المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشمائل المحمدية


السعيد
07-22-2018, 05:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الاول )


الموضوع : أهمية دراسة السيرة وحكمها في الإسلام








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ في دروسٍ سابقة تحدَّثنا عن التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وفي عشرين درساً تحدَّثنا عن عشرين تابعياً، حيث عُرضت جوانب من شخصياتهم، ومن مواقفهم، ومن سموِّهم، وقبلها كان الموضوع حول الخلفاء الراشدين، وقبل الخلفاء الراشدين كان الموضوع حول صحابة رسول الله.
والآن ننتقل إلى نوعٍ جديد من ألوان السيرة النبويَّة، ألا وهي شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
وقبل كل شيء يمكن أن نتناول حياة النبي بحسب التسلسل الزمني، وهذا هو المنهج عند أكثر كُتَّاب السيرة، وهناك منهجٌ آخر، وهو أن نتناول من شخصية النبي جوانبه المتعدِّدة ؛ رحمته، وعلمه، وأخلاقه، وحلمه، وشجاعته، وعفوه، وما إلى ذلك، لذلك نبدأ الدرس الأول من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقبل أن ننتقل إلى شمائله واحدةً واحدة لابدَّ من مقدِّمةٍ دقيقةٍ حول وجوب دراسة سيرة النبي، ودراسة شمائله، وما الدليل على ذلك ؟
إخواننا الكرام ؛ ما من حركةٍ يتحرَّكها الإنسان إلا ولها حكمٌ شرعي ؛ إما أنها فرض، وإما أنها واجب، وإما أنها سُنَّة، وإما أنها مباحة، أو مكروهة كراهة تنزيهيَّة، أو كراهة تحريميَّة، وإما أنها حرام، فالمؤمن أيَّة حركةٍ يتحرَّكها ينبغي له أن يعرف حكم الشرع فيها، يا ترى قراءة سنة النبي، وسيرته، وحضور هذا المجلس، يا ترى مباح، أم واجب،أم مستحب، أم فرض ؟ وما الحكم الشرعي في معرفة سُنَّةِ النبي ؟
وإذا قلنا: سنة النبي، فيجب أن تعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم له أقوال، وأفعال، وإقرار، فإذا حصل شيء أمامه، وبقي ساكتاً فهذا صحيح، لأن النبي مشرِّع، وسكوت النبي دليل إقراره لما يجري.
عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:
((طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ قَالَ وَمَا يُدْرِيكِ قُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ قَالَتْ وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ))
( البخاري)
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أقواله، وأفعاله، وإقراره سُنَّة، فيا ترى معرفة سنة النبي في أقواله وأفعاله وإقراره، وصفاته، مجموع هذه الأشياء اسمها سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويا ترى الحكم الشرعي هل من المستحب أن نقرأها، أو أن نستمع إليها، أم أنه واجب، أم أنه فرض ؟ سأبيِّن لكم في هذا الدرس أن معرفة سُنة النبي صلى الله عليه وسلَّم بكل أنواعها من أقوالٍ، وأفعالٍ، وإقرارٍ، وصفات فرض عين.
الآن إذا قلنا: فرض، فما معنى الفرض ؟ أي يعاقب تاركه، ويثاب فاعله، والفرض له أدلَّة في القرآن الكريم، فما الدليل على أن معرفة سنة النبي فرض ؟ والفرض نوعان كما تعلمون ؛ فرض عين، وفرض كفاية، فلو فرضنا أنّ مؤمنين مسلمين في بلد يفتقرون جميعاً إلى اختصاص معيَّن، وتعلُّم هذا الاختصاص فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكُل، فعلم المواريث فرض كفاية، يكفي الشام خمسة علماء مواريث، وعلم التجويد فرض كفاية ـ والتبحُّر في علم التجويد ـ لكن تلاوة القرآن تلاوةً صحيحة فرض عين، لقوله تعالى:
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)﴾
( سورة المزمل )
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾
( سورة البقرة: من الآية " 121 " )
لكن التبحُّر في علم التجويد فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكُل، فالفرض له مرتبتان ؛ فرض كفاية وفرض عين، وستفاجؤون أن معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلَّم بكل أنواعها ؛ أقوال، وأفعال، وإقرار، وصفات فرض عينٍ على كل مسلم، والآن طالبوني بالدليل ؟ يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )
واعلموا أن هذا الذي يدعوكم إلى طاعة الله هو رسول الله، يا ترى إذا قال الإنسان: هذا رسول الله، فهل انتهى العلم ؟ وهذا ليس علماً، هذه إشارة، وهذا تقليد، وثمة فرقٌ كبير بين التقليد وبين العلم، والله عزَّ وجل قال:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
( سورة محمد: من الآية " 19 " )
هل يكفي أن تردِّدها ؟ لا، لا يكفي، وهل يكفي أن تشهد أنه لا إله إلا الله، ولا تعلم فحواها ومضمونها ؟ لا يكفي، إذا قال الله عزَّ وجل:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
ينبغي أن يكون علمك يقينياً مع الدليل الإجمالي والتفصيلي، وبإمكانك أن تردَّ الشبهات، فما معنى العلم ؟ العالِم يعرف الحقيقة، ويعرف البرهان عليها، ويستطيع أن يردَّ الشبهات التي تُطرح فيها، فهذا العالم، وقياساً على:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
يقول الله عزَّ وجل:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )
علم، والعلم يقتضي البحث، والدرس، والتأمُّل، والأدلَّة، والبراهين، والقدرة على رد الشبهات، وهناك آلاف الشبهات يطرحها أعداء الإسلام على النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الشبهات أنه مزواج يحب النساء، فهل عندك القدرة على أن ترد هذه الشبهة عن النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟
لقد تزوَّج السيدة خديجة، وهي أكبر منه بخمسة عشرَ عاماً، وعاش معها ربع قرن، ولم يفكِّر في امرأةٍ أخرى، فلو أنه كان مزواجاً -كما يقولون - أو يحب النساء لاختار من أجمل فتيات قريش، وهو من أرومتها عليه الصلاة والسلام، إذاً قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )
وهذا دليل أن معرفة رسول الله فرض عين على كل مسلم، فيجب أن يحصل لك العلم، والعلم لا شك، ولا وهم، ولا ظن، ولا تقليد فيه، فعلاقةٌ بين شيئين مقطوعٌ بصحَّتها عليها دليل يطابق الواقع، فإن لم تطابق الواقع فهي الجَهل،و إن لم يكن عليها دليل فهي التقليد، وإن لم يكن مقطوعاً بها فهي الشك، والوهم، والظن، وهذا العلم، فإذاً لابدَّ من معرفة رسول الله معرفةً يقينيَّة، حيث إن كل خليَّةٍ في جسمك تؤمن أن هذا الإنسان رسول الله.
هناك افتراءات كثيرة كقولهم: هذا الإنسان عبقري، لا ليس عبقرياً، بل هو نبي ورسول، ذكي، لا، هو ذكي ولكن هذا الوصف لا يليق به، يليق به أنه رسول الله يوحى إليه، فالأجانب دائماً يريدون أن يخلعوا عن النبي صفة النبوَّة والرسالة، وأن يصبغوه بصفة الإصلاح ـ مصلح كبير، عبقري، شخصيَّة فذَّة ـ هذا كله لا نقبله، إنه عبدٌ من عباد الله سبق الخلق طُرًّا، وكان في قمة البشريَّة معرفةً، وطاعةً، وإنابةً وإقبالاً، فاصطفاه الله على علم، وجعله سيِّد الخلق، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))
( رواه مسلم )
الآن الدليل الآخر على أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين قوله تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾
( سورة المؤمنون )
هذا دليل ثانٍ، فالله عزَّ وجل يحضُّنا بهذه الصيغة، الأولى: واعلموا، فعل أمر، وكل فعل أمرٍ يقتضي الوجوب، أما الدليل الثاني:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
هناك حضٌ على معرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
والدليل الثالث، يقول الله عزَّ وجل:
﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8)﴾
( سورة التغابن )
فالنور الذي أنزلنا هو القرآن الكريم، إذاً الله عزَّ وجل يأمرنا أن نؤمن به، وأن نؤمن برسوله، وأن نؤمن بكتابه.
وشيء خطير أقوله لكم: العقل البشري ضمن إمكانيته أن يوصلك إلى الله، وإلى كتابه، وإلى رسوله، بالعقل ؛ أن تؤمن بالله من خلال هذا الكون الذي هو مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، أن تؤمن بكتاب الله من خلال إعجازه ؛ الإعجاز العلمي، والبياني، والإخباري، والتشريعي، والتربوي، الإعجاز هو أكبر دليل على أن هذا الكلام كلام الله.
هناك إعجاز إخباري، وفي القرآن غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل، وإعجاز علمي، و سمَّاه العلماء: (السبق العلمي )، أي إن القرآن أشار إلى حقائق ما كان يعرفها أحدٌ إلى الآن، هذه الحقائق يستحيل على البشر الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يصلوا إليها، فأنت تؤمن بالقرآن من خلال الإعجاز، وتؤمن بالنبي من خلال القرآن، فالذي جاء بهذا القرآن المُعجز هو رسول الله، إذاً عندما قال ربنا:
﴿فَآَمِنُوا﴾
( سورة التغابن: من الآية " 8 " )
أي أنتم مؤهَّلون بعقولكم أن تؤمنوا بالله وكتابه ورسوله، وهذا دليل ثالث.
وعندنا دليل رابع:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
( سورة هود: من الآية " 120 " )
فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقصُّ الله عليه من أنباء الرسل، جميع الرسل دونه، وهو في قمَّتهم، يثبتُ قلبه بأنبائهم، فكيف بقلوبنا إذا تُلِيَت عليها أنباء النبي عليه الصلاة والسلام؟
الدليل الخامس:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
( سورة سبأ: من الآية " 46 " )
إذاً الله عزَّ وجل يعظنا أن نجتمع، ونتدارس فحوى دعوة النبي.
الدليل الأول:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )
والدليل الثاني:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
( سورة المؤمنون )
والدليل الثالث:
﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾
( سورة التغابن: من الآية " 8 " )
والدليل الرابع:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
( سورة هود: من الآية " 120 " )
هذا أسلوب خبري.
والدليل الخامس:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
( سورة سبأ: من الآية " 46 " )
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام رعاه الله عزَّ وجل رعايةً مباشرة..
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
( سورة الضحى )
وتولَّى الله تعليمه، وكل إنسان دخل جامعة، وتخرَّج منها يزهو بها، ويفتخر، ولاسيما إن كانت هذه الجامعة عريقة، ويقول لك: أنا خريج السوربون، فلان معه مثلاً بورد، وكل إنسان يزهو بجامعته التي علَّمته، بل ربَّما يزهو بالأساتذة الكبار الذين علَّموه، فإذا زها كل عالمٍ بأستاذٍ من بني البشر، ألا يحق للنبي عليه الصلاة والسلام أن يزهو بأن الله خالق الأكوان هو الذي علَّمه ؟
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6)﴾
( سورة النجم )
ألا يحق لهذا النبي العظيم أن يزهو أنه أُمِّي ؟ والأميَّة في حقِّه كمال، لأن الله سبحانه وتعالى حجزه عن ثقافات العصر، وجعل علمه خالصاً من الله عزَّ وجل، فإذا تكلَّم لم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، وعندما يدرس الإنسان كثيرًا، وتكون له ثقافة واسعة، يتكلَّم أحيانًا كلامًا فينزلق إلى عرض ثقافته، وقد تكون كلماته غير صحيحة، أو لم يتحقَّق منها، أو تفتقر إلى البُرهان، لكنه قرأها وهي طريفة، فالإنسان إذا أراد أن يتكلَّم من ثقافته فإنه يخطئ ويُصيب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كلُّ الذي قاله لأمَّته وحيٌ يوحى، ولهذا علماء الأصول قالوا: هناك وحيٌ متلو هو القرآن، ووحيٌ غير متلو هو السُنَّة.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾
( سورة العلق )
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
( سورة الأعلى )
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾
( سورة فصلت: من الآية " 6 " )
انظر إلى هذه الآيات كلِّها، فإنّ الله عزَّ وجل تولَّى رعايته، والعناية به، وتعليمه بشكلٍ مباشر، وهذا جانب من جوانب شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: ((إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ))
( من صحيح البخاري عن أبي هريرة )
أي له من الله خاصيَّةٌ ليست لبني البشر، وهذا أول وجه، وعندنا خمس أدلَّة من الكتاب والسُنَّة، كلها تؤكِّد أن معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلَّم فرض عينٍ على كل مسلم.
وعندنا دليل من نوع آخر، وهو قاعدة أصوليَّة: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الوضوء فرض، والوضوء ليس صلاةً، ولكن لأن الصلاة لا تتم إلا به، والصلاة فرض، فالوضوء فرض، هذه قاعدة: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والآن يقول الله عزَّ وجل:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من الآية " 7 " )
فالأدلَّة الأولى أدلَّة مباشرة..
﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾
( سورة التغابن: من آية " 8 " )
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من آية " 7 " )
الأدلَّة الأولى أدلَّة غير مباشرة، إذا قال الله عزَّ وجل:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من الآية " 7 " )
كيف، نأتمر وكيف ننتهي إن لم نقف على أقوال النبي وأوامره ؟ وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 12 " )
كيف يكون النبي أسوةً حسنة إن لم نعرف هذه السيرة ؟ إذاً فنحن الآن مأمورون بشكلٍ غير مباشر بمعرفة أقواله، وأفعاله كي نطبِّق قوله تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من الآية " 7 " )
وكي نطبِّق قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية " 12 " )
والآن بشكلٍ أوضح قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 13 " )
أي إن الله جعل علامة حبِّه اتباع نبيِّه، لأنه كَثُرَ مُدَّعو محبَّته، فطُولِبوا بالدليل..
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
أما كل الدعاوى التي تقول: إن فلانًا يحب الله، ولا يتبع سنة النبي، فهذه دعوى باطلة زائفة، وهذا نوعٌ من الدجل، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾
( سورة الأعراف )
فربَط الهدى باتباعه، وربط محبَّته باتباعه، فاتباعه علامة الهدى، واتباعه علامة محبة الله عزَّ وجل.
وأصحاب النبي عليهم رضوان الله أقبلوا على النبي إقبالاً عجيباً، وتعلَّقوا بمحبَّته تعلُّقاً شديداً، بل إنهم كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على تقليده في كل أفعاله، لذلك قالوا: " عادات السادات سادات العادات " أي أن أرقى عادة أن تقلِّد نبياً أو رسولاً، وعاداته، وأحواله، أطواره، في بيته، ومع إخوانه، وحتى العادات، لأنّ عادات السادات سادات العادات، فكيف بعادات سيِّد السادات النبي عليه الصلاة والسلام ؟
أيها الإخوة ؛ الوجه الأول هناك أمرٌ مباشر لمعرفة النبي، وهناك أمرٌ مباشر لاتباع النبي، واتباع النبي يقتضي معرفة سنته، ويقتضي معرفة سيرته.
وعندنا أمر ثالث، وقد يبدو لكم غريباً، أما فهو مألوف عندكم..
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
( سورة التوبة: من آية " 24 " )
هذا كلام خطير، لأنك مكلَّف أن تحب الله ورسوله أكثر من آبائك، وأبنائك، وزوجتك، وعشيرتك، والأموال، والبيوت، والتجارة، والمساكن، ولكننا نريد أن نكون واقعيين، فكيف تحب النبي أكثر من أهلك، وأولادك، وأهل بيتك، وآبائك، وأبنائك، وتجارتك، ومن دخلك الكبير، ومن بيتك الواسع، كيف تحب النبي أكثر من كل ذلك ؟
لذلك فالحقيقة لن تحب النبي أكثر من هذه الأشياء إلا إذا عرفته، أما إذا لم تعرفه فلن تحبه، وإذا أحببته باللسان، فالمعوَّل على ما في القلوب، وما يقوله اللسان لا قيمة له إطلاقاً، لذلك ربنا عزَّ وجل في أكثر الأحيان يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمُ﴾
عقب آيات الدعاء، أي إنه سميعٌ لأقوالكم، ولكنَّه عليمٌ بما تنطوي عليه القلوب، إذاً ما دام الله عزَّ وجل يأمرنا أن نحب النبي أكثر من آبائنا فكيف ذلك ؟
هذه المرأة الأنصاريَّة تبدو غريبة، فقد بحثت عن أبيها عقب معركة أُحُد، فإذا هو مقتول، ورأت ابنها مقتولاً، وأخاها مقتولاً، وزوجها مقتولاً، وتقول: " ما فعل رسول الله ؟ "، إلى أن وصلت إليه وأمسكت بطرف ثوبه وقالت: (( يا رسول كل مصيبةٍ بعدك جلَل))
(تاريخ الطبري(2/74)، والسيرة النبوية لابن هشام(4/50) عن سعد بن أبي وقاص)
أي هيِّنة.
هذا الوضع يبدو لكم نادراً، وهذا هو الأصل في الإيمان ؛ أن تحب الله ورسوله أكثر من آبائك، وأبنائك، وزوجتك، وعشيرتك، وتجارتك، ومسكنك، وأموالك كلها، لكن كيف تحب النبي أكثر من هذه كلها ؟ لابدَّ من معرفته.
لو سألنا علماء النفس هذا السؤال: الإنسان من يحب ؟ من الذي يحبه ؟ لقالوا: الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال.
أي إن الإنسان الأخلاقي محبوب، فالعفو محبوب، والكريم محبوب، والعدل محبوب، والإنسان يحب مكارم الأخلاق، وإنْ لم يكن له علاقةٌ مباشرة مع هذا الإنسان الكامل، فلو سمعت عن رجلٍ في أعلى درجات القوة، واستفزَّه إنسان، وعفا عنه، سوف تعجب من هذا الخُلُق ؟ فالإنسان يحب الكمال، ويحب الجمال، ويجب النوال، ولو أنّ إنسانًا دميمًا أعطاك ثمن بيت، وقال لك: اسكن في هذا البيت، يمكن أنك لن ترى أجمل منه، بل تحبه حباً لا حدود له، فما دام الإنسان يحب الكمال، ويحب الجمال، ويحب النوال فالنبي عليه الصلاة والسلام كمالٌ، على جمال، على نوال.
و َأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني وَ أجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشـاءُ
* * *
وهو بهيُّ الطلعة، يتلألأ وجهه نوراً، لكن ماذا فعل مع أمته ؟ أدخلهم في سعادةٍ لا تنتهي، أي إن خيره عمَّ الخلائق، وجعله الله رحمةً مهداة، ونعمةً مسجاة، وأرسله للعالمين قاطبةً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجمع في شخصيَّته بين الكمال، والجمال، والنوال، فلذلك من أجل أن تحبَّه كما أمرك الله عزَّ وجل يجب أن تتعرَّف إلى كماله، وإلى أخلاقه، وشمائله، ويجب أن تكتشف مقدار الخير العميم الذي أصابك منه.
فالآن أنت مسلم، أي إن عقيدتك صحيحة، فهذا النبي الكريم عرَّفك بالله، وبالمنهج، وبالطريق الموصلة إلى الله عزَّ وجل، وبمكارم الأخلاق، فكان قدوة لك بالعفو، والرحمة، والصبر، والشجاعة، وبالبذل، والسخاء، فإذا كنتَ على شيء من الكمال، وعندك عقيدة صحيحة، وتصوُّر صحيح، ومنهج قويم، وشعور بالرضا، هذا كله من فضل النبي عليه الصلاة والسلام..
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾
( سورة النور: من الآية " 21 " )
﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
إذاً أنت الآن مكلَّف أن تعرفه، ومكلَّف أن تتبعه، فينبغي أن تعرفه، لأنّ المحبَّة تحتاج إلى معرفة.
وهنا أمرٌ رابع، هؤلاء الذين لم يشاهدوا النبي، ولم يلتقوا معه، ولم يُتَح لهم أن يروه رأي العين، هؤلاء الذين سمعوا به، كيف يمكن أن يأخذوا الحد الأدنى من معرفته ؟ إذا قرؤوا سيرته، وأوصافه، وشمائله فكأنك تراه بعينك، فصارت معرفة سيرة النبي هي البديل من أن تراه بعينيك، أو أن تلتقي به.
هذه أيها الإخوة، بعض الأدلَّة التي يمكن أن تكون أدلَّةً قطعيَّةً تدفعنا إلى معرفة النبي، وفي الأخير دليل عملي، يقول الله عزَّ وجل يخاطب النبي:
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
( سورة التوبة: من الآية " 103 " )
وفي آية أخرى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
( سورة الأحزاب )
فهاتان الآيتان تشيران إلى أنك إذا اتصلت بالنبي بأي نوعٍ من الاتصال ؛ بأنْ ذكرته، أو زُرت قبره، أو قرأت سُنَّته، أو قرأت شمائله، أو تصوُّرته، فأي نوعٍ من أنواع الاتصال يعود عليك بالسكينة والسرور..
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
( سورة التوبة: من الآية " 103 " )
فإذا ذكرته أفاض عليك من أنواره، وأفاض عليك من تجليَّاته..
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
( سورة الأحزاب )
فاجتمع عندنا خمسة وجوه لمعرفة شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، فرض عين، أي إنك إذا أتيت إلى مسجدٍ كي تتعرَّف إلى النبي فأنت ما زدت عن أن فعلت الفرض، ونحن يوجد عندنا خطأ كبير هو أن معظم المسلمين يتوهَّمون أن الفرائض هي فقط الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، غير أنّ كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت أمام مئة ألف أمر في القرآن الكريم، فإذا كنت مؤمناً حقاً، قال لك:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )
هذا دليل.
﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
( سورة التغابن: من الآية " 8 " )
ودليل ثانٍ.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
( سورة المؤمنون: من الآية " 69 " )
ودليل ثالث.
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
( سورة سبأ: من آية " 46 " )
طبعاً اسمحوا لنا لنصف درس فقط أن نتحدَّث عن شكل النبي ؛ عن لونه، عن وجهه، عن طوله، إنه شيء لطيف، ولأن العلماء قالوا: إذا رأيت النبي في الرؤيا الصالحة، ولم يكن على هذه الصفات فهذا ليس النبي، ومن شرط أن تكون رؤيتك للنبي رؤيةً حقيقيَّةً له أن تراه وفق الصفات التي وردت في السيرة، أمَّا أن يشاهد النبي أسمر طويلاً طولاً بائنًا، فهذا ليس النبي، إنه يتوهَّم ذلك، إذاً لابدَّ من معرفة شكل النبي عليه الصلاة والسلام.
عَنِ الْبَرَاءِ يَقُولُ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ))
( رواه البخاري)
وعنه رضي الله عنه: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ـ كتفه بعيد ما بين المنكبين، أي عريض المنكبين ـ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
( رواه مسلم عن البراء )
وعن عليٍ رضي الله عنه أنه قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
(رواه الإمام أحمد)
وروى البيهقي وغيره أن رسول صلى الله عليه وسلَّم ليلة هاجر من مكة إلى المدينة، هو وأبو بكرٍ وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أُرَيْقِط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد ـ عاتكة بنت خالد الخزاعيَّة ـ وكانت أم معبد امرأةً برزةً، أي جليلةً مسنَّة، جلدةً ـ أي قويَّة ـ تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي من يمر بها، فسألوها: هل عندها لحمٌ أو لبن يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك، وقالت: " والله لو كان عندنا شيءٌ ما أعوزناكم القِرى ـ أي ما أحوجناكم ـبل كنا نضيفكم ـ لو عندنا ما بعناكم، بل كنا نضيِّفكم ـ وإن القوم مرملون مسنتون ـ أي أصابتهم سنةٌ جدباء ـ "، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شاةٌ في كِسر خيمتها ـ أي في جانب خيمتها ـ فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد؟ ". قالت: " شاةٌ خلَّفها الجهد عن الغنم " أي إنها هزيلة ضعيفة، فقال عليه الصلاة والسلام: " فهل بها من لبن ؟ "، فقالت: " هي أجهد ـأي أضعف ـ من ذلك ". فقال: " أتأذنين أن أحلبها؟". النبي بالهجرة كانوا جائعين، فقالت: " إن كان بها حلبٌ فاحلبها ". وفي رواية قالت: " نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها".
( من مجمع الزوائد: عن " حبيش بن خالد " )
فدعا النبي صلى الله عليه وسلَّم بالشاة ـ أي طلبها ـ فمسحها، وذكر اسم الله، ومسح ضرعها، وفي روايةٍ مسح ظهرها، وذكر اسم الله، ودعا بإناءٍ لها يُربِض الرهطَ، أي يشبع الجماعة.
فهذه الشاة الضعيفة الهزيلة درَّت، فحلب فيها ثجًّا، أي كميَّةً سائلةً غزيرةً، حتى ملأه ـ ملأ هذا الوعاء ـ فسقى أم معبد، بمن بدأ النبي ؟ بصاحبة الشاة، فسقى أم معبد، وسقى أصحابه فشربوا عللاً بعد نهلٍ، أول شربة والثانية، معنى هذا أنهم جائعون، حتى إذا رووا شرب صلى الله عليه وسلَّم آخرهم، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا))
(مسلم، والترمذي)
ثم حلب صلَّى الله عليه وسلم ثانيًا عوداً على بَدْءٍ فغادره، أي تركه عندها، وفي روايةٍ قال لها: " ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءكِ "، فما هذا الفهم ؟!! أسقاها أولاً، وترك لزوجها ثانياً، وسقى أصحابه، وشرب آخرهم.
قال: ثم ارتحلوا، فما لبثت إلا قليلاً حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هُزْلى، فلما رأى اللبن عجب وقال: "من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوب في البيت، والشاء عاذب ؟ ـ أي ما ذهبت إلى المرعى ـ ". فقالت: " لا والله إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك، كان من حديثه كذا وكذا "، وفي روايةٍ: " كيت وكيت". فقال: " صِفِيِه يا أم معبد "، قالت:" رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثَجْلَة ـ الثجلة كبر البطن ـ ولم تزرِ به صعلة ـ أي صغر الرأس ـ قسيمٌ وسيم ـ أي يجمع من كل حسنٍ قسماً، وهو وسيم أي جميل ـ في عينيه دعجٌ ـ الدعج هو شدة سواد حدقة العين ـ وفي أشفاره وطفٌ ـ أي كثرة شعر الحاجبين والعينين ـ وفي صوته صحلٌ ـ أي بحَّةٌ محبَّبة، في بحَّة بالصوت جميلة جداً ـ أحور ـ أي شدة بياض العين وسوادها ـ أكحل ـ سوادٌ في أجفان العين خلقةً، كأنهم مكحَّلين ـ أزجُّ ـ أي دقيق طرف الحاجبين، حواجبه دقيقة ـ أقرن ـ أي متصلة ـ في عنقه سطعٌ ـ أي ارتفاع عنقه طويلة، وهذه صفة بالإنسان محبَّبة ـ وفي لحيته كثاثة ـ شعره كثيف ـ إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلَّم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، كلامه فصلٌ لا نزرٌ ولا هدرٌ، كأن منطقه خرزات نظمٍ ينحدِرن، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، ربعةٌ لا تشنأه عينٌ من طولٍ، ولا تقتحمه عينٌ من قصرٍ ـ لا هكذا ولا هكذا أي أنه معتدل ـ فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قداً، له رفقاء يحفُّون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفودٌ محشودٌ لا عابثٌ ولا مفنِّد ".
قال أبو معبد: " هذا والله صاحب قريش الذي تطلب - في أثناء الهجرة - ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً "، ثم هاجرت مع زوجها إلى النبي، وأسلما.
روى الإمام مسلم والترمذي عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قُلْتُ لَهُ: ((أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الْوَجْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا مَاتَ أَبُو الطُّفَيْلِ سَنَةَ مِائَةٍ وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
وفي رواية عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا))
(مسلم)
أي مكتمل ومعتدل في كل أوصافه، قصد، مقصَّداً.
وكان صلَّى الله عليه وسلَّم أحسن الناس وجهاً، وأنورهم محيَّا، اجتمعت كلمة الصحابة الذين وصفوه على أنه كان منير الوجه مشرق المُحَيَّا، فمن الصحابة من ضرب المثل لبهاء نوره، مثَّله بالشمس فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ))
(أحمد)
وقال الإمام الغزالي: " يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر: أمينٌ، مصطفى للخير، يدعو كضوء البدر زايله الظلام ".
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ((يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً))
(رواه الدارمي)
وقال بعض أصحاب رسول الله: " كان فخماً مفخَّماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ".
على كلٍ فهو كما قال حسَّان بن ثابت:
و َأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني وَ أجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشـاءُ
***
إخواننا الكرام علَّمنا النبي اللهمَّ صلِّ عليه، أنك إذا وقفت أمام مرآة ورأيت وجهًا أولاً: سليم من العيوب، عينان، أذنان، أنف، فم، وجه، فكان النبي يقول كما في حديث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي))
( أحمد)
وقال بعض الشعراء:
جمال الوجه مع قبح النفوس كقنديلٍ على قبر المجوسِ
* * *
أي إن الإنسان إذا كان جميل الصورة، من أجمل ما يكون، فعليه أن يتبع هذا الجمال بجمال الخُلُق، فإذا اجتمع جمال الخُلُق مع الخلق فهذا شيء رائع، والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أجمل الناس، ومن أكثرهم وضاءةً، وإشراقاً، وتلألؤاً، ونوراً، وكانت أخلاقه في قمم الأخلاق.
ولا نريد أن نطيل عليكم في موضوع الأوصاف الظاهريَّة للنبي عليه الصلاة والسلام، والله عزَّ وجل خلقه بالكمال المطلق، لكن الذي يعنينا أن نتبع سُنَّته.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نصل إلى الحديث عن شمائله واحدةً واحِدةً بشكلٍ تفصيلي، والله سبحانه وتعالى الموفِّق.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : نظافتة صلى الله علية وسلم








