبير :
وفي سنة شاء الله جلّ وعزّ أن يمتحن عرْوَة بن الزبير امتحانًا لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمّرها الله بالإيمان ، دعا خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبّى الدعوة ، وصحب معه ابنه الأكبر ، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب ، وأكرم وِفادته أوفى إكرام ، وبالغ في الحفاوة به ، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على اصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ‍، ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة - الغرغرينا- وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه ، وجعل الورم يشتدّ ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة ، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة ، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساق عروَة ، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه ، ويكون سببًا في القضاء عليه ، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك - انظر مقامه العالي ، أحيانًا المصائب تكون مصائب رفْع ، فالأنبياء مصائبهم كشف، والمؤمنون رفع ، وغير المؤمنين ردْع :
(( ما أصاب عبد مصيبة فما فوقها إلا بإحدى خلتين بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة))
[ الديلمي عن ثوبان]
ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه مباضعه لِشَقّ اللَّحم ، ومناشيره لِنَشْر العظم ، قال الطبيب لعروة : أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام ، فقال : هيهات ‍!- اسم فعل ماض- لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، فقال له : إذًا نسقيك مخدِّرًا ، فقال : لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ وأحْتسب بذلك ، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال ، فقال : ما هؤلاء ؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك ‍فربَّما اشْتدّ عليك الألم فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك ، قال : رُدُّوهم لا حاجة لي بهم ، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح ، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب وقطع اللَّحم بالمِبضع ، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار وطفِقَ ينشرهُ به ، وعروَة يقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا ، ثمّ أغْليَت الزَّيت في مغارف الحديد ، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء ، وحسْم الجراح ، وأُغْمِيَت عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته من كتاب الله ذلك اليوم ، هذا هو الأمر القاهر الذي لم يقرأ فيه حصّته من كتاب الله ، وليس لسبب تافهٍ ، نعسان ، لك كمّية قرآن اقرأها ؛ حزب أو نصفه جزء اقرأها ، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير ، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها ، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول : أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد - انظروا هذا القسَم - إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ ، وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل ، فقد احْتسَب ابنه ، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه ، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عفْسٍ فيهم رجلٌ ضرير ، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره ، قال : يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عفْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً ، ولا أكثر أهلاً وولدًا ، والله إذا أعطى أدْهش وإذا أخذ أدْهش ، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ،‍‍ ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة ‍‍!! وكان البعير صعبًا ففرّ مِنِّي ، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض ، ولَحِقْت بالبعير ، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ إذْ كان قد أتى عليه ، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني وذهبتْ بِبَصري ، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل ولا ولد ولا مالٍ ولا بصر !!! فقال الوليد لِحاجِبِه انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير ، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً ، ولمّا حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله ، بادرَهم قائلاً لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين ، ثمَّ أخذ منهم واحدًا وأبْقى ليَ ثلاثًا ، فله الحمد والشكر ، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا وأبقى لي منها ثلاثة ، وَيْمُ الله لأن أخذ الله لي قليلاً فقد أبقى لي كثيرًا ، ولأن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات .
الصبر مؤشّر للإيمان ، إذا كان هناك إيمان كان هناك الصبر ، وإذا لم يكن الإيمان لم يكن الصَّبر ، الصّبر معرفة بالله عز وجل ، الأمر بيده وهو رحيم ، وحكيم ، وعليم، وعلامة المؤمن أنَّه راض ، ويقول : الحمد لله رب العالمين على أشدّ المصائب فكيف على أهونها ؟ إذا أصابتْه مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصَّبْر عليها " مواقف الصحابة أو أصدقاؤهم من المصيبة ، إذا الواحد ساذج ورأى مؤمنًا أُصيب بِمُصيبة يقول : حتْمًا عمل معصيَة !! وهذه فظاظة بالتفسير، وسوء الظنّ بالأخ المسلم ، كبار الصحابة أصابتهم مصائب كبيرة ، وهذه مصائب رفْع وليْسَت مصائب ردْع ، فالعاصي له مصائب ردْع ، أما المؤمن فله مصائب رفْع قال تعالى : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[سورة البقرة: 155-157]
فالإنسان بالمصيبة يظهر ، وبها ينحطّ .
أما أصحابه ماذا قالوا ؟
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير ، تسيلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه فكان من أحسن ما عُزِّيَ به كلمةً قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة ، قال له : " أبْشِرْ يا أبا عبد الله ، فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك ، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة ، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى ، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه ، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك ، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة احْتسِبْهُ عند الله ".

السعيد
09-08-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس )


الموضوع : الخلع





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين . أمراض الإنسان متأتية من بعده عن الله عز وجل :
أيها الأخوة المؤمنون ، ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة يخاطب سيّدنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 38 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/01.jpg
عندنا هُدَى بالزواج ، فمن طبَّق شرع الله بالزواج لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن ، والعلماء فرّقوا بين الخوف والحزن ، الخوف ممّا سيكون والحزن عمّا مضى ، فلو جاء ملك الموت لا يخاف ممّا بعد الموت ، ولا يحزن على ترك الدنيا ، وهل في الدنيا حالةٌ أرقى وأشرف وأبعث على الطمأنينة من أن تواجهَ شيئاً لا تخاف ممّا سيليه ؟ ولا تخاف ممّا كان ؟ فهذه الحالة النفسيّة تغطّي ما كان وما سيكون ، أحيانًا الإنسان يخاف ممّا سيكون يكاد قلبهُ ينخلع ، أو يحزن على ما كان ، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يحزن على ما فاته من الدنيا ، ولا يهلع لما سيُصيبُه في المستقبل ، لأنّ الله عز وجل طَمأنهُ ، فهذه الأبحاث الفقهيّة في الزواج ، والطلاق ، والمخالعة ، و أبحاث البيوع ، والعلاقات الشخصيّة ، وعلاقات الإنسان مع الله عز وجل ، علاقاته مع جيرانه وزوجته وأولاده ، كأنّه قطار ماشٍ على سِكَّةٍ في سلامة ، فإذا خرج عن هذه السكَّة تعرّض هذا القطار للتَّدَهْوُر ، تمامًا حينما يخرج الإنسان عن خطّ الله عز وجل يتدَهْوَر ، فالأمراض النفسيّة كثيرة جدًّا ، ما هي الأمراض ؟ هي شعور بالاختلال الداخلي ، هذا الدِّين دين الفطرة أحيانًا تمشي بالسيارة على الزّفت ، تقول : هذه السيارة مصنوعة لهذا الطريق ، وهذا الطريق لهذه السيارة ، أما إن مشَيت بها في طريق وعِرة فتشعر أنّ الوضع غير طبيعي فهذه الطرق ليسَت لهذه السيارة .
الباخرة بالبحر هذا مكانها الطبيعي ، السَّمَك بالماء مكانه الطبيعي ، لمَّا الإنسان يعرف الله عز وجل تستقرّ نفسهُ ، ربّنا عز وجل في آيات كثيرة قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة الروم: 30]
أي هذا الدِّين بِتَشريعاته ، وعلاقاته العامّة والخاصّة ، العبادات والمعاملات ، كلّ هذه العلاقات تنطبق انْطِباقًا تامًّا على فطرة الإنسان ، فالإنسان دائمًا يحسّ أنَّه مخلوق بهلع شديد ، الدِّين يُزيل هذا الهلَع ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج: 19-22]
ذهب الهلَع ، وذهب الحسَد: ملك الملوك إذا وهب لا تسألنَّ عن السَّبب
الله يـعطي من يشاء فقِفْ على حدّ الأدب
***
أكثر أمراض الإنسان مُتأتِّيَة من بعده عن الله ، سأقول كلمة الآن : الإنسان لو جُمِعَت له الدنيا من أطرافها ، لو جمع مالها إلى سلطانها إلى ملاذِّها إلى مباهجها إلى العمْر الطويل إلى الزواج الناجح وكان بعيدًا عن الله عز وجل فهو أشقى الناس ، وإن وجدْتم في علاقاتكم ، وفي خبراتكم ، وفي معارفكم ، أو من يلوذ بكم إنساناً بعيداً عن الله تعالى وسعيداً فهذا الدِّين يكون باطلاً ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
قانون ؛ مَنْ اسم شرط جازم ، تعريف الشّرط في اللّغة : حدَثان لا يقع الثاني إلا بوقوع الأوَّل ، فإذا وقع الإعراض فجزاء الشرط حَتميَّة وقوع الجواب بالمئة مئة ، كأن تقول : إذا لمَسْت المدفأة وهي مشتعلة تحترق يدك ، احتراق اليد شيءٌ لازِم ؛ أيْ حَتْمي ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
كلّ الأبحاث الفقهيّة الهدف منها الإنسان يسلك طريق الإيمان . الخلع :
نحن في دروس سابقة تحدَّثنا عن الخلع ، أو المخالعة ، كما أنَّ الزَوْج الله سبحانه وتعالى أعطاه الطَّلاق ، هو الذي عقد الزواج ، يستطيع الزَّوْج لأسباب قاهرة أن يستخدم حقَّه فإما العلاقة الزوجيّة وهي الطلاق ، ولكن الذي يستخدم هذا الحقّ للطَّرَف الآخر تنشأ حقوق واجبة ؛ المهر ، وكذلك الزوجة ، كأنَّ ربّنا عز وجل جعل الطلاق والمخالعة صمّام أمان في هذا الوعاء البخاري ، ففي الوعاء البخاري مادام محكم الإغلاق هناك منطقة يضعون لها قطعة بلاستيك ، فإذا كان الإحكام شديداً والضغط صعد وكان هناك احتمال لانفجار الوعاء تذوب هذه القطعة وتفتح البخار ، ويتلافى الانفجار تمامًا ، في الزواج هناك صمَّام لسلامة هذا الزواج ، فإذا كانت العلاقة بين الزَّوجين بِشَكل متفجِّر يأتي الطلاق من طرف الزَّوج ، وتأتي المخالعة من طرف الزوجة ، ولكنّ الزَّوج إذا طلَّق عليه المهر ، أما الزوجة فتطلب المخالعة فعليها أن تفتدي نفسها بما قدَّم لها .
الخلْعُ كما سبق إزالة مُلْك النِّكاح في مقابل المال ، فالعِوَض جزءٌ أساسي في مفهوم الخلْع ، أي لا يوجد خلْع من دون عِوَض ، لأنّ الزَّوْج تكلّف ودفع ، دفع خمسين ألفًا ، وكتب عليه خمسين ألفًا ، وأسّس البيت وفرش ، ووضع كلّ شيء جمَّعه بهذا الزواج ليَسْتقرّ ، ليجد طبخة مطبوخة عند الرجوع ، وليجد امرأة تنتظرهُ ، ليُحْصِن نفسهُ ، فإذا لم ترغب به المرأة وجب عليها أن تدفعَ له كلّ التكاليف ، لا خلْعَ بلا عِوَض ، فهذا جزء أساسي في مفهوم الخلع فإذا لم يتحقّق العِوَض لم يتحقّق الخلع ، وهو باطل .
الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل :
نحن تكلمنا سابقًا عن الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل ، النِّكاح الفاسد يُصحَّح ، أما النِّكاح الباطل فلا يُصحّح ، فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت لم يكن ذلك خلعًا ، خلع باطل ولا يسمَّى ذلك خلعًا ، خالعْتك على ماذا ؟ على أن تردِّي إليّ ما أعطيتك إيّاه!! هنا الخلْع صحيح .
ثمّ إنَّه إن نوى الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا ، بالمناسبة إذا الإنسان استخدم ألفاظ الطلاق ليْسَت النيَّة شرطًا في الطلاق ، أما إذا استخدم عبارات أخرى غير عبارات الطلاق فعندئذٍ تُشترط النيّة ، إذا الإنسان قال : وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة ، ما دام قال : بمئة ليرة فهو ينوي البيع فهذا عقد بيع ، أما إذا قال : بعتك هذا الكتاب بلا ثمن ، هو قال : بلا ثمن فهو يعني هديّة ، فالإنسان عندمَّا يغيّر الألفاظ النيّة شرط أساسي ، أما إذا لم يغيِّر الألفاظ من دون نيّة ، إذا قال لآخر بِعنِ هذا القلم ؟ فقال: بعتكه بِلَيرة ! انْوِ ما شئت ، أما إذا قلت له : هَبني وخذ ليرة فكأنّك تريد البيع .
أحيانًا تدخل إلى مكتبة عند بائع ، تقول له: كم ثمن المصحف ؟ يقول لك: أعوذ بالله ، هذا وهبه خمسون ليرة ! فقط خمسون !! أنا الذي أراه الأمور بمقاصدها ، أنت تدفع ثمنه فلا تقل له بيعه بخمسين ، قل: وهبه على خمسين ليرة ، من أجل الشرع ، لأن الألفاظ هذه شيء غير طبيعي .
إذًا : فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت ، لم يكن ذلك خلعًا ، أما إذا قال: خالعتك ونوى الطلاق ، هذا أصبح طلاقًا وليس مخالعة ، وكان طلاقًا رجعيًّا ، كما تحدّثنا من قبل عن الطلاق الرجعي ، وإن لم ينو شيئًا لم يقع شيء ، إذا قال: خالعتك وسكت ، وما نوى الطلاق هذا كلام لا معنى له لا يقع شيئًا إطلاقًا ، لأنَّه من ألفاظ الكناية التي تفتقر إلى نيّة .
الشافعيّة قالوا : لا فرْق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق أو على بعضه أو على مال آخر سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، ربّنا عز وجل أطلق ، والمطلق على إطلاقه ربّنا عز وجل بالمخالعة ، وفي آية المخالعة يقول تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
بالآية لا يوجد تخصيص أنَّ المهر بالذات مال آخر ، قدَّم لها المهر مثلاً أساور بأربعين ألفاً ، وهي معها نقدي ، فدفعت له ثلاثون ألف ليرة سورية ، هذا ممكن ، افْتَدَت به فكما يقول الشافعيّة : لا فرق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق نفسه ؛ دفع لها أربعين ألفاً بشكل أساور ذهبيّة ، ممكن أن تعطيه الأساور نفسها أو على بعضه خمسة أساوِر من ستّة ، ثلاثة من ستّة ، أو على مال آخر كأن تقول له : خذ الدكان وخلّصني ، سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، وضعت له سنداً ، تأخذ أجرة بيت بعد سنة ثلاثة آلاف هذا ممكن دَين ، أو منفعة من دون مقابل ، أو عَين كأن تقدّم له قطعة ذهبيّة أو سيارة .
وضابطه - أي الشيء الذي يضبطه - أنّه كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عِوَضًا ، كلّ شيء يمكن أن يكون صداقًا يمكن أن يكون عوضًا ، الصحابة على درع ، أو على تحفيظ القرآن ، أو على إسوارة من ذهب ، أو قطعة من فضة ، أو على عين ، أو على جمل ، أو زيتون ، كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عوضًا في الخلع لِعُموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
هذا الشيء العام في موضوع الخلع . جواز أن تدفع الزوجة للزوج أكثر مما أخذت :
لكنّ جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أنّه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه ، المهر خمسون ألفًا قالتْ له : خُذْ ستِّين ألفًا وخلِّصْني ، فجمهور الفقهاء قالوا : يجوز لقول الله تعالى:
﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
لكنّ بعضهم قال : لا يجوز ، أي عندنا شخص العِوَض هو المهر ، لماذا ؟ هل هذه تجارة ؟ تزوَّج ثمّ أصبح يقسو عليها ، حتى عافَت المهر ، وأصبح الزواج تجارة .
روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال: أتردّين حديقته ؟ قالت : وأزيد عليها - معناها متألّمة كثيرًا - فردَّت عليه حديقته وزادته " ومن هنا أخذ العلماء أنَّه يجوز أن تدفع الزوجة أكثر مما أخذت ورأى بعض العلماء أنّه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه ، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح أنّ أبا الزبير قال : " إنّه كان أصدقها حديقةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أتردّين عليه حديقته التي أعطاك ؟ قالت : نعم ، وزيادة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الزيادة فلا ! ولكن حديقته " عندنا روايتان لحديث واحد ، رواية فيها زيادة ورواية من غير الزيادة ، بعض العلماء أخذ الزيادة ، وبعضهم الآخر أكتفي بعدمها ، واختلاف الفقهاء رحمة واسعة ، واتفاقهم حجّة قاطعة ، كأنّ - سبحان الله - اختلاف الفقهاء الكبار توسعة على الناس ، ممكن لواحدة أن تكون متألّمة كثيرًا ، الزوج دفع مبلغًا زهيدًا ، وهي في بحبوحة فوهبَت له على أن يتركها ، في بعض المذاهب يجوز ، وعلى بعضها الآخر لا يجوز ، وكنت أقول لكم : إنّ التقليد يجوز ، والتلفيق لا يجوز ، وهناك حالات يسعها الشرع . طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام :
هنا الخلاف في أصول الفقه ، ما معنى أصول الفقه ؟ طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام ، هل يجوز أن يأتي حديث فيُخصِّص آية ؟ بعضهم قال : يجوز ، والبعض الآخر قال : لا يجوز ، الأصل في الخلاف تخصيص عموم الكتاب بالأحاديث الأحاديّة ، فمن رأى أنّ هموم الكتاب يُخصَّص بأحاديث الآحاد مثلاً ، إذا قلنا : أعلى راتب في الدولة خمسة آلاف ليرة هذه مادة الدستور ، وسيصْدر قانون يفصّل ذلك القانون ؛ ألا يستطيع أن يقول أعلى راتب ثمانية آلاف ؟ الدستور وضع حدّاً أعلى ، فالقانون إذا أراد أن يفسّر ويوضّح راتب الموظّفين وأنواع التعويضات عليه أن يتقيّد بهذا السقف ، من الألف إلى الخمسة ، وبعضهم قال: يجوز و للتفسير أن يتجاوَز السقف ، وهو رأي ضعيف ، ربّنا عز وجل بالقرآن الكريم وضع حدودًا أحيانًا يأتي حديث مفرد يتجاوز هذا السقف ، هناك من الفقهاء مَن قال : لا يجوز لأحاديث الآحاد أن تخصِّص عموم الكتاب ، وبعضهم قال : يجوز .
هناك توجيه لطيف جمع بين الرأييْن ، قال : فمن رأى أنّ القدْر راجع فيه إلى الرضا يجوز ، هي راضِيَة ، أما إذا كان هناك نوع من الابتزاز ، لا أخلعك حتى تعطيني هذا البيت ، دفع لها خمسين ألفًا ، وأراد أن يأخذ منها مئتي ألف ! فهذا ابتزاز ، هنا يأخذ الفقهاء بظاهر النصّ ، وعموم الآية ، وبحديث الآحاد الذي يمنع أن تردّ الزوجة أكثر ممّا أخذت ، أما إذا كانت المرأة في بحبوحة ويُسر ، ووهبَت له شيئًا من مالها ، فنأخذ بظاهر الآية وعمومها .
عظمة الشرع الإسلامي :
الخلْع في العادة يكون بتراضي الزوج والزوجة ، فإذا لم يتمّ التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلْع ، كثير من يسألني : سامحني فهل يؤاخذني الله تعالى ؟ الله يؤاخذ إذا لم تكن هناك مسامحة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/02.jpg
إذا كانت هناك علاقة ماليّة بين شخصين ، وأحد الشخصين سامح ، هنا انتهى الأمر ولا يوجد شيء ، إلا في بعض الحالات هناك حق عام ، وحقّ خاص ، أحيانًا يحصل القتل الخطأ ، سائق السيارة دعس إنساناً يظهر أنّ أهل المقتول ورعون ، ويخافون من الله ، ووجدوا أنّ هذا السائق فقير ، ثمّ الأمر قضاء وقدر ، ولم يرتكب خطأً في السواقة ، حينها يتنازل الأهل عن حقوقهم ، هنا بالقرآن الكريم هناك حقّ عامّ ولو تنازلت ، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
الديّة هذه هي الحق الخاص ، أما تحرير رقبة مؤمنة فهذا في الحق العام يعني أنت بهذا الحادث أزْهقْت نفسًا مؤمنة ، المجتمع الإسلامي كان هناك مليون مؤمن فنقصهُ واحد ، ولو تنازل لك الأهل عن هذا الحق ، فأنت أنقصْت من المجتمع شخصًا قد يكون طبيبًا ، أو مهندسًا ، أو إنسان داعيَة ، أو طالب يُنتظر منه مستقبلاً باهرًا ، فأنت أفقدْت المجتمع الإسلامي عنصرًا طيِّبًا فالأهل تنازلوا ؛ هذا حقّهم الشخصي أسقطوه ، ولكن هناك حقّاً عاماً وهو إعتاق رقبة مؤمنة وهي أن تدخل لهذا المجتمع إنسانًا مؤمًنا كان عبْدًا تُحرِّرهُ ، دِقَّة الشَّرع ، فهنا الآن في المحاكم ولو أنت تنازلت عن الحقّ الخاص هناك حقّ عام ، فلو سرق إنسان وقال له المسروق : تنازلت عن حقّي الشخصي ، يُلاحق السارق بالحق العام ، من أين أُخذ الحق العام؟ من هذه الآية: ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
هذه هي عظمة الشرع الإسلامي . من كان متوازناً مع الآخرين أصبح محبوباً عندهم :
قال : فإذا لم يتِمَّ التراضي منهما ، فللقاضي إلزام الزوج بالخَلْع ، لأنّ ثابتًا وزوجته رفعَا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وألْزمهُ النبي بأن يقبل الحديقة ، اللهمّ صلِّ عليه دخل وسيطًا بين زوجين ، يبْدو أنَّ الزوجة تكرهُ زوْجها ، فقال عليه الصلاة و السلام : لو تُراجعينهُ ؟ قالتْ : يا رسول الله ؛ أَتأْمُرُني ؟‍ قال: لا ، إنَّما أنا شفيع ، لو أمرتُكِ لوَجَب أن تنفِّذي الأمر إنَّما أنا شفيع ، فالإنسان أحيانًا تكون له مكانة بأُسرة إذا رأى الأمر صعبًا لا يفرض الحلّ فرضًا ولكن يجعل الحلّ باختيار الطَّرفَيْن ، لأنّ مكانته الكبيرة تقتضي الإلزام ، وإذا كان هناك إلزام كان هناك ظلم ، قالتْ : يا رسول الله أَتأْمُرُني ؟‍ قال : لا ، إنَّما أنا شفيع ، أنا لا آمرك أنت حرَّة ، فالإنسان عندمّا تكون له مكانة بمُجتمعه لا يستخدم هذه المكانة لطرف دون آخر ، ولكن عليه أن يوازن موازنة دقيقة ، كلّما كان الإنسان متوازنًا مع الآخرين يصبح محبوبًا عند الأطراف جميعًا أما ينحاز إلى فئة من دون فئة فلا تصبح له مكانة عاليَة ، من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه ما من صحابيّ جليل عاملَهُ إلا ظنَّ نفسهُ أنه أقربَ الناس إليه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/03.jpg
هل عندك هذه الإمكانيَة التي تستطيع أن تعاشر مئتي رجل أو أكثر كلّ واحد يظنّ نفسه أقرب إليك ؟؟‍ صلى الله عليه وسلّم من رآه بديهةً هابهُ ، له هيبة ، ومن عاملهُ أحبَّه ، عظماء العالم يجلس معهم طفل صغير فيستأنس فيهم ، وشابّ يستأنس ، وكبير ومتقدّم في السنّ يستأنس ، فالذي عنده هذه النفس الشابة والنّفس المتطلِّعة لمعرفة الله عز وجل عنده مرونة فائقة ، إذا جلس مع طفل صغير ، قال له يا : عُمَير ماذا فعل النُّغَير ؟ طفل له عصفور يداعبه ، فكلّما رآه النبي صلى الله عليه وسلّم يقول له يا عمير ما فعل النُّغَير ؟ سيّدنا الحسن والحُسَين كانا يركبان على ظهره الشريف أثناء الصلاة فكان يقول : نعم الجمل جملهما ، ونعم الحِمل أنتما ، كان يضع الحسن والحسين على ركبتيه ويقبلهما ويقول : " اللَّهم إنِّي أحبّهما فأحِبّهما " هكذا المؤمن ، من كان له صبيًّا فلْيتصاب له ، إذا الواحد دخل إلى بيته وكانت له مكانة كبيرة خارج البيت ، إذا دخل ولاعب ابنه الصغير وضاحكه ومزح معه ، ونزل إلى مستواه هذه سنَّة مطهَّرة ، كان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصِّبْيان ، أحيانًا يدخل صبيّ للمسجد فإذا بالمؤمنين يرحِّبون به ، ويضعونه بينهم ، ومرَّةً تجد أخًا آخر يسيء الكلام معه ، ويردّه إلى الوراء ، لا يوجد عندنا أحد أحسن من الآخر ، سيّدنا مالك بن أنس هذا إمام دار الهجرة يقولون إنّ هارون الرشيد كان في عمرة أو حجّ فبعث له خبرًا وقال له : يا مالك لو جئتنا إلى بيتنا لِتُعلِّمَنا ؟ هارون الرشيد الخليفة، فبعث له جوابًا قال له : يا هارون العِلْم يُؤْتى ولا يأتي ، فلمَّا سمع هذا القول قال: هذا صحيح وهذا هو الحق ، أنا سآتي ، ثمَّ بعث له خبرًا آخر : وإذا أتَيْتني فلا أسمح لك بِتَخطِّي رِقاب المسلمين ، عليك أن تجلس حيث ينتهي إليك المجلس ‍‍!! قال: صحيح ، ثمّ جاء الخليفة ودخل إلى المسجد فوضعوا له كرسيًّا فقال هذا الإمام : من تواضع لله رفعَه ، ومن تكبَّر وضعه !! كم كان للعلم قيمة في ذلك الزمان ، نعم الحاكم في باب العالم ، وبئس العالم في باب الحاكم ، فالإسلام لا يوجد أحد خير من الآخر لو جاء طفل صغير مبكِّرًا ، وجلس في أوَّل المجلس لكان هذا مقبولاً ، ويُثنى عليه ، أما أن تضعه آخر الصفّ فهذا غير مقبول ، اِجْلس حيث ينتهي بك المجلس ، قال: لو علم الناس ما في الصفّ الأوّل لكان قرعةً ، لو علم الناس كم في الصفّ الأوّل من الخير الكبير لكان قُرْعةً .
تحريم إيذاء الزوجة بِمَنْع حقوقها حتى تضجر و تخلع نفسها :
آخر موضوع بالخلع ، يُحرَّم على الرجل أن يؤذيَ زوجته بِمَنْع بعض حقوقها حتى تضجر ، وتخلعَ نفسها ، وهذا هو الظلم بِعَينه ، يأتي كلّ يوم الساعة الثالثة ليلاً ، ولا يحضر لها أكلاً ، يُعنِّفها أمام والدته ، ويضربها أحيانًا ، يجعلها ترى الجنَّة بِفِراقِهِ ، لو كان مهرها المتأخِّر مئة ألف لفضَّلت الخلع ، حكى لنا شخص من المسجد أنَّ أحدهم تزوَّج امرأةً صالحة بنت عالم ، يظهر أنَّه ما حصل تحقّق بالزواج ، فهذه مُربَّاة تربيةً دينيّة ، وهذا الشاب يريد أن يفلت على هواه ، يريد اختلاطاً ، ويستقبل رفاقه ، فأمرها بِمَعاص كبرى فرفضَت ، متأخِّرها مئة ألف ، وهذا الزوج أساء إليها إساءة بالغة ، يتأخّر ويهينها ويضربها ، وهي صابرة ، وخلال سنة يئسَت ، وبعدها استسْلَمَت وقالَتْ له : لا أريد شيئًا فقط الخلْع ، فعلاً خلَعَها وخلص منها ، ولكن كيف خلعها ؟ لأنَّه ضارَّها ، بعدما خلعها وكان هذا الخلْع بِتَوجيه والدَتِهِ ، اخْلُصْ منها وأنا أزوِّجك أحسن منها ، وهو كلام معروف ، فالنتيجة خلعها ، وتزوَّج أخرى وبعدما مضى على زواجه فترة طويلة ، ذهب إلى الزبداني في نزهة ، ورجع يوم الجمعة عصرًا ، والظاهر كان هناك ازدحام بالسير ، وهو ماهر بالسواقة ، فكان يمر ويخرج من هنا ويدخل من هناك فكأنَّها خافَت ، فقالت له : على رسْلك ! فقال: أنته منك كما انتهَيت من فلانة ، فالأب كان غير راض على عمل ابنه ، هذه التي أخذتها صاحبة دين ، وأنت الذي تظلمها ، وهذه بنت عالم والأم توجِّه ابنها وتحرّضه على طلاقها ، وخلعها ، ومضايقتها ، والأب ينهاه على ذلك فركب الابن وراء المِقوَد ، وزوجته جنبه ، وأمّه وراءه ، وأبوه وراء زوجته ، النتيجة أنّه دخل في سيارة شحن كبيرة أقْسمَ بالله الأخ الذي حكى لنا القصّة قال : انقسم الابن وأمّه إلى قطعتين !!! فالأب خرَّ لله ساجدًا وقال: يا رب أنا أشهد أنَّهم ظلموا ، الأم لقِيَت جزاء عملها ، والأب لقي نتيجة عمله إذْ نجَّاه ، والزوجة ما حدث لها شيء ، وكذا الأب ، والأبناء ، من الذي قُتِلَ ؟ الابن الظالم والأم المحرِّضة ، فالواحد إذا كانت له زوجة ، ولو كان لها الحق أن تخلع نفسها منه إذا لم يعجبهُ شكلها ، أما أن يُضايِقَها في أنصاف الليالي ، ويظلمها ، ويهينها ، ويحرمها ، ويقسو عليها إلى أن تفدي نفسها منه ، فهذا أبشع أنواع الظلم ، والله سبحانه وتعالى يقتصّ منه ، فكما قلت سابقًا : فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء ، أحيانًا القاضي يجور ولكن ربّنا عز وجل كلّ شيء عنده بِحِسابٍ دقيق .
هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل طويل ، موضوع الإساءة إلى الزوجة حتى تخلع نفسها، وإن شاء الله نرجئه إلى موضوع قادم ، والخلع فيه موضوعات كثيرة .
الذي لا يخاف من الله تعالى أحمق ، وكلّ إنسان يظنّ إذا أكل حقوق الآخرين ، أو ظلم زوجته، أو ظلم جيرانه ، وتعدَّى على الناس أنَّه ذكيّ يكون في حضيض الغباء ، أما الذكاء فله قِمَّة ، كلّ إنسان يظنّ أنَّه إذا لعب على الناس ، وأكل حقوقهم هو ذكيّ بهذا العمل يكون في غاية الحمق والغباوة .
* * *
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن . . . ))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/04.jpg
ائتني بواحدٍ مؤمن بالقضاء والقدر إيمانًا صحيحًا ، أنّ لكلّ شيءٍ حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، وأنَّ ما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبهُ ، إنسانٌ بهذا المستوى أنا أضْمنُ له بأن لا يحْزَن ، عظمة الإيمان أنَّك ترى يد الله فوق أيدي الناس ، وترى أنّ الله عز وجل لا يمكن أن يقع في الكون حادث إلا بعِلْمه وأمره وقوَّته وقدرته وانتهى الأمر .
تجد المؤمن مطمئنّاً ؛ الحمد لله على كلّ حال ، إذا أقْبلت الدنيا ، أو أدْبرت ، وإذا كثر ماله ، أو قلَّ ، إذا تزوَّج فلانة هذه نصيبي ، أحدهم جاء عند رسول الله وقال له : اُدع الله أن يرزقني زوجة صالحة ؟ فتبسَّم عليه الصلاة والسلام ، فقال : والله يا أخي لو دعوتُ لك أنا رسول الله وجبريل وميكائيل ما تزوَّجْت إلا التي كتبها الله لك ، لأنَّ هذا الزواج أخطر حادث بحياة الإنسان ، وستعيش مع إنسانة طوال حياتك ، فالله عز وجب يتدخَّل ، ويبعث الطِّيب للطَّيِّبة ، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ﴾
[ سورة النور :26 ]
والزاني لا ينكح إلا زانية ، لك أنت تجربة قبل الزواج ، ولها هي أيضًا تجربة قبل الزواج ، ولك عِفَّة بالغة قبل الزواج تأخذ واحدة مثل الألماس ؛ عفيفة ، لك تطلّعات ، تجدها هي أيضًا لها تطلّعات ، لك مغازلات ، لها مغازلات ، كلّ شيء بِثَمنه ، تجد بالأخير الله عز وجل أنّ التي كتبها الله لك هي التي سوف تأخذها ، هذه هي شريكتك بالضَّبْط ، هذا الكلام أقوله للشباب : حسِّنْ نفسك ، رقِّ إيمانك ، وجدِّد إيمانك حتى يسمح الله لك بزوجة صالحة ، تسرّك إذا نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إذا أمرتها ، لا تقل : أمِّي تفهم كثيرًا بالخطبة ‍! تجد نفسك وقعْت على رأسك رغم خبرة أمِّك ، ولا تقل حتى أراه أوَّل مرَّة وثاني مرَّة ، أنت تجدها بالخطبة كالملائكة ، تقول : أنا أرى ملكًا وليس امرأة !! طوِّل بالك الكلام بعد الزواج!!! والله تظهر لك نجوم الظُّهر ، لذا موضوع الزواج موضوع خطير جدًّا ، ليس لك خيار فيه ، لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " أفضل شيء بعد التقوى زوجة صالحة " إذا صاحب تقوى يستحقّ الزوجة الصالحة ، وإن كان قليل التقوى يستحقّ زوجة مشابهة له .
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، هذا البيت لم يكن من نصيبي ، الحمد لله رب العالمين ، أنا أسعى ولا أتواكَل ، لكن رأيته مناسباً ، وسعره مناسب ، والمبلغ موجود ، ثمّ ذهبنا فقيل لنا: والله بيع !! نقول: هذا من سوء حظّنا ، ليس لا ننام طوال الليل ! انظر ما أجمل المؤمن ، خطب فلانة والبنت مناسبة ، والعمر مناسب ، وثقافتها مناسبة ، ذهبنا للخطبة فقيل لنا خطبت ، لا ننتحِر ، لا يوجد نصيب وانتهى الأمر . علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن :
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : "لا يحزن قارىء القرآن . . ." علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن يعلم أنَّه توجد آيات دقيقة :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/05.jpg
أحدهم حمل أواني زجاجية ، تزحلق فانكسروا كلّهم ، صار يبكي بكاء مراً ، ويقول: يا رب ، أريد أن آتي لأهلي بأكل ، ذهب كلّ رأس ماله ، قال له : يا رب ، ذهبت مني قطعة ذهب ثمنها مئة وسبعون ليرة وما غضبتُ ، أما الآن فليس عندي إلا هذه ، وعندي الآن عائلة ، فُتِحَ الشباك وقال له : تعال ، أنت الذي ضاع منك الذَّهَب ؟ فقال : نعم ، قال له : خُذْ هذه وجدتها منذ سبع عشرة سنة ، وها أنا أردّها لك !! أين انكسرت الأواني؟ أمام من وجد ذهبه ، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله غيرها لكفَتْ ، كلّ شيء بِقَدر تمكَّنت من الذهاب مع هذه البِعْثة أم لا ، قل : الحمد لله رب العالمين وبعدها ذهب ! شرّ أذهبه الله عنك ، هل كان الله غافلاً ؟ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة الحديد: 22 ]
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور:48 ]
قال تعالى ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[ سورة هود : 123 ]
عندما تُوحِّد ترتاح ، لذلك الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، حرامٌ على مؤمن يحزن، أموره كلّها بيَدِ أرْحم الراحمين ، وبيَدِ كريم وعليم وقدير هل يخاف الإنسان من أمِّه ؟ كم يشعر بمحبَّة تِّجاه أمِّه ؟ كلّها رحمة له .
النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تقبّل ابنتها ، فقال: " أتُلقي هذه بولدها إلى النار . . . .للّه أرحم بعبده من هذه بولدها . . ." لمَّا الإنسان يتذوّق القرآن الكريم ، هناك آية وحدها تكفي قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 158 ]
إلى أين تذهب ؟ إذا كانت لك زوجة فيها رحمة ، لم تغضبني أبدًا ، مرَّةً عزَّيت صديقًا لي بوفاة والدته ، عمر والدته ثمانون سنة ، أثناء التعزية بكى الأب بكاءً مُرًّا ، بعد التعزية حاوَل الأصدقاء التخفيف عنه ، فصار يبكي أكثر ، فقال : والله عشت معها خمساً أربعين سنة ما نمت ولا ليلة غضبان منها ! هذه زوجة فيها إخلاص ومحبّة فتأثّر ، فأنت ذاهب إلى من هو أرحم ، عليم حكيم ، ربّنا عز وجل لمّا يتجلّى على قلبك تذوب ذوبانًا محبَّةً ، تُوفِّيَت امرأة صالحة رأتْها ابنة ابنتها بالرؤيا بِمَكان يشبه أماكن جميلة جدًّا كلّها جبال خضراء وسواحل ، وقالت لها : أنا مفتوح من قبري نافذة مباشرة لهذه المناظر ! تعيش في الجنَّة ، ورأتْها بنتٌ أخرى في بيت فخْم جدًّا مثل القصر ، فقالت لها : هذا بيتي ! وبيتها في الدنيا كان متواضعًا ، أنت لا تعرف الإنسان إذا مات على الإيمان أين يذهب ؟ إذا مات الواحد يقولون : مسكين !! ليس هو المسكين أنت المسكين ، إذا الواحد غير مستقيم في حياته هذا هو المسكين ، ذاك في قمَّة السعادة ، لا كرب على أبيك بعد اليوم ، فالإنسان إذا رزقه الله موتةً على الإيمان ، ماذا فيها الدنيا ؟
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، إذا أردت أن تناقش ناقش ، هذا فعل معك هكذا ، هل هذا بعِلْم الله أم لا ؟ إذا قلت : ليس بعلمه أشْركت ، وإذا قلت : بعلمه ، فكيف سمح الله له ؟ الله تعالى حكيم ، إذًا للحكمة حكمة ، والله عليك ، فهو يعلم ما في النفوس ، الله قدير ، والله لطيف ، والله جبّار ، فأنت إذا قلت : ليس بعلم الله ؛ هذه مشكلة وإذا قلت بعلمه : معنى هذا أنك أشركت ، لذلك ممَّا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أصابتْه مصيبة كان يقول : لا إله إلا الله العليم الحكيم ، لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ؛ انظر دقَّة الكلام كلّ شيء بيَدِهِ هو العليم الحكيم ، وكلّ شيء بيدِه هو الرحمن الرحيم ، الحديثان دقيقان ؛ الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحَزَن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدَّمَت أيديكم وما يعفو الله أكثر . الإيمان والعمل قرينان متلازمان :
الإيمان والعمل قرينان لا يصلح كلّ واحد منهما إلا مع صاحبه ، إيمان بلا عمل كالشّجر بلا ثمر .
المؤمن عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ، الغنى غنى النفس ،الأمْن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، ما معنى الأمن ؟ لسْتَ مُلاحقاً ، شيء جميل ، تنام ملء عينيك ، إذا دقّ الهاتف الساعة الثانية عشرة ليلاً لا تخاف ، إذا الباب طرق الساعة الواحدة لا تخاف ، قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 81 ]
هذه النعمة العظمى من الله عز وجل ، تجد قلب المؤمن كلّه أمن وطمأنينة بحيث له من الطمأنينة لو وزَّعَها على مليون من الناس لاطمأنُّوا ، هذه نعمة الله الكبرى ، والكافر يلْقي في قلبه الرعب ، قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾
[سورة الحشر: 2]
تجد في قلوبهم فزعًا شديدًا . الأمانة تجلب الرزق والخيانة تجلب الفقر :
آخر حديث :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
هذا قانون من قوانينه صلى الله عليه وسلّم ؛ الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ، إذا الصانع سرق ، وأراد أن يطلب عملاً يسأل صاحب العمل صاحب الدكان الأوّل ، فإذا قال له : يده خفيفة يصرفه عنه ، ثمّ تجده ينصرف من محلّ لآخر ، جميع الأبواب مغلّقة في وجهه ، لذلك في الأمن يُشاركونك ، ويعطونك أموال استثمار ، ويقدِّمون لك أثْمن ما عندهم، ويعطونك محلاّت وبيوت ، فقط أن تكون أمينًا لذلك سأل أحد الشعراء الإمام الشافعي ، قال له: يد بعشر مئين عسجد وديت ، اليد هذه إذا قطعت بحادث خطأً ديَّتها عشر مئات دينار ذهبي ، الدينار الذهبي الآن ثمنه سبعمئة ليرة أو أكثر ، عشر مئات ، أي ألف دينار ذهبي
ما بالها قطِعَت في ربْع دينار ، إذا الواحد سرق ربع دينار يقطعون له يده ؟ وإذا قطعَت خطأً يدفع المتسبِّب بالحادث ألف دينار ذهبي ، وهي سرقت ربع دينار فقطعت ؟‍‍
فقال الإمام الشافعي: عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
***
لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة ، فلمَّا خانَت هانَتْ ، سائق تاكسي من المطار إلى الشام وجد بالمقعد الخلفيّ خمسين ألف ليرة ، أخذها عند مدير مكتبة التاكسي ، هذا الإنسان جاء من الكويت ، وقعت له بطريقة أو أخرى ، وصل عند بيت عمّه فوجد خمسين ألفًا مفقودة ، انخلعت روحهُ ، فقال له أحدهم : أخي لا تزعج نفسك فقد ذهبت دراهمك ‍! أصابه كمد منقطع النظير ، طرق الباب صديقه فرآه على هذه الحال ، فقال له : دعنا نذهب إلى المطار ، راحوا إلى هذا المطار وسألوا أنّهم ركبوا سيارة تاكسي ، وضاعت منا دراهم ، فقال لهم : نعم هناك سائق وجد دراهم أين هو ؟ قالوا: الآن نزل إلى الشام ، نزلوا على مكتب الشام سألوا فقالوا لهم : أعطاهم لمدير المكتب ، راحوا على البيت ، فأعطاهم خمسين ألفًا ، سحب خمسة آلاف وقال له هذه هديّة له ، فقال له : لا ، سنقيم له لقاء صحفياً نثني على أمانته ! شيءٌ جميل ، وأنا كنت راكبًا تاكسي آتٍ من بيروت إلى الشام ، والسائق ربح بضاعة وركّاباً ، ركب معه جندي ، وضع في الخلف علب سردين ، وقف هذا السائق في محلّ ، نزلت كي أرى أغراضي ، السائق لم ينتبه لي ، رأيته يأخذ علب سردين ويضعها وراء الدولاب ، هذه سرقة ، قلتُ : سبحان الله ، هذا عند الله سائق وذاك سائق ؟ ظفره بمليون . عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
ربحت ألفي ليرة ، وسيارتك ملك لك ، وهذا جندي فقير ، تخبِّؤهم وراء الدولاب !! وذاك خمسون ألفًا سلَّمهم لصاحبها ، الأمانة تذهب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر . * * *
الربيع بن خثيم :
والآن إلى بعض حياة التابعين ، الربيع بن خثيم حينما حضرته الوفاة - من آخر القصّة - جعَلَت ابنتهُ تبكي ، فقال لها: ما يُبْكيك يا بنيتيّ وقد أقبلَ على أبيك الخير ؟! ها قد جاء الخير ، هل نحن الآن نعدّ لأنفسنا هذا الإعداد ؟ الموت حق ، نعدّ أنفسنا كي نجد كلّ خير في هذه الساعة ، قمَّة السعادة عرس ، الموت عرس المؤمن وتحفة المؤمن ، نهاية القصّة بكت فقال لها : ما يبكيك وقد جاء على أبيك الخير ؟ هذا الرجل الربيع بن خثيم أصيب بالفالج ، فقال هلال لضيفه منذر الثوري ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن ساعة ؟ بعض الصحابة كان يقول : اجلس بنا نؤمن ساعة ، إذا جلست مع أخيك وحدَّثك وحدَّثتهُ هي ساعة إيمان http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3793/ar-3793/06.jpg
فقال منذر: بلى فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم والحنين في عَيْش ساعة في رِحاب إيمانه ، ولكن هل استأذنت لنا عليه ؟ فقد قيل لي : إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ وانْصرفَ إلى ربّه ، وعزف عن لقاء الناس ، فقال هلال : إنّه كذلك منذ عرفته ، وإنّ المرض لم يغيّر منه شيئًا !! هذه هي البطولة ، حكَيتُ لكم عن قصّته لمّا قطعت رجله حملها وبكى ، وقال : والله يا رب ما مشيْت بها إلى معصية قطّ ، وأنا أحتسبها عندك ، أصيب بالفالج فما غيَّرَ المرض منه شيئًاً ، فقال منذر : لا بأس ، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة ، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد ؟ فقال هلال : لو جلست مع الربيع عامًا بأكمله فإنَّه لا يكلّمك إلا إذا كلّمته ، ولا يبادرك إلا إذا سألته ، فهو قد جعل كلامه ذكرًا وصمته فكرًا ، فقال منذر : فلنمض إليه إذًا على بركة الله ، مضيا إلى الشيخ ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا وقالا : كيف أصبح الشيخ ؟ فقال: أصبح ضعيفًا مذنبًا يأكل رزقهُ ، وينتظر أجله ، فقال له هلال : لقد أمّ الكوفة طبيب حاذق ، أفتأذن بأن أدعوه لك ؟ قال: يا هلال ، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرون بين ذلك كثيرة ، ورأيت حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في متاعها ، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا ، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى ، فلا المُداوي ولا المُدَاوَى ، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه ، فاسْتأذن منذر وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ ؟ قال: الداء الذنوب ، قال منذر : وما الدواء ؟ قال : الاستغفار ، قال منذر : وكيف يكون الشفاء ؟ قال: بأن تتوب ثمّ لا تعود ! ثمَّ حدَّق فينا وقال : السرائر السرائر ، أي عليكم بالسرائر تكون نقيّة طاهرة ، قال تعالى ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
قال: عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس وهنّ على الله بوادر ، هذه النوايا الخفيّة عند الله تعالى مكشوفة ، قال منذر فما الدواء ؟ قال: التوبة النصوح ، ثمّ بكى حتّى بلَّلت دموعه لحيتَهُ ، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ ، ثمّ قال له منذر أَتبكي وأنت أنت ؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص ، أي عظمة الصحابة واستقامتهم وعملهم الصالح وتضحياتهم ، نحن إلى جانبهم كأنّنا لصوص .
قال له : لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص ، فقال هلال : وإذْ نحن كذلك دخل علينا ابن الشيخ فحَيّا وقال: يا أبت إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ ، نوعٌ من الحلْوَة، وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه ، فهل آتيك به ؟ فقال: هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ طرق سائلٌ فقال : أدْخلوه ، ولمَّا صار بِصَحن الدار نظرتُ إليه فإذا هو رجل كهْلٌ مُمَزَّق الثِّياب ، قد سال لُعابهُ على ذقنه ، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه ، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بِصَحبة الخبيص فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل ، مَعتوه لُعابهُ على لحيته مُمَزَّق الثياب ، وهذا الطعام صنَعَتْهُ الزَّوجة ليأكل زوجها منه فوضَعَها بين يديه ، فأقبل عليها الرجل وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا ، ولعابهُ يسيل فوقها ، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها ، فقال له ابنه : رحمك الله يا أبي ، لقد تكلَّفَت أُمِّي وصنعت لك هذا الخبيص ، وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطْعمْتهُ لهذا الرجل الذي لا يدري ما أكل ، فقال : يا بني إذا كان هذا الرجل لا يدري ماذا يأكل فإنّ الله يدري ، ثمّ تلا قوله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 92]
وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة ، وقال : يا أبا يزيد ! قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرَّم الله وجهه ، وابن فاطمة عليها وعليه السلام ، فقال الربيع : إنا لله وإنا إليه راجعون ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 46 ]
ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه ، فقال له : ما تقول في قتله ؟ قال: أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم ! قال هلال : ثمَّ إنِّي رأيتُ وقت الظهر قد اقترب فقلتُ للشيخ أوْصِني ؟ قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك ، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك ، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك ، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْه الله يضْمحِلّ - والله كلمات تكتب بماء الذهب - فقال المنذر : وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا ؟ قال : يا منذر اتَّق الله فيما علمْت ، وما اسْتأثر عليك بعلمه فَكِلْهُ إلى عالمه ، لا تقل فيما لا تعلم ، يا منذر لا يقل أحدكم : اللهمّ إني أتوب إليك ، ثمّ لا يتوب ثمّ تكون كِذْبة ، ولكن قلْ : اللهمّ تُب عليّ ، فيكون دُعاءً ، واعْلم يا منذر أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله أي التوحيد ، وتحميد الله أي الحمْد ، وتسبيح الله في التنزيه ، وسؤالك من الخير ، وتعوُّذك من الشرّ ، وأمرِكَ بالمعروف ، ونَهْيِكَ عن المنكر ، وقراءة القرآن ، فقال المنذر : قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر ، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به ؟ فقال : ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ وقرأ عليك هناك يوم القيامة ، وأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يقرأ عليَّ يوم يقوم الحساب ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا وقال : أكْثروا من ذِكْر الموت فهو غائبكم المُرتقب ، كلّنا ينتظرنا الموت ، والمطابع جاهزة ، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه ، ثمَّ اسْتعْبَر أيْ بكى ، وقال : ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم ؟ قال هلال : وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر فأقْبل على ابنه وقال : هيَّا نُجِبْ داعيَ الله ؟ فقال ابنهُ : أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا ؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه ، ويُسْراه على كتفي وجعل يتهادى بيننا ، ورجلاه تخطان على الأرض خطا ، فقال المنذر : يا أبا يزيد لقد رخَّص الله لك ، فلو صلَّيْت في بيتك ! فقال : إنَّه كما تقول : ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي حيّ على الفلاح ، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح فلْيُجِبْهُ ، ولو حَبْواً .
الربيع بن خثيم علمٌ من أعلام التابعين ، لا أريد أن أطيل عليكم ، نأخذه في درس آخر ، ولكن آخر كلمة تركت في نفسي أثرًا : لقد ظلَّ الربيع حياته كلّها يترقَّب الموت ويستعدّ للقائه ، هذا الذي أريده من الإخوة الأكارم ، من الآن إلى عند الموت استعدّ له ، وهذا مكسب لك وتكون أذكى الناس وأعقلهم ، استعدّ ، وأكثر من العمل الصالح ، وابذل من مالك ، كن ورعًا، ادفع مالك أمامك ، إذا دفعته أمامك سرَّكَ اللَّحاق به ، وإذا خلَّفْتهُ وراءك أزْعجَكَ تركَهُ ، ما هو المال ؟ وسائل راحة ، زوجة ، أولاد ، وأموال طائلة ، إذا تركته في الدنيا ، والله خروجك منها تمزيق ، أما إذا دفعته أمامك فأسهل شيء أن تسافر عند مالك ، لذلك استعدُّوا للموت منذ الآن بالعمل الصالح ، والاستقامة ، وحضور مجالس العلم ، والقرآن الكريم بقراءته ، وفهمه، وتطبيقه .

السعيد
09-08-2018, 01:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع )


الموضوع : فسخ العقد اما بسبب اساسى او سبب طارئ



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
فسخ عقد الزواج :
أيها الأخوة المؤمنون ، سوف ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو الفسخ في العقد أي نقضه ، نقض الشيء أي حلّ عُراه وجزَّأهُ ، وفسْخ العقد يعني حلّ الرابطة بين الزوجين ، وقد يكون الفسخ بِسَبب خلل وقع في العقد ، أو بسبب طارىءٍ عليه يمنع بقاءهُ ، إما خللاً في العقد أو طارئاً طرأ عليه يمنعُ بقاءهُ .
مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع فيه ، إذا تمَّ العقد وتبيَّن أنّ الزوجة التي عُقِدَ عليها أو التي عقد عليها ، إذا تبيَّن له أنَّها أخته من الرضاعة فُسِخَ العقد ، عقدك على امرأة هي أختك من الرضاعة عقْدٌ باطل لا يُصَحَّح ، علاجه الفسخ ، أما عقدك على امرأة بلا مهْر فعقْدٌ فاسدٌ يُصَحَّح علاجُه تسْمِيَة مهر المثل ، إذًا فرْق بين العقد الباطل ، وبين العقد الفاسد ، فإذا تمَّ العقد وتبيَّن أنَّ الزوجة التي عقدَ عليها أختهُ من الرضاع فُسخَ العقد أيْ أُلْغِيَ ، إذا عقد غير الأب أو الجدّ للصغير أو للصغيرة عقد بالوكالة ، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة فَمِنْ حقّ كلّ منهما أن يختار البقاء على الزَّوجيَّة أو إنهائها ، فلو زوَّج الواحد ابنته دون سِنّ البلوغ إلى شاب، أو إلى صغير وتمَّ العقد بينهما ، فإذا بلغت البيت فلها خيار البقاء أو الفسخ لأنّ خيارها لم يكن صحيحًا حين العقد ، لم تكن تعرف ما إذا كانت توافق أو لا توافق ، ولا أعني صغيرة سبعة عشرة ، الصغيرة هي سبع أو ثماني أو إحدى عشرة سنة ، قبل أن تعي ما الزواج ، إذا عقد على الصغيرة وكان العاقد غير الأب والجدّ ، لأنّ الأب والجدّ لا يبتغي لابنه غير الصلاح ، غير الأب والجدّ إذا عقد وكالة على صغيرة أو صغير ، ثمَّ بلغ الصغير أو الصغيرة فللصغير أو الصغيرة إذا بلغا اختيار البقاء أو الفسخ فهذا هو الخلل في صلب العقد ، العقد فيه خلل ، العقد ينقصه موافقة الزوجة أو موافقة الزوج إذا كان صغيرًا ، فلمَّا كبرَت العقد إمَّا أن يثبت وإما أن يُفْسخ ، إذا ثبت أنَّ هذه البنت أو هذه الزوجة أخت الزوج من الرضاع يفسخ العقد مباشرة ، هذا الفسخ لِعِلَّة ثابتة في العقد .
أما الفسْخُ لِعِلَّة طارئة فإذا ارتدَّ أحدُ الزَّوجين ، كان مسلمًا ثمّ ارْتدّ عن الإسلام ولم يعُد إليه فُسِخَ العقد بسبب الردَّة الطارئة ، والنبي صلى الله عليه وسلّم فسَخَ عقْد ابنته زينَب على صِهره حينما أصرَّ على الشِّرْك ، ودخلَت زيْنت في الإسلام ، ثمَّ عاد إليها بعد أن آمنَ ، فارْتِداد أحد الزوجين عن دين الله ، أو إصراره على الشرك ، وبقائه على الشرك يفسخ العقد بينهما .
الحالة الثانية : إذا أسْلم الزوج وأبَت الزوجة أن تسلم ، أو إذا أسلمت الزوجة وأبى الزوج أن يسلم ، فيُعَدُّ العقد فاسخًا ، أي لاغيًا ، وتحلّ علاقة الزوجين ، إذا كان الزوج مسلماً ، أو الزوجة مسلمة توصلهُ إلى جهنَّم ، تجد بعضهم يتزوّج امرأة غير مسلمة ، ويأتي بها إلى بلده فإذا بها تعمل حمَّام شمس على الأسطوح ! ما هذا ؟ هكذا عاداتهم !! لو كنت فقيهًا هذا الزواج فاسِخ ، تجدهُ يقول لك : الحمد لله أنا إيماني بقلبي ! ماذا تريدني أن أفعل معها ؟ هكذا النساء ! هداها الله ، فهذا الزواج لا يجب أن يتِمّ ، امرأة فاسدة مائلة مميلة ، تخرج وكأنَّها عارية ، تُخالط الرجال ، لا تستحي من الله ، ولا من الناس ، هذه كيف تكون زوجتك؟
الفسخ و الطلاق :
الفرْقة الحاصلة بالفسخ غير الفرْقة الحاصلة بالطلاق ، هنا عندنا فرقتان ، فرقةٌ حصَلَت بالفسخ ، وفرقة حصلَت بالطلاق ، إذْ أنَّ الطلاق ينقسم إلى طلاقٍ رَجْعِيّ ، وطلاقٍ بائن ، الطلاق الرجعي لا يعني أنّ تفكيره قديم أو صعب !! لا ، الرجعي يعني أنَّه يمكن أن تُراجعها في هذا الطلاق ، والرجعيّ لا ينْهي الحياة الزوجيّة في الحال ، طلَّقتها وبعدها هناك ثلاث حيضاتٍ أو ثلاثة أشهر تبقى عندك وتستطيع ان تشاهدها ، وتستطيع أن تتزيَّن لها ، ولك أن تراجعها بكلمة ، أو بكنايةٍ ، أو بإشارة ، أو بأيّ شيءٍ آخر ، هذا هو الطلاق الرجعي ، فالطلاق إما رجعيًّا ، وإما بائنًا ، والرجعيّ لا يُنهي الحياة الزوجيَّة في الحال ، والبائن يُنهيها في الحال ، أما الفسخ فسواءٌ أكان بسببٍ طارىء على العقد ، أو بسبب خلل فيه ، فإنَّه ينهي العلاقة الزوجيّة في الحال ، إذا الواحد شعر أنَّ بجانب الوقود السائل نار يقول : والله ناوي أن أبْعِد النار عن الوقود السائل ! ما هذا ؟ أتنْوي ؟ لن تستطيع اللَّحاق ، سيكون انفجار ، ففي مثل هذه الحالات لا بدّ من إبعادهما في الحال ، ومن جهة أخرى ، فإنّ الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات ، أي الواحد طلَّق زوجته طلاقًا رجْعيًّا ، ومضَت العِدَّة ولم يُراجِعها فبانَت عنه بيْنونةً صغرى ، له أن يعْقِدَ عليها عقْدًا جديدًا بِرِضاها ، وبِمَهر جديد ، ولكنَّه بقي معه فرصتان فقط لا ثلاث ، فالطلاق البائن ينقص عدد الطلقات ، فإذا طلَّق الرجل زوجته طلاقًا رجْعِيًّا ثمَّ راجعها في عدَّتها ، أو عقد عليها بعد انقضاء العدّة عقْدًا جديدًا فإنَّه تُحْسبُ عليه تلك الطَّلقة ، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلْقتين ، أما لو أن رجلاً جاء الإسلام ودخل في دين الإسلام وأصرَّتْ الزوجة على الشّرْك ففُسِخَ العقد بينهما ، بعد خمس سنوات أسْلمَت فعقدَ عليها عقْدًا جديدًا ، وتزوَّجها ، أمامه ثلاث طلقات ، فالفُرْقة بسبب الفسْخ لا تنقص عدد الطَّلقات لكنّ الفرقة بسبب الطلاق البائنة تنقص عدد الطلقات ، فلو فُسِخَ العقد بسبب خيار البلوغ ، مثلاً صغيرة عُقِدَ زواجها على شاب ، فلمَّا بلغَت اختارَت أن تفسخَ العقد وفسخَتْهُ ، وبعد فتْرةٍ ارْتأتْ أن تنْفِذَهُ فَعَقَدَتْ على زوجها عقدًا جديدًا ، ما دام هذا الفسخ بسبب خيار البلوغ إذًا بقِيَ أمامه ثلاث طلْقاتٍ .
الفسخُ بِقَضاء القاضي ، هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جليًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي .
علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله :
يبْدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تشْريعهُ كان واضحاً ، و فقه الناس بالدِّين واضح ، فَتِسْعة وتسعون بالمئة من المشكلات كانتْ تُحَلُّ فيما بين الناس ، سيّدنا أبو بكر عيَّن سيّدنا عمر قاضيًا ، وبقيَ في منْصبه الرفيع سنَتَين أو حَوليْن كاملين ، ولم يترافَع إليه اثنان في قضيَّة .
لو أنصف الناس استراح القاضي ومال الجميع إلى التراضي
***
الحقيقة لا تُغْلق أبواب المحاكم إلا إذا عرف الناس ربّهم ، إذا عرف الناس ربّهم لا يجترئون على حقّ الآخرين ، ولو دفعوا الثمن غاليًّا ؛ يخافون من الله تعالى ، علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله ، وعلامة ضعْف التَّدَيُّن في الناس عدم الخوف من الله تعالى ، وعدم الخوف من الله يعني رفع القضايا إلى القضاء ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " يا موسى خَفْ ثلاثًا ، خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني " نصيحة لكلّ أخ مسلم ، في كلّ علاقاتك؛ علاقة الزواج ، علاقة الشراكة ، علاقة الجِوار ، إذا ما كان مؤمنًا سوف يُسَبِّب لك متاعِبَ كُبرى ، المشكلة أنَّني لا أُفاجأ بِتَصرّف فيه بغي أو عدوان أو ظلم من إنسان غير مؤمن، بالعكس أنا أُفاجأ إذا كان مؤمنًا لأنّ الذي لا يعرف الله لا لا يمكن أن يستقيم ، فالإنسان عندما يُشارك شخصًا لا دين له ، يقول لك : فقط لا يُصَلِّي !! لا قيمة لها ، أما أخلاق وفهم ومرونة وذكاء ، فقط لا يصلّي ، هذا ما دام مقطوعًا عن الله قد يُسَبِّب لك متاعب لا حصْر لها ، أنت قلْت ذكيّ ، وأحد أنواع الذكاء يظهر أمامك بِمَظهر يأخذ بالألباب ، ما هذا الشريك؟! وسيم ، بعد سنوات تجده أخذ منك مئة ألف وأنت لا تشعر ، سافرت فغشّك ، أخي هذا لبِق ، ما معنى لبِق ؟ ليس لها معنى ، إما أن يكون متديِّنًا أو لا ؟ إذا لا يوجد دين أي لا يخاف من الله عز وجل ، ولو أرضاك بلسانه فسوف يُفاجئك بعمله السيئ ، فهذه نصيحة ، لا تقيم علاقة مع إنسان ليس فيه دين ثمّ تُفاجأ ، أنا أفاجأ إذا استقام معك ، لأنّ انحراف غير الديِّن حَتْمي ، قال تعالى : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم ﴾
[سورة الماعون: 1ـ2]
سبب ، التعليل العلمي أنَّ هذا الإنسان مجموعة شهوات ، وهذه الشهوات قِوَى مندفعة ، فهناك محرك إلى حُبّ المال ، الإنسان محرّك لكسب المال بشكل منقطع النظير ، وهناك محرِّك إلى حبّ النساء منقطع النظير ، فهذه الشهوات المندفعة ما الذي يوهنها ؟ خوف الله وحده ، فإذا لا يوجد خوف من الله شهوات ، ولا بدّ وهي تنطلق من أن تأخذ ما لها وما ليس لها ، قال تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾
[سورة الماعون: 19-20]
عندنا قاعدة وهي أنَّ هذا الإنسان إذا كانت له صِلَة بالله عز وجل يخافه فهو منضبط ، وإن لم تكن له صِلَة لا يخافه ولا ينضبط ، هو عنده شهوات ، ومن أجل أن يروي شهواته لا بدّ من مال ، والمال قد يأخذه حلالاً أم حرامًا ، فلذلك احتمال انحراف غير الدَّيِّن احتمال حتمي ، ولا بدّ منه ، فلمَّا الإنسان يتورَّط بعلاقة مع إنسان مشرك أو غير ديِّن ، أو لا يصلّي ، وطعنه طعنةً فلا يشكي للخلق ، ولا يتفاجأ ، ولا يقول : أنا ما توقَّعت أن أفعل هكذا ، أنت ما توقَّعتَ لأنَّك لا تعرف ، لو تعرف طبيعة المعرض عن الله عز وجل تتوقَّع منه كلّ شيء ، نِيَّة المؤمن خير من عمله ، ونيَّة الكافر شرّ من عمله ، إلا أنّ الكافر نوعان ، هناك كافر ذكيّ يستدرج كثيرًا من الناس ، أشخاص كثيرون يقولون لك : فلان آدمي وجيّد إلا أنّه لا يُصلِّي ، هذا لا يكفي ، ما دام مقطوعاً عن الله فهو إنساني شهواني ، ويصل إلى شهواته بأيّ ثمن ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص: 50 ]
الربط بين الإيمان و العمل الصالح :
انظر للقرآن ما أجمله ، لو تتبَّعْت آيات القرآن الكريم تجد معظمها يربط بين الإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى :
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
عندنا معنى عكسي ، إذا قلنا : فلان طويل ، وفلان غير طويل ، ما معنى غير طويل ؟ أي قصير ، هذا المعنى العكسي ، تقول : من جدَّ وجَدَ ، ومن تكاسلَ خسِرَ ، فمن تكاسل خسر هذا معنى لم يُذْكر لكنَّه منطو في الجملة الأولى ، المعاني العكسيّة دقيقة جدًّا ، من سار على الدَّرب وصل ؛ هذه عبارة مُنْطوٍ فيها أنَّه من وقف في الدَّرب لا يصل ، فقوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
ماذا ينطوي في هذه الآية ؟ الذين لم يؤمنوا لهم أعمال سيّئة دون ذلك ، لهم أعمال لا ترضي الله ، ولا تُرضي الناس ، فالإنسان عندما يقيم علاقة مع إنسان جيِّد يكون قد أراح نفسه ودخل ببحر الأمان ، فإذا تورَّط بعلاقة مع إنسان لا دين له تجد أنَّه سوف يُسبِّب له متاعب لا حصْر لها ، وأنا في غِنَى عنها ، لذلك : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل . تلخيص لما سبق :
هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جَلِيًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي كما إذا تبيَّن للزَّوجين أنَّهما أخوان من الرضاعة ، وحينئذٍ يجب على الزوجين أن يفسخا العقْد من تِلْقاء أنفسهما ، وهناك حالات يكون سبب الفسخ خفيًّا غير جليّ فيحتاج إلى قضاء القاضي، ويتوقّف عليه ، كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسْلم زوجها ، لأنَّها ربّما لا تمتنع فلا يُفْسخُ العقد، فالقاضي متى يفسخ العقد ؟ إذا لم يحصل شيءٌ ، فالقاضي يرفع الأمر إليه ، وكان منْصب القاضي في العصور القديمة أعلى منصب الدولة ، لأنَّه أوَّل شيء فقيه وورع ، وهو الحكَمُ الفيْصَل في كلّ أمرٍ ، وإن شاء الله تعالى في درس قادم ننتقل إلى موضوع العدَّة ، وهذا موضوع جليل ، كثير من الناس يسأل عنه ، ولاسيما في هذه الأيام التي يظنّ الناس فيها أنّ العدَّة شيء يجب أن نتساهل فيه مع أنَّ العِدَّة لها تعليلات جليلة سوف نقف عندها إن شاء الله في درسٍ قادم .
* * *
رسول الله لا ينطق إلا بالحق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، بالمناسبة صلى الله عليه وسلّم قيل له : " يا رسول الله إنَّك بشر ، وإنَّك تغضب ، فإذا غضبْت أفنكْتُب عنك ؟ - أي هناك ساعات غضب أفنكتب عنك هذا الغضب ؟ لأنَّه ممكن أن يكون هناك خطأ - فأمْسك عليه الصلاة والسلام بِفَمه الشريف وقال : والذي بعث محمدًّا بالحق ، إنّ هذا الفم لا ينطق إلا بالحق "
فالإنسان عندما يوقن أنَّ هذا الكلام وحيٌ يوحى إلى رسول الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أي قاعدة من الله عز وجل ، فإذا أخذ بها سعد ، وإذا تركها شقي ، وسيّدنا سعد بن معاذ كان يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس " معنى كلمة رجل إنسان عظيم ، قال تعالى :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور : 37 ]
ما سمعتُ حديثًا من رسول الله إلا علمت أنَّه حقّ من الله تعالى ، مثلاً : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
أنا سمعتُ آلاف القصص عن شخص أُتيح له أن يسرق فسرَق ، وهو يظنّ أنَّه بهذه السرقة سوف يغتني ، ولو قرأ هذا الحديث ، وتيقَّن منه ، لعلم أنَّ الخيانة طريق الفقر ، وضع ابنه عند صديقه في المحل التِّجاري ، هذا الابن وجد الغلّة كثيرة ، كلّ يوم يأخذ ألف ليرة ويخبّئها ، على عدَّة أسابيع أصبح معه تسعون ألف ليرة ، خبَّأهم بعلبة نحاس بِمَحلّ بالبيت ، وجاءته سفرة ، ووصَّى زوجته أن تنظِّم البيت تنظيمًا جيِّدًا ، فوجدت عِدَّة أشياء لا قيمة لها فرمَتها، ورمَت معهم التسعين ألفًا ‍! لو علم هذا الابن أنَّ الأمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر ما فعل هذا ، وهذه أحاديث مصيريّة ، وما منَّا واحد إلا وله أعمال ، أحيانًا الإنسان يكون تحت يده مال ، ولا توجد قوَّة تكشفه ، وأحيانًا يضع مصروفًا ، يضعهم ثلاثينات ، ضعهم ستِّين، الحمد أنَّه لم يحاسبْك ، الله المحاسب ، والخيانة تجلب الفقر ، لو تتبَّعت مليون قصَّة كلّ إنسان خان لا بدّ أن يفتقر ، الذين أكرمهم الله تعالى بالحياة الدنيا أُمناء يملكون ثرْوةً طائلة هي ثقة الناس بهم ، ثقة الناس بك ثرْوَة لا تُقدَّر بِثَمَن : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
والأمانة ليس لها وَضع نسبي ، إذا كان عندك مستودع للوقود ، وسألوك هل هو محكم ؟ فلا تقل وسط ! ما معنى وسط ؟ إما أن يكون محكمًا أو غير محكَمٍ ، المحكم أن تملأ ألف لتر فيبقى ألف لتر ، أما إذا كان غير محكم فيمكن أن يرشح منه بشهر أو شهرين أو سنة وأحيانًا بأسبوع ، إذا كان بِقَعْره فتحة كبيرة ، بخمس دقائق يفرغ ، فالخيانة نسبيَّة أما الأمانة فمطلقة ، الأمانة إذا أراد أن يضع الإنسان عظمة في فمه في غير دكانه لا يستطيع . أشياء تجرح العدالة :
طبعًا هناك موضوع عالجْتهُ كثيرًا :
((من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
فإذا حدَّث الناس وكذبهم سقطَت عدالته ، فإذا وعد الناس وأخلفهم سقطَت عدالته ، فإذا عامل الناس وظلمهم سقَطَت عدالته ، وهناك أشياء تجرحها ، هناك أشياء تسقطها وهناك أشياء تجرحها ، الخيانة ، وإخلاف الوعد ، والظّلم يسقط العدالة ، أما أكل لقمةٍ من حرام يجرحها، مقبل على الحرام ، تطفيف بِثَمرة ، الميزان لم يأت بما يُعادل تمرة تُجْرح العدالة ، حتى بعض العلماء قالوا : إذا كذب الإنسان على حيوان وليس على إنسان تُجْرح عدالته ، ألهى قطَّة فظنَّت أنَّ معه لحمًا ، فلمَّا أتَتْ عنده فَطردها ! لو كان هذا الإنسان محدّث لامْتنعَ علماء الحديث عن الأخذ عنه لأنَّه كذب على حيوان ، وهذا الذي جاء من المدينة المنوَّرة إلى البصْرة ليتلقَّى العلم عن رجل ، فلمَّا وصل إليه رآه رفع طرف ثوبه يلهم فرسه بأنّ في هذا الرِّداء شعيرًا ، فلمَّا أقْبلَت عليه أمسك بها ، ولم تجد الشعير فعاد إلى المدينة ولم يُكلِّمْهُ ، وهذا هو المؤمن، المؤمن شيءٌ عظيم ، خُلق إلى أبْعَد الحدود ، استقامة ، نُبْل ، وفاء ، عفَّة ، حياء ، صبر ، تجمُّل في فاقة ، شُكر ، والله المؤمن كما يقولون أحيانًا شخصٌ كألف ، أما المؤمن فأحد أعضائه يعادل مجتمعًا بِكَاملِهِ إذا كان مستقيمًا ، ليس يصلّي فقط ، من شاء صام ، ومن شاء صلّى ، فتَطفيف بِتَمرة تجرح العدالة ، أكل لقمة من حرام تجرح العدالة ، السَّيْر حافيًا في الطريق تجرح العدالة ، البول في الطريق يجرح العدالة ، الأكل في الطريق يجرح العدالة ، من علا صوته فسمعه من في الطريق يجرح العدالة ، الحديث عن النّساء يجرح العدالة ، التّنزّه في الطرقات يجرح العدالة ، صحبة الأراذل تجرح العدالة ، سماع الغناء يجرح العدالة ، من قابل هونًا تُجرح عدالته ، من أطلق لفرسه العِنان تُجْرح عدالته ، الموضوع طويل ، وأنا أذكر ثلاثاً وثلاثين نقطة إذا فعلها المسلم جُرِحَت عدالته ، ورُفضَت شهادته ، فكم الإسلام مُقدَّس ، والشيء بإمكانك ، فممكن ألا تأكل بالطريق ، وممكن ألا تنظر للنساء ، وممكن ألا تتنزَّه بالطّرقات ، لأنّ هناك عورات ، ولاسيما في هذه الأيام ، كيفما الْتفتّ نساء كاسيات عاريات ، حامل بذر في وقت العصريّات ! أنت مسلم ؟! هذا يجرح عدالتك . أهمية الوقت :
(( من لعب بالنرد فكأنّما غمس يديه في لحم خنزير ودمه ))
[ ابن حبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه]
الوقت ثمين جدًّا ، يقول لك ماذا فعلنا ؟ ما لعبنا وما كذبنا ولا شربنا خمرًا ، إنَّما نحن نتسلّى ، إذا طالب عنده فحص الساعة الثامنة ، وجلس ورتَّب مكتبته ، ونزَّل الكتب كلّها على الأرض ، وصفَّها حسب الطول ، ثمّ ضبّطها أكثر ، ولمَّعها ماذا عمل هذا ؟ رتَّب مكتبته ، هل هذا وقت ترتيب المكتبة ؟ أنت جالس بزمن محدود ، الله عز وجل خلقك في الدنيا لمهمّة كبيرة جدًّا ، وأعطاك إمكانات لا نهائيّة لمعرفة الله ، فَمِنَ الغباء أن تستخدم هذه الإمكانات ، وأن تستهلك هذا الوقت ، أن تستخدم هذا الفكر البشري ، وأن تستخدم هذا الوقت في أشياء لا تمدّ إلى سعادتك الأبديّة بِصِلَة ، خُلِقْت في الدنيا لعُمْرٍ محدود ، وأعطيت إمكانات غير محدودة لمعرفة الحقائق ، وحلّ المشكلات ، فمِنَ السخف والغباء أن تستخدم إمكاناتك في أشياء سخيفة، وأن تستهلك وقتك في ما لا علاقة له بالآخرة ، لذلك ما من مؤمن يأتيه ملك الموت إلا ويُحِسّ بالنَّدَم ، على ماذا ؟ دخل الجنّة ، يندم على ساعةٍ مضَت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، لذلك لا إسراف في الخير ، ولا خير في الإسراف ، قرأت قرآناً الصبح ، والساعة عشرة عندك وقت فراغ، اقرأ سورة ثانية وافهمها ، فهمتَ هذه الآية زارك ضيف ، ما هي أسعار الذهب ؟ غالٍ هذه الأيام! لا ، تكلّم عن هذه الآية فهي تُفرحُ القلب ، أما هذه فتزعجه ، احْك له عن موضوع يتعلّق بآخرته ، لا يوجد خبر سارّ ، قال عليه الصلاة والسلام : " ما من يوم إلا والذي بعده أشر حتى تقوم الساعة " فلا أحد يتوقَّع أنّ هناك شيئاً أحسن ممَّا مضى ، و لكنه يتوقع أنَّ الله سيُكْرمهُ إكرامًا شديدًا ، والخير بيد الله فقط وليس بيد الأشخاص . استقامة الحياة لا تكون إلا بالدين :
إذًا :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
إذا كنت رجلاً بالمعنى الذي أراده سيّدنا معاذ ، وقرأت هذا الحديث علمْت أنَّه حقّ من الله تعالى اعْمِل شيئًا فيه خيانة لن تعمل شيئًا ، هناك محاسب ، وحسابه قليل ، هذا المال ليس لك ، لذلك لن تستقيم الحياة الدنيا إلا بالإيمان ، لأنّ الإيمان وحده وليس شيء آخر يرْدع الإنسان ، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يطبّق شيئاً من أخيه الإنسان ، فهذا إنسان وهذا إنسان ؛ يلعب عليه ، نسمع أشياء مضحكة ، حكى لي شخص كان بأوروبا ، قال لي : الطريق سرعته ثمانون ، والناس يمشون بسرعة مئة وعشرين ، طبعًا يضعون برابيش بالطريق تمشي عليها السيارة ، الجهاز يكشف أنّ هناك سرعة زائدة ، فكلّ المواطنين عند هذه النقطة يضبِّطون سرعتهم ، ثمّ يعيد المشي على سرعة أكبر ، لا يوجد حل للموضوع ، فأعادوا صنع أجهزة متنقّلة، يضعونها بتمويه ضمن شجرة ، يقولون لك : هذا الطريق مراقب بالرادار ! هذا أبسط مثل ، وهناك الآن عدّة طرقات مراقبة بالرادار ، ما فوق الثمانين تُخالف ، من هذا الذي يُخالف؟ سيارة واقفة معها جهاز ، أما إذا الله عز وجل شرّع فالله يرى العداد بكلّ لحظة ، ويرى نيّتك ، فلو الواحد أراد أن يسرع لعلم نيّته ، فما الحياة إلا تشريعًا إلهيًّا ، لا يمكن أن تنتظم ، سمعتُ قصَّةً عن أحد التابعين اشترى زيتًا ، وجد بتنكةٍ فأرةً ميتة ، فقال : لو أرْجعتُ هذا الزيت لصاحبه لباعه غيري من المسلمين ، فآثر أن يبقي هذا الزيت على أن يرْجِعَه لصاحبه ، تشريع إلهي ؛ هذا زيت نجس ، خطر ببالي خاطرًا ، نحن نشتري الزيت كثيرًا ، فيا ترى بائعو الزيت عندهم ورع إذا وجدوا بهذا الحوض أو المستودع فأرة ، هل يمتنعون عن بيعه ؟! يقولون : لا بدّ من بيعه ، ومن يدري ؟ الله يدري ! فالحياة لا تستقيم إلا بالدِّين ، يمكن للواحد أن يأكل زيتًا نجسًا وهو لا يدري ، فلمَّا يكون هناك تشريع إلهي تجد الناس تنضبط انضباطاً مذهلاً ، أمريكا بعام ثمانيةٍ وعشرين فيما أذكر أصدرتْ قانونًا بِتَحريم الخمر ، بقي القانون أربعة عشر عاماً ، الذي حصل أنّ ثلاثمئة إنسانٍ أُعْدِموا ردعًا للناس ، وأكثر من ثلاثمئة ألف كتاب طبع لِتَحذير الناس من الخمر ، ودخل السِّجن مئات الألوف ، وصنعَت بواخر بِكَاملها ذات جدارين لتهريب الخمر ، الخمور يزداد بيعها في ظلّ هذا القانون ، أما الدّين الإسلامي فحرَّم الخمر ، إلا ما ندر؛ هذا المسلم الفاجر ، ولكنّك تجد ألف مليون مسلم لا يشربون الخمر إلا ما ندر هذا هو مفعول الشرع الإلهي ، حُرِّمَ عليكم ، وما دام هناك تحريم انتهى الأمر ، لا تحتاج إلى نشرات ، ولا إلى ... حُرِّم عليكم وانتهى الأمر ، فالآن في أوروبا يعرفون المسلم من الخمر ، لا يشرب فيَثِقون به ، يمكن أن يبعث بضاعة له من دون أن يحوِّل ثمنها إذا لم يكن يشرب الخمر ، أما إذا شرب ، فهذا الذي خان دينه لا يوثق به ، من كأس خمْرٍ يكشفونه . الأمانة غنى :
حديث آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( الأمانة غنى ))
[الجامع الصغير عن أنس]
الأمانة طريق الغنى الحديث له علاقة بالأوّل ، من منَّا لا يحب أن يكون في بحبوحة ؟ إذا قال : لا ! يكون كلامه غير صحيح ، إذا الإنسان ميسور الحال ، ومعه قوت يومه ، لذَّ شيئًا فاشتراه ، بذلة اشتراها ، لباسه أنيق ، وبيته مريح ، هذا شيء مطلق طبيعي وشرعي ، هذا غير ملام فيه ، أنت طريقك الأمانة فيا أيّها الشباب هذا الطريق طريقه الأمانة ، بعملك كُنْ أمينًا ، لا تحدِّثْك نفسكَ أن تأخذ قرشًا غير شرعي ، إذا شعر من أنت عنده بهذه الأمانة ، وهذا النقاء يمحضك ثقته ، ثمّ يعطيك من الأرباح نسبة ، ثمّ يُشاركك ، ثمَّ يُزوِّجك ابنته، يقول : لن أجد مثل هذا ! سببها الأمانة ، وأنا أعرف أناسًا بالأمانة بلغوا أعظم مرتبة ، وبالخيانة ينفض كما ينفض الفأر الميّت !! هذا لا نريده ، يمكن أن يكون قد أخذ ليرة ! فتح الدرج وأخذ ليرة فانتهى، وسقطت عدالته ، فالذي يريد أن يزداد بحبوحة ويكون رزقه وفيرًا ، ولا يكون متضايقًا فلْيَكن أمينًا إلى أبْعد الحدود . * * *
عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك :
والآن إلى قصَّة من قصص التابعين ، القصّة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك .
ما كاد التابعيّ الجليل وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك ، سلفه الخليفة سليمان بن عبد الملك توفّي ، وليّ العهد الخليفة من بعده عمر بن عبد العزيز ، بعدما انتهى من مراسم الدَّفن ، ونفض يديه من تراب قبره حتى سمع للأرض من حوله رجَّةً – ضجيج - فقال ما هذه ؟ فقالوا : هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قد أُعِدَّت لك لِتَرْكَبها ، فنظر إليها عمر بِطَرف عينه ، وقال بصوته المتهدّج الذي أنهكه التَّعَب وأدبره السفر : ما لي ولها ، نَحُّوها عنِّي بارك الله فيكم ! وقرِّبوا إليّ بغلتي فإنَّ لي فيها بلاغًا ؛ أي متعوِّد عليها ، ثمّ إنَّه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحب الشُّرطة لِيَمشي بين يديه ومعه رِجاله الذين اصطفوا عن يمينه وعن شماله ، وفي أيديهم الحراب اللامعة ، فالْتَفَتَ إليه وقال : ما لي بك وبهم حاجة ، فما أنا إلا رجل من المسلمين أغدو كما يغدون ، وأروح كما يروحون ، ثمَّ سار وسار الناس معه حتى دخل سيّدنا عمر المسجد ، ونودي في الناس : الصلاة جامعة الصلاة جامعة ، فتسايَلَ الناس على المسجد من كلّ ناحيَة ، فلمَّا اكْتملَت جموعهم قام فيها خطيبًا ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وسلّم ، ثمَّ قال : " أيّها الناس إنِّي قد ابْتُليتُ بهذا الأمر - رآه بلْوى ، وبلاءً من الله عز وجل - على غير رأيٍ منِّي - طبعًا سليمان بن عبد الملك عقد أمراً وما أطْلعَ عليه أحد قال: إذا متُّ افتحوا هذا الكتاب تعرفوا مَن الذي سيأتي من بعدي - فقال : إني قد ابْتُليتُ بهذا الأمر على غير رأي منّي فيه ، ولا طلبٍ له ، ولا مشورة من المسلمين ، وإنِّي خلعْت ما في أعناقكم من بيْعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه ، فصاح الناس صيْحةً واحدة : قد اخْترْناك يا أمير المؤمنين ، ورضينا بك فَلِي أمرنا باليُمْن والبركة " فلمّا رأى الأصوات قد هدأت ، والقلوب قد اطمأنَّت حمد الله كرَّةً أخرى ، وأثنى عليه ، وصلى على سيّدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم ، وطفق يحضّ الناس على التقوى ، ويزهِّدهم في الدنيا ، ويرغّبهم في الآخرة ، ويذكّرهم بالموت بلهْجةً تسْتلين القلوب القاسيَة ، وتسْتدرّ الدموع العاصِيَة ، وتخرج من فؤاد صاحبها ، وتستقرّ في فؤاد السامعين ، ثمّ رفع صوته المتْعب حتى أسْمع الناس جميعًا وقال : " من أطاع الله وجَبَت طاعته ، ومن عصا الله فلا طاعة له على أحد ، أيّها الناس أطيعوني ما أطعْت الله فيكم فإن عصَيْت الله فلا طاعة لي عليكم " ثمَّ نزل عن المنبر واتَّجَهَ إلى بيته ، وآوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعةً من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة ، يظهر انَّه بذل جهدُا جهيدًا أضْناه ، بعدما ألقى هذه الخطبة السريعة نزل إلى بيته ليَسْتريح .
لكنّ عمر بن عبد العزيز ما كاد يسْلم جنْبهُ إلى مَضْجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك ، وكان يومئذٍ يتَّجِه نحو السابعة عشرة من عمره ، وقال : ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أيْ بُنيّ أريد أن أغفَلَ فلم تبق في جسدي طاقة ! فقال : أتغْفو قبل أن تردّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين ؟! فقال : أيْ بنيّ ، إنِّي قد سهرت البارحة في عمّك سليمان وإنِّي إذا حان الظهر صلَّيْت في الناس ، ورددْت المظالم إلى أهلها إن شاء الله ، فقال ابنه : ومن لك يا أمير المؤمنين لأن تعيش إلى الظهر ؟ هل تضمن العيش ؟ فأْهبَت هذه الكلمة عزيمة عمر ، وأطارَت النَّوْم من عَيْنيه ، وبعثَت القوَّة والعزم في جسده ، وقال : اُدْن منِّي أيْ بُنيّ ، فدنا منه فضمَّه إليه ، وقبَّلَ ما بين عينيه ، وقال : الحمد لله الذي أخرج من صُلْبي من يُعينني على ديني ، والله إذا الواحد أخرج له من صلْبهِ من يُعينه على دينه ، بابا قُم فصَلِّ الصُّبح ، وأحيانًا توقظه ابنته ، لا بدّ أن يذوبَ خجلاً من الله أن بعث له طفلاً يعينه على أمر دينه .
بكى سيّدنا عمر ، ثمّ قام وأمر في الناس أن يُنادَى : ألا من كانت له مظلمةٌ فلْيرْفَع - لم ينَم - فمن عبد الملك هذا ؟ وما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس : إنَّه هو الذي أدخل أباه في العبادة ! وسلكه مسالك الزهاد .
سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدًا ، فيهم ثلاث بنات ، وكانوا جميعًا على حظٍّ مَوفور من التُّقَى ، ومقامٍ كبير من الصَّلاح ، لكنّ عبد الملك كان واسطة العِقْد - أي أحسنهم- فقد كان أديبًا أريبًا له سنّ الفتيان وعقل الكهول - أما الآن الجسم كبير والعقل كالقمحة !! أجسام البغال وأحلام العصافير - أما عبد الملك فقد كان له سنّ الفتيان وعقول الكهول ، ثمّ إنَّه نشأ في طاعة الله جلّ وعزّ منذ نعومة أطفاله ، فكان أقرب الناس سمْتًا إلى آل الخطَّاب عامَّةً ، وأشْبههم بعبد الله بن عمر ، خاصَّةً في تقوى الله ، وتخوُّفه من معاصيه ، وتقرّبه إليه بالطاعة ، حدَّث ابن عمّه عاصم قال : وفدْتُ على دمشق ، فنزلْت على ابن عمّي عبد الملك وهو عذب وذي زوج ، فصلَّينا العشاء ، وآوى كلٌّ منَّا إلى فراشه فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه ، وأسْلك كلٌّ منَّا جفْنيه إلى الكرى ؛ ناموا ، ثمَّ إنِّي استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائمٌ يصلّي في العتمة ، وهو يقرأ قوله عز وجل :
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
قال : فما راعني منه إلا أنَّه كان يُردِّد هذه الآية ويبكي بكاءً مكبوتًا يقطع نياط القلب ، وكأنَّه كلَّما فرغ من الآية عاد إليها حتَّى قلتُ : سيقتلهُ البكاء : ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
وقد كان فضل الشام في زمنه ، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن عبد العزيز جمع فقهاء الشام وقال : إنِّي قد دعوْتكم لأمر هذه المظالم - عنده مظالم- التي في أهل بيتي -أقربائي - فقالوا: يا أمير المؤمنين إنَّ ذلك أمرٌ كان في غير ولايتك - هذا الشيء كان بعهد سليمان - وإنّ هذه المظالم على من غصبها ، فلمْ يرْتَح إلى ما قالوه ، فالْتفت إليه أحدهم مِمَّن يرى غير رأيِهِم وقال: ابْعَث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك - ابنك- فإنّه ليس بدون من دعَوت علمًا ، أو فقْهًا ، أو عقلاً ، ابنك ليس أقل عقلاً من هؤلاء ، ابْعَث إليه واسْتشرْهُ في هذا الأمر ، عمرهُ سبعة عشر عامًا ، فلمَّا دخل عليه عبد الملك قال له عمر : ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلمًا وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها وقد عرفنا حقَّهم فيها ؟ فقال : أرى أن تردّها إلى أصحابها ما دمت قد عرفْت أمرها ، وإنَّك إن لم تفْعل كنت شريكًا للذين أخذوها ظلمًا !! هذا هو رأيه ، وأنت بيَدِك الأمر، تقدر أن تنتزعها منهم بقوَّة السلطان وعلمت بذلك ، فإن سكت عليهم فأنت شريكهم في الإثم ، فانْبسطَت أسارير عمر ، وارْتاحَت نفسهُ ، وزال عنه ما أغمَّه .
ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور ، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام . حرص عمر بن عبد العزيز الشديد على ابنه عبد الملك :
كان أبوه أيْ عمر بن عبد العزيز على الرغم من كلّ ما عرفه من صلاحه وتُقاه شديد الخوف عليه من نزعات الشيطان ، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب ، حريصًا أن يعلم من أمره كلّ ما يجوز له أن يعلم ، وكان لا يغفل عن ذلك كلّه ولا يهمله ، حدَّث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها ، وينصحه ، ويبصِّره ، ويحذِّرهُ ، وينذرهُ ، ويبشِّرهُ ، وكان ممَّا جاء في قوله : " أما بعد ، فإنّ أحقّ من وعى عنِّي وفهم قولي لأنت ، أحقّ الناس عرف الهدى أنت ، وإنَّ الله وله الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر ، وفي كبيره ، فاذْكر يا بنيّ فضْل الله عليه وعلى والدَيْك ، وإيَّاك والكِبْر والعظمة فإنَّها من عمل الشيطان ، وهو للمؤمنين عدوّ مبين ، واعْلَم أنِّي لمْ أبْعَث بكتابي هذا لأمْرٍ بلغني عنك ، فما عرفْتُ من أمْركَ إلا خيرًا - لا توجد وِشايَة - إلا أنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك - ابن الخليفة ؛ تقى وصلاح وورع وشكل وشباب ، له حق في الإعجاب - قال : فإنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك ولو أنَّ هذا الإعجاب - انظر يا بني - خرج بك إلى ما أكره لرأيْتَ مِنَّي ما تكره ! انتبه !! "
قال ميمون : ثمّ الْتَفَتَ إليّ عمر وقال : يا ميمون إنَّ ابني عبد الملك قد زُيِّنَ في عيني ؛ أرى أنَّه إنسان ممتاز ، وإنِّي اتَّهم نفسي في ذلك ، وأخاف أن يكون حبّي له قد غلب على علمي به ، هناك من يحبّ ابنه محبَّةً عَمْياء ، يأتي ابنه لعنده فيقول له : فلان ضربني لأمّه أو أبيه ، فينزل الأب بغضب ! مهلاً عليك ، أنت أيها الأب حبّك لابنك غلب علمك به ، فقد يكون هو المفتري ، وقد يكون هو المُسبِّب ، لا يكن حبّك لابنك غالبًا على علمك به ، وهذه دقيقة جدًّا .
قال له : أخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به ، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم - أحيانًا الآباء يُصيبهم العمى عن عيوب أولادهم - فصِرْ إليه واصْبر غَورهُ ، وانْظر هل ترى فيه ما يشبه الكبْر والفخْر ؟ من أجل قليل من الكبر بعث وزيره يراقبه ، فإنَّه غلامٌ حَدَثٌ ولا آمن عليه الشيطان .
قال ميمون : فشَدَدْت الرِّحال إلى عبد الملِك حتى قدِمْتُ عليه فاسْتأذنْتُ ودخلْت ، فإذا غلامٌ في مقتبل العمر ، ريَّان الشباب ، بَهِيّ الطَّلْعة ، جمّ التواضع ، قد جلس على خشبةٍ بيضاء فوق بساطٍ من شعر ، فرحَّبَ بي ثمَّ قال : لقد سمعْتُ أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير ، وإنِّ لأرجو أن ينفع الله بك ، هذا كلام الابن لِمَيمون وزير عمر ، فقلتُ له : كيف تجد نفسك ؟ فقال : بخير من الله عز وجل ونِعمة ، غير أنّي أخشى أن يكون قد غرَّني حُسن ظنِّ والدي بي ، وأنا لم أبلغ من الفضل كلّ ما يظنّ ، وإنّي أخاف أن يكون حبّه لي قد غلب على معرفته بي - الوزير طار عقله !! هذا مضمون الرسالة - فأكون آفة عليه ، فعَجِبْتُ من اتِّفاقهما !!! ثمّ قلتُ له : أعْلِمْني ؛ من أين معيشتك ؟ فقال : من غلَّة أرْضٍ اشْتريْتُها مِمَّن ورثها عن أبيه ، ودفعْتُ ثمنها من مال لا شبهة فيه فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين - أي هذا مِن كَدِّي - قلتُ : فما طعامك ؟ فقال: ليلة لحمٌ ، وليلة عدس وزيت ، وليلة خلّ وزيت، وفي هذا بلاغ ، فقلتُ له : أفما تعْجبكَ نفسكَ ؟ - أراد أن يرى رأيَ والده فيه - فقال : قد كان فِيَّ شيءٌ في ذلك فلمَا وعظني أبي بصّرَني بِحقيقة نفسي ، وصغَّرها عندي ، وحطّ من قدرها في عيني ، فنفعَنِي الله عز وجل بذلك فجَزاه الله عنِّي خير الجزاء ، قال : فقعَدْتُ ساعةً أحدِّثهُ ، وأسْتمتعُ بِمَنطقهِ فلم أرَ فتًى كان أجْمَلَ وجْهًا ، ولا أكْمَلَ عقْلاً ، ولا أحْسنَ أدبًا منه على حداثةِ سِنِّه ، وقِلَّة تجربته ، فلمَّا كان آخر النهار أتاه غلامٌ فقال : أصْلحك الله لقد فرغْنا ! - جاء يتفحّص الأمر ، جاء يحاسبه على الشعرة - فسكَتَ ، فقلتُ : ما هذا الذي فرغوا منه ؟ فقال: الحمَّام ، وقال : وكيف ؟ فقال : أفرغُوهُ لي من الناس ، فقلتُ : لقد كنت وقعْتَ من نفسي موقعًا عظيمًا حتى سمعتُ هذا ، الآن سقطت من عيني ؛ الحمَّام أفرغوه من أجلك !! من أنت ؟ فَذُعِرَ واسْترجَعَ - قال : لا حول ولا قوّة إلا بالله - وقال : وما في ذلك يا عمّ يرحمك الله ؟ فقلتُ : الحمّام لك ، فقال : لا ، فقلتُ : وما دعاك أن تخْرج الناس منه ؟ كأنَّك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم ، وأن تجعل لك قدْرًا يعلو على أقدارهم ، ثمّ إنَّك تؤذي صاحب الحمَّام في غَلَّة يومه ، وتُرْجِع من أتى حمَّامهُ خائبًا - يأتي الواحد للحمَّام فيُرْجعونه - أنْقصْت الغلَّة لصاحب الحمام ، وخيَّبت أمل المتحمِّم ، وارتفعْت عن الناس - قال : أما صاحب الحمَّام فأنا أرْضيهِ وأعْطيه غلَّةَ يومه ، فقلتُ : هذه نفقَةُ صدقة خالطها كِبْر ‍! هذه كذلك حرام ، وما يمنعك أن تدخل الحمَّام مع الناس فأنت كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم - العورة الفخِذ ، تلك المغلَّظة شيء آخر - قال عليه الصلاة والسلام : لا تنظر إلى فخذ أخيك ...." قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم ، وأكره أن أُجبرَهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنَّه إجبار منِّي عليهم بالسلطان ، الذي أسأل الله منه كفافًا لا علينا ولا لنا ، فعِظْني رحمَكَ الله عِظَةً أنتفع بها ؟ ماذا أفعل أنا أكره الدخول معهم ، فقلتُ : انتظر حتى يخرج الناس من الحمَّام ليلاً ، ويعودوا إلى بيوتهم ثمّ ادْخُلْه ، فقال : لا جرم - صحيح - لا أدخله نهارًا بعد اليوم ، عاهده ، ولولا شدَّة برد هذه البلاد ما دخلتهُ أبدًا ، وأطْرقَ قليلاً كأنَّما يفكِّر في أمر ، ثمّ رفعَ رأس إليّ وقال : أقْسَمتُ لَتُطْوِينَّ هذا الخبر على أبي ، فإنِّي أكرهُ أن يظلّ ساخطًا عليّ ، وإنِّي لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه ، قال ميمون : فأردْت عند ذلك أن أسْبرَ عقلهُ ، فقلتُ له : إن سألني أمير المؤمنين هل رأيْت منه شيئًا ؟ فهل ترضى لي أن أكذب عليه؟ أن أقول له : لا يوجد مثله ، موضوع الحمّام أمر كبير ‍! فقال : لا ، معاذ الله ولكن قل له رأيتُ منه شيئًا فوعظْتهُ وكبَّرْتهُ في عيْنِهِ فسارع إلى الرجوع عنه ، فإنّ أبي لا يسألك عن كشف ما لم ترد إظهاره له !! لأنَّ الله جلّ وعزّ قد أعاذهُ من البحث عن السَّفَه ، أحيانًا يسألك الواحد : أين ذاهب ؟ فتقول : مشوار ، فيعيد السؤال : أين هذا المِشوار ؟ لذا هناك من لا أدب له ، تقول له اُقْعُد هنا ، فيقول لك : لا هنا أحسن ، وقد يكون مباشراً للباب ! لذا هناك أشخاص حشريِّون، سيّدنا عمر أعاذه الله من أن يكشف ما اسْتتَر ، أحدهم أراد أن يستتر عنك فأنت بيّن له أنَّك لم ترهُ .
قال ميمون : فلم أر والدًا قطّ ولا ولدًا مثلهما يرحمهما الله ، هذه قصَّة عبد الملك بن مروان بن سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، ومشكلة الحمَّام كانت كبيرة .

السعيد
09-08-2018, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : العدة - طلاق الفار






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العدّة :
أيها الأخوة الكرام ... كان موضوعنا في الدرس الماضي العدَّة التي تعتدُّها المرأة إذا طُلِّقت ، أو إذا توفي عنها زوجها ، وقد عُرِّفت العدَّة ، وبُيِّن حكمة مشروعيتها ، وأنواع العدَّة.
فالتي لم يُدخل بها لا عدة لها ، التي لم يُدخل بها إذا مات عنها زوجها ولم يدخل بها فعليها عدة ، المدخول بها على أنواع : إن كانت تحيض فعدتها ثلاثةُ قروء ، أي ثلاثة حَيضات ، وعدة غير الحائض إن كانت صغيرةً لم تحِض بعدُ فعدتها ثلاثة أشهر . وعدة الآيسة من الحيض ثلاثةُ أشهر .
أما إذا طلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراءِ ، من ذوات الحيض - أيْ تحيض - ثم إن لم ترَ الحيض في عادتها ، ولم تدرِ ما سببه ، هذه حالات قد تقع ، طلَّقها زوجها ، وفي الأصل أنها تحيض ، أي من ذوات الحيض ، طلِّقت ، بعد الطلاق لم ترَ الحيض ولم تدر ما السبب ، في مثل هذه الحالات النادرة عليها أن تعتدَّ سنةً بكاملها ، تتربَّص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحِمها ، لأن هذه المدَّة هي غالب مدة الحمل ، فإذا لم يبن الحمل فيها عُلم براءة الرحم ظاهراً ، ثم تعتدُّ عدة الآيسةِ ثلاثة أشهر ، أي مجموع عدة المرأة التي تحيض ثم طُلقت ولم ترَ الحيض ولم تعلم ما السبب اثنا عشرَ شهراً ؛ تسعة أشهر لبراءة الرحم ، وثلاثة أشهر كعدة الآيسة من الحيض .
عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل سواءٌ أكانت مطلَّقةً ، أو متوّفَّى عنها زوجها ، لقول الله تعالى :
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
[سورة الطلاق : 4 ]
وأما المتوفَّى عنها زوجها فعدَّتها أربعةُ أشهرٍ وعشرة أيام ما لم تكن حاملاً، لقول الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[ سورة البقرة :234 ]
إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاةِ ، لأنه توفي عنها وهي زوجته ، أيْ إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاة كعدة المتوفى عنها زوجها ، لأن كل امرأةٍ مطلقةٍ طلاقاً رجعياً هي في حكم الزوجة ، وترث ، كل حقوق الزوجة تنالها المُطلقة طلاقاً رجعياً وهي في العدة .
عدة المُستحاضة أي التي ترى الدم باستمرار ، إن كانت لها عادة فعليها أن تُراعي عادتها في الحيض والطُهر ، فإذا مضت ثلاث حِيَضٍ انتهت العدَّة ، وإن كانت آيسة انتهت عدتها لثلاثة أشهر .
لو وقع زواجٌ غير صحيح فيه اشتباهٌ بالنسب ، فعلى المرأة التي تزوَّجت بهذا الزواج عدَّة ، لكن العلماء قالوا : " من زنى بامرأةٍ لم تجب عليها العدَّة ، لأن العدة في الأصل لحفظ النسب ، والزاني لا يلحقه نسب ". وهو رأي الأحناف والشافعيَّة .
عندنا موضوعات دقيقة لكنها تقع ، مثلاً : تحول العدة من الحيض إلى العدة بالأشهر . إذا طلَّق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ثم مات وهي في العدة ، فإن كان الطلاق رجعياً فإن عليها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة ، وهي أربعة أشهرٍ وعشرَ ، لأنها لا تزال زوجةً له ولأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة ، ولذا يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة أيْ تأخذ كامل ميراثها إن كانت مطلَّقةً وهي في العدَّة .
فموضوع العدة صار دقيقاً ، في أي لحظةٍ تُعّد العدَّة قد انتهت ؟ إذا الطبيب رأى المريض في حالة نِزاع ، والزوجة كانت مطلَّقة ، وطلاقها رجعي . أي بشكل عام ولو أن الزوج حيٌ يرزق ، متى تملك المرأة نفسها ومتى لا تملك ؟ إذا مضت القروء الثلاثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، وهذه بينونة صغرى ، أيُ هو يستطيع أن يراجعها قبل مضي العدَّة ، فإذا مضت ملكت نفسها ، يستطيع أن يتزوجها بمهرٍ جديد ، وبعقدٍ جديد ، وبرضائها ، لكن قبل أن تمضي العدة يستطيع أن يُرْجِعَها من دون رضائها ، يكفي أن يقول لها : راجعتكِ . الموضوع صار فيه مهر، وصار فيه موافقة ، قبل أن تمضي العدة موافقتها لا قيمة لها ، لكن بعد أن تمضي العدَّة موافقتها لها وزن ، فإن قالت : لا ، لن يستطيع إرجاعها ، وإن قالت نعم ، عليه أن يدفع مهراً جديداً .
فقال الفقهاء : " إذا كانت تغتسل من الحيضة الثالثة ، فإذا بقي عضوٌ من أعضائها لم تغسله ، وقال زوجها من وراء الباب : قد راجعتكِ . رجعت إليه ، أما إذا انتهت من الاغتسال فقد ملكت نفسها " . هذا حد ، أحياناً الإنسان يبقى لآخر لحظة ، ولابد من حدّ فاصل، الحد الفاصل الاغتسال من الحيض ، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، لا تعود إلا بمهر ، ولا تعود إلا برضاها ، وهذه هي البينونة الصغرى . طلاق الفار :
طلاق الفار ؛ قد لا ينتبه الإنسان لمعنى طلاق الفار ، الفار من ماذا ؟ الفار من الزحف ؟ الفار من الجهاد ؟ قال : هناك طلاق الفار من الإرث ، أي أن هناك أزواجاً يبلغ بهم اللؤمُ أن هذه التي قضت معه عمراً طويلاً - ثلاثون سنة - وهو في مرض الموت يطلقها ليحرمها من الإرث يفِرُّ من الإرث . العلماء لهم آراء متعددة في هذا الطلاق .
فلو إنسان على فراش الموت طلَّق امرأته ، وليس هناك سبب ، ليس هناك خلاف ، ليس هناك مشاحنة ، طلَقها لا لشيء إلا ليحرمها الميراث . مثلاً : كان مهرها خمسمئة ليرة سوري ـ تزوجها من أربعين سنةـ هذا كان مبلغ ضخم ، والآن صار عنده أراض ، وأموال منقولة، وغير منقولة ، وبساتين ، وضياع ، وما شاكل ذلك . فقال : أطلقها وأدفع مهرها المؤجَّل وأفرُّ من حصتها الكبرى من الميراث .
أما العلماء رضي الله عنهم لهم آراء دقيقة في هذا الموضوع .
طلاق الفار هو أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقاً بائناً بغير رضاها ، ثم يموت وهي في العدة ، فإنه يعتبر في هذه الحال فاراً من الميراث . ولهذا قال مالك : " ترث ولو مات بعد انقضاء عدَّتها ، وبعد نكاح زوجٍ آخر معاملةً له بنقيض قصده ".
سمعت إنساناً - الغباء موجود - سمع أن الإنسان إذا فقد أسنانه أُعفي من الخدمة الإلزاميَّة . شابٌ في مقتبل العمر ذهب إلى طبيب وقال له : اقلع لي كل أسناني . هذا الطبيب صاحب وجدان ، رفض . طبيب آخر أغري بمالٍ كثير فقلع له أسنانه كُلَّها ؛ العلويَّة والسفليَّة وهو في مقتبل العمر ، وصل للجنة الفاحصة خبر أن هذا قلع أسنانه تهرُّباً من الخدمة الإلزاميَّة فكان العقاب مضاعفةُ الخدمة الإلزاميَّة . لماذا كان هذا العقاب ؟ لأن هذا الذي فعل هذا تهرُّباً يجب أن يعامل معاملةً بعكس قَصْدِهِ ، وإذا أردتم الحقيقة والله الذي لا إله إلا هو هذا هو القانون الذي يعامل الله به عباده، كيف ؟ .. من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا .
قد يرجو الإنسان نجاحاً بعلامات عالية ويترك الصلاة ، أنا ما عندي وقت لأصلي، هذا يجب أن يصاب بمرض قبل الامتحان فيرسب ، هو لمَ ترك الصلاة ؟ لمَ ترك حضور مجالس العلم ؟ من أجل التفوُّق . الله سبحانه وتعالى يعامله معاملهً بعكس قصده ، ماذا يقصد ؟ التفوُّق . حُرِمَ الامتحان كلَّه . لماذا قَبِلَ هذا التاجر هذه الصفقة مع أن فيها ربا ؟ ابتغاء الربح . يخسر رضاء الله عزَّ وجل ويخسر الصَفْقَة ، أبداً هذا قانون ، إذا آثرت الدُنيا خسرت الدنيا والآخرة ، وإذا آثرت الآخرة ربحت الدنيا والآخرة ، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .
فهذا الشخص الذي قلع أسنانه ، كنت مع صديق لي قال لي : الآن سأريك شخصاً انتبه لأسنانه . فعلاً أنا دققت فوجدته واضع بدلتين ؛ بدلة علويَّة وبدلة سفليَّة وهو في مقتبل العمر وقَضَّى الخدمة خمس سنوات غير الاحتياط .." من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى " .
هذا الحديث يجب أن يكون أمام أعين كل الناس ، أي طريق تؤثر به الدنيا على الآخرة تخسر الدنيا والآخرة ، أي طريق تؤثر به مرضاة الله عزَّ وجل تربح به الدنيا والآخرة .
ويرى أبو حنيفة أن الحكم في هذه الحال يتغيَّر ، فتكون عدتها أطول الأجلين ، عدة الطلاق وعدة الوفاة . أيُّ الأجلين أطول الطلاق أم الوفاة ؟ أطول الأجلين عدة المرأة التي طلَّقها زوجها فراراً من الميراث . هذا رأي الإمام أبو حنيفة .
امرأةٌ لا تحيض ؛ عدتها ثلاث حيضات ، طُلِّقت طلاقاً تعَسُّفياً ـ فراراً من الإرث ـ تنقلب عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ، فلعلَّه يموت قبل هذه المدة فتأخذ الميراث بكامله ، في مثل هذه الحالة تنقلب عدَّتها إلى أطول العدَّتين ، أي أن أربعة أشهر وعشرة أيام عدتها قبل أن يموت من أجل أن تكسب الوقت . هذا رأي الإمام أبي حنيفة .
لكن الإمام الشافعي يقول : " إنها لا ترث كالمطلقة طلاقاً بائناً في الصحَّة " . وحجته أن : " الزوجيَّة قد انتهت بالطلاق قبل الموت ، فقد زال السبب في الميراث ، ولا عبرة بمظنة الفرار ، لأن الأحكام الشرعية تُناط بالأسباب الظاهرة لا بالنيَّات الخفيَّة " . هذا رأي الإمام الشافعي ، ورأي أبي حنيفة ، ورأي الإمام مالك .
واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له . أنا أعرف شخصاً فعل المستحيل كي يفرَّ ـ هو رجل من الأغنياء ، وهو غني كبير فعل المستحيل كي يحرم زوجته من الإرث ، فمات قبلها ، فورثته . هو كان يتوقَّع أن تموت قبله ، فعمل تحويلات بالأملاك حتى لا يصيبها شيء ، فلما مات قبلها ورثته ، أيْ أن الله عزَّ وجل بالمرصاد .
العدة قد تكون بالأشهر تنتقل إلى الحَيْضات ، إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها ، أو لبلوغها سن اليأس ، ثم حاضت ، لزمها الانتقال إلى الحَيض ، لأن الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود الأصل .
وإذا انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت ، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالإقراء لأن هذا حدث بعد انقضاء العدَّة .
الموضوع الأخير في العدة نأخذه في الدرس القادم إن شاء الله ، ماذا ينبغي على المرأة وهي في العدة أن تفعل ؟ منها : لزوم البيت ، عدم التبرُّج . أشياء كثيرة ، وهناك موضوعات خلافيَّة بين الفقهاء .
* * *
تعجيل عقوبة البغي و العقوق في الدنيا :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة للنبي عليه الصلاة والسلام :
(( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
البغي أي الظلم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ... ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة " . وفي رواية : فلن يغفر له))
[كنز العمال عن معاذ]
اليوم زرت شخصاً له أعمال في الديكور الشَرقي ، هذا شيء غال جداً ، فسألت الصانع : لمن هذا ؟ أبواب تأخذ بالألباب ، تيجان ، زخارف ، لوحات . قال لي : هذا لبيت معلمي - أي صاحب المنشرة - لكنه شيء نفيس ، كبار الأمراء ، كبار الأغنياء ، فعلى مستوى أغنى الناس يصنعون غرف شرقيَّة ، فلما قال : هذا لبيت معلمي . توقعت أن معلِّمه على مستوى رفيع جداً من الناس ، أنا لي عنده مشكلة ، مشكلة إصلاح بين زوجين ، فجاء هذا المعلِّم حدَّثني عن قصَّة ، أن عنده والده ، وله أخوات بنات ، وله أخوات ذكور ، وهذه الوالدة قَعَدَت ، أي أصيبت بشلل ، الزوجة بعد فترة تبرَّمت من خدمتها . كل حماس الأسرة من الذكور والإناث حينما رأوا أن المرأة أصبحت مقعدة تنصَّلوا جميعاً ، وانسحبوا إلى بيوتهم ، وبدؤوا يقومون بزيارات مجاملة من حين لآخر ، فبقي عبء هذه الوالدة على هذا الابن .
قال لي : والله ما تأنَّفت من خدمتها ؛ وخدمتها شاقَّة ، فالبنت لا تتحمَّل ، هناك إقياء مع الخدمة ، شيء لا يحتمله إنسان ، والإنسان إذا أقعد تصبح حركته ثقيلة ، ورائحته كريهة جداً ، فقال لي : خدمتها خدمة ، أنام بجانبها ، كل دقيقتين توقظني ، أريد أن أقضي حاجة ، فيستيقظ ، الدواء ، الطعام ، الشراب ، بذل جهد مضنٍ وهو راضٍ ، وكان يرى أن هذا هو الكسب .
بعد ذلك حدَّثني عن حالته الراهنة ، أراني في محل آخر التزيينات الرائعة ـ قال لي هذا للأمير الفلاني ، هذا للأمير الفلاني . قلت له : هذه اللوحة ما قيمتها تقريباً ؟ وهي متران بمترين . قال لي : هذه ثمنها ثلاثون ألفاً ، لوحة فسيفساء ، فالبيت كله من الديكورات ، جدرانه كلها ، وهناك أيضاً أقواس ، تصورت البيت يأخذ ثلاثة أرباع المليون ليرة إذا كان كله بهذا الشكل ، وعليه إقبال منقطع النظير ، وكأنه في منجاة من هموم الناس الآن . قال لي : كل هذا بسبب الرضا الذي اكتسبته من والدتي . قال لي : والله لا أدري كيف يأتي المال ، من دون جهد دائماً عندي طلبيات لشهر وشهرين خارج القطر ، سبحان الله ! أنا تأثرت ، طبعاً عمل بيتاً له على هذا الترتيب لأنه أولى ، ليس قصدي الحديث عن الزينة ، ولكن قصدي أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، الله عزَّ وجل قد يكرمه في الدنيا والآخرة . (( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
و : ((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[كنز العمال عن معاذ]
سبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله :
حديث آخر كنت قد أسمعتكم إيَّاه كثيراً ، لكنني أعيده لشدَّة تأثري به ، فهو مؤلم لكن واقعي ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهل يستيقظ الإنسان كل يوم صباحاً مثل البارحة ؟ لا . يستيقظ يوماً يقول لك: تعبان ، شاعر بضيق ، يمكن أن يستيقظ أحد الأيام ويحس بعدم الحركة ، لي قريبة دعت أقرباءها إلى الطعام ، استلقت على السرير فأرادت أن تقوم وإذا ليس بها حركة ، شيء صعب ، شلل نصفي .. (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
نريد الدنيا ، فما الذي في الدنيا ؟ ماذا تلد الدنيا ؟ قال المتنبي : أبنت الدهر عندي كل بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحامِ ؟
* * *
بنت الدهر أي المصيبة ، الدهر ماذا يلد ؟ المصائب . هذا الكلام ليس للمؤمنين ، هذا الكلام موجَّه لمن أصرَّ على الدنيا ، لا يريد إلا الدنيا ، قال عليه الصلاة والسلام : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهو الآن بالأربعين ، فماذا يتوقَّع أن يكون وهو في الخمسين ؟ بصحة أطيب ؟ لا. التقيت مع شخص وهو صاحب نكتة ، عمره بالثمانين قال لي : سبحان الله ! وأنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن !! قلت له : هذا شيء طبيعي ، مع تقدم العمر ماذا يحصل ؟ هناك كولسترول ، وأسيد أوريك ، ووجع مفاصل ، وانحناء ظهر ، وشَيْب ، وضعف بصر، وضعف سمع ، وآلام بالمعدة ، وآلام بالأمعاء ، وديسك بالظهر ، فالأمراض لا تعد ولا تحصى ، قال : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
1 ـ الفقر المنسي :
أجاب النبي الكريم سبعة أشياء ، قال :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أنا أشعر أن كثيراً من الأشخاص كانوا في بحبوحة ، والله العمل توقف ، كان يلعب بالمال لعباً ، الآن يقول لك : لم يبقَ شيء ، المصلحة صارت لا تطعم خبزاً ، كان له دخل كبير تقلص تقلص ، هذه أغلقت ، وهذه أغلقت ، المحل سلَّمه ، بقي بدون دخل ، فالفقر على الله ليس صعباً ، إذا إنسان وصل لمال كثير ، مثلما أعطاه الله يأخذ ، إذا أعطى أدهش ، وإذا حاسب فتَّش . فالله عزَّ وجل قدير على أن يذهب المال كلَّه دفعةً واحدة ، فهناك فقر ، الفقر الشديد ينسي الإنسان ، النبي الكريم وصف الفقر أنه ينسي ، قد ينسي طاعة الله عزَّ وجل ـ كاد الفقر أن يكون كفراً .. 2 ـ أو الغنى المطغي :
(( .......أَوْ غِنًى مُطْغِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كذلك الغنى مصيبة ، إذا كان ليس معه فقه ، ما معه علم ، هناك غنى مغر ، أحياناً يفكر بعمل رحلة إلى أوروبا ، يفكر يذهب إلى الأمكنة الموبوءة بأوروبا ، يريد أن يرى الحي اللاتيني في باريس ، ما الذي في الحي اللاتيني ؟ الحي الفلاني ، المكان الفلاني ، صار عنده رغبة ليتَطَّلع إلى المعصية ، يتشوَّف للمعصية هذا بالغنى ، عندما كان معاشه لا يكفيه كان لا يوجد الحي اللاتيني بحياته ، متى جاء الحي اللاتيني ؟ عندما صار معه نقود ، هذا الغنى المطغي ، أو يستحي بزوجته ، هذه لا تليق بمقامه ، يريد زوجة ثانية سبور ، فهناك غنى مطغ أحياناً .. 3 ـ أو المرض المفسد :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يقول لك : منعوني من اللحم ، والخضر المطبوخة ، لا توجد إلا الخضر المسلوقة بدون ملح . يقول لك : مللت منها . هذا مرض مفسد للصحة ، أحياناً يشتهي قرص فلافل ، يقول لك : ممنوع لأن هذا مقلي بالزيت ، يشتهي صحناً من الحمص . يقول لك : معي أسيد أوريك لا أستطيع . يشتهي قرص كبة ، يقول لك : يمكن هذه تعمل لي مشكلة . فما الذي يأكله إذاً ؟ كله ممنوع عنه .. ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أفسد له حياته . 4 ـ أو الهرم المفند :
((أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا .. ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
ما صار له شيء ، لا افتقر ولا اغتنى ، لا افتقر افتقاراً يُنْسِيه ، ولا اغتنى اغتناء مطغياً ، ولا صار معه مرض مفسد ، لكن صار عمره سبعة وثمانين ، فلم يعد يتذكر جيداً ، هل أطعمتموني ؟ الآن أطعمناك . أنا أكلت ؟ لكن ما الذي عملته الآن ؟ يأتيه ضيف فيقول له: إنهم لا يطعموني . هذا هرم مُفَنِّد ، أي عيوب الإنسان تظهر ، لذلك هناك أشخاص يدعون وأنا والله معهم في هذا الدعاء : أن الله عزَّ وجل يتوفَّانا ونحن في صحتنا ، وفي ذاكرتنا . وإلا صار الوضع غير جيد .
والله أحد الأشخاص وصف لي حالة شخص ، شهد الله أن الموت من نعم الله ، فقد وعيه ومفلوج ، يمسك من تحته ويأكل ، ربطوا له يديه ، ربطوا له رجليه ، يداه مقيَّدتان ورجلاه مقيَّدتان ، وهو أب ، إنسان يرى والده مقيده بحبال ؟! إذا أطلقوا له يديه سيأكل من تحته. هذا هرم فلا أحد يعتز بشبابه ، العبرة للآخرة .
لذلك : التقوى أقوى . لذلك : حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر . لذلك من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ، لذلك قارئ القرآن لا يحزن ، البطولة في خريف العمر ، كل الشباب تجدهم أقوياء ، تجده يأكل أشكالاً ألواناً ، معدته مثل المطحنة ، لكن بعد ذلك خمسين علَّة ، تجده إذا ذهب نزهة معه كمية من الأدوية ، فهذه يتناولها بعد ساعة ، وهذه بعد ربع ساعة ، لا يستطيع . ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والله شيء واضح ! كلام واضح كالشمس ، أول واحدة : فقر منسي، وغنىً مطغي، ومرض مفسد ، وهرم مفنِّد .. 5 ـ أو الموت المجهز :
((أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أيْ موت ينهي الحياة ، انتهاء الحياة ؛ كبر مفنِّد ، مرض مفسد ، غنىً مطغي، فقر .. 6 ـ أو الدجال :
((... أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ .....))
7 ـ أو الساعة :
((....أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فأشراط الساعة كلكم تعرفونها ، فسبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله ؛ تنتظر الذي يريد الدنيا ويصرُّ عليها . هنيئاً لمن عرف الله فوقاه الله من هذا المصير .
إذا بلغ العبد الأربعين أو أكثر لا أذكر نص الحديث ـ عبدي كبرت سنك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستحِ مني فأنا أستحي منك . فيا خجلي منه إذا هـو قال لــي يـا عبـدنا أمـا قرأت كتابنــــا؟
أما تختـشــي منا ويكفيـك ما جـرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أنْ تُـقلع عن الذنـب راجـعاً وتنظــر ما به جــاء وعدنا؟
* * *
فإذا إنسان بلغ الأربعين أو الخمسين ولا يصلي ، قاعد في القهوة يلعب طاولة سبحان الله ! ماذا جعل لآخرته هذا ؟ إلى أين يمشي ؟ على حواف الموت ، على مشارف الموت ولا يعرف الله إطلاقاً !!.
إذاً.. ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
هذا من الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة . فضل الغدو باكراً :
حديثٌ أخير :
((باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح))
[ الجامع الصغير عن السيدة عائشة ]
هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها ، هناك أشخاص معتادون أن ينطلقوا إلى أعمالهم باكراً ، تجد للساعة الحادية عشرة حلَّ مليون مشكلة ، وهناك أشخاص يعتادون العكس ـ أنا قضيت عمراً بالتدريس تسعاً وعشرين سنة ـ الساعة السابعة أبدأ الدرس ، مرة انتهوا الساعات، فرجعت إلى البيت الساعة الحادية عشرة ، لي جار تاجر قال لي : أين ذاهب الآن ؟ مازال الوقت باكراً؟!! قلت له : أنا راجع من عملي ، انتهيت . قلت له : أنا راجع . والثاني يظن أني متأخر عن العمل . النبي الكريم كان يحب الغدو باكراً ، تحل أعمالاً كثيرة . * * *
عامر بن شُرَحْبيل الشعْبِي :
والآن إلى قصة تابعيٍ جليل . هذا التابعي هو الإمام : عامر بن شُرَحْبيل الشَعْبِي.
كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان . لِسِتِّ سنواتٍ خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه ، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم ، ضئيل الجِرم ، فالحجم ليس له قيمة ، الرجال تقاس بأعمالها وأخلاقها وعلمها وإيمانها فقط ـ ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه فلم يدع له مجالاً لنموِّه ، ولكنه لم يستطع أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم، والحلم ، والحفظ ، والفهم ، والعبقريَّة . أيْ ..
فلا تقل : أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
* * *
أحياناً الإنسان بدلاً من أن يفتخر بآبائه يفتخر به آباؤه ، أحياناً بدل أن يفتخر بأبيه، أبوه يفتخر به ، لأن باب التحصيل مفتوح ..أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً . (( لا منكم، ولا منكم، سلمان منَّا أهل البيت ))
[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]
(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))
[ كنز العمال عن عمر]
ذلكم هو عامر بن شرحبيل المعروف بالشّعبي ، نابغة المسلمين في عصره ، ولد في الكوفة وفيها نشأ ، لكن المدينة المنوَّرة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه ، كان يؤمّها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وليأخذ عنهم ، كما كان الصحابة الكرام يؤمون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله أو داراً لإقامتهم .
أتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمئةٍ من الصحابة الكرام ، وأن يروي عن عددٍ كبيرٍ من جِلَّتهم من أمثال علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص ، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي سعيد الخُدري ، والنُعمان بن البشير ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وعدّي بن حاتم ، وأبي هريرة ، وعائشة أم المؤمنين ، طبعاً من وراء حجاب ـ وغيرِهم وغيرهم .
وقد كان الشعبيُّ فتىً متوقِّد الذكاء ، يقظ الفؤاد ، مرهف الذهن ، دقيق الفهم ، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة . من منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها تواً ؟ هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم ، أحدث بحوث للذاكرة أن الذاكرة لها علاقةٌ بالاهتمام ، أيْ إذا بلغ اهتمامك بالقرآن اهتمام النبي العدنان تحفظ البقرة إذا سمعتها مرةً واحدة ، فقوة الذاكرة شيء أساسي .
كان يقول عن نفسه : " ما كتبت سوداء في بيضاء قط- أيْ ما كتب حرفاً أسود على ورق أبيض في حياته ، أي أنه عنده ذاكرة أقوى من الكتابة - ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته ، ولا سمعت من امرئ كلاماً ثم أحببت أن يعيده عليَّ " . نحن إذا شخص نطق بحكمة جميلة ، بالله عليك دقيقة ، بالله عليك أعدها علينا إذا أمكن . يعيدها لك ، أما هو كان عندما يسمعها فيحفظها على الفور ، لا يضطر ليقول له : أعدها لي ، من أي مصدر آخذها ؟ أين الكتاب ؟ ..
وقد كان الفتى مولعاً بالعلم ، مشغوفاً بالمعرفة ، يبذل في سبيلهما النفس والنَفيس ويستهلُّ من أجلهما المصاعب ، إذ كان يقول : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ـ اسمعوا هذا القول ، ليس على الطائرة جامبو ، لا ، - مشياً على الأقدام - تصور الآن أن تذهب إلى الزبداني مشياً ، تصور ما الذي يصير معك ؟ تحتاج إلى يومين ، وتبقى مطروحاً في الفراش عشرة أيام ، لم يكن هناك إلا مشي أو ركب دواب - لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام - أي من حلب - إلى أقصى اليمن فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره لرأيت أن سفره لم يضع ". إذا جئت من آخر أحياء دمشق ؛ ركبت أول باص والثاني ، تصور ساعة وربعاً راكباً في الباصات ، وسمعت حديثاً شريفاً واحداً ، وانهمرت دمعة من عيونك على هذا الحديث ، وتأثَّرت فيه وطبَّقته ، هذا الذهاب والإياب ما ضاع عند الله سُدىً أبداً . هو يقول : من أقصى الشام إلى أقصى اليمن .
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول : " أقلُّ شيءٍ تعلَّمته الشعر " . أي أن كلام الله عزَّ وجل : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ﴾
[سورة يس: 69 ]
هذه معروفة ، لكن .. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
أي لا يليق بهذا النبي الكريم أن يكون شاعراً ، معنى هذا أن الشعر مرتبة دون: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
قال : " أقل شيءٍ تعلَّمته الشعر ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته " . هذا أقل شيء حافظه من الشعر . وكانت تعقد له حلقةٌ في جامع الكوفة فيلتف الناس حوله زمراً زمراً ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءُ ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس . من الصعب جداً أن تلفت نجمة نظرك في النهار ، الشمس مغطية على الكل ، إنها لمضنيةٌ مؤلمةٌ تلك الجهود التي تبذلها النجوم كي تضيء في حضرة الشموس . شيء صعب ، فإذا واحد استطاع أن يحكي مع وجود الصحابة معنى هذا له مكان كبير عند الله عزَّ وجل ، أحياناً الإنسان مع من علَّمه يخجل . يقول له : سكت إجلالاً لعلمك . فتجد الطبيب متحدثاً بارعاً إلا أمام أساتذته تجده يخجل . أي إنسان تعلَّم العلم أمام أستاذه فلا تجد عنده إمكانية يتفاصح أمامه ، يخجل لأنه هو علمه ، حتى أحياناً من آداب المريد مع أستاذه أن يسكت إجلالاً لعلمه .
بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقصُّ على الناس أخبار المَغازي ، بخفاياها ودقائقها ، فأرهف سمعه إليه وقال : " لقد شهدت بعض ما يَقُصُّه بعيني، وسمعته بأذني ، ومع ذلك فهو أروى له مني " . سيدنا عبد الله بن عمر شاهدت بعيني وسمعت بأذني وهو مع ذلك - عن الشعبي- أروى له مني . شواهد سعة علم الشّعبي :
شواهد سعة علم الشَعبي ، وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة ، من ذلك ما رواه عن نفسه قال : " أتاني رجلان يتفاخران ، أحدهما من بني عامر والآخر من بني أسد ، وقد غَلَبَ العامري صاحبه ، وعلا عليه ، وأخذه من ثوبه ، وجعله يجرُّه نحوي جراً ، والأسدي مخذولٌ أمامه يقول له : دعني دعني . وهو يقول له : والله لا أدعك حتى يحكم الشّعبي لي عليك . فالتفَتُّ إلى العامري وقلت له : دع صاحبك حتى أحكم بينكما . ثم نظرت إلى الأسدي وقلت : ما لي أراك تتخاذل له ؟ ولقد كانت لكم مفاخر سِتُّ لم تكن لأحدٍ من العرب ؛ أولها أنها كانت منكم امرأةٌ خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله ، فزوجه الله إيَّاها من فوق سبع سموات ـ زينب وحدها زوجها الله ، فزوجنكها ، هذه مفخرة لهذا الأسدي ـ وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام ، إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش ، فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحدٍ من العرب غيركم .
والثانية أنه كان منكم رجلٌ من أهل الجنة يمشي على الأرض ، هو عكاشة بن مُحصن .
اللهمَّ صلِّ عليه كان قمة الذوق ، مرَّ عُكَّاشة فبشَّره بالجنَّة ، دخل آخر فقال له : وأنا ؟ ماذا سيقول له اللهمَّ صلِّ عليه ؟ هو ليس من أهل الجنة ، إذا قال له : أنت لست من هؤلاء يكون حطَّمه ، و إذا قال له : أنت من أهل الجنة يكون غشَّه ، ضع نفسك في هذا الموقف ، عكَّاشة بشِّر بالجنة ، أما هذا الذي دخل على النبي بعده فقال : وأنا يا رسول الله ؟ قال له : " سبقك بها عكَّاشة " . أنت تأخرت فسبقك هو وأخذها . فهذا منتهى الذكاء ، منتهى الذوق ، منتهى اللطف إن قال له : لا . فقد حطَّمه ، وإن قال له : نعم . فقد غشَّه ، قال له : " سبقك بها عكَّاشة " .
( من تاريخ الإحياء )
وكانت هذه لكم يا بني أسد ولم تكن لسواكم من الناس .
والثالثة أن أول لواءٍ عُقِدَ في الإسلام كان لرجلٍ منكم هو عبد الله .
والرابعة أن أول مَغْنَمٍ قُسم في الإسلام كان مَغْنَمَهُ .
والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان مِنكم ، فقد جاء صاحبكم أبو سِنان بن وهبٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يا رسول الله ابسط يدك أبايعك . قال: على ماذا تبايعني ؟ قال : على ما في نفسك - معك على طول الخط ، على أي شيء تريده، ما هذه المحبة ؟- قال له : على ماذا تبايعني ؟ قال له : على ما في نفسك يا رسول الله .؟ قال : وما في نفسي ؟ قال له : فتحٌ أو شهادة . قال : نعم . فبايعه ، فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان " .
والسادسة أن قومك بني أسد كانوا سُبُعَ المهاجرين يوم بدر- السبع منهم - فبهت العامري وسكت .
ولا ريب أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب ، ولو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يُحِطْ به خبرا .
حكمة الشعبي و دهاء ملك الروم :
ولَّما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق : " أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا ، أتخذه سميراً وجليساً " . فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته ، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعْضلات ، ويعوِّل على رأيه في المُلِمَّات ، ويبعثه سفيراً بينه وبين الملوك .
انظروا إلى هذا الموقف .
أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان- ملك الروم - فلما وفد عليه واستمع إليه ، سأله الملك الرومي : " أمن أهل بيت المُلك أنت ؟ قال : " لا إنما أنا رجل من جملة المسلمين ، أنا واحد من الدَهْمَاء " هذا من باب رفع شأن المسلمين . فلما أذن له بالرحيل قال له : " إذا رجعت إلى صاحبك - ويعني المَلك عبد الملك - وأبلغته جميع ما يريد معرفته ، فادفع إليه هذه الرقعة ـ أعطاه رسالة ـ "
فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك ، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه ، وأجابه عن جميع ما سأله ، ولمَّا نهض لينصرف قال: " يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني إليك هذه الرقعة " . ودفعها إليه وانصرف .
فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه : " ردوه عليَّ " . فردوه .
ـ فقال له : " أعلمت ما في هذه الرقعة ؟ " .
ـ قال : لا أيها الأمير .
ـ قال عبد الملك : لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول : عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى ؟!! هذه الرسالة فيها لغم .
ـ فبادره الشعبي قائلاً : إنه قال هذا لأنه لم يرك ، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قال ذلك .
ـ فقال عبد الملك : أفتدري لمَ كتب إليَّ ملك الروم بهذا ؟
ـ قال : لا يا أمير المؤمنين .
ـ قال عبد الملك : إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك ، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك .
ـ فبلغ ذلك ملك الروم فقال : لله أبوه !! والله ما أردت غير ذلك .
افتكر أن عبد الملك أحمق ، يقول له : هذا الملك وليس أنت . فيقتله ويرتاح منه، أما كان جوابه في منتهى الروعة !!
الشمائل التي يتصف بها الشّعبي :
بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابعَ ثلاثةٍ في عصره ، فقد كان الزهري يقول: العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة ، وعامر الشَعبي في الكوفة ، والحسن البَصري في البصرة ، ومكحولٌ في الشام . لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحدٌ لقب العالِم .
فقد خاطبه أحدهم قائلاً : أجبني أيها الفقيه العالِم ؟ فقال : ويحك لا تطرنا بما ليس فينا ، الفقيه من تورَّع عن محارم الله ، والعالِم من خشي الله ، وأين نحن من ذلك ؟ .
سأله آخر في مسألة ، قال : قال فيها عمر بن الخطاب كذا ، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا . فقال له السائل : وأنت ماذا تقول ؟ فابتسم في استحياء وقال له : وماذا تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي ؟ . ماذا تريد من كلامي ؟ ..
كان الشعبي يتحلَّى بكريم الشمائل ، من ذلك أنه كان يكره المِراء ، ويتصاون عن الخوض فيما لا يعنيه . كلَّمه أحد أصحابه ذات يوم فقال له :
ـ يا أبا عمرو .
ـ قال له : لبيك .
ـ قال : ما تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين ؛ عثمان وعلي ؟ .
ـ فقال : " إني والله لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعثمان بن عفان أو لعليّ بن أبي طالب " ..
((إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا))
[ الجامع الصغير عن عمر ]
كان حليماً . يروى أن رجلاً شتمه أقبح الشتم ، وأسمعه أقذع الكلام ، فلم يزد عن أن قال له : " إن كنت صادقاً فيما ترميني به غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ".
هل هناك حالة ثالثة ؟ إن كنت صادقاً أرجو الله أن يغفر لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك . فهل عندك أعصاب تواجه إنساناً اتهمك بأقذع تهمة ؟ أنت تكيل له الصاع صاعين . أما هو فقال له : " إن كنت صادقاً غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ؟ "
ولم يكن الشعبي على جلالة قدره ، وجذالة فهمه يأنف أن يأخذ المعرفة ، أو يتلقَّى الحكمة عن أهون الناس شأناً ؛ لقد دأب أعرابيٌ على حضور مجالسه ، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً ، لا يتكلَّم ولا كلمة ، فقال له مرة : ـ " تكلَّم يا رجل " ؟. تكلَّم كلمة نفهم من أنت؟ ما هو تفكيرك ؟ نعجبك أم لم نعجبك ؟ ما هو وضعك ؟ تقبل هذا الكلام أم لا تقبل ؟ احكِ كلمة، أحياناً الأخ يتكلَّم كلمة فتفهم ما هو وضعه ، أنه مسرور أم غير مسرور ؟ شخص ساكت لا تعرف ما هو وضعه ، فقال له هذا الأعرابي: أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، أما حظه من لسانه فيعود على غيره .
فظلَّ الشعبي يردِّد هذه الكلمة ما امتدَّت به الحياة : أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، وحظه من لسانه يعود على غيره .
كان عنده فصاحة وجرأة ؛ مرة كلَّم أمير العراق عمر بن أبي هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم ، فقال : " أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم ، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يَسَعَهُم " . فأعجب بقوله وأطلقهم كرامةً لهم .
كان صاحب مرح ، النبي الكريم كان صاحب مرح ، قال : ((روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة فإن القلوب إذا كلَّت عميت))
[ من شرح الجامع الصغير عن علي ]
لقد دخل عليه رجل وهو جالسٌ عند امرأته فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال : هذه .
وسأله آخر : ماذا كانت تسمَّى زوجة إبليس ؟ فقال له : " والله هذا عُرْسٌ لم نشهده" أنا ما حضرت الحفلة فلا أعرف ما هو اسمها ، وليس هناك بطاقة كريمة فلانة أو فلان ، لا توجد .
ولعلَّ خير ما يصوّر كلام الشعبي ما حكاه عن نفسه : " ما حللت حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس- أي أنه كان يجلس في مجلس العلم لا يلتفت لشيءٍ - ولا ضربت غلاماً لي - جالس في مجلس علم ، كل حاجات الناس التي يتطلعون لها لم تكن تخطر في باله ، دخل في هذا المجلس فاستغرق فيه - وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه ". عليَّ دينه ، انتهى أمره .
عُمِّر الشعبي نيِّفاً وثمانين عاماً ، فلما لبَّى نداء ربه ونُعي إلى الحسن البصري قال: " يرحمه الله فقد كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان " .

السعيد
09-08-2018, 01:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طلب العلم :
في موضوع طلب العلم ، الذي لاحظته أن أكثر الإخوة الأكارم يحضرون هذه المجالس ويستمتعون بها أولاً ، وينتفعون بها ثانياً ، لكنهم إذا أرادوا أن ينفعوا غيرهم بهذه المجالس ، فإن قدرتهم على نفع الآخرين تبدو محدودة ، لسبب أن هذا الذي استمعوا إليه وتأثروا به في الجلسة هذه مثلاً ، أو يوم الجمعة لا يستطيعون أن ينقلوا هذا التأثير إلى من حولهم إذا ما أرادوا ذلك ، لأن كل ما ليس في القرطاس ضاع .
مثلاً : نحن يوم الأحد منذ أكثر من خمس سنين نعطي بعض الأحاديث من كتاب الجامع الصغير ، هذا الكتاب متوافر في الأسواق ، فلو أن إنساناً اقتنى هذا الكتاب ، وحينما حضر إلى هذا المجلس ، وعاد إلى البيت ، فتح الكتاب ووضع خطاً أحمر تحت الأحاديث التي تمَّ شرحها ، هو إذا ألقى على هذا الكتاب نظرة أو على هذا الحديث يذكر كل ما قيل حوله ، قد نقول حوله ساعة ، أو نصف ساعة ، أو عشر دقائق . إذا قرأ الحديث الشريف تذكر كل شيءٍ قيل حول هذا الحديث .
فلو جلست مع زوجتك ، لو جعلت لأولادك وزوجتك درساً أسبوعياً رسمياً ، لو أن لك أخواتٍ متزوجات ، وجمعتهن في الأسبوع مرة وألقيت عليهن هذه الأحاديث وما بقي في ذاكرتك من شرحها ، هذا الذي تعلَّمته ينتفع به الآخرون ، أما إذا حضرت ، واستمعت ، واستفدت ، وتأثَّرت ، وأعجبت ، كل هذا الخير انصب عليك ، وأنت لم تستطع أن تنقل هذا الخير إلى الآخرين .
إذاً الكتاب الذي ندرسه ، طبعاً هذا الكلام ليس لكل من يحضر ؛ لكن من كان طالباً للعلم ، ومن أراد أن يستفيد من طلب العلم ، ومن أراد أن يؤثِّر في الآخرين لا بد له من وسائل ، أن يقول : والله هناك دروس رائعة جداً . قد لا يرضى فلان أن يأتي معك إلى الدرس، ألا تستطيع أن تنقل له شيئاً مما تعلمته ؟! هذا الشيء لا بد منه .
فالإنسان عندما يقتني كتاب الجامع الصغير ، يستطيع أن يتذكر عشرات أو مئات الأحاديث التي تمّ شرحها في هذا المسجد ، طبعاً هذا الحديث الشريف بالمناسبة هناك حديث واضح جميل جداً ، وحديث قد لا تعرف تفسيره ، و هناك أشخاص إذا وجد حديثاً يأخذه على ظاهره ، ويسأل كيف يقول عليه الصلاة والسلام هذا الحديث وهذا الحديث يتناقض مع هذا الحديث؟! إن كنت تريد أن تدخل في هذه المتاهة لا تشتري هذا الكتاب ، لكن إذا أردت أن تقرأ الأحاديث التي اخترتها أنا لك ، في الصفحة قد أختار حديثاً أو حديثين أو ثلاثة ، كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حق لكن هناك حديث معناه ظاهر ، وأثره ظاهر ، وله علاقة بحياتنا اليومية ، وأحاديث قد لا نستطيع فهمها ، وإذا فُهمت لا تتصل بحياتنا اليومية ، ونحن حينما لا نعرف أن نوجه هذا الأحاديث - هذا الكلام أقوله لكم - دعه أوقفه ، إما أن تسأل عنه وإما أن توقفه .
الأحاديث كثيرة منها واضح المعنى و منها ما يحتاج إلى تفسير :
مرة أنا مرة قرأت حديثاً : " اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله " .
والله هذا الحديث لم أستوعبه ، كيف يكون أهل الجنة بلهاً ؟ المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ، المؤمن كيِّس ، فطن ، حذر ، المؤمن صاحب فطنة ، ذكي ، يقظ ، صاحب ملاحظة " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه "
مئات الأحاديث تؤكِّد أن المؤمن ذكي ، فكيف نفسر هذا الحديث ؟ موقوف الحديث حتى يفتح الله لنا معناه .
مرة سألني إنسان عن هذا الحديث ، استطعت أن أفهم منه شيئاً ، إذا الآن إنسان جاءته فرصة صفقة فيها ربح مليون ليرة مثلاً هو طبيب شرعي ، وجاءته حالة تسمم ، أخذ عينة من المعدة ، وجد فيها سماً ، جاءه سين من الناس . قال له : يا دكتور اكتب لنا أن الوفاة كانت طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة لأن هذا الإنسان الميت خلّف وراءه مئة مليون اكتب الوفاة طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة .
فهذا رفض إحقاقاً للحق ، قال : الموت تسمم ، وفي الأمر جريمة . ألا يقول له معظم أصدقائه : أنت مجنون ، يا أخي مات وانتهى ماذا تريد منه ؟ خذ خمسة ملايين ، خذ بيت بالمالكي بمليوني ليرة وبيت بحاليا بمليون ، ثلاثة ملايين ، خذ سيارة بمئتين وخمسين ألفاً - مازدا - خذ شاليه على البحر ، ماذا تريد من وجع الرأس ، واكتب الوفاة طبيعية ؟!! ألا يتهم هذا الإنسان المستقيم النزيه أنه أبله ؟
فهذا البله إن صح التعبير من نوع آخر ، قد تعرض له صفقة رابحة، فيها شبهة ، تقول : إني أخاف الله رب العالمين . سيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز ، ألا يقيّمه أراذل الناس بأنه أبله ؟ هذه فرصةٌ لا تعوَّض :
﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
هناك حديث لا يكون معناه ظاهراً أمامك ، لكن لو تعمَّقت فيه تجد له معنى عميقاً جداً مثلاً : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر .... ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
لو مر معك حديث هكذا توقف عنه وقل : لا أعرف ، ليس من المعقول أن يكون معناه الظاهري هكذا ؟! ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُم ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
اسأل عنه ، إذا سألت عنه وأبلغوك ، هذا الذنب هو الشعور بالذنب ، إذا الإنسان ما شعر بذنبه فهو هالك وميت القلب ، إذا اغتاب إنساناً وذهب لينام ، وصدر منه صوت الشخير وقال لك : ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيئاً ، لم نقتل ولم نضرب . هذا ميِّت ، هذا هالك ، هذا لم يذنب بمعنى أنه ما شعر بالذنب ، هنا معنى تذنبوا بمعنى تشعروا بذنوبكم ، فهناك أحاديث واضحة و أحاديث تحتاج إلى تفسير . أهمية الكتب التي نقتنيها :
على كلٍّ إذا اقتنيت كتاب الجامع الصغير واكتفيت بالأحاديث التي أنتقيها لك ، وإذا سألتني عن بعض الأحاديث أعطيك معناها إن شاء الله تعالى ، صار عندك بالبيت نواة مكتبة عندك الجامع الصغير ، كتاب في الحديث ، وهناك طبعاً أحاديث ضعيفة في الجامع الصغير مكتوب " ض" قد يكون الحديث ضعيفاً في مَتْنِهِ ، وقد يكون ضعيفاً في سنده ، مثلاً، بعض الأحاديث الضعيفة .
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن: 60]
هذه آية قرآنية ، ورسول الله قالها ، هناك أحد الرواة لم يكن عدلاً ، فالحديث ضعيف ، وهذا الحديث رغم أنه ضعيف من قواه ؟ القرآن ، فهذه آية قرآنية ، لو أنه ضعيفٌ يجب أن نقرأه ، لأن القرآن هو الذي قوَّاه وصحَّحه .
إذاً نريد من أجل أن يصبح هذا العلم واسع الانتشار ، كل واحد حوله خمسين شخصاً أو خمسة وعشرين ، ما بين زوجته ، وأولاده ، وجيرانه ، وعدلاته ، وأصهاره ، وإخوته، وأصدقاء إخوته ، وزملائه في العمل يصبحون خمسين ، فإذا حضر درس الأحد ، وعنده بالبيت الجامع الصغير ، الحديث تأثر فيه تماماً ولكن لم يحفظ نصه ، فتح الكتاب هذا نصه ، كتبه على ورقة ، وضعه بجيبته ، التقى بأخ مؤمن ، بصديق ، بصاحب ، أحسن من حديث لا طائل منه ؛ من حديث الأكل والشرب ، حديث النساء ، من أحاديث تبعث في النفس الضيق والاشمئزاز وضِّح له معنى هذا الحديث .
نحن مثلاً أمضينا سنة أو أكثر في كتاب بالفقه الحنفي مختصر مفيد "مراقي الفلاح" كتاب بالأسواق موجود ، إذا الإنسان اشتراه كذلك كون مكتبة فقه ، كتاب بالفقه أساسي، أراد أن يعرف شروط الصلاة ، مكروهات الصلاة ، سنن الصلاة ، الأركان ، يا ترى تكبيرة الإحرام رُكن أم شرط ؟ إذا الإنسان مثلاً نزل دم من يده هل يتوضأ أم لا يتوضأ ؟ إذا الدم سال يتوضأ إذا لم يسل لا يتوضأ ، كتاب قرأناه كُلَّه خلال سنة أو أكثر " مراقي الفلاح " أيضاً كتاب نقتنيه أحياناً إنسان يسأل نفسه سؤالاً ، يكون معه الجواب في الكتاب .
فأنا أريد أن هذا الشيء الذي نتعلمه أن يبقى له أثر ، والله درِّسنا فيه عشر سنوات تقريباً ، آلمني شخص قال لي : إنسان جاء لعندي لكي أفحصه ، هو خطيب مسجد سألته عدداً من الأسئلة فلم يعرف الجواب . قلت له : هذا الذي سألته عنه درسته خلال سنة ، موضوع النكاح ، سنة بكاملها . قال له : ما هو الطلاق البِدعي والطلاق السني ؟ قال لي : لم يعرف الجواب . مع أننا وقفنا في هذا الموضوع سنة بأكملها ، فالإنسان إذا لم يراجع الموضوع لا يقدر أن يحفظ ، إذاً كتاب مراقي الفلاح ببيوتنا ، كتاب الجامع الصغير ، فمن باب إذا سمعت شيئاً لطيفاً تتذكره ، أما القرآن فسهل ، تفتح سورة : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1-4 ]
يمكن تتذكر شيئاً كثيراً عن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
التسوية ، وشيئاً كثيراً جداً عن : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
وعن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يمكن سورة الأعلى تكون هذه الجمعة كلها مدار حديثك مع إخوانك ، مع أصحابك، مع أصدقائك ، مع جيرانك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، والشيء اللطيف في العلم أنه يزكو على الإنفاق ، المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق - أي يزداد - . اصطفاء الكتب المفيدة تفادياً لإضاعة العمر :
لكن هناك موضوع دقيق أحب أن أطرحه أمامكم : إذا إنسان عنده مكتبة لوالده ، وهذه المكتبة فيها ألف كتاب ، وعنده امتحان و هو في السنة الثالثة في الجامعة بعد أسبوع ، بكتاب مقرر هو مثلاً : الأحوال الشخصية في القانون المدني . أي كتابٍ إذا قرأه يستفد ؟ الكتاب المُقرر . لكن المكتبة فيها كتب كثيرة ؛ فيها قصص ، فيها مسرحيات ، فيها كتب علمية، ، فيها كتب بالتاريخ ، فيها كتب بالفلسفة ، كله نافع ومفيد، لكن الذي ينفعك أكثر من غيره أن تقرأ الكتاب المقرر لتؤدي به امتحاناً وتنجح .
فالآن الأخ المؤمن إذا الله وفقه يعرف أيْ كتاب في الحياة مقرر من قبل الله عز وجل ، فالكتاب المقرر : القرآن الكريم . فإذا أمضى حياته كلها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله فقد نجح إلى الدار الآخرة ، ودخل جنةً عرضها السموات والأرض .
فلا تظن أن كل إنسان يقرأ يستفيد ، هناك كتب لا تقدِّم فائدة ، ممتعة، تُمتع ولا تنفع ، و هناك كتب تنفع ولا تُمتع ، وهناك كتب تُمْتِع وتنفع ، كمعرفة كتاب الله عز وجل .
شيء آخر ... الآن أريد أن أضرب أمثلة لأن الموضوع دقيق جداً، مثلاً يجوز أن يعطي تلامذته أكبر كتاب بالفقه " حاشية ابن عابدين " هذا الكتاب يعد أضخم كتاب في فروع الفقه لا في أصوله ، في فروعه ، حالات نادرة لا تقع ، تسعون بالمئة من حالات هذا الكتاب لا تقع ولم تقع ، فإذا أمضى الإنسان عمره كلَّه في معرفة هذا الكتاب وفهم دقائقه ، هل يكون قد ربح أم خسر ؟ خسر ، نافع لكنه ضيَّع معرفة الله ، ضيَّع معرفة نفسه ، ضيَّع العمل الصالح ، ضيع تطهير قلبه .
فالإنسان إذا كان يملك مئة ألف ، يريد أن يتزوج ، فاشترى مخرطة ووضعها ببيته هذه مفيدة ، لا تلزمك بكل عمرك ولا مرة ، تستعملها ربع ساعة ، حجزت غرفة بالبيت ، وثمنها مئة ألف ، استهلكت ثمنها ولم تستفد منها ، أما إذا كنت حكيماً فتأخذ غرفة ضيوف ، وغرفة نوم ، وتأخذ برَّاد ، وغسالة ، ومكواة ، و أداوت أساسية ، وأدوات مطبخ ، وتعيش حياة معقولة بهذه المئة ألف ، أما أن تأخذ بهذا المبلغ مخرطة وتضعها بغرفة الضيوف وتقف ، آلة عظيمة ، صح عظيمة ، مفيدة ؟ مفيدة ، أما هل هي مفيدة لك ؟ لا ليست مفيدة لك .
هذا المثل ضربته ، كذلك إذا إنسان أراد أن يغادر هذا البيت خلال ربع ساعة ، ومعه سيارة صغيرة ، عبِّئها ما شئت ، هل تضع فيها كنباية ؟ لا ؛ بل تضع فيها أجهزة ثمينة ، عندي آلة تسجيل ، فرن ، عندي جهاز ، حقيبة سمسونايت ، صيغة ، لا ، املأها كنباية واحدة وأمشي ؟ يجب أن تختار الشيء المفيد والنافع ، لأنه لا يوجد أوسع من الكتب المؤلفة !! فما يطبع في اليوم من كتب لا تكفي السنوات الطويلة لقراءته ، سنوات ، رقم لم أحفظه قد يحتاج إلى ثمانين سنة ، ما يطبع في العالم من كتب يومياً حتى يقرأه إنسان واحد يحتاج لثمانين سنة ، شيء مستحيل تحتاج اصطفاء .
فلذلك يجوز أن يكون هناك فصلاً بإحياء علوم الدين أنا أتجاوزه بكامله ، لا يتصل بحياتنا اليومية اتصالاً شديداً ، فهناك اصطفاء من قِبَل الذي يدرِّس ، هذا الاصطفاء مبني على معرفة أن هذا الموضوع له علاقة ماسة بحياة الإخوة الحاضرين اليومية .
حكم الصلاة داخل الكعبة . اذهب للحج ، لا يسمح لك أن تدخل داخل الكعبة ، فهذا الشيء مستحيل ، أحياناً هناك موضوعات بالمياه غير مجدية كثيراً ، في بيوتنا مياه نقية وطاهرة ، فالإنسان يجب أن يصطفي ، إذا ما اصطفى يضيع عمره سُدى ، لأن الموضوع دقيق جداً .

* * *
أنواع العلوم :
الإمام الغزالي يقسم العلوم - وأنا هذا الشيء قلته سابقاً - إلى ثلاثة أنواع : علومٌ بأمر الله ، وعلومٌ بمخلوقات الله ، وعلومٌ بالله .
العلم بمخلوقات الله برعت به أوروبا . أخي هذا مختص مثلاً بالأنف ، جاره مريض قال له : أنا أنفي هنا فيه ألم . قال له : أنا مختص بالشق الأيمن بالأنف ، هذه لا أعرف عنها شيئاً . المبالغة بالاختصاص لدرجة أن الإنسان يقضي حياته كلها في فرع دقيق دقيق دقيق من فروع المعرفة يكسب منه قوته ، عند الناس هذا عالم ، أما عند الله فليس بعالم ، لم يعرف آخرته، ولو معه بورد باختصاص معيَّن ، أما الإنسان عندما يعرف ربه ، يعرف لماذا خلقه ؟ يعرف ما الشيء المجدي في الحياة ؟ لا بد من عمل صالح ، لا بد من استقامة ، لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، لا بد من تطبيق كتاب الله في الزواج ، في البيع ، في الشراء ، إذا عرف هذه المعرفة استفاد من علمه .
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله :
إذاً الشيء الذي أود أن أقوله لكم ثانياً : كتابنا المقرر هو القرآن الكريم .
(( منْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ))
[ ابن المنذر عن سفيان بن عيينة ]
(( لا يحزن قارئ القرآن ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]
(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله ، قد يُسأل إنسان هذا السؤال : رسول الله ألم يترك تفسيراً لكتاب الله ؟ لو ترك تفسيراً لارتحنا من خلافات المفسرين ؟ نعم رسول الله ترك تفسيراً يقدر بألف أو ألفي صفحة ، تفسير النبي عليه الصلاة والسلام هو الحديث الشريف .. ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾
[ سورة النحل: 44 ]
هذا هو الحديث ، إذاً الكتاب الأول الموجز المُعْجِز هو القرآن ، كتاب التفسير الأول الذي فَسَّره النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الشريف ، هناك فقهاء كبار كالإمام أبي حنيفة ، والإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والإمام المالكي ، فهموا فهماً دقيقاً من أحاديث رسول الله ، واستنبطوا منها أحكاماً في المعاملات ، في العبادات ، في الزواج ، في الطلاق ، في الإرث ، هذا هو الفقه .
إذاً لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، وفهمٍ لحديث رسول الله ، وفهمٍ لبعض أحكام الفقه التي نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليها ، ولا بدَّ من قراءة بعض سير الصحابة الكرام لماذا ؟ لأنك إذا قرأت سِيَرَهم تأكَّدت هذه القيم الأخلاقية السامية عن طريق الواقع ، أي أن هذه المُثُل العليا أصبحت وقائع عُليا . فالناس إذا قلت له : افعل كذا ، لا تفعل كذا . يقول لك : كفانا مثاليات ، الواقع هكذا ، فإذا قرأت عن الصحابة قصةً ترى أن واقعهم كان مثالياً ، لذلك يمكن أن نسمي " المثالية الواقعية " فالإنسان بالقصة يرى أن هذه المُثُل قد تجسَّدت ، والإنسان يتمنى أن يكون له قدوة بالحياة .. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
[ سورة الممتحنة: 6 ]
مضمون دروس الأحد و الجمعة من أصول العلوم الشرعية الكبرى :
من هذه المُنطلقات جعلت درسي الجمعة والأحد بين التفسير والتفكير، وبين الحديث والفقه والسيرة ، هذه أصول العلوم الشرعية الكبرى ، لكن لا أعرف مدى استيعاب هذه الحقائق عند الإخوة الحاضرين ، يا ترى هناك فهم دقيق ؟ هناك استيعاب ؟ هناك تمثُّل ؟! أما موضوع تباركنا بحضور الدرس وانتهى الأمر؟ فهذه الكلمات التي لا معنى لها ، لا أحبها كثيراً ، كلمة :
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
[ سورة الملك : 1 ]
كلمة قرآنية ؛ لكن هذه الكلمة القرآنية العظيمة المقدَّسة استخدمها الناس استخداماً مفرغاً من مضمونه ، فإذا أحب أن يجاملك يقول لك : تباركنا ، كيف تباركت ؟ البركة حصلت، الله يبارك فيك ، تباركنا سيدنا. هذا كلام ليس له معنى ، ما معنى تباركت ؟ هل هناك آية فهمتها وتأثرت بها وذكرتها وطبقتها ووجدت نتائجها ؟ كلامك صحيح ، الآن أنت تباركت ، إذا كنت قاعداً مثلاً وسمعت آية غض البصر ، في اليوم الثاني غضضت من بصرك ، دخلت لبيتك وجدت نفسك سعيداً ، هذه الشحناء والبغضاء والخصام ، وأنك ترى الزوجة بشكلٍ لا يرضيك ، وهي تتحدَّاك دائماً وتستعلي عليك ، حينما غضضت بصرك عن محارم الله ، دخلت إلى البيت فرأيت زوجتك امرأةٌ أخرى وديعة ، راقت لك في نظرك ، بقي الجو بينكما أليفاً ، لطيفاً مقدساً ، فيه احترام ، ومودة . والله جميل ، هذا كتاب الله ، هذه قاعدة من قواعد الحق ، الآن تباركت يا أخي ، تعلمت آية وطبقتها ، وقطفت ثمارها ، الآن تباركت ، أما قبل أن تطبق فليس هناك بركة ، هذه بركة موهومة ليس فيها شيء . الانتقال بالناس من الاستماع إلى التطبيق :
لذلك خطر في بالي أن نعمل لقاء إما هنا أو في جامع آخر ، أنا عندي ثلاث رخص في ثلاثة جوامع ، بالنابلسي ، والحاجبية ، والعفيف ، فهذا اللقاء لا يوجد كلام من طرفي أبداً ، إجابات من طرفكم ، مثلاً نعمل مذاكرة بدرس الجمعة لنرى كلمة مثلاً:
﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
ما معنى التسوية ؟ إذا إنسان استوعب التسوية ، فالكون كله فيه تسوية ، الشمس فيها تسوية ، القمر فيه تسوية ، النجوم فيها تسوية ، الماء فيه تسوية ، الهواء فيه تسوية ، الجبال فيها تسوية ، السهول فيها تسوية ، الصحارى فيها تسوية ، فوضحت معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
خلال ثلث الساعة تقريباً ، و إذا عملنا لقاء ثانياً فلا يوجد من قبلي شيء أبداً ، من قبلي أسئلة فقط ، ما معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يجوز أن نسأل : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
لما لم يقل : سبح ربك الأعلى . لماذا : سبِّح اسمَ ؟! هذه أيضاً وضحتها ، وما معنى ربك ؟ ولماذا الأعلى ؟ ماذا تعني سبِّح ؟ أيْ نَزِّه ، كيف أنزِّه ؟ هذا أمر ضمنه أمر، خذ شهادة ، أيْ ادرس ، هل عرفت الله كي تسبِّحه ؟ معنى التسبيح التوجيه ، معناه الإيجابي التعظيم ، فإذا حصلت مذاكرة في درس الجمعة ، ومذاكرة في درس الأحد ، وسؤال عن تفكير الإنسان اليومي في آيات الله الكونية ، فإن الإنسان ينتقل من مستمع.
نحن كنا في الجامعة بالستينات كان يوجد نظام ألغي الآن ، نظام مستمع ، وطالب نظامي ، المستمع ليس له شيء ، له حق أن يدخل ليحضر محاضرة ، لكن له شهادة خاصة لا تؤهِّله أن يعيَّن بموجبها ، أما الطالب النظامي فهذا الطالب يعطى شهادة تؤهِّله أن يعين بموجبها، يخطر ببالي أحياناً أنه بموسم الشتاء الإخوة الحاضرون يزدادون ، أنا أسميت هذا القسم : زبائن شتوية طلاب العلم شتويون . في الصيف يكونون سارحين خارج البلد ، في الشتاء يقول لك : والله لا يوجد شيء ، الدنيا برد ، أحسن شيء أن نذهب إلى الجامع . العمَّال الموسميون ليس لهم تقاعدية ، وليس لهم تأمينات اجتماعية ، لأنه عامل موسمي ، أما العامل الدائم فله تقاعدية ، وله تأمينات اجتماعية ، فإذا الإنسان كان مريداً موسمياً شتوياً مثلاً ، هذه مشكلة ، نحن نريد مريداً دائماً ، نريد طالباً نظامياً ليس طالباً مستمعاً .
فإذا أكرمنا الله بلقاء ، وحاولنا فيه أن نتذاكر درس الجمعة ودرس الأحد والتفكير اليومي والحديث منكم فقط ، ليس مني ، لعل هذه الحقائق تثبت ، لعل الإنسان قبل أن يأتي إلى الدرس يقول : ماذا أخذنا في درس الجمعة ؟ يفتح المصحف ، يتذكر ، لعله يجلس مع أخيه يقول له : انظر إلى تلك الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
تكلمت عنها عشر دقائق ، أيْ هناك موضوعات خلافية بين الناس ، المرأة نصف المجتمع ، فهل تشتغل أم لا تشتغل ؟ بهذه الموضوعات ، ربنا قال : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى إذا كان هناك ربا بنسبة قليلة ، هل هناك مانع ؟ أم لا يوجد مانع ؟ هل ندع المال مجمداً ؟ نستفيد ، يعطونا شيئاً من الفائدة !! ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
حقائق . ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
إذا الإنسان طبَّق كلام الخبير يستقيم ، هذا خبير ، كلام ربنا كلام خبير .. ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
[ سورة فصلت: 42]
على كل مسلم أن يكون له أثر إيجابي في حياته :
هناك طموح بنفسي أن يكون كل واحد منكم عالماً ، فلست فرحاً أن أتكلم والكل يستمعون ، ويتأثرون ، وليس هناك أثراً إيجابياً بحياتهم اليومية ، يجب أن يكون كل واحد منكم أمة ، كل واحد خمسون ، رقمه خمسين عند الله عز وجل ، فالواحد بين زوجته ، وأولاده، وأصهاره ، وبين إخوانه ، وأصدقائه ، وأحبابه ، وجيرانه ، وزملائه ، وعدلاته ، ومن تعرَّف عليهم ، ومن لم يتعرَّف عليهم ، هؤلاء نسبة كبيرة ، إذا درس حديثاً شريفاً وبلَّغ الناس فله أجر كبير .
مثلاً :
(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))
[ كنز العمال عن أنس ]
والله شيء جميل ، الذنب كله شؤم ، ليس على صاحبه فحسب بل على غير صاحبه . إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه.
صار هناك مشكلة ثانية الآن ، فلان أذنب ، أنت إياك من ذنبه ، إياك أن تتكلم عنه وقعت في غيبته ، إياك أن تشمت فيه ، تقع بنفس الذنب ، إياك أن ترضى بذنبه ، شاركته في الإثم . هذا حديث يُحكى ؛ يحكى للأهل ، للأولاد ، للأصدقاء .
فهذه المقدمة أردت منها أن الإنسان يتطور ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، المغبون من تساوى يوماه أي من كان يومه كأمسه .
وهناك ملاحظة ثالثة : إذا كان يعمل في مصلحة واحدة أخوان أو ثلاثة ، جيران ، أقارب، التقوا بين بعضهم أثناء الجمعة لقاء ، وتذاكروا درس الجمعة والأحد ، ما الذي يحصل ؟ مثلاً أحدهم لا سمح الله والدته مريضة قعد في درس الجمعة ، وصلت عند قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى آخذ لها هدية ؟ آخذ لها وردة أم فواكه ؟ هو يفكر ، فمرَّت الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
فشرد . إذا كان له جلسة مذاكرة مع صديقه ، أو مع أخيه ، أو مع جاره بهذا الموضوع ، هو غاب عن هذه الآية ، يقول له أخوه : ماذا قال الأستاذ عن آية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يقول له .. معنى هذا أنه استجمع كل الموضوع ، ففي المذاكرة فائدة كبيرة جداُ ، فإذا كنا نريد الانتقال للاستماع من طلاب غير نظاميين ، من مريدين شتويين فقط ، من عمال موسميِّن ، إلى طلاَّب نظاميين ، إلى طلاب علم حقيقتين ، إلى إنسان يتعلَّم ويعلم : (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
خيركم . إذا أردت أن تكون - وهذه صنعة الأنبياء - أن تدعو إلى الله عز وجل هذه صنعة الأنبياء ، إذا أردت ذلك فتحتاج إلى أن تذاكر ، وأن تقرأ ، وتحتاج إلى أن تراجع ما سمعته في درس الجمعة ، لا بد أن تجلس مع نفسك وتفتح المصحف ، تكلم عن : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
والله أشياء جميلة جداً ، إذا تكلمنا عن الامتصاص الشعري ، تكلمنا عن أن الشجرة إذا منع عنها الماء كأن فيها عقلاً ، تتخلى عن أوراقها أولاً - تأخذ ماء الأوراق - تتخلى عن الأغصان الصغير تأخذ ماءها فتيبس ، تتخلى عن الأغصان الكبيرة تأخذ ماءها تيبس الأغصان ، تتخلى عن جذعها ، ييبس الجذع ، حفاظاً على جذرها الذي هو أصل حياتها ، لو لم يكن هناك خالقاً كان أول شيء يموت الجذر مكان انقطاع الماء ، لكن ربنا عز وجل قال : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
من الذي هدى الشجرة أن تسلك في الحفاظ على جذرها هذا السلوك ؟ من هدى النحلة ؟ من هدى النملة أن تأكل رشيم القمحة ؟ إذا كانت تخزن القمح مع الرشيم ينمو ، وكرها من تراب وفيه رطوبة ، ينمو القمح يخرب لها عشها ، من الذي قدَّر ذلك ؟ نحن إذا كنا نبذل جهداً كبيراً في توضيح آيات القرآن الكريم ، والإنسان لم يراجعها في بيته ، ينساها، أما إذا فتح المصحف فتحة ، ورأى ما قيل ، وأحب أن يسجل كلمتين في البيت ، وجلس مع أخيه ، مع صديقه ، لكي يتذاكروا هذا الكلام، حتى إذا أتى إلى الجلسة الثالثة وسألناه عن: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
عن معنى : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
عن معنى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
كيف أن الله يكيد ؟ .. ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
[ سورة الطارق : 15-16]
الله يكيد ؟ هل يسمَّى الله الكائد ؟ لا ، لا يسمى الله الكائد ، كيف يكيد ؟ هذه لها تفصيل لطيف جداً ، وهكذا . مطلوب منك التطور من مستمع إلى منتج ومن متعلم إلى عالم:

إن شاء الله أنا أسعى جهدي أن أختار لكم أجمل ما في الكتب ، وأجمل ما قاله المفسِّرون ، وأجمل ما فسَّره المفسرون عن حديث رسول الله ، بقي عليكم إذا كان الكتاب قيِّماً أن تقتنوه ، فأنا أرى أن الكتاب مهما كان ثمنه مرتفعاً هو أرخص شيءٍ في الحياة ، السبب : هناك كتاب نحو ، مؤلفه أمضى في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً ، خُلاصة خبرته ، وعلمه ، وتعمُّقه ، وفهمه في النحو والصرف ألفه في كتاب ، أربعة أجزاء ضخمة ، أنا أخذته بستين ليرة قديماً . الآن ثمنه : مئة وأربعون . هذا إذا كانت اللغة عربية اختصاصك فرضاً ، ألا تشتري عقل من بذل جهد مضنٍ مدة أربعين سنة ، وصبَّه بكتاب بمئة وعشرين ورقة؟!! الكتاب رخيص وليس غالياً ، كتاب أحاديث رسول الله مثلاً عشرة آلاف حديث بخمسة وثلاثين ليرة ، ثمنه ثمن غداء واحد ، أوقية ونصف لحمة بخمسة وأربعين ، بعد ساعتين أين الغداء ؟ راح . أما هذا الكتاب فباقٍ .
إذاً هذه مقدمة وهي طموح من قبلي إلى تطوير الإخوة الحاضرين من مستمعين إلى منتجين ، من متعلِّمين إلى علماء ، من مهديين إلى هاديين ، اللهم اهدنا واهد بنا ـ هكذا الدعاءـ وأنت عندما ترى شخصاً أثّر فيك ، واستقام بعد توجيهك ، وصلى صلاة صحيحة ، وصارت له وجهة إلى الله عز وجل ، وأخلاقه سمت ، هو وزوجته وأولاده ، يمكن أن تأتيك سعادة لا يعلمها إلا الله !!
ألا تقولون أنتم في الأوراد : اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ؟ ما معنى أسعدنا ؟ أي أسعد خلق الله قاطبةً ، وإذا دعوت إلى الله فأنت تعمل عمله ، صنعتك من صنعته ، لذلك شعور الذي يدعو إلى الله بأن الناس استفادوا منه ، واستقاموا على أمر الله ، وتمثَّلوا كتاب الله، وفهموا سنة رسول الله ، هذا شعور لا يوصف .
أقول لك أنا مرة قرأت أربع كلمات في مجلة مترجمة ، تركت في نفسي أثراً كبيراً " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " .
تجلس مع شخص ممل ، متشائم ، منقبض ، يقرف ويقرِّف ، تكون حالته المادية جيدة ، ومعه شهادات عُليا ، لكن كونه أنانياً يستقطب ذاته في كل شيء ، يحب نفسه فقط ، هذا إنسان لا قيمة له . تجلس مع إنسان آخر يحب الآخرين ، يحب أن يهديهم ، يقول لك : والله جلسنا ساعة لم نشبع منه ، انبسطنا كثيراً ، لماذا انبسطت كثيراً ؟ لأنه غيري ليس ذاتياً ، ليس يبحث عن ذاته ، يبحث عن سعادة الآخرين . فمن هذا المنطلق أريد إن شاء الله تعالى أن نرتقي . من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، المغبون من تساوى يوماه ، كل إنسان يحاسب نفسه . (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا... ))
[ الترمذي عن شداد بن أوس ]
فإذا طالب ذهب إلى المدرسة ، ولبس هذا اللباس النظامي المدرسي ، أو لبس لباساً جامعياً ، هناك لباس موحد ، أين ذاهب ؟ إلى الجامعة . من أين أتيت ؟ من الجامعة . أول سنة بالجامعة ، الثانية بالجامعة ، الثالثة بالجامعة ، الرابعة بالجامعة . معنى ذلك أنك ستتخرج مدرساً أو طبيباً ، بعد عشر سنوات أخي لم تأخذ شهادة ؟ لا والله لم آخذ شهادة . محسوب على الناس أنك طالب جامعي ، أين الشهادة ؟
أما إذا كنت طالباً جامعياً فعلياً ، بالأخير ستكون طبيباً ، تفتح عيادة ، تختص بالقلب ، يأتي عندك مريض ، تشغل الجهاز دقيقتين ، يظهر شريط طويل عليه حركات . ماذا تريد ؟! والله أريد مئة وخمسة وسبعين ، مئة تخطيط والباقي معاينة ، عشرون زبوناً تأخذ باليوم ألفي ليرة ، إذا كان طالباً جامعياً و تخرج سيحصل على خمسمئات في المساء ، أما رحنا على الجامعة ، وأتينا من الجامعة ، ولم نأخذ شهادة ماذا استفدنا ؟
فإذا إنسان جاء إلى الجامع ، وراح من الجامع ، والله عندي درس بالجامع . بارك الله ، نفعنا الله ببركتك . من أين أتيت ؟ كنت بالجامع . أهلاً وسهلاً . إلى أين ذاهب ؟ إلى الجامع . بعد عشر سنوات ماذا حصل معك ؟ أنت أنت ، لم نستفد ، لكن بعد عشر سنوات هديت عشرة ، أنت سعيد ، أسعدت الآخرين ، عرفت ربَّك ، عرَّفت الناس بالله عز وجل ، كنت كوكباً دُرِّياً ، صرت مصدر سعادة الآخرين ، والله شيء جميل ، معنى هذا أن الجامع أثمر ، على كل حال الجامع مُذَكَّر والجامعة مؤنَّث ، وتعليم الجامع خيرٌ من تعليم الجامعة .
* * *
طلب العلم فريضة :
لا زلنا مع إحياء علوم الدين ومع فصولٍ مختارة من هذا الكتاب .
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال :
((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات . أنا أقول لك : تنفُّس الهواء فريضة . هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء فريضة ، شُرب الماء فريضة ، أكل الكرز ليس فريضة . فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا يحدث شيء ، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن ، أما تنفس الهواء ففريضة ، تناول الطعام فريضة ، شُرب الماء فريضة ، قال عليه الصلاة والسلام : ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
أي من دون هواء يموت الإنسان ، من دون ماء يموت ، من دون طعام يموت ، من دون علم تموت نفسه ، قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
[ سورة النحل 21 ]
ميِّت لا يفهم شيئاً ، واقع بالحرام ، ماله حرام ، مُنحرف ، بيته مسيَّب ، زوجته تقوده إلى جهنم ، تجارته تقوده إلى جهنم ، يدخل جهنم من أبوابها كلها ، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك : ماذا ينقصني ؟ أنا مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم .
أحدهم ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي ، قال لي موضوعي كبيرة جداً . ما قصتك قل لي خير إن شاء الله ؟ إذا كان الرجل يبكي فليس هذا الشيء سهلاً ، أنت تقبل بكاء طفل ، قد يكون زعبرة ، تقبل بكاء امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي ، أما إذا كان الرجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده ، هذا يرقى لأعلى عليين ، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن ، أما رجل يبكي لأمور الدنيا ، فما القصة ؟
قال لي : عندي زوجة ، وأنا لا أعرف ، عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين ، وأنا أحضر من عملي ، وآكل الأكل المعد لي ، وأغط في النوم ، مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا ، وعندي منها خمسة أولاد ، وهي تخونه من سنتين ، كل يوم ، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة .
ـ قلت له : من أين تعرفت على جارك هذا ؟
ـ قال : والله أنا أدخلته إلى البيت ، قلت له مرة : تفضل لعندنا ، أم فلان هذا مثل أخيك تعالِي .
مثل أخيها ، هو أمرها لكي تسهر معهم ، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا ، لا يفعلها ، هذه بالعلاقات الاجتماعية .
بالتجارة ، كل غلطة يرتكبها التاجر يفلِّس من ورائها ، يكون عمله غير شرعي، أحدهم أخذ له كذا مليون ، ضرب أخماس بأسداس ، يأخذ قرضاً بفائدة ، يشتري بضاعة ، يأخذ رعبونها ، ويبيعها ، يربح مليونين أو ثلاثة . لكن الله قال : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
قال : ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
باع سيارته ، وباع أول بيت بالمَيْسات ، وباع البيت الثاني ، وبقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس ، وباع معمله كذلك ، اقترض خمسة عشر مليوناً كي يربحوا خمسة ملايين ، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة ملايين . هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا .
أحدهم أتى من الكويت معه نقود يريد شراء بيت ثمنه مئة ألف ، أعطاهم لشخص قال له : دعهم معك . أعطاهم لعمه والد زوجته ، هذا عمه لا يوجد عنده دين ، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه . أين النقود ؟ ليس لك عندي شيء ، هذه ضمانة للمرأة . أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء . لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
و هناك شخص آخر اتفق هو و شريكه على صفقة بعشرة آلاف ، أخذوها شراكة بينهم ، صار ثمنها ستمئة ألف ، قال له : ليس لك عندي شيء خذ هذه عشرة آلاف . لم يكتبوها ، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
أنا أسمع فجائع ، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل ، فطلب العلم سُنّةٌ أم فريضة؟ فريضة . ليس لك خيار ، إيَّاك أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالماً ؟ هذا العلم فرض عين على الناس ، طبيب ، مهندس ، صاحب مصلحة ، نجَّار ، لحَّام ، هذا فرض عين على كل إنسان . العلوم بعضها فرض عين و بعضها فرض كفاية :
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
اختلف الناس في هذا العلم ، بعضهم قال : علم الفقه ، إذ به يعرف الحلال والحرام، هذا الكلام فيه شيء من الصحة ، وليس فيه الصحة كلها .
وبعضهم قال : علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وبعضهم قال والصوفية قالت : علم الإخلاص وآفات النفوس .
والفلاسفة قالت : علم الفلسفة .
الفلاسفة قالوا : الفلسفة . الصوفيون : علم الإخلاص . المفسرون : علم الكتاب . الفقهاء : الفقه . المحدثون : علم الحديث . صار هناك اختلافاً ، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً ، والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ بعضها بعضاً .
فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه ، وما عمل عملاً صالحاً ، وما تعرف إلى الله عز وجل ، وما استقام على أمره ، هل أفلح ؟ لا لم يفلح . هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها .
لكن الإمام الغزالي يقول : والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه . العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل يوم ، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم . فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت .
هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم ، لا أحد يقول : أنا معفى منها ، فرض عين. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام علوم الدنيا ، كالطب ، الطب فرض كفاية ، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا جميعاً ، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية .
والحساب ، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ ممن يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم ، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الباقين ، أما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه .
طبعاً هناك تعليق على هذا الكلام ، الآن لا بد من التعمُّق ، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق ، الآن الأمور معقدة جداً لا بد من أن تتعمق ، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية .
العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها ، وتواريخ الأخبار ، علم التاريخ مباح ، علم الجغرافية مباح ، الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه ، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات ، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات ، فالأصول كتاب الله تعالى ، كتاب الحياة ، هذا كتابك المقرر طوال الحياة ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله الذي لا إله إلا هو ، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة ، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرفاً من معناها. كل آية يقرأها الإنسان ثانية يحس أنها آية جديدة :
إذا قرأت كتاب الله اقرأ معه هذه الآية :
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
كل واحد منا يعرف القلم والدواية ، إذا عنده دواية ، وكان طالباً جامعياً تكفيه سنتين، يعبئ فيها مسودات كثيرة كما يقولون ، يقول لك : انظر هذه كلها دفاتر السنة الثالثة ، كلها بالحبر الأزرق ، وهذه السنة الرابعة ، كلها من دواية حبر ، الذي عنده لتر من الحبر ، إلى متى تكفيه هذه ؟!! منذ أن بدأ بالكتابة إلى آخر صف بالجامعة ، لتر حبر يكفي الطالب منذ أن بدأ بالكتابة وحتى آخر صف في الجامعة ، هذا اللتر يكفي لخمسة شباب ، إذا عنده مستودع متر بمتر من الحبر ، اشترى مستودعاً مساحته متر بمتر وعبَّأه بالحبر ، هذا إلى متى يكفيه ؟ هذا يكفي الأسرة كلها ولعشرة أجيال ، إذا عنده مستودع تحت الأرض خمسة أمتار مكعبة ، مئة متر مكعب من الحبر ، إذا عندنا نهر بردى حبر ، كله حبر ، إذا عندنا بحيرة قطينة كلها حبر، فهذه ماذا تكفي ؟ تكفي أبناء القطر ليوم القيامة . ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
لو كان البحر كله حبراً لتفسير كلمات الله .. ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
فهذا الكتاب كتاب العُمر ، اقرأ سورة لكن بإخلاص ، هذه المرة الواو ، هذه المرة الفاء ، هذه المرة التقديم ، التأخير ، التنكير ، التعريف ، الإيجاد ، التفصيل ، كلما قرأت كتاب الله ، يمكن كلمة : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
أعتقد أنه يكتب عندنا ألف صفحة ، كلمة : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يحكى عنها ألف صفحة . العلوم الشرعية كلها محمودة وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ :
لذلك العلوم الشرعية كلها محمودة ، وتنقسم إلى : أصولٍ وفروعٍ ، ومقدماتٍ ومتممات . فالأصول كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والفروع ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره ، كما فهم من قوله :
(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))
[ابن ماجه عن بكرة عن أبيه]
هذا قول لسيدنا رسول الله : " لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " بعض العلماء استنبط من القول : لا يقضي القاضِ وهو جائع كذلك ، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع ، إذا إنسان جائع ولم يأكل صباحاً ، ويريد أن يفصل القضية الساعة الثانية ، لم يعد يدقق بالدعوى نرفز من أحد المدعيين ، إذاً استنباط .
والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات ، كعلم النحو ، والصرف ، واللغة ، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب الله ، ومتممات كعلم القراءات ، وتجويد قراءة القرآن ، ومخارج الحروف ، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم فهذه علوم متممات .
عندنا أصول ؛ كتاب الله وسنة رسوله . عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله . عندنا مقدمات ؛ كعلم اللغة والنحو والصرف . عندنا متممات ؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك ، هذه علوم شرعية كلها .
وسوف نفصل الحديث عن بعض العلوم الأخرى في الدرس القادم إن شاء الله تعالى فسبحان الله هذه المرة الرابعة أحاول أن أقرأ لكم قصة صحابي جليل والوقت لا يتسع لذلك ، إن شاء الله نعود إلى سيرتنا الأولى في قراءة قصةٍ في كل درس .
الذي طرحته في أول الدرس أتمنَّى أن يكون في قلوبكم موضوع اقتناء الكتب التي أدرِّسها ، ومراجعة هذه الأحاديث تغني عن الكتابة ، بدلاً من الكتابة كتاب عندك بالبيت تفتحه، ماذا أخذنا اليوم ؟ ومحاولة نشر هذا العلم . (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
وإن شاء الله أبلغكم في وقت آخر عن درس مذاكرة ، والذي يحب أن يكون طالباً نظامياً يأخذ شهادة ، يستفيد من علمه ، فقد صار هناك سؤال وجواب ، صار يريد أن يراجع درس الجمعة ، ويراجع درس الأحد ، ويفكر تفكيراً صباحياً يومياً ، يعمل مذاكرة مع إخوانه ، أربعة أو خمسة حسب القرابة أو المكان ، حتى يكون أهلاً ليجاوب بالدرس الذي هو كله لكم وليس لي .

السعيد
09-08-2018, 01:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : الحضانة -1






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، قبل أن نتحدث عن الحضانة، هناك موضوع يتصل بها، وهو: الرحمة المودعة في قلوب الآباء والأمهات تجاه أولادهم:
الله سبحانه وتعالى سخر الآباء والأمهات لتربية الأولاد، لولا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطفل محبباً إلى والديه في حركاته وسكناته، وفي كلامه، وانفعالاته،وفي كل تصرفاته، لما ربّت أم ابناً.
يعني مما يقال ـ لا على سبيل قصة واقعية ولكن على سبيل قصة رمزية ـ أن أماً كانت تقبل ابنها وهي تخبز الخبز في التنور، فعجب أحد الصالحين لهذه الرحمة، تضع الرغيف في التنور وتقبل ابنها، فوقع في قلب هذا الإنسان الصالح أن: " يا عبدي، هذه رحمتي لو نزعتها منها، لألقته في التنور "، فإذا رأيت أماً ترعى ابنها، أو رأيت أباً يكدح ويشقى من أجل أولاده، فهذه رحمة الله بهذا المولود، آية في القرآن عن سيدنا موسى ولكنها تصلح لكل أطفال العالم، وهي قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾
( سورة طه، آية39 )
يعني: لولا هذه المحبة التي ألقيتها عليك لما رباك أحد
فلو تصورنا أن الله سبحانه وتعالى نزع الرحمة من قلب الأب والأم، لهلك الناس وانقرض النوع البشري، ولكن هذه رحمة أودعها الله في نفس كل إنسان، كافراً كان أو مؤمناً، فالمرأة الكافرة، ألا تربي ابنها، إنها تربي ابنها وتعطف عليه، وكذلك البهائم، هذه التربية التي بموجبها يرقى النوع البشري ويسعد الأبناء برعاية الآباء هي مظهر من مظاهر رحمة الله عز وجل.
مما يتصل بهذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء، آية1 )
أرأيتم كيف يسأل الابن أباه بإلحاح ؟، هل يستطيع الطفل الصغير أن يمسك رجلاً في الطريق ويقول له أعطني ثمن معطف في الشتاء ؟ لا يستطيع، لكنه يأتي إلى أبيه ويطلب منه هذا الطلب ويلحّ عليه، ويغضب ويزمجر، وأخيراً يستجيب الأب له، ويحرم نفسه الحاجات الأساسية ليوفرها لأبنائه..
ما الذي جعل هذا الأب يستجيب لهذا الابن ؟ الله تعالى.
من الذي جعل هذا الابن يلح في الطلب على الأب ؟ الله تعالى.
إذاً، إذا رأيت أباً يعطف على ابنه، إذا رأيت أماً تحدب على أولادها، إذا رأيت ابناً يعرف مكانته عند أبيه وأمه ويحمّـلهما ما لا يطيقان، فهذا من رحمة الله عز وجل، لكن الشرع الشريف ضمن مصالح الصغير في حالة فقد أبيه، أو في حالة فقد أمه، أو في حالة الوفاة، أو في حالة الطلاق، هذا هو موضوع درسنا اليوم، أما الوضع الطبيعي فمعجزة.
مرةً خطر في بالي أنه، مهما بُذِلتِ العناية من جهات أخرى غير الأم، لا تغني عن الأم، مهما كان البناء فخماً.. حدائق، مطاعم فخمة، قاعات مطالعة، رعاية توجيه، مدرسون متفرغون، إذا فقد الابن أمه لا شيء يعوضه عن أمه، يعني لو أن الإمكانات كلها وضعت من أجل أن نعوض هذا الابن عن أمه لا نستطيع.
أنشئت قرى للأطفال، فيها مربيات يتقاضين رواتب شهرية ضخمة، يطبخن لهم، يعني كأن المربية أم، ولكن الأم الحقيقية لا شيء يعدلها، وكذلك الأب، لذلك هذا الموضوع أحد موضوعات التفكر، يعني إذا رجل أحب أن يتـفكر في رحمة الله عز وجل، فلينظر إلى هذه الرحمة الابتدائية التي وضعت في قلب الأم والأب من دون جهد.
المؤمن رحيم.. على من رحيم ؟ رحمة المؤمن على أولاده شيء بديهي، ولكن الشرع الحنيف حينما تحدث عن رحمة المؤمن قال: ولكنها رحمة عامة.
أن تكون الرحمة خاصة، هذا شيء بديهي مفروغ منه، ولا يستطيع الأب أن يدلَّ به على الله، لأن الله أودعه فيه، مثال ذلك، عندما الطالب يستخدم آلة حاسبة في الامتحان، يضع رقماً كبيراً ويضغط على الجذر التربيعي، فخلال ثانية يأخذ الجواب، هل يعد هذا ذكاءً من الطالب ؟ لا، هذا ذكاء ممن وضع هذه الآلة، أما لو أردنا أن نستخرج الجذر التربيعي فنحتاج إلى عشر دقائق !.
فالإنسان عندما يرى نفسه يعطف على ابنه، فهذا شيء وضعه الله في قلبه، لأنه أب، ولأنها أم فقط، فالوضع الطبيعي أيضاً يحتاج إلى تفكر، لذلك يقال: حسبكم الكون معجزة.
يعني الحياة من دون طلاق، من دون فراق، من دون شقاق، من دون موت وهذه الأسرة في وضعها الطبيعي: الأب يعمل ليلاً نهاراً، والأم همها كله أن ترعى أولادها، وأن يكون لأولادها مستقبل إن كن بنات أو شباب، هذا الموضوع يدل على رحمة الله عز وجل، ولكن الشرع كما قلت قبل قليل ضمن للطفل الصغير مصالحه في حالات استثنائية كالموت والطلاق. تعريف الحضانة، وحكم الأولاد الكبار:
عرّفها الفقهاء بأنها: ( القيام بحفظ الصغير، أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، وتعهده بما يصلحه، ووقايته مما يؤذيه ويضره، وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها )
التعريف دقيق، لكن شيء في التعريف يلفت النظر وهو ( الصغير أو الصغيرة )، فما حكم الكبير أو الكبيرة ؟
الكبير، له الحرية أن يستقل ويعيش وحده، أو أن يعيش مع أمه،أو مع أبيه.
لكن الكبيرة، لا تستطيع أن تستقل عن أبيها أو أمها، درءاً لفساد سمعتها، يعني لا يجوز لفتاة ولو بلغت العشرين أن تسكن وحدها، لما قد يحدث من فساد أخلاقها، أو لما قد يُتوهَّم من فساد أخلاقها، قد لا يحدث الفساد، ولكن الناس قد يتوهمون الفساد، فدرءاً للفساد أو لتوهّمِ الفساد، لا ينبغي للكبيرة أن تسكن وحدها، هذا تعليق جانبي.
البالغ الراشد لا حضانة عليه، ومن بلغ سن الرشد لا يقال له يتيم، ولا يتم بعد حلم، فإن كان ذكراً، فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، ويستحب أن لا يبتعد عنهما، ولا يقطع بره عنهما، إذاً، إن كان ذكراً يستطيع أن ينفرد بنفسه، لكنه لا يستحب أن يستغني عن أحد أبويه، وإن كانت فتاةً، لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنه لا يؤمَن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها، فإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك، إذاً: هذا تعليق جانبي على حكم الكبير والكبيرة. حق الصغار في الحضانة، وتقديم الأم للقيام بهذا الواجب:
أما الصغير والصغيرة فالتعريف يقول:
( قيام بحفظ الصغير أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، ووقايته مما يؤذيه ويضره وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها ).
فالحضانة بالنسبة للصغير أو الصغيرة واجبة، لأن الإهمال فيها يعرض الطفل للهلاك، والحضانة حق طبيعي للصغير، لاحتياجه لمن يرعاه ويحفظه، ويقوم على شؤونه ويقوم على تربيته، ولأمه الحق في احتضانه:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك
وإذا كانت الحضانة حقاً للصغير، فإن الأم تجبر عليها إذا تعينت، بأن يحتاج الطفل إليها ولا يوجد غيرها، فتجبر على الحضانة، وهو في سن محتاج فيه إلى أمه، عندئذ يجبر القاضي الأم على حضانة ابنها، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب، فإن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الأم فإن حقها بالحضانة يسقط، يوجد ناحية مهمة، لم نقل واجب الأم بالحضانة يسقط، بل حقها في الحضانة يسقط، إذا وجد البديل وإذا امتنعت هي لا يسقط عنها الواجب، وإنما يسقط حقها، لأن حقها في تربية وليدها شيء طبيعي وهو الأساس.
يقال: إن أسمى لون من ألوان التربية، هو تربية الطفل في أحضان والديه طبعاً، هذه الحقيقة أصبحت بديهية في العالم، هناك تجارب أجريت على أطفال ووضعوا في ظروف دقيقة جداً، يعني العناية إلى أقصى الحدود، العناية بالجسم، والنفس، والطعام، والألعاب، والتدريس، لكن هذا الطفل الذي نشأ بعيداً عن أمه يصاب بأمراض نفسية، أو معرض للإصابة بأمراض نفسية، أضعاف ما يتعرض الذي نشأ في حضن أمه، لأن الذي ثبت أن القيم والمشاعر النبيلة التي يستقيها الطفل من أمه لن تستطيع امرأة أخرى أن تقدمها للابن، لذلك عندما ترى نصف شعب من الشعوب لقطاء ويحيا في مصحّات، وفي دور رعاية، فاعلم تماماً أن هذا الشعب سيكون شريراً، يعني يتلذذ بإيقاع الأذى للشعوب الأخرى، في بعض الإحصاءات يوجد شعوب أوربية نصفها لقطاء، يعني الإنسان الذي نشأ في رعاية أمه قلما يحتمل أن يوقع الأذى بالآخرين، لأنه استقى من أمه العطف والحنان، أما الذي نشأ بعيداً عن العطف والحنان مستعد أن يفعل كل شيء، لأنه ليس عنده قيم شربها مع حليب أمه.
إن لكل من الحاضنة والمحضون حقاً بالحضانة، إلا أن حق المحضون أقوى، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير في الحضانة، فأسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه، ويلبي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة، فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل فالأم أحق به من الأب، ما لم يكن بالأم مانع يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وسبب تقديم الأم أن لها ولاية الحضانة والرضاع، لأنها أعرف بالتربية وأقدر عليها، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، لذا قدمت الأم رعايةً لمصلحة الطفل.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
سبق تخريجه
يعني إذا تزوجتِ، فهو أحق به، وأنتِ أحق به ما لم تنكحي.
في بعض الروايات أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال: " الأم أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وأخير، وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ". ترتيب أصحاب حق الحضانة:
إذا كانت الحضانة للأم ابتداءً، فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم تقدم على قرابة الأب، وأن الترتيب في أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو:
( الأم ) فإذا وجد مانع يمنع تقديمها، انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأم ) وإن علت، فإن وجد مانع انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأب )، ثم إلى: ( الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( الأخت لأم )، ثم إلى: ( الأخت لأب ) ثم إلى: ( بنت الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأم )، ثم إلى: ( الخالة الشقيقة )، ثم إلى: ( الخالة لأم )، ثم إلى: ( الخالة لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخ الشقيق )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأم )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأب )، ثم إلى: ( العمة الشقيقة )، ثم إلى: ( العمة لأم )، ثم إلى: ( العمة لأب )، ثم إلى: ( خالة الأم )، ثم إلى: ( خالة الأب )، ثم إلى: ( عمة الأم )، ثم إلى: ( عمة الأب )، بتقديم الشقيقة في كل منهن. يعني طفل من دون رعاية لا يجوز، لا يعدم طفل أن يكون له أحد هؤلاء، لابد من امرأة ترعى حق هذا الطفل، فإن لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم، أو وجدت وليست أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، من الرجال على حسب الترتيب في الإرث.
فينتقل حق الحضانة إلى ( الأب ) ثم ( أب الأب )، وإن علا ثم إلى ( الأخ الشقيق ) ثم إلى ( الأخ لأب )، ثم إلى ( ابن الأخ الشقيق )، ثم ( ابن الأخ لأب )، ثم ( العم الشقيق )، ثم ( العم لأب )، ثم ( عم أبيه الشقيق )، ثم ( عم أبيه لأب )، فإن لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلاً للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة، فيكون ( للجد لأم ) ثم ( للأخ لأم ) ثم (لابن الأخ لأم )، ثم ( للعم لأم ) ثم ( للخال الشقيق )، ثم ( الخال لأب )، ثم ( الخال لأم )، فإن لم يكن للصغير قريب وهذه حالات شبه نادرة، فلو فرضنا أنه يوجد حالة ليس له أحد، فللقاضي أن يعين حاضنةً تقوم بتربيته، وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو لأن حضانة الطفل أمر لابد منه وأولى الناس به قرابته، وبعض القرابة أولى من بعض، فيقدم الأولياء، لكون ولاية النظر في المصالح إليهم ابتداءً، فإذا لم يكونوا موجودين، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة، انتقلت إلى الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن ثمة قريب فإن الحاكم مسؤول عن تأمين من يصلح للحضانة.
إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن شروط الحضانة، وقد كان موضوع اليوم ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، والأم أحق بالولد من أبيه، والحضانة حق مشترك، حق للابن وحق للأم، وقد يسقط حق الأم في بعض الحالات، وتعريف الحضانة.
أحاديث في البر والإثم:
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، ثلاثة أحاديث، أراها مهمةً في أكثر ما أسأل عنه من موضوعات، كلها تبدأ بكلمة ( البر )، وبالمناسبة، كلمة ( البر) مثلثة، البِر( بكسر الباء ) هو العمل الصالح، والبَر ( بفتح الباء ) اليابسة، والبُر ( بضم الباء ) هو القمح. 1- البر ما سكنت إليه النفس:
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال:
(( قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وما يحرم علي قال: فصعد النبي صلى الله عليه وسلم وصوب في البصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
حديث رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والإمام أحمد
فالمشكلة ليست في إيجاد فتوى، أي شيء تريده هناك من يفتيك بفعله، الفتوى أصبحت مصلحة، أحياناً، يفعل الإنسان معصية ويقول: الشيخ بالأزهر يفتي هذه الفتوى، يعني هل شيخ الأزهر يحميك من عذاب الله ؟، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: [ وإن أفتاك المفتون ]
الورع: أن يدع الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس، هذه صفات الشخص الورع لا يتجاوز الحدود، فمن تجاوز الحدود فهو من الحضرة مطرود، ركعتان من عبد ورع خير من ألف ركعة من مخلّط، أنا ألاحظ عندما تسأل عن شيء فأنت قلق منه، لأنك سألت عنه.. لمجرد السؤال، تبين أنك قلق.
مثلاً، لو إنسان دخل إلى بيته ظهراً، وتناول طعامه، ثم صلى الظهر واستلقى في الفراش، هل يحتاج هذا الإنسان أن يسأل أحد العلماء عما فعل ؟ لم يفعل شيئاً مريباً، هو مطمئن، إذا كانت الأمور واضحة لك بهذه الدرجة، فأغلب الظن أنك لن تسأل أحداً عنها، لكن لمجرد أنك شككت أو شعرت بالقلق، أو شعرت أنك لست على ما يرام، أو كأن هذا الأمر لا يرضي الله عز وجل، فإنك تسأل العلماء، فأرقى فتوى، أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
إذا سمعت جواباً مع دليل من كتاب الله، فكن مطمئناً، مثلاً، هل يجوز أن آخذ الدية من رجل قتل ابني خطأً ؟ كثيراً ما سئلتُ هذا السؤال، طبعاً يجوز، قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 92 )
سبحان الله، أحياناً، أرى أشخاصاً في الموقف المباح يتصنعون الورع، وفي الأشياء التي لاشك في حرمتها يفعلونها وهم ساكتون، إذا سألت هذا السؤال ويوجد مستند في كتاب الله أو في حديث رسول الله، افعله ولا تثريب عليك، لكن عندما يكون المستند ضعيفاً، يعني يوجد علاقة مركبة بين حالتك والنص، في مثل هذه الحالات هناك من يفتي، مثلاً،هل يجوز أن أرى امرأة أخي ؟ الجواب: لا، لكن هناك من يفتي، كيف ؟ فتوى مقرونة بحيلة، تحتاج إلى أن تأخذ بنت صغيرة من الحي، وتدفعها إلى زوجة أخيك لترضعها، ثم تعقد كتابك عليها، فتصبح امرأة أخيك حماتك، وتطلق البنت الصغيرة، وتصبح زوجة أخيك حماتك على التأبيد، هذه ليست فتوى، بل هذا هو الضلال بعينه، لماذا منع هذا ؟ لكي لا يقع فساد، عن طريق حيلة شرعية تصل إلى ما تريد، ليس هذا من الدين في شيء، هذا الشيء فعله اليهود وذمهم الله به أيما ذم.
(( البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ))
هل ترتاح إذا أضفت إلى الحليب ماءً، في الغرفة الخلفية ؟ هل تشعر براحة ؟ هل تشعر بعزة ؟ ألا تخجل من هذا العمل ؟ طبعاً، العمل المنحرف معه اضطراب، لو فرضنا إنسان فاجأك وأنت تفعل هذا، فإنك تضطرب.
(( والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون ))
ما أكثر ما يقال في بعض المخالفات ( سمها سماح )، مثال: رجل باع شيئاً بالتقسيط، وسعره ثابت، فالذي اشترى منه هذا الشيء قال له: " هذا الثمن كاملاً واحسم لي الآن ستة بالمائة "، هذا الحسم ربا، يقول: " أخي احسبها سماح "، هل هي على كتابتها في الدفتر أم على الواقع ؟ الواقع أن الحسم بسبب الدفع النقدي، إذاً: سمها سماح، سمها ما شئت، هي ربا.
إذا إنسان يملك ( طنبر) وضع له نمرة سيارة، هل يصبح سيارة ؟ يبقى كما هو، إذا سميت شيئاً قبيحاً باسم حسن هل تتبدل طبيعته ؟ الربا، إذا سميته سماح، يبقى ربا، لذلك [ وإن أفتاك المفتون ]، أنت قل سعر واحد فقط، إذا رأيت الزبون يظهر لك من شكله، إما دين أو نقدي، فأعطه سعر واحد، في الحالين، مثال: بيع السيارات بالتقسيط، ثمنها مائة ألف، يبيعها بمائة وثلاثين مقابل تقسيطها إلى مدة سنة، هذا الثمن ازداد بازدياد الأجل ؟ واضحة كالشمس.
شعور الإنسان بذنبه أقوى من قناعاته كلها، لو أقنعته سيبقى شعوره أقوى، وعندما يتخيل الإنسان أن خيراً ما في المعصية، يكون أحمقاً، المعصية كلها شر، الذي تجمعه في سنتين تدفعه بيوم أو بساعة، الذي جمع بالحرام يذهب، أهون من إهلاك المال على الله لا يوجد قد يهلك بمصادرة أحياناً، بحريق، بخسارة، النبي الكريم كان إذا دخل السوق يقول:
(( اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة ))
من حديث ضعيف، أخرجه الحاكم في مستدركه عن بريدة بن الحصيب يمكن للإنسان أن يحصِّـل من أمور غير مشروعة أموالاً طائلةً، ولكن يدفعها بثانية واحدة، قد يدفع كل ما يملك من أجل كلية، إذا توقفت كليته يدفع ست مائة ألف، واحتمال نجاح العملية بالمائة ثلاثين فقط، وتصفية الكلية تكون أقل من الطبيعية، وتحتاج إلى كورتزون وأغلب الظن أنها تبقى سنة ونصف لا أكثر، قد يدفع كل ما يملكه مقابل خلل في القلب، فعندما يغامر الإنسان بمال حرام، الله عز وجل يقف له بالمرصاد، فلذلك:
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
سبق تخريجه
موضوع الربا، قلت لكم عنه، يأتي زبون يقول للبائع: أريد صندوق الشاي هذا، ثمنه ألف ليرة، يقول له: اشتريته، يسجله عليه، من فلان صندوق شاي ألف ليرة، الصندوق هو هو، مازال في مكانه، يقول له البائع: أتبيعه، يقول له: نعم، بكم ؟ يقول: بثمانمائة، هذا ثمنه نقدي ثمانمائة، أنا بعت واشتريت، هذا ربا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 275 )
هذه عملية قرض بالفائدة واضحة كالشمس، مهما غلفتها بغلاف شرعي..
في العصور العباسية، كانت دور البغاء يقف على بابها شخص له زيّ ديني، يعقد عقداً، وعندما يخرج الشخص من الدار يطلّق !.. المعاصي كلها يمكن أن تعمل لها غلاف شرعي، هذه معصية.
2- البر حسن الخلق:
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: قال:
(( أقَمتُ مَع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمدينةِ سَنة، مَا يَمْنَعُني مِنَ الْهِجرَةِ إِلا المَسألَةُ، كان أَحدُنَا إذا هَاجَر لَمْ يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن شَيءٍ، قال: فَسَألتُهُ عن البِرِّ وَالإثْمِ ؟ فقال رسولُ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم: " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي
كل شيء تخجل منه إذا اطلع عليه الناس فهذا من الإثم. 3- البر لا يبلى:
الحديث الثالث والأخير، كما ورد في الأثر:
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
البر لا يبلى: يعني أن العمل الطيب لا يمكن إلا أن يقدره الناس، في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل عصر، وفي كل مصر.
لي قريب أحب أن يسافر إلى حلب، قال لي: " أقف في موقف السيارات ويوجد ازدحام شديد "، فإذا برجل يشير له بيده، أن تفضل، " فاتجهت نحوه، فرأيت إنساناً في غاية الأناقة والتهذيب، فقال له: أنا ذاهب إلى حلب بسيارتي، وأريد راكباً يرافقني، قال: فركبت سيارة فخمة جداً، وفي الطريق تحدث له وقال: " أنه إنسان مهندس كان مسافراً من محافظة إلى محافظة أخرى، فشاهد حادث سير في الطريق، ورأى في الطريق إنساناً ملقىً وغارقاً في بحر من الدماء، فهذا المهندس، بدافع إنساني، حمل هذا الإنسان الجريح بسيارته، ولم يأخذ بعين الاعتبار أنه قد يوضع في السجن، لأنهم سيظنون أنه هو المتسبب بالحادث، حمله وأسعفه، وانتهى الأمر، وبعد عدة سنوات، هذا المهندس يقرأ عن مناقصة في بعض المحافظات، فسافر حتى يأخذ دفتر الشروط، فيبدو أنه سأل عن المدير العام، فدخل عليه، فإذا بهذا المدير يترك طاولته ويركض إليه يعتنقه ويقبله، وهو لا يعرفه، فقال له المدير: ما عرفتني، قال: لا والله، قال له: أنت الذي أنقذتني في الطريق، يومها لم ينتبه إلى وجهه أنقذه وانتهى الأمر،فكان هذا الرجل هو المدير العام، فقدم له مساعدات، ورست عليه المناقصة وكان سبب غناه.
سبحان الله، البر لا يفنى، إذا فعلت خيراً، فلا يمكن أن يضيع الخير، أحياناً تخدم أخاً لوجه الله تعالى، تمضي ثلاثون سنة، وتكون في موقف في منتهى الصعوبة، تجده أمامك يقدم لك مساعدة،[ البر لا يبلى ]، لا أحد يزهد بالمعروف.
يوجد ناحية مهمة: إذا أنت قلت: يجب أن أفعل خيراً، لعل هؤلاء أحتاج إليهم في المستقبل، فهذا خير مشبوه، ومعه إشراك بالله عز وجل، أنت افعل خيراً من دون أن تنتظر رده من أحد، لكن تأكد أنك إذا فعلت خيراً لابد أن تجد الخير في أصعب ظرف تعيشه فالله عز وجل يسوقه لك ويقدم لك خدمات لا يمكن أن تحلم بها.
قال له: كل هذا الغنى من هذا المشروع، وهذا المشروع سببه هذا الموظف، وهذا الموظف سببه أنني أنقذته من حادث، لكن أرقى أنواع الخير ما لا يكون مشوباً بنية أرضية، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان، آية 9 )
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
معنى الديان لا يموت: أي عندما تفعل خيراً، كأنك أقرضت الله عز وجل، وصاحب الدين لا يموت، وصاحب الدين يعطيك دينك أضعافاً مضاعفة، أول شيء: الديان من تدين له العباد كلها، لذلك عندما تفعل خيراً مع الله عز وجل لا تعلق أهمية على رد الفعل، الناس عرفوا أو ما عرفوا، ثلاث أحاديث تبدأ بكلمة البر.
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
(( " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
سيدنا سلمان الفارسي، الباحث عن الحق:
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا سلمان الفارسي، يقول سيدنا سلمان رضي الله عنه: كنت فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها جيان، وكان أبي دهقان القرية، يعني رجل دين في القرية، وأغنى أهلها غنىً وأعلاهم منزلةً، وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت، ثم مازال حبه لي يزداد ويشتد على الأيام، حتى حبسني في البيت خشيةً عليّ، كما تحبس الفتيات، وقد اجتهدت بالمجوسية، حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها من دون الله، وأنيط إليّ أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة في ليل أو نهار، وكان لأبي ضيعةً عظيمةً تدرّ علينا غلة كبيرة.
وكان أبي يقوم عليها ويجني غلتها، وفي ذات مرةٍ، شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني إني قد شغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها وتولى اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا.
وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، فلفت ذلك انتباهي، لم أكن أعرف شيئاً من أمر النصارى، أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان، لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ماذا يصنعون، فلما تأملتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في دينهم، وقلت: والله هذا خير من الذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى الضيعة، ثم إني سألتهم أين هو أصلُ هذا الدين ؟ قالوا: في بلاد الشام، ولما أقبل الليل عدت إلى بيتي فتلقاني أبي يسألني عما صنعت، فقلت يا أبتِ، إني مررت بأناس يصلون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، وبقيت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، لو كان استجاب هذا الابن لم يكن الآن هو سيدنا سلمان، إذاً ليس دائماً الأب على حق.
قلت: كلا والله إن دينهم لخير من ديننا، فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني، فحبسني في البيت، ووضع قيداً في رجلي، ولما أتيحت لي الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم: إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني، فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته وخرجت معهم متخفياً حتى بلغنا بلاد الشام.
فلما نزلنا فيها قلت: من هو أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة في الكنيسة الفلانية، فجئته وقلت: إني قد رغبت بالنصرانية، وأحببت أن ألزمك، وأن أخدمك وأتعلم منك وأصلي معك، فقال: ادخل، ودخلت عنده وجعلت أخدمه، ثم مالبثت أن علمت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلل من الذهب، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمع النصارى لدفنه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: من أين عرفت ذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: نعم دلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلل مملوءة ذهباً وفضةً، فلما رأوها قالوا: والله لن ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة.
ثم إنه لم يمضِ وقت قليل حتى نصَّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه بالآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً نهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إلى من توصي بي، ومع من تنصحني أن أكون من بعدك، فقال: أي بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلاً بالموصل هو فلان، لم يحرف، ولم يبدل فالحق به، فلما مات صاحبي لحقت بالرجل بالموصل، فلما قدمت عليه، قصصت عليه خبري، وقلت له: إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسك بما كان عله من الحق، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي ؟ ومن تأمرني باللحاق به، فقال: أي بني والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين فالحق به.
فلما غيب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني بي صاحبي، فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة، قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت فإلى من توصي بي، فقال: أي بني، والله إني ما أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعمورية، هو فلان فالحق به، فلحقت به وأخبرته خبري فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل كان والله على هدي أصحابه، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة، غنيمة: أي غنمة صغيرة، ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم، فلمن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل ؟ فقال: يا بني، والله لا أعلم أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكاً بما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب، نبي يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى، فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، ثم وافاه الأجل، فلبثت بعده بعمورية زمناً، إلى أن مرَّ بنا نفر من تجار العرب، فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي، فقالوا: نعم نحملك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم حتى إذا بلغنا وادي القرى، على طريق المدينة غدروا بي، وباعوني لرجل من اليهود، فالتحقت بخدمته ـ طبعاً هذا في الجاهلية ـ ثم ما لبث أن زاره ابن عم له من بني قريظة، فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب، فرأيت المدينة بالوصف الذي نعتها، فرأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي، وعرفت المدينة بالوصوف التي نعتها به، فأقمت بها معه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه في مكة، لكني لا أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه علي الرق، ثم ما لبث أن هاجر النبي صلوات الله عليه إلى يثرب، فوالله إني لفي رأس نخلةٍ لسيدي أعمل بها بعض العمل، وسيدي جالس تحتها، إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني قيلة، يعني الأوس والخزرج، والله إنهما الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي، فما إن سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى، واضطربت اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي، وبادرت بالنزول عن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول ؟ أعد علي الخبر، فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، وقال لي: ما لك ولهذا، عد إلى ماكنت عليه من عملك، ولما كان المساء، أخذت شيئاً من تمر كنت جمعته وتوجهت به إلى حيث ينزل النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت عليه وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " كلوا " وأمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي: فهذه واحدة، ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من قباء إلى المدينة جئته، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل منها وأمر أصحابه أن يأكلوا، فقلت في نفسي: هذه الثانية، فلما رآني النبي أنظر إليه وعرفته، انكببت عليه أقبله وأبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: " ما خبرك "، فقصصت عليه قصتي فأعجب بها، وسره أن يسمعها أصحابه مني، فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشد العجب، وسروا بها أعظم السرور.
فسلام على سلمان الفارسي يوم قام يبحث عن الحق في كل مكان، هذا هو الحق، تحملَ المشاق، وصار عبداً من أجل المشاق، باع نفسه وكل شيء يملكه، البقرات والغنيمة، وقدمها إلى من ينقله إلى أرض العرب، الحق ثمين، ألا سلعة الله غالية. وما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له: قد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب ما قتل الفتى يوم هجرنا
لذلك بهذا الثمن الباهظ الذي دفعه، صار سيدنا سلمان الفارسي، بالإسلام لا يوجد تمييز عنصري، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات، آية 13 )
سلام على سلمان الفارسي يوم عرف الحق فآمن به أوثق الإيمان، وسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حياً.

السعيد
09-09-2018, 08:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : الحضانة -2






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، تحدثنا في درس سابق عن معنى الحضانة، وعن أن الحضانة حق مشترك، وعن أن الأم أحق من الأب في الحضانة، وعن ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، وأكدت لكم أنه لابد من أن يكون لهذا الطفل رجل أو امرأة مسؤول عنه.
واليوم نتحدث عن شروط الحضانة، يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شؤونه الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق الكفاءة والقدرة، بتوافر ـ نقول بتوافر ولا نقول بتوفر، فهذا خطأ شائع ـ بتوافر شروط معينة وهذه الشروط: أولاً - العقل:
فلا حضانة لمعتوه، فالمعتوه قد يقتل الطفل، ولا لمجنون، وكلاهما لا يستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له تدبير غيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ثانياً - البلوغ:
لأن الصغير ولو كان مميزاً في حاجةٍ إلى من يتولى أمره، ويحضنه فلا يتولى هو أمر غيره، الصغير لا يعقل أن يكون حاضناً لصغير مثله.
ثالثاً - القدرة على التربية:
فلا حضانة لكفيفةٍ، والكفيفة ـ هي فاقدة البصر ـ لا تستطيع أن تحضن طفلاً، لأنها لا تستطيع أن ترى الخطر المحدق به أحياناً، ولا ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضاً معدياً، أو مرضاً يعجزها عن القيام بشؤونه، ولا لمتقدمةٍ بالسن تقدماً يحوجها إلى رعاية غيرها لها، ولا لمهملةٍ شؤون بيتها، كثيرة المغادرة له، يوجد بعض النساء تهمل شؤون بيتها، البيت غير نظيف، فيه فوضى، تقول: الأطفال لا يوجد عندهم أحذية، ويكون في الخزانة اثنان حالتهما جيدة، فلا تعرف ماذا يوجد عندها، تقول:لا يوجد عندنا سكر، ويكون السكر في المطبخ موجوداً، هذه امرأة متسيبة، فوضوية، مهملة، وغالباً تكون المهملة كثيرة المغادرة لبيتها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب، آية 33 )
فالقرار في البيت ـ أي البقاء فيه ـ أمر إلهي، على النساء أن يتقيدن به، إذاً: ولا حضانة لمهملةٍ لشؤون بيتها، أحياناً، يوجد أدوية سامة، إن كانت في متناول الأطفال تؤذيهم، فالمرأة المهملة لا تبالي كثيراً بهذا الموضوع، لو أن الطفل يحتاج إلى معالجة وإعطاء الأدوية في مواعيدها ومواقيتها، وكمياتها الدقيقة، هذا يحتاج إلى امرأة منتظمة، دقيقة، الطبخ كذلك، المؤنة كذلك، فالتي تهمل شؤون بيتها، وكثيراً ما تغادره، هذه لا تصلح لأن تكون حاضنةً لصغير، بحيث يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل والضرر عليه، أو اجتماعه مع مريضٍ مرضاً معدياً، أو مع من يبغض الطفل، فلا يجوز أن تكون الحاضنة مع من يبغض هذا الطفل، ولو كان قريباً له حيث لا تتوافر الرعاية الكافية له، ولا الجو الصالح، هذا كله تحت عنوان القدرة على تربية الطفل.
رابعاً – الأمانة والخلق:
لأن الفاسقةَ غير مأمونة على الصغير، ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، فمثلاً إذا كلفناها أن تغلي الحليب وتبرده من أجل إرضاع الصغير، تفتح صنبور الماء الساخن، غير الصالح للشرب، وتستخدم ماءً مشوباً، وترضعه للصغير، لذلك تعاقب هذه الحاضنة عقاباً شديداً على هذا العمل، لأنها فاسقة، والفاسقة لا تخاف من الله عز وجل، لا يهمها أن الطفل إذا شرب هذا الحليب مع الماء السيئ فسيؤذي صحته، هذه نصيحة عامة، إياك أن تتعامل مع فاسق أو تارك صلاة، قد ترى هذا تشديداً، لا، هذا منتهى الاحتياط، لأن تارك الصلاة لا يخاف من الله، يفعل كل ما يحلو له.
مناقشة العلماء لهذا الشرط:
لكن هذا الشرط ناقشه بعض العلماء، مناقشةً دقيقة، وسأقرأ على مسامعكم هذه المناقشة:
قال: " الصواب أن لا تشترط العدالة ـ وهي الأمانة والخلق ـ في الحاضنة قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتدَّ العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم "
فكيف التوفيق بين هذين الرأيين ؟
الرأي الأول: أن على الحاضنة أن تكون ذات عقل راجح، وبالغةٍ، وذات قدرةً على التربية، وأن تكون أمينةً، أو ذات خلق رفيع، هذا كله صحيح، نحن أمام خيار إذا كان أمامنا عدة حاضنات، فنختار الأعقل، نختار الأكبر سناً، نختار الأكثر قدرةً، أما إذا كنا أمام حاضنة واحدة، لا غير، هي أمه، فهل يعقل أن نطبق على هذه الأم هذه الشروط ؟ مستحيل، أطفال العالم كلهم تربيهم أمهاتهم، وقد لا تتوافر هذه الشروط في أمهاتهم، فهذا الاعتراض وجيه، ولكن له وجهة نظر من زاوية واحدة، أنك إذا كنت أمام عدة حاضنات اختر هذه الشروط، أما إذا كنت أمام امرأة واحدة ليس لها بديل، إذاً، في مثل هذه الحالة لا تشترط هذه الشروط في الحاضنة.
ثم متى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما ؟ متى انتزع الطفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقهما ؟ ما سمعنا بهذا، لأن الله عز وجل أعطى الأم والأب حداً أدنى من الرحمة ولو كانا فاسقين، ولو كانا كافرين، أو مشركين، يوجد جزء من الرحمة لا أجر لهما عليه، لأن الله عز وجل وضعه في قلبيهما ابتداءً، هذه رحمة خاصة، لكن الرحمة التي تؤجر عليها ـ أيها الأخ الكريم ـ هي رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً، لذلك قال لي شخص: صاحب العمل يرهق العامل بما هو فوق طاقته، فأحضر مرةً ابنه، وخاف عليه من النسيم، هنا انكشف الذي في قلب صاحب العمل، الرحمة تجاه ابنه فقط، الله سبحانه وتعالى وضعها في قلبه، لكنه كشف حينما قسى على الغريب قسوة بالغة، إذاً: ليس في قلبه رحمة عامة، في قلبه رحمة خاصة، وهذه الرحمة الخاصة قد وضعها الله عز وجل في قلب كل أم وأب، من أجل أن ينشأ الأطفال في رعايةٍ حسنة، لكن في حالات نادرة جداً نجد خلاف ذلك: حالات نادرة لفقدان الرحمة من قلب الوالدين:
لي صديق طبيب، كان يحضّر ( بورد ) في شيكاغو، وكلمة ( بورد ) تعني هيئة تمتحن الطبيب خلال سنتين من ممارسة الطب، وتمنحه هذه الشهادة، ففي كل ولاية يوجد ( بورد )، هذا الصديق الطبيب بعث برسالة إلى خال له، اطلعت عليها، يقول: يا خالي في ليلة الأحد جاءنا إلى المستشفى خمس عشرة حالة، إحداها: إصابة بآلة حادة لأطفال دون السنتين، وأخرى: طفل، عمره سنة ونصف، ضرب بسكين من قبل والديه، أو أحد والديه ليلة الأحد.. يظهر أنه يوجد انحراف، الطفل بكى فترة من الزمن فلم يتحمله أبوه فطعنه، هذه قصة سمعتها من عشر سنوات في أمريكا، ثم إن أخاً كريماً زار أمريكا قبل ستة أشهر، وحضر قبل شهر، فلما ذهبت لتهنئته بسلامة العودة، سألته عن هذه الظاهرة، وفوجئت أن قانوناً صدر في أمريكا يدعو الجيران إلى مراقبة بعضهم بعضاً، فإذا أخبر جار عن جاره أنه ضرب ابنه الصغير، فلهذا الجار مكافأة كبيرة، حسب القانون الجديد.
يوجد درجة من الفسق والفجور تفقد الإنسان هذا الحد الذي وضعه الله في قلب كل أب وأم، اطلعت مرةً في الصحف على خبر.. امرأة فرنسية أغلقت بيتها وفيه ولدان من أولادها وغادرته، وغابت عن البيت أسبوعين كاملين حتى تأكدت من موتهما، طفلان صغيران عمرهما سنة ونصف وسنتان، انتقاماً من زوجها الذي طلقها، هذا الحد الذي وضعه الله في قلب المرأة أو قلب الأب من الرحمة، والذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم، رحمة خاصة يبدو أن الفجور والكفر يبلغان حداً يبطل تأثير هذا الحد الأدنى من الرحمة، هذا هو المجتمع العصري، مجتمع العلم، لذلك، إذا حقق هذا المجتمع تقدماً علمياً، أو تكنولوجياً كما يقولون، فقد حقق تخلفاً اجتماعياً وأخلاقياً منقطع النظير، دائماً الصحة النفسية تحتاج إلى تكامل، أحياناً ينمو العقل على حساب القيم، فهذا إنسان مرفوض، قال أحد الأدباء: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، لا رحمة في قلبها، فمن أجل حفاظها على معيشة أبنائها تبيع شعوباً بأكملها، فمثلاً: ما تأكله الكلاب في أمريكا من اللحوم، أكثر مما يأكله الشعب الهندي من اللحوم، الشعب الهندي سبع مائة وخمسين مليون نفس، هكذا ذكر لي، وبالمناسبة، الشعب الهندوسي يعيش في عقيدةٍ فاسدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، البقر يدفن هناك دفناً، أما الإنسان فيحرق، وفي بعض الديانات الهندية يجب أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها وهي حية، يموت زوجها فيحرق، فيجب أن تلقي نفسها في النار معه، وفاءً له، وأما الأولاد فيتركون للطريق، هكذا هذه الديانات.. بقرة تدخل إلى محل تجاري يبيع الفاكهة، وتأكل ما لذ وطاب، وأبناء الشعب محرومون من هذه الفاكهة، وصاحب المحل مغتبط أشد الاغتباط بهذا الحظ، وروث البقر يوضع على الأثاث الفاخر في البيوت تقديساً له، وقد يعطر الإنسان ببول هذا البقر، سبحان الله، الحمد لله على دين الإسلام.
نتيجة التوفيق بين الآراء المختلفة:
الخلاصة: ليس من الصواب أن تشترط على الحاضنة هذه الشروط، ولكن في بعض الحالات التي يكون لك خيار، فلك أن تختار هذه أو تلك بحسب العقل والبلوغ والكفاءة والقدرة على التربية، والأمانة، والخلق، والعادة شاهدة أن الرجل لو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، سبحان الله، هذه من المفارقات، ترى رجلاً له جاهلية كبيرة، له ليالي حمراء، حينما يريد الزواج يبحث عن الشريفة، ولا ترضيه إلا الشريفة، أحياناً يكون للرجل انحرافات خطيرة، ثم يريد أن يكون ابنه أخلاقياً، والذي أعجب منه أحياناً، أن أشخاصاً أعرفهم حريصين على تربية أبنائهم تربيةً دينية، وهم ـ سبحان الله ـ لا يصلّون، ولا يتورعون عن المعصية، لماذا هذا الحرص الشديد على أن يكون أبناؤكم أولي تربيةٍ دينية ؟ هذه من المفارقات، لذلك، التربية من القدوة هي أرقى أنواع التربية، لو كان الأب مستقيماً، وكان أخلاقياً، وكان الأب في بيته متديناً، ولو لم ينطق بكلمة واحدة، لكان عمله خير درس لأولاده، لذلك الإمام الغزالي قال: " الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم "، ولذلك قيل: " لغة العمل أبلغ من لغة القول ". خامساً - الإسلام:
فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لأنه يوجد حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، يوجد حق وباطل، الحاضنة الكافرة لا تعرف هذا من ذاك، لأن الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولايةً للكافر على المؤمن، طبعاً هذا نوع من مفهوم الآية، أما الآية فمطلقة، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء، آية 141 )
هنا، إذا كنت مؤمناً بأن هذا كلام الله، وأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن هذا الكلام قطعي الثبوت وقطعي التطبيق، إذا كنت كذلك يجب أن تؤمن بهذه الآية، وأنه لا يمكن أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، فإذا كان عليه سبيل، نقول: الآية صحيحة، ولكن هذا المؤمن يحتاج إلى معالجة، لم يكمل إيمان هذا المؤمن، لو كمل إيمان هذا المؤمن لما كان للكافر سبيل عليه، هذا الكلام ينطبق على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وفي الأثر: [ إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني ].
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام، آية 129)
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
( سورة النور، آية 55 )
ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بهذا، بثلاثة أمور، على أن يلتزموا شرطاً واحداً، وهو: ( يعبدونني، لا يشركون بي شيئاً )، فإذا أخلَّ الناس بما عليهم من شرط واحد، كان الله عز وجل في حل من هذا الوعد بهذه الأمور الثلاثة.
إذاً: فالحضانة كولاية الزواج والمال، ولأنه يخشى على دين الطفل من الحاضنة، لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل.
الحقيقة، أخطر سن ـ هذا كلام دقيق جداً ـ أخطر سن في حياة الإنسان، من واحد إلى ستة، قبل المرحلة الإبتدائية، لأن جميع العادات والتقاليد والمعتقدات تنغرس في الصغير عن طريق المربية، أو المعلمة، أو الحاضنة، لذلك، في بعض الدول، كبار المعلمين يشرفون على تنشئة الأطفال في هذا السن الخطير، عندما يسلم الإنسان ابنه إلى حاضنة غير مسلمة، أو إلى مدرّسة غير مسلمة، فسوف يزرع في أعماق أعماقه عادات وتقاليد يصعب محوها حتى الموت، لأن الذي يتلقاه الإنسان في صغره يصعب تغييره ومحوه، فالطفل صفحة بيضاء.
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
هذا الذي يحدث.. لاحظ، إذا علم ابنك بقضية، فإنه يطبقها بحذافيرها عن قناعة، ويصعب أن تمحوها منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجون الإبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
لماذا لم يقل النبي الكريم ( أو يسلمانه ) ؟
ابن النصراني نصراني، وابن اليهودي يهودي، وابن المجوسي مجوسي، أو ليس ابن المسلم مسلماً ؟، بعضهم استنبط أن النبي عليه الصلاة والسلام أغفل ذكر ( أو يسلمانه ) لأن الإسلام الحقيقي لا يكون بالتقليد، لا يسمى المسلم مسلماً إذا قلد أبويه، الإسلام استسلام لله عن قناعة وتفكير، من الممكن أن يطبق عادات، ولكن لا يسمى مسلماً.
الأحناف وبعض العلماء، ذهبوا إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد، لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل وخدمته، رضاعة وتنظيف، فالأحناف أقروا أن يكون للطفل المسلم حاضنة كافرة، وحينما ارتأى الأحناف ذلك اشترطوا أن لا تكون مرتدةً، أي ليست مسلمة مرتدة، أن تكون من الأساس كافرة، لأن المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة.
سادساً – عدم زواج الأم الحاضنة:
من الشروط الأخيرة للحاضنة، أن لا تكون متزوجة فإذا تزوجت سقط حقها بالحضانة لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
يعني إذا تزوجتِ سقط حقك به، إلا أن هناك استثناءين، هذه القاعدة لمتزوجة بأجنبي، فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، أحياناً الأخ يتزوج امرأة أخيه، ويأخذ الأولاد، فتبقى الحضانة لزوجته على أولادها، لأن العم صاحب حق في الحضانة، وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه، فيكون بينهما التعاون على كفالته، بخلاف الأجنبي فإنها إن تزوجته، فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به، فلا يجد الجو الرحيم، ولا الظرف الطبيعي، ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.
سابعاً - الحرية:
آخر شيء الحرية، إذ أن المملوك مشغول بحق سيده، فلا يتفرغ لحضانة الطفل. إذاً: صارت شروط الحضانة، سبعة:
العقل، والبلوغ، والقدرة على التربية، والأمانة والخلق، والإسلام، وأن لا تكون الحاضنة متزوجةً، والحرية، هذه الشروط، وذكرت لكم بعض من عارضها، ووجهة نظره بالمعارضة، ثم وفقت بين الرأيين الذين قد يبدوان متناقضين، ثم نتابع الموضوع في درس آخر عن أجرة الحضانة، والتبرع بالحضانة، وانتهاء الحضانة، إن شاء الله.
شرح بعض الآثار:
وهي ثلاثة آثار: 1 – قوم سوء:
( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان )
يعني إذا أصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، إذا أصبحت الأمانة خيانة والخيانة أمانة، إذا عقَّ الرجل أباه وبرَّ صديقه، إذا ركبت ذوات الفروج السروج، إذا ولدت الأمة ربتها، أحياناً تلد المرأة بنتاً وتعلمها، فإذا بها ترى لأمها عقلية قديمة.. تحتقر أمها.
النبي الكريم وصف لنا من أوصاف الساعة الشيء الكثير، في مثل هذه الأحوال: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير ( لكم ) من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة
من علامات قيام الساعة: أن ينتزع الحياء من وجوه النساء، تصير المرأة وقحة، أنت تغض بصرك عنها وهي تنظر إليك بحدة نظر، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
جاء في بعض الآثار: ( العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ).
يعني حينما تنقلب الأمور، وتنعكس المقاييس ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والأمانة خيانةً والخيانة أمانةً، عندئذ، نفهم قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة المائدة، آية 105 )
عن أبي أمية الشعباني، رحمه الله، قال:
(( سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، رضي الله عنه، قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [ المائدة: 105 ] ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعاً، وهوىً مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم "، وزاد أبو داود في حديثه: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال: " بل أجرُ خَمْسينَ رجلاً منكم " ))
حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي
هذه من أشراطها الصغرى.
2 – ذم المحتكر:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( بِئسَ العبدُ الْمُحْتَكِرُ، إن أرخَصَ الله الأسْعارَ حَزِنَ، وإنْ أغْلاها فَرِحَ ))
من حديث أخرجه الطبراني، وفي سنده رجل متروك
مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، إذا هطلت الأمطار، والخيرات ظهرت، وقد احتكر الجبن مثلاً، ويطمع أن يبيع كيلو الجبن بخمسة وثلاثين، ينزعج جداً بهذه الأمطار، هذا العبد المحتكر، مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، أما المؤمن فيحب الخير للناس جميعاً، لا يمنع بيع بضاعة لكي يرتفع ثمنها، دائماً البضاعة معروضة للبيع، سمعت بفيضانات في بعض المدن السورية، أخرجت بضائع فاسدة من السمن والجبن، تكفي حاجة الناس إلى أشهر طويلة، كله خرج فاسداً، فالنبي الكريم قال:
(( بئس العبد المحتكر، إن أرخص الله الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح ))
سبق تخريجه
علامة المؤمن أنه يتعاطف مع الناس، ويرى مصلحته في مصلحتهم، ومن لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، يجب أن تفرح فرحاً حقيقياً بنزول الأمطار، ورخص الأسعار، وتوافر الحاجات، لكن يوجد أشخاص يقولون: " ليكن من بعدي الطوفان "، أنا ممكن في هذه البضاعة أن أحقق أموالاً طائلة، وليس علي إن عاش الناس بمجاعة أو بضيق.
3 – صفات مذمومة:
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
تخيل واختال: تخيل نفسه إنساناً عظيماً، وهو عند الله ليس عظيماً، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم كان يدعو ويقول:
(( اللهم اجعلني شكوراً، واجعلني صبوراً، واجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً ))
حديث أخرجه البزار عن بريدة بن الحصيب، وفيه رجل ضعيف
انظر إلى هذا الأدب العالي، أن يكون في عين نفسه صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً، الكافر بالعكس، هو في عين الناس صغير جداً، لكنه في عين نفسه كبير، معه مرض تضخم الذات، يكاد يخرج من جلده من شدة الكبر، والناس لا يعبؤون به، وإن احترموه يحترموه احتراماً ظاهراً، اتقاءً لشره.
تخيل: يعني توهم أنه إنسان عظيم.
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة الانفطار، آية 6 )
يعني عندما الإنسان يغتر بنفسه، كأنه أعطى لنفسه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي سمعت بشخص متخصص ببرامج إذاعية، يقابل فيها أدباء كبار، أو علماء، أو أصحاب شأن، لكنه في هذه المقابلات يحرجهم دائماً، ويضغط عليهم، يظن هذا الأديب أو هذا العالم أنه عندما يجرون معه مقابلة، سوف يزداد حجمه ويشتهر أكثر، فتنتهي المقابلة ويكون منزعجاً كثيراً، فهذا الشخص المتخصص بإجراء هذه المقابلات، ماذا يفعل ؟ قبل أشهر كثيرة يقرأ الإنتاج العلمي أو الأدبي للشخص الذي سيقابله، ويوجه له أسئلة محرجة جداً، يكشف بها تناقضات كثيرة في الكتاب، فلما يدعى الأديب مثلاً إلى إجراء هذه المقابلة، يظن أنه سوف يكسب منها كسب كبير، ويفرح أنه سيتكلم عن إنجازاته العلمية، وأعماله الأدبية، وتاريخه الأدبي، وعن مؤلفاته، فيطرح عليه المذيع سؤالاً دقيقاً، فيجيب إجابةً غير صحيحة، ويكون نقاد نقدوه نقداً لاذعاً، فيذكره بنقد النقاد، فيخرج أمام الناس بشكل متناقض، فلما سألوا هذا الشخص: أنت لماذا تحرج الناس ؟ لماذا تضغط عليهم في هذه المقابلات ؟ قال كلمةً أعجبتني، قال: أحب أن أعيدهم إلى حجمهم الحقيقي.
كل إنسان له حجم حقيقي، عندما الإنسان يظن نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فهذا هو الغرور، في الإنسان نقطة الدم التي لا يزيد حجمها عن رأس دبوس، إذا تجمدت في أي مكان من الدماغ، أدت إلى شلل، عمى، فقدان ذاكرة، فالمتكبر أحمق، نراه في الناس ليس بحجمه الحقيقي، فالنبي الكريم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ))
أي دائماً، حسب حجم الجهل يكون الكبر، كلما كبر الجهل يحصل مع الجهل الكبير كبر كبير، وكلما وجد العلم وجد التواضع، لذلك.. العلماء الحقيقيون متواضعون في كل فروع المعرفة، أما المتعالمون:
قل لمن يدعي في العلم فلسفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
هؤلاء متكبرون.
(( بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ))
النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، مرَّ على شخص يضرب غلاماً له، فقال له عليه الصلاة و السلام:
(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))
من حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري
عندما الإنسان يتجبر بحكم مكانته، أو بحكم قوته، مثلاً: له رتبة في الجيش، وتحته عريف، أو مجند، وهو مساعد مثلاً، عليه أن لا ينسى أنه يوجد رتب أعلى منه، والله فوق الجميع، صاحب المال يجب أن لا ينسى أن الله هو أغنى الأغنياء، والذي وهبه هذا المال قادر على أن يسلبه منه في ثانية.
(( بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى ))
سيدنا عمر يقول: عجبت لثلاث، لغافل وليس بمغفول عنه، ومؤمن والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه وما يدري أساخط عنه الله أم راضٍ. (( بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ))
كيف كان نقطة ماء خرج من عورة ودخل في عورة، فخرجت من عورة ـ أيها الإنسان ـ وهذا الماء مهين تستحي به.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يعني يدخل الدين بالدنيا، أهدافه دنيوية عن طريق الدين، يريد مكاسب دنيوية من طريق الدين، أنا أقول لمثل هؤلاء: دع الدين في نقائه وصفائه، ولا تمرغه في الوحل، بوحل الدنيا، وعندما تصاب مصالحه في الدنيا يقول لك: " أهكذا الدين "، يجعلها قضية دينية، إذا استطاع أن يأخذ حكم في المحكمة، لا يرضى إلا بحكم المحكمة، وعندما ييأس من المحكمة يأتي إلى رجال الدين، هذا يختل الدنيا بالدين.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يأتي بآيات، ويقول لك: الله عز وجل قال: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) معنى هذا أنه لا يوجد نهي عن الضعف اليسير، التحريم للأضعاف المضاعفة !!
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة البقرة، آية 278 )
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 279 )
يوجد آيات كثيرة واضحة، هذا يختل الدين بالشبهات، لماذا لا تصلي ؟ يقول لك:
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الحج، آية 41 )
حين يمكنه الله في الأرض يصلي، هكذا يقول.
أنت كنت تصلي، فلماذا توقفت عن الصلاة ؟ يقول لك: قال تعالى:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر، آية 99)
وإذا أتاك اليقين لا يوجد عبادة ؟!، يختل الدين بالشبهات، يختل الدين بالدنيا، أو الدين بالشبهات.
(( بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ))
يقول: السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها، يأكل مالاً حراماً ويتصدق بعشرة، ويخرج لا له ولا عليه، يقول لك: هذه العشرة ضرب عشرة.. الناتج تعادل.
(( بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ))
(( بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
فالحديث بأكمله:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
قصة ترك الإمام الغزالي للجاه والمال:
والآن إلى قصة من قصص العلماء العاملين، اليوم مع الإمام الغزالي رضي الله عنه:
له كتاب عنوانه ( المنقذ من الضلال )، في هذا الكتاب تحدث عن تاريخ حياته، وهذه القصة غريبة جداً، وهي مختارة من تاريخ حياته.
قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:
" ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين وإلى الآن وأنا أنوف على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوضاً الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مغلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص كل عقيدة، لا أجد باطنياً إلا وأحب أن أتطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأحب أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد بالاطلاع على غاية كلامه، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لسبب جرأته في تعطيله وزندقته ".
يعني عنده حب إطلاع منقطع النظير، لم يترك أهل الظاهر إلا واتبع أسرارهم، ولا أهل الباطن، ولا الصوفيين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الزنادقة، ولا المعطلة، ما ترك فئة ـ ليس من شره ـ بل من إطلاعه.
" وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وضعتا في جبلتي، حتى انحلت عني رابغة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة عن قرب عهدٍ بسن الصبا ".
لم يعد مقلداً، وهذا شيء حسن ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ لو أن سيدنا سلمان الفارسي قلد والده، لم يكن سيدنا سلمان الفارسي، لكان بقي مجوسياً، الإنسان يجب أن يفكر، قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الزخرف، آية 22 )
هنا الغزالي يصل إلى أنه حطم كل التقاليد، لم يعد مقلداً وصار متحرراً، وهذه كلمة راقية جداً، فلان حر، يتبنى أمره بعد مناقشة ولا يقبله على عواهنه.
ثم يذكر لنا كيف أخذ يجد في طلب حقيقة العلم، وكيف التمس ذلك أولاً عن طريق العلم اليقيني، فلم ير أمام طالب الحق إلا فرق أربع، هي أهل الكلام، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية، وأن الحق لا يعدو عن هذه الأصناف، فإن شذ عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع بالرجوع إلى التقليد بعد مفارقته.
قال: " فابتدرت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هذه الفرق ".
وبعد أن جرب الثلاثة الأولى، علماء الكلام والباطنية والفلاسفة، وخاض بابها غير هياب من العواقب يقول: " خبرناها فنفدنا اليد منها " ـ خرجت اليد فارغة ـ فلا خير فيها عنده لطالب الحقيقة، الساعي إلى معرفة كنه الأمور، ولما فرغ منها أقبل على طريق الصوفية، فوجد فيها ضالته المنشودة، وكان إذ ذاك يدرّس في بغداد، وهاهو يصف حاله إذ صمم على الإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل الدنيوية، الإمام الغزالي وصل إلى أعلى منصب ديني في العراق، والعراق كانت أم الدول، وبغداد عاصمتها.
قال: " ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق ـ العلاقات الاجتماعية ـ وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة ".
متبحر في علوم هامة جداً، لكنه وجدها غير مهمة، ثانوية، ولا تنفعه في طريق الآخرة، الإمام الجنيد كان أعظم العلماء، عندما توفي رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا جنيد، ما فعل الله بك ؟ وقد ترك مؤلفات، وكان له دروس.. قال له: " يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم تنفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل "، فالإمام الغزالي شعر أن هذه العلوم غير مفيدة، وغير نافعة.
قال: " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هارٍ، وإني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بإتلاف الأحوال "
يعني كان في قمة مجده الديني، شعر أنه على شفا جرف هارٍ، لأنه فحص النية، فوجد قصده الصيت والسمعة.
" فلم أزل أتفكر فيه مدةً، وأنا بعد في مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال، لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرةً، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملةً فيعكرها عشيةً "
هو صباحاً متحمس لطلب الآخرة، ومساءً وهو في قمة المجد، تفتر همته.
" فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟ فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار من بغداد، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ألفت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فما أزال أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ".ربنا أعانه قليلاً.
" إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب الناس، وكان لا ينطلق لساني بكلمة، ولا أستطيع، ثم أورثت هذه العقدة باللسان "
صار معه حبسة في لسانه، لا يستطيع أن يتكلم.
" ثم أورثت هذه العقدة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم فكان لا تنساغ إليّ شربة، ولا تنهضم لقمة "
وصار معه آلام في معدته وأوجاع.
" وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت العزم إلى الخروج إلى مكة وأنا أورث نفسي سفر الشام " قال للناس سوف أذهب إلى مكة وهو إلى الشام.
" حذراً أن يطلع الخليفة "
لأن الخليفة هو الذي عينه، وكان هناك مدرسة راقية اسمها المستنصرية، وهو كان رئيسها، مثل شيخ الأزهر اليوم.
" حذراً أن يطلع الخليفة، وجملة الأصحاب على مقامي في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، وعزمي أن لا أعاودها أبداً ".
" ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستثمار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي "
بعضهم ظن أنه أخرج إخراجاً من بغداد، إذا كان الإنسان بعيد، هكذا يظن، وإن كان قريباً فهو:
" يشاهد إلحاحهم بالتعلق بي، والانكباب علي، والإعراض عنهم مع الالتفاف إلى أمرهم، ويقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب، إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم ".
يوجد امرأة بلغها عن أحداث لبنان وحربه الأهلية، فقالت: ( أصابتها عين )، هذا تفسير نسائي لأحداث لبنان، وهذا أيضاً، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام.
" ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين، ثم دخلت الشام وأقمت فيها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة، والمجاهدة اشتغالاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق "
قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
( سورة الشمس، آية 9 )
" وتصفية القلب بذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدةً في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد الأموي طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها على بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه فسرت إلى الحجاز "
هو في قمة مجده، مدير المستنصرية، أعلى رتبة دينية في بغداد، فحص نفسه فوجد النية ليست جيدة كثيراً، النية للشهرة، وحب الجاه، وجد علومه غير نافعة جداً، ترك كل شيء، واتجه إلى الخلوة، وذكر الله عز وجل، وأنا أنصح لكم دائماً، لا بد لك من خلوة مع الله، لا نكلفك أن تترك مناصبك كلها، وتترك تجارتك وتذهب لغير بلد، لا، ابق في بلدك، ولكن اعمل خلوة كل يوم مع الله عز وجل.. ذكر، اذكر الله، اقرأ القرآن، تفكر في آياته، سيدنا رسول الله، كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، ماذا كان يعمل ؟ كان يختلي بربه، ورد في الأثر:
" يا موسى أتحب أن أجلس معك ؟ قال: كيف ذلك يا رب و أنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني و حيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ".
" ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضاً "
الحرص على الخلوة و تصفية القلب للذكر
" وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش علي صفو الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة "
طبعاً، ترك زوجته وأولاده، غاب عنهم عشر سنوات.
" لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها " هذا الفتح الإلهي:
(( مَنْ أَخْلَصَ لله أربعين صباحاً، ظَهَرَتْ ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))

السعيد
09-09-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : اهمية تطبيق ما يتعلم الانسان من علم وتبليغة






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الاستقامة التامة :
أيها الأخوة... انتهينا من موضوعات الصلاة والصيام والحج والزكاة ، ثم أخذنا موضوعاتٍ كثيرة في المعاملات ؛ كالوكالة ، والمزارعة ، والمساقاة ، وأشياء كثيرة . واليوم ننتقل إلى بعض الموضوعات في التوحيد ..
ولكن قبل الخوض في هذه الموضوعات ، لي كلمةٍ أجد نفسي مضطراً أن أقولها من حينٍ إلى آخر :
قد يشبَّه الرجل الذي يكثر حضور مجالس العلم ، والذي يتَّبعها من مكانٍ إلى آخر، ومن مسجدٍ إلى آخر ، وينتقل من خطيبٍ إلى آخر ، ومن مدرسٍ إلى آخر ، ويستمع ، ويطرب، ويستمتع ، ويعجب ، ويثني ، ويدعو ، لكنه إن لم يطبِّق مثله كمثل تاجرٍ اشترى بضاعةً ، وجهد في شرائها ، ثم جهد في نقلها ، ثم جهد في عرضها ، ثم جهد في بيعها ، ثم جهد في شحنها ، ثم جهد في جمع مالها ، وبعد مضي سنتين أو ثلاث أجرى حساباته الدقيقة فإذا هو لم يربح شيئاً ، ألا يتألَّم ألماً شديداً على هذا الجهد المضن الذي بذله بلا ربح ؟ .
لم أقل هذا الكلام من دون سبب ، أناسٌ كثيرون يحضرون معنا ولكنهم لا يلتزمون، نساؤهم على الشرفات ليسوا محجبات ، أجهزة اللهو في البيوت ، الاختلاط من عاداتهم ، بعض تعاملهم التجاري ليس صحيحاً ، بضاعتهم أحياناً محرَّمة ، أي إذا جئت إلى عندنا نحن والله نرحِّب بك ، وأتمنى أن تأتي ، ولكن هناك حقائق مرة ، حقائق صارخة إن لم تطبِّق فلن تكسب شيئاً في الدين ، تداوم شهراً وشهرين وثلاثة ، وسنة وسنتين وثلاث ، بعد هذا تقول : كله كلام بكلام. لأن الطريق مسدود ، الإنسان إن لم يطبق لا يوجد أمامه حل .
فأنا والله أشفق على أوقاتكم من أن تضيع سدى ، أشفق والله على عمركم الثمين ، والله لو تعرفون حق المعرفة أن كل دقيقةٍ تمر في الدنيا تعدل الملايين ، كل دقيقة ، لأنها فرصةٌ لسعادة أبديَّة ، والله حضور مجالس العلم لا يجدي ، كانوا قديماً شيوخ الطريق يقولون للمريد غير الصادق ، يعطونه امتحاناً قاسياً إن لم ينجح فيه يقولون له : يا ولدي فتوحك على غير يدنا . أي إنه أسلوب لطيف من أساليب الرفض ، بعض الشيوخ يقول : إذا الواحد ما استقام ، ما فكَّر ، ما كان له عمل صالح ، ما كان مصلياً صلاة متقنة لا يأتي إلينا ، لأنه إذا بقي الصادقون نتفاهم مع بعضنا أحسن . فهذا الذي والله يحيك في قلبي . فأنا أخ يعطيني دفعاً إلى غير حدود ، وأخ يثبِّط لي عزائمي ، المطبق أنا أقدم كل ما أملك في سبيل هذه الدعوة أجد نفسي مقصراً ، وغير المطبق أشعر بنداء داخلي : انظر كيف هؤلاء التلاميذ ، كيف هذه المستويات ؟ لا يوجد صدق ، لا يوجد التزام ، لا يوجد تطبيق .
فهذا الكلام من القلب للقلب ، لا أستطيع أن أتكلَّمه باستمرار فتملوا، لكن من حين إلى آخر أتكلَّم فيه ، الإنسان يراجع حساباته ، لابدَّ من نزول القبر ، لابدَّ من الحساب ، لابدَّ من دفع ثمن كل معصية ، لابدَّ من أن يقال لك : لمَ فعلت هذا ؟ لمَ ظلمت فلان ؟ لمَ خالفت أمر الله ؟ لمَ عصيت ؟ هذا حساب دقيق .
فكيف النبي الكريم وأصحابه الكرام فتحوا العالَم ؟ كيف كان الواحد كألف ؟ بهذه الاستقامة التامة .
التلازم بين الإيمان و الاستقامة :
يوم الجمعة أثناء الخطبة ، أنا أقرأ آية بالصلاة كثيراً لأنني أحبها ، لكن سبحان الله القرآن لا يبلى على كثرة الترداد ، قلت :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
لمَ هذا التلازم ؟ أي أنه من علامة إيمانك الصحيح استقامتك، ولا قيمة للإيمان بلا استقامة .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
صار الإيمان له علامة ، أو له نتيجة ، علامته أو نتيجته الاستقامة ، ماذا بعد الإيمان ؟ ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
فهل توجد حالة بالأرض تعادل هذه الطمأنينة ؟ أشد الناس الآن طمأنينةً يطمئنون بماضيهم وفي لحظتهم الراهنة ، ولكن لا يدري أحدهم ماذا سيكون في المستقبل ، لكن هذا الذي آمن بالله واستقام على أمره .. ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
هذه تغطية شاملة للماضي والمستقبل ، لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فات .. ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30-32]
هذه مرتبة ، هذه مرتبة النجاة ، هذه مرتبة الاستقامة ، هذه مرتبة الإيمان مع الاستقامة ، هذا الإنسان لا يغش يصل إلى الجنة ، لكن هناك مرتبة أعلى منها .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
إن لم يكن مع الدعوة استقامة فالاستقامة بديهية ، و إن كان مع الدعوة عمل صالح.. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فالنظم رائع جداً ، كما أنه لا يجدي إيمانٌ بلا استقامة ، لا تجدي دعوةٌ بلا عملٍ صالح .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33-34 ]
أي أن عملاً يقود الإنسان إلى النار ، وعملاً آخر يقوده إلى الجنة ، وشتَّان بين الحالتين .. الحد الأدنى من المعرفة أن تعرف الله و تستقيم على أمره :
سبحان الله ! والله قرأت هذه الآية آلاف المرات وما كنت أنتبه لهذا السياق ، لم يقل الله عزَّ وجل : ادفع السيئة بالحسنة . بل قال :
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 34 ]
أي إذا كان رد الجميل بمئة طريقة حسنة ؛ فعليك أن تختار أحسنها ، فأين نحن من هذه الآيات في سورة فصِّلت ؟ هل أنت في مقام الإيمان والاستقامة أم في مقام الدعوة والعمل الصالح ؟ لابدَّ من أحد هذين المقامين ، الحد الأدنى الاستقامة ، الحد الأدنى أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره ، والأرقى من ذلك أن تدعو إلى الله وأن يكون عملك صالحاً .
هناك أناس كثر يغبطونا على هذا المجلس ، مجلس يكون عليه إقبال ، و كثافة ، هناك أشخاص كثيرون يأتون من أطراف دمشق يحضرون هذا المجلس ، والله أنا أفرح بهذا ، وصدري ينشرح لهذا ، لكن حينما أرى أن هذا الحضور فقط حضور من دون التزام هذه ظاهرة لا تبشَّر بخير ، حتى الإنسان لا يقول : أخي والله حضرنا خمس سنوات ولم نستفد شيئاً ، فأحياناً الإنسان يترك المجلس لسبب تافه ، تافه جداً ، فإذا إنسان ما تمكَّنت أن أعزيه بوفاة والدته لم يعد يأتي أبداً إلى الدرس ، هل الله رخيص عليك ؟ من أجل سبب تافه لم يعد يأتي ؟ أنا ما عندي علم أصلاً ، أو ما بلغني خبر ، أو كان عندي أعمال فوق طاقتي ، لا يأتي إلى الدرس .
أنا شبَّهت هذا بإنسان يعطيك سيارة ثمنها نصف مليون ليرة ، نظرت فوجدت المرآة تخض قليلاً ، تقول : لا أنا لا آخذها ، بلا مقابل خذها ، غيّر لي هذه المرآة ، إنسان يرفض الحق لسبب تافه ؟ فمن يدعي العصمة ؟ العصمة للأنبياء ، ما سوى الأنبياء يخطئ ويصيب ، لا يكون ارتباطك بالمجلس ارتباطاً على شعرة ، على كلمة ، على كلمة خرجت عن المنطق ، لا نريد هذا ، هذا ارتباط ضعيف ليس له قيمة ، شرعاً لا يجوز .
فنحن نقوم بالتدريس تقريباً حوالي عشر سنوات ، أمضينا عشر سنوات بالفقه ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والبيوع ، والمعاملات بأكملها ، بالمعاملات أخذنا حوالي ستمئة صفحة ، بحث النكاح فقط ثلاثمئة وثلاثين صفحة ، الكلمات الرئيسة ، أخذنا موضوعات كثيرة، يا ترى أين التطبيق؟ رغم كل هذه الموضوعات تجد هناك مخالفات . فهذه الكلمة والله أقولها لكم من القلب إلى القلب توفيراً لوقتكم ، وإشفاقاً على جهدكم ، وعلى هذه المسافة الطويلة التي تتجشمون الوصول إليها .
فالقصة المبسطة سيدنا عمر التقى ببدوي ..
ـ قال له : بعني هذه الشاة .
ـ قال له : ليست لي .
ـ قال : خذ ثمنها وقل لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب .
ـ قال له : والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟
فكل القصة المبسطة على الحقيقة ثلاث مراتب ، لو كان هناك علوم شرعية ، إن لم تتقنها لكنك أتقنت هذا الموقف أن تقول : أين الله ؟ فأنت جيد .
الإمام الغزالي قال : " أنا تعلَّمت علوماً غير نافعة ، أو قد لا تجديني نفعاً في الآخرة " . الثقافة و الهدى :
لو الإنسان أتقن علماً من العلوم الشرعية فماذا صار ؟ هناك أذكى منه ، الآن جامعة السوربون تمنح دكتوراه في الشريعة الإسلاميّة ، الأستاذ نصراني ، يعطيك دكتوراه في الحديث الشريف ، هناك دكتوراه بأصول الفقه من السوربون ، وهناك كلية شريعة تمنح دكتوراه في العلوم الإسلامية ، هذا الذي منحك دكتوراه صار مؤمناً ؟ هذه ثقافة ، دراسة ، فإذا الإنسان درس شيئاً ، وأتقن شيئاً ، وتعلَّم شيئاً ، وعلَّم شيئاً ، وما اهتدى ، وما استقام ، وما عرف الله عزَّ وجل ، وما سلك إليه سبيلاً ، ماذا قدم للآخرة ؟ الواحد يراجع نفسه ، ينظر إلى حساباته، يحاسب نفسه حساباً دقيقاً ، أما الحركة فيقول بعض العلماء : " هناك حركة وهناك تقدم ، أحياناً هناك إنسان يتحرك ، يقول لك : مكانك راوح . حركة لكن لا يوجد تقدم ، أسمع زعزعةً ولا أرى خشماً ، مثل المثل الذي قلته قبل قليل تماماً : بعنا ، اشترينا ، وشحنا ، وأفرغنا الطرود ، أخذنا متراجاً جاهزاً ، ووضعنا البضاعة في مستودع ، وعرضنا مساطرها ، وأمَّنا البائع ، ثم جمعنا ثمنها ، وبعد سنتين لا يوجد ربح أبداً ، تقول : يا خسارة هذا التعب ، لو لم أعمل و جلست في البيت لكان أريح لي .
لكي لا يؤدي الإنسان عمره سُدى ، العمر ثمين ، تلاحظوا كيف أن الناس تتساقط تساقطاً ، فلان مات . والله عندي علبة فيها كروت زيارات كنت أتفحصها من يومين ، والله هناك ستة أشخاص ميتين ، أين هم؟ من يعرف أين هم ؟
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
لذلك لابد أن نفرق بين الثقافة والهُدى ، الثقافة هذه المعلومات تبقى في الدماغ ، لكن الهدى استنارة القلب بنور الله ، هذه تحتاج إلى استقامة ، إلى مجاهدة ، أنا مثلي الأعلى ذلك البدوي الذي قال : أين الله ؟ لو ما أتقن بعض العلوم الشرعية وقال : أين الله . هذا عندي على العين والرأس ، سيدنا هارون ماذا كان ؟ من أرسل الله ؟ سيدنا موسى ، قال : ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ﴾
[ سورة القصص: 34]
فهذه القضيَّة ليست بالفصاحة ، أبو جهل كان فصيحاً .. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
أما بلال فيقول : أسهد أن لا إله إلا الله ، ما عنده إمكان أن يخرجها ، سين بلال عند الله تعالى شين ، أي أن سيدنا بلال لا تخرج معه الشين ، حاول حاول ولم يستطع ، قال : أسهد أن لا إله إلا الله . سين بلال عند الله تعالى شين ، إنما التقوى هاهنا ، العبرة بهذا القلب ، يعرف الله عزَّ وجل ؟ يخشى الله ؟ أم إذا انفرد بحرمات الله انتهكها ؟ إذا انفرد الإنسان بحرمات الله فانتهكها فلا قيمة له عند الله إطلاقاً ، لا شأن له عند الله ..
من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .
البطولة أن تكون عند الأمر والنهي ، هذه البطولة .. و مــــا مقصود جنـات عدنٍ ولا الحور الحسان ولا الخيام
سوى نظر الحبيب فذا مناهم و هذا مطلب القوم الكـــــــــرام
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنــــا منحنا بالرضا من أحبنا
و لذ بحمانا و احتم بجنـابــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
الابتعاد عن النفاق عند التعامل مع الله :
أنت تتعامل مع الله ، غش معه لا يوجد إطلاقاً ، كثير من كلمات التلبسة في الدعوة كلمات مضحكة ، أما الإنسان فيكون له مظهر معلن جيد ، ومخبر سيئ هذه زعبرة يا أخي هذا ليس بدين ، الدين أن تخشى الله وأنت وحدك كما تخشاه وأنت في ملأ من الناس، الدين ؛ لابدَّ للمؤمن من أن يصلي ، ولكن الصلاة وحدها ليست من الدين .. من شاء صام ومن شاء صلى .
في التعامل المالي ، في التعامل التجاري ، في الأسواق أين بصرك ؟ صار الدين غناء ، إذا كان الإنسان فناناً ، ما معنى فنان ؟ أي يطرب إلى المغنيات والمغنين الأحياء منهم والأموات ، له مجالس طرب ، أنا قلت مرة كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لا يجتمع في بيت بني آدم قرآن وغناء ، وإذا اجتمعا ففي الغناء صادق ، وفي القرآن كاذب ، الغناء ينبت النفاق ، أنت مؤمن ، أنت من فئة مختارة ..
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال : 23 ]
أسمعك الحق الله عزَّ وجل ، فأين أنت من هذا الكلام الذي تسمعه ؟ هل أنت مقتنعٌ به ؟ إذا مقتنع فأنت مقتنع ، غير مقتنع ، أخي أنا لست مقتنعاً بكلامكم ، فإما اترك المجالس ، أو اطلب استماع الحق ، خذ مواقف واضحة ، هذه المواقف الضبابية ، هذه المواقف الاستسلامية ، أي وأتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، معظم المسلمين هكذا ، يقول لك: نحن عبيد ضعفاء ، شهواتنا غلبتنا ، ماذا نفعل ؟ نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، نرجو الله أن يعفو عنا ، نرجوه أن يغفر لنا ، ربنا غفور رحيم ، إن شاء الله لن يحاسبنا على أعمالنا ـ كلام : اللهمَّ لا تسألنا عن شيء . فكيف ذلك وربنا قال : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93]
فهل نعطل هذه الآية أم نصحح الآية ؟ لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء ورب كل شيء ، لا تسألنا عن شيء ، ما هذا الكلام ؟ هذا خلاف الدين ، هذا دعاء خلاف الدين . من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :
المقصود من هذه الكلمة التمهيديَّة أن الإنسان يعمل حساباً ، حتى إذا استقام استقامة تامة ، وسلم وجهه إلى الله عزَّ وجل ، يقول للذي يعلمه : جزاك الله خيراً ، والله استفدنا، والله دخلنا الجنة ، والله توفقنا في الدنيا ، وشعرنا بسعادة ، واطمأن قلبنا ، والله نحن سعداء بذلك، ونحن لا نريد الدنيا نريد الآخرة ، ففي الدنيا ملوك يأكلون ما لذَّ وطاب ، لكن المؤمن والله ملك من ملوك الآخرة ، أنت موعود من رب العالمين ..
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾
[ سورة القصص: 61]
إذا إنسان سلك الطريق السيئ ثم قال : غداً أتوب . فهل غداً بيدك ؟ .. " من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت " .
غداً بيدك ؟ لا هو ليس بيدك ، فهذا الكلام يدعو إلى التفكر ، هذا الكلام يبعث الهم أحياناً في النفس ، لأنني أضعك أمام مسؤوليات ، وإذا إنسان مثلاً معه مرض عُضال قال له الطبيب : هذا البيت العالي لا يصلح لك . تجده مستغرقاً في التأمل ، كيف أبيعه وهل سأجد بيتاً أرضياً بنفس السعر ؟ وربما لن يباع معنا ، والله الأسعار غالية ، يا ترى أبيع بيتي وبعدها أشتري ؟ فرضاً رُفعت الأسعار بعد ذلك سيضيع بيتي بنصف سعره ؟ نفتح فيها اعتمادات ، وأجلب بضاعة أبيعها ، وأربح فيها عشرة ملايين ، هذه خطر ، فلو باع بيتاً أو باع جزءاً منه ، وقع بخسارة ، عنده بيتان بالميسات باعهم ، باع سيارته ، باع الآلات ومازال عليه أربعة ملايين ليرة ، أنت ألا تؤمن بالقرآن ؟ .. ﴿ فَإِن ْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
إنسان آخر كذلك باع بيته ، وباع سيارته ، وباع محله ، ووضعه بالمصرف ، باسم إنسان آخر ليومين أو ثلاثة ، هذا الإنسان خلال يوم فقد كل ثروته ، لأنه قال : أضعهم بالمصرف وآخذ أرباحهم وفائدة الربح ثمانية عشرة بالمئة ، إذا كان يحضر مجالس علم هذا العمل فيه بركة ؟؟ ((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ تاريخ دمشق لابن عساكر عن عائشة ]
إذا الإنسان كان متعباً بالعمل الحلال بات مغفوراً له . فوالله الذي لا إله إلا هو حضور مجالس العلم أضرّ من الطعام والشراب ، فالإنسان إذا لم يأكل ، أو أكل بشكل قليل يكون هو الرابح ، أحياناً يأكل تفاحة ، يأكل طعاماً خفيفاً ، لكن إذا الإنسان لم حضر مجلس علم فمعنى ذلك أنه معرض لأن يتورَّط ورطة كبيرة .
إذا تورط الإنسان بالزواج أحياناً ، أو بالطلاق ، أو بتزويج ابنته ، أو بتجارته ، أنا أقول : كل شيء فيه لغم ، و الإنسان إذا لم يكن مهتدياً ، لم يكن معه بصيرة ، كل شيء فيه لغم يمكن أن ينفجر فيه . فأحياناً الإنسان يغلط غلطة فيُذهب كل ثروته ، يغلط غلطة يخسر زوجته الصالحة ، يغلط غلطة فيأتيك صهر يحرق قلبك ، غلطة واحدة ، عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحق والباطل . الصهر خطب البنت ، شيء جميل ، يريد أن يراها ، لابأس رآها ، يريد أن يمتحن أخلاقها ، استقبلناه ، أحب أن يأخذها نزهة ، ذهبت معه ، فالقضية عدة أيام ، وبعد ذلك تركها فإذا هي حامل منه ، تعال ودبر حالك ، هذا جهل ، أحياناً الإنسان يحضر صهره إلى بيته ويقول : هذا صار منا وفينا ، هذا صار من أهل البيت ، هذا كله كلام فارغ ، كل هذا خلاف الشرع ، هذا ليس في الشرع ، تقع فجائع أخلاقية مثل انفجار لكن بطريقة أخرى .
لذلك الإنسان إذا كان مخيراً يأكل أو لا يأكل ، أنا أعتقد ليس بمخير يحضر مجلس علم أو لا يحضره ، يعرف شيئاً من كتاب الله ، يعرف حديث رسول الله ، يعرف أحكام الفقه، يعرف آيات الله الكونية ، يعرف لمَ خُلِقَ في الدنيا ؟ يعرف هدفه ، يعرف طريقه ، يعرف وسائله، أي أن الإنسان .. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر:9 ]
والله لا يستوون .
إنسان قال لك : الأرض مسطحة غير كروية ، فأنت لا تصدقه ، فأفقه ضيِّق ، آيات كثيرة في القرآن الكريم تقول : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾
[ سورة النازعات: 30-31]
الدحية هي الكرة ، الجهل بشع ، الجهل يسبب لصاحبه خسارة ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، فالإنسان يقول : أنا لن أحضر مجلس علم ، أنا عندي مشكلة ، حتى أنجح ، حتى أفتح المحل ، حتى أتزوج . هناك أناس تزوجوا و لم يدخلوا ، و أناس اشتروا محلات وما دخلوها ، و أناس اشتروا بيتاً و ما سكنوه ، شخص جاء معه دكتوراه وصل إلى بيته ، وضع الحقائب على الرصيف، ظن السائق أنه طلع فأراد أن يرجع للوراء ، فدهسه ، اثنتا عشرة سنة وهو يدرس ، وصل إلى بلده معه الحقائب ، هناك شخص بالطائرة مات ومعه دكتوراه ، الموت قريب منا ، أما المؤمن عندما يعرف الله عزَّ وجل وأخذ احتياطه ، واستقام ، وعلاقاته كلها جعلها نظيفة ، فمرحباً بالموت ، هو ينتظره ، أنا لا أخاف الموت بل هو غايتي ، فانظر الفرق بين إنسان يكون الموت شيئاً مرعباً له ، وبين إنسان يكون غايته . الدين علمي و كل سبب له نتيجة :
إذاً الشيء الذي أردت أن أقوله لكم : إن الإنسان يأخذ الكلام على مأخذ الجد ، ولا يظن الإنسان أنه إذا حضر مجلساً يتبارك ، والله من جهة البركة لا يوجد ، هذه المعاني ليس لها معنى ، فماذا تعني كلمة نتبارك ؟!
الآن إذا إنسان معه مرض عضال ؛ وهذا الوصفة له ، معه التهاب معدة وأخذ دواء فوراً يشفي الالتهاب ، أما إن أحضر الدواء ، وتركه ، ووضعه في مكان ظريف على الرف ، قرأه ، ترنَّم باسمه ، فهل يشفى ؟ هذا كله كلام فارغ .
مثلما ربنا خلق الكون وفق أنظمة علمية دقيقة ، كذلك الدين علمي ، لا يوجد شطحات في الدين ، و لا خرافات ، و لا نتائج بلا أسباب ، هذا السبب له نتيجة ، وهذه النتيجة لها سبب .
الإنسان يسمع قصصاً بحكم مثلاً من أقربائه ، من أصدقائه، من زملائه ، من جيرانه ، ولكن سبحان الله كل قصة أسمعها ، كأن هذه الحالة تجعلنا نفهم الدين فهماً صحيحاً فهذا الذي أخذ قرضاً دفع الثمن غالياً ، باع بيتين ثمن كل بيت مليون ، باع سيارته ، باع معمله ، وبقي عليه أربعة ملايين ليرة ، لأن العملية غير مشروعة أصلاً ، فالإنسان يجب أن يكون على علم ؛ " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " .
والله زرت أخاً كريماً يحضر معنا قال لي : والله مرّ عليه سنة وشهر ولا فاتني الصبح ولا قيام الليل ، ولكن زلت قدمه بمخالفة بسيطة ، استيقظ متأخراً ، طبعاً هو ما فقد شيئاً ولكنه يحلل الأمور ؛ لماذا لم يستيقظ اليوم على صلاة الصبح ؟ لأنه وقع بمخالفة بسيطة ..
عبدي لا تعصني في النهار أوقظك في الليل ، إياك أن تعصني في النهار ، إذا الإنسان نام على طهارة يستيقظ على طهارة في الوقت المناسب ، أما إذا نام على غير طهارة فلن يستيقظ ، وانتهى الأمر .
فلذلك الذي نرجوه والله لا نريد حمداً ولا شكورا ولا ثناء ، ولكن حقائق ، قوانين، فهذا المفتاح لهذا الباب ، فهل يفتح قفل الباب بمفتاح آخر ؟ لا ، الطريق مسدود ، فكل باب له مفتاح توفيراً للوقت والجهد ، وكل واحد منا له هذا السؤال الدقيق : كيف مضت السنوات السابقة من حياته ؟ طبعاً في أربعين ، في ثلاثين ، في خمس وعشرين ، في خمس وأربعين ، في خمس وخمسين ، في ستين ، ولكن بالستين يكبرون ، فهل هناك ستون سنة أخريات ؟ هذه بعيدة جداً هذه الستين ، خمسين سنة أيضاً بعيدة ، فهؤلاء الناس الذين نزلوا في قبر واحد ، اسأل : أخي كم عمره ؟ يقول لك : خمسة وستون ، اثنتان وسبعون ، سبعة وستون ، ثمانية وستون ، أربعة وخمسون ، تسعة وأربعون ، ثمانية وثلاثون . معنى هذا إذا أخذنا أحسن احتمال، لا مرض ، ولا حادث ، ولا شيء ؛ لكن فقط للستين معنى ذلك وأغلب الظن أقل من مرض ، ولو كان هذا الكلام يبعث في القلب القشعريرة ، ما بقي أقل مما مضى ، هناك قبر، البارحة عزينا شخصاً ، طبعاً بيته ، غرفة نومه ، غرفة ضيوفه ، حاجاته ، أين هو الآن ؟ تحت التراب ، و ليس هناك أحد أحسن من أحد ، اقرأ تاريخ الملوك ، الجبابرة ، الوزراء ، الأغنياء ، الحكَّام ، المحكومين ، العلماء ، الجهَّال ، الأنبياء كلهم تحت الثرى .
الآن نحن في سنة ألف وتسعمئة وأربع وثمانين ، سنة ألفين وخمسمئة لا يوجد إنسان على وجه الأرض منا كلنا سيعيش ، كلنا سنموت ، يمكن أن يكون هناك مصلون جدد ، وأجيال آخرى ، أما فنحن تحت التراب ، كل شيء دنيوي لا يفيد يفيد ، مرة أخ يحضر معنا والله وتوفي ، وحضرت جنازته ، وقام رجل وأبَّنه ، فقال : إن هذا الرجل كان مؤذِّناً فهل كان يقول : إن بيته فخم ؟ لا يقولها ، أو كان بيته مزيَّناً بالجبصين ؟ كان يملك سيارتين ، واحدة للسفر وواحدة للحريقة ؟ لم يتكلم بهذا ، ولا سافر لأسبانيا وقعد في فندق خمس نجوم ، لا لم يقل شيئاً من ذلك ، ذهب إلى هولندا ، ذهب إلى أوروبا ، زوج خمس بنات ، عمل كتاب ابنته في أفخر فندق ، ليس لكل هذا الكلام طعم ، فما يدريك بهذا الإنسان إذا وزناه بالميزان ؟ قال : كان يؤذِّن، وهذه الكلمة تركت في نفسي أثراً كبيراً جداً ، أنه اعمل عملاً يحكى به عند الموت واعرف أن أربعة أخماس أعمالنا ، تسعة أعشار أعمالنا، تسعة وتسعين بالمئة من أعمالنا ليس لها ذكر إطلاقاً ، إذا كنت بطلاً اعمل عملاً يحكى عند القبر ساعة عن أعمالك الصالحة ، عن الذين اهتدوا على يديك .
تعريف الناس بالله عز وجل :
الإنسان أحياناً يكون أمة ..
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النحل: 120 ]
أمة ، هو لوحده أمة ، أي إذا الواحد خرج لمستوى .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
إلى مستوى .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فوالله الذي لا إله إلا هو أحياناً أجد أخاً عنده رغبة جامحة أن يدعو إلى الله فيقول: إن هذا الأخ أحضرته لك ، وهذا أقنعته بالحضور ، وهذا كان يحضر وغاب ، ونحن سألنا عنه فكان مقصراً فعاوناه . والله أنا أغبط هذا الأخ ، بالإسلام لا توجد مراتب دينية ، ولا يوجد تهميش ، أقل إنسان هو داعية ، ألا يوجد حولك أقارب ؟ ألا يوجد جيران ؟ أليس لك أصحاب ؟ أليس لك أصهار ؟ أليس لك إخوان في الله ؟ أليس لك أبناء ؟
ماذا تفعل ؟ أقنعهم . ماذا أقول لهم ؟ يا عيني ثماني سنوات حضور مجالس علم وما عندك إمكان أن تتكلم ساعة عن الله !! قالوا في التدريس : المدرس الناجح يجب أن يتكلم ساعات طويلة كلاماً ممتعاً جداً من دون تحريف . أي هناك أشياء يعقلها ، الآن قل لنفسك : كم آية يمكن أن أتكلم بها وأشرحها للناس ؟ هذا القرآن ، اعمل امتحاناً ، النبي الكريم كان يمشي على رؤوس أصابعه لما توفي سيدنا سعد ، قال : (( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ ))
[أبي داود عن عثمان بن عفان ]
ماذا يظن الناس ؟ يقولون : كلها خمس كلمات .. من ربك ؟ الله ، حافظها عن غيب ، من نبيك ؟ محمد ، ما دينك ؟ الإسلام . لا ، القرآن كتابك ، ماذا تحفظ منه ؟ الآن اعمل فحصاً لنفسك ، أنت إذا أردت أن تجلس مع إنسان ، وامتحنته بكتاب الله ، كم آية تقدر أن تتكلم في الصلاة ؟ تفضل ، والله ليسوا في بالي ، كم حديث شريف تحفظ ويمكنك أن تفسره للناس ؟ امتحن نفسك ، اجلس مع إنسان وادعه إلى الله فماذا تحكي له ؟
الآن يقول لك : صلِّ ، أي إنسان ممكن أن يقول لك : صلِّ ، ممكن أن تقول لإنسان : يا بني صلّ . فيقول لك : لا أريد أن أصلي . هذه أليست دعوة إلى الله ؟ الصلاة من حق الله ، لكن عرفه بالذي يصلي له أولاً ، تقول له : صلِّ ، ولكن لمن ؟ لله .
حكى لي أخ بالمحكمة ، دخل شخص دعا عليه دعوى وهي كيدية ، قال له : وكِّل الله . فقال له : أين الله لأوكِّله ؟ ألم يمل مني ويعذبني ؟ وهو يصلي ، فهذه الصلاة لا تفيده ، لكن عرف الناس بالله . لكل شي حكمة :
يجب أن تعرف الإنسان بالله بحيث يرى رحمته ، يرى حكمته ، يرى حكمته بالفيضانات، بالكوارث ، وبنزول القحط ، يقول لك : كيلو اللحم يباع على طريق حماة أو حمص بأربع ورقات. انظر إلى عين الرحمة ، أناس غافلون هزهم ربنا هزة قوية ، لم يعد هناك كهرباء ، فكل شيء أصبح لا يدور ، ألا تريد ماء لدوران الآلات ؟ لا يوجد ماء .
الإنسان عندما يريد أن يرى حكمة ربنا ورحمته يراها بالقحط والخير ، بالشدة والرخاء ، بالصحة والمرض ، أحياناً ترى آلة لكن الإله لم نره ، قال لي شخص : هذه الآلة لا تفنى أبداً ، وربنا عز وجل ما كان قادراً على أن يعمل لنا قلباً لا يمرض أبداً !! لا ذبحة ولا جلطة ولا احتشاء عضلي ، أليس قادراً على أن يصنع قلباً لا يصاب بالمرض ، المرض فيه حكمة ، يجب أن أن تكشف حكمة ربنا بالمرض ، هذه آية الشمس جعلها الله تدور ولا تظل ثابتة ، من الذي قال هناك دعاء للدوران ؟ لا يوجد دعاء دوران ، لا يوجد دعاء لشروق الشمس، الشمس تشرق كل يوم ، هناك أشياء ثبتها الله و لم يحركها ، مثلما ثبت الدوران ، وثبت الشروق ، كان ممكن أن يثبت هطول الأمطار تماماً ، الشام فيها ألف وخمسمئة مليمتر إلى أبد الآبدين ، هل بقي هناك دعاء استسقاء ؟ لا حاجة للدعاء ، صار هناك استغناء عن الله عز وجل .
معنى هذا أن المرض فيه حكمة ، القحط له حكمة ، الفقر له حكمة ، الفقر ليس تقنين عجز ؛ تقنين معالجة ، إذا كان هناك إنسان والده ملك ، وصار معه التهاب أمعاء قال له الطبيب : فقط يجب أن يأكل الكوسا مسلوقاً . فهل أبوه ليس عنده إمكانات أن يطعمه كوسا محشي باللحم والسمن ؟! يقدر ، لكن هذا معالجة ، هذا تقنين معالجة وليس تقنين عجز أو فقر.
مرة خطر في بالي خاطر : لماذا يوجد غنى وفقر في الأرض ؟ لو لم يكن هناك غنى وفقر أليس هذا أفضل ؟ لا يمكن ، قلت : لو كان هناك أب عنده خمسة أولاد أحضر لهم كيسين برتقال ، كل كيس ثمنه خمسة وعشرون ليرة ، أصبح ثمنهم خمسين ليرة ، ووضعهم بالغرفة ، هل تعرف الأمين من الذي يأخذ كل شي لنفسه ؟ هل تعرف المنصف من غير المنصف ؟ تضيع الطاسة ، أما إذا أحضر الأب لهم عشر برتقالات ، إذا أكل الابن ثلاث برتقالات ، يحصل أخوه على واحدة ، إذا أكل الأخ أربع برتقالات جعل أخاه لا يأكل ولا برتقالة ، يأتي يأخذ الكبيرة ، وآخر يأخذ الصغيرة ، فالله إذا جعل البرتقال كله حجمه متساو ، لم يكن هناك نزاع، اختلاف القياسات صار فيه إظهار للفضائل .
حتى اختلاف الفاكهة كبيرة وصغيرة ، هذه تفاحة خدها أحمر ، الكل يحب التفاحة الحمراء هذه خدها أحمر أريد أن آخذها ، لا ، يأتي أخ يأخذها لوحده ، يأتي أخ ثان تفضل أنت كلها ، بابا تفضل أنت كلها ، هذه لها معنى ، نشأت محبة بين الأب وابنه ، اختار له أحسن تفاحة ، وجد واحدة خدها أحمر فلم يأخذها وأعطاني إياها ، لو كان كلهم خدهم أحمر ما بقي هناك شيء .
حتى الاختلاف بين الفاكهة له معنى ، المرض له معنى ، الصحة لها معنى ، إذا كان هناك شيء لم يذكره الله فهذا منتهى الحكمة ، صار يمشي في ذهني موضوعات جديدة أن الشيء الذي لم يقل عنه الله إطلاقاً فيه حكمة بالغة ، لو حكاه كان مثل الناس ، لو قال : نسبة الربح ثلاثة عشر ونصف بالمئة على الفاتورة ، هناك آية قرآنية بذلك ؟ وقال مثلاً : أخذت بضاعة كتب نصفها . هذا الصنف لم يبع معك ، فأنت تخسر ، ومعناها لا تستطيع أن تعيش ، هذه الله سكت عنها ، يجوز أنت عندك ستوكات ، وهناك شيء فاخر ، سعر يرخص ، وسعر يعلو ، هذا كله من حكمة الله عز وجل ، فلذلك الإنسان يجب أن يتحرك في موضوعات معينة، و عليه معرفة الله عز وجل لأنك أنت مصيرك معه .
هناك إنسان جالس مع زوجته ، هذا الزواج مؤقت ، كيف مؤقت ؟ هذه زيجة مواتية ، كيف مواتية ؟ هناك موت بعد ذلك ، فعلى قدر ما كانت هذه زيجة جيدة لابد من أن يفرق الموت بينكما ، قدر ما كان بيته جميلاً منتقى ، والله دخلت إلى بيت ، زاوية الشام كل جهاتها مفتوح ، آخذ شرقاً غرباً قبلياً ، كيف هذا المحضر لا أحد أمامه ولا خلفه ولا جانبه ورابع طابق ، دخلت إلى البيت ، لكن أين لا يوجد موت ؟ أريد أن أرى واحداً كهذا ، إن بنى له بيتاً يكون بمحل آخرته ، بباب الصغير ، بمقابر الدحداح ، ما ثمنه ؟ أما ترتيبه فرائع ، السجاد لونه خمري ، الثريات ، الشام مكشوفة كلها ، تريد أن ترى الشمس ؟ هناك واجهة شرقية ، تريد أن تراها بعد الظهر ؟ هناك واجهة غربية ، تريد أن ترى الشام كلها ؟ لكن آخر شيء لا بد من أن يموت ، يشيَّع إلى مثواه الأخير إلى الدحداح ، فالبطولة مع الأخير وليس مع المؤقَّت .
من فكر بالموت نقل اهتماماته من الدنيا للآخرة :
لذلك إذا فكر الإنسان بالموت ينضبط ، وتنتقل اهتماماته من الدنيا للآخرة ، بعد ما كان دنيوياً صار أخروياً ، يجب أن يكون الموت ماثلاً في أذهاننا كل يوم ..
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له...))
[ الترمذي عن أنس]
الذي أرجوه من الأخوة الحاضرين أن يعمل كل شخص جرداً لحساباته ؛ فهل هناك مخالفات في بيته ؟ بناته ؟ زوجته ؟ هل عنده عدد من الأجهزة الكهربائية ؟
الآن كلنا نعرف هذا جهاز كهربائي مباح ، كأن يكون من نوع حماصة الخبز فلا مانع ، أما هل هناك أجهزة عنده من نوع آخر مثلاً ؟ من نوع يسبب فساداً أخلاقياً بالأسرة ؟ هذا الذي نريده منكم أن يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ، ولا يبقى مقتنعاً ، قال : اللغة من وضاءتها ... أخي هل آتي لك بكأس من الماء ؟ من وضاءة اللغة إحداث الاستجابة .. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾
[ سورة الأنفال : 24]
هذه الكلمة استغرقت موضوع الفقه وموضوع الحديث ، بقي القصة. * * *
ربيعة الرأي :
قصة اليوم لأحد التابعين ، ظهرت على ربيعة الرأي علامات النجابة منذ نعومة أظفاره ، وظهرت أمارة الذكاء في أفعاله وأقواله ، فأسلمته أمه إلى المعلمين ، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه ، واستدعت له المؤدبين وحضتهم على أن يحسنوا تأديبه ، فما لبث كثيراً حتى أتقن الكتابة والقراءة ، ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، الآن يقرأ أحدهم القرآن يكون معه ليسانس يقول لك : (يس) ما هذه يس ؟ يا و سين لا يعرف أن يقول : يا سين . يكون معه ليسانس ، أما طفل فيحفظ كتاب الله .
ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، وجعل يرتله ندياً طرياً كما أنزل عل فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ، وروى عما تيسَّر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستظهر من كلام العرب ما يحسن بمثله أن يستظهر ـ ليست كهذه الألغاز كلها حفظها ، لا يوجد فيها شيء، قصص بوليسية تهيج المشاعر كلها ، يجب أن يكون للإنسان برنامج يقرأه ، هناك كتابات مثل السيف ـ
وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف ، وقد أغدقت أم ربيعة على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقاً ..
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
أحياناً الأب يتكلم على معلم ابنه كلاماً بالبيت : هذا لا يفهم ؟ لا ، مثل أعلى لابنك ولو كان مخطئاً ، يجب ألا تتكلم بهذا الكلام أمام ابنك ، بعد ذلك يقل شأنه عنده ، انتبه، فإذا أكرمت المعلم ، بعثت له ببطاقة : نشكر اهتمامكم ورعايتكم ، ونتمنى له التوفيق في توجيهكم ، التوقيع الولي . المعلم بالنسبة له يجد أن هناك أهلاً يقدرون جهوده ، فيضاعف جهوده ، أما لماذا لم تعطه الوظيفة ؟ أريد أن أعمل للمعلم مشاجرة بالمدرسة ، ما هذا الأب !! إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
فكانت كلما رأته يزداد علماً تزيدهم براً وإكراماً ، وكانت تترقب عودة أبيه الغائب وتجتهد في أن تجعله قرة عينٍ لها وله ، لكن فروخاً طالت غيبته ، ثم تضاربت الأقوال فيه ، فقال بعضهم : أنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء . وقال آخرون : إنه ما زال طليقاً يواصل الجهاد. وقال فريقٌ ثالث عائدٌ من ساحات القتال : إنه نال الشهادة التي تمناها . فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره ، فحزنت عليه حزناً أمض فؤادها ، ثم احتسبته عند الله . الحرفة التي اختارها ربيعة لنفسه :
كان ربيعة يومئذٍ قد أيفع وكاد يدخل في مداخل الشباب ، فقال الناصحون لأمه : ها هو ذا ربيعة قد استكمل ما ينبغي لفتىً مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة ، وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث ، فلو تخيرت له حرفةً من الحرف فإنه لا يلبث أن يتقنها وينفق عليكِ وعلى نفسهِ مما تدره من خيرٍ . فقالت : أسأل الله أن يصير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده ، إن ربيعة قد اختار العلم النافع .
الآن الآباء ... يكون الابن ليس له حب بالعلم ، يتعب و يتعب أهله ، إذا كان عندك ابن لا يوجد فيه أمل إطلاقاً ، اكسب عمره وضعه في مصلحة ، يكبر على المصلحة ، وهناك آباء بالعكس يكون ابنه عنده رغبة عالية بالدراسة ، يضعه عنده بالمحل ، هذا لا يجوز هذا الإنسان أين يحب ينبغ ، هناك أشخاص ينبغون نبوغاً هائلاً ، اتركه ماشي ، ادعمه، يبنغ بالدراسة ، اتركه ، ادعمه ، لمَ أنت تعاكس اتجاهه ؟ تعذب نفسك وتعذبه ، تريد أن تمشي سفينة على الأرض ، لا تمشي هذه تمشي على البحر .
ترجو النجاة ولا تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
* * *
وعزم على أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدَّت فيه الحياة ، مضى ربيعة في طريق اختطها لنفسه غير وانٍ ولا مقصرٍ ، وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقبل الظمآن - جمع ظامئ - على الموارد العجاف ، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين ، وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب ، ومكحول الشامي ، وسلمة بن دينار ، وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد ، فإذا كلمه أحدٌ في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه قال ربيعة : سمعنا أشياخنا يقولون : العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
الآن بالتجارة إذا كنت فتحت محلاً تجارياً في منطقة نائيَّة لن تربح شيئاً ، إذا كنت حسنته أكثر تربح أكثر ، نقلته وعملته بالمدينة تربح أكثر، إذا كان هناك بضاعة نادرة تربح أكثر ، أكثرت البضاعة تربح أكثر ، العلم بالعكس ، تريد أن تبذل كل شيء لتنال شيئاً ، وإذا بذلت شي قليلاً لن تنال شيئاً أبداً ، هذه مشكلة العلم .
ثم ما لبث حتى ارتفع اسمه ، وبزغ نجمه ، وكثر إخوانه ، وأولع به تلاميذه ، وسوَّده قومه ، ولقد صارت حياة عالم المدينة هادئةً وادعةً ، فشطرٌ من يومه في داره لأهله وإخوانه ، وآخر في مسجد رسول الله لمجالس العلم وحلقاته ، ولقد مضت حياته متشابهةً حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان . البشرى التي زفت لأم ربيعة و الفزع الذي دخل قلبها :
في ذات عشيةٍ من عشيات الصيف المقمرة ، بلغ المدينة المنورة فارسٌ في أواخر العقد السادس من عمره ، ومضى في أزقتها راكباً جواداً قاصداً داره ، وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده ، أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها ، مضى على غيابه أعواماً طويلة وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلَّفها في تلك الدار ما فعلت ؟ وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها أوضعته ذكراً أم أنثى ؟ أحيٌ هو أم ميت ؟ وإذا كان حياً فما شأنه ؟ وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد وتركه وديعةً عندها ، حين مضى مجاهداً في سبيل الله مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارى وسمرقند وما جاورها ؟
ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين، فالناس لم يفرغوا لصلاة العشاء إلا وشيكاً ، لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مرّ بهم لم يعرفه ، ولم يأبه له ، ولم يلتفت إلى جواده المطهم ولا إلى سيفه المدلَّى ، فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله ، أو العائدين منه .
لكن ذلك كان فضلاً في إثارة حزن الفارس وازدياد وساوسه ، وفيما هو كان سابحاً في أفكاره هذه ، ماضياً يتلمس في تلك الأزقة التي عراها التغير وجد نفسه أمام داره ، والباب مفتوح ، دخل والابن ما عرفه ، وجد إنساناً داخل البيت ، صاح به ، الأم استيقظت وأطلت من نافذة عليتها فرأت زوجها بشحمه ولحمه ، فكادت تعقد الدهشة لسانها ، لكنها ما لبثت أن قالت : دعه يا ربيعة ، دعه يا ولدي إنه أبوك ، انصرفوا يا قوم بارك الله عليكم ، حذارِ يا أبا عبد الرحمن إن هذا الذي تتصدى له هو ولدك ، وفلذة كبدك .
فما كادت كلماتها تلامس الآذان ، حتى أقبل الابن على أبيه يقبله ، وأقبل الأب على ابنه يضمه ، وانفض عنهما الناس ، ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظن ظناً أنها ستلقاه على هذه الأرض بعد أن انقطعت أخباره مدةً كثيرة .
جلس فروخ إلى زوجته ، وطفق يحدثها عن أحواله ، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره ، ولكنها في شغلٍ شاغل عن كثيرٍ مما يقول ، فلقد نغَّص عليها فرحتها بلقائه واجتماع شمله بولده خوفها من غضبه على إضاعة كل ما أودعه لديها من مال ، مبلغ طائل ثلاثمئة ألف ليرة ، ترك لها ثلاثين ألف دينار ، ثلاثمئة ألف ليرة مبلغ ضخم جداً .. كانت تقول لنفسها : ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير الذي تركه أمانةً عندي ، وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف ؟ ماذا سيكون منه لو أخبرته أنه لم يبق منه شيء ؟ أيقنعه قولي هذا ، إنني أنفقت ما تركه عندي على تربية ابنه وتعليمه ؟ وهل تبلغ نفقة ولدٍ ثلاثين ألف دينار ؟ أيصدق أن يد ابنه أندى من السحاب وأنه لا يبقي على دينارٍ ولا درهمٍ ، وأن المدينة كلها تعلم أنه أنفق على إخوانه الآلاف المؤلَّفة ، وفيما كانت أم ربيعة غارقةً في هواجسها ، التفت إليها زوجها وقال: لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار ، فأخرجي المال الذي أودعته عندكِ لنضم هذا إليه ، ونشتري بالمال كله بستاناً أو عقاراً نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة .
فتشاغلت عنه ولم تجبه بشيء ، فأعاد عليها الطلب وقال : هيا أين المال حتى أضم إليه ما معي ؟ فقالت : لقد وضعته حيث يجب أن يوضع - كلام بليغ واضح - لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ، وسأخرجه لك بعد أيامٍ قليلة إن شاء الله .
وقطع صوت المؤذن عليهما الحديث .
المنزلة التي وصل إليها ربيعة الرأي :
هب فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ثم مضى مسرعاً نحو الباب وهو يقول : أين ربيعة ؟ ابنه .
قالوا : سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول ، ولا نحسب أنك تدرك الجماعة .
بلغ فروخ المسجد فوجد أن الإمام قد فرغ وشيكاً من الصلاة ، فأدى المكتوبة ، ثم مضى نحو الضريح الشريف - أي ضريح النبي الكريم - فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة ، فقد كانت في فؤاده أشواقٌ إليها وحنينٌ إلى الصلاة فيها ، فتخير لنفسه مكانٌ في رحابه النضرة ، فصلى ما شاء الله أن يصلي ، ثم دعا بما ألهم أن يدعو ، ولما همَّ بمغادرة المسجد وجد باحته قد غُصَّت على رحبها بمجلسٍ من مجالس العلم لم يشهد له نظيراً من قبل ، ورأى الناس قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقةً إثر حلقة ، حتى لم يتركوا في الساحة موطئاً لقدم ، وأجال بصره في الناس فإذا فيهم شيوخ معممون ذو أسنان ، ورجالٌ متوقِّرون تدل هيئاتهم على أنهم ذوي أقدار، وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم ، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ، ويحفظونه في دفاترهم كما تحفظ الأعلاق النفيسة ، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قولٍ حتى لكأن على رؤوسهم الطير .
وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ فقرةً فقرة فلا يفوت أحداً شيءٌ من كلامه مهما كان بعيداً – لم يكن هناك إضاءة شديدة - هناك شيخ بعيد يحكي ، وحاول فروخ أن يتبين صورة الشيخ فلم يفْلح ، لموقعه منه وبعده عنه ، لقد راعه منه بيانه المُشرق ، وعلمه المتدفق ، وحافظته العجيبة ، وأدهشه خضوع الناس له وما هو إلا قليل حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفاً .
فهب الناس متجهين نحوه ، وتزاحموا عليه ، وأحاطوا به ، واندفعوا وراءه يشيِّعونه إلى خارج المسجد .
وهنا التفت فروخ إلى رجلٍ كان يجلس بجانبه وقال : قل لي بربك من الشيخ ؟
ـ فقال الرجل باستغراب : أولست من أهل المدينة ؟
ـ قال فروخ : بلى .
ـ قال الرجل : وهل في المدينة رجلٌ واحد لا يعرف الشيخ ؟
ـ قال فروخ : اعذرني إذا كانت لا أعرفه ، فقد أمضيت نحواً من عمري بعيداً عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمسِ .
ـ قال الرجل : لا بأس ، اجلس قليلاً أحدثك عن الشيخ . ثم قال : إن الشيخ الذي استمعت إليه سيدٌ من سادات التابعين ، وعلمٌ من أعلام المسلمين ، وهو محدِّث المدينة ، وفقيهها وإمامها على الرغم من حداثة سنِّه .
ـ فقال فروخ : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
ـ وأتبع الرجل كلامه : وإن مجلسه يضم كما رأيت مالك بن أنس - سيدنا مالك قاعد يستمع إليه - وأبو حنيفة النعمان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وغيرهم وغيرهم .
ـ فقال فروخ : غير أنَّك لم تذكر لي اسمه وسكت .
لكن الرجل لم يتح له فرصةً لإتمام كلامه فقال :ـ وهو فوق ذلك كله سيدٌ كريم الشمائل ، موطَّأ الأكناف ، سخي اليد ، فما عرف أهل المدينة أحداً أوفر منه جوداً لصديقٍ وابن صديق ، ولا أزهد منه في متاع الدنيا ، ولا أرغب منه بما عند الله .
ـ فقال فروخ : ولكنك لم تذكر لي اسمه ؟
ـ فقال الرجل : إنه ربيعة الرأي .
ـ قال فروخ : ربيعة الرأي ؟!
ـ قال الرجل : نعم ، إن اسمه ربيعة ، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوْه ربيعة الرأي لأنهم كانوا إذا لم يجدوا لقضيةٍ نصاً في كتاب الله أو حديث رسول الله لجؤوا إليه ، فيجتهد في الأمر ويقيس ما لم يرد فيه نصٌ على ما ورد فيه نص ، ويأتيهم بالحُكم فيما أشكل عليهم على وجهٍ تركن إليه النفوس وتطمئن إليه القلوب .
ـ فقال فروخ في لهفة : ولكنك لم تنسبه لي ؟!! ربيعة ماذا ؟
ـ فقال له : إنه ربيعة بن فروخ ، المُكَنَّى بأبي عبد الرحمن ، لقد ولد بعد أن غادر والده المدينة مجاهداً في سبيل الله ، فتولَّت أمه تربيته وتنشئته، وقد سمعت الناس قبيل الصلاة يقولون : إن أباه عاد الليلة الماضية .
عند ذلك تحدَّرت من عيني فروخ دمعتان كبيرتان لم يعرف لهما الرجل سبباً ، ومضى يحث الخطا نحو بيته ، فلما رأته أم ربيعة والدموع تملأ عينيه قالت :
ـ مالك يا أبا ربيعة ؟
ـ قال : ما بي إلا الخير ، لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقامٍ من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحدٍ من قبل .
فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت : أيهما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم هذا الذي بلغه ولدك من العلم والشرف؟
ـ قال : بل هو أحب إلي ، وآثر عندي من مال الدنيا كله .
ـ قالت : لقد أنفقت ما تركته عندي عليه فهل طابت نفسك بما فعلت ؟
ـ قال : نعم ، وجُزيت عني وعنه وعن المسلمين خير الجزاء .
لذلك النبي الكريم قال :
(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
فالذي عنده ابنه يصب عليه كل اهتماماته ؛ يعلمه ، ويزكيه ، ويكرمه ، ويدلله ، ويأخذه معه ، وينصحه ، وينزل لمستواه ، ويتصابى له، فلا تعرف إن كبر الابن قد يكون عالماً مخلصاً، أو مصلحاً اجتماعياً ، ينقذ البشرية من ضلالها ، لا تعرف ، فأثمن شيء بالحياة أن يكون للإنسان ابن كهذا ، فالله عز وجل يرزقنا أولاداً صالحين .. ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

السعيد
09-09-2018, 08:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : العقيدة الصحيحة طريق نجاة الانسان




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الأمور باطنها و ظاهرها بيد الله عز وجل :
لبعض العلماء الأفاضل فصلٌ في العقيدة الصحيحة ، لكن الشيء الذي يلفت النظر في هذا الفصل أنه مأخوذٌ حصراً من كتاب الله عز وجل .
فالعقيدة الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه رب العالمين ، مقام الربوبية يختلف عن مقام الألوهية ، فالله خالقٌ ، وربٌ ، وإله ، من معاني الرب أنه المُمد فحينما يمدُّ الإنسان بما يحتاج إليه إنه رب العالمين ، وليس رب البشر وحدهم ؛ ولكنه رب جميع العوالم في الكون ، إذاً وصف نفسه فقال :
﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[سورة الفاتحة: 2]
وأنه مالك أو : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
[سورة الفاتحة: 4]
في الدنيا الأمور على حقيقتها بيد الله عز وجل ، وفي ظاهرها قد تكون بيد زيدٍ أو عبيد . . ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
[ سورة الأنفال : 17 ]
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
ولكن في الآخرة تكون الأمور في الباطن وفي الظاهر بيد الله عز وجل . إعطاء الله البشر فرصة لإظهارهم على حقيقتهم :
لذلك هذا اليوم يوم الفصل ، يوم القيامة ، مالكه الله رب العالمين ، وأنه يستهزئ بالمنافقين ، واستهزاء الله عز وجل بالمنافقين بمعنى آخر أي يحتقر عملهم ، والإنسان في الدنيا إذا كان كاملاً ورأى عملاً سخيفاً ، أو عملاً فيه أذى ، أو فيه فساد ، أو فيه بغي يحتقر هذا العمل ، من علامة المؤمن الكامل في الدنيا أنه يحتقر كل عملٍ منحط ، هذا معنى الاستهزاء ، وأنه يستهزئ بالمنافقين فقال :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
وأنه يمدُّ المنافقين : ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
الإمداد له معنى آخر ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
[ سورة طه: 129]
أي أن ربنا عز وجل في الدنيا أعطانا فرصة ، كي نعبر عن ذواتنا ، كي نظهر حقيقتنا ، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل على الكافرين فقضى عليهم ، تكون هذه الفرصة لم تعطَ إليهم تماماً لذلك : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾
[ سورة طه: 129]
هذه الكلمة أنه أعطى للكفار ولبني البشر كافةً فرصةً كي يظهروا على حقيقتهم .
هذا السؤال الذي يخطر في بال الإنسان : فلان أحياناً يفجر ، أحياناً يطغى ، أحياناً يبغي ، يتجاوز حدود البشر ، كيف أبقاه الله عز وجل ؟
الجواب : أن الله سبحانه وتعالى بعث بنا إلى الدنيا كي تظهر حقيقتنا ، فلو فرضنا طالباً دخل امتحاناً ، المعلم يعرفه أنه لن ينجح لشدة كسله ، دخل أول مادة ، هل بإمكان المعلم أو هل المعلم يمنع هذا الطالب من دخول الامتحان لعلمه به ؟ الجواب: لا ، لو أنه حرمه الامتحان لقال : يا أستاذ أنا سأنجح ، أنا حضرت . يعطى الطالب الفرصة الكافية لتقديم جميع مواد الامتحان ، من أجل أن ينكشف على حقيقته . . ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾
[ سورة الأنفال : 42]
فهذا الذي يجعل الله سبحانه وتعالى يعطي للكفار الطغاة مهلةً من جهةٍ كي يظهروا على حقيقتهم ، ومن جهةٍ أخرى لعلهم يهتدون . . ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
وأنه يذهب بنورهم فيتركهم في ظلماتٍ لا يبصرون ، الحقيقة النور نور الهدى ، ولا يعرف هذا إلا المؤمن ، المؤمن على شيء من النور الإلهي ، مستبصر ، يرى الخير خيراً والشر شراً ؛ لكن المنافق والفاجر والكافر يرى الخير شراً ، ويرى الشر خيراً ، فيكفي أن يتباهى الإنسان بالمعصية ، أعمى ، سيدنا يوسف ماذا رأى في الزنا ؟ رأى نتائجها الوخيمة فقال : ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
أما الأعمى فيراها مغنماً ، وقد ينتهي ، وقد يسفل به إلى أسفل سافلين. من امتلك رؤية صحيحة نجا في الدنيا و الآخرة :
إذاً الإنسان عندما يكون في الدنيا مزوَّداً بنور إلهي ، معنى ذلك أنه يرى الخير خيراً والشر شراً ، فأخطر شيء في الدنيا أن تمتلك رؤيةً صحيحة .
لذلك الإنسان الجاهل يرى المال الحرام مكسباً ، مغنماً ، ولا يدري أن الله سبحانه وتعالى سوف يذهب له هذا المال بأساليب عديدة ، لا يدري ، الحديث الشريف :
(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
معنى مهاوش أي أدق تعبير لها في اللغة العامية بالهيلمة ، هناك كسب شرعي وفق جهد ، وهناك عدوان على الكسب ، الإنسان أحياناً يعتدي على كسب الآخرين بأساليب ؛ إما أن يخيفهم ، وإما أن يخدعهم ، وإما أن يدلِّس عليهم ، فكسب المال على نوعين ؛ إما أن تكسبه بجهدٍ حقيقي فهذا هو الكسب المشروع ، وإما أن تكسبه بطريقةٍ من الطرق غير المشروعة، قد تكون بالخداع ، وقد تكون بالضغط ، وقد تكون بالتخويف ، معنى : (( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
هذا قانون أي يذهب نهباً ، أخذه بوسائل غير مشروعة يُذهب منه نهباً ، من يعرف هذا ؟ المؤمن ، فالمؤمن مستبصر أما غير المؤمن فأعمى . ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 19 ]
أي أن الكافر لجهله يظن أنه يفعل ما يشاء . . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 36]
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، أحياناً الكافر يظن نفسه يفعل ما يشاء ، لكن مشيئته موظفةٌ عند الله عز وجل ، لا يفعل إلا ما يسمح الله من مشيئته أن يحدث ، و . .
﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة الحج : 6]
إن كانت قدير من فعل التقدير ، تقديره تقدير حكيم عليم ، وإن كان القدير من فعل قدر ، وقدر من القدرة ، فهو على كل شيءٍ قدير ، لذلك إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله . . ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 37]
تواب صيغة مبالغة ، أي كثيراً ما يقبل التوبة عن عباده . . ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 7]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 98]
طبعاً الله سبحانه وتعالى يكره عملهم ، لا يكرههم بالذات ، يكره عملهم ، وأدق مثل أن الأب قد يكره عمل ابنه ، ومع ذلك يرعاه ويعطف عليه ويقدم له حاجاته وينصحه ، ولكنه يكره عمله ، فإذا عاد إلى رشده أحبه ورفع شأنه . ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران: 105 ]
النعم التي أنعم الله بها على الإنسان :
أي . .
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 1 ]
الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد ، لولا مشيئة الله عز وجل بإيجادنا من نحن ؟ نحن لا شيء ، إذاً هناك نعمة الإيجاد ، لمَ أوجدنا ؟ ليسعدنا ، ولذلك خلقهم . . ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[ سورة هود : 119 ]
وتفضل علينا بنعمة الإمداد ، هذه الثانية ، وتفضل علينا بنعمة الإرشاد ، خلقنا وأمدنا وهدانا ، لذلك قالوا : ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
تمام النعمة الهدى . . ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
[ سورة الفجر : 15 ]
إن كان المال من دون هدىً فليس إكراماً ؛ بل هو امتحان . ﴿ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة المائدة: 40ٍ ]
وأنه تعالى له وجهٌ . . ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة القصص : 88]
له وجهٌ ، قد يبتغي الإنسان بعمله وجه الله عز وجل ، والمرء يوم القيامة ينظر إلى وجه الله عز وجل ، وأن وجهه . . ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾
[ سورة البقرة: 115]
أي أينما جلست وتوجهت إلى الله فثم وجه الله . .
يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ قال : كيف ذلك يا رب ؟! قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني ، وأن بديع السموات والأرض هو الذي أبدعها على هذا الشكل . إبداع الله عز وجل :
أنت لو فكرت الجبل الآن مألوف ، والشجر مألوف ، لكن من أبدع فكرة الجبل ؟ لولا الجبل لما عاش الإنسان ، الجبل فيه خزانات مياه عذبة ، لو الأرض كلها مسطحة ، صحارى ، من أين تأتي الينابيع ؟ فكرة الشجر ، أشجار للزينة ، أشجار حدودية ، أشجار للخشب ، أشجار للظل ، أشجار دائمة الخضرة ، أشجار متساقطة الأوراق ، أشجار مثمرة ، أنواع الفواكه ، هذا كله بفضل من ؟ بفضل الله عز وجل ، إذاً فكرة الإيجاد ، أحياناً يرسمون لك أشخاصاً يعيشون بالمريخ فالإنسان ليس عنده إمكان إلا أن يتخيل مخلوق له رأس ، ويدان ، ورجلان ، وجذع على أشكال متفاوتة ، إذاً من أبدع هذا النظام ؟ من أبدع شكل الكرة ؟ من أبدع شكل الدوران ؟ من خلق نظام الجاذبية ؟ من خلق الماء ؟ فكرة الماء قبل أن يكون الماء من أبدعها ؟ فكرة الهواء ، فكرة المعادن ، التربة ، إنبات النبات ، تحليق الطيور في الفضاء ، فكرة الأسماك من ابتدعها ؟
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
الآن الغواصات مأخوذة من الأسماك ، الطيران تقليدٌ غير جيد للطائر ، أعظم طائرة صنعت حتى الآن تقليدٌ غير جيدٍ للطائر ، فكرة الطيران من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الغَوص في البحر من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الطاقة ، أنت تحتاج إلى طاقة كي تعيش ، لولا الطاقة لما تمايز الناس ، الإنسان يحتاج إلى الطعام ، والطعام يحتاج إلى كسب والإنسان في الكسب يبدو معدنه الحقيقي ، إما يكذب وإما يصدق ، إما يكسب مالاً حلالاً أو مالاً حراماً ، إما أن يكون متقناً لعمله أو غير متقن ، فأخلاق الإنسان تظهر في كسبه لرزقه ، لو تعمَّقت من أبدع نظام الزوجية ؟ ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾
[ سورة هود: 40]
الله سبحانه وتعالى أبدع هذا النظام ، كان بالإمكان أن يخلق الناس كلهم دفعةً واحدة ويموتوا دفعةً واحدة ، ولكن هذا التدرج في الخلق والموت هذا يعطي الإنسان درساً كبيراً جداً ، أكبر موعظة للإنسان الموت ، فمهما كان الإنسان مكابراً ، حينما يرى إنساناً ميتاً ، خشبة لا تقوى على التحرك ، كان شيئاً مذكوراً فصار خبراً ، يكون الإنسان مخيفاً ، فقط عندما الله عز وجل يسحب الروح منه صار نعوة ، صار اسماً على نعوة ، صار حدثاً ، كان شيئاً مخيفاً صار خبراً ، قال الله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 44]
من الذي خلق فكرة الموت ؟ فكرة التزاوج في الإنسان ، في الحيوان ، في النبات . . فالحيوانات من خلق هذه الفكرة ؟ الخروف تأكل لحمه ، لماذا جعله الله على شاكلتك ؟ فإذا أنت لم تدرس طب ، ولم تكن متخصصاً بأمور خلق الإنسان ألا تأكل لحماً ؟ ألا ترى القلب والكلاوي والكبد والمعدة والأمعاء والدماغ والشرايين والأوردة والعضلات والعظام والأوتار ؟ هذه ألا تراها أمامك كلها عند اللحام ؟ هناك علاقة بين خلق الإنسان وخلق الحيوان ، هذه العلاقة درس تعليمي لنا ، هذه معنى : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
فكرة أن الطفل محبوب ، لو كان الإله خَلْقه غير كامل ؛ قد يكون الطفل حجمه صغيراً أما عقله فناضج ، ما دام عقله ناضجاً بوقت مبكر لم يعد محبوباً ، ولكنه محبوب في براءته ، الأب يحب سذاجة ابنه أحياناً ، تفكيره المحدود ، يعجبه كل شيء ، يفرحه كل شيء ، فالبنت الصغيرة تمسك الوسادة تتصورها لعبة ، أن هذه ابنتها ، تضعها على صدرها تنيمها ، وهي وسادة ، لو كان الطفل عاقلاً ما كان محبوباً ، فكرة الطفل من خلقها ؟ الله عز وجل : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة البقرة: 117]
أي على الله كل شيء سهل ، لذلك الإنسان عندما يكون مع الله يكون مع أقوى الأقوياء ، مع القوة المطلقة ، وإذا كان مع شركاء لله عز وجل ، مع الأضعف . . (( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
الله تعالى عزيز حكيم :
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
معنى العزيز أي لا ينال جانبه ، فإذا الطبيب نسي أن يسأل مريضه معك حساسية؟ أعطاه إبرة فصار معه صدمة ، يأتي المريض يفتح للطبيب هاتفاً يوبخه فيه ، الطبيب يخجل والله نسيت أن أسألك معك حق ، لم يعد الطبيب عزيزاً ، إذا صنعت صنعة وفيها خطأ ، فيها عيب ، وجاء زبون كشف العيب ، ووجه لك اللوم ، لم تصبح عزيزاً ، من معاني العزيز أن أحداً لا يستطيع أن ينال جانبه ؛ خلقه كامل ، تصرفه كامل ، حكمته مطلقة ، فأي خلل بالكون ، أي خلل بالتصرف ، لو ربنا عز وجل ما وجه لإنسان معالجات ، ما كان عزيزاً يوم القيامة ، العبد يقول له : يا رب لمَ لم تعالجني بالدنيا ؟ لمَ لم تذكرني ؟ لمَ لم تخوفني ؟ لمَ لم تبعث لي شيئاً يوقفني عند حدي ؟ يقول له الله : لا ، لقد سقت لك كل المعالجات . ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
عزيزٌ لأنه حكيم . الشعور بالخيانة و إنكار الجميل أصعب شعور :
وأنه يوفي العهد لمن وفىَّ بعهده . .
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
فما من شيء مؤلم مثل الخيانة ، مثل إنكار الجميل . . أعـلمه الرماية كـل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قـال قافية هجانـــــي
* * *
لا يوجد شعور مؤلم في الحياة يوازي الشعور بالخيانة ، انظر إلى الأب أحياناً يضع كل أمله بابنه ، الابن أحياناً ينسى والده ، يغيب عنه أسبوعين يا أبت أين أنت ؟ والله مشغول ، ماذا تريد مني ؟ اطمئن لا يوجد شيء ، عندما يكون هناك شيء أنا أخبرك ، يتألم الأب ، هلك حتى رباه ، رآه كبيراً لم يعد يريده ، صار الابن يرى والده عبئاً عليه ، الإنسان عندما يتعلق بالله عز وجل ، الله وفي . . ينادى له في الكون أنَّا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
* * *
مسكين الكافر ، حالته يرثى لها ، أحياناً يتعلق بزوجته ، يضع كل أمله فيها ، ربنا عز وجل كذلك لحكمةٍ ربنا مضل ، يضله عنها ، من أسماء الله الحسنى أنه مضل ، يضع كل أمله فيها ، فتتنكر له أحياناً ، أين ذاهبة ؟ والله زائرة عند ابنتي ، وأنا أين ستتركيني ؟ تقول له: أأنت صغير ؟ يتألم ، أنا هكذا عاملتك من زمن ؟! كل إنسان يضع أمله بزوجة أو بولد أو ببنت الله عز وجل من أسمائه المضل ، فلحكمة بالغة يريه من هذا الشخص الذي أشركه مع الله عز وجل أعمالاً مزعجة ، أما المؤمن فثقته بالله وحده ، لذلك الله عز وجل يسخِّر له أعداءه فكيف بأصدقائه ؟ فلا يوجد أجمل من شيخوخة المؤمن ، لأنه سبحان الله كلما ازداد سني عمره يزداد مكانة ، يزداد هيبة ، يزداد عقلاً ، يرتفع شأنه ، تزداد محبة الناس له ، هذه من علامة الإيمان، و أما علامة من أمضى شبابه في معصية الله فأمامه شيخوخة متعبة كثيراً ، من عدة أيام هناك ثلاثة أشخاص عندما كنت صغيراً كانوا بمناصب حساسة بالتربية والتعليم ، لما يدخل أحدهم للمدرسة يبث الرعب والخوف ، والله الآن بوضع يرثى له ، يمشي على عكازة نصفين ، لا يدوم إلا الله عز وجل ، أما المؤمن فلو كان عمله طيباً جداً فله وضع آخر ، الشيخوخة مقياس الشباب ، الشاب المؤمن له شيخوخة سعيدة ، وغير المؤمن يدفع الثمن في الدنيا قبل الآخرة . فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحج : 143]
الله تعالى يذكر من ذكره :
و الله عز وجل يذكر من ذكره . . إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، من فضل الله عز وجل أنك تدعو إلى الله ، والله عز وجل يجعل اسمك برَّاقاً نظيفاً ، لو فكر أحدهم أن يتكلم عليك ، يتصدى له أشخاص عديدون يسكتونه ، هذه من نعمة الله عز وجل ، لذلك في بعض الأبيات الشعرية بهذا المعنى :
وإذا أراد الله نشـــــــــــــر فضيلةٍ طويت أتاح لهــــــا لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
* * *
أي البخور . وأنه يذكر من ذكره فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 249 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 158 ]
وأنه إلهٌ واحد ، هناك إله واحد ، وهناك إله أحد ، واحد أحد ، فردٌ صمد ، الإله الواحد أي لا إله إلا الله ، أما الإله الأحد فليس كمثله شيء ، واحد أي لا إله إلا هو ، أما أحد فليس كمثله شيء ، أحد عدد نوعي ، تقول : الطالب ترتيبه في النجاح الرابع ، ليس معناه هو أربعة ، هو رابع ترتيبه ، فوزن فاعل ، الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، الخامس ، هذا عدد نوعي ، عدد تقييم وترتيب وليس عدد كم ، أما أربعة فغير الرابع ، فإذا قلنا : إلهٌ واحد ، أي لا إله إلا هو ، أما إذا قلنا : إلهٌ أحد أي ليس كمثله شيء . . ﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 12]
معية الله معية مشروطة :
لكن ربنا عز وجل معيَّته مشروطة . .
﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
[ سورة المائدة: 12]
الكلمة من كثرة الترداد غاب معناها عن الناس ، إذا قلت لأحدهم : الله معك . هل هناك قوة في الكون تستطيع أن تناله بالأذى . إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
إذ كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لما الله عز وجل . . ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[ سورة الرعد: 11]
إذا ربنا أحب أن يهين إنساناً فهناك عذاب أليم ، و عذاب عظيم ، و عذاب مهين ، من يُهن الله فما له من مكرم ، العذاب المهين عذاب مادي وعذاب نفسي . ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56]
تجليات ربنا عز وجل ، أنوار ربنا عز وجل ، عناية ربنا ، حفظ ربنا للمحسن ، لذلك . . (( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
[الجامع الصغيرعن ابن عباس ]
(( باكروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[الجامع الصغيرعن أنس ]
أي أن الله عز وجل بشكل مطلق مع المحسنين ، المحسن الله معه ، يسدده ، يحفظه ، يحفظ له أولاده ، يحفظ له ماله . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 199]
أحياناً يأتي ببال الواحد خاطر ، الآن جاء بباله ، طرق بالعمود فجرح جبينه ، فهذا العامود ألا يراه ؟! سريع الحساب ، ينوي نية سوء ، يدفع ثمنها قبل أن ينفِّذها ، سريع الحساب ، يتوب إلى الله ، بمجرد أن يتوب يحس أن جبلاً انزاح عن كاهله ، يحس و كأنه صار خفيفاً ، فسبحان الله الصُلحة بلمحة . (( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
لمجرد أن يتوب الإنسان كأن ربنا عز وجل يشعره أنه قبِل توبته ، أنه قبله ، وأنه عفا عما مضى ، وأنه فتحت صفحةٌ جديدة ، والله سبحانه وتعالى يشعره أنه فرح به . (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
الأشياء التي يكرهها الله عز وجل :
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[ سورة البقرة: 205 ]
لا يحب أن تتكلم عن نفسك ، تحزن الناس على أحوالهم ، لا يحب أن تفسد بين زوجة وزوجها ، ولا بين شريك وشريكه ، ولا بين أخ وأخيه ، لا يحب الله عز وجل أن تحبب الناس بالدنيا ، لا يحب أن تشجع إنساناً على معصية ، لا يحب أن تفصل ابناً عن أمه ، تقنع ابناً أن يسكن لوحده ، لا يحب الله عز وجل أن تعمل سوء علاقة بين أخين ، لا يحب أن تعمل سوء علاقة بين جارين ، لا يحب النمَّام ، لا يحب المغتاب ، لا يحب نقل الأحاديث ، لا يحب الفساد ، فكلما كمل إيمان الإنسان تجد كلامه مضبوطاً و موزوناً .
كان أحد الشيوخ - رحمه الله - لا يجرؤ إنسان أن يتكلم في مجلسه كلمة عن إنسان ، يقول له : " يا با أظلم قلبي " . ما هذه الكلام ؟ والله إذا انعدمت الغيبة في المجتمعات يصبح المجتمع جميلاً ، قال لي أخ : دور استمر سبع عشرة سنة ، أحباب ، أصحاب ، أصدقاء ، سبع عشرة سنة ، لا يوجد دور يستمر سنة إلا و ينتهي ، فسأل أحدهم ما سر استمرار هذا اللقاء ؟ فاكتشف الحاضرون شيئين : الأول: أنه لا غيبة في مجلسهم ، والثاني : لا نساء في مجلسهم . لا يوجد اختلاط إذا كان هناك اختلاط يكثر القيل و القال ، و الشقاق الزوجي ، ما دام هناك اختلاط أصبح هناك فساد ، وربنا عز وجل لا يحب الفساد ، هل يا ترى الله يحبني ؟ هل الشيء صعب ؟ هل هي لغز ؟ القرآن واضح : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
اجمعهم ؛ اثنتا عشرة آية . ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾
[ سورة البقرة:205 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾
[ سورة الأنفال:58]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة لقمان : 18]
أنا مرة جمعتهم مع حذف التكرار ، لا يسبب فساداً للناس . محبة الله عز و جل للتائبين :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
فإذا غلط الإنسان غلطة لا ييئس ، لا ينكمش ، يدفع صدقة فورية ؛ يا رب تبت إليك، الله يحب التوَّاب ، لا يحب التائب ، يحب التواب ، التواب اسم فاعل مبالغ به ، أي كثير التوبة ، المؤمن مذنبٌ تواب ، ليس معناها أن الذنب يعيده مرتين أو ثلاث ، هذا استهزاء بالله عز وجل ، أما هذه فكان لا يعرفها سابقاً ، بلغه أنها حرام فتركها على الفور ، هناك قضية ثانية لم يكن يعرفها أيضاً تاب عنها ، كلما اكتشف أن هناك خللاً في استقامته ، هناك شيء لا يرضي الله يتوب عنه على الفور ، معنى تواب أنه كلما اكتشف بحياته خللاً يتوب منه فوراً ، مثلاً: ليس من الأصول أن يتحدث الإنسان عن زوجته ولو أنها صالحة ، طبعاً الحديث عن شكلها هذا ديوث ، أما الحديث عن أخلاقها فمن قلة المروءة ، لأن الذين تحدثهم عنها ليس لهم حق أن يتخيلوها تخيلاً ، فهناك أشخاص يقولون : لم أكن أعرفها سابقاً ، الآن عرفتها ، فتب منها ، كلما شعر الإنسان أن هناك شيئاً فيه خلل بكلامه ، ربنا عز وجل علمنا بالقرآن الكريم كله لم يذكر ربنا عز وجل ولا اسم امرأة إلا واحدة : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾
[سورة آل عمران: 35 ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾
[ سورة التحريم: 11 ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾
[ سورة الأحزاب: 59]
فلو استعرضت القرآن الكريم بكامله ، ستمئة صفحة ، لا يوجد اسم امرأة إلا عيسى ابن مريم ، لأنه صار حوله إشكال ، لأنه قيل : إنه ابن الله لا ابن مريم ، هناك أناس عملوا بطاقات ، شيء جميل ، وصلني عدد منها ، عقد قران ، ندعوكم لحفل زفاف الشاب فلان على كريمة فلان . على كريمة فلان أحلى من أن يكتب على فاتنة مثلاً ، بلا اسم ، هذا انسجام مع كلام الله عز وجل .
بالمناسبة الشيء بالشيء يذكر ، عدة عقود قران توزع فيها بعض الكتب الجيدة، كتاب في الأحاديث مثلاً ، كتاب في تفسير مبسط أحياناً ، مصحف ، كتاب في الحديث الشريف كتاب مشهور للغزالي مثلاً ، هناك كتاب بخمسة ليرات ، وعشرة ، وخمسة عشر ، وثلاثين ، أنت ناوي أن تدفع ثمن هذه العلبة خمسة عشر ليرة ، فيوجد كتاب بخمسة عشر مفيد، يقرأ ، يستفاد منه ، إذا إنسان قرأ حديثاً شريفاً يتأثر فيه ، فهذا بصحيفة الزوجين ، آن الأوان أن يجدد الإنسان هذه التقاليد المستمرة ، شيء ليس له طعم . ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 29 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 14]
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
يظن الغني أنه غني بذكائه ، الغني ببسط الله عز وجل ، والإنسان قد يكون أذكى ، و لكن له عند الله رزق محدود ، لكن ربنا عز وجل حكيم .
وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، حكيم عليم . قضية الإنسان مع الله ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين :
لكن ربنا عز وجل قال :
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة يونس: 10]
يا ترى دعواهم أي دعائهم ؟ لو كان الدعاء كان الله يقول : وآخر دعوتهم ، أو وآخر دعائهم ، أما هنا : ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ ﴾
[ سورة يونس: 10]
دعواهم ، الدعوة القضية ، أي قضيتك مع الله ، منذ أن ولدت وحتى الموت ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين ، الإنسان بيئته ، وضعه ، جسمه ، معه كسل بالأمعاء دائماً ، معه التهاب كبد مزمن ، معه ضعف بالبنية عام ، وضع جسمه ، وضع صحته، دخله ، بيته ، زوجته ، أولاده ، معاشه ، علاقاته مع الآخرين ، يوم القيامة يكشف الله الغطاء فتقول : الحمد لله رب العالمين . هذا الإيمان ، أما سيدنا علي فقال: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " . أي صار عنده يقين برحمة الله ، وحكمة الله ، وعلم الله ، وخبرة الله ، قبل كشف الغطاء ، فلو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً .
ويقول الإمام عليٌ كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أنا عندما أرى أخاً أو مؤمناً عنده مشكلة كبيرة بحياته وراض ويقول : الحمد لله ، الله حكيم ، هذا أنسب شيء لي ، الله رحيم ، الله عليم . أنا أعد هذا درجة عالية في الإيمان ، أن الإنسان يرضى بمكروه القضاء ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
انظر العظيم قدرةً ، والعلي كرماً . . ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[ سورة البقرة: 257]
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
[ سورة آل عمران: 156 ]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة لقمان: 12]
هو غني ، ومع أنه غني لا يعامل عباده إلا معاملةً يحمدونه عليها . ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 4]
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران: 18]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
(( أنا الله لا إله إلا أنا ، مالك الملوك وملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 6]
((عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَ ـ أما هنا انتبهوا ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ـ انظر إلى دقة الحديث ـ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْس))
[ مسلم عن أبي ذر]
من أحبه الله ابتلاه :
لا يتهم الله عز وجل ، يا رب ماذا فعلنا نحن لك ؟ هناك أناس يتجرؤون على الله عز وجل ، يقولون لك : ماذا فعلنا فنحن نصلي له ؟ فلان الفاجر لا يعمل له شيئاً . كأنه يعترض على حكمة الله عز وجل ، هي هذه جوابها سهل : إذا كان طالب من غير مدرسة فلتان، لا يوجد من يحاسبه بالأساس ، هل عليه وظائف ؟ لا يوجد عليه وظائف ، عليه دوام؟ ليس عليه دوام ، عليه تفتيش نظافة ؟ لا يوجد عليه تفتيش نظافة ، أما بالمدرسة فمحاسب أين وظيفتك ؟ لماذا تأخرت اليوم ؟ لماذا الصدرية ليست نظيفة ؟ فلما ربنا عز وجل يحاسب إنساناً معناها هذا الإنسان ضمن المدرسة ، طالب نظامي ، له مستقبل ، أما إذا كان لم يحاسبه فهذه علامة غضب ، تركه هملاً . .
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
الإنسان العاقل يفرح إذا الله عز وجل ابتلاه ، إذا أحب الله عبده ابتلاه ، معناها أنه ضمن العناية الإلهية ، ضمن العناية المشددة ، ضمن المعالجة ، ضمن الرحمة ، معناها ليس ميئوساً منه ، فيه خير ، أما إذا كان متروكاً هملاً يكون هذا خارج المدرسة ، لا يوجد عليه دوام، ولا يوجد تفتيش وظائف ، ولا مذاكرات ، ولا مذاكرة فجائية ، ولا مذاكرة خطية ، ولا مذكرة لوالده، ولا إحضار ولي ، لا يوجد شيء إطلاقاً ، معناها هذا متروك هَمَل أما هذا الجاهل فتجده يقول: أنا أصلي ويبعث لي الله مصائب ، وفلان لا يصلي ليس عنده مصائب . أنت غيره . ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
قال له أحدهم : أنا أريد أن أعصي الله عز وجل هل لها فتوى هذه المعصية ؟ قال له : لها فتوى ، اعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لا يوجد إمكان . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه . قال له : وأين أسكن إذاً ؟ قال له : تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له: هات الثانية . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه . قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟ قال له : هات الثالثة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لابد من أن يراني . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟ قال له : هات الرابعة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فإذا جاءك ملك الموت فلا تذهب معه ، قال له : لا أقدر ألا أذهب . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ولابد من أن تلقاه ؟! ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾
[ سورة هود: 92]
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[ سورة آل عمران: 141]
يكون بهذه النفس عيوب ، أمراض ، الله عز وجل حليم ، يضعك بظرف يظهر مرض ، يعالجك منه ، شفيت منه ، أيضاً بظرف ثان مرض ثان ، طالما يوجد بالجسد قلب ينبض هناك معالجة إلهية ، حتى تلقاه كيوم ولدتك أمك ، فالإنسان يجب ألا يجزن . ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 141]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 146]
﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 150]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159]
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة آل عمران: 180]
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة آل عمران: 182]
وأنه رقيبٌ علينا . ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء : 1]
إنه عليٌ كبير . . طبعاً الموضوع طويل ، العقيدة الصحيحة من كتاب الله عز وجل، هذا كله ورد في القرآن الكريم . . * * *
خروج الرسول الكريم من مكة و صعق قريش بهذا النبأ :
الآن ننتقل إلى قصة صحابيٍ جليل هو سيدنا سراقة ، أنا أتمنى على الأخ الحاضر إذا قلت له : احك لي عن علم الله عز وجل يتكلم لك ساعة . احك لي عن لطف الله عز وجل يتكلم ساعتين على خبرته ، على حكمته ، على أنه عزيز ، على أنه حكيم ، على أنه حليم ، على أنه غني ، هذه معرفة الله عز وجل ، ماذا تعرف عن أسمائه ؟ ضيف اليوم الجليل سيدنا سراقة ، لاحظ أن الصحابة الكرام تقول : سيدنا سراقة لكن كان يقصد رسول الله ، كيف ربنا عفو كريم ، وكيف الإسلام يجب ما قبله ، وكيف الصلحة بلمحة .
هبت قريش ذات صباح وجلةً مذعورة ، فقد سرى في أنديتها أن محمداً قد بارح مكة - خرج من مكة - مستتراً بجنح الظلام ، فلم يصدق زعماء قريش النبأ ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم ، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه ، حتى أتوا منزل أبي بكر ، فخرجت إليهم ابنته أسماء .
والله الطفل النبيه شيء جميل يقول له : قال أبي : إنه ليس هنا . فقال لها أبو جهل: أين أبوكِ يا بنت ؟ قالت : لا أدري أين هو الآن ؟ فرفع يده ولطم خدها لطمةً أهوت بقرطها على الأرض .
جنّ جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمداً غادر مكة ، وجندوا كل من لديهم من قفاة الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه ، ومضوا معهم يبحثون عنه ، فلما بلغوا غار ثور ، قال لهم قفاة الأثر : والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ، لأن الآثار دالة ، ولم يكونوا مخطئين فيما قالوا لقريش ، فقد كان محمدٌ وصاحبه داخل الغار ، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما .
قال له : " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا " . هذا حفظ الله عز وجل ، يقول لك أحياناً : الله يعمي عنك . هي دعوة عامة لكنها عميقة ، أحياناً لا يرى الموظف المخالفة ، أحياناً ينكشها على هوى حفظ الله عز وجل .
حتى أن الصديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه ، فنظر إليه النبي الكريم نظرة حبٍ ورفقٍ وعتاب ، فهمس الصديق قائلاً : "والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً " هذه المحبة ، والله يا إخوان الإيمان كله محبة ، من لا يحب أهل الإيمان لا يكون مؤمناً . قال له: " والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله ، فقال له عليه الصلاة والسلام مطمئناً : لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا "
أي إذا أنت مؤمن لك من هذا الكلام نصيب ، هذا ليس تاريخاً ، هذا لنا ، إذا أنت على شيء من الإيمان ، ومستقيم ، وعملك طيب ، بملمة ، بموقف حرج ، بورطة ، يجب أن تطمئن إلى رحمة الله ، إن الله معنا ، فأنزل الله السكينة على قلب الصديق ، وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا ، فقال له النبي الكريم هذه مرة ثانية فرجع واطمأن قلبه :
(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا))
[ [البخاري عن أبي بكر ]
كتقريب للفكرة ، لو فرضنا إنساناً دعي إلى الخدمة الإلزامية وكان والده قائد الجيش، فهل هذه الرتب تخيفه ؟ لا تخيفه ، لأنهم كلهم بإمرته ، النبي الكريم رأى كل من في الكون بيد الله عز وجل وهو رسول الله ، لا تحزن إن الله معنا ، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ ظهور الإيمان عند الخطر :
وهنا سمعا فتىً من قريش يقول للقوم : هلموا إلى الغار ننظر فيه . أحياناً ربنا عز وجل وهذه من حكمته ، هو سينجيك لكن يوصلك للحفة ، ما دمت أنت بالداخل لا تخف ، لما قربت من الحافة قلبك دق زيادة ، قربت للأمام ، هنا يظهر حسن ظنك بالله ؛ هناك شخص هنا يقول لك : أين الله ؟ وصلوا لنا . الإيمان يظهر عند الخطر ، أصحاب موسى آمنوا بسيدنا موسى لما تبعهم فرعون ، واثقون أن هذا رسول ، لكن عندما اقتربوا من البحر وفرعون وراءهم قالوا عندما بقي كيلو متراً و فرعون وراءهم ، نصف كيلو متر ، عشرة أمتار ، في هذه الساعة لم يتحملوا فقالوا :
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 61-62]
آخر شيء سيدنا رسول الله نفس القصة صارت معه ، كسرى ، وقيصر ، وتفتح عليكم بلاد قيصر وكسرى ، سمعوا واطمأنوا ، وستفتح البلاد ، كل من في الجزيرة جاءهم ليبيدهم ، بالخندق ، اليهود نقضوا عهدهم معهم ، قال المؤرخون : الإسلام بقي على ساعات ، ليست قضية فناء أو بقاء ، قضية ساعات بقي الإسلام كله ، هناك شخص قال : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته .
فربنا عز وجل أحياناً يضيق على المؤمن ، يضيق عليه لدرجة أنه لا يوجد أمل بالمرة ليقوى هذا الدين ، هذه حكمة إلهية . ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
[ سورة الأحزاب: 11]
كانوا مخلطين ، انفرزوا الآن ، أحياناً بالمنخل ينزل الزيوان يصفى القمح ، كذلك ربنا عز وجل يهز هزة واحدة كل الضعاف تنكشفوا ويتبقى الأقوياء أما : ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 23]
علامة الإيمان أنك في السرَّاء مؤمن وفي الضراء مؤمن ، في الغنى مؤمن وفي الفقر مؤمن ، في إقبال الدنيا مؤمن وفي إدبارها مؤمن ، عندك أولاد مؤمن الله لم يهبك أولاد مؤمن ، عندك زوجة صالحة مؤمن ، زوجة سيئة مؤمن ، دخلك كبير مؤمن ، دخلك قليل مؤمن. قصة سراقة بن مالك مع رسول الله :
هلموا إلى الغار ننظر فيه ، فقال له أمية بن خلف ساخراً : ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشعش على بابه ؟ ألا ترى العنكبوت ؟ القلب بيد الله عز وجل ، والله إنه أقدم من ميلاد محمد ، تريد الدخول إلى الداخل ، هذا العنكبوت قبل أن يولد محمد ، غير أن أبا جهل قال : واللات والعزى إني لأحسبه قريباً منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع ، ولكن سحره ران على أبصارنا ، والله كأنه بجانبنا قاعد سيدنا محمد .
يقولون - لكن هذه لم يذكرها المؤلف - إن سيدنا الصديق وقعت عينه على عين أحد على هؤلاء الذين يلاحقونه فأصيب بالذعر ، قال له : " والله يا رسول الله لقد رأوني " . قال له : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :
﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 198]
ألم تقرأ هذه الآية ؟ بيد أن قريشاً لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد ، ولم ينثني عزمها عن ملاحقته ، فأعلنت في القبائل المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة ، أن من يأتيها بمحمدٍ حياً أو ميتاً فله مئةٌ من كرائم الإبل . الآن الإبل ثمن الواحدة سبعة آلاف ليرة ، مئة في سبعة آلاف أي سبعمئة ألف ثمن بيت جيد .
كان سراقة بن مالك في نديٍ من أندية قومه قريباً من مكة ، فإذا برسولٍ من رسل قريش يدخل عليهم ويزيع فيهم نبأً الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بحمد حياً أو ميت.
فما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة حتى اشرأبت إليه عنقه ، واشتد عليها صرحه، ولكنه ضبط نفسه ، فلم يفُه بكلمةٍ واحدة حتى لا تتحرك أطماع الآخرين ، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه دخل على الندي رجلٌ من قومه وقال : والله لقد مرّ بنا الآن ثلاثة رجالٍ ، وإني لأظنهم محمداً وأبا بكر ودليلهما .
فقال سراقة وقد كان داهية : بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقةٍ لهم أضلوها لكي لا يأخذ الجائزة غيره ، فقال الرجل : لعلهم كذلك . وسكت ثم مكث سراقة قليلاً حتى لا يثير قيامه أحداً - أي يثير الشبهة - فلما دخل القوم في حديثٍ آخر انسل من بينهم ، ومضى خفيفاً مسرعاً إلى بيته وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلةٍ من أعين الناس ، وأن تربطه له في بطن الوادي ، وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه ، وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد، يريد أن يحضره ميتاً أو حياً ، وأن يجعله في مكان قريب من الفرس .
لبس سراقة درعه ، وتقلد سلاحه ، وامتطى صهوة فرسه ، وطفق يجد السير ليدرك محمداً قبل أن يأخذه أحدٌ سواه ، ويظفر بجائزة قريش ، كان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين ؛ طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال الطرق، وكان إلى ذلك كله أريباً لبيباً شاعراً ، وكانت فرسه من عتاق الخيل .
مضى سراقة يطوي الأرض طياً ، لكنه ما لبث أن عثر به فرسه وسقط عن صهوتها فتشائم من ذلك وقال : ما هذا ؟ تباً لك من فرس . وعلا ظهرها غير أنه لم يمض بعيداً حتى عثرت به مرةً أخرى ، فالإنسان إذا كان يسير في طريق غير صحيح لا سمح الله وأكل أول ضربة ، لا يبقى ماشياً والثانية ربنا نبهه ، أول مرة تعثرت فرسه وثاني مرة فازداد تشاؤماً وهمّ بالرجوع ، فما ردّه عن همه إلا طمعه بالنوق المئة ، فلم يبتعد سراقة كثيراً عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمداً وصاحبه ، فمد يده إلى قوسه ، لكن يده جمدت في مكانها ، ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض ، والدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها ، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت في الأرض ، كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد ، الآن أدرك أن هذا الرجل ممنوع منه ، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وقال بصوتٍ ضارع : يا هذان ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي - لكن يقولون : إن سيدنا سراقة لما قرب من سيدنا رسول الله ، سيدنا الصديق بكى مرة ثانية فقال له : " ما يبكيك يا أبا بكر ؟ " . قال له : " والله ما على نفسي أبكي ولكنني أبكي عليك ، إن أهلك أنا فأنا واحد ، وإن تهلك أنت فأنت أمة " . فقال له رسول الله :" اللهم اكفنا شره متى شئت وكيف شئت " - ولكما عليّ أن أكف عنكما ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فأطلق الله له قوائم فرسه ، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد ، فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل ، فاستغاث بهما وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخذاه ولكما عليّ عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، أول عهد أن يكف عنهم ، أما ثاني عهد فأن يبعد الناس عنهما ، طور العهد .
فقالا له : لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن ردّ عنا الناس ، ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرسه ، فلما همّ بالعودة ناداهم قائلاً : تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيءٌ تكرهونه . فقالا له : " ما تبتغي منا ؟ " فقال: والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك - كان ذكياً - ويعلو أمرك ، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك .
فأمر النبي صلوات الله عليه الصديق فكتب له على لوحٍ من عظم ، ودفعه إليه ، ولما همّ بالانصراف ، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ))
[ من شرح الجامع الصغير عن ابن معين ]
أي هل من المعقول أن تقول لإنسان جالس بدولة من العالم الثالث : كيف بك إذا جلست مجلس أعلى رئيس دولة في العالم ؟

السعيد
09-09-2018, 08:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : العلم - فضيلة العلم - فصل من فصول احياء علوم الدين








الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العالِم الحقيقي :
لا زلنا في فصولٍ مختارةٍ من إحياء علوم الدين ، والفصل المختار الذي بدأناه في الدرس الماضي هو العلم ، وقد ذكرت لكم بعضاً مما جاء في هذا الفصل من الأحاديث الشريفة التي تحث الناس على طلب العلم ، ولا زلنا في هذا الموضوع .
ربُنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
قال بعضهم : إذا تعلَّم الرجل ، وسار على معرفةٍ بالله عز وجل ، يكفي أنه جاء ثالث اسمٍ في هذه الآية : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
ويُستنبط من هذه الآية أن العالم الحقيقي هو الذي يشهد لك عدالة الله عز وجل ، أما الذي ينقل لك بعض ما قرأه فهو ناقل وليس عالماً ، إن قرأ لك بعض ما نقله وما قرأه ، وأدى هذا النقل إلى إيقاعك ببعض التناقضات نقول : عدله غير عدلنا . و نقول نحن أدباً : الإنسان مخير ، لكنه في الحقيقة مجبر على كل أفعاله ، من يقول هذه الكلام ليس عالماً ولكنه ناقل ، نقل حقاً ونقل باطلاً ، نقل حقاً ونقل ما قرأه من الباطل وجاز عليه هذا الباطل ، لذلك : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
أي أن الإنسان عندما يريد أن يأخذ دينه عن عالم فهذا أثمن شيء في الحياة . . ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
[ مسلم عن ابن سيرين]
(( يا بن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا))
[ كنز العمال عن ابن عمر]
لأن الإنسان إن سمع كلاماً غير صحيح من رجل ينقل لك العلم لا أقول عالماً ، وهذا الكلام أعانك على معصية ، أو غطَّى لك معصية ، أو برر لك المعصية ، فهذا هو الضلال بعينه ، فسيدنا يوسف فعل ما فعل ، من أنت ؟ صار هناك مبرراً لإطلاق البصر . ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
التعامل مع الله عز وجل ثابت :
شيءٌ آخر . .
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
العالمون وحدهم يعقلون هذه الأمثال ، البارحة في بعض الدروس في درس في مسجد العفيف أخ كريم جاء بمثل - طبعاً هو السؤال عن تشبيه في آية - قال لي : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
هذا مثل ضربه الله لنا عز وجل ، فكيف أصلها ثابت ؟ أي أن الحق مبني على قواعد ثابتة ، أسس الحق ثابتة ، عبر العصور ، والأزمان ، والأمصار ، والأصقاع ، لا يتبدل ولا يتغير ، الحق هو هو ، قديمٌ وأزليٌ وسرمديٌ وأبدي . . ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
أي أن التعامل مع الله ثابت ، الله سبحانه وتعالى له قواعد ثابتة في التعامل معه . ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 56]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف : 110]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة يوسف : 22]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[ سورة يوسف : 124]
كلها قواعد ثابتة ، فالتعامل مع الله عز وجل مريح ، أما التعامل مع البشر ، البشر متقلِّب ما كنت ترضيه به اليوم لا يرضى به غداً ، فقد يأخذ موقفاً آخر ، قد يتقلب ، قد يغير ، قد يبدل ، قد ترضيه ، قد لا ترضيه ، قد ترضيه فيغضب غيره . . ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
السمو في النفس من آثار التدين الصحيح :
آثار التدين الصحيح سمو في النفس . .
﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
آثار الدين الحقيقي مروءة ، وفاء ، عفة ، صدق ، أمانة ، لو أن مال الدنيا وضع تحت يدي رجل مسلم ما أخذ منه شيئاً إلا بحقه ، فالمؤمن أمين ، المؤمن صادق ، المؤمن عفيف ، المؤمن يؤتمن على كل شيء ، فلذلك : ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
تزوج المؤمن ، أنجب أولاداً صالحين ، جاره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام جاره، صهره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام ، ابن أخيه ، أخوه ، زميله . . ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 25]
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
هذا مثل ، قال تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
القرآن الكريم آيات بينات :
لكن هذا القرآن الكريم كتاب الله ، قال الله عز وجل :
﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
هذه آيةٌ أروع ، أي أن القرآن الكريم ليس هذا الذي كتب على ورق ، القرآن الكريم : ﴿ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
لذلك : من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال ، فهو ينتقل من محال إلى محال ، لا يعرف ما نقول من لم يقتف أثر الرسول صلى الله عليه و سلم : ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
أي إذا كان الإنسان من عائلة أو من أصل رفيع وتعلم ، تزيده رفعةً ، هذا العلم يزيده رفعةً ، إن كنت شريفاً فالعلم يزيدك شرفاً ، تعلموا العلم - كما قال بعض الخلفاء - فإن كنتم سادةً فقتم ، وإن كنتم وسطاً سُدتم ، وإن كنتم سوقةً عشتم .
إن كنتم في الأساس سادة فقتم في هذا العلم ، وإن كنتم وسطاً- من الطبقة الوسطى - سدتم بالعلم ، وإن كنتم سوقةً - من دهماء الناس - عشتم بالعلم . (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه . الإيمان مرتبة علمية و أخلاقية و جمالية :
إذا أنت قلت الآن : دكتور . لو قلت هذه الكلمة أمام مليون إنسان ، المليون إنسان يفهمون أن هذا عالم ، غير أنه عالم عنده حكم موضوعي ، لأن من لوازم العالم الحكم الموضوعي ، الإنصاف في الحكم ، فإذا قلت : مؤمن . لا يمكن إلا وأن يكون على شيءٍ من العلم ، فكلمة مؤمن مرتبة علمية ، وكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية ، أي أن المؤمن عالم ، المؤمن أخلاقي ، المؤمن له أذواق رفيعة ، كيف رفيعة ؟ أي يطرب في كتاب الله ، يتغنى بالقرآن . لو جمع ذوَّاقو الغناء في العالم ما طربوا بواحد بالمئة ولا بالألف مما يطرب به المؤمن من كتاب الله ، المؤمن له أذواق رفيعة ، حتى في زواجه ، في طعامه ، في شرابه ، في بيته ، له ترتيبات ، له اختيارات راقية جداً ، فالنبي الكريم يقول :
((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّي))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
فيه فقه ، فيه تعمُّق ، المنافق يخلِّط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، إذاً ليس فقيهاً . . جاء ببالي مثل ، أحب أن أطرق أمثلة من واقع حياتنا : إذا إنسان معه دكتوراه في ميكانيك السيارات ، درس ثماني عشرة سنة ، وتفوق ، بسيارته الخاصة عندما شعل الضوء الأحمر الخاص بالزيت لم ينتبه ولم يهتم ، وبقي يمشي ، فاحترق المحرك ، وآخر لا يقرأ ولا يكتب عندما شعل الضوء الأحمر توقف ، أنقذ عشرين ألف ليرة ، أيهما أفهم ؟ عملياً هذا الذي توقف فجأةً ، هذا استفاد من معلومات بسيطة ، أما هذا الآخر فعلى علمه الشديد حرق المحرك .
فأحياناً الإنسان يكون مثقفاً ثقافة عالية ، لكن لأنه لا يستقيم على أمر الله ليس عالماً ، علمه جهل ، وهذا الذي يبدو لك ليس عالماً ، جهله علم ، مادام استقام ، ما دام خشي الله عز وجل ، استفاد من معلومات بسيطة ، ليس من الشرط أن يكون متبحراً في كل شيء ، لأن العمر قصير ، لكن إذا خشي الله عز وجل فهو على نوعٍ من أنواع العلم الراقي ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
فأنا حينما أقول عن العلم أقصدكم أنتم والله ، أقصد من يحضر مجالس العلم ، لأن: (( إنما العلم بالتعلم ))
[الطبراني عن أبي الدرداء ]
وهذا الذي ترك بيته ، وجاء ليجلس في مسجد لا نقدم له شيئاً ؛ لا طعام ولا شراب ولا أي شيء ، وليس المقعد مريحاً على الأرض ، هذا الذي جاء ليتعلم العلم هو المقصود بهذه الأحاديث . أهل العلم و الجهاد أقرب الناس من درجة النبوة :
((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال : " إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع " . فالعالم لا يقول لك من عنده شيئاً ؛ مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، مما قاله الله عز وجل : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
لأن الإنسان قد يأتي يوم القيامة أمَّة ، وهذا أيضاً تحميس لكم ، أي اعرف بالضبط مكانتك عند الله بعدد الذين تمَّت هدايتهم على يديك ، وهذه صنعة الأنبياء ، وإذا قدَّر الله على يديك هداية رجل فقد سبقت من أُعطي الدنيا بأكملها ، من أعطي مال الدنيا ، هذا أوناسيس ترك أساطيل من البواخر ، ترك جزراً كلها باسمه وهي ملكه الشخصي ، ماذا أخذ معه ؟ قبيل أن يموت قال : أنا أشقى الناس . هذا يسمونه من أكبر أثرياء العالم ، الآن ببعض الدول العربية شخص يملك أربعة أو خمسة آلاف مليون دولار ، هذه أرقام واردة بالبنوك ، فالواحد منا ماذا يأكل الظهر غير أوقية ونصف من اللحم ! كم بدلة يلبس في آن واحد ؟ بدلة واحدة ، كم كُم للبدلة ؟ على كم فراش ينام ؟ على فراش واحد ، وإذا عطش كم كأس يشرب ؟ كأس واحد ، لو إنسان تعمق تجده كله فقاعات صابونة . الهدى تمام النعمة :
و قال عليه الصلاة و السلام :
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
[البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، أنت بصحتك أغنى الناس ، فمن طرائف الحكم أن الصحة واحد ، والمال صفر ، صار عشرة ، الجاه صار صفراً واحداً صاروا مئة ، إذا عنده بيت واسع صفر ثالث صاروا ألفاً ، عنده أولاد صفر رابع ، عنده مركبة صفر خامس ، عنده بستان صفر سادس ، عنده بيت بمصيف فخم ثمنه مليونا ليرة صفر سابع ، لكن اسحب الواحد ، كله أصفار ، فإذا الإنسان عنده صحة عنده كل شيء ، إذا كانت الكلاوي سليمة ، قلبه سليم ، أمعاؤه سليمة ، أعصابه سليمة ، كامل الخلق ، عقله برأسه . لي صديق معه عدة أمراض ؛ كوليسترول وأسيد أوريك و....و.....، ونحن نمشي رأينا إنساناً فاقد العقل بالطريق ، قلت له : أغلب الظن أن هذا الإنسان لو فحصت قلبه مئة بالمئة ، نبضه قوي ، وضغطه كذلك، هل تتمنى أن تكون بصحته وبعقله ؟ قال : لا . قلت له : إذاً أنت في نعمةٍ كبرى .
الإنسان في الصحة ، هذه ألح عليها ، لا أحد يقل : أنا معي مال فأنا بنعمة . هذا المال لا يسمى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله ، أنا عندي زوجة . هذه ليست نعمة إلا إذا كانت مؤمنةً ، إن لم تكن كذلك تقود زوجها إلى جهنم ، أنا عندي أولاد . إن اهتممت برعايتهم طبعاً بعدما اهتممت أنت برعايتهم ، إذا استقاموا أو لم يستقيموا فهذا شيء لست مسؤولاً عنه ـ لكن أهملت توجيهم ونشؤووا على الفسق والضلال ، الأولاد لو كانوا أطباء ومهندسين ، وأحدهم معه بورد ، والآخر معه ( إف آر إس ) ، والاخر معه شهادة ( أكريجيه ) ، وكلهم قعدوا أمامك، وكلهم جاؤوا من أوروبا ، واقعون بمشكلات ، تركوا دينهم ، ووقعوا بالفاحشة ، و رأوا أن أمتهم متخلفة ، وأبوهم دقة قديمة ، إذا كان عندك أولاد هكذا بعلية المجتمع وما كانوا دينين ، فهي ليست نعمة بل نقمة ، بالدليل أن يوم القيامة يقول أحدهم : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه هو الذي شجعني ، لما رآني بالفسق ما نهاني ، افتخر بي ولكن ما نهاني ، فالموضوع ربنا قال : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
[ سورة الدخان : 25-27]
نَعمة . . هذه لا تنسها ، مال من دون هدى نَقمة ، زوجة بلا هدى نَقمة ، صحة بلا هدى نَقمة . الآن . . . صحة وهدى نِعمة ، زوجة مع الإيمان نِعمة ، مال بالإيمان نِعمة ، هذه النِعمة لذلك : ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة : 6 ]
قال المفسرون : تمام النعمة الهدى . مهتدي إذاً أنت بنعمة ، أن كل شيء في الدنيا يبقى في الدنيا ، فالصحيح يموت والمريض يموت ، والغني يموت والفقير يموت ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عيَّن مستشاراً من أعلى مستوى ، اسمه عمر بن مزاحم ، قال له : يا عمر الزمني ، فإن رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذه هي وظيفتك ، راقب أحكامي ، راقب تصرفاتي ، إذا كنت حكمت بين شخصين فراقب حكمي ، إذا كنت أصدرت أمراً راقبه ضمن الحق أو هو الحق ، إذا كنت خرجت عن الحق أمسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذا موضوع النِعمة والنَقمة خليه ببالكم ، فالآن الناس تجدهم عنده مال الله كافيه ، لكن هذا المال ينفقه في المعاصي يقول لك : الله مفوضها . إذا كنت غير مهتد لا ليست هذه النعمة ، هذه ليست نعمة هذه نَعمة ، إذا كنت مهتدياً فعلاً الله مفوضها عليك . فضل الحكمة :
لذلك لنبحث عن الهدى لأن ربنا عز وجل قال :
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[ سورة البقرة :269 ]
لأنك بالحكمة تحسن إنفاق المال ، وتحسن كسب المال ، وبالحكمة تنتقي الزوجة الصالحة ، وبالحكمة تصلح السيئة ، وبالحكمة تحسن تربية الأولاد ، وبالحكمة تحسن استغلال وقتك .
حدثني أخ والده معه بعض الآلام ، أخذ حب مسكِّن ، استمر عليه فأدمن عليه ، الآن قعيد الفراش ، يحتاج كل يوم ثلاثين ليرة ثمن هذا الحب ، وهذا الحب مسكِّن من النوع القوي المفعول إذا لم يأخذه يكسر كل شيء أمامه من الوقت الذي بدأ يأخذه باستمرار ، لو كان حكيماً ما وصل إلى ما وصل إليه ، عليه بعض الديون ، ويملك بيتاً ثمنه سبعمئة ألف ، باعه بمئتين وتسعين ألفاً ، في ساعة غضب أحضر دلالاً نهبه نهيباً ، سكن عند أمه بغرفة واحدة هو وخمسة أولاد ذكور وإناث و زوجته ، وباع البيت ، والبيت الآن ثمنه ثمانمئة ألف ، أي حكمة هذه ؟ أضاع البيت الذي كانت مساحته مئة وثمانين متراً ، حكى ابنه لي فقال : شيء صعب .
فكانت الحكمة كل شيء بالحياة ، المال يحتاج إلى حراسة ، أما العلم فيحرسك ، الحكمة تجلب المال ، والحمق يبدد المال ، الحكمة ؛ تنتقي بالحكمة زوجة صالحة ، من دون حكمة تنتقي زوجة جميلة ، فتكيل لك الصاع صاعين ، فالإنسان يبحث عن العلم ، والعلم أثمن شيء بالحياة. (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
من تفقه في دين الله كفاه الله ما أهمه :
(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
هل أنتم مصدقون هذا الكلام ؟ (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه .......))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
أي إذا كان شاباً انقطع لمعرفة الله ، أكبر همّ تأمين بيت ، أنا والله أضمن له ذلك ، لكن كيف ؟ لا أعرف ، لكن اعتماداً على وعد الله عز وجل ، فكيف يتيسر البيت ؟ لا أعرف ، لكن هذا الذي يهمك اطمئن من أجله . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ........))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
يهمه أيضاً زوجة صالحة، أيضاً اطمئن ، من أين تأتي لا أعرف ، لكن تأتيك امرأةٌ تقول ليس في نساء الأرض من هي خيرٌ منها . هكذا الله يُريكها ، وإذا أحدهم تفقه في دين الله وخائف أن يكون رزقه قليلاً ، لا تخف ، لأن الله عز وجل هو الرزاق ، لو قطع البشر بعض أسباب الرزق ، إذا قطع البشر بعض أسباب الرزق يصل الله عز وجل رزق العبد بأسباب عديدة، والعوام تقول هذا : إذا انسدت من باب تنفتح من عشرة أبواب ، وأحياناً المشكلة نفسها تسبب رزقاً وفيراً . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
والله أنا كان لي طالب قال لي : أخذت شهادة عالية ، والتحقت بالخدمة الإلزامية ، ولا يوجد مجال أن أتزوج ، لعدم وجود البيت ، وبقي سنتين أو ثلاث ، قال لي : بعد أربع سنوات ضاقت نفسي جداً ، لم أجد طريقاً مفتوحاً ، كل الطرق مسدودة ، وكان مسافراً ، في مكان سفره دعا الله عز وجل من أعماق أعماقه أن يا رب يسر لي زواجاً حتى أحصن نفسي ، ولا يوجد بيت . وهو في طريقه إلى دمشق لم يجد بالكرنك ، ركب الباص ، ومن حمص أخذ الباص الثاني ، قعد فوجد بجانبه إنساناً وقوراً بعد نصف ساعة سأله : الأخ الكريم ما اسمه ؟ قال : اسمي فلان . ما عملك ؟ قال : أنا مدرس . قال له : أمتزوج ؟ قال له : لا والله . قال له: عندي بنت تناسبك . قال له : لكن أنا لا أملك بيتاً ؟ قال له : هي ومعها بيت . قال لي : والله ساعات قليلة ، وتمّ الأمر ، كيف اجتمع معه ، كيف صارت هذه المودة ؟ لا تعرف ، فأنت فقط تتعامل مع الله عز وجل ، إذاً تعرف كيف الله يعامل المؤمنين ، كيف يعامل المخلصين ، كيف يعامل عباده الصالحين ، كيف يعامل من آثر رضاء الله على الدنيا ، إذا كنت تعرف الله عز وجل تقول : حقاً هذا الشيء يقع . العالم أمين الله في الأرض ، أي أمين على هذه الدعوة ، أمين على هذا الكتاب ، أمين على الفتوى ، لأنه إذا أفتى فتوى ضالة أو منحرفة ، كان هذا الذي أفتى جسراً إلى جهنم ، لذلك إذا سألت رجلاً عن قضية وقال لك : اترك لي إياها . لا تشك بعلمه ، شيء يخوف ، فالفتوى تخوِّف كثيراً ، يجوز أن يكون لها وجه صحيح ووجه غير صحيح ، أعطه مهلة ، لأن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار ، لكي الأمر يتضح ، حرام حرام ، حلال حلال .
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ومن ناحية أخرى ، الإنسان يظن أن الداعي إلى الله عز وجل موضوع آلة فقط ينتهي الدرس يكون الواحد قد استنفذ كل طاقته .
و هناك شيء آخر أصبح بجو معين ، ينطرح سؤال دقيق : أن بنت ابن عم خالتي رضعانة من خالتي فهل يجوز لها ابني ؟ سؤال معقد ، امهلني قليلاً لأكتبها ، سؤال معقد يحتاج أن يكتب على ورقة ، يحتاج إلى تريث .
فأنا لا أرى من المناسب بعد الدرس مباشرةً أن تطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً ، فهذه الأسئلة تحتاج إلى وقت خاص ، صباحاً من دون أن يكون هناك درس مثلاً ، لأن الإنسان له طاقة وله بؤرة اهتمام ، هذه البؤرة كلها تكون في هذا الموضوع ، فلو نقلته لموضوع آخر تحتاج لصفاء ذهني ، فالأسئلة تحتاج لوقت معين ، فإذا كان السؤال مكتوباً بورقة أهون ، والإجابة عنه تكون أسهل . . العلماء و الأمراء إن صلحا صلح الناس :
(( صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس : الأمراء و الفقهاء ))
[ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس]
إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، أي إن كنت على يقينٍ من صدق النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تراجع نفسك كل يوم ، أنا اليوم تعلمت تفسير آية ما كنت أعرفها ، تعلمت حديثاً شريفاً ما كنت أعرفه، تعلمت قضية بالفقه ، عملت عملاً صالح ، نفذت شيئاً من سنة رسول الله ، عدت مريض مثلاً، تصدقت ، نصحت ، أمرت بالمعروف ، نهيت عن المنكر ، تليت كتاب الله ، ذكرت الله عز وجل ؟ (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنه أهون لحسابكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))
[علقه ابن الجوزي في ' تاريخ عمر بن الخطاب ' عن ثابت بن حجاج ]
إذا كنت وجدت الدرج ملئ بالغلة ، فتقول : السوق حامي اليوم . هذا ليس ربحاً ، هذا مال الدنيا للدنيا ، لا ترتفع عند الله شعرة إذا تضاعف البيع ، أما تعلمت آية ، تعلمت حديثاً، تعلمت حكمة ، سمعت قصة عن صحابي جليل فتأثرت تأثر بليغ ، تمنيت أن تكون على شاكلة هؤلاء الأبطال ، إذا كنت باليوم لك هذا النشاط فهنيئاً لك ، أما إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، هذا اليوم غير مبارك ، يقول لك : نهارك عربي بالصلاة على النبي . ما هذه عربي مبارك أي أنك ازدت علم لله عز وجل ، مبارك أي زدت قرب من الله ، عملت عمل صالح ، الله قدر على يديك عملاً صالحاً ، أو سمح لك أن يزداد علمك به ، وهذه نصيحةٌ صادقة :
في اليوم الذي لا تزداد فيه من الله علماً أو لا تزداد فيه من الله قرباً فهذا يومٌ ضائع ولو اشتريت صفقة ربحت منها مليونين ، مال الدنيا للدنيا . جبر الخواطر :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما عُبد الله تعالى بشيءٍ أفضل))
[ من الجامع الصغير عن ابن عمر]
أنا أحفظ مجموعة أحاديث على هذه الصيغة ، من هذه الأحاديث : ((ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر ))
[ كشف الخفاء ]
بدل القلوب ، إنسان مكسور خاطره أكرمته ، لك أخت زرتها ، هي وزوجها متشاجرة مهددة بالطلاق ساعدتها على حلّ مشكلة، قال لي شخص والله أبكاني : له أخت زارها، وجدها على خصام مع زوجها شديد جداً ، زوجها دخله محدود ، تريد منه ثلاثمئة بالشهر كسوة لها ولبناتها ، وهو لا يعطيها شيئاً ، هو جالس يستمع للمشكلة ، بعدما انتهت قال لها : يا أختي المبلغ خذيه مني كل شهر فسكتت ، فهل بقيت مشكلة ؟ وزوجها سكت .
قال لي : كل شهر - والله مضى عليّ ثمانية أشهر لم أتأخر عن أداء المبلغ ساعة - يوم واحد بالشهر أكون عندها أعطيها المبلغ ، أخاف أن أتأخر يوماً فتظن أني غيرت عهدي هذا . قال لي : بعد شهرين أو ثلاثة قالت له : أخي اعمل لنا درس دين نتعلم منك . قال لي : والله هي التي طلبت ، جمع أخواته كلهم وعمل لهم درساً أسبوعياً ، قال لي : علمتهم بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث من الجامع الصغير ، قال لي : الآن أخواتي الخمس انطلقوا انطلاقة ثانية ، غيروا كل مسلكهم بالحياة .
فهذا المبلغ الذي تدفعه يفعل السحر ، يصير مثل السحر ، إذا إنسان دفع مبلغاً اقتطعه من دخله إرضاءً لله عز وجل ، لأنه جبر خاطرها ، هي لزم عليها أن تنفق بالشهر ثلاثمئة لها ولبناتها ، وزوجها لا يوجد معه ، هذا أخ ، فما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ، أنا والله أغبط الأغنياء أقسم بالله ، لأن أمامهم أبواباً مفتحة لا يعلمها إلا الله ، مفتَّحة أبواب العمل الصالح أمامهم ، فأقول لكم : بالحياة قوتان قوة العلم وقوة المال ، يمكن بالمال أن تهدي مئة رجل بإحسانك ، هذا دينته ، هذا عاونته ، هذا اشتريت له ، وهذا أقرضته ، تجد القلوب تميل لك ، ويميلون لدينك أيضاً ، ويميلون لجامعك كذلك مكان ما تصلي، تستطيع أن تحضر الناس بمالك وبعلمك كذلك .
إنسانان مغبوطان ؛ إنسان يعلم الناس ، ورجل أتاه الله مالاً ينفقه ابتغاء مرضاة الله، كل هذا الخير ، قال لي : أخواتي وبنات أخواتي ، صار هناك درس أسبوعي . . فإذا إنسان له أخوات بنات عمل لهم درساً أسبوعياً ببيته ، أو ببيت أحد أخواته ، وعلمهم بعض الفقه ، حقوق الزوج ، وحقوق الزوجة ، تفسير جزء عم ، حديث شريف عن رسول الله ، تجد الجو كله انتعش، الآن تجد الناس كل مجالسهم باطلة ، كلام على الناس ، وغيبة ، ونميمة ، ونقل أخبار مزعجة ، وشعور بالتفاهة . (( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً . . .))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يجوز أن تنفق مئة ليرة تسبب هداية إنسان ، لا أحد يستقل بالصدقة ، فمثلما قلت لكم : ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب . التفقه في الدين خير عبادة :
هذا حديث آخر على الصيغة نفسها :
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
هذه أرقى عبادة ، فالصلاة عبادة ، إذا صليت بالجامع صلاة نفل فهذه عبادة ، إذا استمعت إلى مجلس علم فهذه أفضل عبادة ، إذا صمت نفلاً فهذه عبادة ، لكن إذا كان صيام النفل - إياكم أن تفهموا الفرض ، فالفرض ليس رمضان فقط بل قضاء رمضان - سيمنعك من مجلس علم ، فافطر واجلس مجلس علم ، لأن الفقه في الدين أفضل عبادة .
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
إذا كنت أنت بمكان بعيد ، ومعك أجرة سفر لمجلس علم ، أنت بدرعا مثلاً ، تحتاج عشرة ليرات لتصل ، إذا دفعت العشرة صدقة بدرعا هذا العمل ليس أقل من أن تأتي إلى دمشق وتحضر مجلس العلم ، إذا دفعت هذا المبلغ أجرة طريق لحضور مجلس علم هذا أفضل عند الله من دفعها صدقة . (( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
قال لي أحدهم : حفرنا مكاناً بمحل تجاري لنضع أنبوباً ، لم نفعل شيئاً ، فروغ المحل ثلاثمئة ألف ، جاء محامِ وصوره ، وأقاموا دعوى وبعد عدة سنوات أخليت من المحل . لأن الحفر هذا يسبب الإخلاء ، فالجاهل يقول لك : احفر لا يوجد خطر ، هذا الذي تحفره يحمل اثني عشر طابقاً ، تحفر فيتصدع البناء ، فهذه عماد الدين . (( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
أخي أنا آدمي ، لا أؤذي أحداً ولكن لا أصلي . ما هذا الكلام ؟! هذا إما بلادة و إما ذكاء ، هناك شخص لا يؤذي أحداً يخاف من الناس ، هذه بلادة ، ولكن إذا كان قوياً ولا يؤذي أحداً فهذا ذكاء منه ، يعيش مطمئناً ، ليس هذا الدين ، الدين أن تعرف الله عز وجل .
جاء طالب آخر السنة : لماذا لم تنجحوني ؟ لم أضرب رفاقي ، لم أتشاكس معهم ، ولم أفعل شيئاً ؟ لكن ما درست ، وإذا لم تؤذهم ، إذا لم تؤذ أحداً يجب أن أنجحك ؟ النجاح يحتاج إلى دراسة ، فكلمة أنا لا أؤذي أحداً هذا كلام مضحك ، أو يقول : أنا قلبي أبيض . يكون رمادياً أيضاً ماذا أفعل به ؟ نحن نريد إنساناً مستقيماً ، نحن نريد إنساناً يصلي . ((أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))
[ أحمد عن أبي قتادة]
ذاهب مع بعض الناس في سفر ، أخي تعال نقصر ، تقول : لا نحن مرتاحون الآن . أنت مرتاح غيرك ليس مرتاحاً ، أنت شاب غيرك يحب أن يصلي قصراً ، يوم سفر ، الإنسان يجب أن يكون مع المجموع ، سيروا بسير أضعفكم . (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغيرعن أنس]
خير العبادة ؛ الصوم عبادة ، الصلاة عبادة ، الحج عبادة ، الفقه خير هذه العبادات ، إنسان ذهب ليحج ورجع ، عملوا له مباركة ، نظر من فتحة الباب فرأى النساء اللواتي جئن ليباركوا لزوجته ، وهذا حج ؟ لو فقه بالدين ولم يحج لكان أفضل ، أما إذا كان فقيهاً وحج ، فهو شيء راق جداً ، أما الإنسان فيحج لكن لم يفهم شيئاً بالدين ، يجوز أن يقتل إنساناً ليصل للحجر الأسود فهل أنت فقيه بالدين ؟ أخي نريد أن نقبله ، تحتك مع أناس تدهسهم، نريد أن نقبله ، هذا الجهل بعينه ، أو يقعد بعرفات بالخيمة يسمع المسجلة يقول لك : جلسنا خمس ساعات انبسطنا تماماً والحمد لله ، ماء مثلَّج ، ونسمع مسجلة وكل شيء من أحسنه ، فما هذا الحج ؟ فقصدي : (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغير عن أنس]
أثر العلم و فضله :
اسمعوا لهذا الحديث ، ولا زلنا في فضيلة العلم :
(( قيل : يا رسول الله - انظر لهذا السؤال - أي الأعمال أفضل ؟ فقال : العلم بالله عز وجل . فقيل : أي العلم تريد ؟ قال عليه الصلاة والسلام : العلم بالله سبحانه . فقيل يا رسول الله : نسأل عن العمل وتجيب عن العلم ؟! ـ نقول لك : أي الأعمال أفضل ؟ أنت قلت لنا العلم بالله العلم عمل ؟!- اسمعوا الجواب -. . . فقال عليه الصلاة والسلام : إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
كثير العمل لا ينفع مع الجهل ، فإذا إنسان عمل بناء من غير مهندسين ، وأحضر مئة طن من الحديد ، ولكن لا يوجد علم ، هنا وضع لكل متر سبعة أكياس ، هناك وضع كيسين ، بعدما انتهى من صب عشرين طابقاً البناء كله مال ، كل البناء صار يحتاج لتكسير ، كل هذه النفقات أصبحت على الأرض ، هذا المال يحتاج لعلم ، تريد أن تضع ثمن حديد ، وثمن إسمنت ، كله شيء غال ، أسعاره غالية ، تريد مهندساً ليعطيك نسباً صحيحة ، فالنبي الكريم يقول : (( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى ، إذاً العلم أعظم من العمل . وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
وقال أبو الأسود : " ليس شيءٌ أعز من العلم ، الملوك حكامٌ على الناس ، والعلماء حكامٌ على الملوك ". الآن هل يستطيع أي ملك من الملوك ألا يكون عنده مستشارون ؟ إذا كان يريد أن يمنع شيئاً أو يسمح بشيء يحتاج إلى خبراء اقتصاد ، إذا منعنا ماذا يحدث ؟ يحدث هكذا وهكذا وهكذا ، كل رؤساء الدول حولهم فريق مستشارين من أعلى مستوى ، معناها العلم هو الأساس ، كل وجدت معضلة اجتماعية أو اقتصادية يجتمع الخبراء ، كيف الحل ؟ ماذا نفعل؟ إذاً من هو حجر الزاوية في بناء المجتمع ؟ العلم .
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾
[ سورة النمل :16 ]
بين العلم والمال والمُلك ، فاختار العلم فأعطي المال والمُلك معه .
وسئلٌ ابن المبارك : من الناس ؟ فقال : العلماء . فقيل : من الملوك ؟ قال : الزهاد . فقيل : من السفلة ؟ قال : الذين يأكلون الدنيا بالدين . واستمعوا لهذا الحديث : ((من أوتي القرآن - أي أوتي فهمه- فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله ))
[ إسحق بن راهويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الله فهمك كتابه ، وأنت لك دخل محدود ، وساكن ببيت وسط ، غرفتان وصالون ، وتمشي على رجلين ، لا يوجد شيء يرفعك عن الأرض لكنك فاهم كتاب الله ، ولك صديق كان بالابتدائي وكنتما معاً على مقعد واحد ، والآن يحكي بالمئة مليون ، إذا رأيت أن الله أعطاه أكثر منك فقد حقرت ما عظمه الله ، أنت بأدنى مستوى معيشي ، والآخر بأعلى مستوى معيشي ، لكن الله علمك القرآن ، فإذا رأيت أن هذا الصديق أوتي خيراً مما أوتيت ، فقد حقرت ما عظمه الله .
وقال الفتح المُصلِّي رحمه الله : " أليس المريض إذا منع الطعام والشراب يموت ؟ قالوا : بلى، قال : كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيامٍ يموت ".
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : " تذاكر العلم بعض ليلةٍ أحب إلي من إحيائها" .
إذا جلسنا ساعة من الزمان تذاكرنا العلم واستفدنا خيرٌ عند الله من إحياء هذه الليلة بكاملها للصبح و لو كنا نصلي ، تذاكر العلم بعض ليلةٍ خيرٌ من إحيائها .
وقال بعض المفسرين وهو الحسن رضي الله عنه :
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[ سورة البقرة : 201 ]
فقال : إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة .
بعضهم قال : الزوجة الصالحة .
وقال الأحنف رحمه الله : كل عزٍ لم يرطب بعلمٍ فإلى ذلٍ مصيره .
وقال سالم : اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم وأعتقني . فقلت : بأي شيءٍ أحترف ؟ فاحترفت العلم ، فما تمت لي سنةٌ حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له .
عبد أعتقه سيده ، اختار طلب العلم ، تعلم ، مضى سنة جاءه أمير المدينة زائراً قال : فلم آذن له .
يقول سيدنا الزبير : " عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً ، وإن استغنيت كان لك جمالاً "
أي إذا طالب معه شهادة عليا مثلاً له دخل منها ، وإذا كان ثرياً وتعلم العلم كان له جمال هذا العلم .
وقيل : وجاء في وصايا سيدنا لقمان لابنه : " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك " أي لو كان المجلس ضيق فتصرف ، وقال بعض الحكماء : العلم ذكرٌ ـ الشمس مؤنث ، والقمر مؤنث مجازي ـ العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذُكران الرجال . معنى هذا هناك رجال نساء ؛ إذا همه شهوته ، همه زينته ، همه راحته ، هذا رجل بالنفوس رجل ، أتى تحت اسم الذكور ، ذكور وإناث ، هو مع الذكور جاء اسمه ، لكنه مع النساء ، العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذكران الرجال ، أي أن الرجل يحب العلم . الأجر الكبير للمتعلم :
قصة اليوم ليس لها وقت ، وهي عن سيدنا معاذ بن جبل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم .
أردت أن أنهي الفصل في هذا اللقاء ، الدرس القادم فضيلة التعلم ، اليوم تحدثنا عن فضيلة العلم ، الدرس القادم فضيلة المتعلم ، هذا له أجر كبير ، يقول الإمام علي رضي الله عنه :" قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم"
أيضاً الفضل لمن يستمع ، لو لم يكن هناك أحد يستمع لما كان هناك علم ، أنا أقول : الفضل لكم في حضور هذا المجلس ، إذا كان هناك توفيق من الله عز وجل فهو بفضل أن هناك مستمعين راغبين في هذا المجلس .
فالدرس القادم في فضيلة تعلم العلم .

السعيد
09-09-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : العلم - فضيلة التعلم







الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
فضل العلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، نبدأ في هذا الدرس قراءة بعض الفصول المختارة والمختصرة من إحياء علوم الدين ، وكتاب إحياء علوم الدين في إجماع المسلمين وعلماء المسلمين من أنفس الكتب التي تعد منهجاً دقيقاً للمسلم في علاقته بربه ، وفي علاقته بالناس ، بل إنه من أبرز الكتب في وصف أحوال القلب وما يصيبه من أمراض ، لذلك الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع، ربع في العبادات ، وربع في العادات ، وربع في المهلكات ، وربع في المنجيات ، طبعاً أصل الكتاب ستة أجزاء كبيرة بحرف صغير صغير .
كما قلت قبل قليل نقرأ ونشرح ونعلق بعض الفصول المختارة من هذه الأرباع الأربعة ، من الربع الأول وهو ربع العبادات موضوع العلم ، كتاب العلم وفضله وما يتعلق به قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 9]
هذه هل حرف استفهام لكن هذا الاستفهام خرج عن الاستفهام وصار كما يقول علماء البلاغة استفهاماً إنكارياً أي هل يعقل أن يستوي عند الله وعند الناس عالم وجاهل ؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
مرة سألت طلاباً قلت لهم : من يذكر اسم تاجر أو غني عاش في دمشق في عام ألف وثمانمئة وسبعة وثلاثين وله جائزة كبيرة ، حك الطلاب رؤوسهم طويلاً ولم يعرفوا ، فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف لأن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: يا بني مات خزان المال وهم أحياء وهم في أوج حياتهم ميتون ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، فإذا شئت أن تخلد فبالعلم يبقى اسمك متألقاً إلى قيام الساعة ، إلى نهاية الدوران قال تعالى : ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
أقدم ثانوية في دمشق فيها لوحة كتبت بيد خطاط كبير ، إذا دخلت من بابها الرئيسي كتب على هذه اللوحة : رتبة العلم أعلى الرتب ، هناك رتب المال ، وهناك رتب توضع على الكتف ، وهناك رتب الشهادات ، وهناك رتب الوجاهات ، وهناك رتب الحرف ، حتى المعلم هذه رتبة ، هناك في الحياة رتب لا تعد ولا تحصى ، هذه الحكمة تقول : رتبة العلم أعلى الرتب، والشيء الذي يحزن أن العلم مبذول لكل الناس ، العلم الدنيوي الذي هو فرض كفاية مبذول بأجر باهظ ، أي أقل ساعة رياضيات إن فهم الطالب أو ما فهم مئة وخمسون ليرة من أجل بكالوريا ، أما سبحان الله دروس العلم الديني فمبذولة بلا مقابل ، هذا من حكمة الله عز وجل لأن الذين يدرسون العلوم الدينية يطمحون بأجر خيالي ولكن ليس من الحاضرين من الله عز وجل . علامة العالم أنه يطيع الله عز وجل :
ابن عباس يقول : " للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمئة درجة "، أي المؤمن الذي آمن بالله ، واستقام على أمره ، وعمل صالحاً ، ووقف عند الحدود ، وفعل ما يرضي الله عز وجل ، فهؤلاء عند الله مقربون ، والباب مفتوح لكل واحد منكم ، كل واحد منكم مفتوح له باب أن يكون معلماً للناس ، يكفي أن تطبق ما تعرف حتى تغري الناس أن يتعلموا منك ، فإن لم تطبق لا تغري أحداً ، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ...."، أي فضلك عند الله إن كنت عالماً لا يزيد عن فضل الجاهل الذي يحب أن يتعلم منك - يطلب العلم - لذلك النبي الكريم قال: " تواضعوا لمن تعلمون " تواضع ، قال تعالى:
﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 215]
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
[ سورة فاطر : 28]
أي العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشون الله ، إنما أداة حصر ، أي الخشية محصورة بالعلماء ، وموضوع العلماء ليس كل إنسان قرأ كتاباً يسمى عالماً ، ولا كل إنسان حفظ كتاباً يسمى عالماً ، العلماء بالله تعالى علامتهم أنه يطيعونه .
كنت أذكر مثلاً حاداً ، رجل معه خمس شهادات عليا ، نادر أن يجمع الإنسان لسانسين في آن واحد ، لو معه أربع شهادات أو خمس ، ودكتوراه ، وله أربعة و خمسون مؤلفاً في الأسواق ، وعصى الله لا يسمى عند الله عالماً ، هذا مدموغ بالجهل من عند الله عز وجل ، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب إذا أطاع الله عز وجل هذا يحمل شهادةً من رسول الله بأنه عالم ، أين هذه الشهادة ؟ كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، إذا قال : هذه حرام لا أفعلها ، أنا لا أغضب الله عز وجل ، هذا عالم ، أو هذا نوع من أنواع العلم ، أنا أقدسه ، وفي الصحيحين أن: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
[ مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ]
أي إذا سمح لك أن تجلس في مجلس علم ، أو بإمكانك أن تحتل مساحةً من المسجد تكفي لجلوسك ، هذا سماح من الله عز وجل ، الله سمح لك أن تجلس في هذا المجلس علم فيك خيراً ، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 23]
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ]
العالم و العابد :
كم هي المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الأنبياء ، سيد ولد آدم ، قمة البشر ، وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، هذه المسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى مؤمن هي المسافة نفسها بين عالم وعابد ، فكن طموحاً إلى العلم ولا ترضى أن تكون عابداً فقط ، العابد بالمناسبة بسبب أي تأثير ، أي إغراء ، أو أي ضغط يتخلى عن الدين ، أي قد يتزوج فيخرج من دينه ، تأتيه امرأة تغريه بالمعصية فيخرج من دينه ، قد يشارك رجلاً فيضغط عليه في فعل بعض المعاصي المالية فيخرج من دينه ، قد يسمع كلمة تهديد فيتخلى عن صلاته ، هذا هو العابد ، يجوز أن العابد في الأيام الماضية في القرون السالفة الجو العام كله ديني ، الفتن قليلة ونائمة ، أكثر الناس دينون ، يجوز في هذه الأيام السالفة أن ينجو العباد ، أما أنا والله أؤكد لكم في هذا العصر الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، في مثل هذا العصر الذي ترون فيه الشهوات مستعرة ، والفجور والفسوق والمغريات ، الدنيا في هذا العصر خضرة نضرة ، متألقة متزينة ، تغري أحبابها باتباعها ، في هذا العصر لا يستطيع العابد أن يصمد أمام إغراءات الدنيا ، والذي يحصل تشاهدون إنساناً تدين ثم انتكس ، لماذا انتكس ؟ لأنه ما صار عالماً بقي عابداً ، أخذ بالعاطفة خلال شهر أصابه سرور فاستقر ، إغراء بسيط ترك الدين .
وإذا بلغني عن إنسان حضر معنا شهرين ثم ترك ، أنا يوجد عندي يقين قاطع أنه ما فكر ، أخذ بالعاطفة واستمع وترك ، لأن ترك الحق دليل نكسة خطيرة جداً ، والكلام الصحيح أنه ما آمن حتى كفر ، لم يؤمن بالأساس كان مقلداً والتقليد لا يكفي .
في هذا العصر لا ينجو إلا العالم ، والعابد لا ينجو ، لأنه لم يستطع أن يبقى عابداً، الدنيا تجره إليها ، إغراءاتها ، وفتنها ، وضغوطاتها ، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه النملة والحوت لها بحث مستقل ، أي كيف النملة تصلي على معلم الناس الخير ؟ سوف نأتي بعد قليل على هذا الموضوع. أقدس إنسان شاب همه معرفة الله :
وفي حديث آخر .
(( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
لي صديق رأيته في ضائقة ومتألم لضيق ألمّ به ، وقد آتاه الله علماً وحكمةً ، فقلت له مسلياً : إن الله عز وجل أعطى قارون مالاً فهل كان يحبه ؟ قال لي : لا ، ثم قلت له : إن الله أعطى فرعون ملكاً وأعطى الأنبياء علماً وحكمةً فهؤلاء الذين يحبهم أعطاهم علماً وحكمةً فإذا أوتي الإنسان بعض العلم والحكمة فهو ممن يحبه الله عز وجل . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
لا يوجد إنسان أقدس من شاب همه أن يعرف الله ، اسأل الآن الشباب همهم أن يتزوجوا ، أن يشتري بيتاً ، أحدهم سمى لي اسم سيارة وقال : إذا الله رزقني إياها أتمنى أن تمشي فوقي وأرتاح ، هذه هموم الناس ، يريد سيارة وبيتاً ، التقيت مع إنسان هولندي ، سألته هل أنت مؤمن بالله ؟ قال : طبعاً ، قلت له : ما الدليل ؟ قال : المطر ، قلت له : هل أنت مؤمن بالدار الآخرة ؟ قال : لا ، قلت له : هذان الإيمان بالله واليوم الآخر شيئان متلازمان ، قال : أنا لا أؤمن بالدار الآخرة لأن أحداً لم يذهب إلى هناك وعاد وأخبرنا ، طبعاً بلغة أخرى يتكلم ، ثم قال لي : هذه الموضوعات لا تعنينا ولا تهمنا ولا تمتعنا إطلاقاً ، إنما الذي يعنينا بيت أكبر، وسيارة أكبر ، ومال أكثر هذا الذي يعنينا ، لهذا قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة النحل :21]
إذا الإنسان عاشرهم ، إذا كان لقاء عابراً يؤخذ بالدقة ، والنظام ، والأناقة ، والترتيب، كل شيء محسوب له حساب ، أما إذا عاش معهم فيراهم تافهين لأن كل من لم يعرف الله عز وجل إنسان تافه الموت ينهيه ، مهما كان كبيراً ، ومهما كان عظيماً ، الموت ينهيه نهائياً . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
في الدرس قبل الماضي بالحاجبية ذكرت عن الإنسان مخير أم مسير ، أنواع التسير ، تسير التشجيع ، أي إذا الإنسان آمن الله يسر له أموره ، الناس أكرموه يشعر براحة بقلبه عجيبة ، يقول لك : أكاد أطير من الفرح ، كل إنسان آمن إيماناً صحيحاً ، وتاب توبة صحيحة ، هذه أحواله ، هذا التسير تشجيعي من الله عز وجل إلى أن يبلغ درجة لا ينتكس بعدها ، عندئذ يتولى الله عز وجل تطهيره من كل أمراضه النفسية ، الآن يضعه بظرف معين يبرز عيباً من عيوبه ، يتألم ، ينقطع ، يصبح له غفلة ، يتوب يتجاوز هذا العيب ، يريه الله أسبوعين ثلاثة ثم يضعه في ظرف ثان يظهر معه عيب آخر ، عنده كبر أيضاً ينقطع عن الله بهذا العيب يخجل ، ويتوب ، ويجتهد ، ويعمل أعمالاً صالحة أيضاً اجتازه ولا يزال الله عز وجل ينقيه من عيوبه حتى يلقاه كيوم ولدته أمه ، أما أول الأمر فيوجد تشجيع جداً ، أحياناً الطفل الصغير يرسم ألفاً بالمقلوب يعطونه مرحى لكن بالصفوف العليا إذا غلط غلطة شفهية واحدة ، نحن بالجامعة عندنا فحص شفهي وتحريري ، الشفهي يكفي أن تغلط غلطةً واحدة في تحريك كلمة يقول لك الدكتور : للعام القادم أوصيك بالصيف الطويل فإنه خير الوصية ، نعيد السنة من أجل غلطة شفهية في سنة التخرج .
الطفل الصغير على كتابة ألف يعطونه مرحى ويصفقون له ، هذا سلوك تشجيعي وبعد هذا هناك حساب دقيق ، قال لنا أستاذ في الجامعة في فرنسا : إذا وجدوا غلطة في الأطروحة في الدكتوراه لا تمنح في ذلك العام يعطونه سنة كاملة ، أي هناك دقة بالغة . أجر طالب العلم عند الله :
لكن يوجد أناس عرفوا الجامعة تعريفاً لاذعاً قالوا : إنها مدرسة يدخل فيها الطالب جاهلاً متواضعاً يخرج منها جاهلاً متكبراً ، قال عليه الصلاة والسلام:
(( . . . مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وروي عنه أيضاً أنه قال: (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ))
[ الدارمي عن الحسن ]
الإنسان عطاؤه محدود أي إذا الإنسان درس أول سنة بالجامعة والثانية والثالثة والرابعة لأمر قاهر لم يتمكن من أن يكمل يقولون : هذا ليس معه شهادة ، ربنا عز وجل معاملته غير هذه المعاملة ، إذا الإنسان بدأ بطريق وجاءته المنية في أول الطريق يعطى الثمار كما لو بلغ آخر الطريق : (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))
[ الدارمي عن الحسن]
قال بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ أي إذا إنسان أدرك العلم وتعرف إلى الله وسعد ومات وما عنده بيت ملك ، ما فاته شيء ، مات وما شاهد أوربا رسول الله ما شاهدها ، مات قبل أن يتزوج ، أحد الصحابة له زوجة طلبت منه طلباً لا يملك ثمنه ولن يغير سلوكه عما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها: اعلمي يا فلانة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلأن أضحي بكِ من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن من أجلكِ ، أي إذا إنسان مات وما تزوج إرادة الله عز وجل ، مات وما اشترى بيتاً ، مات ويوجد طعام ما أكله ، الناس يقولون : مسكين ما تهنى في حياته ، هذا كلام العوام إذا إنسان مات و هو شاب وكان مؤمناً مسكيناً ما شاهد شيئاً من الدنيا ، الذي قال هذا الكلام هو الذي ما شاهد شيئاً ، قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف : 185]
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 79]
أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، أحياناً يكون الإنسان متزوجاً زوجة ليست على مزاجه يقول لك : محروق قلبي ، خطبتها وكنت لا أعرف شيئاً ، أمي قالت لي : جيدة ، إذا ما عرف الله معه الحق أن يحترق قلبه لأنه شاهد نفسه أنه سوف يعيش معها إلى الأبد أما المؤمن فيحسن لها ، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة النساء: 19]
يحسن لها ويكسب أجراً والله يهنئه في حياته ، لو كانت هي وسط أو دون الوسط سبحان الله مكافأةً له على الرضا بقضاء الله ، الله عز وجل يجعلها ودودة له مودة بالغة ، ويراها جميلة وقد يقول بعد أن يرضى بها : والله ليس في الأرض إنسانة أنسب إلي منها ، إذا رضي بقضاء الله وقدره ، وكان صادقاً وعاملها بالإحسان ، أما إن قال دائماً : لم نوفق في هذا ، دائماً كاسر خاطرها ، هكذا أهل الدنيا . فضائل التعليم :
ومن فضائل التعليم ما ورد في الصحيحين :
(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
قال لي شخص : إن أحدهم اشترى فندقاً في فرنسا ، هذا الفندق مؤلف من ثمانين طابقاً ، كل طابق حوالي خمسين غرفة ، وكل غرفة أجرتها في اليوم خمسين فرنكاً فرنسياً ، الفندق ممتلئ طوال العام ، هذا دخل ولكن على هذا الكلام : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
إذا إنسان يصدق النبي الكريم ، طبعاً أخي إنسان عنده أراض ، استيقظ وجد نفسه أكبر مليونير ، هذه تضاعفت مئة ضعف ، اشترى بناء في الستينات واختلف هو وشركاؤه فتركوها على الهيكل ، الآن صار ثمن كل طابق مليونين ، كان ثمن الطابق عشرين ألفاً ، يقول رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لو كنت مصدقاً هذا الكلام تسعى لهداية الناس ليلاً ونهاراً ، وتبذل من أجل هدايتهم الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، الإنسان لو صدق هذا انتهت مشاكله كلها ، لو إنسان قال لك: يوجد بيت ثمنه مئة ألف ، والآن ثمنه نصف مليون ، لا تنام الليل إذا كنت تملك المئة ألف وخاطب وتدور على بيوت في آخر الدنيا في الطبالة ، إن قال لك : هذا البيت بمئة ألف في المهاجرين مؤلف من ثلاث غرف وصالون وكاشف الشام وقبلي والكلام صحيح ، لا تنام الليل ولا تغفل وتقرع الباب على الدلال الساعة السادسة صباحاً . لو مصدق سيدنا رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لا تنام الليل ، تساعده ، تكرمه ، تساعده في دنياه ، تدينه حتى يميل قلبه ، ثم ادعه إلى الله ، الكلام سهل ، عندما أنت تحسن له إحساناً حقيقياً وتقول لك كلمة تذيبه الهدى ليس كلاماً ولما ظنه بعض الناس كلاماً لا أحد يهتدي بالكلام ، عندما يراك تهتم بأموره وكأنه أخوك الحقيقي ساعتها الآية قدر مليون ، والحديث قدر عشرة أحاديث ، لذلك رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس . (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
هناك إنسان في قطر عربي حسابه في البنك ثلاثة آلاف مليون دولار ، والدولار بعشر ليرات ، أي ثلاثة آلاف مليون ، إذا أحدكم استطاع أن يهدي شخصاً يجب أن تتكلم له عن الله عز وجل ، أن تساعده ، أن تكون لطيفاً معه ، أن تكون إلى جانبه عند الشدة ، على شهر شهرين ثلاثة ، تتفقده ، إذا مرض تعوده ، إذا استطعت أن تهدي رجلاً فأنت أغنى من هذا الذي رصيده ثلاثة آلاف مليون دولار . (( . . . . وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ . . . . ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
هنا العلماء فسروا الحديث أن الإنسان عندما يعلم الناس الخير الناس يستقيمون ، إذا ذبحوا غنمة يذبحونها على السنة ، أنا منذ مدة شاهدت رجلاً يذبح غنمة أمام غنمة ، قلت صلى الله عليه وسلم كم كان رقيقاً قال له : أتريد أن تميتها ميتتين هلا حجبت أختها عنها؟؟
أي إذا الإنسان آمن يحسن وهو يذبح الغنمة ، لا يدوس صرصوراً ، قال لي رجل : دخلنا إلى بيت نشاهده يوجد حشرة محببة نسيت اسمها ناعمة الدلال دهسها بقدمه لماذا دهستها ؟ ماذا فعلت لك ؟ عندما أنت تؤمن تصبح محسناً ، المؤمن لا يصدر منه إلا خير ، مصدر طمأنينة، لا يوجد عنده مزاح غليظ ، مصدر سعادة للناس ، أي إذا رؤي المؤمن ذكر الله : (( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))
[البيهقي عن عمر ]
(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى]
أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم و أدبه :
الناس حيال الحق ثلاثة أصناف إما إنسان يشرب الحق وينبت الخيرات ، إذا علمت رجلاً هذا الرجل تزوج مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، أخواته آمنوا ، أصهرته آمنوا ، جيرانه آمنوا ، زملاؤه آمنوا ، صار هذا الواحد مئة سبحان الله نشر الحق ، ويوجد شخص بمفرده يستفيد، ويوجد شخص لا يفيد ولا يستفيد .
وقال الحسن رضي الله عنه : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " الآن هناك أناس مثل البهائم تراه دابة تسير ، كيفما تكلم يؤذي الناس ، كلام بذيء ، يحتقر الآخرين ، طبعاً الإنسان عندما يتعرف إلى الله عز وجل يصبح ملكاً ، كلما ارتقيت تزداد عندك المشاعر والحساسيات والرقة ، النبي الكريم صلى الله عليه و سلم دعي هو و أصحابه الكرام إلى وليمة وكان هناك لحم جزور ظهرت رائحة غير مقبولة أذن العصر فقال عليه الصلاة والسلام : كل من أكل لحم جزور فليتوضأ فقالوا : كلنا أكلنا لحم جذور ، قال: كلكم فليتوضأ ، ما هذه الدقة ؟ ما هذه الحساسية ؟ لكي لا يخجل هذا الذي انتقض وضوءه ، بأسلوب جميل قوموا توضؤوا بسبب أخوكم الذي نقض وضوءه ، يوجد فقهاء فهموا الحديث فهماً آخر قالوا : لحم الجزور نجس ، ما هذا الكلام ؟ يحتاج منه الآكل إلى وضوء ، لا ليس له علاقة أبداً ، الموضوع موضوع رقة وحساسية ، أسلوب راق جداً ، هكذا النبي الكريم بحياته ، النبي ما صافح إنساناً وسحب يده منه حتى يكون المصافح هو الذي يسحب يده ، بحياته ما أكرم نفسه أمام ضيفه ، دخل عليه عدي بن حاتم و هو ملك فناولنه وسادةً من أدم محشوةً ليفاً و قال : اجلس على هذه، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال : فجلست عليها وجلس هو على الأرض .
بحياته ما تميز عن أصحابه ، كان إذا دخل عليه رجل يقول : أيكم محمد ؟ مع أصحابه جالس ليس له أي مظهر من مظاهر الفخامة ، في نزهة قال : وعليّ جمع الحطب ، قالوا: نكفيك يا رسول الله ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على خلقه ، في المعركة قائد جيش ونبي مرسل ما أخذ ناقة بمفرده وركبها قال: أنا وعلي وأبو لبابة ، ولما جاء دوره في السير الصحابة شعروا بالحرج قال : لا ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر ، هكذا النبي الكريم .
أثر العلم في حياة الناس :
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة "
يوجد شخص لا يستطيع أن يكون بمفرده إطلاقاً ، أما الذي له وجهة إلى الله وله حظ من العلم لا يريد أحداً ، يستطيع أن يجلس عشر ساعات بمفرده ، العلم لا يمل ، الإنسان عندما يتعلم إذا قرأ قرآناً ، القرآن ربيع القلب ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب والاستئناس بالناس علامات الإفلاس ، علامة المؤمن له جلسات مع ربه ، يحب الخلوة ، هذا إحياء علوم الدين خمسة أجزاء يعد من أهم الكتب الدينية نتيجة خلوة استمرت عشر سنوات في دمشق من قبل الإمام الغزالي ، كان يختلي في الأموي ، في مئذنة العروس في غرفة وكتب هذا الكتاب .
وقال كعب رحمه الله : " أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس فإنه منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم "
طبعاً في مقدمة هذا الفصل يتحدث الإمام الغزالي عن الآيات والأحاديث التي ترغب الناس في طلب العلم ، المؤمن يطلب العلم بشكل حثيث ، أي إذا إنسان في وقت الدرس أغلق المحل ، وعنده زبائن الآن لا يوجد عندي وقت ، عندي موعد ، هل تقل رزقته ؟ لا والله ، هؤلاء العشرة يأتون غداً عشرين سبحان الله ، الله يحبب الناس بهذا المحل يقول لك : أنا تعودت على هذا المحل ، يأتيك زبائن من آخر الدنيا ، ويوجد أناس يفتحون حتى الساعة الحادية عشرة يلعبون بالطاولة يعملون عملاً بعيداً عن الله عز وجل ، فالإنسان لا يضن على الله عز وجل بمجلس العلم ، والله عز وجل قادر أن يصرف لك من وقتك عشرات الساعات من دون فائدة ، أحياناً الإنسان يضطر أن يذهب إلى الطبيب مساءً يعطيه وصفة ، يدور أربعة أقطار المدينة ويقول له : يجب مساءً أن يأخذ الدواء ، يصرف مئتي ليرة ، ابنه ارتفعت حرارته ، الوقت بيد الله عز وجل .
قال لي إنسان كان في دولة أجنبية : عندي إقلاع طائرة الساعة الثانية والنصف فركبت تكسي من الفندق إلى المطار ، فوجدت في الطريق أناساً يقفون في الدور ثلاثة كيلو متر فقال للسائق : ماذا يوجد هنا ؟ فقال له : يوجد توزيع لحم ، هل من السهل أن يقف الإنسان من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً !! لما هانت عليهم أنفسهم هانوا على الله عز وجل ، أما عندما يعودون إلى الله عز وجل ويعرفون قيمة العلم فالله عز وجل يكرمهم ، ويجعل وقتهم ثميناً ، فالإنسان إذا كان لا يعرف قيمة الوقت يستهلك وقته لأتفه الأسباب .
* * *
الهروب من أسباب الخطيئة :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:
(( تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا مكان فيه شبهة ، طريق مشبوه فيه نساء كاسيات عاريات ، مرةً
سرت في هذا الطريق فأصابتك غفلة ، إن كنت مؤمناً فلا تعود لمثل ذلك أبداً ، هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة إياكم أن تظنوا أن فيه شؤماً ، لا ، في هذا المكان أصابتك غفلة أي صار فيه معصية ، ولا تزال الأسباب قائمة ، أي إذا كتاب قرأته فتحولت عن الله عز وجل ولمحت كتاباً لنفس المؤلف تقول : لا أريده ، إذا تصفحت مجلة فانصرفت عن الصلاة أو غفل قلبك حين تصفحها ، الحديث واسع جداً ، المكان ، أو الزمان ، أو هذه الدكان ، أو الطريق ، أو النزهة إلى هذا المكان ، والناس في فجور تحول عن هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة ، على ألا يفهم هذا الحديث على معنى تشاؤم لكن على معنى أنه إذا هناك أشياء تدعو إلى المعصية فأنت غيّر هذا المكان .
يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : " ليس الشريف الذي لا يرتكب الخطيئة ولكن الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة " ، يجوز إذا الإنسان تساهل سار في طريق الخطيئة لا يستطيع أن يرجع ، أما الشريف فهو الذي يهرب من أسباب الخطئية. ما من داء إلا و له دواء :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ))
[ أبي داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]
قال لي رجل : سبحان الله أنا منذ أربعين سنة أنشط من الآن ، فعلاً فالهرم ليس له دواء ، بلغني قصتين في هذا الأسبوع ، أخت تسكن عند أخيها قالت لهم : قلبي يؤلمني ، قالت له زوجته : لا تسمع لها لا يوجد بها شيء ، ثم توفيت ، جاء الطبيب قال لهم : هذه معها جلطة من شهر لماذا أهملتوها إلى الآن ؟ أنا قلت في نفسي : والله الذي لا إله إلا هو تحاسب هذه المرأة كقاتلة ، من أنت حتى تقولي لا شيء فيها ؟ هذا الكلام يقوله طبيب ، أنت عليك أن تأخذ بالأسباب والباقي على الله ، و عندما أنت تأخذ بالأسباب لا عليك أنت ، إذا كان هناك تقصير تبقى غصة في قلبك إلى ساعة الموت ، الله أمرك أن تداويها ، يوجد أناس عندهم تعصب أعمى أخي أنا لا أحب أن يشاهد زوجتي رجل ، أنت ورع أم رسول الله ورع ؟ سمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت الطبيبة ليست في مستوى الطبيب ، مرض عضال يجب أن تأخذها إلى الطبيب هذا لا يسمى ورعاً إطلاقاً لأنه مباح أن يأخذ زوجته أو أخته إلى طبيب ، أما إذا كان هناك طبيبة من نفس المستوى وتغني عن الطبيب فالطبيبة أولى ، أما في كل الأحوال أن تقول لا شيء فيها وأصابها شيء فهذا مسؤول عنه .
أحياناً الطفل يصيبه جرح بآلة أعطه إبرة كزاز فوراً لا يصيبه شيء ، هذا كلام غير ديني ، الدين يأمرك أن تأخذ الحيطة ، أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب ، قال لك: صور صور ، حلل حلل ، لا شيء لا شيء ، طبيب مؤمن حاذق ، إذا كان غير مسلم يوهمك ليبتز منك المال ، وإذا كان مسلماً غير حاذق يغشك من غير قصد ، محدود علمه ، كثير من الأطباء قالوا له : لا يوجد فيه شيء ويكون معه أزمة قلبية والله يعوض ، والإنسان عندما يبذل المال لمعالجة من يلوذ به له أجر ، وعندما يشاهد المريض أن هناك من يهتم به يسر ، من فضل الله أعرف مؤمنين لا يتحمل دخلهم أجور الأطباء الباهظة والتحاليل و مع ذلك لا يقصرون أبداً ، فلا أحد يظن أنه من الورع ألا يأخذ زوجته إلى طبيب ، ليس هذا من الورع إطلاقاً ، هذا من التقصير وعندما يصير شيء تشعر أنك أحد أسباب الوفاة ، مع أن الوفاة بيد الله عز وجل . السلام على الضرير :
الحديث الأخير:
(( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
هذا أخوك بالله ، وقد يكون مقامه أعلى منك بمليون مرة عند الله ، قد يكون فاقداً بصره والله فتح له قلبه ، وقد يكون لك عيون مثل عيون البقر وأعمى القلب ، لا تعرف مقام كل إنسان عند الله عز وجل : (( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
خيانة له ، سبحان الله بعد أن سمعت هذا الحديث لو كنت بعيداً عن أخ كريم ضرير أنا أتقدم نحوه وأقول له : السلام عليكم ، ألك حاجة ؟ هذا أدب المصطفى . * * *
سيدنا أبو هريرة :
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا أبو هريرة ، طوبى إلى أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة ؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس ، فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي العدنان قال له النبي الكريم : ما اسمك ؟ قال : عبد شمس : فقال عليه الصلاة والسلام بل عبد الرحمن ، هذا تعليم لنا ، أكثر شيء المعلمون يكون اسم طالب فيه مشكلة وكلما قرأ اسمه يضحك الطلاب ، أنت معلم وأنت مؤمن أنت اسمك فلان يا بني ، والسجلات ليس لها قيمة اجعل له اسماً جميلاً طوال السنة بين زملائه ، شيء جميل .
أحياناً نقرأ أسماء الطلاب الكنية عليها تعليقات ، اقرأ الاسم الأول ، و أحياناً يكون الاسم الأول عليه تعليق اقرأ الكنية ، أي ابحث عن اسم لا يوجد عليه أي تعليق ، لأن هذا الطالب إذا الطلاب ضحكوا على اسمه ممكن أن يتعقد ، إذا كنت تستطيع أن تحترم الناس كلهم وما يشعر أحد إلا أنك توده وبنظرك عال ، الناس يقبلون عليك ، النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة ومودة صادقة وليس عن ذكاء ، هذا موقف ذكي ، لذلك قال تعالى:
﴿ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
[ سورة الحجرات: 11]
يوجد أناس يمزحون مزاحاً مع بعضهم هذا لا يتناسب مع الإيمان ، فقال : نعم عبد الرحمن بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أما تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة يلعب بها فجعل أقرانه ينادونه بأبي هريرة وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه ، فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه يا أبا هر إيناساً له وتحبباً ، كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كل صحابي يظن أنه أقرب الناس إليه ، طفل صغير قال له يا عمير ما فعل النغير ؟ (( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ))
[ مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
طفل صغير عنده عصفور يلعب فيه ، ولما شاهده مع والده واسمه عمير فقال له: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ شاهده مرة ثانية قال له إياها ، ثم مرة ثالثة ، حتى يتحبب منه ، و هناك فقهاء فهموا أنه إذا أحضر عصفوراً ووضعه في قفص مسموح به ، لا يفهم هذا من هذا أي تحبس مخلوقاً من أجل أن تنظر إليه ، يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ أيضاً من باب التحبب ، فقال النبي الكريم : يا أبا هر إيناساً له وتحبباً فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة ، ويقول : ناداني بها حبيبي رسول الله ، والهر ذكر والهريرة أنثى ، والذكر ليس كالأنثى ، هنا مكتوب خير من الأنثى ، أنا عدلتها لأنه قد تكون الأنثى أفضل من مليون ذكر ، وإذا أردت الكلام الصحيح قد تكون الأنثى المؤمنة أفضل عند الله من مليون ذكر فاسق وفاجر . إسلامه و إسلام والدته :
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين ، حيث وفد مع جموع من قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فاتخذ المسجد مقاماً والنبي معلماً وإماماً ، إذا لم يكن له في حياة النبي زوج و لا ولد ، أي إذا الإنسان لم يتزوج ليلحق نفسه لا يوجد من يحاسبه ، أين كنت ذاهباً ؟ إلى مجلس علم ، زار أخاه ، تكلم له عن الله عز وجل وقته مفتوح ، بعد الزواج لك شريك تأخرت علينا أين كنت هذا الوقت ؟ فإذا أحدكم ما تزوج هذه قبل الزواج أنسب سن للإقبال على الله عز وجل والاجتهاد في طلب الحق ، كثيراً أنا أغبط الشباب ليس عليه أي مسؤولية أما المتزوج فصار عنده زوجة ، إذا قرُب وضعها صار لها مطالب ، تتوحم ، استيقظت الساعة الثانية عشرة والبيت كما هو ، وإذا جاءه ابن وارتفعت حرارته صار عليه مسؤولية ثانية ، أما أنت قبل الزواج فلا يوجد عندك اي مسؤولية استغل هذا الوقت لمعرفة الله لبناء إيمان قوي .
هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها ، وبراً لها ، فتنفر منه وتصده فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فرياً - يقطعه - وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقالت عن النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه وأمضه ، فمضى إلى النبي وهو يبكي فقال له عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ الحقيقة خيركم خيركم لأهله ، والله الذي لا إله إلا هو إذا أحدكم أحضر إلى هذا الدرس ألف شخص إذا أحضر لي أخاه النسبي أغلى عليّ من الألف شخص لأن الأخ أقرب شيء لك ، إذا أحضرت والدك أفضل ، صهرك أحسن ، هذا يلوذ بك ، خيركم خيركم لأهله ، كان يبكي أمه تسير على الباطل وتكلمت عن النبي كلاماً لا يليق ، فبكى ، أنت هل يوجد عندك إمكان إذا اهتديت هداية حقيقية ولك أخ يسير بشكل ليس جيداً أن تبكي عليه ؟ تتألم تنزل دمعة من عينك من أجله ؟ تقول : يباع في العزاء ماذا أفعل له ؟ ما كان الصحابة هكذا ، يجد أخاه من أمه وأبيه يسير في ضلال ، أنت دلله وأكرمه وآنسه واسأله عن أحواله ودينه وعاونه وإذا أخذت غرضاً لنفسك خذ له مثلما أخذت لك ، اشتريت كنزة تقول : والله أخي لا يوجد عنده كنزة ، هو حجر أم بشر ؟ أول يوم هدية وثاني يوم وثالث يوم يميل ويقول لك : أنت من شيخك خذني معك ؟ فإذا الإنسان أحضر أخاه أفضل من أن يحضر الغريب ، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .
فقال: يا رسول الله إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي ، وقد دعوتها اليوم فأسمعتني بك ما أكره ، فادع الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام ، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة : فمضيت إلى البيت فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء فلما هممت في الدخول قالت : مكانك يا أبا هريرة انظر إلى هذا الأدب ، أمي ، لا ، أمك لها حرمة ، ثم لبثت ثوبها وقالت : ادخل ، فدخلت فقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
ولكن هذه القصة أنا أريد أن أعلق عليها ، إذا كانت القضية بدعاء النبي فلماذا ما دعا إلى الناس معاً دعوة جماعية ؟ واهتدوا كلهم قال تعالى :
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
أي هذه من باب المصادفة ، ولكن لو أن النبي كان دعا إلى أبي لهب ، قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
لو أن الهدى يتم بدعوة النبي لدعا النبي للبشر كلهم دفعةً واحدة ، يا ربي اهد كل من خلقته ، الله أعطى الاختيار لكل إنسان ، فإن كانت هذه القصة صحيحة فمن باب المصادفة ، فإذا أردت أن تأخذها على شكلها الظاهري أنه إذا دعا اهتدت وانتهى ، هذه القصة لها استفهامات كثيرة ، لماذا ما دعا إلى عمه أبو لهب ، لماذا ما دعا إلى مسيلمة الكذاب ؟ لفلان ؟ لكن يظهر أنه عاملها بالإحسان وتأثرت واهتدت ووافق هداها دعوة النبي الكريم .
فعدت إلى النبي الكريم وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت : أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الإسلام . حبّ أبي هريرة العميق لرسول الله :
وقد أحب أبو هريرة النبي صلوات الله عليه حباً خالط لحمه ودمه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، وفي قوله :
وأحسن منك لم تر قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عـــــــــــيب كأنك قد خلقت كما تشــاء
***
فكان يقول : ما رأيت شيئاً أملح ولا أصبح من رسول الله حتى لكأن الشمس تجري في وجهه ، وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أنه منّ عليه بصحبة نبيه و اتباع دينه ، الآن أحدنا شعر بهذه النعمة نعمة الهدى أنه مهتد وعرف الله عز وجل ؟ هذه نعمة كبيرة جداً طبعاً إذا كان مستقيماً لا تعدلها نعمة ، هكذا كان يقول : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام .
كنت أقول كلمة : أنا في زماني إذا الإنسان عرف الله وأكل خبزاً يابساً هو الرابح لأن آخرته إلى الجنة وسعيد في الدنيا ، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة إلى الإسلام ، الحمد لله الذي علّم أبا هريرة القرآن ، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أولع أبو هريرة برسول الله صلى الله عليه أولع بالعلم وجعله ديدنه وغاية ما يتمنى . ولعه بالعلم :
بينما أنا وأبو هريرة - حدثنا زيد بن ثابت - وصحاب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره - أجمل لقاء مع أخيك تذكر الله عز وجل ، هل سمعت تفسير آية أو حديثاً شريفاً؟ - ونذكره إذ طلع علينا رسول الله وأقبل نحونا حتى جلس بيننا فسكتنا هيبةً له فقال : " عودوا إلى ما كنتم فيه ، فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل النبي الكريم يؤمن على دعائنا ويقول : آمين ، انظر إلى هذا التواضع ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إني أسألك - حدث سفيان بن عيينة عن صحابي عن رسول الله أنه قال : " من كان فيه خصلتان دخل الجنة أما الخصلة الأولى فقد نسيها سفيان وأما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا " ما فهمنا شيئاً من هذا الحديث ، آفة العلم النسيان - اللهم إني أسألك ما سألك صاحبي وأسألك علماً لا ينسى فقال عليه الصلاة والسلام : آمين ، فقلنا : ونحن نسأل الله علماً لا ينسى ، فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي "، هذه له خاصة .
وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره من ذلك أنه مرّ ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالمدينة ، واستغراقهم بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ، فوقف عليهم وقال : ما أعجزكم يا أهل المدينة ، فقالوا : وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة ، فقال : ميراث رسول الله يقسم وأنتم هنا ، ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم ؟ قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد، فخرجوا سراعاً ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ، فلما رأوه قالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئاً يقسم ، فقال لهم : أو ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام ، قال: ويحكم ذلك ميراث رسول الله .
هذا هو الميراث ؛ اقرأ القرآن وافهمه ، وافهم الفقه ، وتعلم شيئاً عن أسماء الله هذا هو ميراث رسول الله .
معاناته خشونة العيش في بداية حياته :
وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقطاعه لمجالس رسول الله ما لم يعانه أحد من الجوع وخشونة العيش ، الله يمتحن المؤمن لأنه لو يأتيه الخير فوراً مع الإيمان يرى أن هذا شيء مربح ، أي أن الإيمان تجارة ، بعد أن آمنت الغلة جيدة ، لم يبقَ محبة ، صار استثماراً ، الله عز وجل يؤخر الدنيا مع إيمانه لا يوجد شيء يبقى ، لا يسأل عن الدنيا هدفه الله، ولما الله عز وجل يأنس منه أنه صادق بطلبه ، وأن الدنيا ليست همه ولا تعنيه ولا يأسف عليها عندئذ يعطيه الدين والدنيا ، من أحبنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا .
هكذا صار مع سيدنا أبي هريرة ، ولم يمضِ الوقت الكثير حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح ، فصار لأبي هريرة مال ومتاع وزوج وولد ، غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئاً ، ولم ينسه أيامه الخالية ، فكثيراً ما كان يقول : نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لبصرة بنت غزوان - أجيراً بطعام بطني - سمعت بحياتك أرخص من هذا ؟ وجبة طعام ، أنا سمعت في مصر قديماً كان عامل الزراعة يعمل بطعامه ، وما هو طعامه ؟ أن يسمحوا له أن يمص قصب السكر ، ثماني ساعات مقابل أن يسمح له أن يمص قصبة ، فسيدنا أبو هريرة كان يعمل ببطنه فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصير أبا هريرة إماماً .
مرة سيدنا عمر وهو خليفة قال : كنت عميراً فأصبحت عمراً فأصبحت أمير المؤمنين ، فإذا إنسان دخل إلى بيته كان طفلاً والآن صار له بيت ، غرفة ضيوف ، غرفة نوم، الحمد لله ، كان يأتي يضع بمفرده العشاء ويأكل ، أما الآن فعندك امرأة جاهزة لتلبية الطلبات ، هذه نعمة ، شاهد ابنه قال له : اذهب وأحضر لنا خبزاً ، الولد نعمة ، والزوجة نعمة ، والبيت نعمة ، ولك عمل ، تذهب إلى العمل يقولون لك : تفضل أستاذ ويمسح لك الطاولة ، لا تنظر إلى نفسك أنك موظف ولكن انظر إلى فضل الله عليك .
سماحة نفسه و خفة طبعه :
وقد ولي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله ، وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير، هذا البيت دائماً فيه قيام الليل ، هو ثلث وزوجته ثلث وابنته ثلث فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل .
ابنته كانت تقول له : يا أبت إن البنات يعيرنني فيقلن : لم لا يحليك أبيكِ بالذهب؟ فيقول: يا بنيتي قولي لهن : إن أبي يخشى عليّ حر اللهب ، ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته ظناً ، أخياناً الأب يظن أنه إذا بالغ في إغراق ابنته بالحلي والذهب والحواضر كلها من السوق ماذا تفعل البنت ؟ تجلس بين صديقاتها هذا الثوب بألف وثمانمئة ، بابا اشتراه لي ، وتكون إلى جانبها صديقتها يحترق قلبها ، هذه أسوارة والدي اشتراها لي ، ثلاثة أرباع همها أن تفتخر أمام صديقاتها ألا يوجد بينهم واحدة فقيرة يصيبها عقدة ؟ وتصبح البنت تريد مالاً وزوجاً غنياً ، فاسق أو دين مثل بعضها ، أما المؤمنة فتريد زوجاً مؤمناً ولا ترضى بشاب لا يصلي ، أما الآن إذا كان لا يصلي حتى إن كان غير مسلم إذا حالته المادية جيدة فيقبلون به .
أنا سمعت عن إنسان ذهب إلى أمريكا ابنته زوجها لرجل من هناك ، هذا خلاف الشرع ، إنسان مقيم هناك أمريكي يأخذ امرأة مسلمة هذا لا يجوز ، يظهر أن أمواله طائلة وصار إغراء .
بعث إليه مروان بن الحكم مئة دينار ذهباً فلما كان الغد أرسل إليه يقول : إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك فسقط في يدي أبي هريرة ليس لها حل هذه المشكلة ، قال : أخرجتها في سبيل الله ولم يزد عندي منها ديناراً واحداً فإذا خرج عطائي فخذها مني ، وإنما فعل ذلك مروان ليتأكد من مقامه العظيم .
برّه بوالدته :
ظل أبو هريرة ما امتدت به الحياة براً بأمه فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال : السلام عليك يا أمة الله وبركاته ، فتقول : وعليك السلام يا بني ، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ، فتقول : ورحمك الله كما بررتني صغيراً ، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك ، وكان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى بر آبائهم وصلة أرحامهم ، فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسن من الآخر يمشيان معاً فقال لأصغرهما: ما يكون هذا الرجل منك ؟ قال : أبي ، قال : إذاً لا تسمه باسمه ، ولا تمشي أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تستسب له ، إذا الابن عمل مشكلة في الطريق يسبون والده أي استسب لأبيه ، بالمناسبة إذا إنسان معتوه استفزه الناس فسب الدين هل أقول لكم من الذي سبّ الدين ؟ هو الذي استفزه ، هذا ليس مؤاخذاً ، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، وبالمناسبة إذا إنسان سب الدين يخرج من الإسلام تطلق منه زوجته يحتاج إلى تجديد إسلامه وتجديد عقد مع زوجته .
وفاته :
ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى فقيل له ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ فقال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ، إذا كان سيدنا أبو هريرة يبكي لبعد السفر وقلة الزاد ونحن لا نبكي فهذه طمأنينة بلهاء ، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي إما إلى جنة أو إلى النار ، ولا أدري في أيهما أكون ، وقد عاده رضوان بن الحكم فقال له : شفاك الله يا أبا هريرة ، فقال : اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعجل لي فيه ، فما كان يغادر مروان داره حتى فارق الحياة .
رحم الله أبا هريرة رحمةً واسعة فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وستمئة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

السعيد
09-09-2018, 08:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : فضيلة التعليم






فضيلة التعلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، تحدثت عن فضيلة التعلم ، وهذا الفصل من إحياء علوم الدين ، واليوم الحديث عن فضيلة التعليم .
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يظن أنه يتعلم ، أنت مكلف أن تعلم كما أنت مكلف أن تتعلم ، وليس التعليم قاصراً على الدعاء والمرشدين والعلماء ، بل كل من يستمع إلى العلم عليه أن يعلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
جاء أناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتعلموا منه ثم رجعوا إلى قومهم لينذروهم، هذا ينطبق على كل منكم ، جاء إلى مجلس العلم ، ثم عاد إلى البيت ، وله زوجه وله أولاد ، جاءه صديقه ، جاءه أخوه ، جاءه ابن عمه ، جاءه نسيب له ، ذهب إلى عمله ، زميله في العمل ، جاره في العمل ، كل واحدٍ منكم محاط بأربعين أو خمسين إنساناً كل أسبوع ، فإذا حضرت مجلس علم ، وتعلمت شيئاً ؛ حديثاً ، آية ، حقيقة ، فكرة ، وتركت في نفسك أثراً بليغاً ، وحينما عدت إلى البيت نقلتها لزوجتك ، أو لأولادك فأنت ممن تنطبق عليك هذه الآية : ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
والإنذار هنا المقصود به التعليم والإرشاد . قال الله تعالى : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾
[سورة آل عمران : 187]
هذا الميثاق ميثاق التعليم . وقوله تعالى : ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة :146]
إثمهم كبير جداً عند الله ، وهو تحريم الكتمان . وقال تعالى : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة :283]
الآية متعلقة بالشهادة ، والقرآن له خاص وله عام ، الحقيقة من يكتمها فإنه آثم قلبه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
من خشي غير الله فقد رسالته و وجوده :
هناك آية قرآنية استوقفتني كثيراً ، قال تعالى متحدثاً عن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله ، الله سبحانه وتعالى أراد أن يصفهم ، بماذا وصفهم العالم ؟ كم صفة له ؟ ألا يصلي؟ يصلي . ألا يصوم ؟ يصوم . ألا يتقي ؟ يتقي . من الممكن أن تقترح أنت مئة صفة للعالم ، ربنا عز وجل اختار للعلماء صفة واحدة - هو له صفات كثيرة - اختار واحدة لأن هذه الواحدة خطيرة خطيرةْ فإذا توافرت فهو يبلغ رسالات الله ، وإن لم تتوافر فقد هذه الأهلية ، ماذا قال الله عز وجل :
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
لو أن هذا الإنسان الذي يبلغ رسالات الله خشي من جهة غير الله ما النتيجة الحقيقية ؟ أنه سوف يكتم حقيقة لا ترضي هذه الجهة ، ما النتيجة الثانية ؟ أنه سوف يقول قولاً غير صحيح إرضاءً لهذه الجهة فإذا كتمت الحق إرضاء- لمن تخشاه من دون الله - وإذا نطقت بالباطل إرضاءً لمن تخشاه من دون الله ، فهل أنت بعد هذا وذاك تبلغ رسالات الله ؟!
هذه الصفة إذا فقدها العالم فقد رسالته . مثلاً : إذا عطلنا المحرك في السيارة ، فقط المحرك ، لم يبق فائدة في السيارة ، إذا ألغيت المحرك لم يعد اسمها سيارة ، ألغيت وجودها ، إذا عطلت المكبر في المسجلة لم تعد مسجلة ، هي تدور صحيح ولكن لا نسمع الصوت . هناك أشياء أساسية وجوهرية إذا ألغيتها ألغيت الشيء . ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
انظر إلى هذا الوصف ما أجمله ، ربنا كلامه موجز ، كلامه معجز لم يقل : ويصلون . . طبعاً يصلون ويصومون . . طبعاً يصومون ويحجون . . طبعاً يحجون ويتصدقون . . طبعاً يتصدقون ، ولكن : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
بمجرد أن يخشى هذا الذي يبلغ رسالات الله غير الله فقد مهمته ، فقد رسالته ، فقد هويته ، فقد وجوده ، فقد وظيفته ، فقد مبرر وجوده ؛ لأنه سوف يبلغ ما يرضى عنه هذا الذي خشيه من دون الله ، سوف يسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، وسوف ينطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، ولعمري ماذا بقي إذا سكت عن الحق ونطق بالباطل ، ماذا بقي من تأديته لرسالات الله ؟ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة :
وقال تعالى :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[سورة فصلت : 33]
الله عز وجل بهذا التركيب الاستفهامي التقريري ، هذا استفهام تقريري يبين أن أعلى عمل في الأرض أن تدعو إلى الله ، وأن يكون عملك صالحاً ، وباب الدعوة ميسر لكل إنسان ، لو تعلمت حديثاً واحداً وعلمته فأنت من هؤلاء ، لو تعلمت آية واحدة . . لو لم تستطع أن تتعلم وجررت الناس بمالك حتى حضروا مجلس علم فهو في صحيفتك ، فإما أن تعلم مباشرة ، وإما أن تجذب هذا الإنسان لمن يعلمه ، قال تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
قد ترى في سلوك إنسان خمسين مخالفة . . فإذا قلت له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وجد كل حياته حراماً ، يقول : أخي لا أريد هذه الطاعة ، هذه ليست حكمة ، الحكمة أن تعرفه بالله عز وجل .
مرةً سمعت كلمة أعجبتني تُسمى التدخل الإيجابي . مثلاً : الباعة أسعارهم مرتفعة جداً ويوجد غش ، ويوجد احتكار ، فنفتتح محلاً بهذا السوق ، ونعرض فيه بضاعة جيدة ورخيصة ، فنحن لم نضيق على الباعة ، تركناهم يفعلون ما يشاؤون ، ولكننا فتحنا محلاً في نفس السوق ، وبعنا بضاعة رخيصة جداً بأسعار معتدلة ، فالناس تهافتوا علينا وتركوهم ، مما اضطرهم أن يخفضوا أسعارهم . هذا أسلوب راق جداً ، فبدلاً من أسلوب العنف نستعمل أسلوب التدخل الإيجابي . فأنت بدلاً من أن تقول له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وبيعك حرام ، ومحلك أخذته بالحرام ، وبضاعتك بالحرام ، وزوجتك ماشية بالحرام ، وبناتك لا حجاب . . لقد أكثرت عليه الحرام فيئس من الحلال كله . . عرِّفه بالله ، تكلم له عن آيات الله ، علمه الصلاة، ادعه إلى صدقة . إذا تصدق صلى ، فإذا صلى ذاق من طعم الإيمان ، فإذا ذاق من طعم الإيمان هو يسألك أهذه حلال أم حرام ؟ قل له : هذه حرام . . هذه الآية ؟ لا تعطه كلهم دفعة واحدة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
يقولون إن رجلاً فرنسياً أسلم على يد أحد المشايخ في مصر ، قال له : علمني الدين ؟ قال : اجلس عندي درس فقه ، جلس في درسه . . أول يوم أحكام المياه ؛ الماء الطاهر، الطاهر المطهر ، الطاهر غير المطهر ، حكم الوضوء بماء الحمص ، حكم الوضوء بماء العدس ، حكم البئر إذا وقع فيه فأر ، فإذا يلحقها هر فلها حكم آخر ، من دون أن تلحقها قطة فلها حكم ثانٍ يقول : أين الهدى ؟ لا زلنا في الماء ، فأصابه الملل فترك . التقى مع عالم آخر ، قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف :
علمنا الله عز وجل كيف حرم الخمر ، حرمها بالتدريج ، قال تعالى :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[سورة النساء : 43]
وبعد ذلك قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة المائدة : 90]
فكما أن الله سبحانه وتعالى حرم الخمر بالتدريج عليك أن تسلك هذا السبيل الحكيم في تحبيب الناس بالخير ، وتنفيرهم من الشر . لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف .
حينما خرج الدم من يد النبي الكريم لماذا توضأ مرةً ومرةً لم يتوضأ ؟ هناك حكمة ، فإذا كانت كمية الدم كبيرة يتوضأ ، وإذا كانت قليلة لا يتوضأ . أخذ أحد الأئمة أن الدم ينقض الوضوء ، وآخر قال : الدم لا ينقض الوضوء .
لماذا قال رسول الله مرةً : اقرؤوا مع الإمام ومرةً قال : لا تقرؤوا ؟ إذا كان صوت الإمام واضحاً جداً ، وأنت تقف وراءه فتشوش عليه قال : ما لي أنازع القرآن ؟ إذا صفك رقم خمسة عشر ، لست تسمع شيئاً ، أتقف ساكتاً ؟ ما هذه الصلاة ؟ هناك حكمة عندما يعرف الإنسان حكمة كل أمر يقلد .
لك قريب شارب خمر ، وأولاده فقراء ، أتعطيه نقوداً ؟ يشرب بها خمراً ، فأنت تطبق المذهب الشافعي ، تعطيه الزكاة عينية ، تبعث إليه كيس سكر ، أرز ، سمنة ، لكن لك شخص عنده حكمة بالغة ، هو أدرى بالمئة ليرة ، يشتري بها ألبسة لأولاده ، كتب مدرسية ، هو حكيم . الحكيم أعطه نقوداً ، إنسان من الريف تعطيه كيساً من القمح يراه شيئاً ثميناً جداً ، المطحنة جاهزة ، والتنور جاهز ، أعط إنساناً يسكن في الشام كيساً يراه عبئاً عليه ، أين يريد أن يطحنه؟ أين يريد أن يصوله ؟ فهناك حكمة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
تشاجر مع صديقه فحلف بالطلاق ، له زوجة صائمة مصلية محجبة مستقيمة ، آدمية عفيفة ، طاهرة ، خدومة ، متواضعة ، وهي تطبخ طُلقت . . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة . هناك فقهاء قالوا : إذا حلف إنسان بالطلاق ، ولم تكن زوجته طرفاً في الطلاق ، وكان يكره فراقها كما يكره فراق دينه فإن هذا الطلاق لا يقع . منطقي ، حكيم جداً ، لم تكن طرفاً في الموضوع ، ويكره فراقها كما يكره فراق دينه فهذا الطلاق لا يقع . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة .
سألتك امرأة هل هذه الأساور عليها زكاة ، ليس عندها غيرهم ، أنت حنفية ؟ لا ، تقول لها : إن كنت حنفية فعليهم زكاة ، اذهبي وبيعي واحدة وادفعي زكاتهم . . لا ، ممكن أن تقول لها لا يوجد عليهم زكاة ، مادامت لا تملك ثمناً نقدياً آخر هناك مذهب آخر . (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا . . . . ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف . المؤمن الصادق :
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد أنه لما بعث رسول الله معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال :
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
من هو المؤمن ؟ الذي يصدق بهذا الكلام ، هذا كلام رسول الله ، لا ينطق عن الهوى ، ترى علامة المؤمن الصادق أن همه الأكبر هداية الناس ، تراه حريصاً على هدايتهم أكثر من حرصه على عمله ، أو على مستقبله ، أو على مستقبل زواجه ، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ، كل واحد له عند الله مرتبة ، هذه المرتبة بحسب الذين اهتدوا عن طريقه : (( ما أحدث رجل أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة ))
[ كنز العمال عن أنس]
اهتدى على يديك إنسان فأنت مرتبتك واحد ، اثنان اثنان ، إلى أن يقول الله عز وجل عن سيدنا إبراهيم : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة النجل : 120]
أي اهتدت أمة ، أما سيدنا رسول الله فجميع الأمم عن طريقه . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 107]
فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، فإذا ساهمت بهداية إنسان ، وهذا الإنسان صار عالماً ، واهتدى على يديه مليون ، المليون لك وله ، حسنات الله عجيبة جداً ، المليون بصحيفته وبصحيفة من علمه أنت من غير أن ينقص من أجره شيئاً . فلما يوقن الإنسان أن هداية الأشخاص أغلى عمل في الأرض هذه صنعة الأنبياء ، قد يعطي الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، ولكن هذه الصنعة لا يسلمها إلا لمن يحب . ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه : 41]
ما معنى واصطنعتك لنفسي ؟ أنت لي ، أنت داع إلي . فالسيدة عائشة تحدث الناس عنها أنها زانية ، وهي بقية طاهرة ، لماذا سمح الله لهم أن يفعلوا ذلك ؟ قد جعلها الله أسوة لكل امرأة ، لآخر الزمان ، يتكلم الناس عنها ظلماً وهي بريئة فلها أسوة بالسيدة عائشة كأن السيدة عائشة كانت كبش الفداء ، فالله عز وجل اصطنعها لنفسه . فأجرى هذه القصة تعليماً لنا، فليس كل شيء يُقال صحيحاً . . طاهرة نقية ، حصينة ، حصان ، رزان ، شريفة ، مقربة ، وهكذا تحدث الناس ، فأية امرأة مسلمة مؤمنة لغط الناس بها ، فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة لأن الله اصطنعها لنفسه . فكل إنسان داعية قد يكون فقيراً ، لماذا فقير ؟ حتى إذا كان طالب علم فقيراً لا يأخذ على خاطره ، قد يكون هذا الداعية مريضاً ، إذا إنسان أحب الله أن يعالجه بالمرض ، هذا فلان كان مريضاً . سيدنا رسول الله جاءه جبريل قال له : أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره .
دخل عدي بن حاتم إلى بيته ، قال : فتناول وسادة من أدم محشوةً ليفاً قال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت . قال : بل أنت . وجلست عليها وجلس هو على الأرض . . كيف رسول الله وهو سيد العالمين ليس عنده إلا وسادة واحدة في بيته ، ما هذا البيت ؟ عندما كان يصلي قيام الليل ترفع السيدة عائشة رجليها كي يسجد ، ألهذه الدرجة كانت الغرفة ضيقة ؟ هذه غرفته ، وهذا أثاث بيته الفخم ، وهذه الثريات سراج ، والسجاد جلد غزال . .
دخل سيدنا عمر على رسول الله فرآه نائماً على حصير ، وقد أثر على خده الشريف فبكى ، قال له : يا عمر لمَ تبكي ؟ قال : رسول الله ينام على حصير ، وكسرى ملك الفرس الكافر ، عابد النار ، الظالم ينام على حرير ؟ قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً . وهناك قولاً آخر : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة .
إذاً . . ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
إن صدقتم بهذا الحديث فانطلقوا إلى هداية الناس ، وكلما تهدي واحداً لك عند الله درجة . من كتم علمه ألجم بلجام من نار :
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود :
(( من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقاً))
[رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود]
وقال عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - هكذا تروي الكتب - من علم وعمل وعلم ـ يوجد آية قرآنية بهذا المعنى ؟ . . ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر : 1-3 ]
إذا كانت حياة الإنسان خالية من إيمان ، وتطبيق ، وتعليم ، وصبر فهو خسران .. أخي معه ثلاثة آلاف مليون ، خسران .
وعمل وعلم ، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السموات .
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس بسند ضعيف : (( إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة ، فيقول العلماء : بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا))
[ أخرجه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف]
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر ، والحديث متفق عليه : (( إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهبوا بذهاب العلماء ، فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالاً إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون ))
[متفق عليه عن ابن عمر ]
العلم يُنتزع انتزاعاً بقبض العلماء . وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وهو حديث حسن : (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
الحكم يعرفه ، ولكن لم يتكلم لمصلحة ، له شريك يربح منه كثيراً وقع شريكه بمخالفة فإذا نصحه بتلك المخالفة سيتشاجران معاً ، يقول له : نفك الشركة بيننا ، فيقول لنفسه : اسكت يا ولد أنت تربح منه . تعلم علماً وكتم هذا العلم من أجل مصلحة مادية ، ألجمه الله بلجام من نار .
قلت لكم مرة : إنسان يصلي في أول صف ، كل صلاة في وقتها ، له محل تجاري وله مطعم يباع فيه الخمر ، قلنا له فقال : إن شاء الله برقبة شريكي ، أنا ليس لي دخل ، أنا إلى المطعم لا أذهب أبداً ، فقط آخذ الأرباح آخر السنة ، في رقبته إن شاء الله . لا في رقبة الشريكين معاً ، إذا قال له : لا يجوز ، يجوز ، هذا ليس عملك إن لم يعجبك ذلك انسحب ، هناك ربح جيد كيف ينسحب؟؟!! (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
النصيحة و التشهير :
وقال صلى الله عليه وسلم :
((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
فعلامة المؤمنين يتناصحون ، إذا رأى الأخ على أخيه غلطاً ، لكن الفرق بين النصيحة والتشهير ، النصيحة بينك وبينه ، التشهير أمام ملأ ، أمام الملأ لا يرضى منك ، يعارض ، أحياناً لا يكون منطقياً ، أحياناً يركب رأسه ، أحياناً يتعنت ، أحياناً يتشدد لا يتراجع ، لأنك أردت أن تشهر به ، عندئذ لا ينصاع لك ، إن كنت مخلصاً في نصيحتك انصحه على انفراد ، بشكل لطيف .
سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما حينما رأوا رجلاً كبيراً في السن يتوضأ بشكل غير صحيح ، فتوضؤوا أمامه وسألوه : نحن قد اختلفنا بموضوع في الوضوء ، فاحكم بيننا يا عم وتوضؤوا أمامه ، قال : المخطئ أنا وليس أنتما . أي هذا أسلوب من أساليب تصحيح الأغلاط بشكل لطيف ، فالإنسان إذا أراد أن يتناصح يجب أن يكون ذكياً بالتناصح ، إنسان غلط أمام سيدنا رسول الله باللغة - إذا أخطأت أمام نحوي أو لغوي يقيم القيامة عليك يقول لك : أعد ، أعد . . – فقال : " أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ " يا ترى تصليح الغلطة وجرحه أفضل من تركها إلى آخر المجلس وتنبيهه لها تنبيهاً لطيفاً ؟ المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم .
إذاً : ((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه))
[الترمذي عن أبي هريرة]
ذكر الله وما يتصل به . النبي الكريم يعلّم الناس كيف يرحمون الحيوان :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
لأن معلم الناس الخير يعلمهم كيف يعاملون الحيوان ، فإذا رحم الإنسان الحيوان ففي صحيفة من دله على ذلك .
حدثني شخص أنه ذبح شاة أمام أختها ، قال : والله لأول مرة في حياتي أرى شاة تبكي خوفاً ، النبي الكريم أدرك ذلك ، لما رأى شخصاً يذبح شاةً أمام أختها غضب عليه الصلاة والسلام وقال : " أتريد أن تميتها مرتين ، هلا حجبتها عن أختها " كان عليه الصلاة والسلام رحيماً . . ولما دخل إلى بستان ورأى جملاً فلما اقترب منه حن - معنى حن هطلت دموعه- تقدم النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفري الجمل وقال : " من صاحب هذا الجمل ؟ قالوا : فتى من الأنصار ، قال : ائتوني به ؟ جاؤوا به فقال : يا فتى ألا تخشى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها ؟ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه "
فالذي يحمل مفكاً ينعر به الدابة من أجل أن تمشي ، تراها مجروحة ، هذه بهيمة في خدمتك ، فكم من مركوبة خير من راكبها عند الله .
النبي الكريم بلغه عن رجل خان صديقه أثناء السفر أو الجهاد والكلب قتله ، قال : " خان صاحبه ، والكلب قتله ، والكلب خير منه " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
[سورة البينة : 6]
طبعاً . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة : 6]
على طالب العلم أن يعقل ما يقال ليبلغه لغيره :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ))
[جامع بيان العلم وفضله لابت عبد البر عن محمد بن المنكدر]
لذلك طالب العلم همه الأول يعقل هذا الذي يقال ؛ تفسير آية ، تفسير حديث ، حقيقة ، آية كونية ، إذا عقلها وبلغها لأخيه المؤمن يسعد ويسعد .
وهناك حديث رواه أبو هريرة قال : (( كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ))
[ ابن المبارك عن أبي هريرة]
و: (( رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَأَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ وَالآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ ، فَقَالَ : كِلا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ ، إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيَعْلَمُونَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا))
[ مسند البزار عن عبد الله بن عمرو]
أي يقلدون النبي صلى الله عليه وسلم في صنعته : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار عن أبي هريرة ]
الحسد و الغبطة :
الدرس اليوم كله على التعليم ، وكل واحد منكم يجب أن يعلم ، يجب أن يعمل قائمة؛ فلان اهتدى على يدي ، وفلان وفلان ، إذا واحد أحسن من الدنيا وما فيها ، فكيف باثنين أو ثلاثة ؟ إذا إنسان لم يعرف الله عز وجل وصار عنده أموال تعادل ملء الأرض ذهباً . . لو أنه يملك ذهباً ملء الأرض ، وأراد أن يدفع هذا المال كله ليفتدي نفسه من عذاب الله لا يُقبل منه ذلك ، وهداية رجل واحد خير لك من الدنيا وما فيها . والحديث المعروف المشهور :
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
هذه أعمال مستمرة ، غير منقطعة . ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ . . .))
[البخاري عن أبي هريرة]
إذا حسدت إنساناً على بناء ضخم فهذا حسد غير ذكي ، حسد غبي ، لأن هذا البناء سوف يغادره إلى مثواه الأخير ، إن حسدته على ماله فهذا حسد غير ذكي ، لأنه لن يأخذ معه إلا أمتار من الخام الأسمر ، وقطن فقط ، إذا حسدته على زوجته سوف يتركها ، إذا حسدته على أولاده فسوف يتركهم ، أو قد لا ينفعونه ، أما إذا حسدته على علم فمعك حق ، إذا حسدته على مال ينفقه في طاعة الله فمعك حق . لكن نحن نسمي الحسد في العلم وفي المال الذي ينفقه صاحبه في طاعة الله غبطة ، هناك أناس يقولون : أنا حاسدك على هذه الدعوة إلى الله . لا تقل له : أنا حاسدك ، بل قل : أنا أغبطك . دقة العبارة جميلة ، في الخيرات غبطة وفي غير الخير حسد .
هناك بيت شعر مكتوب : ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
***
أي عطاء الله بلا سبب ، أنا عدلت تعديلاً طفيفاً : ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
***
لأن عطاء الله بالعدل ، وهناك أسباب . الله يعطي من يشاء فقف على حد الأدب
***
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ : رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ, فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ, والنَّهارِ, فَسمِعَهُ جَارٌ له ، فقال : لَيْتَني أُوِتيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ : فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعمَلُ ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالاً, فهو يُنفِقُهُ في حَقَّهِ ، فقال رجل : لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعمَلُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
علم يعلمه ، المال ينفقه في طاعة الله ، هؤلاء الشخصان يُحسدان وما سوى ذلك حسد غبي ، الحاسد جاهل ، والمحسود أجهل . من تعلّم وطبق السنة صار له وجهة إلى الله عز وجل :
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث حسن :
(( على خلفائي رحمة الله قيل : ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ، يحيون سنتي - وفي رواية - عند فساد أمتي))
[جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر عن سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبَّقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أخي مرحبا ، قل له : السلام عليكم ، والله أجمل ، السلام عليكم سلام الإسلام ، السلام من أسماء الله عز وجل ، العلم السنة ، المصافحة سنة ، ألا تأكل متكئاً سنة ، هذه مائدة الله عز وجل ، فالإنسان إذا تعلم وطبق السنة يصير له وجهة إلى الله عز وجل ، يسعد ويسعد. أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ما يقول ثم يتكلم :
الآثار انتهينا من الأحاديث ، بدأنا بالآيات ، ثنينا بالأحاديث ، والآن الآثار .
قال عمر رضي الله عنه : " من حدث حديثاً فعمل به فله مثل أجر من عمل ذلك العمل "
لذلك أقول دائماً أربعة أدعية أدعيها يقشعر منها جلدي : " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني" . . والله مصيبة يتعلم حديثاً ويطبقه ويسعد فيه وأنت متعلم نصه ولفظه وروايته ولست مطبقه فتشقى به ، هذه أكبر خسارة .
من أندم الناس ؟ قيل : من دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار ، روى لنا النبي الكريم عن أهوال يوم القيامة ، أنهم يشاهدون رجلاً انفتح بطنه واندلقت أمعاؤه من بطنه، وهو يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، إذا إنسان ضُرب ضربة قوية يدوخ .
((يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، وأمعاؤه اندلقت من أقتابه))
[أحمد عن أسامة بن زيد ]
فلان ، هو بذاته ، هذا كان عالماً في الدنيا يسألونه ألست أنت فلان ؟ يقول : نعم ، ألم تكن تأمرنا بالخير ؟ قال : نعم ، ألم تكن تنهانا عن الشر ؟ قال : نعم ، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال : كنت آمركم بالخير ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشر وآتيه . فلذلك أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ثم يتكلم ، إذا طبق وتكلم يؤثر .
رجل عالم عنده عبد ، له تلميذ غني ، مرة هذا العالم زار تلميذه ، هذا التلميذ رحب به ترحيباً منقطع النظير ، صنع له طعاماً اعتنى به ، والعبد يرى تأثير هذا الشيخ على تلميذه ، قال لنفسه : إذا كلمت الشيخ حتى يعتقني فسوف يعتقني ، بعد أن انتهت الزيارة قال له : لو أمرت سيدي أن يعتقني . قال له العالم : خيراً إن شاء الله ، فتوقع أنه سوف يعتقه في اليوم الثاني فمر يوم و اثنان و ثلاثة ، ثم أسبوع وأسبوعان وثلاثة ، وشهر وشهران وثلاثة ، لا حس ولا إنس ، يا ترى ماذا قال له ؟ قال له ؟ لمَ لم يقل له ؟ إذا قال له لمَ لم يطبق ؟ صار هناك سؤال وجواب ، ثم دعاه مرةً ثانية ، وأيضاً أكرمه إكراماً منقطع النظير ، ثم قال له : سيدي أكلمته حتى يعتقني ؟ فقال له : إن شاء الله يصير خيراً . أيضاً مضى أسبوع وأسبوعان ، وشهر وشهران ، لا حس ولا إنس ، ثم عزمه ثالثة ، فقال له : قال : إن شاء الله يصير خيراً . أعطاها نبرة جادة .
بعد عدة أيام استدعاه سيده فقال له : أنت حر لوجه الله ، لكن هذا العبد قد تألم ، قال : إذا كانت تحل بكلمة من هذا العالم فلماذا تأخر إلى الآن رجوته منذ سنة . التقى بالرجل العالم وسأله ، قال : يا بني أنت أتعبتني كثيراً ، اقتصدنا من مصروفنا مبالغ حتى أعتقنا عبداً بعد أن أعتقت عبداً أمرت سيدك فأعتقك . هكذا كان العلماء قديماً . . العدل حسن لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن .
فالورع حسن ، لكن في العلماء أحسن . قال له : أتعبتنا حتى وفرنا من مصروفنا ، وأعتقنا عبداً ، لما أمرنا سيدك بإعتاقك فنفذ فوراً . لذلك قال الله عز وجل : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت : 33 ]
كل إنسان يتفلسف أما الذي يؤثر كلامه في الناس فهو الذي يطبق .
عندما تعامل الإنسان معاملة إسلامية ثم تنصحه نصيحة يخضع لك ، ويحترمك ويصغي لك ، إذا رأى المعاملة ليس كما يجب ، معاملة مصلحية ، أما الكلام لطيف فقال : " خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، فبي حلفت ، أعلي يجترؤون أم بي يغترون ؟ والله لألبسنهم فتنة تدع الحليم حيراناً" . كلام حلو كثيراً ، تطبيق لا يوجد . من حدث حديثاً فعمل به فله أجر مثل ذلك العمل : (( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
تدخل العالم بين الله و خلقه :
وقال بعض العلماء : " العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه "
فعلاً كلما عرضت قضية عليه ، فالقضية معاملة الله للعبد ، يتدخل ويقول له : الله يريد بك خيراً ، هذه القضية لمصلحتك ، من أجل أنْ تصبر ، من أجل أن يرقى بك ، من أجل أن يرفع درجتك ، من أجل ، من أجل . . كالذي يدخل بين الأم وابنها ، يقول : إياك أن تغلط الأم لا يوجد مثلها ، كل أعمالها من أجل مصلحتك ، لو أنك حزنت منها ولكنها لمصلحتك ، أنت تتدخل بين الأم وابنها ، أنت تفهم الابن مقام الابن . فالعالم يتدخل فيما بين الله وخلقه . فلينظر كيف يدخل . . ويكون تدخله إيجابياً ، ألم يقل سيدنا موسى : " اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك ، ولكن كيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي "
شعور المعلم عند سؤال المتعلم :
سفيان الثوري - رحمه الله - قدم عسقلان فمكث فيها لا يسأله إنسان فقال : " إني مزمع أن أخرج من هذا البلد ، هذا بلد يموت فيه العلم "
أحياناً أسأل الطلاب سؤالاً ، هل هناك سؤال ؟ لا أحد يجيب ، أقول لهم : هذا السكوت أول تفسير هو حسن ظني بكم ، أنكم فاهمون تماماً ولا يوجد قضية غامضة ، والتفسير الثاني : الحياء ، والحياء خلق عال ، والتفسير الثالث عدم المبالاة ، الموضوع كله خارج اهتمامنا . فالإنسان لا يسأل إما عن فهم ، وإما عن حياء ، وإما عن عدم مبالاة . الشيء الخطير الثالثة ، يعيش بدوامة ثانية .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه . .))
[ الترمذي عن أنس]
شخص أوقف شخصاً و بدأ بآية ، قال له : والله مستعجل ، عندي موعد فلا تؤاخذني ، والله كلامك حلو ولكني مرتبط بموعد ، قال له : أراك تعرج ، قال : نعم والله ، قال : يوجد لهذا دواء ، قال : أطلت الحديث معه ، نصف ساعة أوقفته من أجل رجله ، من أجل تفسير آية عنده موعد ، مستعجل ، الحجاج ماشي في الطريق ، رأى بائع قدور يصلي قاعداً ، وقف عنده قال : أريد هذا القدر ، وضع سلماً وصعد إليه ، فقال : ليس هذا الذي بجانبه ، فصعد إلى جانبه . . قال : من أجل بيع وشراء يصعد وينزل مئة مرة . ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء :142 ]
بزمانك رأيت إنساناً يعد نقوداً ينام – خمسمئات مثلاً – لا ، يبقى صاحياً . أحياناً الإنسان يشرد في الصلاة .
قال عطاء رضي الله عنه : دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ قال : لا أحد يسألني عن شيء ، ما هذا البلد ؟ إذا سأل أحدهم ينتعش المسؤول ، هناك إنسان مهتم ، هذه القضية تشغل باله ، خائف أن يكون قد وقع بالحرام ، عنده ورع ، عنده اهتمام، فالسؤال له فائدة غير مباشرة ، وهو شعور المعلم أن المتعلم مهتم . وقال بعضهم : " العلماء سرج الأزمنة ، كل واحد مصباح زمانه ، يستضيء به أهل عصره " أهمية العلم و العلماء :
وقال الحسن رحمه الله : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " ، أي أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حدّ البهيمية إلى حدّ الإنسانية ، البهيمية طعام وشراب وعمل واستراحة وملذات ، انظر حياة معظم الناس ، ماذا يوجد فيها ؟ أكلنا ، وشربنا ، ونمنا ، وسهرنا ، وضحكنا ، ولعبنا ، وتنزهنا ، يذهب الصيف ويأتي الشتاء ثم الربيع والخريف ، نفس الوتيرة . حديثه عن الطعام ، أو النساء ، الأكل أو النساء ، طعام وشراب ونوم وراحة وترتيبات وتزيينات وحفلات وانتهى كل شيء ، والآخرة خارج اهتمامهم .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
وقال عكرمة : " إن لهذا العلم ثمناً ، قيل : وما هو ؟ قال : أن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه" . وقال يحيى بن معاذ : " العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم " كيف ؟ نأخذ مثلاً رسول الله ، رسول الله أرحم بالخلق من أنفسهم بأنفسهم ، واحدنا همه دنياه ، أما النبي الكريمة فهمه آخرتك ، الدنيا زائلة ، أما البطولة فبالآخرة ، لذلك من يقوم مقام الأنبياء هؤلاء حريصون على الناس أشد من حرص الناس على أنفسهم . قال : وكيف ؟ قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا .
إذا أحدهم اقترب ابنه من مدفأة تراه يقفز قفزاً ، يقول : سيحرق يده . . كيف تغريه بمعصية ؟ ترسله إلى دولة أجنبية لوحده يسكن مع أسرة يبقى فيها أربعة أسابيع أو خمسة حتى يتعلم اللغة . هذه الأسرة قد يكون فيها زنا ، أسرة كافرة ، هذا شيء غير معقول ، تخاف عليه من نار الدنيا ألا تخاف عليه من نار الآخرة ؟
قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا ، وهم يحفظونهم – أي العلماء- من نار الآخرة .
وقيل : " أول العلم صمت ، ثم استماع ، ثم حفظ ، ثم عمل ، ثم نشر " صمت ، استماع ، حفظ ، عمل ، نشر .
وقيل : " علم علمك من يجهل ، وتعلم ممن يعلم ما تجهل ، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت ، وحفظت ما علمت "
وقال معاذ بن جبل في حديث مرفوع : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والمصبر على السراء والضراء ، والوزير عند الأخلاء ، والقريب عند القرباء ، ومنار سبيل الجنة ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وسادة ، هداة يُقتدى بهم ، أدلةً في الخير ، تُقتص آثارهم ، وترمق أفعالهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وكل رطب ويابس يستغفر لهم ، حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع البحر وأنعامه ، والسماء ونجومها ، وأن العلم حياة القلوب من العمى ، ونور الأبصار من الظلم ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ به العبد منازل الأبرار ، والدرجات العلى ، والتفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يُطاع الله عز وجل ، وبه يُعبد ، وبه يُحمد ، وبه يُمجد ، وبه يُتورع ، وبه تُوصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، وهو إمام والعمل تابعه يُلهمه السعداء ، ويحرمه الأشقياء ، ونسأل الله تعالى حسن التوفيق " من أحبّ العاجلة و كره الآجلة حظر الله عنه العلم و الأدب :
و :
(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
[ذكره ابن النجار في تاريخه وكذا القضاعي في الشهاب عن أبي هريرة ، وذكر في الميزان أنه خبر باطل وأعاده في ترجمة أحمد بن محمد الدمشقي وقال له مناكير وبواطيل ثم ساق منها هذا وقال بعض الشراح الشهاب غريب جداً]
معنى استرذله : رآه رجلاً سخيفاً ، شهوانياً ، دنيوياً ، يحب العاجلة ، يكره الآجلة ، يحب مصلحته وشهواته ، يكره الحق ، إن رآه كذلك قال له : هذه المجالس ليست لك ، دعك عنها ، أنت مشغول ، أنت عندك عمل لأنصاف الليالي هنا عمل عبادة ، أحياناً يتوهم ويقول : العمل عبادة أيضاً ابق لأنصاف الليالي بالعمل ، واترك أولادك ، ولا تهذب نفسك ، والموت يأتي فجأة . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
فإذا سمح الله لرجل أن يحضر مجلس علم ففيه خير ، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ، إذا الإنسان حاجز محلاً في جامع فلا يفرط به ، إذا لم يأتِ عدة مرات يتراكم على قلبه الران ، ثم يقطعه نهائياً ، قليل من الإهمال ، أخي والله لا يوجد انشراح ، يضيق الله صدره. ما معنى حظر عليه العلم والأدب ؟ يضيق الله صدره من العلم ، بالأسواق يستأنس ، بالحديث عن الدنيا يطرب ، طليق اللسان ، يحدثك إلى الواحدة ليلاً ، فإذا تحدثت إليه عن الآخرة يتثاءب، يقول : تأخرنا اسمح لنا بالخروج . هذه قاعدة : المؤمن مهما حدثته عن الله عز وجل يبقى سعيداً ومسروراً . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم :
أنا لي عندكم نصيحة ، احضر مجلس العلم في كل أحوالك ، أخي البارحة ما رأيناك ؟ نعم والله كنت متضايقاً ، بالعكس أخي ألا تريد أن تأخذ الدواء ، عندما أشفى آخذه ، ما هذا الكلام ؟ يجب أن تأخذه حتى تشفى ، الدواء للشفاء ، إذا شفيت لا تحتاج إلى دواء .
أخي إذا كنت متضايقاً لا آتي إلى المجلس ، لا بالعكس ، إذا كنت متضايقاً تعال ، إذا كنت متضايقاً تسر هنا ، يذهب عنك الضيق ، متشائم يذهب عنك التشاؤم ، خائف يذهب عنك الخوف ، فهذا المجيء حتمي ، طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم .
أي بكل أحوالك ؛ معكر تعال ، مشغول تعال ، وقعت بمخالفة ، خجلان من ربك تعال ، أنت داخل إلى بيته يضيفك .
" إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر"
أخي أنا وقعت بمخالفة ، صافحت اليوم فأنا أستحي من الله لا أريد أن آتي إلى الدرس . بالعكس ، ادفع صدقة وادخل إلى بيته تائباً على نية أن يضيفك في هذا الدرس ، ماذا يضيفك ؟ العفو عنك ، أو المجاوزة ، احتمال أن تدخل إلى الدرس تبكي قليلاً فترى أن قلبك انجلى " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " اجعل الدرس فوق كل أشغالك ، أي هذا الدرس من فضل الله مخصص للتحدث عن نعمه ، هذه السنة العاشرة أدرسها من فضل الله ما غبت درساً ، من فضل الله عز وجل أنه أكرمني لأني حريص على طلب الخير ، وأنتم أيضاً احرصوا على الدوام ، الثبات نبات ، اليوم تأثرت ، اليوم الثاني صفت نفسك ، الثالث تخلصت من ذنب كان جاثماً على صدرك ، إذا ثبت ستتجه نحو الأحسن ، ما من إنسان ثبت على حضور مجلس إلا و تطور ، الإنسان له أذن تسمع ، هذا حرام وهذا حلال ، هكذا طريق السعادة وهكذا طريق الشقاء ، سوف يطبق بعد ذلك ، إذا مضى فترة طويلة وتخلصت من كل مخالفتاك البيتية ، أنا سأتحمل سنة لأن الأمر يحتاج إلى نفس طويل ، أما إذا الإنسان أسرع فأفضل ، من يؤكد له أن الموت بعيد قد يكون قريباً .
إنسان توفي أخوه وترك له عشرة أولاد ، صار يبكي ، له شيخ ذهب إليه قال : لم تبك يا بني ؟ قال : أخي ترك لي عشرة أولاد وما خلف شيئاً ؟ ثم قال : ترك شيئاً يكفيهم سنة قال : جيد ، عندما تمضي السنة ابدأ بالبكاء ، مات قبل السنة ، من عنده ضمان أن يعيش لبعد ساعة ، فالإنسان يتوب .
(( بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غناً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
اًتوبوا إلى الله ، فإذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحة فكأن جبل أزيح عن كاهله ، استراح ، لذلك توبوا إلى الله توبةً نصوحة : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

السعيد
09-09-2018, 08:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : اداب المتعلم وصفاتة





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
آداب المتعلم :
1 ـ تطهير القلب :
درسنا اليوم في عرض وشرح بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين ، ونحن في باب العلم ، تحدثنا عن فضيلة العلم ، وعن فضل العلم ، وعن فضل التعلُّم ، وعن فضل التعليم في الدروس الثلاثة السابقة . وفي الدرس الماضي تحدثنا عن آداب المتعلِّم ، وكان أول هذه الآداب تطهير القلب .
والأدب الثاني ، وقبل أن ننتقل إلى الأدب الثاني من آداب المتعلِّم يقول الغزالي : " إني أرى جماعةً من العلماء الفقهاء المحققين برزوا في الفروع والأصول - أي في فروع الفقه وفي أصوله - وعدّوا من جملة الفحول ، وأخلاقهم ذميمة لم يتطهَّروا منها ، فيقال : إذا عرفت مراتب العلوم ، وعرفت علم الآخرة ، استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء من حيث كونه علماً ، وأما غناؤه من حيث كونه عملاً لله تعالى إذا قُصد به التقرُّب إلى الله تعالى ، لقد سبقت إلى هذا إشارة ، وسيأتيك فيه مزيدٌ وبيانٌ ، وإيضاحٌ إن شاء الله تعالى " هذا رأيٌ صائب ، لو أن الإنسان تعمَّق في الأصول والفروع ، وبرَّز فيها يعد عند الناس من جملة الفحول ، ولم يطهر قلبه من الأخلاق الذميمة ؛ من الحسد ، والعُجب ، والكبر ، والاستعلاء ، وتضخم الذَّات ، إن هذا الذي حصَّل تلك الفروع ، وهاتيك الأصول ، وبرع فيها وتعمق ، ووصل إلى أدق الجزئيات، وحفظ ، واستعلى ، ولم ينظر إلى قلبه ليطهره ، إن هذا لا ينفعه شيء في الآخرة ، كما لو أن إنساناً اختصَّ في اختصاصٍ معيَّن وبرع فيه ، اختص في الطب مثلاً ، في الحقوق ، في الآداب ، وصار له مؤلَّفات كبيرة جداً ، وصار اسمه شائعاً على الألسن ، ولم يطهر قلبه ، ولم يعرف ربه ، فإن هذا كله لا يجديه شيئاً .
إذاً هذا العلم الشريف يحتاج إلى تطهير قلب حتى يغدو شريفاً .
2 ـ أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا :
الوظيفة الثانية : يقول الإمام الغزالي : " أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا "
العارفون بالله لهم عبارات ثابتة : " العلائق عوائق " . أي إنسان لا يوجد عنده وقت ، داخل في خمسين مشروعاً ، وعنده خمس أو ست شركات ، ومشغول من الصباح إلى المساء لو كان هذا الإنسان طيباً ، لو كان فيه خير ، لو كان عنده استعداد ، لكن لا يوجد لديه وقت . الآن إذا إنسان أراد أن يصبح طبيباً غير معقول أن يكون موظَّفاً ، إذا كان موظفاً دوانه من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية والنصف ، فيصل إلى البيت الساعة الثالثة والنصف منته، يريد أن يأكل للرابعة والنصف ، يرتاح ساعتين ، انتهى النهار ، لو عنده رغبة جامحة أن يكون طبيباً ، هذه تحتاج إلى وقت ، و إلى أن يكون مثقَّفاً ثقافة عالية . فما لم يكن هناك وقت فراغٍ كافٍ لطلب العلم فالأمر مستحيل ، إذاً نحتاج إلى وقت فراغ .
وعندما يقتطع الإنسان من أثمن أوقاته وقتاً ليتعرَّف في هذا الوقت إلى الله عزَّ وجل لم يضع عليه شيءٌ في الدنيا ، هنا البطولة ، هنا يختلف المؤمن بالله عن المعتقد ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيع هذا الوقت في طلب العلم ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يمضي ساعتين في أيام المواسم ، يقول لك : بيع مثل النار ، أنا الآن أحتاج لساعة كي أصل ، والدرس ساعة ، وساعة لأرجع ، أكون بعت بخمسة آلاف ليرة في هذا الوقت . المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيِّع وقتاً من أوقاته في طلب العلم ، لكن المؤمن إيماناً صحيحاً يرى أن العبد إذا ضيَّع من وقته ، أو إذا استهلك من وقته وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يعطيه الدنيا قبل الآخرة :
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
صاحب محل تجاري ، وفي منطقة حساسة ، وعليه إقبال شديد ، الظاهر أن صديقاً له قال له : ألا تحج يا رجل ؟ قال له : والله لا أستطيع أن أحج ، إذا حججت سيذهب كل زبائني ، لا أستطيع أن أغلق أربعين يوماً ، بلغني أن هذا الإنسان أصابه مرض عُضال ألزمه الفراش أربعة أشهر في البيت ، لهذه الكلمة التي قالها ، لا تستطيع أن تحج لكي لا يخف دخلك؟ أربعة أشهر ابتلاه الله بمرضٍ وهو يعلم أن فيه خيراً لعله يصحو . لذلك العلائق عوائق .
أول شيء ، طبعاً هذا الأدب له شطرين ، أول شطر تحتاج إلى وقت فراغ ، الشطر الثاني تحتاج إلى صفاء نفسي يعينك على فهم الحق ، لو إنسان مخاطر مخاطرات كثيرة في أعماله الشخصية ، ودائماً تحت ضغط أو قلق معيَّن ، هذا القلق المستمر ، وهذا الخوف ، وهذه المخاطرات لا تسمح له أن يستوعب العلم ، ولا تسمح له أن يتمثَّل العلم ، ولا تسمح له أن يتعمَّق في العلم . من يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله فالله يحفظه و يوفقه :
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : " والله لو كُلفت شراء بصلة ما تعلمت مسألة " . القصة أنه عندما توقن أنه يوجد إله رزاق ، وأنت الآن ستلتفت لمعرفته من أجل أن تنجو من عذابه يوم القيامة ، من أجل أن تسكن في جنةٍ عرضها السموات والأرض ، إذا كنت هكذا تفعل ، فإن الله سبحانه وتعالى سيرزقك أضعاف ما يرزق هذا الذي انقطع إلى الدنيا ، هذه البطولة ، هذا لا يعرفه إلا المؤمن ، أي أنه لا يضيع عليك شيء ، اجعل هذا الكلام في ذهنك:
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
أي إذا أنت استهلكت ساعة زمان لمعرفة الله ، يمكن أن يوفر الله عليك عشرات الساعات ، يمكن أن يُعطَّل شيء بآلة من آلات عملك تكلفك ثمانين ساعة ، لا يوجد من قطعها تذهب إلى بيروت ، تذهب إلى الأردن ، تذهب إلى هنا و هناك و لا يتجد ، يذهب وقتك ، وجهدك ، وأموالك ، وتستهلك زمناً طويلاً ، فلو أنت بذلت من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، لا يضيع عليك شيء .
حتى أن بعض الفقهاء قال : " حضور مجالس العلم زكاةٌ للوقت " . إذا إنسان ابنه شرب دواء لا يأخذه إلا الكبار ، أخذه على مشفى الأطفال ، يحتاج إلى خمس أو ست ساعات مرافقة معه ، يقول لك : من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية مساء حتى انتهينا ، غسيل معدة وما شاكل ذلك ، خمس ساعات ، أي أن الله عزَّ وجل قادر بكل ثانية أن يُذهب لك مئة ساعة من وقتك ، مع الألم ، والانزعاج ، ودفع المال ، والترجي ، وبذل ماء الوجه ، فعندما يقتطع الإنسان من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل . . ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور : 48 ]
أنت الآن بأعيننا ، فإنك بحفظنا وتوفيقنا . . ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
بهذا الموضوع القصص أكثر من أن تُحصى ، إذاً العلائق عوائق ، معنى العلائق عوائق أي تحتاج .. ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
إلى وقت فراغ ، وتحتاج إلى صفاء ، الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، الكلام دقيق جداً ، لم يقل : خيرٌ من التجارة بل خيرٌ من بعض التجارة ، أي أن التجارة فيها قلق شديد ، فيها خوف ، فيها مخاطر ، والله إذا ضغط الإنسان مصروفه بحيث لا يضطر إلى هذه المخاطر ، وصار عنده صفاء ، فإذا قرأت قرآناً صباحاً ، واستوعبت على الله عزَّ وجل كلامه ، بسبب أنك صافي النفس ، والله هذا الصفاء لا يقدَّر بثمن ، كله ماض . . (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
وما سوى ذلك ليس لك ، الذي لك المستهلكات ، أما الأرصدة فليست لك ، المستهلكات لك واستهلكتها ، والأرصدة ليست لك لكنك سوف تحاسب كيف جمعتها ؟ وكيف أنفقتها ؟ فالمستهلكات هي لك وهي مستهلكات ، حديثٌ دقيقٌ جداً : (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
3 ـ ألا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم :
الشيء الثالث ، الأدب الثالث من آداب طالب العلم ألا يتكبر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلِّم ، بل يُلقي إليه زمام أمره بالكليَّة في كل تفصيل . أحياناً يقول لك أحدهم : الموضوع الفلاني ما قولك فيه ؟ هذا قولي فيه . فيقول لك : قالوا غير ذلك . أنت اعتمد على واحد ، أنت امنح ثقتك لإنسان ، إما أن تمنحه ثقتك أو لا تسأله ، لا أريد أن أسألك وأقول لك : كلامك غير صحيح . هذا ليس من الأدب في شيء ، أنت اسأل واسمع الجواب ، إذا أعجبك طبقه ، لم يعجبك اتركه ، لا يوجد إلزام ، العالم لن يتبعك إلى البيت ويقول لك : ماذا عملت بكلامي؟ أنت اسمع سألته سؤالاً قال لك : هذه حرام ، فتقول : هذه أفتوا فيها . ما دام أفتوا فيها، طبقها على ذمتهم .
قال لي أحدهم : هذه صار فيها فتوى ـ بالمئة خمسة الربا فيها فتوى ـ قلت له : لابأس . قال : هذه فيها فتوى . قلت له : لابأس ما دام فيها فتوى ، ولكن أنا خائف يوم القيامة ألا تجد مفتيك الذي أفتاك ، هذه أصعب شيء ، يمكن هذا الذي قال لي : بالمئة خمسة لا تجده، هذه صعبة جداً إذا اعتمدت عليه ، ووضعتها بذمته وبرقبته ، وجئت إلى الحساب ، أين هذا ؟ أنا قلت لك يا عبدي أنه بالمئة خمسة مسموح فيها ؟ يا رب هناك إنسان وهو فلان الفلاني سألناه وقتها وقال : لابأس . أين هو؟ أحضروه . ما وجدته ، ماذا ستفعل في نفسك ؟ لذلك النبي الكريم قال :
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
الله عزَّ وجل فرز لك مفتياً خاصاً ، خاص لك هو الضمير ، الإثم لا ترتاح إليه والبر تطمئن نفسك إليه ، لمجرَّد أنك تسأل فأنت قلق ، إذاً هذا الذي تفعله ليس صواباً ، من يسأل إذا واحد شرب كأس ماء ؟ أخي حرام ؟ لا ، من في الأرض يسأل عن شرب الماء أحرامٌ هو أم حلال ؟ هذا بديهي ، والطعام كذلك ، والزواج كذلك ، وشراء منزل كذلك ، وشراء فرش للنوم كذلك ، وشراء أشياء أساسية كذلك .
4-الإذعان لنصيحة العالم إذعان المريض للطبيب :
لكن هناك شبهات ، بعضهم يقول لك : هذه حلال ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا صدى وليس بصوت . وبعضهم يقول لك : حرام ، هذا يثير الفتن ، يحرك المشاعر السُفلى في الإنسان ، يسيء العلاقة بين الزوجين ، يوعي ، أو يكسب الوعي المبكِّر للأطفال ، يوعي في موضوعات هم بعيدون عنها بعداً كبيراً قبل الأوان بكثير ، هذا يسبب انحرافات شخصية عند الشباب والشابَّات ، يقول لك : هذا صورة ، وهذا صدى . .
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
فالمشكلة أن طالب الفتوى إما أن يصر على جوابٍ معين ، هذا يجب ألا يستفتي أحداً ، لأنه إذا جاءت الفتوى كما يريد رحَّب بها ، فإن جاءت على خلاف ما يريد رفضها واتَّهم الذي أعطاه إيَّاها بالجهل ، مثل هذا المُصر على شهوةٍ معينة لا ينبغي أن يسأل ، لكنك إذا سألت يجب أن توطِّن نفسك على أن تستجيب للجواب ولو عاكس شهواتك .
فقال الغزالي : " ألا يتكبَّر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلم ؛ بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل التفاصيل ، ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق"
أحياناً يأتي مريض مثقف ثقافة طبية نوعاً ما وليس له ثقة بالطبيب ، يتعبه كثيراً ماذا وصفت لي يا دكتور ؟ يقول له : حب مسكِّن . هل هذا الحب له مضاعفات ؟ لا ليس له مضاعفات . أنا قرأت أن له مضاعفات ، يقول له : لابأس لا تأخذه إذاً . معي وجع رأس كثير ، يقول له : حيرتني نقول لك : خذ هذا الحب تقول : له مضاعفات ، اترك الحب تقول : رأسي يوجعني . هذا المريض المثقف ثقافة وسطاً يتعب الأطباء كثيراً ، أما إذا كان المريض جاهلاً مع طبيب حاذق جداً سلَّم له القياد ، وأعطاه أدوية مدروسة فيها علم ، وفيها خبرة ، وفيها حكمة ، واستعلمها ونجح وشفي . قال الشعبي : " صلَّى زيد بن ثابت على جنازةٍ فقرِّبت إليه دابةٌ ليركبها، فجاء ابن عبَّاس - ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه - فأخذ بركابه ، فقال زيد : خلي عنه يا بن عم رسول الله . فقال ابن عباس : هكذا أُمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء . فقبَّل زيد بن ثابت يده وقال : هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل البيت " إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
التملق في طلب العلم محمود :
وقال صلى الله عليه وسلَّم :
(( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
التملق ليس من أخلاق المؤمن ، لكن التملق في طلب العلم محمود ، أي إذا تواضع الإنسان ، قدم تحية لشيخه ، هناك شخص يكون فظاً في معاملته ، فظاً في سلامه ، فظاً في نظراته ، هذا لا يليق بطالب العلم . . (( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
5-عدم التكبر على المعلم :
توجد فكرة ثانية لطيفة جداً ، قال : " لا ينبغي لطالب العلم أن يتكبَّر على المعلم ومن تكبره على المعلم أن يستنكف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين " أي إذا لم يكن اسم هذا العالِم تسير به الركبان ، ملء الشرق والغرب ، لا يجلس في مجلسه . هذا غير معروف ، هذا متى صار عالِماً ؟ متى تعلَّم ؟ من علَّمه ؟ إذا لم يكن له اسم مرموق في المشرقين والمغربين لا يجلس في مجلسه . يقول الإمام الغزالي : " هذا الوضع يشبه إنساناً واجه سبعاً مخيفاً في الغابة ، وبحث عن مخلص ، فأصر على رجل مشهورٍ يخلصه من هذا السبع " أنت تريد أي شخص يخلصك لا يهمك شهرة هذا الدليل الذي ينجيك من هذا السبع المفترس ، طبعاً جهنم كالسبع المفترس فأي إنسان استطاع أن ينجيك من هذا العذاب فأنعم به وأكرم إن كان مشهوراً أو غير مشهور ـ فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه كائناً من كان .
العلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حربٌ للمكان العالي
* * *
6-من آداب مجالس العلم إلقاء السمع و الإنصات :
ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
إلقاء السمع من أدب مجالس العلم ، لذلك النبي الكريم كان قدوتنا ، كان أصحابه الكرام إذا جلسوا عنده كأن على رؤوسهم الطير من السكينة والوقار ، قال : (( تعلموا العلم ، وتعلموا للعلم السكينة والوقار ))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
فمن آداب المتعلِّم إلقاء السمع والإنصات ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له . وتراه يصغي للحديث بسمـعه وبقلبه ولعلَّـــه أدرى به
* * *
أحياناً الإنسان يتكلَّم آية يأتي آخر و يكملها عنه ، شيء بديهي أن تعرف هذه الآية ، إذا أحدهم أكمل عنه الآية ، و الآخر أكمل عنه الحديث يتشوش هذا المتكلم . النبي الكريم أثناء صلاته أحدهم قرأ خلفه ، فلما سلَّم قال : (( مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان يبدأ بآية يكملها عنه آخر ، يبدأ بحديث يكملها عنه أحدهم ، أنا أحفظها انتبهوا لي ، أنا حافظ هذه الآية ، بهذه الحالة صار هناك اضطراب ، فلذلك حسن الإصغاء . . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
أي عنده استعداد . . ﴿ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
7-على المتعلم ألا يستسلم و يطبق ليصل إلى ما يريد :
شيءٌ آخر : قال بعضهم : " عندما ساق لنا ربنا عزَّ وجل قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام ، هذه قصة دقيقة جداً "
﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
النبي الكريم مثلاً جاءه رجل وقال : " إن أخي استطلق بطنه " . فقال له : "اسْقِهِ عَسَلا " . فأسقاه عسلاً ، وجاء له ثانيةً وقال له : " لقد أسقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً -صار معه إسهال زيادة - قال له : " اسْقِهِ عَسَلا " . فجاءه ثالثاً وقال له : " لم يزده العسل إلا استطلاقاً . قال له : (( صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ))
[البخاري عن أبي سعيد]
وبعدها تبيَّن أن الإنتانات المعوية المسبِّبة للإسهالات تحتاج إلى أشربة حلوة من أجل أن تمنع هذه الإسهالات ، وبعد ذلك شفي الرجل . فالإنسان أحياناً تأتيه نصيحة لا تعجبه، يناقش فيها ، الخبير هكذا يصنع ، الآن إذا إنسان مثلاً قال لك : أحدهم خرط المحرك وقال : تحتاج إلى روداج ألفين كيلو متر . إذا ما اقتنعت بهذا الشيء وخالفته ، وصار معك خلل بالمحرك بعد شهر أو شهرين أنت السبب ، أنت ما اقتنعت ، أنت لا تقنع ، هذا كلام خبير، فعندما يسلِّم الإنسان قياده لإنسان خبير ، لو كانت النصيحة لم تعجبه ، أو ما توضَّحت له ، أو ما قبلها ، أو ما استساغها ، هذا كلام خبير .
فإذا أراد إنسان أن يتعلَّم ضرب الآلة الكاتبة لوحده من دون معلِّم ، مثلاً يريد كلمة محمد أين الميم يدور عليه ثم يضربها ، بعدها الحاء ينظر هكذا لم يجدها وبعدها يجدها فيضربها ، هذا لو بقي لوحده خمس سنوات إذا كان عليه أن يكتب صفحة يحتاج إلى ساعة ونصف ، إذا ذهب إلى مكتب تعلم آلة كاتبة يلزموه أن يستعمل عشرة أصابع دفعة واحدة ، فيها صعوبة بالغة ، لكن بعد فترة تجده يكتب على الآلة الكاتبة وعينه على الورقة أي أن الصفحة في ربع ساعة تكون منتهية .
فقد قالوا بالتربية : الطرق التي تقاومها النفس هي المفيدة . إنسان جلس ليقرأ ، يفتح كتاباً ويقرأ وهو مضجع ، أو على مقعد وثير ، أو في حديقة ، يقرأ ، يقول لك : والله اليوم أنهيت سبعين صفحة . هذه الدراسة لا قيمة لها ، وأغلب الظن أنه بعد سبعة أيام ينسى ثلاثة وثلاثين بالمئة مما قرأ ، بعد سبعة أيام أخرى لا يبقى في ذهنه مما قرأ إلا عنوان الكتاب ، مع انطباع أنه كتاب جيد أو سيئ . لكن لو قعد ووضع الكتاب على الطاولة ، وفتح دفتراً ، وقرأ فقرة لخصها على الهامش ، وضع خطوطاً ، وطرح سؤالاً ، وأجاب إجابة ، وناقش فكرة ، يمكن يقرأ بالساعة صفحتين ، لكن هذه الدراسة نهائية للامتحان مرة واحدة ، بقدر ما تبذل من جهد ترسخ المعلومات .
فأحياناً تتلقَّى نصيحة ممن يعلمك قد لا تروق لك ، هذا الذي كلَّفناه أو علَّمناه الضرب على الآلة الكاتبة بعشرة أصابع قد يضجر ، يتضايق ، أخي على مهلكم عليَّ هل يجب أن أستخدم العشرة معاً ؟ بالعشرة معاً ، أعرف أشخاصاً خلال عشر سنوات يتحسَّنون ، يحتاج إلى ساعة ونصف أو ساعتين لكتابة صفحة ، لأنه يبحث على الحرف أين هو موجود ، كل حرف يبحث عنه ، فالطرق الناجحة دائماً تقاومها النفس ، والطرق غير الناجحة تستسيغها النفس ، لأن الإنسان يحب الأسهل ، يحب الأريح ، فالذي يقرأ من دون أن يلخص ، من دون أن يناقش ، مرت فكرة معقدة تركها ومشى ، تجاوزها ، بهذه القفزات المعقد بقي معقداً والصعب بقي صعباً ، والكتاب مجموعة عقد أنت لم تحلها ، لذلك أنَّى لهذا الطالب أن يستفيد ؟ الإنسان إن لم تعجبه الطريقة ، إن لم ترق له عليه أن يستسلم وأن يطبِّق ، هذا من فوائد العلم . . ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
8-عدم الإكثار من الأسئلة في غير وقتها :

بعدها الله عزَّ وجل قال :
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
فإذا كان بمصالح مثلاً . . . هذه نظفها ، لماذا ننظفها ألن نغسلها مرة ثانية ؟ تنظيفها له معنى يظهر العيوب . إذا كان هناك تلميذ يريد أن يتعلم مصلحة ، وكلَّما قال له معلِّمه : هذه افعلها . لماذا أفعلها ؟ . إنسان راح يشتري عبداً وجد عبداً رخيصاً جداً ، ويظهر عليه أنه ذكي استغرب كيف رخيص وذكي ؟ قال له : والله هذا هكذا . قال : معنى هذا أنه لقطة . اشتراه وجاء به إلى البيت ، قال له : أحضر لنا كأساً من الماء ، فهذا العبد تأمل فيه وقال له : أنا الآن سأقوم من مكاني ، أحضر لك كأس ماء ، أعطيها لك ، وأرجع لمكاني ، أنت قم واشرب وارجع لمكانك ، هذا هو سبب رخص هذا العبد . . ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 68]
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
وربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل : 43]
سيدنا علي له قول شهير ، يقول رضي الله عنه : " إن من حق العالِم ألا تكثر عليه السؤال " . أحياناً يكون الدرس منتهياً ، انتهاء الدرس يعني أن هذا الإنسان الذي يتكلَّم بذل طاقة كبيرة ، الاستماع سهل ، أما التكلُّم فهو تكثيف الجهود كلها في موضوع محدد مبرمج ، شواهد ، شرح ، تعليل ، انتقال من فكرة إلى فكرة ، مع اللغة ، وسلامة اللغة ، ودقة الحرف ، دقة الحركات الأخيرة ، فعندما ينتهي الإنسان من الدرس كأنه ليمونة وعصرتها ، لم يعد فيها شيء ، تعال اسأله سؤالاً دقيقاً جداً في موضوع الرضاعة ، أو في المواريث ، هذه الطاقة استنفذها ، تحتاج إلى وقت آخر ، يكون في وقت آخر مرتاحاً تسأله ، وبعد ذلك هو يكون مهتماً بالمصلين ، ومن غير المعقول إن كان يريد أن يسلِّم على الناس أن تسأله سؤالاً ، يريد أن يجاوبك عن سؤالك ويكون السؤال كبير جداً ، ويترك الناس كلهم ولا يسلم عليهم ، وهم واقفون ينتظرون أن يسلم عليهم من أدبهم ، ومن مودتهم ، ويعطيك جواباً لموضوعك الخاص ، هذا غير معقول فوقت السلام ليس وقت سؤال .
أنا غير منتبه للسؤال لأن الجو جو سلام ، أحدهم ينتظر ليسلِّم تجد الموقف في منتهى المودَّة ، ومنتهى المحبة ، ألا يجب أن تقابل هذا الودود بمودة مثلها ؟! هذا يأتي ويسألك سؤالاً بالمواريث ، وهذا يريد سؤالاً بالرضاعة ، تتركهم كلهم وتجاوبه . 9- إجلال العالم و التأدب معه و تعظيم حرمته :
سيدنا علي يقول : " ألا تكثر عليه السؤال - طبعاً في وقت غير السؤال- ولا تعنته في الجواب - أعطاك جواباً ولم يعجبك فقلت : ولكن ليس صحيحاً أستاذ هكذا ، أحدهم أفتى بغير ذلك ، أخي لا تبالغ ، والله حيرتمونا يا أخي ، هذه - ولا تعنته في الجواب ، ولا تلح عليه إذا سكت- مثلما تريد اعمل . لا احك لي - ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرته " . الإنسان لا يغلط ؟ جل الذي لا يخطئ . . اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر .
الإنسان أحياناً يكون في موقف ، له دعاء يدعوه مليون مرة في حياته وينسى ، الله يُري الإنسان ضعفه . . "اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين " . الإنسان ضعيف ، من قال لك إنني لا أغلط ؟ من قال لك ذلك ؟ أغلط وأغلط وأغلط لكن المؤمن مذنب تواب ، ما عنده غلط عن قصد ، هناك غلط علمي و غلط أخلاقي ، الغلط الأخلاقي هو أن تعرف الحقيقة وتحيد عنها ، هذا غلط خطير جداً ولا يفعله إلا فاسق ، أما المؤمن فيغلط ، والنبي الكريم - طبعاً التعليم لنا - قال :
((اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ))
[ورد في الأثر]
ممكن أن ينسى الإنسان ، ينسى فكرة ، ينسى حديثاً ، ينسى تتمة حديث ، فهنا يقول سيدنا علي : " . . . ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرةً له ، لكل جوابٍ كبوة ، ولكل حسامٍ نبوة ، ولكل عالمٍ هفوة " . . كفى المرء نبلاً أن تعدَّ معايبه . يكون المدرب مثلاً ملازم أول ، مثلاً لغة أجنبية ، أو اختصاص دقيق جداً ، مثلاً ملازم أول خبير بالألغام ، وجمعوا ضباط الفرقة كلها وتلقوا بعض التعليمات منه ، فقد يكونوا عمداء وألوية ، إذا دخل هذا المدرب النقيب يقفون له كلهم ، يا ترى هم أقل منه رتبة ؟ هم أعلى منه رتبةً ؟ لكن هذا الوقوف لمعلوماته في هذا المجال ، فلذلك الاحترام ليس لذات الإنسان ولكن لمقامه الذي أقامه الله به . " ولا تجلس أمامه وإن كانت له حاجةٌ سبقت القوم إلى تنفيذها " . هذا هو الأدب الثالث من آداب طالب العلم .
الأدب الأول : تطهير القلب . والأدب الثاني : التحرر من العلائق لأنها عوائق .
والأدب الثالث : عدم التكبر على من تتعلَّم منه .
* * *
الرجوع للينابيع الأولى الصافية في معرفة الحقائق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة .
بسم الله الرحمن الرحيم يقول عليه الصلاة والسلام - الحديث دقيق وله إشارات دقيقة - قال :
((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
وانتهى الحديث . . ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
ففي بعض تفسيرات هذا الحديث أن الحق الصرف الذي لا شائبة فيه ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، في هذه الأجيال الثلاثة ؛ جيل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وجيل التابعين ، وجيل تابعي التابعين ، وبعد ذلك قد يدخل في الإسلام ما ليس منه ، قد تأتي بعض المبالغات ، قد تأتي بعض التأويلات غير الصحيحة ، قد تأتي بعض الشطحات ، قد تفسر بعض الآيات تفسيراً ما أراد الله بها ذلك ، قد توجَّه بعض الأحاديث توجيهاً لم يرد بها النبي الكريم ذلك ، قد توضع بعض الأحاديث ، والنبي صلى الله عليه وسلَّم بريء، وقد وقد .
أي مثل نبع ماء صاف جداً ، فنبع بردى عند النبع الماء صاف يُشرب ، يجوز أن يشرب منه في سهل الزبداني ، يجوز عند وادي بردى أن تشرب ، لكن اذهب عن عين الفيجة ، عين الخضراء ، لا يُشرب ، عند دمر والهامة ، عند دمشق أصبح لونه غامقاً ، عند جوبر وحرستا وزملكا الماء صار لونه أسود ، فكلما ابتعدنا عن النبع تأتي رواسب سيئة تفسد صفاء الماء ، لذلك الآن الحل الوحيد أن ترجع للينابيع الأولى الصافية ؛ كتاب الله ، وسنة رسوله . النبي الكريم هكذا أخبرنا : ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
لذلك قال أحد الأئمة الكبار : " ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن سواهم فنحن رجالٌ وهم رجال ، نأخذ وننتقي من أقوالهم ما يناسب القرآن الكريم وسنة النبي العظيم " . أما والله قرأت بكتاب أصفر هذه الفكرة ، قد تكون مخالفة لآية قرآنية ، لمجرَّد أنك تقرأها في الكتاب ليس هذا حجة ، فما أكثر الباطل الذي طُبِع في كتب ، الباطل طُبع في كتب ، أشهر فكرة أن أحد الأئمة الكبار وهو الإمام الشعراني قرأ الفتوحات المكية للشيخ محي الدين رضي الله عنه فرأى أشياء لا يعقل أن تصدر عنه ، زندقة ، لذلك هناك أُناس كفَّروا الشيخ محي الدين ، إن مقامه كبير ، وعارفٌ بالله ، وسلطان العارفين هل يقول هذا في الفتوحات ؟ وقع في شك ، إلى أن التقى بعالمٍ من علماء مكة المكرَّمة ، وبثَّه شكواه .
قال : فدخل هذا العالِم إلى غرفته وجاءني بنسخةٍ من الفتوحات بخط يد الشيخ محي الدين ، كتبها في قونيا بتركيا . قال : " وقابلنا ما في الفتوحات التي بيد الشعراني على الفتوحات التي بيد الإمام المكي والتي بخط الشيخ محي الدين ، فلم أجد فيها شيئاً مما أنكره قلبي فعلمت أنها دسَّت عليه ودسَّها الزنادقة " . قال : " ولقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل جملةً من العقائد الزائغة ، وضعوها تحت وسادته قبيل وفاته ، ولولا ثقتي بالإمام أحمد بن حنبل لاتهمت عقيدته " ولقد دسوا على الإمام أبي حامد الغزالي في الإحياء . ولقد دسوا على الإمام الفيروزبادي - صاحب القاموس - قال : " ولقد دسّوا عليَّ وأنا حيٌ أرزق كتاباً في تكفير أبي حنيفة وأنا منه بريء فلما عاتبني به - ذكر اسم الذي عاتبه - قلت : والله ما ألَّفت هذا الكتاب وإذا وقع بيدك فأحرقه "
هذا النص ثمين جداً ، لأن الإنسان عندما يجد شيئاً يتناقض مع كمال الله عزَّ وجل ، مع كمال الأنبياء بكتاب أصفر ، لا تحمِّلها كثيراً ، ما أكثر الدَّس على العلماء الكبار ، أما تأخذ موقفاً غير صحيح ، تكفِّر العالِم فهذا لا يجوز ، هذا موقف غير علمي ، لا تكفره ولا تقبل هذه الأفكار ، لأن الذي يقول الحق لا يقول الباطل ، مستحيل ، إنسان يحمل دكتوراه بالرياضيات يقول لك : واحد وواحد ثلاثة . مستحيل ، ولو وجدتها في كتابه فهي مدسوسةٌ عليه قولاً واحداً . هذا الموقف موقف من أرقى المواقف ، لا نقول : الشيخ محي الدين كافر كما فعل بعضهم ، كفَّروه جهاراً ، ولا نرضى بما قاله في الفتوحات مما يخالف الكتاب والسنة .
فمثلاً قال : " خضُّت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء " . أيعقل أن يسبق الولي الأنبياء كلهم؟! الله عنده مراتب ، عنده مقامات ، الرسل في قمَّتهم النبي صلى الله عليه وسلَّم ، الأنبياء، الأولياء ، أما ولي يخوض بحر وقف بساحله الأنبياء فهذا لا يكون ، هذا مدسوسٌ عليه رضي الله عنه ، إذاً : ((تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبوداود عن ابن عباس]
هؤلاء ثلاثة أجيال الحق صاف فيها ، وبعدها دخل في الإسلام ما ليس فيه . الحدود :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ ))
[النسائي عن عمرو بن شعيب ]
أي إذا وقع إنسان بمخالفة وأنت سترته ، لا يوجد مانع ، أما إذا بلَّغتها للقاضي ، والقاضي لم يقم عليه الحد ، لا عفا الله عنه إن عفا .
إذا بلغ هذا الحد القاضي فعليه أن يقيمه ، أما إذا تلافيته أنت ، وشعرت أن هذا الإنسان قد ندم ، وسترته ، فلعلَّ هذا فيه خير ، ضبط أحدهم متلبساً بالسرقة في عهد عمر رضي الله عنه ، فقال : " والله يا أمير المؤمنين هذه أول مرة " . قال له : " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرة " هو يعرف معاملة الله للعباد ، لأن الله ستير لا يفضح من أول مرة .
هناك إنسان يعمل على الصندوق فاجأه شركاؤه ، مئتان وخمس وستون ورقة لم يسجلهم ، باع بيعة ووضعها في جيبه ، قال : هذه أول مرة . لا هذه الثالثة ، إذا كانت أول مرة ، الله كريم يعطيك مهلة لتتوب ، يجعلك في مكانتك ، فهذه كانت السرقة الثالثة ، فهذا الشخص الذي ضُبط متلبساً بالسرقة في عهد عمر ظهر أنها ثامن مرة ، الله ستير ، فإذا إنسان وقع بمشكلة وأنت سترته لا يوجد مانع ، أما إذا رُفِعَتْ إلى القاضي . .لا عفا الله عنه إن عفا ، إحقاقاً للحق وإقامةً للنظام العام . يُسنُّ لداخل المسجِد أَنْ يتعاهد نعلهُ :
الحديث الأخير يقول عليه الصلاة والسلام :
(( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
أي أن الإنسان إذا كان بنعله طين ، يجب عليه أن يزيله قبل أن يدخل ، وإذا دخل يضع الحذاء بشكل مقبول ، أي مقابل بعضه ، ويمسكه بيده اليسرى ، هذه من السنة . . (( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
* * *
قصة إسلام طلحة بن عبيد الله التَيْمي :
والآن إلى قصةٍ من قصص الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، الصحابي هو : طلحة بن عبيد الله التَيْمي .
كان طلحة بن عبيد الله التيمي يمضي مع قافلةٍ من قوافل قريشٍ في تجارةٍ له إلى بلاد الشام ، فلما بلغت القافلة مدينة بصرى ، هبَّ الشيوخ من تجار قريش إلى سوقها العامرة يبيعون ويشترون ، وعلى الرغم من أن طلحة كان شاباً حدثاً - بالمناسبة قالوا : العالِم شيخٌ ولو كان حدثاً ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً - ليس له مثل خبرتهم في التجارة ، إلا أنه كان يملك من حدة الذكاء ونفاذ البصيرة ما يتيح له منافستهم ، والفوز من دونهم بأفضل الصفقات ، وفيما كان طلحة يروح ويغدو في السوق التي تموج بالوافدين من كل مكان ، حدث له أمرٌ لم يكن سبباً في تغيير مجرى حياته كلها فحسب ، وإنما كان بشيراً بتغيير سير التاريخ كله ، فلنترك الكلام لطلحة بن عبيد الله ليروي لنا قصته المثيرة .
قال طلحة : " بينما نحن في سوق بصرى إذ راهبٌ ينادي في الناس : يا معشر التجار سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم ؟- أي مكي - وكنت قريباً منه فبادرت إليه وقلت : نعم أنا من أهل الحرم ، فقال : هل ظهر فيكم أحمد ؟ فقلت : ومن أحمد ؟ فقال : ابن عبد الله بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يظهر فيه وهو آخر الأنبياء ، يخرج من أرضكم الحرم ، ويهاجر إلى أرضٍ ذات حجارةٍ سود ، ونخيلٍ وسباخ ، فإياك أن تُسبق إليه يا فتى ، قال طلحة : فوقعت مقالته في قلبي ، فبادرت إلى مطاياي فرحَّلتها ، وخلَّفت القافلة ورائي ، ومضيت إلى مكة - هو كان في مكة - فلما بلغتها قلت لأهلي : أكان من حدثٍ بعدنا في مكة ؟ أي بعد سفرهم .
قالوا : نعم ، قام محمد بن عبد الله يزعم أنه نبي ، وقد تبعه ابن أبي قحافة - أي سيدنا الصديق - قال طلحة : وكنت أعرف أبا بكر فقد كان رجلاً سهلاً ، محبباً ، موطَّأ الأكناف - أي ليِّن الجانب - وكان تاجراً ذا خُلقٍ واستقامة ، وكنا نألفه ونحب مجالسه لعلمه بأخبار قريش ، وحفظه لأنسابها ، فمضيت إليه وقلت له : أحقاً ما يُقال من أن محمد بن عبد الله أظهر النبوة وأنك اتبعته ؟ قال : نعم . وجعل يقص عليَّ من خبره ، ويرغِّبني في الدخول معه ، فأخبرته خبر الراهب ، فدهش له ، وقال : هلمَّ معي إلى محمد صلى الله عليه وسلَّم لنقصَّ عليه خبرك ولتسمع ما يقول ، ولتدخلن في دين الله ، فقال طلحة : فمضيت معه إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم فعرض عليَّ الإسلام وقرأ عليَّ شيئاً من القرآن . . . " .
أي إذا إنسان قال لصديقه : تعال احضر مجلس علم . هذا الله عزَّ وجل ألهمه ، خيرٌ ساقه الله إليه ، لا ترد طلباً ، هذا الطلب ليس من هذا الصديق بل هو من الله عزَّ وجل ، يمكن أن يكون حضور مجلس علم سبب لسعادتك في الدنيا والآخرة ، يمكن أن تكون استجابتك لهذا الطلب انعطافاً خطيراً في حياتك من الشقاء للنعيم ، من الضياع للهدى ، من الحزن إلى السعادة . .
"..... فشرح الله صدري إلى الإسلام ، وقصصت عليه قصة راهب بُصرى ، فسرَّ بها سروراً بدا على وجهه صلى الله عليه وسلَّم ، ثم أعلنت بين يديه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فكنت رابع ثلاثةٍ أسلموا على يدي أبي بكرٍ رضي الله عنه "ـ
ثبات طلحة بن عبيد الله على دينه :
وقع إسلام الفتى القرشي على أهله وذويه وقوع الصاعقة ، وكان أشدهم جزعاً لإسلامه أمُّه ، فقد كانت ترجو أن يسود قومه لما يتمتَّع به من كريم الشمائل ، وجليل الخصال، وقد بادر إليه قومه ليثنوه عن دينه ، فوجدوه كالطود الراسخ الذي لا يتزعزع ، هذه البطولة أن تأخذ موقفاً مصيرياً كالصخر . .
قالت له : يا بني لا آكل شيئاً حتى تكفر بمحمد - لسيدنا سعد - فقال في هدوء : "يا أماه لو أن لكِ مئة نفس فزُهقت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد ، فكلي إذا شئتِ أو لا تأكلي " وبعدها أكلت ، عندما رأته متيناً انتهى الأمر ، أما إن كنت متضعضعاً فالأمر مختلف .
فلما يئسوا من إقناعه بالحسنى لجؤوا إلى تعذيبه والتنكيل به ، حدَّث مسعود بن خراشٍ قال : " بينما كنت أسعى بين الصفا والمروة إذا أناسٌ كثر يتبعون فتىً أوثقت يداه إلى عنقه ، وهم يهللون وراءه ، ويدفعونه في ظهره ، ويضربونه على رأسه ، وخلفه امرأةٌ عجوزٌ تسبه وتصيح به . فقلت : ما شأن هذا الفتى ؟ قالوا : هذا طلحة بن عبيد الله صبأ عن دينه وتبع غلام بني هاشم - التاريخ يعيد نفسه - فقلت : ومن هذه العجوز التي وراءه ؟ قالوا : هي الصعبة بنت الحضرمي أم الفتى " .
أي إذا إنسان عرف الله عزَّ وجل ووجد معارضة في البيت ، إذا كان سيستجيب للمعارضة فهو استجاب للشقاء الأبدي ، أما البطولة فأن تبقى صلباً ، وأن تأخذ بيد الذين يعارضونك إلى الله ورسوله ، إن رأوك صلباً ، وإن رأوك قد تبدَّلت تبدلاً جذرياً ، وأنك تمتعت بمكارم الأخلاق أحبوك ، ثم ساروا معك .
ثم جعلت الأيام تدور ، والأحداث تتلاحق ، وطلحة بن عبيد الله يزداد مع الأيام اكتمالاً ، وبلاؤه في سبيل الله ورسوله يكبر ويتعاظم ، وبره بالإسلام والمسلمين ينمو ويتسع .
الألقاب التي لقّب بها طلحة و قصة كل لقب :
أطلق عليه المسلمون لقب الشهيد الحي ، ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام بطلحة الخير، وطلحة الجود ، وطلحة الفيَّاض ، ولكلٍ ومن هذه الألقاب قصة لا تقل روعةً عن أخواتها .
أما قصته في الشهيد الحي فكانت يوم أحد ، حين انهزم المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولم يبقَ معه غير أحد عشرَ رجلاً من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله من المهاجرين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصعد هو ومن معه في الجبل ، فلحقت به عصبةٌ من المشركين تريد قتله ، فقال عليه الصلاة والسلام :
((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ . . . .))
[مسلم عن أنس بن مالك ]
فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - أي الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله - قال : " نعم أنت " -فقاتل الأنصاري حتى قُتِل ، ثم صعد النبي عليه الصلاة والسلام بمن معه فلحقه المشركون . .
فقال : " ألا رجلٌ لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، قال : " نعم أنت " ثم قاتل الأنصاري حتى قُتل ، وتابع النبي صعوده فلحق به المشركون ، فلم يزل يقول مثل قوله ، ويقول طلحة : أنا يا رسول الله فيمنعه النبي ويأذن لرجلٍ من الأنصار حتى استشهدوا جميعاً ، ولم يبقَ معه إلا طلحة ، فلحق به المشركون فقال لطلحة : " الآن معاً " [ مسلم عن أنس بن مالك]
يظهر أنه رآه أشجع إنسان فتركه للأخير ، لأصعب موقف ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد كُسِرَت رباعيته ، وشجَّ جبينه ، وجُرحت شفته ، وسال الدم على وجهه ، وأصابه الإعياء ، فجعل طلحة يكرُّ على المشركين حتى يدفعهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ثم ينقلب إلى النبي فيرقى به قليلاً في الجبل ، ثم يسنده إلى الأرض ، ويكر على المشركين من جديد ، وما زال كذلك حتى صدَّهم عنه وحده ، قال أبو بكرٍ : " كنت أنا وأبو عبيدة بن الجرَّاح بعيدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فلما أقبلنا عليه نريد إسعافه قال : " اتركاني وانصرفا إلى صاحبكما " - سيدنا طلحة - فإذا طلحة تنزف دماؤه وفيه بضعٌ وسبعون ضربةً بسيفٍ ، أو طعنةً برمحٍ ، أو رميةً بسهمٍ ، وإذا هو قد قُطِعَت كفُّه وسقط في حفرةٍ مغشياً عليه - إنه قاوم مجموعة بأكملها - وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول بعد ذلك :" من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" .
وكان الصديق رضوان الله عليه إذا ذُكرت أُحُد يقول : " هذا يومٌ كله لطلحة " هذه قصةٌ نُعِت بها طلحة بالشهيد الحي .
أما تلقيبه بطلحة الخير وطلحة الجود فله مئة قصةٍ وقصة ، من ذاك أن طلحة كان تاجراً واسع التجارة ، عظيم الثراء ، فجاءه ذات يومٍ مال من حضرموت ، مقداره سبعمئة ألف درهم ، فبات ليلته وجلاً جزعاً محزوناً ، فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبي بكرٍ الصديق وقالت : ما بك يا أبا محمد لعله رابك منا شيء ؟ قال : لا ، ولنعم خليلة الرجل المسلم أنتِ ، ولكن تفكَّرت منذ الليلة وقلت : ما ظن رجلٍ بربه إذا كان ينام وهذا المال في بيته ؟ قالت : أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك ؟ فإذا أصبحت فقسِّمه بينهم فقال : رحمكِ الله إنك موفقةٌ بنت موفَّق .
الآن في هذه الآيام إذا كان الزوج يريد أن يدفع صدقة تقيم زوجته قيامته : نحن أولى أولادك أولى بهذا المال ، الناس لهم الله . .
قالت له : امض لما أردت . فقال لها : إنك موفقةٌ بنت موفَّق ، ولما أصبح جعل المال في صررٍ وجفان وقسَّمه بين فقراء المهاجرين والأنصار . وروي أيضاً أن رجلاً جاء إلى طلحة بن عبيد الله يطلب رفده ، وذكر له رحماً تربطه به ، فقال طلحة : " هذه رحمٌ ما ذكرها لي أحدٌ من قبل - قرابة جديدة ما سمعت بها - وإن لي أرضاً دفع لي فيها عثمان بن عفان ثلاثمئة ألف ، فإن شئت خذها ، وإن شئت بعتها لك بثلاثمئة ألف وأعطيتك الثمن ؟ فقال الرجل : بل آخذ ثمنها . فأعطاه إياها .
هنيئاً لطلحة الخير والجود هذا اللقب الذي خلعه عليه النبي عليه الصلاة والسلام .
النبي الكريم كان قدوة ، واد من غنم مرَّ به رجل من زعماء القبائل قال له : " يا محمد لمن هذا الوادي ؟ " قال له : " هو لك " ، قال : " أتهزأ بي ؟ " قال : " هو لك " ، فقال : " أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر " . النبي الكريم قال : (( ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ))
[ الترمذي عن أبي كبشة الأنماري ]
الله الغني ، والله الكريم ، هؤلاء الذين فتحوا العالم كانت هذه أخلاقهم ، هذه شجاعتهم ، وهذا كرمهم ، وهذه استقامتهم ، وتلك محبتهم لنبيِّهم .

السعيد
09-09-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : صفات المتعلم








الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تتمة صفات طالب العلم :
10ـ أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس :
أيها الأخوة الكرام : الصفة الرابعة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ، أي هناك موضوعات خلافية في الدنيا والآخرة ، موضوعات في الدنيا خلافية وموضوعات في الدين خلافية ، وهناك موضوعات مختلف عليها ، فإذا بدأ بالخلافيات ضاع في شعابها وإذا ترك الخلافيات وبدأ بالمتفق عليه من منا لا يتفق ؟ جميع الملل والنحل ألا توقن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، هذه حقيقة متفق عليها ، فكّر في هذا الخط في عظمة الله عز وجل ، في خلق الإنسان ، في خلق الحيوان ، في خلق النبات ، في خلق الجبال ، في خلق السحاب ، في خلق السهول ، في خلق الأنهار ، في خلق البحار ، في خلق القمر ، في خلق الشمس ، في خلق الكواكب السيارة ، في خلق المجرات ، هذا باب كلما زدت فيه خوضاً ازددت من الله قرباً وتعظيماً ، وهذا باب لا خلاف فيه ، لا يمكن لفئة من المسلمين أن تختلف في هذا الباب ، فالمشكلة أن الذي يبدأ طريقه في الإيمان في الخلافيات يضيع في شعابها ، والذي يرد الله به خيراً يبعده عن هذا الطريق .
11-الابتعاد عن الخلافيات في الدين و الاهتمام بالجوهر :
سأل تلميذ أستاذه إذا سرت في جنازة فكيف أسير ؟ أمامها أم خلفها ؟ عن يمينها أم عن شمالها؟ فقال هذا الأستاذ : لا تكن في النعش وسر حيث شئت ، الموضوعات الخلافية لا تقدم ولا تؤخر ، الشيخ محي الدين- سلطان العارفين - رضي الله عنه هكذا قال الصوفيون، وقال عنه بعض المسلمين : إنه كافر ، الشيخ محي الدين له عند الله مقام لا يرفع هذا المقام قول أناس : إنه سلطان العارفين ، ولا يجرح هذا المقام قول أناس : إنه كافر ، تلك أمة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كنتم تعملون ، هذا حديث البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى :
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 134]
هذا موضوع البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر ، الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية : (( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
دع هذا الباب من الخلافيات رضي الله عنهم أجمعين : (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))
[ الدارمي عن جابر]
أي إذا الإنسان صادق يصرفه عن هذه الموضوعات كلها ، هذه الموضوعات غير مجزية ، موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، لا ترقى بالإنسان ، أما إذا فكرت بآيات الله امتلأت نفسك عظمةً لله ، إذا عملت عملاً صالحاً اقتربت من الله ، أي الشيء المجدي المعرفة والعمل، والمعرفة والعمل لا خلاف فيهما إطلاقاً بين كل الفرق الإسلامية ، لذلك النبي الكريم قال : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
زارني أخ كريم وسألني أنه كان يوجد عقد قران وحضر رجل دين ، وهذا الرجل ألقى كلمة وقال في هذه الكلمة إنه لا يحب أن يحضر عقود نكاح لأنه يوجد من يصور ، وإن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، فسألني ما رأيك ؟ فقلت : رأي واضح هذا قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، أما المشكلة فقلت له: السائل يشبه إنساناً يركب سيارة ويسير في الطريق ، احترق المحرك وبرك في أرضه ، نظر فوجد المرآة فيها برغي يحتاج إلى شد ، فانزعج كثيراً ، يجب أن يكون انزعاجك ليس من المرآة بل من المحرك الذي احترق ، هذا يزعج أكثر ، يوجد أشياء أساسية تركها في الدين وتابع موضوع الصورة فدخل في متاهة الصورة ، يا ترى إذا أحضرنا شفرة و مزقنا الصورة هل تزول الحرمة ؟ إذا وضعناها بمكان مهان ؟ طبعاً تزول ، إذا صور طبيعية غير محرمة ، هذه تفصيلات ، الشيء الذي أعمل عليه أن يبحث الإنسان عن جوهر الدين ، جوهر الدين أن تعرف الله ، وإذا عرفته استقمت على أمره ، وإذا استقمت على أمره أحببته وتقربت إليه بالعمل الصالح ، هذا هو الدين كله ، كما قال سيدنا عمر للبدوي ، قال له : بعني هذه الشاة ، فقال له: ليست لي ، قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال له : والله لو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
هذا هو ، انظر الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : " على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات " المعتزلة ، والجبرية ، والفئة الفلانية ، والموضوع الخلافي ، الرجم إما بالقتل ، إما بجلد الزاني ، ماهو دليلك وما هو قولك ؟ وهكذا قال أبو حنيفة ، حتى أنه صار نوعاً من الشطوط أما الحنفي فلا يصلي وراء الشافعي ، وأن الشافعي لا يسمح بتزويج ابنته من حنفي ، ما هذا ؟ هذا شطط ما أراده الله عز وجل .
الدين له جوهر ، الإمام الغزالي يقول على طالب العلم أن يحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى خلاف الناس سواء أكان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو علوم الآخرة ، أي نصيحتي لوجه الله ابتعد عن الخلافيات ، الخلافيات لا تجدي لا تقدم ولا تؤخر . الابتعاد عن الخلافيات لأنها تحير الذهن و توقع في اليأس :
قال : اسلك في إقناع الآخرين كل طريق إلا أن تناقشهم ، المناقشة تسبب تشنجاً ، تعصباً ، لأنك إذا ناقشته وغلبته تسبب تعصباً ، جرحت له كرامته ، لا يتراجع ، فاسلك كل طريق إلا المناقشة ، المؤمن عندما ينتهي من المتفق عليه يبدأ بالخلافيات ، المتفق عليه لا يبق منها ولا ذرة فهذا الذي أريده ، وهذا الذي جاء في هذا الكتاب القيم إحياء علوم الدين ، على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات .
قال : لو أنه خاض في الخلافيات فإن ذلك يدهش عقله ، ويحير ذهنه ، ويفتر رأيه ، ويوقع في اليأس عن الإدراك والإطلاع ، طبعاً في التدريس يوجد توجيهات تضعها الوزارة لمؤلفي الكتب ، طبعاً في المرحلة الثانوية لا ينبغي لمؤلف الكتاب أن يذكر خلافاً بين العلماء في كتاب المدرسة ، الطالب يتشوش ، البصريون يعربون هذه الكلمة مثلاً : رأيت فلاناً تحت الشجرة ، تحت الشجرة شبه جملة ، الكوفيون يعربونها متعلقة باسم محذوف ، هذا لا ينبغي أن يكون في التعليم الثانوي ، الطالب يتشوش ، في التعليم الثانوي ينبغي أن تكون الحقائق واضحة و واحدة ، تشعب خلافيات ، أمور معقدة هذا لا يجوز ، أيضاً طالب العلم هذه الأمور الدقيقة ، هذه الخلافيات بين كبار العلماء ، هذا شيء ليس وقته الآن ، إذا وصلت إلى الأساسيات عندئذٍ أنت قادر على الخوض في الخلافيات .
ضرب الإمام الغزالي مثلاً واضحاً جداً ، قال : من يلقي نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل أن أضعاف هذه النجاسة قد تلقى في البحر ، والبحر أعظم من الكوز ، فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز ، تجد أسيقة مدينة بكاملها تلقى في البحر ، وماء البحر طاهر ، فإن جئت بنجاسةٍ يسيرة وألقيتها في كوز ماء لغلبت النجاسة طهارة الماء وصار الماء نجساً ، ولو جئت بنجاسة كبيرة وألقيتها في البحر لغلب ماء البحر هذه النجاسة وصار ماء البحر طاهراً ، إذا الإنسان شبه نفسه بالبحر هو كوز ماء ، دخل في الخلافيات وتشعبت نفسه ، هذه الخلافيات تأخذ على قلبه ، وتأخذ على مجامع قلبه ، وتفسد عقيدته ، وتوقعه باللامبالاة ، والشكوك وما شاكل ذلك ، لكنك إذا صرت كالبحر مهما قرأت من خلافيات أنت أنت لأنك عرفت الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ عنه أبداً ولا يحيد .
قال : ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماءً فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته - الطهارة - والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته ، وإلى مثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز لغيره .
إذاً الإنسان لا يدعي أنه بحر ولا يتأثر ، فإذا دخل بالخلافيات ربما وقع في الترهات ، وقع في المشكلات ، و زاغت نفسه ، ودخل إلى قلبه الشك ، أما إذا بدأ بالأساسيات وتمكن فعندئذ نقول له : اقرأ ما شئت ، وناقش من شئت ، وجادل من شئت ، فأنت من عرف الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ ، هذه الصفة ينبغي أن تكون بين أيديكم .
12 ـ ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده
شيء آخر على طالب العلم أن يعرفه ، ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعها إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده وغايته ، هذا مثل قرأته: تعلم كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ، أي أن تعرف الله عز وجل في هذا المجال تعمق ، و اذكر الله ذكراً كثيراً ، وتقرب إليه بالدعوة إليه ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم ، وعيادة المريض ، والإحسان إلى الآخرين ، وإرشاد الرجل في أرض الضلال ، وأن تهدي الأعمى ، وأن تعين اليتيم ، وأن تعطف على المسكين ، وأن تحضر مجالس العلم في هذا المجال مهما تريد ، تعمق ولكن لا يوجد مانع أن تلم بعلم الفرائض ، و بحث البيوع ، لأنك تبيع وتشتري ، يوجد قضية : بائع باع بيتاً و اختلف مع الشاري ، الشاري اعتقد أن البيت بمئة ألف والذي باع البيت قال بمئة وعشرة آلاف ، صار هناك منازعة ، إذا الإنسان قرأ البيوع صار الأمر سهلاً عليه ، إذا حصلت منازعة بين البائع والشاري فالقول قول البائع ، والشاري بالخيار انتهى الأمر لا تحتاج إلى مشاكل .
إذا الإنسان ألمّ بعلم البيوع ، ألمّ بأحكام الآجار ، الوديعة ، الوكالة ، الحوالة ، أحكام اللقطة ، أحكام العبادات بشكل متقن ، إذا نسي فرضاً أو واجباً كيف يسجد للسهو ؟ سجود التلاوة ، هذا كله إلمام فيه ، عندك أصول ، وعندك فروع ، أنا لا أطالب الأخ الكريم بالفروع ، أما الأصول فلابد منها ، تعلم كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء .
مثلاً في عقد المخالعة إذا كانت المخالعة بدأت من الزوج ، قد خالعتك من عصمتي على أن تبرئيني من المهر المعجل والمؤجل ، تقول له : قد قبلت ، صارت مخالعة ، وهذه المخالعة خطأ وهي طلاق لأنها بدأت بالزوج ، المخالعة الشرعية يجب أن تبدأ بالزوجة ، اخلعني من عصمتك وخذ مهري ، يقول لها : قد قبلت لأن المخالعة طلقة بائنة ، أما إن كانت طلقة واحدة كان بإمكان الزوج أن يردها ثانيةً ضمن العدة ، فيجب أن نعرف شيئاً عن الطلاق ، عن الخلع ، عن الطلاق البائن بينونة صغرى ، بينونة كبرى ، إذا الإنسان حلف طلاقاً وهو غاضب ما حكمه ؟ إذا حلف مع صديقه طلاقاً على زوجته هل تُطلق ؟ ما أحكام هذه الأمور ؟ رأي الإمام أبي حنيفة ، رأي الإمام الشافعي ، هذه الأشياء نعيشها ، يجب على الإنسان أن يلم بهذه الأشياء ، إذا إنسان عمله بالتجارة فرض عليه أن يعرف البيوع ، لأنه يوجد أحكام ربح ثابت صار ربا ، أنا سوف أؤجرك هذا المحل بفروغ كذا وهذا المحل له أجرة ، و رجل وضع فروغاً ويريد أجرة الفروغ ، هذا صار ثابتاً ، أخذ بالمئة سبعة ونصف من قيمة الفروغ لا أدخله شريكاً على الربح والخسارة ، لي أقرباء اشتروا بيتاً و احتاجوا إلى مبلغ من المال ، اقترضوا مبلغاً والشرط أن يرد كما اقترض وأعطوهم أجرة البيت ، الأجرة ربا ، متى تصبح حلالاً ؟ إذا كان بعد أن صار مالك البيت بإمكانه أن يرد المبلغ ، البيت يقيّم من جديد فلو أن البيت هلك ، مقسم بالعمار جاهز ، رجل قال : أنا أدفع لك مبلغاً ولكن أريد أن يعود كما هو ، صدر قرار وصار المقسم للدولة ، هذا الذي دفع القرض إذا أراد أن يأخذ قرضه كما دفعه بالإضافة إلى الأجرة صار ربا ، وطالما أنه يوجد ربح وخسارة فهذه ربا ، موضوع الآجار ، والشراكة ، أحياناً يأخذ الإنسان مبلغاً من رجل يعطيه بالمئة عشرة في السنة ويقول : أنا لا أحب الحسابات ، أتحب أن تأخذ بالمئة عشرة هذا عين الربا ، هذا عمل البنك نفسه ، إذا لم تقم بالجرد والحساب الدقيق على الربح والخسارة صار الربح ثابتاً .
رجل أجّر سيارة وقال : أنا أريد كل يوم مئة ليرة ، يجب أن تعطي حساباً إذا لم يعمل بمئة ليرة ماذا يفعل هذا السائق ؟ يجب أن يكون هناك اتفاق دقيق .
لذلك على طالب العلم ألا يدع فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع فيه على مقصده وغايته ، لكن عليك ألا تذهب عمرك بكامله في بعض كتب الفقه ، يوجد كتب فقه مؤلفة من عشرين أو ثلاثين جزءاً ولها حاشية ومتن وحاشية الحاشية، و القراءة تحتاج إلى جهد جبار ، ويوجد حالات لا تقع بحالاتها ، إذا وقعت فأرة ببئر ، وإذا لحقت بها قطة ، وأثناء الهروب بولت ، لها حكم آخر ، وإذا لم تلحق بها قطة لها حكم ثان، تدخل في متاهات ، ترى نفسك ضعت ، هل هذا هو الدين ؟
رجل توضأ في ماء الحمص ما حكمه ؟ ماء الورد ، يوجد أشياء سموها الفقهاء أرأيتية ، أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا ، أحد الصحابة رضي الله عنه عرضوا عليه قضية من هذا القبيل قال : حينما تقع نفتي بها .
خمسون رجلاً يمسك بعضهم ببعض أول واحد لمست يده بكلب أصبح نجساً ، هذه مشكلة ، يوجد أشياء أعظم من ذلك ، العمر ثمين وقصير فكر في ملكوت السموات و الأرض قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران : 190-191 ]
العلوم إما سالكة بالعبد إلى الله أو معينة على السلوك :
الإمام الغزالي يقول : " ....فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك ، نوع من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود " أي يوجد علوم تسلك بك إلى الله ويوجد علوم تعينك إلى السلوك إلى الله ، لذلك في درس سابق قلت لكم: يوجد علوم تشبه المقدمات ، وعلوم تشبه المتممات ، ويوجد عندنا أصول ، وفروع ، الأصول كتاب الله وسنة رسول الله ، الفروع الاستنباطات ، ما يستنبط من كتاب الله ، ما يستنبط من سنة رسول الله ، المقدمات اللغة العربية ، المتممات علم التجويد .
السعيد الذي يركز كل جهده على الأصول والفروع ، ويلم بالمقدمات والمتممات ، أما إذا اكتفى بالمقدمات ، إذا أراد إنسان أن يذهب إلى الحج واعتنى فقط بزوادته ، هل الحج فقط طعام وشراب ؟ شخص موجود من يومين عند أحد أصدقائي حج السنة الماضية سأله إن شاء الله سررت ؟ فقال له : سررنا كثيراً سبحان الله ، و قال بشكل طبيعي دون أن يشعر بنفسه أكلنا فريكة ، وذكر له طعاماً نادراً أكله في الحج ، سبحان الله الحج فريكة فقط ؟؟ وأنا أجلس وأستمع هذا لم يعرف شيئاً عن الحج ، الحج لقاء مع الله عز وجل .
13 ـ ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب :
الخاصة السادسة لطالب العلم ، ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب ، يبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ، ويكتفي منه بشمله ، ويصرف زمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلك مع أصحابه طريقاً ، والآن في المعاهد والجامعات وكليات الشريعة يسلكون مع الطالب طريقاً ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما عرفهم به سهل عنهم أن يبذلوا دماءهم في سبيل الله ، الآن عرف الإنسان بأحكام الصلاة لا يصلي ، عرف الإنسان بنواقض الوضوء وهو لا يصلي أبداً ، هذه معلومات ، أما إذا عرف الله عز وجل هو يسألك كيف أتوضأ ؟ علمني إذا عرفته بالله عز وجل أولاً يستقي ، وقرأ القرآن يفهمه ، إذا لم يعرفه وقرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً يقول لك : تعال وانظر هذه الآية القرآنية الله عز وجل يقول :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة : 13]
معنى هذا الموضوع بيده وليس بيدنا ، إذا أحب أن يهدينا وإذا أحب لا يهدينا ، يقرأ آية ثانية قال تعالى : ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 105 ]
كأنه يعفي نفسه من الجهد ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما قرؤوا القرآن فهموه على حقيقته ، بينما إذا عرّفت الإنسان بأحكام الدين أولاً لا يطبقها يتحايل عليها ، أي شخص يريد أن يزكي عن ماله فرأى أن المبلغ كبير ، ثلاثون ألفاً ، نفسه ما سخيت به فوضعه في كيلو خبز ومن ثم جاء إلى فقير وقال له : خذ هؤلاء ، فقال له : أتبيعيني الخبز بخمسة وعشرين ليرة ؟ هو يظن أنه دفع زكاة ماله ، هذا علم الحكم قبل أن يعرف الله .
يوجد شخص آخر قال : أنا أسكن مع زوجة أخي كيف أراها ؟ فقال له رجل: الموضوع سهل جداً ، أحضر بنتاً من الحارة ترضعها امرأة أخيك واكتب على هذه البنت واعقد العقد عليها ، تصبح امرأة أخيك حماتك ، طلق البنت ، والحماة على التأبيد ، دون غطاء ينظر إليها ، هذا تعلم الفقه قبل أن يتعرف إلى الله ، هذه الحيلة لا تنطلي على الله ، أنا أريكم نماذج عندما الإنسان يتعرف الفقه قبل أن يعرف الله .
الآن صندوق شاي لا يوجد غيره ، بيع وشراء ، أفخر أنواع الشاي السيلاني ، يأتي رجل يريد صندوق شاي بكامله ، هذا الصندوق ثمنه ألف ليرة ، يقول له : اشتريت ولكن ديناً ، بعد أن اشتراه يقول له : تشتريه مني ، يقول : نعم ، بثمانمئة ، يعطيه ثمانمئة ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل ، هو مرابي عند الله عز وجل ، إن كان في بلد فيه شاي بشاي ، وإن بلد فيه سجاد بسجاد ، سكر ، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل .
شاهد امرأة أخيه ضمن الشرع ، وتهرب من زكاة ماله ضمن الشرع ، وأكل الربا ضمن الشرع ، فلما الإنسان تعلمه الفقه فقط يتحايل عليه ، أما إذا عرفته بالله عز وجل اختلف الأمر ، هذه على الله لا تجوز ، إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، الله ينظر إلى النوايا ، يعلم السر وأخفى، هذا المحذور ، النبي الكريم عرفنا في بداية الدعوة بالله عز وجل ، فلما عرف أصحابه ربهم باعوا أنفسهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[سورة التوبة : 111]
أشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل :
إذا أردت أن تبدأ بالعلوم ابدأ بالأساسي أولاً ، الأساسي معرفة الله ، لذلك الصحابة الكرام قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " وربنا عز وجل في آية واحدة في القرآن أشار إلى ذلك، قال تعالى :
﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾
[سورة الإسراء : 107]
إذا كنت تعرف شخصاً معرفة متينة جداً ، و هو في قمة النزاهة ، والورع ، والإخلاص ، والتقى ، وأنت جالس معه في غرفة والمعطف معلق ، فمد يده إلى المعطف وأخذ ورقة ، أنت تقول : هذا معطفه ، فقام ولبس معطفاً غير هذا المعطف ، قال له صديقه : خذ من جيبي ورقة الكهرباء وادفعها لي ، أنت تعرفه معرفة متينة تفسر هذا العمل بما يليق بمقامه أما إذا لم تعرفه فتقول : مدّ يده على جيب صديقه ويمكن أخذ خمسمئة ليرة ، فأنت إذا عرفت الله عز وجل أولاً تقرأ القرآن وتزداد إيماناً بالله ، لا يسأل عما يفعل ، معناها واضح مثل الشمس لكثرة عدالته ، لأن عدله يسكت الألسنة .
الآن إذا أب وزع الفاكهة على الأبناء بالتساوي ، وزع الحلوى بالتساوي ، المال بالتساوي ، لا أحد يتكلم كلمة ، أما إذا وزعها بغير التساوي فيتقاتلون وينتقدون الأب ، أنت لا تحبني وتحب أخي أكثر مني ، متى يكون الاعتراض ؟ إذا كانت العدالة غير موجودة ، وإذا كان الإنسان لا يعرف الله لا يستجيب له ، لا يسأل عما يفعل لأنه عادل ، عدله يسكت الألسنة، يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم ، إذا عرفت الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم فهمت هذه الآية : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[سورة التغابن : 16]
يقول لك : على قدر استطاعتك إذا لم يعرف الله عز وجل ، على قدر ما تستطيع، يوجد فرق كبير بين الاثنتين واحدة الحد الأدنى ، والثانية الحد الأقصى ، إذا عرفت الله عز وجل قال تعالى : ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
[ سورة المدثر : 56 ]
الله عز وجل يستحق أن تبذل من أجله الغالي والثمين ، والنفس والنفيس هكذا .
النبي الكريم سلك هذا المسلك عرّف أصحابه بالله أولاً ، ثم عرفهم بالشرع ثانياً ، فعرفوا الله ثم طبقوا الشرع ، الآن عرف الناس بالشرع أولاً يتحايلون على الشرع ، هذا حرام ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا الغناء صدى ، وهذه امرأة أخيه أصبحت حماته ، والربا صار بيعاً وشراء ، والزكاة اشتراها منه بثمنها ، هذه الأساليب كلها ، لذلك بدأ الدين غريباً ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، بمعرفة الله أولاً ثم تطبيق شرعه ثانياً .
كانوا في بعض المدارس الشرعية يجبرون الطلاب على الصلاة ، طالب شرعي لا يصلي ، فكان يقول : نويت أن أصلي لا وضوء ولا نية - لا إكراه في الدين - تريد هذا الطالب أن تنمي قلبه بالخشوع أولاً من الورع والخوف حتى ينضبط ، فقط تعال وافهم أحكام الصلاة ، شروط الصلاة ، أحكام الغسل ، حفظهم وبصمهم ونجح في الامتحان ولا يصلي ، أنا أعرف مدرسين تربية إسلامية لا يصلون .
وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، وهو بحر لا يدرك منتهى غيره ، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .
إن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث عن صفات طالب العلم ، الآن عرفنا أن العمر ثمين وقصير ، يجب أن تعرف شيئاً ، الأصول والفروع ، الأصول أولاً ، والفروع ثانياً ، والمقدمات ثالثاً ، والمتممات رابعاً ، وألا تنتقل من علم إلى آخر إلا بعد إحكام العلم الأول وهو معرفة الله ، وهو متعلق بالثاني وهو الشريعة ، ويجب أن تعرف كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء ، وإذا كنت تاجراً يجب أن تتقن أحكام البيوع .
* * *
الهدية تزيد المحبة بين الناس :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، الأحاديث اليوم كلها متعلقة بسنة نبوية معطرة ألا وهي الهدية ، الإنسان مع زوجته ، الإنسان مع أخيه النسبي ، الإنسان مع جاره ، أحياناً يكون الجار سيئاً جداً ، قدم له هدية وانظر ماذا يفعل ، يخاف أن يزعجك ، يخفض من صوت المذياع ، شيء يشبه السحر ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم أذكر بالتفصيل ، قال : من يقم إلى هذا ويقطع لسانه ، يوجد صحابي فهم أن يقطعه قطعاً وصحابي آخر فهم أن يقطع لسانه بهدية .
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حصل بينك وبين زوجتك فتور ، خصام ، أنا لا أقول أن يحضر شيئاً فوق طاقته، ممكن أن يحضر باقة ورد ، ممكن أن يحضر شيئاً قيمته ليست بثمنه ، بل قيمته بمقدمها ، بمدلولها ، ممكن ابن أن يحضر لوالدته قرص عجوة ، ثمنه على وقتنا عشرة قروش ، الآن ليرة ، ممكن أن يحضر لزوجته شيئاً بسيطاً جداً ، علبة رائحة ، لكن الهدية سبحان الله تفعل فعل السحر بين الأقارب ، بين الأصدقاء ، بين الأخوة ، بين الجيران ، هكذا النبي الكريم يقول : "تهادوا تحابوا" الهدية دين و وفاء ، أنت لم تخسر شيئاً ، لك أخ جاءه مولود أخذت له طقماً ثمنه ثلاثون أو أربعون ليرة ، وأنت إذا جاءك مولود يستحي ألا يقدم لك هدية ، أنت بالفعل لم تخسر شيئاً ، إذا أخ تزوج ، الأخوان هبوا ، أحدهم سجادة ، والآخر براد ، ثلاثة قدموا له براد ، المطبخ يلزمه بعض الحاجيات ، طاولة للطعام كم هي جميلة ، الأخ بأشد الأزمات ، وجد أخوانه قدموا له حاجات ، الآن أخوك بعد سنة تزوج ، تقدم له هدية ، هي عملية دين لكن ليس به صفة الدين ، سند ، أداء على التدريج . ((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
بين الزوجين ، بين الأخين ، بين الجيران ، بين الأصدقاء ، هذا كله مدعاة إلى المحبة وزيادة العلاقات . ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
حديث آخر : (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الغل هو الحقد ، ترى خصومات ، وغيبة ، ونميمة ، أنت صافحه وابتسم بوجهه ، وعاتبه وسامحه ، عود نفسك أن تعتذر ، أخي أنا رجل ، قل للزوجة اصفحي عني أنا غلطت ، الإنسان يغلط ، إذا الزوجة سمعت من زوجها اصفحي عني ، أنا تأخرت عليك ، لم أشعر بالوقت ، ترى هذه الثورة العارمة خفت حدتها ، تعود أن تتكلم كلاماً لطيفاً ، تعود أن يكون ظلك خفيفاً . (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الهدية أولاً للمحبة ، وإذا كان هناك محبة تزداد المحبة ، ارفع مستوى المحبة ، وهي لها مستوى ترتفع . الهجرة في سبيل الله تورث الأبناء مجداً و عزاً :
((.....هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
سبحان الله هذا الحديث كنت عند صديق لي ولهذا الصديق صديق محامي ، فجاءت سيرة الحج ، فقال : أنا حججت أول حجة من فضل الله ، وثاني حجة كانت بدلاً عن والدي ، فانتقده المضيف ، قال له : الأم أولاً ، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ، قال له : يوجد سبب ، فقال له : ما هو السبب ؟ قال له : أنا أصلي من يوغسلافيا ، والدي هجر يوغسلافيا وأقام في الشام من قديم الزمان وأنا ولدت في الشام ، حججت عن والدي لأن والدي مسلم وحفظ نفسه ، لكن عندما هاجر أنقذنا نحن ، أنا لو بقيت هناك كنت رجلاً فاسقاً ، زانياً ، شارب خمر، فلما انتقل من تلك البلاد إلى هنا ، أنا ولدت في الشام ونشات نشأة دينية فأنا مسلم بسببه ، وأنا أقمت في الشام ، له حق كبير عليّ ، حق الهداية ، فهذا الابن المحامي قدر هجرة والده إلى بلاد إسلامية ، لأن الأب لو بقي هناك هو مسلم وحافظ على دينه ولكن أولاده ليسوا بيده ، الآن الذين يذهبون إلى أمريكا يقول لك : هل ترى هذه السيارة ؟ تقول له : نعم ، يقول : أخذناها بألف دولار ، وهنا ثمنها مئة وخمسون ألف ليرة ، يتكلم لك يقول : فيلا ثمنها ثلاثون ألف دولار معها مسبح وطابق ثان وثالث ، وكراج للسيارة ، فحديثه دائماً عن الأسعار ، والمتنزهات ، ونياغارا والشلالات الجميلة ، وعن الجزر الجميلة ، ولكن يوجد شيء أنت ليس منتبهاً إليه يوجد رجل أقام هناك ، وله تجارة عريضة و واسعة وبحبوحة ، جاء إلى البيت مرة وكان مسافراً ، جاء في وقت غير مناسب فرأى شاباً مع ابنته بوضع حيواني لم يتحمل وأخبر الشرطة ، جاءت الشرطة وأخذوه هو إلى السجن لأنه هذا الشاب أفاد أن صديقته هي التي أرسلت في طلبه ودعته ، فصاحب البيت تكلم معه كلمات قاسية يستحق عليها أن يسجن ، وهي صديقته وهو جاء بدعوة .
طبعاً السيارة ثمنها ألف دولار ولكن هذه الثانية أحسبت حسابها ؟ ليس لها حساب، عندما الإنسان يقيم مع الكفار سوف يتحمل أن تأتي ابنته في آخر الليل مع صديقها يوصلها إلى البيت ، يتحمل أن تسبح ابنته مع الناس على البلاجات ، يتحمل أن يكون لابنته خمسة أصدقاء قبل الزواج وهذه عفة وأية عفة ؟؟! هذا كلام باطل هناك ، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، أنا أتحدى رجلاً يقيم مع المشركين ويحفظ بناته ، لا يمكن ألا تنشأ البنت على الخمر ، والزنا ، والفجور ، أينما تحرك البنت يوجد فجور ، تبيع المرأة نفسها بدخينة ، بعلبة مسكة ، هناك الأسعار رخيصة جداً ، والأعراض رخيصة ، طبعاً يتناسبون معاً ، بلد أسعاره غالية والأعراض غالية ، أسعار رخيصة وأعراض رخيصة .
أنت هنا يوجد كلمة الله أكبر ، مسجد ، مجلس علم ، شيء اسمه حياء ، خجل ، يوجد بقية دين ، بقية مروءة ، بقية تعاطف ، زارني طبيب يقدم امتحاناً في اللغة العربية ليتعين، لأنه لا يوجد معه بكالوريا سابقة ، قلت له : عجيب أنت مقيم في لندن ودخلك في الشهر ثمانية آلاف جنيه ، وعندك سيارتان وبيت في المصيف ، ما الذي يحضرك إلى الشام ؟ أنا من باب الامتحان أريد أن أرى ماذا يقول ، فقال أنا : جئت إلى هنا لآخذ ثلاثة آلاف ليرة ، وثمن البيت هنا نصف مليون ، فقال : أنا في المكان الذي أسكن به في لندن في الطابق الثامن يوجد رجل توفي وبقي متوفى ستة أشهر ولم يدرِ به أحد ، وله في لندن خمسة أولاد ذكور ومن وجهاء العوائل البريطانية ، ما خطر في بال أحد أبنائه أن يزور والده في هذه الأشهر ، رأى مصيره، إنسان موضوع في غرفة ولندن باردة في الشتاء والطوابق عليا ، تأخر تفسخ جسمه . (( تهادوا تزدادوا حبا و هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
أنا هذا الحديث تذوقته من قصة الأخ المحامي الذي حج بدل والده قبل والدته لأن والده هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، هنا يوجد مروءة ، تعاطف ، الأخت لها أخوها ، الأخت تسكن عند أخيها ، لها مكان في المجتمع . أثر الهدية في المجتمع :
و :
((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَة]
((تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعةً في أرزاقكم))
[الكامل في ضعفاء الرجال عَنْ ابن عباس ]
أنا حينما كنت صغيراً عاصرت هذه السنة ، دائماً يوجد سكبة ، خمسة صحون غير الطبخة ، حتى إذا دخل شخص مع ضيف الجيران يتهامسون : أبو فلان معه ضيف ، الحارة فيها أربعون بيتاً ، ترى الصفرة كبيرة ، متى هذه الصفرة صنعت ؟ أبو فلان معه ضيف . (( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . .))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا كان هناك حقد أو ألم هذه الهدية تذهب وحر الصدر . (( . . . وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي إذا جارة قدمت إلى جارتها طعاماً – نصف مقدم - تقول الأخرى : سلمت يداك و جزاك الله كل خير ، إن شاء الله هذا الشيء يزيد هذا البيت بركة ، يجب أن تكون لطيفاً إلى أقصى الحدود ، مهما كانت الهدية قيمتها قليلة يجب أن تشجع ، أحياناً طفل يحضر إلى المدرسة وردة ، قرنفلة ، يجب أن ترحب بها ، أحياناً إنسان يعطرك ، أحياناً قطعة حلوى أنت لا تأكلها محمي عنها ، المؤمن أديب .
الناس الآن من بُعدهم عن الله عز وجل تأتيه هدية يمط وجهه فيها ، ما ثمنها ؟ هذه لا تساوي شيئاً ، هذا كلام فيه سوء أدب مع الله عز و جل ، هذه سنة ، من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام اقبلها ورحب بها وأثني عليها وكافئ عليها ، وإياك أن تظن هذه الهدية هبة، هذه دين كافئ عليها ، فإن لم تجد قل : جزاك الله عني كل خير . ((تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ))
[ شعب الإيمان عن أنس بن مالك]
السخيمة من السخم وهو باللغة العامية الشحار ، الفحم ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا قلبي أسود . (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأدُمَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ : نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ ))
[مسلم عَنْ جَابِر]
أحياناً يدعوك إنسان إلى كأس شاي ، بارك الله : (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
هذه سنة المصطفى ومن رغب عنها فليس من أمته : (( تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدر ))
[الطبراني وأبو نعيم فى المعرفة عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية]
تضاعف وليس تُضْعِف ، أنا أتمنى إن أخ تزوج ، عنده ولادة ، أخوانه حوله ، هذا قدم له شيء ، والأمور كلها دين و وفاء ، و بهذا تزداد المحبة : (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

السعيد
09-09-2018, 08:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : الوضوء - اركانة - شروطة - سننة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مقدمة :
أيها الأخوة المؤمنون، فقرة الفقه المتعلقة بالعبادات التي وعدتكم بها بالدرس الماضي لا تزيد عن عشر دقائق، إن كانت في كل درس فهذا أعون على إتقان الصلاة التي هي عماد الدين، وكتاب مراقي الفلاح، كتاب في العبادات فقط، وفي الفقه الحنفي فقط، كتاب موجز، ومبوَّب، ومقنَّن ومرقَّم، والقراءة فيه سهلة، وله متن وله شرح، فإذا استعصى عليك شيءٌ في المتن، رجعتَ به إلى الشرح.
أركان الوضوء :
في الوضوء يقول مؤلف الكتاب طبعاً استناداً إلى استنباطات العلماء: أركان الوضوء أربعة، وهي فرائضه:
1 ـ غسل الوجه :
الأول: غسل الوجه، وحدُّه طولاً، من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وحدُّه عرضاً ما بين شحمتي الأذنين.
2 ـ غسل اليدين مع المرفقين :
والثاني: غسل اليدين مع المرفقين، ليس إلى المرفقين بل مع المرفقين، فالمرفق داخل في غسل اليد.
3 ـ غسل الرجلين مع الكعبين :
والثالث: غسل الرجلين مع الكعبين.
4 ـ مســح ربع الرأس :
والـرابع: مســح ربع الرأس.
سبب الوضوء :
استباحة ما لا يحل إلا به، فهل تحل الصلاة بغير وضوء؟ لا، فإنها لا تحلُّ إلا به، لاستباحة الصلاة، واستباحة الطواف، وهذا حكمه الدنيوي، وحكمه الأخروي الثواب في الآخرة.
الوضوء عبادة، فإذا قام الإنسان ليتوضأ، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، دخل في عبادة.
شرط وجوبه :
العقل، البلوغ، الإسلام، القدرة على استعمال الماء الكافي، فإذا كان الإنسان لا يقدر على استعمال الماء، أو يقدر والماء غير كافٍ فعندئذٍ يتيمَّم، وجود الحدث، عدم الحيض والنفاس، فلولا الحدث لما وجب الوضوء، وضيق الوقت.
في بعض الصلوات، كصلاة العيدين، أو صلاة الجنازة، إذا كان الوقت ضيقاً حيث تفوته الصلاة إذا ذهب ليتوضَّأ جاز له التيمم، لضيق الوقت.
إذاً شرط وجوبه: العقل، والبلوغ، والإسلام، والقدرة على استعمال الماء الكافي، ووجود الحدث، وعدم الحيض والنفاس، وضيق الوقت.
شروط صحته :
شروط صحته ثلاثة: عموم البشرة بالماء الطهور، أي أن يبلغ الماء كل الأماكن التي نصّ عليها الشرع بالماء الطهور، وانقطاع ما ينافيه من حيض، ونفاس، وحدث، وزوال ما يمنع وصول الماء إلى الجسد، فطلاء الأظافر يمنع وصول الماء، والشحم يمنع وصول الماء، والعجين يمنع وصول الماء.
وعندنا شروط الوجوب، كما عندنا شروط الصــحة.
هذا فصل قصير، وبعدها ننتقل إلى موضوع آخر.
معلومات جانبية متعلقة بالوضوء :
يجب غسل ظاهر اللحية الكثة، واللحية نوعان، طبعاً الذقن غير اللحية، وكثيرون يظنون أنّ الذقن هو اللحية، فيقال: ليس له ذقن، أو لم يربِّ ذقنه، فكل واحد منا له ذقن، الذقن شيء، واللحية شيء، ويستعمل العامة خطأً الذقن بدل اللحية، إذًا فمن كانت له لحية كثة، أي غزيرة الشعر، يجب غسل ظاهرها، والشرع لم يكلَّفكَ بغسل أصول اللحية، عندئذ تحتاج إلى تنشيف على الهواء، وهذا أمرٌ صعب، فوق الطاقة، وعليه غسل ظاهر اللحية الكثة في أصح ما يُفتى به، ويجب إيصال الماء إلى بشرة اللحية الخفيفة، فإذا كانت اللحية خفيفة وجب أن يصل الماء إلى البشرة، أيْ إلى أصل اللحية، ولا يجب إيصال الماء إلى المسترسل من الشعر عن دائرة الوجه، فإذا كان لك شعر مسترسل لا يجب إيصال الماء إليه، ولا إلى ما انكتم من الشفتين، إذا ضمَّ إنسان شفتيه فهناك جزء من الشفتين من داخل الفم، فالجزء الذي يعد من داخل الفم لا يجب إيصال الماء إليه، ويجب تحريك الخاتم الضيق، وإيصال الماء إلى أصل اللحية الخفيفة، وغسل ظاهر اللحية الكثة، أي الكثيفة، وعدم وجوب إيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر الخارج عن دائرة الوجه، فهذه معلومات جانبية متعلقة بالموضوع.
شيء آخر: لو ضره غسل شقوق الرجلين، إذا كان في الأرجل شقوق، أي مذبوحة من الشتاء، وهي مؤلمة، ويؤذيها الماء وضره غسل شقوق رجليه جاز إمرار الماء على الدواء الذي وضعه فيها.
وبعد: شخص واحد له لحية كثة توضأ فرضاً وحلقها، لا يقال له: أعد الوضوء، ولا يعاد المسح، ولا الغسل على موضع الشعر بعد حلقه ولا الغسل بعد قص ظفره، وشاربه.
فإذا طرأ بعد الوضوء قص ظفر، أو قص شارب، أو حلق شعر لم يصل الماء إليه عند الوضوء، فالشرع متساهل لا يجوز أن تعيد الوضوء في هذه الحالات، أ ي معلومات لطيفة ويحتاجها كل إنسان، وهذا مما يعين على إتقان الوضوء، لا زلنا في موضوعات أخرى، وإن شاء الله نتابعها في الدرس القادم، هذا ويسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً، نقرؤها الآن مجرد قراءة، وربما عدنا إليها في الدرس القادم.
ما يسن في الوضوء :
يسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً: غسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية ابتداء، والسواك في ابتدائه ولو بالإصبع عند فقده، فالسواك من سنن الوضوء، لم تجد السواك فبالإصبع، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، طبعاً عندنا سنة التكرار، وسنة المضمضة، فإذا أخذت غرفة يمكن أنْ تتمضمض فيها ثلاث مرات، فالمضمضة تحريك الماء بالفم مرة أولى، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة، إذاً والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، والاستنشاق بثلاث غرفات، قطعاً لأن الاستنشاق ليس عندك عضلات بالأنف تحركها ثلاث مرات، فلابد من المرة الأولى، والثانية، والثالثة، أما بالفم فممكن، إذاً يجوز أن تتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة، ولا يجوز أن تستنشق ثلاث مرات بغرفة واحدة، فثلاث مرات ثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، المبالغة تعني إيصال الماء إلى كل أنحاء الفم، وإيصال الماء إلى أقصى الأنف، المبالغة لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، والتخليل يعني بالأصابع، الأصابع مبتلة تخلل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، كل عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، أول مرة تدلك، والثانية إسالة الماء، والثالثة التأكد من التنظيف، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ويجوز مسح ربع الرأس، أما السنة فكامل الرأس، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، فهذا ممكن، أن تمسح الأذنين بماء الرأس نفسه، طبعاً تُدخل إصبعك إلى داخل الأذن، وتمررها بتجاويفها وخطوطها، ثم ظاهر الأذن، و الدلك.
أحدث شيء سمعته من طبيب جزاه الله خيراً أن هناك عصيات بالمستقيم اسمها العصيات الزرق، هذه متواجدة بالمستقيم، ولها وظائف حيوية، ومحظور عليها لأسباب يصعب شرحها أن تنتقل إلى داخل الجسم أو إلى الدم، فإذا دخلت في الفم بسبب عدم الاحتراز منها، عدم إتقان الغسل، إذا دخلت إلى الفم ووصلت إلى الدم سببت أمراضًا وبيلة.
فالأحاديث الشريفة تحضُّنا على المبالغة بالطهارة، فإذا دخل إنسان المرحاض وجب أن يبالغ في تنظيف يديه، ولا سيما الأنامل عند الأظافر، عند هذه الثنيات، فلو أن عصية زرقاء دخلت إلى الفم ولم يكن المتوضأ قد اعتنى بتغسيل يديه، فهذا يسبب له أمراضاً، يجب أن تعلموا أن أوامر النبي الكريم مبنية على حقائق علمية لأن الله سبحانه وتعالى أوحى له بذلك:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[ سورة النجم: 3-4 ]
ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، و الدلك، والولاء، كشخصٍ غسل وجهه، فرنَّ جرس الهاتف، وتكلَّم ربع ساعة، ثم رجع وأكمل غسل يديه، فلم تتوفَّر الموالاة، بل صار في الوضوء انقطاع، فيجب أن يتوضأ مرة واحدة، والنية، والترتيب، فالإنسان أحيانًا ينسى فيغسل رجليه قبل يديه، فاختلَّ الترتيب وخالف السنة كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن، في كل شيء تبدأ باليمين، ورؤوس الأصابع، ومقدم الرأس، ومسح الرقبة إلى الحلقوم، إذًا الميامن، والترتيب، والنية، والولاء، والدلك، ومسح الأذنين بماء الرأس، واستيعاب الرأس كله، وتثليث الغسل، وتخليل الأصابع، وتخليل اللحية الكثة من أسفلها، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق لغير الصائم، والمضمضة ثلاثًا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، أما الاستنشاق فبثلاث غرفات قطعاً، والسواك ولو بالإصبع، والتسمية ابتداءً، وغسل اليدين إلى الرسغين، وهذه ثمانية عشر شيئاً هي سنن الوضوء، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن آداب الوضوء وهي أربعة عشر أدبًا.

***
للإنسان في علمه أربعة أحوال :
وبعدُ فإلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في الموضوع الكبير، وهو العلم.
الدرس اليوم: "وظائف المعلم"، تحدثنا عن آداب المتعلم، واليوم وظائف المعلم، فإذا وضعك الله عز وجل وأكرمك في مقام التعليم فعليك واجبات، ابحث عن واجباتك قبل أن تبحث عن حقوقك قبل أن نبدأ بالواجب الأول هناك مقدمة لطيفة.
اعلَمْ أن للإنسان في علمه أربعة أحوال، كحاله في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حالةُ استفادةٍ فيكون مكتسباً، إذًا أولاً كسب المال، وحالُ ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحالُ إنفاقٍ على نفسه فيكون منتفعاً، وحالُ بذلٍ لغيره فيكون به سخياً متفضلاً، وهو أشرف الأحوال.
اكتساب، وادخار، وإنفاق على نفسه، وإنفاق على غيره، والإنفاق على الغير هو أشرف الأحوال، هو السخاء، هو الفضيلة، وكسب المال ضرورة، وادخاره شح، وإنفاقه على النفس أنانية، وكسبه ضرورة، فلا بد أن نعمل، فادخاره شح، وإنفاقه على الذات أنانية، أما إنفاقه على الآخرين فهذه فضيلة، فكذلك العلم يُقتنَى كما يُقتنَى المال، فله حال طلب واكتساب، وحال تحصيل يغني صاحبه عن السؤال، وحال استبصار، وهو التفكر المحضُ والتمتع به، وحال تبصير، وهو أشرف الأحوال.
إذًا أوّلاً تَعَلُّم، وبعدما تعلمت، جمعت حقائق كثيرة، ومعلومات كثيرة، وفهمت شيئاً كثيراً من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، فشعرت بالغنى، هذا الادخار، تأملت فيما تعرف، وتبصرت فيما حصّلت، فشعرت بالراحة، الآن أنفقته على نفسك، فاعملْ به، واستفد منه، أما حينما تعلِّمه غيرك فهو أشرف الأحوال.
فمن عَلِمَ وعمل وعلّم فهو الذي يدعَى عظيمًا في ملكوت السموات والأرض، عَلِم وعمِل وعلّم، هذه سورة نقرؤها كل يوم عشرات المرات
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3 ]
عَلِمَ وعمل ودعا، علم وعمل وعلّم، وإذا واجهته معارضات ولاقى تضيقًا صبر، فلا يترك طلب العلم بسرعة، واللهِ أنا لا أريد هذه العمل، لأنّ به وجع رأس فلا أريده، علم وعمل وعلّم وصبر، فإذا توافرت هذه كلها فيسمَّى عظيماً في ملكوت السموات والأرض.
من يتعلم ويعمل ويعلّم كالشمس والمسك :
اسمعوا التشبيه اللطيف، قال: فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيِّب غيره وهو طيب، والذي يعلِّم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال من العلم، والدفتر الفارغ تملؤه علمًا فيفيدك، أما الدفتر فهو جاهل ويبقى جاهلاً، وكالمِسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة تكسو غيرها وهي عارية، والمصباح يضيء لغيره وزبالته تحترق، فالذي يتعلم ويعمل ويعلّم، كالشمس، والمسك، والذي يتعلم ويعلم ولا يعمل كالشمعة تحرق نفسها وتضيء غيرها، لذلك نسأل الله أنْ الله يجعلنا من الصادقين في طلب العلم، وأنا أدعو بدعاء دائماً: "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعدَ بما علمت مني"، أي أنَّ واحداً علَّمتُه ويسبقني، واللهِ هذه صعبة، وشيء مؤلم، تعلِّمه حديثًا يطبقه ويسعد به إلى الأبد، وأنت لا تطبقه، تُعلمه آيةً ويطبقها بحذافيرها، فيجلب منها خير الدنيا والآخرة، وأنت لا تطبِّقها، واللهِ هذا الشقاء كلُّه، لذلك سئل النبي الكريم: مَنْ أندم الناس؟ - أندم اسم تفضيل – قال رجل دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار.
وفي صحيح البخاري حديثٌ يقصم الظهر:
((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لذلك:
وعالم بعلمه لم يعمــــلن معذب من قبل عباد الوثن
***
"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد مني بما علمتني، اللهم أعوذ بك أن أكون عبرة لخَلْقك، اللهم إني أعوذ بك أن أتجمل بشيء يشينني عندك، اللهم إني أعوذ بك أن أقول للناس قولاً في رضاك ألتمس به أحدًا سواك"، القول جيد، القول في رضى الله عز وجل، لكن القائل يلتمس به أحدًا سواك، لذلك أيها الأخوة الأكارم، الإخلاصَ، الإخلاصَ، فقليل من العمل ينفع مع الإخلاص، ومع غير الإخلاص لا ينفع لا قليل العمل ولا كثيره، لذلك: يا معاذ أخلص دينك يكفِكَ القليلُ من العمل، أخلص دينك.
وظائف المعلم :
1 ـ الشفقُة على المتعلمين :
وبعد هذه المقدمة نقول: الوظيفُة الأولى للمعلم الشفقُة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه:
((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ))
[ ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، حتى الشيء الثابت الذي لا يأتيه الباطل، أنا رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لأمته والخلق جميعاً أشد من رحمتهم لأنفسهم.
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة التوبة:128]
إذا تحدَّاك إنسان، وقابلك مقابلة سيئة، وأنت تقتدي برسول الله فكيف تواجهه؟ جاءه جبريل قال: أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، يقصد أهل الطائف، قال: لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله، فرحمته فوق رحمتنا لأنفسنا، وفوق رحمتنا لأولادنا، هذا شيء ثابت، إنما أنا مثل الوالد لولده، إذاً على المعلم أن يقصد إلى إنقاذ المتعلمين من نار الآخرة، وهي أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، فإذا كان نشب بالبيت حريق، والابن بالحمام، والحريق من أطراف البيت كله، فإنَّ الأم أو الأب يقتحم أحدهما النار لينقذ ابنه، فإنقاذ الأب ابنه من نار الدنيا ليس بشيء أمام إنقاذ النبي عليه الصلاة والسلام أتباعه من نار الآخرة، فهذه نار مؤقتة، قد يكون الحريق من الدرجة الأولى ولكنه يشفى بإرادة الله، والدرجة الثانية يشفى أيضًا، وبالدرجة الثالثة قد يعيش مشوَّهًا، أما نار الآخرة فليس لها حل، لذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، وبالنسبة للدنيا إذا دلَّك شخص على عمل مربح وربح منه فأنت مدِينٌ له، لقد حكى لي أخ، وهو واللهِ صادق عندي، أنَّه اشترى بيتًا أنزل صاحبُه السعر سبعين ألفًا، أنا مبدئِيًّاً ما صدقت، خفَّض سبعين ألفًا، قال لي: نعم والله، سألت ما السبب؟ قال لي: إنَّ صاحب البيت في بداية عمله التجاري دَلَلْتُه على مصلحة ربح منها الملايين، فلم ينس هذا المعروف، إذًا فتخفيض سبعين ألفًا مبلغ يسير، لكنها ثروة طائلة جاءت نتيجة مساعدة سابقة وإرشاد، فقد دعمه ووجهه، فإذا نزل له في سعر البيت سبعين ألفًا فمبلغ بسيط مقارنة بالمليون، فإذا أصاب شخصًا في الدنيا خيرٌ عن طريق شخص آخر فتراه مدينًا له طوال حياته، فإذا كانت المساعدة والدلالة تتعلق بالحياة الأبدية وبالجنة التي عرضها السموات والأرض، إذْ لا فناء، ولا كبر، ولا مرض، ولا هم، ولا حزن، ولا قلق:
((قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))
[البخاري عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
إذا دخل شخص بيتًا فخمًا بمصيف جميل، فقال: وَاللَّهِ إنّه جميل ، فقال لك صاحبه: خذه، و يقدر ثمنه بمليونين ونصف، إنّه لك، مع السيارة، وهذا دخل شهري قدْرُه عشرة آلاف ليرة، ألا تشعر أنك صغرت أمامه، والمعلم في الدنيا هو السبب في دخول الجنة، لذلك قالوا: حق المعلم أعظم من حق الوالدين، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، إذا ترك لك الأبُ مئة مليون، أجلْ هناك آباء تركوا مئة مليون، فإذا مات الابن انتقلت التركة إلى غيره، فمهما كان عطاء الأب غزيرًا يفقده الابنُ بالموت، أما عطاء المعلم فهو إلى أبد الآبدين، لا ينفد خيرُه، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما العلم هو المفيد إلى الحياة الأخروية الدائمة، أعني معلم علوم الآخرة، لا رياضيات ولا هندسة، معلم علوم الآخرة، فإذا عرفت الله عز وجل، واستقمت، وعملت الأعمال الصالحة هذا الذي يعلمك، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه، تتعلم من أجل الوجاهة، والمنصب، والرياسة، وترؤس المجتمعات، وتصدّر المجالس، فإذا كان هذا هو العلم فهذا هلاك بهلاك، هذه الوظيفة الأولى للمعلم، أن يعلم المتعلمين كأبنائه.
2 ـ أن يقتديَ بصاحب الشرع :
الوظيفة الثانية: أن يقتديَ بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على العلم أجراً، ولا يقصد به جزاء ولا شكوراً، بل يعلمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرب إليه، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه تعالى، لا يريد جزاء، ولا شكوراً، ولا تلميحاً، ولا تصريحاً، ولا مادة، ولا معنى، ولا شيئًا من هذا، ولا يرى لنفسه مِنَّة عليهم، هنا تبرز المشكلة، إنّه لم يطلب منهم شيئًا، ولكنه شعر بذاته أن له فضلاً عليهم، وهذا أكبر عيب، قال العلماء: ولا يرى لنفسه منَّة عليهم، وإن كانت المنّة لازمة عليهم، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إذا علَّمتَ إنسانًا وقبل أنْ يتعلم منك استجاب لك، فهو ذو فضل عليك، وليس لك فضل عليه لو ما تعلم منك، فلو أنّه لم يتعلم على يديك، فقد حُرِمتَ الأجر عند الله، لكن هؤلاء الذين استجابوا لك، واستمعوا، وطبقوا، وسعدوا كلهم في صحيفتك، فهم سبب سعادتك، كالتاجر الذي فتح محلاً فخمًا، ثم لم يدخله أيُّ زبون، فما قيمة المحل؟ فهنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يقول: لا يكفي ألاّ يطلب أجرًا ولا أن يحس أن له فضلاً عليهم، فهو مخطئ، بل لهم الفضل عليك، لأنهم استمعوا، واستجابوا، وإن كانت المنَّة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذَّبوا قلوبهم، فأنتَ تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، وهذه الأمثال جميلة.
قال: كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك، فقال لك: خذ الأرض وازرعها، والمحصول لك، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلده منَّة وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى؟ ثواب المعلم عند الله أكثر من ثواب المتعلم، إذاً من له الفضل على الآخر؟ المتعلم له الفضل، إذْ لولاه لمَا نلت هذا الثواب، فلا تطلب الأجرة إلا من الله تعالى كما قال عز وجل:
﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾
[ سورة هود :29]
فإن المال وما في الدنيا كلها خادم للبدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم، قال العلماء: إذ به شرف النفس، فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل حذائه بوجهه لينظفه، إذا طلب أحدٌ على دعوته إلى الله منفعةً ماديةً أو معنوية كمن مسح حذاءه بوجهه لينظفه، الحذاء خادم، والوجه مخدوم، لكنك جعلتَ المخدوم خادمًا، والخادم مخدومًا، وهذا هو الانتكاس على أم الرأس، وسوف نتابع هذه الوصايا.
3 ـ أن يترفع عن الدنيا :
ثم عليك أنْ تترفع عن الدنيا، اجعل الدين في السماء، ولا تمرغه في الوحل، هناك أناس مرَّغوه في الوحل، وأساؤوا إليه إساءة كبيرة، فلا تطلب على دعوتك إلى الله ولا على تعليمك أجراً، واحتسب الأجر عند الله تعالى، وإذا كنت طموحًا فاترك الأجر لله عز وجل، وإليك بعض الأحاديث الشريفة.
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
وبصراحة أريد أنْ أقول لكم: إذا كان الدين عندك حضور مجالس علم فقط، فليس عندك روحانية، ولا تشعر بسرور، واعلم أنّ الإيمان له حلاوة، فإذا أكلَ الإنسانُ أكلة طيبة وهو جائعٌ، ألا يسعد بها؟ بلى، فالإيمان له حلاوة، قال عليه الصلاة والسلام:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ- الأولى- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
كيف ذلك؟ مثلاً دعاك شخصٌ وأنت لم تصلِّ الظهر، تعتذر حتى تصلي الظهر أولاً، اعتذِرْ عن كل شاغلة لتصلي الظهر بإتقان ورويَّة وإلاّ فأنت في غنى عن دعوته.
مثالٌ آخر: دخلتَ أنت وصديق محلاً، وهذا المحل لا يجوز أن تدخله، تقول: استحييت منه فدخلتُ، أي أنّ هذا الصديق أغلى عليك من الله ورسوله، وإذا قلت: أنا لا أدخل، وهذا خطأ، وكان الأولى ألاّ تدخل، وأنت حين تضحي بصداقات الناس من أجل إرضاء الله عز وجل فقد عملتَ صوابًا، ولن يتخلَّى الله عنك، فهو وليُّك، وعندما تؤثر صديقًا على محبة الله، وتؤثر مبلغًا من المال على رضى الله عز وجل، فقد جعلتَ منفعتك مقدمة على طاعة الله و مرضاته، لكنّك إذا كان الله ورسول أحبَّ إليك مما سواهما، فتقول: معاذ الله، كما قال سيدنا يوسف حين دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين.
﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 23 ]
المؤمن صاحب مبدأ وله مواقف عظيمة :
المؤمن صاحب مبدأ، وله مواقف، فقد يلين الجبل ولا يلين هو، فمواقفه صلبة، لأنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، أما بعض الأشخاص إذا دعي إلى حفلة مختلطة يقول: واللهِ استحييت، وأنا أرى أنّ مجاملة الآخرين لا بد منها، ولا بد من مسايرتهم، وأرجو الله أنْ يغفر ذنوبنا، هذا يعني أنّ محبة الناس ومجاملتهم مقدمة على محبة الله و رسوله، إذا كانت لك علاقة ربوية قلت: هكذا يريد شريكي، فالدرهم والدينار أحب إليك من الله ورسوله، قال لي شخص: الحمد لله، إني أصلي الصلاة في وقتها وفي المسجد، ولكن أسأل الله أنْ يصلح شريكي في المطعم فإنّه يقدِّم خمرًا، أصلحه الله و هداه، قلت له: انسحب، فقال: أنسحب؟ أرباحه طائلة، لكني لا أذهب إلى المطعم أبداً، والحمد لله، الأمرُ برقبته، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، واللهُ عز وجل يضع المؤمن في ظروف، وهذه الظروف يخلقها الله خلقًا، ليظهر الإنسانُ على حقيقته، فيما إذا كان الدرهمُ والدينا أحبَّ إليه من الله ورسوله أو أن الَله ورسوله أحبُّ إليه من الدرهم والدينار، يقول: الضرورات تبيح المحظورات، العلماء قالوا: هذه الضرورات إذا خِفْتَ فَقْدَ الحياة، أو فَقْدَ أحد الأعضاء، فعندئذ الضرورات تبيح المحظورات، يقول المؤمن: واللهِ آكلُ خبزًا يابسًا ولا آخذ مالاً حرامًا، أرضى أنْ آكُل خبزاً فقط، ولا آخذ هذا المال الحرام، نجحت حينئذٍ، وبعدها سوف نعطيك الرضا، والرحمة، والتجلي، والمال، فالله عز وجل قال:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت:2]
لا يمكن لإنسان أنْ ينجو من الفتنة، فربنا عز وجل عنده محكٌّ، لتَتَكَلَّمْ بما شئت، كأنْ تقول: أنا أحب الله، ومحبة لا يعلمها إلا الله، ثم تمر أمام فتاة جميلة فتنظر إليها و تحدق، فأين الذي في قلبك من محبة الله؟ لا توجد مادة في قانون أرضي تحاسبك، تنظر، أوْ لا تنظر، أما ربنا فيحاسبك إذا نظرت وضربَ على اسمك بأنك لستَ له محبًّاً، ورسبتَ في الامتحان، فاحذرْ فإنَّ علاقتك مع الله عز وجل:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
فإذا آثرتَ محبة الله ورسوله جمعت الدنيا والآخرة، لذلك: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
علامة المؤمن الصادق أنْ يحب أخوانه في الله محبة عجيبة :
أمّا الثانية:
((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه))
في دنياكَ أشخاص تحبهم لله، لا هو زبون، ولا صديق، ولا قريب، ولا صهر، ولا جار، ولا عنده سيارة فتركبها، ولا حالته المادية جيدة، فيدعونا لمائدته، ليس مِن علاقة بينك وبينه إلا علاقة الأخوة في الله، تشعر نحوه بمحبة آسرة، وتعقيبًا على هذه الظاهرة ذكر لي شخصٌ فقال: واللِه إذا مضى يومٌ ولم أرَ صديقي الذي صادقتُه لله فإنّي لا أهنأ، وإذا رأيته أشعر بسعادة عارمة، إذًا علامة المؤمن الصادق أنْ يحب إخوانه في الله محبة عجيبة، خالصةً لله، لا يطمع في مالهم، ولا في مناصبهم، ولا في أي شيء، بل رآه مؤمناً فأحبَّه، ورآه أخلاقياً فأحبه، جاء في الحديث القدسي:
((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))
[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]
وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ- وجبت- وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، انظُر مليًّاً، فهذه مجالسة لله، دونما مصلحة دنيوية صغرتْ أو كبرتْ، وَجَبَتْ مَحَبَّتِي، أنت الآن ضيف الله عز وجل: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
في أحيان كثيرة تجد الإنسان المسلم يفضل أنْ يأكل تحت المطر، إذا كان خارج بلده و لا يدخل مطعمًا فيه معصية، يفضل أنْ يأكل شطيرة (سندويشة)، يأكل ما خَشُنَ في طاعة الله، ولا يأكل أفخر المأكولات في مكان يعصى الله فيه، فهذه علامة المؤمن.
ابتعاد المسلم عن كل ما هو غير أخلاقي :
((...وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
هذا مقياس لنا جميعاً، أن تنفر من كل ما هو جاهلي، ومِن كل ما هو غير أخلاقي، وأنا أشبه هؤلاء بشخصٍ سقط في كنيف ثم خرج أو أُخرِج و دخل حماماً، واغتسل ساعة ثم تعطَّر بالعطورات ذات الأرج الفوَّاح، ولبس الثياب النظيفة، وصفَّف شعره، ثمّ ما لبث أنْ رأى السياقات بمياهها السوداء، أيشتهي أنْ ينزل إلى الكنيف مرة ثانية؟ فلو حَنَّ إلى الكنيف لكان مجنونًا حقًّاً، وهكذا المؤمن بعد أنْ أنقذه اللهُ من القاذورات، والسفالات، والسخافات، ومن كل ما يشين الإنسانَ، كالمزح الفاحش، والغرور، وبذاءة اللسان، والضلالة، فإذا أنقذك الله عز وجل من القاذورات، والبذاءات، وطهَّر قلبك بالإيمان، فأنت ذو حظٍّ عظيم:
((... وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
وإذا تحقَّق للمرء هذه الهداية فإنّه يقول: واللهِ لو قطعت إرباً إرباً فلن أعود إلى ما كنت عليه، هذا شيء يعلمه كل منكم، تكره أن تعود إلى ما كنت عليه، هذا الحديث أُحبُّ أن تحفظوه، وتتمثلوه دائماً.
صفات المؤمن الحق :
إذًا ألخِّص وأكرِّر: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فإنْ كنتَ في زيارة لبعض أرحامك ووجدتَ ما لا يرضي الله عز وجل مِن منكر، إذًا تودِّع، والسلام عليكم، وهذا تعليم و تنبيهٌ بمَن كنتَ في زيارتهم.
ثانياً:
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ..))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
فلا تقيم مودة و صداقة خالصةً إلاّ إذا كانت قائمةً على رضا الله تعالى، فهذا الذي ينمو بذرُه، ثم يكون منها شجرة، ثم تكون هذه الشجرة، شجرة المحبة والمودة مثمرةً ثمرًا يانعًا، فإنها تعود ثمراتها بخيرٍ على الفرد و المجتمع، و بهذا يكون ظلُّ الإسلام ظليلاً، و يتحقق لنا المعنى السامي للحديث:
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
هذه صفات المؤمن الحق:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ...))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
حاسبه الله تعالى حساباً يسيراً يوم القيامة، وأدخله الجنة برحمته، فأعطى المال و عفا عن أهل الإساءة، ووصل رحمه، و ردَّ على الإساءة بإحسان، فسيدنا ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه فَقَدَ مالاً، فتوجه إلى الله عز وجل وقال: "اللهم إن كان الذي أخذ هذا المال عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه يا رب"، وآخر بالغ في الإساءة لصحابي فقال له: "إن كنتَ صادقًا فيما تقول فغفر الله لي، وإن كنتَ غير صادق فغفر الله لك"، فالمؤمن يترفَّع عن مستوى المشاحنة، والخصومات، ويعلو عن كلِّ ما فيه عيبٌ وشين، ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فقد سما في معارج القبول، فأنت رجلٌ منَّ الله عليك بنعمةٍ كبرى هي نعمة الهداية، والسلوك الأخلاقي الإيجابي، وكذلك من أدَّى، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، فهذا برئ من الشح، فلا يسمى شحيحاً، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، ودخل بها على أولاده، فقد يذهب الإنسان إلى السوق يشتري خضارًا ويحمل حملاً ثقيلاً، فهذا فخر، أنت عندئذٍ بريء من الكبر، فاحملْ حاجتك بيدك، لقد برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، الثالثة: برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ، فإذا أكثرت من ذكر الله، فأنت بريء من النفاق، وبريء من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر ذكر الله.

آفراح
09-09-2018, 10:25 AM
بورك فيك وجوزيت كل خير
تحية

السعيد
09-09-2018, 01:27 PM
تسلمين اختى افراح

السعيد
09-09-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : الوضوء -فرضيتة - وجوبة - ندبة




الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أقسام الوضوء :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى أوصاف الوضوء، والوضوء على ثلاثة أقسام:
الأول: فرض، أي من أراد أن يصلي وهو محدث فالوضوء فرض، فعلى المحدث للصلاة، ولو كانت نفلاً، أو فرضًا، أو سنةً، أو تطوعًا، فإن كان المصلي محدثاً، فالوضوء لها ولصلاة الجنازة ولسجدة التلاوة فرضٌ، والوضوءُ فرض لِمَسِّ القرآن، ولو لمراجعة آية.
والثاني واجب: وأما الوضوء الواجب فللطواف بالكعبة، وكما يتضح لكم أن الفرض إذا تركه الإنسان لأيِّ سببٍ يأثم، وإن تركه تهاوناً أَثِم، وإن تركه إنكاراً كَفَر، ومن ترك الصلاة استخفافاً بحقها كفر، أمّا من ترك الصلاة تهاوناً فقد فَسَقَ.
والثالث: مندوب - دققوا أيها الأخوة كيف كان السلف الصالح يتخذون من الوضوء أدباً، حتى يرفع من طاهرة نفوسهم - فيُندَب للنوم على طهارة، فإذا أردت أن تذهب إلى النوم فالوضوء مندوب لك، لأنّ النوم على طهارة يجعل النائم يغيب في منامات سعيدة، فيرى نفسه يقرأ القرآن، أو في مجلس علم، وقد يرى نفسه في زيارة الحبيب المصطفى، وما دام قد نام على طهارة فلنْ يأتيه كابوس في النوم، عند الكوابيس يستيقظ، وكأن الشيطان قد مسّه، هذه المنامات الموحشة، التي تفزع منها النفس، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ إذا ذهب إلى النوم، ويتوضأ إذا استيقظ منه،، فمثلاً أنْ يستيقظ من النوم مباشرةً إلى الأكل صباحاً، فهذا تأباه النفوسُ الطيِّبة، ولا يجوز له، فالوضوء بعد النوم، أي أنْ يغسل يديه، وكذلك إزالة بعض المفرزات من عينيه، وإزالة بعض الزبد على فمه، وغسل أنفه، وتنظيف ما تراكم فيه، فإذا استيقظ الإنسان من النوم وتوضأ فهذا من السنة بعدَ الاستيقاظ من النوم، كما يُسنُّ المداومة عليه، والمسلم إذا توضّأ وصلى الضحى وخرج من بيته، ثم انتقض وضوءه في أثناء الطريق، ووصل إلى مكتبه، أو وصل إلى مكان عمله فليتوضأ، وهذا الوضوء مندوب للمداومة عليه وعلى استمراريته، وكذلك في الصيف مثلاً رجلٌ متوضئ دخل المسجد، والبحرة فيها ماء زلال، واشتهى أنْ يتوضأ، مع أنّه متوضئ، فهذا مندوب، الوضوء على الوضوء، دخل إلى المسجد الحرام وهو متوضئ وتوضأ فهذا مندوب.
مندوبات الوضوء :
وبعد غيبة، فإذا كان الإنسان في غيبة ندب له الوضوء، وبعد كذب، فإذا وقع الإنسان في كذب فعليه أن يتوضأ، لأن نفسه تنجست:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
فلا يخون المؤمن ولا يكذب، وكذلك بعد كذب وغيبة ونميمة، تكلَّم عن شخص، وشعر بوحشة وبحجاب، وانقطعت الصلة مع الله عز وجل، أول عمل أنْ يتوضأ، وبعد كل خطيئة أيضًا، والوضوء يلازم التوبة، والتوبة طهارة الباطن، والوضوء طهارة الظاهر، وبعد إنشاد شعرٍ، وكما قال بعض الشعراء: أعذب الشعر أكذبه، قال تعالى:
﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الشعراء: 224 ـ 226]
إذاً إنشاد الشعر يندَب له الوضوء، فهناك شعر فيه غزل، فيه هجاء، فيه وصف لمحاسن امرأة، شعر من هذا القبيل، عليك أن تتوضأ منه، وكذلك قهقهة خارج الصلاة، اللهم صلِّ عليه كان جلُّ ضحكه تبسمًا، وهناك ضحكة يكاد الشخصُ ينقسم نصفين من فَرط ارتفاع صوته، فهذا الضحك يُندَب أن تتوضأ منه، وغسل ميت، فكل من ساهم في غسل ميت، أو حمله، عليه أن يتوضأ، مع أن الميت طاهر، والمؤمن لا ينجس، ولكن هذا توجيه صحي، أي قد تكون الوفاة بسبب مرض سارٍ، وقد تكون الوفاة قد نتج عنها بعض المفرزات التي فيها بعض الجراثيم، فمن ساهم في غسل ميت، أو حمله فعليه أن يتوضأ، وهذا توجيه صحي كما نوَّهت، ولوقت كل صلاة، أذن العصر وأنت متوضئ فمندوب أن تتوضأ لكل صلاة، وقبل غسل الجنابة، مندوب أن تتوضأ قبل غسل الجنابة، وللجنب عند أكل، وشرب، ونوم، جنب لم يغتسل، وقام ليشرب أو ليأكل فعليه أن يتوضأ، إذًا أكلٌ وشربٌ ونوم ووطء، ولغضب كذلك، فإذا غضب الإنسان وتوضأ فقد يذهب عنه الغضب، وهذا مفهوم ومجرَّب، أو يسكت عنه الغضب، كما قال الله عز وجل:
﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 154]
وهذا من أروع تشبيهات القرآن الكريم، وكذلك يتوضَّأ لقراءة قرآن، أو حديث شريف، أو قراءة، فهذا مندوب، أمَّا المسُّ ففرض، فشخص حافظ القرآن أحبَّ أنْ يقرأ القرآن، أو أنَّ المصحف مفتوح، فله أنْ يقرأ دون أن يمسَّ المصحف، ومن دون أن يتوضَّأ، لكن المندوب أن يتوضأ إذا قرأ القرآن، ولقراءة الحديث الشريف كذلك، تعظيماً لهذا العلم الشريف، وروايته، ودراسة العلم الشرعي، كأن يحضر مجلس علم، أو أحبّ أنْ يتدارس مع غيره موضوعًا شرعيًّاً فليتوضأ تعظيماً لهذا العلم، والوضوء مندوب للأذان، وللإقامة، وللخطبة، ولزيارة النبي عليه الصلاة والسلام، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، وكذلك أكل لحم جزور، فالفقهاء في هذه المسألة وقفوا عند النص، وإذا مس امرأة، والإمام الحنفي قال: لا مانع، ويقصد زوجته، أما المرأة الأجنبية فتحرم مصافحتها، وليس وضوءه، ولكن إذا مس امرأته فعلى المذهب الحنفي لا يتوضأ، وعلى المذهب الشافعي يتوضأ، فأيهما أكثر حيطة؟ المذهب الشافعي، وإذا أردتَ أن تخرج من خلاف العلماء وأنت حنفي المذهب، وأردت أن تصلي بالناس، وبينهم من هو شافعي المذهب، فإذا أردت أن يطمئن الناس لك، فلتتوضَّأ لتخرج من خلاف العلماء، والوضوء يسع كل المصلين، أما عدم الوضوء فيسع الأحناف فقط، فمن أجل أن تسع كل الناس توضأْ واخرج من خلاف العلماء، هذه مندوبات الوضوء، ولا بأس بعد هذا الشرح المسهب من إعادة موجزة.
إعادة موجزة لما سبق :
أوصاف الوضوء: الفرض والواجب والمندوب.
الوضوء على ثلاثة أقسام:
الأول: فرض على المحدث للصلاة ولو كانت نفلاً، ولصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ولمس القرآن ولو لمراجعة آية.
والثاني: واجب للطواف بالكعبة.
والثالث: مندوب، للنوم على طهارة، وإذا استيقظ منه، وللمداومة عليه، وللوضوء على الوضوء، وبعد كذب وغيبة ونميمة، وكل خطيئة، وإنشاد شعر، وقهقهة خارج الصلاة، وغسل ميت وحمله، ولوقت كل صلاة، وقبل غسل الجنابة، وللجنب عند أكل، وشرب، ونوم، ووطء، ولغضب، وقرآن، وحديث، وروايته، ودراسة علم، وأذان، وإقامة، وخطبة، وزيارة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، وأكل لحم جزور، وللخروج من خلاف العلماء إذا مس امرأة.
* * *
صفات العلماء الذين يعلِّمون الناس العلم الشريف :
وبعد هذه العجالة إلى بعض ما جاء في إحياء علوم الدين من صفات العلماء الذين يعلِّمون الناس العلم الشريف.
1 ـ أن يقتصر المعلم مع المتعلم على قدر فهمه :
الوظيفة السادسة: أن يقتصر المعلم مع المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفر، أو يخلِّط عليه عقله، أو يشوشه، اقتداءً في ذلك بسيد البشر عليه أتم الصلاة والسلام، ماذا قال؟
(( نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنِ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَنُكَلِّمَهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ"، والله هذا الحديث جميل، فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِتْنَةً ))
[الجامع الصغير عن ابن عباس]
عليك أنْ تنتقي من الأحاديث ما هو واضح، وأنا أنصح أن الخلافيات يجب ألا نبحث فيها، لماذا؟ هناك أشياء متفق عليها في الإسلام، لا يختلف عليها اثنان على وجه الأرض، وهذه ما أكثرها في كتاب الله، والقرآن كله متفق عليه، التفكر في الكون، وعظمة الله عز وجل، من خلال خلقه، الاستقامة على أمر الله، وتطبيق آيات القرآن، فهناك آلاف الموضوعات التي إذا حدثت الناس بها اجتمعت قلوبهم، وتوحدت كلمتهم، والتفُّوا حولك، من دون أن تبحث في خلافيات لا تقدم ولا تؤخر، لذلك النبي الكريم قال:
(( مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِتْنَةً ))
[الجامع الصغير عن ابن عباس]
وهذا حديث آخر لم يذكره الإمام الغزالي، قَالَ عَلِيٌّ:
((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))
[البخاري عن علي ]
وقال علي رَضِي اللَّه عَنْه وأشار إلى صدره: "إن هاهنا لعلوماً جمَّة، لو وجدت لها حَمَلَةً"، مثلاً كأنْ تقول لفاسق: إنّ هذه المصيبة لرقي الإنسان، فأعظم الناس بلاء الأنبياء، هذا الكلام ليس صحيحًا لإنسان فاسق، يقول لنفسه: فأنا مبتلى، وأنا مثل الأنبياء إذًا، هذا الفاسق لا تقل له هذا الكلام، قل له: المصيبة عقاب من الله عز وجل، ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، ويعفو الله عن كثير، فإذا خاطبت فاسقًا فبادِره بهذا التوجيه، وإن دخلت على أخ مؤمن راقٍ تائب منيب تقي نقي، مريض فلا تقل له: ربما فعلت ما فعلت، وهذه عقوبة، بل قل لهذا الأخ المؤمن: هذا ابتلاء لرقي المؤمن.
((عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ،عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))
[أحمد عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ ]
ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين، بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بدرجة لم يكن الله ليبلِغه إياها إلا بتلك المصيبة.
فمثلاً إذا قام شخصٌ يدعو عند عقد قران، فليدعُ بما يناسب عقد القران، وهناك أدعية تناسب عقد القران، كما أن هناك أدعية تناسب الزفاف، وللمناسبات الحزينة أدعية، والإنسان ينتقي الدعاء المناسب، والوقت المناسب، والرجل المناسب، كما قال سيدنا علي: "ما كل ما يعلم يقال، وما كل ما يقال له رجال، ولكنْ إذا وجد الرجال فقدْ آن الأوان"، ويجب أن تقول ما يمكن أن يقال، وفي الوقت الذي يقال فيه، وللرجل الذي يستوعب هذا القول، وهذه هي الحكمة، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
وعن سيدنا عيسى أنه قال: "لا تعلق الجواهر في أعناق الخنازير"، والجواهر هنا تعني الحكمة، فإذا حدثت بها مَنْ ليس أهلاً لها فكأنك علَّقتَ الجواهر في أعناق الخنازير، قيل: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله، وزِنْ له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، وسئل بعض العلماء عن شيءٍ فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
((مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
فقال له العالم: اترك اللجام واذهب، يبدو أنه رآه ليس في مستوى هذا السؤال، فقد يفتنه إنْ أجابه، وقال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
استنبط بعضهم من هذه الآية أن العلم أثمن من المال، فإذا كان المال لا ينبغي أن نؤتيه السفهاء، فالعلم أثمن منه، فلا ينبغي أن تعلِّم السفهاء كلاماً ليس في مستواهم، يتخذونه حجة للحذلقة والاستعلاء على الناس وتغرير الناس وإيهامهم أنهم علماء وهم ليسوا كذلك.
2 ـ المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجَلِيَّ اللائقَ به :
الوظيفة السابعة للمعلم النصوح: أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجَلِيَّ اللائقَ به، والأمور الواضحة، أما أنْ تعمد إلى كتاب الفتوحات مثلاً لعوام الناس، واللهِ يكفرون لأن به أشياء دقيقة، وبعيدة عن أفهام العامة، وقد لا تقبل لمخالفتها للكتاب، وقد تكون منسوبة إلى الشيخ محي الدين، فقبل أن تقرأ، وقبل أن تدرس محِّصْ، أما أن تقرأ ما في الكتب من دون تمحيص، من دون تقييم، ومن دون تقيد بكتاب الله، فهذا ليس من صفات العلماء في شيء، ليس كل شيء قرأناه ننقله للناس، فهناك أقوال وقصص تقلب الموازين كلها رأسا على عقب، قال العلماء: ولا تذكر لهذا المتعلم القاصر أن وراء هذا العلم الجليِّ اللائق علماً دقيقاً لا أعلمك إياه، لأنك لست في مستواه، قال: عندئذ تفتر همة هذا المتعلم عن الجليِّ، ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق، فهذه المصيبة أن كل إنسان يعتقد أو يتوهم أنه أهل لكل علم دقيق، فإذا قلت للمبتدئ إن هذه معلومات ساذجة بسيطة، وعندي معلومات دقيقة لا أحدِّثك بها، إذا قلت له هذا زهد فيما تعلمه، وظن نفسه أهلاً لهذا الذي ضننت به عليه، فشوشت قلبه، وحيرت فؤاده، وأوقعته في الفتنة، وأنت لا تدري.
إنّ التجار يعرفون هذه الحقيقة، إذ عند أحدهم مساطر متنوعة بالأسعار، فإذا ذهب إلى منطقة فقيرة مثلاً، لا تنفق فيها البضاعة الثمينة، وعرض ما هو ثمين، ثم عرض الوسط، ثم الأدنى، يتعلق أحدهم بالثمينة ولا يملك ثمنها، فلن يشتري إطلاقاً، تلك غالية ولا تباع في المنطقة الفقيرة، وهذه حينما عرضها مع هذه فقدت رونقها، فزهد بها، هذا شيء متبع، والتجار أذكياء، فلما يعرض التاجر الجيد والغالي لإنسان لا يستطيع أن يدفع ثمنه، ولا أن يتذوقه تعلق به، وزهد في الذي دونه ولم يشتر شيئاً، وهذه الظاهرة في التجارة تنطبق تماما على العلم.
فإذا قلت للمتعلم: عندي علم أعمق و أشمل، وأنت لستَ في مستواه الآن، زهد في الذي تعلِّمه إيّاه ممَّا هو مستواه، قال الغزالي: هذه ليست من صفات العلماء الحكماء، فما من أحد سبحان الله إلا وهو راض عن الله سبحانه وتعالى في كمال عقله، فلا أحدَ من بني البشر إلاّ ويظن أن عقله كامل، كل واحد يرى كمال عقله مئة بالمئة، و الناس كلهم راضون عن عقولهم، وساخطون على أرزاقهم، مع أن تفاوت العقول تفاوت كبير، كالذرة جنب أُحُد، ولكن الناس راضون عن عقولهم، فإذا قلت لهم: أنتم لستم في مستوى هذا الكلام، قالوا: بل أنت وعليك ذلك، قال: وأشد الناس حماقة وأضعفهم عقلاً هو أفرحهم بكمال عقله، قال: وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع، ورسخ في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه، ومن غير تأويل، وحسن مع ذلك إسلامه، ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده، شخص له مصلحة، تفكيره محدود، مستقيم، يصلي، يغض بصره، ماله حلال، فعليك أنْ تقبل منه هذا الوضع، وإن أردتَ أكثر فَتَنْتَه، ليس لديه إمكانية في أنْ يفهم أدق من ذلك، الصلاة فرض فهو يصلي، أما الصلاة فدرجات، والصلاة الوسطى، التفات إلى الله بين الصلاتين، والصلاة لها معوقات، ولها مثبطات، ولها هذه التعقيدات، فلا يفهم عليك، وعليك أنْ تخاطب كل إنسان على قدر عقله.
3 ـ أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذّب قولَهُ فعلُهُ :
آخر صفة من صفات العلماء العاملين، أن يكون المعلم عاملاً بعلمه، فلا يكذّب قولَهُ فعلُهُ - مفعول به مقدم - فلا يكذب قولَهُ فعلُهُ، لأنّ العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر من ستة آلاف مليون إنسان، ولكل إنسان عينان، ولا تجد بالمئة ألفٍ واحدًا عنده بصيرة، فأصحاب الأبصار أكثر من أصحاب البصائر، والناس يرون الظاهر، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العملُ العلمَ مُنِع الرشاد، وكل من تناول شيئاً ما، مثلاً لو أنّ شخصًا أمسك الكأس وشرب منها، وقال للناس: لا تشربوا من هذا الماء فإنه سم مهلك، سخر الناس منه واتهموه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما شرب منه، فإذا ارتكبتَ مخالفة، وحاولتَ أنْ تقنع الناس أنّ هذه مخالفة فلن يسمعوا إليك، ولو أنّ أحدًا منع الناس عن فتِّ البعر لفتوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء، فإذا فتَّه هو ظنَّ الناسُ أنّ هذا شيء ثمين، إذاً كل إنسان يخالف قولُه فعلَه يغري الناس بالمعصية، هم لا يزهدون به، بل إنه يغريهم بالمعصية، ومثل المعلم المرشد مع المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود، فكيف يتنقش الطين بما لا نقش فيه؟ ومتى استوى الظل والعود أعوج؟ خُذْ الآن قضيبًا أعوج، واغرزه في الأرض، فهل ترى ظلَّه مستقيمًا؟ مستحيل، لا بد أن يكون ظله أعوج مثله، ومتى استوى الظل والعودُ أعوجُ؟ متى رأيت هذا؟ ولذلك قيل في هذا المعنى:
يا أيها الرجل المـعلم غيره هـلاّ لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهَهَا عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
***
وقال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 44]
ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل، إذْ يزل بزلته خلقٌ كثير، ويقتدون به، فإذا كان للعالم غلطة، أو له معصية، أو مخالفة، أو انحراف طفيف، صار هذا الانحراف سُنَّة ودينًا، وفلان لا يُناقش، هذه لا تجوز، إنّ أكثرَ مِن خمسين شيخًا أفتوا فتاوى خاطئة، هذا الجهاز كيف تحويه، أناس كثيرون عندهم مثله عمائم ولِحًى، فعندما يكون الإنسان ذا مظهر ديني، ويخالف الشرع، صارت مخالفته سنة، قدوة، ودينًا، فهذا الذي يخالف الشرع يغري الناس بالمعصية، فلو أنّ واحدًا عصى الله عز وجل ومظهره عادي فالخطرُ محدود، لأنه لا يُتَّخَذ قدوة، بل يسمَّى عاصيًا، أما أنْ يكون للشخصِ مظهر ديني، وله مخالفة والعياذ بالله فهذا قدوة للناس إلى النار، لذلك ورد عن النبي الكريم في صحيح البخاري حديثٌ مخيفٌ، أنّ النبي الكريم وصف شخصًا من وجهاء الدنيا في العلم، رآه أهل النار بينهم فقالوا له:
((عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لذلك قال بعض الشعراء:
عالم بعــلمه لم يعمــلَنْ معذبٌ من قبل عُبَّاد الوثن
***
على الإنسان أن يكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً :
النبي الكريم يقول: " تعلموا ما شئتم، فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم"، وقال:
((كل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به))
[ رواه الديلمي عن ابن عباس]
وقال: "كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم"، فيجب أن تكون عالماً، عاملاً، مخلصاً، يقظاً، فلو كنتَ تقود سيارة منذ خمسين سنة، فكل هذه السنوات وكل الخبرات لا تسمح لك أن تغمض عينيك وأنت تقودها لأنّك ستصاب بحادث، يجب أن تكون عالماً، عاملاً، مخلصاً، يقظاً، هذا كلام لبيب ناصح، فمن أجل ألاّ يضيع أحدٌ وقته سدى، ويبذل جهدًا بلا طائل، ويكون ممن حصّل العلم ولم ينتفع به، فيجب أنْ يكون جامعًا لكل تلك الأوصاف التي سبقت للعلماء، واللهِ لقد مرَّ معي حديث لا أزال أذكره: " أندم الناس يوم القيامة عالم دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار"
أربعة أدعية أدعو بها، وكلما دعوتُ بها شعرتُ أنه على كل مسلم أنْ يدعو بها:
"اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك"، "اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدًا سواك"، "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني"، "اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك".
لا يتجنَّب الناس السوءَ فأعمل معصية، فيأخذوا منها عبرةً، ويعاقبني الله عليها، وأصير حديث سوء للناس، فيقال: فلان هكذا عمل، وجرى معه هذا، قال تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
[ سورة سبأ: 19]
هؤلاء القوم الذين كفروا بالله، ودمرهم الله عز وجل فجعلهم أحاديث تتلى.

* * *
أحاديث شريفة :
إليكم بعض الأحاديث الشريفة:
1 ـ ثلاث من نعيم الدنيا وإن كان لا نعيم لها :
((ثَلاَثٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ لاَ نَعِيمَ لَهَا....))
[كنز العمال عن أبي قرة]
وكل إنسان يوطِّن نفسه أنّه سيُسَرُّ بالدنيا يكون مخطِئًا، وطِّن نفسك على ألاّ تُسرّ فعندها ستجد السرور، هذا من الأقوال المتناقضة فيما يبدو، إن أسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، إنّ الذين وصلوا بدنياهم إلى قممها، في المال والعز والجاه والقوة هم أشقى من فيها، وأولئك الذين أخذوا منها اليسير، وعرفوا الله عز وجل، وقنعوا بما آتاهم، هؤلاء أسعد الناس فيها، لِتَكُنْ هذه الكلمة دائمًا في قلبك، إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها:
((ثَلاَثٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ لاَ نَعِيمَ لَهَا : مَرْكَبٌ وَطِيءٌ ، وَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، وَالْمَنْزِلُ الْوَاسِعُ))
[كنز العمال عن أبي قرة]
2 ـ ثلاث من كنوز البر :
((ثلاث من كنوز البر إخفاء الصدقة .....))
[ ابن عساكر عن أنس]
إنْ فعلتَ خيرًا فلا تذكره لأحد إطلاقاً، هل يقول لك الشيطان: أنت منافق؟ لا يمكن، إذا قمت بالليل وصليت ركعتين، وأهلك لم يعلموا، وزوجتك ما دَرَتْ، والأولاد ما دروا، ونِمتَ وما ذكرتَ شيئًا مِن هذا، هل يقول الشيطان: لستَ مخلصًا؟ فكتمان الصلاة في الليل، وكتمان الصدقة، يثبت للإنسان أنه مخلص، ثلاث من كنوز البر إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان الشكوى، فإذا كان يقينُ الإنسان على مستوى رفيع، يعرف أنّ كل الأمور بيد الله عز وجل، والله يعلم، والشكوى للناس ما فائدتها؟ فالذي يشكو للناس تذهب هيبته، الناس لا يزيدون عن أحد رجلين، إما محب فيتألم وإما عدو فيشمت.
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يـــرحم
***
الآن إذا أصيب أحدٌ بمصيبة وأخفاها، فقد جعل سيدنا يعقوب قدوة له، قال تعالى:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 86 ]
تجد شخصًا يثور بسرعة ويضجر، فيأتي بعض الناس ليزوروه، فيعيد القصة إعادة مسهبة، وكل مرة يحسِّنها، حتى تصير قصة تروى، أنا أقول لمثل هؤلاء: اكتُبها على شكل نشرة، ثم اطبعها ووزِّعها على الناس، لكنّك تجد آخر مستسلمًا ساكتًا، يعلم أنَّ العباد كلهم لا شيء بيدهم، وأنَّ الأمر كله لله، لذلك لا يشكو إلا لله، وبعضهم قال: من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، فإذا شكوتَ إلى كافر همَّك أصابك منه الهمُّ، فيقول: أنا قلت لك منذ زمن أنّ هذا الطريق يعود عليك بالشرِّ، فهل نفعك الدينُ؟ لقد كان ينتظر أنْ تصاب فيقول هذه الكلمات، ولعله يدفع عليها مئات الألوف، ويقول: ماذا نفعتك الاستقامة؟ أمَا قلت: إنّ المستقيم ينجيه الله؟ قلت لك: هذا كله خلط، فما صدقتني، فإذا بُحْتَ بشكواك لمؤمن فلا مانع، فإنّه يصبِّرك، ويخفف عنك، ويذكرك بآيات القرآن الكريم، وبرحمة الله، وحكمته، وحلمه، والمؤمن الحقُّ لا يقصُّ لأحد إطلاقاً، مثل سيدنا يعقوب " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون "، أما إذا قام أحدٌ بالليل وصلى قيام الليل، ثم دعا: يا رب ألَّمت بي هذه المصيبة فارفعها عني، فهَذِهِ أرقى أنواع الشكوى إلى الله وحده، والعوام يقولون: الشكوى إلى الله عزٌّ، والشكوى لغير الله مذلة.
إذاً:
((ثلاث من كنوز البر؛ إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان الشكوى))
[ ابن عساكر عن أنس]
يقول الله تعالى:
((إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر لم يشكني إلى عواده ثم أبرأته أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمه وإن أرسلته أرسلته ولا ذنب له وإن توفيته توفيته إلى رحمتي))
[ ابن عساكر عن أنس]
فَعَوِّد نفسك، قال: هذه حالها كحال السفن بالبحر، فإذا هاج البحر قليلاً تجد أنّ السفن الكبيرة مثل الجبل، والقوارب الصغيرة متأرجحة، هناك شخص يشبه السفينة الكبيرة، فالموج متلاطم، وهي شامخة كالجبل، وأمّا القوارب فأضعف الموج يكاد يقلبها، فلا تكن قاربًا خفيفاً، بل كن سفينة شامخة، ولا تشكُ مصيبتك لأحد، فإنَّ الله يعلم ويرى، والله عز وجل يقدر الليل والنهار، ويعلم إيمانك، ويرى ثقتك به سبحانه، فإذا أصابتك مصيبة، ولم تشكُها لأحد فهذا يؤكد علمك بالله، علمك برحمته، وبحكمته، وبقدرته، وبرأفته، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى لا يخيِّب ظنَّك.
3 ـ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ :
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
[البخاري عن عمَّار موقوفًا]
طبعاً إذا كان الشخص ميسور الحال وأنفق، فالإنفاقُ كلُّه مقبول، وهو واللهِ مشكور، لكن إذا كان دخلُ الإنسان محدودًا، وجاءه ضيف من بلد آخر، واعتنى به، وأكرمه، فهذا الإنفاق بالإقتار، وكذلك أنْ يكون له قريب محتاج للمساعدة من أجل عملية جراحية، وراتبُه محدود، فأعان قريبَه، وضغط المصروف، هذا الذي ينفق بالإقتار، لا يعلم كم له من الأجر إلا الله، فالإنفاق من الإقتار، وكذلك بذل السلام للعالم، فأنت مصدر طمأنينة للبشر، لا تُخِفْ أحدًا، بعض الأشخاص مخيفون، المرعبون في النار: "شر الناس من اتّقاه الناس مخافة شره".
هذا شخص يخيفك، إذا قصصتَ عليه حادثةً وأخطأتَ خطأً، خشيتَ أنْ يفشيَ سرَّك، فهو مصدر قلق دائمًا، والنبي الكريم:
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
إذا دخَل شخصٌ غير مؤمن إلى بيتك فقد يحسدك على بيتك، وقد يسمعك كلماتٍ مؤلمةً، وإذا أطعمت واحدًا فقد يحسدك أيضًا على طعامك، إذًا:
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
أكرِّر:
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
فلو فرضنا أنّ أحدًا بمحل تجاري، وأعطى أمرًا للصانع، ونفّذ الأمر، لكنه كسر شيئًا ما مثلاً، فإذا كان مؤمنًا، قال: واللهِ الحقُّ عليَّ، أنا السبب في كسره، والخطأ منِّي لا مِن الصانع، أمّا إذا كان غير مؤمن فيمطِره بوابل من السباب، فلما ينصِف الإنسانُ الناسَ من نفسه فهذا عدل و إحسان، وهذا السلوك المغلوط يقع فيه الأباء مع أبنائهم، والأزواج مع زوجاتهم، فلا يكون منصفًا، بدعوى أنه أبٌ له مكانة، وزوج يجب أنْ يُطاع ولو أخطأ، فعلامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، ما دمتَ مخطئًا فاسكت:
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
4 ـ ثلاث من الفواقر :
آخر حديث:
(( ثلاث من الفواقر إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر.....))
[الطبراني وابن عساكر عن فضالة بن عبيد]
إذا غلطتَ غلطة ليس لها حل، ولا مغفرة، وإن أحسنت وأحسنت وأحسنت يتعامى عن إحسانك، وكأنك لم تحسن، فهذه قبيحة، فإذا كان لرجل صانع، أو عنده موظف، عيَّنوه مدير مدرسة، أو عيَّنوه معلمًا لصف، وجاء طالب في الوقت، وهو منظم ومجتهد، فأثنِ عليه، وأسمعه كلمة لطيفة، أو موظف ليس له أيَّة مشكلة، فابتسمْ بوجهه، وقل له: أسأل الله أن يعطيك العافية، والِله أنا مسرور منك، أنت موطنُ اعتزازٍ عندي، وأنا أثق بإخلاصك، وأضربك مثلاً للآخرين، واللهِ يبقى أسبوعًا متأثِّرًا بهذه الكلمة الطيبة، أمَّا إذا أحسن أحدُهم وتجاهلتَ إحسانَه فقد حطَّمتَه، لكنْ إذا أحسن فأثنِ على إحسانه، لكنَّ النبي الكريم يقول:
((......إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه....))
قد يمضى على جوارك له ثماني سنوات، ولم تسمع منه كلمة شرٍّ أبداً، وذات مرة أخطأت خطأً، فإذا به يفتح عليك السياقات:
((.....إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت خانتك))
إذاً:
(( ثلاث من الفواقر إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت خانتك))

السعيد
09-09-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و العشرون )


الموضوع : نواقض الوضوء



الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
نواقض الوضوء :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى نواقض الوضوء، ونواقض الوضوء لا نحتاج إلى أن نقف عندها كثيراً، بل نكتفي بأن نقرأها، ونشرح بعضها.
أولاً: خروج شيء من أحد السبيلين.
ثانياً: ينقض الوضوء ولادة من غير رؤية دم.
ثالثاً: نجاسة سائلة من غيرهما، أيْ من غير السبيلين، والنجاسة السائلة دم أو قيح.
رابعاً: قيء طعام ملء الفم، فالقيء إذا ملأ الفم ينقض الوضوء.
خامساً: دم غلب على الريق أو ساواه، فإذا خرج من الفم دمٌ غلبَ على الريق فهذا ينقض الوضوء.
سادساً: النوم، وليس النوم ذاته ينقض الوضوء، ولكن النوم يضعف سيطرة الإنسان على أعضائه، فالنوم ينقض الوضوء لغيره لا لذاته.
سابعاً: إغماء، وجنون، وسكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، والعلماء قالوا: القهقهة وحدها لا تنقض الوضوء، ولكن الإنسان يتوضأ إذا تقهقه في الصلاة تأديباً له على استخفافه بهذه العبادة العظيمة.
عشرة أشياء لا تنقض الوضوء :
1 ـ ظهور دم لم يسل عن محله :
ظهور دم لم يسل عن محله، فلو فَرَضْنا إنسانًا ثقبت يده بدبوس صغير، فخرجت نقطة دم لم تسل من محلها فهذا الدم لا ينقض الوضوء.
2 ـ سقوط لحم من غير سيلان دم :
سقوط لحم من غير سيلان دم، فقد يكون هناك بثورٌ في الجلد، فإذا نزعت هذه البثور لم ينتقض الوضوء.
3 ـ مسُّ الرجل امرأته :
من مس امرأة، على المذهب الحنفي امرأة أي زوجته، فإذا مس امرأة أجنبية فإن وضوءه ينتقض، فمسُّ الرجل امرأته لا ينقض الوضوء في المذهب الحنفي، والإمام الشافعي يقول: مس امرأة ينقض الوضوء، والتوفيق بينهما، أن الإنسان إذا مس يد امرأته وشعر بشيء فعليه أن يتوضأ، وإذا لم يشعر بشيء فلا عليه إذا لم يتوضأ.
إذاً: التقليد في المذاهب وارد، والتلفيق مرفوض، التلفيق تصَيُّد الرخص في المذاهب، والتقليد أن تقلِّد المذهب في العلّة التي شرع هذا الحكم من أجلها، لذلك بعض العلماء قال: اختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان، إنما اختلاف بيئة وزمان، فلو أن الإمام أبا حنيفة رَضِي اللَّه عَنْه وُجِد في زمان الشافعي وفي بيئته لانطبقت أحكامُه على أحكام الإمام الشافعي، فاختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان إنما اختلاف بيئة وزمان.
شيء آخر: اختلاف العلماء الفقهاء اختلاف رحمة، فاتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، و الاختلاف اختلاف غنى.
جاءني رجل قبل الدرس يستفتيني في موضوع، والإمام مالك قال: أحقًّاً لو أن الإنسان أقسم بالطلاق ثلاث طلقات في مجلس واحد لا تنعقد إلا طلقة واحدة؟ نعم، لأن الثانية والثالثة تأكيد للأولى، فوقع طلقة واحدة، فاختلاف المذاهب رحمة واسعة، جاء عالم آخر قال: إن لم تكن الزوجة طرفاً في الموضوع، وكان زوجها يكره فراقها كما يكره مفارقةَ دينه، فإن هذه اليمين لا تنعقد، لا ينوي الطلاق، ولا يقصد الطلاق إطلاقاً، أراد أن يردعها، فإنّ هذا الطلاق هو المعلق، فهناك طلاق منجز، وطلاق معلق، وعلى كلٍّ اختلاف الأئمة رحمة واسعة.
4 ـ تمايل نائم :
تمايل نائم، يسمع ما يقال، فما دام الذي يغمض عينه ويسمع ما يقال فوضوءه لم ينتقض، طبعاً هناك حكم: " ونومُ مصلٍّ، المصلي ينام؟ فلو فرضنا إنسانًا متعبًا تعبًا شديدًا،، وغفل ثواني وهو في القعود فلا ينتقض وضوءه ما دام مصلياً.
وسوف نتابع هذه الموضوعات في درس قادم إن شاء الله تعالى.
* * *
علامات العلماء المخلصين :
1 ـ أن يقصد بعلمه اللهَ والدارَ الآخرة وألاَّ يقصد العالِمُ الحقُّ بعلمه الدنيا :
سنقوم فيما يلي بمتابعة فصول مختارة من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه، ولهذا الإمام كلمة في العلم يقول: "العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعْطِك شيئاً".
تحدثنا في الدرس الماضي عن آفات العلم، وقد بيَّن الإمام الغزالي أن للعلماء المخلصين؛ وهم علماء الآخرة علامات، فمن هذه العلامات ألاّ يطلب العالم الدنيا بعلمه، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها، وكدورتها، وخطورتها، وانصرامها، أيْ زوالها، وأن يدرك عظم الآخرة ودوامها، وصفاء نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادتان، والموضوع دقيق، وهذه آيات تقول:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن: 46 ]
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 201]
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 97]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21]
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 61]
من كل هذه الآيات والأحاديث يتضح أن المؤمن سعيد في الدنيا. من طلب الدنيا لذاتها فقد أضرّ بآخرته :
إذاً كيف يفسر قول عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ))
[أحمد عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ]
هذا الحديث قد يحمل على محمل آخر، هناك في اللغة العربية أسلوبُ استفهامٍ ليس فيه أداة استفهام، وسيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه فيما يروي التاريخ حينما رأى امرأة جائعة مع أطفالها، ذهب إلى بيت مال المسلمين، وقال لخادمه: احمِل على ظهري كيساً، فقال: أحمله عليك أم عنك؟ فقال له: احمله علي، أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ كلمة "أنت تحمل وزري يوم القيامة "، هذا كلام بحسب الظاهر تقريبي، لكن صياغة هذا الكلام والسياق العام يؤكد أنه استفهامي، وكذلك سيدنا موسى حينما التقى بفرعون: ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 20 ]
لا يمكن أن يستقيم السياق على أن تفهم الجملة فهماً تقريرياً، وهل يُعقل أن يكون النبي ضالاً؟ ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 20 ]
يجب أن نفهم هذه الآية فهماً على صيغة الاستفهام، بعض العلماء قالوا: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه؟ لا: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن: 46 ]
لكن من طلب الدنيا لذاتها ربما كان هذا ضرراً لآخرته، فعلى هذا المحمل نحمل هذا القول الطويل، يقول الإمام الغزالي: لو يعلم أنهما كالضرتين، مهما أرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأخرى، وأنهما ككفتي ميزان، مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وكأنهما كالمشرق والمغرب، مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ، فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر، فإنه من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها، فهو فاسد العقل. من آثر شهوته على محبة الله حرمه الله لذة مناجاته :
في أثناء أدائنا العمرة، لي قريب قال لي: انظر إلى هذا البناء، بناء يناهز ثلاثين أو أربعين طابقًا، ما وقعت عيني على بناء أجمل منه، قال: هذا البناء توفي صاحبُه قبل افتتاحه بأسبوع، وقيل: هذا البناء كلف صاحبه عشرات الملايين، وتوفي عن عمر لا يزيد عن سبع وأربعين سنة، وكان طويل القامة، وضع في قبر صغير فلم يتسع القبر له، فضغطوه ضغطاً حتى جاء رأسه ملتويًا مع رقبته، والبيت الذي كان يسكنه يزيد ثمنه عن عشرات الملايين، وهكذا حكمة الله عز وجل، أن ينزل في قبر يضيق عنه طولاً، فالإنسان حينما يتيقن من زوال الدنيا يلتفت إلى الآخرة، فإذا طمع فيها فقد أهلكته وهلك.
من أقوال السلف الصالح: "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي "، وأحد العلماء الكبار توفي فشاهده بعض تلامذته في المنام، فقال له: يا سيدي ما فعل الله بك؟ يبدو أن هذا العالم له شأن كبير، ومؤلفات خطيرة، وكتب، وآراء، وإنتاج علمي، وسمعة، وصيت، وهو نجم متألق، فقال له: يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل.
فليحذر المرءُ أنْ يصيبه غرور ويقع في غشاشة نفسه، إذا كان لك صلة بالله حقيقية مبنية على استقامة تامة، وعلى عمل صالح فهنيئاً لك، وما سوى ذلك فقد يملأ الإنسان الآفاق بسمعته، وعند الله لا يساوي جناح بعوضة، طاحت وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، قِفْ في الصلاة، وانظُرْ إلى قلبك، هل لك صلة بالله عز وجل؟ أَلك التفاف نحوه؟ وهل تدمع هذه العين لآية تقرؤها؟ هل لك عمل خالص لوجه الله لا تبتغي به أحداً إلا رضا الله عز وجل؟ إن كنت تخشى على نفسك بعض الشرك الخفي فاكتم عملك؟ إذا استيقظت قبل صلاة الفجر، وصليت قيام الليل، ولم تحدث بهذه الصلاة أحداً، هذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فإن فعلت عملاً ولم تحدث به أحداً، فهذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فالإخلاص له طريق، عبادة في جوف الليل والناس نيام، وعمل صالح لا يبغي به أحدًا من الناس، وهذا يؤكد إخلاصك لله عز وجل، وكلما تعاظم شعورك بإخلاصك كلما ازداد إقبالك على الله عز وجل، وما أقبل عبدٌ بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة، وكان اللهُ له بكل خير أسرع.
الابتعاد عن الشرك الخفي :
الإنسان خلاصتُه علاقتُه مع الله عز وجل، وَحِّدْ، وإياك أن تشرك، فإنَّ الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل، فإذا نصحك شخصٌ نصيحة، وهو محق فيها فقلتَ له: أنت مخطئ، وغضبت، فقد أشركتَ نفسك مع الله، أو أنّ شخصًا له انحراف وأحببته على انحرافه، فهذا شرك، فإذا أحببت إنساناً مع انحراف فهذا أحد أنواع الشرك الخفي.
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، قَالَ: قُلْنَا بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ قَالَ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ قَالَ نَعَمْ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ))
[أحمد عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
فهذه انتهى وقتها، هذه لن تعود إلى قيام الساعة، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله، فإذا الإنسان آتاه اللهُ عز وجل رقابة صارمة على نفسه، فقد يلاحظ أحيانًا أنّ له أعمالاً يبتغي فيها غير وجه الله، بل يريد وجه الناس، ويُلاحِظ أنّهم لم يشيروا إلى عمله الصالح فينزعج فمثَلُه كمثلِ طبيبٍ عمِل عمليةً جراحيةً، وبذلَ فيها وقتًا كبيرًا، وضحّى، وما تقاضى شيئًا، فإذا لم يُكتب عنه في الصحيفة تألَّم، يقول: يكتبون ولو كلمة عني، وعن مهارتي في العملية، فحينما يراقب الإنسان نفسه مراقبة صارمة يجد نفسَه أنّ له أعمالاً كثيرة ظاهرُها حسن، وتنطوي على شرك بالله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، لذلك: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 106 ]
قد تقيم وليمة لا تبتغي بها وجه الله، هناك أدعية كنت أقولها لكم دائماً: "اللهم إنا نعوذ بك أن نقول قولاً في رضاك نلتمس أحداً سواك"، "اللهم إنا نعوذ بك أن نتزين للناس بشيء يشيننا عندك"، "اللهم إنا نعوذ بك أن يكون أحد أنفع بما علمتنا منا"، "اللهم إنا نعوذ بك أن نكون عبرة لأحد من خلقك"، فلا نكون نحن قصة، يتعلمُ الناس فينا، "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي".
وتروي كتب الأثر أن مؤمنًا ارتكب مخالفة فخجلت نفسه وأحجمت، وعاش في جفوة طويلة، وهو ينتظر أن يعاقبه الله عز وجل. ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حال الجفاء مع الله عز وجل حال صعب :
وبعدُ فكلُّ واحد منا حسب ما سمعتم أنه:
(( ما من عثرةً، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عودٍ، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
صار عنده قناعة أنّ كل شيء يصيبه بسبب تقصير، أو ذنب، أو مخالفة، فهذا وقع في مخالفة فانتظر الجواب، كطالب اقترف ذنبًا ومرَّ بالأستاذ في مكان ضيق فحاول أنْ يتوارى، كمَن يتوقع أنه سيأكل صفعةً على قفاه، وأحسَّ لها فتجمع، فهذا المؤمن ارتكب مخالفة وينتظر من الله العقوبة، فلم يحصل معه شيء، مرَّ يومٌ، وثانٍ، وثالث، ولم يحصل له شيء، وما أحد حاسبه أو أساء له، ولا أحد أهانه، وما فقد شيئًا، تعجب وهو ينتظر العقوبة من الله عز وجل، ويظهر أنه في ساعة صفاء قام وناجى ربَّه، قال: يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ فقال: عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفيك هذه؟ تريد أخطر؟ يكفيك هذا، فهذه الجفوة لأسبوعين أو ثلاثة، وصلاةٌ شكلية، وعباداتٌ شكلية، وقد شعر بضيق، وانقباض نفسٍ، وضاقت عليه الأرض على رحابتها، إنّها عقوبة صارمة. ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 118 ]
هذا حال يكفي، حال الجفاء صعب، لذلك بعض قال الشعراء: فما حبنا سهل و كل من ادَّعـى سهولته قلنا له قـــد جــهلتنا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله و أصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***
وقال أحدهم: لو قال محبوبه: لَو قالَ تِيهاً: قِف عَلَى جَمْرِ الغَض َا لوقفتُ مُمْتثلاً ولَـــمْ أَتَوقَّفِ
أو كان من يرضى بخدي موطئـاً لوضعته أرضاً ولم أستنكــف
***
جمر الغضا أشد أنواع الجمر، وقال آخر: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله إن فتتوا في حبهم كـبدي باق على حبهم راضٍ بما فـعلوا
***
بطولة الإنسان أن يحب الله وهو في وضع صعب :
لا تنظر إلى نفسك حالَ الرخاء، ففي الرخاء كلنا نحب الله عز وجل، والبطولة إذَا لاح شبحُ مصيبة، أو ضائقة، أو مشكلة، أو أصاب شيءٌ الجسد، أو أصاب الدخل، أو الأسرة، أو نقص في الثمرات، في الطعام، في مِثل هذه الظروف إذا قلت: الحمد لله رب العالمين، فأنت مؤمن وربِّ الكعبة، لأنّ الإمام علي كرم الله وجهه قال: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، فالبطولة أن تحب الله وأنت في وضع صعب، النبي الكريم علمنا:
((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[مسلم عَنْ صُهَيْبٍ]
أما محبُّ الدنيا فيتكبر في الرخاء، ويصرخ في الشدة، فذو دعاء عريض، في الرخاء يشعر أنّ الأرض لا تسعه، فالمتكبر أحمق، وجاهل، وفي الشدة تجده يئوسًا، قنوطًا. ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا *قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 83 ـ 84 ]
من كان قلبه عامرًا بذكر الله فلن يخاف أحداً :
يا ذا العزة والجبروت، يا ذا الملك والملكوت، يا من حفظت موسى بالتابوت، صندوق في النهر، ونجيت يونسَ من بطن الحوت، وحفظت الحبيب محمداً بنسيج العنكبوت، والله كلمة لو أقرؤها مئة مرة لا أشبع منها: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟" فإذا كنت معه مستقيمًا، وإذا كان قلبك عامرًا بذكر الله، فينبغي ألاّ تخاف مِن أيِّ جهة في الأرض، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة: 12 ]
هذه المعية ليست مطلقة، بل مشروطة " إني معكم " كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي بما أريد ولا تقل ما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتُك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإذا كان الإنسان يتعامل مع هذه المعاني، يجد علاقته كلها مع الله عز وجل. في الحياة أشياء متعاكسة و أشدُّ شيءٍ راحةً أنْ ترضي الله وحده :
في الأرض مليون جهة، تريد أنْ ترضي زوجتك فتغضب أمُّك، أو بالعكس، ترضي الوالدة فتغضب الزوجة، ترضي هذا الابن فيسخط الثاني، وإذا زرت هذه البنت سخِطتْ الثانية، إنْ أرضيتَ في الوظيفة مَن هُم أعلى منك أسخطتَ الله عز وجل، إنْ بَعتَ بسعر معقول فلا تربح، وإنْ أردتَ أنْ تربح أغضبتَ الله عز وجل، ففي الحياة أشياء متعاكسة تماماً، وأشدُّ شيءٍ راحةً وأسهله أنْ ترضي الله وحده:
(( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))
[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]
وفي قول آخر: ((من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها))
[ الجامع لأحكام القرآن ]
وهناك قول ثالث: ((ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
وأوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاخدميه، ومن خذلك فلا تخذليه، إنّ أدنى ما أصنع بالعالِم إذا آثر شهوته على محبتي أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي، " يا داود لا تسأل عني عالمًا قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي- يقول مثلاً: ماذا جدَّ معك؟ اشتريتَ بيتاً أم تزوجتَ؟ كم دخلك؟ ماذا فعلت؟ أذهبت إلى المحل الفلاني؟ هل سافرت أم خرجتَ إلى نزهة؟ يدعوك إلى الدنيا- فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي، فإذا قابلتَ محبًّاً للدنيا فهذا من قُطَّاع الطريق على عبادي، يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، يا داود من رد إليَّ هارباً أكسبته جهبذا"، شخص شارد ضائع، يعصي الله ثم جئتَ فأكرمته، وأقنعته، ودللته، وخدمته، وجئت به إلى الدرس، وتحمَّلته وأعنتَه، وذاكرت معه الدرس حتى صارَ مستقيمًا استقامة تامة، بهذا قد آويتَ لله هاربًا، فما قولك إذا كان عند شخصٍ ابنٌ غالٍ، وضاع هذا الابن، فوجده شخص يعرف أباه، فأكرمه، وأطعمه، وألبسه، وردّه إلى أبيه، سيقول له الأب: أنت فعلتَ معي معروفًا لا أنساه حتى الموت، وكثيرًا ما كنت أضرب مثالاً، لو فرضنا ضابطًا في الجيش، برتبة عالية، لواء مثلاً، وعنده مجنَّد، وهذا المجند رأى ابن هذا الضابط الكبير يغرق في النهر، فألقى بنفسه في النهر، وكان على وشك الموت فأنقذه، وأكرمه، وردَّه إلى أبيه، ألا يستطيع هذا المجند أن يتجاوز التسلسل ويدخل على هذا الضابط الكبير في كل لحظة يشاؤها؟ هذه هي الخلاصة كلها. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف:110]
باب الله مفتوح على مصراعيه و ثمنه العمل الصالح :
إذا أردتَ مثلاً أنْ تدخل إلى موظَّف، مدير تربية، مدير معمل، إلخ … فلا بد من انتظار، ومع الانتظار أسئلة، ما اسمك؟ وما الموضوع؟ تعالَ غدًا، فالمقابلة ليست سهلة، أمّا ربنا عز وجل فيقول:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
اعمل بهذه الوصفة، فباب الله مفتوح على مصراعيه، والدخول بثمن، وثمنه العمل الصالح، وأبواب الأعمال الصالحة: (( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم- العمل يحتاج مالاً- فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]
الكلمة الطيبة عمل صالح، وأن تتبسم في وجه أخيك، وأن تلقاه بوجه طيب، و أنْ تردَّ الضال إلى أرضه عمل صالح، وأن ترشد الغريب عمل صالح، وأن تميط الأذى عن الطريق عمل صالح، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي عمل صالح، وأن تعود مريضاً عمل صالح، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تعلم الناس آية من كتاب الله، فأبواب الأعمال الصالح مفتوحة على مصاريعها، وهي ثمن اللقاء مع الله عز وجل. موت القلب طلبُ الدنيا بعمل الآخرة :
قال: فلان ذو قلب ميّت، أي أنّ موت القلب طلبُ الدنيا بعمل الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: "إنما يذهب بهاءُ العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا "، العلم والحكمة لهما بهاء، وهذا البهاء يذهب إذا طلب بهما الدنيا، وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه: "إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يخوض فيما أحب "، وقال رجل إلى أخ له: "إنك قد أوتيت علماً، فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم "، ويحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا: "يا أصحاب العلم! قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية؟".
قيل لبعض العارفين: "أترى أنّ من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف الله عز وجل"؟ إطلاقاً، قد يجلس في سهرة وفيها معصية، فيها سرور بزعمه، وفيها اختلاط، يخوض في بحر الغيبة والنميمة، والغمز واللمز، ثم قام مرتاحًا، ونام بكل راحة، واستيقظ صباحًا مسروراً، وقال: واللهِ البارحة سهرنا سهرة لا أنساها، فما دام مرتاح النفس بالمعصية فهو لا يعرف الله تعالى أبداً، هذا لو كان يعرف الله قليلاً لنام متألمًا على هذه المعصية، لكنّه ما دام لا يتألم فليس به إحساس كالمؤمنين.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فقال هذا العارف بالله: "لا أشك أن من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة فإنه لا يعرف الله تعالى"، وقال بعضهم ": لا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة فإن الجاه أضر من المال " ففي الحياة شهوات غير المال، الوجاهات شهوات أيضًا يحرص الناس عليها، وعندما تموت من قلبِ الإنسان كلُّ الشهوات المنحرفة، وكل أنواع الشرك، عندئذٍ يتقبَّله الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده أَمْنَيْنِ وخَوفَيْنِ :
كان بِشرٌ يقول: "أنا أشتهي أن أحدِّث، لذلك لا أحدِّث أحداً، ولو ذهبت عني شهوةُ الحديث لحدَّثتُ "، هذا هو الإخلاص، وما دمتُ أشتهي أن أحدِّث فلن أحدث أبداً، فإذا ذهبت عني شهوةُ الحديث حدَّثتُ، وقال هو وغيره:" إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت، فإذا لم تشتهِ فحدِّثْ ".
قال سهل رحمه الله: " العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به "، العلم دنيا، هذا معه مال، هذا أثاث بيته فخم، وهذا متعلِّم علمًا، يتيه به على الناس كالطاووس، فالعلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص.
وقال بعضهم: "الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء سكارى بعلمهم إلا العاملين، والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين، والمخلص على وَجَل حتى يدري ماذا يختم له به ".
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ولا أدري ما يفعل بي"، أي هو صلى الله عليه و سلم في وجل، وكل إنسان لا يخاف، ولا يكون قلقاً، بل هو مطمئن بالدنيا، فهذا في غفلة و ضياع، فالله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده أَمْنَيْنِ وخَوفَيْنِ، فإنْ أمنه في الدنيا خافه يوم القيامة، وإن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن علامات الإنسان المخلص أنه قلق، يخاف ألاّ يكون مخلصاً، ويخاف ألا يكون موحِّداً، يخاف أن يكون عمله مشوباً بنية لا ترضي الله، وما دام في قلق، بخ بخ فذلك محض الإيمان:
((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لي قريب توفي منذ زمنٍ، فذهبنا لإجراء المعاملة، آلمني كثيرًا أنّ على أبوابِ مكتبِ دفنِ الموتى قراء كثيرون، وكلهم يرجو ويتوسل أنْ تكلِّفه بقراءة القرآن في المساء، ويقول لك: لباس موحد، وأصوات عذبة، يحاول أنْ يغريك، سبحان الله، كتاب الله ينزل إلى هذا المستوى عند هؤلاء؟ فَلْيَبْحَثْ الإنساُن عن أيِّ عملٍ آخر، فهذا كتاب الله، إنه شيء مقدس، وإنْ كان العلماء أجازوا أن يأخذ الإنسان أجراً على كتاب الله، لأنه كالمعلِّم قد تفرَّغ للتعليم، وهو يعلم الأطفال كتابَ الله، فمِن أين يأكل إنْ لم يتقاضَ أجرًا؟ لذلك أجاز العلماء له أخذ الأجرة على ذلك، لكن أن يرجوَ أحدُهم، ويلحّ، ويطالب، ويتحدث عن ميزاته، ويحسد أخاه الذي كانت هذه المسائية من حصته ونصيبه، ويتهمه بأشياء كثيرة، هذا شيء مؤلم، فكتاب الله ينبغي أن يكون في الأوج.
وهذا خبر آخر: إن العبد ليُنشَر له من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب، وهو لا يزن عند الله جناح بعوضة، فهذه الأحاديث والأقوال يجب أن تُؤخذ مأخذ الجَدِّ، فعلى الإنسان أنْ يراقب نفسه، ويراقب قلبه، ويتوخى الإخلاص، أخلص دينك يكفِك القليلُ من العمل، درهم أُنفِق في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهم أُنفِق في رياء، هذه الصفة الأولى، أنْ يقصد بعلمه اللهَ والدارَ الآخرة، وألاَّ يقصد العالِمُ الحقُّ بعلمه الدنيا. 2 ـ ألاّ يخالف فعلُه قولَه :
الصفة الثانية ومنها ألاّ يخالف فعلُه قولَه، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أولَ عاملٍ به، قال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 44 ]
﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الصف: 3]
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾
[ سورة هود: 88]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 108]
وفي بعض الأقوال: يا بن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحيِ مني: ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ، قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من علَّم الناسَ علماً فعمِلوا به ولم يعمل هو به :
هلاك أمتي عالِم فاجر، وعابد جاهل، وشر الشرار شرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء "، أي أنّ العلماء الورعين في القمة، والعلماء غير العاملين بعلمهم في الحضيض، ليس ثمَّةَ حلٌّ وسطٌ، إما في القمة، أو في الحضيض، وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: "شكت النواويس - بعض أنواع الطيور - ما تجد من نتَن جِيَفِ الكفار، فأوحى الله إليها أنّ بطون علماء السوء أَنْتَنُ من هؤلاء، ويُروَى أن حجرًا ضجَّ إلى السماء، وقال: يا رب عبَدتُك خمسين عاماً تضعني في مرحاض؟ فقال له: تأدَّبْ، إِذْ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم"، فَلأَنْ يكون الحجرُ في مرحاض أشرفَ له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاضٍ ظالمٍ.
يقول أبو الدرداء رَضِي اللَّه عَنْه: "ويلٌ لِمَنْ لا يعلم مرة، وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات "، لمن لا يعلم مرة، لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال الشعبي: "يَطَّلع يومَ القيامة قومٌ مِن أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار ونحن إنما أدخلنا اللهُ الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم إيانا؟- نحن بالجنة والفضل لكم، أنتم علمتمونا، أنتم وجهتمونا، أنتم هذّبتمونا، وأمرتمونا بالصلاة فصلينا، وأمرتمونا بغض البصر فغضضنا بصرنا، نحن الآن في الجنة، لماذا أنتم في النار؟ - فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله"، صار عملهم وظيفة، ولقد بلغني عن بعض المطوّعين أنّهم يضربون الناسَ لتخلُّفهم عن الصلاة وهم لا يصلون، وأبعدُ الناس عن الموعظة مَن يعمل في تجهيز الأموات، فقد يسرق شرشفًا أو أيَّ غرض فيأخذه خلسةً، ألا يعتبِر وهو يدفن في اليوم أكثرَ مِن ميت؟ فأين العبرة و العظة من نفسه؟!.
وقال حاتم الأصم رحمه الله: " ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علَّم الناسَ علماً فعمِلوا به، ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه وهلك هو ".
وقال مالك بن دينار: " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا "، الموعظة من إنسانٍ غيرِ عاملٍ بموعظته لا تؤثر في القلوب.
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:" مررت بحجر بمكة مكتوب عليه: اقلبني تعتبر، قال: فقلبته، فإذا عليه مكتوب أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لم تعلم؟ ".
وقال ابن السماك رحمه الله: " كم من مذكِّر بالله ناسٍ لله، وكم مخوفٍ بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد منه، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله ".
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: "لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب "، وقال الأوزاعي: " إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع ".
أكثرُ المجالس بركةً المجلسُ الذي فيه خشوعٌ للقلب :
الآن نتكلم بشيء في قواعد اللغة و إعرابها، "إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع"، يذهب الخشوع كله، أحيانًا تجد الإنسان ينهمك في معلومات ظاهرية، ويدقق بها، ويحفظها، ويعلمها، وليس مِن خشوع في قلب صاحبه، لذلك أكثرُ المجالس بركةً المجلسُ الذي فيه خشوعٌ للقلب، وهذه نصيحة لوجه الله، فإذا كنتَ في مجلس، سهرة مثلاً، وتتكلم عن الله عز وجل فلا تختم الجلسة بالدنيا، فكل هذه البركة تذهب، اجعلْ آخرَ المجلس ذكرًا، ولينفضّ المجلسُ على طعم طيب، وعلى سرور، واستبشار، وتفاؤل.
((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وبعد، فجرِّبْ أيَّ موضوع آخر مؤلِم مقنِّط، يدعو إلى اليأس، والقنوط، والألم، والضيق، والحسد، والتنافر، ثم اذكر آية أو حديثًا، أو قولاً فيه عِظة، تجد نفسك قد انتعشت.
سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه قيل له في مجلس من مجالسه: واللِه يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلاً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلَ منك، وسيدنا عمر تعلمون ما ورد عن رسولِ الله فيه: " لو كان نبياً بعدي لكان عمر "، لكنّ سيدنا عمر تفرَّس في الحاضرين كلهم، واستعرضهم واحدًا واحدًا، ينتظر منهم أيسكتون أم يتكلمون، وفي أثناء استعراضه لوجوههم تكلم أحدهم، وقال: لا واللهِ يا أمير المؤمنين، لقد رأينا من هو خير منك، فقال له ومن هو؟ قال: أبو بكر الصديق، فقال سيدنا عمر للحاضرين: لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا، علّمهم قولَ الحق، ثم قال: والله إن لأبي بكر ريحاً أطيب من ريح المسك، وكنت أنا أضل من بعيري، حين كان لأبي بكر ريح أطيب من ريح المسك كنت أنا أضَّل من بعيري، لقد كذبتم كلُّكم وصدق هذا، لو أنهم سكتوا جميعاً لأغلظ لهم القول، فسيَرُ الصحابة- سبحان الله- تنعش القلوب، وتعطِّر المجالس، إنّه نموذج فَذٌّ من الكمال الإنساني، علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.
روى مكحول عن عبد الرحمن أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء، إذْ خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "تعلَّموا ما شئتم أنْ تعلموا، فلن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم "، تعلّم فالأجر لن يكون حتى تعمل بما علمت.
وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه: " إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق "، وقال أيضاً: "ثلاث بهن ينهدم الزمان، إحداهن زلة العالم ".
وقال ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه: " أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذتم قراءته عملاً". من سبّ الدين ولم يتُب ففي الشرع إجراءات تلاحقه :
وَرَدَنِي سؤالٌ يومَ الجمعة تسأل فيه أختٌ مؤمنة، إذا سَبَّ الإنسانُ الدينَ فما حكمه في الإسلام؟ طبعاً إذا سبَّ الدين ولم يتُب فهذا ارتداد، وحول هذا الموضوع بحث لطيف، في درس آخر سأقرأ لكم بعض ما فيه، كأنْ يرميَ الإنسانُ المصحفَ على الأرض فكأنما سبَّ الدين، وارتدّ عن دينه، ولدينا حوالي ثلاثين إلى أربعين حالاً ولفظًا إذا قالها الإنسان أو فعلها فقد كفر، وسببُ سؤال الأختِ أنها سمعت مني سابقاً أنه إذا سبَّ الإنسانُ الدينَ تطلَّق منه زوجته، وعليه أن يجدِّد إسلامه، وهذا صحيح، إلا إذا كان هذا السب في ساعة غضب، وتاب فوراً، فهذا الحكم عندئذٍ لا يطبق عليه، أما إذا سبَّ الدين، وبقيَ مصرًّاً، فإنّه قطعاً تطلّق منه زوجته، وكأن الإنسان بهذه الشتيمة قد رسب في الامتحان كله، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يجدِّدَ إسلامه، قال بعض العلماء: القاضي يمهل هذا الذي يسب الدين ثلاثة أيام، فإن تاب ورجع إلى الله عز وجل فبها ونعمت، وإلا فهناك سلسلة إجراءات، منها أنه يفقد أملاكه، وتنزع منه، لأنّه أصبح كافرًا مرتدًّاً، إنّ الإنسان قد يغضب، ولكن عليه ألاّ يتجاوزَ الحدود مهما اشتدَّ غضبُه، فهذه مقدسات، والله عز وجل له عقوبات أليمة، كان رجلٌ يصلي، فقال له شخص آخر: لِمَ تصلي فهذه اعتقاداتٌ قديمة نحن الآن في زمن التقدُّم والعلم وإذا كان الله موجوداً فليثبتْ وجودَه؟ وأنا سأمهلك ثلاثة أيام، فهذا الشخص لم يعرف سبيل الإجابة، لكنّ الشخص الذي تحدّى لم يمضِ يوم أو يومان حتّى فَقَدَ بصرَه كلَّه، فالله عز وجل أعطى المهلة للثاني، وكان من الممكن أنْ يموت، لكن اللهَ أعطاه مهلة أوسع، فبكلمة كبيرة قد يفقد الإنسانُ إسلامه كلّه، وإيمانه كله، لذلك جوابًا عن السؤال أقول: إنه من سبّ الدين ولم يتُب، ففي الشرع إجراءات تلاحقه، لكن إذا استرجعَ رأساً وتاب إلى الله عز وجل واغتسل وتشهد مرة ثانية، وكفَّرَ عن هذه الكلمة بصدقة كبيرة، وتاب توبة نصوحًا، فالحكمُ بطلاق زوجته لا ينسحب عليه، والله أعلم.

السعيد
09-09-2018, 01:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : الغسل - فرائضة - سننة - ندبة





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
فروض الاغتسال :
أيها الأخوة الكرام؛ انتهينا من الوضوء وها نحن ننتقل إلى الغسل، ففي الاغتسال يُفرض أحدَ عشرَ شيئاً، أولاً: غسل الفرج والأنف والبدن مرةً واحدة، وداخل المضفور من الشعر، لا المضفور من شعر المرأة لحديث أُمِّ سَلَمَةَ:
(( قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، قَالَ: لا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِينَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ ))
[مسلم عن أم سلمة]
أما الرجل فيجب أن يصل الماء إلى أصل شعره بخلاف المرأة، وعلى الرجل في الغسل أن يسري الماء إلى بشرة اللحية، وبشرة الشارب والحاجب، هذا مما يفترض من الغسل. سنن الاغتسال :
ويسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً، الابتداء بالتسمية، والنية، وغسل اليدين إلى الرسغين، وغسل نجاسةٍ إن وجدت، وغسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء، ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثاً، ولو انغمس في الماء الجاري أو مكث فقد أكمل السنة، ويبتدئ برأسه في صب الماء، ويغسل بعدها منكبه الأيمن ثم الأيسر، ويدلك جسده.
آداب الاغتسال :
وآداب الاغتسال هي آداب الوضوء، إلا أن المغتسل لا يستقبل القبلة، لأنه يكون غالباً مكشوف العورة، وكره فيه ما كره بالوضوء، و يفرض الاغتسال من الجنابة، ويسن بأربعة مواضع، لصلاة الجمعة، ولصلاة العيدين، وللإحرام، وللحاج في عرفة بعد الزوال.
مندوبات الاغتسال :
ويندب الاغتسال في ستة عشر شيئاً، لمن أسلم، ولمن بلغ بالسن، من بلغ سن البلوغ فعليه أن يغتسل، ولمن أفاق من جنون، وعند حجامة، وغسل ميتٍ، وليلة براءة، أي ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، ولدخول مدينة النبي عليه الصلاة والسلام، وللوقوف بمزدلفة غداة يوم النحر، وعند دخول مكة لطواف الزيارة، ولصلاة استسقاءٍ، هذه الأشياء يندب فيها الغسل وفي أربعة مواضع يسن ويفترض في الجنابة.
* * *
صفات العالم :
1 ـ أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات :
وننتقل إلى فصل من كتاب إحياء علوم الدين، ولازلنا في باب العلم:
الصفة الثالثة للعالم أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات، مجتنباً العلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدل والقيل والقال.
(( كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))
[البخاري عَنْ الشَّعْبِيِّ]
روي أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام: فقال يا رسول الله علمني من غرائب العلم - الأشياء اللطيفة التي إذا حدثتُ بها الناس تأثروا ونلت إعجابهم بهذا المعنى - فقال عليه الصلاة والسلام: ما صنعت في رأس العلم؟ فقال هذا الرجل: وما رأس العلم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الرب تعالى؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فماذا أعددت له - إذًا فقبْل هذه الأشياء التي تريدها لتنتزع إعجاب الناس أنْ يعرف المسلم الرب، وأنْ يعرف ماذا صنع في حقه- أعود لأكرِّر: فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الرب تعالى؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال عليه الصلاة والسلام وقد علم أن كلمة ما شاء الله تعني أنه لم يحصل هذه المعرفة: اذهب فأَحكم ما هناك، ثم تعال لتتعلم من غرائب العلم.
هناك أشياء أساسية في حياتنا، وأشياء ثانوية، هناك مهم وهناك أهم، وردت قصة في الإحياء لكنها جاءت مختصرة وسأرويها لكم بشكلها المختصر. ثماني فوائد في العلم :
1 ـ الأعمال الصالحة أفضل محبوبٍ للمرءِ تدخل معه إلى قبره وتؤنسه فيه :
حاتم الأصم كان من أصحاب شقيق البلخي، وهو عارف بالله، رحمة الله عليه فسأله يوماً: يا حاتم لقد صاحبتني ثلاثين سنة فما حصلت فيها؟ وهذه لها معنى، يقول أحدهم: أنا مستمر على حضور الدروس سبع سنوات، أو خمس سنوات، أو أربع سنوات، أو سنة، أو ستة أشهر، فماذا حصلت في هذه الفترة؟ هذا سؤال مهم، فقال: حصلت ثماني فوائد من العلم، وهي تكفيني لأني أرجو بها خلاصي، فقال شقيق: وما هي؟ فقال: أما الأولى فإني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبًا يحبه، فهذا غارق في التجارة، وهذا في الملذات المحرمة، وهذا بالنساء، وهذا بجمع الدرهم والدينار، وهذا غارق ببعض المتع، وهذا غارق بجمع اللوحات النادرة، وهذا يحب السياحة- بالمناسبة لي قريب أحبَّ في آخر حياته أن يحوز جميعَ أنواع السجاد النادر، فجمع ما لا يحتاج إليه ولا إلى عُشره، ولي قريب آخر أحب في آخر حياته القطع من الصيني أيضاً، فجمع منها ما يزيد عن مئات الألوف- فهذا شقيق البلخي يقول: إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت- أي إذا أحب الرجل أن يقتني سيارة فخمة، وأصابه مرض عضال وأصبح على مرض الموت فهذه السيارة انتهى بقاؤها، فإما أن تباع أو أنْ يأخذها أحد الورثة- فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت، والبعض الآخر إلى شفير القبر، ثم يتركه المودِّعون وحيداً، ولا يسكن معه في قبره منهم أحدٌ.
الأهل من النساء يودعونه في البيت ويخرجون إلى الشُرف أحياناً، أمّا الأولاد الذكور فإلى شفير القبر.
فتفكرت وقلت: أفضل محبوبٍ للمرءِ ما يدخل معه إلى قبره ويؤنسه فيه، فما وجدته في غير الأعمال الصالحة، فاتخذتها محبوباً لي، لتكون سراجاً في قبري تؤنسني فيه ولا تتركني فريداً، قال تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر: 24 ]
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100]
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لماذا يرجع؟ ليعمر بناء، أو يأخذ شهادة دراسية. 2 ـ القرآن حق ثابت و على الإنسان أن يقود نفسه حتى ترضى بطاعة الله :
فقال له: هات الثانية؟ فقال: إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم، ويبادرون إلى مراد أنفسهم فتأملت في قوله تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
[سورة النازعات: 40-41 ]
وبعد؛ فالأشخاص العاديون في زماننا هذا إذا دعي أحدُهم إلى سهرة مختلطة يقول لك: نذهب ونتسلى، وليس عندنا شيء يشغلنا، وإذا دعي إلى رحلة فيها اختلاط، وفيها أشياء يحرمها الله، يقول لك: هذه مناسبة لأرى البلاد الأخرى، وفرصة لا تعوض للاستجمام، أو يقول: هذه الرحلة فيها شواطئ جميلة، هل من المعقول أن أتركها؟ من الذي يقوده؟ هوى نفسه.
إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم، ويبادرون إلى مراد أنفسهم، فتأملت في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
[سورة النازعات: 40-41 ]
فتيقنت أن القرآن حق ثابت، فبادرت إلى قياد نفسي، وتشمرت في مجاهدتها، وما متعتها بهواها، هل يستطيع المؤمن الصادق أن يرتاح بالنوم إلى أقصى الحدود؟ لا، لن يستطيع، فاسمع قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
[سورة السجدة: 16 ]
لا يستطيع عنده صلاة الفجر، ولا سيما في أيام الشتاء، وهل يستطيع أن يرتاد مجلسًا ويتكلم في الغيبة عن الناس؟ لا يستطيع، وإذا كان جالساً على شرفة أو في الطريق فهل يستطيع إذا مرت امرأة أن يمتع نظره فيها؟ لا يستطيع.
فتيقنت أن القرآن حق ثابت، فبادرت إلى قياد نفسي، وتشمرت في مجاهدتها، وما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة الله سبحانه وتعالى وانقادت، فهذه هي الفائدة.3 ـ الإكثار من الأعمال الصالحة :
فقال له: هات الثالثة؟ قال: يا سيدي إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا، ثملاً ينفقه، قابضاً بيديه عليه، فتأملت قوله تعالى:
﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل: 96 ]
فلذتُ بالإيثار، واستودعتُ عند الله إعانة البائس وإسعاف الفقير، لعلي أحشر في ظل صدقتي يوم يقوم الناس لرب العالمين، ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، نحتاج إلى عمل صالح. 4 ـ الابتعاد عن الملهيات والأباطيل :
قال له: هات الفائدة الرابعة؟ قال: فإني رأيت بعض الخلق أنّ ظن عزه في كثرة الأقوام والعشائر، فاعتز بهم، وزعم آخرون أنه في حيازة الأموال وكثرة الأولاد، وحسب بعضهم العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم، واعتقدت فئة أنه في إتلاف المال وصرفه وتبذيره.
وأنتَ ترى أناساً إما أن يتحدث عن إتلافه المالَ، أو يتحدث عن عشيرته، أو عن أولاده، أو عن ثروته، أو عن شخصيته، أو عن ماله، فهذا الذي يقول: "أنا" فإنه لا يعرف الله عز وجل، قالها الشيطان فأهلكه الله عز وجل، فتأملت قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران: 185 ]
فأقبلت على ربي، ونفضت يدي من هذه الملهيات والأباطيل، فكلها فارغة. 5 ـ القسمة من الله تعالى فلا تحسد أحداً و ارض بقسمة الله :
ثم قال له: هاتِ الفائدة الخامسة؟ قال: رأيت الناس يذمّ بعضهم بعضاً، ويغتاب بعضهم بعضاً، فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، اسأل طبيباً عن طبيب آخر فيذمُّه، لماذا؟ واسأل محامياً عن زميله، فيقول لك: هذا المحامي لا يفهم شيئاً، اسأل تاجراً فيقول لك: هذه البضاعة مضمونة، وغيره يقول: في السوق بضاعة مقلدة، وتكون التي عنده تقليد، كل إنسان يذم غيرَه بدافع الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت قوله تعالى:
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 32]
فعلمت أن القسمة من الله تعالى، فما حسدت أحداً، ورضيت بقسمة الله عز وجل. 6 ـ لا يجوز معاداة غير الشيطان :
أما الفائدة السادسة: فإني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضاً فتأملت قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
[ سورة فاطر: 6]
فعلمت أنه لا يجوز معاداة غير الشيطان. 7 ـ الرزق على الله تعالى وقد ضمنه لعبده :
والفائدة السابعة: إني رأيت كل واحد يسعى بجهده، ويشتغل في طلب القوت والمعاش، حيث يقع في شبهة أو حرام، فتأملت قوله تعالى:
﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه، فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعي عمن سواه، وترفعت عن الشبهات والدنايا. 8 ـ التوكل على الله :
وأما الفائدة الثامنة والأخيرة: رأيت كل واحد من الخلق يعتمد على مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله، من الأمراء وأصحاب الحول والطول، فـتأملت قوله تعالى:
﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 3 ]
فتوكلت على الله فهو حسبي ونعم الوكيل، فما زاد شيخُه على أن قال له: وفقك الله يا ولدي.
إذاً عندما يرافق الإنسانُ العلماءَ، ويحضر مجالس العلم، فعليه من حين لآخر أنْ يسأل نفسه ماذا حصّلت؟ هل تقدمت؟ هل ازداد عملك الصالح؟ ماذا قدمت للآخرة؟ لو جاء الموت فجأةً هل أعددت له عدته؟ أم ماذا تفعل؟.
هذا من توفيقات الله لهم.
التزين بالمباح ليس حراماً ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به :
هناك ملاحظة للإمام الغزالي يقول: التزيُّن بالمباح ليس حراماً، فإذا سكَن إنسان بيتاً فخماً وفرشه بفرش ضخم، وأكل ما لذّ وطاب فما حُكمه وما شأنه؟.
التزين بالمباح ليس حراماً، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به، فإذا بالغ الإنسان في المباح استأنس إلى الطعام، والشراب، والدنيا، والمباهج، فإذا استأنس بها شقّ عليه تركها، واستدامة الزينة لا تكون إلا بمباشرة أسباب ينشغل بمراعاتها، فينفق الإنسان من أصحاب اليسار في السَّنة الكثيرَ، وتراه يقول لك: أنا مصروفي في السنة ثلاثمئة ألف، لو فرضنا لأسباب ما ضاقت بعض المكاسب، فماذا تفعل بنفسك؟ عوّدتَ الأهل على هذا المصروف العالي، تجد نفسك مضطراً فتقع في الشبهات، مضطرًا لتكسب المال الحرام، فلما يغوص الإنسانُ في الدنيا ويخوض فيها وفي المباح منها فقط يجد نفسه لأسباب قاهرة قد ضاقت المكاسب، وليس عنده حل، فيبدأ يتساهل بنوع الكسب، وعندما يعِّود نفسه على الترف فهذا يغامر بدينه، ويخشى عليه التردِّي.
والحزم في اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا لم يسلم منها، ولو كانت السلامة مبذولةً مع الخوض فيها لما ترك النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا، لكنه تركها حفاظاً على دينه.
2 ـ من صفات المتعلم أيضاً ألاّ يكون مسارعاً إلى الفتوى بل يكون متوقفاً ومحترزاً :
وعندنا صفة أخرى من صفات العلماء؛ ألاّ يكون مسارعاً إلى الفتوى، بل يكون متوقفاً ومحترزاً، فإذا قال عمّا يعلمه تحقيقاً في كتاب الله، أو في حديث رسول الله، أو إجماعاً، أو قياساً فلا حرج، وإن سئل عما يشك فيه قال: لا أدري، احفظوا هذه القاعدة نصف العلم لا أدري، وإن سأل عن اجتهاد احتاط ودفع عن نفسه وأحال إلى غيره فهذا هو الحزم، وفي الخبر: العلم ثلاثة؛ كتاب الله، وسنة قائمة، والشيء الثالث لا أدري.
وقال الشعبي: لا أدري نصف العلم، ومن سكت حيث لا يدري احتسابًا لله تعالى فليس بأقل أجراً ممن نطق صوابًا، لأن الاعتراف بالجهل أشد على الناس، هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله تعالى.
كان ابن عمر إذا سئل عن فتيا قال: "اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلَّد أمور الناس، وضَعْهَا في عنقه "، اسأله فهو المسؤول، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه مجنون " وقال: "جملة العالم لا أدري، فإن أخطأها فقد هلك "، وقال إبراهيم بن الأدهم:" ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ويسكت بعلم، يقول: انظروا إلى هذا أشد عليّ من كلامي ".
وُصف بعضهم بأنّ أكلهم فاقة، ونومهم غلبة، وكلامهم ضرورة، لا يأكلون إلا إذا جاعوا، ولا ينامون إلا إذا ضربهم النوم، بينما تجد أنّ بعضهم عند الظهر ينام ساعتين، ويستيقظ عقب العصر بكثير، ما هذا؟ من قضى عمره نائمًا يرى نفسه يوم القيامة مفلساً.
ومر عليٌّ وعبد الله رضي الله عنهما برجل يتكلم على ملأٍ من الناس، فقال: "هذا الذي يتكلم يريد أن يشد الناس إليه، وفي نفسه شهوة خفية "، وقال بعضهم: "إنما العالم الذي إذا سئل عن مسألة فكأنما يصعق "..
وكان ابن عمر يقول: "أتريدون أن تجعلوني جسراً تعبرون عليه إلى جهنم؟؟"، هذا الذي يفتي من دون علم جعل من نفسه جسراً يعبره الناس إلى جهنم، وقال: "العالِم هو الذي يخاف عند السؤال يوم القيامة أنْ يقال له: مِن أين أفتيت؟ "، لكنّ عالم السوء يقال له: أنت أفتيت في الموضوع الفلاني أن النسب القليلة من الربا تجوز فمِن أين جئت بهذا الكلام؟.
من سكت حيث لا يدري احتسابًا لله تعالى ليس بأقل أجراً ممن نطق صوابًا :
وكان إبراهيم إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: "ألا تجدون أحدًا غيري حتى جئتم إلي؟":
(( مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لا وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لا ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
النبي الكريم علمنا بهذا الكلام إذا واجهتكَ أشياء فَقِفْ عندها، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن خير بقاع الأرض وشرها، قال: لا أدري، حتى جاء جبريل عليه السلام فسأله فقال: خير بقاع الأرض المساجد وشرها الأسواق.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة، يروون بعض القصص ما أنزل الله بها من سلطان منها أنّ رجلاً متصوفًا له شأن كبير، فبينما هو في الحمام أعطوه مسألة، فغمسها بالجرن وأعطاهم الجواب، فهذه قصص غير مقبولة، وكان مِن الفقهاء مَن يقول: لا أدري أكثر مما يقول أدري. ((قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ وَلا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ))
[الدارمي عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ]
وفي حديث آخر، كانت المسألة تُعرَض على أحدهم فيردها إلى الآخر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتدافعون عن أربعة أشياء؛ الإمامة، - وهي الآن موضِعُ تزاحُمٍ - والوصية، والوديعة، والفدية.
وقال بعضهم: "أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علماً، وأشدهم دفعاً لها أورعهم "، وكان شغل الصحابة الكرام والتابعين بخمسة أشياء؛ بقراءة القرآن، وعمارة المساجد، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
طبعاً لما سمعوا كلام النبي الكريم: "كل كلام ابن آدم عليه وزرُه إلا ثلاث؛ أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر لله تعالى".
وقال ابن حصين: "إن أحدهم يفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بلدةٍ جميعاً ". ((عَنْ أَبِي خَلادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي خَلادٍ]
وقال أبو سليمان:" المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام، وإذا كثر العلم قل الكلام، وإذا كثر الكلام قل العلم"، وهذا آخر قول: إنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا سئل يقول: "اسألوا حارث بن زيد"، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اسألوا سعيد بن المسيب"، وذكر أن صحابياً روى في حضرة الحسن عشرين حديثاً، فسئِل عن تفسيرها فقال: ما عندي إلا ما رويت، فأخذ الحسن في تفسيرها حديثاً حديثاً، فتعجبوا من حسن تفسيره فأخذ الصحابي حفنة من حصى ورماهم به، وقال: "تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم ".
انظروا إلى التواضع، إذا عزّ أخوك فهن، هكذا كان السلف الصالح، وهكذا كان التابعون. ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
من لم يكن له ورع يَصُدُّهُ عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله. * * *
قصة من قصص الصحابة الكرام :
وبعد فهذه قصة من قصص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
ما أدري عن هذه القصة إنْ كنت قرأتها من قبل أم لم أقرأها، والذي ترك أثراً في نفسي أني لمّا قرأتها وكنتُ أظن أني ما قرأتها من قبل، لكنني قرأتها، وكأني أقرأها أول مرة، هناك استنباطات كثيرة قد نقف عندها.
قال مؤلف هذا الكتاب: قلَّما اتصلت الأسباب بين شخصين وتوثقت العرى بين اثنين كما اتصلت وتوثقت بين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وبين أبي سفيان بن الحارث، فقد كان أبو سفيان ترباً من أترابه، فقد وجدا في زمن متقارب، ونشأ في أسرة واحدة، وكان ابن عم النبي اللزم، اللصيق، فأبوه الحارث وعبد الله والد النبي الكريم أخوان، ينحدران من صلب عبد المطلب، ثم إنه كان أخاً للنبي من الرضاع، فقد غذتهم السيدة حليمة السعدية من ثدييها معاً، وكان بعد ذلك كله صديقاً حميماً للرسول صلوات الله عليه قبل النبوة وأشد الناس شبهاً به.
فهل رأيت أو سمعت قرابة أقرب أو أواصر أمتن من هذا الذي كان بين محمد بن عبد الله وأبي سفيان بن الحارث؟ لذا كان من المفروض أن يكون أبو سفيان هذا أصدقَ الناس إلى تلبية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأسرعهم مباشرةً إلى اتباعه، لكن الأمر جاء على خلاف كل ما يتوقع، إذْ ما إنْ بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ينذر عشيرته حتى شبت نار الضغينة في قلبِ أبي سفيان على النبي عليه الصلاة والسلام، فاستحالت الصداقة إلى عداوة، والرحم إلى قطيعة، والأخوة إلى صدّ و ردّ، كل هذه الأسباب قامت في نفس أبي سفيان، ولكن: إنّك لا تهدي من أحببت، لقد كان أبو سفيان لما صدع النبي بأمر ربه فارساً من أنبل فرسان قريش، وشاعراً مقدَّمًا بين الشعراء، فوضع كنانته ولسانه لمحاربة النبي عليه الصلاة والسلام، ومعاداة دعوته، وجنّد قوته كلها ضد الإسلام والمسلمين، فما خاضت قريش حرباً ضد النبي إلا كان مسعِّرها، وما وقع بالمسلمين أذىً إلا كان له فيه يد، ولقد أيقظ أبو سفيان شيطانَ شعره، و أطلق لسانه في هجاء النبي صلوات الله عليه، فقال فيه كلاماً مقذعاً فاحشاً، وطالت عداوة أبي سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام حتى قاربت عشرين عاماً، لم يترك خلالها ضربًا من ضروب الكيد للنبي إلا فعلها، ولا صنفاً من صنوف الأذى للمسلمين إلا عمله، وقبيل فتح مكة بقليل كُتِبَ لأبي سفيان أن يسلم، وكان لإسلامه قصة مثيرة وَعَتْهَا كتبُ السير، وتناقلتها كتبُ التاريخ، ولنَدَعْ للرجل نفسه الحديث عن قصة إسلامه، فوصفُه لها أدق.
قصة إسلام أبي سفيان :
قال: لما استقام أمر الإسلام، وقرّ قراره، وشاعت أخبار توجُّهِ النبيّ إلى مكة ليفتحها، ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، وقلت إلى أين أذهب؟ ومن أصحب، ومع من أكون؟
عكرمة بن أبي جهل قبيل فتح مكة فرَّ، وعندما وصل إلى شاطئ البحر رأى صاحب سفينة، قال: أركب معك إلى الشاطئ الآخر، قال له: هل أنت مسلم؟ قال: وما مسلم؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله فقال له: إذًا لِمَ هربت؟.
وقلت: إلى أين أذهب؟ ومن أصحب؟ ومع من أكون؟ ثم جئت زوجتي وأولادي وقلت: تهيؤوا للخروج من مكة، فقد أوشك وصول محمد وإني لمقصود، ليس هو مشركًا عاديًا، ولكن له باع طويل في الأذى، وقال في نفسه: وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون، ثم قال: أما آنَ لك أن تدرك أن العرب والعجم قد دانت لمحمد بالطاعة، واعتنقت دينه، وأنت ما تزال مصِرًّاً على عداوته، وكنت أولى الناس بتصديقه ونصره، ومازال أهلي يرغبونني بدين محمد حتى شرح الله صدري للإسلام.
قمت من توي وقلت لغلامي هيئ لي نوقاً وفرساً، طبعاً ولكن النبي الكريم في الطريق، وأخذت معي ابني جعفرًا، وجعلنا نسير نحو منطقة بين مكة والمدينة، وقد بلغني أن محمداً نزل فيها، ولما اقتربت منها تنكرت حتى لا يعرفني أحد فأقتل قبل أن أصل إلى النبي، وأعلن إسلامي بين يديه، وبقيت أمشي على قدمي، وطلائع المسلمين تمضي ميمنة شطر مكة جماعة تلو جماعة، فكنت أتنحى عن طريقهم خوفاً من أن يعرفني أحد من أصحاب النبي، وفيما أنا كذلك إذْ طلع النبي في موكبه فتصديت له ووقفت تلقاءه، وما إن ملأ عينيه مني، وعرفني حتى أعرض عني إلى الناحية الأخرى، فتنحيت إلى ناحية وجهه، فأعرض عني وحوَّل وجهه، فتحولت إلى ناحية وجهه حتى فعل ذلك مراراً، كنت لا أشك و أنا مقبل على النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفرح بإسلامي، وأن أصحابه سيفرحون لفرحه، لكن المسلمين حينما رأوا إعراض رسول الله عني أعرضوا عني جميعاً، لقد لقيني أبو بكر فأعرض عني أشد الإعراض، فنظرت إلى عمر بن الخطاب نظراً أستلين به قلبه، فوجدته أشد إعراضاً من صاحبيه، بل إنه أغرى بي أحد الأنصار، وقال لي الأنصاري: يا عدو الله، أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤذي أصحابه، وقد بلغت في عداوة النبي مشارق الأرض و مغاربها، ومازال الأنصاري يستطيل عليّ ويرفع صوته، والمسلمون يقتحمونني بعيونهم، ويُسَرّون مما ألاقي، عند ذلك أبصرت عمي العباس، فلذت به، وقلت: يا عم؛ قد ظننت أن يفرح رسول الله بإسلامي، فإذا آمن رجل بعد فترة طويلة فهو ملوم، وأحلى شيء في مسألة الإيمان أنْ يأتي في الوقت المناسب، وأنت شاب، وأنت قوي، وأنت صحيح، وأنت غني، وليس بعد أن شاب شعرك، وانحنى ظهرك، وانزوت عنك الدنيا، وصرتَ قعيدَ البيت عندئذٍ أخذتَ تصلي.
فقلت: يا عم قد كنتُ أرجو أن يفرح رسول الله بإسلامي، لقرابتي منه، وشرفي من قومي، وقد جرى بي ما تعلم، فكلِّمه في أمري، فقال: لا والله لا أكلمه أبداً بعدما رأيت من إعراضه عنك، فإن سمحت فرصة فإني أرجو رسول الله، أمّا الآن فلا يجرؤ أحد أن يكلمه، فقلت: يا عم إلى من تكلني إذاً؟ فقال: ليس عندي غير ما سمعت، فتملكني الهم، وركبني الحزن، ولم ألبث أن رأيت ابن عمي علي بن أبي طالب، فحدثته بأمري، فما لبث أن قال لي كما قال عمي العباس، عند ذلك رجعت إلى عمي العباس وقلت: يا عم، إذا كنت لا تستطيع أن تُعَطِّف عليَّ قلب النبي الكريم فكُفَّ عني ذلك الرجل الذي يشتمني، ويغوي الناس بشتمي، فقال: صِفْهُ لي، فوصفتُه له، فقال: ذلك نعيمان بن الحارث النجاري، فأرسل إليه وقال له: يا نعيمان إن أبا سفيان ابن عم رسول الله، وابن أخي، فإن يكن رسول الله ساخطًا عليه اليوم، فسيرضى عنه يوماً، فَكُفَّ عنه، وما زال به حتى رضي أن يكف عني و قال: لا أعرض له بعد الآن، أغلق الجبهة عليه، ولما نزل النبي عليه الصلاة و السلام بالجحفة جلست على باب منزله، ومعي ابني جعفر قائماً، فلما رآني وهو خارج من منزله أشاح عني بوجهه، فلم أيأس من استرضائه، وجعلت كلما نزل في منزل أجلس على بابه، وأبقي ابني جعفراً واقفاً بإزائي، فكان إذا أبصرني أعرض عني، وبقيت على ذلك زماناً، فلما اشتد علي الأمر وضاقت نفسي، قلت لزوجتي: والله ليرضين عني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن هائمين على وجهَيْنا في الأرض حتى نموت جوعاً وعطشاً.
فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ له، ولما خرج من بيته نظر إليَّ نظراً ألين من النظرة الأولى، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فدخلتُ في ركابه، وخرج إلى المسجد فخرجت أسعى بين يديه لا أفارقه على حال، وتمَّ إسلام أبي سفيان بن الحارث أخي النبي في الرضاع وابن عمه.
إرضاء أبي سفيان للنبي الكريم :
هذه واقعة أخرى؛ فقدْ وقف أبو سفيان بن حربٍ على باب عمر ساعات، فلم يسمح له بالدخول، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فلما دخل عاتبه، وقال: أبو سفيان زعيم قريش يقف في بابك ساعات طويلة وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان؟؟ فقال له: هؤلاء اتبعوا النبي في ساعة العسرة وأنت أين كنت؟.
ولما كان يوم الخندق، وجمعت العرب لحرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل، وقررت أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين، وخرج النبي صلوات الله عليه للقاء الجموع مع أصحابه، ففي أيِّ صف كنت؟ ويوم حنين ماذا كان لك من دور؟ قد قال تعالى:
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة:25 ]
إنّ الصحابة الذين خاضوا بدراً وأحداً والخندق، باعوا أنفسهم، ويوم حنين ظنوا أنفسهم أقوياء فخذلهم الله عز وجل، أمّا أبو سفيان بن الحارث فقال: فخرجت مع النبي، ولما رأيت جموع المسلمين الكبيرة قلت: والله لأكفِّرنَّ اليوم عن كل ما سلف مني من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليرين مني من أمري ما يرضي الله ويرضيه، الآن جاء الوقت المناسب.
ولما التقى الجمعان اشتدت وطأة المشركين على المسلمين، فدب فيهم الوهن والفشل، وصار الناس يتفرقون عن النبي، وكادت تحل بنا الهزيمة المنكرة، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام فداه أبي وأمي يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء كأنه الطود الراسخ ويجرد سيفه، ويدافع عن نفسه وعمّن حوله كأنه الليث عادياً: ((عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ]
عند ذلك وثبت عن فرسي، وكسرت غمد سيفي، واللهُ يعلم أني أريد الموت، وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي، ووقف بجانبه، وأخذت أنا مكانه من الجانب الآخر، وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما شمالي فكانت منصفةً...، وإلى الآن لم يتبسم له النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى حسن بلائي قال لعمي: من هذا؟ قال: هذا أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارضَ عنه يا رسول الله، فقال: قد فعلت، وغفر الله له كل عداوة عادانا إياها.
فاستطال فؤادي فرحاً لإرضاء رسول الله صلى الله عني..ثم التفت إلي وقال: أخي تقدم... ألهبت كلمات النبي حماستي فحملت على المشركين حملةً أزالتهم عن مواضعهم، وحمل معي المسلمون حتى فرَّقناهم إلى كل مكان، وظل أبو سفيان بن الحارث منذ حنين ينعم بجميل رضى النبي عنه، ويسعد بكريم صحبته، ولكنه لم يرفع نظره إليه أبداً، ولم ينظر إلى وجهه حياءً منه وخجلاً من ماضيه معه. الابتعاد عن معاداة الله و رسوله و اغتنام كل لحظة في الطاعة :
بعدما أسلم لم ينظر إليه خجلاً، عشرون سنة وهو يعادي النبي، فأحياناً يقصر الإنسانُ ويؤذي الناس، ويحمّل نفسه ما لا يطيق، إذا جاءت الصحوة أعانه الله، والقضية ليست سهلة؛ أن تعادي الله ورسوله، فلا تصلي، وتستهين بالدين، وتؤذي الناس وتغشهم، ماذا يفعل هذا بنفسه؟ يحمِّلها ما لا تطيق.
وجعل أبو سفيان يعض بنان الندم على الأيام السود التي أمضاها في الجاهلية محجوباً عن نور الله، محروماً من كتابه، فأكبَّ على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته، ويتفقه في أحكامه، ويتملى من عظاته، وأعرض عن الدنيا وزهرتها، وأقبل على الله بكل جارحةٍ من جوارحه حتى إن النبي صلوات الله عليه رآه ذات مرةٍ يدخل المسجد فقال لعائشة أتدرين من هذا يا عائشة؟ قالت: لا، قال: ابن عمي - أبو سفيان- إنه أول من يدخل المسجد، وآخر من يخرج منه.
ولما لحق النبي صلوات الله عليه بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان بن الحارث حزنَ الأمِّ على وحيدها، وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه، ورثاه بقصيدة من غرِّ المراثي تفيض حزنًا ولوعة، وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه أحسّ أبو سفيان بدنو أجله، فحفر لنفسه قبراً بيديه، ولم يمض على ذلك ثلاثة أيام حتى حضرته الوفاة، كأنه مع الموت على ميعاد، فالتفت إلى زوجته وأولاده وأهله وقال: لا تبكوا علي فو الله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت.
إذا تاب الرجلُ إلى الله توبةً نصوحًا، وعاهد الله ألاّ يؤذي أحدًا أبداً، ولا يعصي أبداً، فإذا جاء ملك الموت يقول: مرحباً به وبالموت.
والله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت، ثم فاضت روحه الطاهرة، فصلى عليه الفاروق رضوان الله عليه، وحزن لفقده هو والصحابة الكرام، وعدوا موته مصابًا جللاً حلَّ بالإسلام والمسلمين.
فاغتنم أخي المسلم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، ولا يعرف الإنسان بعد ذلك متى يصيبه آلام، وأوجاع، أيستطيع أن يتصدق أم لا، اكسب الوقت، قم الليل إن كنتَ تستطيع أن تقوم للصلاة، اقرأ القرآن وأنت في شباب، واستغل هذا الشباب، واستبق الخيرات، وإذا درَّتْ نياقُك فاحتلبْها، وإذا هبَّبتْ رياحُك فاغتنمها، فإنَّ الريح عادتها السكون.