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثاني من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، والموضوع اليوم عن نظافته صلَّى الله عليه وسلَّم وأمره بالنظافة.
فقد كان صلى الله عليه وسلم أنظف خلق الله تعالى بدناً، وثوباً، وبيتاً، ومجلساً، فلقد كان بدنه الشريف نظيفاً وضيئاً ـ وضاءة النظافة ـ وكان كما وُصِف أنور المُتجرِّد، أي أن الأعضاء المجرَّدة من الثياب مُنيرة، وهذه الإنارة أسبابها كثرة النظافة، متألِّقة.
وفي الصحيحين عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال:
((مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ عَرْفًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ عَرْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
وعن أبي قِرْصافة قال: ((ذهبت أنا وأمي وخالتي فأسلمن وبايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحن، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده منصرفين قالت لي أمي وخالتي: يا بني ! ما رأينا مثل هذا الرجل، ولا أحسن منه وجها، ولا أنقى ثوبا ولا ألين كلاما! ورأينا كأن النور يخرج من فيه ـ أي من فمه ـ ))
(من كنز العمال: عن " قرصافة " )
فهو صلى الله عليه وسلَّم أنظف خلق الله بدناً، وأنقاهم ثوباً، وكان صلى الله عليه وسلَّم يستاك حين خروجه من منزله، وحين دخوله.
وهذه صفة النبي في نظافة بدنه، وثيابه، وبيته، ومجلسه. والتألُّق الذي ورد في هذه الأحاديث تألُّق العناية، وتألُّق النظافة.
الآن سيكون الدرس من الآن حتى نهايته في التوجيهات النبويَّة التي وجَّه بها النبي أصحابه الكرام في شأن النظافة، لتروا معي أن النظافة جزءٌ من الدين، وأن النظافة لا تُجزَّأ، نظافة القلب، ونظافة السريرة، ونظافة النيَّة، ونظافة الهدف، ونظافة البدن، ونظافة الثياب، ونظافة المَجلس، ونظافة البيت، فالنظافة جزءٌ من الدين لا يتجزَّأ.
فقد روى الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ))
والأفنية ساحات الدور، فالإنسان النظيف يجذب الناس إليه، والمحل النظيف يجذب الزبائن إليه، والبيت النظيف مُريح، والثوب النظيف مريح، والنظافة شيء وفخامة الثياب شيءٌ آخر، فالأغنياء يشترون أغلى الثياب، ولكن الفقراء يستطيعون أن ينظِّفوا ثيابهم، فنظافة الثوب دليل التديُّن، أما ارتفاع ثمن الثوب فدليل الغنى، أما علامة تديُّنك الصحيح نظافة الثوب، وعلامة غناك ارتفاع ثمن الثوب، والذي يرفعك عند الله لا ثمن الثوب، ولكن نظافته.
وعن سليمان أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
(( استاكوا، وتنظفوا، وأوتروا ؛ فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر))
( من الجامع الصغير: عن " سليمان بن صرد " )
أي الدلك ثلاث مرَّات، والاستياك ثلاث مرَّات، والتنظيف ثلاث مرَّات، وغسيل الآنية ثلاث مرات.. ((استاكوا، وتنظفوا، وأوتروا ؛ فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر))
( من الجامع الصغير: عن " سليمان بن صرد " )
فأحياناً أرى نفسي أميل إلى توسيع معنى النظافة، لأنه قد يكون الكافر نظيفًا فيقال: كل يوم يغتسل مرَّتين مثلاً، ولكن النظافة شعورك الداخلي، النظافة الداخليَّة ؛ نظافة السلوك، نظافة المبدأ، نظافة الأهداف، من غير علاقات شائنة، ولا أشياء تستحي بها، هذا واضح كالشمس.. ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
( ابن ماجه عن العرباض )
حملني على توسيع معنى النظافة ليشمل نظافة الهدف، ونظافة الباعث، ونظافة القلب، ونظافة السريرة، ونظافة العلاقات، حملني على هذا التوسيع هو أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((لن يدخل الجنة إلا كل نظيف))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
لو حملناه على المعنى الضيِّق لكنا مُحْرَجِين، لأن عندنا قاعدة في الحديث: السبب الصغير لا يؤدي إلى نتيجة كبيرة، ((لن يدخل الجنة إلا كل نظيف))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
معنى ذلك أنّ النظافة شرطٌ لدخول الجنَّة، فهل يعقل أن تكون النظافة بمعناها الضيِّق ؟ نحن أحياناً نقول: فلان نظيف، ولا نقصد نظافة بدنه، ولا ثوبه، ولا بيته، ولا مجلسه، ولا دكَّانه، ولا مركبته، بل نقصد بالنظافة نظافة أخلاقه، وأهدافه شريفة، وعلاقاته كلها نظيفة واضحة، ليس ثمة أشياء يستحي بها.. ((لن يدخل الجنة إلا كل نظيف))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
لكن النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا فصَّل يحث على نظافة البدن، ونظافة الثوب، وهناك أحاديث تفصيليَّة تشير إلى النظافة بالمعاني الضيِّقة.
روى النسائي والإمام أحمد عن جابرٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ))
فغسل يوم الجمعة هذا واجبٌ على كل مسلم، ويوم الجمعة يوم عيد، أنا مُعجب ببعض الأُسَر الذين ينجزون أعمالهم يوم الخميس، فقد تجد بعض الأشخاص يقومون بالأعمال المتعبة، من التنظيف، وترتيب أركان البيت كله يوم الجمعة، هذا يوم عيد، وهذا يوم تحضر فيه صلاة الجمعة، وتجلس مع أهلك، فينبغي أن يكون هذا اليوم أجمل يوم في حياة المسلم، يوم تفرُّغ، ونظافة، وتألُّق، ويوم تزوُّد بالعلم، ويوم لقاء مع الأهل، فلذلك من صفات المسلم أنه يعتني عنايةً بالغةً بيوم الجمعة، ومن لوازم هذا اليوم أن تكون في أعلى درجات النظافة، فالحد الأدنى أن تغتسل يوم الجمعة، هذا الغُسل واجب ديني.. ((عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ))
( من سنن النسائي: عن " جابر " )
بالمناسبة أحد إخواننا الكرام أطلعني على نشرة من منظَّمة الصحَّة العالميَّة، ثلاثمئة مليون إنسان مصابون ـ قبل عامين في العالم كله ـ بأمراض أسبابها القذارة، وانتشار هذه الأمراض أقل ما يكون في العالَم الإسلامي بسبب الوضوء، والطهارة، والخِتان، وبسبب تنفيذ تعليمات النبي صلى الله عليه وسلَّم، والآن موضوع الإيدز، الشيء الذي يحيِّر العالم أن نِسَب هذا المرض أقل ما تكون في العالم الإسلامي، لأنه يعيش في ضوابط، والدين منهج.
روى مسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ))
هذه كلُّها من الفطرة، والبراجم هي الأماكن التي بين الأظفار واللحم، فإذا بالغَ الإنسان في تنظيف البراجم، ففي الأعم الأغلب البراز يحمل الجراثيم، وهناك أمراض كثيرة تنتقل عن طريق البراز، فكيف تنتقل ؟ حينما ينظِّف الإنسان نفسه، ربما لا يبالغ في تنظيف أصابع يده، والمكان الذي يمكن أن يستقر فيه آثار البراز هو البراجم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يبالغ في تنظيف البراجم وقايةً وطهارةً.
وقد وقَّت لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة ألاّ تترك أكثر من أربعين ليلة، والسُنَّة كل أسبوع، ولكن في أحوال قاهرة، في سفر، أو عمل، أو انشغال يجب ألاّ تزيد عن أربعين يوماً، عندئذٍ يقع في الإثم، مع أن الأظافر لو أخَّرتها إلى أسبوعين لظهر أنك مهمل في تقليم الأظافر.
الآن من توجيهاته صلى الله عليه وسلَّم، حثُّه على التنظُّف من آثار الطعام والشراب، فقد روى الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بُسْرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((قصوا أظافيركم، وادفنوا قلاماتكم ـ القلامة الظفر المقصوص ـ ونقوا براجمكم، ونظفوا لثاتكم ـ اللثَّة ـ من الطعام، واستاكوا، ولا تدخلوا علي قحرا بخرا))
( من الجامع الصغير: عن " عبد الله بن بسر " )
قحراً أي بأسنان صفراء من شدة الإهمال، بخراً رائحة فم كريهة.
وروى الترمذي عن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))
والوضوء هذا وضوء لغوي، وهناك وضوء شرعي، الوضوء الشرعي وضوء الصلاة، أما الوضوء اللغوي غسل اليدين والفَم، فالإنسان في أثناء النهار أمسك حاجة ملوَّثة، أمسك حذاءه بيده، أو صافح إنسانًا غير نظيف، أو وضع يده على مكان غير طاهر، فإذا أراد أن يأكل فعليه أن يغسل يديه غسلاً جيداً قبل الطعام وبعده، وأن يغسل فمه، هذا وضوء الطعام، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))
( من سنن الترمذي " عن سلمان " )
ولا تنسوا أن أكثر الأمراض المعدية أسبابها عدم العناية بالنظافة. ولعلَّ أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فهموا من الوضوء الوضوءَ الشرعي، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَقَالُوا أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ قَالَ إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ))
( من سنن الترمذي)
المعنى بالوضوء هذا غسل اليدين والفم فقط، أما الوضوء الشرعي فهو وضوء الصلاة، أما للطعام فغسل اليدين غسلاً جيداً.
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو نعيم عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((من كرامة المؤمن على الله تعالى نقاء ثوبه، ورضاه باليسير))
(الطبراني في الكبير عن ابن عمر)
وروى أبو نعيمٍ عن جابرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلَّم رأى رجلاً وسخة ثيابه فقال: ((أما وجد هذا شيئا ينقي به ثيابه ؟))
( من كشف الخفاء: عن " جابر " )
فعلى الإنسان أنْ يراقب ثيابه، فقد يكون فيها بقعة تثير الانتباه، وقد تكون جواربه غير مغسولة، أو أسنانه غير منظَّفة، فإذا دخل بيت الله عزَّ وجل، ودخل في الصلاة، كان أصحاب النبي يستاكون للصلاة، لأن هذا القرآن سيخرج من فمهم.
مرَّة قرأت أن الإمام مالك بن دينار - وكان من كبار العارفين بالله - كان يمشي في الطريق، فرأى إنساناً مخموراً قد أغمي عليه، والزبد حول شفتيه، ويقول: الله الله، فكَبُرَ عليه أن يخرج هذا الاسم العظيم من هذا الفم النَجِس، فما كان منه إلا أن غسل فمه، وهو في سكرةٍ، فلما أفاق قيل له: أتدري من غسل فمك ؟. قال: لا، قالوا: الإمام مالك بن دينار، فمن شدة تأثُّره وخجله تاب من توه توبةً نصوحا.
والإمام مالك فيما تروي الكتب أنه سمع وهو في المنام صوتاً يناديه ويقول:" يا مالك طهَّرت فمه من أجلنا، فطهَّرنا قلبه من أجلك "، وفي صبيحة اليوم التالي ذهب الإمام مالك إلى المسجد فرأى رجلاً يصلي ويبكي، ولفت نظره شدَّةُ بكائه فقال:" يا هذا من أنت ؟ " فقال:" إن الذي هداني أخبرك بحالي، شاهدنا في هذه القصَّة أن الإنسان لا ينبغي أن يلفظ اسم الله تعالى من فمٍ غير نظيف.
عَنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عَمَّتِهِ رُهْمٍ عَنْ عَمِّهَا عُبَيْدَةَ بْنِ خَلَفٍ قَالَ: ((قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَأَنَا شَابٌّ مُتَأَزِّرٌ بِبُرْدَةٍ لِي مَلْحَاءَ أَجُرُّهَا فَأَدْرَكَنِي رَجُلٌ فَغَمَزَنِي بِمِخْصَرَةٍ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ أَمَا لَوْ رَفَعْتَ ثَوْبَكَ كَانَ أَبْقَى وَأَنْقَى فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ بُرْدَةً مَلْحَاءَ أَمَا لَكَ فِي أُسْوَتِي فَنَظَرْتُ إِلَى إِزَارِهِ فَإِذَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَتَحْتَ الْعَضَلَةِ))
( من مسند الإمام أحمد )
فإنسان يمشي في المدينة وثيابه طويلة، يجرُّها على الطريق، يكنس بها الطريق، فقال له: " ارفع إزارك فإنه أنقى ـ أنظف ـ وأتقى ـ أي أكثر تواضعًا ـ وأبقى ـ لهذا الإزار من التلف ـ "، فقال: " إنما هي بردة ملحاء "، قال: " وإن كانت بردة ملحاء، أما لك في أسوتي؟، إنما هي بردةٌ ملحاء، أي مالها قيمة عندي، فقال عليه الصلاة والسلام: " أما لك في أسوتي ؟ "، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه عليه الصلاة والسلام.
ويقول عليه الصلاة والسلام في تنظيف البيوت والأفنية: ((فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُود))
( من سنن الترمذي: عن " ابن أبي حسَّان " )
ومن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلَّم في تنظيف المساجد ما رواه أبو داود والترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا))
( من سنن الترمذي)
فإذا رأى الإنسان قشَّة على أرض المسجد فوضعها في جيبه، هذا من العمل الصالح، وإنّ تنظيف المسجد عملٌ عظيم ورد في السُنَّة المطهَّرة.
كان في المسجد حصاة، هي إيذاء في المسجد، وأحيانا تقام حضرات فيأتون بسندويش، ويوزِّعون الحليب، فهذا بيت الله عزَّ وجل، أنا يؤلمني أن يُتخذ المسجد مكانًا للطعام، هو أرقى من ذلك، وأنا في العمرة الأخيرة لفتَ نظري أن الوضوء في المسجد الحرام أُلْغي، والوضوء والطهارة خارج بناء المسجد، لأن هذا المكان أقدس من أن تدخل إلى دورة مياه تغيِّر الوضوء، والوضوء خارج المسجد الحرام، وخارج المسجد النبوي الشريف، هذا تعظيم للمسجد.
وتميم الداري من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، كان في الشام فاشترى قناديل لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فلما وصل إلى المدينة أمر غِلْمَانه فركَّبوا هذه القناديل، وأسرجها يوم الجمعة، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام فرأى المسجد قد نوِّر فقال: " من فعل هذا ؟" فقالوا: تميم، فما كان عليه الصلاة والسلام إلا أن دعا وقال: " اللهمَّ نوِّر قلبه كما نوَّر بيتك"، وقال له:" لو أن عندي بنتًا لزوجتكها ". فقال أحد الصحابة: " عندي فتاة يا رسول الله أنا أزوِّجه إيَّاها "، فزوَّجه إيَّاها.
وستار الكعبة يُعطَّر دائماً، فإذا اقترب الإنسان من ستار الكعبة، ووضع يده على الملتزم يشم رائحة طيِّبة، وهذا من تعظيم شعائر الله عزَّ وجل، فكلَّما كان المسجد نظيفًا، فهذا شيء يدل على الإيمان، فإذا كان مهملاً دلَّ على ضعف الإيمان.
والشيء اللطيف في هذا الدرس عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ))
( من سنن الترمذي)
إنّ الإنسان يصلي قيام الليل في بيته، ويصلي السنة في بيته، ويصلي الفرض أحياناً مع أهله وأولاده، وكأن النبي أراد أن تكون أجمل غرفة، وقد تكون غرفة الضيوف فيها سجادة مريحة نصلي عليها، فهذا المكان في البيت سمَّاه النبي مسجدًا، وفي كل بيتٍ مسجدٌ لصلاة النوافل، وصلاة السنن، وصلاة الليل، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلَّم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّف وتطيَّب.
وعن سمرة بن جندب: ((أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ))
( من سنن الترمذي)
تحدَّثنا إذاً عن البيوت، وعن نظافة البدن، وعن نظافة الثوب، وعن نظافة الفم، وعن نظافة المسجد.
ويحث النبي صلى الله عليه وسلَّم على نظافة الطرق والساحات العامَّة، وينهى عن تلويثها، والآن ترى إنسان يركب مركبة مثلاً، ويأكل حاجة فيرميها من النافذة، ومثله من الموز كثير، ورمي هذه القشرة قد تسبِّب كسر إنسان، أليس كذلك ؟ وغير الكسر، شارع نظيف، فالإنسان يخجل أن يرمي ورقة في ساحة نظيفة، فلذلك المُسلم لا يؤذي الطرقات، ولا يؤذي الساحات العامَّة، وأحياناً يضعون براميل أو أماكن لوضع المهملات، فكأن الإنسان يحافظ على نظافة هذه البراميل، لا على نظافة الطرق،تجدها فارغة ولا يستعملها أحد، فكل شيء يلقى في الطريق. وأحياناً الإنسان يقوم بنزهة فيترك قشور الفواكه، والأكياس، وبقايا الطعام، ويمشي، وكل مكان جميل تجد فيه بقايا الطعام، وبقايا علب مفتوحة، إنه منظر بشع، فهذا المكان الجميل أيعقل أن يكون هكذا ؟.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))
أنتم تعرفون أن أكثر الحرائق في الغابات أساسها سجارة، ولقد حدَّثني أخ عن طائرة تقل أربعمئة وخمسين راكبًا في موسم الحج، تنطلق إلى شرق آسيا، وثمة حاج أراد أن يشرب الشاي الساخن مِن صُنعِه في الطائرة، فأشعل الغاز، ووضع إبريق الشاي، فاحترقت الطائرة، فلما حلَّق الطيار في الجو وجد حريقًا فأخبر المطار، والحريق عطَّل الدارات الكهربائيَّة في الطائرة، وهبط على أرض المطار، واحترقت الطائرة ولم ينجُ أحد، أربعمئة وخمسون راكبًا احترقوا، لأن هذا الحاج أراد أن يشرب كأسًا من الشاي في الطائرة، أمسلم هذا ؟.
فإيذاء الناس، والاستخفاف بالممتلكات العامَّة، وإيقاع الأذى من أجل كأس شاي، أو يشوي لحمًا فيحرق غابة، ويقول لك: كل احتراق الغابات - خمسة آلاف دونم - الآن جبال بأكملها محروقة أسبابها سوء انضباط، وجهل، فالمسلم يجب أن يكون أرقى إنسان.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : تجملة صلى الله علية وسلم










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وموضوع درس اليوم تجمُّله صلى الله عليه وسلَّم.
فكان صلى الله عليه وسلَّم يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، ويأمرهم أن يكونوا بمظهرٍ حسن، وهذا يعني نظافة البدن، ونظافة الثوب، وترجيل الشعر، وقصَّ الأظافر، وأناقة الثياب، هذا هو التجمُّل، وكل إنسان يتجمَّل بقدر إيمانه، فكان عليه الصلاة والسلام يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، فقد روى البيهقي أنه كانت له حُلَّةٌ يلبسها للعيدين والجمعة.
فبصراحة المؤمن الكامل له ثياب جديدة يرتديها في المناسبات، لأن المؤمن لا يمثل شخصه، بل يمثِّل هذا الدين الذي ينتمي إليه، فلا ينبغي أن يكون في ثيابه خطأ فاحش، ولا في ثيابه سبب للازدراء، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة، وثياب خاصَّة، الآن لابدَّ من ثياب في عقد قِران، وفي احتفال، وفي يوم العيد، وفي زيارة، وفي اجتماع، وفي مقابلة مع شخص، لأنك حينما تدخل على مجتمع، أو حينما تلتقي بإنسان، وأنت ساكت يقيِّمك من ثيابك، فإذا تكلَّمت نسي ثيابك، فإذا عاملته نسي كلامك.
مظهر، ثم كلام، ثم معاملة، والمعاملة تنسي الكلام، والكلام ينسي الهَيْكَل، فإنسان أنيق تكلَّم كلمات بذيئة لا قيمة لأناقته، أذكر مرَّة إنسانًا يرتدي ثياب جميلة، وتكلَّم كلامً بذيئًا، فقال له واحد من وجهاء الأحياء: " إما أن تحكي مثل لباسك، أو تلبس مثل كلامك "، فلا يتناسب كلامك مع لباسك، إما أن تتكلَّم مثل لباسك، فلباسك أنيق فتتكلَّم كلامًا أنيقًا، وإما تلبس لباسًا مبتذلاً مثل كلامك المبتذل، فالمؤمن يمثِّل هذا الدين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام، اللهَ اللهَ لا يؤتى الإسلام من قبلك))
(كتاب السنة للمروزي(28) عن يزيد بن مرثد)
فكل مؤمن صادق يشعر أنه يمثِّل هذا الدين، وسفير هذا الدين، واللِه الذي لا إله إلا هو ستحاسب من نظافة بدنك، ومن نظافة ثوبك، و من مواعيدك، ومن أمانتك، ومن دقة كلامك، سبحان الله ! المؤمن بالذات دائماً أعداء الدين يسلِّطون عليه الأضواء، فالأضواء الشديدة كلُّها مسلَّطة عليه، فإذا ارتكب صغيرةً أقاموا عليه القيامة، وأقاموا عليه النكير، فإذا أردت أن تكون سفيراً لهذا الدين فكن في المستوى اللائق، وقد ورد في الحديث القدسي: ((إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه))
( من المأثور: عن " جبر بن عبد الله " )
قصَّة سأرويها لكم: كنت أصلي صلاة المغرب إماماً في جامع النابلسي، وسيارتي بالمنطقة الصناعيَّة أريد أن أذهب لأستلمها ـ كانت بالتصليح ـ فصلَّى وراءنا أخ صاحب سيارة عمومي، قلت له: أتوصلني إلى المنطقة الصناعيَّة ؟ وقد صليت به إمامًا، كمد، واضطرب وارتبك، ماذا ذهب إلى ظنِّه ؟ أنني لن أعطيه أجرة، فلما حُرِج أوصلني على مضض، فكان المبلغ سبع عشرة ليرة، فناولته خمسة وعشرين، فصغر، فإذا كنتَ رجل دين تركب من غير أجرة ؟ تعطي أقل من حق الناس ؟ هكذا هو أخذ الفكرة، فعندما أعطيته ثلث المبلغ زيادة صغر..: ((كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام، اللهَ اللهَ لا يؤتى الإسلام من قبلك))
(كتاب السنة للمروزي(28)عن يزيد بن مرثد)
((إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه))
( من المأثور: عن " جبر بن عبد الله " )
فأنت تمثِّل هذا الدين فكن سخيًّا، كريمًا، صادقًا، لأن كل الكلام لا قيمة له، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يتجمَّل، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلَّم له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة، إذاً فواجب على كل واحد من إخواننا المؤمنين أن تكون له ثياب أنيقة، أنا لم أقل غالية، أنيقة، أي نظيفة، فإذا كان يلبس ثيابًا عاديَّة مكويَّة، نظيفة، فيها تناسب في الألوان، حتى إذا دُعي لعقد قران أو لاحتفال، قيل: فلان مؤمن، وثيابه مقبولة، فلا أطالبكم بثياب غالية الثمن، ولكن ثياب فيها شيء من الذوق، وشيء من النظافة.
تروي السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم خرج ذات يومٍ إلى إخوانه، فنظر في كوز الماء ـ لم يكن وقتها مرآة - أين نظر ؟ في كوز الماء إلى جمَّته، أي إلى شعره وهيئته، فشيء لطيف من الإنسان قبل أن يخرج أنْ يقف أمام المرآة، يا ترى شعره منتظَم، وثيابه منتظمة، فيها خطأ، أو فيها شيء، فهذا من السُنَّة، قالت: خرج ذات يومٍ إلى إخوانه فنظر في كوز الماء إلى جمَّته ـ أي إلى شعره وهيئته.
وقال عليه الصلاة و السلام: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))
( من مسند أحمد: عن " عبد الله بن مسعود " )
((إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه))
أنا أحياناً واللهِ أعجب أنك كمسلم هل من الممكن أن تستقبل ضيفًا بالقميص الداخلي ـ الشيال ـ بالصيف ؟!! فهذه إهانة للضيف، وهذه ثياب مبتذلة لا يجوز أن تصلي بها، فكيف تستقبل بها الضيوف !! حتى في بيوت المسلمين من يقوم بالثوبين الداخليين فقط أمام أخواته البنات، أو أمام بناته، فهذا ليس من السنة في شيء.
فلذلك عندما نظر النبي في كوز الماء إلى لمَّته ـ أي إلى شعره ـ وإلى هيئته قال: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))
و: ((إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيَّأ في نفسه))
فعلى الإنسان أنْ يغسل، ويرجِّل شعره، ويضع عطرًا، ويتأنَّق بثيابه، ويجعل هندامه مقبولاً، وسأقول لكم كلمة: أحياناً الإنسان ينطلق في حديثه إذا كانت ثيابه جيِّدة، فإذا كان في ثيابه خطأ اضطرب في حديثه، لأنّ الثياب الأنيقة تعطي الإنسان ثقة بالنفس، ولو دعي إنسان إلى عقد قران، وكانت ثيابه غير جيِّدة، تجده مرتبكًا، ومضطربًا، ومنكمشًا، ومتطامِنًا، لا، أنت مؤمن.
والحقيقة هناك تعليق لطيف: الجمال في البساطة لا في التعقيد. وأحياناً تجد في الألوان تناسقًا، مع أن الشيء رخيص، والشيء الرخيص وفي ألوانه تناسق تجد فيه راحة نفسيَّة، فليس شرطاً أن ترتدي أغلى الثياب، إنما الشرط أن ترتدي ثياب مقبولة.
وكان إذا قدِم عليه وفدٌ لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفَدَ عليه وفد كِنْدَة وعليه حُلَّةٌ يمانيَّة، وعلى أبي بكرٍ وعمر مثل ذلك.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلَّم أن حُسْنَ السمت والزيِّ الحسن من شمائل الأنبياء وخصالهم الأصيلة.
وقد روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ))
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ جَابِرٌ فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظِّلِّ - أي شجرة ظلُّها وارف - قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا - غرارةٍ ظرفٍ شديد العِدْلِ، أي محفظة - فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئًا فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ - أي خيار وقته - فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا قَالَ فَقُلْتُ خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا - أي نجهِّز صاحب لنا ليرعى الغنم - قَالَ فَجَهَّزْتُهُ ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا قَالَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا قَالَ فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا قَالَ فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ قَالَ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))
( رواه مالك في الموطأ)
إلى أين يذهب ؟ إلى الجبال ليرعى الغنم، ومع ذلك ما رضي النبي له هذين الثوبين، ليس هناك لقاء، ولا احتفال، ولا عقد قران، ولا عيد، ولا جمعة، راٍع يذهب إلى الجبال ليرعى الأغنام، وعليه ثوبان خَلِقان، فلما نظر النبي إليه قال: " أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ ؟ فقلت: بلى يا رسول الله، له ثوبان في العَيْبَة كسوته إيَّاهما ـ أي في البيت ـ قال: " فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا"، قال: فدعوته فلبسهما ثم ولَّى يذهب، فقال عليه الصلاة والسلام: " أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ ؟ ".
النبي عليه الصلاة والسلام لا يرضى للراعي، وهو يرعى الغنم في شعف الجبال، وليس معه أحد، لم يرض له هذه الثياب المبتذلة المهترئة، فكيف إذا كنت مع الناس وفي المدينة، ومع علية القوم كما يقولون ؟
درسنا اليوم التجمُّل، فكان عليه الصلاة والسلام يتجمّل، ويأمر أصحابه بالتجمل، وكان له ثوب يلبسه في العيدين وفي الجمعة، وكان إذا وفد عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر علية قومه بذلك.
وعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: ((إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ))
( موطأ مالك)
قارئ القرآن من كمال قراءته أن يرتدي ثوباً أبيض، والحجاز بلادٌ حارة، واللون الأبيض يتناسب مع الطقس الحار، ولكن كأن النبي يقول: هذا الذي يقرأ القرآن عليه أن يتجمَّل.
وسيدنا عمر يقول:(إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم).
وهناك حديث: ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))
(مسند الشهاب للقضاعي(1192)عن عائشة)
وروى أبو نعيم في الحلية عن أبن عمر مرفوعاً: ((إن العبد آخذ عن الله تعالى أدبا حسنا، إذا وسع عليه وسع، وإذا أمسك عليه أمسك))
(البيهقي في شعب الإيمان(6591) عن ابن عمر)
لأن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وأوضحُ أثر في الثياب، وأحياناً الإنسان يرتدي ثوبًا جديدًا، وهذا من إكرام الله له، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، وكان إذا ارتدى ثوبًا جديدًا، هناك دعاء خاص للثوب الجديد.
وروى الحاكم بإسناده عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أحسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس))
( من الجامع الصغير)
هذه شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سافر الإنسان فيجب أن يأخذ معه إبرة، وخيطًا حتى إذا انقطع زره أصلح المشكلة، وأحياناً يسافر ببنطال واحد، ويمكن أن ينفتق البنطال، فيأخذ معه بنطالاً آخر احتياطًا، فدائماً فكر، إبرة، وخيط، وقميص احتياط، وهكذا كان النبي اللهم صلِّ عليه، لأنه مشرع.
وروى الطبراني والبيهقي، عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس ـ الهيئة القذرة، والهيئة المبتذلة،و الخنوع، والمسكنة، والتذلل، واليأس، يا حسرتي علينا، لماذا هذا التحسُّر ؟ أنت مؤمن، وتعرف ربك، ولك منهج، والله هو الرزاق، وهو الكريم، فالله يكره البؤس والتباؤس ـ ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
يكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف، اسأل لكن مرة واحدة، فالإلحاح ليس له فائدة، فإذا أراد أن يعطيك يعطيك من مرة واحدة، فإن لم يعطِك لا تبذل ماء وجهك، ولا تذل نفسك، ولا تهينها، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.. ((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))
سمعت قديماً قصة إنسان دخل بستانًا، وهو يتجول في أنحائه رأى شجرة من أرقى التفاح ؛ حجمًا، ولونًا، وخدًا أحمر، ورأى تفاحةً تلفت النظر، وصاحب البستان صديقه، قال: فهممت أن أقطفها لآكلها، فقلت: لا يجوز، ثم جلسنا إلى الطعام، وبعد الطعام جاء طبق التفاح، وفي مقدمة هذا الطبق تِلك التفاحة بالذات، فلما هممت أن آخذها قلت: لا يجوز، فما كان من صاحب الدعوة إلا أن أمسك هذه التفاحة، وقدمها إليّ، انظر إلى الإنسان، منعه حياؤه أن يقطفها، ثم وضعت على الطبق، فمنعه حياؤه أن يأخذها، حتى قدمت له ضيافة.
وأنا لي في هذا الموضوع تعليق لطيف ؛ فالرزق مقسوم، وهذه التفاحة في هذا البستان، بالشجرة الثالثة، في الغصن الرابع، والتفاحة السابعة، وهذه التفاحة لفلان، فطريقة وصول هذه التفاحة لفلان باختياره ؛ يمكن أن يسرقها وهي له، ويمكن أن يتسوَّلها وهي له، ويمكن أن يشتريها وهي له، ويمكن أن تقدَّم له ضيافة وهي له، ويمكن أن تهدى له وهي له، هدية، ضيافة، شراء، تسول، سرقة، فهذه باختيارك، أما هي لك، لذلك: اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك.
((إن الله يكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
لذلك مرة سيدنا عمر رأى إنسانًا يطلب بإلحاح فقال له: (يا هذا لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك)، ضيعت ماء وجهك، وكرامتك، وضيعت أثمن شيء تملكه.
إذاً القسم الأول من الدرس كان عليه الصلاة والسلام متجملاً، ويأمر أصحابه بالتجمُّل، وكان له ثياب لا يرتديها إلا في أيام الجمعة والأعياد، وكان إذا وفد عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليَّة قومه بذلك، وكان يقول: ((أحسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس))
( من الجامع الصغير: عن " سهل بن الحنظلية " )
والآن ننتقل إلى: حلاوة منطق النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق، لأن الدعوة أساسها المنطق، وأساسها الكلام الموزون، وأجمل ما في الرجل فصاحته، وأجمل ما في الآداب ضبط اللسان، ولا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن سمات المؤمن ضبط اللسان، يقول لك: عشت معه ثلاثين سنة، ولم أسمع كلمة بذيئة منه، فأحياناً من أجل أن نعظ الناس نتحدث عن الفجور في الطُرقات، وعن النساء، وبعض الدعاة يقول لك: العضو الفلاني ظاهر، والعضو الفلاني، هذا الكلام فيه إثارة، فعَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ أُسَامَةَ قَالَ: ((كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا))
لم يقل: ساقها، لم يقل الكلمات الثانية، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتقي أعف الكلمات، حيث لا يخدش حياء المستمعين، وهذا أدب قرآني، قال لي أحدهم: ما حكم كذا ؟ ـ سلوك جنسي ـ قلت له: الله عز وجل قال:
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
( سورة المؤمنون )
فكل الانحرافات في هذه الكلمة، وهذه الكلمة لا تخدش حياء طفل..
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾
( سورة النساء: من الآية " 43 " )
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً﴾
( سورة الأعراف: من الآية " 189 " )
﴿تَغَشَّاهَا﴾
فأنت انظر إلى الآيات التي تشير إلى العلاقة الزوجية في القرآن، كلمات لطيفة ورائعة، كلمات لا تخدش الحياء، فأنت لا تتكلم بكلمات أمام أولادك، ولا أمام إخوانك، ولا أمام من هم صغار، كلمات تخجل، تصف العلاقات الزوجية، تتكلم كلام يستحيا منه، فهذا ليس من صفات المؤمن، أنا أقول لكم ملخصًا: الذي عنده مزح فاحش، هذا المزح الفاحش يقلل من إيمانه، هذا إذا لم يكن يعبر عن ضعف إيمانه أو عن انعدام إيمانه..
((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ))
( من سنن الترمذي: عن " عبد الله " )
والحقيقة تجد من رواد المساجد في أدب يلفت النظر بكل المصالح، والمعامل، والمحلات، فإذا التقى مؤمنًا، فليس عنده كلمة مغشوشة، ومزحة سافلة، لأنّ هذا يتنافى مع أخلاقه.
فكان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق، حسن الكلام، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب، وسبى الأرواح والعقول، وإذا تكلم خرج النور من بين ثناياه، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ))
(الدارمي)
إنه كلام لطيف، كلام متصل وفيه سيولة، وبحة خفيفة، فكان النبي حلو المنطق.
وعن أبي قرصافة أنه قال: لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي، ورجعنا من عنده منصرفين، قالت لي أمي وخالتي: ((يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهاً ولا أنقى منه ثوباً، ولا ألين كلاماً، ورأينا كأن النور يخرج من فيه صلى الله عليه وسلم))
(الطبراني في الكبير(2518)
الآن تجد البيوت كلها مرايا، وراء كل باب مرآة، وغرفة النوم فيها مرآة، والمدخل، فكان ينظر إلى جمته من الكوز من صفيحة ماء ساكنة، ومع ذلك كان متجملاً، ولم يكن عندهم قديماً حمام، وأنت تفتح الماء الساخن فينزل رأساً، ونحن الآن ننعم بشيء لا يتصوره الإنسان، ماء ساخن دائماً، تقريباً الحمام فيه ماء جار، وقد كانت الأمور بدائية، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات التجمل والنظافة، والأمور بدائية.
وكان عليه الصلاة والسلام أفصح خلق الله لساناً، وأوضحهم بياناً، أوتي جوامع الكلمة، وبدائع الحكم، وقوارع الزَجر، وقواطع الأمر، والقضايا المحكمة، والوصايا المُبرمة، والمواعظ البليغة، والحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، والأدلة الساطعة.
فأنت كمؤمن إذا أردت أن تكون داعية إلى الله، فرأس مالك المنطق، واللغة، والفصاحة، والنصوص، وأنا لا أعتقد مؤمنًا حريصًا على الدعوة إلى الله عزَّ وجل ولا يسجل ما سمع، سمع حكمة والله شيء جميل، لِمَ لَم تكتبها لتحفظها، فإذا أردت أن تحفظ فاكتب، ولمجرد أن تكتب فاحفظ، فالإنسان لما يهتم، فأنا أنصح كل إخوانها بوضع دفتر صغير في جيبه، أحياناً وهو يركب سيارة عامة سمعت تعليقًا، أو حكمة فسجِّلها، وكلَّما سجلت، وبوَّبت، وصنفت، فإذا قرأته فهذا كتاب بمكتبتك، انتهى العام الدراسي باع الكتب، فما هذا الكلام ؟ هذه مكتبة، كتاب قرأته احتفظ به، تصفحه من حين إلى آخر، قرأت كتاب اعمل تعليقات، اعمل حواشي، اعمل خطوطًا حينما تجعل الخطوط، والتعليقات، والحواشي تحفظ، فإذا حفظت ألقيت، هذا نص قرأته فأعجبك، فاحفظه، وأول لقاء تكلم فيه، على مرتين حفظته نهائياً.
فبصراحة إذا لم يكن للإنسان إمكانية أن يتكلم لفترة طويلة كلامًا منضبطًا ن ونصوصًا صحيحة دقيقة، كيف يدعو إلى الله ؟ هو بصراحة الحق مثل الشراب الثمين، واللغة مثل وعاء للحق، فهل من المعقول أن تقدم شرابًا ثمين في وعاء قذر ؟ هذا غير معقول، فالفصاحة وتعلم العربية جزء من الدين، فيجب أن يكون عندك قاموس في البيت، وكتاب نحو، يكون لك مرجع، في درس عربي أحضره معك.
نحن بعد أسبوع إن شاء الله ستعود دورة الدعاة، في درس اللغة العربية، وفي درس مصطلح حديث، ودرس أصول فقه، ودرس تاريخ الفقه، ودرس الفقه المُقارن، وعلوم القرآن، والعقيدة، وأصول الدعوة، بعد أسبوع إن شاء الله سنعود إلى التدريس في معهد الدعاة، فإذا كنتَ في درس اللغة العربية أحضره، وتعلموا العربية فإنها من الدين، وهذه لغتك، ولغة قرآنك، ولغة أمتك.
وجاء في المسند وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَقُولُ:
((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ فَقَالَ أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ وَعَلِمْتُ كَمْ خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَتُجُوِّزَ بِي وَعُوفِيتُ وَعُوفِيَتْ أُمَّتِي فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ))
( رواه أحمد)
وفي حديثٍ آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا ـ أي الشريعة ـ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي))
( أحمد)
المتهوكون هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكلام، فلا توجد فصاحة، والتقعر تشدق بالألفاظ، فكن فصيحً، وكن طبيعيًّا، وأتقن اللغة من دون تقعُّر، ومن دون تكلُّف، ومن دون تزمت.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي ))
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(متفق عليه)
مرة جاءه وفد وسأله عن الصيام، فتكلم النبي لفصاحته بلغة أو بلهجة هذا الوفد، فلما سئل:" هل من أمبر أمصيام في أمسفر ؟ فقال: ليس من أمبر أمصيامٌ في أمسفر "،. أي ليس من البر الصيام في السفر، فكان يتكلم بلغة السائل، وهذا من فصاحته.
ومر معي حديث في الجامع الصغير: ((من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابر))
(كشف الخفاء(2374) عن أبي سلمة الحمصي)
هذه لغة، النهاوش أي بالاحتيال، وروي مهاوش بالميم، والنهابر يذهب ماله في مهالك. ((من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابر))
بجهات الجنوب، يقول أحدهم للآخر: أنطِه حقه، أي أعطه، فلما سأل واحد النبي اللهم صل عليه وهو عطية بن عروة السعدي الذي قال: حدثني أبي أن أباه أخبره قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر وكنت أصغر القوم فخلفوني في رحالهم ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى من حوائجهم ثم قال: ((هل بقي منكم من أحد قالوا: نعم خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوا إلي، فأتوني فقالوا: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فلما رآني قال: ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا، فإن اليد العليا هي المنطية، وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله تعالى لمسؤول، ومنطي))
قال: فكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا.
( الحاكم في المستدرك(7930))
هذه القبيلة تلفظ العين نوناً، وهذه القبيلة موجودة، فبالجنوب، يقول له: أنطه، وليس أعطه حقه، أنطه حقه، فكان عليه الصلاة والسلام يخاطب الأقوام بلهجاتهم.
أما آدابه في الكلام فعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: ((أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ))
(رواه مسلم)
كلمةً كلمة، والحديث فن، فهذه قدرة بالإنسان اسمه: المتحدث اللبق، كلمة كلمةً، ووضوح، وسهل ممتنع، وجمل متينة، وفكرة مع الدليل، ودليل مع الشاهد، وتطور، وموازنة، ومحور انتقال واحد، فكلما راعى الإنسان اللغة والمنهج والوضوح والدليل صار في انجذاب إلى اللغة.
وفي روايةٍ عن عائشة: ((إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهماً تفهمه القلوب))
(مسند أبي يعلى الموصلي(4393))
وأذكر أنني قد قلت لكم ذات مرة: في دبلوم التربية عندنا كان عشرون دكتورًا، نحن كنا مئتين وعشرين طالبًا، في بعض المواد خمسة طلاب، أو عشرة طلاب، أو عشرون طالبًا يحضرون هذه المادة، أو تلك، لكن أحد الأساتذة يحضر درسه مئتين وعشرين طالبًا، لا يغيب أحد، ونصفهم على الواقف، لأنه أوتي فصاحة ووضوحًا، ودقة، وعمقًا في الصياغة، وشاهدًا، حيث لو حضرت محاضرته فهمت الدرس، ولا تحتاج إلى أن تقرأه في الكتاب.
فإذا كان الإنسان حريصًا على نقل الحق للناس، كان حريصًا أيضاً على استيعاب أصول الحديث.
وكان كلامه فصلاً يفهمه كل من سمعه، وكلما ضعفت القدرة اللغوية عندك أصبح كلامك معقدًا، والتعقيد في الكلام دليل ضعف اللغة، أو دليل اضطراب في المعني، والمعاني المضطربة في نفس المتكلِّم أو ضعف اللغة يظهران بشكل تركيب معقَّد، ولكن المعاني الواضحة والفصاحة التي يتمتع بها المتكلم تجعل كلامه سهلاً واضحاً، وهذا الكلام سماه علماء البلاغة السهل الممتنع، فعجيب إذًا هذا الكلام، فهذا الكلام السهل الممتنع يظنه الضعيف بسذاجةٍ أنه يحسن مثله، وهو أبعد إليه من السماء، إنه السهل الممتنع.
وفي الصحيحين عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ـ وضح في كلمات دقيقة مفصلة، أعادها مرة، ومرتين وثلاثا حتى تفهم عنه ـ وكان صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلامٍ فصلٍ لا هذرٍ ولا نذرٍ ويكره الثرثرة في الكلام والتشدق به وكان صلى الله عليه وسلم يكره التنطع في الكلام والتكلف في فصاحته".
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْبَلِيغَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ))
(الترمذي، وأبو داود)
فكل شيء له حد معتدل، أكثر تقعر.
ومن أروع ما قيل في النبي عليه الصلاة والسلام " كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب لا يخل ولا يمل "، فأحياناً هناك إيجاز مخل، و إطناب ممل، فكان إذا خطب لا يخل ولا يمل.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:
((كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا - معتدلة - وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا - أي وسطاً -))
( رواه مسلم )
صلاته معتدلة وخطبته معتدلة..
وكان عليه الصلاة والسلام لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلماتٌ يسيرة.
أنا معجب بهذا الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " يا رسول الله عظني ولا تطل "، فتلا عليه قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
( سورة الزلزلة )
فقال له: " كفيت "، فقال النبي: " فقه الرجل ".
يا ترى المسلمون الآن يسمعون خطبًا أكثر من ثلاثين سنة، ويحضرون دروس العلم، ويسمعون أشرطة، ويقرؤون الكتب، والمجلات، يشاهدون الندوات، ومع ذلك إذا فحصت سلوكهم تجد فيهم خللاً كبيرًا، وهذا الأعرابي تكفيه آيةٌ واحدة ؟!
وروى الإمام أحمد وأبو داود عَن الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ: ((وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ زُرْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ فَأَمَرَ بِنَا أَوْ أَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا))
هذا هو الصدق، التقى الإخلاص والتطبيق مع الكلام القليل البليغ، إنه أبلغ ألف مرة من كلام مُسهب بتفاصيل وجزئيات ولا يوجد تطبيق، لذلك قال سيدنا الصديق: (إيَّاك وكثرة الكلام، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا).
أي إذا تحدثت فتحدث في موضوع واحد مركز، وله مقدمة، وعرض، وتشقيق، مع أدلة، وشواهد، وقصة مؤكدة مع خاتمة، وانتهى الأمر.
وروى الطبراني والبزَّار عن جابر، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذير قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه كذلك رأيته أطلق اللسان وجهاً وأكثرهم ضحكاً وأحسنهم بشراً.
أي إنه رجل عادي، لطيف، مرح، صاحب طُرفة، يمزح مع أصحابه، طليق الوجه، كثير البِشر، هكذا كان عليه الصلاة والسلام.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا وعظ أثَّر في قلوب السامعين، وطيَّب نفوسهم، حتى إنهم لتذرف دموعهم، وترق وتخشع قلوبهم، ويرتقي حالهم إلى المشاهدات والمعاينات.
فلقد كان مجلس النبي اللهم صلِّ عليه مجلس مشاهدة، وهذا الدليل، تعرفونه.
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))
(رواه مسلم)
القصة لها تتمة، هذا الصديق الجليل، الصاحب الأول، سيد الصحابة قال له: " أنا كذلك يا أخي ـ تواضع ـ انطلق بنا إلى النبي ".
فلما انطلقا إلى النبي ذكر له حديث حنظلة: " نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى "، فأحياناً يكون الإنسان في مجلس علم مبسوطًا مرتاحًا، مشرق النفس، يأتي على البيت اعملوا لنا عشاء، تأخروا بالعشاء، أين الشاي، لماذا لم تقولوا لي، فيتشجارون، أين الحال ؟ كان في المسجد مبسوطًا مرتاحًا، فراح الحال كله، قال: " فإذا عافسنا الأهل ننسى، قال له: أنا كذلك يا أخي " فلما عرضا ذلك على النبي قال: ((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا))
( من الجامع لأحكام القرآن: عن " محمد بن كعب " )
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ))
أي يا أخي الكريم إذا جلست في مجلس علم وشعرت أنك مسرور، مرتاح، في تجلٍّ، وطمأنينة، وسكينة، وكأنك في الجنة، فهذه علامة طيبة لك لأن هذا هو إكرام الله لك في بيته، ألم يقل النبي: ((إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عماراها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيتي ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر))
(فيض القدير، للمناوي(2/445))
فهذه السكينة، وهذا التجلي، وهذه الراحة النفسية، أنا أقول لكم: واللهِ سمعت هذا من إخوة كثيرين، يقولون لك: أنسى كل مشاكلي، وكل هموم الدنيا، وأرتاح، فخرجتُ من المسجد مبسوطًا، مسرورًا، فهذه مكافأة الله لك، وهذه ضيافته، كما أنك تزور إنسان فيقدم لك كأسًا من الشاي، وسُكَّرة، ويطعمك، أما ربنا عندما يحب أن يكرمك ماذا يفعل بك ؟ يلقي على قلبك السكينة..

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة التوبة: من الآية " 26 " )
فهذه السكينة أثمن ما في الدين، وهذه الراحة النفسية، هذا الحال الطيب، قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ))
فالنبي اللهم صلِّ عليه كان يرى ما لا يراه الآخرون، وكان يخطب على جذع نخلة، فلما صُنِع له منبر حنَّ الجذعُ إليه فأسكنه بيده، فهل لديك إمكانية أن تفهم على جذع نخلة ؟ كان عليه السلام يقول: ((إن حجرا كان يسلم عليَّ في الجاهلية إني لأعرفه الآن))
( من الجامع لأحكام القرآن )
دخل مرة لبستان رأى ناقةً، فحنت لما رأته، فقال: ((مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ ـ هذا الجمل ـ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ))
( من سنن أبي داود: عن " عبد الله بن جعفر " )
فالجمل شكا له، والحجر سلَّم عليه، والنخلة حَنَّت إليه، وهذا فوق طاقتنا، فنحن مثل الجماد، جماد على جماد، فالنبي عليه الصلاة والسلام لشدة إقباله على الله، لشدة شفافية نفسه، فكان يرى ما لا يراه الآخرون.
إذاً الإنسان بالمسجد تصفو نفسه، ترق مشاعره، يرى ما لا يراه وهو في الطريق، وهو في البيع والشراء، هذا إكرام الله له.
وروى الترمذي عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: ((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ))
( رواه الترمذي)
قال لي رجل بعيد عن جو المشايخ: أنا لست قابضًا أحدًا ـ يقصده من المشايخ ـ قال لي: مرة كنت بحمص دخلت مسجدًا متواضعًا، والخطيب تكلَّم، فصرت أبكي، قال لي: والله يا أستاذ ثلاثة أرباع الساعة، وأنا أبكي، قال لي: ما سر ذلك ؟ قلت له: لأن هذا الخطيب مخلص ومطبق، فالله أعطى لكلامه قوة تأثير، وهذا هو السر، فالدين ليس بحرفة، ويقول الإمام الشافعي ـودققوا في هذا الكلام ـ: (لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين)، لأنّ الدين لا يرتزق به، فالدين اتجاه، وموقف، فأنت تريد المال فاشتغل بالتجارة، أما دع الدين جانباً، دع الدين في العلياء، وفي السماء، ولا تجعله في الوحل، ولا تتخذه تجارة، ولا ترتزق بالدين لكي يبقى الدين عظيمًا، لكي لا يشك الناس في المتديِّنين، لذلك وعظنا النبي موعظةً وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون.
وقال أسيد بن حضير: (لو أني أكون على أحوالٍ ثلاثة من أحوالي لكنت من أهل الجنة) ـ له ثلاثة أحوال لو بقي على أحد هذه الأحوال لكان من أهل الجنة ـ قال: (حين أقرأ القرآن، وحين أسمعه، وإذا سمعت خطبة رسول الله)، أي إنه إذا قرأ القرآن يشعر بحال عظيم، وإذا استمع إلى القرآن يشعر كذلك، فبصراحة مؤمن لا يبكي إطلاقاً فقلبه مثل الصخر ؟! ولا يقشعر جلده !! ولا يجل قلبه ؟!
قال الحسن البصري: " إذا قرأت القرآن، أو صليت، أو ذكرت الله، ولم تشعر بشيء فهناك خلل خطير في إيمانك "، فلماذا إذا لاحظ شخص ذبابة تطير مع حركة عينه لا ينام الليل من خوفه ؟ يقول له الطبيب: بعد ثلاثة أشهر الموعد، ويقول له: حاضر، فالعين ليس معها لعب، ولماذا القلب إذا كان في الصلاة لم تشعر بشيء، وفي الذكر لم تشعر بشيء، وفي القرآن لم تشعر، معنى ذلك أن ثمة خللاً، والطريق المسدود، بل أنت محجوب بحجاب، والمعصية حجاب، فابحث أين توجد المعصية، وأين يوجد الخلل، وأين يوجد المال الحرام، وأين يوجد نظرة لا ترضي الله عزَّ وجل، أو علاقة اجتماعية مشبوهة، فانتبه، وما دام أنك محجوب فأنت في خلل خطير.
فقال: (حين أقرأ القرآن، وحين أسمعه، وإذا سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذ شهدت جنازة).
قال: (وكانت خطبه صلى الله عليه وسلم تؤثر في الجمادات).
آخر حديث من فصاحته صلى الله عليه وسلم، عن مالك بن دينار عن الحسن رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام ـ وهذا الكلام دققوا به ـ: ((ما من عبدٍ يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما أراد بها))
قال: فكان مالك بن دينار إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم يقول: (أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم، وأنا أعلم أن الله عزَّ وجل سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به ؟ فأقول: أنت الشهيد على قلبي، لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ به على اثنين أبداً).
فإذا تكلمت عن الله عزَّ وجل، فالله سيحاسبك ماذا قلت للناس ؟ أنت كذلك ؟ بماذا أمرتهم، فأتمرتَ بذلك ؟ عن ماذا نهيتهم ؟ فانتهيت عما نهيت عنه ؟ فكان مالك بن دينار كلما قرأ هذا الحديث يبكي يقول: (أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم، وأنا أعلم أن الله عزَّ وجل سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به ؟ فأقول: أنت الشهيد على قلبي، لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ به على اثنين أبداً).
والنبي حذر قال: ((من تعلَّم صرف الكلام ليسبي قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً))
يمكن أن تكون ضمن الدين شهوات، وضمن الدعوة تكون الدنيا والحظوظ، فإذا تكلم الإنسان ونيته يجمع أنْ الناس، ويكون حوله ناس يعينونه، ويحلون له مشاكله، فهذه نية سيئة، فحتى في الدعوة إلى الله توجد مزالق خطيرة.. ((من تعلم صرف الكلام ليصرف وجوه الناس إليه فليتجهز إلى النار))
لذلك: ((يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل))
( من تفسير ابن كثير: عن " أبي هريرة " )


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : ارجحية عقلة الشريف على سائر العقول






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الرابع من دروس شمائل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وموضوع درس اليوم أرجحيَّة عقله الشريف صلَّى الله عليه وسلَّم على سائر العقول.
أيها الإخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء ما من نعمةٍ أعظم ولا أجل ينعم الله بها على عبده كنعمة العقل، بل هي أعظم نعمة على الإطلاق، وبالمناسبة الإنسان أعقد كائن في الكون، وأرقى مخلوق، وهو المخلوق الأول، والمخلوق المكرَّم، والمخلوق المكلَّف، وأعقد ما فيه عقله، فمن نعمة الله العُظمى أن يمنح الله العبد عقلاً راجحاً.. ((أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً))
هذا العقل الراجح من لوازمه أن يعرف الله، ومن لوازمه أن يحب الله.
وهنا نقطة أحب أن أعالجها قبل أن أخوض في الموضوع، قد تجد إنسانًا يحمل شهادة عالية ولا يصلي، ويشرب الخمر، وقد يزني، فكيف نوفِّق بين رجاحة العقل، وبين طاعة الله عزَّ وجل ؟ هذا الموضوع بعض العلماء حلَّه على الشكل التالي: فرَّق بين العقل والذكاء، فالذكاء متعلِّق بالجُزئيات، وأما العقل فمتعلِّق بالكُليات، فالذي يعرف الله سبحانه وتعالى، ويعرف سر الحياة، ويعرف رسالة الإنسان في الحياة هو العاقل، أما الذي يختص باختصاص ضيِّق، ويبدع فيه، ويتفوَّق فهذا ذكي، فالذكاء صفةٌ متعلِّقةٌ بالجزئيات، فلانٌ ذكيٌ فيما هو فيه، ذكيٌ في اختصاصه، وقد يكون بعض المجرمين في أعلى درجات الذكاء، لأنهم يخطِّطون بشكلٍ عجيب، فهل هم عقلاء ؟ لا، إطلاقاً، فالعقل من خصائص المؤمن.. ((أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبًّا))
وسوف ترون معي بعد قليل أنه ما من مخلوقٍ على وجه الأرض أعقل من رسول الله، لأن العقل هداه إلى الله، ولأن العقل هداه إلى أن يحبَّه، وإلى أن يُخلص له، وإلى أن يجعل حياته كلها في مرضاته، لذلك استحقَّ هذا المقام المحمود.
أيها الإخوة الكرام ؛ البطولة أن تأتي إلى الدنيا، وأن تستغل هذا العمر المحدود إلى أعلى درجة، فهناك أذكياء جمعوا أموالاً طائلة، وسكنوا بيوتاً فارهة، ثم جاء الأجل، وانتهت حياتهم، وكأنهم لم يكسبوا شيئاً، هل هم عقلاء ؟ لا والله، كانوا أذكياء ولم يكونوا عقلاء، أما هؤلاء الذين جاؤوا وغادروا، وعرفوا قيمة العمر، وعرفوا ربهم، ووضعوا كل طاقاتهم في خدمة هذا الهدف السامي، فلما دنا أجلهم كانوا من أسعد الناس.
أيها الأخ الكريم ؛ عقلك كل عقلك يظهر ساعة اللقاء مع الله، لذلك الناس لا يدخلون هذه الساعة الحرجة الخطيرة في حساباتهم أبداً، فإذا جاءت أين عقله ؟
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكَّة، نظر إليه أبو سفيان نظرةً عميقةً وقال: " ما أعقلك، وما أحكمك، وما أرحمك، وما أوصلك "، عقلٌ ما بعده عقل، ورحمةٌ ما بعدها رحمة، وحكمةٌ ما بعدها حكمة، إنه وفاءٌ لأقاربه ما بعده وفاء.
وأول شهادة من الله عزَّ وجل لأرجحية عقله صلَّى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى:
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾
( سورة القلم )
فهذه نعمةٌ عظمى، هذه الآية تذكِّرني بآيةٍ أخرى:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
( سورة هود )
إن المؤمن يعيش في رحمةٍ عُمِّيت على عامة الناس، ويعيش في سعادةٍ لا يعرفها عامة الناس، ويعيش في طمأنينةٍ لا يعرف معشارها عامة الناس، ويعيش في سكينةٍ يتجلَّى الله بها عليه لا يعرفها أهل الدنيا، ولذلك أحد العارفين يقول: " ماذا يصنع أعداء بي، بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن سجنوني فسجني خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة ".
وهو نفسه يقول: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وغادروها، ولم يعرفوا أجمل ما فيها، وهو القرب من الله عزَّ وجل ".
هذه الآية أيها الإخوة شهادة خالق الكون لنبيِّه الكريم بأنه كان في أعلى درجات العقل، حينما أنعم الله عليه بنعمة النبوُّة والرسالة.
يقول بعض العلماء: " إن الله تعالى لم يعطِ جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها، من العقل في جنب عقل محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم إلا كحبَّة رملٍ من جميع رمال الدنيا، وأن محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً ".
وكلَّما كبر عقلك ازداد قربك، وكلَّما كبر عقلك ازداد خوفك من الله، وكلَّما كبر عقلك ازداد حبَّك له، فكأن هناك مؤشِّرين يعملان معاً، رجاحة العقل تعني طاعة الله، وتعني محبَّة الله، وتعني الخوف من الله، وتعني الشَوْق إلى الله، فأنت امتحن عقلك بحالك وبعملك وبقلبك.
وأجمل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام عندما أسلم سيدنا خالد بن الوليد، دخل سيدنا خالد على رسول الله فسلَّم عليه بالنبوَّة، قال له:" السلام عليك يا رسول الله "، خالد بن الوليد الذي انتزع منه راية النصر في أحد، من العمالقة، ومن القادة الكبار دخل عليه وقال: " السلام عليك يا رسول الله "، فقال عليه الصلاة والسلام: " تعالَ أقْبِل " فأقبل، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الحمد الله الذي هداك، فقد كنتُ أرى لك عقلاً، ورجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير))
هذه إشارة من رسول الله إلى أن هذا الدين ينبغي أن يُقبل عليه العُقلاء، ومن لوازم العقل أن تقبل على هذا الدين، ومن لوازم الحُمق أن تبتعد عنه، فكان النبي يعجب من سيدنا خالد، إنه رجل عاقل، وأريب، وفَطِن ومع ذلك لماذا تأخَّر إسلامه ؟ قال له: ((عجبت لك يا خالد، أرى لك عقلاً وأرجو أن لا يسلمك إلا إلى خير، وقد أسلمك إلى الخير))
روى الطبراني عن قُرَّة بن هُبَيرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلَّم فقال: " إنه كان لنا أربابٌ وربَّاتٌ نعبدهن من دون الله عزَّ وجل، فدعوناهنَّ فلم يجبن، وسألناهن فلم يعطين فجئناك فهدانا الله بك، فنحن نعبد الله ". فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد أفلح من رُزِقَ لبًّا))
العقل لُب، تصوُّر برتقالة بلا لُب، هناك أشخاص عندهم مهارة ينزعون اللُّب، ويرجعون القشرة إلى ما كانت عليه، فالإنسان يمسكها فإذا هي فارغة، فيصاب بخيبة الأمل، والإنسان عندما تعامله من أول كلمة تعرف أنه عاقل أم مجنون، فالنبي الكريم يقول: ((قد أفلح من رُزِقَ لُبّاً))
فقال قرَّة بن زبيرة: " يا رسول الله ألبسني ثوبين من ثيابك قد لبستهما"، فكساه، فلما كان بالموقف في عرفات قال عليه الصلاة والسلام: " يا قرَّة أعد عليَّ مقالتك ؟ "، ماذا قال له ؟ قال له: " يا رسول الله إنه كان لنا أربابٌ وربَّاتٌ نعبدهن من دون الله عزَّ وجل، فدعوناهنَّ فلم يجبن، وسألناهن فلم يعطين فجئناك فهدانا الله بك، فنحن نعبد الله ". فقال عليه الصلاة والسلام: (( قد أفلح من رُزِقَ لُبًّا ))
قال: " يا قرَّة أعد عليَّ مقالتك "، فأعاد عليه، فقال عليه الصلاة والسلام أمام الملأ: ((قد أفلح من رُزِق لباً، أي عقلاً راجحاً اهتدى به إلى الإسلام، وإلى فعل المأمورات، وترك المنهيات))
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)﴾
( سورة الرعد )
أيها الإخوة الكرام ؛ قال الله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)﴾
( سورة يوسف )
فمن أجل أن تعقلوا، وكل هذا القرآن من أجل أن تعقل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياء وحسن الخلق))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
ويُروى أن أعرابيًّا دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وبيَّن له النبي أوامر الإسلام ومناهيها، فخرج الأعرابي وأعلن إسلامه، فقال له قومه: " بمَ عرفت أنه رسول الله ؟ " على الفطرة، وبالعقل، " بمَ عرفت أنه رسول الله ؟ " فقال الأعرابي: " ما أمر محمٌد بأمرٍ فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقل ليته أمر به "، أي توافق الأمر والنهي مع العقل.
وأحد العلماء الأجلاَّء ألَّف كتاباً كبيراً حول ضرورة توافق العقل مع النقل، صريح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول، ولا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل، ولأن العقل مقياسٌ أودعه الله فينا والنقل كلامه، فهل يعقل أن تتناقض إرادة الله عزَّ وجل ؟ لقد أنزل على نبيِّه الكتاب وأودع فينا العقل، فالعقل مقياسٌ أودعه فينا، والكتاب وحيٌ أوحاه إلى النبي، فهذا من عنده وهذا من عنده، فالمعقول يتوافق مع المنقول، ولكنك لو رأيت تناقضاً بين العقل والنقل، فإنما هو تناقضٌ بين العقل وبين النقل غير الصحيح، أو بين النقل الصحيح وبين العقل الجامح، أما العقل المُطلق، العقل المتوازن فلا يمكن أن يتناقض مع النقل.
والحقيقة كلكم يعلم أيها الإخوة أن الإيمان باليوم الآخر إيمان نقلي، أي إن الله أخبرنا أن هناك يومًا آخر، وإيمان من نوع السمعيات، أو الإخباريات، أو النقليات، ولكن وأنا أسألكم هذا السؤال: هل هناك دليل عقلي لا نقلي على اليوم الآخر ؟
بالمناسبة أنا حينما أرى الشيء أحكم على صانعه، هذا شيء أمامي ملموس مرئي مُشاهد، فالعقل يستطيع أن ينتقل من المحسوس إلى المجرَّد، ومن المُشاهد إلى الغائب، ومن الجزء إلى الكُل، فهذه مهمَّة العقل إطلاقاً، لكن اليوم الآخر ليس له آثار في الدنيا، الإيمان باليوم الآخر إيمان تصديقي محض، إيمان تصديقي بما أخبر الله به، ولكن ثمة سؤال: هل هناك دليلٌ عقلي لا نقلي على ذلك ؟ فلو أنّ إنسانًا ما قرأ القرآن، ولا التوراة، ولا الإنجيل، ولا استمع في حياته إلى خطبة، ولا إلى موعظة، ولا قرأ كتابًا إطلاقاً، هل يستطيع بعقله وحده أن يصل إلى أن هناك يومًا آخر ؟
بعض العلماء وأنا أعجبني هذا المثل، قال: لو فرضنا مسرحيَّة، وأول فصل مُثِّل، ثم أُرخي الستار، لِمَ لم يخرج روَّاد هذه المسرحيَّة من المَسرح ؟ لأن القصَّة لم تنتهِ بعد، والعقدة لم تنحلّ، فهناك بداية وعقدة ونهاية، والعقدة لم تُحل.
اسمعوا الآن إلى هذه المحاكمة العقليَّة حول اليوم الآخر، أدرك عبد المطلب حقيقة الآخرة بعقله، ذلك أنه قال يوماً: " ما من ظالمٍ يشتدَّ ظلمه إلا انتقم الله منه قبل أن يموت " فقيل له: " فلان جار وطغى "، فقال: "انتقم الله منه يوم كذا وكذا، فقيل له: فلان، فقال: " انتقم الله منه يوم كذا وكذا " فقيل له: " فلان جار وطغى ولم يصبه شيء "، ففكَّر طويلاً ثم قال: " إذاً لابدَّ من يومٍ آخر ينتقم الله منه ".
في الدنيا قوي وضعيف، وغني وفقير، وظالم ومظلوم، إنسان يعيش عمرًا قصيرًا، وإنسان يعيش عمرًا مديدًا، وقد يموت الظالم قبل أن ينتقم الله منه، وهكذا، أليس هناك يوم تسوَّى فيه الحسابات ؟ ويؤخذ حق المظلوم من الظالم ؟ وحق الضعيف من القوي ؟و حق الفقير من الغني ؟ فما دام فلان جاء إلى الدنيا وطغى وبغى ولم يعاقب إذاً لابدَّ من يومٍ آخر.
إخواننا الكرام ؛ هناك مقولة لطيفة: عظمة الخلق تدل على عظمة التصرُّف، وكمال الخلق يدل على كمال التصرُّف، ودائمًا هناك انسجام بين كمال الخلق وكمال التصرُّف، فمثلاً: شركة تصنع كمبيوترات، لو أنت اشتريت كمبيوترًا فمن غير المعقول أن تأخذ المبلغ منك وتضعه في الخزينة، وتقول لك: الله يعوِّضك، دون أن تعطيك إيصالات، أو إشعار استلام، أو إشعار قبض، فشركة تصنع كمبيوترات فلابدَّ من نظام دقيق في المحاسبة يتناسب مع دقة الصنعة.
فالمقولة: كمال الخلق يدل على كمال التصرُّف، فالكون فيه كمال بالخلق، إذاً خالقه لابدَّ من أن يكون كامل التصرُّف، فإذا كان هناك قوي وضعيف، وظالم ومظلوم، وغني وفقير، وصحيح ومريض، ومعمِّر وقصير العمر، ويأتي الموت فينهي كل شيء، صار هذا ظلًام شديدًا، فلابدَّ من يومٍ آخر تسوَّى فيه الحسابات.
لكن الكفَّار ماذا يقولون ؟ يقولون:
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
( سورة الملك )
والآية دقيقة، إنّ الإنسان أحياناً إما أن يأكل طبخًا جاهزًا وإما أن يطبخ بيده، فأنت إذا استمعت للحق تستمع له جاهزًا، وإذا أردت أن تتأمَّل وتفكِّر تصل إلى النتائج نفسها..
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
( سورة الملك )
فلابدَّ أن تسمع، ولابدَّ أن تعقل، والأكمل أن تجمع بينهما، والحسن البصري يقول:" أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي ".
( من أحاديث الإحياء: عن " أبي أمامة " )
فالإنسان يستحق السعادة العظمى عندما استخدم عقله، ويستحق الشقاء الأبدي عندما عطَّل عقله، بك أعطي وبك آخذ.
" أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي ".
وأحب العقول إلى الله تعالى عقل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم.
فأحدنا لو جلس مع إنسان مثقَّف يرتاح، فينطلق معه في الحديث، باستيعاب، وتقدير، لكن لو جلست مع إنسان ضعيف التفكير، ضعيف الثقافة، جامد، محدود يقول لك: قعدت نصف ساعة خرجت روحي، والنبي ما عاش في عصر فيه ثقافة، بل جاء إلى أُناس صخور على صخور، في جهل، وعصبيَّة، وجمود، وضيق أفق، عبدوا صنماً من التمر فلما جاعوا أكلوه ـ أكلت ودٌ ربَّها ـ أفهذا إنسان ؟ ينحتون أحجاراً ثم يعبدونها من دون الله، يقول أحدهم: " من كان أفضل مني فليضرب رجلي " يقوم إنسان فيضرب رجله، فتنشب حرب لمدة عشر سنوات، إنه أفق ضيَّق، وعصبيات، وعدوانية، وفوضى في الأخلاق، فامرأة تتزوَّج عشر رجال ثم تحدِّد هذا المولود لهذا الرجل، هكذا مزاجياً، ورجل يقول لامرأته: اذهبي إلا فلان فاستبضعي منه، ولا مانع عنده أنْ يلتقي معها لقاء زوجيًّا حتى تحمل منه بمحض اختياره.
إنها الفوضى في العلاقات الزوجيَّة ما بعدها فوضى، وربا ما بعده ربا، وقهر ما بعده قهر، ووأد بنات، وظُلم شديد، وأفق ضيِّق، وثقافة ضعيفة، وجهل، وعصبيات، وأكمل الخلق جاء مع هؤلاء.
أنا أقول لكم هذه الكلمة: أن تعيش مع الأذكياء فأنت في متعة بالغة، أن تعيش مع أصحاب الثقافات العالية كذلك، لكن أن تعيش مع أناس محدودين، ضيقي الأفق، لا يفهمون، ولا يعقلون، سريعي الاتهام والظن، إنّ الحياة مع هؤلاء جحيم لا يُطاق، وأكمل الخلق كان مع أناسٍ هذا حالهم، فكيف صبر عليهم ؟ وكيف تحمَّل غِلْظَتهم ؟ وكيف تحمَّل جفوتهم ؟ يمسكه الأعرابي من ثوبه اليماني ويشدُّه حتى يؤثِّر على صفحة عنقه ويقول: " يا محمَّد أعطني من مال الله، فهذا ليس مالك ولا مال أبيك " وهو قمَّة المجتمع، فيبتسم النبي ويقول له: " صدق إنه مال الله أعطوه "، فكيف تحمَّل هؤلاء ؟ وكيف ليَّن عقولهم ؟ وقلوبهم ؟ وألَّف قلوبهم ؟ وحبَّبهم به ؟ فهذا الشيء يحتاج إلى منتهى العقل، فقد يكون إنسان من عامة المؤمنين إذا ناقش إنسانًا آخر نصف ساعة، وما فهم عليه، تجده يقول له: اذهب عني ليس فيك خير، ييأس منه رأساً، فالنبي لم ييأس.
يقولون: إن حصينًا والد عمران الذي يعبد سبعة أصنامٍ في الأرض، ويرى أنها آلهة، كان معظَّماً في قريش، فجاؤوا إليه وقالوا له: " كلِّم لنا هذا الرجل ـ أي محمداً صلى الله عليه وسلَّم ـ فإنه يذكر آلهتنا ويسبُّهم "، وجاؤوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبي، فقال عليه الصلاة والسلام ـ إنسان يعبد سبعة أصنام جاؤوا به إلى النبي ـ فقال عليه الصلاة والسلام: " أوسعوا للشيخ " وهو حصين نفسه، فقال حصين: " ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ " الآن أن يقول رسول الله، أما كان يخاطب بضمير المُفرد، الآن إنسان جالس وراء طاولة إذا قلت له: أنت، يقول لك غداً: أنا ؟ يجب أن تقول: أنتم قلتم لنا، إن لم تخاطبه بالجمع يطردك، أليس كذلك ؟ رسول الله قيل له: " ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم ؟ "، فقال عليه الصلاة والسلام مؤنساً: " يا حصين كم تعبد من إلهٍ ؟، قال: " سبعاً في الأرض وواحداً في السماء "، أي ثمانية، فقال عليه الصلاة والسلام: "فإذا مسَّك الضر من تدعو ؟ "، فقال حصين: " أدعو الذي في السماء "، قال: " فإذا هلك المال من تدعو؟ " قال: " أدعو الذي في السماء " قال عليه الصلاة والسلام: " فيستجيب لك وحده وتشركهم معه ؟ هذا الكلام معقول ؟ هو الذي يستجيب لك وتجعلهم آلهةً معه في الأرض ؟ " أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك ؟ فقال حصين: " لا واحدة من هاتين "، فقال عليه الصلاة والسلام: " يا حصين أسلم تسلم " فقال:" إني لي قوماً وعشيرةً ماذا أقول ؟ " هذه مشكلته رؤساء الأديان، ماذا أفعل بحالي ؟ هذه مشكلتهم، فقال: " قل اللهمَّ أستهديك لأرشد أمري، وزدني علماً ينفعني " فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم.
فقام إليه عمران ابنه فقبَّل رأسه ويديه ورجليه أمام النبي، فلما رأى النبي هذا بكى وقال: " بكيت من صنيع عمران، دخل حصين أبوه وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقَّه فدخلني من ذلك الرفعة ".
عندما دخل حصين على النبي كان ابنه موجودًا، قال: ما قام له ولم يلتفت له، لأنه كافر، فلما أسلم قام فقبَّل رأسه ويديه ورجليه فبكى النبي، ما هذه النقلة الكبيرة ؟
هذا يذكِّرني عندما قال سيدنا عمر: " دخل عمير عند رسول الله والخنزير أحب إليَّ منه، وخرج من عنده وهو أحب إليَّ من بعض أولادي "، انظر لهذا التبدُّل السريع.
معلومكم في قصَّة تعرفونها كلكم عندما قال له إنسان: " ائذن لي بالزنا "، والصحابة قاموا إليه، الآن انظر إلى المنطق، وإلى الحجَّة، أنت عندما تخاطب عقل الإنسان بهدوء، وتعطيه الحجَّة القويَّة وتحاصره فتفلح معه، فالقضيَّة ليست بالصياح، ولا بالضجيج، ولا بارتفاع الصوت، إنَّ الحجَّة تقارع الحجَّة، قال له: " ائذن لي بالزنا "، فالصحابة ضجوا وقاموا إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " لا " قال: " يا عبد الله أترضى أن يزني الناس بأمك ؟ ". تصور والدته، فقال: " لا ". قال: " كذلك الناس يكرهون، قال: أترضى أن يزني الناس بابنتك ؟ "، قال: " لا " فقال: " كذلك الناس يكرهون ". فقال: " يا رسول الله أُشْهِدُكَ أني تبت من الزنا ".
وفي رواية تقول: " دخلت على رسول الله وما من شيءٍ أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وما شيءٌ أبغض إليَّ من الزنا " بالمنطق، في رواية أطول قال له: " لأمك، لابنتك، لأختك، لعمَّتك، لخالتك، ولا الناس يريدونه لبناتهم "، فالداعية الصادق يقدِّم حجَّة قويَّة.
اختلفت القبائل على من يمسك الحجر الأسود عند بناء الكعبة، وكادت أن تنشب فتنة كبيرة، فماذا فعل النبي ؟ جاء برداء ووضع الحجر بيده الشريفة في الرداء، وأمر كل رأس قبيلة يحمل طرف من الرداء، أليس هذا عقلاً راجحاً ؟.
عليه الصلاة والسلام، لقد كان في أعلى درجات الحنكة القياديَّة، فأمر بعض أصحابه أنْ يتعلَّم السريانيَّة، وأمر بعض أصحابه أن يتعلَّم العبرانيَّة حتى يأمن مكر هؤلاء، فما كان يقبل من مترجم غير مسلم يترجم له، فأمر أصحابه يتعلَّموا هذه اللغات حتى إذا جاءه كتاب بالسريانية أو بالعبرية كان يكلِّف الصحابي يترجمه له، لئلا يحتال عليه هؤلاء الأعداء.
إنّ تقصي المعلومات في الحرب عمل مهم، والمعلومات الآن هي أخطر شيء، والآن عصر ثورة المعلومات، فكان في بعض المعارك، روى الإمام أحمد وغيره عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا فَاجْتَوَيْنَاهَا وَأَصَابَنَا بِهَا وَعْكٌ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَبَّرُ عَنْ بَدْرٍ فَلَمَّا بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَقْبَلُوا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْرٍ وَبَدْرٌ بِئْرٌ فَسَبَقَنَا الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهَا فَوَجَدْنَا فِيهَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَمَّا الْقُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ كَمْ الْقَوْمُ فَيَقُولُ هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ كَمْ الْقَوْمُ قَالَ هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ فَجَهَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ فَأَبَى ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ كَمْ يَنْحَرُونَ مِنْ الْجُزُرِ فَقَالَ عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْمُ أَلْفٌ كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ))
وكان الأمر كذلك.
هذه حنكة قياديَّة رائعة، فيجب أن تعرف حجم عدوَّك قبل أن تخوض المعركة، فكلمة كثير كلمة عامة.
عندما أمر سيدنا حذيفة بن اليمان أن يذهب إلى معسكر الأعداء في معركة الخندق، ودخل وجلس، وأمره أن لا يحدث شيئاً حتى تأتيننا، وفي رواية " اذهب وأتني بخبر القوم ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني " فهذا جلس، فشعر أبو سفيان أن هناك أشخاصًا غرباء يستمعون، فقال: " كلٌ منكم يتفقَّد صاحبه "، فكان سريع البديهة ـ سيدنا حذيفة ـ أمسك بيد جاره وقال له: " من أنت ؟"، فقال له: " أنا فلان " لو تأخَّر لاكتشف أمره.
إخواننا الكرام ؛ استقر بنفوس الناس أن المؤمن درويش، يقول لك: على البركة، لا يدقِّق، هذا كله كلام غلط، المؤمن الصادق في أعلى درجات الكياسة.
((المؤمن كيس فطن حذر))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
( سورة النساء: من آية " 71 " )
هذا المفهوم الساذج أن المؤمن درويش، لا يدقِّق، ليس لديه هذا الفهم الزائد و، يتعب عليه، فهذه كلها مفاهيم جاءتنا من العصور المتخلِّفة، عصور الانحطاط..
((المؤمن كيس فطن حذر))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
هل هناك أعلى من هذا الذكاء ؟ تدخل معسكر العدو، وتجلس بينهم، وتستمع إلى مقولة قائدهم، وحينما يشعر القائد أن هناك من يستمع ويقول: " تفقَّدوا أصحابكم "، فيبادر ويمسك بيد جاره ويقول له: " من أنت ؟ ".
والقصَّة التي تعرفونها أيضاً من أروع القصص، التي تبيّن رجاحة عقل النبي صلى الله عليه وسلَّم، فنعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه قال: " إني أسلمت ـ أسلم في أدق الظروف ـ وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت يا رسول الله". فقال عليه الصلاة والسلام: " إنما أنت فينا رجلٌ واحد "، والمعركة بين جيشين، والأحزاب تحزَّبت، عشرة آلاف مقاتل لم تجتمع في تاريخ الجزيرة العربيَّة، جاءت كلها لترمي النبي وأصحابه عن قوسٍ واحدة، وحتى إن بعض من كان مع النبي قال: " أيعدنا صاحبكم ـ لم يقل رسول الله ـ بأن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ "، فقد اعتقد بعض الناس أن الإسلام انتهى، هو قضية ساعات وينتهي..
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
( سورة الأحزاب )
بعضهم قال: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً "، وفي هذا الموقف الحرج، وفي هذه الساعات الحرجة جاء نعيم بن مسعود وقال له: " أنا أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما شئت ". فالنبي نظر فقال له: "إنما أنت فينا رجل واحد فخِّذل عنا إن استطعت، إن الحرب خدعة، فاذهب فشتِّت جموع العدو وألقِ بينهم بدهائك "، إنسان واحد قد ينهي معركة !! ولكن مع إخلاص وذكاء، فخرج حتى أتى بني قريظة وهم طائفة اليهود، وكان لهم نديماً فقال: " قد عرفتم ودي إياكم وخاصَّةً ما بيني وبينكم "، قالوا: " صدقت لست عندنا بمتَّهم "، فقال لهم:" إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم ـ أي ليسوا مثلكم ـ البلد بلدكم، به أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم، ولا تقدرون أن تتحوَّلوا منه إلى غيره، وإنهم جاؤوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزةً أصابوها ـ أي فرصة ـ وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبينهم، ولا طاقة لكم بمحمد إذا خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقةً لكم، على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوا".
إنه كلام منطقي: أنتم هذا بلدكم، وهذه دياركم، وهذه أموالكم، وهذه حصونكم، وهذه بساتينكم، والآن تحالفتم مع قريش وغطفان، وهم بلادهم غير هذه البلاد، ونساؤهم هناك، وأموالهم هناك، فإن فازوا فازوا، وإن لم يفوزا عادوا إلى بلادهم وتركوكم لمحمد، ولا قِبَل لكم بمحمد اللهمَّ صلِّ عليه، فلا تقاتلوا مع قريش حتى تأخذوا منهم الرهائن.
ثم أتى قريشاً وقال لأبي سفيان ومن معه: " قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغي أمراً رأيته حقاً عليَّ أن أبلغكموه، نصحاً لكم فاكتموه عني"، قالوا: نفعل، قال نعيم: " إن اليهود ندموا على ما صنعوا وأرسلوا إلى محمدٍ إنا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ من أشراف قريش وغطفان رجالاً تضرب أعناقهم كرهائن، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم محمد نعم، قال نعيم: فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون إليكم الرهائن فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً ".
ثم إن نعيماً أتى غطفان فقال: " إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني، أي بل أنا مصدقٌ عندكم "، فقالوا: صدقت وما أنت عندنا بمتهم، فقال: " فاكتموا عني " قالوا: نفعل. فقال لهم مثلما قال لقريش.
وكان من صنع الله لرسوله أن أبا سفيان ورؤوس غطفان أرسلوا إلى اليهود من بني قريظة عكرمة في نفرٍ من القبيلتين: " إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً، ونفرغ ما بيننا وبينه ".
فأرسلوا إليهم: " إن اليوم يوم السبت لا نعمل فيه شيئاً، وكان قد أحدث فيه ـ أي في السبت ـ بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخفَ عليكم، ولسنا بمقاتلين معكم حتى تعطونا من رجالكم يكونون بأيدنا ثقةً لنا حتى نناجز محمداً، فإنا نخشى إن اشتدَّ عليكم القتال أن ترجعوا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل، ولا طاقة لنا به ".
فهذا إنسان واحد، وبذكاء بارع أوقع بين الفريقين، وجعلهم يتهمون بعضهم بعضاً.
فقالت قريش وغطفان: " والله إن الذي حدثكم به نعيم لحق "، فأرسلوا إلى بني قريظة: " إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً "، فأبوا عليهم وخذَّل الله بينهم، وبعث الله عليهم الرياح في ليالٍ شديدة البرد، فأكفأت قدورهم وطرحت أبنيتهم.
((المؤمن كيس فطن حذر))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
فإنسان واحد أسلم في ظرف من أصعب الظروف التي مرَّت بها الدعوة الإسلاميَّة، وكانت على وشك الانهيار، وأوشك أن تتلاشى، عن طريق هذا الإنسان الحذر، الكيس، الفطن، المخلص الذي استلهم الله عزَّ وجل أنقذ الله هذه الدعوة.
أيها الإخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يُرْهِبُ عدوَّه، والحرب خدعة، فمن هذه الأساليب الذكيَّة ورد أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لما توجَّه لفتح مكَّة، وانتهى إلى ممر الظهران، أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نارٍ لتراها قريش، وتَرْهَبَ من كثرتها، حتى قال أبو سفيان ومن معه حين رأوا من بعيد: " لكأنها نيران عرفة "، أي في كثرتها، وكان ذلك مما ألقى الخوف في قلوبهم، كما أمر عمَّه العبَّاس أن يجلس أبا سفيان على الطريق عند مضيق خطم الجبل، ليشاهد جيوش المسلمين وكتائبهم حين تمرُّ عليه، ثم جعلت تمر عليه كتيبةً كتيبة، فجعل أبو سفيان يقول للعبَّاس: " من هذه الكتيبة يا عباس ؟ "، وطفق العباس يخبره عن تلك الكتائب واحدةً واحدة، وذلك مما حمل أبو سفيان على التطامن والاستسلام.
فما من أسلوبٍ حديثٍ في كسب المعركة إلا والنبي عليه الصلاة والسلام انتبه إليه، واستخدمه في أروع ما يستخدم القائد الحكيم الأساليب الذكيَّة العاقلة.
ولنا إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الموضوع عن رجاحة عقل النبي، ودائماً وأبداً كما قلت لكم: ((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))
تعرّف إلى رجاحة عقلك من طاعتك لله ومن حبك له، وإذا رأيت نفسك في طاعة الله فهذا دليل رجاحة العقل.
وأقول لكم مرَّةً ثانية: الفرق بين العقل والذكاء هو أن الذكاء متعلِّق بالجزئيات، بينما العقل متعلِّق بالكليات، فقد يكون المرء ذكياً وليس عاقلاً، وقد يكون عاقلاً وليس ذكاؤه في المستوى العالي، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ))
( من سنن الدارمي: عن " مسروق " )
أي لمجرَّد أن تخشى الله فأنت عالِم، أي عرفت أن لك رباً، وأن له منهجاً، وأن عليك أن تطيعه، فمعرفة هذا الشيء دليل رجاحة العقل.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نتابع هذا الموضوع عن رجاحة عقل النبي.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : ارجحية عقلة الشريف