السعيد
09-09-2018, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : التيمم - تعريفة - شروطة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط التيمم :
1 ـ النية :
أيها الأخوة المؤمنون؛ تحدثنا في الدرس الماضي عن الغسل، واليوم نتحدث عن التيمم.
يصح التيمم بشروط ثمانية: الأول: النية، وحقيقتها: عقد القلب على الفعل، والعلماء على خلاف في النية، فأكثرهم أنها عمل قلبي، فإذا عزَم الإنسان على أن يفعل هذه العبادة، فهذه العزيمة هي النية، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به، ففي أثناء الضرب على الحجر، أو التراب، أو الرخام، في أثناء الضرب ينوي الإنسانُ التيممَ من هذا الصعيد الطاهر لأداء الصلاة، أو لقراءة القرآن، أو لشيء آخر.
وشروط صحة النية ثلاثة: الإسلام، فلا تصح النية لغير المسلم، وهذا شيء بديهي، والتمييز، يعني العقل، والعلم بما ينويه، ينوي التيمم للصلاة، كأنْ ينوي التيممَ لصلاة جنازة، أو ينوي التيمم لقراءة القرآن، وهكذا.
ويشترط لصحة نية التيمم للصلاة أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة، هذه نية، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة، من هذه العبادة المقصودة قراءة القرآن.
إذا نعود فنذكِّر أنَّ للتيمم ثمانية شروط:الشرط الأول النية، وهي عقد القلب على فعل طاعة ما.
2 ـ العذر المبيح للتيمم :
الشرط الثاني: العذر المبيح للتيمم، فإذا لم يكن هناك عذر مبيح للتيمم لم يصحّ التيمُّمُ، ما هي الأعذار؟ بُعْدُه مسافة ميل عن الماء، أي إذا كان بينك وبين الماء ميل، ولو في المصر، ولو كنت في بلد آهل بالسكان، وبينك وبين الماء ميل، هذا الميل يجيز لك التيمم، وكذلك حصول مرض، كمثل أشخاص يعانون مِن مرض الروماتيزم، وبردٍ يخاف منه التلف أو المرض، أي يخاف من التلف أي الهلاك، أو المرض، أو ازدياد المرض، إذاً بعد المسافة، والمرض، وخوف عدو، أو حيوان مفترس أو نحوه، فأحيانا عند الماء عدو ما، والعدو بطاش، كما في أثناء الحرب، وخوف عطش، فإذا كان مع الإنسان كمية ماء، وهو في الصحراء، وإذا توضأ بما معه من ماء ربَّما مات عطشا، إذًا خاف العطش، أو خاف المرض، أو خاف العدو، واحتياج ماء لعجن لا لطبخ مرق، فإذا كان معك ماء يكفي لعجن العجين، فلو أنك توضأت به لبقيت بلا خبز، ولفقد آلة أيضًا، فحبل الدلو مقطوع مثلاً، أو ليس لديه حبل للدلو، والماء على بعد أمتار، لكن لديك حبلٌ، فهذا يعني فَقْدَ آلة، وخوف فوت صلاة، أي الصلاة التي لا تقضى، مثل الجنازة وصلاة العيدين، فإذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة، أو صلاة العيدين فعليك بالتيمم.
إذاً فالأعذار المبيحة للتيمم، البعدُ عن الماء، وخوفُ المرض، وخوفُ العدو، وخوفُ العطش، والاحتياجُ لعجن لا لطبخ مرق، لأنّ المرق شيء ثانوي في الطعام، أما الماء للعجين فشيء أساسي، ولفقد آلة كحبل الدلو، أو السطل، أو ما شاكل ذلك، وفي أيامنا هذه إذا انقطع تيارُ الكهرباء، وعنده محرك يعمل على الكهرباء، والماء على بعد خمسين مترًا، وتيار الكهرباء مقطوع، فعليه أنْ يتيمم، وخوفُ فوت صلاة جنازة، أو عيد، هذا الشرط الثاني.
3 ـ أن يكون التيمم بطاهر :
الشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر، نويت التيمم من هذا الصعيد الطاهر، من جنس الأرض، كالتراب، والحجر، والرمل، فالرخام حجر، أما الحطب، والفضة، والذهب فليست من جنس الأرض.
الشرط الأول: النية، الشرط الثاني: وجود العذر المبيح، البعد، وخوف المرض، وخوف العطش، وخوف العدو أيًّاً كان، واحتياج ماء لعجن، وفقدُ الآلة، وخوفُ فوات صلاة، والشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب، والحجر، والرمل، لا الحطب، والفضة، والذهب.
4 ـ استيعاب المحل بالمسح :
الشرط الرابع: استيعاب المحل بالمسح، أي استيعاب الوجه كاملاً، من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وطرفي شحمتي الأذنين استيعابًا كاملاً، وكذلك اليدين استيعابهما كاملتين.
5 ـ أن يمسح بجميع اليد أو أكثرها :
الشرط الخامس: أن يمسح بجميع اليد، أو أكثرها، فلو مسح بإصبعين لم يصحّ، ولو كرّر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس.
6 ـ أن يكون بضربتين بباطن الكفين :
الشرط السادس: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد.
7 ـ انقطاع ما ينافي التيمم من حيض ونفاس :
الشرط السابع: انقطاع ما ينافي التيمم من حيض، ونفاس، فلو كانت المرأة في حيض أو نفاس لم يصحّ التيمم، إذْ لا بد من انقطاعهما انقطاعًا كاملاً.
8 ـ زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ :
الشرط الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ، فإذا وُجدَ على الأظافر طلاءٌ، أو شحم، أو عجين، أو مادة مانعة فسدَ التيمُّم، فهذه ثمانية شروط للتيمم، وأعيدها سريعاً، أولاً: النية، ثانياً: وجود العذر المبيح، ثالثاً: التيمم بصعيد طاهر من جنس الأرض، رابعاً: استيعاب المحل بالمسح، خامساً: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها، سادساً: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد، سابعاً: انقطاع ما ينافي التيمم، من حيض أو نفاس، الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ، وهذه المعلومات أكثر الإخوة الحاضرين على علم بمعظمها، ولكن فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
* * *
صفات العالم :
1 ـ أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور :
ولننتقل إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين عنوانه " صفات العالم "، وهي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما أكثر البدعة التي تقطع الإنسان عن ربه كأجهزة اللهو، إذْ يقول بعضُهم: به نسمع تلاوة القرآن، وتقدِّم أحاديث دينية، كما تقدِّم مواضيع علمية، فربنا عز وجل قال:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 219]
مثلاً برميل فيه ماء مر، مذاب فيه ملعقة عسل، فمن أجل أن تصل هذه الملعقة إلى جوفك، يجب أن تشرب هذا البرميل بكامله، وهو مرٌّ، وقد يكون ساماً، وقد يكون مؤذياً، فلذلك عليه أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، أي يجوز للجمهور في آخر الزمان أنْ يتفقوا على ضلالة، كأنْ يصير شيء بحكم العادة، أو شيء بحكم العرف، فيصير لكثرة انتشاره بديهيًا، فيقال: فمَن أنت حتى تجيز ما لا يجوز؟ ومن أين تأتينا بهذا الدين؟
فهنا يقول الإمام الغزالي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة رَضِي اللَّه عَنْهم. 2 ـ حرصه على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم :
ليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، فإذا اقتدى إنسان بالصحابة كان في قمة الذكاء والتوفيق، وإذا اقتدى بغير الصحابة فل، طبعاً هم رجال ونحن رجال كما قال بعض العارفين، وقال بعض العارفين: ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وما جاءنا عن أصحابه الكرام فعلى العين والرأس، لماذا؟ لأنهم أخذوا عن النبي، والنبيُّ معصوم، وما جاءنا بعد ذلك عن غيرهم، فنحن رجال وهم رجال، وقال بعضهم الآخر: كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء، ما ينطق عن الهوى، وقال بعضهم: ما من أحد يكبر عن أن يُنقَد، وما من أحد يصغر عن أن يَنقَد، فالإنسان غير معصوم.
لذلك قال سيدنا عمر: " أحبُّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي "، أكبر هدية تقدمها لأخيك إن رأيت فيه شططاً، أو انحرافاً، أو تقصيراً، أو مخالفةً، أو معصيةً، فبينك وبينه، وبمنتهى اللطف والتهذيب، قل له: يا أخي إنني أحبُّك، وأنت مؤمن، وأنت قارئ قرآن، وهذا الذي تفعله لا يليق بالمؤمنين، إذا قلت له بينك وبينه فهذه نصيحة، فإذا وجهت له هذه الملاحظة أمام ملأٍ فهذا تشهير، وقد يكون الرد عنيفاً، لأنك شهرت به.
ويسأل الغزالي هذا السؤال فقال: أكان همُّ الصحابة في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولِّي الأوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في الِعشرة أم كان همُّهم في الخوف والتفكر والمجاهدة والمراقبة واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم البطون؟.
سيرة الصحابة العطرة قدوةٌ لنا :
إنّ سيرةَ الصحابة العطرة قدوةٌ لنا، فأحيانا قد تحضر مجلسًا فيقال لك: هذا مجلسُ ذكر، وتجدهم يلبسون ثيابًا بيضاء، ويقومون بحركات، وفي أثناء الدوران السريع تصير ملابسُهم مثل المظلة، يا ترى أهكذا فَعَلَ الصحابة؟ وبهذه الطريقة وأمثالها فتحوا العالم؟ وبهذه الطريقة انتزعوا إعجاب الأمم؟ وبهذه الطريقة صاروا قادة الشعوب؟ والخلاصة أنّك تشعر أنّ هناك أفعالاً ليست من الدين في شيء.
يقول الحسن رَضِي اللَّه عَنْه: "محدثان أُحدِثا في الإسلام؛ رجل ذو رأي سيئ زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومُترَف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب".
والحقيقة هنا تحليل دقيق، فأنتَ أمام رجل آثر الدنيا على الآخرة، وكلُّ همِّه الدنيا، أو رجل آخر همُّه أن يتتبَّع أفكار الناس، فمن وافقه على أفكاره المنحرفة ظنّه صالحاً ومن خالفه كَفَّرَه، وهذان المُحدَثان ليسا من الدين في شيء.
ويقول الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه: واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان، وأقربهم إلى الحق أشبههم بصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخَذَ الدينَ.
لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه: خيرنا أتبعنا لهذا الدين لما قيل له: خالفتَ فلاناً؟ فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر إذا كان عملُه موافقًا عملَ أهلِ عصر رسول الله وهم الصحابة الكرام.
فإذا خالفتَ أهل عصرك، واتبعت أهل عصر رسول الله فأنت على حق، وكلمة الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " نحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال "، هذه كلمةٌ في منتهى الدقة، فلا يعرف الحق لأن فلانًا قاله، بل يعرف فلانًا أهو على حق أو على باطل في ضوء الحق الذي تعرفه، فالحق هو الأصل.
فلو فرضنا مدرس لغة عربية نصب الفاعل، فإنّ الفاعل لم يَعُدْ منصوبًا، فحكمُ الفاعل الرفع، إذا ذاك المدرِّس مخطئ، ففي اللغة قواعد ثابتة في ضوئها تقيّم ضوابطها، فإذا قرأ جاهلٌ في كتابٍ مطبوع ونصَب الفاعلَ فليس الصواب في قراءته، وقال: أنا أظنه مرفوعًا، لا، فهذا خطأ مطبعيّ، فأنت تعرف الكلام بالحقائق التي تعرفها من قبل، ولا تستنبط الحقائق من كتاب طارئ.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ))
[ ابن ماجه عن ابن مسعود]
من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة :
سألني الأسبوع الماضي رجلٌ، فقال: أليس هناك حديث " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "، فأردت أن أبسِّط له الموضوع، فقلت: لما وضعوا في المساجد برادات للماء في أيام الصيف الحارة، والمصلي يتمنّى أن يشرب كأس ماء بارد، فهذه البرادات انتشرت بعد ذلك فهذه سنّة حسنة، ووضعوا في المساجد سخانات للمياه، ففي أيام الشتاء يتمنى المتوضِّئُ أن يكون الماءُ ساخناً، وهذه أيضًا سنة حسنة:
((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ ))
[رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
طبعاً هذه سنة نبوية مطهرة، فإذا أصيب مسلم بمصاب، أو بلاء، أو حادث وفاة، فهو بعيد عن جو الطعام والشراب، فإذا قَدَّم له الأهل الطعام والشراب جاهزين، فهذا اتباع لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فأبواب الخير كثيرة، وقد بلغني أنّ أحَدَ الصالحين بالشام أوقف مبلغًا كبيرًا من المال لكل غلام كُسِر معه إناء، ويخاف عقاباً أليماً من وليه، أو سيده، يأتيه بقطعة من هذا الإناء فيعطيه إناءً كاملاً جديداً، فهذا الإنسان أراد أن يخفِّف مآسي المجتمع، وَاللَّهِ هذه سنَّة حسنة، فإذا فكر الإنسانُ في أعمال الخير، فأعمال الخير لا تُعدُّ ولا تُحصَى، لكن هذه ليست بدعاً ، هذه من صلب الدين، ومغطاة بآيات، وأحاديث كثيرة، من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فإذا أَلْحَقَ شخصٌ بالمسجد مستوصفًا، وعولِج فيه مريض فقير، فهذا شيءٌ جميل، وهذه سنة حسنة، وإذا علَّم الإنسان الأولاَدَ القرآنَ الكريمَ، فألزم المدرِّسُ نفسه بذلك، فهذا شيء يُحمَد عليه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم، وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
هناك كثير مِن الأمثلة على البدع، فبعضُ المسلمين يرغب في حضورِ احتفال رأس السنة، وآخرُ يحبُّ أنْ يقلِّد الأجانب، وهذه بِدَعٌ. إكرام الوالدين وحسن صحبتهما يوازي الجهاد في سبيل الله :
في خطبة الجمعة حدَّثتُكم أنّ عيد الأم شيءٌ مستورَد، لكن المسلمين يملكون من هذه البضاعة الشيءَ النفيس:
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))
[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
فلقد رأى النبيُّ الكريمُ أنَّ إكرام الوالدين وحسن صحبتهما أولى لذلك الرجل من الجهاد، وعَدَّ الإحسانَ إليهما موازياً للجهاد في سبيل الله، وإليكم حديثًا آخر: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَلَكَ وَالِدَانِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
حادثة أخرى: ((عَنْ الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ، وَكَانَ لا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))
[البخاري عَنْ الْعَبَّاسِ]
جاءه رجل ثالث قال له: لي أم تركتها وحيدة، وأتيت لأجاهد معك يا رسول الله - أو كما قال - فقال عليه الصلاة والسلام: " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، فبرُّ الوالدة عملٌ يكفي أن تقابل اللهَ به عز وجل، " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، وقال عليه الصلاة والسلام: لو أن في اللغة كلمة أقل من "أف" لقالها الله عز وجل، إذا نحن عندنا في العام 365 عيدًا للأم، كل يوم أنت مكلف بطلبِ رضى الوالدة، لا بالكلام بل بالإحسان والأدب وطلب الرحمة، وتدعو لهما في آخر كل الصلاة؛ ربِّ اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرة، لكن في مجتمع آخر يكون للأم خمسةُ أولاد، ولا ترى أحدًا منهم طيلة العام، فلمثل هذا المجتمع كان عيد الأم، أجَلْ لمثل هؤلاء كان عيد الأم، لرجل يموت في بيته فتتفسخ جثتُه، ويبقى ستة أشهر إلى أن يُقتحم عليه البيت من نتن الرائحة، وله خمسة أولاد متزوجون يقيمون في لندن، في المدينة نفسها التي هو فيها، ولم يخطر على بال واحد منهم أن يزور أباه خلالَ هذه الأشهر الست، فلمثل هؤلاء كان عيد الأم، وغالباً حتى في هذا العيد يكتفون بإرسال بطاقات زيارة بدل الزيارة الحقيقة.
إذاً المسلمُ وسعته السنَّة، ولم تستهوِه البدعة، وكثير من الصراعات في حياتنا؛ صراعات لها أول وليس لها آخر، كلها مستوردة من الغرب ، فمصمِّم أزياء في فرنسا مثلاً، لنزوة شيطانية ألَمَّتْ في عقله يمكن أنْ يجعل نساء المسلمين يخرجنَ على قواعد الشرع، وإذا رضينا هذا، وإذا تتبعنا هذه الصراعات، وبجَّلناها، وقدّسناها، فأين نحن إذًا من الإسلام؟
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله لغو ملغي :
وفي هذا الحديث:
((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
لما يتعامَى الإنسان عن عيوب الناس، وينشغل بعيوب نفسه، فهذا مؤمن حقاً، أمّا التافه فهمُّه الأول تتبُّعُ عورات الناس، لِمَ فلانة طلقت؟ ولِمَ فلان ليس له أولادٌ؟ يا ترى السبب منه أم منها؟ وما دخلك أنت بينهما؟ ومَن استشارك؟ ومَن شكا لك الموضوع؟ ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومن علامة الإيمان. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة المؤمنون:1-3]
قال بعض المفسرين: كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله فهو لغو ملغي، إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، ودنيِّها، فلذلك: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية...))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
و:(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه الدعوات يا ربّ يا ربّ صارت هباءً منثورًا، فإذا كان دخله حرامًا، يا ربّ ويا ربّ، فهذا نفاق، وإذا لا يصلِّي الفرض إلا في الصف الأول وفي وقته، والله شيء جميل، لكنه يملك مطعمًا تباع فيه الخمرة، قلت له: ما هذا؟ فقال لي: إنْ شاء الله في رقبة شريكي، أنا لا أذهب إلى المطعم أبدًا، و الحمد لله، ولكنه يقبض الربح في آخر السنة، وإن شاء الله بيعُ الخمرة في رقبة شريكه كما يزعم: ((يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
أي أنا لا أعتقد شيئًا في الحياة أخطر من الدعاء، لأنك بالدعاء تستعين بأقوى قوة بالكون وهي الله عز وجل، وبالدعاء أنت أقوى إنسان على وجه الأرض. الإنسان بالدعاء يعلن أنّ له عند الله رجاء :
كان سراقةُ بن مالك فارساً شجاعاً صنديداً طمع في الجائزة، إنها مئتان من الإبل لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، وحينما اقترب منه غاصت قدما فرسه في الرمل أول مرة والثانية والثالثة، شعر أن هذا ممنوع مني، إذًا في الكون قوة إلهية تحميه بالدعاء، فيكون أقوى إنسان على وجه الأرض.
كذلك معركة الخندق معركة كبيرة، كانت على وشك أن تستأصل المسلمين، إنّها حرب تدميرية هدفها إنهاء الإسلام كلياً، فالله عز وجل أرسل رياحًا عصفت بخيام الكافرين فأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، ودبّت بينهم الخلافات، وكان سيدنا نعيم بن مسعود قد أسلم في الوقت المناسب، قال للرسول الكريم: مُرْني يا رسول الله، فقال له: أنت واحد، ولكن خذِّلْ عنا ما استطعت، فذهب إلى الأحزاب وقال لهم كلاماً عن اليهود، وذهب إلى اليهود وقال لهم كلامًا آخر، فأوقع بينهم الشقاق، وكانت النتيجة أن انصرفت الأحزاب، ونصر اللهُ عبده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء قبله ولا شيء بعده.
وفي حنين أمسك النبي الكريم حفنة من رمل ورماها في الوجوه وقال: شاهت الوجوه:
أنا النبيُّ لا كذب أن ا ابنُ عبدِ المطلب
***
إنّك بالدعاء تعلن أنّ لك عند الله رجاء، واللهُ سبحانه وتعالى هو هو، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وآياته هي هي، وقوانينه هي هي، في أي زمان إذا قلت: يا ربّ، يقول الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وجعلت الأرض هوياً تحت قدميه، الدعاء شيء خطير، أنت بالدعاء يستجيب الله لك، لكن العبد الذي يقول: ((... يَا رَبِّ يَا رَب، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أراد تحقيق أهدافه فلابد له من التفرغ ولزوم مجالس العلم والبذل :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((...وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم...))
فمِن أين ترجو الخير إن كنت بعيدًا عن أهل الخير؟ ومِن أين ترجو أن تكون عالماً إذا كنت بعيدًا عن مجالس العلم؟ وهل سمعتُم في حياتكم أنّ إنسانًا صار طبيبًا وهو جالس في بيته أو وهو مقيم بالسوق؟ فلا بد من التفرغ، ومِن لزوم مجالس العلم، ومن البذل، حتى تكون محققًا لأهدافك. من فهم مضمون الآيات و عمل بها فقد فقه :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((.....وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته...))
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
إذا كنتَ ذا قلبٍ سليٍم فهنيئا لك، لأنّ الله معك: ((.....وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه....))
والله شيء جميل، لِيَضَعْ كلُّ واحد منا يضع نفسه محلّ البدوي الذي قال للنبي الكريم: يا رسول الله عظني وأوجز؟ فنظر إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و قال له: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
قال الأعرابيُّ: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل، لو قال: فَقِه فلها معنى آخر، أما قال: فَقُه الرجل، لو قال: فقِهَ، أي عرف أحكام الفقه، لكنّه قال: فقُه أي أصبح فقيهاً، كأنْ تكون آية قرآنية قرأتها فشعرت أنك اكتفيت بها لعشرات السنين، تطبيقاً لهذا الحكم، قال تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه: 123 ]
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 38]
هذه آية ثانية. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
فإِنْ فهمتَ مضمون هذه الآيات و عملتَ بها فقد فقُهتَ بإذن الله. التطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ وحسابُه عند الله عسيرٌ :
واللِه في القرآن آيات كثيرًا، كل آية إذا عقلتها تقول: كفيت:
((.....طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله....))
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
فأنْ يقول قائلٌ: الحمد لله لا أسرق، ما هذا الكلام؟ هذه كبائر، مِن البديهي ألاّ تسرق، فإذا قال لك طبيب: أنا الحمد لله أقرأ وأكتب، أتتعجب من ذلك و تقول: تقرأ وتكتب!! هذه بديهية، هذه يفعلها طالب ابتدائي، أنت مطالب بعلم دقيق، مطالب باستشارات، مطالب بمطالعة عميقة، مطالب بحل معضلات، أمّا أنْ تقرأ وتكتب، فهذه بديهيات، أما إذا كنت في مجلس، وطُرِح موضوع عن إنسان، فسلَقَتْهُ الألسنة، أنت كمؤمن ماذا تفعل؟ أتجري مجراهم؟ لا، فإمّا أن تقوم من هذا المجلس، وإما أن تسكِتهم، فهذه غيبة، أو حدّثك شخصٌ بقصة عن فلان، أتنقلها مكبراً فيدبّ الخلافُ بينهما؟ فاعلمْ أنّه لا يدخل الجنة نمّام أبداً، أو قتات، والمعنى واحد، إنه شي خطير على مستوى اللسان، هناك كبائر، فاحذر الغيبة والنميمة والسخرية، قالت له: صفيَّةُ قصيرة، فقال لها: يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجتْ بمياه البحر لأفسدته، فكلمة "قصيرة "، يقولون: قصيرة مثل المسطيجة، وأحياناً يقولون: إذا كان طويلاً زيادة مثل الحورة !! أمَّا إذا كان قصيرًا زيادة فيغتابونه غيبةً مهلِكةً، فالتطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ، وهذا كله حسابُه عند الله عسيرٌ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم. من قرأ ما جاء في كتاب الله بهرته حقائقُ الإيمان :
لذلك:
((......وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))
عليك بكتاب الله، أما يكفيك؟ ففيه كل شيء، والحديث النبوي الشريف ألا يكفيك؟ وَاللَّهِ هذه الأيامُ أقرأ مسرحية شكسبير، وماذا يعنيك من شكسبير؟ أعنده حكمة؟ أيصف لك نفوسًا مريضة؟ فإذا نقب شخصٌ في صندوق قمامة فماذا سيجد؟ سيجد قشر برتقال، والأكلة المتعفنة، واللحمة المتفسخة، هذا ما في صناديق القمامة، فإذا قرأت الروايات والقصص فلن يطالعك منها إلاّ انحراف أخلاقي، وهبوط نفسي، وضعف إنساني، وواقع مؤلم، وفقر مدقع، ولؤم لا يحتمل، فعندما تنتهي من القراءة تشعر بانقباض شديد، لأن الكاتب أوصلك إلى الوحل الذي صنعتْهُ قبائحُ الناس، فمرَّغك في وحل البشر، لكن اقرأ عن صحابي جليل، ستبقى أسبوعًا مترنمًا، واللهِ الأسبوع الماضي ذهبت إلى البيت، ومن عادتي أن أقرأ قبل أن أنام، لشدة استمتاعي بالقصة التي تلوتها على مسامعكم، لكنّني واللِه ما تمكَّنتُ من أن أقرأ شيئاً، فبقيت هكذا مستمتعاً بهذه المواقف التي وقفها سيدنا أبو سفيان بن الحارث، وما استُنبِط من مواعظ من هذه القصة، اقرأ قصص الصحابة تجد نفسَك ارتفعت، ويمكن أنْ تنسى نفسك أنك من مواليد الشام ومن أبناء سنة ألف و تسعمئة و خمس و ثمانين، تُشَدُّ بروابط متينة إلى ذاك المجتمع الفاضل، وإلى هذه القيم العالية، وإلى هذه البطولات، وتتمنى أن تكون خادمًا عندهم، وتتمنى أن تكون حارسًا لهم، وتعجب لِما هم عليه مِن هذا الكمال، والإنسان يذكر الصالحين الأبطال، فيتعطر المجلس بذكرهم، ويعتمر قلبه بالإيمان، وترتفع معنوياته، ويشعر أنّه إنسان آخر، بينما إذا قرأ القصص الحديثة، فكأنّه خاض في صندوق قمامة إلى قمة رأسه، تجد فيها السفه، والحمق، والخيانة، والغدر، واللؤم، والفقر المدقع، والغنى الفاحش، والفرق الطبقي الذي لا يحتمل، والضعيف الذي لا ناصر له، لكن اقرأ ما جاء في كتاب الله؛ فتروعك حقائقُ الإيمان، إذْ يقرأ كلامًا يفيده، "طوبى لمن وسعته السنة، ولم تستهوِه البدعة"، يقول أحدهم: واللهِ أنا أعلِّم ابني العزف على الكمان، وهي آلة حنونة، ولكن السنة ما اكتفيت بها، وما لامست مشاعري، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إن طرب المؤمن بكتاب الله لمقياسٌ فنيُّ بحت، ولو اجتمع ذواقو الغناء في العالم لما طربوا مجتمعين كما يطرب مؤمن بآيات الله، تذوب نفسُك مع معانيها، وتشعر أن المتكلم هو الله عز وجل، خالقك. ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص: 44 ]
ثم اقرأْ هذه الآية: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد: 16 ]
دخلت منزلَ شخصٍ منذ يومين، وهو متقدم في السن، حدّثني موجزًا بكلمتين، فقد سمعنا أن لك دروسًا، قلت له: نعم، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: "عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك، فاستحِ مني فأنا أستحيي منك"، فقال: لا تضيِّق و لا تشدِّد فكل سنٍّ لها ظروفها، فهو يبقى إلى الساعة الثانية يلعب بالنرد رغم كِبَر سنِّه، فهذه مِن رجل كبُرت سنُّه ثخينةٌ حقًّاً، ولا تُقبَل أبدًا، وعلمت أنّه جاءت امرأة إلى البيت، وهي صديقة زوجتك فيقول: تعالوا إلى هنا ليجلسهما إليه، رغم سنه، بحجَّة أن غرفته فيها مدفأة، فأنا أذكر هذا و أمثاله بالحديث القدسي: "فاستحِ مني فأنا أستحيي منك". * * *
قصة وحشي بن حرب الحبشي :
هذه قصة صحابي، ونقول " صحابي" والله أعلم بحاله، فهذا الرجل فعل مأساة في تاريخ المسلمين؛ قتل خير الناس بعد محمد صلى الله عليه و سلم، وقتل شرَّ الناس أيضاً، فلعل الله عز وجل يغفر له هذه بتلك، فَمَنْ هذا؟ هذا الذي أدمى فؤاد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أدمى فؤاده حينما قتل عمه حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وإنْ أحدٌ منكم أكرمه الله عز وجل بزيارة الحرم النبوي الشريف، فلينتقل إلى الأماكن المقدسة، ومنها أُحُد، فإنه سيجد قبر سيدنا حمزة، أشهر قبر هناك، في ساحة معركة أحد، ثم شفى قلوبَ المسلمين حينما قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة، إنه وحشي بن حرب الحبشي، المكنى أبو دسمة، و له قصة عنيفة حزينة دامية، فأَعِرْهُ سمعك ليروي لك مأساته بنفسه، قال وحشي: كنت غلاماً رقيقاً لجبير بن مطعم أحد سادة قريش، وكان عمه طعيمة قد قتل يوم بدر على يد حمزة بن عبد المطلب، فحزن عليه أشد الحزن، وأقسم باللات والعزى ليثأرنّ لعمه، وليقتلن قاتله، وجعل يتربص بحمزة الفرص، ولم يمضِ على ذلك طويل وقت حتى عقدت قريش العزم على الخروج إلى أُحُد للقضاء على محمد بن عبد الله، والثأر لقتلاها في بدر، فكتَّبتْ كتائبها، وجمَّعتْ أحلافها، وأعدَّت عدَّتها، ثم أسلمتْ قيادتها إلى أبي سفيان بن حرب، فرأى أبو سفيان أن يجعل مع الجيش طائفة من عقيلات قريش، أيْ من نساء قريش، ممَّن قتل آباؤهن، أو أبناؤهن، أو أخوتُهن، أو أحٌد من ذويهن في بدر، ليَحمسْنَ الجيش على القتال، وَيَحُلْنَ دون الرجال ودون الفرار، فكان في طليعة من خرج معه من النساء زوجه هند بنت عتبة، وكان أبوها وعمها وأخوها قد قتلوا جميعاً في بدر، ولما أوشك الجيش على الرحيل التفت إليّ جبير بن مطعم وقال: هل لك يا أبا دسمة - أأي وحشيًّا - في أن تنقذ نفسك من الرق؟ قلت: ومن لي في ذلك؟ قال: أنا لك به، قلت: وكيف؟ قال: إن قتلتَ حمزة بن عبد المطلب عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق، قلت: ومن يضمن لي الوفاء بذلك؟ قال: من تشاء، ولأُشهِدَنَّ على ذلك الناسَ جميعاً، قلت: أَفعلُ وأنا لها، قال وحشي: وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ شيئاً أرميه بها، فأخذت حربتي ومضيت مع الجيش، وجعلت أمشي في مؤخرته، قريباً من النساء، فما كان لي أربٌ بالقتال، له مصلحة بسيدنا حمزة فقط، وكنت كلما مررتُ بهند زوجة أبي سفيان، أو مرَّتْ بي، ورأت الحربة تلتمع في يدي تحت وهج الشمس تقول: أبا دسمة أشفِ واستشفِ، فلما بلغنا أحد والتقى الجمعان خرجت ألتمس حمزة بن عبد المطلب، وقد كنت أعرفه من قبل، ولم يكن حمزة يخفى على أحد، لأنه كان يضع على رأسه ريشة نعامة، كما كان يفعل ذوو البأس من شجعان العرب، وما هو إلا قليل حتى رأيت حمزة يهدر بين الجموع كالجمل الأورق، وهو يهد الناس بسيفه هداً، فما يصمد أمامه أحد، ولا يثبت له شيءٌ، وفيما كنت أتهيأ له، وأستتر منه بشجرة أو حجر متربصاً أن يدنو مني، حتى تقدمني إليه فارسٌ من قريش يدعى سباع بن عبد العزي، وهو يقول: بارزني يا حمزة، بارزني، فبرز له حمزة وهو يقول: هلمّ إلي، ثم ما أسرع أن بادره بضربة من سيفه فخر صريعاً، يتخبط بدمائه بين يديه، عند ذلك وقفت من حمزة موقفاً أرضاه، أي صارت المسافة قريبة، وجعلت أهز حربتي، حتى إذا اطمأننت لها دفعت بها نحوه، فوقعتْ في أسفل بطنه، فخطا متثاقلاً نحوي خطوتين، ثم ما لبث أن سقط والحربة في جسده، فتركتها حتى أيقنت أنه مات، ثم أتيته وانتزعتها منه، ورجعت إلى الخيام وقعدت فيها، إذ لم تكن لي حاجة غيره، وإنما قتلتُه لأُعتَق، ثم حمي وطيس المعركة وكثر فيها الكر والفر، غير أن الدائرة ما لبثت أن دارت على أصحاب محمد، وكثر فيهم القتل، عند ذلك غدت هنُد بنتُ عتبة على قتلى المسلمين، ومن ورائها طائفة من النساء، فجعلت تمثّل بهم، فتبقر بطونهم، وتفقأُ عيونهم، وتجدع أنوفهم، وتصلم آذانهم، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم دُعِي إلى التمثيل في قتلى بدر، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً"، ثم صنَعَتْ من الأنوف والآذان قلادةً وأقراطاً فتحلّت بها، ودفعت قلادتها وقرطيها الذهبيين لي وقالت: هما لك يا أبا دسمة، هما لك، فاحتفظتُ بهما فإنهما ثمينان، ولما وضعت الحرب أوزارها، عدتُ مع الجيش إلى مكة فبرَّ لي جبيرُ بن مطعم بما وعدني، وأعتق رقبتي، فغدوتُ حرًّاً، لكن أمر محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ينمو يوماً بعد يوم، وأخذ المسلمون يزدادون ساعة بعد ساعة فكنتُ كلما عظم أمر محمد، عظم عليَّ الكرب، وتمكن الجزع والخوف من نفسي، وما زلتُ على حالي هذه حتى دخل محمد مكة بجيشه الجرار فاتحاً، والعاقبة للمتقين، عند ذلك ولَّيْتُ هارباً إلى الطائف، ألتمس فيها الأمن، لكن أهل الطائف ما لبثوا كثيراً حتى لانوا للإسلام، وأعدُّوا وفداً منهم إلى لقاء محمد، وإعلان دخولهم فيه، وعندما أنزل ربنا عز وجل قوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾
[ سورة النصر: 1 ـ 3 ]
قالوا: في هذه الآية نَعيُ النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنّ رسالته تحققت وتمَّت، وقال عليه الصلاة والسلام:" يأتي على أمتي زمان يخرج الناس من دين الله أفواجًا"، وكيف ذلك؟ فهذه مثلاً مضى عليها أربعون سنة محجَّبة ثم سفرت وأظهرتْ مفاتنها، وتدَّعي أنّ خلقها قد ضاق، بل قد ضاقت نفسُها ذرعًا بالحجاب، فيخرج الناسُ أفواجاً، كما دخلوا أفواجاً، عند ذلك قال وحشي: سقط في يدي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت، وتعيَّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحقُ بالشام، أو باليمن، أو ببعض البلاد الأخرى، فوالله إني لفي غمرة همَّي هذه إذْ رقّ لي رجل ناصح وقال: ويحك يا حبشي، إن محمدًا واللهِ لا يقتل أحدًا من الناس إذا دخل في دينه، وفي الإسلام قواعد صارمة، ولو أنّ هذا الحبشي قالها نفاقاً، أو شكلاً، أو تقية، أو ممالأةً، أو مماراةً، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد حقَن دمه، قال له: ويحك يا حبشي، إن محمدًا والله ما يقتل أحدًا من الناس إذا دخل دينه، وتشهد بشهادة الحق، فما أنْ سمعتُ مقاله، حتى خرجت ميمِّمًا وجهي شطرَ يثرب، أبتغي محمدًا، فلما بلغتها تحسّست أمَره، فعرفت أنه في المسجد، فدخلت عليه في خفةٍ وحذر، ومضيت نحوه، حتى صرت واقفاً فوق رأسه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلما سمع الشهادتين، رفع بصره إليّ، فلما عرفني ردّ بصره عني، وقال: أوحشي أنت؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال: اقعد وحدِّثني كيف قتلت حمزة؟ فقعدت فحدثت خبره، فلما فرغت من حديثي أشاح عني بوجهه، وقال: ويحك يا وحشي، غيِّب وجهك عني، فلا أرينَّكَ بعد اليوم، أيْ لن يقتله رسول الله، ففي الإسلام قواعد ثابتة، لكن غيِّبْ وجهك عني، فلا أرينَّك بعد اليوم، فكنت منذ ذلك اليوم أتجنب أن يقع بصر النبي الكريم عليَّ، فإذا جلس الصحابة قبالته أخذتُ مكانًا خلفه، وبقيتُ على ذلك حتى قبض النبي عليه الصلاة والسلام، فموقفي مُخْزٍ إلى يوم القيامة، ثم أردف وحشي يقول: وعلى الرغم من أني عرفت أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فقد ظللتُ أستشعر فداحة الفعلة التي اجترحتها، وأستفظع الأمرَ الجلَلَ الذي نزل بي، وطفقت أتحيَّنُ الفرص كي أكفِّر عمَا سلف، وصدَق النبي الكريم إذْ قال: " ألا يا رب شهوةِ ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً "، فعلى الإنسان أنْ يفكِّر مليون مرة قبل أنْ يعمل عملاً، كقتل النفس، فيمكن لعملٍ ما أنْ يجعله في حجاب إلى يوم القيامة، فقدْ يكون ذاك العملُ أحَدَ أسباب هلاكه، " ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً "، ثم قال: فلما لحق النبي الكريم بالرفيق الأعلى، وآلت الخلافة إلى صاحبه أبي بكر، وارتدَّ بنو حنيفة أصحاب مسيلمة مع المرتدين، جهّز خليفةُ رسول الله جيشاً لحرب مسيلمة، فقلت في نفسي: إن هذه وَاللَّهِ فرصتك يا وحشي فاغتنمها، ولا تدَعْها تفْلتُ من يديك، ثم خرجت مع جيوش المسلمين، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها سيد الشهداء حمزة، و آليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة الكذاب، أو أظفر بالشهادة، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت، والتحموا بأعداء الله جعلت أترصد مسيلمة، فرأيته قائماً والسيف في يده، ورأيت رجلاً من الأنصار يتربص به مثلما أتربص أنا به، فلما وقفتُ منه موقفاً أرضاه هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه، وفي نفس اللحظة التي أطلقت حربتي على مسيلمة كان الأنصاري يثب عليه ويكيل له ضربة بالسيف، فربك يعلم أيّنا قتله، فإن كنت أنا الذي قتلته أكن قد قتلتُ خير الناس بعد محمد، وقتلتُ شر الناس بعده، لعلّ الله عز وجل يجعل هذه بتلك. عذاب النفس يسبق كل عذاب :
هذه القصة هدفها أنّ الإنسان أحياناً في ساعة الغفلة، أو طغيان الشهوة، أو الطمع في المال، أو القوة العمياء، يرتكب حماقة كبيرة من السذاجة والغباء، حيث تقول: أتوب منها، هذا كلام، فلما تشعر النفس بشناعة عملها وفظاعة فعلتها فليس مِن قوة تزيح عن كاهلها الشعور بالإثم، فمثلاً إذا كان الإنسان في ساعة سكر شديد، قام يذبح ابنه، وبعدما ذهب عنه أثرُ السكر وصحا منها رأى ما فعلتْ يدُه، ولات حين مندَم، ولو تصورنا أنّ أحداً لم يحاسبه، ولم يعتقله، وليس مِن قضاء يحاكمه، لكنّه يتفتَّت ألمًا وحسرةً، و يموت كل ساعة مئة مرّة، لماذا؟ لأن عذاب النفس يسبق كل عذاب، و قد حُكيَ لي أنّ شخصًا منذُ ثلاثين سنة تقريبًا في بيروت دهس طفلاً بسيارته، فلما أوى لينام ما استطاع، والحادث وقع الساعة الواحدة ليلاً حسب الرواية، إذْ بعث الوالدُ ابنه لشراء حاجة من الدكان، وبينما الولدُ يقطع الشارع دهسته سيارة فمات، فأول يوم ما استطاع أن ينام، وثاني يوم، وثالث يوم، ورابع يوم، ومضى عليه عشرون يوماً لا ينام، فالتجأ إلى طبيب نفسي علَّه يجد ما يريحه و يهدِّئ من رَوعه، فحذارِ من ساعة الغفلة، ومن ساعة طغيان الشهوة.

السعيد
09-09-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع : التيمم - اركانة - سننة




لحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم يا أكرم الأكرمين أغننا بالعلم، وزيِّنا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أركان التيمم و سننه :
وصلنا في الدرس الماضي في بحث الفقه إلى " التيمم "، وتحدثنا عن تعريفه، وعن شروطه، ووصلنا إلى أركانه، وسننه.
التيمم له ركنان فقط: مسح الوجه، ومسح اليدين فقط.
وأما السنن فسبعة: التسمية في أوله، لا بد من أن تسمي في أول التيمم، والترتيب، تبدأ بالوجه، وتثني باليدين، ثم الموالاة، تمسح الوجه، وتمسح بعده اليدين مباشرة، دون أن تمسح الوجه وتمضي إلى حاجة، ثم تعود فتمسح اليدين، وهذا معنى الموالاة.
أكرِّر: التسمية: بسم الله الرحمن الرحيم، والترتيب: مسحُ الوجه أولاً، واليدين ثانياً، والموالاة: متابعة مسح الوجه واليدين في وقت واحد.
وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب، وإدبارهما، تضع اليدين على التراب وتجعلهما تقبلان وتدبران، ونفضُهما، إذا علقت بهما كمية من التراب كثيرة ينبغي أن تنفضهما، تفريج ما بين الأصابع.
أكرِّر: إقبال اليدين، وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج ما بين الأصابع.
وندب تأخير التيمم لمن يرجو الماء، بعثتَ إنسانًا ليأتي بالماء، وأنت في انتظاره، فيندب تأخير التيمم، طبعاً قبل خروج الوقت، فإذا خرج الوقت المستحب ينبغي أن تتيمم وأن تصلي.
ويجب طلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة، تقريباً نصف كيلومتر، إن ظن قربه مع الأمن وإلا فلا، فإذا كنت مثلاً في أثناء حرب داخل أرض عدو، فالأمن غير متوافر، فلو أن الماء على بُعد ثلاثمئة متر لا ينبغي أن تذهب، وإذا توافر الماء إلى قدر نصف كيلومتر مع وجود الأمن تذهب إليه وإلا فلا.
ويجب طلبه ممن هو معه، إنسان معه ماء فمرّت شاحنة عندها مستودع ماء، فإن كان هناك محل تشح به النفوس، أو غلب على ظنك أن أحداً لن يلبيك، فتيمَّمْ وصلِّ، لكن إذا كنتَ في أرض خيّرة وأناس طيبين، أو كنت في أرض يغلب على أهلها حبُّ الخير، فاطلب الماءَ من المارة، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه، كأنْ يقال لك: صفحة الماء بليرة، أما أن تكون بمئة ليرة، فهذا ليس ثمن مثله، فصار ذاك ابتزازًا لكن الصفيحة بليرة ثمن معقول، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه إن كان المالُ فاضلاً عن نفقته، معه مال زائد عن حاجته فالسعر معقول، والمبلغ موجود وفائض، عندئذ لزمه الشراء.
ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض، فكلما كثرت الفرائض قلَّ سعر الماء، فيقل السعر للمرة الواحدة يقسمهم على عشرة فروض، أو على خمسة فروض، يجد أنّ الفرض الواحد تكاليفه قليلة.
وفي بعض المذاهب لا يصح التيمم قبل دخول الوقت، ولكن في المذهب الحنفي يصح التيمم قبل دخول الوقت.
كذلك إن كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمَّم، ولو وجدَ الماء، فمثلاً وقع حادث، ومعظم البدن مضمد، أو فيه جروح و رضوض، فما دام نصف البدن أو أغلبه مجروحًا فهذا يتيمم ولو وجد الماءَ.
أمّا إنْ كان أكثرُه صحيحاً غسَله ومسَح على القسم المضمد.
ولا يجمع بين الغسل والتيمم، فلا يجوز الجمع بينهما، فما دام يستطيع الغسل، والماء متوافر، فلا ينبغي أن يجمع مع الغسل التيممَ.
نواقض التيمم :
ماذا ينقض التيمم؟ كلُّ ما ينقض الوضوء ينقض التيمم، ويضاف إليه شيء آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي.
فقرة من باب أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا :
وبعد فهذه فقرة من باب: " أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا "، هؤلاء سمُّو في علم الفقه "آرائيين"، أحد الصحابة الأجلاء عرضت عليه قضية نادرة، فقال رَضِي اللَّه عَنْه أَوَقَعَتْ؟ قيل: لا، قال: إن وقعت نفتي بها، توفيرًا للوقت، وهذه الحالة النادرة؛ قال: رجل مقطوع اليدين والرجلين، وبقي منه الجذعُ، هذا ما حكمه؟ قال: هذا يصلي من دون طهارة، ولا وضوء، ولا تيمم عليه، فمِن أندر الحالات أن يعيش الإنسان جذعاً فقط، من غير يدين ولا رِجْلين، وعلى كلٍّ فنحن في صدد القضايا الواقعية، وهذا هو الصواب من غير تنطُّع.
تلخيص لما سبق :
إذاً التيمم له ركنان، وله سبع سنن، أمّ الركنان فإنّي أعود لذكرهما مع إعادة موجزة للموضوع كله:
مسح الوجه، ومسح اليدين، فتُمسَح اليدُ ظاهرها أولاً وباطنها ثانياً، اليمين ثم الشمال، والوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وعرضاً إلى شحمتي الأذنين، وركناه مسح اليدين والوجه، وسننه التسمية بسم الله الرحمن الرحيم، والترتيب، مسح الوجه ثم اليدين، والموالاة، الوجه واليدان في وقت واحد، وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج الأصابع، وتأخير التيمم لمن يرجو الماء، وطلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة، إن ظن قربه مع الأمن، وإلا فلا، ويجب طلبه ممن هو معه مِن المارة إن كان في محل لا تشح به النفوس، أو يغلب على ظنه أن الناس لا يبخلون بالماء، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه إن كان معه فاضلٌ عن نفقته، ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، وصحّ تقديمه على الوقت، أي يجوز التيمم قبل دخول الوقت، ولو كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمم، وإن كان أكثره صحيحاً غسله ومسح على القسم الجريح، ولا يجتمع غسل وتيمم، وينقضه ما ينقض الوضوء، ويضاف إلى النواقض ناقض آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي، أما مقطوع اليدين والرجلين فإذا كان في وجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا يعيد.
* * *
صفات العلماء بالله تعالى :
والآن إلى إحياء علوم الدين، طبعاً قد يسأل سائل ما حكمة تنوع الموضوعات؟ تنوع الموضوعات يدفع السقم، فنتحدّث في الفقه عشر دقائق، على مدى الأشهر والسنوات فنتعلم كل شيء، لكن لو أمضينا الوقت كله بالفقه لثقل ذلك على النفس، والآن إلى صفات العلماء بالله تعالى، وهنا صفحة يجب أن أقرأها لكم وأشرحها.
من صفات العلماء بالله تعالى أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه.
فهناك علم الظاهر، رجلٌ وقف ليصلي فصلى صلاة صحيحة، وقف منتصبًا، وقرأ وفق أحكام التجويد، وركع مطمئناً، وسجد مطمئناً، فقد توافرتْ جميع الصفات الواردة فالصلاة الصحيحة، لكن قلبه ساهٍ، مشغول بالدنيا، كل خواطره تواردتْ عن الدنيا، وجميع المشكلات في الأسبوع تأتيه وهو في الصلاة، لماذا لا تزوره أخته فما لها حق في عدم زيارته؟ وهنا انتهت الفاتحة وقال: ولا الضالين، ثم تذكَّر أنها زارته من يومين ولم تجده، ثم قال: آمين، أهذه هي الصلاة؟ لو أنه طبَّق الشروط تطبيقًا ظاهريًا فإنها صلاة، لكن هنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يلفت النظر إلى أن علماء الآخرة ينبغي أن تكون عنايتهم منصبةً على تطهير القلب، والالتفات إلى الله عز وجل، وعلم الباطن.
يقول: "إن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة"، شيء جميل، المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، أتحب أنْ تجرِّب فجرِّب ولا بأس، اعمل عملاً صالحًا يكلفك شيئًا ثمينًا، اخدم إنسانًا خدمة شاقة، امشِ معه عشر ساعات، لا تبتغي بها إلا وجه الله، زرْ مريضاً في أقصى المدينة، اركب أول حافلة ثم الأخرى لبُعدِ المسافة، وخذ له معك هدية، وحدثه عن الله وارجع، إنْ رأيتَ واحدًا بحاجة إلى مال، فاقتطع جزءًا من مصروفك وادفعه له، اعمل عملاً صالحًا حقيقيًا، فستجد نفسك إذا قرأت القرآن تنهمر الدموعُ انهمارًا، وتفهم شيئاً لم تكن تفهمه من قبل، هاتان الكلمتان دقيقتان، جاهِدْ تشاهِدْ، شيء عجيب أن العلم بالله تعالى ثمنه ليس من جنسه، بل ثمنه بعيد عن جنسه، فغضُّ البصر، وإنفاق المال، وخدمة الناس، والتودُّد إليهم، وتقديم خدمات قيّمة لهم، والمساعدة، والنصيحة، وبذل الوقت رخيصًا، وبذل الجهد سخياً، تقرأ القرآن فتنهمر الدموع، والفكر مفتوح، والعقل متفتح، تفهم عن الله أشياء لم تقرأها في تفسير، هذا معنى قول الإمام الغزالي:" جاهد تشاهد ".
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69]
هذه المعية لمن؟ للمحسنين، معية الله بتجلِّيه على قلبك. المجاهدة تفضي إلى المشاهدة :
هذه المشاهدات القلبية التي اتصف بها الصوفيون لا تتأتَّى إلا بالمجاهدة، بالِغْ في غضِّ البصر، وبالغ في العمل الصالح، ولا تنتظر أن يأتيك الناس ويطلبون منك عملاً صالحاً، بل أنت ابحث عن عمل صالح، وكل واحد منا لو بحث لوَجَد في انتظاره آلاف الأعمال الصالحة، ألا يستطيع أن يزور مريضاً؟ ألا يستطيع أن يقدم مساعدة؟ ألا يستطيع أن يفعل معروفاً؟ ألا يستطيع أن يخدم إنساناً؟ ألا يستطيع أن يمشي في حاجة أخيه؟ الأعمال الصالحة كثيرة جداً، فلو أنك تتبعتها، وبحثت عنها لوجدتها، فإذا فعلتها سعدت برضى الله عز وجل، وإذا أردتم ملخص الملخص دون الغوص في متاهات العلوم الدينية، ودون تضييع الوقت الثمين في علوم لا تنفع ولا تضر، إذا أردتم أن تكونوا على جوهر حقيقة الدين فعليكم بالمجاهدة، فإذا جاهدتم شاهدتُم، هكذا يقول الإمام الغزالي.
فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلوب تتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك.
الحكمة الخارجة عن الحصر والعد تنفتح بالمجاهدة والمراقبة :
كتب فقط؟ علوم عصرية تعارف الناسُ عليها، هذا درس الحقوق، عنده أصول القانون، تاريخ القانون، القانون المقارن، الأحوال الشخصية، الفرائض، علم المواريث، أصول المحاكمات، درجات المحاكم، أنواع الأحكام، آداب القضاة، فهذه علوم عصرية، ثم دارس الفيزياء، درس الفيزياء، والكيمياء، والحرارة، والمغناطيس، والضوء، والكهرباء، والطاقة، والطاقة الذرية، والكيمياء النووية، ثم دارس الرياضيات، درس الرياضيات الحديثة، والرياضيات التقليدية، والهندسة الفراغية، والهندسة المستوية، ثم اللغة العربية، فهذا درس أصول اللغة، وعلوم اللغة، وتاريخ اللغة، والنحو والصرف، هذه كلها فروع الجامعة، وكل فرع له مجموعة مواد، وكتب تقرؤها، وتفهمها، وتحفظها، وتلخصها، وتذاكر فيها، تأخذ درجة مقبول، أو جيد، أو امتياز، فتنجح، وتأخذ شهادة، هذه أشياء كلها مبذولة للناس، أما الهدى فغيرُ هذا الشيء، فإذا نزل الدينُ إلى هذا المستوى، وصار كتبًا تقرأ، وتُحفظ، وتلخَّص، وتُفهم، ويتكلم الناسُ بها في المجتمعات، هذا مثقف ثقافة تاريخية، وذاك مثقف ثقافة حقوقية، وآخر مثقف ثقافة إسلامية، وهذا دراسته بالفلك، وذاك دراسته بالرياضيات، وآخر دراسته بعلوم التجارة، ويحمل بكالوريوس تجارة، أو بكالوريوس بالمحاسبة، هذا بالإعلام، وذاك بالصحافة، وغيرُه في الأدب، وآخر في اللغة الأجنبية، وهذا بالتاريخ، وهذا في الجغرافيا، وهذا بالفلسفة، وهذا بالشريعة، نزلنا الدين العظيم إلى مستوى العلوم العصرية، لكل مؤلفات، وكتب، وفهارس، وتواريخ، ومقررات، وامتحانات، الفصل أول، والفصل الثاني، والنتيجة جيد أو مقبول أو امتياز، وهذا مرقم قيده، وآخر مفصول، هذا يحمل شهادة في الشريعة، أما الهدى فشيء آخر، الهدى انضباط، وغض بصر، وخوف من الله عز وجل، فإنّ رأس الحكمة مخافة الله، فلو قطعتَ رأس الثعبان مثلاً لمات، فلو ألغيتَ خوف الله هل بقيت حكمة؟ لا تبقى حكمة، إذًا هذا العلم بالله تعالى، وثمنه المجاهدة، ولتبقَ الآية في ذهنك:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69]
هذه آية يجب أن تحتلّ بؤرةً ذهنك دائماً.
قال العلماء: أما الكتب، والتعليم من خلالها فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح بالمجاهدة، والمراقبة، ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة. البحث عن الأعمال الصالحة و عملها كقربة لله عز وجل :
قال لي صديق: كنتُ راكبًا سيارتي قادمًا من الزبداني الساعة الثانية عشرة ليلاً، وجدتُ امرأة مع رجل وتحمل وعلى يديها طفلاً، وشعرت أنهما بحاجة للمساعدة فوقفت، صعد الزوج وزوجته ومعهم طفل حرارته مرتفعة تقدر بأربعين درجة، ويظهر أنهم غرباء، كان ذلك في أثناء أحداث لبنان، فأخذتهم إلى طبيب، ومن الطبيب للصيدلي، ثم إلى المشفى من أجل ضرب الإبرة، وقال: أربع ساعات أمضيتها في خدمة هذه الأسرة، فوصل الساعة الرابعة إلى البيت مرهقًا، ثم قال: أمضيت أسبوعين في سرور عارم، وكأنني في الجنة، ولما أُصلي أشعر كأنني محلِّق في جوِّ السماء، ولما أقرأ القرآن أشعر كأنني أفهم القرآن كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، وهذا شيء ثابت حقًّاً، والتجربة أكبر برهان، فابحث عن عمل صالح وافعله قربة إلى الله عز وجل، ثم انظر كيف أن الله عز وجل يفتح قلبك لمعرفته، ويتجلى عليك بالسكينة، والطمأنينة وتحس أنك إنسان آخر، هذا ملخص الكلام، واسمعوا هذه الكلمة؛ قال: فكم من متعلم طال تعليمه، ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة.
نسأله: ما تفسير هذه الآية، يقول: واللهِ سأراجع كتب التفسير، وهذه الآية؟ يقول: والله نسيتُ تفسيرها، وسأرى ماذا قال عنها العلماء، رَجَعَ بعد حين وقال: واللهِ قال البيضاوي مثلاً كذا وكذا، حسنًا وهذه الآية التي في زيد، قال: واللهِ إنّ سيدنا رسول الله شاهد السيدة زينب في وضع متبذِّل فأعجبه حسنُها، قال: سبحان الله! فسمعتْه، فحدثت زيداً فكرِهها، فنوى طلاقها، هكذا قالوا عن رسول الله في التفسير- أعوذ بالله- أهذه أخلاق رسول الله؟ فإذا كان الشخصُ لا معرفة له برسول الله، وقرأ في التفسير كلامًا مغلوطًا، أفيصدِّقه؟ فليحذرِ المسلم المؤمن مِن التقوُّل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فهو وإياهم قمّة الهرم البشري.
((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))
[مسلم عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ]
أنتَ لك عقلٌ، ولا بد لك من موقف، فلو قال المفسر: إنّ القصة هذه هكذا رواها الطبري، أَأُعفِي من الإثم؟ لا، كيف قبلتها؟ وكيف صدقتها؟ أعظم الأهداف مبذولةٌ لكل مسلم :
قال العلماء: وكم من مقتصر على المهم في التعلم، ومتوافر على العمل، ومراقبة القلب، فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار به عقول ذوي الألباب.
فإذا تعلم الإنسان الأساسيات، والتفتَ إلى قلبه، ولعمله الصالح، ومجاهدة نفسه وهواه، فتح اللهُ عز وجل على قلبه من معاني كتاب الله ما تحار به الألباب، وهذا الشيء ليس مبذولاً لواحد فقط، بل هو لكل واحد منكم، وهذه عظمة الإسلام، لا أحد أحسن من أحد، فالتفاضل في درجات الإيمان فقط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وكل من سار على هذا الدرب وصل إليه وإلى هدفه، وأعظم الأهداف مبذولةٌ لكل مسلم، ليس في الإسلام طبقة رجال الدين، وطبقة بعدهم ثانية، وطبقة وسطى، لا شيء مِن هذا، بل كل مسلم مفتوح أمامه الباب ليصل إلى أعلى مستوى في الإيمان:
((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أوَرًثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ))
[أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس]
الحديث الأخير في هذا الموضوع، قال الإمام علي رَضِي اللَّه عَنْه: القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للخير إما أكثرها سعةً، أو أكثرها وعياً- والناس ثلاثة، عالم رباني، أي يستمد علمه من الله عز وجل. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
[ سورة التغابن: 11 ]
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
إلا أن يؤتى فهماً في كتاب الله، هذا نص قرآني " ففهمناها سليمان" وهذه آية ثانية " واتقوا الله ويعلمكم الله " وهذه آية أخرى " ومن يؤمن بالله يهد قلبه" هذه آيات مِن القرآن الكريم تؤكد أن الله سبحانه وتعالى إذا رأى من عبده صِدْقاً في طلبه فتح قلبه لمعرفته. منافع المال تزول أما منافع العلم فلا يستطيع أحد أن يسلبها من الإنسان :
لذلك قال أحد العلماء الكبار وقد دخل إلى مسجد فرأى فتًى يحدث الناس، والناس مقبلون عليه، فرأى إقبال الناس على هذا الفتى مما يحط من قدره هو، فهو العالم الكبير، الذائع الصيت، العالم العلامة، الحبر الفهامة، وحيد عصره، فريد زمانه، رأى فتى صغيرًا، لا يعرفه أحد، والناس مقبلون عليه إقبالاً شديداً، فأراد أن ينتقص من شأنه، فقال: واللهِ يا فتى ما سمعنا بهذا الكلام، من أين جئت به؟ فقال الفتى على مسمع الناس جميعًا: يا شيخ أتعلمت كل العلم؟ قال: لا، فقال الفتى: أتعلَّمتَ جله؟ قال: لا، فقال الفتى: أتعلمتَ نصفه؟ فخجل، وقال: نعم، قال له: هذا من النصف الذي لم تتعلمه إذًا، فقال هذا العالِم: والله ما ندمت على قول قلته في حياتي كندمي على قولي لهذا الشاب: يا فتى ما سمعت بهذا الكلام.
والإنسان حين يعرف أن العلم بحرٌ ليس له نهاية يتواضع، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم، إياك أن تكون منهم، فالناسُ ثلاثة أصناف الناس؛ عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، العلم دين يدان به، العلم دين، تكتسب به الطاعة في الحياة، وتكتسب به جليل الأحدوثة بعد الممات، العلم حاكم، والمال محكوم، ومنفعة المال تزول بزواله، فإذا فلَّس إنسان فجأة وأُخِذتْ أمواله منه فقد زالت كل منافع المال، أما منافع العلم فلا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يسلبها منك، مات خزان المال وهم أحياء، وهم في قمة حياتهم وأوج شبابهم ميتون كما قال الله تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة النحل: 21 ]
همُّهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، والدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، يغضبون لزوالها، ويرقصون طربًا لمجيئها، وهم في غفلة عن الموت، يأتيهم بغتة فيصعقهم، مات خُزان المال وهم أحياء، والعلماء أحياء باقون ما بقي الدهر. أصناف البشر :
ثم قال الإمام علي كرم الله وجه: "إن ها هنا علماً جمًّاً، آه لو وجدت من حمله، بل أجد طالباً غير مأمون، يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا"، انظر إلى هذا الصنف الخطير، يريد الدنيا، يريد الطعام والشراب، والمال، والوجاهة عن طريق الدين، ويستطيل بنعم الله على أوليائِهِ، ويستظهر بحججه على خلقه، هذا صنف، صنف أراد الدنيا عن طريق الدين.
الصنف الثالث: " أو مناقض لأهل الحق"، لكن يُزرع الشك في قلبه لأول عارض، مثلاً هو مع هذا العالم خمس سنوات، ثم قرأ مقالة في مجلة فيها: " إنهم عرفوا جنس الجنين ذكر أم أنثى "، فالمعنى عنده أنّ القرآن ليس صحيحًا ولا صوابًا، وأنّ الدينَ خَلْط، فهذا الإنسان ضعيف التفكير، فأولُ شخصٍ ذكيٌّ، لكنه استخدم ذكاءه لاغتنام الدنيا عن طريق الدين، وهذا غير مأمون، أما الثاني فليس عنده هذا الخبث، لكنه محدود التفكير، يشك في الأمور بسرعة، هذا النوع الثاني لا بصيرة له، وهو لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، والثالث: أو موهوماً باللذات، سلس القياد إلى الشهوات.
الصنف الرابع: مغرماً بجمع الأموال والادخار، فهؤلاء جميعاً أقربُ شبهٍ بهم الأنعامُ السائمةُ، اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه، ثم لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّةٍ، إما ظاهراً مكشوفاً، أو مستتراً مقهوراً، هذا إما مشهورٌ، وإمّا مغمورٌ، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته، وكم هؤلاء الصادقون؟ وأين أولئك؟ هم الأقلون عدداً، والأعظمون قدراً، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، يحفظ الله بهم حججه، حتى يودعوها مَنْ وراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، أي رضوا ببيت صغير، بفراش غير وثير، بطعام خشن، بثياب قليلة، بأدوات متواضعة.
مال، وسيارة فخمة، وبيت فخم، فقط، هذه كل أهدافنا، أما أنْ يدرك أنّ هناك آخرة، راجع إلى إله عظيم، أسماؤه حسنى، خالق الكون العظيم، هذه أشياء لا تعنينا أبداً، سبحان الله " أموات غير أحياء".
لكنْ هناك مَن صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك أولياء الله عز وجل من خلقه، وأمناؤه، وعماله في أرضه، والدعاة إلى دينه ثم بكى وقال: "وا شوقاه إلى رؤيتهم".
لا تخلو الأرض من صادقين، معهم الحجة، مخلصون في دعوتهم إلى الله عز وجل، مترفعون عن الدنيا، صغرت أم كبرت.
* * *
الجالب مرزوق والمحتكر ملعون :
وبعد فإلى بعض الأحاديث الشريفة:
((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]
هذا مبدأ عام، فالإنسان يأتي ببضاعة يبيعها بسعر معتدل، ويربح منها، ثم يأتي بغيرها، فهذا مرزوق، هذا الإنسان ماذا يفعل؟ يخفف عن المسلمين أعباء الحياة، ويسهم في خفض الأسعار، يجلب البضاعة ويبيعها، ويجلب غيرها ويبيعها، لماذا باعها سريعاً؟ لأنه ربح فيها ربحًا معقولاً، سعره معقول، بضاعته جيدة، تهافت الناس عليها فاشتروها، هذا اسمه جالب، وهذا الجالب مرزوق، فأحد كبار الصحابة، وربما كان أغنى الصحابة سئل: كيف حصَّلتَ هذا المال؟ فقال: لم أبِعْ دَيْناً، ولم أستقلَّ ربحاً، فمهما ربحتْ الحاجةُ يبيعها، لكنّ التاجر الآن يفكر، يريد أنْ يحل مشاكله بالبضاعة هذه، فيخطِّط ليبيعها بربح فاحش، فتُحَلّ فيه مشاكله كلها، فالذي يجري أنه عندما رفع السعر قلَّ الشراء، وحدَث تضخم نقدي، فصار الناسُ طبقة غنية، وطبقة فقيرة، ونشأت مشاكل، ناس من دون دخل، فبحثوا عن أساليب غير مشروعة للدخل، كل هذه الأمراض ربما سببها ارتفاع الأسعار، هذا الجالب الذي يشتري ويبيع، ويشتري ويبيع، يسهم في خفض الأسعار، ويسهم في خفض مستوى المعيشة، وفي توفير الحاجات للناس، ويسهم في الرخاء الاجتماعي، طبعاً على قدر إمكاناته، وله نيته دائماً، في الإسلام عندنا قاعدة " فاعل الخير خيرٌ منه"، أي الفاعلُ للخير خيرٌ من الخير، وهذه النفس التي أرادت الخير، والخير مهما كان له حجم فهناك أعظم منه، فاعل الخير خيرٌ من الخير، فأعظم من الخير أن تفعل الخير، هذه النفس الراقية التي تحب الخير للناس، يقلقها شقاُء الناس، هناك أشخاص إذا سَكَنَ أحدُهم في بيت فخم، فليَكُنْ من بعده الطوفان، بينما تجد شخصًا يتألم لوجود هذه الأزمة، ويتألم آخرُ لأن بعض الناس باحتكار البيوت يؤخِّرون الزواج، علمًا بأنّه عندنا فتيات كثيرات في سن الزواج، وهذا الزواج معطل بسبب عدم وجود بيت، وبعض الأشخاص يتهم أسرته لبساطتها وقناعتها، وإنّ الله عز وجل زرع في قلب كل أبٍ وكل أمٍّ عطفًا على الأولاد، وهذا من دون جهد، وهذه فطرة الله، حتى المرأة الكافرة الملحدة تخشى على أولادها، لكن النبي الكريم أثنى على من كان في قلبه رحمة عامة للناس، هذه الرحمة العامة كسبية، تكسبها بالصلاة، فلو كانتْ أمورك الذاتية محلولة، لما كنتَ مرتاحًا حتى تزولَ مشكلات الناس، فالجالب مرزوق، والمحتكر ملعون، لأنه لا يهمه إنْ حُرِم الناسُ من هذه المادة، وارتفعت أسعارها إلى درجة أصبحت قلّةٌ قليلة من الناس يشترونها، فحرم منها الجميع، والأطفال لا يدركون هذه الناحية، فيشتهون و يلحُّون على الآباء الذين يتألَّمون لعجزهم عن الشراء، والبائع لا يهمه الأمر، وكلُّ همِّه الربح، فيرفع سعر البضاعة، وإذا لم يحقق ربحًا فاحشًا فلنْ يبيعها، إذْ ليس لديه رحمة. من يفعل خيراً يتنزل على قلبه تجليات شتى :
واللهِ ذات مرة حدّثني شخص بقصة دمعت لها عيني، مضمونها: طفل صغير وقف عند بائع فول، وقال له: أريد صحن فول، معه ربع ليرة، والصحن ثمنُه ليرتان ونصف، قال له: ادخُلْ وتفضل، ووضع له صحنًا عاديًا، بالبندورة والزيت والحمض، كما وضع له مقبِّلات، فقال شخصٌ جالسٌ: ما هذا؟ كلُّه بربع ليرة، قال له صاحبُ المحل: طفلٌ اشتهى أنْ يأكل فولاً، أَأَدَعُهُ من دون فول؟! أَكُلُّ الربح ماديٌّ، هنا نقطة الخلاف، الناس يقيسون الربح فقط بالمال، أَكُلُّ الربح مال؟! هناك تجليات تتنزل على قلب الإنسان إذا فعل خيراً لا يعلمها إلا الله.
سائق سيارة أجرة وقف لإنسان مقطوع، ليس معه إلاّ مبلغ يسير، فأخذه ولم يدعْه مقطوعًا، أَكُلُّ الربح مال؟ لا، ليس كل الربح مالاً، فبعض الربح سكينة في القلب، يستحقها صاحب المعروف، لذلك فعلى الإنسان ألاّ يضنَّ بمعروفه على أحد، قال له: ادخلْ وكُلْ فولاً، قال له: اشتهى أن يأكل فولاً، أفأدَعُه من دون فول؟ وأخذ منه ربع ليرة، وأشعَرَ الولدَ أنه دفع ثمن الفول، وشعَر صاحبُ المحلِّ أنّه أخذ ثمن الفول، فالجالب مرزوق، والمحتكر ملعون.
* * *
قصة عبد الله بن أم مكتوم :
قصة قصيرة عن عبد الله بن أم مكتوم:
لا شك أنكم جميعاً تعرفون أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عوتب به، فكلما رآه يقول: أهلا بمن عاتبني به ربي.
قال: لما ضيَّقتْ قريش على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذين آمنوا معه واشتد أذاها لهم، أِذن اللهُ للمسلمين بالهجرة، فكان عبد الله بن أم مكتوم أسرَع القوم مفارقةً لوطنه، وفراراً بدينه، فقد كان هو ومصعب بن عمير أول من قدما المدينة من أصحاب رسول الله.
عبد الله بن أم مكتوم فاقد البصر، حكمة ربنا أن الله سبحانه وتعالى جعل صحابيًّاً جليلاً عظيم الشأن فاقِدَ البصر، لماذا؟ ليؤكد لنا أن طريق الجنة مفتوح لكل الناس، حتى من فقدوا أبصارهم، وقد يبلغون أعلى المراتب، وما أنْ بلغ عبد الله يثربَ حتى طفِق هو وصاحبه مصعب بن عمير يختلفان إلى الناس، ويقرئونهم القرآن، ويفقهانهم في دين الله، لقد كان نشيطًا، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة اتخذ عبد الله بن أم مكتوم وبلال بن رباح مؤذنين، سيدنا بلال، وعبد الله بن أم مكتوم صارا للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذنين، يخضعان لكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات، ويدعوان الناس إلى خير العمل، ويحضانهم على الفلاح، فعَمَلُ المؤذن عملٌ عظيم، حتى إن بعضهم قال في قوله تبارك و تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
إنَّ الآية تعني " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله " إلى تمام الأذان، فهذه دعوة إلى الله، فكان بلال يؤذن، وابن أم مكتوم يقيم الصلاة، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال الصلاة، وكان لبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان، فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما، ويمسكون عند أذان الآخر، فصار أذانٌ قبل الفجر، وهو لتذكير الناس بوقت السحور، وأذان للإمساك، كان بلال يؤذن بالليل ويوقظ الناس، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه، وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة، فجعله أميرًا عليها في غيبته، أكثر مِن مرّةٍ، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة، وفي أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه من آيات القرآن ما يرفع شأن المجاهدين، ويفضلهم على القاعدين، لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثَّرَ ذلك في نفس ابن أم مكتوم، إذْ لا يقوى على الجهاد، والآيات كلها تحضُّ على الجهاد، وتغضّ من شأن القاعدين المتخلفين، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؟ ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنًا في شأنه، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضراعة:" اللهم أنزل عذري، اللهم أنزل عذري "، فنزل القرآن بآيات تتحدث عن أناس يحبون الجهاد ولا يقوون عليه. عقد ابن أم مكتوم العزم على الجهاد في سبيل الله :
حدّثَ زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله، فقال: كنت إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام فغشيَتْهُ السكينة، وثقل رأسه، ثم سُرِّيَ عنه فقال: اكتُبْ يا زيد:
﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
لا يستوون، فالقاعد مرتاح مسترخٍ، لا يريد أن يعمل، فلا يستوي هذا مع المجاهد، فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ قال سيدنا زيد: فما قضى كلامه، حتى غشيتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكينةُ، ثم سُرّي عنه فقال: اكتب يا زيد: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
قال هذه كتبتها، قال اكتب: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
إلا إذا كان هذا من أصحاب العاهات، فهو مستثنى من هذه الآية، ومن هذه القاعدة، فنزل الاستثناء الذي تمنَّاه ابن أم مكتوم، وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد، فقد أَبَتْ نفسُه الطموحُ أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله، ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور.
وغريب حقًّاً كيف سيجاهد وهو لا يرى بعينه!! اتخذ لنفسه وظيفة، فكان يقول: أقيموني بين الصفين، وحمِّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار، لقد قَبِلَ أنْ يمتطيَ ظهرَ فرسٍ، ويحمل راية الجهاد دون أن يرى. استشهاد ابن أم مكتوم في معركة القادسية :
في السنة الرابعة عشرة للهجرة عقَد عمر بن الخطاب العزمَ على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة، تزيل دولتهم، وتزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: "لا تدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا وجّهتمُوه إليَّ والعَجَلَ العَجَلَ"، وطفقت جموع المسلمين تلبِّي نداء الفاروق، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب، وكان في جملة هؤلاء المجاهدين مكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم، فأمَّر الفاروقُ على الجيش الكبير سعدَ بن أبي وقاص، وأوصاه وودعه، ولما بلغ الجيش القادسية برز عبد الله بن أم مكتوم لابسًا درعه، مستكملاً عدَّته، وندب نفسه لحمل راية المسلمين، والحفاظ عليها، أو الموت دونها، والتقى الجمعان في أيام ثلاث قاسية عابسة، واحترب الفريقان حربًا لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، حتى انجلَى اليومُ الثالث عن نصر مؤزَّر للمسلمين، فزالت دولة من أعظم الدول، وزال عرش من أعرق العروش، ورُفِعتْ راية التوحيد في أرض الوثنية، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء، وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، استُشهِد في معركة القادسية وهو كفيف البصر.
فهذه القصة سُقْتُها لكم، ليَعلم القاصي والداني أنّه ليس مِن عقبة تقف أمام المسلم، حتى لو فَقَدَ بصره، ومع ذلك فباب الجنة مفتوح، فإنْ كان بالمسلم ضعفٌ في جسمه، أو أحد أعضائه، كأنْ يكون لا يرى بعينيه جيداً، أو أنّ ماله قليل، أو نحو ذلك، فباب الله عز وجل مفتوح على مصراعيه، وكلما سِرتَ في طريق الله عز وجل ازددتَ حبًّاً وشوقاً واندفاعاً ومجاهدة.

السعيد
09-09-2018, 01:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : المسح على الخفين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.المسح على الخفين :
أيها الأخوة المؤمنون، ( باب المسح على الخفين )، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر، وما هو الحدث الأصغر؟ ما يوجب الوضوء، والحدث الأكبر ما يوجب الغسل، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر للرجال والنساء ولو كانا - هذه الألف على من تعود؟ على الخفين - ولو كانا من شيء ثخين غير الجلد، فعلى المذهب الحنفي لا يشترط أن يكون الخف جلداً، بل شيء ثخين غير الجلد، سواء كان لهما نعل من جلد أو لا.
شروط المسح على الخفين :
يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط.
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في آخر أيامه ألَّف رسالةً عنْونَها بالمسح على الخفين، وعدَّ الجوربين خفَّين، ويشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:
1 ـ لبسهما بعد غسل الرجلين :
لبسهما بعد غسل الرجلين، فلا يجوز لك المسح على الخفين إلا إذا لبست الجوربين، الترتيب سنة، فلو أنّ إنسانًا غسل رجليه ولبس الخفين وأتمَّ الوضوء جازَ، لكن يجب أن يتم الوضوء قبل نقضه، لأن الخفين يمنعان سريان نقض الوضوء إلى الرجلين، لكنهما لا يرفعان نقض الوضوء، وهذا شيء دقيق، فيجب أن يلبس الخفين بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، وقبل أن ينتقض، فلو انتقض الوضوء قبل كماله لوجب نزع الخفين، إذاً الشرط الأول لبسهُما بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء.
2 ـ سترُهما للكعبين :
الشرط الثاني سترُهما للكعبين، أن يكونَ الخفان ساترين للكعبين.
3 ـ إمكان متابعة المشي فيهما :
الثالث إمكان متابعة المشي فيهما، أيْ أنْ يستطيع لابسُ الخفين أن يمشي بهما، فلا يجوز المسح على خف من زجاج، ولا من حديد، ولا من خشب، فيجب في الخفَّين استطاعةُ المشي بهما.
4 ـ خلوُّ كلٍّ منهما من خرق قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم :
الشرط الرابع خلوُّ كلٍّ منهما من خرق - ثقب - قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم، فإذا كان في الجورب أو الخف خرقٌ يزيد عن مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم لم يجُز المسحُ عليهما.
5 ـ استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ :
الشرط الخامس استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ، أي من قماش له قوامٌ يقوم بنفسه.
6 ـ منعهما من وصول الماء إلى الجسد :
الشرط السادس منعهما من وصول الماء إلى الجسد.
7 ـ مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر :
الشرط السابع مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
وقت المسح :
متى يبتدئ وقت المسح؟ قال الفقهاء: ابتداء المدة من وقت الحدث بعد لبس الخفين، مثلاً إنسان توضَّأَ عند العصر ولبس الخفين عند المغرب، وما انتقض وضوءه بين العصر والمغرب، إذًا لم تبدأ بعدُ مدةُ المسح، وعند العشاء انتقض وضوءه الآن من العشاء يوم وليلة للمقيم، أو ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، إذاً مِن أولِ حدثٍ بعد لبس الخفين يبدأ وقت المسح، فإن مسح مقيمٌ ثم سافر استمتع برخصة السفر، وهو مقيم مسح عند صلاة الصبح، وعند العصر طرأ له سفر، انقلبَت المدةُ من يوم وليلة إلى ثلاثة أيام بلياليها على مسحه الأول، وإنسان آخر مسافر وصل إلى بيته، وكان قد مضى على لبس الجوربين أو الخفين بعد غسلهما يوم وليلة، فمنذ أقام المسافرُ يدخل في حيِّز الإقامة، ويجب نزعهما إنْ كان قد مضى على إقامته منذ بدأ المسح يوم وليلة، وإذا كان أقل فلَهُ أن يتمَّ يومًا وليلةً، أي إن كان مقيمًا وسافر يدخل في مدة السفر، وإنْ كان مسافراً وأقام يدخل في مدة الإقامة.
وقدر المسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر مقدَّم كل رِجْل، ثلاثة أصابع إذا مررت بها من أصغر الأصابع على مقدم الرِجْل فهذا هو المسح على الخفين.
سنن المسح على الخفين و نواقضه :
سننه: مدُّ الأصابع منفرجة من رؤوس أصابع القدم إلى الساق، ومع مدِّ الأصابع انفراجُها أيضًا.
ينقضُ مسح الخف أربعة أشياء، كلُّ شيء ينقض الوضوء ينقض المسح، ولا ينقض لبس الجوربين أو الخفين، أي أنك لا تحتاج إلى مسح مرة ثانية، ونزعُ الخف ولو بخروج أكثر القدم، فلو فرضنا طفلاً نزع جورب والده فخرجت معظَمُ الرِّجل من الجورب انتقض المسح على الخفين، وإصابةُ الماء أكثر إحدى القدمين في الخف على الصحيح، لو فرضنا شخصًا من دون أن ينتبه داس في مجمع ماء فابتلَّتْ أكثر القدم بالماء انتقض المسح على الخفين، لأنه وقع عندئذٍ اختلاطٌ بين المسح والغسل، ومضيُّ المدة ينقض المسح على الخفين، مضى يوم وليلة أو ثلاثةُ أيام بلياليها، فالمضيُّ وحده أو نزعُ الخف أو ابتلالُ الرجل بالماءِ أو ما ينقض الوضوء، أربعةُ أشياء تنقض المسح على الخفين، هذا هو المسح على الخفين، له فرض، وله سنن، وله نواقض، وله شروط، وله مدة، وله تعريف وهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى حديث المسحِ أكثر من ثمانين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وقال بعض الحفاظ: خبرُ المسحِ على الخفين متواترٌ كما في فتح الباري، طبعاً وحتى لو كان الماء متوافرًا، وأناس يعانون من التحسس، أو أنْ يكون الشخص في الخدمة العسكرية ويصعب عليه خلعُ هذا البوط، فالإسلام يسر في وقت حرج كبير، وفي أيام الشتاء البارد تخاف أن تصاب الرِّجلُ بأمراض كتسليخ لحمها، فالإسلام يسر، فحيثما وُجِدَتْ حاجةٌ للمسح على الخفين فهذه رخصة، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.
* * *
صفات علماء الدار الآخرة :
عودٌ إلى إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، صفات علماء الدار الآخرة، وها نحن نعرض صفةً من صفاتِ علماءِ الدار الآخرة وهي أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين قال عليه الصلاة والسلام:
(( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
قد قال بعضهم: "رأسمال الدين اليقين"، وقال عليه الصلاة والسلام: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
ماذا فهِم الإمام الغزالي من هذا الحديث الشريف؟ فهِم أن معناه: جالِسوا الموقنين، واستمعوا منهم علم اليقين، وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم، وبعد قليل سأشرح لكم ما هو اليقين، قال عليه الصلاة والسلام: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
(( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
وقد وردت في وصية لقمان لابنه: " يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، فإذا ثبت لك أن في هذه الأرض ماء، وعندك مزرعةٌ كبيرةٌ توشك أن تموت عطشاً، وقد ثبت لك يقيناً أن في الأرض ماءً، فما الذي يحملك على أن تستأجر حفارةً وتدفع لها ثمناً باهظاً وتؤمن لها المعدات وتشتري القمصان وتدفع مبلغًا مقدمًا قد يصل إلى مئة ألف؟ ما الذي يحملك على دفع هذه المبالغ؟ إنّه يقينك أن هناك ماءً يمكن استخراجُه، وهذه الوصية لطيفة.
"يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، تقول لإنسان: هذه الصفقة حرام، يقول: لا، ليست حرامًا، فيها ربح مئتان وخمسون ألفًا، " ضع في الخرج"، طبعاً لا يتيقن أن الخسارة من الله سبحانه وتعالى، ولو تيقن أن معصية الله تسبِّب خسارةً ماديةً في الدنيا قبل الآخرة لَما أقدم عليها، يعرض له بيت ليشتريَه، ونقص ماله مئتي ألف، فيأخذها قرضًا بفائدة، ركبتُ بالسيارة العامة منذُ يومين، فقال رجل لآخر: مئة ألف صارت مئة ألفٍ وثلاثة وثمانين ألفًا مع الفوائد، لأنّ يقينه ليس هناك حل لهذه القضية إلا بهذه الطريقة، فلو كان عنده يقين بأن الله سبحانه وتعالى حاضر ناظر، ورأى أن عبده يتهيَّب أن يأكل مالاً حراماً فإنّه يَيَسِّر له هذا المبلغ من طريق شرعي، إذا قال رسول الله: (( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
فهذا صحيح وصواب، تجد طالبًا يدرس ولا يوقن بالنجاح، ولو لم يكن موقِنًا بالنجاح لمَا درس، تجد طالبًا يختار فرعًا في الجامعة ولا يوقن من جدواه، فلو تتبَّعتَ أعمالنا اليومية فلن تجد إنسانًا موقنًا بأنّه لا يربح، ولَم فتَحَ محلاً، فلو لاحظت أعمالنا لوجدتَ أنّ المحرك الأول لأعمالنا الدنيوية هو اليقين، فإذا كنت ضعيفَ اليقين تتردَّد وتقول: لا يوجد همّة، ضعفُ الهمّة من ضعف اليقين، وانعدام العمل من انعدام اليقين، وقوة العمل من قوة اليقين، فلذلك النبي الكريم قال: (( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
وقال: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
من يوقن بشيء يعمل له بصدق و مثابرة :
"يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين"، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، فلو فرضنا إنسانًا قرأ القرآن، وهو موقن أنه كلام الله، وأنّ كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله عز وجل وعَد المنفق بالتعويض والخَلَف، وأنّ هذا المبلغ مهما كبُر إذا دفعه ابتغاء مرضاة الله فإن الله عز وجل سوف يعوضه أضعافاً مضاعفة، إذا بلغ يقينك بهذه الآيات مبلغاً صحيحاً عندئذ تفتح وتعطي، وتقول: هذه خمسة آلاف أقدِّمها للمسجد، أو هذه عشرة آلاف، فمتى تدفع المالَ؟ إذا كان عندك يقين مئة بالمئة أن هذا المبلغ سوف يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة في الدنيا والآخرة.
إذا كان الإنسانُ صاحبَ مصلحة، وهذه البضاعة عليها طلبٌ شديد، وأسعارها مرتفعة تراه يشتريها بقوة قلب، ويقول لصاحب البضاعة: أعطِني كلَّ شيء عندك، فيقول له: السعر مرتفع، يقول له: لا يهم أنا ما فاصُلتك، ولا سُمتُ البضاعة، لماذا اشترى هذا بقوة؟ لأنه يعرف أنه سيبيعها بسرعة، وسوف يربح بها أضعافًا مضاعفة، فلما يتيقن التاجر أنّ هذه البضاعة مطلوبة، وزبونها موجود ويتقاضى الثمن نقدًا، وسيربح بالمئة مئة، تراه يسعى لشراء البضاعة بشكل جنوني، لأنه متيقن من الربح، فانظر إلى الإنسان كيف يسلك للدنيا، أمّا إذا كانت بضاعة لا يعرفها يقول لك: لا أعرف أَتُباع أم لا تباع، هذه بضاعة جديدة، وسوف أجرب السوق، هل تباع؟ فتراه يشتريها بتردد، أما إذا تيقن من بيعها فسيشتريها، هذا في الدنيا، وإذا تيقن الطالبُ أن هذه الشهادة سوف يتعين بموجبها فوراً، ودخلُها كبير، ترى دراسته جدية، وانظر إلى إنسان درس الطب، وعلِمَ أنّ البلد بحاجة إلى أطباء، والأطباء دخلُهم كبير، ولهم مكانة اجتماعية، فإذا درسَ الأول الطب، والثاني درسَ الحقوق، فترى طالب الطب همَّتُه للدراسة أشدُّ، وطالب الحقوق باعتبار أنّ حمَلة هذه الشهادة كثروا، وفرص العمل قليلة، فترى دراسته لا هِمَّةَ فيها، لأن يقينه بالتعليم أقل.
أعتقد أنّ الأمثلة أصبحت كافية، فعندما يوقن الإنسان بالربح، ويوقن بالفائدة تراه يحمله يقينُه على عمل صادق.
أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً :
هات ليَ يقينًا بالآخرة وخذْ عملاً صادقًا متواصلاً، والنفس لها قوانينها، فإذا تيقنت أن الحياة فانية وزائلة وأن ما عند الله خير وأبقى، وإذا تيقنت أن الآخرة هي كل شيء، فلا يمكن إلا أن تعمل لها بصدق و مثابرة، وإذا تيقن الإنسانُ أن هذه المعصية لها عقاب، وأنّ لكل سيئةٍ عقاباً، ولن يفوت عقاب سيئة واحدة عند الله عز وجل فلن يسيء أبدًا، وهذا الذي جاءه زبون وطلب منه سعرًا فوق الحد المعقول، التكلفة بقيمة ألفين، فقال له: عشرة آلاف، فقال له جاره: لماذا طلبتَ أضعاف ما تستحقُّ؟ فأجابه: هكذا أصول العمل، وهذه تصليحة وهي غنيمة، هذا الرجل عنده ابن يعمل بمخرطة، فتدخل نثرة فولاذ في عينه، تكلفه في اليوم الثاني عشرة آلاف ليرة بالعملة الصعبة، هذا لو حضر مجلس علم وعنده يقين أن المال الحرام لا بد أن يذهب أضعافاً مضاعفة لمَّا غشَّ زبونه صاحب التصليحة، ولماذا المؤمن يستقيم؟ لأنّ عنده يقينًا أنّ هذه المعصية لها عند الله عقاب، ومن الناحية المادية والتفسير العلمي أحدُ أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً، إذا أكل مالاً حراماً فسوف يتلف اللهُ له ماله، وإن اعتدى على الآخرين أُعتُدِيَ عليه، وإن نظر إلى نساء الآخرين فسينظر الناسُ إلى نسائه، وإن أزعجهم أزعجوه، فلكل سيئة عقاب، واليقين شيء مهم، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يُقصر عامل حتى ينقص يقينه، ما يقصِّر عامل إلا إذا تزعزع يقينه، وإذا كان عندك يقين أن كتاب الشكر من رئيسك في الدائرة يترجم إلى بعثة فوراً، والبعثة وراءها دكتوراه، ومن ورائها منصب أعلى، ودخل أكبر تهتم برضا رئيسك اهتمامًا بالغًا، أما إذا كان كتاب الشكر حبرًا على ورق، ولا يقدم ولا يؤخر فإنّك لن تبالي به، إنّها قضايا ثابتة، وهي قوانين مرغِّبة للنفس.
معنى اليقين :
وبعد، فما معنى اليقين؟ تكلمنا عن أهمية اليقين، قال: اليقين له معنيان، عند الفلاسفة له معنى، وعند المتصوفين له معنى، عند الفلاسفة: الأمور أربع درجات، أن يستوي عندك الإنكار والثبوت، سُئِلتَ عن فلان وأنتَ لا تعرفه أمسافر هو أم مقيم؟ فتقول: لا أدري، فهذه درجة يستوي عندك سفره وعدم سفره، ودرجة أعلى يغلب على ظنك أنه مسافر، ودرجة أعلى من ذلك أنّك ودَّعته في المطار، لكن لا تدري أعاد أم لم يعد؟ والدرجة الرابعة ودَّعته في المطار وجاءتك رسالة منه قبل يوم يخبرك فيها أنه مقيم هناك، فصار اليقين عدم الشك، أعلى درجة في اليقين انعدام الشك، قالوا: هذا تعريف الفلاسفة، وهناك أمثلة معقدة أنا بسَّطتُها لكم، فإما أن يستوي عندك الثبوت أو النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع احتمال النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع ابتعاد النفي، وإما أن يغلب عندك الثبوت مع نفي النفي، إذاً انعدام الشك هو اليقين عند الفلاسفة.
أما ضعف اليقين عند الصوفيين فله معنىً آخر، مَن منا يشك أنه لن يموت؟ لا أحد، ومع ذلك معظم الناس لا يعملون لما بعد الموت، فهؤلاء وإنِ اِنعدم الشكُّ عندهم، وإنْ ثبت لديهم يقيناً أنهم سيموتون فلأنهم لا يعملون لما بعد الموت فهم ضعاف اليقين بالموت، وهذا معنىً أرقى، أحياناً يكون الطبيبُ عنده يقين قاطع أن التدخين يضر، ومع ذلك يدخن، نقول: هذا فلسفياً يوقن بضرر التدخين، أما صوفياً فضعيف اليقين بضرره مع أنه يوقن، ولكنه لأنه لم يترك الدخان فهو ضعيف اليقين به، وهذا الموضوع دقيق.
عند الصوفيين أو عند الفقهاء ضعف اليقين عدم الالتفات إلى الشيء، إذْ يؤمن بالآخرة ولا يعمل لها، ويؤمن بالنار ولا يتّقيها، ويؤمن بالجنة ولا يسعى لها، ويعرف أن هذه معصية ولا يتركها، ويعرف أن هذه طاعة ولا يقبِل عليها، هذا هو ضعف اليقين عند الفقهاء والصوفيين.
مواضيع نموذجية عن اليقين :
1 ـ التوحيد :
وبعد فهذه أربعة مواضيع نموذجية عن اليقين، فأولُ هذه الموضوعات التوحيدُ، إذْ لا يوجد إنسان إلاّ ويعرف معنى لا إله إلا الله، أي لا مسيِّر لهذا الكون إلا الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا قابض إلا الله، ولا باسط إلا الله، فهذا المعنى لا يوجد إنسان إلا ويعرفه، ولكن عملياً عندما تغضب من زيدٍ لأنه حرمك شيئًا، فهذا الغضب من زيدٍ هو إشراك بالله عز وجل، وهو ضعف اليقين بالتوحيد، وحينما يمتلئ قلبك حباً لمن أعطاك شيئًا ما، ونسيت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له أن يعطيك، فهذا إشراك بالله، وضعف يقين بالتوحيد، فالتوحيد على المستوى النظري سهل، أما على المستوى العملي فهو صعب.
لو فرضنا أن إنسانًا أساء إليك إساءة بالغة لا سمح الله، تقول لصديقك: بقيتُ ثلاثة أيام لا أنام الليل مِن فِعلتِه، فهل رأيتَ هذا من الله عز وجل؟ لا، بل رأيتَه من صديقك، وامتلأ القلب غيظاً منه؛ هذا هو الشرك بالذات، هذا هو ضعف اليقين، ولكنك لو كنت قويَّ اليقين بالتوحيد لرأيت أن هذا الذي أساء إليك إنما هو عَصا بيد الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له بذلك تأديباً لك ومعالجةً، فينتفي من قلبك كلُّ غضب وحقد على الناس، انظر فإنّ الأدوات بيد الله، قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾
[ سورة البروج : 20 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 17 ]
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
أسعد إنسان في الأرض هو الإنسان الموحد :
لذلك أسعد إنسان في الأرض هو الموحد، لأنّه يعلم أنّ كل علاقاته مع جهة واحدة، مع الله عز وجل، وأيّ إنسان أساء له يراه عصا بيد الله، عندئذٍ ينعدم من قلبه الحقدُ والكراهية، ويرى علاقته مع الله وحده، وهذه واحدة من وحدات اليقين، فكل إنسان يمتحن يقينه، من أي مستوى يقينه؟ هل ترى الخير من الله؟ هل تذم الناسَ على ما لم يعطك الله؟ هل تمدحهم على ما آتاك الله؟ هذا هو ضعف اليقين بالذات، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفى من العقل واليقين، فحقائق الدين واضحة، ولكن إمّا أن تعيشها، وإما ألاّ تعيشها، إن عشتها فأنت موقن بها، وإن لم تعشها فلست موقنًا بها، وهذا هو التوحيد.
2 ـ الرزق :
موضوع آخر لليقين هو الرزق، قال تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة هود: 6 ]
إذا بلغك أنه سوف يستغنون عن خدماتك في هذه المصلحة، تقول: من أين آكل وعندي خمسة أولاد وبيتي بالأجرة؟ تنام مذعورًا لأنّ يقينك بهذه الآية ضعيف، أما المؤمن فهو موقن أنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين: ((أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
المؤمن موقن أن رزقه بيد الله، وأجله بيد الله، لذلك يقول الحق، ولا تأخذه بالله لومة لائم، ولا يخشى أحداً إلا الله، فاليقين بالتوحيد موضوع كبير، ولاحظ نفسك حين تنقم على الناس إذا حرموك شيئًا تجِد يقينك بالتوحيد صفرًا، ولما تحب إنسانًا أعطاك شيئًا يقينك بالتوحيد صفر أيضًا، ولما يمرض أحدُ أولادك وتأخذه إلى الطبيب فيعاينه ويصف له دواء ويشفى، فتقول: ما شاء الله، ما أمهرَ هذا الطبيب، يحمل شهادة بورد، أمّا قبل أنْ تأخذه إلى الطبيب، يا ربِّ حرارته واحد وأربعون، التهاب سحايا، يا رب ليس لي غيرك، فأرسلك إلى طبيب ألهمه الدواء الناجح، وهذا الدواء سمح له أن يؤثر، فلمّا أثّر وتراجعت الحالة تقول: هذا طبيب ليس له مثيل، فهذا هو ضعف اليقين بالله عز وجل، أما المؤمن إذا أخذ ابنه إلى الطبيب وشفي، يقول: يا رب لك الحمد، أنت ألهمت الطبيب الدواء الناجح، وأنت سمحت للدواء أن يؤثر التأثيرَ الشافي، وأنت كتبت له الشفاء، لكن لما تعتقِد أنّ الخيرَ والشرَّ من الناس فهذا هو ضعف اليقين بالتوحيد. 3 ـ جزاء العمل :
عندما يعتقد الإنسان أنّ دخله كبير نظرًا لخبرته العالية، ويقال عنه: هو في هذه المصلحة ثلاثون سنة، فهو فارسُ مهنته، والزبائن يتزاحمون فوق بعضهم، فالله عز وجل يؤدِّبه، قالوا: رجلٌ وصل إلى درجة مذهلة من الغنى في قطر عربي مجاور، فقال: أنا اغتنيتُ، أي أنّه لن يفتقر بعد اليوم و في اللغة الدارجة (قَبَرَ الفَقْرَ) - قال رجل صادق عندي: حينما مات جمعوا له من الناس مالاً كي تنفقوا على تجهيزه ودفنه، هذا الذي قال: أنا اغتنيت، فهو ضعيف اليقين، لأن الله عز وجل الذي أعطاه يسلبه، الله الذي أعطاه هذا المال قادر أن يسلبه إياه في دقائق، كل خبراتك من هذا العقل لو تعطل شيء في العقل، نقطة دم إذا تجمدت في بعض الشرايين تفقد ذاكرتك وكل معلوماتك، قد يكون الإنسان له مكانة كبيرة، رجل وصل إلى درجة مدير عام معه دكتوراه بالجيولوجيا، وله مكانة كبيرة، وسيارته على الباب، وزوجته فرنسية فقد بصره تحملوه شهراً ذهب البريد إلى البيت ثم سرحوه، زاره صديق قال له: أتمنى يا دكتور أن أبقى على الرصيف على هذا الثوب وأتسول و يرد الله لي بصري.
بالصحن قطعة لحم دفعتها إلى زوجتك حتى هذا المستوى يجب أن يجزيك الله عليه، أُعطيت قطعة حلوى قلت في نفسك: هذه لابني أطعمتها له، هذه القطعة لها عند الله حسابها، أنت كان من الممكن أن تأكلها لا أحد شاهد ما قُدم لك، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
إذا عندك يقين في هذه الآية تقبل على العمل الصالح إقبالاً شديداً وتنتهي عن المعاصي انتهاءً عجيباً، بهذا الآية. 4 ـ اليقين الرابع أن الله مطلع عليك :
اليقين الرابع أن الله مطلع عليك، مثلاً إنسان دخل يسرح شعره بلّ شعره فتذكر أنه لم يصلِّ العصر فقام ليصلي، أي أنت تدخل لمقابلة إنسان وشَعْرُك غير مسرَّح ومبلَّل؟ سرِّحه أولاً قبل أنْ تدخل في الصلاة، كذلك ما وجدت جاكيت البيجامة فصليت العصر بالقميص الداخلي، ألم تعلم أنّ الله يطَّلع عليك وأنّ هذا اللباس لا يليق للصلاة؟ قال تعالى:
﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾
[سورة الأعراف:31]
سيدنا رسول الله استأجر أجيرًا، فخلع ثيابه واغتسل أمام الناس، فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحيي من الله.
يجب أن يكون عندك يقين بأن الله مطلع عليك في سرك وجهرك، في خلوتك وجلوتك، من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، ويجب أن يكون عندك يقين أنه: من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وتحتاج إلى يقين تدرك به أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، وإلى يقين بأن الرزق بيد الله، فهذه إذًا أربعة مواضيع، التوحيد، والرزق، وجزاء العمل، والاطلاع عليك، كلُّ هذا بيد الله، ويعلمه الله، فراقِبْ نفسَك.
إذا خاطبك إنسان بلهجة قاسية تثب عليه لتأكله، أين اليقين بأن الله تعالى هو الذي أنطقه؟ وهو الذي سمح له أن يزعجك؟ فعُدْ إلى نفسك وانظُرْ ماذا فعلت، فما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بسبب منك: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة آل عمران: 182 ]
هذا هو اليقين حقًّاً، لذلك، وما قسَم الله لعباده نصيباً أوفرَ من العقل واليقين، فإنْ كنت عاقلاً وموقناً فقد ملكتَ كلَّ شيء، لكن لضعف يقينه صار ضعيفًا متردِّدًا، وقد يغدو مخذولاً. * * *
أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه :
لدينا بعض الوقت فلنَعُدْ إذًا إلى أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه، فقدْ قضى عند النجاشي عشر سنوات آمناً مطمئنًّاً هو وزوجته، وفي السنة السابعة للهجرة غادرا بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى يثرب، فلما بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً لتوِّه من خيبر بعد أن فتحها الله له، فَفَرِح بلقاء جعفر فرحاً شديداً، حتى قال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ انظر إلى هذه اللغة اللطيفة.
ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصةً بعودة جعفر بأقلَّ من فرحة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان جعفر شديد الحدب على الضعفاء، كثير البر بهم، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين، قال أبو هريرة: "كان خير الناس لنا معشر المساكين جعفر بن أبي طالب"، فإذا كان لك عمل يا أخي السامِع، وبُحِثَ موضوعُ الفقراء والضعفاء والمساكين فلا تأخذ موقفًا عنيفًا، بل خذ موقف العطف، وكنْ محامياً لهم، مدافعًا عنهم، فهؤلاء المساكين الضعاف، كما قالوا: كان يمضي بنا إلى بيته، ويطعمنا ما يكون عنده، حتى إذا نفدَ طعامه أخرج لنا القربةَ التي يوضع فيها السمن، فنشقُّها ونلعق ما علق بها، ولم يطُل مكثُ جعفر بن أبي طالب في المدينة، ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهز النبي عليه الصلاة والسلام جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمَّر على الجيش زيد بن حارثة، وقال: إنْ قُتِل زيد أو أصيب فالأمير جعفر، فإن قُتِل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة، فإنْ قُتِل عبد الله أو أصيب فليَختَر المسلمون لأنفسهم أميراً منهم، فلما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام، وجدوا أن الروم قد أعدّوا لهم مئة ألف تظاهرهم وتساندهم مئة ألف أخرى من قبائل لخم، و قضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف رجل، وما أن التقى الجمعان ودارت رحى المعركة حتى خرّ زيد بن حارثة شهيدًا مقبلاً غير مدبر، فأسرع ووثب جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء، ثم عقرها بسيفه حتى لا ينتفع بها الأعداء من بعده، وحمل الراية وأوغل في صفوف الروم وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابهــا طيبة وبارد شرابـــها
الروم روم قد دنا عذابهـا كافرة بعيدة أنسابـــها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
***
وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرين، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فما زال يقاتل حتى لحق بصاحبيه، فبلغ النبيَّ صلوات الله عليه استشهادُ قواده الثلاث، فحزن عليهم أشد الحزن، وأمضه الألم، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب، فألفى زوجته أسماء بنت عميس تتأهَّب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها ودهَنَتْهُم وألبستهم، فقالت أسماء: فلما أقبل علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فَسَرَت المخاوفُ في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له فهبُّوا نحوه فرحين مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كلٌّ يريد أن يستأثر به، فأكبَّ عليهم صلى الله عليه وجعل يتشمَّمُهم، وعيناه تذرفان من الدمع، قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء؟ قال: نعم لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غابت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تبكي وتنشج، وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراتِه ويقول: اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله، ثم قال: رأيت جعفرًا في الجنة له جناحان مضرَّجان بالدماء وهو مصبوغ القوادم. قصة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي :
الإنسان له مواقف فلتَكُنْ نبيلة، وسيدنا جعفر وقف هذا الموقف المشرف، فما عليه إن مات شهيدًا، فإذا كان الإنسان منا له مواقف مشرفة في الحياة، فكل شيء زائلٌ عدا هذه المواقف، وكلٌّ إلى زوال، ماذا أكل؟ ماذا شرب؟ ماذا لبس؟ أين ذهب؟ ما نوع بيته؟ ما نوع أثاث بيته؟ كم دخْلُه؟ هذا كله زائل، ولكن الذي يبقى هذه المواقف المشرفة، مِن حبٍّ لله ورسوله، ألا لا إيمان لمن لا محبَّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، سيدنا جعفر له قصة مطولة مع النجاشي، وأنا آثرت أن أتجاوزها لضيق الوقت أولاً، ولأنكم سمعتموها مني مرات عديدة، لكني أوجزها، فقد وقف أمام النجاشي وقال:
(( أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ))
[أحمد عن أم سلمة]
هذا الكلام الموجز من سيدنا جعفر لخَّص الجاهلية والإسلام، فهو كلام بليغ موجز، هكذا كنا، وهكذا أصبحنا، ما قال له: خِفْنَا أن نصلي، مع أن الصلاة فرض، والصلاة وسيلة لهذه الأخلاق. الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة :
سبحان الله فلقد اختلف الأمر وصار الإنسان إذا صلى ولو أكل أموال الناس بالباطل ولو آذاهم فإنه يحجُّ ويظن أنّ حجَّه يمحو كل مساوئِهِ مع الناس، إساءات، وإخلاف مواعيد، وكذب، وعدوان، وتلبيس على إبليس، فهذا كلُّه يفعله ولا يبالي، لذلك زَهِدَ الناس بالدين، وانفضوا عنه، ولو كان أهلُ الدين يعيشون قيمًا إسلامية رفيعة، إخلاصًا، وفاء، رحمة، بذلاً، تضحية لإدخال الناس في دين الله أفواجاً، ولهذا خرج الناس حقيقةً من دين الله أفواجاً، لأن الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة، وعلى المسلمين أنْ يجعلوا الدينَ مكارم أخلاقية، وسيرة اجتماعية حسنة، وقدوة فذَّة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه و سلم، وعندئذ ترفرف راية الدين عالية.
لكن الإنسان يفهم الدين عبادات فقط فهذا هو الفهم القاصر، أمَّا إذا فهم الدينَ كمالات، فهذا هو الفهم الصحيح، وبهذا الفهم الصحيح فتح الصحابةُ قلوبَ الناس قبل فتح البلاد.
الجمال و الكمال :
ثم إني أعرِّج على موضوع قصير أعرِّف مِن خلاله الجمال والكمال، فاستمعوا لتعريف رسول الله حيث قال: "الجمال صواب القول بالحق"، فلنتكلم بالحق، والحق ليس عليه رد، والحق غذاء للنفوس كما أن هذا الجسد يحتاج إلى غذاء يومي هذه النفس تحتاج إلى غذاء والحق غذاؤها، الجمال صواب القول بالحق، والكمال حسن الفعال بالصدق، يكون عملك طيبًا، ولكن ليس نفاقاً ولكن صدقاً.
((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
تقع حالات وفاة مفاجئة، كأنْ تكون وفاة بحادث، فهذا إنسان عملُهُ طيب، فبينما هو بين أهله إذْ به بعد نصف ساعة قد توفي، وبعد ثلاث ساعات صار في القبر، لا يوجد روتين في دفن الموتى، يموت مثلاً الساعة العاشرة وعند الظهر يصير في التربة، يكون الساعة التاسعة لا يشكو من شيء، وفي التاسعة والنصف أصابتهُ سكتة قلبية، الساعة العاشرة توفي الساعة الثانية عشرة والنصف كان في التربة، فإذا كان مؤمنًا صار في الجنة، والنار كذلك فإذا كان في بحبوحة مثلاً ودخل كبير وعز وجاه، فحادث بسيط قد يجعله من أهل القبور، وإذا كان عمله سيئًا فإلى جهنم: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
فالإنسان العاقل يهيِّئ نفسه، والمؤمن العاقل يعدُّ نفسَه دائمًا كأنه على سفر، وكل شيء جاهز، فالموت أقرب إلى المرء من بياض العين إلى سوادها، فالله نسأل الصواب والسداد.

السعيد
09-09-2018, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : المسح على الجبيرة





لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المسح على الجبيرة :
أيها الأخوة الكرام، موضوع قصير عنوانه " المسح على الجبيرة " فمن افتصد، أي أخرج دماً من جسمه، أو بجرح، أو بكسر عضوٍ فشدَّه بخرقةٍ، أي الضمّاد، أو بأيِّ حادث، وأيّ كسر إذا شُدَّ بضماد، أو جبيرة، وكان لا يستطيع غسل العضو، ولا يستطيع مسحه وجب المسح على أكثر ما شدَّ به العضو.
اليد مكسورة ومجبَّرة بجبصين وقماش، مجروحة عليها شاش ومادة معقمة، فصد دمه ربط مكان الفصادة بشاش، أي جبيرة أو أي ضماد شده الإنسان على جسمه إن لم يستطع غسله أولاً، وإن لم يستطع مسحه كذلك فماذا يفعل؟ وجب المسحُ على أكثر ما شدّ به العضو، على القماش وكفى المسح على ما ظهر، وإذا كانت الجبيرة طبقات متعددة فيمسح الطبقة الأخيرة فقط، والمسح كالغسل، معنى كالغسل هناك فرق كبير بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفين، المسح على الخفين مسح بدل، بدل من غسل الرجلين، وله مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وله نواقض، لكن المسح على الجبيرة كالغسل فلا يتوقف بمدة، ولا يشترط شد الجبيرة على طهر، رجل أُخِذَ بحالة إسعاف إلى المستشفى ولم يكن متوضئًا، فماذا نفعل؟ هل نفكُّ الضماد؟ لا، إذْ لا يشترط شدُّ الجبيرة على طُهر، ويجوز مسحُ جبيرة إحدى الرجلين، أما بالخفين فيمسح الاثنتين معاً، رِجْل واحدة مضمَّدة والثانية معافاة، تَغسل واحدة وتَمسح على الثانية، ولا يبطل المسح بسقوطها قبل البرء، وإن سقطت فالمسح لا يبطل بل تصلي ولو سقطتْ، ويجوز تبديلها بغيرها، ولا يجب إعادة المسح عليها، فالمريض مجروح، ولهُ في الشرع وُسعةٌ كبيرة، والشرعُ سَمحٌ في تعامله مع هذا المريض.
ثم إذا رمَد الإنسان وأُمِر ألاّ يغسل عينه، ماذا يفعل؟ أو انكسر ظفره، وجُعِل عليه دواء أو مادة عازلة ويضرّه نزعُه، جاز له المسح، لا يوجد جبيرة للعيون، عينٌ رمداء وضِع لها الدواء، والماء يضرها، يمسح على جفنه من دون غسيل، ظفره انكسر وضع عليه مادة معقمة يضرها الماء يمسح على ظفره، الآن لا يوجد جبيرة، فلتَعلمْ إذًا أنّ الدين يسر، فلك أن تمسح على الخفين، ولك أن تتيمم، ولك أن تمسح على الجبيرة، أو أي ضماد، ولك أن تمسح على عضو يضره الماء من دون ضماد.
المسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية ولا توقيت ولا زمن :
والمسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية، حتى لو كان العضوُ يضرُّه الماء جاز له تركُ المسح، أكرِّر وأقول: ولا يفتقر المسُح على الجبيرة إلى نية كما في المسح على الخف، فلا نية ولا توقيت ولا زمن، ولا يشترط أن تكون الجبيرة على طهر، وإذا سقطت لا ينتقض الوضوء، ويجوز تبديلها وتغيرها، ولا يشترط النية، فقدْ رُفِع عن أمتي كلُّ ما يبعث على الضيق والتبرم من الشرع، فالدين يُسْرٌ.
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]
* * *
المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً منكسراً يقلقه أمر آخرته :
وبعدُ، فإلى فصل آخر مختار من إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، كنا في الدرس الماضي تحدثنا عن اليقين، وقلنا: إنَّ اليقين عند الصوفيين أو عند الفقهاء يختلف عن اليقين عند المتكلمين والفلاسفة، فاليقين عند المتكلمين هو عدم الشك، أما اليقين عند الفقهاء والصوفيين فهو أن توقن بالموت ولا تعمل لما بعد الموت، أن توقن بالجنة ولا تعمل لها، أن توقن بالنار ولا تتقي النار، هذا هو ضعف اليقين، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين.
إنّ المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً، منكسراً، مطرقاً، صامتاً، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام: "الحزانى في كنف الله"، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون إلى الرحمة، ما معنى "حزانى" أي أنّ أحدهم يقلقه أمر آخرته، ويخشى أن تأتيه المنية وليس معه زاد كافٍ إلى الآخرة، فهذا الحزن المقدس، يخشى ألاّ يكون الله راضيًا عنه، ويخشى أن يكون في عمله رياء، يخشى أن يكون في قلبه نفاق، يخشى أن تخونه عينه، وأن ينطلق لسانُه في غضب الله، وأن يكون هذا العمل لغير الله، وأن يرجو غير الله، وأن يخاف من غير الله، فالطالبُ في أثناء العمل الدراسي وهو طموح، ويعلِّق أهمية كبرى على نجاحه، يرجو أن ينجح، ولكنه يخاف ألاَّ يُجمِّع معدلَ الطب، فهو قلق، فيطمئنه أهله، وجيرانه، وأصدقاؤه، ومع ذلك يقول: الأسئلة صعبة هذه السنة، وسوف يرفعون المعدلات، وأخاف ألاّ أدخل كليةَ الطب، فالمجتهد يقلق، أما الكسول فيجد طمأنينة بلهاءَ.
المؤمن يقلق أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء :
المؤمن يقلق، أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء، معها غباء، لذلك لا يجتمع على عبد أمْنَانِ ولا خوفان، إن أمِنَني في الدنيا أخَفْتُه يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، والكافر كما قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾
[ سورة الانشقاق: 13]
كان مسروراً، يضحك ملء فمه، يتمطى، أما المؤمن فقال تعالى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾
[ سورة الانشقاق: 9]
تخاف ألاّ تكون في مستوى ما تقول، هذا حزن، تخاف أن يكون قولك أرقى من عملك، وهذا شيء مخيف، تخاف أن يسعدَ الناسُ بدعوتك وتشقى بها، تخاف أن يكون أحدٌ أسعدَ منك، وعِلمُك كان لغير الله، تخاف أن تكون عبرة لأحد من خلق الله، تخاف أن تقول قولاً ظاهرُه فيه رضى الله عز وجل، لكنك تلتمس به رضى أحد سوى الله عز وجل، وتخاف أن تتزين للناس بما يشينك عند الله، فهذا هو القلق، وإذا لم يكن للإنسان قلق من هذا المستوى فهو إنسانٌ جاهل، وإذا كان الطالب خارج المدرسة من أبناء الأزِقة، فهل هذا يقلق على وظيفة؟ أو على واجب مدرسي؟ أو على امتحان؟ أو على مذاكرة؟ أو على دوام مدرسي؟ أو من استدعاء وليّ؟ لا أحَدَ يحاسبه، فهذا مطمئن، لكنها طمأنينة بلهاء، وطمأنينة الجُهلاء، لكن العالم لا يطمئن. القلق من عقاب الله عز وجل قلق مقدس :
ذات مرة قلت لكم: لو أن إنساناً وجد شقًّاً أساسيًا بجسر أساسي في بنائه، فقد يعرضه على دهَّان، يقول له الدهَّان: هذا يحتاج إلى معجون وسوف أصلِحه لك إن شاء الله، ويتوارى الشقُّ، لكن قد يعرضه على مهندس، ويقول له: هذا البناء خطر، يحتاج إلى إخلائِه فوراً، فبين أن يصلحه له الدهَّان وبين الإخلاء مسافة كبيرة وشاسعة، وهي كالمسافة بين العلم والجهل تماماً، فبقدر علمك تخشى الله، بقدر علمك عن الله تخافه، بقدر ما تعرف عن الآخرة ترجوها، بقدر ما تعرف عن النار تتقيها، بقدر ما تعرف عن كرم الله تطمع بكرمه، بقدر ما تعرف عن عقاب الله تخاف عقابه، فهذا القلق هو القلق المقدس، إنسان يعيش على هامش الحياة لا يدري لماذا خلق، ولماذا جاء إلى الدنيا، وما جوهر الحياة وما المصير.
هذا هو الحزن المقدَّس، عندما النبي الكريم قال:" الحزانى في كنف الله"، هذا هو الحزن حقًّاً.
إذا وجد الأب ابنه غيرَ مستقيم، والابن لا يبالي ويضحك ملء فمه، والأب أعرض عنه، وهو لا يزال يضحك، ولا يزال مستهتراً، ألا يتألم الأب من هذا الابن؟ وإذا رأى الابن أباه معرضاً عنه، فقَلِقَ أشد القلق، فقلقُه دليلُ محبةِ الابن أباه، وحِرصُ الابنِ على إرضاء أبيه يجعله يقلق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله يحب كل قلب حزين ))
[الحاكم عن أبي الدرداء]
والحزانى معرضون للرحمة، فعليه أن يكون حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً، يظهر أثر الخشية على هيئته، ومظهره، وسيرته، وحركته، وسكونه، ونطقه، وسكوته، أما أهل الدنيا فماذا يفعلون؟ يتهافتون على الكلام، ويتشدقون بألفاظ، ويستغرقون في الضحك، ويفعلون أعمالاً تدلُّ على بطرهم، واستهزائهم، وطمأنينتهم البلهاء. أنواع العلم :
لذلك قال الإمام التستري: "العلم الذي لا يورث خشيةً هو نوع من الجهل "، أيضاً قال الإمام نفسه: " العلم على ثلاثة أنواع علم بالله، وعلم بأمر الله، وعلم بخلق الله "، فالمختص بالفيزياء والكيمياء، والرياضيات، والفلك، والطب، والهندسة، والجيولوجيا، وعلم طبقات الأرض، وعلم المستحاثات، وميكانيك التربة، والفيزياء النووية، والكيمياء العضوية، والكيمياء التطبيقية، والرياضيات البحتة، والرياضيات الحديثة، هذه علوم بمخلوقات الله بَرَعَ فيها الغربيون إلى حدّ كبير، ويظن الناس أن كلمة العلم تعني هذا، لا، بل هذه صنعة من صنعات الحياة، أما العلم بأمر الله أن تعرف الحلال والحرام، وأبواب الفقه، والعبادات، والطهارة، وأنواع المياه، وأن تعرف أحكام الصلاة، وفروضها، وشروطها، وسننها، ومكروهاتها، وأن تعرف الصيام والحج والزكاة، وأن تعرف علم الفرائض والمواريث والتركات، وبحث البيوع، وبحث العقد، والوديعة، وأبواب الفقه معروفة عندك، عبادات، ومعاملات، وحدود، وأحوال شخصية، وهناك علم الأديان، علم الفقه المقارن، أصول الأديان، الفقه وأصوله، المذاهب الإسلامية، والفرق الإسلامية، ادخل إلى كلية الشريعة تجد موادَّ وكتبًا ومؤلفات ومجلدات تحوي تلك العلوم كلها، هذا علم بأمر الله، أما العلم الشريف فهو العلم بالله عز وجل، أن تعرف الله، فإذا جمعت بين معرفة الله ومعرفة أمره فقد جمعتَ أصول المجد من طرفيه، أن تعرف أمر الله، وأن تعرف الله.
معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر وذكاء :
لكن معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر، وذكاء، وإلى مراجع، وكتب، ودراسة، وملخصات، هذا العلم بأمر الله، والعلم بمخلوقات الله كذلك ، أما العلم بالله فلا يحتاج إلى شيء من هذا القبيل، يحتاج إلى مجاهدة، الإمام الغزالي يقول: " جاهد تشاهد "، أي العلم بالله لا يحتاج إلى مجلدات، يحتاج إلى غض بصر، العلم بالله يحتاج إلى عمل صالح، وحلم، و بر الوالدين، وضبط النفس، فإذا ضبطت نفسك، وبذلت من وقتك، ومن مالك، ومن جهدك، ومن خبرتك، وقدَّمتَه لله خالصاً، تجلَّى الله على قلبك فسعدتَ بقربه، فعرفتَ عن ذاته ما لم يعرف علماء الأرض، علماء الظاهر، قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 282]
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 11]
إذًا هذا هو العلم بالله. الخشية علامة العلم بالله :
لذلك الإمام الغزالي يقول:" حيثما وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنما تعني العلم بالله "، هذا المفروض، لكن ما أكثر المتعلمين، بعض الدول تقول لك: المتعلمون عندها مئة بالمئة، وبعض الدول يقولون: نسبة المتعلمين عندهم عالية، الآن صار العلم شائعًا، فمن الذي بقي جاهلاً؟ قلة قليلة، لكن ليس هذا العلم هو المقصود، فمع هذا العلم هناك الفسق، والفجور، والزنا، والخمر، والانحراف، والربا، ومع هذه الثقافة الرفيعة والشهادات الجامعية العليا هناك الغش، والدجل، والمحاباة، والتدليس، حتى في المهن الراقية، فالطبيب مثلاً يكتب لك لإجراء تحليلين زيادة ولست بحاجةٍ إليهما، وذلك بالاتفاق مع المحلل في مناصفةً الأجر، فالطبيب كيف فعل هذا؟ والمحامي يعلم علم اليقين، وبعضهم ممن لا يخاف الله عز وجل، وبعضهم الآخر مِمَّن يخاف الله، ولهم عند الله مكانة عالية، لكن بعضهم مقتنع قناعة تامة أن هذه الدعوة لن تربح، وأن كل الاجتهادات لا تؤيِّدها محكمةُ النقض، ومع ذلك يقول لك: أنا أُربِحُها لك، وادفع لي دفعة مقدمة خمسة آلاف، والباقي عند انتهاء القضية، وتبقى في القضاء عدة سنوات، ثم يقول هذا المحامي مفترياً على القاضي النزيه: لقد ارتشى من خصمي، وقد نبهتك كثيراً، إلا أنه قد أخذ عشرة آلاف، وحلّ مشكلاته الشخصية، ووضعك في توتر نفسي سنوات عديدة، فهذا مثقف ودرس القانون، والأحوال الشخصية، ودرس أصول المحاكمات، ودرس أحوالَ القضاء، والعدالة، حتى إنه درَسَ سيرة سيدنا عمر، فهذا علمٌ بأمر الله لا يقدم ولا يؤخر، لكن العلم بالله هو الذي يجدي، وعلامة العلم بالله الخشية، لذلك:
(( عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ ))
[الدارمي عَنْ مَسْرُوقٍ]
وإليكم مثل بسيط، إنسان يحمل دكتوراه في هندسة الميكانيك، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب، فالذي لا يقرأ ولا يكتب عندما تألَّق الضوء الأحمر في سيارته توقف، وقال: هناك نقص في الزيت، والذي يحمل دكتوراه في الميكانيك تابع مسيره، فأحرق المحرِّك، وهذا الذي لا يقرأ ولا يكتب وقف في الوقت المناسب، فأيُّهما العالم؟ هذا الجاهل في نظر الناس هو العالم. من خشي الله عز وجل واستقام على أمره وعمل للآخرة فقد نجا :
أمّا على مستوى الآخرة فهذا الذي لم يتعلم أصول الفقه، ولا أحكام التجويد، ولم يتعلم أحكام البيوع، لكنه خشي الله عز وجل، واستقام على أمره، وعمل للآخرة، هذا الذي نجَا، والذي تعلَّم علم الثقلين، ولم يعمل بعلمه فهو الذي هلك، لذلك تعلموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، سيدنا عمر قال: " تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء"، وقد مرَّ معنا في درس سابق قوله تعالى:
﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾
[سورة الضحى: 10]
بعض المفسرين وَّجه الآية توجيهاً آخر، فقال: هذا الذي يسأل العالم لا ينبغي للعالم أن يترفع عن الإجابة، فإجابة العالم للمتعلم فرض، فلا تنهره، ولا تقل له: ليس عندي وقت، أو هذا السؤال سخيف، أجبه بتواضع، ويقال: ما آتى الله عبداً علماً إلا آتاه الله معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقة، وإذا أردت أن تعرف إنْ كان هذا علمُك من الله عز وجل، فإنّ معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقّة، فإذا كان معه كبر وشعور بالعلو وعجرفة فهذا العلم من الكتب. أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً و أديباً :
ورد في الأثر: "من آتاه الله علماً، وزهداً، وتواضعاً، وحسن خلق فهو إمام المتقين"، هناك حديث - سبحان الله - كنت أقرؤه كثيراً، ومرةً ذكرته في خطبة، وكنت أغفل عن شقه الثاني، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما استرذل اللهُ عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب ))
[ ابن النجار عن أبي هريرة]
ومعنى استرذله أيْ رآه رذيلاً، سخيفاً، شهوانياً، دنيوياً، ذا أفق ضيق، يعيش لوقته، وهمومه دنيوية، وطموحاته أرضية، وميوله شهوانية، فإن رآه كذلك حَظَر عليه العلم والأدب، أحيانًا يضيق الوالد ذرعاً بابنه فيقول له: المدرسة ليست لك، هذه لغيرك، أنت للطريق، كنت أقف عند كلمة العلم، إلا حظر عليه العلم وأتابع دون أنْ ألتفت لكلمة الأدب، لكني مرة وقفتُ عند الكلمة الثانية العلم والأدب، معنى هذا أن أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً وأن تكون أديباً، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد: ((عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قُلْتُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ قَالَتْ لا تَفْعَلْ أَمَا تَقْرَأُ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ]
سئلت مرة ثانية عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألا تقرؤون قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون:1-8]
هذه أخلاق النبي الكريم، فلا يقلُّ الأدبُ عن العلم، بل يزيد عليه. الأدبُ لا يقل عن العلم بل يزيد عليه :
يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، أربعة أخماس الدين أدب، سيدنا زيد الخير، اللهم صلِّ على سيدنا محمد قال عن زيد هذا: ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف، أحيانًا يقول لك رجل: المكان الفلاني رائع، فتذهب إليه فتجده عاديًا ودون الوسط، لكنه قال لك: مكان جميل ساحر، ثم تراه دون الوسط، فالنبي الكريم قال: "ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف إلا زيد الخير"، زيد الخير سيد قومه، بلغه نبأ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فجمع وجهاء القوم، ووفد إلى النبي الكريم، فدخل المسجد في أثناء الخطبة، والنبيُّ الكريم فَطِنَ وقد رأى أنه دخل أناس جدد، فقال: أنا خير لكم من اللات والعزى، أنا خير لكم مما تعبدون من دون الله، أنا خير لكم من الجمل الأسود، وهو من أرقى أنواع الأموال مثل الدولار، وبعدما انتهت الخطبة، سأله النبي الكريم: مَن الرجل؟ فقال: أنا زيد الخيل، فقال له: بل أنت زيد الخير، لله درُّك، ثم انطلق به إلى البيت، ولم يمض على إسلامه عشر دقائق حتى قال له: ما وُصِف لي رجل إلا دون ما وصف إلا أنت يا زيد الخير، وفي البيت دَفَع له وسادة، فماذا قال سيدنا زيد الخير؟ قال: والله لا أتكئ في حضرتك يا رسول الله، هذا هو الأدب، الدين كله أدب، كان صلى الله عليه وسلم يُقرَع بابه بالأظافر، وهذا الذي رفع صوته فوق صوت النبي نزلت في حقه آية، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة الحجرات:2]
هذه لوحة خضراء معلَّقة على الحجرة الشريفة النبوية في الحرم المدني، كُتِبَ عليها " أن تحبط أعمالكم "، فلان عمَّر مسجدًا، فإذا وقفَ موقفاً ليس فيه أدب مع رسول الله حبط عملُه. من آتاه الله علماً وزهداً وحسن خلق فهو إمام المتقين :
أنا أقرأ في بعض كتب الفقه، أنّ الإنسان إذا رمى المصحف يُعدُّ مرتداً، وتطلق منه زوجته، ويؤخذ ماله، فهو كتاب خالق الكون، حتى إذا كان الإنسان له أخ اسمه يحيى، وقال له: يا يحيى خذ الكتاب، ففي هذا إثم كبير، أَمِنْ أجل هذا أنزلت هذه الآية؟ من أجل أن تستخدمها مع أخيك يحيى، وتعطيه كتاب رياضيات، هذا استخفاف بكلام الله، فمن آتاه الله علماً، وزهداً، وحسن خلق، فهو إمام المتقين، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن من خيار أمتي قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله، ويبكون سراً من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة))
[الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض]
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( قيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: اجتناب المحارم، ولا يزال فوك رطباً من ذكر الله، قيل فأي الأصحاب خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: صاحب إن ذكرت الله أعانك - تقول لشخص: ادخل لنصلي، فيقول: نعم، جزاك الله خيرًا، بينما تقول لآخر: ادخل لنصلي، فيقول: لدينا متَّسعٌ من الوقت، نؤجِّلها - وإن نسيته ذكّرك، قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال: صاحب إن نسيت لم يذكرك، وإن ذكرت لم يعنك، قيل: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله خشية))
[سفيان عن مالك بن معول]
أنتَ إزاء اثنين يسيران في الطريق، الأول يحمل دكتوراه، والآخر يحمل لسانس، هذا يغض بصره، في حين أنّ الأول ينظر ويحملق، فأيُّهما أعلم؟ هذا مقياس رسول الله. (( قيل فأخبرنا بخيارنا نجالسهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: الذين إذا رُؤوا ذكر الله بهم))
[سفيان عن مالك بن معول]
إن رأيته ذكرتَ الله، تسمعه يقول: والله يجب أن أثابر على الحضور إلى المسجد، أو يقول: يجب أن أتوب إلى الله، أنت َلمْحَته في الطريق ولم تسلم عليه لعجلتك، لكن نويت أن تتوب إلى الله مِن بعد أنْ رأيته بتلك النظرة الخاطئة. ((قيل فأي الناس شر؟ فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: أخبرنا، قال: العلماء إذا فسدوا..))

لأنهم قدوة يوقعون الناس في حيرة كبيرة، ويختل توازن الإنسان إذا رآهم، لماذا يفعل هذا؟ يشك في قدسية الدين، يشك في جدوى الدين وثمرته، هذا هو الدين.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما:" لقد عشنا برهة من الدهر وإنّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن - إن أوتيت الإيمان قبل القرآن فهمت القرآن وعملت به - وسيأتي بعدكم أقوام يؤتون القرآن قبل الإيمان، يقيمون حروفه ويضيعون حدوده ".
حروفه مئة بالمئة، مخارج الكلمات مئة بالمئة، صفات الحروف مئة بالمئة، أما حدوده فوسط، أو لا يطبق مما علِم شيئًا.
"....يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه، يقولون: قرأنا فمن أقرأ منا؟ وعلمنا فمن أعلم منا؟ فذلك حظُّهم".
علامات علماء الآخرة :
1 ـ خشية الله عز وجل :
آخر فقرة من الدرس: خمسٌ من الأخلاق، هي من علامات علماء الآخرة، مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عز وجل، واللهُ عز وجل سيعرفنا إلى الدعاة الصادقين من خمس آيات، أول آية، قال تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
[ سورة فاطر:28]
فإذا رأيت إنساناً يخشى الله فهو عالم، قد يقول: أنا محتار، فكلُّهم يدَّعي العلم، لا تحتَرْ، فالذي يخشى الله هو العالم. 2 ـ الخشوع :
الصفة الثانية الخشوع، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة آل عمران: 199 ]
الخشية والخشوع. 3 ـ التواضع :
الصفة الثالثة: التواضع، قال تعالى:
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الحجر : 88 ]
فإذا كان النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق أُمِرَ أن يخفض جناحه للمؤمنين، فمن أنت حتى تتكبر عليهم؟ إنّ علامة العالم الصادق تواضعُه لمَن يعلم: ((عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا أَخِي لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ، وَقَالَ بَعْدُ فِي الْمَدِينَةِ يَا أَخِي أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ فَقَالَ عُمَرُ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ يَا أَخِي))
[أحمد عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل هذا الكلام تواضع منه صلى الله عليه وسلم؟ لا بل هو حقيقة. 4 ـ حسن الخلق :
الصفة الرابعة: حسن الخلق، أنْ يوجد في قلبك رحمة، ولين، أو لا رحمة ولين، بل عندك قسوة، فعالم قاسٍ لا وجود له، دخلت المسجدَ فرأيت طفلاً لا يعرف كيف يصلي، فلا تنهره، بل شجِّعه، وعلِّمه، وارفق به، فإذا كان لديك قسوة فليس لديك علم، الخشية، والخشوع، وحسن الخلق، والتواضع.
5 ـ الزهد :
وآخر شيء الزهد، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾
[ سورة القصص: 80 ]
ازهدوا في الدنيا، فالعالم زاهد وخاشع، يخشى الله، متواضع، وحسن الخلق، فإن توافرت هذه الصفات الخمسة في إنسان فتابِعْه وسِرْ معه، فلعل الله عز وجل يرحمك به. * * *
قصة النبي الكريم مع سفانة بنت حاتم الطائي :
والآن إلى قصتين، الأولى منهما جرت مع النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية جرتْ في عصر لاحق، وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبيلة طيِّئ فريقًا من جنده يقدُمُهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ففزع عديُّ بن حاتم، وكان من أشد الناس عداءً لرسول الله ففرَّ إلى الشام، فصبَّح عليٌّ القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله، فلما عرضت عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم الطائي، فقالت وكانت ذكية: يا رسول الله، لم تقل يا محمد وهي لم تسلم بعد: هلك الوالد وغاب الوافد، قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فامنن عليّ مَنَّ الله عليك، فالنبي الكريم ما استجاب إليها أول الأمر، وفي اليوم الثاني حينما مرّ بالأسرى وقفت وقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي مَّن الله عليك قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ ثم تابع مسيره، وفي المرة الثالثة لم تقف لأنها يئست، والنبي الكريم حريص على إطلاق سراحها، فأشار إلى سيدنا علي أن يدعها وأن تسأله مرةً ثالثة، فلما سألته قالت: يا رسول إن أبي كان سيد قومه، يفكُّ العاني- أي الأسير- ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذِّمار، ويفرِّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكلَّ- الفقير- ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجةٍ فردَّه خائباً، أنا بنت حاتم طيِّئ، هذه أخلاق الجاهلية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً- ولكن أبوها لم يكن مؤمناً- ولو كان أبوك مسلماً لترَحمَّنا عليه، فماذا فهم؟ الإنسان قد يكون ذكيًّاً، وقد يفك العاني، ويحمل الكلَّ ابتغاء السمعة، فلا يمكن أن تعدَّ هذه الأعمال صالحةً إلا إذا بُنيتْ على إيمان بالله، يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، خلوا عنها فإن أباها كان يحبُّ مكارم الأخلاق.
النبي الكريم له كلمة مؤثِّرة: " ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيًّا افتقر، وعالمًا ضاع بين الجهال".
وامتن عليها وعلى قومها جميعهم فأطلقهم تكريماً لها، فهذه سفانة استأذنته في الدعاء وقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمةً عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها.
فلما أطلقها رجعتْ إلى أخيها عدي بن حاتم وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي ائتِ هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً سيغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإنْ يكن نبياً فالسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلم تزل في عز ملكه.
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقُهُوا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
قصة معن بن زائدة و هروبه من المنصور :
وأمّا القصة الثانية فإنّي أضعها بين أيديكم وأتلوها على مسامعكم، قال معن بن زائدة: لما هربت من المنصور وخرجت من باب حرب، وهذا في بغداد، ففيها باب اسمه باب حرب، بعد أن أقمت في الشمس أياماً - بعد أن حَرَقَ وجهه ليغيِّر معالمه - إذْ كان المنصور قد أهدر دم معن بن زائدة، فماذا فعل؟ قال: أقمتُ في الشمس أياماً، وخففت لحيتي وعارضي، ولبست جبة صوف غليظة، وركبت جملاً، وكان مِن قَبلُ يركب فرسًا، وخرجت على هذا الجمل لأمضي إلى البادية، فتبعني رجل متقلد سيفه، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خصام الجمل فأناخه وقبض علي، فقلت ما شأنك؟ قال: أنت بغية أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني؟ قال له: أنت معن بن زائدة، فقلت له: يا هذا اتقِ الله، وأين أنا من معن؟ قال: دع عنك هذا، أنا والله أَعْرَفُ بك، قلت له: فإنْ كانت القصة كما تقول فهذه جوهرة حملتها معي ثمنها أضعاف ما بذل المنصور لمن جاءه بي، وقد وضع المنصور مكافأة ألف دينار، وهذه ثمنها مئة ألف دينار، فخذها ولا تسفك دمي، فقال هذا الرجل المتقلد السيف: هاتها، فأخرجتها إليه، فنظر إليها ساعة وقلبها، ثم قال: صدقْتَ في قيمتها، ولست قابلها منك حتى أسألك عن شيء، فإنْ صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قال: إن الناس يصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت كل مالك مرةً؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، قال: فاستحييت، هو لم يعطِ العشر، فقال له: نعم، وقلت: أظن أني فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجل ولا يوجد عندي فرس أركبها، ورزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذه الجوهرة قيمتها مئة ألف، وقد وهبتها لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك، أنت مالك ما دفعته كله ولا نصفه ولا ربعه ولا ثلثه ولا عشره، أما أنا فراجل لا أملك فرسًا أركبها، وراتبي عشرون درهماً، وهذه الجوهرة ثمنها مئة ألف، ومع ذلك وهبتها لك، فلا تعجبك نفسك، ولا تحتقرن أحداً بعد اليوم، ولا تتوقف عند مكرمة، ثم رمى بالجوهرة وخلّى خطامَ الجمل، وقال له: اذهب.
فقلت: يا هذا لقد فضحتني، والله الذي لا إله إلا هو لسفكُ دمي أهونُ عليّ ممّا فعلت، وكان أجود العرب، فضحك ثم قال: أردتَ أنْ تكذبني في مقامي هذا، فو الله لا أخذها، ولا آخذ لمعروف ثمناً، هكذا كان أجدادنا، الآن يقول لك: ماذا لنا على هذه الخدمة؟ يريد ثمنًا لمساعدتك إذا طلبتَ منه المساعدة، فو الله لا آخذها ولا آخذ لمعروف ثمناً، قال: فوالله لقد طلبته بعد إذ أمنتُ، وبذلتُ لمن يجيئني به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض قد ابتلعته، هكذا كان أجدادنا في الجاهلية مثل حاتم طيِّئ، وهكذا كان أجدادنا في العصور المتأخرة، فأين نحن من هؤلاء؟ من كان يرجو الله و اليوم الآخر فالنبي الكريم أسوة له :
وهذه كلمة موجزة حول آية قرآنية، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
أما واقع الناس فهو غير ذلك، ليس لهم برسول الله أسوة حسنة، ولهم بزيد أو عبيد من أرباب الدنيا من أصحاب المال، ولهم بالغرب أسوة حسنة يقلِّدون الغربيين في عاداتهم ومأكلهم ومشربهم، فلمن هذه الآية: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
فإن كنت يا أخي الكريم ترجو الله واليوم الآخر وذكرتَ الله كثيراً تَرَ أن النبي عليه الصلاة والسلام بسنّته المطهرة وسيرته العطرة أسوةً لك في الدنيا، وإن كانت الدنيا أكبر هم بعض الناس، وصار الناس الكبراء أصحاب المال والجاه والسلطان والقوة هم أسوتهم السيئة، فهذا بوارٌ وخسار، ولكي يكون النبيُّ أسوة حسنة لنا يجب أن يرجو أحدنا اللهَ واليوم الآخر، فإذا رجا الدنيا انقلب كبراء الدنيا أسوة له في دنياه.
والقرآن الكريم قراءته سهلة، ولكن أن تقف عند آياته، وتعقلها، وأن تقف عند حدودها، وأن تعرف أين أنت منها، وماذا فعلت حتى وصلت، فهذا يحتاج إلى جهد، وهذا كلام الله سبحانه وتعالى، ونرجو أن يكون النبي أسوة حسنة لنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))

السعيد
09-09-2018, 02:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : الطهارة - الحيض - النفاس - الاستحاضة






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
الحيض و الاستحاضة :
أيها الأخوة الأكارم ، وصلنا إلى موضوع الحيض ، فالحيض دمٌ يخرج من رحمِ بالغة لا داء بها ، ولا حبلَ ، ولم تبلغ سنَّ اليأس ، وأقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وأوسطهُ خمسة أيام، وأكثرهُ عشرة أيام ، أما النِّفاسٌ فهو دمٌ يخرج عقب الولادة وأكثرهُ أربعون يومًا، ولا حدَّ لأقلّه .
من عشرة أيام إذا انقطع الدّم تغتسل وتصلّي ، أكثرهُ أربعون ولا حدّ لأقلِّه، والاستحاضة دم يخرج من الرحم دون ثلاثة أيام من الحيض ، أي بعد عشرة أيام ، أو بعد الأربعين من النّفاس ، هذا الدّم تتوضَّأ المستحاضة لكلّ صلاة وتُصلّي ، لأنّ هناك فرْقًا دقيقًا بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة ، دم الحيض الرّحم يتهيّأ لاستقبال البويضة ، فإذا جاءت البويْضة غير ملقَّحة أُصيب بِخَيبة أملٍ كبيرة ، وهذا الاستعداد الكبير لاستقبال البُوَيضة الملقَّحة هو الدّم الذي يخرج من الرحم في الحيض ؛ دمٌ أسْود ، ولكنّ دم الاستحاضة دم أحمر، الاستحاضة عرق في الرَّحم مفتوح ، دم طاهر ليس من نوع دم الحيض ، لذلك المستحاضة تتوضّأ وتصلّي لكلّ فرْض صلاة ، فأنا قصدت من كلمة طاهر أنَّه من نوع آخر، فَدَمُ الحيض شيء ودم الاستحاضة شيء آخر ، دم الحيض يتْبعُهُ انحطاط في الجسم ، لذلك الحائض لا تصلّي ، أما دم المستحاضة فهو دمٌ لا يؤثِّر على صحَّة المرأة فما دون الثلاثة أيام ، وما فوق العشرة أيام ، وبعد الأربعين ؛ هذا اسمه دم الاستحاضة ، والنبي عليه الصلاة والسلام فسَّرَهُ بأنَّه عرْق مفتوح ، طبعًا حينما يكون الدم دم حيض فهناك أخطار كبيرة من اللّقاء الزوجي ، لذلك قال الله عز وجل :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
كلمة أذًى نكرة ، وهذا التنكير تنكير شمول ، قرأتُ مقالةً علميّة فيها أكثر من سبعة عشر خطرًا على المرأة والرجل من اللّقاء الزوجي في أيام الحيض ؛ الإنتانات ، والعدوى ، و بعض المضاعفات ، انحلال الدم ، أشياء كثيرة ، الآن لا تحضرني المقالة بتفصيلاتها ، ولكن شيءٌ مخيف جدًّا ، رأي علمي حِيادي موضوعي ، قال تعالى : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
معنى يطهرن أي حتى ينقط الدّم ، قال تعالى : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
التَّطَهُّر غير الطُّهْر ، التَّطَهُّر هو الاغتسال . ما يحرم في الحيض و النفاس :
ويحرم في الحيض والنفاس ثمانية أشياء : الصلاة ، والصوم ، وقراءة القرآن ، ومسّه إلا بغلاف ، ودخول مسجد ، ولكن هناك رأي للإمام الشافعي أنَّ المرأة الحائضة إذا كانت واثقةً ثقةً شديدة بأنَّها لا تؤذي المسجد فلها أن تحضر مجلس العلم من دون أن تصلّي ، معتادة أن تحضر مجالس العلم ، وهي واثقة أنها لن تؤذي أحدًا ، فإن كانت كذلك لابأس أن تحضر مجالس العلم من دون أن تصلّي ، وهذا رأيٌ للإمام الشافعي رضي الله عنه .
والطواف في الحج يحرم عليها ، وكما قلت قبل قليل ربّنا عز وجل يقول:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
وفي درس قادم نتابع بعض التفصيلات التي لا بدّ منها في موضوع الحيض . * * *
العلم الدقيق هو معرفة ما يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات :
والآن إلى فصْلٍ آخر من إحياء علوم الدِّين ، وما زلنا في موضوع العلم وصفات علماء الآخرة .
يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : " ويجب أن يكون عالم الآخرة أكثر بحثه عن علم الأعمال "
نحن عندنا علم الأقوال ، وعلم الأعمال ، وعندنا مفسدها ومشوِّش القلوب ، ومهوّج الوسواس ، ومثير الشرّ ، فإنّ أصل الدِّين التَّوَقِّي من الشرّ ، ولذلك قيل :
عرفت الشرّ لا للشرّ وإنما لتوقِّيه ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
***
سيّدنا عمر رضي الله عنه سئل عن رجل يعرف الخير ، فقال : ليس هذا الذي أريد، قيل فلان يعرف الشرّ ، فقال : ليس هذا الذي أريد ، فقيل له : من تريد إذًا ؟ فقال : أريد الذي يعرف الشّرين ويفرّق بينهما ، أي يختار دائمًا أهون الشَّرين ، وهذه حكمة بالغة ، فأحيانًا لا بدّ من أن تقع في شرّ والحكيم يختار أهْوَنَ الشَّرَّيْن .
والأعمال الفعلِيَّة قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذِكْر الله تعالى بالقلب واللِّسان ، قال تعالى : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[ سورة الشرح: 4]
أي جعلنا منطقك في موضوعات ثانية .
وإنَّما الشأن في معرفة ما يفسدها ، وما يُشوِّشها ، وهذا ممَّا تكثر شعبه ويطول تفريعهُ ، أخطر علْم أن تعرفه هو أن تعلم ما يؤذي هذا القلب ؟ ما الذي يفسد عليه إقباله على الله عز وجل ؟ ما الذي يحول بينه وبين إتقان الصلاة ؟ لمّا الإنسان يصلّي وهو غافل ، شهر شهران أو ثلاثة ، فهذا جاهل ، ولو كان فقيهًا في أمور أخرى ، هذا القلب بماذا منقطع ؟ هل معلّق بإنسان مُعْرض ؟ هل له انتقاد على أهل الحق ؟ حدث بينه وبينهم خلاف ؟ هل هو يشعر أنّه محروم من الله عز وجل ؟ أعطى زيْدًا وعُبيْدًا وحرمه ؟ لمَّا الإنسان يصلّي صلاةً شَكْليّة لا بدّ من أسباب ، هل الدنيا أكبر همِّهِ ؟ هل هناك حجابٌ بينه وبين ربّه ؟ هل جاءتْهُ خدمة طيّبة من إنسان كافر أو منافق فأحبّه وتعلّق به فانقطع عن ربّه ؟ هل بلغتْهُ قصَّة مفتراة عن أهل الحقّ فصدَّقها فكانت هذه القصّة حجابًا بينه وبين الله عز وجل ؟! إذاً من العلم الدقيق أن تعرف ماذا يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات ، وشدائد وصعوبات ، وأنَّ معرفة ما يفسدها وما يشوِّشُها هذا علم جليل ، لاحظوا هذه الموازنة . صفات علماء الدنيا :
وأما علماء الدنيا فإنَّهم يتَّبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضيَة ، أي يتتبَّع تفريعات دقيقة جدًّا في شؤون القضاء والإفتاء وما شاكل ذلك ، يتعبون في وضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، يتخيّلون حالات تنقضي السنوات و القرون والدهور ولا تقع ، ويضعون لها حكمًا وأنا في طريقي إلى تجميع هذه اللَّقطات ، سمَّاها بعض الفقهاء الأرئِيْتيَّات أرأيْت لو كان كذا وكذا؟! حالات نادرة لا يمكن أن تقع ولا بالخيال تُتَصوَّر ويوضَع لها أحكام دقيقة ، وتُرجَّح هذه الأحكام ويختلفون في هذه الأحكام ، ويكتبون الرسالات حول حججهم ، وردّ حجج خصومهم ، ويسيرون في طريق مسدود لا يفضي إلى شيء ، هذا نوع من الضَّلال أن تمضي حياتك كلّها في تفريعات لا تقع ، فالغزالي رضي الله عنه يأخذ على بعض المتفيهقين ، وتجَّار الدِّين بالدنيا ، وتجار الدنيا بالدّين ، يأخذ على هؤلاء أنَّهم يتعبون في أخذ صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، لا أنسى موقف بعض الصحابة الكرام رضي الله عنه حينما عرض عليه سؤال لحالة نادرة فقال بِبَساطة : أوَقَعَت هذه الحالة ؟ فقالوا : لا ، قال : حينما تقعُ نفتي بها ! احفظوا وقتكم ، الوقت ثمين والحياة غاليَة ، نقضي في الحياة سنوات معدودات ؛ أربعون ، خمسون ، ستُّون ، سنوات تنقضي ، خطر ببالي مرّة لو أنّ إنسان عنده مكتبة فيها خمسة آلاف كتاب فرضًا ، آداب ، تاريخ ، جغرافيا ، فلسفة ، علوم ، فنون ، قصص ، مسرحيات ، فلكلور ، كتب قديمة ، تاريخ الشعوب ، تاريخ الرومان ، الحمامات في دمشق ، الآثار الإغريقيّة ، الأوديسَّا ، الإلياذا ، شعر شكسبير المترجم ، مكتبة عامرة بالكتب الأدبيّة ، والعلميّة ، والثقافيّة ، والفلسفيّة ، والتاريخيّة ، والاجتماعيّة ، والجغرافيّة ، والرياضيات ، والفلك ، وعنده بعد عشر ساعات مادّة لصفّ التخرّج بالجامعة ، وهذه المادة لها كتاب مقرّر واحد ، وهو آخر مادّة ، فهل يأخذ أحد كتب المكتبة ؟ هل يأخذ مسرحيّة يقرؤها ؟ هل يأخذ قصّة يقرؤها أم يقرأ الكتاب المقرّر؟ إذا نجح نال الإجازة ، وإذا نال الإجازة عيّن ، وإذا عيّن تزوّج ، وإذا تزوَّج أسَّس أسرة ، فكلّ هذه الأحلام مبنيَّة على نجاحه في هذه المادَّة ، وهذه المادَّة كتابها المقرّر هو هذا الكتاب ، فهل من العقل أن يقرأ كتابًا آخر ؟ لذلك لمّا أدعو قُبَيل إلقاء الدرس :" اللهمّ إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ، ومن علم لا ينفع ، ومن أذن لا تسمع ، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع"
أحيانًا الإنسان يقضي حياته كلّها بموضوع أدبي ، مثلاً درس شعر بشّار لا أعرف ماذا أقول ؟ الحياة أثمن من ذلك ، أحيانًا يختصّ مثلا بتاريخ الرومان ، يتحدَّث عن عاداتهم ، وأعيادهم ، وأفراحهم ، وعن حروبهم ، وعن تاريخهم ، عن وحشيّتهم ، وعن صراعهم ، وعن تلذّذهم بمرأة وهي تعذَّب من قبل الحيوانات المفترسة ، ماذا قدَّمْت ؟ أما حينما تقرأ القرآن فتستفيد وتحسّ بِرَاحةٍ نفسيَّة أنَّه يعرض لك طريق السَّعادة ، لذلك : " اللهمّ إنا نعوذ بك من علْم لا ينفع " فهؤلاء ماذا فعلوا ؟ هؤلاء يتعبون في وَضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، وإن وقعَت فإنّما تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائلين بها كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرَّر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم ، الشيء اليومي ؛ الصلاة ، الذِّكر ، معرفة الله ، التَّفكّر ، تطهير القلب من الأمراض ، سموّ النفس ، ترفّعها عن الدَّنايا ، هذه الأشياء الخطيرة اليوميّة ، والضروريّة ، والتي لا بدّ منها ؛ تجدها مهملة والتفريعات والأرئيتيّات والحالات النادرة جدًّا جدًّا جدًّا ، والتي لا تقع في الألفي عام مرَّة ، هذه توضع لها أحكام وتناقش ، ويختلف في أحكامها وتأتي الحجج المؤيّدة والمعارضة ، وما شاكل ذلك ، هذا نوعٌ من الضَّلال فالوقت ثمين .
من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر فقد أبعد عن السعادة :
" وما أبْعَدَ عن السعادة - اسمعوا هذا الكلام الذي يُكتب بماء الذهب - من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر" شيء لا يقع ، أي لو أنَّ واحدًا لا أطراف له ، لا أيدي ، ولا أرجل ، ما حكم مسِّحه على الحفّين ؟! أنا عمري ما رأيت واحداً من دون الأطراف الأربعة !! هذا أخذ حيِّزاً .
كيف نصلّي داخل الكعبة ؟ فهل يسمح للإنسان أن يصلّي داخل الكعبة ؟ وكيف الصلاة على سطح الكعبة ؟ لماذا هل يوجد سلّماً حتى تصعدها ؟!! ما حكم الوضوء بماء الحمِّص ؟ الوضوء بماء الحمّص لم يرد ، الوضوء باللبن معروف .
أحدهم في البيت وضع سجَّادة ، وفي داخل البيت نهر ، وضع السجادة داخل النهر فخرجت من البيت ، هل تقطع يد من أخذها ؟ هو ما سرقها ، لوحدها خرجت ! كذلك هذه حالة ، أو إنسان وضع ماءً في طست وذهب ، يمكن أن تمرّ هرّة وتبول ، هذه لها حكم ، فإن لم يلحقها الهرّ له حكم آخر ! وأنا أودّ أن أجمع هذه الحالات !! شيءٌ مضحك ، حالات لا تقع في الحياة إطلاقًا تجد كتباً ، ومجلّدات ، ومؤلّفات ، ودراسات ، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام علَّمَ أصحابه ؟! هكذا فتح العالم بهذه المعلومات ؟!!
" وما أبْعَدَ عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر إيثارًا للتقرّب وقبول من الخلق على التقرّب من الله تعالى "
طبعًا الواحد إذا أتى لك بأشياء دقيقة جدًّا ، وحجج قويّة ينتزع إعجاب الحاضرين ، ويحسّ بِمَكانته العلميّة ، ولكن هو يتقرّب لمن ؟ للخلق ! أما الحقّ فالتقرّب إليه يتمّ بالعمل الصالح ، وبالمؤاثرة ، وبالانضباط ، وبِغَضّ البصر ، وبالمجاهدة ، وبالإنفاق ، وبالصلاة المتقنة، وبالصّيام ، وبحفظ الجوارح ، هناك طريقان إما أن تستهدف التقرّب إلى الخلق ، وإما أن تستهدف التقرّب إلى الحق ، والخلق لا بدّ لهم من غرائب العلم ، أشياء ممتعة ونادرة ، تحكيها فتنتزعُ إعجاب الحاضرين ، وتحسّ بِنَشْوَة ، وهذه أشياء يتقنها علماء الدنيا ، دائمًا تجدهم يحفظون المفارقات ، النوادر ، قصص رائعة قلّما تحدث فيها عقدة وحلّ ، فيها غرابة فلمّا الإنسان يلهث وراء هذه الأشياء يكون هدفهُ التّقرّب من الخلق ، وانتزاع أعجابهم ، والاستعلاء عليهم ، أما من يتقرّب إلى الله بفهْم كتابه ، وغضّ بصره ، وقيام ليله ، وإنفاق ماله ، وإحسانه للمخلوقات ، والاشتغال بالقلب وتطهيره والسموّ به ، وخِدمة الناس ، ومعاونة المؤمنين ، وحلّ مشكلاتهم ؛ فهذا يتقرّب إلى الحقّ ، وهذا الإنسان الثاني يفتح الله على قلبه معانٍ لا تخطرُ في بال هؤلاء .
أحدهم ذهب إلى بلد عربي - للأزهر - مدرّسٌ بالأزهر يقول : المؤمن - لا أذكر نصّ الحديث لكن مضمونه ومؤدّاه - وإن زنا ، وإن سرق ! هذا الأخ الحاضر قال : المؤمن يزني ؟! الله قال : ولا يزنون ، قال تعالى :
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النور: 3]
والحديث في ذلك صريح ، فهذا المدرّس يشرح الحديث ، هذا المستمع وطالب العلم الذي ما درس إطلاقًا لا أصول ، ولا مصطلح الحديث ، ولا تفسير ، إلا أنّه بتفكير بسيط وسليم قال له : ولكنّ النبي يقول : وإن زنى وإن سرقَ في الماضي ، فضرب المدرّس جفنه وقال : والله هذا المعنى ما خطر ببالي ، ما قال : وإن يزني وإن يسرق ، طبعًا باب رحمة الله مفتوح وأبواب رحمة الله واسعة ، وأبواب التوبة مفتوحة على مصارعها ، ولا يستطيع إنسان أن يغلقها ، فهذا المدرّس له أربعون سنة وهو يدرّس ما خطر ببَاله أنّ قوله : وإن زنى وإن سرق تعني الماضي فهو فهمها بالحاضر ، مؤمن ويزني ، مؤمن ويسرق رغم أنفه ، فلمّا المؤمن يطهّر قلبه ، يخطر بباله معان لا تأتي بخواطر علماء الظاهر إطلاقًا .
لا يعقل أنّ إنسانًا يتَّهم النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّه ذهب إلى بيت زيْد فُتِح الباب لعب الهواء بالرداء الذي خلف الباب ، فبَدَتْ زينَب بثياب متبذِّلة ، وقعَت في نفسه ، فقال : سبحان الله ، فسمعتْه ، فقالت لِزيْد هذا ، كيف يكتب هذا الكلام في تفسيره ؟! كيف يليق بنا أن نقرأه عن رسول الله ؟ الذي قال الله تعالى بحقّه : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4 ]
أما علماء الظاهر فيقبلون هذا ، معلومات وردتْه ، ورد عن فلان أنّ فلاناً وفلاناً أن زيدًا قال : كذا وكذا !!! أما الذي يعرف رسول الله لو قُطِّع إرْبًا وإرْبًا فلا يقبل هذا ، هو فوق ذلك ، فالقضيّة قضيّة معرفة وليس قراءة ، فالعلم في الصدور لا في السطور ، من لم يحصّل هذا العلم عن الرّجال فهو ينتقل من مُحال إلى مُحال . من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة :
وشرهًا في أن يسمِّيهِ أبناء الدنيا فاضلاً محقِّقًا ، عالمًا بالدقائق ، وجزاؤه من الله ألا ينتفع في الدنيا في قبول الخلق ، بل يتكبّر عليه صفْوُه بِنَوائب الزمان ، ثمّ يرِدُ القيامة مفلسًا متحسِّرًا على ما يشاهده من ربْح العاملين وفوز المقرّبين ، وذلك هو الخسران المبين .
الإنسان يتصوّر الصحابة الكرام ، هل هكذا كانوا ؟! هكذا ضيَّعوا أوقاتهم كأن الإمام الغزالي يحضّنا على أن نكون مقلّدين لصحابة الكرام ، في جديَّتهم ، وفي فهمهم لِجَوهر الدِّين، وفي تعلّقهم بِعَظائم الأمور ، وتركهم سفاسفها ، وفي تطبيقهم لما يسمعون ، وفي اتِّجاههم إلى الله عز وجل ، وفي إخلاصهم ، وفي العزوف عن الدنيا ، وفي العزوف عن ابتغاء الدنيا بالدّين.
على كلّ من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة ، ابتغوا الدنيا عن طريق الدنيا ، تريد مالاً اتَّجِر ، اعْمِل مزرعةً ، ابْحث وادرس ، وخذْ شهادات عليا، إن كنت تريد الدنيا، أما إن كنت تريد الآخرة فلها طريقها الخاص ، أما أن تبتغي الدنيا عن طريق الدين فأغلب الظنّ أنّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك ، لذلك هذا الذي يبتغي الدنيا بالدّين يضلّه الله في الدنيا قبل الآخرة ، كي يبْعِدَ الناس أن يتَّخِذوه قدوةً .
الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء :
ولقد كان الحسن البصري رضي الله عنه أشبهَ كلامًا بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأقربهم هديًا من الصحابة رضي الله عنهم ، واتَّفَقَت الكلمة في حقّه على ذلك ، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب ، وفساد الأعمال ، ووساوس النّفوس ، والصفات الخفيّة الغامضة من شهوات النفس ، وقد قيل : يا أبا سعيد إنَّك تتكلَّم بِكَلامٍ لا يُسْمعُ من غيرك ، كلامك يجعل بالقلب سرورًا ، ويجعل القلب يذلّ ، من أين هذا الكلام ؟ ومن أين أخذْته ؟ فقال : من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، وقيل لِحُذَيفة نراك تتكلّم بِكَلامٍ لا يُسمعُ من غيرك فمن أين أخذته ؟ فقال: من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، لقد خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وسلّم ! قال: كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن أقع فيه ، وعلمت أنّ الخير لا يسبقني علمه ، كنت أسأله عن الشرّ مخافة ان أقع فيه ، وقال مرَّة : فعلمْت أنَّ من لا يعرف الشرّ لا يعرف الخير ، فالصلاة معروفة أنّها خير ، والصدقة والعمل الصالح ، ولكن لمَّا تجلس في بيت فيه امرأة أجنبيّة ؛ هذا شرّ خطير جدًّا ، هذه الزوجة أجنبيّة ، تُشْتهى من قبل الإخوة ، يحصل فساد عريض ، هذه كلّها أبواب الشيطان ، يكون بيتك غير شرعي ، وهناك اختلاط بِحَياتك ، وعناء كسب حرام بحياتك ، لذا يجب أن تعرف أبواب الشرّ كلّها ، من أين تقع المعصية ؟ من هنا أغلق الباب ، ومن هنا أغلق الباب ، فإذا غلقْت جميع الأبواب ترقى إلى الله عز وجل ، ولكنّ الناس ماذا يحصل لهم ؟ يقولون : الخير نعرفه !! طبعًا الصلاة خير ، والحجّ خير ، والعمرة خير ، والصيام خير ، والصدقة خير ، والزكاة خير ، أما أنَّه ينسى أنَّ الاختلاط شرّ كبير جدًّا فيفسد الإنسان ، والغيبة والنميمة ، هذه تقطعك عن الله عز وجل ، كسب الحرام ، تقول : أنا اشتريْت ربْع هذا البيت ، وأنا الآن آخذ أجرته ، ولكن اشترطت أن آخذ نفس المبلغ من دون زيادة ولا نقصان ، هذا ربا ! لا بدّ أن تعرف من أين يأتي الربا ، وأنواعها ، هناك ربا ظاهر، وربا خفيّ ، كلّ قرْض جرَّ نفعًا فهو ربا ، إذا الواحد أقرض الآخر وأعطاه رهنًا مقابله ، واستعمل ذاك الرهن فهذا ربا .
وفي لفظ آخر ؛ كانوا يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا ؟ يسألونه عن فضائل الأعمال ، وكنت أقول : يا رسول الله ، ما يفسد كذا وكذا ؟ فلمَّا رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم .
وكان حذيفة رضي الله عنه أيضًا قد خُصَّ بعلم المنافقين ، وهو علم خطير وأُفْرِدَ بِمَعرفة علم النفاق وأشخاصه ، فقد سأله عمر وهو صادق فقال : لا ، والله ولا أزكِّي بعدك أحدًا! تصوّر سيّدنا عمر كان قلقًا ، علامة المتفوق القلق ، لأنَّه امتحان مخيف ، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم يسألونه عن الفتن العامّة والخاصّة ، وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي منهم ؛ بقي ثلاثون ولكن مَن هم ؟ يقول : لا أدري ! كان يعيّن عددهم ، ولا يعيّن أسماءهم .
وكان عمر رضي الله عنه يسأله عن نفسه ؛ هل يعلم فيه شيئًا من النّفاق فبرَّأهُ من ذلك ، وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة لِيُصلِّي عليها نظر ؛ إن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك ، لأنَّ النبي الكريم مأمور ألا يصلّي على المنافقين ، لأنّ حذيفة يعرف المنافقين ، وكان يسمَّى حذيفة صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة ، لأنَّ القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى ، وقد صار هذا الفنّ غريبًا مندرسًا ، قالوا كلمة : إذا علِمَ الثقيل أنَّه ثقيل فليس بِثَقيل لأنّ من علامات الإنسان أنَّه ثقيل لا يعلم أنَّه ثقيل ! كذلك من خشي على نفسه النفاق فهو مؤمن ، من علامة الإيمان أنَّه يخشى النفاق ، أما المنافق الحقيقي فلا يخشى النفاق ، منافق ولا يحسّ أنَّه منافق . وقد قال بعض الشعراء :
الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفــــــون و لا تدرى مقاصدهم فهم على مهَل يمشون قصَّاد
و الناس في غفلة عمّا يُراد بهم فجُلّهم عن سبيل الحـق رقَّادُ
***
طريق علماء الآخرة :
ملخَّص الكلام أنَّه على علماء القلوب وعلماء الآخرة أن يُعْنَوا بتطهير قلوبهم ، ومجاهدة أنفسهم ، والتَّقرّب إلى ربّهم بالطاعات ، والأعمال الصالحة ، وأن يستفيدوا من كلّ دقيقة في حياتهم .
لو أنّ إنساناً عنده بيت مكوَّن من خمس غرف وصالون ، وفيه من كلّ شيء ، وقيل له : عليك أن تغادر هذا المنزل إلى لا رجْعة ، واملأ هذه السيارة فقط ، ما الذي سيَضَعه في السيارة ؟ أثمن شيء ، وأقلّ حجم ، هل يعقل أن يضع فيها أريكة ؟! غير معقول ، يضع الأشياء الخفيفة الثمينة لأنَّه ليس معه إلا هذه السيارة ، كذلك المؤمن يصطفي ، فليس كلّ كتاب يقرؤه ، ولا كلّ صاحب يُجالسُه ، وليس كلّ نزهة يذهب إليها ، هذه فيها ذكر الله ، وتلك فيها معصية الله ، إذا استطعت أن أذكِّر بالله أذهب ، وهذا الكتاب قصّة لا فائدة منها لا أقرؤه ، علاقات غير شرعيّة وانتَهَت بِمَأساة كلّه كلام فارغ ، ومن أجمل كلمة سمعتها من أديب أنّ هذه القصّة تشبه حلّة فيها ملعقة عسل ، فمن أجل أن تدخل هذه الملعقة إلى جوفنا علينا أن نشرب كلّ هذا الماء الآسن !! كذلك أنت من أجل أن تأخذ المغزى ، وهو كمِلْعقة العسل لا بدّ أن تشرب كلّه هذه الحلّة ، وإنَّ الله يحبّ معالي الأمور ، ويكرهُ سفسافها ودنيَّها ، يقول لك : قصّة واقعيَّة ‍، ما معنى واقعيَّة ؟ تصف انحطاط الناس ، ولؤم النَّفس ، والإنسان يقرأ القصّة الواقعيّة ويشعر بانقباض نفسي لأنَّه رأى النفس البشريّة في أدنى انحطاطها ، أما إذا قرأ طريق الصحابة فيحس بارتفاع نفسي ، لأنَّه رأى النفس البشريّة في أرقى حالاتها ، فالإنسان عندما يقرأ عن الأبطال يشتهي أن يكون مثلهم ، ويجعلهم قدوة لهم ، أما إذا قرأ عن المنحطّين فقد يغرونه بالانحطاط ، وقد يجرُّونه إلى مستنقعهم الآثم .
* * *
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود :
1 ـ إسلامه و خدمته للرسول الكريم :
والآن إلى قصّة عن صحابيّ جليل هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
لم يمْض غير قليل حتى أسْلم عبد الله بن مسعود ، وعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليَخدمهُ .
الإنسان أحيانًا إذا جمعه الله مع رسول أو نبيّ ، ولاحظَ أنَّه سعِدَ سعادةً أبديَّة عن طريقه ، يتمنَّى أن يقدّم له نفسه ، ليس القضيّة قضيّة تصنّع ، ولا فرْض ، ولا واجب ، لكن أنا كلّ سعادتي عن طريق هذا الرجل السعيد ، وأتمنَّى أن أقدِّم له أثْمنَ شيءٍ عندي ، فكان الصحابة الكرام الفقراء يقدِّمون خدماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبد الله بن مسعود من رعاية الغنم إلى خدمة سيّد الخلق والأمم ، إذا الإنسان أكرمه الله بِخِدمة أهل الخلق فهذا شرف رفيع أحسن من خدمة أهل الدنيا للدنيا ، هذه أهداف خسيسة .
لزم عبد الله بن مسعود رسول الله صلوات الله عليه ملازمة الظلّ لِصَاحبه فكان يرافقُه في حلّه وترحاله ، ويصاحبه داخل بيته وخارجه ، إذْ كان يوقظه إذا نام ، ويسترهُ إذا اغْتسلَ ، ويُلبِسُه نعليْه إذا أراد الخروج ، ويخلعهما من قدميه إذا همّ بالدخول ، ويحمل له عصاه وسواكهُ ، ويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته ، علّ أن يكون فيها حشرة ، هذا تعبير عن محبَّته لله عز وجل ، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء !
رُبِّي عبد الله بن مسعود في بيت رسول الله صلى الله عليه ، فاهْتدى بِهَديِه ، وتخلّق بِشَمائله ، وتابعهُ في كلّ خصلةٍ من خصاله ، حتى قيل عنه إنّه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم هَدْيًا وسَمْتًا ، الهدي يعني الهدى ، وسمتًا أي أخلاقًا ، وتعلَّم ابن مسعود في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فكان من أقرأ الصحابة للقرآن ، ومن كان قارئًا للقرآن فهنيئًا له ، وأفقههم لمعانيه ، وأعلمهم بشرْع الله ، كلّها أسماء تفضيل ، ولا أجلّ على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذي أقبلَ على عمر بن الخطاب ، وهو واقفٌ بعرفة ، فقال له : جئتُ يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهْر قلبهِ ، فغضِبَ عمر غضبًا قلَّمَا غضبَ غضبًا مثلهُ ، وانتفخَ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل ، وقال : من هو وَيْحَكَ ؟ هذا الذي يملي قد يكون خطأ ، فقال : هو عبد الله بن مسعود ، فما زال عمر ينطفئ ويسرّ عنه حتى ذهب الغضب عنه ، كلّ هذا الغضب الصاعد حتى بلغ القمّة حينما علم أنّ عبد الله بن مسعود هو الذي يقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ ، ويُمليه على الناس ، تلاشى هذا الغضب حتى عاد إلى حالته الأولى .
ثمَّ قال : وَيْحَكَ والله ما أعلم أنَّه بقي أحد من الناس أحقّ بهذا الأمر منه ! هو وحده الذي له حق أن يفعل ذلك .
وقال عمر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسهر ذات ليلة عند أبي بكر ، ويتفاوضان في أمر المسلمين ، موضوع اجتماعهم أمر المسلمين ، ومساعدتهم ، وكنت معهما ، ثمّ خرج النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجنا معه ، فإذا رجل في المسجد يصلّي لم نتبيَّنهُ ، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليه ، ثمّ قال : " من سرّه أن يسمع القرآن رطبًا كما نزل فليقرأهُ على قراءه ابن مسعود " ثمّ جلس عبد الله بن مسعود يدعو ، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : " سَلْ تُعْطَ ، سَلْ تُعْطَ ، ثمّ أتْبَعَ عمر يقول : والله لأغْدونَّ على عبد الله بن مسعود ، ولأبشرنَّه بِتَأمين النبي عليه الصلاة والسلام ، فغَدَوْتُ عليه فبشَّرْتُهُ ، فوجدْتُ أبا بكر قد سبقني فبشَّرهُ " الشيء الذي كان يحيِّر عمر رضي الله عنه كلَّما همّ بأمر صالح يجد سيّدنا الصدّيق قد سبقهُ ، ووالله ما سابقْت أبا بكر غلى خير قطّ إلا سبقني إليه ! فسيّدنا أبو بكر ، وسيّدنا عمر سمعوا بِشارةً عن عبد الله بن مسعود فذهبوا ليُبَلِّغوهُ ، أما الناس الآن فيبلِّغون الأخبار السيّئة هكذا حكى عنك فلان !! فتقع العداوات ، أما الصحابة فكانوا يبلّغون الأخبار الطّيّبة .
2 ـ علمه :
ولقد بلغ من علم عبد الله بن مسعود من كتاب الله أنَّه كان يقول : " والله الذي لا إله غيره ما نزلَت آيةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلَتْ وأعلم فيما نزلَت ، ولو أعلم أنّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تنالهُ المطيّ لأتيْتُهُ " كلّ آية أين نزلت ، وفيما نزلت ، وما معناها ، ولم يكن عبد الله بن مسعود مبالغٌ فيما قاله عن نفسه ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقى ركبًا في سفر من أسفاره ، والليل مخيّم يحجب الرَّكب بِظَلامه ، وكان في الرَّكب عبد الله بن مسعود ، فأمر عمر رجلا أن يناديه ويقول : من أين القوم ؟ فأجابه عبد الله : من الفجّ العميق ، فقال عمر : أين تريدون ؟ فقال عبد الله : البيت العتيق ، قفال عمر : إنَّ فيهم عالمًا ، وأمر رجلاً فناداهم أيّ القرآن أعظم ؟ أيّ آية في القرآن أعظم ؟ فأجابهُ عبد الله :
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 255]
فقال السائل : أيّ آي القرآن أحكم ؟ فقال عبد الله بن مسعود : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾
[ سورة النحل: 90]
فقال عمر : نادهم ؟ فقال : أيّ آي القرآن أجمع ؟ فقال عبد الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة:7]
فقال عمر : نادهم ، وأيّ الآي القرآن أخوف ؟ فقال عبد الله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾
[سورة النساء : 123]
فقال عمر : نادهم ، أيّ آي القرآن أرجى ؟ فقال عبد الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[سورة الزمر : 53]
فقال عمر نادهم - الآن كم سؤالاً سألهم ؟ السؤال الأوّل أي آي الله أعظم ؟ وثاني سؤال : أيّ آي الله أحكم ؟ وثالث سؤال : أيّ آي الله أجمع ؟ والرابع : أيّ آي الله أخوف ؟ والخامس : أيّ آي الله أرجى ؟ السؤال السابع من يتوقَّعْهُ ؟ أعظم وأخوف وأرجى وأجمع وأحكم قال : نادهم أفيكم عبد الله بن مسعود ؟ فقالوا : نعم ! 3 ـ شجاعته :
ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئًا عالمًا زاهدًا عابدًا فحَسْب ، وإنَما كان مع ذلك قويًّا حازمًا مجاهدًا مقدامًا إذا جدّ الجدّ ، دائمًا العلماء الكبار يجمعون الشجاعة مع العلم ، وكان يُرَى ضعيفًا مستضعفًا ، فإذا جدَّ الجدّ فهو اللّيث عاديًا ، وكان أكثر دهره صامتًا فإذا تكلَّم بزّ القائلين ، فحسْبهُ أنَّه أوَّل مسلم على ظهر الأرض ظهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقد اجْتمعَ يومٌ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمكَّة وكانوا قلَّة مستضعفين فقالوا والله ما سمعَت قريشٌ هذا القرآن يجْهر لها به قطّ ، فمن رجلٌ يسْمعهم إيَّاه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أسمعهم إيَّاه ، تصوَّر أحدهم يقرأ القرآن في ذلك الوقت ؛ حياته في خطر ، فقالوا : إنَّا نخشاهم عليك ، إنَّنا نريد رجلاً له عشيرةٌ تحميه ، وتمنعهم منهم إذا أرادوه بِشَرّ ، فقال : دعوني إنّ الله سيمنعني ويَحْميني ، ثمّ غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى ، وقريشٌ جلوسٌ حول الكعبة ، الله إذا أكرم أحدكم بزيارة هذه الأماكن المقدَّسة هذه الكعبة كانت الأصنام حولها ، وحدثت فيها المعارضات ، وحدث الصّلح ، و حمل النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسوَد ، هذه كلّها أماكن ، والإنسان لو استعرض التاريخ لاقْشعرَّ بدنه ، لأنَّ هذا المكان مقدَّس .
وقريش جلوس حول الكعبة ، فوقف عند المقام وقرأ : الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان ، ومضى يقرؤُها ، فتأمَّلتْه قريش ، فقالَت قريش ماذا قال عبد الله ؟ تبًّا له إنَّه يتلو بعض ما جاء به محمَّد ، وقاموا إليه وجعلوا يضربونه ، وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله له أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليه ، فقال : والله ما كان أعداء الله أهْونُ في عيني منهم الآن ، وإنِّي إن شئتم لأعود لِمِثلها .
4 ـ وفاته :
عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان رضي الله عنه ، فلمَّا مرض مرض الموت جاءهُ عثمانُ عائدًا فقال له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، فقال : ما تشتهي ؟ قال رحمة ربّي ، قال : ألا آمر لك بِعَطائك الذي امتنعتَ عنه منذ سنين ؟ قال : لا حاجة لي به ، فقال : يكون لِبَناتك من بعدك ، فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إنِّي أمرتهنّ أن يقرأن كلّ ليلة سورة الواقعة ! وإنِّي سمعتُ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
تعليق بسيط حول قراءة سورة الواقعة :
لي تعليق حول هذا الحديث بعد الأذان وهو أنّ قوله صلى الله عليه وسلّم :
(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
هناك أشخاص يظنون أنّ هذه السورة للفقر !! وهذه السورة لهذه المشكلة ، وهذه السورة لهذا المرض ، وهذه السورة لوَجَع الرأس ، أعتقد أنّ هذا الفهم خاطىء في كتاب الله ، إلا أنَّه خطر ببالي مثلٌ الآن ، لو قلت لأحدهم : ضع البنزين في السيارة تتحرَّك ، إذا كان هناك محرّك طبعًا ، فليس أيّ بنزين يوضع في السيارة تمشي به تلك السيارة إذا كان هناك محرّك ، وكلّ الأمور منتظمة ، هنا تمشي ، فإذا الإنسان قرأ الواقعة ، وكان مؤمنًا ، وعرف أنّ الأمور بيد الله كلّها ، وعرف أنّ الناس بالنهاية من أصحاب اليمين ، ومن أصحاب الشمال ، والسابقين السابقين ، وشمّر حتى يكون مع السابقين السابقين ، وطهَّر نفسه ، فالله عز وجل لا داعي أن يفقرهُ ، فليس المقصود أن يقرأ الواقعة فقط ليصبحُ غنيًّا !! قرأها ، وفهمها ، وتمثَّلها ، وطبَّق ما فيها ، فالفقر علاج ، دوام مرّ ، فلمّا الإنسان يطهر بهذه السورة كأنّ الفقر لم يعُدْ له معنى بِحَياته ، وهذا هو المعنى العميق ، ضعْ البنزين وامْش ، هذا شرط وجود المحرّك ، وانضباط كلّ الأمور ، وتعمل بانتظام ، أما لو وضع البنزين والمحرّك لا يوجد فلن تمشي ، فالنبي الكريم ما قصد أنَّه من قرأ الواقعة حُلّت مشاكله ، لو كان الأمر كذلك لكان الأمر سهلاً تأتي مشكلة فنقرأ الواقعة ؛ حينها تنحل المشكلة !! حينها لن تجد بيتًا لا يحفظها ! عليه دَين يقرأ الواقعة !! فالنبي الكريم يقول كلامًا له معنى عميق ، إذا قرأت الواقعة ، وفهمتها ، وأنّ هناك مسؤوليّة كبيرة ، وأنّ الناس لهم مصائب ثلاثة ، وأنَّك إذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، واتَّعَظت بها ، وطبَّقت ما فيها عندئذٍ رفعَت عنك العلاجات ، هذا المقصود من قول النبي عليه الصلاة والسلام . بيان لقوله تعالى : و أما بنعمة ربك فحدث :
كلمة قصيرة حول أخٍ كريم أراد أن يبيّن لنا : وأما بنعمة ربّك فحدّث ، سمع تفسير هذه السورة في جامع الحاجبيّة ، وقلتُ أنا وقتها : إنّ الذي تُصيبهُ حالات نفسيّة طيّبة ، إذا ذكرها لإخوانه الخلَّص هذا ليس من الفخر ، ولكن من نوع التحدّث بِنِعمة الله .
فالرجل هذا دُعِيَ إلى نزهة فيما يقول ، في ضواحي دمشق ، وقد عرف أنّها ليْسَت من مستواه ، ولا يبدو منها رضاء الله عز وجل ، ويبدو أنّ هؤلاء الذين ذهبوا إلى النزهة سيّئون وحديثهم ليس في مستواه ، فاعتذر منهم ، ورجع ، ولمَّا ذهب إلى البيت ، ونام ، رأى نفسه في المنام أنّ له قصْرًا كبيرًا جدًّا ، مطلاًّ على وِديان خضراء ، وروابي رائعة ، وأنَّه سعيد جدًّا في هذا القصر ، وأنّ الله سبحانه وتعالى كأنَّه أكرمه بهذه الرؤيا وجعلها تعويضًا له عن هذه النزهة التي لا ترضي الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
طريق الشرع دائماً أفضل طريق :
دائمًا الشرع أحقّ أن يُتَّبَعَ ؛ شابّ خطبَ فتاةً منذ سنة وثلاثة أشهر ، عُقِدَ عقْدٌ غير رسمي أمام شيخ ومحام ، وحصلَت خلافات ، المُسبِّب بها الطرفان ، أدَّت أن يطلب الشاب أن تأتي إليه إن كانت تريده ، فكرِهَتْهُ الفتاة ، هل يجب أن يرمي عليها الطلاق ؟ هل تجب العِدَّة على الفتاة ؟ هل يحقّ للفتاة شيء من المهر المؤجلّ أو المعجّل ؟ هل يحقّ شيء للفتاة من المصاغ ؟ طبعًا العقد الشرعي يجب أن يكون في المحكمة ، وعقد رسمي لأنّ العقد الشرعي لا يستطيع الزوج أن ينكرهُ ، لكن هذا العقد إذا ما اعترف به الزوج ينكره ، وإذا دعي لِحَلف اليمين قد يحلف اليمين لأنّه لا توجد وثيقة ، فالقضيّة فيها مخالفة ، ولا ندخل بالتفصيلات ، ولكن الإنسان لا يتورَّط بِعَقد زواج غير شرعي ، لأنّ هذا العقد فيه خطورة على الحقوق ، فالبنت أصبحت مخطوبة ومتزوِّجة ، أو لو حصلَت خلوة بينه وبينها أصبحت زوجته ، فإذا لم يعترف هنا الطامة الكبرى ، فالإنسان لا يتسرّع فأحيانًا يأتيك خاطب مقبول ، فيقول له : نريد كتاباً خارجياً ، لماذا خارجي ؟ إذا كنت أنت واثقًا من نفسك فالكتاب الرسمي دليل حسن نيّتك إذا لا يوجد مانع يمنع عقد القران ، لا بدّ أن يكون القران في المحكمة أو القرار الرسمي الذي يسجّل في السجلات القضائيّة ، وإلا هذه العقوبة الخارجيّة لها مضاعفات ، فإذا ما اعترف الزوج مشكلة ، وإذا ما شهد الشهود مشكلة ، وإذا حلفوا اليمين ، وإن حصلت الخلوة مشكلة ، والطلاق مشكلة ، والعدّة مشكلة ، كلّها مشكلات فالإنسان يتّقي الله عز وجل ويطبّق الشرع فهو أرْيَحُ له ، وأضْمن لسعادته .

السعيد
09-09-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : الصيام - ثلاث مراتب : صيام الفم - صيام الجوارح - صيام القلب





حمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .الصيام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم ، ترتيب كتاب الفقه بعد الحديث عن الوضوء والغسل والجنابة والحيض وما إلى ذلك تأتي أبحاث الصلاة ، وبعد أبحاث الصلاة يأتي بحث الصيام ، وسوف نقدم الصيام على الصلاة لقرب قدوم شهر رمضان المبارك ، وقبل قراءة ما في الكتاب عن الصيام لابد من التذكير لأن الصيام ثلاث مراتب صيام الفم ، وصيام الجوارح ، وصيام القلب، فانظر أين أنت من هذه المراتب .
صيام عامة الناس صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، فإذا بقيت عاداتهم هي هي وأخلاقهم هي هي ، صلتهم بالله على فتورها وانقطاعها فكأنهم لم يصوموا ، هذا الصيام لا يعتد به في الإسلام إطلاقاً . http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/02.jpg

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
عامة الناس أصبح عندهم الصيام عادة من عوائدهم ، له ترتيب في رمضان يسهر حتى السحور ، يأكل وينام ، يتابع كل ما يستجد في شهر رمضان المبارك ، وإكراماً لشهر رمضان المبارك هناك أشياء تستجد في البرامج يتابعها جميعاً إلى أن يأتي السحور يتسحر وينام ، لا نقول له : لا تصم ، صيامه كعدم صيامه لأنه لم يرقَ إلى الله عز وجل والله غني عن هذه العبادة ، الله عز وجل غني عن عبادة تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله ، هذا أمر إلهي ، هذا صيام العامة ، صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، عاداته هي هي ، أخلاقه هي هي ، انقطاعه عن الله هو هو ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، لأنه جائع وصلت معي إلى هنا ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، هذا الصيام لا يريده الله عز وجل ، هذا صيام الجهلاء ، صيام عن الطعام والشراب ، لكن صيام الجوارح صيام المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام :
" خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء : الكذب والغيبة والنميمة والنظر بشهوة واليمين الغموس "
الفرق بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي :
الصوم من أجل أن تسمو نفسك إلى الله عز وجل ، فإذا سمت إلى الله طهرت واصطبغت بصبغته ، وصارت ذات أخلاق رفيعة ، أما صيام القلب فأن يصوم عما سوى الله عز وجل هذا صيام المتقين ، صيام المسلمين ، وصيام المؤمنين ، وصيام المتقين ، صيام المتقين عما سوى الله ، مشغول به عما سواه ، ملتفت إليه عما سواه .
فليتك تحلو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنـــام غضاب
وليت الذي بيني و بينك عامــر وبيني وبين العالمين خــــراب
إذا صح منك الوصل فالكـل هين وكل الذي فوق التراب تـــراب
***
فرق كبير بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي ، هناك إنسان طول حياته يدافع التدني ، نفسه تطلب المنكر ولا يسمح لها دائماً ، هناك صراع لأنه ما عرف الله ، ولا ذاق طعم القرب منه ، ولا ذاق حلاوة الإيمان ، هذه الحالة اسمها مدافعة التدني ، نفسه تأمره بالسوء وهو يخاف من الله تعالى ، وهو في صراع دائم ، هذه النفس الأمارة بالسوء ما علّمها صاحبها ، ما عرفها بدين الله ، ما فقهها بدين الله ، ما أعانها على الاتصال بالله ، أكثر عليها المخالفات فانقطعت وفجرت ، فجرها حجبها ، حجابها أشقاها ، هذه النفس الأمارة بالسوء ، وهناك نفس أمارة هذه نفس المؤمن يتكلم كلمة لا ينام طول الليل ، يقول : غضب مني لأني استغبته ، نقلت قصة من فلان إلى فلان وقع بينهما شر ، النمام لا يدخل الجنة ، لا ينام يقول لك : ما نمت ، يتقلب طول الليل وثاني يوم قدم إلى هذا هدية وإلى هذا هدية ، واستسمح وهو متألم من نفسه ، هذه مرتبة جيدة قال تعالى : ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾
[ سورة القيامة :1-2]
الذي عنده هذه النفس اللوامة فهو بخير ، عنده حساسية في نبض ، كنت يوم الجمعة بأحد أسواق دمشق ، رأيت الناس متحلقين نظرت فإذا رجل قالوا : لقد مات وكان طبيب فقال : لقد مات ، يوجد شخص يفعل الذنب ، يستغيب ، يتكلم بالفاحشة ، يوقع بين اثنين ويقول لك : ماذا فعلت ؟ هذا خالص ، ليس معنى هذا أنه خلص من عذاب الله ، أي ميت لا يوجد نبض . ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي يشعرون بذنوبهم ، هذا ماذا يقول لك ؟ هل فعلت شيئاً ؟ خرب الدنيا وقال : هل فعلت شيئاً ؟ ويقول لك : الله غفور رحيم . العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني :
من يومين قال شخص لآخر : لماذا تعقدها ربنا عز وجل قال :
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر : 53 ]
الله عز وجل قال : لا تقنطوا وأنت تيئس ، فعرض له القصة ، فقلت له : تابع الآيات ، الآية التي بعدها مباشرةً قال تعالى : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ *وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
[ سورة الزمر : 54-56]
ارجع له بالتوبة واستسلم له بالأوامر ، إذا لم تلحق نفسك عدت إليه تائباً وأطعته طاعةً تامة يأتيك العذاب فجأةً ، أين قول هذا الرجل لا تيأس الناس ؟
آيات قرآنية : ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النحل : 110]
أنت تعامل إلهاً تظن أن جنة عرضها السموات والأرض تأتي بفرنكين تدفعهم لفقير وركعتين بلا وضوء ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ادخل إلى محل سجاد واطلب منه سجادة تبريزية إيرانية ترصف ، كاشاني ، واسأله عن ثمنها يقول لك : ثمانية وثلاثون ألفاً ، قل له : تأخذ ثمنها خمسمئة ليرة لا أملك غيرهم ؟ يسمعك كلاماً قاسياً هذا البائع ، يطردك ، سجادة تحتاج إلى ثمن وجنة عرضها السموات والأرض تريدها وأن تعطي نفسك ما تشتهي ثم تتمنى على الله الأماني ، هذا هو العاجز ، وهذا هو الغباء بعينه ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
الآن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربهم كلما تحركوا يا رب ترزقنا الجنة ، شيء جميل ، يا رب نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ، يا رب لا يسعنا إلا عفوك وكرمك ، الله عز وجل قال : ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 72]
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة الحجر : 92]
اللهم لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء لا تسألنا عن شيء ، هذا الدعاء خلاف القرآن ، هذا دعاء ليس عن رسول الله قاله إنسان لا يعلم القرآن الكريم . أنواع الصوم :
عندنا صوم الفم صوم العوام ، وعندنا صيام المؤمنين صيام الجوارح ، وصيام المتقين عما سوى الله ، فإذا كان يمضى من وقتك اثنتا عشرة ساعة لا يأتيك من الخواطر إلا عن الله عز وجل فأنت من هؤلاء ، مشغول بالله ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 41]
الإنسان إذا ما تكلم بصوت عال يتكلم في نفسه ، اركب إلى حلب ، لا تعرف أحداً وأنت ساكت ، لست ساكتاً تقول في بالك مليون قصة سوف أعمل كذا وكذا ، سوف أشتري بيتاً ، وأتزوج ، تتكلم ولست ساكتاً ، راقب نفسك ماذا تقول طوال الطريق ، ليس في السفر ، في الشام من الشيخ محي الدين إلى المرجة اركب الباص وانظر ماذا تقول ، تتكلم مليون قصة ، في المساء افحص هذه القصص هل كلها متعلقة بالدنيا والله مشكلة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/03.jpg
من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، راقب نفسك تأتيك خواطر متعلقة بالآخرة ، هل تخاف ألا تكون في الآخرة من الفالحين ؟ هل أنت قلق على إيمانك ؟ قلق على استقامتك ؟ قلق على صلاتك ؟ هل ترى نفسك لست جيداً ؟ هل تخاف أن يكون فيك طرف من نفاق ؟ إذا سمعت قصة عن رسول الله هل تبكي ؟ إذا قرأت كتاب الله هل تتأثر ؟ هل تتفاعل معه ؟ هل تعرف مقامك عند الله ؟ إذا خواطرك من هذا النوع هنيئاً لك ، هذا صيام القلب عما سوى الله عز وجل .
وعندنا صيام الجوارح ، وعندنا صيام الفم ، عامة الناس صيامهم صيام الفم كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت ؟ لماذا صام ؟ لا يدري يقول لك ثبتوها ، كل عام وأنتم بخير ، ثم ثبتوا العيد إلى أين ؟ إلى اللاذقية نأخذ شاليه على البحر ، أخذ معه أجهزة ستريو إلى البحر وعيّد ، المنافق كالناقة لا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت؟ هذا صيام الجهلاء صيام العامة ، نعوذ بالله أن نكون منهم ، إن شاء الله الدرس القادم نبدأ أحكام الصيام حكماً حكماً تمهيداً لشهر رمضان المبارك . * * *
العقل و شرفه :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين ، انتهينا من موضوع العلم ، فضل العلم ، وفضل طلب العلم ، وفضل تعليم العلم ، وصفات العلماء المخلصين ، اثنتا عشرة صفة قضينا فيهم ثلاثة أشهر ، كل أسبوع صفة ، والآن إلى باب كبير آخر من أبواب هذا الكتاب القيم وهو في : "العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه" .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/04.jpg
قال الإمام الغزالي : العلم يجري منه – أي من العقل - مجرى الثمرة من الشجرة، أي العلم من العقل كمجرى الثمرة من الشجرة ، أي العلم ثمرة والعقل شجرة ، فالعلم من إنتاج الشجرة أي من إنتاج العقل .
والنور من الشمس ، العقل شمس والعلم نور ، والرؤية من العين ، العين عقل والرؤية علم ، فكيف لا يشرف به وهو أصله ، سماه الله نوراً ، سمى العقل نوراً فقال تعالى : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/05.jpg

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 35 ]
وسماه روحاً ، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الشورى : 52 ]
انظر ما أجمل هذه الصفات ! نور و روح ، وسماه حياةً ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 35 ]
وربنا سبحانه وتعالى قال : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 257]
صفة العاقل :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( اعلموا أن العاقل من أطاع الله ))
[ ذيل تاريخ بغداد لابن النجار عن أبي هريرة ]
لو التقيت بإنسان يحمل أعلى شهادة في العالم ، ورأيته لا يصلي أو يشرب الخمر أو لا يحتاط من حيث النساء فسمه جاهلاً ، ولو اطلعت على أعلى شهاداته ، لأن النبي عليه الصلاة السلام يقول : ((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
أي إذا دخلت إلى موظف من أعلى مستوى يوجد عنده مستخدم ، هذا المستخدم رث الهيئة مثلاً ، ليس قذراً ، ثيابه رخيصة ، وشكله ذميم ، و لا أحد يخاف منه ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، قليل الخطر ، دميم المنظر ، منخفض المنزلة ، رث الهيئة ، لكنه يطيع الله ورسوله ، فهذا يسمى عند الله عاقلاً ، يقف حاجباً على باب موظف كبير جداً ، أناقة من أعلى مستوى ، غرفة فخمة ، اختصاصه دكتوراه ، متفلسف ، متحذلق ، معه حجة لكنه لا يصلي يعصي الله ورسوله ، ليس عاقلاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة ، وان الجاهل من عصى الله وان كان جميل المنظر ، عظيم الخطر ، شريف المنزلة ، حسن الهيئة ، فصيحاً ، نطوقاً ))
كل هذه الصفات مع المعصية تساوي الجهل وكل تلك الصفات مع الطاعة علم . الفرق بين الأحمق و الفاجر :
أثنى الصحابة الكرام على رجل عند النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي كان صاحب فطنة ، أثنى قوم على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : كيف عقل الرجل ؟ فقالوا : يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة - عن قيام الليل ، عن صلاته ، عن صيامه - وأصناف الخير وتسألنا عن عقله ؟ - ما علاقة هذه بهذه ؟ - فقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر ))
[ إحياء علوم الدين عن أنس]
أي إنسان يصوم ويصلي وله ورد صباحي طويل ، وله قيام ليل لكن جاهل ، عقله ضعيف ، يرتكب أخطاء ، ينفر الناس من الدين أضعافاً مضاعفة عن فاجر يفجر أمام الناس لماذا ؟ لأن الفاجر يراه الناس فاجراً لا يقتدون به ، إذا إنسان فاجر قال لك : لا يوجد آخرة وأنا أريد أن أعيش كما يحلو لي ، وهذا الذكاء ، أعوذ بالله ما هذا الكلام ؟ فاجر ، عاص ويفتخر بالمعصية ، لكن إنسان يصلي ويصوم ارتكب معك نقصاً شديداً ، كذب ، خان عهدك ، غشك في البيع والشراء ، أنت تنفر ليس منه بل من دينه .
فهذا الجاهل يصيب بجهله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من فجور الفاجر : (( وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم بقدر عقولهم ))
لذلك النبي الكريم له حديث سبحان الله ، أنا خطر في بالي تعليق على الحديث ، أن إنساناً يوجد عنده بيت على الهيكل ، هذا البيت يطين ، ويدهن ، ويبلط ، وتمدد له كهرباء وماء ، ومرافق عامة ، ثم يفرش ، عنده قوام بيت ، أما إذا كان لا يملك بيتاً على الهيكل ذهب و شارط طياناً على أي شيء تشارطه ؟ وأحضر اسمنتاً ورملاً ناعماً ، أين بيتك الذي تريد أن تبلطه ؟ اشترى البلاط ، اشترى الدهان لا يوجد عنده بيت .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/06.jpg
ما معنى قوام الشيء ؟ أي أساسه ، إذا إنسان لا يوجد عنده بيت كيف يقوم بكسوته ؟ رسول الله قال : " قوام الرجل عقله " إذا لا يوجد عنده عقل لا يوجد عنده شيء ، مهما زين نفسه ، واعتنى ببيته ، عقل لا يوجد ، والعقل قوام الرجل ودليل العقل آثاره ، العاقل من أطاع الله ، يخاف من الله فهو عاقل ، لا يسأل يكون جاهلاً ليس له عقل ، لا يوجد قوام هيكل فارغ ، يوجد إنسان رأى براد في السوق المستعملة وليس غالي الثمن بألف ليرة وثمنه أكثر من ثلاثة آلاف اشتراه ، قال له شغله ؟ فوضعه في الكهرباء أنار الضوء ، أخذه على البيت وضع المأخذ بالكهرباء ليس له صوت ، محرك لا يوجد ، قوام هذا البراد المحرك ولا يوجد محرك ، وضع ثمنه على هيكل فارغ .
النبي الكريم قال : قوام الرجل عقله لا يوجد عقل لا يوجد شيء ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى))
[بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]
لا يوجد كسب ، الآن الكسب أنواع ، يقول لك : هذا عنده أموال غير منقولة أي عنده أراض ، محاضر ، أبنية ، أراضي زراعية ، مزرعة ، الأموال غير المنقولة كسب هذه معروفة ، أو أموال منقولة عنده من كل أنواع الأموال ، أما النبي الكريم يقول : (( ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله ))
أي العقل هو الأساس ، لذلك النبي الكريم قال : ((تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذَّرَّة في جنب أُحُدٍ وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين))
[ الترمذي من رواية طاوس]
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
العقل هو حجر الأساس :
سلسلة كل الأحاديث تبين أن حجر الأساس هو العقل ، لما الإنسان يسأل أخاه ماذا استفدت من هذه الدروس ؟ تكلم لنا عن درس الجمعة ؟ يمتحن عقله إذا له عقل مفكر والله هذا إيمانه جيد ، يقول لك : ما هذا الخطيب ؟ شيء يطير العقل ، ماذا سمعت منه ؟ والله خطبة عظيمة ما شاء الله ، صوت عال ، ما تذكرت شيئاً ؟ والله الخطبة ممتازة ، ما تذكرت آية حديثاً ؟ يقول : لا يوجد لهذا الخطيب مثيلاً ، أين عقل هذا الرجل ؟ اذكر آية حديثاً، الإنسان عندما يسمع درس العلم ماذا استفدت منه ؟ هذا الوقت ثمين ، اذهب ونم إذا كنت لا تستطيع أن تعقل ما سمعت ، لأن الوقت ثمين .
((....ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))
لما رجع المسلمون من غزوة أحد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس يقولون: (( فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما هذا فلا علم لكم به ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه و سلم : إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم))
[أخرجه ابن المجبر عن أبي هريرة]
هذا قال : أنا لو قاتلت بشجاعة فسيثني الناس عليّ ، هذا عقله خرب ، خسر حياته ، لو إنسان هدفه إعلاء كلمة الله على قدر عقله يكسب الأجر الكبير . (( عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله : بما يتفاضل الناس في الدنيا قال : بالعقل ، قلت وفي الآخرة ، قال : بالعقل ، قلت : أليس إنما يجزون بأعماله ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ))
[عن عائشة]
عملهم بقدر عقلهم ، إذاً بالدنيا يتفاضل الناس بالعقل ، وفي الآخرة يتفاضلون بالعقل . العقل كسبي و الإنسان مسؤول عن استعماله :
هل العقل كسبي أم فطري ؟ هنا سؤال دقيق إذا كان فطرياً لا يوجد ذنب له ، هذا أعطاه الله بالمئة ثمانين أخذ بالمئة ثمانين ، وهذا أعطاه بالمئة عشرة ، لا العقل كسبي العقل موجود إما أن تستعمله وإما ألا تستعمله ، أغبى الناس في الآخرة قد يكون أذكاهم في الدنيا ، العقل موجود فهو مسؤولية على عدم استعماله لا على عدم وجوده .
لما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، فقال الله عز وجل : " وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب "
قيمة الإنسان عند الله برجاحة عقله :
دائماً ملخص الملخص قيمتك عند الله برجاحة تفكيرك ، الأمور واضحة تماماً :
(( أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح ))
[أخرجه ابن المجبر من حديث ابن عمر]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( أتمكم عقلاً أشدكم لله تعالى خوفاً ))
[أخرجه ابن المجبر من حديث أبي قتادة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/07.jpg
هذا الفصل على قيمة العقل ، فنحن لا نريد من هذا الفصل قراءة الأحاديث بقدر ما نريد الإفادة منها ، فكل إنسان يمتحن عقله بقدر طاعته لله عز وجل ، كل معصية لها عند الله عقاب ، وكل طاعة لها عند الله ثواب ، فإذا كانت استقامته تامة وعمله صالح فعقله راجح، أما إذا كان باستقامته خلل .
كنت أضرب مثلاً قلته كثيراً ولكن الآن مناسب يعاد مرة ثانية ، باص المهاجرين كان في المرجة يقف في أيام الصيف الحارة ، كان يقف باتجاه الشرق ، وإذا صعد راكب إلى الباص يرى الشمس على اليمين ، و الظل على اليسار ، أنا كنت أصعد وأمتحن عقل هؤلاء الركاب ، يصعد راكب ويجلس في الشمس ، والشمس في تموز ، ويصعد راكب يجلس في الظل ، الذي جلس في الظل عطل فكره ، لم يفكر ، وجد ظلاً فجلس بحكم الفطرة ، والذي جلس في الشمس أعمل عقله ، الذي جلس في الظل قد يتهم في نفسه من كان في الشمس بالغباء ، هذا الباص بعد دقيقتين سوف يلف ساحة المرجة ، وسوف يصبح الذي جلس في الشمس في الظل إلى نهاية الخط ، والذي جلس في الظل سيبقى في الشمس إلى آخر الخط .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/08.jpg
تعريف العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، فلان ذكي ما معنى ذكي ؟ أي أنه تصور المستقبل ، الطالب الذكي تصور الامتحان وهو في أيلول تصور الامتحان ورهبة الامتحان ودرس حتى هيأ نفسه ماذا يفعل .
صيادان مرّا أمام غدير فيه ثلاث سمكات قال : كيسة وأكيس منها وعاجزة ، تواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من سمك ، فسمع السمك قولهما - وهذه قصة رمزية - أما أكيسهما فإنها ارتابت وتخوفت وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، هل يوجد أحد من الحاضرين وأنا معكم لن يموت ؟ كلا ، إذاً العقل يحتاط إلى الأمور قبل الموت ، والأحمق من يأتيه الموت فجأة ، قال تعالى : ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴾
[ سورة القيامة : 31-33]
هذه السمكة الكيسة جداً قالت : العاقل يحتاط إلى الأمور قبل وقوعها ، فلم تعمل شيئاً حتى خرجت من الغدير فنجت وارتاحت ، وأما الكيسة ولكن الأقل ذكاء فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا المكان قد سد ، فقالت : فرطت وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت ، لكن حرقت أعصابها وخاطرت ، غامرت احتمال نجاحها خمسون بالمئة ، لو وضعها في مكان بعيد ماتت ، وأما العاجزة الغبية فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت .
ملخص الدرس كله قول النبي عليه الصلاة والسلام : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" .
عرف النبي الكريم الذكي بأنه إنسان ضبط نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والغبي من أتبع نفسه هواها ، أنا مع الناس ، والناس كلها هكذا ، هل أنا أفضل منهم ؟ هل معقول كل الناس إلى جهنم ؟ هذا كلام فارغ ، الله عز وجل أوامره محددة وليس لك علاقة بسلوك أحد ، عليكم أنفسكم والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . * * *
ثابت بن قيس :
ثابت بن قيس رضي الله عنه سيد من سادات الخزرج المرموقين ، ووجه من وجوه يثرب المعدودين ، وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، تطبيق لدرسنا ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، رائع البيان ، جدير الصوت إذا نطق بزّ القائلين ، وإذا خطب أسر السامعين ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام ، إذ ما كاد يستمع إلى آيات الذكر الحكيم يرتلها الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى أسر القرآن سمعه بحلاوة وقعه ، وملك قلبه برائع بيانه ، وخلب لبه بما حصل به من تشريع ، فشرح الله صدره للإيمان ، وأعلى قدره ، ورفع ذكره بالانزواء تحت لواء نبي الإسلام .
ولما قدم النبي صلوات الله عليه إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في كوكبة كبيرة من فرسان قومه أكرم استقبال ، أي إذا الإنسان أكرم النبي الكريم فهذا إكرام لله عز وجل ، إذا لك أخ مؤمن أكرمته فكأنما تكرم الله عز وجل ، هكذا الحديث الشريف : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/09.jpg

(( من أكرم أخاه المؤمن فإنما أكرم الله ))
[الأصبهاني في ترغيبه عن جابر]
ورحب به وبصاحبه الصديق أجمل ترحيب ، وخطب بين يديه خطبة بليغة افتتحها بحمد الله عز وجل ، والثناء عليه ، والصلاة والسلام على نبيه ، وختمها بقوله أنا نعاهدك يا رسول الله على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونساؤنا فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الجنة ، ما كادت كلمة الجنة تصافح آذان القوم حتى أشرقت وجوههم بالفرحة ، وزهت قسماتهم بالبهجة ، وقالوا : رضينا يا رسول الله ، رضينا يا رسول الله ، ومنذ ذلك اليوم جعل النبي صلوات الله عليه ثابت بن قيس خطيبه كما كان حسان بن ثابت شاعره ، فصار إذا جاءه وفود العرب لتفاخره أو تناظره بألسنة الفصحاء المقاول من خطبائها وشعرائها ندب إليهم ثابت بن قيس لمصاولة الخطباء وحسان بن ثابت لمفاخرة الشعراء . بشارة النبي العظمى لثابت بن قيس :
كان خطيب النبي الخاص ، ولقد كان ثابت بن قيس مؤمناً عميق الإيمان ، تقي صادق التقوى ، شديد الخشية من ربه ، عظيم الحذر من كل ما يغضب الله عز وجل ، فلقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم هرعاً ، جزعاً ترتعد فرائسه خوفاً وخشيةً فقال له : ما بك يا أبا محمد فقال : يا رسول الله أخشى أن أكون قد هلكت ، قال : ولم ؟ - ترى عامة الناس تفعل الموبقات وتقول لك : نمنا نوماً عميقاً مريحاً ، هؤلاء ميتون- أما سيدنا ثابت فقال أخشى أن أكون قد هلكت ، فقال سيدنا ثابت : لقد نهانا ربنا عز وجل عن أن نحب أن نحمد بما لا نفعل وأجدني أحب الحمد ، ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الزهوة - كان أنيقاً جداً - فما زال النبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه حتى قال : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة ؟ فأشرق وجه ثابت بهذه البشرى وقال : بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن لك ذلك .
مرة النبي الكريم بشر صحابي بالجنة اسمه عكاشة ، هناك صحابي ثان قال له : وأنا ؟ فإذا قال له : أنت لست من أهل الجنة حطمه صلى الله عليه وسلم ، وإذا قال له : أنت منها كذب عليه ، حل هذه ، فقال له : وأنا ؟ فقال له صلى الله عليه سبقك بها عكاشة ، أي جواب بمنتهى اللطف أما سيدنا ثابت فبشره بالجنة .
وعندما نزل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة الحجرات : 2]
تجنب ثابت بن قيس مجالس النبي عليه الصلاة والسلام على الرغم من شدة حبه له ، وكثرة تعلقه به ، ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة ، النبي الكريم وفي لأصحابه ويعرف من غاب .
افتقده النبي عليه الصلاة والسلام وقال من يأتيني بخبره ؟ كان محباً وكم هم يحبونه والله الذي لا إله إلا هو كان يحبهم أضعاف ما يحبونه ، فقال أحدهم : أنا يا رسول الله فذهب إليه فوجده في منزله محزوناً منكساً ، فقال : ما شأنك يا أبا محمد ؟ قال : شر ، قال وما ذاك ؟ ماذا فعلت ؟ قال : أنك تعرف أني رجل جهير الصوت - صوتي عال - وإن صوتي كثيراً ما يعلو على صوت النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل في القرآن ما تعلم : " لا ترفعوا أصواتكم " ولا أحسب إلا حبط عملي وأنني من أهل النار ، كم كانوا يخافون على أنفسهم من مخالفة القرآن الكريم !! الآن يخرب بيته ويقول ماذا فعلنا ؟ فرجع الرجل إلى النبي الكريم وأخبره بما رأى وما سمع فقال له : اذهب إليه وقل له : لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة ، فكانت هذه بشارة عظمى لثابت ، ظل يرجو خيرها طوال حياته .
هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ هذا ميزان هؤلاء أصحاب الجنة ، هؤلاء ملوك الدار الآخرة ، هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ من منا يخاف على نفسه ، الذي يخاف له البشرى والذي لا يخاف أعانه الله . قصة استشهاد ثابت بن قيس :
وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها سوى بدر وأقحم نفسه في غمار المعارك طلباً للشهادة التي بشره بها النبي ، فكان يخطئها في كل مرة إلا أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب على عهد سيدنا الصديق ، وقد كان ثابت بن قيس إذ ذاك أميراً لجند الأنصار وصار مولى أبي حذيفة أميراً لجند المهاجرين ، وخالد بن الوليد قائداً للجيش كله أنصاره ومهاجريه وما فيهم من أبناء البوادي ، وقد كانت الريح والدولة في جل المعارك لمسيلمة ، أول أمر طغى مسيلمة حتى بلغ بهم الأمر أن اقتحموا فسطاط خالد - خيمته - وقطعوا حبال الخيمة ومزقوها ، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك من تضعضع المسلمين ما شحن قلبه أسىً وكمداً وسمع ما ملأ صدره هماً وغماً عند ذلك تحنط وتكفن ووقف على رؤوس الأشهاد وقال : " يا معشر المسلمين ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ، بئسما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم ، وبئسما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك - أي مسيلمة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء – أي المسلمون – " ثم هب هبة الأسد الضاري كتفاً لكتف مع الغر الميامين ، البراء بن مالك الأنصاري وزيد بن الخطاب و هو أخ أمير المؤمنين وغيرهم وأبلى بلاءً عظيماً ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزماً ، وشحن أفئدة المشركين وهناً ورعباً ، وما زال يجالد في كل اتجاه ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح فخر صريعاً على أرض المعركة قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها النبي عليه الصلاة والسلام ، القصة ما انتهت مع أنه استشهد رضي الله عنه .
وصية ثابت بن قيس :
وهذه أغرب قصة وكانت على ثابت درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين من عام المسلمين فنزعها عنه وأخذها لنفسه ، وفي الليلة التالية لاستشهاده رآه رجل في منامه فقال للرجل : أنا ثابت بن قيس في المنام فهل عرفتني ؟ قال : نعم ، قال : إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم إني لما قتلت أمس مر بي رجل صفته كذا وكذا فأخذ درعي ومضى بها نحو خبائه في أقصى المعسكر من الجهة الفلانية ، ووضعها تحت قدر له ، ووضع فوق القدر رحلاً فائت خالد بن الوليد وقل له أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه فهي ما تزال في مكانها ، وأوصيك بأخرى فإياك أن تقول هذا حلم قل لخالد : إذا قدمت على خليفة رسول الله في المدينة فقل له : إن على ثابت بن قيس من الدين كذا وكذا ، وإن فلاناً وفلاناً من رقيقه عتيقان لوجه الله تعالى فليقض ديني وليحرر غلامي ، استيقظ الرجل فأتى سيدنا خالد بن الوليد فأخبره بما سمع ورأى ، فبعث خالد من يحضر الدرع من عند آخذها فوجدها بمكانها وجاء بها كما هي ، ولما عاد خالد إلى المدينة حدث أبا بكر رضي الله عنه بخبر ثابت بن قيس ووصيته ، فأجاز الصديق بوصيته وما عرف أحد قبله ولا بعده أجيزت وصيته بعد موته ، طبعاً كل إنسان وصى تنفذ بعد موته هذه وصاها بعد موته ، أملاها بعد موته ونفذت ، النبي الكريم يقول : " لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة " أحوال الكشوف الآن مفقودة لأن الدنيا غلبت على الناس ، هموم الدنيا وزينتها غلبت على القلوب ، أما لو أن الدنيا بعدت لسمعت العجب العجاب .
رجل يمشي مع عالم صادق الناس تكلموا له عليه ، أن هذا يتهيأ أشياء غير صحيحة ، تشوش واضطرب وطالب العلم صادق فنام وقال : يا رب إن كان هذا على حق فأعلمني بذلك ولكن أنا توقعت أنه صادق جداً ، نام في الليل رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال له : " والذي نفس محمد بيده هذا أحيا سنتي بعد موتي ".
إذا أنت عندك صدق كاف والله ترى النبي الكريم وتسمع منه ، إذا عندك سؤال دقيق جداً وتريد جواباً شافياً ترى النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك كذا وكذا وهذا سيدنا ثابت ، الإنسان عندما الله عز وجل يفتح له قلبه يرى رؤيا صحيحة تأتي كفلق الصبح يستبشر أما حب الدنيا فرأس كل خطيئة ، حبك الشيء يعمي ويصيب ، رضي الله عن ثابت بن قيس وأرضاه وجعل في أعلى عليين مثواه .
القصة بشكل موجز سيدنا ثابت كان ورعاً ، وكان حريصاً على رضاء الله عز وجل ورضاء نبيه ، لأنه كان قلقاً هو الآن آمن والآمن اليوم قلق يوم القيامة .
* * *
معرفة الله عز وجل أساس الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4619/10.jpg
حديث شريف قال عليه الصلاة والسلام :
(( أفضل الأعمال العلم بالله ))
[ كنز العمال عن أنس]
سماه النبي عليه الصلاة والسلام عملاً ، أين ذاهب ؟ أحضر مجلس علم حتى أتعرف إلى الله عز وجل ، أفضل الأعمال العلم بالله السبب ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " إن العلم بالله ينفعك معه قليل العمل وكثيره وإن الجهل بالله لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره "
أقل عمل مع العلم بالله ينفعك ، وأكبر عمل مع الجهل بالله لا ينفعك ، فالأساس العلم بالله ، إن العلم بالله ينفعك معه كثير العمل وقليله ، والجهل بالله لا ينفعك معه لا كثير العمل ولا قليله ، لأنه مبني على جهل ، ولو إنسان عمّر جامعاً ولا يعرف الله عز وجل وله معاص فالطريق إلى الله مسدود ، أما إذا عرف الله عز وجل ودفع ليرة سورية واحدة هذه ترفعه إلى أعلى عليين ، فالموضوع مبني على معرفة الله ، ومعرفة الله عز وجل أساس الدين.

السعيد
09-09-2018, 02:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : الصوم - تعريفة - شروطة - اركانة - مفطراتة





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . تعريف الصوم :
أيها الأخوة الأكارم ، مهدنا في الدرس الماضي لموضوع الصوم ، و اليوم نتحدث عن بعض أحكامه .
أولاً : تعريف الصوم هو الإمساك نهاراً عن إدخال شيء عمداً أو خطأ ، بطناً أو ما له حكم البطن ، و عن شهوة الفرج بنية من أهله http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/01.jpg
هذا تعريف من نوع جامع مانع ، الإمساك أي ترك الطعام و الشراب ، نهاراً : لأن الطعام و الشراب في الليل مباح ، عن إدخال شيء عمداً أو خطأً : من تمضمض و بالغ في المضمضة و دخل شيء من الماء إلى جوفه فقد أفطر و عليه أن يبقي نفسه صائماً ، و أن يعيد صيام هذا اليوم عمداً أو خطأً ، بطناً ، و الإمساك عن شهوة الفرج بنية : لولا النية - النية تفرق العبادة عن العادة - لولا النية لاختلط الأمر بين العبادات و العادات ، من أهله : المرأة النفساء ليست أهلاً للصيام و كذلك الحائض ، و سبب وجوبه شهود جزء منه ، لو الإنسان أسلم بخمسة عشر من رمضان عليه أن يصوم الأسبوعين المتبقيين و سبب وجوبه شهود جزء منه ، و كل يوم منه سبب لوجوب أدائه ، كل يوم من أيام هذا الشهر الكريم سبب لأدائه ، و هو فرض أي الصيام أداءً و قضاءً ، أي إذا كانت المرأة تقضي بعض أيام رمضان في أشهر السنة لا يستطيع زوجها أن يأمرها بالإفطار هذا فرض ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، يقول لها : هذا ليس رمضان هي تقضي ما فاتها من رمضان ، و هو فرض أداءً و قضاءً على من اجتمع فيه أربعة أشياء :
أولها الإسلام ، و ثانيها العقل ، و ثالثها البلوغ ، و رابعها العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، كيف؟ أي في أثناء المعارك أو في أثناء الحرب دخل أحد الكفار في الإسلام ، و قد شهد أنه لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله لكنه ، و هو في زحمة المعركة لم يبلغ أنه لا بد من صيام رمضان ، فالعلم بوجوب الصيام أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في الصائم ، الإسلام و العقل و البلوغ و العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، أما من كان في ديار الإسلام فلا يقبل منه الجهل ، ليس من المعقول إنسان في بلد إسلامي و يأتي رمضان و يقول لك : لا أعلم أن هناك صياماً هذا مرفوض ، لكنه إذا أسلم بدار الحرب كان العلم بالوجوب أحد الشروط اللازمة للصيام ، أما المقيم في دار الإسلام فهذا لا يعتد به .
شروط الصيام :
و يشترط لوجوب أدائه الصحة من مرض و حيض و نفاس ، و الإقامة أي أن يكون مقيماً و ليس مسافراً ، فالمسافر قال تعالى :
﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
[ سورة البقرة : 27]
و يشترط لصحة أدائه ثلاثة : النية لابد من النية - كما قلنا قبل قليل - النية تميز العبادة عن العادة ، و الخلو عما ينافيه من حيض و نفاس و عما يفسده ، و لا يشترط الخلو عن الجنابة أي من أصبح صائماً و كان في الليلة جنباً فصيامه صحيح يغتسل و يتابعه ، و ركنه : الكف عن قضاء شهوتي البطن و الفرج و ما ألحق بهما ، و حكمه : سقوط الواجب عن الذمة و الصواب في الآخرة و الله أعلم ، الصيام فرض إذاً لابد من أدائه ، حكمه أنك إذا صمت سقط عنك هذا الفرض و لك في الآخرة ثواب ، و هناك أهداف أخرى بيّنها القرآن الكريم و الله أعلم .
يتضح لكم أن هذه المعلومات أساسية و واضحة لكن إذا أردنا أن نقف عند بعضها الذي نحن بحاجة إليه ، أولاً : من أفطر مخطئاً عليه أن يعيد اليوم ، بالغ في المضمضة و الوضوء إلا أن تكون صائماً ، فإن كنت صائماً و بالغت في المضمضة و دخل شيء من الماء في جوفك عليك أن تعيد صيام هذا اليوم ، و أن تمسك بقية النهار هذا حكم ، هذا معنى خطأً ، طبعاً عمداً معروف ، إفطار قطعي ، النية أساسية في الصيام ، الأهلية أساسية في الصيام ، خلو الإنسان من مرض أو حيض أو نفاس أو سفر ، أي أدرك المؤمن من هذا الشهر يوماً عليه أن يصوم بقية الشهر ، كل يوم سبب لأدائه ، لا جهل في دار الإسلام إن كنت مقيماً بين المسلمين لا يعتد بالجهل ، لكنك إن كنت مقيماً في دار حرب و حديث عهد بالإسلام علمك بوجوب صيام هذا الشهر شرط أساسي من شروطه .
الجنابة لا تفسد الصيام ، و الدرس القادم إن شاء الله نتابع فيه أنواع الصيام الستة؛ فرض و واجب و مسنون و مندوب و نفل و مكروه .
أما النية فهي من عمل القلب لكن بعض الفقهاء شدد في اللفظ و بعضهم قال : نية القلب تكفي . * * *
الطهارة :
من الفصول المختارة من إحياء علوم الدين كتاب الطهارة و قال المؤلف رحمه الله و رضي عنه : اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب ، الأولى : تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، الأحداث هناك حدث أصغر و حدث أكبر ، و الأنجاس العينية ، و الفضلات كحلق شعر الإبط و ما شاكل ذلك ، و قص الأظافر ، فجمعت في هذه الكلمات الثلاث تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، و الثانية : تطهير الجوارح من الذنوب و الآثام ، و الثالثة : تطهير القلب من الأخلاق المذمومة و الرذائل الممقوتة ، و الرابعة : تطهير السر عما سوى الله عز وجل - أربعة مراتب - و هذه هي الغاية القصوى ، قال : فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلب - الرتبة - سريرته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى ، هذه ظاهرة تجد مسلمين كثيرين لا يعنون إلا بطهارة الظاهر بل إنهم يصابون بأمراض نفسية اسمها الوساوس المتسلطة ، كم من قضية رفعت إليّ من أن إنساناً أصيب بأمراض من هذا النوع أصبحت حياته جحيماً لا تطاق ، يتوضأ و يعيد الوضوء و يدخل دورة المياه و يخرج و يشك في نوع طهارته فيدخل ثانية و يخرج ، يتحرى مصلاه إن داس عليه طفل صغير يعيد الصلاة ، هذه أمراض نفسية أي مثل هذا الإنسان يعالج في مصحات ، فالإنسان عندما ينسى مراتب الطهارة و يكتفي بالمرتبة الأولى و هو تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات فقد غفل عن حقيقة الطهارة لماذا ؟ لأن الإسلام بني على النظافة ، النظافة أي إياكم أن تظنوا النظافة المادية فقط ، كنت قد ضربت لكم مثلاً : قلت من قبل أن إنساناً يعمل في مصلحة فيها زيت و شحم و أشياء تلوث الثياب - مكنسيان مثلاً - و مرتدياً أفرول كما يسمونه أصله أزرق صار أسود اللون من الشحم و الزيت و الفحم و الوحل ، و انبطح تحت سيارة ليفك بعض أجزائها ، و أتقن عمله ، و أخذ أجراً معتدلاً ، فهذا العمل في الإسلام نظيف إلى أقصى الحدود ، وقد تقبع في غرفة مؤسسة بأفخر الأثاث ، و فيها أجمل المفروشات ، و هي مكيفة ، و فيها كل وسائل الراحة ، فإذا كان هذا العمل مبنياً على إيذاء الناس في هذه الغرفة فهذا عمل قذر ، فالنظافة إذا أطلقت إياكم أن تظنوا أنها تنصرف إلى النظافة المادية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/02.jpg
ذاك العمل نظيف ، و النبي عليه الصلاة و السلام أثنى على من يعمل بيده و هو من الكسب الحلال ، وسيدنا عمر يقول : " إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني " ، و الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قيمة الرجل ما يحسنه " ، إن كان يحسن عملاً فله عند الله قيمة لأنه عنصر معطاء ، فالنظافة المقصود بها هي الطهارة الداخلية ، فالكذاب قذر ، المخادع قذر ، النمام قذر ، المتكبر قذر ، الذي يحتقر الناس قذر ، و هناك أعمال قذرة مبنية على إيقاع الأذى بالناس ، على أخذ أموالهم ، على إيقاع الرعب فيهم ، هذه أعمال كلها قذرة ، و الأعمال التي يحتاج فيها الإنسان إلى ثياب خاصة هذه الأعمال هي عند الله نظيفة ، و عند الناس نظيفة ، و أنعم بها من أعمال، فبني الإسلام على النظافة ، يجوز إنسان يذهب إلى أوربا يجد هناك مظاهر نظافة من أعلى مستوى ، لكن لو عاشرهم و أقام بينهم لرأى من قذارتهم ما لا يوصف ، من تفسخهم الاجتماعي ، من انحلالهم الخلقي ، من اختلاط الأنساب عندهم ، أي كيف تقبل أيها الإنسان أن إحصائية أجريت في أمريكا قبل أشهر عن بعض العلاقات المحرمة بين الأقارب فوجد أن ثلاثين في المئة من النساء هناك يمارسن علاقات محرمة مع محارمهن كالآباء و الأخوات ، ما تفسير ذلك ؟ هؤلاء ليسوا بناتهن ، و هؤلاء ليسوا أخواتهن بسبب اختلاط الأنساب ، لا يوجد عندهم عدة ، و لا هذا التشريع الحكيم الذي جاء به النبي الكريم ، فيظن أن هذه أخته هي ليست أخته ، يُظن أن هذه ابنته و هي ليست ابنته ، فهذه هي القذارة الحقيقية ؛ التفسخ ، و الانحلال ، و اللؤم ، و كسب المال الحرام ، و الكذب ، و الغش ، و النميمة ، هذا كله يسبب قذارة النفس ، فمن قويت بصيرته سمت إلى هذه الأهداف همته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ، انظر المؤلف قال : زمانه الشريف ، أي أنت هذا العصر الذي تعيشه و هذا العمر الذي تستهلكه هو ثمين جداً ، أي كل دقيقة أحياناً يقول لك : هذه المركبة الفضائية كلفت كل دقيقة منها ثلاثة عشر مليون دولار مثلاً ، ما معنى ذلك ؟ أي هذه المركبة الفضائية بذل من أجل إطلاقها إلى القمر علم الأرض كله ، أي جميع العلوم ؛ الرياضيات ، الفلك ، الفيزياء ، الكيمياء ، كل هذه العلوم تضافرت و ساهمت في هذه المركبة الفضائية ، أحصيت نفقاتها فإذا هي رقم كبير كبير ، قسم هذا المبلغ الكبير على أيام بقائها في الفضاء ، و على ساعات بقائها ، و على دقائق بقائها ، فقيل : إن الدقيقة الواحدة كلفت ثلاثة عشر مليون دولار .
العمر ثمين جداً :
هل تصدق أيها الأخ الكريم أن الثانية الواحدة من حياتك تكلف ألوف ألوف الملايين من أجل أن تشرب هذا الكأس من الماء ، لابد من الشمس ، لا بد من السحاب ، لابد من البحار من أجل أن تأكل ، هذه المناخات المتقلبة من حر و قر و أمطار وثلوج و غيم و شمس ساطعة و شمس محجوبة ، هذه كلها تسهم في صنع الطعام و الشراب ، في صنع الخضراوات و المحاصيل و الفاكهة ، فأنت مثلاً قلبك من أجل تركيب دسام في القلب صناعي اسمع العمليات تقدر بمئتي ألف ، بثلاثمئة ألف ، تركيب كلية كلف ثمانمئة ألف ليرة ، زرع كلية مأخوذة لإنسان ، فالإنسان عندما تكون أجهزته سليمة مادام زرع كلية يكلف ثمانمئة ألف، و عملية بالقلب ثلاثمئة ألف ، ووضع دسام صناعي بأربعمئة ألف ، معنى ذلك أن الإنسان يكلف في كل ثانية ألوف الملايين ، و معنى هذا أن العمر ثمين جداً ، فمن استهلك هذا العمر في سفاسف الأمور ، في اللهو و الباطل ، و أهداف غير صحيحة ، و في طرق مسدودة ، و أعمال لا طائل منها ، في لعب و تفاخر بالأموال و الأولاد ، فهو من أخسر الناس ، لأن ساعة اللقاء لا يندم فيها المرء إلا على ساعة مرت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، فالإنسان يدقق في وقته كيف يصرفه ؟ أي ما مضى فات ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، ما مضى صليت أم لم تصلِّ ، صمت أم لم تصم ، فكرت أم لم تفكر ، أحسنت أم أسأت ، ما مضى مضى و انتهى أمره ، و التفكير فيه مضيعة للوقت ، و المؤمل غيب ، سأفعل هذا بعد غد ، في نهاية الشتاء سوف أتوب ، في مطلع العام الدراسي سوف أتوب ، بعد أن أنجز هذا العمل سوف أتوب ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، لا تملك إلا هذه الساعة ، فإذا عرفت الله عز وجل قم و بادر إلى طاعته قبل ألا تدري ما سيكون ، إذاً فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ظناً منه بحكم الوسوسة ، و قلة العلم أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط طهارة الثياب ، و جهلاً بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان في تطهير القلوب ، ممكن أن تجد مسلماً نظيفاً و لكن عنده حقد ، عنده استعلاء ، عنده حسد ، ليس معقولاً ، ما قيمة هذه النظافة الظاهرة؟ لابد من تطهير القلب ، لذلك سيدنا عمر قال : " تعاهد قلبك " ، يجب أن تراقب قلبك ماذا يُكِن للناس ؟ هل يكن لهم المحبة أم الحقد ؟ ماذا يكن ؟ قال تعالى :
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء : 88-89 ]
عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان :
و قد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة نظافة ، فترى أكثر زمانهم يمضي في تزيين الظواهر و بواطنهم خراب محشوة بخبائط الكبر ، و العظم ، و الجهل ، و الرياء ، و النفاق ، و لو رأوا النظافة مقتصرة على الاستجمار على الحجر أي رأوا النظافة مقتصرة على أمور التطهير المادية ، و هذا لا ينبغي أن يكون في هذا الفهم القاصر .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/03.jpg
في الحديث عن النبي عليه الصلاة و السلام يقول :
(( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ]
فسر بعضهم هذا الحديث أن كل مراتب النظافة هذه ؛ مرتبة الجوارح ، و مرتبة تطهير الجوارح من الذنوب ، تطهير القلب من الأخلاق المذمومة ، تطهير السر عما سوى الله ، الطهور شطر هذه المراتب ، أي هذا القلب هذا السر من أجل أن يكون الله فيه ، ماذا ينبغي أن تفعل أولاً ؟ أن تطهره عما سوى الله ، فعملية التطهير نصف الإيمان ، و هذه الجوارح من أجل أن تكون قائمة بأمر الله ، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تطهرها عن الذنوب و الآثام ، هذا القلب الذي هو موضع الأخلاق المذمومة كيف تحليه بالأخلاق الحميدة؟ لابد من تطهيره من هذه المذمومة ، إذاً عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان ، أي نصف الإيمان بالذات . الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً :
و هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام :
(( مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
طبعاً الحديث يؤخذ على ظاهره ، لابد من الطهارة ، و الطهارة أحد شروط الصلاة ، و لكن لا ينبغي أن يقتصر الفهم على هذا المعنى ، مفتاح الصلاة الطهور بمعنى من كان غاشاً للمسلمين ، من كان مستغيباً لهم ، من كان ناماً فيما بينهم ، من نظر إلى عوراتهم ، من غشهم في بيعهم و شرائهم ، لا يستطيع أن يصلي ، و بعضهم حمل قوله تعالى : ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
[سورة الأعراف : 31]
بعضهم حمل قوله تعالى هذا على أن الزينة العمل الصالح ، البس أجمل الثياب و تعطر و تزين و هذا شكل الآية ، المعنى الآخر في الآية : لابد من عمل صالح تقدمه بين يديك في أثناء الصلاة ، فلو أغثت ملهوفاً ، أعنت فقيراً ، تصدقت ، عدت مريضاً ، أجبت سائلاً ، ثم ذهبت لتصلي فإن هذا العمل الذي قدمته يعينك على الاتصال بالله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 110]
على كلٍّ كل هذه المعاني التي ذكرناها لا تنفي المعاني الظاهرة للنظافة ، الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً ، و إن رأيت إنساناً نظيفاً ظاهراً فادعه إلى نظافة الباطن لأن الأولى لا تكفي . * * *
المساجد و الأسواق :
و الآن إلى بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة و السلام :
(( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ ))
[الحاكم عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/04.jpg
كلمة خير اسم تفضيل بمعنى أخير لكن لكثرة استعمالها اختصرت و أصبحت خير، فأنت في المسجد يطهر قلبك ، و تسمو نفسك ، و تشحذ عزيمتك ، و يلين قلبك ، و تنعقد توبتك ، و تطمح إلى أن تكون من أهل الجنة ، و تحس بالصفاء ، و يبعد عنك الانقباض و الضيق ، و هكذا قال بعض الصحابة : " نكون مع رسول الله و نحن و الجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل و الأولاد ننسى "، هذه الحال تذهب عنا ، لكن في الأسواق هذه الحاجة جميلة لا تملك ثمنها إن اشتريتها ديناً أصابك ذل الدين ، و إن امتنعت عنها شعرت بالحرمان ، و إن كان في الطريق فهناك نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات تلعنهن لأنهن ملعونات ، الإنسان تغيرت وجهته ، فالنبي الكريم قال : (( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ ))
[الحاكم عن ابن عمر]
إن لم تكن لك حاجة ماسة بالسوق لا تذهب إليه ، لأن السوق كما قلنا : موطن الفتنة ، إما فتنة في الحاجات أو فتنة فيمن حول الحاجات ، إياكم و فضول النظر فإنه يوقع في النفس الهوى ، حتى الحاجات التي لست بحاجة إليها لا تتأمل فيها كثيراً فقد تبذل في نفسك الهوى، هناك شيء آخر النبي الكريم كان إذا وقع بصره على شيء من زينة الدنيا يقول : (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ . . . ))
[ البخاري عن أنس بن مالك ]
هذا الدعاء يذكرك بالآخرة و ما فيها من نعيم مقيم ، و كيف أن أهل الجنة في الجنة ينعمون إلى أبد الآبدين ، فكلما لاحت لك زينة الدنيا تذكر الآخرة و ما فيها من سعادة عظمى . خير الأعمال و الأصحاب عند الله :
و يقول عليه الصلاة و السلام :
((خير الأعمال الصلاة في أول وقتها))
[عن عثمان بن عمر وهو صحيح على شرط الشيخين]
يبدو أن الصلاة في أول وقتها تسعد صاحبها ، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ، أي لا ينعم بالوقت ، إذا الإنسان صلى الظهر بوقته ، والعشاء بوقته ، يستريح فإذا أصابه النعاس نام فوراً ، فإذا أخّر العشاء وأصابه النعاس ولم يكن قد صلى فالصلاة أصبحت عبئاً عليه ثقيلاً ، فخير الأعمال الصلاة في أول وقتها ، و خير الأصحاب صاحب إذا ذكرت الله أعانك ، و إذا نسيت ذكرك ، إذا ذكرت الله أعانك فزادك قال لك : و الله إنه شيء جميل ، أكمل حدثنا ، أي شجعك على الحديث ، كنت معه بنزهة أو بسفر هذا الوقت الثمين أمضيتموه في معرفة الله ، إذا ذكرت الله أعانك هذه نصيحة لوجه الله ، إن حدثت صديقاً عن الله و قال لك : هذا الموضوع دعنا منه الآن ، لا تصاحبه ، هذا قد يسبب لك ضياعاً وفساداً ، إذا قال لك : دعنا من هذا الموضوع مازال باكراً علينا ، من مات و رأى ماذا يوجد بعد الموت ؟ الله كريم ، غداً نحج و نتوب ، هذه الأقوال إن قيلت فهذا الصاحب لا ينبغي أن تصاحبه .
و عض عليه بالنواجذ بمعنى الزم صحبته ، و يقول عليه الصلاة و السلام : (( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
أي صاحبان هذا قدم لهذا خدمة كبيرة ، هذا عند الله خير من هذا ، الأكثر نفعاً هو الأفضل عند الله عز وجل ، أي يوجد أصحاب يبني صحبته على ابتزاز صديقه ، أي إذا تناولوا الطعام بمطعم يحب أن يدفع عنه ، حيث يتأخر بالدفع قليلاً حتى يدفع عنه ، إن ركبوا سيارة و ذلك أخرج بطاقة ليضعها يبقى ساكتاً ، فمادام الإنسان بهذه الصحبة يبتغي أن يستفيد من صاحبه فهذا أسوأ الأصحاب ، أما خيرهم عند الله من بادر بإكرام صاحبه حيث : (( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
التوحيد يسعد النفوس :
و قال عليه السلام :
(( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
[ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/05.jpg
أي خير قول يقوله الإنسان : لا إله إلا الله هذه كلمة التوحيد ، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، و بالتوحيد تصفو القلوب ، الآن كل مشاكل الناس من الشرك ، بالشرك يوجد خوف و يأس ، مع الشرك يوجد قنوت ، لكن مع التوحيد يوجد بشرى و أمل و طمأنينة و راحة و سعادة و استغناء ، إذا رأيت أن أمورك بيد فلان و فلان لئيم فهذا أكبر الشقاء أي أن ترى أمورك بيد فلان ، و فلان لا يعرف الله عز وجل ، لكنك إذا رأيت الأمر كله بيد الله وأنك عبد لله وأنك إذا أطعته أراحك من عناء الدنيا ، و حماك من شرار خلقه ، هذا هو التوحيد ، و بالتوحيد تسعد النفوس : أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإن منحنا بالرضا من أحـبنا
لذ بحمانا و احتم بــجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***
طبعاً الحياة مخيفة ، الأخطار من كل جانب ، يكفي إنسان يركب سيارته و يكون نظامياً و إذا برجل نائم يدخل به و يقول لك : ابنه توفي و خمسة كسور متحركة ، أي احتمال الشر قائم في الحياة ، أما إن كنت مع الله عز وجل فيحفظك من مثل هذه المصائب .((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
[ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
التوكل على الله و الاستسلام له يدخل السعادة على قلب الإنسان :
خير الدعاء الاستغفار ، الاستغفار هذه الوجهة إلى الله عز وجل التي تطهر النفس من ذنوبها ، و الذنوب الأعمال أو الشهوات التي علقت بها ، فإذا جاء النور الإلهي طهرها من هذه الذنوب و نقاها من هذه الأدران .
(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي ))
[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ]
أي لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، أحياناً الإنسان تسمعون ببعض القراءات في المساجد أن الناس في نهاية الآية يصرخون بأعلى أصواتهم : الله ، لو خشع قلبهم لخشعت أصواتهم ، لو خشعوا لبكوا ، أما هذا الصياح على طرب فهذا صياح الطرب لا صياح الخشوع ، خير الذكر الخفي و خير الرزق ما يكفي ، أي : اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، النبي الكريم تمنى لأحبابه أن تكون أرزاقهم كافية لهم من دون إسراف و لا مخيلة و لا تبذير و لا بذخ و لا كبر و لا فخر و لا خيلاء و لا استعلاء .
خير الزاد التقوى و خير ما ألقي في القلب اليقين ، طبعاً إذا الإنسان هيأ بيتاً و هيأ له فرشاً جيداً و مرافق جيدة و وضع ببيت المؤونة - إن صحّ التعبير - كل ما لذّ و طاب و جاءه الموت ، هذا الزاد لا قيمة له ، لكن أعماله الصالحة إن كانت كثيرة فهي خير زاد له، إذا جاء ملك الموت فالنبي الكريم قال : (( خير الزاد التقوى ))
[ الطبري عن عكرمة ]
و قال :(( خير ما ألقي في القلب اليقين ))
[ شعب الإيمان عن ابن مسعود]
أي يقين هذا ؟ اليقين بلقاء الله ، اليقين بعدالة الله ، اليقين برحمة الله ، اليقين بأن ما في كتاب الله حق و سوف يقع ، اليقين بأن العاقبة للمتقين ، اليقين بأن أهل الباطل لابد خاسرون ، هذه الكلمات العظيمة من يومين قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى : ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 79]
أي إذا أهل الدنيا أبرموا أمراً فالله عز وجل موجود ، أمره هو النافذ ، و الله سبحانه و تعالى يبرم أمراً ، أي الأمرين نافذ ؟ أمر الله عز وجل لو أبرم ، و لو أن هؤلاء الأجانب ائتمروا على هذه البلاد المستضعفة مثلاً ، أبرموا أمراً ، أما فإنا مبرمون ، و قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[سورة يونس : 24]
أمرنا لا أمرهم ، أجمل شعور للمؤمن يرى أن الله عز وجل ربه و إلهه رحيم سميع بصير غني ، فالتوكل عليه ، و التفضيل له ، و الاستسلام له ، شيء يدخل السعادة على قلب الإنسان . أويس القرني :
في موضوع هذه الأحاديث التي تبدأ بكلمة خير مرّ معي هذا الحديث :(( نَادَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَوْمَ صِفِّينَ : أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ خَيْرِ التَّابِعِينَ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ ))
[أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى]
من سنتين أو أكثر فيما أذكر حدثتكم عن قصته ، و قد رجاني بعضهم أن أعيد القصة لما فيها من دقة ، و من موعظة ، و قد استجبت لهذا الطلب ، و سأتلوه على مسامعكم و قد جاءت مناسبة لهذا الحديث خير التابعين أويس .
أذن مؤذن الحج فهرع الناس رجالاً : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
[سورة الحج : 27]
ينشدون البيت العتيق و الحرم الآمن المقدس الذي رفع قواعده إبراهيم و إسماعيل، و طافت به الملائكة ، و طهره النبي صلى الله عليه وسلم ، و فاضت رحاب مكة بالوافدين ، و تعطرت شعابها بأنفاس العابدين الركع الساجدين ، و دنت الأرض من السماء- تعبير لطيف - و التقى الصفاء بالصفاء ، و حان اليوم العظيم ، و تهيأت عرفات ، و خشعت القلوب ، و عنت الوجوه للحي القيوم ، فلا تسمع إلا هاتفاً بالدعاء ، و مسبحاً بالنجوى ، و متعطراً بالطاعة ، إنه يوم الإسلام الأكبر فلا رفث و لا فسوق و لا جدال ، و إنما إيمان و طهارة ، و ترفع عن الدنايا ، و تطلع إلى السماء ، و لكن ما بال عمر أمير المؤمنين وما خطب فارس قريش و عالمها علي بن أبي طالب ما بالهما ؟ و ما خطبهما ؟ إنهما يطوفان و يدوران بوفود العرب في تلطف و تطلع ، و يخصان حجيج اليمن برعاية واضحة ، و استقصاء شامل ، و عجب الناس لعمر و هو يقتحم قوافل اليمن سائلاً عن رجالهم ، متفرساً في وجوههم ، متسائلاً عن أسمائهم و أنسابهم ، و عجبوا أكبر العجب لعلي كرم الله وجهه في سمته و وقاره ، و هو يفحص ملامح اليمنيين ، و يستروح أنباءهم ، و يمازح فتيانهم كأنه ينشد ثأراً أو نسباً ، و نظر علي إلى عمر ، و ابتسما فكلاهما يعلم سر صاحبه و ما ينشدان ، و لقد ترقبوا مواسم الحجيج عشر سنوات فما عثروا على ضالتهما، و ما بلغا آمالهما ، لقد أسرّ النبي عليه الصلاة و السلام إليهما أمراً هاماً ، هما أحرص الناس عليه ، و لكن السنين مضت ، و العمر يتقدم ، و الأمنية الكبرى لم تتحقق ، إن كليهما ليذكر وجه محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الحبيب الأمين و هو يهتف بهما : يا عمر و يا علي إذا لقيتما أويساً القرني فاطلبا إليه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعاء ، عشر سنوات في مواسم الحج يسألون ، يتفرسون ، يتأملون ، يتفحصون وقد أعيتهم الحيلة ، و إن صورة أويس لواضحة في قلبيهما ، لقد وصفه النبي عليه الصلاة و السلام فقال : " إنه أشهل ، ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى بطنه ، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن ، ذو طمرين من صوف ، مجهول في الأرض ، معروف في السماء ، يقال للعباد يوم القيامة : ادخلوا الجنة ، و يقال له : قف فيشفع بإذن ربه في عدد ربيعة و مضر " ، هكذا وصف النبي الكريم أويساً القرني .
عشر سنوات و عمر و علي ينشدان في الحرم الأمين أويساً ، فقد أنبأهما النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأنهما سيشاهدانه في مواسم الحج ، و من أصدق من النبي قيلة؟ الحوار الذي دار بين عمر و علي و بين أويس القرني :
و جاء رجل إلى عمر لينبئه بأن قافلة جديدة صغيرة هبطت من اليمن فوثب عمر راكضاً يدفئ صدره الأمل ، و في غمار القافلة شاهد علياً قد سبقه ، قافلة جديدة من اليمن ، يتحدث إلى رجل ناصع الثوب و الوجه ، تبدو عليه سمات السيادة ، و سمع علياً يهتف به : ألم يبقَ أبداً في قافلتك - تفحصهم واحداً واحداً - غير من حدثتني بأمرهم ؟ فقال سيد هذه القبيلة : أجل يا بن عم رسول الله ، و لكن صبراً لقد أُنسيته ، إن في رحالنا فتى خامل الذكر، ممزق الثوب ، يرعى لنا و نؤجره دراهم معدودات ، و ما أظنك تنشد مثله ، فصرخ عمر إنه أشهل ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين ، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى صدره ، و عجب الأعرابي و نظر إلى عمر و هو لا يعرفه قائلاً : لقد وصفته أكمل ما يوصف به فهل رأيته ؟ و أضاء النور قلبي عمر و علي فقد عرفا أنهما على الأثر الصادق ، و استنطقا الأعرابي فأرشدهما إلى مكان أويس ، فانطلقا إليه يتسابقان ، و في صحراء مكة بالقرب من أبي قبيس شاهدا رجلاً يرعى إبلاً فسلما عليه ، ثم قالا له : من الرجل ؟ قال : راعي إبل و أجير قوم ، قالا : لسنا نسألك عن ذلك ، ما اسمك : قال : عبد الله ، الذي يريدانه أويس ، قالا: قد علمنا أن أهل السماء و الأرض كلهم عبيد لله و لكن ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال : يا هذان ما تريدان مني ؟ من أنتما ؟ قالا : قد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أويساً القرني و قد عرفنا الشهولة و السهوبة ، عندئذٍ أحسنا السلام و التحية ، و طلبا منه الدعاء و الاستغفار ، طبعاً هو أطرق و سكت و كأنه هو ، قال : ما أخص بالاستغفار أحداً و لكن للمؤمنين و المؤمنات ، ثم من أنتما ؟ قال علي هذا عمر أمير المؤمنين و أما أنا فعلي ، الإنسان ليس له حق أن يفخم نفسه ، فاستوى أويس القرني قائماً قائلاً : السلام عليك يا أمير المؤمنين و يا بن أبي طالب جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً ، قال عمر : عظني يا أويس؟ عمر عملاق الإسلام قال له : عظني يا أويس ؟ لأنه صدق كلام النبي الكريم ، قال أويس : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك، هذه الكلمة تكفي وحدها ، ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه فيما بين ذلك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4624/ar-4624/06.jpg
فمن رجا رحمته و هو يعصيه فهو الأحمق ، و من خافه و هو يطيعه فهو اليائس ، و هتف به علي : لقد حدثنا النبي عنك صلوات الله عليه و هم لم يرك و لكنه كان يحبك و يصفك ، و يقول : إنك أفضل التابعين فكيف تتصور النبي يا أويس ؟ لم يره ، فقال : يا علي لقد كان لكما فضل التمتع و الشرف برؤيته ، و أما أنا فقد حرمت هذا الشرف و الفضل ، و لكنني أتصوره صلوات الله عليه في بصيرتي على غير ما رأيتم بأعينكم و شاهدتم ، أتصوره نوراً ساطعاً يملأ الفضاء ، و يسري في الوجود ، أتصوره و رأسه الشريف قاب قوسين أو أدنى من العرش ، و قدمه مستقرة في الأرض السابعة ، و بكى عمر و علي شوقاً للنبي عليه الصلاة و السلام ، ثم قال عمر : كيف الزمان عليك يا أويس؟ قال : كيف هو على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح ؟ هذه حال عالية جداً ، انحلت كل مشاكله لم يعد هناك هموم مادام الموت قريباً ، قال : كيف بلغت هذه المكانة العليا ؟ قال : إني أعيش في مقام الخوف و هو مقام لا يبلغه الإنسان حتى يصبح من خوف ربه و كأنه قتل الناس جميعاً ، الحقيقة إن لم يوجد خوف فالمشكلة كبيرة ، يجب أن تخاف على مقامك عند الله ، يجب أن تقلق على مصيرك في الدنيا ، يجب أن تخاف ألا تكون كما يحب الله ، هذا الخوف أكبر دافع للعمل الصالح و الالتزام و الاستقامة ، و تناجيا طويلاً ثم عرض عليه عمر كسوة و نفقة فقال : ما أصنع بهما ؟ أما ترى ردائي و إزاري من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ معي دراهم و ألبس رداء ، إن بين يدي و يديك عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول ، فأعرض عن الدنيا يا عمر ، و اخشّ يوماً لا ينفع فيه مال و لا بنون ، فضرب عمر بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته : ألا ليت أم عمر لم تلد عمراً ، و همّ أويس بالانصراف فتعلق به علي و قال : إنما جئناك لنأنس بك ، قال : عجباً يا علي ، ما كنت أحسب أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره ثم ولى مدبراً ، طبعاً النبي صلى الله عليه و سلم ورد عنه الحديث عن أويس ، لم يره و لكن الله أنبأه به ، و طلب من عمر إذا لقي أويساً أن يستغفر له ، أن يسأله الاستغفار ، سيدنا عمر حريص حرصاً بالغاً على اللقاء مع سيدنا أويس ، و التقى معه هو و علي كرم الله وجهه و كان ما كان . الحقائق المستنبطة من هذه القصة :
من هذه القصة كلها يجب أن يبقى في أذهاننا إن نسينا التفصيلات فلا ينبغي أن ننسى قول أويس ، ارجُ رحمته عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و ارجه فيما بين ذلك ، أي إذا الإنسان رجا رحمة الله و هو يعصيه فهذا هو الجهل و الغباء و الحمق ، و إذا قنط من رحمته و هو يطيعه فهذا هو الجهل أيضاً ، يجب أن ترجو رحمته عند طاعته ، و أن تحذر نقمته عند معصيته ، و فيما بين ذلك الخوف و الرجاء ، و الدنيا أساس كل خطيئة، أيضاً انصراف أويس القرني عن الدنيا أحد أسباب فوزه بهذا المقام ، و الشيء الثالث : أنه إذا أصبح قد لا يمسي ، و إذا أمسى قد لا يصبح ، و هناك شيء رابع : الخوف من الله عز وجل ، خوفه من الله و كأنما قتل الناس جميعاً ، و يقينه بالموت ، و زهده في الدنيا ، و رجاء الله عند طاعته ، و خوف نقمته عند معصيته ، أربع حقائق تستنبط من هذه القصة ، من هذه التفصيلات الطويلة ، قال له : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك ، أصبحت من خوف الله و كأنني قتلت الناس جميعاً ، الشيء الثالث : كيف برجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح .
آخر شيء : عندما عرض عليه كسوة و نفقة قال : هذا إزاري و ردائي من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ أي أنا في بحبوحة ، فكل واحد منا عنده أكل يكفيه عام في البيت ، عنده سبع أو ثماني بدلات بالخزانة و يقول لك : السنة لا يوجد عندي شيء ، انظر سيدنا أويس ، عندما الإنسان تخف حاجاته في الدنيا تصفو نفسه ، عندما يقطع أسباب الدنيا تتفتح أسباب السماء ، أما إذا كان كل همه الدنيا:
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

السعيد
09-09-2018, 02:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : صيام الجوارح






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صيام الجوارح عن المحرمات :
أيها الأخوة الأكارم ، إتماماً لموضوع صيام الخصوص وهو صيام الجوارح عن المحرمات تحدثنا في الدرس الماضي عن صوم العين ، وكيف أن العين عليها أن تغض عن محارم الله ، وعن كل شيء يولد في النفس الشهوة والهوى ، إياكم وفضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى ، وتحدثنا عن صيام الأذن :
(( من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة ))
[ ابن عساكر عن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/01.jpg
فالأذن تستمع ، وقد استنبط الإمام الغزالي قاعدةً وهي أن ما حرم فعله حرم النظر إليه ، وما حرم النطق به حرم استماعه ، فالذي يستمع إلى الغيبة شريك المغتاب بالإثم ، وقد حدثتكم من قبل : الذنب شؤم على غير صاحبه فكيف على صاحبه ؟ فكيف على غير من اقترفه ؟ الذنب شؤم على غير صاحبه إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم " قال تعالى : ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء : 36]
أخلاق المسلم علية ، وإذا رآها الناس عليه أحبوا أن يكونوا مثله ، فدخل الناس في دين الله أفواجاً ، إذا طبق المسلمون أوامر دينهم مئة في المئة دخل الناس في دين الله أفواجاً ، فإذا تخلوا عن الأوامر وطبقوا العبادات خرج الناس من دين الله أفواجاً ، أي بين المسلمين وبين غير المسلمين نفور لا يعلمه إلا الله ، سببه أن المسلمين حرفوا على العبادات وتركوا مكارم الأخلاق ، فلما تركوا مكارم الأخلاق نفر الناس منهم ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم . الصيام مدرسة خلقية :
فإتماماً لموضوع صيام الجوارح ، أي ترك الطعام والشراب شيء نعلمه جميعاً ، ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعلم أن الصيام ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية ، هذا تعريف الصيام ، ولكن هذا الصيام لا يرقى بالناس ، فالناس هم هم ، كيف يكون الصيام عبادة تلفت النظر ؟ أمر إلهي ، خالق هذا الكون يأمر بعبادة لا تقدم ولا تؤخر ولا تسمو بصاحبها ولا تغير من أخلاقه ولا تسمو بميوله؟ ليست هذه عبادة كما نفهمها نحن ، ولكن الصوم إذا صمت ثلاثين يوماً فصامت جوارحك عن كل المعاصي ، وصام قلبك عما سوى الله عز وجل ، وخرجت من شهر الصيام إنساناً آخر بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، بقيمك ، بأخلاقك ، يجب أن تقول زوجتك : والله ما كان فلان هكذا ، ما لهذا الحلم الذي يتمتع به ؟ ما لهذه الرحمة ؟ ما لهذا اللطف الذي هو فيه ؟ هذا هو الصيام ، مدرسة خلقية لأنك إذا تركت الطعام والشراب لله وهو مباح.
((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عنه يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ))
[ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ]
إذا تركت الطعام والشراب وسائر المفطرات والمخالفات والمعاصي كلها صغيرها وكبيرها ، لابد من أن تشعر أن الله راض عنك ، لابد من أن تقبل في الصلاة عليه، لابد من أن تدمع عينك ، لابد من أن تشعر أن الصلاة مائدةٌ ربانية ، كيف إذا دعاك إنسان إلى طعام نفيس وقدم لك من هذا الطبق ، ومن هذا الطبق ، وقال لك : كُل هذه ، ألا تشعر أنك أكرمت ؟ كذلك الصلاة ، الصلاة ميزان فمن وفى استوفى ، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمرتها ، الدين كله صلاة ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾
[ سورة مريم: 31]
الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين ، لا خير في دين لا صلاة فيه ، من ترك الصلاة فقد كفر ، بين الرجل والكفر ترك الصلاة.
الصيام من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، أي هذه الحركات والسكنات والقراءات والوقوف والركوع والسجود والقعود من أجل أن تصلي ، فإن لم تصلِّ فلا صليت ، قم وصلِّ فإنك لم تصلِّ أي آن الأوان أن نتعامل مع الحقائق ، المسلم عمره ثمين جداً ، يعيش عمره كله في الأوهام ، أنا أصلي والحمد لله ، أنا أصوم والله ما فطرت شهراً في حياتي ، حج أربع حجج ، وثماني عمرات ، أي آن الأوان أن تتعامل مع الحقائق ، هذه أوامر إلهية ، عبادات راقية جداً لابد من أن ترقى بك. المغبون من تساوى يوماه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/02.jpg
المغبون من تساوى رمضاناه ، أي إذا كان رمضان الماضي كهذا الرمضان فأنت مغبون ، أي يجب أن تقول : هذا الرمضان أنا إنسان آخر ، معلوماتي عن الله أعلى ، صفاتي الأخلاقية أرقى ، تطبعت بطباع أحسن ، تركت بعض الصفات المذمومة ، لابد من أن تقول هذا ، والمغبون من تساوى شهراه ، هذه كلها أقوال وليست أحاديث شريفة ، والمغبون من تساوى أسبوعاه ، والمغبون من تساوى يوماه .
يوماه إذا كنت البارحة كاليوم فأنت مغبون ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، لأن عمر الإنسان مثلاً ثلاث وسبعون سنة وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وثماني ساعات وسبع دقائق وثلاث ثواني وأربعة أجزاء الثانية ، وانتهت الحياة ، معنى هذا أن اليوم ثمين جداً ، اليوم جزء من الحياة ، كلما انقضى يوم انقضى بضع من الإنسان ، أي آن الأوان أن يتعامل الإنسان مع الحقائق .
الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان :
الصيام أمر إلهي ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 183]
معنى هذا الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان ، التقوى رؤية ، وإذا ملك الإنسان الرؤية الصحيحة هل يعقل أن يختار الشر ؟ أن يختار ما يؤذيه ؟ أن يختار ما يشقيه؟ أن يختار ما يبعده ؟ أن يختار طريق جهنم ؟ الحياة كلها رؤية ، وإن كنت تملك رؤيةً صحيحة فأنت من السعداء ، وإن كنت لا تملك هذه الرؤية فهذا هو عمى القلب ، قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
[ سورة الحج : 46]
رمضان مناسبة لتطهير النفس من أدرانها :
إذاً الصيام صيام الجوارح ، نعوذ بالله أن نقنع بصيام الفم واللسان هذا صيام العوام ، وصيام لا يقدم ولا يؤخر ، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ، لكن الصائم الذي تصوم جوارحه ، أي الغيبة تفطر الصائم ، خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ؛ الكذب ، الغيبة ، والنميمة ، والنظر بشهوة، واليمين الغموس ، تفطر الصائم.
أي الإنسان أحياناً تقف سيارته في الطريق يتوقع أنه يوجد علة ، لا يوجد بنزين فيجد أن البنزين موجود ، يتوقع أنه لا يوجد كهرباء فيجد كهرباء ، كلما توقع شيئاً ووجد العكس يتوقع شيئاً آخر ، فإذا كان الإنسان لا يصلي ، صلاته شكلية ، أليست نفسه أخطر من سيارته ، ما السبب ؟ ما الذي يحول بيني وبين الصلاة الصحيحة ؟ أمعصية ارتكبتها ؟ ذنب مقيم عليه ؟ إعجاب بالكفار ؟ مودةٌ مع معرض ؟ أنقاد لمن يدعوني إلى الله ، لابد من علة حالت بينك وبين الصلة الصحيحة ، فرمضان مناسبة جميلة جداً لتطهير النفس من أدرانها وتصفية الحسابات وكأنها دورةٌ مكثفة .
الأوامر الإلهية في القرآن الكريم تقتضي الوجوب :
في الدرس الماضي تحدثنا عن صيام العين ، وعن صيام الأذن ، وعن صيام اللسان ، إتماماً لموضوع صيام الجوارح قد يكون الصيام ترك ما نهى الله عنه ، لكن من أجل أن تحدث الصلاة الصحيحة لابد من فعل ما أوجبه الله عليك ، الإنسان أحياناً يظن أن الأوامر الإلهية ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، مع أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 83]
هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/03.jpg
هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة النساء : 19]
أمر إلهي ، قد لا يقل هذا الأمر عن الصلاة ، أن تعاشر الزوجة بالمعروف فهذا أمر إلهي عظيم ، اقرأ القرآن في رمضان واستنبط الأوامر المتعلقة بالزوجة ، استنبط النواهي، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 1]
أمر إلهي ولا يخرجن ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة لقمان : 18]
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة القصص : 77]
اقرأ القرآن ودقق في الأوامر الإلهية ، وقس نفسك بها أين أنت منها ؟ أين أنت من قوله تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
أخي ما عجبك ضعها من يدك وانصرف أنا صائم ، هذه الكلمة معصية ، هذا زبون لماذا الغلظة معه ؟ هذه ليست مأكولك وصائم ؟ ما هذا الصيام ؟ أهكذا البائع يكون ؟ قال تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
اتبع أوامر الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس : 24]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق: 5 ]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 137]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، كتاب الله بين أيدينا نقرأه بلغتنا ، والحمد لله رب العالمين. حق الزوج على الزوجة :
إتماماً لموضوع الأمس يقول عليه الصلاة والسلام :
((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب ، وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولم يتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب وترجع وإن كان ظالماً))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
أي لا يقبل من الزوجة صلاة ولا صيام إن لم تؤدِ حق زوجها ، وإن كان الزوج بأوامره ظالماً في علاقته مع ربه ، أما علاقتها مع الله عز وجل ألا تصوم إلا بإذنه ، وألا تنفق من ماله إلا بإذنه ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه ، وحسابه على الله عز وجل . (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لامْرَأَةٍ : لا تَصُومِي إِلا بِإِذْنِهِ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
إذا فعلت الزوجة هذا مع زوجها تقبل الله صيامها . حق الزوجة على الزوج :
حق المرأة على الزوج ، أن يطعمها إذا طعم ، يجب أن تطعمها مما تأكل ، لا أن تأكل أنت مع رفاقك ما لذّ وطاب وتجعلها تأكل أخشن الطعام في البيت وتقول : أنا مؤمن وأنا صائم ، أداء الحقوق جزء من الصيام ، ولا يهجر إلا في البيت ، اذهبي إلى بيت أهلك هذا خلاف الدين ، أبيح لك أن تهجرها ولكن أين ؟ في البيت ، الهجر لا يصح إلا في البيت لأنه إذا كان في البيت فالأمل بحل المشكلة قريب ، بضعة أيام ، أما إذا كان الهجر في بيت أهلها فربما انتهى الأمر بالطلاق .
حق الجار :
حق الجار إذا مرض عدته ، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه له جار مغن أزعجه كثيراً وأتعبه كثيراً ، كان يغني هذا البيت :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر
***
يبدو أن حرس الخليفة قبضوا عليه وساقوه إلى السجن ، فذهب بنفسه إلى المحتسب - يعادل وزير داخلية تقريباً - وتوسط له ، فقال : يا فتى هل أضعناك وأنت تقول أضاعوني وأي فتى أضاعوا فهل أضعناك يا فتى ؟ فكان إسلام هذا الجار على يد الإمام الأعظم أبي حنيفة لأن عليه حقاً ، هذا جار له حق ، حق الجار إن مرض عدته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/04.jpg
يروون قصة - الله أعلم بصحتها - أن رسول الله له جار يهودي ، وكان هذا الجار يضع شيئاً يؤذي النبي في الطريق - مرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد شيئاً في الطريق فقال : لابد أن جاري مريض فزاره وعاده فشهد أنه رسول الله وأسلم.
اصنع المعروف مع أهله - أخي فلان ليس أهلاً - ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يكفيك فخراً أنك أهله ، إن قدر أو لم يقدر، إن شكر أو لم يشكر ، إن استجاب أو لم يستجب ، سيان فعلت هذا من أجل الله عز وجل ، لا تنسوا هذا الحديث ، و قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 9]
إنسان عظيم له بنت قمة في العفاف والتقوى والصلاح ، يأتي إنسان ويشيع في المدينة إنها زانية ، وكان هذا الإنسان العظيم يساعده وينفق عليه ويعطيه من المال في كل وقت معلوم فلما سمع بفعلته الشائنة ، وخبثه ، وإشاعته هذا الافتراء ، تألم منه ونذر ألا يعطيه شيئاً فعاتبه الله ، فقال تعالى : ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 22]
إذا أنت أمرت أن تعطي من افترى على ابنتك الطاهرة ، سيدنا الصديق حديث الإفك لما توقف عن مساعدته ، الله عز وجل عاتبه وهو ليس أهلاً للمساعدة ، اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يمكن أن تصنع معروفاً مع غير أهله ويسلم على يدك ، هكذا الإسلام ، هذا هو الدين أنعم به من دين ، يجب أن يقول الناس : فلان أين يحضر مجالس العلم ؟ على قدر ما سروا من معاملتك ، وأخلاقك ، وحيائك ، وعفتك ، وشرفك ، وتواضعك ، وكرمك ، وإنصافك ، وعدالتك ، من أين مأخذ هذا العلم ؟
هذه دعوة إلى الله في السلوك لا في اللسان هذا الذي نحن بحاجة إليه ، حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته.
الأمير عبد القادر الجزائري كان رجلاً من أهل الفضل ، له جار فقير الحال ، عنده بيت عرضه للبيع فدفع له ثلاثون ليرة ذهباً ، فغضب صاحب البيت ، والله لا أبيع جيرة الأمير بمئة ليرة ذهباً ، جاء إنسان وقال للأمير هكذا قال جارك ، قال له : هذه ثلاثون ليرة ذهباً وابقَ جارنا ، وابقَ في بيتك .
حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته ، وإن أصابه خير هنأته ، أخي بيت فلان أين ؟ مرة طرقت بناء بيتاً بيتاً بيت الأستاذ فلان أين ؟ لا أعرف ، فكان في نفس البناء ، هل هؤلاء جوار لا يعرف من فوقه بالضبط ؟ طرقت الباب الذي تحت صاحب البيت لا يعرفه أين .
وإن أصابته مصيبة عزيته ، قديماً يكون رجل معه ضيف أهل الجيرة يلاحظون يقرع الباب صحن طعام ، يوضع على المائدة ستون أو سبعون صحناً من الطعام ، جارنا معه ضيف ، الضيف ينظر ويقول متى طبخ هذا كله ؟ لأن جارنا معه ضيف ، كان إذا لم يصلِّ في المسجد يتفقدونه ، الكل يقرعون عليه الباب ، قال تعالى : ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾
[ سورة مريم: 59]
وقد لقوا هذا الغي ، ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، هذا حق الجار. رأس الدين النصيحة :
يجب أن تعرف حق زوجتك ، وحق أولادك ، وجيرانك ، وأخوانك ، وزبائنك، أخي انصحني أنا في هذا الموضوع لا أعرف ، يوجد عندك شيء لا يباع تقول له : هذه أفضل بضاعة ، والله هذا الذي أخّر المسلمين ، رأس الدين النصيحة ، إذا شعر البائع أن هذا الزبون غشيم يلبسه هموماً وليس بضاعة ويقول : ركبت هذه البيعة ، عند الله لا تركب ، من غش فليس منا ، يقول : هذا ليس مسلماً ، ولو كان عابد صنم لو أنك غششت عابد صنم لحاسبك الله أضعاف ما يحاسبك فيما لو غششت مسلماً ، أنا هكذا فهمت الدين لماذا ؟ لو غششت مسلماً يقول هذا المسلم : فلان سيئ ، أما إذا غششت غير المسلم فيقول : الإسلام سيئ هكذا الدين !! هذا دينكم ، هكذا قال لك الدين .
"... ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "
وفي رواية : " إذا اشتريت فاكهةً فأدي له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "
إذا الإنسان أعطى ابنه في المدرسة هذه القطع الأجنبية التي ثمنها اثنا عشر ليرة، وإذا أراد أن يأكلها أمام رفاقه ألا يشتهوا ؟ والله غلط كبير ، وكان فيها سموم ومواد مؤذية ، ثمنها اثنا عشر ليرة يأكلها ابنك أمام خمسة من رفاقه ، و يوجد واحد ليس مع أبيه اثنا عشر ليرة كل يوم ، أعطاه أبوه ليرة سورية ، وإذا اشتريت فاكهةً فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "
حق الولد على والده :
حق الولد على والده أن يحسن اسمه ، أي هناك أسماء محرجة ، إذا اسم الابن غير جيد سوف يصيبه أزمات نفسية مع أصدقائه في المدارس ، النبي الكريم صلى الله عليه إذا اسم لم يعجبه يبدله من أنت ؟ قال : أنا زيد الخيل ، قال : بل زيد الخير ، من أنت ؟ الحصين بن سلام قال : بل أنت عبد الله بن سلام .
أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك ، إذا كان الأب بإمكانه أن يستر ابنه في بيت صغير ويزوجه على حسابه والله هذا العمل يفوق حج بيت الله الحرام لأنه سوف ينحرف ، من تزوج ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر.
الإمام الكبير عبد الله بن المبارك كان في طريقه إلى الحج رأى في الطريق طفلاً صغيراً ينقب في القمامة حتى عثر على طائرٍ ميت تبعه حتى عرف البيت ، فإذا أسرة فقيرة جداً لا تجد ما تأكل ، وهو الفقيه أعطاها كل ما يملك ، وعاد إلى بلده ولم يحج ، قرأت هذه القصة مجدداً فإذا الناس الذين في الحج رأوه يطوف في البيت ، معنى ذلك أنها كتبت له حجةً تامة.
حق الله على كل مسلم :
وحق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، لأنه إذا لك رائحة طيبة لا تؤذي أحداً ، والماء أطيب الطيب المفقود ، قال الإنسان له رائحة عطرية لا تظهر إلا إذا كان نظيفاً ، أي إذا إنسان وضع يده على جلده وشمه وكان نظيفاً هناك رائحة عطرية ، الله عز وجل خلقه كاملاً لا يوجد عدم رائحة بل رائحة عطرية تفوح من الجلد ، اللهم إن كان هذا الجلد نظيفاً.
حق المسلم على الله :
حق المسلم على الله ، من نكح العفاف عما حرم الله ، قال رجل هذه قصة وقعت لصاحب مكتبة ، يظهر أن فتاة عابثة وأخلاقها سيئة أغرته فتبعها ، وكان شاباً وحاجاً هذا الشاب فقال في نفسه وهو في الطريق : أنا بهذا العمل سوف أضيع حجتي ، عاد إلى المحل وقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في اليوم الثاني جاءه رجل وقور وقال له : أنت متزوج يا بني ؟ قال له : لا يا سيدي ، فقال له : أنا يوجد عندي بنت تناسبك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/05.jpg
هذا اعتقد أنه يوجد بها عيب خطير لأنه عرض ابنته ، فقال له : أرسل أمك لتراها ، فأرسل أمه فقالت له إنها ممتازة ، في اليوم الثاني جاء إلى عنده وقال له : كيف رأيتم ؟ فقال له : ممتازة ولكن أنا لا أملك شيئاً ، فقال له : هذا ليس عملك ، هذا الرجل من وجهاء الحي توسم في هذا الفتى الصلاح زوجه ابنته ، وشاركه في العمل ، والآن هو رجل حي يرزق من كبار التجار ، هذه الثروة الطائلة وهذا الزواج السعيد بسبب كلمة قالها : إني أخاف الله رب العالمين.
أي إذا الشاب أراد أن يتزوج ليعف عن الحرام وانطلاقاً من قوله تعالى :
﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 28]
فحق على الله أن يعينه رغم أزمات السكن العنيفة ، وأزمات المهور الغالية، والأثاث المرتفع الثمن ، رغم كل هذه الأزمات حق على الله عز وجل ، والقضية قضية نية وطلب ، اطلب هذا بقلب صادق فالله سبحانه وتعالى يعينك على هذا الزواج .
حقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو بها ويذكر ذنوبه ويستغفر الله منها ، أي لابد من مجلس خاص مع الله عز وجل ، أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني، لابد من جلسة خاصة مع الله تستغفر ، تذكر ، تناجي ، تسبح ، تهلل ، تقول : أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، تقرأ كلامه ، تناجيه ، تمرغ جبهتك في الأرض ، تسأله ، تستغفره . ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
شهود العشاء والصبح آية بين المسلم و المنافق :
و :
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح ، لا يستطيع أن يستيقظ وقت الفجر هذا فوق طاقته ، طبعاً مضطر من أجل السحور أن تستيقظ ولكن جرب بعد رمضان إن طلبت هذا من الله عز وجل ، يا ربي أيقظني الساعة الرابعة والنصف ، جرب لابد من أن تستيقظ بهذه الدقيقة بالذات ، الله يوقظك ، هذه قال عنها علماء النفس : ساعة الرأس لا تخيب أبداً ، أحياناً الإنسان يضبط الساعة يستيقظ قبل نصف دقيقة ، لو كان استيقظ بعد دقيقة معنى هذا أن الساعة هي التي أيقظته حتى يثبت الله له أنا الذي أيقظتك وليس الساعة ، فالآن رمضان فرصة أن تصلي الصبح حاضراً ولكن بعد رمضان البطولة أن تتابع هذه الفريضة طوال العام ، لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أي أنت الآن طوال هذا النهار في رعاية الله لا يوجد مفاجآت ، ورطات ، تبلي ، مشكلة ، حادث ، رجل دخل يؤذيك وأنت في المحل ويقول لك : هات هويتك ، لأنك أنت اصطلحت مع الله عز وجل صباحاً بينك وبين الله عامرة إذاً يجعلها الله بينك وبين الناس عامرة ، إن كانت خربة بينك وبين الله ستكون بينك وبين الناس خربة ، من أصلح بينه وبين الله أصلح الله بينه وبين الناس . موقف سيدنا ابن العاص من أقباط النصارى في مصر :
موقف واحد لسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أردت أن أذكره لكم ، سيدنا عمرو بن العاص قال مخاطباً أقباط النصارى وكبار أساقفتهم في مصر : إن الله بعث محمداً بالحق وأمره به ، وإنه عليه الصلاة والسلام قد أدى رسالته ومضى بعد أن تركنا على الواضحة - أي الطريق الواضح المستقيم- وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس - أي دعوتهم إلى الإسلام - فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا وعليه ما علينا، هذا منهج المسلمين.
فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا ، وعليه ما علينا ، ومن لم يجبنا إلى الإسلام عرضنا عليه الجزية وبذلنا له الحماية والمنعة ، الجزية مقابل الحماية، معفى من الخدمة الإلزامية لأنه دفع جزية ، هذا إذا بقي الذمي على دينه.
ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا وأوصانا بأهلها خيراً صلى الله عليه وسلم فقال : ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً ، أين هذه القرابة ؟ السيدة هاجر من مصر ، انظر الوفاء ، السيدة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم من مصر، وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء إذاً هذه أمه أم أبيه إذاً لها رحم .
فإن أجبتمونا إلى ما ندعوكم إليه كانت لكم ذمة إلى ذمة ، صار لكم ذمة القرابة وذمة أهل الذمة ، وفرغ عمرو من كلماته فصاح بعصا الأساقفة : إن الرحم الذي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء - على هذا المستوى لا يذكرها إلا نبي -.
قصة إسلام عمرو بن العاص :
سيدنا عمرو بن العاص قضى حياته في مواقف متعددة يروي لنا الآن كيف أسلم؟ سأل عاهل الحبشة عمرو كيف لم تؤمن به وتتبعه وهو رسول الله حقاً ؟ قال له : يا عمرو كيف لم تؤمن به ؟ وسأل عمرو النجاشي قائلاً أهو كذلك ؟ أكيد رسول ؟ فأجابه النجاشي : نعم فأطعني يا عمرو واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه ، سيدنا عمرو بن العاص كان إسلامه على يد النجاشي ، النجاشي لما أسلم النبي الكريم أكبر إسلامه جداً فلما جاءه وفد النجاشي أبى إلا أن يخدمهم بنفسه صلى الله عليه وسلم إكراماً للنجاشي فلما مات صلى عليه صلاة الغائب.
وركب عمرو البحر من فوره عائداً إلى بلاده ميمناً وجه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين ، وفق الطريق المفضية إلى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادماً من مكة ساعياً هو الآخر إلى النبي الكريم ليبايعه ، ولم يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه : لقد رمتكم مكة بفلذات أكبادها ، وتقدم خالد فبايع ، ثم تقدم عمرو فقال : يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدم من ذنبي ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام : يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله ، هذه لنا تب إلى الله توبةً نصوحة إن الإسلام يجب ما كان قبله.
ذكاء عمرو بن العاص :
كان سيدنا عمرو ذكي جداً ، كان آية في الذكاء ، يقولون إن سيدنا معاوية قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك ؟ قال له : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال له : لست بداهية أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، ومع ذلك يعد سيدنا عمرو داهية فكان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا رأى إنساناً جاهلاً أبله ضعيف الذكاء كان يقول : سبحان الله ! إن خالق هذا وخالق عمرو إله واحد أي شتان بين الاثنين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4626/ar-4626/06.jpg
يروى أنه في ساعات الرحيل استعرض حياته فقال : كنت أول أمري كافراً وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مت يومئذٍ لوجبت لي النار ، هذه ساعة الوفاة ، ثم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان في الناس أحد أحب إليه منه ، ولا أجل في عيني منه، ولو سئلت أن أنعته ما قدرت لأني لم أقدر أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، تصوروا سيدنا عمرو لو سئل أن يصف النبي الكريم لما استطاع لماذا ؟ لأنه ما كان يستطيع أن يملأ عينيه منه إجلالاً له ، فقال : فلو مت يومئذٍ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم بليت بعد هذا بالسلطان وبأشياء لا أدري أهي لي أم علي - أي اجتهد اجتهادات لا يدري أكان مصيباً بها أم كان مخطئاً - ثم رفع بصره إلى السماء في ضراعة مناجياً ربه الرحيم العظيم قائلاً : "اللهم لا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر وإن لم تدركني رحمتك أكن من الهالكين" .
أي الإنسان يجب أن يعرف قدر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، الحياة كلها مواقف ، وقف موقفاً مشرفاً وأخلاقياً يسعد به إلى الأبد ، وكل شيء ما سوى الأخلاق ماض، ماذا أكلنا وماذا شربنا وأين سكنا وكيف تاجرنا وكم ربحنا ؟ هذا ليس لك وليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، وما سوى ذلك ليس لك .
أحد أثرياء مصر الكبار توفي فله أهل في بحبوحة كبيرة سألوا رجلاً عتالاً حمال حطب أن أنزل معه إلى القبر وخذ عشرة آلاف جنيه و آنسه ، فقال : عندما نزل إلى القبر جاء الملكان رأيا إنساناً ممدداً وإنساناً يتحرك ، فقال الملكان : لنبدأ بهذا الذي يتحرك فحزم نفسه بحبلة ، فقالوا له : هذه الحبل من أين جئت بها وكم دفعت ثمنها وممن اشتريتها ؟ يا أخي على هذه الحبلة خمسون سؤالاً ، فخرج فزعاً وقال : أعان الله والدكم ، هو على الحبل لم يتحمل والبطولة بعد الموت ، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله ، لا تقول أنا غني ولا فقير.
((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه و هو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه و هو لها مكرم ، ألا يا رب متخوض و متنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق))

السعيد
09-10-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الثلاثون )


الموضوع : احكام الاذان والاقامة - فضل قراءة القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأذان والإقامة سنةٌ مؤكدةٌ :
أيها الأخوة المؤمنون، أنهينا موضوع الصيام وموضوع الزكاة وكانا موضوعين مناسبين لشهر الصيام، وكنا قد بدأنا قبل رمضان بموضوعات في الفقه عن الصلاة والطهارة والوضوء وما شابه ذلك، وها نحن أولاً نتابع هذا الموضوع اليوم عن الأذان، فالأذان والإقامة سنةٌ، وهما سنةٌ مؤكدةٌ، إذ يوجد سنة مؤكدة داوم عليها عليه الصلاة والسلام كالفرائض ولو منفرداً، فإذا سمع الإنسان الأذان وكان في البرية أو في الخلاء وأراد أن يصلي وحده سنّ له أن يؤذن أداءً وقضاءً، فلو صليت فرض الظهر في وقته أو إن صليته قضاءً يسن لك الأذان، .الأذان جماعةً ومنفرداً، أداءً وقضاءً، سفراً أو حضراً، ست حالات للرجال، وكره للنساء
التمهل بالأذان و الإسراع بالإقامة :
ويكبر المؤذن في أوله أربعاً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ويسن تكبير آخره، وآخره يكبر تكبيرتين فقط، فأربع تكبيرات في أول الأذان وتكبيرتان في آخره كباقي ألفاظه، فألفاظه كلها مثنى مثنى، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، والإقامة مثله تماماً ويزيد بعد فلاح الفجر الصلاة خير من النوم، وبعد فلاح الإقامة قد قامت الصلاة، وعلى المؤذن أن يتمهل في الأذان ويسرع في الإقامة، ويستحسن أن يكون المؤذن صالحاً، عالماً بالسنة وأوقات الصلاة، وعلى وضوء مستقبل القبلة إلا أن يكون راكباً يصلي صلاة الخوف فلا يشترط في هذه الحالة أن يستقبل القبلة، لأن :" قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المسافر جهة دابته ".
وأن يحول وجهه يميناً بالصلاة ويساراً بالفلاح، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة، جرى خلاف أنه بين أذان الفجر والصلاة نصف ساعة لأن النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم كان يسفر أي إلى أن تسفر الوجوه، أي إلى أن تبدو ملامح الوجوه، وكان يبرد في صلاة الظهيرة إن كان الحر شديداً، فصلاة الظهر بعد الأذان بنصف ساعة، وكذلك العصر، أما صلاة المغرب والعشاء فبعد الأذان بخمس دقائق، وهذا الترتيب مأخوذ من السنة، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة مع مراعاة الوقت المستحب.
بعض أحكام الأذان :
والملاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب من المؤذن أن يقيم الصلاة هو نفسه، فإذا كان المؤذن على المئذنة ونسيناه وأقمنا الصلاة فهذا ليس وفاء، فضماناً لحضوره معنا نقول: الذي أذن هو الذي يقيم الصلاة، ويستحب أن يقول المؤذن قبل الصلاة: الصلاة الصلاة، ويكره التلحين في الأذان، وإقامة المحدث وأذانه - فإذا كان غير متوضئ لا يجوز أن يؤذن ولا يقيم الصلاة - وكذلك أذان الجنب، فغير المتوضئ حدث أصغر وغير الطاهر الجنب حدث أكبر، وكذلك الصبي الذي لا يعقل، و المجنون، و السكران، وأذان المرأة مرفوض كما قلنا، و الفاسق، و القاعد، فلا يؤذن قاعداً، والكلام خلال الأذان والإقامة يكره، وإذا أردت السنة المطهرة فسمعت المؤذن فاسكت، ويستحب إعادته دون الإقامة، أي وإذا جرى حديث أثناء الأذان فيجب أن يعاد الأذان، وإذا كنا في سفر أو في نزهة وقلنا لأحدنا: قم فأذن فلا ينبغي لأحد أن يتكلم، فإذا تكلمنا فيجب أن يعاد الأذان، ولا تعاد الإقامة، ويكره الأذان لظهر يوم الجمعة في المصر، فأناس فاتتهم الجمعة فأذنوا ليصلوا الظهر هذا الأذان مكروه لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، وهذا مما يشوش على المسلمين، وقد يؤذن للفائت، إذا إنسان فاتته صلاة في غير وقتها يستحب أن يؤذن لهذه الصلاة ويقيم أيضاً، وبعضهم قال: لأولى الفوائت، لو نوى أن يصلي مجموعة صلوات فاتته يؤذن ويقيم لأول فائتة، وكره ترك الإقامة دون الأذان، أي أذان وإقامة، ولكن أحدنا إذا سمع المؤذن انتهى الأمر، وهذا الكلام إذا كان أحدكم يجلس في البرية، أو في الريف، في مكان لا يوجد فيه مسجد، أما إذا كان في بيته وسمع الأذان من مجموعة مآذن فبقي عليه الإقامة فقط، وإذا قام المصلي يقيم الصلاة.
ما يقوله المسلم عند سماع الأذان :
والآن المسلم إذا سمع الأذان ماذا يقول؟ أول شيء أمسك اسكت وقل مثل قوله، فإذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، يردد معه المستمع أشهد أن لا إله إلا الله، وإن قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله يردد معه المستمع طبعاً بصوت منخفض أشهد أن محمداً رسول الله، أما إذا قال: حي على الصلاة، يقولون: إعادة الأمر استهزاء، إذا أحد أمرك بأمر وأنت أعدته له مرة ثانية هذا استهزاء، ففي قول المؤذن: حي على الصلاة تقول أنت: لا حول ولا قوة إلا بالله، حوقل أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحل أي قال: سبحان الله، دمعز قال: أدام الله عزك، بسمل قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كبر قال: الله أكبر، هلل قال: الله أكبر، حي على قال: حي على الصلاة، إذا سمع المسلم الأذان المسنون أمسك وقال مثله، وحوقل في الحي علتين، إذا إنسان أراد أن يقرأ بمفرده يقول: ما معنى حوقل في الحي علتين؟ أي في حي على الصلاة يحوقل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي حي على الفلاح يحوقل ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويستحب أن يقول المسلم مع المؤذن صدقت وبررت، وله أن يقول هذا أيضاً عند قوله الصلاة خير من النوم، ويستحب لمن يقيم الصلاة أن يقول: "اللهــم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته".
والآن قبل أن يصلي الإمام يقرأ هذا الدعاء، وهذه بعض أحكام الأذان وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى شروط الصلاة وأركانها.

السعيد
09-10-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : احكام الصلاة : الفرائض-احاديث فى ذم تلاوة الغافلين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الصلاة فرضيتها و أسبابها :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا في دروس سابقة عن الأذان، وعن موضوعات متممة، وها نحن أولاً نبدأ بموضوع الصلاة، يشترط لفرضيتها ثلاثة أمور: الإسلام والبلوغ والعقل، ولكن الأولاد قبل أن يبلغوا وقبل أن يعقلوا يؤمرون بها بسبع سنين، ويضربون على تركها بعشر سنين، ولكن الفقهاء نصوا على أن الضرب بيد لا بخشبة، بالخشبة تعقده، وأسبابها وأوقاتها: فما الذي يسبب فرض الصلاة؟ دخول الوقت، والصلاة تجب بأول الوقت لكن وجوباً موسعاً، ما معنى وجوباً موسعاً؟ أي أنت إذا كنت في حرج شديد فيمكن أن تصلي الظهر بعد نصف ساعة، فالوجوب ليس مضيقاً بل موسع، ولكن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة أذهب الله البركة من عمره.أوقات الصلاة :
ووجوب الصلاة وجوبٌ موسع، والأوقات خمسة: وقت الصبح من طلوع الفجر الصادق - الفجر الكاذب طولي أما الصادق فعرضي - إلى قبيل طلوع الشمس، وقبيل اسم مصغر وهذا تصغير تقريب، ووقت الظهر من زوال الشمس أي إذا كانت الشمس في كبد السماء تماماً، فإذا تحولت عن كبد السماء فقد زالت، من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثليه أو مثله، تسمعون أحياناً أن هناك عصر أول وعصر ثانٍ، والعلماء على خلاف بين أن يكون ظل الشيء مثله العصر الأول، وظل الشمس مثليه العصر الثاني، ولذلك فالأحوط أن تصلي الظهر قبل أن يصبح ظل الشمس مثله، فإذا دخلت بين المثل والمثلين دخلت في الشبهة، والأحوط أيضاً أن تصلي العصر بعد أن يكون ظل الشمس مثليه، أي بين المثل الأول والمثل الثاني لا ظهر ولا عصر يمكن أن تصلي، وقبل أن يكون ظل الشيء مثله هذا وقت الظهر، وبعد أن يكون ظل الشيء مثليه هذا وقت العصر.
ووقت العصر من ابتداء الزيادة على المثل أو المثلين والأحوط المثلين إلى غروب الشمس، والمغرب منه أي من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر، وهذا هو العشاء.
لكن بالمناسبة تقول: إن الشفق الأحمر غاب لأقوم وأصلي العشاء، لا أنت مسلم في بلد إسلامي، وهناك نظام وتقويم وأذان ومساجد، فإذا خالفت الجماعة اتهمت اتهامات خطيرة، والآن أنت لا علاقة لك بغروب الشفق الأحمر، علاقتك بأذان العشاء، لكن إذا كنت في فلاة أي في مكان ليس فيه أذان، فيجب أن تعلم أن وقت العشاء دخل أو لم يدخل، هذا لكي تكون على علم، أما إذا كنت في الحضر ففي المدن مواقيت الصلوات في التقاويم، وفي الأذان الذي تسمعه هو الحكم، أما إذا سافرت إلى أوربا فلا يوجد أذان بضاحية لمدينة، ولا يوجد مساجد، فيجب أن تعلم أن غياب الشفق الأحمر يعني ذلك أن وقت العشاء قد دخل.
والعشاء والوتر من غروب الشفق الأحمر إلى الصبح، ولا يقدم الوتر على العشاء فيجب أن تراعي الترتيب، ولا يجمع على المذهب الحنفي بين فرضين في وقت بعذر إلا في عرفة للحاج بشرط الإمام الأعظم والإحرام، هذا رأي الإمام أبي حنيفة، ولكن الإمام الشافعي يجيز أن تجمع في الضرورات وفي السفر بين وقتين جمع تقديم أو جمع تأخير، ويستحب الإسفار بالفجر للرجال، أي أن تكون الصلاة بعد نصف ساعة من أذان الفجر، وهذا الوقت اسمه وقت الإسفار، فالوجوه تتضح، والعبارة المشهورة: تتعارف الوجوه، لو ألقيت على أخيك نظرةً عرفته وهذا قبل الكهرباء، أما الآن فإذا دخلت إلى المسجد تعرفه، أخي عرفنا بعضنا والإضاءة موجودة، ولو رأيته على الضوء الاعتيادي على ظلمة الليل لا تعرفه، أما بعد الفجر بنصف ساعة فتتعارف الوجوه، والسنة أن يصلى الفجر بعد أذان الفجر بوقت كاف كي تتعارف به الوجوه، والجوامع تقريباً جرت على أن يكون بين أذان الفجر وبين الصلاة نصف ساعة، ولكن إذا كنت مسافراً ودخلت إلى مسجد فبإمكانك أن تصلي الفجر بعد الأذان مباشرةً، وإذا كنت مسافراً ووصلت إلى حمص مع أذان الفجر وأنت بحاجة إلى وقت نقول لك: صلِّ الفجر مع الأذان، أما إذا كنت في حيك وفي جماعة فالأولى أن يصلى الفجر بعد مضي نصف ساعة من أذان الفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، حيث يكون الحر شديداً أيضاً من السنة أن نؤخر صلاة الظهر أيضاً نصف ساعة كي تخف حدة الحر، وتعجيله في الشتاء، وفي الشتاء ربع ساعة، إلا يوم غيم فيؤخر به احتياطاً، وتأخير العصر جائز ما لم تتغير الشمس، الشمس بيضاء ساطعة لكن بعد العصر يتغير لون الشمس من اللون الأبيض إلى اللون البرتقالي، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيله في وقت الغيم احتياطاً، وتعجيل المغرب من السنة لأن المغرب غريب كما يقولون، إلا في يوم غيم فيؤخر قليلاً لعل الشمس لم تغب بعد.
ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات :
والآن بموضوع الساعات فالموضوع بالآذان محلول تقريباً، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل، أي العشاء بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً مكروهاً أما الوتر فيمكن أن تصليه قبل صلاة الفجر بخمس دقائق، وتأخير الوتر إلى آخر الليل إذا لم يثق الإنسان بالانتباه، أي إن لم يستيقظ قبل الفجر فلا عليه أن يؤخر صلاة الوتر.
ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا في الحاضر، أنت مثلاً لم تصلِّ العصر فنظرت فإذا الشمس على وشك أن تغيب ماذا تفعل؟ نقول لك: صلّ العصر، إذا كان عليك عصر سابق فلا يصلى في الأوقات المكروهة - الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا ينبغي أن تصلى في الأوقات المكروهة - ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها، عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع مقدار رمحين أي كصلاة العيد تقريباً، ويمكن أن تصلي بعدها، وعند استواء الشمس في كبد السماء إلى أن تزول، أي الشمس في كبد السماء تماماً إلى أن تنحرف عن كبد السماء، وهذا الوقت مكروه، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، ثلاثة أوقات مكروهة، ويصح أداء ما وجب فيها مع الكراهية، والعصر ما صليته تصليه في وقت ولو كان قبل غروب الشمس بخمس دقائق يجب أن تصليه هذا ما وجب، أما ما لزم في الذمة مع الكراهة كجنازة حضرت، وسجود آية تلوت، لكن النبي الكريم نهى أن يصلى على جنازة في هذه الأوقات الثلاث المكروهة مع أن دفن الميت في هذه الأوقات غير مكروه، لو إنسان دفن ميتاً قبل غروب الشمس بدقيقة فغير مكروه، وصلاة الجنازة في هذه الأوقات المكروهة مكروهة، وفي هذه الأوقات الثلاث تكره فيها النافلة كراهة تحريم، فمثلاً تحية المسجد هذه نافلة، لا ينبغي أن تصليها في هذه الأوقات الثلاث.
متى يكره التنفل ؟
ويكره التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنته، ركعتا الفجر فقط ولكن بعد صلاته يكره التنفل مطلقاً، وبعد صلاة العصر يكره التنفل، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إذا صعد المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وعند الإقامة إلا في حالة خاصة سنة الفجر دخلت إلى المسجد، وتقام صلاة الفرض، والإمام يقرأ ويطيل، وأنت متأكد من هذا، فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، صلّ ركعتي الفجر ولو أن المؤذن يقيم للصلاة، ولو أن الإمام شرع بالصلاة، وقبل صلاة العيد يكره التنفل، ولو في المسجد، وبعد صلاة العيد يكره التنفل ولو في المسجد، وبين الجمعين، جمع عرفة وجمع مزدلفة، وعند ضيق وقت المكتوبة أي الشمس بدأت تصفر قبل أن تصلي النفل صلّ الفرض، وعند مدافعة الأخبثين، طالما أنك متضايق تريد أن تصلي ما هذه الصلاة؟ وحضور طعام تحبه النفس، يشتهي أن يأكل، جاء إلى البيت يريد أن يصلي نقول له: قم وكل ثم صلّ، وما يشغل البال، جاءته رسالة من ابنه يا ترى هل أرسل لي الحوالة أم لا ؟ نجح أم لا؟ نقول له: افتحها واقرأها وقم وصلّ، اشترى آلة يريد أن يعرف كيف تستعمل، افتحها و اعرف كيف تعمل وقم وصل، كل شيء يشغلك عن الصلاة وما يشغل البال ويخل بالخشوع، طبعاً هذا تقديم للصلاة، وسوف يأتي موضوع الصلاة بشكل تفصيلي إن شاء الله في دروس قادمة.

السعيد
09-10-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )


الموضوع : شروط الصلاة :الاداب الظاهرة لتلاوة القران الكريم -

الترتيل - الاستعاذة - مقدار القراءة - مواضيه الجهر و الاسراء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط الصلاة :
1 ـ الطهارة من الحدث و طهارة المكان و الثوب و الجسد و ستر العورة :
أيها الأخوة المؤمنون، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، هذا الكتاب "مراقي الفلاح" سبق أن درسته كله في هذا المسجد، ونظراً لأهمية موضوعاته؛ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وهذه عبادات الإسلام، والصلاة عماد الدين، نعيده ثانية.
نحن الآن في شروط الصلاة، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، أولاً: الطهارة من الحدث، وكلكم يعلم الحدث الأصغر يطهر بالوضوء، والحدث الأكبر وهي الجنابة تطهر بالغسل، وكذلك الحيض والنفاس، فإذا قال الفقهاء: الطهارة من الحدث شرط للصلاة، أي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر والحيض والنفاس، وطهارة الجسد والثوب والمكان.
لا تكفي الطهارة من الحدث فلابد من طهارة المكان الذي تصلي به وعليه، ولابد من طهارة الثوب، ولابد من طهارة الجسد، هذه الطهارة من نجس غير معفو عنه، إذ يوجد نجس معفو عنه، قليل بالحجم الصغير الجاف، فهذا معفو عنه، وهناك نجس غير معفو عنه ولابد من تطهيره، ولا سيما في طهارة المكان، موضع القدمين واليدين والركبتين والجبهة في الأصح.
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ))
[ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
وستر العورة، العورة تقسم على طريقتين، يجب أن يستر لونها، ويجب أن يستر حجمها، فالثياب الضيقة التي تصف حجم العضو تماماً وهذا ما يسمح له أهل الأزياء في العصر الحديث، فهذه تصف حجم العورة تماماً، ولو أن الثياب ثخينة لا تصف لونها، إذا قلنا: ستر العورة فالمعني بستر العورة ستر لونها وحجمها، ولذلك فالثياب الفضفاضة. فهذا الثوب الذي يلبسه المصلون في الصلاة إن كان تحته بنطال أيضاً فهو أصح أنواع الثياب في الصلاة لأنه فضفاض ولا يصف حجم العورة ولا لونها.2 ـ استقبال القبلة :
ومن شروط الصلاة أيضاً استقبال القبلة، لكن استقبال القبلة على أنواع؛ المكي الذي يصلي وسط المسجد الحرام يجب أن تقع عينه عليها بالذات وهذا استقبال القبلة، يصلي ولا تقع عينه عليها نقول لهذا المصلي في المسجد الحرام: أنت لست مستقبلاً القبلة، فإن كان مكياً أي هناك حاجز يمنعه عن الكعبة يمكن أن يتجه إلى عينها، فللمكي المشاهد فرضه إصابة عينها، ولغير المشاهد جهتها ولو بمكة.
3 ـ دخول الوقت :
والآن دخول الوقت، فالشرط الثالث دخول الوقت، يقول العلماء: دخول الوقت هو سبب الصلاة، ويقول رجل: أنا أريد أن أسافر فسوف أصلي قبل ربع ساعة من الأذان، وهذه الصلاة غير صحيحة إذ لم يدخل وقتها، فإذا كنت شافعياً وجمعت جمع تقديم أو جمع تأخير فهذا بحث ثان، أما إذا كنت تصلي الصلاة في بلدك فلابد من دخول الوقت، بالمناسبة ودخول الوقت ليس كما تريد، وأنت في مجتمع مسلم إذ يوجد مآذن وجوامع وتقاويم، ويقول لنا: غاب الشفق الأحمر سوف أصلي العشاء، لا هذا ليس من اختصاصك إلى أن يؤذن العشاء، وهناك بلاد مثل مضايا وبقين في غربها جبل فغياب قرص الشمس لا يعني الغروب، فبعد غياب قرص الشمس بربع ساعة يؤذن المغرب، لأنه يوجد جبل مرتفع، وأحياناً في المدن الساحلية يكون هناك غيماً كثيفاً وكأنه جبل فيغيب قرص الشمس قبل ربع ساعة، ويوجد ظروف معينة، ولست في مستوى أن تقول: الآن الشمس غابت، وأنا سوف أصلي المغرب، إلا إذا كنت مسافراً في طريق صحراوي غير آهل بالسكان، عندئذ تعود إلى مواقيت الصلوات بحسب ما درسنا في هذا المسجد.
ولكن اعتقاد دخوله شرط آخر، فإذا كان الإنسان ليس متأكداً من دخول الوقت، فهذه عبادة مشكوك بها، وهذا الشك يفسد العبادة، فصار عندنا شرطان دخول الوقت شرط واعتقاد دخوله شرط آخر، ويجب أن تعتقد جازماً بأن الوقت قد دخل، ولذلك دائماً يكون هناك احتياط دقائق حتى يكون دخول الوقت حتمياً وفعلياً.
4 ـ النية والنطق بالتحريمة :
النية، نويت أن أصلي ثلاث ركعات فرض المغرب حاضراً، إماماً مقتدياً، ولابد من التحريمة، من تكبيرة الإحرام بلا فاصل بين النية والتحريمة، تنوي المغرب أحضروا لي كأس شاي، بعد أن شربتها الله أكبر، لابد من أن تكون النية والتحريمة بلا فاصل بينهما.
والآن الإنسان أحياناً يدخل إلى المسجد فيرى الإمام يصلي ركع الإمام وهو في آخر المسجد يركض ويركع ويقول: الله أكبر، وقد أتى تكبيرة الإحرام منحنياً، فالصلاة فاسدة، ولابد من أن تأتي تكبيرة الإحرام قائماً، وأن تأخذ وضعاً منحنياً الله أكبر هذه لم ترد، وكثيراً ما يفعلها المصلون، والإتيان بالتحريمة قائماً قبل انحنائه للركوع، وعدم تأخير النية عن التحريمة، لا تكون النية بعد التحريم، ولا تكون النية بعد التحريمة، الله أكبر نويت أن أصلي أربع ركع، لا يصح ذلك، لأن النية قبل التحريمة.
والنطق بالتحريمة بحيث يسمع نفسه على الأقل، ولابد من أن تلفظ بها لكن يوجد شخص أحياناً يصلي، ويكون هناك مجلس علم فيقول: الله أكبر بصوت مرتفع، هذه قلة ملاحظة يمكن أن تسمع نفسك، لابد من التلفظ بتكبيرة الإحرام، ولا بد من نية متابعة المقتدي إذا نويت أن تصلي ثلاث ركعات فرض المغرب مقتدياً، إذا كنت مقتدياً فيجب أن تذكر بالنية الاقتداء، وإن كنت إماماً فيجب أن تذكر بالنية أنك إمام.
5 ـ تعيين الفرض :
وتعيين الفرض، إنسان يريد أن يصلي الظهر فينوي صلاة السنة، وهو في الركعة الثالثة رأى أنه سوف يؤذن العصر فقلبها إلى فرض، فهذه لا تصح لأنه نوى السنة فهي سنة، فإذا نوى فرضاً فهو فرض، ولابد من تعيين نوع الصلاة، فرضاً واجباً، العلماء قالوا: لابد من تعيين الفرض، وتعيين الواجب، الفرض معروف فالصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والواجب العيدان والجنازة والوتر، فهذه صلوات لابد من تعيينها، نويت أن أصلي ركعتي العيد، عيد الفطر، ولا يشترط التعيين في النفل، رجل قام ليصلي قيام الليل، بالنفل لا يوجد تعيين، التعيين بالفرض وبالواجب.
6 ـ القيام في غير النفل :
القيام في غير النفل، رجل يصلي الفرض على القاعد من غير عذر لا يجوز، عذر مقبول، أو عذر كافٍ، التهاب بالمفصل، أما أنا متعب، جئت إلى البيت الساعة الثانية بعد منتصف الليل فصليت و أنت جالس لا يجوز، أما السنة فيمكن لك أن تصليها قاعداً لا الفرض.
والقيام في غير النفل، طبعاً القيام إذا كان صحيحاً، أما إذا كان عنده مرض أو عذر صحي فيجوز أن يصلي الفرض قاعداً.
7 ـ قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل :
قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل، فإذا صلى الإنسان أربع ركعات سنة الظهر، يجب أن يقرأ مع الفاتحة سورةً قصيرةً أو ثلاث آيات في كل ركعة من ركعات النفل، وأربع ركعات قبل العصر في كل ركعة من ركعات النفل يجب قراءة شيء من القرآن، ومعنى القراءة رجل يقف ويصلي مفرداً ولا يوجد حركة في شفاهه، فهذه ليست صلاة، ولابد من أن تقرأ، وأن تسمع نفسك على حد أدنى، ولو آية في ركعتي الفرض.
وقد قالوا - الم - لا تكفي هذه آية - كهيعص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - آية، إمام صلى التراويح فقرأ مدهامتان، فقال له المصلي: لقد أطلت الصلاة يا أخي، فقال له: قرأنا آية واحدة، فقال: اقرأ مدهامة واحدة لا اثنتين.
فالصلاة غير جائزة أن تقرأ - الم - كهيعيص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - لا تكفي ولابد من آيتين جملة تفيد المعنى، قال تعالى:
﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
8 ـ قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع :
لابد من قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع، لكن بعض العلماء قالوا: هذا شرط جائز، لماذا؟ لأن المقتدي لا يقرأ، وقراءة الإمام قراءة للمقتدي، ورجل آخر دخل إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً فتبعه، وكبر تكبيرة الإحرام، وركع وأدرك معه تسبيحة، ركعته صحيحة، وإن لم يقرأ بها شيئاً كتبت له ركعة مع أنه لم يقرأ ولم يسمع، لذلك قالوا: قراءة القرآن شرط، وعند بعض العلماء شرط جائز، لأنه يمكن أن تعد لك ركعة ركعتها من دون أن تقرأ فيها، أو أنك سمعت الإمام يقرأ فقراءته قراءة لك.
9 ـ عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة :
عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة، ولكن العلماء قالوا: إن حفظ القرآن كله فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن الحزب هو الحد الأدنى من القرآن، والحد الأدنى الفاتحة والمعوذتان والعصر والكوثر والقارعة وعدد من السور القصيرة، تكون هذه السور حداً أدنى، وربنا عز وجل أعطاك درساً، مرة إذا زلزلت، ومرة والعصر، ومرة القارعة، ومرة ويل لكل همزة، وتبت يد أبي لهب، وأنا الذي أراه أن جزء عم يجب أن يحفظه جميع الناس، وهو الحد الأدنى لأنه كله عن الإيمان بالله عز وجل والقرآن له مختصر، واختصاره جزء عم.
ومن قرأ الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن كله، وقد يقول شخص: اقرأ لي ختمة على روح الوالدة وهذه مئة ليرة، يقول له: نعم، يقرأ الإخلاص ثلاث مرات ويأخذ مئة ليرة، وفي هذه السورة حديث عن ذات الله، وهناك حديث عن خلقه، وهناك حديث عن شرعه، فالنبي عندما قال: الإخلاص ثلث القرآن معنى ذلك أن ثلثه فيه حديث عن أسماء الله الحسنى، فالإخلاص جمعت قل هو الله أحد الله الصمد، وليس معنى هذا أنك إذا قرأتها ثلاث مرات قرأت القرآن كله، فهذا فهم خاطئ.
10 ـ لا يقرأ المؤتم بل يستمع :
ولا يقرأ المؤتم، بل يستمع، ونحن ندرس المذهب الحنفي، والنبي الكريم مرة أثناء الصلاة عليه الصلاة والسلام سمع أحداً خلفه يقرأ القرآن.
((عَنْ أَبــِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقـَالَ، هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا، قَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقـــُرْآنَ، قَالَ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ ))
[ابن كثيرعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي حصل تشويش، فالمذهب الحنفي يقول: على المؤتم أن يستمع وينصت، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 204]
وإن قرأ كره تحريماً عند الإمام الحنفي، ولكن هذا الموضوع لو توسعنا به قليلاً، لو أن إنساناً يصلي في مسجد كبير، وفجأةً انقطعت الكهرباء، وانقطع مع الكهرباء صوت الإمام، فهل نقول له: أنت حنفي ابق واقفاً هكذا لا حركة ولا سكنة ولا قراءة؟ لا، بل نقول له: اقرأ، على المذهب الشافعي يجب أن تقرأ، ولكن إذا كان واقفاً وراء الإمام وصوت الإمام مسموع بشكل واضح هل تقرأ معه؟ لا، وكلهم من رسول الله ملتمس، رسول الله مرة قرأ ومرة لم يقرأ، والإمام الشافعي أخذ من الرسول، فهذه المذاهب متكاملة وليست متناقضة، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، ولما يسمع الإنسان الإمام بصوت واضح يستمع، وهذا اسمه التقليد، والتقليد في المذاهب مقبول، أما التلفيق فمرفوض، أخي أي مذهب لا يوجد على حلي النساء زكاة؟ أي مذهب ثلاث طلقات بطلقة واحدة؟ ابن تيمية، أنا على ابن تيمية، سموه العلماء التلفيــق، تصيد الرخص، يريد أن يرتاح، أما التقليد فمقبول، رجل لامست يده يد زوجته وكأنها مست قطعة أثاث، إذا أحب ألا يتوضأ على المذهب الحنفي لا يوجد مانع، هو شافعي ومست يده يد زوجته وكأن مسح قطعة أثاث فأحب أن يقلد الإمام الحنفي ولا يتوضأ فلا مانع، وإذا كان حنفياً ومست يده يد زوجته وحصل شيء يذهب ويتوضأ ويقلد الإمام الشافعي، قال بعضهم: إن أي عبادةٍ وافقت أحد المذاهب فهي صحيحة عن علم أو عن غير علم، رجل لامست يده يد زوجته ولم يتوضأ، وهو لا يعلم نفسه أحنفي أم شافعي، ولم يتوضأ طالما وافقت المذهب الحنفــي صحيحة، وهذه توسعة على الناس، ولذلك التقليد مقبول والتلفيق مرفوض، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، واختلافهم ليس اختلاف تناقضٍ بل اختلاف سعة وتنوع.اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة :
سبحان الله اختلاف الأئمة الأربعة يسع كل الحالات، فالإمام الحنفي أبو حنيفة رضي الله عنه كان في المدينة فقال: الزكاة نقداً، والإمام الشافعي كان في بر مصر فقال: الزكاة عيناً، قمح، كلاهما على حق، حتى إن بعضهم قال: لو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاش في بيئة الإمام الشافعي لحكم كحكم الشافعي، ولو أن الإمام الشافعي عاش في بيئة أبي حنيفة لحكم بحكمه، والآن نحن في المدينة قل لرجل: أنا أريد أن أعطيك زكاة مالي كيس قمح، فماذا يفعل به؟ يحتاج إلى أدوات نقل، أين يطحنه؟ وأين يخبزه؟ فهذا أعطاه هماً، إذا أعطاه مئتي ليرة يحل بها مشكلاته، أما رجل يسكن في الريف، فالطاحونة جاهزة، والتنور جاهز، تعطيه كيس قمح يقول لك: أفضل من ألف ليرة، المال ليس له قيمة ولا يوجد أحد يبيعه شيئاً، وفي البادية كيس قمح أفضل من ألف ليرة، ولذلك اختلاف المذاهب أحياناً ترى رجلاً منحرف الأخلاق، وله أهل فقراء، والآن نحن نقلد الإمام الشافعي ونعطيه الزكاة عيناً، سكراً أو رزاً أو زيتاً، هذه زكاة، الزوج: إذا كان رب البيت في الطبل ضارباً، يوم في الشرق ويوم في الغرب، وأولاده فقراء جائعون، أما إذا كان أباً حكيماً صالحاً، فالمال يحل به ألف مشكلة، على العيد ينقصه مال لأولاده، ويحتاج إلى محافظ لأولاده على المدارس، وحاجات كثيرة بخمسمئة ليرة يحل بها مشكلات كثيرة، أعطه كيس رز يسوس عنده في البيت، أعطه خمسمئة ليرة أفضل له، لذلك اختلاف المذاهب رحمة.
ولا يقرأ المؤتم بل يستمع وينصت، وإن قرأ كره تحريماً.
11 ـ الركوع والسجود على ما يجد حجمه وتستقر عليه جبهته :
الركوع والسجود على ما يجد حجمه، وتستقر عليه جبهته، ولو على كفه أو طرف ثوبه إن طهر، وسجد وجوباً بما من أنفه وجبهته، الأنف والجبهة، الأنف وحده لا يجوز، والجبهة وحدها لا تجوز، ولا يصح الاقتصار على الأنف إلا من عذر، رجل أجرى عملية في أنفه، وأنفه مضمد أو لكم على أنفه، وأنفه متهشم فيمكن على الجبهة إذا كان هناك عذراً.12 ـ عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع :
عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع، يجلس في صحن المسجد وله درجة عالية جلس على الصحن وسجد على الدرجة لا يجوز، لابد من أن يكون مستوى السجود مع مستوى القعود، وإن زاد عن نصف ذراع لم يجز السجود إلا في زحمة المسجد، أو أثناء الحج، في حالات نادرة قصوى يحصل السجود على ظهر الذي أمامك، وهذه لابد منها.
13 ـ تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود :
تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود، يجب أن يسجد ويرفع إلى القعود ثم يسجد، رفعة صغيرة هذه لا تكفي، والرفع من السجود إلى قرب القعود على الصح والعود إلى السجود مرة ثانية، والقعود الأخير قدر التشهد وتأخيره على الأركان، أي القعود الأخير يجب أن يكون أخيراً.
وأداؤها مستيقظاً، ومعرفة كيفية الصلاة شرط لها، تدريس هذه المعلومات أحد شروط الصلاة.
الركن و الشرط :
أما من هذا الذي ذكرناه جميعاً هذه شروط وداخلها يوجد أركان، الأركان أربعة القيام والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير وبعضهم قال: خمسة، القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير هذه أركان الصلاة، والباقي شروط الصلاة، وهذه الشروط بعضها لصحة الشروع بالصلاة، استقبال القبلة والطهارة، طهارة الجسد من الحدث والمكان والثوب، وبعضها لصحة دوامها، لكن الشيء الذي يجذب النظر أن تكبيرة الإحرام عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه عدت شرطاً وليست ركناً، بينما تكبيرة الإحرام عند الأئمة الآخرين تعد ركناً لا شرطاً، وما الفرق بين الركن والشرط؟ الشرط يستمر طوال الصلاة، فالطهارة تستمر، فلو انتقض الوضوء تقطع الصلاة، واستقبال القبلة أثناء الصلاة، وطهارة المكان، وطهارة الثوب والبدن، وستر العورة، وهذه كلها شروط، ومعنى الشرط أنه يستمر طوال الصلاة لكن الركن ينقضي، تنتقـل من ركن إلى آخر، فإذا قلنا: إن تكبيرة الإحرام شرط فمعنى ذلك أن استحضار عظمة الله عز وجل تشابه طهارة الجسد والثوب والمكان وبقية الشروط.
ومن قال: إن التكبيرة ركن تنقضي بقضائه جعلها كالركوع والسجود، فالتكبيرة ركن، والركوع ركن، والسجود ركن، والوقوف ركن، وهكذا وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى فصول أخرى عن واجبات الصلاة، وسننها، ومكروهاتها.

السعيد
09-10-2018, 08:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )


الموضوع : واجبات الصلاة الاداب لتلاوة القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
السنة طريقة بلوغ الفرض :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا عن أركان الصلاة، و قد نوهت إلى أن الفرق بين الشرط و الركن هو أن الشرط يستمر مع الفرض أو مع الصلاة كستر العورة، و استقبال القبلة، بينما الركن ينقضي بانقضائه، والآن إلى واجبات الصلاة، وقبل الحديث عن الواجبات قال بعض العلماء: شرعت الواجبات لإكمال الفرائض، أو بشكل أوضح: الفرض بلوغ قمة الجبل والسنة الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام لبلوغ هذه القمة، فأصبحت السنة متكاملة مع الفرض، السنة طريقة بلوغ الفرض والله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
فهل من المعقول لإنسان يغسل وجهه بيدين قذرتين؟ والنبي الكريم عليه أتم الصلاة و التسليم فهم أن غسل اليدين أول مرة و ثاني مرة و ثالث مرة طريق لغسل الوجه، و غسل الوجه يقتضي غسل الفم و الأنف، هذا الذي فهمه النبي عليه الصلاة و السلام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
بالأدب نطبق السنة وبالسنة نطبق الواجب وبالواجب نطبق الفرض :
كأن السنة هي الفهم الدقيق لرسول الله عليه السلام من أوامر الله عز وجل، فأما أن تفهم أن السنة إضافة فهذا هو الفرض و هذه هي السنة، لا، فالسنة هي الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام حتى أدى الفرض، ولذلك يؤيد هذا الكلام قول بعض العلماء: إن الواجبـات شرعت لإكمال الفرائض، و السنن لإكمال الواجبات، و الآداب لإكمال السنة، فالأدب طريقك لتطبيق السنة، و السنة طريق لتطبيق الواجب، و الواجب طريق لتطبيق الفرض، أي إذا اشترينـا بضاعة من دولة أجنبية، و عقدنا صفقة، فهناك أشياء بديهية لو لم تذكر، لا بد من أن توضع هذه البضاعة في علب أو في أوعية خاصة بها بحسب نوعها، ولابد من أن تشحن، ومن أن ترفق بوثائق، ولا بد من أن توضع عليها علامة الشحن، وهذه أشياء كلها بديهية من مستلزمات شراء البضاعة، إذاً الواجبات شرعت لإكمال الفرائض والسنن لإكمال الواجبات و الآداب لإكمال السنن، فصار الهدف هو الفرض، والواجب طريق الفرض، والسنة طريق الواجب، والآداب طريق السنة، ولا يوجد تناقض، فتقول لأحدهم: بالله كأس ماء إنه كلام مختصر، إذا كان ذكياً يأخذ الكأس و يغسلها أول مرة و الثانية والثالثة ثم يملؤها لك بماء بارد، فأنت ما قلت له: اغسل الكأس، و لم تقل له: أريد ماء بارداً، و لم تقل له: أريد كأساً نظيفاً، أخي إذا سمحت نقطة ماء، ذهب و أحضر لك قطارة، خذ هذه نقطة ماء، فهل معقول هذا الكلام؟ نقطة ماء أي كأس من الماء، فالنبي يفهم فهماً دقيقاً جداً، إذاً عليه الصلاة و السلام فهم من أوامر الله عز وجل فهماً دقيقاً دقيقاً، و فهمه الدقيق هو السنة.
واجبات الصلاة :
1 ـ قراءة الفاتحة :
قال العلماء: واجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً أولها: قراءة الفاتحة، وبالمناسبة الإنسان إذا ترك واجباً عليه سجود السهو في السنة؟ لا، إذا ترك واجباً من واجبات الصلاة فعليه سجود السهو، إذاً و الفرض؟ أي إذا ترك فرضاً أو ركناً يجب أن يعيد الصلاة، فالصلاة أصبحت باطلة، الصلاة تسلم بترك واجب، ترمم بسجود السهو، لكنها تفسد بترك فرض أو ركن أو شرط، مثلاً لم يستقبل القبلة فسدت الصلاة، ولم يكن طاهراً من الحدثين، ولم يستر عورته والمكان ليس طاهراً، ولم يدخل الوقت، فهذه شروط و أركان إن لم تكن فالصلاة فاسدة، أما الواجبات فإن لم تكن فالصلاة تحتاج إلى ترميم، و ترميمها سجود السهو، فواجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً، قراءة الفاتحة لقوله عليه الصلاة و السلام:
((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
[عَنْ عُبَـادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]
أي بلاغة النبـي كلها في كلمة الباء، لم يقل لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب بل قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، كأن القرآن لا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، وهذه الباء للاستعانة، أي تستعين على فهم كلام الله بقراءة فاتحة الكتاب، تقرأ فاتحة الكتاب فتفهم كلام الله، تقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5-7 ]
والآن كأنك تسمع قوله تعالى: يهديك الصراط المستقيم. 2 ـ ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة :
الشيء الثاني: ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة، هذا الواجب الثاني، قراءة سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة.
3 ـ ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل :
الواجب الثالث: ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل، بالفرض ركعتان فقط، إن كان الفرض ثنائياً فبالركعتين مثل الصبح، و إن كان ثلاثياً فبركعتين فقط، و إن كان رباعياً فبركعتين فقط، فضم سورة أو ثلاث آيات قصيرة في ركعتين من ركعات الفرض و في كل ركعات النفل أو الوتر.
4 ـ قراءة سورتين في الفرض في الركعتين الأوليين :
الواجب الرابع، أن تكون قراءة السورتين في الفرض في الركعتين الأوليين، لا تقرأها بالثالثة و الرابعة، هذه أمور كلها بديهية طبعاً بالأولى و الثانية.
5 ـ تقديم الفاتحة على السورة :
و تقديم الفاتحة على السورة، لن نطول بشرحها، ولا أحد يخالفها من كل المسلمين.
6 ـ ضم الأنف للجبهة في السجود :
و ضم الأنف للجبهة في السجود، الأنف و الجبهة معاً هذا واجب، فإذا سجد الإنسان على جبينه فقط فعليه أن يسجد سجود السهو أو على أنفه فقط.
7 ـ الإتيان بالسجدة الثانية :
و الإتيان بالسجدة الثانية أي سجدتين - أما واحدة فنقص واجباً - وفي كل ركعة قبل الانتقال لغيرها.
8 ـ الاطمئنان في الأركان :
و الاطمئنان في الأركان، الاطمئنان أي السكون، والاطمئنان راكعاً و الاطمئنان ساجداً، أما نقر الديك فهذا ليس من الصلاة في شيء.
9 ـ القعود الأول :
و القعود الأول من واجبات الصلاة.
10 ـ قراءة التشهد في القعود الأول :
و قراءة التشهد في القعود الأول في الصحيح، أي: التحيات لله الصلوات الطيبات هذه معروفة، و قراءته في الجلوس الأخير، التشهد يقرأ مرتين في القعود الأول و في القعود الأخير.
11 ـ القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد :
و القيام إلى الثالثة أي إذا قعد شخص في القعود الأول و تشهد و قال:، اللهم صلّ على سيدنا محمد مشي بالصلوات إنك حميد مجيد، هذه ركعتان، وهناك الثالثة فقام ووقف فقد تأخر بالقيام للركعة الثالثة بأكثر من أداء ركن، فعليه سجود السهو، أما إن كان تأخره أقل من أداء كالركوع و السجود فلا عليه شيء، فإذا كان تأخره أطول من أداء ركن فعليه أن يسجد للسهو، إذاً و القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد.
12 ـ لفظ السلام دون عليكم :
و لفظ السلام دون عليكم، الواجب السلام و عليكم سنة.
13 ـ قنوت الوتر :
و قنوت الوتر: اللهم إنا نستعينك و نستهديك.
14 ـ تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة :
و تكبيرات العيد واجبة فإن تركها المصلي وجب عليه السهو، و تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة، والتكبيرة واجب لا للعيدين خاصة، فأي صلاة تحتاج إلى تكبيرة و تكبيرة الركوع واجب.
15 ـ جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين :
و جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين و لو قضاءً، أي إذا صلى الإنسان قضاء فعليه أن يجهر في الركعتين الأوليين، و الجمعة، و العيدين، و الوتر، و التراويح في رمضان، وكل هذه الصلوات جهرية، الفجر، و ركعتا المغرب و العشاء و لو قضاء، و الجمعة، والعيدين، و التراويح، و الوتر في رمضان.
16 ـ الإسرار في الصلوات:
و الإسرار في الظهر و العصر، و الركعة الثالثة في المغرب، و الثالثة و الرابعة في العشاء، و نفل النهار سراً، و أما المنفرد فمخير فيما يجهر كمتنفل الليل، إذا صلى الإنسان وحده المغرب أو العشاء أو الصبح فيجوز له أن يجهر، و يجوز له أن يخافت، متنفل الليل يجوز له أن يجهر، أو أن يخافت، ومتنفل النهار يسر، ومن صلى صلاة نفل في النهار فعليه أن يسرها أي يسر القراءة، ومن صلى صلاة نفل في الليل فله أن يجهر بها أو أن يسرها فهو مخير، و أما من صلى صلاة الفرض الجهرية منفرداً فله أن يسرها، أو أن يجهر بها، وهذه واجبات الصلاة أي أكثرها معروفة عند كل المسلمين، لكن قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الذاريات: 55]
* * *
تحسين الصوت في القراءة من الآداب الظاهرة لتلاوة القرآن الكريم :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، ونحن الآن في قراءة القرآن الكريم، و قد تحدثنا في الدرس الماضي عن آداب تلاوة القرآن أي الآداب الظاهرة، والآن نتابع الآداب الظاهرة و نأخذ بعض الآداب الباطنة.
فمن الآداب الظاهرة في تلاوة كتاب الله: تحسين الصوت في القراءة قال صلى الله عليه وسلم:
((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ))
[النسائي و ابن ماجه عن البراء]
و قال عليه الصلاة و السلام: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فالله يرضى أن تقرأ القرآن بصوت حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
والمؤمن الصادق لا يطربه إلا القرآن، ولا يتأثر إلا بالقرآن ولا ينفعل، ولا ترتاح نفسه إلا بالقرآن.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان ليلةً ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَبْطَأْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتِ قُلْتُ كُنْتُ أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا ))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ ]
طبعاً كانت غرفه صلى الله عليه مطلة على المسجد: ((.. فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا ))

من آتاه الله صوتاً حسناً فقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود :
فإذا أكرمنا الله بقارئ يقرأ القرآن ندياً طرياً كما أنزل فهذه نعمة كبيرة، واستمع صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلاً ثم قال صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، يعني عبد الله بن مسعود.
فإذا آتى الله أحدنا صوتاً حسناً، وقام في الليل، وقرأ القرآن، وترنم بصوته، وهكذا شعر أنه مرتاح فقرأ صفحتين أو ثلاثاً أو خمس عشرة ووجد نفسه مسروراً، أي إذا قرأ القرآن وشعر بسرور فلا يقف بل يتابع هذه لأنها نفحة لا تعود، يجلس ليقرأ فلا يحس نفسه مرتاحاً، بل يقرأ صفحة أو صفحتين ويقول: يكفي، فإذا قرأ ووجد نفسه مرتاحاً يكمل، والنبي عليه الصلاة و السلام قال لعبد الله بن مسعود: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ]
و استمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: ((لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ))
[الدارمي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ]
فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله: لو علمت أنك تسمعه لحبرته لك تحبيراً أي كنت حسنته أكثر فلم أكن أعرف، أي قرأها درجة ثانية ليست أولى، و رأى هيثم القارئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟. العدل و الإحسان :
إذاً فالرجل الذي له عمل طيب يتأكد أن هذا العمل الطيب يبلغ النبي عليه الصلاة و السلام، فكيف ذلك؟ الله يبلغه إياه، تعرض عليّ أعمالكم بعد موته صلى الله عليه وسلم، فكل واحد له عمل طيب، هذا تزوج امرأة و بعدما تزوجها بفترة قليلة وجدها حاملاً، سلك طريق الإحسان، وهناك طريق العدل لو طلقها لعدل و لكن هناك طريق أرقى من العدالة وهو الإحسان، فإمام المسجد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة لأنها أصبحت تائبة و سترها و أخذ بيدها و جعلها امرأة صالحة، و قد كان بإمكانه أن يطلقها، و أن يفضحها، و أن يجعلها بائسة، فهذا هو العدل و لكن الإحسان أرقى من ذلك، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
صلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً :
قال له: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟ قلت: نعم، فقال عليه الصلاة و السلام: جزاك الله خيراً، أي إذا شاهد الرجل النبي عليه السلام في الرؤيا و نادى له باسمه فهذه مكانة كبيرة جداً، فليفرح فرحاً ما بعده فرح، لأن النبي عليه الصلاة و السلام اطلع على عمله، وقد حكى لي أخ قصة ولولا أنه صادق لا أصدقها، رأى النبي عليه الصلاة و السلام قال له: اذهب إلى فلان، قال له: لا أعرف بيته ؟ قال له: في المكان الفلاني و الحي الفلاني وفي الطابق الفلاني، وصف له العنوان بشكل تفصيلي، أي صلى الله عليه وسلم هذا الذي نحن نصدقه أن أعمال أمته أعمال المؤمنين تعرض عليه و يعرفها، ولذلك فالله عز وجل قال:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
هو الذي يصلي عليكم فصلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
من قرأ القرآن الكريم كأنه في صلاة :
و قد كان عمر يقول لأبي موسى رضي الله عنهما: "ذكرنا ربنا، فيقرأ عنده حتى يكاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة، فيقول: أو لسنا في صلاة؟" - أي إذا كنت تقرأ القرآن الكريم كأنك في صلاة- قال له: أو لسنا في صلاة ؟ إشارة إلى قول الله عز وجل:
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت:45]
و قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا ))
[ الدارمي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
وتحسين الصوت بالقرآن هذه آخر أدب من آداب تلاوة القرآن الظاهرة. الآداب الباطنة في قراءة القرآن الكريم :
1 ـ فهم عظمة الكلام و علومه :
والآن عندنا عشرة آداب باطنة وهي الأخطر وهذه معروفة كالوضوء، و استقبال القبلة، و الأدب، وهناك أشياء دقيقة جداً، والآن هذه الآداب هي: التعظيم، و حضور القلب، و التدبر، و الفهم، و التخلي، و التخصيص، و التأثر، و الترقي، و التبري، تحتاج إلى شرح تفصيلي.
أولاً فهم عظمة الكلام و علومه: ولذلك أصحاب النبي قالوا: "أوتينا الإيمان قبل القرآن"، وإذا قرأ رجل عن طبيب جراح قلب، أي قرأ عنه خلال خمس سنوات مقالات، و سمع أخباراً عن نجاحاته الرائعة في جراحة القلب، و سمع عنه من زملائه، و هناك زملاء ذهبوا لدولة أجنبية و التقوا معه، و رجعوا ممتلئين إعجاباً به، و كانوا قد قرؤوا له عدة كتب، و له نظريات، أي خلال خمس سنوات الطالب ممتلئ معلومات عن هذا الطبيب، فإذا التقى فيه تجده كله تعظيماً، أما إذا شاهد رجل إنساناً على علم عالٍ جداً و لا يعرف علمه يعامله كإنسان عادي، فعندما يقرأ الإنسان كتاب الله، و يعرف الله قبل أن يقرأ كتابه يقرؤه بتعظيم، لأنه كلام رب العالمين، ولذلك فالله عز وجل هذا من لطفه بخلقه، فالإله العظيم خالق الكون أمعقول أن يكون هذا كلامه؟ طبعاً كلامه.
الله لطيف و رحيم بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه :
إذاً نحن كيف أراد ربنا عز وجل أن ينزل إلى مستوانا؟ فالله عز و جل العظيم، العلي، الكبير، المتعال، رافع السماء بلا عمد، ليس كمثله شيء، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، كيف يصير كلامه من كلامنا ليفهمنا إياه؟ قال: هذا من لطفه، فالعلماء ضربوا مثلاً: إذا كان أحدهم إماماً عظيماً كالإمام الغزالي مثلاً صاحب هذا المؤلف، و عنده طائر و أحب أن يدعوه إلى الطعام، أو إلى الطيران، فهناك أصوات معينة يصدرها، فإن كان عنده دابة أو غنمة أو خيل مثلاً أو ناقة فأصحاب هذه البهائم لهم طرائق للتعامل مع البهائم، إذ هناك أصوات يصدرونها، إذاً هذا الذي يوجد عنده هذا المؤلف الضخم سيحاكي عصفوراً أو طائراً بلغة تناسبه، ويمكن أن يصفر له فقط، أو يصدر صوتاً معيناً ليتعامل مع هذا المخلوق على علم، مع هذا الإنسان العالي الذي استخدم كلاماً، أو استخدم صوتاً من مستوى هذا الكائن حتى يفهمه، فكلام الله عز وجل لا يحتمله أحد قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الحشر:21]
فلو أن كلام الله نفسه نزل على جبل لتصدع، ولكن هذه الصياغة التي صاغها الله عز وجل صياغة من لغتنا نقرؤها فنفهمها، وهذا من لطف الله عز وجل، فيجب أن تتأكد أن الله علي كبير، كبير متعال، واحد أحد، فرد صمد، ليس كمثله شيء، و مع ذلك فهذا كلامه، و هذا من لطفه، أي قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة النحل: 60 ]
وأحياناً يكون هناك إنساناً على علم كبير جداً، يحمل أعلى شهادة في العالم، عنده ابن صغير فيحاول أن يفهمه بلغته، إما بالإشارة، أو بحروفه المتواضعة، فهذا اسمه نزول من هذا الأب العظيم إلى هذا الطفل الصغير، فربنا عز وجل مع علو شأنه و عظمته و قدرته اللامتناهية أنزل على نبينا عليه الصلاة و السلام كتاباً بلغتنا، بحروفنا، بصياغتنا، بقواعد لغتنا، نقرؤه فنفهمه، و هذا من لطف الله عز وجل، هذا الشعور يجب أن يرافق قارئ القرآن، و هذا كلام إله، لكن لأن الله لطيف و رحيم و رؤوف بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه، أي هذه المعاني هي كلامه، لكن المعاني ثقيلة قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾
[ سورة المزمل: 5 ]
أما صياغتها فمقبولة أي من مستوانا هذا أول معنى، وأول أدب من آداب تلاوة القرآن الكريم. 2 ـ التعظيم للمتكلم :
والأدب الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن يجب أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، سوف أضرب مثلاً: لو أن أستاذاً في الجامعة دخل إلى قاعة المحاضرات، وألقى محاضرة، فالطالب امتلأ تعظيماً للإنسان، إذ شاهد علمه عالياً، و لغته قوية، وعنده منهج في التدريب، و له أسلوب واضح ممتع، و عنده إحاطة بالموضوع، عرضه عرضاً واضحاً، أي عمل على السبورة بعض الإشارات، و المخططات، أصبح وضوحه زائداً، يخرج الطالب ممتلئاً إعجاباً بهذا الدكتور، في المحاضرة الثانية ازداد إعجابه، والثالثة ازداد، والرابعة ازداد، وكلما ألقى محاضرة جديدة يزداد إعجاب هذا الطالب بأستاذه، أما المستخدم الذي يجلس على باب غرفته من عشرين عاماً يسلم عليه فحجم معرفته بهذا الأستاذ محدود لا يزداد، فالذي يستمع إلى المحاضرات يزداد تعظيماً، وأما المستخدم فيقف له و يحييه، ولكن معرفته بهذا الطبيب أو بهذا الأستاذ محدودة، فعندما يقرأ الإنسان آيات الله بالكون يزداد تعظيماً لله، و إذا قرأ كتابه يستحضر عظمة الله عز وجل، فهذه هي القراءة المجزية.
حجم معرفة الإنسان بربه بقدر حجم تفكيره في آياته :
ولكن أحياناً يقرأ الإنسان و قلبه ساه و لاه، وليس كل إنسان قال لك: أنا أعرف الله يعرف الله عز وجل، ومرة ضربت مثلاً إذا ركب رجل طائرة فوق دمشق، قد يُسأل هل تعرف الشام؟ يقول: نعم أعرفها، رأيتها بأم عيني، طرت فوقها، و إذا رجل جاء إلى المطار فقط و تلقى وجبة و نام ليلة بفندق المطار و تابع سفره، يقال له: أتعرف الشام؟ يقول لك: نعم أعرفها، رأيت جبلاً من بعيد قالوا لي: هذا جبل قاسيون، ورجل وصل إلى المرجة فقط قيل له: أتعرفها؟ قال: أعرفها، و رجل ذهب إلى الجامع الأموي فأضاف إلى المرجة الجامع الأموي، ورجل مع الأموي الحميدية، و رجل قعد في الشام أربع سنوات درس في الجامعة، و سكن بأحد أحيائها، و شاهد عادات أهلها و تقاليدهم، و رجل ابن البلد يقول لك: من خمسة و ستين عاماً أنا ساكن بالشام، وكلهم يقول لك: أنا أعرف الشام، أليس هناك فرقاً كبيراً جداً بين معرفة كل واحد من هؤلاء و كل إنسان يقول: أنا أعرف الله؟ ما حجم المعرفة؟ قد تعرفه من آية، هذا يعرفه من آيتين، وهذا يعرفه من مئة آية، وهذا يعرفه من ألف آية، أي حجم معرفتك بقدر حجم تفكيرك في آيات الله أبداً، وإذا نظرت إلى طعامك، وشرابك، وكأس الماء، وكأس الحليب، وإلى هذه البيضة، وإلى هاتين العينين، والأذنين، واللسان، والدماغ، والأعصاب، والأوردة، والشرايين، والعضلات، وهذه الغدد الصماء، والبنكرياس، والطحال مثلاً، والغدة النخامية، والكظر، والكليتين، وهذه الأعضاء، وإلى الحيوانات، وإلى النباتات، وإلى الأطيار، وإلى الأسماك، والهواء وحده آية، والماء وحده آية، والضوء وحده آية، والشمس آية، والقمر آية، فبقدر ما تفكر بهذه الآيات تنمو عندك معرفة الله عز وجل، و إذا نمت هذه المعرفة و قرأت كلام الله عز وجل تزداد خشوعاً، ولذلك أوتينا الإيمان قبل القرآن، قال: فالقارئ عند البداية بقراءة القرآن يجب عليه أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، و يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، قال: فضل كلام الله على كلام عباده كفضل الله على خلقه، و إن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، فإذا أردتم أن تحدثوا ربكم فاقرؤوا القرآن، من قرأ القرآن فكأنما يوحى إليه غير أنه لا نبي بعدي، أي كأنك تسمع كلام الله الذي أوحاه على نبيه عليه الصلاة و السلام.
للآية التالية فهم عميق و فهم ظاهري :
لكن يوجد نقطة قال تعالى:
﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 79 ]
والإمام الغزالي فهم الآية فهماً عميقاً، فهمها فهماً ظاهرياً كما يفهمها عامة الناس و فهمها فهماً عميقاً، أما فهمها الظاهري فقال: و كما أن ظاهر جلد المصحف - المصحف كلمة ثلاثية معنى ثلاثية أو يقولوا: بالتثليث، لك أن تقول: مُصحف و مَصحف و مِصحف وكلها صحيح والأغلب أن تقول مُصحف بالضم - و ورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان طاهراً فباطن معناه أيضاً بحكم عزة الله و جلاله محجوب عن القلب إلا إذا كان طاهراً، فالقرآن أمامنا يتلوه أحد الناس فيزداد بعداً قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الإسراء: 82 ]
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء : 198-199]
ولو أن القرآن نزل على إنسان تركي باللغة التركية و قرأ علينا لا نفهم منه شيئاً قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 200 ]
لا يفهم منه شيء، ومعاني هذا الكتاب مصونة لا تتاح إلا لقلب طاهر وهذا المعنى العميق للآية الكريمة: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 79 ]
وطاهر القلب إذا قرأ القرآن فهم معانيه، ومن أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه، و أجراها الله على لسانه فجاهدْ تشاهدْ، قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
القرآن تؤخذ ألفاظه من حفاظه و تؤخذ معانيه ممن يعانيه :
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79 ]
هناك شيء اسمه فهم لكتاب الله، منحة من الله عز وجل يقرأ فيفهم، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 11 ]
فالإمام الغزالي رضي الله عنه فهم هذه الآية فهماً ظاهرياً و فهماً عميقاً، ولذلك الإمام العكبري قال: "تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه"، فإذا عاين رجل مثلاً الزواج يعلم أن أول الأمر هناك سرور بالغ بالمخطوبة، وبعدما يكون العرس تقريباً بشهر أو شهرين أو ثلاثة يصبح شيئاً عادياً، ثم يخف بريق الزواج ثم يصير الزواج شيئاً طبيعياً جداً، أي لا يوجد عنده هذا الشعور أنه هو شاعر بالسعادة جداً بل شعور عادي فقط، فالمتزوج مرّ بهذه التجارب، فإذا التقى بإنسان خاطب الآن قال له: أنا وفقني الله بإنسانة ملك نازل من السماء، يقول له: على مهلك، على مهلك هذا الملك ستراه بعد ذلك إنساناً آخر، عنده خبرة، ضربت هذا المثل لأؤكد لكم أن هذا الإنسان يكون له خبرة مع الله عز و جل، أي قلبه ذاق الوجهة إلى الله عندئذ يفهم كلام الله، فالله تكلم عن المحسنين، لماذا يبكي بعض المؤمنين؟ لأنه محسن، تفاعلت نفسه مع هذه الآية، وعندما يتكلم الله عن العفو يبكي القارئ لأنه هو عفا بزمانه، وعندما ربنا يعاتب المؤمنين: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد: 16 ]
يتلقى العتاب فله العتاب لأنه مؤمن، وعندما يقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[ سورة الصف : 2-3]
يتأثر، فعندما يكون للإنسان تجربة، سير إلى الله حثيث، و صادق، و يتلو كلام الله عز وجل، تتفاعل نفسه مع كلام الله عز وجل، وهذا القرآن يريد قلباً تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه. ليس كل قلب يفهم القرآن الكريم :
و كما أن كل يد لا تصلح لمس المصحف كذلك لا يصلح لتلاوته كل لسان، ولا يصلح لفهمه كل قلب، وليس كل قلب يفهم القرآن الكريم، وسيدنا ابن عباس رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾
[ سورة النصر: 1-3 ]
فهم من هذه الآية أن أجل النبي عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وعظماء العالم حياتهم منوطة برسالتهم، فإذا تحققت انتهت حياتهم، مرة النبي الكريم خطب قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الدنيا فاختار ما عنده، فجعل الصدّيق يبكي بكاءً مراً، والصحابة عجبوا ما له يبكي؟ فعرف أن المقصود هو النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ لا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
من صفى نفسه فهم على الله الحركة و الإشارة و العبارة :
هناك أناس فهموا هذا القرآن الكريم فهماً عالياً، والله بحر، وكلما تصفي نفسك أكثر كلما تعمل أعمالاً طيبة أكثر، وتفهم على ربنا عز وجل الحركة، والإشارة، والعبارة، وهناك قلب أعمى يفهم القرآن فهماً معكوساً، أهي فئة ضالة لا تصلي حتى يمكنها الله في الأرض؟ فهموا قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
وإذا ما مكناهم لا يصلون، هذا فهم شيطاني لكتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر: 99 ]
إذا أنت أتاك اليقين فأنت في حل من العبادة، لأن اليقين جاء، في تلبيس إبليس يلبس عليه بعض الآيات فيفهمها فهماً خاطئاً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 130 ]
فيقول الضال: أخي القضية مرتبة قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الصافات: 96 ]
فهذا الزاني خلق الله له هذا العمل، وشارب الخمر خلقه الله شارب خمر، وهناك أشخاص يصدقون هذه الآية. من كان قلبه حياً وعمله طيباً و قرأ القرآن يفعل القرآن به فعل السحر :
أحد الصحابة عين والياً لحمص وهو سعيد بن عامر، ولما طلب سيدنا عمر أهل حمص سألهم عن واليهم قالوا له: لنا عليه مجموعة مآخذ، أحد هذه المآخذ أنه وهو بيننا يغمى عليه، ويغيب عن الوعي، وما فهمنا هذه الحالة، فلما سأل هذا الصحابي رضي الله عنه قال: شهدت مصرع خبيب ، وهو صحابي جليل والنبي الكريم أرسله بمهمة إلى مكة، فقبضوا عليه، وصلبوه، وقبل أن يصلبوه عرضوا عليه أن يكفر بمحمد، وقال له أبو سفيان: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فهذا الصحابي الكريم انتفض كما ينتفض العصفور وقال له: والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة، قال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، طلب أن يصلي ركعتين فسمحوا له ومن ثم صلبوه على نخلة، وهذا سعيد بن عامر الجمحي كان موجوداً أثناء مصرعه وكان مشركاً، وكان من وجهاء قريش، وكان بإمكانه أن ينصره، ولكنه كان مشركاً وكلما يأتي في ذاكرته هذا الموقف يصاب بالإغماء لشدة خجله من الله عز وجل، فالإنسان عندما يكون قلبه حياً وعمله طيباً، وعاطفته متأججة، وصلته بالله متينة، وسريرته كعلانيته، إذا قرأ القرآن يفعل به فعل السحر.
وكان سيدنا عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف أغمي عليه، ويقول: هو كلام ربي، هو كلام ربي، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولم تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته، وجلاله، وأفعاله، فإذا إنسان جاءته رسالة من صديقه يقرؤها، وإذا جاءته رسالة من المدير العام الذي يعمل في شركته إذا بعث له رسالة وتوقيعه بالأخضر، لا يلقيها على الطاولة بل يضعها في الدرج، وإذا كانت الرسالة من أعلى منصب في البلاد فيمكن أن يضع لها إطاراً، ويقول: هذه رسالة خاصة لي وهذا توقيعه، فعلى قدر مكانة المرسل تعظم الرسالة، فهذا كلام الله كيف تعظمه؟ إنه خالق الكون، وإذا ألقى الإنسان المصحف فعليه أن يجدد إسلامه، وإذا كان له أخ اسمه يحيى فقال له: يا يحيى خذ الكتاب، فهذا استهزاء بكلام الله، يستخدم آيات الله لغير ما صنعت له، أحياناً يقول لزبون و هو يطالبه بالحساب: ادفع بالتي هي أحسن، فهذه الآية ليست من أجل أن تطالب زبونك وتلم بها جمعية؟ لا يجوز أن تستخدم آيات الله عز وجل لأغراض تافهة، امزح واترك الدين والقرآن والحديث في عليائه، واترك الدين في السماء ولا تنزل الدين إلى الأرض، وتمزح فيه، وكثير من الأشخاص يستهزؤون بالله عز وجل بقسمهم.
3 ـ ترك حديث النفس :
والآن الأدب الثالث من آداب التلاوة: ترك حديث النفس، تقرأ القرآن وفي بالك مشاكل اليوم، والبيع والشراء، والزوجة والأولاد، والديون، والطبخ، وأنت تقرأ كتاب الله، اترك حديث النفس؛ يا يحيى خذ الكتاب بقوة.
قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أي شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث نفسي بغيره؟ هذا أحب شيء إلي وكان بعض السلف إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها أعادها ثانيةً، إعادة الآية من تعظيم القرآن الكريم.
4 ـ التدبر :
والآن الأدب الرابع، أول شيء أن يكون حاضر النفس، حاضر القلب مع القراءة، والأدب الرابع التدبر، قال علي رضي الله عنه: "لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبر فيها"، فقرآن من دون تدبر كأنك ما قرأت، ولكن إذا كنت وراء إمام وتفكرت في آية وركع فيجب في الركوع أن تنتبه إلى الركوع وما تبقى في الركوع مع الآية وهذا مما يسيء للصلاة، قرأ آية فتأثرت بها ركع، فالآن ادخل في حال الركوع، سجد فادخل في حال السجود، أما أن تبقى في الآية راكعاً وساجداً فهذه إساءة في الصلاة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة، يمكن أنه ترنم بها كثيراً، وتفاعل معها، ومرة عن أبي ذر قال: قام بنا رسول الله مرةً ليلةً.
لا تقل الله أهلكهم فإنهم يستحقون، هذا ليس عملك فقد يكون أكرمهم بعدما أهلكهم، وهذا من شغل الله وحده، من عرف حده فليقف عنده، قرأ النبي آية وأعادها كثيراً يبدو أنه عرف أن مقامه انتهى عند الحد، والله عز وجل هل أهل ألاسكا سوف يعذبهم؟ لا أعرف، قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة المائدة: 118 ]
هذا ليس عملي، هذا من اختصاص الله عز وجل، فلما يبحث الإنسان في هذه الموضوعات كأنه تجاوز حده، وأحد الأصحاب الكرام من قيام الليل وحتى الفجر يتلو هذه الآية ويعيدها، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية : 21]
والله شيء جميل، والله هذه الآية تكفي إذا مشيت بشكل جيد، فهل من المعقول أن تكون حياتك مثل إنسان فاسق؟ ويمكن أن تتعامل معاملة الفاسق؟ وأن يخوفك الله عز وجل ويرعبك ويرسل لك مشكلات من مطب إلى مطب؟ فهل هذا معقول؟ وهل من المعقول أن يكون قلبك مخلوعاً خائفاً من الناس ذليلاً لهم؟ وهل من المعقول أن تخونك زوجتك؟ والله ليس معقولاً لأنك طاهر وأخذت طاهرة، والطيبون للطيبات. التدبر في آيات الله واجب على كل مسلم :
سعيد بن جبير أيضاً صلى طوال الليل يقول قوله تعالى:
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس: 59 ]
يجوز في الدنيا وضعهم جيد، أي عندهم شيء أعلى من المؤمن، وقد يكون المؤمن حياته متواضعة، وبيته متواضع، وليس عنده حالة أساسية في البيت، ويوجد إنسان فاجر كافر جمعت له الدنيا من أطرافها، ولكن انظر إلى هذه الآية وحدها تكفي: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس: 59 ]
ابتعدوا عنهم، وفي أول العام الدراسي يقرأ المدير أسماء الراسبين ويقول: قفوا هنا بمفردكم، ويقول للناجحين: قفوا هنا، فيخرج الراسب مثل الحيوان الذليل لأنه راسب وامتازوا أي ابتعدوا، قفوا في مكان مستقل.
وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عند الفراغ منها حتى يطلع الفجر، ويبدأ بسورة يتأملها ويتعمق بها ويعيدها، يترنم بها ويتفاعل معها، يبكي ويتأثر ولا ينهيها، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثواباً، أخي كل حرف بحسنة وألف حرف واللام حرف ركب عدداً، لا ليس هكذا، كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثواباً إطلاقاً.
وحكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها".
وروي عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنةً ولم تنتهِ، هذه تدبر، بدأ فيها منذ ثلاثين عاماً و لم ينهها بعد، له كل جمعة ختمة، و كل شهر، و كل عام.
بقي علينا من آداب التلاوة التفهم، و التوقي، و التبري، و التخصيص، و سوف نشرح هذا بالتفصيل إن شاء الله تعالى في درس قادم. * * *
قصة قتيبة بن مسلم و أسيره مع الحجاج :
الآن إلى قصة من القصص التي لها مغزى، و القصة عن الحجاج، قيل: إنه أُتي للحجاج بقوم ممن خرجوا عليه فأمر بهم فضربت أعناقهم، و أقيمت صلاة المغرب، و قد بقي من القوم واحد لم تضرب عنقه، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم: انصرف به معك حتى تغدو به علي - أي خذه معك- قال قتيبة: فخرجت و الرجل معي فلما كنا ببعض الطريق قال لي: هل لك في خير؟- أي هل تخدمني هذه الخدمة؟ - قلت: و ما ذاك؟ قال: إني و الله ما خرجت على المسلمين أي أنا لم أسئ لهم، و لا استحللت قتالهم، و لكني ابتليت بما ترى - أي تهمة ألصقت بي - و عندي ودائع و أموال فهل لك أن تخلي سبيلي؟ - والحجاج في اليوم الثاني يضرب عنق قتيبة إذا تركه- و تأذن لي حتى آتي أهلي و أرد على كل ذي حق حقه و أوصي، و لك علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك، عهد الله سأرجع، إلى أين يريد أن يرجع؟ إلى القتل، قال له: عهد الله سأرجع و لكن عندي أموالاً ليست لي و أرى أهلي و أودعهم و أوصي و أرد الأموال لأصحابها و آتي إليك، فعجب ما هذا السؤال؟ هذا سؤال مضحك أي طلب مضحك غير معقول، قال: فعجبت له و تضاحكت أي ضحكت هل من المعقول أن أطلقك تذهب، و مضينا هنيهة ثم أعاد عليّ القول و قال: إني أعاهدك الله لك عليّ أن أعود إليك، قتيبة رق قلبه، هو يريد أن يودع أهله، ويرد الأموال لأصحابها، ويعمل وصية، ويرى أولاده، قال: فما ملكت نفسي حتى قلت له: اذهب، بعدما قال له اذهب أشعل من الداخل، فلما توارى شخصه أسقط في يدي فقلت: ماذا صنعت في نفسي؟ و أتيت أهلي مهموماً مغموماً، أي لم يعد يرى، فسألوني عن شأني فأخبرتهم فقالوا: و الله قد غلطت، لقد اجترأت على الحجاج أي عملت عملاً كبيراً جداً، قال: فبتنا بأطول ليلة- وهذه الليلة أطول ليلة بحياته- لم يكن الوقت يجري أبداً، هل سيأتي أم لا؟ فلما كان أذان الفجر إذا بالباب يطرق فخرجت فإذا أنا بالرجل فقلت: أرجعت، فقال: سبحان اللهّ جعلت لك عهد الله علي أأخونك و لا أرجع؟ وهل من المعقول ألا أرجع؟ هكذا كان السلف الصالح، تأثر تماماً أي لم يصدق أنه سيعود، فقلت: أما و الله إن استطعت لأنفعنك لكونك رجعت، ولعل الله يقدرني أن أخلصك من الموت، و انطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج، و دخلت فلما رآني قال: يا قتيبة أين أسيرك؟ قلت: أصلح الله الأمير، بالباب و قد اتفق لي معه قصة عجيبة، قال: ما هي؟ فحدثته الحديث فأذن له فدخل ثم قال: يا قتيبة أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم، قال: هو لك، فانصرف به معك، فلما خرجت به قلت له: خذ أي طريق شئت أنت طليق، فهذا الأعرابي أي هذا الرجل رفع طرفه إلى السماء و قال: لك الحمد يا رب، و ما كلمني بكلمة، لم يقل له أي كلمة - لا شكراً و لا الله يعطيك العافية أو فضلت أبداً فقط نظر- و قال: لك الحمد يا رب، رأى فعل الله و لم يرَ فعله، و لا قال لي: أحسنت و لا أسأت، تعجب هل هذا مجنون؟ فقلت في نفسي: مجنون و الله، قال: فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني و قال لي: جزاك الله خيراً أما و الله ما ذهب عني ما صنعت أي لست ناسياً فضلك، و لكنني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، لم أحب في هذه اللحظة أن أشكر مع الله إنساناً آخر، أي إذا بعث الله لإنسان فضلاً وعنده هذه الأخلاق يراه من الله عز وجل؟ استغرب نظر إلى فوق و قال: لك الحمد يا رب انظر العهد، العهد هكذا، قال عليه الصلاة و السلام:
((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
هذا عاهد الله عز وجل أن يرجع، و سيرجع ليموت، و كان بإمكانه أن يفلت من الموت، لا يوجد قوة ترجعه، لكن أخلاقه قد أعادته، فربنا كافأه أنه نجاه من الموت. سجود الشكر :
لذلك يوجد شيء في الفقه اسمه سجود الشكر فإذا تحقق للإنسان مكسب، نجح في امتحان صعب، صرفت عنه مصيبة كبيرة، شبح مصيبة، مرض عضال فكان في التحليل سليماً لا شيء فيه، وكان يعتقده مرضاً خبيثاً فكان ورماً عادياً، التهاب سحايا كان ابنه سوف يموت فالله سلمه، مرض خبيث في الدم جعله الله سليماً، فهل يوجد عندنا مثل هذه المواقف أن هذا من الله عز وجل؟ لا تقولوا: هذا الطبيب ما شاء الله حوله وصف دواء بعد ثلاث ساعات شفي إذا هم يشركون، إذا تفضل الله عز وجل عليك بفضل بصحتك، بزوجتك، بأولادك، بعملك، بدخلك، اقتدِ بهذا الإنسان.
لك الحمد يا رب بعد أيام ثلاث عاد إليه وقال: جزاك الله عني كل خير أنا والله ما ذهب عني ما صنعت، ولكني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، وبهذه الساعة ما أحببت أن يكون لغير الله الفضل.
* * *
الحلال و الحرام و الشبهة :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[ مسلم عَنْ عَامِرٍ]
الحلال حلال واضح، أنا شربت ماء لا بأس، من مرة سأل عن شرب الماء حلال أم حرام؟ واضح، أنا أعمل في التجارة بضاعتي حلال، وربحي معقول، كلامي صدق، ووعدي صحيح، وسعري معتدل حلال، والحرام؛ السرقة حرام، والزنا حرام، والغش حرام، الحلال بين والحرام بين: ((...الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ... ))
فهذه الشبهة فيها شك دعها واسترح، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، الشبهة تنقل إلى الحرام، فمن ترك الشبهات كان لما استبان أترك، ومن وقع في الشبهات كان لما اشتبه عليه أوقع، فإذا ترك إنسان شبهة فمن باب أولى سيترك الفرض وسيترك الشيء الواضح، أما إذا وقع في شبهة فسوف يقع في الحرام، فلذلك كل شيء تشعر نفسك فيه أخذ ورد، وفي داخلك يوجد سؤال وجواب، أخي ذهبنا إلى لبنان وسخرني بغرض سوف أقسم المصروف على الأغراض كلها، فهل قلت له سوف أربح عليك؟ لا بل سخرني سخرة وأنا ماذا أفعل؟ هذه شبهة، إذا كان هو سخرك سخرة خدمة وأنت ربحت عليه فهذا حرام، تجد أخذاً ورداً فاتركها وارتح، خذ سعر الحاجة كما اشتريتها، وهناك أشخاص دائماً بأخذ ورد يقعون في الحرام. ((عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ قَالَ الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
لا يوجد إنسان يحرم شيئاً الله حلله، ولا يوجد إنسان يحلل شيئاً الله حرمه، أخي ضعها برقبتي، وعامة الناس يؤخذون ببعضهم بعضاً، الحلال ما حلله الله والحرام ما حرمه الله، وما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه.