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الخامس من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن نمضي في الحديث عن شمائله، أذكر أنّنا قد عالجنا في الدرس الماضي موضوع رجاحة عقله، ووعدتكم أنْ أتابع الموضوع، وقبل أن نمضي في الحديث عن رجاحة عقل النبي صلى الله عليه وسلم أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة لأنها محور الدرس.
كيف أن السُبحة عبارة عن مجموعة حبَّات، فيها خيطٌ ينظمها جميعاً، وقد لا يرى الخيط، لكنه موجود، فالإنسان حينما يوفَّق في فهم نص أو فهم موضوع، ويضع يده على المحور الذي ينظم حبات العقد كلها، فمن رجاحة عقل النبي أنه كان يحسن انتقاء معاونيه، والإنسان فرد، لكن مَن الذين يتصلون بالمجتمع ؟ المعاونون، يرسل منهم رسولاً إلى ملك، ويُعيِّن قائدًا على جيش، فهؤلاء الذين كان يختارهم النبي عليه الصلاة والسلام، كان يختارهم بعناية فائقة، وكان يختارهم من بين نخبةٍ عالية المستوى من أصحابه.
لذلك فالإنسان إذا أساء اختيار معاونيه هَلَك، وإذا أحسن اختيار معاونيه نجح، فمحور الدرس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار قواد الجيوش، وكيف كان يختار رسله إلى الملوك، وكيف كان يختار في المهمات الخاصة نخبةً عاليةً من أصحابه الكرام.
فالإنسان كما تعلمون - أيها الإخوة - قويٌ بإخوانه، وضعيفٌ بإخوانه، فلو كان الذين حولـه ضعافًا، متكاسلين، ضعافَ التفكير، ضعاف العزائم، لهم أهدافٌ لا تتناسب مع عظمة هذه الدعوة، فالدعوة تَسْقُط.
فالنبي عليه الصلاة والسلام ينتقي لخوض المعارك العنيفة أكفأ الرجال من الأبطال، بحسب الاستعداد والمناسبة، ثم يتبين للصحابة الكرام، دقة نظره صلى الله عليه وسلم في تعيين ذلك الرجل الذي انتقاه، ففي يوم خيبر حدَّثَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقِيلَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
(رواه البخاري)
فلموقعة خيبر اختار سيدنا عليًّا، وكان غائبًا، وفي رواية البيهقي والطبراني عن عليٍ كرم الله وجهه قال: " فما رمدت ولا صُدِعَت منذ أن مسحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
وفي روايةٍ أخرى، وكان علي رضي الله عنه يلبس القباء المحشوَّة الثخينة في شدة الحر فلا يبالي، ويلبس الثوب الخفيف في شدة البرد فلا يبالي، فسئل عن ذلك، فأجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له يوم خيبر، إذاً اختار لهذه المعركة البطلَ المناسب.
مرةً بحث عن إنسان لمهمة، فعرض عليه أصحابه اسم رجل من صحابته، فقال بلطف وأدب: " ليس هناك " أي ليس في مستوى هذه المهمة، فكان يعرف أقدار الرجال، ويعرف قُدرات الرجال، ويعرف طاقات الرجال، ويعرف خصائص الرجال، ويعرف الميزات التي يتمتَّع بها الرجال، وكان ينتقي لكل مهمةٍ أعلى رجل من أصحابه، تتوافق خصائصه مع هذه المهمة.
قالوا: يوم أحد اشتدت المعركة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ "، فقام إليه رجال منهم الزبير بن العوام، فطلبه ثلاث مرات، كل ذلك يُعرض عنه النبي، حتى قام إليه أبو دُجانة، فقال: " وما حقه يا رسول الله ؟ قال: أن تضرب به وجه العدو حتى ينحني " ـ السيف ـ وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام يختال ويتبختر في مِشيته قال: " إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلا في هذا الموطن فهو يحبها الله عزَّ وجل))
لذلك قالوا: " التكبر على المتكبر صدقة " إن الله يبغض هذه المشية ؛ مشية التكبُّر إلا في هذا الموطن، فالإنسان أمام الكفار ليس له حق أنْ يتواضع، ولا أنْ يتطامن، ولا يتدروش، بل يجب أن يتعالى، لأنّ المتكبر على المتكبر صدقة، والحكمة أن تريهم قوةً، أن تريهم ثقةً بالنفس، أن تريهم شرفاً، ولكنْ يجب مع المؤمن أنْ تتواضع، فإنَّ الله عزَّ وجل وصف المؤمنين فقال:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ﴾
( سورة المائدة: من آية " 54 " )
بين المؤمنين ليس ثمَّة تكلُّف، ولكن مع الكفار ينبغي أن تظهر بمظهر القوة، ومظهر الشرف، ومظهر الاستعلاء، فكان أبو دجانة إذا مشى يتبختر في مشيته، فقال عليه الصلاة والسلام موضحاً: ((إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن يحبها))
إخواننا الكرام في نقطة دقيقة ؛ نستفيد منها جميعاً في كل موضوعات السيرة، إنْ فعل النبيُّ شيئًا وهو المشرِّع، فمعنى(مُشَرِّع)أنَّ هذا الشيء يقاس عليه ألفُ شيء، يعني مثلاً: لما رأى صحابيين ومعه زوجته صفية، ماذا فعل النبي ؟ قال:
((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ))
( البخاري عن صفية )
فهذه حادثة واحدة، لكنك من الممكن أن تقيس عليها مليون حادثة، لأن النبي مشرع، وهذه فعلها تشريعاً، فلو كنت تحاسب إنسانًا فبيِّن له، وأنت في المحل التجاري فدخلت امرأة، وقلت لها: أهلاً وسهلاً، نحن مشتاقون لكِ، وكانت أختك، قل لمَن يتواجد: هذه أختي، بيِّن له أنّ هذه المرأةَ أختك، دخلتَ إلى محلك ليلاً ؛ ساعة الثانيةَ عشرة، فقل للحارس: أنا داخل لآخذ سندًا، عندي غداً صباحاً باكراً سفر، بيِّن له، لكي لا يقول: لماذا جاء الساعة الثانية عشر ليلاً إلى المحل ؟ قد يقول في نفسه: لعل خلافًا وقع مع شريكه، فجاء ليختلس ويسرق.
فما دام النبي مشرِّعًا، ففِعلُه يُقاس عليه، ولو كان غير مشرع فهي مجرَّد حادثة وقعت، وربَّما لا تقع مرة ثانية، لكنه ما دام مشرعًا فالحادثة التي وقعت معه قد تقيس عليها آلاف الحوادث، إذاً لما قال: " هذه زوجتي صفية "، فأنت يجب ألاّ تسمح لتصرف من تصرفاتك يثير الشبهات، يقول سيدنا علي: " لا تضع نفسك موقع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك "، فالذي يضع نفسه موضع التهمة يجب أن يتحمل لوم الناس له، والتشهير به، لأنه هو المذنب.
كأن تكون في محل تجاري، ولا أحد معك، وخطر في بالك أن تصرف مئة ليرة من الدرج، وضعتَ المئة ليرة، وأخذتها صرفًا، فدخل صاحب المحل، فوجدك تأخذ من الدرج، ولكن لم يرَك وأنت تضع المئة ليرة، هذه قضية فيها شبهة، ليس لك حق أن تفتح الدرج إطلاق، ولو كنت أنقى من ماء الثلج، "لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك"، هذه قاعدة، فلما قال النبي: "هذه زوجتي صفية"، فقد علمنا أن نقيس عليها آلاف الحوادث، فدائماً وضِّحْ للآخرين.
أنت مسافر، وكَّلتَ أخا زوجتك أنْ يزور بيتَك في أثناء غيابك، ليتفقد أخته، ولك جيران في الطابق نفسه، بلِّغهُم أنك مسافر، فإذا رأوا رجلاً دخل بيتك في غيابك، فهل سيقولون: هذا أخوها أم يتهمونها بشخص آخر ؟ وبعد عدة سفرات ترى نفسك مفضوحًا، بيِّن ووضِّحْ، فهذه القصة يجب أن تقيس عليها ألف قصة، لأنّ النبي مشرِّع.
ومن تشريعه: ((إن الله يبغض هذه المشية إلا في هذا الموطن))
معنى ذلك أنك إذا كنت مدعوًّا فكُن أنيقًا، إذا كانت ثيابك موضِعَ انتقاد وأنت مسلم، فقد استخذيت، يجب أن تظهر بمظهر الأناقة، ويجب أن تأتي في الموعد تماماً، ويجب أن تتكلم بثقة، ويجب ألاّ تظهر ضعفك أمام كافر، دائماً أظهر قوتك، وكما تعلمون سابقا أنّ الإنسان إذا اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، أما إذا اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، فلا تبثَّ همَّك لغير المؤمن، فأخذ أبو دجانة عصابةٍ له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: " أخرج عصابة الموت "، فخرج وهو يقول شعرًا فاسمعوه:
أنا الذي عاهدني خليلي.. .. ونحن بالسفح لدى النخيل
ألاّ أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
***
الكيول: أي في مؤخِّرة الصفوف.
فجعل لا يلقى أحداً من المشركين إلا قتله، قال الزبير: وكان في المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً إلا أجهز عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين، أي تبادلا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بترسه فعضَّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة، ثم عدل عنها، وقال: أكرمت سيف رسول الله عن أن أضرب به امرأة، وصل إلى هند بنت عتبة، وكاد يقتلها بضربة سيف، وتذكر أن هذا السيف سيف رسول الله، فأكرمه عن أن يضرب به امرأة.
فالنبي الكريم انتقى لمعركة خيبر سيدنا عليًّا، وفي أُحُد حينما اشتد الأمر على المسلمين اختار أبا دجانة ليضرب بسيفه.
وبعدُ ؛ فالنبي الكريم من رجاحة عقله أنه إذا أرسل رسلاً إلى الملوك، يختارهم من أعلى المستويات، فالعلاء بن الحضرمي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى، ومعه كتابٌ يدعوه إلى الإسلام، فلما قدم عليه قال له - اسمعوا كلام الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي لما التقى بالمنذر بن ساوى، أحد الملوك ومعه كتاب مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له الرسول: " يا منذر إنك عظيم العقل فلا تصغرن في الآخرة.. "، فالإنسان يكون له في الدنيا شأن، وهذا واللهِ جميل، لكن بطولته أن يستمر هذا الشأن إلى الآخرة ـ قال له: " إنك عظيم العقل فلا تصغرن في الآخرة " ـ أي إذا كان عقلك لم تسلطه على أمور الآخرة، وعلى أمور الكليات في الحياة، ففي الدنيا أنتَ صاحب عقل راجح، ولكنّك في الآخرة صاحب عقل غير راجح ـ "إنك عظيم العقل فلا تصغرن في الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، فكان هذا المنذر بن ساوى مجوسيًا، ليس فيها تكريمٌ للعرب، ولا عُلِمَ عند أهل الكتاب أنهم ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة "، سأعيد مرة ثانية ما قال هذا الرسول الذكي العلاء ابن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى قال له:
" يا منذر إنك عظيم العقل، فلا تصغرن في الآخرة ـ أي يجب أن يهديك عقلك إلى الإسلام، فلو لم يهدك إلى الإسلام لصغُر عقلك في الآخرة ـ إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكريمٌ للعرب، ولا عُلِمَ عند أهل الكتاب أنهم ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم العقل ولا الرأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألاّ تصدقه ؟! ولمن لا يخون ألاّ تأمنه ؟! ولمن لا يخلف ألاّ تثق به ؟! فإن كان هذا هكذا، فهذا هو النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقلٍ أن يقول: ليت ما أمر به ما نهى عنه، وما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص في عقابه، إذ كل ذلك منه على أمية أهل العقل وفكر أهل النظر ـ تصرفاته حكيمة، عفوه في مكانه، عقابه في مكانه، صلته في مكانها، عطاؤه في مكانه، أمره في مكانه، نهيه في مكانه ـ والله لا يستطيع ذو عقلٍ أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، وما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه، إذ كل ذلك منه على أمية أهل العقل وفكر أهل النظر".
فقال له المنذر: " قد نظرت في هذا الذي بين يدي، دين المجوسية فوجدته للدنيا دون الآخرة ".
واللهِ الذي لا إله إلا هو لقد وقفتُ عند هذه الكلمة ملياً، معناها كل مبدأ أرضي له نفع دنيوي، تَجَمُّع، البوذية تَجَمُّع، فإذا انضم الإنسان إلى تجمع أرضي ليس له علاقة بالسماء ففيه نفع، وبالطبع الفرد ضعيف وهو وحيد ـ يقول لك: هذا فلان ماسوني، فإذا انضم لمجموع له ميزات، له عطاءات، له حماية، له دعم، فليس الحق أن تنضم إلى تجَمُّع، بل الحق أن تنضم إلى دين، لأن الدين يسعدك في الدنيا والآخرة، أما الانضمام إلى أي تجمُّع، والتجمع مصلحي، هدفه تحقيق مصالح جماعة، فكل مجموعة أشخاص يشكِّلون جماعة، فإذا انضم الإنسانُ لهم كانت له ميزات، بدءاً من النادي وانتهاءً بالأحزاب الكبيرة، فكلٌّ منها تجمع أرضي أساسه المصلحة.
لذلك يقول الملك: " قد نظرت في هذا الذي بين يدي، دين المجوسية فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا ـ المجوسية للدنيا دون الآخرة ـ فما يمنعني من قبول دينٍ فيه أمنية الحياة وراحة الموت ـ والله كلام طيب ـ ولقد عجبت أمسِ ممن يقبله ـ أي دخل في الإسلام ـ وعجبت اليوم ممن يرده ".
طبعاً العرض كان رائعًا: إنك عظيم العقل، فلا تصغرن في الآخرة، هذه المجوسية شر دين، ينكحون مما يستحيا منه، يأكلون مما يتكرم عن أكله، يعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم العقل ولا الرأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألاَّ تصدقه، ولمن لا يخون ألاّ تأمنه، ولمن لا يخلف ألاّ تثق به، فإن كان هذا كذلك فهو النبي الأمي الذي واللهِ لا يستطيع ذو عقلٍ أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، وما نهى عنه أمر به.. إلخ
يقول له المنذر: " قد نظرت في هذا الذي بين يدي من دين المجوسية فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دينٍ فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمسِ ممن يقبله - أيْ يدخل فيه -، وعجبت اليوم ممن يرده، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظَّم رسوله وسأنظر ". أي فيما أصنع من الذهاب إلى هذا الرسول أو مكاتبته، لا في أنه يسلم أو لا يسلم، فإن قوله: عجبت اليوم ممن يرده اعترافٌ بأنّه دين حقٍ، كما في شرح هذا النص.
هذا رسولٌ قد أرسله النبي إلى ملك، وعرض هذا العرض، وكان هذا جواب الملك.
وعندنا رسول آخر اسمه المهاجر بن أبي أمية المخزومي، شقيق أم سلمة أم المؤمنين، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث ابن عبد فُلالٍ أحد ملوك حِمْيَر، فلما قدم عليه المهاجر قال له: " يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه المصطفى نفسه، فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدراً، وإذا نظرت في غَلَبَةِ الملوك فانظر في غالب الملوك ـ الذي يغلبهم ويقهرهم، اتقِ غالب الملوك، ولا تنظر إلى غلبة الملوك ـ وإذا سرك يومك فخف غَدَك، وقد كان قبلك ملوكٌ ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلاً وأملوا بعيداً وتزودوا قليلاً، فمنهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النِقَمُ، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيءٌ أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربًّا يميت الحي، ويحي الميت ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ".
هؤلاء الرسل الذين بعث بهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الملوك كانوا في مستوى المهمة، إذاً أحد أكبر مهام القائد أن يختار للمهمات الصعبة أكفأ من حوله، أجل أن يختار أكفأ من حوله، وأقدر من حوله على أن يقوم بالمهمة خيرَ قيام، وهكذا فعل النبي في الحرب، وفي السلم، في الدعوة الداخلية وفي الدعوة الخارجية.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس))
( من الجامع الصغير: عن سعيد بن المسيب)
فالذي عنده قدرة أن يتودد إلى الناس، يتقرب منهم، يلين الكلام معهم، يعفو عنهم، يغفر خطيئتهم، يسامحهم، يدلهم على الله عزَّ وجل، يتقرب منهم، هذا أعظم عمل يأمرك العقل به، فكان عليه الصلاة والسلام يداري السُفهاء والحمقى، ليكُفَّ من غائلتهم وشرهم، وليستميلهم ويجلب قلوبهم نحو السداد والرشاد، ففي الصحيح عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ))
وفي رواية: ((فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا - أأضربه، أأسبُّه - إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ))
( من صحيح البخاري)
أي إذا داريتَ إنسانًا تكون عاقلاً، لكنه هو شر الناس، ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ))
عندنا حكم فقهي، إذا كان الإنسان من عادته السُكر، ثم صحا، وقتل، وضرب، وآذى، وفَتَن الناس، فإذا رأيته سكران فدعه سكران، لأن الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها، شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، وخيرُ الناس المؤمن الودود، أما هذا الذي يُتقَّى مخافة شره، فهو إنسان شرير، بل هو شرُّ الناس، شيء جميل، لما رآه النبي الكريم قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما دخل تَطَلَّقَ وجهه، وألان له الكلام وانبسط له، السيدة عائشة عجبت ما هذا ؟ فكأنَّ النبيّ ذو وجهين، قالت له: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت: كذا وكذا، ثم انطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة متى عهدتِني فحاشاً، إن شرَّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة مَن تركه الناس اتقاء شره، وفي روايةٍ: "اتقاء فحشه"، إذا كان كلامُ الشخصِ بذيئًا، ويتكلم في العورات، ثمَّ داريتَه فأنت حكيم، أما لو استفززته فإنه يتكلم بالفحشاء على الفور.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقابل هذا الأحمق بغلظةٍ وفحشٍ، بل ألان له القول، وسلك معه مسلك المداراة.
إخواننا الكرام، يقول العلماء: هذا الحديث أصلٌ في المداراة، وفرَّق العلماء بين المداراة المطلوبة وبين المداهنة المذمومة، المداراة بذل الدنيا لصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأما المداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا. فنحن مِن الممكن أن نداريَ، ولكن لا يمكن أن نداهن، قال تعالى:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾
( سورة القلم )
فأنتَ مثلاً لم تصلِّ لكي لا يعرف الناس أنك تصلي، خير إن شاء الله ؟ هذه اسمها مداهنة، قد ضيعت دينك من أجل مكسب دنيوي، جلست في مطعم ووُضِع الخمرُ على المائدة، وأنت لم تعترض من أجل الحفاظ على مكسب دنيوي، فالإنسان حينما يضيِّع دينه من أجل الدنيا هذه هي المداهنة، أما حينما يبذل دنياه من أجل دينه فما اسمها ؟ هذه مداراة، من الممكن أن تنفق على إنسان مبلغًا، وأن تقدم له هدية، فتستميل قلبه، وتليِّن قلبه، وتقنعه لحضور درس مثلاً، تقنعه أن يسمع منك، أكرمته، أطعمته، قدَّمت له هدية هذه مداراة، فرأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((بعثت بمداراة الناس))
( من المأثور: عن " جابر بن عبد الله " )
لو قال: بعثت لمداراة الناس، لصار الهدف المداراة، أما بعثت بمداراة الناس، الباء للاستعانة، أي إنك تستعين على هدايتهم بمداراتهم، فنحن مطلوب منا أن نداري الناس، ونعينهم، نصغي لهم، نقدِّم لهم هدية، نخدمهم لكي نستميل قلوبهم، لكي يصغوا لنا، هذا مطلوب ؛ أما أنْ نضحي بديننا، نضحي بصلواتنا، نضحي باستقامتنا إرضاءً لهم، فهذه مداهنة.
الإمام القَسْطَلاَّني يقول: " المداراة مستحسنة، وليست مباحة "، أيْ مستحبة، وقال عليه الصلاة والسلام عن عائشة: ((إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض))
( من المأثور: عن " السيدة عائشة " )
أي إن كنتَ مسلمًا متمسكًا بدينك فلا تكن فظًّا، ولا تكن قطعة معدنية حادة الأطراف، كن ليِّنًا، فمِن يومين سألني أخ سؤالاً: هل مِن السنة أن يُحلق شعرُ المولود ؟ فاختلف مع زوجته، هي تشبثت ألاَّ يحلق شعره، فتدخل الأب، وكبر الأمر، وكاد الأمر يفضي إلى فراق، تساهل قليلاً، فالقضية ثانوية، تساهل فيها، جاء العمُّ، وقصَّ بضع شعرات، وقال له: لقد حلقنا الشعر، لكنه يريد بالموسى، فالإنسان يكون ليِّنًا، ولا سيما بالأمور الثانوية، فنحن عندنا أساسيات، في الأساسيات لا تلِن، أما في الثانويات فكن متساهلاً، إذا كان من ورائها مشكلة كبيرة.
فالمداهنة كما قلت قبل قليل: بذل الدين لصلاح الدنيا، وهي مذمومة، وقد نزّه اللهُ تعالى نبيَّه عنها، فقال:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾
( سورة القلم )
فكان النبي عليه الصلاة والسلام يداري، ولا يداهن.
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كان عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه على شر القوم يتألَّفهم بذلك"، إذا كان الإنسان شريرًا، فظًّا غليظًا، جبارًا، وهو جارك في البناية، فقل له: السلام عليكم. لعله يلين قلبه، فلا تضع له العقدة، لأنه هو أقوى منك بهذا الأسلوب، واستمِلْ قلبه بابتسامة، وبسلام حار، فكان عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه على شر لقوم يتألفهم بذلك.
ومن أعظم الأدلة على كمال عقله الشريف صلى الله عليه وسلم سعةُ علومه، فقد أفاض اللهُ عليه العلوم العظمى، والمعارف الكبرى، وأراه الآيات، وأيَّده بالبينات، وصَدَّقه بالمعجزات، وجمع له جميع أنواع الوحي الإلهي، وذلك لا يقوم به، ولا يقدر على تحمُّله إلا من خصَّه الله تعالى بأعظم قلبٍ، وأوسع عقلٍ.
أي إنه صلى الله عليه وسلمه سيد العلماء، تجد إنسانًا يأخذ ثلاثين حديثًا يشرحها، ويستنبط منها بعض الأحكام، ويحضِّر رسالة دكتوراه، ثم صار اسمه: الدكتور فلان، فماذا فعل ؟ فَهِمَ ثلاثين حديثًا، وتعمق فيها.
يا أيها الأميُّ حسبُك رتبةً في العلم أن دانتْ لك العلماءُ
* * *
في العلم هو سيِّد العلماء، والله عزَّ وجل يقول: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾
(سورة النجم: 5)
فإذا افتخر الإنسان بمعلميه، فالنبي يفتخر أن الذي علمه هو الله عزَّ وجل، وهذه نقطة دقيقة متعلقة بأميته صلى الله عليه وسلم، فأمِّيتُه في حقه كمال، فهو أمِّيٌّ، أي لا يقرأ ولا يكتب، فالأمِّيةُ في حقه كمال، وفي حقنا نقص، في حقه كمال لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل كلامه من الوحي خالصاً دون امتزاج بالثقافات الأرضية، فلو كان مثقفًا ثقافة عالية، وجاءه الوحي وتكلم، لكان كلما قال حديثًا يُسأل: هذا من عندك أم من الوحي ؟ هذا من ثقافتك أم من الوحي ؟ قال الله عز وجل:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم )
حتى الحديث الشريف فإنّه وحي، لكنه غير متلو، علماء الأصول فرَّقوا بين الوحي المتلو وبين الوحي غير المتلو، فالمتلو هو القرآن، وغير المتلو هو الحديث الشريف.
أيها الإخوة الكرام ؛ في نهاية هذا الدرس أذكر لكم هذه الحقائق: اعلَمْ أنّ موضع التكاليف الشرعية هو العقل، فإذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، هذا تعرفونه جميعاً، لكن لهذه المقولة استدلال خطير، التكاليف الشرعية منوطة بالعقل، فإذا أخذ الله العقل أسقط التكاليف، فما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن التكاليف معقولة، ولو لم تكن معقولة لما أنيطت بالعقل، فقد أناطها الله بالعقل، فمن فَقَدَ عقله فقَدْ أُعْفِيَ من التكاليف، إذاً التكاليف معقولة، لذلك قامت حرب بين العقل والكنيسة في العصور الحديثة، ونحن بريئون من هذه المعركة، ديننا متطابق مع العقل تطابقًا تامًّا، أما في بعض الديانات المنحرفة فهناك مفارقة حادّة بين العقل وبين هذه الديانة، فالمثقف رفض هذا الدين لأنه مناقض للعقل، فالمستغربون من شبابنا يرفضون الدين ويعتزون بالعلم، افتراضًا منهم أن الدين مناقض للعلم، وهذا الشيء غير واقع في الإسلام إطلاقاً.
الشيء الثاني ؛ لو كانت الأوامر والنواهي والقضايا في الإسلام غير معقولة لكان التكليف بها تكليفاً بما لا يطاق، ولو أنّ الإسلام كلفنا بأشياء غير معقولة لأصبح التكليف لا يطاق، فمثلاً في الديانة البوذية إذا مات الرجل يُحرَق ولا يدفن، وتحرق معه امرأته، وامرأته لا علّة بها، ولكن ما دام زوجها قد مات فيجب أن تموت معه حرقا، هذا تكليف غير معقول.
والبقرة ممنوع ذبحها، وأكبر قطيع بقر في العالم موجود في الهند، فتدخل البقر إلى بعض محلات الفاكهة وتأكل أغلى الفاكهة، وصاحب المحل مسرور من أعماقه، لأن الإله دخل، وأكل عنده، وبعض الهنود يضعون روث البقر في غرف الضيوف، ويتعطَّرون ببول البقر، فإذا كانت التكاليف غير معقولة فهي منبوذة طبعاً، فلو أن الله عزَّ وجل كلفنا بأشياء غير معقولة لكان هذا التكليف لا يطاق، لكن لا شيء كلفنا الله به إلا وهو معقول.
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بأشياء غير معقولة، والكفار كانوا ينتظرون منه غلطة واحدة، ولَمَا سكتوا، وتكلموا، ورفعوا أصواتهم، ونقدوا النبي، وفنّدوا أقواله، وشهّروا به، فلو أن الدعوة الإسلامية فيها خلل صغير، ولو كان الذي جاء به النبي الكريم مناقضًا للعقول، لكان الكفار في زمنه أولَ من ردّوا عليه ذلك، ولكانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به النبي، إن جميع العقلاء والحكماء في زمنه شهدوا بأحقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
وسيدنا جعفر رضي الله عنه لما دخل على النجاشي وقال له:
((إنا كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان))
(أحمد)
قال النجاشي بعد ذلك: " مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه النبيّ الذي نجده في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيت هذا النبي حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه ".
(أحمد)
وفي رواية للطبراني::لآتيته حتى أقبِّل نعليه".
أكثم بن صيفي بعث رجلين من قومه لمقابلةِ النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك حين بلغه مخرج النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيا النبي فقالا له: " نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت ؟ وما أنت ؟ وبم جئت ؟ " أكثم بن صيفي من وجهاء الجاهلية، لما بلغته بعثةُ النبي أرسل وفدًا من رجلين، وسألاه هذه الأسئلة الثلاثة: من أنت ؟ وما أنت ؟ وبم جئت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( أما من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله، جئتكم بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾))
( سورة النحل )
فقالا: " ردد علينا هذا القول ". فردده عليهم حتى حفظاه، فأتينا أكثم فقالا له: " أبى أن يرفع نسبه، فسألناه عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، وسطاً في مُضَر، وقد رمى إلينا بكلمات قد حفظناها "، فلما سمعهن أكثم قال: " إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا فيه أذناباً ".
الملخص: أن جميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو المعقول المحكم، لذا استسلم له أهل الأفكار والعقول، ولا يمكن أن يكون في ما جاء به النبي تناقضاتٍ عقلية، أو مُحالاتٍ فكرية أصلاً، وقد أتى بعظائم الحكمة التي تعجز عنها العقول البشرية، كما تعجز استيعاب جميع أسرارها لضعف عقولنا، كما تضعف الأبصار عن التحديق في قرص الشمس والإحاطة بنورها.
أيها الإخوة الأكارم ؛ هذان الدرسان عن أرجحية عقل النبي، وأروع شيء في الإسلام على الإطلاق أن ديننا دين معقول، دين يتطابق مع العقل مئةً في المئة، والمنقول يتفق مع المعقول، وفي هذا راحةٌ نفسية لا تعدلها راحة، والإنسان كلما نما عقله كلما ازدادت طاعته لله. ((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))
ولا تنسوا قول رسول الله لسيدنا خالد حينما أسلم قال له: (( يا خالد أرى لك عقلاً))
أي لماذا تأخرت ؟ كان المنتظر منك أن تؤمن قبل غيرك لأنك أعقل من غيرك، فعلامة عقلك سرعة إيمانك، وطاعتك لله عزَّ وجل.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السادس )


الموضوع : سعة علمة










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السادس من دروس شمائل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنهينا في الدرس الماضي رجاحة عقله صلى الله عليه وسلَّم، وها نحن ننتقل إلى سعة علمه عليه الصلاة والسلام..
فقد كان عليه الصلاة والسلام واسع العلم، عظيم الفهم، أفاض الله تعالى على يده العلوم النافعة الكثيرة، والمعارف العالية الوفيرة، وقد أعلن الله سبحانه وتعالى بسعة علمه فقال الله عزَّ وجل: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(113)﴾
( سورة النساء )
فأي عالمٍ من علماء الأرض قد يتيه بعلمه، ويفتخر بأساتذته، ويزهو بجامعته، ويختال بمؤلَّفاته، لكنّ النبي يكفيه فخراً أن الله جلَّ جلاله هو الذي علَّمه..
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾
( سورة النجم )
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
أيها الإخوة ؛ موضوع الكرامات يتحدَّث الناس عنها كثيراً، فإذا رأوا أن أحداً من المؤمنين خُرِقَت له بعض العادات عُدَّت هذه كرامة، ولكن غاب عن أذهان معظم المسلمين أن أعظم كرامةٍ على الإطلاق هي كرامة العِلم، وكرامة العلم لا تحتاج إلى خرقٍ للعادات..
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾
وفي الأثر: " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلَّمه ".
والقيمة الوحيدة التي جعلها الله أساس الترجيح بين خلقه هي قيمة العلم، قال:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر: من آية " 9 " )
والشيء الوحيد الذي طُلِبَ من النبي أن يدعو بالاستزادة منه هو العلم..
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)﴾
( سورة طه )
المرجِّح الوحيد هو العلم، والدعاء الوحيد بالزيادة هو العلم..
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)﴾
لذلك حينما تعلَم الحقيقة العظمى، حينما تصل إلى الله، حينما تتعرَّف إلى منهجه، حينما تكون على هذا المنهج - دقِّق فيما سأقول - فقد حُزتَ النعمة المطلقة، والدليل:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)﴾
( سورة الفاتحة )
إذا وصلت إلى الصراط المستقيم، والنهج القويم فقد وصلت إلى النعمة المطلقة، لذلك فأعظمُ إنسان بلغ أعلى مرتبةٍ في العلم هو النبي عليه الصلاة والسلام. ويمكن أن نقول: إن حظَّك من العلم ليتناسب مع مكانتك عند الله عزَّ وجل، والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال عن نفسه: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا))
( من صحيح البخاري: عن " عائشة " )
ما قال هذا مفتخراً ولكن قال هذا مبيِّناً: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا))
لذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
أي لو طبَّقت توجيهات النبي لَنِلتَ أعلى مرتبة، وأعلى حظ، ووصلت إلى أعلى درجة، وبلغت أعلى نجاح، لأن تعليمات النبي وسنته عليه الصلاة والسلام تتناسب مع علمه الشريف، فإذا توهَّمت أن صالحك في مجانبةِ السنَّة فهذا هو الجهل بعينه، بل كلُّ صالِحك، وكل نجاحك في الدنيا والآخرة في اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
وبعد ؛ فهذه نقطة دقيقة أرجو أن أوفَّق في شرحها وتوضيحها، جاء في الصحيحين - واللفظ لمسلم - عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، وفي روايةٍ:" إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا "، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))
وفي روايةٍ: ((إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا))
( متفق عليه عن أنس بن مالك )
فالسؤال الآن: لماذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام من كثرة الأسئلة ؟
الجواب: العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته، إنما هو وسيلة، فإذا جعلت العلم وحده هدفاً، وأكثرت المسألة، وأغرقت في التفاصيل، وفي الجُزئيَّات، وجعلت همَّك وحده أنْ تشحذ عقلك بالمعارف، ويبدو أن العمل أقل من العلم، عندئذٍ وقعت في انحراف، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليه يقرؤون الآيات العشر، ولا ينتقلون إلى غيرها حتى يطبِّقوها.
فمغزى هذا الحديث أنّ الإنسان إذا زاد علمه عن عمله فقد أخطأ، أما إذا طلب العلم، ولم يعمل به فقد نافق، فليس القصدُ أن تعلم دقائق الأشياء ولا التفاصيل، لكن القصد أن تعمل بما علمت، وأن تضع يدك على جوهر الدين لا على تفصيلاته، وكثيرٌ أولئك الذين يمضون كل حياتهم في تفاصيل، وأعمالهم لا ترقى إلى مستوى علمهم، لذلك هؤلاء تاهوا عن الصراط المستقيم، وهؤلاء تركوا الأَوْلى، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أكثر عليه أصحابه المسألة غضب، ورأى أن الإنسان إذا طبَّق آيةً واحدة تطبيقاً صحيحاً سعد بها أيما سعادة.
وهذا الأعرابي الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: " عظني ولا تطل "، فتلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
( سورة الزلزلة )
فقال هذا الأعرابي: " قد كُفيت يا رسول الله "، فقال عليه الصلاة والسلام: " فقُه الرجل".
أنا أريد من هذا النَص الذي يبدو غريباً لكم، أن ينصرف الناس إلى العمل لا إلى القول، أن يزيد عملك على قولك، أن تكون فعَّالاً لا قوَّالاً، أن تُعْنَى بحقيقة الدين لا بقشوره، أن تعنى بالتطبيق لا بالسفسطة، أن تنطلق إلى الله عزَّ وجل من خلال طاعته، لا أن تتفنَّن في تشقيق المسائل، وتخريج النصوص، والتنطُّع والتقَعُّر، والعمل لا يرقى إلى مستوى العلم، هذه النقطة التي يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد لأصحابه أن يطلبوا العلم لذات العلم، بل ينبغي أن تطلب العلم للعمل، أن يكون العلم وسيلةً، وليس هدفاً، فقال: ((سَلُونِي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ))
فيبدو أن النبي غضب، والصحابة الكرام سكتوا وخافوا، وكل واحدٍ منهم لفَّ رأسه بثوبه وصار يبكي، قال أحدهم: " يا نبيَّ الله من أبي ؟ ". قال: "أَبُوكَ حُذَافَةُ "، فقال عمر بن الخطَّاب وكأنه فَهِمَ قصدَ النبي عليه الصلاة والسلام: " رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه ومسلَّم رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن ". فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ))
( من صحيح مسلم: عن " أنس بن مالك " )
على كلٍ كما قلت في أول الدرس: العلم هو القيمة الوحيدة المرجِّحة، والعلم هو الشيء الوحيد الذي طُلِب من النبي أن يزداد منه.
كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ في الليل يدعو ؟ فبماذا كان يدعو ؟ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ))
(رواه أبو داود)
في دعاء منتصف الليل، في دعاء قيام الليل: ((اللهمَّ زدني علماً))
وينسب إلى النبي دعاءٌ، بعضهم يضعِّف نسبته إليه:
(( لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً))
وأُثر عن النبي صلى الله عليه وسلَّم دعاءٌ آخر، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَزِدْنِي عِلْمًا الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
وأنا بهذا دائماً أدعوه، وهذا من فضل الله تعالى علينا: " اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ".
أيها الإخوة الكرام ؛ قال بعضهم: الوجوه التي يمكن أن تكون وجوهاً لعلوم النبي عليه الصلاة والسلام هي " القرآن الكريم "، أي إن فَهْم النبي لكتاب الله يُعَدُّ أعلى فهمٍ على الإطلاق، والذي يدعو للعجب أن يأتي إنسانٌ بعد ألفٍ وخمسمئة عام، ويقرأ في القرآن قراءة معاصرة، ويبتدع معاني ما خطرت على بال إنسانٍ في هذه السنوات الألف والخمسمئة، ولم يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك هذا محض افتراءٍ على القرآن الكريم، فأنْ تفهم كلام الله فهماً ما ورد لا في سنةٍ، ولا في قول صحابيٍ، ولا في قول تابعيٍّ، ولا على لسان عالمٍ عامل مسلمٍ مخلص، فهذا هُراء وافتراء، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على خطأ))
أي أن تحوِّر كلام الله كي يغطي كل انحرافات العصر، وكي يغطي كل سلوك العصر الإباحي، وهذا السلوك يغطَّى بكلام الله عزَّ وجل، وتؤوَّل الآيات تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان، هذا الفهم ليس فهماً معاصراً، لكنه فهمٌ قاصر.
على كلٍّ إليكم مراحل الوحي الذي أوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكلكم يعلم قصّته، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أول شيءٍ بُدئ فيه بالوحي الرؤيا الصادقة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء - الخلوة مع الله - وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على خلوةٍ يوميَّة ولو ساعة، وأو نصف ساعة، أو ربع ساعة، أن يعيننا على خلوةٍ يوميَّة نذكر الله فيها، أو نفكِّر في آيات الله، أو نتلو كلام الله، أو ندعو الله، أو نستغفره، أو نسبِّحه، أو نوحِّده، أو نكبِّره، أو نحمده.
هذه الخلوة جاءت بعد الرؤيا الصادقة، إذًا أول مرحلةٍ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان عليه الصلاة والسلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حِراء فيتحنَّث فيه، وهو التعبُّد، يتحنَّث الليالي ذوات العدد.
حينما كنا في أداء فريضة الحج، فمِن فضل الله علينا، نظرت إلى الطريق المؤدي إلى غار حِراء، يحتاج إلى ساعتين من السير الشاق، والجبل صعودٌ كلُّه، وليس هناك طريق معبَّد، كان عليه الصلاة والسلام يمضي فيه الليالي ذوات العدد، المكان موحش، لكن كم كان أُنس النبي بالله عزَّ وجل، حتى غلب أنسه بالله على وحشة المكان ؟ يبقى وحده الليالي ذوات العدد، فالإنسان أحياناً يأنس بأخيه الإنسان، أما النبي عليه الصلاة والسلام فكان يأنس بربه، فكان يمضي في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكان إذا جلس في غار حراء ؛ هكذا قيل لي: يمكن أن يرى الكعبة منه، فهو مطل على الكعبة، لأن الجبل شاهق- جبل النور - في قمَّته تقريباً مغارة لها فتحات عجيبة، إحدى فتحاتها تطل على الكعبة المشرَّفة، فكان عليه الصلاة والسلام يمضي في هذا الغار - غار حراء -الليالي ذوات العدد.
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون لكلٍ منا غارٌ صغير كغار حراء، مثلاً غرفته في البيت، أو غرفة الضيوف أحياناً، أو مكانٌ لا يدخل عليه أحد، فيقرأ القرآن، يفكِّر في خالق السماوات والأرض، يذكر الله عزَّ وجل، يسبِّح الله، ويفكر في خلق السماوات والأرض، هكذا.
جاءه الوحي وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال له: اقرأ، والنبي أمي لا يقرأ، والأميَّة في حق النبي كمال، لأن الله سبحانه وتعالى ما سمح له أن يتزوَّد بثقافات عصره، لأنه لو سمح له أن يتزوَّد بثقافات عصره، ثم جاء الوحي لاختلط وحي السماء مع ثقافات الأرض، فإذا تكلَّم سأله أصحابه كل يوم، وكل ساعة: يا رسول الله هذا الكلام من أين ؟ أمِن وحي السماء، أم من ثقافة العصر ؟ لذلك شاء الله عزَّ وجل أنْ تكون حكمته في أنْ ينحِّي عن النبي كل ثقافة العصر، وأن يجعل كلامه وحياً من عند الله عزَّ وجل..
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم )
لكي لا نتوهَّم أن موضوع الوحي موضوع خيال، أو منام، أو أنّه عليه الصلاة و السلام كان نائمًا حالما، لا هذا ولا ذاك، بل إنّ جبريلَ عليه السلام عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: ((اقْرَأْ "، فقال: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي - أي ضغط علي - حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ))
( من صحيح البخاري: عن: السيدة عائشة " )
كأن سيدنا جبريل لا يطالب النبي أن يقرأ من ثقافات الأرض، أراده أن يقرأ باسم الله عزَّ وجل الذي يعبده، أن يقرأ باسم الله الذي يمضي الليالي ذوات العدد في مناجاته، اقرأ باسم ربِّك، أخذني فغطَّني ـ أي ضمني ـ حتى بلغ مني الجهد، لئلا يتوهَّم متوهِّمٌ أن الوحي منام، أو أن الوحي رؤيا، بل الوحي وحي حقًّا، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الوعي، وفي أعلى درجات التنبُّه، والدليل أن جبريل عليه السلام أخذه، وضمَّه حتى بلغ منه الجهد، المرَّة الأولى والثانية والثالثة.
يخطر في بالي الآن عندما قال الله جلَّ جلاله لسيدنا موسى في المناجاة:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾
( سورة طه )
َمن الذي يسأل ؟ الله يسأل، فهل الله لا يعلم ؟ فالسؤال عندنا في البلاغة لطلب العلم لشيءٍ تجهله، الإله يسأل، قال العلماء: " الله جلَّ جلاله لفت نظر سيدنا موسى إلى أنّ هذه العصا بعد قليل ستكون أفعى ؛ ثعباناً مبيناً، ليكون هذا واضحاً في ذهنه، فالله سبحانه يهيِّئه حتى تكون المفاجأة أقلَّ وطأة.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾
انظر إليها..
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾
تأكُّد، ليتأكَّد أنها عصاهُ، وبعد حين سوف تغدو ثعباناً مبيناً، فقال:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾
( سورة العلق )
هذه أول آيات أُنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام - اقرأ - فمِن فضل الله علينا أن ديننا دين علم، دين قراءة، دين حقيقة، دين عقل، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال له جبريل: اقرأ، قال: " ما أنا بقارئ "، أي أن النبي أراد أن يقول: أنا أُمِّي، أنا لا أقرأ ولا أكتب، فجاء الكلام: اقرأ باسم ربِّك.
وهذه الآية الكريمة تبيِّن حالَه بوضوح، قال تعالى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(16)﴾
( سورة يونس )
لبث النبي في قومه عمراً مديداً قبل أن ينزَّل عليه الوحي، فلو أن الوحي من عنده لجاء به في وقت مبكِّر.
والآية الثانية كذلك تؤكِّد أُمِّيته صلى الله عليه و سلم، قال تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾
( سورة العنكبوت )
وكان بعض أعدائه يدَّعي أن هذا القرآن إنما تعلَّمه النبي من غلامٍ في قريش، مولىً من موالي العجم، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(103)﴾
( سورة النحل )
غلام من الموالي أعجمي، افترى المفترون على النبي أن هذا الغلام الأعجمي هو الذي علَّم القرآن للنبي، فجاء الجواب:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ(103)﴾
لذلك بعضهم يفسِّر قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
( سورة الرحمن )
أي الرحمن علَّم النبي القرآن، علَّمه القرآن، علَّمه بيان معاني القرآن، علمه تلاوته نصاً وروحاً، علَّمه حِكَمَهُ، علَّمه معارفه، علَّمه أسراره، علَّمه إشاراته، علَّمه خصائصه..
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
( سورة الأعلى )
إنّ النبي لا ينسى إلا أن يشاء الله له أن ينسى، وإذا نسي النبي فلحكمةٍ تشريعيَّة، وقد صلَّى النبي بأصحابه الظهر ركعتين في غير سفر ولا عذر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر ثُمَّ سَلَّمَ ))
(متفق عليه)
نُسِّيت ركعتين كي أسن لكم سجود السهو، فأتى بركعتين أُخريين، وسجد للسهو..
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
( سورة الأعلى )
أي إذا شاء الله لك أن تنسى فأنت تنسى لتشرِّع، أما الأصل فإنّك لا تنسى..
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾
( سورة القيامة )
أي إنّ الله عزَّ وجل تولَّى أن يحفظ النبيُّ القرآنَ، وأن يعلم معانيه وتفصيلاته وأحكامَه، وأن يعلم كل شيءٍ متعلِّقٌ به، من دون أن يقلق بنسيانٍ، أو بخطأٍ، أو بسهوٍ..
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
( سورة الأعلى )
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾
حتى لا يتوهَّم أحدكم أن هذه الميزات جاءت للنبي عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن تكون لغير النبي، وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى اصطفى النبيَّ من كل خلقه، اصطفاه لصدقٍ فيه، واصطفاه لحبٍ، وشوقٍ، ومعرفةٍ، وطاعةٍ، وكل هذه الميزات أهَّلته لأن يوحى إليه، ولأن يكون القرآن في صدره واضحاً لفظاً ومعنى.
قد يسأل أحدكم: ألم يفسِّر النبيُّ القرآنَ ؟ الجواب: السنة المطهَّرة كلُّها تفسيرٌ للقرآن الكريم، لكن أحياناً هناك آيات كونيَّة لم يرِدْ فيها تفسير، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة كأنّ الله سبحانه وتعالى مَنَعَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام من أن يفسِّر الآيات الكونيَّة، لأنه لو فسَّرها تفسيراً مبسَّطاً يتناسب مع مفهوم العصر لأنكرنا نحن عليه هذا التفسير، ولو فسَّرها تفسيراً يتناسب مع التقدُّم العلمي والحقيقة المطلقة لأنكر أصحابه هذا التفسير، لذلك تُرِكت هذه الآيات لكل عصرٍ كي تُفهم وفق مقياس العصر، وهذه الآيات الكونيَّة التي لم يرِد في تفسيرها نصٌ، هي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، هي السبق العلمي للقرآن الكريم.
وفي كتاب لأحد العلماء، يبيِّن الأحاديث التي ذكرها النبي، وكيف استنبطها من كتاب الله ؟ حتى إنّ هذا العالم يقول: " إن أعلى علمٍ على الإطلاق أن تكتشف هذا الحديث الذي قاله النبي من أَيَّة آيَةٍ استنبطه ؟ "، طبعاً الكتاب فيه بعض الشواهد، لكن أنْ تكتشف كل حديثٍ قاله النبي من أيَّة آيةٍ استنبطه فهذا شيء من أرقى العلوم، لقد كان فهمُ النبي عليه الصلاة والسلام لكتاب الله أعلى فهمٍ على الإطلاق.
وبعد ؛ فها نحن ننتقل إلى مرحلة ثانية ؛ فقد كان سلوكه صلى الله عليه وسلم تجسيداً لفهمه، أي إن أعظم تفسيرٍ لكلام الله أن تقرأ سُنة رسول الله، وأعظم تفسيرٍ عمليٍ لكتاب الله أن تقرأ سيرة رسول الله، فسُنته القولية بيانٌ، وسنته العمليَّة تطبيقٌ.
مثلاً عندما قال الله عزَّ وجل:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )
ماذا قال عليه الصلاة والسلام عن هذه السورة ؟ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ))
(أحمد)
هكذا فهِم، فهِم أنه قد انتهت رسالته، قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ الجهاد، وما يقي عليه إلا أن يقبضه اللهُ إليه، قال: ((نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي))
لذلك ففي آخر أيامه، وآخر الأشهر التي عاشها النبي عليه الصلاة والسلام كان أكثر كلامه أنْ يقول كما روتْ عَنْه عَائِشَةُ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا تَقُولُهَا قَالَ جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ))
( رواه مسلم )
قال له:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )
فكان عليه الصلاة والسلام بعد نزول هذه الآية يقول دائماً: ((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))
( من صحيح مسلم: عن " السيدة عائشة " )
كان عليه الصلاة والسلام يصف القرآن بأنه حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس فيه الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: " من أراد علم الأولين والآخرين فليتلُ القرآن "، أي إن أول وجه من وجوه علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه فهِم كلام الله فهماً دَقيقاً دقيقاً، فهِم كل شيءٍ في كلام الله، وكما قلت قبل قليل: يعدُّ فهمُ النبي لكلام الله أعلى فهمٍ على الإطلاق، إذاً بيانه تفسيرٌ حقيقيٌ لكلام الله، وسيرته تجسيدٌ عمليٌّ لفهمه لكلام الله.
سيدنا علي كرَّم الله وجهه يقول: " لو تكلَّمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرت سبعين جملاً "، سبعين جملاً محمَّلاً كتب عن الفاتحة وحدها، في وفي قول آخر: " جُمِع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين "، ودروس مدارج السالكين التي أكرمنا الله بها في هذا المسجد، كانت واحدًا وأربعين درسًا على ما أعتقد، فكل الكتاب ؛ مدارك السالكين في مراتب إياك نعبد وإياك نستعين، " جُمِع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين "، سيدنا علي يقول: "لو تكلَّمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرت سبعين جملاً "، فما ظنُّك بعلوم رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟، طبعاً يكفينا قول الله عزَّ وجل:
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾
( سورة لقمان: من آية " 27 " )
لو أن كل أشجار الأرض أقلام، ولو أن بحار الأرض سبعة أمثال، وهذه الأقلام تكتُب من هذه البحار ما نفدت كلمات الله.
لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل..
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
( سورة المائدة: من آية " 3 " )
هذا القرآن الكريم كاملٌ وتام، عدد القضايا التي عالجها القرآن تامة، وطريقة المعالجة كاملة، هذا التشريع يغطي كل حاجات البشر إلى يوم القيامة، فإن لم تجد في الإسلام تشريعاً يغطي حاجةً فهذا من تقصير المجتهدين، ما من شيءٍ نحتاجه في التشريع إلا وهناك آيةٌ أشارت إليه، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ.
الوجه الأول أن أحد أكبر فقرات العلم الذي أكرمه الله بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم العلمُ بكتاب الله.
وبعد ؛ إليكم استنباطاً مهِمًّا أيها الإخوة ؛ أعلى علم يمكن أنْ تصل إليه أنْ تفهم كلام الله، أي إنك إذا وفِّقتَ إلى فهمِ كلام الله، وفهم دقائق الآيات، فهم المعاني الصحيحة، والأبعاد العميقة لكلمات الله عزَّ وجل فهذا أعظم عطاءٍ على الإطلاق، لأنه عطاء النبي عليه الصلاة والسلام.
أمّا الوجه الآخر، ونكتفي بهذا الوجه الثاني لأن هناك خمسة أو ستة أوجه، والوجه الآخر من وجوه علم النبي عليه الصلاة والسلام الحكمة التي أنزلها الله عليه. الدليل:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
( سورة النساء: من آية " 113 " )
الكتاب القرآن، تكلَّمنا عنه قبل قليل، فما الحكمة ؟
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (34)﴾
( سورة الأحزاب )
الحكمة كما قال الإمام الشافعي: " هي السنة الظاهرة في أفعاله، وأقواله، وأحواله، وإقراره "، الحكمة سنة النبي قولاً، وفعلاً، وحالاً، وإقراراً.
قال العلماء: " سميت السنة النبويَّة حكمة لأن الحكمة تشتمل على سداد القول، وصواب العمل، هكذا عُلِّمنا سابقاً، الفرق بين الفلسفة والحكمة، قد تكون فيلسوفًا دارسًا، ولك نظريات في الفلسفة، لكنك لست حكيماً ما لم تطبِّق مبادئك، كلمة الحكمة تعني جانبًا نظريًا وجانبًا عمليًا، لذلك التعريف دقيق، الحكمة تشتمل على سداد القول وصواب العمل ـ وإيقاع ذلك في مواقعه، ووضعه في مواضعه، ولاشكَّ أن أقواله عليه الصلاة والسلام، وأفعاله، وأحواله، وإقراره هي عين الحكمة ".
إذاً الوجه الثاني من وجوه علوم النبي عليه الصلاة والسلام بعد القرآن الحكمةُ.
الآيات:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
( سورة النساء: من آية " 113 " )
العلماء قالوا: الحكمة هي السُنَّة، لكن هذه الحكمة أُوحِيت إليه عليه الصلاة و السلام وحيًا، قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
أي إنّ سُنَّة النبي أوحيت إليه وحياً، لذلك يقول علماء الأصول: " سنة النبي وحيٌ غير متلو، والقرآن وحيٌ متلو "، والدليل:
﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾
( سورة النجم: من آية " 3 " )
لو قلنا: وما يتلو عن الهوى، معنى هذا أنّ القرآن وحي وحده، لكن..
فأيُّ نطقٍ نطقه النبي فهو وحيٌ من الله عزَّ وجل..
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
فالذي ينطق به النبي قرآنٌ متلو، أو سنةٌ غير متلوَّة.
والحديث الذي يؤكِّد هذا، رواه أبو داود عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ))
(رواه أبو داود)
المراد بمثله، معه السنة أيضًا كما ذكر جمهور العلماء.
وهذه بعض الأدلَّة ؛ ورد في الصحيحين واللفظ للبخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قِيلَ وَمَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا - أي عرفنا - أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ أَنَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ قَالَ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ - أي إن الدابة إذا رعت كثيراً فملأت بطنها ربَّما تموت من شدة الأكل، أو تمرض - إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ - أي إذا أكلت أكلاً معتدلاً وحشيشاً يانعاً - أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ))
(متفق عليه)
صحابي سأل، ورسول الله جاءه الوحي فقال: " أين السائل ؟ " قلت: " أنا " فأجابه: أي إنّ الخير لا يأتي إلا بالخير، فكيف يأتي الخير بالشر ؟ بالإسراف، الدنيا خضرةٌ نضرة، فإذا أكل الإنسان كالدابة، وأكل ثم شرب، ثم أكل، وأكل، وأكل فإنه يموت أو يمرض، أما إذا أكل باعتدال، فهذا الطعام يقوِّيه، وهذا المعنى، من أخذه بحقه ـ المال ـ ووضعه في حقِّه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع، فهل هذا الحديث واضح ؟.
من أخذ المال بحقه ـ من مصادر مشروعة ـ وأنفقه في حقه كان المال نعمةً له، أعانه على دينه ودنياه، لكن من أحب المال حباً جماً ـ أحبه لذاته ـ فأخذ منه حلالاً أو حراماً، وأنفقه في حله وفي غير حلِّه أهلك نفسه، فهل يا ترى المال أتى بالشر ؟ لا، فالشر أتى من سوء استخدام المال، الشر لا يأتي من الخير، لكن الخير إذا لم تستخدمه وفق منهج الله أصبح شراً، هذا المعنى.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالْأُخْرَى فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَ خَيْرٌ هُوَ ثَلَاثًا إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ وَإِنَّهُ كُلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ ـ أي يقتل الدابَّة، أو يمرضها ـ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ ـ هذه الدابَّة ـ كُلَّمَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كَالْآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
(متفق عليه)
استدل علماءٌ كثيرون بهذا الحديث على أن الحديث النبوي هو نزل بالوحي من عند الله عزَّ وجل.
شيءٌ آخر ؛ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: ((أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ))
( رواه البخاري )
هذا دليل ثانٍ على أن السنة أيضاً جاءت النبي بالوحي.
أيها الإخوة ؛ لنا وقفةٌ ثانية مع علم النبي عليه الصلاة والسلام، والوقفة الثانية يجب أن نقفها بتأنٍّ شديد، لأنّ موضوعها الحديث عن المغيَّبات، وعن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، لكن قبل أن نختم الدرس، أسوق لكم بأنّه عليه الصلاة والسلام أحياناً كان يكشف عن خبايا النفوس، لا بذاته، ولكن بإعلام الله له.
روى الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: " رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يمشي، والناس يطؤون عقبه ـ يمشون على أثره من شدة حبهم به، أي يمشون وراءه ـ فقال أبو سفيان في نفسه: " لو عاودت هذا الرجل في القتال، وجمعت له جمعاً ـ يحدِّث نفسه، أي لو عاودت هذا الرجل في القتال، أقاتله مرَّة ثانية، وجمعت له " فجاء عليه الصلاة والسلام حتى ضرب في صدر أبي سفيان تحبُّباً، وقال له: " إذاً نخزيك "، فقال أبو سفيان: "أتوب إلى الله وأستغفر الله، ما أيقنت أنك نبي إلا الساعة، إني كنت لأحدِّث نفسي بذلك ".
أبو سفيان كان يحدِّث نفسه بعدما مشي خلف النبي، قال: والله إني أنوي أنْ أعمل له مشكلة ثانية، أجمعُ الناس عليه وأحاربه، فضرب النبي عليه الصلاة و السلام على صدره، وقال: " إذاً نخزيك "، فقال أبو سفيان: " أتوب إلى الله وأستغفر الله، ما أيقنت أنك نبي إلا الساعة، إني كنت لأحدِّث نفسي بذلك ".
وهذه قصَّة أخرى دقيقة، فقد روى ابن هشام وغيره أن فضالة بن عمير همَّ أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا من النبي قال له عليه الصلاة والسلام: " أفضالة - أيْ يا فضالة - " فقال: " نعم يا رسول الله "، قال: " ماذا كنت تحدِّث به نفسك ؟ "، قال: " لا شيء، كنت أذكر الله "، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال له: "استغفر الله - أي مما حدَّثت به نفسك وقولك لا شيء -، ثم وضع رسول الله يده على صدر فضالة، فسكن قلبه ـ أي ثبت فيه الإسلام ـ فكان فضالة يقول: " والله ما رفع النبي يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إليَّ منه ".
يحدِّث نفسه بقتله، فقال له: " يا فضالة ماذا كنت تحدِّث به نفسك ؟ ". قال: " أذكر الله". فضحك النبي، شتَّان بين ما يحدِّث نفسه وبين ما قال، طبعاً هذه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أكرمه الله بأن أطلعه على بعض الخبايا.
والقصَّة التي تعرفونها جميعاً، وقد ذكرتُها كثيراً، عمير بن وهب عندما التقى مع صفوان بن أميَّة وقال له: " والله لولا ديون ركبتني، وأولادٌ أخشى عليهم العنت، لذهبت إلى محمدٍ وقتلته وأرحتكم منه "، فصفوان استغل هذه البادرة فقال له: " ديونك علي بلغت ما بلغت وأولادك أولادي ما امتد بهم العمر فاذهب لما أردت ".
فلما ذهب إلى المدينة وقد سقى سيفه سُمًّا، فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقاده من حمالة سيفه إلى النبي، وقال: "هذا عدو الله جاء يريد شراً "، فالنبي الكريم قال له: " دعه يا عمر، ابتعد عنه، تقدَّم يا عمير، اجلس، وسلِّم "، قال له: "عمت صباحاً "، قال له: " قل السلام عليكم " قال: " لست بعيداً بعهد الجاهليَّة "، قال له: " ما الذي جاء بك إلينا ؟ " قال له: "جئت أفدي ابني من الأسر ". قال له: " وهذا السيف التي على عاتقك ؟ " قال له: " قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ ". قال له: " أما قلت لصفوان كذا وكذا وكذَا "، فوقف، وقال: " أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله ".
هذه من خصوصيات النبي، أن الله سبحانه وتعالى أطلعه على خبايا النفوس ـ طبعاً ليس دائماً ولكن أحياناً، وثمَّةَ أحوال ما أطلعه الله سبحانه عليها، فقد جاء وفد من إحدى القبائل، وطلب علماء وقُرَّاء، ولبَّى له النبي طلبه، وقتلوهم في الطريق، وكانوا سبعين قارئًا، معنى هذا أنّه إذا عرف خبايا النفوس فليس بذاته، بل بإطلاع الله له.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السابع )