السعيد
09-10-2018, 08:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )


الموضوع : سنن الصلاة اداب القراءة الباطنة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حكم الشرع في السنة :
أيها الأخوة المؤمنون، الحديث اليوم عن سنن الصلاة، ومن أحسن أحكام السنة أن تركها ولو عمداً لا يفسد الصلاة، ولا يوجب سجود السهو، غير أنه يكون مسيئاً إذا تركها عمداً، والإساءة أقل من الكراهة، ويثاب على فعلها ويلام على تركها، هذا حكم الشرع في السنة.
فلو أن إنساناً سها عن إحدى سنن الصلاة لا يوجب هذا السهو سجود السهو، أما إذا سها عن بعض واجباتها، أو عن واجب من واجباتها، فهذا يوجب سجود السهو، أما إذا سها عن أحد أركانها فصلاته باطلة، فالفرض إذا ترك تبطل الصلاة، والواجب إذا ترك يوجب سجود السهو، وأما السنة فيثاب من فعلها ويلام من تركها.
رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين هذا من السنة، أما المرأة فحذاء المنكبين، فهم النبي عليه الصلاة والسلام رفيع المستوى لو رفعت المرأة يديها هكذا ربما ظهر ذراعها فيكتفي من المرأة برفع اليدين إلى حذاء المنكبين، و على هذا تنسحب أحكام عدة: فمثلاً المرأة ليس عليها أن تهرول بين الصفا والمروة، و بين الميلين الأخضرين، فإذا هرولت ربما اهتز صدرها فأثارت الفتنة، وكذلك المرأة إذا ماتت هناك كفن خاص لصدرها، لئلا يثير منظرها الرجال إذا حملوها، وهناك أشياء كثيرة حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وجه امرأة من قريباته إلى التستر ذكر كلمات لا تثير أي شعور، لا تلبسي هذه الثوب فإنه يصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير الشهوة إطلاقاً، و أي كلمة أخرى ربما أثارت، وهذا تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا هذه الكتب التي ألفت في العصور المتأخرة مفعمة بألفاظ العورات والأفعال كما هي وهذا مما يثير الحرج والخجل؟ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 5-7 ]
﴿ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾
[ سورة النساء: 43]
فمن ابتغى وراء ذلك، دخل في هذه الآية كل أنواع الانحراف لكن بشكل لا يخدش حياء المستمع، قال تعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[ سورة المؤمنون: 7]
سنن الصلاة :
1 ـ رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين وحذاء المنكبين للمرأة :

يوجد كلمات قرآنية كنايات رفيعة المستوى، والإنسان المفروض به أن يتأدب بأدب القرآن، لا يذكر بموضوع الفقه العورات بأسمائها والأفعال بصفاتها، هذا مما يوجب الحرج، ويسبب الخجل والحياء من المستمع.
فرفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين، وحذاء المنكبين للمرأة لئلا يظهر ذراعها، ونشر الأصابع، النشر حالة بين الضم وبين الانفراج، ومقابلة إحرام المقتدي لإحرام إمامه، لا ينبغي أن يتأخر المقتدي عن الإمام ولابد من التلازم والمتابعة، ومتابعة المقتدي لإمامه شيء أساسي في الصلاة، ووضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، صفة الوضع أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى محلقاً بالخنصر والإبهام على الرسغ، ووضع المرأة يديها على صدرها من غير تحليق، أي تحت صدرها تماماً لئلا يظهر صدرها أيضاً وهذا هو الأدب، والثناء أي دعاء الثناء: "سبحانك اللهم وبحمدك، و تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، والتعوذ أي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن أكثر العلماء على أن التعوذ يكون سراً، والتسمية أول كل ركعة بسم الله الرحمن الرحيم، بعضهم يقرؤها سراً وبعضهم يقرؤها جهراً.
2 ـ التأمين :
والتأمين، كلمة التأمين أي يا رب استجب لنا هذا الدعاء، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذا دعاء، فكلمة آمين أي استجب يا رب، لكن رفع الصوت بها ليس من أدب الصلاة، وأحياناً في صلاة الجماعة يرتفع الصوت حتى يصبح ضخماً إلى درجة غير مقبولة، لا إنكم لا تخاطبون أصماً، والذي تخاطبه يعلم سرك ونجواك، الذي تخاطبه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، و يعلم السر وأخفى، أي ما يخفى عنك فلا داعي لرفع الصوت بكلمة آمين، قال عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا قَالَ الإِمَامُ[ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ] فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
[مسلم، الترمذي، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، مالك، الدرامي عن أبي هريرة]
لقنني جبريل عليه السلام عند فراغي من الفاتحة آمين وقال: إنها كالختم على الكتاب، وهي ليست من القرآن ولكن في أثناء التلقين قال: آمين أي استجب يا رب، التأمين أيضاً من سنن الصلاة، لكن التأمين لمن؟ للإمام والمأموم معاً، الإمام يجب أن يقول: آمين بلسانه بصوت منخفض ومنفرد، حتى إن بعضهم قال: وقارئ الفاتحة خارج الصلاة عليه أن يقول آمين. 3 ـ التحميد :
والتحميد، التحميد أن يقول المصلي بعد أن يرفع من الركوع: ربنا لك الحمد والشكر حمداً طيباً كثيراً مباركاً عدد خلقك، ويسن هذا للإمام والمأموم معاً وقيل الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، وبعدها يقول المأموم والإمام: ربنا لك الحمد والشكر، هذا هو التحميد والإقرار بها يعني التحميد ليس جهراً ولكن سراً، يسن التحميد والإقرار بكلمة التحميد ربنا ولك الحمد.
4 ـ الاعتدال عند التحريمة :
ويسن الاعتدال عند التحريمة، أي عند تكبيرة الإحرام يجب أن يكون مستوياً قائماً معتدلاً، فلو كان أقرب إلى الركوع فقد خالف واجباً من واجبات الصلاة، ويسن أن يكون معتدلاً تماماً، فانحناء خفيف مقبول.
5 ـ جهر الإمام بالتكبير والتسميع وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع :
ويسن جهر الإمام بالتكبير والتسميع، أي إذا كان لا يوجد أجهزة صوت فيجب أن يكبر الإمام وأن يسمع من يصلي خلفه، و لو لم يسمع من يصلي خلفه لركع أو سجد والذين خلفه واقفون، يسن الجهر بالتكبير والتسميع، وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع، أي بين القدمين يوجد أربعة أصابع، وإبعاد القدمين عن بعضهما مخالف للسنة ولصقهما ببعضهما مخالف للسنة، فإبعاد القدمين عن بعضهما مقدار أربعة أصابع.
6 ـ إطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية :
وإطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية بمقدار ثلثين إلى ثلث، يسن إطالة القراءة في صلاة الفجر والظهر، وأن تكون الصلاة معتدلةً في صلاة العصر والعشاء، وقصيرةً في صلاة المغرب، فالإمام جزاه الله عنا كل خير قرأ سورتين قصيرتين وهذا من السنة، أما في حال الضرورة فاقرأ أي سورة شئت، وإن كنت مسافراً فاقرأ الإخلاص في صلاة الظهر لا مانع، وتكبيرة الركوع والتسبيح ثلاثاً وأخذ الركبتين باليدين وتفريج الأصابع، والمرأة لا تفرج أصابعها تبقيها هكذا، ونصب الساقين، وبسط الظهر، وتسويته مع الرأس والعجز على استقامة واحدة، والرأس والظهر والعجز على استقامة واحدة، والساقان مشدودان، والرفع من الركوع والقيام بعده مطمئناً، وهناك من يرفع ويتابع، والرفع من الركوع والاعتدال بعده ثم العودة إلى السجود، أما في السجود فوضع الركبتين أولاً ثم اليدين ثانياً ثم الوجه ثالثاً، وفي النهوض ترفع عكس هذا الترتيب.
7 ـ مجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض :
ومجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض، ترفع الذراعين عن الأرض و تباعد العضدين عن الجانبين، و تباعد البطن عن الفخذين هذا للرجل، أما المرأة فعكس ذلك تتطامن، و الرجل يفرش رجله اليسرى و ينصب اليمنى هكذا.
8 ـ الصلاة على النبي في الجلوس الأخير و الدعاء :
و الإشارة بالمسبحة هذه الإصبع اسمها المسبحة و اسمها السبابة عند الشهادة برفعها أشهد أن لا إله إلا الله ووضعها عند الإثبات، و قراءة الفاتحة فيما بعد الركعتين الأوليين، و الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس الأخير، و الدعاء بما يشبه ألفاظ القرآن و السنة لا بما يشبه كلام الناس أي إذا قلت في نهاية الصلاة:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة البقرة: 201]
مقبول أو: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾
[ سورة إبراهيم: 41]
مقبول، كما قال سيدنا الصديق: إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت مقبول، أما إذا دعوت بكلام الناس فإن الصلاة تصبح مكروهة، يا ربي زوجني فلانة بنت فلان أي شيء من كلام الناس لا يصح دعاؤه في الصلاة، والالتفات يميناً في التسليمتين ثم يساراً، هذه سنن الصلاة ولا ينبغي للمسلم أن يتركها إلا سهواً فإذا سها فليس عليه لتركها سجود السهو والله أعلم. * * *
التخلي عن موانع الفهم من آداب قراءة القرآن الباطنة و موانع الفهم هي :
1 ـ الحجب التي أسدلها الشيطان على قلب الإنسان :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، هذا الفصل هو التخلي عن موانع الفهم، من آداب قراءة القرآن الباطنة، تحدثنا قبل درسين عن آداب تلاوة القرآن الظاهرة وها نحن أولاء نتابع آداب قراءة القرآن الباطنة، فمن آداب قراءة القرآن الباطنة التخلي عن موانع الفهم، وهناك موانع تقف بين الإنسان وبين فهمه لكتاب الله، وهذا أهم آداب تلاوة القرآن أن تفهم كلام الله، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب القرآن، قال صلى الله عليه وسلم:
((هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يَحُومُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَوْلا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وفهم معاني كتاب الله نوع من معرفة الملكوت، أول هذه الحجب أن يكون الهم- الآن الإمام الغزالي لا ينتقد الذين يتقنون قراءة القرآن هؤلاء على العين والرأس، وهؤلاء ينفذون أمر الله سبحانه وتعالى، يتلونه حق تلاوته، ورتله ترتيلاً، ولكن الموضوع دقيق جداً- أن يكون الهم كله منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، ولا يوجد عنده همّ إطلاقاً إلا أن يتابع وينتقد القراء الذين أمامه، الباء لم يقلقلها، الجيم لم تكن معطشة، الضاد لم تكن بالصفة الفلانية، وهذا الذي لا يعرف من كتاب الله إطلاقاً إلا إتقان مخارج الحروف وأماكن الوقوف صار علم التجويد الذي هو مستحب وعلم علينا أن نأخذ به، وفرع من فروع العلوم الدينية صار هذا العلم حجاباً بينه وبين فهم القرآن، ولذلك نعوذ بالله أن يحجبنا علم فرعي عن أصول الدين، ويوجد عندنا أصول وعندنا فروع، أن يحجب الإنسان بالفرع عن الأصل هذا شيء كبير. الله تعالى ينظر إلى القلب و العمل :
قال: ما يزال الشيطان يحملهم على ترديد الحرف ويخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني، وأعظم ضحكة يضحكها الشيطان على قارئ القرآن أن يصرفه عن معاني كتاب الله، وأن يعلقه بمخارج الحروف فقط من غير أن يفهم، من هذا أننا لسنا مطالبين بتعلم علم التجويد وإتقان مخارج الحروف ومعرفة أماكن الوقوف؟ هذا من تلاوة كتاب الله، لكن الفكرة أن يقتصر على هذا، حتى إذا أتقن التجويد إتقاناً جيداً نشأ في نفسه نوع من الكبر يحول بينه وبين فهم كتاب الله، فكلما استمع إلى إنسان يقرأ كتاب الله صب عليه جام غضبه، وانتقده نقداً لاذعاً مهيناً، وقال له: أخطأت، وقد يكون الذي ينتقد قارئ القرآن هو الغافل، والذي يقرأ بخطأ هو الصاحي، طبعاً لا ندعو إلى إهمال علم التجويد إطلاقاً، ولكن نحذر من أن يكتفي الإنسان بعلم التجويد من علوم الآخرة التي هي أصل سعادة الإنسان، سيدنا موسى، قال تعالى:
﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾
[سورة طه : 27-28]
لو أن الأمر بالفصاحة، والطلاقة، والبلاغة، لكان النبي هارون، ولكن سيدنا موسى هو النبي المرسل، فالقضية بالقلب، وقد يكون الإنسان فصيحاً، متكلماً، طليقاً، خطيباً متفوقاً، وله صوت مجلجل، له صوت يصم الآذان، ونبرة نحاسية عالية المستوى، وقلبه غافل، وقد يكون هذا العيُ المتلعثم، الذي لا يحسن النطق ذا قلب حي، وكما قلنا لكم سابقاً العبرة: إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة؟ ما منظر الرب سبحانه وتعالى؟ هو القلب. 2 ـ أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه :
والآن المانع الثاني من موانع الفهم أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، وثبت في نفسه، وتعصب له، لمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا الشخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر في باله غير معتقده، فهذا شيء خطر جداً.
قالوا له: إن هذه الآية معناها مثلاً الآية الكريمة التي تقول:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]
سمع تفسير الآية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يولي هذه الوجهة، معنى هذا أن الإنسان غير مخير بل مسير، أسمعوه مرة أن: الله خلقكم وما تعملون، عمل الإنسان من خلق الله، فهذا الزاني قدر الله عليه الزنا، وهذا السارق قدر الله عليه السرقة ولا صلة له بها، ولا مشيئة، ولا اختيار، هكذا سمع، فإذا قلد إنسان مذهباً واعتقد به، وتعصب له من غير فهم، ولا تبصر، ومن غير مرونة، و تأمل، ومن غير تحقيق، و تدقيق، هكذا سمع، هذا الذي سمعه وجمد عليه وتعصب له وعمي عما سواه هذا المذهب الذي يقلده مانع كبير من موانع الفهم. الاعتقاد بشيء منقول والتعصب له والجمود عليه أكبر مانع من موانع الفهم :
و يوجد كثير من الآيات بحسب الظاهر، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة : 13]
الله لا يريد أن يهدي الناس كلهم، هكذا قال المفسرون، لا، لها توجيه آخر، القرآن حمال أوجه، و القرآن ذو وجوه، وهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، الله خلقنا ليسعدنا، وخلقنا لنهتدي إليه، أما أن يمنع عنا الهدى فهذا شيء مستحيل، يقول لك: هكذا قال السادة المفسرون، فمن أنت؟ الاعتقاد بشيء منقول، والتعصب له، والجمود عليه، وعدم التدقيق به، وعدم تمحيصه، وعدم التأمل فيه، والإصرار عليه، هذا أكبر مانع من موانع الفهم، فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق عن بعد، وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه - أي تخالفه - حمل عليه شيطان التقليد، فعندنا شيطان القراء، وشيطان التقليد، حمل عليه شيطان التقليد حملةً وقال: كيف يخطر هذا في بالك وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أن هذا غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله، ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب، العلم أحياناً يكون حجاباً، أي من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾
[ سورة الحج: 15 ]
فإذا الإنسان ضاقت به الحياة، وضاقت به السبل، والطرق كلها مسدودة، ضيق بذات اليد، ومرض في البدن، وأمور معسرة، وعمل لا يوجد، ومطالب كبيرة، فإذا حصل للإنسان هذا قال بعض المفسرين: يشنق نفسه هذا الحاضر، أخي هكذا جاء في الجلالين فهل أنت أفهم منه؟ لا ليس أفهم منه ابق على هذا المعتقد واذهب واشنق نفسك.
هكذا جاء في بعض التفاسير، يوجد تفسير أرقى من هذا فليمدد بسبب إلى السماء، أي يعمل عملاً صالحاً بنية التفريج عنه، وليقطع كل منكر، ويستقيم استقامة تامة، ولينظر بعد ذلك كيف يذهب غيظ قلبه، ويفرج الله عنه، ويرفع عنه هذا الضيق، وهذا الكابوس، وهذا التعسير، فهذا معنى يتناسب مع عظمة الإله، ومع كرمه، و حنانه، و عطفه، و كماله، و رحمته، وحلمه، أما اذهب واشنق نفسك وهذا هو الحاضر، هذا لا يتناسب مع المعنى، فإذا قرأ إنسان الآية وقرأ تفسيرها وانتهى، أخي هكذا التفسير، أنا عندي الجلالين في البيت، أخي هذه ليست معقولة. الابتعاد عن الإسرائيليات التي تفتري على كلام الله عز وجل :
يوجد أخ أعارني كتاباً قصصياً عن قصص القرآن الكريم، وطلب مني أن أقرأ فيه، فقرأت بعض القصص فيه، فيه شيء عجيب، سيدنا داود هذا النبي العظيم، ما معنى نبي أساساً؟ أي مصطفى، اصطفاه الله على علم على العالمين، وهو من خيرة الخلق، وسفراء وحي الله عز وجل، قال: هو جالس في غرفته فوجد طيراً من ذهب وأجنحته من فضة، وعليها أحجار كريمة، فظنه جماداً، فاقترب منه يريد أن يمسكه فطار، تبعه إلى أن وصل إلى مكان مطل على بيت فيه امرأة تستحم، وصف جمالها وصفاً يأخذ بالألباب، فهام بها حباً، فلما علمت أنه ينظر إليها نثرت شعرها عليها فزاد حبه لها، سأل عنها فإذا هي زوجة أحد قواده الكبار، ومن العادات العسكرية وقتها أن هناك تابوت في أثناء المعركة فإذا تقدم أحد أمام التابوت وجب أن ينتصر أو يموت، فأعطى أمراً أن يقدموا هذا القائد أمام التابوت فلعله يموت ويأخذ زوجته هذه، ويكتب هذا عن نبي؟ فقدموه فانتصر و لم يمت، فوقع هذا النصر في قلبه مؤلماً لماذا انتصر؟ لماذا لم يمت؟ فقال: قدموه مرةً ثانية فقتل، وعندئذٍ تزوج هذه المرأة.
وصلت إلى قصة يوسف عند قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 24 ]
وجدت أنه همّ بها، أي شارف على الزنا بآخر مراحله، أول مرة، والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة يخرج له والده ويقول له: إياك ويتغافل ويبدأ، إذا كان سيدنا يوسف هذا النبي العظيم وصل إلى معنى هم بها أي كأنه أقدم على هذا الفعل الذي يخالف أمر الله عز وجل، فماذا بقي على من ليس نبياً؟ هذا الشخص يقول لك: هكذا ورد، هذه كلها إسرائيليات، وهذه كلها افتراءات على كلام الله عز وجل.
قرأت عن سيدنا سليمان أيضاً أشياء، منها ضاع الخاتم منه ففقد نبوته، وما أحد عرفه، لكن الله عز وجل حفظ نساءه من أن يقترن بهن الشيطان، لأن الشيطان هو الذي أخذ الخاتم وصار مكانه نبياً، كأن هذه النبوة كلها بهذا الخاتم، وبعد هذا فالشيطان رمى الخاتم في البحر، وسمكة من السمكات حملته وهو صار إنساناً عادياً جداً يبحث عن قوت يومه، ويهيم على وجهه في البراري، ووصل إلى شاطئ البحر فاشترى سمكة ففتحها فوجد الخاتم فوضعه فرجع سيدنا سليمان نبياً.
فإذا أراد إنسان أن يقرأ هذه القصص يجد أن هؤلاء الأنبياء، نخبة البشر، بل عباد مكرمون، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 27]
فإن العلم حجاب، فإذا قرأ إنسان هذه التفاسير وجمد عليها وقال: هكذا الأنبياء، فقد بصيرته. 3 ـ أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر :
والآن مانع ثالث من موانع الفهم: أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر، لأن الإنسان قد ينسى بعض العلم بالمعصية، لا تعصه بالنهار يوقظك بالليل.
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نــــور ونور الله لا يهدى لعاصــي
***
ألقينا على كرسيه جسداً أي على علمه، الإنسان عندما يرتكب مخالفة يقع بالحجاب، فإنسان مصر على معصية، ومقيم عليها، فهذا لا يمكن أن يسمح الله له بفهم كتابه، فمحبة الدنيا سبب ظلمة القلب، وهو كالخبث على المرآة، إذا مرآة عليها طبقة غبار كثيفة، فهذه لا تعكس الصور عكساً صحيحاً، فإذا صقلتها عكست لك ما هو أمامها، وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني الكلام أشد احتجاباً، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلي المعنى فيه، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى أمام المرآة، أنت مرآة والشهوات صدأ، والمعاني الشيء الذي أمام المرآة، فإذا جلوت الصدأ أصبحت المرآة صقيلةً لامعة فعكست ما أمامها، وإذا تراكم عليها الصدأ والخبث حجبت ما أمامها، وهذا هو الشأن في القرآن قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي ))
[ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضيل بن عياض]
ما هي بركة الوحي؟ فهم معاني كلام الله، قال الفضيل: "أي حرموا فهم القرآن"، والقرآن يجوز أن تسمعه بالسيارة فلا أحد يفهم شيئاً لأن لهم معاص، ولهم خواطر ثانية، وقد شرط الله سبحانه وتعالى الإنابة في الفهم والتذكير، قال تعالى: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾
[ سورة ق : 8]
﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾
[ سورة غافر: 13 ]
4 ـ اعتقاد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناولته بعض التفاسير: :
الآن المانع الرابع من موانع الفهم: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، فإذا قرأ تفسيراً ظاهراً وقرأ أن هذه الآية هكذا قال عنها ابن عباس رضي الله عنه، أو قال عنها مجاهد، هكذا وانتهى الأمر، وليس عنده إمكان أن يفهم شيئاً آخر، ولا يتوسع، القرآن ذو وجوه، القرآن حمال أوجه، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 109 ]
هذه الآية لها معنى دقيق، فلو أن البحر كله مداد، أي حبر لكلمات الله، أي لتفسير كلمات الله، لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً، أي لو أن البحر مداد لشرح كلمات الله لنفذ البحر قبل أن ينفذ الشرح، هذا هو المعنى.
وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار، وهذا الحديث صحيح لكن لا يقصد النبي عليه الصلاة والسلام أنه من توسع في فهم كلام الله، من جر الآية جراً لتغطية شهواته، و هذا هو التفسير بالرأي. من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار :
أحياناً تقرأ كتاباً علمياً يقول لك: الموضوع الفلاني العلمي يوجد آية تؤيده، ترى التأييد غير طبيعي؟ مفتعل؟ كأنك تجر الآية جراً حتى تغطي هذه النظرية العلمية الحديثة، قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة الأنبياء : 30]
فهذه النظرية الحديثة إن الأرض مع الشمس كانت كتلة واحدة ثم انفصلوا، لا يا أخي، هذه الآية غير مرئية، وهذه سابقاً يريد أن يجر الآية جراً إلى هذه النظرية الحديثة أن الأرض والشمس والكواكب كانت كتلة واحدة وانفصلت بحكم القوة النابذة، لا هذا جر، وأحياناً الإنسان يجر آية لتغطية شهواته، مثلاً قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران : 130]
يقول الجاهل: يا أخي الله ما نهانا عن الربا، بل نهانا عن النسب العالية في الربا: وهذه الآية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
معنى هذا أن كل شيء فوق رأس المال حرام، هذه الآية تكمل الآية، أحياناً الإنسان يجر الآية جراً حتى يغطي شهواته، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
ما تمكنا إذاً لا نصلي، هذا افتعال للتفسير، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر : 99]
فإذا أتاك اليقين انتهت العبادة!! وهذا شيء باطل، هذا هو التفسير بالرأي، من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، لأنه يجر الآيات إلى شهواته، لكن من توسع في فهم كلام الله فهذا هو التدبر.
وهو من الحجب العظيمة، و سيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن".
هذه أربعة موانع تمنع صاحبها عن فهم كتاب الله، التعلق فقط، وقصر الهمة كلها على مخارج الحروف، والاستعلاء على الناس بهذا، وهناك شيطان موكل بالقراء، وأن يكون له مذهب معين، مذهب الجبر مثلاً، مذهب معتزلي، أي الإنسان خالق أفعاله، يأتي بآيات قرآنية تؤيد مذهبه، هذا من الصعب أن يفهم كلام الله، مادام مذهبه على خلاف أهل السنة والجماعة، ومعنى هذا أنه يفتعل الآيات افتعالاً ويجرها جراً حتى يؤيد مذهبه فيها وهذا مانع ثان.
المانع الثالث أن يكون له ذنب مصر عليه.
المانع الرابع أن يكون قد قرأ تفسيراً ولا يوجد عنده استعداد أن يجازوه إلى معنى آخر، أو معنى أوسع، أو معنى أحدث. * * *
قصة العباس صاحب شرطة المأمون مع الرجل الدمشقي :
والآن إلى قصة من القصص التي نحاول أن نستنبط منها موعظة، هذه القصة على صفة رفيعة في الإنسان، وهي الوفاء، كنت قد قرأتها لكم في أحد أيام الأعياد، وكان الحاضرون قلة، و أردت أن أعيدها الآن لما فيها من الفائدة.
قال صاحب شرطة المأمون: دخلت يوماً مجلس أمير المؤمنين ببغداد، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما رآني قال لي: يا عباس، قلت: لبيك أمير المؤمنين، قال: خذه إليك واحتفظ به، وبكر به إلي في الغد، فدعوت جماعةً فحملوه - ويبدو أنه لا يقوى على السير ولم يقدر أن يتحرك - فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به يجب أن يكون معي في بيتي احتياط، فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري، قلت لهم: انصرفوا، ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو؟ فقال: أنا من دمشق، فقلت: جزى الله دمشق وأهلها خيراً- العباس صاحب شرطة المأمون- فمن أنت من أهلها؟ قال: وعمن تسأل أنت؟ قلت: أتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل أنت؟ قلت: وقعت لي معه قضية، فقال: والله ما كنت بالذي أعرف خبره حتى تعرفني قضيتك معه.
قال العباس: كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها، وخرجوا علينا، وهربت أنا وأصحابي وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدروب إذ بجماعة يعدون خلفي فما زلت أعدو أمامهم حتى فتهم، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله، قال هذا الرجل: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت وأدخلني مقصورةً في صدر البيت، ووقف الرجل على باب الدار، وما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون: هو والله عندك، فقال: بينكم الدار ففتشوها، ففتشوها حتى لم يبقَ سوى تلك المقصورة، فقال: هاهنا امرأتي فتراجع القوم، وانصرفوا، وخرج الرجل، وجلس على باب داره ساعةً، وأنا قائم أرجف خوفاً ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقال لي بعد ساعة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فقال لي مرةً ثانية: لقد صرف الله عنك هؤلاء وصرت إلى الأمن والدعة اجلس، فقلت: جزاك الله خيراً ثم مازال يكرمني ويعاشرني أحسن معاشرة وأجملها، وأفرد لي مكاناً في داره، ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش، وأهنئه، إلى أن سكنت الفتنة، وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني فلعلي أقف منهم على خبر؟ فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت فطلبت غلماني فلم أرَ لهم أثراً فرجعت إليه، وأعلمته الخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني، ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يخاطبني إلا بالكنية، لا من أنت، و لا ما عملك، ولا من هذا القبيل.
ثم قال: علامَ تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد، فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام، وها أنا ذا قد أعلمتك، فقلت له: إنك تفضلت علي هذه المدة، ولك علي عهد ألا أنسى لك هذا الفضل، ولأكافئنك ما استطعت، ثم دعا غلاماً له، وقال له: أسرج الفرس ثم جهز آلة السفر، فقلت في نفسي: ما أظن إلا أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة، أو ناحيةً من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب - أي يهيئون آلة السفر والعدة والطعام والفراش والرواحل - ولما حان يوم خروج القافلة جاءني السحر، وقال لي: قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أشتري به مركوباً؟ ثم قمت فإذا هو يحمل أفخر الملابس، وخفين جديدين، وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي بغلاً حمل عليه صندوقين وفوقهما فرش، وقدم لي فرساً، وقال لي: اركب وهذا الغلام يخدمك طوال الطريق، ويسوس مركبك، غلام، وفرس، وطعام، وزاد، وفراش، وكل شيء.
وأقبل يعتذر إلي من التقصير في أمري- و أيضاً اعتذر منه إذا قصر معه في هذه المدة - وركب معي يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته، ومكافأته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلذلك أسأل عنه هل تعرفه؟ هذا من الشام؟ قال: فلما سمع الرجل الحديث، قال: قد أمكنك الله من الوفاء له، ومكافأته على فعله، ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك، ولا مؤونة تلزمك، قال: وكيف ذلك؟ أين هو؟ فقال: أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي أصابني غير عليك حالي، وما كنت تعرفني فيه، أنا الذي استقبلتك في البيت، وأكرمتك، وفعلت ما فعلت، فقال العباس: فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له: فما الذي أصابك حتى أصبحت على ما أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنةٌ ثانية، وكنت بريئاً منها، ثم ألصقت بي هذه التهمة، فبعث أمير المؤمنين بجيوش، وأصلحوا البلد، وأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين، وأمري عنده عظيم، وخطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافئتك لي أن ترسل من يحضره حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت هذا فقد جاوزت حد المكافأة، وقمت لي بوفاء عهدك، قلت: يصنع الله خيراً، قال: ثم أحضر العباس حداداً في الليل فك قيوده، وأزال ما كان فيه من الأنكال، وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بالأفراس والهدايا ثم أمره أن يشيعه إلى حد الأنبار، قال له: اذهب إلى الشام، أعطاه أفراساً وهدايا وبضاعة وطعاماً وشراباً وقال له، رافقه إلى آخر مشارف بغداد.
فقال له: إن ذنبي عظيم، وخطبي جسيم، وإن أنت احتججت بأني هربت بعث في طلبي حتى أرد إليه وأقتل، فقال العباس: انجُ بنفسك ودعني أدبر أمري، فقال: والله لا أبرح بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال العباس: إن كان الأمر على ما تقول فلتكن في موضع كذا، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمتك، وإن أنا قتلت فقد وقيتك بنفسي كما وقيتني.
ثم تفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً، فلما فرغ من صلاة الصبح جاءت رسل المأمون إليه وهم يقولون: هات الرجل معك وقم، فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين، فإذا هو جالس ينتظر فقال: أين الرجل؟ فسكت، قال: ويحك أين الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، قال: لله علي عهد لأن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك مكانه، فقلت: لا والله ما هرب، ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري، قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها، وعرفته أني أريد أن أفي له، و أكافئه على فعله معي، وقلت: أنا سيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين، إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت، وإما فيقتلني فأقيه بنفسي، وقد تحنطت، وهاهو ذا كفني معي يا أمير المؤمنين.
قال: فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيراً، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفةٍ وتكافئه بعد المعرفة بهذا، فهلا عرفتني خبره، فكنا نحن نكافئه عنك، ولا نقصر في وفائه لك، اعتبر المأمون هذه المكافأة دون الحد المطلوب، قال له: إنه ها هنا في بغداد وقد حلف أنه لن يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إليه حضر، فقال المأمون: فهذه منة أعظم من الأولى، اذهب إليه الآن فطيب نفسه، وسكن روعه، وائتني به حتى أتولى أنا مكافأته.
قال: فأتيت إليه وقلت له: ليزل خوفك إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ثم قام وركب، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه، وحدثه حتى حضر الغداء، فأكل معه، وخلع عليه، وعرض عليه ولاية دمشق، فاستعفف، فأمر له بصلة، وكتب إلى عامله بدمشق يوصيه به.
الإيمان كله قيم أخلاقية و مكارم أخلاق :
الحياة كلها وفاء، الذي عنده وفاء لزوجته، ووفاء لأخيه، و لشريكه، ولأهل بلده، و لأمته، و لوطنه، و للإنسانية و لنبيه الكريم صلى الله عليه، فالوفاء هو كل شيء، فهذا الرجل عمل معروفاً لوجه الله تعالى، وما درى أنه وقع عند الذي فعل معه هذا المعروف، وهذا الذي فعل معه المعروف بذل نفسه رخيصةً من أجل الوفاء بعهده، هو طلب منه أن يطلب غلامه حتى يلقنه وصيته فقط، وتكون جاوزت المكافأة، فلم يرضَ إلا أن يضع روحه دونه.
و هكذا الأمة العربية كانت سابقاً، وهكذا السلف الصالح كان، و الإنسان كان، و الإيمان كله قيم أخلاقية، و مكارم أخلاق، وأحدهم يأخذ امرأة كاملة مكملة تمرض فيريد أن يطلقها أهكذا الوفاء؟ أخذتها شابة.
قالت: يا رسول الله تزوجني شابة ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنتِ علي كظهر أمي، فالآن بعدما كبرت، وذهب أهلي، ومات والدي، و سافر أخوتي، وكان معي مال أخذه مني، قال لي: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام.
فالذي ليس عنده وفاء لا إيمان له، والذي لا وفاء له للذي أحسن إليه لا إيمان له.
ومن أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة، ومن أسلم على يده رجل فله ولاؤه طوال حياته، وهذا معروف بسيط أكرمه شهرين أو ثلاثة، فوجد المناسب أن يضحي بحياته من أجله، فكيف بالذي هداك إلى الله عز وجل؟ فإذا كان لك أخ هداك إلى الله، فدعاك إلى مجلس علم، واعتنى بك، وأكرمك، أتنسى فضله؟ فهذا هو الوفاء.
والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الأوفياء حينما فتح مكة و دعي إلى بيوت أصحابه قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، هذه التي آمنت به يوم كذبه الناس، وأنفقت عليه مالها، هذه أحق إنسانة ينام إلى جانب قبرها.
* * *
الحج عرفة :
قال عليه الصلاة والسلام:
((الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ))
[ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
الحاج إنسان رفيع الشأن وفد الله. والحجاج والعمار وفد الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا، ومهما ارتفعت التكاليف يخلف عليهم ما أنفقوا، الدرهم ألف ألف.
الحج سبيل الله، أي الطريق إلى الحج طريق إلى الله عز وجل، هذه سياحة روحية، وهذا ذهاب إلى الله تعالى، والله سبحانه وتعالى جعل الكعبة البيت الحرام بيته فمن زارها فكأنما زاره، والحج المبرور: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
المبرور لا لغو، و لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال، بل نية خالصة، و مال حلال، وتوبة صادقة، هذا هو الحج المبرور يرجع المرء منه كيوم ولدته أمه. (( الحج عرفة ))
[ الترمذي و أبو داود عن النعمان بن بشير]
هذا حديث من الأحاديث ذات البلاغة العالية، الحج عرفة بمعنى أن الإنسان إن لم يقف بعرفة فلا حج له، في وقت محدد إن لم يكن في هذا المكان في عرفة فلا حج له، والمعنى الأوسع أن الحج معرفة الله سبحانه وتعالى، أنت ذاهب إلى الله من أجل أن تعرفه، فإذا عدت من الحج وقد عرفته، وقد أقلعت عن كل الذنوب لأنك عرفته، وقد عزمت عزماً صادقاً أكيداً على متابعة طاعته حتى الموت، وقد انقطعت أمامك الحقائق، وظهرت الحقائق، و صغرت الدنيا في عينيك، وعظمت الآخرة، ورأيت الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، ولا شيء سواه، ولا شيء قبله، ولا شيء بعده، هو الظاهر والباطن، فإذا رأيت هذه الرؤية فقد حججت، أما إذا عدت كما أتيت، وأنت كما أنت مقيم على بعض المخالفات ومتساهل في بعض الطاعات فهذا الحج لا يقدم ولا يؤخر. ((الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ ))
[ أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]
فالسفر فيه مشقة، وفيه ازدحام، و مشقة بالعودة، و بالحجز، وبالحر، و بتأمين الحاجات، وبالسكن، فهذا جهاد الضعيف. الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله ))
[الديلمي عن أنس]
إذا دخلت إلى الحرم المكي يجب أن تشعر أن هذا الحرم ليس له علاقة بالبلاد المحيطة به، هذا بيت الله، وهذه الكعبة كعبته، وهذا الحجر يمينه في الأرض، فمن فاوض الحجر فكأنما فاوض كف الرحمن، وإنك إذا تعلقت بأستار الكعبة فهذا قرب من الله شديد وإنك إذا قبّلت الحجر فقد قبلت يمين الله في أرضه.
هذه المناسك يجب أن يرافقها حالات نفسية، وإلا لا قيمة لها، و تصبح طقوساً، وما الفرق بين الطقس والعبادة؟ الطقس حركات لا معنى لها، لكن العبادة يرافقها مشاعر سامية جداً: ((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله ))
وإذا صافح إنسان الحجر الأسود، أو استلمه، أو قبله، أو مسحه بيمينه، أو قبله بشفتيه، وعاد إلى بلده يجب كلما حدثته نفسه بمخالفة أن يذكر تلك البيعة، لقد بايع الله عز وجل على الطاعة، لقد عاهده على الطاعة حينما قبل يمينه في الأرض، والحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده. ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَم ))
[ النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا البشر، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا.
هذا حديث صحيح، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا عبادتنا، وأن يتقبل منا حجنا لمن حج، وأن يرزقنا حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً.

السعيد
09-10-2018, 08:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الثلاثون )


الموضوع : اداب الصلاة- الاداب الباطنة لتلاوة القران





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آداب الصلاة :
1 ـ إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا من قبل عن أركان الصلاة، وعن واجبات الصلاة، وعن سنن الصلاة، و ها نحن أولاء ننتقل إلى آداب الصلاة، فمن آدابها إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير، أي إذا كان الإنسان يلبس شيئاً لـه كم طويل فمن السنة ومن الأدب أن يخرج كفيه من كميه.
2 ـ نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً :
ونظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وهو قائم ينظر إلى موضع سجوده و أحياناً على الإنسان أن يغمض عينيه ولكن متى؟ لو دخل إلى مسجد - قيل: يوجد مسجد تكلفته تقدر بثلاثة وعشرين مليوناً في المزة-، فإذا دخل ليصلي ونظر إلى هذه الزخارف والثريات، فأغلب الظن في هذه الحالة له حق أن يغمض عينيه داخل الصلاة، وإذا كان في الغرفة ابنه يتحرك أمامه وعينه على ابنه فأين الخشوع؟ ففي مثل هذه الحالة يغمض عينيه، وإذا لم يكن شيء يجذب النظر فيفتح عينيه وينظر إلى مكان سجوده، ‏وهذا من آداب الصلاة.
3 ـ النظر إلى ظاهر القدم عند الركوع و إلى موضع السجود و هو قائم :
وإذا ركع ينظر إلى ظاهر القدم وإلى موضع سجوده وهو قائم، على ظاهر قدمه وهو راكع، وإلى أرنبة أنفه وهو ساجد، وإلى حجره - الحجر هو الحضن - وهو جالس بين السجدتين.
4 ـ النظر أثناء التسليم إلى المنكبين :
وأن ينظر أثناء التسليم إلى المنكبين، أحياناً يصلي الإنسان و على اليمين صديق له أو أخوه أو زوجته فيسلم ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وينظر إلى الحاضرين، ويتأملهم، ويتفحصهم، وهو يسلم فهذه لا تجوز، فمن آداب الصلاة أن ينظر أثناء التسليم إلى منكبيه، أما أن يتفحص من هم في الغرفة قبل أن ينهي الصلاة فليس هذا من آداب الصلاة، هذه من آداب الصلاة.
5 ـ دفع السعال وكظم الفم عند التثاؤب :
ودفع السعال ما استطاع، والإنسان يستطيع أن يسعل لكن إذا كان من الممكن أن يتلافى السعال فالأدب أن يتلافى السعال، وأحياناً يوجد بلغم في حنجرته ويستطيع أن يتابع الصلاة من دون أن يقتلعه من مكانه بنحنحة قوية، فهذه النحنحة في أثناء الصلاة تشوش على المصلين وقد تدفع النفوس للاشمئزاز، فدفع السعال والنحنحة ما استطاع، وكظم فمه عند التثاؤب، وأحدهم سأل الرسول صلى الله عليه عندما كان يتثاءب أن يضع يده اليمنى أم اليسرى؟ ولم يجد ذلك في كتب السنة، فلما سأل العلماء قالوا: إن النبي صلى الله عليه ما تثاءب قط في كل حياته، قال: التثاؤب من الشيطان والعطاس من الرحمن، والتثاؤب دليل الملل، والضجر، وعدم المبالاة، لكن نحن لا نقول للمؤمنين لا تتثاءبوا، نقول: ادفع التثاؤب قدر الإمكان، والدليل أن تكظم الفم والكظم هو الإغراق، فأحياناً يشعر أن حنكه يرجف و يريد أن يتثاءب لكنه حافظ على فمه مضغوطاً و هذا هو الأدب أما أن يفتح فمه كالمغارة فهذا لا يليق.
6 ـ القيام إلى الصلاة :
القيام إلى الصلاة متى؟ قام المؤذن وأقام الصلاة تجد أناساً يقفون عند قوله: الله أكبر الله أكبر، وأناس عند: أشهد أن محمداً رسول الله، وأناس عند: حي على الصلاة، وأناس عند: حي على الفلاح، فتصير فوضى، والأدب أن تقوم إلى الصلاة عندما يقول المقيم: حي على الفلاح، والإمام إذا لم يكن موجوداً في مكانه الطبيعي ينتقل إلى مكانه عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، هذه هي السنة.
تطبيق عملي حول حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام :
والآن عندنا بحث تطبيق عملي حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام:
أولاً: إذا أراد الرجل الدخول في الصلاة طبعاً الآن دمجنا الأركان مع الواجبات مع السنن مع الآداب في تسلسل واقعي عملي واحد، إذا قام الرجل إلى الصلاة أخرج كفيه من كميه ثم رفعهما حذاء أذنيه، ثم كبر بلا مد، المد في الأذان أما في التكبيرة فليس هناك مد، ماضياً أي نوى وكبّر، ويصح الشروع بكل ذكر خالصاً لله تعالى كسبحان الله، ثم يضع يمينه على يساره تحت سرته عقب التحريمة، ثم يضع يمينه على يساره محلقاً خنصره بإبهامه تحت سرته بعد التحريمة بلا مهلة مباشرةً، مستفتحاً بقوله: سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يستفتح الإمام ويستفتح المقتدي وكل مصلٍّ ولو كان منفرداً ثم يتعوذ سراً، ويسمي في كل ركعة: بسم الله الرحمن الرحيم، والأحناف يؤثرون أن تقرأ التسمية سراً ويسمي في كل ركعة قبل الفاتحة فقط، ثم قرأ الفاتحة وأمم الإمام والمأموم أي آمين يقولها الإمام والمأموم سراً، أما هذا الصوت المرتفع الذي يصم الآذان فهذا خلاف آداب الصلاة، والآن نرجو من كل مصلٍّ أن يقول: آمين بصوت لا يكاد يسمع، هكذا السنة، وهكذا الأدب، ثم يقرأ هذا الرجل سورة أو ثلاث آيات، ثم يكبر رافعاً مطمئناً يتلو سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، مطمئناً مسوياً رأسه بعجزه على استقامة واحدة، أخذاً ركبتيه بيديه، مفرغاً أصابعه، مسبحاً ثلاثاً: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويطمئن قائماً ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولو كان إماماً أو منفرداً، والمقتدي يكتفي بالتحميد فقط، ثم يكبر خاراً للسجود ثم يضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه بين كفيه، ويسجد بأنفه وجبهته مطمئناً مسبحاً ثلاثاً، ومعنى الاطمئنان: ألا يكون الركوع والسجود كنقر الديك أي ثلاث مرات سبحان ربي الأعلى، وذلك أدناه ويجافي بطنه عن فخذيه، ويبعد بطنه عن فخذيه وعضديه عن إبطيه في غير زحمة، أما إذا كان هناك ازدحاماً فيجب أن تضم المرفقين إلى الإبطين، لكن لا يوجد معك أحد في الغرفة ممكن أن تباعد بين الذراعين وتوجه أصابع اليدين والرجلين نحو القبلة، والمرأة بالعكس تتجمع ولا تتباعد، ثم يرفع رأسه مكبراً للنهوض بالاعتماد على الأرض بيديه وبلا قعودٍ، والركعة الثانية كالأولى إلا أنه لا يثني دعاء الثناء ولا يتعوذ ولكن يبسمل، والثانية لا يوجد فيها دعاء الثناء ولا تعوذ ولكن فيها بسملة، ولا يسن رفع اليدين إلا عند افتتاح كل صلاة، وعند تكبير القنوت في الوتر، وتكبيرات الزوائد في العيدين، وحينما يرى الكعبة، وحين يستلم الحجر الأسود، وحين يقوم على الصفا والمروة، وعند الوقوف بعرفة، ومزدلفة، وعند رمي الجمرة الأولى والوسطى، وعند التسبيح عقب الصلوات، و هذه الحالات عند الإمام الحنفي التي يسن فيها رفع اليدين مع التكبير.
الآن يقرأ التشهد المعروف ويشير بالمسبحة في الشهادة يرفعها عند النفي لا إله إلا الله، ويضعها عند الإثبات، ولا يزيد على التشهد في القعـــود الأول وهو التحيات لله والصلوات الطيبات، القعود الأول تشهد والقعود الثاني تشهد مع صلوات إبراهيمية، ويقرأ الفاتحة فيما بعد الأوليين في الركعة الثالثة والرابعة، ثم يجلس فيقرأ التشهد، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما يشبه القرآن والسنة: رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ثم يسلم يميناً ويساراً ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، هذه صفة المصلي مدموجاً فيها أركان الصلاة، وواجباتها، وسننها، وآدابها، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى باب الإمامة، وبعدها بعض مفسدات الصلاة.
* * *
آداب قراءة القرآن :
الأدب السابع هو التخصيص :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين حول آداب قراءة القرآن، هذا الفصل مهم جداً، أرجو أن تدققوا فيه، وأن تصغوا إليه.
الأدب السابع هو التخصيص لأهمية هذا الفصل سأقرأه على مسامعكم كلمة كلمة وسأحاول شرح الجمل الغامضة، والأماكن التي تحتاج إلى شرح، وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطابٍ في القرآن، والآن إذا كان طالب مثلاً في الصف الثالث الثانوي والامتحان على الأبواب يسمع الأخبار فكان البلاغ التالي: بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية، بناءً على مقتضيات المصلحة يؤخر الامتحان من الخامس من حزيران إلى العاشر منه، هذا طالب الشهادة الثانوية الذي على وشك الامتحان، ويستمع إلى هذا البلاغ حينما يقول: المذيع بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية تراه كتلة إصغاء، وكتلة اهتمام، وهذا البلاغ له علاقة بدراسته وببرنامجه، مثلاً: لو أن التجار استمعوا إلى بلاغ متعلق بالاستيراد، أول شيء يشتري الجريدة، ويقول لك: ما انتبهت جيداً، يمكن الساعة الثانية عشرة ليلاً يبحث عن جريدة، وإذا سمع بلاغاً يمس تجار السيارات، وصدر بلاغ يمس بعض أنواع الفعاليات الاقتصادية كيف تشعر أن هذا البلاغ لك وله علاقة بمصيرك؟ يربحك وممكن أن يخسرك؟ مرة صدر بلاغ بالسماح باستيراد السيارات ثاني يوم هبط سعر كل سيارة مئة ألف ليرة، فكل صاحب سيارة وكل تاجر سيارات صار معنياً بهذا البلاغ، وهذا مثل منتزع من حياتنا اليومية، رجل يريد أن يسافر قالوا له: رسم الخروج صار ألف ليرة ترى أنه يعطي كل اهتمامه، وأما الذي لا يريد أن يسافر فلا يسأل.
على الإنسان أن يشعر أنه مقصود بكل خطاب بالقرآن :
إذاً الإنسان عندما يكون له علاقة بهذا الموضوع تراه مصغياً، مهتماً الآن من آداب تلاوة القرآن الكريم التخصيص، وهو أن تشعر أنك مقصود بكل خطاب بالقرآن، هذا سؤال ينبغي أن يكون الإنسان فيه صريحاً، إذا قال الله تعالى: يا أيها الذين أمنوا هل تشعر أنك معني بالخطاب؟ هل تشعر أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض يخاطبك أنت بالذات؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[ سورة الصف: 2-3 ]
هل تشعر وكأن الله عز وجل يعاتبك؟ عاتب عليك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾
[ سورة الأحزاب:69 ]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب:71 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ﴾
[ سورة النساء: 71 ]
كلما تقرأ هذه الآيات بماذا تشعر؟ تشعر أنك معني بها، وأنك المخاطب، و المقصود، وهنا كل إنسان يعرف نفسه. المؤمن إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور :
قال تعالى:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة: 14-15 ]
قالوا: فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهي والمأمور، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 104 ]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات: 12 ]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 11 ]
إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور، هذا الشيء تعرفه أنت، تحس أنك المعني بهذا الأمر، وأنت المعني بهذا النهي، وإذا سمع وعداً، قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور: 55 ]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[ سورة الحج: 38 ]
هل تحس أنك المعني بهذا الوعد الطيب؟ وإن سمع وعداً أو وعيداً يحس أنه الموعود وأنه المهدد. حال المؤمن بين الخوف و الرجاء :
قال سيدنا عمر: لو أنزل الله سبحانه وتعالى أنه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل أنه راحم رجلاً واحداً لتمنيت أن أكون أنا، هذا حال المؤمن رغباً ورهباً، بين الخوف والرجاء، وإن سمع قصص الأولين والأولياء علم أن الثمر غير مقصود، فإذا قرأ إنسان قصة يقول: قصة ممتعة لها بداية وعقدة ونهاية، ويوجد حوادث، وبيئة، ورسم شخصيات، وتحليل، وهذه قصة فنية وهي شيء ممتع، لا يا أخي ليس المقصود هو المتعة بل المقصود هو العبرة، المقصود من هذه القصة: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذا هو المقصود، الله عز وجل كلمة لا إله إلا الله عبّر عنها بشكل قصة فإذا قرأت قصة في القرآن مثلاً قصة سيدنا موسى، أو قصة سيدنا يونس، أو سيدنا إبراهيم مع قومه، أو سيدنا رسول الله، أو أصحاب الجنة، هذه القصص يجب أن توقن أنها ليست للمتعة إنها للموعظة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعلمنا عن أخبار الأولين بقدر ما يريد أن نستنبط العظة من هذه الأخبار، وأن المقصود أن يعتبر به، وليأخذ منها ما يحتاج إليه، فما من قصة بالقرآن إلا وسياقها لفائدةٍ في حق النبي عليه الصلاة والسلام ولأمته.
القصص في القرآن الكريم ليست للمتعة إنها للموعظة :
لذلك قال تعالى: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
[ سورة هود: 120 ]
قال: إنسان دخل إلى مستشفى في بريطانية جاءته ممرضة من درجة عالية، نسقت الأزهار في الغرفة، وسألت المريض ما مرضك؟ فأجابها: ومن طبيبك؟ قال لها: فلان، قالت: فلان، هل رضي أن يجري لك العملية هو بالذات، قال: نعم، قالت: آه هذا الطبيب أجرى مئة عملية وكلها ناجحة، وهذه الممرضة مهمتها رفع معنويات المريض لتكون معنوياته عالية، وهذه المعنويات العالية تسرع في الشفاء، ولذلك أسرع الناس شفاءً المؤمن، معنوياته دائماً عالية، واثق من الله عز وجل، دفع حوالي ألفي ليرة على هذه الكلمات بالفاتورة.
ومعنى هذا أن رفع المعنويات شيء مهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحنك الظروف قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 146 ]
أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم :
الله عز وجل يذكر قصصاً لرسول الله حتى يثبت فؤاده، ويثبت معه المؤمنين، قال تعالى:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 128]
ويذكر عن قارون فيقول: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 81]
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض بل للمتقين، اطمأن الإنسان، فليقدر العبد أن الله سبحانه وتعالى ثبت فؤاد نبيه عليه الصلاة والسلام، وصبره على الإيذاء، وثبت المؤمنين، هذا كله من أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم. آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة :
الشيء الذي أحب أن أقوله لكم: إن هناك مجموعة آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة، مثلاً قال تعالى:
﴿ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 231]
وأكبر نعمة هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه، إذاً نحن المعنيون به، ونحن المقصودون به.
شيء آخر قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 10]
يعالج قضاياكم، أنا أقول لكم وواثق من قولي: اقرأ القرآن بتدبر كل يوم ترى أن كل مشكلاتك النفسية وجدت لها حلولاً، وكل مخاوفك تبددت، وكل اضطراباتك النفسية زالت، لأنه يوجد قوانين إله يقول لك و الذي خلق الكون: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
هذا كلام إله، كلام رب الوجود، كلام رافع السماء بلا عمد، كلام خالق الكون، من بعده يقول كلاماً خلافه، فإذا كان هناك إنساناً عظيماً قال: هكذا سيكون، وهل يوجد إنسان تافه يقول: سيكون خلاف ذلك، أي الله عز وجل وعد المؤمن بحياة طيبة في كل الظروف، وفي كل العصور، وفي كل الأحوال، وفي كل البيئات، وفي كل البلاد، و الأماكن، و الأصقاع، والأمصار، وبأي مكان وجدت فيه أنك موعود بحياة طيبةٍ إذا استقمت على أمر الله، يخلق لك من الضيق فرجاً، ومن الضعف قوة، بعض الشعراء قالوا: ورب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا ً وعند اللــه منها المخرج
نزلت فلما استحكمت حلقاتها فرجـت وكـان يظن ألا تفـرج
***
كن عن همومك معرض ا وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخيــر عاجل تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمر مسخـط لك في عواقبـــه رضا
ولربما ضاق المضيـق ولربما اتســع الفضا
اللـــه يفعل ما يشاء فلا تكـــن معترضا
الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضى
***
القرآن الكريم فيه حل لمشكلات الإنسان :

هذا قرآن كريم، اقرؤوا القرآن بتدبر وكل يوم وأنا متأكد لن تبقى في حياتكم مشكلة، وهذا الكتاب فيه ذكركم أي فيه حل مشكلاتكم، يأتي رجل يقرأ قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
تنحل كل مشكلاته، تريد أن تذهب بعثة ثم وضع اسم مكان اسمك تقرأ الآية فتجدها برداً وسلاماً: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾
إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، جاءتك زوجة وسطاً: وعسى أن تكرهوا شيئاً فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.
دخلك أقل من مصروفك، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر: 10]
ذهب إلى الطبيب فوجد أن معه مرضاً عضالاً وأنت مؤمن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
[ سورة فصلت: 30]
الموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن :
لا تخف وأنت في الدنيا وإذا أزفت الآزفة لا تحزن عليها، أنت منقول إلى أهل خير من أهلك، وإلى بيت خير من بيتك، إلى جنة عرضها السموات والأرض، ترى المؤمن متوكلاً، حدثني طبيب في مستشفى جاءهم مريض معه مرض خبيث في أمعائه و هو مؤمن، قال: دخل على غرفته لا يوجد هذا الذعر بوجهه، دخل الطبيب وقال له: كيف صحتك؟ قال له: الحمد لله، واشهد أنني راض عن الله، كلما دخل إليه زائر يعوده يقول له: اشهد أنني راض عن الله، فإذا ضرب الجرس يتهافت الممرضون على خدمته، ويأتون ثلاثة معاً، وهذه الغرفة فيها نورانية عجيبة، خدمة ممتازة، ورائحة عطرة، من في هذه الغرفة ما سمعوا صوته ولا صراخه، وعندما يشعر أنه متضايق يمسك طرف السرير، وعندما توفي كانت نهايته جميلة جداً، وجه منير واستغفار، والله عز وجل لحكمةٍ أرادها حتى يعلم الناس درساً، جاء بعده إلى هذه الغرفة مريض معه مرض مشابه للأول تماماً، فما ترك نبياً إلا وسبه، سباب الدين مثل الورد عنده، و روائح كريهة، يضرب الجرس لا أحد يرد عليه، يسبهم ويسب آباءهم، ثلاثة أيام شوش المستشفى، وبعد ذلك فطس، أنا لا أقول: مات بل فطس، انظر المؤمن والآلام واحدة الأول تلقاها بصبر أي أكبر شيء في الحياة المرض العضال، إذا كنت مؤمناً تتلقاه بالصبر، والله يشفيك، وأنا أقول: "اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن السلب بعد العطاء، ومن شماتة الأعداء".
لكن حتى إذا جاء مثل هذا المرض على المؤمن سهل، إنسان دخل إلى المستشفى أجرى تحاليل، وبلغه أهله بجواب هذه التحاليل، هذا جالس في الغرفة فتكلم أهله فرفع السماعة، والخبر كان أنه سوف يعيش ستة أيام معه ورم خبيث بالدم، وهو نفس المريض، وكان محسناً، وكان يتصدق-هكذا بلغني عنه- وكان صاحب دين، وعمّر جامعاً، ودخل إليه أول طبيب فقال له: ماذا أبا فلان؟ قال له: انتهيت والحمد لله رب العالمين، وكان عاقداً صفقة فقال له: لو سمحت ألغِ لي هذه الصفقة، واذهب إلى فلان فذهب إلى فلان وقال له هذه الصفقة اتركها، فقال له: لا أستطيع أن أتخلى عنها، وليس من المعقول أن يقول له سوف يموت بعد ثلاثة أيام، والصفقة قادمة قال له: وزعها على أولادي بالتساوي، بهذه الثلاثة أيام أنهى كل علاقاته، وعمل وصية، وما ترك قضية معلقة، وثالث يوم جاء إليه عدد من العلماء ورد وذكر، والساعة الواحدة ودع أولاده ،وقام وتغسل بنفسه، حمام جيد وأراح المغسل، والساعة الواحدة أغمض عينه واتجه إلى الله، الساعة الواحدة والنصف فاضت روحه.
والله رجل بلغه أن وفاته بعد ثلاثة أيام بكل نفس رضية، وبكل سرور أنهى كل علاقاته، ووزع أمواله، ووصى أشخاصاً يحلون له بعض المشاكل، وودع أولاده، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يوجد عنده شيء صعب، والموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن.
القرآن الكريم للمسلمين وهم المعنيون به :
القرآن الكريم كلام رب العالمين والله أنزله لنا وفيه حل لكل مشكلة قال تعالى:
﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[ سورة النحل: 44 ]
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 20 ]
﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 138 ]
هذه الآيات كلها مضمونها لنا، فالقرآن لنا ونحن المعنيون بالقرآن الكريم. آيات كريمة عن العلاقة بين الزوج و زوجته :
هل تريد علاقتك مع زوجتك؟ يوجد آيات واضحة، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[ سورة النساء : 19 ]
أمر إلهي فسرها، المعاشرة بالمعروف ليست عدم إيقاع الأذى بهن بل احتمال الأذى منهن، تقرأ الآيات وتفهم تفسيرها، وتدخل إلى البيت، و عندك حلم، عاشروهن بالمعروف، أي تحمل منهن، وهذا الحلم يرفع مكانتك عند زوجتك تعظمك، زوجي وقور وليس مصروعاً، أحياناً الزوج يغضب فتفضحه زوجته وتقول: جن البارحة. من تزوج المرأة لجمالها أو لمالها أذله الله :
أما إذا قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 1 ]
هذا توجيه ثانٍ، أنت مؤمن، وهذه أولاً قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 228 ]
أنت جعلتها خمسين درجة، قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 34 ]
هذا الكلام للعازبين، اختر امرأة تكون أنت أعلى منها بالعلم، والثقافة، والفهم، والمكانة الاجتماعية، أخذتها أعلى منك، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، يقول لك دائماً: زوجتي لا تقبل، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، قال تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
هذه لها معاش تساعدني في معاشها، إذا لم تنفق من مالك عليها تفقد قوامتك عليها، تقول لك: افتح عينك لي معاش مثلك تماماً، فلماذا البيت بهذه الفوضى؟ جئت متعبة وهذا الحاضر، أين ذاهبة؟ عندي بعد الظهر اجتماع وهذا الحاضر، اتبع هذه التوجيهات تكن سعيداً في بيتك، أمر إلهي.
قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
طبقها تجد امرأتك أجمل امرأة في العالم، هذا كلام الله رب العالمين، وانظر وشاهد ينقلب البيت إلى جحيم، تعيش الجحيم الزوجي، وهذا الزواج. من طبق البيوع القرآنية عاش براحة و طمأنينة :
تعال إلى البيوع طبق البيوع القرآنية، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النساء: 188]
أخي ألبسناه البيعة وربحنا بالمئة ثلاثين، فلو كشف الزبون رأس المال هل يرضى؟ إذاً هذه التجارة حرام، و ليست عن تراض، ويجب أن يرضى الزبون من أعماقه ولو عرف الحقيقة، مثال تقول: هذا البلور صناعة اليابان أخذت ثمن المتر مئة وستين ليرة وهو بلور وطني، ثمنه ثمانون ليرة، وركبته له في مكان مرتفع لا يرى وأخذت ثمنه، وإذا في يوم من الأيام كان ينظف البلور شاهده وطنياً يقول: أخذ ثمنه يابانياً هل يقبل؟.
استدان منك مالاً وتقول: أنا وأثق به، إن مات لك معه مئة ألف ذهب المال، ولو أخذت وصلاً رسمياً عليه توقيعه فحقك محفوظ عند الورثة، لقد استدان مني وهذا نوع من العنترية لا يوجد حاجة أبو فلان أنا أثق بك، أبو فلان ممكن أن يموت بعد ساعة، الورثة يقولون: ليس لك عندنا شيء، وإذا أرادوا أن يسمعوا كلاماً يجب أن يكون معك بينة.
طبق القرآن في كل نواحي حياتك تجد نفسك سعيداً في صحتك، وحياتك، وعملك، وتجارتك، ومع أهلك وأولادك، هذا القرآن الكريم شفاء للناس، نحن لا نريد أن نتبرك به، ونعلقه في السيارة، وعيننا على الحرام، لا نضعه في البيت، والبيت فيه اختلاط، ويفتح المذياع بالغناء، نريد القرآن الكريم ينقلب إلى سلوك، وفقه، وعفاف، والتزام، هذا التخصيص. القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض :
قال تعالى:
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 19]
لأنذركم أنتم يا من كنتم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بلغ أي نحن المقصودون بهذه الآية الآن، قال بعضهم: من بلغه القرآن وكأنما كلمه الله تعالى، يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، أي كل الأوامر الله بلغه إياها، وقال قتادة: "إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض"، وقال: "لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان"، لقوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾
[ سورة الإسراء: 82]
فالذي يريد أن يستفيد من عمره، ومن هذه المبالغ المباركة يمسك القرآن آية آية، فيجب أن يقبل كلام الله عز وجل، هل أحد يسير في السيارة من دون شهادة؟ يحجزون السيارة، الناس صدقوا هذا البلاغ وخافوا، هكذا يجب أن تعامل الله عز وجل، الله قال لك ماذا تفعل فيجب أن تنفذ كلامه وإلا فلست مؤمناً.
إن شاء الله في درس قادم نأخذ الأدب الثامن وهو التأثر، واليوم كان درسنا التخصيص أي كلما جاء أمر أنت المعني بالأمر، قرأت نهياً فأنت معني بالنهي، وقرأت وعداً فأنت المعني بالوعد، وقرأت وعيداً فأنت المعني بهذا الوعيد، وقرأت قصةً فأنت المعني بهذه القصة، استخلص منها الموعظة، كلما قرأت في القرآن شيئاً يجب أن ترى نفسك معنياً به وإلا إن لم تكن كذلك فأنت لا تقرأ هذا القرآن، كأنك تقرأ كتاب تاريخ.
* * *قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة :
والآن إلى قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة، لا أنسى قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا سلمان الفارسي، قال له: ((يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ ]
أي إذا بغضت العرب انتقلت البغضاء إلي، فمن سمات المؤمن أن هذه الأمة المباركة التي نقلت له هذا الدين عليه ألا يتهمها ولو رآها في عصور ضعفها أو عصور تفككها ينبغي أن يحسن الظن بها. قصة المنصور مع الرجل الأموي :
قال أحمد بن موسى: ما رأيت رجلاً أثبت جناناً - أي القلب - من رجل رفع فيه عند المنصور - أي رفعت شكوى بهذا الرجل عند المنصور - وقالوا: إن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية، فهذه تهمة كافية لتحطيمه، فأمر المنصور حاجبه الربيع بإحضاره فوراً فأحضر بين يديه، قال المنصور: قد رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالاً لبني أمية فأخرج لنا ما عندك واحمل جميع ذلك إلى بيت المال، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين هل أنت وارث بني أمية؟ - أي أنت وريث بني أمية - قال: لا، قال: أوصي أنت؟ قال: لا، قال: إذاً فلم تسأل عن ذلك؟ - وما توقع المنصور هذه الجرأة وهذا المنطق - أطرق المنصور ساعةً ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس، واغتصبوا أموال المسلمين، وأنا آخذها فأردها إلى بيت مال المسلمين، قال له: جميل يحتاج أمير المؤمنين إلى إقامة بينةٍ يقبلها الحاكم - القاضي - يريد دليلاً ومستمسكاً على أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يدي، وأنه هو الذي اغتصبه من الناس، وبنو أمية لهم أموال لهم هي حلال، ولهم أموال اغتصبوها هي حرام، نريد إثباتين؛ أول إثبات أن هذا المال الذي هو عندي هو نفسه لبني أمية وهو نفسه مغصوب وليس الحلال، فسكت المنصور ساعةً ثم قال: يا ربيع صدق الرجل لا يجب لنا عليه شيء، معه حجة قوية، ثم قال الرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين الذي وشى علي، فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي شيء من هذا القبيل، ولما حضرت بين يديك وعلمت ما أنت عليه من العدل، والإنصاف، واتباع الحق، واجتناب الباطل، أيقنت أن هذا الكلام الذي قلته هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه وأقرب إلى الخلاص.
إذا جادله، هذا الطريق مسدود، جاء من طريق آخر، هل أنت وصي؟ وهل أنت وارث؟ فما السبب؟ هذه أموال مغصوبة أريد أن أردها إلى أصحابها، هل معك بينة أن هذا المال الذي يوجد عندي هو نفسه مال بني أمية؟ لا، هل عندك بينة أن هذا المال الذي عندي إن كان لبني أمية هو المغصوب من الناس؟ قال له: لا، قال: إذاً لا يوجد لنا عنده شيء.
فقال المنصور للربيع: اجمع بينه وبين الذي وشى عليه، ولما جيء بالرجل عرفه وقال: هذا غلامي أخذ مني خمسمئة دينار وهرب ولي عليه كتاب بها- يوجد معي وثيقة- ثم استنطق المنصور الغلام فأقرّ أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره مولاه، وسعى بمولاه ليجري عليه أمر الله، ويسلم من الوقوع بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين لقد وهبتها له من أجلك وادفع له خمسمئة دينار أخرى لحضوره مجلس أمير المؤمنين، فاستحسن المنصور فعله وكان في كل وقت يقول: يا ربيع ما وجدت من حاجَّني مثله.
الإنسان عندما يكون وقافاً عند حدود الله يكون إنساناً عظيماً، أما الإنسان فيقف عند كتاب الله هذا لي وهذا لك، قال عليه الصلاة والسلام " العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ".
فالعلماء ألزم ما يلزمهم الورع، والأمراء ألزم ما يلزمهم العدل، والنساء ألزم ما يلزمهم الحياء، والأغنياء ألزم ما يلزمهم السخاء، والفقراء ألزم ما يلزمهم الصبر، والشباب ألزم ما يلزمهم التوبة.
* * *
بعض الأحاديث الكريمة تبدأ برحم الله :
والآن إلى بعض الأحاديث الكريمة، يقول عليه الصلاة والسلام طائفةً من الأحاديث الشريفة كلها تبدأ برحم الله، ومعنى رحم الله أي أن رحمة الله سبحانه وتعالى تنصب على هذا الإنسان، التجلي، والسرور، و الطمأنينة، والسعادة، إنسان مسرور، يشعر أن له عند الله مكانة كبرى، و قلبه عامر بذكر الله: رحم الله امرئ اكتسب طيباً... دخله حلال، وإذا كان الإنسان كسبه حراماً فوجهه أسود، قال لي أخ: ركبت مع إنسان دخله حرام حدثته بالدين فقال لي: هذا الموضوع دعنا منه، معه حق لأنه يوجد ظلام في قلبه، ودخل كبير حرام، فحدث معه حادث سير وجدوا رأسه في جهة وجسمه في جهة ثانية.
(( رحم الله امرأ اكتسب طيباً وأنفق قصداً- لم يسرف، فالإسراف والتبذير، وإتلاف المواد، ورمي الطعام في القمامة- وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته... - دفع من أمواله صدقات وساعد الناس، و أقرضهم، أي اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته-))
[ابن النجار عن عائشة]
(( ورحم الله امرأ أصلح من لسانه))
[ الديلمي عن عمر]
ما نطق بكلمة فاحشة، وما نطق بكلمة شائنة، وما وشى بين اثنين، وما اغتاب، وما تكلم بكلمة فاحشة، وأصلح من لسانه، وجعل هذا اللسان رطباً بذكر الله، تكلم عن الله تعالى وعظ الناس فأمرهم بالمعروف و نهاهم عن المنكر، وأصلح بين اثنين.
حديث آخر: ((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
إذا إنسان كلامه مضبوط يشعر بسعادة كبرى: ((رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم))
[البيهقي فى شعب الإيمان والديلمي عن ثابت عن أنس]
قعد في جلسة فتكلموا بالغيبة فسكت، والأصح أن يقوم ولا يبقى جالساً، وإذا كان لا يستطيع أن يقوم وذلك بسبب أنه مركز عمله يبقى ساكتاً، أما إن جاء بزيارة فيستطيع أن يقوم، وإذا لك مكانة كبيرة قل: هذا الكلام كله نهش في أعراض الناس و لم يعجبني، يقل آية قرآنية أو آية كونية، يلفت نظرهم للآخرة، ويحدثهم عن الله عز وجل فغنم وموضوع لا يرضي الله فسكت. (( رحم الله عبداً علق في بيته سوطاً يؤدب به أهله))
[ الديلمي عن جابر]
أي لم يستخدمه ولكن له في بيته شخصية ليس ضعيفاً لا يعبأ به أحد. (( رحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ....))
[ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ]
كان النبي الكريم رقيقاً من آثار الوضوء، ينضح وجه زوجته بالماء، وليس كأس ماء. ((......رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ ))
[ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ]
أي هو أو هي، و رجل له زوجة تعينه على رضاء الله فليشكر الله عز جل، وإذا زوجة لها زوج يعينها على طاعة الله فلتكن له شاكرةً. ((رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ... ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال عنه قصة غير صحيحة أو أخذ ماله. ((.... فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ... ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا منتهى التوفيق إذا كان عليك ذمة، وعليك مال حرام، وتتكلم عن إنسان كلاماً غير صحيح، اذهب إلى بيته قبل أن يأتي ملك الموت واستسمح منه، وقدم له هدية، وإذا كان له عليك مبلغ من المال فادفعه له. ((........ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله رَضِي اللَّهم عنهما]
((رحم الله من حفظ لسانه وعرف زمانه))
[ الحاكم عن ابن عباس]
احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنك إنه ثعبـــان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان
***
لكل عصر طبيعة، يوجد عصر طبيعته علمية، الخرافة مرفوضة، تسبب استنكاراً للناس، عرف زمانه واستقامت طريقته: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره))
[ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعاً]
بذل له، وراعى ظروفه، يريد أن يتزوج ويسكن في بيت، أنا ربيته، لك عند الله أجر خذ شيئاً بالمعقول. ((نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))
[ النسائي و الدارمي عن أبي ريحانة ]
هؤلاء كلهم مرحومون، معنى مرحومون أي في قلبهم تجلٍّ، و سعادة، وسرور، وراحة، وسكينة، إذا إنسان كان بيعه سهلاً وشراؤه سهلاً وأدى ما عليه فالله يرحمه، ورجل أعان ابنه على بره فزوجه وسكنه في بيت، يرحمه الله، وعين بكت من خشية الله يرحمها الله عز وجل، كان سمحاً إذا باع يرحمه الله، لك عند الله مظلمة ذهبت وطلبت السماح منهم وصححت الخطأ، و إنسان قام وصلى في الليل فالله يرحمه و أدب أهله، وقال: خيراً فغنم أو سكت فسلم يرحمـه الله عز وجل، اكتسب طيباً وأنفق قصداً، و رحم الله امرأً أصلح من لسانه.
هذا ملخص الأحاديث وهذه الأحاديث حول موضوع واحد، كل هؤلاء يرحمهم الله، ومن ذاق الرحمة عرفها، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.

السعيد
09-10-2018, 08:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الثلاثون )


الموضوع : سقوط الجماعة عن الفرد المسلم الاحق بالامامة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أسباب سقوط الجماعة عن الفرد المسلم :
1 ـ المطر الشديد :
أيها الأخوة المؤمنون، هناك فصل عنوانـــه: "متى تسقط الجماعة عن الفرد المسلم؟" كلكم يعلم أن صلاة الجماعة أفضل عند الله بسبعة وعشرين ضعفاً، أولاً: المطر، طبعاً المطر الشديد ويجوز الآن هذا الشرط أن يكون ملغياً، الإنسان الآن عنده سيارة والطرقات كلها معبدة لا يشعر بشيء، ولكن يبدو أن هذا الشرط في ظرف معين كان يعيق الحركة.
2 ـ البرد الشديد و الخوف :
البرد الشديد والخوف، فمن خاف من عدوه فخوفه يسقط عنه حضور صلاة الجماعة.
3 ـ الظلام الدامس و الحبس و العمى و المرض و الوحل و الشيخوخة :
ظلمة ظلام دامس، وحبس، طبعاً إذا كان مسجوناً فهذا شيء بديهي، وعمىً، أعمى وليس له دليل، وشلل، وقطع يد أو رجل، وسقام أي مرض، وإقعاد، ووحل شديد، وزمانة أي مرض مزمن، وداء عضال، وشيخوخة.
4 ـ تكرار فقه لجماعة تفوته :
وتكرار فقه لجماعة تفوته، إذا اعتاد أن يحضر مجلس علم ثابت وما غاب عنه إطلاقاً فإذا فاتته صلاة الجماعة ليحضر مجلس علم لا شيء عليه.
5 ـ حضور طعام تتوق إليه النفس و السفر :
وحضور طعام تتوق إليه نفسه، وإرادة سفر، لأنه يستعد للسفر فيهيئ أغراضه، وإذا كان مجمعاً للسفر فيمكن أن يصلي في بيته.
6 ـ القيام بمريض :
وقيامه بمريض، ممرض، إنسان والدته مريضة تحتاج كل نصف ساعة إلى دواء فهذا يصلي في بيته.
7 ـ شدة ريح ليلاً لا نهاراً :
وشدة ريح ليلاً لا نهاراً، وإذا انقطع المسلم عن الجماعة لأحد هذه الأعذار المبيحة يحصل له ثواب الجماعة، أشياء كلها منطقية، مطر، برد، خوف من عدو، ظلمة حبس، عمى، فالج، قطع يد أو رجل، إقعاد، وحل، زمانة شيخوخة، يمكن أن يمشي والطريق وعر، يوجد إنسان تقدمت به السن لا يقوى على حمل نفسه، أو احتمال أن يقع فينكسر وكسر الشيخ يصعب التئامه، و تكرار فقه لجماعة تفوته، لو إنسان بيته فرضاً في الميدان وصلى فرضاً معين في بيته حتى يلحق درس علم هذا مباح له أن يصلي في بيته بهدف حضور مجلس العلم، وحضور طعام تتوق إليه نفسه، طبخة معينة فقال في نفسه: آكل معهم حتى لا تذهب حصتي من الطعام، وإرادة سفر، وقيامه بمريض.
قواعد دقيقة لاختيار الإمام :
1 ـ أن يكون صاحب منزل أو وظيفة :
الآن وقف المسلمون ليصلوا جماعةً من هو الإمام؟ يوجد عندنا قواعد دقيقة جداً، قال: إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل، ولا وظيفة، ولا ذو سلطان، فصاحب المنزل أحق أن يصلي إماماً وصاحب الوظيفة دخلت إلى مسجد له إمام، أخي سوف نصلي بهم، لماذا تصلي بهم أنت؟ هذه وظيفته أدباً، دعه يصلي، كثير من الأشخاص يسافرون ومسجد له إمام يريد أن يصلي عنه، لماذا؟ هذا صاحب وظيفة أولى من كل الناس، إلا إذا قدمك هو شيء آخر، إذا عرفك وقدمك لفضلك فهذا أجازك، أما صاحب الوظيفة فأحق أن يصلي بالناس.
2 ـ صاحب منصب رسمي :
إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان إذا صاحب منصب رسمي قاضٍ مثلاً، والقاضي أولاً إذا كان هناك جماعة في بيت وفيهم القاضي الشرعي الأول مثلاً يصلي القاضي، وأمير مثلاً، طبعاً هنا المقصود بالأمير التقي والنقي، قاض مطبق تعاليم الدين، إذا لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان، أحد هؤلاء الثلاثة أحق بالصلاة من أي إنسان آخر، صاحب البيت، أو صاحب وظيفة الإمامة، أو ذو سلطان، و منصب رسمي؛ أمير، قائم مقام مثلاً، مدير الناحية، أي صاحب وظيفة، وهذه إشارة لطيفة، أي كل هؤلاء ينبغي أن يكونوا أتقياء مصلين صائمين.
3 ـ الأعلم :
الآن فالأعلم أحق بالإمامة أول شيء الأعلم، أكثر الناس يظنون الأقرأ، لا، الأعلم أحق بالإمامة.
4 ـ الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن ثم الأحسن خلقاً ثم الأحسن وجهاً :
ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً.
المقصود بالأعلم أي الأعلم بالفقه، بأصول الصلاة، بشروطها، وبأركانها، وبواجباتها، وبمكروهاتها، و بآدابها، ثم الأقرأ الذي يتقن أحكام التجويد، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً، فإذا استووا يقرع بين المصلين، وليس من المعقول أن يستووا لابد من التمايز، و هذه هي المقاييس، فإن لم يقرع بين هؤلاء فالخيار للمصلين، هم قدموا فلاناً، فإذا اختلفوا فالعبرة لمن اختاره الأكثــرون، الأكثرية قدموا فلاناً، وغلب رأيهم رأي الأقلية، وإن قدموا غير الأولى فقد أساؤوا جميعاً، قدموا رجلاً لا يستحق الإمامة ولكن خوفاً منه، أو نفاقاً له، فقد أساؤوا جميعاً، وكره إمامة العبد، والأعمى، والجاهل، والفاسق، والمبتدع، هؤلاء جميعاً كره أن يكونوا أئمةً يؤمون الناس في الصلاة.
من دخل المسجد ليصلي فليصلِّ خلف أي إمام :
هنا يوجد موضوع دقيق إذا دخل إنسان إلى المسجد يجب أن يصلي خلف أي إمام دون التحقق من استقامته أو بره أو فجوره، فليس هذا من وظيفته، لكن إذا حصل له علم مسبق أن هذا صاحب بدعة أو صاحب عقيدة زائغة، أو صاحب عقيدة فاسدة، إن حصل لك هذا مسبقاً فلا تصلِّ خلفه، أما إذا دخلت إلى مسجد لتصلي صلِّ وراء كل بر وفاجر.
هذا الموضوع موضوع الأحق بالإمامة، وموضوع متى تسقط صلاة الجماعة عن الفرد المسلم، ويحصل له ثوبها كما لو صلاها، هذان الموضوعان هما الفصلان المختاران لهذا اللقاء.
* * *
آداب تلاوة القرآن الكريم :
1 ـ الترقي :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، لازلنا في موضوع آداب تلاوة القرآن، تحدثنا عن الآداب الظاهرة، ثم تحدثنا عن الآداب الباطنة، ووصلنا في الدرس الماضي إلى التأثر، وها نحن أولاء ننتقل منه إلى أدب آخر وهو الترقي، فما هو الترقي؟ نعني بالترقي أن يسمع القارئ الكلام من الله تعالى لا من نفسه، فدرجات القراءة ثلاث هناك أدناها أن يقدر العبد كأنه يقرأ على الله عز وجل، أي يقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه، مستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال، والتملق، والتضرع، والابتهال، وهذه درجة من درجات قراءة القرآن الكريم.
والدرجة الثانية أن يشهد بقلبه كأن الله سبحانه وتعالى يراه، ويخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه مقام الحياء، والتعظيم، والإصغاء، والفهم، إما أن تقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، وإما أن تسمعه من الله عز وجل، وكأن الله عز وجل يخاطبك بكلامه، والدرجة الأعلى أن يرى في الكلام المتكلم، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه درجة، وهذه أعلى مرتبة إنها الإحسان، أن يرى في كلام المتكلم وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به، من حيث إنه مُنعَم عليه، بل يكون مقصور الهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره، وهذه درجة المقربين، فالإنسان يقيس نفسه إذا قرأ القرآن أين هو من هذه الدرجات الثلاثة؟ هل تقرأ القرآن بحضرة الله عز وجل وكأنك تبتهل إليه وتدعوه وتناجيه وترجوه؟ أم أنك تسمع القرآن من الله عز وجل وكأنه يخاطبك بكلامه؟ أم أنك غبت عن كل شيء واستغرقت بالله عز وجل وكأنك تراه وهذه درجة المقربين؟ الأولى درجة أصحاب اليمين، والثانية أصحاب اليمين، والثالثة المقربين، وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين، يقرأ القرآن وهو غافل، ما شعر أنه يقرؤه في حضرة الله عز وجل، و لا شعر أن الله سبحانه و تعالى يخاطبه بكلامه، ولا غاب عن كلام الله و استغرق في ذات الله، لا هذه و لا هذه و لا تلك إذاً هذه قراءة الغافلين.
و عن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: "و الله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه و لكنهم لا يبصرون"، و قال أيضاً: "و قد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشياً عليه فلما سري عنه قيل له: ماذا أصابك؟ فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، رددها و رددها حتى سمعها من الله عز وجل، و من أراد أن يحدث ربه فليقرأ القرآن، ألا تحب أن أجلس معك؟ فصعق سيدنا موسى، و كيف ذلك يا رب؟ قال له: أما علمت أنني جليس من ذكرني، و حيثما التمسني عبدي وجدني، إذا أردت أن تناجي ربك فاقرأ القرآن، قال: "ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة و لذة المناجاة.
قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله :
أقول لكم: الإنسان إذا كان عمله طيباً جداً أمتع شيء في حياته أن يقرأ القرآن، اقرأ القرآن إذا شعرت بضيق فاعلم أنه يوجد تقصير، أو مللت فكذلك يوجد تقصير، لم تجد شيئاً قرأت و قرأت و فتحت لا على التعيين لم تتأثر، فإذا الإنسان لم يتأثر، و لم يشعر بانشراح، و لم يتمنَّ أن يقرأ ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً، و لا شعر بسرور، فليعلم أنه يوجد خلل بالعمل، و بالاستقامة، أو تقصير، أو لا يوجد عمل صالح، أو لا يوجد تطبيق، فكأن قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله، مستحيل أن تقرأ القرآن وأنت ذو حال طيبة إلا وتحس بأنك مستمتع به إلى أقصى الحدود، حتى إنني أقول لكم: إن الذي يقرأ القرآن وله حال طيب يهبه الله سبحانه وتعالى صوتاً قد يقول لك وهو صادق: لم أسمع في حياتي أجمل من صوتي.
الإنسان عندما يستغرق ساعة أو ساعتين ما معنى هذه الحالة؟ عمله طيب جداً، فربنا عز وجل سمح له أن يقرأ كلامه، وسمح له أن يتلقى التجلي الإلهي، وسمح له أن يتنعم ويطرب بصوته، قال: فبمثل هذه الدرجة تعظم حلاوة المناجاة، ألم يقل له يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ ألم أحرمك لذة مناجاتي، هذا لا يعرف ما نقول إلا إن اقتفى أثر الرسول.
هذه المعلومات لا يتذوقها المستمع إلا إذا عاش المناجاة، وشعر بقرب الله عز وجل، و إلا غابت عنه هذه الأحوال، وشعر بالجفاء، والوحدة. فـأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا عن مذهب الحب شرعنا
فمـا حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قـد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـا
***
تلاوة القرآن عبادة عظيمة :
من مناجاة رابعة العدوية رضي الله عنها أنه: "يا ربي لقد خلا كل حبيب بحبيبه"، هذا مع أصدقائه يلعبون ورقاً، وهذا سهر يأكل، وهذا سهر مع زوجته، وهذا سهر مع صديقه يعملون حسابات نتائج ربح العام، فكل إنسان استهلك الحياة بشيء، وهذا سهر مع الله عز وجل فخلا بحبيبه.
قال بعض الحكماء: "كنت أقرأ القرآن فلم أجد له حلاوة حتى تلوته وكأنني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فما الذي صار معه؟ صار معه ارتباط نفسي برسول الله، ولما تصور نفسه يسمعه من رسول الله توجهت نفسه نحوه، ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، فعندما وجدت له لذةً ونعيماً لا أفتر عنه كان يقول لي إنسان: أنا إذا لم أقرأ قرآناً في اليوم لا يهنأ لي عيش.
قال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما: "لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن"، والآن يوجد أخبار تقرؤونها، و الإنسان يستغرب يقول لك: صلى وقرأ البقرة بركعتين فتعب، وتقول: البقرة جزآن ونصف الجزء تقريباً أما تعب من الوقوف؟ الآن إذا الإمام قرأ ثلاثة أرباع الصفحة يقولون له: لقد أطلت يا أخي، لا يجوز أن تطيل الصلاة يا أخي، كيف كانوا يقرؤون البقرة وآل عمران، كيف كانوا يقرؤون هذه السور الطويلة؟ معنى هذا أنه كان هناك استغراقاً شديداً جداً لتلاوة القرآن في الصلاة.
قال ثابت البناني: "كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة"، كابده أي تعلمه، وتعلم قراءته، وطبق أوامره، وانتهى عن نواهيه، حتى صار في مستوى كلام الله عز وجل عندئذٍ تنعم به عشرين عاماً أخرى، ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر، قال: فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره، يجب أن تشاهد الله عز وجل في كل شيء، فهذا الذي آذاك الله سمح له، و الذي أكرمك الله ألهمه، إن شاهدت نباتاً فقل: سبحان من خلقه، وإذا قدم إنسان لك شيئاً فقل: سبحان الملهم، و إذا رأيت الله في كل شيء فأنت مؤمن، وإذا رأيت هذا الشيء من فلان وفلان وقلت: آذاني، فهذا هو الإشراك.
كلما التفت العبد إلى ما سوى الله ففي التفاتته هذه شرك خفي، و التوحيد الخالص ألا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل، وهذا هو الأدب التاسع الترقي، أن تسمع القرآن من الله عز وجل، وأقل من هذه الدرجة أن تناجي به ربك، و أعلى من هاتين أن ترى الله عز وجل من خلال كلامه، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ولذلك تلاوة القرآن عبادة عظيمة فليست قراءة بل عبادة.
2 ـ التبري :
آخر أدب من آداب القرآن الكريم التبري ونعني به أن يتبرأ من حوله وقوته، التفاته إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا قرأ آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، فهناك أشخاص مغرورون، يقرأ عن المؤمنين هو مؤمن واثق من نفسه، وهذا سوء أدب مع الله عز وجل، يجب أن تكون في مقام الخوف والأدب لا في مقام الطمأنينة، من اطمأن في الدنيا خاف في الآخرة، ومن خاف في الدنيا اطمأن في الآخرة، لا يوجد إنسان في الأرض يستحق الطمأنينة أكثر من رسول الله صلى الله عليه، ومع ذلك دخل على أحد الصحابة وقد توفي وهو مسجى على الفراش فسمع امرأة تقول: "هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام وقال لها: وما أدراكِ أن الله أكرمه؟ قالت: ألم يجاهد معك؟ قال: قولي: أرجو الله أن يكرمه وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي".
الإنسان لا يعرف، طبعاً الله كريم، أما أن يعتبر نفسه مؤمناً فلعله في خلل في استقامته، ولعله في شرك في نياته، فإذا الإنسان قرأ القرآن يجب أن يتبرأ من نفسه، و لا يكون معجباً بها، أو معجباً بإيمانه، بل معجباً بعمله الطيب، كلما قرأ آية عن المؤمنين الصالحين الأتقياء قال: أنا منهم، أنا من هؤلاء ولست من هؤلاء، بل يشهد ويتشوق أن يلحقه الله عز وجل بهم، وإذا قرأ آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر فتلا قوله عز وجل:
﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
[ سورة إبراهيم : 34 ]
وأحياناً ينظر إلى الطعام وينسى المطعم، وينسى المنعم، وينتبه إلى هذا الطعام وإتقان الصنعة وينسى أن هذه المواد كلها من الله عز وجل، وهذا أحد أنواع الكفر المخفف، أي إن الإنسان لظلوم كفار هكذا قال سيدنا ابن عمر. على الإنسان أن يفتقر إلى الله عز وجل و إلى معونته :
تلاحظ أن المؤمن الصادق يخاف على نفسه، فهل من المعقول أن نبياً يعبد أصناماً سيدنا إبراهيم قال: قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
[ سورة إبراهيم : 35 ]
هل من المعقول سيدنا يوسف أن يقع بالفاحشة؟ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف:33]
فهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل، و إلى معونة الله، قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5 ]
أما المتمكن من نفسه كثيراً فما تزل قدمه ويهوي في المعصية.
وقيل لأحدهم: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ قال: أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيته سبب قربه، والشعور بالتقصير سبب القرب، و لذلك فربنا عز وجل أحياناً يحجب الأحوال الطيبة عن المؤمن حتى لا يطمع، ولو أنه بعث له أحوالاً طيبة وتجليات دائماً فيجوز أن يركن إلى هذه الحالة فلا يتقدم، وعندما يقع فتور في الأحوال تكون المعالجة من الله عز وجل، عملية تعطيش حتى يتابع الترقي ولا يتابع الاستقرار والسكون. المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس وعدم الالتفات لها :
قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: "وعد ابن شيبان أخاً له أن يفطر عنده، فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه في الغد فقال له: وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت، فقال: لولا ميعادي معك ما أخلفتك للذي حبسني معك، إني لما صليت العتمة - العشاء - قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت بالدعاء من الوتر رفعت إلي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت"، الله كشف له عن بصيرته، عامة الناس صلاتهم شكلية يقول لك: ارتحنا منها، الحمد لله صليت العشاء، لكن إذا الإنسان التفت بكليته إلى الله عز وجل كانت الصلاة عنده أعظم متع الحياة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أرحنا بها يا بلال".
وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس، وعدم الالتفات لها، و الصوفيون قالوا: هناك حالة اسمها حالة الفناء، يغيب عن ذاته، فيوجد شخص ذاته صارخة، وإحساسه بذاته قوي جداً، يقول لك: أنا فعلت، تركت، أنجزت، ولولاي ما صار شيء، هذا إحساسه بذاته قوي، ولم يبلغ حال الفناء بعد، لكن حال الفناء حال راقٍ جداً، وهو حال الأنبياء، و حال كبار المؤمنين، ما عاد ينظر إلى ذاته نظره إلى الله عز وجل.
والعلماء شبهوا هذا الحال بإنسان نزل في البحر فما حجمه و هو شاهد أنه لا يوجد نهاية للماء؟ فإحساسه بعظمة البحر حجبه عن ذاته، أحياناً يلتقي طبيب ناشئ بطبيب جراح قلب درجة أولى في العالم جاء زائراً فينسى نفسه أنه الطبيب الناشئ، وإحساسه بذاته يتضاءل كثيراً، ويرجع كأنه تلميذ أمامه، وإذا ذهب إلى قرية وهو الطبيب الوحيد في القرية يشعر أنه طبيب متميز، إحساسه بذاته يتعاظم، أما إذا جلس أمام أستاذه بالطب مثلاً، فيصغر كثيراً، إذا جلس تويجر صغير مع أكبر تاجر في البلد مثلاً تراه يصغر ويصبح مثل الصانع أمامه، هو تاجر ولكنه تاجر أمام التجار، أما أمام التاجر الكبير فلا شيء، وهذه أمثلة أقربها لكم للفناء، فلما يشهد الإنسان عظمة الله عز وجل يغيب عن نفسه، فتجد السابقين حديثهم عن الله عز وجل، من أنا لأتحدث عن نفسي؟ لا شيء، وكلما ارتقت منزلتك عند الله تضاءل إحساسك بذاتك، وكلما كانت مرتبة الإنسان منخفضة كان عنده تضخم بالإحساس في ذاته، فهو مالئ الدنيا، وشاغل الناس، والناس لا يعنيهم أمره، وهذه قضية مهمة جداً، كلما شاهدت من عظمة الله أكثر غبت عن ذاتك أكثر، وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس، وعدم الالتفاف إليها.
أقنعة الحياة كثيرة جداً من يلتفت إليها تصبح حجاباً بينه و بين ربه :
أحياناً الإنسان يلتفت إلى شهاداته أي معه بورد، فإذ وجد إنساناً وليس دكتوراً يزوره، أو نسي أن يقول له: أستاذ يشعره أن يجب أن تناديني بلقبي العلمي، وهذا الإنسان بعد أن نال الدكتوراه عاش ثلاثين سنة ملتفتاً إلى ذاته، ومحجوباً عن الله عز وجل، فهذا ملتفت إلى ماله، وحالته المادية جيدة جداً، فإذا الإنسان عامله كأنه إنسان وسط تراه ينزعج لالتفاته لماله، وأحياناً الله عز وجل يعطي الإنسان شكلاً و طولاً وبياضاً وجاذبية فتراه يلتفت إلى شكله معجباً به، ودائماً يشاهد أنه متميز عن الناس، وأحياناً الإنسان يكون منتسباً إلى أسرة عريقة أيضاً وهذا النسب الرفيع يجعله يلتفت إلى هذا النسب، ويستعلي على الناس، فيوجد أقنعة في الحياة كثيرة جداً، قناع المال، وقناع الشهادات، وقناع القوة، والسلطة، والنسب والحسب، فالإنسان عندما يلتفت إلى هذه الأشياء تصبح حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فتراه مقطوعاً عن الله، ولا يوجد له وجهة إلى الله عز وجل، ولا يؤثر في الناس.
سبحان الله مرة حضرت حفلاً فقام إنسان وألقى كلمة، الكلمة بمنتهى الذكاء، دقيقة، وفيها نصوص، وهو فصيح اللسان، متكلم، ولكن يوجد روحانية، فلم يتأثر أحد، لأنه ملتفت إلى إمكاناته العالية، وهذا الالتفات إلى قدراته العالية كانت حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى مصدر كل شيء، العطاء منه والإنسان عندما يأتيه من باب الاستغناء فالله يحجبه عنه، فهو مقطوع عن الله، فيا أخوان هذه نقطة دقيقة جداً لا يوجد إنسان إلا وله ميزة، هذا ابن فلان، وهذا غني، وهذا متعلم معه ماجستير،... فالإنسان عندما يكون بعيداً عن الله عز وجل، ويلتفت إلى هذه الميزة، وقع في الحجاب، وانتهى، أما إذا استغرق الإنسان في تعظيم الله عز وجل فيقع في حالة اسمها الفناء، وهذه الحالة من أرقى الحالات، تتضاءل نفسه أمامه.
من يلتفت إلى ذاته يعالجه الله عز وجل :
دخل رجل أصابته رعدة لعند رسول الله:
(( فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]
لما فتح مكة اذكر لي قائداً في العالم فتح بلدة ولم يستعلِ على أهلها إلا النبي عليه الصلاة والسلام؟ دخل وهو يفتح مكة مطأطئ الرأس تواضعاً لله وشكراً، حالة الفناء قائمة فيه، كأنه سبحان الله كلما علوت عند الله عز وجل يتضاءل إحساسك بذاتك، ويتعاظم إحساسك بعظمة الله عز وجل، وكلما الإنسان صغر في نظر الله يكبر في نظر نفسه، ولذلك فمن أجمل الأدعية: "اللهم أرني بعين نفسي صغيراً وأرني بعين الناس كبيراً".
الناس الآن يرون أنفسهم كبراء وهم في أعين الناس لا شيء، أمام نفسه منفوخ نفخة كبيرة جداً، وأمام الناس لا قيمة له، والعبرة ابتغوا الرفعة عند الله، آية أو آيتان في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[ سورة الكهف: 105 ]
إنسان ليس له وزن عندنا أبداً، لهم صغار عند الله، أن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، كأني أريد أن أركز في هذا الكلام على حالتين؛ حالة الاستغناء، القطيعة مع الله عز وجل مبنية على الإحساس بالذات، وحالة الفناء، الفناء أنت غائب بمشاهدة من تحب عن ذاتك.
سبحان الله الإنسان عندما يلتفت إلى ذاته الله يعالجه، أعرف طالباً مرشحاً أن يكون الأول على القطر دخل إلى الامتحان فيبدو أن مراقباً وجه له ملاحظة فتوقف وتطاول عليه، وهذا المراقب كتب به تقريراً فتطاول فأعطوه صفراً في هذه المادة فتفاجأ أنه لم ينجح، عنده استعلاء من أعلى درجة، وعلى أتفه سبب رسب، وكل إنسان يتكبر فليلتفت إلى ذاته. المتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية :
هناك طبيب بلغت شهرته الآفاق وبعد هذا اشتغل بالعمار، يعطي وصفة لمريض قال له: حبتان قبل الطعام وحبتان بعد الطابو، نسي أنه طبيب، وكان يجري عملية جراحية لامرأة - وهو طبيب نسائي مولد- تجاوز الرحم وقطع الأمعاء، وكاد المجلس الطبي الأعلى أن يسحب منه الشهادة لولا أنه أخذ هذه المريضة إلى المستشفى وأسعفها، وتولى الأمر بنفسه لسحبت منه الشهادة، وبلغت شهرته الآفاق، صار التفات للذات، فانقطع عن الله عز وجل ووقع في الكبر، ولذلك فالمتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية، وأحياناً الإنسان يمشي بأناقة مفرطة، بدلة بيضاء، والحذاء، والجوارب، وربطة العنق، والعطورات، فيتزحلق على رصيف رطب، فالكبر علاجه ضربة قاسية، وهناك إنسان معتز بعلمه فيأتي من يغلبه يسأله سؤالاً ليس مهيئاً للإجابة عنه، رجل في التدريس، أو في المحاماة، أو في الطب، وأحياناً يعطي الطبيب دواء قاتلاً، ولذلك يوجد أطباء مؤمنون وكلما بدأ بمعالجة مريض يغمض عينه ويطلب من الله المعونة، وهذا المريض يشفى على يده، لأنه مفتقر إلى الله.
ومالي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفع
ومالي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع؟
***
العاقل من طلب من الله أن يعينه :
كل منا له عمل، إذا كان موظفاً يقول: يا رب استر، فقد يلبسونك تهمة أنت بريء منها، فإذا دخلت مفتقراً إلى الله عز وجل فكلهم يحترمونك، ويحتفلون بك، وأعمالك يقدرونها لك، ويعطونك مكافآت، وإذا شاهدت نفسك تملك منصباً دقيقاً فالله عز وجل يلهم من هم أعلى منك أن يتجاهلوا كل أعمالك الطيبة، ويحاسبونك حساباً دقيقاً.
قال لي رجل : دخلت إلى الوظيفة فاشتغلت من الثامنة وحتى الثانية عشرة ما رفعت رأسي فتعبت، فخرجت إلى الممر، ووقفت فخرج المدير العام وقال: ما هذا أنت جالس هنا كفى إهمالاً لأنه ملتفت، ولو أنه توكل على الله عز وجل فالله يري رؤساءه أطيب عمل وإذا ما توكل يريهم أسوأ عمل، ويكون دائماً عمله منضبطاً، في هذه الدقيقة يأتي المفتش فيراه غائباً، ومنذ سنة لم يغب، والآن غاب فجاء المفتش، فالإنسان عندما يكون له صلة بالله عز وجل الله يدافع عنه، وييسر أموره، ولو أن إنساناً تكلم عنه بغيابه فالله يسخر إنساناً آخر يدافع عنه ويمحق ما قاله الأول وهو لا يدري.
وهذه جربوها وهذه وصفة مجربة، أي عمل لك إن كان في الزراعة، أو في التجارة، أو الصناعة، أو الوظيفة، أو التدريس، أو الطب، أو المحاماة أي عمل قبل أن تبدأ به اطلب من الله عز وجل أن يعينك، يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين.
كم من طبيب ينزع الكلية الصحيحة، ومع المريض واحدة متوقفة عن العمل فيفتح البطن وينزع الكلية الصحيحة والثانية واقفة، فانتهى المريض، وهذه غلطة قاتلة، ومحامٍ ينسى موعد الجلسة أو ينسى مادة هامة في القانون، فمادام متكبراً ملتفتاً إلى نفسه فالله عز وجل يدفعه أثماناً باهظة، حتى في الصناعة قد يرتكب غلطاً فاحشاً يدفعه أثماناً باهظة، وكل إنسان يلتفت إلى ذاته، وإلى علمه، ومكانته، وخبرته، وشهاداته، وقوته، ونسبه، وحسبه، وشكله، فالله عز وجل يتولى تأديبه، فمؤتمر برلين ما كان يذكر أين عقد هذا المؤتمر؟ إذ قد ينسى فقرة في السؤال وهذه كلها من علاجات الاعتزاز بالنفس، أما الافتقار إلى الله فشيء جميل، فإذا افتقرت إلى الله فالله عز وجل إنه يتولى عنك كل الأمور، يسدد لك أعمالك، يلهمك، ويذكرك.
وإذاً نحن أطرقنا بالأدبين الأخيرين الترقي والتبري، فالإنسان لا يعتز بنفسه، لا ينظر إلى ذاته، ولا يكون إحساسه بذاته مضخماً.
* * *
قصة سعيد بن عامر الجمحي :
والآن إلى قصة أحد الصحابة الأجلاء، فهذه القصة هي قصة سعيد بن عامر الجمحي، واحد من الألوف المؤلفة الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه سلم بعد أن ظفروا به غدراً، النبي صلى الله عليه وسلم أرسل صحابياً بمهمة فظفر به زعماء قريش غدراً، وأخذوه، وأرادوا أن يشفوا غليلهم منه، فدعوا سكان مكة إلى منطقة التنعيم، فإذا الإنسان ذهب إلى مكة المكرمة هذه المنطقة يحرم منها من هو في مكة، منطقة سهلية منبسطة في شرقي مكة.
خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة، بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بعد أن ظفروا به غدراً، وهذا سعيد بن عامر الجحمحي وقد مكنه شبابه الموفور، وفتوته المتدفقة من أن يزاحم الناس بالمناكب، حتى حاز شيوخ قريش من أمثـال أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهما ممن يتصدرون الموكب، وقد أتيح له أن يرى أسير قريش مكبلاً بقيوده، و أكف الصبيان والنساء والشبان تدفعه إلى ساحة الموت دفعاً لينتقم من محمد في شخصه، وليثأروا لقتلاهم في بدر بقتله، ولما وصلت هذه الجموع الحاشدة بأسيرها إلى المكان المعد لقتله وقف الفتى سعيد بن عامر الجمحي بقامته الممدودة يطل على خبيب، وهو يقدم إلى خشبة الصلب، وسمع صوته الثابت الهادئ من خلال صياح النسوة وهو يقول: إن شئتم أن تتركوني أن أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا، ثم نظر إليه وهو يستقبل الكعبة، ويصلي ركعتين يا لحسنهما ويا لتمامهما، ثم رآه يقبل على زعماء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني قد أطلت الصلاة جزعاً من الموت لاستكثرت من الصلاة، على قدر ما شعر من السرور، ومن السعادة، ولولا أنه خاف أن يتهموه بالخوف لصلى طويلاً.
ثم شهد سعيد بن عامر الجمحي بعيني رأسه وهم يمثلون بخبيب حياً فيقطعون من جسده قطعة تلو القطعة، وهم يقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناجٍ؟ فيقول والدماء تنزل منه: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها و يصاب محمد بشوكة، فيلوح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صياحهم أن اقتلوه اقتلوه، هذا كله تحت سمع وبصر سعيد بن عامر الجمحي.
ثم أبصر سعيد بن عامر خبيباً يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقول: اللهم احشدهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وبه ما لم يستطع إحصاءه من ضربات السيوف، وطعنات الرماح، هذه القصة ليست عن سيدنا خبيب، القصة عن سيدنا سعيد بن عامر الجمحي.
عادت قريش إلى مكة ونسيت في زحمة الأحداث خبيباً ومصرعه، لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجمحي لم يغب خبيب عن خاطره لحظة، كان يراه في حلمه إذا نام، ويراه في خياله وهو مستيقظ، ويمثل به أمامه وهو يصلي ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب، ويسمع رنين صوته في أذنيه، وهو يدعو على قريش فيخشى أن تصعقه صاعقة، أو تخر عليه صخرة من السماء، ثم إن خبيباً علم سعيداً ما لم يكن يعلم من قبل، علمه أن الحياة الحق عقيدةٌ وجهاد في سبيل هذه العقيدة حتى الموت، وعلمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات.
الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب ويصنع المعجزات :
فعلاً شيء عجيب، هذه الخنساء مات أخوها صخر موتاً طبيعياً، وكان شاباً، وكانت شاعرة نظمت ديواناً بأكمله في رثاء أخيها صخر:
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنــه علـــم في رأسه نار
حمّال ألـوية هبـّاط أودية شهّاد أندية للجيـــش جرار
***
فلما أسلمت استُشهد أولادها الأربع في معركة القادسية دفعةً واحدة، فلم تزد عن أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، الخنساء في الجاهلية بكت وأبكت، وفي الإسلام وهي امرأة قالت بصبر وشجاعة: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.
فخبيب علّم سعيداً بن عامر الجمحي عن طريق الحياة، وعلّمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات، وعلمه أمراً آخر أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي، ليس معقولاً يقطعونه من أول يد وقدم، وكلمتهم أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها وأن يصاب محمد بشوكة.
يقول أبو سفيان: عندها ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً، فالإنسان إن لم يكن بقلبه محبة لله ورسوله فليعلم أنه لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، تسعة وتسعون وتسعة بالعشرة من الإيمان محبة، والباقي تطبيق، فإن طبقت بلا محبة فلا تؤثر بأحد.
وعند ذلك شرح الله صدر سعيد بن عامر إلى الإسلام، فقام في ملأ من الناس وأعلن براءته من آثام قريش، وأوزارها، وخلع أصنامها وأوثانها، ودخل في دين الله.
وهاجر سعيد بن عامر إلى المدينة، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه خيبر وما بعدها من الغزوات، ولما انتقل النبي الكريم إلى جوار ربه وهو راض عنه ظل من بعده سيفاً مسلولاً في أيدي خليفتيه -أبو بكر وعمر- وعاش مثلاً فريداً فذاً للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس، وشهوات الجسد، وكان خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لسعيد بن عامر صدقه وتقواه ويستمعان إلى نصحه ويصغيان إلى قوله. اختيار سعيد بن عامر الجمحي لولاية حمص :
دخل على عمر بن الخطاب في أول خلافته فقال: "يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه العمل، يا عمر أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخذ الغمرات إلى الحق، ولا تخف بالله لومة لائم"، وسيدنا سعيد ينصح سيدنا عمر.
فقال عمر: ومن يستطيع هذا يا سعيد؟ قال: يستطيعه رجل مثلك ممن ولاهم الله أمر هذه الأمة وليس بينه وبين الله أحد - أي أعلى رجل بالأمة ليس بينه وبين الله أحد - كل إنسان يحاسب، أما أعلى إنسان من يحاسبه؟ الله سبحانه وتعالى، هذا معنى وليس بينه وبين الله أحد، الأب في المجلس، والابن يتحاسب تحاسبه أمه، والأخ يحاسبه أخوه الأكبر، والزوجة يحاسبها زوجها، أما الزوج فمن يحاسبه؟ الله عز وجل إذا ظلم.
وعند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيداً إلى مؤازرته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر ناشدتك الله لا تفتني، فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني؟ ألا تنصحني؟ تعال وساعدني، والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال له: ألا نفرض لك رزقاً؟ - أي أتحب أن نعمل لك راتباً؟ - قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟ فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ثم مضى إلى حمص.
وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم، فرفعوا له كتاباً فإذا فيه فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومن سعيد؟ قالوا: أميرنا هذا أيضاً فقير، قال: أميركم فقير؟ قالوا: نعم فو الله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار، فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينارٍ فجعلها في صرة وقال اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك.
فجاء الوفد لسعيد بالصرة، ونظر إليها، فإذا هي دنانير فجعل يبعدها عنه، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة، أو حلّ بساحته خطب، فهبت زوجته مذعورةً وقالت: ما شأنك يا سعيد أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: هل أصيب المسلمون بوقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: وما أعظم من ذلك؟ قال دخلت عليَّ الدنيا لتفسد آخرتي وحلت الفتنة في بيتي، قالت: تخلص منها، وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئاً، قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم، فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ووزعها على فقراء المسلمين، وعمل مع زوجته حيلة ووزع الأموال.
قصة سعيد بن عامر الجمحي مع أهل حمص :
ولم يمضِ على ذلك أمر طويل حتى أتى عمر بن الخطاب بنفسه إلى بلاد الشام يتفقد أحوالها فلما نزل في حمص وكانت تدعى الكويفة وهو تصغير الكوفة، وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم، فلما نزل فيها لقيه أهلها بالسلام عليه وقالوا: كيف أميركم؟ فشكوه إليه وذكروا له أربعاً من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر، قال عمر: فجمعت بينه وبينهم، ودعوت الله ألا يخيب ظني به فقد كنت عظيم الثقة فيه، فلما أصبحوا عندي وهو أميرهم قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقلت: وما تقول يا سعيد؟ فسكت ثم قال: والله إني أكره أن أقول ذلك ولكن لابد منه إنه ليس لأهلي خادم فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلاً حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس، قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟ قالوا: إنه لا يجيب أحداً بالليل، قال: ما تقول يا سعيد؟ قال: والله أكره أن أعلن هذا أيضاً إني قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوماً في الشهر قال: ليس لي خادم، وليس عندي ثياب غير التي علي فأغسلها، ثم قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عن مجلسه – إغماء- قال: وما هذا يا سعيد؟ قال: شهدت مصرع خبيب وأنا مشرك ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فيقول: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، وأن يصاب محمد بشوكة، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي.
من تلك الساعة إلى الآن، دخل في الإسلام، وخاض معارك، وحارب مع رسول الله، وجاهد، وهو يظن أن الله لن يغفر له ذلك الموقف، و كان قادراً على نصرته وما نصره، فأصابتني تلك الغشية، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك".
فكلما تذكر موقفه من سيدنا خبيب وحينما صرعه زعماء قريش ولم ينصره تصيبه غشية من الله عز وجل، فهو يظن أن الله لن يغفر له، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك".
ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته فلما رأتها زوجته قالت: الحمد لله الذي أغنانا، اشتر لنا مؤونةً، واستأجر لنا خادماً، قال لها: وهل لكِ فيما هو خير من ذلك؟ قالت: وما ذاك؟ قال: ندفعها إلى من يأتينا بها، قالت: وما ذاك؟ قال: نقرضها الله قرضاً حسناً، قالت: نعم وجزيت خيراً، فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر وقال لواحد من أهله انطلق بها إلى أرملة فلان، وإلى أيتام فلان، وإلى مساكين آل فلان، وإلى فقراء آل فلان، فوزعها.
طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب:
إذا ظن الرجل أن الجنة تأتي وهو في نعيم مقيم، وهو في بحبوحة، يأكل ويشرب ويتنعم، ولا يفعل خيراً، فهذا ذنب من الذنوب، طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وأصحاب رسول الله فتحوا البلاد ورفع الله ذكرهم، وشأنهم، وسعدوا في الدنيا والآخرة، بفضل جهادهم، وأعمالهم الطيبة.
وأقول لكم هذا الكلام: الله سبحانه وتعالى هو هو، وأبواب العمل الصالح مفتوحة هي هي، وطريق البطولة سالك هو هو، وما بقي علينا إلا أن نسير، فالحق واحد، والحياة مؤقتة، والموت على الأبواب، و الجنة آمنا بها، وجهنم أيقنا بوجودها، فماذا بقي علينا؟ قال رجل لرسول الله: جئتك لتعلمني من غرائب العلم؟ قال: فماذا صنعت في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: وهل عرفت الرب؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟
اسأل نفسك هذا السؤال، إذا قال لك أحد هل تعرف الله؟ طبعاً حضرت مجالس العلم، إنها تفسير، وحديث، وسيرة، وشيء جميل، فماذا صنعت في حقه؟ قال له: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فماذا أعددت له إن كنت بطلاً فاسأل نفسك هذين السؤالين وعندك الجواب، هل عرفت الله؟ فإذا قلت: لا فماذا تنتظر؟ وإن قلت نعم فماذا صنعت في حقه؟ وهل عرفت الموت؟ فإن قلت: لا، فأنت في ضلال كبير، وإن قلت: نعم، عرفت أني سأموت، أقول لك: ماذا أعددت له؟
أما عرفت الله وفي بيتك خمسون مخالفة، وأنت مقيم على خمسين معصية، وعلاقاتك المالية كلها ربوية، وأنت مسلم محب لله، هذا كلام فارغ، وهذه زعبرة وتلبسة، فإن قلت:عرفت الموت فماذا أعددت له؟ ومن منا يذهب في سفر من دون زوادة؟ إلى أين تذهب؟ إلى فرنسا؟ تحتاج إلى فرنك فرنسي، إلى أمريكا؟ تحتاج إلى دولار، إلى روسيا؟ تحتاج إلى روبل، إلى العمرة؟ تحتاج إلى ريال، والآخرة عملتها: العمل الصالح، والآن الأسعار رخيصة جداً، وبعد هذا يرتفع ثم يفقد نهائياً بعد الموت، فاستغل أن أسعار العملات النادرة في الآخرة الآن متوافرة، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، و أن تعود مريضاً، وأن تبر والديك، فأبواب العمل الصالح مفتحة على أبوابها، فإذا الله عز وجل أكرمك بها فستعرف ما نقول، والغنى هو غنى العمل الصالح، قال تعالى:
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

السعيد
09-10-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )


الموضوع : متابعة المقتدى للامام - فصل فى الاذكار وفى فهم القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الكلمات التي يقولها عامة الناس لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا:
أيها الأخوة المؤمنون، الفصل اليوم فصل: "فيما يفعله المقتدي بعد فراغ إيمانه من واجب أو غيره"، وقبل الخوض في تفصيلات هذا الفصل أحب أن أنوه إلى أن هذه السنن النبوية من أدعية، وأذكار، و أعمال، و أقوال، لا بد من أن تكون هناك حالة نفسية ترافقها، فإذا اكتفينا بتردادها كما يفعل عامة المسلمين فاليوم انقلبت هذه العبادات السامية إلى طقوس جوفاء لا معنى لها، أحياناً الإنسان يسأل نفسه هذا السؤال، لماذا كان الصحابة الكرام لا يزيدون عن ألف و قد فتحوا العالم و نشروا هذا الدين و أسبغوا على العالم قيمهم و عدالتهم و دينهم و شريعتهم؟ و لماذا نحن مع أننا نزيد عن الألف مليون مغلوبون على أمرنا؟ السر هو أن الصحابي الجليل حينما قال: الله أكبر، أي لا تأخذه في الله لومة لائم، و لا يخشى إلا الله، و لا يطيع إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، هذه الله أكبر، فإذا قال لا إله إلا الله فمعنى ذلك أنه رأى أن الله سبحانه و تعالى بيده مقاليـــد الكون، و مقاليد الحياة، وبيده ملكوت كل شيء، فكلمات لا إله إلا الله، والله و أكبر، و سبحان الله، و لله الحمد، و لا حول و لا قوة إلا بالله، وإنا لله و إنا إليه راجعون، هذه الكلمات التي يقولها عامة الناس هي كلمات لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا رأساً على عقب، ولحصل انعطاف جذري في حياتنا، لكن كلمات قد يعدها بعضهم من التراث، و قد يعدها بعضهم من التقاليد، لكن كلمــة الله أكبر هز بها المسلمون العالم، لا إله إلا الله هو التوحيد، والإيمان بالقدر يذهب الهم و الحزن، فالأدعية و الأذكار بعد الصلاة أن تقول: اللهم إنك أنت السلام، و منك السلام، تباركت و تعاليت يا ذا الجلال و الإكرام، هذه الكلمات لو كانت هناك أحوالاً تقابلها لكنت إنساناً تطير في السلام. ما ينبغي أن يتابعه المؤتم مع الإمام وما لا ينبغي أن يتابعه به :
لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد يتمه، أي الإمام مسرع قبل أن تصل إلى التشهد لو سلم الإمام عليك أن تتم التشهد و تسلم ولا تقرأ الصلوات الإبراهيمية؟ لا، تنهي التشهد وتسلم، أما لو سلم قبل فراغك من التشهد فلابد من أن تنهي التشهد، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو دخلت في الصلاة مسبوقاً ورفعت مع الإمام وقلت: سبحان الله مرةً واحدة، ورفع الإمام رأسه يجب أن ترفع رأسك معه، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو زاد الإمام سجدة لا يتبعه المؤتم، و لو أول مرة سجد والثانية نسي وبدأ في الثالثة، فالمؤتم لا يتابعه بل يبقى قاعداً، ولو قام الإمام بعد القعود الأخير و قال: أشهد أن لا إله إلا الله وتوهم أن هذا القعود هو الأول وقام فالمقتدي لا يتابعه وهنا دقة الفصل، أي متى تتابع ومتى لا تتابع؟ هذا ما ينبغي أن تتابعه به وما لا ينبغي أن تتابعه به.
الأذكار الواردة بعد الفرض :
والآن فصل في الأذكار الواردة بعد الفرض، نحن بعد صلاة الفرض نقول: استغفر الله العظيم ثلاثاً، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، فالقيام إلى السنة متصلاً بالفرض مسنون، وأن تقوم إلى السنة مباشرةً من الفرض مسنون، ولكن لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة، ويستحب للإمام بعد سلامه أن يتحول إلى يساره، أي أن يغير مكانه، و أن يلتفت إلى المصلين، وأن يستقبل الناس، فيستغفرون الله ثلاثاً، ويقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويسبحون الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمدونه كذلك، ويكبرونه كذلك، هذه بعد انتهاء الفرض والسنة، بين الفـرض والسنة يوجد عندنا أدعية الآن أقرؤها لكم:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ))
[ الترمذي عن ثوبان]
(( مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ))
[أبي داود عن بِلالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ]
إذاً الشيء الثابت المتفق عليه بعد الفرض الاستغفار ثلاثاً، ثم القول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ولكن بعد الفراغ من السنة في أكثر المساجد يوجد ورد مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الورد تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وتسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، و تكبره ثلاثاً وثلاثين، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو لنفسك وللمسلمين، طبعاً ثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين تسعاً وتسعين تنتهي بالمئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))
[أبي داود وعن أبي هريرة]
والإنسان أحياناً في بيته يكون معه بحبوحة من الوقت، فإذا أنهى الصلاة ثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، ويتمها بالمئة لا إله إلا هو وحده لا شريك له. ترديد الأوراد يتطلب أن يكون الإنسان حافظ القلب :
لكن الإنسان حينما يتلو هذه الأوراد يجب أن يكون حافظ القلب، فإن أغمض عينيه وتوجه إلى الله عز وجل وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، حتى فاضت عيناه بالدموع، وحتى شعر أن الله قد غفر له، وحتى شعر أن الله استجاب له، وغفر له، ثم قال: الحمد لله، الحمد لله، أي تصور النعم التي أسبغها الله عليه، تصور نعمة الإيجاد أولاً، فنعمة الإمداد، فنعمة الهدى، هذا الشيء الذي أكرمك الله به، مثل نعمة الصحة، ونعمة الولد، و نعمة الزوجة، ونعمة الرزق، ونعمة السلامة، والحمد لله إذا رددتها وكنت حاضر القلب سمت نفسك إلى الله سبحانه وتعالى فذقت طعمها، وإذا قلت: الله أكبر، الله أكبر ثلاثاً وثلاثين، بعدها لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا تخشى إلا الله، ولا ترضي إلا الله، و لا تسعى لغير الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تستهدف إلا الله، فهذا كله من معاني الله أكبر.
دعاء الليل من أسرع الأدعية إجابةً :
((قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))
[الترمذي عن أبي أمامة]
بالمرحلة الأخيرة من الليل إذا استيقظت من فراشك وصليت ركعتين، ورفعت يديك إلى الله سبحانه وتعالى مبتهلاً، ودعوته سواءً لحاجة من حوائج الدنيا المشروعة، أو لحاجة من حوائج الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يستجيب لك. ((... قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))
الدعاء، شرع بعد الصلاة وهو مقبول، وهذا من أسرع الأدعية إجابةً ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ))
[النسائي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]
ومما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يده بالدعاء، ويمسح بها وجهه الشريف، تعبيراً عن أدبه، وعن أن الله سبحانه وتعالى سيستجيب له بهذا الدعاء، وفي النهاية يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة :
اتضح الآن بين السنة والفرض ثلاث مرات استغفار، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، و بعد السنة ثلاثاً وثلاثين أستغفر الله، والحمد لله، والله أكبر، مع آية الكرسي والمعوذات - الإخلاص والمعوذتين - وبعدها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وفي النهاية الدعاء، وبعد الدعاء: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، هذا ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة، والفصل الذي قبله ما يتابع به إمامه وما لا يتابع به، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى مفسدات الصلاة وهي ثمان وستون.
* * *
التفسير وفهم كتاب الله :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، الحقيقة هذا الفصل مهم جداً، هذا الفصل في فهم القرآن وتفسيره وما من موضوع اختلف فيه الناس كموضوع التفسير وفهم كتاب الله.
قال الإمام الغزالي: لعلك تقول: عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن، وما ينكشف لأرباب القلوب الذكية من معانيه، فكيف يستحب ذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، كنا نتكلم عن فهم القرآن، والتعمق بفهمه، وتدبر آياته، والاستنباط منها، فكيف نوفق بين هذا الذي قلناه من قبل من كتاب إحياء علوم الدين وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"؟ فهل للإنسان أن يفسر أم لا يفسر؟ فإذا لم يفسر يقولون له قوله تعالى:
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[ سورة محمد: 24 ]
وإذا فسر يقولون له: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " فماذا يفعل؟ إذا فسر ما انتهى من الناس وإن لم يفسر يقولون لماذا لم يفسر؟ لكن الإمام الغزالي يوفق بين هذين النصين توفيقاً جميلاً، قال: وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف من المفسرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرآن على خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين، فعندنا لوم شديد من علماء الظاهر على العلماء الصوفيين الذين فسروا القرآن تفسيراً إشارياً عميقاً مستندين إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وذهب بعضهم إلى أنه قد كفر، قال: فإن صح ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره؟ ومادام القرآن مفسراً سابقاً عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن شريح، وفلان من التابعين، فانتهى الأمر، ولا يوجد إلا مهمة واحدة أن نقرأ هذه التفاسير، ونحفظها، وانتهى الأمر، وإن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار "؟ من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه :
الآن نحن في مشكلة هل نفسر أم لا نفسر؟ إن فسرنا يقال لنا: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وإن لم نفسر قيل لنا: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، فما معنى هذا الكلام؟ فإذا قال إنسان لك: أطيب شيء في الأرض هو الدبس، وهو لم يأكل غير الدبس فهو صادق، ولكن ليس له الحق أن يقول: الناس كلهم لا يوجد عندهم ذوق، فالذين أكلوا عسلاً يسخرون من هذا القول.
إنسان فهم الآية فهماً وإذا قال غير هذا المعنى فلا يكون غالطاً، فهذه حدوده، وهذا مستواه، وهذه درجته، أيحمل الناس كلهم على هذه الدرجة؟ و القرآن كما قلت من قبل: ليس ملك أحد، بل ملك المسلمين كلهم، فلما يقنن الإنسان يحصر آية على تفسير واحد، ويحمل الناس على درجته، وهو محدود، وفي الناس من هو أعلى منه، و من هو أفطن منه.
قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما شرحه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، لما قال: إن الدبس أطيب طعام صحيح - هذا الكلام له صحيح- ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعاً لأرباب الفهم، وفي القرآن يوجد مجال واسع للتفاوت في الفهم، وسيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن".
هذه نعمة من نعم المولى الكريم أن يعطيك الله سبحانه وتعالى نعمة فهم كتابه، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن للقرآن ظهراً، وبطناً، وحداً، ومطلعاً"، ويروى أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه وهو من علماء التفسير فما معنى الظهر والحد والبطن والمطلع؟ هذا سؤال وهذا حديث لرسول الله صلى الله عليه.
وقال علي كرم الله وجهه: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، أوقرت بمعنى حملت. القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله :
هناك آية ثانية أدق من هذا، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
قال لي رجل من أيام التقى بي أمام البيت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾
[ سورة القارعة : 5 ]
قلت له: العهن هو الصوف، قال لي: لا يكفي، أريد أعمق من هذا؟ قلت له: العهن هو الصوف والمنفوس، شعرت أن هذا المعنى فقلت له: الله عز وجل جعل ترابطاً بين ذرات الصخر، الصخر قاسٍ فجعل ترابطاً بين ذرات الحديد، وهذه الأجسام الصلبة تراها صلبة لأن الله سبحانه وتعالى ربط بين ذراتها بقوته، فلو أن الله سبحانه وتعالى قطع الإمداد عن هذه الذرات لأصبحت متفلتة، ولانعدم هذا الترابط، وتفككت، وتحررت، وأصبحت سائبة، ولم يبق الصخر صخراً بل صار الصخر طحيناً، وما عاد الحديد حديداً صار الحديد ماءً، فربنا عز وجل أراد أن يلفت النظر إلى أن هذه الأشياء الصلبة التي تراها في الأرض، وتنعم بها، وتقيم بناءك عليها، إنما هي صلبةٌ بقوة الله، فلو أن الله سبحانه وتعالى منع عنها قوته لأصبحت منحلة، مبعثرة، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول: إن هذه القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله عز وجل، فالحديد لا يسمى حديداً إلا إذا شاء الله له أن يكون حديداً، فإن لم يشأ صار غازاً أو سائلاً، وقنع وقال لي: هذا المعنى دقيق. الحقيقة قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
كل آية هي وسيلة إيضاح لتعريف الناس بالله عز وجل :
كلام إله ينحد بكلمة؟ العهن المنفوش الصوف الممدود فقط؟ هذه يتكلم عنها خمس ساعات، وهذه معلوماتي المحدودة، وشعرت أن في الذرات قوى تجاذب، وقوى ترابط، والذرة يكون لها شكل صلب، أو شكل سائل، أو شكل غازي، بحسب ترابط ذراتها، وللحرارة أثر في تباعد هذه الذرات، وفي تحويل الجسم من صلب إلى سائل إلى غاز، فهذه القوى التي تشد الذرات بعضها إلى بعض إنما هي قوة الله عز وجل، فالجبال يوم القيامة انتهت مهمتها، وانتهت وظيفتها، قال تعالى:
﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾
[ سورة القارعة : 5 ]
والشمس انتهت وظيفتها، قال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
[ سورة التكوير: 1 ]
والنجوم انتهت وظيفتها، فصارت دليلاً على الله عز وجل، كوسائل إيضاح، وسائل معينة لتعريف الناس بالله عز وجل، مالك يوم الدين انتهت الحياة الدنيا، وفرصة الاختيار انتهت، وبدأ يوم الحساب، فقال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ *وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ*وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ*وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ*وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾
[ سورة التكوير: 1-5 ]
والنجوم، فكل آية لها ظهر وبطن، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
الله سبحانه وتعالى هو الآخر و من باب أولى كلامه الآخر، إلا أنه يكون عندك تفسير أربعمئة صفحة، كلمة العهن المنفوش الصوف الممدود فقط، وغير هذا لا يوجد، فاقرأ بعض التفاسير هكذا كلمة يقابلها كلمة ثانية، والإمام الغزالي يقول: لا فهذا شيء مستحيل، وسيدنا علي رضي الله عنه ليس نبياً قال: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً". كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه :
في دروس التفسير السابقة شعرت كيف ربنا عز وجل الآية الواحدة لها مجموعة معانٍ، حمالة الحطب، وربنا عز وجل رمز لكل ذنْب بحبة لها ثقل، حطبة مع حطبة، فصار الثقل شديداً قد يعجز الإنسان عن حمله، فلماذا حطب وليس حديداً؟ الحطب يحترق لأن هذه الأوزار سوف تحرق صاحبها، وهذا معنى، حمالة الحطب كانت تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، وتضع في طريقه الحطب، وحمالة الحطب كانت بخيلةً. أي كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه، قال تعالى:
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون: 7]
فالعلماء قالوا في هذه الآية أربعة عشر تفسيراً، وأوجه هذه التفاسير أنك إذا سببت أذىً لفاعل الخير فأنت مانع الخير، وإنسان قدم خدمة مخلصاً بها فأصبته بالأذى فربما أخذ عهداً على نفسه ألا يفعل خيراً ما عاش، إذاً من هو الذي يمنع الماعون؟ هو الذي يسبب الأذى لفاعل الخير، ولاحظتم بتفسير جزء عم، كل آية لها مجموعة معانٍ كثيرة.
وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً"، وقال بعض العلماء: "لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن". تتبع آيات القرآن الكريم وما تنطوي عليها من دقائق :
مثلاً لماذا قال ربنا عز وجل:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾
[ سورة النور: 2]
ولماذا بدأ بالزانية؟ لأن المرأة أقدر على الزنا من الرجل، و هي السبب في الزنا، لماذا قال: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾
[ سورة المائدة: 38]
لأن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، لماذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة:24]
لماذا بدأ بالأب بالذات؟ لأن هذه الآية ساقها الله سبحانه وتعالى في معرض الاعتزاز الاجتماعي، والإنسان يعتز أكثر ما يعتز بأبيه. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾
[ سورة عبس:34-35]
لماذا بدأ بالأخ؟ لأن الأخ أقرب الناس للإنسان، والأب كبير والابن صغير، ففي موطن الاستنجاد والالتجاء الأخ. قال تعالى: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾
[ سورة المعارج:11]
لماذا البني؟ لأنه من حيث المحبة الابن يقع في المقدمة، ففي الفداء الابن، وفي الالتجاء الأخ، وفي الاعتزاز الأب، قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
في المتعة المرأة، هناك خمس آيات في كتاب الله ورد فيها الأقارب مرتبين ترتيباً خاصاً، لماذا قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
لماذا بدأ بغض البصر وانتهى بحفظ الفرج؟ لأن حفظ البصر طريق لحفظ الفرج، حقائق، لو تتبعت كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 11]
لماذا بدأ الله سبحانه وتعالى بالتجارة ثم باللهو؟ لأن التجارة أساس اللهو، لا لهو بلا تجارة، واللهو يحتاج إلى دخل كبير، فلماذا بدأ باللهو ثم بالتجارة في آخر الآية: ﴿ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 11]
لأن الإنسان عندما يتغافل عن الصلاة بدافع اللهو فإثمه كبير، أما إذا تغافل عن الصلاة بدافع التجارة فإثمه كبير ولكن أيهما أكبر؟ بدافع اللهو، التسلسل دقيق جداً، فهلا تتبعت هذه الآيات وما ينطوي عليه من دقائق؟
ولما ربنا عز وجل قال: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 20-21]
معنى الفاكهة قبل الطعام أول استنباط، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه". القرآن الكريم عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه :
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث علي كرم الله وجهه، كيف قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي؟ الحقيقة إذا قال الصحابي الجليل قولاً فهذا يصنف مع الأحاديث، لأنه ما قاله إلا عن رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: " والذي بعثني بالحق نبياً، لتفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة يدعون إلى النار فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ ما يأتي بعدكم، وحكم ما بينكم، ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غير ذلك أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلطه كثرة الترديد..."
الذي يعنينا: "إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن أصل دينها إلى اثنتين وسبعين فرقة وكل هذه الفرق ضالة مضلة إلا واحدة" وهناك رواية ثانية:
(( وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعليك بكتاب الله، هو الأصل، وهو الينبوع، لما ترى الماء أسود ارجع إلى النبع، فبالنبع الماء زلال، فرات، عذب، صافٍ، نقي، سائغ للشاربين، تشتهي أن تشربه، لكن في المصب المياه سوداء لكثرة ما دخل عليها من رواسب، ومن مياه آسنة، ومن أشياء قذرة، ولذلك: بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، والآن الحل أن نعود معاً إلى الينبوع الأول وهو كتاب الله، فإن كنتم في زمن الفتن من الفرقة، وزمن الضلالة، وكل يدعي وصلاً بليلى، قال تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 53]
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾
[ سورة الحشر: 14]
(( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ...))
[ أخرجه الإمام الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]
إذا وصلت إلى هذا الزمان يوم يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف، يوم يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، يوم يخون الأمين ويؤتمن الخائن، ويكذب الصادق ويصدق الكاذب، يوم تلد الأمة ربتها، يوم يكون المطر قيظاً والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً ويغيظ الكرام غيظاً، ويوم يسند الأمر إلى غير أهله، عندئذ اعتصم بكتاب الله، لماذا؟ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى فيه نبأ من كان قبلكم موعظة، وهناك أقوام أشادوا حضارات، وجاؤوا بمعجزات، وأشادوا الأهرامات، وبنوا القصور، ونحتوا الجبال، واخترعوا مواد لا تزال إلى الآن سر من أسرار هذه الأمم، كفروا بالله سبحانه وتعالى فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، يوجد عندنا حوادث، وأنا أقول دائماً ربنا عز وجل، القرآن الكريم كون ناطق، والكون قرآن صامت، والحوادث قرآن عملي، فآكل المال الحرام الله في أغلب الأحيان يتلف ماله، والمعتدي يعتدى عليه، والظالم سوط الله ينتقم به ثم يُنتقم منه، ولو تتبعت ما يجري في الدنيا، فهذه المدينة الفاجرة أصابها زلزال جعلها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً، وهؤلاء القوم منحرفون أخلاقياً ابتلاهم الله بالأمراض، والآن في العالم الغربي في أمريكا يوجد أمراض تسبب الذعر، فقد سمعت عن أمراض عديدة كلها أمراض جنسية بسبب التفلت الأخلاقي فالقرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، ومعاملة الله للعباد وتصرفاته هي قرآن عملي، و الإنسان عندما يتعمق بالفهم يجد أن ما يجري في الأرض صادق لما في كتاب الله، إذ يوجد قانون السقوط قائم ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وأن تعترف به، و تفهمه، وتتقيد بتعليماته، وتتأدب معه، وتنجو، وتستهين به، وتستخف به، وتنكره، وتكذبه، وتدفع الثمن فهذا كلام عام، دقق في بيتك، وفي زواجك، وفي بيعك، وفي شرائك، وفي معاملتك، وفي ربحك، وفي صحتك، كله مطبق. إن كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق :
إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، الأقوام السابقة، ربنا عز وجل توجه إلى آخر الزمان قال تعالى:
﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾
[ سورة القمر: 43]
أي قوم لوط فعلوا فاحشة واحدة فدمرهم الله سبحانه وتعالى، و قوم ثمود فعلوا فاحشة من نوع آخر، قوم شعيب بخسوا المكيال، و كل قوم ارتكبوا فاحشة فاستحقوا الدمار، فإذا كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾
[ سورة الإسراء: 58]
سترون بأعينكم كل مرحلة من الزمن يحل البلاء في بلد. القرآن الكرم فيه نبأ من كان قبلنا ونبأ من يأتي بعدنا :
والله عز وجل قال:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
من فوقكم البراكين، فهذا بركان سيزوف، ثار وغطى مدينة، ثمانية أمتار سحاب بركاني، حرارته ثمانمئة درجة، فالناس ماتوا إما احتراقاً أو اختناقاً أو انحباساً، إنها مدينة بكاملها، الساعة الثانية ظهراً تقريباً جمدت على حالها، و بعد ألف سنة أثناء تنقيب الآثار وجدوا مدينة طبعاً صخوراً كسروا الصخور فوجدوا تجويفات، فجاء علماء الآثار حقنوا هذه التجويفات بجبصين سائل فلما نشف الجبصين كسروا هذه الصخور فظهرت الأجسام، أم هاربة من السحاب، وامرأة تحتضن ابنها، والأشخاص في السجون، والذعر باد على وجوههم،و النساء في القصور يجمعن الحلي، كلها صور مأخوذة مجسمة، مثل أدوات الطعام، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
يوجد مدينة في اللاذقية اسمها أوغاريت، العلماء يقولون: إن بركاناً ثار بالقرب منها، وغطاها ثلاث مرات أي مدينة وتحتها مدينة، وتحتها مدينة، وجبل الأقرع ثار بركانه ودمر هذه المدينة ثلاث مرات، فهذه من فوقكم، والآن يوجد أسلحة من فوقكم، صواريخ يقول لك: قصف مدفعي كثيف، وتراشق صاروخي، و هذه أيضاً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، الزلازل، أغادير مدينة جميلة جداً على الساحل الأطلسي، هذه المدينة خاصة بالسياح الأجانب وكل أنواع المنكرات فيها، حتى الأماكن الرذيلة لا يسمح لأبناء المغرب بالدخول إليها لشدة الانحراف، ثلاث دقائق أصبحت ركاماً، فيها فندق كبير، ثلاثون طابقاً، حكمة الله سبحانه وتعالى هذا الفندق غاص كله، وبقيت لوحته الكبيرة على الطابق الثلاثين على مستوى الأرض، فهذه أو من تحت أرجلكم، وهذه على مستوى جماعي، وهذه على مستوى فردي، وهناك بناء يغوص بكامله بمن فيه، قال تعالى: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
هذا من مستوى الزلازل، ومستوى البراكين، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل: 112]
فالإنسان لا يأمن أن يسير متراً، قد يقتل بلا سبب، في بعض الأقطار التي تشهد صراعات داخلية فيها بلاء من الله عز وجل.
إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ من يأتي بعدكم، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾
[ سورة الروم: 2-3]
فتح مكة، نبأ من كان بعدكم، وانتصار الرومان على الفرس نبأ من كان بعدكم.
أحداث قيام الساعة :
الآن أحداث قيام الساعة، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾
[ سورة الزخرف: 61]
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾
[ سورة يونس: 24]
هناك أمور لما تفسر، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة يونس: 24-25]
فالآن يوجد قمة في الزخرفة، أينما تذهب تجد زخرفة، أسقف مستعارة، وجدراناً مزينة بالزخارف، وإضاءة مخفية منوعة، وفرشاً وثيرة جداً، ومداخل حدائق، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1]
ملكوا السلاح النووي، فيه نبأ ما كان قبلكم، ونبأ ما كان بعدكم، وحكم ما بينكم، فإذا اختلف اثنان فالقرآن الكريم يحكم بينهما، هو الحكم، وإذا اختلف الزوجان الحكم لكتاب الله، وإذا اختلف شريكان فالحكم لكتاب الله. من قرأ القرآن قراءة صحيحة و عقل معانيه زالت كل أمراضه النفسية :
قال تعالى:
﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة النحل: 69]
اعمل عقداً معه، يأتيك الحكم بهذا الشكل.. ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل...فإذا الإنسان لحق الكتب الأخرى قال لك: يوجد عندي المجموعة النفسية، كتاب لفرويد، إنه يجعل الجنس أساس الحياة، فالإنسان كتلة جنس، أو عندي كتاب مثلاً لدارون، أصل الإنسان.... "من ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين ونوره المبين وشفاؤه النافع..."لا يحزن قارئ القرآن أبداً، فهو دواء لكل داء، فداء القلق القرآن الكريم، ومن الخوف اقرأ القرآن يذهب خوفك، الضياع تجتمع، والتشاؤم تتفاءل، و الشعور بالضعف تشعر بالعزة والكرامة، فلو قرأت القرآن قراءة صحيحة وعقلت معانيه تزول كل أمراضك النفسية، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾
[ سورة الإسراء: 82]
وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، فإنسان كاد لإنسان بعث له امرأة بوقت متأخر صار هناك خلوة، وكلفها عندما تخرج من عنده تدعي أنه اغتصبها فشوه سمعته، ولو كان متمسكاً بكتاب الله ما سمح لها أن تدخل بيته إطلاقاً، إذ تحدث مشكلات كثيرة لعدم التمسك بكتاب الله، "عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه". التمسك بكتاب الله :
"لا يعوج فيقوم.. " القوانين تحتاج إلى تعديل، يصدر قانون فيعدل، والثاني، والرابع، والخامس، و تجده مربوطاً به خمسون ورقة، تعديلاته كلها، ثم يضيفون ثم يلغون القانون، ويصدر قانون جديد، بعد شهرين يعدل لأنه ناقص، أما ربنا عز وجل: "لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه"، السماء ذات الرجع فهمها المفسرون أنها البخار يصعد إليها ثم يرجع مطراً شيء جميل، و هذا معنى بسيط، الآن الأمواج الصوتية تصعد في السماء هناك طبقة عليا تعكسها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة ما أمكن الاتصال باللاسلكي، والسماء ذات الرجع، ولا تنقضي عجائبه، العلم يتقدم يوجد في القرآن إشارة لهذا التقدم، قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة النمل: 88]
﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 125]
هذا الضغط، فالضغط عندما يخف تضيق نفس الإنسان، "ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الترديد..." ، كلما زدته نظراً زادك معنىً، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه لما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بالاختلاف والفرقة بعده، "فقلت يا رسول الله فماذا تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تعلم كتاب الله واعمل بما فيه"، فإذا كنت تعيش في عصر فيه ضلالات، وفيه فتن، و ضياع، و عمى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واستعلاء الناس، واستخفافهم بالشرع، إذا كنت في هذا العصر ما المخرج وما النجاة؟ قال عليه الصلاة والسلام: "تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه، قال: فأعدت عليه ذلك ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه ففيه النجاة". كلما تقدم العلم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم :
وفي الزمن الصعب تعلم كتاب الله، واعمل بما هو فيه، أي حضور مجلس العلم أثمن ما في الحياة، لأنك بهذا تعرف القرآن، وتعرف أحكام القرآن، وتعرف أوامر الله، و نواهيه، وقواعد الحياة، و طريق السير إلى الله عز وجل، و الهدف من خلقك، وقال علي كرم الله وجهه: "من فهم القرآن فسُرِّ به جمل العلم"، هذه كلمة دقيقة جداً، العلماء قالوا: العلوم الحديثة كل أصولها في القرآن الكريم لا تفريعاتها، فيتعمقون في العلم حتى يكتشفوا حقيقة يكون ربنا أشار إليها، وربنا عز وجل لو قال وقت نزول القرآن: الأرض كروية لكذب الناس القرآن، لكن أشار إشارات كثيرة بأنها كروية، قال تعالى:
﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾
[ سورة الزمر: 5]
﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾
[ سورة الانشقاق: 3]
خطوط الدائرة متصلة مستمرة لا منقطعة، أما خطوط المكعبات فمنقطعة، وإذا الأرض مدت. قال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾
[ سورة النازعات: 30]
فما الذي جعلها كالدحية أي كالكرة، يوجد إشارات إلى أن الأرض كروية، والآن اكتشفوا أن العسل صيدلية كاملة، قال تعالى: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة النحل: 69]
وقوانين السعادة الزوجية غض الطرف، قرأت كتاباً لإنسان اسمه كارين-الإنسان ذلك المجهول- جذب نظري جملة قال: إن المخرج من التفسخ الاجتماعي، وانحلال الخلق، وضياع الأسرة، أن يقصر الرجل طرفه على زوجة واحدة، أي يغض بصره، وإذا لم يغض بصره فإنه لا يسعد في بيته، فالعلم كلما تقدم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم. في فهم معاني القرآن مجال رحب ومتسع بالغ :
الآن طموح المرأة في أوربا أن تكون سيدة منزل، وربة منزل متفرغة لزوجها ولو شقيت معه، فصار إذا كانت المرأة متفرغة لزوجها فهذه محسودة، بعد أن صار اختلاط، وبعد أن أصبحت المرأة مبتذلة، منفقة المتاع و ميسورة لكل إنسان، الآن صار هناك طموحاً في العالم الغربي أن تكون سيدة منزل كما جاء في الإسلام قال تعالى:
﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
[ سورة طه: 117]
فتشقى وحدك في العمل والسعي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾
[ سورة البقرة : 269 ]
أي الفهم في القرآن، وقال عز وجل: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
ثم ما آتاهما علماً وحكماً وخصص ما انفرد به سليمان الفهم لقوله تعالى: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
فهذه الأمور كلها تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه، وللبحث صلة نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* * *بعض الأحاديث النبوية الشريفة :
والآن إلى بعض الأحاديث النبوية الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((خياركم من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله))
[ الترمذي عن ابن عمرو بن العاص ]
أي حديثه يزيدكم علماً بالله، وعمله يرغبكم في الآخرة، ورؤيته تذكركم بالله عز وجل، ولذلك فأولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم، فالله عز وجل يهب المؤمن سمتاً حسناً، ونورانية في وجهه، واستقامة في عمله، فيصبح هذا المؤمن قدوةً لغيره، فإذا كنتم كذلك فأنتم من خيار الناس.

السعيد
09-10-2018, 08:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )


الموضوع :مكروهات الصلاة - الاذكار و الدعوات




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مكروهات الصلاة :
1 ـ ترك واجب أو سنة عمداً كعبثه بثوبه وبدنه وهذا يخل بالخشوع :
أيها الأخوة المؤمنون، يكره للمصلي سبعة وسبعون شيئاً أولها ترك واجب أو سنة عمداً كعبثه بثوبه وبدنه هذا يخل بالخشوع، قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون الآيات: 1-2 ]
2 ـ سبق الإمام :
سبق الإمام، ترك الواجب يوجب سجود السهو، ترك السنة لا يوجب شيئاً، أما أن تترك الواجب عمداً وتسجد له أو أن تترك سنة عمداً فهذا من مكروهات الصلاة.
3 ـ قلب الحصى :
قلب الحصى أي إذا أراد أن يسجد الرجل وكان في موضع سجوده حصى مؤذية فأزاحها أو قلبها أو عدلها فهذا مكروه ولكن لمرة واحدة مقبول، أما أن يجعل من قلب الحصى طريقةً لـه في الصلاة دائمة كلما همّ في السجود مهد مكان سجوده، فهذه من مكروهات الصلاة.
و النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا قبل قليل عن العبث بالثوب والبدن رأى رجلاً يعبث بثوبه ولحيته فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".
والنبي عليه الصلاة والسلام في موضوع الحصى قال:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فَقَالَ: وَاحِدَةٌ وَلَئِنْ تُمْسِكْ عَنْهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ كُلِّهَا سُودُ الْحَدَقَةِ ))
[أحمد عن جابر]
فإذا وجدت ضرورة بالغة تزيح الحصى وتقلبها وتعدلها فمرة واحدة ولأن تمسك عنها خير لك. 4 ـ قرقعة الأصابع في الصلاة :
قرقعة الأصابع في الصلاة، أحياناً لمجرد أن يقوم إلى الوقوف يضغط على أصابعه على الأرض فيفرقعها هذا من مكروهات الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام:
((لا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلاةِ))
[ابن ماجة عَنْ عَلِيٍّ]
5 ـ تشبيك الأصابع :
وتشبيك الأصابع أيضاً نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ((عَنْ إسماعيل بْنِ أُمَيَّةَ سَأَلْتُ نَافِعًا عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تِلْكَ صَلاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ))
[ أبي داود عَنْ إسماعيل بْنِ أُمَيَّةَ]
6 ـ التخصر :
أن يضع يديه على خصره وهذا أيضاً من مكروهات الصلاة أيضاً فيها تشبه بالجبابرة.
7 ـ الالتفات بالعنق :
والالتفات بالعنق من مكروهات الصلاة.
8 ـ الالتفات بالجسم :
طبعاً استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة فإذا اختل الشرط فالصلاة باطلة، أما الالتفات بالعنق فمن مكروهـات الصلاة.
((عن عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أَحَدِكُمْ ))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
((لا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ ))
[النسائي عن أَبي ذَرٍّ ]
والله سبحانه وتعالى مقبل على عبده فإذا التفت انصرف عنه. 9 ـ البصاق في أثناء الصلاة :
وإذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، أي هذا في المسجد مستحيل، أما إذا صلى في فلاة، فالبصاق في أثناء الصلاة مما يكره للمصلي.
10 ـ كره الإقعاء :
وكره الإقعاء، والإقعاء أن يجلس على أليتيه فهذا مكروه في الصلاة لقول أبي هريرة رضي الله عنه:
(( نهاني صلى الله عليه وسلم عن نقر كنقر الديك، وإقعاء كإقعـاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب))
[ أحمد عن أبي هريرة]
فالإقعاء مكروه في الصلاة. 11 ـ افتراش الذراعين :
وافتراش ذراعيه وضع كفه وذراعه على الأرض هذا أيضاً منهي عنه، لقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
((كان النبي صلى الله عليه ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع))
[البخاري عن عائشة]
12 ـ تشمير الكمين :
التشمير فيه سلوك ليس فيه أدب، قميص لـه زر وهو يفتح الثاني.
13 ـ الصلاة في السراويل :
والصلاة في السراويل- في البنطال - وهذه مكروهة لأن البنطال يصف حجم العورة وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( الفخذ عورة ))
[ الترمذي عن ابن عباس]
فالبنطال ولاسيما الضيق قد يصف حجم العورة، سألني أخ يوم الجمعة قال لي: وأنا أصلي ساجداً الذي أمامي ظهره مكشوف.
هذا البنطال صنع خصيصاً لرجل يلبسه وهو واقف، أما إذا سجد وكان ضيقاً وخصره واسع طبعاً فسوف ينكشف ظهره، فالناظر ملعون، والذي كشف عن ظهره ملعون، فالصلاة في البنطال مكروهة طبعاً، فإذا خاط الإنسان بنطالاً فليكن عريضاً، أما متابعة صرعات الأزياء دقيقة بدقيقة فهذا لا يرضي الله عز وجل، والصلاة فيه مكروهة، وإذا الإنسان أحب في بيته أن يصلي بالثوب، فالثوب أكمل، وإن أحب أن يأتي إلى المسجد يوم الجمعة به فهذا أكمل، والصلاة بالثوب أكمل كما أن الثوب يحتاج إلى بنطال أيضاً، إذا جلس وأحب أن يغير جلسته فتبدو عورته كلها. 14 ـ التربع بلا عذر :
والتربع بلا عذر وهي أن يدخل ساقيه في فخذيه تشابكاً.
15 ـ رد السلام بالإشارة :
رد السلام بالإشارة هذا مكروه ولكن أحياناً يكون هناك أمراً هاماً جداً، قال: لو أن المصلي رد عن سؤال مهم في رأسه هكذا يجوز، أي خرجوا من البيت وهم على عجلة من أمرهم، وقالوا: هل معك مفتاح البيت؟ فأشار برأسه نعم قال الفقهاء: هذا جائز لحل مشكلة، ولا بأس أن يسلم الرجل المصلي كيف؟ استنبطوا من قوله تعالى:
﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾
[ سورة آل عمران:39]
طبعاً لأمر قاهر جداً، سؤال مهم، فكان الجواب، هذا الفقهاء تجاوزوا عنه، أما الرد بالإشارة فلا يجوز. 16 ـ عقص الشعر :
عقص شعره أي رفع شعره كله إلى خلف رأسه، لقول عائشة رضي الله عنها:
(( مرّ النبي صلى الله عليه و سلم برجل يصلي وهو معقوص الشعر فقال: دع شعرك يسجد معك))
[ابن أبي شيبة عن عائشة]
17 ـ الاعتجار :
ويكره الاعتجار وهو شد الرأس بالمنديل - قمطــة - فهذه مكروهة، أي تكوير عمامته وترك وسطها مكشوفاً، فالعمامة من دون طاقية عمامة كاملة.
18 ـ كف الثوب :
وكف ثوبه: أي رفع ثوبه ومسكه بيده فهذا مكروه أيضاً في الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام:
((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلا شَعْرًا ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
19 ـ إسدال الثوب :
ويكره سدله، ومعنى سدل الثوب من دون أكمام أن يضعه على كتفه وهو نوع من الكبر، وهذا أيضاً مكروه في الصلاة، فهو تكبرٌ وتهاونٌ بالعذر.
20 ـ تغطية الأنف و الفم في الصلاة :
ويكره أن يغطي الرجل أنفه وفمه في الصلاة متبسماً أيضاً هذا من مكروهات الصلاة.
21 ـ الاندراج بالثوب :
الاندراج بالثوب، فإذا كان الثوب مغلقاً من الأمام والإنسان اندرج به ويداه لم تظهرا أبداً، ومظهره صار عبارة عن أسطوانة، فهذا مكروه في الصلاة.
22 ـ أن تكون حركة اليدين داخلية لا خارجية :
وألا تكون حركة اليدين داخلية بل خارجية.
23 ـ القراءة في غير حال القيام :
والقراءة في غير حال القيام أن يقرأ: قل هو الله أحد لم يلد وأصبح راكعاً، وتابع لم يلد ولم يولد وهو راكع، فمعنى هذا أنه قرأ في غير قيام، فيجب أن يقرأ في حال القيام لا في حال الركوع.
24 ـ إطالة الركعة الأولى في التطوع :
إطالة الركعة الأولى في التطوع، صلاة التطوع الركعتان متساويتان أما في صلاة الفرض فيستحب أن يطيل الأولى عن الثانية، فإذا أطلت الثانية عن الأولى فهذا من مكروهات الصلاة.
25 ـ تكرار السورة في ركعة واحدة :
أي قرأ الإخلاص ثم أعادها مرةً ثانية فهذا مكروه.
26 ـ قراءة سورة فوق التي قرأها :
قرأ الإخلاص ثم تبت يدا أبي لهب، لا، تبت يدا أبي لهب أولاً ثم الإخلاص ثانياً.
27 ـ فصله بسورة بين سورتين قرأهما في ركعتين :
وفصله بسورة بين سورتين قرأهما في ركعتين، فإذا قرأ آيات مختارة فبحث آخر، أما إذا قرأ سورتين قصيرتين فيجب أن يقرأ السورتين متتابعتين فأن يفصل بينهما بسورة فمكروه.
28 ـ شم الطيب :
إذا كان الوقت حراً فوضع أحد له عطراً على كتفه أثناء الصلاة وشم العطر فهذا مكروه.
29 ـ ترويح الثوب :
وترويح الثوب أيضاً مكروه.
30 ـ تحويل أصابع اليدين أو الرجلين عن القبلة :
وتحويل أصابع يديه أو رجليه عن القبلة أي يجب أن تكون أصابع اليدين وأصابع الرجلين متجهتين نحو القبلة، فإذا انحازتا فهذا مكروه أيضاً في الصلاة.
31 ـ ترك وضع اليدين على الركبتين في الركوع :
ركع وترك يديه سائبتين فهذا أيضاً من مكروهات الصلاة.
32 ـ تغميض العينين :
هناك حالات نادرة فالإنسان إذا دخل إلى مسجد ضخم، وأراد أن يصلي على هذه الزخارف والثريات سينشغل عن الصلاة، فهناك حالات نادرة إذا الإنسان أغمض عينيه فمقبول، أما الأصل فأن تنظر إلى موضع سجودك، فتغميض العينين أيضاً من المكروهات قال عليه الصلاة والسلام:
((إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه))
[ الطبراني عن ابن عباس]
33 ـ رفع العينين إلى السماء :
ولا يرفع طرفه إلى السماء أثناء الصلاة. 34 ـ التمطي :
أي شدّ عضلاته كي يستريح، وتطاول في وقوفه.
35 ـ العمل الكثير :
زرزر قميصه، حل الساعة درجة، أو نقطة ماء تضايق منها فإذا أزاحها لا يوجد مانع، أما من دون مبرر فلا يوجد داعٍ.
36 ـ وضع شيء في الفم يمنع القراءة المسنونة :
أي يوجد شيء في فمه حمصة تركها، إذا قرأ تحركت فاختلت قراءته فهذا مكروه.
37 ـ السجود على كور العمامة :
طبعاً إذا جبهته لم تمس الأرض فهناك ترك لواجب، ولكن لو أن جزءاً من عمامته لامست الأرض صار هناك نوعاً من الكراهة والأفضل أن يرفعها كي تسجد جبهته بكاملها على الأرض.
38 ـ السجود على صورة :
طبعاً الفقهاء صورة مقطوعة الرأس لا بأس، صغيرة جداً لا بأس، أما صورة أمامك لإنسان كامل أو حيوان كامل وكبيرة، فهذا مكروه أن تسجد على قماش فيه مثل هذه الصورة.
39 ـ الاقتصار على الجبهة بلا عذر :
وضع يده على الأرض ورفع أنفه فهذا من مكروهات الصلاة.
40 ـ الصلاة في الطريق :
والصلاة في الطريق مكروهة.
41 ـ الصلاة في الحمام :
وفي الحمام، أحياناً تجد في المسجد مؤضئاً ومراحيض ومباول وحصيرة يصلي هنا، بل توضأ وصلِّ في المسجد أنظف وأريح وأكمل.
42 ـ الصلاة في المخرج :
الصلاة في المخرج أيضاً مكروهة.
43 ـ الصلاة في المقبرة :
والصلاة في المقبرة مكروهة.
44 ـ الصلاة في أرض الغير بلا رضاه :
الصلاة في أرض الغير بلا رضاه مكروهة أيضاً.
45 ـ الصلاة بالقرب من نجاسة و مدافعة أحد الأخبثين :
الصلاة قريباً من نجاسة، ومدافعة أحد الأخبثين، أو مدافعة الريح مكروهة.
46 ـ الصلاة في ثياب مبتذلة :
والصلاة في ثياب مبتذلة، لبس لباساً كله شحم وزيوت ويداه سود، هذا شيء منهي عنه.
يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه رأى رجلاً فعل ذلك فقال لهذا الرجل: أرأيت لو كنت أرسلتك إلى بعض الناس أكنت تمر في ثيابك هذه؟ قال: لا، فقال عمر: الله تعالى أحق أن تتزين له.
لكن إنساناً سألني ومعه حق عمله حداد مثلاً يلبس ثياب العمل، وهو لوحده يصلي لا يوجد مانع، أما أن يأتي بهذه الثياب إلى مسجد ففي هذا أذى للمؤمنين، أما أن نقول له: كل وقت صلاة ادخل واغتسل بماء ساخن، وأنه عملك، والبس ثياباً نظيفة، ثم عد إلى العمل، صار مشقة، وفوق طاقته، لا أعتقد أنه يوجد تكليف إلى هذه الدرجة، لكن بعد أن ينهي عمله إذا اغتسل ولبس ثياباً نظيفة وصلى بها أكمل.
47 ـ الصــلاة والرأس مكشوف :
الصــلاة والرأس مكشوف أيضاً مكروهة، أي إذا وضع على رأسه طاقية.
48 ـ الصلاة بحضرة طعام تميل النفس إليه :
يوجد طعام يحبه ونادراً ما يصنعونه، وأذن العشاء، والطعام موضوع لا يعرف أن يصلي دعه يأكل أولاً.
49 ـ ما يشغل البال :
جاءت رسالة افتحها وصلِّ، اشتريت آلة افتحها شغلها ثم صلِّ، أحياناً يوجد أشياء تشغل البال، جاءت مكالمة هاتفية يا ترى ماذا قالوا؟ افهم ثم صلِّ، هل أحد مات؟ ما الذي حدث؟ كل ما يشغل البال يخل بالصلاة.
50 ـ عد الآيات والتسبيح باليد :
بعض التسابيح تحتاج إلى عد إحدى عشرة مرة، يوجد أشخاص يقولون: سبحان الله والحمد لله يعدهم بأصابعه، عد الآيات في الصلاة مكروه.
51 ـ قيام الإمام في المحراب :
يجب أن يقف خارج المحراب، المحراب للسجود فقط أما أن يدخل الإمام كله في المحراب فهذا أيضاً مكروه.
52 ـ القيــام خلف صف فيه فرجة :
تصلي في صف ثانٍ وفي الأول يوجد فرجة، يجب أن تتقصى أن أول صف ملئ.
53 ـ لبس ثوب فيه تصاوير :
يوجد أثواب صينية عليها طاووس.
54 ـ أن يكون فوق الرأس أو خلفه أو بين اليدين أو بحذائه صورة :
أن يكون فوق الرأس أو خلفه أو بين اليدين أو بحذائه صورةٌ إلا أن تكون صغيرةً أو مقطوعة الرأس أو لغير ذي روح.
55 ـ أن يكون بين يدي تنور :
الآن يفعلونها يضع بين يديه مدفأة هذه مظنة أن تعبد النار، أنت لا يجوز أن تضع أمامك مدفأة متوهجة وتصلي، فالنبي الكريم نهى عن الصلاة بين يدي تنور، أو كانون فيه جمر.
56 ـ الصلاة بين يدي قوم نيام :
أو أن تصلي بين يدي قوم نيام لا يجوز، هذا النائم مثل الميت يمكن أن تنكشف عورته أثناء النوم، فإذا كانت ابنته نائمة في غرفة الجلوس يجب ألا يصلي خلفها فقد تنكشف البنت، النائم لا يجوز أن يكون أمامك وأنت في الصلاة يمكن أن يخرج منه صوت، ريح، تنكشف عورته، يتكلم شيئاً يضحك أحياناً، هذا كله منهي عنه، لا تصلِّ وأمامك قوم نيام لا إناث ولا ذكور ولو من محارمك.
57 ـ مسح الجبهة من التراب :
ومكروه مسح الجبهة من التراب.
58 ـ تعيين سورة لا يقرأ غيرها :
تعيين سورة لا يقرأ غيرها إلا في حالتين؛ إذا كان لا يحفظ غيرها، أو النبي الكريم كان يقرأ في الجمعة السجدة "وهل أتى على الإنسان"، يقرأ الجمعة "سبح اسم ربك الأعلى"، إذا قرأ سورة بالذات اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فمقبول، أما أن تقرأ سورة وأنت تحفظ أكثر القرآن فهذا مكروه في الصلاة.
59 ـ عدم اتخاذ سترةٍ في محل يظن المرور فيه :
إذا توقف في محل يظن أنه ممكن أن يمر أحد أمامه فلابد من سترة يضعها أمامه.
هذه مكروهات الصلاة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلها علماً نافعاً نقتدي بها في صلواتنا المفروضة وغير المفروضة.
* * *
الأذكار و الدعوات :
والآن إلى فصل من فصول إحياء علوم الدين عنوانه: "الأذكار والدعوات" قال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
وقال ثابت البناني رحمه الله: "إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ففزعوا منه، وقالوا: وكيف تعلم ذلك؟ قال: إذا ذكرته يذكرني". وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
من عرفات، واذكروه كما هداكم، والفصل ما من عبادة قولية بعد تلاوة كتاب الله أفضل من ذكر الله، فالعبادة الأولى بعد القرآن الكريم أن تذكر الله، لكن كلمة ذكر الله واسعة جداً إذا دعوت إلى الله فأنت ذاكر، إذا وضحت لأخيك المؤمن آية كونية فأنت ذاكر، حدثته عن المجرات هذا ذكر لله، وإذا حدثته عن العين، وعن المعدة، وعن الشعر، و عن الكبد، إذا حدثته عن حيوان نأكله من نعمة الله علينا، وإذا حدثته عن ظاهرة في النبات، و في الحيوان، والبحار، و اليوم قلت لرجل: نهر الأمازون كثافته في الثانية ثلاثمئة ألف متر مكعب، هو ماذا قال لي؟ يوجد دراسات حديثة جداً وجدوا أن نبع الفيجة- وأنا كنت أظن أن هذا النبع حوضه الجيولوجي يمتد من عين الفيجة إلى قارة، ومن طريق دمشق حمص إلى منتصف لبنان، هذا هو الحوض الجيولوجي لنبع الفيجة- يتصل بممرات تحت الأرض تصل إلى حدود إيران والاتحاد السوفيتي سابقاً، ولو أن هذا الحوض كما كنت أظنه سابقاً من دمشق إلى قارة ومن طريق دمشق حمص إلى نصف لبنان لجف من سنوات، هناك طرقات تحت الماء لا يعرفها إلا الله، وكشف بمصر الآن نهر يفوق نهر النيل كثافةً وطولاً تحت الأرض على يسار نهر النيل هذه العام الماضي، في بعض أماكن في الحجاز حفروا متراً واحداً فخرج الماء الكثيف في القصيم، فقلت له: هذا عطاؤنا هكذا قال تعالى، فقلت له: نهر الأمازون كثافته ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية، هذا الماء العذب يمشي في البحر مئة وثمانية وخمسين كيلو متراً ولا يختلط بمياه البحر هذا من ذكر الله، إذا قلت لإنسان: إن في العين يوجد مئة وثلاثين ألف عصية، والعصب البصري فيه أربعمئة ألف عصب، وبرأس الإنسان يوجد ربع مليون شعرة ولكل شعرة وريد وشريان وعصب حسي وعضلة محركة وغدة دهنية وغدة صبغية، شيء لا يعقل هذا من ذكر الله.
وإذا بينت حكماً فقهياً هذا من ذكر الله، وبينت إذا الإنسان أكل في الطريق تجرح عدالته فهذا ذكر لله عز وجل، وإذا مشى حافياً، وإذا أكل لقمة من حرام، وإذا تنزه في الطرقات، إذا صحب الأراذل، وإذا كان حديثه عن النساء، و إذا علا صياحه في البيت، وإذا طفف بتمرة، إذا أطلق لفرسه العنان، و إذا قاد برزوناً، وإذا بال في الطريق، وإذا كانت هيئته رثة، وإذا لعب الشطرنج تجرح عدالته وهذا أيضاً من ذكر الله، وكل شيء يمت إلى القرآن وإلى الله عز وجل بصلة من ذكر لآياته الكونية، ومن ذكر لكتابه الكريم، و لأحاديث رسول الله، لبيان حكم فقهي، لآية دقيقة، كله من ذكر الله لذلك قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
الأمر في كتاب الله يقتضي الوجوب :
﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة البقرة: 198 ]
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[ سورة آل عمران: 191 ]
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
[ سورة النساء : 103 ]
هذه كلها أوامر، والأمر في كتاب الله يقتضي الوجوب، والعامة توهموا أن الأوامر صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، لا يا أخي، أية آية في كتاب الله صيغت صياغة أمر فهي أمر إلهي يقتضي الوجوب، قال لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي في الليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، وفي الغنى والفقر، وفي المرض والصحة، وفي السر والعلانية. صفات المؤمنين و المنافقين :
وذم الله تعالى المنافقين فقال:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 142]
ومن صفات المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، ومن صفات المؤمنين أنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وقال عز وجل: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 205]
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 45]
الإكثار من ذكر الله أعظم عمل في الأرض :
و أعظم عمل في الأرض أن تكثر من ذكر الله، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[ورد في الأثر]
فعندنا قواعد مادام قد أدى زكاة ماله فلا يسمى بخيلاً، ما دام قد حمل حاجته بيده فلا يسمى متكبراً، مادام ذكر الله كثيراً فلا يسمى غافلاً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "له وجهان أحدهما أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكركم إياه هذا معنى، والمعنى الآخر أن ذكر الله أعظم من كل عبادة سواه، وأعظم عبادة أن تذكر الله سبحانه وتعالى لنفسك وللناس لأنك إذا ذكرت الله للناس وأحييت واحداً فكأنك أحييت الناس جميعاً"، والآن إنسان يؤمن ويستقيم ويتوب تجد أن زوجته لحقت به وأولاده، وجيرانه، وأصحابه، وأقرباءه، وأخته، وصهره، كان واحداً فأصبح خمسة عشر، قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 32]
وسيدنا النبي صلى الله عليه قال: ((ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم))
[ أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
العمل الطيب ينهى الإنسان عن أعمال كثيرة لا ترضي الله عز وجل :
الإنسان المؤمن جلس في مجلس، وسمع حديثاً يجده حديث أموات، وكله شرك بالله، وكله حسد، وهذا الحديث كله باطل، والموضوع سخيف دنيء، قذر، ومزاح منحط، وهو عندئذٍ يشعر بطهارته، وبسمو نفسه، كشجرة خضراء نضرة وسط هشيم محترق.
(( وذاكر الله في الغافلين كالمقاتل بين الفارين))
[ شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر]
((أنا مع عبدي ما ذكرني))
[ تفسير ابن كثير عن أبي هريرة]
هنا ما مصدرية ظرفية أي أنا مع عبدي مدة ذكره لي، وتحركت شفتاه بي، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل -هذا اللسان صباحاً ومساءً وظهراً في البيت والعمل، وفي الراحة، و النزهة، يجب أن يكون رطباً بذكر الله- قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله))
[ مالك عن معاذ بن جبل]
(( من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل))
[ الطبراني عن معاذ بن جبل]
((سئل رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل))
[ الطبراني عن الحسن]
((من أصبح وأمسى ولسانه رطب من ذكر الله يمسي ويصبح وليس عليه خطيئة))
[أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث أنس]
هذه لها معنى، أقول الله الله واعمل خطيئة تذهب، لا، إذا ذكرت الله لا تفعل خطيئة بعدها لأنك دخلت في حصن، وإذا ذكرت الله خشيته، وإذا ذكرت الله أحببت طاعته، وتمنيت قربه، وإذا ذكرت الله تباعدت عن المعاصي، و إذا ذكرت الله فليس عليك خطيئة، فإذا الإنسان ذكر الله وفعل خطيئة لا تؤثر، لا، إذا ذكر الله لا يفعل خطيئة، ويوجد أحاديث دقيقة سيدنا رسول الله يقول - لما سيدنا عثمان رضي الله عنه جهز جيش العسرة وحده، هناك إنسان عمل حساباً دقيقاً عن عملة اليوم حوالي ستة ملايين ليرة دفع وحده – "اللهم إني راض عن عثمان فارض عنه"، وقال أيضاً: "ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم"، يوجد أناس أفقهم ضيق أن سيدنا عثمان بعد هذا اليوم لو فعل المعاصي فإنها لن تضره، لا، ليس هذا هو المعنى، بعدما فعل هذا العمل العظيم، وأقبل على الله ذلك الإقبال الكبير، واصطبغت نفسه بكمال الله عز وجل، لم يفعل شيئاً بعد اليوم، جرب اعمل عملاً طيباً فهذا العمل الطيب نهاك عن أعمال كثيرة لا ترضي الله عز وجل: ((لَذِكْرُ اللهِ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوف فِي سَبيل اللهِ ، ومِنْ إعْطَاءِ المَال سحا))
[ابن شاهين في الترغيب عن ابن عمرو ]
و: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أخلاق الله عز وجل :
أنت تكلم عن الله عز وجل وتجاهل نفسك من أنت؟ كلما عرفت الله عز وجل تضاءلت نفسك، وكلما تعرفت إلى الله شعرت بصغرك، و النبي الكريم كان يقول: "اللهم أرني بعين نفسي صغيراً" الأنا كما يسميها علماء النفس عند الكافر متضخمة تضخماً سرطانياً، الأنا عند المؤمن متضائلة، ذاب في معرفة الله، فلذلك الإنسان إذا ذكر الله عز وجل في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، إذا ذكرني بين عشرة من الطبقة الوسطى في المجتمع أنا أذكره بين مئة من الطبقة العليا من المجتمع، وإذا ذكرني بين أناس لا شأن لهم أذكره بين أناس لهم شأن، وإذا ذكرني بين المؤمنين ذكرته عند النبي صلى الله عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترفع له أعمالنا، والله عز وجل يبلغه إياها.
((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أخلاق الله عز وجل، وقال عليه الصلاة والسلام: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً :
والله الذي لا إله إلا هو لأن تسقط من عينيك مثل رأس ذبابة من دمع خير لك من الدنيا وما فيها، لوحدك في البيت فتحت المصحف وقرأت، ونزلت دمعة على خدك، فهذه الدمعة خير لك من الدنيا وما فيها، وهي تعني أشياء كثيرة، تعني أنك تحب الله، وتعني أنك تخافه، و ترجو رحمته وتخشى عذابه، وأنك مؤمن.
((ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه]
خير اسم تفضيل هي أخير لكثرة استعمالها عدلوا عنها إلى خير، كلمة خير تعني أخير، وكلمة شر تعني أشر. هذا الحديث لو ذكرته آلاف المرات لا أرتوي منه: ((يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِه))
[الدارمي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
التفت إلى الله بكليتك، البيت سوف يتأمن و الله كريم، والزوجة صالحة سوف تتأمن، والعمل المريح سوف يتأمن، والدخل الكافي سوف يتأمن، فمن جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، أنت تلتفت إليه فهل يجعلك قلقاً على الدنيا؟ أيكون هذا؟
"أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمكِ فاستخدميه وأما من خدمني فاخدميه"، تلتفت إلى الله عز وجل، وتحضر مجلس علم، وتقرأ كل يوم جزءاً، وتصلي في المسجد الصبح حاضراً، وتسعى إلى الخير، وتدعو إلى الله، وتنفق من مالك، وتبقى في الدنيا وراء الناس؟ حاشا لله أن يجعلك قلقاً على الدنيا.
"كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك فيما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، وإن لم ترضَ بما قسمته لك لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، اطلبني تجدني فإذا وجدتني تجد كل شيء، وإذا فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء". ابن آدم أطع ربك تكون عاقلاً، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً: ((... مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِه))
[الدارمي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
بعض الآثار المتعلقة بالذكر :
وأما الآثار المتعلقة بالذكر فقول الفضيل: "بلغنا أن الله عز وجل قال: عبدي لا تعجز عن ركعتين قبل الفجر أكفك النهار كله".
فإذا افتتحت نهارك بركعتين ذكرت الله فيهما أكفك النهار كله، وقال بعض العلماء "إن الله عز وجل يقول: أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري إلا توليت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وآنسه"، وقال سيدنا الحسن: " الذكر ذكران، ذكر الله بين نفسك وبين الله، ما أعظمه أعظم أجره! وأفضل من ذلك من ذكر الله عندما حرم الله تعالى ".
فإذا واجهتك معصية قلت: إني أخاف الله رب العالمين، وإن كنت جالساً مع أناس فخاضوا في غيبة فذكرت الله فسكتوا، أو قمت من مجلسك، فشاهدت أناس ضالين مضلين فابتعدت عنهم، فأعظم أنواع الذكر أن تذكره عند المعصية، حتى إن جنيداً رضي الله عنه سئل من هو الولي؟ أهو الذي يطير في السماء؟ قال: لا ذلك الطير، قالوا: أهو الذي يمشي على وجه الماء؟ قال: لا، الولي الذي تجده عند الحلال والحرام.
والآن تبين معنا أن أعظم أنواع الذكر أن تذكر الله عز وجل أمام معصية وتقول: إني أخاف الله رب العالمين، وسيدنا يوسف هكذا فعل هم بدفعها، وذكر الله عز وجل وقال إني أخاف الله، فجعله الله عزيز مصر، و رفعه الله في الدنيا والآخرة.
ويروى أن كل نفس تخرج من الدنيا عطشى إلا ذاكر الله سبحانه وتعالى، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا شيئاً واحداً- هو في الجنة جالس في مقام عظيم في مقعد صدق، وفي قصور، وعلى ضفاف الأنهار أمام الحوريات - إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها، هذا ما سيكون فاتعظوا بما يكون قبل أن يأتي ما سيكون".

السعيد
09-10-2018, 08:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الاربعون )


الموضوع : فيما لا يكرة للمصلى - فضل مجالس الذكر






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما لا يكره للمصلي فعله :
1 ـ شد وسطه بحزام له أهداف عادية :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى ما لا يكره للمصلي فعله، أي هناك أشياء إذا فعلها المصلي لا كراهة فيها مثلاً لا يكره له شد وسطه بحزام له أهداف عادية، إن كان الإنسان في الحج وفي هذا الحزام يضع ماله، وهناك حزام صحي يقي البطن من البرد أحياناً، وهناك نوع من اللباس يتممه الحزام، فالمصلي لا يكره له شد حزام على وسطه.
2 ـ التقلد بسيف :
ولا تقلد بسيف، يتقلد سيفاً ليس مكروهاً ونحوه.
3 ـ التوجه لمصحف :
ولا توجه لمصحف فلو أن أمامه مصحفاً وصلى وراء المصحف لا شيء عليه.
4 ـ الصلاة أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث :
أو سيف معلق في حائط، أما إذا صلى أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث - أنت صليت في المسجد وأمامك إنسان قاعد ولكن لك ظهره ومادام ظهره لك فهو ستر لك - أو ظهر قاعد يتحدث.
5 ـ الصلاة أمام شمع أو سراج :
شمعة تشتعل أمامك لا شيء عليك، أو سراج.
6 ـ السجود على بساط فيه تصاوير يداس عليها :
السجود على بساط فيه تصاوير، و هذه الصور التي على البساط في العادة أنه يداس عليها إذاً هي ممتهنة لا شيء عليك.
7 ـ قتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة :
وقتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة.
8 ـ نفض الثوب كي لا يلتصق بالجسد أثناء الركوع :
ولا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع، فالإنسان إذا لبس ثوباً وكان رقيقاً، و رفع والتصق بظهره، وصار منظره مزعجاً جداً، وهذا الثوب وصف عورته بالكامل، فيجب على الإنسان أن يهتم ينفض ثوبه إذا وقف من الركوع، فلا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع.
9 ـ مسح جبهته من التراب :
إذا صلى على التراب وعلق تراب على جبهته ومسح جبهته فلا شيء عليه، طبعاً إذا كان ببقاء التراب يوجد انزعاج وتشويش.
10 ـ النظر بمؤق العين من غير تحويل الوجه :
ولا بالنظر بمؤق عينه، أي مؤق العين انحرف قليلاً، كأن يكون ابنه على اليمين ويوجد مدفأة فنظر هكذا لا شيء عليه من غير تحويل الوجه.
11 ـ الصلاة على الفرش والبسط والأفضل الصلاة على الأرض :
ولا بأس بالصلاة على الفرش والبسط واللبود، والأفضل الصلاة على الأرض أو ما تنبته، ولكن يجب أن يكون الفراش أو البساط أو اللبد بثخانةٍ معقولة بحيث تحس من خلالها بقساوة الأرض، أما إذا كانت سميكةً ووضعت يدك فيها فغارت فهذه لا يجوز أن تصلي عليها، لكن إسفنجاً سماكته تقدر باثنين سنتمتر - أحياناً في الصيف لا يوجد سجاد في البيت حتى بالركوع والسجود لا يشعر بقسوة الأرض- لا يوجد مانع، إن الله غني عن تعذيبنا.
12 ـ تكرار السورة في الركعتين في النفل :
ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين في النفل، كررتها أو قرأتها في كل ركعة هي نفسها في صلاة النفل لا شيء عليك، هذه التي إذا فعلها المصلي فالأغلب أن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه على شيء.
ما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها :
1 ـ استغاثة ملهوف بالمصلي :
والآن يوجد موضوع دقيق جداً فيما يوجب قطع الصلاة، هناك أناس جاهلون، لي قريب و زوجته تعسرت بالولادة فأخذها إلى المستشفى وليس في المستشفى طبيبة، فاتصلوا بالطبيبة هاتفياً وأخبروها أن الحالة خطيرةٌ جداً، فقالت: سوف أتوضأ وأصلي وآتيكم فوراً، هذه الطبيبة ليست فقيهة ينبغي أن تترك الصلاة وتصلي بعد الولادة ولو فاتها العصر، والآن فصل فيما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها، قال: يجب وليس يجوز يوجد فرق بين يجب ويجوز، يجب قطع الصلاة باستغاثة ملهوف بالمصلي، إنسان وقع في خطر وأصبح على وشك الهلاك فاستغاث بالمصلي والمصلي في خشوع، أي خشوع هذا ولم خلقت أنت في الحياة؟ من أجل العمل الطيب، فالشرع يأمرك أن تقطع الصلاة ولو كنت في الفرض.
قال: الاستغاثة استغاثة ملهوف بالمصلي، مثلاً لو تعلق به ظالم وهذا المصلي بإمكانه أن يخلصه من هذا الظالم طبعاً يجب أن يقطع صلاته، أو وقع في ماء وكان على وشك الغرق تصلي على كتف نهر ورجل وقع في النهر واستغاث بك، تقطع الصلاة فوراً، أو طال عليه حيوان، إذا كان هناك طفلاً في حديقة وهجم عليه حيوان عقور ففزع وأنت تصلي تقطع الصلاة وتنقذ الطفل.
والآن النقطة الدقيقة إذا استغاث هذا المستغيث بالمصلي أو أنه استغاث بغير المصلي وسمعه المصلي فينبغي له أن يقطع صلاته تحرزاً من أن يكون هذا المستغاث لم يسمع، وهذه نقطة إضافية في الموضوع.
قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة :
لكن المصلي لا ينبغي له أن يقطع صلاته إذا ناداه أحد أبويه، هنا يوجد موضوع دقيق سوف أفصله لكم.
ولا يجب قطع الصلاة بنداء أحد الأبوين من غير استغاثة، الأم جالسة في غرفة ثانية وأنت تتم صلاتك يا سعيد وأنت في الفرض لا يجب أن تقطع الصلاة لنداء أحد الأبوين لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.
قال الطحاوي: هذا في الفرض وإن كان في نافلة فيوجد حكم آخر إذا كنت تصلي الفرض وناداك أحد والديك فلا ينبغي لك أن تقطع الصلاة، لكن إذا كنت في نافلة فإن علم أحد أبويك أنك في صلاة وناداك لا بأس بألا تجيبه إذا كنت في الصلاة وهو يعلم أنك في الصلاة وناداك وأنت في الصلاة لا ينبغي لك أن تجيبه، وإذا كنت في نافلة وأنت تصلي النافلة ولا يعلم أبوك أنك في صلاة وناداك أجاز الفقهاء أن تقطع الصلاة لتجيب والديك، فكم للأب من حق كبير على الابن.
2 ـ يجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً :
ويجوز قطعها ولو كانت فرضاً لسرقةٍ، تصلي في المحل بزاوية لا أحد يشاهدك، مرّ شخص وأخذ حاجة وإن كنت في الفرض لك أن تقطع الصلاة لتمنع هذا السارق، الحقيقة هنا الموضوع دقيق قد يقول قائل: ليس له قيمة، الحقيقة ليس الموضوع أن هذا الشيء الذي سرق له قيمة أو عدم قيمة، إلا أن المال الذي يسرق إن كان في موضع غير حرزٍ يأثم صاحب المال إذا سرق لأنه سبب لإنسان أن يقع في جريمة السرقة، وأحياناً الإنسان يتوهم أنه ما عمل شيئاً وضع ماله في مكان، في مصنع، فالذي يُسرق يحاسب على أنه ساعد السارق على السرقة، فصاحب المال آثم، صاحب المال إذا وضعه في مكان غير أمين وسرق هذا المال فهو آثم، لأنه سبب حدوث هذه الجريمة، أحياناً يكون هناك باعة لا يوجد عندهم أمانة، فالشخص إذا لم يدقق فهو آثم أيضاً لأنه سبب أن البائع يأكل مالاً حراماً.
ويجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً، ليس الموضوع موضوع درهم بل موضوع لا ينبغي للإنسان أن يكون سبباً في ارتكاب جريمة السرقة ولو كان درهماً لأنه مال، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرَةِ أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ ))
[ أحمد عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِق عَنْ أَبِيهِ ]
3 ـ المرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف :
والآن درجة أدنى لو أن قدراً على النار فيه حليب وشعر المصلي أو شعرت المصلية برائحة والقدر فيه ثمانية كيلو وعندهم مساءً سهرة، الحليب فار، يجوز أن تقطع صلاتها من أجل إنقاذ هذا المال، لو أنها قالت لزوجها: الحليب فار أحضر غيره، زوجها قد لا يتحمل هذا الكلام، كنت أصلي، يجوز أن يقول: كلمة قاسية، فالمرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف، أو خافت على ولدها وولدها في غرفة فيها سكين، أو مدفأة، أو مروحة وضع يده عليها، والأم إذا قطعت صلاتها لا شيء عليها.
4 ـ يجوز قطع الصلاة لمنع سرقة :
هناك حالة ثانية وهي من مستوى حفظ المال، أنت في محل تجاري تصلي يوجد محل مقابلك وليس محلك، جاء شخص وهم بسرقة شيء من هذا المحل، يجب أن تقطع صلاتك لمنع هذه السرقة، وهذا حكم الشرع.
5 ـ يجوز قطع الصلاة خشية ذئب ونحوه :
يجوز قطعها خشية ذئب ونحوه، إنسان يصلي في البرية فلاح له شبح ذئب، أو كلب، فالصلاة انتهت، ما معنى انتهت؟ تشوش لم يبقَ وجهة خفت، أفعى، أو ذئب، أو عدو، فإذا حصل قلق وخوف لك أن تقطع الصلاة.
أو راعي خشي ذئباً على غنمه، لا على نفسه بل على غنمه من باب حفظ المال.
6 ـ يجب قطع الصلاة لإنقاذ أعمى من خطر ما :
أو أنت تصلي فأعمى أمامه حفرة وليس منتبهاً فطبعاً من البديهي أن تقطع الصلاة لإنقاذ هذا الأعمى، أو يمشي على سطح وغير منتبه، أو على درج ولا يوجد سور فالبناء أول إنشائه يجب أن تقطع الصلاة.
7 ـ القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها :

الآن القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها، قالت لها: أنا سوف أصلي العصر، الطلق تابع في أثناء الصلاة والمرأة لا يوجد عندها أحد، وكاد الجنين أن يخرج منها، فالقابلة عليها أن تقطع الصلاة، والأصح من ذلك ألا تصلي وأن تؤخر الصلاة إلى ما بعد الولادة. 8 ـ المسافر إذا أصابه الخوف :
والآن المسافر إذا أصابه الخوف يجوز له تأخير الصلاة والوقتية، يمشي في فلاة فيها قلق وهو خائف، وكذلك المقاتلون في أثناء الحرب في الجبهة خائفون من كمين، من لغم، أو من استطلاع العدو فيجوز لهم تأخير الوقتية.
9 ـ تأخير قضاء الفوائت لعذر :
ويجوز تأخير قضاء الفوائت لعذر، ويجب أن يصلى فور التذكر فإذا كان في أمر قاهر يجوز له تأخير قضاء الفائتة.
أما تارك الصلاة عمداً، كسلاً، فيضرب ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم، ويحبس، وكذلك تارك الصوم أيضاً كسلاً، أما إذا ترك الصوم أو الصلاة استخفافاً وإنكاراً وجحوداً فهذا هو الكفر إن لم يسبقه إيمان، وهذا هو الارتداد إن سبقه إيمان، انظروا دقة الشرع في قطع الصلاة، الشرع الإسلامي يسع الحالات كلها، فالإنسان إذا اتصل بالله عز وجل صار على مستوى عال جداً من السمو النفسي، صار إنساناً إنسانياً، ولذلك فالعبادات في خدمة إنسانيته، في خدمة سموه، في خدمة أهدافه النبيلة.
* * *
للذكر معنى واسع جداً :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، وصلنا في الدرس الماضي إلى فضيلة الذكر، وبينت لكم كيف أن الذكر له معنى واسع جداً، فتفسير آية ذكر، وتفسير حديث ذكر، وتلاوة القرآن ذكر، وأمر بالمعروف ذكر، ونهي عن المنكر ذكر، وتوضيح آية كونية تظهر تعظيماً لله عز وجل ذكر، وأي حديث هدفه تقريب الناس إلى الله عز وجل ذكر، وقد قال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 43]
فضيلة مجالس الذكر :
اليوم درسنا فضيلة مجالس الذكر، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
[ ابن ماجة عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ]
نصيحة كريمة من النبي عليه الصلاة والسلام، في بيتك، مع أهلك، مع أصحابك، مع جيرانك، إذا كان هناك سهرة أسبوعية، وليمة، نزهة في السوق، وأنت في سيارة عامة إلى جانبك إنسان وجدت فيه الصلاح والحياء حدثه عن الله عز وجل، و اجعل الذكر هدفك الأول، لأن أي حديث آخر يسبب انقباضاً للناس، أما ذكر الله فيسبب راحةً، وقول الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد: 28]
إن القلوب لتصدأ، فالإنسان في عمله التجاري حسابات، وصفقات، ومراسلات، وبضاعة لم تبع، وبضاعة بيعت، حديث ليس له نهاية يقول لك: والله صدأ قلبي، كلام صحيح لأن الدنيا طريق مسدود، في النهاية يوجد كسب للمال، وفي النهاية يوجد إنفاق للمال، تأكل وتشرب، أما إذا ذكرت الله عز وجل: ((إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الله))
[ابن عدي عن ابن عمر]
((مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلا وَجْهَهُ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت :
إنسان يذهب إلى سهرة، يذهب إلى مكان، لكن إذا جاء إلى مسجد ماذا يبتغي من ذلك؟ لا يوجد كرسي مريح تجلس عليه، ولا يوجد ضيافة نفيسة تقدم لك، لا يوجد إلا ذكر الله عز وجل، فعلاقة مادية لا يوجد، بيع شراء لا يوجد، أنت تأتي إلى هنا لا ترجو إلا رضا الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يتكلم لا يرجو إلا رضا الله عز وجل ولذلك قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
سهرنا سهرة وذلك حتى الساعة الواحدة، وتكلمنا بأسعار العملات، وإلى أين ينتهي هذا الارتفاع، سهرنا سهرة تحدثنا عن البيوت، وأيهما أصح نركب الشوفاج مخفياً أو ظاهراً؟ صار نقاش حاد قالوا: أن الظاهر يدفئ أكثر وتصليحه أسهل، وأناس قالوا: المخفي أفضل وأجمل، وهذا الموضوع حتى الساعة الواحدة مساءً، ماذا استفدنا من هذه الموضوعات؟ موضوعات كثيرة جداً وقد تكون استفادة الإنسان منها محدودة جداً، ولذلك يوجد حديث آخر: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
جربوا جلسة فيها ذكر لله عز وجل، وجلسة فيها ذكر للدنيا، طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت ولو أنها مفتحة على مصارعها فإنها تنتهي بالموت، ومهما علا الإنسان لابد من ساعة يفقد كل ما كسبه من الدنيا، في لحظة واحدة. الابتعاد عن مجالس الغافلين و التمسك بمجالس الذاكرين :
هناك نص عثرت عليه وهذا النص منسوب إلى سيدنا داود فيما ترويه الكتب قال: "إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي" - وكل إنسان له مجالس للذكر جالس عند بيت خالته، جهلة، يوجد اختلاط، وحديث عن الدنيا، وهم من أهل الترف والدنيا، وحديثهم عن الدنيا، والطعام، والنزهات، وعن فلان وعلان - فإذا الإنسان ذهب إلى هذا المجلس فهذا مجلس غفلة، ويخرج منه بانقباض، ويخرج منه بأنه أنت فوق هذا المستوى صغرت، أحياناً الإنسان يدخل إلى مجلس فيكبر وأحياناً يصغر، إذا كان مؤمناً ودخل إلى مسجد غافلين يصغر، يقيّمونه من دخله فقط، وإذا كان موظفاً، يقولون له: ما معاشك؟ يقول: ألفان، فيقال له: ألفان فقط لا يكفيان يومين، ما هذه الوظيفة؟ هذا هو الغافل يُقَيم الناس من المال فقط، فإذا الله عز وجل بارك بالألفين أفضل من مليونين، إذا كانت الصحة طيبة، و هناك اقتصاد، وتفاهم زوجي، وأولاد أبرار، ونظافة، وترتيب، فهذان الألفان أفضل من مليونين مع شقاق، مليونان مع مرض عضال، ومع زوجة شرق والزوج غرب، و مع معصية، لا يكفيان شيئاً، فإذا الإنسان دخل إلى الغافلين يصغر، وإذا جلس مع الذاكرين يكبر، ويشعر أنه استفاد، وانتعش قلبه، والنبي صلى الله عليه كان يقول: ((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
الغني المؤمن قوة للمسلمين :
طبعاً إذا كان النبي الكريم ذكر الأغنياء فالمقصود بهم غير المؤمنين، لأن الغني المؤمن يشهيك الغنى، تواضع على سخاء، وعلى اعتدال، و قوة للمؤمن، و الغني المؤمن قوة للمسلمين، وتحتاج أحياناً مساعدة للإنسان يقول لك: تفضل هذه خمسة آلاف، والله هنيئاً لهذا الغني، وإنسان يريد بيتاً يساعده، وإنسان آخر يريد ديناً فيدينه، فالغني المؤمن على العين والرأس، والحديث عن الغني غير المؤمن مجلسه مجلس ظلمة.
قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط"، فعنده بيت مستور، وعنده سجادة وطنية، وثريا صغيرة، فيدخل إلى بيت فينظر أنه ليس عنده شيء أبداً، و الذي عنده لا يذكر، عنده براد ثمنه ألف ليرة فوجد براداً ثمنه يقدر بثلاثة وعشرين ألف ليرة.
"إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي فإنها نعمة تنعم بها علي"، والإنسان يدع وجهته إلى الله عز وجل، و سهراته تكون كلها لله، و إذا كان أقرباؤه من أهل الغفلة لا يزورهم، ليس هذا قطيعة رحم، لا هذا وصله يقطع الصلة بالله عز وجل، من أين يأتيه ألم الرأس؟ من أقربائه.
المؤمن يعظم المؤمن أما الفاسق فيستصغر المؤمن :
إذا وجدك الإنسان صغيراً لا تصاحبه، صاحب إنساناً يراك كبيراً في نظره، فالمؤمن يعظم المؤمن، أما الفاسق فيستصغر المؤمن فلا تصاحبه، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن أهل السماء ليتراءون بيوت أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم))
[ الزهد لابن المبارك عن أبي هريرة]
لو فرضنا إنساناً ركب طائرة وحلق فوق مدينة فماذا يرى؟ هنا ساحة عامة صفراء اللون، وهنا طريق أبيض أوتوستراد، و أثناء الأعياد كل الأبنية الحكومية مزينة، والملائكة إذا نظروا إلى بلدةٍ ليلاً تتراءى بيوت الذكر فيها كما تتراءى النجوم في السماء، بالعكس لو أن الملائكة اطلعوا على بلدة لا يرون تألق الكهرباء بل يرون تألق مجالس الذكر، وأحياناً يضعون على الخارطة بعض المصابيح الكهربائية فتتألق، فلو أن دمشق مثلاً رأتها الملائكة يرون فيها المساجد التي يذكر فيها اسم الله عز وجل متألقة، هذا الحديث لطيف.
وقال سفيان بن عيينة: "إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان الدنيا - ليس له عمل- فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ تقول الدنيا له: دعهم فإنهم إذا تفرقوا أخذت بأعناقهم إليك، وإذا تفرقوا يرجعون إليك عن طريقي أي عن طريق الدنيا"، و هو حوار رمزي بين الدنيا والشيطان.
" عن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى أنه دخل السوق مرةً وقال لمن في السوق: أراكم هاهنا وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد وأنتم هنا؟ فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق ولم يروا ميراثاً، فقالوا: يا أبا هريرة لم نرَ ميراثاً يقسم في المسجد، فقال: ماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً يذكرون الله عز وجل ويقرؤون القرآن فقال: ذلك ميراث رسول الله "، فالإنسان إذا كانت له مصلحة، محل تجاري، وصار وقت الدرس فهذا الوقت ليس له وليس وقت بيع وشراء، هذا وقت لله عز وجل، فإذا آثر ما يبقى على ما يفنى فالله عز وجل يبارك له في عمله، ويأتيه الناس أفواجاً بعد الدرس وقبل الدرس. ((فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ شَكَّ يَعْنِي الأعْمَشَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلاً عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي، فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا فَيَقُولُ فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ فَيَقُولُونَ يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لا، فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا قَالَ فَيَقُولُ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ فَيَقُولُونَ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ وَهـَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا، قَالَ: فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا قَالَ فَيَقُولُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ فَيَقُولُونَ فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ نَحْوَهُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
البقاء في الدنيا محدود أما الآخرة فغير محدودة :
ملخص الحديث أن الإنسان عنده فكرة عن الجنة، وفكرة عن النار، ولكن أؤكد لكم هذه الفكرة لا تعادل واحداً من مليون من الحقيقة، ولا واحداً من مئة مليون، ولا من ألف مليون، ولا ألف مليار، لو أن الإنسان أتيح له جدلاً أن يعرف الجنة على حقيقتها فاستحيا أن يشرب كأس ماء فلا يجد وقتاً لأكل الطعام، ولا للنوم، ولو عرف النار على حقيقتها وكيف العذاب الأبدي فيها لخشي أن يأكل سمسمة من حرام، ولذلك الإنسان إن جاءه ملك الموت يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا بها لهول الموقف، ويوجد أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعنى هذا أن الإنسان كلما اجتهد لمعرفة الحقيقة يكون هذا أعون له عن السعي للجنة والخوف من النار.
والإمام الشبلي رضي الله عنه قال: قرأت حديثاً عن رسول الله استغنيت به عن أربعين ألف حديث، ما هو هذا الحديث؟
"اعمل له بقدر حاجتك إليه، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واتقِ النار بقدر صبرك عليها".
هذا حديث جمع كل شيء، يوجد عندك الجنة والنار، والدنيا والآخرة، الدنيا بقدر مقامك فيها، قد تعيش سبعين أو ثمانين عاماً، يقولون: ما شاء الله، وعندما يموت الإنسان بالثمانين يستغرب الناس، أما الآن فيقولون: شبع من عمره، وإذا وصل الإنسان للأربعين ماذا يقولون له؟ على أقصى تقدير يقولون: له عشرون سنة أخرى، معترك المنايا بين الستين والسبعين هكذا قال صلى الله عليه وسلم، البقاء في الدنيا محدود، أما الآخرة فغير محدودة: "واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واتق النار بقدر صبرك عليها".
العلم والأدب أثمن ما في الدنيا وهذا عطاء الأنبياء :
هذا فضل مجالس العلم أي كلمة من القلب للقلب، إذا الله عز وجل أحب عبداً أسمعه الحق، وما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، ومعنى استرذله أي رآه شهوانياً، سخيفاً، أرضياً، متعلقاً بحطام الدنيا، وإذا رآه كذلك حظر عليه العلم والأدب، قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
[ سورة القصص: 14]
أي العلم والأدب أثمن ما في الدنيا، وهذا عطاء الأنبياء، فكل إنسان ينظر عطاؤه من الله من أي نوع؟ من نوع عطاء قارون أم من نوع عطاء الأنبياء؟ إن كان نصيبه من الله عز وجل من نوع عطاء قارون أو فرعون فهذا لا شأن له عند الله، أما إذا كان من نوع عطاء الأنبياء ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكماً وعلما فهنيئاً له؟ لذلك حافظوا على هذه المجالس؟ ولا تدعوها تفوتكم، والإنسان إذا دخل الجنة لا يتألم إلا لساعة مرت لم يذكر الله فيها.
* * *الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))
[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
مثلاً ذهبت مع أخ لخدمته، أو ذهبت إلى حضور مجلس علم، رجل جاء من دوما من باص إلى باص، فهذه في سبيل الله، والنبي الكريم يقول لك: "أفضل من الدنيا وما فيها"، من له بيت بعيد عن المسجد لا يتأسف، والله لو علم ماذا ينتظره في الجنة من أجر ومن سعادة لتمنى أن يكون في آخر الدنيا ويأتي لهذا المجلس، والثواب على قدر المشقة، أنا أسكن في زملكا، أو في دوما، أو داريا، أو كفرسوسة، من مكان بعيد نقول: هنيئاً لك لأن أجرك أعظم من أجرنا، على قدر المشاكل، والطريق، والتعب، والمواصلات، فالروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، إن ذهبت لحضور مجلس علم، أو لتعليم الناس شيئاً من كتاب الله، وإن ذهبت لتعاون أخاً في الله، فالنبي الكريم قال: "والله لأن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من الدنيا وما فيها".
تعاون إنساناً، أو تعينه، أو تزور مريضاً، أو تساعد إنساناً، أو تغيث مستغيثاً خير لك من الدنيا وما فيها، فالروحة الواحدة، والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، وبالمناسبة معنى راح أي عاد رجع، أي إذا رجل طرق الباب وقال لك: هنا والدك، تقول له: الآن راح، ما معنى هذا؟ أي أنه في البيت موجود أي الآن جاء، و إذا قال لك: سلم عليه، فهذا اسمه تدليس، هذا كذب شرعاً وصدق لغةً، إذا إنسان لغوي هل أنت كاذب أم صادق؟ الجواب أنت صادق لغةً كاذب شرعاً، فالشرع على المقاصد، فماذا فهم منك هذا الطارق؟ أن أباك ليس في البيت، إذاً هذا كذب لكن النص صحيح إذاً هذا هو التدليس، فالفقهاء قالوا: التدليس أخو الكذب، أخوه تماماً، صنوه، الغدو والرواح، غدوها شهر ورواحها شهر. ((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))
[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
حضور مجلس العلم يحيي القلب و يسعد الإنسان :
تقوم، وتلبس، وتهيئ نفسك، وتتوضأ، وتصلي، وتخرج من بيتك لحضور مجلس علم، فلو اطلعت على الغيب لرأيت أن هذا العمل خير من الدنيا وما فيها قال العلماء: ما فيها من ثروات، إذاً الإنسان له حق النفط لوحده شخصياً، كل برميل ثمنه ثلاثة وثلاثون دولاراً وعنده ستة ملايين برميل مثلاً، فلو كانت هذه الحقول لإنسان وليست لدولة، وهذا لحسابه الخاص، قال: الروحة والغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، لتفسير هذا الحديث في كتاب فتح القدير أشار إلى هذه الناحية، ما فيها من ثروات، ومناجم الذهب والألماس، ومناجم البترول، وحضور مجلس علم خير من الدنيا وما فيها، وحضور مجلس العلم يحيي القلب، وإذا القلب أصبح حياً سعد إلى الأبد.
الرهن :
(( بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ ))
[ البخاري عن إبراهيم]
فإذا وضع إنسان عندك رهناً - مثلاً فرس- لك أن تركبها بنفقتها وتنفق عليها من مالك، مقابل النفقة تركبها، وإذا رهن عندك مثلاً غنمة لك أن تشرب من حليبها مقابل أن تطعمها، فتركب وتحلب من نفقتها، يوجد عدل، تركبها بنفقتها وتحلبها بنفقتها، ويوجد حديث آخر: ((الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الرفق و العنف :
والحديث الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:
(( الرفق يمنٌ والخرق شؤم ))
[ البيهقي عن عائشة]
الرفق يعني اللطف الحسن، والخرق بمعنى العنف، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق. (( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]
((إنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَالْخَرْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ شَانَهُ ))
[ البيهقي عن عائشة]
فالعنف بكل الوجوه شائن، قال عليه الصلاة والسلام: (( علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه البيهقي عن أبي هريرة ]
فالإنسان على قدر ما كانت القضية كبيرة تحل بالحسنى والاجتماع من دون كلام قاس، والقضية مهما تكن كبيرة تصغر، أما كلمة قاسية واحدة، ضرب على الطاولة، أغلق الباب بعنف فالموقف تفجر، بين زوجين، وشريكين، عود نفسك تتكلم كلاماً لطيفاً حتى في المشكلات التي تعانيها.
" قال عليه الصلاة والسلام: (( الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
أي تجارة فيها حرام، وفيها مادة محرمة، ومواد حرمها الله وأنت تتاجر بها، اضغط مصروفك واقتصد فهذا أفضل لك من بعض هذه التجارة.






11

السعيد
09-10-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الاربعون )


الموضوع :صلاة الوتر - شرح دعاء القنوت




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة الوتر :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الصلاة إلى موضوع صلاة الوتر، والوتر بالفتح والكسر، لك أن تقول: صلاة الوَتر، ولك أن تقول: صلاة الوِتر، لكن القرآن قال:
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
[ سورة الفجر : 3 ]
الوتر واجب، وكلمة واجب أي أنه بين الفرض والسنة، فهو أقوى من السنة وأقل من الفرض، ولكن المسافر إذا قصر في صلاته يستطيع أن يصلي الظهر ركعتين فقط، ولا يصلي معها السنن، ويصلي العصر ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، ولابد من صلاة الوَتر لأنه واجب، إذاً الوتر صلاة بين الفرض والسنة، وهو ثلاث ركعات بتسليمة، ويقرأ في كل ركعة منها الفاتحة والسورة، ما الفرق بين صلاة المغرب وصلاة الوتر؟ شيئان، الأول: أن صلاة الوتر تقرأ فيها سورة في كل ركعة، في الأولى والثانية والثالثة، في المغرب لا تقرأ سورة بالركعة الثالثة، وفي صلاة الوتر دعاء القنوت، وهذان الشيئان يختلف بهما الوتر عن صلاة المغرب، ويجلس على رأس الأوليين منه، أي يوجد عندنا جلسة أولى وجلسة طويلة، الأولى حتى التشهد والطويلة حتى السلام، ولا يستفتح عند قيامه للثالثة - إذا قام للثالثة لا يقول: سبحانك اللهم، لأن هذه الركعة عبارة عن تتمة لركعتين سابقتين - ولا يستفتح مصلٍّ صلاة الوتر بالركعة الثالثة، وإذا فرغ من قراءة السورة فيها رفع يديه لجانب أذنيه ثم كبر وقنت قائماً قبل الركوع في جميع السنة، أي بعد أن يصلي الركعة الثالثة وينتهي من قراءة الفاتحة وسورةٍ يرفع يديه إلى شحمة أذنيه ويكبر ويدعو دعاء القنوت ولا يقنت في غير الوتر.
والقنوت معناه الدعاء وهو أن يقول: اللهم إنا نستعينك، الاستعانة تعبير عن الافتقار والعبد فقير.
ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع
***
الناس رجلان مؤمن وكافر :
والناس رجلان مؤمن وكافر، وهذا التقسيم الوحيد، المؤمن مفتقر ومتواضع، والكافر متكبر مستغنٍ، المؤمن مفتقر متواضع مصبوغ بالكمال لافتقاره لذي العزة والجلال، بينما الكافر يستغني عن الله عز وجل لكبر في نفسه وباستغنائه يشقى، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
والآن في الأرض مليون تقسيم، فقراء وأغنياء، العرق الآري، السامي، العرق السكسوني، أي تقسيمات عرقية، وتقسيمات إقليمية، و عشائرية، و قبلية، و قومية، و وطنية، وضمن الوطن الواحد يوجد طبقات، وضمن الطبقة الواحدة يوجد فئات، فالمجتمع الحديث مفكك، قال تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[ سورة الحشر: 14]
تحسبهم جميعاً، لو نظرت إلى قلوبهم لرأيت كل واحد من بني البشر المعرضين عن الله عز وجل جزءاً مستقلاً بذاته، لا تعاون، ولا تعاطف، ولا رحمة، ولا شفقة، ولكن المؤمنين كما قال عليه الصلاة والسلام: (( المؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ، وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))
[ الترغيب والترهيب للمنذري، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]
يوجد في قلب المؤمن رحمة، وإنصاف، و حب للخير، و قناعة، فإذا باعك المؤمن يصدقك، ويربح عليك ربحاً معقولاً، لا يستغلك بل يرحمك، وإذا وقعت بين يدي إنسان معرض ورأى أن لك عنده حاجة استغلك أبشع استغلال، فالمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم. الاستعانة بالله دليل الافتقار إليه :
اللهم إنا نستعينك فالاستعانة دليل الافتقار إلى الله عز وجل، يا ربي أنا مفتقر إليك، فالمؤمن إذا دخل لحانوته: "اللهم افتح لي أبواب رزقك"، وإذا الطبيب وضع يده على مريض يقول: "اللهم لا علم لي إلا ما علمتني"، وإذا المحامي تسلم قضية: يا ربي ألهمني أن أكون مدافعاً عن الحق، وألا أكون عوناً للباطل، ترى القاضي، والطبيب، والمحامي، والمهندس، وصاحب المتجر، والتاجر، والصانع، حتى يوجد شيء آخر أذكره لكم الآن أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[سورة المعارج: 23]
وهناك دوام في الصلاة، كيف يداوم الإنسان على الصلاة؟ الصلاة خمسة أوقات يوجد آيات: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 92 ]
هذه واضحة أي يحافظ على صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. الدعاء صلاة :
ولكن الذين هم على صلواتهم دائمون أي دائمو الصلة بالله عز وجل، قال بعضهم: "الدعاء صلاة"، والنبي عليه الصلاة والسلام في كل حركة و سكنة يدعو الله عز وجل، أي وقف أمام المرآة يمشط شعره فقال: "اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلقي"، إنسان كامل لا يوجد فيه نقص ولا عيب مشين دخل إلى الخلاء فقال: "الحمد لله الذي أذاقني لذته - الطعام - وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه".
فتح المفتاح ودخل إلى البيت: "الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له"، سافر: "اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد"، أصبح يقول: "أصبحنا وأصبح الملك لله، إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب".
ركب دابة يقول: "اللهم إني أسألك من خيرها ومن خير ما خلقت له، وأعوذ بك من شرها وشر ما خلقت له"، الآن إذا ركب سيارته يقول: "اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما صنعت له، وأعوذ بك من شرها وشر ما صنعت له"، ترى كتاب الأذكار للنووي يجمع أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في كل أحواله؛ في صحوه و نومه، وفي عمله و سفره، وجهاده، وعلاقته مع زوجه، و مع أولاده، وجيرانه، خرج من المسجد: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"، دخل إلى المسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، في المسجد لابد من رحمة تتنزل على قلب المؤمن، خرج من المسجد: "يا ربي أعني على تطبيق ما سمعت، افتح لي أبواب فضلك وارزقني عملاً صالحاً يقربني إليك".
الغنى والفقر بعد العرض على الله :
اليوم أكرمني الله فالتقيت مع إنسان شعرت أنه على شيء من الغنى، فقلت: الغنى والفقر بعد العرض على الله، قلت له أيضاً: لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، قلت له أيضاً قوله تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء: 21 ]
قلت له: "يقول الله عز وجل أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لآخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت به؟ يقول: أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، يقول: أنا الحافظ لأولادك من بعدك".
قلت له: يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة؛ فريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وفريق جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال هذا يحاسب، هذا يقال له: قفوه فاسألوه عن كل صغيرة وكبيرة، هل ضيع فرض صلاةٍ أم كان منشغلاً بماله؟ وهل تاه على عباد الله؟ وهل قال جيرانه: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا؟ هل؟ هل؟ ومازال يسأل ويسأل، قلت له: يقول الله عز وجل: سبحان الله! اللهم ألهمني كل الأحاديث المتعلقة بالغنى، يقول الله عز وجل: "عبدي خلقت لك السموات والأرض و لم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمت ولا أبالي". من اتكل على نفسه أوكله الله إياها :
ذكرت أحاديث كثيرة وشعرت أنه حصل تطور جذري في نفسه، فهذه الأحاديث شفاء للقلوب، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، استوقفني هذا كله كلمة: اللهم إنا نستعينك، هناك استعانة، من اتكل على نفسه أوكله الله إياها.
قال طالب: يا رب أنت تعرف أني في الهندسة قوي جداً فالجبر عليك يا رب والهندسة علي فأخذ في الهندسة صفراً وبالجبر نجح، وفي العام الثاني قال: يا رب الهندسة والجبر عليك، الاثنان معاً.
سبحان الله الإنسان عندما يعتمد على شيء من قدراته فالله عز وجل يغار على التوحيد، فلابد أن يؤتى الحذر من مأمنه، فطبيب معه بورد بأمراض الجهاز الهضمي هل يوجد معه قرحة؟ نعم معه قرحة، هو واثق أنه سوف يأخذ احتياطات كافية لصيانة جهازه الهضمي وهذه آية، وطبيب مختص بأمراض القلب هل يصير معه جلطة؟ يعرف أمراض القلب ما أسبابها، فالتوترات العصبية والراحة الجسمية أيضاً هذه آية، دائماً وأبداً من أي مكان أنت مطمئن إليه من هنا تأتي المشكلة، قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾
[ سورة الحشر: 2 ]
التوحيد هو الافتقار إلى الله :
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فالتوحيد هو الافتقار إلى الله، فكلما ارتقى الإنسان عند الله يفتقر في نفسه، وكلما هبط في دركات البعد يرتفع في نفسه، إنها علاقة عكسية بين الكبر والجهل، وبين العلم والتواضع، فمن علامات العلماء التواضع، والمتكبر جاهل، قال: يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، الآن صار جاهلاً، عالم كبير دخل إلى مسجد فوجد شاباً ناشئاً يدرّس، والناس متحلقون حوله ومسرورون، و مقبلون، ومعجبون، فرآها كبيرة أن يهمله الناس و يلتفوا حول هذا الشاب، فجلس يستمع في نصف الدرس، قال له: يا هذا ما سمعنا بهذا الكلام؟ فقال الشاب: أحصلت جميع العلم؟ إذا قال له: نعم يكون كاذباً، قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 85]
قال له: لا، قال له: أحصلت شطره؟ قال له: نعم، قال له: هذا من الشطر الذي لا تعرفه، فالإنسان يجب أن يتواضع، و ما من أحد أكبر من أن ينقد، وما من أحد أصغر من أن ينقد، تواضع، أحياناً يدخل مدرس إلى الصف ممتلئاً إعجاباً بشهادته، وذكائه، وشخصيته، فيطرح عليه طالب سؤالاً فيقف حائراً، فيكشفه الله ويفضحه، قال أحد العلماء جلس بمجلس والناس تحلقوا حوله، وشعر أن له مكانة كبيرة، فأراد أن يؤكد لهم اتساع علمه فقال: والله ما سمعت شيئاً إلا حفظته، وما حفظت شيئاً فنسيته، يا غلام هات نعلايَّ، فقال له الغلام هما في رجليك، فنظر فإذا هم في رجليه، ففضحه الله عز وجل في هذا الموقف، الإنسان لا يتكبر قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
الكِبر من الشيطان :
و أعظم إنسان يفتح أكبر بلد يعاديه وليس الشيء سهلاً، فعمر طويل من الحروب، والإخراج، والائتمار من كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما دخل مكة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس، ما وجدت موقفاً يهز مشاعر الإنسان كقوله لسيدنا علي وأبي لبابة:
((كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأجْرِ مِنْكُمَا ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
علي سلخها، علي طبخها، قال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، نكفيك هذا، قال: أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا قمة المجتمع الإسلامي، و قمة البشرية، فهذه أخلاقه فمن أنت؟ الكبر من الشيطان. من اعتمد على نفسه فقد خسر خسراناً مبيناً :
اللهم إنا نستعينك، ألا أنبئكم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله، لا قوة على طاعته إلا به، ولا حول عن معصيته إلا به، إياك نعبد وإياك نستعين، ربي إن لم تصرف عني كيدهن أصبو إليهن، ربي أجنبني وبني أن نعبد الأصنام، أدعية الأنبياء، أحياناً الإنسان يستقيم استقامة تامة، يشعر بنشوة هائلة، شاب في مقتبل حياته يغض بصره، ويتابع دينه، أحياناً يأتيه الشيطان فيقول له: ليس مثلك شاباً، أنت الورع، أنت قوي الشخصية، أنت صاحب الإرادة القوية، ولما صلى نسي قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين، فقد تفتنه امرأة، وأحياناً إذا حصل اعتماد على النفس فهذا هو الخسران المبين.
الهدى خط مستقيم و هو هدى الله عز وجل :
اللهم إنا نستعينك ونستهديك، إن الهدى هدى الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 71]
لا يوجد هدى آخر، كما أنه لا يمر بين نقطتين خطان مستقيمان ولابد من انطباقهما على بعضهما، كذلك ليس في الأرض إلا هدى واحد ما سوى الهدى ضلال، يوجد آية هكذا قال تعالى: ﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 32]
الهدى خط مستقيم، خط آخر لا ينطبق عليه ما اسمه؟ منحنٍ، منكسر، لا يمكن أن يكون الخط الثاني الذي لا ينطبق على هذا الخط مستقيماً، يوجد آية دقيقة بهذا المعنى، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 153 ]
تصور نقطتين، ويوجد مستقيم بينهما، هذا هو الحق، فممكن أن ترسم مئة خط منحن، ومئة خط منكسر، فالباطل متعدد أما الحق فواحد. الاستقامة قطعية والانحراف نسبي :
هذا الموضوع يقودنا إلى موضوع آخر فالاستقامة قطعية والانحراف نسبي كيف؟ مستودع للوقود له حالتان؛ إما أنه محكم أو أنه غير محكم، والإحكام حالة واحدة ومعنى هذه الحالة أنك إذا أودعت به ألف لتر وتركته خمس سنوات فالألف لتر تبقى ألف لتر، وهذا معنى أنه محكم، وإذا كان غير محكم فهذه الكمية تفرغ بساعة أو ساعتين، أو شهر أو شهرين، هذا كله غير محكم، وعدم الإحكام نسبي، فبالاستقامة لا يوجد حل وسط، أما بالانحراف فيوجد حل وسط، يوجد زنا ويوجد نظر، ومصافحة، ومغازلـــة، وشرب خمر، وبيعه، والإعلان عنه، والخطاطون يدخلون في الموضوع، خطاط ورسام، بالسرقة يوجد سرقة ليرة ويوجد ألف ومليون فالانحراف نسبي، والزنا نسبي، والخمر نسبي، أما الاستقامة فتامة، الاستقامة قطعية ذات حد دقيق ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
ما معنى هذا الكلام، قوم هود شيبوه لا سورة هود؟ لأن فيها آية واحدة قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود: 112 ]
كأن النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هذه الآية قوله الشريف: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
الآن أكثر كلمة على لسان الناس: أنا لست نبياً، شيء جميل، فلو فرضنا كلفنا ممرضاً أن يضرب إبرة ألا يعقمها وحجته أن يقول: أنا ليست طبيباً؟ هذا لا يصح، فلو جئنا بأعلى طبيب في العالم وهو جراح قلب مفتوح وكلفناه بضرب إبرة، وكلفنا ممرضاً متخرجاً حديثاً بضرب إبرة، فعلى الاثنين أن يطبقا التعليمات نفسها في التعقيم، فالأول أعلم بالعلم أما السلوك فواحد، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين حتى لا يدخل الشيطان على الإنسان ويقول لــه: أنت لست نبياً هذه مرتبة الأنبياء، لا المرتبة بالمعرفة، والإقبال، والشفافية، والفتوح، والرؤية، و لكن الاستقامة واحدة: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
توبة الله على العبد أن يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة :
ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، فموضوع التوبة موضوع دقيق جداً، وربنا عز وجل قال:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 118 ]
فبالمنطق أيهما أولى؟ تابوا فتاب عليهم أم تاب عليهم ليتوبوا؟ بالمنطق: تابوا فتاب عليهم، بمعنى أن الله قبل توبتهم، أما هذه الآية فتاب عليهم ليتوبوا، قال بعض العلماء: توبة الله على العبد أن يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، تاب عليهم ضيق عليهم، شح السماء، ارتفعت الأسعار ضاقت المكاسب، ضاقت الدنيا، تاب عليهم ليتوبوا، فدائماً وأبداً أريد أن يبقى هذا المعنى في أذهانكم، إذا شحت الموارد فليس هذا الشح عن عجز ولا عن افتقار ولكنه شح فمعالجة، تضيق فمعالجة، الله الغني كن فيكون، ومرة رأيت بأم عيني سنبلة قمح فيها خمس وثلاثون سنبلة أصلها قمحةٌ واحدة، أخذنا سنبلة وعددناها فكانت خمسين حبة، ضربنا خمسين في خمس وثلاثين فكان ألفاً وسبعمئة حبة من حبة واحدة، ذكرت قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً* لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن: 16-17 ]
كان في الشام قشاشو ثلج في الخمسينات والأربعينات، نهر يزيد كان عمره ثلاثة أمتار، العتيبة بحيرة ملآنة، أمطار غزيرة جداً، خيرات لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة: 66 ]
تضييق الله على العبد ليس عن فقر ولا عن عجز ولكن عن تربيةٍ و حكمةٍ :
ورغم شح الأمطار الشديد في هذا العام فالله عز وجل أذن للأشجار أن تضاعف ثمرها، فضاعفت ثمرها، وقل سعرها، فأكل الناس جميعاً فاكهةً في هذا الصيف، ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟ لا أحد يدري، قال لي شخص: لا يوجد ضمان خسارته أقل من خمسين ألفاً، قلت له: ما السبب؟ فقال: إنه اشترى الكيلو بخمس ليرات وتوقع أن يبيعه بعشر، فباعه بثلاث، إنتاج غزير جداً، إذا أعطى أدهش، فكل شيء يحسبه الناس ضيقاً، هذا ضيق تربوي، ضيق معالجة، ضيق ليس عن فقر ولا عن عجز ولكن عن تربيةٍ، وعن حكمةٍ.
يقول أحدهم: أنا ما علاقتي إذا كان الناس فاسقين؟ أنا مستقيم، والله الذي لا إله إلا هو لو أنك أرضيت الله سبحانه وتعالى تماماً لأرضاك تماماً، ولعشت بين الناس وكأنك لست منهم، لعشت في ظروفهم وكأنها لا تؤثر عليك، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، فالتوبة إلى الله، توبوا إلى الله قبل أن يتوب عليكم، إذا تاب عليكم تضطرون إلى التوبة.
بطولة الإنسان أن يكون في الشدة كما في الرخاء :
ونؤمن بك ونتوكل عليك، فسهل على الإنسان بالرخاء أن يكون مؤمناً أما هذا الإيمان فيهتز أحياناً في الشدة، فربنا عز وجل قال:
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[ سورة آل عمران: 179 ]
بالمنحدر كل أنواع السيارات جيدها وسيئها، الكبيرة والصغيرة، ما كان ذا قوة كبيرة، وما كان ذا قوةٍ ضعيفة، كله ينطلق، ولكن الصعود الشديد يميز، كلهم يدعي حب النبي فلما أحاط المشركون بالمدينة، وجاؤوا قرابة عشرة آلاف، ونقض اليهود عهدهم، وانكشف ظهرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، انكشف المشركون، أما المؤمنون الصادقون فقال تعالى: ﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 23 ]
فالبطولة أن تكون أنت أنت في الرخاء والشدة، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في دخل محدود وفي دخل غير محدود، إن آتاك الله أولاداً أو لم يؤتك، إن كانت زوجتك على ما يرام أو ليست على ما يرام، هذه هي البطولة. الخير كله من الله عز وجل :
ونثني عليك الخير كله، الخير كله من الله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يكفرك، إذا التقيت بإنسان فاجر ليس لك الحق أن تصاحبه، والعلماء قالوا: هناك أشياء كثيرة تجرح عدالة الإنسان منه: صحبة الأراذل، والتنزه في الطرقات، والأكل في الطريق، والسير حافياً، والبول في الطريق، والحديث عن النساء، والتطفيف بتمرة، وأكل لقمة من حرام، والصياح في المنزل، ومن أطلق برزوناً - بغلاً - ومن أطلق لفرسه العنان - والسرعة بالسيارة - هذا كله يجرح العدالة، ومن لعب الشطرنج تجرح عدالته، والتطفيف بتمرة، وأكل لقمة من حرام، هذه الأشياء تجرحها، ولكن من عامل الناس فظلمهم، وحدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم، تسقط عدالته، ويوجد فرق بين سقوط العدالة وبين جرحها، قال عليه الصلاة والسلام:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
(( احثوا التراب في وجوه المداحين ))
[ رواه مسلم عن المقداد بن الأسود ]
وسيدنا الصديق مدح فوقف أرقى موقف، قال: "اللهم أنت أعلم مني من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون - وكان طموحاً - واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تأخذني بما يقولون".
سيدنا عمر مدح فقال له رجل: "ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فنظر فيهم محداً البصر وكأنما يهم بشيء إلى أن قال أحدهم: بلى لقد رأينا من هو خير منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، قال: صدقت وكذبتم جميعاً" عد سكوتهم كذباً قال: "والله لقد كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك"، إنصاف لا يوجد نفاق، كان رضي الله عنه منصفاً. الله عز وجل مالك كل شيء :
ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، لو قال: نعبد إياك لها معنى، لما تقدم المفعول به صار اختصاصاً، وقصر نعبدك وحدك، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى، هذه الجهود، هذا العمل، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 162]
كم الزكاة يا سيدي؟ قال: عندنا أم عندكم؟ قالوا كيف عندنا أم عندكم؟ قال: عندكم واحد في الأربعين، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، هؤلاء السابقون السابقون، لا يوجد عندهم هذا لي وهذا لله، ماذا أبقيت يا أبا بكر؟ قال: الله ورسوله، أعطاه كل ماله وتخلل بالعباءة.
إن عذابك الجد بالكفار ملحق، وصلى الله على النبي وآله وسلم. العبرة في القلب وما وعى من حقائق :
والمؤتم يقرأ القنوت كالإمام، لأن القنوت في الوتر ليس جهرياً، وإذا شرع الإمام بالدعاء بعدما تقدم قال أبو يوسف رحمه الله: يتابعونه ويقرؤونه معه، فلو فرضنا الإمام قرأه لأنه عندنا وتر في التراويح، والوتر في التراويح يصلى جماعةً، فإذا الإمام قرأه جهراً يتابعونه ويقرؤونه معه، وإذا قرأه سراً يقرأه هو سراً، و يفضل أن يصلى الوتر في رمضان في التراويح جماعةً وجهراً.
قال محمد: لا يتابعونه ولكن يُؤَمنون، يقولون: آمين، ويوجد رأيان متنوعان، إذا رجل ما حفظه ماذا يقول؟ يقول: اللهم اغفر لي ثلاثاً؛ اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، أو ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، يا رب يا رب يا رب، أي توجه إلى الله عز وجل، وأنا أقترح على الأخ الحاج والمعتمر ألا يحمل دفتراً ويقرأ، ذهب حالك كله، توجه إلى الله عز وجل ادعُ من عندك، لأن الدعاء لو كان بلغة غير فصيحة يصل إلى الله عز وجل، لأن سيدنا هارون أفصح من سيدنا موسى، من كان النبي؟ إشارة دقيقة في القرآن يوجد إشارات دقيقة جداً، المرسل كان سيدنا موسى، والعبرة في القلب وما وعى من حقائق، أنا قرأت حديثاً تأثرت به كثيراً، قال:
((وَمَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ جَعَلَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تُقَادُ إِلَيْهِ بِالْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ))
[ أحمد عن أبي الدرداء]
المؤمنون الصادقون الورعون الزاهدون ملوك الدار الآخرة :
يمكن أن تتعلم علماً دقيقاً جداً، تحفظ أشياء نادرة، وأن يكون عندك ثقافة واسعة، محفوظات غزيرة، لغة فصيحة، نبرات حادة، لهجة خطابية، قدرات على الإقناع، لكن لا يوجد قلب رغم هذا الضجيج والصياح لا أحد يتأثر بك، لأن النية انتزاع إعجاب الآخرين، وقد حصل هذا، حصل إعجاب ولكن إذا كانت النية هدايتهم، وإنقاذهم، عندئذٍ الله سبحانه وتعالى يلقي في قلوب المؤمنين مودةً ومحبةً لهذا الداعي، فالقضية ليست بالحفظ ولا في الشهرة، أشهر مخلوق من هو؟ الشيطان مشهور جداً في كل لغات العالم، ليست الشهرة مقياس العظمة:
(( رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
و كلما رأيت مؤمناً مستقيماً استقامة تامة، وحريصاً على رضاء الله عز وجل، أقول له: أنت من ملوك الآخرة، فالدنيا لها ملوك والآخرة لها ملوك، والمؤمنون الصادقون الورعون، الزاهدون، ملوك الدار الآخرة.
* * *التهليل :
سوف نأخذ بعض الأحاديث من إحياء علوم الدين من باب الأذكار.
في الدرس الماضي تحدثنا عن مجالس الذكر، وعن فضلها، واليوم في فضيلة التهليل فما معنى التهليل؟ رجل عمل تهليلاً يعتقد الناس عزيمة، التهليل قولك: لا إله إلا الله، فهلل قال: لا إله الله، كبر قال: الله أكبر، دمعز أي: أدام الله عزك، وسبحل قال: سبحان الله، و حوقل قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا اسمه نحت في اللغة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل ما قلت أنا والنبيين من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له))
[ موطأ مالك عن مالك]
هذه الكلمة الأولى في الكون، لا إله إلا الله، والأديان كلها، رسالات الأنبياء كلهم، ودعوات العلماء كلها، وفحوى دعوة الله سبحانه تعالى لعباده لا إله إلا الله، علاقتكم كلها معي إذاً فاعبدوني، من خلال تفسير جزء عم توصلنا إلى أن هناك ثلاث كلمات تعد الأولى في الإسلام؛ أولاها: لا إله إلا الله، وثانيها: الحمد لله، وثالثها: لا نعبد إلا الله، التوحيد والحمد والعبادة، هذا هو الدين كله. لا إله إلا الله كلمة التوحيد :
لكن علماء البلاغة يقولون: إن الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت معناها، والآن الناس في اللغة الدارجة يقولون: سوف أقتلك، ما معنى أقتلك قتل أي أمات، وأخ قتله أي ضربه، كثرة استعمال هذا الفعل أفقده معناه، والآن إذا أراد الإنسان أن يقول: قتله، يقول: أرداه قتيلاً، و أزهق روحه، وألقاه صريعاً، ولقي نحبه، ومات حتف أنفه، ولابد من استعمال عبارات وكلمات تعني أنه مات، أما قتله باللغة الدارجة تعني أنه ضربه، و كلمة لا إله إلا الله هذه كلمة التوحيد، في أول الإسلام إذا قالها الإنسان مرة كفي، والآن يقولها الناس ليلاً ونهاراً وهم يعصون الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ]
فإن لم تحجزك هذه عن محارم الله فأنت لا تقولها ولو قلتها ألف مرة ومرة، تقول في العيد: الله أكبر بصوت مرتفع، وهذا التكبير المشهور والله شيء جميل، هذا شعار الإسلام، ولكن هذا الذي يقول: الله أكبر، لو أنه أطاع مخلوقاً وعصى الله عز وجل ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، فهذا هو الفرق بين مسلمي العصر و الصحابة الكرام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، قَالَ: قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ، قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[سنن أبي داود عَنْ ثَوْبَانَ ]
لا تبلغ ما تريد حتى يستوي عندك التبر والتراب :
الذي يعصي الله ويحب مخلوقاً ماذا يرى؟ يرى أن هذا المخلوق أكبر من إرضاء الله عز وجل، إذا زوجته قالت له: اترك هذا الدرس واجلس أما كنت تتعلم إلى الآن؟ هذه الدروس كلها مثل بعضها، فجلس، هذا معناه أن زوجته أغلى عليه من الله عز وجل، فهذا مجلس علم، و مجلس رحمة، فإذا أطاع شريكه بالربا، يقول لك: فيه ربح مئة ألف في السنة ورزق واسع ماذا أفعل؟ إن شاء الله برقبته، قال لي أحدهم: أنا لا أذهب إلى المطعم أبداً لأنهم يبيعون الخمر، وإن شاء الله برقبة شريكي، والله كثيراً نهيته ولم يرضَ، يقول: الحمد لله يأتيني ربح جيد أثناء السنة، وهو يصلي أول إنسان في الجامع على الأذان، ما قال الله أكبر ولا مرة لأنه شاهد التسعين ألفاً أغلى من الله عز وجل، لا تبلغ ما تريد حتى يستوي عندك التبر والتراب، المليون مثل الليرة.
لمن هذا الوادي؟ وادي غنم ثمنه ملايين، قال عليه الصلاة والسلام: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: هو لك، رأى هداية إنسان أغلى من كل الوادي، وكانوا قديماً إذا حلت مشكلة إنسان بمبلغ يقولون له: خذه ولكن صلِّ واحضر معنا، وإذا معلم عنده صانع و كان هناك درساً عند المغرب رجاه أن يحضر هذا الدرس، هو موظف في محل تجاري هلك أن يأخذ نصف ساعة ويحضر الدرس لم يسمح له أبداً، استغلال، دعه يتعلم كلمتين في صحيفتك، لا يرضى، ولا يوجد فيهم خير أبداً.
((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ فَكَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَكَانَ تُجَاهِي جَالِسًا أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ فَقُلْتُ وَمَا ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَقَالَ عُمَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ))
[ مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف وإكرام :
قل: لا إله إلا الله، لا يوجد أحد غيره، لا أحد يخيفك، الخير كله منه، وحده يرفع، ووحده يخفض، ووحده يعز، ووحده يذل، ووحده يعطي، ووحده يمنع، ووحده يقبض، ولا يوجد أحد غيره، كل علاقتك معه، ترى المؤمن مرتاحاً، جعل همومه كلها هماً واحداً فكفاه الله الهموم كلها، فالمؤمن عجيب لا يرى رزقه مع أحد غير الله، ولا يرى حياته يقوى على إنهائها أحد، ولا ينهيها إلا الله، فقال النبي الكريم: " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً"، قلها، من أين تأتي العزة؟ من التوحيـــد، من أين يأتي الغنى؟ من التوحيد، من أين تأتي الجرأة؟ من التوحيد.
ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.
((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْخَيْرَاتِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ ثُمَّ هُمِ الَّذِينَ تَلَافَاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَهُمِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) إِلَى قَوْلِهِ ( لُغُوبٌ ) ))
[أحمد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
أحياناً الإنسان في الدنيا يشعر بضيق لماذا؟ يذكر أنه سمع خبراً سيئاً، أو يذكر أن ابنه مريض والطبيب متخوف من مرضه، ويشعر بحزن دائم عندما يغلب الحزن على الوعي ويذكر أن ابنه مريض، و أحياناً يكون قد وجد بيتاً مناسباً وبيع البيت يتضايق، وجميع أنواع الحزن في الآخرة معدمة. قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
[ سورة فاطر: 34 ]
لا صغيرة ولا كبيرة، لا على ما فات ولا لما سيكون، الحياة لا تخلو من أحزان مهما جهد الإنسان، لكن الجنة تخلو، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، ودار عطاء، ودار إكرام فقط، ولذلك ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، فالقبر روضة من رياض الجنة. أهل لا إله إلا الله ليس عليهم وحشة في قبورهم :
هناك رجل كان له عمل في الشرطة - والقصة قديمة - فصار منازعة بالمقبرة، رجل متوفى من أربعين سنة ويجب أن ينزلوا عليه إنساناً آخر، فتحوا القبر فالميت مثلما هو، وهذا الإنسان ذهب حتى يفصل الموضوع قال لي: نزلت إلى القبر والله الذي لا إله إلا هو كأنه مات البارحة، هو هو ذقنه طويلة قليلاً، الشعر بعد الموت ينمو قليلاً، قال لي: أسبوع ورائحة المسك في يدي، أربعون سنة كما هو الكفن وجده مثل قميص اللوكس رماد أبيض أزاحه جلده هو هو، هذا الرجل إمام وحافظ القرآن الكريم، وكان ورعاً وصالحاً، وهذه القصة تطورت جداً، في السعودية بلغني أنهم نقلوا رفات بعض الصحابة كان الظن أن عملية شكلية أي عملية رمزية فوجدوا بعض الصحابة هم هم، و أجروا حفريات في القادسية فوجدوا بعض أجسام الصحابة كما هي، وفي اليرموك أيضاً، فهؤلاء الذين عرفوا الله تعالى لا يفنون، وليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، فالقضية قضية هذا القبر وما بعد القبر، والناس كلهم الآن يعيشون لحظتهم، وأهل الهدى يعيشون ماذا سيكون.
سؤال و جواب :
س: وردني سؤال من امرأة تقول: رجل حلف على زوجته ثلاثة أيمان طلاق أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وعندها طفل صغير خرج من البيت إلى بيت الجيران فذهبت إليه لتحضره فهل وقعت هذه الأيمان الثلاث مع العلم أن الزوج سأل شيخاً فقال له: ادفع كفارة تلك الأيمان؟ وقال له: اذهب واعقد عقداً جديداً لترجع زوجتك إليك؟
ج: كما قلت سابقاً: هناك طلاق سني وطلاق بدعي، الطلاق السني أن تطلق زوجتك في طهر لم تمسها فيه، وأن تبقى في بيتك تتزين لك ثلاثة قروء، فإذا راجعتها بلسانك أو لمستها بيدك فهذه مراجعة وتعود لك وتحسب طلقة، وإذا مضت العدة ولم تراجعها تملك نفسها فعليك أن تعقد عليها عقداً جديداً، ومهراً جديداً من دون تعقيدات، هذه الطريقة تعيدها ثلاث مرات، والمرة الثالثة تبين عنك بينونة كبرى وهذا هو الطلاق السني.
أما الطلاق البدعي فتقول لها: طلقتكِ، ابن تيمية رضي الله عنه قال: "إذا كان الرجل لا ينوي الطلاق إلا أنه يريد منع زوجته من عمل ما وكان يكره فراق زوجته كفراق دينه، وحلف يمين طلاق فهذا الطلاق لا يقع لأن أصله نية منعها من هذا الشيء"، هذا رأي تأخذ به المحاكم اليوم، طبعاً إذا المرأة ليس لها علاقة بالموضوع إطلاقاً، خلاف نشأ بين شخصين في محل تجاري وحلف بالطلاق فليست طرفاً في هذا الموضوع، أو لا ينوي الزوج تطليقها ولكن ينوي منعها، وكان يكره فراقها كفراق دينه، وفي هاتين الحالتين تنقلب يمين الطلاق إلى يمين عادية توجب الكفارة، كما قال الشيخ المسؤول في هذه الورقة، وعند الأحناف تطلق، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن إنساناً حلف ثلاثة أيمان طلاق في مجلس واحد فغضب غضباً شديداً وصعد المنبر وقال: "أيلعب بدين الله وأنا بين أظهركم" ربنا قال: "الطلاق مرتان"، والثالثة طبعاً طلاق كلي، فأنت جعلته مرةً واحدة أي أنت لم تعبأ بكلام الله، ولم تعبأ بتشريع الله، فثلاثة طلقات في مرة واحدة، و النبي عليه الصلاة والسلام غضب حينما استخدمها بعض الرجال، وأيضاً ابن تيمية يرى أن هذه المرات الثلاثة في حكم المرة الواحدة، وهذا الموضوع راجع إلى أن هذه الزوجة حينما خرجت من البيت أيضاً إن لم تكن تنوي إطلاقاً أن تحنث بيمين زوجها إلا أن حبها لابنها أعماها، وأنساها المشكلة، وخرجت عفوياً، وأغلب الظن أن هذا اليمين لا يقع، والتي تخرج من البيت كي توقع زوجها في حرج، وكي تلعب في عواطفه، وتخلق له مشكلة، فهذه يقع يمينه عليها، وإن لم تكن طرفاً بالموضوع أساساً وكان يكره فراقها كفراق دينه، وكان ينوي منعها فقط ليس غير فإن هذا الطلاق لا يقع وينقلب إلى يمين عادية، توجب التكفير إطعام عشرة مساكين، هذا الرأي الذي تأخذ به المحاكم اليوم، ولكن أحياناً قد يسأل بعضهم هذا السؤال فيقول له: طلقت المرأة ثلاثاً، اختلاف أمتي رحمة، اختلاف العلماء الكبار توسعة على الدين، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وعندما تسلك سلوكاً مغطى من أحد المذاهب فهو صحيح، أي سلوك عن علم أو عن غير علم مادام عملت هذا العمل وأحد المذاهب مغطى فهذا العمل صحيح، وهذا الشيء يليق بالمؤمنين المعاصرين، أما أن نعطي الحنفية لشافعي فهذه مشكلة، وهذا غلو في الدين، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة: 77 ]
صار مشاحنات، وبغضاء، فهل النبي الكريم كان حنفياً أم شافعياً؟ هذا سؤال مهم كلهم أخذ منه.

السعيد
09-10-2018, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الاربعون )


الموضوع :صلاةالضحى وصلاة الحاجة - احياء الليالى








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إحياء العشر الأخير من رمضان :
أيها الأخوة المؤمنون، تابع فصل تحية المسجد، وصلاة الضحى، وإحياء الليالي، وكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى صلاة الحاجة، وتحدثنا عن أن الإنسان إذا واجه مشكلة عويصة وظنها كبيرة قام الليل، وصلى ركعتين صلاة الحاجة، فإن الله قدير على حلّ هذه المشكلة المعضلة! وقال مؤلف الكتاب: ونُدِبَ إحياء العشر الأخير من رمضان، لما روي عن عائشة رضي الله عنها:
((أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
والقصد منه إحياء ليلة القدر، فإن العمل فيها خير من عمل في ألف شهر خالية منها! وروى أحمد عن النبي الكريم أنه: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقد بَسَطْتُ هذا في دروسٍ سابقة من أن ليلة القدر معناها أن معرفة الإنسان بربه بلغت الحدَّ الذي يخشاه منه، فأي إنسان يعصي الله سبحانه وتعالى لا يعرف ربه، فإذا عرفه حق المعرفة فإنه يطيعه، وإذا قدّر الله عز وجل تقديراً صحيحاً فإنه لا يعصيه، فلا عبادة كالتفكر، التفكر يفضي إلى الطاعة! إحياء ليلتي العيدين :
ونُدِبَ إحياء ليلتي العيدين، الفطر والأضحى، لحديث النبي الكريم:
((مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
ويستحب الإكثار من الاستغفار بالأسحار، وسيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعـوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي- أي أعـترف بنعمتك يا رب- وأعترف بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، والدعاء في إحدى ليلتي العيدين مستجاب. إحياء ليلة النصف من شعبان و ليلة الجمعة :
ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان، لأنها تكفَّر ذنوب السنة، ونُدِبَ إحياء ليلة الجمعة.
فمعنى الإحياء إذا أردنا أن نتوسع فيه، إذا جلس الإنسان بعد العشاء بعض الوقت، وقرأ كتاب الله، وذكر الله عز وجل، ودعا إلى الله، وتذاكر مع إخوانه المؤمنين في بعض موضوعات الإيمان، وتفكَّر في بعض الآيات الكونية، وإذا زاد عن العشاء، أو قام قبل الفجر فهذا عند الله إحياء، لا أن تفهموا مني أن الإحياء ألا ينام الإنسان أبداً، هذا جسد وله حاجات.
((عبد الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَا عبد الله أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ، بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))
[البخاري عن عبد الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
فهذه المرأة التي جاءت سيدنا عمر رضي الله عنه قائلة له "، يا أمير المؤمنين إن زوجي قوّامٌ قوّامٌ، سيدنا عمر يبدو أنه مشغول فظن أنها تمدحه، فقال، بارك الله لك فيه! قوّام في النهار، قوّام في الليل، سيدنا علي رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها! فانتبه سيدنا عمر، و قال: يا أبا الحسن إن كنت فهمت هذا فاحكم بينهما، فأخذ الإمام علي كرم الله وجهه أن الإنسان المؤمن المسلم يحق له أن يتزوج أربع نساء، فإذا تزوج أربع نساء نصيب الواحدة منهن ليلة كل أربع ليال، فحكم سيدنا علي لهذه المرأة أن يتفرغ لها ليلة في كل أربع ليالي، فلما بلغ عمر بن الخطاب هذا الحكم أُعجِب به" حكم صحيح. معنى الإحياء :
فإذا قلنا: إحياء الليالي يعني إحياء تام من دون نوم إطلاقاً فهذا لا يتحمله الإنسان، ولكن يتحمله في العام مرات عديدات، أما هنا نُدِبَ إحياء ليلة الجمعة أي طوال ليلة الجمعة لم ينم، وإذا جاء إلى الخطبة ينام في المسجد، فمعنى الإحياء زاد عن الحد المعقول، وزاد عن العشاء جلسة، وإذا الإنسان سَهِرَ مع إخوانه المؤمنين في موضوع ديني فهذا إحياء! قام قبل الفجر، وصلى ركعات، فهذا إحياء!
ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان؟ لأنها تكفّر ذنوب السنة، وليلة الجمعة لأنها تكفر ذنوب الأسبوع، ولكن يوجد هنا نقطة دقيقة: إذا ظن أحدكم أن عنده رصيداً ناجحاً يقوم بفعل الذنوب طوال الجمعة ويكفرها الخميس، يقوم بفعل الذنوب أثناء العام وفي شهر شعبان القادم على الطريق نكفر به عن ذنوبنا، هذا فهم سقيم، ومغلوط، فيما لو صدر من إنسان ذنب من دون قصد، أو تصميم، أو من دون إرادة، أو من دون رغبة، فإن جلسة إحياء هذه الليالي يشفيه من هذا المرض الذي سبب له الوقوع في الذنب. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((من أحيا الليالي الخمسة، وجبت له الجنة، ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر، وليلة النصف من شعبان))
[ الترغيب و الترهيب عن معاذ بن جبل]
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قَامَ لَيلَةَ النِصْفِ مِنْ شَعْبَانْ، ولَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
نقطة دقيقة، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))
[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
هذا الذي قلته قبل قليل، إذا الإنسان استيقظ الساعة الخامسة أو الرابعة والنصف في هذه الأيام وصلّى قيام الليل، وذهب إلى المسجد فهذا قيام ليل، أي أحيا هذه الليلة، وإذا كان بعد العشاء عنده موعد، في موضوع فيه ذكر، فيه مذاكرة، فيه قرآن، فيه مذاكرة للحديث الشريف.. فهذا المجلس إن ذُكِرَ بعد العشاء فهذا إحياء! فالنبي الكريم كان رؤوفاً بأمته، وهناك أشياء لم يفعلها، كان صائماً في السفر فأفطر، فهل شعر بحاجة ماسة للطعام؟ أنا أظن قد يكون لا، ولكن لماذا أفطر؟ لئلا يشق على أمته، وهناك بعض السنن التي تركها ثم فعلها، ليست مؤكدة، أليس بإمكانه فعلها؟ نعم بإمكانه، لكن عمله تشريع، ومخالفة التشريع معصية، لا أنسى المرأة التي جاءت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو زوجها، فقال النبي الكريم لها: ((أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ أَلا تَعْجَبْ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ، بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ، لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ، فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ أي لو أنك ترضين بما يقول، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي؟ -أمرك منفَّذ- ومعصية أمرك معصية، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، ما رضي النبي الكريم أن يضع مقامه مقام الرسالة مقام النبوة في الضغط على زوجة، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، ولو أنني أمرتك لوجب التنفيذ، ولكانت المخالفة معصية كبيرة، قَالَ: لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ. الجماعة رحمة والفرقة عذاب :
((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ))
[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
فالإنسان إذا استيقظ قبل الفجر، وتوضأ وذهب إلى المسجد، إلى أين هو ذاهب؟ سؤال؟ إنه ذاهب إلى الله! إني ذاهب إلى ربي، ليس شيئاً سهلاً، لا يوجد طعام ولا شراب ولا دعوة، لا شيء في المسجد إلا الصلة بالله عز وجل، والصلة في بيته أشد، فإذا صليت الفجر في جماعة فكأنما أحييت الليل كله.
سبحان الله عندما يعتاد الإنسان صلاة الفجر في جماعة تنقلب هذه الصلاة إلى عادة ثابتة، فمن عاداته أنه ينام الساعة الواحدة ويستيقظ الرابعة والنصف، وينام الساعة الثانية، ويستيقظ في الرابعة والنصف، يكون مسافراً فيستيقظ بالرابعة والنصف، ويكون متعباً فيستيقظ الرابعة والنصف، الجماعة رحمة، والفرقة عذاب. ((خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا، فَقَالَ، أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ، وَلا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ، وَلا يُسْتَشْهَدُ، أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ))
[الترمذي عَنْ ابن عمر]
رجل يصلي وحده، يقول: أبقى نائماً، الله غفور رحيم، لست مرتاحاً، يأتي لجسدك معلومات من الشيطان معقولة، لو قمت للصلاة لن تفهم شيئاً منها لأنك نعسان، أما إذا عوّدت نفسك على الصلاة في جماعة، لحصل وضع آخر، أصبحت هذه الصلاة راسخة. من اقتطع من وقته الثمين وقتاً لله عز وجل وفّر الله له وقته وبارك له فيه :
أخوة كثيرون يقولون لي: بعد أن صلينا الفجر في جماعة، أصبحت هذه الصلاة جزءاً من حياتنا، فلو أن مرة واحدة فاتتنا هذه الصلاة لتعكّر يومنا كله! وكأنهم فقدوا شيئاً ثميناً، "لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس، أكفك النهار كله".
فإذا الإنسان توضأ وارتدى ثيابه وتوجه إلى المسجد، إلى أين هو ذاهب؟ إلى الله، إذا كان قد جاء من مكان بعيد، من طرف المدينة، إلى المسجد فهذا شيء ثمين! والأجداد قالوا -رحمهم الله - : الثواب على قدر المشقة! أخ يجلس معنا هنا قد قَدِم من دوما، من حرستا، من زملكا، من عربين، من جوبر، ركب الباص الأول والثاني، و الباص لا يوجد فيه محلات، وانتظر، وتحمل الطريق ساعة ونصفاً حتى وصل، وعنده ساعة ونصف للعودة، والله هذا أجره لا يمكن أن يكون مثل الذي يسكن أمام الجامع، رب العالمين والله يقدر الليل والنهار، يقدر المسافات، ويقدر أزمة المواصلات، و الركوب في الباصات، ويقدر دفع المبلغ الكبير للتاكسي مثلاً، وجدت نفسك تأخرت فأخذت تكسي، فطلب منك تسع ليرات، والله يقدر الليل والنهار كله بقدر، يقدر حجم التضحية تماماً، وأحياناً تكون على أحر من الجمر، وأحياناً يكون عندك موسم شديد جداً تقول: وقت الله مقدس، لا أعتدي عليه، توقف العمل وتتوجه إلى المسجد، حق على الله سبحانه وتعالى أن يكرمك، أنا أعتقد وجازم بهذا القول: إذا أغلقت المحل قبل الوقت المعتاد كي تتوجه إلى مجلس العـلم، أنا أعتقد جازماً والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن تفوتك بيعة، هذا الذي يأتـيك ويراك قد أغلقت الدكّان سبحان الله يتعلق بهذا المحل، ويقول: غداً آتيه، و جارك الملاصق يكون عنده نفس البضاعة، فيريد من عندك.
والله عز وجل يلفت نظر الناس إليك، ويجعل قلوب الناس تهوي إلى هذا المحل، إنه مغلق وجاره لديه البضاعة نفسها، لا، لأن هذا أغلق محله ليتوجه إلى المسجد فهو في حفظ الله، وهذا الشاري لن يشتري من عند غيره، أنا أرى محلاً يبيع عصيراً في سوق الحميدية أذّن الظهر فأغلق محله، ينتظر الزبون نصف ساعة ليأتي البائع، اذهب وصلِّ معه، ينتظره حتى يعود من الصلاة ليسقيه كأساً من العصير! فالله عز وجل بيده قلوب العباد، وأنا أقول لكم كلاماً أعني ما أقول تماماً، مثلما ربنا عز وجل أمرنا بـزكاة المال، أيضاً أمرنا بزكاة الوقت.
وأنا قلت اليوم لأخ: أحياناً ينكسر برغي وسط آلة، تنكسر قطعة منه فتجد نفسك لا يوجد حل، حتى تفك هذه الآلة وتأخذ لها سيارة إذا كان حجمها معقولاً أو تأخذ لها ونشاً، أو لمحل ليضعوا عليها ملحمة يلحمون عليها البرغي، وقد تأخذ من وقتك عشر ساعات أو عشرين ساعة، أو ثلاثين ساعة، وأحياناً تنكسر قطعة بآلة تضطر أن تسافر لبلد آخر لتحضر مثلها، الله عز وجل قادر أن يضيع من وقتك مئات الساعات، عدا النفقات، فلو أنك اقتطعت من وقتك الثمين وقتاً لله عز وجل، لا تحيد عنه، لوفّر الله لك وقتك، ولبارك الله في حياتك.
من أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره :
أذكر حديثاً آخر:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَدْرَكْتَ أُمَرَاءَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قُلْتُ، مَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ، صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلْ صَلاتَكَ مَعَهُمْ نَافِلَةً ))
[الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
أنه من أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ! أحياناً يجلس الرجل ليسهر مع أهله فلا يصلي صلاة العشاء، شيء يزعجه، لا يهنأ بقصة، ولا بحديث، ولا بقراءة مقالة، إذا فضّل الجلوس مع أهله وقرأ لا يهنأ لأنه لم يصلِّ العشاء، أصبحت الساعة الحادية عشرة نَعِسَ فقام للصلاة بكل نفس ذائقة الموت! إذا كان الإنسان يريد أن ينام لا يصلِّ فليرقد قليلاً حتى يصحو، إذا كان سيصلي وهو في تعب شديد ليست هذه صلاة، إذا كان صلى الصلاة في المسجد مع أذان الظهر يأتي إلى البيت يأكل وينام وليس عليه شيء، أما إذا كان لم يصلِّ يريد أن يأكل وأكثر من الطعام لا يبقى به قوة للصلاة، وإذا صلى وكان جائعاً جداً فعقله بالطعام، وهذه مشكلة، فصلِّ الظهر في وقته، يبارك لك في وقتك.
من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ! أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها. كره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المتقدم ذكرها :
وهنا شيء جديد بالكتاب، يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي! لأن قيام الليل من عمل السر، والإخلاص، ولو أنه أُبْدِيَ في جماعة لأصبح ذلك مشوباً بالنفاق! وقيام الليل إحياء الليالي هذا كما قال العلماء، يُكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المتقدم ذكرها في المساجد ! وليس محرّماً، إذا الإنسان لم يحيها وحده إطلاقاً، لماذا الآن يقومون بالإحياء في المساجد؟ لعدم وجود الهمة الفردية بأن تحييها وحدك، وقديماً كان الإنسان عنده رغبة عظيمة جداً للتقرب من الله عز وجل، وهذه صلاة قيام الليل، تبكي، تطوّل، تقصر.. تركع أحياناً ربع ساعة، بالسجود لك عند الله قائمة مطاليب فطلبتها كلها في هذا السجود، أنت حر في بيتك، وأحياناً الإنسان يأتيه الخشوع ويطيل في السجود ويطيل في الركوع فهذه الصلاة خاصة جداً من خصوصيات المؤمن، لذلك النبي الكريم كان يصليها في البيت، ويكره أن تصلى في جماعة في المساجد.
لكن أفسر لكم لماذا الناس الآن يحيون هذه الليالي في المساجد؟ لأن همة الإنسان الآن ضعيفة جداً، فأنا أقول: إحياؤها في المسجد في جماعة خير من عدم إحيائها كلياً، وهذه مكروهة، إذا كانت مكروهة أن تصلى في المسجد في جماعة وأنت لا تصليها فأنا أفتي لك أن تصليها في المسجد في جماعة! ولو بلغك أن هناك جامعاً فيه إحياء ليلة العيد وأنت لم تنوِ إحياءها وحدك اذهب واحضر الإحياء في المسجد، وصلِّ قيام الليل في جماعة! فهو مكروه كراهة، أما لو عندك همة عالية وتحيي الليلة وحدك فأفضل، وأقرب، وأشد إخلاصاً، وتأكيداً لنفسك أنك مخلص، لماذا يُكْرَه؟ ليس هناك نهي إطلاقاً بالمناسبة! ولكن لأن النبي الكريم لم يفعل هذا لا هو ولا أصحابه، فالنبي الكريم وأصحابه الكرام ما فعلوا هذا، ولكن ربنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ﴾
[ سورة المزمل: 20]
و الله عز وجل في القرآن الكريم ثبت قيام الليل للنبي ولأصحابه، ولم يصل النبي هذا القيام في المسجد في جماعة، لكن نحن في عصر متأخر جداً، إذا الإنسان لم يصلّ وحده وسمع أن هناك إحياء ليل لا مانع! أنا أحبذ أن يصلى قيام الليل في جماعة لأن همة الناس قد ضعفت! وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الموضوعات.
* * *
الاتصال بالله جوهر الدين :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين؛ الاتصال بالله جوهر الدين، والدين فيه نصوص، وعلوم، وتجويد، وفقه، وعلم فرائض، وتاريخ، فيه علوم كثيرة، وعندما يتقن الإنسان علوم الدين الظاهرة وقلبه خاوٍ من ذكر الله، و من الصلة بالله، كأنه جسد بلا روح! والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: " إِنَّ لِلإِسْلاَمِ مَنَارَاً وَ ضِيَاءً ".
ما قيمة هذه المنارة إن كان مصباحها منطفئاً؟ لا شأن لها! وما قيمة هذا المصباح إن كان على الأرض؟ لا قيمة له، فالإسلام له جسد، وله روح، روحه الاتصال بالله عز وجل، وهيكله هذه العبادات؛ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وتنفيذ الأوامر، فالإنسان إذا كان قلبه لا يوجد فيه محبة لله عز وجل كان جسداً بلا روح!، " ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ".
لو أن دمعة هطلت على خدك من خشية الله لكان هذا أفضل من عبادة طويلة خالية من الخشوع!
((عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا! أَبُو شُرَيْحٍ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَاكَ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[الدارمي عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ]
ومن باب التصميم، هذه عين لم تنظر إلى عورة ومن عادتها غض البصر تُحرمُ منها؟ لا والله، هذه الأذن ما استمعت إلى غناء إطلاقاً فهل تصاب بالصمم؟ لا والله، حاشا لله هذه اليد لم تفعل إلا الخير فهل تصاب بالشلل؟ لا والله، و هذه الرجل لم تتحرك إلا إلى المساجد و الطاعات و الأعمال الصالحة فهل تصاب بالقعود؟ لا والله ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا وعقولنا ما أحييتنا، هذا الدماغ الذي يحفظ كتاب الله، الذي يفهم ويعي كتاب الله وسنة رسوله يصاب بالخرف؟ لا والله، من قرأ القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، أنت تعامل من؟ تعامل خالقاً، إذا أحدكم عامل بشراً تجد بعض الوفاء، فتقول: هذا أعاننا بزمانه، إنسان لو أعان إنساناً لئيماً لا ينساها لك، فأنت تعامل إلهاً، وتعامل خالق السموات والأرض، وتعامل من له الأسماء الحسنى، تعامل الوفي، وتعامل الكريم والغني القدير..
وتغض بصرك عن محارم الله وتفقد بصرك؟ لا تسمع الغناء بأذنيك، بل تسمع القرآن وتفقد سمعك؟ لا والله، هذه الحواس إذا أطعت الله فيها فطاعة الله عز وجل ضمان من أن تفقدها، في ضمان ذلك: الـحمد على النعمة أمان من زوالها، رجل نظر بالمرآة فرأى أن وجهه كامل، قال: يا رب لك الحمد الذي حسّنت خَلقي، وكما حسّنت خَلقي فحسن خُلُقي، إذا نظرت إلى وردة وقلت: والله إن الحمد لله بصرت، هذا الشكر بنعمة البصر أمان من زوالها. الحمد على النعمة أمان من زوالها :
أنا أطمئنكم مهما قيل إن الأمور مثلاً أحياناً العالم يتجه نحو مجاعة، نقص في المواد الغذائية، وارتفاع أسعار شديد مثلاً مهما قيل هذا إن كنت شاكراً لنعمة الله عز وجل فلن تفقد هذه النعمة! هذا قرآن قال:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة إبراهيم : 7]
حمدك على نعمة الله أمان من زوالها، كل منكم ينظر لوضعه راض عن وضعه الحمد لله على أحسن وليس على أسوأ كما يقول الناس، هناك أناس متشائمون، يجلس بمجلس يملأ قلوب الناس ضيقاً، هذه سيرتفع سعرها، وهذه ستفقد، وهذه لا توجد، وهذه توجد.. تجد الذي يجلس معه تشاءم، الله عز وجل قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
هذا وعد إلهي، وليس في بعض البلاد فقط، بكل البلاد مطبّق، لكل الأزمان والعصور، أنا أتمنى من كل أخ إذا قرأ آية، فهناك من يقرأ القرآن تبركاً، تجده متضايقاً نفسياً، متشائماً، عنده سوداوية، و المستقبل مظلم بنظره، ويقرأ قرآناً، الله عز وجل خالقك وخالق كل شيء، يقول لك: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
كل هذا الوعد وتقلق وتيئس وتسوَّد الدنيا في عينيك؟ إذاً لا تقبل هذا الكلام! لست مصدقاً له. علامة الإيمان أن الذي يقوله الله يدخل إلى أعماق قلب الإنسان :
الحقيقة علامة الإيمان أن الذي يقوله الله سبحانه وتعالى يدخل إلى أعماق أعماق قلبك! إذا كنت أنت على وشك الزواج، وخطبت فتاتين الواحدة منهن وسط نسبة جمالها، لكنها صاحبة دين، ومن أسرة ديّنة، والثانية جميلة لكن هناك رقة في دينها، وإذا أنت اخترت الذي أمرك به:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221]
هل تكون مخطئاً؟ ممكن أن تتعب مع المؤمنة؟ لا والله، لم تسعدك، تشقى بها، إذا أنت آثرت ما يقوله الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221]
فهل باختيارك الصحيح بما يرضي الله تشقى بها؟ لا والله، هنا يظهر المؤمن، إذا قلت: صدق الله العظيم، إذا قال الله: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
أنت تصدقه؟ يا أخي عصر صعب كل الناس هكذا، ماذا نفعل؟ تجد نفسك تمشي مثل الناس، وتأكلها مثل الناس، أما إذا كنت تقول: أخاف الله رب العالمين، تميزت عنهم، بعملك، وبمعاملة الله لك، رجل قال: والله هو شيء أنا أسمعه آلاف المرات، لكنه اليوم قال لي: البلاء يعم، والرحمة خاصة، قلت له: والله إذا كنت أنت معلماً، وقلت لطلابك افتحوا الوظائف، وفتحوها وكلهم لم يكتبوها، وغضبت، ومسكت العصا، وأمرتهم بفتح يديهم بالدور مقعداً مقعداً! المقعد الثالث أول طالب كاتب الوظيفة، كلمة كلمة مضبوطة وبخط جميل اضربه هيا تفضل! أنا قلت: سأضرب الجميع، لماذا الجميع؟ ماذا فعل هذا الطالب المجد؟ إن ضربته فلست معلماً! تُذَم، أنت لا تضربه. الله عز وجل لا ينسى المؤمن :
أنا قلت كلمة اليوم: لو أن الله عز وجل أراد أن يهلك من في الأرض جميعاً بذنوبهم وكان في الستة آلاف مليون فقط إنسان مستقيم على أمر الله لا يمكن إلا أن ينجيه الله سبحانه وتعالى، هذه قصة أنا أرويها دائماً....قال تعالى:
﴿ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة هود: 43]
وغرق، وسيدنا نوح في قمة الموج، وفي أشد اضطرابه تذكر المرأة التي لم يدعها فظن أنها ماتت، قال: بعدما انتهى الطوفان جاءته هذه المرأة وقالت له: يا نوح متى الطوفان؟ قصة لها معنى، إذا هو نسيها لكن الله لا ينساها، الله لا ينسى! ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ﴾
[ سورة طه: 52]
الله عز وجل رحمته مطلقة :
ما معنى الله مطلق؟ أن رحمته مطلقة، ولا غلطة مع أيٍ كان، فالرحمة خاصة، والبلاء خاص، قال:
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ*قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ*مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ*فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة الذاريات: 31-36]
أول شيء أخرجناهم، ثم أهلكنا الباقي! هكذا القرآن الكريم، أي عقيدة تعتنقها خلاف كتاب الله فهي ضلال كبير. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
تأكد بأي عصر وأي مصر لو جاء بلاء عام، لو جاء زلزال، يجب ألا يضر بيت المؤمن! أو ربنا عز وجل يخلق له حاجة في بلد آخر فيبتعد عن البلد فيأتي الزلزال! والله مشكلة ففي هذه الأيام نسمع قصصاً كثيرة منها إنسان كان بمكان و تركه لو بقي لمات، أنت لماذا غادرت البناء؟ قال: خطر ببالي أن آخذ ربطة من الخبز قبل خمس دقائق غادرت البناء فصارت المشكلة، الله عز وجل يحفظ المؤمن، يخلق له حاجة خارج هذا المكان، يصرفه، أنت ما دخلت بهذا! ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
إذا قال لك: أنا سأعيشك حياة طيبة أو لا تصدق، كن متفائلاً دائماً، أما أحياناً فالإنسان البعيد عن الله سوداوي المزاج، متشائم، ليس عنده إلا خبر السوء دائماً، ويجمعها بكثافة بحيث تجتمع على الإنسان فتهلكه، تجده قد أصيب بالشلل ليس به قدرة ليتحرك. * * *
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الإنسان بدعائه الأوقات الشريفة :
تحدثنا في الدرس الماضي عن فضيلة الدعاء، والآن نتحدث عن آداب الدعاء:
قال الإمام الغزالي: آداب الدعاء عشرة: الأول: أن يترصد بدعائه الأوقات الشريفة، هناك أوقات شريفة للدعاء، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.
على مستوى اليوم هذه الأوقات الشريفة التي يستحب أن يدعو بها المؤمن ربه، قال تعالى:
﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الذاريات : 18]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ))
[أبي داوود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
من يحب أنا جاهز، نائم لا أحد لأحد، نام متأخراً لأنه كان يتابع فيلماً، وقيل: إن يعقوب صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة يوسف: 98]
لماذا سوف؟ الآن استغفر ربك، يقصد للوقت الشريف. أي أخّر الدعاء لوقت السحر، هناك إشارات في القرآن دقيقة جداً على كلمة سوف.
2 ـ أن يغتنم الأحوال الشريفة :
الأدب الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه:
(( إن أبواب السماء تُفَتَّح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى- هذه حالة شريفة- وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها))
[ إحياء علوم الدين عن أبي هريرة]
لماذا بعد الصلاة دعاء؟ هذا حال شريف فلو كان الرجل لاهياً يدعو، وصلى صلاة متقنة، نفسه صفت وأشرقت بنور الله، فالآن إذا دعا الدعاء فهو مقبول! أول أدب: الوقت شريف، أما الآن الحال شريف، وقت وحال، وقال مجاهد: إن الصلاة دعيت في خير الساعات، فعليكم بالدعاء خلف الصلوات، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ ))
[أبي داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
فإذا أذّن العشاء، أغمض عينيه ودعا الله عز وجل بين الإقامة والأذان فلا يرد! ((عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّائِمُ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ ))
[ أحمد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ]
والحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات، كأن الأدبين أدب واحد، شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، وشرف الحالات إلى شرف الأوقات، لدينا شرف الأوقات على مستوى اليوم السحر، وعلى مستوى الأسبوع الجمعة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى السنة يوم عرفة. ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا صلّى الإنسان وحده في البيت وسجد وقال: سـبحان ربي الأعلى ثلاثاً، يقول: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً، والله شيء جميل، يا رب زوجة صالحة لأنه على وشك الزواج، لا يعرف من يخطب؟ يا رب مأوى، يا رب الهدى، يا رب اجمعني مع أحبابك، يا رب اجمعني مع أهل الحق، مع الصادقين الذين تحـبهم، هذا دعاء، له ابن مريض يدعو: يا رب اشفه، له ابن ضال: يا رب اهده.
3 ـ أن يدعو مستقبلاً القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
الأدب الثالث: أن يدعو مستقبلاً القبلة، وينتبه باتجاه القبلة، ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه، هناك تذلل.
((رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا يَدْعُو حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ....))
[ابن ماجة عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
وفي غزوة بدر دعا النبي صلى الله عليه و سلم حتى سقط الرداء، سيدنا الصديق أشفق عليه، قال له:" يا رسول الله بعد مناشدتك ربك إن الله سينصرك، لكن هناك قصة لم أكن أفهمها كيف أصيب سيدنا الصديق بذعر شديد في غار ثور، لقد رأونا، قال له: (( عَـنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))
[البخاري عَـنْ أَنَسٍ]
نحن مع الله عز وجل، وإذا كان أحدكم على حق فعليه ألا يخاف. ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
[ سورة النمل: 79]
أنت مستقيم لا تخف، ولا تجعل قلبك يمتلئ ذعراً من أحد، أنت مع الله، الله لن يتخلى عنك، غير معقول أن يتخلى عنك ولا بأي شكل، هذه أولى قواعد الإيمان، أنت في حفظ الله، بأعيننا، فكيف سيدنا أبو بكر في غار ثور النبي الكريم طمأنه، وكيف الصديق رضي الله عنه- الآن الآية معكوسة- يطمئن النبي في بدر؟ قال بعضهم: إن النبي الكريم في غار ثور أخذ كل الأسباب، فلم تبق خطة أفضل من هذه، خرج باتجاه البحر، وأمّن دليلاً، وأمّن رواحل، وأمّن إنساناً يأخذ الأخبار، وأمّن إنساناً يمحو الآثار.. ووضع خطة محكمة مئة بالمئة، ليس فيها أي ثغرة، وبعد أن أدى الأسباب توكل على رب الأرباب، ولكن في بدر خاف أن يكون هناك تقصيراً بالأسباب، ألا يكون هناك إعداداً صحيحاً. الفهم السقيم للتدين الشكلي مرفوض والتوكل أن تأخذ بكل الأسباب :
طالب مؤمن الله ينجحه هذا كلام فارغ، لن تنجح إلا إذا بذلت كل طاقتك، سوء أدب، لا أدرس أنا مؤمن، ما هذا المؤمن؟ هل الله سيغير القوانين لأجلك؟ سيغير قوانين الكون كله، فأنت لا تقرأ وتريد أن تنجح؟ هذا لا يصح، فالفهم السقيم للتدين الشكلي مرفوض، والتوكل أن تأخذ بكل الأسباب.
وسيدنا عمر وجد أناساً فقراء فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم! المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، ازرع الأرض، اليد العليا خير من اليد السفلى، ما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر! عندما ينوي أن يطلب باب فقر، عندما ينوي العمل باب غنى.
يا أخي خذ نصف مالي، خذ تفضل، الأنصاري للمهاجر لدي بيتين خذ واحداً منها، وبستانين خذ واحداً منها، هبة وليس مؤقتاً، لكن الزوجتين ليست واردة إطلاقاً ولا يصدقها أحد، فهذه خلاف الأصول وخلاف الـدين، قال له: خذ واختر واحدة منهن، هذه غير واردة، أما بستانين فخذ واحداً منها صحيحة، اسمعوا الجواب والإيمان: قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق! أنت أعطيت، لا أنا أعمل، إنسان شديد عتيد شاب قوي يطلب؟! عندما يفتح الإنسان باب عمل يفتح الله له الخير، يفتح باب مسألة يسدها في طريقه.
((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ، فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ، فَيَجِئَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ]
وسأقول لكم كلمة أدق من هذه: كن عزيز النفس، واطلب من الله عز وجل، يا رب أنت الرزاق، عطاء ربنا عز وجل لا يوجد أحلى منه، فالإنسان لئيم ممكن ألا يتكلم ولا كلمة بخمس سنوات، ويمر بظرف صعب يقول لك: أنا أعطيتك، ولذلك ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما في يدي الله يحبك الله.
أريد أن أوضح لكم نقطة كيلا يذهب الظن بكم إلى موضوع لا أريده: إذا الإنسان بذل طاقته في كسب المال، وواجه مشكلة فوق طاقته، وطلب معاونة أخوانه، فهذه ليست مسألة، أي إذا بذل كامل طاقته، أما إذا ادخر الطاقة، ولم يبذل، ولم يعمل، وطلب، هذا المقصود، أحياناً الإنسان يقع بأزمة يحتاج لأخيه المؤمن أن يساعده، فهذا إذا قبل المعاونة له أجر، والذي عاون له أجر، أما إذا لم يبذل جهداً، وجلس مستريحاً في البيت لا يعمل، وطلب معاونة، فهذا المقصود، من فتح باب مسألة فتح الله عليه باب فقر، ولكن إذا الإنسان بذل كل ما يستطيع ووقف به الجهد إلى هذا المكان، وهناك مسافة أبعد واحتاج لمعاونة فهذا شيء مشروع وليس فيه مانع.
إذاً أن يدعو مستقبلاً القبلة، ويرفع يديه. ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
ولا يشير بإصبعه، فالدعاء بكامل الأصابع، وسوف نتابع آداب الدعاء في درس قادم إن شاء الله تعالى. خاتمة :
كنت أعددت موضوعاً عن زواجه صلى الله عليه وسلم، وعن خطبة النكاح، و لكن الوقت ما اتسع لهذا الموضوع، إن شاء الله في أسبوع قادم، والآن لدي ورقة من جهة تريد من الأخوة الأكارم الضيوف الأفارقة من كان بحاجة إلى عمل فهنا مجال لعمل جيد وأجر معقول، فكل أخ يحب أن يعمل من الأخوان الأفارقة الضيوف إذا لديهم وقت فراغ غير الدراسة مثلاً بعد الدرس يلتقون معي، وهنا رجل عارض عملاً بمزرعة فمن يحب من الأخوة الأفارقة وبحاجة للعمل ينتظرني بعد الدرس حتى أعطيه مواصفات العمل، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم كما هديتنا للإسلام فثبتنا عليه، اللهم ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً، واهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذة النظر إلى وجهك الكريم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنباه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

السعيد
09-10-2018, 01:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الاربعون )


الموضوع :صلاة النفل





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة النفل :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الصلاة إلى جواز صلاة النفل جالساً، يجوز النفل، وكلمة النفل يعني مطلق السنن المؤكدة وغير المؤكدة، يجوز النفل قاعداً مع القدرة على القيام، والفرض لا يجوز، لكن هذا الذي يصلي قاعداً وهو يقدر على أن يصلي واقفاً فنصف الأجر إلا إذا كان معذوراً، فإذا كان معذوراً فله الأجر كله، فيجوز التنفل قاعداً مع القدرة على القيام، وقد أجمع العلماء أن هناك استثناء واحد وهي سنة الفجر لأنها أشد السنن توكيداً، ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بعض السنن قاعداً إلا أن العلماء يؤكدون على أن صلاة الفجر يجب أن تكون واقفاً، والتراويح فيها خلاف، وطبعاً المعذور لا يوجد فيها خلاف، والمريض، من يشكو ألماً، في أقدامه عروق، وآلام في عظامه، فهذا إنسان آخر لكن الحديث عن إنسان لا يشكو شيئاً وأراد أن يصلي بعض السنن قاعداً نقول له: لا، والتراويح قضية خلافية بعضهم أجازها وبعضهم لم يجزها، ولكن الأصح جوازها قاعداً من غير عذر.
نية المؤمن خير من عمله :
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعض الوتر قاعداً، وكان يجلس في عامة صلاته في الليل تخفيفاً، أي إذا الوقوف سوف يعيقه عن الإقبال على الله عز وجل بدل أن ينام يصلي قاعداً، والإنسان أحياناً يكون سنه متقدماً من فوق الخمسين لا يستطيع أن يقف كثيراً نخيره إما ألا تصلي واقفاً وإما أن تصلي و أنت قاعد، فعليه أن يصلي قاعداً ولكن الأجر أقل.
و للمصلي وهو قاعد كما قلت قبل قليل نصف أجر القائم لقوله صلى الله عليه وسلم:
((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ ))
[الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ]
إلا أنهم قالوا هذا في حق القادر أما العاجز من عذر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أجره يفوق الذي يصلي قائماً لأن هذا اسمه جهد المُقِل، أي رغم مرضه، ورغم ضعفه، ورغم آلامه قام وصلى قاعداً، أما العاجز من عذر فصلاته بالإيماء كإنسان مجبصن، وأجري له عملية جراحية، فيصلي بعيونه، فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لأنه جهد المقل، والإجماع منعقدٌ على أن صلاة القاعد بعذر مساويةٌ لصلاة القائم في الأجر، الأجر نفسه. بل قال بعضهم: بل هو أرقى منه لأنه أيضاً جهد المقل، ونية المؤمن خير من عمله. ما كل ما يتمناه المرء يدركه :
مرة قرأت كلمة تركت في نفسي أثراً بليغاً، طبعاً هذا الحديث له تتمة، فالإنسان يتمنى أن يكون له كجبل قاسيون ذهباً، ذهب ليحل مشاكل الناس كلها، هذا تنحل قضيته بثلاثين ألفاً، وهذا يحتاج إلى بيت بأربعين ألفاً، و هذا يريد أن يتزوج، المؤمن يتمنى أن يكون عنده حجم جبل قاسيون ذهباً حتى يحل مشكلات الناس، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، النبي عليه الصلاة والسلام تمنى ذلك و قال:
((مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً تَمْضي عَلَيَّ ثَلاَثَةُ أيّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ، إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ))
[ البخاري عن أبي ذر]
نية المؤمن خير من عمله، وأحياناً يقدم المؤمن صدقة مئة ليرة فيتمنى من أعماقه أن يدفعها ألفاً ولكن هذه إمكانيته، عنده زوجة وأولاد، وأحياناً يقدم إلى المسجد خمس ليرات ويتمنى أن يدفعها مئة ليرة هذه إمكانيته، يقع هذا المبلغ بيد الله قبل أن يقع في يد الفقير و الله عز وجل يتقبله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "رب درهم سبق ألف درهم".
ودرهم أنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أنفق في رياء. فاعل الخير خير من الخير وفاعل الشر شر من الشر :
قرأت مرة كلمة مشابهة لهذا الحديث: فاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر، والإنسان مهما فعل من شر، وكان الشر مستطيراً، فبالنهاية محدود، لكن عذاب فاعل الشر غير محدود، وهذا الذي ألقى على هيروشيما وقتل ثلاثمئة ألف في ثوان وفقد عقله، طبعاً المنفذ له نصيب، والذي أعطى أمراً نصيبه أوفى، و على كلٍّ فهذا العمل محدود بثلاثمئة ألف لكن عذاب هذا الذي قتل هؤلاء بلا سبب قد يكون غير محدود، و الشر مهما كان كبيراً بالنهاية هو صغير، وفي نهاية الحياة قد ينتهي كل شيء، لكن عذاب فاعل الشر عذاب أبدي، وإلى ما شاء الله، وفاعل الخير والخير أيضاً محدود أطعمت مسكيناً، وعدت مريضاً، ودعوت إلى الله، و هديت إنساناً، لكن سعادتك بهذا العمل غير محدودة.
مرة توفي أستاذ لنا في الجامعة تصورت أن هذا الإنسان له مؤلفات ليس لها علاقة بالدين بل بالأدب، هذا الموضوع خارج اهتمام أي إنسان، قلت: لو أن الإنسان وقف بين يدي الله عز وجل وقال له: يا عبدي ماذا فعلت في الدنيا؟ يا رب المؤلف الفلاني، والمؤلف الفلاني ... و كل هذا لا علاقة له بالآخرة لا يتصل بالقرآن، ولا يتصل بالهدى، إنه جهد ضائع، ومتى يندم عليه ندماً شديداً؟ عند الموت وهذه الليالي الطويلة، وهذه الصفحات الكثيرة، والجهد المضني، والذي ألفه في موضوع الغزل كان من الممكن أن يفهم به كتاب الله، كان من الممكن أن يؤلف تفسيراً لكتاب الله يسعد به النفوس، وعلى الإنسان أن ينتبه لعمله أنه يوجد جهد ضائع، والحياة محدودة، وأخطر شيء الوقت، وأحد العارفين بالله مرّ في الطريق فرأى أناساً في المقهى يلعبون النرد قال: آه لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريته منهم، الوقت ثمين جداً، بالوقت تعرف كتاب الله، وتفعل الخير، و تقبل على الله بالوقت، فأثمن ما في حياة المؤمن الوقت، لذلك:
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال له: هل أنت غضبان مني؟ قال له: والله لا أغضب من أحد لأنه لا يوجد عندي وقت لأغضب من أحد، وهذا الموضوع دون اهتمامي وخارج اهتمامي. المعذور كيفما يرتاح يجلس :
العلماء اختلفوا في كيفية القعود قال بعضهم - وكلامه وجيه - : إذا كان الأصل في الصلاة القيام تجاوزناه فلأن نتجاوز شكلاً خاصاً في القعود أولى، المعذور كيفما يرتاح يجلس.
والآن يوجد عندنا حالة يجوز أن تبدأ الصلاة قائماً وتتمها قاعداً، ويجوز أن تبدأها قاعداً وتتمها قاعداً، ويجوز أن تبدأها قاعداً وتتمها واقفاً، فمادام سنة عدا صلاة الفجر والتراويح فموضوع خلافي، والأرجح أنه يجوز، هذا الكلام ليس موجهاً لشاب عمره سبعة عشر عاماً وهو قاعد هكذا الأستاذ قال، والذي شعر في ضعف عام لا يستطيع أن يقف وقفة طويلة، هذا الكلام خاص بمن ليس فيه مرض، ولكن أي إنسان سبحان الله عمره ثمانون سنة والله كالشباب، قال لي: سبحان الله يا أستاذ أنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن، قلت له: شيء طبيعي عامل الزمن وحده له قيمة، انظر إلى الشاب كيف يمشي، وفي الأربعين والخمسين يمشي بهدوء، فإذا الإنسان شعر بتعب عادي فله أن يصلي قاعداً، ألم أقل لكم من قبل إن أفضل أنواع تلاوة كتاب الله أن تتلوه مصلياً قائماً في مسجد أعلى درجة في الأجر.
الصلاة على دابة :
يوجد عندنا موضوع الصلاة على دابة، ولا أعتقد أن أحداً عنده دابة يصلي عليها، يحل محلها موضوع السيارة أي إذا كان أحدكم راكباً سيارة وأحب أن يصلي ركعتين نفلاً فممكن أن يصلي باتجاه حلب مثلاً، والقبلة نحو الجنوب، وقبلة المسافر جهة دابته، وقبلة الخائف جهة أمنه أي صلاة النفل ممكن أن تصلى بالسيارة وهذا الكلام ليس للسائق بل للراكب، لأنه يوجـد مرة سائق صلى فما هذه الصلاة؟ قال: يجوز، من أين جئت بهذا؟ هذا تزيدٌ في الدين.
* * *
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة :
والآن إلى متابعة فصل من إحياء علوم الدين، آداب الدعاء، تحدثنا عن الأدب الأول وهو أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة، وذكرنا أنه على مستوى السنة يوم عرفة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى الأسبوع الجمعة، وعلى مستوى ساعات الليل والنهار وقت السحر: (( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ حتى يطلع الفجر))
[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة]
وكلما قال لي أخ أنه مضطر إلى بيت أقول له: عليك بقيام الليل، قل: يا رب آوني برحمتك، إنه سميع مجيب، وكل شيء بيده، وأريد زوجة صالحة، قم وصلِّ قيام الليل يا رب زوجة صالحة تطيعني إذا أمرتها، وتسرني إذا نظرت إليها، وتحفظ نفسها إذا غبت عنها. 2 ـ أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة :
والأدب الثاني أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة:
(( إن أبواب السماء تُفَتَّح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى- هذه حالة شريفة- وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها))
[ إحياء علوم الدين عن أبي هريرة]
وهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات، الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه:" اللهم أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم" هذه دبر الصلوات المكتوبات. ((لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الصَّائِمُ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ))
[أحمد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أشرف الأحوال؛ حالة الصيام، وحالة الصلاة، وحالة السجود: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ))
[النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا قال لك أحدهم: كم الساعة لو سمحت؟ على قدر ما كان الإنسان عديم إحساس يبقى يسيراً، طفل أحياناً يسألك كم الساعة؟ وعمره ثلاث سنوات تجد نفسك مضطراً أن تجيبه، وأنت تسأل الله عز وجل خالق الكون وهو معك السميع البصير ألا يوجد استجابة منه؟ ليس معقولاً. ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ))
[الترمذي عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
فاتقوا الله عباد الله فيما تدعون، أي اطلب طلباً معقولاً، إذا قال ابن لأبيه: أريد شفرة لأذبحك بها لا يرد عليه، وإذا قال له: أريد قراءة مصحف، أريد أن أدرس، فالطلب معقول وينفذ فوراً، أما إذا الطلب غير المعقول فلا ينفذ، ولذلك: فاتقوا الله عباد الله فيما تدعون، هناك شيء مهم جداً في الدعاء، استحيوا من الله: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ]
لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل :
بالرأس يوجد عين هل تنظر إلى عورات الناس؟ هناك أذن هل تستمع هذه إلى الغناء؟ بالرأس يوجد لسان هل ينطق بالباطل؟ بالرأس دماغ بماذا يفكر؟ بالدنيا أو بالآخرة:
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
يوجد عندنا موضوع لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل فادعوا الله عباد الرحمن، تصور أن الدعاء وحده يمنع القضاء والقدر، ويمنع ما هو مقدر، والتشبيه المناسب لهذا الموضوع أن طبيباً جراحاً جاءه مريض يشكو توقف كليته عن العمل، فصور فوجدها واقفة فلابد من استئصالها، فلو أنه أعاد الصورة مرة ثانية قبل العملية بساعة ورآها تعمل فالطبيب قرر استئصالها، وأخذ توقيعه، وانتهى الأمر على أساس أنها واقفة فإذا عملت يلغى هذا القرار، وربنا عز وجل قرر إرسال هذه المصيبة لزيد من الناس لأنه منحرف فإذا سار إلى الله ودعا ربه وشفيت نفسه توقف القدر. ((لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلا الدُّعَاءُ وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ]
الدعاء وحده يرد القضاء، ما معنى لا ينفع حذر من قضاء؟ أي لو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، يقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))
[ أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الأمر بيد الله عز وجل أما على الرغم من أن الناس كلهم لو اجتمعوا على نفعك لا يستطيعون، ولكن الدعاء وحده يوقف القضاء، إذا أحدكم لاح له شبح مصيبة عليه بالدعاء، فالدعاء فيه صلة، والصلة في شفاء، والشفاء وقف تنفيذ العملية الجراحية، هذا كل الأمر. 3 ـ أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
الأدب الثالث: أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه:
((عن جابر بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس))
[مسلم عَنِ جابر]
الدعاء عبودية لله، والاستغناء عن الدعاء ادعاء الألوهية، من هو الذي لا يدعو؟ القوي، هل أنت قوي؟ من منا يضمن أنه يعيش إلى غد؟ رأيت محلاً لاحظت أنهم يعملون ديكوراً له أكثر من ثمانية أشهر ومن أعلى مستوى، ما وقعت عيني على تزيينات رخامية معقدة جداً كهذا العمل، فتح المحل و من فوق الخمسين باكيت ورد، ومضى على فتحه شهران رأيت منذ أسبوعين نعوة على المحل التجاري، توفي صاحب المحل، سبحان الله والله الدنيا لا تستحق هذا، إنه شيء مؤقت وماضٍ، الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له.
زرت شخصاً عنده مزرعة فخمة جداً واسعة، وفيها من كل الأشجار المثمرة، وقيل لي: إن صاحبها توفي وهو فيها فدفن في طرفها، أنا أتأمل هذه المزرعة أين هو؟ تحت التراب، هل يستمتع بها؟ لا انتهى، فالإنسان قيمته بعمله، إن لك يا كييس قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وأنت حي، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو ملك.
أحد العارفين بالله قبل أن يكون عارفاً بالله كان شقياً، شاهد في المنام ثعباناً كبيراً يلحقه وهو يكاد يصعق من الخوف منه، إلى أن رأى ابنته الصغيرة على رأس تلة ففعلت هكذا فكف هذا الثعبان عن اللحاق به، قال لها: يا بنيتي ما هذا؟ قالت: يا أبتِ هذا عملك، قال: من أنتِ؟ قالت: أنا عملك الصالح. الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له :
القضية ليست سهلة، أنا أنصح الأخوان نصيحة أن موضوع الموت لا يغادر أذهانكم أبداً، اعمل، وتاجر، وبع، واشتر، وادرس، وافتح بيتاً، و لكن موضوع الموت لا يغادر ذهنكم، ترك الدنيا، يدخل ويخرج هناك دخول لا خروج منه مرة واحدة، جنازة نازلة من المهاجرين إلى باب الصغير، هل سيعود إلى البيت مساءً؟ لا، لا يوجد عودة، أحب ألا يصلي فلابد من الدخول إلى المسجد لا ليصلي ولكن ليصلى عليه، فالموت يهز النفس ويضبط الأمور والله عز وجل جعل الموت رحمة.
شاب مهندس ذهب مع أهله إلى البحر وفي باله ألف مشروع، نزل إلى البحر ليسبح فمات في البحر، إذ صار معه جلطة أثناء السباحة، وعمره سبع وعشرون سنة، يقول الشاب: أنا شاب لا يمسني شيء، وهذا الكلام ليس لي بل للشيوخ الكبار في السن، فالموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً.
إنسان ذهب إلى فرنسا ليدرس وعاد معه دكتوراه، وعاد بالتابوت أخذها ومات في المطار، وأحدهم عاد وأثناء نقل أمتعته إلى البيت دهسته سيارة، لم يقل له أحد: دكتور ولا مرة، وقد يموت قبل الزواج، ويوجد مهندس يطل من بناء يشرف عليه، العامل من فوق رمى بلوكة فجاءت فوق رأسه فقتلته، بعد أسبوعين عرسه، وأهله قد جهزوا ثلاثمئة كيلو من الحلويات كي توزع في عرسه، فوزعوها على المعزين من شدة الألم، والموت يصل إلى الشباب أيضاً.
فأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وإذا أحببت شيئاً دائماً أبدياً تكون عاقلاً، وإذا أحببت شيئاً فانياً تكون أحمقاً، زوجته فانية لابد من أن يتركها أو أن تتركه، إن تركها وهي طيبة يا ترى هل تتزوج أم لا تتزوج؟ هل هي وفية إلى هذه الدرجة؟ وإن ماتت قبله يجوز بعد أسبوع أن يذهب ويخطب، يقول لك: لا يجوز أن يبقى الإنسان أعزباً يديرها دينية و النبي نهى عن هذا الشيء.
(( كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ))
[النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فبالركوع لا يوجد قرآن، بل بالركوع سبحان ربي العظيم، وبالسجود سبحان ربي الأعلى، قال: ثم ينبغي له أن يمسح بيديه وجهه في آخر الدعاء، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا مد يديه بالدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ))
[ الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه]
وإذا دعا عليه الصلاة والسلام ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال صلى الله عليه وسلم: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ ))
[النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
4 ـ خفض الصوت بين المخافتة والجهر:
الأدب الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما روي عن أبي موسى الأشعري:
((عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا أَشْرَفْنَا عَـلَى الْمَدِينَةِ فَكَبَّرَ النَّاسُ تَكْبِيرَةً وَرَفَعُوا بِهَـا أَصْوَاتَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَصَمَّ وَلا غَائِبٍ هُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رُءُوسِ رِحَالِكُمْ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلا أُعَلِّمُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ]
خير الذكر الخفي، قال تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾
[ سورة مريم : 3 ]
وأفضل الزهد إخفاء الزهد، لا نحتاج إلى مسبحة بالطريق سبح بقلبك، يوجد أناس مسبحة بيده، ومسواك، وقبقاب، أي أنه مسلم وصاحب دين والشيء في القلب.
قالت عائشة: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بدعائك، وبعضهم حمل هذه الآية على الدعاء، ولقد أثنى الله عز وجل على زكريا حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 63 ]
فمن السنة والأدب أن تدعو وأنت خافض الصوت. 5 ـ ألا يتكلف السجع بالدعاء :
الأدب الخامس ألا يتكلف السجع بالدعاء، يوجد أشخاص حفظوا أدعية جميلة جداً مسجوعة، ولها جرس موسيقي، الواحد ينسى مضمون الدعاء وينسى التوجه إلى الله عز وجل، ينهى عن التكلف في الدعاء، وينبغي له أن يكون متضرعاً والتكلف لا يناسبه، وإذا أحدكم آلامه شيء يقول لك: إنني في أشد حالات الألم والضياع والضيق و إنني واثق من الله، كثرة الصياغة المتقنة والسجع برفع الطلب صار شيئاً مضحكاً ينافي أدب الدعاء، والسجع والعناية البالغة بنظم الدعاء ينافي أدب الدعاء، وقال تعالى:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 63 ]
قيل: معناه التكلف بالأسجاع، والأولى ترك أدعية مأثورة لا يستطيع أحد أن يقلدها، والأولى ألا تتجاوز الأدعية المأثورة ولا تدعُ من عندك، ماذا تريد أي دعاء؟ كل أدعيته جامعة مانعة، "اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة".
"اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم أنا بك وإليك، أنا قائم بك ومقصدي رضاك".
"اللهم ما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب".
هل يوجد إنسان من الحاضرين لا يوجد شيء في حياته ما حصل عليه؟ أعتقد لا يوجد إنسان إلا و حصل على أشياء كثيرة ولكن هناك شيء لم يحصل عليه كنت متمنياً هذا و لم يحدث، وهناك دعاء خاص بهذه الحالة، "اللهم ما زويت عني ما أحب فاجعل هذا الذي زويته عني وأنا أحبه اجعله فراغاً لي فيما تحب، وما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب"
تحب المال آتاك الله المال، اللهم اجعل هذا المال عوناً لي على طاعتك، تحب التجارة زويت عنك فبقيت موظفاً، اللهم اجعل هذا الفراغ لمرضاتك، وهكذا فالله اختار لك من الساعة الثانية بعد الظهر إلى ثاني يوم الساعة الثامنة وأنت لست تاجراً بل موظفاً، وهذا الوقت الطويل اللهم اجعلني أقضيه في طاعتك، و الإنسان يقرأ أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الإنسان حفظ أدعية النبي الكريم وأدعية القرآن تكفي، أدعية مانعة جامعة، بليغة دقيقة.
"اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية".
قال عليه الصلاة والسلام: ((إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار ))
[ ابن ماجه عن عائشة]
(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
فالإنسان يكتفي بأدعية النبي عليه الصلاة والسلام، قال: مر بعض السلف بقاص يدعو بالسجع - دعاء مرتب - فقال له: أعلى الله تبالغ؟ - تتفاصح على الله - فأنت بحال تضرع، وبحال خشية، وترجي، المترجي لا يليق به أن يتفاصح على الآخرين.
قيل: أحد العارفين بالله كان دعاؤه مستجاباً، والناس إذا أمنوا على دعائه كان يستجاب لهم ماذا كان يقول؟ كان يقول: اللهم اجعلنا جيدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يؤمنون على هذا الدعاء ويستجاب لهم، وقال بعضهم: أدعو بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله تعالى. * * *
زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة بنت خويلد بنت أسـد :
و الفقرة الثالثة من الدرس شيء عن السيرة النبوية موضوع اليوم زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة بنت خويلد بنت أسـد.
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تدعى في الجاهلية قبل الإسلام بالطـاهرة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، و خديجة بنت خويلد:
((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ))
[البخاري عَن أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ]
فإحدى أربع نساء كملت لشدة عفافها وصيانتها، وكانت برةً وتقيةً، وذات عقل واسع، وذكاء لامع، وجمال وكمال وحسب ومال، وقد عرضت السيدة خديجة رضي الله عنها نفسها على النبي صلى اله عليه وسلم، وله من العمر خمسة وعشرون عاماً عند أكثر العلماء، ولها من العمر أربعون عاماً، إذا إنسان زوجته أكبر منه بسنة يبقى طول عمره محروقاً قلبه، أخي أخذتها كبيرة ونصحوني وما انتصحت، انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة أكبر منه، أي بقدر والدته، والإنسان لا يعقدها كثيراً، قال سيدنا عمر لرجل متضايق، قال له يا أخي: إما أن نموت فتستريح منا وإما أن نموت فنستريح منها.
فأرسلت إليه نفيسة بنت منية كما روى ابن سعد من طريق الواقدي أنها تقول للنبي عليه الصلاة والسلام كانت خديجة امرأة حازنةً، جلدةً، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذٍ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم نسباً، وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصاً على الزواج منها لو قدر على ذلك، وقد طلبوها وبذلوا لها الأموال.
والحقيقة أن النبي الكريم أول شركة في الإسلام شركة مضاربة تمت بينه وبين السيدة خديجة هي بمالها وهو بجهده، وبالفقه هذه الشركة أول شركة، شاب ناشئ، متقد، متحمس، مختص بفرع من فروع المهمة، خبير ولا يملك مالاً، وشخص متقدم بالسن معه مال أشرف طريقة لاستثمار هذا المال أن تقيم شركةً بينك وبين إنسـان مؤمن مستقيم، مندفع، خبير، مخلص، تنفعه وتنفع نفسك، أما طرق استثمار المال الأخرى فمشبوهة.
والسيدة خديجة عرضت نفسها على النبي وقالت: يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك، ووساطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، و النبي صلى الله عليه وسلم قبل، وإذا أحدكم جاءه عرض لا يرده، هذا هو، أي إذا رجل فتح له باب رزق فليلزمه، بلغه أنه يوجد امرأة تود الزواج وتقبل به يرسل والدته لتراها فلا يستنكف، ولا يستعلِ، وأجمل ما في الموضوع كيف تمت خطبتها. خطبة النبي الكريم لخديجة رضي الله عنها :
خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعمه أبو طالب وعمه حمزة، حتى دخلوا على أبي خديجة خويلد بن أسد، وحضر المجلس رؤساء مضر، وخطب فيهم أبو طالب وقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً - هذه قبل البعثة - وفضلاً وعقلاً فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائد أو حائل وعارية مسترجعة.
قيمة الشاب أخلاقه، وعلمه، وأدبه، وأعماله، والآن الناس يقولون: ماذا تملك؟ أين بيتك؟ ماذا تعمل؟ فقط النواحي المادية، أما الإنسان المؤمن الطيب فلا يوزن بالذهب.
ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائد أو حائل، وعارية مسترجعة، ومحمد بين قد عرفتم قرابته، وقد خطب إليكم راغباً كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وأجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونصفاً، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل - يوجد دلائل الأخلاق العالية - هذه خطبة النكاح التي خطبها عمه أبو طالب حينما أجمع الزواج من السيدة خديجة رضي الله عنها، فزوّجها أبوها وقيل: زوجها عمها، وقيل: أخوها، فولدت له صلى الله عليه وسلم جميع أولاده الكرام إلا إبراهيم فإنه من ماريا القبطية، وأولاده الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام قد اختلف في عددهم، والأصح أنهم سبعة، ثلاثة ذكور القاسم وعبد الله والطاهر، عبد الله كان يلقب بالطيب، ثلاثة ذكور وأربع بنات، السيدة زينب وهي أكبرهن، والسيدة رقية، والسيدة أم كلثوم، والسيدة فاطمة الزهراء البتول، على أبيهن وعليهن الصلاة والسلام. العلاقة بين النبي صلى الله عليه و سلم و ابنته فاطمة الزهراء :
و كان يقول صلى الله عليه و سلم:
((فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني))
[ المعجم الكبير عن المسور بن مخرمة]
لما دنت منية النبي عليه الصلاة والسلام دخلت عليه تبكي فهمس في أذنها فإذا هي تضحك، قال: أنت أول أهلي لحوقاً بي، فضحكت، لشدة تعلقها بالله عز وجل وبأبيها، وقد قالت السيدة عائشة: ((مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ...))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
أشبه بناته فيه، وقالت عائشة رضي الله عنها: ((وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
هل تعرفون أن البنت لا تهان أبداً، لأن كل كرامتها وعفتها من كرامتها، فالإنسان عندما يضرب ابنته يكون قد ارتكب خطأ كبيراً جداً، لأن هذه البنت إذا كان أبوها يكرمها ويحترمها تكون رافعة رأسها، حريصة على سمعتها، فإذا أهينت في بيتها يصبح الانحراف خطيراً، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت عليه قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه -طبعاً مجلسه الخاص - وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل عليها قامت له فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي عليه الصلاة والسلام أتت فاطمة فأكبت عليه فقبلته ثم: (( عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا فَلَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَبَكَتْ ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ إِنْ كُنْتُ لأظُنُّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْقَلِ نِسَائِنَا فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ حِينَ أَكْبَبْتِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَبَكَيْتِ ثُمَّ أَكْبَبْتِ عَلَيْهِ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَضَحِكْتِ مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ قَالَتْ: إِنِّي إِذًا لَبَذِرَةٌ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ فَذَاكَ حِينَ ضَحِكْتُ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء :
كان النبي عليه الصلاة السلام إذا سافر كان آخر عهده إتيان فاطمة - آخر من يودعها فاطمة - وأول من يدخل عليها إذا جاء من سفره فاطمة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، أو من غزو، بدأ في المسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم أتى فاطمة، ثم أتى أزواجه، البنت أحياناً تكون سبباً لدخول الجنة، إنهن المؤنسات الغاليات، أحياناً البنت تجلب صهراً أغلى من الابن بكثير، الابن يجوز ألا يكون كما تريد أما الصهر فقد يكون مؤمناً فتشعر أنه أغلى من ابنك، وهؤلاء جالبات الأصهار المؤنسات الغاليات ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، كان إذا حمل فاطمة وهي صغيرة يضمها ويقبلها ويقول: ريحانة أشمها ورزقها على الله.
ترى الآن الإنسان عابساً إن جاءته بنت يطلق امرأته، هذا أحمق، لي صديق جاءته السابعة كل مرة يقدم لزوجته هدية ثمينة جداً، وهذه المرة قدم لها هديتين، وأرسل لكل أخت من أخواتها الصغار باقة ورد يقدمنها للأم، وهكذا يفعل المؤمن، السابعة لا يوجد عنده ولا صبي هذه هدية من الله عز وجل.
بشرها النبي عليه الصلاة والسلام أنها سيدة نساء أهل الجنة - السيدة فاطمة -.
آخر شيء عن السيدة فاطمة رضي الله عنها: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وفي روايةٍ:
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلا أُرَاهُ إِلا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ ))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
((فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))
[ الحاكم عن أبي سعيد ]
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم علي، وبشرني أن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة ))
[ الطبراني عن حذيفة]
هكذا النبي الكريم عامل ابنته، وكل واحد منا يجب أن يكرم ابنته، ويجبر بخاطرها، ويعلمها، ويهذبها، ويجعلها زوجة صالحة، ربما دخل عن طريقها الجنة: " من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة قالوا: واحدة؟ قال: واحدة".