الموضوع : خلقة العظيم - وانك لعلى خلق عظيم








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وننتقل اليوم إلى خُلقه العظيم، بعد أن تحدثنا عن كمال عقله، وعن كمال علمه.
أيها الإخوة الكرام ؛ الأصل في هذا الموضوع قول الله عزَّ وجل في سورة القلم:﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه، فرأوا في الطريق إنساناً مجنوناً، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه سؤال العارف فقال: ((من هذا ؟ قالوا: مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله))
أي إن العقل السليم يجب أن يهدي صاحبه إلى معرفة الله، وإلى طاعته، ويمكن أن تمتحن عقلك امتحاناً دقيقاً، فكلما هداك إلى الله كان عقلك أرجح، لذلك ورد في الحديث الشريف: ((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))
هنا نقف أمام مشكلة محيِّرة، قد تجد إنسانًا يحمل أعلى شهادة ؛ بورد مثلاً، متفوقًا في اختصاصه تفوقًا مذهلاً، أحد فلتات العصر في اختصاصه كما يقال ؛ في الآداب، في العلوم، في الفيزياء، في الرياضيات، وتراه لم يعرف ربه، وهو غارقٌ في المعاصي، وقد يشرب الخمر، ولا يصلي، فكيف توفق بين هذه الظاهرة، وبين أن الدين هو العقل، وأنه من لا عقل له لا دين له؟
هذه المشكلة أشار إليها بعض العلماء إشارة لطيفة، فميَّز بين العقل والذكاء، وقال: "الذكاء يتعلق بالجُزئيات، والعقل يتعلق بالكليات ".
ما كل ذكيٍ عاقلاً، ولا يسمَّى الإنسان عاقلاً إلا إذا عرف الله، لا يسمى الإنسان عاقلاً إلا إذا أدرك كليَّات الحياة، لماذا أنت في الحياة ؟ لذلك لا تؤخذ بإنسانٍ متفوق في اختصاصه وهو يعصي الله، هذا لا يسمى عاقلاً، بل يسمى ذكياً، والله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ أرادها جعل أحطَّ الحيوانات من أذكى الحيوانات، الحيوانات التي تعيش في المجاري هي من أذكى الحيوانات، وهناك دراسات تؤكِّد أنها تتمتع بذكاء يندر مثيله من بين الحيوانات، فالذكاء وحده ليس قيمةً يعتدُّ بها في ميزان المكارم.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾
( سورة القلم )
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
( سورة هود )
يجب أن تشعر أيها الأخ الكريم بنعمة الله عليك، فإذا تفضَّل الله عليك بمعرفته، وطاعته، إذَا تكوّنتْ لديك فكرة صحيحة عن خالق الكون، وصار عندك فكرة صحيحة عن منهجه، ففي الأعم الأغلب عندئذٍ أنت مستقيم على منهج الله عزَّ وجل، فلا تأكل مالاً حرامًا، ولا تعتدي على أعراض الناس، بل تعرف حدك فتقف عنده، وهذه نعمةٌ عُظمى، بل هذه النعمة المطلقة المُطلقة..
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)﴾
( سورة الفاتحة )
المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وعصوا، والضالون لم يعرفوا، ولم يطيعوا، والذين أنعم الله عليهم هم الذين عرفوا ربهم، وأطاعوه..
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 71 " )
فالبطولة ألاّ يتأثر الإنسانُ بكلام الآخرين..
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾
( سورة يوسف )
فعامة الناس ؛ تائه، ضال، شارد، جاهل، لا يعلم، فالناس يعظمون أرباب الأموال، يعظِّمون الأغنياء، الأقوياء، يعظمون من أوتوا حظوظاً من الدنيا كبيرة، ولكنهم قد لا يأبهون لمؤمن خشع قلبه، واستنار عقله، وضبط سلوكه.
طبعاً موطن الثقل، أو موطن الشاهد في هذه الآية:
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)﴾
( سورة القلم )
على صبرك على هؤلاء، وعلى دعوتك إليهم، أجر غير مقطوع.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
اسمحوا لي أيها الإخوة أن أقول لكم: الدين بمجمله خلقٌ حسن، و هناك أحاديث كثيرة صحيحة تزيد عن خمسين حديثًا، تؤكِّد أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً، وأن أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً، وأن الخلق الحسن ذهب بالخير كله، وأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب النار الثلج، الخلق الحسن هو الدين.
السبب أنّ الإنسان أيها الإخوة مخلوقٌ لحياةٍ أبدية، ثمن هذه الحياة الأبدية أن ينهى النفس عن الهوى، والخلق الحسن هو ضبطٌ للهوى..
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
( سورة الليل )
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾
( سورة النازعات )
الشجاعة معاكسة لميل حب السلامة، السخاء معاكس لميل حب المال، أداء العبادات يتناقض مع راحة الجسم، فلو أردت أن تعدد تكاليف الدين لوجدت أن الدين كله عملية ضبط للنزوات والأهواء، فكلما كان ضبطك أشد كان مقامك أعلى عند الله عزَّ وجل.
فحقيقة الدين تتوافق مع الفطرة، ولكنها تتناقض مع الطبع، الجسم يحب الراحة، والتكليف أن تصلي، الجسم يحب أن يقبض ذوات الخمسمائة من الليرات، والتكليف أن تدفع، الجسم يحب أن يتسلَّى، ويلهو بأحاديث الناس وقصصهم، والتكليف أن تسكت، الجسم يحب أن ينظر إلى المحرَّمات، والتكليف أن تغض البصر.
فالخلُق الحسنُ ضبط للنزوات، ضبط للشهوات، ضبط للأهواء، فإذا أردت أن تلخص الدين كله، فالدين خلُق حسَن، والإنسان الذي لا دينَ له يأكل ما يريد، يتكلم ما يشاء، يذهب إلى حيث يشاء، يعطي نفسه كل أهوائها، الدين إنسان منضبط، وغير الدين إنسان متفلت.
قلت يومًا في خطبة جمعة: الناس رجلان ؛ موصول منضبط محسن، ومقطوع متفلت مسيء، ولن تجد إنساناً ثالثاً، على الرغم من أن هناك تقسيمات كثيرة كثيرة كثيرة، يقول لك: الشمال والجنوب، والشرق والغرب، والعنصر الآري والعنصر السامي، والسود والبيض والملونون، والدول المتخلفة، والنامية، والمتقدمة، والشعوب ذات البنية الخاصة، وصنفوا الشعوب تصنيفات عديدة، فهناك أغنياء وفقراء، وأقوياء وضعفاء، ومثقفون وغير مثقفين، كل هذه التقسيمات تنتهي يوم القيامة إلى فريقين ؛ إنسان أول:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
( سورة الليل )
وإنسانٌ آخر:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
( سورة الليل )
إنسانٌ أول:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾
( سورة النازعات )
وإنسان آخر: ((وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
(رواه الترمذي)
إنّها عملية فرز في صنفين، قلت هذا مفصلاً في درسٍ سابق: إنّ الناس مؤمن وكافر، مشرك وموحِّد، منضبط ومتفلت، محسن ومسيء، مستقيم ومنحرف، مخلص وخائن، مقسط وظالم.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
أي إنّ وصف ربنا عزَّ وجل جامع مانع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أعظم الخطباء على الإطلاق ؟ نعم ؟ أما إنّه كان أعظم المحدثين ؟ فنَعَمْ، ما كان أعظم العلماء ؟ نعم، وأعظم القادة، وأعظم المتكلمين، لكن الله حينما وصفه فبماذا وصفه؟:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
وصفه الوصف الذي يرفعه، فإذا أوتي شخصٌ مقدرة كلامية، أو ذاكرة قوية، أو محاكمة جيدة، قد يتفوق، ولكنه لا يرقى عند الله إلا بخلقه العظيم، ولو تتبعت ما في السنة النبوية الشريفة لوجدت أن الخير كله في الخُلُق العظيم.
وقد ذكرت لكم كثيراً أن هذه الآية:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
(على) تفيد الاستعلاء والتمكُّن، أي إنّ النبي عليه الصلاة والسلام متمكن من خلقه العظيم، لكن بعض الذين أحياناً يتخلَّقون بأخلاق جيِّدة فبعدَ بعد صراع، وبعد انتصار على أمرٍ صغير، يقول لك: عانيت معاناة شديدة، ثم انتصرت على نفسي، أما النبي عليه الصلاة والسلام فخُلُقُه العظيم يعني أنه متمكن.
هذا وصف عام..
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
وبعد، فما هو إذًا هذا الخلُق ؟
إذا دخلنا في التفاصيل، ما هو هذا الخلق ؟ فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))
(رواه مسلم، وأحمد، واللفظ له)
فالقضية سهلة، وأرجو الله سبحانه وتعالى إذا قرأنا القرآن أن نقيس أنفسنا بآياته دائماً، فمثلاً أين أنتَ من قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾
( سورة الأنفال )
أين أنت من هذه الآية ؟
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
( سورة البقرة )
أين أنت من هذه الآية ؟
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾
( سورة المؤمنون )
ثمّ أين أنت من هذه الآية ؟
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً(64)﴾
( سورة الفرقان )
هذا الذي أرجوه من الله عزَّ وجل، إذا قرأت القرآن أن تسأل هذا السؤال الدائم: أين أنا من معاني هذه الآية ؟ أنا مع من ؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
( سورة البقرة: من آية " 222 " )
هل أنت من التوابين ؟
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾
( سورة التوبة )
إن الله يحب الصادقين، إذا قرأت القرآن دائماً اسأل نفسك: أين أنت من هذه الآيات ؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))
(رواه مسلم، وأحمد، واللفظ له)
يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.
فمثلاً أنت زوج، متى تغضب في البيت ؟ إذا لم يكن الأكل جاهزاً، أما إذا كان خروج ابنتك لا يرضي الله عزَّ وجل فأنت متساهل، والتساهل شديد، ففي أمور خروج بناتك، وأمور إقامة الحدود، وأمور إقامة الشرع تتساهل، ولكنْ في موضوع الطعام والشراب تغضب، الأكمل أن تغضب إذا انتهكت حرمةٌ من حرمات الله عزَّ وجل، لذلك يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، وما الذي يغضبك كفي عملك ؟ إنْ لم يدفع لك إنسانٌ تغضب !! فهذه علاقة غير صحيحة، وكذلك قد يكون لديك علاقة ربوية ولا تغضب لها ‍‍! متى يكون خلقُك القرآن ؟ إذا غضبت لغضب القرآن، و رضيت لرضاه.
ومرةً ثانية، إذا قرأت القرآن فاسأل نفسك هذا السؤال دائماً: أين أنا من هذه الآية ؟ أنا مع من ؟
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
( سورة الشورى )
أنت مع من ؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
( سورة النحل )
أنت مع من ؟ كلما قرأت آيةً صنِّف نفسك مع إحدى فقراتها.
وروى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ((كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً، ولا صخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ثم قالت: اقرأ:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾
إلى عشر آيات، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله))
كأن درسنا اليوم اقرأ القرآن، ودائماً وازن بين أخلاقك والوصف القرآني للمؤمنين، فإذا تطابقا فهذه نعمة الله العظمى، إذا كان الفارق بسيطًا فحاوِلْ أن تقلِّل من هذا الفارق، إلى أن تطابق أخلاقك مع وصف القرآن الكريم لأخلاق المؤمنين.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
((ما كان أحدٌ أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك ))
فلذلك أنزل الله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
لبيك، تواضعٌ مع الناس لا تصده أبراج عاجية، ولا تمنعه حواجز شكلية، ما دعاه أحدٌ من الناس أو من أصحابه أو من أهل بيته إلا قال: لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
أحياناً يدعوك فقير فيجب أن تلبي، ويدعوك إنسان ضعيف الشأن في المجتمع فيجب أن تلبي، فكلما كنت متواضعًا مع الناس ؛ مع فقرائهم، مع مساكينهم، مع الطبقة الدنيا من المجتمع، تألَف وتؤْلَف، تعطي وتأخذ، فأنت على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وفي كل مرةٍ يردُّ عليه النبي ويقول: " لبيك لبيك "، أحياناً الإنسان يُقرع جرسُ بيتِه، فينتظر قليلاً، يتجاهله صاحب البيت، يتوضأ، لكنه عليه الصلاة والسلام نودِيَ، ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له: " لبيك لبيك، لبيك لبيك، لبيك لبيك ".
إخواننا الكرام ؛ دققوا في هذه الفكرة: إذا سمح الله عزَّ وجل لك أن تكون في خدمة عباده، فيجب أن تقوم بهذا العمل على أتمِّ وجه، وإذا طلب الإنسان من الله عزَّ وجل أن يكون باباً له، فعليه أن يكون مع الناس بأعلى درجات التواضع والخدمة، لأنه كما قال بعض الصالحين: " يا رب، لا يطيب الليل إلا بمنجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ".
أي إنّ أساس الدين أنّ هذا الخالق العظيم خلقك، ولم تكن شيئاً مذكوراً، فأنعم عليك بنعمة الإيجاد، ثم أنعم عليك بنعمة الإمداد، وأخيرًا عليك بنعمة الهدى والرشاد، وأنت لا تملك إلا أن تخدم عباده اعترافاً بهذا الفضل، فأساس الدين خدمة الخلق تقرباً للحق، ولا تميز بين عبدٍ وعبد، كلهم عبادٌ لله عزَّ وجل، ولا سيما أنك إذا خدمت غير المسلمين، ورأوا من كمالك، ومن رحمتك، ومن اهتمامك، ربما جلبتَهم إلى هذا الدين، وإذا أسأت إليهم نفَّرتهم عن هذا الدين.
وروى البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ))
أما أحسن الناس وجهاً ليس المقصود به الجمال المادي، المقصود أن الإنسان إذا صفت سريرته ظهر هذا الصفاء في وجهه، تنظر إلى وجهه فترتاح له، قد يكون ملوَّنًا، لكنك تشعر أنّ فيه صفاء، تشعر أنّ فيه روحانية، وفيه تألق، فيه نور، لا أقصد أبداً جمال الصورة المادية، أقصد أنك إذا نظرت إلى مؤمن رأيت في وجهه نوراً، رأيت في وجهه صفاءً، رأيت في وجهه تألُّقاً، هذا التألق وذاك الصفاء وهذا النور انعكاس لصفاء نفسه، ونورانيَّة قلبه، وكمال خلقه، هذا معنى كونِ النبي عليه الصلاة والسلام أحسنَ الناس وجهاً، وأحسنهم خلقًا، ويضاف إلى ذلك أن وجه النبي عليه الصلاة والسلام كان كالبدر، كان من أجمل الوجوه، إضافة إلى النورانية، وإلى التألُّق والصفاء، كان من أجمل الوجوه خَلْقًا.
وأحسن منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرَّأً من كل عيبٍ... كأنك قد خلقت كما تشاءُ
* * *
بالمناسبة في حياة كل واحدٍ منا ثلاث شخصيات ؛ شخصيةٌ يكونها هو، وشخصيةٌ يكره أن يكونها، شخصيةٌ يتمنَّى أن يكونها، قل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أَقُلْ لك من أنت ؟ أحياناً إنسان ينظر إلى تاجر كبير، مكاتب فخمة، سيارات، أجهزة، صفقات كبيرة، عنده موظفون كُثُر، أحلامه تنصب على هذا النموذج، وقد يكون الإنسان في جامعة، وفي وظيفة متواضعة يرى أستاذًا ذا كرسي مثلاً، يداوم ساعتين أو نحوهما، له مكتب فخم، والطلاب حوله، وله مؤلفات، فهذا هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها هذا الشخص مثلها.
أما المؤمن وأقول لكم هذا الكلام بدقة بالغة، المؤمن لا يتمنى إلا أن يكون على أثر هذا النبي العظيم، وإذا دخل بيته وعمل عملاً، فليتساءل: يا ترى هل كان النبي يفعل هذا ؟ إذا عَامَلَ أخًا، يا ترى أهكذا علمنا النبي ؟ دائماً يقيس سلوكه بسلوك النبي، لأن الشخصية الأولى التي يتمنى أن يكونها المؤمن أن يكون على منهج النبي عليه الصلاة والسلام.
قال الرواة: " فهو عليه الصلاة والسلام أجمل خلق الله خَلْقاً وأكملهم خلُقاً، بل هو فيّاض المكارم والكمالات ".
في مسند أحمد وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))
(أحمد)
وفي رواية أخرى: ((إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))
هذا حديث خطير، وهذه اللام لام التعليل، أي أن علة بعثته صلى الله عليه وسلم، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري، معنى ذلك أنّ العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية، فإذا انحرف الإنسان ظن أن العلم وحده هو كل شيء، فيحقق، يمحص، يدرُس، يحفظ، يؤلِّف إلى أن يغدو أحد أقطاب زمانه، لكن ليس لديه أيّ استقامة في سلوكه، أو ليس لديه أيّ عمل صالح، وليس عنده قلب متألق بحبِّ الله عزَّ وجل، فلم يعرف جوهر الدين، وأنّ جوهر الدين الخلقُ العظيم، لأنه ثمن جنة الله عزَّ وجل إلى أبد الآبدين.
وروى الإمام مالك في الموطأ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ))
الإمام أحمد في مسنده: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))
لكنَّ رواية الإمام مالك في الموطأ: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))
قال الإمام الجنيد: " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى "، تحليل دقيق، إذا كانت للإنسان مطامح دنيوية، مآرب دنيوية، يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذه المطامح، ويقول لك: دبَّرت نفسي، ألف قلبة ولا غلبة، إذا كانت مطامح الإنسان دنيوية، يتخلق بأخلاق تناسب هذه المطامح، أما إذا كان الإنسان ليس له همةٌ إلا الله سبحانه، فهذا هو الهمُّ العظيم، وهذا التوجُّه الكبير له خلقٌ يناسبه، أمّا الشخص المادي فلا تهمه سمعته، بل يهمه أن يحصِّل أكبر مبلغ ممكن بأقل جهد ممكن.
إنّ الإنسان الذي همُّه الله، همه تقريب الناس من الله، همه الدعوة إلى الله، همه تحبيب الناس بهذا الدين، تجد أخلاقه تتناسب مع هذا الهم، يتواضع لهذا الهدف الكبير، يتطامن لهذا الهدف السامي، يرحم الناس لهذا الهدف، يعفو عنهم لهذا الهدف، يعطيهم لهذا الهدف، يبذل من وقته وجهده وماله لهذا الهدف، صار البذل، والعطاء، والكرم، والرحمة، والتساهل، والعفو، والحلم، أخلاقَ مَن كان همُّه الله.
من كان همُّه الربحَ تجده حريصًا، يحاسب، يتشدد، الذي همه الدعوة إلى الله عزَّ وجل يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذا الهم العظيم مِن دون أنْ يشعر، لذلك فالإمام الجنيد قال: " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همٌ سوى الله تعالى ".
في قول آخر: "إنّ النبي عليه الصلاة والسلام جمع مكارم الأخلاق التي جاءت بها الأنبياء قبله "، كل المكارم الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء قبله جمعها النبي صلى الله عليه وسلم وزاد عليها.
والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 159 " )
الآيات القرآنية أحياناً لها وجوه عديدة، فحينما أودع الله في قلب النبي هذه الرحمة، من نتائج هذه الرحمة اللين مع عباد الله، الرحمة تساوي اللين، والقسوة تساوي الغلظة، الرحمة أساسها الاتصال بالله، اتصال، رحمة، لين، انقطاع، قسوة، فظاظة، وهذه الآية قانون:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾
بسبب الرحمة التي في قلبك لنت لهم، هذه الآية لنا نحن المؤمنين، كلما حصلت على مزيد رحمة من الله عزَّ وجل لانَ قلبك للناس، فترحمهم، وتعفو عنهم، وتأخذ بيدهم،و تتجاوز عن أخطائهم، وتتمنى لهم السعادة، بسبب هذه الرحمة التي استقرَّت في قلبك عن طريق الاتصال بالله عزَّ وجل لنتَ لهم، ولو لم تكن في قلبك هذه الرحمة لكنت قاسياً معهم، فإذا كنت قاسياً معهم نفروا منك، انفضوا عنك، آية دقيقة ؛ اتصال، رحمة، جذب، انقطاع، قسوة، نفور، إذا أردت أن يجتمع الناس حولك فارحمهم، تواضع لهم، تجاوز عن سيِّئاتهم، خذ بيدهم، أعطهم، ابذل لهم من وقتك، من جهدك، من علمك، إذا أردت أن ينفض الناس من حولك كن قاسياً معهم، هذه الآية قانون:
﴿فَبِمَا﴾
الباء سببية، بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك لنت لهم، ولو لم تستقر هذه الرحمة في قلبك لقسوت عليهم، فإذا قسوت عليهم لكنت..
﴿كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
هذا معنى أوّل، أمّا المعنى الثاني: فأنت على أنك نبيٍ، وعلى أنك مرسل، وعلى أنت معصوم، وعلى أنك يوحى إليك، وعلى أنك مؤيدٌ بالمعجزات، مع كل هذه الميزات..
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
فإذا لم يكن الإنسان معصوماً، ولا يوحى إليه، وليس مؤيداً بالمعجزات، ولا هو نبي ولا هو رسول، وكان فظًّا وغليظًا مع الناس، فهذا الذي جمع كل هذه الصفات، لكن ينفضّ الناس مِن حوله، وينبذونه.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
لو لم تكن للإنسان أيّة ميزة، وكان فظًّا وغليظًا، فهذا ما أنزل الله به من سلطان.
لكن كان عليه الصلاة والسلام، ليِّن الجانب، سهل الخلق، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة.
روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((... أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ...))
أيها الإخوة ؛ أرجوكم ألاَّ تظنوا أن هذا وصفٌ للنبي فقط، بل هذا هدف لنا جميعاً، فإذا قرأت أن النبي كان أصدق الناس لهجةً، يجب عليك ألاّ تكذب أبداً، لا تقل: عندي أولاد، وأنا مضطر، هكذا مصلحتي، فالله هو الرزاق، لا تصغر نفسك، فالصادق كبير موَقَّر، وأكبر مطبٍّ يقع فيه المسلمون كلما قرأ عن صفات رسول الله يقول: هذا نبي، من قال لك: إنك لست مأموراً أن تكون على شاكلته ؟ " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ".
ما هو جهاد النفس والهوى ؟ التوفيق المستمر دائماً بين أخلاقك، وأخلاق النبي، هذا جهاد النفس والهوى، فكان أجود الناس صدراً، وأصدقهم لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرةً.
وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا))
((يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبِلتْ على حب من أحسن إليه))
لا تقدر كداعية أنْ تستقطب الناس، وأنْ تجمع الناس إلا بالخلق الحسن، لا بالعلم، العلم ضروري، وشرط لازم لكنه غير كافٍ، ومتى يصغي الناس إليك ؟ إذا أُعجِبوا بأخلاقك، عندئذٍ يصغون إليك، فأنت قبل أن تلقي العلم على الناس و تعلِّمهم عليك أن تكون ذا خلقٍ حسن، فأحياناً الإنسان تكون أخلاقه غير مكتملة، فينصح والدَه مثلاً، فوالدُه يقسو عليه، أما لو أنّ الأب رأى ابنه في كمال، ومع هذا الكمال قدّم نصيحة أديبة لأَصبحت مقبولة، لا تقدر أن تؤثر بالآخرين إلا بالخلق الحسن، ولا تستطيع أن تجعل الناس يصغون إلى كلامك إلا إذا أحسنت إليهم.
قالوا: ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره، هناك أناس تجد عندهم شدّة في مواجهة الناس على أخطائهم، يقول مثلاً: أنت كاذب، فهذه ثقيلة، أما لو قلت: كأن ليس هناك دقة في وصفك، فهذه كذلك ككلمة كذَّاب، ولكنها ألطف، أو تقول: أنا أظن الأمر خلاف ذلك، ويغلب على ظني أن الأمر خلاف ذلك، معناها كذاب، لكنها ملطفة كثيراً، فالإنسان أحياناً كلما ارتقت نفسه ينتقي أجمل العبارات، والله عزَّ وجل قال:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)﴾
( سورة فصلت )
كلمة " أحسن " اسم تفضيل، وأنتَ أيها المسلم عليك أنْ تتنقي أجمل العبارات، ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقابل أحدًا بما يكره.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ))
(رواه البخاري)
فالسلف الصالح كانوا يقولون عند معاتبتهم شخصًا: اللهم ارضَ عليه، فلان أغضبني، سامَحَه الله، تجد كلمات أحياناً من امرأة أمية، لكن ليس عندها كلمة قاسية، حتى لو أنها عتبت على ابنها، حتى لو أنها غضبت عليه: الله يسامحه، الله يبعث له الهناء، واللهِ الكلام اللطيف جميل، " ماله تربت جبينه"، اللهم صلِّ عليه، والحقيقة أن الإنسان بالكلام الطيب تلين له القلوب، والفرقُ بين الذي يحسن والذي يسيء الكلمةُ الطيبة، النبي قال: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ))
( البخاري: عن " أبي هريرة " )
يمكن ألاّ تشعر بهذه القيمة أمام أندادك، أحياناً يكون صاحب محل عنده صانعون، مدير مؤسسة عنده موظفون، مدير مدرسة عنده مدرسون، مدير مستشفى عنده ممرضون مثلاً، لا تعرف قيمة الكلمة الطيبة إلا القمّة، أحياناً مدير مستشفى رأى ممرضًا أو آذنًا: كيف الصحة يا بني، إن شاء الله أنت مرتاح ؟ يظل شهرًا ذائبة نفسُه، لم يكلفك شيئًا، شعر أنك أب له، فالكلمة الطيبة من معلم لتلميذ، من طبيب إلى مريض، من مدير إلى موظف، من أب إلى ابن، أحياناً يكون عندك خادم، أو بجوارك إنسان ضعيف، الكلمة الطيبة لكلٍّ منهما صدقة.
ذات مرة كنتُ قد ذكرت لكم عن قريب لي كان في العربية السعودية يعمل في التدريس، قال لي: عندنا فراشون - أي خَدَم، وبلُغَتِنا أذَنة، هؤلاء يأتون من دول بعيدة، وراتبهم أحدهم خمسمئة ريال بالشهر، ويعملون أشق الأعمال، هذا الفراش ليس تابعاً للمدرسة، بل هو تابع لشركة تنظيفات، وهناك شركات للتنظيف عندها موظفون يأتون من بلاد آسيا الجنوبية الشرقية -فهؤلاء الذين ينظفون المدرسة، لهوانهم على مَن في المدرسة من مدرِّسين، ومن طلاب لا يسلِّمون عليهم أبداً، كأنهم ليسوا من بني البشر، فأحدهم كان ينظِّف غرفة المدرسين، وزميل مدرس، صب كأس الشاي ليشربها، فقرع جرس الدرس، يبدو أن هناك دقة بالغة، فما أحبَّ أن يتأخر، فقال للفراش: تفضل، وليس هذا مبادرة منه، لكن قرع الجرس، وكان قد صبَّ كأس الشاي، هذا الذي أخذ كأس الشاي وشربها، هذا العمل فعل في نفسه فعل السحر، أنّ المدرِّسَ ضيَّفه كأس شاي.
ففي اليوم التالي قال له: ما الذي حملك على أن تفعل هذا ؟ قال له: أنا مسلم، وأنت أخ في الإنسانية، وأنا عندي درس، ثم جرى بينهما صار حوار، فهذا الفراش تبيَّن أنّه يحمل ماجستير في الكيمياء، أحضروه إلى البيت، وأتوا له بقاموس دائرة معارف باللغة الأجنبية فقرأ فيه بطلاقة، سألوه أدقَّ الأسئلة، فكان كلامه صحيحًا، وتحاوروا معه، وبعد خمسة أو ست جلسات أسلم، وأسلم من معه ممن حوله.
كأس شاي تقدِّمه لإنسان بتواضع وبأدب فتغيِّر منهج إنسان !! فمَا أبْعدَ المسلم عن مستوى رسالته، هذه القصة أرويها لأن الكلمة الطيبة صدقة، كما قال عليه الصلاة و السلام.
حدثني أخ من إخواننا، واللهِ لا أرويها فخراً، قال لي: اشتريتُ بيتًا بمدينة دوما، ولنا جار كلما شعَر أنّي بالبيت أنقل الأغراض يُحضر لنا إبريقًا من الشاي، مرتين، وقد أعانه في نقل الأغراض، قال له: والله أنا شاكر لك، لكن لا يوجد معرفة سابقة، فقال له: أنا أذهب إلى المسجد، وأنت معنا فيه، وقد كان لا ينتبه إليه، قال له: كيف جئت إلى المسجد ؟ فقال: واللهِ جرَّني شخصٌ جرًّا، والأستاذ سلَّم عليّ باحترام فأحببتُه، هذا سلام باهتمام فقط، فقلت: يا رب سلام باهتمام فقط ربط إنسانًا بمسجد ؟! وأنا لا أذكر القصة، إلا أنّه قال لي: هذا جارنا، فقلت له: أهلاً وسهلاً، الله يعطيك العافية، عينك عليه، لم يكلفني غير الكلمات، لكن اهتمامك بالأشخاص مردودُه كبير، فالكلمة الطيبة صدقة، والسلام بحرارة تكسب بهما صديقًا مؤمنًا، فإذًا لا تضنَّ بابتسامة، ولا بسلام حار، ولا بمصافحة، لا بسؤال عن الصحة، لا بتعزية، لا بمواساة، بعيادة مريض، كلها تنمي العلاقات، وتجعل المسلمين كتلة واحدة، أخوك مرض يجب أن تزوره، تزوج يجب أن تهديه هدية ولو كانت بسيطة، بعشرين ليرة، لا أقول هدية ثمينة، لكن لها اعتبارها، فيها معنى المودة، تهادوا تحابُّوا، ممكن أن تقدِّم له شيئًا لا يذكر، هذه إمكانيتُك، ليس لك عنده، ولكنها عربون مودة.
على ذكر الكلمة الطيبة صدقة، إذا دخلت البيت، فقل: السلام عليكم، كان الصحابة إذا سار اثنان منهم معًا، وفرّقت بينهما شجرة بعد أن يلتقيا مرة ثانية، يقول أحدُهما للآخر: السلام عليكم، نكون مع بعضنا ثم ندخل إلى السيارة، السلام عليكم، واللهِ شيء جميل، فمتى دخل بيتَه فليقل: السلام عليكم، جلس فليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم ليسِّلم، يقول الشيطان لمَن معه: ليس لكم هنا مبيت، وإنْ سمَّى صاحبُ البيت قال الشيطانُ: ليس لكم عشاء، فإنْ لم يسلم قال: أدركتم المبيت، فإنْ لم يسمِّ قال الشيطانُ: أدركتم العشاء، فكل الليل خلافات و مشاجرات، أما لو قال: السلام عليكم لذهب الشيطان مهزومًا مخذولاً، فالكلمة الطيبة صدقة، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً.
روى أبو نعيم في الدلائل عن أنسٍ رضي الله عن قال: ((كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً، والله ما كان يمتنع في غداةٍ من عبدٍ ولا أمةٍ تأتيه بالماء، فيغسل وجهه بالماء وذراعيه، وما سأله سائلٌ قط إلا أصغى إليه، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحدٌ يده قط، إلا ناوله إياها، فلا ينزع صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه))
كان إذا صافح لا يسحب يدَه حتى يسحب الذي صافحه يدَه، وإذا ويُقبِل على محدِّثُه حتى ينصرف عنه محدِّثُه، هذه خلقه عليه الصلاة و السلام.
***
ننتقل إلى انبساطه صلى الله عليه وسلم مع الأهل وذوي القُربى، فروى مسلم في صحيحه عن سعدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أنه قال:
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله، يلاطفهنّ ويمازحهنّ، ويعاملهنّ بالود والإحسان))
الإنسان العظيم خارج بيته عظيم، أما في بيته فواحد من أهل بيته، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، فإذا كان الإنسان روحُه مرِحة مع أهل بيته، ومع أولاده، فهذه علامة نجاحه في زواجه، أهلك أقرب الناس إليك، ما الذي يمنعك أن تكون مرحًا معهم ؟ اسمع من طُرفهم في مدرستهم، أنت حِّدثهم عن طرفًة لطيفة، كن لطيفًا، داعبهم، لاعبهم، تكلم معهم كلامًا طيبًا، كان عليه الصلاة والسلام كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله، يلاطفهن ويمازحهن، ويعاملهن بالود والإحسان.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ))
( رواه الترمذي )
وعن عباسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيركم خََيركم للنساء))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا))
( رواه الترمذي )
يبدو من خلال هذه الأحاديث التي تؤكِّد أن علامةَ الخُلق الحسن الخلُقُ الحسن في البيت، والسبب أن الإنسان خارج البيت مراقَب، من زملائه، ممن دونه، من مرؤوسيه، من عامة الناس، والإنسان بحكم فطرته حريص على سمعته، فحرصه على سمعته، وعلى انتزاع تقدير الآخرين يدفعه لملاحظة نفسه و سلوكه، قلت لكم في درس سابق: إن الإنسان بحاجةٍ ماسة إلى التقدير، بأنْ يقدِّره الآخرون، هذه حاجة اجتماعية عند الإنسان. فلهذه الحاجة الاجتماعية، ولتقدير الآخرين تجده خارج البيت لطيفًا، فيعتذر إنْ أخطأ، يحاول أنْ يعمل عملاً جيدًا، لكن أين المكان الذي ليس فيه رقابة ؟ البيت، ففي البيت لا رقيبَ إلا الله عزَّ وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلامِ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))
( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا))
(الترمذي)
واللهِ ؛ الذي أرجوه لكم أن تكون بيوتكم جنة، يكون بيته صغيرًا لكنه جنة، الأكل خشن لكنه في الجنة، ليس هناك فخامة لكن يشعر أنّه في الجنة، فالجنة لا تأتي من الأثاث الفخم، ولا من الأقواس، ولا من الثريات، ولا من البراد المليء بالحاجات، لا، فالجنة مودة بينك وبين زوجتك، مودة، حب، رحمة، احترام متبادل، مشاعر مشتركة، هذه هي الجنة، فمِنَ الممكن أن يكون لك بيت متواضع، صغير، أثاثه بسيط، والأكل خشن، ولكن المودة موجودة بين الزوجين، والله عزَّ وجل يقول:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
( سورة الروم: من آية " 21 " )
هذا تصميم الله عزَّ وجل، هذا المخطط الإلهي، هذا الأصل في الزواج المودة والرحمة، فأعجز إنسان من عجز أن يكون سعيداً في بيته، هناك ظروف صعبة خارج البيت، هناك قُوى لا تملكها، قد تكون موظفًا، ولك رئيس صعب في الوظيفة، إنْ أحسنتَ لم يقبل، وإن أسأتَ لم يغفر، إن رأى خيراً كتَمَه، وإن رأى شراً أذاعه، سيئ، أما بيتك فهو مملكتك، فالإنسان إذا لم يكن مرتاحاً خارج البيت فلا أقلَّ من أن يكون داخل البيت مرتاحًا، لأنه لو توافرت السعادة داخل البيت، لامتصَّتْ كلَّ المتاعب خارجه، أما في الداخل فجحيم، وفي الخارج جحيم، والله إنها لحياةٌ لا تطاق، أنا أدعو إخواننا الكرام بقدر الإمكان، وبحسب السُّنة أنْ يجعل بيته جنة، بالتسامح مرة، وبالعطف مرة، وبالنصيحة مرة، وبالخدمة مرة.
وروى ابن سعدٍ عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ؟ تكلمي لنا عنه ضمن بيته، ففي الخارج معروف هو رسول الله، ولكننا نريد أخلاقه في وسط البيت ؟ قالت: ((كان ألين الناس بساماً ضحاكاً لم يُر ماداً رجليه بين أصحابه وذلك لعظيم أدبه وكمال وقاره))
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ - أي صغيرة - لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ - فالمعنى أي أنها كانت جلد وعظم - فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ ـ سمنت قليلاً -وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ * أي تعادلا، "هذه بتلك))
(رواه أحمد)
هذه لها معنى كبير، نزل إلى مستواها وكانت جارية، هذا النبي العظيم، سيد الخلق، حبيب الحق، جاءه القرآن، حمل عبء الرسالة، فلا أحدَ أعظم منه في العالَم، أعظم شخص أنيطت به أكبر رسالة، ومع ذلك عنده زوجة صغيرة جارية، قال: تعالَيْ أسابقك، فما الذي يمنعك أنْ تكون مرحًا في البيت، لطيفًا، صاحبَ دعابة، صاحبَ نكتة، بسَّامًا، ضحَّاكًا، تتساهل ؟ هذا ممَّا يجعلك أسعد الناس، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
وكان عليه الصلاة والسلام يعين أهله في الأمور البيتية، وهذه أيضاً نحن مقصرون فيها، كان يعين أهله في الأمور البيتية، لكنْ بعض الناس يرى إذا أراد أنْ يحقِّق رجولته فيجب ألاّ يتحرك أيَّة حركة في البيت، بينما النبي على عظمته كان يعين أهله في الأمور بيته.
وروى البخاري عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ))
وفي هذا تنبيه للأمة أن يسيروا على هذا الكمال، ولا يكونوا من جبابرة الرجال، خاصةً مع الأهل والعيال.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً في مناسباتٍ متعددة، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ))
أنا والله أشعر أيها الإخوة إذا كان الإنسان مع أهله - ولا زلنا بصدد معالجة موضوع الأهل - يعيش في مودة، في حب، فالله يرزقك، والله يفرح بهذين العبدين، لأن الشغب، والشقاق والخصومات تفكِّك الحياة الزوجية و، تصرف الإنسان عن صلاته، وإنْ صلاّها صلاَّها متوتِّرَ النفس، ودائماً في حالة هياج وغضب، لذلك قال: ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ))
وفي سنن الترمذي وابن ماجة حَدَّثَنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ: ((أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))
فالنبي يوصيك بهن، فإذا كنتَ تحبُّ شخصًا كثيرا، فقدْ يكون في دائرة عملك مديرٌ مهم، وعندك موظف دونك، وقال لك: هذا عينك عليه، هذا وصيتي عندك، واللهِ تعتنِي به عناية بالغة، فكرامةً لعينِ المدير تكرم مرج عيون، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أوصاك بالنساء، هذه امرأة ضعيفة، قد تكون مزعجة، لكنك أنت أعلى منها، أنت أوسع منها، بطولتك ليست مع امرأة متفوقة في الكمال، بطولتك مع امرأة مزعجة، وباحتوائك وامتصاصك لانفعالاتها وحركاتها الهوجاء تعبِّر عن كمالك.
وإن شاء الله نتابع حديث الشمائل النبوية، فهذا الموضوع مهمٌّ، والنبي عليه الصلاة والسلام مهمَّتُه الكبرى في كونُه القدوةَ لنا، وهذا الوضع الكامل، دائماً نحن نوازن بين واقعنا وبين هذا النبي العظيم، بهذا الخلق الكريم، ونحاول أنْ نقلد، نحاول أنْ نتقدم، ونحاول أنْ نوفِّق سلوكنا مع سلوك النبي عليه الصلاة والسلام.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : إنبساطه مع أهله وذوي القربى ، مباسطته مع زواره







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثامن من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، في الدرس الماضي وصلنا إلى انبساطه صلى الله عليه وسلَّم مع أهله وذوي القربى، وتحدَّثنا عن كريم عشرته، وحسن معاملته مع زوجاته وسائر أهله، بقيت نقطة..
فقد روى الشيخان والترمذي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا قَالَتْ الْأُولَى زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ قَالَتْ الثَّانِيَةُ زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ - أنْ أفقِده - إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ - أيْ عيوبه الظاهرة والباطنة - قَالَتْ الثَّالِثَةُ زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ قَالَتْ الرَّابِعَةُ زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ - أي مكة - لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ قَالَتْ الْخَامِسَةُ زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ قَالَتْ السَّادِسَةُ زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ وَإِنْ اضْطَجَعَ الْتَفَّ وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ قَالَتْ السَّابِعَةُ زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ قَالَتْ الثَّامِنَةُ زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ قَالَتْ التَّاسِعَةُ زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ طَوِيلُ النِّجَادِ عَظِيمُ الرَّمَادِ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنْ النَّادِ قَالَتْ الْعَاشِرَةُ زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ قَالَتْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ عُكُومُهَا رَدَاحٌ وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا قَالَتْ خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا وَقَالَ كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ قَالَتْ فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))
الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم على علو مقامه، وعلى رفعة شأنه، وعلى أنه مشغولٌ بعظائم الأمور، وعلى أنه يحمل أكبر رسالةٍ على الإطلاق، ومع أن شغله الشاغل نشر الحق في الأرض، كل هذه المهام الصعبة التي يتحمَّلها، وكل هذه الهموم الكبيرة التي تملأ قلبه، وكل هذه الأهداف البعيدة التي يسعى إليها، وكل هذه الرحمة التي في قلبه على البشر، كل هذا لم يمنعه أن يصغي إلى السيدة عائشة وهي تحدِّثه عن قصةٍ سمعتها تتعلَّق بالحياة الجاهليَّة، فماذا نستنبط من هذا ؟
نستنبط أنّ أحدَ مفردات الأخلاق، وأنّ إحدَى كمالات النبي عليه الصلاة والسلام حسنُ إصغائه، فأنت تأتي إلى البيت، لا شك أن الزوجة عندها لك حديثٌ طويل، معظم هذا الحديث قد لا يعنيك، وربما لا تعبأ بتفصيلاته، وقد لا ترى أنه حديثٌ يليق بك، لكن الكمال أن تستمع، والكمال أن تصغي.
قد يأتي ابنك من المدرسة، فيحدثك عن خلافٍ نشب مع رفيقه، وكيف أن زميله هذا شكاه إلى المعلِّم، وكيف أن المعلِّم عاقبه ظُلماً، وكيف وكيف...، حديث طويل، وقد يبكِ، وينفعل، ويحدِّثك، فأنت كمؤمن ماذا عليك أن تفعل اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ عليك أن تصغي، الإصغاء كمال.
الإنسان أحياناً يكون في حالة ضيق شديد، يكون في ألم شديد، يعاني من مشكلة، أربعة أخماس شفائه منها البوح، أن يبوح بها، لذلك الآن الأطباء النفسيون يستمعون إلى المريض بهدوءٍ جم، وبهدوءٍ بالغ، وأدبٍ متواضع حتى يبوح المريض بكل ما في نفسه، والمؤمن أحد جوانب كماله الإصغاء، والاستماع، وحسن التلِّقي، والاهتمام، وليس واحد من المؤمنين إلا وله زوجة، وله أولاد، وله أصدقاء، له إخوة صغار، إخوة كبار قد يحدِّثونه حديثاً لا يعنيه، لا يتعلَّق بمشاغله الكبيرة، ولكن الأدب يقتضي أن يصغي، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه، ولعله أدرى به.
قصَّةٌ طويلةٌ جداً روتها السيدة عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام، وكل امرأة تحدَّثت عن زوجها حديثاً بليغاً، دقيقاً، واقعياً ثم قال عليه الصلاة والسلام، وقد انتقى من هذه القصَّة الطويلة خبرَ إحدى الزوجات التي أثنت على زوجها ثناءً كبيراً، وهو أبو زرع، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))
أي أنه انتقى أرقى النماذج وقال: أنا لعلّي لكِ كأبي زرع لأم زرع، وفي رواية تقول إنها قالت: " بل أنت خيرٌ من أبي زرع ".
حديث بين النبي وزوجته في البيت، أحياناً هناك رغبةٌ جامحة أن نتعرَّف إلى هؤلاء العظماء، ماذا يفعلون في البيت ؟ ماذا يتكلَّمون ؟ بماذا ينشغلون ؟ ما اهتماماتهم في البيت ؟ كيف يعاملون أهل البيت ؟ هذه صورةٌ واقعيةٌ من حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيته، السيدة عائشة روت له قصَّةً طويلةً، منتزعةً من الحياة الجاهليَّة عن نساءٍ كثر تحدَّثن عن أزواجهن حديثاً واقعياً، وقد استنبط العلماء الأحكام التالية:
قال العلماء: " نُدِبَ حُسن المعاشرة للأهل، وندب السمر معهن"، أي عليك في وقت من أوقاتك أن تجلس مع زوجتك وتسمع لها، تحدثها، تمزح معها مزاحًا شرعيًا، تصغي إلى همومها، إلى مشكلاتها، تحدثك عن أهلها ؛ عن أخواتها، عن والدتها، إصغاؤك لزوجتك اتباعٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، إصغاؤك لأولادك الصغار وهم يتحدَّثون عن همومهم لك اتباعٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فاقتدوا بهذا الخُلُق.
إذاً نُدِب حسنُ المعاشرة للأهل، وندب السمر معهن، كملاطفة الزوجة، وإيناس الضيف، قال: " ويجوز ذكر الشخص المجهول عند المتكلِّم والسامع بما يكره " هل هذه غيبة ؟ الجواب: لا، لماذا ليس غيبةً ؟ من هم هؤلاء الرجال ؟ فما ذكرنا أسماءهم، مَن هنَّ هؤلاء النسوة ؟ ما ذكرنا أسماءهن، يجوز ذكر ـ كما قال العلماء ـ المجهول عند المتكلِّم والسامع بما يكره، فإنه ليس بغيبةٍ، وغاية الأمر أن عائشة رضي الله عنها ذكرت نساءً مجهولات، ذكرت بعضهن عيوب أزواجٍ مجهولين، لا يُعرفون بأعيانهم ولا بأسمائهم، ومثل هذا لا يعد غيبة.
مثلاً: هناك رجل فعل هذا مع زوجته، فليست هذه غيبة، هناك امرأةٌ فعلت كذا مع زوجها، ليسه هذه غيبة ما لم يُذكر شخصٌ بعينه.
لكن أيها الإخوة دقِّقوا فيما سأقوله الآن ؛ لو أنك ذكرت رجلاً نكرةً، لكن ذكرت أنه يسكن في المكان الفلاني، يعمل في العمل الفلاني، تزوج قبل شهر، والسامع يعرف مَن هذا الذي تزوَّج قبل شهر، ويسكن في المكان الفلاني، ويعمل العمل الفلاني، فأنت بذلك قد أعطيت بعض القرائن التي تشير إليه، هذه غيبةٌ وربِّ الكعبة، فأية قرائن تعطيها لاسمٍ مجهول حيث يغدو هذا المجهول معلوماً، هذه غيبةٌ ورب الكعبة، فإذا قلت: رجل يحمل الشهادة الفلانية، يسكن في المكان الفلاني، يعمل في المكان الفلاني، فأنت بهذا عرَّفته وانتهى الأمر، ولو لم تذكر اسمه فهذه غيبةٌ ولا شك.
وأيضاً العلماء استنبطوا من هذه القصَّة أنه يجوز الحديث عن الأمم الماضية، والأجيال البائدة، وضرب الأمثال بهم، لأن في سيرهم عبرةً واستبصاراً للناس.
وهناك شيء آخر ؛ أحياناً تكون هناك موضوعات جادة، دراسة جادة، موضوع فقهي، موضوع في التفسير، موضوع في الحديث، فإذا قيلتْ طرفة ترطِّب الجو، تجدِّد النشاط، ترسم على الوجوه ابتسامة، فهذا من لوازم التعليم، فهذا حكم آخر، فلك أن تذكر طرفةً لطيفةً تريح المستمعين، تجدِّد نشاطهم، تعطيهم القوة على متابعة المحاضرة، هذا حكمٌ آخر يدلّ على أمر مباح.
يروى عن القاضي عياض: " أن التحدث بمِلَحِ الأخبار، وطُرف الحكايات تسليةٌ للنفس، وجلاءٌ للقلب ".
وقال سيدنا عليٌ كرَّم الله وجهه: " سلَّوا هذه النفوس ساعةً بعد ساعة فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد "، عظماء العالم عندهم روح مرحة، الروح المرحة، والطرفة اللطيفة، والفكاهة المنضبطة، هذا يجذب المستمع، ويجدِّد النشاط، فأنا أقترح على إخواننا الكرام إذا كنت في البيت فلا تكن جاداً إلى درجة المَقْت، كن ليِّناً، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً، اروِ بعضَ الطُرف، ابتسمْ، اذكرْ الأسماء متحبِّباً، انظر نظرة عطف، هذا الذي يقيم الودَّ في البيت، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، آباءٌ كثيرون يقولون: يا أخي افتح البراد فإنه مليء، أهلك يريدون ابتسامتك، البراد مليء كثَّر اللهُ خيرك، لكن أهلك يريدون ابتسامتك، طلاقة وجهك، الكلمة اللطيفة، السلام، السؤال عن الصحة، التعطُّف، التحبُّب، التودُّد، هذا الذي يريده الآخرون منك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
( من الجامع الصغير )
قال عليه الصلاة والسلام: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
ابتسامتك في وجه أخيك صدقة، طلاقة الوجه صدقة، هكذا، وكان عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ - وفي رواية تسع سنين- فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ))
هذه رواية لسيدنا أنس الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلَّم عشر سنين.
وفي رواية أبي نعيم قال أنس: ((فما سبني صلى الله عليه وسلَّم قط، ولا ضربني قط، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمر في أمرٍ فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني عليه أحدٌ من أهلي قال: دعوه لو قُدِّر شيءٌ لكان))
عشر سنوات، أحياناً يكون عمال في محل تجاري، يغلط هذا الصانع غلطة طفيفة فَيَسُبُّ أباه الذي خلَّفه، والذي عرَّفه عليه، وإنْ كان طفلاً مسكينًا يشعر أنه سيسحق سحقًا، هكذا بعض أرباب العمل، أما المؤمن فإنّه يتخلَّق بأخلاق النبي، حلم جمٌّ وتسامح.
(( كاد الحليم أن يكون نبيا ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
((الحلم سيِّد الأخلاق))
أحياناً يسمع الصانع كلمات تجرح، لو أنك جرحته بالسكين لكان أهون عليه من هذه الكلمات القاسية التي تحقِّره بها، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تحمِّروا الوجوه))
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يواجه أحداً بما يكره، وإذا أراد أن يصلح من عيوب أصحابه صعد المنبر وقال: ((ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا))
عمم القول، هذا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
من أدبه الرفيع صلى الله عليه وسلَّم مع من يحدِّثه، كان صلى الله عليه وسلَّم يصغي كل الإصغاء إلى من يحدِّثه أو يسأله، ويُقبِل عليه ويلاطفه، فكثيراً من الآباء يكون مشغولاً، القضية تشغل باله، يحدِّثه ابنه كثيراً، فلو سئل: ماذا حكيت ؟ فيجيب: والله ما انتبهت، تحدِّثه زوجته فلا يصغي إليها، عدم الإصغاء يجرح المتكلِّم.
روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي أراد أن يهمس بأذنه، أي يكلِّمه سراً فينحي النبي رأسه عنه أبداً، ما فعلها ولا مرَّةً واحدة، إنسان قرَّب فمه إلى أذن النبي ليسرَّ إليه سراً ما فعل النبي في حياته كلها أن ابتعد عن هذا المتكلم -فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ))
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ فَقَالَ: ((... أَحْسِنُوا الْمَلَأَ - أي أحسنوا أخلاقكم - كُلُّكُمْ سَيَرْوَى قَالَ فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي اشْرَبْ فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا قَالَ فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...))
ما قولكم ؟ ذهب شيخ مع إخوانه لأداء فريضة الحج، صعدوا كلهم إلى الحافلة، ونسوا الشيخَ يقف على الطريق، فأحياناً لا تجد أدبًا، ((يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا فَقَالَ لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي قَالَ وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى قَالَ فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي اشْرَبْ فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا قَالَ فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
(صحيح مسلم عن أبي قتادة)
علِّم نفسك إذا كنت مع مجموعة أنْ تكون عطوفًا كالأب، فكثيرًا ما لاحظت في نُزهات يقوم بها بعض الإخوة الكرام، فيوضع الطعام على المائدة، المجموع عشرة، والموجود سبعة يبدؤون بالطعام، وثلاثة في خدمة هؤلاء، لكنه يعجبني ألاّ نأكل لقمةً واحدة إلى أنْ يجتمع الكل على المائدة، وكبير القوم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، هكذا السنة، أنا لاحظت هذه الملاحظة بشكل واضح، وهي منتشرة بكثرة، اثنان أو ثلاثة لم يجلسوا بعد إلى الأكل، والكل بدأ يأكل، فالأكمل ألاّ نأكل حتى نستكمل العدد، أين فلان ؟ يحضر الماء، نحن في انتظاره، أين فلان ؟ يأتي بالخبز، نحن في انتظاره، فإذا جلسوا جميعاً عندئذٍ نأكل، هكذا السنة.
وعن عمرو بن العاص قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم ـ إنسان شرير ـ يتألَّفه بذلك، وكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني من خير القوم، فقلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر ؟ قال: أبو بكر، قلت: يا رسول الله: أنا خيرٌ أم عمر ؟ قال: عمر، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان ؟ قال: عثمان، فلما سألت النبي صلى الله عليه وسلَّم عَنْ عليٍّ صدَّ عني، فوددْتُ أني لم أكن سألته))
لذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
( سورة المائدة: من آية " 101 " )
فأحياناً إنسان يريد أن يسأل عن شيءٍ، والجواب قد يسوؤه، فالأكمل ألاّ يسأل، ولهذه الآية معنى آخر ؛ الله عزَّ وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء، هذا الذي سكت عنه لم يسكت عنه نسياناً، لا والله، لكن الحكمة التي تستنبط من سكوت الشارع الحكيم عن بعض الأشياء لا تقلُّ عن حكمة التشريع نفسها.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا بعث بعثاً قال: ((تألَّفوا الناس))
أي إنّ المؤمن مألفة، يألف ويؤلف، وكان عليه الصلاة والسلام أطلقَ الناس وجهًا، وأكثرهم تبسُّماً، وأحسنهم بشراً.
الابتسامة أيها الأخ الكريم لا تكلِّفك شيئاً، لكنها تفعل فعل السحر في نفوس مَن هم دونك ؛ فلو أنّ مدير مدرسة، أو مدير مستشفى، أو مدير معمل، أو صاحب متجر عنده موظَّفون فدخل مبتسمًا، وقال: السلام عليكم، كيف حالكم؟ هذه الكلمات الخفيفة اللطيفة تفعل فعلَ السِّحر، فإياك أن تضنَّ بها على مَن هم معك، تجدِّد نشاطهم، تبعث فيهم الهمَّة.
وروى البزَّار بإسنادٍ حسن عن جابر رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذير قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهاً، وأكثرهم ضحكاً، وأحسنهم بشراً))
عوِّد نفسك الابتسامة دائماً، ترحيب شديد، سلام حار، سؤال عن الصحة، عن الأهل، يخطر في بالي أحياناً إنسان جاء من مكان بعيد، كيف الحال ؟ الحمد لله، كيف الأمطار عندكم ؟ الحمد لله، الأهل بخير إن شاء الله ؟ الكلمة الطيبة صدقة، فالنبي الكريم إذا جاءه الوحي، أو وعظ قوماً قلت: نذير قومٍ، هو نذير قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهاً، وأكثرهم ضحكاً، وأحسنهم بشراً.
تقول السيدة عائشة حينما سُئلت: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا خلا في بيته ؟ قالت: ((كان ألين الناس، بسَّاماً، ضحَّاكاً، لم يُر قطُّ ماداً رجليه بين أصحابه))
هذا الدرس لا لأخذ العلم، ولكن للتطبيق العملي، هذه الدروس كلُّها قيمتها في التطبيق، أمّا كمعلومات فهي لا تقدِّم ولا تؤخِّر، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام عند الله، ولا يزيده رفعةً أن نتحدَّث عن شمائله، ولا يقلِّل من قدره أو ينتقص أن نسكت عن شمائله، ولكن إذا درسناها، وذكرناها، وذكَّرنا بها فمن أجل أن تكون مطبَّقةً في حياتنا.
إخواننا الكرام ؛ بيتُ المؤمن ينبغي أن يكون قطعةً من الجنَّة، ولو كان بيتاً صغيراً، ولو كان الطعام خشناً، ولو كان اللباس رخيصاً، ولو كان الموقع ليس فخماً، السعادة لا تأتيك من الخارج، لكنها تنبُع من الداخل، من داخلك تنبع السعادة، من إيمانك بالله، من إرادتك أن تُدْخِلَ على قلب من حولك السرور، إذا أردت ذلك كنت أنت أسعد الناس، إذا أردت أن تسعد فأسْعِد الناس.
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فقال: ((السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله، ثم أتى آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته))
ماذا يستنبط من هذا الحديث ؟ يستنبط.. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
( سورة النساء: من آية " 86 " )
هكذا علَّمنا النبي، السلام عليكم، عليكم السلام ورحمة الله، أحياناً إخوان كثيرون على الهاتف يقولون: السلام عليكم ورحمة الله، ينبغي أن أقول لهم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هكذا.. ((أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا))
( من مسند أحمد: عن " البراء بن عازب " )
وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ))
( من سنن الترمذي: عن " علي " )
فهل شيء قليل أن يكون حولك أحباب، وكل إنسان تعطيه حقه، وتعطيه قدره، وتعرف ميزاته، وتعرف تفوُّقه، وتعرف جوانب عظمته، وتعرف بطولاته، وتعرف لكل إنسان قدْرَه، هكذا السُنة، ((مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ))
( من سنن الترمذي: عن " علي " )
سيدنا عمر: (( لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر ))
( من الجامع الصغير: عن " عصمة بن مالك " )
سيدنا الصديق: ((ما ساءني قط، فاعرفوا له ذلك))
سيدنا سعد: ((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))
(من صحيح البخاري: عن " عبد الله بن شداد " )
سيدنا معاذ: ((والله إني لأحبك))
( من أحاديث الإحياء: عن " معاذ " )
سيدنا خالد: ((سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
سيدنا أبو عبيدة: ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))
( من صحيح البخاري: عن " حذيفة " )
سيدنا الزبير: ((حواري هذه الأمة))
ذات مرَّةٍ قلت لكم: دخل المسجدَ رجلٌ وكان النبي قد بدأ بالصلاة، فخاف هذا الصحابي أن تفوته الركعة مع رسول الله فأحدث في المسجد جَلَبَةً وضجيجًا ليدرك الركعة، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي بكرة " )
علَّمنا إذا أردت أن تنتقد أحداً ممن معك في العمل، ذكِّره أولاً بنواحيه الإيجابيَّة، بعدئذٍ حاول أن توجِّهه الوجهةَ الصحيحة.
وعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ قَالَتْ: ((إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام تَمْشِي لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ))
(رواه البخاري)
وهناك رواية قرأتها قبل حين: ((كان عليه الصلاة والسلام يقف لابنته فاطمة إذا دخلت عليه))
الودُّ الذي بين النبي وبين أهله يفوق حدَّ التصور، فأنت إذا قلَّدت النبي، كما لو دخلتْ عليك ابنتك المتزوِّجة مع زوجها فنهضت واقفاً، وقلت: أهلاً ببنيَّتي الحبيبة، وصافحتها، وأجلستها، وسألتها عن صحَّتها، وعن أولادها، وعن زوجها، وكيف حالها، هذا عمل عظيم، شددتها إليك، ألَّفت قلبها، جبرت خاطرها، أكرمتها، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ الْقَوْمُ أَوْ مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا رَبِيعَةُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى...))
وٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جِئْتُهُ ((مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ))
( من سنن الترمذي: عن " عكرمة بن أبي جهل " )
وعَنْ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ قُلْتُ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ...))
(رواه مسلم)
السلام اللطيف، أن تناديه باسمه، أو بأحب الأسماء إليه، أو بصفته، أو بما يحبه من الكُنى هذا من السنة.
وأخذ الإمام أحمد من حديث أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان يلقى الرجل فيقول: ((يا فلان كيف أنت ؟ فيقول: بخيرٍ أحمد الله. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلَّم: جعلك الله بخير))
كيف حالك يا فلان ؟ كيف أهلك ؟ كيف أولادك ؟ كيف عملك ؟ هل أنت بخير ؟ هل تشكو شيئاً، قل لي ؟ هكذا المؤمن.
وروى أبو يعلى بإسنادٍ حسن عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ((كيف أصبحت ؟، قال: بخيرٍ من قومٍ لم يعودوا مريضاً ولم يشهدوا جنازةً))
أيْ أنا من قومٍ لم يعودوا مريضاً ولم يشهدوا جنازةً، أنا بخير.
وأخذ الطبراني بإسنادٍ حسن عن ابن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام لرجل:
((كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أحمد الله إليك يا رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم: ذلك الذي أردته منك))
واحد ـ هكذا تروي بعض الكُتب ـ سأله النبي عن حاله وكان فقيرًا فقال له: حالي كما تراني، الأول قال له: " كيف حالك يا فلان "، قال: بخيرٍ والحمد لله، أحمد الله إليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: " ذلك الذي أردته منك "، فإذا قلت: الحمد لله، لو كنت مُتعبًا، لو كنت تعاني مشكلة، لو كنت تعاني من مرض، هذا شيء عظيم، تقول: الحمد لله على كل شيء، وعلى كل حال، كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءت الأمور وفق ما يريد يقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ))
( من سنن ابن ماجة: عن " السيدة عائشة " )
وإذا جاءت الأمور على خلاف ما يريد كان يقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ))
( من سنن ابن ماجة: عن " السيدة عائشة " )
وكان عليه الصلاة والسلام يكرم كريم كل قوم، هكذا علَّمنا.. ((أنزلوا الناس منازلهم))
( من الجامع الصغير: عن " السيدة عائشة " )
((أكرموا عزيز قومٍ ذل، وغنيٍ افتقر، وعالِمٍ ضاع بين الجهَّال))
كان عليه الصلاة والسلام يكرم كريم كل قوم ويقول: ((إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ))
( من سنن ابن ماجة: عن " ابن عمر " )
إنسان كان له عمل معيَّن، كان له شأن، كان غنيًا فافتقر، الإنسان مطلوب منه أنْ يحترمه احترام زائدًا، هكذا علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلَّم.
روى الطبراني عن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: ((لمَّا بُعث النبي صلى الله عليه وسلَّم أتيته فقال: ما جاء بك ؟ قلت: جئت لأسلم، فألقى إليَّ كساءه، وقال: إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه))
من شدة فرح النبي اللهمَّ صلِّ عليه ألقى إلي كساءه.
وفي رواية البزَّار: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلَّم فبسط إليَّ رداءه وقال: اجلس على هذا، فقلت: أكرمك الله كما أكرمتني))
وروى الحاكم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلَّم دخل بعض بيوته، فدخل عليه أصحابه حتى غُصَّ المجلس بأهله وامتلأ، فجاء جرير البجلي فلم يجد مكاناً، فقعد عند الباب، فنزع النبي صلى الله عليه وسلَّم رداءه وألقاه إليه.. "
وهنا ملاحظة، كريم قوم لم يجد مكانًا، جلس عند الباب، فالنبي وهو يحدِّث أصحابه انتبه، فخلع رداءه، وألقاه إليه، وقال: ((اجلس عليه ))
ما هذه الأخلاق ؟
فأخذه جرير، هل جلس عليه ؟ أخذه جرير فألقاه على وجهه وجعل يقبِّله ويبكي، ورمى به إلى النبي وقال: ((ما كنت لأجلس على ثوبك، أكرمك الله كما أكرمتني، فنظر النبي صلى الله عليه وسلَّم يميناً وشمالاً، وقال: إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه))
خلع رداءه وألقاه إليه وقال: ((اجلس عليه))
فأخذ هذا الرجل الكريم البجلي الرداء ووضعه على وجهه، وقبَّله، وجعل يبكي ويقول: ((ما كنت لأجلس على ثوبك يا رسول الله، أكرمك الله كما أكرمتني))
وعن عدي بن حاتم أنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم ألقى إليه وسادةً، فقال عدي: ((أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فسادا))
ليس في بيت النبي إلا وسادة واحدة، ألقاها لعدي وقال: ((اجلس عليها))
قلت: بل أنت، قال: " بل أنت "، فجلست عليها وجلس هو على الأرض، وأسلم عدي بن حاتم، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه))
أحياناً، هكذا أنا أعرف في مجال التربية والتعليم، كان مدرِّس معنا عُيِّن مديرَ تربية سابقاً، كما كان سابقاً مدير ثانويَّة، والكمال يقتضي أن تعامله معاملة خاصَّة، ((أكرموا عزيز قومٍ))
وقد تواجه إنسانًا كان غنيًا وافتقر، فالمفروض أنْ تعامله على أعلى درجة وصل لها، ولو تركها.
وعن عبد الرحمن بن عبدٍ قال: ((قدمت على النبي صلى الله عليه وسلَّم في مئة رجل من قومي، فذكر حديثاً فيه أن النبي أكرمه، وأجلسه، وكساه رداءه، ودفع إليه عصاه، وأنه أسلم، فقال رجل من جلسائه: " يا رسول الله إنا نراك أكرمت هذا الرجل ؟ " فقال: " إن هذا شريف قومه، إذا أتاكم شريف قومٍ فأكرموه))
تعلَّموا أيها الإخوة، ((إذا أتاكم شريف قومٍ فأكرموه))
وفي حديث آخر: ((إذا كانت عندك كريمة قومٍ فأكرمها))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
امرأة كبيرة في السن لها شأن في أهلها أكرمها.
وعن شهاب بن عبَّاد أنه سمع بعض وفد عبد قيس يقولون: " قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ دقّقوا في هذه القصَّة ـ فاشتد فرحهم ـ أي الصحابة ـ فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، وفد عبد قيس جاؤوا النبي ليسلموا، والصحابة الكرام اشتد فرحهم، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحَّب بنا النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا لنا، ثم نظر إلينا، وقال: ((من سيدكم وزعيمكم ؟ ))
فأشرنا جميعاً إلى المنذر بن عائد، فقال عليه الصلاة والسلام: " أهذا الأشَج "، قلنا: نعم يا رسول الله.
فتخلَّف بعض القوم، فعقل رواحلهم وضمَّ متاعهم، ثم أخرج عيبته ـ أي ما يوضع فيه المتاع ـ فألقى عنه ثياب السفر، ولبس من صالح ثيابه، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلَّم وقد بسط النبي رجله واتَّكأ، فلما دنا منه الأشج أوسع القوم له وقالوا: "هاهنا يا أشج " فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم، واستوى قاعداً وقبض رجله: " هاهنا يا أشج ". فقعد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فرحَّب به وألطفه، وسأله عن بلاده، وسمَّى له صلى الله عليه وسلَّم قرية قريةً وغير ذلك من قرى هَجَر، فقال الأشج: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله لأنت أعلم بأسماء بلادنا منا ".
فقال عليه الصلاة والسلام: (( إني وطئت بلادكم وفُتِح لي فيها ))
ثم أقبل عليه الصلاة والسلام على الأنصار فقال: (( يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام، أشبه شيءٍ أشعاراً وأبشاراً، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين ـ أي ولم يكونوا مصابين بمصيبة ـ إذ أبى قومٌ أن يسلموا حتى قُتلوا ))
قال: فلما أصبحوا قال عليه الصلاة والسلام: (( كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم ؟ وضيافتهم إيَّاكم ؟ ))
قالوا: خير إخوان، ألانوا فرشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلِّموننا كتاب ربنا تبارك وتعالى، وسُنة نبينا صلى الله عليه وسلَّم، فعجِب النبيُّ وفرح لمَا حدث.
في هذه القصَّة أدق نقطة وهي: قال عليه الصلاة والسلام: (( هؤلاء إخوانكم إنهم أشباهكم في الإسلام، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين ))
لا مكرهين ولا أنّهم أسلموا عقب مصيبة، بل هم في قوتهم، وصحَّتهم، وشدَّتهم، واختيارهم أسلموا، معنى ذلك أنّ الإسلام الذي يكون عن مبادرةٍ منك، لا عن قهرٍ، ولا عن خوفٍ، ولا عن مصيبةٍ، ولا بعد شبح مصيبةٍ، ولا بعد قلقٍ، هذا إسلام له وزنه.
فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا أخلاقه مع أصحابه، ومع الوفود بالترحيب، التكريم، ويعرف كل قوم مَن رئيسُهم، مَن زعيمُهم، مَن سيِّدُهم، له معاملة خاصَّة.
وسوف نتابع هذا الموضع إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلَّم ذو شجون، والحديث عن أخلاقه يبعث في النفس السعادة والسرور، كيف لا ؟ فإذا ذُكر الصالحون تتنزَّل الرحمة، فكيف إذا ذُكر سيِّد الصالحين، وسيد الأنبياء والمرسلين ؟ هذه أخلاقه. قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 31 " )