السعيد
09-10-2018, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الاربعون )


الموضوع :صلاة المسافر - 1








حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صلاة المسافر :
أيها الأخوة المؤمنون، درسنا اليوم صلاة المسافر، وقبل الحديث عن صلاة المسافر لابد من الحديث عن السفر، فالسفر يسبب تغيراً في بعض الأحكام الشرعية، من هذه الأحكام التي يطرأ عليها تغير في السفر أولاً: قصر الصلوات الرباعية، هذا أول تغيير، وإباحة الفطر في رمضان، وامتداد مدة المسح إلى ثلاثة أيام، وسقوط وجوب الجمعة والعيدين، وسقوط الأضحية، وحرمة الخروج على الحرة بغير زوج أو محرم - إذا كان المسافر امرأة يضاف إلى هذه الشروط أنه لا يجوز أن تسافر إلا مع زوج أو محرم- ويباح للمسافر التنفل على الدابة دون المقيم، المقيم لا يحق له ذلك.
هذا كله مما يطرأ عليه تعديل بسبب السفر.
ما يطرأ على الصلاة في السفر :
اليوم الموضوع ما يطرأ على الصلاة فقط، أقل سفر تتغير فيه الأحكام مسيرة ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة بسير وسط مع الاستراحة، ومع الحسابات الطويلة قدرها العلماء بواحد وثمانين كيلو متراً، أي أقصر أيام العام مسير ثلاثة أيام مع الاستراحة سهلاً أو صعوداً أو هبوطاً المعدل واحد وثمانون ألف متر، لكن المذهب الحنفي يقيد هذه المسافة بالمدة، الآن بعد النبك واحد وثمانون كيلو متراً أي ساعة بالسيارة، ولكن يوجد شرطان هما شرط قطع هذه المسافة، وشرط أن يدوم السفر ثلاثة أيام، إذا قطعت هذه المسافة بثلاثة أيام لك الحق أن تقصر الصلاة، فيقصر الفرض الرباعي من نوى السفر، إلا أنه بالفقه يوجد أشياء يتوقف عندها الإنسان أحياناً، قال: ولو كان عاصياً أي إذا خرج الإنسان ليقطع الطريق على الحجاج له أن يقصر الصلاة، أية صلاة هذه؟ قال: قاطع الطريق له أن يقصر الصلاة لأنه مسلم، وهل الذي يقطع الطريق ويخيف الناس ويسلبهم أموالهم هو مسلم، نحن يهمنا أمره إذا صلى أو لم يصلِّ.
على كلٍّ يقصر الفرض الرباعي من نوى السفر إذا جاوز بيوت مقامه، وجاوز أيضاً ما اتصل به من ثنائه، فلا يكفي أن يغادر بيته بل يجب أن يغادر المدينة بعد بيته يوجد بيوت، وبعد البيوت مقابر و فلوات، فيجب أن يتجاوز فناء المدينة.
شروط صحة نية السفر :
يشترط لصحة نية السفر ثلاثة أشياء؛ الاستقلال بالحكم، أي لا يكون جندياً في جيش، وأحياناًً يسافر المعلم مع صانع، وهذا الصانع ليس له خيار في السفر، فالذي أمره بيد غيره لا يحق له قصر السفر، لكن من كان مستقلاً بالحكم، ومن كان بالغاً، وعدم نقصان مدة السفر عن ثلاثة أيام، فهذه هي الشروط الثلاثة، زوجة من زوجها لا يحق لها أن تقصر السفر وحدها، فلا يقصر الصلاة من لا يجاوز عمران قيامه، أي خرج من الشام ووصل إلى القدم فما تجاوز العمران، والآن يقول لك: ضموا برزة إلى دمشق، ويوجد قرار أن يضموا حرستا ودوما إلى دمشق، والمعضمية سوف يضمونها مع دمشق، وكفرسوسة مع دمشق، وداريا مع دمشق، وهذه كلها ملحقة بالشام، وعليه أن يجاوز عمران مقامه، فإذا كان صبياً بعد فلا يقصر، أو كان تابعاً لم ينوِ متبوعه السفر كالمرأة مع زوجها، والعبد مع مولاه، والجندي مع أميره، أو نوى السفر ولكن لم يدم سفره ثلاثة أيام فما فوق ودون الثلاثة أيام، على كلٍّ هذه بعض الشروط التي يمـكن أن يقصر الإنسان صلاته.
فالرباعية تصبح ثنائية، أما صلاة الفجر فتبقى ثنائية هي هي، والمغرب هو هو، والوتر يصلى لأنه فرض عملي، أي أقرب إلى الفرض منه إلى السنة، أما السنن فالعلماء قالوا: لو رجل أثناء السفر يوم السفر يوجد مشقة وتعب فالفرض فقط، لكن وصل إلى مكان، ونزل بفندق واستراح، إذا كان مرتاحاً نفسياً وجسدياً يصلي السنن مع الفرض مقصوراً، أما إذا كان عليه مشقة وفي عجلة من وقته ويوجد تعب فالفرض فقط، والرباعي يصبح ثنائياً، وللسفر أحكام أخرى نتابع بها الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وعلى كلٍّ بالمذهب الحنفي يكره أن تتم في السفر، المتمم بالسفر كالمقصر في الحضر.
* * *
موضوع الدعاء :
والآن إلى بعض فصول إحياء علوم الدين، وكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الدعاء، وبقينا في الدعاء أسبوعين كما أذكر، قلت لكم في الدرس الماضي: إن الدعاء مخ العبادة وإن الدعاء يرد القضاء، فبالدعاء يحصل صلة، ومع الصلة يحصل شفاء، وإذا شفي العبد ألغي العلاج، ومن بديهيات الطب إذا الكلية عملت بانتظام يلغى قرار استئصالها، وقرار استئصالها قائم مادامت واقفة عن العم،ل فإذا عملت يلغى قرار استئصالها، وكذلك الدعاء إذا حصل بإخلاص وصلة وشفاء يرد القضاء، وينفع الدعاء مما نزل ومما لا ينزل، فادع الله عباد الله.
آداب الدعاء :
1 ـ أن يترصد الداعي الأوقات الشريفة :
تحدثنا عن آداب الدعاء وقلنا هي عشرة آداب؛ الأول: اغتنام الأوقات الشريفة على مستوى السنة يوم عرفة، وعلى مستوى الأشهر رمضان، وعلى مستوى الأسابيع يوم الجمعة، وعلى مستوى اليوم الواحد وقت السحر.
2 ـ أن يغتنم الإنسان الأحوال الشريفة :
و على الإنسان أن تغتنم الأحوال الشريفة في السجود، وعند نزول المطر، ودبر الصلوات المكتوبة.
3 ـ أن يدعو وهو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه :
ينبغي أن ندعو ونحن مستقبلو القبلة تأدباً مع الله عز وجل.
4 ـ خفض الصوت بين المخافتة والجهر :
أن نخفض أصواتنا بالدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى.
5 ـ عدم التكلف :
وتحدثنا عن أدب خامس: عدم التكلف، فالإنسان ليس له أن يتفاصح على الله عز وجل، وكأن التفاصح على الله عز وجل لا يتناسب مع الإخلاص في الدعاء، ومع التضرع، ومع الخفية، فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
وفسر بعضهم العدوان في الدعاء: أن يتفاصح الإنسان على ربه، أن يرفع صوته، وأن يحكم السجع، وأن ينتقي الكلمات، وأن يلتفت إلى الصياغة، و أن يجعل همه في الدعاء انتزاع إعجاب الآخرين، فإذا كان هذا هو الهدف فالدعاء لا يقبله الله سبحانه وتعالى وينتظر التفات القلب، فسيدنا عمر قال: " تعاهد قلبك ". القلب منظر الرب :
والله تعالى قال:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الأنفال: 1 ]
ذات البين هي النفس، فكل واحد منا يصلح هندامه، فإذا كان زره مقطوعاً يصلحه، وإذا كان على معطفه وسخ ينظف، ويصلح منظره، وبيته، و غرفة الاستقبال، وغرفة الطعام، و يصلح مطبخه، و مركبته، لكن المؤمن يصلح نفسه لأن أخطار النفس تبقى مع الإنسان إلى الأبد، وكل متاعب الجسد تنتهي بالموت ولو اعتنى بجسده، فمصيره إلى الدود، والشيء اللطيف أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليفنى، وخلق الإنسان ضعيفاً، ولكن الإنسان يوم القيامة خلق ليبقى إذاً لا يوجد مرض. والإنسان قد يكون مظهره حسناً، ولكن من داخله خرباً، واستعلاء، وخداعاً، وغشاً، و هذه كلها أمراض مهلكة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
[سورة الشعراء:88]
أنا أتحير أن هذا الإنسان يرتب وضعه، ويحسن بيته من داخله، ويعتني بمدخل البناء و ينظفه، يحتاج إلى باب، و أنترفون، يهتم بالمظهر، وهذا القلب، قال: "يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين فهلا طهرت منظري ساعة".
القلب منظر الرب، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فالإنسان عندما ينام وهو غاش لأخيه المسلم يأتي لك زبون ويقول لك: انصحني؟ فما تنصحه، وتحاول أن تضع الأعباء كلها على الآخرين وأنت ترتاح، وتحب أن تحمد بما لا تفعل، فهذا الإنسان لا يستحق أن يكون عند الله مقرباً. علامة المؤمن أنه يتأثر تأثراً شديداً :
يوجد شيء دقيق جداً لك مكانة عند الله عز وجل أم أنك ساقط من عين الله عز وجل؟ قد يكون له مكانة كبيرة في المجتمع، وقد يعظمونه لماله، فأهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، وقد يكون عند الله لا شأن له:
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي، ابن ماجه عن سهل بن سعد]
وعلامة المؤمن يشعر، عنده إحساس، فإذا قال لك أحدهم: أنا لا أتأثر، أنا أنظر ولا أتأثر، فهو معقد وليس طبيعياً، ماذا ترد على هذا الإنسان؟ هذه المعاصي نسبية بحسب المجتمعات، فكيف ترد على هذا الرجل؟ أنا أرد عليه وأقول له: إن الثوب الأسود القذر لا يتأثر، أحضر إنساناً وألبسه لباساً أزرق اللون، وصار بالشحم أسود، أمسك قلم حبر من ظهره وأعطه نقطة حبر لا يشعر ولا يشاهد، يقول لك: ماذا حدث؟ لا شيء، ولكن تعال إلى إنسان يلبس ثوباً أبيض، فبقدر رأس الدبوس يشعر، فإذا قال لك: أنا لا أتأثر فمعنى هذا أنه ليس عنده إحساس إطلاقاً، ومعنى هذا أنه لا يعي على خير، فالمؤمن يتأثر تأثراً شديداً، و المؤمن إذا اغتاب لا ينام الليل، سقط من عين الله، وإذا غش لا ينام الليل يقول لك: لم أستطع أن أنام الليل وهذه علامة إيمانه، أما اغتاب، وغش، وآذى، وفرق بين اثنين، وافترى على إنسان شيئاً ما قاله، وذهب ينام نوماً عميقاً، فهذا لباسه أسود اللون، وكثرة المعاصي لا تؤثر به، أما علامة المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومعنى يذنبون أي يشعرون إذا أذنبوا، فالعناية بالقلب أي اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. على الإنسان أن يصلح علاقاته مع الناس :
هناك معنى آخر لهذه الآية أي أصلح علاقتك مع الناس إذا قصرت فاعتذر، وإذا كان لك أخ بحاجة إلى مساعدة ساعده، وإذا قدم لك هدية فهذه دين عليك فرد هذا الدين، وإذا أخوك بلغه عنك كلام غير صحيح فاذهب إليه وقل له الحقيقة، فالبيان يطرد الشيطان، وإذا كان لك علاقة سيئة مع شريكك فاجلس جلسة معه واشرح له كل شيء، وإذا كان التقصير منك فتلافى هذا التقصير، فمن علامة الإيمان أن علاقة الإنسان مع الناس كلها طيبة، ومن علامات النفاق يقول لك: اطرده فهذا أخرجنا له ورقة صفراء لا نريده، وإذا كان الإنسان لا تهمه مكانته عند الناس لأنه يقطع علاقات، ويؤذي، ويسبب فساد ذات البين، فليس مؤمناً، فأصلح علاقتك مع زوجتك فهذا الشيء يعكرها فلا تعمله، يحزنها الحديث عن أهلها فلا تفعل هذا، ابق علاقتك مع زوجتك عامرة بالصدق، والاحترام المتبادل، وابق صادقاً أمامها، وورعاً، ترى المؤمن علاقته مع زوجته طيبة جداً له قوامته، وعلاقته مع جيرانه كذلك، والنبي الكريم أحد الأعداء نال منه بلسانه فقال: من يقطع لسانه؟ يوجد فهم أن يقطع له لسانه بالمقص، أما علية أصحابه فهموا أن يقطعوا لسانه بالإحسان.
قال لي شخص: لي جار مزعج جداً، يفتح الإذاعة و نريد أن ننام، أو أن ندرس، يرمي علينا الوسخ، قال لي: لم أستطع عليه إلا بهدية، أرسلت له هدية بعد هدية فصار ألطف ما يكون، قطع لسانه بالهدية.
((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان عليه أن يتعاهد قلبه، كما لو أنه شاهد شيئاً أسود يتحرك بعينه يسير مع نظره، يقول لك: إلى الطبيب لا يوجد معها لعب، هذه عين، يأخذ موعداً بعد شهر يخاف أن ينسى الموعد فيسجله معه على المفكرة، يكتبه على الحائط، فكيف الإنسان يخاف على عينه يجب أن يخاف على قلبه، و لذلك طوبى لمن كان قلبه سليماً. 6 ـ التضرع والخشوع والرغبة والرهبة :
إذاً الأدب السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
[سورة الأنبياء:90]
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
قال عليه الصلاة السلام: (( إذا أحب الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه ))
[الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس]
أي الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، يصلي شكلاً، و يصوم و لم تدمع عينه، وما قال: يا رب، إنه غارق بعمله، فالله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، يرسل له مشكلة، أي يستفزه، يدعوه إلى مناجاته، فالعبرة أن يسجد هذا الإنسان ويقول: يا رب ما لي سواك، الله عز وجل يحب من العبد أن يتضرع له، ويحب من العبد أن يمرغ وجهه بأعتابه، و يحب منه أن يترجاه، وأن يسأله حاجته كلها ولو شسع نعله إذا انقطع، إذا إنسان أضاع مفاتيح البيت يبحث ويبحث، قل: يا جامع الناس، الله يعلم أين هي، تكون تحت الوسادة، وبين أن يبحث ساعتين وبين أن يقول: يا رب يا جامع الناس اجمع بيني وبين حاجتي، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها. (( من لا يدعوني أغضب عليه ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
لأنه مستعلٍ، على قدر ما تستطيع كن عزيز النفس مع الناس، ولكن مع الله سبحانه وتعالى على قدر ما تستطيع تضرع، أنت عبد، والأدب السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، يا رب ارحمني إذا شئت، لا لماذا إذا شئت؟ يا رب ارحمني، إذا دعا أحدكم فليجزم في دعائه ولا يقل إذا شئت، يا رب ارحمني، يا رب وفقني يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً مباركاً، يا رب زوجة صالحة تعينني على أمر ديني، اطلب من الله، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة. 7 ـ أن يجزم الدعاء ويوقن بالاستجابة :
نحن استبقنا الأمور؛ الأدب السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالاستجابة، فالله عز وجل لا يشارط ولا يجرب، هاتان نقطتان دقيقتان، أنا أكره النذر، لي قريب يظهر أنه سبح في مسبح ملوث فصارت وشة في أذنه، فلم يبال فيها على يومين أو ثلاثة تفاقمت، فذهب إلى الطبيب فقال له: هذه حالة نادرة جداً بالمئة ألف، هذا جرثوم يلتهم العصب السمعي رأساً، حالته المادية موفورة خرج خارج القطر نفس الكلام، رجع إلى البلد منهاراً نفسياً، وهو شاب أول حياته سوف يفقد حياته، فقال يا رب إذا شفيتني سوف أدفع خمسين ألفاً، والآن الله عز وجل أكرمه و شفي واستعاد سمعه، و الإنسان عندما يصاب بمصيبة ليس إذا شفيت لي ابني أدفع، لا، الله لا يجرب، أنت ادفع حباً بالله عز وجل إذا شفاه يكون خيراً وإذا لم يشفه خير.
أعرف رجلاً و هو بعيد عن الدين بعداً كبيراً، رأيته يصلي، حضر هنا في المسجد قال لي: أنا أحضر عندك من ستة أشهر، قلت له: أهلاً وسهلاً، قال لي: ابنتي أصابها مرض خبيث وما تركت طبيباً ولا بلداً، بعت بيتي وأخذتها إلى انكلترا، و بعد ذلك خطر في بالي خاطر أنه إذا أنا تبت وأمها إلى الله لعل الله عز وجل يكرمنا بشفائها، وبدأنا نصلي، لقد صلى وحجب امرأته، قال لي: فصار عندي محبة لله عز وجل، ونسيت ابنتي قلت: يا رب هذه ابنتي عبدة لك إن شئت شفيتها وإن شئت أمرضتها، ونسي الموضوع كله، مثل إنسان أحب فتاة وخطبها فكان أبوها عالماً فقال له: هذه مهرها أن تحضر عندي دروساً ولا يوجد عندي مهر آخر، وهذا لما حضر الدروس نسي وصالاً، فقالت له: أنت كنت قد خطبتني، فقال لها: يا وصال كنت سبب الاتصال فلا تكوني سبب الانفصال.
فأحياناً الإنسان ينسى الموضوع كله، إذا صار لك معرفة بالله فهو الحكيم والرحيم، وهو أرحم منك ومن نفسك، يا رب اشفني، وبعد هذا تجد الشفاء به، إذا شفاك فهذه الحكمة، وإذا لم يشفك فهذه أيضاً الحكمة، والإنسان إذا عرف الله عز وجل يستسلم، فهذا التشنج والإلحاح ينتهي، أي خر لي واختر لي، قرأت دعاء يوم الجمعة على المنبر فهذا الدعاء عن النبي قال: "يا ربي اجعلني أخشاك حتى كأني أراك".
ففسرته هل من الممكن أن يخالف الإنسان إذا كانت الإشارة حمراء وشرطي السير واقف أمام الإشارة، ويعرف أنه يوجد حجز، وسجن، وسحب إجازة؟ ليس معقولاً، وإذا أحد شعر أن الله يطلع عليه، "يا رب اجعلني أخشاك حتى كأني أراك"، بعد هذا يقول: "يا رب أسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك"، ومعنى هذا أن المتقي سعيد والعاصي شقي، "وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت".
يقول لك أحدهم: أنا إلى الآن ما تزوجت وهذا ترتيب الله عز وجل، لا يحب تعجيل ما أخّر الله سبحانه وتعالى، يمكن هذه الفرص قبل الزواج - إذا كان الإنسان مؤمناً - للتعمق في الدين، فالزوجة لها طلباتها وتجلس معها، أين كنت إلى الآن؟ أما إذا كان عازباً فيجلس مع إخوانه في سهرة دينية يذوب ذوباناً، أما المتزوج فأنا لا أستطيع، تأخرت بعد هذا يصبح علي مسؤولية.
(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ ))
[ أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]
فلذلك: "حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، خر لي في قضائك وبارك لي في قدرك". البطل من يتضرع إلى الله وهو في الرخاء :
من آداب الدعاء حتى يسمع الله تضرعك، أنا أقول: البطل الذي يتضرع إلى الله وهو في الرخاء، لا يوجد بجسمك شيء من دون أن يكون التحليل فيه نسبة عالية بالأسيد أوريك، قبل النسب صلِّ صلاة محب، صلِّ صلاة مودع، ارجُ الله عز وجل أن يهديك ويجمعك مع أهل الحق، ويجعلك خادماً للحق، ارجُ الله وأنت في صحتك.
أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه في الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام:
((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أكثر من الأسئلة مع الله عز وجل، اللهم ارزقني في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، اللهم ارزقني العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، أي لا يطلب من الله شيئاً قليلاً.
قرأت قصة مرة تأثرت بها عن رجل كريم طرقت بابه امرأة، وعنده صديق له فأعطاها عطاءً كبيراً، فقال هذا الصديق: يا رجل كان يكفيها القليل، شيء آخر: إنها لا تعرفك، فأجابه إجابةً أسكتته، قال: إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
إذاً ولله المثل الأعلى اطلب من الله طلباً عظيماً، اطلب الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. على الإنسان أن يطلب الدنيا في سبيل الآخرة :
الدنيا ليس لها قيمة يعطيها من يحب، اطلب الدنيا في سبيل الآخرة، اطلب رزقاً وفيراً، اجعل لك وقت فراغ تتعرف إلى الله عز وجل، يوجد إنسان من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة العاشرة ليلاً يعمل ويصل إلى البيت على آخر نفس، اطلب من الله عملاً يفسح لك من الوقت ما تتعرف به إلى الله عز وجل.
إذا الإنسان دعا الله عز وجل يجب أن يعظم، هل من المعقول تدخل على ملك وتقول له: أريد قلم رصاص؟ تقول له: أريد بيتاً، ولاية الشام، كان يذهب إلى استنبول يريد ولاية الشام، فإذا الإنسان وقف في باب ملك لا يطلب طلباً متواضعاً، بالمناسبة استغن على الناس يحبك الناس، ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، أما عند الله عز وجل فارغب بما عند الله عز وجل يحبك الله، والنبي الكريم علمنا:
((... لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحياناً تطلب من أخيك شيئاً يقول لك: لا يوجد عندي إمكانية هذا الطلب صعب، والإنسان محدود، و لك صاحب بمنصب ذهبت إليه يقول لك: أنا لا أستطيع أنا أيضاً مسؤول، الإنسان محدود أما الله عز وجل فمن يحد عطاءه؟ كن فيكون. (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أنا أضرب مثلين؛ أول مثل: أنت عندما تقول: سمع الله لمن حمده، أحياناً الإنسان يقرؤها وهو غافل، سمع الله لمن حمده، فالآن الله عز وجل يستمع إليك، والله إذا الإنسان له شأن في المجتمع قال لك: تكلم تذوب خجلاً منه، وأحياناً تقابل شخصاً يرن الهاتف أول مرة والثانية والثالثة فلا يفهم منك قصتك، أما إذا دخلت إلى رجل مهم فقال لأمين سره: اقطع جميع الهواتف الآن، وقال لك: تفضل وتكلم، ألا تذوب خجلاً من هذا الإنسان؟ قطع عنه كل المراجعين، وكل مخابرة حتى يسمع منك، فكلمة سمع الله لمن حمده في الصلاة، الله عز وجل خالق الكون يستمع إليك ماذا تقول له، ربنا لك الحمد والشكر، والنعمة والرضا، ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً، وأحياناً ترى هذه الكلمات لا تريح قلبك، سبحانك لا نثني ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أي يا رب كيف أشكرك؟ قال يا عبد هذا شكرك.
الشيء الثاني الذي يؤثر فيّ إذا قال لك طفل كم الساعة؟ تستحي ألا تجيبه وتكون الساعة في جيبك وتلبس معطفاً، تفك المعطف، وتخرج الساعة وتقول له: الساعة السادسة والربع، تخجل من طفل ألا ترد عليه فالله تقول له: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً ألا يرد عليك؟ تطلب بيتاً، و العفاف و زوجة صالحة، ورزقاً حلالاً، ومعرفته، وأن يجمعك مع أهل الحق الصادقين ألا يرد عليك؟ فهل يجمعك مع الكاذبين؟ هذا ليس معقولاً، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69 ]
من شروط استجابة الدعاء الإيمان بالله والاستقامة على أمره والشعور بقربه :
الإنسان عندما يدعو الله عز وجل يتصور أن الله يسمعه وسوف يستجيب له، إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما خائبتين، فالله يستحي منك، وأنت اطلب طلباً معقولاً، ادعوا الله عباد الله واتقوا الله فيما تدعون، واطلبوا طلباً معقولاً، وإذا كان الطلب غير معقول فلا يستجيب لك.
قال سفيان بن عيينة: "لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمن من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله"، المعنى هنا أن الإنسان ولو كان مقصراً يوجد آية:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 186 ]
والعلماء استنبطوا من هذه الآية لابد من الإيمان بالله، والاستقامة على أمره والشعور بقربه، والإخلاص في الدعاء، يجب أن تحس أنه قريب، وأقرب إليك من حبل الوريد، أي من روحك، يحول بين المرء وقلبه، وإذا خطر في بالك خاطر فهذا الخاطر يقع في علم الله قبل أن تعلمه أنت، أي يحول بين المرء وقلبه، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني حقيقةً، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فليستجيبوا لي، ويطبقوا كلامي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون، فالعلماء استنبطوا: لابد من الإيمان بالله، ولابد من الاستجابة إلى أمره، ولابد من الإخلاص في الدعاء، ولابد من الشعور بقرب الله عز وجل، وهو معكم أينما كنتم، وإذا توافرت هذه الشروط استجاب الله الدعاء. المضطر يسمع الله دعاءه من دون شروط :
يوجد آية ثانية:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
أيضاً استنبطوا من هذه الآية يريد تضرعاً أي تذللاً، وخفية من دون ضجيج، وخوفاً وطمعاً، ولا تكن معتدياً، وكن محسناً ثلاثة شروط، لكن العلماء قالوا: إلا إذا كان العبد مضطراً فإن الله سبحانه وتعالى يسمع دعاءه من دون كل هذه الشروط، لقوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النمل: 62]
فلو كان الإنسان مقصراً وقال: يا رب ليس لي غيرك، اعترف بذنبي، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى.
إذا قال العبد: يا رب وهو راكع قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، وإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاص قال الله عز وجل: لبيك ثم لبيك ثم لبيك.
إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أي إذا رجع العبد إلى الله عز وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، والله الذي لا إله إلا هو - ولا يعرف هذا الكلام إلا من ذاقه - ينغمر قلب التائب برحمة لو عرفها الناس جميعاً لتابوا إلى الله جميعاً، يا رب أعاهدك على الاستقامة التامة، وأعاهدك ألا آكل مالاً حراماً، وأعاهدك ألا أكذب، وألا أغش أحداً، وألا أنظر إلى امرأة في الحرام، وإذا الإنسان عاهد ربه عز وجل يتجلى الله على قلبه ولا يعرفه إلا من ذاقه، قال أحد العارفين بالله: "لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول".
أخي ما طعم العسل؟ اكتب لي بورقة، العسل حلو الطعم، هل هو مثل الدبس؟ لا ليس مثل الدبس، وهل هو مثل القطر؟ لا، وهل مثل العنب؟ لا، اشرح لنا، لا شرح عندي هذا عسل لا يعرفه إلا من ذاقه، كذلك الله عز وجل، كيف الإقبال على الله عز وجل لا يعرفه إلا من ذاقه فلو أنك ذقت الإقبال على الله عز وجل لذبت شوقاً و محبة له. فلو شاهدت عيناك من حسـننا الذي رأوه لـما ولـيت عنــا لغيرنا
ولـو سـمعت أذنـاك حسن خطاب نا خلعت ثياب العجب عنك وجئتنـا
ولـو ذقـت من طعم المـحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قـربنا لك نسـمة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
ولـو لاح من أنوارنـا لك لائــحٌ تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
***
والرجل أحياناً يخطب فتاة فتجده ساح وناح أين؟ والله يوجد عندنا سهرة عند الخطيبة، مسحة جمال زحل عقله كيف لو كان الإنسان له صلة بمصدر الجمال؟ هذا سهل، الله عز وجل تجلى على التفاحة وأعطاها شيئاً من جماله، وتجلى على البحر فأعطاه شيئاً من جماله، وتجلى على البحر ساعة أو ساعتين فشيء جميل، والجبل الأخضر تجد منظره يسحر، فهذه المناظر التي في الكون أخذت مسحة من جمال الله، فما هي الصلاة؟ هي اتصال بمنبع الجمال، ولذلك أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، لي مع ربي ساعة لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب لمثل هذا فليعمل العاملون. الإنسان العاقل يمتن علاقاته مع الله عز وجل :
متن علاقاتك مع الله عز وجل لأنهم رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، متن علاقتك مع الله عز وجل، إذا الإنسان متن علاقته مع زوجته فقط إما أن يتركها وإما أن تتركه، فإذا متن علاقته مع أولاده فيمكن أن يسافر ابنه، ويتزوج أجنبية، ويأخذ جنسية، ولا يهمه، ولا يرسل له رسالة وقد غاب سنة، وقد تعب وهلك من أجله، وأحياناً امرأة يتوفى عنها زوجها، ويترك لها ولداً ويتركها في سن الشباب، فلا تتزوج، وتعمل في البيوت من أجل ابنها، تخدم وتموت ألـف موتة، صـار طبيباً، و شاهد فتاة فأعجبته في الجامعة وتزوجها، وقالت له: لا أريد أمك فيتخلى عن أمه، ويقول لها: الآن اتركينا، فالإنسان لئيم، وإذا الإنسان وضع أمله بابن، أو بزوجة، أو بشريك، أو بمال يملكه، يأتيه مرض لا يحله المال، فهو الآن أمام طبيب قال له: ماذا نفعل؟ قال له الطبيب: لا يوجد حل، قال له: ندفع ملايين، قال له: لا يوجد حل، إن المرض الخبيث في الأمعاء منتشر ويستأصل الآن وينمو بعد أسبوعين وتدفع مئة مليون فتذهب سدى فلا تغلب نفسك.
لي طالب خاله صاحب سينما، دخل عليه فوجده يبكي، لأنه أصيب بسرطان في الدم، هذه القصة من ثلاثين سنة، صار يبكي لأنه جمع خمسة ملايين من أجل أن يعيش بها في آخر حياتي ولم يهنأ بها، طبعاً جمعها من إفساد أخلاق الشباب، الإنسان لو معه مال قد يأتي مرض لا يحل بالمال، قال لي رجل: لا يوجد عمل ولا بيع، قلت له: إذا توقفت الكلية ماذا تشتهي ساعتها؟
والله الذي لا إله إلا هو أعرف رجلاً معه مبالغ من الصعب أن نحصيها، فصار معه مرض عضال زرناه قال كلمة تركت بنفسي أثراً عميقاً، قال لي: سابقاً أنا مصروفي في السنة أربعمئة ألف و كان هذا لا يكفيني، أتعرفون ماذا قال لي أيضاً؟ قال لي: يكفي الإنسان ألف ليرة في الشهر، ما قصده؟ إذا كان الإنسان معافى يكفيه ألف ليرة، كليته تعمل، وقلبه، و أمعاؤه، و أعصابه، وعضلاته، وقوته به، والإنسان عندما يعرف فضل الله عز وجل ويشكر نعمة الصحة فلن تزول هذه النعمة، ويشكر نعمة الزوجة الصالحة يزداد صلاحها.
8 ـ أن يلح في الدعاء :
والآن الأدب الثامن: أن يلح في الدعاء، ويقول لك: مثل الشحاذ اللحوح، يجب أن تلح بالدعاء، يا رب برحمتك أستغيث، يا رب إني ضعيف فوق ضعفي، لا تدعُ مرة واحدة، عندما تذهب إلى عملك طول الطريق ادعُ إلى الله، والإنسان إذا حفظ أدعية النبي يكون موفقاً جداً، فيقضي بها كل أوقات فراغه، عندما يركب سيارة مثلاً يغمض عينيه ويدعو الله عز وجل، فيشعر بنفسه أنه قريب من الله عز وجل، فالدعاء يعين على التوجه إلى الله عز وجل والإلحاح، يكرره ثلاثاً.
قال ابن مسعود:
((كان عليه الصلاة والسلام إذا دعا دعا ثلاثاً ))
[ مسلم عن ابن مسعود]
و الإنسان يدعو: "اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك".
تكرار الدعاء من نوع الإلحاح فيه، ويجب ألا يستبطئ الإجابة، إذا كان الإنسان حريصاً جداً على مقابلة شخص، يطرق الباب ممكن أن يكون هذا الثاني يصلي فينتظر، ثم يطرق الباب مرةً ثانية لا أحد يرد، ممكن ألا يكون هناك أحد، أما بالعيد إذا عندك زيارات فتقرع الباب مرة واحدة وتضع بطاقة، أنت لا تريد أن تدخل، هذه رفع عتب، أما إذا كنت حريصاً على لقاء شخص فتنتظر ربع ساعة أو تذهب وتعود.
فإذا أنت حريص على شيء تلح به، ومن علائم إخلاصك بالدعاء وإلحاحك أن تكرر الدعاء مرات عديدة، ويجب ألا يستبطئ بالإجابة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا دعوت فاسأل الله كثيراً لأنك تدعو كريماً، وقال بعضهم: إني أسأل الله منذ عشرين سنةً حاجةً وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، والله عز وجل يحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام: (( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ))
[ أخرجه البيهقي عن حذيفة ]
طالب منه شيئاً أنت قانع به ولكن لا يناسبك، وهو ليس من مقامك، أي يعلم عنك أكثر مما تعلم عن نفسك، سلم له.
قال لي: زوجتي وسط، فقلت له: إذا كانت كما تريد فقد بركـت أنت وإياها، وسط تأتي إلى المسجد، وإن كانت كما تريد لا تأتي إلى المسجد، كله خير. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))
[ ابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ]
إذا أنت مع إنسان من وجهاء قومك قال لك: هذه المسألة لا يوجد إمكان، تقول له: خير إن شاء الله، وأنا شاكر فضلك، مع إنسان عادي، أما إذا كان للإنسان قيمته فتقول له: شكراً أنا لا أنسى فضلك، أما إذا كان الإنسان يعامل ربه ولم يستجب له فهذا لمصلحته. 9 ـ أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل :
الأدب التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل، فلا يبدأ بالسؤال، ادخل إلى نجار وقل له مباشرةً: انتهت المكتبة؟ يقول لك: قل السلام عليكم، صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، أنت مع الله عز وجل قبل أن تسأله أثنِ عليه واذكره، لأن الأدب النبوي أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل فلا يبدأ بالسؤال.
قال سلمة بن الأكوع: "ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الدعاء إلا استفتحه بقول: سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب".
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "من أراد أن يسأل ربه حاجةً فليبدأ بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يسأله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي".
وقال الله عز وجل: "إن الله عز وجل يقبل الصلاتين وما بينهما، ابدأ بالصلاة على النبي الكريم، واختم بالصلاة على النبي الكريم، فإن الله يقبل الصلاتين وما بينهما وهو أكرم من أن يدع ما بينهما".
وروي بالخـبر عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا سألتم الله عز وجل حاجة فابتدئوا بالصلاة علي، فإن الله تعالى أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى"، فابدأ بالصلاة على النبي الكريم واسأل حاجتك، فإن الله عز وجل أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى.
والأدب العاشر يحتاج إلى تفصيل كبير وسوف نفصله في درس قادم إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-10-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الاربعون )


الموضوع :صلاة المسافر - 2








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط قصر الصلاة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي في موضوع صلاة المسافر إلى أن قصر الصلاة لا يصح إلا إذا غادر المصلي تخوم المدينة، أي غادر أبنية قريته، فإن خرج من بيته وبقي في حدود مدينته، أو في حدود قريته، فلا يصح أن يقصر الصلاة، بل يجب أن يغادر أبنية القرية، ويجب أن يكون السفر ثلاثة أيام، أي ثمانون كيلو متراً في ثلاثة أيام، ويجب أن يكون مستقلاً بالحكم أي مسافراً أمره بيده لا جندياً مع أميره، ولا زوجةً مع زوجها، ولا عبداً مع سيده، الأمر للسيد والأمير والزوج، وأن يكون بالغاً، فمغادرة تخوم المدينة، واستمرار السفر ثلاثة أيام، وبعد هذا أن يكون مستقلاً بالحكم، وأن يكون بالغاً، هذه إذا توافرت كلها صحّ قصر الصلاة.
قصر الصلاة في المذهب الحنفي :
أما قصر الصلاة في المذهب الحنفي فهو عزيمة وليس رخصة، فأبو حنيفة رضي الله عنه رأى أن قصر الصلاة عزيمة فإذا أتمّ الصلاة فقد قام بعمل مكروه، فالقصر عزيمة، لكن إذا أتمّ الرباعية أي الظهر أربع ركعات صلى ركعتين وقعد وقام للثالثة قال: صحت صلاته مع الكراهة لماذا؟ لأن الركعتين الأوليين تعدان فرضاً وأما الركعتان الأخريان فتعدان نفلاً، فلا تصح إلا إذا نوى الإقامة لمن قام للثالثة، لكن لو فرضنا إنساناً وهو في الصلاة نوى الإقامة يقوم للثالثة فتصح عندئذ صلاته، ولا يزال يقصر حتى يدخل مصره- والمصر يعني بلده - وإنسان وصل إلى النبك يصلي قصراً، وصل إلى الشام يصلي تماماً.
القصر عند الإمام أبي حنيفة عزيمة، فإذا صلى الثنائية أربع ركعات عدت الركعتان الأوليان فرضاً، والأخريان نفلاً هذا من جهة، ومن جهة ثانية إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة عندئذ يقوم للركعة الثالثة على أنها من الفرض، ولا يزال يقصر حتى يدخل مصره أو ينوي إقامته نصف شهر، أي لا يوجد إقامة أقل من أسبوعين، و إذا أراد أن يقيم في بلد سافر إليه أكثر من أسبوعين يصلي صلاةً عادية وقصراً إذا نوى أقل منه، أو لم ينوِ وبقي سنين أي لم ينوِ الإقامة وبقي سنين يقصر في الصلاة، فإذا كان الجنود في أثناء الحرب مثلاً حاصر المسلمون أذربيجان ستة أشهر وهم يقصرون الصلاة طول هذه المدة لأنهم لم ينووا الإقامة.
فالقصر عزيمة، ومن أتمّ الصلاة في السفر فقد جاء بعمل مكروه، ولو صلى الثنائية أربع ركعات لعدت الركعتان الأوليان فرضاً والأخريان نفلاً، والقصر يستمر إلى ما شاء الله مادام المصلي لم ينوِ الإقامة فإذا نوى الإقامة أكثر من أسبوعين يصلي صلاةً تامةً كما لو كان مقيماً في بلده، ولا تصح نية الإقامة ببلدتين لم يعين المبيت بأحدهما، ولو فرضنا ذهب إلى بلد أجنبي مثلاً بين مدينتين يجب أن يعين أنه مقيم بإحداهما حتى يصح أن يقيم الصلاة، لو سافر شهراً وهو يتنقل من مكان إلى آخر يجب أن يعين أن هذه المدينة بلدة إقامتي عندئذٍ تصح الصلاة التامة، ولا يصح أن يقصر في مفازةٍ أي في الصحراء، ولا تصح نية الإقامة في مفازةٍ لغير أهل الأقبية، أي البدو فقط يصح أن يصلوا في الصحراء صلاةً تامةً، أما المسافر في الصحراء فيجب أن يقصر في صلاته، ولا في عسكر بدار الحرب، أيضاً الجنود إذا كانوا في حالة حرب مع العدو لا تصح منهم نية الإقامة، بل يبقى مسافراً ويبقى يصلي صلاة قصر، ولا بدار محاصرةٍ من قبل أهل البغي، أي إذا كان المسلمون محاصرين من قبل أهل البغي لا يصح أن ينووا الإقامة في هذه المواطن الثلاث فلا تصح نية الإقامة إلا إذا كان المقيم بدوياً وأساس إقامته في الصحراء.
يحق للمسافر أن يقتدي بمقيم إذا كانت صلاة الوقت :
والآن إذا الإنسان سافر ودخل إلى مسجد، واقتدى مسافر بمقيم صحّ منه ذلك، صحت صلاته ولو صلاها أربع ركعات، دخلت إلى مسجد بحلب تقام صلاة الظهر وأنت مسافر، تصلي خلف الإمام أربع ركعات لأنه لا يجوز لمصلٍّ أن يخرج من الصلاة من دون إمامه، هكذا النظام العام، ولو قلنا لمصلٍّ أنت صلِّ ركعتين وسلم فأنت مسافر صار فوضى في الصلاة، إذا كنت مسافراً ودخلت إلى المسجد وقت إقامة الصلاة فصلِّ مع الإمام أربع ركعات وهي مقبولة منك ولو أنها تامة.
لكن بعد صلاة الفرض لا يجوز لمسافر أن يقتدي بمقيم، أذن الظهر وصلى الناس صلاة الجماعة وانتهت الصلاة ودخلت بعد ربع ساعة وجدت أربعة يصلون ليس لك الحق أن تصلي معهم، كمسافر تصلي وحدك، أي يحق للمسافر أن يقتدي بمقيم إذا كانت صلاة الوقت، في الأموي دائماً يوجد صلاة جماعة، أما في صلاة وقت فواحدة تصلى من قبل الإمام الأساسي، وبعدها كلما اجتمع أربعة أو خمسة يصلون جماعة، والمسافر ليس له حق أن يصلي بإمام ثانٍ إلا مع الإمام الأول وهذه الصلاة صحيحة.
حكم المسافر الذي اتُّخذ إماماً :
والآن بالعكس أنت مسافر أقمت الصلاة وأردت أن تنوي فإذا خلفك جمع تقول لهم: إني مسافر، تعلمهم مسبقاً وتصلي ركعتين وتسلم، وتقول: أتموا صلاتكم فإني مسافر، والمصلون يقرؤون في الركعتين الأخريين الفاتحة فقط لأنهم قرؤوا مع إمامهم فاتحة وسورة.
مرة كنت مسافراً دخلت إلى المسجد وصليت وصلى ورائي أربعة، شعرت أن المصلين من عامة الناس، وأنا أثناء التحيات خفت أن أسلم وأقول لهم: إني مسافر، خفت ألا يفهموا علي فأتممت أربع ركعات وأنا في شك من أمري، هل يا ترى أنا اخترت هذا الموقف أن أصلي أربع ركعات هل هذا صحيح؟ عدت إلى أوسع كتاب في الفقه حاشية ابن عابدين وجدت هذا صحيحاً، إذا خشيت على المصلين خلفك ألا يفهموا مرادك وهم ليسوا فاهمين وضع صلاة السفر صلِّ أربع ركعات كما لو كنت مقيماً لأنك تخلق مشكلة، أما إذا بعصر العلم والناس كلهم متعلمون تقول: أتموا صلاتكم فإني مسافر.
كيفية قضاء الصلاة في الحضر لمن فاتته في السفر :
إذا فاتتك ركعتان في السفر كيف تقضيهما في الحضر؟ ركعات السفر تقضيها قصراً وإن فاتتك ركعات الإقامة تقضيها أربعاً تماماً بحسب الذي فاتك، والوطن الأصلي الذي تؤدى فيه الصلاة تامةً هو الوطن الذي ولد فيه الإنسان، ولد في الشام فإذا عاد إلى الشام يجب أن يصلي متماً، أو تزوج فيه، تزوج في حمص فحمص أصبحت بلد إقامته، أو لم يتزوج ولكن قصد التعيش فيه، له وظيفته بحمص صارت حمص بلد الإقامة، فإذا جاء إلى الشام له أن يقصر الصلاة، هو شامي من مواليد دمشق ولكن عمله الدائم في حمص جاء ليزور أهله خلال ثلاثة أيام فرضاً، فله أن يقصر الصلاة، فبلد الإقامة إما البلد الذي ولد فيه، أو البلد الذي تزوج فيه، أو البلد الذي يعمل فيه.
ووطن الإقامة هو أي بلد نويت أن تقيم فيه أكثر من أسبوعين فهذه حالة رابعة، هذا كل ما يتعلق بصلاة المسافر فإذا كنت حنفياً فالقصر في الصلاة على المذهب الحنفي عزيمةٌ وليس رخصةً، فما معنى رخصة؟ الرخصة أنت مخير أن تفعلها أو ألا تفعلها ولكن العزيمة أنت ملزم أن تفعلها.
* * *
الشرط الأخير من شروط الدعاء هو الأدب الباطن :
والآن إلى آخر شرط من شروط الدعاء في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رضي الله عنه وأرضاه.
الحقيقة تأثرت من هذا الشرح، في الدروس الماضية تحدثنا بفضل الله عز وجل عن تسعة شروط للدعاء المستجاب، ولكن الذي يجذب النظر أن الشرط العاشر يعدل كل هذه الشروط مجتمعةً، تحدثنا سابقاً أن شرط الدعاء الصحيح التضرع، والخشوع، واليقين بالإجابة، والإلحاح بالدعاء، والافتتاح بالذكر، وعدم تكلف السجع، وانخفاض الصوت، والأحوال الشريفة، واستقبال القبلة، والأوقات الشريفة.
فهذه الشروط كلها في كفة، وهذا الشرط الأخير في كفة أخرى، قال الإمام الغزالي الشرط العاشر: هو الأدب الباطن، وكل هذه الآداب ظاهرة في وقت شريف، وفي حالة شريفة، رفعت اليدين وخفضت الصوت، و تضرعت، وخشعت، شيء جميل، هذه كلها آداب ظاهرة، لكن الأدب الباطن في الدعاء يعدلها كلها، هو التوبة، ورد المظالم، والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة.
يروي التاريخ أن سيدنا صلاح الدين الأيوبي له شيخ نقشبندي فقبل أن يجمع على محاربة الصليبين جاء إلى شيخه وسأله الدعاء، فقال له شيخه: يا بني أزل المظالم، وأزل المنكرات، فقال له صلاح الدين: ليس معنا وقت لهذا العدو الذي على الأبواب وهذا يحتاج إلى وقت طويل-هكذا تروي القصة أن هذا الشيخ غضب من صلاح الدين ودفعه، وقال له: قم لا نصرك الله- يروي التاريخ أن سيدنا صلاح الدين أول عمل قام به أغلق أماكن المنكر، وردّ المظالم، بقدر الإمكان أزال المظالم والمنكرات ثم توجه بأهل الشام وحدهم ليحارب الصليبيين جميعاً، سبعة ملوك وسبعة جيوش، وقد أقاموا في فلسطين سبعين عاماً، وانتصر عليهم، فلما انتصر عليهم جمع قادته الكبار ودعا شيخه وقال لهم: لا تظنوا أنني انتصرت على العدو بفضلكم ولكن بفضل هذا التوجيه من شيخي.
وآخر شرط لا يمكن أن يستجاب لك دعاء وأنت مقيم على معصية، وأنت مغتصب شيئاً ليس لك، وأنت معتدٍ، وأنت باغٍ، تختار دعاء لرسول الله، وتعتني بالدعاء، وتغمض عيونك، وتعصر نفسك، وترفع يديك، وتدعوه بقيام الليل، وبالسحر، ويوم الجمعة، و بعد الصلاة، ولو طبقت كل هذه الشروط مجتمعةً فالدعاء لا يستجاب ما لم تكن تائباً ولست معتدياً، ومقيماً على الحق.
الأدب الباطن هو الأصل في الإجابة :
الشرط العاشر هو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة؛ التوبة ورد المظالم والإقبال على الله، حدثني أخ في بلد اسمها خان الشيح هناك مزرعة فيها محرك للماء، جاء بدوي معه غنم طلب أن يسقي الغنم، فصاحب المزرعة رده رداً قبيحاً، وهدده إذا دخل مرة ثانية يكسر رجله، له جار محسن فتحول إلى عند جاره، قال له: اشرب أنت ومن تريد، وإذا كان هناك رعيان أرسلهم ليشربوا، عنده محرك ماء ستة إنش، فرأى صاحب هذه المزرعة أن شرب الغنم صعب - الذي حدثني القصة هو الذي باعه- ويوجد في السوق مشارب للإبل، فدفع ستة عشر ألف ليرة ثمن مشارب من ماله الخاص ووضعها في مكان طويل، ودعا كل الرعيان ليشربوا غنمهم، فهذه المنطقة فيها أكثر من ثلاثين أو أربعين مزرعة، المحركات ليس فيها ولا نقطة ماء وإلى الآن عنده ستة إنش لم ينقصوا ولا سنتمتراً سبحان الله! لا أحد يعرف الله عز وجل، كل شيء بيده، بئر ماء، وهذا جاره الذي طرد الراعي غرز اثني عشر مكاناً في الأرض إلى العمق الأساسي و لم يخرج الماء، والذي دفع من ماله الخاص بقي الماء عنده، والذي كلمني القصة هو الذي باعه المشارب.
الله عز وجل كريم ويحب الكريم، إذا أنت ما دعوت، وما ظلمت أحداً، ولست مقيماً على معصية، وتائباً و لو لم تدعُ، عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، ولا تتكلم ولا كلمة أعرف كل حاجتك، وأعرف كل مطالبك، ورغباتك، وأعرف ما يسرك، وما يرضيك، كله أعرفه، وأنت كن لي كما أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد سلمتك وكفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
التوبة وردّ المظالم والاتجاه إلى الله هو السبب القريب للإجابة :
الشيء الذي أرجوه أن يتعلق الإنسان بالله عز وجل، يقيم علاقة حميمة معه، بدءاً من الإخلاص إلى خدمة الخلق، وإلى الاتصال به، وإلى خدمة عباده، عامل ربك عز وجل، إذا قلت له: ليس لي إلا أنت، وبيدك الأمر كله، وأنا تبت إليك يا رب، والله يوجد كل دعاء يأخذ العقل من كثرة التنميق وتجد لا يوجد إجابة، الله موجود وسميع.
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ذلك هو السبب القريب للإجابة، التوبة، وردّ المظالم، والاتجاه إلى الله، هو السبب القريب للإجابة، فيروى عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد في عهد موسى عليه وعلى نبينا أتم الصلاة والسلام، فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقي بهم، فلم يُسقوا والذي دعا هو سيدنا موسى، وهو كليم الله، و لم تنزل قطرة مطر، أحياناً لا يوجد خطيب يقول: يا رب أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، مطر لا يوجد، والجو صاح وتشرين، والقضية ليست قضية دعاء الخطيب بل قضية توبة العباد، إذا تابوا ولم يدعوا فالأمطار تأتيهم من فوقهم ومن تحتهم، فسيدنا موسى دعا ربه واستسقى ولا من مجيب، فقال يا موسى إن فيكم رجلاً عاصياً - وهذه القصة فيها موعظة - فقال موسى عليه الصلاة والسلام: "من كان عاصياً لله فليغادرنا" ثم إن السماء أمطرت، فقال: يا ربي أمطرتنا ولم يغادرنا هذا العاصي فمن هو قال: عجبت لك يا موسى لقد تاب أأستره وهو عاصٍ وأفضحه وهو تائب؟
فأنا أقول: إذا أحدكم له معصية لا يقولها لأحد، خلاف ما تقوله بعض الأديان، إذا اعترفت أمام الخوري بكل شيء ذهبت المعصية عنك، لا، إن الله ستير، إذا الإنسان له جاهلية فلا يقلها لأحد لأن الله عز وجل أسبل ستره عليه، فهل يفضح نفسه؟ فالإنسان عندما يتوب بينه وبين الله، الله عز وجل يقبله ويعفو عنه ويغير معاملته له.
وفي رواية أخرى: " فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يسقوا فأوحى الله عز وجل إلى موسى أني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب و من هو حتى نخرجه من بيننا؟ فأوحى الله عز جل يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً، فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة، فتابوا، فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. الله عز وجل لن يغير قوانين الأرض من أجلك فادعه و أنت تائب مطيع عادل :
وقال مالك بن دينار: "أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مراراً، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكفاً سفكت بها الدماء، وملأتم بطونكم بالحرام، والآن قد اشتد غضبي عليكم ولم تزدادوا مني إلا بعداً".
فالمسلمون اليوم يأكلون أموال بعضهم، وينتهكون حرمات الله، ويفعلون كل المنكرات، وإذا جلس بمجلس يا رب ارحمنا فإنك بنا راحم، مهما عملت دعاء منمقاً لا يوجد إجابة، بل يوجد حقائق، الله عز وجل لن يغير قوانين الأرض من أجلك، اعمل قوانين إذا كنت تائباً، مطيعاً، عادلاً، منصفاً، وإذا دعوته يستجيب لك وإلا فلا.
وقال أبو الصديق الناجي: "خرج سليمان عليه السلام يستسقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعةً قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، ولا غنى عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان: ارجعوا قد سقيتم بدعوة غيركم"، وكان يسمع النمل إذ علمه الله لغة الحيوان، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة النمل : 18 ]
وقال الأوزاعي: "خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا قد سمعناك تقول: ما على المحسنين من سبيل، وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ اللهم اغفر لنا، وارحمنا، واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا".
قيل لمالك بن دينار: "ادع لنا ربك، فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة عليكم"، و معنى ذلك إذا وجدت معاصٍ شديدة فالإنسان ينتظر العقاب.
وروي أن عيسى صلوات الله عليه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى عليه السلام: "من أصاب منكم ذنباً فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبقَ معه في المفازة إلا واحد، فقال له: أمالك من ذنب؟ فقال: والله ما علمت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه، فلما جاوزتني أدخلت أصبعي فانتزعتها، وأتبعت المرأة بها" - هذه القصة قد تكون رمزية - ولكن إذا عصى الإنسان الله عز وجل بعينه وقلعها وكان في قلعها تكفير لذنبه فهو الرابح، أما الذي يملأ عينيه من الحرام، يملأهما الله عز وجل من جمر جهنم، أنا سمعت كثيراً عن العارفين بالله، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
وقال يحيى الغساني: "أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم، فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا، اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا، اللهم إنا أرقاؤك فاعتقنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك ألا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا، اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا".
وهذا مغزاها؛ إذا الإنسان له ذنب، وتاب منه كأنه ليس له ذنب، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، يا ربي أنا أخطأت وأستغفرك من هذا الذنب ولن أعود إليه، ادعُ الله عز وجل، أنا أقول: من يقيم على الذنب ويصر عليه هذا لن يستجاب له، ولو فرضنا إنساناً تاب من ذنبه لتوه، وأخلص في توبته، وندم عليه، فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يعفو عنه ويستجيب له.
وقال عطاء السلمي: "منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون في المقابر فنظر إلينا فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أم بعثر ما في القبور؟ قال: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال يا عطاء: بقلوب أرضيةٍ أم بقلوب سماوية؟ لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير - البهرجة إظهار المحاسن وإخفاء المعايب –". سلعة الله غالية :
قال له: يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النية فإن الناقد بصير، وخفف الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، حياة أبدية لا يكفيها ركعتان تصليهما ولا ليرة تتصدق بها.
إذا أردت سجادة إيرانية يدوية تدفع ثمنها ثمانية وسبعين ألف ليرة وتقول: تساوي، تريد جنة عرضها السموات والأرض بليرة سورية فقط أو بركعتين؟ ألا إن سلعة الله غالية: فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***
ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، حتى يقال لفلان دكتور يجب أن يدرس خمس سنوات أو سبع سنوات لا ينام الليل، بين تأليف أطروحة، وحضور مناقشتها، وأخذ التوجيهات من أستاذه المشرف، ويقول له: اقرأ هذا الكتاب، ويكون أربعمئة صفحة، يعطيه قائمة مصادر ثلاثمئة مصدر، وهذه اقرأها في المكتبة، ولخص عشرة منها وتعال إلى عندي، ولا يأخذ الدكتوراه حتى تخرج عيونه، تريد جنة عرضها السموات والأرض لذلك قال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 92 ]
الشيء الغالي عليك، وقتك فابذله ومكانتك، ولك شخص فلان صاحبك، تذهب معي إليه؟ نعم على عيني، وأنت بمفردك لا تعمل عندك عزة لكن لله تعملها، فالإنسان يجب أن يبذل ماله، زهوة ماله، وزهوة وقته، وزهوة صحته وشبابه لله عز وجل حتى يستحق عطاءه.
قال له: "يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النية فإن الناقد بصير وخفف الأثقال فإن في الطريقة عقبةً كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون- أول الحديث: شمروا فإن الأمر جد.
قال لي شخص: بني إلى جانب بيتنا بناء، حفروا الأساسات، وما وضعوا جداراً استنادياً، شعر أنه يوجد تنسيمات في الجدران فأحضر مهندساً فقال له: إخلاء فوري للبناء، لقد رتب في بيته غرفة ضيوف، وغرفة جلوس، قال له: إخلاء فوري فإن الأمر جد، هذا الذي يقال في مجالس العلم جد مصيري خطير، إذا رجل سمعه ومشى وقال: والله الدرس ممتع، هذا ما أخذه مأخذ الجد، أخذه مأخذ الهزل، أخذه كمتعة، ما أخذه كفكرة خطيرة جداً يتعلق بها مصيره، قال: "أيها الناس شمروا" فكيف إذا إنسان مُقدِم على عمل كبير؟ تجده شمر ورفع سرواله، وبدأ الإنسان المؤمن في حالة نفسية، حالة التشمير يجب أن يشمر، أما من بعيد إلى بعيد إذا أراد إنسان أن ينظف بيته فهل من المعقول أن يلبس ثيابه الفخمة؟ يلبس لباساً قديماً ويشمر ويبدأ: "أيها الناس شمروا فإن الأمر جد وتأهبوا فإن السفر قريب". على الإنسان ألا يكون مقيماً على معصية وأن يكون تائباً منيباً ليستجاب له :
والإنسان رجل بين عشية وضحاها يصبح من أهل القبور، ولا يعرف متى، فقال: "قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك، ولكن بالسر المكنون في أسمائك، وما وارت الحجب من آلائك إلا سقيتنا ماءً غدقاً فراتاً، تحيي به العباد، وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير، قال عطاء: فما أتم كلامه حتى أرعدت السماء، وأبرقت، وجاءت بمطر كأفواه القرب"، إذن استجيب له.
هذه لنا كلنا، تريد استجابة اعمل دفتراً أحص أخطاءك و المظالم و المخالفات في البيت ثم أصلحها واحدة واحدة وعندما تنتهي قل: يا رب، يقول لك: لبيك يا عبدي.
هذا هو الأدب الأخير في الدعاء ألا تكون مقيماً على معصية، وألا تكون مغتصباً حقاً، وأن تكون تائباً منيباً، وعندئذٍ ادعً كيف شئت فالله سبحانه وتعالى سيستجيب لك، و هذا الشرط الأخير في كفة وكل هذه الشروط السابقة في كفة ثانية.
المصائب تأديب الله لعباده :
الله عز و جل يريدك أنت لا يريد مالك، ولا فصاحتك، ولا منظرك، ولا مكانتك، ويريد أن تلتفت إليه، ولن تستطيع أن تلتفت إليه إلا إذا استقمت على أمره، وأخلصت له، وخدمت خلقه، فالخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هذا المراد.
قال ابن المبارك: "قدمنا المدينة في عام القحط، فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذا أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي وسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب، ومساوئ الأعمال، وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بهذا"، هذا الفقه، وهذا ملخص العلم، كل مصيبة حبس مطر، ومرض، وفقر، و ذل، و هم، وحزن، ونقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ومتاعب، وأحزان مقلقات، كل هذه المصائب يؤدب الله بها عباده، طبعاً الله عز وجل قال:
﴿ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ*أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ*وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ*فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ*بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ*قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ*قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ*فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ*قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ*عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾
[ سورة القلم: 23-32 ]
هذا ليس بستاننا، الطريق نفسه، كذلك العذاب، أي يا عبادي كيف أن إتلاف هذه المحاصيل كلها نتج عنه توبةٌ لهؤلاء، وعودة إلى الله، كذلك عذابي كله، والآية دقيقة جداً، كيف هؤلاء رجعوا إلي بعد مصيبة قاهرة، إتلاف محاصيلهم، كذلك العذاب، وإذا ما عادوا إلي بهذا العذاب، يقول تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[ سورة القلم: 33 ]
و يقول: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 21]
هذا عذاب أدنى، قال سيدنا علي لابنه الحسن: "يا بني ما خير بعده النار بخير- لو جاءتك الدنيا كلها، لو ملكنا أطراف الدنيا كلها، لو كان دخلك في اليوم عشرة ملايين دولار- فما خير بعده النار بخير وما شر بعده الجنة بشر- فقر مع مرض مع مـوت زوجة مع أولاد عاقين، ومنزل فيه إخلاء، وعمل واقف، و محل احترق، كله معاً والمصير إلى الجنة هذا خير-".
"ما خير بعده النار بخير وما شر بعده بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية"، وهكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا الإنسان مرّ على بستان فخم في وسطه مزرعة، ومسبح، وفيلا حجر، سقف قرميد، وأشجار مثمرة، وأزهار رياحين، وممرات مداخل فخمة، فماذا يقول؟ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، هذه مؤقتة. الإسلام يمتن العلاقات الاجتماعية ولا يفتتها :
إياكم وفلول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى، وإذا تأملت كثيراً بهذه الحاجات تحبها، وبعد هذا أعرض عنها، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، أنت تسكن في بيت مستوراً، وعندك مدفأة، وتلبس كنزة، وعندك طعام في البيت، وعندك أولاد وزوجة، طبعاً إذا دخل أحد على الأغنياء غير المؤمنين خرج من عندهم وهو على الله ساخط. قال:
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
فإذا رجل عنده جوارب وثقبت فأتلفها فوراً فهذا إسراف: ((... وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
والمقصود بالأغنياء في هذا الحديث الأغنياء غير المؤمنين، لأن الأغنياء المؤمنين على العين والرأس، ويزيدك الاتصال بهم حباً لله، لسماحتهم، وتواضعهم، وإكرامهم، وقد حدثني أخ هنا في الجامع ليس معنا الآن كان طفلاً صغيراً أرسلته والدته وكان يتيماً إلى معمل ليعمل، مدير العمال ومشرف العمال شاهده ولداً صغيراً، يوجد عنده حراق فيه شحار قال له: ادخل إلى الداخل ونظفه، جاء مدير المعمل وجد خربشة في هذا الحراق، فسأل ما هذا؟ وجد طفلاً ألبسته أمه لباساً أبيض ونظيفاً وفرحت بعمله، فقير ويتيم، أخرجه فوجده أسود اللون، فأرسل إلى مدير العمال وبخه وقال له: افرضه أخاك، أو ابنك، فأهله أرسلوه إلينا، ثم قال لي: خذوه إلى الحمام، ونظفه، ورتبه، وله في المعمل عم، فقال هذا المدير لعمه: خذه إلى الحمام، وخذ له طقم ملابس جديداً كاملاً، ومعهم بذلة جديدة إنكليزية من إنتاج المعمل، وهذه أجرة خياطتها، فهذا الطفل عندما عاد مساءً إلى البيت، فهذه الملابس غير الملابس التي ذهب بها، ومعه بذلة، ومعه أجرة خياطة، ففرح الأهل كثيراً، ما هذا الإكرام؟ قال لي الأخ وهو نفسه الطفل: في اليوم الثاني أحضرت معي طعاماً، فقال لي المدير: يا فلان ما معك من طعام اليوم؟ فقال: بطاطا مسلوقة، والمدير معه طعام ما لذ وطاب، المدير أكل من طعام الطفل حتى يشجعه أن يأكل من طعامه، فصار يأكل كل يوم معه.
فكان يشعر العامل أن رب العمل مثل الأب، وهناك تواضع ورحمة، سمعت عن معمل أول النهار يجري وجبة غذاء للعمال على حسابه، والظهر يوجد غذاء، وفي الظهر تتوقف الآلات والكل يصلي، أذن العصر صلوا، أخذ من العامل خمسة آلاف وضعها في الشركة استثماراً، وأخذ أرض عمرها بيوتاً للعمال، ورأيت العمال عنده كيف يحبون صاحب المعمل أكثر من أبيهم، فهذا العامل مثل ابنك، يجب أن تزوجه، وتشتري له بيتاً، هكذا الإسلام، فالإسلام جعل العلاقات متينة جداً، فالغني المؤمن على العين والرأس لتواضعه وسخائه، والمال ليس له قيمة عند الله، ولماذا المال؟ ليتقرب به إلى الله عز وجل، فالآن تجد الوضع اختلف كلما ازداد غنى الإنسان ازداد بخلاً، واستعلاء، وكبراً، إنه يحاسب على القرش، وينفق بالملايين على شهواته المنحرفة، وهذا العامل يحل مشكلته بخمسة آلاف، أما هو فيقول لك: ذهبت إلى أوربا وصرفت ثلاثمئة ألف، وأعطى العامل خمسة آلاف وحل له مشكلته.
فيوجد أخوان مؤمنون عندنا هنا من فضل الله، وعندهم عمال، والله سمعت عدداً من القصص عنهم مشرفة، بتواضعهم وبإكرامهم العمال، وهكذا الإسلام يمتن العلاقات الاجتماعية ولا يفتتها. ((... وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
"إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساوئ الأعمال، وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك فأسألك يا حليم، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول السـاعة الساعة حتى اكتفت السماء بالغمام، وأقبل المطر من كل جانب، فجئت إلى الفضيل فقال لي: "مالي أراك كئيباً، فقلت: أمراً سبقنا إليه غيرنا وتولاه عنا، فقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخر مغشياً عليه". المشكلات من نعم الله عز وجل لأنها سبب التوجه إليه :
آخر قصة يروى أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس رضي الله عنه، فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس: "اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب - مثل القوانين - ولم يكشف إلا بتوبة، قد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليك وسلم، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، وأنت الراعي لا تهمل الضال، ولا تدع الكثير بدار المضيعة، فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الأصوات بالشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغيثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال: فما أتمّ كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال".
ها نحن أولاء، وليس القصد القصص بل القصد نحن، لا يوجد واحد منا ليس له مشكلة مع الله عز وجل، إما بصحته، أو بماله، أو ببيته، أو بأولاده، أو بابنه المريض، أو بزوجته، لا يوجد إنسان، وهذه المشكلات من نعم الله عز وجل، وهذه المشكلات سبب التوجه إلى الله عز وجل، إن الله يحب أن يسمع تضرع عبده، إن الله يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، وبدون مشكلة تقول: يا رب من قلبك، وتدعو دعاء بارداً، وحتى يكون الدعاء ساخناً يكون وراءه مشكلة، إذا خاف أما أنت فلست بخائف يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، ولكن إذا وجد خوف حقيقي فمن أعماقك تدعو، والله يريد دعاء من الأعماق، ويريد دعاء حميماً، ودعاء فيه إخلاص، وترج، وإلحاح، وطلب، وثقة، وتوكل، و يقين، فهذا الدرس لنا وهذه القصص مضت قال تعالى:
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 134]
* * *
رحمة النبي صلى الله عليه و سلم :
وآخر فقرة قصيرة في الدرس سيدنا النبي صلى الله عليه:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ... ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
أنت مؤمن فيجب أن يكون عندك عطف على الأولاد منقطع النظير، مثلاً رسول الله في المهاجرين، وإبراهيم مسترضع في الميدان، في عوالي المدينة في الطرف الآخر. ((... فَـكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّـهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ ... ))
تصور إنساناً خرج من المهاجرين ومشى إلى الميدان وقرع الباب أين إبراهيم؟ أخذه وقبله وعاد، هكذا كان صلى الله عليه وسلم.
وسيدنا عمر عين والياً وأعطاه كتاب التعيين، وكان عمر يحب ابنه ويقبله، فهذا الوالي نظر إلى هذا الموقف نظر المستنكف، فقال له: ما بك؟ قال: والله إني لا أُقبّل أحداً من أولادي، فقال له: هات الكتاب فأخذه ومزقه، وقال له: كيف ترحم الناس إن لم ترحم أولادك فأنت لست أهلاً.
أنا أقول: إذا الإنسان كان معلماً فيجب أن يحب الأولاد، وأحياناً ترى المعلم له ضرب مبرح فأين رحمتك؟ إن لم تكن تحب هؤلاء الطلاب فكيف تعلمهم؟ اترك التعليم، فالتعليم يحتاج إلى رحمة، تعامله مثل ابنك، يمسكه من سوالفه ويرفعه فيخرج الشعر بيديه، لو أن معلماً فعل هذا مع ابنك فماذا تفعل معه؟ هذا له أب أيضاً.
ومن رحمته روى الشيخان: ((عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]
يظهر أن امرأة تصلي خلف الصفوف، و لها ابن يبكي، والنبي الكريم في الصباح كان يقرأ السور الطويلة، فقرأ في الفجر قل أعوذ برب الناس، لأنه سمع طفلاً يبكي وقلبه رقيق ما تحمل فاختصر الصلاة.
امرأة في المستشفى على وشك الولادة ولا يوجد ولا قابلة في المستشفى فقالت الطبيبة: سوف أتوضأ وأصلي العصر وأحضر إليكم و يكون الأمر قد انتهى ولا يوجد فقه. رحمة النبي بالصبيان :
وكان من رحمته بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبلهم كما جاء في الصحيحين، قالت عائشة رضي الله عنها: قبّل النبي عليه الصلاة والسلام الحسن والحسين ابني علي.
((وحَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ ))
[ مسلم عن أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ]
وفي الصحيحين عن عائشة: ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ]
أي أنت لا يوجد فيك رحمة، ومن رحمته بالصبيان وحبه إدخال السرور عليهم، كان عليه الصلاة والسلام إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان كما روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان إذا أوتي بباكورة الثمرة - أي أولها - وضعها على عينيه ثم على شفتيه وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره ثم يعطيه من يكون من الصبيان ))
[روى الطبراني عن ابن عباس]
قدموا له أول تمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه ثم أعطاها الطفل في المجلس، ومعنى هذا أن الطفل يشتهي الفاكهة أكثر من الكبير، وأحياناً الأب يتجاهل طلب الطفل، ويكون معه ولا يحب الأب الفاكهة والابن يحبها مثلاً. ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
البكاء رحمة أما رفع الصوت بالبكاء فمن الشيطان. ((... فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))
[مسلم عَنْ أسامة بن زيد ]
اللطم و ضرب النفس عذاب أما البكاء فرحمة :
و:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ فَقَالَ أَقَدْ قَضَى قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ ))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]
فإذا صرخ الإنسان، ولطم، وضرب نفسه فبهذا يعذب، أما البكاء فرحمة، والنبي الكريم صلى الله عليه قبّل عثمان بن مظعون وهو ميت، له صاحب توفي فجاءه و قبّله وهو ميت وهو يبكي: (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى دُمُوعِهِ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ ))
[الترمزي عَنْ عَائِشَةَ]
وعند ابن الجوزي في كتاب الوفاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لما مات عثمان بن مظعون كف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه، وقبّل ما بين عينيه، ثم بكى طويلاً، فلما رفع عن السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها، كان فقيراً جداً".
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويقول: "اللهم أحشرني مسكيناً - أي متواضعاً لله عز وجل- مؤمناً، لا متكبراً ولا مستعلياً" . ((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

السعيد
09-10-2018, 01:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الاربعون )


الموضوع :صلاة المريض




لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صلاة المريض :
أيها الأخوة المؤمنون، درسنا اليوم: "صلاة المريض"، والمرض شيء يطرأ على الإنسان، والشرع الحكيم لم يدع قضيةً أو ظرفاً صعباً إلا وشرع له، ولكن لابد من تفصيلات.
يجوز أن يصلي المؤمن قاعداً، وأن يصلي جالساً، وأن يصلي مضطجعاً، وأن يصلي مستلقياً، وأن يومئ برأسه، ففي كل الأحوال يجوز أن يصلي، و هناك استنباط بسيط من هذا الإجمال، فما هذا الاستنباط؟ يجب أن تصلي واقفاً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فمضطجعاً، فإن لم تستطع فمستلقياً، فإن لم تستطع فمومياً برأسك، فإن لم تستطع فمومياً بعينيك، ماذا تستنبطون من هذا الإجمال؟ الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
لا يجوز لرجل مؤمن أن يدع الصلاة بأي حال من الأحوال، يحارب عدوه فهناك صلاة الحرب، إذ يقف النبي عليه الصلاة والسلام ويأتم نصف الجنود وراءه، ويصلون ركعةً واحدة، والنصف الآخر يحرسه، فمادامت الصلاة يجب أن تكون حتى في ساعة اللقاء مع العدو فالصلاة هي الدين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((من ترك الصلاة فقد كفر جهاراً))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
و: ((بين الرجل والكفر ترك الصلاة))
[ مسلم عن جابر]
((عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))
[أحمد عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ]
الحالات التي يجوز فيها للمصلي أن يصلي قاعداً :
قال العلماء: إذا تعذر على المريض كل القيام، كان يصلي واقفاً فوجد نفسه تضايق فيتابع جالساً، طبعاً القيام الحقيقي أن تقف على قدميك أو تعثر، ما الفرق بين التعذر والتعثر؟ التعذر الاستحالة لكن التعثر الصعوبة، كما هو الفرق بين التعذر في الإعراب منع من ظهورها التعذر، ومنع من ظهورها الثقل، إذا قلت: منع من ظهورها التعذر يستحيل على اللسان أن يحرك الألف، لكن الحركات على الواو لا تظهر للثقل، لأنه يثقل على اللسان أن يلفظ الواو مضمومةً أو مكسورةً.
إذا تعذر أو تعثر كل القيام لوجود ألم شديد فهذه أول حالة، أو خاف زيادة المرض، أو بطء الشفاء، أي وجود ألم حقيقي، هناك حالة لا يوجد ألم حقيقي، ولكن يتوقع إذا وقف أن يزداد المرض، ويتوقع أيضاً أنه إذا وقف مصلياً يتأخر الشفاء، هنا يوجد سؤال دقيق جداً فمن الذي يقول إنه إذا صليت واقفاً يتأخر الشفاء أو يزداد المرض؟ قال العلماء: إذا غلب على ظنه، فعندنا ظن، وإذا غلب على ظنه، أو أخبره طبيب مسلم حاذق، أو ظهر الحال في أثناء الوقوف، فعندنا ثلاث حالات تجعلك إذا وقفت يزداد المرض، أو يتأخر الشفاء، أو تحس بألم شديد، بشرط أن يغلب هذا على ظنك بتجربةٍ سابقة، أو أن يخبرك طبيب، أو أن يظهر الألم فجأةً، ففي هذه الحالات السابقة يجوز أن تصلي قاعداً لعدم وجود ألم حقيقي، أو ألم متوقع، أو تأخير شفاء، أو زيادة الداء.
إذا تعذر أو تعثر كل القيام بوجود ألم شديد فهذه أول حالة، أو خاف زيادة المرض، أو بطء الشفاء صلى قاعداً بركوع وسجود، قاعداً كما يقعد للجلوس الأخير، وقد مرّ معنا سابقاً أن الإنسان المتعب له الحق أن يصلي النوافل قاعداً، ولا يقبل منه الفرض قاعداً إذا كان متعباً، فالفرض يجب أن تؤديه قائماً، أما إذا كان هناك مرض فبحث آخر، لك أن تصلي الفرض والسنن قاعداً بركوع وسجود.
ورجل لا يستطيع أن يقعد على الطريقة التي نألفها في القعود النظامي لألم بعظام رجليه، له أن يقعد كيف يشاء، وله أن يقعد متربعاً، أو على طرفين، أو على ساقيه بأي شكل يريحه، و له أن يجلس، و بقدر ما يستطيع أن يجلس أيضاً يصح ذلك كما قلت قبل قليل.
من تعذر عليه الركوع و السجود يصلي قاعداً :
قال: وإذا تعذر عليه الركوع والسجود - إذا كان معه انزلاق غضروفي بفقراته وآلام لا تحتمل فإذا فعل هكذا شعر بألم شديد نقول له: صلّ قاعداً واركع واسجد برأسك، لكنه يجب أن يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، فإن لم يخفضه عنه لا تصح صلاته، أما أن يضع شيئاً عالياً يسجد عليه فهذا مما نهى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كان يضع كرسياً عالياً يسجد عليه فهذا مما نهى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ))
[الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
وزاد النسائي: " فإن لم تستطع فمستلقياً لا يكلف الله نفساً إلا وسعها "
و ((عَنْ جَابِرٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَادَ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا ، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ ، فَقَالَ : صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ ، وَإِلا فَأَوْمِئ إِيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ))
[ البيهقي عن جابر]
يوجد عندنا إيماء بالرأس والسجود والركوع العاديين، وهو قاعد الركوع زاوية متوسطة بين القيام والسجود العادي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من استطاع منكم أن يسجد على الأرض فليسجد ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه بركوعه وسجوده يومئ برأسه ))
[الطبراني في الأوسط عن ابن عمر]
من تعثر عليه القعود في الصلاة أومأ مستلقياً أو على جنبه :
وإذا تعثر القعود أومأ مستلقياً أو على جنبه، عمليات جراحية تكون في طرفه اليمين مضمد ومجبصن، فاستلقاؤه على جنبه، يجوز أن يصلي مستلقياً على جنبه الأيمن، أو الأيسر، أو على ظهره، أو قاعداً بأية صورة يرتاح معها، أو قائماً، لكن العلماء نهوا عن أن يستلقي الرجل على ظهره تماماً ويصلي ورأسه إلى السماء، أي النظر إلى السماء في الصلاة مكروه، ولذلك قالوا: يجب أن يوضع تحت رأسه وسادة تجعل نظره نحو الأمام لا نحو السماء.
ويجعل تحت رأسه وسادةً ليصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء.
الآن إذا كان مستلقياً باتجاه القبلة أي رجلاه نحو القبلة قالوا: الأدب أن ينصل ركبتيه لئلا يجعل ركبتيه نحو القبلة، وأحياناً الإنسان يستلقي على ظهره ويرفع ركبتيه نحو الأعلى، فهذا وضع فيه أدب أكبر مما جعل رجليه ممدودتين باتجاه القبلة وهذا من باب الأدب إذا قدر، وإذا كان المرض في عموده الفقري، أما كان المرض في ركبتيه فيجعلهما على طبيعتهما.
إذا تمكن الإنسان أن يكون سريره في غرفة نومه من الشرق إلى الغرب فرأسه نحو الغرب ووجهه نحو القبلة فليفعل أكمل نومة، أي السرير شرق غرب، ومكان الوسادة نحو الغرب، فإذا استلقى الإنسان على شقه الأيمن فيصير وجهه نحو القبلة وقدماه نحو الشرق ورأسه نحو الغرب ووجهه نحو القبلة، والإنسان بغرفة النوم ينتبه إلى هذا.
من عجز عن الإيماء و فهم الخطاب عليه أن يصلي ما فاته فإذا لم يفهم رفعت عنه :
وإذا تعذر الإيماء قال: أخرت عليه الصلاة مادام يفهم الخطاب، فإذا لم يفهم الخطاب رفعت عنه الصلاة، لا يوجد وعي بل غيبة مطلقة مستلقياً على فراش في المستشفى غيبوبة تامة، ارتفع ضغطه وفقد وعيه، إذا كان يعجز عن الإيماء و يفهم الخطاب عليه أن يصلي ما فاته من صلوات عندما يستعيد قدرته، فإذا غاب عن الوعي سقطت عنه الصلاة فإذا كانت الصلوات خمسة أوقات فما فوق، و إذا كانت أقل من خمسة أوقات لا تسقط ولو غاب عن الوعي فعليه أن يقضيها. سقوط القضاء إذا دام عجزه عن الإيماء أكثر من خمس صلوات فبعض العلماء قال: إن استطاع أن يومئ بجفنيه تقبل صلاته لعظم شأن الصلاة، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى بحث آخر عن قضاء الفوائت.
* * *
الدعاء هو العبادة :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين متعلق بالدعاء، طبعاً بعد أن انتهينا من موضوع آداب الدعاء، ننتقل إلى بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا أدري إذا كان الأمر واضحاً لديكم، فالدعاء هو العبادة، والصلاة هي الدعاء، والصلاة الدائمة هي الدعاء، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[ سورة المعارج: 23]
يدعون الله إذا خرجوا من بيوتهم، وإذا دخلوا مساجدهم، وإذا دخلوا إلى السوق، وإذا استلقوا على فرشهم، وإذا واجهوا صعوبةً، وإذا لبسوا ثوباً جديداً، وإذا تناولوا طعاماً، وإذا دعوا إلى وليمة، وإذا جاءهم مولود، أي في كل حركة وسكنة ذكر لله عز وجل، أي إذا الإنسان أحبّ أن يعرف هذه الأشياء الدقيقة الدقيقة يقتني كتاب الأذكار للنووي، وهذا الكتاب فيه كل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، ونومه ويقظته، وصحوه، ومع أصحابه، وكل حركة وسكنة ماذا كان يفعل. بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام :
هناك بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، من هذه الأدعية دعاء كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو به بعد ركعتي الفجر، قال ابن عباس رضي الله عنهما بعثني العباس إلى النبي صلى الله علية وسلم فأتيته ممسياً، فقام يصلي من الليل فلما صلى ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح قال:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ ....))
فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، ورحمته لا يعرفها إلا من ذاقها، فإذا ذقت رحمة الله عز وجل تصغر الدنيا في عينيك، وتنتقل من قلبك إلى يديك، وإذا ذاق قلب المؤمن رحمة الله عز وجل زهد في الدنيا، فمن عرف الله زهد فيما سواه، ولا يعرف هذه الرحمة إلا من ذاقها.
فالعسل صف لي إياه، أحلو هو مثل الدبس؟ لا، أمثل القطر؟ صفه لنا، أمثل العنب الحلواني؟ كيف أصفه لك؟ يجب أن تذوقه، ومن ذاق عرف، ولا يعرف مـا نقول إلا من اقتفى أثر الرسول. الإنسان مفطور على السلامة و السعادة :
إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ ....))
قلت لكم في الدرس الماضي الأزمة أزمة معرفة، فلو أن الضال عرف ما عرفه النبي عليه الصلاة والسلام لأحب الله حبه، ولأقبل عليه إقباله، ولانضبط انضباطه، ولفعل الصالحات فعله، فالأزمة أزمة معرفة، لأن كل إنسان مفطور على حب السلامة والسعادة، و لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويرجو السلامة والسعادة، لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويتوخى السعادة، فلماذا يشقى الناس؟ لأن بعضهم يتوهمها في شيء ليس أهلاً لها، ويتوهمونها في جمع المال، قال تعالى:
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[ سورة يونس : 58]
يتوهمونها في الملذات الرقيقة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124 ]
((عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْعَطَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُنْزِلُ بِكَ حَاجَتِي وَإِنْ قَصُرَ رَأْيِي وَضَعُفَ عَمَلِي افْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ فَأَسْأَلُكَ يَا قَاضِيَ الْأُمُورِ وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ الْبُحُورِ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبُورِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ اللَّهُمَّ مَا قَصُرَ عَنْهُ رَأْيِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَّتِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ وَالْأَمْرِ الرَّشِيدِ أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوًّا لِأَعْدَائِكَ نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الْإِجَابَةُ وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي وَنُورًا فِي قَبْرِي وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَنُورًا مِنْ خَلْفِي وَنُورًا عَنْ يَمِينِي وَنُورًا عَنْ شِمَالِي وَنُورًا مِنْ فَوْقِي وَنُورًا مِنْ تَحْتِي وَنُورًا فِي سَمْعِي وَنُورًا فِي بَصَرِي وَنُورًا فِي شَعْرِي وَنُورًا فِي بَشَرِي وَنُورًا فِي لَحْمِي وَنُورًا فِي دَمِي وَنُورًا فِي عِظَامِي اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ سُبْحَانَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بِطُولِهِ))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
المؤمن بجهد قليل يحقق نتائج باهرة و الكافر يجعل الله أمره فرطًا :
انظر الآن إلى الكافر وكان أمره فرطاً، بيته غير منضبط، زوجته غير منضبطة، و مواعيده غير مضبوطة، وعلاقاته غير صحيحة، وبيعه وشراؤه فاسد، وكلامه فيه ظنون، ومعتقداته فيها انحرافات، قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
((... وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
لذلك قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (( من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة...))
[الترمذي عن أنس]
أي بجهد قليل يحقق نتائج باهرة، فالله عز وجل جمع له شمله، و إذا أراد الله عز وجل أن يؤدبه يبذل جهوداً جبارة تعجز عنها الرجال، ومع ذلك لا يحقق شيئاً، ويشغله بصفقة ثلاث سنوات ثم يخسره بها مئة ألف، و يقول لك: يا ليتني أغلقت المحل وذهبت نزهات، أو نمت، إذ يشغله بطريق مسدود، وبطرق كلها متاهات، ولذلك: (( من أصبح وأكبر همه الآخرة ...))
أي: (( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))
[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]
(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ))
[ الجامع لأحكام القرآن ]
(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))
[ من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب ]
"عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد." امتحان الإنسان من قِبل الله كشف لمعدنه :
نقرأ قصة سيدنا يوسف لماذا نقرأها؟ هل هي تسلية أم للمتعة؟ قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 21 ]
عشرة أخوة أشداء ائتمروا على أخيهم الصغير، وأرادوا أن يقتلوه، قال قائل منهم: اجعلوه في غيابت الجب، وضعوه في بئر جاءت سيارةً فأرسلوا واردهم قال: يا بشرى، أسروه بضاعة، اشتروه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين، دخل قصر العزيز وكان خادماً عبداً و لكنه كان مخلصاً لله عز وجل وعفيفاً، عف عن المحارم، دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، وفي النهاية صار عزيز مصر، قالوا: أ إنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. هذه القصة ما معناها؟ ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 21 ]
ربنا عز وجل يخلق لك ظروفاً صعبة تضيق عليك الدنيا، ويفتحها من طريق فيه حرام، فهذا هو الامتحان الصعب، إذ لا يوجد أعمال إطلاقاً، ومفتوح عمل لا يرضي الله عز وجل، فالمؤمن الصادق الصابر يقول: أنا لو مت جوعاً لن أفعل هذا؟ والأقل صدقاً يقول: ماذا أفعل أنا مضطر وليس لي خيار في الأمر؟ لقد رسب في الامتحان، ولكن إذا كان إيمانك بالله قوياً فهذا الآمر العظيم خالق الكون هل يدعك بلا شيء إذا اخترت رضاه؟ وإذا آثرت رضاه هل يدعك خلف الناس؟ حاشا لله ،وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الوفاء، وأنت تؤثر رضاه ثم يتركك!! محال أن تطلب رضاه ولا يرضيك، لكن يؤخر لك العطاء قليلاً حتى ينكشف المعدن و هذه على موضوع ((....وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ...))
فالمؤمن مجموع الشمل و أموره ميسرة. المؤمن لا يصدق إلا ما جاء به القرآن الكريم :
يا أخوان: التيسير له قانون لا تسموه حظاً، لا يوجد حظ، لا تقولوا: فلان يده خضراء، لا يوجد يد خضراء، لا تسموا فلاناً مرزوقاً، لا يوجد مرزوق يوجد الله هو الرازق، لا تقولوا: فلان القدر تبسم له، فهذا كلام فارغ، لا تقولوا: إن الأيام رفعته، فلا يوجد أيام، ولا يوجد إلا الله، لا تقولوا: الدهر كان له بالمرصاد، لا يوجد إلا الله، فهذه كلها كلمات الشرك، وكلمات الكفر، هذا قدمه نحس، ما هذا الكلام؟ فالله يؤدبه، دخل فلان البيعة فضت، ما هذا الكلام؟ يقول: أخي قدمه نحس، هذا الشيء توهم من الشيطان، لا إله إلا الله، لا خيرة ولا كهانة ولا سحر فالمؤمن لا يصدق إلا ما جاء به القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*مَلِكِ النَّاسِ*إِلَهِ النَّاسِ*مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ*الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ*مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[ سورة الناس: 1-6 ]
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
[ سورة الفلق: 1-2 ]
((... وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي...))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
كل هذا من رحمة الله. الابتعاد عن الفتن :
هذه الرحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي المتفرق، وترد بها الفتن عني، وأحياناً الإنسان ينتكس، ويحضر جهاز لهو إلى البيت، يفسد له حياته المنزلية، وقعت جريمتان في دوما وفي الزبداني بسـبب جهـاز الفيديو، إنسان وجد ابنه فوق ابنته بسبب جهاز اللهو، وترد بها الفتن هذه فتنة طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: أَفْشِ السَّلامَ وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ وَصِلِ الأرْحَامَ وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ترد بها الفتن عني، يا رسول الله بم أنجو من عذاب الله؟ قال: (( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ))
[الترمذي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]
فهذه الفتن ولاسيما في هذه الأيام الفتن يقظى، الفتنة نائمةٌ لعن الله من أيقظها، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[سورة يونس: 24]
كل شيء مزين، الأسواق مزينة جداً، البضاعة معروضة عرضاً يسير لها اللعاب، و في الأسواق إضاءة، وعرض جميل، والأسواق كلها تضج بحاجات الإنسان، قال رسول الله: "شر البلاد أسواقها وخيرها مساجدها"، فهنا يوجد رحمة، وتذكير بالآخرة، وبساعة اللقاء، وبساعة الفراق. ((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ))
[الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ]
طريق الإيمان طريق مصيري :
أحياناً الإنسان له فورة يأتي إلى الجامع ويسمع الحق ويتأثر، ويثور و يحب الحق، وأنا يبلغني هذا الأمر، أقول لهذا الرجل: ثبتك الله يا أخي، لأن البطولة بالثبات وليست البطولة بالفورة ثم ينتكس نكسة شديدة، إذا الإنسان بنى إيمانه على علم لا ينتكس، أما إذا بناه على انفعالات وعلى عواطف فهذه خطرة، وهذه لها فورة، وعندما تنتهي الفورة يعود إلى ما كان عليه، وربما انتكس نكسةً خطيرة، فيفجر فجوراً لا يفجره أهل الفجور، والثبات نبات كما يقولون، أنت سلكت طريق الإيمان وهذا طريق مصيري، قال تعالى:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب: 23]
أي ليس مؤقتاً، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[سورة الحج: 11]
فإذا عمله قلَّ في المحل يقول: بعد أن آمنا هكذا صار معنا، والله كنت لا أهدأ من البيع، والآن بعدما لحقنا الدين نضب موردي.
يجب أن توطن نفسك أن تحب الله، وأن تستقيم على أمره في السراء والضراء، وفي الغنى والفقر، وفي إقبال الدنيا و إدبارها، إن كنت متزوجاً أو عازباً، جاءك أولاد أم لم يأتك، جاءك بنات أو ذكور، دخلك محدود أو غير محدود، الصحة طيبة أم غير ذلك، أنت آمنت بالله عز وجل؟ هكذا الصحابة كانوا. المصائب محك الرجال :
سيدنا علي يقول: "الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين"، والله الذي لا إله إلا هو إذا الإنسان أصابته مصيبة وتوجه إلى الله وقال: يا ربي لك الحمد على هذه المصيبة، لاشك أن فيها حكمةً ورحمةً وعلماً، أنا فقير إليها، هل تعلمون أن هذا نجاح باهر عند الله، ابتلاه ونجح، ويوجد أشخاص على المصائب يتغير إيمانهم، وهناك أشخاص على المصائب الثقيلة يقول لك: أين الله؟ ينكر وجوده، فالإنسان يطلب من الله السلامة، ولكن إذا جاء البلاء فالمصائب محك الرجال.
وسيدنا رسول الله كان من الممكن ألا يواجه أعداء إطلاقاً، وكان من الممكن أن يضعه الله في بيئة كلها مؤمنة، مثلاً نشأ في مكة و لا يوجد فيها أي كافر وكلها مؤمنون، فلما جاءت الرسالة آمنوا به جميعاً، لا يوجد حروب، ولا أعداء، ولا شيء إطلاقاً، فالدعوة تنتشر بسرعة، والناس مقبلون عليها، وأصحابه محبون له، وإكرامهم شديد له، كان من الممكن، ولكن معدنه الثمين لا ينكشف في هذا، له معدن ثمين صلى الله عليه وسلم فلا ينكشف إلا في غار ثور، قال: "يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، قال له: لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، قال له: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قال له: لقد رأوني، قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف: 198]
يجب أن يمر بموقف صعب، وأن يذهب إلى الطائف ثمانية كيلو مترات مشياً، فأنت اذهب إلى دوما مشياً فهل تستطيع؟ سبعة عشر كيلو حتى تصل والطائف ثمانون وليس الطريق سهلاً، شق طرقات إلى الطائف شيء لا يصدقه العقل، جبال وعرة كأنها جدر، وصل النبي الكريم مشياً على قدميه إلى الطائف ليدعوهم إلى الله ورسوله، فأبوا، وأنكروا، واستهزؤوا، وكفروا، وعاد إلى مكة مخذولاً، وقال له أحدهم استهزاءً: ألم يجد الله أحداً غيرك يبعثه إلينا؟ وقال له آخر: والله لو أنك نبي حقاً لمزقت أثواب الكعبة، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: "إن الله ناصر نبيه".
توفيت زوجته، وتوفي عمه، وضيق عليه المشركون، ألجؤوهم إلى الشعاب، ونصح أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وتبعه سراقة ليأخذ الجائزة، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، قال: يا ربي اكفنا إياه كما شئت وكيف شئت، فغاصت قدما الفرس في الرمل فوقع من على فرسه المرة الثانية والثالثة فعرف أنه ممنوع منه، وأنه نبي قال له: مرني قال: خذل عنا، فعاد سراقة ورد الناس عن النبي، قال: هذا الوجه ليس فيه أحد كفيتكموه.
يجب أن يمر في ظرف صعب، فإذا الإنسان خاف لا يحزن فالأنبياء مروا في ظروف صعبة، فيجب أن تخاف مرة، و أن يقل دخلك مرة، وأن تشعر بشبح مصيبة كبيرة فلا تقل نفسك: ما هذا الدين؟ يا رب إني راض. الحيان امتحان وكل شِدّة وراءها شَدّة إلى الله عز وجل :
الإمام الشافعي رضي الله عنه أثناء الطواف سمع رجلاً يقول: يا رب ارض عني، إنه رجل عادي، فقال له: يا هذا لو رضيت عن الله لرضي الله عنك، قال: من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا محمد بن إدريس الشافعي، قال له: وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ ما هذا الكلام ما قنع به، فقال الإمام الشافعي: يوم تسر بالنقمة سرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، وهذا المقياس الدقيق، شيء لا تحبه فعليك أن تقول من أعمق أعماقك: يا رب لك الحمد، أنا راض.
قال لي طبيب بمستشفى: جاءنا مريض معه سرطان في الأمعاء وآلام هذا المرض لا تحتمل، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد يا أخي أنني راض عن الله، يا ربي لك الحمد، شيء غريب كلما دخل زائر يقول له: اشهد أنني راض عن الله.
هكذا المؤمن فإذا الله بعث بمشكلة - وهذه نصيحة لوجه الله - لا يفتر لسانه عن الحمد لله، يا ربي لك الحمد، فلابد من حكمة وراء هذه المشكلة، ولابد من رحمة وراءها، ولابد من قفزة، كل شِدّة وراءها شَدّة إلى الله.
الحياة امتحانات من الذي قال لك: إنه ممكن أن تعيش حياة هادئة لا يوجد فيها ولا مشكلة؟ أين الامتحان؟ قال تعالى:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 2]
تريد حياة على تصميمك لا يوجد فيها مرض، ولا انزعاج، ولا مشكلة مع الزوجة أبداً، ولا مشكلة مع الأولاد، ولا يظهر حلمك، ولا علمك، ولا رحمتك، و لا تظهر حكمتك، إن لم يكن هناك مشاكل أين حكمتك؟ لا تظهر، أحضر أغبى إنسان ضعه في موقف ميسور تجده بشكل جيد، ضع إنساناً في منصب ولا يوجد مشكلة في المعمل، ولكن المشكلة إذا الآلة تعطلت، أو العامل شذّ، أو مادة فقدت، فهنا تبدو حكمة المدير العام كيف يوفر المادة. موقف النبي من الأنصار و حكمته العظيمة :
النبي صلى الله عليه وسلم جاءه صحابي جليل يقول له: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
انظروا إلى هذا الموقف، طبعاً هو موقف نبوي لكن علماء السياسة اعتبروه أذكى موقف سياسي. ((... قَالَ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ: أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
أنا واثق من إيمانكم، أحياناً يأتيك ضيف ويكون عندك ثلاث برتقالات، تضعهم للضيف فيأكلهم، و ابنك لم يأكل برتقالاً لكنه يتحملك لأنه من أهل البيت، ويقول: أنا ما أكلت برتقالاً يا والدي، هذا طفل أحمق، نعم تأكل أما الآن فنريد أن نبيض وجهنا أمام الضيف. ((... أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ... ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
بأنفسهم أشياء كثيرة، نحن استقبلنا رسول الله، ونحن نصرناه، فهذه خواطر داخلية، ونحن منعناه، و جاهدنا معه، و لنا ميزة. ((... أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ...))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
قال لهم يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بينكم؟ ما بدأ بنعم رسول الله، بدأ بما يفكرون هم: ((... أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأنْصَارِ قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
ألا ترضون أن هذا أخذ غنمة، وهذا شاة، وهذا أخذ بعيراً فرح به، ألا ترضون، طمأن بين قلوبهم، وطمأنهم، وجبر خاطرهم، وسلاهم، واعتذر لهم تقريباً، وذكر ما يدور في خواطرهم، وبيّن له فضله عليهم، فهذا الموقف النبوي. تواضع النبي صلى الله عليه و سلم :
صلى الله عليه جاءه صحابي وقال له:
(( عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى... ))
[ مسلم عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان متواضعاً جداً: ((... فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ))
[عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
ومن علامة النية أنه لا يوجد عنده كبر أبداً، ما دعاك، إجابة الدعوة فرض، شأنه قليل و قال له النبي: على العين والرأس: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
لا تعرف قد يكون أعلى منك هذا الرجل. ((... سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ... ))
انظر لو قال له غداً آتيك صار هناك إحراج، وسوف يغديه، انظر إلى الكمال النبوي ما حدد له موعداً معيناً لئلا يتكلف قال له: ((.. سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ... ))
جاء إلى مهمة محددة. ((.. قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ قَالَ فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا... ))
سيدنا النبي صلى الله عليه يمكن كل واحد من الصحابة في ذاكرته يعرف مشكلته، هذا متقدم وهذا متأخر، وهذا غاب وهذا جاء. (( فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيَّ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ ))
[ مسلم عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ]
ما هذه لا، البلاغة بكلمة لا فقط، لو أضاف لها كلمة ثانية ما عدّ نبياً، ولو أنه سكت لعدّ سكوت النبي عليه الصلاة والسلام إقراراً، و لو قال قائل منهم: لقد نافق مالك بن الدخشن وسكت النبي فهو منافق، ولو قال الثاني: إنه بغيض الله ورسوله وسكت النبي لكان كذلك، ولو قال الثالث: إن حديثه في المنافقين وسكت النبي لكان كذلك، ولو أن أحدهم قال: نافق مالك يا رسول الله، فقال: لا ليس منافقاً وهو منافق لطعن بهذه الشهادة، إنسان منافق فعلاً، قال: هذا ليس منافقاً أي هؤلاء الأصحاب القلة شكوا في حكمه منافق، ولم يعد نبياً في نظرهم، أما كلمة لا فتحتمل معنيين، تحتمل ليس كذلك وتحتمل لا تقولوا كذلك، فإذا نقلت هذه القصة إلى مالك بن الدخشن، يا رجل قال عنك فلان إنك منافق فقال عنك النبي: لا، كيف يفهمها مالك؟ ليس كذلك إنه نفى عني النفاق يميل قلبه نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سمعها واحد في المجلس أنه منافق وقال: لا، يفهمها ألا تقولوا هذا أمامي، أحب أن أخرج وأنا سليم الصدر، لا تحدثوني عن أصحابي بما أكره. الابتعاد عما يجرح شعور الآخرين :
أحياناً يكون أخ يمشي مع رجل بعلمه يحبه، فيأتي منافق ويقول له: هذا منافق، و هذا عنده الجهاز الفلاني، وزوجته سافرة، و ماله حرام، فلماذا تقول هذا الكلام دعه يمشي معنا، من المحتمل بعد شهرين أن يبيع هذا الجهاز، وبعد شهرين يحجب امرأته، وهذه المصلحة يتركها، لماذا أنت تقول هذا؟ إذا أنت غرت عليه فانصحه ولا تدريني، إذا ما دريتني فالأفضل أن يبقى بيني وبينه مودة، وهذه المودة تتصاعد ثم تجده ترك كل هذا، أما إذا أوغرت صدر هذا الإنسان على هذا الأخ فصار فساد بالعلاقة فقد وقعت بإثم، فكلمة لا تحير، هذه الكلمة لها معنيان أي لا تقولوا كذلك، وإذا سمعها مالك ليس كذلك.
((.... لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ....))
هذا الكلام لا ينطبق عليه، انظروا إلى الذكاء، هذا كلام منطقي وليس له علاقة بالماضي، انتهت القصة.
وعندما انتهت القصة تصورت أن هذا منافق، ولكن رسول الله ما أحب أن يجرح شعوره، ولا أحب أن يفضحه، وما أحب أن يسكت، لأنه لو سكت صار إقراراً، وقعت تحت يدي مجلة فيها مقالة عن تبوك، قرأت المقالة فإذا في نصفها الآخر إشارة كدت أذوب لما فيها فرحاً، المنافقون بنوا مسجد ضرار، وهذا المسجد مذكور في القرآن، فبعث النبي عليه الصلاة السلام صحابيين جليلين هما مالك بن الدخشن وآخر ليهدما هذا المسجد، ومعنى هذا أن سيدنا مالك لما بلغته القصة أنه قال عنك: فلان منافق، وقال عنك: إن حديثك في المنافقين، وقال عنك فلان: تبغض الله ورسوله، وكل مرة يقول رسول الله لا، فصار له ميل لرسول الله وبهذا الميل عاد وأسلم، وحسن إسلامه، وصار مجاهداً، وبعثه النبي بمهمة، هذه نتائج كلمة لا، هذه النبوة، لا تقل كلمة فيها جرح لشعور إنسان. النبي الكريم أشد حياء من العذراء في خدرها :
صلى الله عليه شاهد ابنته فيما أذكر تلبس ثوباً شفافاً فقال: "لا تلبسي هذا الثوب إنه يصف- ماذا يقول ضع أي كلمة مشكلة- قال لها: إنه يصف حجم عظامك"، وهذه روعة الحديث هل من الممكن أن يخطر في بالك شيء بهذه الكلمة.
وأحدنا أحياناً يقول كلمة لا تليق وهو يريد أن ينصح ابنته فيقول كلمة لا تليق، كان النبي لا ينطق بكلمة واحدة فيها إثارة، فالآن تفتح كتاب فقه، والله تستحي بحالك، كل شيء باسمه الحقيقي، كتاب في البيت ممكن أن يقرأه طفل، وكبير، و لا يوجد شيء مستور في الفقه، وليس من المعقول أن تقرأ كتاب فقه في مسجد، أخي لا حياء في الدين، لا فالدين كله حياء، تعلم من الله عز وجل الكنايات الرائعة، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 5-7 ]
هذه ينطوي تحتها مليون انحراف أخلاقي، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾
[ سورة النساء: 43 ]
فيوجد أشياء لطيفة جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم له كنايات رائعة جداً، يظهر أن امرأة سألته: (( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
فكان أشد حياء من العذراء في خدرها، كيف يفصل أكثر من هذا التفصيل؟ مجلسه مجلس علم، وحياء، ووقارٍ، ولطف. أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم العالية :
مرة كانوا مدعوين على غذاء، وكان اللحم لحم جمل، ويظهر أنهم صلوا الظهر، وجلسوا، ثم خرجت رائحة كريهة، يوجد واحد انتقض وضوءه هذه تفسيرها، أكلوا وأذن العصر وعليهم أن يصلوا العصر، وكل أصحابه متوضئون إلا هذا الذي انتقض وضوءه، طبعاً إذا أراد أن يتوضأ انكشف، فقال عليه الصلاة والسلام وهو سيد الأذكياء: "كل من أكل لحم جزور فليتوضأ قالوا كلنا أكلنا قال: كلكم فليتوضأ".
ستره، قال بعض الفقهاء هذا اللحم نجس، لا ليس نجساً، هذا صلى الله عليه وسلم لدقته العالية قال: "لا تحمروا الوجوه"، لا تحرج أحداً، هناك أناس عندهم رغبة ألست أنت قلت غير هذا الكلام البارحة؟ أنت البارحة ذممته ولم تمدحه، هذه ليست من أخلاق المؤمن.
من جاءه أخوه متنصلاً فليقبل منه محقاً كان أم مبطلاً، تصور مبطلاً أي وعدك ولم يأتِ وقال لك: السيارة تعطلت، فالمؤمن يقول: لا بأس وأنت عندك يقين أن القصة كلها كذب.
ألم يأت المنافقون يعتذرون له وتخلفوا عن بعض المعارك؟ هذا قال له: بيتي سوف يسقط وهذا قال له... كلها أسباب منطقية، حتى جاء صحابي سيدنا مالك قال له: والله يا رسول الله أوتيت لساناً ذرباً - أي عندي إقناع قوي - ولو شئت أن أسترضيك لاسترضيتك، ولكنني لو استرضيتك الآن لأوشك الله أن يسخطك علي، والله يا رسول الله لم أكن بوقت من الأوقات بأقوى ولا أنشط حين دعوتني ولكنني تخلفت، قال صلى الله عليه أما هذا فقد صدق، إشارة لطيفة جداً.
تعلموا من أخلاقه العالية، إنسان دخل إلى المسجد راكضاً أحدث جلبة وضجيجاً:
(( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))
[النسائي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ]
البلاغة والروعة بكلمة زادك الله حرصاً، لو أنه لامه أو وبخه ينزعج فأثنى عليه وقال له: لا تعد.
بدوي أثناء الصلاة عطس صحابي فقال له: يرحمك الله، فالصحابة ضربوا على أرجلهم أن اسكت، فلما شاهد هذا خاف أن يضربوه بعد الصلاة، فلما انتهت الصلاة قال له النبي صلى الله عليه: يا عبد الله إن هذا الكلام لا يصلح في الصلاة، فقال: والله ما رأيت معلماً أحكم منه ولا أرحم منه، فوالله ما نهرني ولا قهرني، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، قال له: يا أخي لقد حجّرت واسعاً. (( وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ))
[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
صلى الله عليه حكيم، الفقهاء فهموا أن إذا رجل بدأ في التبول وتوقف يصبح معه مضاعفات كثيرة جداً، هذا خطأ كبير أن يحصر الإنسان نفسه، فلماذا سحر الصحابة؟ سحروا برسول الله، من كماله صلى الله عليه وسلم. رقة النبي صلى الله عليه و سلم و تواضعه :
إنه متواضع إلى أقصى الحدود، فيه رقة، وكان إذا دخل بيته لف ثوبه، كان يقول للسيدة عائشة يا عويش تحبباً لها، ومرة تسابقا فسبقته وكانت صغيرة جداً، ومن ثم سبقها، قالت: لما ركبني اللحم فسبقني فما زاد وزنه صلى الله عليه، هي زاد وزنها، قال لها: هذه بتلك. وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، ألين الناس، وكان يقول: أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم.
أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات، وكان يرفو ثوبه، ويخسف نعله، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، رقيقاً، كانت تقول له السيدة عائشة كيف حبك لي؟ يقول لها: كعقدة الحبل، فكانت تقول له كيف العقدة؟ يقول: على حالها.
وهكذا يجب أن يكون البيت جنة يا أيها الأخوة، إذا كنت أنت مؤمناً صحيحاً ورسول الله قدوتك فيجب أن يكون بيتك جنة، لطف، ومودة، وسلام، السلام عليكم، فتح الباب وقال: الطعام جاهز، قل: السلام عليكم، تعلم الرقة مع زوجتك، مع أخوانك، ومع أصدقائك، والله يوجد أشياء في السيرة النبوية من العجائب.
إنسان قدم له خلاً فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم الإدام الخل"، فرجل غني قال: الخل أطيب شيء عند رسول الله دعاه إلى الخل فقال له: "بئس الإدام الخل"، قلناها لإنسان رقيق الحال فهل تليق به؟ فيجب على الإنسان أن يكون دقيقاً.

السعيد
09-10-2018, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الاربعون )


الموضوع : سقوط الصلاة ( و الصيام )







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إسقاط الصلاة والصوم :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم: "إسقاط الصلاة والصوم"، إذا مات المريض ولم يقدر على الصلاة بالإيماء تسقط عنه، فليست هناك فترة عفي فيها إلا أنه مرض وانتهى، ومرضه بالموت، وفي مرضه لم يقدر على الصلاة بالإيماء، وفي هذه الحالة تسقط عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيفاء بها وإن قلت، وكذلك الصوم إن أفطر فيه المسافر ومات في سفره، أو أفطر المريض ومات قبل الإقامة، ومات قبل الصحة، لا يلزمه شيء فيسقط عنه الصيام، وتسقط عنه الصلاة، لكن ورد في النص الثابت عن الصوم من أفطر بعذر فالفدية تسقطه، قال تعالى:
﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
وبعض العلماء وجه هذه الآية إلى أن الذي يستطيع أن يصوم ولكنه مسافر له أن يفطر ويستطيع أن يصوم في سفره، و المريض له أن يفطر ويستطيع الصيام في أثناء المرض، فهذا إذا أفطر أفطر بعذر، ولكن قد يكون هذا العذر غير مقبول أمام نفسه، فعليه الفدية، فقال بعض العلماء: إن الصيام بنص القرآن الكريم يسقط بالفدية، ولكن لم يرد في الصلاة نص يشبه ذلك، إلا أن السادة الأحناف قاسوا الصلاة على الصيام، ولكن السادة الشافعية قالوا: لا، فالصلاة لا يمكن أن تسقط بالفدية، ولو فرضنا إنساناً ما صلى وكان معذوراً عليه أن يدفع مقابل كل صلاة مد قمح فالشافعية لم ترضَ بهذا، فمن مات وعليه صلوات لا يكفي في إسقاطها الإطعام لحديث أنس:
((مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ قَالَ مُوسَى قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ وَأَقِمِ الصَّلاةَ للذِّكْرَى))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
قضاؤها هو كفارتها، نتابع الموضوع، الآن لو فرضنا أن إنساناً صام في رمضان ثم مرض فعليه قضاء الأيام التي أفطر فيها خلال مرضه، ثم شفي من هذا المرض ولم يقض ما عليه و مات الآن وليه عليه أن يخرج من ميراثه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره خلال المرض ولم يؤده في أثناء الصحة، وهذا النوع من الكفارة يسقط ما على هذا المريض الذي شفي من مرضه ولم يصم في أثناء الصحة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد))
[رواه عبد الرزاق في " مصنفه - في كتاب الوصايا " عن ابن عمر]
فإنسان معه قرحة في المعدة وصفنا له دواء فقال له أخوه: أنت متعب سوف آخذ الدواء عنك، هذا مستحيل، وسوف ننتقل في درس قادم إلى باب قضاء الفوائت.

* * *
العلم و العمل طريقا الوصول إلى الله عز وجل :
من كتاب إحياء علوم الدين انتقلنا إلى الجزء الثاني بعد أن تمت بعض الفصول المختارة بفضل الله عز وجل وتوفيقه، وها نحن أولاء ننتقل إلى الجزء الثاني، والشيء الذي يثلج الصدر أن الجزء الثاني كله متعلق بالآداب، فهناك مقدمة في موضوع الآداب، و أول هذه الآداب آداب الطعام والشراب، وآداب النكاح، وآداب الفقه فقه المعيشة، وآداب الاختلاط، وآداب الاعتزال، وموضوعات ثمينة جداً، من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ إذا عرف هذا الموضوع طبقه من توه، المقدمة التي أردت أن أذكرها لكم كلمة كلمة.
يقول الإمام الغزالي: أما بعد فإن قصد ذوو الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب - هذا الهدف الأكبر أن تلتقي بالله تعالى في دار الثواب ووجهك أبيض وعملك طيب - ولا طريقة إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل، وحضور هذا المجلس هو العلم والتطبيق في البيت هو العمل، ولا تمكن المواظبة على العلم والعمل إلا بسلامة البدن، تسلسل منطقي، هل تستطيع حضور هذا المجلس وأنت مريض؟ وهل تستطيع مباشرة هذه الآداب وهذه الأوامر وأنت مريض؟ مستحيل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوال، والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: الأكل من الدين، أي العناية بهذا الجسد إطعامه، وتأمين حاجته، فهذا من الدين، لأن هذا الجسد مطيتك إلى الله، و إلى الجنة، ووسيلتك للعمل الصالح، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين:
﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة المؤمنون : 51 ]
أمر إلهي، أما الدقة البالغة الآن: فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوى به على التقوى فهذا هو من الدين، فلا ينبغي له أن يترك نفسه هملاً سدى، يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين، ووسيلة إليه، ينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه، مادام الطعام والشراب كما قال بعض السلف الصالح من الدين، وسيلة الرجل إلى العلم والعمل فينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه.
التزام الإنسان بسنن الطعم و الشراب مدفعة للوزر ومجلبة للخير وللأجر :
ما هي أنوار الدين على الطعام والشراب؟ الآن تأتي التفصيلات، وإنما أنوار الدين وآدابه وسننه، فإذا كان الإنسان يأكل ليتقوى على طاعة الله عز وجل، حتى يتقوى على العلم والعمل اللذين بهما يلقى الله عز وجل في الجنة ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه، وأنوار الدين آدابه، و عندنا طائفة كبيرة جداً من الأحاديث الشريفة والسنن النبوية الطيبة متعلقة بالطعام والشراب بالذات، فما هذه السنن؟ العبد يجب أن يلتزم بها وأن يلتزم بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع فيصبح بسببها مدفعةً للوزر، ومجلبةً للخير وللأجر، طبعاً كل هذا الكلام مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عَجِبْتُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ، الْمُسْلِمُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ))
[ أحمد عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ]
تقول: فم، فوه بالرفع، وفيهِ بالكسر، وفاهُ بالنصب، تقول: لا فض الله فاكَ، ولا فُض فوكَ، ووضعه في فيه أي في فمه. وإنما ذلك إذ رفعها بالدين وإلى الدين مراعياً فيها آدابه ووظائفه.
هذه المقدمة يعني الطعام والشراب إذا كان وفق آداب الإسلام صار عملاً صالحاً ومن الدين، وإذا خالفت آداب الطعام والشراب صار الطعام والشراب هدفاً لذاته وصار ليس للدين بل للدنيا، وصار استمتاعاً بالطعام والشراب، ويأكل هذا الكافر كما تأكل البهيمة، وهكذا قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد: 12 ]
الآداب الواجب اتباعها قبل الطعام :
1 ـ أن يكون الطعام حلالاً :
والآن يوجد ثلاثة آداب، آداب قبل الطعام، وآداب أثناء الطعام، وآداب بعده، فأما الآداب التي قبل الطعام فسبعة.
الأول: أن يكون الطعام حلالاً، التأدب في لحم الخنزير ليس وارداً، أو اللحم المذبوح ذبحاً غير شرعي، أو لحم دمه فيه، والدم من المحرمات إذ يجب أن يكون الطعام حلالاً، وربنا عز وجل قال:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾
[ سورة البقرة: 168 ]
الحلال و الطيب :
ما الفرق بين الحلال والطيب؟ العلماء بينوا الفرق، الحلال ما كان حلالاً في ذاته، والطيب ما كان الوصول إليه من طريق مشروع، فالتفاح حلال أكله، أما أن تأكل تفاحةً اغتصاباً أو سرقةً هذه حلال وليست طيباً، فالحلال الطيب أن يكون الطعام ذاته مباحاً أكله سمح به الشرع، والطيب أن يكون طريق وصول هذا الطعام إليه من طريق مشروع، فكل ما أخذ بسيف الحياء حرام، ولذلك أنا أقول دائماً: هذه التفاحة خلقها الله لك، وطريق وصولها إليك باختيارك، هي لك قد تصل إليك شراءً بمال حلال، وقد تصل إليك هديةً، وقد تأكلها ضيافةً، وقد تأخذها غصباً، وقد يسرقها بعض الناس، وقد يأخذها بعض الناس تسولاً، كل هذه طرق، وهذه الطرق اختيار الإنسان أما هي فلك، فلذلك أول أدب من آداب الطعام أن يكون الطعام حلالاً، أي مباحاً أكله كالليمون، أما طيباً فأن يكون طريق وصوله إليك من طريق مشروع موافق للسنة، والورع لم يغتصب بسبب مكروه في الشرع، و الآن يوجد مكاسب للرزق محرمة والإمام الغزالي رضي الله عنه يقول: يجب أن تكون هذه الأطعمة قد وصلت إليك من طريق مكروه، أي حلفت يميناً كاذبة وبعت هذه البيعة وربحت ثمانين ليرة فاشتريت بها فاكهة ولحماً وطعاماً فهذه اليمين كاذبة، واليمين كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ]
ومن أكل لقمةً واحدة من حرام لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، الشطيرة كم لقمة؟ إذا الإنسان أخذ مبلغاً يطعمه خمسين سنة بالحرام فهذا المبلغ ما وضعه؟
المداهنة و المداراة :
إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه بالشرع، ولا بحكم هوى، ولا مداهنة في الدين، أحياناً الإنسان يداهن، فما المداهنة؟ المداهنة يوجد شيئان قوله تعالى:
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾
[ سورة القلم : 9 ]
والمداراة، قال عليه الصلاة والسلام: "بعثت لمداراة الناس".
المداهنة محرمة، أما المداراة فمستحبة، ما هي المداراة؟ بذل الدنيا من أجل الدين، أي ساعدت صديقاً لك مساعدة ثمينة أحبك فجاء معك إلى المسجد فجاريته، بعته بيعة وما ربحت منه شيئاً استجلبت قلبه، خدمته خدمة كبيرة، وعلمته شيئاً يجهله.
حدثني أخ عنده محل حلويات، جاءه شخص من مكان بعيد قال له: علمني هذه المصلحة؟ قال له: نعم، قال لي: من ثلاثين سنة يأتي كل سنة أقرب لي من أخي من المودة، فتح محلاً في آخر الدنيا واشتغل، فالمداراة بذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة فبذل الدين من أجل الدنيا، أي لك شريك وله مخالفات شرعية ويوجد منه ربح جيد فغضضت البصر عن هذه المخالفات، وعن الشبهات في كسب المال بغية الربح، فضيعت شيئاً من دينك من أجل الربح، هذه هي المداهنة، ولذلك ليس من شيمة المؤمن المداهنة بل من شيمته المداراة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " بعثت لمداراة الناس "
إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه في الشرع، ولا بحكم هوىً أو مداهنة في دين، وسيأتي هذا في التفصيل في موضوع آداب الكسب والمعاش، وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة: 188 ]
نهانا عن أكل الطعام بالباطل، وحثنا على أكل الطعام الطيب الحلال،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
ثم قال:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾
أول أدب واضح جداً أن يكون الطعام حلالاً طيباً، الحلال ذاته، والطيب طريقه واضحة.
2 ـ غسل اليد :
والآن الأدب الثاني: غسل اليد، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم ))
[ مسند الشهاب عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده]
أي بركة الطعام، و في حديث آخر:
((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))
[الترمذي عن عن سلمان رضي الله عنه ]
والعلماء قالوا: الوضوء هذا وضوء الطعام أي غسل اليدين فقط والفم، والإنسان أثناء عمله صافح إنساناً، أو مسك حذاءه، أو أمسك حاجة فيها جراثيم، أو هبت عاصفة شديدة وهناك غبار دخل إلى فمه، فغسل فمه وغسل يديه من الآداب قبل الطعام. قال: لأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل بقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة، ومادام الطعام للمؤمن عبادة، والصلاة يسبقها وضوء، كذلك الطعام فيه وضوء وهو غسل اليدين والفم قبل الطعام.
3 ـ أن يوضع الطعام على الأرض :
والأدب الثالث أن يوضع الطعام على الأرض، لكن هنا الإمام الغزالي ملخص الصفحة الطويلة قال: هناك بدع وهناك سنن، فالبدعة التي لا تلغي سنة ليست مكروهة، فإذا الإنسان ألِف أن يأكل هو وأولاده على الطاولة ويوجد كراسي ليست هذه بدعةً مكروهةً، فالنبي الكريم في عصره كانت الأرض هي أساس الحياة، فكان يأكل على الأرض كما يأكل العبد، يوجد وصف دقيق لطعامه وشرابه، ولكن حتى لا يكون هناك حرج فهنا توضيح طفيف، إذا كان هناك بدعة تلغي سنة فهي مكروهة باطلة، و لكن هناك بدع لا تلغي السنة ولا شيء عليها، مثلاً رسول الله كان يشعل سراجاً، فنسمي الآن الضوء بدعة؟ لا ليس بدعة لأنه ما غير شيئاً بمعايير الدين، وليس كل شيء ظهر جديداً يسمى بدعة.
4 ـ أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها :
والآن أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها، يوجد جلسات لا تليق قال عليه الصلاة والسلام:
((أما أنا فلا آكل متكئاً))
[ البخاري عن أبي حجيفة]
الاتكاء فيه كبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه، وربما جلس على ظهر قدميه، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى، وكان يقول:
((أما أنا فلا آكل متكئاً))
[ البخاري عن أبي حجيفة]
(( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد))
[ أحمد عن عطاء بن أبي رباح]
والشرب متكئاً مكروه أيضاً ويكره الأكل نائماً ومتكئاً إلا لضرورة.
5 ـ أن ينوي بأكله التقوي على طاعة الله ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل :
الأدب الخامس: أن ينوي بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل، قال إبراهيم بن شيبان: "منذ ثمانين سنةً ما أكلت شيئاً بشهوتي"، قال: "ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا لأكله دون الشبع"، أي أنت قل ما شئت، قل أنا نويت التقوي على طاعة الله بهذا الطعام، إذا أكلت دون الحد النبوي فهذا الفعل يتناقض مع هذه النية، لأن العبادة تحتاج إلى خفة، اللقمة تذهب الفطنة:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة النساء: 142 ]
الخير كله مجموع في خزائن الجوع.
من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب أن يأكل دون الشبع :
إذاً الإمام الغزالي يبين مقياساً دقيقاً أنه إذا شئت من هذا الطعام التقوي على طاعة الله كُلْ ما شئت، لكنك إذا أكلت أكثر مما ينبغي لك وفوق السنة المطهرة فإن أكلك هذا ينفي نيتك تلك، فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوي عليها، فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة، وإيثار القناعة على الاتساع، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ))
[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ]
ومن ضرورة هذه النية، أول شيء إذا كانت النية صادقة من أجل التقوي على طاعة الله يجب أن تأكل دون الشبع، فالسيدة عائشة تقول: "أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله الشبع"، وأول مخالفة للسنة بعد وفاته كانت الشبع، فمن أكل حتى الشبع فقد نقض نيته التي بدأها في أول الطعام وهي التقوي على طاعة الله، وطبعاً الحديث معروف ويعده العلماء قمة الطب الوقائي: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع".
وإنه من الإسراف أن تأكل كلّ ما اشتهيت:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب ألا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع
ومن ضرورة هذه النية ومما يؤكدها ألا تمد يدك إلى الطعام إلا وأنت جائع، و قد قيل: " نعم الإدام الجوع".
أطيب طعام أن تكون جائعاً، فيكون الجوع أساساً لصدق النية، ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، هذا هو الطب الوقائي ألا يأكل حتى يجوع وإذا أكل لا يشبع، وفي ألمانيا مستشفى مكتوب عليها هذا الحديث: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" محمد بن عبد الله.
قالوا: الطب الوقائي كله في هذه الحكمة، أي في هذا الحديث، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، وسيأتي في فصول قادمة ممتعة عن فائدة قلة الأكل، والغزالي لخصها في كلمة: "الخير كله مجموع في خزائن الجوع، وطريقة التدريج في التقليل منه" وهناك كتاب "كسر شهوة الطعام من الأربعة المهلكات".
6 ـ أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام :
الأدب السادس: أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام، ولا يجتهد بالتنعم وطلب الزيادة وانتظار الإدام، بل من كرامة الخبز ألا ينتظر الإنسان به الإدام، فالخبز إدام، وقد ورد الأمر بإكرام الخبز، قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]
وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه، ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة، أما إذا حضر الطعام فالأولى تقديم الطعام، دخلوا طبعاً في متسع كبير من الوقت والطعام حضر، والعلماء أجمعوا على أن الأكل أولى من الصلاة، لأنه يحصل انشغال بالطعام، فإذا الطعام خارج الغرفة فالصلاة أولى، حان وقت العشاء وقد استعدوا للعشاء نبدأ بالعشاء ولكن أدخلوا الطعام نبدأ بالعَشاء ثم العِشاء.
7 ـ أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده :
الأدب السابع أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، قال عليه الصلاة والسلام:
((حَدَّثَنَا وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَحْشِيٍّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ))
[ أحمد وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ]
و:
((كان عليه الصلاة والسلام لا يأكل وحده أبداً))
[ الخرائطي عن أنس]
وكان عليه الصلاة والسلام يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، فإنّ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي.
كم حديث؟ ثلاثة، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ آداب حالة الأكل وآداب ما بعد الطعام.

* * *
من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم :
1 ـ شدة اهتمام النبي الكريم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء :
والآن إلى بعض شمائله صلى الله عليه وسلم، كل هذه الحقائق والمعلومات والتوجيهات والأحاديث قابلة للتطبيق الفوري في أول وجبة طعام.
(( عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَجَبْتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ أَاللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ))
[ النسائي عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ]
المغزى هذا الرجل جاء نيابةً عن قومه كلهم، وشدد في السؤال، واستيقن من النبي عليه الصلاة والسلام فإذا آمن هو آمن معه قومه جميعاً، فهذه القصة وردت هنا تحت عنوان شدة اهتمامه بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.
" وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: - كانت من ذوات العقل والدين- وروي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وكلهن على مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات في البيوت - قواعد في البيوت - وإن الرجال فضلوا بالجمعات، وشهود الجنائز والجهاد، فإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا لهم أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه وقال: هل سمعتم مقالة هذه المرأة؟ إنها أحسنت السؤال عن دينها، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من ورائكِ من النساء أن حسن تبع إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرتِ للرجال، قال: فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشاراً لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لها "
هذا الحديث مروي ثلاث روايات:
" قال: جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله أنا واثبة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك وقليل منكن من تفعله "
كأن النبي عليه الصلاة والسلام عرف ما سيكون وقليل منكن من تفعله.
الرواية الثالثة: " أن امرأةً جاءت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إني رسول النساء إليك ما منهن امرأة علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوى مخرجي إليك، الله رب الرجال والنساء وإلههم وأنت رسول الله إلى الرجال وإلى النساء، كتب الله الجهاد على الرجال فإن أصابوا أجروا، وإن استشهدوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: طاعة أزواجهن ومعرفة حقوقهن وقليل منكن يفعله "
إذاً هذ الروايات الثلاث والأولى تحت عنوان شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.
2 ـ مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام :
مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام، روى البيهقي في الدلائل وابن إسحاق عن أبي قتادة أنه قال: " وفدَ وفدٌ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافأهم على ذلك "
نبي هذه الأمة كان يخدمهم بنفسه.
3 ـ مقابلة الإحسان بأجمل منه :
ومقابلة الإحسان بأجمل منه من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام.
فعن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: "استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بقدح فيه ماء فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال عليه الصلاة والسلام مقابلاً هذا الصنيع الجميل: اللهم جمله ".
ماذا فعل هذا الصحابي؟ قدم كأس ماء وجد فيه شعرة أزالها فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجمله، قال الراوي: "فرأيت عمراً وهو ابن تسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء لأنه قال له: اللهم جمله.
" وعن أبي أيوب الأنصاري قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة فسقطت على لحيته ريشة فابتدر أبو أيوب فأخذها- أحياناً يكون على كتف أخيه شعرة، أو قشة، أو نملة- فقال عليه الصلاة والسلام: نزع الله عنك ما تكره ))
[الطبراني عن أبى أيوب]
ما نسيها، سيدنا أبو أيوب أزال ريشةً عن لحيته صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:
((...نزع الله عنك ما تكره ))
ما هذه الدقة في ملاقاة الجميل؟ مسلم راوي الحديث الشهير روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال:
((حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ؟ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))
[ مسلم رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ ]
ملك قال لابنه: ماذا تريد أن تكون يا بني؟ قال له: أريد أن أكون رئيس الجامعة، فقال له: هذه تحتاج إلى دراسة، أنا أعطيك بيتاً فوراً، وطائرة، و يختاً، أما أعينك مدير الجامعة هذه تحتاج إلى دكتوراه، يجب أن تعينني، إذا أنت ما عملت لن تنال هذا المنصب، فهذا سيدنا ربيعة طلب طلباً عالياً جداً أن يكون رفيق رسول الله في الجنة، هذا المقام لا ينال إلا بالتعب الشديد.
قال ربيعة: فكنت أخدم النبي عليه الصلاة والسلام نهاري فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله فبت عنده فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله حتى أمل أو تغلبني عيني والنبي لا ينام، قال تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
يا ترى إذا الناس كلهم ناموا، وكل حبيب أوى إلى حبيبه، فأنت من حبيبك؟ هل تقوم في الليل تصلي؟
(( عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ]
هل لك ركعتان قبل الفجر بينك وبين الله عز وجل؟ في رواية ثانية قال:
" يا ربيعة سلني فأعطيك، قال: أنظرني حتى أنظر - مادام لي عندك هذه الحاجة أنظرني- وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقال يا رسول الله: أسألك أن تدعو الله لي أن ينجيني الله من النار ويدخلني الجنة، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: من علمك هذا؟ قلت: والله ما علمنيه أحد ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه فأحببت أن تدعو الله لي قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود ".

4 ـ تفقد أصحابه و السؤال عنهم :
النبي صلى الله عليه من شمائله الكريمة أنه كان يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، فإذا الناس في ضائقة يسألهم عن هذه الضائقة، فليس يعيش في برجه العاجي، يسألهم عما يعانونه، فأبو يعلى روى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأله عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
عندما يغيب الرجل عن الجامع ثلاثة أيام كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده، أما إذا كان مقيماً وما جاء إلى المسجد فمعنى هذا أنه يوجد مشكلة، قد يكون عنده مشكلة، مثل ضـائقة نفسـية، أو قضية مادية حبسته عن المجيء، وإذا كان مسافراً دعا له، ولكن إذا الإنسان سافر وما أعلم النبي عليه الصلاة والسلام فهذا مخالف للسنة.
5 ـ حفظه للود :
حفظه للود صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا))
[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
إكراماً لخديجة، وحفظاً لودها، وحسناً لعهده معها بعد وفاتها، وروت عائشة أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: " أنه جاءت عجوز إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف أنتم بعدنا؟ فقالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقدم على هذه العجوز هذا الإقبال؟ قال: يا عائشة إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان ".
ابن طفيل قال:" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة وأنا يومئذٍ غلام أحمل عدو البعير، فأتته امرأة فبسط لها رداءه، قلت من هذه؟ قال: هذه أمه الذي أرضعته ":
(( حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ))
[أبي داود عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ]
هكذا الوفاء تعيش مع الإنسان سنوات تكرمه وتدلله ثم يؤذيك‍! آخر قصة في الصحيحين:
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ))
[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
وهناك أعرابي آخر جاء النبي عليه الصلاة والسلام يستعينه في شيء ثم قال له: أحسنت إليك، قال: لا ولا أجملت، قال: فغضب المسلمون وهموا أن يقتلوه ما هذا الكلام؟ فقام عليه الصلاة والسلام وبلغ إلى منزله ودعا الأعرابي إلى البيت - انتقل إلى البيت وطلبه لوحده - فقال: إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت - هكذا تقول أمام أصحابي؟ - فزاده النبي وقال له: أحسنت إليك، قال: نعم، جزاك الله من أهل عشيرةٍ خيراً -القصة لم تنتهِ - فقال عليه الصلاة والسلام: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، ولم يقل ماذا قال وفي نفس أصحابي عليك من هذا شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي- سوف أجمعك معهم قل لهم ما قلت إلي حتى يذهب عن صدورهم ما هم فيه- قال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال عليه الصلاة والسلام: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وما أعاد مقالته، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي، فقال الأعرابي: نعم جزاك الله من أهل عشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورها، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها صاحبها وأخذ لها من خشان الأرض طعاماً، ودعاها حتى جاءت، واستجابت فشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار". الإنسان يجب ألا يكون عون الشيطان على أخيه، يجب أن يكون عون أخيه على الشيطان.
النبي أسوة لنا :
هذه بعض شمائله صلى الله عليه وسلم ونحن اقتربنا من عيد المولد، إن شاء الله في هذه الأيام المباركات سوف أكثر من الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم هو قدوة لنا، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب: 21]
إن كنت ترجو الله واليوم الآخر فالنبي لك أسوة، وإن لم يكن لك أسوة فهذا الرجل الذي لم يكن النبي له أسوة قطعاً لا يرجو الله ولا اليوم الآخر، ومن علامة أنك ترجو الله واليوم الآخر أن تتخذه أسوة لك في معاملاتك اليومية، انظروا كيف وفاء العهد، والتحمل، والرقة، والوداعة، واللطف، والحلم، والشكر، والمودة، وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم.

السعيد
09-10-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الاربعون )


الموضوع :قضاء الفوائت



لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. قضاء الفوائت :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم: "باب قضاء الفوائت"، والقضاء لغةً الحكم، ولكن شرعاً إسقاط الواجب بمثل ما عنده، أي عليك فرض صلاة فاتتك إذا صليتها بعد أن تذكرتها فقد قضيتها، فالعبادات تؤدى أداءً وقضاءً، إن صمت رمضان في رمضان فهذه عبادة أديتها أداءً، وإن كنت مريضاً، أو على سفر، وصمت أياماً أخر في وقت آخر، فهذه العبادة أديتها قضاءً، إما أن تؤدى العبادة أداءً أي في وقتها، وإما أن تؤدى قضاءً لعذر في غير وقتها.
فالترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق، أي فاتتك صلاة الظهر وأذن العصر الترتيب بين الفائتة والوقتية مستحق أي عليك أن تصلي الظهر أولاً ثم العصر ثانياً، وبين الفوائت لو أنه فاتك عدة صلوات لأمر قاهر تصلي الصلوات التي فاتتك وفق ترتيبها الطبيعي الظهر فالعصر فالمغرب فالعشاء، وليس لك أن تصلي العشاء أولاً وهو أحدثها فالمغرب فالعصر، بل يجب أن ترتب الفائتة والوقتية وأن تراعي الترتيب فيما بين الفوائت.
شروط إسقاط الترتيب :
ولكن متى يسقط الترتيب؟ في ثلاث حالات؛ في ضيق الوقت المستحب، أي لو أنه بقي لاصفرار الشمس وقت قليل لا يتسع لصلاة الظهر الفائت والعصر الوقتي يجب أن تبدأ بالعصر، لأن صلاة العصر فيها وقت مستحب، وفيها وقت مكروه، وإذا بقي لدخول الوقت المكروه أمد قصير لا يسمح لك لصلاة الظهر أولاً ثم صلاة العصر ثانياً، يجب أن تبدأ بالعصر لأن العلماء قالوا كلاماً لطيفاً: ليس من الحكمة إضاعة الموجود في طلب المفقود، و الآن معك وقت صحيح لأداء صلاة العصر، أضعت الوقت الصحيح المستحب لصلاة فائتة فاتتك، فلما جاء الوقت المستحب انتهى الوقت المستحب ودخل الوقت المكروه، إذاً ليس من الحكمة إضاعة الموجود في طلب المفقود، ومن نام عن صلاة فنسيها فلم يذكرها إلا وهو يصلي مع الإمام فليصل التي هو فيها ثم ليقض التي تذكرها.
فأول سبب يوجب إسقاط الترتيب ضيق الوقت المستحب، ودخولك في وقت مكروه، فابدأ في الوقتية ثم صلِّ الفائتة.
والنسيان؛ لو أن صلاة الظهر فاتتك ولم تذكر أنها فاتتك وشرعت في صلاة العصر فأنت بهذا لم تراعِ الترتيب، ولكن صلاة العصر صحيحة لأنك لم تتذكر الصلاة التي فاتتك، فنسيان الصلاة الفائتة يسقط مراعاة الترتيب بين الفائتة والوقتية، أما العبرة في موضوع ضيق الوقت فعند الشروع لا عند الانتهاء، فيجب أن تحسب إذا بدأت في صلاة العصر يجوز ألا يبقى وقت لنهاية العصر، فيجب أن تراعي إذا صليت الظهر ودخل الوقت المكروه أن العبرة في نهاية الصلاة لا في بدئها.
شرط سقوط مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائقة :
ولكن العلماء قالوا: إذا صارت الفوائت ستاً فما فوق فعندئذٍ يسقط مراعاة الترتيب، وهذا في الفوائد القليلة، أي لأمر قاهر مثل عملية جراحية، أو حريق نشب، أو شيء فوق طاقة الإنسان، فاته مجموعة صلوات، فيجب أن تكون هذه الصلوات دون الست حتى تراعي ترتيبها مع الوقتية، فإذا تجاوزت الفرائض الست فعندئذ يسقط مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائقة، ولكن الشيء العجيب أن الإنسان ينسى أنه صلى أم لم يصلِّ، وقد رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، ولكن إذا نسي أنه صلى أم لم يصلِّ فهذه إشارة خطيرة إلى أن الصلاة عنده لا شأن لها، و نسيان أنك صليت أم لم تصلِّ هو نسيان ولن تحاسب علي،ه لكنه يعلن عن شيء، يعلن عن أن الصلاة في هامش حياتك وليست في صلب حياتك، والمؤمن الصادق ينتظر الصلاة إذا نادى المنادي يلبي النداء، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، ومن علامات المؤمن الصادق أنه لا تفوته الصلاة ولا ينساها، ولكن إذا نسيها فهذا هو الحكم، وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله تعالى إلى باب إدراك الفريضة.
* * *
آداب المؤمن المسلم في أثناء الطعام والشراب :
1 ـ أن يبدأ بالتسمية :
والآن إلى متابعة آداب الطعام والشراب كما وردت في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وسوف ترون كيف أن الطعام من الدين، فإذا كان الطعام بنية التقوي على العلم والعمل اللذين هما قِوام حياة الإنسان في الدنيا والآخرة فسوف تعلمون كيف أن الطعام من الدين بشرط الأخذ بهذه الآداب، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الآداب التي ينبغي لها أن تسبق الطعام والشراب واليوم نتحدث عن آداب المؤمن المسلم في أثناء الطعام والشراب.
قال الإمام الغزالي: ينبغي أن يبدأ باسم الله في أوله، فاسم الله قبل الطعام ماذا يعني؟ يعني شيئين، الأول: أن هذا الذي تأكله من نعم الله، والثاني يجب أن تأكله وفق سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي تفصيل لشرع الله، فإذا بسمل العبد قبل كل عمل فمعنى ذلك أنه انتبه إلى أمر الله، وراعى أمر الله في هذا العمل، وانتبه إلى أن هذه النعم هي نعم الله عز وجل، ثلاث كلمات مهلكات: لي، وعندي وأنا، قال قارون، قال تعالى:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾
[ سورة القصص : 78]
فأهلكه الله عز وجل، وقال الشيطان، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة ص : 76]
أهلكه الله عز وجل، وقال فرعون، قال تعالى: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 51]
فإذا الإنسان جاءته خواطر وهو يأكل أن هذا الطعام هو اشتراه، وهو حصل خبرةً عالية، درس الطب وأخذ بورد، وهو الآن طبيب كبير، وله دخل كبير، أتاح له هذا الانصراف للعلم، وتحصيل هذه الشهادات، أن يشتري ما لذّ وطاب من الطعام والشراب، إذا تصور هذا لم يقل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم فهذا يعني أنه يرى نعمة الله عز وجل في هذا الطعام، وأنه يذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام في تناول الطعام. 2 ـ يأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به :
أن يبدأ بسم الله في أوله، والحمد لله في آخره، ولو قال مع كل لقمة بسم الله فهو حسن، أي إذا الإنسان قالها مرتين أو ثلاثاً أثناء الطعام فهو حسن، لماذا؟ حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى، وأحياناً تأكل أمام إنسان يُكَرهك في الطعام فهو شره وما سمّى، وإذا الإنسان دخل إلى بيته ولم يسلم قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت، ترى طوال الليل مشاكل لأسباب تافهة لا قيمة لها، وإذا جلس إلى الطعام وما سمى يقول الشيطان: أدركتم العشاء، لا يوجد بركة، وأول صحن ملئ وما شبعوا، ثلاثة صحون، وإذا جلس الإنسان ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أدركتم العشاء، وإذا دخل البيت ولم يسلم قال الشيطان: أدركتم المبيت، طوال الليل مشاكل، فإذا دخل الرجل إلى البيت ولم يسلم وجلس إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء.
ولو قال الإنسان مع كل لقمة مرتين أو ثلاثاً بسم الله لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى، ويقول مع اللقمة الأولى بسم الله، ومع اللقمة الثانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، ويجهر بذلك ليذكر غيره، فالإنسان يبسمل بينه وبين نفسه، ولكن إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم أمام زوجته وأولاده فكأنه يقول لهم: بسملوا، ويأكل باليمنى، ويبدأ بالملح ويختم به، و لا يعلم إلا الله كم تنطوي هذه النصيحة النبوية على فوائد، ولو أن هناك متسعاً من الوقت لشرحت هذه الفوائد التي تنتج عن تناول شيء قليل من الملح قبل الطعام وبعده.
3 ـ تصغير اللقمة و إجادة مضغها :
ويصغر اللقمة، ويجيد مضغها وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى - لقمة بفمه ولقمة بيده وعينه على الثالثة، لا ليس هكذا - فإن ذلك عجلة بالأكل.
4 ـ ألا يذم مأكولاً :
ألا يذم مأكولاً صلى الله عليه ما عاب طعاماً قط، ما رئي ماداً رجليه قط وما عاب طعاماً قط في كل حياته.
لكن النفس لها رغبات، فمن آدابه النبوية المطهرة لا يعيب مأكولاً، كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه، وأحياناً تدعو إنساناً من أهل الدنيا إلى طعام فيقول لك: الملح قليل، وأما السمن فقد غشوك به، والزيت كذلك، تراه يخجلك، وهذه من صفات المنافقين أن يعيب الطعام، فالنبي الكريم قال: نعم الإدام الجوع، جوع وانظر ترى أي طعام كأنه الدنيا، نعم الإدام الجوع، تحدثنا في الدرس الماضي أنه لا يجوز لإنسان أن يأكل إلا وهو جائع، ولا أن يرفع يده عن الطعام إلا وهو جائع، أي قبيل الشبع.
لا يعيب مأكولاً كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه.
5 ـ يأكل مما يليه و لا تجول يده على الطعام إلا الفاكهة :
وأن يأكل مما يليه، وألا أن تجول يده على الطعام مما يليه إلا الفاكهة، فإن له أن يجيل يده فيها، قال صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ))
[مسلم عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ]
فأحياناً إنسان متقدم في السن وأسنانه لا تساعده ويحتاج إلى مشمشة ناضجة، وهذا شاب يحبها حامضة، تعال وقل له: كُلْ مما يليك، فهذا يحب التفاحة أن تكون هشة، و يريدها حمراء، وهذا يحبها قاسية، النفس لها رغبات متباينة، والفاكهة منوعة، فهذا يحب الخيارة صغيرة وهذا أكبر، و هذه الأشياء يختلف فيها الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام سمح للإنسان أن يختار من الفاكهة، قال تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة : 20]
حتى السنة أن تأكل الفاكهة قبل الطعام، لأن هذه الفاكهة فيها مواد سكرية بسيطة تنتقل إلى الدم في عشرين دقيقة، فلو أنك دخلت إلى البيت، وتناولت هذه البرتقالة التي مقرر أن تأكلها بعد الطعام أكلتها قبل الطعام وصليت الظهر، فحدة الجوع خفت، وكسرت، هذا الماء السكري الذي في الفاكهة سهل الهضم، وملأ المعدة وتمثلته بسهولة، إذاً حدة الجوع خفيفة،عندئذ نجلس ونأكل الطعام، والأفضل أن يكون بين تناول الفاكهة قبل الطعام وبين الطعام ما يزيد على عشرين دقيقة، و لذلك فالنبي الكريم في رمضان كان يأكل ثلاث تمرات وكأس ماء ثم يصلي المغرب قبل أن يأكل الطعام، وإذا جلس ليأكل يأكل كما يأكل وجبته العادية، ويكون الصيام سبع عشرة ساعة في أيام الصيف الحارة، فلو تناول ثلاث تمرات أو كأس عصير أو شيئاً من الفاكهة برتقالة أو تفاحة وتناول كأس ماء وقام وصلى المغرب والسنة ثم جلس ليأكل فإذا هو يتناول وجبةً عادية.
ومرة قيل له: يا رسول الله وكأن أحد الصحابة وجّه نظره أن يده الشريفة كانت تجول على طبق الفاكهة، فقال عليه الصلاة والسلام ليس هو نوعاً واحداً. 6 ـ لا يأكل من منتصف القصعة بل يأكل من الطرف الذي يليه :
وألا يأكل من منتصف القصعة بل يأكل من الطرف الذي يليه وهذا من السنة، و مرة كنت في دعوة طعام هناك أخ وضع قطعة خبز تحت القصعة لئلا تؤذي الخوان - المشمع - والقصعة ساخنة ويوجد أخ آخر نهاه عنها، فاختلفوا لكن وجدت أن من آداب الطعام ألا تضع قصعة الطعام على الخبز لأنك قد استخدمت الخبز استخداماً رخيصاً، فنعمة كبرى أنعم الله بها عليك لتأكلها لا لتجعلها عازلاً بين الخوان وبين القصعة، قال صلى الله عليه وسلم:
((أَكْرِمُوا الْخُبْزَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ))
[ البزار والطبراني عن عبد الله بن أم حرام ]
الله مرة شاهدت إنساناً يمسح حذاءه بالخبز، وإنساناً آخر يليف الصحن بلب الخبز، يرغو عليه الصابون ويليف الصحن، فإذا كان مما ينافي الآداب النبوية المطهرة أن تضع رغيف الخبز تحت قصعة الطعام، كأنك جعلت هذا الخبز عازلاً، فكيف إذا مسحت يدك بالخبز؟
و عليك ألا تمسح يدك بالخبز، أي إذا أكلت أكلة فيها مرق فالعق أصبعك بفمك ولا تمسح بها الخبز. 7 ـ غسل اليدين قبل الطعام :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ))
[ ابن ماجة عَنْ جَابِرٍ]
مثلاً وقعت عنبة خذها واغسلها وتناولها، أو وقعت قطعة خبز أزل عنها ما أصابها، أما أن ترميها بالقمامة فهذا ليس من آداب المسلم في طعامه وشرابه، وبعض العلماء وجه لعق الأصابع بأنه إجراء احترازي ضماناً لنظافة الأصابع قبل الطعام، فانتبه أيها المسلم يجب أن تلعق أصابعك بعد الطعام إذاً عليك أن تغسل يديك قبل الطعام كي تستسيغ نفسك لعق الأصابع بعد الطعام. 8 ـ الوضوء قبل الطعام و بعده و عدم النفخ بالطعام الحار :
بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، ولا ينفخ بالطعام الحار وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إنه أعظم للبركة))
[البيهقي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ]
بل يصبر إلى أن يسهل أكله. 9 ـ يأكل من التمر وتراً قبل الطعام :
يأكل من التمر وتراً، سبعاً أو إحدى عشرة أو ما اتفق، ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق واحد، وأكثر الناس يضع في صحنه العظام المأكولة، أو بعض فضلات الطعام على طرف الصحن، ويعد هذا نوعاً من النظام الجديد، لا، النبي الكريم نهى أن يجتمع في طبق واحد التمر والنوى، لأن هذا النوى كان في فم الإنسان فإذا مست نواة تمرةً، فكأن سؤر هذا الذي أكلها قد انتقل إلى هذا التمر، وهذا قد يدعو إنساناً آخر إلى الاشمئزاز، فلا ينبغي لنا أن يكون النوى والتمر في طبق واحد، ولا يجمع في كفه، أي إذا أكل تمرة أخرج النواة أمسكها بيده وضعها في الصحن، أو وضعها على المائدة، وأمسك التمرة فوجدها قاسية وأخذ تلك، فهذا السؤر الذي خرج من فمه مع النواة - أمسك النواة بإصبعيه فوضعها على الخوان، ثم تناول تمرةً لن تعجبه وأخذ الأخرى- وصل إلى هذه التمرة، ماذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان يأكل التمرة ويضع أصابعه الثلاث هكذا ويلفظها على ظهر أصابعه، ويضعها في طرف الخوان، ويتناول التمرة التي يجمع أكلها بإصبعيه من الداخل، هل يوجد أنعم و أنظف من هذا؟ وأحياناً الإنسان يأكل بطيخاً ينحت الحز ويضع على ظهره أي آثار أسنانه ظاهرة عليه، ويوجد إنسان يشمئز، فإذا الإنسان متبع للسنة يأكل الحز ويضعه على بطنه لكي لا تبدو آثار أسنانه عليه.
والخلاصة أن للإنسان في طعامه وشرابه آداباً كثيرة يجب عليه أن يتأدب بها.
10 ـ ألا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة :
ألا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة فأثناء تناوله للطعام وجد شيئاً من اللحم لا يؤكل كوتر العضلة لا يضعها على الصحن نفسه، بل بطرف الصحن، ويوجد آثار قطع لحم لم تؤكل معه فلفظها من فمه، وفي الطرف الآخر يوجد رز أو طعام لا يجوز هذا، فهذا الذي لا يعجبه ما استرذله من الطعام لا ينبغي له أن يبقى في الطبق، قال: حتى لا يلتبس على غيره فيأكله، ترك صحنه وقام جاء إنسان جائع وجد لحمة وأكلها وما أكلت معه لأنها مأكولة سابقاً فهذه مشكلة، والنبي الكريم نهى عن هذا.
11 ـ عدم الإكثار من الشرب أثناء الطعام :
وألا يكثر الشرب في أثناء الطعام، فالأطباء قالوا: كثرة الشرب في أثناء الطعام تمدد العصارة المعوية، ومع تمدد هذه العصارة تضعف فاعلية الهضم، إذاً أحد أسباب عسر الهضم كثرة شرب الماء في أثناء الطعام، إلا إذا غص في لقمةٍ، أو كان يأكل سفرجلاً، أو كان ذا عطش شديد، فقد قيل: إن ذلك مستحب في الطب.
آداب الشراب :
1 ـ أخذ الكوز باليمين :
وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه، ويقول: بسم الله.
2 ـ الشرب مصاً لا عباً :
ويشربه مصاً لا عباً، كان يفتح البراد ويأخذ الماء ويكرع فيها، فشاربون شرب الهيم، أما المؤمن فيمص الماء مصاً ولا يعبه عباً، وفي حديث آخر: ((إن الكباد من العب ))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس]
أي أمراض الكبد، وهذا العضو ثمين جداً فالذي لا يعيش الإنسان من دونه أكثر من ثلاث ساعات هو الكبد وهو ملاصق للمعدة، وحرارته سبع وثلاثون، فإذا أدخلت إلى جوفك ماءً مثلجاً بكميات كبيرة عببته عباً فإن هذا قد يؤذي الكبد وقد يصيبه بعطبٍ شديد لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( مصوا الماء مصاً، ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث انس بالشطر الأول، ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح "إذا شربتم فاشربوا مصا]
3 ـ عدم الشرب و أنت قائم أو مضطجع :
ولا يشرب قائماً ولا مضطجعاً فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً إلا في شرب ماء زمزم، وكان حكيماً حكمةً بالغة لو أنه شرب ماء زمزم قاعداً لمات نصف الحجاج، حينما كان الازدحام الشديد أكثر من حجي قال لي: إذا سقط الإنسان مات من شدة الازدحام، ولذلك قال بعض السلف الصالح: لو أن إنساناً سقاك ماء زمزم في الشام فالسنة أن تشربه قائماً، لأنه من بيت الله الحرام.
ويوجد حالات قاهرة رجل أصابه عطش ويريد أن يأخذ حبة في الطريق ولا يوجد مكان أن يجلس، فيوجد استثناءات حتى لا يصبح مضحكة للناس، وفي هذه الحالة نقول له: اشرب الماء قائماً، فالنبي الكريم في بعض الحالات شرب الماء قائماً لسبب قاهر، وفي بيتك اجلس واشرب، وفي المسجد اجث على ركبتيك واشرب، و لكن في الطريق، أو في مكان لا يقدرون السنة النبوية إذا شربت قائماً فلعلة قاهرة، وكأن النبي الكريم أدرك ذلك، ونهى عن الشرب قائماً وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام شرب قائماً، إذ يوجد حالات ضرورية يسمح لك أن تشرب الماء قائماً. 4 ـ ألا تشرب و عينك على الناس :
وألا تشرب الماء وعينك على الناس، فهذا الشرب لا يوجد فيه أدب فيجب أن يكون النظر إلى الماء أثناء الشرب، فالنظر في كأس الماء وفي الكوز ولا يتجشأ، كفّ عنا تجشؤك، وأحياناً يأتي رجل في مجلس العلم فيتثاءب بصوت عالٍ وكأنه يسبح هذا سوء أدب، التثاؤب من الشيطان، رجل سأل: إذا تثاءب النبي ماذا كان يفعل؟ أيضع يده اليمنى أم اليسرى؟ فكان الجواب لم يتثاءب قط، لكن نحن إذا تثاءبنا فالإنسان لا يفتح فمه، وإذا فتح فمه يضع يده أو كمه أو منديلاً من دون صوت، أما كأنه جالس في بيته وأخرج صوتاً عالياً وكأنه في بيته فهذا ليس من آداب المسلمين.
5 ـ عدم التنفس في الكوز أو التجشؤ فيه :
ولا يتنفس في الكوز ولا يتجشأ، يجوز أن يكون معه أمراض تنتقل عبر التنفس فإذا تنفس في الكوز اختلط هذا الجرثوم في الماء، ولما رأى رجلاً يتنفس في الماء قال:
(( أبن القدح عن فيك ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي أبعده، ثم ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد الشرب: (( الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا))
[ ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي جعفر]
6 ـ أن يدور الماء بدءاً من اليمين :
يجب أن يدور الماء بدءاً من اليمين وقد شرب النبي عليه الصلاة والسلام لبناً وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه، وعمر ناحياً في طرف المجلس فقال عمر رضي الله عنه للساقي أعط أبا بكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الأيمن فالأيمن.
فالنبي الكريم أمر أن يدار الماء عن يمينه، و مرة غلام عن يمينه وعن يساره سيدنا الصديق قال له: أتأذن لي يا غلام لأنه حقه، ما أحب أن يعطي الغلام قبل سيدنا الصديق إلا عن رضا منه.
7 ـ شرب الماء في ثلاثة أنفاس :
ويشرب في ثلاثة أنفاس، ويحمد الله في أواخرها، ويسمي الله في أوائلها، ويقول في آخر النفس الأول: الحمد لله، وفي الثاني يزيد رب العالمين، وفي الثالث يزيد الرحمن الرحيم، قال: هذا قريب من عشرين أدباً في حالة الأكل والشرب دلت عليها الأخبار والآثار وقد أثرت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
ما يستحب بعد الطعام :
1 ـ الإمساك عن الطعام قبل الشبع :
وأما ما يستحب بعد الطعام فإلى درس آخر إن شاء الله تعالى.
وهو أن يمسك عن الطعام قبل الشبع، قال لي طبيب: الإحساس بالشبع يحتاج إلى خمس عشرة دقيقة بدءاً من انتهاء الطعام، فإذا الإنسان أمسك عن الطعام قبل أن يشبع يعير الساعة بعد مضي هذه المدة يحس بالشبع، كيف تصير؟ إذا الإنسان تناول شطيرة وكان مضطراً فأكلها في الطريق، وهذا العمل يجرح العدالة تناول الطعام في الطريق أو صحبة الأراذل، وهي ثلاثة وثلاثون بنداً، صحبة الأراذل، الأكل في الطريق، المشي حافياً، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق، الحديث عن النساء، التنزه في الطرقات، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، من اتخذ برزوناً فأخاف به الأطفال، من أطلق لفرسه العنان، من بال في الطريق، من لعب النرد، هذه الأشياء إذا وقعت تسقط عدالة الإنسان ومن بينها الأكل في الطريق، أنا قصدت إذا الإنسان دخل إلى بائع شطائر وأكل شطيرة مضطراً، انتهى عمله الساعة الثانية وعنده موعد الساعة الثانية والنصف وفطر الساعة السابعة، و لكن إذا تناول الطعام في الطريق يقول لك: أستطيع أن آكل عشراً، وبعد ربع ساعة يشعر بحالة عجيبة لا هي شبع مع الثقل ولا هي جوع، بل حالة خفة وراحة وارتياح، لأن الشعور بالشبع وصل إلى منطقة الجوع في الدماغ، وهذا الشعور يحتاج إلى خمس عشرة دقيقة، فالإنسان يجرب إذا قام عن الطعام قبل أن يشبع فهذه الإرادة كلها نصف ساعة، و بعد هذا يشعر أنه اكتفى، وأحياناً الإنسان يسكت جوعته ويقول: بعد قليل سوف آكل، بعد أن تسكت جوعته شبع، أما بعدما ترك الطعام فما كان شبعاناً. 2 ـ التقاط فتات الطعام :
و النبي الكريم من آدابه أنه يمسك عن الطعام قبل الشبع، ويلعق أصابعه ثم يغسلها، ويلتقط فتات الطعام، من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده.
3 ـ تنظيف الأسنان و التمضمض :
ويتخلل، فالله عز وجل خلق لنا الخلة خصيصاً لاستخدامها في تنظيف الأسنان، وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن أهل البيت عليهم السلام، وأن يلعق القصعة، أكل صحن بيض وقلاه بالسمن البلدي، وثمن الكيلو ثمانون ليرة، وبقي أثر من السمن إذا بلقمة صغيرة مسح السمن مسحاً جيداً فهذه من السنة، وهذا شيء ثمين.
ومن لعق القصعة كان له عتق رقبة، وإن التقاط الفتات مهور الحور العين.
4 ـ ذكر الله :
وأن يذكر الله في قلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمةً منه، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[ سورة البقرة: 172]
والحمد على النعمة أمان من زوالها، ومهما أكل حلالاً يقول: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيباً واستعملنا صالحاً"، هذا دعاء نهاية الطعام.
وإذا إنسان أكل من شبهة، أو أكل من طعام ليس متأكداً من كونه من مال حلال أو غير حلال فليقل: "الحمد لله على كل حال، اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك"، ويقرأ بعد الطعام: قل هو الله أحد و لإيلاف قريش.
سمعت قصة أن رجلاً عنده ملهى له بنت لا تأكل من طعام أبيها لقمةً واحدة لأنها ترى مال أبيها حراماً بحرام وإذ تناولت لقمة من مال أبيها يفسد عليها حياتها. آداب المضيف :
وأنت مدعو إلى وليمة، ولك طبيعة خاصة، أكلت لقمتين وشبعت، لك محل على المائدة تركته، وجلست في مكان آخر هذا خلاف السنة، ما عملت شيئاً فأنت لست مضيفاً، المضيف يجب أن يبقى على المائدة طوال الوقت، مادام هناك ممن يدعوهم يأكل، فيجب أن يبقى المضيف على المائدة يأكل معهم ببطء، لأنه إذا أكل بشكل سريع لآخر واحد يضر نفسه، و من آداب الضيافة أن الذي دعوته إلى الطعام تأكل معه لقمة خفيفة، قطعة بندورة، حتى تشعر أنه ما بقي أحد على الطاولة فهذه آداب المضيف.
آداب الآكل :
والآن آداب الآكل أي أنت آكل، و دُعيت لطعام، ويوجد كرسي على المائدة ووراء الكراسي يوجد أرائك مريحة، فانتهيت من الطعام وانسحبت وجلست على الأريكة فهذا خلاف السنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولاً، ابق في مكانك جالساً، توقف عن الطعام حتى ينتهي الجميع، و يرفعوا الطعام تقوم، لأنك أنت تأكل أكلاً قليلاً لسبب معين، وإلى جانبك إنسان جائع عندما أنت انسحبت أخجلته، فابق في مكانك، وليس للإنسان الحق أن يغادر الطاولة حتى يرفع الطعام كله، أما أن يأخذ مكاناً آخر فلا يجوز هذه من السنة النبوية المطهرة.
إن أكل طعام الغير هذا الدعاء الذي قلناه قبل قليل: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيباً، واستعملنا صالحاً" فهذا إذا أكل من طعامه في بيته، أما إذا كان مدعواً إلى طعام فماذا يجب أن يقول؟ يقول: الله أكثر خيره، وبارك له فيما رزقته، ويسر له أن يفعل فيه خيراً، أقنعه بما أعطيته، واجعلنا وإياه من الشاكرين"، وإذا أفطر عند قوم والدنيا صيام فليقل: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأخيار"، فإن أكل من طعام غيره يقول: "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وارزقنا خيراً منه" كذلك الدعاء مما خصّ به النبي عليه الصلاة والسلام.
أما اللبن فلم يقل وارزقنا خيراً منه، لأنه أنفس شراب كان يقول: "وزدنا منه"، أكلت زيتاً و زعتراً قل: يا رب وارزقنا خيراً منه، الجبن قد تكون أطيب، أما إذا أكلت لبناً فقل: زدنا منه، وإذا قلت: ارزقنا خيراً منه فخلاف السنة.
ما يقال بعد الطعام :
ويستحب أن يقول بعد الطعام: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، سيدنا ومولانا يا كافي من كل شيء ويكفي منه شيء، أطعمت من جوع، وآمنت من خوف، فلك الحمد آويت من يتم، وهديت من ضلالة، وأغنيت من عيلة، فلك الحمد حمداً كثيراً، دائماً، طيباً، نافعاً، مباركاً فيه كما أنت أهله ومستحقه، اللهم أطعمنا طيباً، واستعملنا صالحاً، واجعلنا عوناً لك على طاعتك، ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك"، ثم غسل اليدين بعد نهاية الطعام، فهذه السنن التي يجب أن تراعى قبل الطعام، وفي أثناء الطعام وبعده إذا كنت مؤمناً حقاً هكذا تفعل.
لكن لا تفعل معصية كبيرة وتأكل ملحاً قبل الطعام، مقبول لكن هذه معصية كبيرة، فالمسلم كل السنن السهلة الخفيفة التي لا تكلف شيئاً يطبقها بحذافيرها وينتقد الآخرين فيها، و هناك أشياء كبيرة جداً في حياته هو واقع بها، وهذه الدقائق لمن أتمّ الفرائض، ولمن استقام على أمر الله استقامةً تامة، لكن إذا كان تاركاً أمر الله شاهدنا مسلسلاً ثم نقول: الملح سنة، فهذا التناقض صفةٌ بشعة في شخصية المسلم الحالي، بلع الثور وغص في الذنب.
* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ صادق الوعد و وفي :
والآن إلى بعض شمائله صلى الله عليه وسلم ونحن في عيده الشريف، كان النبي عليه الصلاة والسلام صادق الوعد يفي بوعده وإن شق ذلك عليه:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ... ))
[أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ]
وأصعب موعد أن يكون في الطريق في مكان، في البيت مقبول التأخر وإن كان المسلم يفي بوعده، لكن في الطريق!!! ((.... فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ: يَا فَتًى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنْتَظِرُكَ ))
[أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ]
2 ـ مكرم لأصحابه :
وكان عليه الصلاة والسلام يزور أصحابه ليكرمهم بذلك، وليدخل السرور على قلوبهم، ولينفعهم بإرشاداته وتعاليمه.
(( حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ زِيَارَةَ الأَنْصَارِ خَاصَّةً وَعَامَّةً فَكَانَ إِذَا زَارَ خَاصَّةً أَتَى الرَّجُلَ فِي مَنْزِلِهِ وَإِذَا زَارَ عَامَّةً أَتَى الْمَسْجِدَ ))
[ أحمد عن أَبَي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ]
وروى الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان عليه الصلاة والسلام يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم))
[الترمذي والنسائي عن أنس]
و : ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ فَنُضِحَ لَهُ عَلَى بِسَاطٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُمْ))
[ أبي داود أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
عن جبير بن مطعم قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام له صاحب من أصحابه كان كفيف البصر فأراد أن يزوره في البيت فماذا قال لأصحابه؟ قال: انطلقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير ماذا سماه؟ البصير إكراماً له ما لفظ كلمة أعمى ولا كلمة كفيف: ((عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلامِ قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ أَوْ قَالَ نَاوَلُوهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ ثُمَّ أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ))
[أبي داود عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ]
ويوجد رواية أخرى للقصة قال: "والله كلما سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم كنا نحس أن رحمةً تنزلت علينا"، لهذا السبب أخفى الجواب رد عليه رداً خفياً حتى يعيد السلام عليه. ((... ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ))
ويوجد رواية ثانية: (( فأرسل سعد ابنه قيساً مع رسول الله ليرد الحمار فقال عليه الصلاة والسلام: احمله بين يدي، فقال سعد: سبحان الله أتحمله بين يديك يا رسول الله - ليس معقولاً - فقال: نعم هو أحق بدابته، فقال: هو لك يا رسول الله، قال: إذاً فاحمله خلفي، الرجل أحق بصدر دابته))
أحياناً يدخل إنسان لعند موظف ويجلس خلف الطاولة هذا ليس مكانك، هذا مكانه، هو الرجل أحق بصدر دابته، وهذه أيضاً لها معنى ثانٍ أحياناً الإنسان لا يحب أحداً أن يسوق له سيارته لعلك إذا جلست مكانه وحركتها ينزعج، الرجل أحق بصدر دابته فصدر السيارة مكان القيادة. 3 ـ يزور ضعاف المسلمين وعامة أهل الصفة :
وكان عليه الصلاة والسلام يزور ضعاف المسلمين وعامة أهل الصفة، فكان يزور هؤلاء، ويلاطفهم، ويؤنسهم، ويعود مرضاهم، ويحضر جنائزهم، وفي هذا تكريم لهم، وتبريك عليهم، ومواساة وإحسان إليهم، ليشعروا بعزتهم وكرامتهم وسعادتهم:
عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي ضعفاء المسلمين، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم"، معنى عصابة بالمعنى القديم أي جماعة، الكلمة لها معنى تاريخي ومعنى مستحدث، فمرة الشاعر أبو تمام مدح المعتصم فقال له: أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب، فالجرثومة في اللغة أي أصل الشيء فإذا قال أبو تمام يمدح المعتصم أنت جرثومة الدين يا أيها الخليفة، أي أنت أصل الدين، والعلماء المحدثون بحثوا عن أسباب الأمراض، فإذا هي كائنات صغيرة هي الفيروسات فسموها جراثيم، فإذا قلنا لطالب: أنت جرثومة الصف لها معنى آخر، فالكلمات تأخذ معنى آخر، كلمة استعمار مثلاً تعني إعمار الأرض ومعناها الاصطلاحي الآن قبيح جداً.
قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ))
[ البيهقي عن ابن عباس]
أي هذه الجماعة ومأخوذة من العصبة التجمع. ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْنَا فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ الْقَارِئُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ … ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
((... قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا...))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
هؤلاء فقراء المسلمين أهل الصفة، الآن في الحرم النبوي بعد الحجرة النبوية المشرفة، بعد أن تسلم على النبي تنطلق شمالاً ثم تنحرف نحو اليسار فإذا بمكان في طرف المسجد النبوي هذا مكان أهل الصفة وهو موجود إلى الآن. ((... قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَاكَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
الاحتفال الصحيح بعيد المولد أن تجعل النبي أسوةً لك في حياتك :
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه النبذة عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وعن شمائل هذا النبي الكريم الذي شرفنا الله به، واليوم عيد مولده الشريف، والاحتفال الصحيح بعيد المولد أن تجعل النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً لك في كل حركاتك، وسكناتك، وفي تواضعك، و محبتك للناس، و عطفك عليهم، و رحمتك بهم، و لطفك، و إنفاقك، ومودتك، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

السعيد
09-10-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الاربعون )


الموضوع : ادراك الفريضة








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إدراك الفريضة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى باب إدراك الفريضة، فإذا شرع المصلي في فرض منفرداً فأقيمت الجماعة - ومعنى أقيمت أي كبر إمام الجماعة تكبيرة الإحرام- قطع هذا المصلي صلاته واقتدى إن لم يسجد لما شرع فيه.
أي إذا شرع بصلاة ثنائية وسجد عليه أن يتم الركعة الثانية فإن لم يسجد سلم تسليمتين قائماً وترك صلاته منفرداً، والتحق بالجماعة، فإذا سجد سجدةً في غير الرباعية أتمها بالركعة الثانية، وإذا سجد في رباعية ضمّ ركعة ثانية - أي إذا صلى صلاة ثنائية أتمها ثنائية، وإن شرع في رباعية صلى ركعتين فقط ثم لحق بإمام الجماعة - فالجماعة كصلاة الجنازة، وإن صلى ثلاثاً هو في الركعة الثالثة، وأقيمت صلاة الجماعة عليه لو أنه يصلي صلاة نفل أربع ركعات في الركعة الثالثة أقيمت صلاة الفريضة أتمّ الرابعة واقتدى بالإمام إلا في صلاتين؛ صلاة العصر وصلاة الفجر لأنه لا تنفل بعد أداء الفريضة، فلم يؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى صلاة نفل بعد أداء الفريضة في صلاتي الفجر والعصر.
ما يترتب على المكلف لإدراك الفريضة مع الإمام :
إن كان في سنة الجمعة فخرج الخطيب ماذا عليه أن يفعل؟ عليه أن يقطع صلاته لأنه إذا صعد الخطيب إلى المنبر لا صلاة ولا كلام، وإن كان في سنة الظهر فأقيمت صلاة الفريضة سلم على رأس ركعتين، كذلك في الجمعة صلى ركعة يتم الثانية، لو كانت أربع ركعات السنة القبلية يصلي ركعتين فقط ويستمع إلى الخطبة، وإذا دخلت إلى المسجد في صلاة الظهر فرأيت الإمام يرفع يديه ويكبر تكبيرة الإحرام وأنت لم تصلِّ السنة بعد فماذا تفعل؟ تقتدي به وتدع السنة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعات السنة القبلية بعد السنة البعدية، أي إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام يرفع يديه ليكبر تكبيرة الإحرام كبر معه، واقتد به، ودع السنة القبلية، فإذا صليت الفريضة والسنة البعدية لا عليك أن تصلي السنة القبلية قضاءً، لكنك إذا دخلت إلى المسجد لتصلي صلاة الفجر، ومن عادة إمام الفجر أنه يطيل في القراءة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))
[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]
ولأن ركعتي الفجر أأكد أنواع السنن على الإطلاق فيستحب أن تشرع في ركعتي السنة إذا كنت واثقاً أنك تدرك مع الإمام الصلاة، فقد يقرأ في الصلاة صفحتين أو أكثر وأنت بهذا تصلي ركعتين خفيفتين قبل الفجر، وإن كنت واثقاً أنك تلحق الإمام في الركعة الأولى، فإن غلب ظنك على أنك لن تلحقه دع السنة واقتد بالإمام، لأن صلاة الجماعة أفضل من إدراك السنة، ثم أداء صلاة الفرض منفرداً.
فإذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام على وشك الركوع ولم يبقَ له إلا آية وأنت لم تصلِّ السنة وأتممت بالإمام وصليت الفرض فالسؤال هل تقضى سنة الفجر؟ الجواب: نعم ولا، لا تقضى قبل طلوع الشمس ولا بعد الزوال، بعد زوال الشمس عن كبد السماء، إنما وقت قضائها المحصور بين طلوع الشمس وإلى ما قبل صلاة الظهر تقضى ركعتا سنة الفجر إذا فاتتك، وقد التحقت بالإمام وضيعت ركعتي السنة.
من أدرك إمامه راكعاً فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه، فاتتك هذه الركعة فإذا أدركت معه الركوع ولو تسبيحة واحدة فقد أدركت هذه الركعة. كره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة :
وكره خروج الرجل من المسجد إذا سمع الأذان فيه إلا في حالة خاصة نادرة، أي إذا كان هناك جامعان متجاوران فلو فرضنا جامع الحاجبية وجامع النابلسي وأحد مستمعي درس من الدروس الدرس كان يومئذ بين المغرب والعشاء، وهو مؤذن في جامع الحاجبية، أو له درس هناك، أو عليه أن يصلي إماماً هناك، وقال مؤذن هذا المسجد: الله أكبر، له في هذه الحالة الخاصة أن يخرج من المسجد ليلحق صلاة الجماعة هناك، ليصلي إماماً بالجماعة، أو ليؤذن، أو لما شاكل ذلك، لأنه خرج من مسجد إلى مسجد، ومن جماعة إلى جماعة، فليس هناك مكروه، وليس لأحد حق إذا رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن سمع الأذان أن يظن به السوء، ما أدراك أنه ذهب إلى جامع آخر؟؟ فهذا الذي يظن بالناس سوءاً هو سيئ و من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه، وأحياناً الإنسان يخرج من المسجد ليلحق مسجداً آخر له درس هناك، وهو سيصلي إماماً في هذا المسجد، أما من دون أن تكون متوجهاً إلى مسجد آخر فلا يجوز أن تخرج من المسجد بعد سماع الأذان في المسجد نفسه، ولكن لو فرضنا - وهذه حالة خاصة - إنساناً مضطراً أن يغادر المسجد عند أذان العصر، ومن عادة هذا المسجد أن الصلاة تقام فيه بعد نصف ساعة، يستطيع هذا المصلي أن يصلي السنة والفريضة منفرداً، ويخرج من المسجد لأمر قاهر، له مريض في مستشفى، عليه موعد مهم جداً، هو لم يخرج حينما سمع الأذان حينما سمع الأذان صلى الفرض وخرج من المسجد لا شيء عليه.
وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلي إلا إذا كان هناك جماعة أخرى، وإن خرج بعد صلاته منفرداً فلا يكره، إلا إذا أقيمت الجماعة أي قام ليخرج فأقيمت الجماعة، فالمغرب بين إقامة الجماعة والأذان خمس دقائق، بينما ينزل فيما مضى المؤذن من المئذنة ليلتحق بالحرم أقيمت الصلاة، صلاة المغرب التي تقام بعد الأذان مباشرةً أو في صلاة العشاء ينبغي له أن يصلي مع الإمام، أما في الصلوات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يؤخرها، أي النبي الكريم كان يؤخر صلاة الفجر حتى تسفر الوجوه أي حتى يعرف المصلي وجوه أخوانه من دون إضاءة، قدروها تقديراً نصف ساعة بعد أذان الفجر، والإمام الشافعي كان يؤثر الصلاة في غلس أي والوقت ظلام، وعلى كلٍّ إذا كنت في مسجد والصلاة تتأخر كثيراً، أي أخ في جامع يوجد عنده سفر، أو التحاق بعمل بوقت مبكر جداً، دخل إلى المسجد فوجد حتى تقام الصلاة نصف ساعة له أن يصلي ويخرج، أما المغرب والعشاء فمادامت الصلاة تقام بعد الأذان مباشرةً يكره له أن يخرج من هذا المسجد حتى يصلي الجماعة مع الإمام.
الابتعاد عن الجلبة و الضجيج في المسجد :
هذا ما يتعلق في إدراك الفريضة، يوجد شيء فاتني أن أقوله لكم هو أن المرء إذا دخل المسجد ورأى الإمام راكعاً فليس له الحق أن يركض في المسجد، ويحدث جلبةً وضجيجاً، ويشوش على المصلين بحركة عنيفة في الجامع قد تثير حفيظة المصلين جميعاً، فماذا حدث يا ترى هل أحد وقع؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى رجلاً يركض في المسجد ويحدث جلبةً وضجيجياً:
((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
[النسائي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ]
وذلك منتهى الرقة حتى إن علماء الاجتماع قالوا: "إذا أردت أن تنتقد من هو دونك في العمل فلابد من أن تمهد له بالثناء على خلق موجود فيه ثم توجه النقد كان هذا بذاك وتلك بهذا وخف عليه حدة النقد"، فالنبي الكريم قال لهذا الرجل: زادك الله حرصاً أي أثنى على حرصه ولكن هذا الركض في المسجد لا يجوز فقال: ولا تعد. أداء السنن في البيت شيء مستحب :
يستحب أن تؤدى صلاة سنة الفجر في البيت هكذا ورد معي في شرح هذه الكتاب، أي تستيقظ في البيت وقد سمعت أذان الفجر تصلي ركعتي السنة في البيت، ثم تتوجه إلى المسجد فتؤدي ركعتي تحية المسجد، ثم تصلي الفرض فتصلي السنة في البيت والفرض في المسجد، لأن النبي الكريم قال مرةً:
((لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ولو كان المكان للنوم أو للطعام فصلِّ في هذا البيت، صلِّ السنة البعدية في البيت، يوم الجمعة صليت الفرض فيمكن أن تتوجه إلى البيت وتصلي في البيت السنة البعدية، وأن تصلي فرض العشاء في المسجد وتؤخر الوتر إلى ما قبل النوم، وهناك أشخاص يحبون أن يصلوا الوتر قبل أن يناموا، صلى العشاء في وقته وترك الوتر إلى ما قبل النوم، ويحب أن ينام على طهارة. المتنفل لا يؤم المفترض بل يصلي معه :
أنت كنت في المسجد وصليت الظهر حاضراً، وأنت مدعو إلى الغداء الساعة الثانية مثلاً وهناك جماعة غير مصلين، أقيمت الجماعة في هذا البيت، وأنت قد صليت الفرض، فيستحب أن تصلي معهم، وتقتدي بهم، تحسب لك هذه الصلاة نفلاً، لكنك إذا كنت قد صليت الظهر فرضاً ثم ذهبت إلى البيت فأقيمت صلاة الظهر فليس لك الحق أن تصلي فيهم إماماً لأن المتنفل لا يؤم المفترض فتصلي معهم.
وبعض العلماء حاول أن يستنبط حكمة صلاة السنة القبلية والبعدية فإذا الإنسان حافظ عليهما قطع طمع الشيطان في نهيه عن الصلاة، فماذا يقول الشيطان إذا كان الإنسان محافظاً على السنن فمن باب أولى أنه يحافظ على الفرض، لكن الشيطان يرى إنساناً قد تهاون بالسنن فيطمع أن يحمله على تهاونه في الفرض، ومن لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه.
أحياناً الإنسان يدخل إلى المسجد فيرى الإمام قد ركع وقال: سمع الله لمن حمده، فيقول: لماذا أنزل معهم وأسجد؟ ذهبت الركعة، قال: هذا مكروه، فإذا رأيت الإمام ساجداً فاسجد معه فوراً، يقول: أوفر أول نزلة وثاني سجود وسجود ثم وقوف، لا، إذا دخلت إلى المسجد ورأيت الإمام ساجداً كبر واسجد هكذا السنة.
النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت :
آخر شيء يقول عليه الصلاة والسلام:
((صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلا الْمَكْتُوبَةَ))
[متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ]
غير معقول هذا الكلام، و كأن النبي عليه الصلاة والسلام يحثنا على أداء السنن في البيت أمام الزوجة صليت السنة، عدت إلى البيت فصليت الوتر، فالابن شاهدك تصلي، صارت الصلاة سلوكاً مألوفاً في هذا البيت. ((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ))
[أحمد عَنْ جَابِرٍ]
((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةً وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلاةٍ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
جميع مساجد الأرض متساوية بالأجر و الثواب عدا المسجد الحرام والنبوي والأقصى :
الحقيقة قال عليه الصلاة والسلام:
((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
فأي إنسان يتوجه من حلب إلى دمشق ليؤدي الصلاة في المسجد الأموي الكبير فالمسجد الأموي بحلب كالأموي بدمشق، وجميع مساجد الأرض متساوية عدا المسجد الحرام والنبوي والمسجد الأقصى، وما سوى هذه المساجد كلها متساوية بالثواب والأجر، فكلها مساجد لا فضل لواحد على غيره إلا إذا توجهت إلى الديار المقدسة مع أن الله في كل مكان وهذه حقيقة ثابتة لكنه جعل تجليه على البيت الحرام تجلياً مكثفاً ومركزاً، فمن ذهب إلى هناك وتجشم مشاق السفر، وأنفق ماله، فلابد من أن يشعر بشعور خاص وهو يصلي في هذه المساجد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 69 ]
كأن الإنسان حينما يتوجه إلى الله عز وجل فالله ليس له مكان، لكنه جعل هذا البيت بيته، وخصه بتجلٍّ خاص، فكل من ذهب إلى هذا البيت لابد من أن يشعر أن فيه تجلياً ليس في سواه.
والنبي صلى الله عليه في طريقه إلى الهجرة قال كلمة تترك أثرها في النفس قال: يا رب إني قد خرجت من أحب البلاد إليّ فأدخلني أحب البلاد إليك، أي خرج من مكة وهي أحب البلاد إليه وتوجه إلى مكان رجا الله عز وجل أن يكون أحب الأمكنة إليه لذلك قالوا: أحب الأمكنة إلى الله عز وجل المسجد النبوي الشريف، إذا الإنسان دخل إلى هذه الروضة فلابد من أن يشعر أنه في روضة، و تقول: إنها أجمل مكان في العالم، وتكون لست مبالغاً، و تجلس الساعات الطويلة لا تمل من الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، والقرآن فيه طعم خاص، والصلاة فيها طعم خاص، و أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قلت إن أنوار النبي صلى الله عليه واصلة إلى أنحاء المسجد، بل إلى أنحاء المدينة المنورة، تحس بالسكينة في هذه المدينة، فهناك هدوء و معاملة لطيفة، و قلّما تشعر صياحاً في الأسواق، وهذه سكينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
* * *
آداب الطعام و الشراب :
والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولازلنا في موضوع آداب الطعام والشراب، طبعاً الطعام والشراب طعام المؤمنين كما قال الإمام: "الطعام من الدين".
تحدثنا من قبل عن آداب الطعام والشراب منفرداً في الآداب قبل الطعام، وفي الآداب أثناء الطعام، وفي الآداب بعد الطعام.
آداب الطعام المتعلقة بالجماعة :
1 ـ ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه :
الآن لو أن جماعة جلسوا على مائدة ليأكلوا فهناك آداب خاصة تتعلق بالجماعة أول هذه الآداب: ألا يبتدئ الرجل بالطعام ومعه من يستحق التقديم عليه - جلس وبدأ يأكل ويوجد أعلى منه، فحتى يبدأ الكبير هناك مقامات - وقد يكون هناك إنسان له فضل اجتماعي، وقد يكون إنسان له فضل ديني، فلا يحق للآكل مع جماعة أن يمد يده إلى الطعام قبل أن يمد أوجه الناس على هذه المائدة فهذه من السنة، طبعاً هذا الذي يستحق أن يبدأ الطعام قد يكون لكبر سنه، أو لزيادة فضله، إلا أن يكون هو المتبوع، هو أكبر واحد سناً، أو أرفعهم شأناً يبدأ هو، لكن عليه أن يبدأ - أحياناً يكون الطعام موضوعاً وهو يتكلم والحديث ممتع وهو مسترسل وهناك أناس جائعون - فصار إحراج، وهذا الذي يسمى متبوعاً في الطعام هو أعلى شأناً ليس له الحق أن يتأخر عن الطعام بل يجب أن يبدأ، وأحياناً يحدث العكس تذهب إلى إنسان فيضع لك الضيافة ولا يقول لك: تفضل، وضعت الفاكهة أو أي شيء ربع ساعة، نصف ساعة وليس من المعقول أن يمد الضيف يده ويريد أن يذهب أيضاً هذا خطأ، وضعت الطعام للضيف ادعه إلى تناوله، فليس لك الحق إذا ضيفت إنساناً أن تضع الطعام وتبقى ساكتاً، وليس لكبير القوم الحق في أن يتحدث والطعام موضوع وهناك طفل يشتهي أن يأكل.
2 ـ عدم السكوت على الطعام :
الثاني: ألا يسكتوا على الطعام، السكوت ليس من السنة:
لقد رأيت عجباً مذ أمسـا عـجائزاً مثل السـعالي خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا لا ترك الله لهن ضــــرسا
ولا لقين الدهر إلا تعــــــسا
***
تناول الطعام مع السكوت ليس من السنة لماذا؟ الإنسان يعمل تسابقاً في الأكل، يمضغ مضغاً سريعاً ويكبر اللقمة، ويتنافس مع أخيه في الأكل، وهذا ليس من السنة، أما إذا وجد حديث ممتع فصار اعتدال في الطعام، ومضغ جيد، وبركة، والمائدة مناسبة للحديث الطيب، وطبيعة حياتنا المعقدة قد لا يلتقي الأب بابنه إطلاقاً، وكل واحد مشغول فصارت المائدة مناسبة بشكل إجباري، لقد جلست مع الأسرة للعشاء فحدثهم، اجعل الحديث هو الأساس ولو امتد الطعام ساعة لا يوجد مانع إنه سنة ولو أطلنا، كُلْ أكل الجمال وقم قبل الرجال، أهذه آية أم حديث؟ لا ليست آية و لا حديثاً، اجلس جلسة مريحة، وكُلْ على مهلك، وتكلم مع ابنك، وزوجتك، واسألهم وداعبهم في الكلام، تحصل بركة أكثر، وليس من السنة السكوت عند الطعام، وهناك أناس جالسون يأكلون أكل الوحوش، فقال له أحدهم: هل يوجد آية قرآنية مناسبة؟ فقال له: وإذا الوحوش حشرت. 3 ـ الرفق برفيقه في القصعة :
الأدب الثالث: أن يرفق برفيقه في القصعة، قال لي رجل: ذهبت إلى الخدمة الإلزامية فجلسنا على الطعام ستة على طاولة في كلية ضباط الاحتياط، فكل واحد أخذ قطعة لحم وما تركوا لي شيئاً إطلاقاً، أهؤلاء مسلمون؟ هذا لا يجوز، قال: أن يرفق برفيقه بالقصعة، ينتبه هل أكل اللحم بمفرده؟ هل أخذ زبدة الصحن بمفرده؟ ينتبه، أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادةً على ما يأكل، وأحياناً يكون هناك لحم فيأكلون قطعة قطعة، وهو وضع اثنتين اثنتين، لا مع المجموع قطعة قطعة، وأحياناً يأكلون نصف قطعة بشكل معتدل فيجب أن تأكل بنفس المعدل كزملائك، فإن ذلك حرام، بل يجب أن يقصد الإيثار، أي إذا قدمت قطعة لحم للآكل معك لابنك، لزوجتك، فهذا من السنة، أي إذا دفع قطعة اللحم لزوجته فهذه حسنة يستحق عليها الثواب، وقد تكون تفاحة لها خد أحمر فأعطاها لابنه فيحصل مودة، وأحياناً الابن يؤثر أباه في التفاحة الجيدة، أي بين أن يكون أثرة وبين أن يكون مؤاثرة مسافة كبيرة جداً، أي بين أن يأخذ أطيب شيء له وبين أن يكون الأساس في الأدب الإسلامي كل أخ يقدم لأخيه أفضل الطعام.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في غزوة فيبدو أنهم أطالوا وآلمهم الجوع ولم يكن معهم الزاد الكافي، فجاء بعض الأصحاب للخيمة برغيفين خبز يابسين....
قال: ينبغي أن يقصد الإيثار، ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك، ولكن إذا أحدهم قال لك: كُلْ و دعاك فقد تكون أول مرة مجاملة، والثانية مجاملة، أما الثالثة فليست مجاملة له بل رغبة سابقة، يقدم لك في الثالثة فكل ولا يوجد مانع، وإذا كنت جالساً مع أخيك على الطعام وآثرك بشيء من الطعام، فقد يكون آثرك مرة واحدة فأنت لا تأكلها فوراً أما الثالثة فكلها هكذا النبي علمنا.
4 ـ لا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث :
ولا يزيد في قوله كُلْ على ثلاث فإن في هذا إلحاحاً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وإنسان دعاك ثلاث مرات فمعنى هذا دعوة حقيقية، ويوجد دعوة رفع عتب شكلية، فقد كنت مرة راكباً في سيارة عامة -باص كبير- يظهر وجد صديق لهذا السائق فقال له: تفضل، فقال له: شكراً، فقال له: والله تفضل واشرب فنجان قهوة، و في الباص خمسون راكباً، فهذه ليست دعوة جادة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع، وكان عليه الصلاة والسلام يكرر الكلام ثلاثاً من الأدب، أي إذا أحبّ أن يدعوك ومن أجل تتأكد أنه صادق في هذه الدعوة أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، إذا خوطب في أمر ثلاث مرات لم يراجع، ولولا التشهد لكانت لاؤه نعم، مما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما طلب إليه شيء فقال: لا.
5 ـ عدم الحلف بالأكل :
أما الحلف بالأكل فممنوع، والله العظيم أن تأكل هذه اليقطينة هذه تطرح جملاً، قال: أما الحلف بالأكل فممنوع، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "الطعام أهون من أن يحلف عليه"، لا يحرز أن تحلف يميناً معظماً ليأكل لقمة زيادة، شبع وانتهى أكل عنباً فلن يأكل تفاحاً، و لا يوجد رغبة عنده بهذا، أيمان معظمة على الطعام هذا لا يجوز، رجل قال لي كلمة: إذا إنسان دعاني إلى طعام فهل آكل؟ إذا كان بخيلاً لا يعيدها وإذا كان كريماً يفرح، دعاك ودعاك فالبطن لا يتحمل منيتين تتغذى في البيت مرة ثانية؟ كُلْ، ولكن يوجد أناس يتصنعون فقل: لا أستطيع، ليس بنفسي، ويكون ميتاً من جوعه هذا ليس من السنة.
قالت: يا رسول الله إذا قالت إحدانا الطعام لا أشتهيه وهي تشتهيه أيعد هذا كذباً؟ قال: نعم.
إذا دعاك إلى أكل قلّما تأكل، لماذا هذا الترفع على الطعام؟ قال أنس بن مالك: "إذا أكرمك أخوك..." أي أحب أن يقدم لك المنشفة، يوجد شخص لا يرضى وأنت ضيف وهو صاحب البيت.
6 ـ عدم استخدام الضيف :
و من آداب الضيافة أن يكون المضيف في خدمة ضيفه، ومن اللؤم في الإنسان أن يستخدم ضيفه، حتى إن القصة المشهورة عمرو بن كلثوم الذي دعاه النعمان وقالت أمه لأمه يا ليلى ناوليني هذه الحاجة؟ فصاحت الأم أن يا للعار فقد أهنا.
ومن اللؤم بالمرء أن يستخدم ضيفه، وإني لعبد الضيف مازال ثاوياً، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها".
أعطاك وسادة خذها لا ترد الوسادة، أحب أن يعطرك اقبل العطر، إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما يكرم الله عز وجل.
وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير وكان مؤدب أولاده، فصب الرشيد على يديه الماء، فلما فرغ قال يا أبا معاوية أتدري من صب على يديك؟ قال: لا، قال: صبه أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله.
7 ـ ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم :
الأدب الآخر: ألا ينظر إلى أصحابه في أثناء طعامهم، فالنظر إلى الآكلين لا يجوز، يتحدث وينظر إلى وجوههم، أما أن ينظر إلى أيديهم فيربكهم، ألا ينظر إلى أصحابه وألا يراقب أهلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم، ويشتغل بنفسه، ولا يمسك عن الطعام قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، وأحياناً الإنسان يكون له مقام كبير يترك الطعام بوقت مبكر، و له تلاميذ فخجلوا أن يأكلوا بمفردهم، فعليه أن يراعي الجائعين، والضعفاء، فإذا كان من حولك يحتشمون وأنت أيضاً مدعو، لو كنت صاحب البيت لا يجوز أن تترك الطعام ولا يجوز أن ترفع يدك عن الطعام، ولذلك من السنة أن الإنسان في الولائم يأكل ببطء شديد، ويصغر اللقمة كثيراً حتى لا يحرج أحداً، بل يمد يده ويقبضها ويتناول قليلاً قليلاً إلى أن يستوفوا جميعاً الطعام.
فإن كان قليل الأكل قد عمل لنفسه نظاماً دقيقاً ولا يريد أن يكثر الأكل فماذا يفعل؟ قال: يدعهم يأكلون في أول الزمن ويبدأ بمنتصف الوقت على مهله، فالوجبة القليلة أكلها بالفترة الأخيرة التي فيها إحراج، حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً، وقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم.
أما إذا امتنع لسبب أن هذا الطعام لا يناسبه فاعتذر، فاعتذاره يخفف الحرج عن البقية، مثلاً هذه الأكلة هو ممنوع عنها، ويقول: أنا لا أريد أن أتعشى فلو اعتذر اعتذاراً صريحاً فهذا يخفف عن الباقين.
8 ـ ألا يفعل ما يستقذره غيره :
قال: ألا يفعل ما يستقذره غيره، إنسان نفض يده في القصعة ووضع رأسه وهو يشرب المرقة فنزل من فمه شيء إلى القصعة فلا يجوز أن يقدم فمه إلى القصعة المشتركة.
9 ـ ألا يمسك الطعام باليد اليسرى :
ولا يمسك الطعام باليد اليسرى فاليد اليمنى لها مهمة وهذه لها مهمة، حتى أن أحد الصحابة رضي الله عنه قد يكون سيدنا عثمان قال: منذ أن صافحت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه اليد ما مست عورتي أبداً، فهذه اليد التي صافحت النبي الكريم صانها أن تمس عورة اليد اليمين وهذا منتهى الأدب.
وإذا رجل أخذ خبزة وقطعها بأسنانه و بعد هذا يأكل فولاً يغمسها بمرقة الفول فهذا لا يجوز - لأنه قطعها بأسنانه فمست شيئاً من ريقه، فإذا أحب أن يأكل فول فغمسها بالخل وقال هذا أطيب - فغيرك يراقبك وتتضايق منه وهذه كلها آداب الطعام المشترك.
10 ـ ألا يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام :
وبعد هذا ليس له حق أن يتحدث عن موضوعات تثير القرف أثناء الطعام، كأن يقول: وجدنا جرذاً فصدناه أثناء الطعام فأذهبت له شهوته في الطعام، وأيضاً هذه مذكورة في آداب الطعام.
* * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم :
والآن إلى شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، تفقده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم:
((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه يُصَلِّي ويَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ: لِعُمَرَ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ، قَالَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْـوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]
وفي رواية لأبي داود: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَلِعُمَرَ اخْفِضْ شَيْئًا زَادَ وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ كَلامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي أخذ بوجهة نظر أصحابه، فهذا صوته مصيب يسمع من يناجي سيدنا عمر رفع صوته فيوقظ الوسنان، وسيدنا بلال أخذ مقاطع متنوعة يجمع الطيب إلى الطيب، قال: كلكم قد أصاب، أي هذا من عنايته صلى الله عليه وسلم بأصحابه. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلاةِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
آلمني بالعمرة أنه أثناء الطواف أو أثناء السعي رافع صوته إلى أعلى درجة، لا يدع أحداً يدعو، فصوته طاغ على كل شيء، أنا بين الصفا والمروة رأيت حاجاً مع أربعة من رفاقه معه كتب ومن أعلى طبقة ويدعو فسرت خلفهم ودعوت معهم لا يوجد طريقة ثانية.
ليس للإنسان حق أن يشوش على أخيه في الدعاء فيجب أن يخفض صوته مثلاً، دخلنا لنصلي في الجامع والدرس مستمر فهل نصلي جماعة ونرفع صوتنا؟ والله لا يجوز، بل هو خلاف السنة، والمقتدي وراءك يسمع هو فقط، أما بصوت مرتفع فتشوش على الآخرين وأحياناًً إنسان يصلي و يقول: الله أكبر بصوت مرتفع فهذا لا يجوز بل يجب أن يكون سرياً، ولا أدري هل يعدها ورعاً؟ و هذا ليس له علاقة بالدين بل هذا تشويش، تريد أن تصلي بأدب فطالما يوجد أخ معك يصلي فيجب أن تراعي شعوره، وما لاحظت هذا الشيء بالديار المقدسة أبداً، بل كل إنسان يدعو بمفرده بصوت مرتفع حتى النساء يرددن وراء أزواجهم بصوت مرتفع، وصوت المرأة عورة، ولا يوجد فقه، فقد قيل: "تفقهوا قبل أن تحجوا".
وهذا الذي يريد أن يزاحم على الحجر الأسود يؤدي إلى إيذاء، وأنا شبهتها أب حوله خمسة أولاد فجاء ابن مسك أول أخ و ضربه فطرحه أرضاً، والثاني ضربه على بطنه، والثالث على وجهه، ومن ثم هات يدك يا والدي كي أقبلها، فما هذه القبلة؟ هذا أيضاً جهل قبيح، وهذا الشيء منهي عنه، قال: ف ((لا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
2 ـ التواضع :
وكان عليه الصلاة والسلام عظيم التواضع.
فانظر إلى الأكحال وهي حجارة لانت فصار مقرها في الأعين
***
المتواضع يزداد من الناس رفعةً، والمتكبر يزداد ضعفاً، والبطولة ما يقوله الناس في غيبتك لا في حضرتك، فقد تكون قوياً فيخافونك في حضورك، فيجب أن تمدح في غيبتك، فمن علامة التواضع أن يمدحك الناس في غيبتك.
كان من تواضعه صلى الله عليه وسلم بالمناسبة يوجد ثلاثة أحاديث قال عليه الصلاة والسلام: (( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
تحمل كيس بندورة إلى بيتك فلست متكبراً، و تحمل الخبز، وحقيبة فيها الخضار، و طعاماً لأولادك ومن قال: إنك متكبر فقد أخطأ، لأنه كبر عن الكبر من حمل حاجته بيده.
وإنسان أدى زكاة ماله، فمادام قد أدى زكاة ماله فلا يجوز أن ينعت بالبخل، هو حر، رغب أن يؤمن بيتاً لأولاده ولا يرد هذه الألبسة الفارغة، كل ثوب ثمنه ثمانمئة ليرة: (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
أينما جلس يتكلم عن الله عز وجل أخي هذا منافق، كيف منافق؟ المنافق له صفة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء:142 ]
لا يذكر الله إلا قليلاً، أما إذا أكثر حديثه عن الله عز وجل فهو ليس منافقاً. 3 ـ يخدم نفسه بنفسه :
وكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أن يخدم نفسه بنفسه، و سيدنا رسول الله وهو قمة في العلم والرفعة والخلق خدم أصحاب النجاشي بنفسه، أصر على خدمتهم بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها:
(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ]
فالآن كم مشكلة تقع من أجل خياطة رز؟ قلت لكم مرتين وأنت زوجة مهملة، أنت ... ترى طردها إلى بيت أهلها والأولاد من أجل زر وأدبها بخياطته، إذا أخاطه أمامها تخجل لأن عندها إحساساً، فعوضاً عن أن تعنفها وتطردها إلى بين أهلها من أجل هذا الزر، ابق عندك إبرة وخيطاً فإذا لم يستجيبوا لك فأخطه بمفردك.
ويرقع دلوه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، أنا أستكبر من إنسان يقول: تعال واخدمني، فمن أنت؟ لا يوجد أعظم من رسول الله، قال: عليّ ذبح الشاة، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال آخر: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقال الصحابة الكرام: نكفيك ذلك، قال: أعرف أنكم تكفوني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
وفي الحرب في معركة بدر ثلاثمئة جمل لتسعمئة مقاتل من الصحابة أمر كل ثلاثة على راحلة وقال: أنا وعلي وأبو لبابة على جمل، ركب النبي الكريم وجاء دور أصحابه فخجلوا أن يركبوا وقالوا: ابق راكباً، فقال: ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر، هكذا النبي الكريم. 4 ـ يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل :
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يركب الحمار ولا يخص نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء، إنسان له مكانة رفيعة يريد أن ينقل شيئاً إلى بيته فوجد شاحنة صغيرة و ركب بجانب السائق، فيقول: نقص قدري؟ لا بل قدرك يبقى هو هو، فالإنسان لا يتكبر، اجلس يا أستاذ على الصندوق فجلس، فالكبر لله عز وجل.
5 ـ يعود المرضى ويشهد الجنائز ويجيب دعوة العبد :
وكان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة العبد.
6 ـ يردف بعض أصحابه على دابته :
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يردف بعض أصحابه على دابته، وما كان يأنف من إنسان أن يركب معه بمفرده، وكان يردف صبيان أصحابه وراءه، فإذا كان لصحابي ابن كان يركبه والطفل يحب أن يركب الدابة.
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ ))
[ مسلم عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه ]
وبما أنهم عبدوه فلا يعذبهم، فإذا كنت مستقيماً استقامة تامة اكتسبت حقاً على الله عز وجل، ألم يقل رجل لأبي الدرداء: احترق حانوتك تعال وانظر، بكل أعصاب باردة قال: ما كان الله ليفعل، فقال له: احترق، فقال: ما كان الله ليفعل، جاء رجل قال له: لا لم يحترق حانوتك بل حانوت جارك الذي احترق، قال: أعرف ذلك.
للعبد حق على الله عز وجل، أنت تغض بصرك، وتدفع زكاة مالك، وتحرر دخلك من الحرام، وتخاف من الله عز وجل وليس لك ميزة؟ وحق على الله ألا يعذبك، لي صديق مؤمن استيقظ صباحاً وجد ابنته مشلولة، والزوجة صرخت، قال كلمة مشابهة لهذا الكلام: الله عز وجل لم يفعل هذا إذاً يوجد مرض مشابه جداً للشلل، بعد عدة أيام تشفى، وفعلاً بعد ستة أيام شفيت، إنه واثق أنه لا يستحق هذه المصيبة الكبيرة، بنت في البيت مشلولة وصغيرة لا يستحق هذا، اعرف ذلك، فإذا أنت استقمت على أمر الله تماماً تشعر أنك بعين الله، يمكن لا يوجد آية تثير مشاعر الإنسان كقوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور: 48 ]
إذا طفل محبب وعمره خمس سنوات وهو جالس في الغرفة فراقب أمه كيف تحرسه فلا ترفع عينها عنه أبداً، مهما سار من مكان إلى مكان، وهذا دليل المحبة، إذا إنسان أخلاقه عالية جداً، ومتواضع، و محب لله، ويؤدي الصلاة بإتقان، ويدفع من ماله الحلال للفقراء والمساكين، وهو في خدمة الخلق، إنه جندي من جند الحق، والله عز وجل يحبه كثيراً، فإنك بأعيننا، فأنت جندي من جنود الله، والله يدافع عنك، ولك رعاية خاصة تحت المظلة: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

السعيد
09-10-2018, 02:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخمسون )


الموضوع : سجود السهو







الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سجود السهو :
وصلنا في الفقه إلى موضوع: "سجود السهوِ"، وسجود السهوِ يجبُ لترك واجب، فإذا تُرِك الواجب يجب سجود السهوِ لترميم النقص، فيجب سجدتان بتشهد وتسليم، لترك واجب سهواً وإن تكرر! وإذا ترك المصلي واجباً سهواً، وإن تكرر، و ترك أحد أركان الصلاة، فصلاته باطلة! ويجب أن يعيدها، ولو ترك أحد واجبات الصلاة فعليه أن يسجد للسهو دون أن يعيدها، فإذا ترك بعض السنن والمستحبات فلا شيء عليه، لكنه قد أساء لترك واجب سهواً وإن تكرر و لو ترك واجبين أو ثلاثة يجزئهما سجود سهوٍ واحد في نهاية الصلاة، أما إن كان تركه لهذا الواجب عمداً فوجبت إعادة الصلاة، إن تركه سهواً وجب عليه سجود السهو، فإن تركه عمداً وجب عليه إعادة الصلاة لجبر نقصها، لكن هناك حالات ثلاثة يسجد فيها الرجل لو ترك واجباً عمداً! هذه الحالات الثلاثة من ترك القعود الأول.
فلو فرضنا أربع ركعات، القعود الأول واجب، فلو ترك الرجل القعود الأول عمداً يُجزِئه سجود السهو، أو تأخير سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، إذا سجد سجدة واحدة، وما أن يتابع هذه السجدة في آخر الصلاة يجزئه سجود السهو عن هذا السهو، أو العمد، ومن تفكّر عمداً حتى شغل باله عن ركن وجب عليه أن يسجد للسهو فمتى يأتي بسجود السهو؟ العلماء قالوا: بعد السلام، لا بعد التسليمتين، ولكن بعد التسليمة الواحدة، يسلم نحو اليمين ثم يكبر، ويسجد سجدتين ويقعد ويتشهد، ثم يسلم تسليمتين.
وإن سجد للسهو قبل أن يسلم كُرِهَ ذلك منه تنزيهاً، وعليه أن يسلم تسليمة واحدة.
حالات سقوط سجود السهو :
ويسقط سجود السهو في حالات منها: طلوع الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، ولو أن إنساناً يصلي في غرفة مرتفعة تُطِلُّ على المشرق، وهو يصلي برز قرن الشمس سقط عنه سجود السهو! لأنه لا يجوز أن تسجد وقت طلوع الشمس، ولا وقت توسطها في كبد السماء، ولا قُبَيل غروبها، يجب أن تصلي بعد أن ترتفع الشمس في كبد السماء، مقدار رمحين وحتى تزول من كبد السماء، و قُبَيل أن تصفرّ إذا آن أوان غروبها، في هذه الأوقات الثلاثة مكروه أن تصلي، فلو صدف أنك صليت صلاة الفجر، وحينما صليت رأيت قرن الشمس قد طلع سقط عنك سجود السهو، ويسقط أيضاً باحمرارها في العصر، وما يمنع البناء بعد السلام، لو أنه سلّم فسال منه دم غزير انتقص وضوءه، فهذا الدم الغزير يمنعه من متابعة صلاته، إذاً هذا الدم الغزير يسقط عنه سجود السهو.
حكم المأموم الذي لم يسهُ لكن الإمام سها :
والآن نتحدث عن المأموم الذي لم يسهُ، لكن الإمام سها، والإمام سجد سجدة السهو، والمؤتم ملزم أن يسجد مع إمامه! فالإمام سها في الركعة الأولى، مثلاً سجد سجدة واحدة ونسي، ووقف في الركعة الثانية فجاء مؤتم ائتم به في الركعة الثانية فهذا المؤتم ما سها، ولا رأى إمامه سها، فإذا سجد الإمام للسهو عليه أن يسجد معه متابعة للإمام.
فيسجد المسبوق مع إمامه، ثم يقوم لقضاء ما سُبِقَ به، ولو سها المسبوق فيما يقضيه، المسبوق وقف ليصلي فسجد سجدة واحدة، فعليه أن يسجد مرة ثانية لسهوه هو لا لسهو إمامه، وبعضهم اعترض! كيف يجوز أن نسجد مرتين لسهوين في صلاة واحدة؟ فكانت الإجابة: إن هذه الصلاة بحكم الصلاتين، مرة كنت مأموماً، ومرة كنت مفرداً.
الإمام لا يسجد للسهو في الجمعة والعيدين :
ولا يأتي الإمام بسجود السهو في الجمعة والعيدين، و لو فرضنا تشّهد الإمام أو نسي سجوداً ثم سجد لهذا السهو يحدث بلبلة في الجمعة! بعضهم يقول: يا أخوان أعيدوا الصلاة، وأحدهم يقول: لا هي صحيحة، لئلا تحدث فتنة بين الناس، ولئلا يحصل بلبلة، واضطراب، و زعزعة بالثقة لهذا الإمام، فلا ينبغي للإمام أن يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، هكذا الفقه.
الآن من سها عن القعود الأول من الفرض، إذا قال: الله أكبر أعطاها نبرة القيام، وينبغي له أن يقعد، إذا وصل إلى القيام الكامل عليه أن يسجد للسهو، فإذا كان أقرب إلى القعود يقعد ولا شيء عليه، حتى أن بعضهم قال: إذا كان أقرب إلى القيام عليه سجود سهوٍ، وإذا كان أقرب إلى القعود لا شيء عليه! وهناك أحكام دقيقة في سجود السهو نتابعها إن شاء الله في درس قادم.
* * *
آداب تقديم الطعام إلى الزائرين :
والآن إلى بعض فصول علوم إحياء الدين: آداب تقديم الطعام إلى الزائرين.
يقول الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس! فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم " فإذا جلس الإنسان إلى أخ مُحِبْ محبة سابقة، هناك صفاء و مودة، فشيء من الإخلاص ووجهة إلى الله عز وجل، فهذه ساعة مباركة أن تجلس إلى أخيك وتأكل معه، فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم.
ويقول الإمام الحسن رضي الله عنه: "كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه يحاسب عليها، إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام"، الطعام الذي قدمه الرجل ابتغاء مرضاة الله يقول عليه الصلاة والسلام:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
وقيل في رواية أخرى: "وَالمُتَبَارِيَانِ لا يُؤْتَىَ طَعَاَمَهُمَا".
من هما المتباريان؟ الذي يود أن ينافس أخاه في تقديم الطعام، أن يقدم طعاماً أطيب، أو أنفس، أو مستواه أرقى، فزها به، فهذا طعام لم يُرَدْ به وجه الله سبحانه وتعالى، ومجموعة الأحاديث الواردة في هذا الفصل تعني أولئك الذين يقدمون الطعام كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 9]
أحياناً تقديم الطعام لأخ في الله يزيد المودة هذا إن لم يكن فقيراً، فإذا كان فقيراً وأطعمته طعاماً طيباً لم يذق منه من أشهر عديدة فلك أجر كبير، حتى إن بعضهم قال: هذا قول فقط " لقمة في بطن جائع خير من عمارة جامع ". مجتمع فيه تفاوت لا يستحق الحياة :
والإمام ابن المبارك رضي الله عنه كان في طريقه إلى الحج فرأى طفلاً ينقّب في القمامة فلاحظه فإذا هو يعثر على طير ميت! فأخذه وانصرف به، فتبعه فعرف أن له أهلاً فقراء فقراً مدقعاً، فأعطاهم نفقة الحج وعاد إلى بلده! وقيل: إن بعض الناس رأوه في الحج يطوف حول الكعبة! وقيل: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهنأه على هذا العمل! لا تستبعدوا هذا، الآن في الشام في هذا البلد الطيب هناك امرأة تشتري لأولادها أيدي الدجاج -الأيدي هذه التي لا تؤكل- ولا يمكن أن تؤكل تسلقها وتقدمها لأولادها اليتامى، فإذا وصل إلى علمك حال مثل هذه الحالات فإن أهل بلد بأكملهم يأثمون، إذا كان فيهم من هو محتاج أو مسكين، وقد تقول أنت: أنا لا علم لي بذلك! أجيبك بقول النبي الكريم:
((من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))
[ المعجم الأوسط عن حذيفة]
أنا بدأت أرى كثيراً أناساً ينقبون في الحاويات ليأخذوا بعض الخضر الفاسدة ينظفونها ويأكلونها! ما رأيكم بإنسان ينفق أموالاً على شهوات مترفة بتبذير وإسراف وأناس ينقّبون في القمامة؟ هؤلاء لا يستحقون الحياة، هذا المجتمع الذي فيه هذا التفاوت لا يستحق الحياة، قال تعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
من دواعي إهلاك الأمم أن الحاجات الأساسية مفقودة و الترف موجود :
ومن دواعي إهلاك قوم أن الحاجات الأساسية مفقودة، والترف على أوجه:
﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
الإنسان أحياناً يسمع أخباراً كالخيال: أخ ذهب إلى أمريكا، قال لي: عدد الأماكن ومحلات البيع الراقية لبيع ما يحتاجه الكلاب شيء يأخذ بالألباب! يحير العقول، وإن ما يستهلكه كلاب أمريكا من اللحوم يزيد على ما يستهلكه الشعب الهندي بكامله، أربعمئة وخمسين مليون من اللحوم، أماكن لتصفيف شعر الكلاب وأطعمة وألبسة خاصة بالكلاب..
شيء يكاد لا يصدق، شعوب تموت من الجوع، وشعوب تنفق على كلابها ما لو أنفق على هذه الشعوب لكفتهم، لذلك هذه من علامات قيام الساعة، أناس يموتون تخمة، وأناس يموتون جوعاً! ((لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلا تَزَالُ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَتْ مَائِدَتَهُ مَوُضُوعَةٌ بَيِنَ يَدْيِهِ حَتَىَ تُرْفَعْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا الإنسان وضع مائدة لإخوانه المؤمنين تصلي الملائكة عليه حتى يرفعها. من علامة المؤمن أنه لا يحسد ولا يطعن ولا يغتب :
بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
فإذا خالفت هذا الحديث، وتلك السنّة، وقعت في شر عملك، ورجل غير مؤمن تدعوه لطعام نفيس فيحسدك على هذا الطعام، ويتكلم بحقك كلمات لا تليق، الذنب ذنبك، لا يأكل طعامك إلا تقي، من علامة المؤمن وهذا ما أنا متأكد منه أنه يفرح للخير يصيب أخاه!
و إذا شعرت أن هذا الأخ المؤمن كريم والذي أصابه خير لا يستحقه، أو كثير عليه، أو ليته يتحول إليك، فأنت لست مؤمناً أبداً! وعلامة أخوتك في الله أنك تفرح له، وأنت لا تملك بيتاً، وأخوك اشترى بيتاً، و من علامة إيمانك أنك تفرح له كما لو أن هذا البيت لك! وأنت معك ليسانس ولم تتعيّن، وأخوك تعيّن فتفرح له، وأنت لم تتزوج، وأخوك تزوج تهنئه وتفرح له، لأنه إذا قوي أخوك فهو قوة لك، فإذا كان أخوك في حاجة فهذا عبء عليك، فالمؤمن لا يحسد، ولا يطعن، ولا يغتب، وهذا كله من علامة المؤمن، ولذلك فالنبي الكريم قال: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
وفي بعض الأقوال لا أدري مبلغها من الصحة أنه: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، ويبدو أن الإنسان مع إخوانه يزداد طعامه، فتأتي القابلية أحياناً، وله عادات دقيقة في بيته لا يتجاوز حدوداً معيّنة، معتدل جداً، لكن إذا كان مع إخوانه المؤمنين الصادقين يمكن أن يأكل زيادة عن الحد فقال بعضهم: هذا مما عفا الله عنه.
وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك، ويقلل إذا أكل وحده، ولكن يوجد بعض الناس بالعكس! تفضل كُلْ، يكون نائماً عندك، أو يحرجك، فلا يأكل إلا أكلاً يحرج به الحاضرين، يقوم الناس للنوم ويقوم هو قيام ليل وليس فقط للصلاة وللأكل، يلتهم وحده ما لذّ وطاب، ومع الناس طعامه قليل! لا بالعكس كُل وحدك طعاماً قليلاً، وكل مع الناس أكلاً طبيعياً معقولاً حتى تشجعهم، أما أن تأكل مثل المشمئزين من الطعام، وفي الليل يأكل ما يشاء، و هذا شيء يتنافى مع آداب الطعام. إكثار الأكل مع الجماعة :
قال: كان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة، وليس معنى يكثر ألا يبقي شيئاً من الطعام، يأكل أكلاً طبيعياً ليشجع الناس على الأكل، ويقلل الأكل إذا أكل وحده، وفي الخبر أيضاً: ثلاثة لا يحاسب الرجل عليها: أكلة السحور، لأنه من الممكن أن يكون النهار طويلاً في الصيف حوالي اثنتي عشرة ساعة ولديه عمل شاق، وأكل طعاماً يسند جسمه زيادة فقام بقلي البيض، وتناول الجبن، وتناول بعض الطعام الدسم، وبعضهم يقول: إن أكل السحور مما عُفِيَ عنه، لأنه قد يكون عمله شاقاً، و قد يكون الصيام طويلاً سبع عشرة ساعة! انظر للفقه سبحان الله يوجد فيه واقعية، ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: " أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع إخوانه"، إذا أكل مع إخوانه عليه ألا ينفرهم من الطعام بل يشجعهم على الطعام و لكن بشرط أن يكون الطعام كافياً للجميع، وإذا كانت كمية الطعام لا تكفي يقوم بنصف الطعام ويخبرهم هذه سنّة يا أخي! لا هذه ليست سنّة، وإذا كان الطعام كثيراً ولا حرج فتناول طعاماً اعتيادياً.
قال الإمام علي رضي الله عنه: "لأن أجمع أخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة" ، وكان ابن عمر يقول رضي الله عنهما: "من كرم المرء طيب زاده في سفره"، أحياناً الإنسان يذهب إلى الحج، أو إلى العمرة، يسافر مع إخوانه فيأخذ معه بعض الطعام، وتجد أحدهم جائعاً والطعام لم يجهز بعد تقدم له شطيرة، هذا مصاب ببعض الدوار فأملك بعض الليمون فأقدمها له، و هناك من يستعد رغم أنه غير مكلف بهذا الشيء، فالطعام على المجموع، لكن لديه بعض الليمون الفائض عن حاجته، ولديه بعض البرتقال، ولديه قطعتان من الحلوى فأخذها معه، وهناك طفل جائع والطعام لم يجهز بعد، فتقدم له بعض الطعام، من كرم المرء طيب زاده بسفره، وبذله لأصحابه.
سبحان الله أعرف أناساً أحبهم يحملون بعض السكاكر كلما رأى طفلاً يعطيه واحدة، وهي لا قيمة لها، ولكن لها قيمة كبيرة عند الله عز وجل، الطفل جُبِل على حب من أحسن إليه.
الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق :
وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: "الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق"، والنبي الكريم كان يقول:
(( إنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين و إن طَعَام الاثْنَينِ يَكفِي الِثَلاْثة و الأربعة))
[ ابن ماجه عن عمر بن الخطاب]
وكان يذمُّ من أَكل وَحْدهُ، وَمَنَع رفْده، وَضَرَب عَبْدَه، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن، ولا يتفرقون إلا عن طعام، أي دخلت لبيت فأقل شيء قدمه لك فنجان قهوة، وليس لديه سكرة، أو كأس من الشاي، وجِدَ الإكرام، من زار حياً ولم يكرمه فكأنما زار ميتاً! ويقول الله تعالى يوم القيامة: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ:يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إكرام الضيف عمل طيب :
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِذَا جَاءَكُمُ الصَّانِعُ بِطَعَامِكُمْ قَدْ أَغْنَى عَنْكُمْ عَنَاءَ حَرِّهِ، وَدُخَانِهِ، فَادْعُوهُ، فَلْيَأْكُلْ مَعَكُمْ، وَإِلا فَلَقِّمُوهُ فِي يَدِهِ ))
[ أحمد عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ]
هذا الزائر ضيف الله، وفي بعض الأحاديث: إنه يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم! هذا الضيف، ولكنك تعلم علم اليقين ما إذا كان هذا الإكرام خالصاً لوجه الله عز وجل.
أخ في الله مسافر زارك من بلد آخر، وأغلب الظن لم يتناول غداءه قدم له الغداء، أغلب الظن لم يتناول عشاءه قدمه له، دعه ينم عندك و لو على المطرح لا مانع، فإذا أكرم الإنسان أخاً مسافراً غريباً من بلد آخر؛ أطعمه، وسقاه، وأكرمه، وبيّته عنده، فهذا عمل طيب، وكبير جداً، حتى أن النبي الكريم يقول: ((مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلا أَكْرَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ أحمد عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
انظر لهذا الكلام ما أجمله: (( لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، أَوِ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ))
[ أحمد عن حمزة بن صهيب عن أبيه]
الكرم من علامة الإيمان :
سيدنا إبراهيم عندما جاءه ضيوف، قال: فما لبث إلا أن جاء بعجل حنيذ أي مشوي على الحجارة، فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ الكرم من علامة الإيمان، ولا يجتمع بخل مع إيمان، ولا يجتمع شحٌّ مع إيمان، والشح أشد من البخل، ولا يجتمع الجبنُ مع الإيمان، ولذلك في الدعاء الشريف: "اللهم إنا نعوذ بك من الجبن والبخل، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدَين،وقهر الرِجال، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء".
((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وكان السلف الصالح كراماً، لي صديق توفيت والدته فكنت في تعزيته، وكنت في آخر يوم، وفي آخر الوقت، فالذي جذب نظري أن زوج الفقيدة ويزيد عمره عن الثمانين عاماً يبكي بكاءً مرّاً، ويبدو أن الزوجة المتوفاة لا يقل عمرها عن السبعين عاماً، فلما انتهت قراءة القرآن والذكر، بدأ من في المجلس يخفف عنه ألمه، فقال كلمة تأثرت لها، قال: والله بقيت عندي أربعين عاماً ما نمت ليلة وأنا غاضب عليها! وكانت تقوم في أول الليل لتطبخ لضيوفي، كان مضيافاً جداً، وكان يطلب منها يا فلانة رضي الله عنك قد جاءنا ضيوف، قومي بتحضير الطعام من فضلك، أما اليوم فتحصل مشاجرة من أجل وضع مائدة فطور، لماذا الأكل؟ وإذا كان سهلاً قدم له الطعام في المطعم وأرحنا! لذلك هناك شاعر وصف قوماً بخلاء فقال: بيض المطابخ لا تشكو إيماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
***
فهذا البيت دائماً نظيف ومرتب لا يتسخ أبداً، وأشعر أحياناً أن هناك مشكلة من أجل تقديم طعام لضيف مع الأزواج المحدثين، هذا الجيل الجديد، شيء صعب، مشقة، و لا يقدم الطعام إلا بشق الأنفس بعد أن كان هناك حوالي خمس مشاجرات حتى استطاع أن يعزمه على الفطور الصباحي! قال هذا الرجل: أربعون سنة لم ينم ليلة واحدة وهو غضبان منها! وكان أغلب الأيام يوقظها من النوم للطبخ لأنه مضياف. * * *
الدخول للطعام :
الآن الدخول للطعام: قال تعالى:
﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾
[ سورة الحج: 45]
فالإنسان لا يملك الحق أن يدخل لبيت في وقت الطعام كي يُطعَمْ، هذا اسمه تطفل ودناءة نفس، وفي الخبر: "من مشى إلى طعام لم يدعَ إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً".
والنبي الكريم كان صاحب أدب رفيع، ذات مرة دعي وعنده رجل من أصحابه، وهذا الإنسان غير مدعو، فلما انطلق إلى بيت المضيف، انطلق معه هذا الرجل، أحياناً يكون هناك حرج، طاولة تتسع لخمسة كراسي وكرسي سادس لا يملك، دعوا خمسة، وأحياناً يكون الطعام محدوداً جداً، خصص لكل شخص أوقية لحم، فجاء رجلان غير مدعوين لم يشبع أحد منهم، وكثيراً ما تحصل، فالنبي الكريم عندما فتح الباب المضيف: " قال له: هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ".
استأذن من المضيف، وعلّم الذي تبعه من غير إذن، إذا وجدت أناساً متجهين لجهة علّهم مدعوون أما أنا فلست مدعواً، ولا ينقص من قدرك أنك لست مدعواً، قد تكون مكانتك عند الله أعلى من كل هؤلاء المدعوين، المؤمن ثقته بالله، لا أعرفك ولا يوجد بيننا أي علاقة أو وارد، لم يدعني، فلم يحصل شيء، هناك شخص إذا كان لم يُدعَ تجده قد تأثّر وبدأ يقول: ليس لي قيمة، أهملوني، تجاوزوني، نسوني، هذه من الله عز وجل، فالنبي الكريم قال له: "هَذَا تَبِعَنا، فَإِنْ شِئْتَ دَخَلْ، وَإنْ شِئْتَ اِنْصَرَفْ ". من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراماً :
إذاً من مشى إلى طعام لم يدع إليه، مشى فاسقاً، وأكل حراماً، وأحياناً الإنسان يدعى لعقد قران يحضر معه ولديه، هدية القران كلفتها ثماني عشرة ليرة، و في هذه الحال سيعطيك واحدة لك، ولكل ابن واحدة، فهذه مشكلة، أحضر الحلوى على عدد الحاضرين، عزم مئة شخص وأحضر مئة وعشراً، فوجد أن هناك خمسين ولداً زيادة لا يوجد شيء يكفي، وهنا إحراج، فالإنسان من المفروض إذا لم يخبرك الداعي بإحضار ابنك بالذات لا تحضره رجاءً! قال لك: أحضر معك ابنك فلاناً، سمّاه بالذات تحضره، وإن لم يسمه لا تحضره، وعوّد ابنك أنه إذا كان غير مدعو ألا يذهب معك، ما هذه خذني معك يا أبي؟ لم يدعك يا بني هذا من أصول الضيافة، الإحراج صعب، لأن الإنسان أحياناً يهيئ نفسه لعدد معين فوجد هناك زيادة بالعدد! لكن إذا دخل إنسان لبيت من دون أن يقصد وقت الطعام ووضِع الطعام، واتفق أن صادفهم على طعام عليه ألا يأكل ما لم يؤذن له! يا الله بسم الله حماتي تحبني، ما هذا الحظ الجيد؟ ما هذا الكلام؟ ألا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له كُل، ماذا يفعل؟ من يجيب؟ قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة فليأكل، وإن قالوا ما قالوا حياء منه فلا يأكل، تفضل كُل، لا شكراً، لكن أحياناً إذا كان هناك دعوة متينة يمسكه من يده ويقول له: تفضل، لا نأكل قبل أن تأكل معنا، إذا رأى أن هناك حرارة بالدعوة وهو جائع يأكل، ولكن كلمة رفع عتب، فجلس على الطعام! قال: فإذا دعي ما لم يؤذن له، فإن قيل له: كُل، قال: نظر، فإن علم أنهم قالوا ما قالوا عن محبة أكل، وإن قالوا ما قالوا عن حياء فلا ينبغي له أن يأكل، بل ينبغي له أن يتعلل، لست بجائع، الآن قد تناولت، هذا ليس كذباً، لأنهم دعوك دعوة ظاهرة، فليس فيها حرارة ولو كنت جائعاً.
من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس :
إذا الإنسان غير كريم أكل البخيل داء، لكن هناك حالة أنه جائع وزوجته في بيت أهلها وله أخ محب وذهب إليه وقت الغداء ليأكل معه، هذه لا يوجد فيها شيء، ومعنى ذلك أن هناك محبة بالغة، فإذا كان لك أخ وعلاقتكم مع بعضكم حميمة، ولا يوجد في بيته شيء من طعام الغداء مثلاً وأخوك قريب منك، والله جئت نتناول الغداء معاً، فهذا الأخ يمكن أن يدخل على قلبه سرور لا يعلمه إلا الله، وهذه نعفو عنها، لكن بشرط أن يكون هناك علاقات متينة جداً، قال: من كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه فلا بأس فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
أنا أعرف الكريم فوراً، إذا قال لك أحدهم: سأتناول العشاء عندك، تشعر بسرور لا يعلمه إلا الله، طبعاً من غير تكلف، تقدم له كل ما وجد عندك، والدخول على مثل هذه الحالة إعانةٌ لهذا المسلم على حيازة ثواب الطعام، تكون قد أكسبته هذا الثواب لكن إذا كانت علاقتك معه متينة لدرجة متناهية.
الآن آداب تقديم الطعام كثيرة نكتفي بالأدب الأول، نتابعها في درس قادم إن شاء الله. * * *
آداب تقديم الطعام :
آداب تقديم الطعام، ترك التكلف، وتقديم ما حضر، فإن لم يحضر شيئاً ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك! لا يجب التكلف بل تكتفي بتقديم ما حضر، فليس عنده شيء، ولا يملك المال، نهى الشرع عن أن تستقرض مالاً من أجل تقديم الطعام للضيف!
قال بعض السلف: التكلف أن تطعم أخاك طعاماً لا تأكله أنت، فمثلاً: إذا قال لك أخوك: سأتغدى عندك، فأنت بالأحوال الطبيعية هل تحضّر ثلاثين لوناً؟ لا، لونان أو ثلاثة، الأكل الطبيعي، إذا كنت قد أطعمته من الأكل الطبيعي فكان قدومه خفيفاً، ولم تشعر بأي حرج لأنك لو لمحت وجهه في الشارع في اليوم التالي تدِرْ له ظهرك وتتجاوزه، أما لأنك لم تتكلف من أجله فأصبح الكرم سهلاً وليس صعباً، لا يوجد بيت لا يوجد فيه طعام، ولكن الآن يمتنعون لأنهم يدعون بقولهم: لا يوجد شيئاً مقدّر، يريد شيئاً يفتخر به، يعلو على هذا الضيف، أما إذا كنت قدمت له الموجود فهذا هو الحسن.
و أحياناً يكون أخ عندك سهران يوجد حسابات بالاجتماع، تعَبٌ ومللٌ من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة، قدم له كعكة أو سندويشة من المطبخ فلا يوجد أي خطأ، إذا كنت لم تتكلف قضية سهلة، و إذا كنت تهيئ المائدة في غرفة الطعام، وكل شخص ثلاثة صحون، وثلاث شوكات، وسكينة، ووضع الطقم الزجاجي، تعمل خمس ساعات، فهذا يسبب الملل والنفور، فبالشرع نهى النبي الكريم عن التكلف.
أن تطعم أخاك ما تأكله أنت، بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة، اسمعوا لهذا الكلام و هو للفضيل: قال الفضيل: " إنما تقاطع الناس بالتكلف " كان هناك مجلس قرآن يجتمعون خمسة يقرؤون القرآن، أحدهم قدم محلاية، شيء جميل، والآخر قدم محلاية ومدلوقة، والثالث قدم محلاية ومدلوقة وعصافيري، والرابع أحضر صدر كنافة، وأحدهم درويش لا يستطيع حمل هذه الأشياء فامتنع عن المجلس! ثم التغت الجلسة! فما الذي قطع هذا المجلس الكريم؟ هذا البذل، قال: "إنما تقاطع الناس بالتكلف "، وهذا شيء لا يجوز، إذا كان هناك مجلس طيب، ذكر لله عز وجل، فالحد الأدنى كأس من الشاي فقط! وهذه تستمر، " إنما تقاطع الناس بالتكلف " يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه! وقال بعضهم: ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له، إنما أُقَرِبُ له ما عندي، ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته.
معاناة الإنسان أحياناً من عسر وقت لا عسر مادي :
أحياناً الإنسان ليس بعسر مادي، بل بعسر وقت، لا يملك الوقت ليتجول على بائعي الفاكهة ويحضر الفاكهة، فترة بعد الظهيرة لم يبق من البضاعة الجيدة شيء، بل كله سيئ، أسعار مرتفعة و سيئة، ولا يوجد من يحضر له، فابنه بالدرس، والابن الثاني بجهة معينة،و ليس هناك من يحضر له حاجته، فعوّدوا أنفسكم وأنتم مؤمنون أن تكونوا طبيعيين، وجِدَ عنك ما تقدمه قدمه، وإن لم يتوفر اكتفِ بكأس من الشاي فقط، أو فنجان قهوة، ولديك بعض البرتقال قدمه و لا مانع، لديك بعض الفاكهة قدمها وإن لم تتوفر فلا مشكلة.
أعرف بعض الناس لهم دور استمر سبعة عشر عاماً! مثلاً أخوان طيبون كل يوم ثلاثاء عند أحد منهم، و عادة الدور يستمر سنة أو سنتين ثم يفرط وحده! فسأل أحدهم: هؤلاء ما سر هذه الديمومة؟ فاجتمع رأيهم على أشياء ثلاثة: عدم التكلف، وعدم الغيبة، والعنصر النسائي غير موجود أبداً، فهذا الاجتماع استمر سبعة عشر عاماً!
إذا كان هناك بعض الاختلاط يقول لها: لقد دققت النظر فيه زيادة، تجيبه: والله لم أنظر إليه، فيحصل بينهم شِجَار لأن الشكوك تأخذ مكانها فوراً، والمسلم طاهر.
من التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده :
ومن التكلف أن يقدم المضيف جميع ما عنده، فيلحف بعياله ويرضي قلوبهم، مثلاً: أحضر نوعاً من الحلوى إلى البيت، الأطفال يشتهون هذه الحلوى، وضع الصحن كله لاثني عشر شخصاً تناولوه كله، فالطفل ألا يشتهي أن يتناول بعضها؟ فمن التكلف والإجحاف أن تقدم كل ما عندك للضيف! فهناك حقوق برقبتك، أطفال في البيت، والدتك، زوجتك، الطعام يُشتهى.
والله سمعت عن شخص عزم أصدقاءه فأحضر طعاماً بالألفات، خروفاً مكتّفاً، وحلويات، ووالدته في الطابق الأسفل، وأخواته البنات، والأب متوفى، فلم يستطع أن يقدم شيئاً لوالدته في الأسفل من هذا الطعام! وهناك أناس أعوذ بالله قلب مثل الصخر، قال: ومن التكلف أن تقدم جميع ما عندك تلحف بعيالك وتؤذي قلوبهم.
ورجل دعا سيدنا علياً، فقال رضي الله عنه: أجيبك على ثلاثة شروط: ألا تدخل من السوق شيئاً، قدّم من الذي عندك، وألا تدخر ما في البيت، وألا تجحف بعيالك "وليس كل شيء أتناوله أنا، أبق شيئاً لعيالك، ومن السوق لا تحضر شيئاً، وإذا كان لديك قدّم لي ولا تخبئ عني شيئاً! شروط دقيقة جداً.
قال: دخلنا على جابر فقدّم إلينا خبزاً وخلاً، وقال: "لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم"، وقال سلمان رضي الله عنه: "أمرنا النبي الكريم ألا نتكلف بالضيف فيما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا ".
وأيضاً رجل زاره أخوانه فقدم لهم طعاماً خشناً، وقال لهم: لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم، قول لطيف جداً.
أعظم الناس وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه :
يقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر أن يقدم ما عنده؟ لا تعرف مكانتي، نعمة من الله لديه بعض الكعك قدم لك كعكاً وشاياً فماذا بهما؟ ليس لديه غيرها، قطعة بسكويت مع فنجان قهوة، فهذا ما عنده، و إذا احتقرت ما قدم إليك، فلديه بعض البرتقال الصغير، لأن أطفاله كثيرون أحضر من القياس الصغير، وضع أمامك منه، ماذا بها؟ نعمة الله عز وجل، فإذا احتقرت ما قدم لك فأنت أعظم الناس وزراً، وكذلك: أن تحتقر شيئاً تقدمه لضيفك! فلا تستحي من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه، زارك ضيف، ولديك في صحن الشوكولا ثلاث قطع، تقول له: يا أخي الفضلة للفضيل لا شيء فيها، ونحن نقول: هذا عيب إذا لم يكن الصحن ممتلئاً، قال: " لا أدري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أم الذي يحتقر ما يقدمه " وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآداب، فهذه أشياء نعيشها جميعاً لا يوجد أي بيت يخلو من ضيوف.
* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ النبي الكريم عظيم الحلم لا يقابل السيئة بالسيئة بل يعفو ويغفر :
والآن إلى بعض شمائل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أُثِرَ عنه حديث شريف: " كاد الحليم أن يكون نبياً ".
صحابي جليل تهجّم عليه رجل، وأقذع له في الكلام، بقي هادئاً ساكناً وادعاً، فلما انتهى من كلامه قال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير ذلك غفر الله لك، فكاد الحليم أن يكون نبياً، "فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين، فاصفح الصفح الجميل.
قال تعالى:
﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 92]
سيدنا يوسف لمن ائتمر به وأراد أن يقتله، كان صلى الله عليه وسلم عظيم الحلم، لا يقابل السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، وما انتقم لنفسه في شيء قط! إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله، قال: اتسع حلمه لجميع خلق الله حتى لأعدائه الذين آذوه! استمعوا: قال: لما كانت غزوة أحد، وكُسِرَت رَبَاعيته، وجرحت شفته السفلى، وشُجَّ في جبهته الشريفة حتى سال منه الدم، قال: فجعل يجففه لئلا ينزل على الأرض، لأنه لَو وَقَعَ مِنْهُ شَيء عَلَى الأرْضِ لنزل عليهم العذاب من السماء، لم يدع الدم ينزل على الأرض، ولقد شقَّ ذلك على الصحابة فقالوا: رسول الله، نبي هذه الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، يُشَجُّ رأسه؟ تُكسَرُ رباعيته؟ تجرح شفته السفلى؟ يسيل الدم منه؟ شقَّ هذا على أصحاب النبي، فقالوا يا رسول الله: لو دعوت عليهم دعاؤك مستجاب، هؤلاء أعداء الله، فقال: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( قَالَ عبد الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ))
[ البخاري عن عبد الله]
لو علموا مقامي ما فعلوا ذلك، أحياناً الإنسان له ابن يقع بالساعة، وأثناء هذه النوبة ضرب أباه! فهل يحقد الأب على ابنه؟ لا، أحياناً طفل صغير والده يقوم بقلع ضرسه، فيقوم الطفل بحركة يضرب بها وجه أبيه، أو يجرحه، من ألمه، فالأب قلبه كبير، وقلب رسول الله يتسع للخلق جميعاً، يسع الأعداء.
2 ـ النبي الكريم يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه :
أحياناً الإنسان يضيق ذرعاً بصديقه، بأخيه، بزوجته، وكان عليه الصلاة والسلام يغضب لله تعالى، ويرضى لرضاه، فاسمعوا هذا الكلام ما أجمله: ولم يكن تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، الدنيا وكلها إن أقبلت لا يفرح، وإن أدبرت لا يغضب، ولم يكن يغضب لنفسه، بل كان يغضب لربه تعالى! وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره، يصف النبي الكريم:
(( لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعرِض للحق لم يعرفه أحد، ولم يكن بغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها))
[ الترمذي عن هند بن أبي هالة]
وذات مرة غضب صلى الله عليه و سلم من العمل الذي ينكره المؤمن كما في الصحيحين وغيرهما. ((أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ، مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ ))
[البخاري عن أبي مسعود]
كان يغضب لله عز وجل، ولكن هذا الغضب لا يخرجه عن الحق. (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ، وَإِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
انظر لهذه القصة: بين الزوجين تعاهد نفسك إذا غضبت اسكت لا يحدث شيء، تفوهت بكلمة قاسية على والدتك، فاصمت أنت صمتاً رهيباً وعندئذ هي خافت! ولم تتابع في الحديث، فعوّد نفسك إذا غضبت فاصمت، لأنك إذا تكلمت وأنت غضبان سيكون كلامك قاسياً جداً وستجرح وتكسر، فعندما يغضب الإنسان يسكت، ولا يتفوه بأي كلمة، ومن السنة أن يتوضأ! وإذا بقي غضوباً يخرج من البيت، ويعود بعد ساعتين وليس فيه شيء، فعود نفسك أن تصمت إذا غضبت، أما أي كلمة تقولها وأنت غضبان فسوف تهدم بها عمل سنوات! وأحياناً الإنسان يستميل زوجته ويدللها ويكرمها على نية أن يضع لها الحجاب، ويعاملها شهراً شهرين أو ثلاثة أو سنة، ويغلط غلطة بكلمة قاسية، وكل شيء بناه خلال السنتين هدمه، مثلاً شتم والدها، وهذا لا يصح، فإذا غضبت فاسكت، وطّن نفسك أن تطبق هذه القاعدة، إذا غضبت فاسكت، وتوضأ واخرج. (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ))
[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
3 ـ غضب النبي لا يخرجه عن الحق :
غضبه لا يخرجه عن الحق، انظر إلى الناس بين بعضهم يغضب فيتكلم بالباطل، يتهم ويفتري، أما المؤمن فلا يغضب.
قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ قال: والله لا أحبك! سيدنا عمر، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، حقك سيصلك، فعلامة المؤمن أنه إذا غضب لا يخرجه غضبه من الحق.
هناك قول آخر: ولا يدخله غضبه في باطل، لا يخرجه من الحق ولا يدخله في باطل، هذا عن غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه لله، وعن حلمه صلى الله عليه وسلم، وكيف أن قلبه الكبير وسع جميع أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين.

السعيد
09-10-2018, 04:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الخمسون )


الموضوع : صلاة الاستسقاء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تقنين الله عز وجل تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع عنوانه: "باب الاستسقاء"، ونظراً لأن الناس كلهم متلهفون إلى المطر، وتأخر المطر يؤكد أن الرزق في السماء، قال تعالى:
﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾
[ سورة الذاريات: 22 ]
وأن الله سبحانه وتعالى إذا قنن المطر فتقنينه تقنين علاج وتربية لا تقنين عجز، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
[ سورة الحجر: 21]
وأن الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي يقول: "عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك"، ولأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
فهذه الدابة النكرة تعني أنواع الدواب كلها من دون استثناء، وهذه المِن لاستغراق أفراد كل نوع على حدة، أي دواب النمل نملةً نملة، ودواب الدجاج دجاجةً دجاجة، ودواب الخرفان خروفاً خروفاً، ودواب الإنسان إنساناً إنساناً، فما من النفــي والاستثناء، للقصر والحصر، الرزق على الله وحده وليست على جهة سواه، والدواب كلها وأفراد كل نوع من أنواع الدواب استقصاءً وحصراً على الله رزقها، وكلمة على تفيد الاستعلاء وتفيد الإلزام، أي أن الله عز وجل ألزم نفسه برزق العباد، ولكن يؤثر المطر لحكمةٍ يعلمها وللفت نظر البشر ولإيقاظهم من نومهم، ومن غفلتهم. باب الاستسقاء :
على كلٍّ في الفقه باب عنوانه باب الاستسقاء، باب الاستسقاء له صلاة، دخل رجل على الإمام الحسن البصري فقال: يا إمام إن السماء لا تمطر؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل رجل آخر فقال: إن زوجتي لا تنجب؟ فقال: استغفر الله، ثم دخل ثالث فقال: إني أشكو الفقر؟ فقال: استغفر الله، قال أحد الجالسين عجبنا لك يا إمام أكلما دخل عليك رجل يسألك حاجة تقول له استغفر الله، قال له: ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
[ سورة نوح: 10-12 ]
أي سؤال الإنسان إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وللاستسقاء باب ومطلع هذا الباب أن للاستسقاء صلاة من غير جماعةٍ، وله استغفار، ويستحب الخروج له ثلاثة أيام مشياً في ثيابٍ خلقة غسيلة، مرقعةٍ، مبللين، متواضعين، فإذا كان الزمان لا يسمح بلباس ثياب مرقعة، وإذا كان الخروج صعباً لاتصال العمران، فالإنسان لا يمنعه أن يسجد في البيت، ويسأل الله سبحانه وتعالى السقيا، لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا. ما يستحب في صلاة الاستسقاء :
خاشعون لله، ناكصو رؤوسهم، مقدمو الصدقة كل يوم قبل خروجهم:
((استمطروا الرزق بالصدقة))
[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]
ويستحب إخراج الدواب والشيوخ والكبار والصغار والأطفال، وفي مكة وبيت المقدس يصلى في المسجد الحرام والمسجد الأقصى، أي صلاة الاستسقاء تكون في أحد هذين الحرمين في مكة وبيت المقدس، وينبغي لأهل مدينة النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعلوا ذلك، ويقوم المصلي مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه والناس قعود، يستقبلون القبلة، يؤمنون على دعائه، ويقول: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً - كافياً - غدقاً عاجلاً مجلجلاً - عاماً - سحاً غزيراً، طبقاً أي لا يترك في السماء فرجة من اللون الأزرق وما أشبهه، أي الدعاء الأبسط: " اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، مرة كنت أقف في الطريق أمام شخص قال له آخر: والله بعنا السنة الماضية بيعاً لا يصدق، قال له: ما السبب؟ قال له: كان موسماً طيباً في الجزيرة، وهذا عنده معمل أقمشة ومعمل تطريز فاستغربت ما علاقة بيع هذا القماش المطرز؟ قلت: سبحان الله ورزقكم في السماء وما توعدون، وهذه الأمطار تدير العجلات كلها، و كل شيء يتحرك، و الإنسان عليه أن يتوجه إلى الله بالدعاء الصادق فلعل الله سبحانه وتعالى يغيثنا. الحكمة من حبس المطر :
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان يستسقي ربه هو وقومه، وكان كليم الله عز وجل، فقال الله عز وجل: يا موسى إن فيكم عاصياً، وهو سبب شحّ السماء، فقال موسى عليه السلام: "من كان عاصياً لله فليغادرنا" فما لبثت السماء أن أمطرت ولم يغادر أحد من جماعة موسى، فقال يا ربي لقد أمطرتنا ولم يغادرنا هذا العاصي؟ فقال الله عز وجل: لقد تاب بيني وبينه، فقال: من هو يا ربي؟ قال: عجبت لك يا موسى أأستره وهو عاص وأفضحه وهو تائب؟ مستحيل.
فلعل الله عز وجل يستجيب الدعاء، و ربنا أحياناً يحبس السماء حتى يشعر الإنسان بقيمة الماء، أي لا يوجد نبات، ولا مزروعات، ولا لحم، ولا كهرباء، كل شيء متوقف على ماء السماء، فسبحان الله الأرض دورانها ثابت، والشمس دورانها ثابت، و المذنَّب كل ست وسبعين سنة مرة، الحديد خواصه ثابتة، الماء خواصه ثابتة، و ربنا عز وجل ثبت أشياء كثيرة بل إنه ثبت معظم الأشياء فحركة الأفلاك ثابتة، وخواص المواد ثابتة، فلماذا حرك المطر ولم يجعله ثابتاً وكان بالإمكان أن يجعل انهمار المطر في كل بلد بكميات ثابتةٍ لا تزيد ولا تنقص؟ بالشام ألفا ميليمتر ولا تنقص، لكن الناس إذا جاءتهم الأمطار منتظمة استغنوا عن الله عز وجل، واستغنوا عن الاتصال به، وعن الالتجاء إليه، وعن التضرع إليه، فباستغنائهم يشقون، والله عز وجل قال:
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾
[ سورة النساء: 28 ]
ما وجدت مثلاً أقرب لهذه الآية من الفيوز في الجهاز الكهربائي، إنه كبير النفع، وهذا الفيوز ثمنه عشرة قروش، ولكنه يوفر عليك حرقاً لجهاز بكامله، هذا الجهاز ثمين، يوجد أجهزة كومبيوتر ثمنها ثلاثون مليوناً، ومعها فيوزات، وتعريف الفيوز نقطة ضعف في مسير التيار الكهربائي، فلو ارتفع التيار لساح هذا الفيوز وانقطع التيار وحفظت الآلة من التلف، فلما ربنا عز وجل خلق في حياة الإنسان نقطة ضعف وهي المطر، خلق الإنسان ضعيفاً، وهذا الضعف الذي خلقه الله عز وجل لمصلحة الإنسان، والله عز وجل يحب أن يسمع تضرع العباد هذا على المستوى الجماعي، وعلى المستوى الفردي الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، فلما الإنسان يكون له حاجة عند الله عز وجل ويستيقظ من الثلث الأخير من الليل ويسجد لله عز وجل ويذكر الحديث القدسي: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
فليس لنا إلا باب الله عز وجل. ومالي سـوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفـــــع
ومالي سـوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقـــــرع؟
ومن ذا الذي أدعو وأهفو باسمه إذا كان فضلك عـن فقيرك يمنـع؟
***
الله عز وجل جعل المخاوف لنلجأ إليه :
ليس لنا إلا باب الله عز وجل، والإنسان يعود نفسه إذا كان له عند الله عز وجل حاجة، أو قضية مستعصية، أو مرض ليس له دواء، أو زوجة مشاكسة، أو رزق قليل، أو شريك متعب والإنسان يخافه، والحياة كلها مخاوف، والله عز وجل جعل كل هذه المخاوف كي نلجأ إليه، وكيف أن الجرو في الطريق يدفع الابن إلى أمه، وإلى التعلق بأمه، والالتجاء إليها، والاحتماء بها، والاتصال بها، وكذلك هذه المصائب وهذه المخاوف كلها دوافع إلى الله عز وجل، ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، وليس في الإمكان أبدع مما كان، ولو عرفتم حكمة الله عز وجل ما طلبتم تبديل الواقع، وهذا موضوع الاستسقاء، ونحن كل دعاء في خطب الجمعة، وفي درس الأحد في العفيف صباحاً نقول: "يا ربي اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين" و الحديث الوحيد للناس موضوع المطر، هذا شهر كانون والآن الخامس عشر من كانون الأول ولا يوجد مطر إطلاقاً، والأشجار عارية، والأنهار فارغة، والينابيع جفت، والآبار أيضاً جفت، ولا ننتظر إلا رحمة الله عز وجل.
* * *
آداب الطعام والشراب :
والآن إلى متابعة موضوع من إحياء علوم الدين، وهو آداب الطعام والشراب، فأخوان كثيرون تأثروا في الدرس الماضي من هذا الموضوع الذي عالجه الإمام الغزالي، لأن الطعام والشراب سلوك يومي، و من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ و من منا لا يُدعى؟ ومن منا لا يدعو؟ و الطعام والشراب والدعوة وقبول الدعوة لها آداب دقيقة رائعة في الإسلام.
آداب تقديم الطعام :
1 ـ عدم التكلف :
تحدثنا عن آداب تقديم الطعام، فالأدب الأول عدم التكلف، وقلنا: إن التكلف سبب للقطيعة، وكيف أن أناساً دامت لقاءاتهم سبعة عشر عاماً لعدم التكلف، وعدم الغيبة، وعدم وجود النساء في مجالسهم.
2 ـ للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره :
والأدب الثاني وهو للزائر قال: ألا يقترح فإذا طلب الضيف منديلاً ورقياً فما أدراك أنه اليوم انتهت المناديل فلا يوجد عنده أحد يرسله، وابنه صغير وزوجته في البيت، يترك البيت ويذهب إلى مكان بعيد وليست المناديل الورقية متوفرة الآن، وأحياناً فالضيف إذا طلب شيئاً بسيطاً جداً يجعل في البيت ارتباكاً شديداً جداً، ويكون اليوم انتهت القهوة ولا يوجد بن في السوق، والازدحام شديد، هناك طابور كبير في السوق على بائعي البن، فالإنسان إذا كان في بيت لا يقترح أبداً، لا يقترح منديلاً، ولا فنجاناً من القهوة، ويجب أن يكون أديباً.
للزائر ألا يقترح فربما يشق على المزور إحضاره، شيء صعب إما الصعوبة لعدم وجود المال، وإما الصعوبة لعدم وجود من يأتي به من السوق، أو لعدم وجود البضاعة في السوق، وقد ضربت مثالاً بسيطاً طلب فنجان قهوة، ولا يوجد عنده قهوة، اسكت فقد يحضر لك كأس مليسة، قل له: أطيب شيء المليسة، أو كأس نعناع، فالمؤمن أديب جداً لا يقترح شيئاً، قال: فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما، يوجد عندنا الطبخة الفلانية أم تحب أن نحضر فروجاً من السوق؟ لا الطبخة، لا يناسب أن تقول: أحضر فروجاً، إذا أعطاك خياراً بين اثنين فاختر الأيسر الموجود في البيت، ولا تسمح له أن يخرج من البيت.
من خيره مضيفه بين شيئين فليختر أيسرهما :
وإذا خيرك المضيف بين شيئين فعليك أن تختار أيسرهما عليه، كذلك السنة هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ففي الخبر أنه: "ما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين شيئين إلا اختار أيسرهما"، لقمته خفيفة وظله خفيف، و يوجد من إذا ما قمت بواجبه بالكامل تراه انزعج وكشر ويقول: ما عرفوا قيمتي، ولا عرفوا قدري، وأحد العارفين بالله يقرأ قرآناً إلى جوار سيدنا يحيى في الأموي، مرّ شخص فظنه من الفقراء فأعطاه فرنكاً فهل هذه إهانة؟ هو ليس متسولاً فيقولون: أخذه ووضعه في جيبه، وسيدنا عمر يمشي في المسجد ليلاً ويظهر أنه ما انتبه فداس على قدم أحدهم، فالوجوه ما تعارفت ولم تكن هذه الإضاءة، فهذا الشخص تألم وما عرف من الذي داس على قدمه فقال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا، ثم قال:سألني فأجبته، فعظمة الإنسان بعدم التكلف، بالتواضع، وعظماء البشر الذين قادوا الأمم، والذين غيروا مجرى التاريخ كانوا في الحياة متواضعين، يروون عن قائد كبير في أوربا في الحرب العالمية الثانية، عندما احتل إمبراطور أوربا أوربا كلها، هناك جندي يقف للحراسة ويبدو أنه أخذته سنة من النوم، وهذا أخذ عنه البندقية وتوقف، و عندما استيقظ وجد الإمبراطور، والآن الرقيب أو العريف يقيم قيامته، والإنسان كلما كان عظيماً يبقى متواضعاً، دخل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رجل فأخذته رعدة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه من رآه بديهةً هابه، فله هيبة، وأولياء الله عز وجل يلبسهم الله ثوب الهيبة، فالنبي على بساطته، وتواضعه، وحلمه، وحبه للفقراء والمساكين له هيبة كبيرة، و الله عز وجل يلبس ثوب الهيبة لشخص عادي وينزعها من شخص كبير، و يقول لك: دخلت إليه وما تأثرت، قلت له: ورددت بوجهه؟ وإنسان قد يكون عادياً جداً فالله عز وجل يلبسه ثوب الهيبة، ولكن يوجد عندنا قاعدة من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، وإذا الإنسان قلبه أفرغ من كل حركة، ومن كل سكنة، ومن كل إنسان، ومن كل نظرة، فمعنى هذا اتكاله على الله ضعيف، والتجاؤه قليل، وشعوره بالحماية الإلهية قليل، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[ سورة الحج: 38]
ألا يقترح الضيف، قد يتصور الضيف أن القهوة لا صعوبة فيها و قد لا توجد، مهما حاولت أن تطلب شيئاً ليس من السنة أن تقترح على مضيفك شيئاً، وإذا خيرت بين شيئين فعليك أن تختار أيسَرهما.
قصة: روى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبزاً وشعيراً وملحاً جرشا، فقال صاحبي لو كان في هذا الملح سعتر - أي زعتر - كان أطيب، فخرج سلمان ورهن حاجة من حاجاته وأخذ سعتراً مكانه، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن حاجتي مرهونة.
و عندنا استثناء قال: هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له، فإذا علم أنه يسر باقتراحه، أي تأكل في الغرفة أو في الشرفة، لا في الشرفة هذه ليس فيها كلفة، نقل الطعام من مكان إلى مكان، تأكل على الأرض أم على الطاولة؟ على الأرض أيسر إذا أنت اقترحت شيئاً لا يكلف، لا يكون فيه عبء فلا يوجد مانع. 3 ـ أن يُشهَّى المزور :
الأدب الثالث: أن يُشهَّى المزور، أي أن يعرض على الزائر بعض ألوان الطعام، شخص أحياناً لا يتمكن أن يأكل لحماً نيئاً في الكبة النيئة، فأنت تصنع له صحناً وتتكلف بهذا الصحن وتضع فيه لحماً، وجوزاً، وزيتاً بلدياً، وتعتني بهذا الصحن ثم يقول لك: أنا لا آكل، اسأله ماذا تحب أن تأكل؟ إذا أنت عندك مجال الخيار.
فمن آداب المضيف أن يشهي الضيف ويلتمس منه الاقتراح، إذا كان النبي الكريم نهى الضيف عن أن يقترح فقد أمر المضيف أن يطلب من ضيفه الاقتراح، قال عليه الصلاة والسلام:
(( من صادف من أخيه شهوة غفر له ))
[ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء]
فإذا كان لك أخ يحب طعاماً معيناً وعملت لها هذه لك عند الله ثواب، أحياناًً يكون طالب جامعي أخ لك في الله، مقيم في الشام، وليس له أهل في الشام، أكل كل يوم فولاً وحمصاً فنشفت معدته، أنت طبخت يقطيناً ادعه إلى الغذاء، هذه أكلة نادرة ويشتهيها، ويوجد طعام من الصعب أن يطبخه العازب أو غير المتزوج فلا يوجد مانع وهذا من السنة. ((من صادف من أخيه شهوة غفر له، ومن سر أخاه المؤمن فقد سره الله تعالى ))
[ البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء]
إذا أنت أدخلت السرور على قلب أخيك المؤمن ولو بطعام يحبه قال عليه الصلاة والسلام: ((من لذذ أخاه بما يشتهي كتب له ألف ألف حسنة ))
[ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم عن ابن الزبير عن جابر]
إذا أطعمه من طعام يحبه، أمر الضيف ألا يقترح أبداً، وأمر المضيف أن يقترح، أي يحمل الضيف على الاقتراح، فالأصل أن تنشأ علاقات متينة جداً بين المؤمنين، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 4 ـ ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً ؟
الأدب الرابع: ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ لا، لا يوجد حاجة لهذا السؤال خلاف السنة، نام عندك نتعشى أم ننام؟ إذا أنت تريد أن تنام خفيفاً نم وحدك، فالرجل يريد أن يتعشى، ذهبتم نزهة على حسابك ما قولك بدل أن نتغدى نتعشى مرة واحدة؟ هو لا يتحمل أن تقدم اقتراحاً أو تخيره بين شيئين، فالعوام قالوا: الشيء الجيد لا يحتاج إلى سؤال، ألا يقول له هل أقدم لك طعاماً؟ وكان أحد البخلاء يقول للضيف: هل أكلت؟ إذا قال له: لا، يقول: لو أنك قد أكلت لقدمت لك شراباً لذيذاً لكنك لم تأكل، وإن قال له: أكلت، فيقول له: لو أنك لم تأكل لقدمت إليك طعاماً لذيذاً، فعلى الحالتين لا يوجد شيء كيفما قلت لا أطعمك.
ورجل من خراسان زار صديقاً له في بغداد، أكرمه البغدادي إكراماً شديداً وطوال الإقامة في بغداد كان يقول: لو تزورني في خراسان فأكافئك على إكرامك، وهذا البغدادي بعد اثني عشر عاماً ظهرت له حاجة في خراسان ومعه عنوانه وبيته فلما وصل إليه قال: أنا فلان، قال له: والله ما عرفتك نزع القلنسوة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العمامة، قال له: والله ما عرفتك، نزع العباءة قال له: والله ما عرفتك، ثم قال له: والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك، هذه تقع، يكون هناك أخ في مدينة يكرمك ويأتي إلى عندك إلى الشام فلا يوجد ترحيب منك، وهناك أشخاص ما عندهم لذلك قيمة وهذه منتهى الوقاحة واللؤم، و الإنسان عندما يزوره في بيته يكون جافاً في المعاملة.
هنا صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أقول له أقدم لك طعاماً بل ينبغي أن يقدم من الموجود"، قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك فإن أكل أكل، وإلا فارفع الطعام ولاسيما الذي ينام في بيت مضيف، فعليك أن تضع الطعام وهو حر أحب أن ينام خفيفاً أو أن يأكل، فيجب أن يوضع الطعام أمامه، إذا أحب أن ينام خفيفاً ينام، وليس من المعقول أن يقول لك: ضع لي طعاماً، وإنسان في الليل يستيقظ ليأكل تفاحة أما إذا كان ضيفاً فيستحي، فيجب أن ينام متعشياً وهذا شيء لابد منه.
وإن كان لا يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو أن يصفه لهم، قال الثوري: "إذا أردت ألا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به، ولا يرونه معك"، وقال بعض الصوفية:" إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ".
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ ))
[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
على الإنسان أن يتفوق في الخلق لأنها الصفة التي يتميز بها عن الحيوان :
فالإنسان فيه مجموعة صفات خلقية لابد أن يتفوق بهذه الصفات، لأن الحيوان يتفوق عليه في كل شيء، إن كان في الوزن فالفيل ستة طن، وإن كان في القوة العضلية فالبغل أقوى، وإن كان في التحليق فالنسر، وإن كان في حدة البصر فالنسر أيضاً، وإن كان في رهافة السمع فالقطط والكلاب، وقوة الشم الكلاب أي لا يوجد صفة يتميز بها الإنسان على الحيوان إلا صفة واحدة وهي الخلق، ولذلك قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4 ]
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قمة الأخلاق، فكان أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وإن هذه الأوصاف الثلاثة هي من أمهات الكمالات، لا يمكن أن يكون المؤمن جباناً، ولا يمكن أن يكون بخيلاً، لأن الإيمان يتناقض مع البخل والجبن والنبي عليه الصلاة والسلام: ((... قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ))
[أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
1 ـ النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس صورةً ومعنىً وجمالاً وكمالاً :
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس صورةً ومعنىً، جمالاً وكمالاً، وأحياناً ترى شخص ملء العين لكنه بذيء الكلام، جاهل، مشرك، متكبر، متغطرس، وهذه الصفات الخلقية الذميمة تشوه جماله المادي.
وأحياناً ترى إنساناً أخلاقه عالية ولكن شكله دون الوسط، فالأحنف بن قيس كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، أحنف الرجل، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب؟ وكان لو علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، كان قمة في الذكاء، والسيادة، والزعامة، والمروءة، والنجدة، والكرم، والرجل لا يقدح في مكانته شكله، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم:
وأجمل منـك لم تر قط عيني وأحسن منك لم تـلد النساء
خلقت مبرأً من كل عيــب كأنك قد خلقت كما تشــاء
***
أي جمع الحسنيين، جمع جمال الصورة مع جمال الخلق، وكان إذا نظر في المرآة يقول: "اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي"، أي إذا إنسان شاهد نفسه كاملاً مكملاً ما أجمل الدنيا والدين إذا اجتمعا، قال: جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر مجوسي
***
فإذا وهب الله الإنسان شكلاً حسناً يكمله بالأخلاق الحسنة، وإذا لم يهب الله الإنسان شكلاً حسناً فيكمله بالأخلاق الحسنة يتكاملن معاً، و هذا النقص يزيده خلقاً حسناً، فيعوضه، فالأول يكمله والثاني يعوضه. 2 ـ أشجع الناس قلباً وأنفعهم :
وهو أشجع الناس قلباً، وهو أجود الناس، وأنفعهم، للناس مصدر خير، جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، وهذا الجود الذي اتصف به صلى الله عليه وسلم إنما هو لله تعالى، وفي الله تعالى، وابتغاء مرضاة الله تعالى، ويوجد سؤال حيرني: الإنسان قد يكون له عمل طيب لكن تُرى هل يتقبله الله منه؟ الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، والقضية مع الله ليس فيها لعب، ولا مزاح، لأنه علام الغيوب، يعلم السر وأخفى، ولا تغيب عنه غائبة، ولا مثقال ذرة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، ولا تظلمون نقيراً، ولا تظلمون فتيلاً، فالعلاقة مع الإنسان أهون، و الإنسان له الظاهر، ولكن ربنا عز وجل كاشفك أي لا يوجد شيء يخفى عليه.
المقياس الصحيح للإخلاص أن يتجلى الله على قلب عبده :
قد يكون لك عمل طيب يا ترى هل الله يتقبل مني هذا العمل؟ هل بهذا العمل شائبة؟ هل لي بهذا العمل نية ليست لمرضاة الله عز وجل؟ هذا السؤال حيرني دائماً، قرأت كثيراً عن هذا السؤال، وفي بعض الكتب وجدت أن من علامة الإخلاص أن يستوي عملك في السر كعملك في الجهر، وهذا مقياس لا بأس به، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ بالله بشي من عمله.
وجدت مقياساً آخر وهو: الإنسان لو سمع مذمته فلا يبالي إن كانت له عند الله مكانة ثابتة، والمنافقون يحرصون على سمعتهم حرصاً بالغاً لكن المؤمنين حرصهم على سمعتهم معتدل، فرجل تهجم على صحابي هجوماً شديداً بقي هادئاً وقال له: إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي، وإن كنت غير صادق فيما تقول غفر الله لك، وانتهى الأمر، هذا مقياس ثانٍ.
ولكن أحد علماء القلوب قال: المقياس الصحيح للإخلاص أنك إذا عملت عملاً ابتغاء مرضاة الله تعالى ينبغي لك أن تقبض ثمنه فوراً، فما هو الثمن؟ تجلي الله على قلبك، فالمخلص سعيد بعمله، قبض الثمن الفوري، لذلك: أخلص دينك يكفك القليل من العمل. قال تعالى:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾
[ سورة الفرقان: 23 ]
أهل الدنيا قد يكون لهم أعمال كبيرة جداً ولكن ليسوا بهذه الأعمال مخلصين لله عز وجل فيجعلها الله هباءً منثوراً، أو يخلط الله أعمالهم. 3 ـ أكرم الناس :
والنبي صلى الله عليه وسلم - والحديث عن كرمه- كان كرمه في سبيل الله، وكثير من الناس يصنعون الولائم ويقول لك: كسرنا عينه، فليست هذه هي الدعوة، وليس هذا هو الكرم الذي تحدث النبي عنه، هذا الكرم هدفه الاستعلاء على الناس، وعرض ما عندك من لذائذ الطعام، وعرض إمكانيات زوجتك، يقول: كله صنع البيت ويشعر بنشوة، وهذا كله عندي من أعلى مستوى، وطبعاً الإنسان عندما يكون هدفه الاستعلاء فالعمل غير مقبول عند الله عز وجل، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما إذا كان تقديم هذا الطعام خالصاً لوجهه أم لا،، ولكن بشكل عام من أحب إكرام أخيه المؤمن فهذا العمل خالص لوجه الله، ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه.
(( ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه))
[مسلم عن أنس رضي الله عنه]
ولولا التشهد كانت لاءَه نعم، وكلمة نعم دقيقة يوجد عندنا في اللغة بلى، نعم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 172 ]
ألست فيها نفي، فتستخدم بلى في اللغة لنفي النفي، ونفي النفي إثبات، أي إذا قال الله عز وجل: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ولو أنهم قالوا: نعم لكفروا، ولو قال غير الله، لو قال فرعون لأتباعه: ألست بربكم؟ لوجب أن يقولوا: نعم، لأنهم إذا قالوا: نعم أي لست ربنا، نعم إثبات النفي، وبلى نفي النفي، انظروا القرآن ما أدقه، إذا كانوا في الصلاة وقالوا: نعم الصلاة فاسدة أي نعم لست ربنا، وإذا كان بلى فهي إجابة عن سؤال ألست، إذا كان في السؤال ليس مع الاستفهام. التجارة الرابحة هي التجارة مع الله عز وجل :
النبي عليه الصلاة والسلام ما سئل شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل وهو صفوان بن أمية فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وفي رواية من لا يخشى الفقر.
وأعطى يوم حنين أناساً من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، أعطاهم مئة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة، وقتها الأنصار تألموا لأنهم ما أخذوا شيئاً من الغنيمة، وبعض المؤلفة قلوبهم نالوا عطايا كثيرة، فسيدنا سعد بن عبادة جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله: ((... فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
(( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ))
[مسلم الترمذي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية]
فالإنسان غالٍ على الله عز وجل، وهذا يعرفه النبي فقط، أعطاه وادياً من غنم فإذا أعطاه هذا الوادي كله وآمن فلا شيء، لأن إيمانه أغلى على الله من كل هذا الوادي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، يوجد شخص يهتدي بالمال تكرمه، وتساعده، ويأتي معك، وإذا عرفت قيمة الله عز وجل ترى مهما بذلت من مال فلا قيمة له نظير أن يهتدي هذا الإنسان، فإذا وعدك أن يصلي ويحضر معك دروساً نظير أن تشتري له بيتاً، فالبيت ليس كثيراً عليه، إذا كان في هذا البيت يستقيم ويتدين فالمكسب معك، و هذه أكبر تجارة، و لو أن الإنسان أعطيته ما في الدنيا وآمن فهذا العطاء لا قيمة له نظير إيمانه.
وفي مغازي الواقدي أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم يوم حنين إذ مرّ بشعب مملوء إبلاً وغنماً فأعجبه فجعل ينظر إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب، قال: نعم قال: هو لك بما فيه، قال صفوان: أشهد أنك رسول الله، ما طابت لهذا نفس أحد قط إلا نفس نبي.
ولا يوجد إنسان في الأرض يعطي هذا العطاء إلا نبي. نية المؤمن خير من عمله :
وكان من جوده صلى الله عليه وسلم أنه ما سأله سائل مما عنده إلا أعطاه حتى لا يبقي عنده شيء، ويوجد قصة مشهورة لما وزع الشاة، وزع أول قطعة فالثانية فالخامسة وما بقي شيء، والسيدة عائشة قلقت وقالت: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها، فقال: بل بقيت كلها إلا كتفها.
انظر إلى هذا الجواب النبوي بل بقيت كلها إلا كتفها، سيدنا عمر مرة أمسك تفاحة شهية كاد يأكلها فقال: أكلتها ذهبت وأطعمتها بقيت، على مبدأ بل ذهبت كلها إلا كتفها.
((أن النبي عليه الصلاة السلام حمل إليه تسعون ألف درهم وضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما ردّ سائلاً حتى فرغ منها))
[ أبو الحسن بن الضحاك في الشمائل من حديث الحسن]
ومرة قال: ليت لي مثل أحد ذهباً حتى يحل مشاكل أصحابه، فكأنه وزعه ونية المؤمن خير من عمله. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم إِنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
فلا يمكن أن أمنع عنكم شيئاً، ولا يمكن أن أبقي عندي شيئاً وأنتم بحاجة إليه، فهذا كرم النبي صلى الله عليه، وكان عليه الصلاة والسلام كريم النفس، يكرم السائل بنفسه، وهذه من كمال الكرم أن تعطي السائل بنفسك، ولا يأنف أن يقوم إلى السائل فيعطيه الصدقة، بل كان لا يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل.
وأحياناً الإنسان يقول للصانع: أعطه، لا، فالصدقة يجب أن تعطيها بيدك أنت وهذا هو الأدب مع الله.
" وروى ابن سعد عن زياد مولى عياش عن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما النبي عليه الصلاة السلام لأحد، الوضوء من الليل حتى يقوم، والسائل يقوم صلى الله عليه وسلم حتى يعطيه بنفسه ".
استدانة النبي إن لم يكن معه ما يكفي لحاجة محتاج :
وكان من كرمه صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عنده ما يكفي بحاجة المحتاج أمره أن يستقرض عليه، وهذه في منتهى الكرم، فإذا كان لك أخ التهف لك وقال لك: هل معك مئة ليرة؟ وأنت لا تملك وجارك بائع له ثقة فيك قلت له: خذ على اسمي من فلان، أو اكتب له ورقة، أو اذهب أنت وأحضر له مئة الليرة، وهذا منتهى الكرم فليس معك، عليك أن تستدين وليس هذا القرض بل يوجد أناس عندهم رغبة بالخير عجيبة يقترض ويعطي، وهذا بذل ماء وجهه أمامي لا أحيجه لإنسان ثانٍ:
(( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ قَالَ لَقِيتُ بِلالاً مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ فَقُلْتُ ك يَا بِلالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإنْسَانُ مُسْلِمًا فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ ))
[أبي داود عن عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ]
" وروى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة السلام فسأله أن يعطيه فقال النبي: ما عندي شيء ولكن ابتع فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي عليه الصلاة والسلام قول عمر، فقال رجل من الأنصار يا رسول الله: أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وعرف في وجهه البشر بقول الأنصاري وقال: بهذا أمرت "
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
النبي صلى الله عليه و سلم أجود الناس :
ومن كرمه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبذل المال مرةً للفقير المحتاج/ ومرةً في حدود الله والجهاد، وتارةً يتألف بها فيعطي عطاءً تعجز الملوك عنه حتى لا يبقى عنده شيء، وكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس كلهم حقاً كما وصفه ابن عباس بقوله: "كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس".
والحقيقة الجود يحتاج إلى إيمان، فإذا آمنت أن الله عز وجل يخلف عليك كل شيء أنفقته والعمل بعشرة أضعافه انتهى الأمر، أما إذا لا يوجد إيمان فالمال غالٍ على الإنسان، وقد تعب حتى حصّله.
قال: "يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال يا ربي لم أنفق منه شيئاً على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فقال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، وقال لآخر أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ قال: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين فقال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك".
فآمن أن الله هو الرزاق.
من أنفق شيئاً أخلفه الله عليه بعشرة أمثاله :
وما أنفقتم من شيء فإن الله هو يخلفه، الحسنة بعشرة أمثالها، فشخص له ولد مرض مرضاً عضالاً يحتاج إلى عملية في بريطانيا تكلف حوالي ستين أو سبعين ألفاً، وهذه القصة بالسبعينات قديمة فلجأ إلى متجر في العصرونية قال له: على حسابي قم بالمعاملة، هذا الإنسان أقسم بالله أنه في نهاية العام أرباحه تضاعفت أربع مرات، و في السبعينات إذا كان ربحه خمسين ربح مئتين، ولكن لا أحد يعرف، ولا يمكن أن تنفق نفقة في سبيل الله إلا والله عز وجل يعوض لك عشرة أمثال، ولكن تحتاج إلى قوة إيمان، يقول لك: المال غال أنا أولى، ويقول: العباد لهم الله، صحيح أن لهم الله ولكن الله أحب أن يمتحنك، وأحب أن يمتحنك أنت بالذات، و الله قال لهم ولكن عن طريقك: الأغنياء أوصيائي، الله قال لهم عن طريقك.
﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة الذاريات: 19 ]
الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فمن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي، فأقل عملية في دولة أجنبية تحتاج إلى ثمانمئة ألف ليرة، فإذا سلم الله عز وجل للإنسان صحته وكان في صحة طيبة وفي بحبوحة وأنفق من ماله فما الذي خسر؟ هو يقدم الضمان الحقيقي، أخي أنا عملت تأميناً كاملاً للسيارة، إذا صار حادث ضخم وانقطع العمود الفقري وصار شلل دائم وأعطوك ثلاثمئة ألف ليرة فهل أنت الرابح؟ لا يعادل ذلك مليون، ولا مئة مليون، ولا ألف مليون، فالتأمين أنكره العلماء لأنـه لا أحد يملك الأمن إلا الله، فإذا اشتريت الأمن من غير الله فكأنما تشتري بضاعة ممن لا يملكها، فإذا إنسان أمن ضد أخطار الصحة مثلاً أو أمن على السيارة تأميناً كاملاً يمكن أن يعمل حادثاً فيفقد أحد أعضائه الأساسية، فالإنسان يجب أن يؤمن عند الله عز وجل، فقد يخطر في بالي كلمة قبل أن آتي إليكم لا يوجد قاعدة، وهناك إنسان في منتهى الذكاء تأتيه مصيبة كبيرة وهو بمنتهى الغفلة فيتعب طوال حياته، والقاعدة مشيئة الله عز وجل، وعلـيك أن تعلن الصلح مع الله عز وجل، فإذا رجع العبد إلى الله عـز وجل نادى منادٍ في السـماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

السعيد
09-10-2018, 04:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الخمسون )


الموضوع :سجود التلاوة - 1





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجود التلاوة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في أبحاث الفقه إلى سجود التلاوة وسببه التلاوة، من إضافته إلى سببه، التلاوة على التالي والسامع في الصحيح، يجب سجود السـهو على التالي أي تالي القرآن إذا مرّ بسجدة أو السامع على الصحيح، وهو واجب على التراخي إن لم تكن في الصلاة، مادمت تقرأ القرآن خارج الصلاة واجب على التراخي، يوجد ظروف لا يناسب أن تسجد كأن تقرأ القرآن في سيارة عامة وأنت مسافر مرّ معك سجدة، فصعب عليك أثناء وجودك في السيارة العامة أن تسجد أمام الناس، وجوب هذه السجدة على التراخي في غير الصلاة، وكره تأخيرها تنزيهاً، تأخير السجود مكروه تنزيهاً لا تحريماً، والكراهة نوعان كراهة تنزيهية و كراهة تحريمية، ويجب على من تلا آية فيها سجدة أن يسجد للسهو، فلو تلوت آية السجدة وحدها عليك أن تسجد للسهو، وبعضهم قال: مع كلمة قبلها وكلمة بعدها أي كلمة السجدة، ولله يسجد، إن تلوت كلمة قبلها وكلمةً بعدها وجبت عليك سجدة التلاوة، وآياتها أربع عشرة آية في الأعراف، و الرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وصاد، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، والعلق، هذه هي السور التي فيها مواضع لسجود التلاوة، ويجب السجود على من سمع وإن لم يقصد السمع، أخوك في البيت يقرأ القرآن وأنت تعمل عملاً يجب على من استمع آية السجدة وإن لم يقصد سماع القرآن الكريم إلا الحائض والنفساء فليس عليها سجود التلاوة.
ولهذا السجود أحكام نأخذها في درس قادم لأنها طويلة وكثيرة، ونفسح المجال للفصل المختار من إحياء علوم الدين الذي يتعلق بآداب الطعام والشراب، وبعدها تأتي آداب أخرى مذكورة في هذا الكتاب.
* * *
آداب الضيافة :
أنهينا في الدرس الماضي آداب تقديم الطعام وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى آداب الضيافة، وآداب الضيافة ستة آداب، الدعوة أولاً، والإجابة ثانياً، والحضور ثالثاً، يوجد فرق بين الإجابة والحضور فالإجابة قبول الدعوة، أما الحضور فتنفيذها، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل ثم الانصراف، قال صلى الله عليه وسلم:
(( لا تكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغض الله سبحانه وتعالى ومن أبغض الله أبغضه الله ))
[أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث سلمان]
إذا تكلفت للضيف يصبح وجود هذا الضيف عليك ثقيلاً، إن كرهت الضيف كما جاء في الحديث الشريف أبغضت الله عز وجل، ومن أبغض الله أبغضه الله، وقـال صلى الله عليه وسلم: (( لا خير فيمن لا يضيف))
[ أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
الكرم والشجاعة من صفات المؤمن الثابتة :
من صفات المؤمن الثابتة الكرم والشجاعة، وأظن أن البخل والجبن لا يجتمعان بمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من البخل والجبن، والهم والحزن، وغلبة الدين وقهر الرجال.
وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إذا أراد أن يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغذى معه، وكان يسمى أبا الضيفان، ولو دققت في الأمر ترى أن الإنسان الكريم سبحانه وتعالى يغدق عليه من خيراته، فإذا أكرمت الضيف على حساب الله سبحانه وتعالى لا على حسابك أحياناً تكون أنت مندوب شركة ويأتي مدير الشركة أحياناً وتدعوه إلى طعام نفيس، وتطلب وتعرف الدفع كله على حساب الشركة وأنت مندوبها، فتكرم كرماً منقطع النظير، والحقيقة هذا مثل ينطبق على المؤمن لأن عنده يقيناً أن هذا المال الذي ينفقه على الضيف هو مال الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى متكفل أن يعوضه عليه فكأنما يضيف أخوانه المؤمنين على حساب الله سبحانه وتعالى.
قصة قلتها لكم كثيراً، يوجد بيت عربي قديم فيه ليمونة تحمل خمسمئة ليمونة في الموسم، أهل الحي كلهم تعودوا على هذه الليمونة عندهم صحن سلطة نقصهم ليمون يقرعون الباب لو سمحتم ليمونة، يعطونهم من عشرين إلى ثلاثين سنة وهذه الليمونة تحمل ما يحتاجه أهل الحي كلهم، هذه المرأة الكبيرة توفيت وعندها كنة شابة حمقاء بخيلة فلما طرق الباب من أجل ليمونة نهرتهم وطردتهم فما كان من هذه الليمونة إلا أن يبست في العام التالي.
من أكرم الناس فعلى حساب الله عز وجل :
يجب أن تعتقد أنك إذا أكرمت الناس فعلى حساب الله، أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، عبدي أَنفق أُنفق عليك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلن الجنة خبباً - أي هرولةً - وماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتيني الله ألفاً في المساء، والله ما حرمت مالي محتاجاً ولا مسكيناً، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
وهناك أخ له محل في بعض أسواق دمشق، و في أحد الأيام قالت له أخته: أريد ألفي ليرة منك، وأخته غير متزوجة ساكنة عنده، وطعامها وشرابها وكسوتها وكل حاجاتها عليه، ما قنع صار معه صراع أيعطيها أم يقول لها لا أملك هذا المبلغ؟ تغلب حبه للخير ولم يرد أن يردها فأعطاها الألفين، قال لي: منذ سنة ذهبت إلى السوق الساعة العاشرة فجاءه رجل من قطر عربي يود أن يشتري حاجة ليست عنده قال له: دلني على معملها فأخذه بيده إلى معملها، وهذا الرجل التاجر اشترى كمية كبيرة بسبعين ألف ليرة تقريباً ظهراً فجاء صاحب المعمل في طريق ذهابه إلى الغداء وأعطاه ألفي ليرة مكافأةً له على أنه دلّ الزبون لعنده، قال لي: في اليوم نفسه دفعتها صباحاً فأخذتها الظهر، طبعاً مثل هذه القصة يوجد آلاف القصص، لكن ربنا أحياناً يعلمك أن تكون كريماً، طبعاً الله كريم، ولكن إذا أنفقت يمكن أن يعطيك التعويض سريعاً، فالرجل ضعيف الإيمان يأتيه التعويض سريعاً حتى يوقن أن هذه النفقة قد عوضها الله له أضعافاً كثيرة. تعريف الإيمان :
وسئل عليه الصلاة والسلام ما الإيمان؟ قال: إطعام الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور قال:
((حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السلامِ ))
[ أحمد عَنْ جَابِرٍ]
وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة، وهذه الأحاديث والآثار كلها في الحث على بذل الطعام للضيف. آداب الدعوة :
1 ـ ينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق :
أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته إلى الأتقياء دون الفساق وهذا أول أدب، و أكثر الولائم يدعى إليها وجهاء المجتمع بيت فلان، بيت فلان الأغنياء المترفون الذين لا يصلون، وهذه الولائم لا يراد بها وجه الله تعالى، و ليست داخلةً في هذا الموضوع إطلاقاً، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
وبلغني أن بعض الأمراء أحياناً يقيمون بعض الولائم، الوليمة لأمير ثانٍ يقدم له مثلاً جمل صغير هذا غالي الثمن وله مذاق طيب لا يجرؤ أحد أن يأكل بعد الأمير لقمة، قال: لأن هذا إهانة للأمير، بل يأخذ هذا الطعام النفيس الذي يكفي ألف إنسان ويلقى في القمامة، وهكذا العرف عندهم، أي عرف هذا؟ أن يصنع طعام يكفي ألف إنسان ليأكله إنسان واحد وعلى الضفة الأخرى من البحر أناس يموتون جوعاً، أي عرف هذا؟ وأي تقليد؟ وأي سنة؟ هذه الولائم التي تقام من أجل المباهاة ما أنزل الله بها من سلطان، وليست داخلةً في كل هذا الكلام.
يجب أن يعمد الداعي إلى الأتقياء دون الفساق، قال صلى الله عليه وسلم لرجل ضاف عنده: ((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسٍ]
وسام كبير أن يأكل طعامك الأبرار، أما إذا أكل طعامك الفساق الفجار الكفار المعرضون فهذا وصمة عار في حقك، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل إلا طعام تَقيٍ ولا يأكل طعامك إلا تَقيٌ"، وشر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء. 2 ـ عدم إهمال الأقارب في الضيافة :
وهنا يوجد أدب من الآداب يجب ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإنسان دعا أصدقاءه وله صهر، وهذا الصهر قد يعتب عليه، فالأقربون أولى بالدعوة، وهناك أناس يلوذون بك هؤلاء يجب أن تدعوهم، ولذلك ينبغي ألا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم قطع رحم، وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه الأكبر فالأكبر، الأقدم فالأقدم، ولابد من قاعدة لكي لا يعتب عليك الباقون، ومن دون قاعدة مشكلة، دعوت أخواتك البنات جميعاً، دعوت أخوانك بحسب قاعدة معينة، أخوانك في الحرفة، جيرانك في الحي، أولاد العم جميعاً، الأخوة لابد من قاعدة تراعي فيها هؤلاء.
3 ـ ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه :
ينبغي ألا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب أخوانه، والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين.
4 ـ ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة :
ويجب ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، إذ يوجد ظروف قاهرة، فإنسان يجوز أن يكون محله بعيداً جداً، فإذا دعوته و أراد تلبية الدعوة يتكلف أن يأخذ سيارة خاصة بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً فقد لا يملك هذا المبلغ، وإذا إنسان في دعوته مشقة كبيرة ينبغي ألا تدعوه.
5 ـ عدم دعوة من يتأذى الحاضرون من كلامه :
وإذا حضر أو أن لك ابن عم أو أخ ملحد ودعوت أخوانك المؤمنين فإذا دعوته - له عندي عزيمة ادعه بالجملة- تؤذي الحاضرين، فهذا إنسان منكر، وإذا قال أحدهم كلمة بالدين يرد عليهم، وإن سكت يكهرب الجو كله، وإن كان أخاك، و إذا إنسان دعوته إلى وليمة يتأذى الحاضرون من كلامه، ومن تعليقاته أحياناً، ومن عدم مبالاته، من قواعد الدين أن تدعو الإخوان المؤمنين، دعوت أخاك النسبي فيجب ألا يدعى هذا معهم.
6 ـ ينبغي ألا تدعو إلا من تحب إجابته :
قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام..."، فالآن يوجد أدب أخير وينبغي ألا يدعو إلا من يحب إجابته، أحياناً إنسان يدعو شخصاً ويقول: إن شاء الله لا يأتي، إما أن تدعوه أو لا تدعه، أن تدعوه وأنت تتمنى ألا يحضر فهذا مخالف للسنة، قال سفيان: "من دعا أحداً إلى طعام وهو يكره منه الإجابة فعليه خطيئة، فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان"، إذاً لا يوجد نفاق، ولا مواقف معلنة ومواقف حقيقية، ولا يوجد مجاملات، ولا يوجد ازدواجية في المواقف، إما أن تحبه فتدعوه، وإن كنت لا تحبه لا تدعه، أما أن تدعوه وتتمنى ألا يحضر فإذا حضر خيب ظنك.
وإطعام التقي إعانةً له على الطاعة، وإطعام الفاسق تقويةً له على الفسق، قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب الأمراء فهل أخاف أن أكون من أعوانهم؟ قال: لا أنت منهم لا من أعوانهم، أما الذي يبيعك الخيط والإبرة فهو من أعوانهم.
فإذا دعوت الفاسق أعنته على فسقه وفجوره.
إجابة الطعام سنة مؤكدة :
أما إجابة الطعام فهي سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها في بعض المواقع، فبعضهم يقول: الإجابة واجب كالفرض، وبعضهم يقول: إنها سنة، قال صلى الله عليه وسلم:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فليس لك عليه شيء، قدم لك ذراعاً فيه قليل من اللحم، فتقول: شكراً له وهذه من آداب النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تحتقر ما يقدم لك فهذا إثم كبير، وهذا كبر، وهذا استعلاء شيطاني.
وأحياناً رجل يقدم لك برتقالة صغيرة لا يوجد عنده غيرها، تقول له: شكراً، بارك الله فيك، ألم يستحِ أن يقدمها لك؟ لا لم يستحِ أحب أن يكرمك، فإن الحرمان أقل منه، برتقالة واحدة، لا يوجد عنده غيرها هذه كلها مصطلحات جاهلية. آداب إجابة الدعوة إلى الطعام :
1 ـ ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير :
الآن آداب إجابة الدعوة إلى الطعام، الأول: ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه، تدعى أحياناً إلى كتاب،مستوى راقٍ جداً، وتعرف أن القطعة غالية وسوف يقدمونها لك من فوق المئة ليرة، الطعام الذي سوف يقدمونه لك ثمين، تركض فوراً وتلغي جميع مواعيدك، أما دعيت إلى كتاب فقط فيه وملبس والله تعذرني عندي مواعيد، فهذا هو التكبر بعينه، فإذا كنت مؤمناً تلبي جميع الدعوات، أتختار الغني وتقول للفقير اعذرني مشغول لا يوجد عندي وقت!! أتمنى أن آتي ولكن عندي موعد مهم جداً، والله يعرف إذا كان عندك موعد مهم جداً أم لا، وقد تكون نيتك انسحاباً من الدعوة أو كبراً فهذا ليس من أخلاق المؤمن في شيء.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين :
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، ودعوة المسكين، فامرأة ضعيفة مسنة استوقفته في الطريق فوقف طويلاً يكلمها في حاجتها، قال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملك، ما هذا التواضع؟ أنت مدير دائرة يوجد عندك مستخدم، قال لك: يا سيدي هل تشرفنا إلى البيت؟ تقول له: نعم، تجبر خاطره، ويمكن أن تهديه إلى الله، ومن أنت؟ قد يكون هذا عند الله أفضل منك، لا تعرف قد يكون له عمل طاهر مستقيم، أنت مدير عام وهو مستخدم، قال تعالى:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾
[سورة الواقعة: 1-3]
ويمكن في الآخرة أن تكون مستخدماً وهو مدير عام، لا تعرف، فعلى الإنسان ألا يتكبر، وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين.
ومرّ الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض - خبزاً يابساً - في الرمل وهم يأكلون، فمر عليهم الحسن وسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا بن بنت رسول الله؟ قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم وركب فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم ودعاهم فوعدهم بوقت معلوم فحضروا وقدم لهم فاخر الطعام.
أحد العلماء الكبار في الشام قبل أربعين سنة كان يدعو الأمراء كبراء البلد الوجهاء، من لهم الحول والطول، ويضع لهم كشكة، وأولاده يخجلون ما هذا الطعام؟ يقول لهم: هذا الطعام يحبونه لا يأكلونه أبداً، والفقراء يدعوهم ويضع لهم لحماً، إذا دعا الكبراء يضع لهم طعاماً متواضعاً جداً حتى يذوقوا طعام الفقراء، إذاً دعا الأغنياء ليؤدبهم ويعلمهم أن هذا طعام الفقراء.
والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم، فكان هذا العالم إذا دعا الكبراء والأمراء من أجل أن يؤدبهم وأن يذيقهم طعام الفقراء، وإذا دعا الفقراء أذاقهم أطيب الطعام وكان يقول: هؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، وهؤلاء يحبون هذا الطعام لأنهم لا يأكلونه، فإذا دعوت شخصاً إلى طعام يأكله كثيراً ما فعلت شيئاً. من دعاه إنسان فاجر فاسق فلا يجبه :
أما قول القائل إنما وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي، هذا القول محمول على أن إنساناً متكبراً دعاك، فإذا دعاك إنسان متكبر فاسق فاجر تعلل ولا تجبه، لأنك إذا وضعت يدك في قصعته ذلت له رقبتك وأنت عزيز النفس، أنت للمؤمن ذليل أذل من شاتك أما للكافر فعزيز عليه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحضر طعام من دعاه إن كان هذا في علمه أنه يدخل على قلبه السرور.
من ظنّ أن الداعي يستثقل الإطعام وفعل ذلك مباهاةً فليس من السنة إجابته :
بالمناسبة إذا إنسان دعاك إلى الطعام ولم يفرح بهذه الدعوة فإياك أن تجيبه، وقبل قليل نهي عن أن إنساناً يدعو إنساناً ويتمنى ألا يحضر، أما إذا دعيت إلى طعام وتعلم أن الداعي قد دعاك متحرجاً أي أنت من مستوى فلان وفلان، وفلان دعاك لكي لا تعتب عليه وهو يتمنى ألا تحضر فإياك أن تحضر، ومن ظن أن الداعي يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفاً فليس من السنة إجابته، بل الأولى التعلل أي الاعتذار، وقد قال بعض الصوفية: لا تجب إلى دعوة من يرى أنك أكلت رزقك، وأنه سلم إليك وديعةً كانت عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه، إذا إنسان يرى في إجابتك الدعوة فضلاً عليه، ويرى أن هذا الطعام وديعة مودعة أمانة عنده، ويرى أنك إذا أكلت من طعامه فقد أكلت رزقك، قال: هذا يجاب وما سوى ذلك لا يجاب، وقال بعضهم: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة، فأحياناً تأكل طعاماً حراماً فهناك تبعة ومسؤولية، فإذا إنسان بيده أموال أيتام وأكل وذهب ليسافر حتى يتاجر لهم وأكل أفخر الطعام ما ترك شيئاً ما أكله ويقول: هذا مصروف على الشركة، فأي مصروف هذا؟ هكذا المصروف في هذا البذخ؟ فلو كان من مالك فهل تأكل هذا الطعام؟ هذا الطعام فيه تـبعة ومسؤولية كبيرة، فقال هذا الرجل: آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة.
فعلمت أنه عقوبة، الترفع عن طعام المحب، وأحياناً شخص يغيب ويحضر لك عشاء، ويكون قد كلف نفسه فتقول له: ما بنفسي، كل هذا التعب أفلا تأكل؟ فهذا سوء أدب، إذا إنسان محب قدم لك طعاماً وامتنعت فأنت آثم.
2 ـ لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة أو لفقر الداعي :
الآن يوجد أدب آخر قال: لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، أي ليس له جاه عظيم فهو من عامة الناس، بل كل مسافة يمكن احتمالها بالعادة لا ينبغي أن يمتنع المدعو عن الإجابة إليها، قيل في بعض الكتب: سر ميلاً وعد مريضاً، وسر ميلين وشيع جنازة، وسر ثلاثة أميال وأجب دعوة فقير، وسر أربعة أميال وزر أخاً في الله، والحديث الشريف:
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الغميم من أطراف المدينة مكان بعيد جداً، لو دعي إلى كراع بالغميم قال: لأجبت. 3 ـ ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر :
والآن الأدب الثالث ألا يمتنع عن تلبية الدعوة لكونه صائماً بل يحضر فإن كان يسر أخاه بإفطاره فليفطر، وهل يوجد أبلغ من ذلك؟ أنت صائم صيام نفل، ودعاك أخوك إلى الغداء والمكان بعيد، فعليك أن تلبي الدعوة، وأن تفطر في ذلك اليوم إكراماً له، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم، وأفضل الأجر الذي يكتب بإفطاره عند أخيه ليسره أعظم من الأجر الذي يكتب له بصيامه، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن امتنع بعذر الصوم: تكلف لك أخوك وتقول: إني صائم؟ وقالها مغضباً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار"، فالإفطار عبادة بهذه النية، صائم صيام النفل وهناك أخوان طيبون دعوك إلى طعام يسرون أن تأكل معهم، قال: الإفطار بهذه النية عبادة، وأن تقطع صومك فهذا عبادة وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم.
4 ـ أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ أو كان الداعي ظالماً :
الأدب الرابع: أن يمتنع من الإجابة لو كان الطعام طعام شبهةٍ، أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يقام في موضع منكر من فرش ديباج، أو إناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو سماع شيء من المزامير والملاهي، أو التشاغل بنوع من اللهو، والعزف، والهزل، واللعب، واستماع الغيبة، والنميمة، والزور، والبهتان، والكذب، وشبه ذلك، أي كل دعوة فيها كذب، وبهتان، وزور، ونميمة، وغيبة، ولعب، وهزل، وعزف، وملاهٍ...
فتلبية الدعوة ليست مباحةً، و الأولى أن ترفض هذه الدعوة، وكذلك إذا كان الداعي ظالماً، أو مبتدعاً، أو فاسقاً، أو شريراً، أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر، وهذا أيضاً من آداب إجابة الدعوة.
5 ـ ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن :
الأدب الخامس: ألا يقصد المجيب للدعوة بالإجابة قضاء شهوة البطن، فإذا رجل قال: إنه أخ محب وطعامه طيب فلأذهب وآكل عنده فهذه لا تجوز، فهنا عامل من أبواب الدنيا، بل بحسن نيته، صار إجابة هذه الدعوة أحد عوامل الدخول في أبواب الدنيا، والدخول في أبواب الدنيا مكروه، فما النية؟ إكرام أخيه بإجابة الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عَنْ عَطِيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ قَالَ فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ وَعَقَلَ قَلْبِي قَالَ فَقِيلَ لِي سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ قَالَ فَاللَّهُ السَّيِّدُ وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي وَالدَّارُ الإِسلامُ وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ))
[الدارمي عَنْ عَطِيَّةَ]
ومن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله سبحانه وتعالى، ومن سرّ مؤمناً فقد سره الله. (( عن مُعَاذٌ فَقَالَ عُبَادَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ ))
[ أحمد عن مُعَاذٌ]
6 ـ الإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن :
فالآن أحياناً تدعى إلى وليمة إذا امتنعت يفسر هذا بالبخل، فالإنسان المؤمن ينوي بإجابته الدعوة صيانة نفسه عن أن يساء به الظن، وأغلب الظن أن البخيل لا يجيب الدعوة، أي وقع تحت عبء الرد، فإذا لم يجب الدعوة فلا شيء عليه لكن مثل هذا العمل قد يساء به الظن، فيظن أن هذا الذي رفض الدعوة بخيل لا يحب أن يدعو الناس إلى طعامه، وقد يطلق اللسان فيه، وفي عرضه، فهذه ست نيات تلحق إجابة الولائم فكيف إذا اجتمعت كلها في المؤمن، فهذه الآداب الست يجب أن تجتمع في المؤمن حتى يكون عمله كله لله سبحانه وتعالى.
كان بعض السلف يقول: أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب، اقتداءً برسول الله وفي مثل هذا قال عليه الصلاة والسلام:
((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ]
لكن النية الطيبة لا تعد نيةً طيبة إلا في المباحات، أما في المعاصي فالنية لا قيمة لها أبداً، وينوي أن يسرهم بشرب الخمر وهذه مرفوضة، فالنية الطيبة في المباحات فقط، أما إذا في معصية فهذه النية لا قيمة لها إطلاقاً. * * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ صبره على أذى المشركين و تحمله للشدائد :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كان صابراً على أذى المشركين، ومتحملاً للشدائد في سبيل الله:
(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلالٍ قَالَ أبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]
أي ما أوذي أحد مثلما أوذي عليه الصلاة والسلام، وأحياناً يقول إنسان لآخر: لا أريد لك أن تذهب إلى هذا المكان أنصحك، فيترك الجامع نهائياً، فالذي قالها لك إنسان ليس موحداً لله عز وجل، ولا يعرف أن الأمر كله بيد الله، من كلمة واحدة حرم نفسه مجالس العلم، والنبي الكريم خاف بالله أليس لك به أسوة حسنة؟ ((...لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ... ))
[ابن ماجة عَنْ أَنَسٍ ]
وحينما دعا قومه للإسلام قال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، أو أنت رسول، وقال آخر: والله لا أكلمك بعد في مجلسك هذا كلمة واحدة لأن كنت رسولاً، لأنت أعظم شرفاً من أن أكلمك، استهزاءً أيضاً، وقال آخر: أيعجز الله أن يرسل غيرك، هذا ما ردّ به كفار قريش عليه، ولذلك في الطائف قال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضباناً، أو إن لم تكن ساخطاً، أو إن لم يكن بك سخط، أو إن لم يكن بك غضب - هذه كل الروايات - علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
هذا سيد الأنبياء، وسيد العالمين كان مستضعفاً، فإذا الإنسان كان مستضعفاً فله برسول الله أسوة حسنة وما بيده شيء. 2 ـ عدله :
أما عدله فكان صلى الله عليه وسلم أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قواماً بالقسط، منتصراً للحق مع القوي أو الضعيف، والغني أو الفقير، والكبير أو الصغير، والرجل أو المرأة، ومع الحر أو العبد.
((عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ وقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[مسلم عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ]
فالسيدة عائشة كانت وسيطة بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين النساء، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كان عادلاً، إذا كان هناك رجل مظلوم فدعه يتكلم فإن لصاحب الحق مقالاً وقال عليه الصلاة والسلام: ((....إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وقال عليه الصلاة والسلام: والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، ومرة أعرابي فظ قال له: ((عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْه يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ ))
[ البخاري عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ]
3 ـ رحمته بالأهل والعيال :
وسوف ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى رحمته بالعيال، ورحمته بالصبيان، ورحمته بالمؤمنين، ومن رحمته بالأهل والعيال ما رواه أحمد:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، ولذلك مرة سيدنا عمر عين والياً لولاية وكان في حضنه ابنه يقبله فأنكر هذا الوالي عليه هذا التقبيل، فقال له: أعطني هذا الكتاب كتاب التعيين ومزقه وقال: إن لم ترحم أهلك هل ترحم الناس؟ يعني كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم أصحابه الرحمة، وقال: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، كان يصغي الإناء للهرة، كان يقول: (( عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ مسلم عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما ]
والنبي الكريم وصف رجلاً كان عطشاً عطشاً شديداً نزل بئراً فشرب فلما خرج: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أطعمت حيواناً، سقيت هرة، أنقذت فراشة، أنقذت نملة، أنقذت عصفوراً من يد طفل عابث، اشتريته منه وأطلقته، هذا لك أجر كبير لا يعلمه إلا الله. ((... قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ قَالَ عَمْرٌو فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
فرجل له ابن في حي الميدان ويسكن في المهاجرين، ولا يوجد سيارات مشى مع أصدقائه من الميدان إلى المهاجرين قبّله ورجع، ماذا بقلبه من الرحمة؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
من لم يكن عنده رحمة متناهية فليس مؤمناً :
إن لم يكن عندك رحمة متناهية لأولادك، ولأهلك، ولوالدتك، ولأخيك، ولأختك فلست مؤمناً، وإن صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، و هذا الإسلام الصوم والصلاة والحج والزكاة مظاهر ولكن الحقيقة هذا الكمال الإنساني الذي يصل إليه الإنسان عن طريق الصلاة، فصلاة من دون رحمة هذه ليست صلاة، ولكن الصلاة طريق الرحمة، و الصلاة الصحيحة طريق الرحمة، والنبي الكريم كان يقول: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهم لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً"، ومرة غضبت السيدة عائشة فقال صلى الله عليه وسلم: " غَضِبَتْ أمُّكم غَضِبَتْ أمُّكم".
انظر الكمال النبوي، أي إذا أحدكم زوجته غضبت فلا يغضب معها إذ يجن الاثنان معاً، إذا هو غضب فهي تسكت، وإذا غضبت يسكت هو، فإبريق بلور و إسفنجة تصادما لا يحصل شيء، أما إبريقا بلور تصادما فلن يبقى شيء، وأفضل شيء إسفنجة وإسفنجة، لكن إذا غضب مرة الزوج تسكت الزوجة، وإذا غضبت هي يسكت الزوج، هكذا علمنا صلى الله عليه اترك وامش، بعد ساعة هرب الشيطان فلا يوجد شيء.
((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْلِي ...))

السعيد
09-10-2018, 05:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الخمسون )


الموضوع :سجود التلاوة - 2








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة :
أيها الأخوة المؤمنون، كنا نتحدث في الأسبوع الماضي في موضوع الفقه عن سجود التلاوة، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو سجود في الصلاة، غير سجود وركوع الصلاة، فللصلاة ركوع وسجود طبيعي اعتيادي حكمي، وسجود التلاوة يؤدى بركوع أو بسجود غير ركوع الصلاة الأساسي وسجوده، ويجزئ عن هذا السجود، معنى يجزئ أي يغني، ركوع الصلاة الطبيعي، إن نواها، إذا نوى سجود التلاوة في ركوع الصلاة الطبيعي فركوع الصلاة الطبيعي يجزِئ أي يغني عن سجود التلاوة، وإن لم ينوها يجزِئ عنه السجود الطبيعي، فالركوع يجزئ بشرط النيّة، والسجود يجزئ من دون نيّة، فسجود الصلاة الطبيعي يغني عن سجود التلاوة بشرط ألا ينقطع فور التلاوة أي ينقطع استمرار التلاوة، فمثلاً قرأت آية السجدة فرفعت وسجدت فسجودك الطبيعي هو في الوقت نفسه سجود للتلاوة، ولك أن تقرأ آية بعدها ولا ينقطع الاستمرار، و لك أن تقرأ آيتين ولا ينقطع الاستمرار، أما إذا قرأت فوق آيتين فينقطع الاستمرار ويجب عليك عندئذٍ أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً.
متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة ؟
متى يغني سجود الصلاة الطبيعي عن سجود التلاوة؟ إذا كنت تقرأ الآيات فجاءت آية السجدة فقلت: الله أكبر، وركعت ركوع الصلاة، وسجدت سجود الصلاة، فهذا السجود يغني عن سجود التلاوة، أما إذا قرأت آيات كثيرة بعد آية السجدة فلا بد من أن تسجد للتلاوة سجوداً مستقلاً عن سجود الصلاة.
والآن: لو أن مسلماً قرأ آية السجدة، وقرأ آيتين أو ثلاث بعدها، فخرّ ساجداً سجود التلاوة لا سجود الصلاة، ثم وقف فلا ينبغي له أن يركع ويسجد، ينبغي له أن يتم قراءته، إذ كُرِهَ أن يركع ويسجد بعد سجود التلاوة لأنه بنى سجوداً على ركوع، وهذا في الصلاة غير وارد.
تقرأ الآية فتسجد للتلاوة تقف تتابع الآيات، أما إذا أنهيت القراءة عند آية السجدة فركوع الصلاة وسجودها يجزئان ويغنيان عن سجود التلاوة، والركوع يغني بنيّة، والسجود يغني من دون نيّة، فهل هذا واضح؟
الآن: لو سمع رجل من إمام لم يأتَّم به آية سجدة، أو ائتم به في ركعة أخرى فسمع آية السجدة من إمام يصلي وهو لم يأتَّم به، في الركعة الثانية ائتم به يجب أن يسجد خارج الصلاة، فالمستمع يسجد خارج الصلاة، والذي ائتم بهذا الإمام بعد أن ينهي الإمام صلاته يسجد هو سجدة التلاوة خارج الصلاة، وإن ائتم به قبل سجود إمامه لها سجد معه، فلو فرضنا قرأ آية السجدة، وقال: الله أكبر للسجود وائتم به في هذه الأثناء يأتَّم به ساجداً مباشرة.
وإن اقتدى به بعد سجودها في ركعتها فهذه حالة دقيقة: دخل رجل المسجد يوم الجمعة في الفجر فالإمام قرأ السجدة وسجد ثم وقف وتابع السورة فلما انتهى من السورة ركع فجاء هذا الرجل وائتم بالإمام في آخر تسبيحة من الركوع، هل عليه سجود التلاوة؟ الجواب لا! لأنه أدرك ركعة مع الإمام وإدراك جزء كإدراك الكل، وكأنه وقف واستمع إلى السورة، وسجد للتلاوة ووقف وركع.
قراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة:
والآن: لو قرأت القرآن خارج الصلاة ومرّت بك آية سجدة وسجدت ثم قمت فصلَّيت وقرأت سورة فيها سجدة يجب أن تسجد مرة ثانية، فقراءة القرآن خارج الصلاة لها سجود تلاوة، وقراءة القرآن داخل الصلاة لها سجود تلاوة، ولو قرأ القرآن أولاً وفي قراءته سجدة ولم يسجد قام فصلّى وفي قراءته سجدة تغنيه السجدة الثانية عن الأولى، أما لو قرأت مجموعة آيات فيها سجدات في مجلس واحد تسجد سجدة واحدة.
المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة :
أما إذا تبدل المجلس مثلاً غيّرت مكانك وغيرت الغرفة، إذا تبدل المجلس فعليك أن تسجد للتلاوة إذا قرأت آية التلاوة مرة أخرى.
قيل: إن المجلس لا يتبدل إذا غيّرت الغرفة، فإذا بدلت مكانك من زاوية لأخرى لا يتبدل المجلس، ولو بدلت مكانك من زاوية مسجد مهما كان فسيحاً فالأمر كله مجلس واحد ولو غيرت مكانك من شرقه إلى غربه فهذا مجلس واحد، وأنت في السفينة فتحركت معها فمجلس واحد، اتكأت وجلست وقمت وركبت ونزلت فهذا كله مجلس واحد.
تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود :
أما السامع إذا كان قارئاً يقرأ القرآن وكان فيها آية سجدة فعليه أن يسجد، خرج من مكانه فالسامع والقارئ مجلسه واحد ورجع وقرأ آية أخرى فيها سجدة فعليه أن يسجد مرة ثانية تَبَدُل مجلس السامع يلزمه بتكرار السجود، أما ثبات مجلس السامع فلا يلزمه بتكرار السجود.
قال: كُرِهَ أن يقرأ سورة ويدع آية السجدة فمكروه! ونُدِبَ ضم آية أو أكثر إليها، ونُدِبَ إخفاؤها! مثلاً: أنت كإمام لك إيقاع صوتي خاص بالتكبيرات، وإذا قلت: الله أكبر لسجود التلاوة فينبغي لك أن تغير هذا الإيقاع كي ينتبه الغافل، وهذا يحدث أكثر ما يحدث في صلاة الوتر جماعة في رمضان، إذ يكون المصلي غير منتبه، فيقول الإمام: الله أكبر فيركع نصف المصلين! هو قال: الله أكبر لدعاء القنوت، والأصول أن يكبّر هذه التكبيرة بصوت مختلف عن تكبيراته الاعتيادية، في صلاة العيد أيضاً هناك ثلاث تكبيرات قبل الركوع، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إذا قلت الرابعة مثل المرات الثلاثة يبقى المصلون واقفين، فعليك أن تقول الرابعة بإيقاع صوتي مختلف عن الثلاث كي يركعوا معك وهذه حكمة من الإمام.
من يقرأ القرآن و هو جالس فعليه أن يقف ثم يسجد إن مرت معه سجدة :
إذا إنسان جالس يقرأ قرآناً، فالسنّة ألا يسجد مباشرة بل أن يكون واقفاً ثم يسجد! لو فرضنا قارئاً يقرأ القرآن وحوله عشرة مستمعين ومرت آية سجدة لا يرفع السامع رأسه من سجود التلاوة حتى يرفع التالي الذي هو الإمام، ولو عشرة يجلسون في المجلس وتالي القرآن سجد للتلاوة، فالتالي إذا قال: الله أكبر يرفع الحاضرون كأنه إمامهم، لكن إذا كان التالي يقرأ القرآن جالساً في مجلس، والناس تجلس جلسات مختلفة، فلا ينبغي للتالي أن يتقدمهم، ولا ينبغي للمستمعين أن يصطَّفوا، لأن هذا السجود ليس صلاة! وكل مصلٍّ على وضعه كما هو طبعاً باتجاه القبلة، ولكن لا داعي للاصطفاف على التأخير.
وشُرِط لصحتها شرائط الصلاة من ستر للعورة، واستقبال القبلة، والطهارة من الحدث، وشروط الصلاة نفسها هي شروط سجود التلاوة، إلا التحريم وكيفيتها أن يسجد سجدة واحدة بين تكبيرتين هما سنتان بلا رفع يد ولا تشهد ولا تسليم.
* * *
آداب الطعام والشراب :
والآن إلى الفصل المختار من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في آداب الطعام والشراب، والطعام والشراب سلوك يومي، مادام في الإنسان قلب ينبض فلا بد من أن يأكل، و هذا السلوك اليومي النبي عليه الصلاة والسلام شرّع له آداباً كثيرة، ما رأيت كتاباً يجمع بين دفتيه آداباً متناهية في الدقة كهذا الكتاب، والآن في بعض الدول الأجنبية يدرسون بعض السفراء مواد عن آداب الاستقبال، وعن آداب التوديع، وآداب الحديث مع الضيف، وآداب الطعام، وكيف تمسك الشوكة باليسار وكيف باليمين أو بالعكس لا أعرف، هذه أشياء دقيقة جداً، فهذه هي المعلومات التي يحتاجها المسلم، هذا بروفيسور إسلامي.
آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه :
1 ـ أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن :
اليوم درسنا: آداب الحضور في منزل الداعي والجلوس فيه، أما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن، مثلاً: الدعوة الساعة الثانية، جاء أخ الساعة الثانية جلس في صدر المنزل، لعل هذا المضيف داعٍ أشخاصاً أوزن من هذا الذي جاء فترك الصدر لبعض أشخاص من علية القوم، فأنت كضيف ليس لك الحق أن تجلس في أبهى مكان، ولك أن تجلس في مكان ما، فإذا رأى المضيف أن مكانك لا يليق بك فيغير لك المكان الذي انتقيته فهو يدعوك إلى الجلوس في مكان غيره، وهذا أول أدب.
2 ـ ألا يتأخر في الحضور :
الأدب الثاني: ألا يتأخر في الحضور، تصور أنك داعٍ عشرة أشخاص ومن تأخر منهم يجب أن يكون موجوداً والساعة أصبحت الثالثة ولم يصل بعد، والطعام سيبرد، والحضور انزعجوا، فكم تشعر بضيق وانزعاج من هذا التأخر؟
3 ـ ألا يأتي قبل الوقت المحدد :
و من آداب حضور المأدبة أو الوليمة أن تأتي في الوقت المحدد.
ومن آداب الحضور أيضاً: ألا تأتي قبل الوقت المحدد! مثلاً: أنت دعوت فلاناً من أقربائك وزوجته فجاء منذ الساعة التاسعة مع ست أولاد! فأنت لم تستطع أن تقوم بأي عمل في البيت، و بعض الناس لا تنتبه لهذه النواحي، هذا رتّب البيت، ونظفه، ومسّحه، ويريد أن يلتفت لتحضير الطعام، والحاجات، والأدوات، فجاء هذا الضيف وأولاده قبل الموعد بخمس ساعات هذا أصبح عبئاً، فالحضور في وقت غير مناسب ليس من السنّة، والتأخر ليس من السنّة، والجلوس في مكان أنت اخترته ليس من السنّة، دع صاحب البيت يجلسك في المكان الذي يرتئيه لك.
4 ـ إن أشار له صاحب البيت بمكان لا ينبغي له أن يخالفه فيه :
قال: إن أشار لك صاحب البيت بمكان لا ينبغي لك أن تخالفه فيه، قال لك: تفضل إلى هنا، لا لا هنا أنا مرتاح جداً، هنا مواجه الباب، إذا فتح الباب زوجته تناوله الطعام، فالمضيف أمير بيته، قال لك: تفضل إلى هنا، قل له: حاضر، لا، لا مرتاح هنا، أريح لي، تقع مشاحنات عند بعض الناس، قال: فإن أشار صاحب البيت بموضع فلا ينبغي لك أن تخالفه أبداً، قال صلى الله عليه وسلم:
(( إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجالس))
[الطبراني عن طلحة]
5 ـ الجلوس حيث ينتهي به المجلس :
أنت لك مكانة كبيرة فجلست بطرف الباب فهذا من التواضع لله، ولذلك فالإنسان لا يأخذ على خاطره أنه جلس على كرسي خيزران، والجميع يجلسون على كنبات، ألا يعرفون قيمته؟ لا هذا من السنّة، اجلس حيث ينتهي بك المجلس، يقولون: إن هارون الرشيد كان في الحج فطلب من بعض مرافقيه أحد كبار العلماء وأعتقد أنه مالك، وقديماً قالوا: لا يستوي مالك وعالم آخر في المدينة، فقيل لهذا العالم: لو ذهبت إلى أمير المؤمنين فتعظه، فقال مالك: قولوا له: يا هارون العلم يؤتى ولا يأتي، فقال: هارون الرشيد هذا الذي قاله حق، فلما جاءه قال: قولوا له لا أسمح له بتخطي رقاب الناس، قال: صدقت، فلما جلس أعطوه كرسياً يجلس عليه، طبعاً إذا إنسان جلس على كرسي في مسجد لغرض فهذا لا تثريب عليه إنه مضطر و معه ألم بظهره، أو ألم في مفاصله، و هذا مباح له، و لكن من دون سبب لا ينبغي أن يجلس الرجل في بيت الله على شيء متميز بداعي الكبر، فلما جلس على كرسيه قال له هذا الإمام –مالك-: من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه، قال: خذوا عني هذا الكرسي وجلس في الأرض، و هذا من آداب المجلس حتى أن أعرابياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أيكم محمد؟ لم أعرفه من هو؟ هذا دليل ماذا؟ أنه كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ولم يكن له مكان فخم يجذب النظر.
شيء آخر: سيدنا عمر رضي الله عنه قال: أريد أن أعيِّن والياً إن كان مع أصحابه أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم، وإن كان مع أصحابه واحداً منهم بدا وكأنه أمير عليهم، مقياس دقيق جداً فالإنسان إذا دخل لبيت المضيف يجب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس وهذا من التواضع.
6 ـ لا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء :
قال: ولا ينبغي له أن يجلس مواجه باب الحجرة الخاصة بالنساء وسترهم.
7 ـ لا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام :
ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، وضعوا الطاولة حملوا أبناء صاحب البيت مثلاً طبقاً كبيراً، أحضروا الثاني نظر إليه، قال: هذا ليس من السنّة، تأكيد النظر بالطعام، وأن تتابعه بنظرك، وكيف وضعوه، وماذا طبخت لنا اليوم، وماذا فعلت، وهل الطعام دسِم أم أنه خفيف، هذا ليس من السنّة.
8 ـ عدم حدّ النظر في الطعام :
وأن تحدّ النظر في الطعام ليس من السنّة، قال: فإنه دليل الشرع.
9 ـ أن يخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس :
ويخص بالتحية والسؤال من يقوم منهم إذا جلس، وأحياناً تدعو أربعة أو خمسة و كأنهم يجلسون في مأتم فجميعهم صامتون وهذا كبر، ليس من السنّة، فمن يجلس أمامك لا تعرفه تسأله: الاسم الكريم؟ عملكم؟ إن شاء الله أنت مرتاح؟ كيف صحتك؟ كم ولد عندك؟ هذا من المؤانسة، دعوته لتكون هناك مؤانسة أما إذا كان الجميع صامتين فهذا سكوت الكبر.
10 ـ أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة :
أما إذا كان دخل ضيف إلى البيت ليبيت فيه، فيجب أن يعرِّف صاحب البيت الضيف عن جهة القبلة، فالوقت ليل ولم يعرف من أين القبلة فضّل أن يصلي قيام الليل أو العِشاء، فمن السنّة القبلة من هذه الجهة، وأن يعرفه بيت الخلاء، وموضع الماء، دخلت لبيت صاحبه كريم، خصص جناحاً مستقلاً للضيوف، غرفة جلوس، وغرفة نوم، ومرافق عامة كاملة، وأبواب مستقلة، فالضيف يأخذ راحته تماماً، فهنا تنام، وهذا هو الحمام، وهذا بيت الخلاء، وهنا الوضوء و القبلة في هذه الجهة، فهذا من السنّة.
11 ـ أن يغسل صاحب البيت يديه قبل الطعام أمام ضيوفه :
قال: من السنّة أيضاً أن تغسل يديك قبل الطعام أمام ضيوفك لكي يقتدوا بك وهذه من سنّة رسول الله، وبركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، ومن السنّة أيضا أن تكون آخر من يغسل يديه من الطعام. 12 ـ إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده :
قال: أما إذا دخل الضيف ورأى منكراً فعليه أن يغيره بلسانه أو بيده، فالمنكر فرش الديباج في استعمال أواني الفضة والذهب، والتصاوير على الجدران، و سماع الملاهي والمزامير، وحضور النسوة المتكشفات الوجوه، فالوجه فتنة، أم فلان أعطنا الطعام، أَحْضَرَت اخرج من البيت فوراً!
هذا الإنسان ليس أهلاً أن تلبّى دعوته، أو يطلب ابنته ليعرِّفه عليها، إنها في الصف الرابع الجامعي، ما هذا؟ مثل هذا الإنسان ليس أهلاً أن تجاب دعوته.
* * *
آداب إحضار الطعام :
1 ـ تعجيل إحضار الطعام :
الآن آداب إحضار الطعام: أول أدب تعجيل إحضار الطعام، دعوه الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة لم يجهز الطعام بعد، يردد قول: أهلاً وسهلاً بكم، كفاك تأهيلاً ضع الطعام! أيضاً هذا من سوء الأدب، المدعو قام بترتيب أنه سيتناول الطعام الساعة الثالثة، تناول فطوره منذ الساعة السادسة والنصف ثم ذهب لمدرسته أو لعمله، عليه القدوم في الثالثة حتى الخامسة يأكل هذا خلاف السنّة، قال: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق من تأخر :
قال: مهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إذا كنت قد دعوت أربعة من أصهرتك، ودعوت أولاد عمومتك، وأقرباؤك، مجموعهم خمسة عشر، بقي اثنان لم يأتيا، الدعوة الساعة الثالثة حتى الثالثة والنصف لم يأتوا، السنّة أن تضع الطعام ويباشر الجميع بالأكل! فإذا تأخر تقول له: نحن دعوناك الساعة الثالثة، هناك أشخاص يؤخرون الناس كلهم من أجل واحد، يصبح هناك نقمة وانزعاج، قال: حق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا في حالة واحدة إذا كان المتأخر فقيراً فيصبح هناك كسر خاطر، ليس له قيمة أبداً؟ هو لا يفسرها تفسيراً نبوياً بل تفسيراً اجتماعياً، لا قيمة له، تناولوا الطعام وتركوه، إذا كان قد استأذنهم في أخ لم يأتِ حتى الآن خاطره غالٍ علينا، قال: إلا إذا كان المتأخر فقيراً ينكسر قلبه بذلك! فتؤخر الطعام مع الاستئذان من الضيوف فلا بأس في التأخير، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾
[ سورة الذاريات : 24 ]
كيف أكرمهم سيدنا إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿ قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[ سورة هود: 69 ]
لم يتأخر، إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى تعجيل إطعام الضيف، قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾
[ سورة الذاريات : 26 ]
الروغان الذهاب بسرعة، وهناك معنى آخر قال: الذهاب خُفية، تعال يا بني أحضر لنا فروجاً أمام الضيف، يمكن أن يقول لك: لا والله لا تحضر شيئاً، إذا كنت كريماً أخبر ابنك خارج الغرفة، أما أن تبلغ أوامرك لابنك عن الطعام أمام الضيف، الضيف يخجل ويقول لك: لا والله لست جائعاً، أو يخبرك بأي عذر، قال: راغ إلى أهله من معانيها أسرع خفية من دون أن يشعر الضيف، قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنّة رسول الله، إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، لماذا أنت مستعجل على الدينات؟ العجلة من الشيطان، لا، أداء الدين يجب فيه التعجيل، والتوبة من الذنب، في هذه الأمور الخمس يجب التعجيل على التأخير. قال: الوليمة في اليوم الأول سنّة، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء. 2 ـ ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج ثم اللحم فالثريد :
الأدب الثاني في تقديم الطعام: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت من غير إحراج، يقول الضيف للمضيف: أنا أرغب أن أمشي على السنّة، قدم لنا الفاكهة أولاً، لا يوجد عنده فواكه، قدمت له الوليمة وكأساً من الشاي.... فإن وجدت الفواكه فضعها أمامه، إذا سمحت أعطنا الفاكهة أولاً لا مانع، لأنه وضعها لتأكلها أنت، لقوله تعالى:
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 20-21]
ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد قال عليه الصلاة والسلام: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ ))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
بعد ذلك قال: إن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات كلها، أي أكمل شيء، الفاكهة فالطعام فالحلوى، و بالنسبة لموضوع اللحم، إذا ارتفع سعر لحم البشر ينقص سعر لحم الغنم دائماً، أما إن انخفض سعر لحم البشر أي أصبحت النساء كاسيات عاريات ارتفع سعر لحم الغنم دائماً، فهناك علاقة عكسية بين لحم البشر ولحم الغنم، إذا كانت النساء مبذولة في الطرقات، ولا يوجد شيء قد سُتِر، فعندئذٍ تصبح أسعار لحم الضأن غير معقولة، فوق طاقة الإنسان، أما إذا ارتفع سعر لحم البشر فهبطت لحوم الغنم، ورجل سأل الإمام الشافعي وهو أبو العلاء المعري قال له: يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟
***
سؤال عجيب، أي أن هذه اليد لو قطعت خطأً ديتها خمسمئة دينار ذهباً، وخمسمئة دينار أي خمسمئة ليرة ذهبية تقريباً، والليرة ثمنها ألف ليرة تقريباً، لأن هذه اليد أداة أولى في الحياة، ما بالها قطعت في ربع دينار؟ إذا سرقت هذه اليد نفسها ربع دينار تقطع عقاباً، فأجابه الإمام الشافعي: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت.
ربع دينار قطعوها له، جاء مندوب شركة أجنبية إلى قطر عربي مسلم يطبق الشريعة الإسلامية في السرقة، فرأى منظراً كاد يصعق، رأى سيارة شحن وقـد حملت بصندوقها المكشوف أكثر من عشرين كيساً كل كيس فيه مليونا أو ثلاثة ملايين ريال، هذه السيارة متجهة من مكة إلى أبها، الطريق سبعمئة كيلو متر، والسائق وحده مكلف بنقل رواتب هذه المحافظة في بداية الشهر! في سيارة مكشوفة ريالات بأكياس من دون حراسة: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. تقديم الماء البارد من إكرام الضيف :
وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر، وعندما يقول لك الضيف: أريد كأساً من الماء فلا تفتح الصنبور على أي فتحة فتملأ له كأساً ساخنة، فمن إكرام الضيف تقديم الماء البارد.
و رجل قدم ضيافة لحكماء، قال بعضهم: "لم نكن نحتاج لكل هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً"، -وهذا هو القوام- وقال بعضهم: "الحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان"، والإنسان يشعر بحاجة بعد الطعام أن يأكل شيئاً مذاقه حلو، فأنت قد وضعت ثمانية ألوان من دون حلوى، فالغِ له لونين وأضف الحلوى، مما يؤدي لكمال الضيافة فالحلاوة بعد الطعام خيرٌ من كثرة الألوان.
3 ـ تقديم ألطف الألوان قبل الطعام :
و أن يقدِّم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يرد ولا يكثر الأكل بعده، وأحياناً تقدم للإنسان طعاماً وهو جائع يأكل منه كثيراً فإذا شارف على الشبع قدمت له الأطباق اللذيذة، لقد أحرجته، إذا أراد أن يكمل منها أكل خلاف السنة، وإذا لم يأكل منها أحرقت قلبه، فهذه مشكلة، فمن السنة أن تقدم ألطف الألوان قبل الطعام، حتى يأكل الإنسان حاجته من ألطف الأطباق، كأن يأخذوا إنساناً إلى بستان فيطعموه تيناً، ويوجد بين المضيف وابنه حركات سرية، يشير له: هل قشَّرَ؟ فيقول له: نعم، فيقول له: الآن اعزمه على الطعام، لقد انتهى من الطعام.
و يحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب ما يستحضره من ألوان ويعرضه على الضيفان، هذا طعامنا، عرف الضيف فينتقي الطعام الذي فيه خضار مثلاً، لا يحب أكلات الرز لأنه متعب وهذا مبالغة بالإكرام.
قال بعض المشايخ: قدَّم لي بعض المشايخ لوناً في الشام من الطعام فقلت: عندنا في العراق يقدم هذا اللون مع آخر، قال: وكذا عندنا في الشام، ولم يكن عنده لون آخر فاستحيا مني.
التعليق على الطعام حرجٌ جداً، والله هذه الأكلة يناسبها أكلة ثانية، الثانية غير ميسرة فخجل، واحمرّ وجهه. لا تُحَمِّرُوا الوْجُوهَ، هذا هو الكمال، أخي أنا مسلم! مسلم صحيح، ظن نفسه مسلماً بترك الكبائر، والمسلم مطالب بهذه الدقائق ليكون ظله خفيفاً جداً، أي تعليق على الطعام يحرج صاحب البيت.
قال: كنا في ضيافة فقُدِّم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً، فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حَمَلاً، فجاءنا صاحب البيت بوعاء التغسيل، ولم يقدم غيرها، فنظر بعضنا إلى بعض وكان بعض الشيوخ مزّاحاً فقال: إن الله سبحانه وتعالى يقدر أن يخلق رؤوساً بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعاً.
قصة واقعية، حدثني شخص قال: كنت مسافراً ودعيت لغداءٍ نفيسٍ جداً، فوضعوا نوعاً من أنواع الأوزي لكن حجمها مثل خف الجمل كبير، وضعوا لكل شخص قطعتين، و هناك رجل تناولها بسرعة، فجاء صاحب المنزل وأكد عليه بتناول قطعة ثالثة، وتشديده شيء فوق التصور، وخاف صاحب البيت أن تتكرر هذه القصة، فقال أحدهم: أنا أنهي القطعة الأولى وأبتعد عن الطعام، ويحلف عليّ المضيف أن أتناول الثانية، وأكون بذلك قمت بحل وسط، وقال لي: إنه كان جائعاً جوعاً شديداً ومنذ عدة أيام لم يأكل، تناول القطعة الأولى وابتعد عن المائدة، قال له صاحب الطعام خير؟ قال: والله اكتفيت، فقال له: يا أهلاً وسهلاً! قال: ما ندمت على شيء كندمي على ترك الطعام قبل أن أشبع بهذه الطريقة.
4 ـ ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء :
الأدب الرابع: ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكن الضيفان من الاكتفاء، مثلاً يرفع الطبق ولم يأكل منه كل الحاضرين حتى يرفعوا الأيدي عنها، فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضره ثانياً، أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل، فيتنغص عليه بالمبادرة.
5 ـ ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم :
ومن هذا الأدب أيضاً: ألا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل يجب عليه أن يكون آخرهم أكلاً، بل كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون، فإذا قاربوا من الفراغ جثا على ركبتيه ومدّ يده إلى الطعام وأكل وقال: بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم، وكان السلف يستحسنون هذا.
6 ـ أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة :
قال: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنع ومراءاة، وفي الحالتين خلاف السنّة.
7 ـ يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت :
والأدب الذي بعده: قال: يجب عليه أولاً أن يعجل نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع، وهذا أهم شرط، فعندك زوجة وعندك أولاد ووالدتك بالبيت والقادمون عشرة أو اثنا عشر والطعام لذيذ، والجماعة جياع، أول عملية تنزع حصة الأهل جانباً، فما الذي يحدث؟ إذا لم يأكل الأهل فأنت تتمزق، وإذا كان الضيوف جياعاً وأنت كريم وهم يأكلون وليس عندهم علم بشيء أو ما القصة، أن اعزل نصيب الأهل قبل كل شيء، فهذا من السنّة، قال: فتغوص صدورهم، وتنطلق في الضيفان ألسنتهم، وتسأل زوجتك ألم ينتهوا بعد من الطعام؟ فمعها حق لأنها تريد أن تأكل أيضاً صنعت طعاماً نفيساً لكثير من الناس ولم يبق منه شيء، ويكون قد أطعم الضيفان ما يشبعه كراهية القوم، فيجب أن تحدد طعام أهلك وحده أولاً، قال: وهذا خيانة في حق الضيفان، فالضيفان ليس عندهم علم، يأكلون طعامَ كريمٍ وهم جائعون، فطعام الكريم شفاء، وتناولوا كل الطعام.
8 ـ ما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه إلا بإذن صاحب البيت :
قال: وما بقي من الأطعمة ليس للضيفان أخذه، إلا إذا صرّح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راضٍ، وأحياناً هناك حالات نادرة، يكون المضيف قد دعا أخاً له وأهله قد يشتهون هذا الطعام، وأنت ليس عندك أحد في البيت، فأنت أكلت واكتفيت وفي اليوم الثاني مثلاً أنت مسافر، فإذا أعطيته الطعام المتبقي وقلت له هذا للأهل، لا مانع إذا كان لا يوجد جرح لمشاعره، فإذا كان هناك جرح لمشاعره أو إذا طلب ماذا سنأخذ معنا أيضاً؟ هذا لم يعد ضيفاً، فهذه بعض آداب تقديم الطعام، وبقي علينا إن شاء الله تعالى آداب الانصراف، ثم بعض المتفرقات، وتنتهي آداب الطعام، وننتقل منها إلى آداب الزواج، وبعدها ننتقل إلى آداب الكسب والمعاش، ثلاثة نشاطات أساسية، الطعام والزواج وكسب الرزق، فهذه الآداب الدقيقة، إذا صار للإنسان صلة بالله عز وجل يعرفها من دون أن يقرأها بالتأكيد، حسّه، إحساسه، وشعوره الرقيق، ورهافة حسّه، وذوقه العالي، وكماله المتصل يحجزه عن هذه السخافات، لكن إذا كان الإنسان تعلمها وطبقها ثم أصبح في مستواها نفسياً فهذا أكمل وجه.
* * *
عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، وسوف نختار شميلة واحدة، قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدراً، وأشجعهم قلباً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، وقد تقدم هذا الحديث، عنوان الشمائل اليوم: عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلم.
كان صلى الله عليه وسلم إذا اعترك أصحابه المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها.
((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ سَـبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ))
[ البخاري عَنْ أَنَسٍ]
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله"، قال: "وكان أصحابه الكرام إذا ألمَّت بهم المُلِمَّات، وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلم"، وكان علي رضي الله عنه يقول: "كنا إذا حمي البأس، واشتد الوطيس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه".
وقد رأيت يوم بدر و نحن نلوذ بالنبي عليه الصلاة والسلام وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً على الأعداء، وعن البراء بن عازب كان يقول: ((قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[سلم عن الْبَرَاءُ]
كان النبي صلى الله عليه و سلم أقرب إلى العدو ، وقد ثبت يوم حنين وثبتّ قلوب الصحابة! فهذه قصة شهيرة، المسمون بعد فتح مكة أصبحوا قوة لا يستهان بها، ولم يجتمع في الجزيرة تجمعاً كهذا التجمع، عشرة آلاف مقاتل، قالوا فيما بين أنفسهم وهذه الغلطة: لن نغلب اليوم من قلة نحن أقوياء: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
هؤلاء أصحاب شجعان أصبحت قلوبهم كفؤاد أم موسى معلقة في جناحي طائر تفرقوا وبقي النبي وحده صلى الله عليه وسلم، فقال بكل جرأة وثبات: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عبد المطلب، وقال أيضاً: ((.... لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ))
[ مسلم عن إياس بن سلمة]
قصة النبي الكريم مع أُبي بن خلف :
روى البيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير أن أُبَي بن خلف المشرك قال يوم أحد: أين محمد ما نجوت إن نجا؟ أثناء المعركة، هذه الكلمة لها ما قبلها، فقد قال للنبي صلى الله عليه و سلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليها، فقال له عليه الصلاة والسلام: أنا أقتلك إن شاء الله، قال: فلما رآه هذا المشرك أُبي بن خلف، أي رأى أُبي النبي يوم أحد شدّ أُبَي على فرسه واتجه نحو رسول الله ليقتله فاعترضه المسلمون، فقال عليه الصلاة والسلام: تنحوا ولا تحولوا بيني وبينه، وتناول النبي عليه الصلاة والسلام حربة من الصحابي الحارث بن سلمة فانتفض النبي بها انتفاضة، تناولها وقفز، أي قام بالحربة قومة سريعة، تطايروا أي أُبي بن خلف ومن معه من الكفار تفرقوا فارين بسرعة كالطيور ثم استقبل النبي أُبي بن خلف بالحربة فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ، أي سقط منها عن فرسه، وقيل: بل كسر ضلع من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، فقالوا له: لا بأس بك، قال لهم: لو كان ما بي من الألم والشدة بجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: أنا أقـتلك؟ والله لو بصق علي لقتلني! موقف، لم يترك الصحابة يدافعون عنه لو تركهم لكان هذا جبناً، قال: دعوني تنحوا عني لا تحولوا بيني وبينه، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً.
رجل وصف صديقاً له قال: "لي صاحب كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وَجَد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلم فيما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بذّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً".
فقال هذا المشرك: والله لو بصق علي لقتلني، حتى أن رسول الله لم يقتله وكان بإمكانه أن يقتله نهائياً لكن أرقى شيء بالإسلام أن الحرب هدفها هداية العدو لا قتله، وكزه فقط، قال: قتلني من شدة الخوف، إذاً كانت له هيبة كبيرة جداً.
ومن صفاته صلى الله عليه وسلم أنه من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، بديهة له هيبة كبيرة، فهذا وكزه وكزة فكان يعوي كالكلاب، ويقول: لقد قتلني، قالوا له: ليس بك شيء، قال: بي من الألم والشدة ما لو كان بالناس جميعاً لقتلهم، والله لو بصق عليّ لقتلني قال: ثم مات أُبي بن خلف في طريق العودة إلى مكة أي فيما رجع الكفار إلى مكة، وهذه نبذة عن شجاعته صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلاً مُشْرِكًا قَدْ حَلَّ دَمُهُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ]
من قتل حية فيه شجاعة، لم يصرخ ويهرب، كما حصل برجل أمام أولاده فصغر شأنه، فالله عز وجل يحب الشجاعة ولو على قتل حية.

السعيد
09-10-2018, 05:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الخمسون )


الموضوع : سجدة الشكر








حمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سجدة الشكر :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوعنا في الفقه اليوم قصير جداً، وهو سجدة الشكر، هذه السجدة تكون حينما يصيب الإنسان خيراً، مثلاً إنسان تزوج امرأةً جمعت بين جمال الخَلق والخُلق فلما رآها أول ما رآها يسجد شكراً لله، فقد كان بعض السلف الصالح يسجد لله سجود الشكر على نعمة الزوجة الصالحة، ولو أن امرأته حامل وأنجبت مولوداً سليماً من كل عيب، حسن الصورة له أو عليه، فالأولى له أن يسجد لله سجود الشكر، أو عقد صفقةً بسعر جيد، ونوعيةٍ ممتازة فعليه أن يسجد بعد عقد الصفقة، أو باع هذه الصفقة بربح معقول فعليه أن يسجد لله بعد بيع الصفقة، أو كان يسكن بيتاً بالإيجار فأكرمه الله عز وجل بمنزل اشتراه، وصار ملكاً له، فإذا دخل البيت أول مرة فعليه أن يسجد لله سجود الشكر.
كان يعمل موظفاً في محل تجاري أو صانعاً في محل فأكرمه الله عز وجل واشترى محلاً تجارياً، فإذا دخله فعليه أن يسجد سجود الشكر، كان في مرتبة على أساس الشهادة الثانوية، فلما نال الشهادة العليا صدر مرسوم بترفيعه إلى مستوى هذه الدرجة فعليه أن يسجد سجود الشكر، اشترى مركبة، أو مكّنه الله من أداء الحج أو العمرة، أو أكرمه الله ببر والديه، فالنعم التي أنعم الله بها علينا لا تعد ولا تحصى، فجميل جداً بالإنسان أن يكون حساساً للنعمة.
حالة المؤمن حالة شكر دائم :
والنبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، فإذا شربت كأس ماء عذب فرات باردٍ صاف بكأس نظيف، فلك أن تقول الحمد لله:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))
[البخاري عن أَنَسٍ]
الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه" .
إذا ارتدى ثوباً جديداً، وإذا دخل بيته يقول: الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له، وإذا وقعت عينه على أولاده وهم في صحةٍ جيدة الحمد لله على نعمة الولد الصالح، إذا وقعت عينه على امرأته وكانت مطواعةً له فالحمد لله على نعمة الزوجة الصالحة، فكم لك يا رب من نعمة قلَّ لها شكري، حالة المؤمن حالة شكر دائم، أنعم الله عليه بقوة يخدم بها نفسه، فهذه نعمة لا تعد ولا تحصى، أنعم الله عليه بنعمة السمع، والبصر، والفؤاد، والعقل، وأنعم عليه بكمال الخلق، كان إذا نظر إلى المرآة قال: (( اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلقي))
[أحمد في كتاب الزهد عن عائشة]
وإذا ارتدى ثوباً جديداً، إذا تناول طعام شهياً، إذا كانت له سمعة طيبة، إذا أحبه الناس: ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
***
المؤمن بين صبر على معالجة الله وبين شكر على نعم الله :
والذي أعرفه أن حالة المؤمن نصفها شكر ونصفها صبر، فلو أردت أن تقسم الإيمان قسمين لاحتل الصبر نصفه، ولاحتل الشكر نصفه الآخر، فهو بين صبر على معالجة الله، وبين شكر على نعم الله، ولا تخلو حياة الإنسان من حالة يفرح بها، أو حالة يحزن لها، فإن أصابته حالة يفرح لها فعليه بالشكر، وإن أصابته حالة تحزنه فعليه بالصبر، وهاتان الحالتان- الصبر والشكر - من علامات الإيمان، ففي الرخاء شكور، وفي البلاء صبور، في الفاقة متعفف متجمل، في اليسر سخيّ كريم، فمن لوازم المؤمن أنه كلما أصابته نعمة يبادر إلى السجود لله عز وجل سجود الشكر.
الإنسان ليس مكلفاً أن يؤدي سجود الشكر في مكان عام :
ولكن لا ينبغي لك أن تسجد في مكان لا يعرف الناس فيه هذا الحكم، فحينما ضعف الدين في النفوس، وصار الناس غافلين بعيدين جاهلين، قد يستهزئون بالدين، فلست مكلفاً ولا ملزماً أن تؤدي هاتين السجدتين في مكان عام.
طالب عند الامتحان نجح، أول عملية عليه أن يقوم بها إذا نجح أن يبادر إلى سجود الشكر، اسجد لله، ومرغ جبهتك في أعتابه، وقل: يا رب لك الحمد الذي أنعمت:
(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ سِنِينَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ لَهُ طَعَامٌ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَاجْتَبَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ]
قال الإمام أبو يوسف والإمام محمد وهما من كبار تلامذة الإمام أبي حنيفة: " هي قربة يثاب عليها ". سجدة الشكر هيئتها كسجدة التلاوة :
وسجدة الشكر وهيئتها مثل سجدة التلاوة، والإنسان لا تخلو حياته من بعض المسرات، فلو فرضنا أنّ إنسانًا يوم التقى بزوجته أول مرة سجد لله سجود الشكر، وأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، فإذا ظن أنه قد حصل هذا الزواج بجهده وبذكائه وبماله فأغلب الظن أن شقاقاً وتعاسة تنشأ بينهما، وأعرف إنسانًا ليس مستقيماً، ولكنه غني، تزوج فتاةً وهو يظن أنه سيسعد بها، فلم يمضِ على هذا الزواج أسابيع حتى كان الفراق بينهما، كانت معه في سيارته خارج دمشق، من كلمة إلى كلمة، وضعها في الطريق ونزل إلى الشام، فلو أن زواجًا بني على الإيمان، وعلى الشكر، وعلى تقوى الله، وعلى محبته فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يوفق بينهما، بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما على خير، وأخرج منكم الكثير الطيب الصالح، ووفقكما إلى ما يحب ويرضى، فهذا من الدعاء المستحب في عقد النكاح.
من عرف أن النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر :
يا رب كيف شكرك ابن آدم؟ قال: علم أنه مني، فكان ذلك شكره، أي علم أن هذه النعمة من الله، أو علم أن الشكر نعمة أخرى تضاف إلى النعم فكان ذلك شكره، وإذا عرفت أن هذه النعم من الله عز وجل فهذا نوع من أنواع الشكر، أحيانا امرأة تُخطب لزوج ميسور الحال، يسكنها في بيت مؤسس بكل الأثاث الجيد، والطعام متوافر، والشراب متوافر، والدفء، والجو البارد في الصيف متوافر، وهذه المرأة بحمقها تظن أن هذه النعم وصلتها بذكائها، بينما الله سبحانه وتعالى لولا هذه المسحة من الجمال التي وهبها إياها لما نظر إليها زوجها، ولما خطبها في الأساس، ولما أسكنها في هذا البيت، فلو علمت المرأة أن الله سبحانه وتعالى متفضل عليها بنعمة الجمال والكمال لذابت لله شكراً وتواضعاً، فالمتكبر دائماً لا يرى نعمة الله عليه، وقد يحصل الإنسان على شهادة عليا فيعين في منصب رفيع، فيظن نفسه أنه بذكائه نال هذا المنصب، فلو أن قطرة دم تجمدت في دماغه في بعض شرايين المخ لفقَدَ ذاكرته، ولو أنه تجمدت في مكان آخر لفقد بصره، ولو أنها تجمدت في مكان ثالث لفقد حركته.
هناك رجل ذهب إلى فرنسا، وعاد بدكتوراه وبزوجة فرنسية، وعين في أعلى المناصب الحكومية، ورقصت له الدنيا كما يقولون، واللهُ عز وجل لحكمة بالغة سلبه نعمة البصر، فبقي شهراً في مكتبه يوقع المعاملات على وصف المساعد له، إلى أن انتقل إلى البيت، وفي شهر آخر كانت تأتيه المعاملات إلى البيت ليوقعها على وصف من يقرؤها له، ثم سرح من وظيفته، دخل عليه صديق لي وله فقال له: أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، ولا أملك من الدنيا إلا معطفي هذا، وأن يرد الله إليّ بصري.
وقد التقيت بإنسان قال لي: أنا مصروفي في السنة ثلاثمئة ألف، ولا يكفيني أقل من هذا، أصيب بمرض شديد، حينما زرته قال لي: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر ليصرفها، فهل تعلمون ماذا يقصد بهذا الكلام؟ لو أنه معافى في جسمه يكفيه ألف ليرة، ألا يكفيه أن يأكل خبزاً وزيتوناً طوال الشهر في ثلاث وجبات؟ تكفيه، هذه النعم التي وهبنا الله إياها تستحق الامتنان من الله عز وجل، وأن تشكره من أعماقك، والحمد على النعمة، ونعوذ بك من زوالها، كيفما تحركت تملك نعمة، أو اثنتين، أو ثلاث، اللسان، والفكر، والشعر، واليد، والمعدة سليمة لا يوجد فيها قرحة، والاثنا عشر لا يوجد فيها قرحة، والأمعاء لا يوجد فيها التهابات مزمنة، والكبد لا يوجد فيه التهاب أو تشمع، والبنكرياس لا يفرز مادة سكرية زائدة، فلا يوجد معه سكر، والصفراء ليست ملتهبة، و لم تستأصل، والكظر يعمل بانتظام، والكليتان تعملان بانتظام، والعضلات لا تؤلمه، والشرايين ليست متوترة ولا ضيقة ولا متصلبة، والقلب يعمل بانتظام، والتخطيط جيد، والحركة ممتازة، والنشاط متوافر، يأكل كل ما لذّ وطاب، فليس هناك طعام محروم منه، ويمشي على قدميه، فهذه نعم لا تعد ولا تحصى.
نعمة الإيمان أعلى نعمة على الإطلاق :
مرة لفت نظري إعلان في صحيفة كويتية اسمها القبس، الإعلان مرسوم به فيلا ضخمة جداً، والإعلان قديم، أكثر من عشر سنوات، رسم لفيلا ضخمة جداً ورسم لشخص كويتي، والإعلان صفحة، إنني أنا مواطن كويتي أعمل في الدائرة الفلانية، لا أملك من هذه الدنيا إلا هذه الفيلا وقدر سعرها، أنا قدرت سعرها بالسوري ثلاثة ملايين ليرة، والآن تعادل أربعين مليونًا، فيلا كاملة، قال: هذه أقدمها هدية متواضعةً رمزيةً لمن يعطيني إحدى كليتيه، فإذا هذه الفيلا ثمنها ثلاثون مليونًا الآن تقابل الكلية، والكلية الثانية ثلاثون، مجموعهما ستون، والعين كذلك، والعين الثانية، والأذن، واللسان، والنطق، والرئتان، والشرايين، والأوردة، أنا قدرت الإنسان، فإذا كل عضو له يريد أن يعطيه لإنسان بثلاثة ملايين على السعر القديم للدولار، والآن بثلاثين مليونًا، معنى ذلك أنّ الإنسان يساوي ألف مليون.
((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[الترمذي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ]
التقيت بمحاسب في كلية التربية سألته فقال لي: الحمد لله على نعمة الصحة، تذوقت هذه الكلمة تذوقًا، ورأيته شاكرًا لله عز وجل، وأنا متأكد أن المعاش لا يكفيه، ولكن الحمد لله على نعمة العافية، هذه نعمة لا تقدر بثمن، أما إذا تعمقت فتجد أن نعمة الإيمان أعلى من هذه النعمة بكثير، فلو كان في العافية خلل استمر الإيمان معك إلى الأبد، فمن يمُت على الإيمان فقد حقق كل نجاح وتفوق. الإنسان العاقل يفكر في نعم الله عز وجل و يشكره على ذلك :
ملخص هذا البحث الصغير أن الإنسان غارق في نعم الله، أَجْرِ إحصاء لها فلا تحصى، قال الله:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
[ سورة إبراهيم: 34]
إذاً يوجد في جسمك أكثر من مليون، أو مليونين، أو خمسة ملايين مكان، لو اختل أحدها لنغص عليك كل حياتك، ويكفي أن القناة الدمعية تنسد، وتحتاج إلى منديل دائماً، ثم يرسم خطاً أحمر، لأن هذا الدمع قلوي، وهذه القناة الدمعية أرفع قناة في الجسم البشري مثل الشعرة مفرغة من الداخل، فالدمع الفائض ينزل منها إلى الأنف فيرطبه، وأحياناً تنسد، فثمّة نعم لا أحد يعرفها، تناول طعام العشاء، وذهب لينام، فما الذي حدث؟ إذا حرم الله عز وجل الإنسان من النوم فإنه يدفع كل ماله حتى ينام، حدثني أخ منح بعثة إلى بعض البلاد الأجنبية، وحينما وصل إلى هناك غاب عنه النوم، فذهب إلى الطبيب، قال له: لا يوجد بك شيء؟ ذهب إلى المستشفى، فقالوا له: لا يوجد بك شيء؟ أحياناً حالات نفسية، كالقلق، ما ذاق طعم النوم واحدًا وعشرين يوماً، حتى حمله هذا المرض إلى أن يعود لبلده.
هناك نعمة ثانية؛ الإنسان ينام ورئتاه تعملان بانتظام، لو أنّ ربنا عز وجل أوكل إلينا أمر التنفس فلن نستطيع أن ننام أبداً، تحتاج دائماً أن تضع ماء باردًا وتفتح النوافذ، فمركز التنبيه النوبي بالبصلة السيسائية يتعطل، والآن اخترعوا دواء غاليًا جداً يجب أن تأخذه كل ساعة، تربط أربعة منبهات على الساعة التاسعة وتأخذ حبة وعلى العاشرة حبة، والحادية عشرة حبة، والثانية عشرة حبة... إذا أحدنا وصف لابنه دواء التهاب كل ست ساعات حبة يشعر بهمّ لاستيقاظه الساعة الواحدة مساءً من أجل حبة واحدة، وهذا الدواء نعمة كبرى، أنقذ حياة أولئك المصابين بهذا المرض، فلو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليك نعمة التنفس فإما أن تنام فتموت، أو أن تحرم النوم كي تبقى حياً، فملخص هذا البحث أن الإنسان العاقل يفكر في هذه النعم.
وأنا أقول لكم: واللهِ الذي لا إله إلا هو من جرى تفكيره في هذه النعم، وعرف أنها من الله، حاشا لله أن يسلبه إياها، وأن يحرمه إياها، وبالشكر تدوم النعم، يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلّما تعود. ***
آداب الانصراف :
1 ـ أن يخرج الإنسان مع الضيف إلى باب الدار و أن يكون طليق الوجه :
والآن إلى الفصل الأخير من إحياء علوم الدين، وعن آداب الطعام والشراب، وننتقل بعدها إلى آداب الزواج، آخر أدب من آداب الضيافة، آداب الانصراف، للانصراف ثلاثة آداب؛ الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، فمن اللياقة والأدب والكمال أن تخرج مع الضيف إلى باب الدار، وإذا كان الضيف غاليًا جداً فإلى مدخل البناء، وإذا كان أغلى من ذلك فإلى أول وسيلة نقل يركبها، وهو سنة، وذلك من إكرام الضيف الذي أمرنا بإكرامه:
(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على النبي عليه الصلاة والسلام - استمعوا إلى هذا الخلق الرفيع - فكان يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم.
وتمام إكرام الضيف طلاقة الوجه، وأن يضع له طعامًا فخمًا ويجلس، لا باللغة الدارجة - التقي بي ولا تطعمني- يجب أن يكون هذا الوجه طليقاً، وفي الحديث: (( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ َصَدَقَةٌ ))
[ الترمذي عن أبي ذر]
أن تبش في وجه أخيك صدقة، والترحيب الزائد، أهلاً وسهلاً، لقد جبرت خاطرنا بهذه الزيارة، طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، مثلاً دعوته إلى الغذاء، ما هذه الأسعار؟! يا أخي شيء يجنن، هذه لا تقال، هذا ليس من طيب الحديث، فأنت تمننه بهذا الغذاء، إنْ كان اللحم غاليًا عليك فلا تدعُه، لي ابن سيئ أحتار ماذا أفعل بأمره، سوف تكربه بهمومك، أنت دعوته من أجل أن تسره، ستقول له همومك، وتعكر صفوه، هكذا قال النبي الكريم؛ طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، ويجب أن تختار أجمل الحديث بما يطيب خاطره، ويؤنسه، وما يجعله يرتاح لحديثك، طلاقة الوجه، وطيب الحديث، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( إنكم لا تسعون- وفي رواية- إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))
[ البزار في مسنده عن أبي هريرة]
فقال: طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول وعند الخروج وعلى المائدة، قيل للإمام الأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه وطيب الحديث.
وقال يزيد بن أبي زياد: "ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثاً حسناً، وأطعمنا طعاماً حسناً"، هذا أول أدب؛ أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهي سنة، وأن يكون طليق الوجه، طيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة. 2 ـ أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير :
وأما الأدب الثاني فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، كما علّم النبي الكريم المضيف أن يكرم ضيفه، علّم الضيف أن يتجاوز عن التقصير، فأحياناً تجلس ولم يُقدَّم لك شيء إطلاقاً، هممت بالذهاب، وقلت له: أستأذنك أريد أن أذهب، قال لك: والله لا تؤاخذنا ما ضيفناك شيئًا، أنتم أهل مرفوعة الكلفة، وأنت تعلم أن في البيت لا يوجد أحد، ولا يوجد عنده قهوة، لا يوجد عنده شيء إطلاقاً، لا سكرة، ولا شكولاته،، والشاي يحتاج إلى وقت حتى يجهز، ولا يوجد عنده غاز، والسخان معطل، فالإنسان لا ينتقد، فإذا كان رسول الله أمر المضيف أن يكرم ضيفه، أمر الضيف أن يتجاوز عن التقصيرات، فمن التمام أن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير:
((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
وقد يقدم لك كأسًا من الشاي لونه فاتح، اعتقدت أنت أن هذه زهورات، فكانت شايًا قد يكون عنده قليل من الشاي وضعه، ولا يوجد عنده غيره، فماذا تقول له؟ أنا أحب الشاي فاتحاً
يروون أن أحد القضاة المشاهير؛ وهو الشيخ عطا الكسم دخلت امرأة صحتها جيدة، وفي أثناء صعودها إلى درج المحكمة صدر منها صوت مخزٍ، ومعها صديقتها، قالت لها: سمعنا القاضي، قالت كلامًا كادت أن تتشقق من الخجل، وصلت إلى القاضي فقال لها: ما اسمك يا أختي؟ فقالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت له اسمها، فقال لها: ما سمعت، قالت: إنه ما سمعنا. كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال أكثر :
كلما ارتفع مستوى الإنسان أصبح عنده كمال، لماذا الشاي فاتحاَ؟ لا أريد أن أشرب، فأن ينصرف الضيف طيب النفس، وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، وهذه قصة قد يكون مبالغ بها، ولكن سوف نستمع إليها لأنها طرفة.
دعا بعض السلف رجلاً عن طريق رسول فلم يصادفه، فلما بلغه الخبر حضر، وكان القوم قد تفرقوا وفرغوا من الطعام وخرجوا، فخرج إليه صاحب المنزل وقال: تأخرت قد خرج القوم، قال: هل بقي بقية من طعام؟ قال: لا، قال: أكسرة من خبز؟ قال: لا، قال: فالقدر أمسحه، قال: قد غسلته، قال: فانصرف بحمد الله تعالى، فلما قيل له في ذلك قال: قد أحسن الرجل، ودعانا بنية طيبة، وردّنا بنية طيبة، وهذا من التواضع.
فإذا دخل الإنسان إلى الدعوة وكانوا قد بدؤوا في الطعام، يضع العقدة ولا يتكلم معه، أو إذا لم يجد مكانًا على الطاولة، والضيف يتشقق من خجله، فأنت تأخرت، ولا يوجد عنده كرسي فارغ.
وإذا الإنسان الموحّد رأى في إكرام الناس له إكرامًا فمن الله عز وجل، وفي تقصيرهم في حقه لفت نظر من الله عز وجل، يكون قد قاس نفسه بمَن يدخل دائرة ويكون المدير العام صاحبه، فلا ينظر إليه، ولا يقول له: اجلس، فالموحد يراها من الله عز وجل، وإذا كان غير موحد أقام النكير على هذا المدير، فالموحد يقول: لعلي أنا اعتمدت عليه، وما التجأت إلى الله، وأشركت مع الله، واللهُ أحبَّ أن يؤدبني، فأين الصحبة؟ سهرت وجلست معه، ويوجد خبز وملح، ودخلت مكتبه، وبقي يوقع معاملات، ولم يقل لك: تفضل واجلس، ويعاملك كإنسان عادي، فالموحد يرتاح ويرى هذا تأديباً من الله عز وجل، فأنت أشركت.
فلا ينتصر بما يجري من العباد من تقصير، ولا يستبشر بما يجري منهم من الإكرام، ويرى الكل من الواحد القهار، ولذلك قال بعضهم: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة.
3 ـ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه :
الآن الأدب الثالث؛ ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، فهذا الإنسان دعاك إلى طعام، وأحب أن يستأنس بك، ومع آخر لقمة " يا الله يسِّر لنا الطريق"، إلى أين أنت ذاهب؟ هل الطعام هو الهدف؟ أكل وغسل واسمح لنا بالذهاب، هذه في حق المؤمن فيها تقصير شديد، هو دعاك ليستأنس بكلامك، ودعاك ليلتقي معك، في أثناء الطعام كان مشغولاً بالأكل، وقبل الطعام بإعداده، وبعده تفرغ لك، وأنت تريد أن تنصرف وقد أكلت فماذا تريد غير هذا؟ هذا أيضاً من سوء الأدب.
ألاّ يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعي قلبه في قدر الإقامة، فإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام، فربما يتبرم صاحب الدار، ويحتاج إلى إخراجه:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ))
[ البخاري عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ]
إلا إذا ألحَّ رب البيت عن خلوص قلب ومحبة، فله المقام أكثر من ذلك، فقد يزور الرجل ابنته المتزوجة في بلد عربي، والبنت غالية، والأب غالٍ، والصهر محب، ويوجد بينهما مودة بالغة، وإكرام منقطع النظير، فليس من المعقول أن يقتصر على ثلاثة أيام فقط، يستضيفه أسبوعًا، أو أسبوعين، فلا مانع، يأتي إليك فتكرمه ويكرمك، وتأخذه إلى النزهات، فالضيافة ثلاثة أيام إذا لم يكن ثمة تعامل بين الناس. يستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل :
ويستحب للرجل أن يكون عنده فراش للضيف النازل، وهذا في القرى والأرياف، فلا تجد فراشًا واحدًا بل في المضافة تجد عشرات مع اللحف والوسادات، وإذا كان للإنسان بيت فليجعل مكانًا للضيف، فلا بد من مكان؛ إما فراش متحرك أو سرير احتياط، فقد يضطر الإنسان فيأتيه ضيف وينام عنده، فمن السنة أن يكون عنده فراش للنازل:
(( فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لأهْلِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ ))
[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
هذه غرفة نوم، وتحتاج إلى فراش للضيف، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، يأتي صهرك مسافرًا، يأتي أخوك، تأتي أختك من السفر، فيجب أن تقول لها: نامي عندنا. آداب متفرقة للأكل والشرب :
الآن مع آداب متفرقة للأكل والشرب نجملها ببعض الأقوال، حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "الأكل في السوق دناءة "، وكنتم تعلمون مني سابقاً أنه: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته".
هناك أشياء تسقط العدالة؛ أن تظلم الناس، أو أن تخلفهم الوعد، أو أن تخونهم الأمانة، فإذا فعلت هذا فقد سقطت عدالتك، والعدالة في الإسلام الحقوق المدنية بالتعبير الحديث، أي تصبح غير مقبول الشهادة، والعلماء فرقوا بين أشياء تسقط العدالة، وأشياء تجرحها، أحيانا الكأس يتحطم وأحيانا يُشعر، إبريق بلور تكسره بالمطرقة، وأحياناً يشعر شعرًا خفيفًا، ولكن هذا الشعر عابر، زبدية صينية ثمنها ثمانية آلاف، ومشعورة، ثمنها مئتا ليرة، لكن لا بأس بها كمنظر، أما كبيع وشراء فلا، وسجادة ثمنها ثمانية وثمانون ألفًا، يوجد أشياء تسقط المروءة، وأشياء تجرحها، فمما يجرح المروءة الأكل في الطريق، والمشي حافياً، والبول في الطريق، والتنزه في الطريق، والجلوس في الطريق، وارتفاع الصوت في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق، والحديث عن النساء، والتطفيف بتمرة في الميزان، وأكل لقمة من الحرام، واللعب بالنرد، واللعب بالشطرنج يجرح المروءة، ومما يجرحها أيضاً من أطلق لفرسه العنان، أو السرعة في قيادة السيارات الآن، ومما يجرح المروءة من قاد برذوناً أو حيوانًا مخيفًا أو كلبًا يمشي أمامه مساء، والأطفال يخافون منه، فهذا مما يجرح المروءة، وأن تصحب الأراذل، وأن تتحدث عن النساء.
هذا كله يجرح مروءة المسلم، فتصبح شهادته غير مقبولة، يقولون: إن رجلاً رآه صديقه يأكل في الطريق، فقال: ويحك أتأكل في السوق؟ قال: أجوع في السوق وآكل، قال له: إن جعت في السوق فكل في البيت، فلما قيل له: ادخل المسجد وكل فيه، قال: والله إني أستحي أن أدخل بيته لأكل فيه، قد يدخل الإنسان إلى المسجد من أجل أن يقضي حاجة ويخرج، وقد يجعل المسجد طريقًا، يدخل من أول باب ويخرج من ثانيه، فهذه وصمة عار في حقه، يدخل بيت الله ليجعله طريقاً؟ أو يدخل بيت الله ليقضي حاجةً فيه فقط؟ أو لينام فيه في رمضان؟ كما تجد في الجامع الأموي كثرةَ النائمين .
لا يجوز أن يدخل ليأكل فقط، أما في رمضان فمثل بعض الأقطار العربية يفطرون في المساجد على تمرات، أشخاص يحضرون الطعام، قد يكون في المسجد رجل غريب، أو بيته بعيد فيأكل، أما إذا كان الهدف في المسجد الأكل، فالعلماء قالوا: يأكل في المسجد مرقًا فيقع على السجاد، فهذا شيء خفيف، فثمة أكل مكروه أن يكون في المسجد، قال علي رضي الله عنه: "من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء، ومن أكل كل يوم سبع تمرات قتلت كل دابة في بطنه".
هناك بعض الأقوال عن بعض الأطعمة بعضها غير ثابت، نحو: "لحم البقر داء ولبنها شفاء"، وربنا عز وجل قال:
﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[ سورة هود : 69 ]
إذا ربنا عز وجل جعل إكرام الضيف لحم العجل، فهذا الكلام غير مقبول؛ أن يقول إنسان: لحم البقر داء، ولبنه شفاء، هذا الشيء غير مقبول. نصائح طبية :
يوجد بعض النصائح الطبية؛ قيل لبعض الأطباء: هات لي طعامًا آكله؟ قال : لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعامًا إلا أجدت مضغه، وكُلْ ما أحببت من الطعام، ولا تشرب عليه، فإن شربت فلا تأكل عليه شيئاً، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت في النهار فنم، وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام.
وهناك بعض القواعد التي سوف نتم شرحها إن شاء الله تعالى في درس قادم.
* * *
شمائل النبي صلى الله عليه و سلم :
رحمته صلى الله عليه بالصبيان :
هناك بعض الأفكار في هذا الفصل تحتاج إلى تحقيق وإلى تقييم، وسوف ننهي الدرس بحديث سريع عن بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام.
رحمته صلى الله عليه بالصبيان، فمن رحمته صلى الله عليه بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبلهم، فقد قبَّل عليه الصلاة والسلام الحسن و الحسين:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبْصَرَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الْحُسَيْنَ أَوِ الْحَسَنَ فَقَالَ: إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
((عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ))
[ متفق عليه عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ]
(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ))
[ الترمذي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ]
وكان إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِالْبَاكُورَةِ بِأَوَّلِ الثَّمَرَةِ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي ثَمَرَتِنَا وَفِي مُدِّنَا وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ ))
[الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهم: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
هناك إنسان توفيت عمته، وتركت له مليوني ليرة، وهو موظف فقير لا يملك شيئًا من الدنيا، طبعاً أطال لحيته، ولبس كرافة، تصنَّع الحزنَ اليوم والأول والثاني والثالث، والكل يقول له: عظَّم الله أجركم، إلا واحدًا قال له: تهانينا، لقد كان واقعيًا. رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه نهى عنه النبي الكريم :
الإنسان عندما يبكي على ابنه فهذا شيء طبيعي، وإذا بكى يتهم بعدم الصبر، لا، ليس لها علاقة، فالبكاء رحمة، ولكن رفع الصوت بالبكاء وتمزيق الثياب وضرب الوجه هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن تمنع أمًّا أن تبكي على ابنها الذي مات فهو أمر مستحيل.
((عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))
[ متفق عليه عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَكَانَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
ذهب جسر البيت، ما هذا الكلام؟ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، رجل توفي أخوه، وترك عشرة أولاد، فجعل يبكي، فلما وصل هذا الخبر إلى شيخه استدعاه وقال له: ما لك تبكي؟ قال له: ترك لي شيئًا يكفي لمدة سنة، فقال له: جيد حتى تمضي السنة وتبقى على قيد الحياة، فكان موت هذا الأخ بعد ستة أشهر.
فالإنسان يبكي في الوقت المناسب، أما هؤلاء فليس لهم أحد، فمن يطعمهم؟ هذا كله كلام يعذب الإنسان، أما البكاء فلا شيء عليه. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ، وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ قَالَتْ فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ يَعْنِي عُثْمَانَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ أَوْ قَالَ: وَهُوَ يَبْكِي ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
ولما مات عثمان بن مظعون كف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه - كشف عنه - وقبّل ما بين عينيه ثم بكى طويلاً، فلما رفع على السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها- كان فقيراً جداً-: ((إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ))
[ أحمد عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ]
الإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى و علا شأنه :
أحياناً الإنسان ابنته الصغيرة في البيت تريد أن تأكل قطعة شوكولا من غرفة الضيوف، تأخذه من يده، وتشير له أنها تريد أن تأكل من هذه، ترى إنسانًا له قيمته، وفي البلد له شأن كبير، وشهادة عليا جرَّته هذه البنت الصغيرة، وعمرها سنة ونصف، والإنسان كلما كان في البيت متواضعًا كلما ارتقى، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البيت كأنه واحد من أهل البيت.
آخر شيء:
(( عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ ))
[ النسائي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى]
((عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ ))

السعيد
09-10-2018, 05:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : (الخامس و الخمسون )


الموضوع : صلاة الجمعة - 1





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صلاة الجمعة :
أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم صلاة الجمعة، صلاة الجمعة فرض عين، وكما تعلمون الفروض على نوعين؛ فرض عين وفرض كفاية، فصلاة الجمعة فرض عين لا تسقط عن الفرد في كل الأحوال، أما صلاة الجنازة فهي فرض كفاية، إذا قام بها البعض تسقط عن الكل، وطلب العلم بإجماع العلماء فرض عين، وطلب العلم حتم واجب على كل مسلم، فمعنى الفرض الشيء الذي لا تقوم حياتك من دونه، فالطعام فرض لبقاء الجسم، وأكل بعض أنواع الفاكهة ليس فرضاً، أما تناول الخبز والإدام كل يوم فهو فرض لبقاء الجسم، فالفرض فرض عين وجب على كل إنسان أن يفعله، وصلاة الجمعة فرض عين بالكتاب والسنة والإجماع.
أدلة من الكتاب و السنة على أن صلاة الجمعة فرض عين :
أمّا الكتاب فقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
لو كان هناك عقد بيت ثمنه ثلاثة عشر مليونًا تمّ توقيعه في أثناء آذان الظهر، ورفع العقد إلى القاضي فالعقد باطل، أي عقد يوقع مع آذان ظهر يوم الجمعة فالعقد باطل، لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
هذا في الكتاب، أما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَبَادِرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَلا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ أَلا وَلا صَلاةَ لَهُ وَلا زَكَاةَ لَهُ وَلا حَجَّ لَهُ وَلا صَوْمَ لَهُ وَلا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلا لا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً وَلا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ ))
[ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
لا شيء يؤذي العين كأن ترى رجلاً يعد العدة لقضاء نزهةٍ في أثناء صلاة الجمعة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))
[الترمذي أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ]
ومن يطبع الله على قلبه يجعله في أسفل درك جهنم، ثلاث جمع من غير عذر، وفي رواية أخرى: "نكتت نكتة سوداء في قلبه"، ثلاث جمع لا تحضرها تصبح قيمك مثل قيم الناس، تشعر بالضيق والملل والسأم، وتحدثك نفسك بأكل المال الحرام، وتحدثك نفسك بالعدوان على أعراض الناس، وتشعر بمشاعر أهل الدنيا، ويصيبك ما يصيبهم هذا هو الران. شروط صلاة الجمعة :
1 ـ الذكورة :
وقد قال العلماء: الجمعة فرض مؤكد أكثر من الظهر، أي فرضية الجمعة أشد قدسيةً من الظهر، وهي مؤكدة أكثر منه على كل من اجتمع به سبعة شرائط، فتجب عليه حينئذ صلاة الجمعة، وهي الذكورة، وقد خرج بهذا الشرط النساء فلا صلاة جمعة عليهن.
2 ـ الحرية :
الحرية: وخرج بهذا الشرط الأرقاء.
3 ـ الإقامة بمصر :
الإقامة: وخرج بهذا الشرط المسافر، والإقامة بمصر، وخرج به المقيم بقرية لا يوجد فيها مسجد ولا إمام، ولا خطيب، فتسقط عنه صلاة الجمعة إلا إذا كانت الشمس تؤويه إلى قريته، هكذا قال رسول الله، معنى ذلك إذا كانت المسافة بين قريته التي لا مسجد فيها ولا إمام فيها وبين مكان فيه صلاة جمعة إن ذهب إليه وصلى الجمعة هناك، وعاد إلى قريته مع المغيب وجبت عليه صلاة الجمعة، تصور من الظهر إلى المغرب سيرًا على الأقدام، فإذا سمحت لك الشمس من بعد صلاة الجمعة إلى غياب الشمس أن تذهب إلى هذه البلدة وتصلي فيها وتعود وجبت عليك صلاة الجمعة، وبحسب المواصلات الحالية اليوم من حمص إلى الشام مسيرة ساعتين، إذا انتهينا من صلاة الظهر مثلاً الساعة الثانية، وركبنا سيارة إلى مركز الانطلاق وصلنا الساعة الثالثة، و يتحمل الطريق ساعتين إلى حمص نصل الساعة الخامسة، فإذا كان الرجل يسكن في حمص مثلاً، ولا يوجد هناك صلاة جمعة، وفي الشام يوجد صلاة جمعة، وما دامت الشمس تؤويه إلى قريته، وإذا تصورنا قرية تبعد عن دمشق كبعد حمص عن دمشق، فسكان هذه القرية عليهم أن يأتوا إلى دمشق ليصلوا الجمعة، لأن الوقت كاف أن يؤويهم إلى قريتهم قبل مغيب الشمس.
أنا موجود في قرية لا يوجد فيها مسجد، فيجب أن تذهب مشياً، وأن تعود مشياً إلى قريتك، ولا تضيع عليك صلاة الجمعة، وشرط الإقامة بمصر:
((عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ))
[ أبو داود عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ]
ولقولـه عليه الصلاة والسلام: (( لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة ))
[رواه ابن أبي شيبة عن علي]
فهذا الكلام بالنسبة لنا محلول، نحن في الشام وما أكثر مساجدها، إذاً الذكورة والحرية والإقامة بمصر أو فيما هو داخل في حدّ الإقامة فيها كرجل ساكن مثلاً في داريا، هي تعد من الشام، أو يسكن في بيت مثلاً بين دمشق ودوما، عمّر بيتًا في طريق عام، ولكن لا يوجد حوله بيوت، هذا في حكم الإقامة في الشام، لأنه إذا خرج منه يقصر في الصلاة، وإذا عاد إليه يتم، إذاً هذا في حكم الإقامة بالمدينة. 4 ـ الصحة :
والشرط الآخر في صلاة الجمعة الصحة، فخرج به المريض بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيخ الكبير ملحق بالمريض، كشيخ كبير لا تحمله قدماه، أو بصره ضعيف يحتاج إلى قائد، أو يحتاج إلى عكاز، والطريق وعر، وربما وقع فتنكسر بعض أضلاعه.
5 ـ الأمن من ظالم :
والخامس الأمن من ظالم، فلو أن هذا المصلي إذا خرج من بيته أصابه ظلم ظالم سقطت عنه صلاة الجمعة، فلا تجب على من اختفى من ظالم، ويلحق به المفلس الخائف من الحبس، وعليه ديون والدائنون يلاحقونه، فلو عثروا عليه في الطريق لألقوا القبض عليه، وساقوه إلى السجن، والشرع ما كلف هذا المفلس بصلاة الجمعة.
لكن إذا قتل رجل مؤمنًا خطأ بسيارة واختفى، فلو ظهر للعيان لألقي القبض عليه، وهل إلقاء القبض عليه ظلم؟ لا، هو عدل، إذاً فعليه صلاة الجمعة.
6 ـ سلامة العينين :
السادس: سلامة العينين، فلا تجب على أعمى عند أبي حنيفة، إلا إذا وجد قائداً يقوده إلى المسجد فتجب عليه صلاة الجمعة.
7 ـ سلامة الرجلين :
السابع: سلامة الرجلين، فلا تجب عن المقعد لعجزه عن السعي اتفاقاً، ومن العذر أيضاً المطر العظيم، والسيول، والانهدامات في الطريق، فهذه أيضاً تسقط عن الرجل صلاة الجمعة.
يشترط أيضاً لصلاة الجمعة عدة أشياء :
1 ـ المصر أو فناؤه :
ويشترط أيضاً لصلاة الجمعة ستة أشياء ؛ الأول: المصر أو فناؤه، أي أن تكون في بلد فيه مساجد، أو محيط في هذا البلد، تصح إقامة صلاة الجمعة في مواقع كثيرة بالمصر، فالشام فيها ثلاثمئة مسجد، وهذه المساجد كلها تصح فيها صلاة الجمعة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الصلاة لمن سبق، وقد يحب الإنسان أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، كصلاة ظهر، هذا مرفوض عند الأحناف، وضعيف عند الشافعية، لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض.
2 ـ أن يصلي بهم الأمير إماماً :
و من شروط الصحة أن يصلي بهم الأمير إماماً، والمفروض أن يصلي الأمير بالناس إماماً، وهذه لها معنى، لأنّ هذا الأمير اختير لصلاحه وتقواه، وهو يستطيع أن يخطب بالناس، ويصلي بهم، وإن لم يكن فنائبه، وقد ينيب الأمير عنه القاضي أو الخطيب، والآن الخطباء نواب الأمير في أداء الصلاة. 3 ـ أن يدخل وقت الظهر :
والشرط الثالث أن يدخل وقت الظهر، فلا تصح الجمعة قبل دخول وقت الظهر:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ))
[ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ]
وتبطل صلاة الجمعة لخروج وقت الظهر، أي من دخول وقت الظهر إلى خروج وقته، فإذا خرج وقت الظهر بطلت صلاة الجمعة. 4 ـ الخطبة :
والشيء الذي لا بد منه وهو الخطبة، وهذه عبادة فيها توجيه، فأي شيء قاله الخطيب ولو كان آية أو حديثًا، ذكر الناس بأمر دينهم، وبكتابهم، وبسنة نبيهم، وحذرهم وزهدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة، فهذه الخطبة تساوي شحن هذه البطارية، وكل أسبوع تشحن، وتخرج متحمسًا راغبًا في أن تصلي قيام الليل، وتعمل الصالحات، وتغض بصرك، فقد يأتي يوم الثلاثاء والأربعاء تشعر أنّ حماسك فتر، فالبطارية فرغت، فتأتي يوم الجمعة وتشحنها مرة أخرى، أما إذا كان الشحن مستمرًا، وهؤلاء عوام الناس يشحنون في الأسبوع مرة، أما المؤمن الصادق فيشحن كل يوم يصلي صلاة متقنة، ويلتقي مع أهل الحق يومياً، ويستمع إلى الحق، ويدعو إلى الله، فهذا مشحون دائماً وهذا شحن أتوماتيكي، فدائماً عنده بطارية من مستوى عالٍ، ولكن عوام الناس كلما ابتعدت المسافة الزمنية بين الخطبة وبين الوقت الذي هو فيه ضعفتْ همتهم.
والخطبة تكون قبل صلاة الجمعة، فهكذا السنة، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، فإذا أصاب الخطيب عطاس فعطس، وقال: الحمد لله رب العالمين، فليست هذه خطبة، وليس لها علاقة بالخطبة، هذا حمد بعد العطاس، فيجب أن تكون الخطبة مقصودةً لذاتها، ويجب أن يحضرها واحد، وليس لها معنى ألاّ يكون أحد في المسجد، هذه أشياء بديهية، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، فلا تنعقد الجمعة إلا بخطبة ومستمع، ولو كان أصمَّاً أو نائماً أو بعيداً، وقد قال الله عز وجل:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
[ سورة محمد: 16]
إنّ الله عز وجل وبّخ المنافقين لأنهم إذا حضروا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ثم خرجوا من عنده لا يعرفون ماذا قال لهم، فهم شاردون غارقون في مشكلاتهم، غارقون في همومهم، غارقون في الدنيا. 5 ـ ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل :
ألاّ يفصل بين الخطبة والصلاة بأكل أو عمل، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم، لأنه طويل لا ينتهي في مجلس واحد.
* * *
نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب :
1 ـ لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشرب دواء إلا من علة :
والآن إلى آخر فصل من فصول آداب الطعام والشراب عند الإمام الغزالي رضي الله عنه، وبعدها ننتقل إلى آداب أخرى.
نصائح الطبيب في موضوع الطعام والشراب قال: لا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشرب دواء إلا من علة، فهناك أشخاص مغرمون بالحبوب والفيتامينات، كل شيء كيميائي ضار بالإنسان، فالإنسان يتناول الدواء عند الضرورة، ولو لاحظت الطبيب نفسه لوجدت أنه أبعد الناس عن الدواء، لأن هذا الجسم نباتي، وإكثار المواد الكيميائية فيه يضعفه، وما من دواء كما قال لي بعض الأطباء إلا وله فائدة من ناحية، وضار من ناحية أخرى، وطبيب حدثني قال لي: مثلاً الكورتيزون، الكورتيزون يبيض وجه الطبيب، فيكون في المريض آلام مبرحة؛ آلام في المفاصل، آلام حساسية فيعطيه إبرة كورتيزون، فترى المريض ارتاح، ويثني على الطبيب، لكن هذا الكورتيزون له مضاعفات كبيرة، فلو أخذه الأطفال كثيراً لتوقف نموهم، ولو أخذه الكبار لالتهبت أكبادهم، فهناك مضاعفات خطيرة جداً من استعمال الكورتيزون، ولكن بعض الأطباء الذي يبتغون سمعةً عاجلةً سريعةً يعطون الكورتيزون، حدثني أخ قال لي: يوجد طبيب في بعض الأقبية، عليه ازدحام منقطع النظير، إذْ يكون ثمة آلام مبرحة، بإبرتي كورتيزون تذهب الآلام، فهذا المريض يلهج بالثناء على هذا الطبيب، لكن لا يعلم أنه دمر كليتيه، دمر كبده، ودمر صحته، الكورتيزون خطير، فالإنسان يقلل من استعمال الدواء قدر الاستطاعة، ويجعل الدواء في الغذاء، وفي الحمية، والحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء.
تعلق سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه بحجم الطعام في المعدة :
وأغرب شيء قرأته في بعض كتب أمراض القلب، أن سلامة القلب وحسن عمله وانتظامه متعلق بحجم الطعام في المعدة، ونوعية الطعام فيها، فما علاقة القلب بالمعدة؟ لأن هذا الطعام الذي في المعدة مصيره إلى الدم، فإن كان فيه مواد دهنية تزيد عن الحد المطلوب ترسبت في الشرايين، فأصيب صاحبها بما يسمى بتصلب الشرايين، وإذا تصلبت الشرايين تعب القلب، وتضخم تضخماً مرضياً، وانتهت الحياة بمآسٍ كثيرة، ولذلك قال بعض الأطباء كما يزعمون: عمر الإنسان من عمر شرايينه، والشرايين تبقى مرنة ما دام الغذاء صحيحاً وصحياً.
وسلامة القلب وحسن عمله وانتظام دقاته منوط بحجم الطعام في المعدة، وبنوعية هذا الطعام، ولذلك فإنّ تناول الأدوية بشكل غير صحيح أو بشكل متسرع هذا مما يتعب الجسم، ولا تشرب دواءً إلا من علة.
2 ـ لا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها :
ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، هكذا قال الله عز وجل:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
[ سورة الأنعام : 141 ]
3 ـ لا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه :
ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، لذلك فالمضغ الجيد من السنة، والحديث على المائدة من السنة، وأن تجلس مع إنسان تحبه من السنة، لأنك إذا جلست مع إنسان تحبه، تحدثه ويحدثك، وتؤنسه ويؤنسك، تأكل قليلاً، أما قول العوام: كُل أكل الجمال، وقم قبل الرجال، فهذا كلام جهل، فكُل أكل العصافير، وليس أكل الجمال.
4 ـ كُلْ ما أحببت من الطعام :
ولا تأكل طعاماً إلا إذا أجدت مضغه، وكُل ما أحببت من الطعام، والعلماء أجروا تجارب مثيرة جداً، فأتوا بعشرة أطفال ووضعوهم في مكان، ووضعوا أمامهم كل أنواع الطعام، وسمحوا لهم أن يأكلوا ما يشاؤون، وما يحبون، ثم جاؤوا بعشرة أطفال آخرين، ووضعوهم في مكان، وقدموا لهم طعاماً تحت إشراف التغذية، أن يكون الطعام مملوءً بالفيتامينات والمعادن، وحسب الحريرات والجهد والطاقة والمواد الدسمة والبروتينية والسكريات والمعادن، حسابات دقيقة، فوجدوا في المحصلة أن الأولاد الذين أكلوا ما يشاؤون وعلى رغبتهم كان نموهم أسرع وأنشط، وأما الذين أكلوا أكلاً وفق تعليمات علماء التغذية فلم يكن نموهم كنمو هؤلاء، فاستنبطوا أن شهوة الإنسان إلى الطعام متعلقةٌ بحاجته، فالإنسان أحياناً يشتهي أن يأكل خيارة، أو خسة، فيكون عنده عطش خلوي، أحيانا يشتهي أن يأكل موالح لنقص الملح عنده، حتى إن علماء أمراض النساء أشاروا إلى أن المرأة الحامل قد تشتهي بعض المواد، فتشتهي أحيانا رأس كرنب- يسمونه الوحم - ومن يدري أن هذا الوحم له علاقة بحاجة الجنين في بطن الأم، إذْ ينقص الجنين قليل من البوتاس، وحاجة الجنين إلى البوتاس تنتقل في شهوة أمه إلى هذه الخضار، فإذا طلبت الحامل من زوجها نوعًا من الطعام فلا ينبغي له أن يستخف بها، ولا أن يستهزئ منها، فهذه حاجة الجنين الذي في بطنها، وإذا أحب أن يتجاهل طلباتها فالجنين يعاني ويستهلك من أمه، فإذا لم يسقِ الزوجُ زوجته الحليب الكافي والمواد الكلسية اللازمة رأيت أسنانها تنتخر في أثناء الحمل، والجنين يحتاج إلى كمية ثابتة من الكلس، فإما أن تعطي الأم حليباً ومادةً كلسية ليأخذها الجنين، وإما أن يستهلك الجنين كلس أمه، ولذلك فبعض أمراض العظام تصيب المرأة الحامل، وكذلك تسوس الأسنان يصيب المرأة الحامل إذا قصر عليها في الحليب والمواد الكلسية، فالوحم إذاً له علاقة بحالة الجنين الذي في بطن الأم.
والعلماء استنبطوا أن الإنسان يشتهي ما هو بحاجة إليه، مثلاً الناس في الشتاء يميلون إلى الحلو، لأنهم يحتاجون إلى طاقة، والطاقة من السكريات، وفي الصيف يميلون إلى أشياء فيها ماء، كالبطيخ، والخيار، والخس، وهذه أمثال واضحة، أما أحياناً فالإنسان يحب المواد الحامضية فيكون كيمياء دمه حامضي، ويحضر إلى البيت برتقالاً، فترى أن البنت أكلت برتقالة حامضة، والشاب لم يأكلها، لكل إنسان كيمياء في دمه.
5 ـ لا تشرب فوق الأكل :
كُل من الطعام ما أحببت، ولا تشرب عليه، لأن الشرب ماذا يفعل؟ يمدد العصارات الهاضمة في حوالي لتر واحد تفرزها المعدة أثر كل طعام، فإذا شرب الإنسان خمسة كؤوس من المياه تكون هذه المادة الهاضمة قد تمددت.
والنبي الكريم نهى عن ذلك، حتى إن رجلاً دخل المسجد، وهو جاهل وما كان المسجد يومئذ بهذه الفخامة، أرضه حصى، وبال فيه، فلما قام له الصحابة ليزجروه منعهم النبي:
((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَلا تُزْرِمُوهُ قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ ]
فهناك أشخاص جهلة يقول لك أحدهم: أنا قبل أن أنقض وضوئي سوف أصلي العصر، أي صلاة هذه؟! يُكره أن تصلي وأنت حاقن، أساسها لا رأي لحاقن أو حاقد، رأيه في إفراغ المثانة، هذا هو رأيه، فتكره الصلاة إن كان الإنسان حاقناً أو حاقداً. 6 ـ إذا أكلت في النهار فنم :
وإذا أكلت في النهار فنم، أي أن ينام الإنسان ساعة بعد الطعام:
(( قيلوا فإن الشياطين لا تقيل ))
[الطبراني في الأوسط عن أنس]
ومن نام في النهار أعانه هذا على قيام الليل.
استعينوا على الصيام بالسحور وعلى القيام بالقيلولة. 7 ـ إذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام :
وإذا أكلت في الليل فامشِ قبل أن تنام، وهذه ملاحظة، فالإنسان يأكل وينام، ولا يوجد حركة، فهذا الطعام إذا لم يستهلكه انقلب إلى مواد دهنية عالقة في الدم، إذا نام الإنسان نوماً طويلاً وقاس نبضه وهو نائم فإنه يكون سبعين أو خمسًا وستين، أو ستين، لأنه لا يوجد حركة، فالدم يسير بطيئًا، وسير الدم البطيء في الشرايين يجعل المواد الدهنية تترسب في جدرانها، فالعلماء قالوا: الذي ينام نومًا متقطعًا من الساعة الحادية عشرة ويستيقظ الساعة الرابعة والنصف على صلاة الفجر وقيام الليل، وينام ويستيقظ الساعة الثامنة صباحاً، فهذا النوم مفيد جداً، أما إذا نام الساعة الحادية عشر حتى الساعة التاسعة ثاني يوم، فالنوم المديد يسبب ترسبات المواد الدهنية في جدران الشرايين، وهذا يسبب أمراض القلب، فالقيام لصلاة الصبح في وقته صحة جسمية قبل أن يكون صحة نفسية.
8 ـ لا تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله :
ويوجد عندنا خطأ كبير في الطعام، فمعظم الناس ينطلق من البيت من دون طعام، مع أن وجبة الفطور أهم وجبة في حياة الإنسان، قال بعض الحكماء لابنه يا بني: لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك -أي تتغذى- إذاً به يبقى الحلم ويزول الطيش، فإذا خرج الساعة السابعة وما تناول طعام الفطور، ففي الساعة الحادية عشرة يشعر بجوع شديد، ويصير عصبيًا، فالنصيحة الطبية ألاّ تخرج من بيتك صباحاً إلا بعد أن تأخذ شيئاً تأكله، وطعام الفطور أهم بكثير من طعام العشاء، لأن بعده بذل طاقة، أما إذا لم يأكل صباحاً فيأكل الظهر عنه وعن أهله جميعاً، وهذا لا يناسب، تناول ثلاث وجبات معتدلة أفضل من اثنتين ثقيلتين، وخمس وجبات معتدلات أفضل من ثلاث ثقيلة.
والعلماء قالوا: من أكل قبل أن يخرج من بيته هو أقل لشهوته مما يرى في السوق، وكلما لمح بائع - شاورما - اشتهي أن يأكل، فإذا أكل صباحاً انتهى الأمر، أما إذا لم يأكل اشتهى، وإذا أكل في الطريق فهو دناءة، وإذا لم يأكل بقي جائعًا وهو في كل نهاره منزعج، فكُلْ صباحاً وانتهى الأمر، وهذه من نصائح الحكماء.
9 ـ احمل الطعام إلى أهل الميت :
أيضاً من النصائح أن يحمل الطعام إلى أهل الميت، ومن السنة إذا مات ميت هؤلاء مشغولون بميتهم، حزينون، فعَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
(( لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا لأهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ))
[ رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
أما ما يجري الآن فعكس السنة، أهل الميت مهتمون بميتهم، والقبر، والنعوة، وقراءة القرآن، والحاجات الأخرى، ويجب أن يصنعوا طعامًا للذين خرجوا في الجنازة، وهذا خلاف السنة. 10 ـ لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم :
وأيضاً لا ينبغي لك أن تحضر طعام ظالم، فأنت تعرف أن هذا الإنسان مغتصب للمال الحرام، أو لمال أخوته، فوالده ترك ثروة، فاغتصب أموال أخوته ودعاك إلى بيته الفخم، فلا يجوز لك أن تجيب هذه الدعوة .
فإن أكره على أن يأكل من طعام الظالم فليقلل الأكل، ولا يقصد الطعام الأطيب، وبعضهم اعتذر وقال: كنت مكرهاً، فقال له أحدهم: رأيتك تختار الأطيب وتكبر اللقمة أي إكراه هذا؟ ولو كنت مكرهاً لأكلت طعاماً قليلاً و بشكل رمزي.
بعض ما قاله الإمام الشافعي :
والإمام الشافعي قال: الأكل على أربعة أنحاء؛، الأكل بأصبع واحدة من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث أصابع من السنة، وبأربع أصابع من الشره - يمسك الخبزة ويهبطها على الطعام مثل المظلة - فهذه من الشره، أربعة تقوي البصر؛ الجلوس تجاه القبلة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس، وأربعة توهن البصر؛ منها النظر إلى القذر، والنوم على أربعة أنحاء؛ نوم على القفا، فهذا نوم الأنبياء، دائماً يتفكرون في خلق السموات والأرض، ونوم على اليمين، وهذا نوم العلماء والعباد، ونوم على الشمال، وهذا نوم الملوك والأغنياء، من كثرة أكلهم للطعام، ونوم على الوجه، وهذا نوم الشياطين، وأربعة من العبادة؛ لا يخطو خطوةً إلا على وضوء، خرجت من البيت فتوضأ، فإذا أذن المغرب دخلت لتصلي، وكثرة السجود، ولزوم المساجد، وكثرة قراءة القرآن، فهذه بعض النصائح التي نختم بها فصل آداب الأكل من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الكبير أبي حامد الغزالي رضي الله عنه، وسوف ننتقل بعدها إلى آداب النكاح، وهناك آداب الكسب والمعاش لا أدري بأيهما نبدأ؟
* * *
رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم :
تحدثنا في الدرس الماضي عن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان ورحمته بأصحابه، وبالمساكين والضعفاء، أما اليوم فمع رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾
[ سورة الضحى : 9 ]
وكان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتامى، ويبرهم، ويوصي بكفالتهم، و الإحسان إليهم، ويبين الفضائل المترتبة على ذلك، فقد روى البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ))
[ البخاري عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ]
وقد روى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحيانا يكون الزوج غافلاً وجاهلاً خرج من البيت الساعة الثامنة صباحاً، وعاد الساعة الحادية عشرة مساءً، ويوجد في البيت يتيم؛ ابن أخيه، فهل يا ترى زوجته أكرمته؟ أكل أم لم يأكل؟ أين نام؟ الزوج لا يعفى من المسؤولية، بل يجب أن يتفقد الطفل أين نام؟ هل أكل الظهر وماذا أكل؟ هل غاب عن البيت وأين ذهب؟ أما إذا أهمل وترك الأمر لزوجته فالزوجة أحياناً تكون قاسية جداً، ومن عجيب أمر النساء يرحمن أولادهن رحمةً لا مثيل لها، وقد تقسو إحداهن على ابن غيرها قسوة لا مثيل لها، فالزوج مسؤول، وجاء في الأثر ذكرُ فضل امرأة مات زوجها فحبست نفسها على تربية أولادها ولم تتزوج: (( أول من يمسك حلق الجنة أنا فإذا امرأة تنازعني وتريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت أن تتزوج من أجلهن ))
[ مجمع الزوائد : عن أبي هريرة ]
طبعاً هذه صورة أدبية بلاغية، فإذا سمعت امرأة هذا الأثر ذابت شوقاً إلى تطبيقه، و عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا ))
[رواه أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ]
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان :
أما رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان:
((... خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَمَرَّ بِبَعِيرٍ مُنَاخٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخِرَ النَّهَارِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَابْتُغِيَ فَلَمْ يُوجَدْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ ثُمَّ ارْكَبُوهَا صِحَاحًا وَارْكَبُوهَا سِمَانًا كَالْمُتَسَخِّطِ آنِفًا إِنَّهُ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ ))
[ أبو داود عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ]
(( وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))
[ رواه أبو داود وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
(( وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ فَقَالَ لَهُمُ: ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لأحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ ))
[ أحمد وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ]
و قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يوصيكم بهذه البهائم العجم، فإذا سرتم عليها فأنزلوها منازلها ))
[ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن عمرو السلمي]
((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَوَاءً وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ متفق عليه وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
ولما رأى رجلاً يذبح شاةً على مرأى من أختها غضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: هلا حجبتها عن أختها تريد أن تذبحها مرتين؟ ((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))
[ مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
وإذا قتلت عقرباً فاقتله بضربة واحدة، أما أن تعذبه أو تحرقه فهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا نَحْنُ قَالَ: إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ ))
[ أحمد وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ]
الحمرة طائر صغير: ((عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ ))
[النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ]
الصيد حلال ولكن له شروط :
لا تظن أن مطلق الصيد حلال، الصيد حلال ولكن له شروط، أما للتسلية فتفجع البهائم كهواية ليس المطلق حلالاً بل المقيد حلالاً.
((وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا ))
[ النسائي وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
يجب أن تصيد لتأكل، وهذا الحيوان قدم لك لحمه غذاءً لك، فتقرب إلى الله بهذا اللحم، أما إذا قتلته ولم تأكله ماذا فعلت؟ ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً أي هدفاً لغني. ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا ))
[البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ]
الشيء المعروف الآن أن الإنسان إذا قتل حيوانًا فالقانون لا يحاسب عليه، كأنْ يسير في طريق سفر فقتل كلبًا، أو هرة، ولكن لو علمت أن هذا الحيوان الذي دهسته سوف يحاسبك عند الله عز وجل لكنت دقيقاً جداً في قيادة السيارة، طبعاً إذا دهست إنسانًا فهناك مسؤولية جزائية، ومحاكمة، أمّا إذا قتل غنمة فأهل الغنمة يوقفونه؟ أما هناك حيوانات لا يحاسب على قتلها القانون، فمن يحاسب على قتلها؟ الله سبحانه وتعالى، فليكن خوفك من الله أشد من خوفك من قوانين الأرض. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))

السعيد
09-10-2018, 05:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الخمسون )


الموضوع : صلاة الجمعة - 2






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سنن خطبة الجمعة :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الفقه إلى: صلاة الجمعة، وسوف نتحدث عن سنن الخطبة، وسنن الخطبة ثمانية عشر شيئاً، أولها الطهارة، بمعنى الوضوء، والخطبة ليست صلاةً، فليس من شروطها الوضوء، ولكن من سننها الوضوء، وستر العورة، والأكمل للخطيب أن يلبس ثياباً فضفاضة كهذا الثوب الذي يلبس، وهذه الجبة أو العباءة، لأن هذه الثياب تستر حجم العورة، وهذه هي الثياب الكاملة.
والجلوس على المنبر قبل الشروع بالخطبة، والأذان بين يديه كالإقامة، ثم قيامه واقفاً، والسيف بيساره متكئاً عليه في كل بلدة فتحت عنوةً، العلماء فسروا هذه السنة لأن الخطيب يري أهل هذه البلدة أنها فتحت بالسيف، فإذا رجعتم عن الإسلام فالسيف موجود، فذلك باق بأيدي المسلمين.
واستقبال القوم بالوجه، وبدء الخطبة بحمد الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه بما هو أهله، والشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والموعظة، والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وأن تكون الخطبة خطبتين، والجلوس بينهما بمقدار ثلاث آيات، وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالاستغفار لهم، وأن يسمع القوم الخطبة، وأن تخفف الخطبتان بقدر سورةٍ من طوال المفصل، من السور التي بين الطويلة والقصيرة، ويكره التطويل في الخطبة، وترك شيء من السنن، ويجب السعي للجمعة، ولذلك في بعض البلاد الإسلامية يؤذن قبل أذان الظهر بساعة تذكيراً للناس كي يستعدوا ويسعوا إلى صلاة الجمعة، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 9 ]
وفي بلاد الحجاز فيما أعلم في كل مساجد البلاد يؤذن قبل الفجر بساعة لقيام الليل، وبعدها أذان الفجر، وقبل أذان الظهر يوم الجمعة بساعة يؤذن للتذكير، وعندنا في الشام والحمد لله قبل الصلاة بفترة طويلة يذكر المؤذن، وقبل الفجر يسبح ويترحم، والتراحيم والتسابيح هذه كلها من باب التذكير، ولا أنسى مرة سمعت تذكير مؤذن فخشع قلبي: وهو المعطي لا يسأل، وهو الحليم لا يعجل، وهو الكريم لا يبخل.
و لما يتعلق الإنسان بالله عز وجل، و بأسمائه الحسنى، إذا كانت له حاجة عند الله عز وجل، أو يخاف شيئاً، أو يخشى مرضاً فيطلب حاجته، أو يسأل تيسير العسير، وليس للإنسان إلا الله عز وجل، فكلمة إلهي ليس لي إلا أنت، هذه الكلمة يجب ألاّ تغادر الإنسان، إلهي رضاك قصدي، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، فهذه الكلمات يجب أن يكون الإنسان في مستواها.
ويجب السعي للجمعة، وترك البيع عند الأذان الأول، فهذا هو الأذان الأول الذي قبل أذان الجمعة بساعة، وإذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وكره لحاضر الخطبة الأكل والشرب والعبث ولو بمسبحته ولو بتقليب الحصى، ولو أن يقول لصاحبه: اسكت: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والالتفات يمنةً ويسرة، فهذا مكروه في صلاة الجمعة، وكُرِه أيضاً أن ترد سلاماً، فإذا دخل إنسان جاهل وقال: السلام عليكم فليس لك أن ترد عليه السلام، ولا تشميت العاطس، فلو أن إنسانًا عطس لم يشمت، لأن في تشميت العاطس تشويشاً على المستمعين، وكره الخروج من المسجد بعد النداء ما لم يصلِّ، إذا سمعت المؤذن يؤذن فقد كُرِه لك السفر قبل أن تؤدي صلاة الجمعة، ومن لا جمعة عليه إن أداها جاز، كرجل مسافر وصل إلى مدينة فليس عليه صلاة الجمعة، ولو كان المسجد قريبًا، وسمع المؤذن يؤذن، سعى وصلى الجمعة، جاز له أن يصلي الجمعة مكان الظهر، وَمن لا عذر له في التخلف عن الجمعة لو صلى الظهر قبلها حرم عليه ذلك، وكره للمعذور والمجنون أداء الظهر في جماعة يوم الجمعة، ويكره أن تصلي صلاة الظهر جماعة، لأنّ فيها فتنة، فأناس يصلون الجمعة وآخرون يصلون الظهر جماعة، فكأنهم انشقوا عن الجماعة، ولا يصلى المعذورُ الظهر مكان الجمعة إلا فرادى، وكره أن يصلى الظهر جماعة يوم الجمعة لمن كانوا معذورين كالمساجين مثلاً، فيجب أن يصلوا الظهر فرادى.
ومن أدرك صلاة الجمعة في التشهد الأخير، أو في سجود السهو أتمّ جمعته، والله أعلم، لكن بركة صلاة الجمعة في خطبتها، ولما يأتي الإنسان إلى الجمعة في وقت مبكر فكأنما قدم بدنة –جمل- وإذا جاء في وقت بعده فكأنما قدم بقرة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم شاة، ومن جاء في وقت بعده فكأنما قدم دجاجةً، ومن جاء في وقت قريب من الأذان فكأنما قدم بيضة فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلس الملائكة يستمعون الخطبة، وأغلقت الدفاتر، فلا تسجيل بعدها، فقد صحّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (( مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ))
[متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فالتسجيل يكون قبل أن يصعد الخطيب المنبر، فإذا جئت في وقت مبكر يسجل لك أجر إنفاق بدنة؛ جمل ثمنه اثنا عشر ألف ليرة، وبعدها بوقت الساعة الثانية بقرة، وفي الثالثة شاة، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، والمقصود بالساعات هنا الوقت، هناك عد تنازلي، فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلست الملائكة تستمع الخطبة. ***
آداب الكسب و المعاش :
والآن إلى فصل جديد من فصول إحياء الدين، ويتعلق بالكسب والمعاش، وكيف أن الإنسان له نشاط يومي، وأول هذا النشاط الطعام والشراب، وقد تحدثنا عنه في شهور عدة، فآداب تناول الطعام، وآداب الدعوة، وآداب استجابة الدعوة، وآداب حضور الطعام، وآداب الخروج، و آداب الضيف، وآداب المضيف تحدثنا عنها طويلاً والحمد لله.
و الشيء الثاني هو آداب النكاح، و لكن آداب النكاح لسنا بعيدي عهد بها، ففي كتاب فقه السنة تحدثنا في آداب النكاح، و في أحكام الزواج أكثر من سنة، و لأن الموضوعات متشابهة آثرت أن أنتقل إلى موضوع ثالث؛ و هو آداب الكسب و المعاش، و هذا فصل مهم جداً، لأنه ما من واحد منا إلا ويكسب قوت يومه، و هناك معلومات و آداب دقيقة ينبغي لنا أن نعرفها حتى يكون كسبنا حلالاً وشرعياً.
فضل الكسب والحث عليه :
من آداب الكسب والمعاش موضوعان أساسيان؛ الأول فضل الكسب والحث عليه، وربنا عز وجل يقول:
﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾
[ سورة النبأ: 11 ]
إن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل، النهار للعمل، والليل للصلاة، وللجلوس مع الأهل، وللتفكر، والتهجد، والتذكر، والشكر لله، فعمل في الليل لا يقبله في النهار أي لله علينا عمل في الليل لا يقبله في النهار، وله علينا عمل في النهار لا يقبله في الليل. ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 10 ]
الإنسان اجتماعي بطبعه لا تقوم حياته إلا بالجماعة :
من حكمة الله عز وجل أن الإنسان لو أحب أن يحصي الأعمال التي هو بحاجة إليها لن ينتهي، فهو مثلاً بحاجة إلى طبيب عيون، وطبيب داخلي، وطبيب جلدي، وطبيب أعصاب، وطبيب نفسي، وطبيب نسائي، وبحاجة إلى من يقدم له الخبز، والمزارع، وصانع المحراث، والذي يبذر، والذي يحصد، والذي يجمع القمح، والذي يبذر القمح، والذي يصول القمح، والذي يطحن القمح، والذي يقدم الطحين للمخابز، فهو بحاجة إلى لحم، تربية الأغنام، وذبحها، وسلخها، وجرمها، وتقديمها، وعلفها، وبحاجة إلى فواكه وخضار، وإلى لباس، فلو جمعنا حاجات الإنسان لكانت بالملايين، بحاجة إلى قماش ينشف به وجهه بعد الوضوء، بحاجة إلى من يقص له شعره، وإلى من يصلح له مركبته، وإلى من يقيم له بيته، وإلى من يقدم له أثاث البيت ولوازمه.
فأحدنا بحاجة إلى مليون شيء، ولكن يتقن شيئًا واحدًا، يتقن شيئاً و يحتاج إلى ألوف الأشياء، فمن هنا كانت الجماعة، ومن هنا قال العلماء: الإنسان اجتماعي، فلا تقوم حياته في المجتمع إلا مع الجماعة، وإذا أردتَ تعليم ابنك فهناك مَن هو مختص بذلك، ولن تستطيع أن تقلع ضرس ابنك الذي يؤلمه إلا إذا كان هناك من هو مختص بذلك، فربنا عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾
[ سورة النبأ: 11 ]
أنا مرة فكرت كم من إنسان يعيش بسبب ارتفاع الحر؟ تصور ذلك، وكم معملاً في العالم للمكيفات؟ وكم معملاً للمراوح؟ وكم معملاً للمشروبات الغازية؟ وكم معملاً للبوظة بسبب الحر؟ وكم معملاً يقدم ألبسة فضفاضة مريحة حريرية للصيف؟ وكم من إنسان يعيش من وراء البرد؟ المدافئ، والتدفئة المركزية، والألبسة الصوفية، والدثر الصوفية، كم من إنسان يعيش من طول شعر الإنسان؟ ولو فرضنا أنّ حشرة تؤذي النبات فكم من إنسان يعيش بفضل هذه الحشرة؟ و كم مهندس زراعي؟ وكم آلة رش؟ وكم من وسائل النقل والشحن والبيع والشراء والقرطاسية من أجل مكافحة هذه الحشرة؟ فربنا عز وجل جعل الحياة عملاً، فأنت بحاجة إلى الثياب، وكذلك إلى زارع القطن، والمحالج، والمغازل، والأصبغة، وصناعة الخيوط، وطبع القماش، منه المطبوع على الطاولة، والمطبوع بشكل أسطواني، ونسيج، وتطريز... من أجل أن تلبس هذا الشيء، ويوجد خياطون وأزرار، فالأمر ليس له نهاية من أجل هذا اللباس: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 10 ]
أساليب وأنواع أخرى للعمل :
الشيء الآخر ربنا عز وجل قال:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة البقرة: 198 ]
فمباح لك أن تعمل، وسيدنا عمر يقول: "إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغِلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية". ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
[ سورة المزمل: 20]
الإنسان عندما يسافر إلى مدينة أخرى ويحمل معه بضاعته، أو عينات من بضاعته، ويعرضها في السوق، فيبيع ويشتري، ويسجل ويشحن، ويستقبل بضاعة، ويسلمها ويحوِّل ثمنها، فهذه أيضاً أساليب وأنواع للعمل قال تعالى: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
وهذا هو السفر في طلب الرزق. من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً و الحلال صعباً :
وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الجمعة: 10]
وبعضهم حمل هذه الآية محملاً آخر، فإذا صليت واستمعت إلى الخطبة فانطلق لتحقيق هذا الذي سمعته، وانطلق إلى العمل الصالح، وإلى التزود بهذا الزاد الذي أمرك الله به، وقد جاء في الأثر: "إنّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة"، حدثني أخ ترك وظيفته، وسعى في التجارة، واشترى صفقة بحوالي مئة وثمانين ألفًا، ووضعها في مستودع عند شخص، وهذا الشخص قليل الأمانة، فباع البضاعة، وأخذ ثمنها، وسافر خارج القطر، والمال ليس له، أخذ مالاً من الناس، وتاجر به، واشترى صفقة جيدة، وليس عنده مستودع، فوضعها عند شخص، ثم جاء ليتفقد بضاعته، فإذا بابن صاحب هذا المستودع قد باع البضاعة كلها، وخرج من القطر، فقال لي: صباحاً أستيقظ بالهم، وأنام بالهم، وأقول: يا رب، وعاهدت الله أن أردّ لأصحاب الأموال أموالهم، وقال لهم: هذا الذي حصل، فالتجارة ربح وخسارة، وما كان غارماً، ولكن آثر أن يرد لأصحاب الأموال أموالهم، وأخذ الله بيده، وفتح الله عليه باب الرزق من أوسع أبوابه، وردّ الأموال لأصحابها، وربح واشترى محلاً تجارياً يقتات منه اليوم.
إذًا: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً، تحرك القلم حركة تأخذ مئة ألف، تعالَ إلى التجارة وحصلها، تحتاج إلى سنة واثنتين وثلاث حتى تحصل عليها، بمتاعب ومخاطر وخوف وعدم بيع وكساد البضاعة وقبض ثمنها، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الحرام سهلاً والحلال صعباً، حتى يميز الخبث من الطيب. الحكمة من جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة في وادٍ غير ذي زرع :
لماذا جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام في وادٍ غير ذي زرع؟ وهناك أماكن في أوربا كالجنان، جبال خضراء، بحيرات، أجواء مريحة رطبة، نسيم عليل، فلماذا جعل مكة المكرمة حارةً جافةً لا غصن ولا شجرة ولا نسمة بل طبيعة قاسية؟ لماذا؟ الذي خلق الجبال الخضراء لم خلقها في هذه البلاد؟ ليميز السائح من الحاج، فلو أنها بلاد جميلة لاختلط الأمر على الناس، فلا تدري لماذا يذهب إلى هناك سياحةً أم حجاً؟ أما لأنها كذلك فلا يقصدها إلا الحاج؟ ولا يقصدها إلا المحب لله والرسول؟ ويتحمل مشاق السفر رضاءً لله ورسوله، وكذلك الحلال صعب لماذا؟ لأنه لا يحل الحلال إلا المؤمن، ويتحمل كل متاعب الحياة، ولا يأكل المال الحرام، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، تموت جوعاً ولا تأكل بثدييها، فالأدباء غير العلماء، في صف الشهادة الثانوية هناك قصة شعرية، أن امرأة فقيرة لها بنت مرضت، فباعت شرفها من أجل تأمين ثمن الدواء، أعطاها هذا المجرم ريالاً مزيفاً، فلما ذهبت إلى الصيدلي لتشتري الدواء ألقى الريال في وجهها، وقال: هذا مزيف، لقد فقدت ابنتها وفقدت عفتها، وهذه القصة لا ينبغي أن تدرس، فكأن الشاعر يعطي لهذا الانحراف قبولاً من المرأة في سبيل إنقاذ ابنتها بأن تضحي بعفتها، لا، إن الله موجود، وبيده كل شيء، والأمر ضامن، والذي أمر بالاستقامة والعفة يضمن، وهذه حالة غير صحيحة، هذه قصة مشوهة وغير واقعية، فلو أن هذه المرأة عفت عن الحرام هل يعقل أن تموت ابنتها مرضاً؟ مستحيل، هذه فرضية شيطانية، ليس كل قصة يجب سماعها، هناك قصص لها مؤدى سيئ، وكأننا نرضى من الفتاة من أجل تأمين دواء ابنتها أن تضحي بشرفها، أما العرب فيقولون: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، مجمع الأمثال للميداني، بل ربما تموت جوعاً. من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة.
صفات التاجر الأمين :
(( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
ما كنت فيما مضى أفهم بعد هذا الحديث، تاجر باع واشترى، وجلس في مكتب فهو مع الصديقين والشهداء‍! ماذا فعل؟ ما الذي فعله حتى يكون في صفوف هؤلاء الصديقين؟ ولكن حينما علمت أن أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا وماليزيا، هؤلاء يزيدون عن مئتين وخمسين مليونًا، هؤلاء كلهم أسلموا عن طريق التجار، إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا - لا يمدح بضاعته كأنما ينزلها من السماء - وإذا اشتروا لم يذموا - يرخص بقيمة البضاعة المشتراة حتى يجعل صاحبها يبيعها برأسمالها - وإذا كان عليهم لم يماطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، فهؤلاء وهؤلاء الآن أندر من الكبريت الأحمر، فلو أن رسول الله قال: إن أطيب الكسب كسب التجار وسكت، فأيّما تاجر له الحق أن يقول: أنا منهم، ولكنه ذكر سبع صفات إذا توافرت في التاجر جميعها كان منهم. (( من طلب الدنيا حلالاً، استعفافًا من المسألة، وسعيًا على أهله، وتعطفاً على جاره، بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ومن طلبها حلالاً مكاثرًا بها مفاخرًا لقى الله وهو عليه غضبان))
[أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة]
هل هناك من تشجيع على العمل أعظم مِن هذا الحديث؟ موضوعية النبي صلى الله عليه و سلم :
وقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة، مفتول العضلات، عريض المنكبين، ضخم الجثة، نشيط، قد بكر وسعى- انطلق من بيته باكراً -، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هذا فإنه لو كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، يريد أن يشتري بيتًا ليتزوج، ويستقر، ويريد أن يؤسس أسرة، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين، له أب مقعد وأم متقدمة في السن ليس لهما أحد غيره، أحياناً أنا أرى شخصًا شابًا في أول حياته ترك المدرسة، وعمل في مصلحة، عنده أم وأب عاجزان، وعنده أخوات، واللهِ أقدّسه، فهذا الذي يسعى على أبوين ضعيفين، و ذرية ضعاف، عنده ثماني بنات يريدون أن يأكلوا كل يوم، ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان.
انظروا النبي صلى الله عليه كم هو موضوعي، الصحابة تسرعوا لو كان جلد هذا الفتى في سبيل الله؟ فقال: لا تقولوا هذا.... التأجيل وعدم الإتقان ليس لهما أجر الأجر لمن نصح :
وفي الأثر: "إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم ليتخذه مهنةً"، العلم عمل إضافي، يجب أن تكون لك مهنة تقتات منها، وتكون يدك بها عليا لا سفلى، تسير في الناس رافع الرأس، عزيز النفس، إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني، فقيمة الرجل ما يحسنه، فتعلم كل شيء عن شيء، أن يكون لك اختصاص، وشيء عن كل شيء، وفي الخبر أن الله يحب المؤمن المحترف الذي له مصلحة.
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ))
[أحمد عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ]
وفي خبر آخر: "أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح"، صنع لك إنسان طاولة متقنة، أو بابًا، أو بذلة خياطة متقنة، أو قميصًا، أو ثوبًا للشتاء قياسه مناسب، وألوانه مناسبة ومريح، وخيوطه من درجة جيدة، فالله عز وجل يحب هذا الإنسان إذا نصح، أما إذا غش فثمّة مشكلة، وأحياناً الخياطون يوفرون في بذلة ما خمس ليرات، ويضعون لها أقمشة رخيصة، ترسلها إلى الكي فتعود تالفة، ماذا استفدت؟ تَلعن هذا الذي خاط لك الثياب طوال ما تراه.
مرة أحد الشعراء خاط له خياط قباء، لا هو طويل، ولا هو قصير، فانزعج منه، فقال للخياط: والله لأهجونَّك ببيت شعر لا تدري أمدحٌ هو أم ذم، وهذا الخياط كان أعور، والشاعر هو بشار بن برد، وما أدراك ما بشار، فقال: خاط لي زيد قباء ليت عينيه سواء
***
فهو أعور العين، يا ترى تمنى له أن تكون العينان مبصرتين أم أن تكون العينان عمياوين؟ فأحياناً إذا كان للإنسان مصلحة يجب أن يكون مضبوطاً، متقِنًا، فإنما أهلك الصنعة قولُ: غد، وبعد غدٍ، فالتأجيل، وعدم الإتقان هذا ليس لهما أجر، فالأجر لمن؟ للذي نصح. على الإنسان ألا يكون عالة على أحد :
تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي، وروي أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبد، فقال: من يعولك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، لا تكن عالة على أحد، النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقول:
((أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وانه ليس من شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته))
[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود]
أنا أعتبر هذا الحديث أساسًا في الرزق، يوجد شجرة تفاح في سرغايا، التفاحة الرابعة من تحت، هذه لفلان في الشام، منذ خلق هذه التفاحة عليها اسم آكلها، بقي آكلها إذا كانت أخلاقه عالية جداً أنْ يشتريها، أو يأكلها ضيافةً، أو تهدى إليه، وإذا كان غير مؤمن فيسرقها، أو يأخذها تسولاً، أو يقطفها، فطريقة انتقال هذه التفاحة إليك باختيارك، أما هي فلك، وطريقة انتقالها لك باختيارك، قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾
[ سورة الذاريات : 223 ]
اللهُ عز وجل كريم جبار :
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الروم: 40 ]
لم يستعمل الله سبحانه وتعالى الفعل المضارع " ثم يرزقكم "، لا، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
وانتهى الأمر، ولا يوجد مثل أجمل من سيدنا عبد الرحمن بن عوف، لما هاجر إلى المدينة المنورة قال له أحد الصحابة الأنصار: هذا نصف مالي فخذه، فقال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، لا يوجد أجمل من عرض الخير على المؤمن، والأجمل منه التعفف عنه، ولذلك جاء في المثَل العربي: (( الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ ))
[مجمع الأمثال للميداني]
قل: يا رب واذهب إلى السوق، ولقد سمعت آلاف القصص، اشترى بضاعة، وقال: يا رب فبيعت، قال لي أخ: من يومين اشترى بضاعة، و لم تباع لمدة أسبوعين و لا لشهرين، اشتراها بمال شخص، فلما شاهد هذا الشخص أن هذه البضاعة ما بيعت، قال له: أرجعها، قال له: إنه من العيب أن نعيدها، واللهُ عز وجل كريم، وهو واقف جاءه مشترٍ فاشتراها كلها، ومنها تعلَّم درسًا لا ينساه، فإن الله جبار.
وأحيانا الإنسان يشتري بعين الجبر، واللهُ عز وجل يكرمه أنه يبيع البضاعة بعين الجبر أيضاً، وهناك أناس يبيعون البضاعة وعينهم فيها، وثمة تاجر يبيع البضاعة وتخرج من عينه، والذي يشتريها يربح منها، فعلى الإنسان ألاّ تكون عينه في البضاعة، والمثل العربي يقول: "الأَسْوَاقُ مَوَائِدُ اللّه فِي أَرْضِهِ ، فابتغوا الرزق عند تزاحم الأقدام". كل الأعمال شريفة ولكن العار أن يكسب الإنسان رزقاً حراماً :
وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وسقا من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:
((إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس))
[رواه الطبراني في المعجم الكبير]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً: ((لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ))
[متفق عليه عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
فلأَنْ تجمع حطبًا، وتبيعه بخمس ليرات خير لك من أن تقف على باب غني فيذهب ماء وجهك، ويذهب ثلثا دينك، وكل الأعمال شريفة، ولكن العار أن تكسب رزقاً حراماً، والعار أن تفعل العار، وأن تعصي الله عز وجل، مثلاً أمام باب الجابية ترى أناساً جالسين معهم أدوات تعزيل المجاري، هل يجوز أن تقول: ما هذه المهنة؟ واللهِ الذي لا إله إلا لهو أشرف مليون مرة من السرقة، ومن كسب المال الحرام، ومن الخداع، ومن الأساليب المعروفة في كسب المال، وهذا العمل الذي لا يطاق أشرف ألف مرة من عمل آخر مظهره فخم، ولكنه مبني على الغش، والدجل، والكذب، والربا، ومبني على أخذ المال بسيف الحياء، ولكن بعض الحرف نهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلمَ أن يحترفها، ألم يقل لكم قبل قليل: واستجملوا مهنكم، وأجملوا في الطلب، أي استجملوا مهنكم: ((... أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته ))
[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود]
وقد قلت كلامًا قبل قليل: لو أن هناك خيارًا بين هذا العمل وعمل حرام، فهذا العمل خير بلا ريب، ولو خيرت أن تعمل في هذا العمل الشاق الذي يحتقره الناس وبين أن تأخذ رشوةً، أو مالاً حرامًا، أو أن تخدع، أو أن تدلس، واللهِ إنّ هذا العمل أشرف بألف مرة، فاستجملوا مهنكم، وفي الأثر: ((من فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر))
وفي الآثار أن لقمان الحكيم قال لابنه: ((يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه....))
إذا كان الإنسان فقيرًا لم يهتم كثيرًا بالحلال والحرام، يريد مالاً حلالاً، أو حرامًا، أو شبهة، يجوز أو لا يجوز، فالفقر يسبب رقة بالدين. من علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة والشكر في النعمة :
واللهِ ثمّة موقف لا أنساه حتى الموت؛ كنت أخطب الجمعة، ولما انتهت الخطبة توقف رجل ملء السمع والبصر، فصيح اللسان، متكلم، يرتدي زياً إسلامياً، وتحدث للناس عن سيدنا عمر، وعن الإسلام، وعن الصلاة، وبعد أن أنهى حديثه طلب من الناس المعونة، فلو كان عاجزًا لجاز له ذلك، ولكنه يمكن أن يشتري خضاراً ويبيعها، لكن كل هذا الحديث الجميل من أجل أن تطلب من الناس؟ فهذا الدين عظيم، فليس لك أنْ تهينه، ولا أنْ تستخدم الآيات والأحاديث والسيرة من أجل أن تطلب من الناس المال، ولا تشكو مرضًا ولا علة، قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 273 ]
تظنه غنيًا، يلبس لباساً أنيقاً، ومن علامات المؤمن التجمُّلُ في الفاقة، والشكر في النعمة، أناس أحضروا قراء قرآن لميتهم، وقدّموا لهم موزًا، فوضعها أحد القرّاء إلى جانبه، وعندما ذهب نسيها، فتذكر ورجع وقرع الباب؛ أعطوني الموزة، هذا القرآن يحتاج غير هذا المستوى.
استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال، رقة في دينه، يضعف دينه، يشتهي أن يأكل. إتقان العمل جزء من الدين :
لذلك أحد أمراض المسلمين الكسل، ترى أرضًا قاحلة فيها مضافة؛ قهوة وشاي، قمْ و ازرعها، سوِّرها واحفر بئرًا، وتحرك:
(( مَنْ أَحْيَى أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ ))
[الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ]
في هذا الحديث قانونٌ للإصلاح الزراعي، تذهب زوجته تعمل وهو قاعد، ترعى وتحصد، وتطعم البقر والدواب، وتحلب البقر، وتطبخ وهو جالس، الكسل سمة فادحة، هذا الإنسان فيه رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهابٌ لمروءته، وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به، فإذا كان له عمل كانت له مكانة، فلان مختص، أحيانا تقف عند ميكانيكي سيارات، فتراه مثل الطبيب يعتز بنفسه، ومعه الحق، وتحتاج إليه لأنه خبير، تترجاه، وتعامله بأدب لأنه خبير، من أين جاءت مكانته؟ من خبرته، وأحيانا تقف أمام نجار بكل أدب، تريد باباً متقناً، من أين جاء النجار بمكانته؟ من إتقان عمله، وله مصلحة، فأنا أحضكم على العمل، وعلى الإتقان، والشيء المؤسف أن الأجانب أتقنوا عملهم فربحوا أرباحاً طائلة، يقول لك: الين الياباني أسعاره ترتفع، وكذا المارك الألماني، لماذا؟ لأن عندهم بضاعة متقنة جداً، وعليها طلب شديد، يقول لك: لا تستطيع أن تبيع إلاّ بعد شهرين، لأنّ البضاعة محجوزة، وإنتاج المعمل محجوز لسنتين، وهذا من كثرة الإتقان، وهذه أخلاق المسلمين، وإتقان العمل جزء من الدين، فترى الصناعة الأجنبية ثمنها عشرة أضعاف، الثياب مستقيمة، والأزرار في مكانها، والعروة جيدة، والخيط متين، بإتقان بسيط رفع السعر عشرة أضعاف، فإتقان العمل جزء من الدين.
"يا بني استغنِ بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال؛ رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم هذه الثلاث استخفاف الناس به". الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة :
لكن بالمقابل لا نريد من الإنسان أن ينغمس في التجارة، وينسى دينه، ينسى الصلاة، وأداء واجباته، وينسى حضور مجالس العلم، ويكسب مالاً حرامًا، ويتعامل بالربا ويقول لك: أنا مضطر، لا يوجد اضطرار هنا، وبالمقابل إذا كان النبي الكريم نهى عن الكسل لم يأمر بالانغماس في الدنيا، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾
[ سورة الملك : 15 ]
الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة، فإذا كانت التجارة فيها مواد مشبوهة، أو بضاعة محرمة، أو كذب، ونفاق، ومعاملات ربوية، فوالله لأنْ تضغط مصروفك فيكون قليلاً خيرٌ لك ألف مرة من هذا الكسب الحرام العريض. أقوال في طلب الرزق :
سيدنا عمر يقول: "لا يقعدن أحد عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".
رجل قال في الشيخ محي الدين- وكان زاهدًا لا يريد أن يعمل-: أما رزقي فعلى الله، جلس في طرف المسجد، وزعوا خبزًا، وهو ما قال ولا كلمة، فما أعطوه، بقي بلا خبز، في الظهر وزعوا طعاماً وما طلب فما أعطوه، في المساء دخلوا فتنحنح، يريد أنْ يقول: إنني موجود هنا، حتى جاء نصيبه من الأكل، فأنت تحتاج إلى حركة، ومن دون حركة لن يصلك شيءٌ.
إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه: أصبت استغن عن الناس يكن أسلم لدينك، وأكرم لك عليهم.
وسيدنا ابن مسعود يقول: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته "، ليس عنده شيء، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبّ إليّ لأنه في جهاد يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده.
سيدنا عمر يقول: "ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبّ إليّ من موطن أتسوق فيه لأهلي، أبيع وأشتري "، هذا عمل شريف، قال: "ربما يبلغني عن الرجل يقع فيّ، يتكلم عليّ ويذمني، فأذكر استغنائي عنه فيهون عليّ ذلك "، إنسان تكلم عليك وأنت لست بحاجته، أما إذا كنت في حاجة إليه وتكلم عليك فهذه هي النار، واللهِ واللهِ - مرتين - لحفرُ بئرين بإبرتين، وكنسُ أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقلُ بحرين زاخرين بمنخلين، وغسلُ عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهونُ عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
هذه كلها من المستحيلات، تنقل بحرين بمنخلين، تكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، وتحفر بئرين بإبرتين، وتغسل عبدين أسودين حتى يصيران أبيضين !! هذا كله من المستحيلات، ومع ذلك فهي أهون عليَّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
احتجْ إلى الرجل تكن أسيرَه، واستغنِ عنه تكن أميرَه، قد لا تملك شيئاً، ولكن استغناؤك عن الناس يجعلك غنياً، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه التقى برجل أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، قال له: ألك حاجة؟ قال له: معي درهمان متى تراني أصرفهما.
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ]
قال لي رجل: أنا مصروفي ثلاثمئة ألف في السنة، ولا تكفيني، فأصابه مرض عضال فقال: الإنسان تكفيه ألف ليرة في الشهر، من ثلاثمئة ألف في السنة إلى اثني عشر ألفًا، فما كان يعرف قيمة الصحة، والذي عنده صحة طيبة فليشكر الله عز وجل إلى أكثر الحدود.
جاءت ريح عاصفة في البحر، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم - رحمه الله -وهذا العالم الجليل مدفون بمدينة جَبْلَة، في مسجد على البحر تماماً، وكان معهم فيها: أما ترى هذه الشدة؛ رياح عاتية، وأمواج كالجبال، والسفينة على وشك الغرق، فقال إبراهيم بن الأدهم: "ما هذه الشدة، قالوا: وما الشدة إذاً؟! قال: الشدة أن تحتاج إلى الناس، فهذه هي الشدة ".
وقال أيوب: قال لي أبو قلابة: "الزم السوق فإن الغنى من العافية ". الاستغناء عن الناس يسبب صحة نفسية و توازناً :
إذا افتقر الإنسان أصبحت عنده حساسية كبيرة، ما زارني فلان، احتقرني، فيبني قصورًا من الوهم، وكلها أمراض نفسية، أسبابها التولي الاجتماعي، فإذا كنت متخلفًا عن أقرانك، ومعك أمراض نفسية خاصة، وحساسية مفرطة، فإنك تعاتبهم لأتفه الأسباب، وتعتقد أنهم يحتقرونك، وهم لا ينتبهون إليك إطلاقاً، فلما يستغني الإنسان تنشأ عنده صحة نفسية، ويتوازن، فإذا زاروك فإنه يزورونك وأنت مستغنٍ عنهم.
وقد سئل إنسانٌ سؤالاً: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مجلسه وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي))
[ أحمد عن ابن عمر]
الله مسبب الأسباب و الإنسان بحاجة إلى سعي و طلب :
وقال عليه الصلاة والسلام حينما ذكر الطير:
(( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))
[ الترمذي عن عمر]
ولكن لا أحد ينتبه إلى هذا الكلام، دققوا: تَغْدُو وَتَرُوحُ، فهناك سعي، والطير متوكل على الله.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))
[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
السر في هذا الحديث أنها تغدو وتروح، فثمّة حركة وسعي، أحد أخواننا ذهب إلى الحجاز في أيام الحج، قال لي: شاهدت نخلة، فأردت أن أهزها كما فعلت السيدة مريم، فما اهتزّت معي ولا سنتمترًا ولا ميليمترًا، فما هذه الآية؟ ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾
[ سورة مريم:25]
قالوا: هذه كناية عن السعي، وليس بهزها ينزل التمر، فإنها لا تُهزّ، ولكنها كناية عن السعي، تحرك، فكّر بشيء، اشترِ بضاعة وبعها، اسأل، واخرج من بيتك وادخل إلى السوق، فإنّ الله عز وجل يرزقك بالحركة، وكل شيء بقوانين دقيقة في الأرض، والله مسبب الأسباب، وأنت تحتاج إلى طلب.
وللحديث بقية، والفصل طويل، ولكن نحن بحاجة ماسة إليه، لأن العمل شيء أساسي. حاجة الإنسان إلى الطعام و إلى كسب ثمنه :
انتهينا من الطعام، وانتقلنا إلى كسب الطعام، وأجمل شيء في القرآن الكريم لما ربنا عز وجل وصف الأنبياء فقال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان:20]
فيأكل الطعام ليبقى حياً، ويمشي في السوق ليشتري الطعام، فأنت بحاجة إلى الطعام، وبحاجة إلى كسب ثمنه. ***
النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً :
وسننهي هذا الدرس بفصل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً لأنه أعظمهم إيماناً .
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]
والحياء والإيمان قُرِنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
العذراء العزبة المصونة التي ربيت تربية صالحة، فلو ذكرت أمامها كلمة تخدش الحياء لأصبح وجهها كالتوت، والنبي الكريم كان: (( أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ))
[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]
إنه الكلام اللطيف الواضح، كان " أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا "، وهذا الوقح الذي يمزح مزاحاً خبيثاً فاحشاً، ويسمي العورات بأسمائها يخجل الناس منها فليس فيه إيمان إطلاقاً، ومن علامات الإيمان الحياء: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
والله تعالى أيضاً حيِيٌّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))
[ أبو داود عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ]
أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك، عن ابن جريج قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا هو بأجير له يغتسل في البر قال: ((أراك لا تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك))
[كنز العمال عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
وقال البخاري في صحيحه: بَاب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَذكر حديث بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ ))
[البخاري عن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ ))
[البخاري عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ]
وبلغ من حيائه صلى الله عليه وسلم أنه لم يواجه أحدًا بما يكره بل يعرض بذلك، أو يأمر بعض أصحابه أن يصارحه بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه.
دخل عليه رجل يومًا وعليه أثر صفرة فلما قام قال لأصحابه: لو أمرتم هذا أن يغفل هذه الصفرة، أما أن يواجه إنساناً بخطئه وجهاً لوجه ما كان ليفعله، وهذا لشدة حيائه وحبه للناس.

السعيد
09-10-2018, 05:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الخمسون )


الموضوع : صلاةالجنازة - 1





صلاة الجنازة :
موضوع الفقه اليوم صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، ومعنى أنه فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، ويُقابل فرض الكفاية فرض العين، الذي إذا لم يقم به المسلم لم يسقط عنه.
فروض صلاة الجنازة :
1 ـ إسلام الميت :
وأركان صلاة الجنازة التكبيرات والقيام، وفروضها ستة:
أولاً: إسلام الميت " أن يكون مسلماً "، أي إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نُهي عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى:
﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة التوبة: 84 ]
شُرِعت صلاة الجنازة وزيارة القبور من هذه الآية: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾
[ سورة التوبة: 84 ]
والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُصلي على من عليه دَين، فإذا توفي بعض أصحابه الكِرام يسأل هذا السؤال التقليدي: " أعليه دينٌ؟ "، فإن قالوا: نعم يقول: " صلّوا على صاحبكم "، إلى أن يقول أحدهم: يا رسول الله عليَّ دينه؟ فقد روى البخاري في صحيحه: (( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
فأركانها التكبيرات، والقيام، وفروضُها ستة؛ إسلام الميت وقد ذكرناه أولاً. 2 ـ طهارته :
وطهارته، لا يُصلّى على الميت إلا بعد أن يكون قد غُسِّلَ التغسيل الشرعي.
3 ـ تقدمه أمام القوم :
تقدّمه أمام القوم: يجب أن يوضع النعش الذي فيه الميت أمام القوم الذين يصلون عليه.
4 ـ حضوره :
حضوره؛ أن يكون الميت في هذا النعش، أو حضور أكثر بدنه، أي نصفه مع رأسه، فنصف المتوفى مع رأسه يدخل في باب حضوره.
5 ـ أن يكون المصلي غير راكبٍ :
ويجب أن يكون المصلي غير راكبٍ.
6 ـ أن يكون الميت على الأرض :
وأن يكون الميت على الأرض، فلا يجوز أن يُصلي المصلي على ميتٍ وهو راكب، ولا أن يكون الميت محمولاً ويُصلّى عليه، فيجب أن يكون على الأرض، فإن كان على دابةٍ أو على أيدي الناس لم تجُزْ عليه الصلاة، إلا إذا كان هناك عُذر قاهر.
سنن صلاة الجنازة :
1 ـ قيام الإمام بِحذاء صدر الميت :
وسُنن هذه الصلاة أربعٌ: قيام الإمام بِحذاء صدر الميت.. فيجب أن يقف أمام صدره، أي أمام قلبه.. ذكراً كان أو أنثى.
2 ـ الثناء بعد التكبيرة الأولى :
الثناء بعد التكبيرة الأولى: "سبحانك اللهم وبحمدِكَ، وتبارك اسمُكَ، وتعالَى جدُكَ، ولا إله غيرُك، والصلاة على النبي بعد التكبيرة الثانية: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آلِ سيدنا محمد"، بعض الفقهاء ينصُّ أنهُ قد أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة الفاتحة والصلاة على رسول الله ".. فإن صليت على النبي أجزأكَ هذا، وإن قرأت الفاتحة أجزأكَ ذلك.
3 ـ الدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة :
وأمّا بعد التكبيرة الثالثة فتدعو للميت بما شِئت، وبأي صيغة شِئت، وبأي دُعاءٍ شِئت، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وقد أوتي جوامع الكلم كان يدعو بهذا الدعاء:
((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ ))
[مسلم عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]
ثم يُكبّر التكبيرة الرابعة وبعدها يُسلّم، وبعض الفقهاء يقولون: " يدعو لنفسِهِ بعد الرابعة ثم يُسلّم "، فإذا سلّمتَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك، وإن دعوت لنفسِكَ بعد الرابعة أجزأكَ ذلك: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
4 ـ عدم رفع اليدين في غير التكبيرة الأولى :
لا يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى، فقط في التكبيرة الأولى، أمّا الثانية والثالثة والرابعة فلا يرفع المُصلي يديه، ولو كبّرَ الإمام خمساً لم يُتبع.
ومن الأدعية المأثورة: " اللهم اجعله لنا خلفاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله شافعاً مُشفّعاً "، هذا الذي جاء في مراقي الفلاح عن صلاة الجنازة:
كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنــازةً فاعلم بأنكَ بعدها محــمولُ
***
من استحضر مشاهد الموت صغُرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبِه إلى يده :
ولا بُد من أن ندخل المسجد ليُصلّى علينا، فهنيئاً لمن دخله طوالَ حياتِهِ ليُصلي، فإذا أُدخِلَ المسجد ليصلّى عليه يقال: قد كان من قبلُ يُصلي، أما إن كان لا يُصلّي وأُدخِلَ إلى المسجد ليُصلّى عليه فلن يسمع المصلون على الميت الآلام التي تعتلج في صدره، وهو يقول: ليتني كنت أصلي، قال عز وجل:
﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾
[ سورة القلم: 43 ]
أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا، أرى أنَّ مشاهد الموت يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، إن الموت شيء لا بُدَّ من أن يقع، وأنت متشائم، لا علاقة لهذا الكلام بالتشاؤم ولا بالتفاؤل، الموت لا بُدَّ من أن ينزل بنا جميعاً، فإذا حضر الإنسان حضرَ مشاهد الموت، وحالة النِزاع، أين سيتم تغسيله، وأين سيتم دفنه، ومن سيخرج في جنازته، وماذا سيكتب على نعوتهِ، أولاده، أخوته، أصهارُهُ، انظر ماذا سيُكتب: عميد أسرتهم، أو الشاب، أو المحامي، أو الطبيب، أو المربي فلان، فلا بُدَّ من أن يُكتب شيء، فقُم باستحضار مشاهد الموت، فإذا استحضرتها صغُرت الدنيا في عينيك، وانتقلت من قلبِكَ إلى يدِك، ولقد صدَق مَن قال: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
***
من زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز فوزاً عظيماً :
تصوّر ما بعد الموت؟ وماذا سيحصل؟ وماذا سيفعل أولادك بالسيارة؟ هل تنتصر أمهم عليهم فيبيعونها أم ينتصرون عليها فيبقونها؟ ماذا سيفعلون؟ ماذا سيفعلون في هذه الخزانة التي فيها محتوياتُكَ الثمينة؟ ومن سيفتح هذه الخِزانة؟ كيف ستوزّع هذه المحتويات؟ هذه مشاهد تهزُّ النفس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((إن النور إذا دخل الصدر انفسح قيل هل لذلك من علم يعرف به؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله))
[كنز العمال عن ابن مسعود]
والبطولة كما قُلنا: ليس من يقطع طرقاً بطلاً، هناك جرائد لمن يحرز أرقامًا قياسية في الجري، أو في السباحة، أو في القفز العالي، أو في هذه اللعبة، أو في تلك... وهؤلاء يُسمّونَ في مصطلح الدفتر أبطالَ العالم، فهذا حاز الميدالية الذهبية، وذاك البرونزية، والثالث على الفضية: ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقِي الله البـــطلُ
***
فإذا جاءه مَلَكُ الموت، وزُحزِحَ عن النارِ، وأُدخل الجنة فقد فاز، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة الحديد: 20 ]
أحفظُ حديثاً يقصم الظهر، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت))
[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]
أسطوانة الغاز فرغت، فقلت في نفسك: غداً سوف أبدلها، ولم تقل: إن شاء الله، طبعاً غداً سأعيش، عندي خمسون أو ستون موعدًا... ((مَن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت))
[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]
من نام ليلةً واحدةً من غير وصية وكان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ فقد نام آثماً :
حدثني أخ قصة عن رجل اشترى بيتًا، ونصف ثمن البيت من زوجته، وأهمل إفراغ هذا البيت باسمه وباسم زوجتهِ إلى أن أدركته المنية، وزوجته بعد أن توفي زوجها لم يعترف لها أهلهُ بأنها دفعت نصف ثمن هذا البيت، فتألمت ألماً شديداً وأخذت في اجتماعاتٍ مطوّلة بين إخوته وأقربائه، وقدّمت لهم الأدلة على أنها دفعت نصف ثمن البيت، باعت هذا المحل التجاري، وأعطت الثمن لزوجِها، وبعد اجتماعاتٍ دامت أكثر من سنة ونصف اتفقَ أقرباء زوجها على أن يعطوها عشرة أسهم من أربعة وعشرين سهماً فوافقت، والآن التقى الجميع بمالك البيت، هذا البيت تمَّ شراؤه قبل خمس سنوات، والآن ثمنه مليون، هل تفرغ لنا البيت؟ قال: نعم حباً وكرامة، هذا من حقِكم، فأُعطي الأمر إلى بعض الناس لإجراء معاملة الفراغ، وانتهت المعاملة، وبقي أن تنزل إلى دوائر التسجيل العقاري، وينتقل هذا البيت إليها، والموعد يوم السبت، فتوفيت يوم الخميس.. هذا هو الموت.. سنة ونصف من الاجتماعات.. باعت دكانها... ثم ماتت:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
***
البطولة أن تُكثر من هذه اللذّات، مفرّق الأحباب مُشتت الجماعات.
عِش ما شِئت فإنك ميت وأحبب من شِئت فإنك مفارقه، واعمل ما شِئت فإنك مجزيٌ به.
بالمناسبة: الفقهاء قالوا: " لا بُدَّ من وصيةٍ واجبة، الوصية أنواع، وأحد أنواع الوصايا الوصية الواجبة "، لمن كان في ذمتهِ حقٌ لم يُصرّح بِهِ، فهذا إذا نام ليلةً واحدةً من غير وصية فقد نام آثماً، لماذا؟ لأنَّ هذا الحق متعلّقٌ بِهِ، وقد لا يعترف الورثة بهذا الحق. * * *
من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة :
والآن إلى فصلٍ مُختار من إحياء علوم الدين عن الكسبِ والمعاش، يُروى أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن الأدهم رحمهما الله وعلى عُنُقِهِ حزمة حطبٍ فقال له:" يا أبا اسحق إلى متى هذا؟ أخوانُكَ يكفونك؟ فقال: دعني عن هذا يا أبا عمر، إنه بلغني أنّ من وقف موقف مذلّةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ".
قد يحمل الإنسان بضاعته، ويدخل إلى محل تجاري، فدخولك لهذا المحل التجاري لعرض هذه البضاعة، وبيان ميزاتها وأسعارها، وصاحب المحل يجلس وراء مكتبه، وقد يعجبه وربما لا يُعجبه، وقد يقول لك: لست بحاجة لهذه البضاعة، وقد يطلب منك أن تبيعه إياها بسعرٍ منخفضٍ جداً.... فمجرّد الدخول على صاحب هذا المحل فيه بعض المهانة، ولكن هذه مهانةٌ يُحبُها الله عزّ وجل، لأنها في طلبِ الحلال، تبيع بضاعةً مشروعة بسعرٍ جيد معقول، وتطلب الربح المشروع كي تستر به عيالك.
فقال هذا الرجل للأوزاعي: "إنه من وقف موقف مذلةٍ في طلب الحلال وجبت له الجنة ".. في طلب الحلال..
وقال أبو سليمان الداراني: ليست العبادة عندنا أن تكفَّ قدميك وغيرُكَ يُطعِمُكَ.. ليست هذه عبادة.. ولكن ابدأ برغيفيكَ فأحرزهُما ثمَّ تعبّد.
الإحسان في المعاملة :
الآن: مع أحكام مرّت معنا بالتفصيل في فقه السُنّة؛ البيع والمضاربة والقرض وأنواع الشركة... منذ حوالي أشهر أو ستة أشهر كُنا في الحديث عنها بالتفصيل، ننتقل إلى موضوعات لم يسبق لنا أن عالجناها في فقه السُنّة.
العنوان: الإحسان في المعاملة، قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً.. فالإنسان يقرأ القرآن الكريم ولا ينتبه إلى هذه الأوامر.. أمر إلهي أنت مأمورٌ بالإحسان كما أنكَ مأمورُ بالعدل سواءً بسواء:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
أطعم وكُلْ، الناس ينسون أمر أطعم، ويتذكرون أمر كُلْ.. لا.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
والعدلُ سبب النجاة، وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال، والإحسانُ سببُ الفوزِ ونيل السعادة، فإذا أخذ الإنسانُ رأسَمالِهِ من بعض الشركات الاستثمارية ونفذ، يكون قد أحرزَ مالُهُ، فإذا أخذ رأسَ المال مع الرِبح فقد فاز. العدل رأسُ المال والإحسانُ هو الربح :
أما إذا ذهب رأسُمالِهِ... فكيف الأمر؟‍‍‍! ولا يُعدُّ من العقلاء في الدنيا من قَنِعَ في معاملات الدنيا برأسِمالِهِ، هل يُعدُّ التاجرُ عاقلاً إذا باع بضاعتهُ برأسِمالِهِ!؟ لا بُدَّ من الربح، فالعدل رأسُ المال، والإحسانُ هو الربح، فمن عَدَلَ نجا، ومن أحسَنَ فاز، فلا ينبغي للمتديّنِ أن يقتصر على العدلِ واجتناب الدنيا، ويدع أبواب الإحسانِ، وقد قالَ الله تعالى:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 77 ]
وقال عزّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
إذاً حتى في البيع وأنت في محل تجاري أنت مأمور أن تعدل، وأن تُحسن، فإذا عدلتَ نجوت، وإذا أحسنتَ فقد تفوّقت، العدلُ رأسُمالُك، والإحسانُ رِبحُك. رُتبة الإحسان في البيع والشِراء تُنال بواحدٍ من ستة أمور :
1 ـ في المغابنة :
تُنال رُتبة الإحسان بواحدٍ من ستة أمور:.. الإحسان في البيع والشِراء..
في المغابنة: فينبغي ألا يغبِنَ صاحِبَهُ، والغبن هُنا الربح الفاحش، والربح الفاحش ليس إحساناً في البيع والشراء، فأما أصلُ المغابنة فمأذونٌ بِهِ، ولا بُدَّ أن تبيعهُ بسعرٍ أعلى من سعر الشراء، وإلا من أين تأكل، هذه المغابنة، أي الزيادة عن رأس المال مشروعةٌ في أصلِها، ولكنها إذا ارتفعت كثيراً صارَ هذا إساءة في البيع والشراء.
فإذا بذل المشتري زيادةً على الربح المعتاد، إمّا لشدّةِ رغبتِهِ، أو لشدّةِ حاجتِهِ في الحال إليه، فينبغي له أن يمتنع من قبولِهِ.. فانظر للإحسان في البيع والشراء.. إذا دُفِعَ لكَ في هذهِ السلعة سعرٌ فاحشٌ، وقد رضيَ المشتري أن يشتريّها وقَبِلتَ بهذا البيع، فأنت قد طبقّت العدل، أمّا إذا رفضت أن تأخُذَ ربحاً فاحشاً، فأنتَ قد طبقّت الإحسان، وإذا امتنعت من قبول الربح الفاحش في بيع البضاعة فأنتَ محسنٌ في البيع والشراء، وإذا لم يقع التلبيسُ لم يكن أخذ الزيادةِ ظُلماً.
ولو فرضنا لم تُلبِّس وقلت: هذه البضاعة هذه مواصفاتها، ولم تكذب، ولم تُدلّس، ولم تُغيّر، ولم تُبدّل، ولم توهم، وذكرت صفات البضاعة بدقة، ورضي المشتري أن يأخذها منكَ بسعرٍ عالٍ فهذا عدلٌ، أما إن لم ترضَ أنتَ بهذا الربح الفاحش فهذا إحسان، أما إذا كان هناك تدليس أو غش أو تغيير حقائق أو كتمان عيب فهذا ظلم، ولو أنكَ لم تُدلّس، ولم تكتم عيب البضاعة، ولم تكذب إطلاقاً، ورضيَ أن يشتريها المشتري بسعرٍ فاحش، وأنت رفضت ذلك، فهذا من الإحسان، فإذا قبلتَ ذلك فهذا من العدل، وموضوعنا اليوم " الإحسان في البيع والشراء وليس العدل ".
الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار :
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الغبنَ بما يزيدُ عن الثُلُثِ يوجِبُ الخِيار ، ومعنى الخِيار أنَّ المشتري إذا رَفَعَ أمره للقاضي مدعيًّاً الغبن، وتبيّن للقاضي أنَّ هذه السلعة بيعت بربحٍ يزيد عن ثُلُثِ ثمنِها، فللقاضي أن يرَدَّ البيع، وأن يفسخَ عقد البيع، وأن يُعيدَ الشيءَ إلى صاحِبِهِ.
يُروى أنهُ كانَ عِندَ يونس بن عُبيد حِلل، أي ثياب مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلّةٍ منها أربعمئة.. نوع..، وضربٌ كل حلةٍ قيمتها مئتان، فمرَّ إلى الصلاة، وكلّفَ ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلبَ حُلةً بأربعمئة فعَرَضَ عليه من حُلَلِ المئتين فاستحسنها، ورضيها فاشتراها، فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فَعَرَفَ حُلتَهُ، فقال يا أعرابي: بكم اشتريتها؟ قال: بأربعمئة، قال: إنها لا تُساوي أكثر من مئتين، فارجع حتى ترُدّها، قال: هذه تُساوي في بلدِنا خمسمئة، وأنا أردتها، قال له يونس: انصرف فإنَّ النُصحَ في الدين خيرٌ من الدُنيا وما فيها، ثمَّ ردّه إلى الدُكان، وردَّ عليه مئتي درهم، وخاصمَ ابن أخيه في ذلك وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟ تربحُ مِثلَ الثمنِ وتترُكُ النُصحَ للمسلمين؟ فقال: واللهِ ما أخذها إلا وهو راضٍ بِها، فقال: هلاّ رضيت له بما ترضاه لنفسِك؟ وهل رضيت بذلك؟ وهذا إن كان فيه إخفاءُ سعرٍ، وتلبيس فهو من باب الضُر، لكن شاهدها ليس هناك كذب، ولا تدليس، ولا إخفاء عيب، وارتضى أن يدفع ثمنها أربعمئة، طبعاً فيها إنصاف، ولكن ليس فيها إحسان، فهذا البائع ورع فردَّ فرقَ ثمن البضاعة.
قال عليه الصلاة والسلام:
(( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
المسترسل أي الغشيم، فأحياناً تشعر المشتري أنه لا يعرف السعر، فتُريه بثلاثين، فهذا مثلاً قماش وطني سعر المتر سبع ليرات، وهذا قماش أجنبي سعر المتر خمس عشرة.. يقول لكَ: أي القماش بسعر سبع ليرات؟ وهو لا يعرف أن يُميّز. غبنُ المسترسلِ رِبا :
حدثني أشخاص يبيعون، مثلاً يعرِض ثوب قماش فيقال له: عندك أفضل؟ فيجيبه: طبعاً ولكن بسعر أعلى، فيوافق، فيذهب ويُحضر القماش وهو القماش نفسه، والخام نفسه، والمعمل نفسه، فيمدّهُ بأصول، فيُريه أنَّ هذا غير ذاك، ويأخذ زيادة.
حدثني شخص: الثوب طرفه على الطاولة، والثوب في الأرض، فسأله المشتري هل عندك أفضل؟ فيقول: نعم.. فمدَّ الثوب نفسه لكن من الجهة الأخرى، فمدّه على الأرض، وأعطاه الطرف الآخر، وقال له: هذا نوع آخر، قال عليه الصلاة والسلام:
(( غبنُ المسترسلِ رِبا، غبن المسترسلِ حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
والسريّ الثقفي اشترى حاجةً بستين ديناراً، وكتَبَ في دفترهِ " رِبحُها ثلاثةُ دنانير "، وكأنهُ رأى أن يربح على العشرة نِصفَ دينار، فصارت هذه السلعة بتسعين، فأتاه الدلال، وطَلَبَ الحاجة، فقال: خُذها، قال: بكم؟ قال: بثلاثٍ وستين، فقال الدلال وكان من الصالحين: إنَّ هذهِ الحاجة ثمنُها تسعون!؟ فقال السِرّي: قد عقدتُ عقداً لا أُحلُّهُ، ولستُ أبيعُها إلا بثلاثةٍ وستين، فقال الدلال: وأنا عقدتُ بيني وبينَ اللهِ ألا أغُشَّ مسلماً، ولستُ آخذُ منكَ إلا بتسعين، فقالَ: وأنا لا أقبلُ إلا ثلاثة وستين... فتشاجرا... وهذا محضُ الإحسانِ من الجانبين.. هكذا كان السلف الصالح.
وأحد الأشخاص أرسل ابنه ليشتري حاجةً، فقال له: يا ولدي، هذا الذي باعكَ إيّاها لا يعرف السعر، عُدْ وقُلْ له: يقول لكَ والدي: هذه في السوق أصبح ثمنها كذا، فذهب الابن للبائع، وقال له: والدي لم يقبل، قال البائع: لماذا!؟ سعرها معقول، فأجاب الابن: لا، ليس لذلك بل لأنَّ ثمنها مرتفع اليوم، فأرادَ أن يُعطيك فرق الثمن، فسأله البائع: والِدُكَ أمركَ بذلك!؟ فأجابه الولد: نعم، فقال له البائع: باركَ الله بكَ وبهذا الأب، أنا بِعتُكَ بهذا السِعر ولن أرجع.
فعندما يطمع الإنسان في أموال الناس يخسر. من قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ :
الآن إذا لم يعرف الإنسانُ السعرَ فسوف يُفلّس، وتجد أنَّ الناس قد تهافتت عليه، واشتروا ما عنده، ولم يبقَ شيءٌ، وقاموا بتخزين ما اشتروه، ثم باعوه، ولذلك في الأزمات الشديدة هناك تُجّار مسلمون لا يبيعون إلاّ للمستهلك.
تُروى قصص قد تكون رمزية: شخص ترك ثروة طائلة لابنه، وقال له: خذ بمشورة عمك، فاستشار عمه فأشار عليه بأخذ القمح، فاشترى أطنانًا من القمح وحصلت مجاعة، اشترى بعشر ليرات، وقد دفعوا له إحدى عشرة، فأشار عمه بأن لا يبيع، باثنتي عشرة، و لا بثلاث عشرة، و لا بخمس عشرة، و لا بعشرين، لا تبع، فصار هناك ربح مُغرٍ، حيث إنَّ الربح بالمئة مئة، وبعد ارتفاع السعر إلى أقصى حد قال له: كم السعر الآن؟ فقال عشر، فقال: الآن تبيع بإحدى عشرة، وكيلو كيلو،... فهذه قصة رمزية... ليس من المعقول أن يكون عمه نصوحًا لهذه الدرجة!؟ حيثُ دُفِعَ خمسٌ وعشرون فقال له: بِعْ بإحدى عشرة، وكيلو كيلو، لكي تحُل مشاكل الناس ، فأراد ألا يُخالف نصيحة عمه، وباع الكيلو بإحدى عشرة - هذه القصة رمزية - فأحصى النقود مثلاً باع طنين بسعر الكيلو إحدى عشرة ليرة فالسعر معروف، لكن النقود كانت مضاعفة، فعدها مرة ثانية فوجدها ثلاثة أضعاف، والرابعة أربعة أضعاف... فقال له: في كل مرة عددت النقود تزيد، لأنك نويت في هذا البيع قضاء حاجة المسلمين... أين هؤلاء الأشخاص !؟
إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، السلف الصالح كان أحدهم في عمله التجاري في مُتعة بالغة، متعة الإحسان، حيث إنه يجلس في المحل التجاري لخدمة المسلمين، الجالب مرزوق، والمُحتكر ملعون، والآن لا يربح إلاّ إذا احتكر الصنف، حصره في نفسه، وأخفاهُ لفترة، وارتفع الثمن، فباعه بسعرٍ باهظ، حيث إنه يشعر بنشوة إذا اختلس من الناس أموالهم بهذا السعر....وقد كانوا قديماً يشعرون بالنشوة إذا يسّروا للناسِ مصالِحهُم.
هناك حديث لا أتصوره:
((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
لأنَّ كُل حياتنا لها علاقة مع التُجار، من السمن إلى الرز، وكذا التعامل مع النجار ومع الحداد... فإذا كان هناك إنصاف دون غش وكذب، وكان السعر معقولاً ورحمة، سوف تُحل مشاكل الناس، أمّا الآن فقد أصبح البيع معركة.
ومن قَنِعَ بربحٍ قليل كثُرت معاملاتُهُ، واستفاد من تكرارِها رِبحاً كثيراً، وهذه تُسمى في اللغة التجارية رأس المال، قَلَبَ مرتين ثلاثًا، وبه تظهر البركة، وكان عليٌ رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدُرّةِ ويقول: معاشر التجار خذوا الحقَّ تسلموا لا تردّوا قليل الربح فتُحرموا كثيره.
وقيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سببُ وثارِكَ - أي غِناك -، قال هن ثلاث: ما رددتُ رِبحاً قط، ولا بِعتُ بنسيئةٍ، ويُقال: إنه باع ألف ناقةٍ فما رَبِحَ إلا عِقالَها، أي الزِمام، فباع كُلَّ عِقال بِدرهم، فَرَبِحَ ألف دِرهم، أي ما بِعتُ ديناً ولا استقللتُ رِبحاً. 2 ـ احتمال الغبن :
الشيء الثاني في الإحسان في البيع والشراء احتمال الغبن: تتحمّل أن تكون مغبونًا، لكن مع فقير، والمشتري إن اشترى طعاماً من ضعيفٍ، أو شيئاً من فقيرٍ فلا بأسَ أن يحتملَ الغبنَ، ويتساهل وبهذا يكون مُحسناً، مثلاً شاهدت طفلاً يبيعك أمشاطًا.. طفل يتيم.. قال لك: هذا المشط بليرتين، وهو بربع الليرة! فإذا أعطيته الليرتين، وأخذت المشط ولو كان في ذلك غبن، فليس شراؤك من باب البيع، بل من باب الإحسان، حيث إنَّ هذا الطفل نفسه كريمة، لم يرضَ أن يمد يده للناس، فأراد أن يبيع أمشاطًا في الطريق، فإذا كان الغبن من فقير وضعيف فلا بأسَ أن تحتملَه، وبهذا تكون محسناً، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
فأما إذا اشترى من غنيٍ تاجر يطلب الرِبحَ زيادةً عن حاجتِهِ فاحتمال الغبنِ ليسَ محموداً، بل هو تضييعٌ للمالِ من غير عذرٍ ولا حمدٍ، فإذا اشتريت حاجةً من تاجرٍ غني، ورَفَعَ عليك الثمن، وبقيت ساكتاً، فأنت لستَ مأجورًا، ولستَ محمودًا، فقد وردَ في حديثٍ من طريق أهل البيت: ((المغبون لا محمود ولا مأجور))
[ أخرجه الطبراني عن الحسن ]
وكان إياس بن معاوية، وهو من عقلاء التابعين يقول: " لستُ بخبٍ والخبُ لا يغبِنُني ". والكمالُ ألا تغبِنَ ولا تُغبَنْ، كما وصفَ بعضُهم عمر رضي الله عنه فقال: "كان أكرمَ من أن يَخدع وأعقل من أن يُخدع".
وكان خيارُ السلفِ يستقصون في الشراء، أي يفاصلون، ثم يَهَبُونَ مع ذلك الجزيل، موقف الشراء من فقير فيه رأيٌ آخر، قال لك: ثمن كيلو العنب بثماني عشرة ليرة وهو باثنتي عشرة، فقلت: لا باثنتي عشرة، طلبت منه أربعة كيلو غرام، ثمنهم ثمان و أربعون ليرة، فأعطيته فوقهم خمساً و عشرين له، وهذا أفضل، لأنَّ السعر قُمتَ بتثبيتهِ، ولأنكَ إذا أعطيته الثمن للأربعة مثلاً ثمانون ليرة استمرأ الغبن، والسلف الصالح هكذا يرى، فأنتَ حاسب البائع، وإذا كنت كريماً فهبْ له الزيادة هِبةً، ولا تُعطِه الزيادة ثمناً، لأنك إن أعطيته إياها ثمناً استمرأً ذلك، ورَفَعَ السعر على الفقراء أيضاً. من حاسب الناس من غير تدقيق كان سبب إفسادهم :
وقد جاء في الأثر: "حاككوا البيع"، أي إذا قال لك شخص: هذا الحِساب، فطلبت منه أن تراه، قد يكون أضاف صفرًا في العشرات، فزاد الحساب مئة ليرة، عندما يرى البائع أنكَ حدّقت في الحساب، وبدأت بالجمع والطرح والتقسيم اجتنب أن يتلاعب، أما إذا قلت له: ما الحساب؟ فأجابك: مئتان و خمسون، قلت له: تفضل، وإذا ضاقت بالبائع الدنيا فقد يضيف خمسين ويقول: إنك لا تُدقق.
قال لي تاجر يملك معمل موبيليا، يتصلون به فرضاً أنْ أرسل لنا مئة متر من الخام، فيرسل ويضعها في المستودع... أرسل كذا.... والذين يُحضرون البضاعة شعروا أنَّ الذي يستلم لا يقوم بعملية العدّ، فأصبح يأخذ نصف البضاعة إلى بيته، ويُسلّمه على أنَّ البضاعة كاملة، فعدّ البضاعة من الدين، يعدّ البضاعة ويحرر إيصالاً.. هذه من الدين.. هذا الذي أرشد الصانع على أن يسحب نصف البضاعة خلال شهرين، والتاجر أجرى جرداً ووجد هناك تراجعاً حيث يدفع ثمن البضاعة أربعة أضعاف، وهي الربع بالتقريب، فأصبح هناك تراجع في بيعه وشرائه، وكشف الحادثة بعد عام، وبعد أن سرقوا منه مبالغ طائلة، ومن الناحية الشرعية فإنّ التاجر مُحاسب عنهم، حيث إنه أغراهم بهذا العمل.. قُم بعدّ المبلغ، واستلم بالعدد، ووقّع وحرر إيصالاً وسلّم... فهذا هو الشرع، أما من ناحية المباهاة ، ضع " استلمنا فقط " ما هذه!؟ وأيضاً إذا حاسبت الناس من غير تدقيق أمكنهم ذلك أن يتلاعبوا فتكون أنت سبب إفسادهم، وحملِهم على الفساد.
بطولة الإنسان في العطاء :
قيل لبعضهم: تستقصي في شرائِك على الوثير ثم تهب الكثير، ما هذا التناقض!؟ " ولا تُبالي!!؟ فقال: إنَّ الواهب يُعطي فضله، وأمّا المغبون فيغبن عقله، فإذا قام شخص بغبنك، أي إنه استغفِلك، فالمغبون يغبن عقله أمّا الواهب فيُعطي فضله.
تُروى قصة على سبيل المثال أنَّ فقيرًا جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث به إلى أحد الصحابة الميسورين، وذهب إليه فإذا به يأخذ حبَّ البُرِّ من أرضِهِ، فلم يدعُهُ، وفكر في نفسه أنَّ هذا الإنسان ليس من المعقول أن يُعطي، لأنه يأخذ حبَّ القمح من الأرض... فهذا إنسان بخيل.. فلما عاد إلى النبي قال له: رأيته يفعل كذا وكذا، قال له اذهب فاسأله، فذهب إليه فوجده ليس في وضع الذي يُعطي، لأنه حريص على المال حِرصًا بالغًا فلم يسأله، وفي المرة الثالثة قال له: بعثني رسول الله لكي تعطيني مما أعطاك الله شيئاً، فأخذه إلى مكان الإبل، وقال له: انتقِ أحد هذه الإبل وخذها، فانتقى أكبرها، فلما أخذها تبِعَها عشر أخر، فقال خذها كلها، قال: عجبت لأمرك تجمع البُرّ وتُعطي هذا العطاء!؟ فقال له: نجمع هكذا لِننفق هكذا... وإذا كان الإنسان حريصًا في مصروفه فهذا ليس بُخلاً، ولكن البطولة في العطاء، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه ))
[ كنز العمال عن علي بن أبي طالب]
بقي علينا استيفاء الثمن، وتوفية الدين، وأن يقبل الإقالة من العقد.. وهي ستة آداب تتعلق بالإحسان في البيع والشراء، وقد تحدثنا عن نوعين من هذه الآداب. * * *
من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام مهابته العظيمة وفخامته الكريمة :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام: مهابته العظيمة وفخامته الكريمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم المهابة، وقد توّجه الله تعالى تاج العِزة والكرامة، وكفاه حلّة الفخامة، روى الترمذي وغيره عن أبي هالة يصف النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي وكان وصافا عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وأطول من المربوع وأقصر من المشذب..... ))
[رواه الطبراني عن الحسن بن علي]
وقال سيدنا علي رضي الله عنه في وصفه للنبي: "من رآه بديهةً هابه ومن خالفه معرفةً أحبه".
من أول نظرة تهابه، وعلى التعامل تُحب، وهذه صفة النبي عليه الصلاة والسلام، ويجب أن يكون في أتباع النبي شيءٌ من هاتين الصفتين، له هيبته وله محبته.. له هيبته إذا رأيته، وله محبته إذا عاملته، ومن هابَ الله هابَهُ كُلُ شيء، من خاف الله خوّفَ منه كُلَّ شيء، ومن لم يَخف الله خوّفهُ الله من كُلِّ شيء.
وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يستطيعون إمعان النظرِ إليه لقوة مهابتهِ، ومديد وقاره، ومن ثمَّ لم يصفه إلا صغارهُ، فلم يفتهم شكله وعيناه وأذناه ورقبته وخداه.. إلا صغاره.. أما كبار الصحابة لشدة هيبته فكانوا إذا جلسوا في مجلسه كأنَّ على رؤوسهم الطير: يُغضي حياءً ويُغضَى من مهابتِهِ فلا يُكلّم إلا حين يبتســــم
***
وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبةً طويلة، وسمعتُ منه أحاديثَ كثيرة، وحَفِظتُ عنه ألفَ مثل، ومع ذلك ما ملأتُ منه عيني قط حياءً منه وتعظيماً له ولو قيلَ لي صِفهُ لما قدرت". قوة مهابتهِ ومديد وقاره :
ومن عظيم مهابتِهِ وكمال قدرِهِ أنه من جلس إليه صلى الله عليه وسلم هابَهُ، وربما أخذته رِعدةٌ شديدة من قوة الهيبة المحمدية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُباسِطهم ويُلاطفهم ليُسكّنَ روعهم.
((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]
تجد شخصًا أحاط نفسه بكل مظاهر العظمة، ومع ذلك تدخل عليه فلا ترتعد منه، هذه المهابة من الله عزّ وجل، فلمّا هوّن عليه نَطَقَ هذا الرجل بحاجتهِ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس إني أُوحي إليّ أن تواضعوا ألا فتواضعوا حتى لا يبغِ أحدٌ على أحد ولا يسخر أحدٌ على أحد وكونوا عباد الله إخواناً. ((عن قيلة بنت مخرمة قالت:... فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق فقال له جليسه يا رسول الله أرعدت المسكينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أذهب الله عني ما كان دخل في قلبي من الرعب...))
[رواه الطبراني عن قيلة بنت مخرمة في المعجم الكبير، وهو حديث طويل]
((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي فَقَالَ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا ))
[ مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ]
وفي رواية أخرى: (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ]
((عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ ))
[ البخاري عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
فيجوز أن تدفع المرأة صدقتها لزوجها إن كان فقيرًا، وهي زوجة ميسورة وزوجها دخله محدود، وزكاة مالِها خمسة أو ستة آلاف، فإذا دفعت هذا المبلغ لزوجِها فلها أجرانِ، لأنَّ أقرب الناس لها زوجها، وعنده كِساء الأولاد في فصل الشتاء، ولا يوجد معه، فقالت له: هذه خمسة آلاف... فإذا قدّمت المرأة لزوجها قسطًا من دخلِهِا أو شيئًا من مالها جاز ذلك، وأحياناً ترِث مالاً من والِدها، فتضعه عند أخيها، وزوجها في أشد الحاجة، ويمكن للأخ أن يقول لها: لم نربح شيئًا، أمّا الزوج بهذا المال فأولى.
فهذا الحديث دقيق جداً: فإذا ورثت امرأة شيئًا وزوجها في حالة عُسر شديد، ورأته كأنه غريب فما هذا الزواج!؟ وما هذه العلاقة الزوجية المتفككة!؟ من أنتِ ومن زوجِكِ.. سيان.. فأحياناً الأب لا يرضى أن يذهب المال للصهر؛ زوج البنت.. لقد ذهب لابنتكَ، أي إذا كان الصهر يسكن في بيت بأجرة، وأحرزت الزوجة مالاً فوضعته مع مال زوجها فأصبحا يمتلكان بيتًا فمن هو هذا الصهر؟ أليس زوج ابنتك!؟، أليس من الأفضل أن يسكنا في منزل ملك لهم!؟ هناك أناس أُفُقهم ضيّق، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لها أجران أجرُ القرابة وأجرُ الصدقة". لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته :
هناك نقطة أخيرة، لا يجوز للإنسان أن يُعطي الزكاة لمن تجبُ عليه نفقته، أي أن يدفع زكاة ماله لابنه في حجره، فهذا لا يجوز.. عليه زكاة مبلغ خمسة آلاف، وابنه ينقصه ثياب للعيد، فدفعها ثمن ثياب لابنه وجميع أولاده، أصبحت الحالة داخلية، والفقهاء قالوا: " لا يجوز إلا في حالةٍ واحدة إذا الابن حصل على وظيفة وتزوّج وصار مستقلاً عن الأب "، أي لم يبقَ على الأب نفقته، والابن اشترى بيتًا فدفع نصف ثمنه، فهل يجوز أن يُعطي الأبُ زكاة مالِهِ لابنه!؟ نقول: يجوز مع التأكيد، لأنَّ هذا الابن مستقلٌ في النفقةِ عن أبيه، وفي الأصل لا يجوز إلاّ إذا استقل في الإنفاق عن أبيه، فيصبح عندئذٍ جائزًا.
والآن حالة مُعاكسة: يجوز أن تُدفع الزكاة للأخت قولاً واحداً، إلا في حالة واحدة؛ إذا كانت الأخت تسكن مع أخيها ويُنفق عليها، فأصبح دفع الزكاة للأخت من توفير النفقات.
والشرع دقيق جداً: الأخت يجوز أن تُعطيها إلا إذا كانت في حِجرِكَ وتُنفِقُ عليها فلا يجوز، والابن لا يجوز أن تُعطيه الزكاة، فإذا كان مستقلاً عنك جاز.
تروي السيرة أنَّ بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام دفع زكاة مالِهِ لأخٍ له ليدفعها عنه، فأتى هذا الصحابي الموكّل بدفع الزكاة ودفع جزءاً من زكاةِ هذا المال لابن هذا الصحابي الذي أعطاه المال، فلمّا بلغه الأمرُ غَضِبَ غضباً شديداً، وتوجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشكو أخاه، كيف يُعطي زكاة مالِهِ لابنهِ المستقل عنه، فلما سَمِعَ النبيُ ما حدث أجازَ الصحابي " لأنه مستقل "، وهنا القصة أصبحت دقيقة: إذا كان ابنك متزوجًا ومستقلاً عنك في النفقة، وليس لك علاقة به فدفعت جزءًا من زكاة مالك له فأتمَّ به ثمن البيت، أو دفع المهر فهذا يجوز، وأباح الفقهاء أن تدفع الزكاة لأختِكَ إلاّ إنْ كانت تقطن في بيتك فلا يجوز، لأنَّ هذا من باب توفير النفقات.

السعيد
09-10-2018, 05:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الخمسون )


الموضوع : صلاةالجنازة - 2








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أحقُّ الناس بالصلاة على الميت :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع صلاة الجنازة إلى فصل " مَن أحقُّ بالصلاة على الميت؟ " فالسلطان أحق بالصلاة على الميت، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت، هذا هو التسلسل، ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره، ومن له حق التقدم في صلاة الجنازة إماماً أن يأذن لغيره، فإن صلى غيرُه من دون إذنه فلصاحب الحق في التقدم إماماً أن يعيد الصلاة، فلو أن ميتاً أوصى أن يصلي عليه فلان، و بحسب الشرع، السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم الولي، تقدم قواعد الشرع على وصية الميت في صلاة الجنازة، ولو أن ميتاً دفن من غير صلاة جاز أن تصلى صلاة الجنازة على قبره وهو مدفون، أمّا إذا اجتمعت الجنائز فالإفراد بالصلاة لكل منها، أي الأَولى أن يصلى على كل جنازة على حدة، و أما في الترتيب الزمني فيقدم الأفضل فالأفضل، وإن اجتمعت جاز أن يصلى عليها جميعاً مرة واحدة، بشرط أن تُصَفَّ النعوش على شكل رتل أحادي باتجاه المحراب، أي الرؤوس مع الرؤوس، الأول فالثاني فالثالث وهكذا، وجُعلت صفاً طويلاً مما يلي القبلة، حيث يكون صدر كلٍ قدام الإمام، ويقف الإمام تجاه صدر الأول، ووراء الأول صدر الثاني، و هكذا، و يراعى الترتيب؛ فيجعل الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان، ثم النساء، ولو دفنوا في قبر واحد لحاجة ماسة عُكِس الترتيب، فيُبدأ بالنساء، فالصبيان، فالرجال باتجاه القبلة، أي الرجل مما يلي القبلة، ثم الصبي، ثم المرأة، أما في المسجد فمما يلي الإمام بعكس القبلة، وهذا هو الترتيب، ولو فرضنا أنّ رجلاً دخل مسجدًا يُصلى فيه على ميت فلا يجوز أن يقتدي بين تكبيرتين، بل ينتظر حتى يكبر الإمام فيدخل معه في أثناء التكبيرة، وبعد أن يصلي يتابع الذي يصلي متأخراً خلف الإمام، أما من كبَّر مع التكبيرة الرابعة التي بعدها سلام فقد فاتته صلاة الجنازة، أي إذا دخل مع التكبيرة الرابعة فقد فاتته صلاة الجنازة، ومن استهل سُمَّيَ و ُغسل و صلي عليه، فأيّ طفل ولد حديثاً، وبمجرد أن ولد مات، فإذا استهل أي إذا رفع صوته بالبكاء سمِّي وغسل وصلي عليه وورث، فصوت البكاء هذا خلال ثانية غيَّر نظام الإرث كله، يروون حسب القواعد أن السلطان ثم نائبه ثم القاضي ثم إمام الحي ثم الولي هم أحق الناس على الترتيب بصلاة الجنازة إماماً، ويروى أن أحد القضاة وكان سيئاً جداً من حيث الأخلاق، تولى منصب القضاء، وبحكم هذه الأحكام فهو الذي يجب أن يصلي على الجنازة، فكان يسير خلفها في أثناء التشييع، ثم أعطى أمراً أن توضع على الأرض فوضعت، وأعطى أمراً أن يفتح النعش ففتح، فتقدم إلى أُذُن الميت وهمس في أذنه بعض الكلمات، ولشدة قسوته وجبروته وظلمه لم يجرؤ أحد أن يسأله، يا سيدي القاضي ماذا قلت للميت؟ قيل: بعد أيام وكان في انبساط سأله أحد المقربين إليه: يا سيدي ماذا قلت لهذا الميت؟ قال له: قلت له: لو أنك سئلت في الآخرة عن أحوال أهل الدنيا فقل لهم كلمة واحدة، قل لهم: إن فلاناً قد صار قاضياً وانتهى الأمر، أي هذه كلمة موجزة تنبئك عن شيء كثير، إن قيل لك: كيف أحوال أهل الدنيا؟ فقل لهم: إنّ فلاناً قد صار قاضياً، ذكرني هذا أن التسلسل السلطان، ثم نائبه، ثم القاضي، ثم إمام الحي، ثم ولي الميت.
أما إذا ولد ميتاً غسل في رأي أكثر الأئمة وأدرج في خرقة ودفن من دون أن يصلى عليه، ولا يصلى على باغ، أي على إنسان تجاوز الحدود، ولا على قاطع طريق قُتِل حال المحاربة، أي قتل في أثناء قطع الطريق، ولا على قاتل غيلة، ولا على مقتول عصبية، هؤلاء جميعاً لا يصلى عليهم، لأنهم خرجوا عن قواعد الدين، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع موضوع الجنازة.
* * *
الإحسان في البيع والشراء :
والآن إلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، وما زلنا في موضوع الإحسان في البيع والشراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرةً بالمسامحة وحق بعضهم، ومرةً بالإمهال والتأخير، ومرةً بالتساهل في طلب جودة النقد:
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى ))
[ البخاري عَنْ جَابِرٍ]
وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ))
[ مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا ذكرناه في الدرس الماضي. البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء أن نمشي إلى صاحب الحق :
الآن البند الرابع في الإحسان في البيع والشراء، وفي توفية الدين؛ ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن نمشي إلى صاحب الحق ولا نكلفه أن يمشي إلينا، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 178]
ومن معانيها انتهاء الغائب، فيجب أن يؤدى الدين إلى بيت صاحب الدين، أو إلى محله التجاري، أو إلى المكان الذي أخذ منه، أما أن يقول من عليه الدين: تعال خذ، فهذا ليس من السنة، فإذا كان مسافراً فبعت بيعة لمدينة وأخبرته فقال لك: تعال وخذ بعض الثمن، وأنت حينما اشتريت البضاعة خرجت من مدينتك وسافرت إلى هذه المدينة، أما إذا جاء وقت وقال: دفع الثمن تعال وخذ فهذا ليس من السنة، وأداء إليه، فالأجرة تؤدى إلى صاحب الدين، وإذا استعرت حاجةً، كأنْ يقول رجل لجاره: أعرنا السلم، فقال له جاره: والله ظهري يؤلمني، قال له: ما علاقة ظهرك بالسلم؟ فقال له: من أجل أن أعيده، قال: أنا الذي سوف أعيده، وأداء إليه بإحسان، ودخل في هذا الإعارة، فإذا استعرت شيئاً فأرْجِعْه إلى مكان أخْذِه بإحسان، فالكتاب يجلد، والسلم إذا كان فيه كسر يصلح، وكل شيء استعرته إن كنت مؤمناً حقاً، أو كنت مسلماً تعيده بحالة أجود مما أخذته، وهذا هو الأداء الحسن.
إذاً وذلك أن نمشي إلى صاحب الحق، ولا نكلفه أن يمشي إلينا: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومهما قدر على قضاء الدين فالمبادر إليه ولو قبل وقته، وليسلم أفضل مما شرط عليه وأحسن فإن عجز فلينوِ قضاءه مهما قدر، لأنّ هذا الدين إحسان، وعليك أن ترد الإحسان بإحسان مثله، وهذا هو خلق المسلم، ولذلك لم يكن النبي الكريم يصلي على من عليه دَيْن: ((عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))
[ البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وفي الحديث: ((من أدان دينا ينوي قضاءه كان معه عون من الله تعالى على ذلك))
[كنز العمال عن ميمونة]
الإعانة للمشتري لأن البائع راغب عن السلعة والمشتري محتاج إليها :
لذلك:
((من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها جاء يوم القيامة زانياً، ومن أخذ مالاً من أخيه وهو ينوي ألا يؤديه إليه جاء يوم القيامة سارقاً ))
[كنز العمال عن صهيب]
ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله، هكذا الأدب؛ دعه فإنّ لصاحب الحق مقالاً، وليقابله باللطف اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض فالإحسان أن يكون الميل الأكثر إلى من عليه الدين، فإن المقرض يقرض عن غنىً، والمستقرض يستقرض عن حاجة، وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر، لأن البائع راغب عن السلعة، ويبتغي ترويجها، والمشتري محتاج إليها، فعندنا المستقرض والمقرض، والمشتري والبائع، المشتري أضعف، والمستقرض أضعف، فينبغي أن يميل الوسطاء مع الأضعف، إلا أن يتعدى من عليه الدين حدَّه، أو حصل عدوان؛ بأن ماطل أو أنكر وجحد، فعندئذ ينبغي أن تعين صاحب الحق على أخذ حقه. ((عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ))
[ البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْه]
لو فرضنا إنسانًا عليه دين مستحق وماطل، فمضت سنة وسنتان وثلاث، وبلغك أن فلاناً الذي أخذ منك المال منذ سنوات له ذمة عند فلان، فإذا ذهبت إلى فلان ورجوته أن تمهل في أداء ما عليه لفلان لعله يحننه عليك، هذا الذي عليه أن يعطي إذا تريث له أجر، لأنه أعان على إيصال الحق إلى صاحبه. الأدب الخامس أن يقيل من يستقيله :
والأدب الخامس أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستنصر بالبيع، كأنْ يشتري إنسان حاجة وندم عليها، فقال لك: هل يمكن أن تلغي لي الصفقة؟ فإذا لم تُلغِها فهذا هو العدل، وإذا ألغيتها فهذا إحسان، وأنت مأمور بالعدل والإحسان معاً.
سمعت من رجل عنده محل يبيع مفروشات أنّ امرأة جاءته واشترت طقمًا دفعت ثمنه، ولكن لفت نظره الدفع خمسات وعشرات، بعد ساعتين أو ثلاث جاءته باكيةً ترجوه أن يرجع الطقم إلى محله، لماذا؟ لأن ثمن هذا الطقم كانت قد وفرته من مصروف البيت، وكان زوجها سكيراً، فلما علم أن معها هذا المبلغ قال: أحضريه وإلا طلّقتكِ، فذهبت إلى الذي باعها الطقم ورجته أن يقيلها - أي أن يرجع لها الطقم - قال لي هذا الذي باعها الطقم: أرسلت سيارةً على حسابي وأحضرت الطقم إلى محلي، وأعدت لها المبلغ بشكل أجود وقال: والله الذي لا إله إلا هو وهو على الرصيف بعته وبزيادة ولم يدخل المحل.
(( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه))
[ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحيانًا يريد الإنسان أن يقبض بالعقد عربونًا، والعربون غير شرعي، فلزم هذا البيع، ولا يوجد حالة ثانية، فإما أن ينفذ هذا البيع، وإما أن يقيلك من دون عربون، أما إذا قلت له: العربون عشرة آلاف، وفي العقد بيت بخمسمئة ألف، عربونه عشرة آلاف، إذا نكث أحد الفريقين ضيَّع عليه العربون، ولو فرضنا صاحب البيت جاءه زبون بستمئة ألف، والعربون حسب العقد، وأنا قلبت، وبحسب نص العقد أنا ليس لي مصلحة أن أبيعك، أخذ تسعين عوضًا عنها، لا، أكتب دفعة أولى من ثمن البيت، فالبيع لا يوجد له حل وسط، هو بيع شرعي لوجود إيجاب وقبول، فأنت مع أحد حالين؛ إما أن تقيله، وإما أن ينفذ البيع، أما أنْ نضع لكل عقد عربونًا، فإذا قبِل الشاري خسر العربون، فهذا المبلغ ثمن ماذا؟ لا ثمن له، ولا مقابل، فهذا المبلغ حرام، ففي عقود البيع اكتبوا دفعةً أولى، فالبائع بالخيار، إما أن يلزم المشتري باستلام المبيع وقبض الثمن، وهذا من حقه، وإذا امتنع رفع الأمر للقاضي لإنفاذ البيع، وإما أن يقيله وله عند الله أجٌر كبيرٌ، وليس كل الربح مالاً، فقد تربح أجراً عند الله تعالى، وقد تربح رضا الله عز وجل، وهو أكثر ربحًا من المال، وأثمن من المال بكثير، ولا ينبغي له أن يرضى لنفسه أن يكون سبباً في ضرر أخيه: (( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَه))
[ أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الأدب السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة :
والأدب السادس: أن يقصد في معاملته جماعةً من الفقراء بالنسيئة، وهذا الأدب رائع جداً، فالبائع المسلم لو شعر أن هذا المشتري فقير، وأن هذا المبلغ لا يكفيه، فإذا أمهله في قبض الثمن إن كان المشتري مؤمنًا وصادقًا موثوقًا فيه، وماله لا يكفيه، ويلزمه براد، ويملك خمسمئة، وثمن البراد ألف وخمسمئة، قال له: هاتها وأحضر لي كل شهر مئتين، فبالعقلية التجارية هذه خسارة، فلو قبض ثمنه نقدًا كان أفضل، لكن بعقلية المؤمن هذا ربح كبير، إنك عملت معه عملاً صالحاً لا يعلم غير الله كم يثيبك عليه، ولذلك من الإحسان في البيع والشراء أن يقصد إلى جماعة من الفقراء المؤمنين فيبيعهم بالنسيئة؛ أي إلى أجل بالتقسيط، ولكن بالتقسيط الشرعي الذي لا يوجد فيه زيادة عن الثمن النقدي، وهو في هذا الحال عازم على ألا يطالبهم إلا أن تظهر ميسرتهم.
طرق تجارات السلف مع الله عز وجل :
فقد كان أحد الصالحين من السلف له دفتران للحساب، يأتي إليه أخ طيب، صادق، مخلص، رقيق الحال، فيشتري منه حاجة، ومعه ربع ثمنها، من أجل مكانته يوجد عنده دفتر خاص للإحسان في البيع والشراء، فيسجل عليه الذمة أمامه، ويقول له: حينما يتيسر لك دفعها ادفعها لي، وهو تركها من باله، ولكن أمام الزبون قيَّدها عليه، إن جاءه أو لم يأتِ حُسبت له عند الله صدقةً أو زكاةً، أو ما شابه ذلك.
فكان صالحو السلف لهم دفتران للحساب، أحدهما فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء، والدفتر الثاني لإنسان اضطر أن يستدين دينًا شرعيًا فيطالبه في وقته المناسب، أما الفقير فيسجله عليه ولا يطالبه، وإذا لم يدفعه فهذا محسوب من الزكاة أو من الصدقة، وهو ما أراد أن يعطيه على شكل عطاء لئلا يتحرج هذا الفقير، بل على شكل دين، وحينما يتيسر له المبلغ يدفعه له، فما دام فقيرًا ولم يتيسّر المبلغ لم يطالبه به، فكانوا يتفننون بإرضاء الله عز وجل بخدمة الناس.
كان الطبيب إن رأى المريض رقيق الحال يوقِّع توقيعًا خاصًّاً على الوصفة الطبية، ويقول له: خذ هذه الوصفة من الصيدلية الفلانية، وهو على اتفاق مع هذا الصيدلي، إن وجدت هذا التوقيع الفلاني تعطيه دواء من دون ثمن، وأنا أدفع ثمنه، كيف يرضي الله عز وجل؟ يحتاج إلى عمل صالح، أما الآن فيكاد المريض يموت ادفع أوّلاً إلى الموظف، ثم ادخل عليّ، هذا إذا لم يكلِّفه بتحليل ليس له لزوم، متفقًّاً مع المحلل، فهذا عمل آخر، أو إذا لم يكلِّفه بعملية ليس لها لزوم، إذْ معه سرطان ليس له حل، يفتح البطن وينتزع كتلة لحمية ويقول له: كلَّفتك ثمانية آلاف، وهو يعرف أنه لا يوجد أمل، هكذا صار الأمر ونعوذ بالله، إنه طبيب يقترح على مريض إجراء عملية لا لزوم لها ليقبض الثمن، أو طبيب يعطي مريضًا إبرة ماء مقطر ثمنها عشرة قروش، ويقول له: هذه فيتامينات، فيقول المريض: والله انتعشتُ يا أخي بعد أن أخذتها شعرت بنشاط، ولقد كان الطبيب رحيمًا وحكيمًا وناصحًا.
يقول له الطبيب الصالح المؤمن: خذ ما تريد، فإن تيسر لك فاقضِ، وإلا فأنت في حل منه، فاطمأن، فهذه طرق تجارات السلف، وقد اندثرت اليوم، ولم يعد لها مثيل، والقائم بها قليل، وبالجملة التجارة محك الرجال، وبها يمتحن دين الرجل وورعه، وقد قيل: "لا يغرنك من المرء قميص فيه رقعة، أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه، أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه، ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه".
من أثنى عليه جيرانه و أصحابه و معاملوه فعلى الإنسان ألا يشك في صلاحه :
قيل " إذا أثنى على الرجل جيرانُه في الحضر، وأصحابه في السفر، ومعاملوه في السوق فلا تشكُّوا في صلاحه"، إذا هؤلاء جميعاً أثنوا عليه فلا تشكّوا في صلاحه.
وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال: "ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار حتى يستبين ورعه؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته في المسجد يصلي ويقرأ القرآن، قال: نعم، قال: أنت لا تعرفه، يا رجل ائتني بمن يعرفك، هذا لا يعرفك، لا جاورك، ولا سافر معك، ولا عاملك بالدرهم والدينار، ولكن لعله رآك في المسجد تصلي وتقرأ القرآن".
وإنسان أحبّ أن يذهب إلى الحج، ومعه مبلغ من المال، وهو خائف عليه، فدخل إلى المسجد وتفرس في المصلين، فوجد رجلاً وجهه خاشع، وأعجبته صلاته، وبعد أن انتهى قال له: أنا أحببت صلاتك، ومعي مبلغ من المال أريد أن أضعه عندك وديعة حتى أعود من الحج، فقال له: أنا أيضاً صائم، فقال له: صيامك ما أعجبني، وفي رواية أخرى قال له: فإنك لا تعرفني؟ يا هذا لا يضرك أنه لا يعرفك، وقد تكون صالحًا، فانظر إلى الدقة.
شفقة التاجر على دينه :
والآن مع فصل جديد في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه، فيكون عمره ضائعاً، وصفقته خاسرة، وما يفوته من الربح بالآخرة لا يفي به ما ينال من الدنيا، البارحة قلنا في درس السبت بعد العشاء: إنه إذا كان عند إنسان فندق خمس نجوم، بثمانين طابقًا، وكل طابق فيه خمسون غرفة، وكل غرفة ثمن حجزها ثمانمئة فرنك فرنسي، أو مارك ألماني، أو دولار، وهو محجوز سنتين بكامله، قال عليه الصلاة والسلام:
((القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه))
[الطبراني في الكبير عن أنس]
فالذي فهم القرآن أغنى من هذا، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أعطاه اللّه كتابه فظن أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد غلط، وفي رواية صغر أعظم النعم))
[فيض القدير]
لأنه باقٍ، والدنيا زائلة. لا تركنن إلى القصور الفاخرة و انظر عظامك حين تمسي ناخرة
وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل يا رب إن العيش عيــش الآخرة
***
الإنسان مهما حصّل من ربح الدنيا وفاته ربح الآخرة فهو خاسر :
مهما حصّل الإنسان من ربح الدنيا، وفاته ربح الآخرة فهو خاسر، فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل يجب على العاقل أن يشفق على نفسه، وشفقته على نفسه بحفظ رأسماله، وحفظ رأسماله دينه، وقال بعض السلف: "أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليها في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبةً في الآجل"، لأنّ أحوج ما تحتاجه في الدنيا إيمانٌ، أما الآن فأهم شيء البيت والزوجة والمحل، والآخرة عليها السلام، أما أحوج شيء إليك فإيمان بالله تسعد به في الآخرة، واليوم ذكرت لأخ معنى قوله تعالى: ﴿ َولاَ َتْنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
قلت له: ربنا عز وجل قال في قصة قارون: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فهذا سمع الآية، وهو رجل منعم، قلت له: معنى الآية كأن يذهب طالب في بعثة حكومية إلى بلدةٍ أجنبية؛ إلى باريس مثلاً، حيث فيها الملاهي، والأحياء الساقطة، والمتاحف، والمسارح، والمتنزهات، والأشياء الجميلة الفاتنة، ودور سينما، والسهرات مع الأصدقاء، وفيها جامعة السوربون، فهذا الطالب الذي أوفد في بعثة رسمية ماذا يعنيه من باريس بالذات؟ الدراسة وهذه الجامعة، نقول لهذا الطالب: ولا تنسَ نصيبك في هذه البعثة، فأنت جئت إلى هنا للدراسة، فإذا درست تعود إلى بلدك معززاً، مكرماً، تحتل منصباً مرموقاً، وتنال دخلاً كبيراً، و تسكن بيتاً فخماً، وكل نعيم الدنيا ينتظرك في بلدك، فإذا حصلت الشهادة العليا في هذا البلد فنصيبك من هذه المدينة أن تحصّل الدكتوراه، فإذا حصلتها سعدت بها في بلدك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
على الإنسان أن يبتغي الدار الآخرة بما آتاه الله عز وجل :
رجل آتاه الله المال يجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله العلم فيجب أن يبتغي به الدار الآخرة، ورجل آتاه الله جاهًا، ورجل آتاه الله قوة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فإياك أن تأتي إلى الدنيا، وترحل عنها، وتنسى المهمة التي جئت من أجلها: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات:56]
خلقت لمعرفته، وخَلقتُ لك ما في السموات والأرض، وخلقتك من أجلي، وخلقتُ لك ما في السموات والأرض فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك ألاّ تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك. نصيب الإنسان من الآخرة يناله من نصيبه في الدنيا :
قال لي أخ كريم: أنا أفهم الآية التالية غير هذا، قلت له: كيف؟ قال: أنْ يتمتع بالحياة، ويأخذ حظه، ويأكل ويشرب ويلبس ويذهب للنزهات، فأنت فهمتها بشكل آخر، وأنت قلبت المعنى، قلت له: السياق العام يقصد هذا المعنى
﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾
قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
فحدثتْ مناقشة بيني وبينه، فأنا أصر على أن النصيب هو معرفة الله سبحانه و تعالى، أي أنت في الدنيا علاقتك أن تعرف الله، والباقي كله زائف، فإذا عرفته سعدت بقربه، أنت في باريس أيها الطالب لك مهمة واحدة؛ أن تحرز هذه الشهادة، وما سوى ذلك لا قيمة له، وتسعد بهذه الشهادة في بلدك، وأنا أصر، وهو يصر: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا َ﴾
[ سورة القصص : 77 ]
ثم قلت له: وأنا أوجه هذه الآية، فالنصيب هو الحظ، وقلت له: صحيح أنّ ما عند الله في الآخرة من سعادة لا يدرك إلا في الدنيا، وما عند الله في الآخرة من عطاء كبير وسعادة أبدية لا تدرك إلا في الدنيا، فكأن الله سبحانه وتعالى وصف المهمة التي هي سبيل سعادتك بما سيكون، والعرب تقول كذلك؛ تقول: رعينا الغيث، أي رعينا كلأً سببه الغيث، فإذا كان الحظ هو العطاء والنصيب، فنصيبك من السعادة في الآخرة لا يتحقق إلا في الدنيا، لقد أمضيتُ وقتاً طويلاً في صبيحة هذا اليوم وأنا أناقش هذا الأخ الكريم في معنى هذه الآية، واليوم قبل أن آتي إليكم؛ سبحان الله عثرت عند الإمام الغزالي على توجيه مشابه تماماً لهذا التوجيه، فأنا تفاجأت، يقول الإمام الغزالي: وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتأخذه، أي نصيبك من الآخرة تناله من نصيبك في الدنيا، فما عند الله في الآخرة تأخذه من نصيبك في الدنيا، ونصيبك في الدنيا الاختيار، فإذا كنت مختاراً، و عرفت الله مختاراً، وعبدته مختاراً، واستقمت على أمره مختاراً، وعملت الصالحات لأجله مختاراً، فأنت قد حققت الهدف قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾
أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة- وهذا شرح الإمام الغزالي بالضبط- فإنها مزرعة الآخرة، وفيها تكتسب الحسنات. شفقة التاجر على دينه تتم بمراعاة سبعة أمور :
وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور، هذا شيء مهم جداً، لأنّ معظم الناس عملهم في التجارة، ومعظم الموظفين عملهم في التجارة، فقد قرأت مرة كتاباً لأديب مصري اسمه المويلحي، يقول في هذا الكتاب: "يا ليت آباءنا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع و الشراء، و ترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين"، أي قبل خمسين عامًا كانت الوظيفة هي أرقى شيء في الحياة، والموظف مستغنٍ، ودخله يزيد عن مصروفه عشرة أمثال، وهو عزيز، ودارت الأيام فصار التاجر دخله يغطي الحاجات، لكن دخل الموظف قد لا يغطي حاجاته، فلذلك هذه أشياء سبع مهمة جداً، أرجو أن تكون في أذهانكم وفي قلوبكم، قال: لا تتم شفقة التاجر على دينه إلا بمراعاة سبعة أمور:
أولها: حسن النية في ابتداء التجارة، أي تكون نيته منها طيبة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، هذه أول نية، و كف الطمع عن الناس استغناءً بالحلال عنهم، فإذا كان للرجل دخل كاف لا يشتهي من أحد شيئًا، ولا يشتهي أن يقدم له أحد شيئًا، ولا يشتهي مال الآخرين، و لا عطاءهم، ولا هداياهم، فقد كفاه الله، فأول نية الاستعفاف بها عن السؤال، و النية الثانية الكف عن الطمع بما في أيدي الناس بالحلال، واستعانته بما يكسبه على الدين، هذه الثالثة، فيستطيع أن يحضر مجلس علم، ويستطيع أن يعين الفقراء، ويساهم في بناء مسجد، ويتمكن أن يدعوَ أخًا إلى بيته، وإذا كان مسافرًا يضيفه، فأول هدف الاستعفاف عن السؤال، والهدف الثاني الكف عما في أيدي الناس، والثالث الاستعانة بالتجارة على الدين، والرابع قيامه بكفاية العيال، أي رجل عنده زوجة، وأولاد، وله والدة، وأب، وأخ، وأخت ليست متزوجة، ينفق عليهم طعامًا وشرابًا ولباسًا، وهذا هدف كبير، ليكون من جملة المجاهدين به، فهذه النيات؛ الاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال عما في أيدي الناس، هذه الأهداف لخصها سيدنا أبو ذر الغفاري فقال: "حبذا المال أصون به عرضي و أتقرب به إلى ربي"، و لينوي اتباع طريق العدل و الإحسان في معاملته، و لينوي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق، فإذا أضمر هذه النيات كان عاملاً في طريق الآخرة، فإذا استفاد مالاً فهو مزيد، و إن خسر في الدنيا ربح في الآخرة، والاستعفاف عن السؤال، والكف عما في أيدي الناس، والاستعانة بالمال على الدين، وإغناء العيال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السوق، واتباع طريق العدل والإحسان، وإذا أضمر هذه النيات و لم يربح شيئاً فقد ربح الآخرة، و إذا ربح شيئاً فوقها فقد ربح الدنيا و الآخرة، فهذا التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين يوم القيامة.
اختلاف المصالح رحمة :
الآن سنختار الصنعة - المصلحة - البضاعة، أيْ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات و التجارات لو تركت لهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل، و تكفل كل فريق بعمله، و لو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت باقي الصناعات، و هلكوا، وعلى هذا حمل بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم:
(( اختلاف أمتي رحمة ))
[البيهقي عن ابن عباس]
أي لها فهم عميق جداً، وليس اختلافها في الفكر أو في العقائد، كلاّ، أي هذا يحب أن يعمل في القماش، وهذا بالألبسة الجاهزة، وهذا بالمنجور، وهذا بالحديد، وهذا بتصليح السيارات، وذاك بالكهرباء، والآخر بالألمنيوم، وإنسان بالسجاد، أو بالتنظيف، أو بالكي، أو بالتدريس، وهذا بالتطبيب، وهذا بالمحاماة، فـ: (( اختلاف أمتي رحمة ))
[البيهقي عن ابن عباس]
لو عملوا جميعهم في مصلحة واحدة ستموت من الجوع، ومن الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما يستغنى عنها، لرجوعها إلى طلب التنعم والتزين، فثمة مصالح مهمة جداً كتأمين أقوات الناس، وتأمين ملبسهم، وتأمين مسكنهم، وحاجاتهم الأساسية، وهناك مصالح إذا جاع الناس استغنوا عنها، عنده عصفور سعره ثلاثة وعشرون ألف ليرة، جميل جداً، والله إذا لم يجد رجل طعاماً فلا حاجة له بهذا العصفور، وهناك مصالح أساسية، وأخرى ثانوية، فإذا أكرم الله رجلاً بمصلحة أساسية بأن يكون عمله حلالاً فنعمَّا هي. ذكر لبعض المصالح من باب الحسن و الأحسن :
والمشكلة الآن أريد أن أقرأ نصوصاً لا أريد أن يتحرج أحدٌ، لأن فيها ذكرًا لمصالح عديدة، فهنا حسن، وهناك أحسن، وليس من باب الحرام، هذا الكلام من باب الحسن والأحسن، مثلاً يشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافياً للمسلمين في حاجاتهم، فصناعة النقش وتزيين السقف بالجبس مصلحة رابحة، ولكنها ليست أساسية، وكذا الصياغة و جميع ما تزخرف به الدنيا، أي إذا كان عمله بالزخرفة، فكل ذلك كرهه أهل العلم، أما إذا عمل في الملاهي والآلات فهذا حرام، أو يبيع أشرطة تسجيل فيديو، هذه قضية محرمة لأن فيها إفسادًا للأخلاق، وهناك أشياء كل شيء فيها التعامل به محرم، فأما عمل الملاهي و الآلات التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم، ومثلاً صياغة الصائغ لخواتيم الذهب للرجال فهذه محرمة لأن استعمال الذهب للرجال حرام، والأجرة المأخوذة عليه حرام، ولذلك فكل إنسان يتعامل بحلي الرجال فعليه زكاة على الذهب، أما حلي المرأة فهناك اختلاف، وأرجح الأقوال أنه ليس على حلي المرأة زكاة، وبيع الأكفان مكروه، والآن الناس ارتاحوا منه، فهناك دائرة حكومية لبيع الأكفان، لأن الرجل يسترزق بموت الناس، فإذا خف الموت تضايق، لا أحد يموت، وهذه مكروهة أيضاً، لأنه يجب انتظار موت الناس، وهناك بعض الأعمال متعلقة بإزالة النجاسات، وهذه أيضاً مكروهة، لأنه أصبح جميع عمله مع النجاسات، قال ابن سيرين يكره كسب الدلال، فالدلال كسبه حلال وحرام بآن واحد، لماذا؟، وكره قتادة أجر الدلال، ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال فيه عن الكذب، أي يلزمه أن يكذب كثيراً حتى يسير عمله، دخل دلالٌ بيتًا شماليًا، ويظهر أن المشتري مستعجل، وأعجبه البيت، فقال له: إن شاء الله قبلي؟ قال له: طبعاً، وأحضر سجادة صلاة ليصلي، فصلى باتجاه الشمال، وباع البيت فيلزمه أن يكذب طبعاً، والإفراط في الثناء على السلعة بترويجها، مثلاً دلال أقمشة يقول: هذا قماش لا يوجد منه، و لن يأتي منه إطلاقاً، ويكون هو دون الوسط، وإذا كان الدلال صادقًا فأجره حلال.
القضية في بعض المصالح ليست قضية تحريم وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع:
أيها الأخوة؛ لا أحد يتوسوس من نفسه، أما إذا بدأ يكذب، ويُلبِس لفة هذا لهذا، و لفة هذا لهذا فلا، مرة قال لي شخص يريد أن يبيع سيارته - والقصة قديمة- قال له: هذه ثلاثون ألفًا، وغاب اليوم الثاني، فقال له: أريد سيارة بهذه الماركة، قال له: هذه سعرها ثمانون ألفًا، يريد أن يبيعها بثلاثين، ويريد أن يشتريها بثمانين، فعندما يكذب الإنسان يصير دخله حراماً، وإن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، و إذا ائتمنوا لم يخونوا، و إذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، و إذا كان لهم لم يعسروا، فهذا شيء دقيق، و لعل السبب في ذلك قلةُ استغناء الدلال عن الكذب، والإفراطُ في الثناء على السلعة بترويجها، ولأن العمل فيه لا يقدر بقدر معين، باع بيتًا بمليونين، وله خمسة وثلاثون ألفًا أخذهم في ساعتين، يقول لك: و الله كثير، مثلاً هذه النسبة عندما كان سعر البيت عشرة آلاف، أو خمسة عشر، فبالمئة اثنان هذا معقول، أما الآن فقد أصبح البيت بمليونين تظل بالمئة اثنان، وقد يكثروا ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب، حتى دلال الأقمشة يقول لك: عندك على البيعة ثمانمئة بالمئة، فتجد أحياناً أن الأجرة تندفع بشعور بالضيق، وكلها عملية ساعتين أو ثلاث، أعطى هذه المسطرة لفلان، وأحضر لك إياها، واتفقتم، يقول لك: اسمح لنا بالأجرة، ليس على قدر الجهد، وإنما على ثمن الصفقة، ومن هنا جاءت كراهية الأجر، فينبغي أن ينظر إلى قدر التعب، وهنا يوجد توجيه دقيق، إذا أمكنك أن تقيِّم قيمة الدلال بقدر التعب فأجره حلال، ونحن لا نحرم ما أحله الله، الدلال إذا لم يكذب، وإذا أخذ أجره على قدر تعبه فهذا حلال، فمثل هذا البيت حتى باعه الدلال أوصل له أكثر من مئة زبون، وقد تعب كثيراً، ثم بيع، فإذا أعطيته أجرة على قدر المحاولات غير الناجحة في بيع البيت صار الأجر حلالاً مئة بالمئة، فالقضية ليست قضية تحريم، وإنما قضية توجيه من وضع إلى وضع، وكرهوا الصرف، الذي هو حديث الناس اليوم، لأن الاحتراز فيه عن دقائق الربا عسير، وقلّما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معاملته بدقائق النقد، وفي هذا الموضوع يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصياغة، وأنا أكره الكسر "، الكسر يعني به الصرف، واستحبوا تجارة البز أي الأقمشة قال سعيد بن المسيب: "ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم يكن فيها أيمان كاذبة"، و قد روي:
(( خير تجارتكم البز))
[ذكره العجلوني في كشف الخفاء عن علي]
و في حديث آخر: ((لو أذن الله تعالى في التجارة لأهل الجنة لاتجروا في البز والعطر))
[رواه الطبراني عن ابن عمر]
الناس في مصالح بعضها :
هذا زرع المزرعة قدم لك خياراً أكلته، وذاك نجر لك الباب فحجب عنك البرد، وآخر عمل لك نافذة من الألمنيوم فوقاك من الرياح، وغيره حاك لك هذا الثوب، وهذا خاطه، فالناس في مصالح بعضها، أما هذا الذي يجلس من أجل البيع و الشراء بالعملات الأجنبية حتى رفع السعر لدرجة عالية، ووقع قلقٌ شديدٌ، هذا ماذا قدم للناس؟ لم يقدم شيئاً، الذي زرع الأرض قدم الطعام و الشراب، والذي صنع صناعة فقد أغنانا بها عن الاستيراد إذْ قدم شيئاً ثميناً، والذي قدم لك خدمة فطببك، أو عالجك، أو درسك، أو دافع عنك أمام القضاء، فكل هذه الأعمال طيبة وتقدم خدمات، أما مَن جلس لبيع و شراء حتى ربح أرباحاً طائلة، فلم يقدم شيئًا للمسلمين إطلاقاً، وإنما بهذه المضاربات حدث هناك أزمات، وهذا شيء قديم وليس حديثًا، و السلف الصالح كان يكره هذه المصلحة، سأل الإمام أحمد بن حنبل رجلاً: ما صنعتك؟ قال: الوراقة، فقال: كسب جيد.
المصالح التي فيها مخالطة للنساء مصالح مكروهة :
كذلك المصالح التي فيها مخالطة النساء فمكروهة، لأنها مظنة فساد وفتنة، عندك صانعون؛ ثلاثة شباب غير متزوجين، والزبائن يدخلون ويخرجون، أشكال و ألوان مائلات مميلات، تلعنهن لأنهن ملعونات، فكل شيء متعلق بالنساء وأغلب الظن أنّ الزبائن رجال فهو مكروه، أمّا أنْ تدخل امرأة فهذا وضع طبيعي، إذا كان العمل قائمًا على النساء مئة في المئة.
كراهية أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات :
و كره السلف الصالح أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات؛ كغسل الموتى، و دفنهم، والأذان، والصلاة، وتعليم القرآن، وتعليم الفقه فإن هذه الأعمال حقها أن يتجر فيها صاحبها للآخرة، وأخذ الأجرة عليها في الدنيا استبدال الدنيا بالآخرة، وهذا لا يستحب، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله، نحن قلنا: إنّ ثمّة سبعة أشياء مهمة جداً في شفقة التاجر على دينه، والكتاب ألّف في عصر قديم، فأنا لا أريد أن يكون هناك حرج على الحاضرين، لكن مثل مخالطة النساء ثابتة، والاشتغال بأمور تزيينية فيها رفاهية شديدة للناس، فهذه أيضاً إذا استطاع الرجل أن يدخل في أشياء أساسية لمصالح الناس فهذا أولى، والأشياء المتعلقة أيضاً بالنجاسات يجب على المسلم أن يترفع عنها، و الصرف كما قلنا لم يقدم للمجتمع شيئاً، وأيُّ إنسان قد يقدم شيئاً، أمّا هذا فما قدم شيئاً، إنما ساهم في تعسير الأمور على الناس بهذه المضاربات.

السعيد
09-10-2018, 05:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الخمسون )


الموضوع : اداب الكسب والمعاش - اداب التعامل فى الاسواق







حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . آداب الكسب و المعاش :
1 ـ على التاجر أن يبدأ تجارته بنوايا طيبة :
أيها الأخوة الأكارم . . . في الدرس الماضي بيَّنت لكم بعض فقرات من آداب الكسب والمعاش للإمام أبي حامد الغزالي ، وكيف أن التاجر يجب أن يبدأ تجارته بنوايا طيِّبة ، من هذه النوايا أن يقصد الكَفَّ عن السؤال - عن سؤال الناس - من هذه النوايا أن يكفَّ عن التطلٌّع لما عند الناس ، من هذه النوايا أن يقصد خدمة المسلمين ، من هذه النوايا أن يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و أن يبني علاقاته مع الناس على الإحسان وعلى العدل ، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى في تجارته ، إذا فعل ذلك كانت هذه التجارة جُزءاً من عمله الصالح .
2 ـ أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات :
البند الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات لأن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق .
3 ـ ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة :
وصلنا إلى البند الثالث وهو ألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، شيءٌ مهم جداً ، عليه إقبال شديد ، عليه ضغط ، بضاعته رائجة ، محلِّه في مكان حسَّاس ، انشغاله في البيع والشراء ، أو انشغاله في المكاسب الدنيويَّة أخَّرته عن المكاسب الأخرويَّة ، إذا فعل ذلك فقد وقع في فخِّ الشيطان . .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
[ سورة المنافقون : 9]
فألا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، للآخرة سوق وللدنيا سوق ، وأسواق الآخرة المساجد ، المساجد أسواق الآخرة ، بها تتعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى ، وبها يزداد علمك ، وتزداد رؤيتك وضوحاً ، ويزداد قربك ، لذلك من علامات المؤمن أنه لا تشغله الدنيا عن الآخرة ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ﴾
[ سورة النور: 37 ]
كلمة رجالٌ لا تعني ذكراً بل تعني بطلاً ، ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس : " ما سمعت حديثاً من رسول إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى ، ولا صلَّيت صلاةً فشغلّت نفسي بغيرها حتَّى أقضيها ، ولا سرت في جنازةٍ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتَّى انصرف منها " ربنا عزَّ وجل قال : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾
[ سورة النور: 37 ]
لا تلهيهم ، للتجارة وقتٌ وللعبادة وقتٌ ، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . . ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾
[ سورة النور: 36 ]
على الإنسان أن يجعل الفترة الأولى صباحاً للآخرة :
يقول الإمام الغزالي : ينبغي أن يجعل الرجلُ أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته . . الفترة الأولى صباحاً هذه للآخرة . . فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد . وكان عمر رضي الله عنه يقول للتجَّار: " اجعلوا أوَّل نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم "
و كان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة ، أوله وآخره للآخرة ، وما بين الأول والآخر للدنيا ، وفي الخبر أن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذِكْر الله كفَّر الله عنه ما بينهما ، أول النهار وآخره فيه ذِكْرُ الله كفَّر الله عنه ما بينهما . . " يا بن آدم لا تعجز عن ركعتين أول النهار أكفِك النهار كلَّه " أنت في النهار كلُّه في حفظ الله ، أنت في ذمَّة الله ، أنت تحت مظلَّة الله ، أنت في توفيق الله ما دمت قد بدأت نهارك بذِكْرِ الله .
ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر ، للظهر والعصر فينبغي ألا يعرج على شغلٍ ، وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه ، فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا وما فيها ، هكذا قال أحد التابعين : مضى عليه أربعون عاماً ما فاتته التكبيرة الأولى في المسجد مع الإمام:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 37 ]
وكان السلف الصالح يبتدرون عند الأذان ، ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمَّة ، وقت الصلاة السوق فارغ ، لا أحد في متجره ، وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات ، إنهم كانوا حدَّادين وخرازين ، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة وأذَّن المؤذِّن لا يهوي بها ، وإذا أدخل الإبرة في الثوب وأذَّن المؤذِّن لا يخرجُها ، هكذا كان السلف الصالح . هذه من باب التأكيد عن ألا يتلهَّى الإنسان بالدنيا عن الآخرة . 4 ـ أن يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق :
الشيء الرابع : ألا يقتصر على هذا بل يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق ، فإذا الإنسان كان في السوق في محلِّه التجاري ، في عمله ، في وظيفته وذكر الله عزَّ وجل ، ذكر آية لشخص ، شرح له حديثاً ، ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى ، قال : سبحان الله ، سمع قصَّة فيها موعظة قال : لا حول ولا قوَّة إلا بالله ، فالإنسان ما دام وهو في مكان عمله يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى :
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[ سورة المعارج: 23 ]
كيف يداوم على صلاته ؟ هناك خمس صلوات ، هذه الآية حُمِلَت على أن قلبهم ملتفتٌ إلى الله سبحانه وتعالى طوال نهارهم ، فهذا المؤمن وهو في السوق يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى . ذكر الله أوسع عبادة على الإطلاق :
بالمناسبة : أوسع عبادة كلمة ذِكْرُ الله ، فإذا ذكرت آيةً كونيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت آيةٌ قرآنيَّةً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حديثاً شريفاً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت حكماً فقهياً فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت دقَّة خلق ربك فقد ذكرت الله ، إذا أمرت بالمعروف فقد ذكرت الله ، إذا نهيت عن المنكر فقد ذكرت الله ، إذا رويت قصَّةً فيها موعظةٌ فقد ذكرت الله ، إذا ذكرت نعمةً فقد ذكرت الله ، إذا قلت : الحمد لله الأمطار بدأت تنهمر ، هذا ذكر لله ، إذا قلت : الله سبحانه وتعالى وفَّقني إلى كذا وكذا ذكرت الله . .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب : 41]
برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله : ((ذاكر اللهِ في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وكالحي بين الأموات ))
[ إحياء علوم الدين عن ابن مسعود]
فأحياناً تجد تجَّاراً في السوق حديثهم فقط متعلِّق بحرفتهم ، بمصلحتهم ، بالأسعار ، فلان ربح ، فلان باع ، فلان خسر ، فلان حمل حملاً فوق طاقته ، فلان نفض من حمله ، فلان جاء لعنده موظَّفو التموين ، فلان سلَّم محلَّه ، فلان اشترى محلاً ، هذا حديث التجَّار ، أما حديث النساء فلانة تزوجت ، فلانة تطلقت ، فلانة اشترت بيتاً ، فلانة طلَّقها زوجها ، فلانة في خصومة ، جاءها ولد متوف ، هذا كلَّه حديث النساء ، أما المؤمن فهذه كلُّها سفاسف . (( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وما والاه ، الصامت في سلام ، والمتكلِّم إمَّا له أوعليه ، فهذا اللسان فيه بابٌ كبير للعمل الصالح وللعمل السيِّئ . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
يمكن أن تشرح آية لأخ ، صديق ، جار ، يتأثَّر فيها ، على شهر شهرين ثلاثة كلَّما التقيت معه حدِّثه شيئاً عن آيات الله ، شيئاً عن آيات القرآن الكريم ، شيئاً عن الصحابة ، شيئاً عن رسول الله ، وبعد هذا حمله الشوق أن يقول لك : أين تذهب أنت ؟ دلَّني على شيخك ، خذني معك إلى مجلس العلم ، تأتي به إلى مجلس العلم ، ما هي إلا أشهر حتَّى يصبح من المؤمنين الصادقين الصالحين ، هذا إنسان ، الآن تزوج امرأة مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، ساهم في هداية إخوته ، وأخواته ، وجيرانه ، أنت في زمانك تكلمت بكلمة ، الله سبحانه وتعالى يطلعك على نتائجها يوم القيامة فإذا أمَّةٌ قد اهتدت بهذه الكلمة ، يوم القيامة أمَّة . . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
معنى أصلها ثابتٌ أي أنها مبنيَّةٌ على حقائق وليس على أباطيل ، مبنيَّة على وقائع لا على أوهام ، مبنية على مبادئ ثابتة لا على نظريات متبدِّلة ، الباطل من صفاته أنه زاهق . . ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
[ سورة الإسراء : 81]
الحق من صفاته أنه ثابت ، الحق هو هو لا يتبدَّل ولا يتغيَّر ، فالحق كالسحاب يسير في السماء ، وما ضرَّ السحاب نبح الكلاب ، الذين يقاتلون الحق كنبح الكلاب والسحاب سحاب وهو هو في عليائه ، وهو هو في حركته وفي تقدُّمه ، لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجه الحق لأن الله هو الحق ، هو الحق المبين .
فوائد ذكر الله عز وجل في السوق :
أحدهم رأى الآخر يصلي فقال له : لمن تصلي ألا تكف عن ذلك ؟ هل أنت متأكد ومصدِّق أن هناك إلهاً موجوداً ؟ هذا المصلي عابد وليس عارفاً لم يستطع أن يرد عليه ، قال له: شكوتك إلى الله ، فقال له : إذا الله موجود فأنا أتحدَّاه ، وإذا كان موجوداً يثبت وجوده ، فما مضى ساعة حتى فقد هذا المتكلِّم بصره ، الله أثبت له وجوده وأعطاه مهلة أن يتوب ، المؤمن مسددٌ رشيد ، مثل الفريقين كالأعمى والأصم ، والسميع والبصير هل يستويان ؟ أعمى وأصم ، سميع وبصير ، المؤمن سميع وبصير ، الكافر أعمى وأصم :
(( ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم ))
[ أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
حشائش يابسة ، وشجرة نضرة وارفة الظلال ، متألِّقة ، صدقاً أحياناً تصافح مؤمناً تشعر أنه كتلة حياة ، كتلة وفاء ، كتلة إخلاص ، كتلة اندفاع ، كتلة محبَّة لله عزَّ وجل ، جاهز للعمل الصالح ، جاهز للنصيحة وخدمة الناس ، عنده غنى بقلبه ، لو لم يكن في يديه إلا دُرَيْهِمَات لملأ الناس غنىً ، إن الغنى غنى النفس ، عنده توكُّل . . قال الإمام الشافعي : " لو أن السماء من نحاس ، والأرض من رصاص ، وأهل مِصْرَ كلُّهم عيالي ما شكوت همَّاً لأحد ، لأن الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين " وقال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ))
[ الترمذي عن عمر بن الخطاب ]
لا إله إلا الله أي لا رازق إلا الله ، لا ينبغي أن تحلف كذباً ، لا ينبغي أن تُدَلِّس ، لا ينبغي أن تَغُش ، لا ينبغي أن تكتم عيباً ، لا ينبغي ألا تنصح المسلمين ، لا إله إلا الله ، لا رازق إلا الله .
وقال الحسن رضي الله عنه: " ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوءٌ كضوء القمر ، وبرهانٌ كبرهان الشمس ، ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله "
إذا كان محلِّه في مكان مزدحم له مغفرة كبيرة ، سيدنا عمر كان إذا دخل السوق قال: " اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ، ومن شرِّ ما أحاطت به السوقُ ، اللهمَّ إني أعوذ بك من يمينٍ فاجرة وصفقةٍ خاسرة "
إذا إنسان غير موفَّق الله سبحانه وتعالى يريه أن هذه البضاعة ممتازة ، وسوف يربح منها أرباحاً طائلة ، فإذا اشتراها نفر الناس منها ، وبقيت في مستودعه لا تباع ولا تشترى، عندئذٍ ربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
[ سورة التوبة: 24 ]
فأصعب شيءٍ في حياة التاجر أن يدخل إلى دكَّانه أو إلى مستودعه فيرى البضاعة قد مضى عليها سنوات ولا يسأله عنها أحد . . ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
[ سورة التوبة: 24 ]
المؤمن الله عزَّ وجل يلهمه البضاعة الرائجة ، والبضاعة غير الرائجة يصرفها عنه، لا يوجد هنا ذكاء بينهما ، تجد تاجراً عريقاً بالتجارة ، له أربعون سنة بالتجارة ، يشتري صفقة فيفلِّس منها ، فسيدنا عمر كان يقول : " اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة " تجارة السلف الصالح لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا :
قال : كنّا يوماً عند الجُنَيْد رضي الله عنه ، فجرى ذكر أناسٍ يجلسون في المساجد يتشبَّهون بالصوفيَّة ، ويُقَصِّرون عما يجب عليهم من حقِّ الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق . جالس في المسجد لأنه ولي ، هذا الذي ذهب إلى السوق محباً للدنيا ، هكذا يقولون . . سمع ذلك الجنيد رضي الله عنه فقال: كم ممن هو في السوق حُكْمُهُ أن يدخل المسجد ويأخذ بأذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه ، وإني لأعرف رجلاً يدخل السوق ورده كل يومٍ ثلاثمئة ركعة .
أي له أوراد ، وله أحوال ، وله مواجد ، وله حالات قرب ، فما كل من دخل السوق يسمَّى محبَّاً للدنيا ، إذا كانت نواياه السبع أن يكفُّ عن السؤال ، أن يكفي أهله ، أن يكفّ عن التطلُّع لما عند الناس ، أن يستعين بالمال على أمر دينه ، أن يذكر الله في السوق ، أن يتعامل مع الناس بالعدل والإحسان ، أن يأمر بالمعروف ، أن ينهى عن المنكر ، أن يخدم المسلمين ، هذه هي النوايا على ما أظن سبع أو ثماني ، إذا كانت هذه نواياه من دخول السوق فأنعم وأكرم، وربَّما سبق العُبَّاد لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء ))
[الدارمي عن أبي سعيد ]
أنا أقول لكم هذا الكلام : التاجر الذي يخشى الله سبحانه وتعالى ، يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله ، عنده هذه البضاعة اشتراها بعشرة ربحه فيها ليرتان صارت اثني عشر ، جاءه شخص بحاجة ماسَّة لها ، لو طلب خمسين سيدفع له ثمنها ، قال له : اثنا عشر ، هذا التاجر لا يمكن أن يخوِّفه الله من جهة ثانية ، لا يمكن أن يخوِّفه الله عزَّ وجل من جهة أرضيَّة، تجده لا يخاف ، أما إذا جاءه شخص بحاجة فاستغلَّ حاجته أبشع استغلال وضاعف السعر ، في اليوم الثاني له حساب ، يأتي له شخص يجعله يرجف ، طبعاً أنت لم تخف الله عزَّ وجل بينك وبينه فخوَّفك من عباده ، من خاف الله خافه كل شيء ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء .
قال لي أحدهم : أنا أرجف رجفاً ما هذه الحياة ؟ عند جاري أتى الموظفون وأنا كلي أرجف ، والله أنا لم أفعل شيئاً ، وكلها بضاعتي ، قلت له : عند الله حساب جار ، يجمع الله البيت والمحل ، البيت هل فيه معاص ؟ فسكت ، من وإلى ، في البيت يوجد حساب وهنا يوجد حساب ، هو عنده البضاعة صحيحة ، وسعرها قانوني ، ووفق الأصول ، لكن الله عنده حساب في البيت ، فإذا لم يكن في البيت غلط وهنا لا يوجد غلط لا تخف . . ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء : 147]
هو عندما كان فيه خشية من الله عزَّ وجل ما كان فيه شيء ، عندما فجر الناس ، سأقول لكم كلمات : المؤمن إذا قرأ كلام الله عزَّ وجل وأخذه مأخذاً جديَّاً ، ربنا عزَّ وجل قال: ولن هذه لن لنفي المستقبل ، أداة التحدي . . ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
[ سورة النساء: 141 ]
هذا كلام رب ، خالق الكون ، أنت كن مع الله وانظر ، كن مع الله تر الله معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟! ما معك أحد ، يخيفك من أحقر خلقه ، وإذا كنت معه خافك كل شيء .
هكذا كانت تجارة السلف الصالح ، يتَّجرون لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا ، فإن من طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يخزيه الله سبحانه وتعالى ؟ طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة . 5 ـ ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة :
الآن البند الخامس : فيما يدعو لشفقة التاجر على دينه وهو في السوق ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة ، وذلك بأن يكون أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، الآن من نعم الله أنه يوجد تحديد للدوام ، لكن قبل التحديد تجد السوق للساعة الحادية عشرة ، الثانية عشرة ، والنساء في البيت وحدهن ، كل زوجة لها حق ، لا يجعل واحداً يتأخَّر عنه ، يظل بالسوق لآخر الوقت ، أول إنسان يفتح ، قال : هذا مكروه ، عن عمرو بن العاص يقول: " لا تكن أول داخلٍ في السوق ولا آخر خارجٍ منها ، فإن بها باض الشيطان وفرَّخ "
الذي يدخل أول واحد ويخرج آخر واحد ، إبليس يقول لزبانيَّته : سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق ، زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة ، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ ، وفي الخبر: شرُّ البقاع الأسواق ، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً .
6 ـ ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات :
البند السادس : ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات ، عندنا حرام وعندنا شبهات ، إذا الإنسان ترك الحرام لابأس به ، لكن هناك شيئاً آخر وهو ترك الشبهات ، ومظان الريب ، ولا ينظر إلى الفتاوى ، يا أخي توجد فتوى أن البيع ولو مع الدين لا شيء عليه ، فلان وفلان أنت أفهم منهم ؟ لا ، لست أفهم منهم ، قال : المؤمن الصادق لا يقبل الفتاوى التي نُقِلَت إليه التي فيها إباحة لبعض المنهيات ، فأنا كلَّما سألني إنسان شيئاً أقول له: تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجودة ، أي معصية لها فتوى ، إنسان ضيع خمسين ليرة ذهباً ، فدعا الله : يا رب أدعو ألا يجدها شيخ ، قال له : لماذا ؟ قال له : سيؤول فتوى ويأخذها ، الفتوى موجودة أما التقوى فهذه غير سهلة ، فأي معصية تريد أن تقترفها توجد لها فتوى ، لكن إذا كنت تريد التقوى ، تريد مرضاة الله ، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك .
قال لي رجل : إذا الإنسان باع بالتقسيط ورفع الثمن لا شيء عليه ، قلت له : كيف ذلك ؟ قال: أتريد أن نأخذ الثمن متأخِّراً بلا فائدة ؟ قلت : حينما يبيع الشيء لأجل يكتبه ديناً ، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا ، ولا بيع بعقدين ، ومن باع بعقدين فله أوكسهما أو يكون الربا ، قال : لا بشرط ألا تبيع نقداً أو تقسيطاً ، إذا بعت تقسيطاً فقط ، يجوز أن تبيع بالتقسيط وبسعر مرتفع ، قلت له : محلان تجاريان إلى جانب بعضهما بعضاً ، يبيعان أدوات كهربائيَّة ، البضاعة واحدة ، الأول يبيع نقداً والثاني يبيع تقسيطاً ، حسب رأي هذا الإنسان العمل شرعي ، هذا يبيع تقسيطاً فقط ، هذا البرَّاد ثمنه ألف ومئتان لستة أشهر ، كل شهر مئتا ليرة ، المحل الثاني يبيع البرَّاد بألف ليرة نقداً ، حسب توجيه هذا الرجل البيع في الحالتين شرعي ، قلت له:
لو جاء إنسان إلى الذي يبيع تقسيطاً وأخذ ثلاجةً ، وسُجِّل في الدفتر ديناً لستة أشهر على أن يُسدَّد كل شهرين مئتي ليرة ، إنسان آخر ذهب إلى البنك ، واستقرض ألف ليرة بفائدة مئتين لستة أشهر ، وذهب إلى المحل الثاني الذي يبيع نقداً واشترى هذه الثلاجة ، أي فرقٍ بين الرجلين ؟ أبداً لا فرق بينهما إطلاقاً ، إلا أن الثاني ذهب إلى المصرف وأخذ الألف بفائدة ، ودفع الألف للبائع الذي يبيع نقداً ، وسجَّل المصرف عليه مئتي ليرة لستَّة أشهر ، والأول دفع الزيادة لصاحب المَتْجَر ، فبقي شخص يقول لك : توجد فتوى ؟ أنا سمعت فتوى من رجل له مكانته وعالِم جليل فانتهى الأمر ، لكن ما هو دليله على شرعية هذا العمل ؟ لأنه إذا سيق الإنسان للحساب يجب أن يبيِّن له الدليل ، كل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا .
(( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإمام الغزالي يقول: ألا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات، ومظان الرِيَب ، ولا ينظر إلى الفتاوى . من يعرف الله لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله :
مرَّة أحدهم أحضر لي فتوى وقال لي : تفضل هذه الفتوى بتوقيع رجل مكانته كبيرة جداً ، ومأخوذة عن حاشية ابن عابدين ، أن الإنسان يستطيع أن يضع أمواله في دولة أجنبيَّة ويأخذ فائدتها ، قلت له : هذا الذي ينقل ماله من بلد المسلمين إلى بلد الكافرين ليقوِّيهم ويضعف المسلمين أليس له عند الله حساب ؟ ابن عابدين حينما قال في حاشيته : لك أن تأخذ أموال الكفَّار يعني بهذا أن تأخذها في حالة الحرب ، دون أن تضع مالك عندهم وتأخذ عليها الفائدة ، القضيَّة أعقد من هذا ، الفتوى صحيحة ولكن لها ظروفاً معيَّنة ، لها ملابسات ، في حالة الحرب لا في حالة السلم ، هناك تمثيل دبلوماسي وهناك سفارات أين حالة الحرب هذه ؟ وكذلك نقل الأموال من بلد مسلم إلى بلد غير مسلم هذا يضعف المسلمين ، يفقدهم السيولة النقديَّة ، إذاً كل فتوى لها ملابسات ولها ظروف ، أنا لا أكذِّب الفتوى لا والله حاشا لله ولكن أقول : هذه الفتوى التي تأخذها أنت لها ملابسات ولها ظروف قد لا تنطبق عليكَ أنت ، فإذا أردت الفتوى فالفتوى موجودة ، لكنك يجب أن تأخذ التقوى ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك))
[أحمد عن وابصة بن معبد]
إنسان قال لي : إذا طالب ذهب إلى أوروبا ومضطر أن يتزوَّج ، له أن يتزوَّج زواجاً مؤقَّتاً ستَّة سنوات فترة الدراسة ، وقبل سنتين يطلِّق ، قلت له : من أين جئت بهذا ؟ قال : في المذهب الفلاني . . سمَّى لي اسم الكتاب . . موجود ، قلت له : ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
[ سورة النساء : 21 ]
أغلظ ميثاق بين الزوجين ، من منكم يرضى أن يزوِّج ابنته زواجاً لأجل ؟ لا أحد يرضى ولو كان موجوداً في كتاب معتمد من الأئمَّة الأربعة ، يمكن المذهب المالكي ، المهم التقوى لا الفتوى ، قد تكون الفتوى لها ملابسات ، لها ظروف ، مدسوسة عن الإمام المالكي رضي الله عنه لا تعرف ، لأن الشيخ محي الدين في الفتوحات المكيَّة قالوا عنه أشياء غير مقبولة ، فالإمام الشعراني أنكرها قلبه ، هذا كلام خِلاف القرآن ، وفي الفتوحات ، والشيخ محي الدين الشيخ الأكبر سلطان العارفين ، ذهب إلى مكَّة المكرَّمة وعرض الأمر على أحد علمائها الكبار ، قال : دخل إلى غرفته فعاد ومعه نسخةٌ من الفتوحات بخطِّ يدِّ الشيخ محي الدين رضي الله عنه ، ففتح الكتاب فلم يجد فيها شيئاً مما أنكره قلبه ، إذاً مدسوسةٌ عليه ، قال : وقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة دسُّوها تحت وسادته قُبَيْل وفاته ، ولقد دسوا على الإمام الغزالي في الإحياء . . والنص عندي . . ولقد دسوا على الفيروزبادي ونسبوا له كتاباً في التهجُّم على أبي حنيفة ، قال: ودسوا عليَّ أنا كتاباً راج في مصر وقد نُسِبَ إليّ وأنا بريء منه ، النص هذا خطير جداً ، بمعنى أنه لو بَلَغَك عن عالمٍ جليل كلامٌ لا يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى ، ولا مع كمال أنبيائه ورسله ، القضيَّة سهلة ، ما أسهل الدسَّ على العلماء .
فهناك تفسير شهير جداً وجدت في سطرين كلاماً يلفت النظر ، أن هذا الذي كُتِبَ عليه أن يكون شقياً من الأزل قال : هذا محض العدل لأن الله سبحانه وتعالى يتصرَّف في ملكه ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل ، قلت : لو تزوَّج الإنسان امرأةً ليس لها أب ، وليس لها أخ ، ولا أخت ، ولا قريب ، ولا أحد ، مقطوعة ، وظلمها ظلماً شديداً ، لم يطعمها ، وسَخَّرها لخدمة أُناسٍ كثيرين ، وأهانها ، وضربها ، فهل نقول : هذا محض العدل والإحسان وأنه لا أحد يحاسب الزوج عنها ؟ هل ينقلب الظُلم إلى عدلٍ لمجرَّد أن أحداً لن يحاسبك على هذا الشيء ؟ لا ، هذا السطر لابدَّ أنه مدسوسٌ على هذا المُفَسِّر الجليل .
النبي عليه الصلاة والسلام يمشي في الطريق يرى باباً مفتوحاً ، ينظر في الباب ، فيرى امرأةً تغتسل غايةً في الجمال ، وقع حُسنها في قلبه يقول : سبحان الله ، تسمعه فتقول لزوجها ، تأتي الآيات تأمر زوجها أن يطلِّقها ليأخذها النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا إذا وجدته في الكتاب لا أتهم صاحب الكتاب بل أقول : هذا مدسوسٌ عليه ، الأنبياء فوق هذا المستوى ، فوق هذا بكثير .
سيدنا سليمان بَلَغَهُ أن للسيدة بلقيس أرجلاً كأرجل الحمار ، وأن شعراً كثيفاً في أرجلها فبدافع حبِّ الفضول صنع لها بهواً فخماً من زجاجٍ صافٍ ، وأجرى تحته الماء . . ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾
[ سورة النمل: 44 ]
هكذا التفسير ؟! معاذ الله أن يكون سليمان عليه السلام بهذا المستوى ، لا ، لكن الهداية لا تكون إلا بشيئين : بوجود تفكيرٍ سليم ووجود خضوع ، فهذه ملكة وهو ملك ، كيف تخضع له ؟ لابدَّ من أن يُحَجِّمها ، امتحن ذكاءها بنقل عرشها ، فلما طرح عليها السؤال : أهكذا عرشك ؟ كانت ذكيَّةً جداً ، أجابت إجابةً دُبلوماسية قالت : كأنه هو ، فلو أنه هو ، قالت : كأنه هو ، ولو لم يكن هو ، قالت : كأنه هو أي ليس هو ، فالجواب دقيق جداً ، شرطان : أول شرط أن تكون مفكِّرةً وها هي تثبت أنها مفكِّرة ، بقي خضوعها ، ملكة وهو ملك ، ندٌ لند ، حينما دخلت قصره المنيف ، وظنَّت الماء يجري في بهو القصر كشفت عن ساقيها فقيل لها: لا إنه صرٌ ممرَّدٌ من قوارير ، فإذا واحد له مكانة كبيرة جلس ليأكل فأوقع الصحن على ثيابه ، يخجل، يتحجَّم ، فسيدنا سليمان أراد أن يخضعها ، أن يجعل بينه وبينها مسافةً ، فإذا وجدت في بعض الكتب أنه أراد أن يكتشف ما إذا كان في ساقيها شعرٌ أو لا ، لا ، فهذا لا يليق بالأنبياء أن يفعلوه ، إذا أراد أن يكتشف ما إذا كان ساقاها ساقي حمار ، لا الملكة لا تكون كذلك .
على كل أضرب لكم مثلاً : أحد سكَّان دمشق دخل إلى مكتبةٍ فإذا فيها كتابٌ عن دمشق قَلَّبَ صفحاته فأعجبه فاشتراه ، جاء للبيت قرأ عن سكَّان دمشق ، عن تضاريس دمشق ، عن غوطتها ، عن بردى ، عن نشاط أهلها ، عن تاريخهم ، كيف أنها أقدم مدينة ، عن آثارها، عن قصورها ، عن بساتينها ، عن عادات أهلها ، عن تقاليدها كلُّه صحيح ، وهو من الشام ، في نهاية الكتاب قرأ كلمتين : وتقع دمشق على البحر المتوسِّط شمال بيروت ، هو من دمشق ويسكن الشام فهل عنده إمكانيَّة أن يصدِّق هذا الكلام ؟ هذا كتاب مهم ، معناها نحن نعيش على البحر ، لا ليس هكذا ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب ، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب بكثير ، راكب سيَّارة وهي واقفة ، و عندك على وقوفها مليون دليل ، نظرت فرأيت الإبرة على الثمانين فقلت : معنى هذا أننا نسير ، لا هذه لها تفسير ثان ، معنى هذا أن العدَّاد معطَّل، الكبل مقطوع وواقف على الثمانين ، وقوفك أقوى من العدَّاد ، فعندما يعرف الإنسان الله سبحانه وتعالى لا يقبل شيئاً لا يليق بكماله . . ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[ سورة الأعراف: 180 ]
فمن يصدِّق أن الشام تقع على البحر ؟ إنسان ما رأى الشام ، إنسان يقرأ كتاباً مترجماً عن الشام وهو يسكن في ألاسكا ، بأستراليا ، يقول لك : معنى هذا أن الشام بين طرابلس وبين بيروت ، هنا الشام ، باعتبار هو قرأ هكذا في الكتاب ، أما ابن الشام فلا يقول هذا الكلام و لا يقبله .
فيجب أن تبلغ معرفتك بالله عزَّ وجل درجة أن لا ترضى عنه النقص ، لا ترضى لأسمائه إلا أن تكون حسنى ، فاسم القابض من أسمائه الحسنى ، الضار من أسمائه الحسنى لكنه يضرُّ لينفع ، ويقبض ليبسط ، ويمنع ليعطي . .
إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي وييبتلي ليجزي ، هكذا ، فالإنسان إذا أقبل على الله سبحانه وتعالى وذاق من رحمته لا يقبل تفسيراً يتنافى مع رحمته ، لا يُسأل عما يفعل لفرط عدالته لأن عدله يسكت الألسنة .على الإنسان أن يستفتي قلبه و يسأل عن كل سلعة رابه أمرها :
قال : ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه ، فإذا وجد فيه حزازةً اجتنبه ، نفسه ضاقت فتركه ، وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها ، أخي أنا قال لي اشتر فاشتريت ، هو قال لك : اشتر هذه الكأس وثمنها ليرتان قال لك : تأخذها بنصف ليرة ، أين أنت جالس ؟ معنى هذا أن هذه الكأس مسروقة ، أخي أنا بعتها بيعاً حلالاً ، عرض عليّ كأساً بنصف وأنا لي مصلحة أن آخذها بنصف ، لا معنى هذا أنك لست ورعاً ، سعرها ليرتان ، إن باعك إياها بليرتين إلا ربع فلابأس ، مئة وتسعون معقول ، مئة وثمانون معقول ، ليرتان وربع معقولة ، لكن نصف ليرة غير معقولة . قال : وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها حتَّى يعرف وإلا أكل شبهةً ، وقد حُمِلَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام لبنٌ فقال : من أين لكم هذا ؟ قالوا: من الشاة ؟ قال: ومن أين لكم هذه الشاة ؟ قيل: من موضع كذا ، فشرب منه ، حلال ، وقال : إنَّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا ألا نأكل إلا طيِّباً ولا نعمل إلا صالحاً ، وقال عليه الصلاة والسلام :
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾
[ سورة البقرة: 172 ]
قال : النبي الكريم سأل عن أصل الشيء وأصل أصله ، فقط ، أما عن أصل أصل أصله فما سأل لأن هذا الشيء متعذَّر . التاجر عليه أن ينظر إلى من يعامله فإن كان منسوباً إلى ظلمٍ ، أو خيانةٍ ، أو سرقةٍ ، أو ربا فلا يعامله .
قال : دخل سفيان على المهدي فقال : يا سفيان أعطني الدواة حتَّى أكتب ، فقال: أخبرني عن أي شيءٍ تكتب ؟ . . إذا ناوله الدواة صار مسؤولاً فصار شريكه في الإثم . . عن أي شيءٍ تكتب ؟ فإن كان حقَّاً أعطيتك ، بعض الأمراء طلب من بعض العلماء أن يناوله شيئاً ليختم به الكتاب فقال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه ، الختم فقط قال: ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه .الناس قسمان :
قال : وبالجملة ينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يُعَامَل ومن لا يُعَامَل ، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمن ، قال بعضهم : أتى على الناس زمانٌ كان الرجل يدخل في السوق ويقول: من ترون أعامل من الناس ؟ فيقال له : عامل من شئت ، كلُّه طيِّب، كلُّه فالح ، كله ورع ، كله مستقيم ، كله محسن ، عامل من شئت ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر كانوا يقولون : عامل من شئت في هذا السوق كلِّه إلا فلاناً وفلاناً ، هذان مشكوك في أمرهما ، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر فكان يقال : لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلاناً ، لا يتعاملوا ، قال: ونخشى أن يقال لا تعامل أحداً أبداً .
أول أمر عامل من شئت ، رقم اثنين عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً ، رقم ثلاثة لا تعامل إلا فلاناً وفلاناً ، وقد يأتي زمان يقال للرجل : لا تعامل أحداً ، قال عليه الصلاة والسلام:
(( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَن))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
إنه في آخر الزمان من لم يأكل الربا أصابه غباره ، العلاقات كلُّها ربويَّة ، مهمَّا احتاط الإنسان يصيبه غبار الربا . 7 ـ أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه :
البند السابع والأخير في الأشياء التي يحترز بها التاجر على دينه أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه ، قال : فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليعدَّ الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلةٍ وقولةٍ لماذا قالها ؟ ولماذا فعلها ؟ ولأجل ماذا ؟ قال : فإنه يقال: إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه في الدنيا ، إذا عندك بيع في اليوم حوالي خمسين أو ستين زبوناً على أربعين سنة أعانك الله ، واحد واحد ، قلت له : هذه البضاعة لا يوجد منها وهي يوجد منها لكي يشتري على الفور ، إذا قلت له : هذه البضاعة أصليَّة و كانت ليست كذلك تعال إلى الحساب ، وبعدها أتى الزبون الرابع أنت قلت له : إن هذه البضاعة تصنيع محلي وهي فيها عيب وأنت لم تظهره ، أبداً ، كم زبون بعت في حياتك ؟ يُحْشَر الأغنيار أربع فرقٍ يوم القيامة : فريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام ، أهون حساب حسابه . . يقال : خذوه إلى النار ، لا يوجد ازدحام ، ولا طوابير ، على الفور خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرامٍ . . عنده ملهى . . وأنفقه في حلال فيقال : خذوه إلى النار . . حسابه سريع . . وفريقٌ جمع المال من حلالٍ . . تجارة شرعيَّة . . وأنفقه في حرام . . على المعاصي . . فيقال: خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال فيقال : قفوه فاسألوه ، هذا سيحاسب ، حلال بحلال قفوه فاسألوه ؛ هل قصَّر في حقِّ جيرانه ؟ هل قصَّر في حق من حوله؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته من بيننا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ترك فرض صلاةٍ ؟ هل سها على عباد الله ؟ عنده ملايين الأسئلة ، النبي الكريم من بلاغته المعجزة قال: فتركته يُسْأل ويُسْأل .
عمله طويل لا ينتهي بيومين أو ثلاثة .
يروون قصّة وهي كطرفة أن أحد الأثرياء ترك أموالاً طائلة ، على فراش الموت طلب أن ينزلوا معه واحداً على القبر لعله يستأنس به عند الحساب ، فرأوا إنساناً فقيراً إلى درجة متناهية يعمل حَطَّاباً ليس عليه إلا خرقتين . .
(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
قميصان داخليان لا يوجد غيرهم ، فأغروه بمبلغ كبير ، هذا لم يسمع بهذا المبلغ في حياته فرضي ، طبعاً اتفقوا مع الحفَّار أن هناك شيئاً خاصاً هو أن ننزل إنساناً وغداً صباحاً تخرجه من القبر ، قال لهم: موافق ، كذلك أعطوا للحفار مبلغاً لكي يرضى ، لأن هذه فيها مسؤوليَّة ، أنزَّله ، بعدما نزل هذا الحطَّاب جاء الملكان ، قال أحدهما للآخر : هنا في القبر اثنان ، فلمَّا جاء الملكان اضطرب هذا الحي فحرَّك رجله ، فقال : أحدهم حي ، هيا نبدأ به ، أجلسوه وسألوه : من أين هذا الثوب ؟ قال لهم هذا دفعه إليَّ فلان ، من أين هذا البنطال ؟ من فلان ، هذا الحَبل الذي تحزم به خصرك من أين جئت به ؟ قال: هذا وجدته في بستان مُعَلَّقاً على شجرة فأخذته ، قال: هل أخذته من صاحبه ؟ قال: لا ، قال: هل أعلمت صاحبه ؟ قال: لا ، قال : هل دخلت إلى البستان بإذن صاحبه ؟ قال : لا ، فقال : اضربوه على هذا الحبل الذي أخذه من دون إذن صاحبه ودخل البستان من غير إذن صاحبه ، ففي اليوم الثاني صار يصيح من شدَّة الألم ويقول : أعان الله والدكم ، أي على حبل واحد ، القضيَّة ليست سهلة ، إذا الإنسان عرف دقَّة الحساب خشي الله سبحانه وتعالى . . (( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجةِ الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
دانقٍ من حرام ، فآخر شيء أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحدٍ من معامليه فإنه مراقبٌ ومحاسب ، فليُعدَّ الجواب ليوم الحساب ، يقول لك : الآن لبسناها له ، بعد أن عملت حادثاً وقلبت قلبتين ودهَّناها لم يعرفها ، بعناها ليلاً ، ألبسته إياها ؟‍ أعانك الله في كل فعلةٍ وقولةٍ .
قال لي أحدهم : والله يا أستاذ أخذنا مئتي بيضة فكانوا فاسدين فبعناهم في سوق الجمعة يوم الجمعة و لحقَّنا حالنا ، ما هذا الكلام ؟ هو خضري اشترى بيضاً ليتاجر به فوجد أن البيض كله فاسد ، قال لي: لحَّقنا حالنا وبعناهم في سوق الجمعة ، أنت مسلم ، فأرة وقعت في الزيت ما أحد رآها ، الزيت صار نجساً ، هناك أخطاء كبيرة جداً .
إذاً لأجل هذا يقال : يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه شيئاً وقفةً ، ويحاسب عن كل واحدٍ محاسبةً ، على عدد من عامله ، قال بعضهم : " رأيت بعض التُجَّار في النوم فقلت : ماذا فعل الله بك ؟ قال: نشر عليَّ خمسين ألف صحيفة ، عنده مجلَّد ضخم ، عدد صفحاته خمسون ألفاً ، هذا دفتر حسابه ، فقال: هذه كلُّها ذنوب ؟ قال : لا هذه كلُّها معاملات الناس بعدد كل إنسانٍ عاملته في الدنيا ، لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه . لذلك ما على المكتسب في عمله إلا العدل والإحسان والشفقة على الدين ، فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين ، وإن أضاف إليه الإحسان كان من المُقَرَّبين ، وإن راعى في ذلك وظائف الدين كان من الصديقين والله أعلم . فالقضيَّة ليست سلهة . . فما حبُّنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له : قد جهلتنا
***
الدين يبدو في المعاملات ، أتعرفه ؟ قال : نعم ، قال : هل جاورته؟ قال : لا ، هل سافرت معه ؟ قال : لا ، هل عاملته بالدرهم والدينار ؟ قال : لا ، قال : أنت لا تعرفه ائتني بمن يعرفه .

السعيد
09-10-2018, 05:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )


الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الشبهات :
أيها الأخوة الأكارم ، لازلنا في موضوع الشبهات ، بينت لكم في درس سابق قول النبي عليه الصلاة و السلام الحلال بين كالأبيض الناصع و الحرام بين كالأسود الداكن و بينهما أمور مشتبهات ملايين الحالات التي يختلط بها السواد بالبياض ، يختلط الحرام بالحلال، هذه الحالات بين الأبيض الناصع و الأسود الداكن لا يعلمها كثير من الناس و هي التي أهلكت الناس ، قبل المضي في الحديث عن هذا الموضوع يقول عليه الصلاة و السلام :
((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أي يقول المسلم اليوم : أنا لا أزني ، أنا لا أسرق ، أنا لا أشرب الخمر ، هذه كبائر و يتهاون بالصغائر ، الحقيقة الكبائر كبائر و إذا تركت الكبائر الإنسان قد يهلك بالصغائر : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
و : (( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]
و الصغيرة في النهاية كالكبيرة أي حرف المقود سنتمتر واحد على مسافة مئة متر يؤدي بالإنسان إلى الوادي ، و حرف المقود تسعون درجة فجأة يؤدي به في الوادي ، القضية قضية وقت أما في النهاية فالصغيرة إذا استمر عليها ، و ثبت عليها ، و أصرّ عليها في المؤدى كالكبيرة ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام : (( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))
[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
أي شبهات ، هذه التي لا يعبأ بها الناس ، هذه التي لا يعلمها كثير من الناس ، الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين أفرد لها فصولاً طويلة ، لازلنا في أول الطريق . من مسارات الشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية :
تذكرون في أول درس تحدثت عن الشبهات بينت أن مسار بعض الشبهات في أسبقية السبب المحلل و السبب المحرر ، الصيد في الأسلحة حلال و لكن إذا صدت غزالاً ووقع في الماء فرأيته ميتاً هل مات بسبب جرحه فهو حلال أم مات بسبب غرقه فهو حرام ؟ هذه شبهة و تحدثنا عنها ملياً ، ثم تحدثنا عن اختلاط الحلال بالحرام ، حلال محدود مع حرام محدود ، حرام محدود مع حلال غير محدود ، حرام غير محدود مع حلال غير محدود ، و تحدثنا في درس آخر عن طرح السؤال ، إذا سألت إنساناً ما : هل هذا المال حرام أم حلال ؟ هذا له تفصيلات بيناها في وقتها .
اليوم موضوع جديد حول الحلال و الحرام ، أو حول الشبهات المسار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية ، الآن العمل حلال لكن يتصل بهذا العمل الذي أحله الله شيء حرام قال : إما في قرائنه - أي ما يقترن به - وإما في لواحقه ، وإما في سوابقه ، وإما في عوضه .
يجوز أن يقترن بالسبب المحلل شيء حرام ، أو أن يسبقه شيء حرام ، أو أن يلحقه شيء حرام ، أو أن يكون عوضه شيئاً حراماً ، وكانت هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل ، مثلاً لو أنك عقدت قراناً على امرأة تبينت أنها أختك من الرضاع ، هذا الذي تبين لك يبطل السبب المحلل وهو الزواج ، هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد باطلاً ، لا يسمى هذا العقد فاسداً ، لأن شيئاً أبطل السبب المحلل ، لكن إذا عقدت قراناً على امرأةٍ من دون مهر هذا عقد فاسد ، العقد الفاسد يصحح أما العقد الباطل فلا يصحح يبطل ، هنا موضوع دقيق جداً ، أي هذا الشيء الذي اقترن بالحلال أو سبقه أو لحقه أو كان بدلاً منه ، هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض ، هذه كانت من المعاصي لكنها لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل .
مثال المعصية في القرائن ، البيع وقت نداء الجمعة ، قال تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجمعة : 9]
البيع حلال وأحلّ الله البيع لكنه اقترن بوقت النداء ، هذا السبب لا يوجب بطلان العقد في رأي بعض العلماء ، ولكن معصية لله عز وجل ، والذبح بالسكين المغصوبة ، الذبح حلال لكن هذه السكين مغصوبة ، والاحتطاب بقدوم مغصوب ، والبيع على بيع الغير فيه معصية ، والصوم على صومه ، كل هذا ورد نهي فيه ، ولكن من يدل على فساد العقد هو معصية يجب أن تترك ولكنها لا تجعل هذا العقد باطلاً ولا تجعله فاسداً فإن الامتناع من جميع ذلك ورع ، وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوماً بتحريمه ، ليس هذا من باب التحريم القطعي ولكن من باب الكراهية الشديدة ، إذاً هذه شبهة بمعنى أنها من النوع المكروه . أنواع الكراهة :
وقالوا : إن الكراهة لها ثلاث درجات ، كراهة تقترب من الحرام ، الطلاق شيء مكروه ، أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، هذه كراهة تقترب من الحرام والورع عنه مهم ، والأخيرة تنتهي إلى ورع من نوع المبالغة ، والوسطى تلحق بإحدى الطرفين ، يوجد عندنا كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم ، وكراهة تقترب إلى درجة المبالغة أو الوسوسة ، وعندنا كراهة بينهما، فهناك مستويات ثلاثة للكراهة ، إذاً الكراهة درجات ، كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم، وكراهة تلحق بكراهة الوسوسة والمبالغة ، وكراهة بينهما .
المسروق أن تأخذ السكين من حرز من دون أن يشعر بك صاحبها هذه سرقة أما الاغتصاب فقد تأخذها أمامه ولكن بقوة ما ، قد تأخذها بقوة السلاح ، وقد تأخذها بقوة أدبية معنوية هذا اسمه غصب .
والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ، لازلت أقول لكم :
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
والفرق الجوهري بين المؤمن الصادق وبين المنافق الورع ؛ هذا ورع يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا لا يبالي أكان ماله حلالاً أم حراماً ، لكن أحب أن أبين لكم أن هناك حالات مرضية ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]
المتنطعون الذين يقعون في وساوس ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان ، تراه معطلاً وقته ، وطاقته ، وجهده ، في البحث في تفصيلات لا تقدم ولا تؤخر ، هذا مرض يصيب بعض المؤمنين ، كيف أن هناك أمراضاً نفسية كثيرة وشائعة متعلقة بالوسوسة سماها العلماء الوساوس المتسلطة ، هناك أمراض نفسية تصيب بعض ضعاف المؤمنين من داء الحلال والحرام والشبهات وما شاكل ذلك ، أي يوجد إنسان عنده كرم عنب أحرقه جميعاً لماذا ؟ قال : يخشى أن يصل بالنهاية إلى خمار فيصنعه خمراً ، قياساً على هذه القاعدة يجب أن تدمر كل شيء ، هذا يحتاج إلى طبيب نفسي ، شيء مضحك ولكنه شيء واقعي ، أنا أحياناً تصلني حالات من هذا القبيل ، هذا شيء ما أنزل الله به من سلطان أنت بحاجة إلى من يسدد خطاك وإلى من يقول لك هذا حلال وهذا حرام . المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال :
أما هنا فهناك فكرة دقيقة إلى أقصى الحدود :
((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا))
[رواه مسلم عن ابن مسعود ]
هؤلاء المبالغون الذين يصلون بتفكيرهم إلى مناطق موحشة ، إلى مستحيلات ، إلى افتراضات باطلة يتنحلون ، يبالغون ، يتصنعون إلى درجة أنهم يمقتهم الناس ويمقتون أنفسهم ، قال : هذه المبالغات وإن كانت لا تضر صاحبها لكنها ربما توهم الغير أن مثل هذا مهم ، أي إذا رجل قدم لك سؤالاً باهتمام بالغ أنه ليس متأكداً بعد أن نوى الصلاة وقرأ الفاتحة أن الماء تجاوز عقبيه أم لا يتجاوز ، فانشغل وأمضى صلاته كلها في هذه الوسوسة ، إذا إنسان غريب عن الدين وسمع هذا السؤال يرى الدين معقداً إلى درجة غير معقولة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
الإنسان إذا شعر أن الدين معقد جداً تنشأ عنه حالة غريبة يقول لك : هذا شيء غير واقعي ، مستحيل أن يطبق ، يتركه كله ، سألني رجل وقال : جاءتني كنزة من إنكلترا هل يجوز أن ألبسها ؟ قلت له : لماذا لا تلبسها ؟ قال : هذه الكفار صنعوها ، قلت له : معقول هذا الكلام ؟ رأيته يبالغ هذه المبالغة فقلت : شدْ عليه لا تلبسها معك حق ، هذا التفكير مرضي ، على هذا القياس لا نجوز أن نشرب بهذا الكأس ، هذا مصنوع في فرنسا وأيدي كفار صنعته .
الإمام الغزالي يقول : من وصل إلى هذا التحمل وهذه المبالغة وهذه الوسوسة إلى درجة أنه أوهم الناس أن الدين قيود لا حدود لها ، مبالغات لا نهاية لها ، تعقيدات لا حل لها ، ما الذي ينشئ في نفس الذي يستمع إلى هذا الكلام ؟ ينفر من الدين ، يرى أن هذا الشيء غير واقعي ولا سبيل إلى تطبيقه والأولى تركه كلياً ، أي إذا طالب دخل المدرسة - وهذا من باب التبسيط - يكتب الطالب كلمة الاجتماع يضع لها همزة وهذا خطأ ، الاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، يأتي أستاذ عربي ويقول : الهمزة في أمر الثلاثي وماضي وأمر ومصدر الخماسي وماضي وأمر ومصدر السداسي همزة وصل فهذه القاعدة معقدة ، يأتي أستاذ ثان يقول للطالب : أضف لهذه الكلمة واواً فإن بقيت الهمزة فاكتبها وإن سقطت فأسقطها ، الاستقلال والاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، اجتماع والاجتماع لا تحتاج إلى همزة ، أكل وأكل هذه تحتاج إلى همزة ، أكرم وأكرم هذه قاعدة مبسطة ، فالإنسان عندما يعقد الأمور على الناس ينفرون ، هذا المستشرق الذي جاء يريد أن يسلم في مصر وأوقعه حظه العاثر بعالم متحجر فجعله في مجلسة ستة أشهر في أنواع المياه ، هذا متشوق إلى الله عز وجل يريد أن يعرف شيئاً عن الله ، عن كتاب الله ، أنواع المياه ، مياه الآبار ، الآثار حكم الوضوء بماء العدس ، حكم الوضوء بالبن ، إلى أن ترك الإسلام والتقى بالإمام محمد عبدو قال له هذه قصتي أهكذا الدين ؟ قال له : الماء الذي تشرب منه توضأ منه.
أحياناً هناك موضوعات ليست واقعية ، موضوعات افتراضية ، موضوعات لدرجة الإنسان ينفر منها ، يقول لك : إذا وقعت هذه الفأرة في البئر وكان يلحقها هر وخافت منه وبالت في الطريق فالماء حلال ، من الذي يراقب الفأرة والقط يلحقها هل بلت نفسها ؟ هكذا الفقه أعوذ بالله أشياء في غاية التعقيد لذلك : أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ خاطبوا الناس بما تفهمون ، المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال . ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ]
الملخص هنا : إذا بالغت في هذه الشبهات لدرجة أصبح الدين شيئاً عقيماً ، معقداً جداً ، متاهات ، اضطرابات ، أشياء خيالية غير واقعية ، إنسان يقول : هذا ليس ديناً ، يتركه كلياً ، أما إذا كان العرض مبسطاً واضحاً وضعت يدك على النقاط الجوهرية في الدين تحبب الناس بالدين ، هذا مثل القرائن ، القرائن البيع أثناء النداء ، أو ذبح الحيوان الذي أحل الله ذبحه بسكين مغصوبة ، أو ما شاكل ذلك . أمثلة اللواحق :
الآن من أمثلة اللواحق قال : فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية ، أي رجل باع العنب إلى خمار ، العنب حلال ، فاكهة من خلق الله سبحانه و تعالى ، أحلّ زراعة العنب و جنيه و أكله و بيعه ، كل شيء في العنب حلال إلا أن تبيعه لخمار لأنه سوف يصنعه خمراً و يؤذي به عباد الله ، الإنسان ينتبه إذا أراد أن يبيع شيئاً وهذا الشيء ينتهي بمعصية يكون عمله به شبهة ، قال لي رجل : كلفوني بتمديد كهرباء لملهى ، لا تفعل ذلك ، إذا أردت أن تساهم بتأمين راحة العصاة ، و تساهم بتأمين سرور الفجار ، تمديد الكهرباء شيء سليم جداً ، عمل شريف لكن يستفيد من الكهرباء العصاة وحدهم ،و تنقلب التمديدات إلى معاصي ، هذا من اللواحق .
بيع السيف لقطاع الطريق ، بيع السيف لا شيء عليه طبعاً إذا صرح السلطان ببيعه ، فإذا منع السلطان بيع السيف لا ينبغي أن يباع السيف لأن الله سبحانه و تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾
[ سورة النساء : 59]
إذا كان السلطان قد أباح بيع السيف ، لا ينبغي أن تبيع السيف لمن ؟ لقطاع الطريق ، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع السلاح في الفتنة ، أي هذه الدول الكبرى الآن بالإحصاءات الكبرى أربح صناعة في العالم صناعة السلاح ، وعقود السلاح دائماً عقود إذعان لا عقود بالتراضي ، أنت تريد أن تأخذ قماشاً ، قال لك : ثمن اليرد ثمانمئة ليرة هذا عقد بالتراضي ، إن وجدت اليرد بمئة وثمانين ليرة والبضاعة ممتازة تشتري أما إن قال لك : بألف ليرة اليرد فلا تشتري ، أما الذي يشتري السلاح هذا يعقد عقد إذعان ، الطائرة ثمنها ثمانية ملايين ليرة ، فهذه الدول العظمى التي تعيش على مشكلات الناس تبيع هؤلاء وهؤلاء فأربح صناعة في العالم الآن السلاح ثم الدواء ، أروج صناعتين السلاح والدواء ، أي يجرحون ويداوون فيربحون في الحالتين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ]
أي المسافة بين العابد والعالم كالمسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، بيع السيف بالفتنة ، بيع السيف لقاطع الطريق هذه من اللواحق ، يقول الإمام الغزالي : وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن، فإنه إذا جاوز مع رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، كما أن تحليل الحرام شيء كبير كذلك تحريم الحلال شيء كبير لذلك العلماء السابقون جبناء في الفتوى ، أهون شيء أن تقول : حرام ، وقد يكون حلالاً ، قد تكون هذه العلاقة حلالاً ، تقول له حلال وتأخذ الأحوط وترتاح ، أنت ارتحت ولكن أهلكته ، فلذلك الإنسان في الفتوى يجب ألا يتسرع ويتأمل وأن يراجع الكتب ، يراجع العلماء أما أن يفتي ويسرع بالفتوى فقد يهلك نفسه ويهلك غيره . أمثلة عن المقدمات :
يوجد عندنا قرائن ولواحق ، ويوجد عندنا مقدمات ، أي بيع العنب ، تبيعه لخمار هذه طاعة لحقتها معصية ، بيع البيت وقت أذان الظهر يوم الجمعة ، هذه طاعة اقترنت بها معصية ، الآن طاعة سبقتها معصية ، قال : ما بقي أثره في المتناول كالأكل ، شاة علفت بعلف مغصوب ، هذه الشاة جائعة جارنا غافل حششنا من أرضه سرقةً وأطعمنا هذه الشاة ثم أكلنا من هذه الشاة ، أكل لحم هذه الشاة طاعة لكنه سبقها معصية لازال أثر هذه المعصية في لحمها ، وفي لبنها ، وفي دهنها ، أو شاة رعت في مرعى حرام ، فإن ذلك معصية وبما أن هذه المعصية استمرت في الشاة فهذه مكروهة أشد أنواع الكراهية .
يروى عن أبي عبد الله الطوسي أن له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي ، وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعةً فتناولت من ورق كرم على طرف بستان ، فتركها في البستان ولم يستحل أكلها لأنها أكلت من مال حرام ، ودخل هذا الحرام إليها وأصبح لحماً فيها ، فإذا أكلتها فقد أكلت شيئاً محرماً ، لكن هذا من باب الشبهات لا من باب المحرمات القطعية ، تركه ورع .
هذه المرتبة الأولى شاة أكلت علفاً مغصوباً الكراهة فيها شديدة ، ويوجد درجة أقل امتناعه عن ماء يجري في نهر حفره الظلمة غصباً أو قهراً ، ماء يجري في نهر والنهر محفور غصباً أو قهراً أو عدواناً ، الدرجة الثالثة وهي قريبة من الوسواس أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله ، مثل موضوع الكنزة الإنكيزية ، قال : هذا قريب من الوسوسة .
النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( . .اسْتَفْتِ قَلْبَكَ . . . . ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ]
لأنك لو أخذت فتوى ممهورة بخاتم رسمي وكانت لا ترضي الله عز وجل علاقتك مع الله عز وجل ، هل تنجيك هذه الورقة من عذاب الله عز وجل ؟ استفت قلبك وإن أفتوك .
ترى شخصاً يقول لك : ضميري غير مرتاح ، ليس مطمئناً متضايقاً هل هذه حلال ؟ أنا أؤكد لكم لو قلت له : حلال ، يقول لك : هذا الشيء ليس سهلاً أنت تسرعت وقلت لي : حلال . (( عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلا الْمَسْأَلَةُ ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
تراه تارك أثراً في القلب ، فعندما الإنسان يأكل مالاً حراماً لو تلقى فتوى أن هذا المال حلال لا يرتاح ، هناك شيء داخلي ، أي ربنا عز وجل أعطانا مقياساً دقيقاً جداً لا يخيب.
العلماء قالوا : القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حرجاً في الحلال ويجد حرجاً في الحرام ، أي كأن القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق للحلال والحرام ، قال تعالى : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 61 ]
أي القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق ، لا لغيره بل لصاحبه .
بقي علينا موضوع جديد وهو إذا اشتريت شاةً ديناً وذبحتها وأكلتها هذا عمل حلال مئة بالمئة ، إذا دفعت ثمنها بعد حين من مال مغصوب انقلبت حراماً ، اشتريتها حلالاً ذبحتها وأكلتها ، أديت ثمنها بعد حين من مال فيه شبهة فأصبح هذا الذي أكلته مشبوهاً .
شيء حلال اقترن به حرام كالبيع في أثناء النداء ، أو ذبح شاةً بسكين مغصوبة ، أو لحقها حرام كبيع العنب للخمار ، أو سبقه حرام كإطعام شاة علفاً مغصوباً ، أو كان عوضه حراماً كشراء شاة ديناً وأكلها ثم نقد ثمنها بعد حين من مال مشبوه ، هذه أربع حالات تصبح فيه القضية محللة ذات شبهةً الأولى تركها ، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى المسار الرابع وهو الاختلاف في الأدلة . * * *
شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ يحجم لسانه إلا فيما يعنيه :
والآن إلى نبذة عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، تحدثنا في درس ماض عن سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى منزله ، وكيف أنه يقسم وقته ثلاثة أقسام ؛ قسم لربه يمضيه في التعبد والتهجد وتلاوة القرآن والذكر ، وقسم لنفسه يشطره شطرين ؛ شطر لأخذ قسط من النوم ، وشطر لقضاء حوائج الناس قضاءً خاصاً ، وشطر لأهله يقسمه قسمين قسم يؤنسهم فيه ، وقسم آخر يلبي بعض حوائجهم فيه .
الآن إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته ، قال الحسين رضي الله عنه : سألت أبي - يعني علياً كرم الله وجهه - عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجم لسانه إلا فيما يعنيه ، راقب نفسك الحديث الذي تتحدث فيه هل هو مما يعنيك ؟ قال عليه الصلاة والسلام :
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ما معنى يعنيه ؟ أي تتعلق عنايته به ، أي يكون قصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء ، عناه الأمر أي أهمه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع و الإسلام ، كيف ؟ أي مثلاً ماذا يعني المؤمن أن يعرف الله سبحانه و تعالى ؟ ماذا يعني المؤمن أن يتقرب إليه ؟ ماذا يعني المؤمن أن يستقيم على أمره ؟ فكل شيء يعنيه من هذه الموضوعات يسأل عنه ، يبحث فيه ، يتقصاه ، يدقق ، يتأمل ، يسأل، أما إن كان من أمر الدنيا فهو قد يعنيه من باب هوى النفس و لكن لا يعنيه من هوى الشرع ، مثلاً شاري بيتاً يريد أن يعمل له تزيينات هذا يعنيه فأصبح يسأل و يبحث و يدقق و يمضي الساعات الطويلة و أذهب عنه صلوات كثيرة ، أخي هذا الشيء يعنيني ، هذا يعنيك بحسب الهوى لا بحسب الشرع : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الذي يعنيه في مقياس الشرع ، لا يعني الإنسان الصادق إلا أن يعرف الله عز وجل، إلا أن يستقيم على أمره ، إلا أن يتقرب إليه ، هذا الذي يعنيه ، فكان عليه الصلاة و السلام يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، أي أحد ما سأل عن آية قرآنية ، سمع تفسيرها يصغي بإذنه، ما توضيح التفسير ؟ يسأل ، حكم شرعي ، قضية متعلقة بالصلاة ، متعلقة بالزكاة ، قضية متعلقة بطاعة من الطاعات ، قضية متعلقة بأداء عبادة ، قضية متعلقة بحديث يتعارض مع آية، يا ترى ما وجه التوفيق بينهما ؟ قضية متعلقة بما يبدو له شبهة يحب أن يعرف وجه الحق فيه ، هذا كله يعنيك لكن هناك غوصاً في أمور تعنيك لكن لا ترضيك . 2 ـ يؤلف و لا ينفر :
وكان عليه الصلاة و السلام يؤلفهم و لا ينفرهم ، أي كلما التقى بإنسان يحدثه بحديث يجمعه مع إخوانه ، أي اشترى بيتاً من أخيه قال : والله أخي باعني هذا البيت بمئتي ألف ، قد يكون سعر البيت ثلاثمئة ألف، من دون مبالاة البيت يساوي مئة ألف قالها ومشى ، مئتان على ماذا ؟ هذا الكلام يساوي شقاقاً، يساوي خلافاً ، يساوي عداء ، يساوي تقاطعاً ، يساوي تدابراً ، صلى الله عليه كان يؤلفهم ولا ينفرهم .
دخل إلى عند أخته قالت له : زوجي ما أحضر لي شيئاً ، يقول لها : زوجك كله هدية ، أخلاق عالية وورع ، وجهده كله لكم ، لماذا هذه الهدية ؟ أما إنسان آخر فيقول : ما أحضر لك شيئاً هو لا يستحقك ، في المساء يوجد مشكلة ، من الممكن أن يرسلها إلى بيت أهلها ، ممكن أن ينتهي الأمر بالطلاق من أجل كلمة لا يستحقك ، صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، دائماً يوفق بين الناس ، بين شريكين ، بين أخوين ، بين أب وابنه ، بين بنت وأمها، أي هذا الأب يشكو ابنه ، يقول له : معك حق انظر إلى غيره من الأولاد ، شيء لا يحتمل، ترى الأب ارتاح ، يا أخي لا يدرس ، لا أحد يدرس صار هناك عطف من الأب على ابنه ، جاء أب واشتكى لك على ابنه ، تقول له : لا والله أنا ابني مميز، لا يوجد منه ، حرقت له قلبه هو يشتكي على ابنه وأنت مدحت ابنك فتنشئ نفوراً بين الأب وابنه .
أحياناً إنسان يمدح لك ابنك وأنت تعرفه ليس كذلك تقول له : جبر الله خاطرك ، هذا ليس مديحاً هذا جبران خاطر .
فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، خطيب أحضر لخطيبته أسوارة من الذهب فقالت أمها : من الآن تقدم ذهباً ، نريد ألماساً ، فإن قال أحدهم : أنت مخطئة الألماس يخيس نصف ثمنه ، والذهب هو هو ، بالعكس انطربت هذه الخطيبة ، لما قدم لها أسوارة ذهب انزعجت ، متوقعة ألماس يقدم لها ، جاء أخوها قالت له : ذهب أحضر لي خطيبي ، فقال : لابأس هذا الذهب لا يخيس وثمنه معه ، ومن ثم خيره إلى الأمام ، إذا كان معاملته لطيفة لك فهي أكبر هدية ، هناك أخوة يوقعون الشقاق بين الخطيب وخطيبته ، دائماً كلامه مؤذ ، شيطان داخل فيه ، أساساً كل إنسان كلامه يفرق هو شيطان ، ليس منا من فرق .
3 ـ يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم :
يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، قال : " أكرموا عزيز قوم ذلّ ، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال "
هذه سفانة بنت حاتم طي وقعت أسيرةً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، مرّ عليه الصلاة والسلام وكانت ذكيةً جداً ، فوقفت وقالت : يا رسول الله إن أبي كان يقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر ، أكرمني أكرمك الله ، قال : أطلق سراحها وأطلق سراح قومها إكراماً لها ، ثم قال : أكرموا أباها فإنه كان يحب مكارم الأخلاق .
هكذا النبي دخل عليه عدي بن حاتم ، رحب به ، إذا شخص دخل إلى عندك وأنت خلف الطاولة جالس تعرفه له مكانة اجتماعية تتجاهله هذا سوء أدب ، احتل وظيفة سابقة رفيعة ، الآن هو رجل متقاعد دخل إلى عندك أهلاً وسهلاً ، رحب به ، أكرموا كريم كل قوم .
كان يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليه ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منه بشره وخلقه .
4 ـ يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد :
قال لك إنسان : أريد أن أستدين منك عشرة آلاف ليرة وأنت لا تعرفه وليس لك ثقة بأمانته ، أخي أنا لا أعرفك أخاف أن تأكلهم عليّ ، لا ليس كذلك ، إذا أنت اعتذرت منه اعتذاراً لطيفاً ، وبششت في وجهه ، كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد .
احذروا الناس ، المؤمن كيس فطن حذر ، المؤمن يحترس ، يفكر بالعواقب ، يتبصر لكن كان يحذر الناس ويحترس منهم ، أي بشاشته للجميع ، يبش للجميع لكنه يحذر بعض الناس ، شخص لا تعرفه كيف تحدثه مثلاً عن أسرارك ؟ شخص لا تعرفه كيف تعطيه مالك بلا إيصال ؟ شخص لا تعرفه كيف تدخله لبيتك في غيبتك ؟ هذه بلاهة ، سذاجة ، كان يحذر الناس ، أي وجهه باش للجميع وأحياناً في حذر وفي احتراس من بعض الناس مما لا يثق بهم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
5 ـ يتفقد أصحابه :
يتفقد أصحابه يسأل عنهم ، فلان ما شأنه ؟ ما صنع فلان ؟ أين فلان لم نره ؟ غاب عنا طويلاً اسألوا عنه ؟ ولكن من الأصول إذا كان الإنسان يحضر مجلس علم واضطر أن يسافر ، أو اضطر أن يعمل عمرة ، أن يعطي للآخرين علماً بهذا ، أحياناً نفتقده شهراً ، فلان لم أشاهده ، ممكن أن يكون مريضاً أين كنت ؟ كنت في العمرة ، أعطنا خبراً نفرح لك ونبلغك رسالة أن تدعو لنا عند رسول الله ، فقط أعطنا علماً ، الإنسان بالإعلام يزيد المودة .
يتفقد أصحابه ويسأل الإنسان عما في الناس ، جلست مع مزارع فوراً الآية الكريمة، الحديث ، الآخرة ، اسأله عن أحواله كيف المطر ؟ كيف الموسم ؟ أمنت بذاراً إن شاء الله ؟ هل يوجد عندك مشكلات ؟ إن شاء الله عملك جيد ؟ عندما تسأله عن أحواله يفرح ، هذا مهتم بمزرعته ، ببستانه ، بالمطر ، بالأتربة ، بالبذور ، تكلم عن موضوعاته ، جلست مع تاجر إن شاء الله العمل جيد ؟ هل تؤمن موادك ؟ بضاعتك ؟ كيف البيع ؟ إن شاء الله النتيجة جيدة هذه السنة ؟
النبي صلى الله عليه إن جلس مع تاجر يسأله عن تجارته ، مع مزارع عن زراعته، مع موظف عن وظيفته ، إن شاء الله لا تعاني من المشاكل في وظيفتك ؟ كم ساعة دوامك ؟ يوجد وظائف مريحة ووظائف متعبة الحياة كلها جهاد وتعب :
(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ ابن عساكر عن أنس]
اسأل الموظف عن وظيفته ، والتاجر عن تجارته ، والمزارع عن زراعته ، والعامل عن معمله ، والله عز وجل يبعث لك محلاً ويكرمك وهو يعمل صانعاً ، الله كريم كلنا بدأنا من الصفر والله أكرمنا ، لما أنت تكلم شخصاً بموضوعات تهمه يحبك ، لكن هو مهموم والمطر لا تهطل تأتي تقول : الله عز وجل قال الآية الفلانية ، والحديث الفلاني ، والآخرة ، والموت ، يقول لك : لا أريد أن أموت الآن . 6 ـ يسأل الناس عما في الناس :
يسأل الناس عما في الناس ، هذا له قضية تهمه أي عنده أولاد أنا ألاحظها ، إذا التقيت بإنسان اسأله عن ابنه فيسر ، كيف حال ابنك إن شاء الله بخير ؟ كيف دراسته ؟ كيف صحته ؟ عندما تسأل إنساناً عن ابنه يطمئن ، معنى ذلك أنك مهتم به ، ثم توجهه ليس في الحال اترك التوجيه لمرحلة ثانية ، اسأله عن أحواله ، بحاجة إلى مساعدة ؟ يريد قضية أن تعاونه فيها ؟ أحياناً تساعده باسم طبيب ، و الله يوجد اسم طبيب مختص بهذا المرض ، أحياناً تساعده باسم محامي ، باسم مهندس ، بموظف تعرفه اذهب إليه و قل له : فلان بعثني لعندك، عندما تحل له قضيته الدنيوية يميل قلبه نحوك و في ذلك الوقت توجهه ، يسأل الناس عما في الناس .
7 ـ يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه :
يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه ، و الله أخي جاءنا خطيب لكن ، و الله أخي عملت عين العقل ، أنت بطل ، رسول الله قال :
(( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ابن ماجة عن أبي هريرة ]
يأتي إنسان كافر يقول لك : و الله خطب ابنتي فلان عنده بيت ؟ لا و الله لا يوجد عنده ، ماذا تريد بهذا العمل ، ماذا يعمل ؟ موظف ، موظف لا تريده ، يكرهك بالناس الطيبين، مقياسه مادي فقط ، إذا كان هذا الخطيب لا يوجد معه مال وفير ، لا يوجد عنده معمل ، لا يوجد عنده بيت ، ينفروك منه ، هذا فسق و فجور ، صلى الله عليه وسلم يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه . 8 ـ معتدل الأمر :
معتدل الأمر ، أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما .
أحياناً يخطب هذه البنت خاطب يدخل إلى الأعماق ، ما أكلوا من دونه ولم يذهبوا إلا معه ، فكشف كل مشاكلهم ، بعد هذا اختفى هذا الخاطب ، أحياناً يهجمون على الرجل هجمة ينسون أحوالهم ، وإذا عادوا عداء شديداً ، صلى الله عليه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا ، أي لا يغفل عن نصح أصحابه ، لا يغفل عن تذكيرهم ، لا يغفل عن إرشادهم ، لا يغفل عن تعليمهم ، لا يغفلوا عن توجيههم ، مخافة أن يغفلوا عن الله ، فإذا غفلوا مالوا إلى الدنيا ، وإذا مالوا لها هلكوا .
9 ـ لكل حال عنده عتاد :
لكل حال عنده عتاد ، قال له رجل : انظر هذه الفرس أعلفها كل يوم صاع من بر لأقتلك عليها ، قال له : إني قاتلك ، هكذا كلام لا يحتاج إلى لطف ، هذا الكلام يحتاج إلى كلام من وزنه ، في أحد قال أحدهم : أين محمد ما نجوت إن نجا ؟ دعوني ، خلوا بيني وبينه ، وكزه بالرمح فولى هارباً يعوي كالكلاب ، قال : قتلني قتلني ، فقال له : ما قتلك ، قال : والله لو بسق عليّ لقتلني .
لأن لكل حال عنده عتاد ، الكريم معه كريم ، واللطيف معه لطيف ، قال : التكبر على المتكبر صدقة ، قال سيدنا الشافعي : " ما تكبر علي متكبر مرتين" لا أسمح أن يتكبر عليّ إنسان مرتين .
10 ـ لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه :
لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه ، أي لا إفراط ولا تفريط ، أحياناً الزوج يشدد تشديداً غير طبيعي ، ليس معقولاً طلبت منه أن تزور أهلها لا يسمح لها ، وآخر مسيبها ، واحد قصر عن الحق وواحد تجاوزه ، صلى الله عليه وسلم لا يقصر عن الحق و لا يجاوزه .
11 ـ الذين يلونه من الناس خيارهم :
الذين يلونه من الناس خيارهم ، أي من السنة الأوائل المتفوقين يكونوا أقرب الناس له ، لو أن بعض الناس من دهمائهم ، من سوقتهم كانوا إلى جانبه أي يسيؤون أحياناً ، رجل جلس و صار يتجشأ تضايق منه رسول الله و قال له : كف عنا جشأك يا أخي ، اجلس أنت ببيتك ، آكل كثيراً ، مد أقدامه و أخذ راحته ، هذا ليس طالب علم ، اذهب و اجلس ببيتك يا أخي ، قال له : كف عنا جشأك ، النبي الكريم يتمنى أن يجلس حوله المتفوقون الصادقون المحبون العاشقون المتيمون ، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة ، هذا إن كان خرج من منزله .
الاستقامة عين الكرامة :
الدرس الماضي عندما دخل بيته صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
انتبه لكلامك يا أخي ، قد تكون كلمة تفرق بين زوجين ، قد تكون كلمة تنزع بيعة بيت ، نظر إلى البيت وجده مناسباً ، معه ثلاثمئة ألف عمل عقداً ، تأتي و تقول : أي بيت مناسب بثلاثمئة ألف ؟ نظرت إليه ، ما هذا البيت كالعلب هذا بيت هذا ؟ هذا يسكن ؟ قال : أنا لا أريده صار سعره خمسمئة و هو معه ثلاثمئة أصبح بلا بيت ، فهل صنعت معه جيداً أنت ؟ أنت عندك بيت ، سعره مليونا ليرة ، طبعاً أمام هذا لا يسكن ، هذا بالنسبة لك ، أما هو فيسكن فيه لأنه لا يوجد عنده بيت ، من كلمة تخلق مشكلة ، تفرق بين زوجين ، تنزع بيعة ، تُكره إنساناً بمجلس علم أحياناً ، قال تعالى : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة : 269]
هذا الكلام لا للاستهلاك و إنما للتطبيق ، و ليس للمتعة ، هذا كلام خطير هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
لا يلقي لها بالاً : ((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
و قال : (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
أي في الأعم الأغلب لا يسرقون ، و في الأعم الأغلب لا يزنون ، و في الأعم الأغلب لا يشربون الخمر ، و لكنهم يغتابون و يجتمعون للغيبة ، و يتكلمون بما لا يعرفون ، و يوقعون بين الناس ، و يحسدون ، و ينقلون الكلام من شخص لشخص ، هذا كله عند الله محرم، أي من علامة ورع المؤمن استقامة لسانه ، أحد العلماء الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يستطيع رجل أن يتكلم عن أحد بمجلسه كلمة ، إذا رجل تكلم يقول له : اسكت يا با ، أظلم قلبنا ، يكن لك هيبة ، إذا رجل تكلم كلمة اسكت أظلم قلبي ، لا يدع أحداً يتكلم ، الآن تجد الناس ينهشون بأعراض بعضهم و يضحكون على بعض ، أين جالس أنت ؟ أنت مؤمن ؟ أنت مسلم ؟ قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات : 12]
أي الاستقامة هي عين الكرامة ، و هذه المجالس قيمتها بتطبيقها .

السعيد
09-10-2018, 05:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )


الموضوع : مسالك الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم- 2






أنواع الشبهات :
أيها الأخوة المؤمنون ، منذ عدة أسابيع بدأنا في موضوع الشبهات ، والشبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس وهي بين الحلال والحرام ، بين الحلال المُطلق و الحرام المُطلق ، وبيّنا في الدروس الماضية أنَّ مسارَ الشُبهات عديد ومن هذه المسارات مثلاً : اختلاف الأدلة المُبيحة أو المُحرّمة ، اختلاف الأدلة ، أو اختلاف الحلال والحرام ، أو ترجيح السبب المُحلل على السبب المُحرّم ، فالدرس اليوم اختلاف الأدلة .
هناكَ نوعٌ من الشُبهات يتأكّدُ التورّعُ عنهُ لأنَّ الدليلَ الذي يُحرّمه أو الذي يُوجِبُ الابتعاد عنه أقوى من الدليل الذي يُبيحُهُ ، هناكَ دليلٌ مُبيح ودليلٌ غيرُ مُبيح ، الدليل الغير مُبيح أقوى من الدليل المُبيح .
درسنا اليوم : تعارض الأدلة ، أي أنّ هناك دليلاً على إباحته ، وهناك دليلاً على تحريمه ، دليلانِ متعارِضان أيُهما أقوى ؟ إذا كان الدليل الذي لا يُبيحُ أقوى يجبُ أن نتركُهُ تورُعاً . مثلاً : التورُعُ عن فريسةٍ كلبٍ مُعلّم " أي عُلِّمَ كيف يأتي بالفريسة " إذا أكلَ منها الكلبُ فالتورّعُ عن أكلِ هذه الفريسةِ التي أتى بِها كلبُ مُعلّم واجبُ ، التورّعُ عنها واجبٌ لأنَّ دليلَ التحريمِ أقوى من دليل الإباحة عِندَ الفقهاء .
هناك مثل أوضح : لو أنَّ إنساناً أكَلَ لحماً لم يُسمّ على ذبحِهِ فهُناكَ دليلانِ متعارِضان : الآيات الكريمة التي تأمر أن نأكُلَ مما ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ ، وعندنا بعض الأحاديث كقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( المسلم يذبح على اسم اللّه تعالى ، سمى أو لم يسم))
[أخرجه الدار قطني عن ابن عباس]
أحياناً يأتي دليلٌ موجِب ويأتي دليلٌ آخر فيه تساهُل أيُهما أقوى يجب أن أبحث عن الدليل الأقوى ، طبعاً هذا ليس من اختصاص عامّة المسلمين هذا من اختصاص الفقهاء ، من اختصاص المُفتين ، وللمفتين جمعٌ آخر هو المفاتي ، من اختصاص المُفتين أو المفاتي أي أن يبحثَ عن الدليل المُبيح والدليل غير المُبيح ويرى أيُهما أقوى ، فيُرجّحُ الدليلَ المُبيحَ أحياناً والدليلَ غير المُبيح أحياناً أخرى .
الآن : أحياناً هناك رأي لبعض العلماء أنكَ إذا ذبحتَ ذبيحةً ووجدتَ في رَحِمِها جنيناً هل يُباح أن تأكُلَ الجنين ؟ في المذهب الحنفي لا يُباح ، (( قاله قطرب وقال ابن سيده في
[المحكم]
والعرب تقول : ذكاة الجنين ذكاة أمه ؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث . وذكى الحيوان ذبحه )) مادامت الأم قد ذُبِحت ذبحاً شرعيّاً فزكاة جنينها مشتقٌ من زكاتِها ، قال بعض العلماء أن أبا حنيفة لم يبلُغهُ هذا الحديث ، ولو بلَغَهُ لأجازَ أكلَ جنين الذبيحة من دونِ أن يتورّع الإنسانُ عن تركِ الجنين .
على كُلٍّ هذا اسمه مزاحمةٌ بمعنى أنَّ آراء الفقهاء تُرجِّحُ عدمَ أكلِ الجنين ، لكن هناكَ حديثاً وَرَدَ عندَ بعض العلماء يُبيحُ أو يُؤكِدُ أنَّ ذكاة الجنين ذكاةُ أمِهِ ، إذاً لا ينبغي أن نَقِفَ عِندَ رأي بعض العلماء مادامَ هُناكَ رأي آخر نُرجّح . على كُلٍّ الشيء الذي أحبُ أن أقوله لكم : إنَّ أيّ عملٍ وافقَ أيّ مذهبٍ عن علمٍ أو عن غير علمٍ فهو صحيح ، لو أنَّ الإنسان صلى الوتر ركعتين بركعة صلى ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّى ركعة ، لو صلّى الوتر بِلا دعاء القنوت ، لو قرأ دعاء القنوت بعد أن يقول : سَمِعَ الله لِمن حَمِدَ هناكَ مذاهب متعددة تُبيحُ كُلَّ هذا . . إذاً أيُّ صلاةٍ وافقت أيَّ مذهبٍ فهي صحيحة . تعارض الأدلة :
مازِلنا في تعارض الأدلة أي دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح ، لاشكَّ أنَّ الفِكرة تقوم على أيُهُما أقوى ، إن كانَ الدليل المُبيح أقوى أخذنا بهِ ، وإن كان الدليل المُحرّمُ أقوى أخذنا بهِ ، إذاً من أين تأتي الشُبُهة ؟ أنَّ هناك دليلاً مُبيحاً ودليلاً غير مُبيح متعارضان . . . هذا من عمل الفقهاء ، من عمل المجتهدين ، من عمل المُفتين . .
أحياناً في بعض المسائل لا يُشتهرُ خِلافٌ إطلاقاً . . أي عندنا تعارض دليلين ، عندنا رأي لفقيه لو بلَغَهُ الحديث الشريف لَقَالَ بإباحته ، أمّا الصنف الثالث فألاّ يكون في المسألة خِلافٌ إطلاقاً ولكنَّ الدليل المُبيحَ ضعيف أي دليل آحاد .
ماذا يقول الإمام الغزالي ؟ يقول : وقد اختلف الناسُ في خبر الواحد . . أي إنسان روى خبراً . . فمنهم من لا يقبله لأنَّ النَقَلَةَ الذين نقلوا هذا الخبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلط جائز عليهم . . وتعرفون من هو العدلُ ، العدلُ صِفةٌ تلحقُ المُسلم تُقبلُ شهادتُهُ ، تُقبلُ روايتُهُ ، له مكانة تُبيحُ له أن يُؤخذَ منه . . هذا هو الإنسان العدلُ :
((من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، و وعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
لكن لو أنَّ إنساناً أكلَ لقمةً من حرام ، أو طففَّ في الوزن بتمرة ، أو مشى في الطريق حافياً ، أو أطلقَ لبرذونه العنان . . أي أسرع في قيادة السيارة . . أطلقَ لفرسهِ العِنان ، أو قادَ برذوناً . . أي حيواناً مُخيفاً أفزعَ بِهِ المارة ، أو تحدث عن النساء ، أو تنزّه في الطرقات ، أو بالَ في الطريق ، أو لعِبَ الشطرنج ، أو علا صياحهُ في البيت حتى سمعهُ من في الطريق ، أو كان حديثه عن النساء ، أو صَحِبَ الأراذل ، إنَّ كُلَّ هذه الصفات إذا وُجِدَ أحدُها في الإنسان المُسلم جُرِحت عدالته ، فإذا عاملَ الناسَ وظلمهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وكذبَ عليهم سقطت عدالته ، إذا عاملَ الناسَ وأخلفهم سقطت عدالته ، إذا عاهدهم فخانهم سقطت عدالته ، ويتضحُ لكم الفرق بين سقوط العدالة وبين جرح العدالة ، أن تأتي بإناء زجاجي فتُكسّرهُ بالمطرقة . . هذا سقوط العدالة . . أمّا أن يظهرَ شقٌّ في هذا الكأسِ نقول: العدالةُ جُرِحت ، الإنسان ليسَ له أن يأكُلَ في الطريق لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يرتدي ثياباً مبتذلة لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يكون حديثه عن النساء لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يصحب الأراذل لِئلا تُجرح عدالته ، ليسَ له أن يعلو صياحُهُ في البيت ، ليسَ له أن يأكُلَ لقمةً من حرام ، أن يُطفِفَّ بتمرة ، أن يُسرِعَ في قيادة السيارة ، أن يقودَ برذوناً ، أن يتنزّه في الطُرقات، أن يجلِسَ على مقهىً على الرصيف . . هذه الآن منتشرة جداً . . مقاهي الرصيف يجلسُ يتناول كوبَ شايٍ أو يحتسي كوباً من القهوة لينظر إلى المارة ، هذا مما يُسقط العدالة .
إذاً : هؤلاء الذين ينقلون خبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلطُ جائزٌ عليهم . . . . والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم . . لغرضٍ خفيٍّ عنهم . . أحياناً يتلقى الإنسان خبراً مؤلماً، انظر إليه ماذا يفعل ، أول شيء يفعلُهُ أنهُ يُكذّبُ الخبر بشكلٍ عفوي . من أنواع الشُبُهات أيضاً أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد :
قال علماء النفس : إنَّ الإنسان يُدافع عن نفسِهِ بادئَ ذي بدءٍ بتكذيب الخبر ، لو مثلاً أرسل تحليلاً فكانت النسبة مرتفعة جداً ، لاحظ إنساناً حلّلَ دمه فتلّقى النتيجة أنَّ هناك ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول . . لاحظهُ ماذا يقول : لابُدَّ أنَّ هذا المُحلل لم يُحسن التحليل أو أنَّ المواد الكاشفة ليست فعّالة . . هذا كذب أمّا هو فكذب غير مقصود ، كذب خفيّ عن صاحبه ، أحياناً الإنسان يأتيه خبرٌ عن ابنه يُكذبُهُ ، أي لا يستطيع تحمل هذا الخبر أنه مُنحرف مثلاً ، أو أنه أخذَ شيئاً ليسَ له ، يميل إلى التكذيب ، هذا التكذيب أو هذا الكذب غير مقصود ، خفيٌّ عن صاحِبِهِ ، أي لو فرضنا أنَّ شخصاً قام بتنبيه شخص إلى سلوك لا يُرضي من زوجتِهِ أول شيء ينفجر عليه . . هذا غير صحيح ، يُدافع عن نفسِهِ تِجاهَ هذا الخبر المؤلم بتكذيبه .
إذاً هل هو موضوعيٌّ في تكذيبِهِ ؟ الجواب لا ، لكنَّ السبب الذي كذّبَ من أجلِهِ خَفِيَ عليه ، العلماء فسروه دفاع النفس عن ذاتِها ، دفاع داخلي ، فقال : وإن كان هؤلاء عدولاً فالغلط عليهم جائز ، أي مثلاً ممكن أن تفهم النص فهماً مغلوطاً ، ممكن أن تسمع كلمة لم يقلها القائل ، ممكن التوهم أنهُ قالَ كذا ، مادامَ الراوي واحداً .
لماذا العلماء يُرحّبون كثيراً بالخبر المتواتر ؟؟ أحياناً تسمع الخبر من هذه الإذاعة وهذه الإذاعة وهذه الإذاعة ومن وكالات أنباء متعددة . . . كُلُّ هذه الأخبار تقاطعت على هذه الواقعة ، تُحِس أنَّ هذه الواقعة وقعت فعلاً لماذا ؟ لأنها متواترة ، أمّا أحياناً فيأتيكَ خبرٌ من مصدرٍ لستَ واثقاً منه ، خبر يُسمونه الفقهاء " آحاد " تقول : لعلَّ هناك غرضاً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناكَ مصلحةً من ترويج هذا الخبر ، لعلَّ هناك نفعاً ماديّاً ، لعلَّ هناكَ خطةً . . . . . إذا جاء الخبر من واحد أنتَ عندئذٍ تشُكُ في الأمر .
لذلك هؤلاء العدول ، هؤلاء النَقَلةَ وإن كانوا عدولاً فالغلطُ عليهم جائز ، وجلَّ من لا يسهى ، والكذبُ بغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم ، كأني أخاف أن يُساءَ فهم هذه الكلمة ؛ الكذبُ بغرضٍ خفيٍّ عنهم جائزٌ عليهم ، هو لا يشعر إطلاقاً أنه يكذب ، أحياناً الأم عاطفتها التي ترتبطُ بابنها تجعلُها تذكُرُ محاسنهُ وتنسى عيوبهُ ، هذا أحد أنواع الكذب لكنَّ هذا غير مقصودٍ وخفيٌّ عن صاحبِهِ ، فالعدلُ جائز ٌعليه الكذبُ لغرضٍ خفيّ .
والعدلٌ يُجيز عليه الوهمُ أو يتوهّمَ ، الآن في حياتنا اليومية كم التباس حصل بينكَ وبين إنسان ؟ أضرب لكم مثلاً قضية بلاغية في فقه اللغة : قالوا : كلمة مشجب " علاّقة " كُل إنسان يُعلّقُ عليها حاجةً في نفسِهِ ، لو فرضنا هناك غرفة فيها مشجب ، إنسان يُعلّق مظلة ، إنسان آخر يُعلّق معطفاً ، إنسان ثالث يُعلّق قميصاً ، إنسان رابع يُعلّق كنزة ، هذه الكلمة مشجب ، نُحضر مثلاً شخصاً يمشي في الطريق أستاذ جامعة لكن بِلا كُرسي أي أنَّ هناكَ شخصاً تنافسَ معه على هذا المنصب وناله ، لم يتسنّ له أن يُصبح أستاذاً بكُرسي ، أستاذ بكرسي نصابه ثماني ساعات ، له مكتب فخم ، رئيس مادة مثلاً كُرسي البلاغة ، كُرسي العروض ، كُرسي الأدب الحديث ، قواعد اللغة العربية . . . هذا كُرسي يكون في هذه المادة ثمانية مدرسين في الكُلية لهم رئيس ، رئيسهم هو صاحب هذا الكُرسي ، هو الذي يُقرر المنهج، نِصابه قليل ، وعمله في شيء من العمل الإداري ، فلو أنَّ هذا الأستاذ الجامعي الذي لم يُتح له أن يكون أستاذاً بكرسي سَمِعَ كلمة كرسي من إنسان في الطريق يبقى يسير ساعةً أو أكثر وهو يُفكر لِمَ لم أنل هذا المنصب ؟ لماذا نافسني عليه فلان وشهادته أقلُّ من شهادتي وخبرته أقلُّ من خبرتي ؟ لماذا أنا كذلك ؟ كيف أحتال حتى أصِلَ إلى هذا المنصب ؟ لماذا يُهضمَ حقي؟ ماذا علّقَ على هذا المِشجب ؟ يسمع كلمة كرسي حلاق ، عنده كرسيان في المحل وعليه ضغط، فإن أحضر كرسياً ثالثاً يخاف من المالية أن تُكلّفه بتكليف أكثر ، والكرسي الثالث يحتاج إلى صانع ، والصانع يحتاج إلى تأمينات إجتماعية . . . . ساعة يُفكّر في مجال آخر ، يمشي إنسان ثالث يسمع كلمة كرسي وهو تعب يتمنى كرسياً لكي يجلس عليه ، إنسان رابع يسمع كلمة كرسي وهو محتاج إلى كرسي للحمام يُفكر كيف سيأخذه ؟ هل يأخذه من الخشب أم من البلاستيك يحتار ماذا يفعل .
انظروا للفهم ، الكلمة واحدة كلمة كُرسي . . حتى الصوفيين يقولون : أحدهم سمع بائعاً يقول : زعتر برّي . . يبيع زعتراً برّياً . . ، فهناك أحد العاشقين سمع هذا البائع يقول : ما أعظم بِرّي ، وهناك إنسان مرتبته أقل سمعه يقول : انظر ترَ بِرّي ، وهناك آخر غافل سمعه يقول : زعتر برّي . . الكلمة كلمة لذلك قالوا : نحنُ نفهم الأشياء كما نحنُ عليها لا كما هي علينا ، فالإنسان يفهم القرآن بحسب حُسن ظنه بالله عزّ وجل ، يفهم القرآن بحسب معرفته بالله ، لذلك أصحاب النبي الكريم قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن "
إذا كان عَرَفَ الله ، عَرَفَ عدالته ، عَرَفَ رحمته ، يُفسّر الآيات تفسيراً يليقُ بكمالِهِ ورحمتِهِ وعدالتِهِ ، وأنَّ الله على صِراطٍ مستقيم . . هكذا . .
موضوع العدول موضوع دقيق جداً ، لو أنَ هذا الحديث المُفرد نقله عدول يجوز عليهم الكذبُ لغرضٍ خفيٍّ عنهم ، ويجوز عليهم الغلطُ ، ويجوز عليهم التوّهمُ ، وقد يسبِقُ إلى سمعهم خِلافُ ما يقولُهُ القائل . . ألم يحدث معكم أنَّ إنساناً قالَ شيئاً ففهِمتُم خِلاَفَهُ . . نعوذ بالله أن نسمَعَ غيرَ ما يُقال لنا ، وأن نفهمَ غير ما سمِعنا ، وأن نقول غيرَ ما فهِمنا . .
إذاً : أحد أنواع الشُبُهات أن يأتي شيء لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد . . هذا أيضاً شُبُهة يجبُ تركُها .
تناقض العلامات :
من أنواع الشُبُهات تناقُض العلامات ، قُلنا قبل قليل اختلاف الأدلة ، الآن : تناقُض العلامات ، مثلاً قد يُنهبُ نوعٌ من المتاعِ في وقتٍ ويندرُ وقوعُ مثلِهِ من غيرِ نهبٍ . . أي نوع من أنواع البضاعة نُهِبت حصراً في كل الشام لا يوجد إلا صندوق من بضاعة معينة، سُرِقَ هذا الصندوق ، تجدُ قطعةً من هذه البضاعة بيد رجلٍ صالح ورعٍ تقي ، ما دامت هذه القطعة بيده فهذا دليل أنها حلال ، ومادامت هذه البضاعة لم تنتقل إلى أيدي الناسِ إلا سرقةً فهذا دليلٌ آخر على أنها حرام . . هنا دليلان متعارضان متعاكسان . . قال : هذا الأولَىَ تركُهُ ، قد تصل هذه البضاعة إلى يدِ هذا الرجل الصالح وهو لا يعلم أنها حرام ، وإذا سَبَقَ لِعلمِكَ أنَّ هذهِ البضاعة لم توجد في الأسواق إلا بشكلٍ غير مشروع . . الأولَىَ تركُ هذا الشيء . . هذا أحد أنواع اختلاف الأدلة . عندنا حالة ثالثة : إنسانانِ عدلانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين كلاهُما عدلٌ ، أو فاسقانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين أيضاً الأولَىَ تركُ هذا الشيء .
تعارض الأشباه في الصفات :
عندنا موضع آخر في الشُبهات : تعارض الأشباه في الصفات ، مثلاً : إنسان أوصى بمالٍ له لطلبة العلمِ ، هنا عندنا خِلاف : الجاهل معروف أنه جاهل متفق على جهله ، والعالم معروف أنه عالم متفق على علمه ، لكن بين العالِم والجاهل آلاف الأشخاص بعضهم أقرب إلى العلمِ ، وبعضهم أقربُ إلى الجهلِ ، المُشكلة في هذه الدرجات بينَ الحالتين . . يا ترى هذا طالب علم ؟؟ ، طبعاً المشكلة تُصبح أوضح في المثل التالي ، مثلاً : الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، فإنه من لا شيء له معلومٌ أنه محتاج لا يملك شيئاً ، واقف في الطريق لا يوجد بيت ولا زوجة ولا أولاد ومريض ومقطوع . . هذا مُحتاج . . لا شيء عنده، ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ، أمّا المشكلة ففي هؤلاء الآلاف المؤلفة الذين هم بين الغِنى الثابت وبين الفقر الثابت ، هُنا تكمنُ الحيرة . .
الموضوع النبي الكريم حلّه ، كلمة الفقراء والمساكين العلماء لهم رأيٌ دقيقٌ فيهما قال: "إذا اجتمعا تفرّقا وإذا افترقا اجتمعا " حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا ، أي إذا قال الله عزّ وجل الفقراء والمساكين الفقراء أُناسٌ والمساكين أُناسٌ :
(( لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ أَوِ التَّمْرَتَانِ أَوِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي على افتتاح المدارس بحاجة إلى مصروف لأولاده ، دخله يكفيه طعاماً وشراباً فقط أمّا على موسم الشتاء فهو بحاجة إلى ألبسة ، لا يملك ثمن الألبسة ، منزله ملكٌ له قد اشتراه بستة آلاف وثمانمئة ليرة عام خمسة وستين الآن ثمنه مئة وعشرون ألفاً . . أخي يجوز أن نُعطيه وثمن منزله مئة وعشرون ألفاً !؟ ، إذا كان ثمنه مئة وعشرين ألفاً وإذا كان مليوني ليرة أو خمسة ملايين . . هذا المنزل مُستهلك ، فهُنا موضوع الخِلاف ، النبي الكريم فرّق بين المسكين والفقير ، الفقيرُ هو الذي لا يجدُ حاجتهُ أمّا المسكين فهو الذي ليسَ عنده شيء ، فإذا قال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[سورة البقرة : 273]
الفقراء شيء والمساكين شيء آخر ، الفقير لا تعرفه . . مرتد ملابسه : ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾
[سورة البقرة : 273]
محتاج إلى دواء ، محتاج إلى عملية جراحية لا يملك ثمنها سوف يستقرض . . أصبح هذا القرض عِبئاً كبيراً عليه ، وسوف يقتطعُ من طعام أولادِهِ ما يفي لهذا القرض . . هذا الفقير . . منزله يملكه ، أمّا وإذا افترقا اجتمعا ، إذا قال الله : الفقراء فقط فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، وإذا قال الله المساكين فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين ، إذا اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا .
قال : وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، من لا شيء عنده معلومٌ أنه محتاج ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ويتصدى بينهما رسائل غامضة ، كمن له دارٌ وأثاثٌ وثيابٌ وكُتب فإنَّ قدرَ الحاجةِ منهُ لا يمنع من الصرفِ إليه والفاضل يمنع ، هناك أُناس يقولون لك : هذا الإنسان لا يستحق ، أُناس يقولون : يستحق . . هنا القضية خِلافية ، هذا مسار الشُبُهات أحياناً .
ينتهي موضوع الشُبهات ، المسار الرابع : الاختلاف في الأدلة : إمّا أن يكون الدليل المُبيح قوياً وإمّا أن يكون الدليل المُحرِّمُ قوياً ، وإمّا أن يُنقلَ الدليلُ الذي يُحِلُ من رجل واحد وهو خبرُ الآحاد ، وإمّا أن تختلف انطباق الصفات على الأشباه . وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله إلى موضوعات أخرى في الحلال والحرام . * * *
سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم :
الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، أنا في كتاب إحياء علوم الدين لا أتكلم كُلَّ شيء لأنه شيء دقيق جداً ، أي هناك أشياء دقيقة لدرجة يصعُب متابعتُها من قِبل المستمعين ، تحتاج إلى قراءة متأنية مع استيعاب ، مع مراجعة ، مع بحث ، مع تمحيص ، مع إعادة ، مع سؤال ، مع جواب ، لكنَّ الشيء المهم جداً نقوله بشكلٍ مباشر .
الآن : الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم . 1 ـ دائم البِشر :
قال الحُسين رضي الله عنه : سألت أبي علي رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائِهِ فقال : كان عليه الصلاة والسلام دائِمَ البِشرِ أي طلق الوجه ، المؤمن طلقُ الوجه ، لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طلق ، أحياناً ربُّ العمل إذا كان طليقَ الوجهِ يبعث الطمأنينة والحماس فيمن حوله ، وإذا كان عبوساً قمطريراً يبعثُ الخوفَ والقلقَ والخوفَ والحُزنَ والتشاؤم فيمن حوله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ دائِمَ البِشرِ أي أنَّ الابتسامة اللطيفة لا تُفارق مُحيّاه ، والابتسامة عملٌ صالح ، تبسُمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة ، وهناكَ أُناسٌ يضنونَ بالبسمة ، يضنونَ بالكلمة الطيبة ، يضنونَ بشيء لا يُكلفُهم شيئاً ولكن نفوسُهم الشيحة . .
2 ـ سهل الخلق :
دائِمَ البِشرِ سهلَ الخُلُقِ ، أي لا يُحبُ المشاحنة :
(( غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلا إِذَا بَاعَ ، سَهْلا إِذَا اشْتَرَى ، سَهْلا إِذَا اقْتَضَى ))
[البيهقي عَنْ جَابِرٍ]
ليسَ عنيداً ، ليس مشاحناً ، ليسَ قاسياً ، أميل إلى اللين . ليّنَ الجانب أي من عامله أحبه ، قيلَ في النبي عليه الصلاة والسلام : " من رآه بديهةً هابَهُ ومن عامله أحبَهُ " 3 ـ متواضع :
متواضع ؛ قد يأنس به الصغير ، ويسعد به الكبير ، ويستعظمه العظيم ، ويُحبه القريب ، ويشتاق له البعيد .
4 ـ ليس بفظ :
ليس بفظٍّ . . هناك إنسان فظ . .
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 159 ]
كلمته قاسية يقول له : أنت لاتفهم . . . أعتقد أنَّ الأمر على خِلاف ما ذكرت . . . كاذب . . هذه فظاظة . . ، ألا ترى معي أنَّ هذه الرواية عليها مآخذ ؟ سيدنا عمر كان يمشي في الطريق فرآى أُناساً يوقِدون ناراً فقال : السلام عليكم يا أهلَ الضوء ولم يُقل : السلام عليكم يا أهلَ النار . . هناك لُطف . . ، ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون : 5-7 ]
هل هذه العبارة تخدشُ حياء الإنسان ؟ هل هذه العبارة مما تُحرج المُتكلّم ؟ يقول : لا حياء في الدين !! من قال لك ذلك ؟ الدين كُلُهُ حياء ، كُلُه أدب ، كُلُه خجل . . لا حياء في الدين . . لا . . من لا حياءَ له لا إيمانَ له ، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخر . 5 ـ ليس بغليظ :
ولا غليظ . . أحياناً يلتقي شخص في الطريق بشخص آخر يسأله أين ذاهب ؟ فيقول له : مشوار ، فيُريد هذا الشخص أن يُحقق معه ماذا يعمل ؟ أين يسكن ؟ ما اسمه ؟ وكلما سكت يسأله ويُضيّق عليه ، قد يكون له وضع خاص . . هذه غلاظة . . ، ليسَ بفظٍ ولا غليظ .
6 ـ ليس بصخّاب :
ولا صخّابٍ ، أي هناك أُناس صوتهم مرتفع يُسمى عِندَ العوام على الموجة العالية، الصوت المنخفض سُنّة نبوية :
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾
[سورة لقمان : 19]
7 ـ ليس بفحّاش :
ولا فحّاشٍ ، أي مزاحه كلُهُ مغشوش ، وكل مزاحه متدن ، أي في مجلس إذا كان الوالد مع ولده تجد الابن قد ذابَ خجلاً من والده ، واحمرَّ وجهه لأنه يتكلّم عن العورات ، وبالعلاقات الشائنة بين الجنسين ، ويقوم ويُمثّل . . هذا فحّاش . . ، اللهمَّ صلِّ عليه ليسَ بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ ولا فحّاشٍ .
النبي الكريم رأى أحد بناته أو أحد نسائه ترتدي ثوباً رقيقاً فقال : لا تلبسي هذا الثوب إنه يصفُ - ماذا يتكلّم عليه الصلاة والسلام ؟ أي شيء يذكره عن المرأة يُثير- إنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، انظر لكلمة عظام هل تُحرَك شيئاً ، شاعر تغزّل بفتاة اسمُها سلمى فأخذَ عليه النُقّاد مآخذ كثيرة ، قال : إنَّ سلمـى خُلِقت من قصبِ السُـــــــــكر لا عظم الجمل
وإذا قدّمت منها بصلا ً غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل
***
ما هذا الغزل الذي فيه بصل وعظم جمل ؟ أي يتنافر ، قال : لا تلبسي هذا الثوب فإنه يصفُ حجمَ عظامِكِ ، لم يكُن فحّاشاً أبداً ، وربنا عزّ وجل قال : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء : 43]
انظر لكلمة لامستم النساء : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾
[سورة النور : 24]
الجلود كنّى بها الله سبحانه وتعالى عن شيء ينبغي ألا يُذكر : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[سورة فُصلّت : 21]
دقة القرآن الكريم ، روعة بيانه ، صياغته اللطيفة ، أحياناً الإنسان . . . . مجلة مثلاً يستفيد منها الأهل للخياطة فيها صور شائنة تُسبب حرجاً في البيت لابُدَّ من مقص للرقابة يقص هذه الصور أحياناً ، أمّا كلام ربنا عزّ وجل كائناً من كان يقرأه فليسَ فيه شيء يخدش الحياء ، فالإسلام ليسَ فيه حياء !!؟ الإسلام كله حياء ، هذا الذي يذكر العورات تحت ستار لا حياء في الدين فهذا يجهل الدين ، يجهل حقيقة الدين . 8 ـ ليس بعيّاب :
ولا عيّابٍ ، شخص اشترى طقماً غالياً ، إذاً القماشة غالية والخياطة ممتازة ، يقول له شخص آخر : الخياطة غير جيدة ، الساعد لم يُخيّط بشكل جيد ، فخجل بنفسه ، فلا همَّ له إلا أن ينتقد ، أينما وقع بصره ينتقد ، هذا الإنسان لا يوجد عنده لباقة .
9 ـ ليس بمشاحن :
ولا مُشاحن وفي رواية ولا مدّاحٍ ، أحياناً الإنسان يمدح الحاجة أكثر من الحد الطبيعي ، فماذا يحدث ؟ يبدو أنَّ هذا الإنسان مُحبٌ للدنيا ، أي إذا مدحت شيئاً فكُن مُعتدلاً في مدحِك ، إذا مدحت الشيئء فوقَ الحد المعقول شكَّ الناس في توازِنك .
10 ـ ليس بمزّاح :
ولا مزّاحٍ ، هناك شخص أربعة أخماس كلامه مُزاح لا تعرفه جاداً أو أنه يمزح ، طبعاً هذا مما يُسببُ حرجاً . " من كثر مزاحُهُ قلّت هيبته " ليس معنى ذلك أنَّ المُزاح حرام ، كان عليه الصلاة والسلام يمزحُ ولا يمزحُ إلا حقاً ، مرةً أمسكَ بأحد أصحابِهِ من وراء ظهره ، وقال : من يشتري هذا العبد ؟ فقال هذا الصحابي : إذا تجدني كاسداً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أنت عندَ الله لستَ بكاسد ، مرةً قال لصحابي : أبشر بدخول الجنة ، فقال الثاني : وأنا ؟ الثاني أحرجه ، الأول في مستوى الجنة ، فقال له : سَبَقَكَ بِها عُكاشة ، جواب بمنتهى اللُطف .
11 ـ يتغافل عما لا يشتهي :
يتغافل عمّا لا يشتهي ، في مجلسه صحابي تكلّم كلمة كان يجبُ ألاّ يقولها فلا يُعلّقُ عليها ، يتغافل عنها كأنه لم يسمعها ، إنسان تجشأ فعل ذلك كثيراً فقال له : كُفَّ عنّا جشأكَ . . . يتغافل عمّا لا يشتهي ، لا تحمروا الوجوه ، لا تُحرج الناس ، غلط وندم على الغلط فكأنه لم يقلها .
12 ـ لا ييئس منه راجيه :
ولا ييئس منه راجيه ، أي إذا رجاه إنسان كان موطن راجيه ، ولا يخيبُ فيه راجيه .
13 ـ يترك المراء و الإكثار و ما لا يعنيه :
قد تركَ نفسه من ثلاث : من المِراء : قال : سمعت هذا بركان كولومبيا قتل خمسة وثلاثين ألف شخص خلال يومين ، يقول الآخر : غير معقول أنا سمعت خمسة عشر ألف فقام الخِلاف بينهما . . . . . هذا المِراء ، فهذه ليسَ لها علاقة بالدين ، مررها له ، خمسُة وثلاثون ، هناك شخص عنيد يبقى على نِقاش حتى يقوم بتفشيل صاحبه . . هذا مِراء . . ، أما لو كانت القضية خِلافية في الدين فالسكوت عنها لا يجوز ، أمّا القضية فإخبارية .
والإكثار : هناك شخص نفسه محور العالم أو محور الحاضرين . . سافرت وعدت وبعت واشتريت وسكنت ، وكأنهُ فقط هو الذي يجلس في المجلس ، فهذا الذي يجلس بجانبك ليس بتاجر ، أنت تتكلم عن رحلاتك وصفقاتك وفي أي فندق نزلت و . . . . . . فهذا لا يهم الحاضرين بل يتضايقون منه ، فهو يجب أن تكون حركاته وسكناته محور الحديث كله . . هذا الإكثار . . ، كان عليه الصلاة والسلام لا يتحدث عن نفسهِ إطلاقاً ، وما لا يعنيه .
14 ـ لا يذمُّ أحداً ولا يعيبُهُ ولا يطلبُ عورته :
وتركَ الناسَ من ثلاث : كان لا يذمُّ أحداً ، ولا يعيبُهُ ، ولا يطلبُ عورته . . سمعنا البارحة الجار الفلاني قد تشاجر مع زوجته ما السبب يا تُرى ؟
الشخص الفلاني لم يُنجب أولاداً فيا ترى منه أم من الزوجة ؟ . . ليس لكَ علاقة بكل هذه الموضوعات .
15 ـ لا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ :
ولا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ ، والدارُ لهوٌ ، والذين هم عن اللهو معرضون ، وقال العلماء : كل ما سِوى الله لهوٌ .
16 ـ إذا تكلم أطرق جلساؤه :
وإذا تكلّم أطرقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، كان له هيبةً شديدة ومحبة فإذا سكتَ تكلّموا ، حيث أنه يتكلم فالكل له مستمعون ، غير ممكن أن يُقاطعه إنسان إلى أن يسكت ويقول : يافُلان تكلم فيتكلّم ، أمّا الشخص فيُقاطعُك أول مرة والثانية والثالثة ويقول لك "من غير قطع لحديثك " ، فإذا سكت تكلّموا لا يتنازعون عنده الحديث ، من مكانته العليّة عند أصحابِهِ لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلّمَ عِنده أنصتوا له حتى يفرغ ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له ، حديثهم عنده حديث أولهم ، دائماً التفوق والسبق والفوز . . حديث أولهم . . وليس حديث الضِعاف وحديث الكُسالى بل حديث المتفوقين السابقين السابقين .
17 ـ يضحك مما يضحك منه أصحابه :
يضحك مما يضحكون منه ، أحياناً وهذه تحدث مع المدرس ، الطالب تصرّف تصرفاً مضحكاً فالطلاب ضحكوا . . المدرس لا . . ، اضحك معهم حيث أنَّ الموقف مُضحك والطلاب ضحكوا ضحكة بريئة فكُن أنت طبيعياً واضحك معهم ، إذا المدرس ضحك مع طلابه صار هناك شيء من الأُلفة ، أمّا الشيء مُضحك فعلاً والمدرس بقي ساكتاً ، عبوساً قمطريراً ، فصار هناك تفلُت ، كان عليه الصلاة والسلام يضحكُ مما يضحكون منه . . جُبران خاطر أحياناً ، شخص روى لكَ نكتة فلم تضحك فشعر بنفسه بالخجل ، أي أنها ليست مضحكة ، لو لم تكُن مُضحكة اضحك ضحكة خفيفة كي لا يخجل بنفسه .
18 ـ يتعجّب مما يتعجب منه أصحابه ويصبر للغريب على الجفوة :
ويتعجّب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة ، قال : اعدل يا مُحمد، قال : ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ أي عليه الصلاة والسلام تحمله ، أحدهم قال له: أعطني مما أعطاكَ الله فأعطاه وسأله هل أحسنت إليك ؟ فأجاب لا أحسنت ولا أجمِلت ، فأصحابه الكِرام كادوا يثبون عليه فقال لهم النبي : دعوه لي ، أخذه إلى البيت وزاده عطاءً وسأله هل أحسنتَ إليك ؟ فأجاب نعم أحسنتَ وأجملت ، فقال له النبي : لقد سألتنا فأعطيناك فقُلت ما قُلت وفي نفسِ أصحابي شيء فإذا خرجت لعندهم الآن فقُل لهم مِثلَ ما قُلتَ لي ، خرجَ النبي مع هذا الأعرابي وقال : إنَّ هذا الرجل جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقالَ الذي قال فلمّا زِدناه رضي، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم أحسنتَ وأجملت وانصرف ، قال : مَثَلَي ومَثَلُ هذا الأعرابي كمَثَلِ رجل له ناقةٌ شردت منه فجعَلَ أصحابَهُ يتبعونها حتى زادوها شروداً فقال : خلّوا بيني وبينها ، فطلبها وأعطاها بعض خشاش الأرض إلى أن لانت ، فقال لو تركتكم وشأنكم لهلكتُم وهَلَكت . . انظر للرِقة . . كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب ، أحياناً يدخل أخ جديد ويقول : السلام عليكم ، هذه خِلاف الأصول الإسلامية حيث أنه في مجلس العِلم لا يوجد سلام ، فإذا قال له أحدهم بصوت خفيف : وعليكم السلام يكون قد خففَ من خجلِهِ . . هذا غريب لا يعرف . . ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة عطس فقال له الآخر : يرحمكم الله ، فأصحاب رسول الله ضربوا على أرجلِهم فخاف هذا الرجل وبقي بخوف شديد حتى انتهت الصلاة طلبه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له : إنَّ هذا الكلام لا يصحُ في الصلاة، فقال هذا الأعرابي فوالله ما رأيت معلماً أحكمَ منه والله ما كهرني ولا نهرني . . إنه لا يعرف .
أحياناً يأتي طفل ليُصلي أول مرة في الجامع فلا يعرف أن يقف ، فيُقال له : عُد للخلف يبقى مُعقّداً ، قال لي شخص : أنا الدين كله أحببته حيث دخلت إلى الجامع منذ صَغري وكنت قد اشتريت حذاء جديداً وعندما خرجت لم أجده فبكيت " الجامع في سوق الحميدية " فشاهده تاجر وسأله فقال له ما جرى ، فقال التاجر له : تعال واشترى له حذاء بدلاً منه ، هذا الموقف مع هذا الطفل الصغير طيلة حياته يُحب الصلاة ، طفل دخل إلى الجامع قُم بتدليله وإكرامه وإذا صلّى في الصف الأول ما المانع ؟؟ أحياناً يجلس على قدميه فينهره شخص ويقول له : اجلس جيداً . . ليست هذه في الأساس الدعوة إلى الله . . هذه فظاظة . . من أمرَ بمعروف فليكن أمره بمعروف ، هذا الطفل عبد الإحسان ، عليه الصلاة والسلام كان يتصابى للصبيان قال : من كان له صبيٌ فليتصاب له ، إذا مرَّ في الطريق وكان فيه صبيان يقول : السلام عليكم يا صبيان .
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب على الجفوة في منطقِهِ ومسألتِهِ حتى إن كان أصحابهُ ليستجلبونهم ويقول : إن رأيتم طالِبَ حاجةٍ فأرسلوه . 19 ـ لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ :
لا يقبل الثناء إلا من مُكافئ ، إنسان سفيه يمدحه لا يرضَ ذلك ، يقبل الثناء من إنسان بمستواه راق ، لأنَّ مدح السفيه سفاهة ، ومدحُ السفيه إهانة .
20 ـ لا يقطع على أحدٍ حديثه :
ولا يقطع على أحدٍ حديثه ، قال : وتراه يُصغي للحديثِ بسمعِهِ وقلبِهِ ولعلّه أدرى بِهِ حتى يجوز – أي يجاوز الحق - فيقطعه بنهيٍ أو قيام .

السعيد
09-10-2018, 05:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الستون )


الموضوع : حكم السؤال عن الشبهات - شمائل النبى صلى الله علية وسلم






لحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟
أيها الأخوة الأكارم ، حدثتكم من قبل عن موضوع الشبهات ، وكيف أن الحلال المطلق كالأبيض الناصع ، والحرام المطلق كالأسود الداكن ، وبين الحلال والحرام حالات كثيرة جداً اشتبهت على الناس ، لا يعلمها كثير من الناس ، وأن هذه الشبهات كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
بينت لكم من قبل أن هناك مسارات للشبهات ، ترجيح السبب المحلل والسبب المحرم ، اختلاط الحلال بالحرام ، هذه المسارات أنهيناها .
درسنا اليوم متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما ؟ هل يباح له أن يسأل ؟ هل محرم عليه أن يسأل ؟ هل يجوز أن يسأل ؟ هل مندوب أن يسأل ؟ مثلاً يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : اعلم أن كل من قدم إليك طعاماً ، أو هديةٍ ، أو أردت أن تشتري منه ، فليس لك أن تفتش عنه ، وتقول هذا مما لا أتحقق حله ، فلا آخذه ، وليس لك أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا يتيقن تحريمه ، بل السؤال واجب مرةً ، وحرام مرةً ، ومندوب مرةً ، ومكروه مرةً ، فلابد من تفصيل ذلك ، أي متى يجب أن تسأل ؟ متى يحرم أن تسأل ؟ متى يندب أن تسأل ؟ متى يستحب أن تسأل ؟ متى يكره أن تسأل ؟ السؤال أولاً هذا المال قدمه إليك فلان هناك بحثان ، هناك موضوع متعلق بالمالك ، وموضوع متعلق بالمال نفسه ، فالمالك لا يمكن إلا أن يكون إحدى أشخاص ثلاثة ، أولاً : أن يكون مجهولاً ، ثانياً : أن يكون معلوماً ، ثالثاً : أن يكون مشكوكاً فيه ، ما معنى مجهول ؟ أي لا تعرف صلاحه من فساده ، شخص يركب سيارة عامة معه كيس من العنب قدم لك عنباً ، شخص عادي لا تعرف عن صلاحه شيئاً ولا عن فساده شيئاً ، هذا الشخص غير مشكوك فيه اسمه مجهول ، وشخص تشك في أن ماله حرام ، هناك دلائل ، إذا كان هناك دلائل فهذا بحث مستقل ، وشخص متيقنٌ أنت أن ماله حرام ، مالك هذا المال إما أن يكون مجهولاً ، أو أن يكون معلوماً ، أو أن يكون مشككاً فيه ، فما موقفي إن كان مجهولاً ؟ المجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه ، إنسان عادي ليس في عمله ، أو حرفته ، أو تصرفاته ، أو حركاته ، أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، أو أن ماله حرام ، هذا اسمه مجهول ، فإذا دخلت قريةً لا تعرفها فرأيت رجلاً لا تعرف من حاله شيئاً ، وليس عليه علامةٌ تنسبه إلى أهل الصلاح أو إلى أهل الفساد فهو مجهول ، وإذا دخلت بلدة غريباً ودخلت سوقاً ووجدت خبازاً أو قصاباً أو غيره وليس هناك علامة تدل على كونه ذي مال حرام هذا أيضاً مجهول ، لكن أحد العلماء قال : منذ ثلاثين سنةً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، العلماء بعضهم لا يفرق بين المجهول وبين المشكوك فيه إذا كان هناك شك اترك ، وإذا ما كان هناك إطلاقاً شيء مباح لأن العلماء قالوا : الأصل في الأشياء الإباحة أما التحريم فيحتاج إلى دليل .
فقال هذا : منذ ثلاثين عاماً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته ، وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا : هو الورع ، قال لهم حسان بن أبي سنان : ما شيء عندي أسهل من الورع إذا حاك في صدري شيء تركته ، أي إذا شيء مشكوك فيه تركه سهل ، أما إذا كان الشيء مجهولاً العلماء قالوا : ليس هناك حرج في أن تأخذ ، أو أن تشتري ، أو أن تعامل شخصاً لا تعرفه ، وليس في حاله أو مقاله أو هيئته أو حركاته أو سكناته ما يدل على أنه فاسد ، هذا اسمه مجهول .
فالمجهول إذا قدم لك طعاماً ، أو حمل لك هديةً ، أو أردت أن تشتري من دكانه شيئاً ، فلا يلزمك أن تسأله ، السؤال غير مطلوب أخي مالك حلال ، مجهول لا يوجد أي علامة يسمونه علامة ، لا يوجد علامة تؤكد أنه فاسد وذو مال حرام ، ولا يوجد علامة تؤكد أنه صالح، إنسان حيادي ، بل يده - كونه مسلماً - على الشيء ، معنى يده على الشيء أي له دكان أعطاك شيئاً من دكانه قال لك : تفضل ، يده عليه يد الملك ، وهو مسلم ، بل يده وكونه مسلماً دليلان كافيان في الهجوم على أخذه ، مادام هذا الشيء تحت يده إذاً في ملكه وهو مسلم إذاً يعرف الحق من الباطل ، وليس هناك ما يشير إلى فساده أو إلى أن ماله حرام ، إذاً ليس لك أن تسأله إطلاقاً ، ولك أن تهجم على ما في يده بمعنى أن تأخذه وأنت مطمئن من دون تريث ، من دون تردد ، من دون شك ، من دون وجل ، من دون قلق ، وليس لك أن تقول : الفساد والظلم غالب على الناس ، فهذه وسوسة وسوء ظن لهذا المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم ، أخي الناس كلهم أموالهم حرام ، هذا كلام باطل لا يوجد معك دليل ، والرجل مسلم ، وهذا الشيء تحت يده ، وقدّمه لك وضيفك ، وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك ألا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فساداً في غيره فقد جنيت عليه ، إذا أسأت الظن بعينه لأنك رأيت الفساد بغيره فقد جنيت عليه ، إذا أكثر الناس فسدوا أكثر الناس مالهم حرام ، هل عندك دليل على أن هذا الإنسان بالذات ماله حرام ؟ هذه جناية عليه ، وأتيت به في الحال نقداً من غير شك ، أي انتقدته وأنت لست شاكاً في ماله . الابتعاد عن الغلو في الدين :
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى ، القُرى غير القِرى ، القِرى الإكرام هذا جناس ناقص ، رجل قال : يقيني بالله يقيني هذا جناس تام ، أي يقيني بالله يحفظني ، المرء تحت طي لسانه لا تحت طيلتانه ، الطيلتان هو الثوب ، وكم من ملك رفعت له علامات فلما علا مات ، هذا كله من الجناس التام .
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى - أشخاص عاديون قدموا لهم طعاماً - ويدخلون البلاد لا يحترزون من الأسواق ، هناك شيء منطقي المسلم طبيعي ، التكلف والتعنت والتشدد بغير مكانه هذا غلو في الدين قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة : 77]
غلو في الدين ، تزمت ، وكان الحرام أيضاً موجوداً في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا من ريبة ، سيأتي بعد قليل متى يجب أن تسأل في حالات يجب أن تسأل أهذا المال حلال أم حرام ؟ أي شخص مجهول ، لا يوجد دليل على فساده ولا دليل على صلاحه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يسأل عن كل ما يحمل إليه ، بل سأل في أول قدومه المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية ؟ وهذا السؤال مهم جداً إذا قلت له : صدقة لها وجوه ، الصدقات لها أصحابها، لها مستحقوها ، هناك فقراء ، هناك مساكين ، هناك ابن السبيل ، هناك غارمون ، هناك مرضى، هناك طلبة علم ، هناك أبواب محدودة وواضحة جداً لإنفاق الصدقة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قُدم له طبق من تمر فقال : أصدقة هو أم هدية ؟ فإن قيل : صدقة لم يأكل ولا تمرة ، وإن قيل هدية قال : بسم الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة سأل أول مرةٍ عن شيء حمل إليه أصدقة هو أم هدية ؟ هناك سبب لأن أصحابه الكرام المهاجرين كانوا فقراء جداً فصار الأنصار يقدمون لهم ما يعينهم على حياتهم ، لعل هذا الذي قدم هذا المال على نية الصدقة هنا صار التباس ، فالنبي الكريم سأل فغلب على الظن أنه ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعى إلى الضيافات فيجيب ، ولا يسأل هذا الطعام صدقة أم لا ، لأن العادة جرت أن الطعام الذي يقدم للناس ضيافةً وليس صدقةً .
لكن سيدنا الصديق سأل أحد غلمانه عن هذا الطعام من أين أتيت به ويبدو أنه شك ، وسيدنا عمر أيضاً سأل عن الذي سقاه من لبن الإبل : هل هذا من إبل الصدقة ؟ أيضاً سأل غلاماً عنده قدّم له كوباً من الحليب ، وهذا الغلام مشرف على إبل الصدقة ، هنا في موضوع سؤال من أين أتيت بهذا الحليب ؟ أمن إبل الصدقة معه حق أن يسأل صار هناك شك.
وكل من وجد ضيافةً عند رجل مجهول لم يكن عاصياً بإجابته من غير تفتيش ، أنت في بلد وإنسان رآك عربياً وأنت في بلد أجنبي ، وهذا الشخص عربي أيضاً ، دخلت إلى بيته ولا يوجد شيء يدل على فساده ، دعاك إلى الغداء ، طبيعي جداً لا يوجد خطأ ولا فساد ، قال : حتى لو رأى في داره تجملاً ومالاً كثيراً فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فهذا حرام ، هنا نقطة لطيفة إذا الإنسان اشتغل بتقوى الله عز وجل يعيش حياة كريمة ، لكن لا يوجد ثراء فاحش ، الثراء الفاحش أن تنتقل بين عشية وضحاها من إنسان فقير إلى إنسان غني جداً هذه النقلة المفاجئة هذه مشكوك فيها ، لأن الطريق المشروع يجعلك تكسب المال بشكل معقول أما النقلة الهائلة من الصفر إلى كل شيء فهذه نقلة مشكوك بها ، ومع ذلك لو دعيت إلى طعام ورأيت في البيت تجملاً ومالاً كثيراً ليس لك أن تقول : الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين اجتمع له هذا الحلال ؟ قد يكون هذا الشخص قد ورث هذا المال أو اكتسبه فهو بعيله يستحق إحسان الظن به ، وليس له أن يسأله ، أي إذا شك في الأمر يتلطف في الانسحاب من دون أن يسأله ، إذا الأمر فيه شبهة يتلطف في الانسحاب أما السؤال ففيه إحراج ، والسؤال فيه خدش ، إذا كان الوقوع في أكل طعام غير حلال فإن السؤال ربما يزيده نفوراً . على الإنسان أن يكون معتدلاً لا قاسياً :
سألني رجل منذ مدة سؤالاً ، رجل تبرع لجامع بمبلغ من المال ، وهذا الشخص له معاص ، فاللجنة اتخذت قراراً برفض المبلغ ، قلت لهم: هذا غلط ، إذا إنسان تقرب إليكم بمبلغ من المال فإذا قبلتموه لعله يزداد إحساناً ولعله يتوب ، ليس هذا المال هو الحرام ، هناك نقطة دقيقة جداً ليس عين المال هو الحرام ، بل طريقة كسبه ، أي إذا تلقينا مبلغاً من المال للمسجد هذا المبلغ حلال ، ليست الحرمة في عين المال ولكن الحرمة في طريقة كسبه ، مثل أوضح من ذلك لو إنسان بائع أقمشة وقفت عليه امرأة مومس مثلاً ، واشترت منه قماشاً ، هذا المال الذي أخذه ثمن هذا القماش أخذه حلالاً ، طريقة كسب المئة ليرة طريقة مشروعة ، قماش جيد ، سعره معتدل ، ما أخفى عليها العيب ، القياس صحيح ، الكيل صحيح ، أي طبق كل الأشياء الصحيحة في بيع هذه المرأة ، أما هي كيف كسبت هذا المال الحرمة عليها لا على البائع .
إذاً الحرمة في المال ليست في عين المال بل في طريقة كسبه .
يوجد نقطة دقيقة يقول الإمام الغزالي : ليس الإثم المحذور في إيذاء المسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة ، أي إذا سألته عن ماله وشعر أنك تحقق معه وأنك شاك في صلاحه وانجرح منك هذا الإثم أبلغ من إثم أكل الشبهة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((بشروا ولا تنفروا و يسروا ولا تعسروا))
[ مسلم عن أبي موسى الأشعري]
فالإنسان يجب أن يكون معتدلاً لا أن يكون قاسياً ، ولا يجوز للمسلم أن يسأل غير هذا الرجل من حيث يدري هو به ، ما سألته سألت ابنه : أبوك ماذا يعمل ؟ أنتم هل يوجد لديكم مال حرام ؟ فالابن قال لوالده ، نفس الشيء ، ولا يجوز أن يسأل من يدري شخصاً آخر إذا سألته علم المضيف أنك تسأله ، أيضاً هذا لا يجوز ، هذه تشبه الغيبة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات : 12]
الأكل و إحسان الظن إن لم يكن بد من الأكل :
ثم يقول الإمام الغزالي : فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل دون أن تتجسس ، نقطة لطيفة جداً يقول الإمام الغزالي : هذا هو المألوف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع .
أصحابي علماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، من زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع ، يوجد رجل أراد أن يطوف في مكان أبعد من المكان الذي طاف منه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له أحدهم : ويلك تفتن ، قال : كيف أفتن وأنا أطوف البيت ؟ قال له وأي فتنة أعظم من أن ترى نفسك سبقت رسول الله ، النبي الكريم وأصحابه الكرام :
((لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا توهمت أنك أشد ورعاً منهم فهذا هو الضلال بعينه هكذا يقول الإمام الغزالي ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع .
صلى الله عليه مرةً أكل طعام بريرة ، قدم له طعاماً فأكله ، فقيل له : إنه صدقة يا رسول الله ، يروون أنه وضع يده في فمه وتقيأ ، أما انظروا الموقف الكامل : قيل له إنه صدقة : (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ))
[ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
صار التباس ، تمرة أكلها ، قال : هي لها صدقة ولنا هدية ، لأنه تقيأ . . . ليست واردة وهذا الموقف الكامل . من كان أكثر ماله حراماً فلا تُلبّ دعوته :
الآن إذا كان مشكوك به ، أحياناً الإنسان يشك بشخص بسبب دلالة أورثت ريبةً فالنذر صورة هذه الريبة ، أما الصور فأن تدله على تحريم ما في يده دلالة إما من خلقته ، أو من زينته ، أو من ثيابه ، أو من فعله ، أو من قوله ، يجوز أن ترى شخصاً وتشعر أن ماله حرام ، يلبس زياً يرتديه أصحاب الملاهي ، دخلت إلى بيته فوجدته كله صوراً عارية مثلاً أشياء واضحة ، البيت ليس طبيعياً معنى هذا أن مصلحته سيئة ولن نفصل في هذه الأشياء وفهمكم كاف .
هذا صار مشكوكاً فيه إذا إنسان صار مشكوكاً به أيضاً أنت لك حكم ، أحياناً تجد إنساناً ظفره طويل ، وعلكة في حنكه ، طوق في يده ، ووضعه ليس طبيعياً ، ويلبس أحد الصرعات ، ودعاك إلى طعام لا تقبل بهذه الطعام ، قال لك : تعال لأوصلك بسيارتي ، لا تحتاج إلى هذه الركبة ، وضعه ليس طبيعياً ، وضعه خنثى مثلاً ، أو دخلت إلى بيته مثلاً النساء مع الرجال مختلطون ، أنت انسحب بسرعة لأن هذا البيت ليس لك ، وهذه الجلسة ليس لك ، إذا شككت في الهيئة أو الحركة أو اللباس ، أو حامل مجلة منحطة ودعاك ، هذه المجلة كافية وحدها ، هذه المجلة لا يحملها إلا إنسان غير ورع بعيد عن الدين ، إنسان يحمل مجلة ، كتاباً ، فيلماً يحمله بيده ، هذا إنسان مشكوك فيه غير المجهول .
فقالوا: مثل هؤلاء الترك من الورع ، والهجوم على تلبية الدعوة غير جائز ، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ))
[الترمذي عن الحسن بن علي]
لكن هنا نقطة إذا كان الدليل على أن أكثر ماله حرام ، له مصلحة واحدة كلها حرام هذا فيه امتناع قطعي ، له مصلحة حلال لكن له دخلاً حراماً ، إذا غلب على ظنك أن أكثر ماله حرام لا ينبغي أن تأكل منه شيئاً ولا أن تلبي دعوته ، أما إذا كان له مصلحة صحيحة إلا أنه مشكوك في بعض الدخل أنه حرام فعندئذٍ الإقدام جائز والترك أورع . إن كانت حالة المالك معلومة حلت المشكلات :
الحالة الثالثة أن تكون حالة المالك معلومةً بنوع من الخبرة والممارسة بحيث يوجب ذلك ظناً في حل المال أو تحريمه ، تعرف أن هذا الإنسان صالح وتقي وورع وانتهى الأمر أو تعرفه أنه سيئ وماله حرام انتهى الأمر ، هذه الحالة الثالثة سهلة ، طبعاً لا يجوز أن تأكل طعاماً إلا عند تقي وألا يأكل طعامك إلا تقي كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[ أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي إذا أحدكم عاهد نفسه ألا يصاحب إلا مؤمناً وألا يأكل طعامه إلا تقي حلت مشكلاتنا . حكم اختلاط الحلال بالحرام :
الآن ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام إذا اختلطوا ، كان الحديث من قبل عن مالك المال ، الآن على المال نفسه إذا في اختلاف بين الحلال والحرام هذا البحث طويل إلا أن ملخصه كلمات ؛ إذا كان في السوق بضاعة مسروقة واختلطت مع البضاعة المباعة ولم تستطع تمييزها فشراؤك من السوق حلال ، إذا الحلال اختلط بالحرام من دون تمييز وغلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حلال ليس لك أن تسأل ولك أن تشتري ، أما إذا غلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حرام أو أمكنك التمييز بين الحلال والحرام فالأولى أن تسأل وأن تتحقق .
* * *
آداب النبي العامة :
1 ـ وقاره العظيم :
والآن إلى بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم وقاره العظيم ، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً ، وأعظمهم أدباً ، وأرفعهم فخامةً وكرماً ، روى أبو داود مراسيله قال : أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه .
((عن حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَجَلَّلَهُ فَتَحَدَّثُوا ثُمَّ خَرَجُوا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ بِثَوْبِكَ فَقَالَ أَلا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ ))
[ الترمذي عن حَفْصَةُ ]
هات لي في الشام كلها عالماً من الدرجة العاشرة جالس في المجلس وكاشف عن فخذه هل تليق هذه به ؟ هذه ليست معقولة ، اسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الوقار لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف ، يشمر إلى هذا الحد هذا ليس وارداً ، أي إذا كان الإنسان العادي من بعده بألف وكذا سنة ليس معقولاً إلا وأن يظهر بمظهر كامل هكذا النبي صلى الله عليه وسلم ، فالكلام الحق أنه صلى الله عليه وسلم لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف . (( عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
[ ابن ماجة عَنْ إِسْمَعِيلَ]
أي إذا إنسان دخل إلى مجلس علم وليس له مكان يجب على أخوانه أن يفسحوا له إكراماً له ، دخل شخص متقدم بالسن إذا شاب جالس على الحائط فأجلسه مكانه هذا إكرام كبير، الشاب يتمكن أن يجلس ساعة من دون أن يسند نفسه أما المتقدم بالسن فيحب أن يستريح.
دخل سيدنا أبو بكر وإلى جانبه علي رضي الله عنه فقام علي ليجلس أبا بكر تبسم عليه الصلاة والسلام و قال : لا يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ إلا أهل الفضل .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ]
فالنبي الكريم وهو سيد البشر لما جاءه أصحابه رفع رجليه ، حتى أنه قيل ما رئي ماداً رجليه قط في حياته ، طبعاً كان بالفراش مضجعاً ومع ذلك ضم رجليه ، إذا أحد زارك وأنت مريض وأنت على السرير ، أي النبي الكريم وهو مستلق على السرير رفع رجليه تحت الغطاء فقال: (( سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
[ابن ماجه عن عبد الله بن عامر ضعيف الجامع ]
2 ـ يقدم كبير القوم في الكلام :
وكان عليه الصلاة والسلام يقدم كبير القوم في الكلام وذلك من باب التكريم ، وحفظ المراتب ، وتنويل الناس منازلهم .
(( عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلاً فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ))
[مسلم عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ]
أي ليتكلم أكبركم ، كان يعرف لكل إنسان مكانته ، إلا أنه مرة دخل على سليمان بن عبد الملك وفد يتقدمهم غلام صغير فغضب هذا الخليفة وقال لحاجبه : ما شاء أحد يدخل علي حتى دخل حتى الصبيان ، فقال هذا الغلام الصغير : أصلح الله الأمير إن دخولي عليك لن يقلل من قيمتك لكنه شرفني ، أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت العظم، ومعكم فضول مال فإن كانت لله فعلامَ تحبسونها عن عباده ؟ وإن كانت لنا فأعطنا إياها ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ؟ معكم أموال زائدة إما هذا لله ونحن عباده ، وإما أنه لنا فأعطوها لنا ، وإما أنه لكم ، فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً .
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد الحجازيين يتقدمهم غلام فغضب ، قال: اجلس أنت أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً ، فقال : أصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس ، سرّ عمر من هذه الإجابة ، فالنبي الكريم وهذه سنته المطهرة كان يعرف لكل إنسان مكانته ، كان يقول: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ]
3 ـ تكريمه لأهل الفضل :
وأما تكريمه أهل الفضل فقال عليه الصلاة والسلام :
(( البركة مع أكابركم ))
[ البخاري عن ابن عباس]
أي بالعصر الذي زعزعت مكانة الكبراء ضاع الناس ، الناس بأكابرهم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))
[ أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]
أدب النبي مع عمه العباس و أدب العباس مع رسول الله :
الآن استمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله كيف عامل عمه العباس ، هو رسول الله:
(( روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى اله عليه وسلم فلما رآه قام إليه- رسول الله قام إليه - وقبّل ما بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال : هذا عمي فمن شاء فليباهي بعمه ))
[الطبراني عن ابن عباس]
ويروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس فقال : اللهم هذا عم نبيك نتوجه به إليك فأسقنا ، فما برحوا حتى سقوا ، فخطب عمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده ، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه ، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم .
وكان الصحابة الكرام يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه .
استمعوا أيها الأخوة ، إنه لم يمر العباس بعمر وعثمان وهما راكبان أبداً ، لو صدف أن التقى سيدنا عمر وهو يركب دابته أو حصانه بسيدنا العباس لابد من أن ينزل عمر عن دابته إجلالاً له . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب ))
[ابن النجار عن أبي هريرة]
هذا عم النبي ، فكان سيدنا عثمان و سيدنا عمر وهما خليفتان لم يمر بهما العباس وهما راكبان أبداً حتى ينزلا إجلالاً له ويقولان : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا أدب رسول الله مع عمه العباس فكيف أدب العباس مع رسول الله ؟ استمعوا قيل للعباس أنت أكبر أم النبي ؟ ـ أحياناً الإنسان يكون عنده أخ صغير يتزوج وهو أخ أكبر يأتيه ولد أكبر من عمه هذه واردة ، أو أكبر من خاله ـ فقال : " هو أكبر مني وأنا ولدت قبله "، وفي رواية : "هو أكبر مني وأنا أسن منه ". وذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب فقال : تنحى يا بن عم رسول الله ، قال: لا هكذا نفعل بالعلماء الكبراء .
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]
ولكن كم أتمنى على ذي الشيبة المسلم أن يستحي من الله ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : " شاب شعرك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، فاستح مني فأنا أستحي منك ". إذا الإنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين لا يليق به أن يعصي الله أبداً ، لا يليق به أن يمزح مزحاً فاحشاً ، لا يليق به أن يمضي الساعات الطوال على الطاولة ، استحِ مني فأنا أستحي منك . (( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))
[أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ]
أي إذا في قرية كان مدير الناحية شاب مستقيم ما أساء بحياته ، احترامه واجب، مدير منطقة ، محافظ مثلاً ، مستقيم في معاملته ، يقيم الحق ، يبطل الباطل ، واجب أن تحترمه ، إكرام هؤلاء واجب يحتمه النبي عليه الصلاة والسلام .
يوجد شيء لفت نظري في السيرة: ((عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ : أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : أَحْسَنْتِ ))
[ أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ]
الذي ترك في نفسي أثراً هذا الجواب ((كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ))
موقف واحد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، شيء معلن ، شيء غير معلن لا يوجد ، شيء للاستهلاك ، شيء حقيقي ، تمثيل لا يوجد ، تزييف لا يوجد ، دجل لا يوجد ، الشيء الذي يقوله يفعله ، والشيء الذي يفعله يقوله ، وما في نفسه على لسانه وما يقوله في قلبه .
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
أهمية المشاورة :
علمنا النبي الكريم المشاورة أي إذا كان مدير مؤسسة ، مدير مدرسة ، مدير ثانوية، مدير معمل ، موظف مهم تحته عشرة موظفين ، إذا استشارهم هذا أسلوب ذكي جداً ، أسلوب يطيب قلوبهم ، فأولاً العلماء استنبطوا حكمة المشاورة ، أولاً : تطيب نفوس أصحابه حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيه كالحرب وأمثالها يكون هذا عن طيب نفوسهم و اختيارهم ، أي إذا كان الأب عمل سياسة تقشف في البيت ، جمع زوجته وأولاده وقال لهم : سوف نشتري بيتاً ثانياً أو نشتري لأخيكم محلاً وسوف نضيق مصروفكم قليلاً ، إذا أخذ رأيهم هم يندفعون معه للتطبيق ، فإذا فرض عليهم هذا من علٍ يتبرمون ، فمن الحكمة والذكاء أن تشاور أصحابك .
نعيد طرحه لأن المشاورة يحتاجها الأب ، المعلم ، كل إنسان له دور قيادي ، لأن المشاورة لها فوائد كبيرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام حثنا عليها ، وأمرنا بها ، وربنا قال : شاورهم في الأمر، وإن شاء الله لنا عودة في موضوع المشاورة في الدرس القادم .
حكم تقبيل الضريح والتوسل به :
أحياناً أخ يسألني سؤالاً إجابته كلمة واحدة لكن أحب أن أراه ، يسألني شاهدت أحدهم يقبل أسفل الضريح ويتوسل بصاحبه إلى الله فهل هذا مباح ومقبول ؟ أتمنى من هذا الأخ الكريم كاتب هذا السؤال أن أجيبه إجابة خاصة له لأن تقبيل الضريح والتوسل برسول الله مقبول؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة المائدة : 35]
أما بالأموات فالميت انتهى دوره ، رسول الله قال : حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، لكل عصر واحد يسمو به ، الشيخ محي الدين قال : وأنا لهذا العصر ذاك الأوحد ، مهمتهم في حياتهم فإذا توفاهم الله عز وجل فالمهمة للأحياء ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فحياته كمماته: (( من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي ))
[الطبراني عن ابن عمر]
و تعرض عليّ أعمالكم ، الله عز وجل من باب الإكرام أوكل ملائكة ينقلون إلى هذا النبي الكريم أعمال أمته من بعده ، ما سوى النبي عليه الصلاة و السلام لا يجوز التوسل به، لأن هذا الإنسان مهما كان عند الله عز وجل عالي الشأن انتهت وظيفته ، و الناس يتعلقون بالأموات ، لأن هذا الميت لن يحاسبه لكن هذا الحي سوف يحاسب ، أي إذا رجل له مرشد حي يمنعه عن بعض المعاصي ، يسأله ، يستفتيه أما الميت فالتوسل لا يوجد منه شيء ، فالإنسان عليه أن يتيقن من كل عمل يفعله ، طبعاً إكرام الأولياء واجب ، تقديسهم واجب ، لكن أن يبلغ التقديس بنا أن امرأة تمسك مقام محي الدين و تقول : يا شيخ محي الدين أريد ولداً ، قولي : يا الله ، أما يجيب المضطر إذا دعاه ، عندما الإنسان يبالغ بالتوسل لدرجة أن هذا الولي جعله إلهاً يسأله اسأل الله عز وجل ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، أي الموقف المعتدل هناك من يكفر الأولياء ، و هناك من يجعلهم آلهة ، كلاهما غلط ، أن تجعلهم آلهة هذا شرك بالله عز وجل ، و أن تكفرهم أيضاً هذا تجني عليهم ، أناس علماء قدموا خدمات كبيرة ، و إذا رأيت في كتبهم ما ليس في كتاب الله فهذا مدسوس عليهم ، هم بريئون منه ، العالم لا ينطق إلا بالحق ، فإذا وجدت في كتابه باطلاً أغلب الظن أن هذا الباطل مدسوس عليه ، فالموقف المعتدل لا نكفرهم ، و في الوقت نفسه لا نجعلهم آلهة ، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله ، لكن ليكن لك في الدنيا مرشد تتلقى منه العلم ، أي المقولة التي تقول: من لا شيخ له فشيخه الشيطان إلى حد ما مقبولة ، فالذي لا يوجد له انتماء إلى أي مرشد تجده يعيش على هواه يحلل و يحرم ، إذا إنسان له رجل يهتدي على يده ، يسأله ، يستفتيه ، يسمع منه ، يفسر له كتاب الله يكون من السعداء ، أما الإنسان يعيش وحده ، يفتي على هواه ، يقول لك : كل المعاصي هذه لابد منها ، و هذه ضرورية ، وهذه العصر يفرضها علينا ، و هذه من أجل التيار العام . . . فعندما الإنسان يعيش وحده أغلب الظن يقع بمعاص كثيرة ، أي الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 119]
كن معهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28]
المبالغة و التقليل كلاهما باطل :
أنا من يومين وقع تحت يدي كتاب قيم ، الكتاب عن علماء الشام في القرن الرابع عشر ، تأريخ لطيف مختصر لكل علماء الشام ، لكن عند بعض العلماء هناك شطحات ، أحد العلماء زارته امرأة مزينة بالحلي و الأساور ، في البيت ماتت و كره موتها في بيته صارت عبئاً ، قال لها: قومي يا ، قامت مشيت و ماتت ببيتها بعد ذلك ، هذه صارت إحياء الميت ، هذه فقط لسيدنا عيسى ، إحياء الميت ، فكيف الكتاب تورط و ذكر هذه القصة ؟ الإنسان دائماً النبي له حد ، فعندما الإنسان يعطي كل إنسان حجمه الحقيقي يكون منصفاً ، قيل : لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله و يدلك على الله مقاله ، كلام منطقي ، أي يدعوك إلى الله و أحواله طيبة ، أما قومي فقامت و مشت ، كانت ميتة مشت !! هناك أشياء العقل صعب أن يقبلها ، هذه إحياء أموات ، أصبحت هذه معجزة و هذه لسيدنا عيسى ، هذا معناه أنه يوجد سيدنا عيسى ثان على هذا اللون ، فكل شيء له حجم حقيقي ، المبالغة غلط و التقليل غلط ، كلاهما باطل .

السعيد
09-10-2018, 05:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الستون )


الموضوع : القناعات والمواقف والفرق بينهما - الانتقال من القناعات الى المواقف





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القناعة و الموقف :
أيها الأخوة الأكارم ، من حين إلى آخر تتوق نفسي إلى الحديث في موضوع خاص ، فالأحاديث تتجه جهتين إما أن يتجه الحديث إلى إحداث قناعة في الإنسان ، وإما أن يتجه الحديث إلى إحداث موقف في الإنسان ، فرق بين القناعة والموقف ، العلم الشريف ، تفسير القرآن الكريم ، تفسير الحديث الشريف ، أحكام الفقه ، أحكام العبادات ، هذه كلها تحدث في الإنسان قناعةً ، ولكن حديثاً آخر قد يحدث في الإنسان موقفاً فإذا وازنا بين القناعة والموقف فرق بينهما كبير ، قد يقنع الإنسان بشيء ولا يطبقه ، هذه القناعة تكون عليه حسرةً يوم القيامة، لو سألت مسلمي الأرض وهو يزيدون عن ألف مليون مجموعة أسئلة ، أجابوك جميعاً إجابةً صحيحة ، من ربك ؟ الله ربي ، ما دينك ؟ الإسلام ديني ، من نبيك ؟ محمد نبي ، هل تؤمن بالجنة ؟ يقول : نعم وكيف لا أؤمن بها ؟ هل تؤمن بالنار ؟ نعم وكيف لا أؤمن ؟ هذه القناعات ما قيمتها إن لم تنقلب إلى حياة ، إلى سلوك ، إلى تجربة ، هذه القناعات تبقى في الذهن ولكن النفس ما تزال شقيةً بالبعد عن الله ، لا تزال النفس ضائعةً ، لا تزال شاردةً ، لا تزال خائفةً ، لا تزال منافقةً ، لا تزال مستعليةً ، لا تزال تحب ذاتها ، هذه الأمراض الفتاكة يبدأ مفعولها الخطير بعد الموت ، شهوات الدنيا قد تغطي على الإنسان أمراضه النفسية ، منغمس في ملذات الدنيا، في جمع مالها ، والانغماس في ملذاتها هذا مما يغطي على الإنسان خطورة أمراضه النفسية، ولكن إذا جاء الموت وانقطعت الدنيا انقطاعاً تاماً بدأ تأثير هذه الأمراض الفتاكة في النفس ، فذلك لا أعد عملي في الدعوة إلى الله ناجحاً بعدد الحاضرين مهما كثروا .
قد تلقي على دار سينما نظرةً فتشاهد جمعاً غفيراً مجتمعاً في هذه الدار في دخولهم وفي خروجهم ، فهل اجتماع عدد غفير من الناس دليل أن هؤلاء الناس جميعاً على حق ؟ لا ، هناك أسباب تجمعهم ، ولكن الذي يدفع الداعية إلى الله إلى مزيد من الحماس ، إلى مزيد من البذل والتضحية ، إلى مزيد من الحرص والعناية ، أن يرى مثلاً ممن يدعون إلى الله في مستوى الدعوة ، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل ، لا تلههم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، هذا الذي يرفع الناس عند الله عز وجل ، فذلك أجد نفسي مدفوعاً من حينٍ إلى آخر في توجيه الحديث إلى إحداث موقفٍ لا قناعة ، القناعة متوفرة والحمد لله ، القناعات متوافرة ولكن البطولة في الذي تنقلب قناعاته إلى سلوك يعيشه في البيت ، ليس يجدي أن تكون قانعاً بالإسلام ، ولا قانعاً بالقرآن ، ولا قانعاً بأحاديث النبي العدنان ، الشيء المجدي أن تكون حياتك ، عملك ، زواجك ، بيتك ، بيعك ، شراؤك ، وظيفتك ، طعامك ، شرابك ، هندامك ، كلامك وفق الشرع ، إن كنت كذلك سمت نفسك ، وإن سمت نفسك كنت قدوةً للناس .
الإسلام موقف أخلاقي :
الإسلام أيها الأخوة الأكارم لا يحيا بالكتب ، ولا يحيا بالأشرطة ، ولا يحيا بالمؤلفات ، ولا يحيا بالمحاضرات ، ولا يحيا بالخطب ، يحيا فيكم ، أي موقف أخلاقي واحد ، ورع من أحدكم يعدل ألف محاضرةٍ سمعها أو ألقاها ، موقف فيه ورع ، ما الذي يلفت نظر الناس ؟ ما الذي يشدهم ؟ ما الذي يجعلهم يفكرون ؟ أن يروا إنساناً يشتهي ما يشتهون ، ويحب ما يحبون ، ويرغب فيما يرغبون ولكنه عند الشرع الألف والمئة ألف والألف ألف تحت قدمه إذا كان هذا المال فيه شبهة ، والمئة والألف والألف ألف تبذل رخيصة في طاعة الله وابتغاء مرضاته ، لذلك قد تجد أحدنا فاتراً لضعف عمله ، قد تجد أحدنا يستمع ويقول : والله كلام لطيف سمعت مثله كثيراً ، ولكن الذي يضفي عليك حرارة الإيمان كثرة التطبيق ، فلذلك الذي أرجوه أن يأخذ الإنسان هذا الكلام على محمل الجد ، هذا كلام إن صح التعبير مصيري .
عطاء الله ابتلاء و حرمانه دواء :
خطر في بالي اليوم أن الله سبحانه وتعالى ما جعل الدنيا إكراماً لأوليائه ، ولم يجعلها عقاباً لأعدائه ، قد تجد عدواً لله عنده من الدنيا الشيء الكثير ، وقد تجد ولياً لله لا يملك من الدنيا شيئاً لهوانها على الله سبحانه وتعالى ، لضعف شأنها ، لقلة خطرها ، لزوالها ، لم يشأ الله أن يجعلها مكافأةً لعباده الأتقياء ، ولم يشأ أن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه الفجار ، بل أعطاها لأحبابه وأعطاها لأعدائه ، لا شأن لها عند الله لذلك إذا كانت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا فالطامة كبرى ، المصيبة جليلة ، أردت من هذا الحديث التوجه لا إلى العقول ولكن إلى القلوب ، هذا القلب ربنا سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسية :
((عبدي طهرت منظر العبد سنين . . .))
[ورد في الأثر]
سنوات وسنوات وأنت تعتني بهيئتك ، وصحتك ، وهندامك ، وبيتك ، وغرفة الضيوف ، وغرفة الطعام ، وغرفة الجلوس ، وغرفة النوم ، والمكتبة ، والجناح الشرقي من البيت، والأدوات الكهربائية ، والمركبة : ((...... أفلا طهرت منظري ساعة ))
هذا القلب على ماذا ينطوي ؟ هل ينطوي على حب لله ؟ تقول : نعم ، ما علامة ذلك ؟ هل يفتقدك الله حيث نهاك ويجدك حيث أمرك ؟ الإنسان إذا ما جلس لنفسه كل يوم جلسة عشر دقائق ، ربع ساعة حاسب نفسه إلى أين أنا ماضٍ أفي طريق صحيح أم في طريق غير صحيح ؟ هل في عملي ما يرضي الله أم في عملي ما يوجب سخط الله عز وجل ؟ لأن الدنيا ساعة اجعلها طاعة ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن ﴾
[ سورة الفجر: 15 ]
أي الساذج ضيق الأفق ، الجاهل يظن أن المال إكرامٌ من الله عز وجل ، وأن الزواج إكرامٌ ، وأن الصحة إكرامٌ ، و أن الأولاد إكرامٌ ، وأن القوة إكرامٌ ، هو إكرام وليس بإكرام، هذا أجاب عنه الله سبحانه وتعالى قال : كلا ليس عطائي إكراماً ، وليس حرماني حرماناً ، إنما عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، الإنسان يبتلى بالمال إذا أنفقه في طاعة الله انقلب المال نعمةً ، يعطيه زوجةً إذا وجهها ، وأصلح شانها ، وأخذ بيدها إلى الله حتى عرفت ربها على يديه انقلبت الزوجة نعمةً ، الأولاد ، المركبة ، أي شيء إذا استخدمته في طاعة الله انقلب نعمةً ، قبل أن يستخدم في طاعة الله لا يسمى نعمةً يسمى ابتلاءً ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[ سورة التغابن: 15]
كيف أن هذا المحك الذي يستخدمه الصياغ تأتيهم قطعة ذهبية يحكونها بهذا المحك فيظهر خط أبيض يعرفون أنها من المعدن الرخيص ، إذا بقي الخط أصفر اللون براقاً ، يعرفون أنها من المعدن الثمين ، فهذا المحك ، الزوجة ، الأولاد ، المال محك ، فلا تقل لي ماذا تعرف ، قل لي ماذا تعمل ؟ ماذا تعرف كل منا إذا وافته المنية يعرف كل شيء قال تعالى : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 22]
كل منا وكل من الذين أنكروا وجود الله ، الشعوب التي رفعت راية لا إله ، إذا وافتها المنية تعرف كل شيء ، أي إنسان ، كافراً ، فاجراً ، ملحداً ، فاسقاً ، دالاً ، مهتدياً ، عارفاً ، مؤمناً ، منافقاً ، إذا وافته المنية يعرف كل شيء ، ولكن بعد فوات الأوان ، فالبطولة أن تعرف كل شيء قبل فوات الأوان وأنت في الدنيا ، والقلب ينبض وكل شيء ممكن ، التوبة ممكنةٌ ، أداء ما في عنقك من حقوق ممكن ، استرضاء الناس ممكن ، طلب العفو منهم ممكن، إصلاح المعاملة مع الزوجة ممكن ، إصلاح العلاقة مع الأم ممكن ، إصلاح العلاقة مع الزبائن ممكن ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحشر : 18-19]
الكبائر و الصغائر :
أحياناً يصبح حضور مجالس العلم عادة من عوائدنا ، إلى أين ؟ إلى المسجد ، من أين ؟ من المسجد ، والإنسان هو هو ، شيء من الغفلة ، بعض المخالفات ، بعض التقصيرات، بعض الرغبات التي ما أرادها الله عز وجل ، هذه كلها حجاب .
الشيء الذي يؤلمني أن أكبر معصية في مساهمتها في قطعك عن الله عز وجل كأصغر معصية ، تيار كهربائي عندك غسالة وبراد ومروحة ومسجلة ، وعندك أدوات كثيرة جداً في البيت ، لو فصلت التيار ميلمتراً واحداً كل شيء يتوقف ، ولو فصلته ثلاثة أمتار كل شيء يتوقف، فهذه الصغائر التي تساهل بها المسلمون هي عند الله كبائر لأنهم أصروا عليها ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]
التفكر بالموت لضبط النفس و الإيمان بالفناء و الزوال :
الإنسان إذا جلس صباحاً ، وصلى الصبح ، وقرأ شيئاً من كتاب الله ، وتفكر دقائق في الموت ، هذا الطريق طريق الإيمان له أصول ، لو أنك استيقظت قبل صلاة الفجر وصليت ركعتين لله تعالى ، الله سبحانه وتعالى :
(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]
هذا يريد بيتاً ، هذا يريد زوجة ، هذا طلب من الله أن يجمعه مع أهل الحق ، هذا طلب من الله أن يعينه على إتقان الصلاة ، ألا يوجد لك حاجة عند الله عز وجل ؟ ألست طموحاً ؟ ألا ترغب فيما عنده ؟ ألا تراه أهلاً أن يجيبك ؟ أي إذا أحدكم تمكن أن يصلي ركعتين قبل أذان الفجر ويسأل الله في هاتين الركعتين حاجاته كلها ما كان منها مشروعاً متعلقاً بالدنيا ، وما كان منها متعلقاً بالآخرة ، ثم أذن الفجر ، وصلى السنة ، والنبي عليه الصلاة والسلام من عادته أن يضطجع على شقه اليمن بين السنة والفرض يفكر في الموت ، هذا الموت الذي لابد منه ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت . كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جــــنازةً فاعلم بأنك بعدها محمــــول
***
اليوم تصور التغسيل ، غداً مشهد التكفين . ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾
[ سورة القيامة: 29-30]
اليوم تصور شراء القبر ، هؤلاء الذين يتولون تجهيز الميت يقتسمون الأعمال، بعضهم يذهب إلى إتمام معاملة الدفن ، بعضهم يذهب لتأمين الطعام ظهراً ، بعضهم يذهب لتأمين الكراسي ، بعضهم يذهب لتأمين المشايخ ، بعضهم يذهب لشراء القبر ، فإذا نقر في الناقور إن كنت في مقبرةٍ ورأيت حفار القبور ينقر أحد القبور ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾
[ سورة المدثر : 8-10]
الويل لمن سينزل في هذه الحفرة ، بين السنة والفرض يوم بالتغسيل ، ويوم بالتكفين ، ويوم بشراء القبر ، ويوم بحالة الأهل من بعدك ، تصور ماذا سيفعل ابنك ؟ ابنتك ؟ زوجتك ؟ هل يبقى البيت على ما هو عليه ؟ هل يباع البيت ؟ هل يقتسم البيت ؟ هل يختلف الأولاد ؟ ماذا سيكون من بعدك ؟ هذه الخواطر لابد منها ، لابد من عشر دقائق في موضوع الموت من أجل أن تنضبط النفس ، من أجل أن تملك زمامها ، من أجل أن تؤمن بالفناء والزوال ، إذا أذن الفجر إذا صليت السنة واضطجعت بين السنة والفرض دقائق معدودات وفكرت بالموت الذي لابد منه تهون عليك المصيبة ، تهون عليك الدنيا ، ترضى بزوجتك ، ترضى بأولادك ، ترضى بدخلك ، تندفع للعمل الصالح ، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100 ]
التفكر أعظم عبادة على الإطلاق :
تصلي صلاة الفجر وبعدها تجلس للذكر ، وقبل أن تذكر فكر ، قال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس : 24]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد : 12]
فكر بهذا الطعام ، بهذا الطفل الذي رزقك الله إياه ، فكر بهذه المرأة التي جعلها الله سكناً لك ، بهذا الدماغ الذي منحك الله إياه فجعلك تعمل ، عندك خبرات ، إذا فكرت في آيات الله استعظمت الله عز وجل ، خشع قلبك ، تفكر ساعةٍ خير من عبادة ستين عاماً ، والله الذي لا إله إلا هو تفكر ساعة ، نصف ساعة ، ربع ساعة بعد صلاة الفجر خير من عبادة ستين عاماً، ستون عاماً في مكان واحد ، لكنك بالتفكير ترقى كل يوم درجة ، فكر يوماً في العين ، يوماً في الأذن ، يوماً في الشعر ، يوماً في الطفل ، يوماً في الطعام والشراب ، في الشمس ، في القمر ، ليس المهم أن تكثر الموضوعات ، المهم أن تتعمق في موضوع واحد ، ابق في العين شهراً ، ابق في الأذن شهراً ، إذا فكرت كل شيء في أوله صعب ، ولكن مع التدريب والتمرين والمحاولة والخطأ تشعر أن هذا التفكر الذي بدا لك صعباً مرهقاً أصبح سهلاً ، إذا فكرت اذكر الله سبحانه وتعالى ربع ساعة أخرى ، أي امسك مسبحة وقل : الله الله وأنت سابح في الآيات الذي فكرت فيها ، ربع ساعة تفكر وربع ساعة توجه ، وإذا أمكنك أن تقرأ بضع صفحات من كتاب الله وأن تقف عند الأمر ، عند النهي ، عند القانون ، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه : 123]
هذه الآية تبث في نفسك طمأنينة وثقة وراحة لا يعرفها إلا من فقدها ، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة يونس : 33]
العاقل من عرف الله و تفكر في خلقه :
مستحيل أن يكون لك مخالفة وتؤمن ، ترفض الحق ، إنك تحب أن تجر الحق إلى مخالفاتك ، تحب أن تبرر أعمالك ، لذلك الفاسق لا يؤمن ، اقرأ القرآن ، الأوامر اكتبها ، ضع تحتها خطاً أحمر ، النواهي اكتبها ، القواعد العامة اكتبها ، أي إذا أحدكم بدأ نهاره بركعتي قيام ليل ، وركعتي سنة ، واضطجاع دقائق في التفكر في الموت ، ثم أداء صلاة الفجر ، ثم التفكر ربع ساعة في آيات الله ، ثم الذكر ، ثم تلاوة بعض آيات القرآن الكريم ، ومدارستها ، والتأمل فيها ، والتدبر ، واستنباط الأوامر والنواهي ، والأحكام والقواعد العامة ، ثم انطلق إلى عمله كيف يكون هذا اليوم ؟ يقول : أنا أسعد الناس ، لأنك في هذا اليوم بأعيننا كما قال تعالى :
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ِ ﴾
[ سورة الطور : 48]
لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أنت في هذا اليوم في ذمة الله بمعنى في عنايته المشددة ، في حفظه ، في رعايته ، في تجليه ، إذا انطلقت من البيت لا تنسى أن إطلاق البصر يفسد عليك دينك ، إذا أطلقت البصر لا تقوى قدماك على أن تقف ظهراً لتصلي ، هناك خجل ، وانكماش ، وبعد ، الشيء الذي يمكن أن يبعدك عن الله سبحانه وتعالى في أثناء النهار إطلاق البصر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والسخرية ، والضحك ، والخوض في أحاديث باطلة لا جدوى منها ، وأكل المال الحرام ، أكثر الأشياء كسب المال، والتساهل في موضوع النساء ، المال والنساء بابان كبيران من أبواب جهنم ، وسلاحان فتاكان في يد إبليس ، وشبكتان تغريان كل واحد من المؤمنين أن يقع فيها ، فإذا كانت لك هذه الجلسة الصباحية أمكنك في أثناء النهار أن تكون في حفظ الله ، تجد نفسك شديد التفكير ، كلامك دقيق ، قرارك سليم ، رؤيتك رابحة ، عملك صحيح ، موقفك سليم ، مكانتك رفيعة ، هذا السلوك إذا استمر يحدث شيء اسمه التراكم ، تتراكم هذه الأحوال الطيبة ، تتراكم هذه القناعات ، يتراكم التعظيم لله عز وجل ، يتراكم الورع ، المحبة ، إلى أن تغدو في حالة لا تعهدها من قبل حالة الإقبال على الله ، حالة الرضا ، حالة الوقار ، حالة المحبة ، حالة الحلم ، حالة العفو ، البذل ، الثقة ، الطمأنينة ، تعيش أحوالاً ما كنت تعرفها من قبل ، يجب أن تقول : أنا أسعد الناس لا أقول لك تحتقر ، أقول لك لا يمكن أن يكبر في عينيك إنسان من أهل الدنيا ، تراه ضيق الأفق، تراه تائهاً ، شارداً ، ضالاً ، مغبوناً ، مخفقاً ، شقياً ، مادام هذا الإنسان مهما علا شأنه ، مهما كان غنياً ، تراه أنت صغيراً ، الكبير من عرف الله .
لو رجل قال : من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه ، يجب أن تقول في نفسك : الدنيا جنة ، أحياناً ألتقي بإنسان أقول له : كيف حالك ؟ والله الذي لا إله إلا هو أشعر أن السعادة تشع منه ، يقول : الحمد لله ، الحمد لله على نعمة الهدى .
سيدنا علي رضي الله عنه قال : " إن من نعم الله الغنى ، وإن أفضل من الغنى صحة البدن ، وإن أفضل من صحة البدن الإيمان " ، معنى هذا أن الإيمان أعلى نعمة يملكها الإنسان ، لما سيدنا عمر كانت تأتيه مصيبة كان يقول : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني - مادامت هذه المصيبة لم تطل ديني الحمد لله - والحمد لله إذا لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذا ألهمت الصبر عليها ". من عرف الله ذاق طعم الإيمان :
أبو بكر في الجنة - الآن في الجنة - حينما قال النبي هذه الكلمة كان في الجنة ، أي في جنة ، وأنا أقول لكم : قد يكون دخلك قليلاً ، كثيراً ، محدوداً ، غير محدود ، متعباً ، مريحاً، قد تكون زوجتك وسطاً ، دون الوسط ، سيئة ، قد يكون بيتك ملكك ، أو تسكن بالأجرة ، صغيراً ، كبيراً ، في حي راق ، في حي شعبي ، تحت الأرض ، فوق الأرض ، في الطابق الرابع، ملحق :
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هم الحق لا غيركم فيـــــــا ليت شعري أنا من أنا
***
أي من ذاق عرف ، ذاق طعم الإيمان ، الإيمان له طعم إن لم تذقه حاول أن تذقه، حرر دخلك ، كن دقيقاً جداً ، أخ كريم ذكر لي بعض الأغلاط قبل أن يعرف الله عز وجل قلت له : القضية سهلة مادام القلب ينبض فكل شيء له حل ، أخ آخر سألني اليوم ما معنى قوله تعالى ؟ ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾
[ سورة ص: 3]
أي بدت له هذه الآية غير واضحة ، رجل دخل إلى مدرسة حتى يفتش ، سمع الطلاب جميعاً يقولون : طم بل ك ، ما هذا ؟ دخل إلى الصف وعرفه المدرس أنه مفتش قال له: ما هذا الكلام ؟ قال له : قرآن كريم ، فقال له : أي قرآن هذا ؟ قال له : والله محيط بالكافرين أخذ مقطعاً و أقرأهم إياه ، لكن هذا الوقت ليس وقت خلاص ، أي إذا رجل تورط في قتل إنسان ، وألقي القبض عليه ، وسيق إلى السجن ، وشكلت محكمة لمحاكمته استجوبته وكل محامياً ، والمحامي دفاعه ضعيف ، الأدلة كلها متضافرة في إدانته ، أدين بهذه الجريمة صدر حكم بإعدامه ، استأنف الحكم ، صدر الحكم الثاني بإعدامه نقض الحكم ، صدر أمراً من محكمة النقض بإعدامه ، صدق حكم الإعدام ، سيق إلى المشنقة ، وضع على خشبة المشنقة ، الجنود يحيطون به من كل مكان ، هل هذه الساعة ساعة خلاص ؟ هل يوجد أمل بالمليون واحد ؟ لا يوجد ، كل الإجراءات تمت ، والحكم مصدق ، والمشنقة جاهزة ، والموظف جاهز ، والمنصة جاهزة ، والقرار مكتوب ، ولات حين مناص ، وليست الساعة ساعة خلاص . العاقل من تاب قبل فوات الأوان :
البطولة نحن الآن في ساعة خلاص ، نحن الآن في ساعة خلاص قد تخلص من عذاب الآخرة الآن ، قد تتوب ، إذا رجع العبد إلى الله تعالى نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، الصلحة بلمحة ، إذا قال العبد : يا رب قد أذنبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد غفرت ، فإذا قال العبد : يا رب لقد تبت ، يقول الله عز وجل : وأنا قد قبلت.
كلمة قل يا رب تبت إليك ، لو جئتني بملء السموات والأرض ذنوباً غفرتها لك ولا أبالي ، أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ، إذا ضاقت عليك الدنيا تذكر قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر : 53]
هناك أشخاص يقفون عند هذا الحد في هذه الآية اسمعوا التتمة : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
[ سورة الزمر : 53-56]
إياك أن تصل إلى ساعة ولات حين مناص ، هذه أصعب ساعة إذا إنسان صعد به على خشبة المشنقة ، يحب أن يبكي يبكي ، يحب أن يضحك يضحك ، يحب أن يترجى لا يوجد جدوى ، يحب ألا يترجى لا يترجى ، يحب أن يطلب والدته تأتي ولكن الشنق لابد منه، اطلب ما تشاء لابد من تنفيذ الحكم ، هذه الطامة الكبرى . الكلام المفيد هو الكلام الذي يطبق :
لذلك الإنسان هذا الدرس يقول أحدهم : والله الدرس جميل ولطيف ، وآيات قرآنية دقيقة ، والمعنى عميق ، والحديث رائع ، وهذا له علاقة بعملنا ، وهذا الحديث من أين جاء به والله ما سمعناه سابقاً ؟ أي هذا الاستمتاع بالأحاديث وأنت على حالك ، واحد كألف وألف كأف. فالذي أرجوه في هذا اللقاء أن يتوجه هذا الكلام لا إلى إحداث قناعات في الدماغ بل إلى إحداث مواقف عملية ، كل واحد له بيت ، له زوجة ، له أولاد ، له بنات ، محل تجاري ، في عملك التجاري هل يوجد علاقة محرمة ؟ هل يوجد علاقة ربوية ؟ بيع بسعرين ، كتمان عيب ؟ هذا في عملك ، ادخل إلى بيتك هل يوجد مخالفة ؟ ابنتك خروجها هل كما يريد الله سبحانه وتعالى ؟ زوجتك هل تصلي ؟ هل تأمرها بالصلاة ؟ هل هناك وليمةٌ انتهكت فيها حرمات الله عز وجل؟ جمعت فيها الأهل والأصحاب على مائدة واحدة ؟ هل تلهو كما يلهو الناس ؟ هل تستمتع كما يستمتعون ؟ هذه البطولة ، امسك دفتراً وسجل التقصيرات ، وحاول أن تتلافاها واحدة واحدة بأقرب وقت ممكن حتى يصبح العلم مباركاً ، يقول لك أحدهم : تباركنا أستاذ ، ما هي البركة ؟ البركة التطبيق ، إذا إنسان كان معه مرض عضال وهناك دواء شاف ، البركة بالدواء ذكره ؟ حفظ اسمه ؟ وضع الوصفة في مكان وجيه في البيت ؟ أم استعمال الدواء ؟ بركة الدواء استعماله ، بركة القرآن الكريم اتباع سنته ، بركة مجلس العلم تنفيذ ما جاء فيه ، لا يوجد بركة أخرى ، تباركنا لا يوجد بركة أخرى ، هذه الكلمة لا معنى لها ، الإنسان عليه أن يكون بالمستوى المطلوب ، واحد اثنان خمسة عشر إذا كانوا في مستوى الدعوة هؤلاء لهم تأثير عجيب ، الأنبياء قلة نبي واحد قلب وجه الأرض بإخلاصه ، وصدقه ، وجهاده ، واستشهاده ، وآلاف المصلحين كلام مزخرف منمق ، نظريات ، شواهد ، كتب مؤلفة ، ما دام الذي يتكلم ليس في مستوى كلامه فكلامه لا يؤثر .
نحن من حين إلى آخر ندرس السنة المطهرة ، ما هذا النبي الكريم الذي لفت القلوب بعد ألف وخمسمئة عام ؟ إذا ذكرته يتعطر المجلس ، تحس بالشوق إليه لكماله وأنت أيضاً كن على هديه ، اقتف أثره ، اتبع سنته ، اجعل بيتك إسلامياً ، اجعل عملك إسلامياً ، اجعل محلك إسلامياً ، اجعل لباسك إسلامياً ، كلامك ، نظرتك ، الإنسان عندما يطبق يسعد .
العلم وسيلة و ليس هدفاً بذاته :
نحن أيها الأخوة الأكارم بالعلم ليس العلم هدفاً بذاته ، العلم وسيلة من جعله هدفاً بذاته فقد ضلّ ، العلم وسيلة ، كل الناس هلكى إلا العالمون ، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم ، أي لابد من أن تكون عالماً ، لابد أن تكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً ، هذا الكلام خطير قال تعالى:
﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
[ سورة النجم : 59-62]
لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، يوجد عندنا موسم لا تحرجني لا يوجد عمل في الأرض ، لا موسم ، ولا زواج ، ولا شراء بيت ، ولا انتقال من بيت إلى بيت ، لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل ، لذلك من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ، أنت اشتغل بذكر الله ومعرفته واترك الدنيا وأنا مسؤول، والله الذي لا إله إلا هو لتأتيك الدنيا وهي راغمة ، تأتيك الدنيا من أيسر سبلها ، براحة وكرامة ويسر وسعادة .
أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمكِ فاستخدميه ، الدنيا تضر وتغر وتمر ، الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له ، الدنيا جيفة طلابها كلابها ، خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ، ترى الآن شخصاً يعمل ليلاً نهاراً وصفهم الله عز وجل قال : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾
[ سورة المدثر : 50]
عمل مرهق يخرج من بيته قبل أن يستيقظ الأهل ويعود بعد أن يناموا ، يقول لك: الحياة جهاد عملي صعب ، ترى فجأةً انضرب القلب ، عشرة أيام النعوة على الباب ، ما دخل المسجد إلا ليصلى عليه ، ما دخل المسجد ليصلي دخل مرة واحدة ليصلى عليه ، أحياناً نصلي على جنازة لا نعرف يا ترى كان يصلي ؟ كان يعرف الله عز وجل ؟ كان ماله حلالاً أم حراماً ؟ كان يخشى الله ؟ عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ، كل واحد منا لابد من أن يلقى الله . ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
***
رجل أنت ، ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى ، وما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها . بطولة الإنسان ساعة مغادرة الدنيا :
الذي أرجوه في هذا اللقاء غير إحداث قناعات في الفكر إحداث مواقف في النفس، أن تفر إلى الله عز وجل ، ففروا إلى الله جميعاً ، أن تقوم إليه ، أن تشمر، أحياناً الإنسان إذا أقدم على عمل مهم جداً يشمر ، أيها الناس شمروا فإن الأمر جد ، وتأهبوا فإن السفر قريب ، وتزودا فإن السفر بعيد ، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤوداً لا يجتازها إلا المخفون ، وأخلصوا النية فإن الناقد بصير ، ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة .
هناك رجل سبب هدايته أنه كان يعمل في سلك الشرطة ، وكان رئيس مخفر ، له صديق من وجهاء الحي كان غنياً ومترفاً فنشأت علاقة بين هذا الصديق وبين هذا الضابط ، سهرات ، وطعام نفيس ، وساعات فيها ضحك وسرور ونزهات وبساتين جميلة ، والخير موفور، والمال كثير ، وهذا الغني له أربع زوجات كلما كبرت زوجة طلقها وتزوج امرأةً شابة في المباحات ، ليس له معاصي وفق الشرع ، توفي هذا الرجل بعد أيام جاؤوا إلى مخفر الشرطة يطلبون من هذا الضابط أن يرافقهم إلى المقبرة ليكشف عن الجثة بصحبة طبيب شرعي ، لأن هناك إخباراً يفيد بأن هذا الرجل مات تسمماً بالسم وليس موته موتاً طبيعياً ، فهذا الضابط نزل إلى القبر بصحبة هذا الطبيب الشرعي فقال : والله شاهدت منظراً بقيت أسبوعاً أو أسبوعين ترتعد فرائصي منه ، بطن منفوخ رجل بالشرق ورجل بالغرب ، وجه أسود أزرق مملوء بالدود ، ولما الطبيب فتح البطن حصل انفجار ، هذا الضابط قضى مع هذا الإنسان سهرات ممتعة ، وأياماً حلوة ، وأكل معه أطيب الطعام ، وشهد منزله الفخم ، ودخل إلى بستانه الجميل ، وعرف خبايا هذا الرجل ، هذا هو المصير ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بقيت أسبوعين أو أكثر لا تشتهي نفسي أن تأكل طعاماً ، هذا هو المصير ، بعد شهر جاءه أناس إلى المخفر يطلبون منه أن يحل منازعةً تمت في المقبرة ، هذه المنازعة عن رجل توفي وأراد أهله أن ينزلوه في قبر مضى على دفن الذي قبله أربعين عاماً فتحوا القبر ، قال : والله الذي لا إله إلا هو بأم عيني رأيته رجلاً ممدداً كأنه نائم ، ثيابه تشبه قميص اللوكس ، جلده هو هو ، خده ، شعره ، ذقنه ، ابتسامته ، هذا كان يحفظ القرآن الكريم ، وكان إمام مسجد بعد أربعين عاماً هو هو ، أما الآخر فبعد أسبوع ، هذا المنظر المتناقض ، هذه المفارقة الحادة ، هذه الحالة التي تدعو إلى القرف والمقت ، وتلك الحالة التي تدعو إلى الرضا والسرور ، هي التي لفتت نظر هذا الإنسان وكانت سبباً في هدايته .
البطولة عند هذه الساعة ، ساعة نزول القبر ، ساعة مفارقة الدنيا ، من الآن اشتغل ، من الآن يجب أن يبقى الموت في ذهنك دائماً ، طبعاً تتزوج وتشتري بيتاً ، تكسب مالاً وتسعد وتسر ، ولكن عندك طمأنينة عميقة لو جاء الأجل أنت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض ، واكربتاه يا أبتي ، قال : لا كربة على أبيك بعد الآن غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، أي ساعة اللقاء عند المؤمن أجمل ساعة ، كل هذه الحياة من أجل هذه الساعة .
بعض الأشخاص يتخذون جدولاً فيه أسماء الأيام عرضاً ، وأما طولاً مثلاً قيام الليل، صلاة الفجر حاضراً ، التفكر بالموت ، التفكر بآيات الله ، ذكر الله ، قراءة القرآن ، غض البصر ، الصدق ، تحري الحلال ، بر الوالدين عموداً ، وكل يوم يحاسب نفسه ، يوم السبت هل صليت قيام الليل ؟ هل ذكرت الله عز وجل ؟ هل فكرت بالموت ؟ هل فكرت بآيات الله ؟ هل تلوت بعض آيات الله ؟ هل كان غض بصري جيداً حازماً أم فيه تراخ ؟ إذا كان هذا الشيء تحقق إشارة تحقق ، وإلا إشارة ضرب ، يمتحن نفسه يلقي نظرة على هذا الجدول كل أسبوع إذا في خطأ يتراجع عنه ، يتوب عنه ، المؤمن مذنب تواب ، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة .
الاستعداد لشهر رمضان :
هذا الدرس له اتجاه آخر وكان من الممكن أن نتابع الموضوع في إحياء علوم الدين ، موضوع الحلال والحرام ، وكان من الممكن أن نتابع ما جاء في كتاب شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن أردت قبيل شهر رمضان المبارك وهذا شهر الطاعة ، شهر الاستنفار ، شهر مضاعفة العبادة ، مضاعفة الجهد ، شهر العمل الصالح ، شهر قراءة القرآن ، لابد من أن تستعد لهذا الشهر قبل مدة ، من أجل أن يكون هذا الوقت استعداداً لهذا الشهر العظيم ، إذا طبقتم سعدتم ، وإن لم تطبقوا يقول أحدكم : والله ما استفدنا شيئاً ، والحقيقة إذا الإنسان ما طبق لا يستفيد شيئاً ، والعلم علمان مطبوع ومنطوق ، المطبوع هو الأساس الذي ينطبع في قلبك ويجري على لسانك ، أما المنقول كالماء المجموعة ، المياه المجموعة قد تكون آسنة ولكن مياه النبع تكون عذبة فراتاً ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى وأن يجعلنا في مستوى شرعه الحنيف .

السعيد
09-10-2018, 05:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الستون )


الموضوع : خروج التائب من المظالم المادية - شمائل النبى








كيفية خروج التائب من المظالم المادية :
أيها الأخوة المؤمنون : في موضوع الحلال والحرام من كتاب إحياء علوم الدين وصلنا إلى بابٍ رابع عنوانه : كيفية خروج التائب من المظالم المادية أي المالية.
إنسانٌ تابَ إلى الله عزّ وجل وفي ذمتهِ حقوقٌ مالية كيف يخرجُ منها ؟ لأنكم تعلمون أنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر ما بينه وبين العبد لمجرّد أن يتوبَ العبد ، أمّا ما بين العبد وبين الناس فلا تُغفر إلا إذا رُدّت الحقوق إلى أهلِها ، لذلك قال الله تعالى :
﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[سورة الأحقاف : 31]
هذه الـ من للتبعيض ، أي إذا أقبلتم عليه وتُبتُم إليه يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينه وبينكم ، لكنَّ التي بينكم وبين العباد لا تُغفر إلاّ بعدَ الإصلاح ، اعلم أنَّ من تابَ وفي يدهِ مالٌ مُختلط فعليه وظيفةٌ في تمييز الحرامِ وإخراجِهِ من الحلال ، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرجِ فليُنظر فيه.
إذاً : له مهمتان ؛ الأولى : معرفة الحرام وتمييزه من الحلال ، والثانية : ردُّ الحرام إلى أصحابِهِ ، ولا تُقبل توبة المُسلم ما لم يفعل هاتين المهمتين. كيفية تصرف من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم القدر أو مجهوله :
اعلم أنَّ كل من تاب وفي يده مالٌ حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل ، عنده حاجة ليست له ، متميّزة ، واضحة ، ليست مختلطة ، أي لفُلان وفُلان حيٌّ يُرزق.. قضية سهلة.. تأخذ هذه الحاجة وتردّهُا إلى صاحبها ، عندك كتاب ليس لك ، قلم حبر ثمين نسيه أحد أصدقائِك معك منذ خمس سنوات وتعرفه وتعرف بيته والقلم موجود .. من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل. وإن كانَ ملتبساً مختلطاً.. دخل الحرام في الحلال.. فلا يخلو ، إمّا أن يكون في مالٍ هو من ذوات الأمثال ، المال أنواع : هناك مالٌ من ذوات الأمثال ؛ قمح ، شعير ، عدس..... هذه لها مثيل كالحبوب، والنقود لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة فيها مئة ليرة حرام والألف قد صرفتها كانت قطعتي خمسمئة أصبحت عشر قطع مئة ليرة ، مئة دفعتها ومئة قبضتها هذه المئة دخلت حراماً ، وهذه المئة لها أمثال ، القضية أيضاً سهلة ، وإمّا أن يكون في أعيان كالدورِ والثياب.
إما أن يكون في الأمثال وإما أن يكون في الأعيان ، فإن كان في الأمثال وكان شائعاً في المال كلِهِ كمن اكتسب تجارةً يعلمُ أنه قد كَذَبَ في بعضِها في المرابحة مثلاً ، هناك بيع اسمه بيع المرابحة ، يأتي الزبون ويقول للتاجر : بعني القماش مرابحةً وخُذ على سعر المتر ليرتين واكشف رأسُ مالِك... هذا النوع من البيع اسمه بيع المرابحة... أنت عندئذٍ تقول : سعر المتر ثماني عشرة ليرة وكلّف جمارك أربع ليرات ومصاريف ليرة وتخزين و و.... أصبح سعر المتر أربعاً و عشرين ليرة ، وليرتين مرابحة أصبح ستاً و عشرين ، لو أنكَ رفعت رأسَ مالِك في هذا التصريح لكان البيع حراماً هو اشترى منكَ مرابحةً على كل متر ليرتان ، ينبغي أن تكشف رأسَ مالِكَ الحقيقي من دون زيادة ، فلو أنكَ كذبتَ في رأسِ مالِك لكان هذا البيعُ حراماً.
فلذلك من له تجارة يعلم أنه قد كذَبَ في بعضِها في المرابحةِ وصَدَقَ في بعضِها الآخر ، باع عشرين بيعة منهم خمس مرابحة كذَبَ في رأس المال وخمس عشرة مرابحة صدق في رأس المال فدخلت الأموال مع بعضها واختلطت وصار المبلغ في الصندوق متنوّعاً ، أو من غَصَبَ دُهناً وخَلَطَهُ بدُهنِهِ ، أو من فعلَ ذلِكَ في الحبوب غَصَبَ حبوباً أو دراهم أو دنانير وخلَطَها بحبوبِهِ أو دراهِمهِ أو دنانيرهِ فلا يخلو ذلك إمّا أن يكون معلومَ القدرِ أو مجهولاً.
إذا كان المال متميّزاً فالقضية سهلة جداً ، وإذا كان متداخلاً في الأشياء التي لها أمثال فالقضية سهلة أيضاً .
بقي عقبة واحدة : أنكَ هل تعرف مقدار هذا المال الحرام ؟ أو هذا القمح المغصوب؟ أو هذا الدُهن المغصوب ؟ أو هذا العدس المغصوب ؟ إن عرفت الكمية فالقضية أيضاً سهلة لأن لها مثيلاً ، غصبت مقدار " مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر ، لأنَّ العدس متماثل ، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات أخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله ، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة ، لكن العقبة في مقدار هذا الشيء المغصوب ، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة ، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال : له طريقان : طريق اليقين ، وطريق غالب الظن.
طريق اليقين : أي تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل.. ، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمئة ليرة حلال مئة في المئة ، ومنها أربعمئة ليرة حرام مئة في المئة ، و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام ، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة ،
غالبية الظن : وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة ، فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمها إلى مالِك ، وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها .
إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن ، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين ، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن ، لكنَّ الورع إخراجُهُ.
حالات عدة تدور حول المظالم المادية و كيفية حلها :
الآن عندنا مشكلة العلماء قاموا ببحثها مطوّلاً : معك درهم ولا سمح الله اغتصبت درهماً ، صاروا درهمين ، ولكنك الآن لا تعلم أيُّ الدرهمين هو المغصوب لأنَّ الدرهمين متماثلان تماماً ، لو فرضنا ليرتي حديد لا فرقَ بينهم إطلاقاً فأيُّ الليرتين التي اغتصبت ؟ الموضوع مُطوّل جداً والذي أراه أنه لا جدوى منه لماذا ؟ لأنكَ إذا أعطيت أحد الدرهمين لمن اغتصبت منه الدرهم وكان الذي أعطيته ليس درهمه بل درهمُكَ.. بعض العلماء قالوا : إنه لا يجوز ، وبعضهم قال : إنه يجوز لأنَّ هذا الدرهم له مثيل.. ما الفرق بين هذه الليرة وهذه الليرة؟ مناقشة مطوّلة من غير جدّوى إلا أنه لو أنكَ أعطيته درهمه كان بها ، وإن أعطيته درهمكَ وأبقيتَ درهمه تبادلتُما الدرهمين ، هذا التبادل أحد أنواع البيع بيع المعاوضة أو بيع التسلّم ، على كُلٍّ مادامَ هُناكَ لهذا الدرهم مثيل فالمثيلُ يُغني عن الأصيل فيما لو بقي عندكَ الدرهم الذي اغتصبته وأعطيته الدرهم الذي هو لك.
لكن أحياناً عندنا حالات من التعنّت والتزمّت : معك درهمان أحدُهما مُغتصب، والدرهمان اختلطا ، صاحب الدرهم المُغتصب يقول : أنا واللهِ لا آخذُ إلا عينَ درهمي فإن لم تعرف أيهما المُغتصب لا آخذ منكَ شيئاً وتعنّت.. أوقعك في الحرج.. أنت قد تُبتَ إلى الله.. ولا يأخذ إلا عينَ درهمِهِ ، وأنتَ لا تعرف أيُّ الدرهمين درهمُهُ ، قال : في هذه الحالة القاضي ينوب عن هذا الخصم المتعنّت فيأخذ منكَ أحد الدرهمين ويجعل الدرهم الثاني حلالاً لك ، فإن عَجَزَ القاضي عن أن يأخُذ هذا الدرهم يصحُ أن يأخذ هذا الدرهم رجلُ دينٌ - ذو دين - في المجتمع يأخذه نيابةً عن صاحِبِه من أجل أن يجعل بقية الدراهم حلالاً ، وإذا لم تجد هذا الرجل الصالح تُزيحُ درهماً من الدرهمين وتضعه في مكانٍ ما من أجلٍ أن تستهلك الدرهم الثاني ، أنت تنوب عن صاحب الدرهم المغتصب وتفرزه جانباً من أجل أن تستخدم الدرهم الثاني .
الآن : أرض مغتصبة وصاحبُها توفي وتركَ ورثة ، المغتصب أعادَ نصف هذه الأرض ، الورثة متنوعون أحدهم له الحق في النصفِ ، فقال : هذه النصفُ لي وانتهى الأمر ، الشرعُ لا يُوافِقهُ على ذلك ، الشيء الذي رُدَّ من الأرض يُوزّع على الورثة جميعِهم.. هذا هو الشرع ، أمّا أن يدّعي من له نصيبُ النصفِ أن هذه الأرض التي رُدّت هي حقُهُ وحقوق بقية الورثة في النصف المُغتصب فهذا مرفوضٌ قطعاً ولا يجوز .
شيء آخر : إذا وقعَ مالٌ في يدِ رجلٍ أخذه اغتصاباً من ظالمٍ ثمَّ تاب وكان هذا المالُ عِقاراً ، مُدّة بقاء العِقار في يدك يجبُ أن تدفع لمالِكِهِ الذي اغتصبت منه أجرَ المثلِ ، لو أنكَ اغتصبت سيارةً ليست لكَ ثُمَّ ندمِتَ وتُبتَ وبقيت معكَ سنتين ، فهل تعتقد أنكَ إذا رددت هذه السيارة إلى صاحِبِها نجوتَ من عذاب الله !؟ لابُدَّ من أن تردّها إلى صاحِبِها ، وأن تدفعَ لِصاحِبِها أجرة هذه السيارة عن سنتين ، لأنَّ هذا الشيء له منفعة - كل شيء يُمكن أن يُستفادَ من منفعتِهِ وتبقى رقبته هي هي هذا الشيء يجب أن تدفع لصاحِبِهِ أجرتهُ - ، لو اغتصبت داراً ثُمَّ تُبتَ إلى الله عليكَ أن تُعيدَ الدارَ ، وأن تـُعيد الأجرة التي تستحقُ فيما لو استأجرت هذا العقارَ من مالِكِهِ .
انتقال المال :
عندنا موضوع دقيق خلافي حول انتقال المال ؛ انتقال المال من الميت إلى ورثتِهِ هل يُغيّرُ صفتَهُ ؟ إذا كان هذا المال حراماً هل يُصبح حلالاً ؟.. هذا الموضوع خِلافي.. من وَرِثَ مالاً ولم يدر من أينَ اكتسبهُ مورّثُهُ ، طفل صغير توفي والده وترك بيت ومحلاً تجارياً ومصنعاً ، لا يعرف عندما كبُرَ الطفل أنَّ هذا المال كيف كان اكتسابُهُ.. هل كان اكتسابُهُ حراماً أم حلالاً ؟.. إن كان لا يدري فهذا المالُ يأخذهُ الوريثُ حلالاً مئةً في المئة.. هذه واضحة باتفاق العلماء ، من وَرِثَ مالاً ولا يدري أكانَ هذا الذي أورثهُ المال قد اكتسبهُ من حلالٍ أو من حرام ، مادُمت لا تدري فهذا المال تأخذهُ من مورِّثِكَ حلالاً طيّباً .
بالمناسبة ليسَ هناك علامة.. إذا وجدَ شخص في خزانة والده مثلاً ملعقة من فِضّة مكتوب عليها مثلاً اسم فندق.. هذه علامة على أنها مأخوذة سرقةً.. إذا وجد ملعقة من ذهب ومكتوب عليها اسم فندق في فرنسا مثلاً.. مادامَ هناك علامة فهذه العلامة تؤكدُ لكَ أنَّ هذه الملعقة أُخِذت حراماً ، قال : وإن عَلِمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدرِهِ أخرجَ مِقدارَ الحرام بالتحرّي ، أمّا إذا كان مورّثهُ يعمل مع السلاطين وقد وصلَ إلى علمِهِ أنه لم يأخذ من أموالِهم شيئاً أو أنه أخذَ من مالِهم شيئاً ومضى مدةٌ طويلةٌ وقد أُنفِقَ هذا المال.. أغلب الظن أنَّ هذا الذي ورِثَهُ حلالٌ طيب .
وإن عَلِمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ من الظُلمِ فيلزمه إخراجُ ذلِكَ القدر بالاجتهاد.. أي شخص والده موظف ويعرف أنَّ والده كان مستقيماً ، وعندما كان مستقيماً كان عنده دكان وبيت وبعض الأموال ، ثمَّ شعر أنَّ والده انحرف ، مثلاً بعد انحرافه اشترى سيارة ، صار هناك وضوح هذه السيارة اشتريت من مالٍ حرام ، وهذا البيت وهذا الحانوت من مالهِ الحلال ، أصبح من المُمكن أن يتميّز الحلال من الحرام.
لكنَّ بعض العلماء قالوا : لا يلزمه شيء من ذلك لأنَّ موت صاحب المال يقلِبُ الحرامَ حلالاً - بعضُهم قال هذا - فأنتَ لكَ أن تأخُذَ بالحد الأدنى ، ولكَ أن تأخذ بالحد الأقصى ، لكَ أن تأخذ بهذا القول ولكَ بالورع فتأخذ بإخراج المال الحرام الذي ثَبَتَ لديك من مورّثِك ، لكن إن كُنت لا تعلم من أين أُكتُسِبَ هذا المال يُصبح المال حلالاً.. هذا عن أنَّ التائِبَ لا تُقبل توبته إلا إذا عرفَ نوعَ الظُلامة المالية وأرادَ ردّها إلى صاحِبِها .
كيفية إنفاق المال المغتصب بعد توبة الإنسان :
المشكلة الآن أنكَ عرفتَ أن هذا المال مُعلّقٌ في رقبتِك ولابُدَّ من أن تُنفِقَهُ ، الآن كيف أُنفِقَهُ ؟ الإمام الغزالي يقول : إمّا أن يكون لهذا المال مالِكٌ معيّن فيجبُ أن يُدفع إليه أو إلى وارِثِهِ . لكن العلماء قالوا لبعضهم : إذا كنتَ قد اغتصبت مالاً من شخص من دون أن يعلم في زمن الجاهلية ، وحينما تُبتَ إلى الله عزّ وجل أردتَ أن تُعيدَ هذا المال ، بعض العلماء يقول: لستَ مُضطراً أن تُعلِمَهُ أنكَ اغتصبت هذا المالَ من وراء ظهرِهِ وها قد تُعيدَهُ إليه.. لا.. ، لكَ أن تدفع المال على شكل هدية ، ولكَ أن تدفعه على شكل حوالة بريدية ، ولكَ أن تدفعهُ له من دونِ أن يشعُر ، أي كُنت أنت في مكتبه وتركت محفظة فيها المبلغ وضعتها في الدرج عندما ذهب ليُحضر كأس شاي اختلط المبلغ مع مبلغ الدرج ، لكَ أن تضع المبلغ من دون أن يشعر ، ولكَ أن تُرسلهُ حوالةً ، ولكَ أن تُقدّمه على شكل هدية ، لكنّهُ لابُدَّ من أن يصِلَ إليه أمّا الطريقة هُنا فيها مرونة ، لستَ مُكلّفاً أن تكشِفَ نفسَكَ بعد أن تاب الله عليك وبعدَ أن ستَرَكَ.
إذاً : إن كان هذا المال له مالِكٌ معيّن يجبُ أن يُدفع إليه ، وإذا كان قد توفي إلى وارِثِهِ ، وإذا كان غائِباً تُنتظر عودتِهِ ، فإن أمكنَ إيصالُهُ إليه معك عنوانه يُمكن أن تُوصِلَهُ إليه هو مسافر مثلاً في جدة ولك صديق مسافر إلى جدة فتضع له المبلغ في ظرف وتقول له : الرجاء ابعث بهذه الرسالة إلى هذا العنوان وقُل له من صديق قديم من دون أن تذكر اسمه.. مثلاً .
إذاً : إذا كان حاضراً تدفعه إليه ، مات إلى وارِثِهِ ، غائب تنتظر عودته ، معروف عنوانه توصِلَهُ إليه ، وإن كانت له زيادةٌ ومنفعة أي بيت مؤجّر وأنت كنت قد اغتصبته فتدفع له ثمن البيت أو أوراق الطابو مثلاً أو شيء من القبيل مع الأجرة أو شيء يُمكن أن يُستغل ، أرض استغلّت قدّمت أول سنة ثلاثين ألفاً ، فرضاً للمستأجر النصف أو الربع تدفع له الغلّة أو كل شيء انتفعت بهِ من هذا الشيء المُغتصب ، أمّا إذا كان هذا المال لِمالِكِ غير معيّن وقع اليأسُ من الوقوف على عينِهِ.. لا تعرفه.. ممُكن ، أي إنسان وجد حاجة أمام محل فلو كان ورعاً لسألَ صاحب المحل ووضع إعلاناً لكن أخذها ومضى.. في الجاهلية.. وبعد أن أسلم عَرَفَ أنَّ هذه لقيطة ويجب أن يوضع خبر أو إعلان في أقرب مكان ، هذه اللقيطة لا يُعرف صاحِبُها لها حُكم شرعي يجب أن تُعلن ، وأن تنتظر ، فهو لم يعلم أخذها مباشرةً واستهلكها ، فهذا المال لا يعرف مالِكَهُ ولا يدري أنه مات أو مات عن وارث أم لا ، فهذا لا يُمكن أن يردّهُ إلى مالِكِهِ ، يستطيع أن يتريّث قليلاً حتى يتضح الأمر ، فإذا كان في الإمكان أن يضع إعلاناً متأخراً ، فينتظر شهراً أو شهرين ، ويضع إعلاناً فإذا تعذّرَ الردُّ يُدفع المبلغ صدقةً ، قال : هذا كغلول الغنيمة ، إذا وجد شخص درعاً ثمينة مع الغنائم أخذها وبعدها تاب ، وكان الجيش مثلاً مئة ألف مقاتل ، فهذا الثمن ثمن هذا الدرع يجب أن يُرد إلى مئة ألف إنسان؟!.. مستحيل.. ، في مثل هذه الحالة يُدفع ثمن هذه الدرع التي أُخذت قبل توزيع الغنائم يُدفع صدقةً.
بعضُهم قال : إذا كان هذا المال شيئاً ؛ الغنيمة ما أُخذت عن حربٍ والفيءُ ما أُخِذَ من دونِ حرب ، الذي يُؤخذ من دونِ حرب يجبُ أن يُردَّ إلى مشاريع خيريّة تعود على المسلمين كُلِّهم بالنفع كالقناطر ، كالمستشفيات ، والمدارس وما إلى ذلك ، لكن من يتولى إنفاق هذا المبلغ الذي أُخِذَ من دون حرب وأُخِذَ اغتصاباً ؟ قال : القاضي ، وإن لم يكن فرجلٌ يوثقُ بأمانتِهِ وعلمِهِ يُدفعُ المبلغُ إليه ليُنشئ به مرفِقاً عاماً يعود نفعُهُ على المسلمين ، وإذا تعذّر يتولى هذا المغتصب التائب بنفسِهِ إنفاق هذا المبلغ على المسلمين .
حكم التصدق بما هو حرام :
الآن سؤال مهم جداً : هل يجوز التصدّقُ بما هو حرام ؟ إنسان معه مال مغتصب واستحال عليه معرفة صاحِبِهِ فدفعهُ صدقة ، هل تُقبلُ هذه الصدقة ؟ سؤال مهم :
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
من قال لكَ إنها صدقة ؟ إن أسميّناها صدقة فأجرُها ليسَ لكَ ولكن لِصاحِبِها ، لذلك قال : ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلك غير جائز لكنَّ الرأيَ الأصح والأرجح أنَّ هذا جائز ، والدليل ما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ سُئِلَ عن شاةٍ مغتصبة لا يعرفُ صاحِبُها ، فقال : أطعموها للأسرى ، هذا خبرٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أي تُقيس عليه حاجة إذا كان مبلغاً مثلاً لو أبقيته في جهةٍ فلم يكُن هناك فائدة منه فإذا دفعته للفقراء هذا لا يُسمى صدقة ولا زكاة ولا شيئاً من هذا القبيل إنما يُسمّى وساطة .
وهناك قول آخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن مالٍ سُحتٍ لا يُدرى صاحِبُهُ ، فقال : هذا سحتٌ تصدّق به ، مال حرام لا يُعرف صاحِبُهُ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أن يتصدّقَ بهِ. أي هناك أخ كان يتيماً فورثَ مبلغاً من والِدِهِ وُضِعَ في بعض المصارف ، فلما بلغ أشدّهُ دُفِعَ له المبلغ والفائدة فسألني عن هذا ، قلتُ له : ادفعها إلى جهةٍ فقيرة ولن تُحسبَ لكَ صدقة ولا زكاةً ولا شيئاً إنما هي وساطة ، لو أخذتها ودفعتها إلى جهةٍ مستحقةٍ لكانَ هذا أولَى.
أخذ حاجة ولم يدفع ثمنها ، ولمّا همَّ بدفع ثمنها لم يجد صاحِبَها ، طلبه كثيراً فلم يجده ، فتصدّق بالثمن و قال : اللهمَّ عنه إن رضي وإلا فالأجرُ لي .
سيدنا الحسن سُئِلَ عن توبة الغالّ - الغالّ : هو الذي أخذَ من الغنائم قبلَ أن توزّع- فقال : يتصدّقُ بِهِ.
الآن : القياس أنَّ هذا المال الحرام الذي عثرنا عليه ماذا نفعل ؟ مثلاً عشر ليرات ذهب.. قال : هناك رأيان أحدهما أن تُلقيها في البحر ، هل إلقاؤها في البحر خير أم التصدّق بِها ؟ الرأي الراجح التصدّق بِها ، وإن كانت لا تُسمى صدقة لكن أنتَ وسيطٌ بينَ صاحِبِها وبينَ هذا الفقير فالأجر لِصاحِبِها إن رضي كما قال سيدنا ابن مسعود .
هناك آراء جديدة أنَّ الواحد قد تُحسب له صدقة من دون أن يُريد ، شخص عنده مزرعة وفيها عنب ، والطيور تأكل من هذا العنب من دون أن يُريد ولا يُوافق ولا يشعر ولا يدري، فالنبي الكريم طمأن صاحب هذه المزرعة أنَّ للزارِعِ والغارِسِ أجراً في كُلِّ ما يُصيبُهِ الناس والطيور من ثِمارِهِ وزرعِهِ ، أي حملوا هذا الموضوع على هذا الحديث ، شخص وضع قمحاً على سطح المنزل فالطيور أكلت منه القليل وأنت لا تعلم إطلاقاً ، وأنت تجلس في بيتك فنَقَصَ الوزن حوالي كيلو ، قال : هذا يُحسب لكَ صدقة من دون أن تدري ، طبعاً الحديث يؤكد أن للشخص مالاً مغصوباً ، والذي أخذه تاب ، ولما تاب استحالَ ردّهُ إليه فدفعه صدقة ، فهل يُحسب لصاحب المال الثواب ؟ يُحسب ، قِسناها على هذا الحديث ، إذا كان عنده قمح على السطح وجاءت الطيور وأكلت منها تُحسب له هذه الكمية التي أكلتها الطيور صدقةً .
أمّا قول القائل : لا نتصدّق إلا بالطيّب ، قال : فذلك إذا طالبنا بالأجر لأنفسِنا ونحنُ الآن نُطالب بالخلاص ، هناك فرق إن طالبت بالأجر لا أجرَ لكَ فهذا مال مُنتظر وليس لك ، أمّا إن طلبتَ الخلاص فالخلاص من هذا المال أن تدفعهُ إلى الفقير ، شتّان بين طلب الأجرِ وطلبِ الخلاص.
وقال بعضُهم : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفُسِنا فهو كذلك ولكنه علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنه ، وللفقير حلالٌ إذّ أحلّهُ دليلُ الشرعِ ، أي هذا المال الحرام المُغتصب علينا حرام - على مغتصبِهِ - أمّا للفقير فحلال لأنه بحاجة إليه . حكم المغتصب الذي اغتصب مالاً من مغتصب آخر ثم تاب :
الآن : إذا كان المال مُغتصباً وهذا المال المغتصب أُغتصِبَ مرةً ثانية ، فالمغتصب الثاني هل له أن يُعيدَه إلى المُغتصب الأول ؟ الجواب.. لا.. لأنَّ هذا المُغتصب الأول لم يُعيدّهُ إلى صاحِبِهِ في هذه الحالة تصدّق بِهِ ، أي إذا إنسان مثلاً أخذ مالاً من مُغتصب ثُمَّ تاب عليهِ أن يتصدّقَ بهذا المال لأنَّ المُغتصب لن يُعيدَ هذا المال إلى صاحِبِهِ ، أنتَ كُنْ وسيطاً بينَ صاحِبِهِ الأصلي وبين الفقير ، المُغتصب إذا اغتصبَ مالاً مغتصباً وتابَ من ذنبِهِ عليهِ أن يُعيدَهُ إلى الفقراء ويُحسبُ لِمالِكِهِ الأصلي.
هذا بعضُ الموضوع والموضوع دقيق جداً ، وهذا من أهم الموضوعات ، والإنسان إذا كانت له جاهلية وكان مُتساهلاً في الأمور الآن عَرَفَ كيف الطريق ، عَرَفَ كيف يتوب من المظالم المالية.
* * *
المشاورة :
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال الله تعالى :
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[سورة آل عمران : 159]
الإنسان لا يخلو من أن يكون أباً ، أو موظفاً ، أو أخاً أكبر ، لا يخلو أحدكم من أن تكون له وِصايةٌ أو إشرافٌ أو ولايةٌ على من هم دونه ولو كانوا أولاده.
إذاً هذا الموضوع نحنُ جميعاً بحاجة إليه موضوع المشاورة ، فقد أمرَ الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالمشاورة في الأمرِ الذي يحتاج إلى المشاورة ، إذا إنسان أراد أن يشرب كأسَ ماء فهذه لا تحتاج إلى مشاورة ، أمّا إذا أراد شراء محل تجاري يا ترى موقعه مناسب ؟ سعره مناسب ؟ هل عليه مشاكل ؟ هذا الأمر يحتاج إلى مشاورة ، وبالمناسبة ما نَدِمَ من استشار ولا خابَ من استخار ، والمشاورة لأُولي العقولِ من المؤمنين - أُولي الخبرات - والاستخارة لله عزّ وجل .
قال : فإذا عَزَمَ قلبه على الفعلِ وعلى إمضائِهِ بعدَ المشاورةِ فليمضِ وليتوكل على الله سبحانه وتعالى . الحكم المستنبطة من مشاورة النبي أصحابه :
1 ـ تطييب لنفوسهم :
أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُشاوِرَ أصحابَهُ أهلَ الرأي والتدبير في الأمورِ، مع أنَّ عقلهم بالنسبة إلى عقلِهِ الشريف كالسُهى بالنسبة إلى شمسِ الضُحى ، السُهى : نجم ضئيل جداً يكاد لا يُرى بالنسبة إلى شمس الضُحى ، ومع ذلك صاحب العقلِ الذي كشمس الضُحى أُمِرَ أن يستشير صاحب العقلِ الذي كالسُهى.. لماذا ؟ قال : أولاً لِحكمٍ كثيرة أحدُها : تطييبُ نفوسِهم ، الزوج الحكيم يستشير زوجته وأولاده ، والمدير الحكيم يستشير كِبار الموظفين عنده ، وأي إنسان له ولاية على بعض الأشخاص في بعض الأمور يستشيرهُم ، حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ، ومضوا فيهِ كالحرب وأمثالِها ، يكون ذلك عن طيبِ نفوسِهم واختيارِهم ، النبي الكريم استشار أصحابه الكِرام في بدر قال : أشيروا عليَّ يا معشر الأنصار ما قولُكُم ؟ قال أحدهم- سيدنا سعد- لكأنكَ تعنينا ؟ قال : نعم ، قال : يا رسول الله لقد آمنا بِكَ وصدقّناك وشهدِنا أنَّ ما جِئتَ بهِ هو الحق فامضِ بِما أراكَ الله ، نحنُ معك لن يتخلّف منا رجلٌ واحد ، إنّا لصُبرٌ في الحربِ ، صُدقٌ عندَ اللقاء ، فحارب من شِئت وسالم من شِئت ، وعادِ من شِئت ، وخُذ من أموالِنا ما شِئت ، فو الذي تأخذُهُ أحبُّ إلينا من الذي تُبقيه ، فامضِ على بركة الله... النبي الكريم شاور أصحابه في هذه المعركة ، طيّبَ قلوبهم ، رفع من مكانتهم، أشعرهم بقيمتهم ، عرّفهم بمهمتِهم.
2 ـ الاستظهار برأيهم :
ثانياً : الاستظهار برأيهم : بمعنى أنَّ رأيهم الموافق لرأيهِ صلى الله عليه وسلم يزدادُ به النبي الكريم قوةً ، خطَرَ في بالِكَ خاطر فسألت أخاً مُخلصاً فقال لك مِثلَ ما خَطَرَ في بالِك فتتأكد أنت وتتقوى ، تتأكد من صِحة رأيك ، إن كان لكَ رأيٌ سديد واستشرت إنساناً آخر وأشار عليك بما أنتَ قد فكرت فيه فهذا مما يزيدُ رأيكَ صلابةً وقوةً وقناعةً ، إذا أمضيتهُ تُمضيهِ عن ثِقةٍ أشد ، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ وعُمر : لو اجتمعتُما في مشورةٍ ما خالفتُكُما .
3 ـ أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ :
الحكمة الثالثة : أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ .
فقد عَلِمَ الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ، ولكن أرادَ أن يستنَّ المسلمون من بعدِهِ هذه السُنّة الطيبة ، أن تطلُبَ الاستشارة ، وقد رُويَ :
((عن ابن عباس قال : لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ، ومن تركها لم يعدم غيا))
الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة . 4 ـ في المشاورةِ تقدير للمستشار واعتبار لمنزلِتِهِ :
الحِكمة الرابعة : أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتباراً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر، وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً ، وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً ، بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين ، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين ، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين ، فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه :
(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
5 ـ في المشاورة استعراض للآراء :
الحِكمة الخامسة : أنَّ في المشاورة استعراضاً للآراء ، أحياناً تسمع رأي اثنين وثلاثة وأربعة مختلفين وكل رأي يلفت نظرك إلى جِهة لم تكُن في بالِك ، هذا التصرف مُفيد لكن له مضاعفات سيئة من هذه الناحية ، فالمشاورة تُقلّب لكَ الرأي على كُلِّ وجوهِهِ ، تعرض لكَ الوجه الطيب والصورة السيئة ، النواحي الإيجابية والنواحي السلبية ، عن عائشة رضي الله عنها قال :
((عن عائشة بلفظ : إن المشير معان والمستشار مؤتمن فإن استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه ))
[رواه القضاعي عن عائشة]
إنسان له عقل استعار عشرة عقول من دون مقابل ، عوّد نفسكَ أن تستشير في كُل قضية ، اسأل عقلاء ، اسأل خبراء ، اسأل أُولي خِبرة ، اسألهم سؤالاً ، هل أشتري هذه الحاجة ؟ هل أشتري هذا البيت ؟ أحياناً هناك بيت عليه قص يكون ثمنه خمسمئة ألف فيُباع بـأربعمئة و خمسين فتجده فرصة ، اسأل.... وجدَ عليه قص فتمَّ تسعيره بمئة ألف ذهبت عليك الأربعمئة ألف ، فالإنسان يسأل في شِراء بيت ، أو في زواج ، أو في أي نشاط له مضاعفات ، المستشير مُعانٌ والمُستشار مؤتمن فإذا أُستُشيرَ أحدُكم فليُشر بما هو صانعٌ لِنفسِه ، في بعض الآثار يقولون : " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أُمورِكُم بالمشاورة" صفات المستشار :
العلماء بيّنوا أنَّ المستشار يجبُ أن يكونَ أميناً على الاستشارة ، محترماً ، ناصحاً، ثابِتَ الجأشِ ، غيرَ معجبٍ بنفسِهِ ، ولا متلوّناً في رأيِهِ ، ولا كاذباً في مقالِهِ ، متغالياً في محبة الأمرِ المُستشار فيه ، ولا متجرّداً عن الدنيا فإنه لا يُستشار في أمر الدنيا لعدم معرفتِهِ .
أردت أن تعمل في التجارة فذهبت وسألت ابن عمٍ لك موظف وهو بعيد عن التجارة بعداً شديداً ، ولا يعرف شيئاً في التجارة ، يجب أن تسأل إنساناً في المصلحة نفسها ، في السوق نفسه ، في الموضوع ذاته ، أمّا إذا سألت إنساناً صاحب دين لكن لا توجد لديه الخِبرة فلن يفيدك إذاً يجب أن تبحث عن الخبير المؤمن ، لو كان خبيراً غير مؤمن ، قال لي أخ أراد أن يعمل بعمل متعلّق بالحلويات : ذهبَ وسأل فأول محل أجابه بأنَّ هذه المصلحة مُفقرة وناشفة وغير طعامك لا تُحصّل ، أقسم بالله أنه سأل أربعة محلات فأعطوه أخباراً سيئة جداً ، أنا أعرف أنَّ هذا الكلام له غرض ، وأنَّ هؤلاء يربحون أرباحاً طائلة ، وأنَّ هذا الكلام لِئلا يدخل أحدٌ جديد على هذه المصلحة ، أرسلته إلى أخ مؤمن في المصلحة نفسِها وقُلتُ له : استشر فُلاناً ، فكان الجواب بالعكس ، قال له : هذه مصلحة جيدة ، وأرباحُها جيدة ، وطلبُها ثابت ، وموادُها الأولية متوافرة ، والعملية بسيطة ، المؤمن أشار بما هو صانِعٌ لنفسِهِ أمّا المُشرِك الذي رأى أنَّ هذا سوف يُخلّصهُ رِزقهُ.. هذا إشراك بالله عزّ وجل.. فأعطى معلومات مغلوطة ، فلذلك إيّاكَ أن تستشير فاسقاً أو منافقاً أو مُشرِكاً ، وإيّاكَ أن تستشيرَ جاهلاً ، لابُدَّ من صفتين تجتمعان في المُستشار : الخِبرةُ والأمانة :
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[سورة القصص : 26]
وإيّاكَ أن تستشيرَ بخيلاً ، مثلاً تسأله بطبع كروت للمحل يقول لكَ : لا ليسَ هناك حاجة ، فالبخيل يُشير عليك بما لا ينفعُكَ.. هذه قاعدة ، وعن أبي مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( المستشار مؤتمن وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت ، فإن تكلّم فليجتهد رأيه))
[المقاصد الحسنة فيما اشتهر عن الألسنة عن أبي مسعودٍ ]
أحياناً تُستشار بشيء لو أنكَ أشرتً بما تعرف للحِقَكَ من هذه الاستشارة ضرر كبير.. حالات نادرة.. سألَكَ هل أفعل هكذا ؟ فلكَ أن تسكُت ، أمّا إذا تكلّمت فيجب أن تنطق بالحق ، ولكَ أن تسكُت ، أحياناً بالتجارة ، والتجارة سِر ، أحياناً تكون أنت تعمل بمصلحة ما و قد اشتريت ما يلزمك وسألكَ إنسان ليشتري مثلما اشتريت ، فإن نصحتهُ بعدم الشراء - لا تشتر أنا اشتريت مثلها - فيُمكن أن يظُن عكس ذلك ، أحياناً الكلام له مضاعفات ، وفي حالات نادرة وقاهرة وحساسة لك أن تسكُت ، لكنكَ إذا تكلمت لا ينبغي أن تقول إلا الحق ، أمّا هُناك أُناس ينصحونكَ بشيء خِلاف مصلحتك ، تاجر ناشئ سوف يُزاحِمُكَ على هذه المصلحة وسألَكَ بنفسٍ رضيّة وطيبة فأشرت عليه بنوع من البضاعة غالية الثمن وليست لها طلب إطلاقاً ، واشترى كميات كبيرة ووضعها في المستودع ، ولم تُباع معه فجعلته يُفلّس ، كُل رأسُ مالِهِ وضعه في هذه المصلحة ولم تُباع معه ، أنت في هذه الطريقة أخرجته من المصلحة.. هذه خيانة.. ، أي إذا كان هُناك حالات قاهرة فيها حرج أباح لكَ الشرع أن تسكُت ، أمّا أن تقول غلطاً فهذه خيانة.
قال : شاهد على أنَّ الإنسان أحياناً يحقُ له أن يمتنع عن إعطاء رأي ، طالب سألك على أن يدرس هذا الموضوع وأنت قد وضعت السؤال ، إذا قُلت له : لا تدرسه فهو سيأتي في الفحص فتكون قد ضللته ، وإن قُلت له بأن يدرسه وجاء في الفحص وقال الطالب أنا أخذت من الأستاذ السؤال فسوف يُدمِرُكَ... هذه ليست استشارة... تقول له : لا أعرف ، حيث أنك تمتنع عن إبداء الرأي ، أمّا إن تكلّمت فليس لك الحق أن تُضلله ، فأكثر الناس الآن في الاستشارة إذا كان له مصلحة في الموضوع يُضللهُ ، هذا المنزل مثلاً نفسهُ فيه فيجعله يكره المنطقة كلها ، فكُل إنسان يُشير خِلاف ما هو صانع لِنفسه فقد خانَ صاحِبهُ.. الاستشارة أمانة.. لكن هناك حالات مُعيّنة تستطيع أن تمتنع عن إعطاء الرأي أكثرُ هذه الحالات في التجارة ، وبعضُها في التعليم ، وبعضُها في القضاء.
إذاً : المستشار مُؤتمن وله في حالات نادرة أن يمتنع عن إعطاء رأي فيما لو كان في هذا الرأي إضرار بالغ للمستشار. على الإنسان أن يبدأ بالاستشارة ويختم بالاستخارة :
آخر حديث : يقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار))
[ الطبراني عن أنس]
إلاّ أنَّ العلماء ارتؤوا أن تـُقدّمَ الاستشارةُ على الاستخارة . ضع في ذهنك أنكَ قبل أن تُقدِمَ على عملٍ ما تبدأ بالاستشارة ، والمستشار يجب أن يجمع بينَ شيئين الخِبرة والأمانة ، الخبرة في الموضوع ، والأمانة بأوسع معانيها الدينية ، بمعنى أنه لن يقول لكَ إلاّ الحق ، إن عثرت على مِثل هذا الإنسان استشره ، فإذا أشارَ عليكَ أن افعل هذا الأمر عُدْ إلى الله عزّ وجل واستخرهُ ، صلِّ ركعتين وقُل : يا ربي إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاقدرهُ لي ويسّرهُ لي ، وإن كان خِلافَ ذلك فاصرفني عنه واصرفهُ عني واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كان ، الإنسان في هذا الدعاء مع التوجّه الصادق ، مع الإقبال ، مع الركعتين المُخلصتين ، لعلَّ الله عزّ وجل يُريه مناماً أو يشرح صدرهُ أو يقبِض صدرَهُ.
على كُلٍ تبدأ بالاستشارة وتختم بالاستخارة ، الاستشارة لأصحاب الخِبرةِ من المؤمنين الصادقين الأُمناء ، والاستخارة لله عزّ وجل ، ولكن من أجل أن تعرف الحقيقة لا استشارة ولا استخارة في المحرّمات ، فقط في المباحات ؛ في الزواج ، في التجارة ، في السفر ، في هذه الموضوعات المُباحة هناك استشارة وهناك استخارة ، لكن إنساناً أراد أن يستشير شخصاً في شُرب الخمر مثلاً ليست واردة.. أو بأكل مال حرام ، أو برشوة ، أو باغتصاب منزل مثلاً ، يقول : والله لنأخذ رأي إنسان مؤمن !! هذا كلام مُضحك ، لا استشارة ولا استخارة في المُحرّمات بل في المباحات وليست المباحات مثلاً تناول طعام الغذاء.. أخي هل آكل؟ .. هذه أشياء تافهة.. الاستشارة في المباحات التي لها مضاعفات ، أي لها توابع ، الزواج له توابع ، التجارة لها توابع ، إنشاء معمل صغير له توابع ، كان معك مئة أصبحوا آلة.. تجمدوا.. إذا لم يكن الأمر قد تمّت دراسته بشكل جيد فتكون قد أضعت رأس مالِك في آلة ليس لها ثمن ، أصبحت كتلة حديد ، فالاستشارة في المباحات والاستشارة قبل الاستخارة ، والمستشار يجب أن يكونَ من أصحاب الخِبرةِ ، من عقلاء المؤمنين .

السعيد
09-10-2018, 05:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الستون )


الموضوع : اداب الالفة - المعاشرة








الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الألفة :
أيها الأخوة الأكارم ، من إحياء علوم الدين بدأنا بمجموعة أبواب في الآداب الإسلامية ، فكنا قد بدأنا بآداب الأكل وأمضينا فيها وقتاً طويلاً ، ثم انتقلنا إلى آداب الكسب والمعاش ، وانتقلنا منه إلى باب الحلال والحرام ، وها نحن نصل إلى آداب الألفة أي المعاشرة ، التعامل اليومي ، والإمام الغزالي رضي الله عنه يعقد باباً مطولاً يتحدث فيه عن آداب الألفة ، التعامل فيقول : " اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق ، أي حسن الخلق ثمرته الألفة ، والتفرق ثمرة سوء الخلق ، أي سوء الخلق يؤدي إلى التفرقة وحسن الخلق يؤدي إلى المودة ، لذلك المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد :
(( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[ مسلم عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ]
قال تعالى : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 63]
أي بين المؤمنين علاقات متينة وشيجة لا يعرفها إلا من عاينها ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف ، لأن كل مؤمن بأخلاقه الفاضلة يجذب أخاه، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام في نزهة قال أحدهم :عليّ ذبح الشاة ، قال الثاني : عليّ سلخها ، قال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب.
أي كل إنسان يبذل لأخيه الإنسان ما في وسعه ، هذا البذل يسبب ألفة ، ما تفسير الألفة بين المؤمنين ؟ لو حللت هذه المودة تحليلاً علمياً أي إذا جاء عالم نفس أو عالم اجتماع ليحلل أسباب المودة البالغة بين المؤمنين تحليلاً علمياً يجد أن الأخلاق الفاضلة ، الخلق الحسن الذي يتحلى به المؤمن هو سبب المودة ، ربنا عز وجل خلقنا على فطرة سليمة ، وخلقنا على فطرةٍ عالية ، وكل منا يحب مكارم الأخلاق . الفرق بين محبة مكارم الأخلاق و بين التحلي بها :
بالمناسبة فرق كبير بين أن تحب مكارم الأخرق وبين أن تكون متحلياً بمكارم الأخلاق ، قد تحبها ولست متحلياً بها ، فكل مخلوق على وجه الأرض يحب مكارم الأخلاق ، إذاً مكارم الأخلاق سبب هذه المودة ، سبب هذه العلاقة الوشيجة ، العلاقة المتينة ، تحس أن بين المؤمنين علاقةً لا يفصمها شيء ، لا يضعفها شيء ، لا يوجد غيبة ، بعض الأخوة الأكارم لهم سهرة أسبوعية مضى عليها سبعة عشر عاماً كل ثلاثاء في بيت واحد ، بعد هذه الأعوام الطويلة طرح أحدهم سؤالاً قال: ما سبب دوام هذه الألفة ؟ وطلبوا الإجابة للجلسة القادمة فقد أجمع الأخوة على أن عدم الغيبة وعدم دخول النساء فيما بينهم سبب هذه الألفة ، المرأة تفرق ، إذا دخلت مجلساً تفرق هذا المجلس ، قد ينظر الزوج إلى زوجة صديقه نظرةً تسبب الحمق لزوجها ، وقد تنظر الزوجة لصديق زوجها نظرةً تسبب الغيرة ، لذلك إذا دخلت المرأة في مجلس تقطع ما بين هؤلاء من صلات .
أي المجتمع المسلم مجتمع متماسك ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ، المجتمع الكافر مجتمع مفتت ولو بدا لك أنه مجتمع قال تعالى :
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة الحشر: 14]
ثمار الخلق الحسن :
من ثمار الخلق الحسن هذه الألفة التي بين المؤمنين ، من ثمار الخلق السيئ هذه التفرقة بين الناس ، هذا ملخص الفصل ، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، أي على مستوى إذا ممكن الخلق الحسن يقاس بوحدات ، الآن يقيسون الضجيج ، يقيسون الزلزال بوحدات ، من أيام قاسوا الإشعاع النووي بوحدات قال : أربعمئة وخمسون وحدة قاتلة هذه الأشعة، وجدوا في ألمانية مئة وخمسين وحدة ، فالإشعاع يقاس بوحدات ، والضجيج يقاس بوحدات ، فإذا أمكن أن نقيس الخلق الحسن بوحدات ، إذا كان مستوى خلق هذا الإنسان الحسن سبعين بالمئة فالمودة بينه وبين الناس سبعون بالمئة ، ثمانون ثمانون ، تسعون تسعون ، مئة بالمئة تكون مئة بالمئة ، أي على قدر ما يتحلى الإنسان بالخلق الحسن على قدر ما يتمتع بعلاقات متينة جداً وحميمة جداً مع بقية الناس ، إذاً محبة الناس لك ثمنها أن تكون ذا خلق حسن ، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ، الكلمة الطيبة أحياناً تثمر عملاً طيباً .
حدثني أخ كان صغيراً دخل إلى مسجد ليصلي ، خرج من المسجد فافتقد حذاءه لاحظه رجل وقور ، صالح ، خير ، فاشترى له حذاءً فقال لي : أغلب الظن أن سبب حفاظي على صلاتي منذ الصغر هذا التصرف الأخلاقي من هذا الرجل ، أي الخلق الحسن ، لعل كلمة طيبة تنقذ بها إنساناً ، لعل موقفاً فيه تسامح تجعل إنساناً يتوب إلى الله عز وجل ، لعل موقفاً فيه حلم تجعل إنساناً يتعرف إلى الله يقول : هكذا الإسلام ، هذا الإيمان ، فالإنسان لا يدري كم نتائج الخلق الحسن كم هي باهرة ، أي ما الذي جعل الناس من كل حدب وصوب يذهبون إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وخمسمئة عام ؟ خلقه الحسن ، ما من مسلم إلا وقرأ عن خلقه الحسن ، يتصور تواضعه ، تسامحه ، عدله ، كرمه ، خدمته ، حبه لأصحابه، إخلاصه لهم ، حبه لهم ، ترفعه عن نقائصهم ، يتولد في قلبه محبة لهذا النبي الكريم .
مهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، وحسن الخلق لا تخفى فضيلته في الدين ، أي يكاد يكون الدين حسن خلق ، حتى لا يظن إنسان أن الدين صوم وصلاة ، الدين ليس صوماً وصلاة فحسب ولكنه خلق حسن ، إذا قلت لي ما الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ؟ قد تقول الصلاة ، لا من شاء صام ومن شاء صلى ولكن الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن خلقه الحسن ، ورعه ، عفافه ، استقامته ، أمانته ، صدقه ، لا يكذب ، لا يخون ، لا يتعدى ، لا ينظر إلى ما ليس له وما لا يحل له ، وقد مدح الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام فقال :
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم : 4]
تقوى الله وحسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة :
من علامات قيام الساعة أن قيمة الرجل متاعه ، أي في آخر الزمان الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من نوع سيارته ، من موقع بيته ، من مساحة بيته ، من حجم محله التجاري، من دخله ، من ضعف القيم الأخلاقية في آخر الزمان أن الذي يرفع الناس فيما بينهم متاعهم، دخلهم ، غناهم ، ومما يرفع الإنسان في المجتمعات المؤمنة خلقه الحسن ، لذلك : ((ذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))
[الترمذي والبيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني]
قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال : 73]
كلمة وإنك لعلى خلق عظيم وحدها تكفي ، الله سبحانه وتعالى ما وصف النبي بالغنى ، يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره ، ما يقدح من مكانة الإنسان فقره ، ولا يقدح من مكانة الإنسان بيته الصغير، ولا يقدح من مكانته عمله المتواضع ، ضارب آلة كاتبة معه بكالوريا قد يكون عند الله عظيماً بأخلاقه الفاضلة ، قد يكون عند الله أعلى بمئات الألوف من البشر التافهين ، لا يقدح في قيمتك إلا الخلق السيئ ، وإنك لعلى خلق عظيم قالوا : يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ بحياته ما سحب يده من مصافح ، بحياته ما تحرك حركة في بيته ، انصرف يا أخي عندي عمل ، بحياته ما رئي ماداً رجليه قط ، ما عاب طعاماً قط ، قالت : إنها قصيرة ، قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، كلمة قصيرة ، أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، أي لو تخيلنا إنساناً يصلي الضحى والأوابين وقيام الليل والتهجد ويصوم الاثنين والخميس ، ويتصدق فوق الزكاة عشرة أمثال الزكاة ، وقلبه قاس ، وكلامه فظ ، هذا يقدح في إيمانه ، قال تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[ سورة آل عمران : 159]
لا يرفعك عند الله إلا الخلق الحسن ، لذلك روى الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن : (( إن أحسن الحسن الخلق الحسن ))
[ القضاعي عن الحسن بن علي]
أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ، وقال أسامة : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ الذي عنده فندق دخله باليوم مئة ألف ليرة قال : عنده فندق مؤلف من أربعين طابقاً خمس نجوم طوال العام محجوز ، هذا أوتي مالاً كثيراً ، النبي الكريم يقول : ((عَنْ أُسَامَةَ... قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ ؟ قَالَ : خُلُقٌ حَسَنٌ ))
[ الترمزي عَنْ أُسَامَةَ]
الذي عنده أرض تضاعفت مئة ضعف ، اشتراها بخمسة آلاف وباعها بخمسمئة ألف ألم يؤتَ هذا الإنسان شيئاً ؟ الخلق الحسن أثقل من هذا . الخلق الحسن أثقل ما يوضع بالميزان :
وقال صلى الله عليه وسلم :
(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وفي رواية أخرى : (( إنما بعثت معلماً ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمرو ]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( أثقل ما يوضع بالميزان الخلق الحسن ))
[ الترمذي عن أبي الدرداء]
و ما حسن الله خَلق امرئ وخُلقه فيطعمه النار ، أي إذا إنسان تفضل الله عليه بخلق حسن معنى ذلك أن هذا مقرب منه ، متصل به، ما من إنسان تحلى بخلق حسن إلا وله صلة بالله عز وجل ، فهذا الذي له صلة بالله هل يعقل أن يدخل النار ؟!
وقال النبي عليه الصلاة والسلام : (( يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق ))
[لبيهقي في الشعب من رواية الحسن عن أبي هريرة ]
حدثني أخ اليوم كان بالحج مع رجل من أهل الصلاح والتقى ، و هم جالسان في خيمة نظيفة جداً ، ومرافقها نظيفة جداً ، دخل إنسان طائش بعيد عن الخيمة ، وقضى حاجة بشكل غير لائق فما رأوه ، اتهم بعضهم بعضاً بهذا العمل السيئ ، فكادت تنشب بينهم مشكلة فقام هذا الرجل الصالح وقال : أنا ، وبادر لينظف هذا المكان ، طبعاً ما سمحوا له ، ولكن الإنسان الطيب بخلقه الحسن يؤلف ولا يفرق ، يقول لي هذا الرجل لا أنسى له هذا الموقف ما حييت ، مضى على هذا الموقف أكثر من ستة عشر عاماً ولا ينسى هذا الموقف ، حتى يحل مشكلة فاتهم نفسه بهذا المشكلة ونهض لينظف هذا المكان .
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما كان مع أصحابه الكرام في وليمة ، توضأ أصحابه وصلوا الظهر ، بين الظهر والعصر بدت رائحة كريهة حينما أذن العصر قال عليه الصلاة والسلام :" كل من أكل لحم جزور فليتوضأ ، قالوا : كلنا أكلنا هذا اللحم ، قال : كلكم فليتوضأ " هذا الوضوء ستر لحال هذا الذي انتقض وضوءه .
كان إذا دخل بيته عليه الصلاة والسلام لف ثوبه لئلا يزعج أهل البيت ، كان له كلام أحلى من العسل ، أرسل خادماً وغاب غيبةً طويلة فغضب النبي عليه الصلاة والسلام فلما حضر قال عليه الصلاة والسلام : " لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك " هذه أقسى كلمة قالها في حياته صلى الله عليه وسلم قال : ((أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ مَنَعَكَ ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ ))
[ أحمد عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيه]
أن تصل من وصلك هذا ليس من حسن الخلق ، هذا خلق عامة الناس إذا وصلته يصلك ، لكن حسن الخلق أن تصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك، إذاً ثمرة حسن الخلق الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة ، قال تعالى : ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 63 ]
المودة بين المؤمنين من علامة إيمانهم :
الآن من علامة الإيمان بين الأخوة المودة بينهم ، أي إذا رأيت أن هناك مودة كبيرة بين المؤمنين فهذه بشارة طيبة لهم جميعاً ، كأن الله يرضى عنهم ، يد الله مع الجماعة ، يد الله على الجماعة ، وإن كان بينهم خصومات ، وشقاق ، وحسد ، وغيبة ، ونميمة ، فالله سبحانه وتعالى يمقتهم أهكذا أنتم ؟ أهكذا دينكم ؟ أهكذا الاستقامة ؟ قال تعالى :
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
[ سورة آل عمران : 103]
فالأخوة الصادقة نعمة كبرى يتمتع بها المؤمنون ، ولا يعرفها إلا من فقدها ، لذلك أهل الدنيا إذا ذهبوا إلى نزهة لابد من أن ينشب الخصام بينهم ، إذا ذهبوا إلى رحلة ، إذا تخالطوا في شركة ، إذا تجاوروا دائماً الخصومات والسباب والشتائم والتدابر والتقاطع هو الشيء السائد بينهم ، المؤمنون المودة ، والتعاطف ، والخدمة ، والمحبة ، ومراعاة الشعور ، أسمع أحياناً قصصاً عن سكان بناء بمنتهى المودة ، بمنتهى التعاطف ، والله أشعر بسعادة لا توصف نحن بخير ، إن رأيت أن هناك تعاطفاً بين الناس ، أن هناك مودة بين الناس ، أن هناك أعمالاً طيبة فيما بين الناس أشعر أننا بخير ، وأن الله لن يعذبنا ، قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 33]
بعضهم فهم هذه الآية فهماً دقيقاً وأنت فيهم ما دمت بين ظهرانيهم لن يعذبهم الله عز وجل ، المعنى الآخر مادامت سنتك فيهم ، في أعمالهم ، مادامت محبتك في قلوبهم ، هذه واحدة ، المعنى الثالث سنتك الطاهرة فيهم أي مطبقة فيهم ، إن كانت سنتك مطبقة فيهم فلن يعذبهم الله عز وجل ، أي إذا كان هناك تعاطف ، أحياناً ترى تعاوناً ، إنسان له ابن يحتاج إلى عملية جراحية طرق باب رجل ميسور الحال قال له : تكلف ستين ألفاً ، قال له : ولتكن امش بالمعاملة ، العملية أجريت في إنكلترا ، وهذا الذي دفع هذا المبلغ أقسم بالله العظيم أن أرباحه في هذا العام تضاعفت ، فدفعهم دفعة واحدة .
أعرف أخاً أيضاً حالته المادية ميسورة عنده موظف يتقاضى ألف ليرة أصيب بمرض خطير جداً ، هبوط مفاجئ في عمل الكليتين سأل فقالوا له : تكلف العملية سبعمئة ألف، فأرسله إلى أمريكا وأرسل معه مرافقاً وبقي هناك ثلاثة أشهر وأجريت له العملية ونجحت وبعد عشرة أيام توفي ، لكن هذا الذي دفع هذا المبلغ له عند الله مكانة لا يعلمها إلا الله ، تحقق الهدف أنه كشف على حقيقته ، موظف فقير عنده لا يملك شيئاً ، الأعمال الطيبة تسبب سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .
أحياناً يرى فقيراً يعطيه نصف ليرة ويظن نفسه أنه عمل عملاً جديداً ، العمل الطيب أن تحل مشكلة كبيرة لإنسان ، مشكلة كبيرة تحل حلاً جذرياً ، هذا هو العمل الطيب ، هذه القروش مقبولة قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة : 7]
وقد تكون هذه النصف ليرة من طفل صغير هي عند الله أكثر من مئة ألف ليرة إذا والده أعطاه ليرة ووجد فقيراً أعطاه نصف ليرة هذه عند الله أكثر من مئة ألف ليرة ، رب درهم سبق مئة ألف درهم ، أما إذا إنسان ميسور الحال أعطى نصف ليرة لفقير يحاسب على قدر ماله لا على قدر هذا المبلغ ، يقول لك : الله شفاني سوف أوزع كيليين خبزاً ثمنهم ليرتان ، كأنه عمل عملاً كبيراً على نية الشكر لله فقط كيليين خبز بليرتين ، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة آل عمران : 103]
المؤمن يؤلف ولا يفرق :
لذلك ليس منا من فرق ، ما قولكم بهذا الحديث ؟ نفى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الإنسان الانتماء إلى دين الإسلام ، الذي يفرق بين أخوين ، بين شريكين ، بين زوجين، بين أم وابنها ، بين أخ وأخيه ، بين جارين ، بين مؤمنين ، بين صديقين ، بين مسافرين ليس منا ، المؤمن دائماً يؤلف ولا يفرق بكلامه الطيب ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا ))
[متفق عليه عنِ الأَعْمَشِ]
ألا يطمح أحدنا أن يكون له مكانة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هذا المكان القريب لا تناله إلا بحسن الخلق ، إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً .
مرة قال صلى الله عليه وسلم : " أول من يمسك بحلق الجنة أنا - لا يوجد إنسان يدخل الجنة قبل النبي عليه الصلاة والسلام ، أي إن صحّ التعبير هو الذي يقص الشريط الحريري ويدخلها - فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فلم تتزوج من أجلهن "
طبعاً هذه كناية لطيفة من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون))
[رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
من تعريفات النبي الكريم الجامعة المانعة للمؤمن أنه يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، يألف ويؤلف أي لين العريكة ، سموح ، سهل ، لا يعقد الأمور ، اعتذر منه ومشي الحال ، وعدك ولم يأت نسيت هون عليك طالما يوجد محبة ، الأكل ما كان جاهزاً لا بأس يصلي ركعتين ريثما يجهز الطعام ، أما الكافر فلا يألف ولا يؤلف : ((إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ وَلا يَقْرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلا هَجْرًا وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا دَبْرًا مُسْتَكْبِرِينَ لا يَأْلَفُونَ وَلا يُؤْلَفُونَ خُشُبٌ بِاللَّيْلِ صُخُبٌ بِالنَّهَارِ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً سُخُبٌ بِالنَّهَارِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أما الكافر ففظ غليظ ، فاحش بذيء ، مستعل ، المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . أثمن عطاء في الدنيا أن يكون للإنسان أخ في الله :
من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، أثمن عطاء في الدنيا أن يكون لك أخ في الله ، العصر ما صلينا جزاك الله خيراً ، نريد أن نزور فلاناً لأنه مريض ، ما رأيك أن نأخذ له هدية ؟ إذا نسيت يذكرك ، وإذا ذكرته يعينك ، إذا كان الإنسان مريضاً وأخذت له هدية أجمل ، إنسان جاء من الحج ، من العمرة ، تزوج ، نزوره ونأخذ له هدية أفضل ، فإذا أنت نسيت يذكرك وإذا ذكرته يعينك ، من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، أي إذا إنسان له في الحياة الدنيا أخ مؤمن يحبه لله ولا يحبه إلا لله وليس هناك مصلحة ولا قرابة ولا نسب ، هذا الأخ أكبر ثروة في الدنيا ، قال لي أخ: إنسان له بضاعة في مكان واضطر أن ينقلها نقلاً سريعاً خلال ساعات إلى مكان آخر ، ساكن في بناء وهناك مودة بالغة ، طرق على باب جيرانه بساعة متأخرة من الليل بذلوا له كل جهدهم وساعدوه ، يقول لي : والله لا أنسى هذا العمل ما حييت ، هذا العمل الطيب يمتن العلاقة ، احياناً تعمل مع أخيك عملاً لا ينسى لك هذا العمل ، تعيش أربعين سنة وترى مودة بالغة بينكم بفضل هذا العمل ، تذهب إلى مدينة مثل لندن أو طوكيو فيها ثمانية عشر مليوناً ، القاهرة فيها عشرة ملايين أشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً ، لماذا التدابر ؟ لأن النظرة المادية طاغية .
قال لي إنسان : ذهبت إلى لندن وفي أحد شوارعها المزدحمة رأيت عن بعد امرأة قد وقعت ، متقدمة في السن ، أقسم لي أنه مرّ أمامها ما يزيد عن مئتي رجل ولم يلتفت إليها أحد ولما وصل أمسك بيدها ليوقفها أو ليأخذها إلى بيتها قالت لي : أنت لست من هذا البلد ، عرفت أنه غريب .
أجروا في فرنسا تجربة لاختبار الدافع الإنساني أحضروا سيارة أجرت حادثاً وضعوها على طريق ليون باريس هذا أكثف طريق ، كثافته شديدة وإنسان اضطجع أمام هذه السيارة ووضعوا عليه حبراً أحمر بعد ست ساعات توقفت سيارة واحدة لإنقاذ هذا الجريح فأشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً .
تصور حياة أجدادنا لم يكن هناك كهرباء ، ولا بيوت فخمة ، الثريات الفخمة ، ورق الجدران ، الأرض والسجاد العجمي مثلاً هذه الديكورات ما كانت موجودة ، ولكن كان هناك محبة ، وتعاطف ، وأنس لا يوصف ، الآن فخامة ما بعدها فخامة ، بذخ ما بعده بذخ ، أناقة، نظافة ، ترتيب ، تزيينات لكن هناك تقاطعاً وتدابراً ، عنده غرفة ضيوف ليس لها مثيل لم يدخل إليها ضيف بالسنة ، تدابر ، كل إنسان يعيش لوحده ، أخان متقاطعان من أب وأم ، عديلان ، صديقان ، لا يعرف من ساكن فوقه ، مرة دخلت إلى بناء وأعطاني العنوان مواجه الكوى سألت قال لي : في الطابق الفلاني ، لما صعدت إلى البناء نسيت كم طابقاً قطعت طرقت باباً قالوا : لا نعرفه ، فكان هو يسكن فوقهم من عشرين سنة ، ما خطر ببالهم أن يعرفوا اسم جارهم ، أربعون جاراً على اليمين ، وأربعون جاراً على اليسار ، وأربعون شمالاً ، وأربعون جنوباً ، وأربعون فوق ، وأربعون تحت ، ست جهات ، والله يسأل عن صحبة ساعة .
مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، هذا التماسك والتعاطف ، و ما التقى مؤمنين قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً ، إذا التقى مؤمنان لابد من أن أحدهما يستفيد من صاحبه ، يكون الأول ذاكراً الله عز وجل ، حالته طيبة ، يصافحه يوجد حرارة إيمان ، الثاني يغار والله يجب أن أكون مثله ، يبلغه أن الثاني قد صلى قيام الليل يغار منه ، منافسة في طاعة الله ، أحياناً يقول له : سمعت تفسير آية وتكون الآية لها معنى دقيقاً وتحل مشكلة لهذا الإنسان ، فأي لقاء بين مؤمنين قد يكون لقاء نفسياً ، لقاء عرضياً ، لقاء مقصوداً ، لقاء غير مقصود ، لقاء علمياً ، أي لقاء بين مؤمنين لابد من أن أحدهما يستفيد من الآخر .
(( من آخى أخاً في الله رفعه الله درجةً في الجنة لا ينالها بشيء من عمله ))
[ابن ابي الدنيا في كتاب الاخوان من حديث انس]
أنا أتمنى عليكم لا يوجد عندي إمكانية أن أعرف بالضبط من لم يحضر اليوم ، أما إذا كل واحد آخى آخر ، فلان مريض يجب أن نزوره له حق علينا ، فلان مسافر ، فلان يشكو من مشكلة ، فهذا الأخ إذا آخى أخاً وتعاون هو وإياه فهذا شيء جميل ، فكل واحد يختار أخاً في الله يكون هو ولي أمره إذا غاب ، وإذا أراد أن يأتي هل تحب أن نذهب معاً ؟ إذا كان الثاني متكاسلاً لما جاءه هاتف استحيا ، وما كان ينوي أن يأتي ، صار ترابطاً إذا غاب فوراً عن الدرس ذهب وتفقده ، عندما انطرق الباب معنى هذا أنني مهم إذا ما جئت إلى الدرس ، خير إن شاء الله خفت أن تكون مريضاً ، صار الدرس الثاني إذا لم أحضر إلى المسجد يأتون لعندي هذا التعاون ، كل واحد يختار أخاً بالله ويتفقد أموره ، يتفقد دوامه على الدروس ، يتفقد حاجاته، صحته ، أحياناً الإنسان بحق نفسه مقصر يكون بحاجة إلى مساعدة ، إلى حل مشكلة ، يخجل أن يطلبها ، إذا أخوه عرف هذه الحاجة ونقلها إلى إنسان ميسور الحال تكون حللت له مشكلة . من أحبّ أخاً في الله عليه أن يعلمه بذلك :
قال أبو أدريس لسيدنا معاذ : " إني أحبك في الله ، فقال له : أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة ، وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقيل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ قال : المتحابون في الله تعالى ".
ومن السنة المطهرة أنك إذا أحببت أخاً في الله أن تعلمه بهذا الحب ، قل له : يا أخي والله إني أحبك في الله ، يقول لك : أحبك الذي أحببتني من أجله ، إذا بقلبك محبة لأخ لا تكتمها أظهرها ، حتى أن رجلاً مرّ على النبي الكريم ثم تابع مسيره فقال أحد الحاضرين : والله إني أحبه ، فقال له : قم فأعلمه ، فقام من مجلسه وذهب إليه ليعلمه أنه يحبه :
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
((عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ))
[ أبو داود عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زرعة]
((ما تحاب اثنان بالله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه))
[الطبراني عن أنس]
هذه دقيقة جداً ، أخوان في الله هذا يحب أخاه ، وذاك يحب أخاه ، إذا أردنا أن نقيس المحبة بوحدات هذا يحب أخاه بدرجة تسعين ، هذا يحبه بدرجة ثمانين ، الذي يحب أخاه بدرجة تسعين هو أحب إلى الله ، الأرقى يحب أكثر والأقل يحب أقل ، ترى الراقي لا يحقد ولو الناس أساؤوا له ترى موقفه فيه عفو ، فيه صفح ، ربنا قال : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾
[ سورة الحجر: 85]
أنا لا أنسى سيدنا أبا بكر كان يبر إنساناً ، يتصدق عليه ، هذا الإنسان تحدث عن أن السيدة عائشة قد زنت ، هذا الإنسان بالذات ما كان من أبي بكر رضي الله عنه من شدة ألمه على سمعة ابنته الطاهرة إلا أن امتنع عن إعطاء المساعدة الدورية لهذا الإنسان فنزلت آية تعاتبه على ذلك : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 22]
قال : بلى وبكى وتابع عمله الطيب ، ويقال : إن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، هذه فكرة دقيقة ؛ أخان الأول أعلى من الثاني ، إذا الثاني أحب الأول لأنه أرقى منه حب الثاني للأول يرفعه إلى مقامه ، وهذه المحبة ولدت ارتباطاً بينهما ، وبهذا الارتباط انتقلت للثاني أحوال الأول ، أحوال المحبة والورع والخوف من الله والطمأنينة ، كل هذه الأحوال انتقلت إلى الثاني بفضل حبه له ، إذاً الثاني جاءته هذه الأحوال عن طريق المحبة إذاً ألحق بالأول ، هذا معنى قول الإمام الغزالي : إن الأخوين بالله إذ كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه ، وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين . أعمال الابن الصالح في صحيفة أبيه إلى أن يتوفاه الله :
و قال تعالى :
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
[ سورة الطور : 21]
هذه آية لها معنى آخر إذا إنسان ربى ابنه تربية صالحة وتوفى ، كل أعمال الابن إلى أن يتوفاه الله في صحيفة الأب ، أعمال الابن ألحقت بأبيه ، ممكن أن يكون الإنسان له حساب في مصرف عشرة آلاف ، مئة ألف ، مليون ، وفي حساب ثان مليون ، ممكن أن ينضاف هذا الحساب إلى حساب الآخر إذا ذهب إلى المصرف وقالوا له : حسابك مليون لكن نفس مبلغك أضيف لحساب فلان تقريباً .
أعمال الابن كلها الصالحة تسجل في صحيفة الأب ، هذا معنى ألحقنا بهم ذريتهم وما من عملهم من شيء ، الابن وابن الابن وهذه الذرية الطيبة إلى يوم القيامة . من أنفق لقمة في سبيل الله أصبحت كجبل أحد يوم القيامة :
لذلك الإنسان يوم القيامة يكون أطعم لقمة في سبيل الله يراها كجبل أحد ، أنا شاهدتها في المدينة كنت أتصوره جبلاً صغيراً بل هو جبل شامخ ، عال ، والمعركة لم تتم على قمة هذا الجبل بل على أحد فروعه ، أما فهو جبل شامخ .
إذا لقمة أنفقتها في سبيل الله أصبحت كجبل أحد .
المتحابون في الله :
قال تعالى في الحديث القدسي :
((عنَ عَبَسَةَ هَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ أَنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلا كَذِبٌ وَلا تُحَدِّثْنِيهِ عَنْ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ غَيْرِكَ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي))
[ أحمد عنَ عَبَسَةَ]
وإن الله تعالى يقول يوم القيامة : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي ؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة :
والحديث المعروف عندكم :
(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
صلى الله عليه وسلم قال : " العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن : أي ألزم ما يلزم الشاب أن يكون تائباً ، وألزم ما يلزم المرأة أن تكون حييةً ، وألزم ما يلزم الغني أن يكون سخياً ، وألزم ما يلزم الفقير أن يكون صابراً ، وألزم ما يلزم العالم أن يكون ورعاً ، وألزم ما يلزم الإمام أن يكون عادلاً . (( الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
[متفق عليه عن أبي هريرة]
إذا كنت أحد هؤلاء أبشر ، إذا دفعت مبلغاً من المال من كسبك الحلال ولم تنبس ببنت شفة ، ما ذكرت لأحد العمل أبشر ، وإذا دعتك امرأة فقلت : إني أخاف الله رب العالمين .
قال لي رجل وكان من تجار الغنم الكبار فلاقى الأمرين في البادية مرة فوجئ أن امرأة تدعوه وكان قد غاب عن أهله أكثر من أربعة أشهر فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في الرحلة الثانية أوشك أن يموت هو وقطيع الغنم عطشاً فقال : يا رب إن كنت تعلم أنني امتنعت خوفاً منك عن الفاحشة فيسر لنا الماء ، دعاه بهذا العمل والله استجاب له والتقى برجل دله على ماء قريب ولولا هذا الرجل لماتوا عطشاً . العلاقات الخالصة لوجه الله ثمنها الجنة :
وقال صلى الله عليه وسلم :
(( ما زار رجل رجلاً في الله شوقاً إليه ورغبةً في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة ))
[ابن عدي من حديث أنس دون قوله شوقا]
و : (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
و : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أحدنا يركب السيارة حتى يزور أخاً في الله لا مصلحة ، ولا بيعة ، ولا شراء ، ولا شكر ، ولا خوف ، ولا رد شر ، ولا رهبة ، ولا قرابة ، ولا واجب ، إنما يزوره زيارةً خالصةً لوجه الله لأنه يحبه ، هذا وجبت له الجنة ، هذه العلاقات أكثروا منها العلاقات الخالصة لوجه الله . (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ قَائِلٌ : الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ ، وَقَالَ قَائِلٌ : الْجِهَادُ ، قَالَ : إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي ذَرس ]
هذا الحديث دقيق أوثق عرى الإيمان ، العروة معروفة ، العروة فتحة في الثوب تدخل في الزر ، أوثق عرى معنى هذا أن الإيمان مجموعة عرى لكن الحب في الله أوثق هذه العرى . أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله :
السؤال الآن : من يفكر في عرى للإيمان غير المحبة ؟ في حديثي الأول أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، والثاني أوثق عرى الإسلام ، فإذا كان من الممكن أن نفكر بهذا الحديث الدرس القادم ممكن أن أصل إلى عروة أخرى للإسلام غير الحب في الله، نريد أن نبحث عن مجموعة عرى للإسلام والإيمان غير الحب في الله ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول :
(( أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله ))
[ابن أبي شيبة عن البراء]
الإسلام له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، الإيمان له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، فأول سؤال اسأله لنفسك : ما الإسلام ؟ والسؤال الثاني : ما الإيمان ؟ ما هي عرى الإيمان ؟ وما هي عرى الإسلام ؟ والنبي يخبرك أن أوثق هذه العرى الحب في الله للإسلام والإيمان .
فالسؤال للدرس القادم العروة ما تعريفها ؟ وكم عروة للإسلام ؟ وكم عروة للإيمان ؟ ثم لماذا الحب في الله أوثق هذه العرى ؟ ولماذا البغض في الله أوثق هذه العرى ؟
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما جهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك ، وأما انقطاعك إلي فقد تعجلت به ، ولكن ماذا صنعت من أجلي ؟ قال: وماذا أصنع من أجلك ؟ قال : هل عاديت فيّ عدواً وهل واليت فيّ ولياً ؟ ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما أغنى عنك ذلك شيئاً .
من هذه الأحاديث يتضح أن الحب في الله ركن أساسي في الإسلام والإيمان ، بل إن الحب في الله والبغض في الله من أشد عرى الإسلام والإيمان ، وهذا الذي يرفعنا ، وهذا الذي يسعدنا ، أن يحب بعضنا بعضاً حباً خالصاً لله تعالى ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له .
إسلام بلا محبة كجسد بلا روح ، الإسلام جسد روحه المحبة ، أصحاب النبي فتحوا العالم بمحبتهم ، والناس اليوم تخلفوا بافتقارهم لهذه المحبة ، النفس مقفرة ، قام وصلى وصام .
رجل ذهب إلى الحج قال : سبحان الله ما رأيت فيه شيئاً ، الإسلام من دون محبة، من دون أشواق ، من دون اتصال بالله عز وجل جسد من دون روح .
وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى ، وما زلنا في الحديث عن فضل المحبة لكن الألفة لها آداب وتفصيلات كثيرة جداً نأخذها في دروس قادمة .

السعيد
09-10-2018, 05:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الستون )


الموضوع : على من تجب الزكاة - بعض الاحكام فى اداء الزكاة






لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، و أَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، و أرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الزكاة :
أيها الأخوة الكرام، من الموضوعات التي تُناسب هذا الشهر الكريم موضوع الزكاة، وهذا الموضوع بِشَكل تفصيلي سوف نبْحثُه إن شاء الله تعالى بعد العيد، وقد أنْهَينا موضوع الصَّلاة، وموضوع الصّيام، ونبدأ بعد عيد الفِطر إن شاء الله تعالى موضوع الزكاة، ولكن لا بأس في هذا اللِّقاء بِبَعض القضايا الهامة في الزكاة، لأنَّ دَفع الزَّكاة في رمضان شيء مستحبّ كما سنَّه النبي عليه الصلاة والسلام.
(( ثلاثة أُقْسِم عليهنّ، وأُحدِّثكم حديثًا فاحْفظوه: عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلَمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عِزًّا وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حَقَّهُ قَالَ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا قَالَ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ هِيَ نِيَّتُهُ فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ ))
[الترمذي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه]
ثلاثة أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس: ما سَمِعتُ حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علِمتُ أنَّه حقٌّ من الله تعالى، فإذا سَمِعنا حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فينبغي أن نعلمَ عِلْم يقين أنَّه حق. (( عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ وَقَالَ وَكِيعٌ فِي حَدِيثِهِ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) وَ ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ))
[أحمد والترمذي عن أبي هريرة]
ألا تُحِبّ أنَّ شيئًا مِن مالِكَ يأخذهُ الله بِيَمينه؟ اِدْفَع زكاة مالِكَ. خصال خمسة إذا أصابت المسلمين كانت بلاء عليهم :
و:
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))
[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر]
أي أعوذ بالله أن تَصِلوا إلى زمانٍ فيه هذه الخِصال الخمسة، فالفاحشة الزنا وملحقاتها من الشُّذوذ الجنسي، فهي إن مارسوها سِرًّاً ففي المجتمع بعض الخير، فإذا أعْلنوا بها حدَّثني رجل كان بِفرنسا قال لي: تُقْطع برامج التلفزيون لِتَظْهر إعلانات لِبَعض دور البِغاء، وحينما يفتخر الإنسان بِبَعض المعاصي والفواحش، ويقول: فعلتُ كذا وكذا، فهذه تحت كلمة حتَّى يُعلنوا بها، فاسْتَمِعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال قبل ألف وأربعمئة عام؟ إلا فشا فيهم أوجاع من لم يكن في غيرهم، أليس مرض الإيدز أحد هذه الأوجاع الوبيلة التي لم تكن في أسلافهم؟ هذا الشَّبح وصل إلى أوربا، وأصبَح المجرم إذا لاحَقَتْهُ الشُّرطة يقول: إيدز فتهرب منه!! لِخَوْفِهِم من العَدوى.
ثمَّ إنقاص الميزان يوجب القَحط، منذ أربعين عامًا لم تشْهد دِمشق أمطارًا بهذه النِّسبة، ثمانون مليمتراً، ما يهطل في ليلة واحدة نزل في عامٍ بِكامِله، نحن على مشارف الصَّيف والأنهار في الحضيض، وشِدَّة المؤونة، وهي غلاء الحاجات، وجَوْر السُّلطان.
ومنْعُ الزكاة يوجب منْع القطر من السماء، فلولا شُيوخٌ رُكَّع وأطفال رُضَّع وبهائم رُتَّع صُبَّ العذاب عليكم من فوقكم صبًّاً.
ونقض عهد الله ورسوله يوجب تسليط العدوّ علينا، فالعدوّ ليس من المسلمين كاليهود.
وعدم حكم الأئمة بِكِتاب الله، إلا جعل الله البأس بيننا، فالبأس بينهم، وليس على عدوّهم، فهذا الحديث تعنينَا منه فقْرة واحدة؛ ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطر من السماء، يرْخص لَحْمُ البشَر، ويرتفِعُ سِعر لحم الضَّأن، نِساءٌ كاسِيات عاريات في رمضان، ومائلات مُمِيلات، بِهنّ يرتفع سِعر لحم الضَّأن. على من تجب الزكاة ؟
كما قلتُ قبل قليل لن أدْخُل في تفصيلات الزكاة إلا بالقَدر الذي يَعنينا في رمضان ولنا عَودة بعض رمضان إن شاء الله لهذا البحث.
على من تَجِبُ الزكاة؟ تجِبُ الزكاة على المسلم الحُرّ، فالعبد لا تجب عليه الزكاة، المالِكِ للنِّصاب، فَعِشرون مثقالاً من الذَّهب، أو عشرون ديناراً من الذَّهَب، أو مئتا دِرهمٍ من الفضَّة، تقييم هذا النِّصاب يتراوح من ثمانية آلاف إلى عشرة، فَمَن ملَكَ هذا المَبلَغ، وحال عليه الحَوْل، وَجَب عليه دَفْعُ الزَّكاة، ويُشْترط في النِّصاب أن يكون فاضِلاً على الحاجات الضروريّة التي لا غِنَى للمرء عنها كالطعام والشراب، فإذا كان بيتك فيه مؤونة تَكفيك للأكل فهذا الطعام ليس عليه زكاة، والمَلْبس، والمَسكن، ولو كان ثمنه غاليًا لأنّه مستهلك، وكذا المركب، أما إن كانت لك مركبة أخرى تنوي بيعها فهذه عليها زكاة، وآلة الحِرفة، فهذه ليس عليها زكاة لأنَّها أموال غير نامِيَة ولكنها مستهلكة، ومعنى نامِيَة أيْ بإمكانك أن تبيعها فتأخذ الرِّبْح لكِنَّ إن كنت تسكُن بيتًا هل بإمكانك أن تبيعهُ؟ لا تستطيع.
الشرط الثاني: أن يحول على النِّصاب الحَول الهِجْريّ، فسَنة الزَّكاة ليْسَت شمْسِيَّة ولكن قَمَريّة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدْفعُ زكاة ماله بِرَمضان، لذا انْتقَيْتُ لكم هذا الموضوع في هذه الأيام الفضيلة، وقد يقول أحدكم: أنا لم أقُم بِالجَرد الآن؟ أنا أقول له: اِدْفع دفعةً على الحِساب، موضوع الزكاة موضوع دقيق، ولا أحبّ أن تُلقي المال جُزافًا، ليس لك أجر، ولكن ممكن أن تبدأ من واحد شوال، بِدَفْع زكاة العام القادِم، فَمِن واحد شوال تفتح من حِساباتك حِساب الزكاة، فإذا مضى شوال وما دفعتَ شيئًا، بعد شوال بلغَك أنّ إنسانًا له ابن معه مرض عُضال، ومضطرّ لإجراء عَمَلِيَّة، فأعْطَيْتَهُ خمسة آلاف، أيَّدْت هذا المبلغ على نِيَّة الزكاة، وبعد شَهرين بلغك أنّ امرأة أرملة مقطوعة؛ دَفَعْت لها ألفاً، وسجَّلت ما دَفَعت، فأنت تَدفع طوال العام، فإذا جاء رمضان وجردْت مالك وكان مثلاً عشرة آلاف ترى أنت ما دفَعتهُ خِلال السنة، تنقص مثلاً ما دفعت وتدفع الذي بقي، فلو كان زكاة مالك عشرة آلاف، ودفعت أنت خلال السنة ستّة آلاف لم يبق عليك إلا أربعة آلاف، فالزكاة لا يجوز تأخيرها، ولكن يجوز دَفعُها مُقدَّمًا، فإذا حال الحَول الهِجريّ على المال يجب دَفعُ زكاة المال على الفَور عند معظم العلماء، و الأقربون أولى بالمعروف، لذا أنا أقول لك: اِدْفع زكاة مالك على مدار العام الهجري وبرمضان اِطرح المدفوع من الباقي، هذا ويُعتبر ابتِداؤهُ من يوم مُلْك النِّصاب، ولابدّ من كماله في الحول كلّه، وهناك عدّة آراء سنختار أوْجهها إن شاء الله.
هناك رأي، أنَّ عشرة آلاف ليرة سورية يجب أن تكون معك في رمضان إلى رمضان القادم، ويجب أن تبقى عشرة آلاف دائمًا، فلو نقصَت مئة ليرة سقطت الزكاة عن المبلغ فبعض الآراء فيها صعوبة أو فيها عُسْر.
هناك رأيٌ ثان وهو أنَّه يُشْترط في المال الذي تجِبُ الزكاة في عَيْنِهِ ويُعتبر فيه الحَول كالذَّهَب والفِضَّة وُجود النِّصاب في جميع الحَول، وهذا الرأي نفسه، فإن نقص النِّصاب في لحظة من الحول انقطع الحول، فإن كمُلَ بعد ذلك اسْتُأنِف الحول من حين يَكْمُل النِّصاب، فلو كانت معي عشرة آلاف في واحِد رمضان، ومضى الشهر والشهرين، وفي الشهر السادس اضْطررتُ أن أدفع ألف ليرة، سقَطَت الزكاة حينها، وهذا الرأي يُتيح التهرّب من الزكاة.
هناك رأيٌ أوْجه منه، قال أبو حنيفة رحمه الله: المُعْتبَرُ وُجود النِّصاب في أوَّل الحَول وآخرِه، ولا يضرّ النقص بينهما، فلو كان معي بِرَمضان عشرة آلاف، وبرمضان الثاني عشرة آلاف، هنا تستحقّ عليّ الزكاة، أما ضِمن السَّنة زادوا نقصوا لا يهمّ، والأرْيَح من ذلك إقامة الجَرْد كلّ سنة، معك في هذا اليوم عشرة آلاف، إذًا عليك زكاة، فالأمور باليُسْر أسْهل، فهذا رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا أوْجه الآراء.
وهناك رأي آخر يُعدّ حلاًّ وسَطًا، قاله العبدري: أموال الزكاة نوعان أحدهما ما هو نَمَاءٌ في نفسِهِ كالزَّرع، نحن عندنا موسم تفاح واحد، وموسِم شعير واحد، وموسِم عدس واحد، فلا توجد سَّنوات، فالحبوب والثمار تجب الزكاة فيها لِوُجودها فقط، والنوع الثاني ما يُرْصَد للنَّماء كالدراهم والدنانير، وعروض التِّجارة، والماشية، فهذا يُعْتبر فيه الحَول فلا زكاة في نِصابِهِ حتَّى يحول عليه الحَول.
الزكاة في مال الصبيّ والمجنون :
يجب على ولي الصبيّ والمجنون أن يؤدِّي الزكاة عنهما في مالهما إذا بلغ نِصابًا، سألني أحدهم سؤالاً فقال: لي شريك في أوروبا، وله مزرعة، فشَريكُه دينُهُ ضعيف، فما أعطاهُ تَوجيهًا في دَفْع الزَّكاة، الشريك المُقيم في سوريا يُديرُ له مزرعة، سألني: أأَدْفَعُ زكاة المال من دون علم شريكي؟ فقلتُ له: اِدْفَعْها، وهي حقّ، وهي دَينٌ في ذمَّته، إن كان هو لا يعلم، أو كان جاهلاً، وحُكمهُ كحُكْم المجنون!! كيف؟ النبي عليه الصلاة والسلام رأى في الطريق مجنونًا، فأراد أن يُعطِيَ أصحابَهُ درسًا بليغًا، قال: من هذا؟ قالوا: هذا مجنون! فقال: لا، هذا مُبْتَلى، ومُصاب ولكنّ المجنون من عصى الله، فالذي يقول لك: لا أدْفعُ زكاة مالي، هذا حُكمهُ حُكمُ المَجنون! لذلك أفْتيْتُهُ بهذه الفتيا.
((عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
هذه نَظَرِيَّة اقْتِصادِيَّة مهمّة جدًّاً، فأنت إذا أردت خبئ مالَكَ، فإذا كان أفراد الأُمّة معهم أموال طائلة، وكلّ شيء مخبأ بالصناديق، والأمّة فقيرة لو أخذنا مئة ألف لِمَشروع، أيًّاً كان المشروع، الذي يرخص الأسعار قانون ثابت هو توافر البِضاعة، علِمْتُ من سَنَوات أنَّ سِعر البيض هبط عن التَّسْعيرة القانونيَّة، وأصبح سِعر الكرتونة تِسع ليرات، وهذا كلّه لِوَفْرة الإنتاج، فَوَفْرة الإنتاج هي العامل الوحيد في تنزيل أسعار السِّلَع، فَمِن عامٍ نشأتْ أزمة علَف فَسُمِح للناس جميعًا أن يستوردوا العَلف من دون قيد أو شرط، ففاجأني إعلان في الصحيفة أنّ المزرعة الفلانيّة تبيع العلَف بِكُلفتِهِ فقط، ما الذي أرخص الأسعار؟ توافر البضاعة، لذا إن كان مع شخص مليون ليرة عليه أن يدْفع عليها في كلّ سنة زكاتها، فالزكاة وحدها تَكفل أن تأكلها كلّها بعد أربعين عامًا، فأحد بواعث اسْتِثمار المال أنّ المال إذا بقيَ مُجمَّدًا تأكله الزكاة ويتلاشى، ولا بدّ من اسْتِثماره فإذا اسْتَثْمرتَهُ في أيّ مَشْروع ساهَمْتَ في وَفْرة الإنتاج، فإذا ساهَمْت في وَفرة الإنتاج هبطَت الأسعار، وحينها يعيش الناس في بحبوحة، لذلك قال المفسِّرون في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾
[ سورة هود : 48 ]
قال المفسِّرون: أيْ وَفْرة المواد، ورخص الأسعار، لماذا يُطالبك النَّجار بِمَبلغ باهظ لِغُرفة النوم؟ لأنّ المصروف غال، فلو هبط المصروف لقَنِعَ بِرِبْحٍ أقلّ، فهذه سلسلة متكاملة، لو أنّك طرحْت كمِّيَة بِضاعة، ساهم هذا الطَّرْح بِخَفض السِّعر، حينها تُساهم هذه البضاعة بِتَخفيض أسعار المواد الغذائيّة، التي تُساهم بِتَخفيض أسعار الخشب، فلمَّا نزل مستوى المعيشة قنع النَّجار بِدَخل أقلّ، فهذه العمليَّة صعود مستمرّ أو نزول مستمرّ وقد قال عليه الصلاة والسلام أيها الأخوة الكرام: ((... أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَة ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
لكنّ النبي عليه الصلاة و السلام كأنَّه يعيش معنا في الأسواق، وتاجر عريق، فهو صلى الله عليه وسلم نبيّ مُرْسَل، ولكن لا ينطق عن الهوى، قال: ولا تجعل ماله دون مالك! اُنظر إلى هذا المعنى الدقيق، فلو كنتَ تاجِرًا ووَصِيًّا على أيتام ومعك مئة ألف لِيتيم، وأنت معك خمسمئة ألف رأسمال شَخصي، وعرضوا عليك بِضاعة جديدة لا تعرف هل تُباع أم لا؟! تقول: سوف أضَع مال هذا اليتيم في هذه البضاعة! جرَّبْت فإذا بالبِضاعة لم تُبَع! فتقول: ليس لكم قِسمة، أما مالك فتضَعُهُ بالبِضاعة الرائِجَة وربْحها مضمون، ورأسمالك وضَعته هنا، أما هذا اليتيم المسكين فتمْتَحن البِضاعة بِماله، قال عليه الصلاة والسلام: "ولا تجعل ماله دون مالك" فلا تجعَل ماله كالدريئة تتَّقي به الأخطار! ليس هذا إنصافًا، وليس هذا إخلاصًا، وليس هذا وفاءً، فإذا كان معك مال اليتيم كان عليك أن تنْتقي البِضاعة الرائِجَة، والمعروف بيعُها، والذي يُعَدُّ بيعُها حقيقة ثابتة.
وكانت عائشة رضي الله عنها تُخرِجُ زكاة أيْتام كانوا في حِجْرها، أيْ مُلخَّص الموضوع إذا كان تحت إدارتك مال، اِدْفع عنه الزكاة، طبعًا دفع الزكاة للمؤمن أولى وللأقارب أولى وأولى، وإذا كان لا يعرف أو جاهل أو مجنون أو صبيّ فادْفع عنه الزكاة فإنّه حق عليه لا يسقط بالتقادم. حكم المالك المدين :
المالك المدين: لو أنّ شخصاً يملك اثني عشر ألف ليرة، ولكن عليه دفع بعد شَهر ستَّة آلاف، أو خمسة آلاف، من كان في يده مالٌ تَجِب فيه الزكاة، وهو مَدينٌ، أخْرَجَ منه ما يفي بِدَيْنِهِ، وزكَّى بالباقي، معه ثمانية عشر ألفاً، وعليه ثمانية آلاف دَين، ويبقى عشرة آلاف فيَدْفع زكاة ماله من العشرة الباقية هذه، وهذا يُسمُّونه تقاص، تطرح ما عليك مِمَّا لك فالتفاضل تدفَعُ عنه الزكاة، فعلى مستوى محلّ تِجاري تجْرُد البضاعة، فمثلاً عندك بِضاعة بِثَمانية آلاف مثلاً، ولك بالصُّندوق ثلاثة آلاف، ولك دُيون مسْتحقَّة ثابتة؛ سِتَّة آلاف، وعليك ضريبة، وذِمم لِمُوَرِّدين فما عليك إلا أن تعمل تقاص؛ مِن وإلى، وهذه اللغة المُحاسبيَّة الموجودات والمطلوبات، فالزكاة على التفاضل والتقاص لا على كلّ المال، والذي يملك اثني عشر ألف ليرة بالصندوق، وعليه عشرة آلاف فلا شيء عليه لأنَّهم دون النِّصاب، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ))
[البخاري عَنْ أبي هريرة ]
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْهم إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
دَين الله أحقّ بالقضاء :
ودَين الله أحقّ بالقضاء كما قال عليه الصلاة والسلام، ومن مات وعليه زكاة فإنَّها تَجِبُ في ماله، وتُقدَّم على الغرماء، والوصيّة، والورثة.
نحن عندنا قاعدة؛ إذا ماتَ الميّت أوَّل شيء يُجَهَّز ويُدْفن، فلا بدّ من دَفْع نفَقات الجنازة والدَّفن لكن باعتِدال، ليس أن تقيم غذاءً يُكلّفك عشرين ألف ليرة، هذا لا يجوز، فالنَّفَقات الضروريّة هذه تُحْسم أوَّلاً من المُتَوَفَّى، وبعد ذلك الدَّين الممتاز وهم الغرماء، ومنه مَهر الزَّوجة، وزكاة المال التي لم تُدْفع، ثمّ الدائنون وبعد ذلك تَنفيذ الوَصِيَّة، وبعد ذلك يأخذ الورَثة مِمَّا بقي، فمكان الزَّكاة مع الدَّين الممتاز، الذي يؤْخذ قبل كلّ شيء بعد تَجهيز الميّت:
((عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
نحن نأخذ الفقْرة الأخيرة؛ دَين الله أحق أن يُقْضى، هذه تُسحب على الزكاة. النية من شروط الزكاة :
يشترط للزكاة النيّة، وذلك لكي يقصد المزكِّي عند أدائِها وجْه الله تعالى ويطلب بها ثوابه، ويجْزم بِقلبِه أنَّها الزَّكاة المفروضة عليه، واشْترط الإمام الشافعي النيّة عند الأداء، وعند أبي حنيفة أنَّ النيّة تجب عند الأداء أو عند عزل الواجب، ما هو عزل الواجب؟ لو كان لِشَخص مال بالصندوق، فحسَبهم ومسك مبلغ الزكاة ووضَعهم بِجانب، ونوى به الزكاة فهذا عزل مال الزكاة وهو ينتظر المال المناسب.
وجوَّز الإمام أحمد تَقديم النيَّة على الأداء زمنًا يسيرًا، فقبل الأداء، وممكن عند الأداء، وممكن عند العزل، فيجب إخراج الزكاة فَوْرًا عند وُجوبها ويحْرُم تأخير أدائِها عن وقت الوجوب إلا إذا لم يتمكَّن من أدائها فيَجوز له التأخير حتَّى يتمكَّن، كأن يكون مسافراً هذه حالة، ولكنَّني أنصحكم قبل كلّ شيء اِدفعوا سلفًا، وافْتح حساب الزكاة من واحد شوال، حينها يصبح الدفع سهلاً عليك، وقد روى أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال:
((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ))
[البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّه عَنْهم]
أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُعلِّمهم درسًا عمليًّا، فهو عليه الصلاة والسلام كرِهَ أن يبيتَ عنده، وروى الشافعيّ والبخاري عن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (( ما خالطت الصَّدقة مالاً قطّ إلا أهلكتهُ ))
[الشافعيّ والبخاري عن عائشة]
حديث مُخيف، فهذا المال مالك، وفي بِضع منه زكاة، أنت ما دفعتها، فهناك خطر أن يتلف المال كلّه، لذا اِعزِل هذا المال، وابحث عن مصْرفٍ له بِأسْرع وقتٍ ممكن قبل أن يأتي التأديب الإلهي، والحُبَيبي شرح هذا الحديث فقال: "يكون قد وجب عليك في مالك صدقة، فلا تُخرجها، فيُهْلك الحرام الحلال" جواز تعجيل الزكاة :
يجوز تعجيل الزكاة وأداؤُها قبل الحَول ولو بِعامَين، فلك بَحبوحة، وادْفَع بِمَهلك فهناك نفقات مَوْسِمِيَّة، وأخرى في فتح رمضان، وأخرى عند فتح المدارس، وبعاشوراء، وأخرى طارئة كالعِلاج والمُداواة، فأنت اِدفَع بِمَهلك، لأنَّه قد يصْعب على الإنسان أن يدْفعَ مبلغًا كبيرًا دون اجتهاد، لأنّه يتضايق.
سئِل الإمام الحسن عن رجل أخْرج ثلاث سِنين دفعةً واحدة أَيُجزيه ذلك؟ فقال: يُجزيه دفْعُ مال مسبَّقًا، وهناك رأي آخر أنّه لا يجزئ حتَّى يحول الحَول، وهذا الخِلاف سببه أنَّ هذه الزكاة هل هي عبادة أم حق؟ واجب للمساكين، فمن قال إنّها عبادة وشبَّهها بالصلاة لم يَجُز إخراجها قبل الوقت، ومن شبَّهها بالحقوق الواجبة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوّع، وقد احْتجّ الشافعي لِرَأْيِهِ بحَديث علي رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم اسْتلف صدقة العباس قبل حُلولها، فلو أن واحدًا دفَعَ زكاة ماله، وله جار فقير مريض، سمع صوته، فطرقَ بابه فوَجَدَه في مرض، أخذه إلى المستشفى، وهذا الجار فقير، وطالبوه بِقيمة ثلاثة آلاف، وأنت بِبَحبوحة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( في المال حق سوى الزكاة ))
[الطبري عن فاطمة بنت قيس]
فأنت حرّ إما أن تعدّ هذا المال صدقة وتطوّعاً، وإما أن تحْسِبَها من زكاة المال القادِم، لأنَّه يجوز دَفعُ الزكاة مُقدَّمًا، والأمر سهلٌ جدًّاً. الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه :
اِسْمعوا هذا الدعاء، يُسْتحبّ الدعاء للمُزَكِّي عند أخْذ الزكاة منه، لِقَول الله عز وجل:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
صلّ على هؤلاء المزكِّين: ((عن عبد الله بن أبي أوفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنَّه كان إذا أُتِي بِصَدَقة قال: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ))
[البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى]
هل هذه قليلة؟ وأنَّ أُبي أتاه بِصَدقة فقال: ((عَنْ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّه عَنْهمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ))
[البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى]
وقال عليه الصلاة والسلام في رجل بعث بِنَاقة حسنة للزكاة: (( عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَاعِيًا فَأَتَى رَجُلًا فَآتَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَلَا فِي إِبِلِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ فَقَالَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ ))
[النسائي عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ]
الزكاة تدفع الأخطار عن الإنسان :
الإنسان عندما يدفع من ماله الحلال يجنّب أخطار السنّة، وقد دعوت لهم فكل جمعة تأتيني لجنة فيأخذوا الكثير، ففي الجمعة الأولى جاءت لجنة فأخذت سبعة عشر ألفًا، وفي الخطبة الثانية جاءت لجنتان، فكان المبلغ ثلاثين ألفًا، وفي الثالثة أربع لِجان فكان المبلغ اثنين وثلاثين ألفًا، والله يشهد أنّي دعوت لهم من أعماق قلبي، لذا الإنسان كما قلت يدفع الأخطار التي تأتيه خلال السنة، فلو أنّ ابنك سقط عليه إبريق شاي كيف النتيجة؟ تحرق داخليًا، ألا تعلم كم يقيك الله تعالى من الصدمات من خلال هذه الصدقة؟ وهل تعلم كم من مليون مرض يُصيب الإنسان؟ وكم مليون مرض يُصيب الزوجة؟ وكم مليون مرض يُصيب الأولاد؟ وكم من خطر على المال؟ وكم مليون مفاجأة بالحياة؟ فالإنسان جالس بِمَجموعة مفاجآت فلمّا الإنسان يدْفع زكاة ماله كأنّ الله سبحانه وتعالى يقبض هذه الزكاة بيَمينه، أقْسم لي بالله أخ قال لي: قبل أن أعرف الله، كان لي دوام رسمي، أنا وزوجتي وأولادي، وكأن التجار لهم معي حِساب دائِم إلى أن بدأ يزكِّي؛ أقْسَم بالله أنَّه مضى عليه أكثر من اثني عشر عامًا ما عرف طبيبًا ولا صيْدليًا، ثمّ إنَّك إن أخطأْت مع الله تعالى في الحساب أثناء أداء الزكاة فالمربَح معك! لأنَّه يُضاعف لك في مالك، وما دام النبي عليه الصلاة والسلام أقْسم، وقال: ثلاثة أقسم عليهنّ، ما نقص مال من صدقة، وثلاث آيات تؤكّد أنَّ الله سبحانه وتعالى يُخلف المبلغ الذي تنفقهُ في سبيله قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
[سورة محمد: 38]
فإذا الواحد باع بيته، فلا دخل له بعدها في بيته فهذا الكلام كلام الله تعالى، مُصافحة العالم بيْعة لله تعالى، فموضوع زكاة المال بحث، وموضوع زكاة الوقت بحث، لفَتَ نظري بالحاجبيّة أننا نحن ننتهي الساعة العاشرة، وأنا أتعجّب لِمن لا يحضر مجالس العلم، ولا ينتظر ولا خمس دقائق، ومن أجل البنّ يبقى ثلاث ساعات، فهذا كلّه مُحاسب عليه الإنسان، فَمِثْل هذا الإنسان يُتْلفُ وقتُهُ إتلافًا رخيصًا، والله عز وجل يضيّع له وقته، فأنت لو دفَعْت زكاة وقتك يُبارك لك الله تعالى في وقتك ومالك.
وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نُتابع هذا الموضوع.

منال نور الهدى
09-10-2018, 07:21 PM
جزاك الله كل خير وبارك الله بك لطرح القيم والهادف أخي السعيد
في أمان الله وحفظه

سوالف احساس
09-10-2018, 08:20 PM
بارك الله بك السعيد ع قيم جلبك
طبت بخير

السعيد
09-11-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الستون )


الموضوع : من لا يجوز دفع الزكاة اليهم - مصاريف الزكاة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تحرم الزكاة على :
1 ـ الكفار و الملاحدة :
أيها الأخوة الكرام، الحديث عن مصارف الزكاة هو الذي وعدتكم به في الأسبوع الماضي، ولكِنَّني آثرتُ إضافة إلى هذا الموضوع أنْ أبدأ بِمَن تحرُم عليهم الزكاة.
أوَّلاً: تحرمُ الزكاة على الكافرة والملاحدة، أيْ إنسان لا يُحَرِّم ولا يُحَلِّل، ولا يصلِّي، ومتفلِّت من الدِّين، وهمُّه شَهوتُهُ، وإن أعْطَيْتُهُ من مالك فسوف يستعين به على معْصِيَة الله تعالى، أو على محاربة الله تعالى ورسوله، فلا ينبغي أن تُعطى الزكاة له إطلاقًا، ولا الصَّدقة، وفي الحديث الشريف:
((بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْهم إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا]
لو قال النبي عليه الصلاة والسلام: وتردّ على الفقراء، فهذه مطلقة، أما ضمير هم يؤكّد من المقصود بالخطاب، وهم المسلمون، فالفقير الملحد أو الكافر أو الفاجر لا يجوز أن ندفع له زكاة أموالنا، ولا صدقاتنا، ولا زكاة فطرنا. استثناء من الذين تحجر عليهم الزكاة :
لكن هناك استِثناء طفيفاً، إنسانٌ ليس مستقيمًا، ولكنَّه لا يناصبك العِداء لو أعْطَيتَهُ زكاة مالِكَ ربّما مال إليك، وربَّما حمله هذا الميل على التوبة وأن يُسْلِمَ، ويحسن إسلامه، فإن كان الأمر كذلك، وأنت وحدَكَ تُقدِّر ذلك فافْعَل، فهذا استثناء من الذين تحجر عليهم الزكاة، لأنَّه ينضوي تحت والمؤلَّفة قلوبهم، لذلك رجَّح بعض الفقهاء أنَّ هؤلاء إن كانت قلوبهم مؤلَّفة وإن كانوا بإعطاء الزكاة تجْلبهم إلى الإسلام لك أن تُعطيهم من زكاة التطوّع لا من زكاة الفرض، لأنّ زكاة الفرض نصَّ عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم؛ تؤخذ من أغنيائهم وترَدُّ إلى فقرائهم، وهناك الكثير من الأخوة المؤمنين لهم في حساباتهم الجارية باب الزكاة، وباب الصدقة أي باب زكاة التطوّع، ويجوز أن يُعْطَوا من صدقة التطوّع، هؤلاء غير المستقيمين إن غلب على ظنِّك أنَّك بإعطائهم تستجْلبهم للإيمان يجوز أن تعطيهم من زكاة التطوّع لا من زكاة الفرض لأنّ زكاة الفرض تؤخذ من الأغنياء وتردّ على الفقراء، من أين أخذنا ذلك؟ قال تعالى:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾
[ سورة الإنسان: 8 ]
الأسير مشرك يُطْعم من الزكاة، ولكنَّها زكاة تطوّع. 2 ـ بنو هاشم :
لكن البحث مُدْهش وهو أنَّ الكفَرة والملاحدة لا تحلّ لهم الزكاة، وبنو هاشم، فكيف جمع المؤلّف بين هذين الصِّنْفين؟! لأنّ بني هاشم من آل بيت النبي، ولا تجوز الصَّدقة لا على النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا على آل بيته، لذلك لمَّا كان يُقدَّم للنبي طبق تمْرٍ صدقةً، لا يأكل منها أبدًا، وهذه كرامة من الله للنبي ولآله، ولذلك هناك أشخاص منسوبون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب ألا تُقدَّم إليهم الصَّدقة ولكن الهديَّة، والمراد بِبني هاشم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، وآل حارث، ويقول عليه الصلاة والسلام قَالَ:
(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ ))
[مسلم عن الزهري]
أخذ الحسَنُ تمرةً من تمْرة الصَّدَقة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما شَعَرت أنَّا لا نأكل الصَّدَقة! وقال له: كَخْ وهي كلمة نبَويّة، فلا يحِلّ للنبي صلى الله عليه وسلّم، ولا لأهل بيته الطيِّبين الطاهرين. 3 ـ الأصول و الفروع :
لا تجوز الصّدقة عامّة، والزكاة خاصّة، وبالأصحّ لا تجوز صدقة الفرض للآباء مهما علَوا، وللأبناء مهما نزلوا، أي الأصول والفروع، فالذي ينفق على هؤلاء كأنّه تهرَّب من دَفع الزكاة، لأنّ هذه النفقَة واجبة على ذِمَّته في حقِّه، ولكن هناك موضوعاً مهمّاً جدًّا، وهي أنَّه أحيانًا يكون الابن مستقلّاً عن الأب، الابن متزوّج، وله بيت، وعليه دَين، والأب معه نِصاب الزكاة، فلو دفعهم لابنه لجاز، لأنَّ المقصود بالابن من كان في حِجره، ومن كان في كفالته، ونفقته على الأب، أما إن كان الابن مستقلاً في نفقته، ففي مثل هذه الحالة يجوز أن تُدفع الزكاة إلى الابن، وهناك حالة ثانية، قلنا إنّ الذين تحرم عليهم الزكاة الأصول والفروع، أما الأخَوات فلم ينصّ الفقهاء على ذلك، فَمن كان في بيته أُختٌ له ينفق عليها لا يجوز أن يدفع لها الزكاة، ولو دفع لها الزكاة لكان دفعُهُ تهرُّبًا من دفع الزكاة، فالأُخت له أن يُعْطِيَها الزكاة إن كانت مستقلَّة عنه، أما إن كانت في حجره وهو ينفق عليها فدَفعُ الزكاة لها تهرّب من دفع الزكاة، فهاتان حالتان استثنائيَّتان.
يروى أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم رُفِعَت إليه شَكوى في أنَّ صحابيًّاً دفَعَ زكاة ماله لِصحابيٍّ آخر لِيُنفقَها بمعرفته، فما كان من هذا الصحابي المُوَكَّل إلا أن جزأً من زكاة مال الصحابي الأول إلى ابن الأوّل! فاحْتجَّ الصحابي كيف تُعطي ابني من مال الزكاة؟! فرفع أمرهما إلى النبي فأقرَّ فعلهما، قال: لك ما أعْطيتَ، وله ما أخذ! فيبْدو أنّ ابن هذا الصحابي ليس في حِجره، وهو مستقلّ عنه، وهو بِحاجة.
4 ـ الزوجة :
الزوجة أيضًا لا يحلّ لك أن تُعْطِيَها شيئًا من زكاة مالك، فلو طلبتْ منك أونصة ذهبًا وكان معك عشرة آلاف ونصابها مثلاً ألفًا، فأعطيتها لِزَوجتك كي تشتري هذه الأونصة فهذا لا يجوز، وهو احتِيال، لا يجوز أن تُدْفع الزكاة للزوجة.
الآن عندنا حالة أخرى، لو كان هناك زوج فقير ودَخله مَحدود، وزوْجة ورِثَت عن أبيها مبلغًا طائلاً، واستحقّ أداء المبلغ زكاة، فهل يجوز أن تعطي الزوجة زوجها؟ نقول لها: يجبُ أن تعطي زكاة مالك إلى زوجك لأنَّه أقرب الناس إليك، والعكس غير صحيح.
نهي النبي أن يشْتري الإنسان زكاة ماله :
نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يشْتري أحدٌ زكاة ماله، كأن يعطي أحدهم فقيرًا خبزًا، ويضعُ فيه زكاة ماله، ثمّ يقول للفقير: أتَبيعُني هذا الخبز بعشر ليرات؟! فالفقير يبيعه لأنّ ليس معه مال، ولا يعرف ماذا يوجد بِداخله، هذا احْتِيال سخيف جدًّاً، كما أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم نهى المهاجرين عن العودة إلى مكّة، معنى ذلك أنَّ الإنسان إذا فعَل الخير فلا يتراجَع، والعائد في هِبَتِهِ كالعائِد في قيْئِهِ، استحباب إعطاء الزكاة للزوج والأقارب، كما قلنا قبل قليل.
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد :
استحباب إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد، فالذي يطلب العلم يستحقّ الزكاة قبل العابد، لأنّ هذا خيرهُ محدود، يعبد الله، أما طالب فسوف ينشر علمه، ولا بدّ من طلب العلم إلى التفرّغ، والإمام أبو حنيفة يقول: والله لو كُلِّفْتُ شِراء بصلة ما تعلَّمتُ مسألة! فالعِلم يحتاج إلى تفرّغ، وهذا الذي يطلب العلم لِيَنشرَهُ هو أولى من أن يأخذ من زكاة الأموال، أما من أقْبل على نوافل العبادات، والكَسْبُ يمنَعُهُ منها، أو استغراق الوقت بها، فلا تحلّ له الزكاة بالاتِّفاق، فالذي يترك أهله يتكفَّفون، ويذهب إلى العبادة، تمنع عنه الزكاة، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا تسأل الناس شيئًا، لكنّ المشتغل بالعلم يجوز أن يأخذ من أموال الزكاة.
نقل الزكاة :
هناك رأي دقيق في موضوع نَقل الزكاة، فالمال الذي جُمِعَ في دمشق ينبغي مبدئيًّا أن يُعطى لِفُقراء دمشق، لأنّ هذه المكاسب التِّجاريَّة تحقَّقَت في دمشق، ففُقراء دمشق أولى بها من غيرهم، ونقل الزكاة مكروه ولكن سألني أخ سؤالاً دقيقًا، فلو كان للواحد أقارب في تركيا فقراء جدًّاً، ولا أحد يقدِّم لهم المعونة، قلتُ له: اِدْفعها لهم، ولا إشكال في ذلك، فهذه حالات اسْتِثنائيَّة، لأنّ لا أحد يعرفهم، ولا يعينهم، وأنت أدرى بهم، ولكن بِشَكلٍ عام نَقلُ الزكاة من بلد إلى آخر ليْس مستحبًّا لأنَّ بعض الخلفاء نهى عن ذلك استِنباطًا لأنَّ هذا البلد أغنياؤُه يجب أن تردّ أموالهم إلى فقرائهم.
ولكن هناك رأي دقيق، لا تجوز أن تُنْقل أموال زكاة بلد إلى بلد آخر إلا إذا اكتفى فقراء البلد الأوّل، فإذا اكتفوا يجوز نَقل الزكاة إلى البلد الثاني و إلا فلا.
مصارف الزكاة التي شرعها النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ للفقراء و المساكين :
أولاً: قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60]
بعضهم قال: الفقراء والمساكين إن اجتمعا تفرَّقَا، وإن تفرَّقا اجتمعا، فإذا قال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273]
أي الفقراء والمساكين، وإذا قال المساكين أيْ الفقراء والمساكين، أما إن قال للفقراء والمساكين فمعناه الفقراء شيء، والمساكين شيء آخر، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما يُرْوى عنه يقول: (( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف))
[ البخاري عن أبي هريرة]
الحاجة هي المسكن، والمتْجر، وأدوات العمل، ودابة للنَّقل، فمن قلَّت عنه هذه الحاجات تجوز فيه الزكاة، فلو أنّ واحدًا يملِكُ بيتًا، ولكن عنده أولاداً، ودَخْلهُ قليل، فالشيء الذي أنت بِحاجة إليه هو ثمن مستهلك، ولا قيمة له، فبعض الجماعات يتشدَّدون، وهو أنّ الذي يملك بيتًا لا تجوز فيه الزكاة هل يبيعُ بيته؟ (( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف))
أحيانًا يكون ابنه مريضًا، وأحيانًا نفقات استثنائيّة، لذلك للفقراء والمسكين، والفقير أو المسكين الذي أمرنا الله بإعطائه يحْسبُه الجاهل غنيًّاً من التَّعفّف، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273]
هناك نوع دقيق يقول سيّدنا عمر: إذا أعْطَيتُم فأغنوا! أيْ في الصَّدقة، إذا وزَّعتَ لحمًا مثلاً، فلابدّ أن تكثر من إعطاء، إذا أطْعمْت فأشْبِع، ورحم الله عمراً، ما رأيتُ أزْهد منه إذا أطْعم أشْبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوْجع، وإذا مشى أسْرع، هكذا قالت السيّدة عائشة فهل يُعقل أن تعطي من يريد إكساء أولاده في العيد خمسين ليرة؟! فالعَطاء لا بدّ أن يكون معقولاً، وكافيًا. العمل مهما كان قليلاً فهو عند الله شريف :
النبي عليه الصلاة والسلام بالمقابل يقول:
((يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً))
[ مسلم عن قبيصة]
لو فرضنا خطأ دهس إنساناً فحكموا عليه بِخمسين ألف ديّة! ولم يكن معه، وهذا فوق طاقته، فهذا الإنسان يحقّ له أن يسأل الناس: (( ..... فحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ
حريق أذهب له كلّ ماله:
((....فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ))
فلا بدّ أن يشهد أناسٌ أنَّه فقير، لأنّ هناك كثيراً من الناس عندهم دجل، وخبرة في الكذب، فقد جاءني أحدهم يطلب ستَّة آلاف لإجراء عمليّة في عَيْنِهِ، فجمعنا له المال، وإذا بأخٍ يهمس أُذني أنَّ هذا دجَّالاً، وكلّ يوم يذهب إلى مسجِد، فقلتُ له: ابْحَث عن مشفى لإجراء هذه العمليّة ونحن ندفع للطبيب، فقال: العمليّة في بلد أجنبي، فقلتُ له: هناك أطِبَّاء جيِّدون هنا، فأبى!! الشحاتة أصبحت عند بعضهم عادة، قال لي شخص: هل ترى هذا المحل؟ فقلتُ: نعم، فقال لي: هذا لا يرضى خمسمئة ليرة باليوم! كلّ واحد يأخذ منه ليرة ليرة! نسأل الله أن يُغنينا عن السؤال، قال عليه الصلاة والسلام: (( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))
[البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْهم ]
فالعمل مهما كان قليلاً فهو عند الله شريف، سيّدنا الصدِّيق كان راكبًا ناقة، فوقع منه زِمام الناقة، وحوله الصحابة الكرام، فنزل ليأخذ زِمام ناقته، فلما انتبَه الصحابة انْزعَجوا فقالوا: يا خليفة رسول الله نَكفيك ذلك؟ فقال: أمرني حبيبي ألا أسأل الناس شيئًا! فما دام هناك قوّة فما عليك إلا أن تشتغل وتتعب ثمّ تنفق مالك وإياك وسؤال الناس، لأنَّك إن فعلت فتح الله عليك باب الفقر، فالإنسان عندما يفكِّر بطلب الناس تتعقَّد الأمور.
قال عليه الصلاة والسلام: ((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فأجْملوا في الطلب))
[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
نحن نتكلّم عن الصدقة والإنفاق ولكن كلّما ترفَّع الإنسان كان إيمانه أقوى، فيُمكن أن تأخذ كيس باذنجان وتضعهُ على الرصيف وتبيعُهُ، وتشتري ما يمكن شراؤه، وأنت مرفوع الرأس وملِك، ولا تتذلّل الناس، قال: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألنّ عن السبب
الله يعطي من يشـاء فقِف على حـدّ الأدب
***
كان النبي عليه الصلاة والسلام يوزّع الزكاة فشاهد رجلين شابّين قويّين كأنهما يطلبان منه العَطاء، قال: فرفع فينا بصره وخفضه، فرآنا جَلْدَين فقال: إن شئتما أعْطيْتكما ولا حظّ فيهما لِغنيّ، ولا لِقَويّ مُكْتَسِب، فلو أنّ الإنسان حمل أغراض الناس أشرف مليون مرّة من أن يمدّ يده. 2 ـ العاملون عليها :
العاملون على الزكاة، هؤلاء الذين يجمعون الزكاة وينفقونها لهم أن يأخذوا منها، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[أبو داود عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ]
فالعاملون عليها، عمله جمْع الأموال وتوزيعها، ولم يشتغل شيئًا، فهناك جمعيات تعاونيّة خيريّة توكِّل إنساناً متفرِّغاً ليلاً نهاراً، فهذا له الحق في أخذ الزكاة لأنّه عامل عليها. 3 ـ المؤلفة قلوبهم :
المؤلّفة قلوبهم إما أنَّهم مسلمون أو غير مسلمين، فإن كانوا مسلمين قال: قوم من سواد المسلمين لهم نظراء من الكفار إذا أُعطوا رجي الإسلام من ورائهم، فأنت إن أعْطيته نظيره يغار فيُسْلِم، فهذا يمكن أن تعطيه، أو الضعفاء من المسلمين يُعْطَوا لِتَثبيت إيمانهم، أما الكفار إن كان يُرْجى إيمانهم فيُعْطون من الزكاة، تأليفًا لِقلوبهم، وإن كان بهذا المال يُتَّقى شرّهم يُعْطَون من هذا المال اتِّقاءً لِشَرِّهم، فنحن عندنا أربعة أصناف من المسلمين وصنفان من الكفار، فهؤلاء يُعْطَون الزكاة إما تثبيتًا لهم، أو جَلبًا لهم، أو جلبًا لنظرائهم، أو رِعايةً لأعمالهم الشاقة، أو جَلباً للخير، أو اتِّقاءً للشرّ وهذه أهداف.
4 ـ في الرقاب :
في الرِّقاب، وهو من يشتري العبد المؤمن ويُعْتِقَهُ في سبيل الله، وهذا الآن منتف.
5 ـ الغارمون :
الغارمون من كانت عليهم دُيون تعذَّرَت عليهم أداؤُها، فهذا يُعْطى من الزكاة، قال لي أحدهم: باع شخص بيعةً، وهذا الشخص ضعف، وله محلّ تِجاري، وأصبح المحل يبيع ولا يشتري، وأنت لك معه ألفين أو ثلاثة، والوضع مؤلِم، وهو على فراش الموت والمحل أفْلس، فيُمكن هذا الدَّيْن الثابت لك عنده تُسامحُهُ فيه، وتحسبُهُ من الزكاة، لأنَّه غارِم له ديون ولا يستطيعُ أداءها.
6 ـ في سبيل الله :
في سبيل الله وهذه أوْسع، فبعضهم قال: الطريق الموصِل إلى مرضاته من العلم والعمل، كلّ ما يتعلّق بالعلم؛ من طلبة العلم، وبإنشاء مدرسة، وبإنشاء مَيْتم، وبعضهم الغزو في سبيل الله، وبعضهم قال: توفير طريق الحج، فهذا الحاج في سبيل الله تعالى يحتاج إلى رعاية، وبعضهم قال وهو رأي نادِر: إنَّه إن كان هناك قرية ليس فيها مسجد، ولا يجد أهلها مكانًا يُصَلُّون فيه، في هذه الحالة النادرة يجوز أن يُنْفقَ من أموال الزكاة لِبِناء المسجد، لأنَّ المسجد مركز إشعاع.
7 ـ ابن السبيل :
ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدقة ما يستعين به على تحقيق مقصده.
هناك سؤال دقيق، لو أنّ أحدًا زكاة ماله تقدر بخمسة وعشرين ألف ليرة مثلاً هل يُعطي زكاته على هؤلاء الأصناف؟ نقول له: اِفْعل هذا، وإن أعطيتها لِصِنف واحد.

السعيد
09-11-2018, 08:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الستون )


الموضوع : زكاة الدين - الحلى - صداق المرأة - اجرة البيت





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، و أَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، و أرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الزكاة، و قد بيَّنا في رمضان على من تجب الزكاة.
تجب الزكاة على المؤمن الحُرِّ المالك للنصاب، من أيِّ نوع من أنواع المال، و بيَّنا أيضاً أنَّ في مال الصبيِّ و المجنون زكاةً يخرجها ولِيُّه، و بيَّنا أن المالك المدين يطرح دينَه من أصل ماله، و الفضل بينهما تجب فيه الزكاة، و بيَّنا أنه من مات و عليه زكاة فعلى الوارث أن يؤدِّيَ حقَّ الله عز وجل، لأن حق الله عز وجل يجب أن يُؤدّى، و بيَّنا أيضًا أن النية شرطٌ أساسيٌّ في الزكاة، و أن وقت وجوبها حلول الحول، و أنه يُفضّل تعجيلُ إخراج الزكاة، و تُقبَل الزكاة مقدَّمًا ولو بِثَلاث سنين دُفْعَةً واحِدَة سلفًا، وكيف أنَّ المُزكِّي يجب أن يُدْعى له، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ ))
[النسائي عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ]
الأموال التي تجب فيها الزكاة :
1 ـ زكاة النَّقدين الذهب والفضَّة :
أما اليوم فالحديث عن الأموال، ففي آخر رمضان تحدَّثنا عن هذا الموضوع المهمّ في الزكاة، واليوم: الأموال التي تجب فيها الزكاة.
أوَّلاً: زكاة النَّقدين الذهب والفضَّة، وقد بيَّنا هذا أيضًا، وسوف نصل إلى أنّ بعض العلماء يجعل في هذه الأيام بِحِساب دقيق لِمِئتي درهم فِضَّة أي بِعِشرين مثقال من الذَّهب؛ هذا المبلغ يُعادِل من اثني عشر ألفاً إلى أربعة عشر ألفاً، والاحتياط على عشرة آلاف أفضل فعشرة آلاف فما فوق هذا هو الحدّ الأدنى؛ ذهبًا كان أو فِضَّة أو نقْدًا ورقِيًّاً، أو مجموع الذَّهب والفضَّة والنقد الورقي، فلو معه نقد ثلاثة آلاف، وثلاثة آلاف ذهباً، وأربعة آلاف فِضّة لوجَبَتْ فيها الزكاة؛ هذا كلّه تحدّثنا عنه في رمضان بزكاة الدَّين.
زكاة الدّين :
أما زكاة الدَّيْن فالعلماء قالوا: للدَّيْن حالتان؛ الحالة الأولى أن يكون الدَّيْن على مُعْترفٍ به، أيْ حقُّك ثابت، وللعلماء في ذلك عِدَّة آراء؛ هذا الدَّين الذي يعترف لك المدين فيه وينوي أن يُعْطِيَك إيَّاه، هذا الدَّين له حُكم.
الرَّأي الأوّل أنّ على صاحبه زكاته، إلا أنَّه لا يُلْزمُ بِإخراجها حتَّى يقبض دَيْنهُ، فلو كان لأحدهم مئة ألف وديَّنهم لِوَجه الله تعالى قرضًا حسنًا، نقول له: هذا المبلغ تجب فيه الزكاة لأنَّه مال، وثابت، وسوف يُؤدَّى لك، ولكن متى؟ متى قبضْتَ المال تُخْرِجُ الزكاة، أما على الرأي الأوّل فلا يلْزم بإخراجها حتى يقبض هذا المال، وعليه أن يؤدِّي الزكاة لما مضى فلو بَقِيَ سنتين مع المَدين تدفع حينما تقبض المبلغ سنتين، وهذا مذهب عليّ بن أبي طالب، والثوري والأحناف والحنابلة، والإنسان قد يرى في هذا الرأي تشدُّدًا! لكنّ هذا الرأي له حالة، فلو أنّ هذا الإنسان يملك مليوني ليرة أو أكثر وديَّن مئة ألف، نقول له: إذا قبضْت المبلغ اِدْفع زكاة هذا المال عن السَّنَوات السابقة لأنَّك في بَحْبوحة، وهناك رأي آخر وهو أنَّه يلْزمُهُ إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقْبضهُ، وهذا الرأي أشدّ، دفع مئتي ألف وما قبضها، ولكن معه مئات الآلاف الأخرى، فما دام هناك أموال طائلة يملكها فضْلاً عن هذا الدَّين الذي دفَعَهُ، فهناك رأي آخر وهو أنَّه يلْزمُهُ إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقْبِضهُ لأنَّه قادر على أخذه والتصرف فيه، فيَلْزَمُه إخراج الزكاة فيه كالوديعة، وهذا مذهب عثمان وابن عمر والثوري وطاوس والشافعي.
الرأي الثالث أنَّه لا زكاة فيه، لو أنّ واحدًا يملك ثلاثين ألفاً ولا يملك سِواهم، قدَّم هذا المبلغ لإنسانٍ فقير، هذا الإنسان لو وضَع هذا المال في مشروع تِجاري مع تاجر، وكان الربح قليلاً، وخسرت التجارة، فهل نحمِّله أن يدفع من زكاة هذا المال؟ فالرأي الثالث أنّ هذا المال لا زكاة فيه ما دُمْت أقْرضْتَهُ لِوَجه الله تعالى قرضًا حسنًا، ولم تسْتفِد منه فلا زكاة فيه.
الرأي الرابع أنَّه يُزكِّي عن هذا المال لِسَنةٍ واحدة حين يقْبضُه، فهذه أربعة آراء والحقيقة تبدو هذه الآراء متناقضة، أو تبْدو متبايِنة، ولكنّ المفتي هو الذي يعرف حال كلّ سائل، فلو أخذنا إنساناً يملك مليوني ليرة، مبلغ نقدي في صندوقه الحديدي، وديَّن مئة ألف، وهذا الإنسان في بَحبوحة، والمبلغ المالي الذي أقرضهُ هو جزء يسير من أمواله الطائلة، نقول له: اِدْفَع زكاة هذا المبلغ أقبضْتهُ أم لم تقْبضْهُ! لأنَّه دَين ثابت، وسيُؤدَّى لك وأنت في بَحبوحة، وفي أموالهم حق معلوم هكذا الإفتاء، وهذا أشدّ الآراء.
والرأي الأقلّ أنَّ هذا المبلغ، حينما تسْتعيدُهُ، لما رجع بعد أربع سنوات كان عليك دفْع زكاة أربع سنوات، قد يُقال: إنَّ هذا المبلغ قد قلَّت قيمته، أنت تقرضُ الله قرضًا حسنًا، والله عز وجل يضْمن لك فرْق السّعر، فأهل الآخرة هكذا يفكِّرون، أما أهل الدنيا فيفكِّرون في زيادة العملة أو نقصها، والله يُضاعف لك أضعافًا كثيرة.
الرأي الثالث؛ أنَّك إذا أقرضْت هذا المبلغ ورُجِّعَ إليك عليك أن تدفع زكاة سنة واحدة حين القبض.
والرأي الرابع لا زكاة فيه إطلاقًا، فلو أنَّ واحدًا يملك عشرة آلاف وقدَّمها لِشَخص فقير لِيستعين بها على شؤونه، وبعد أربع سنوات قال له: تفضَّل! نقول لهذا الإنسان الذي أقرض هذا المال لله عز وجل ولا يملك سواه لا زكاة فيه، فالاختلاف في هذه الأمور رحمة، ومعنى الاختلاف التَّبَايُن في الآراء، وهذا من رحمة الله عز وجل، أربع حالات تسَع كلّ حالات الدَّيْن، فلو كان له مبلغ كبير، وتملّك سواه نقول له: ادفَعْ زكاة هذا المبلغ قبل أن تقبضه و تدفع مبلغاً كبيراً ولا تملك سواه"، نقول لك: حينما يُرَدُّ إليك تدفع زكاته عن الأعوام السابقة، وآخر له مبلغ مُعْتَدِل رُدّ إليه؛ هذا يدفع زكاته حينما يُردُّ إليه عن عامٍ واحد، ومبلغٌ صغير أقْرضْتهُ؛ هذا لا تدفع زكاته إطلاقًا، فكلّ إنسان يَزِن حالته بِبَعض هذه الحالات، والرأي المعتدل أنّ كلّ حالة تُعرض على المفتي، والمفتي يجد لها حكمًا يُقابلها.
الدَّين على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ أو مُماطِل :
قال: أما إذا كان الدَّيْنُ على مُعْسِر، أي جاحد أو مُماطِل، قال لي أحدهم: لي مبلغ مع فلان، لا أحسِن أن أُطالبهُ، والمُماطِل يُحِلّ عِرْضَهُ، فإذا ذَكَرْت أنَّ فلانًا لا يدْفع ما عليه هذا مباح، من أجل تحذير الناس منه قال: فقيل إنَّ هذا المبلغ الذي أقرضته لِمُعسِرٍ أو مماطِلٍ أو جاحِدٍ لا تجِبُ فيه الزكاة، ورأيٌ آخر أنَّه يُزَكِّي عنه إذا قبضَهُ، فما دام في حَوْزَة المُعْسِر أو المُماطِل أو الجاحد فلا زكاة فيه فإذا قبضْتَهُ وَجَبَتْ فيه الزكاة لما مضى أو لِعامٍ واحد، وهذا بحَسب الحال، إنسان مُنْدفِعٌ في الدِّين اندِفاعًا شديدًا، واسْتَفتاك، قُل له: اِدْفَع زكاة ما مضى،‍‍ وآخر دينه رقيق وضعيف واستفتاك فقلْ له: لك أن تدفع زكاة عامٍ واحد، فالخلاصة أنَّ هذا الدَّيْن على نوعين؛ دَيْنٌ مُعْترفٌ به مَبْذولٍ وفيه أربعة آراء فالرَّأي الأوَّل: دَفعُ الزكاة قبل القبض عن كلّ عام، والرأي الثاني: دفع الزكاة حين القبض عن عامٍ، والرأي الثالث: دَفع الزكاة حين القبض عن كل الأعوام، والرأي الأخير: دفع الزكاة حين القبض عن عام وهذا لا زكاة فيه، وأما الدَّين الذي على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ أو مُماطِل فلا تجِبُ فيه الزكاة مادام في حَوزَة المدين، فإذا أصبح في حوزة الدائن وجب دَفْعُ الزكاة عما مضى، أو عن عامٍ واحدٍ.
الآن عندنا شيء مُسْتحدَث؛ تاجر معه سَنَدات، باعَ بِضاعته في بعض المصالح، طبيعة بيعها أي هذه المصلحة يتعاملُ أصحابها بالدَّين، يأخذ القماش، ويُوَقِّع فيه سَنَدات لِسِتَّة أشهر، أو جمعيَّة، كلّ جمعة مبلغ، وعلى كذا شهر مبلغ كذا، مثل هذه المصالح تجد في صندوق التاجر سنَدات، أي وثيقة في الدَّين، ومعتمدة في القضاء، طبعًا العلماء قالوا: أوراق السَّنَدات، أو الشِّيكات، هذه تُعامَلُ معاملة الدُّيون التي اعْتُرِفَ بها لأشخاصٍ باذلين إياها كالدَّيْن تمامًا، أثناء الجَرْد تُحْسبُ هذه الأوراق الماليّة أو السَّنَدات كَدُيون مستحقّة.
2 ـ زكاة الحليّ :
أما زكاة الحليّ، الذَّهب غال كثيرًا، اتَّفَقَ العلماء على أنَّه لا زكاة في الماس، والدرّ، والياقوت، واللؤلؤ، والمرجان، والزَّبرجد، ونحو ذلك من الأحجار الكريمة، إلا إذا اتُّخِذَتْ للتِّجارة ففيها زكاة، فالتِّجارة في هذه الأحجار تجب فيها الزكاة لأنَّه مال نام، يُجْرَدُ ويُقيَّمُ وتُؤَدَّى زكاتُهُ، أما اتِّخاذها للزِّينة فلا زكاة فيها، واختلف العلماء في حِلِيّ المرأة من الذَّهَب والفضَّة، فالأحجار الكريمة اتَّفقوا على أنَّه لا زكاة فيها، أما حليّ المرأة فللعلماء مذاهب، ولكن قبل أن نقرأ المذاهب، لو فرضنا امرأة متزوِّجة معها من الذَّهب ما يقدر باثني عشر ألف ليرة، هل يُعْقَل من الشَّرع الحنيف أن يأمرها أن تبيع إحدى هذه الأساوِر من أجل أن تُؤدِّيَ زكاتها؟ مستحيل فالشَّرْع رحيم، فالذَّهَب في عالم المرأة شيء ثمين، والتفريط فيه يُزْعِجُها جدًّاً، لذلك العلماء اختلفوا في زكاة الحليّ، فأبو حنيفة رحمه الله ذهب إلى وُجوب الزكاة في الحليّ، وكذلك ابن حزم، إذا بلغَتْ نِصابًا، واستدلوا من حديث لِرَسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( فقد روى عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه قال: أتَتْ النبي عليه الصلاة والسلام امرأتان في أيديهما أساوِر من ذهب فقال لهما: أتُحِبَّان أن يُسَوِّركما الله يوم القيامة أساوِر من نار؟ قَالَتَا: لَا، قَالَ: فَأَدِّيَا حَقَّ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا))
[أحمد عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه]
هذا الحديث اعتمد عليه الإمام أبو حنيفة، وجعل زكاة الحلي كَزَكاة نِصاب الذهب والفضة.
وذهب الأئمة الثلاث إلى أنه لا زكاة في حليّ المرأة بلَغَتْ ما بلغَت وتجدر الإشارة إلى أنّ الذي يبحث عن الرّخص في المذاهب هذا لا يجوز! روى البيهقي أنّ جابر بن عبد الله سُئِل عن الحلي أفيه زكاة؟ فقال: لا، فقيل: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال: أكثر من ذلك؛ لا، فالحليّ عند ثلاثة علماء أفذاذ من المذاهب لا زكاة فيه، وهذا الكلام مُجمل، ولكن في كتب الفروع هناك كلام أوسَع، لو فرضنا شخصًا عنده أساوِر مُكَسَّرة وتركها وقال: هذا ذهَب؛ هو حينما تركها جعلها مالاً الآن، مادام إسْوارة صالحة للزِّينة فهي إسْوارة أما حينما انكسَرت وتُرِكَت صارَت ذهبًا، فكَسْر هذه الأساوِر فيه زكاة، وهناك ناحِيَة ثانيَة، وهو أنَّنا لو فرضنا امرأة عندها بالخِزانة ذهبًا بِمِئة ألف ليرة، نِيَّتُها اسْتِخدامها للزِّينة فقط، فليس شرطًا أن تضَعها في يدها، فما دامت الحِليّ مستخدمة للزِّينة فقط فلا زكاة فيها، وهذا رأي في ثلاثة مذاهب، ولكن أحيانًا ينتفي عن هذه المرأة نيَّة الزينة، كأن يأتيها الذهب وراثةً، فهي نيَّتها من هذا الشيء تَطوير المال فهذه ليس في نيَّتها الزينة إطلاقًا، فما دامت نيَّتها تَطوير المال ووضعه في مكان يُحافظ على سِعره فهذه نيَّة التثمير، فالقضيَّة قضِيَّة نيّة: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
فإذا اتُّخِذَت هذه الأساوِر تطورًا للمال وحِسابًا عليه ففيها زكاة، فالحليّ المكسور فيه زكاة، لأنَّك تُحافظ عليه كأنّهُ مال فقط، لأنّ هذه الإسوارة المكسورة ليسَتْ صالحة للزِّينة وإنما هي صالحة لوقت ارتِفاع الذَّهب، ومرّة ثانية: (( اختلاف أُمَّتي رحمة ))
[ البيهقي عن ابن عباس]
الآن، لو أنّ رجلاً اتَّخَذ حِلْيةً من الذَّهَب، هذا تجِبُ فيه الزكاة، فالرجل ليس مباحًا له أنْ يتَّخذ الذَّهب للتَّزيُّن، فلو كان له سيف من ذهب مُخبَّأ فهذا السيف يَجِبُ أن يدفع زكاة ماله، لأنَّه محرّم على الرجل استخدام الذهب واستخدامه، وليس محرَّمًا عليه اقْتِناء الذَّهب، فإذا كان للمرء أشياء فيها ذهب فهذا الذَّهب عليه زكاة، أما المرأة فمُباح لها التَّزيُّن بالذَّهب. 3 ـ صداق المرأة :
مهر المرأة يُعَدُّ في الشَّرع دَينًا ممتازًا، وعليه زكاة، فإذا كان الزوج ينوي أن يُعطي زوجته صداقها، فهذا دَين مِن مُعترفٍ به باذلٍ له، فإن كان لا ينوي كأن يكون جاحِدًا أو مُعْسرًا فلا زكاة فيه، لذلك مهر المرأة يُعدُّ كَحُكم الدَّين والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
أحيانًا هناك من يفكِّر أن يكتب هذا على ورق، فقط! لا إذا كتبت المؤخّر مئة ألف يعني مئة ألف، هذا دَيْنٌ ممتاز، وما دام دَينًا ممتازًا تَجبُ فيه الزكاة، فلو كانت المرأة بِبَحبوحة وتأخذ كلّ شهر ألف ورقة من زوجها مثلاً، وزوجها مَيْسور الحال، ومهرها ثابت في ذِمَّته، فهذه المرأة عليها أن تؤدِّي زكاة مهرها، لأنَّ مهْرها دَيْنٌ ممتاز، أما إن كان زوجها لا ينوي أن يؤدِّيه لها؛ جاحِد أو مُعْسِر أو مماطل، فهنا لا تجب عليها الزكاة، أما إن دفعه لها وكان فوق النّصاب، فتجبُ فيه الزكاة، فأحكام زكاة الدَّين تُطَبَّق على صداق المرأة لأنَّه دَينٌ ممتاز، هناك نساء غَنِيَّات ومعهن أموال، نقول لها: أدِّ عن هذا المهر زكاته، فأحكام الصَّداق تنطبق على أحكام الدَّين لأنَّه دَينٌ ممتاز. 4 ـ زكاة البيوت المؤجّرة :
هنا عندنا حكم آخر، وهو زكاة البيوت المؤجَّرة، فالمعلوم أنّ البيوت لا زكاة فيها، فالبيت المسكون لا زكاة فيه، إلا أنَّني سَمِعتُ مرّة قصّةً لا أنساها، طبعًا ليس هذا فرضًا ولكن تطوّعًا، يجمع كلّ شيء في بيته سواء كان مستهلكًا أو غير مستهلك، آلات حرفة، سيارة، أثاث، يجْمع أملاكه حصرًا، ويدفَعُ عنها الزكاة، فهذا أحد الأخوة كان له مصنع بِلُبنان وقريب من منطقة الاشتِباكات، المهمّ المعمل شكله مربَّع، ومقسَّم إلى نصفين، لكلّ نصف رئيس يرأسُهُ، يقول هذا الأخ: بعد أن انتهَت الاشتباكات ذهَبت أرى مصنعي، الذي رآه شيء لا يُصَدَّق، وجد النصف الذي أصحابه يؤدّون الزكاة لم يمسّهم أيّ شيء، والنّصف الآخر هُدِمَت جُدرانه! وهذا على قول بعض العارفين: عندنا أم عنكم؟ لما سئل عن مقدار الزكاة، فقال: أما عندكم فاثنان ونصف أما عندنا فالعبد وماله لِسَيِّده.
البيت المؤجّر نأخذ الزكاة عن الأجرة كلّ سنة، وبعضهم قال غير ذلك بِمُجرّد توقيع العَقد تستحقّ الزكاة عن الأُجرة، قال: نعم، والآخر قال: لا، فالموضوع خِلافي، بل إلى أن يَمْضي عامٌ على تأجير هذا المنزل فالأولون يرَون أنّ استحقاق الزكاة يكون وقت توقيع العقد، وبعضهم الآخر يرى بعد مُضِيّ المدَّة، على كُلٍّ: البيت المؤجَّر زكاته زكاة أُجْرتِهِ إذا كانت فوق النِّصاب، أما هناك بيوت أجرتها مئة ورقة، وضريبتها مئتان وسبعون ليرة! وسوف نستعرض زكاة التِّجارة في درس قادِمٍ إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-11-2018, 08:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الستون )


الموضوع : زكاة التجارة - الاخوة فى الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
زكاة الزروع والثمار :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الزكاة إلى موضوع الزكاة والثمار، فقد أوْجبَ الله سبحانه وتعالى زكاة الزروع والثمار فقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة:267 ]
هذه عروض التِّجارة، أيْ مِن كسْبِكم الحلال، وكلمة مِن طيّبات لا تعني أنّ الطعام طيِّب، وإنما طريقة تَحْصيلِهِ طيِّبَة، وبِطريق مَشروع، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 141 ]
هذه آية دقيقة فلولا هذه الآية لو أكلْتَ تُفاحةً واحدة يجب أن تُسَجِّلها، وفي نِهاية المحْصول لابدّ مِن حِساب مُجْمل المحصول من أجل أن تُؤدِّيَ زكاة مالك، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى بالناس لرؤوف رحيم، كُلْ وأطْعِم وضيِّف، أما حين حصاد هذه الثِّمار فاُحْسُب الكميَّة وأدِّ زكاتها عند الحصاد لا عند القطف أو النُّضْج، قال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 141 ]
قال ابن عباس: حَقُّه الزكاة المفروضة، وقال: العُشْر ونصف العُشْر. زكاة المال تحفظ الإنسان و ماله :
سَمِعتُ قِصَّة؛ فقبل أربعين أو خمسين عامًا جاءت إلى الشام جائحة من الجراد والجراد اسمٌ على مُسمَّى، لا يُبْقي ولا يذر، فهذه القصَّة تروي أنَّ أوراق الشَّجر أُكِلتْ، وقشور الجذور أُكلت، ولحاء الشَّجر أُكِل، حتَّى أنَّ الحكومة العثمانيّة ألْزَمَتْ كلّ فلاحٍ أن يجْمع عدداً من الجراد تحت طائلة الغرامة!! وفي أثناء تفْتيش المزارع والبساتين لَمَحَ أحد المسؤولين عن تنفيذ هذا الإجراء؛ لمَحَ بستانًا كالجنّة، أشجاره باسقة، وأوراقه نضرة، وثمارهُ يانعة، وكأنّ هذا البستان لا علاقة له بالشام، وكأنّ لا شأن له بالجراد، فالبساتين كلّها جرداء، لا يرق، ولا لِحاء، ولا نبات أخضر ولا يابس! أما هذا البستان فأخضر نضِر، فلما دخل هذا المسؤول إلى البستان والتقى بِصَاحبِه قال له: ما سرّ هذا البستان؟! فقال صاحبهُ: أستَعْمِلُ دواءً مُعيَّنًا فيبْدو أنّ هذا المسؤول غضب، ورأى في صاحب البستان أنانِيَّةً، تستعمل دواءً مُعيَّنًا ولا تُخْبرُ عنه الحكومة، فقال صاحب البستان: الدواء الذي أسْتعملُهُ أنا لا يستعملُه أحدٌ من الناس ولا يرْضون استعماله! فقال: وما هو؟ فقال: أنا أُؤدي زكاة مالي!!
لذا أيها الأخوة الأكارم، أصحاب البساتين، وأصحاب الزروع، إذا أدَّيْتَ زكاة مالك ذهَب عنك شرُّ مالك، فالذي أسمعُهُ من قبل أنَّ الحليب يوم الجمعة يُوزَّعُ على الفقراء، وكذا بيضُ الدجاج، وما كُنَّا نسمعُ بهذه الأمراض الوبيلة؛ يقول لك: مرض أصاب الدجاج فماتَتْ مئة دجاجة في ساعة!! هذه الأمراض التي تُصيب الدجاج والبقر؛ هي كلُّها من منْعِ الزكاة، لي صديق كانت له مزرعة، وكان أبوه شديداً جدًّا، وليس ديِّنًا، ففي أحد السَّنوات مرض الأب، وعجزَ عن إدارة هذه المزرعة، فجاء الابن ونوى في قلبِهِ أن يدْفَعَ زكاة ثمار هذه المزرعة، فحينما نوى ضمَّنها هذا الابن ضِعف ما كان أبوه يُضَمِّنها في السنوات الماضية، والقصص التي تؤكِّد وجود تَأدِيَة الزكاة في الزروع والثِّمار لا تعَدُّ ولا تُحْصى، وهذه القصص لا على سبيل الحصْر، بل على سبيل المِثال.
الأصناف التي تؤخذ منها الزكاة و التي لا تؤخذ منها :
وقد كانت الزكاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُؤْخَذُ من الحِنطة والشعير والتمر والزبيب، فهل هذه الأصناف على سبيل الحصر أم أنَّها على سبيل المثال؟! هذا موضوع خِلافي، فعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يُعلِّمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصّدَقة إلا من هذه الأربعة، الحِنطة والشعير والتمر والزبيب، وأجمع العلماء على أنَّ الصدَقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
أما الأصناف التي لم تكن تؤخذ منها الزكاة، فلم تكن تؤخذ الزكاة من العنب والرُّطَب، فعن عطاء بن السائب أنَّ عبد الله بن المغيرة أراد أن يأخذ صدقة من أرض موسى ابن طلحة...: ليس في ذلك صدقة " صار عندنا معنيان: القمح والشعير والزبيب والحنطة؛ هذه أصناف تُخزَّن، وهي أصناف أساسيَّة وقِوام الحياة، أما الذي يزرع الفريز، فهذه فيها خلاف، بعض العلماء قال: الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾
[ سورة البقرة:267 ]
هذه الآية مطلقة، والمطلق على إطلاقه، فأيّ شيء ينبتُ يجب أن تؤدِّي زكاة ماله إن كانت الأرض مَرْوِيَّةً، فعليها نصف العُشْر، وإن كانت بَعلاً فعليها العُشر، مَرْوِيَّةً أيْ فيها نفقات، ويحْملُ هذا على العسل والحليب والبيض، كل الإنتاج الحيَواني، فالنبي عليه الصلاة والسلام حدَّدَ القمح والشعير والتمر والزبيب وبعضهم اعْتَمَدَ على حديث يقول:(( ليس في الخضراوات صدقة))
[الدار قطني عن علي بن أبي طالب]
آراء أخرى حول زكاة الزروع :
سوف نرى بعض الآراء الأخرى.
جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنَّه قال:
"في خمسة أشياء الشعير والقمح والحنطة والزبيب والتمر، وما سوى ذلك مِمَّا أخرجت الأرض فلا عُشْر فيه"
وبعض العلماء يقول: إنَّ الزكاة تتعلَّق بالمُقتات دون القوت، فالمُقْتات هو الغذاء المخزَّن، والذي يُعَدُّ أساسيًّاً في حياة الإنسان، وهذا الغذاء المخزّن عليه الزكاة.
الحسن البصري، والشَّعبي قال: "لا زكاة إلا في المَنصوص عليه، وهي الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب"، لأنَّ ما عداه لا نصَّ فيه، وأبو حنيفة يقول: "إنَّ الزكاة واجبة في كلّ ما أنْبَتَت الأرض، ولا فرق بين الخضراوات وغيرها، واشْترط أن يُقْصَدَ بِزراعته استغلال الأرض ونماءَها عادةً"، وأما أبو يوسف فقال: "الزكاة واجبة في الخارج من الأرض بِشَرط أن يبقى سنة من غير عِلاج كثير، سواء أكان مكيلاً كالحبوب أو موزونًا كالقطن والسكّر"، فأصبح عندنا ثلاثة آراء، فرأْيُ أبي حنيفة رضي الله عنه أنَّ الزكاة واجبة في كلّ شيء، فأيّ شيءٍ أنْبتَتْهُ الأرض فالزكاة فيه واجبة، ورأي الحسن البصري والشعبي أنَّه لا زكاة إلا في المَنْصوص عليه، ورأي أبي يوسف أنَّ الزكاة واجبة في كلّ قوتٍ يمكن أن يُخَزَّن سنةً من دون عِلاجٍ كثير.
الإمام مالك يقول: "يُشترط فيما يخرج من الأرض أن يكون مِمَّا يبقى وييْبَس ويسْتنبِتُه بنو آدم، سواء أكان مُقْتاتًا كالقمح والشَّعير، أو غير مُقتاتٍ كالسُّمْسم، ولا زكاة عنده في الخضراوات والفواكه كالتين والرمان والتُّفاح".
أما الإمام الشافعي فيذهب إلى وجوب الزكاة فيما تُخْرِجُهُ الأرض بشَرط أن يكون مِمَّا يُقتات ويُدّخر، ولا تنسَوا يا أخوة الإيمان أنَّ اختِلاف العلماء رحمة، وأنَّ الشَّرع الحنيف يسَعُ الناس كلَّهم، ويسَعُ الحالات كلَّها، ويسَعُ اختلاف الحالات، واختلاف الأحوال، شَخصٌ مُتشَدِّد يقول: أنا لا أدفع إلا في الشعير والقمح والزبيب والتمر كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، نقول له: هناك مذهب يؤكِّد هذا القولَ، إنسان مندفع إلى العمل الصالح اندفاعاً عجيباً أيُّ شيء أنبتته الأرض يقول: سأدفع زكاته، فالشرع يسَعُ الناس كلَّهم على اختلاف حالاتهم وأحوالهم، والناس أصناف متهيِّب ومنْدفِع ومقصِّر.
وعند الإمام أحمد تَجِبُ أيضًا في جميع الأصناف التي تُخزَّن من العام إلى العام فالعنب يصبح زبيبًا، وأيّ شيءٍ يُخَزَّن أو يُجفَّف يصبح محصولاً أساسيًّاً.
أسباب الخلاف بين العلماء :
يا ترى ما هي أسباب الخِلاف؟ الحقيقة أنّ الخِلاف سببه بسيط ذلك أنَّ من قصَر الزكاة على الأصناف المُجْمَعِ عليها وبين عدَّها من المُدَّخَرات، اختِلافهم في تعلّق الزكاة لهذه الأصناف أَهُوَ تَعَلُّقٌ لِعَينها أو لِعِلَّةٍ فيها؟! فكلّ هذه الأقوال المختلف عليها، وفي هذا الخِلاف رحمة سبَبُهُ أنَّ هذه الأصناف التي ذَكَرها النبي عليه الصلاة والسلام هي واجبةٌ فيها الزكاة لِعَينها أو لِعِلَّة فيها! فإن كان لِعَينها لا تجِبُ الزكاة في الخضراوات وما سِوى هذه الأصناف، وإن كان لِعِلّة فيها، كأن تكون محصولاً أساسياً في البلد، إذا ذهبنا إلى بلاد شرقي آسيا وجدنا أنَّ الشاي المحصول الأساسي للبلد، فهل نقول: هذا الشاي لا تجب فيه الزكاة؟! وإذا ذهبنا إلى البرازيل وجدنا قِيام المحصول هو البنّ، إذا ذهبنا إلى العراق فقيام المحصول هو التمر، فكلّ بلد لها محصول أساسي، فَخِلاف الفقهاء رحمة، فليس الوجوب في ذات هذه الأشياء بل لِعِلّة فيها، فَمَحصول رئيس يعتمد عليه الناس في تحصيل قوتهم، فقال: سبب الخلاف هو أنَّ هذه الأصناف التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام إما أنَّه أوْجَبَ الزكاة فيها لِعَينها أو أوْجَبَ الزكاة فيها لِعلَّة فيها، فمن قال لِعَينها قصر الوجوب على القمح والشعير والزبيب والتمر، ومن قال لِعِلَّة فيها أدْخَل جميع الأصناف الأساسيَّة، فإذا كان الواحد عنده مزرعة عنَب كلفتها خمسة آلاف ليرة! فهل نقول: هذه ليس عليها زكاة! وما ضمَّنها في الحديث! فإذا رأيْت الزكاة في عَين هذا الصِّنف فأنت مُعْفى، أما إن رأيْت الزكاة في عِلَّة فيه فإذا كان لك مزرعة عِنب فهذه عليها زكاة، وإذا كان لك مزرعة فريز هذه عليها زكاة، وإذا كان لك مزرعة تفاح فهذه عليها زكاة، فالزكاة اختلافهم فيها رحمة، واختلافهم يسَعُ حالات المسلمين وأحوالهم.
مقدار الزكاة :
أما مِقدار الزكاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((فيما سقَتْ السماء العُشْر، وفيما سُقِي بالنّضح نصف العُشر))
[ السنن الكبرى عن أبي هريرة]
الآن مثلاً يُشْترى الماء، ففي أزمات الماء، يقول لك الواحد: كلَّفني الماء عشرة آلاف! فهذا نقول له: نصف العُشْر، وأخٌ سألني عن العسل: فإذا كان كويرات طبيعيّة في الأشجار أو من الطِّين فهذا العُشْر، وإذا أتَيْتَ بِمَناحِل اصطناعِيَّة وكلَّفتْك نفقات طائلة نقول لك: نصف العُشر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن نصيحةٌ لِوَجه الله تعالى، أثناء حِساب الزكاة، إذا احْتَرْت، ولم تعرف الوَجه الصحيح، أو لم تَجِد جوابًا شافيًا في الأنصبة والنِّسَب فالتوجيه أنّك إن غلطْتَ لِصالح الزكاة فلا مانِع، أما لِصالحك ففيه مانع لأنَّه نقص في العبادة.
في بلاد الزيتون مثلاً، هذا النوع قد يكون المحصول الأوّل في بعض المناطق، إذًا نحن يجبُ أن نحمِلَ الزكاة على عِلَّة الأشياء التي ورَدَت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الإنسان الذي يزرع خضراً وفواكه في مزرعة داره، هذه لا زكاة عليها، والعلماء قالوا: خمسة أوْسُق وهي تُساوي ألف وستمئة رطل عراقي، والرِّطل العراقي يُساوي مئة وثلاثين درهمًا تقريبًا، أي هناك حدّ وهو المُعبَّر عنه بالكميَّة التِّجاريّة، لأنّ هناك كميَّة اسْتِهلاكيَّة، فلو أنّ إنسانًا له شيءٌ يسْتهلِكُهُ، وله دجاجة تبيض له بيضة واحدة في اليوم! فهل نُلْزم هذا بالزكاة؟! الزكاة واجبة و من ينسى حق الله فلله جنود تعمل في الخفاء :
لما المزارع يعلم أنّ عليه زكاة واجبة، فلا بدّ عليه من تأدِيَة الزكاة، مرَّة كنتُ بِمَنطقة فيها صفة التَّدَيُّن الزائد، كنت أمشي بالطريق في قطر عربي قال لي: تفضّل، وضيَّفني ثلاثة كيلو درّاق! فقلتُ له: واحدة! قال: لا وكانت هذه عادة هذا القطر، فقلت: ما أعظم هذه العادة التي تدلّ على الإسلام، لذا إن كنت تملكُ مزرعةً، عليك أن تضيّف الناس، لأنّه قد يشتهي أحد المارة ما يراه في بستانك، ولا يستطيع أن يشتريه، وقد قال لي أحدهم: أُضَمِّن مزرعتي بالسنة بمئتي ألف، وخلال أربع أو خمس دقائق في أوقات الليل، هناك برد شديد، كما قال تعالى:
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
[ سورة القلم : 19 ]
الذي حدث جاءه الصقيع، وصار كلّ التفاح أسوَد! فالذي يبْخل، الله تعالى عنده جنود في الخفاء، تجده يجمع ويطرح، وفي الأخير ينسى حقّ الله تعالى، فهذه حشرت جاءت في أحد الأعوام أكلت أجنحة النحل، فصار العسل غاليًا! سبحان الله، الله يبارك في الذي يُزَكِّي ماله، قال تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾
[ سورة القلم : 17 ]
وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درسٍ آخر.

السعيد
09-11-2018, 08:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الستون )


الموضوع : زكاة الزروع والثمار







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
زكاة التجارة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة التجارة، وكُنّا قد تحدَّثنا عن زكاة النّقدَين الذَّهب والفضّة، وعن زكاة الدَّيْن، وزكاة الحليّ، وزكاة صَدَاق المرأة، وزكاة أُجور الدور المؤجَّرة، واليوم إلى زكاة التِّجارة.
فقد ذَهَب جماهير العلماء من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء إلى وُجوب الزكاة في عروض التِّجارة، أي البِضاعة، وهذا في أيّة بِضاعةٍ كانت، مواد معْدَنِيَّة، أو خشَب، أو ملبوسات وأقمشة، أو مواد غِذائيَّة، فأيّة تجارة لا بدّ لها من بِضاعة، هذه البِضاعة عليها زكاة لما رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب أنَّه قال أنَّ:
((النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرنا أن نُخْرج الصَّدقة من الذي نُعِدُّه للبيع...))
[رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب]
فالبِضاعة التي تُعِدُّها للبيع يجب أن تُخرج عليها الزكاة، وكما قلتُ قبل قليل؛ أيَّةُ مادَّة مُعَدَّة للبيع، كالمواد الغذائية، أو ملبوسات جاهزة، أو مواد تزيينيَّة؛ حديد أو إسمنت: (( في الإبل صدقتها، وفي الغنم صَدَقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البذّ صَدَقَتُهُ...))
[البيهقي عن أبي ذر]
البذّ بعضهم قال: القِماش، وبعضهم قال: متاع البيت، وعن أبي عمرو عن أبيه أنَّه قال: "كنتُ أبيعُ الأُدُم و الجِعاب فمرَّ بي عمر بن الخطاب فقال: أدِّ صدقة مالك، فقلتُ: يا أمير المؤمنين إنما هو الأُدم؟ فقال رضي الله عنه: قَوِّمْهُ ثمّ أخْرِج صدقته" الإدام هو الجلد، والجِعاب الجِفان والأواني المستخدمة في الطبخ، وفي المنار أنَّ جمهور العلماء يقولون بِوُجوب زكاة عروض التِّجارة، وليس فيها نصّ قَطعي من الكتاب أو السنَّة، وإنَّما وردَ فيها روايات يُقَوِّي بعضها بعضًا، فَعُروض التِّجارة المتداولة للاستغلال نُقود، ألم يمرّ معنا في قصَّة سيّدنا يوسف، قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 62 ]
بِضاعتهم أي نقودهم فالبِضاعة نَقْد، لماذا هي نقد؟ لأنّه يُمكن تَحويلها إلى نقْد تبيعها فتأخذ ثمنها نقْدًا، ولا فرق بينها وبين الدنانير التي هي أثمانها، فإذا كان للواحد مئة متر خشَب والمتر ثمنه يقدر بسبعة وعشرين ألفاً، فهذا يستطيع أن يبيع هذا الخشب، ويأخذ محلّه نقداً، ولو كانت عنده مواد غِذائيَّة مخزَّنة في البراد ممكن أن يبيعها ويقْبض ثمنها، فلا فرق عند جمهور العلماء بين البِضاعة وبين النَّقد إلا في كَون النِّصاب يتقلَّب ويتردَّد بين الثَّمَن وهو النَّقْد، وبين المُثَمَّن وهو البِضاعة، فلو كان لشَخص عشرة آلاف ليرة، فإما أن تكون مواد أوَّليَّة كالخشب أو النحاس أو الحديد أو الخيوط أو قماش، وإما أن تكون دراهم، وعمليَّات التِّجارة هي عمليات تحويل الدراهم إلى بضاعة، والبضاعة إلى دراهم، فلو لاحظْت نشاط التاجر، تجد له بِضاعة قبض ثمنها، واشترى أخرى، فنشاط التاجر تَحويل الأثمان إلى عروض، والعروض إلى أثمان، فالعروض والأثمان في النِّهاية في تَقويم إمكانات التاجر هي شيء واحد، فَحَجم الإنسان المالي لا فرْق بين أن يكون ماله بِضاعةً، وبين أن يكون نقْدًا، ففي الزكاة علينا أن نأخذ حجْم الإنسان المالي، وكلهم من زاوية واحدة، ولكن لو كان للإنسان مثلاً قماشاً انتهى رواجُهُ، فإذا أراد تَقويم هذا القماش عليه أن يُقوِّمه بالسِّعر الذي يستهلّه فإذا اشتراه بِثلاثين، ولم يُحصِّل فيه أثناء بيعه إلا عشرين، عليه أن يُقوِّمه بالعشرين، فالتَّقويم لا بشِرائِهِ، ولكن بِثَمن بيْعِهِ الحالي، فما دام التقويم صحيحًا فقلْبُهُ إلى المال سَهلٌ، فلو أنَّني اشتريْتُ هذه القِطعة بِثلاثمئة وثمنها الآن مئة، ولي منها عشر قِطع، عشر ضرْب مئة، فَعَمليَّة التقويم لا بدّ أن تكون حقيقيّة وليْسَت مُفْتعلة. الزكاة في أموال الأغنياء لِمُواساة الفقراء :
هناك نقطة دقيقة، قال: لو لم تَجِب الزكاة في التِّجارة لأمْكَنَ لجَميع الأغنياء أن يتَّجِروا بِنُقودِهم، ويتَحَرَّوا ألا يحولَ عليها الحَوْل، وهي نَقدٌ، فلو أنَّ تاجِر خيوط مثلاً، دائمًا عملته خيوط، ولا يملك النَّقد، فهل نقول: لا زكاة عليه؟! فلو أنَّه قيل: لا تَجِبُ في العروض الزكاة لأسقطنا الزكاة! ومن علامات نجاح التجار تَجِدُ صندوقه فارغاً، ومستودعُه مملوءاً لأنّه إذا الصندوق مملوء، والمستودع فارغ، هذا لا يُنمِّي مال التاجر، فدائمًا التاجر له مصلحة أن يكون حجمه المالي بِضاعة، لأنَّ البِضاعة مطلوبة، وقد يرتفعُ ثمنها، إذًا لو قلنا: لا زكاة في عُروض التِّجارة لأسقطنا فرْض الزكاة، لأنَّه من السَّهل جدًّاً أن يُحَوِّل الإنسان ماله إلى بضاعة، والمسألة أنّ الله تعالى فرَضَ في أموال الأغنياء صدَقةً لِمُواساة الفقراء، ومن في معناهم، لإقامة المصالح العامة، وأنّ الفائدة في ذلك للأغنياء، تَطهير أنفسهم من رذيلة البُخل، وتَزْكيتها بِفَضائل الرحمة للفقراء، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الحشر : 7]
أعداء الإسلام يقولون: إنَّ الإسلام بِفرْض الزكاة رسَّخ الفقْر في المجتمع! وهذا كلام شيطاني، فلا بدّ أن يكون في المجتمعات طبقات فقيرة، وهذا واقِع، ولكنّ الفقير ليس مأمورًا أن يبقى فقيرًا، فَتَحْسين المعيشة فرْض على المسلم، فقد قال عمر بن الخطاب لأُناسٍ فقراء: من أنتم؟ فقالوا: نحن مُتَوَكِّلون! فقال: كذَبْتُم، المُتَوَكِّل من ألقى حَبلاً في الأرض ثمَّ توكَّل على الله تعالى، أما الذي يتجاوَز سِنّ العمل، وليس له ولد، وضَعُف جِسمهُ، وأُصيبَ بِمَرضٍ عُضال، تأتي الزكاة لِتَحُلّ له المشكلة، أما أن نسْمحَ للفقير الشاب النشيط أن يبقى فقيرًا هذا ما قال به أحد. متى تصير العروض للتِّجارة ؟
الآن، متى تصير العروض للتِّجارة، فلو وجد إنسانٌ سجادًّا مُناسبًا جدًّاً، وهو تاجِر سجَّاد، فوضَع هذه السجاد الفخمة في غرفة الضُّيوف، وكان ثمنها غالٍ جدًّا، أفعَليها زكاة؟ قال العلماء: تصير العروض للتِّجارة لما:
أوَّلاً: أن يمْلك المسلم هذا المال، فقبل أن يملِكَهُ لا زكاة فيه، يملكُه بالبيع أو الشراء وفي النِّكاح مُلْك، فقد تملك المرأة مهرها بالنِّكاح، وفي الخلع يملك بعض ما أعطاه الرجل للمرأة، والهِبة، والوصيَّة، والغنيمة، والتجارة، والصناعة، والزراعة، فإذا تملَّكْت المال وَجَبت فيه الزكاة.
الشرط الثاني: أن يَنْوي عند تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارة، فلو أنّ تاجِر سجَّاد اشترى سجادًا بنِيَّة بيْعِهِ بِثَمن أغلى، هذه عليها زكاة، ولكن لو اشتراها لغُرفة الضيوف عنده كي يُزيّن بها بيته فهذه لا زكاة عليها.
من ملكَ قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول فزكاته نهاية الحول :
ومن ملكَ مِن عُروض التِّجارة قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول قوَّمَهُ آخر الحَول، نحن اتَّفقنا كرَقم تقريبي عشرة آلاف، فالذي عنده بِضاعة بِعَشرة آلاف، كأن يكون عنده قماش، هذه عليها زكاة، يُقوِّمها آخر الحَول ويُخرج زكاته، وهو رُبْعُ عُشر قيمته، أي اثنان ونصف بالمئة، وهكذا يفعل التاجر في تِجارته كلّ حَول، وقد أصبح للتاجر أساليب معيَّنة، فأوَّلاً يُقيمُ جردًا لِبِضاعته، وثانياً يُقوِّمها بِسِعر السوق، بالسِّعر الحالي، فقد يكون السِّعر الحالي أغلى من ثمن شِرائِها، أي هناك شيء اسمُه القيمة، وشيء اسمُهُ الثَّمَن، فأحيانًا تبيع هذا الكأس بِليرة، نقول اللَّيرة ثمنها، أما قيمتها فخمس ليرات، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن كأن تبيعها لإنسان ولم تُرِد أخذ ثمنها، فحلَف يمينًا مُعظَّمًا فقلتُ ليرة، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن فالمبلغ الذي دُفِع عِوضًا عنها، فالإنسان يعمل جردًا دقيقًا، وإن لم يُدقّق فإنّه مُؤاخَذ، إلا أن يكون اشترى بِضاعة بِمئة ألف وثمنها الآن مئتا ألف، وقد تكون هذه القيمة أعلى من ثمن الشراء أو أقلّ منها، ويُضيف إلى ثمن البضاعة موجوداته النَّقديَّة الموجودة في الصندوق، ويُضيف إليها أوراقه الماليّة من الشيكات والسندات وديونه الدَّفتريَّة، وثَمَن البِضاعة التي لا تزال في الطريق ونبحث فيما علينا، وفي النهاية يكون هناك رقم نضربه باثنين ونصف بالمئة، وهذا هو مِقدار الزكاة.
جواز دفع الزكاة قبل وقتها :
قلتُ لكم في رمضان أنَّ الإنسان الأولى له أن يدفعَ من أوَّل شوَّال دفعات على حِساب الزكاة، كأن يسمع عن امرأة أرملة فَيُساعدها، أو طالب مسافر، أو طالب لا يستطيع أن يُتابِع دراسته الجامعيَّة، فكلَّما يسمع بِجِهةٍ يدفع، وفي آخر السَّنة يَجمع المدفوعات على حِساب الزكاة مقدَّمًا، ويُجري الجرد والرقم النهائي يضربه باثنين ونصف بالمئة، فلو فرضنا أنَّ المبيع ثمانية وعشرون ألفًا، وهو دَفَع خِلال السنَّة خمسة وعشرين ألفًا، باقي للدَّفع ثلاثة آلاف، لذا الفقهاء أوْجَبوا دفعَ الزكاة في وقتها، لكنَّهم سَمَحوا أن تُدْفَعَ الزكاة قبل وقتها فهذه خِطَّة مُحْكمة يُطبِّقها أُناسٌ كثيرون مِمَّن هداهم الله إلى طريق الحق.
وفي درسٍ قادم إن شاء نتحدَّث عن زكاة الزروع والثمار، وبعدها عن زكاة الحيوانات، وبعدها نتحدَّث عن زكاة الرِّكاز أي الثَّروات الباطنيَّة في الأرض، وهذه زكاتها عشرون بالمئة، فآبار البترول في العالم الإسلامي هذه بِحَسب الشَّرع هي مِن حقِّ المسلمين جميعًا، فالمسلمون يستحِقُّون عشرين بالمئة من أثمان البترول في حقول البترول في البلاد الإسلاميَّة فالمساعدات التي تأتي هي من الحقوق وليس من الصَّدَقات، وهذا موضوع متعلِّق بِزَكاة الرِّكاز.

السعيد
09-11-2018, 08:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و الستون )


الموضوع : زكاة الزروع والثمار و الحيونات






الأكل من الزرع :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة الزروع والثمار والآن إلى موضوع فرعي عنوانه الأكل من الزَّرْع...
يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ قبل حِساب الزكاة، وقبل جني المَحصول، وقبل حساب حق الفقير، يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ، ولا يُحْسبُ عليه ما أكل منه قبل حصاده، لأنَّ العادة جارِيَةٌ به وما يؤكَلُ منه في نظر الفقهاء شيءٌ يسير، فمهما أكل صاحب البستان ومهما أكل أولادهُ أو ضيوفه بالقياس إلى مجموع المحصول شيء يسير، لذلك ربُّنا سبحانه وتعالى تَجاوَزَ لنا عن هذا اليسير، فإذا حُصِد الزَّرع وصُفِّيَ الزَّرْع أخرجَ صاحب الأرض زكاة الموجود وقْت الحصاد لِقوله تعالى:
﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 141]
سُئِلَ أحمد عمَّا يأكل أرباب الزُّروع من الفريك، فقال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه، وكذلك قال الشافعي.
فالذي عنده بستان أو حقل قمح، إذا أخذ جزءاً من القمح وجعلهُ فريكًا لِحاجته الشَّخصيَّة، هذا مَعْفُوٌّ عنه قبل حِساب نصيب الفقير وقت الحصاد.
تجبُ الزكاة في الزروع والثِّمار إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تَزْهُوَ وَعَنِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ))
[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
النهي عن بيع السنين :
ونهى عن بيع السِّنين، تضمن بستانًا لِخمس سنوات، فقد تأتي جائحة في السَّنة الثانية فلا تُبقي منه شيئًا، ونهى عن بيع الثِّمار حتَّى يبْدُوَ صلاحها، وهذا الكلام موجَّه لِمَن يعمل في ضمان الثّمار، فأحيانًا يقع صاحب البستان في الغَبن الشديد، يقول لك: أنا أضمنُ لك هذا البستان بِثَلاثين ألفاً، لم تبدُ بعد صلاح الثِّمار، فلو بدا صلاحها لا تبيعه أكثر من سبعين ألفاً فالنبي عليه الصلاة والسلام لكي لا تكون المنازعة بيننا ونحن عندنا قاعدة فقهية تقول: الجهالة تُفضي إلى المنازعة، وَطِّن نفْسَكَ في كلّ علاقاتك أن تكون واضحًا، فأيّ نقطة غامضة في الصّفقة، وفي عقد شراكة، قد تؤدِّي إلى المنازعة، والمنازعة فيها فساد ذات البَيْن، وفساد ذات البَيْن هي الحالقة، لا أقول حالقة تحلق الرؤوس، ولكن حالقة الدِّين، لذا مِن نجاح الإنسان في الحياة لا يعْقِدُ عقدًا، ولا يُبْرمُ صفْقة، إلا بعد أن تتَّضِح كلّ الأمور، وعادةً الطَّرَف الأضعف لا يُحِبّ أن يُفَكِّر في الأشياء والطَّرف الأقوى يسكُت لِيَستغلّ السُّكوت، والجهالة في جرِّ الرِّبْح إلى طرفِهِ، فالأقوى يسْكتُ، والأقوى يخاف أن يتكلَّم، وهذا الخوف من الأضعف، والسُّكوت من الأقوى يُسَبِّبُ منازعةً، والمنازعة تؤدِّي إلى فساد ذات البَيْن، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
توضيح كل شيء لأن الجهالة تُفضي إلى المنازعة :

رُفِعَتْ لي قضِيَّة أنَّ إنسانًا له جار يبيعُ غُرفَ نوم، فرأى غرفةً أعْجَبتْه قال له كم ثمنها يا جاري؟ فقال: كما تريد! فقال له: اِبْعَث لي إياها، أوَّل أسبوع أعطاه ألفي ليرة، وثاني أسبوع ألفين، إلى السابع من الأسابيع فوجد هذا الشَّخص أنَّ هذا هو ثمنها، ذاك الجار سكتَ أسبوعَين ثمّ قال للمشتري: لم تعُد تدفعُ لي يا جار؟ فقال له المشتري: أعطيتك ما يكفي لها، فقال له جاره: هذه ثمنها ثمانية وعشرون ألف ليرة!! فوقَعت منازعة بينهما، لذا الجهالة تُفضي إلى المنازعة، فأحيانًا حتَّى الابن عند أبيه لا يعرف نفسَهُ أَهُوَ شريك أم أجير أم صانِع أم مُوظَّف؟! فالبيان يطرد الشَّيطان، وضِّح له، ولا تستأجِر أجيرًا حتى تُعْلِمَهُ بأُجرته، فالذي يريد أن يعقِدَ شراكات أو يُبْرم عقودًا عليه أن يُوضِّح كلّ شيء كي تنتهي الأمور بالحسنى، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((كفى بها نعمة أن يتجاور المتجاوران أو يتخالطا أو يصطحبا فيفترقا وكل واحد منهما يقول لصاحبه : جزاك الله خيرا))
[ كنز العمال عن عائشة]
فأنت إن اسْتَطَعتَ أن تُعامِل، وتنتهي المعاملة جَزاك الله عَنِّي كلّ خير، إن اسْتَطَعت أن تُسافر مع إنسان وينتهي السفر بِجَزاك الله عني كلّ خير، حتَّى قال بعض الفقهاء إذا طلَّقْت الزَّوجة يجِبُ أن يكون الطلاق بالإحسان، ويَجِبُ أن تقول لك: جزاك الله عَنِّي كلّ خير، معنى ذلك أنَّها طُلّقَت لِسَبب قاهِر، ولأنَّها ظالمة، وحتى أنَّ بعض المُحسنين يُمسِكُ زوجته جَبرًا لِخاطِرها، وقد قيل لِبعض الذين عندهم زوجة سيِّئة طلِّقْها، فقال: والله لا أُطلِّقها فأَغُشَّ بها المسلمين! على كلٍّ الذي أُريدهُ من هذا أنَّ الإنسان عليه أن يُوضِّح كلّ شيء، فَكُلّ المنازعات التي في التِّجارة مِن الجَهالة، فلا تقل لِمَن قال لك: متى أسْتلِم البِضاعة؟ لن تطول، هذه الكلمة لها عِدّة مدلولات! وبعد ذلك تنشأ المشاكل، والأفضل أن تعمل عقدًا، فهذا الذي تقوله بِلِسانك يجِبُ أن يُثبَّت بالورق، لأنّه إن ثُبِّت أصبح هناك ضَبط، ومنَعْت بِذَلك الشيطان أن يدخل على خَصْمك، ومنَعتَ الشيطان أن يدخل عليك، وحديث النبي لصاحبيه...هذه صفية " من القائل؟ رسول الله عليه الصلاة والسلام! متى تجب الزكاة في الزروع والثِّمار ؟
تَجِبُ الزكاة في الزروع إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، وتَجِبُ الثِّمار إذا بدا صلاحها، ويُعْرف هذا باحْمِرار البلَح، وجرَيان الحلاوة في العِنب سبحان الله! يقول تعالى:
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة النحل: 16 ]
العلامات من آيات الله الدالة، فالتِّين ترى في أسفلِهِ نُقطة عسَل، والعِنب البلدي يصْفرّ والحلواني يحمرّ، والباذنجان يسْودّ، والكوسا تصفرّ، والتفاح يصفرّ بعد اخضراره، فما من فاكهة أو خضار إلا ولها علامات يبدو بها صلاحها فالله تعالى قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة النحل: 16 ]
وإذا باع الزارعُ زرْعه بعد اشتداد الحبّ، وبُدوّ صلاح الثمر، فزكاة زرعه وثمره على البائع، فزكاة الزرع والثمر عليه دون المشتري لأنّ سبب الوجود العقد وهو في مُلكه. إخراج الطيِّب في الزكاة :
أمرَ الله سبحانه وتعالى المُزَكِّي بإخراج الطيِّب من ماله، ونهاه عن التَّصدّق بالرديء، فقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
متى يأكل الإنسان أكلةً لا يُحبّها؟ عندما يكون جائعًا جَوعًا شديدًا وفي الحالات القاهرة، وفي حالات الفقر المدقع، حينها يأكل طعامًا لا يروق له، ولكن كما قال تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
العمل الصالح هَدِيَّة إلى الله عز وجل، فلْيَنظُر أحدكم ما يقدِّم من هديَّة إلى الله عز وجل.
بعض الناس كانوا يتيمَّمون شِرار ثِمارهم فَيُخرجونها في الصدقة! فالمشمش مثلاً قد يسقط على الأرض، وكذا التِّين، أو تفاح مضروب فهذا الذي يفعله أنّه يُوزِّع هذه البقايا، هذا لا يجوز، لا يجوز أن تُقدِّم عملاً لله تعالى فيه خلل، يمكن أن تبيعه ولكن أن تُقدِّم هذا لله تالفًا أو فيه عيبٌ كبير هذا لا يجوز، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
زكاة العسل :
هذا موضوع خِلافي، فبعضهم قال: ليس في زكاة العسل شيء يصِحّ فليس في الآثار الدِّينيَّة شيءٌ يؤكِّد الزكاة في العسل، ولكنّ المذهب الحنفي يقول إنَّ في العسل زكاة لأنَّه ولو لم يصحّ في إيجاده حديث إلا أنَّه جاءت فيه آثار يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولأنَّه يتولَّد مِن نَور الشَّجر، أي زهرها، فهو أساسه إنتاج حيواني مَبْعثُهُ النبات، وشيء آخر يُكال، وشيء آخر يدَّخَر وله قيمة كُبرى، فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وإن لم يَجِد في الأحاديث ما يوجِبُ زكاة العسل إلا أنَّ العسَل حملهُ على قرائن كثيرة، ذلك لأنَّ منشأهُ نباتي، ويُدَّخر، ويُكال، فقال: في العسَل زكاة كالحبّ والثَّمر، ولأنَّ الكُلفة فيه دون الكلفة في الزروع والثِّمار، واشْترطَ أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في العسل أن يكون في أرضٍ عُشْريَّة أي أرضًا بَعْلِيَّة، أما الأرض التي تُسقى بالماء فهذه عليها نصف العُشر، فإذا كانت المناحل في أرضٍ عُشريَّة فزكاة العسل عُشْر الإنتاج، ولم يشترط الإمام أبو حنيفة نِصابًا له فَيُؤخَذُ العُشر من قليله وكثيره، وبعض الأئمَّة اشترطوا أن يبلغَ نصابًا وهو عَشرةُ أفراقٍ والفَرَقُ سِتَّةَ عشرة رِطلاً عِراقيًّا.
زكاة الحيوان :
زكاة الحيوان موضوع دقيق، وقد لا يعني مُعظم الحاضرين، كزكاة الإبل كلّ ستة وثلاثين رأسًا من الإبل لها بنت لبون، وفي السِتّ والأربعين حقَّة، وفي الإحدى والستُّين جذْعة، وفي الستّ والسبعين جذعًا لبونًا، هذه مصطلحات مُتَعَلِّقة بالإبل بِحَسب سِنِّها، وإمكانيَّتها، وبحسب العدد، ولكن هناك شيئاً يعنينا في الغنم، فزكاة الغنم لا زكاة فيها حتَّى تبلغ أربعين، فزكاة المال اثنا عشر ألفاً، فالغنمة الواحدة ثمنها ألف ليرة، فالأربعون ثمنها أربعون ألفًا، ولكن جاء لا زكاة في الغنم حتى تباع أربعين، فإذا بلغَتْ أربعين سائمة وحال عليها الحَوْل، ففيها شاةٌ إلى مئة وعشرين، فإذا بلغَتْ مئةً وعِشرين ففيها شاتان، إلى مئتين، فإذا بلغَت مئتين ففيها ثلاثة شِياه، فإذا زادَت على الثلاثمئة ففي كلّ مئةٍ شاة.
زكاة الخارج من البحر :
أمرٌ آخر يتعلّق بالزكاة وهو زكاة الخارج من البحر، فقال الجمهور: لا تَجِبُ الزكاة على كلّ ما يخرج من البحر من لؤلؤٍ ومرجانٍ وزبرجد وعنبر وسمك إلا في إحدى الرِّوايتين عن أحمد إذا بلغَ ما يخرج من ذلك نِصابًا ففيه زكاة، وليس في العنبر زكاة إنما هو غنيمة لِمَن أخذَهُ، فهذه الأشياء المُستخرجة من البحر، والتي يُقْصَد بها الانتفاع الشَّخصي ليس فيها زكاة إلا أن يكون مالاً يُتاجَر به، فحينئذٍ تدخل في حكم عروض التِّجارة، فبعض الأحجار الكريمة إذا دخلت في المال المتَّجر به تدخل في عروض التِّجارة وتُقيَّم أثمانها، وتُحسب الزكاة.
من أكبر الكبائر الفرار من الزكاة :
مَن مضى عليه سِنون، ولم يؤدِّ ما عليه من زكاة، لَزِمَهُ إخراج الزكاة عن جميعها سواءً علِمَ وُجوب الزكاة أو لم يعلم، وسواءٌ أكان في دار الإسلام أم دار الحرب، لأنَّ هذا حقّ الله تعالى، فالذي تاب إلى الله تعالى توبةً نصوحة، وعلِمَ أنَّ سنواتٍ عِدَّة ما أدَّى الزكاة، كَوْنُهُ تاب الآن لا يُعفيه مِن أداء الزكاة عن السَّنوات السابقة.
شيءٌ آخر في الزكاة وهو أنَّه يوجد من يَفِرُّ من الزَّكاة، وهذا من الكبائر، كأن يعمل حِيلةً شرْعيَّة، فقد سَمِعتُ أنَّه كان هناك من يضَعُ زكاة ماله في رغيف خُبز و يعطيه لإنسانٍ فقير، ثمَّ يعود إلى الفقير في نفس اللَّحظة ويطلب منه أن يشتريه منه بِمبلغ أكثر من الخبز!! فهذه الحِيَل لا يفعلها إنسان فيه ذرَّة من عَقل.
إذا كان المال مشتركًا بين شريكين أو أكثر، لا تَجِبُ الزكاة على واحدٍ منهم حتَّى يكون لكلّ واحِدٍ منهم نِصابٌ كامِل، فلو كان لاثنين عشرة آلاف ليرة فليس عليهما زكاة، مع أنَّ المبلغ في حُدود الزكاة، ولكن لأنَّ نصيبَ كُلِّ منهما خمسة آلاف، والخمسة آلاف دون النِّصاب المُقرَّر فلا تجِبُ فيهما الزكاة، أما لو جَمعْت مال الشّريكين، وبلغ نِصاب الزكاة، وكان نصيب كلّ منهما لا يرقى إلى مستوى نِصاب الزكاة فليس عليهما زكاة.
من ضاع منه مبلغ الزكاة لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته :
لو عدَّ الإنسان ماله فوَجَد مثلاً زكاة ماله عشرة آلاف، وهذه الحالة وقَعَت فأحدهم كانت له زكاة عشرة آلاف فضاعَتْ منه في الطريق، فقال العلماء: لو عزل الزكاة لِيَدْفعَها لِمُستحقِّيها فضاعتْ كلّها أو بعضها فعليه إعادتها، فلو كان على إنسان ما دَفْعُ سَنَدٍ، وتوجَّه إلى محلّ تِجاري، وبالطريق سُرِقَ منه هذا المبلغ فهل يُعفيه صاحبُ المبلغ من دفعِهِ؟! أما لو ضاع في يد الدافع فالمبلغ يجب أن يُعاد دَفْعُهُ مرَّةً ثانيَة، فهو لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته حتى يوصلها إلى من أمره الله بإيصالها إليه.
هلاك المال بعد وُجوب الزكاة وقبل الأداء :
فلو أنَّ لإنسان ما محلاً، جرد بِضاعته، وحَسِب رأس ماله، وعليه ألف وخمسمئة زكاةً، فاحْترَقَ المحلّ، إذا استقرّ وجود الزكاة بِأن حال عليه الحَول، أو حان حصادُهُ، وتلِفَ المال قبل أداء زكاته أو تلِفَ بعضهُ فالزكاة كلُّها واجبة في ذِمَّة صاحب المال سواءٌ أكان التَّلَف بِتَفريطٍ منه أو بِغَير تفريط، ومعنى هذا أنَّ الزكاة واجِبةٌ في الذِمّة، وهو رأي ابن حزم والإمام أحمد، ويرى أبو حنيفة أنَّه إذا تلف المال كلّه من دون تعدٍّ من صاحبه سقطَت الزكاة وإن سقط بعضهُ سَقَطت حِصّتُهُ بناءً على تعلّق الزكاة بِعَين المال، وإن حصل بِتَعَدٍّ منه فالزكاة لا تسقط، فإذا كان احتراق المحلّ ناتِجٌ عن الإهمال فالزكاة لا تسقط، أما إن كان الحريق عن قضاء وقدر فالزكاة تسقط، وهذا موضوع دقيق، وهو يُعيننا بِمَوضوعات كثيرة، فلو أنَّ واحدًا أعطاكَ أمانةً، وأنت وضعتها في صندوقك الحديديّ مع مالك، سمَّاهُ الفقهاء في حِرْز مثله، وجاء لِصٌّ وسرق الصندوق بِكامِلِه أنت لسْتَ ضامِنًا، فإذا وضَعْتَ هذا المال على الطاولة ومالك في الصندوق الحديدي، وجاء لصّ فسرق ما في الدُّرج يَجِبُ أن تردّ هذه الأمانة، وهي دَينٌ عليك، وهذا ينطبق على الاستثمار، فمثلاً لو أنَّ شَخصًا دفَعَ لك مبلغ استِثمار، فحصلَ خسارة، فإن كانت هذه الخسارة بِعُدوانٍ أو تقصير فأنت ضامِن، أما إن لم تكن بِعُدوانٍ أو تقصير فلسْتَ بِضامِن، وأحيانًا يكون مع الاستثمار شَرط، فهذا الموضوع مهمّ جدًّا إن كان في الأمانة أو العارية أو الاستثمار أو المضاربة، إذا كان هناك تقصير أو عُدوان فالمُقصِّر والمعتدي يضْمن، وإن لم يكن هناك تقصير فلا ضمان في ذلك.
الآن عندنا رأي دقيق جدًّاً، قال: إذا تلِفَ المال بعد أن تسْتحِقَّ الزكاة وقبل أدائِها فالزكاة تسقط بِتلف المال، وهو رأي آخر، وهذا إذا لم يُفرَّط في الأداء، ومعنى التفريط في الأداء التأخير في الدَّفع، أنت عَزَلتَ مبلغًا للزكاة، وتماهلْتَ بِدَفعِهِ إلى أن تلِفَ المال، ولكنَّك لو دفعْتهُ في الوقت المناسب لما اضطررْت إلى دفعِهِ مرَّة ثانية، فإذا كان هناك تقصير أو تفريط في نقل الزكاة إلى مُستحِقِّيها يَجِبُ عليك أن تَدفَعَ الزكاة مرَّةً ثانيَة وهناك موضوعات أخرى سوف نُعالجها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-11-2018, 08:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السبعون )


الموضوع : متفرقات فى الزكاة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الزكاة ليْسَت في عَيْن المال بل في الذِمَّة :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الزكاة إلى مجموعة من الموضوعات التي تُكَمِّلُ هذا الموضوع؛ من هذه الموضوعات وُجوب الزكاة في الذِمَّة لا في عين المال! مثلاً؛ لو أنَّ إنسانًا يملِكُ مالاً يَعْدِلُ النِّصاب، ولم يدفع زكاة ماله لِسَنتين، ثمَّ أراد أن يدْفع الزكاة، فلو دَفَع زكاة عامٍ واحِدٍ لقلَّ المال عن النِّصاب، وبهذا لا يَجِبُ عليه أن يدْفع زكاة العام الذي قبل الماضي، فما الحلّ؟ الحلّ عند العلماء أنَّ الزكاة ليْسَت في عَيْن المال بل في الذِمَّة، أي تَجِب الزكاة في ذِمَّة الرجل لا في عَين ماله، فلو أنَّه لم يدْفعَ زكاة عامَين، وكان مالهُ قدْر النِّصاب تمامًا لوَجَب أن يَدْفع الزكاة عن عامَين سابِقَين، ولو قلَّ النِّصاب.
الشيء الآخر أنَّه لو كان لإنسان عشرة آلاف ليرة، لا تَجِبُ الزكاة في هذه العشرة آلاف بالذات، هذه العشرة آلاف عليها زكاة تقدر بألفين وخمسمئة، فالمبلغ لو دفعهُ من مكان آخر لصحَّ، فلو أنَّ واحدًا جاءَهُ مبلغٌ هِبَةً، فَدَفَعَ من الهِبة زكاة هذا النِّصاب لصحّ، لأنَّ الزكاة ليْسَت في عَين المال بل في ذِمَّة الرَّجل، ولو أبقاها كما هي ودفع المال من مال آخر لَصَحَّ ذلك، فالموضوع أنَّ الزكاة ليْسَت في عَين المال بل في ذِمَّة الرَّجل.
تأخير الزكاة لا يُسْقِطها :
شيءٌ آخر هو أنَّ تأخير الزكاة لا يُسْقِطها، من مضى عليه سنون ولم يُؤدِّ زكاة ماله لَزِمهُ إخراج الزكاة عن جميع السَّنوات السابقة سواءٌ عَلِمَ وجوب الزكاة أو لم يعلم، وسواءٌ كان في دار الإسلام أو دار الحرْب، فَحَقُّ الله تعالى أَحَقُّ أن يُقضى، ومن كان عليه زكاة عن أعوامٍ سابقة يجِبُ أن تؤدَّى بالعَدل والتَّمام.
لو أنّ أحدهم كانت له أربعون شاةً، وزكاة هذه الأربعين شاةٌ واحدة، الأولى أن يدْفعَ أحد هذه الشِّياه زكاة ماله، فإذا تعذَّر كأن حال الحول عليها، وقد بعثها إلى البادية، فَدَفع ثمن هذه الشاه لَجَازَ ذلك، فالأولى أن تُدْفع الزكاة مِن عين البضاعة، ومن عَين المال، فإن تعذَّر ذلك يجزئه أن يَدْفَعَ قيمة هذا الشيء، قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ:
((خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ))
[ابن ماجه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
الزكاة واجِبةٌ في العَيْن ولا يُعْدَلُ عنها إلى القيمة إلا في العُذْر :
وقال الشَّوكاني: الحقّ أنَّ الزكاة واجِبةٌ في العَيْن، أيْ عَينُ البِضاعة ولا يُعْدَلُ عنها إلى القيمة إلا في العُذْر، هذا في الأرياف، فالقمح لو أعطيتهُ إلى فلاَّح لكنت قد أعطَيتَهُ شيئًا ثمينًا، فإذا أديت زكاة مالك من القمح قمحًا لكان هذا عَوْنًا للفقير، ولو أعْطَيْتَ الفلاَّح مئة ليرة وألف ليرة قد تكون الأمور صعبة في الريف، لذا الأولى أن تُدْفَعَ الزكاة مِن عَين المال فإن تَعَذَّر ذلك يُعْدل عن المال إلى قيمته، وهذا موضوع آخر، غير موضوع الذّمة والعَين، فلو أنّ واحدًا معه عشرة آلاف ليرة، ووضَعها في صندوق حديدي، واسْتَحَقَّت الزكاة، جاءَهُ مبلغ آخر، وقد أقرضَهُ لإنسانٍ فردَّ له القرْض فدَفَع زكاة العشرة آلاف من القرض لَصَحَّ ذلك، لأنَّ الزكاة لا تجِبُ في عَين المال بل في الذمة، أما موضوعنا هنا فبالنِّسبة للمحاصيل والثِّمار والشِّياه، فهذا الأولى أن يُدْفَعَ من عَين المال، فإن تعذَّر تُدْفَعُ قيمة الشيء ويصِحُّ هذا من المسلم.
روى البخاري أنَّ معاذًا قال لأهل اليمن:
(( قَالَ مُعَاذٌ رَضِي اللَّه عَنْه لِأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوضِ))
[البخاري عَنْ ابن عمر ]
الفِرار من الزكاة هو الاحتيال بالهروب منها :
هناك أشخاص يَفِرُّون من الزكاة، فإذا الواحد كان معه نِصاب الزكاة، وقبل حُلول رمضان اشترى حاجةً، كان يشتري ثُريَّا، فهذه الثريَّا حينما اشْتراها نقصَ المال عن النِّصاب فهربَ من الزَّكاة، وأنا لا أنسى قِصَّةً سَمِعتها، وهي أنَّ شابًّا توهَّم أنَّه إذا قلعَ أسنانه كلَّها يُعْفى من الخِدمة الإلزامِيَّة، فذهب لأوَّل طبيب فأبى، وإلى الثاني، إلا أن وجدَ طبيبًا نزَعَ له كل أسنانه!! فلما ذهب لِيُقدِّم أوراقه علموا تهرُّبَهُ من الخِدمة فَعُوقِبَ بِمُضاعفة الخدمة العسكريَّة فخسِر أسنانه، وضوعفَت له الخدمة!! وقد رأيْتُهُ بأُمِّ عيني، فإذا الواحِد فرَّ من الزكاة فالله تعالى يُعاقبُهُ عِقابًا شديدًا لأنّ هذا احْتِيالٌ على الله تعالى، لذا أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما قالا: تسقط عنه الزكاة، ولكنَّ هذا يُعدُّ إساءةً ومعصِيَةً يستحِقُّ عِقاب الله من جهة أخرى، فأنت نفَذت من هنا، وعلِقْت من طرفٍ ثان، فالإنسان مع الله عز وجل مشكلته صَعبة، فأنت إن نفذْت من الزكاة فوجِئْت بِصِحَّتك، وقفت الكلية، ضاقت شرايين القلب، تلف المال، فالزكاة مع الله أن تُطبعَهُ لا أن تحتال على شرْعِهِ، والاحتِيال على شرعه أشدّ أنواع الغباء، فالفِرار من الزكاة هو الاحتيال بالهروب منها بِإنقاص المبلغ عن الحدّ الأدنى للنِّصاب، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
[ سورة القلم]
هذه القصَّة رائعة جدًّاً، فأصحاب البساتين عندهم محاصيل وأشجار مُثْمِرة مِمَّا لذَّ وطاب، فهم صمَّموا ألا يدْفعوا زكاة هذه المحاصيل، فطاف عليها طائف من ربِّك وهم نائمون! جاءها صقيع في الليل فأصْبحت كالصريم! فأنت بَخِلْتَ باثنين ونصف بالمئة من مالك فإذا بالمال يذهب كليًّاً، وهذه هي الخسارة الكبرى، وعلى كلٍّ للفقهاء آراء دقيقة في هذا الموضوع، فلو أنَّ إنسانًا أراد أن يَحْرم زوجته من الميراث ففي مرض الموت طلَّقها، فالطلاق هنا لا يقع، فالزَّواج يثبت وتأخذ المرأة نصيبها من الميراث، وهذا طلاق الفارّ، فهو يريدُ أن يفِرَّ من ميراث زوجته، ومن قتل مُورّثه اسْتِعجالاً بالإرث عاقبَهُ الشَّرْع بِحِرمانه من الإرث، فالقاتل لا ميراث له. مصارف الزكاة :
ننتقل الآن إلى موضوع هامّ جدًّاً، ولا يوجد واحدٌ من الحاضرين لا يَعنيه ألا وهو مصارف الزكاة، كيف يدْفعُ زكاة ماله؟ مصارف الزكاة ثمانية أصناف حصرها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60 ]
إنّما تُفيد الحصْر، عن زيادة بن الحارث قال: أتَيْتُ النبي عليه الصلاة والسلام فبايَعْتُهُ فأتى رجل فقال: أعطِني من الصَّدقة، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله عز وجل لم يرْض بِحُكم نبيّ ولا غيره في الصَّدقات حتَّى حكم فيها هو بِنفسه، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتُك..." ثمانية مصارف للزكاة، إذا انْطبقَت أحد هذه المصارف على رجل اسْتَحَقَّ الزكاة أما إن لم تنطبق فلم يستحقها. 1 ـ للفقراء و المساكين :
أوَّلاً: للفقراء والمساكين، وهم المحتاجون والمساكين الذين لا يجدون كِفايتهم فعلى هذا المبدأ الذي له بيت ثمنه يقدر بمليوني ليرة، ولكن لا يجد ما يكفيه للقوت هو من المساكين، لأنَّ بيته هذا مستهلك، وقد اشتراه في الستِّينات، فالزكاة لا تقصر على المُتسَوِّلين، وتدَع المؤمنين الذين هم قِمَّة في العِفَّة في صَون ماءِ وُجوههم؛ هذا ليس من الحِكمة في شيء، وقد تقدَّم أنَّ القَدْر الذي يصير به الإنسان غَنِيًّا قَدْرُ النِّصاب، متى لا يجوز أن يدفعَ رجلٌ زكاة ماله آخر؟ إذا ملَكَ النِّصاب، ما هو النِّصاب؟ تحدَّثنا عنه وهو مئتا درهم من الفضَّة، أو ثلاثة وثمانون غراماً من الذهب، مجموعهم تقريبًا عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً على قدر سِعر الذَّهب، فإذا الواحد فوق مسكنه ومطعمه ومشربه ومركبه وحرفته وآلات حرفته كان يملك فائضًا عشرة آلاف ليرة عليه أن يدفع الزكاة، لذا من لم يكن له فائض على هذه الأشياء هذا لا تجب عليه الزكاة، فهذا معاذ روى عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِي اللَّه عَنْه إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
فالذي تُؤخَذ منه هو الغني، والذي تُردّ إليه هو الفقير، الذي لا يملكُ القدْر الذي يملكه الغني، فَتَعريف الفقير هو الذي لا يملكُ قدْر النِّصاب، وليس هناك فرق بين الفقراء والمساكين، طبعًا هناك توجيه قرآني وهي أنَّ الله تعالى ذكر مرَّة الفقراء والمساكين، وذكر مرَّةً الفقراء، وذكر مرَّةً المساكين، فكيف نجْمع بينهم؟‍ إذا تفرَّقا اجتمعا، وإذا اجتمعا اختلفا، ‍ فإذا الله تعالى قال: الفقراء والمساكين فالفقراء نوع والمساكين نوع، وإذا تفرَّقا اجتمعا، والنبي عليه الصلاة والسلام عرَّف بِدِقَّة من هم الفقراء والمساكين فقال عليه الصلاة والسلام: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) ))
[البخاري عَنِ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه]
فالمُتسوِّل في الطريق هذا ليس مِسكينًا، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 273 ]
فالمسكين هو المتعفِّف، والذي لا يملك إلا قوت يومه، فإن جاءتْهُ عمليّة جراحيّة لم يكن قد وضع حسابها! قال لي شخص: أدخل إنسان زوجته إلى المستشفى، واتَّفق مع الطبيب على اثني عشر ألف ليرة، فطالَتْ العمليَّة ثلاث ساعات فقال له: ثمانية وعشرون ألفًا!! فهذا له عِزَّة وكرامة، ولا يسأل الناس، وله بيت، ومركبة، ولكن لا يتوفَّر له هذا المبلغ! لذلك بعض العلماء أَفْتَوا أنَّه يَجِبُ أن تقول لِمن يأخذ زكاة مالك: هذه زكاة مالي، لكنَّ الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه قال: يجوز أن تُدْفَعَ الزكاة على شَكل هَدِيَّة، فلو كان لك قريب رقيق الحال، ومبلغ الزكاة ثمانمئة ليرة، فإذا ذهب إلى هذا القريب وأعطاه المبلغ قد يرفضُهُ، ولكن لو ذهَب بالعيد وأعطى كلّ واحِدٍ من أولاده مئة مئة على أنَّها هدِيَّة، فلا أحدَ يشعر بشيء!! وكذا لو كان على وشك زواج، لذا ليس من الأدب الإسلامي أن تقول له: هذه زكاة مالي، خُذها!! فالإنسان يجِبُ أن يدفعَ زكاة المال مُتلطِّفاً، أقْسم لي رجل أنّ واحدًا دَفع زكاة ماله لأحدٍ وقال له: هذه زكاة مالي فرفض ذاك الشَّخص أن يُكلِّمَهُ عامين!! فالعلماء قالوا: إذا رضي الفقير أن يأخذ منك فله فضْل عليك. مِقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة :
الآن عندنا نقطة دقيقة، وهي مِقدار ما يُعطى الفقير من الزكاة، لو أنَّ واحدًا زكاة ماله ألف ليرة، يُقسِّمهم خمسينات، ويعطيهم لِعِدَّد من الناس!! ماذا تفعل هذه؟ اللحم سعرهُ سبعون ليرة! فالعلماء يقولون: يَجِبُ أن تُعْطِيَ عطاءً يكفي، فإما أن تُعْطِيَ مبلغًا مقبولاً أو لا تعطي.
مِن مقاصِد الفقير كفاية الفقير، وسدّ حاجته، فَيُعطى من الصَّدقة بالقَدر الذي يُخرجِهُ من الفقر إلى الغنى، قال عمر رضي الله عنه: "إذا أعْطَيتُم فأغنوا"، والإمام مالك لم يجعل للمِقدار الذي يُدفع للفقير حدًّاً، قال: يُعطى من له المسكن والخادم والدابة الذي لا غِنى له عنه، فالذي له مسكن أو دابة يستعين بهما على متاعب الحياة هذا لا يُعَدُّ غَنِيًّاً، فالفقهاء قالوا: يُعطى من له خادم ومسكن ودابَّة!!
هل يَحِلّ للفقير أن يسأل ؟
الآن السؤال: هل يَحِلّ للفقير أن يسأل؟ هناك فَتوى، وهناك تقوى!
((عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ قَالَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَى هَذَا مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ))
[النسائي عن قبيصة بن مخارق الهلالي]
الحمالة أن ينشب خلاف أو قضيّة قتل أحيانًا فأهل القرى كانوا يدفعون دِيَّة، فإذا الواحد دخل في قضيَّة لِيَحُلّ الخلاف، وكلَّفه ثمنًا باهظًا، فقُبيْصَة رضي الله عنه قال: تحمَّلتُ حمالة، فالذي يدخل في صلح بين الناس، ويكلّفه أن يدفع بعدها له أن يسأل الناس، والجائحة مصيبة تُتْلف المال كأن يحترق المحلّ، فهذا كذلك له أن يسأل الناس حتى ينتهي من مشكلته، ورجل أصابته فاقة يحلّ له السؤال حتى يصيب قِوامًا من عَيش، ففي مثل هذه الحالات الثلاثة يجوز لك بِنَصّ الحديث الشريف أن تسأل الناس فإن سألت وأخذْت ما تحتاج كان عليك أن تكفّ عن السؤال، وعليك أن تتجنَّب السؤال إلا للضرورة، لذا المحتالون هم مسؤولون عن تهرّب الناس من العمل الصالح، أذكر مرَّة إنساناً سألني مبلغاً لعمليّة جراحيّة للعين، فرقَّ قلبي له، وجمَّعنا له مالاً لا بأس به، فهمسَ أحدهم في أُذُني أنَّه محتال! فقلتُ له لما جاءني: أين تُريد أن تُجري العمليَّة؟ فقال: خارج القطر! فقلتُ له: نحن جاهزون لِدَفع تكلفة العمليَّة فقط داخل القطر، حينها ولَّى هاربًا!! فالجمعيات الخيريّة الآن لها خبرات واسعة في مجال احتِيال هؤلاء، والإنسان المُحتال هو الذي يمنع الماعون.
أحدهم كان يركبُ فرسًا فرأى رجلاً ينْتَعِلُ رمال الصحراء المحرقة في أشهر الصيف الحارة، فرقَّ له وقال: ارْكب ورائي، وما إن ركب وراءهُ حتَّى دفعهُ نحو الأرض، فقال له صاحب الفرس و هو يهرب بالخيل عن بُعْد: لقد وَهَبْتُ لك هذا الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إيَّاك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا شاع تذهب المروءة، وبِذاهب المروءة يذهب أجمل ما في الصحراء، فَكُلّ الذين يسيئون لأصحاب المعروف هؤلاء يمنعون الماعون. ((عن عُبيد الله بن عديّ قال أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي عليه الصلاة والسلام في حجَّة الوداع وهو يقسم الصَّدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفَّضَهُ، فرآنا جَلْدَين، وقال: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَسْأَلَانِهِ الصَّدَقَةَ قَالَ فَرَفَعَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآهُمَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ ))
[أحمد عن قبيصة بن مخارق الهلالي]
لذا سئل الإمام الغزالي عن القويّ من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالتَّكَسُّب بالبَدَن هل له أخذ الزكاة من سَهم الفقراء؟ فقال: نعم! فالذي من عائلة غنيّة يصعب عليه اقتناء عمل دون مستواه، وإن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث.

السعيد
09-11-2018, 08:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و السبعون )


الموضوع : مصاريف الزكاة - 1






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
مصارف الزكاة :
1 ـ للفقراء و المساكين :
أيها الأخوة الأكارم، وصلنا في موضوع الزكاة إلى باب من أبواب الزكاة وهو مصارف الزكاة، وتحدَّثنا في الدرس الماضي عن أنَّ مِن مصارف الزكاة الفقراء والمساكين، ثمّ قلنا إنَّ الغزالي سئل عن القويّ من أهل البيوتات الذين لم تَجر عادتهم بالتَّكَسُّب بالبَدَن هل له أخذ الزكاة من سَهم الفقراء؟ فقال: نعم، وهذا صحيح جار على أنَّ المُعتبَر حِرْفةٌ تليق به لِقَوله عليه الصلاة والسلام:
(( ارْحَموا عزيز قَومٍ ذلّ، وغنيّ افْتقر، وعالم ضاع بين الجهال...))
[ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه ]
فلا نُكلِّف هذا الذي كان غَنِيًّاً فافتقر أن نُجْبِرَهُ على عملٍ لا يليق به. من يملك النصاب يصِحُّ أن يأخذ من مال الزكاة:َ
شيءٌ آخر، وهذه نقطة دقيقة جدًّاً في الزكاة، قد يكون في بيتك مبلغٌ من المال قد يزيدُ عن النِّصاب، كأن يكون لك أربعون ألف ليرة، وأنت مُقْدِمٌ على زواج، وعليك أن تشتري بيتًا ثمنه مئتا ألف ليرة مثلاً، نقول لك: هذا المبلغ عليه زكاة، ولكنَّك بِحُكم مواجهتك مصاريف كبيرة جدًّاً من شِراء بيتٍ، هذا الذي يملكُ نِصابًا وعليه تَبِعات خطيرة يجوز أن يأخُذ من مال الزكاة، نأمرُهُ أن يؤدِّي زكاة المال الذي بحَوْزتِهِ ثمَّ نُعطيه من مال الزكاة بِقَدر حاجته، ولكن إذا كتبَ عقْدَ شِراء بيت، ومعه مئتا ألف ليرة في البيت، وفي العقد عليه أن يدفع أربعمئة ألف بعد شهر، فهذا المبلغ الذي بِحَوزته في البيت ليس عليه زكاة، أما قبل كتابة العقد فالمبلغ هذا تَجِبُ فيه الزكاة، وإن كان هذا الإنسان مالك النِّصاب يصِحُّ أن يأخذ من مال الزكاة إن كانت عليه تَبِعاتٌ لا قِبَل له بِتَحَمُّلها.
قال النووي رحمه الله تعالى: "ومن كان له عقار أي بيت، ينقصُ دَخلُهُ عن كِفايَتِهِ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفايته، ولا يُكلَّفُ بيعه، فهذا الإنسان على الرَّغم من أنَّ له بيتًا غاليَ الثَّمَن يسكنه يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة، ماذا نقول له: بِعِ البيت!!
أشرنا في الدرس الماضي أنّ إعطاء الزكاة يكون بِلُطف، وأنّ عبارة خُذْ فهذه زكاة مالي!! هذه لا يقبلها إنسان عنده كرامة، ولكن المُتَسَوِّلون يقبلونها، أما المؤمنون فلا يرضونها إلا إذا جاءتْ على شَكل مَقبول.
2 ـ العاملون على الزكاة :
البند الثالث من مصارف الزكاة، وهم العاملون على الزكاة، وهم الذين يُولِّيهم الإمام أو نائبُهُ العملَ على جمعها من الأغنياء وهم الجباة، ويدخل فيهم الحفظة لها، والكَتَبة لِدَواوينها، ويجب أن يكونوا من المسلمين لكي لا يكونوا مِمَّن تحرم عليهم الصّدقة، فإن كانوا من غير المسلمين لا يستحِقُّون هذا المبلغ، وإن كانوا مِمّن تحرم عليهم الصَّدَقة لا يجوز أن يُعْطَوا مِن مال الزكاة، من هم الذين تحرم عليهم الصَّدَقة؟ آل النبي عليه الصلاة والسلام، وهم بنو عبد المطَّلب.
(( فعن المطَّلب بن ربيعة والفضل ابن العباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: ثمَّ تكلَّم أحدنا فقال: عن عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا وَاللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَاهُ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ ))
[مسلم عن عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ]
من علامات نبوَّته أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهَدِيّة، ولا يقبل الصَّدَقة، إلا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[أبو داود عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ]
فهؤلاء هم العاملون عليها وهم الموظّفون، يؤدِّي عملاً يأخذ نصيبهُ مُقابل عمله، أو رجل اشتراها بِماله، فلو أنَّ الزكاة هي شاته، يجوز أن يأخذ هذه الشاة، فهو أخذها شراءً، ولم يأخذها هِبةً، أو غارماً، فقد يملك الإنسان أملاكًا غير منقولة ولكن عليه ديوناً، والدَّيان ألحَّ عليه فهذا الغارِم، ولو كان بِحُكم الشّرع غنِيًّا يملكُ أموال غير منقولة، كالأراضي والبيوت، إلا أنَّ عليه دَينًا نَقْدِيًّاً يجوز لِهذا الغارم أن يأخذ من مال الزكاة، أو غازٍ في سبيل الله، أو مِسكينٍ تصدّق عليه منها فأهدى منها لِغنيّ، فهذا الغني الذي قُدِّمَت له هديَّةٌ بعضٌ من الزكاة، وهذا لا غاز في سبيل الله، وهذا الغارم المديون، وهذا الذي اشتراها بِماله، والعامل عليها، هؤلاء الأغنياء الخمس يجوز لهم أن يأكلوا من الزكاة.
عن عبد الله أنَّه قَدِم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الشام فقال: ألَمْ أُخْبَرُ أنَّك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فَتُعطَى عليه عمالةً فلا تقبلها، فقال: أجل، إنَّ لي أفراسًا، وأعْبدًا، وأنا بِخَير، وأُريد أن يكون عملي صدقةً على المسلمين، فقال عمر: إنَّي أردْتُ الذي أردْتَ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعطيني المال فأقول: يا رسول، أعْطِهِ من هو أفقر إليه مِنِّي، وإنَّه أعطاني مرَّةً مالاً فقلتُ: أعْطِهِ من هو أحوج إليه مِنِّي، فقال عليه الصلاة والسلام: ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألةٍ ولا إشرافٍ فَخُذْهُ أو تموَّلْهُ أو تصدَّق به، فإذا عَمل الواحد على أموال الزكاة، هذا الرجل عبد الله بن السَّعدي حينما عُرِض عليه نصيبُهُ من الزكاة لأنَّه عمل عليها رفض أن يأخذ شيئًا، فإذا ألحَّ عليك إنسان أن تأخذ حاجةً وأنت لسْتَ بِحاجة، فإن علمتَ أقرباءً لك بِحاجته فَخُذْه لهم فالخِيار لك؛ إما أن تكون بِحاجة فتموَّل هذا المال، وإن لم تكن بِحاجة فأعْطِهِ من هو أحْوجُ منك، ولا بدّ أن يعلم المؤمن أنَّ التمنُّع فوق الحدّ المقبول ليس من أخلاق المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ ))
[أحمد عن الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ]
الآن تغيَّر الزمان والحديث هذا له وضْع خاص! ولا يُنْكر تبدُّل الأحكام بِتَغَيُّر الأزمان، وكما قلتُ قبل قليل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام إنَّما أباح اكتِساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، فمجموع ثمن هذه يجب ألا يزيد على أجْر مثله، وليس له أن يرتفق بِشَيءٍ سِواهما. 3 ـ المؤلفة قلوبهم :
البند الرابع من مصارف الزكاة هم المؤلَّفة قلوبهم، هذا البند دقيق جدًّاً وهم الجماعة الذين يُرادُ تأليف قلوبهم، وجمعها على الإسلام، أو تثبيتها عليه، فإما لِضَعف إسلامهم، أو كفّ شرِّهم عن المسلمين، أو جلب نفعٍ في الدِّفاع عنهم، والعلماء قسَّموا المؤلفة قلوبهم إلى قسمين: مسلمون وكفار.
المؤلفة قلوبهم قسمان :
1 ـ المسلمون :
أما المسلمون فقَوْم من سادة المسلمين وزعمائهم، لهم نظراء من الكفار إذا أُعْطُوا رُجِيَ إسلام نظرائهم، فلعلَّ هذا الكافر الذي هو نظير المسلم يطمعُ إذا أسْلم أن يأخذ كما أخذ المسلم، فهذا مباح في رأي الفقهاء، كما أعطى أبو بكر رضي الله عنه عديّ بن أبي حاتم مع حُسْن إسلامه لِمَكانته من قومه، وهذا تأليفًا لِقَلبه، وتشجيعًا لِمَن هم نُظراؤُهُ أن يُسلموا مثله.
وضُعفاء الإيمان من المسلمين، مُطاعون في أقوامهم، كأن يكون زعيم قبيلة وكلمته نافذة، وله سيطرة، لكنَّه ضعيف الإيمان، فإذا أعْطيتَهُ شيئًا من مال الزكاة لعلَّه يثبتُ في إيمانه، ويزداد قربًا من الدِّين، فَيُرْجى من إعطائهم تثبيتهم، وقوَّة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد وغيره كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم هوازن، فإما أن يكون زعيمًا مسلمًا، وإما أن يكون ضعيف الإيمان له مكانة في قومه من أجل ثبات إيمانه.
وقوم من المسلمين في الثُّغور، وحدود البلاد، يُعطَون لما يُرجى مِن دِفاعهم عمَّا وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدوّ، هذا تعويض جبهة فهذا الصِّنف له أن يأخذ شيئًا إضافيًّا من مال الزكاة تثبيتًا له وتشجيعًا له ومكافأةً له على يقظتِهِ.
الفقهاء المعاصرون قالوا: على حدود الدُّوَل الإسلاميَّة، إذا كان هناك جاليات أو فئات من الناس قد تميل إلى الكفار، وقد تنضمّ إليهم، فينبغي أن نُعْطِيَهم العطايا من أجل أن نزيد ارتِباطهم بالمسلمين، فهذه المساعدات يجب أن تُعطى للدُّول الضَّعيفة التي على الحدود كي لا تنضمّ إلى دُوَل كافرة، أو لكي لا تدخل تحت حِمايتها.
البند الرابع الآن هم قَومٌ من المسلمين يُحتاج إليهم لِجِباية الزكاة، وأخذها مِمَّن لا يُعطيها بِنُفوذهم وتأثيرهم، هؤلاء إذا استخدمناهم، وجبَيْنا عن طريقهم الزكاة كُفينا مؤونة الحرب، فلو لم نستخدِمهم لَوَجَب أن نُحارب هؤلاء الذين منعوا الزكاة، فهؤلاء الذين يتوسَّطون لِجَبي الزكاة مِمَّن لهم نفوذ على من عليه دفعها هؤلاء يستحِقُّون شيئًا من مال الزكاة، فأشياء قد تكون صالحة لهذا الزمان، وأخرى قد لا تكون صالحة.
2 ـ الكفار :
أما الكفار فهم قِسْمان، من يُرْجى إيمانهُ بِتأليفه، كافرٌ تُعطيه مالاً وترجو بهذا المال أن يؤمن، كصَفْوان بن أُميَّة الذي وهب له النبي عليه الصلاة والسلام الأمان يوم فتح مكَّة، وأمهله أربعة أشهر لِيَنظر في أمره، ويختار في نفسه، وكان غائبًا، فحضر، وشَهِد مع المسلمين غزوة حُنين قبل إسلامه، وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد استعار سِلاحه يوم خرج إلى حنين وقد أعطاه النبي إبِلاً كثيرة مُحَمّلة، كانت في وادٍ، فقال: يا محمّد، هذا عطاءُ من لا يخشى الفقر، وقال: والله لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلَّم وإنَّه لأبغضُ الناس إليّ! فما زال يُعطيني حتَّى إنَّه لأحبُّ الناس إليّ، فالإنسان بالعَطاء يمكن أن يميل قلبه، أعرفُ شخصًا يُعادي الدِّين عِداءً شديدًا، وفي أيِّ مجلسٍ يجلسه يتهجَّم على الدِّين وينتقص منه، ويُبيِّن عيوب المؤمنين، إلى أن أُصيب بِمَرضٍ عُضال لا يملكُ ثمن الشِّفاء والعمليَّة، فدخل إلى بعض المساجد، وجمَّعوا له مالاً يستطيع به أن يُقيم العمليَّة في دولةٍ أجنبيَّة، وعاد لِيُلازِمَ هذا المسجد، ويدافِع عن الدِّين!! فالإنسان يميل قلبه بالإحسان، وبه تتغيَّر قناعاته، وتتبدّل عقائده، والإنسان عبد الإحسان، عَجِبتُ لِمَن يشتري العبيد لِيُعتقَهُم بِماله، كيف لا يشتري الأحرار بِإحسانه؟! لذلك أربعة أخماس الدَّعوة إلى الله إحسانٌ للخَلْق، إذا أحْسَنْتَ إليه مال قلبهُ إليك، وتعلَّق بك وبِمَبدئِكَ، وتعلَّق بِعقيدتك، وبِقِيَمِكَ، وتعلَّق بدينك، لذلك الكلام ليس وراءه إلا الكلام، ولكنَّ الأعمال الطيِّبة هي التي تبثّ المواقع في النفوس.
النبي عليه الصلاة والسلام قال: "بُعِثْتُ بِمُداراة الناس"، فأعظم شيءٍ بعد الإيمان بالله التودُّد إلى الناس، والعربُ فتَحوا القلوب بإحسانهم قبل أن يفتحوا البلاد بِسُيوفهم، وهذا الدَّرس لنا، قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
إذا أردْت أن تهدي زوجتك لا تَكُن قاسيًا معها، فقَسْوَتُك معها تزيدها منك نفورًا، وكذا مع أولادك، يا داود ذَكِّر عبادي بإنعامي عليهم فإنَّ النفوس جُبِلَت على حبّ مَن أحْسنَ إليها، وبغض من أساء إليها، وأنت لن تستميل هذه القلوب إلا بالمودَّة، والإحسان، والعَطْف، والحِلم، والصَّبر، وعلِّموا ولا تُعنِّفوا فإنَّ المعلِّم خير من المعنّف، قال لي أخ: كنتُ طفلاً صغيرًا فدَخَلتُ إلى بعض المساجد لأُصلِّي، فخرج من الصلاة فلم يجِد حِذاءهُ! تألَّم وصار يبكي، فكان هناك رجل يصلي، له دكان أمام الجامع رقَّ لي وأخذني إلى دُكانه، واشترى لي حذاءً جديدًا، فقال: والله الذي لا إله إلا هو منذ ذلك الوقت ما تركتُ الصَّلاة، ثَمَنُ هذا الحِذاء فعَلَ في قلبهِ فِعْل السِّحْر.
البند الآخر في الكفار هو مَن يُخْشى شرّه فَيُرْجى بإعطائِهِ كفَّ شرِّه، النبي عليه الصلاة والسلام قال: من يقطع لسان فلان؟ فهناك من فهم القطع الحقيقي! أما صحابي آخر فكان فهمه أرقى، فذهب إلى ذاك الأخ وأحْسن إليه، فكان إحسانه لهذا الرجل البذيء والمتهجِّم قطْعٌ لِلِسانِهِ، قال لي شخص: لي جارٌ سيّئ، يعلو عليّ بالصِّياح، ويرمي عليّ الأوساخ، ويتهجّم على أولاده، فأرْسَلَ له هدِيَّة، وثاني أسبوع هديّة ثانية، وكذا في الثالث، فأصبح هذا الجار كالملائكة!! فطريق الإحسان أسْرع وأجْدى وأكثر فعاليَّة من طريق العُدوان، فأنت بإحسانك للشرير تكفّ شرّه عنك.
قال ابن عباس: "إنَّ قومًا كانوا يأتون النبي عليه الصلاة والسلام فإن أعطاهم مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دينٌ حسن، وإن منعَهم ذَمُّوا وعابوا! فكان يقطعُ ألسنتهم بالإحسان إليهم، فأصبح الحاصل أنّ الكفار نوعان نوعٌ يُرْتجى إيمانهم كصَفوان بن أُميَّة، ونوعٌ يُتَّقى بالعطاء شرُّهم، كهؤلاء الذين إن أُعْطوا رَضُوا، وإن منِعُوا سَخِطوا! انتهاء نصيب المؤلَّفة قلوبهم لأنَّ الله عز وجل أعزَّ دينه :
الأحناف وحدهم ذهبوا إلى أنَّ فهْم المؤلَّفة قلوبهم قد سقط وانتهى بِإعزاز الله لِدينه، فقد جاء عُيَيْنة بن حُصَين والأقرع بن الحارث وعباس بن مرداس وطلبوا من أبي بكر نصيبهم فكتب لهم به، ونصحهم أن يذْهبوا إلى عمر لِيَأخذوا موافقته، فقد كان وزيره، فجاؤوا عمر فأبى أن يُعْطِيَهم ومزَّق الرُّقْعة! وقال: هذا شيءٌ كان النبي صلى الله عليه وسلّم يُعطيكم إيَّاهُ تأليفًا لكم على الإسلام، وقد أعزَّه الله الآن، وأغناه عنكم، فإن ثبتُّم على الإسلام فلكم، و إلا فبيننا وبينكم السَّيف، فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟! بذلْت لنا الخط فمزَّقَهُ عمر، وأرادوا أن يوقعوا بينهما، فقال رضي الله عنه: هو إذا شاء، فوافق أبو بكر عمر، ولم ينكر أحد من الصحابة، كما أنَّه وافق عثمان وعلي رضي الله عنهما، فهناك من قال: هذا اجتهاد من عمر بن الخطاب، ورأى أنَّه ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبَّت الله الإسلام، ولا ضرر من ارتِدادهم فهذا جبلة بن الأيْهم جاءَ مسلمًا فرحَّب به عمر بن الخطاب، وفرِحَ بإسلامه، وأثناء الطواف بدوِي داس طرف ثوبِهِ فانخلَعَ إزاره عن كتفه فالتَفت جبلة إلى هذا البدَوي وضربهُ ضربةً هشَّمَتْ أنفه، فاشتكى هذا البدَوي إلى عمر، فاستدعى عمر بن الخطاب جبلة وقال: أصحيح ما اشتكى هذا الفزاري الجريح؟ فقال جبلة: لسْتُ مِمَّن يُنكِر شيَّا أنا أدَّبتُ الفتى أدْركتُ حقِّي بيَدَيّ، فقال عمر: أرْضِ الفتى، لابدّ مِن إرضائه، ما زال ظفرك عالقًا بِدِمائه أو يُهْشمنَّ الآن أنفُك وتنال ما فعلتْهُ كفُّك، فقال: كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يَخِرَّ النَّجم أرضًا، فقال عمر: نزَوات الجاهليَّة، ورياح العنجهيّة قد دفنَّاها، أقمنا فوقها صرْحًا جديدًا، وتساوى الناس لدينا أحرارًا وعبيدًا، فقال جبلة: كان وهمًا ما جرى في خَلَدي، عالم نبنيه كلّ صدع فيه بشبا السيف يُداوى، وأعزّ الناس بالعبد بالصُّعلوك تساوى، فالأحناف ذهبوا إلى أنّ نصيب المؤلَّفة قلوبهم قد انتهى لأنَّ الله عز وجل أعزَّ دينه.
جواز إعادة سهم التَّأليف عند الحاجة إليه :
لكن هناك مناقشة لطيفة جدًّاً، قال: ولكن هذا اجتهاد من عمر، أنَّه رأى ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء بعد أن ثبَّت الله الإسلام، وأنَّه لا ضر يُخشى من ارتِدادهم، وكون علي وعثمان لم يعطِيا أحدًا من هذا الصِّنف لا يدلّ على ما ذهبوا إليه من سقوط سهم المؤلَّفة قلوبهم، فقد يكون ذلك لِعَدم وجود الحاجة إلى أحدٍ من الكفار، وهذا لا يُنافي ثبوته لِمَن احتاج إليه من الأئمَّة على أنّ العمدة في الاستدلال هو الكتاب والسنة، وقد روى أحمد ومسلم عن أنس أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه:
((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ قَالَ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
إذًا لو صار الإسلام ضعيفًا وأصبحت الحاجة ماسّة إلى رجل يُدْفعُ شرُّه، أو يجلبُ خيره، أو يُرجى إيمانه، أو يُستعانُ به رجَعَ الحكم كما كان من قبل فهذه مناقشة لطيفة.
الشافعي له رأي وسط، فقال: لا يجوز أن تتألَّف كافرًا، أما الفاسق فَيعطى من سَهم التأليف رجاء أن يستقيم.
والظاهر أنّه يجوز أن يبقى هذا السَّهم عند الحاجة إليه، وهو أدقّ رأي فإذا كان في زمن الإمام قومٌ لا يُطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدِرُ على إدخالهم تحت طاعته إلى بالقسر والغلب فله أن يتألَّفهم، ولا يكون لانتشار الإسلام تأثيرٌ لأنَّه لم ينتفع في خصوص هذه الواقعة، فالحلّ الوسط انَّه يجوز أن يُعاد سهم التَّأليف عند الحاجة إليه، ورأي الشافعي أنَّ الكافر لا يُتَأَلَّف قلبه أما أبو حنيفة فرأيهُ أنَّ التأليف سقط بإعزاز الله للإسلام. 4 ـ في الرقاب :
البند الآخر، وفي الرِّقاب، فهؤلاء الذين هم في حيِّز العبوديَّة، يجوز أن نُعْطِيَهم من مال الزكاة شيئًا يشترون بها حُريَّتهم، فعن البراء قال: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
((عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ قَالَ لَا إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ وَاسْقِ الظَّمْآنَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنَ الْخَيْرِ ))
[أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]
و: (( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ قَالَ أَبمو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
أيُّها الشباب، الناكح المتعفِّف الذي يرجو بالنِّكاح العفاف حقٌّ على الله عَونُهُ، لذا النبي عليه الصلاة والسلام ما شكا إليه رجلٌ ضيقَ ذات يدِه إلا قال له: اِذْهب فتزوَّج!! 5 ـ الغارمون :
والغارمون هم الذي تحمَّلوا الدُّيون، وتعذَّر عليهم أداؤُها، وهم أقسامٌ فَمِنهم من تحمَّل حمَّالةً، أو ضَمِن دَينًا فَلَزِمَهُ، فهؤلاء يجوز أخذهم من مال الزكاة، أو المستدين لِحاجة ماسَّة، أو في معصِيَةٍ تاب منها، فهؤلاء جميعًا يأخذون من مال الزكاة ما يفي ديونهم فقط، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثٍ ذِي دَمٍ مُوجِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
الأوّل التصق بالتراب، والثاني عليه دَين كبير، والثالث عليه أداء الديَّة.
وروى مسلم عن أبي سعيد: (( أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
اشترى ثمارًا بمئة ألف، فإذا هي كاسدة، فصار عليه أن يدفع الثمن لِصاحب البستان، ولم يدفع ثمن هذه البضاعة، هذا يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة، وقد ساقني هذا الموضوع إلى موضوع التأمين، فقد سألني اليوم شخص، فقلتُ له: التَّأمين حرامٌ قَولاً واحدًا لأنَّ الأمن لا يُباع ولا يُشْترى، والأمْنُ بيَدِ الله، ومن باعك الأمْن فقد باعك شيئًا لا يملِكُهُ أما التأمين الإجباري فهذا سقط اختيارُكَ فيه، ولكنَّ الإسلام أباح التأمين التعاوني، لو فرضنا أنَّ بأحد أسواق المدينة مصلحة من المصالح إذا اتَّفق تجار مؤمنون وقرَّروا أن يدفعوا واحداً بالمئة من ثمن بضائعهم باستمرار ويضعونها في صندوق، فإذا تلف مال أحدٍ منهم، أو احترق دكانه، أو فلَّس، يأخذ هذا الإنسان من هذا الصُّندوق، وهذا جائز في الإسلام، وهو عمل طيب فالتأمين محرّم لأنَّهم يأخذون الشيء من دون عِوَض.
ذكر لي أحدهم أن بعض التجار متَّفِقون فيما بينهم أن إذا أُصيب أحدهم بِنَكبة يقدِّمون له المساعدة الكافية، هكذا الأصول، وهذا هو الإسلام، إلا إذا كان الشيء احتيالياً، كما يجري الآن، وفي درس قادم إن شاء الله نتابع مصارف الزكاة.

السعيد
09-11-2018, 08:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و السبعون )


الموضوع : مصاريف الزكاة -2








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
مصارف الزكاة :
1 ـ ابن السبيل :
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في مصارف الزكاة، أي الوجوه التي حدَّدها ربنا سبحانه وتعالى في صرْف الزكاة، وصلنا إلى المصرف السابع وهو في سبيل الله.
الحقيقة، هذا المصرف واسِعٌ جدُّاً في سبيل الله أي الطريق الموصل إليه، ومعنى إلى الله تعالى أيْ إلى مرضاته من العلم والعمل، فهو سبحانه لا يرضى عنك إلا إذا كنتَ عالمًا، ولا يرضى إلا إذا عملتَ بما تعمل، وما اتَّخذ الله وليًّاً جاهلاً، ولو اتَّخَذهُ لعلَّمَهُ، ولو تعمَّقتَ في أسرار الحياة لوَجَدت أنّأ أثمنَ شيءٍ في الكون أن تنال مرضاة الله عز وجل، فقد تُرضي إنسانًا له شأنٌ في الدنيا، وقد يرضى عنك إنسان له منصِبُهُ فلا يسعُكَ عقلك، فكيف لو أنَّ الله سبحانه وتعالى رضِيَ عنك؟ وكيف أنّ الذي خلق السموات والأرض رضي عنك؟ وكيف لو أنَّ الذي لا شيء قبله ولا شيء بعده رضي عنك؟ قال تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 3 ]
لا حدود لقدرته، ولا حدود لغِناه، ولا حدود لرحمته ورأفته، هذه الذات الكاملة ما أعظمها وما أصغرك، إنَّكَ تنال رضا الله عز وجل. العلم والعمل الصالح يقربان الإنسان من الله عز وجل :
لذلك قد أقرأ في الكتب: فلان يحمل الشهادة الفلانيّة دكتوراه، وبورد، وقد أقرأ اسم صحابيّ كُتبَ بِجانبه رضي الله عنه، لو تعمَّقْت لوَجَدْت أنَّ أعلى رتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يرضى الله عنك، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أشدّ مِحنةٍ واجهها، لما ذهب إلى الطائف، وحينما ردَّهُ أهلها وسَخِروا منه، وأبَوا أن يستجيبوا له، وبالغوا في إيذائه الْتَفَتَ إلى الله تعالى وقال: إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكنَّ عافيتك أوسع لي، فليس لك سبيل إلى أن تصل إليه، ولكن سبيلك إلى أن تصِلَ إلى مرضاته مِن العلم والعمل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "لا بوركَ لي في يوم لم أزْدد فيه من الله علماً"، العلم والعمل الصالح يُقرِّبانك، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف: 19]
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾
[ سورة الإسراء: 79]
ما منَّا واحد إلا وله مقامٌ معلوم، هذه المرتبة تُحصِّلها بِعِلمك وعملك، ولا تنس أيها الأخ الكريم أنَّ رتبة العِلْم أعلى الرُّتَب، والله الذي لا إله إلا هو شَعَرتُ قبل يومين أنَّ ليس في الأرض شيئاً؛ لا مالها، ولا جاهها، ولا سلطانها، ولا زينتها، ولا قصورها، ولا ما فيها من مباهج يعْدِلُ أن تكون عالمًا بالله تعالى، فرُتْبة العلم بالله تعالى أعلى الرُّتَب، فسبيل الله هو الطريق الموصِلُ إلى مرضاته من العلم والعمل، وجمهور العلماء قالوا على أنَّ المراد به هنا الغزو في سبيل الله، فلماذا تجدون مسلمين في بقاع الأرض مستضعفين؟! لأنَّ هذه الفريضة تركوها، ولمَّا تركوها قَوِيَ أعداؤُهم، وحملوهم على الكفر، وترك دينهم، وشرَّدوهم، فأخبار المسلمين في بعض الدول شيء يتفطَّر له القلب، بِسبب أنَّ هذا المصرف من مصارف الزكاة قد عُطِّل، وأنَّ سهم سبيل الله يعطى للمتطوِّعين من الغزاة الذين ليس لهم مرتَّب من الدَّولة، فهذا يُغطِّي نفقات الدَّعوة إلى الله تعالى، فالدَّعوة إلى الله تعالى قد تأخذ شكلاً بيانيًّاً، فطبعُ الكتب الثمينة وتوزيعها، وإنشاء الجامعات الإسلاميّة، وإرسال دعاة إلى هذه البلاد الجاهلة التي سيْطَر عليها الاستعمار، وإنشاء المراكز الإسلاميّة؛ هذا كلّه في سبيل الله تعالى، ويوم كان النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام يفتحون البلاد عن طريق الجيوش أيضًا في سبيل الله، فالقصْد أن توصِلَ الحق لأهله، وأن تنشر الدِّين.
هؤلاء لهم سهم من الزكاة يُعْطَونَهُ، سواءٌ كانوا من الأغنياء أو الفقراء فهذا الذي ينشر الإسلام له أجره، وهذا الأجر يستحقّه، سواءٌ أكان غنيًّا أم فقيرًا، وقد تقدَّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ ))
[ أبو داود عن عطاء بن يسار]
منهم الغازي في سبيل الله. عدم جواز صرف أموال الزكاة ليحج بها بعض المسلمين :
ولكنَّ الحجّ بهذه المناسبة ليس في سبيل الله فإياكم أن تسيئوا فهم هذه العبارة، أي لا يجوز صرف أموال الزكاة لِيَحُجَّ بها بعض المسلمين، لأنَّ الحجّ فريضة على المستطيع، وغير المستطيع لا حجّ عليه، فلو دُفِعَ لهذا الفقير مبلغ من المال لِيَحُجَّ به فهذا ليس في سبيل الله تعالى.
حدَّثني أخٌ أنَّ رجلاً ميسورًا أقسَمَ لي أنَّه ما ذهب إليه أحد طالبًا مبلغًا من المال، أي لأسرة فقيرة، أو عمليَّة جراحيّة، أو ترميم مسجد، أو تفقّد أسرة على وشك الانهيار، إلا وقال لي: خُذْ المبلغ الذي تريده، ولكن قلْ لي: أَأُسَجِّله من الزكاة أم من الصَّدَقة؟! فَبِناء المسجد مثلاً يكون بأموال الصَّدقات، ولكن قال العلماء: يجوز أن يُبنى المسجد بأموال الزكاة في حالات نادرة؛ ما هي هذه الحالات؟ لو أنَّ بلدةً ليس فيها مسجدٌ والصلاة معطَّلة، وصلاة الجمعة معطَّلة في هذه البلدة لا بدَّ من أن يُنشأ فيها مسجدٌ ولو كانت نفقاته من أموال الزكاة، فأحيانًا تُلقى خطبة فيهْتزُّ لها السامعون فلعلَّ بعضهم يتوب، ويُقْلع عن هذا الذَّنب، ويندفع إلى العمل الصالح، فلا بدّ من عمل صالح.
قلتُ لأحدهم قبل يومين: الإنسان كالبطاريَّة، تحتاج من حينٍ لآخر إلى شَحن فإذا كان الشَّحن منظَّماً في كلّ أسبوع، هذا يكون دائمًا بِحالة جيِّدة، أما إذا كان الشَّحن متقِّطعاً أو غير منتظم أو منعدماً يكون الإنسان بحاجة ماسّة إلى شحنات، فإذا ترك الإنسان الجمعة ثلاث مرات من غير عذر نكَتَتْ نكتة سوداء في قلبه، ثمّ يكون الران، فالمؤمن متميِّز، قال أحدهم: كثير من المشايخ لا يرضون الناس، وهذا الشخص طبيب ومعه بورد، فقلتُ له: كم سنة درسْت حتى أخذت هذه الشهادة؟ فقال: سنوات وسنوات، ومظهرك لباس أبيض وواضِع نظارات، فلو جاء أُمِّيٌ وتشبَّه بك، هل يصبحُ طبيبًا؟! الطبّ عِلْم، وكذا المَشْيَخة ليست زيّاً ولكن عِلم وعمل، فالشيخ لا بدّ أن يكون له قلب يسَع الناس، ويحتمل الأذى، ويعطف عليهم، وقلب لا يسأل لنفسه أبدًا، فالدعوة إلى الله علم وقلب، فالعلم وحده لا يكفي، فقد يغترّ الإنسان بعلمه، ويستغني عن الله تعالى والحديث الشريف يقول: "خفت عليكم ما هو أكبر من الذنب العجب" لذا أحد العارفين يقول: "ربّ معصيّة أوْرثت ذلاً وافتقارًا خير من طاعة أورثت عِزًّاً واستكبارًا"، ففي سبيل الله إذًا أيْ في سبيل الوصول إلى الله عز وجل.
أهم ما ينفق في سبيل الله :
في بعض التفاسير: يزيد الصرف من هذا السَّهم على تأمين طرق الحجّ لا يجوز أن تُدْفعَ الزكاة لِفقير يحجّ بهذا المال، ولكن تأمين طرق الحجّ واستراحات على الطريق، وحِراسة على الحجاج، وتأمين المياه على الطريق، وأسباب الأمن للحجاج، فإنشاء المستوصفات على طرق الحج هو في سبيل الله، وإرسال بعثة تُرافق الحجاج، وتقوم بِخِدمات حقيقيَّة من معالجة وإسعاف هو في سبيل الله، وأماكن الاستراحة هذه كلّها في سبيل الله، ويجوز أخذها من مال الزكاة.
وفي سبيل الله تعني كلّ المصالح الشرعيَّة العامة التي تتعلق بأمر الدين، فلو فرضنا أنشأنا مرصداً لِرَصد القمر فرضًا، هذا في سبيل الله، من أجل ضبط التوقيت، فأيّ شيء يُعينُ على إقامة الشعائر من صلاة وصيام وحج وزكاة هو من باب سبيل الله.
وأولاها الاستعداد للحرب لِنَشر الإسلام، ونشر الحق في الآفاق، وتعميم الفضيلة، وتنوير العقول، وتحرير الأذهان من الوثنيّة والشِّرك، هذا كلّه في سبيل الله، وأعدى أعداء الإنسان الجهل، فشَعب الهند يعبدون البقر، ويضعون في غرف البيوت روث البقر تبرّكًا به، والشعب في فقْر مدقع، حدَّثني رجلٌ زار الهند فقال لي: يضعون فواكه لإلههم بوذا كمِّيات منقطعة النظير، ويظنون أنّه يأكلها ليلاً، ولكنّ الكهنة هم الذين يأكلونها! لذا الحمد لله على دين الإسلام، ومن لا عقل له لا دين له، ومن لا دين له لا عقل له، قال لي أحدهم شاهد عيان دخل إلى مطعم بآسيا الشرقيّة فإذا بهم يأكلون القرْد!! وبعض الشعوب تأكل لحم الكلاب! وهناك نقطة دقيقة جدًّاً وهي أنَّ الإسلام منَعَ العقل من إحداث تغيير أو تبديل أو إضافة في شأني العقيدة والعبادات، ولكن أمرهُ أن يبْحث عن سرّ العبادات، أما أن تبحث عمَّا يروق لك فهذا ليس من الدِّين، ولو حكَّمنا العقل في الدِّين لأُلْغِيَت الزكاة، والصلاة، فالعقل ليس مسموحًا له أن يضيف أو يبدّل في العقيدة والعبادات، فالأصول لا مجال للعقل أن يحدث فيها، وهو ما قاله علماء الأصول.
ومن أهمّ ما يُنفقُ في سبيل الله إعداد الدُّعاة إلى الإسلام، وإرسالهم إلى بلاد الكفار مِن قِبَل جمعيَّات منظَّمة تُمِدُّهم بالمال الكافي، كما يفعل الكفار في نشر دينهم، ويدخل في هذه النفقة المدارس، وتعليم العلوم الشرعيّة وغيرها ممَّا تقوم به مصلحة المسلمين، ويُعْطَى مُعَلِّمو هذه المدارس الذين ينقطعون عن الكسب من أجل التدريس، ولا يعطى العالم الغني، فالتعليم في سبيل الله تعالى.
المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدق:
ابنُ السَّبيل هو الباب الثامن من أبواب الزكاة، اتَّفق العلماء على أنَّ المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من مال الصدقة، فأحيانًا يكون المسافر غنيّاً، وله شأن، وله قيمته، ولكنَّه فقدَ محفظة نقوده، حدَّثني أخ أنَّه في مطار لندن يستعمل بعضهم طرقاً خبيثة لاغتصاب أموال الناس، فَحُسن الظنّ بالغرب أحد أنواع الغباء، فلا شكّ أنَّ هناك اختلافاً بيننا وبينهم ولكن لا ينبغي أن تنزِّههم كُليّاً عن السرقة والجريمة، ففي أمريكا تُرْتَكَبُ في كلّ ثلاثين ثانية جريمة سرقة أو قتل أو اغْتِصاب، فابن السبيل هو المسافر المنقطع عن بلده يُعطى من الصَّدقة ما يستعين به على تحقيق مقصده، فإن كانت لك نيَّة في دفع ثمن التذكرة لطالب فَخُذْه وادْفع عنه التذكرة هذا إن كان صادقاً، أما إن كان كاذبًا فقد يرفض الذهاب معك.
اشترط بعض العلماء أن يكون هذا السفر في طاعة، أو في غير معْصيَة ففي بعض بلاد النَّفط تعوّد أهلها أن يقضوا آخر الأسبوع في لندن في سهرات ساخطة، هذا إن سُرِقَ ماله هناك، فلا حقّ لإعطاء أمثال هؤلاء من مال الزكاة، لأنّ هذه السَّفرة في سبيل الشيطان، وأما في السفر المباح فقد اختلفوا، وابن السبيل عند الشافعيّة قسمان: من يُنشىءُ سفرًا من بلدٍ مقيم به، ولو كان وطنه، فلو أنّ واحدًا جاءتهُ برقيَّة أنَّ ابنه في مستشفى، ولا تسمح حالته بالذهاب، حُمِلت هذه الحالة على أنَّها من حالات ابن السبيل، فلو كنتَ مقيمًا في دمشق، واضْطررتَ أن تذهب إلى بلد لِتَرعى ابنك المصاب بِحادِث، ولا تملك ثمن التذكرة، يمكن أن يكون هذا السفر الذي أُنشأ من بلد الإقامة تحت عنوان ابن السبيل.
أو غريبٍ مسافر يجتاز بلاد المسلمين، هذا كذلك ابن السبيل، وكلاهما له الحق في الأخذ من الزكاة، ولو وجدَ من يقرضُه كِفايتَهُ، له الحق أن يأخذ من مال الزكاة ما يوصلهُ إلى بلده.
أما عند الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى ابن السبيل هو المستحقّ للزكاة ويختصّ بالمجتاز دون المنشئ، أما الذي ينطلق من بلده فهذا الفقير، وله باب آخر، ولا يُعْطى من الزكاة من إذا وَجَد مقرضًا يقرضُهُ، وكان له من المال ببلَدِهِ ما يفي بِقَرْضِهِ، فهذا رأي الإمام مالك وأحمد على عدم جواز من وجد من يقرضه أن يأخذ من مال الزكاة.
اختلاف الفقهاء في توزيع الصدقة على المستحقِّين :
سؤال دقيق الآن: توزيع الزكاة على المستحقِّين كلِّهم أم بعضهم؟ الأصناف الثماني المستحِقُّون في الزكاة المذكورون في الآية:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 60]
وقد اختلف الفقهاء في توزيع الصدقة عليهم، فقال الشافعي وأصحابه: إن كان مُفَرِّق الزكاة هو المالك أو وكيلهُ سقطَ نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الأصناف السبع الباقين إن وُجدوا، و إلا فللموجود منهم، ولا يجوز ترْك صِنفٍ منهم.
لكنَّ أحد العلماء قيَّد هذا الرأي بأن يكون المال كثيرًا، يحتمِل الأجزاء كلَّها فلو فرضنا أنّ الدولة جمعت الزكاة، ومعها حوالي ثلاثمئة مليون، ممكن أن توزّع هذه الأموال على كل الأصناف لأنَّه يسعهم، أما إن كان قليلاً فجاز أن يودَعَ في صِنفٍ واحدٍ، كان تُدفع الزكاة للتعليم الشرعي، والإنفاق على طلبة العلم، فالإنفاق عليهم في سبيل الله، وقال الإمام مالك: تفريقها أولى ويجتهد ويتحرَّى موضع الحاجة منهم، ويُقدَّم الأولى فالأولى.
وقال الأحناف: الإنسان مخيَّر أن يضعها في أيّ صنفٍ شاء، وهذا مرويّ عن حذيفة بن اليمان وابن عباس وعطاء، لو كان أحدهم معه عشرة آلاف، وله قريب ينام أولاده وبناته في غرفةٍ واحدة، وفي سنّ الشباب، فهذا شيءٌ مزعِج ومخالف للشَّرع، فدَفَعَ زكاة ماله لإنشاء غرفة إضافِيَّة لِيُفرِّق بها بينهم، فهذا العمل أولى، وهي لِشَخصٍ واحدٍ.
وسوف نأخذ في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى من تحرم عليهم الصدقة وهم الكفرة والملاحدة، وبنو هاشم، لماذا بنو هاشم؟ لأنَّ الصَّدَقة لا تحلّ لا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولا لأهل بيته، كما أنَّها لا تحل للآباء والأبناء، ولا للزوجة، لأنَّ هذا احتيال على الشرع وسوف نفصِّل هذا في درسٍ قادم.

السعيد
09-11-2018, 08:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و السبعون )


الموضوع : من هم اولى بالزكاة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
استحباب إعطاء الزكاة للصالحين :
أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الزكاة، وربما ينتهي معنا في هذا الدرس استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين.
حينما يُعطى غير الصالح المال ينفق هذا المال في غير الوجه الذي أمر الله به، أيْ إذا كان الفقير مُحتاجًا إلى هذا المال مرَّة، فالفقير المؤمن مُحتاج إلى هذا المال مئة مرَّة! فالفقير المؤمن مستقيم، وعنده حياء وعِزّة وكرامة، هذا ينفق المال في القربة من الله تعالى ، ينفق المال على عياله، فأن تبحث على الفقير فقط هذا ليس من الصَّلاح في شيء، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَتْقِيَاءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
وإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فأحيانًا تلتقي مع إنسان تشعر أنَّه متألّم ألمًا لا حدود له، والسَّبب أنَّه قدّم خِدمة كبيرة لإنسان وكان هذا الإنسان لا يستحقّها، وكفر بها، وجحد هذا الفضْل، وتنكَّر له، فإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فهؤلاء الذين لا ينْسَون المعروف، وعلامة المؤمن أنَّه إذا فعل معروفًا لا يذكرُهُ أبدًا، وكلَّما ارتقى إيمانهُ لا يذكرُ ولا مرَّةً واحدة هذا المعروف، وعلامة المؤمن أيضًا أنَّه إذا فُعِل معه معروف لا ينساه أبدًا ما كان على قيْد الحياة، فإذا قال لك أحدهم: لك فضل عليّ، ولا أنساه لك، فهذه علامة إيمانه، وإذا أراد أن يُنكرَ هذا الفضْل فهذه علامة الفِسْق والفجور، لذلك الإنسان إذا كان عمله الطيِّب وضعه عند المؤمنين فأغلب الظنّ أنَّ هؤلاء المؤمنين تزداد محبَّتهم له، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، والمؤمنون بعضهم لبعض نصَحَةٌ مُتَوادُّون، ولو ابتَعَدَت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غَشَشَة متحاسدون، ولو اقتربَتْ منازلهم، أما أن يُلقي الإنسان ماله جزافًا هكذا، وانتهى الأمر، كهذا الحاج الذي يذبحُ الهَديَ ويُلقيه في الطريق، أهكذا أمر الله عز وجل؟! خالق السموات والأرض، وخالق هذه النِّعَم أهكذا أمرَك؟ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[ سورة الحج: 36]
أمر إلهي واضِح كالشمس. ما من حكم إلا و له حكمة :
الإنسان عليه أن يبحث عن حِكمة الأحكام، فالأصوليُّون قالوا: ما مِن حكمٍ فقهي إلا ووراءهُ حكمة، فإذا تعطَّلَت الحِكمة تعطَّل الحكم! فالنبي عليه الصلاة والسلام أوقفَ حدَّ قطع اليد في غَزْو، والله عز وجل يقول في القرآن الكريم:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة: 38]
أمر صريح وواضح، ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيُعَطِّل هذا الأمر في الغَزْو ما حِكمة ذلك؟! لأنَّ هذا الذي يسرق في الحرب لو أردتَ أن تقطَعَ يدهُ ينضمّ إلى صفّ الأعداء فَوْرًا حتَّى ينْجُو من قطْع اليد فإذا انضمّ إلى صفِّهم نقل أخبار الطَّرف الثاني، فكان قَطْعُ اليد في الحرب وبالاً على المسلمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام لِما أراه الله من حِكمة قَطع اليد رأى أنَّ هذا الحدّ لا يُطبق أثناء الحرب، فهو في السِّلم حياة قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 179]
لكنّ قطع اليد في أثناء الغزو يعود على المسلمين بالضَّرر، فما من حكم إلا وله حكمة، هكذا تشتري الهَدي بأربعة آلاف ليرة، وتذبحها في الطريق، ثمّ ترميها كي تملأ الجوّ بريحها النَّتِن! أهذا هو الدِّين؟! قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾
[ سورة الحج: 36]
على المزكي أن يجتهد قبل أن يعطي زكاته :
عنوان فصلنا استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين، فحينما لا يبقى صالح محتاج أعْطِ غير الصالحين، أما إنسان مؤمن ومستقيم، ويُقيم الشَّرع في بيته، وهو محتاج إلى مبلغ من المال، تتركه وتعطي المال لآخر يمضي سهراته وراء أجهزة اللَّهو، و لا ينضبط بالشّرع، فهذا الذي قاله العلماء: الزكاة تعطى للمسلم إذا كان من أهل السِّهام، وذوي الاستحقاق إلا إذا عُلِم أنّ سيَسْتعين بها على ارتِكاب ما حرَّم الله تعالى: فإنَّه يُمْنعُ منها سدًّا للذَّريعة، فإذا عُلِم أنَّه سينْتَفِعُ بها فإنَّه يُعطى منها، وإن لم تعرف المحسنين فاسأل الذين يعرفون، فاجْتهِد قبل أن تعطيّ هذا المال أن يكون لِمَن يسْتَحِقَّه، ولك الأجر الكامل، أما لم تجتهد فليس لك شيء!
على المزكي أن يخصّ بزكاته أهل الصلاح و العلم :
وينبغي أن يخصّ المزكِّي بِزَكاته أهل الصَّلاح، والعلم، وأرباب المروءة، قال ابن تيميَّة: فمن لم يُصَلِّ من أهل الحاجات لم يُعْط شيئًا حتى يتوب ويلْتزِمَ أداء الصَّلاة! بين الرجل والكفر ترك الصلاة، من تركها فقد كفر جهارًا، كحال الذي يُدَخِّن، ويُدَخِّن ماركة مشهورة، تعطيه مالك الذي حصَّلْتَهُ بِكَدِّك وعرقِ جَبينك لِيَشْتري الدُّخان!! ولِيَشتري ما يؤذيه ويؤذي غيره!! هذا رأي ابن تَيْمِيَّة رحمه الله تعالى، وهذا حقّ، فإنَّ ترك الصَّلاة إثم كبير، ولا يصحّ أن يُعانى مُقْترفها حتى يُحْدِث لله تعالى توبةً، ويُلْحقُ بِتارِك الصلاة العابِثُون والمستهترون الذي لا يتورَّعون عن منكر ولا ينتهون عن الغيبة، والذين فسَدَت ضمائرهم، وانطمست فطرهم، وتعطَّلت حاسَّة الخير فيهم، فهؤلاء حالهم الاستهزاء بالدِّين، وعدم المبالاة به، ومفرِّط، هذا الصِّنف لا يُعْطَون من الزكاة إلا إذا كان العطاء قِياسًا على المؤلَّفة قلوبهم، أو أنَّ هذا العطاء يُوَجِّهُهم الوِجهة الصالحة، ويُعينهم على صلاح أنفسهم بإيقاظ باعث الخير، إلا إن غلَبَ على ظنّك أنَّ هذا المقصِّر في الدِّين إذا أعْطَيتَهُ جلبْتَهُ، وألَّفْت قلبه، وحملتَهُ على التَّوبة فإذا غلب على ظنّك ذلك فأعطِه، فإنَّ إعطاءك إيّاه ينضوي تحت المؤلَّفة قلوبهم.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل هذا السَّهم، حينما رأى أنَّ هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم انتهى دوْرهم، كانوا عندما كان الإسلام ضعيفًا، فلما استغنى الإسلام وأصبح دولة قويَّة استغنى عن هؤلاء، فإذا ضعف الإسلام وأصبح أعداء الدِّين هم الأغنياء، وصار بإمكانهم أن يجلبوا الناس بالمال كأنّ سهم المؤلّفة قلوبهم في مثل هذه الحالة ينبغي أن يعود اسْتِجلابًا لقلبه.
جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها إن كان فقيراً :
إذا كان للزّوجة مال تَجِبُ فيه الزكاة فلها أن تُعطيَ زوجها المستحقّ للمال من زكاتها لأنَّه لا يجبُ عليها الإنفاق عليه، وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطت الأجنبي لأنَّه أقرب الناس إليها، فلو ورِثَت الزوجة من أبيها ثلاثمئة ألف ليرة، فهذا عليه زكاة، وزوجها موظّف ودخله محدود، فأعْطَت هذا المبلغ لِزَوجها، هذه أجرها مُضاعف.
((عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ))
[البخاري عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه]
هناك بعض النِّساء من معهنّ مال، وعليه زكاة، وترى رأي العَين زوجها في المِقلاة، ولا تُبالي، فهذه الزَّوجة ليْسَتْ وَفِيَّة، والإمام مالك له رأي بهذا الموضوع فإذا كان الزَّوج يستعين بما أخذهُ منها على نفقتها فلا يجوز، فلو استحقّت سواراً من ذهب، فلم يستطع أن يشتريها لها، فدَفَعَتْ له زكاة مالها كي يشتري لها هذا السوار فهذا احْتِيال على الشّرع، أما إذا أنفقهُ على أولاده، ولِتأمين غرفة إضافيّة للأولاد، ولِفَصْل الذُّكور على الإناث فعندها يجوز.
أبو حنيفة رحمه الله له رأي ثان، أنها لا يجوز لها أن تدفع له من زكاتها وإنّ حديث زينب وردَ في صدقة التطوّع، لذا اختلاف أمَّتي رحمة. جواز دفع الزكاة للأقارب :
أما سائر الأقارب كالأخوة والأخوات والأعمام والأخوال والخالات فإنَّه يجوز دَفعُ الزكاة إليهم إن كانوا مُسْتحقِّين في قول أكثر أهل العلم، لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ ))
[النسائي عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ]
قبل أن تُعطي مالك للآخرين انظر في أقاربك من الأخوال والأعمام وأبناء الأخ أو الأعمام، فقبل أن تُعطي الغريب أعْطِ القريب، فهذا الذي يخجل أن يسأل وتعرف أنت حاله فالذي يتفقَّد أقاربه وأحوالهم ومعيشتهم وأمراضهم وأفراحهم؛ صلة الرَّحِم أمر إلهي، وسنَّة نبَوِيَّة. إعطاء زكاة العلم لطلبة العلم دون العبّاد :
قال الإمام النَّووي رحمه الله: لو قَدَر إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد، العابد المعتكف في المسجد للعبادة والصلاة، فهذا لا ينبغي أن يُعطى من الزكاة، ورضي الله عن إمامنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان جريئًا، فقد رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار فقال رضي الله عنه: إنَّما أُنزل هذا القرآن لِيُعْمَلَ به أفاتَّخَذْتَ قراءته عملاً؟! إنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً بالنَّهار لا يقبله إلا بالليل، أنت شاب ولك زوجة وأولاد وهم جِياع، ماذا تعمل في المسجد؟ أنت عابد والعابد لا يستحقّ من أموال الزكاة! ولكنَّ طالب العلم يُحصِّل العلم من أجل تعليمه، فهذا إنسانٌ مُنْتِج، فكَلِمَةٌ من العالم تنقذ أمَّة، ومن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعًا، لذلك يُعطَى طالب العلم من أموال الزكاة دون العُبّاد! فطلبة المدارس الشرعيَّة، وكليَّات الشريعة في الجامعة، الذين جاؤوا من بلاد أخرى، يتعلَّمون الشريعة الإسلاميَّة لِيَعودوا إلى أقوامهم مُبلِّغين ومنذرين، هؤلاء يستحقُّون من أموال الزكاة، وهو حقُّهم، وكذا الذي يتفرَّغ لِطَلب العلم من دون مدرسة شرعيّة، فهذا جلس لِيَعرف الله عز وجل، ويُرْوى أنَّ الإمام أبا حنيفة قال: "سَمِعتُ حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام وأنا في الحج، وهذا الحديث يقول: من طلب العلم تكفَّل الله له بِرِزْقه!" أنا أفهم هذا الحديث فهمًا خاصًّا، فليس المعنى أن يدرس الإنسان الشريعة، أو يلازم مجالس العلم، ثمّ ينتظر الباب كي تأتيه النقود، ليس هذا هو المعنى، ولكنّ المعنى أنَّه من طلب العلم يسّر الله له عملاً، فَتَجِد أنَّ وقته قليل، ودخله كثير، لأنّه ابْتغوا الحوائج بِعِزَّة الأنفس، فإنَّ الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذِلّ نفسه، فليس معنى الحديث أن يجلس الإنسان بِبَيْتِه، وينتظر كي تأتيه الأموال، ولكنّ الحديث أن تقوم وتعمل، فالإمام أبو حنيفة تاجر، فالعمل شرف في الإنسان، ولكن هناك أعمالاً مرهِقة، وتستغرق وقتًا طويلاً.
قال الإمام النووي: لو قدر طالب العلم على كسبٍ يليق بِحاله لفعل، إلا أنَّه مشتغل بِبَعض العلوم الشرعيّة، بِحيث لو أقبل على الكسب لانْقطَع عن التَّحصيل، حلَّت له الزكاة، ولأنّ تحصيل العلم فرض كفاية، أليس من العار أنْ يكون الكفار الأجانب بِمُعظم الجامعات طالب العلم يُعطونه عملاً بسيطًا في الجامعة وله أجر كبير؟ إذاً نحن أولى من الأجانب والكفار.
حكم دفع المعسر دينه كزكاة :
الإمام النووي يقول: لو كان على رجلٍ معسِر دينًا فأراد أن يجعله على زكاته وقال: جعلتهُ عن زكاتي فوجهان؛ أصحُّهما أنَّه لا يجزئه، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، لأنَّ الزكاة في ذِمَّته، والثاني يجزئه، وهذا مذهب الحسن البصري، حدَّثني شخصٌ قال: لنا مع شخص مبلغ بعناه بضاعةً وهذا الشَّخص تُوُفِّي، ترك طفلين صغيرين في السنة العاشرة، ولا يقوَيان على كسب القوت، فسامحناهما بهذا المبلغ، وأسقطناهما من الزكاة وهذا يجوز على رأي بعض الأئمة، فإذا كان هناك دينٌ ثابت، وأنت حينما وضَعتَ هذا الدَّين عن المدين، وكان هذا المدين مستحِقًّاً فلك أن تُسْقط هذا المبلغ من حساب الزكاة، والله سبحانه وتعالى يقبل ذلك إن شاء الله على رأي بعض الأئمة.
هنا نقطة أخرى، إنسان له مع الثاني خمسة آلاف ليرة، ولم يعْطِهِا له، ومعه مئتا ألف زكاتها خمسة آلاف، فأعطاه خمسة آلاف زكاة، وقال له هذا دَيني، فهذه حيلة شرعيّة، دفع الزكاة بِشَرط أن يردّها إليه عن دينه فلا يصحّ الدَّفع ولا تسقط الزكاة بالاتِّفاق، تبقى الزكاة في ذِمَّته، ولا يُقبل هذا العمل منه.
نقل الزكاة من بلد لآخر :
الأصل أنَّ هذه الزكاة التي جُمِعَت من مال نما في الشام، يجبُ أن تُعْطَى لِفُقراء الشام، فأسواق دمشق نمَّت أموال الناس، زكاة هذه الأموال يجبُ أن ترَدّ إلى فقراء دمشق، لأنّ الذين اشْتروا وباعوا اسْتَهلكوا أسواق دمشق، وجهود أبنائها، فَفُقَراء دمشق أولى من غيرهم، لذا قال العلماء رحمهم الله: أجمع الفقهاء على جواز نقل الزكاة إلى من يستحقّها من بلد إلى آخر بِشَرط أن يستغني أهل البلد المزكَّى عنها، فلو لم يبق في الشام ولا فقير عندئذٍ يجوز نقل الزكاة إلى فقراء حمص مثلاً، أما أبناؤكم فأولى بِزَكاة أموالكم من الفقراء.
أما إن لم يستغن قوم المزكّي عنها فقد جاءت الأحاديث مصرِّحةً لأنَّ زكاة كلّ بلدٍ تُصرفُ على فقراء أهله، ولا تُنقلُ إلى بلد آخر، لأنَّ المقصود من الزكاة إغناء الفقراء من كلّ بلد، فإذا أُبيحَ نقلها إلى بلد مع وُجود فقراء بها أفضى إلى إبقاء فقراء ذلك البلد محتاجين، ففي حديث معاذ المتقدّم أنَّ عليهم صدقَةً تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم.
وسوف نتابع هذا الموضوع وننْهيه في درس قادم، وقد تمنَّيتُ أن ينتهي ولكنَّه لم ينته.

السعيد
09-11-2018, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و السبعون )


الموضوع : الخطأ فى مصرف الزكاة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الخطأ في مصرف الزكاة :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الفقه وفي موضوع الزكاة إلى الفقرتين الأخيرتين، وهما الخطأ في مصرف الزكاة، وإظهار الصّدَقة.
أولاً: الخطأ في مصرف الزكاة، ملخَّص الموضوع لو أنَّ المسلم أعطى زكاة ماله لِمَن لا يستحقُّها، هل سقطَتْ عنه أم عليه أن يدفعها مرَّةً ثانية؟! هذا الموضوع خلافيّ، أيْ أنَّ للسادة العلماء الأجِلاَّء آراء متداولة فقد تقدَّم الكلام على من تَحِلُّ لهم الصَّدَقة، ومن تحرُمُ عليهم، ثمَّ إنَّه لو أخطأ المُزَكِّي، وأعطى من تحرمُ عليه، وتركَ من تَحِلُّ له دون عِلْمِهِ، ثمَّ تبيَّن له خطؤُهُ، فهل يجزئه ذلك؟! أم أنّ الزكاة لا تزال دَينًا في ذِمَّتِهِ حتى يضعها موضعها؟ سؤال مهمّ جدًّاً، فلو أخطأت ودفعْتَ الزكاة إلى من لا يستحقّها، فهل سقطَتْ عنك أم تبقى ذِمَّة في رقبتك؟ وهل يجزئك ذلك أم أنّها تبقى واجبة عليك؟ هذا هو السؤال!
اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة، فقال أبو حنيفة ومحمد والحسن وأبو عبيدة: يجزئه ما دفعهُ، ولا يُطالب بِدَفع زكاةٍ مرَّة أخرى، فاختلاف أئمةّ المسلمين رحمة واسعة، فلو أنّ أحدهم دفع الزكاة بِشِقّ الأنفس، لو طالبتهُ أن يدفعها مرَّةً ثانية، لأنَّه أخطأ في مصرفها لرفض، وربما ارتدّ، نقول له: الإمام أبو حنيفة يقول: إن أخطأتَ في دَفْع الزكاة إلى من لا يستحقّها سقطَت عنك، وللعلماء عبارة مشهورة: سقط الوُجوب وإن لم يحصل المطلوب.
(( عن معن بن يزيد قال: كان أبي أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتها وأتيْتُهُ بها، فقال: والله ما إيَّاك أردتُ فخاصمْتُهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: عَن مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ رَضِي اللَّه عَنْه حَدَّثَهُ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ ))
[البخاري عن معن بن يزيد]
وبعض العلماء وجَّه هذا الحديث على أنّ الاحتمال في أن تكون هذه الصَّدَقة نفلاً، إلا أنَّ لفظ ما في قوله: لك ما أخذْت، ولك ما نوَيْت، قال علماء الأصول: يفيد العموم. كلّ شيءٍ وقعَ على وجه الأرض أرادهُ الله :
هناك قِصَّة رُوِيت عن أبي هريرة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام روى قصَّة عن رجل من بني إسرائيل قال رجل من بني إسرائيل لأتصدَّقنّ الليلة بصدقة فخرج بِصَدقته فوضعها في يد سارق فأصبح الناس يتحدَّثون:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ: رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
تعليقي على هذه القصَّة، أنَّ الخطأ الذي يرتكبهُ الإنسان، عند الإنسان خطأ، ولكن عند الله ليس بِخَطأ، إنّما يوظَّف الخطأ لِحِكمة بالغة، وأنا لا أنسى قِصَّة في هذا الموضوع؛ لي قريبة ليْسَت ملتزمة بالدِّين أخَذَت شهادة وأرادَت أن تتوظَّف بِمُوجبِها، فَطُلِبَ منها شهادة صِحِيَّة، فذَهَبت إلى المستشفى، وصوَّرَت صدرها، وبعد أيَّام جاءَت النتيجة أنَّ هناك مرضًا ساريًا في صدرها، علم أهلها بذلك فابتَعَدوا عنها، وجعلوا لها أدواتٍ خاصَّة، هذه العُزْلة في البيت، وهذا الخوف من الاقتِراب منها، سبَّب لها أزمة نفْسِيَّة، فجعَلَتْ تبكي بكاءً مرًّاً، واعْتَزَلت الناس إلى أن صلَّت، ثمَّ تحجَّبَت، ثمّ ظهر أنَّ هناك خطأٌ في النتيجة!! فهي ليْسَت لها، وهي سليمة مُعافاة وليس بها أيّ شيء، فهذا الخطأ الذي ارْتكبهُ الموظَّف لا شكّ أنّه خطأ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى وظَّفهُ لِتَوبتها، ولكي تتوب، فإذا أخطأ الإنسان فالله تعالى لا يخطئ، والذي وقعَ أرداهُ الله قولاً واحدًا، فكلّ شيءٍ وقعَ على وجه الأرض أرادهُ الله، ولا يُعفي هذا أن يُحاسَبَ المخطئ على خطئِه، إياكم أن تخلطوا بين التوحيد وبين الشُّعور بالمسؤوليَّة! إذا أخطأ إنسان وتسبَّب بِمَوت إنسان آخر يُحاسَب، ويدفع الديّة، هذا موضوع، ولكن بالنِّهاية أنَّ الشيء الذي وقع أراده الله سبحانه وتعالى.
رجلٌ آخر كان بِجَولة سِياحِيَّة وصَل بها إلى أمريكا، شَعَر بآلام بِعَموده الفقري اتّصل بِكِبار الأطباء هناك، فأنبؤوهُ مباشرةً أنَّ بِعَموده الفقري سرطانًا!! خارَتْ قِواه، ولم تقو رِجلاهُ على حَملِهِ، وقَطَع رِحلتَهُ السِّياحِيّة الممتِعة، وعاد إلى بلده لِيُصَلِّي ويصوم ويحضر مجالس العلم، وبعد شَهرين أو ثلاثة أكَّد له الأطباء أنَّ هذا الكلام لا أصل له، وأنَّ هذه الآلام طارئة وقد زالت، لكنّ هذا الكلام الذي أنبؤوه به سبَّبَ توبتهُ، فالذي وقَعَ أراده الله عز وجل قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة الحديد : 22 ]
فلو لا توجد بالدِّين، وهي تفتحُ عمَلَ الشّيْطان، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل فإنَّ كلمة لو تفتحُ عمَلَ الشَّيطان. الحكمة من التشدد في الخطأ في مصرف الزكاة :
الآن رأيٌ ثان، فالرأي الأوّل هو رأي أبو حنيفة، هل يجوز أن أقول: رأيُ أبو حنيفة أم رأيُ أبي حنيفة؟! هناك من يُجيز ذلك، فأنت لك أن تقول: سورة المؤمنون على الحكاية من دون جرِّها، أما الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وابن المنذر فيذهب هؤلاء جميعًا إلى أنَّه لا يجزئه دفْعُ الزكاة إلى من لا يستحقُّها، أي لا تسقط عنه إلا إذا دُفِعَت إلى من يستحقُّها، فقد يقول لك أحدهم: عليَّ ضريبة، ولكن هذه الضريبة في نهايتها للمدارس أو الطرقات، ويحسِبُ الضريبة من الزكاة، نقول له: لا، هذا لا يجزئ، فالإمام مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وابن المنذر يذهب هؤلاء جميعًا إلى أنَّه لا يجزئه دفْعُ الزكاة إلى من لا يستحقُّها أما إذا تبيَّن له خطؤُهُ، وأنَّ عليه أن يدفعها مرَّةً أخرى إلى أهلها لماذا هذا التَّشدُّد؟ الإمام مالك والشافعي قالوا: لا تسقط عنه إلا إذا دُفِعَت إلى من يستحقّها، فهم اتَّجهوا هذا الاتِّجاه من أجل أن يُفكِّر المسلم ألف مرَّة إلى من يدفعُ الزكاة، من أجل أن تذهب إلى من يستحقّها، وشُعور المسلم حينما يدفع الزكاة إلى من يستحقّها شعور لا يعادله شعور، فهو يحسّ بنَشوة وسعادة لا حدود لها، أسرة مستورة مؤمنة مستقيمة تعيش أزمة فجاء هذا المبلغ فحلَّ هذه المشكلة، كأن تُبنى غرفة لِفَصل الذُّكور عن الإناث، وكإجراء عمليَّة جِراحِيَّة، ودُفِعَ قِسط المدرسة من دون إرهاق الأب، فأحيانًا تأتي الصَّدَقة في مكانها الصحيح، لذلك حينما تشدَّد الإمام الشافعي رحمه الله والإمام مالك رحمه الله من أجل أن نجْتَهِد اجْتِهادًا دقيقًا في دَفْعِ الزكاة إلى من يستحقُّها، ولكنَّك إذا وثَقْت بإنسانٍ، نُقِلَتْ المسؤوليَّة منك إليه، كأن تقول لِمَن تثق فيه: خُذْ هذا المبلغ، وادْفَعْهُ إلى من يستحقّه فأنت بهذا لك براءة ذِمَّة، وأصبح هو مسؤولاً عن الاجتهاد في دفع هذا المبلغ.
الزكاة دين الله :
الإمام الشافعي قاس على موضوع الدَّيْن، فالزكاة دَين الله، فلو أنَّ لك مع إنسان ألف ليرة، ذهبتَ أنت إلى بيته مثلاً، فدققت الباب، خرج إنسان وقلت له: خذْ ألف ليرة و أعطها لفلان؟ هل يمكن هذا؟ لا بدّ أن تتأكّد فقد يكون هذا مستأجر، ويذهب في اليوم نفسه، فقضاءً وقانونًا هل يسقط عنك هذا الدَّين؟ أين توقيعي؟ وأين السَّنَد؟ وأين الشُّهود؟ كيف أنَّ دَين البشر لا يسقط عنك إلا إذا أدَّيتَهُ إلى صاحبه تمامًا، فكذلك دَين الله! فالأصل أن تسأل الدائن: إذا جئتُ ولم أجدك، ماذا أفعل؟! إذا قال لك: أعْطِ المبلغ لِزوجتي، انتهى الأمر، أما إن أكَّد عليك عدم إعطاء المبلغ إلا في يدي فعندها اتَّضَح الأمر.
رأي الإمام أحمد في الخطأ في مصرف الزكاة :
عندنا مذهب وسط، فالإمام أبي حنيفة له رأي، والإمام مالك والشافعي لهما رأي، بقي الإمام أحمد، هذا الإمام يقول: إذا أعطى الزكاة من يظنُّه فقيرًا فبان غنِيًّاً، ففيه روايتان رِوايةٌ بالإجزاء، ورِوايةٌ بعدَمِهِ، فأما إن بان الآخذُ عبدًا، أو كافرًا، أو هاشِمِيًّا، أو ذا قرابةٍ للمعطي مِمَّن لا يجوز الدَّفعُ إليه لم يُجزِئْهُ الدفع إليه، هذا موقف آخر، فيمكن أن يكون الغنى مخفيّاً، وأذكرُ أنَّني دفعت لأحدهم مبلغًا فقيل لي: هذا دخله ثمانية آلاف ليرة، منظرهُ يوحي أنَّه لا يجد ما يأكلهُ، فموضوع الغِنى والفقر لا يعلمهُ إلا الله تعالى، فهناك أشخاص لهم مهارة بالغة في إظهار الفقر، أما المؤمن فَيُظْهر التَّعَفُّف، ومن علامة الإيمان أنَّك تحْسبُهُ غنيًّاً، قال تعالى:
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 273 ]
من جلس إلى غنيّ فَتَضَعْضَع له ذَهَب ثلثا دينه، ففي موضوع الغنى أو الفقر قال تُجزئهُ، أما في موضوع أنَّه كافر أو عبدٌ أو هاشِمِيّ أو ذا قرابة فقال: لا تجزئهُ، وهذا هو الحلّ الوسط. إظهار الصدقة :
الموضوع الأخير في الزكاة هو: إظهار الصَّدَقة، يجوز للمُتَصَدِّق أن يُظهر صدقته، سواءٌ أكانت الصَّدقة صدَقَةَ فرضٍ أم نافلةٍ دون أن يُرائي بِصَدقته وإخفاؤُها أفضل، وهذا كلامٌ واضِحٌ كالشَّمس، ولكن لو سألتني: متى ينبغي أن نُخفيَها؟ ومتى ينبغي أن نُظْهرها؟ إذا كانت هذه الصَّدَقة اسْتقرَّتْ بِيَد إنسان وأظهرتها فضَحْتَهُ، أما إذا كانت الصَّدَقة لِمَشروعٍ عام كَبِناءِ مسجدٍ، و أحدهم فكّر بِدفع خمسين، فإذا بالذي أمامه دفع خمسمئة، فَخَجِل ودفع مئتين، ففي هذه الحالات إذا أظهرت الصَّدَقة كنتَ قُدوةً حسنة، وحمَّسْت الآخرين، وشجَّعتهم، أما إن تعلَّقَت الصَّدَقة بإنسان، وذَكَرتها، فقد أبْطَلت أجركَ، فهذه نصيحة لِوَجه الله إنْسَ كلّ عملٍ طيِّب فعلتهُ مع الآخرين، وتذكَّر إلى الأبد كلّ عملٍ طيِّبٍ عمله الناس معك، أما اللَّئيم فلا يذْكرُ إلا عمله الطَّيِّب، ولا يزال يمْتنُّ به على من أعطاهُ إلى أن يكفرُ هذا المُعْطى بالمال، وبهذه النِّعمة، أما أعمال الناس الطَّيِّبة إليه فيَنْساها، وكأنَّها لم تكن، قال تعالى:
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 271 ]
روى الشيخان - البخاري ومسلم- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
هؤلاء السَّبعة يُظِلُّهم الله تحت ظِلِّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، فهل هناك صِفةٌ من هذه الصفات تنطبق عليك؟ نرجو الله سبحانه وتعالى أن تنطبق علينا ولو صفة أو صفتان أو ثلاث، وإذا كنَّا طموحين فنرجو أن تنطبق علينا هذه الصِّفات السَّبعة.
إلى هنا ينتهي موضوع الزكاة، وقد شُرِح من خلال كتاب فقه السنَّة، وهذا الكتاب فيه ميِّزة، وهي أنَّ فيه الحُكم وتعْليلهُ ومستندُهُ النَّصي، والميِّزة الثانية أنَّ فيه وجهات نظر متبايِنة مع ترجيح بعضها على بعض، وأُسلوبهُ واضِحٌ يسير.

السعيد
09-11-2018, 09:02 AM
اختى الفاضلة منال تسلمين على تواجدك الدائم

السعيد
09-11-2018, 09:03 AM
اختى الفاضلة سوالف تسلمين على تواجدك الدائم

السعيد
09-12-2018, 08:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و السبعون )


الموضوع : حقوق الاخوة فى الاسلام






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تذكرة بما سبق :
أيها الأخوة المؤمنون . . . انتهى موضوع الزكاة ، وبانتهاء موضوع الزكاة نكون قد أنهينا في العبادات الصلاة ، والصوم ، والزكاة ، وكنَّا قد تحدَّثنا عن الحج عدَّة مرَّاتٍ في سنواتٍ سابقة ، وتحدَّثتُ عن الحج في هذا العام في الخُطَبْ الأسبوعيَّة ، وكنَّا من قبل ذلك قد أخذنا موضوع النكاح وهو من أبرز الموضوعات الشخصيَّة ، وبقينا فيه أكثر من سنة ونصف تقريباً ، وكنَّا قبل هذه الموضوعات قد أخذنا المُعاملات ، كل هذا من كتاب فقه السُنَّة ، وأنا في صَدد أن نبدأ موضوعاً جديداً لم نأخذه من قبل وهو موضوع العقائد ، بدل كتاب الفقه في الدرس القادم إن شاء الله سنبدأ بالحديث عن العقائد الإسلاميَّة الصحيحة ، وربَّما اخترنا كتاباً من أوثق الكُتُبِ في موضوع العقائد ، وقد نمضي فيه مدَّةً طويلةً ، لأن موضوع العقائد هو الموضوع الأوَّل في الإسلام ، لأنه إذا صَحَّت العقيدة صَحَّ العمل ، وإذا فسدت فسد العمل ، وسوف نتابع إحياء علوم الدين ونحن الآن في الجزء الثاني منه ، وربَّما أضفنا في دروسٍ قادمة بعض قصصٍ من السيَر النبويَّة ، أو من سير الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
فدرس الأحد نختار فيه فصلاً من كتاب العقائد ، وفصلاً من إحياء علوم الدين ، وبعضاً من سِيَرِ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين .
من حقوق الأخوة في الإسلام :
الوفاء و الإخلاص :
والآن إلى إحياء علوم الدين لنُنْهي الحقوق التي تجب على الأخ الذي يعقد أخوَّته مع أخٍ في الله .
وصلنا في الحقِّ السابع الذي عنوانه : الوفاء والإخلاص ، وعرَّفنا معنى الوفاء بأنه الثبات على الحبِّ وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع الأولاد والأصدقاء ، وإنما الحب بين الأخوين في الله إنما يُراد للآخرة وليس للدنيا . من آثار الوفاء :
1 ـ ألا يتغير حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه :
وصلنا إلى أن من الوفاء ألا يتغيَّر حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه. فالإنسان في الدنيا قد ينتقل من مكانٍ إلى آخر ، من منصب إلى آخر ، من عمل إلى آخر ، فإذا ارتفع شأنه فمن باب الوفاء مع إخوانه في الله ألا يبتعد عنهم ، وألا يزوَّرَّ عنهم ، وألا يرى نفسه فوقهم ، فمن صفات الكرماء المؤمنين أنه هو هو مع إخوانه ، ومن صفات المنقطعين عن الله عزَّ وجل أنه إذا ارتفعت مكانته نسي إخوانه .
فالتَرَفُّع عن الإخوان بما يتجدَّد من الأحوال لؤمٌ ، أي أن أحد أنواع اللؤم أن تترفَّع عن إخوانك إذا عَلَت منزلتك ، سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما فَتَحَ مكَّة ، ودانت له الجزيرة العربيَّة بأكملها ، وخضعت له القبائل ، وصار قمَّة هذا المجتمع الجديد ، خشي الأنصار رضوان الله عليهم أن يؤثر النبي عليه الصلاة والسلام البقاء في مكَّة بلده ، فلمَّا أعلنوا عن قلقهم قال :
((إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، قَالَ : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ : وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ ))
[ أحمد عن أَبُي هُرَيْرَةَ ]
((لو سلك الناس فجَّاً وسلكت الأنصار فجَّاً لسلكت فَجَّ الأنصار ، اللهمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناءِ الأنصار))
هذا هو الوفاء ، لمَّا وصل النبي الكريم إلى مكَّة فاتحاً تنازع أصحابه في أي بيتٍ سيبيت فقال : "انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة "
وفاءً لهذه الزوجة التي صَدَّقته حين كذَّبه الناس ، وقامت معه لمَّا قعدوا ، وواسته بمالها ، وحدبت عليه بعطفها ، وأيَّدته وآمنت به ، وكان وحده ، قال : "انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة " فيكاد يكون الوفاء خُلُقَ المؤمن الأول ، الوفاء لإخوانه ، لمن كانوا معه ساعة العسرة ، لمن كانوا معه في ساعة الشدَّة ، ولا يتكبَّر على أخٍ إذا عَلَت منزلته إلا لئيم ، قال الشاعر: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
* * *
وهذا الذي يتزوَّج امرأةً وتصبر عليه ، فإذا أغناه الله بَحَثَ عن أُخرى ، هذا والله عين اللؤم ، رضيت بكَ حينما كنت فقيراً فلمَّا اغتنيت لم ترض بها ؟! قد يلقى الله وهو عليه غضبان . وأوصى بعض السَلَف ابنه فقال: " يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قَرُبَ منك ، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك ، وإن عَلَت مرتبته لم يرتفع عليك "
وقال بعض الحكماء : " إذا ولي أخوك ولايةً فَثَبَتَ على نصف مودَّته لك فهو كثير"
صديقان عاشا أيَّام الصِبا ، وكانا يعيشان حياةً خشنة ، فقال أحدهما للآخر : لو أنك تَسَلَّمت منصباً رفيعاً هل تذكرني ؟ قال : أعوذ بالله أنا لا أنساك أبداً ، قال : وكيف ألتقي بكَ ؟ قال : قِفْ لي أمام هذه الشجرة - عيَّن له شجرة في المدينة - فلمَّا دارت الأيام وتسلَّم أحدهما منصباً رفيعاً صار هذا الصديق الأخ يقف عند الشجرة ، فتقع عين صديقه عليه فلا يُسَلِّم عليه ، فلمَّا أُزيح عن منصبه التقى به ، قال: ألم تكن ترني ؟ قال : " والله لم أكن أرى الشجرة كلَّها " ليس أنت بل لم أكن أرى الشجرة ، فالإنسان قد يكون في عمى ، لذلك قال بعض الحكماء : إذا ولي أخوك ولايةً فثبت على نصف مودَّته لك فهو كثير .
وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى ببغداد رجلاً ، ثمَّ إنَّ أخاه ولَّي ولايةً له ، فتغيَّر له عما كان عليه ، آخى رجلاً هذا الرجل تسلَّم ولايةً فتغيَّر له ، فكتب إليه الشافعي هذه الأبيات و بعثها إليه برسالة وقال : اذهب فودُّك من فؤادي طالـــقٌ أبداً وليس طلاق ذات البين
فإن ارعويت فإنها تطلــقةٌ ويدوم ودُّك لي على ثنتيـــــن
وإن امتنعت شفعـــــــتها بمثالها فتكون تطليقين في حيضين
وإذا الثلاث أتتــك مني بتَّةً لم تغن عنك ولاية السيبـــــن
* * *
هذه أول نقطة ، أي أن من الوفاء إذا ارتفعت أنت ألا تنسى أخاك الذي كان في أيَّام ضيقك وفقرك . 2 ـ ألا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله :
النقطة الثانية : واعلم أنه ليس من الوفاء أن توافق أخاك فيما يخالف الحق في أمرٍ يتعلَّق بالدين ، ليس من الوفاء أن تسكُت عن معصيته ، ليس من الوفاء أن توافقه على معصية ، ليس من الوفاء أن تعرف أن دخله حرام فلا تنصحه ، ليس من الوفاء إذا ضَيَّع فرض صلاةٍ أن تسكت عنه ، هذه خيانة ، من وفائك لأخيك المؤمن أنه إذا انحرف أو أخطأ أو قَصَّر أن تنبِّهه وأن تُذَكِّره من دون أن يكون هذا أمام ملأ من الناس لأن في هذا تشهيراً وليس في هذا نصيحةً .
بل من الوفاء له المخالفة ، فالشافعي رضي الله عنه آخى محمَّد بن عبد الحكم وكان يقرِّبه ويقبل عليه ، ويقول : " ما يقيمني بمصر غيره " فاعتلَّ محمدُ ، فعاده الشافعي رضي الله عنه فقال :
مرض الحبيب فعدته فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيبُ يعودني فبرئــــــــــت من نظري إليه
* * *
أي شفيته ، ظنَّ الناس لصدق هذه المودَّة وتمامها أنه يفوِّض أمر حلقته إليه بعد وفاته ، لما بينهما من مودَّة ، فقيل للشافعي في عِلَّته التي مات فيها : إلى من نجلس بعدكَ يا أبا عبد الله ؟ أي من خليفتك ؟ فاستشرف أبو محمد ، محمد بن عبد الحكم ، استشرف أي ارتفع، وبَيَّن وظهر أمام تلامذة الشافعي ، وهو عند رأسه ليومئ إليه ، فقال الشافعي : " سبحان الله أَيُشَكُّ في هذا ؟ أبو يعقوب البويطي "
كانت كالقنبلة ، مفاجأةٌ كبيرة ، كل الناس يظنُّون أنه سَيُخَلِّفُ من بعده محمد بن عبد الحكم ، فانكسر لها محمد ، ومال أصحابه إلى البويطي ، مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله ، لكن هذا الذي خَلَّفه من بعده كان أقرب إلى الزُهد والورع ، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ، ولم يؤثِّر رضا الخلق على رضا الحق ، فلمَّا توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه ، ودرس كتب مالكٍ رحمه الله .
هذه النصيحة ، أي من تمام الوفاء ألا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله أبداً ، المقصود من هذا أن الوفاء بالمحبَّة من تمامها النصح لله تعالى .
قال الأحنف: " الإخاء جوهرةٌ رقيقة إن لم تحرسها كانت معرَّضةً للآفات ، فاحرسها بالكظم حتَّى تعتذر إلى من ظلمك ، وبالرضا حتَّى لا تستكثر من نفسك الفَضلَ ، ولا من أخيك التقصير " أي أن الأخوَّة جوهرة رقيقة ، سريعة العطب ، احفظها من أن تنكسر بالانتقاد ، أو بالشعور بأنك ممتنٌّ عليه ، أو بإحساسك أن أخاك مقصِّر في حقِّك ، أو أنه إذا أساء إليك اعتذر عنه حفاظاً على هذه الجوهرة . 3 ـ أن تكون شديد الجزع من المفارقة :
ومن آثار الوفاء بل من آثار تمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة ، نفور الطبع عن أسبابها ، كما قيل :
وجدت مصيبات الزمان جميعها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
***
فرقة الأحباب من أشدُّ أنواع المصائب في الدنيا .
قال ابن عُيينة : " لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنةً ما يُخَيَّلُ إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي "
الأخ الراقي ، الأخ الوفي ، المؤمن ، الصادق ، المحب ، المتواضع ، هذا إذا فارقك فإن حسرةً سوف تلسع القلب .
أن تكون شديد الجزع من المفارقة : 4 ـ ألا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك :
الآن من الوفاء أيضاً ألا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك ، لاسيما من يُظْهِرُ أولاً أنه محب ، فالناس يفسدون هذه العلاقات على الشكل التالي : يقول لك من أصدقاؤك ؟ تقول له : فلان صديقي ، والله إنسان طيِّب ، والله أحسنت الاختيار ، نِعم هذا الصديق ، حينما يمدحه لك تسَر ، تستأنس ، يقول لك : فعلاً صديق جيد ، وفي ، أخلاقه عالية ، سبحان الله لكن من يومين وجدت له موقفاً أحزنني ، سبحان الله وجدت له موقفاً ما كنت أصدِّقه عنه ، تقول له : غير معقول ، ماذا فعل ؟ يقول لك بعض عيوبه ، هذا اسمه فخ ، حينما أثنى عليه من أجل أن تصغي إليه ، لو بدأ بهذه المنقصة لما استمعت إليه ، من أجل أن يضمن أن تستمع إليه بدأ بالثناء ، وثنىَّ بالنقد ، فمن تمام الوفاء لصديقك ألا تستمع إلى أقوال الناس فيه .
فذلك من دقائق الحيل في التضريب ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً .
قال بعضهم : جاء رجل إلى حكيم فقال : قد جئتك خاطباً لمودتك ؟ قال : إن جعلت مهرها ثلاثاً فعلت - مودَّتي لها مهر – قال : ما مهرها ؟ قال : ألا تسمع عليّ بلاغةً ، ولا تخالفني في أمر، ولا تغُشَّني في نصيحة .
لا تستمع علي شيئاً ، ولا تخالفني في أمر ، ولا تغشَّني في نصيحة .
5 ـ ألا تصادق عدوَّ صديقك :
الآن من الوفاء ألا تصادق عدوَّ صديقك ، لك عدوٌ لدود ، يتكَّم عنك أشياء غير صحيحة ، يلفِّق عليك ، صديقك المُحِب الوفي يصادقه ، سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: " أصدقاؤك ثلاثة : صديقك ، وصديق صديقك ، وعدوِّ عدوِّك ، وأعداؤك ثلاثة : عدوُّك ، وصديق عدوِّك ، وعدوُّ صديقك " . فالإنسان ليس له حق أن يصاحب عدو صديقه لأن هذا من عدم الوفاء هذا هو الحق السابع ، بقي الحقُّ الثامن والأخير . التخفيف وترك التكلُّف والتكليف :
الحقُّ الثامن عنوانه : التخفيف وترك التكلُّف والتكليف وذلك بألا يكلِّف أخاه ما يَشُقُّ عليه ، نحن غداً إن شاء الله سنأتي لنتغدَّى عندك ، سمِّكها ، ما هذا ؟ هذا تكليف ، الإنسان بين عُسر ويُسر ، بين ضيق وتوسعة ، قد يكون غير مشغول ، قد تكون امرأته مريضة، قد يكون في بيته مشكلة ، قد يكون ميسور الحال ، أخي فلان الله عزَّ وجل ميسِّر أموره ، صحيح لكن قد يكون عنده في البيت مرض ، زوجته قعيدة الفراش ، من يطبخ ؟ قد يكون في مشكلة ، فأحياناً في البيت تجد مشكلات ، ابنته مخطوبة والخطيب لم يظهر ، يا ترى وافقوا أم لم يوافقوا ؟ هناك تشويش في هذا البيت ، أخي غداً الغداء عندك ، سمِّكها ، التخفيف وترك التكلُّف والتكليف .
بالعكس يجب أن تخفِّف عنه ، يجب ألا تحمِّله عبئاً ، يجب ألا تستمدَّ من ماله ولا من جاهه ، يجب ألا تكلِّفه التواضع لك ، والتفقُّد لأحوالك ، والقيام بحقوقك ، لا تكلِّفه ، أخي أنا أليس لي حق عليك ؟ اعزمنا ؟ أنت تكلِّفه بما لك عليه من حق ، أنا ألم أعمل لك عزيمتين سابقاً ؟ يظهر أن هذا لم يبين معك ؟ هذا تكليف ، يجب أن تحبَّه لله تعالى فقط ، كلَّما كان إيمانك أرقى كانت مؤونَتُك أخف ، لو عملت له ثلاثين عزيمة لا تطالبه بأية بعزيمة ، لو خادمه مليون خدمة ، ألم تخدمه لله ؟ انتهى الأمر . .
((اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله ، فإن أصبت أهلَه أصبت أهلَه وإن لم تصب أهله فانت أهلُه))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخه]
أنت ألم أهدك هديَّة قديماً بمناسبة زواجك ؟ أنا جاء لي مولود ولم تهدني يا أخي، أنت هكذا تطالبه بحقوق وقد يكون هو في عسر ، قد لا يملك ثمن الهديَّة .
فملخَّص الكلام أنه إذا كان لك أخٌ في الله يجب أن تخدمه لله ، من دون أن تنتظر أن يردَّ عليك بخدمةٍ مشابهة ، يجب ألا تستغل مودَّته بأخذ ماله ، ولا استعارة جاهه ، ولا أن تكلِّفه ما لا يطيق ، ولا أن تكلِّفه أن يتفقَّد أحوالك ، ولا أن يفي بحقوقك ، هذا كلُّه من ضَعْفِ الإيمان ، أنا ذاهب إلى المكان الفلاني هل تريد شيئاً ؟ نعم والله انتظر قليلاً عندي قائمة ، أعطاه قائمة تحتاج إلى خمس ساعات ، هذا أخونا ذاهب إلى محل يمكن أن يكون معه بضاعة ، أنت بهذا كلَّفته شيئاً فوق طاقته ، قل له: والله ممنون جداً ، شكراً ، لا تكلِّف ، يكون الإنسان ذاهباً إلى مشوار يجد التكاليف صارت فوق طاقته ، تحتاج إلى وقت عشر ساعات وهو ذاهب ليوم واحد، صار الحجم غير مقبول ، إنسان مسافر إلى بلد فأعطوه أغراضاً تحتاج إلى حقيبتين ، هو له عشرون كيلو ، والدفع بالعملة الصعبة ، هذا غير معقول ، لا تُكَلِّف أحداً فوق طاقته .
أمَّا لك أن تُكَلِّفه أن يدعو لك فهذه مقبولة ، لك أن تكلِّفَه أن يدعو لك ، لك أن تستأنس بلقائه ، لك أن تستعين به على أمر دينك ، أخي ادع لنا ، هذا من حقِّ الأخوَّة ، والله أنا آنس بك لو تزورني ، تدعوه لزيارتك ، أو زره ، أو استعن به على أمر دينك ، هذا مباح .
تقرَّب إلى الله بخدمته ، تقرَّب إلى الله بأداء حقوقه ، تقرَّب إلى الله بتحمُّل مؤونته ، هذا هو الأخ في الله ، قال بعضهم : " من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم "
لك محل وله محل ، زرته في محلَّه اشتريت حاجة فقال لك : ليست بحاجة ، ليس لها قيمة خذها ، الثاني لم يزرك في محلَّك ولم يأخذ شيئاً أبداً دون مقابل ، إذاً أنت اقتضيت منهم ما لا يقتضونه منك ، ليس هذا من أخلاق المؤمن . ." من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم ، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم "
أنت خدمته خدمة ، بعد أسبوعين كلَّفته بخدمة مشابهة ، أتعبته ، إذاً صارت هذه عمليِّة دين ووفاء ، لم تفعل هذا لله . ." من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم ، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم ، ومن لم يقتض فهو المتفضِّل عليهم "
اخدمهم وإذا كان بالإمكان ألا تطالبهم بشيء فافعل ، فقد تفضَّل عليهم ، وقال بعض الحكماء : " من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثِمَ وأثِموا " من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا :
نبينا صلى الله عليه و سلم هل في الأرض من هو أرقى منه ؟ هل في الأرض من هو أكمل منه ؟ من هو أقرب إلى الله منه ؟ من هو أعظم منه ؟ لا ، كان مع أصحابه ، أرادوا أن يذبحوا شاةً ليأكلوها ، قال أحدهم : عليَّ ذبحها ، قال الثاني : عليَّ سلخها ، قال الثالث: عليَّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " وعليَّ جمع الحطب "
يا رسول الله نكفيك ذلك ، قال : " لا ، إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه" .
يكون الإنسان تافهاً يذهب نزهة مع إخوانه فيقول لهم : أنا تعبان أريد أن أرتاح ، يشترون الأكل ، ويطبخون ، ويقدِّمون الطعام ، تفضَّل ، يستيقظ ويأكل نعرف أنك تعبان !! يأكل وينسحب كأنه غير مكلَّف بشيء ، هناك أناس مكلَّفون بالخدمة ، وبغسيل الأطباق ، ليس هذا من أخلاق المؤمن ، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحق قال : " إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه"
سيدنا الصديق رضي الله عنه وقع زمام ناقته وأصحابه حوله ، فنزل من على ناقته ليلتقط الزِمام ، تعجب أصحابه ، يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك ؟ قال: " لا ، سمعت حبيبي رسول الله يقول : " لا تسألوا الناس شيئاً "
فأحياناً الإنسان يكون مريضاً ، قعيد الفراش ، إذا كلَّف أخوه بحاجة هذا شيء مشروع ، أما ما دام بقوَّته ، اقض حاجتك بيدك فهذا شكر قوَّتك . .
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
سيدنا رسول الله في معركة بدر عندماً وجد الرواحل قليلة قال : " كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة " ركب النبي على راحلته ، انتهت نوبته في الركوب ، جاء دور عليّ وأبي لبابة فتوسَّلا إليه أن يبقى راكباً ، قال: لا .
قدم رسول الله لعدي بن حاتم الطائي وسادة من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، قال لعدي : اجلس عليها ، قلت: بل أنت ، قال: بل أنت ، قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض ، هذه النبوَّة .
من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا . . أثمَ لأنه رفع نفسه فوقهم ، وأثِموا لأنهم لم ينصحوه ، أوهموه أنه هو بهذا المستوى ، ما دام إخوان من نفس المستوى فليقولوا له : قم عاونا ، إذا سكتوا معنى هذا أنه أعلى مستوى ، أوهموه . . أثِمَ وأثِموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سَلِمَ وسلِموا . من تمام التخفيف طيُّ بساط التكليف :
وتمام التخفيف طيُّ بساط التكليف ، حتَّى لا يُستحيا منه ، قال الجنيد : " ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ".
أبشع عادة بالأسر مثلاً يدخل الصهر إلى بيت عمِّه يرحِّبون به ، يحترمونه ، يدلِّلونه كذلك هو يتأدَّب معهم ، يذهب إلى البيت فيقول لزوجته : كان الجبن مالحاً زيادة ، والزيتون كان قليلاً في الصحن ، والبيض كان مقلياً بسمن نباتي و ليس بالسمن البلدي ، ينتقد هذا الطعام لزوجته ، تخجل ، تعاتب أمها ، يظهر التكلَّف ، معنى هذا أنه ينتقد ، معنى هذا أنه يراقبنا مراقبة دقيقة جداً ، يصير هناك جفاء ، إذا كنت بطلاً لا توجد حالتين بل حالة واحدة ، هناك تكلُّف لا تزرهم ، تحبُّهم ارفع التكلُّف ، هكذا المؤمن ، انتقاد ، تكون الزوجة مسكينة فتتحطَّم ، زوجها ينتقد أهلها ، تدافع عن أهلها يقول لها : لا تدافعي ، ألم أقل لكِ أن أهلك لا يوجد بهم ذوق ، شيء يحيِّر ، إن سكتت لا يسكت ، وإن دافعت يمنعها من المدافعة ، هذه كلها أخلاق الجهل ، أخلاق الجاهليَّة . .
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
والله الذي لا إله إلا هو لا يتعلَّق بالسفاسف مؤمن ، هذه سفاسف .
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تمرةٌ كانت تَسُدُّ رمقهما ، وضع لك العشاء ، فمعنى هذا أنك غال عليه ، هذا الذي عنده ، كأن هناك فواكه لم يضعوها لي ، في البراد أنا رأيتهم ، فتحت لأحضر الماء فرأيتهم في البراد ، ما هذا الصهر ؟ " ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ". شرُّ الإخوان من تتكلَّف له :
وقال عليٌّ رضي الله عنه: " شرّ الأصدقاء من تكلَّفت له " هذا شر الأصدقاء .
كان لي صديق يحضر من بلد مجاور فيحضر مجلس علم ، ينام عندي أحياناً ، يقول لي : الذي عندك قدِّمه لي ، تجد أنه مسرور جداً ، لو طرق بابي دائماً لا أنزعج أبداً ، ظله خفيف ، الموجود أضيفه منه ، ينام بالمكان المُتاح ، الطعام الموجود أضيفه فيه ، لا أشعر بثقل أبداً من مجيئه لأنه رافع التكليف ، كنت أزوره في بلده الشيء نفسه يفعله ، الموجود يضعه لي ، هكذا المودَّة تدوم ، أحياناً يكون هناك سهرات ، هذا وضع كاس شاي ، وفي المرة الثانية وضع كعكة وشاي ، و في الثالثة وضع أرزاً بحليب ، وفي الرابعة عمل قشطة ، وبعد هذا عشاء ، وبعد هذا عشاء وحلويات ، وبعد هذا وقف الدور ، التغى الدور كله ، غير معقول أن يستمر هذا ، اجعل الموضوع عادياً جداً ، اجعل اللقاء هو أهم شيء ، اللقاء هو الأهم ، التكلُّف يمنع الألفة ، لا تتكلَّف ، كن طبيعياً ، تتكلَّف مرَّة فلن تستطيع أن تعيدها مرَّة ثانية ، وإذا تكلَّفت هذا المرَّة قد يكون الذي أكرمته دخله محدود لا يتحمل أن يقدم لك مثل هذا العشاء ، هذا العشاء سيُذْهِبْ بنصف معاشه ، أنت آذيته وقطعت علاقته معك ، كن طبيعياً ، عندك قهوة قهوة ، ما عندك شاي ، القهوة صارت غالية ، ما كان عندك قهوة ضع شاياً ، لا يوجد شاي ضع مليسة ، سكرة، قدم سكراً ، اجعل القضيَّة من دون تكلُّف هذا الذي يديم المودَّة . . شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ومن أحوجك إلى مداراةٍ . . يقول لك : أنا لا أتحمَّل كلمة . ويلجئك إلى اعتذارٍ . . ثلاث صفات : " شرُّ الإخوان من تتكلَّف له ، ومن أحوجك إلى مداراةٍ ، و ألجأك إلى اعتذارٍ " .
معنى هذا الأخ الراقي لا تحتاج أن تتكلَّف له ولا أن تعتذر إليه ، يعرفك محباً انتهى ، والله أنا لم أقصد هذه الكلمة ، لا تغضب ، على كل حال لابأس ، تجد أنه يكسِّر ويقول: مشي الحال ، أتحبُّه ويحبُّك انتهى الأمر ، أما هذا التدقيق فهذا من صفات الجاهليين ، قال له : " يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي " بدوي ضيَّع ناقته فوجدها فمن فرحته أخطأ ، قال له : " يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي " فالنبي عليه الصلاة و السلام قال : " لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته"
هناك شخص حقود لا يمررها أبداً ، يقول لك : أنت تكلَّمت هكذا بزمانك لا أنساها لك ، هذا شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ، وأحوجك إلى مداراةٍ ، وألجأك إلى اعتذار .
وقال الفضيل : " إنما تقاطع الناس بالتكليف "
قلت لكم ذات مرَّة : إن دوراً استمرَّ سبعة عشر عاماً ، كل يوم ثلاثاء ، استغربوا لأن الأدوار كلها تنتهي بعد سنة أو سنتين ، اقصى شيء سنة ، فالتكلُّف يقطعها ، سبعة عشرَ عاماً قال أحدهم : ما سبب ذلك ؟ قالوا : لأنه لا يوجد غيبة ، ولا نساء ، ولا تَكَلُّف ، لا تكلُّف ولا غيبة ولا نساء ، إذا كان هناك نساء انتهى ، صار هناك حرام و معصية و اختلاط ، نظرتِ إليه ، والله لم أنظر ، يعمل لها مشكلة في المساء ، أنتَ عينك عليها ، شيء يقرِّف ، هذه علاقات أهل الدنيا ، أما المؤمنون فلا يوجد عندهم اختلاط ، لا يعرف أحداً . . إنَّما تقاطع الناس بالتكليف . . يزور أحدهم أخاه فيتكلَّف له فيقطعه ذلك عنه .
وقالت عائشة رضي الله عنها : " المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه " ما معنى يغتنمه؟ أي يستغلُّه ، يقول : هذا مُدْهِن ، ترفَّع ترقى عند الله ، الذي أعطاه يعطيك ، إيَّاك أن تجلس إليه فتذلَّ نفسك أمامه . ." لا يغتمنه ولا يحتشمه"
كذلك يجلس بوقار فوق الحد المعقول ، خذ راحتك قليلاً وانفرد ، هذا أخوك .
وقال الجنيد : " ما تواخى اثنان في الله واحتسم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلَّةٍ في أحدهما "
قال لي أحدهم البارحة ، ركب معي ، حكيت له حديثاً قدسياً فدمعت عينه وقال لي: جزاك الله خيراً ، ركبت معك وآنستني بهذا الحديث ، قلت له : والله شيء طبيعي ماذا نتحدَّث إذاً ؟ قال لي : البارحة ركبت مع إنسان على قدر ما استعلى بسيَّارته وعلى قدر ما تكبَّر ونظر لي شزراً ، قال لي : والله هممت مرَّات عديدة لأقول له : قف لأنزل ، لم أتحمَّل ، ما تكلَّم ولا كلمة ، لأنه ركَّبه بالسيارة وأوصله ، هذا الكبر أعوذ بالله . .
وانظر إلى الأكحال وهي حجارة ٌ لانت فصار مَقَرُّها في الأعينِ
* * *
الابتعاد عن التكلف و التحفظ :
والله يا أيها الأخوة الأكارم . . . على قدر ما تواضعت تعلو عند الله وعند الناس والمتكبِّر محتقرٌ في نظر الله ، لا توجد صفة أبشع من التكبُّر ، على ماذا ؟ من أنت ؟ نطفةٌ أولك وجيفةٌ آخرتك ، بعد الموت ، وأي غلطة في حياتك تجد أن الإنسان فقد حواسّه ، بحصة في الكلية لا تنام منها الليل ، ويطلب لك الإسعاف . وقيل لبعضهم : من نصحب ؟ ، قال : " من يرفع عنك ثِقَل التكلُّف وتسقط بينك وبينه مؤونة التحفُّظ " التحفُّظ كذلك مشكلة ، تكون خائفاً أن تتكلَّم بكلمة فينتقدك عليها ، ما هذه الحياة ؟ ما هذه الصداقة والمودَّة ؟ خائف ، تكلَّمت بكلمة رأيت أنه سكت ، هل هناك شيء ؟ لا ، لا يوجد ، حزنت مني ؟ لا لم أحزن ، أما المؤمن فلا يوجد عنده هذا ، ما دام وقعت المحبَّة ارتفع التكلُّف ، ذكر اسمك ولم يقل أستاذ ، لم يوقِّرني ولم يعرف قيمتي ، نسي يقول لك أستاذ ، ماذا قال لك : أبو فلان ، لماذا غضبت كل هذا الغضب ؟ الله عزَّ وجل ذكر كنية واحدة في القرآن الكريم فقال :
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد : 1]
ما ذكر غيرها ، أما يا يحيى ، يا زكريا ، يا عيسى ، أحبابه الأنبياء بأسمائهم أما عدوه فبكنيَّته . . ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد : 1]
إنسان ما أحب أن يقول لك : أستاذ فناداك باسمك ، قال لك : أبو فلان ، لابأس ، نسي اسم ابنك فناداك باسمك ، كذلك التحفُّظ يقطع المودَّة .
جعفر الصادق رضي الله عنه يقول: " أثقل إخواني علي من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي "
أحدهم ذهب إلى مكان ما فأخذ معه رفيقه ماذا أخذت معك ؟ والله عندنا قليل من البرغل فأخذناهم مع صحن مخلَّل ، والله هذا لذيذ ، أكل معك ، فعلامة الصديق الناجح من إذا كنت معه كأنك وحدك ، زارك ضيف ، إذا كان هذا الضيف فيه تكُّلف يجب أن تلبس ، لا تقدر، تلبس ثوباً أبيض نظيف استقبلته فيه ما الذي حصل ؟ أخي ما عرف قيمتي ، ما ذهب ولبس ، " أثقل إخواني عليّ من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه ، وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي " هذا أعظم أخ .
وقال بعض الصوفيَّة : " لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده بِدِرٍ ، ولا تنقص عنده باثمٍ ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء ، وإنما قال هذا لأن به يتخلَّص عن التكلُّف والتحفُّظ ".
إذا إنسان نام عند صديقه فاستيقظ بعد الشمس ، يجب أن تعذره ، فهو متعب ، أين صلاة الصبح أذهبتها ؟ هكذا المؤمن ؟ فاستحى على حاله ، و لن يزورك أبداً ، الإنسان تصير معه ، النبي مرَّة صلاها لكي يعلِّمنا أنه ممكن لإنسان مرّ بأمر قاهر إذا نام الساعة الثالثة و لم يستطع أن يستيقظ ليصلي الصبح لأن ابنه لم ينم طوال الليل ، فاستيقظ فرأى الشمس قد طلعت ، لا تتكلَّم ولا كلمة ، لأن هذا يصير معك أيضاً .
الصاحب الحقيقي هو من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر إليك إذا أسأت :
قال بعضهم : " كن مع أبناء الدنيا بالأدب ، ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كيف شئت"
مثلما تريد لأن التكلُّف مرفوع . لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، و يعتذر إليك إذا أسأت ، هو الذي يعتذر عنك ، أحياناً تخدم إنساناً وتقول له: لا تؤاخذنا ، كيف أفعل هذا وأنت الذي خدمتني ؟ آخذ على لسانه لا تؤاخذنا من تواضعه ، يخدمك ويقول لك : لا تؤاخذني من كرم أخلاقه ، إذاً : " لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، ويحمل عنك مؤونة نفسك ويكفيك مؤونة نفسه"
رجل قال للجنيد: " قد عزَّ الأخوان في هذا الزمان . . لم يبقَ أخ صديق وفي . . أين أخٌ لي في الله ؟ " ، الجُنيد أعرض عنه حتى أعاده ثلاثاً ، فلمَّا أكثر ، قال له الجنيد : " إن أردت أخاً يكفيك مؤونتك ويتحمَّل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخاً في الله تحمل أنت مؤونته وتصبر على أذاه فعندي منهم الكثير"
لا تقل لا يوجد ، الأخوان في الله كثير ، ولكن لا تطلب منه يخدمك ويتحمَّل أذاك، إذا كنت تريد إنساناً تخدمه وتتحمَّل أذاه يوجد منه كثير ، ما أكثرهم فسكت الرجل .
العلم يحتاج إلى جهد و مُدارسة و مذاكرة :
هذا الموضوع له تتمَّة طويلة ننهيها في الدرس القادم إن شاء الله ، على كل أنا متأكِّد أنكم في أثناء الدرس تستفيدون من هذه المعلومات ، ولكن لو أن أحداً منكم سأل نفسه بعد شهر عن هذا الموضوع . . عن الحق الثامن . . كم يذكر منه ؟ أغلب الظن لا يذكر شيئاً، إذاً العلم يحتاج إلى مُدارسة ، فإذا إنسان عنده وقت فراغ واشترى هذا الكتاب وبدأ يراجع الذي يسمعه ، القراءة المتكرِّرة مع التجارب اليوميَّة هذا ربَّما يقلب هذه الحقائق إلى سلوك ، إلى عادات ، إلى خُلُق ، فالمقصود ليس إعطاء معلومات ، العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له إلا إذا طُبِّق ، مهما أتحفتكم بأفكارٍ دقيقة من هذا الكتاب ، والله الذي لا إله إلا هو لا وزن لها عند الله أبداً ما لم تنقلب إلى أخلاق تعيشونها ، وعادات تتبعونها .
فلذلك الإنسان إذا أراد أن يكون طالب علم حقيقي ، عندما كنَّا في الجامعة كان عندنا نظام للاستماع وطالب نظامي ، بقي أربع سنوات يعطى المستمع شهادة خاصَّة لا قيمة لها ، مستمع ، أما الطالب النظامي فعليه امتحانات ، و مذاكرات ، و أعمال كتابيَّة ، و تقارير، و أطروحة ، وأشياء دقيقة جداً ويُحاسب حساباً خاصاً .
فنحن الاستماع فقط لا يفيد ، الكتاب موجود في الأسواق ، فإذا إنسان حاول أن يراجع هذا الموضوع لوحده في البيت يتذكَّر كل تعليق علَّقت عليه أنا ، كل تعليق علَّقت عليه يتذكَّره ، فالذي أرجوه أن تكون هذه الحقائق عاداتٍ ، أخلاقاً ، سلوكاً نعيشه ، إذا فعلنا هذا والله كان المجتمع كالبنيان المرصوص ، هذه أخلاق ثمينة جداً ، هذه حقوق إذا أحب الواحد أن يطبعها لوحدها كرسالة حقوق الأخوة في الله والله شيء جميل ، عمل طيِّب ، إذا إنسان أخذ من الكتاب حقوق الأخوَّة في الله وطبعها ووزَعها مجَّاناً يكون قد أدَّى خدمة كبيرة ، هذا الفصل لوحده موضوع .
فالواحد لا يكتفي بالسماع ، العلم يحتاج إلى جهد ، إلى مدارسة ، إلى مذاكرة ، إلى مراجعة ، إلى تطبيق ، حتَّى أن بعضهم أخذ هذا الموضوع - الحق الثامن - وسجِّل عنده النقاط الرئيسة ، في آخر الجمعة يقول : ماذا طبَّقت منه ؟ عمل زيارات أو زاره أقرباؤه هل طبَّق هذه المعلومات ؟ رفع التكلُّف ؟ لم ينتقدهم أبداً ؟ ما حاسب حساباً دقيقاً ؟ ما تحفَّظ ؟ ما أوجس الناس منه ؟ أما كمعلومات فليست لها قيمة ، إنسان توفي فترك مئتي مؤلَّف ، فلمَّا سأله تلميذه في المنام قال له : يا سيدي ماذا فعل الله بكَ ؟ قال له : طاحت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا رُكَيْعَات ركعناها في جوف الليل .
إذاً العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له ، العلم ليس مطلوباً لذاته إنما هو مطلوبٌ لأن تعمل به ، ومن عمل بما علم علَّمه الله ما لم يعلم ، ولن تكون عالماً حتَّى تعلم ما علمت ، تعلَّموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتَّى تعملوا بما علمتم ، أي لو أنك فعلت مع أخيك المؤمن حالةً من هذه الحالات لكان هذا أفضل لك من حفظ هذا الكتاب كُلِّه ، لو حفظته كلَّه أقول لك كما قال الغزالي: " زادت نسخة " ، في السوق على مستوى القطر فرضاً توجد ثمانية آلاف نسخة ، لو حفظته غيباً خلال خمسة أعوام لقلت لك : زادت نسخة ، فلو طبَّقت بعض أحكامه لارتقيت عند الله عزَّ وجل فالعبرة بالتطبيق ، أما الحفظ وحده فلا يكفي .

السعيد
09-12-2018, 08:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و السبعون )


الموضوع : قضاء رمضان - ليلة القدر- الاعتكاف - سنن عيد الفطر





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
رمضان والأساليب الشرعية لقضائه :
أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا هو الدرس الأخير لهذا الشهر الكريم ، أردت أن أجعل فيه بعض الموضوعات الفقهية التي نحن في حاجةٍ إليها في هذه المناسبة .
أولاً : مع انقضاء هذا الشهر الكريم قد يسأل سائل :
- من اضطر أن يفطر في رمضان .
- كيف يتم القضاء ؟
- قضاء رمضان لا يجب على الفور ، بل يجب وجوباً موسَّعاً .
- في أي وقتٍ وكذلك الكفَّارة ، الكفارة صيام ستين يوماً متتابعة .
- لو أن الإنسان أفطر في رمضان عَمْدَاً فعليه القضاء .
- لو قارب أهله فعليه الكفارة .
- والكفارة إعتاق رقبةٍ أو صيام ستين يوماً ، أو إطعام ستين مسكيناً .
إعتاق رقبةٍ فمن لم يجد ، فصيام ستين يوماً ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ، فهذه الكفارة على الترتيب لا على التخيير ، إن لم تجد أن تعتق رقبةً فلا بدَّ من الصيام أولاً ، فصيام الكفارة وقضاء ما فاتك من رمضان لسببٍ أو لآخر ، هذا لا يجب على الفور ، بل يجب وجوباً موسَّعَاً .
وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ولم تكن تقضيه فوراً عند قدرتها على القضاء ، والقضاء مثل الأداء ، أي لا يوجد فيه ربا ثلاثة أيام ثلاثة أيام ، خمسة ، خمسة ، والقضاء مثل الأداء ، بمعنى أن من ترك أياماً عليه أن يقضيها دون أن يزيد عليها ، كفرض ، كأيامٍ أفطرتها من رمضان بعذر تقضيها بالعدد بالتمام والكمال ، يفترق القضاء عن الأداء ، معنى الأداء ، من صام رمضان في رمضان فهذا أداء من صام أياماً فاتته من رمضان في شهرٍ آخر فهذا قضاء ، تعبير فقهي ، يفترق القضاء عن الأداء في أنه لا يلزم فيه التتابُع ، في رمضان يجب التتابع ، أما في القضاء لا يجب التتابع ممكن أن تعمل بالأسبوع يوم واحد ، بالأسبوع يومين ، بالشهر يوم ، لقول الله عزَّ وجل :
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 185 ]
مُطْلَقَة ، أي ومن كان مريضاً , أو مسافراً , فأفطر فليصُم عدةً أيامٍ التي أفطر فيها في أيامٍ أُخَرى ، متتابعاتٍ أو غير مُتتابعات ، فإن الله أطلق الصيام ولم يُقَيِّدُهُ .
وروى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان : (( إن شاء فرَّق وإن شاء تابع ))
أنت في التخيير ، لكن من أَخَّرَ القضاء حتى دخل رمضان آخر ، هنا في موضوع خِلافي ، بعض المذاهب :
- توجب أن تقضي ما فاتك من رمضان بعد أن دخل رمضان آخر مع الفدية .
- وبعضهم قال : لا فدية عليه .
- وفي رأي ثالث يجمع بين الرأيين إذا كان عدم التَمَكُّن , إذا كان عدم الصيام بسبب عدم التمكن فلا فدية عليه ، أما إذا كان في تقصير وفي تهاون , ومرت أيامٌ طويلةٌ وأشهرٌ عديدة ، وكنت في أتمّ الصحة ، وكان الوقت شتاءاً والنهار قصيراً , ولم تصم ، فهذا إهمالٌ شديد ، فإذا في عذر لا فدية ، إذا ما في عذر في فدية ، هذا الرأي يجمع بين الرأيين .
الإمام مالك والشافعي قال : أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر .
والإمام أبو حنيفة قال : لا فدية عليه مُطلقاً .
في سؤال صغير : أنه من مات وعليه صيام ولم يقضه ، أجمع العلماء على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة ، فإن وليَّهُ لا يصلي عنه هو ولا غيره ، كمن صار معه مرض وتوفي وفي دواء لهذا المرض ، فمات ، نكلف واحد يأخذ الدواء عنه ، مات وانتهى , هذا الدواء لذاك ، كل إنسان له حالة خاصة ، العلماء أجمعوا على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة فإن وليَّه لا يصلي عنه هو ولا غيره ، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحدٌ أثناء حياته .
فإن مات وعليه صيام ، وكان قد تمكَّن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه ، في عليه صيام ، ووافته المنية ، وكان بإمكانه أن يصوم ، كان بإمكانه أن يقضي ما فاته ، جاء رمضان صام ، ترك الصيام لمرضٍ شديدٍ سبعة أيام ثم صح من هذا المرض وتمتع بصحة تامة ، ووافته المنية بعد ذلك ، هذه الأيام السبعة التي وافته من رمضان ، ماذا يفعل بها أهله ؟
فقال : ذهب جمهورٌ من العلماء منهم أبو حنيفة , ومالك , والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه ، ويُطعم عنه مُدَّاً عن كل يوم ، ما دام في عليه سبعة أيام أفطرها في رمضان بعذر ، ومضى عليه أيامٌ واشهر كان فيها صحيحاً ولم يصم ، ووافته المنية ، وليه لا يصوم عنه ، لكن يدفع عنه كل يومٍ مُدَّاً عن كل يوم ، عند بعض الشافعية يستحب لوليِّه أن يصوم عنه ، هذا عند بعض الشافعية ، أما عند جمهور العلماء منهم أبو حنيفة ومالك أنه لا يصوم عنه وليه بل يطعم عنه مسكيناً كل يوم .
شيءٌ آخر ؛ اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويَقْصُرُ ليلها ، في بعض البلاد في المنطقة الشمالية قد يزيد نهارها عن عشرين ساعة ، وقد يقل ليلها عن أربع ساعات ، هذا الموضوع عولج كثيراً ولا يزال الناس يُدلون فيه بآرائهم ، أرجح الأقوال أن تطبَّق على هذه البلاد التي يصعب فيها الصوم بهذه المدة الطويلة توقيت مكة المكرمة التي أُنزل فيها التشريع ، وبعضهم يرى أن البرد الشديد ، يعين الإنسان على الصيام مع طول المُدة فهناك تناسب ، ونحن نلاحظ في الأيام المعدلة الصيام سهل جداً ، إذا الطقس معتدل الإنسان لا يخسر من مائه كثيراً ، أما في الأيام الحارة جداً يصبح الصيام عسيراً أو صعباً ، فلذلك كلما ارتفعنا نحو الشمال كان الجو رطباً وبارداً ، وهذا مما يُعِينُ على الصيام ، بعضهم قال : مكة أو المدينة ، وبعضهم قال : أقرب بلد إسلامي يطيق أهله الصيام في توقيته . أهمية ومكانة ليلة القدر :
وبمناسبة كون هذه الليلة هي ليلة القدر ، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
[ سورة القدر ]
ألف شهر ثمانين سنة ، بعض العلماء وجَّهوا هذه الآية : أنك إذا عبدت الله ثمانين عاماً عبادةً تامةً ، وحَصَلَت لك ليلة القدر ، بمعنى أنك عرفت الله ، وقدَّرته ، وعرفت عظمته , وغناه وقوته ، وعلمه ، وعرفت أحقية شريعته ، وعرفت لماذا خلقك ، فهذه المعرفة تنقُلك من مرتبة العُبَّاد إلى مرتبة العُلَماء ، من هنا كانت ليلة القدر ، فلا ترقى عند الله إلا بعلمك ، إلا بمعرفتك إلا بإقبالك ، أما أن تطبِّق الشريعة تطبيقاً شكلياً أو صورياً وأن ساهٍ ولاهٍ ، هذا ليس مطلوباً فلذلك : ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
[ سورة القدر ]
لأن العوام يقولون : " ضربة المعلم بألف " ، فالذي يعرف ، هذا إذا صلى ، هذا إذا فعل ، هذا إذا عمل صالحاً ، هذا إذا دعا إلى الله ، لذلك :
" ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه " .
" يا بني الناس ثلاث ؛ عالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كُميل أن تكون منهم " .
إما أن تكون عالماً ربانياً ، وإما أن تكون مستمعاً على سبيل النجاة ، وإما أن يكون هذا الإنسان من الهمج الراع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم .
قال : يستحب طلبها في الوَتْرِ من العشر الأواخر من رمضان ، في الوتر ، واحد وعشرين ، ثلاثة وعشرين ، خمسة وعشرين ، سبعة وعشرين ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان ، وتقدَّمَ سابقاً أنه إذا كان دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ الأهل وشدَّ المئزر ، شد المئزر كنايةٌ عن أن هذه الأيام أيام سباق فلذلك لا ينبغي أن ينشغل الإنسان فيها حتى في المُباحات ، أي كنايةٌ عن اعتزال النساء .
للعلماء آراءٌ في تعيين هذه الليلة ، منهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين ، منهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ، منهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين ، منهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين ، ومنهم من قال : إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين ، أي هذه الليلة بالذات .
روى أحمدٍ بإسنادٍ صحيح , عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ))
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
وروى أحمد وابن ماجة والترمذي وصحهَهُ , عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ))
هذا هو الدعاء المُختار في هذه الليلة ، اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فأعفو عني يا كريم . تعريف الاعتكاف :
موضوع الاعتكاف هو أن تبقي في المسجد بنيَّة التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، فأنا أؤكد لكم أن جلوسكم في هذا المسجد اعتكاف ، ليس لك مصلحةٌ في هذا البقاء إلا في سبيل معرفة الله ، فالجلوس في المسجد بنية التقرب إلى الله عزَّ وجل هو تعريف الاعتكاف ، الاعتكاف بالبيت لا يسمى اعتكاف يسمى انقطاع لله عزَّ وجل ، يسمى قنوت ، أما في المسجد يسمى اعتكاف لقوله تعالى :
﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
يستحب للمُعْتَكِفِ أن يكثر من نوافل العبادات ، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح ، والتحميد ، والتهليل والتكبير ، والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، والدعاء ، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العِلْمِ ، واستذكار كتب التفسير والحديث ، وقراءة سير الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين ، إذاً حينما تأتي إلى المسجد لتصلي ، أو لتقرأ القرآن ، أو كي تسبِّح ، أو تُحَمِّد ، أو تهلل ، أو تُكَبِّر ، أو تستغفر , أو تصلي على النبي ، أو تدعو ، أو أن تقرأ كتاب تفسيرٍ ، أو كتاب حديثٍ ، أو سيرة الأنبياء والصالحين ، أو كتابٍ فقهٍ ودين فهذا كله من مُسْتَحِبَّات الاعتكاف .
فأنت في الدنيا لكسب الرزق ، دخلت إلى المسجد لتنقطع عن الدنيا إلى الله ، هذا الاعتكاف ، لذلك في بعض المساجد يكتبون عليها :
" نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه "
فأنت الآن معتكف ، وانتظارك الدرس أنت في اعتكاف ، إذا سبَّحت الله فأنت معتكف ، إذا مجَّدته ، إذا حمدته ، إذا كبَّرته ، إذا ذَكَرْتَهُ ، إذا قرأت كتاب الله ، إذا صلَّيت إذا قرأت كتاب تفسير ، كتاب حديث ، كتاب فقه ، كتاب ديني ، كتاب سِيَر ، كتاب سيرة نبوية فأنت معتكف .
سيدنا رسول الله خرج من معتكفه لتوديع أهله .
فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))
[ من صحيح البخاري : عن " صفية بنت حيي ]
إذا رسول الله هكذا فكيف نحن ؟ هو فوق الشبهات ، معصوم ، يوحى إليه ، سيِّد البشر سيد الأنبياء خاف على صاحبيه أن يوسوسَ لهما الشيطان شيئاً ، من هذه التي معه ؟ إذا أنت بوضع وضح ، هذه زوجتي ، إذا الإنسان أخذ زوجته يكون معه ابنه أفضل ، لأن الابن ينفي الشبهة ، قد يسئ الإنسان فهمه ، أحياناً يسافر الإنسان ، فيكلف ابن حماه أو أخ زوجته يطل بغيابه على اخته التي هي زوجته ، لا يعرفونه الجيران من هو ، والله واحد وهو غايب دخل جلس ساعتين ثم ذهب ، جاء مرتين ثلاثة ، وَضِّح يا أخي ، وضح أن هذا ابن حمايا ، هذا أخو زوجتي ، أنا كلفته الله يجزيه الخير ، البيان يطرد الشيطان ، وضِّح ، اجعل هذا مبدأك كل شيء أبقيته عالق قد يأتي خبيث فيسئ الظن بك ، ويروِّج هذا بين الناس ، فتتألم أنت , لأنك وضعت نفسك موضع التهمة ، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك وضِّح .
قال لي شخص : رجل متدين في محل تجاري ، ويعلم أن صاحب هذا المحل أيضاً متدين ، جاءت امرأةٌ قالت له : اشتقنا لك ، قال لها : والله نحن أيضاً اشتقنا لك ، ما هذا قال له : هذه أخته ، وضح هذه أختي ، كلمة مشتاقين لا تتكلم مع زبونة ، بلغ يا أخي ، والله هذه أختي ، لتشتري قطعة من القماش ، هكذا رسول الله علمنا .
عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم ]
قال الشافعي الله يرضى عنه : حُكِيَ عن الشافعي أن ذلك كان منه شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ لكفرا ، خاف عليهما ، لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ كفرا ، هو يعرف نفسه فبادَرَ إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا .
وقال الشافعي رضي الله عنه :
" إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء " .
فيجوز الخروج من المعتكف ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، فأجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه لقضاء حاجةٍ ، لأن هذا لا بدَّ منه ، وفي معنى الحاجة أن يأكل ويشرب ، وإن بغته القيءُ ليقيء ، وكل ما لا بدَّ منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه ، وهذا لا يفسد اعتكافه ، يبطل الاعتكاف أن تخرج من المسجد لغير حاجةٍ عمداً وإن قَل ، ويبطله الردة لمنافاتها للعبادة ، ويبطله ذهاب العقل , ويبطله الوطءُ لقوله تعالى : ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية : 187 ]
شروط وأحكام صلاة العيد :
شيءٌ آخر , عن صلاة العيد
شُرِعَت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة ، وهي سنةٌ مؤكدةٌ واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، معنى سنة مؤكدة أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها كثيراً وتركها قليلاً ، لو لم يتركها لكانت فرضاً ، والسنة غير المؤكدة معناها أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها قليلاً وتركها كثيراً ، فهي سنةٌ مؤكدة واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها أصحابه أن يخرجوا لها .
أولاً : يستحبُّ الغُسْلُ والتطيب ولبس أجمل اللباس ، فعن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بُردةً حبره في كل عيد ، فذا الواحد عنده طقم أجد طقم عنده ، هذا أيام العيدين ، للاحتفالات ، للزيارات الرسمية ، لأن الآن ينظر للإنسان من خلال ثيابه ، يقيم الإنسان في آخر الزمان من خلال ثيابه ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس ))
وعن الحسن السبط قال :
" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد ، وأن نتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحِّي بأثمن ما نجد " .
وكان عليه الصلاة والسلام يلبس لهما أجمل ثيابه ، وكان له حُلَّةٌ يلبسها في العيدين والجمعة ، الجمعة عيد أسبوعي والعيدين سنويين ، فأعياد المسلمين الفطر والأضحى , والجمعة .
يسن أكل تمراتٍ وتراً قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر ، وتأخير ذلك في عيد الأضحى حتى يرجع من المُصَلَّى فيأكل من أضحيته إن كانت له أضحية ، فالطعام في عيد الفطر قبل الصلاة ، وتناول هذه التمرات في عيد الأضحى بعد الصلاة .
وعن أنسٍ رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة في صحيحه ]
أي ثلاثة أو خمسة أو واحدة رواه أحمد والبخاري .
وعن بُريده ، كان النبي صلى الله عليه وسلَّم : (( لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ وَلا يَأْكُلُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ))
[ من مسند أحمد : عن " عبد الله بن بريدة عن أبيه ]
وقالت ابن قُدامة : لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلاف ، وذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد من طريقٍ والرجوع من طريقٍ آخر ، ما الحكمة من ذلك ؟ من أجل أن تجتمع بأكبر عددٍ من الناس ، هذا يوم اللقاء ، يوم المحبَّة ، يوم الصفاء ، يوم المودَّة ، ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة جعل هذين العيدين ، فأنت في العيد يجب أن تفرح ، يجب أن تُلْقِيَ الفرح في نفوس من حولك ، الأمور كلها مجمدة في العيد ، لا توجد مشكلات ، أو كسب رزق ، ولا يوجد تأمين حاجات ، وتأمين بضاعة ، وتأمين طلبات ، كله انتهى ، عندك أكلاتك في العيد وأنت معطل ، وأهلك مزيَّنين ، وأولادك لابسين ، فالمفروض أن يذوقوا منك حلاوة العيد ، المودة ، المحبة ، العبارات اللطيفة ، تأمين حاجات العيد بشكل زيادة عن الحد المألوف ، الأكلات الطيبة التي يحبها أولادك أمِّنها لهم ، ألبسهم مما يشتهون , هذا هو العيد ، وطبعاً هذا هو المعنى السائد ، له معنى أعمق من ذلك . المعنى الحقيقي للصوم الصحيح :
بصراحة أقول لكم : فإذا واحد مثلاً إذا كان في الجامعة وهو بالسنة الأخيرة , وفي عنده آخر مادة ونجح منها ، والفرع صعب جداً ، ونجاحه يترتَّب عليه ميزات كبيرة ، سوف يتعين مثلاً ، سوف يتقلَّد وظيفة عالية ، وسيستحق بعثة ، فتجده فرحان فرح حقيقي ، ما هذا الفرح ؟ هو النجاح ، أنت نجحت ، نجحت بهذه الشهادة ، فالنجاح طعمه طيِّب جداً ، إذا الإنسان صام ثلاثين يوم صيام صحيح ، ضبط نفسه عن المباحات إكراماً لله عزَّ وجل ، تنفيذاً لأمره وضبط جوارحه عن المعاصي كلها ، وصام صيام صحيح ، وقام قيام صحيح ، وشعر أنه , انتقل من مرحلة إلى مرحلة ، ارتقى ، في فرح أعظم من هذا الفرح ؟ عاد إلى الله عزَّ وجل عادت إليه روحه ، عاد إليه إقباله ، عاد إلى جادة الصواب ، عاد إلى طريق الهُدى ، هذا المعنى راقي جداً لا يعرفه إلا أن صام صياماً صحيحاً ، من صام صياماً صحيحاً يقبض الجائزة ، فإذا الإنسان ينهي عمل ويحاسب يعطوه هذه الأوراق النقدية ذات الخمسمئة ليرة , تجده يركزهم ، يحس أنه حقق شيء ، أنجز وقبض الأجرة ، يوم العيد يوم الجائزة .
فالله عزَّ وجل علمنا أننا في رمضان يجب أن نترك المباح ، فإذا أنت عوَّدت نفسك أن تترك المباح فمن باب أولى أن تترك غير المباح ، أصبحت هينة عليك ، ما دام الطعام والشراب الشيء المباح تركته في رمضان ، فترك الغيبة , والنميمة , والنظرة إلى المرأة الأجنبية , أصبح من باب أولى ، فالعيد هذا الفوز ، هذا النجاح ، هذا الفلاح ، قد حققت رضوان الله عزَّ وجل هذا هو المعنى ، لمن صام صياماً حقيقياً ، ولمن صام صياماً تقليدياً يفرح براحة البال والطعام والشراب واللِّباس .
اسس وأركان صلاة العيد :
وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتارٍ إلى الزوال ، أي إلى الظهر تصح لما أخرجه أحمد بن حسن من حديث جندب قال :
كان النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يصلي بنا الفطر والشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أوْ الأضحى على قيد رمحين ))
لكن يستحب تعجيل صلاة عيد الأضحى وتأخير صلاة عيد الفطر، يستحب تقديم الأضحى ليَتَّسِعَ وقت الضَحِيَّة ، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر .
وكان عليه الصلاة والسلام إذا انتهى إلى المُصلى أخذ الصلاة من غير أذان ولا إقامة إطلاقاً ، والسنة أن لا يفعل شيئاً من ذلك لا أذان ولا إقامة ، وقد قال مسلم عن عطاء قال :
" أخبرني جابرٌ أنه لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ، ولا بعد ما يخرج , ولا إقامة ولا نداء ولا شيء " .
وكان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين قائماً ، يفصل بينهما بجلسة ، خطبتين .
والآن تكبيرات صلات العيد ، صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبِّر فيهما المصلي قبل القراءة في الركعة الأولى .
الصلاة على المذاهب مختلفة .
1- على المذهب الحنفي يقف الإمام ويكبِّر تكبيرة الإحرام ويقرأ دُعاء الثناء :
" سبحانك اللهم وبحمدك .. "
ثم يكبر ثلاث تكبيرات ، وفي كل تكبيرةٍ يرفع يديه إلى شحمة أذنيه ، وبين التكبيرتين يقول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله والله أكبر , ويقرأ الفاتحة ، ويقرأ سورة سبِّح اسم ربك الأعلى ، ويركع ويسجد ، ثم يقف فيقرأ الفاتحة , وسورة هل أتاك حديث الغاشية ، وقبل أن يركع يكبِّر ثلاث تكبيرات ، يرفع يديه في كل تكبيرة إلى شحمة أذنيه ، وبين التكبيرتين يقول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، هذه صلاة العيد وفق المذهب الحنفي .
2-في المذهب الشافعي : سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام ، وخمسة تكبيرات بعد تكبيرة القيام ، نحن نُصلي العيد هنا على المذهب الحنفي .
لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى قبل صلاة العيد سنةً قبلها ولا بعدها ، لا في قبلها ولا في بعدها ، ولا أصحابه يُصَلُّون إذا انتهوا إلى المُصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها .
تصح صلاة العيد من الرجال والنساء والصبيان والمسافرين كانوا , أو مقيمين مسافرين أو مقيمين ، جماعةً أو منفردين ، في البيت أو في المسجد ، أو في المُصلى طبعاً جماعة , ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلَّى ركعتين .
قال البخاري : إذا فاتته العيد يُصَلِّي ركعتين , وكذلك النساء ومن في البيوت والقُرى ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَصَلَّى كَصَلاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ))
[ من صحيح البخاري ]
أي ركعتين للعيد نصليهما في المسجد هكذا ، العادة جرت ، فإذا لسبب قاهر فاتت أحدنا ، فليصلي ركعتين لله عزَّ وجل .
والخطبة في العيد بعد الصلاة ، الخُطبة سُنَّ ، والاستماع إليها سُنَّة .
فعن أبي سعيدٍ قال : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ .. أي غزوةً .. أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقُلْتُ لَهُ : غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ فَقَالَ : أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ ، فَقُلْتُ : مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لا أَعْلَمُ ، فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاةِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم ]
طبعاً السنة أن نصلي قبل الخطبة وهذا الذي تفعله اليوم ، واستماع الخطبة سنة , وصلاة العيد أيضاً سنةٌ مؤكَّدة ، فالأولى أن لا نخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي شي فعله .
كما قلنا قبل قليل : يستحب في العيد أن تَبُثَّ البهجة والفرحة في نفوس من حولك ولا سيما الصغار ، ويستحب العمل الصالح ، لأن هذا العيد يوم جبر ، فزيارتك للأقارب ، إكرام اليتيم ، إكرام الأرملة ، هذا العمل الصالح له أجر كبير في هذه الأيام .
ويستحب التهنئة بالعيد كما كان بعضهم يقول لبعض : تقبَّل الله منا ومنك .
وصيغة التكبير : " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد " هذه يجب أن تكون قبيل صلاة العيد ، تكبير مستمر ، أما في العيد الأضحى يكون التكبير عقب الصلوات الخمس إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد الأضحى المبارك .
فهذه بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بقضاء رمضان ، وبليلة القدر ، وبالاعتكاف وبصلاة العيد ، أردت أن أجمعها في هذا الدرس لأننا على وشك أن نستقبل هذا العيد المبارك وكما قلنا في درسٍ سابق جعلنا العيد فيه عطلة رسمية ، وكل عامٍ وأنتم بخير .

السعيد
09-12-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و السبعون )


الموضوع : حكم الحج





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . الإسلام عقيدة و شريعة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعض الأخوة الأكارم رَغِبَ أن يكون موضوع هذا الدرس عن حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا ، وكنت قد ذكرت في الخطبة يوم الجمعة بعضاً من هذه الحِكَم ، وأنا أستجيب لهذه الرغبة ، فأجعل جُلَّ هذا الدرس أو بعضه بحسب التيسير في موضوع الحج .
بادئ ذي بدء أقول : الإسلام عقيدةٌ وشريعة ، لخَّصها الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة فقال :
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف : 110 ]
هذه العقيدة " لا إله إلا الله " فلو ضغطتها كلها ضغطاً كثيفاً كثيفاً ، لانتهت بقوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد : 19 ]
لذلك قال العلماء : نهاية العلم لا إله إلا الله ، هي كلمةٌ خفيفةٌ على اللسان ، ثقيلةٌ في الميزان .
وهنا نقطة دقيقة أتمنى على الله عزَّ وجل أن يوفقني إلى توضيحها ، وهي أنّ فهم الآية شيء وأن تكون في مستواها شيءٌ آخر ، بل شتانَ بين فهم الآية وبين أن تكون في مستواها ، فقد تفهم قوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد : 19 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/01.jpg
ولكن إذا كنتَ في مستواها فإن إيمانك بهذه الكلمة ، أو بأنه لا إله إلا الله يحملك قطعاً وحتماً على طاعة الله ، فمن كان في سلوكه خَلَل ففي عقيدته خلل ومن كان في سلوكه معصية فإيمانه بأنه لا إله إلا الله لم يُسْتَكْمَل بعد ، فنحن إذا قسَمنا الإسلام إلى عقيدة ، فهذه العقيدة تنتهي بقول لا إله إلا الله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلا تَتْرُكُ ذَنْبًا ))
[ ابن ماجة عَن أُمِّ هَانِئٍ ]
وإذا تركنا العقيدة جانباً ، فهناك جانب العبادات التي تتمثَّل بقوله تعالى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف : 110 ]
في الإسلام جانب نظري ، وجانب اعتقادي ، وجانب فكري ، وجانب عقلي هذه كلها مرادفات ، وفي الإسلام جانب سلوكي ، وجانب عملي تطبيقي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال يؤكِّد ذلك : (( تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))
[رواه ابن عدي في الكامل ، والخطيب البغدادي في كتاب اقتصاد العلم للعمل عن معاذ ابن جبل]
وقال أيضاً : كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به ، فجانب العمل قَسَمَهُ العلماء قسمين ، عباداتٌ ومعاملات ، علاقتك مع الله تنظِّمُهَا العبادات ، وعلاقتك مع الناس تنظمها المعاملات ، لذلك أحكام البيع والشراء ، والزواج والطلاق ، والإيجار والشرِكات ، والمُضاربة المُزارعة والمساقاة ، وأحكام الوديعة واللقطة والأيْمَان ، كل هذه الأحكام مهما اتسعت وتعددت وتشعَّبت فإنها تنضوي كلها تحتها تحت عنوان المعاملات ، وهي علاقتك بالخلق .
أما علاقتك بالحق فهذه تنظمها العبادات ، وفي مقدمتها الصلاة ، والصلاة في كل مكان وزمان ، في الصحة والمرض ، والغنى والفقر ، وفي الحَضَر والسفر ، فلا يمكن أن ينقطع الإنسان عن الصلاة إلا في حالتين ؛ الإغماء والجنون ، ولو كان في مرضٍ شديد فله أن يصلّي بالإيماء ، أو بجفنه ، أو بعينه .
قلت لكم قبل قليل : الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر بعضها عبادات وبعضها مُعاملات ، والمعاملات جاءت أحكامها الكُلِّيَةَ في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله ، وجاء العلماء المجتهدون فاستنبطوا الأحكام التفصيلية من هذه النصوص الكلية فكان الفقه ، فالفقه هو أحكامٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسُنَّة ، والفقه أحكام اجتهادية ، وأما العبادات فأحكام الله التي أَلْزَمَ عباده بها ، فالصلاة مثلاً " الصلاة عماد الدين من أقام فقد أقام الدين " ، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله ، والصيام لعلكم تتقون ، وهو أن تصل به إلى الله ، والصلاة عبادة بدنية ، والصيام عبادة بدنية ، أما الزكاة فعبادةٌ مالية ، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ ، وماليةٌ ، وروحيةٌ ، مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد ، ويبدو أن الحج من أعلى العبادات مستوىً ، لأسبابٍ كثيرة . . العبادات طريق لمعرفة الله عز وجل :
بادئ ذي بدء ، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاته ، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالكون تجسيدٌ لأسمائه الحسنى ولصفاته الفضلى ، ومن أسمائه العليم ، فهو العليم الحكيم ، وهو الرؤوف الرحيم ، وهو القدير الغني ، وهو السميع البصير ، فكل هذه الأسماء الحسنى لا بدَّ أن تعرفها من خلال الكون ، فالكون دالٌ على عظمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/02.jpg
فالحج بشكلٍ مختصر أن الله سبحانه وتعالى يقول لك : أن يا عبدي تعالَ إليّ أمَّا الصلاة فصلِّ وأنت في بيتك ، وأنت في بلدتك ، وأنت بين أهلك ، وأنت في مجتمعك ، وأنت بين قومِك ، والزكاة ادفع من مالك ، والصوم دعِ الطعام والشراب ، لكن الحجَّ تعالَ إليّ ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم :
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الصافات : 99]
إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة ، وقد يُسافر بدافع التعلم ، وقد يسافر بدافع الاستجمام والسياحة ، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل ، تعالَ إليّ واترك همهومك، دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ ، دع هموم المعاش في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي ، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة ، وهذه حكمة الله البالغة ؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده سواءٌ أكانت هموم المعاش ، أو هموم العمل ، أو هموم الأُسرة ، أو هموم الصحة ، ُيجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها ، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام ، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا ، خلِّ عنك وتعالَ ، دع عنك الهموم كلها ، تعالَ إليّ يا عبدي ، فهو أمر إلهي ، وخالق الكون يقول لك : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة آل عمران : 97 ]
تترك أهلك وولدك ، وتتحمل مشاق السفر ، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة ، ثم ترجع كما ذهبت ؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل ، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله ، ويدفع عشرات الألوف ، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات ، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً ، أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً ، فالله سبحانه وتعالى جلَّ وعلا أن يكون أمره كذلك . قال لك : تعالَ إليّ لأذيقك طعم القرب ، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة ، تعال إلي لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء . . وأن كل شيء سوى الله باطل ، وأن كل نعيمٍ لا محالة زائل . . ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
***
فالحج فرصةٌ واحدة في العمر ، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة . حكم الحج :
1 ـ الإقبال على الله يعينك على أن تقبل عليه و تنعم بقربه :
إذاً يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خلقه فحسب بل في تشريعه ، وليس في تشريعه فحسب بل في عباداته ، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب بل في الحج، فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين ، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون ، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/03.jpg
إذاً أول شيء كما أن الكون خلقه - هذه الكلمة دققوا بها - ومن خلال الكون تتبدَّى عظمته ، كذلك هذه العبادة أمره ، ومن خلال هذه العبادة يجب أن تتبدَّى عظمة الله عزَّ وجل سواءاً بسواء ، فالله عزَّ وجل حينما قال لك : تعال إليّ قطع عنك الهموم ، وحينما أمرك أن تنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام ، جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حظوة ، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا ، والله عزَّ وجل غني عنك . .
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الحج : 37 ]
فقد أمرك أن تبتعد عن مكان الهموم ، وعن هموم المعاش وهموم العمل والأسرة والصحة ، وقال لك : تعالَ ، وأنفق أجرة الطريق ، ورسم الدخول ، وأجرة الإقامة ، وثمن الطعام والشراب ، وثمن الهدي ، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً ، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبل عليه ، فيقدِّم لك المبرر والمسوِّغ كي تُقبِل عليه ، إذاً حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك ، ومكان إقامتك ، وأهلك ، وزوجتك ، وأولادك ، وعملك ، وعزك ، وشأنك ، وجاهك ، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها دعها كلها وتعالَ إليّ ، هذا أول معنى ، تركتها وتجشَّمت مشاق السفر ، فشعرت أن لك عند الله حظوة ، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك ، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسراً لك ، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريباً منك ، وأصبحت المناجاة في مقدورك وكأنك تصنعها ، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبي المنال ، هذا هو المعنى الأول . فقد حملك على أن تقبل عليه ، فحملك على أن تَنْعُمَ بقربه ، فحملك على أن تسعد بالاتصال به ، فهذا هو المعنى الأول . 2 ـ الحج يحجم الإنسان و يريه حقيقته :
أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك ، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً ، وتخلع عنك الثياب المخيطة ، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب ، لجاء هذا بالزي الفلاني ، وهذا بالثوب الفلاني ، وهذا الثوب غالي الثمن ، وهذا ألوانه زاهية ، وهذا خيط خياطةً راقية ، لعادَ التفاوتُ بين الناس ، ويعود النظر إلى ما عند الناس ، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد ؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك ، لذلك لا فرق بين الكبير والصغير ، ولا الغني والفقير ، ولا الذي له سيطٌ ولا خامل الذِكْر ، الكل عند الله سواء ، كأن الله يشعرك أن يا عبدي هناك رحلة أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة ، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم ، وكذا الزوجة والأولاد ، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها ، إذاً كأن الحج رحلة قبل الأخيرة .
في الرحلة الأخيرة تدع كل شيء بلا عودة ، إنها مغادرةٌ بلا عودة ، لكن الرحلة قبل الأخيرة مغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة ، من أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها ، فدع عنك الدنيا قبل أن تدعك ، دعها عنك قبل أن تدعك هي ، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك ، اعرِفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها ، هذا هو حجمك ، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ ، أشعث أغبر ذو طمرين ، يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات ، أو حول البيت الحرام ، أو بين الصفا والمروة ، عبد حجمك صغيرٌ ، وشأنُك حقير ، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل :
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
[ سورة الأنعام : 94 ]
لقد تركت هموم المعاش ، وتجشَّمت مشاق السفر ، وخلعت عنك كل الزينة ، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة ، لأن الإنسان قد يصلي في بلده ، قد يصلي صلاةً شكلية ، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه ، ومشكلاته ، أو دنياه ، وقد يُعيقه ماله ، أو شأنه ، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج ، وقال لك : تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك ، لذلك " إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " . . فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله ، بالتعريف الدقيق هو صلحٌ مع الله . فإذا صالحت إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك ، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك : الحمد لله كابوسٌ زال عني ، أو إذا هي صالحته ، يقول لك : يا أخي الحمد لله الأمور رجعت إلى مجاريها ، فكيف إذا صالحت رب السموات والأرض ؟! كيف إذا صالحت من بيده ملكوت كل شيء ، من بيده أمر حياتك وموتك ، إذا صالحته فهنيئاً لك ، فالحج مشروع صلح مع الله . 3 ـ الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/04.jpg
لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود ، وممكن الوجود ، ومستحيل الوجود ، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، ونحن من باب ممكن الوجود ، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل ، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يكرمك : " إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني ، وحُق على المزور أن يكرم الزائر " فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله ، لا يبتغي إلا الحج ، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا ، فإذا ذهبت كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن ، بل لا بد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل ، جبر كسرك ، وحقق رغبتك ، وأعانك على أمر دينك ودنياك . هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام ، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك . .
(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))
[البخاري عن أَبَي هُرَيْرَةَ]
كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء ، وانتهى الحساب ، ودخلتَ في مسامحة وعلى كلٍّ انتهى الحساب القديم ، وفُتِحت صفحةٌ بيضاء ، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذاً أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه ، إنه الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل لك ، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها . 4 ـ في الحج يحس الإنسان أنه ضيف الرحمن :
شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله ، ففي طواف القدوم دعاء ، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء ، وفي الإقامة بمنى دعاء ، وفي الوقوف بعرفة دعاء ، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء ، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء ، وفي طواف الإفاضة دُعاء ، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
إنّ مخ العبادة الدعاء ، فإذا دعوته لا بدَّ أن يستجيب لك ، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك فكيف بالدعاء وأنت في بيته ؟ فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة ، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مئةٌ في المئة ، فأنت في بيته ، وفي إكرامه وضيافته لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل ، ضيف الرحمن ، هذا الإحساس صارخ ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام . 5 ـ تشريف الإنسان بزيارة بيت الله الحرام :
وثمّة شيء آخر ، أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حججت البيت ، لا ، ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل جلَّ وعلا سمح لك أن تزور بيته ، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته ، وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج ، لأنك إذا قلت : يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام ، وهذا كرم منك ، فقد أكرمك الله بزيارته وبتجلِّيه على قلبه .
فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم إن قلةً قليلةً يعانيها ، لا والله بل تشمل كل حاج ، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده ، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحج بإخلاص ، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً ، ولا زينةً ولا وجاهةً ، ولا تجارةً ولا عملاً ، ولا إقامةً ولا ولا ، فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة .
الإكثار من الدعاء في الحج لأن الدعاء مستجاب :
أنت إذا طُفْتَ حول الكعبة ، تدعو الله عزَّ وجل : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار "
ماذا بقي ؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ، هذا الدُعاء الذي أؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به :
((اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني يا كريم))
[ الترمذي عن عائشة ]
و يحب أن يعفو عنك ، وها أنت ذا تطلب منه العفو ، إذاً لا بدَّ أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل : فتحت لك مع الله صفحةٌ جديدة ، فإذا قلت : (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها مردي ))
[ الترمذي عن عائشة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/05.jpg
وإذا قلت : واجعل الحياة زاداً لي من كل خير ، فما دامت الحياة فيها زيادةٌ لي من الخير فأحيني يا رب . . واجعل الموت راحةً لي من كل شر ، تشعر أن حياتك خير ، وأن انتهاء الحياة خير ، فهذه الأدعية في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان تحس أن لها وَهْجًا ، لأنك لو دعوت بها آلاف المَّرات وأنت في بلدك لا تذوق طعمها ، إلا إذا دعوت بها وأنت في بيته ، وأنت في في ضيافته ، وأنت متعرضٌ لكرمه في الطواف دعاء ، فإذا وصلت إلى الحجر الأسود ، والنبي عليه الصلاة والسلام قّبَّلَ الحجر الأسود وبكى كثيراً ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : (( اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر ]
لذلك أجمع أهل العلم على أن الحجر الأسود يمينُ الله في أرضه ، لذلك عند تقبيله تدعو وتقول : (( بسم الله الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر ]
لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ أتمنى أن كل من أتيح له أن يقبِّل الحجر الأسود ألا ينسى هذا التقبيل طوال حياته ، كلما شعر بالتقصير تذكَّر أنّه قبَّل الحجر الأسود ، وعاهد الله عزَّ وجل على طاعته ، فهل أنت في مستوى هذه الطاعة ؟ وهل أنت ذاكرٌ لهذا العهد ؟ "عهداً على طاعتك" ، فكلما قطعتَ شوطاً وقفتَ أمام الحجر الأسود ، وسرتَ أمامه عَرْضَاً ، وقلت : " بسم الله ، الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك " ، وبعد هذا الطواف الذي هو سبعة أشواط ، تتوجَّهُ إلى المسعى ، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ بما بدأ الله به " . . تتلو قوله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[سورة البقرة : 158]
وأيضاً في الطواف دعاء ، فالله عزَّ وجل أعطاك أمكنة وحركات يجب أن يرافقها الدعاء ، فهل أنت في مستوى الدعاء ؟ لذلك إذا أزمع الإنسانُ الحجَّ فأنا أنصح له أن يكثر من حفظ الأدعية ، لأنك لو فتحت الكتاب هكذا فإنّ رونق الدعاء يتلاشى ، وروحانية الإقبال تذهب، وهناك أشخاص يفتحون الكتاب ويرفعون أصواتهم بالدعاء إلى درجة أنهم يشوِّشون على كل من يسعى ويطوف ، وهناك من يرفع صوته ليرُدَّ النساء خلفه ، وصوت المرأة عورة لذلك تفقهوا قبل أن تحُجّوا ، فيجب أن تدعو من ذاكرتك ، فإذا أعدَّ الإنسانُ نفسَه قبل الحج بشهرين أو ثلاثة ، وجمع الأدعية كلها ، وحفظها إلى درجة أنه أصبح يدعو بها من ذاكرته وقلبه فعندئذٍ يستطيع أن يلتفت إلى الله ، أما إذا فتح الكتاب وفُتِحت ورقة معه بالخطأ فغيَّر ، فإنّ هذا الحال الطيب الذي يظن أنه سيصل إليه قد يتفلَّت منه .
ثم إن الدعاء إذا تعلمته أو أمسكت بهذا المفتاح السحري ، فإنّه أكبر سلاح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " الدعاء سلاح المؤمن " . لأنك بالدعاء تنتصر على أقوى إنسان، لأن الله معك ، قال له : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ " ما قولك ؟ وما ظنك بإنسان الله سبحانه وتعالى معه ؟ فإذا دعوت الله في الحج ينبغي أن يصبح الدعاء رفيقاً لك في بلدك ، كلما واجهتك مشكلة ، أو ألمَّت بك مُلِمَّة أوشعرت بالضيق ، أو لاح لك شبحُ مصيبة ، أو أخافك إنسان ، أو أوقعك القلقُ في شعورٍ وحزن ، في هذه الحالات ادعُ الله عزَّ وجل . . ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
[ سورة غافر : 60 ]
لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجـــــــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَــــبُ
الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
***
إنَّ العبدَ إنْ سألته يغضب ، أما الله عزَّ وجل فيغضب إن تركت سؤاله . فالطواف إلى صلاة ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم ، وأكثر الحجَّاج يصرون على أن يصلُّوا خلف المقام ، وفي أيام الطواف الشديد يصبح هذا المصلي عقبةً كؤودًا أمام الطائفين ، مع أن العلماء أجمعوا على أن أي مكانٍ في الحرم المكي الشريف صالحٌ لصلاة ركعتين بعد الطواف ، فهناك أشخاص يضعون حواجز من أجل أن يصلي بعضهم في هذا المقام في ازدحام وتعسر ، فهذا الذي يذهب إلى هناك من دون فقه يؤذي المسلمين كثيراً . فأنا اصبحت أُلِحّ كثيراً على أن الإنسان ينبغي أن يفحَص قبل أن يذهب إلى الحج هل تعرف مناسك الحج وواجباته وأركانه والسنن المُستحبات ؟ فمن أجل أن يفعل سنة يرتكب معصية كبيرة ، أهكذا الحج ؟ من أجل أن تُقَبِّل الحجر تؤذي عشرات المسلمين ، أبهذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فلذلك : " تفقهوا قبل أن تحجوا" . حاجة الحج إلى إعدادين فقهي و نفسي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/06.jpg
قلت في نفسي : إن الحج يحتاج إلى إعدادين ؛ إعداد فقهي ، وإعداد نفسي، فالإعداد الفقهي يجب أن تدرُسَ أحكام الحج الكُبْرَى والفرعية ، إلى أن تصل إلى دقائق الأعمال لأنك هناك قد تواجه مشكلة ، ما حكمها ؟ أعليها دم ؟ أهي سنةٌ أم هي واجبٌ ؟ هل عليَّ شيءٌ أم لا شيء عليَّ ؟ هذا الأمرُ ينبغي أن يكون واضحاً عند كل أخ ، فلا بدَّ من أن يتلقَّى دروساً مكثفةٌ في أحكام الحج ، وأركانه ، وواجباته ، وسننه ، ومستحبَّاته ، وآدابه ، وحكمته ، من أجل أن تكون هذه المعلومات زاداً للأخ الذي يحجُّ البيت ، أما الإعداد النفسي فأنْ تكون قد أَنَبْتَ إلى الله إنابةً صحيحة ، وتبتَ إليه من كل الذنوب ، فتوبتك واستقامتك ، وعملك الطيِّب وتحرِّيك المالَ الحلالَ هو الإعدادُ النفسي للحج ، لذلك قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :
(( إذا أصححت لعبدي جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمسة أعوام لم يَفِد إليَّ لمحروم ))
[البيهقي في السنن الكبرى ومسند أبي يعلى والترغيب والترهيب للمنذري]
إضافة الله عز وجل إلى ذاته النبي و البيت الحرام و الكعبة :
الإمام البوصيري رضي الله عنه قال واصفًا النبي عليه الصلاة والسلام :
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***
في هذا البيت حقيقتان ؛ أولاً : في القرآن آيةٌ واحدة أضاف الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذاته ، قال تعالى : ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾
[ سورة الجن : 19]
من هو عبد الله ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام ، أضافه اللهُ إلى ذاته ، لذلك قال البصيري : خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***
وقد خاطب الله عزَّ وجل الأنبياءَ بأسمائهم صراحةً ، فناداهم بأسمائهم . . ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾
[ سورة مريم : 7 ]
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
[ سورة المائادة : 116 ]
لكن الله عزَّ وجل لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا باسمين ؛ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول ، ولم يقل له : يا محمد ، ولقد ذكر اسمَه في معرض الإِخبار ، لا في معرض النداء ، فقال تعالى : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾
[ سورة الفتح : 29 ]
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
[ سورة الأحزاب : 40 ]
أما إنّه لم يقل له : يا محمد . . خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***
وقياساً على هذه الحقيقة ، فقد أضاف الله عزَّ وجل البيت الحرام إلى ذاته فقال : ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾
[ سورة البقرة : 125]
إذاً الكعبة المُشَرَّفة أضيفت إلى الله عزَّ وجل ، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض. الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة :
ثم إن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة ، وهذا الشيءُ - سبحان الله - ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى تنعقد الصلة يحتاج إلى بذل جهد كبير ، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط تنعقد هذه الصلة ، فكأن الله عزَّ وجل أزال الحُجُب ، وكما يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
وفي حديث آخر : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
وكأن الله سبحانه وتعالى هنا نزل إلى السماء الدنيا ، وخاطب عباده فغفر لهم ورحمهم ، وقذف في قلبهم النور ، وتجلَّى عليهم ، فسَعِدوا وأسْعَدوا . فلا أريد أن أطيل عليكم ، فمن ذاق عرف ، ومن سار على الدرب وصل ، ومن توجَّه إلى بيت الله الحرام فلا بدَّ أن يعود وقد امتلأ قلبه محبةً لله عزَّ وجل . يوم عرفات أشرف يوم في السنة :
هناك شيء آخر أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ ، فيقول : "انظروا عبادي ، جاؤوني شعثاً غبراً ، فاشهدوا أني قد غفرت لهم " http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-5/5974/ar-5974/07.jpg
فلا يستطيع الإنسان بعرفات أن يكون في حالة غفلةٍ ، لأن هذا اليوم أشرف يومٍ في السنة ، فأشرف الشهور رمضان ، وأشرف أيام السنة يوم الموقف . . عرفات . . وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة ، فالجمعة أشرف أيام الأسبوع ، ورمضان أشرف أشهر السنة ، والموقف في عرفات أشرف أيام السنة قاطبة ، فلذلك حينما يأتي الإنسانُ وكأن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل . .
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 198 ]
كما هداكم إليه ، فهذه المناسك المتنوعة ؛ من طوافٍ ، إلى سعيٍ ، إلى صلاةٍ ، إلى وقوفٍ في عرفة ، إلى وقوفٍ في مزدلفة ، إلى رمي الجمار ، هذه المواقف المتعددة جعلها الله عزَّ وجل مناسبةً كي تقبل عليه منها ، فإذا وصل الإنسان إلى رمي الجمرات ، وقد سألني أخ كريم فقال لي : والله أنا لما حججت لم يستقِم الرميُ معي ، بعض الحصيات وصلت ، وبعضها لم يصل ، بعضُها كبير ، وبعضُها صغير ، يا ترى يصح رجمي ؟ سبحان الله ، خطر ببالي هذا الخاطر فقلت له : لو اخترت حصيات من وزنٍ واحد ، وكان الوزن مناسباً ، ووقفت أمام مكان الرمي ، ورميت وفق الأصول الشرعية مئةً في المئة ، وأصبت المرمى إصابةً صحيحة ، وعدتَ إلى بلدك ، وعصيت الله عزَّ وجل ، فإن الشيطان هو المنتصر ، فمهما أتقنت رمي الجمرات وعصيت الله عزَّ وجل فالشيطان هو المنتصر ، فإذا أطعتَ الله عزَّ وجل بعد الحج ، فأنت المنتصر ، لذلك قال الإمام الغزالي : " لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الله " .
فأنت مِن الآن إذا أردت أن ترغم أنفه من دون أن ترجمه فأطع الله عزَّ وجل وأنت في بلدك ، وانتهى الأمر ، طاعتك لله عزَّ وجل وأنت في بلدك إرغامٌ لأنف الشيطان ، عليه لعنة الله .
شيءٌ آخر ، أن الإنسان حينما يرجم الشيطان يشعر أن هذه المعرفة التي حَصَلَت له تقتضي معاداة الشيطان ، وهذه المعرفة التي حصلت له من لوازمها الحقيقية أن تعاديَ الشيطان ، وأن تبعدهُ عنك ، وعن خواطرك ، وسلوكك ، وعاداتك ، وعن كل أعمالك اليومية ولا أملك إلا أن أقول لكم : من ذهب إلى بيت الله الحرام مخلصاً بهذا الذهاب ، ومن أحرم من الميقات ، وضبط نفسه . . ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة : 197 ]
ومن سعى وطاف وصلى ووقف ورمى ، وأقام بمنى ، فهذه المشاعر لا بدَّ أن تكون بالنسبة إليه معالم الهُدَى التي ينتظرها من الله عزَّ وجل ، وبعد الحج إذا توجَّهَ إلى الحرم النبوي الشريف ، فالمشاعر هناك من نوعٍ آخر ، أي إن هذا الهدى كان على يد النبي عليه الصلاة والسلام . من وقع في ضيق فوقف أمام قبر الرسول أكرمه الله :
قلت لكم يوم الجمعة في الخطبة أن العتبي وهو أحد التابعين كان في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته الشريفة ، فجاء أعرابي وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال : أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وبعدها قال : يا رسول الله سمعت الله يقول :
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
وهأنذا يا رسول الله قد جئت إليك فاستغفر لي الله عزَّ وجل ، يروى أن هذا التابعي الجليل العُتبي أدركته سنةٌ من النوم ، فنام ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : يا عُتبي الْحَقْ الأعرابيَّ ويشِّره أن الله قد غفر له ، يقول العالم ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
هذه الآية تَصِحُّ بعد وفاة رسول الله ، فتصحُّ في حياته ، وتصح بعد مماته ، فكل إنسانٍ ضاقت به الدنيا ، وضعفت حيلته ، أو أخافه شيء ، أو أقلقه شيء ، إذا ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتلا هذه الآية : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 64]
هذا الأعرابي قال بيتين من الشعر : يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنــــــــــــت ساكنـــه فيــه العفاف وفيه الجود والكرمُ
***
وقد سمعت من أناس كثيرين واللهِ وهم صادقون أنَّ أشياء كثيرة أقلقتهم ، فلما وقفوا أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلوا هذه الآية ، واستشفعوا به ، فَرَّجَ الله سبحانه وتعالى عنهم كربهم ، وما هم فيه .
وتعليل هذه القصة أن الأب أحياناً يريد أن يقيم علاقةً طيبةً بين ابنه وأمه ، فإذا سأل الابن أباه شيئاً فإنَّه يُمَكِّن الأمَّ من تلبية هذه الرغبة ، وبهذا تنمو العلاقة الطيِّبة بين الأم وابنها ، فالله سبحانه وتعالى إذا وقع الإنسان في ضيق ، فوقف أمام هذا القبر العظيم ، أمام مقام رسول الله عليه أتم الصلاة و التسليم ، فإنّ الله يكرمه إكراماً لهذا النبي ، لذلك أنا حيٌ طري في قبري وقال : حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم .

السعيد
09-12-2018, 08:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و السبعون )


الموضوع : انواع الصيام






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . أنواع الصيام :
أيها الأخوة المؤمنون ، نظراً لقرب شهر الصيام ، شهر المغفرة ، وشهر التوبة لابد من الحديث عن أحكام الصيام وعن حكم الصيام ، فأما عن حكم الصيام إن شاء الله تعالى في أحد دروس التفسير سوف أنهي درساً في الحديث عن حكم الصيام من خلال آيات الصيام، وفي درس الأحد هذا والذي يليه إن شاء الله تعالى نتحدث عن أحكام الصيام لأن التفقه في الدين حتم واجب على كل مسلم ، وأحكام الصيام مأخوذة من كتاب : اللباب في شرح الصيام على الفقه الحنفي .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/01.jpg
الصوم أيها الأخوان ضربان أي نوعان ، واجب ونفل ، والصوم في الأصل لغةً هو الإمساك بل هو مطلق الإمساك ، قال تعالى : ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾
[ سورة مريم : 26 ]
أي إمساك عن الكلام ، وشرعاً : الإمساك عن المفطرات حقيقةً أو حكماً ، ما معنى حقيقةً أو حكماً ؟ لو أن الإنسان تناول الطعام وهو ناس وأكل ولكنه حكماً ممسك عن الطعام يبقى صائماً لأن الذي ينسى ويأكل لا شيء عليه .
الإمساك عن المفطرات حكماً أو حقيقة في وقت مخصوص بنية من المؤهل للصوم ، فإذا قلنا : واجب ونفل ، فالصيام الواجب يراد به ما يقابل النفل الذي يجب أن يؤدى، وفي معنى آخر هو الواجب الذي بين الفرض وبين النفل ، فصيام النفل واجب وصيام رمضان فرض ، وصيام النفل نفل ، الواجب إما أن يعني الفرض الواجب معاً ، وإما أن يعني حالة بين الفرض وبين النفل ، على كلٍّ الواجب ضربان أي نوعان منه ما يتعلق بزمان بعينه كصيام رمضان ، أو كصيام النذر المعين، حينما ينذر الإنسان أن يصوم يوماً بعينه ، أو أسبوعاً بعينه ، أو شهراً بعينه ، فهذا صوم واجب يجب أن يؤدى في الوقت الذي حدد له، هذا الصوم الواجب المعين بزمن مخصص كصيام رمضان أو كصيام النذر المعين يجوز صومه بنية من الليل . النية أحد شروط العبادة :
بالمناسبة النية أحد شروط العبادة ، لا تصح العبادة من دون نية لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ]
فلذلك ينوي الصائم صيام رمضان أو صيام النذر المحدد من الليل فإن لم ينوِ حتى أصبح الصبح أجزأته النية ما بين الفجر والزوال ، ومعنى الزوال زوال الشمس عن كبد السماء ، أي صيام رمضان أو صيام النذر المعين يجوز إذا نويت الصيام من الليل أو من الفجر وحتى الزوال أي حتى الضحوة الكبرى إلى ما قبيل أذان الظهر ، لأن أذان الظهر يأتي بعد الزوال ، بعد أن تزول الشمس من كبد السماء يدخل وقت الظهر . النوع الثاني من أنواع الصيام :
وأما النوع الثاني من أنواع الصيام فهو ما يثبت في الذمة كقضاء رمضان وما أفسده من نفل ، الإنسان إذا بدأ بعبادة نافلة عليه أن يتمها لقول الله عز وجل : ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة:196]
أي إذا الإنسان بدأ بالعبادة ينبغي أن يمضي فيها إلى آخرها ، فإذا نوى صيام نفل ثم أفطر لعذر يجب أن يقضي يوماً مكانه ، والضرب الثاني ما يثبت في الذمة من غير تقيد بزمن ، لك أن تقضي هذا الصوم من أي وقت تشاء يثبت عليك في الذمة من دون زمن معين كقضاء رمضان ، السنة كلها تصح لقضاء رمضان أو ما أفسده من نفل ، صيام النفل الذي أفسده لعذر يجب أن يؤدى قضاء من دون تحديد زمن معين ، والنذر المطلق ، طالب نذر إذا نجح في الشهادة الثانوية أن يصوم أسبوعاً ولم يحدد هذا اسمه نذر مطلق ، بينما النذر المقيد هو الذي قيد بزمان ، وصوم الكفارات أيضاً . الصوم الغير محدد بوقت معين لا يجوز إلا بنية معينة من الليل :
كل هذه الأنواع من الصيام صوم غير محدد بوقت معين ، هذا الصيام لا يجوز إلا بنية معينة من الليل ، صيام رمضان وصيام النذر المعين بوقت محدد على المذهب الحنفي لا يجوز إلا بنية من الليل ، أو بعد الفجر حتى الضحوة الكبرى ، أي إلى زوال الشمس عن كبد السماء ، أي يجب أن يكون معظم اليوم داخلاً في عبادة دينية ، لو فرضنا إنساناً أراد أن يصوم نفلاً أو قضاءً غير معين وكان اليوم قصيراً واستيقظ الساعة الثانية ظهراً هذا الصيام لا يصح لصيام النفل ، لصيام قضاء رمضان، أو ما أفسده من نفل ، والنذر المطلق ، وصوم الكفارات ، لا يجوز إلا بنية معينة من الليل لعدم تعيين الوقت ، نحن في رمضان كلنا نعلم أننا في رمضان لذلك بعض الفقهاء قالوا : لمجرد أن تستيقظ تأكل طعام السحور فهذه نية ، والمسلم له أن ينوي صيام الشهر كله مرةً واحدة ، لكن صوم الكفارات ، أو صوم قضاء رمضان ، أو صوم النذر المطلق ، أو صوم ما أفسده من نفل ، هذا يحتاج إلى نية مبيتة من الليل كي تصح هذه العبادة ، والشرط أن يعلم بقلبه أي صوم يقوم ، كل إنسان يعلم ما إذا كان يصوم صيام نفل ، أو صيام نذر مطلق ، أو صيام نذر معين ، أو صيام أداء، أو صيام قضاءٍ ، أو صيام كفارةٍ ، أو صيام قضاء نفل ، كل إنسان مؤمن يعلم أن هذا الصوم هو كذا .
هذه هي أنواع الصيام ، صيام فرض وصيام نذر ، وصيام الفرض منه ما هو محدد بوقت معين كصوم رمضان والنذر المحدد ، ومنه ما يثبت في الذمة من دون تحديد كأداء النذر المطلق ، أو قضاء النفل الذي بدأ فيه ثم أفسده ، أو صوم الكفارات ، أو ما شاكل ذلك . تلمس الهلال لصوم رمضان :
الآن ينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، بل ينبغي عليهم أن يلتمسوا هلال شعبان في أول الشهر ، لتكون عدة الأيام صحيحة ، لأنه لو غم علينا في أول رمضان أتممنا شعبان ثلاثين يوماً ثم شرعنا بشهر رمضان ، لأن الأصل بقاء الشهر فلا ننتقل عنه إلا بدليل ، والدليل إما إتمام العدة ، أو رؤية الهلال ، هذان هما الدليلان اللذان يكفيان لانتقالنا من شهر إلى شهر .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/02.jpg
الآن من رأى هلال رمضان وحده صام ولو لم تقبل شهادته لأنه متعبد بما علم، من رأى الهلال وحده وذهب إلى القاضي الشرعي فلم يقبل شهادته ، لأن في قبول الشهادة شروطاً سوف نأخذها بعد قليل وإن أفطر ، من رأى الهلال وحده فعليه القضاء دون الكفارة وإن كان في السماء علة من غيم أو غبار ونحوه ، قبل الإمام شهادة الواحد العدل ، من هو العدل التي تقبل شهادته في رؤية الهلال ؟ العلماء قالوا : من غلبت حسناته على سيئاته ومن تستر على معاصيه ، أي من غلب عليه الصلاح والتستر ، أي هذا الذي يفعل سيئةً ويذكرها للناس هذا سقطت عدالته ، الذي يقول : أنا البارحة أفطرت في رمضان هذا ساقط عدالته ، هذا الذي يقول : أنا البارحة لم أصلِّ ، إن غلب عليه التستر فشهادته مقبولة وإن غلب عليه الصلاح فشهادته مقبولة ، فإن جاهر بمعصية معنى ذلك أنه لم يتستر ، إذاً مطعون في شهادته ، فإن لم يكن في السماء علة لن تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم ، إذا السماء صافية ولا يوجد أي عذر ولا أي علة في السماء لا تقبل شهادة الواحد ، والسبب لأن المطلع متحد والموانع منتفية والأبصار سليمة والهمم لطلب الهلال مستقيمة ، هناك همم لطلب الهلال وهناك أبصار ، فكيف نجعل أمةً بأكملها تدخل في شهر الصيام بشهادة رجل إذاً هذا الرجل لابد أن في حكمه خطأ الواحد ، لكن بعضهم قال : إذا هذا مفوض إلى الإمام أو إلى القاضي الشرعي هو بحكمته الذي يقبل شهادة الواحد أو لا يقبلها ، لكن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه رجح في آخر الزمان حينما ينصرف الناس عن تلمس هلال رمضان ، حينما ينشغل الناس في أعمالهم وينصرفون عن هذه العبادة في آخر الزمان يجوز أن يقبل القاضي الشرعي أو الإمام شهادة الرجلين أو رجل وامرأتين ، عندئذ يصبح الصيام صحيحاً ، هذا الرأي الوسط بين أن ترد شهادة الواحد وبين أن تقبل شهادة الجمع الغفير وبين تقبل شهادة الرجلين أو رجل وامرأتين .
قال بعضهم : ولم أرَ أرجح من هذه الرواية ، وينبغي العمل بها في زماننا لأن الناس تكاسلوا عن ترائي الأهلة فكان التفرد غير قائم بالغرض . وقت الصوم :
الآن وقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني أي الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، لقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة:187]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/03.jpg
والخيطان بياض النهار وسواد الليل . الصوم شرعاً :
الصوم شرعاً هو الإمساك حقيقةً أو حكماً، من تناول الطعام ناسياً فهو ممسك عن الطعام حكماً ومن أمسك عن الطعام فعلاً فهو ممسك عن الطعام حقيقةً ، الإمساك حقيقةً أو حكماً عن المفطرات كالأكل والشرب والرفث ، لأن الله سبحان وتعالى يقول : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾
[ سورة البقرة:187]
المفطرات هي الأكل والشرب والرفث ، فإن أكل الصائم أو شرب ناسياً لم يفطر لأنه ممسك حكماً، لأن الله سبحانه وتعالى أو لأن الشارع الحكيم أضاف هذا الفعل إلى الله حيث قال عليه الصلاة والسلام : ((حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ دِينَارٍ عنْ مَوْلاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَأَكَلَتْ مَعَهُ وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْقًا فَقَالَ يَا أُمَّ إِسْحَاقَ أَصِيبِي مِنْ هَذَا فَذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَرَدَدْتُ يَدِي لا أُقَدِّمُهَا وَلا أُؤَخِّرُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ قَالَتْ كُنْتُ صَائِمَةً فَنَسِيتُ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ الآنَ بَعْدَمَا شَبِعْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتِمِّي صَوْمَكِ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ ))
[ أحمد عنْ مَوْلاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ]
لكن الفقهاء توسعوا في هذا الحكم فقالوا : إذا رأيت شيخاً فانياً قد أكل ناسياً فلا تذكره ، وإذا رأيت شاباً قوياً جلداً يأكل ناسياً في رمضان فذكره ، أي شفقةً على هذا الشيخ ، قد يكون شيخاً فانياً ويصوم وقد جهد في الصيام ، فأول يوم من الصيام هو أشد الأيام على الإنسان ، فلو شرب كأس ماء وبدأ بشربه أنت ابقَ ساكتاً أما إذا كان شاباً فذكره برمضان . القضاء و الكفارة :
الآن من ذرعه القيء أي سبقه وغلبه إلى صنعة منه ولو ملء فيه لم يفطر ، لكن من استقاء عمداً أي تعمد القيء أفطر وعليه القضاء .
الآن من أكل شيئاً مما لا يأكله الإنسان أو مما يستقذره أفطر وعليه القضاء ، لكن ليس عليه كفارة، إنسان أكل تراباً مادام أدخل إلى جوفه شيئاً إذاً عليه القضاء لكن لا كفارةً عليه لأن هذا الذي تناوله ليس في معنى الطعام ، لو فرضنا رجلاً أدخل إلى جوفه شيئاً عليه أن يقضي هذا اليوم ولا كفارةً عليه لأن هذا الذي أدخله ليس في قصد الطعام أو مما يشتهى .
الآن من أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة ، من أكل طعاماً أو شرب دواءً فعليه الكفارة لكمال الجناية أي أو من تعمد الرفث إلى النساء فعليه القضاء والكفارة ، الآن من احتقن أي صب الدواء في مكان الحقنة - التحاميل لا تفطر - أو من استعف أي صبّ الدواء في أنفه أو من قطر في أذنيه دهناً بخلاف الماء فيفطر على المذهب الحنفي ، تناول التحاميل أو وضع الدواء في الأذن أو في الأنف هذا لا يفطر الصائم، لكن لو تعمد إدخاله إلى الجوف دخلنا في حكم آخر ، لو أن الإنسان شعر بطعم الدواء في حلقه من دون أن يتعمد إدخاله لا يفطر ، أما إذا تعمد إدخاله إلى حلقه فإنه يفطر ، كل شيء يصل إلى جوف الإنسان بفعله وبإرادته فإنه يفطر ، أيضاً من داوى جائفةً أي جراحة في البطن أو آمةً جراحةً في الرأس بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر .
الآن من ذاق شيئاً بفمه لم يفطر ، أحياناً الإنسان يضطر أن يشتري شيئاً وقيمة الشيء يعرف من مذاقه ، طبعاً العلماء كرهوا ذلك لكن إذا كان في ضرورة بالغة ، متعهد طعام عليه إطعام أعداد كبيرة ، قد يكون هذا الجبن مسحوباً خيره ، فلو وضع شيئاً يسيراً على لسانه ليعرف نوعيته قال : من ذاق الطعام فإنه لا يفطر ، أيضاً لو أن الزوج قاس جداً فإذا كان الطعام فيه خلل ربما أقام على امرأته القيامة ، مثل هذا الزوج يجوز للمرأة أن تذوق الطعام تفادياً لشر هذا الزوج القاسي ، من ذاق الطعام فإنه لا يفطر لعدم وصول المفطر إلى جوفه ويكره له ذلك بما فيه لتعريض الصوم إلى الفساد ، ويكره للمرأة أن تمضغ الطعام لصبيها إن كان لها منه بد فإن كان لابد من أن تفعل ذلك فلا شيء عليها من دون أن يصل هذا إلى الجوف .
قال : مضغ العلك الذي لا يصل منه شيئاً مع الريق إلى الجوف لا يفطر ، كل هذا العلك مغطى بمادة سكرية فإذا تناولها الإنسان وصل السكر إلى الجوف إذاً هذا يفطر ، لو تصورنا أنه لا يوجد فيه أي مادة أخرى ، قال هذا لا يفطر ولكن يكره لأن صاحبه يتهم بالإفطار ، ويحمل على هذا إذا الإنسان حرك فمه تحريك من يأكل هذا مكروه أنت تعرض سمعتك إلى الفساد ، تتهم بالإفطار . حكم الصيام للمريض و المسافر :
الآن من كان مريضاً في رمضان فخاف ، الخوف معتبر شرعاً ، يوجد عندنا الخوف معتبر شرعاً وهو ما كان بغلبة الظن بتجربةٍ أو إخبار مسلم عدل أو طبيب حاذق ، أي غلبة الظن عن طريق التجربة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/04.jpg
إنسان معه قرحة فكلما تأخر في شرب الحليب شعر بآلام لا تحتمل ، فغلبة الظن عنده أن الصيام يؤذيه ، أو أن طبيباً مسلماً حاذقاً نصحه بذلك ، أو أن إنساناً ذو تجربة كبيرة معهود عليه بالصدق قال له ذلك هذا هو الخوف معتبر شرعاً ، فإن صام المريض وزاد مرضه بالصيام أو تأخر شفاؤه أفطر وقضى ، وإن كان مسافراً وهو لا يتضرر بالصوم فصومه أفضل ، أحياناً يسافر إلى حلب بالطائرة ساعة وأقل من ساعة ، أي الطائرة مكيفة ومن المطار إلى البيت هناك باص مكيف فلا يوجد حاجة لأن يفطر الإنسان ، ومن لا يتضرر بالصوم وكان مسافراً فصومه أفضل لقوله تعالى : ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:184]
وإن أفطر وقضى جاز لأن السفر مطلق السفر من دون قيد يجيز لصاحبه الفطر، لكن ينصح بالصوم إذ لم يكن بالسفر مشقة ، أما المرض فلا يجوز اتخاذه عذراً للفطر إلا إذا كان معتبراً شرعاً، بمعنى إنسان يده مجروحة مضمدها ، لا ، يجب أن يكون المرض له علاقة بالجهاز الهضمي ، له علاقة بالكليتين ، بتناول السوائل ، أو يكون له علاقة بالطعام والشراب ، أما مرض بالعظم ، أو مرض بالعضلات فهذا ليس له علاقة بالصيام ، أما مطلق السفر يجيز لصاحبه الإفطار، بينما المرض المحدد بغلبة الظن عن طريق تجربة ، أو وصف طبيب مسلم حاذق أو له تجربة صادقة ، هذا الذي يجيز له الإفطار ، وسوف نتابع هذا الموضوع بدرس الأحد القادم ، وأرجو أن تنتهي هذه الأحكام بهذين الدرسين ليكون الصوم على بينة وعلى علم . * * *
لمحة عن حياة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق :
والآن إلى سير التابعين الأجلاء رضي الله عنهم ، التابعي لهذه الدرس القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، هذا التابعي الجليل فتى جمع المجد من أطرافه كلها ، حتى لم يفته منه شيء ، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق - أي جده سيدنا الصديق - وأمه بنت كسرى يزدجر آخر الملوك ، وعمته عائشة أم المؤمنين ، وهو فوق ذلك قد توج هامته بتاج التقى والعلم ، أتحسب أن فوق هذا المجد مجداً يتنافس فيه المتنافسون ؟؟ ذلكم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة ، وأفضل أهل زمانه علماً ، وأحدهم ذهناً، وأشدهم ورعاً ، الآن يبدو أن والد هذا التابعي قد مات بمصر وكان والياً عليها قال : فجاءت عمتي عائشة رضي الله عنها فحملتنا من منزل عمي ، أكثر النساء يكثرن الخروج من البيت ويهملن أولادهن ، لكن المرأة التي تؤثر أولادها على حظها وتبقى في البيت ترعى أولادها وتعتني بهم قال عليه الصلاة والسلام : (( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]
وكانت تحنو علينا حنو المرضعات على الفطين ، فتغسل أجسادنا ، وتمشط شعرنا ، وتلبسنا الأبيض الناصع من اللباس ، الإسلام يرفع من قيمة الإنسان ، وكانت لا تفتأ تحضنا على الخير ، وتمرسنا بفعله ، وتنهانا عن الشر ، وتحملنا على تركه ، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله ، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله ، وكانت تزيدنا براً واتحافاً في العيدين ، فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري ، وغسلتني أنا وأختي ، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد ، وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد - هذه المرأة الصالحة - فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا ، هذا درس لكل أم ، درس لكل زوجة .
وفي ذات يوم ألبستنا ثياباً بيضاً ثم أجلستني على إحدى ركبتيها وأجلست أختي على ركبتها الأخرى ، وكانت قد دعت عمي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، فلما دخل عليها حيّته ثم تكلمت فحمدت الله عز وجل ، وأثنت عليه بما هو أهله ، فما رأيت متكلماً قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصح منها لساناً ، ولا أعذب بياناً ، ثم قالت : أي أخي إني لم أزل أراك معرضاً عني منذ أخذت هذين الصبيين منك وضممتهما إليّ ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان يتمنى أن يضم إليه هذين الطفلين فجاءت أخته عائشة رضي الله عنها وضمتهما إليها ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان واجداً عليها قالت : والله ما فعلت ذلك تطاولاً عليك ، ولا سوء ظن بك ، ولا اتهام لك بالتقصير في حقهما ، ولكنك رجل ذو نساء - لك زوجات - وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما ، يحتاجون إلى تنظيف وإلى تغسيل وإلى إطعام فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفساً - سبحان الله الأم تطيب نفسها بخدمة أولادها ، غير الأم لا تطيب نفسها - فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفساً ، ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذا الحال، وهاهما الآن قد شبا وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما فخذهما وضمهما إليك ، بعد أن أصبحا قادرين على خدمة أنفسهما الآن خذهما وضمهما إليك .
فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته ، بيد أن الغلام البكري ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها ، فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج، وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع ، ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى ، فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه ، وقد ظلت ذكرياته في منزل عمته الشذية الندية ، فقد قال يوماً لعمته عائشة : يا أم - يا أمي - اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه فإني أريد أن أراهم ، وكانت القبور الثلاث مازالت داخل بيتها - أي الآن في الحرم النبوي الشريف مكان القبور الثلاث ؛ قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وقبر سيدنا الصديق ، وقبر سيدنا عمر في غرفة السيدة عائشة ، النبي عليه الصلاة والسلام دفن في بيتها ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة معتدلة ، وقد مهدت بصغار الحصى الحمر مما كان في باحة المسجد ، فقلت : أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشارت بيدها وقالت : هذا، ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهم ، وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدماً على قبري صاحبيه فقلت : وأين قبر أبو بكر جدي ؟ قالت : ها هو ذا وكان مدفوناً عند رأس النبي عليه الصلاة والسلام ، فقلت : وهذا قبر عمر وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريباً من رجل النبي عليه الصلاة والسلام . مكانة القاسم بن محمد :
ولما شبّ هذا الفتى حفظ كتاب الله عز وجل ، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء له أن يأخذ ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف ، وانقطع على حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه ، فروى عن أبي هريرة ، وعن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن خباب ، ورافع بن خديج ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم ، قال : حتى بدا إماماً مجتهداً وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة ، وكان الرجل لا يعد رجلاً عندهم حتى يتقن السنة ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح القاسم بن محمد وابن خالته سالم بن عبد الله بن عمر إمامي المدينة الموثوقين ، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاء بني أمية لا يقطعون أمراً ذا بال في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/05.jpg
من ذلك أن الوليد بن عبد الملك قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع ، وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه ، وهي أمور تشق على الناس ، ولا تطيب نفوسهم بها ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول : لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح مئتي ذراع في مئتي ذراع فاهدم جدرانه الأربعة وأدخل فيه حجر زوجات النبي صلى الله الله عليه وسلم ، واشتر من نواحيه من البيوت ، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب ومنزلتهم في قلوب الناس ، فإذا أبى عليك أهل المدينة فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأشركهما معك في الأمر ، وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء ، وإن لك في هذا سلف صدق ، فدعا عمر بن عبد العزيز القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطائفةً من وجوه أهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فسروا بما عزم عليه ، وهبوا لإنفاذه ، فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين يباشران هدم المسجد بأيديهما قاموا معهما قوم رجل واحد ونفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين . القاسم بن محمد أشد الناس تأسياً بجده الصديق :
شيء آخر : كان القاسم بن محمد أشد الناس تأسياً بجده الصديق حتى قال الناس : لم يلد أبو بكر ولداً أشبه به من هذا الفتى فلقد أشبهه في كرم شمائله ، و نبل خصاله ، و صلابة إيمانه ، و شدة ورعه ، و سماحة نفسه ، وسخاء يده ، ولقد أؤثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا .
من هذا أن أعرابياً جاءه إلى المسجد فقال : أيكما أعلم أنت أم سالم بن عبد الله؟ فتشاغل عنه ، فأعادها عليه ، فقال : سبحان الله فأعادها كرةً ثالثة ، فقال : ذاك سالم يا بن أخي يجلس هناك ، فقال من في المجلس : لله أبوه لقد كره أن يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه وكره أن يقول هو أعلم مني فيكذب ، وكان أعلم من سالم .
لقد رُئي ذات مرةٍ بمنى وأهله الأنصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب وهم يسألونه، فكان يجيبهم بما يعلم ويقول لهم فيما لا يعلمه : لا أعلم ، لا أدري ، هذه الكلمة قلها أيها الأخ قل : لا أعلم وهي وسام فخر ، نصف العلم لا أدري ، من ادعى أنه يعلم كل شيء فهو لا يعلم شيئاً ، كلمة لا أعلم فيها تواضع ، نصف العلم لا أدري ، هذا هو التواضع ، وهذه هي الدقة ، فكان يقول : لا أعلم ، لا أدري ، فأخذهم منه العجب فقال لهم : والله لا نعلم كل ما تسألون عنه ، ولو علمناه ما كتمناه ، ولا يحل لنا أن نكتمه ، ولأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم .
من أخلاق العالم الحقيقي إذا سئل عن قضية أن يقول : لا أعلم ، أو دعها إلى وقت آخر ، لكن أجرأكم على الفتية أجرأكم على النار . على الإنسان أن يقول ما يعلم دون زيادة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4625/ar-4625/06.jpg
في ذات مرة عهد إليه في قسم الصدقات بين مستحقيها فاجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد ، وأعطى كل ذي حق حقه ، غير أن أحدهم لم يرضَ عن نصيبه الذي أعطي له فأتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي ، وجعل يتكلم في أمر الصدقة ، فقال ابنه : والله إنك لتتكلم في رجل ما نال من صدقتكم درهماً ولا دانقاً - الدانق سدس الدرهم - ولا أصاب منها تمرةً واحدة ، فأوجز القاسم صلاته والتفت إلى ابنه وقال : يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم، فقال الناس : صدق ابنه ولكن أراد أن يربيه ، وأن يحفظ لسانه من التوسع بالكلام .
إياك أن تتوسع في الكلام ، قل ما تعلم من دون زيادة ، طال عمر القاسم حتى نيف على الثانية والسبعين ، ولكن كف بصره وهو شيخ كبير ، وفي آخر سنة من حياته قصد مكة يريد الحج وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين - الموت - فلما أحس بالأجل التفت إلى ابنه وقال : إذا أنا مت فكفني بثيابي التي كنت أصلي بها ، قميصي وإزاري وردائي فذلك كان كفن جدك أبا بكر ، ثم سوِّ عليّ لحدي ، والحق بأهلك ، وإياكم أن تقفوا على قبري وتقولوا : كان وكان فما كنت شيئاً .
هذا التواضع ، لابد من حفل التأبين كان وكان . . . قال له : ما كنت شيئاً ، الإنسان عندما يعرف مقامه عند الله يزهد بكلام الناس عنه ، يزهد بتأبين الناس له ، يزهد بثناء الناس عليه ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به ، ذلكم كان القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه .

السعيد
09-12-2018, 08:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و السبعون )


الموضوع : صيام المريض و المسافر





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.حكم الصيام للمريض و المسافر :
أيها الأخوة المؤمنون ، لازلنا مع دروس الفقه المتعلقة بشهر الصيام ، وصلنا في الدرس الماضي إلى أنه من كان مريضاً في رمضان فخاف الخوف المعتبر شرعاً - يوجد خوف غير معتبر شرعاً ؛ وسوسة ، أو وهم ، أو ظن ، لا يستطيع المسلم أن يفطر في رمضان بناءً على رخصة المرض إلا إذا كان خوف المرض معتبراً شرعاً - وهو ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/01.jpg
رجل يعاني من آلام في المعدة فكلما صام اشتدت به الآلام يغلب على ظنه أن الصيام يؤذيه بتجربة سابقة محققة عنده ، أو إخبار مسلم عدل يخبره أن الصيام يؤذيه ، أو إخبار مستورٍ حاذقٍ والجمع بينهما ، أي أن يخبره طبيب مسلم ورع حاذق، إذا اجتمع في الطبيب المهارة والورع في الوقت نفسه فإخبار هذا الطبيب بضرورة الإفطار شيء يعد خوفاً شرعياً يجيز للمسلم الإفطار ، ماذا يخبره ؟ أنه إذا صام ازداد مرضه أو تأخر شفاؤه ، إذا كان كذلك أفطر وقضى ، أي أفطر ذلك اليوم وقضى مكانه ولا شيء آخر عليه ، لأن زيادة المرض وامتداده يفضي إلى الهلاك فيحترز عنه ، هذا إذا كان مريضاً، إذاً المرض مقيد ليس مطلق المرض يجيز الفطر ، بعضهم يتوهم أن مطلق المرض يجيز الفطر ، لا ، المرض المعتبر شرعاً بتجربة ثابتة فيها غلبة الظن ، أو بإخبار طبيب مسلم حاذق ورع.
وإن كان مسافراً وهو لا يضره الصوم ، أو لا يضره السفر إذا كان صائماً فصومه أفضل ، سافر إلى مسافة عشرين كيلو متراً أو ثلاثين كيلو متراً بسيارة مريحة ، والجو شتاء لا يوجد حر ، فمثل هذا السفر لا يضر الصائم بل إن الصيام لا يضر ، السفر إذا كان كذلك فصومه أفضل لقوله تعالى :
﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:184]
لكن إن أفطر جاز وقضى ، لأن علة المرض مشروطة ، بينما علة السفر مطلقة، فإن أفطر المسافر جاز وقضى ، لكن بعض العلماء قال : إن السفر الذي به تقصر الصلاة هو السفر الذي يجيز للمسلم أن يفطر به ، والمسافة التي تقصر بها الصلاة ثمانون كيلو متراً، وقال بعض العلماء : إن السفر أي سفر لا يعرى عن المشقة ، فجعل نفسه عذراً ، أي السفر على إطلاقه عدّ عذراً بخلاف المرض لأنه قد يخف بالصوم ، فشرط كونه مفضياً إلى الحرج عدّ السفر على إطلاقه سبباً موجباً للفطر. حكم المريض و المسافر إذا ماتا وهما على حالهما أو بعد الصحة و الإقامة :
الآن إذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما ، مسلم مسافر مات في أثناء السفر ، أو مسلم مريض وهو مفطر مات في أثناء المرض قال : لم يلزمهما القضاء ولا قضاء عليهما ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
هذا المريض وهذا المسافر اللذان ماتا في مرضهما أو سفرهما لم يجدا عدةً من أيام أخر ، إذاً لا شيء عليهم ، الآن وإن صحّ المريض وأقام المسافر هذه العلة برأ منها وهذا السفر عاد منه ، إذا صحّ المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة ، إذا ماتا بعد مضي شهر من انتهاء الصوم وكانا في هذا الشهر صحيحين لزمهما القضاء بعد موتهما ، لوجود الإدراك بهذا المقدار ، لو عاشا بعد رمضان أسبوعين بصحة جيدة لزمهما قضاء نصف الشهر ، يلزمهما قضاء المدة التي صحا فيها أو أقاما فيها ، لذلك إذا صح المريض أو أقام المسافر ثم أدركه الموت وكان بوعيه لزمه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم لم يستطع أن يؤده قضاءً هذا هو الحكم. قضاء رمضان :
الآن قضاء رمضان المسلم مخير فيه إن شاء فرقه ، وإن شاء جمعه بإطلاق النص ، قال تعالى :
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/02.jpg
يا ترى هذه الأيام الأخر متتابعة أم متفرقة ؟ ما سكت عنه القرآن كان في هذا إطلاقاً ، والمطلق على إطلاقه ، وهذا رحمة من الله تعالى ، والإنسان إذا شيء ربنا سبحانه وتعالى سكت عنه لا ينبغي له أن يسأل عنه ، لأن في السؤال حرجاً ، لكن المستحب لو سألت عالماً أيهما مستحب أن نصوم هذه الأيام التي فاتتنا في المرض أو السفر متتابعةً أم نصومها متفرقةٍ ؟ لكان الجواب المستحب المتابعة ، لماذا ؟ مسارعةً إلى إسقاط الواجب ، أما إذا أخر المسلم ما عليه من أيام أفطر بها أخر قضاءها إلى أن جاء رمضان آخر فهذا له حكم آخر ، وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني ، لأن القاعدة الشرعية تقول : رمضان ظرفٌ لا يسع غيره ، أي في رمضان لا يسع رمضان إلا أن تصوم رمضان ، أما أن تجمع في رمضان بين صيام الفرض وصيام الكفارة أو القضاء فهذا مستحيل.
إذاً من أخر من فاته من أيام في رمضان إلى أن جاء رمضان آخر صام الثاني لأن وقته حتى لو نواه عن القضاء لا يقع إلا عن أداء ، لو نوى أن يصوم رمضان قضاءً عن رمضان آخر لا يقع إلا أن يكون أداءً لرمضان جديد ، وقضى الأول بعده ، لأن وقت القضاء على مذهب أبو حنيفة رضي الله عنه لا وجوب عليه ، وعلى بعض المذاهب إذا جاء رمضان الآخر ففي هذا إهمال ، عليه أن يقضي ما فاته ، وأن يدفع عن كل يوم ثمن إطعام مسكين ، لكن على المذهب الحنفي لا شيء عليه لأن وجوب القضاء على التراخي من دون تحديد ، أي إذا الإنسان أفطر برمضان لعذر من سفر أو مرض وجاء رمضان الثاني صام الثاني وقضى ما عليه بعد رمضان الثاني . حكم الصيام للحامل و المرضع و الشيخ :
الآن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما نسباً أو رضاعةً ولو أنها ترضع غير ولدها ، أو إذا خافتا على أنفسهما ، إما الخوف على النفس أو الولد أفطرتا وقضتا دفعاً للحرج ، ولا فدية عليها لأنه إفطار بسبب العجز ، فيكتفى بالقضاء اعتباراً في المريض والمسافر هذا الحكم ، أما الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام لقربه إلى الفناء أو لفناء قوته فيفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً كما يطعم المكفر في الكفارات ، وكذلك العجوز الفاني هذا إذا كان ميسور الحال ، وإذا كان فقيراً لا يملك قوت يومه ليس عليه شيء ، والأصل فيه قوله تعالى :
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 184]
في بعض التفاسير أي لا يطيقونه ، أما لو قدر الشيخ الفاني على الصوم بعد انقضاء رمضان فلن تقبل منه الكفارة ، عليه أن يصوم لأن شرط الفداء تعذر القضاء. حكم من مات وعليه قضاء رمضان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/03.jpg
الآن من مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه ، إذا الإنسان كان على فراش الموت وقد أفطر في رمضان الماضي بعذر من مرض أو سفر ثم أدركه الموت فعليه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم أفطره ، بشرط أن تكون قيمة هذا المال لا تزيد عن ثلث التركة لأن الثلثين من حق الورثة ، لو كان الإنسان يجب أن يأكل بخمسين ليرة في اليوم فرضاً ، ثلاثون يوماً ألف وخمسمئة ، لو أن الألف والخمسمئة أقل من الثلث لا يجب عليه إلى الثلث ، لأن ثلث المال يحق للمتوفى أن يتصرف فيه أما الثلثان فمن حق الورثة.
لكل يوم مسكيناً نصف صاع من بر - قمح - أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني هذا الذي يأتيه الموت ولم يصم ما عليه من رمضان ، لابد من أن يوصي فإن مات ولم يوصِ بالإطعام لا يلزم على ورثته شيء ، لا ينبغي لناظر الوصية أن يأخذ من أموال الورثة مبلغاً ليقضي به ما فاته من صوم إن لم يوصِ لا يلزمهم شيء ، لو تبرعوا عنه من غير وصية جاز ، وعلى هذا الزكاة.
صوم التطوع :
الآن من دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ثم أفسده قضاهما ، يوجد عندنا قاعدة أن النفل إذا شرعت فيه يجب أن تتمه لقوله :
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة:196]
هنا الحكم ليس الفرضية ، الحكم الإتمام ، إذا شرعت في عبادة يجب أن تتمها وجوباً لأن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال ، وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه . من يصوم نفلاً يجوز له أن يفطر بعذر :
إذاً لا يباح الإفطار عند بعض الأئمة بغير عذر في إحدى الروايتين ويباح بعذر في رواية أخرى ، أي الذي يصوم نفلاً في بعض الأحاديث : " الصائم نفلاً أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر " ، بعض العلماء يقولون : لا يجوز أن يفطر إلا بعذر ، وبعضهم قال : يجوز أن يفطر من دون عذر لأنه صيام نفل أخذاً من هذا الحديث.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/04.jpg
لكن من العذر أن تدعى إلى طعام ، أنت صائم صيام نفل دعاك أخ كريم وتكلف تقول له : إني صائم ؟ النبي عليه الصلاة والسلام غضب من بعض أصحابه وقد دعوا إلى طعام فقال أحدهم : إني صائم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أخوك تكلف ودعاك وتقول إني صائم أفطر واقض يوماً مكانه "
فالعلماء أخذوا أنه يجوز لمن يصوم نفلاً أن يفطر بعذر ، من العذر الدعوة إلى الطعام ، أو زارك ضيف ، جاءك ضيف من سفر وأنت صائم نفلاً الأولى أن تفطر من أجله، وأن تأكل معه إكراماً له .
والرأي الثاني : يجوز أن تفطر من صيام النفل مطلقاً من دون قيد أو شرط ولكن المقصود من هذا الكلام أن المضي في العبادة واجب فمن بدأ نفلاً وأفطر فيه عليه أن يقضيه وجوباً لا اختياراً ، الصيام اختياري فلما بدأت فيه وأفطرت عليك أن تقضيه ، مثلاً طرح السلام سنة لكن ردّ السلام فرض ، قال تعالى :
﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾
[ سورة النساء:86]
لك أن تسلِّم أو لا ، ولكن إذا سلم عليك وجب عليك أن ترد السلام . تعاليم خاصة بالصيام :
إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما ، لو تصورنا إنساناً لا يعتقد بالدين خلال مناقشة موفقة بين إنسان غير معتقد بالدين وهو مفطر اعتقد بأحقية هذا الدين الساعة الثانية عشرة النظام الدقيق يجب أن يمسك عن الطعام والشراب بقية اليوم .
إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما قضاءً لحق الوقت بالتشبه بالصائم ، وصاما ما بعده لتحقق السببية والأهلية ولم يقضيا ذلك اليوم الذي فيه تم الإسلام أو تم البلوغ ، لكن الإمساك عن الطعام مراعاة للنظام العام.
الآن إذا حاضت المرأة أو نفست - أي دخلت بالنفاس - وهي الأيام التي تلي الولادة أفطرت وقضت وليس عليها أن تتشبه حال العذر لأن صومها حرام ، والتشبه بالحرام حرام ، أي إذا امرأة في الحيض أو بالنفاس من حقها أن تفطر ، إذا في حالات نادرة أحياناً يكون الطفل صغيراً غير مدرك فإذا أفطرت أمامه يصعب عليه أن توضح سبب الفطر ، هذه حالة ربما استخف الطفل بقدسية هذا الشهر لأن أمه رآها قد أفطرت ، وقد لا تستطيع لصغر سنه أن تبين له لماذا هي تفطر ، أي يوجد حالات إذا كان المرأة حاولت أن تخفي إفطارها عن صغيرها لا مانع مراعاة للحرج .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/05.jpg
الآن إذا قدم المسافر أو برأ المريض أو طهرت الحائض أو النفساء في بعض النهار أمسكا وجوباً ، المسافر وصل الساعة العاشرة إلى بيته في أيام رمضان صباحاً كان مفطراً مادام قد وصل إلى البيت ، ووصل إلى دار إقامته ، ينبغي أن يمسك بقية اليوم ، فإذا طهرت الحائض أو النفساء ، أو برأ المريض ، أو قدم المسافر في بعض النهار ، أمسكا وجوباً وهو الصحيح عن المفطرات من الطعام والشراب وغيرهما بقية يومهما قضاءً لحق الوقت تقديساً لهذا الشهر العظيم .
ومن تسحر وهو يظن أن الليل باق ، أي سمع القرآن فظن القرآن الذي قبل الفجر، فإذا هو قرآن بعد الفجر من إذاعة أخرى فرضاً وكان قد أذن الفجر هذه حالة ، أو أفطر وهو يرى أو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الفجر كان ، أحياناً يسمع الإنسان أذاناً من غير محطة يكون هذا الأذان قبل نصف ساعة من أذان توقيت دمشق أو ما حولها ، أي قد يحصل خطأ في الإمساك عن الطعام بعد الوقت المناسب ، أو في الإفطار قبل الوقت المناسب ماذا يفعل ؟ قال : عليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفطر فيه خطأً لأنه حق مضمون بالمثل ، ولا كفارة عليه لقصور الجناية ، أي هذه الجناية ليست تامة ، كيف ليست تامة ؟ ليس فيها عزم على الإفطار ، فما دام هناك جناية ناقصة إذاً عليه قضاء وليس عليه كفارة.
ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ، الدرس الماضي : من رأى هلال رمضان وحده عليه أن يصوم ، فإذا أفطر وجب عليه القضاء ، الآن من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً ، النبي عليه الصلاة والسلام له أحاديث تعطينا نظاماً اجتماعياً. ((صومكم يوم تصومون))
[أبو داود عن أبي هريرة ]
أنت عضو في مجتمع ، أنت مواطن في بلد مسلم إذا أعلن الصيام تصوم ، أعلن الإفطار تفطر ، أما أن تنفرد وحدك بالصيام أو الإفطار ليس هذا مما يصح في القواعد الاجتماعية ، من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً لاحتمال الغلط فإذا أفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة ، الآن وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، مرّ معنا أنه تقبل شهادة رجل واحد في الدخول في العبادة لكن الخروج منها لا تقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين إذا كان في السماء علة من غيم أو غبار ، وإن لم يكن بالسماء علة لن تقبل إلا شهادة جمع غفير يقع العلم بخبرهم .
هذه بعض الأحكام الأساسية التي نصت عليها بعض كتب الفقه على المذهب الحنفي ، وهي من كتاب : " اللباب في شرح الكتاب " وسوف ننتقل في دروس أخرى إن شاء الله تعالى إلى بعض أبحاث الاعتكاف وما يتبعه من موضوعات متعلقة ، أو يأتي الصيام مناسبة لها كدفع الزكاة والصدقة . * * *
صلة بن أشيم العدوي :
والآن إلى قصة تابعي جليل من التابعين الذين نحن في صدد الحديث عن حياتهم، تابعي اليوم اسمه صلة بن أشيم العدوي عابد من عباد الليل وفارس من فرسان النهار ، وهذا وصف بعض أصحاب رسول الله : رهبان في الليل فرسان في النهار.
كان إذا نشر الظلام أستاره على الكون ، وأسلمت الجنوب إلى المضاجع ، قام فأسبغ الوضوء ثم صف في محرابه ، ودخل في صلاته وهام وجداً بربه ، فيشرق في نفسه سناً إلهي ينير لبصيرته أرجاء الكون ، ويريه آيات الله في الآفاق ، وكان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر قال تعالى : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾
[ سورة الإسراء: 78]
فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل انحنى بصلبه على أجزاء القرآن ، وانطلق يرتل آيات الله البينات بصوت ندي وجرس شجي ، فتارةً يجد للقرآن حلاوةً تأخذ بمجامع القلوب وتستأثر بمكامن الألباب من خشية الله ، وأخرى يستشعر للقرآن خشعةً تُصدع فؤاده ، ولم يكن صلة اسم هذا التابعي يفتر عن العبادة هذه قط ، لا فرق في ذلك بين حله وترحاله وشغله وفراغه ، حكى جعفر بن زيد فقال : خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين في غزوة إلى مدينة كابل - وهي الآن عاصمة أفغانستان - رجاء أن يفتحها الله لنا ، و كان في الجيش صلة بن أشيم فلما أرخى الليل سدوله ونحن في بعض الطريق حطّ الجند رحاهم ، وأصابوا شيئاً من الطعام ، وأدوا العشاء الأخيرة ثم مضوا إلى رحالهم يلتمسون حظاً من الراحة - هذا جعفر بن زيد - فرأيت صلة بن الأشيم يمضي إلى رحله كما مضوا ، ويسلم جنبه إلى الرقاد كما فعلوا ينام ، هذا تصرف فيه إخلاص لا يريد أن يحدث ضجيجاً أنه يصلي قيام الليل ، ذهب إلى فراشه مع من ذهب ، وأوى إلى مكان نومه فقلت في نفسي : أين الذي يرونه من صلاة الرجل وعبادته ويشيعون من قيامه حتى تتورم قدماه ؟ والله لأرمقنه الليلة حتى أرى ما يكون منه ، فما إن غرق الجند في نومهم حتى رأيته يستيقظ من رقدته وينحاز عن العسكر مستتراً بالعتمة ويدخل في غابة لفاء باسقة الأشجار وحشية الأعشاب كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل ، فمضيت في إثره فلما بلغ منها مكاناً قصياً التمس القبلة ، واتجه إليها ، وكبر للصلاة ، واستغرق فيها ، فنظرت إليه من بعد فرأيته مشرق الوجه ، ساكن الأعضاء ، هادئ النفس ، كأنما يجد في الوحشة أنساً ، وفي البعد قرباً ، وفي الظلمة ضياءً منيراً ، وفيما هو كذلك طلع علينا سبع عظيم من الجانب الشرقي للغابة فما إن رأيته حتى انخلع فؤادي هلعاً حتى أصبح على قيد خطوات منه ، فوالله ما التفت إليه ولا حفل به فلما سجد قلت : الآن يفترسه ، فلما نهض من سجوده وجلس وقف السبع بإزائه وكأنه يتأمله فلما سلم نظر إلى السبع في سكون وحرك شفتيه بكلام لم أسمعه - يبدو أنه استعاذ بالله منه - فإذا بالسبع ينصرف عنه في هدوء ويعود من حيث جاء .
من اتق الله هابه كل شيء ومن لم يتقِ الله هاب كل شيء ، ولما انبلج الفجر نهض وأدى المكتوبة ثم طفق يحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع مثلها قط ، قال : " اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار وهل يجترئ أحد عبد خاطئ مثلي أن يسألك الجنة ؟ وما زال يكررها حتى بكى وأبكاني ، ثم رجع الجيش دون أن يفطن له أحد وبدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا - الفرش - وعدت أنا في إثره وبي من سهر الليل وفتور الجسم وخوف السَبُعِ ما الله به عليم. ترفق صلة بن أشيم في الدعوة إلى الله :
ولقد كان صلة إلى هذا كله لا يدع سامحة من سوامح الموعظة والتذكير إلا اغتنمها ، وكان أسلوبه في ذلك أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيستميل النفوس النافرة ، ويستلين القلوب القاسية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/06.jpg
من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية في ظاهر البصرة للخلوة والتعبد فكانت تمر به طائفة من الشباب أرخت للصبا عنانها فتلهو وتلعب وتسرح وتمرح ، فكان يحييهم بأنس ويخاطبهم برفق ويقول لهم : ما تقولن في قوم أجمعوا سفراً لأمر عظيم غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهوا ويلعبوا وفي الليل يبيتون ليستريحون فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم ويبلغون غايتهم ؟ ودأب على قول ذلك المرة تلو المرة فلقيهم ذات يوم وقال لهم : مقالتهم تلك فنهض شاب منهم وقال : والله إنه ما يعني بذلك أحداً غيرنا فنحن في النهار نلهو وفي الليل ننام ، ثم انحاز الشاب عن رفاقه ، واتبع صلة بن أشيم منذ ذلك اليوم وما زال في صحبته حتى أتاه اليقين .
انظر الترفق بالدعوة إلى الله ، قال تعالى :
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 159]
درس لمن أراد أن يأمر بالمعروف :
ومن ذلك أيضاً أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية له ، فمر بهم شاب رائع الشباب ، ريان الصبا ، قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر الخيلاء ، فهم أصحابه بالشاب وأرادوا أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم أخذاً شديداً فقال لهم صلة: دعوه لي أكفكم أمره ، ثم أقبل على الشاب وقال في رفق الأب الشفيق ونبرة الصديق الحميم: يا بن أخي إن لي إليك حاجة ؟ فتوقف الفتى وقال : ما هي يا عم ؟ فقال : أن ترفع إزارك فإن ذلك أنقى لثوبك وأتقى لربك وأدنى لسنة نبيك ، هذه الموعظة بلطف ، بأدب ، بذكاء، بحكمة ، فقال الفتى في خجل : نعم ونعمة عين ، ثم بادر ورفع إزاره ، فقال صلة لأصحابه : إن هذا أمثل مما أردتم ، علموا ولا تعنفوا ولو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه لضاربكم وشاتمكم وأبقى إزاره مسدلاً يمسح به الأرض ، هذا درس لمن أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ، جاءه مرةً فتىً من فتيان البصرة فقال: علمني يا أبا الصهباء مما علمك الله فهش له صلة وبش وقال : لقد أذكرتني يا بن أخي ماضياً لا أنساه حيث كنت إذ ذاك شاباً مثلك فأتيت من بقي من صحابة رسول الله وقلت لهم" علموني مما علمكم الله ، فقالوا لي : اجعل القرآن عصمة نفسك وربيع قلبك - اقرأه وافهم أحكامه وطبقه ، واجعله ربيع قلبك ، داوم على قراءته والتغني به - وانتصح له وانصح المسلمين به ، وأكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت ، فقال الفتى : ادعو لي جزيت خيراً، فقال : رغبك الله تعالى فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ووهب لك اليقين التي تسكن إليه النفوس ، ويعول عليه في الدين .
عادات معاذة العدوية زوجة صلة بن أشيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/07.jpg
كان لصلة ابنة عم تدعى معاذة العدوية وكانت هي الأخرى تابعية ، أخذت عن أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها ، ثم لقيها الحسن البصري نضر الله روحه وسمع منها، وكانت تقية نقية عابدة زاهدة ، وكان من عادتها إذا أقبل الليل أن تقول : قد تكون هذه آخر ليلة لي فلا تنام حتى تصبح ، وإذا أقبل عليها النهار تقول : قد يكون هذا النهار آخر يوم لي فلا يطمئن لها جنب حتى تمسي ، وكانت تلبس رقيق الثياب بفصل الشتاء حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم ، والانقطاع عن العبادة ، وكانت تحيي الليل صلاةً واقتراءً - أي التعبد بقراءة القرآن - فإذا غلبها النعاس قامت وجالت في الدار وهي تقول : أمامكِ يا نفس يوم طويل غداً تطول رقدتك في القبر ، إما على حسرة وإما على سرور ، فاختاري يا معاذة لنفسكِ اليوم ما تحبين أن تكوني عليه غداً.
وكانت هذه زوجته وأنعم بها من زوجة .
شجاعة صلة و فروسيته :
ولم يكن صلة بن أشيم أواهاً ، أواباً، عابداً فحسب وإنما كان إلى ذلك فارساً مجاهداً ، وبطلاً مجاهداً ، قلّما عرفت ساحات القتال كمياً - أي بطلاً - أشد منه بأساً أو أقوى نفساً ، أو أمضى سيفاً حتى غدا قواد المسلمين يتنافسون في اجتذابه إليهم ، كل منهم يريد أن يظفر به في عسكره ليقطف بفضل شجاعته النصر الكبير الذي يطمح إليه .
" روى جعفر بن زيد قال : خرجنا في غزوة ومعنا صلة بن أشيم وهشام بن عامر فلما لقينا العدو انبرى صلة وصاحبه من صفوف المسلمين وأوغلا في جموع الأعداء طعناً بالرماح ، وضرباً بالسيوف ، حتى أثرا في مقدمة الجيش أبلغ الأثر ، فقال بعض قادة العدو لبعض : رجلان من جند المسلمين أنزلا بنا كل هذا فكيف لو قاتلونا جميعاً انزلوا على حكم المسلمين ودينوا لهم بالطاعة ، وفي سنة ست وسبعون للهجرة خرج صلة بن أشيم في غزاة له مع جيوش المسلمين المتوجهة إلى بلاد ما وراء النهر أي في تركستان وكان في صحبته ابن له فلما التقى الجمعان وحمي وطيس المعركة قال صلة لابنه : أي بني تقدم وجاهد أعداء الله حتى أحتسبك عند الذي لا تضيع عنده الودائع ، فانطلق الفتى إلى قتال العدو كما ينطلق السهم عن القوس ، وما زال يقاتل حتى خرّ صريعاً شهيداً ، فما كان من أبيه إلا أن مضى على أثره وظل يجاهد حتى ثوى شهيداً إلى جنبه ، فلما بلغ نعيهما البصرة اتجهت النساء إلى معاذة العدوية ليواسينها فقالت لهن : إن كنتن جئتن لتهنئتي فمرحباً بكم ، أما إذا كنتن قد جئتن لغير ذلك فارجعن وجزيتن خيراً ، ماداما قد قتلا في أرض المعركة ونالا شرف الشهادة فأنا ينبغي أن أهنأ بهما لا أن أعزى بهما ، هذه زوجته ، نضر الله هذه الوجوه النبيلة الكريمة ، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خيراً ، فما عرف تاريخ الإنسانية أتقى منهما ولا أنقى .

* * *
آفة السخرية :

آخر فقرة في الدرس الآفة التي نتحدث عنها من آفات اللسان هي آفة السخرية ، السخرية والاستهزاء محرم بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
أية لفظة ، أو عبارة ، أو حركة ، أو تصرف ، أو مشية ، أو محاكاة ، أو إشارة، أو عبارة تؤدي إلى السخرية فهي محرمة شرعاً بنص هذه الآية ، لذلك لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة أنها قالت عن أختها صفية قصيرة قال : " يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته" . معنى السخرية :
ومعنى السخرية : الاستهانة والتحقير ، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالتقليد في القول أو الفعل ، وقد يكون بالإشارة والإيماء ، ومرجع ذلك إلى استحقار الغير ، والضحك عليه ، والاستهانة به ، والاستصغار له وعليه ، قال تعالى:
﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
وفي حق النساء : ﴿ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾
[ سورة الحجرات : 11]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4622/ar-4622/08.jpg
كأن الله تعالى يقول : لا تدري لعلك إذا احتقرته استصغاراً له لعله يكون خيراً منك ، هذا يحرم في حق من تأذى به ، فأما من جعل نفسه مسخرةً - هكذا جاء في الكتاب -وفرح بمن يسخر به كان السخرية في حقه من جملة المزاح ، يوجد أشخاص قلة يحبون أن يضحك الناس عليهم ويستمتعون بهذا ، قال : هذا دخل في المزاح ولم يدخل في السخرية ، هو تكلم كلاماً عن نفسه أضحك القوم ، أنت لست آثماً هو يفعل هذا بنفسه ، يتحدث عن نفسه، طبعاً الإنسان إذا كان في مجلس بشكل عرضي كان راكباً سيارة عامة رجل قام وتكلم نكتة فضحك الناس فإذا ضحك ما فعل شيئاً ، ما سخر منه هو سخر من نفسه ، هذا دخل بالمزاح.
أما أن تستصغر أخاك المسلم بحيث يتأذى بهذه السخرية فهذا من باب المحرمات التي تقطع الإنسان عن ربه ، على كلٍّ كما قال عليه الصلاة والسلام : ((من كثر ضحكه قلت هيبته ، ومن كثر ضحكه استخف به ))
[روضة العقلاء لابن حبان عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ]
إفشاء السر :
شيء آخر من آفات اللسان إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
يحدثك حديثاً ، سمع حركة فسكت هذه الالتفاتة تعني أن هذا الحديث يجب أن يبقى سراً بينك وبينه ، هكذا المسلم ، أما بعد أن يتوسل إليك ويؤكد عليك ويقول لك : هذا الشيء بيننا بعد نصف ساعة يسمعه بالطريق ، فهذه أخلاق ليست من أخلاق المسلم ، لم يقل لك شيئاً إنما التفت التفاته تعني أن هذا الذي قاله لك سر ، طبعاً إلا إذا كان موضوع مخالفة للشرع ، لو أسرّ لك إنسان أنه سيفعل كذا بفلان والفعل مناف للدين هذا بحث آخر ، ثلاثة مجالس لا أمانة لهم ؛ مجلس فيه سفك دم حرام ، وأكل مال حرام ، أو انتهاك عرض حرام ، هذه المجالس الثلاثة ليس لها سر ، سمعت أنه سوف يأكل مال فلان اغتصاباً لا يجوز أن تسكت عنه هذا فيه حق .

السعيد
09-12-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثمانون )


الموضوع : اختلاف المطالع - الاعتكاف



الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
اختلاف المطالع :
أيها الأخوة المؤمنون ، موضوع اليوم موضوع شغل الناس جميعاً ، فبعض الناس في حيرةٍ من أمرهم في موضوع الصيام ، رأى العلماء أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ ))
[ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ]
صوموا فعل أمر أسند إلى الجماعة ، أي أيها المسلمون صوموا جميعاً لرؤيته ، لمطلق الرؤية ، ويا أيها المسلمون أفطروا جميعاً لرؤيته ، لذلك هذا الموضوع ينقلنا إلى بحث في الفقه اسمه اختلاف المطالع ، اختلاف المطالع كيف أن الأرض كروية تدور حول نفسها وتسبح في دورانها حول نفسها حول الشمس ، ففي دورتها حول نفسها تشرق الشمس على كل بقعة في الأرض في وقت غير الوقت التي تشرق فيه على بقعة أخرى ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت في الواقع وفي الشرع ، ففي كل بلد مواقيت لأداء الصلوات الخمس، قد يستمع الإنسان إلى أذان المغرب في بلد مسلم قبل نصف ساعة من أذانه في بلده ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت واقعاً وثابت شرعاً ، وليس هذا الاختلاف موضوع نزاع بين المسلمين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى هذه الأيام لكل بلد مواقيته الخاصة في أداء الصلوات الخمس ، لأن مطلع الشمس يختلف من بلد إلى آخر. الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤية مطلقة و ممكنة :
الآن القمر في دورته حول الأرض يتم دورةً كاملةً حول الأرض في مدة تقترب من مدة دورة الأرض حول نفسها ، لو أن هناك تطابقاً في دوران القمر حول الأرض مع دوران الأرض حول نفسها لبقي القمر ثابتاً في مكان موازياً للأرض لا يتغير ، ولكن هناك فارقاً وتفاضلاً بين دورة القمر حول الأرض ودورة الأرض حول نفسها ، هذا التفاضل يجعل للقمر مطالع كما للشمس مطالع ، بل إن مطالع الشمس تختلف من بلد إلى آخر ، أي وقت الفجر في دمشق غيره في بيروت ، غيره في بغداد ، غيره في دلهي ، غيره في الصين ، لكل بلد مطلع شمس خاص به ، وأيضاً لكل بلد مطلع قمر خاص به ، وكما أن مطالع الشمس مختلفة كذلك مطالع القمر مختلفة ، لكن مطالع الشمس يبنى عليها اختلاف مواقيت الصلاة في كل أقطار العالم الإسلامي ، وهذا ليس محل نزاع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام جعل رؤية الهلال شرطاً من شروط الصوم، صوموا أيها المسلمون جميعاً لرؤيته ، فالصوم موجه إلى كل المسلمين ، والرؤية مطلقة ، أي إذا رجلاً واحداً عدلاً ثقةً رأى الهلال وصحت شهادته ونقلت للناس هذه الشهادة وجب الصوم على كل مسلم ، هذا مذهب الأحناف أن الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤيةً مطلقة ورؤيةً ممكنة ، تصوروا أن العالم الإسلامي المترامي الأطراف قبل ألف عام لم يكن هناك تواصل إعلامي ولا لاسلكي ولا هاتف ولا شيء من هذا القبيل ، لو أن أهل الشام رأوا الهلال كيف السبيل إلى أن ننقل هذا الخبر إلى أهل العراق أو إلى أو إلى المغرب أو إلى أهل شمال إفريقيا ؟ حينما يكون التواصل الإعلامي متعذراً فكل بلد يرى الهلال يصوم هذا البلد وفق رؤية الهلال ، فإذا أصبح العالم الإسلامي وحدةً إعلاميةً واحدة فممكن أن يصوم الجميع لرؤية واحد من هؤلاء ، بشرط أن يكون هذا العالم الإسلامي موحداً ، فإذا كان لكل بلد إسلامي أمير مسلم وله قاضٍ للشرع هو المخول في إثبات الهلال أو عدم الإثبات ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فصار على الإنسان أن يبقى مع المجموع ، لأن هناك جهةً موكلةً من قبل الأمير لتحري هلال رمضان ، هذه الجهة بسبب أنه قد غمَّ علينا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((... فَإِنْ غُمَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ))
[ البيهقي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/01.jpg
وهذا وفق الشرع ، وعندها يبدأ الصيام في اليوم الذي يلي اليوم الثلاثين من شعبان بعض الأشياء التي يجب أن نأخذ بها ، الفقهاء اتفاقهم حجةً قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، أي حينما يكون العالم الإسلامي موحداً ، والتواصل الإعلامي متعذراً ، فكل بلد له مطلعه الخاص إذا رأى الهلال يصوم وإذا رآه يفطر ، إذا رأى هلال رمضان يصوم ، وإذا رأى هلال شوال يفطر ، وإذا كان العالم الإسلامي موحداً والتواصل الإعلامي موجوداً الأفضل أن يصوم جميع المسلمين في يوم واحد وهذا ما نطمح إليه ، على كلٍّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نكون مع المجموع ، وأن نكون مع الجهة التي أوكل إليه أمر إثبات شهر الصيام ، فنحن لا نملك أن نصوم من تلقاء أنفسنا ما لم يكن هناك إثبات شرعي لشهر الصيام ، هذا الكلام ملخص الموضوع ولكن من القواعد الأصولية أن أمر الحاكم يلغي الخلاف ، مادام لم يثبت من الجهة الرسمية أن رمضان اليوم فالموضوع ألغي الخلاف فيه لأنك أنت مسلم في جماعةٍ مؤمنةٍ ، فيها جهة مسؤولة عن إثبات الشهر ، وعن إعلان الإثبات، فأنت تابع لهذا المجتمع الذي يتصرف وفق القواعد الشرعية ، هذا ملخص الموضوع. على الإنسان أن يكون مع المجموع في صيامه و إفطاره :
لكن لماذا بقي الموضوع على الرؤية ؟ لأنه كما قلت قبل قليل : أحياناً يكون التواصل الإعلامي متعذراً والعالم الإسلامي موحد فصعب أن نبلغ الأقطار ، ثم هناك ناحية مهمة : الأقطار الإسلامية إذا تباعدت على خطوط العرض فاختلاف المطالع حتميٌ أما إذا تباعدت على خطوط الطول فاختلاف المطالع وهمي ، لأن الأرض في دورتها حول نفسها وفي دورة القمر حولها خطوط الطول تشكل مطلعاً موحداً ، أما خطوط العرض تشكل مطالع متباينة ، لذلك من الطبيعي أن يرى هلال رمضان في الهند ولا يرى في المغرب ، حتى أن بعض العلماء قالوا : من ضوابط التباعد بين الأقطار الإسلامية أن يشترك القطران معاً في الليل فهذا من دواعي التقارب ، أما هناك أقطار إسلامية بعضها نهار وبعضها ليل ، لو أخذنا الفيلبين مع المغرب فقد يتناقض الليل مع النهار ، إذاً اختلاف المطالع حقيقةٌ واقعة لا شك فيها ، ولكن العلماء بين من يأخذ بها وبين من لا يأخذ بها ، هناك من أخذ بها وهناك من لم يأخذ بها ، اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، وصومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون ، والإنسان أولى أن يكون مع المجموع في صيامه ، وفي إفطاره ، وفي وقفته ، وفي كل مناسباته الدينية.
قال بعض العلماء تعليقاً على قوله تعالى :
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 185 ]
أي الإنسان قد يتبادر له أن كلمة شهد الشهر أنه رأى القمر ، شهد الشهر أي أدركه رمضان وهو مقيم في أهله وبلده وهو مكلف وصحيح ومعافى وعالم بدخول الشهر ، عندئذ وجب عليه الصوم .
* * *
الاعتكاف :
الآن ننتقل إلى موضوعه الاعتكاف ، كثير ما يسأل بعض الأخوة عن حكم الاعتكاف في الإسلام ، الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً، في كل الموضوعات الفقهية يبدأ علماء الفقه بالتعريف اللغوي ، ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون ؟ العكوف لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾
[ سورة البقرة : 187 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/02.jpg
أي مقيمون متعبدون لها ، والمقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله تعالى ، قد يقول أحدكم : لا نرى أحداً يعتكف في المسجد ، أنا أريد من هذا الموضوع أن أصل إلى روح الموضوع ، روح الموضوع أن ينقطع الإنسان عن مشاعر الدنيا في رمضان ، وأن يكثر من الانفراد والتعبد وتلاوة القرآن ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى.
أجمع العلماء على أن الاعتكاف مشروع ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في كل رمضان عشرة أيام : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
في أواخر رمضان ، أي قياساً على هذا ؛ الإنسان إذا كان بإمكانه أن يفرغ نفسه في العشر الأخير من رمضان ، يلزم المسجد إذا أمكن ، وإذا ما أمكن أن يلزم بيته ما أمكن ، يبتعد عن القضايا التي تشوش عليه حياته وصفاءه ، أنا أريد أن أسهل عليكم الأمر ، إذا كان بإمكان الشخص أن يترك عمله إذا كان عمله حراً وغير مقيد بدوام وفي بحبوحة ولا يوجد شيء ملزم وأن يعتكف في المسجد أكمل شيء ، ما تمكن في المسجد يعتكف في البيت شيء جيد جداً ، ما تمكن أن يعتكف في البيت القضايا التي من شأنها أن تعكر عليه صفاءه عليه أن يبتعد عنها خلال هذا العشر من أواخر شهر رمضان. أقسام الاعتكاف :
الاعتكاف كما يقسمه العلماء ينقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف واجب http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/03.jpg
وفي بعض الكتب يقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف مستحب وإلى اعتكاف واجب ، فالمسنون أي ما كان في حكم السنة ، ما تطوع به المسلم تقرباً لله عز وجل ، وطلباً لثوابه ، واقتداءً بالنبي صلوات الله عليه ، ويتأكد هذا الاعتكاف بالعشر الأواخر من رمضان كما تقدم، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه إما بالنذر المطلق كأن يقول : لله علي أن أعتكف كذا وكذا ، نذر على نفسه أن يعتكف بضعة أيام في المسجد أو في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي الشريف ، فمن ألزم نفسه أي نذر على نفسه أن يعتكف أياماً معدودات في مسجد مخصص فهذا اعتكاف واجب ، وهو اعتكاف مطلق ، وهناك اعتكاف معلق أي اعتكاف واجب بالنذر المعلق ، كأن يقول : إن شفى الله مريضي لاعتكفن كذا وكذا ، وفي صحيح البخاري :
(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))
[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]
وفيه : ((عَنْ عُمَرَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ ))
[ متفق عليه عَنْ عُمَرَ]
زمان الاعتكاف :
زمان الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذر هو وسماه الناذر ، فإن نذر الاعتكاف يوماً أو أكثر وجب الوفاء بما نذر ، أما الاعتكاف المستحب فليس له وقت محدد فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر ، المستحب كلما دخلت المسجد ومكثت فيه فأنت معتكف ، والاعتكاف بهذه الطريقة اعتكاف مستحب ، ويثاب المسلم في اعتكافه مدة بقائه في المسجد ، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف ، أي أنتم في هذا المسجد مع بقائكم ساعة أو أكثر أنتم معتكفون في هذا المسجد لأنكم تركتم كل علائق الدنيا ، وأتيتم لتتعلموا شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من سيرة التابعين الأجلاء ، أو من بعض أحكام الفقه ، فهذا اعتكاف أيضاً ولكن اعتكاف مستحب.
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء ، مادمت في اعتكاف مستحب لك أن تقطعه متى شئت قبل قضاء المدة التي نواها.
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ ))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا]
كانت تضرب له قبة في المسجد ليعتزل الناس ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام ما ارتاحت نفسه لهذا التنافس في الاعتكاف ، وكأنه أشعر السامع أن نساءه كن أقرب إلى أن يظهرن بمظهر المعتكفات من هن بالوضع الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام ، فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فوقضت ، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأواخر أي من شوال ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته فيه، وهذا دليل على قطعه بعد الشروع فيه ، وفي الحديث أن الرجل له أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه وإليه ذهب عامة العلماء. شروط الاعتكاف و أركانه :
الآن شروطه : المعتكف يجب أن يكون مسلماً ، مميزاً ، طاهراً من الجنابة والحيض والنفاس ، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ، ولا جنب ، ولا حائض ، ولا نفساء ، أما أركان الاعتكاف فمن أبرز أركانه المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلو لم يقع المكث في المسجد ، أو لم تحدث نية الطاعة ، لا ينعقد الاعتكاف إن لم يكن المكث في المسجد ، أو إن لم تكن النية هي التقرب إلى الله عز وجل ، فإن الاعتكاف لا يصح ، أما وجوب النية فلقول الله تعالى :
﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾
[ سورة البينة : 5]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/04.jpg
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عنه ]
وأما أن المسجد لابد منه فلقول الله تعالى : ﴿ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾
[ سورة البقرة: 187]
إذاً الاعتكاف في المسجد .
إذاً من أركانه أن يكون بنية ، وأن يقتضي المكث ، وأن يكون في المسجد ، والعلماء اختلفوا في نوع المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف ، فمنهم من قال : إنه يجب أن يكون في المسجد الجامع ، والمسجد الجامع هو المسجد التي تؤدى به الصلوات الخمس وتؤدى به صلاة الجمعة ، وهناك مسجد تؤدى به الصلوات الخمس فقط ، وهناك مسجد ليس له إمام ولا مؤذن يسمى مصلى ، بعضهم قال : في أي مسجد كان ، وبعضهم قال : في المسجد الجامع ، وبعضهم قال : في أي مسجد تؤدى فيه الصلوات الخمس وله إمام وله مؤذن. صوم المعتكف :
الآن صوم المعتكف ، المعتكف إن صام فحسن وإن لم يصم فلا شيء عليه ، أي اعتكاف هذا ؟ قلنا قبل قليل : هناك اعتكاف واجب ، الذي يجب بالنذر المطلق أو المقيد، وهناك اعتكاف مستحب ، وهناك اعتكاف مسنون ، الاعتكاف المسنون هو ما كان بالعشر الأواخر من رمضان فأنت صائم حكماً ، أما الحديث عن الصيام مع الاعتكاف فهذا في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو المقيد ، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمراً قال : " يا رسول الله إني نذرت بالجاهلية أن أعتكف ليلاً في المسجد الحرام ، فقال : أوفِ بنذرك "
ففي أمر النبي عليه الصلاة والسلام له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف ، أي كلما دخلت المسجد وأردت أن تبقى فيه تقرباً إلى الله تعالى تتلو فيه القرآن الكريم ، أو تعلم الناس القرآن ، أو تقرأ كتاباً في العلم الشريف ، أو كتاباً في التفسير ، أو كتاباً في الحديث ، أو كتاباً في الفقه ، أو كتاباً في السيرة ، أو أن تذكر الله خالياً، أو أن تأمر بالمعروف ، أي عمل يؤدي إلى مرضاة الله عز وجل فهو عمل مباح في أثناء الاعتكاف.
" وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل قال : كان على امرأتي من أهلي اعتكاف فسألت عمر بن عبد العزيز فقال : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها "
وقال بعض التابعين وهو طاوس : " كان فلاناً لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال عطاء بن رباح وهو تابعي أيضاً : " ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال الحسن البصري : " من اعتكف من غير صيام أجزأه " وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا : " إن شاء صام وإن شاء أفطر " هذا في الاعتكاف.
ما يستحب في الاعتكاف :
المستحب في كل أيام العام أو في الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو النذر المقيد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام :
(( ... إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ...))
[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]
معناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد ، أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فكان أول الليل ، يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات ، أن يصلي ، أن يذكر ، أن يسبح ، أن يهلل ، أن يكبر ، أن يحمد ، فالتسبيح والتهليل والتكبير والحمد وتلاوة القرآن ، هذا كله مما يستحب للمعتكف ، وأن يشغل نفسه بالصلاة وقراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام والدعاء ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى ، وتصل المرء بخالقه جل ذكره ، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث وقراءة سيرة الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين . ما يكره للمعتكف :
ويكره للمعتكف أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل لما رواه الترمذي وابن ماجة :
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ويكره للمعتكف الإمساك عن الكلام ظناً منه أن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى : (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ))
[ أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
((عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ وَلا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ))
[ ابن ماجة عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه ]
ما عمرك أخي ؟ خمسة وأربعون ، قال عليه الصلاة والسلام : (( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))
[ مسلم عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ]
من هذه التي تمشي معه ؟ كم كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً على سلامة صدر أصحابه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام مما ورد في الأثر : " رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه "
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/05.jpg
سيدنا علي يقول رضي الله عنه : " لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك " ، وقد قيل : " البيان يطرد الشيطان " ، الإمام الشافعي علق على هذه القصة ، قال : إن ذلك كان منه شفقةً عليهما ، هذا التصرف من رسول الله عندما قال : على رسلكما ، لأنهما إن ظنا به ظن السوء كفرا ، فبادر النبي عليه الصلاة والسلام إلى إعلامهما لئلا يهلكا.
كل واحد منا كمسلم أو كمؤمن مظنة صلاح ، مظنة استقامة ، مظنة طهر ، مظنة عفاف ، إذا فرضنا أن إنساناً له محل تجاري وزارته أخته في المحل ورحب بها ، ويوجد عنده أخ جالس في مكان آخر يقول له : هذه أختي لأنه رحب بها ترحيباً يختلف عن ترحيب امرأة عادية تدخل لتشتري ، تثير الشك ، قل لأخيك الذي في المحل أيضاً ، قل له : هذه أختي ، هذا من حسن إسلام المرء أن يدفع عن نفسه مظنة السوء ، والبيان يطرد الشيطان.
فقال الإمام الشافعي : كان هذا منه شفقةً عليهما لأنهما لو ظنا به ظن السوء لكفرا فبادر لإعلامهما لئلا يهلكا ، وقال الإمام الشافعي : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أنتم أيها المؤمنون إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أي إذا أنت في مكان وهناك ثياب معلقة ومددت يدك إلى جيوب أحد هذا الثوب رآك إنسان اندهش قل له : هذا ثوبي آخذ منه حاجة لكيلا يظن بك الظنون ، أو هذا ثوب صديقي كلفني أن أعطيه القلم منه ، كل حركاتك وسكناتك اجعل نفسك كالصفحة البيضاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
ما يجوز للمعتكف :
شيء آخر : أجاز العلماء أن يخرج المعتكف من مكان اعتكافه لحاجةٍ ضرورية، أي إيصال زوجته إلى البيت هذه حاجة ضرورية ، أيضاً يؤخذ منها أن الإنسان الأفضل دائماً يوصل أهله إلى المكان الذي هم بحاجة إلى الوصول إليه دون أن يتركهم وحدهم عرضةً لبعض الأخطار .
الشيء الثاني : ترجيل شعره ، وحلق رأسه ، وتقليم أظافره ، وتنظيف بدنه من الشعث والدرن ، ولبس أحسن الثياب ، والتطيب بالطيب ، هذا كله جائز في المعتكف.
(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَقَالَ مُسَدَّدٌ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ))
[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]
أي كان يخرج ليغسل رأسه أو ينظف بدنه أو ليقضي حاجة .
الشيء الآخر الخروج للحاجة التي لابد منها ، الإنسان له حاجة ، الإنسان من حين لآخر يحتاج إلى أن يخفف مما تراكم في جسمه من فضلات ، هذه الحاجة معتبرة في الاعتكاف ، الإنسان قد يخرج من معتكفة إلى البيت ليقضي حاجةً ، وقد يحتاج إلى أن يأكل أو أن يشرب وهو معتكف طبعاً في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب ، وكل ما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه ، وليس في هذا إفساد لاعتكافه ما لم يطل أو ما لم يشتغل بعمل يتنافى مع الاعتكاف ، ذهب واشترى بيتاً ، أو عقد صفقة ، أو عمل نزهة ، وهو معتكف بطل اعتكافه .
" وقد روى سعيد بن منصور قال علي بن أبي طالب : " إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليحضر الجماعة ، وليعد المريض ، وليأتي أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم ، وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه مع المحافظة على نظافته وصيانته ، وله أن يعقد عقد نكاح في المسجد لأن هذا مما يرضي الله عز وجل "
أي عمل صالح إذا كلفت به وأنت معتكف فهذا لا يتنافى مع اعتكافك ، لكن الذي يبطل الاعتكاف الخروج من المسجد بغير حاجة عمداً وإن قل ، فإنه يفوت وهو ركن من أركانه. من نذر أن يعتكف ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه :
الآن من نذر أن يعتكف يوماً أو أياماً ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الأئمة ، كل نفل شرعت فيه ثم أفسدته عليك أن تقضيه هذا حكم عام في العبادات ، ومن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى إن شاء الله تعالى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ لَهُ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
هناك أناس يفهمون هذا الحديث فهماً خاطئاً ، أنه لا يجوز أن تسافر إلى أي مكان إلا إلى هذه الأمكنة ، لا ليس هذا هو المعنى ، أي لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، إذا شددت الرحال إلى مسجد ليس من هذه الثلاثة فلا شيء يستفاد منه لأن جميع المساجد على وجه الأرض في الثواب سواء عدا هذه المساجد ، رجل نذر أن يعتكف في مسجد في حلب ، لا تشد الرحال إليه لأن أي مسجد في دمشق أو في حلب سواء ، لكن إذا أردت أن تعتكف في مسجدٍ للثواب الجزيل فيه فليس هناك إلا هذه المساجد الثلاث ، أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاث فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عينه ، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه ، هذا الأمر متعلق بالاعتكاف ، لكن أنهي الأمر بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا ))
[ الجامع الصغير عن ابن عباس]
* * *
علي بن الحسين :

والآن إلى قصة تابعي جليل من سلسلة التابعين الذين نحن نتحدث عنهم الحديث اليوم عن التابعي الجليل علي بن الحسين بن علي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما كاد علي هذا يبلغ سن التميز حتى أقبل على طلب العلم بشغف وشوق ، وكانت مدرسته الأولى بيته أكرم به من بيت ، وكان معلمه الأول والده الحسين بن علي أعظم به من معلم ، أما المدرسة الثانية فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي المفروض بالإنسان أن يكون بيته أيضاً مدرسة ، إذا كان الأب من حين إلى آخر تحدث مع أولاده عن أمور الدين، وعن أمور القرآن ، وعن أحاديث النبي العدنان ، ووجههم توجيهاً صحيحاً في حياتهم وفي علاقاتهم وفي حلهم وفي ترحالهم ، فهذا مما يجعل من هذا الطفل الشاب يتزود بالعلم قبل أن يصل إلى أماكن التزود بالعلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/06.jpg
وكان المسجد النبوي الشريف يموج بالبقية الباقية من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويذخر بالطبقة الأولى من كبار التابعين ، وكان هؤلاء وهؤلاء يفتحون قلوبهم لهذه الأكمام المزهرة من أبناء الصحابة الكرام فيقرؤونهم كتاب الله عز وجل ، ويفقهونهم فيه، ويروون لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقفونهم على مراميه ، ويقصون عليهم سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وينشدونهم شعر العرب ، ويبصرونهم بمواطن جماله ، ويملؤون قلوبهم الغضة بحب الله عز وجل وخشيته وتقواه ، فإذا هم علماء عاملون هداة مهديون .
لكن علي بن الحسين لم يتعلق قلبه بشيء كما تعلق قلبه بكتاب الله عز وجل ، فقد كان ربيع قلبه ، ولم تهتز مشاعره لأمر كما كانت تهتز لوعده ووعيده ، فإذا قرأ آيةً فيها ذكر الجنة طار فؤاده شوقاً إليها ، وإذا سمع آيةً فيها ذكر النار زفر زفرةً كأن لهيب جهنم في أحشائه ، وما إن اكتمل علي بن الحسين شباباً وعلماً حتى ظفر المجتمع المدني الأمثل بفتى من أعمق فتيان بني هاشم عبادةً وتقى ، وأعظمهم فضلاً وخلقاً ، وأكثرهم إحساناً وبراً ، وأوسعهم معرفةً وعلماً ، فقد بلغ من عبادته وتقواه أنه كانت تأخذه رعدةٌ بين وضوئه وصلاته ، يرتعد فينتفض جسده نفضاً ، فلما كلم في ذلك قال : ويحكم كأنكم لا تدرون لمن أقوم ولا تعلمون من أناجي !! فكانت هذه الرعدة التي تأخذه بين الوضوء والصلاة دليل خشوعه اللامتناهي ، وقد بلغ من إحسان الفتى الهاشمي لعبادته وإتقانه لشعائره أن دعاه الناس زين العابدين ، هذا اللقب الذي لقب ، علي بن الحسين زين العابدين ، حتى نسي قومه اسمه أو كادوا وآثروا لقبه هذا على اسمه ، وقد بلغ من إطالته لسجوده واستغراقه فيه أن ناداه أهل المدينة بالسّجّاد ، أي كثير السجود ، كان إذا سجد أطال السجود ، وقد بلغ من صفاء نفسه ونقاء قلبه أن نعتوه بالذكي ، وكان زين العابدين رضوان الله عليه يدرك أن مخ العبادة في الدعاء ، وكان يطيب له الدعاء أكثر ما يطيب وهو متعلق بأستار الكعبة ، فكم التزم البيت العتيق وجعل يقول : " ربي لقد أذقتني من رحمتك ما أذقتني وأوليتني من إنعامك ما أوليتني فصرت أدعوك آمناً من غير وجل ، وأسألك مستأنساً من غير خوف ، ربي إني أتوسل إليك توسل من اشتدت فاقته إلى رحمتك ، وضعفت قوته عن أداء حقوقه ، فاقبل مني دعاء الغريق الغريب الذي لا يجد لإنقاذه إلا أنت يا أكرم الأكرمين ".
وقع تحت يدي كتيب صغير عن أدعية هذا التابعي الجليل زين العابدين ، فعلاً فيه شيء يأخذ بالألباب. موقف لزين العابدين يأخذ بالألباب :
لقد رآه طاوس بن كيسان ذات مرة يقف في ظلال البيت العتيق وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء السقيم ، ويدعو دعاء المضطر ، فوقف ينتظره حتى إذا كف عن بكائه وفزع من دعائه تقدم نحوه وقال له : يا بن رسول الله رأيتك على حالتك ولك فضائل ثلاث أرجو أن تؤمن من الخوف ، أنت الذي تخاف ، فقال زين العابدين : وما هن يا طاوس؟ فقال " إحداهن أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ابنه من نسل فاطمة ، والثانية: شفاعة جدك لك ، والثالثة رحمة الله ، فقال له زين العابدين : يا طاوس إن انتسابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمنني بعد أن سمعت قول الله عز وجل :
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 101 ]
وأما شفاعة جدي لي فإنه الله علت كلمته يقول : ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 28 ]
وأما رحمة الله تعالى فهو يقول : ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56 ]
مواقف مشرفة لزين العابدين :
ولقد أفاضت التقوى على زين العابدين ما شاء الله أن تفيض من شمائل ، ومن نبل ، ومن فضل ، ومن حلم ، حتى ازدانت كتب السير بروائع أخباره ، وزهت صفحاتها بنبيل مواقفه .
من ذاك ما رواه الحسن بن الحسن ، قال : وقعت بيني و بين ابن عمي زين العابدين جفوة فذهبت إليه و كان مع أصحابه في المسجد ، فما تركت شيئاً إلا قلته له و هو ساكت لا يتكلم ، ثم انصرفت فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه فقمت إليه لأرى من هو فإذا زين العابدين ، فما شككت أنه جاء يرد إليّ الأذى و لكنه قال : يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت لي غفر الله لي ، و إن كنت غير صادق فغفر الله لك ، هكذا كان هؤلاء التابعون الأجلاء ، أخوك تكلم معك كلمة قاسية ، اتهمك بتهمة ، إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي و إن كنت غير ذلك غفر الله لك و انتهى الأمر ، ثم ألقى السلام عليّ و مضى فلحقت به ، و قلت له : لا عدت إلى أمر تكرهه ، فرق لي و قال : و أنت في حل مما قلت لي ، و روى أحد أبناء المدينة قال : كان زين العابدين خارجاً من المسجد فتبعته و جعلت ألوح له بالشتم و لست أدري سبباً لذلك ، فهجم عليّ الناس يريدون أخذي و لو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم ، فالتفت إلى الناس و قال : كفوا عن الرجل فكفوا عني ، و لما رأى ما أصابني من الذعر أقبل عليّ بوجهه الطلق و جعل يؤمنني و يهدئ من روعي ثم قال لي : لقد سببتنا بما علمت و ما ستر عنك من أمرنا أكبر ، ثم قال لي : ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحييت منه و لم أقل شيئاً ، فلما رأى حيائي ألقى علي كساءً كان عليه و أمر لي بألف درهم فجعلت أقول : كلما أقوله بعد ذلك أشهد أنك من أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4627/ar-4627/07.jpg
وروى أحد مواليه قال : كنت غلاماً لعلي بن الحسين فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه فخفقني بالسوط ، أي على كتفي ، فقلت له : الله الله يا علي بن الحسين تستخدمني في حاجةٍ فأقضيها لك ثم تضربني ، فبكى وقال : اذهب إلى مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام وصلّ ركعتين ثم قل في السجود : اللهم اغفر لعلي بن الحسين فإذا ذهبت وفعلت فأنت حر لوجه الله ، استغفر لي في المسجد وأنت حر ، فذهبت وصليت ودعوت ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر .
كان هذا التابعي الجليل إذا جنّ الليل يحمل أكياس الدقيق على ظهره الناحل ويخرج بها في عتمات الليل والناس نيام ، وكان يجوب بها أحياء المدينة ليتصدق على ذوي الحاجات ممن لا يسألون الناس إلحافاً فكانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها رغداً ، فلما مات علي بن الحسين فقد هؤلاء ما كانوا يأتيهم فعرفوا مصدره ، ولما وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه فوجدوا على ظهره آثار سواد فقالوا : ما هذا ؟ فقيل لهم : إنه من آثار حمل الدقيق ، مئة بيت في المدينة فقدت عائلها بفقده .
زين العابدين بن علي كالبدر المنير :
وكان يومئذٍ ولياً للعهد فأقبل يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، هذه كلمة الاستلام خاصة بالحجر الأسود لا تقول : استلمت من كذا مبلغ كذا قل : تسلمت منه ، أما الاستلام فهذه كلمة خاصة بالحجر الأسود ، استلم الحجر أي قبّله أو أشار إليه ، أما قبض المال فاسمه تسلم ، تسلمت من فلان كذا وكذا ولا تقل استلمت ، فأقبل هشام بن عبد الملك يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، وأخذ الجند الحافون به ينبهون الناس إليه ويوسعون الطريق له ، ولكن أحداً من الناس لم يلتفت إليه ولم يوسع لهم ، فالبيت بيت الله والناس جميعاً عبيداً له ، وفيما هم كذلك سمعت أصوات التهليل والتكبير آتيةً من بعيد فاشرأبت نحوها الأعناق ، فإذا رجل في كوكبةٍ من الناس قسيم وسيم ، ضامر الجسم ، وضيء الوجه ، عليه سكينة ووقار ، قد مشى في إزار ورداء وبدا بين عينيه أثر السجود فجعلت كتل الناس تنفرج له ، وتغدو صفوفاً صفوفاً وهي تستقبله بنظرات الشوق والحب حتى بلغ الحجر الأسود واستلمه ، وهنا التفت أحد رجال الحاشية إلى هشام بن عبد الملك وقال له : من هذا الذي أكرمه الناس كل هذا الإكرام وأجلوه كل هذا الإجلال ؟ فقال هشام : لا أعرفه ، وكان الفرزدق حاضراً فقال : إن كان هشام لا يعرفه أانا أعرفه والدنيا كلها تعرفه ، هذا علي بن الحسين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده ، ثم أنشد :

هذا الذي تعرف البطحاء وضأته و البيت يعرفه والحـل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهــم هذا التقي النقي الطاهر الــعلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلـه بجده أنبياء الله قد ختمـــوا
فليس قولك من هذا بضائــره العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهمـــا يستوكفان ولا يعروهما عــدم
سهل الخليقة لا تخشى بـوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
ما قال لا قط إلا في تـــشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعـــم
عمّ البرية بالإحسان فانقـــع عنها الغياهب والإملاق والعـدم
إذا رأته قريش قال قائــــلها إلى مكارم هذا ينتهي الــكـرم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتــــــم
بكفه خيزران ريحه عبــــق من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعتــه طابت مغارسه والخيم والشيـم
***
هذا هو التابعي الجليل زين العابدين الذي لما قدم إلى بيت الله الحرام انفرجت له الصفوف ، واصطفت له الأبدان ، وأفسح له المكان ، وكان بين من معه كالبدر المنير.
أي باب البطولة مفتوح إلى يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

السعيد
09-12-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الثمانون )


الموضوع : الزكاة - تمهيد





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اقتران الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة بالقرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون، قبيل رمضان بأسبوعين تحدثنا عن باب الصوم في كتاب اللباب، ولأن الزكاة كما هي السنة النبوية يجري دفعها في رمضان لذلك اخترت لكم كتاب الزكاة أيضاً من كتاب اللباب، فالزكاة قرنها الله بالصلاة في مواضع كثيرة، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
العلاقة بين دفع المال و تزكية النفس :
ربما اتجه بعض المفسرين إلى توسيع معناها بحيث أن الزكاة أن تكون زكي النفس، أن تتصل بالله، ومن لوازم الاتصال بالله تزكية النفس، ولأن المعنى اللغوي حيث قال الله عز وجل:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
فهناك علاقة بين دفع المال وبين تزكية النفس، الذي يدفع المال تزكو نفسه، لماذا؟ لأن دفع المال برهان عملي على صحة الإيمان، الإيمان قبول الحقائق، إذا قبلت أن الشمس أكبر من الأرض ماذا فعلت أنت؟ الآن إذا فكرت في هذه المسلمة في هذه الحقيقة وقلت: صحيح الشمس أكبر من الأرض وفي الحقيقة الشمس أكبر من الأرض، الإيمان قبول، تصديق إذا صدقت أن لهذا الكون إلهاً عظيماً وهو كذلك، إذا صدقت أن هذا الكون فيه إبداع لا حدود له وهو كذلك، إذا صدقت أن الموت حق وهو كذلك، إذا آمنت ولم تفعل شيئاً ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال : 72]
الإنسان لا يكبر في عين الله إلا إذا أردف القول بالعمل، إلا إذا كانت له مواقف، إلا إذا كان مطبقاً، إلا إذا كان ملتزماً، إلا إذا كان عند عقيدته، عند مبادئه، أما أن يقبل الحقائق وهي حقائق فماذا فعلت إذا قبلت أن الشمس كما قلت قبل قليل أكبر من الأرض وهي كذلك؟ الدين كله اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق :
قرأت في بعض الأحاديث: "ماذا صنعت من أجلي هل واليت فيّ ولياً؟ هل عاديت في عدواً؟" ألك موقف؟ ألك بذل؟ ألك تضحية؟ لذلك لو أن إنساناً سئل لماذا قرن الله الصلاة مع الزكاة في أكثر من مئتي آية أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؟ أي كأن دفع المال برهان على صحة الصلاة، إذا كان اتصالك بالله صحيحاً فلابد من أن تبذل، كأن تزكية النفس دليل عملي على صحة الإيمان، المؤمن صادق، المؤمن طاهر، المؤمن مستقيم، المؤمن أمين، المؤمن متواضع، المؤمن دقيق، المؤمن عفو، المؤمن منصف، فإذا كانت لك نفس زكية فهذا دليل أن لك بالله صلة عالية، لذلك فسر بعضهم قوله تعالى:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾
[ سورة مريم : 31]
قال: في هذه الآية جمع الدين كله، اتصال بالخالق وإحسان إلى المخلوق هذا هو الدين كله، اتصال بالخالق لا نعلمه نحن هذا بينك وبين الله دليله الإحسان إلى المخلوق، فلو أسأل إلى المخلوق فالاتصال غير صحيح، الاتصال مزعوم، الاتصال مزور، الاتصال شكلي، أجوف، إذا كان هناك إساءة للخلق فهذا هو المقياس. الإنفاق دليل قطعي على صحة الإيمان :
لذلك عندما قال تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 133]
المتقون لهم آلاف الصفات، ربنا سبحانه وتعالى اختار من كل هذه الصفات الذين ينفقون في السراء والضراء، الإنفاق دليل قطعي على صحة الإيمان، الإنفاق بذل، الإنفاق يتعارض مع متطلبات الجسد، يمكن الإنسان يشتهي أن يتزوج الزواج سنة، أنت إذا أقدمت على الزواج فعلاً سنة وطاعة، ولكن هذه الطاعة توافقت مع حاجات الجسد، أخي العمرة طبعاً إذا سافرت في الطائرة ولك أناس استقبلوك ورحبوا بك وأكرموك وكنت في بحبوحة وابتعدت عن هموم البلد طبعاً العمرة واجب، قال تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾
[ سورة البقرة: 196]
لكن توافقت مع حاجات الجسد، أما الزكاة فدفع المال يتعارض مع رغباتك، الخمسمئة هذه تحل معك مشكلة، دفعتها في سبيل الله، أنت عاكست رغباتك، لذلك الزكاة قرنها الله مع الصلاة، مئتان وعشرون مرة قرنها الله مع الصلاة، أي علامة صحة الصلاة، إذا أردت أن تأخذ معناها الواسع تزكية النفس، في المعنى اللغوي زكاة النفس أي طهارتها، ومعناها الشرعي دفعها للمخصوص.
على كلّ القضية ليست خلافية دفع المال يسبب إقبالك على الله عز وجل، فإذا أقبلت عليه ذكرته، القضية محلولة، إذا بذلت أقبلت، وإذا أقبلت زكوت، إذاً علامة إقامة الصلاة دفع الزكاة، لذلك جاء ترتيبها في كتاب: "اللباب بعد الصلاة" اقتداءً بكلام الله عز وجل: ﴿ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾
[ سورة الحج: 41]
قرنها المؤلف بالصلاة اقتداءً بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الزكاة لغةً و شرعاً :
الزكاة لغةً الطهارة والنماء، زكى الزرع أي نمى، زكى الإنسان أي طهره، صار زكي النفس، طبعاً إذا قلت: فلان ذكي العقل بالذال فهذه صفة عقلية ومنها الذكاء، أما إذا قلت: زكي النفس بالزاي تعني الطهارة، فنحن درسنا عن الزكاة، أما الذكاء أي الفطنة هذا موضوع آخر يتصل بالعلم.
الزكاة لغةً الطهارة والنماء، وشرعاً تمليك جزء مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى، ليس كل مال تؤخذ منه الزكاة، وليس كل مال تدفع عنه الزكاة، وليس كل شخص يستحق الزكاة، جزء مخصوص معين من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى، من هنا استنبط بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى إذا قال:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
الحق المعلوم أي حق محسوب، إذا إنسان عنده محل تجاري يقول لك: أنا لا يوجد عندي وقت لأجرد المحل، هذا المحل فيه بمئتي ألف لا بل بثلاثمئة، إذا إنسان معلوماته الفقهية محدودة يقول له: جزاك الله خيراً هل زكاته مقبولة؟ لا ليس مقبولة يجب أن يجرد، ما الجواب؟ الجواب أن بالألف تاجر إذا وجد تاجر قدر زيادة سيكون هناك تجار يقدرون أقل، لا يوجد مئة ألف ويكون نصف مليون لذلك قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
أي مجرود، محسوب بدقة، البضاعة، الصندوق، السندات، ديون مستحقة، ديون ميتة، من إلى ذمم، يكون المبلغ ضرب اثنين ونصف بالمئة، ربنا عز وجل قال: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
يوجد آيات أخرى قال تعالى: ﴿ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة المعارج:24 ]
ولم يقل معلوم أي إذا إنسان دفع زكاة ماله كاملةً وله جار مؤمن أصيب بحادث فاضطر إلى عملية جراحية طرق باب أخيه فقال له: أنا دافع، هذا كلام مرفوض، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنْهَا سَمِعَتْهُ تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ))
[ الترمذي عن عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ]
يجب أن تدفع من باب الصدقة معونةً لهذا الأخ الكريم المصاب، فأنت مؤمن والأوسع من ذلك كما قال بعض العارفين قال له: يا سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: ما عندنا وما عندكم؟ قال له: عندكم واحد بالأربعين، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، هؤلاء: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة : 10-11]
لا يوجد عنده ساعة له وساعة لربه؟ هذا له، كل ماله وكله، وكل طاقته، وكل وقته ونشاطه لله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 111 ]
إنسان باع بيته وقبض ثمنه كاملاً، أخي هذه الغرفة ماذا ستفعل بها؟ انتهيت، طالما بعت بعت، فالمؤمن باع نفسه لله تعالى، وربنا عز وجل طمأننا قال: ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 111 ]
لا تندموا على البيعة ربحتم علينا، فالزكاة لغةً الطهارة والنماء وشرعاً تمليك جزء مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص لله تعالى. على من تجب الزكاة ؟
أحياناً إنسان يكلفونه بضريبة فيقول: حسبناها من الزكاة، ما دخل الزكاة بالضريبة؟ هذه مقابل خدمات تؤدى للطرقات، والمستشفيات، والمدارس، أما هنا فحق الله، أما تلك فحق الأمير، أما الزكاة فحق الله وهي واجبة وجوباً قطعياً، ليست قضية الزكاة قضية خلافية بل قضية قطعية الثبوت وهي واجبة والمراد بالوجوب الفرض.
أي هي فرض فلا شبهة فيه، على الحر فلا تجب على العبد لأن العبد ماله لسيده ليس له مال يستقل به، على الحر المسلم، لا تجب على أهل الذمة تجب عليهم الجزية، البالغ لا تجب على الصغير، العاقل لا تجب على المجنون، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، إذا ملك نصاباً، فارغاً عن دين له، لو تخيلنا النصاب ثلاثين ألفاً معه في البيت ثلاثين ألفاً وعليه دين يقدر بستين ألفاً، هذا النصاب ليس فارغاً بل مشغول بالدين، كثير من الأخوان يسألوني: يوجد معه مال واشترى بيتاً، طالما وقع عقد شراء بيت، والبيت محدد ما انتهى، ولكن محدد في الطابق السادس في الجهة الشمالية أو الجنوبية بسعر كذا، مدفوع من قيمته كذا، وعليه مئتا ألف، وفي البيت مئة ألف، يا ترى هذا المبلغ هل عليه زكاة؟ لا، لأن هذا المبلغ مشغول بالدين فارغاً عن دين له مطالبٌ فيه وعن حاجته الأصلية، الإنسان له حاجة أصلية يحتاج إلى مأوى، فالمأوى لا زكاة عليه يحتاج إلى أثاث في البيت، سجاد وكراسي، وأسرة، وثريات وما شاكل ذلك، ومحله التجاري أيضاً ليس عليه زكاة، وأدوات الصناعة ليس عليها زكاة، ومركبته ليس عليها زكاة، إلا إذا اشترى محلاً ثانياً لينتفع به، هذا صار مال نام، عندك سيارة واشتريت سيارة ثانية لتنتفع منها هذه عليها زكاة، لأنه أصبح مال نام، أي المستهلكات ليس عليها زكاة، البيت مستهلك، الأثاث مستهلك، الدكان، المعمل، الآلات، المركبة، جميع المستهلكات ليس عليها زكاة، المال النامي أو أي مستهلك يقصد به النماء، اشتريت بيتاً على الهيكل وأنت عندك بيت النية فقط أن تنتفع بربحه هذا عليه زكاة، أي شيء أقتنيه بقصد النماء فهو مال وعليه زكاة، أما أي شيء أقتنيه بقصد الاستهلاك فهو حاجة أساسية ليس عليها زكاة.
فارغاً عن دين له مطالب فيه وعن حاجته الأصلية ملكاً تاماً، وحال عليه الحول موضوع أنه نام، أخذت بيتاً بثمانية عشر ألفاً في الستينات، والآن ثمنه ثلاثة ملايين، هذا مال نما، ولو أنه نام لكنه مستهلك، هل لك بيت ثان؟ لو صار ثمنه خمسين مليوناً ساكن به، فلذلك ليس عليه زكاة، إذاً ليس على الصبي ولا المجنون زكاة لأنهما غير مخاطبين بأداء العبادة كالصلاة والصوم، ولا المكاتب - العبد – عليه زكاة لعدم الملك التام، ومن كان عليه دين يحيط بماله أو يبقى منه دون النصاب فلا زكاة عليه، الذي عليه دين يستغرق ماله كله، أو يستغرق جزءاً من ماله والباقي دون النصاب فلا زكاة عليه، قال: لأنه مشغول بحاجته الأصلية وهي وفاء الدين، فاعتبر معدوماً كالماء الذي لا يوجب الوضوء الذي أعدّ للشرب، إنسان مسافر معه ماء للشرب نقول له: تيمم ويوجد ماء للشرب، هذا الماء للشرب بحكم المعدم.
وإذا كان ماله أكثر من الدين زكى عن الفضل - مثلاً عليه خمسون ألفاً ومعه تسعون ألفاً طرحنا الخمسين من التسعين بقي أربعون، الأربعون عليها زكاة، يعمل تفاضلاً، إذا بلغ نصاباً لفراغه عن الحاجة وليس في دور السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية وليست بنامية أصلاً، وعلى هذا كتب العلم المكتبة لو سعرها مئة ألف لأهلها أما لغير أهلها فعليها زكاة، هذا الكتاب مفقود خذ عشر نسخ وبعها بالضعف، لا علاقة لك بالعلم، رأيته يرتفع ثمنه اقتنيت عشر نسخ أما كتاب معد للقراءة فليس عليه زكاة، وآلات المحترفين، أدوات الصناعة، أدوات النجار، الحداد، كل مصلحة لها أدوات، هذه الأدوات أعدت للاستهلاك ليس عليها زكاة.
عدم أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء :
لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء، رجل مثلاً طرق بابه إنسان شكا له حالته، فدفع له مبلغاً من المال بعد يومين قال: هذا المال دفعته سوف أحسبه للزكاة، لا يجوز أنت حينما دفعت هذا المال دفعته صدقةً، بعد أسبوع تريد أن تحوله زكاة هذا لا يجوز، الزكاة لا تصح إلا إذا قارنتها نية، أما كل شيء دفعته سابقاً حولته إلى زكاة، الزكاة فقدت شرطاً أساسياً من شروطها وهي النية، ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية قارنة للأداء ولو حكماً، إلا في حالة واحدة إذا دفع بلا نية، فلما أصبح المال بيد الفقير نوى أن تكون زكاةً، إذا دفع بنية الصدقة لا يجوز أن يغير، ولكن دفع ولم يفكر بشيء وبعد أن أعطاها للفقير قال: هذه من الزكاة يجوز ذلك، أو نوى عند الدفع للوكيل، عنده وكيل أعمال قال له: هذا المبلغ زكاة ممكن أن يدفع بعد سنة أو بعد شهرين هو نوى الزكاة حينما دفع المال للوكيل، أو أن تكون النية قابلة للعزل، أي عنده صندوق فيه مال، جمع المال وحسبه قال: الزكاة خمسة آلاف ووضعهم في الصندوق هذه نية العزل نية، إما أن تدفع المال للفقير أو للوكيل أو عند العزل فتصح النية في هذه الأحوال الثلاث، لأن الزكاة عبادة وكان من شرطها النية، والأصل فيها الاقتران، إلا أن الدفع قد يتفرق، وضعت خمسة آلاف زكاة دفعتهم مئتين، ثم خمسمئة ثم ألفاً، على مدى شهرين أو ثلاثة، حينما نويت الزكاة حينما عزلت المال أصبحت مقبولة وعبادة صحيحة، أي يكفي أن تنوي عند العزل، أما الدفع فمتتال، متفرق، متباعد إلا في حالة واحدة قال: من تصدق بجميع ماله ولا ينوي به الزكاة سقط فرضها عنه، طبعاً دفع كل ماله صدقةً سقط عليه فرض الزكاة استحساناً لأن الواجب جزء منه، الواجب الذي عليه جزء من هذا المال فكان متعيناً فيه فلا حاجةً للتعيين، انتهى الأمر ودفع كل ماله.
طبعاً يوجد عندنا زكاة الإبل، والبقر، والخيل، والغنم، والبغال سنأخذ زكاة الفضة والذهب والورق، والأصح لأن التعامل بالذهب غير متيسر الأصح هو زكاة الورق، أي المال النقدي المتداول هذا شيء معروف، ممكن موضوع زكاة الذهب والورق والعروض التجارية نبحثه في التفصيل في الدرس القادم.
* * *
قصة التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني :
سوف نبحث الآن عن قصة من قصص التابعين، هذا التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني.
طارت الأخبار من جزيرة العرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثقل عليه المرض بعد عودته من حجة الوداع، فسول الشيطان للأسود العنسي أن يعود للكفر بعد الإيمان، وأن يفتري على الله الكذب، فيزعم لقومه في اليمن أنه نبي مرسل من عند الله، وكان الأسود العنسي رجلاً شديد المرّة أي القوة، قوي البنية، أسود النفس، اسم على مسمى، مستطير الشر - سريع الشر - لقد أتقن الكهانة في الجاهلية، وحذق الشعوذة على الناس، وكان إلى ذلك فصيح اللسان، رائع البيان، ذكي العقل، قادراً على اللعب بعقول العامة بأباطيله، وكسب ولاء الخاصة بهباته وعطاياه، العامة يدجل عليهم والخاصة يغرقهم بالهدايا.
وقد انتشرت دعوة الأسود العنسي باليمن انتشار النار في الهشيم، وقد ساعده على ذلك اتباع قبيلته له، وكانت يومئذٍ من أكثر القبائل اليمن عدداً، وأوسعها نفوذاً، وأشدها بأساً، كما ساعدته على ذلك قدرته على اختراع الكذب وتلفيقه، واستعانته بالأذكياء من أتباعه على ذلك.
فقد زعم الأسود العنسي أن ملكاً من السماء ينزل عليه بالوحي ويخبره بالمغيبات، وسلك في إقناع الناس وبصحة هذا الزعم مسالك شتى فكان يبث عيونه - يوجد عنده أتباع يرسلهم إلى أطراف البلاد - يستقصون له الأخبار ليقفوا على كل شأن من شؤون الناس وشجونهم، ويكشف له عن أسرارهم وأخبارهم، وينفذ إلى ما يعتلج بخبايا نفوسهم من الآمال والآلام، وكانوا في الوقت نفسه يغرون هؤلاء الناس بأطراف البلاد باللجوء إليه، وطلب العون منه، فكانوا إذا جاؤوه واجه كل ذي حاجة بحاجته، وبدأ كل صاحب مشكلة مشكلته.
طبعاً تصرف ذكي يرسل عيونه- أتباعه- إلى أطراف البلاد يتقصون له الأخبار، ويغرون الناس أن يأتوا إليه، ويأتي الناس إليه يحدثهم عن أخبارهم، عن مشكلاتهم، عن حوادثهم، عن آلامهم، عن آمالهم، يصدقون أنه يعلم الغيب، وأتى أمامهم من العجائب والغرائب ما يذهل عقولهم، ويحير ألبابهم، الآن من يذكر أن هذا الأسود العنسي رسول الله؟ لقد طواه الزمان.
ما بين حضرموت وما بين الطائف، وما بين البحرين وما بين عدن، ولما استتب الأمر للأسود العنسي، ودانت له البلاد والعباد، نشط في تتبع معارضيه ممن آتاهم الله إيماناً راسخاً بدينه القويم، ويقيناً ثابتاً بنبيه الكريم، وجهراً بالحق متصدياً للباطل، فجعل يبطش بهم في قسوة قاسية، وينزل بهم أشد النكال، وكان في طليعة هؤلاء عبد الله بن ثوب المكنى بأبي مسلم الخولاني موضوع هذه القصة.
كان أبو مسلم الخولاني رجلاً صلباً في دينه، قوياً في إيمانه، عنيداً في الجهر بالحق، قد أخلص نفسه لله، وأعرض عن الدنيا وزينتها، وزهد في زخرف العيش ومتاعه، ونذر حياته لطاعة الله، والدعوة إليه، وباع الفانية بالباقية بيع السماح فأحله الناس من نفوسهم منزلةً رفيعة، ورأوا فيه رجلاً طاهر النفس والنفس، مستجاب الدعوة عند الله، وقد أراد الأسود العنسي أن يبطش بأبي مسلم الخولاني بطشةً جبارة، تبث الهلع والجزع في نفوس معارضي دعوته في السر والعلن، وتقمعهم قمعاً، فأمر بالحطب بأن يكدس في ساحة من ساحات صنعاء، وأن تضرم فيه النار، ودعا الناس أن يشهدوا استتابة فقيه اليمن وعابدها أبي مسلم الخولاني، وإقراره بنبوته، وفي الوقت المحدد أقبل الأسود العنسي على الساحة التي اكتظت بالناس اكتظاظاً، وكان يحف به طواغيته، وكبار أتباعه، ويحوطه حرسه، وقادة جنده، فجلس على كرسيه العظيم الذي نصب له قبالة النار، وقيد إليه أبو مسلم الخولاني على مرأى من الناس جميعهم ومسمع، فلما صار بين يديه نظر إليه الطاغية الكذاب في خيلاء ثم نظر إلى النار التي تتأجج أمامه في ضراوة ثم التفت إليه وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم أشهد إنه عبد الله ورسوله، وأنه سيد المرسلين، وأنه خاتم النبيين أيضاً، فقطب الأسود العنسي وجهه وزم حاجبيه وقال: وتشهد أني رسول الله؟ فقال: إن في أذني صمماً فلا أسمع ما تقول، طبعاً موقف عصيب النار وسيلقى بالنار، فقال الأسود: إذاً أقذفك في هذه النار، فقال أبو مسلم: إن فعلت اتقيت بهذه النار التي وقودها الحطب نار يوم القيامة التي وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فقال الأسود العنسي: لن أعجل عليك وسأتيح لك الفرصة لتراجع عقلك، ثم أعاد عليه السؤال فقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم أشهد إنه عبد الله ورسوله، وأنه سيد المرسلين، وأنه ختم برسالته الرسالات، فازداد الأسود حنقاً وقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: أما أخبرتك أن في أذني صمماً فلا أسمع مقالتك هذه، فاستشاط الأسود العنسي غيظاً من صرامة إجابته، وهدوء نفسه، وسكينة جواره، وهمّ بأن يأمر به فيلقى في النار، عندئذ تقدم منه أحد أتباعه وهمس في أذنه قال هذا الرجل المقرب من هذا المدعي النبوة: إن الرجل - أبو مسلم الخولاني - طاهر النفس، مستجاب الدعوة، وإن الله لن يخذل مؤمناً، وإنك إن ألقيته في النار ونجاه الله منها هدمت كل ما بنيته في لحظة واحدة - هذه مغامرة كبيرة إذا ألقيته في النار والله نجاه منها هدمت كل ما بنيته في لحظة واحدة - ودفعت الناس إلى الكفر بك وبنبوتك دفعاً، وإن أحرقته فرضاً ازداد الناس به إعجاباً، وله إكباراً، ورفعوه إلى مصافي الشهداء، فمن عليه بإطلاق سراحه وانفه من البلاد وأرح نفسك منه واسترح.
قدم له نصيحة كبيرة فقال: أخذ الأسود بمشورة طاغوته، وأمره بمغادرة البلاد بساعتها، أي الله عز وجل حفظه، ألقى في قلب هذا الرجل هذه النصيحة فنصحه بها فحفظه، بعض المصادر تشير إلى أنه قذفه في النار ونجاه الله منها، هكذا لكن يبدو أن المؤلف رجح هذه الرواية لأنها أقرب إلى الواقع، تلك معجزة بحق سيدنا إبراهيم، بعض كتاب السيرة علقوا على ما حدث لسيدنا إبراهيم تعليقاً لطيفاً فقال: الله عز وجل كان بإمكانه أن يجعله يتوارى عن الأنظار، وألا يُمكن النمرود من القبض على إبراهيم، أليس كذلك؟ وكان من الممكن أن يرسل سحابةً تمطر فوق النار فتطفئها كان من الممكن، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد إظهار قدرته فمكن خصومه من أن يقبضوا عليه، ومكنهم من أن يضرموا النار، وأشعلوها وألقوه فيها، قال تعالى:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 69]
لو لم يقل سلاماً لمات من البرد، برداً وسلاماً على إبراهيم: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 70]
الله موجود في كل عصر، الإنسان يكون مع الله دائماً الله ينجيه، لا أنسى هذه القصة قصة سيدنا يونس عندما كان في بطن الحوت، في البحر، وفي الليل، في ظلمات ثلاث قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة المؤمنين : 87-88]
مبدأ عام، أحياناً الإنسان يكون راكباً سيارة الله ينجيه من حادث بمنتهى اللطف، أحياناً ينجيه من ورطة، من عدوه، من إفلاس، من صفقة خاسرة، ربنا عز وجل هو اللطيف.
يمم أبو مسلم الخولاني وجهه شطر المدينة، وكان يمني نفسه بلقاء رسول الله، كان النبي على قيد الحياة، فهو قد آمن به قبل أن تكتحل عيناه برؤيته، وتفرح نفسه بصحبته قبل أن يراه، عرض نفسه للموت قبل أن يراه، لكنه ما كاد يبلغ حواشي يثرب حتى بلغه نعي النبي صلوات الله عليه، ما متع عينه برؤية النبي وقيام أبو بكر الصديق على خلافة المسلمين من بعده فحزن على وفاة النبي حزناً خالط سويداء قلبه.
بلغ أبو مسلم المدينة، وقصد المسجد النبوي الشريف، فلما أقبل على المسجد عقل ناقته قريباً من بابه، ودخل إلى الحرم النبوي الشريف، وسلم على النبي صلوات الله عليه قال: أنا حي طري في قبري، إذا ذهبت الآن إلى المدينة تحس بوجوده وكأنه حي لا كالأموات، ثم وقف إلى سارية من سواري المسجد وجعل يصلي فلما فرغ من صلاته توجه نحو عمر بن الخطاب حتى صار أمامه وقال له: ممن الرجل؟ فقال: من اليمن، فقال: ما فعل الله بصاحبنا الذي سجر له عدو الله النار فأنجاه الله منا؟، طار سيطه إلى المدينة، فقال: هو بخير من الله ونعمة، قال: ناشدتك الله ألست أنت؟ قال: بلى، فقبّل عمر ما بين عينيه، وقال: أتدري ما فعل الله بعدو الله وعدوك؟ قال: والله لا أدري لقد انقطعت عن أخباره منذ غادرت اليمن، قال: قتله الله على أيدي البقية الباقية من المؤمنين الصادقين، وأزال دولته، وردّ أتباعه إلى دين الله، فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى قرت عيني بمصرعه، وعودة المخدوعين من أهل اليمن إلى أكناف الإسلام، فقال له عمر: وأنا أحمد الله الذي أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بخليل الرحمن سيدنا إبراهيم، ثم أخذه من يده ومضى به إلى أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة وبايعه، فأجلسه الصديق بينه وبين عمر وطفق الشيخان يستعيدان مع أبي مسلم خبره مع الأسود العنسي.
أقام أبو مسلم الخولاني زمناً في المدينة المنورة لزم خلاله مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى ما شاء الله أن يصلي في روضته المطهرة، وأخذ ما وسعه الأخذ عن جلة الصحابة من أمثال أبو عبيدة بن الجراح، و أبو ذر الغفاري، و عبادة بن الصامت، و معاذ بن جبل، وعوف بن مالك الأشجعي ثم بدا لأبي مسلم أن يرحل إلى بلاد الشام، وأن يتخذها له مقاماً، وكانت غايته من ذلك أن يكون قريباً من الثغور الشامية ليشارك المسلمين في غزو الروم، ويفوز بأجر المرابطة في سبيل الله، ولنا في الدرس القادم إن شاء الله بعض من مواقفه مع معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين في الشام.

السعيد
09-12-2018, 08:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الثمانون )


الموضوع : احاديث فى باب الصبر




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
الصبر :
أيها الأخوة المؤمنون ، مع درسٍ جديد من دروس الحديث النَّبوي الشريف .
بعض الأحاديث في هذا اليوم معقودةٌ تحت باب الصَبر ، والصَّبر كما قال عليه الصلاة والسلام نصف الإيمان ، الإيمان نصفٌ صبرٌ ، ونصْفٌ شكرٌ ، فالصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان .
والصَّبر أساسه المعرفة ، فإذا عرفْت أنّ الله سبحانه وتعالى رحيمٌ بك ، وخلقكَ لِيُسْعِدَك فإذا رآك قد حِدْتَ عن الطريق الذي يؤدِّي إلى سعادتك ساقَ لك من الشَّدائد ما يُعيدُك إلى الطريق الصحيح ، فالصَّبر معرفة ، ولن تكون صابرًا إلا إذا كنتَ عارفًا ، فإذا عرفْت الله ، وعرفْت حبَّه ، وعرفْت حِرْصهُ ورحمتهُ ، ولماذا خَلَقَكَ ؟ وعرفْت أنّ هذه الدُّنيا دار عمل ، فإذا جَعَلتها دار أمل لا بد من عِلاج ، وإذا علمْت أنّ هذه الدنيا دار تكليف وجعلتها دار تَشريف فلابدّ من عِلاج ، إذا عرفْت أنَّ الدنيا دارَ سَعي والآخرة دار جزاء فعَكَسْت الآية لابدَّ من عِلاج، فالإنسان متى يُعالج ؟ ومتى يقسو الأب على ابنِهِ ؟ لا يمكن لأبٍ يرى ابنهُ على الطريق الصحيح ، وفي الاتِّجاه الصحيح ، وفي السرعة المناسبة ويقسُو عليه ، ويؤكِّدُ هذا قوله تعالى :
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
[سورة النساء: 147]
فلمّا الإنسان تأتيه الشدائد ، والشدائد أنواع منوَّعة ، هناك شدائد نفْسِيَّة ، وهناك شدائد جسدِيَّة كالأمراض ، وشدائد ضيق في الدَّخْل ، وشدائِد ألم ، وشدائِد قهر ، وشدائِد فقد الحُريَّة ، أنواع الشدائد أنواع منوَّعة ، ويجب أن تعلمَ عِلْم اليقين أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يسوقها إلا لِحِكمةٍ بالغة لو كُشِفَتْ لك لذابَتْ نفسُكَ محبَّةً لهذا الربّ العظيم ، والمؤمن يعرف هذا الكلام ، والمؤمن الصادق يقيس على ما قد سلف ، أيَّةُ مشكلةٍ ساقها الله إليك انتَهَت بثَمَرةٍ طيِّبة، قد يكون هناك انْحِراف طفيف ، وسوء ظنٍّ بالله تعالى ، شِرْكٌ خفيّ ، اعْتِماد على غير الله ، وطَمَع في الدنيا ، وطمأنينة لها ، تأتي المشكلة لِتُطَهِّر النَفس مِمَّا علِقَ بها من حبّ الدنيا، يُرْوى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكان مريضًا فقال هذا الصحابيّ المريض: " يا رسول الله اُدع الله أن يرْحمني ؟ فقال: يا ربّ ارْحَمْهُ ؟ فقال الله عز وجل : وعِزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبْدِيَ المؤمن وأنا أحِبّ أن أرحمَهُ إلا ابتَلَيْتُهُ بكلّ سيّئةٍ كان عملها سُقْمًا في جسَدِه ، أو إقْتارًا في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغَ منه مثل الذرّ فإذا بقِيَ عليه شيءٍ شدَّدْتُ عليه سكَرات الموت حتى يلْقاني كيَوْم ولدَتْهُ أُمُّه " الصبر علم :
أُريد أن أقول لكم كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لو كُشِفَ لك الغِطاء من أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا تابعَ عبْدهُ المؤمن بِعِقابٍ إثْرَ كلّ مَعْصِيَة لكان هذا العبدُ مكرَّمًا عند الله عز وجل ، فإذا تركَهُ هملاً فهذه هي الإهانة ، الإهانة ليْسَ أن يدَعَكَ الله وانْحرافك ، الإهانة أن يدَعَكَ وانْحِرافَكَ من دون معالجة ، ولكنَّ التَّكريم أن يُتابِعَك على كلّ ذَنْب تقترفهُ عُقوبةً أو ضيقًا أو شِدَّة .
أريد أن أقول لكم : إنَ الصَّبر عِلم ، والإنسان لن يصبر إلا إذا كان عالمًا بالله عز وجل ، حينما ترى الأب يُضيِّقُ على ابنِهِ ، فأنت كأبٍ آخر تعرف أنّ هذا رحمة ولُطف و عَطف وشفقَة وحِرص ، لذلك مجموعة أحاديث اليوم من باب الصَّبر ، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر : 10]
ما أرْوَعَ المؤمن حينما تأتيه الشِّدَة فيقول : يا ربّي لك الحمْد ، وأنا راضٍ بِحُكْمك، أليْسَ النبي عليه الصلاة والسلام قدوتنا في هذا الموضوع ؟ ألم يذهب إلى الطائف مَشْيًا على قدَمَيْه ؟ ألمْ يلْقَ من أهل الطائف ردًّا قبيحًا واسْتهزاءً وكُفرًا وتكذيبًا ؟ ألم يضيِّق عليه أهل الطائف ويرجئوه إلى الحائط ؟ أما دعا عليه الصلاة والسلام قائلاً : " اللَّهم إنِّي أشْكو إليك ضَعْف قوَّتي وقلَّة حيلتي وهواني على الناس ، يا ربّ المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍّ ملَكْتهُ أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أُبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكنَّ عافيتَكَ أوسَعُ لي " هذا هو حال المؤمن ، والنبي الكريم قُدوَةٌ لنا ، لا تخْلو حياة أحدنا من شدَّة ، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريبٌ ﴾
[سورة البقرة: 214]
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 2]
والله الذي لا إله إلا هو من ظنَّ أنَّه يُبْتلى أو لا يُبْتلى فقد ضلَ وأخطأ ، الصحيح أنَّهُ لابدَّ من أن نُبْتَلى ، وإنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ هذه الحياة الدنيا دار ابْتِلاء وامْتِحان ، المركبة لا تُمتحَن في الطريق النازلة ، مهما كانت المركبة ضعيفةً ، ففي الطريق النازلة تُسْرع ، ولكنَّ المركبة لا تمْتحن إلا في الطريق الصاعدة ، وكذا الإنسان لا يُمْتحنُ بالرَّخاء فجَميع الناس يشكرون الله سبحانه وتعالى ، ولكنَّ البُطولة أن تشكرهُ في الشِّدة ، قال الإمام عليّ كرَم الله وجهه: " الرِضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين " البُطولة وأنت في الضِّيق المادّي تقول : يا ربّ لك الحمد مِن أعماق أعماقك ، والبطولة في ساعة الشِدة ، وأنت في الضِّيق ، وأنت في الهمّ والحزن ، يا أرحم الراحمين بِرَحْمتِكَ أسْتغيث ، يا ذا الجلال والإكرام بِرَحمتك أسْتغيث ، اللهمّ إنِّ عبدك ، اللهمّ أنت خلقتني وأنا عبدك ، أبوء بذنبي ، حالة المؤمن حالةٌ راقيَة . الصبر نصف الإيمان :
قبل أن أمضي في الحديث عن أحاديث الصَّبْر لا بدّ أن تعرفوا أنَّ الصَّبْر نصف الإيمان ، والصَّبر تمامًا يُشبه مريضًا جالسًا على كرسي طبيب أسنان ، هذا المريض الواعي الراشد والواعي والعاقل مع أنَّ آلامًا مبرِّحة في الأسنان حين الحَفر ، وفي أثناء المعالجة ، لكنَ هذا المريض يضْغط على يدَيْه ويحْتملُ الآلام ، وفي النِهاية يشْكر الطبيب لأنَه يعلمُ علم اليقين أنَ هذا الذي يؤلِمُه هو في مَصْلحته .
قلتُ لكم مرَةً أنّ أحد الأعراب كان يطوف بالبيت وهو يقول : يا ربّ هل أنت راضٍ عنِّي ؟! كان خلفهُ الإمام الشافعي فقال له : يا هذا ، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟! فقال : يا سبحان الله ! من أنت ؟ فقال : أنا الشافعي ، فقال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنَى رِضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِّقمة كَسُرورِكَ بالنِّعمة فقد رضيت عن الله ! هذه هي البطولة ، البُطولة عند الصَّدمة الأولى ، وعندما يأتي الخَبَرَ المؤْلِم ، هذا فعلُك ، وفِعلكَ لا يخلو من حكمة بالغة ، هذه إرادتك ، وهذه مشيئتك ، وهذا قضاؤُك ، وأنا راضٍ به ، والله كلمةُ : أنا راضٍ بهذا القضاء تعْدلُ الدنيا وما فيها ؛ لأنَّ هذه الكلمة امْتِحان ، وقد نَجَحْت في هذا الامتِحان، وسوف يمضي كلّ شيء ، الخَير سيَمضي ، والضِّيق سيَمْضي ، وتبقى هذه الكلمة التي قلتها معبِّرًا بها عن امْتِنانك ، وعن رضاك بِقَضاء الله ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " إذا أحبَّ الله عبده ابتلاه ، فإن صبَرَ اجْتباه ، وإن شكر اقْتَناهُ " معنى هذا أنِّي غالٍ عليك يا ربّ ، ومعنى هذا أنَّك لم تنْسَني ، ومعنى هذا أنَّك تحبّني ، ومعنى هذا أنَّه لولا حرصك عليّ لما ضيَّقْت عليّ ، ومعنى هذا أنَّك تريد أن تُقوِّمَ سُلوكي ، ومعنى هذا أنَّك تريد أن تقرِّبني إليك ، ومعنى هذا أنَّك تبتغي بِيَ مقامًا أعلى مِن مقامِي بهذه المصيبة .
المصائب محض عدل و فضل :
المصائب أيُّها الأخوة الأكارم مَحْض فضْلٍ ، ومَحضُ عَدْلٍ ، وقد سمَّاها العلماء النِّعَم الباطنة في قوله تعالى:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
[سورة لقمان: 20]
النِّعَم الباطنة هي المصائب ، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ سورة آل عمران: 123 ]
الإعزاز خَير ، والإذلال خَيْر ، والعطاء خَير ، والمنعُ خَير ، لذلك علماء التوحيد يحظِّرون على المسلم أنْ يذكر بعض أسماء الله عز وجل وحدها ، فلا بد أن تقول : المانع المعطي لأنَه يمنَعُ لِيُعْطي ، والضَّار النافع ، أيْ يضرّ لِيَنفَعَ ، والخافض الرافع ، يخفض لِيَرْفَعَ قال تعالى : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص: 4 ـ 6 ]
هؤلاء المستضعفون نريد أن نمكِن لهم في الأرض ، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
محبة رسول الله تحتاج إلى بطولة و صبر :
إذا أردْت أن تكون من عباد الله المقرَّبين فاسْتَعِدَّ للبَلاء ، ولكن إيَّاك أن تطلب البلاء فهذا سوءُ أدبٍ مع الله عز وجل .
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ؟ فَقَالَ : انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ ، قَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاه ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل]
هناك امْتِحان ، وهذه دَعوة كبيرة جدًّا أن تُحِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه تحتاج إلى بطولة ، وإلى ابتِلاء ، وتحتاج إلى صَبْر ، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أُلْقيَ القبض عليه ليقْتَل ويعذَّب قبل أن يُقْتَل تقدَّم منه أبو سفيان أظنّه خُبيْبًا ، فقال له : يا خُبَيب أتُريد أن يكون محمَّد مكانك وأنت معافى ؟ فقال خُبَيب رضي الله عنه : والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي ، وعند عافِيَة الدُّنيا ونعيمها ويُصاب رسول الله بِشَوْكَة ! هذا هو الإيمان ، هل أحْببْت في الله ؟ هل أعْطَيْت في الله ؟ هل منعْت لله ؟ ماذا قدَّمتَ ؟ ومع من وَقَفت ؟ من عادَيْتَ ؟ الإيمان مواقف ، والإيمان الْتِزام وبذْل وعطاءٌ ، فلذلك حينما يظنّ الإنسان أنَّ هذه الدنيا دار نعيم ، ودار مُتَعٍ وسُرور فقد وقعَ في خطأ كبير ، هذه الدنيا دار عمل ، ودار ابْتِلاء ، ودار بَذْل ، ودار عطاء ، النَّعيم المقيم في الآخرة، والسَّعادة العظمى في الآخرة ، والطمأنينة في الآخرة ، والتَّشريف في الآخرة ، أنت الآن في دار تَكليف ، هذه المقدِّمة أردْتُ أن تكون بين يديّ بعض هذه الأحاديث الشريفة . من أحبه الله عجّل له التأديب في الدنيا قبل الآخرة :
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
هذا العبد له إمكانيات طيِّبة ، ويحبّ الله ورسوله ، يُنْتَظَر منه أن يكون ذا مقامٍ عالٍ، هذا العبد مخلص ، يسأل الله عز وجل أن يطهِّرَ قلبه من الأغيار ، هذا هو طلبه ، فلهذا الطَّلَب العالي ، ولهذا السموّ الرفيع ، الله سبحانه وتعالى يُعجِّل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بِعَبْدِهِ الشرّ أمْسكَ عنه بِذَنْبِهِ حتى يُوافي به إلى يوم القيامة ، يجبُ أن تعلموا عِلْم اليقين أنَّه في اللَّحظة التي يُتْركُ فيها العَبْد وشأنَهُ ، يُتْركُ فيها العَبد وذَنبهُ ، يُتْركُ فيها العبد وتقصيرهُ ، يُتْركُ فيها العَبد ومخالفته ، في هذه اللَّحظة يجب أن تعلمَ عِلْم اليقين أنَّك مُهانٌ عند الله تعالى ، أما إذا حاسبَكَ حِسابًا سريعًا ، انْحرفْتَ قليلاً فجاء العقاب ، وقصّرْت فجاء الدّواء ، تجاوَزت فجاء العلاج ، اتَّكَلْت على غيره فجاء التخلي ، أشْركت به فجاء التأديب ، إذا كنتَ كذلك فأنت في نعمة كبرى ، لأنَّ هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحبُك ، وهذه النُّقطة مهمّة جدًّا .
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
المؤمن كأنّ له رداءً أبيض ناصعًا فإذا وقعَ عليه شيءٌ مهما بدا صغيرًا يبْدو صارخًا ، الثَّوبُ الأبيَض الناصع البياض ، والنَظيف ، لو أنَّ شيئًا وقَعَ عليه لا يزيدُ عن أنملةٍ يبْدو صارخًا لذلك يُسارعُ صاحبُ الثَّوب الأبيَض إلى مسْح هذه البقعة الملوّنة ، ولكن هذا الذي يرْتدي ثوبًا أسْود قد تمرَّغَ به في الوَحل والزُّيوت ، وفي الشُّحوم ، لو ألْقَيْتَ عليه محبرة فلا يظهر لها أثر ، فهناك إنسان ثوبهُ أسْوَد ، وهناك من ثَوبُهُ أبْيَض ، فالمؤمن ثوبُهُ أبْيَض ، لذا ما مِن عثرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَمَتْ أيديكم وما يعْفو الله أكثر ، والآية الكريمة قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
[سورة الشورى: 30 ]
وما هنا اسم شرْط جازم ، ومعنى الشِّرط أنَّ تعلّق الجواب بِفِعل الشَّرط هو تعلُّق حَتمي . أنواع المصائب :
الآن عندنا نقطة مهمَّة جدًّا أتمنَاها عليكم جميعًا ، هذه النُّقطة أنّ المؤمن إذا أصابتْهُ مصيبة عليه أن يتَّهِم نفسهُ بالتَّقصير ، الله سبحانه وتعالى عادِل ، ورحيم ، ولا بدّ من زَلَّةٍ زَللْتَ بها ، ولا بدَّ من مَعْصِيَةٍ اقْترفتها ، ولا بدّ من مخالفةٍ وقعْتَ بها ، لا بدَ من تقصيرٍ بدَر منك ، ولا بدَّ من تَطاوُلٍ تكلَّمْت به ، ولا بدّ من شِرْك ، ومن اعْتِمادٍ على غير الله تعالى هكذا الأدَب ، إذا وقعْت في مشكلةٍ فاتَّهِم نفْسكَ ، أما إذا رأيْت أنَّ أخاك قد وقعَ في مشكلة فإيَّاك أن تتَّهِمَهُ ، فهذا من سوء الأدب وعليك أن تقول : هذه مصيبة أرْجو الله أن يرفعهُ بها ، فهذه اعْتبِرْها مصيبة رَفْع أما لك فاعْتَبِرْها مصيبة عِقاب ، وكما تعلمون هناك مصيبة القصْم ، وهناك مصيبة الرَّدع ، وهناك مصيبة الدَّفع ، وهناك مصيبة الرَفع ، وهناك مصيبة الكَشف ، فالقصْم لمَّا يسْتوفي الإنسان كلّ رغباته في الدنيا ويريد أن يفجر ويؤذي ، عندئذٍ يقْصِمهُ الله عز وجل ، هذه مصيبة القَصْم ، إذا طغي ، وبغى ، واعتدى ، وتكبَّرَ ، وأصْبحَ يزْدادُ شرًّا كلّ ساعةٍ فرحْمةٍ به يقْصمهُ الله سبحانه وتعالى ، أما مصيبة الرَّدع فقد ينْحرفُ الإنسان ، قد يأكل مالًا حراماً فيفقد أموالًا طائلة ، أكل أمس فأذهب أموالاً طائلةً ، مصيبة قاسية جدًّا ، هذه مصيبة الردع ، أما مصيبة الدفع ؛ مؤمن مستقيم لكنه مقصِّرٌ ، فتأتي المصيبةُ لتدفعه إلى الأمام ، أما الرفعُ مؤمن مستقيم و يسرع في طريقه إلى الله ، لكنه يحتمل ، و مادام يحتمل فيضاعف اللهُ له أجره بهذه المصيبة ، و أما الأنبياء ففي أنفسهم من الكمال ما لا يبدو إلا في المصيبة ، أي فيه آلات أو فيه محرِّكاتٌ جبَّارةٌ ذاتُ قوى عالية جدًّا لا تبدو إلا في طرق وعْرة جدًّا و في صعود حادٍّ جدًّا و إلا محرِّك آخر أدنى بكثير يقوم بهذه المهمَّة ، فهذه مصيبة الكشف ، و على كلٍّ إذا أراد اللهُ بعبده الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا ، و إذا أراد اللهُ بعبده الشَّرِّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ، هذه الفكرةُ ضعْها في ذهنك ، إذا عجَّل اللهُ لك العقوبةَ فأنت محبوبٌ ، فأنت مرغوبٌ ، فأنت مطلوب ، محبوب و مرغوب و مطلوب ، و إذا تُرِكْت هملًا والعياذ بالله ، المصيبة عندئذ أن تُترك هملًا من دون عقاب .
كلُّكم يعلم أب عنده ثلاثة أولاد ، ولد ابن ذكيٌّ و متفوِّقٌ ، و ابنٌ آخر ذكيٌّ و مقصِّر، وابنٌ ثالث أبله ، فهذا الأبُ لن يضيِّق على الأبلهِ لعدم الجدوى على التضييق عليه ، فيدعه و شأنه لا يحتاج إلى تأديب ، لكنَّ تأديب هذا الأب ينصبُّ على الابن الثالث الذكيِّ المقصِّر ، فالإنسان لمَّا يقصّر يبْتَلِيه اللهُ عز وجل ، فإذا تفوّق ربَّما ابتُليَ بنوع آخر ، فإذا تفوَّق في معرفة الله عز وجل له امتحاناتٌ من نوع أخر أرقى ، هناك متاعب مقدَّسةٌ و هناك متاعب مؤدِّبةٌ ، و هناك متاعب فيها عقوبة .
إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه :
و قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام :
((عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ))
[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
رواه الترمذي و قال حديث حسن ، الشقُّ الثاني من الحديث يؤكِّد المعنى الأول .
ملخَّص هذه الكلمة المطوَّلةُ حول هذين الحديثين أنك إذا شعرتَ أن اللهَ يتابعك بالعقاب فهذه بادرةٌ طيِّبةٌ جدًّا ، و أنت محبوبٌ و مرغوبٌ و مطلوبٌ ، و إذا شعرت أن الله قد ترك الإنسانَ هملاً بلا عقاب مع إساءته ، و مع تقصيره ، و مع معصيته ، فهذه علامةٌ خطيرةٌ على أن الله سبحانه و تعالى تركه هملاً . * * *
آثار عن فتوحات المسلمين في كتب الفرنجة :
و الآن إلى الفقرة الثانية من قصَّة التابعي الجليل عبد الرحمن الغافقي .
تحدَّثنا في الدرس الماضي عن القصَّة الأولى ، و اليوم نتحدَّث عن القصَّة الثانية و الأخيرةِ .
الحقيقة أن الأجانب الفرنجة في كتبهم ، و في تاريخهم ، و في كتب أدبهم ، آثارٌ كثيرةٌ عن فتوحات المسلمين في بلاد الأندلس ، فالشاعر الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزتْ أوروبا بعد فتح الأندلس ، و تعلمون أن جيوش المسلمين فتحت الأندلس ، أي أسبانيا اليوم و البرتغال ، و بعدها توجَّهت إلى فتح أوروبا بدءًا بفرنسا ، ووصلتْ إلى مئة كيلومتر من باريس ، و في بعض الروايات إلى مسافة أربعة عشر كيلو متر من باريس فهذه المعركة الشهيرة ؛ معركة بلاط الشهداء يتحدَّث عنها بعضُ الأجانب ، فيقول الشاعرُ الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزت أوروبا بعد فتح الأندلس ، من عربٍ و بربرٍ ، جموعٌ لا تُحصَى من عرب و بربر و رومٍ خوارج و فرسٍ و قبطٍ و تتَر قد انضَوَوْا جميعا تحت لواء واحد يجمعهم إيمانٌ ثائرٌ راسخُ الفتُوَّة ، و حميَّةٌ متلظِيةٌ كالشَّرر ، و أخوَّةٌ مُذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، قال تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "﴾
[سورة الانفال: 63 ]
تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر ، لم يكن قادتُهم أقلَّ منهم ثقةً بالنصر بعد أن ثمِلوا جميعاً بحُمَّى الظَّفرِ ، أي أنَّ النصرَ تتابع عليهم و اختالوا بتلك القوَّة القوية التي لا يقف أمامها شيءٌ ، هذه القوَّة القويةُ التي لا يقف أمامها شيءٌ ، و أيقنوا أنّ جيوشهم لا يمكن أن يُلِمَّ بها الكلالُ أي التعب ، فهي دائماً فتِيَّةٌ مشبوبةٌ كما انطلقتْ أوَّلَ مرة ، و آمنوا بأنها حيثما تحرَّكت مشى في رِكابها النصرُ و الغلبةُ ، و أنها ستندفع دائمًا إلى الأمام حتَّى تصبح مثل الرمال المُحرِقة المنتثرة على صحراء العرب ، و تقف فوق صخور مكة الصلبة .
هذا مقطعٌ مترجَمٌ لقصيدة لشاعر إنجليزي اسمُه سوذي يصف فتوحَ المسلمين لأوروبا في عهد التابعيِّ الجليل عبد الرحمن الغافقي . دخول الناس في الإسلام كان همّ الجيش الذي قاده عبدُ الرحمن الغافقي :
مؤلِّفُ الكتاب يخاطب هذا الشاعر : لم تكن أيُّها الشاعرُ بعيدًا عن الحقيقة أو هائمًا في أودية الخيال في كثيرٍ ممَّا قلتَ ، فقد كانت الجيوشُ التي قادها المجاهدون لإخراج آبائك من جاهليَّتهم الجهلاء كما وصفتَ ، ففيها عربٌ أقوياء ، أقوياءُ بالله هبُّوا إليكم من الشام ، من الحجاز ، من نجدٍ ، من اليمن ، و من كلِّ مكان في جزيرة العرب كما تهُبُّ الريحُ المرسلَة ، و فيها بربرٌ أعزَّةٌ بالإسلام تدفَّقوا عليكم من فوق جبال الأطلس كما يتدفَّق السيلُ العرِم ، و فيها فُرْسٌ عافتْ عقولُهم وثنيةَ الأكاسرة و فاءت إلى دين التوحيد و صراط العزيز الحميد ، و فيها رُومٌ خوارج كما قلتَ ، و لكنَّهم خرجوا عن الظلم و الظُّلمات و انحازوا إلى نور الأرض و السموات ، وهُدُوا إلى الدين القيِّم ، و فيها قِبطٌ رفعوا عن رقابهم نيرَ العبودية للقياصرة ليعيشوا كما ولدتْهم أمَّهاتُهم أحرارًا في أكناف الإسلام ، نَعَم لقد كان الجيشُ الذي قاده عبدُ الرحمن الغافقي و أسلافُه لإنقاذ أجدادك من الجاهلية فيه الأبيضُ و الأسودُ و العربيُّ و الأعجميُّ ، و لكنَّهم انصهروا جميعًا في بوتقة الإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا ، و قد كان همُّهم كما ذكرتَ أن يدخلوا الغربَ في دين الله كما أدخلوا الشرقَ من قبلُ ، وأن يجعلوا البشريَّةَ كلَّها تُطأطِئ الرأسَ لإله الناس ، و أن يعُمَّ نورُ الإسلام بَطاحَكم و أوديتَكم ، و أن تشرق شمسُه في كلِّ بيتٍ من بيوتكم ، و أن يُسوِّيَ عدلُه بين ملوككم و سُوقتِكم ، و كانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحَهم ثمنًا لهدايتكم إلى الله و إنقاذكم من النار .
القصة الأخيرة لجيش عبد الرحمن الغافقي :
و بعد : فالقصَّةُ الأخيرةُ لهذا الجيش كما يلي: تناهتْ إلى دُوقِ أُوكتانيا - الدوق أي الحاكم؛ أوكتانيا مقاطعة من مقاطعات فرنسا - الأخبارُ المُفزِعةُ عن مصرع صهره عثمان بن أبي نُسعة ، و بلغته أنباءُ النهاية الحزينة التي صارت إليها ابنتُه الحسناءُ مِينِين ، ابنةُ هذا الدوقِ قِيدَتْ أسيرةً إلى دمشق ، وصهره الذي خان المسلمين في الأندلس قُتل ، فأدرك هذا الدوق - دوق أوكتانيا - أنّ طبول الحرب قد دقَّت ، و أيقن أنّ أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي مُمْسٍ في دياره أو مُصبِح ، فتأهَّب للدفاع عن كلّ شبر من أرضه دفاع المُستَميت ، و استعدَّ للنضال دون نفسه ومملكته استعدادَ المُسْتبسِل ، فقد كان يخشى أنْ يُساق هو الآخر أسيرًا إلى دار الخلافة في الشام كما سِيقتْ ابنتُه - الشامُ هي دمشقُ – التي كانت تحكم معظمَ جمهوريات الاتِّحاد السوفيتي ، و كانت تحكم شمالَ إفريقيا بكامله ، و بلادَ إسبانيا اليوم و البرتغال ، و جزءاً كبيراً من بلاد فرنسا ، قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور: 55 ]
فقد كان يخشى أن يُساق هو الآخرُ أسيراً إلى دار الخلافة في الشام كما سيقت ابنتُه ، أو أنْ يُحمَل رأسُه على طبقٍ و يُطاف به في أسواق دمشق كما طِيفَ برأس لذِرِيق ملكِ إسباني من قبلُ ، لم يُكذِّب عبدُ الرحمن الغافقي ظنَّ الدوق فانطلق بجيشه من شمال الأندلس ، انطلق كالإعصار و انصبَّ على جنود فرنسا من فوق جبال البِرِنيه كما ينصبُّ السيفُ ، و كان عدَّةُ جيشه مئة ألف مجاهد ، بين جوانح كلٍّ منهم قلبُ شجاع لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ ، في عروقه عزيمة ماردٍ ، يمَّم الجيشُ الإسلاميُّ وجهه شطرَ مدينة آرِل الواقعة على ضفاف نهر الرُّون ، فلقد كان له معها حساب ، ذلك أنَّ آرل هذه كانت قد صالحت المسلمين على أن تدفع لهم الجزيةَ فلمَّا استُشهد السَّمحُ بن مالك الخولاني في معركة تولوز و تضعْضَع المسلمون لمصرعه ، نبذ أهلُ آرل الطاعةَ ، و نكثوا العهدَ ، و امتنعوا عن دفع الجزية ، و لما بلغ عبدُ الرحمن الغافقي ضواحي المدينة وجد أنَّ أَوَد دوق أوكتانيا قد عبَّأ قوَّاته الكثيفة عندها ، و حشدها حول تُخومها ، و تصدَّى لردّ الزحف الإسلامي عليها ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهًا لوجهٍ و دارت بين الفريقين معركةٌ طحونٌ ، قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائبَ من جيشه تحبّ الموتَ أكثر مما يحب أعداؤُها الحياةَ ، فزلزل أقدامَ العدوِّ و مزَّق صفوفه ودخل المدينة منتصرًا ، و غنِم منها غنائم عزّت عن الحصر ، أما دوق أود فقد فرَّ بمن بقي حيًّا من جنوده ، و طفق يُعِدّ العدَّة للقاء آخر مع المسلمين فقد كان يعلم أن معركة آرل كانت بدايةَ الطريق و ليست نهايته .
عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرَّار نهرَ الجارون و طفقت كتائبُه الظافرة تجوس مقاطعة أوكتانيا ذاتَ اليمين و ذات الشمال ، و أخذت المدنُ و القرى تتساقط تحت سنابك خيله كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف إذا هبّت عليها الرياح الهوج ، و أضاف المسلمون إلى غنائمهم السابقة غنائم لاحقة لم ترها عينٌ من قبلُ ، و لم تسمع بها أذنٌ ، و قد حاول دوق أوكتانيا أن يتصدَّى لهذا الزحف الكبير مرةً أخرى فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس ، لكنَّ المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمةً طاحنة ، سو أنزلوا به نكبةً ساحقة مدمِّرةً ، و مزَّقوا جيشه شرَّ ممزَّق ، و تركوا جيشه بين قتيل و أسير و هزيم ، ثم اتَّجه المسلمون إلى مدينة بوردو كبرى المدن الإفرنسية آنذاك ، و عاصمة مقاطعة أوكتانيا ، و خاضوا مع أميرها معركة لا تقلُّ هولاً عن المعارك السابقة ، و استبسل فيها المهاجمون و المدافعون استبسالًا يثير العجب و الإعجاب ، و لكنَّ المدينة الكبيرة الخطيرة ما لبثت أن سقطت في أيدي المسلمين كما سقطت أخواتُها من قبل ، و ما لبث أميرُها أنْ قُتل في جملة القتلى ، و أحرز المسلمون غنائمَ بوردو ما هوَّن في أعينهم كلَّ ما حازوه من غنائم ، و كان سقوطُ بوردو في أيدي المسلمين فاتحةً لسقوط مدنٍ آخرى كثيرة خطيرة أهمُّها لِيون - ثاني مدن فرنسا الآن - وبيزانسون و سانسْ ، و كانت هذه الأخيرةُ لا تبعد عن باريس أكثرَ من مئة ميل ، أي مئة وخمسون كيلو متراً ، اهتزَّت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنسا الجنوبي كلِّه في يد عبد الرحمن الغافقي خلال بضعة أشهر ، و فتح الفرنجةُ أعينَهم على الخطر الداهم ، و دبَّ الصريخُ في كل مكان يدعو العجزةَ و القادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق ، و يحضُّهم على التصدّي له بالصُّدور و السيوف ، و يدعوهم إلى سدِّ الطريق أمامه بالأجساد إذا انعدم العتادُ ، فاستجابت أوروبا لدعوة الداعي ، و أقبل الناسُ على الانضواء تحت لواء شَارْل مارتل ، و معهم الشجر و الحجر و الشوكُ و السِّلاح ، و كان الجيشُ الإسلاميُّ آنذاك قد بلغ مدينة تور ، طليعة مدن فرنسا وفرةً في السكان ، و قوَّةً في البنيان ، و عَراقةً في التاريخ ، و كانت المدينةُ فوق ذلك تختال على أكثر مدن أوروبا بكنيستها الفخمة الضخمة العامِرة بجميل الأعلاق ن وكريم النفائس، فأحاط بها المسلمون إحاطة الغِلِّ بالعنق و انصبّوا عليها انصباب المنون إذا جاء الأجلُ ، و استصرخوا في سبيل افتتاحها الأرواحَ و المُهج ، فما لبثتْ أن سقطت بين أيديهم على مرأى شارل مارتل و سمعه .
وفي العشر الأخير من شعبان سنة أربع و مئة للهجرة زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه الَّلجب على مدينة بوَاتييه ، و هناك التقى مع جيوش أوروبا الجرَّارة بقيادة شارل مارتل ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة لا في تاريخ المسلمين و الفرنجة فحسب ، و إنما في تاريخ البشرية جمعاء ، وقد عُرِفت هذه المعركة بمعركة بِلاط الشُّهداء ، و كان الجيشُ الإسلاميُّ يومئذٍ في ذِروة انتصاراته الباهرة ، لكنَّ كاهله كان مُثقلًا بتلك الغنائم التي انصبَّت عليه انصبابَ الغيث ، و تكدَّستْ في أيدي الجنود تكدُّس السُّحب ، و قد نظر عبد الرحمن الغافقي إلى هذه الثروة الهائلة نظرةَ قلق و إشفاق و توجَّس منها خِيفةً على المسلمين ، فقد كان لا يأمن أن تشغل هذه النفائسُ قلوبهم عند اللِّقاء ، و أنْ تُوزَّع نفوسُهم في لحظات البأس ، و أن تجعل إحدى عيني المقاتل منهم على العدوِّ المُقبِل عليه و عينَه الأخرى على الغنائم التي في يديه ، و لقد همَّ بأن يأمرَ جنودَه بالتَّخلُّص من هذه الثروات الطائلة الهائلة ، و لكن خشِيَ ألا تطيبَ قلوبُهم بذلك القرار الخطير ، و ألا تسمح نفوسُهم بالتَّخلِّي عن ذلك الكنز الثمين ، فلم يجد وسيلة خيرًا من أن يجمع هذه المغانم في مُخيَّمات خاصَّة و أن يجعلها وراء المُعسكر قبل إنشاب القتال . أحداث معركة بلاط الشهداء :
وقف الجيشان الكبيران بضعةَ أيام ، كلٌّ منهما قُبالةَ الآخر في سكون و ترقُّبٍ و صمت كما تقف سلسلتان من الجبال إحداها في وجه الأخرى ، فقد كان كلٌّ من الجيشين يخشى بأسَ عدوِّه و يحسب للقائه ألف حساب فلمَّا طال الوقتُ على هذه الحال ووجد عبد الرجمن الغافقي مراجِلَ الحميَّة و الإقدام تغلي في صفوف رجاله ، آثر أن يكون هو البادئ بالهجوم معتمدًا على مناقب جنده ، متفائلًا بحسن طالعه في النصر ، انقضَّ عبد الرحمن الغافقي بفرسانه على صفوف الفرنجة انقضاض الأسود الكاسرة ، و صمد لهم الفرنجةُ صمود الأطواد الراسخة ، و انقضى اليومُ الأول من المعركة دون أن ترجح فيه كفَّةٌ على كفَّةٍ ، و لم يحجز بين المتقاتلين غير هبوط الظلام على ميدان القتال ، ثم تجدَّد النِزالُ في اليوم الثاني ، و حمل المسلمون على الفرنجة حملاتٍ باسلة و لكنَّهم لم ينالوا منهم وطرًا ، و ظلَّت المعركةُ تدور على هذه الحال سبعة أيامٍ طويلةٍ ثقيلةٍ ، فلمَّا كان اليوم الثامنُ كرَّ المسلمون على عدوِّهم كرَّةً واحدةً ، ففتحوا في صفوفه ثُغرةً كبيرةً لاحَ لهم من خلالها النصرُ كما يلوحُ ضوءُ الصبح من خلال الظلام - الذي حصل في معركة أُحُدٍ تكرَّر في هذه المعركة - عند ذلك أغارت فرقةٌ من كتائب الفرنجة على معسكرات الغنائم ، فلما رأى المسلمون أنَّ غنائمهم قد أوشكت أن تقع في أيدي أعدائهم ، اِنكفأ بعضُهم لاستخلاصها منهم فتصدَّعت بذلك صفوفهم ، و تضعضعت جموعُهم، وذهبت ريحُهم فهبَّ القائدُ العظيمُ يعمل على ردِّ المنكفئين لمدافعة الهاجمين ، و سدِّ الثغور ، و فيما كان بطلُ الإسلام عبد الرحمن الغافقي يزرع أرض المعركة على صهوة جواده الأشهبِ جِيئَةً و ذهاباً ، و كرًّا و فرًّا أصابه سهمٌ نافذٌ فهوى عن متن فرسه كما يهوي العُقابُ من فوق قمم الجبال ، و ثوى صريعاً شهيدًا على أرض المعركة ، فلما رأى المسلمون ذلك عمَّهم الذُّعرُ ، و أصابهم الاضطرابُ ، و اشتدَّت عليهم وطأةُ العدوِّ ، و لم يوقِف بأسَه عنهم إلا حلولُ الظلام ، فلما أصبح الصُّبحُ وجد شارل مارتل أن المسلمين قد انسحبوا من بواتييه ، من أرض المعركة ، فلم يجرؤ على مطاردتهم ، ذلك أنه خشي أن يكون انسحابهم مكيدةً من مكائد الحرب دُبِّرتْ في الليل ، فآثر البقاءَ في مواقعه مكتفيًا بذلك النصر الكبير ، لقد كان يومُ بلاط الشهداء يومًا حاسما في التاريخ ، أضاع فيه المسلمون أملًا من أعزِّ الآمال ، و فقدوا خلاله بطلاً من أعظم الأبطال ، ما هو الاملُ ؟ أنْ تُفتَح القسطنطينية لا من الشرق ، بل من الغرب ، أي أن تُفتح أوروبا بأكملها بدءًا من فرنسا و انتهاءً بالقسطنطينية ، و تكرَّرت فيه مأساةُ يوم أحُد ، سنَّة الله في خلقه ، و لن تجد لسنة الله تبديلاً .
تعليقٌ لبعض المؤرِّخين الأجانب على معركة بلاط الشهداء :
الشيءُ المهمُّ جدًّا في هذه القصة تعليقٌ لبعض المؤرِّخين على هذه المعركة لبعض المؤرِّخين الأجانب : هزَّت أنباءُ فاجعة بلاط الشهداء نفوس المسلمين في كلِّ مكان هزّا عنيفاً ، و زُلزلت لهولها أفئدتُهم زلزالاً شديداً ، و عمَّ الحزنُ بسببها كلَّ مدينة و كلَّ قريةٍ و كلَّ بيتٍ ، و ما زال جرحُها المُمِضُّ ينزف من قلوبهم دمًا حتى اليوم ، و سيظلُّ ينزف ما ظلَّ على ظهر الأرض مسلم ، و لا تحسبن أنَّ هذا الجرح العميق الغائر قد أمضَّ أفئدة المسلمين وحدهم - اسمعوا الآن - و إنما شاركهم في ذلك طائفةٌ من عقلاء الفرنجة ، رأوا في انتصار أجدادهم على المسلمين في بواتييه مصيبةً كبرى ، الفرنجة رأوا في انتصار أجدادهم مصيبةً كبرى رُزِئت بها الإنسانية ، و خسارةً عظمى أصابت أوروبا في صميمها ، و نكبةً جُلَّى نُكِبت بها الحضارة، و إذا شئتَ أن تقف على رأي بعض هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع إلى هنري دي شامبون مدير مجلَّة ريفي الفرنسية حيث قال - و اسمعوا بدقَّة ماذا قال هذا الإنسانُ -:" لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى- في القرون الوسطى مخازي ، وجهل ، وطغيانٌ ، و استغلال ، و كان الإنسان محتقرًا ، هذه ظلماتٌ – قال : لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى ، و لما أُصيبت بفظائعها ، و لا كابدت المذابح الأهلية التي دفع إليها التعصُّبُ الديني المذهبي ، نعم لولا ذلك الانتصارُ الوحشي على المسلمين في بواتييه لظلَّت إسبانيا تنعُم بسماحة الإسلام ، و لنجتْ من وصمة محاكم التفتيش ، و لما تأخَّر سيرُ المدنيةِ ثمانيةَ قرون ، و مهما اختلفت المشاعرُ و الآراءُ حول انتصارنا ذلك فنحن مدينون للمسلمين بكلِّ محامد حضارتنا ، نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم و الفنِّ و الصناعة ، مدعُوُون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمال البشري ، في الوقت الذي كنا فيه مثالَ الهمجية ، و افتراء ما ندَّعيه اليوم من أن الزمان قد استدار و أن المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كنا عليه في العصور الوسطى "
كلمةُ مؤرِّخٍ مُنصِف ، أي أن انتصار الفرنجة على المسلمين في معركة بلاط الشهداء كان سببَ تأخُّر أوروبا ثمانية قرون ، و كان سببَ المآسي التي وقعت في العصور الوسطى ، و كان سبب الحروب الاهلية التي ذاقتها أوروبا أو ذاقت من ويلاتها ، و على كلٍّ سنة الله لن تتغيَّر فإذا قاتلتَ في سبيل الله ثم طمعتَ في الدنيا تخلَّى اللهُ عنك ، في أُحُد و مع النبيِّ الكريم و النبيُّ عليه الصلاة و السَّلامُ كان بين ظهرانيهم ، لمَّا طمعوا في الغنائم تخلَّى اللهُ عنهم ، و في حُنَين قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[ سورة التوبة:25]
تخلى اللهُ عنهم ، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك ، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك ، هذه سُنَن الله في خلقه . * * *
آفات اللسان :

بقيت كلمةٌ قصيرةٌ من إحياء علوم الدين حول آفات اللسان التي كنا قد بدأنا بها قبل رمضان .
من آفات اللسان الوعدُ الكاذب ، و اللسانُ سبَّاقٌ إلى الوعد ، و معظم الناس يطلق الوعودَ بدون حساب ، فقد يعِد ابنَه بدرَّاجة ، و قد يعِد امرأتَه بثوبٍ على العيد ، و قد يعد أخاه بهديَّة ، و أحياناً صاحب محلٍّ يعد الموظف بالشراكة ، وهو قد صدَّقك و بنى عليها آمالًا و أحلامًا ، و أنت وعدتَه و مشيتَ ، فهذه من آفات اللسان ، الوعد الكاذب ، قال : إن اللسان أسبقُ إلى الوعد ثم النفسُ ، ربما لا تسمح النفسُ بالوفاء ، فيصير الوعدُ خُلفاً ، و هذا من أمارات النفاق ، أنا أمتحن رصانةَ المؤمن و نضجَه و ذكاءَه من اقتصاده بالمواعيد ، يسكت ، و الشيءُ الذي يتمكَّن من تنفيذه يتكلَّم فيه ، أمّا دائماً يعطي وعودًا برَّاقةً ، الناسُ بعد فترة لن يصدِّقوه ، و أصبحت وعودُه لا قيمة لها إطلاقًا ، و لا تؤثِّر أبدًا ، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[سورة المائدة: 1]
تخلى اللهُ عنهم ، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك ، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك ، هذه سُنَن الله في خلقه . الوفاء بالوعد :
و قد أثنى الله تعالى على نبيِّه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾
[سورة مريم: 54 ]
و لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاةُ قال : إنه كان قد خطب إليَّ ابنتي رجلٌ من قريش ، وكان مني إليه شبهُ الوعد ، فوالله لا ألقى اللهَ بثُلُث النفاق ، أُشهدكم أني زوَّجته ابنتي - وعد - و إيَّاك أن تعد دون أن توَفِيَ هذا الوعد ، و كان ابنُ مسعود لا يعد وعداً إلَّا و يقول : إن شاء اللهُ ، و هو الأولى ، ثم إذا فُهِم مع ذلك الجزم في الوعد ، فلا بدَّ من الوفاء إلا أن يتعذَّر ، فإن كان عند الوعد عازمًا على ألا يفي فهذا هو النفاق ، و قد قال عليه الصلاة و السلام : ((مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
و في رواية ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
و النبيُّ عليه الصلاة و السلام أثنى على التجَّار الذين هم عند وعودهم فقال : " إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا ، و إذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا أؤتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، و إذا باعوا لم يُطروا ، و إذا كان لهم لم يعسِّروا ، و إذا كان عليهم لم يمطلوا ".
الإنسان لمجرّد أن يخلف وعده أو يكذب في حديثه أو يخون في أمانته فقد سقط من عين الله و ضُمَّ إلى زمرة المنافقين ، طبعًا إذا كان فيه الثلاثة فهو منافق خالص ، أما واحدة فثلث النفاق ، و قد قال عليه الصلاة و السلام : ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
و هذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخُلف ، أو ترك الوفاء لغير عذر ، الإنسان وعد وهو عازمٌ على الوفاء بهذا الوعد و لم يتمكَّن ، فهذا ليس منافقاً ، أما المنافق فحينما وعد الوعد عازمٌ في قلبه على ألا يفي بهذا الوعد ، هذا هو المنافق ، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول : ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
على الإنسان أن يتحرى دقة المواعيد لأنها ترفع من قيمته :
لكن العلماءُ قالوا : أمَّا من عزم على الوفاء و كان له عذرٌ منعه من الوفاء لم يكن منافقاً وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ، الصورةٌ الخارجية للنفاق انطبقت عليه ، فهو غيرُ منافق و لما وعد نوى و عزم عزمًا جازمًا على أن يفيَ ، و لكن ظهر له عذرٌ قاهرٌ ، ولكن هذه الصورة الخارجية صورة نفاق ، و لكن ينبغي ان يحترز من صورة النفاق أيضاً ، كما ينبغي أن يحترز من حقيقته ، انتبِهْ ، يجب أن تبتعد عن صور النفاق ، و طبعاً المؤمن يبتعد عن حقيقته وهي عزم القلب على إخلاف الوعد ، هذه حقيقة النفاق ، لكن صورة النفاق أن تعد وعدًا ثم لا تتمكَّن من الوفاء به ، فأنت فكِّرْ مادام الشيء فيه احتمال ألا تفي به فلا تعد الوعد ، و أصحابُ المصالح أنت تقدر أن تنجز العمل في عشرة أيام فقل له في أسبوعين احتياطًا ، فإذا ظهر معك أمرٌ قاهرٌ ولم تتمكَّن من الوفاء في هذا الوقت صارت الصورة نفاقًا ، أما إذا أخذت الاحتياط أسبوعاً ثانيا فهذا الأسبوع احتياط ، فيجب أن نبتعد لا عن حقيقة النفاق بل عن صورة النفاق ، و صورةُ النفاقِ أن تخلف الوعدَ لعذرٍ مقبولٍ ، و لكن على الإنسان أن يعتمد أو أن يتحرَّى دقَّةَ الوعد لأنها ترفع من قيمة الإنسان .

السعيد
09-12-2018, 08:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الثمانون )


الموضوع : ساعات الامتحان - باب الوصية للنساء - سيرة النبى




لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلفا ً:
أيها الأخوة المؤمنون ؛ في رياض الصالحين، وفي باب الوصية بالنساء حديث شريف:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
والحقيقة أن هذا الحديث يُعدُّ من أصول الدين، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث آخر:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ، وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا قَالَ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ ))
[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10260/ar-10260/01.jpg
(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ مسند البزار عن أبي هريرة]
فمكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فإذا انتفى الخلق ذهب الدين، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾
( سورة الماعون )
(( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))
[ أحمد وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وسيدنا جعفر عندما قابل النجاشي قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حقيقة الدين:
(( أَمَرَنا ِبِصْدقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))
[أحمد عن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
فيكاد يكون الدين كله مكارم أخلاق.
الخلق مقياس الإيمان عند الإنسان:
ومادام النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ مسند البزار عن أبي هريرة]
من هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي عن أبي هريرةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فإذا أردت مقياساً لإيمانك فهو خلقك، وحينما تمثَّل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقين، وحينما فهِم المسلمون الدين صوماً، وصلاةً، وحجاً، وزكاةً ليس غير، تراجعوا وغُزوا في عقر دارهم.
درجات الإيمان:
الشيء المهم هو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ))
فيوجد إيمان كامل، وإيمان أكمل، ويوجد إيمان ناقص، والإيمان درجات، والدليل قول الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾
(سورة النساء)
يا أيها المؤمن آمن، أي استكمل إيمانك، والإيمان له درجات، وقبل الإيمان هناك الإسلام، قال تعالى:
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾
( سورة الحجرات )
وبعد الإيمان التقوى.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
( سورة الحشر )
والتقوى درجات، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾
( سورة آل عمران )
تفاوت المؤمنين فيما بينهم بحسن خلقهم:
فمن قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
فإذا تفاوت الإيمان فإنما يتفاوت بحسن الخلق، والمؤمنون جميعاً يصلُّون، و جميعاً يحجون ـ طبعاً المستطيع ـ و جميعاً يزكون، و جميعاً يأكلون مالهم حلالاً، و جميعاً ينفقون مالهم في الوجوه الصحيحة، فهذا كله متوافر، ولكن أين يختلفون ؟ في الخلق، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[الترمذي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أخي يصلي، ويصوم، وتجارته مشروعة، ومن بيته إلى محله، هذا لا يكفي، فكيف أخلاقه ؟ هل هو سموح ؟ حليم ؟ كريم ؟ عطوف ؟ رحيم ؟ ودود ؟ إذاً حينما قال عليه الصلاة والسلام:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
فقد جعل الأخلاق مشعِراً في التفاوت بين المؤمنين، لأن الفرائض كلها تؤدى من قِبَل جميع المسلمين والمؤمنين، فكيف يتفاوتون فيما بينهم بحسن خلقهم ؟
وقد جمعت لكم بعض الأحاديث المتعلقة بحسن الخلق، فوجدت أحاديث هامةً وكثيرة، منها حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ:
(( قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الإسْلامِ وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ))
[أحمد عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
حتى في الإسلام تتفاوت مراتب المسلمين فيما بينهم بأخلاقهم، وإن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، تتفاوت مراتب الإسلام فيما بينها بحسن الخلق.
" إن من أحب العباد ـ أحب اسم تفضيل، أي أكثر الناس الذين يحبهم الله عز وجل ـ إلى الله أحسنهم، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن "
هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم هل أنت مصدقٌ له ؟
الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:
وقال أحدهم:
(( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَعَدْتُ، قَالَ: فَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالُوا " يَا رَسُولَ اللَّهِ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ، قَالَ: وَكَانَ أُسَامَةُ حِينَ كَبِرَ يَقُولُ هَلْ تَرَوْنَ لِي مِنْ دَوَاءٍ الْآنَ ؟ قَالَ: وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ هَلْ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إِلَّا امْرَأً اقْتَضَى امْرَأً مُسْلِمًا ظُلْمًا فَذَلِكَ حَرَجٌ وَهُلْكٌ، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ ))
[أحمد عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10260/ar-10260/02.jpg
فيعطى الإنسانَ الدنيا وما فيها، وقد يعطى القوة، وقد يعطى المال، و الذكاء، والجمال، هؤلاء العلماء الكبار الذين يقبعون في مخابرهم ليصنعوا الأسلحة الكيميائية، أو الأسلحة الجرثومية، أليسوا أذكياء ؟ واللهِ قمم في الذكاء، ولكنهم يصنعون سلاحاً يجعل حياة الإنسان جحيماً، قد يعطى الإنسان ذكاءً، ومالاً، وقوةً، ووسامةً، وجمالاً، وقد يعطيه حظاً في الدنيا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن أن خير ما أعطي الإنسان خلقٌ حسن، من كان له أخلاق حسنة طيبة فهو أغنى الأغنياء، لأن الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:
(( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ))
[أبو داود عن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ))
[أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
فصاحب الأخلاق الفاضلة في مستوى الصائم القائم، بصيام وقيام مستمرين، بل إن العبد كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجَاتِ الآخِرَةِ وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ فِي الْعِبَادَةِ ))
[الطبراني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هذه كلها أحاديث شريفة تبين أن الخلق الحسن هو كل شيء في الدين، بل يكاد يكون الدينُ خلقاً حسناً.
أعظم رأسمال في العمل الخلق والحسن والخلق الحسن مؤادة ان يثق الناس بك:
حينما فهِم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الدينَ هذا الفهْم رفعهم الله وأكرمهم، فكن صادقاً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10260/ar-10260/03.jpg
ولا تقُلْ: إن البيع والشراء يحتاجان إلى كذب، بل كن صادقاً في البيع والشراء، وتحدَّى الكاذبين، واللهُ سبحانه وتعالى يوفِّقك، فلا تقل: الحياة تحتاج هذا، فإنّ الحياة تحتاج إلى استقامة تامة، ولا تضع تغطية فلسفية للانحراف، أخي إذا لم نغش لا نربح، هذا كلام فارغ، وهذا كلام الشيطان، وكلام الغافل الجاهل.
في كل عمل تجاري، وصناعي، وزراعي، ووظيفي، ومهني، في كل حقل في الحياة الخلقُ الحسنُ أعظم رأسمال في العمل، وبعد فترة تكسب شيئاً لا يقدَّر بثمن، هو ثقة الناس بك، فالخلق الحسن مؤدَّاه أن يثق الناسُ بك، فإذا وثق الناس بك فهذا أعظم رأسمال تتحرك به، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأمانة غنىً ))
[الجامع الصغير عن أنس ]
الأمين غني والله يغنيه لأن الناس يثقون به، وهذه أحاديث دقيقة جداً.
(( وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))
[الطبراني في الكبير عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الموقف الأخلاقي للإنسان يكسبه سعادة لا توصف:
شيء آخر ؛ إذا وقفت موقفاً أخلاقياً، أو كنت كريماً في موطن الكرم، أو شجاعاً في موطن الشجاعة، أو سخياً في موطن السخاء، أو حليماً في موطن الحلم، أو مضحياً في موطن التضحية، أو ودوداً في موطن الود، إن موقفك الأخلاقي هذا يكسبك سعادةً لا توصف، تشعر أنك إنسان، و فيما سوى هذه الأخلاق يشعر الإنسانُ أنه حيوان، فلو تخلى الإنسانُ عن أخلاقه لشعر بحيوانيته، كبهيمة تبحث عن طعامها، وشرابها، ولذتها فقط، فتأخذ طعامها، وشرابها، ولذتها من أي سبيل، وبأي ثمن، فلا تشعر إنك إنسان، وأنك المخلوق الأول المكرم إلا بالخلق الحسن، لذلك فمواقف الحِلم أكثر إسعاداً للنفس من مواقف الانتقام، ومواقف التواضع أعظم إسعاداً للنفس من مواقف الكبر، ومواقف البذل أعظم من مواقف المنع، لذلك لو أن الإنسان عرف ما يجنيه من خلقه الحسن لكان همُّه الأول أن يكون ذا خلق حسن.
كل إنسان مأمور بالعدل والإحسان:
نعود للحديث الشريف:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾
( سورة الفرقان )
تأمل قبل أن تقول هذه الكلمة، قبل أن تقول له: أنت لا تفهم، قبل أن تغضب، وقبل أن تنتقم، وتؤذي، وتتجاهل طلبَ الآخرين، وقبل أن تقف هذا الموقف الذي لا ترضى عنه فكِّر ملِيًّاً، بماذا يأمرك الله ؟
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾
( سورة النحل )
كما أنك مأمور بالعدل فأنت مأمور بالإحسان.
الموقف الأخلاقي هو اهم عامل لدخول الناس في دين الله أفواجاً:
إذا أردت أن يتهافت الناس على الإسلام ويدخلوا في دين الله أفواجاً كما دخلوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عليك بالمواقف الأخلاقية، وإذا أردت أن تنفِّر الناس فبالغ في العبادات الشعائرية، وافعل ما تشاء مع الناس من إيذاء، وشتمٍ، فهذا الذي جاء يوم القيامة بصيام، وصلاة، وحج، وزكاة، ماذا كان مصيره ؟
(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وعندئذٍ يبكي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إن هذا لموقف عصيب.
الخلق الحسن هو عامل الترجيح بين أي إنسان وأخر:
حضر مجلس علم، وصلى أربع ركعات، ودفع زكاة ماله، وانتهى الأمر ؟ لا لم ينتهِ شيء، هذا الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، لا يوجد حديث أوضح من هذا الحديث:
(( بُعِثْتُ لأتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاقِ ))
[مالك في الموطأ]
مع زوجتك، وأولادك، وجيرانك، وزبائنك، وأصحابك، والقاصي، والداني، مع أي إنسان ومخلوق، وحيوان، كن ذا خلقٍ حسن، أطعِمه، وتَرَفَّقْ به، والذي يؤكده القرآن الكريم:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
( سورة الماعون )
هو نفسه، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
( سورة القصص )
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
ألف مؤمن صنفُهم في درجات، عامل التصنيف الخلقُ الحسنُ، كلهم يصلُّون، وعامل الترجيح في شكل أدقَّ هو الخلقُ الحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن، وقال:
(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))
[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
فقد أَحَبَّه أصحاُبه حُبًّاً جمّاً كما قال أبو سفيان:
(( ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ))
[السيرة النبوية لابن هشام]
قال عليه الصلاة والسلام:
(( وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فالقول الشهير: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته...:
(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
القرأن الكريم كتاب موجز:
ربنا سبحانه وتعالى يقول متحدِّثاً عن سيدنا آدم وزوجته فقال:
﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
( سورة طه )
كان ينبغي أن يقول: فتشقيا، لا يخرجنكما، اثنان، من الجنة فتشقيا، ولكن ربنا سبحانه وتعالى قال: فتشقى، بالمفرد، فاستنبط علماء التفسير من هذه الآية أنّ: شقاء الرجل هو شقاء للمرأة، فإذا شقي الرجل شقيت معه امرأته، والقرآن الكريم موجز.
دقة القرأن الكريم وإعجازه:
هناك لَفَتَاتٌ في اللغة دقيقة ؛ مثلاً يقول لك: أنا لا أكنز الذهب والفضة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾
( سورة التوبة )
فهذه الآية مِن القرآن الكريم نصَّتْ على الذهب والفضة حصراً، والذي يكنز العملات الورقية يا ترى هل له علاقة بهذا الموضوع ؟ بنص هذه الآية ليس له علاقة، ولكن القرآن ماذا قال ؟ الذهب والفضة ولا ينفقونها، كان من الممكن أن يقول: ولا ينفقونهما، أي الذهب والفضة فلما قال: ولا ينفقونها بالجمع، كان هذا من قبيل إعجاز القرآن، ليشمل أيَّ شيء في المستقبل، لأنّ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المال المتداول هو الذهب والفضة، وفي العصور اللاحقة أي شيءٍ اتُّخِذ نقداً فحكمه حكم الذهب والفضة، فربنا عز وجل أشار إلى هذا بضمير الجمع
﴿ والذين يكنزون الذهب والفضةَ ولا ينفقونها ﴾
وليس: ولا ينفقونهما، فالعملات النقدية والورقية داخلةٌ مع الذهب والفضة، لذلك قال العلماء: لو أن الناس اتفقوا على أن النحاس نقداً لحرم كنزه، ولو اتخذ الناس الجلد نقداً لحرم كنزه.
فالقرآن الكريم دقيق جداً ؛ فكلمة
﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾
تعني أنَّ شقاء الرجل هو شقاءٌ للمرأة.
بالمناسبة فالمبلغ مهما كان كبيراً إذا دفعتَ زكاته فليس بكنز، والمبلغ مهما كان صغيراً إن لم تؤدَ زكاته فهو كنز، فتعريف الكنز: هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، وأنت ليس لك حق أن تتهم إنسانًا بالبخل إذا أدّى زكاة ماله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن أبي هريرة ]
(( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر ))
[ كنز العمال عن أبي أمامة]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
لفتات لغوية من القران الكريم:
وهناك لفتاتٌ لغوية أخرى، يقول الله تعالى:
﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾
( سورة التوبة )
أن يرضوه، بضمير المفرد الغائب، وكان ينبغي أن يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، ولا يخرجنكم من الجنة فتشقيا، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله، هنالك قال: فتشقى، وهناك قال: ينفقونها، وهنا قال: والله ورسوله أحق أن يرضوه، ومنه استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن: إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، وأن إرضاء الله عز وجل هو عين إرضاء رسول الله، لذلك قال: " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله ".
إنه تطابق كامل، والحقيقة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ليس له مطلبٌ شخصي أبداً، بل مطلبه أن يهتدي الخلق إلى ربهم، وليس له توجيه خاص من عنده، فهو رسول لا ينطق عن الهوى، فمحبته هي محبةٌ لله عز وجل.
الخلق الحسن والإحسان إلى الزوجة عاملان مرجحان لتفاوت المؤمنين:
إذاً:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وثمَّة أحاديث كثيرة وردت في إكرام النساء، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل عامليْن مرجِّحيْن لتفاوت المؤمنين ؛ العامل المرجح الأول الخلُقُ الحسن، والعامل المرجِّح الثاني الإحسانُ إلى الزوجة، وخياركم خياركم لنسائهم، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وهي الخلية الأولى، لذلك اعتنى الإسلام بها عناية كبرى، حتى كانت أحكام الطلاق تشغل حيزاً كبيراً في القرآن، ولأن أحكام الطلاق، والزواج، وغض البصر، وآداب الدخول والاستئذان، والخروج، والخلوة ، وحد الزاني، وحد القاتل، كلّها متعلقة بالأسرة، وكلها صوناً للأسرة.
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات ومعاملات واخلاق معاً:
هناك شيء نتج عن بعض التقسيمات التي قسمها الفقهاء، فقالوا: أوامر الله عز وجل بعضها عبادات، وبعضها معاملات، وبعضها أخلاق، عبادات، ومعاملات، وأخلاق، فالعبادات هي هذه الأوامر الشعائرية ؛ فالصلاة أن تقف، وتكبِّر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع، وتسجد، والصيام أن تمتنع عن الطعام، والشراب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنِية، والحج كما تعلمون له مناسك، والزكاة لها نصاب، ولها مصارف، وما إلى ذلك، فهذه العبادات بعضها بدني، وبعضها مالي، وبعضها بدني ومالي، وبعضها مكاني، وبعضها زماني كالحج، فالفقهاء فصلوا الأوامر الشعائرية التعبدية فسمَوها عبادات، والأوامر الاجتماعية في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
( سورة الحجرات )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾
( سورة الحجرات )
فالنهي عن الكذب، والغيبة، والنميمة، والإفك، والكبر، والاستعلاء، والإيقاع بين الناس، والتفريق، هذه الأوامر الاجتماعية هي الأخلاق، والمعاملات من أحكام البيوع والطلاق، والزواج، والعدة، والنفقة، واللقطة، والعارية، والهبة، والإيجار، هذه كلها أحكام، فلما قسم الفقهاء الأوامر إلى عبادات، ومعاملات، وأخلاق، سبق في ظن الناس أو توهموا أن الدين هو العبادات، مع أن الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وأن الذي يقوم ببعضها ويدع بعضها الآخر فهو كبني إسرائيل.
الإسلام بناء شامخ كبير وقواعده خمس:
قال تعالى:
﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾
( سورة البقرة )
يصلي حاضراً ويغتاب الناس ؟! فوُجِد تناقض، فالذي يصلي لا يغتاب، أما أن يصلي ويكذب في البيع والشراء:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فصلاة وكذب، وصلاة وخيانة، وصلاة وقسوة في المعاملة، صلاة وكبر لا تجتمع معاً، فلما ضيَّق الناسُ مفهومَ الدين إلى أربع عبادات خسروا و ضاعوا، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))
[البخاري عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
إنَّ الإسلام بناء شامخ كبير، وقواعده خمس، الشهادتان والصوم والصلاة والحج والزكاة، وهي دعائم وليست البناء، فإذا توهمنا أنها هي البناء، فنحن في وهم كبير، لهذا نصَّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الذي قرأتها على أسماعكم وفي هذا الحديث الذي هو موضوع هذا الدرس على هذا الأمر:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
كيفية اكتساب الأخلاق الحسنة:
يوجد سؤال ثانٍ ؛ يا ترى هذه الأخلاق الحسنة كيف تُكتسب ؟ عندنا أخلاق حسنة تقليداً، وأخلاق حسنة أصيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه ))
[الجامع الصغير للسيوطي عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10260/ar-10260/04.jpg
أي اكظم غيظك، فأنت من الداخل متأجج، وتغلي غلياناً، ولكنك مؤمن، فاضبط أعصابك واسكت، وإذا غضبت فاسكت، وتوضأ، أو اغتسل، أو اخرج من البيت، فهذا صار حلماً، ولكن التحلم تصنُّع حلم قسري، والثمن أن تكون حليماً أصيلاً، وأن تكون متحلماً، فأول مرحلة بأن تتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، أنْ تصطنع الكرم، فأنت متكرم، ولكن إذا تكرمت وعاكست هوى نفسك، ووقفت موقفاً مناهضاً لرغبتك، فهذه هي البطولة.
إنَّ المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، وهذه الحالة الداخلية ؛ الغليان الداخلي مع الانضباط الخارجي، هذا اسمه تحلُّم، فإذا فعلت هذا شعرت أنك جاهدت في سبيل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه ))
[الجامع الصغير عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
إنه عمل بطولي أن تجاهد نفسك وهواك، وهذا التحلُّم يعينك على أن تُقبِل على الله في صلاتك، يا رب أنا كظمت غيظي من أجلك، وإرضاءً لك، كظمت غيظي وأنا أستطيع أن أفعل به الأفاعيل خوفاً منك، وبإمكاني أن أدمره فكظمتُ طلباً لرضاك، و بإمكاني أن أسحقه، لكني كظمتُ من أجل أن ترضى عني، انظر إلى هذا التحلُّم، فإذا تحلَّمت ووقفت بين يدي الله عز وجل شعرت أن الله راض عنك، عندئذٍ إذا تجلى الله عليك بأنواره أصبحت ذا حلم أصيل، والمرحلة الثانية: إذا استفزك إنسان شعرتَ بهدوء داخلي، وشعرتَ أن هذا مسكين بعيد عن الحق، هذا إنسان جاهل أرعن، هل تحبون أن تعرفون حقيقة الحلم ؟ لو كنت طبيباً وجاءك مريض مصاب بمرض جلدي خطير، هل تغتاظ منه ؟ لا، بل تشفق عليه، وترثي بحاله وتتألم له، فكلما ارتقى مستوى المسلم بدل أن يغضب من الناس يغضب على عملهم، وبدل أن يحقد عليهم يرثي حالهم، وبدل أن يغلي تشفياً منهم يبكي حزناً على جهلهم، وعلى بُعدِهم عن الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إنما الحلم بالتحلم، تتحلم، وهذا يحتاج إلى إرادة قوية، تُقبِل على الله عز وجل، فيلقِي الله في قلبك بعضاً من مكارم الأخلاق، لذلك فإنّ مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله عز وجل، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وإنَّ الحليم موصول، والكريم موصول، والسخي موصول، والودود موصول، والرحيم موصول، وإنّ القاسي مقطوع، والغضوب مقطوع، والبخيل مقطوع، والجبان مقطوع، فمكارم الأخلاق آثار الصلة، ومساوئ الأخلاق أعراض الإعراض، والإعراض له أعراض، وأعراض الإعراض البخل، والقسوة، وحبُّ الذات، والأنانية، والاستعلاء، والتشفِّي، والحقد، فهذه كلها أعراض الإعراض، وثمار الإقبال مكارم الأخلاق.


الصبغة والفطرة:
لذلك ربنا عز وجل مرةً قال:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
( سورة الروم )
ومرةٍ:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾
( سورة البقرة )
هل هناك من فرق بين فطرة الله وصبغة الله ؟ طبعاً الفرق كبير، فالفطرة هي التي فطر عليها أي إنسان، والإنسان فُطِر على حب الكمال، وليس على الكمال، بل يحب الكمال، وثمَّة فرق كبير بين أن تكون كاملاً وبين أن تحب الكمال، فالسارق يحب العدالة، فإذا وزَّع الأموال المسروقة بين إخوانه وزَّعها بالعدل، فهذه بالحرام كلها، ويقول لزميله: لا تغش، وضع هذه الحاجة.
هذه فطرة، والفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، فالإنسان إذا كانت له صلة بالله عز وجل، وألقى في قلبه أنوار الحق، عندئذٍ صار رحيماً، وهذه رحمة أصلية، فلو أن إنساناً شاهد جريحاً أمامه بحادث دهس، وأمامه جمهور من الناس، وكلهم يعرفونه من الجيران، فبدافع من الحفاظ على سمعته يبادر، ويأخذ هذا الجريح إلى المستشفى، وهذا موقف اجتماعي ذكي ليس فيه رحمة، أما المؤمن فوضعُه آخر، فلو كان الجريح وحده، فبدافعٍ من حبه، ورحمته التي تملأ قبله يبادر لإنقاذ هذا الإنسان، والعملان من حيث الشكل متساويان، ولكن شتان بين هذا وذاك، فبينهما مسافة كبيرة، فهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه السمعة، وهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه الرحمة، فالعمل الأول عمل مزوَّر، أما العمل الثاني فعمل صحيح، ويمكن للقاضي أنْ يحكم بالعدل، ويطمع أن يصل هذا الحكمُ إلى جهات عليّة ، ويقدِّروا نزاهته فيرفعوه درجة، فهذا القاضي حكمه عدل، ولكنه ليس بعادل، أما حينما يكون العدل جارياً في دم القاضي، فإنه يحكم به دون أن يفكر بالثمرة، أو بالجزاء، أو بالترقية.
كل إنسان في الأرض مفطور على حب الكمال والمصبوغ في الكمال موصول بالله تعالى:
أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تكون كاملاً هذا صبغة، وأن تحب الكمال فهذا فطرة، فكل إنسان في الأرض مفطور على حبّ الكمال، أما المصبوغ في الكمال فهذا الموصول بالله عز وجل، وأيُّ إنسان يحب الكمال، حتى الكافر.
(( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. ))
[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]
فهذا حديث دقيق.
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أنا أتصور إذا كانت أخلاقُ الإنسان شرسةً، وليس مستقيماً على أمر الله في كسب المال، وفي إنفاقه، وعلاقاته الاجتماعية ولاسيما مع النساء غير منضبطة، فهذا صلاته، وصيامه، وحجه، وزكاته، أعمال غير مجدية، لأنّ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، ثمار الاستقامة، أو سبب الاستقامة، أما إذا انفصل الدين عن الخلُق كانت الطامة الكبرى، وهذا ما حدث، فألف مليون مسلم أين وعد الله عز وجل لهم بالنصر ؟ قال تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
( سورة النور )
القسوة من اثار البعد عن الله والرحمة من اثار الصلة بالله:
والعبادة كما تكلمتُ عنها في الخطب الماضية تعني غايةً في الخضوع، مع غاية في الحب، وطاعة طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وغاية الخضوع مع غاية المحبة، هذه هي العبادة، قال تعالى: ﴿يعبدونني﴾
فإذا أخللتم فيما عليكم فأنا في حِلٍّ من وعودي الثلاث، فلذلك هذا الحديث هدفه أن يرقى الإنسان بنفسه مرتين ؛ مرة بتصنُّع الأخلاق الفاضلة بضبط نفسه، والأخلاق المصطنعة ثمن الأخلاق الأصيلة، وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنما الحلم بالتحلم، و إنما الكرم بالتكرم ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-10/10260/ar-10260/05.jpg
عندك صانع كسر آلة غالية، يمكن أن تضربه ضرباً مبرحاً، ويمكن أن تسبَّ أجداد أجداده، في ساعة غضب، ويمكن أن تسكت أيضاً، لقد انكسرت الآلة مِن غير قصد، فإذا سكتَّ يمضي عمر بكامله وأنت متمتع بهذا الموقف الأخلاقي، يمضي على هذه الحادثة شهر وشهران، وسنة وسنتان أو أربعون سنة، وأنت تشعر بسعادة كبيرة، لأنك كنت حليماً، وما رويت غليلك منه، لذلك أحد الصالحين ـ اسمه عصرون باشا ـ وضع وقفاً فيه كل أنواع الأواني، لكل طفل، أو صانع، أو أجير، أو زوجة، كسر آنية من الأواني يأتي إلى هذا المكان ويستبدلها بواحدة جديدة.
ويقولون: إن هناك رجلاً شديداً، إلى درجة غير معقولة في علاقته مع زوجته، ـ وهذه القصة قديمة ـ يأتي الساعة الثانية عشرة، يجب أن تكون الزوجة واقفة وراء الباب معها البشكير والقبقاب، يدخل ويجري تفتيشًا، ويحضر محرمة بيضاء، ويصعد إلى الخزانة ويمسح، فإذا تغيَّر لونها أقام عليها النكير، وهكذا معاملته لها، وله كأس شهير ـ كريستال ـ يشرب بها، فمرة وقع هذا الكأس من يد الزوجة من أول الدرج لآخره فتوقعت أنها طالق، فالله عز وجل رحمها، والكأس لم يكسر، فهذه الزوجة لشدة فرحها بنجاة هذا الكأس من الكسر شكرت ربها شكراً لا حدود له، جاء زوجها مساءً وقال لها: أريد كأساً من الماء، فوقعت من يده على السجادة فكسرت، فابتسمَت، فقال لها: لماذا ابتسمتِ ؟ تكلمي، فقال لها: أنت سهَّلتِ كسرَها إذاً ‍‍‍‍!!!
هذه القسوة من آثار البُعد عن الله، والرحمة من آثار الصلة، فكان لعصرون باشا وقفٌ فيه من جميع أنواع الأواني، فأيُّ طفل، زوجة زوجها ظالم، أو صانع كسر آنية وخاف من سيِّده يعطيه قطعة من هذه الآنية، فيعطيه الآنية بكاملها، فكل إنسان أحضر له قطعة من إبريق، أو كأساً يعطيه بدلاً منه، حتى يوفِّر على الناس المشكلات.
***
مناسك الحج:
ساعات الإمتحان:
تعليق على مناسك الحج، وكما قلت قبل قليل: العبادات منها الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، فهذه العبادات إما أن تكون مناسبة لسعادة الإنسان فيها، وإما أن تكون عبئاً عليه، فإذا سبقها استقامة والتزام، وسبقها طاعة لله في كل الأوامر ؛ في طعامه، وشرابه، وعلاقته بزوجته، وأولاده، وكسبه للمال، وإنفاقه له، وزواجه، وطلاقه، فإذا سبق هذه العبادات استقامة تامة تصبح هذه العبادات مناسبة للاتصال بالله عز وجل، وقد خطر في بالي قبل أن آتي إلى هنا ساعات الامتحان، هذه الساعات إما أن تكون أمتع ساعات الطالب، أو أصعب ساعاته، فإذا كان الامتحانُ ثلاث ساعات في الثانوية أو الجامعة، وقد سبقها دراسة جيدة، وحفظ جيد، وعدم هدر للوقت سابقاً، وهذه الكتب قرأت سابقاً، ولُخِّصت، وحفظت، ونوقشت، وحُلَّت مسائلها، فحينما يرى أن الأسئلة كلها واضحة يشعر الطالب بسعادة لا توصف، وهو في هذه الساعات الثلاث وإذا سبق هذا الامتحانَ إهمالٌ، وتقصيرٌ، وعدم مطالعة، وانحراف أخلاقي، تصبح هذه الساعات الثلاث عبئاً على الطالب، فالصلاة من دون استقامة صعبة، بل هي عبء، وثقيلة، فربنا عز وجل وصف المنافقين، فقال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾
( سورة النساء )
بين أن تقول: أرحنا بها، أو أرحنا منها، وبين أن ترى شهر رمضان شهر الغفران، والمحبة، والعبادة، وبين أن ترى هذا الشهر عبئاً، فتريد أن تسافر خارج القطر، فتكون حسب الشرع مسافراً، وهناك أناس يربطون سفرهم برمضان، حتى يتخلصُّوا من الصيام، ويصومونه في الشتاء، حيث اليومُ قصير، فهذه العبادات ومنها الحج، و الصيام، والصلاة، إن سبقتها طاعة لله عز وجل كالامتحان تماماً، ترى نفسك طليقاً وسعيداً في وجه متألق، والعينان زئبقيتان، وعليهما بريق، وإذا لم يدرس الطالب تصفَّن، وتضايق، وضجر، ويرى الوقت ثقيلاً عليه.
العبادات لن تكون مرجوة النتائج كما اراد الله تعالى إلا إذا سبقت بطاعة الله:
هذه العبادات إذا سبقتها طاعات لله عز وجل في كل الأوامر تصبح مناسبات للإقبال على الله عز وجل، لذلك: أرحنا بها يا بلال، كان النبي عليه الصلاة والسلام كما تقول السيدة عائشة: " يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ".
وسيدنا سعد بن معاذ يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرتُ في جنازةٍ إلا فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ".
فالإنسان قبل أن يحج يجب أن يهيِّئ نفسه للحج ؛ بأن يستقيم على أمر الله، وقبل أن يصلي يجب أن يكون مع الله في غض بصره، وفي كسب ماله، وفي كل أعماله، لذلك لا تكون هذه العبادات مرجوة النتائج كما أراد الله عز وجل إلا في حالةٍ واحدة ؛ إذا سبقتها طاعةٌ لله، لذلك: قم فصلِّ فإنك لم تصلِّ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، فهذه أشياء أساسية في الدين، وآن الأوان أن يطبقها الإنسان.
***
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
الحكمة من يتم النبي الكريم:
بقيت كلمة عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واخترت لكم في هذا اليوم هذا السؤال لماذا كان عليه الصلاة والسلام يتيماً ؟ والغريب أن النبي عليه الصلاة والسلام وُلِد يتيماً، وبلغ من العمر ست سنوات، و توفيت أمه، فالحقيقة أنّ اليُتم مضاعف.
أناس كثيرون يموت آباؤهم إما قبل الولادة، أو بعدها، وتبقى الأم، والأم شيء ثمين، أما أن يولد يتيماً عليه الصلاة والسلام وأن تموت أمه بعد ست سنوات، وله جدٌّ سيدُ قريش، عبد المطلب أحبّه حباً لا حدود له، وكان هذا الجد مكان أبيه وأمه، وفي السنة الثامنة توفي جده عبد المطلب، فما هذه الحكمة ؟ جده سيد قريش، وأبوه مِن أنجب أولاد جده، وكان عبدُ الله الجوهرةَ الوسطى في العقد، وأمُّه آمنةُ من بني النجار، والعلماء يقولون: من حكمة الله عز وجل أن كان النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً، وهو القائل:
(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))
[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
فكل عوامل التوجيه، والرعاية، والتلقين، والتعليم، والاعتناء عطلت كلُّها، فإذا نبغ في أخلاقه، وفي علمه، فهذا دليل أن الله سبحانه وتعالى وحده الذي تولَّى تربيته، لذلك مرة سمعت كلمة اقشعر لها جلدي، قال رجل لآخر: إذا لم يكن له أب فليس له رب، فالرب هو كل شيء.
الله عز وجل أفقد النبي الكريم الأب والأم والجد ولكن وفر له من يرعى امره:
نلاحظ النبيَّ عليه الصلاة و السلام مع أنه لا يعرف أباه، وفَقَد أمَّه في سن مبكرة، وفَقَد جدَّه في السنة الثامنة من عمره، ومع ذلك قال: (( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))
، ولكنَّ الله عز وجل ـ كما يقول العوام ـ يبلي ويعين.
هناك فتاةٌ حبشية اسمها "بركة"، سميت فيما بعد بأم أيمن، كانت جاريةٍ عند أبيه، هذه حضنته ورعته أحسن الرعاية، وكأنها أمه، أم أيمن أو بركة وعبد المطلب جده أيضاً بأسباب عديدة عطف عليه عطفاً يفوق عطف الآباء على الأبناء، فلأن عبد الله والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أحب الأبناء إلى عبد المطلب، لذلك أحبه حباً كثيراً، وأحب ابنه محمداً على حب أبيه، فكان هناك حبٌّ على حب، وهذه أم أيمن، بركة، الجارية عطفت عليه عطفاً كثيراً فكانت له كالأم، فربنا عز وجل أفقَدَه الأبَ والأمَّ، وأفقده الجدَّ، ولكنْ وفَّر له من يرعى أمره.
إعجاب عبد المطلب بالنبي الكريم وتعلقه الشديد به:
كان هناك عادات في الجاهلية، ومن عادة عبد المطلب بن هاشم أن يتخذ له مجلساً في الكعبة، يتحدث فيه إلى الرجال، ويتحدثون إليه، فكان يفرش له فراشاً في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليهم، فلا يجلس عليه أحد منهم إجلالاً له، ويعيِّن له مكان أبناء جده عبد المطلب، فكانوا يجلسون حول هذا الفراش، ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يأتي وهو غلامٌ جفر ـ ومعنى جفر أي فيه صحة ونمو ـ و يجلس على فراش جده، فيأتي أعمامه ليؤخروه عنه، فكان عبد المطلب يمنعهم إذا رآهم، ويقول: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكاً ـ أي يشم منه رائحة الملك ـ ثم يجلسه على فراشه ويمسح ظهره بيده، ويسره بما يراه منه وكان يقربه منه، ويدنيه، ويدخله عليه إذا خلا وإذا نام، ويرق له رقةً لم يرق لها والدٌ على ولده، وكان لا يأكل طعاماً إلا إذا قال أين محمد ؟ عليَّ بابني، وكان يسميه ابنه، فعبد المطلب جده كان معجباً به إعجاباً شديداً، ومتعلقًا به تعلقاً كبيراً، لِما يراه من آيات السمو، إنه طفل صغير عليه علائم النجابة، وعلائم السمو، فكان يعزف عن اللهو الباطل، وكان إذا دُعي إلى اللهو صلى الله عليه وسلم يقول: " لم أخلق لهذا ".
نحن الكبار يا ترى هل لنا حرص على وقتنا ؟ هل تقول إذا دعيت إلى جلسة باطلة: لم أخلق لهذا، أو سهرة لا يوجد منها فائدة مع أناس متكبرين، فهل تقول من حين إلى آخر: لم أخلق لهذا، هل تعرف أنت لماذا خلقت ؟ هل الهدف من خلقك واضح أمامك، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان طفلاً صغيراً كان يقول إذا دعي إلى لهو الأطفال: "لم أخلق لهذا "، فكان عبد المطلب يعجب به أشد العجب، فكان يعجب من كمال أدبه، ومن سمو خلقه، ومن عزوف نفسه عن اللهو الباطل، وعن تنزهه عن التدني فيما يتدنى به الأطفال عادةً، من تهافت على الطعام والشراب، أو تطلع إلى ما يجلبه الآباء والأبناء، كل هذه الصفات المشتركة بين الأطفال كان عليه الصلاة والسلام مترفعاً عنها.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ:
شيء آخر ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما قال الله عز وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
( سورة الأحزاب )
لقد جعله يتيماً، وهذا فخر لكل يتيم، وكما سمعت أن دار الأيتام في الميدان على مدخلها لوحة كبيرة فيها صورة لمقام النبي عليه الصلاة والسلام وكتب عليها " سيد الأيتام محمد عليه الصلاة والسلام"، فإذا فقدَ الإنسانُ أمَّه أو أباه، وما تلقى عناية كافية، فلا ينسى أن له ربًّاً يرعاه خير رعاية.
يقول الرواة: " إن حليمة قدمت مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام ابن خمس سنين فأضلها في الناس ـ ضاع منها ـ فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة يدعو ويقول: لا هم أي اللهم، أدِّ راكبي محمداً، أدِّه إليّ، واصطنع عندي يده، فأنت الذي جعلته لي عضداً، وأنت الذي سميته محمداً ".
فكان هناك حرص بالغ عليه من قِبَل جده، ومن قِبل مربيته، ولما مات عبد المطلب أحسَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بألم الفاجعة، وأدرك عِظَم المصيبة، وعرف أنه فقَد القلب الكبير، وهو في الثامنة من عمره، لذلك قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي خلف سرير عبد المطلب.
وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أتذكر يا رسول الله موت عبد المطلب ؟ قال: نعم وأنا يومئذٍ ابن ثماني سنين.
المقاصد المتوخاة من السيرة الشريفة:
هذه اللقطة من السيرة لي منها مقصدان ؛ أول مقصد؛ هل يوجد لأحدنا هدف، ولماذا أنت على وجه الأرض ؟ لماذا أنت هنا في الدنيا ؟ هل الهدف واضح تماماً، والنبي قال: " لم أخلق لهذا"، وأنت أمام المواقف المتعددة تقول: لم أخلق لهذا، أم تقول: خلقت لهذا، فيجب أن تعرف لماذا أنت هنا ؟
والشيء الثاني: إذا كان الإنسان يتيماً، فربما تلقّى عناية بشكل غير مباشر تفوق حدَّ الخيال، وقد يكون اليتيم أسعد الناس، فموضوع اليُتم، وكونه نشأ فقيراً، أو بعيداً عن والديه، أو في بيت مفكك، هذه كلها لا تقدِّم ولا تؤخِّر.
ولله درُّ مَن قال:
وَإِذَا الْعِنَايَةُ لاَحَظَتْكَ جُفُونُهَا نَــمْ فَالْمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ

السعيد
09-12-2018, 08:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الثمانون )


الموضوع :الاعداد للحج - باب الرجاء - سيرة النبى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الرجاء :
أيها الأخوة المؤمنون؛ لازلنا في رياض الصالحين، و "رياض" جمع روضة، ونحن اليوم في باب جديد ؛ هو باب الرجاء :
(( عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتْ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
فهذا الصحابي الجليل عتبان بن مالك كان ممن شهد بدراً، وكان يصلي بقومه بني سالم إلا أن وادياً في أيام الشتاء يحول بين بيته وبين مصلى قومه، وكان هذا الوادي يمتلئ بالمياه فيشق عليه اجتيازه، فيقول عتبان بن مالك: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7341/ar-7341/01.jpg
أي ضعُف بصري، وهذه الحواس التي أكرمنا الله بها هذه لحكمةٍ بالغة قبيل انتهاء العمر تضعف، وكأنها لفتُ نظرٍ لطيفٍ أنْ يا عبدي ضعُف بصُرك، وشاب شعرُك، وانحنى ظهرُك، وضعفت قوتُك فاستحِ مني أنا أستحيِ منك، وهذا تنبيه لطيف من الله حيث يضعف في الإنسان بصرُه وسمعه أحياناً، ويشيب شعره، ويشعر بوهن في قوته، وهذا من فضل الله علينا، أن يا عبدي اقترب الرحيل فماذا أعددتَ للقائي؟ فهذا الصحابي الجليل قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
فصحابي من عامة صحابة رسول الله ضعف بصره، وكان يؤم قومه في مصلاهم فحالَ الوادي بينه وبين قومه، فجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام وسأله أن يزوره في البيت، وتلبية الدعوة واجبة، فمن دعاك وجب حقه عليك، ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ((عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ))
[ أحمد عن معاذ ]
أفتشعر بحب عميق لأخيك المؤمن، وأنه جزء منك، أو تتمنَّى له الخير كما تتمنَّاه لنفسك؟ أتفرح له إذا أصابته سراء؟ أو تُسرُّ إذا حلت مشكلته؟ أيها الأخوة هذا مقياس دقيق، فالمنافقون مقياسهم كما وصفهم الله عز وجل فقال: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 50]
والمنافق كما قال عليه الصلاة والسلام: ((المنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم، والمؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم ))
[الترغيب والترهيب للمنذري عن أنس]
ثمار الدين لن تقطف إلا بالتخلق بأخلاق الصحابة الكرام :
لو كان لك بيت صغير، وزرتَ أخاك، ورأيت بيته واسعاً مريحاً، فعلامة إيمانك أن تفرح له، وإن كان لأخيك دخل كبير فعلامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الدخل لك، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾
[ سورة النساء : 29]
إنَّ هذا المال الذي تأكله من أخيك هو مالك، فيجب أن تشعر أنه مالك، فلأن كنت مكلفاً من قِبَل الله عز وجل أن تحافظ عليه فلأَن تمتنع عن أكله من باب أولى، وهكذا ربَّى الإسلام المسلمين، فمال أخيك هو مالك في الحفاظ عليه، وهذه من علامة المؤمن، وعلامة المنافق أنه يحسد، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 50]
فيشعر المنافقُ بالراحة إذا ألمت بالمؤمن نازلةٌ، بل إن الله عز وجل توعَّد هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النور : 19]
لم يفعلوا شيئاً، وما تكلموا كلمةً، وما تحركوا، وما نطقوا ببنت شفة، وما تبسموا لكنهم في أعماقهم ارتاحوا أن تشيع هذه الفاحشة بين المؤمنين، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين وربِّ الكعبة، وهذا الذي يتألم إذا أصاب المؤمن خير، ويفرح إذا أصابه سوء، ويحسده على ما آتاه الله، هذه علامة قطعيةٌ على أنه منافق، ونعوذ بالله من النفاق، هذا أخوك فافرح له، واطلب من الله أن يعطيك ما أعطاه، لقد رفعه الله فافرح، فإنّ عزَّه عزُّك، وشأنه شأنك، وتكريمه تكريم لك، فلذلك هذا الصحابي الجليل قال: ((وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
مادامت الأمطار تحول بيني وبين قومي. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
إنّ هذا الذي يترفع عن إخوانه الفقراء، والضعاف، والمساكين، هذا ليس مؤمناً، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه عدي بن حاتم فرحَّب به، ودعاه إلى بيته، وفي الطريق استوقفته امرأةٌ مسكينة فقيرةٌ تكلِّمه، فوقف معها النبي عليه الصلاة والسلام طويلاً يكلمها في حاجتها، فقال عدي بن حاتم: والله ما هذا بأمر ملِك.
ومرة سيدنا عمر دخل على رسول الله فرأى أثرَ الحصير في خده الشريف فبكى، وقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟! فقال: يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً. فالنبي متواضع، جلس مع مسكين، فمر بهما رجل فقال عليه الصلاة والسلام: مسكين يجلس مع مسكين.
وسيدنا عمر كان في المسجد يمشي في الليل، ويبدو أنه مشى على أحد أعضاء رجل دون أن يشعر، وهذا الرجل عصبي المزاج، فانفعل وقال: أأعمى أنت؟ ولا يدري أنه عمر فقال: لا، فقيل له: أهكذا يقول وهكذا تجيبه ؟ فقال: سألني فأجبته، وقلت له: لا لستُ أعمى، وهكذا كان أصحاب النبي، ونحن لا نقطف ثمار الدين إلا إذا تخلَّقنا بأخلاقهم، من التواضع، والبذل، والعطاء، وخدمة الخلق، وأن ترى نفسك دونهم. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
وهذا تعليم لنا، فلا تذهب إلى مكان وحدك، وليكن معك رفيق. (( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ، قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
حكمة النبي وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه :
بيت القصيد من هذا الحديث لم يأتِ بعد، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جاء على موعد، لِمِ لَمْ يأتِ على موعد؟ خشية أن يتكلف هؤلاء له، فجاءهم بلا موعد، وهم حينما قدِموا عليه عَظُم عليهم ألاّ يكرموه، فقال راوي الحديث عتبان بن مالك:
((قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
ويبدو أنها حلاوة سكر وطحين، أكلة سريعة، ومعنى حَبَسْنَاهُ أي رجوناه أن ينتظر حتى نقدِّم له هذا الطعام، وإكرامُ الضيف من السنة النبوية، فمن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربَّه. (( قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَآبَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا ))
[ البخاري عن عتبان بن مالك]
ولم يأتِ بعد بيتُ القصيد، فبيت القصيد أن من هؤلاء مَّمن يسكن في هذه المنطقة رجل اسمه مالك بن الدخيشن، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ.. " فأين مالك ولِمَ لَمْ يأتِ معكم؟ لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم في ذهنه واحداً واحداً، وكلما علا مقام الإنسان عند الله عظمتْ رحمته وشفقته، وعظُم حبه لإخوانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سأل عن مالك، ويا ليته لم يسأل عنه. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ويبدو أنه تخلَّف به الركبُ، وسقط وبدأ ينتقض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يصلي، يبدو هكذا. ((.......فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا " ما هذا ؟ ما هو بمنافق، أو لا تقولوا ذلك، هنا سر النبوة، لو قال: ليس منافقاً وهم يسمعون منه كلام النفاق لشكوا في حكم رسول الله، ولو قال: نعم هو منافق، ووصل هذا إليه لكان هذا الكلام حجاباً بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي قال: لا، فلكم أن تفهموا "لا"، أي لا تقولوا ذلك أمامي، ولكم أن تفهموا "لا"، أنه ليس كذلك، فإذا نقلتَ هذه "لا" إلى مالك بين الدخيشن يفهمها أن النبي نهاهم على أن يتهموه بالنفاق، وإذا سمع أصحاب النبي كلمة لا من النبي ربما فهموها لا تقولوا كذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام حريص على أصحابه وحريص على المودة بينه وبينهم، فأي شيء يقطع هذه المودة إنما يقطعهم عن الله عز وجل لذلك قال: لاَ تَقُلْ ذَلِكَ أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ ))
يبدو أنه منحرف انحرافاً خطيراً، وأنه بعيد بعداً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا، أيْ لا أريد أن أسمع هذا الكلام، أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر، فعوِّد لسانك أن تثني على إخوانك، لا أن تذمهم، لأنك إذا ذممت أخاك وذاك ذمَّ أخاه، أصبح المجتمع الإسلامي مفتَّتًا، فانصح أخاك مباشرةً، وادعُ الله أن يردَّه إليه. (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ))
هذه قاعدة عامة قد تنطبق على مالك أو لا تنطبق: ((حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ))
الذي استوقفني في هذه القصة أو هذا الموضوع الموجود في باب الرجاء من كتاب رياض الصالحين والحديث رقمه أربعمئة وسبعة عشر، حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، وحرصه على المودة بينه وبين أصحابه، وحرصه على ألاَّ ينطق الإنسان إلا بما فيه خير، وبالشيء الحسن، لكن للقصة تتمة، قبل سنتين أو ثلاث وقعت تحت يدي مجلة فيها موضوع عن تبوك قرأت الموضوع فإذا فيه حديث عن مسجد ضرار الذي أسسه المنافقون، وجاء في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل اثنين من صحابته الكرام أحدهم مالك بن الدخيشن، وهذا الموقف الأخلاقي المعتدل، وهذا الحرص البالغ على سلامة صدر هذا الصحابي، أو هذا الرجل الذي اتُّهِم بالنفاق، كلمة لا من رسول الله التي تعني أشياء كثيرة أعادت هذا الرجل إلى جادة الإيمان، وأصبح صحابياً جليلاً، وكلفه النبي عليه الصلاة والسلام بهدم مسجد ضرار. (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
فقبل أن تنطق تأكَّد، فهذه الطُّرفة ربما جرحت فلاناً، وهذا التعليق ربما كسر قلب فلان، وهذه الابتسامة في هذا المكان ربما آلمت فلانًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قالت السيدة عائشة عن صفية إنها قصيرة قال: (( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))
[ أبو داود عن عائشة]
فالإسلام لم يَعُدْ أنا لا أسرق، ولا أشرب الخمر، هذه كبائر مفروغ منها، وهذه الكبائر لا يفعلها عامة المسلمين، ولكن ماذا بقي؟ بقي هذا اللسان، فكلمة واحدة قد تفسد، وقد تقطع، هناك أخ يحضر معنا، فجلس يومًا مع عدد من الإخوة، فتحوَّل المجلس إلى غيبة فَنَفَر لماذا الغيبة؟ عندما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات : 12]
هذا نهي إلهي يقتضي الترك: (( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))
[ أحمد عن أنس ]
فانتقِ أجمل كلمة، وألطف عبارة، وراعِ شعور إخوانك، وشعور المؤمنين، والمسلمين، فلا تفضح، ولا تشكك، ولا تنتقد، ولا تحمر الوجوه، وهكذا فعَل النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فبكلمة لا يفهمها ابن الدخيشن أنه ينهاهم عن هذا الكلام، والتي يفهمها أصحاب الرسول لا تقولوا ذلك، هذه الكلمة كلمةٌ نبوية. قراءة سيرة النبي أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين :
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، أو الاستماع إلى تفصيلاتها شيء أساسي في الدين، لأن مواقفه تشريع http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7341/ar-7341/02.jpg
وأنا لا أنسى يوم جاء سعدُ بنُ معاذٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: " يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ولِمَ يا سعد؟ قال: لما وزعت من هذا الفيء - أي توزيع الغنائم – قال: أين أنت منهم يا سعد؟ قال: ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك، فبادر النبيُّ عليه الصلاة والسلام هو بنفسه، وبدأ باسترضائهم، مع أنه لا حق لهم في أن يجدوا عليه في أنفسهم فهو نبي مرسل ولا ينطق عن الهوى، وأفعاله كلها حكيمة، ومع ذلك قال له: اجمع لي قومك ووقف فيهم خطيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: مقالة بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليَ في أنفسكم، من أجل لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أما أنكم لو شئتم وقلتم فلصدقتم ولصدقتم به، آتيتنا مكذباً فصدقناك. بماذا بدأ النبي؟ هل بدأ بفضله عليهم؟ لا، بل بدأ بفضلهم عليه تطييباً لقلوبهم، وتلييناً لمواقفهم، ورحمةً بهم، وتحبباً إليهم، وقال لهم: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ - أنسيتم فضلي عليكم - وعالةً فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فقالوا: رضينا رضينا، وبكوا حتى أخضلوا لحاهم.
هذا موقف، فإذا كان حولك شخص تألم فصالِحْه أنت، ولو كان الحق عليه، فابدأ أنت واستجلب قلبه، ولين له مواقفه، واعتذر له، وذكِّره بفضله ومكانته، وهذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقراءة سنة النبي عليه الصلاة والسلام ليست من باب إضافة المعلومات، إنها شيء أساسي في الدين، فالقرآن مطبق في سنة النبي، والقرآن يتلى في المصحف ومطبق في أخلاق النبي، وفي سيرته وأفعاله، فلذلك ليس من نافلة القول أن نمضي وقتاً مع النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته.
الدروس المستفادة من الحديث التالي :
أعيد عليكم قراءة الحديث سريعاً:
((عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأنْصارِيَّ رَضِي اللَّه عَنْه وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَفْعَلُ، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَقُلْ ذَاكَ أَلا تَرَاهُ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لا نَرَى وُدَّهُ وَلا حَدِيثَهُ إِلا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ شِهَابٍ]
إنّ هذه القصة تعلمنا الشيء الكثير، تعلمك أن تضبط لسانك، و تحسن الظن بأخيك، وتلتمس له العذر، وتعينه على الشيطان، لا أن تعين الشيطان عليه، وتعلمنا الحلم، والنفَس الطويل، والستر، وتعلمنا الكلام الموزون المدروس، وأنّ الكلمة ربما أفسدت علاقة، وقطعت إنساناً عن الله عز وجل، فهذه قصةٌ تعلمنا أشياء كثيرة، وهي كما وردت في هذا الكتاب في حديث متفق عليه، ومعنى متفق عليه أي اتفق عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والإمام مسلم، وأعلى درجة من الأحاديث الشريفة ما اتفق عليه الشيخان، وحينما نذكر أنه متفق عليه، وأنه حديث صحيح، وأنه رواه الشيخان، أو رواه البخاري ومسلم، أو الإمام أحمد في مسنده، أو رواه الإمام مالك، أو كذا وكذا، فإن هذه عناية في تخريج الحديث، وأخطر ما في النقل صحته، والحديث تُبنى عليه عقيدة، ويبنى عليه حكم شرعي، ويبنى عليه موقف، وعطاء، وأخذ، وقطيعة، و صلة، فإذا كان الحديث موضوعاً أو ضعيفاً بُنِيت على خطأ، وما بُنِي على خطأ فهو خطأ، لذلك أكثر مشكلات المسلمين في هذا العصر أساسها تفرقةٌ جاءتهم من أحاديث موضوعة، أو من أحاديث ضعيفة، لذلك الصحة الصحة في رواية الأحاديث.
هذا الكتاب الذي نأخذ منه الأحاديث ؛ رياض الصالحين للإمام النووي، كتابٌ أجمع العلماء على أن كل أحاديثه صحيحة، بل إنها في قمة الصحاح، إما رواية رواه البخاري، أو مسلم، أو رواه الشيخان كلاهما، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم))
[الحاكم في المستدرك عن أنس]
فإذا أخذتموه من حديث موضوع أو ضعيف كان الخطأ والخلل والانحراف، وهذا الذي دفعني إلى تقرير هذا الكتاب، فإذا اقتنى الإنسانُ هذا الكتاب وجعله في مكتبته فهو أفضل، لأن بيتًا إسلاميًّا من دون مكتبة بيت خرِبٌ، فكتاب في الحديث، وكتاب في السيرة، وآخر عن أصحاب رسول الله، وآخر في الفقه المبسط، فقد يخطر في بالك سؤال لم تعرف أن تجيب عليه وقد تستحي أن تطرحه على الآخرين، نواة مكتبة صغيرة، فاسأل من تثق بعلمه، فأيّ كتاب أفضل في الفقه الحنفي اقتَنِه، وأي كتاب في الحديث، وفي السيرة، فأحياناً تضطر أن تقرأ عن رسول الله في السيرة شيئاً، واللهِ إن الإنسان الصادق إذا قرأ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من سيرته، ربما نقلته السيرة إلى عصر النبي، فينسى أنه مولود في الشام، وفي عام كذا، إن أفعال النبي ومواقفه الرائعة تشدُّه إليك شدًّا، لذلك أمتع شيئاً تقرأه أن تقرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام. * * *
من أعدّ نفسه في بلده إعداداً قوياً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج :
الحقيقة كنت اليوم في اجتماع متعلق بالحج فسمعت أحد الخطباء يقول: إن هذا الحاج يذهب إلى الديار المقدسة ويعود، فإن جلست تستمع إليه لا ترى من كلامه إلا أنه وصل في الليل وتيسر له الركوب، ونام في المكان الفلاني، وأكل الطعام الفلاني، وحدث معه ما حدث، وكل هذا الحديث متعلق بمجريات الأمور العادية، لكن قلّما تستمع من حاج ماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة؟ ما حاله النفسي وهو يقبل الحجر الأسود إن تمكن؟ ما شعوره الروحي وهو يسعى بين الصفا والمروة؟ وكيف كانت أحواله وهو في عرفات؟ وكيف كان خشوعه في مزدلفة؟ وكيف كان قلبه وهو يرمي الجمار؟
إنَّ الحج الحقيقة إذا خلا من هذه الأحوال أصبح طقوساً، وما هي الطقوس؟ إنها أعمال لا معنى لها، وفي الديانات الوثنية طقوس، لكنْ نحن عندنا عبادات، والطقس هو حركة لا معنى لها، تمتمات وحركات وسكنات لا معنى لها، لكن العبادة التي شرعها الله عز وجل من خصائصها أنها معقولة، وأن هذا الحاج حينما يسعى يجب أن يسعى إلى الله عز وجل، وكذا حينما يطوف، وحينما يقف في عرفة ينبغي أن يعرف الله عز وجل، فالذهاب إلى الحج لا يحتاج إلا مجموعة شروط مادية، أن يكون اسمك في القرعة، وأن يكون دورك قريباً، وتدفع الرسم وتذهب إلى الحج، الأمر أخطر بكثير من ذلك، استعدادك في بلدك هو الذي يهيئ لك حجاً مقبولاً:
(( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
الحجُّ المبرور أْن تحج بيت الله الحرام، وقد قبِل الله هذه الحجة، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنه:" من انصرف من عرفات ولم يغلب على يقينه أن الله قد غفر له فهو لم يحج".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7341/ar-7341/03.jpg
فيجب أن يغلب على يقينك أن الله غفر لك، فلذلك كلما أعدَّ الإنسان نفسه في بلده إعداداً قوياً متيناً قطف ثمار هذا الإعداد في الحج ، فإذا كان قلبك مولهاً بالله عز وجل، ودخلت إلى الكعبة المشرفة ففاجأتك هيبتها، وشعرت عندئذٍ أن الله عز وجل يقول لك: تعال إلي يا عبدي، دع همومك وتعال، خلِّ عنك الدنيا وتعال، ودع مشكلاتك، وخصوماتك، ورغباتك، وكل ما في بلدك، وتعال إلي، فالحج رحلة إلى الله عز وجل، والحج أن تزور الله في بيته، والمسجد العادي كما قال عنه الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
فإذا ذهبت إلى بيت الله في بلدك فحقٌ على الله أن يكرمك، فالإنسان يترك أهله في البيت ويأتي إلى المسجد يقضي فيه ساعة أو ساعة ونصف، وقد يكون بيته في بلد بعيد، يحتاج إلى ساعتين أو ساعة ونصف، أيُعقَل أن الله سبحانه وتعالى تأتيه إلى بيته لتتفقه في الدين، ولتعرف أوامره ونواهيه، ولتعرف سيرة نبيه عليه الصلاة والسلام المطهرة ثم لا يكرمك!! فأحياناً الإنسان ينقذه اللهُ عز وجل بفضل حديث فهمه عن رسول الله، فلا يزهد في هذه المجالس، إنها مجالس مباركة، إن بيوتي في الأرض المساجد، تركتَ أهلك ساعتين، فحق على المزور أن يكرم الزائر، وتركت دكانك، ومسموح لك أن تفتح إلى الساعة التاسعة، والدرس ينتهي الساعة الثامنة، فأقفلت الدكان قبل ساعة، فهذه عند الله لها ثمن.
حدثني أخ قال لي: وأنا غائب عن محلي لا يوجد زبائن، فحينما آتي إلى محلي تأتي الزبائن إكراماً من الله عز وجل، ألا تريد أن يشعرك الله عز وجل أنه راضٍ عنك وعن عملك؟ فهذه بعض المشعرات. لذلك:" إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
فإذا طاف إنسان بالبيت، فليس من المعقول أن يكون ساهيًا، بل يجب أن يجمع قلبه على الله عز وجل، وأن يدعوه في قلبه، ويجب أن يغيب عن وجوده ووجود من حوله، وأن يستغرق في محبة الله، فإذا تركت أهلك وتحملتَ الأهوال الطائلة، وتحملت من مشاق السفر لتثبت وجودك المادي في عرفات، فأمر الله عز وجل أعظم وأجلّ من أن يتعبدك بركوب الطائرة إلى مكة المكرمة، وبالطواف حول البيت طوافاً أجوفَ، وأن تقف في عرفة لحظةً من نهار، ثم تعود إلى بيتك، لا، إنَّ أمر الله أجلّ وأعظم، لذلك ربنا عز وجل يقول: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾
[ سورة الحج : 28]
التفقه قبل الذهاب للحج :
اسأل الحاج ما المنافع الذي انتفعت بها في الحج؟ يقول لك: أحضرت مسجلة لا يوجد منها في الشام، ودخلت والحمد لله، هذه هي المنفعة؟ وربنا عز وجل قال:
﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
ماذا يعني الأمن؟ إذا دخلت البيت الحرام فقد أصبحت آمناً، و دخلت في عفو الله، ورجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، هذا معنى أنك دخلت البيت الحرام، ومن دخله كان آمناً، فإن لم تعقد توبة نصوحًا في بيت الله عز وجل، وإن لم تعُد إنساناً آخر بتفكيرك، ومشاعرك، وعملك، واستقامتك، وبيعك، وشرائك، لم تحجَّ البيت، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: " تفقهوا قبل أن تحجوا "، والحج سهل لكن الصعب فيه أن تكون فقيهاً، أن تذهب إلى الحج وأنت في مستوى الحج، لا أن تذهب وأنت بعيد عن هذا المستوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7341/ar-7341/04.jpg
الحديث عن طواف القدوم، وعن الأشواط السبعة، وعن تقبيل الحجر الأسود، وعن الإشارة إليه، أو تقبيل اليد التي أشارت إليه، وعن استلام الركن اليماني، وعن الدعاء أثناء الطواف، وعن صلاة ركعتين، وعن التضلع من ماء زمزم، وعن الذهاب إلى الصفا، ثم السعي بين الصفا والمروة، وعن الهرولة بين الميلين الأخضرين في الأشواط الثلاثة الأولى، فهذه التفصيلات أصبحت معروفة، ولكن الذي نريد أن نضيف عليه هو أن تكون أيها الحاج الكريم في المستوى الذي أراده الله عز وجل، فهذه العبادة لما أمر اللهُ عز وجل بها وشرعها، أراد لها أن تكون على نحوٍ معيَّنٍ، وعلى شكل معيَّن، فهل كنتَ وِفق هذا النحو؟ فهذا الذي يعنينا في هذا الموضوع ؛ حول الطواف، وحول السعي بين الصفا والمروة، وفي الأيام التي تسبق اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوم التروية.
وأيضاً في الحج هناك بعض المواعظ، ومنها هذه الثياب، فأحياناً يتمايز الإنسان على أخيه بالثياب، وبالعكس هناك مِهَن لها ثياب راقية، وهناك رتب عسكرية لها ثياب معينة، فكل إنسان له ثياب تتناسب مع مكانته الاجتماعية، ولمَّا أمرَنا ربُّنا عز وجل بخلع كل هذه الثياب دلَّ أنّ هذه الثياب لها مدلولات دنيوية، فهذا يعمل في هذا المنصب، وهذا يعمل في هذا السلك وهذه البدلة له، فحينما تخلع الثياب كلها فكأنما خلعت الدنيا معها، وحينما تخلع الثياب المخيطة وترتدي قماشاً غير مخيط، فهذا يذِّكرك بالرحلة الأخيرة، فالحجُّ إذاً رحلة قبل الأخيرة، يذكِّرك بالرحلة الأخيرة، فهل أعددتَ لهذه الرحلة الأخيرة عدَّتها؟ وحينما تأتي من بلدك إلى مكان لا تعرف فيه أحداً، وتخليت عن مكانتك وشأنك ومجتمعك وأقاربك ودنياك ومكتبك، إذاً هناك معنى ترك الدنيا، فالإنسان يصلي في بلده، لكن قد يكون مشغولاً في هذه الصلاة بغير الله عز وجل، لكنَّ الحج تفريغ إجباري لهذا الحاج ليبتعد عن كل دنياه، وعلى كل إنْ شاء الله في درس قادم نتحدث عن بعض التفصيلات في السعي بين الصفا والمروة وفي بدء التوجه إلى عرفات. * * *
موقف النبي حينما عُرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش :
قد يسأل سائل: ما خطَّتُنا في هذه السيرة؟ والحقيقة أنّ الدرس الأول أخذنا فيه موقف النبي عليه الصلاة والسلام حينما عرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش، أو أن يكون زوجاً لأجمل فتياتهم، أو أن يكون أميراً عليهم، وقال قولته الشهيرة:
((والله لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ))
[السيرة النبوية لابن هشام]
هذا الموقف معروف، ويمكن طلابنا الصغار قرؤوا هذه المقولة الشهيرة للنبي في المدارس، ولكن نحن ماذا استنبطنا منها؟ نحن نستنبط من السيرة ما يعنينا كمؤمنين، فأنت أيها المؤمن هل هناك في حياتك أشياء غير قابلة للمساومة؟ وغير قابلة للمفاوضة؟ وغير قابلة للبحث؟ هل عندك مبادئ ثابتة تضحِّي من أجلها بالغالي والرخيص والنفس والنفيس أم عندك مرونة بالغة تميل مع الأهواء حيث تميل أم عندك حاسة سادسة لمصالحك حيث تغطيها بفتاوى دائماً سألت وهكذا قالوا؟
هذا كان الدرس الأول في السيرة وفصّلنا فيه. استقبال النبي مرضعته حليمة السعدية :
الدرس الثاني في السيرة كان حول استقبال النبي عليه الصلاة والسلام مرضعته حليمة السعدية وهو رسول الله، استقبلها واقفاً وقال: " مرحباً بأمي، وردَّ لها ثيابه، وأجلسها عليها، وأعطاها ناقةً وأربعين شاةً، وفك أسر أهلها، وأعطاهم غنائمهم" هل أنت وفيٌّ لأمك هذا الوفاء؟ هل أنت وفي لمن علَّمك هذا الوفاء؟ هل تنسى الفضل أم تجحده؟ هذا درس ثانٍ لنا، أحيانا زوج له زوجة رضيت به فقيراً، فلما اغتنى أعرض عنها واحتقرها، وبحث عن امرأة أخرى، أهكذا الوفاء؟ والنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكرت أمامه خديجة بكى، قال: " صدَّقتني حينما كذَبني الناس، وقامت معي عندما قعد الناس عني، وأعطتني مالها ولم يبدلني الله خيراً منها". هذا وفاؤه للسيدة خديجة، والدين كله وفاء؛ فهو وفاء لوالدتك، و لوالدك، ولمن علَّمك، ولشريك كان معك سابقاً وأنت مفتقر، فلما اغتنيت أبعدتَه عنك، وحينما كان الوضع ضعيفاً كنتَ راضياً به، فاسأل نفسك هل عندي وفاء كما كان وفاء النبي لأمه حليمةَ السعدية؟ هذا هو الدرس الثاني.
النبي رعى الغنم لتكون يده هي العليا :
والدرس الثالث ؛ النبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم، لتكون يده هي العليا، لقد كانت عنده عِزَّةٌ حيث لا يرضى أن يكون عالةً على أحد، ولا يرضى أن تكون يده هي السفلى، ولما أعطى الصحابي الجليل الأنصاري أخاه المهاجر قال: يا أخي دونك هذا البيت فخذه، ودونك هذا البستان فخذه، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله في مالك، ولكن دُلَّني على السوق، فالأنصاري كان في منتهى الكرم، والمهاجر كان في منتهى الإباء، فهذه دروس لنا، وما دمت شاباً قادراً على الكسب لتكُن يدك هي العليا، وما رضي النبي أن يكون عبئاً على عمه أبي طالب فرعى الغنم على قراريط – أي على دريهمات- من أجل أن يساعد عمه.
شيء آخر ؛ حينما يعمل فإنه يعلم قيمة المال وصعوبة وأخطار كسبه، فيعيش إذاً مع الناس من أجل أن يفهمهم، ويعالجهم، ويقف على مشكلاتهم، فهذا كان الدرس الثالث في السيرة.
الهدف من الاعتكاف و الخلوة مع النفس :
والدرس الرابع اليوم ؛ إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقضي الليالي ذوات العدد في غار حراء، فانظر إلى الناس اليوم، كلهم في زحمة الأعمال، وفي حركة سريعة، نام واستيقظ وتناول طعام الصباح، ثم ذهب إلى مكتبه، وحلّ مشكلات عديدة، وفي الساعة الثانية عاد إلى البيت، وتناول الغداء، ونام وبعد الظهر يوجد عنده مكتب ومحاسبة، وعاد الساعة العاشرة فتناول العشاء ونام إلى اليوم الثاني، فهذا الإنسان مستهلَك استهلاكاً رخيصاً، ليس عنده وقت للتأمل، عمل بعمل، ومشاغل، ومواعيد، ولقاءات باستمرار، ثم يأتي الموت فجأةً وينهي هذه المشاغل، وقد يفاجأ الإنسان أنه لم يُعِد للموت عدَّته، فأَعدَّ لكل شيءٍ عدَّته إلا الموت.
فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد، هذا اعتكاف مهم، فلابد للمؤمن من خلوة، ولكن أقول لكم كلامًا دقيقًا: لا بد من خلوةٍ جزئية، فإن كانت هذه الخلوة متصلة فهي خطيرة، والخلوة المتصلة انسحاب من الحياة، وهروب من الواقع، أما الخلوة الجزئية فضرورية، ففي زحمة الأعمال، وزحمة القيل و القال، والأخذ والعطاء، وفي انهماك الناس في كسب المال، لابد من وقفةٍ متأنية، إلى أين المصير؟ ماذا بعد أن أحقق هذه الأرباح؟ ماذا بعد أن أشتري هذا البيت؟ ماذا بعد أن أنتهي من بناء هذا البيت الفخم في المصيف؟ ماذا بعد كل ذلك؟ بعد كل ذلك الموت، فماذا أعددت لهذا الموت؟ فهذه الوقفة المتأنية ضرورية، وكأنها مكابح الإنسان، فمن دون تأمل كأنه سيارة مندفعة نحو الأمام بلا وعي، ولكن حينما يتأمل ويخلو مع نفسه يتفكر في كل شيء، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخلو بنفسه مع ربه في غار حراء ويقضي الليالي ذوات العدد، فأول هدف من الخلوة أن تتفكر في خلق السموات والأرض، لأنك الآن مع ربك، وأنت لا تفكر في مصلحة، ولا في كسب مال، ولا في تجارة، ولا في صفقة، ولا في زواج، ولا في تصليح آلة معقدة، و لا في شراء آلة، ولا في سفر، ولا في متعة، تفكر من أنت؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ مَن خلقني؟ ولماذا خلقني؟ وماذا يريد مني؟ وإلى أين المصير؟ وماذا بعد الموت؟ هذا هو التفكر، فلابد من خلوة وهذه الخلوة مكابح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7341/ar-7341/05.jpg
فهذه الخلوة مع ربك أول فائدة من فوائدها أنك تفكر في مصيرك، وفي القضايا الكبرى في عقيدتك، ومبادئك، والهدف الثاني لهذه الخلوة أنك تتقرب إلى الله بهذه الخلوة بذكر آلائه، ونعمه، وتسبيحه، وتمجيده، وتوحيده، ومناجاته، وبالدعاء له، وبتلاوة كتابه، وبالسجود له، فهذه الخلوة فيها جانب علمي، وجانب انفعالي، فالجانب العلمي أن تزداد معرفتك بالله ومعرفتك بنفسك، وأن تعرف لماذا أنت هنا، وماذا ينبغي أن تفعل هنا، وماذا بعد هنا، وأين كنت قبل هنا، هذا هو التأمل.
والشيء الثاني تلاوة كتاب الله، وذكر نعم الله عز وجل، والتهجد، والسجود، والدعاء، والبكاء، والتذلل، والرجاء، والاستعطاف، فهذا كله يجعلك تقترب من الله عز وجل، وكلما اقتربت منه تجلَّى على قلبك وسعدتَ.
واللِه الذي لا إله إلا هو مَن صحَّتْ خلوتُه صحّ عمله وصحّ نطقه، وشعر في اليوم التالي أنه إنسان آخر ممتلئ نورًا، وسعادة، وقوة، وتفكيرًا صحيحًا، وجرأة، وطمأنينة، وسكينة، فلذلك لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفِك النهار كله، هذه هي الخلوة.
موضوعا الخلوة الأساسيان أن تعرف الله، وأن تتصل به، فهذه هي الخلوة، فإن لم تكن في هذين الموضوعين انقلبت إلى خطر، وتصبح حلمًا ؛ يحلم ويحلم، وغداً أبيع هذه القدرة وهو جالس تحت قدرة العسل، أبيعها وأشتري أرضًا وأعمِّر بها بيتاً، وأشتري قطيعًا من الأغنام، وأتزوج، وأنجب أولادًا وأؤدِّبهم، فإذا أساؤوا فرفع عصاه فضرب القدرة فانكسرت ووقعت عليه، فإذا جلس إنسان في خلوة وكان بعيدًا عن موضوعي معرفة الله والتقرب منه يصبح حالمًا غير واقعي، ويصبح يخرف، فالخلوة أولاً لها خطران؛ أول خطر أن تكون مستمرة، فإذا استمرت فهي هروب من الحياة، وبُعدٌ عن الواقع، والخطر الثاني أن تكون في غير هذين الموضوعين، فلتكُن جزئية ؛ كل يوم ربع ساعة صباحاً، أو نصف ساعة، أو بالشهر، أو برمضان اعتكاف، أو البعد عن المجتمعات الصاخبة إلى مكان هادئ تخلو بربك، فالخلوة الجزئية وفي موضوعي معرفة الله والاتصال به سُنةٌ نبويةٌ أمرنا بها عليه الصلاة والسلام وفعلها في غار حراء.

السعيد
09-12-2018, 08:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الثمانون )


الموضوع : حكم الاسلام فى الغناء





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مكتسبات الدين لا تقطف إلا بالاستقامة على أمر الله :
أيها الأخوة المؤمنون ، أخ كريم رجاني أن أعالج في هذا الدرس موضوع الغناء ، لذلك اخترت فصلاً من إحياء علوم الدين ، بل اخترت فصلاً من تلخيص إحياء علوم الدين ، التلخيص اسمه تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين ، هذا الفصل عنوانه السمع ، وسأنقل لكم مختارات من هذا الفصل ، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن موضوع السماع كما ورد في كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، لا بد من مقدمة ، أيها الأخوة الأكارم كما قال عليه الصلاة والسلام :
((ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا : لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأِئِمَّةِ الْمُؤْمِنِين))
[مسلم عن ابن عباس ]
الإنسان أحياناً يمضي وقتاً طويلاً ويكثر حضور مجالس العلم ، وينوع مجالس العلم ، ويطالع ويطّلع ، ويستمع ويقرأ ، إن لم يستقم على أمر الله أي شغل في الدنيا إن حصّلته حصّلت كل شيء ، وإن لم تحصّله لم تحصّل شيئاً ، هذا كلام دقيق ، أي في الدين نجد السعادة ، نجد الطمأنينة ، في الدين هناك شعور بالتقدم دائماً ، شعور بالتفوق ، شعور بالفلاح وبعض النجاح ، في الدين شعور لا يوصف ، وهو شعور القرب من الله عز وجل ، في الدين شعور أن المستقبل إلى جانبك ، وأن خطك البياني في صعود مستمر ، كل ما في الدين من ثغرات ، كل ما في الدين من مكتسبات ، كل ما في الدين من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله ، كلام دقيق وخطير أي لنوفر وقتنا ، لنوفر جهدنا ، ما دام هناك معاص، مخالفات ، شبهات فالطريق إلى الله ليست سالكة ، هذا الكلام إذا أدركته وفرت وقتك ، هذا يذكرني بقصة مضحكة ، يروى أن السلطان العثماني قدم إلى الشام ، ووالي دمشق لم يطلق المدافع من أجله ، فأمر بإعدامه ، كما يقال من حلاوة الروح سأله قبل أن يقتل ، وهي رواية غير دقيقة ، لماذا لم تطلق هذه المدافع ؟ قال : هناك سبعة عشر سبباً ، قال : ما هي ؟ قال ليس هناك بارود ، قال : لا تكمل انتهى الأمر ، سبب وجيه ، أي إذا لم يكن هناك استقامة لا تكمل ، الطرق كلها مغلقة ، الطرق كلها مسدودة ، الطمأنينة ، السعادة ، التوفيق أن يكون كلامك سديداً ، أن يكون عملك راشداً ، أن تشعر بحلاوة الاتصال ، أن تشعر بطعم الصيام ، أن تذوق حلاوة الحج ، أي كل ما في الدين من ثمار ، كل ما في الدين من مكتسبات ، من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله ، حاسب نفسك حساباً عسيراً ليكون حسابك يوم القيامة يسيراً ، اسأل نفسك لماذا الحجاب بينك وبين الله ؟ لا بد من مخالفات ، لا بد من ظلم للآخرين ، لا بد من تقصير في أداء الحقوق.
فيا أيها الإخوة الأكارم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع : ((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم))
[ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه]
أي أن تقوم الوثنية مرة ثانية هذا مستحيل ، ولت الوثنية إلى غير رجعة ، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، مادام هناك مخالفات في الجوارح ، ما دام هناك شبهات في كسب المال ، ما دام هناك شبهات في إنفاق المال ، ما دام هناك إطلاق البصر فيما حرم الله ، ما دام هناك سماع ما لا يرضي الله ، ما دامت هذه الجوارح لم تستقم بعد على أمر الله ، فالطريق إلى الله ليست سالكة ، هذا الكلام أسوقه لكم ليكون الوقت مستثمراً استثماراً كبيراً ، وإلا مهما ذهبت ، و مهما أتيت ، و مهما عدت ، ومهما استمعت ، اقرأ ما شئت واستمع إلى من شئت ، مادام هناك مخالفات فهناك حجاب بينك وبين الله ، لا تذوق طعم الإيمان إلا إذا استقمت مع الله ، ولا تذوق حلاوة القرب إلا إذا استقمت على أمر الله ، لا يلقى النور في قلبك فترى فيه الحق حقاً والباطل باطلاً إلا إذا استقمت على أمر الله .
سُقْتُ هذا الكلام كمقدمة ليكون السير إلى الله واضحاً ، أي يجب أن تصل إلى درجة أن تكون لك حساسية كبيرة في طريق الإيمان ، هذه المخالفة حجبتك عن صلاة الظهر ، هذه النظرة حجبتك عن الاتصال بالله ، هذا المبلغ المشبوه قطعك عن الله ، فلذلك من ذاق حلاوة القرب ، ومن ذاق طعم الإيمان ، ومن ذاق حلاوة الإيمان لحرصه الشديد على دوام هذه الصلة يبالغ في استقامته على أمر الله ، وأقول لكم كلمة : ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ، أي صفقة فيها شبهة ، أقول لك : اركلها بقدمك ، صداقة فيها شبهة اقطعها وأنت الرابح ، تجارة فيها شبهة ابتعد عنها وأنت الكاسب . الأسباب الموجبة لتحريم الغناء :
1 ـ يلهي القلب عن التفكير في عظمة الله :
لذلك نحن سقنا هذا الموضوع موضوع الغناء لأنه ابتلي به معظم المسلمين ، ففي أكثر بيوت المسلمين الأغاني تصدح ، أي كيف يجتمع قرآن مع غناء ؟ كيف يجتمع اتصال بالله مع سماع الغناء ؟ أنا لا أقول شيئاً من عندي ، أنقل لكم ما ورد في كتاب السماع من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي الحامد الغزالي .
في مقدمة هذا الفصل يقول : إنّ الغناء يلهي القلب عن التفكير في عظمة الله ، أي هذا الموضوع الآن أنك أنت في الدنيا عليك مهمة خطيرة فأي شيء ألهاك عن مهمتك الخطيرة فهو حكماً حرام بمعنى أنّ الإنسان إذا عمل بالخسيس ونسي النفيس انطبق عليه قول الله عز وجل :
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾
[ سورة التكاثر : 1]
عمل بالخسيس ونسي النفيس ، أنت في الدنيا مخلوق لمهمة عظيمة وهي أن تعرف الله ، وأن تعرف منهجه ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تتقرب إليه لتنال سعادة الدنيا والآخرة ، إذاً أي شيء ألهاك عن هذا الهدف النبيل وعن هذا القصد الجليل فهو عقبة كؤود في طريق سعادتك ، فإذا أردنا أن نعلل وأن نبين لماذا الغناء نهانا النبي عنه ؟ لأنه لهو ، تصور إنساناً غاص في أعماق البحار وتجشم الأخطار ورأى في قاع البحار لآلئ وأصداف ، فترك اللآلئ وجاء بالأصداف ، مئة صدفة لا تساوي لؤلؤة واحدة ، قلت لكم سابقاً : من طبيعة الإنسان أن يحب ، هذا طبع ثابت في الإنسان ، المشكلة ليست في أن تحب أو لا تحب ، لا بد من أن تحب ، ولكن المشكلة في من تحب ، قلت لكم سابقاً : ليست المشكلة في أن تؤمن أو لا تؤمن، لا هذا الموضوع غير مقبول ، المشكلة متى تؤمن ؟ لأنّ فرعون آمن عند الموت ، قال تعالى : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 22]
إذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تحب ، لأنّ الحب غذاء القلب ، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تتعلم ، لأن العلم غذاء العقل ، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تأكل ، لأنّ الأكل غذاء الجسم ، أنت بحاجة إلى ثلاثة أغذية : إلى طعام وشراب تغذي به جسمك ، وعلمٍ تغذي به عقلك ، و حب تغذي به قلبك ، ويجب أن تتوازن ، لأنّ شريعة الله عز وجل شريعة متوازنة ، يجب ألا يقع الخلل ، ألا تحب على حساب عقلك ، وألا تعقل على حساب قلبك ، وألا تهتم بجسمك على حساب دينك ، لابد من التوازن ، إذاً أول شيء ، مثلاً من باب التوضيح ، لو أنّ طالباً عنده امتحان خطير بعد عشر ساعات ، أي الساعة الثامنة في صبيحة اليوم التالي عنده امتحان في مادة خطيرة في عام تخرجه ، واشتهى أن يأكل وجبة من الطعام التي لا توجد إلا في مركز المدينة ، فارتدى ثيابه وركب السيارة العامة ، وانتظر إلى أن جاءت السيارة العامة ، وزاحم الناس بمنكبيه ، وبقيت هذه السيارة تمشي ساعة أو أقل ، إلى أن وصل إلى مركز المدينة ، وانتقل إلى طرف مركزها ، ووقف في طابور طويل ليشتري هذه الحلوى أو هذا الطعام الذي اشتهاه ، ثم عاد أدراجه إلى البيت أي أنفق ثلاث ساعات ، ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً ، أكل طعاماً ، لكن نقول له : هذا الوقت الخطير أنت استهلكته في سبب تافه ، فأول شيء في الغناء أنت مخلوق لهدف عظيم ، فإذا ألِفت سماع اللهو فهو اسمه لهو لأنه يلهي عما خُلِقت له ، وحينما دُعي النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهو قال وهو طفل صغير :" أنا لم أُخلقْ لهذا" ، هذا سبب . 2 ـ يغري الإنسان بالشهوات و المعاصي :
السبب الثاني كما يذكر صاحب الإحياء أنّ الغناء يغريك بالشهوات وبالمعاصي ، لأنّ الغناء كما يقال رُقيَةُ الزنى ، ما الغناء ؟ وصف لمحاسن المرأة في معظمه ، إذاً كأن الغناء كما يقول بعض العلماء رقية الزنى ، إذاً من جهة يعطل عليك مهمتك الخطيرة ، ومن جهة يدعوك إلى معصية الله ، هذه الأسباب الموجبة لتحريم الغناء .
عدم تحريم الشعر الذي يسمو بالإنسان و مشاعره :
لكن مثلاً ما ينشده المنشدون وهم في طريقهم إلى الحج قيل : بشرها دليلها وقال : غداً ترين الطلح والجبال .
أي إذا كان هناك حادي يحدو الإبل وله بعض الأناشيد التي يذكر فيها الكعبة والمطاف والمسعى وعرفات ومنى وقبر النبي ، فهذا الشعر الذي ينشده الحادين ليثيروا مشاعر الحجاج هذا ليس عليه شيء ، أنت لو حضرت عقد قران وأنشد المنشدون بمدح سيد الأنام لا شيء عليك ، لو ابتهل المبتهلون بأصوات عذبة شجية حركوا مشاعرك لا شيء عليك ، ليس هذا هو الغناء ، هذا شعر كما قال الفقهاء حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فهذا من الشعر الحسن لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً))
[البخاري في الأدب عن أبي بن كعب]
أحياناً تفعل بك أبيات في مدح رسول الله ما لا تفعله الخطب الطويلة ، وأحياناً تفعل بك أبيات في الابتهال لله عز وجل ما لا تفعله بك الكتب العريضة ، فهذا ليس من الغناء أن تستمع إلى مدح النبي عليه الصلاة والسلام وأنت في عقد قران ، وأنت في مولد لذكرى سيد الأنام ، فهذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع إطلاقاً ، معانٍ سامية ، مشاعر القرب ، مشاعر الحب ، مشاعر الوجد ، مشاعر التوبة ، مشاعر الندم ، مشاعر القرب من الله عز وجل ، هذا ليس معنياً في درسنا إطلاقاً ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام حادٍ - أي يا حادي الركبان متى وصلت البان ، أرح هناك العيس - اسمه أنجشة يحدو الإبل فقال عليه الصلاة والسلام : ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَسُوقُ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ فَاشْتَدَّ فِي السِّيَاقَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ))
[رواه الشيخان عن أنس ]
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا ؟ وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو القوم ويقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلنْ سكِينـــةً علينـــا وثبت الأقدام إن لاقينا
***
فقال عليه الصلاة والسلام : من هذا السائق ؟ من هذا الحادي ؟ فقالوا : عامر بن الأكوع ، فقال : يرحمه الله ، أي أحياناً هناك منشد يحرك مشاعرك .
مرة ثانية ليس هذا هو الغناء المحرم ، هذا يسمو بك ، هذا يحرك مشاعرك نحو الله عز وجل ، هذا يحرك مشاعرك نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا يحملك على أن تتوب ، وكما قيل : إلى متى و أنت باللذات مشـغول وأنت عن كــل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبـه ذاك لعمــري في المقام بديـــع
لو كان حبك صادقاً لأطعــتـــه إنّ المحـــب لمن يحب مطيـع
***
أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها كأن العيـــــن حولاء أو عميـــا
لأنت كمزكوم حوى المسك جيبه ولكنه المحـــروم ما شمه أصلاً
***
أيا عبدنا ما قرأت كتابنــا أما تستحـي منا ويكفيك مــــا جرى
أما تستحي منا؟ ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـــاء وعدنــــا
* * *
إلى آخر الأبيات ، فأبيات تثير لواعج الشوق إلى الله عز وجل ، أو مشاعر التوبة، أو مشاعر الاستغفار ، أو مشاعر الندم ، هذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع ، هذا شعر يسمو بالإنسان ، أي ما يلقى في الموالد من مدائح ، من ابتهالات ، من وصف للنبي عليه الصلاة والسلام هذا لا شيء عليه ، وقد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال : " أما استماع الحدائي ونسيج الأعرابي فلا بأس به "، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أهديت امرأة إلى زوجها في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قال : قولوا :
أتيناكم أتينـــاكم فحيونا نحييـكــم
ولولا الحبة السمرة لما جئنا لواديكم
***
أي هذا يقال في الأفراح ، هناك أشعار تنمي في الإنسان الزهد ، قيل : يــاغادياً في غفلــــــة ورائـحاً إلى متـــــى تستحسن القبائحا؟
وكم أخي كم لا تخاف موقفا يستنطـــق الله به الجوارحا؟
واعجباً منك وأنت مبصـــــر كيف تجنبت الطريق الواضحا؟
***
شيء يدعو للتوبة ، يدعو للندم ، يروى أنّ أحدهم سأل الإمام أحمد بن حنبل عن هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار ، قال : يا إمام أي شيء تقول فيها هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار ؟ فقال : مثل أي شيء ، فقال السائل : إذا ما قـال لـي ربــــي أما استحييت تعصـيني؟
وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتينـــــــي؟
***
فقال ابن حنبل : أعد أعد عليّ ، فأعدت عليه ، فقام ودخل بيته وردّ الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول : إذا ما قـال لـي ربــــــي أما استحييت تعصـيني؟
وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتينـــــــي؟
***
فهذه الأشعار في وصف سيد الأنام ، في الابتهال إلى الله ، في وصف معاني القرب ، في وصف لواعج المحب ، هذه الأشعار ليست من موضوعنا في شيء . طبع الناس طبع موحد يطربون بالشيء الجميل :
لكننا نسوق لكم هذه الحقيقة ، من الثابت أن طبع الناس طبع موحد ، أي كل بني البشر يطربون بالشيء الجميل ، لو أنّ شاباً قال لك : أنا مهما نظرت إلى النساء الحسناوات لا أتأثر بجمالهن أبداً بماذا تجيبه ؟ نقول : هذا كلام غير صحيح ، لأن طبعك طبع أي إنسان ، وطبع الإنسان يميل إلى المرأة ، فهذا كلام مرفوض وإذا كان فعلاً صادق أي أنه مريض ويحتاج إلى معالجة ، إذا قال : أنا لا أتأثر ، معناها هناك كذب ، وإذا كان صادقاً معناها يحتاج إلى معالجة ، فعندما قال ربنا عز وجل :
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[ سورة النور : 30]
أن يقول قائل : أنا لا أتأثر أبداً ، نقول هذا كلام فيه كذب ، وإذا كان صحيحاً فأنت من طبع آخر ، لست من بني البشر ، فلذلك إذا قال قائل : أنا أستمع إلى كل المغنيات ولا أتأثر أبداً ، نقول لك : هذا كلام فيه كذب ، ولو كنت صادقاً فيما تقول فأنت بحاجة إلى معالجة لأن طبع البشر واحد ، طبعاً يتفاوتون بفواصل قليلة جداً ، أما طبيعة الإنسان لو أنه سمع أو شاهد امرأة حسناء لتحول من جهة إلى جهة ، فكيف يقول القائل : نحن نستمع ولا نتأثر ، هذا الكلام جوابه إما أنكم تكذبون وإما أنكم مرضى ، فالذي نهى الله عنه ما نهى عنه إلا لأنه ضار، وما نهى عنه إلا لأن طبع البشر كلهم واحد في هذا . أدلة من الكتاب و السنة تحرم الغناء :
الآن دخلنا في الموضوع ، هذا الذي قلناه قبل قليل هو مباح ولا شيء على صاحبه، لكن ما هي الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة التي تحرم الغناء ؟ قال من كتاب الله قوله تعالى :
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
[ سورة لقمان : 6]
قال ابن مسعود : هو الغناء ، وأعلى تفسير عند أعلام المفسرين هو تفسير الصحابة، وابن مسعود من أصحاب رسول الله ، وعن سعيد بن يسار قال : " سألت عكرمة عن لهو الحديث فقال : هو الغناء " ، هذا صحابي آخر ، وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة أصحاب النبي عليهم رضوان الله قالوا : إنّ لهو الحديث هو الغناء ، الدليل الثاني : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾
[ سورة النجم : 59-61]
معنى سامدون عن ابن عباس وأنتم سامدون أي وأنتم تغنون ، أي الناس سكرى بالغناء ، سائقو السيارات ، سائقو المركبات ، في المكاتب ، في البيوت ، في المتاجر ، في المزارع ، وأنتم سامدون ، يريدون الحق وهم سامدون ، معنى سامدون يغنون ، وقال مجاهد : هو الغناء سمد فلان إذا غنى ، هذا الدليل الثاني ، وأما الدليل الثالث فقوله عز وجل : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
[ سورة الإسراء : 64]
عن سفيان الثوري عن مجاهد واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال : هو الغناء والمُدَامُ ، هذه ثلاثة أدلة من كتاب الله ، ليس من فهمنا له بل من فهم أصحاب رسول الله ، أما السنة : (( أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ قَالَ : لاَ وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ))
[الترمذي عن عطاء عن جابر بن عبد الله]
هذا دليل من السنة .أدلة من أصحاب الرسول تحرم الغناء :
الآن أدلة من أصحاب رسول الله ، قال ابن مسعود : " الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الذقن" ، وقال ابن مسعود : " إذا ركب الرجل الدابة ولم يسمِ لبسه الشيطان ، وقال : تغنى ، فإن لم يحسن قال : تمنى " تجد المسافر إما أنه يغني أو يستمع إلى الغناء أو يتمنى ، يعيش في أحلام كلها دنيوية ، وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال : " أنهاك عنه وأكرهه لك ، قال : أحرام هو ؟ قال : انظر يا بن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يكون الغناء " ذات مرة أعجبني من رجل ، هناك دليل بسيط جداً ربما تتكلم ساعات طويلة عن مضار التدخين والسرطانات وضيق الشرايين والجلطة في القلب والأوعية ، قال له : بالله عليك إذا أمسكت دخينة لتشربها هل تقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، هل تسمِ ؟ فإذا أنهيتها هل تقول : الحمد لله رب العالمين ، ائت لي بإنسان يسمي إذا بدأ ويحمد الله إذا انتهى ، إذاً هذه من الخبائث ، هذا دليل سريع ، سيدنا عمر بن عبد العزيز كتب إلى مؤدب ولده : " ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن " ، وعن الفضيل بن عياض : " الغناء رقية الزنى " والضحاك يقول : " الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب" ويزيد بن الوليد يقول : " يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة "، سئل أبو علي عن سماع الملاهي وعن رجل يقول : هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر فيّ اختلاف الأحوال ، فقال : نعم لقد وصل إلى صقر " ، طبعاً هناك تفسيرات كثيرة ولكن أردت أنا أن أميز بين نوعين من الشعر في مدح رسول الله وليس معه معاجم ، ولا آلات له ، هذا لا شيء عليه ، أو في الابتهال إلى الله ، أو في التوسل ، وشعر آخر فيه وصف المحاسن ، وفيه إثارة للشهوات ، هذا الغناء الذي حرمه الشرع .
تلخيص لما سبق :
طبعاً كما قلت في مطلع الدرس إنك لا تستطيع أن تتصل بالله إذا كنت مقيماً على معصية ، لا تستطيع أن تتصل بالله إلا إذا طهرت جوارحك من كل مخالفة ، فكل ثمار الدين ، كل عطاءات الدين ، كل السعادة التي ترجوها من الدين ، كل ما عند الله عز وجل لا تناله إلا بطاعتك ، لذلك قالوا : الاستقامة عين الكرامة ، هذا الموضوع أحد الأخوة الأكارم رجاني أن أعالجه في هذا الدرس ، عالجته بطريقة مختصرة فيه جانب مشرق لا شيء عليه ، وفيه جانب آخر فيه كل شيء ، بل فيه قطيعة مع الله عز وجل ، وأؤكد لكم إذ قال بعضهم : إن القرآن و الغناء لا يجتمعان في قلب إنسان ، إما أن يكون قلبه مشبعاً بالغناء ، و إما أن يكون قلبه مشبعاً بالقرآن ، ويحك ألغير كتاب الله تتغنى ؟ وأقول لكم مرة أخيرة : إن ذواقي الغناء في العالم لو اجتمعوا والله الذي لا إله إلا هو لا يرقون في طربهم وفي استمتاعهم بأغانيهم إلى درجة المؤمن حينما يطرب في كتاب الله ، أي أنت إذا أعرضت عن الغناء لن تبقى محروماً من نعمة النغم ، يأتيك طرب بكتاب الله لا يوصف ، هذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( ماترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر]
* * *
أبو حنيفة النعمان :
و أما الحديث عن أعلام المسلمين فاخترت لكم في هذا الدرس الإمام أبو حنيفة النعمان ، إمام الأئمة الفقهاء ، و سنأخذ فقرات من فضائله و من محنه فترون أن هؤلاء الذين تركوا هذا الذخر الكبير من الفقه كيف كان ورعهم ، لا تنسوا أن الإمام أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه كان ورعاً إلى درجة لا تصدق ، أنا مرة ذكرت لكم أنه ألزم نفسه أن يدفع ديناراً ذهبياً لكل يمين يحلفها في البيع و الشراء و هو صادق ، كل يمين يحلفها و هو صادق ألزم نفسه أن يدفع ديناراً صدقة ، كان يؤدب نفسه تأديباً كبيراً ، كان واقفاً مرة في ظل بيت مع شخص يتحادثان ، أمسكه من يده و تنحيا عن الظل إلى الشمس فالشخص استغرب ، لماذا فعلت هذا ؟ قال : هذا بيت مرهون عندي وإني أكره أن أنتفع بظله ، كان ورعه إلى هذا المستوى ، فلذلك :

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلد))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
أجمل ما في حياة هذا الإمام العظيم :
أجمل ما في حياة هذا الإمام العظيم هو إكرامه لطلبة العلم ، كان أبو حنيفة كما يروي من ألّف عنه طويل الصمت ، كثير التفكر ، دقيق النظر في الفقه ، لطيف الاستخراج في العلم والبحث ، لا يطلب على تعليمه ، وإن كان الطالب فقيراً أغناه ، وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم ، فإذا تعلم قال له : لقد وصلت إلى الغنى الأكبر وهو معرفة الحلال والحرام ، وكان كثير العقل ، قليل المجادلة ، أي أنه كان يدعم طلابه الفقراء حتى يتعلموا ، فإذا تعلموا قال : هذا هو الغنى الأكبر ، أن تعرف الحلال والحرام ، أكبر تلميذ من تلاميذه هو الإمام زُفَر والإمام محمد وأبو يوسف ، أكبر تلميذ من تلاميذه هو أبو يوسف ، يقول أبو يوسف : كنت أطلب الحديث وأنا مُقِل المال ، وأنا فقير فجاء لي أبي وأنا عند الإمام قال لي : يا بني لا تمدّن رجلك معه فإنّ خبزه مشوي وأنت محتاج ، أي اتركه فنحن بحاجة إليك ، فقعدت عن كثير من الطلب، تركت المجالس واخترت طاعة والدي ، فسأل عني الإمام وتفقدني وقال حين رآني : ما خلّفك عني يا بني ؟ قال : طلب المعاش يا سيدي ، فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إلي صرة فيها مئة درهم وقال : أنفق هذا فإذا تمً إنفاقه أعلمني والزم الحلقة ، فلما مضت مدة دفع إلي مئة أخرى وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يخبر بنفادها ، حتى بلغت حاجتي من العلم أحسن الله مكافأته وغفر له ، هذا تلميذه أبو اليوسف صار من أعلام الفقهاء ، لأنه حينما أخذه والده وأبعده عن مجالس العلم تفقده أبو حنيفة رضي الله عنه وسأل عنه وأمده بمصروفه حتى صار الإمام أبا يوسف ، ويروى أنّ الحسن بن زياد كان فقيراً وكان يلازمه الإمام وكان أبوه يقول له : لنا بنات وليس لنا ابن غيرك فاشتغل بهن يا بني ، فلما بلغ الخبر الإمام أجرى عليه رزقاً ، وقال : الزم الفقه فإني ما رأيت فقيهاً معسراً أبداً ، لأنه عرف الحق ، عرف الحلال والحرام ، عرف ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، ألطف كلمة هي : فإني ما رأيت فقيراً معسراً ، وروى الموفق بسنده إلى مكي بن إبراهيم أحد شيوخ البخاري قال : كنت أتجر فقدمت على أبي حنيفة فقال لي : يا مكي أراك تتّجِر ؟ التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كبير، تفقهوا قبل أن تتّجروا ، لأنكم إذا اتّجرتم من دون تفقه ضللتم وأكلتم الحرام ووقعتم في الربا وأنتم لا تدرون ، قال : التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير فلمَ لا تتعلمُ العلم ولمَ لا تكتب ؟ فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه فرزقني الله منه شيئاً كثيراً ، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما أذكره لأن الله ببركته فتح لي باب العلم ، ملخص هذه القصص أن العلم هو الغنى الحقيقي ، وأنه كما قال أبو حنيفة : ما رأيت فقيراً معسراً ، لأنه عرف الحق ، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ، وهو كان يقول : " من طلب العلم تكفل الله له برزقه " أي حينما تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لحضور مجالس العلم كي تتفقه ، فإن الله سبحانه وتعالى يبارك لك في بقية وقتك .
المآزق التي وقع بها أبو حنيفة النعمان :
الحقيقة أن الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه ورحمه الله تعالى وقع في مآزق حرجة جداً ، وهذه المآزق تؤكد فهمه الدقيق ، وحسه المرهف ، وسرعة بديهته ، أي النبي عليه الصلاة والسلام كان على المنبر فسأله أحد الأعراب قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان سريع البديهة فرد عليه بسؤال آخر : وماذا أعددت لها ؟ من محن أبي حنيفة دخل عليه أحد الخوارج في أيام الخليفة مروان بن محمد ، الخوارج فرقة ضالة احتلت الكوفة بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني ، فقد دخل الضحاك ومعه جماعة على الإمام رحمه الله تعالى وطلب منه أن يتوب ، لماذا ؟ لأنّ الخوارج يكفّرون بالصغيرة ، بمعنى أن أي إنسان فعل ذنباً صغيراً فهو كافر ، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتقد هذا ، فدخل الخوارج على بيته مقتحمين ، وأمراه أن يتوب وإلا قتلاه ، فقال الإمام : ممّ أتوب ؟ ماذا فعلت حتى أتوب ؟ وأعاد عليه الضحّاك الأمر بالتوبة ، فقال له الإمام : ممّ أتوب قل لي ؟ قال : من رضاك بالتحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، أنت رضيت بالتحكيم ، فقال له الإمام : هل لك أن تناظرني ؟ قال : نعم ، قال الإمام : إذا اختلفنا فمن نجعل بيننا ؟ قال : نجعل فلاناً، فقال له الإمام : أترضى به أن يكون حكماً بيننا ؟ قال : نعم ، قال الإمام للضحاك لقد رضيت بالتحكيم أنت ، أي أعطاه إجابة هاك رضيت بالتحكيم ، أتناظرني ؟ فقال له : نعم فإذا اختلفنا قال له : نحكّم فلاناً ، ترضى به ؟ أرضى به ، هاك قد رضيت بالتحكيم فلمَ تطلب مني أن أتوب من قبول التحكيم ؟ هذه سرعة بديهة .
هناك محنة ثانية دخل عليه وفد الخوارج وقد شهروا سيوفهم وقالوا : هاتان جنازتان بباب المسجد ، أما إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات ، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها ، طبعاً لو قال : إنهما شخصان مسلمان لقتلاه ، شهرا عليه السيوف ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : من أي المِلل كانا ؟ ما ملتهما ؟ هل من اليهود ، قالوا : لا ، قال : أمن النصارى ؟ قالوا : لا ، قال : أمن المجوس ، قالوا : لا ، هما مسلمان ، قال : هذا هو الجواب، فلما وصلا معه إلى هذه النقطة قالوا : ليس هذا نسألك ، هل هما في الجنة أم في النار ؟ قل لنا ، طبعاً أن تقول فلان في الجنة أو في النار هذا ليس من شأنك ، لكن لا شك أنّ الإنسان إذا مات كافراً فهو إلى النار بنص القرآن الكريم ، لكن إذا رأيته يعصي ليس من شأنك أن تحكم عليه لأنه قد يتوب ويسبقك ، الآن يعصي وأنت لا تعصي ، اطلب من الله التثبيت ، اطلب من الله له الهداية ، واطلب لنفسك التثبيت ، أما إذا عيّرت عاصياً بمعصيته ربما تاب من معصيته وابتلاك الله بها ، لأنّ التعيير ذنب كما تعرفون ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم ، وإن عيّره ابتُلي به ، فنحن نقول : من آمن بوجود الله عز وجل ولم يطعه نقول : هذا الإيمان لا يكفي لنجاته لا في الدنيا ولا في الآخرة هذا كلام صحيح ، لقوله تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
[ سورة النساء : 136]
أي أنت أيقنت أنّ الماء ضروري ولم تقبل عليه فمت عطشاً ، وفي الحقيقة ما قيمة هذا الإيمان ؟ لكن أن تقول : فلان كافر ، هذا ليس من شأن الإنسان ، فلما قالوا : أهما في الجنة أم في النار ؟ قال : أما إذا أبيتم فإني أقول فيهما ما قال إبراهيم عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرم منهما قوله تعالى : ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة إبراهيم : 36]
وأقول ما قال عيسى بن مريم قال تعالى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة المائدة : 118]
وأقول ما قال نوح قال تعالى :﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء : 111-114]
وأقول ما قال نوح قال تعالى : ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة هود : 31]
خمسة أقوال لأنبياء كبار ، هذا هو الأدب لله عز وجل.من استقام على أمر الله فليشكر الله :
إذا كنت في طاعة فقبّل الأرض شكراً لله تعالى على أن هداك ، وعلى أن قواك وأعانك على طاعته ، الدليل قول سيدنا يوسف قال تعالى :
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف : 33]
فإذا استقام أحدنا على أمر الله فلا يعتد باستقامته وإنما يشكر الله عز وجل ، أقول لك مرة ثانية : إذا كنت مستقيماً على أمر الله ، إذا كنت غاضاً لبصرك ، متحققاً من دخلك، منفقاً مالك في سبيل الله ، تحضر مجالس العلم ، تحب الله ورسوله ، تحب المؤمنين ، تنفق من مالك في مرضاة الله عز وجل ، قبّل الأرض ، واشكر الله عز وجل على أن هداك وأعانك ، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وإن رأيت ضالاً وعاصياً فادع له بالهدى والتوفيق هذا الموقف الكامل ، أما أن تعيّره بمعصيته فهذا ذنب يستحق العقاب ، وربما كان عقابه أنّ الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويبتليك به ، فالإنسان كلما كان أكثر تأدباً مع الله عز وجل كلما كان أقرب إلى الله ، وقلت لكم مرة : سيدنا عمر حينما بلغه أنّ أحد أصدقائه كان في الشام يشرب الخمر ويعصي الله أرسل له رسالة تقطر رقة وعطفاً : أحمد الله إليك غافر الذنب ، قابل التوب، شديد العقاب ، ذي الطول ، فقيل إنّ هذا الصديق العاصي قرأها وصار يبكي إلى أن تاب ، فلما بلغ عمر رضي الله عنه ما كان من حال صديقه قال : هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضلّ كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم ، إذا أخطأ أحد ما عليك قبوله ، وتطييب خاطره ، وإعانته على نفسه ، ورحمته ، وإياك والقسوة عليه فيزداد بعداً عن الله عز وجل ، قال لهم : ما دام سيدنا عيسى هكذا قال ، قال تعالى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سورة المائدة : 118]
من أنا ؟ سيدنا عيسى وسيدنا داود وسيدنا نوح وسيدنا رسول الله .المحنة الرابعة التي وقع بها أبو حنيفة :
المحنة الرابعة : دعا أبو جعفر أبا حنيفة النعمان ليتولى القضاء فامتنع ، فطلب إليه أن يرجع إليه القضاة فيما يُشكل عليهم ليفتيهم فامتنع ، فأنزل عليه العذاب بالضرب والحبس أو الحبس وحده على اختلاف الروايات ، الحقيقة لما حضر أبو حنيفة إلى بغداد خرج ممتقع الوجه وقال : إنّ هذا دعاني إلى القضاء فأعلمته أني لا أصلح ، وإني لأعلم أنّ البينة على المدّعي واليمين على من أنكر ، أقسم له أني لا أصلح للقضاء ، قال له : إن كنت صادقاً في قولي يصلح له فلان ، إن كنت صادقاً في قولي فأنت عليك أن تولي الأولى ، وإن كنت كاذباً في هذا اليمين فلا يصح لك أن تولي كاذباً القضاء ، أي بطريقة من الطرق خرج من هذه المحنة التي لو أنّ الإنسان ابتلي بها قاضيان إلى النار وقاضٍ إلى جهنم بعضهم قالوا أي كلهم على خطأ ، طبعاً إلا من عصم الله عز وجل ، ألم يقل له بأن حجراً عَبَدَ الله خمسين عاماً ثم ضج بالشكوى إلى الله ، قال : يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف ؟ قال له : تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم ، قصته الشهيرة مع أحد خصومه الكبار الذين أرادوا أن يوقعوا به وأن ينهوه عند المنصور ، كان في حضرة المنصور وسأله هذا القاضي قال له : يا أبا حنيفة إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم ؟ فإن قال له : اقتله فقد أغضب الله عز وجل ، وإن قال له : لا تقتله فقد أغضب المنصور ، فكان سريع البديهة قال : الخليفة على الحق أم على الباطل أجبني ؟ وكان الخليفة جالساً فقال له : على الحق ، قال له : فكن مع الحق ، فلما خرج قال : أراد أن يقيدني فربطته ، هذا من مواقفه الذكية .
بعض من أقوال أبي حنيفة النعمان :
بعض أقواله بشكل سريع قال : " من لم يمنعه العلم عن محارم الله ولم يحجزه عن معاصي الله فهو من الخاسرين "
كما قلت أول الدرس : كل هذا العلم محاضرات ، كتب ، مطالعات ، حضور ندوات، مناقشات ، أشرطة ، كل هذا العلم في النهاية إذا لم يمنعك عن معصية الله فأنت من أكبر الخاسرين ، لماذا ؟ لأن ندم الذي لم يتعلم أقل منك ، أي تعلمت وحدت عما تعلمت ، هذا أول قول .
القول الثاني : " إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة من العلماء فليس لله ولي ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه " ولي جاهل لا يوجد ، ولي أجدب لا يوجد ، ما دمت ولياً لله فلا بد من أن يعلمك الله عز وجل ، لأن الله ما اتخذ ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، بل إن الإيمان لقب في ثلاث خصائص ، خاصة علمية ، وخاصة أخلاقية ، وخاصة جمالية ، فأنت كمؤمن لا بد من أن تكون عالماً ، أنت منطلق من مبادئ ، من قيم ، من حقائق ، من مسلمات، من إيمان راسخ أنّ لهذا الكون إلهاً ورباً ومسيراً ، هو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، كامل في أسمائه ، هذا القرآن كلامه ومعك على ذلك ألف دليل ودليل ، وهذا النبي رسوله ، مؤمن وجاهل لا يوجد ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، هذه أول صفة .
الصفة الثانية ، الخاصة الثانية في الإيمان أو في المؤمن الخاصة الأخلاقية ، مؤمن غدار لا يوجد ، مؤمن محتال لا يوجد، الحد الأدنى للإيمان الأخلاق ، وهناك أحاديث كثيرة جداً كلها صحيحة ، الإيمان كله أخلاق ، " كنا قوماً أهل جاهلية فلما بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه ، دعانا إلى الله لنعبده ونوحده ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ".
الصفة الأولى بالمؤمن صفة علمية :"ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ".
الصفة الثانية صفة أخلاقية ، غدر ، إفك ، افتراء ، إيقاع بين الناس ، ليس هذا من صفات المؤمن ، المؤمن إنسان أخلاقي ، وقّاف عند حدود الله .
والصفة الثالثة جمالية ، فالمؤمن له ذوق ، نظيف ، عنده أذواق عالية ، يطرب لا للغناء وإنما للقرآن ، أجمل ما في المرأة حشمتها ، أذواقه في اختيار أهله ، في اختيار طعامه، نظيف ، في كل شيء نظيف ، ففي الإيمان صفة أخلاقية وعلمية وجمالية ذوقية .
و قال : " إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة علماء فليس لله ولي ، من تعلّم العلم للدنيا حرم بركته ولم ينتفع به أحد ، ومن تعلمه للدين بورك له في علمه ورسخ في دينه وانتفع الناس منه " ، لذلك يقول الإمام الغزالي :" أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله "
حكمة الإمام أبي حنيفة و سرعة بديهيته :
الإمام أبو حنيفة سئل عن رجلين كبيرين عظيمي الشأن ، قال : أيهما أفضل ؟ قال : والله ما قدري أن أفضِّل بينهما ، قدري أن أدعو لهما وأن أجلّهما فقط ، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ، أنت لا تملك الحق أن تميز بين اثنين أعلى منك ، فلان هذا أحسن من فلان ، ما شأنك بهذا ؟ أنت لست في مستواهما ، فلما سئل أيهما تفضِّل ؟ قال : والله ليس هذا من شأني، أنا شأني أن أدعو لهما وأن أجلهما ، أما أن أحكم بينهما فو الله ليس هذا من شأني ، كان هناك أمير من أمراء الكوفة سأله مرة : يا أبا حنيفة لو تغشيتنا فو الله نحن نحبك ، تعال لعندنا نكرمك، ونحتفل بك ، لو تغشيتنا يا أبا حنيفة فيمن يغشانا ، أي أنّ بابنا لا يُغلق أبداً ، الناس مقبلون علينا زرافات ووحدانا ، وأنت لا نراك ، فقال له رحمه الله : لأنك إن قربتني فتنتني ، وإن أقصيتني أحزنتني ، إن قربتني فتنتني في ديني ، وإن أقصيتني أحزنتني ، وليس عندك ما أرجوه إطلاقاً ، ما أرجوك له ، طلبي هو الآخرة ، طلبي الجنة ، طلبي مرضاة الله عز وجل ، فليس عندك شيء أرجوك له ، وليس عندي شيء أخافك عليه ، لم تعطني شيئاً تخاف أن تذهب مني، ليس لي عندك حاجة ، حاجتي عند الله عز وجل ، وليس لك عندي حاجة تخاف أن تذهب مني ، قال له : ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه ؟ وليس عندك شيء أرجوه منك ؟ قال له : وإنما يغشاك من يغشاك ليستغني بك عمن سواك ، وأنا غني بمن أغناك، فلِمَ أغشاك فيمن يغشاك ؟ ليس لي مصلحة عندك ، ألم يقل أحد الخلفاء لأحد العلماء بالحرم المكي : سلني حاجتك ؟ قال له : والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله ، هذا غير معقول فهنا بيت الله عز وجل ، فلما التقى به خارج الحرم قال له : سلني حاجتك ؟ قال له : والله ما سألتها من يملكها أفأسألها ممن لا يملكها ؟ فلما ألح عليه قال له : أريد منك الجنة ، قال له : هذه ليست عندي ، فأجابه : إذاً ليس لي عندك حاجة ، فأنا أريد هذه .

السعيد
09-12-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الثمانون )


الموضوع : اداب السفر وانواعة






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
السفر :
أيها الأخوة المؤمنون : تحدثنا في الدرس الماضي عن موضوع دقيق هو موضوع الغناء ، وفي هذا الدرس نتحدث عن موضوع آخر ألا وهو موضوع السفر ، فالسفر نشاط من نشاطات الإنسان ، هناك من يسافر لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فيقع في شر عمله ويدفع الثمن باهظاً من دينه وآخرته ، وهناك من يسافر في سبيل الله فيكسب الدنيا والآخرة .
موضوع السفر هل هو حرام ؟ هل هو حلال ؟ هل هو واجب ؟ هل هو مندوب ؟ هل هو مكروه ؟ وما أهداف السفر ؟ يا ترى ما علاقة السفر بطلب العلم ؟ ما علاقة السفر بالعبادة؟ بالجهاد في سبيل الله ؟ بطلب الدنيا إذا أعسر الإنسان ؟ بهذه الموضوعات الدقيقة التي كثيراً ما يتحدث عنها الناس ويسألون عنها أهل العلم و هم في جهل من دقائقها سنتكلم اليوم .
أنواع السفر :
1 ـ السفر في سبيل الله و أعلاه السفر في طلب العلم :
لاشك أن هناك سفراً في سبيل الله ، أعلى أنواع السفر في سبيل الله السفر في طلب العلم لماذا ؟ لأن العلم هو الطريق الوحيد إلى الله ، ولأن في الكون حقيقةً واحدة هي وجود الله و وحدانيته وكماله ، وكل شيء يوصل إليه مشروع ، وكل شيء يبعد عنه مذموم ، ومحرم ، ومنهي عنه .
السفر الأول هو سفر في طلب العلم ، هذا السفر واجب أم نفل ؟ ما ينبغي أن يعلم بالضرورة سفر واجب ، وما كان فرض كفاية سفر مندوب ، وإذا كان السفر ترك الوطن ، وترك الأهل ، وترك الأولاد ن وترك الدنيا ، وترك العمل من أجل طلب العلم ، فما قولك فيمن يقطن في دولة وفيها مجالس علم وقد يكون مجلس العلم إلى جوار بيته وهو يتكاسل أو يعرض عن أن يحضر في الأسبوع مجلساً أو مجلسين ويمضي ساعات طويلة فيما لا يرضي الله عز وجل ؟
الحديث الآن أن تسافر من بلدك إلى بلد آخر ، أن تقطع الصحارى والفيافي ، أن تدع الأهل والأولاد ، أن تدع مكتبك التجاري ، أن تفقد مركزك المالي ، أن تفقد مركزك الاجتماعي من أجل طلب العلم ، لأن العلم هو الطريق ، وأقول بدقة هو الطريق الوحيدة إلى الله ، وأي حركة قبل العلم حركة عشوائية ، فلذلك إذا كنا في بلدةٍ فيها علم صحيح ، وفيها مساجد ، وفيها دعاة ، فإذا كنت في بلد بعيد بعيد أنت مكلف في نص الأحاديث الشريفة أن تطلب العلم ، طلب العلم فريضة على كل مسلم إذا كان العلم في بلد بعيد عن بلدك ، طلب العلم فريضة على كل مسلم ، تطلبه أينما كان إن كان في بلدتك ، أو في غير بلدتك .
سيدنا جابر بن عبد الله رحل من المدينة مسيرة شهر في حديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلغه عن عبد الله بن أنيس حتى سمعه منه ، الإنسان يقطع بالساعة أربعة كيلو متر ، و بالثماني ساعات خمسة وعشرين كيلو متراً ، وبالعشرة أيام مئتين وخمسين كيلو متراً ، وبثلاثين يوماً سبعمئة وخمسين كيلو متراً ، مسيرة سبعمئة وخمسين كيلو متراً من أجل حديث واحد ، يمكن أخواننا الكرام الذين يسكنون هذه البلدة لا يكلفهم طلب العلم إلا أن يركبوا سيارة واحدة .
وقال الشعبي : لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدىً أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعاً ، كلمة حق ، حديث شريف ، فهم آيةٍ ، فهم حكم فقهي ، هذا إذا طبقته سعدت به إلى الأبد .
الحكمة من السفر :
والحقيقة عندنا علم آخر كل إنسان في بلده ، في بيته ، أموره ميسرة ، حاجاته مؤمنة، الناس يعرفونه فلا تبدو أخلاقه الحقيقية ، لكن الأخلاق الحقيقية تبدو في السفر فما سمي السفر سفراً إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، وما قبل سيدنا عمر من رجل قال : أنا فلان أعرفه ، قال له : هل سافرت معه ؟ هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ هل جاورته ؟ أحياناً الإنسان يدعي أنه إنسان طيب ويحب الخير ، لو سافر مع مجموعة أشخاص لظهر على حقيقته ، يحب نفسه فقط ، يحب أن يأخذ كل شيء بلا شيء ، يحب أن يستريح ، يحب أن يأكل دون أن يجهد، يحب أن يخدمه الآخرون ، إذا سافرت ربما تعرفت إلى الله من خلال أهل العلم ، وإذا سافرت ربما تعرفت إلى نفسك ، أخطر شيء في الحياة أن يكون لك حجم ، أن يكون لإيمانك حجم وأنت واقف تظن حجم إيمانك أكبر بكثير ، فالسفر يسفر عن أخلاق الرجال .
وهناك شيء آخر ، إذا سافر الإنسان رأى آيات الله في الكون ، ربما آيات الله عز وجل تزيده معرفةً بالله ، لذلك قالوا : " هناك سفر استثمار وسفر اعتبار ، سفر الاستثمار أن تبحث عن رزق الله في أرض الله ، أما سفر الاعتبار فربما إذا رأيت مظاهر الطبيعة ، ربما إذا رأيت بعض ما خلق الله عز وجل من آياتٍ بليغة ، من آيات دالة على عظمته ربما ازداد إيمانك".
على كل إذا سافرت من أجل علم ينبغي أن يعلم بالضرورة فهذا سفر واجب بل هو فرض عين ، إنسان مقيم بقرية لا يوجد في هذه القرية عالم يعطيه العلم الصحيح ، فصار مجيئه إلى بلد فيه علم صحيح فرض عين ليتعلم ما ينبغي أن يعلم بالضرورة ، أما إذا انتقل من بلده إلى بلد آخر ليتبحر في المواريث هذا السفر مندوب ولكن ليس واجباً ، السفر لمعرفة ما يجب أن يعرف فرض ، أما السفر لمعرفة علم هو في الحقيقة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل فهو مندوب ، هذا السفر من أجل طلب العلم ، وما ذكرت هذا الموضوع إلا لأذكركم أنك مأمور أن تسافر من بلدك إلى بلد بعيد إلى بلد في أقصى الدنيا ، أحد العارفين بالله التقى بعالم كبير في الحج وهو فيما أذكر من سكان هذه البلدة فقال : أنا مكاني في الهند يا ولدي ، هنا بالحج ليس هناك مكان لأن أعلمك شيئاً إذا أردتني فالحقني إلى الهند ، فهذا العالم حينما عاد من الحج رحل إلى الهند ليتلقى العلم عن هذا العالم الجليل ، السفر من أجل طلب العلم يقع في الدرجة الأولى ، فما قولك إذا كنت في بلدة فيها علم ما عليك إلا أن تقتطع من وقتك ساعة في الأسبوع مرة أو مرتين .
2 ـ السفر من أجل العبادة :
الآن عندنا سفر آخر لأجل العبادة من حج أو جهاد ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأقْصَى ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
إذا سافرت إلى مسجد بقصد التبرك به لا يمكن أن تستفيد إلا إذا كان أحد هذه المساجد ، قالوا : إن الجامع الأموي بحلب جامع مبارك ، غداً سوف نغادر إلى حلب لنزور هذا المسجد ، نقول له : لا يجوز ، لا يجوز أن تسافر بقصد أن تتبرك بمسجد إلا إلى أحد هذه المساجد الثلاث وما سوى ذلك فلا يسن ولا يشرع أن تزور مسجداً آخر ، لأن كل المساجد سوى هذه المساجد الثلاث سواء عند الله إذا كان القصد زيارة مسجد بالذات ، أما إذا كان القصد زيارة رجل تثق بعلمه وإخلاصه في هذا المسجد فصارت الزيارة لما في هذا المسجد من درس ، من أجل درس علم ، أو من ذكر ، الحج والجهاد هذا سفر عبادة ، والأول طلب علم . 3 ـ السفر للهرب من سبب مشوش للدين :
القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين ، أي أغلى شيء عليك هو دينك ، فإذا كنت في مكان دينك مهدد بالخطر ، أو منعت من ممارسة شعائر دينك ، أو شعرت أن هذا البلد فيه خطر على دين أولادك ، رجل ذهب إلى بلد غربي والأمور ميسرة ، شراء البيت بالتقسيط بسعر زهيد ، الحاجات كلها مؤمنة ، كل شيء على ما يرام إلا أن الفسق والفجور لا يوصف ، لو فرضنا أن الرجل ضبط نفسه ، والزوجة ضبطت نفسها ، فما هي حالة الأولاد ؟ وما هو شعور أب يرى ابنته لها صديق ومستعدة أن تتخلى عن كل أهلها وألا تتخلى عن هذا الصديق وقد يكون هذا الصديق يهودياً وأنت مسلم ؟ هذا سفر في سبيل الشيطان .
من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله ، تعيش في بلد تبيع الفتاة عرضها بشيء زهيد جداً ، بحبة مسكة ، وأولادك في هذا البلد والبنت التي ليس لها صديق بنت مريضة تحتاج إلى معالجة نفسية ، والشاب إن لم تكن له صديقة يحتاج إلى طبيب نفسي ، وشرب الخمر كشرب الماء ، وأينما ذهب رأيت الفتنة يقظة والجنس كل شيء ، ولا شيء سواه ، مثل هذا البلد إذا سافرت إليه و أردت أن تقيم فيه رغبةً فيما عند هؤلاء من مال وفير ، ومتعة رخيصة ، وحياة آمنة ، وحاجات موفورة ، إذا أقمت في مثل هذا البلد يجب أن تعلم علم اليقين أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر وقال : " برئت منه ذمة الله " يدفع الثمن .
الآن كم من أسر مسلمة عاشوا في بلاد الكفر وحينما ضيقوا عليهم ، وحينما حملوا بناتهم على أن يدعن أمر الله عز وجل ، وحينما منعوا من ممارسة شعائر دينهم ، تركوا وهاجروا و أغناهم الله في بلد الهجرة .
والله زرت شخصاً من بلاد تركيا عمره يزيد عن ثمانين عاماً قال : أنا رحلت إلى بلدكم يوم ضيق علينا ، ويوم صارت الصلاة تهمةً خطيرةً يقتل صاحبها ، جئنا إلى بلدكم وأقسم بالله أنه لا يملك أن يشتري نقيراص ، قال لي : عندي خمسة وثلاثون بيتاً في هذه البلدة ، قلت: سبحان الله ! وأراضي وتجارة وهو يغدق على الناس ، كيف أصبح غنياً في هذه البلدة ؟ لأنه هاجر في سبيل الله ، لأنه خاف على دينه .
لي صديق لفت نظري أنه لما حج قال : حججت عن نفسي حجة الإسلام ثم حججت عن أبي ثم حججت عن أمي لفت نظري الترتيب ، الحديث : أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ، هو بالعكس حج عن والده أولاً ثم عن والدته ، فلما سألته ما سر هذا الترتيب ؟ قال : كنا في بلد أجنبي وصار الضغط على الدين ضغطاً غير معقول ، فآثر أبي أن يفر بدينه ، وأن يحفظ لنا ديننا ، فجاء بنا إلى هذه البلدة ، قلت : سبحان الله رأى أن قرار أبيه هو الذي حفظ له دينه ، إذاً حج عن أبيه بادئ ذي بدء ثم حج عن أمه ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
[ سورة النساء : 97]
إذا كنت في الأرض مستضعفاً ولم تستطع أن تقيم شعائر الله عز وجل ، وتركت البلد الذي يظلم فيها المسلم فهذه هجرة في سبيل الله ، فما قولكم في إنسان يقيم في بلدة كلها مساجد ، كلها مجالس علم ، كلها دعوة إلى الله ، فيها خير كثير ، فيها بقية من صالحين ، يدع كل هذا الخير من أجل دريهمات يقبضها في عاجل دنياه . 4 ـ السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون :
السفر الرابع : السفر هرباً فيما يقدح بالبدن كالطاعون ، أي إذا وجد وباء إلا الطاعون ، يوجد أحاديث متعلقة بالطاعون وهذه الأحاديث أعجب ما في الأمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ ))
[مسلم عن أسامة بن زيد]
هذا الحديث ، إذا سمعتم بأرض فيها طاعون لا تدخلوا عليه واضح ، لكن إذا كنت بأرض فيها طاعون لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن تخرج منها ؟ عرضوا هذا السؤال على عالم كبير كبير في علم الجرائيم ، فقال : الأمر بديهي لأن حملة المرض قد يكونوا أصحاء ، إذا كان الإنسان في أرض فيها طاعون قد يحمل هذا المرض وهو صحيح فإذا سافر إلى بلد آخر ينقله للآخرين ، فهذه كشفت حديثاً ، أما أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراه الله عز وجل هذه الحقيقة فهذا شيء يلفت النظر ، إذا كنت في مكان فيه هلاك ، هلاك لدينك لابد من السفر ، هلاك لبدنك ولأهلك أيضاً حياة الإنسان غالية جداً ، مثلاً منزل متداع طبعاً نقيس فيه إنذار في الإخلاء ، و أساسه فيه خطأ ، إذا أقمت في هذا البيت فأنت ظالم لنفسك لماذا ؟ لأن رأس مالك حياتك وأنت بهذا كأنك تعرض حياتك للخطر ، أو كأنك تضحي بحياتك ، أو تنتحر ، وهناك قصص كثيرة جداً أن بيوتاً متداعية أمر أصحابها بإخلائها ، أصحابها ما طبقوا هذا الأمر لسبب أو لآخر فإذا هذا المنزل ينهدم عليهم إذاً هناك معصية .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كانت جمله حرون فلا يذهب معنا " تصور صحابياً جليلاً له جمل حرون ركبه في سبيل الله ، هذا الجمل قتل صاحبه ، معنى حرون أي شرس ، النبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يصلي عليه ، ماذا فعل هذا الصحابي ؟ عندما الإنسان يعرض حياته للخطر معنى هذا أنه يعصي الله ، العلماء قاسوا على ذلك من نام على سطح ليس له سور فوقع ودقت عنقه مات عاصياً ، يقاس عليها من نزل من مركبة وهي تمشي هناك كثير من الحوادث التي صار فيها دهس عندما نزل وقع تحت العجلة ومات ، أنا أعتقد كل سنة يوجد حادثتين أو ثلاث من هذا النوع ، يقاس عليها من ركب مركبةً ليست جاهزة مكابحها ضعيفة ، الإنسان قبل أن يسافر عليه أن يتأكد من سلامة المركبة ، هذا هو الدين ، وهذه هي السنة ، الدين دقيق جداً ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 195]
إذاً هذا السفر صوناً للحياة نسافر ، وصوناً للدين نسافر ، وأداءً للعبادة ، وطلباً للعلم نسافر ، هذه الأنواع التي وردت في إحياء علوم الدين في موضوع السفر . تقسيم آخر للسفر :
طبعاً يوجد تقسيم آخر للسفر ، يوجد سفر مذموم ، وسفر محبوب ، وسفر مباح ، السفر الجيد المحبوب الذي حث عليه الشرع سفر في طلب العلم ، وسفر في أداء العبادة ، والسفر المذموم سفر من أجل معصية ، والعياذ بالله دول كثيرة من بلدان النفط السفر ميسر جداً إلى الشرق أو إلى الغرب ، لقضاء إجازة سنوية أو شهرية أو أسبوعية ، لا لشيء إلا ليعصي الله في هذه السفرة بألوان من المعاصي لا توصف ، هذا سفر المعصية .
رجل سافر إلى بلد غربي نزل في فندق يبدو أنه طلب امرأة في الصباح افتقدها ، كتبت له على المرآة : مرحباً بك في نادي الإيدز ، طبعاً هي مصابة بهذا المرض ، مسافر في سبيل الشيطان ، في سبيل الزنا ، مسافر ليفعل كل المعاصي ، مسافر ليغرق في المعصية إلى أذنيه هذا سفره محرم ، بالمقابل سفر في سبيل طلب العلم ؛ سفر للحج ، سفر للعمرة ، حدثني أخ كريم اعتمر وحج وهو مما يكثر السفر لبلاد الغرب ، ذاق من حلاوة القرب الشيء الكثير فأقسم بالله لن يغادر بلده إلا إلى حج أو عمرة ، لشدة ما تجلى الله على قلبه في هذه السفرة ، الحج أنت مسافر إلى الله ، سفرة إلى الله ورسوله ، لو أن هذا المكان جميل جداً ؛ النسمات والجبال الخضراء والأماكن الجميلة والتسهيلات والخدمات والمرافق لاختلط هؤلاء الذين أرادوا وجه الله الكريم في هذه السفرة وهؤلاء الذين قصدوا المتعة والسياحة ، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون بلد السفر إليه بلد لا زرع فيه ، ولا نبات ، ولا أي مظهر من مظاهر الجمال الذي يرغبه الناس .
الحقيقة تروي كتب الفقه أنه يجب أن يكون شغلك الشاغل أن تلتقي بمن في هذه البلدة من أهل العلم ، من أهل الصلاح ، من أهل القرب ، أن تكون مغرماً بزيارة مساجدها ، أماكنها المقدسة لأنها بيوت الله عز وجل ، الإنسان يشعر في بيت الله أنه في بيت طاهر ، ادخل إلى مدينة صاخبة ثم ادخل إلى مسجد كأنك في بلدك ، شوارع وازدحام ونساء كاسيات عاريات وبضائع مغرية جداً شعرت بضيق ادخل فوراً إلى المسجد تشعر براحة ، توضأ وصلّ أصبحت في ذمة الله ، دخلت إلى بيت الله .
آداب المسافر :
1 ـ أن يبدأ بردّ المظالم وقضاء الديون :
الحقيقة آداب المسافر كثيرة ونحن نعنى بآداب المسافر ، لأن السفر كما قلت نشاط ثابت واجتماعي .
الأدب الأول ، قال : أن يبدأ برد المظالم ، قلت لكم مرة : رجل يقود سيارته بالحجاز أصابته أزمة قلبية فانكفأ على مقود السيارة وإلى جانبه زوجته ، ومن غرائب الصدف أنه مرّ صديقه فحمله للمقعد الخلفي ، وقاد المركبة إلى المستشفى للعناية المشددة ، وبعد أن صحا قليلاً وصار بإمكانه أن يتكلم طلب آلة تسجيل وقال في صوته : إن المحل الفلاني الذي فروغه تقر بعشرين مليوناً هذا ليس لي وحدي بل هو لي ولأخوتي وكنت أنكر عليهم حقهم فيه ، والدكان الفلاني ، والمكان الفلاني ، عجيب بدأ برد المظالم لأهلها لخوفه أن يموت قبل أن يرد المظالم ، طلب هذه الآلة وبصوته اعترف لأخوته ولمن قد كان قد اغتصب منهم اعترف لهم بحقهم ، هذه القصة مثيرة جداً ، بعد أسبوع شعر وكأن هذه الأزمة قد انزاحت عنه إلى غير رجعة ، فقال : أين الشريط أعطوني إياه ؟ كسره وكأن شيئاً لم يكن ، بعد ثمانية أشهر توفي .
أحياناً بالقرى الكهرباء تنطفئ الساعة الثانية عشرة ، والقرية الصغيرة لا يوجد فيها كهرباء مستمرة ، إنما الكهرباء مقطعة ، وأنا كنت معيناً في إحدى هذه القرى كي أدرس فيها ، الساعة الثانية عشرة موعد انقطاع التيار الكهربائي كل يوم ينقطع التيار لثانيتين فقط ثم يعود، معنى هذا إنذار هيؤوا أنفسكم ، اجمعوا أغراضكم ، توجهوا إلى الفراش ، وأحياناً تأتي مصيبة قبل الموت مفاجئة تماماً ، أي انتبه آن الأوان ، هذا الحديث : " عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستح مني أنا أستحي منك " ما معنى شيب الشعر ؟ ضعف البصر ؟ ما معنى تقوس الظهر ؟ قال لي رجل : والله يا أستاذ من أربعين سنة أنا أنشط من الآن ، طبعاً ، يقول لك : لا يوجد ميل ، قوة ، هذه الحيوية والتدفق من العشرين للخامسة والثلاثين ، من الأربعين إلى الخمسين وسط ، بعد الخمسين يميل الإنسان إلى الراحة ، الضعف العام في البصر ، شيب الشعر ، انحناء الظهر ، إشارات لطيفة لطيفة من الله أن يا عبدي اقترب وقت اللقاء فهل أنت مستعد ؟ قطع التيار قبل عشر ثواني ، هذا الرجل قبل ثمانية أشهر جاءته هذه الأزمة ليتنبه وتنبه فعلاً وترك كل ما عليه من مظالم ، لكن بعد هذا ندم ، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾
[ سورة آل عمران :175 ]
فقال : أين الشريط أعطوني إياه ؟ وكسره وكأن شيئاً لم يكن ، بعد ثمانية أشهر توفي.
أعرف رجلاً مسرفاً على نفسه كثيراً من حفلة إلى حفلة ، ومن نادي إلى نادي ، من ملهى إلى ملهى ، وفي رأس السنة هو و زوجته بالفنادق ورقص وخمر ، وهو في ريعان الشباب في الأربعينات أصابه مرض ، قلت : لعل هذا المرض تذكير من الله عز وجل ، بعد أن شفي من مرضه عاد إلى ما كان عليه ، الله ذكره وهو لم يتذكر .
يوجد رجل كان مسرفاً على نفسه كثيراً وله جار صالح نصحه ، يا رجل انتبه إلى آخرتك الموت قريب ، الدنيا لا تغني عن الآخرة ، طاعة الله غنى معصيته ندامة ، ومن هذا الكلام فلم يستجب ، توفي رآه أحد أقربائه في المنام وهو يرتدي في اللغة الدارجة - كيس خيش - مربوط بحبلة ، ويدور حول بحرة ويقول على جاره المؤمن : نصحني فلان ولم أنتصح يا ليتني انتصحت .
أحد أخواننا هنا يحضر معنا قال لي : لي أخ كان ناظر وصية ، يوجد ثمانية آلاف الموصي أمر أن تدفع إلى أعمال البر ، هذا الناظر أخذ هذا المبلغ وأنفقه ولم ينفقه على أعمال البر ، رأته أخته في المنام وقد احترق وألسنة اللهب تتصاعد من حوله ، ويقول لأخته : الثمانية آلاف أحرقتني ، فالإنسان يجب أن يبدأ برد المظالم ، هو سوف يركب طائرة ، ويوجد احتمال أن تسقط هذه الطائرة ، وهم يتناولون الطعام قد يسمعون خبراً : وقد مات جميع ركابها ، أنت انظر أحوال الركاب حينما يشعرون أنه يوجد خطر ، ترى القلوب انخلعت إذا أيقن ركاب الطائرة أن طائرتهم سوف تسقط .
إذا الإنسان أراد أن يسافر عليه برد المظالم ، وقضاء الديون ، لا أعتقد صحابياً جليلاً جاهد مع رسول الله في بدر و أحد والخندق ثم مات و عليه دين صلى عليه النبي ، يقول عليه الصلاة والسلام أعليه دين ؟ فإذا قالوا : نعم ، يقول : صلوا على صاحبكم .
أول أدب من آداب السفر أن يبدأ برد المظالم ، وأداء الديون ، طبعاً هذه في الحج أيضاً الحج سفر ، كتاب استعرته ، حاجة ، حساب معلق ، خلاف على حساب ، ذمة لبائع ، اعمل جرداً لكل شيء ، أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته ، وبرد الودائع إن كانت عنده ، عندك وديعة تعلمها أنت إنها لفلان لكن إذا سافرت وحصل أمر تكرهه من يعلم أن هذه لفلان ؟ اكتب ورقة إلى جانبها ، والأكمل أن تردها وإذا أصرّ أن تكون عندك اكتب هذه الحاجة لفلان . على المسافر أن يكون زاده من الحلال الطيب و زائداً عن حاجته :
ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب ، إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً ، وليأخذ قدراً يوسع به على رفقائه إن استطاع ، أي السفر مظنة حاجة ، شخصان سافرا وأخذ فقط ما يكفيه لوجبة واحدة ، من المواقف المزعجة أن تركب في سيارة عامة تأكل وتخرج الموالح معك ركاب وأولاد صغار يشتهون ، أخذ معه الفواكه والسندويش والموالح والشاي وإلى جانبه ركاب ومعهم أولاد ، السنة أن تأخذ زاداً زائداً عن حاجتك لتنفق منه على رفاقك في السفر .
على المسافر إظهار مكارم الأخلاق :
ولابد في السفر من طيب الكلام ، وإطعام الطعام ، وإظهار مكارم الأخلاق ، أي المسافر يجب أن يتحلى بالمآثرة ، يوجد مقعدان ، أحدهما على النافذة تقول له : تفضل ، يوجد مسافر أفضل مقعد له ، أفضل سرير في الفندق له ، ويختار ، هذه ليست أخلاق مسافر ، أخلاق المسافر يجب أن تبنى على المآثرة .
قال : من تمام حسن الخلق الإحسان إلى الرفقاء ، وإعانة المنقطع بمركوب أو بزاد ، أنت مسافر ورجل أشار إليك وهو منقطع بحاجة إلى وقود ، إلى آلة ، إلى حاجة ، إذا أردت أن يعينك الناس إذا انقطعت فأعن الناس إذا انقطعوا ، مرة في سفر رجل أشار إليّ ويبدو أنه مضطر إلى شيء ، بعدما قطعته رجعت إليه وشعرت أنه يقف من ساعة أو ساعتين يحتاج إلى بنزين مقطوع فلما أعطيته كأنه عمل غريب .
سمعت قصة غريبة جداً أناس يركبون مركبة ولا يملكون آلة الرفع للسيارة ، وعجلة من العجلات انفجرت ، مضى ساعة وساعتان وثلاث ساعات وهم يؤشرون إلى السيارات لا أحد يقف ، بعد ساعتين توقف شخص وقال : ماذا تريدون ؟ قالوا له : نحتاج إلى آلة رفع ، فقال تفضلوا فقال أحدهم : ما شاء الله مازال في الدنيا خير ، بعد أن انتهى قال : اسمحوا لي بخمس ليرات ، فقال له الشخص : والله لو طلب مئة ليرة لأعطيك ولكن ليتك لم تطلبها ، وكنا نعتقدها إغاثة لهفان ، ولكنها مأجورة ، وهذا العمل سقط .
من آداب السفر أن تعين المنقطع بمركوب أو بزاد ، كنت أركب مع أخ توفي رحمه الله من بلد عربي مجاور ، و أنا راكب معه في دمشق ضرب سيارة ، والذي ضربه سيارة عامة فقلت : لعل هذا السائق يغضب ويثور ، والرجل ضيف ، هذا السائق نظر إليه ولم يتكلم بأي كلمة وقال له : مسامح ، فرأيت دمعة نزلت على خده ، فقلت له : لماذا تأثرت ؟ قال : والله من سنتين جاء رجل من بلدكم إلى بلدنا وضرب لي سيارتي ومعه نساء محجبات ، ولم أحب أن أنزع له نزهته ، فقلت له : الله يسامحك ، وبعد سنتين جاء رجل وعامله المعاملة نفسها ، كله دين و وفاء ، البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت ، اعمل كما شئت كما تدين تدان .
في السفر تلبي رجلاً مقطوعاً ، تقرضه مالاً لأنه ابن سبيل ، هذه من آداب السفر.
وأن يكون الإنسان مرحاً ، يبدو أن السفر فيه مشقة وعبء على الإنسان ، فإذا كان الإنسان لطيفاً فهذا شيء جيد ، فالسفر مع جو عبوس قمطرير شيء يدعو إلى الملل ، ومن السنة في السفر أن يطيب نفس أخوانه وأن يمزح معهم وأن يكون هذا المزاح اللطيف الأديب معوضاً لهم على مشاق السفر .
أول أدب ردّ المظالم ، قضاء الديون ، إعداد النفقة من الحلال ، ردّ الودائع ، أخذ الحلال ، التوسيع في الإنفاق ، طيب الكلام ، إطعام الطعام ، إظهار مكارم الأخلاق ، وأبرز هذه المكارم إعانة الرفقاء ، إيصال المقطوعين ، البذل ، لين الكلام ، المزاح ، تطييب نفوس الرفقاء ، وكلها تحت الأدب الأول .
2 ـ أن يختار رفيقاً ولا يخرج وحده :
الأدب الثاني أن يختار رفيقاً ولا يخرج وحده ، في بعض الآثار : " المسافر شيطان" الإنسان إذا سافر تضعف الرقابة عليه ، الناس العاديين في بلدهم منضبطون أما إذا سافروا يتفلتون ، أما المؤمن فالله معه لا يتأثر بأي كلام ، إذا إنسان إيمانه وسط وذهب مع رجل مؤمن يسأله هل صليت الظهر ؟ لا ، هيا لنصلي ، لا يستطيع أن يذهب يميناً ويساراً ، إذا نسي الأول الثاني ذكره ، الأول قدمه زلت الثاني صحاه ، من السنة أن يكون معك رفيق ، وقيل : الرفيق قبل الطريق ، أما الرفيق فيجب أن يعين على الدين لا على المنكر هذه ضعها في عنقي من الذي يرانا هنا ؟ هذا رفيق يجب ألا يرافق ، أنت بحاجة إلى رفيق يعينك على أمر دينك .
ويعينه ويساعده إذا ذكر ، فإن المرء على دين خليله ولا يُعرف المرء إلا برفيقه :
(( نهَى رسولُ اللهِ صلَى الله عليه و سلم أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ))
[ أحمد عن ابن عباس ]
و : (( إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
أحياناً المصالح تتعارض ، ثلاثة مسافرين سوف ننام هنا يوماً آخر ، لن ننام ، في هذا الفندق لا في هذا الفندق فصار تعارضاً ، لا ، أمروا أحدكم هذا نظام المسلمين ، ثلاثة إذا سافروا يوجد أمير عليهم ، قراره هو النافذ .
قال : وليأمروا أحسنهم أخلاقاً ، رجل عمل دعوة فقال لأحد الحاضرين : أنت انتبه على أخوانك ضيفهم ، فقال له : أنا آكل عنهم ، هذا السفر لا أن تأكل عن أخوانك بل تطعمهم، أحياناً يكون هناك أخوة مسافرون يوضع الطعام فوراً يأكلون وهو يصنع الشاي ولا يبقى له طعام، السنة لا يؤكل شيء قبل أن يجلس الجميع ، أما موضوع أكل الطعام بسرعة ليس هذا أمر ، هؤلاء مؤمنون .
يأمروا أحسنهم أخلاقاً ، وأرفقهم بالأصحاب ، وأسرعهم إلى الإيثار ، لا يوجد أروع من كلام سيدنا عمر عندما قال : أريد أميراً إذا كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم ، وإن كان واحداً منهم بدا وكأنه أمير عليهم ، إذا ليس أميراً لشدة حرصه وغيرته عليهم بدا كأنه أمير ، وإذا كان أميراً لشدة تواضعه ومساواته مع الآخرين بدا وكأنه واحد منهم ، من نحن إذا كان سيد الخلق قال : " وعليّ جمع الحطب ، قالوا له : نكفيك ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه " .
وفي بدر القصة معروفة عندما قال : " كل ثلاثة على راحلة وأنا وفلان وفلان على راحلة فلما توسلا إليه أن يركب قال : ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما على الأجر "
من كمال السفر أن تتوزع الأعمال كلها حتى تنظيف الصحون بالدور ، الأمير يقرر، قسم يهيئ الطعام وقسم يجلب الطعام . 3 ـ أن يودع رفقاء الحضر والأهل والرفقاء :
الأدب الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والرفقاء ، إذا سافرت تودع أنت ، وإذا عدت هناك من يهنئك ، تريد أن تذهب إلى الحج يجب أن تزور أقرباءك وتودعهم ، تسافر إلى مهمة طويلة يجب أن تودع ، أحياناً أخ من أخواننا الكرام يأتيه سفر يسافر ، نحن نتشوش من أجله أين فلان يا ترى مريض ؟ يا ترى هل له مشكلة ؟ هل حبسه حابس ؟ منعه مانع ؟ أحد ألقى في قلبه شبهة ؟ عندما نلتقي معه يقول : كنت مسافراً ، أعلمنا هكذا السنة ، أنت عضو بأسرة ، وهذه تقاس على الأسرة أخبرهم .
وليدع عند الدعاء بقوله لمودعه : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، إذا ودعت أهلك هذا الدعاء المأثور ، ماذا يقول له المقيم ؟ زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت ، هذا كلام لطيف جداً ، أنت تسافر ودعت لما ودعت قلت لهم الدعاء أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، ماذا يقول له المقيم ؟ زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت ، قال : وليصلي المسافر قبل سفره ركعتي صلاة الاستخارة .
وإذا وصل إلى باب الدار فليقل : بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ربي أعوذ بك أن أَضل أو أُضل ، أحياناً يذهب مهتدياً ويعود ضالاً ، رجل سافر إلى أوربا أخذ معه السجادة والمصحف رجع بعد أربع سنوات من المطار إلى البيت وقال لهم ثلاثة موضوعات لا تتكلموا بهم إطلاقاً ، الدين والآخرة ولا كلمة كله خرافة ، عاد ضالاً ، أحياناً يعود زانياً ، ملحداً ، أحياناً يقول لك : نحن لا نعيش هم الذين يعيشون نسي إسلامه وآخرته ، والمظاهر ضيعت إيمانه .
أعوذ بك أن أَضل أو أُضل ، أو أَذل أو أُذل ، أو أَظلم أو أُظلم ، أو أَجهل أو يُجهل علي ، إذا ركب هذه الدابة ، أي الطائرة أو المركبة فليقل : " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا منقلبون ". رابعاً أن يرفق بالدابة إن كان راكباً فلا يحملها ما لا يطيق ، ولا يضربها في وجهها ، هذه الآن ليست واردة ، فإنه منهي عنه ويستحب أن ينزل عن الدابة أحياناً ليريحها ، والإنسان ليس له حق أن يبقى على الدابة ويتكلم مع صديقه .
رجل سأل ابن المبارك وهو على دابة فقال له : احمل لي هذه الرقعة إلى فلان ، فقال : حتى أستأذن المكاري صاحب الدابة فإني لم أشارطه على هذه الرقعة ، لم يرضَ أن يحمل حاجة على الدابة فوق طاقتها .
4 ـ عدم المشي منفرداً إذ كان في قافلة :
من الآداب في السفر أنه إذا كان في قافلة فلا يمشي منفرداً ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ))
[الترمذي عن عبد الله بن عمر]
5 ـ أن يصطحب معه الأشياء الضرورية :
قال : ينبغي أن تستصحب مرآة ، ومقراضاً ، ومسواكاً ، ومشطاً ، لا تعرف قيمة الإبرة والخيط إلا في السفر ، زر قطع ، لا يوجد حل ولا يوجد خياطين ، وهذه من السنة أن تصطحب هذه الأشياء معك .
6 ـ عدم التنطع بالطهارة :
قال : وليحذر المسافر التنطع بالطهارة ، قد يكون الماء قليلاً والناس بحاجة إلى الشرب وأنت استهلكته بالوضوء ، أحياناً هذه تصير بالحج ، أنت تستهلك الماء بالوضوء استهلاكاً شديداً هذا ليس من آداب السفر .
7 ـ عند العودة من السفر أن يقول الدعاء التالي :
أما إذا عدت من السفر فأولاً لك أن تقول : لا إله إلا اله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده .
8 ـ أن يبشر أهله بقدومه :
ثم يبشر أهله بقدومه ، الآن يحل محل هذا الاتصال الهاتفي نحن سنأتي في المطار الآن ، وكان ينهى عن أن يطرق أهله ليلاً ، أي الزوجة إذا كان زوجها مسافراً مطمئنة ونائمة الساعة الثانية بعد منتصف الليل طرق الباب ، إذا طرق مشكلة وإذا دخل بمفتاح مشكلة ، فإذا قدم على أهله ليلاً قد يرى ما يكره ، تاركها شهرين وجاء فجأةً وهي تنظف البيت وهي بوضع لا يسر ، هو مشتاق ووجدها هاملة نفسها جداً ، وهذا من أسرار ذكاء الزوجة والسنة النبوية ، فإذا قدم على أهله ليلاً قد يرى ما يكره ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد أولاً صلى ركعتين ثم دخل البيت .
9 ـ أن يحمل لأهل بيته و أقاربه تحفة :
وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفةً من مطعوم أو ملبوس أو غيره على قدر إمكانه ، هدية متواضعة جداً هذه من سنة السفر ، فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر والقلوب تفرح به ، عينه بيديه ماذا أحضر معه ؟
الآداب الباطنة للسفر :
هذه الآداب الظاهرة ، أما الآداب الباطنة ينبغي ألا تسافر إلا إذا كنت متأكداً أن هذا السفر يزيد في دينك ، ويزيد في علمك ، ويزيد في قربك من الله عز وجل ، إذا دخلت بلدة ينبغي أن تنوي أن تلتقي بشيوخها وعلمائها وأهل الصلاح فيها ومساجدها ، إذا زرت أخاً ببلدة ينبغي ألا تقيم عنده أكثر من ثلاثة أيام ، رجل فقير جداً له قريب يشغل أعلى منصب في استانبول والقصة قديمة فافتقر ، فقال : أذهب لعنده ليبحث لي عن عمل ، فذهب وجلس وعمل استدعاه الصدر الأعظم وقدمه إلى السلطان ، وقع ثلاثين معاملة إلا هذه المعاملة ، ثاني يوم لم يوقعها والثالث والرابع ، أسبوع اسبوعان أدرك أنه توكل عليه ، فأعطى توجيهاً إلى خادمه وقال له : كلمه كلاماً فيه شيء من الإهانة ، فهذا عندما سمع هذا الكلام خرج مزعوجاً جداً وهو يبكي ، في اليوم نفسه وقعها السلطان فلما رجع قال له : أنت كنت توكلت عليّ طيلة هذه الفترة لم توقع المعاملة ، الآن قياساً على هذه القصة أنت تسافر تعمل مراجعة تامة للسيارة ، أحياناً تفاجأ بشيء لم تحسبه ، عندما تقول : أنا كل شيء عملت حسابه وقعت في الشرك ، قل : يا ميسر ، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ، إذا الله يسر كل شيء سهل ، وأحياناً لشيء تافه جداً يتعطل كل السفر ، أحياناً ينسى الإنسان جواز السفر فيتعطل سفره هذه إن شاء الله مهمة جداً وخاصةً في السفر .
طبعاً معروف عندكم أن المسافر يجوز له أن يمسح على الخفين ثلاثة أيام وليلتين والتيمم والقصر والجمع ، ويجوز أن يصلي النافلة على دابته ، ممكن وهو راكب في الطائرة أو في السيارة وجهة المسافر جهة دابته ، والنافلة في السفر يجوز أن تصلى على دابته ، هذه من رخص السفر أن استقبال القبلة غير ضروري ، ولك أن تجمع ، وأن تقصر ، والتيمم ، والمسح على الخفين ، طبعاً والصيام لك أن تفطر ، أجمل ما في هذا الدرس أن المؤمن الصادق لا يسافر إلا إذا تأكد أن سفره يزيده قرباً من ربه ويزيده عملاً صالحاً .







الختام