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : مباسطته لجلسائه وتوسعه معهم - النهي عن كثرة المزاح







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صفات العظماء :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصاله الحميدة، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع مباسطته صلى الله عليه وسلم لجلسائه واتساعه لهم، فقد كان عليه الصلاة والسلام ينبسط لجلسائه انبساط الانطلاق الشرعي المباح.
قبل أن أمضي في الحديث عن هذه الخصلة الشريفة، هناك أشخاصٌ مرنون، أينما حلوا وأينما جلسوا يأنَسون ويؤنسون، يألفون ويؤلفون، ينبسطون مع من حولهم، لا تشعر أنهم غرباء، لا تحس بفوقية في سلوكهم، ولا انزواءٍ في تصرفاتهم، ولا عنجهية في حركاتهم وسكناتهم، تحس أنهم منك وأنت منهم، هذه صفات العظماء، الأُلفة، الأنس، قد تشعر إذا كنت في مستوى أخلاقي رفيع أن هذا الإنسان العظيم قريبٌ منك، و إن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أثر عنه أنه ما من صحابيٍ عامله إلا شعر بأنه أقرب الناس إليه.
وإذا أردت أيها الأخ الكريم أن تنشر الحق، وأن تدعو إلى الله، وأن يكثر الخير منك ينبغي أن تقلِّد هذه الصفة الرفيعة في رسول الله، ينبغي أن تأنس بالناس وأن يأنسوا بك، أن تحبهم وأن يحبوك، أن تتواضع لهم كي يتواضعوا لك، أن تشعرهم بأنك قريبٌ منهم، تتفهم مشكلاتهم، تتألم لآلامهم، تفرح لفرحهم، يعنيك ما يعنيهم.
المؤمن يألف و يؤلف :
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصحابه يبسط إليهم رداءه، ويطلق لهم وجهه دون أن يشعرهم أنه نبيٌ عظيم، وأن بينه وبينهم مسافاتٍ شاسعة، هذا الشعور لم يكن عند أصحاب رسول الله مهما بالغوا في أدبهم معه، إلا أنهم يشعرون أنهم قريبون منه، وقريبٌ منهم، هذا كلام عام، لكن لو أردنا التفاصيل كيف؟
أنت رجل دين، داعية، متفهم لكتاب الله، ولسنة رسوله، هدفك نبيل، جلست مع أُناسٍ تحدثوا عن بناء البيوت، قد تشعر بالانقباض، قد تنصرف عنهم وعن حديثهم، قد تشتغل بشيء، تفتح كتاباً، فهذا التصرف بمَ يشعرهم؟ أنك فوقهم، وأنك في مستوى رفيع فوق مستواهم، هذا يبعدهم عنك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصحابه وتحدثوا في حديثٍ شاركهم في هذا الحديث، إذا تحدثوا في التجارة مثلاً، استمع إليهم وأدلى بدلوه في هذا الموضوع، و إذا تحدثوا عن الأمطار، استمع إليهم وأدلى بدلوه في هذا الموضوع، و إذا تحدثوا عن مشكلاتٍ يعانيها المجتمع، استمع إليها وأدلى بدلوه في هذا الموضوع، فالتفاصيل التي تؤكد هذا الخلق الرفيع هو أن تشارك الناس في الحديث، هناك أناسٌ ضيقو الأفق إذا طرح موضوع مباح ولا أقول: محرَّم، إن طُرح موضوع مباح ابتعدوا عن هذا الموضوع، وظهر اشمئزازهم منه، وظهر ترفعهم عن الخوض فيه، حتى أشعروا الحاضرين أنهم في برجٍ عاجي وهؤلاء في الحضيض، هذا السلوك ليس كاملاً، هذا السلوك لا يؤلف القلوب ولا يجمع النفوس، كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس مع أصحابه وتحدثوا في حديثٍ مباحٍ من أمر الدنيا، شاركهم في الحديث تأليفاً لقلوبهم، وتطييباً لخواطرهم، وإيناساً لهم.
فعن خارجة بن زيد أن نفراً دخلوا على أبيه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقالوا:
((حَدِّثْنَا عَنْ بَعْضِ أَخْلاَقِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ : كُنْتُ جَارَهُ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ الوحي بَعَثَ إِلَىَّ فَأَتَيْتُهُ فَأَكْتُبُ الوحي ـ سيدنا زيد كان من كُتَّاب الوحي ـ وَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا ))
[البيهقي عن خارجة بن زيد]
أؤكد على أنك إذا أردت أن تدعو إلى الله، و أن تنشر الخير، و أن تؤلف القلوب، عليك أن تشعر الحاضرين أنك واحدٌ منهم ولست فوقهم، وأنه يعنيك ما يعنيهم، يسرك ما يسرهم، يؤلمك ما يؤلمهم، تهتم لما يهتمون به، فلا أدل على هذا الخلق الرفيع من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشارك في الحديث المطروح إذا كان مباحاً: ((...وَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا))
[البيهقي عن خارجة بن زيد]
وقد تجد داعيةً صغيراً ليس على شيء، فإذا خاض من حوله في موضوع مباح مَطَّ شفتيه وازورّ عنهم، وأشعرهم أنه فوق هذا المستوى بكثير، ليس هذا من خلق المؤمن الذي يألف ويؤلف، هذه نقطةٌ أولى أيها الأخوة. التكلف و التصنع يبعدان الإنسان عن الآخرين :
وروى الإمام أحمد عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ:
((أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ الضَّحِكِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ))
[ أحمد عَنْ سِمَاكٍ]
بشر متواضع، أحياناً مدرس يدرس أخطر مادة، وهو في مستوى رفيعٍ جداً، وطالب يعلق تعليقاً مضحكاً، فالطلاب يضحكون، فما الذي يمنع هذا الأستاذ الجليل أن يضحك معهم لهذه الطرفة؟ إذا ضحك معهم أو تبسم معهم كان قريباً منهم وأشعرهم أنه منهم، وكان واقعياً وطبيعياً، أما إذا ازورّ عنهم وترفع عن هذه الطرفة، فقد أشعرهم أنه فوقهم وأنهم دونه بكثير، ألا تحب أن تألف وتؤلف؟ ألا تحب أن تؤنس من حولك؟ هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. ((...وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ فَيَضْحَكُونَ وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ))
[ أحمد عَنْ سِمَاكٍ]
فلا شيء يبعدك عن المجتمع كالتصنُّع والتكلُّف، ولا شيء يدنيك من الناس ويجعل حبك في قلوبهم كأن تكون واحداً منهم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته فهو واحدٌ من أهل بيته. النبي كان طبيعياً لا تكلف عنده و لا تصنع :
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:
((لم يَكن أَصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتحزِقِينَ - أي متقبضين - ولا مُتماوتِين - حانيًا رأسه، متطامنًا، منكمشًا، متمسكناً، فهذا متماوت و دائماً منقبض النفس و عابس الوجه - ..... فَإِذا أُريدَ أحدٌ مِنهم عَلى شَيءٍ مِن أَمر الله دَارت حَماليقُ عَينيهِ كَأنه مجنُونٌ))
[ الأدب المفرد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن]
إنسان طبيعي لطيف، يأنس، ويُؤنس، يألف ويُؤلف، فإذا أريد منه شيءٌ جللٌ عظيم انطلق إليه كأنه بطل.
لا زلت أركز على نقطة واحدة من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان طبيعياً، لا تكلف عنده و لا تصنع، فهو عفوي، بسيط، يألف و يُؤلف، يستمع، يضحك مما يضحك منه أصحابه، ذكروا أمر الدنيا يذكرها معهم، ذكروا أمر الآخرة يذكرها معهم، ذكروا شيئاً من حطام الدنيا المباح يذكره معهم. العاقل يشعر من حوله أنه واحد منهم :
وروى الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:
((جَالَسْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
أي إذا كانت لأحدكم مكانة دينية، وقام بنزهة مع أصدقائه، ينبغي أن يبدو وكأنه واحدٌ منهم، أن يعنيه ما يعنيهم، أن يضحك مما يضحكون، أن يشعرهم أنه واحدٌ منهم، هذا خلق رفيع، و هذا ذكرني بموقفٍ عظيم لسيدنا الصديق رضي الله عنه و أنتم تعرفون القصة ولا شك:
فعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ـ بصفاء، بانشراح، بسمو ـ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ـ عدنا إلى البيت وانغمسنا في أمور الحياة، شؤون البيت، شؤون العمل - فَنَسِينَا كَثِيرًا - هذا الحال الطيب نفقده - قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا - ما هذا التواضع؟! - فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))
[مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ]
إنسان يشكو لك همه، يشكو لك زوجته، يشكو لك أولاده، يشكو لك ضيق ذات يده، يشكو لك صعوبةً في عمله، أنت كإنسان راقٍ فماذا عليك أن تقول؟ لا، أنا عكسك، أنا التي عندي ما شاء الله امرأة نادرة الأخلاق، لا تقل كذلك، بل قل له: معظم النساء كذلك، طيب خاطره، أشعره أنها قضية عامة، قضية يعاني منها كل الأزواج، أشعره أن هذا الابن ليس شاذاً هكذا معظم الأبناء، هذه مشكلة عامة، طيِّب قلبه، لا تجعل نفسك فوقه، لا تنفرد بميزات ليست عنده، ليس هذا من خُلق المؤمن، ألِّف، لا تجعلهُ يشعر بالوحشة والانفراد. * * *
مزاحه صلى الله عليه وسلم مع جلسائه :
والآن ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو مزاحه صلى الله عليه وسلم مع جلسائه وإدخال المسرَّة عليهم، كان عليه الصلاة والسلام يمزح مع أصحابه لإدخال السرور عليهم.
سمعت مرةً أن أحد علماء الشام الكبار - الشيخ بدر الدين هذا شيخ الشيوخ - كان يمشي في الطريق، وكان حاد الذكاء، فطناً، فالتفت فجأةً نحو اليمين فإذا أحد تلاميذه يضحك، قال له: ما الذي يضحكك؟ فالتلميذ نظر إلى جورب الشيخ، جورب الشيخ نزل، فقال الشيخ: الحمد لله الذي أنزل هذا الجورب وأدخل على قلبك السرور، فما ألطف هذا الكلام!! أنت لا ترقى عند الله عزَّ وجل إلا إذا أشعرت الناس أنك واحد منهم، وأنك تحبهم، وترعى مشاعرهم، وتتألف قلوبهم.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
يروون بالتاريخ عن أحد كبار القواد الذين فتحوا قارة بأكملها، مرة تفقد أحد حراسة فرآه نائماً، حارس ونائم!! فأمسك سلاحه بيده ووقف مكانه، هذا الحارس شبع من النوم ثم فتح عينيه فإذا هذا القائد العظيم يقف في الحراسة مكان هذا الجندي وسلاحه بيده. المؤمن طليق مبتسم محبّب :
كن قريباً من الناس، كن طبيعياً، لا تكن متكلفاً، لا تستخدم أساليب الكهنوت، لا تجعل بينك وبين الناس هوةً كبيرة، لا تشعرهم أنك فوقهم بكثير، أشعرهم أنك واحدٌ منهم، أذكر لكم أنني قرأت مرة تقديماً لكتاب عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدَّست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان، يا من زكَّيت سيادة العقل وأنهيت غريزة القطيع - الشاهد - يا من هيأك التفوق لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع "، هذا ملخص هذه الخصلة الرائعة في رسول الله، هو متفوِّق بحيث إنه بإمكانه أن يعيش فوق الجميع لكنه لم يعش إلا بين الجميع كواحدٍ منهم.
فكان عليه الصلاة والسلام يمزح لإدخال السرور على قلوب أصحابه، لو ترك الطلاقة مع أصحابه، ولزم العبوس والانقباض لألزم أصحابه بهذا الخُلُق، وكذلك التابعون، و لصار ديننا دين حُزانى، شخص سألني: فلان؟ قلت له: نعم، قال: هذا أخذ خاطر.
هو دائماً عابس، دائماً مكتئب، أخذ خاطر، المؤمن طليق، مبتسم، محبَّب، قال: لو أنه ترك الطلاقة في وجهه، والانبساط في خلقه، ولزم العبوس والانقباض، لألزم أصحابه بهذا الخُلق، وكذلك التابعون، فأصبح هذا الدين دين انقباضٍ، ودين اكتئابٍ، ودين عبوسٍ، وديناً ينفر منه الناس.
النبي لطيف مع أصحابه و يحمل رسالة عظيمة :
لكن بالمقابل روى الإمام البخاري في الأدب المفرد والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( لست من ددٍ ولا الدُد مني...))
[البخاري في الأدب المفرد والبيهقي عن أنس بن مالك]
دد أي لست محباً للضحك والمزاح واللهو والعبث، طبعاً النبي كان يمزح، وكان طليق الوجه، وكان منبسط الأسارير، و لكن لا يعني هذا أنه كان مغرماً بالضحك، لا يعني هذا أنه كان يسرف لإضحاك أصحابه، لا فهو جادٌ ويحمل هموم أمته، ويحمل رسالة كبيرة، إلا أنه ُيدخل على قلوب أصحابه السرور بهذا المزاح اللطيف.
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لست من الباطل ولا الباطل مني))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
هو يحمل رسالة، ويسعى نحو هدفٍ جليل عظيم، لكن لا بأس من أن يكون لطيفاً يمزح مع أصحابه، يدخل على قلوبهم السرور. تحبب النبي للأطفال :
وفي الصحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
((إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ))
[ متفق عليه عن أنس ]
طفل صغير أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام كُنية، يا أبا عمير، كان معه عصفور صغير اسمه النغير، قال: ((... يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ))
[ متفق عليه عن أنس ]
تصور إنساناً يتربَّع على قمة المجتمع، نبوة على ملك، على عظمة، على علم، على وقار، على هيبة، مع الوحي والإعجاز، ومع ذلك يتحبب لطفلٍ صغير، سماه أبا عمير، يقول له: ((... يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ))
[ متفق عليه عن أنس ]
قل لي، واستنبط بعض العلماء من هذا الحديث أحكاماً كثيرة. تهادوا تحابوا :
وروى الترمذي أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، كان يُهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام هديةً من البادية - يسكن بالبادية فيأتي بشيء من الحليب، أو شيء من السمن، أو شيء من الصوف - كان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم هديةً من البادية. والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تَهَادَوْا))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
والتهادي تبادل الهدايا، وكان عليه الصلاة والسلام يجهزه إذا أراد أن يخرج إلى البادية.
أنت جئتنا بهذا السمن، خذ هذا قماش مثلاً، إذا كان الإنسان له صديق من أهل الريف الكرام، وجاءه بهديةٍ مما ينتج الريف، وأنت تسكن في المدينة، قد يشتهي أولاده الحلوى، قدِّم له علبة حلوى مما تشتهر به المُدن، هو يألف هذا الحليب واللبن والسمن، وهذه الحلوى لا يألفها ليست عندهم، إذا قدَّم لك هديةً من البادية، قدم له هدية من الحاضرة، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه))
[الجامع الصغير عن أنس ]
هو يجهزنا بمنتجات من البادية، ونحن نجهزه بمنتجات من المدينة. الرجل لا يقيّم بشكله بل بجوهره :
كان عليه الصلاة والسلام يحبه، وكان زاهرٌ رجلاً دميماً، وكان عليه الصلاة والسلام دائماً ينظر إلى الحقائق، إلى الجوهر، الرجل لا يقيّم بشكله، فكان يحبه، ويداعبه، ويمازحه، ويهديه، وكان يقول:
((إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه))
[الجامع الصغير عن أنس ]
وكان دميماً، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام يوماً وهو يبيع متاعه في السوق. ((أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّةَ مِنْ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ - إلى هذه الدرجة المداعبة، كان اللهم صلِّ عليه طبيعياً، احتضنه من خلفه وهو لا يبصره - فَقَالَ الرَّجُلُ أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا - لا أحد يشتريني - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
وفي قول آخر: ((لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
أنت غالٍ كثيراً عند الله، المؤمن يشعر أن الله يحبه، قد يكون بالمستوى الاجتماعي ضارب آلة كاتبة، وقد يكون حاجباً، وقد تكون قلامة ظفره تساوي عن الله مليون إنسان من علية القوم، هو حاجب و لكنه يخاف الله، ويطيع الله، ويشكر الله، ويقدِّم من ذات نفسه لله، ويشتاق إلى الله عزَّ وجل، حاجب قد تعدل قلامة ظفره مليون إنسان من علية القوم التائهين الشاردين، هكذا ورد، ابتغوا الرفعة عند الله، قال له: ((... مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا - لا أحد يشتريني - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ))
[أحمد عَنْ أَنَسٍ]
هذه العلاقة العفوية الطبيعية أساسها الحب، أساسها المداعبة، أساسها تبادل الهدايا. مزاحه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه :
وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ:
((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ ـ في خيمة صغيرةٍ - فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ ادْخُلْ فَقُلْتُ أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ رآها خيمة صغير جداً لعله يداعب النبي - قَالَ كُلُّكَ فَدَخَلْتُ))
[سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ]
هنا نقف عند نقطة جديدة: كان عليه الصلاة و السلام يمزح مع أصحابه لكن هناك أشخاصاً لا يسمحون لأحدٍ أن يمزح معهم، لو تجرأ أحد ومزح معهم لأقاموا عليه النكير وعنَّفوه، هذا الصحابي الجليل مزح مع النبي، قال: ((أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ كُلُّكَ فَدَخَلْتُ))
[البخاري عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ]
مزاح لطيف، مهذب، أديب، ومن جملة ما ورد في مزاحه صلى الله عليه وسلم، ما ورد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي -أي يطلب أن يحمله على دابة - قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ قَالَ وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
النبي عليه الصلاة والسلام بدأ يمزح مع هذا الصحابي الجليل.
وجاءت امرأةٌ فقالت: "يا رسول الله احملني على بعير؟ فقال: احملها على ابن بعير. قالت: وماذا أصنع به؟ وما يحملني يا رسول؟ قال: وهل يجيء البعير إلا ببعير؟"
أيضاً أُثر أنه كان يمزح مع أصحابه ولا يمزح إلا حقاً، أما هذه المرأة العجوز التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة؟ قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز. فولت وذهبت وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا ﴾
[ سورة الواقعة : 35-37 ]
القصد أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤنس أصحابه، يطيب نفوسهم، يدخل على قلوبهم السرور والمِزاح هذه وظيفته في الحياة، تأليف القلوب، تلطيف الجو، تطييب القلوب، إدخال الفرح على قلب جليسك الذي تحادثه و يحادثك. مزاح أصحاب النبي مع بعضهم :
وقد ورد في الأثر أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتمازحون فيما بينهم، فإذا جاءت الحقائق كانوا هم الرجال، أحياناً تجد في حياة الإنسان فصولاً متباينة، بينما تراه متواضعاً، ليِّن الجانب، رقيق الحاشية، يألف ويؤلف، فجأةً تجده كالأسد الهَصور؛ تجده شديداً، ومقداماً، وشجاعاً. قد تقول: والله شيء غريب، من هذا اللطف الشديد وهذه الوداعة التي لا حدود لها إلى هذه الشدة والقوة؟ هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا يتمازحون، فإذا كانت الحقائق؛ هناك غزوة، هناك أمر جلل، كانوا هم الرجال.
التوفيق بين مزاح النبي وبين نهيه عن المِزاح :
لكن هذا الكلام يدعونا إلى التساؤل: كيف يقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد عن الترمذي في كتب الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلَا تُمَازِحْهُ وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدَةً فَتُخْلِفَهُ))
[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
كيف نوفق بين مزاحه صلى الله عليه وسلم وبين هذا النهي الصريح الواضح عن المِزاح؟ العلماء قالوا: هذا النهي محمولٌ على الإفراط في المزاح، فمن جعل المزاح شغله الشاغل فقد أسرف وتجاوز الحد، والنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن الإفراط في المزاح، ويبيِّن أن كثرة المزاح تُقَسِّي القلب، بل إن كثرة المزاح تورث العداوة، والأذى، والحقد، وجراءة الصغير على الكبير.
فالمعلم، والمدرس، وصاحب المنصب القيادي إذا مزح مزحاً لطيفاً وقليلاً يؤلف القلوب، أما إذا كثر مزاحه قلّت هيبته، وتجرأ عليه من هم دونه، مَنْ مزح استخف به، كثرة المزاح تُذهب الهيبة، كثرة المزاح تقسِّي القلب، تورث العداوة والبغضاء والحقد، وجرأة الصغير على الكبير.
وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه: " من كثر مزاحه قلَّت هيبته، ومن مزح استخفَّ به"، والتفسير: من أكثر من المزاح، أو من مزح مزاحاً فيه أذىً، أو فيه تحقير لشخصٍ ما، أو لفئةٍ ما، ذهبت هيبته، و لربما لحقه الأذى، فهناك مزاح يسبب أذى و يلحق بصاحبه الضرر. النهي عن المزاح المؤذي :
روى أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
كإخفاء حاجة ثمينة، نقل خبر كاذب مفجع، هذا ليس مزاحاً، هذا مزاح فيه أذى، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن هذا المزاح، فأي مزاح يسبب صدمة للشخص هذا مزاح محرَّم. ((لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
وروى أبو داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: ((حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا))
[أبو داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى]
ويوم الخندق كان زيد بن ثابت ينقل التراب مع المسلمين، فنعس - أراد أن ينام أو غلبه النوم - فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا المزاح يؤذي، إنه مزاح يخيف، و مزاح يحرج.
وروي عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن رجلاً أخذ نعل رجلٍ فغيَّبها وهو يمزح، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلمٌ عظيم))
[الطبراني عن عامر بن ربيعة]
أحياناً يذهب شباب إلى المسبح أو إلى البحر، و يكون بينهم واحد من الذين يخافون السباحة، يدفعونه إلى لجة الماء دفعاً، فيصيح ويبكي، هذا ليس مزاحاً، كل مزاح يسبب صدمة هذا مزاح منهي عنه: ((لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلمٌ عظيم))
[الطبراني عن عامر بن ربيعة]
الملخص أن المزاح مندوبٌ إليه بين الأخوة والأصدقاء بما لا أذىً فيه، ولا ضرر، ولا قذف، ولا غيبة، ولا شَيْن في عرضٍ أو دين، ولا استخفافٍ بأحدٍ منهم. امزح مع أصدقائك وإخوانك وأهلك، من دون أذى، ولا ضرر، ولا قذف، ولا غيبة، ولا شَيْن لا في عرضٍ ولا في دين، ولا استخفافٍ بأحد، فإذا خلا المزاح من هذه الشروط أو من هذه النواقص كان مزاحاً مباحاً بل مندوباً إليه. مزاح الرجل مع أهله مطلوبٌ ومحبوب :
قال: أما مزاح الرجل مع أهله وملاطفته بأنواع الملاطفة فمطلوبٌ ومحبوب وهو من أخلاق النبيين، "قالت السيدة عائشة له: أتحبني؟ قال: نعم كعقدة الحبل عقدة لا تفك، فكانت هذه الزوجة الطاهرة السيدة عائشة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام من حينٍ إلى آخر تقول: " كيف العقدة؟ يقول: على حالها".
فالزوج عندما يمزح مع زوجته مزاحاً لطيفاً فهذا مما يؤلف القلوب، أحياناً تبذل من الجُهد فوق ما تطيق إرضاءً لزوجها، لأنه يطيِّب قلبها ويثني عليها ويشعرها أنها شريكته في الحياة.
مزاح الرجل مع أهله وأولاده، وملاطفتهم بأنواع الملاطفة مطلوبٌ ومحبوب، وهو من أخلاق النبيين.
أنا حقاً أرجو اللهَ من خلال هذه الدروس أن يكون بيت كلٍ منكم جنة، السرور بالبيت ليس له علاقة بمساحة البيت، ولا بفخامة الأثاث، وليس له علاقة بنوع الطعام، لكن له علاقة بارتفاع مستوى الإيمان، ممكن أن يكون كل بيتٍ من بيوت المسلمين قطعةً من الجنة، لأنه ليس فيها أجهزة لهو، فالبيت ملائكي، يُتلى فيه القرآن، تقام فيه الصلوات، يتحَدَّث فيه بكتاب الله وبسنة رسوله، ومع ذلك فالزوج يمزح مع أهله ويطيب قلبهم ويؤنسهم، وأولاده كذلك.
يقول سيدنا عمر وهذا قولٌ قد يبدو غريباً: " ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي - الصبي يحب المرح دائماً - فإذا التمس ما عنده وجد رجلاً".
بالحق هو رجل، إذا انتهكت حرمات الله شيء مخيف، يغضب، لكن إذا لم تكن معصية، و لا مخالفة قال: "ينبغي أن يكون الرجل في بيته مثل الصبي، فإذا التمس ما عنده -من حزم، من إرادة، من ورع، من تصميم- قال: وجد رجلاً".
لذلك قرأت كلمة أعجبتني هي: المؤمن الحق طفلٌ كبير. كيف؟ لأن الطفل عنده صفاء، و لديه براءة و طيب، لا يحقد، لاحظ أحياناً الأب يعاقب ابنه، بعد دقيقة يبتسم له الابن لأنه لا حقد عنده، الآن ضربه، بعد دقيقة واحدة تجده أقبل على أبيه ورمى نفسه في أحضانه، فهذا يعني أنه لا يعرف الحقد، بل عنده صفاء نفسي، و عنده ذاتية، و عنده عفو، لذلك قالوا: المؤمن طفلٌ كبير. طفل من حيث الصفاء، طفل من حيث العفوية، طفل من حيث العفو، طفل من حيث الذاتيَّة، يعبر عن ذاته، لا يقلد الطفل أحداً، لكنه رجل من حيث المروءة، من حيث الشهامة، من حيث العقل، من حيث الورع، من حيث الدين، هذا كلام سيدنا عمر و هو عميق جداً، و ينبغي أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا التمس ما عنده من حزمٍ وعزمٍ وتصميمٍ وقرارٍ حازم وجد رجلاً.
* * *
تبسم النبي في وجه أصحابه حينما يلقاهم :
بقي موضوعٍ قصيرٌ جداً، كان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يتبسم في وجوه أصحابه حينما يلقاهم، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ))
[متفق عليه عن جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
ما معنى ما حجبني؟ أي ما اضطرني أن أسأل حاجباً كي أدخل عليه، مفتوح بابه. ((مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ))
[متفق عليه عن جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وروى الإمام أحمد عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: ((كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا تَبَسَّمَ فَقُلْتُ لَا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّكَ أَيْ أَحْمَقُ – تضحك دائماً - فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَوْ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا تَبَسَّمَ))
[أحمد عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ]
فكان أبو الدرداء إذا حدث حديثاً تبسم اتَّباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عود نفسك الابتسامة والمؤانسة، وأقرب الناس إليك أهلك، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. النبي قدوة و مثل لنا :
مرة ثانية: أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس عن شمائل النبي، ولاسيما عن مزاحه مع أهله وإخوانه، وعن مؤانسته وملاطفته وتواضعه وعفويته، أن يكون هذا الدرس مترجَماً سلوكاً في بيوتكم، و أن ينطلق أحدكم إلى بيته و يدخل على قلب أهله السرور.
ومرة ثانية وثالثة، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم، يقول لك أحدهم: البراد مليءْ. دعه خواء وابتسم، فأحياناً الإنسان يأنس باللطف والمودة أضعاف ما يأنس بالطعام والشراب واللباس، إذاً أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مطبقاً في حياتكم، وأن تغدو بيوتكم قطعاً من الجنة، لأنه ورد في الأثر: " جنة المؤمن داره".
المؤمن بيتيٌّ، أما غير المؤمن فسوقي، أين هو؟ بالمقهى، أين هو؟ بالنادي، أين هو؟ يسهر بالفندق. أما المؤمن فجنته داره، فإذا جعل الإنسان من داره واحة يستريح بها من عناء العمل، ومن تعب النهار، استأنف اليوم التالي العمل بنشاط، وهكذا كانت أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الأخوة المعلومات بصراحة ليس لها قيمة إطلاقاً، المعلومات ليس لها قيمة إطلاقاً كمعلومات، أما المعلومات فقيمتها بالسلوك والتطبيق، لو قرأت هذا الكتاب ألف مرة، وحفظته كلمةً كلمة، وأتقنت أحاديثه، وتخريجها، وتفاصحت على الناس به، ولم تكن بساماً ضحاكاً إذا دخلت بيتك، فلن تنتفع به إطلاقاً، الابن يحتاج إلى تأليف قلبِهِ، يحتاج إلى أب مازح، أب ودود، لكن كل شيء بقدر، و أقول لكم في نهاية هذا الدرس: " المزاح كالمِلح في الطعام، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده " النبي نهى عن المزاح، نهى عن مزاح يؤذي، نهى عن كثرة المزاح، نهى عن الإفراط في المزاح، نهى عن مزاحٍ يخجل، يحرج، يصدم، فالمزاح كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضده.
وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى نتابع موضوع شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، فهو القدوة التي أمُرنا أن نقتدي به، وهو المثل الذي أمرنا أن نسير في أثره، وهو القدوة والمثل والأسوة لقول الله عزَّ وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[ سورة الأحزاب: 21]




والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : صفاتة : ملاطفته للصبيان ومؤانسته لهم




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .من إحسانه عليه السلام محبته للصغار :
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس العاشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى عنوان ملاطفته صلى الله عليه وسلَّم للصبيان ، وملاعبته لهم , فليس عجباً أن تكون هناك علاقةٌ بين عظمة الإنسان , وبين لطفه وإيناسه للضعفاء والصغار .
فقد روى الإمام أحمد بإسنادٍ حسن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ :
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُفُّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيرًا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ـ أي يصف الصبيان على نَسق ـ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ ))
[ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]
على عظمة النبي ، وعلى علو مكانته كان ينفق وقتاً في ملاعبة الصبيان ، يصفُّهم على نسق ويقول لهم : (( مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ ))
من علو شأن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان مؤنساً للصغار . يصفُّ عبد الله ، وعُبيد الله ، وكثيّر بني العباس ثم يقول : (( مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ ))
vوفي زوائد ابن حبان عن أنسٍ رضي الله عنه قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يزور الأنصار ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ]
هناك من يتوهَّم أنك إذا زرت عامة الناس قلَّت قيمتك ، الأمر عكس ذلك ، إذا زرت علية القوم كان هذا من الدنيا ، لقول الله عزَّ وجل : ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 28 ]
إذا زار الإنسان الأقوياء والأغنياء ، وأكل من الطعام ما لذَّ وطاب ، واستمع إلى أحاديثهم ، وشعر أنه قريبٌ منهم هذا من الدنيا ، لكنك إذا زرت الضعاف الفقراء ، وملأت قلوبهم فرحاً هذا من العمل الصالح .
فعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ : (( لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ فَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَإِنِّي مُطَيَّبٌ بِالْخَلُوقِ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى رَأْسِي وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أُمِّي خَلَّقَتْنِي بِالْخَلُوقِ فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]
وروى البخاري في الأدب المفرد والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( رأيت بعينيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أخذ بيديه جميعاً ، بكفي الحسن أو الحسين ـ أمسكه من كفيه ـ وقدميه على قدم رسول الله ـ جعل قدمي الحسن أو الحسين على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ارق ـ أي اصعد ـ قال : فرقي الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ، ثم قبَّله النبي عليه الصلاة والسلام وقال: اللهمَّ أحبّه فإني أحبه ))
يمسك النبي بكلتا يديه الحسن أو الحسين ، ويضع قدمي الحسن أو الحسين على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وينهضه ويقول : ارقَ ، فيرقى إلى أن يضع قدميه على صدره صلى الله عليه وسلَّم ، فيقبله النبي عليه الصلاة والسلام ويقول : (( اللهمَّ أحبَّه فإني أحبه ))
إخواننا الكرام ؛ أقول لكم هذه الحقيقة : الأب المسلم ، المؤمن ، الصادق إذا دخل إلى البيت يكون عند أولاده عيد ، العيد بدخوله لا بخروجه ، الأب الظالم ، القاسي ، البخيل العيد عند خروجه ، إذا خرج من البيت تنفَّس أولاده الصُعَدَاء ، إذا سافر كانوا أسعد الناس ، أما المؤمن فوجوده في البيت مُسعد .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3174/01.jpg
فكرة أخرى نحتاجها : الأب المؤمن لا ينتظر أولاده وفاته ، لكن الأب البخيل القاسي ينتظر أولاده وفاته بفارغ الصبر ، بل إنه من المُفارقات أنه إذا أصابه مرض وجيِء بالطبيب ، وسُئل الطبيب عن صحة أبيهم ، فإذا قال الطبيب : حالته جيدة ، ليس ثمة خطر ، تجدهم يتألَّمون ، هم لا يريدون هذا ، فأنت كأب بيدك أن تجعل وجودك مٌسعداً في البيت ؛ بلطفك ، وإيناسك ، وحلمك ، وصبرك ، ورقَّة كلامك ، وإنفاقك ، واللهُ الرزَّاق ، ما من إنسان ينفق نفقة على أهل بيته ، وعلى أولاده بنيّة التقرُّب إلى الله ، و بنية تأليف القلوب ، و بنية تمتين العلاقات إلا ويعوضها الله عليه .
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا قَدِم من سفرٍ تلقي بالصبيان من أهل بيته ، وإنه قدم مرَّةً من سفره فسبق بي إليه ، فحملني بين يديه ، ثم جيْءَ بأحد ابني فاطمة رضي الله عنها إما الحسن وإما الحسين فأردفه خلفه ، فدخلنا المدينة ثلاثةً على دابَّة ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ]
النبي إذا كان في أهله فهو واحدٌ منهم ؛ تواضع ، إيناس ، لطف ، قُرب ، مداعبة ، مباسطة ، هكذا كان النبي .
أيها الإخوة ؛ وما الغاية من تقرير هذه الحقائق ، وإيراد هذه النصوص إلا أن تترجم في حياتكم البيتية ، كل واحد منكم بإمكانه أن يجعل بيته قطعةً من الجنَّة إذا قلَّد النبي فقط تقليداً ، فقلِّدْ النبي يكن بيتك قطعةً من الجنة ، ادخل سلِّم ، ابتسم ، صافح ، قبِّل أولادك واحداً وَاحداً ، احملهم إذا كانوا صغاراً ، اسألهم عن أحوالهم ، أطعمهم بيدك ، فالإنسان عبد الإحسان .
و قبل أن ننتقل إلى الموضوع الآخر تذكَّرت أن النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا قُدِّمت له فاكهةٌ لأول مرَّة ـ في موسمها ـ كان يقبِّلها شكراً لله عزَّ وجل ، وكان يعطيها لأصغر طفلٍ في المجلس ، لأن الطفل يحب الفاكهة , ولا يعرف أنها غالية الثمن ، يريد أن يأكل هذه الفاكهة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت إذا قدمت له فاكهةٌ لأول مرَّة في موسمها قبَّلها وقدَّمها لأصغر صبي . إعدل بين أطفالك :
ويا أيها الإخوة الكرام ؛ أحياناً يكون بين أولادك طفل أجمل من إخوته ، وقد يكون أذكى ، وقد يكون أشد حكمة من إخوته ، هل تظن أن بطولتك أن تأخذ هذا الطفل الجميل ، أو هذا الطفل الذكي فتحمله وتقبِّله ؟ لا والله ، البطولة أن تعامل الجميع كما تعامل هذا ، هذه تحتاج إلى إرادة ، فأحياناً الأب ينسى ، و يهتم بواحد أو باثنين ، فتكون محبته ، وملاطفته ، وإكرامه ، وعطاؤه لواحد أو لاثنين ، لأنه قد يكون أذكى ، أو قد يكون أقرب لقلب أبيه ، أو قد يكون طليق اللسان أكثر من إخوته ، لكن هذا الذي أقل درجة من أخيه يُهمل ، فإذا أُهمل انعقد في قلبه الحقد على أخيه .
فأحياناً بطولتك كمؤمن لا أن تحمل الطفل الجميل الصغير تقبله وتداعبه ، بل عليك أن تعامل الإخوة الآخرين مثله تماماً ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نعدل بين أولادنا حتى في القُبَل ، فكيف بالحاجات ؟ إذا اشتريت حاجات فلتوزعها بالتساوي تماماً ، إذا أكرمتهم فبالتساوي تماماً ، والأكمل إذا كبر أولادك أن تعطيهم بالتساوي ، أحياناً ، أكثر الأسر يسمحون لأكبر ولد أو أكبر فتاة تأخذ كل ما عند أهلها ، أمَّن له أبوه بيتاً , وعملاً , وما زال هناك أربعة أولاد ، هذا عمل ليس فيه عدل ، يجب أن تعطي بالتساوي ، و اعلم أنك لا ترقى عند الله إلا إذا ساويت بين أولادك .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3174/02.jpg
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ]
أروع ما في الإيمان العدل بين أولادك وبين بناتك ، والله كَمْ من فترة اتصلت بي امرأةٌ على الهاتف ، واشتكت لي أن أباها خصَّ كل أخٍ من إخوتها ببيت ، أو دُكَّان ولم يخُصَّها بشيء، فهي متألِّمةٌ من أبيها أشدَّ الألم .
أقول لكم : إذا كان بعض الإخوة الكرام من المسلمين يعدلون بين أولادهم ويهملون بناتهم فهؤلاء وقعوا في الظلم ، وكلكم يعلم أن الإنسان يعبد الله ستين عاماً ثم لا يعدل بين أولاده في الوصيَّة ، أو يحرم ولا يحرم ، ويغيِّر شرع الله عزَّ وجل إلا وجبت له النار ، فأنا أدعوكم و القضية خطيرة ، وهذا توجيه النبي، و منهج الدين ، أدعوكم إلى العدل التام بين الأولاد وبين البنات وفق منهج الله عزَّ وجل ، ما دمت ستحاسب حتى في القُبَل ، فما قولك ببيتٍ خصصته لفلان ، وحرمت منه فلاناً ؟ في القُبل ستحاسب ، و الأبوَّة مسؤوليَّة . كن صبوراً ومعلم لأهل بيتك :
ننتقل إلى كمال لطفه صلى الله عليه وسلَّم ، وشدة اهتمامه لمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء .
روى البخاري عن أنسٍ رضي الله عنه قال :
(( بينما نحن جلوسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلَّم في المسجد دخل رجلٌ على جملٍ ، فأناخه في المسجد ، ثم عقله ثم قال لهم ))
الآن أيها الإخوة ؛ استنبطوا ما شاء لكم أن تستنبطوا ـ (( قال : أيكم محمد ))
النبي سيد الخلق ، حبيب الحق ، الذي يوحى إليه ، سيد ولد آدم مع أصحابه والداخل عليهم لم يعرفه من هو ، معنى هذا ليس له كرسي خاص ، ولا جلسة خاصَّة ، ولا متكأ خاص ـ (( قال : أيُّكم محمد ؟ ))
والنبي صلى الله عليه وسلَّم بين ظهرانيهم ، معهم ـ (( فقلنا لهذا الرجل : هذا الرجل الأبيض , فقال له الرجل : ابن عبد المطلب أنت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : قد أجبتك نعم . فقال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام : إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة ، فلا تجد عليّ في نفسك ـ أي لا تغضب بل تحمل ـ وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحفُّه بلطفه وقال له : سل عما بدا لك ، فقال : أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلِّهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : اللهمَّ نعم ))
وفي رواية مسلم : (( قال الرجل : فمن خلق السماء ؟ قال : الله . قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : الله . قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال : الله . قال فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال وجعل فيها ما جعل آلله أرسلك ؟ قال : اللهمَّ نعم ))
في رواية البخاري : (( قال الرجل : أُنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي ـ أو أن نصلي ، في رواية أخرى ـ الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهمَّ نعم . قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهمَّ نعم . قال : أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ قال : اللهمَّ نعم ))
وفي رواية مسلم وسأله عن الحج أيضاً ، ثم قال الرجل : (( آمنت بما جئت به ، وأنا رسول مَن ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ))
برقَّةٍ ، و حلم ، و سَعَة صدر ، و تلطُّف ، و رحمة ، قال له : (( إني سائلك ومشدِّدٌ عليك ))
قال له : (( سل ما بدا لك ))
فالداعية لا ينبغي أن يضيق ذرعاً بمن يسأله ، وطِّن نفسك على أن تُسأل أي سؤال ، إن كنت عالماً حقاً يجب أن تصبر على السائل .
قال عليه الصلاة والسلام : (( تواضعوا لمن تعلِّمون ))
[ من الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " ]
وقصَّةٌ أخرى تؤكد سَعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم و صبره ، أسماء بنت يزيد رضي الله عنها وصفت بأنها كانت من ذوات العقل والدين ، هذه القصة تؤكد أن المرأة كالرجل تماماً في التكليف وفي التشريف ، هذه المرأة ذات العقل والدين ، روي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : (( إني رسول مَن ورائي من جماعة نساء المسلمين ، كلهن يقُلن بقولي ، وعلى مثل رأيي ـ أي أنها تمثل جماعة المسلمات ـ إن الله بعثك للرجال والنساء ، فآمنا بك واتبعناك ، ونحن معشر النساء مقصوراتٌ مخدرات ـ مقصورات أي محجبات في البيوت ، مخدرات في الخدر ـ نحن محجبات ، قواعد بيوت ، وإن الرجال فضلوا بالجمعات ، وشهود الجنائز والجهاد ، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربَّينا أولادهم ، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ ـ أُعيد : أنت أرسلت إلى الرجال والنساء ، ونحن آمنا بك واتبعناك ، الرجال فضلوا علينا بشهود الجُمع والجماعات والجنائز والجهاد ، إذا خرجوا للجهاد حفظنا أموالهم وربينا أولادهم ، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ ـ فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال : هل سمعتم مقالة امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟ فقالوا : بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : انصرفي يا أسماء ، وأعلمي من ورائكِ من النساء أن حُسن تبعُّل إحداكن لزوجها ، وطلبها لمرضاته ، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرتِ للرجال ))
لا ينطق عن الهوى ، فالإنسان أحياناً يجامل ، فإذا سئل إنسان سؤالاً من قبل امرأة يجاملها ، لعله يقول : أنتِ أفضل من الرجال . أما النبي فهو مشرِّع . فمجاملة ، و مبالغة ، و إرضاء ، و محاباة ، هذه كلها لا تليق بالنبي عليه الصلاة والسلام ، أسمعوا هذا لزوجاتكم : (( انصرفي يا أسماء وأعلمي مَن وراءكٍ من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ـ أي أن تكون زوجةً صالحةً تقوم على شؤون زوجها وأولادها - وطلبها لمرضاته ، واتباعها لموافقته ، يعدل كل ما ذكرت للرجال - فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر ، استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
لا زلنا في الموضوع نفسه ، وقد روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال : (( جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك ، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا ، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فمالنا من ذلك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك ـ لكن الشيء المؤلم أنه قال ـ : وقليلٌ منكن من يفعله ))
[ أخرجه البزار في مسنده ]
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لو تعلم المرأة حق الزوج ما قعدت ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ منه ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]
فالمؤمن يربي ابنته على هذه الأخلاق ، فإذا زوَّجها كانت زوجةً صالحةً .
وروى البزار هكذا مختصراً والطبراني من حديثٍ فقال في آخره :
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : (( ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ فقالت : إني رسول النساء إليك ، وما منهن علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوى مخرجي إليك ، الله رب الرجال والنساء وإلههن ، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء ، كتب الله الجهاد على الرجال فإن أصابوا أجروا ، وإن استشهدوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : طاعة أزواجهن والمعرفة بحقوقهن ، وقليلٌ منكن من يفعله ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]
فاللهَ نسأل أن يلهمنا جميعاً أن نربي بناتنا على هذه الأخلاق ، عندما تشرب البنت من أمها وأبيها وأهلها هذه التوجيهات ، فإذا زوِّجت كانت امرأةً صالحة ، ولا يوجد أي مانع إطلاقاً أن تنقل هذا الدرس لزوجتك ، أو أن تنقل لها شريطه ، لأنه إذا عرفت المرأة أن جهادها في خدمة زوجها وأولادها ، وأن هذا العمل يعدل الجهاد في سبيل الله ، انطلقت إلى خدمة زوجها وأولادها من منطلقٍ كبير ، هي لا تُرضي زوجها فقط ، بل ترضي ربها من خلال خدمة زوجها . أحسن لمن أحسن لك :
وننتقل إلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم .
روى البيهقي في الدلائل وابن إسحاق عن أبي قتادة أنه قال :
(( وفَد وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه ، فقال له أصحابه : يا رسول الله نكفيك ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم ))
فأحياناً عندما تقدم خدمات بنفسك لإنسان له فضلٌ عليك ، فهذا الشيء رائع جداً ، زرت إنساناً في بلد وبالغ في إكرامك ، فلما جاء ينبغي أن يراك في المطار ، ينبغي أن تأخذه إلى بيتك ، ينبغي أن تحمل أمتعته بنفسك ، هذا من كرم الضيافة ، ومن حسن الاستقبال ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخدم وفد النجاشي بنفسه ، فلما قال أصحابه : يا رسول الله نحن نكفيك ـ أي نكفيك القيام بضيافتهم ـ قال عليه الصلاة والسلام إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم .
ومن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، من شمائله العظيمة مقابلته للإحسان بأجمل الإحسان .
إخواننا الكرام ؛ وطِّن نفسك على أن إنساناً ما إذا قدم لك خدمةً ينبغي أن تراه ديناً عليك إلى الأبد وألا تنسى فضله ما حييت ، ووطن نفسك أيضاً على أنك إذا أسديت إلى إنسانٍ معروفاً يجب أن تنساه ، تحتاج إلى ذاكرتين ، ذاكرةً نسَّاءة ، وذاكرة ذاكرة ، فأعمالك الطيبة يجب أن تنساها ، لكنها عند الله محفوظة و لا تخف ، محفوظة وسوف يضاعفها لك أضعافاً كثيرة ، أما إذا أُسدي إليك معروفٌ ينبغي ألا تنساه أبداً .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3174/04.jpg
ورد عن عمر بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال : (( استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أي طلب ماءً ليشرب منه ـ فأتيته بقدحٍ فيه ماء كانت فيه شعرةٌ فأخذتها ـ أي أزلتها من القدح ، ما هذا المعروف ؟ قدم له كأس ماء فوجد فيه شعرة ، أزاحها من القدح ـ فقال عليه الصلاة والسلام مقابلاً لصنعه الجميل : اللهم جَمِّله ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]
قال الرواي : فرأيت عُمَراً وهو ابن تسعين سنة وليس في لحيته شعرةٌ بيضاء ، سحب شعرةً من كأس ماءٍ قدَّمها للنبي ، فقال : (( اللهم جَمِّله ))
أحياناً تقدم خدمات تلو الخدمات ، تقدم معونات تلو المعونات ، ثم يُجحد هذا كله ، ويُنسى ، وكما قال الشاعر : أعلمه الرماية كل يومٍ فلما اشتد ساعده رماني
وقد علمته نظم القواف ي فلما قال قافيةً هجانـي
أعلِّمه الفتوة كل حيـن فلما طرَّ شاربه جفاني
* * *
هذا من اللؤم ، و المؤمن لا ينسى الجميل الذي يسدى إليه ، لا ينساه طوال العمر .
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة ، فسقطت على لحيته ريشة ، فابتدر أبو أيوب فأخذها ، فقال عليه الصلاة والسلام : نزع الله عنك ما تكره ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]
لم ينس إنساناً التقط ريشة ، و الحقيقة أنا أذكر لكم أعمالاً بسيطة جداً، ومثالُها : واحد نزع ريشة عن لحية النبي ، فأحياناً تجد خيطاً فانزعه من على صديقك أو أخيك المؤمن ، وهو يجب أن يقول لك : شكراً جزاك الله خيراً ، وأحياناً يكون على الكتف شيء من الغبار فيميطه ، فقل له : تفضَّلت جزاك الله خيراً . فما قولك فيما فوق ذلك ؟
الموضوع ريشة وشعرة فما قولك فيما فوق ذلك ؟ اعتنيت بإنسان ، وأمضيت معه الساعات الطويلة ، استقبلته في بيتك أياماً عديدة ، قدمت له مساعدة ، خدمته ، و زوجته ، أكرمته ، اعتنيت به ، هذا المعروف أينسى ؟
" البر لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، والديان لا يموت ، اعمل ما شئت كما تدين تدان " .
روى مسلمٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : (( كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ ـ أي ماء وضوئه ـ فَقَالَ لِي سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))
أي اطلب ما تحتاجه في مقابلة خدمتك لي ، ماذا رأى النبي خدمة هذا الصحابي له ؟ رآها ضريبةً عليه أن يؤديها ، أو ديناً عليه أن يفيه ؟ فإذا كان إنسان واحد بالأرض يُخدم بلا مقابل ، فهو النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك رأى خدمته ديناً يجب أن يؤدى ، وكلٌّ منا إنسان عادي ، فإذا إنسان خدمك ، عاونك ، يسَّر لك عملك ، بذل وقتاً من أجلك ، شد رجليه معك ، قدم لك هدية ، قدم لك حاجة ، اعتنى بابنك ، يسَّر لك أمرك ، ألا ينبغي أن تكافئه على صنيعه هذا ؟ (( سَلْ ))
أي اطلب ما تحتاجه في مقابلة خدمتك لي ـ فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو غير ذلك ـ أحياناً تخدم إنساناً خدمة يسلفك مبلغاً من المال كبيراً ، يقول لك الشخص : ادع لي ، أي الله يوفقك ، مجرد كلمة ، مقابل أن سلفك مالاً فلا تقتصر على الدعاء له فقط ، بل قدم له خدمة أيضاً ، أول كلمة : الله يجزيك الخير ، الله يوفقك ، روح الله يوفقك ، هل هذا هو الشيء المناسب ؟ لا ترضى أن تدعو له فقط ، و لكن ما دام قد قدم لك شيئاً ثميناً ، فيجب عليك أن تقدم له شيئاً ثميناً . هل عندكم دليل على ذلك في السنة ؟
عن الحكم بن عمير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فإن لم تجدوا فادعوا له ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]
هذا إذا لم تقدر .
أما إذا قدرت : (( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه ))
فإن لم تجدوا فادعوا له ، أشخاص كثيرون يقول أحدهم لك : لا أريد شيئاً ادعُ لي فقط . هذا كلام طيِّب لكن لا تقبل أن تكتفي بالدعاء له ، فقال النبي : أو غير ذلك , أي اسأل عن غير ذلك . فقال ربيعة هو ذاك يا رسول الله ، لا أسألك غيره ، عندئذٍ قال عليه الصلاة والسلام فأعني على نفسك بكثرة السجود .
أذكر لكم مثلاً يقرِّب هذا المعنى ، ملك له ابن , قال ابنه : أريد سيارة ، فأعطاها له ، أريد يختًا ، هذا يخت ، طائرة خاصة ، هذه طائرة ، أريد قصراً ، هذا قصر . ملك عنده ويعطي ، أما إذا طلب منه : ضعني رئيس جامعة ، فهذه لا ، فهذه بحسب اجتهادك ، هذا الطلب يحتاج جهداً منك ، ائتني بدكتوراه لأجعلك رئيس هذه الجامعة ، أيُّ طلب مادي يقدمه له أبوه ، لكن ربيعة طلب مرافقته في الجنة ، فماذا قال له النبي : أهِّل نفسك ، أعني على ذلك بكثرة السجود لله عزَّ وجل " ، فالإنسان لا يرقى عند الله إلا بجهدٍ حقيقي .
في رواية أخرى عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : (( كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَأَجْلِسَ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَقُولُ لَعَلَّهَا أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةٌ - من شدة محبته ، من شدة تعلُّقه بالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد النبي أن يصرفه يبقى على عتبة باب بيت النبي ، يتسمع ماذا يقول النبي في الليل ، من صلوات ، وتهجُّد ، ودعاء - فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي - والنبي يتهجد ويدعو ، ويسبح ـ ويستغفر ـ فَأَرْقُدَ قَالَ فَقَالَ لِي يَوْمًا لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي لَهُ وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ قَالَ فَقُلْتُ أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ قَالَ فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ زَائِلَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي وَيَأْتِينِي قَالَ فَقُلْتُ أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآخِرَتِي فَإِنَّهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ قَالَ فَجِئْتُ فَقَالَ مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ فَيُعْتِقَنِي مِنْ النَّارِ قَالَ فَقَالَ مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ قَالَ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكِ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ سَلْنِي أُعْطِكَ وَكُنْتَ مِنْ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ نَظَرْتُ فِي أَمْرِي وَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي فَقُلْتُ أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآخِرَتِي قَالَ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لِي إِنِّي فَاعِلٌ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))
[ أحمد ]
المقامات العُليا عند الله لا تنال بالوسائط ؛ بل تنال بالأعمال ، تنال بالجهود ، تنال بالجهاد ، تنال بالعزائم ، تنال بالإنفاق . من سنة رسول الله أن تسأل عن أخيك :
وننتقل إلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة في حديثه يصف النبي صلى الله عليه وسلم وفيه :
(( كان عليه الصلاة والسلام يتفقَّد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
معنى يسأل الناس عما في الناس : أي يسألهم عن أحوالهم كلها ، عن أحوالهم المعيشية ، عن الأمطار في بلدهم ، عن المواسم الزراعية ، فإذا أنت التقيت بأخيك ، اسأله عن أولاده ، فمن الأدب ، من المحبة أن تسأل عن أولاده ، وعن أهله ، وعن عمله ، وعن تجارته ، وعن صحته، وعن أحواله كلها .
و هذه ملاحظة أحب أن أذكرها لكم ، قبل أسبوعين أو أكثر أخٌ كريم يسكن في طرف المدينة ، غاب عن الدروس شهرين تقريباً ، لما رأيته سألته عن أحواله ؟ فقال لي : والله كنت مريضاً . فقلت له : والله ما كان عندي علم ، ولو علمت لأتيتك زائراً عائداً ، فقال لي : والله يا أستاذ ما زارني أحد ، أنا تألَّمت أشد الألم ، وأنا أقول لكم دائماً أتمنى على الله أن يؤاخي كل منكم واحداً ، ألا تستطيع أن تختار من بين إخوانك في المسجد واحداً ، تتفقده ويتفقدك ، تسأل عنه ويسأل عنك ، تتفقد أحواله المعيشية ، ويتفقد أحوالك كذلك ، تسأل عن غيابه ، ويسأل عن غيابك ، تسأله عن أحواله النفسية مع الله ، و هو يفعل كذلك أيضاً .
ألا تستطيع أن تؤاخي واحداً والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نتآخى اثنين اثنين ؟ ألا تريد أن تكون وفق سنة النبي ؟ ألا تريد أن تكون أخاً مؤمناً ؟ فما أجملها أن يأتيني أخو هذا الأخ الكريم ، أخوه في الله ، ويقول لي : فلان مريض ، أنا والله لا أقصر ، إذا ذهبت إليه زائراً ، وقدمت له هديةً متواضعة ، فماذا تفعل هذه الهدية وتلك الزيارة في نفسه أمام زوجته و أمام أولاده ؟ إنها شيء ثمين جداً .
أخوك مرض ، أخوك سافر ، له مشكلة ، عليه قضية ، يعاني من أزمة مالية ، تفقده فقط ، اسأل عنه ، بصراحة صعب على الإنسان أن يحفظ ثلاثة آلاف شخص أو أربعة آلاف ، شيء فوق طاقة البشر ، لماذا فلان لم يأت اليوم ؟ لكنّ واحداً لواحد أمر سهل ، فمن الصعب علي أن أحفظ ثلاثة آلاف ، وأسأل عن فلان أتى لم يأت اليوم وأتفقده ، هذا شيء فوق طاقتي ، لكن هناك أشخاص لشدة اهتمامهم بالدرس ، وتواجدهم الشديد فلو غاب أحدهم عن درس أو درسين أشعر بغيابه ، لكن بقية الإخوة الكرام ، ينبغي أن يتآخوا اثنين اثنين ، وأنا أطلب منكم ذلك .
سألت رجلا : من أخوك في الله ؟ والله لو قال لي : لم أؤاخ أحداً فهذا سآلم منه ، لأنها سنة ، هذا الذي قال لي : والله يا أستاذ شهرين ما طرق بابي أحد ، وأنا مريض ، وهذا له زملاء ، و له جيران من إخوان المسجد لم يبلغوني ، ولم يعرفوا بمرضه ، ولم يزوروه فهذا يحزّ في نفسي.
طلب رسمي : أطلب إليكم على كل واحد منكم أن يختار أخاً يؤاخيه يتفقده ، و يزوره ، يسأل عنه ، عن صحته ، عن أولاده ، عن دوامه ، عن أهله ، فأحياناً يعاني الإنسان من مشكلة كبيرة جداً ، وهذه تحل بمبلغ بسيط لا يملكه ، فماذا يفعل ؟ فهل يلجأ إلى الغرباء أم إلى المقربين؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3174/05.jpg
لذلك روى أبو يعلى بإسنادٍ فيه ضعفٍ عن أنسٍ رضي الله عنه : (( أن النبي صلى الله عله وسلم كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيامٍ سأل عنه ))
[ أخرجه أبو يعلى ]

أخ زارني ذات مرة في فترة العيد ، فلم يجدني ، وضع بطاقة ، أنا أعرفه بالشكل و لا أعرف اسمه , فلما أعلمني أنه زارني ووضع بطاقة ، ربطت بين الاسم وبين الشكل ، بعد حين افتقدته ، البطاقة عندي في البيت فيها رقم هاتفِهِ ، اتصلت به ، صدقوني أيها الإخوة ؛ قال لي : " والله لن أنسى هذا الاتصال ما حييت ، وبعد هذا الاتصال لن أغيب عن درسٍ واحد ، كان الاتصال كبيراً جداً عندي ، ماذا كلفني ذلك ؟ مجرد اتصال ، الحياة أساسها تعاون ، محبة ، أنت لما تتفقد إخوانك ، فقد أصبحت عنصراً بأسرة ، لم يعد موضوع جماعة ، فأصبحنا جميعاً أسرة ، هذا الذي أريده منكم .
فأتألم عندما واحد منكم يمرض ، ويمضى شهر أو شهران ، ولم يزره أحد ، فهذا خلاف السنة . (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ ))
[ من مسند أحمد : عن " الحكم بن ثوبان " ]
(( يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ))
[ من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " ]
أنا والله لا أقصر ، وبحسب الإمكانات فلا يمرض أخ إلا أبادر إلى زيارته ، وأحاول آخذ أن معي هدية ولو كانت متواضعة ، عوِّد نفسك أن تزور إخوانك ، أن تتفقدهم ، أن تقدِّم لهم الهدايا ، هذا مما يمتِّن العلاقات ، إذا كان الشيخ له دور في إلقاء العلم ، فأنت لك دور في تثبيت هذا الأخ ، دورك من نوع آخر ، دورك دور مثبِّت ، أحياناً للملابس صباغ ، ولها مثبت للصباغ ، فالأخ الكريم دوره مع إخوانه دور مثبت . (( كان عليه الصلاة والسلام إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيامٍ سأل عنه ، فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً زاره ، وإن كان مريضاً عاده ))
[ من الجامع الصغير : عن " أنس " ]
هذه السُنَّة .
مرة سأل النبي عليه الصلاة والسلام , أعتقد في غزوة تبوك , عن بعض أصحابه , فأحدهم غمز أنه شغله بستانه ، فقال صحابيٌ آخر : (( لا والله يا رسول الله لا نعلم عليه إلا خيراً ، لقد تخلَّف عنك أناسٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك ))
فإذا غاب أخ ، فلا نلومه بقولنا : لا يسأل عن الدروس ، لا تقل هذا الكلام ، أحسن الظن بأخيك ، وإذا سألنا عن أخ : فلان لم نره الجمعة , فلا تكن إجابتك :
" عامل سيران يا سيدي ".
هذا سوء ظن ، لعله مريض .
قال : (( واللهِ ما علمنا عنه إلا خيراً ، لقد تخلف عنك أناسٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا أنك تلقى عدواً ، ما تخلفوا عنك ))
من صفاته عليه السلام حفظه للود :
ننتقل إلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حفظه للود واحتفاظه بالعهد .
أخرج البخاري في صحيحه في باب حسن العهد من الإيمان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
(( مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ - ماتت - قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا - أي يثني عليها خيراً - وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ ))
لا يفتأ يذكر خديجة ، وقد ماتت خديجة ، فالآن إذا تزوج أحد امرأة بعد زوجته وذكرها فيقال : الله أراحنا منها ، هكذا يقول بعض الأزواج ، لكن حسن العهد من الإيمان .
وروى الحاكم والبيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( جاءت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : كيف أنت ؟ كيف حالكم ؟ كيف أصبحتم ؟ قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فلما خرجت قلت : يا رسول الله تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ فقال : يا عائشة إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، إكراماً لخديجة ، وأن حسن العهد من الإيمان ))
وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي الطفيل قال : (( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة ، وأنا يومئذ غلامٌ أحمل عضو البعير ، فأتته امرأةٌ فبسط لها رداءه ، قلت : من هذه ؟ قيل : هذه أمه التي أرضعته ))
أي هي حليمة السعدية رضي الله عنها ، مد لها رداءه .
وروى أبو داود عَنْ عُمَرَ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ : (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ - أي زوج حليمة السعدية ، أبوه من الرضاعة - فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ))
فأصبح لا فراغ عنده ، أمه ، وأبوه ، وأخوه ، وكان يُجلّهم رسول الله بعد أن جاءه الوحي و حمل الرسالة .
ومن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزور أصحابه ، كما قلت قبل قليل ، وقد يتوهم المتوهم أن زيارة الكبير لمن هو دونه مما يقلل شأنه , لا بل العكس هو الصحيح ، كان عليه الصلاة والسلام يكثر زيارة الأنصار خاصةً وعامةً ، كان إذا زار خاصةً أتى الرجل في منزله ، وإذا زار عامةً أتى المسجد .
وروى الترمذي والنسائي ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال : (( كان عليه الصلاة والسلام يزور الأنصار ، ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ))
وجاء في الأدب المفرد للبخاري ، في باب من زار قوماً فطعم عندهم ، ثم أسند إلى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار أهل بيتٍ من الأنصار فطعم عندهم طعاماً ، فلما خرج أمر بمكانٍ من البيت ، فنضح له على بساط فصلى عليه ودعا لهم .
فإذا زرت أشخاصاً وأطعموك فادع لهم و قل : اللهم بارك هذا البيت وبارك أهله ، وزد فيه الخير ، وقل أكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة الأخيار ، وذكركم الله فيمن عنده ، شيء جميل جداً ، أن تدعو لأهل البيت بالبركة وبالخير.
وعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : (( زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ , قَالَ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا - بصوت منخفض - فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنْ السَّلَامِ قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ أَوْ قَالَ نَاوَلُوهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ ثُمَّ أَصَابَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ ))
وعند أبي داود عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : (( زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا قَالَ قَيْسٌ فَقُلْتُ أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ذَرْهُ يُكْثِرُ عَلَيْنَا مِنْ السَّلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ سَعْدُ رَدًّا خَفِيًّا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنْ السَّلَامِ قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبْ فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ فَانْصَرَفْتُ))
[ أخرجه أبو داود ]
أحياناً يكون الإنسان قد أتي من السفر ، يستقبله صاحبه ، شيء جميل جداً ثم يدعوه إلى حمام ، و الإنسان إذا اغتسل يتنشط على أثر تعب ، الصحابي الجليل أمر بغسل ليتبرد النبي ، إذا إنسان دعا آخر و استضافه ، يجب أن يدعوه إلى حمام ، إلى استلقاء ، إلى تغيير ثيابه ، هذه مبالغة بالإكرام ، فسيدنا سعد أعد للنبي ماءً ليغتسل فيه ويتبرد . (( فاغتسل النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم ناوله ملحفةً مصبوغةً بزعفران وورس ، فاشتمل بها النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ))
إخواننا الكرام ؛ من أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه ، ولا سيما المسافر ، فالإنسان في حضرِهِ له بيت ، له غرفة نوم ، له مطبخ ، حمام ، يتكئ ، يرتاح ، يغير ثيابه ، يستلقي ، لكن إذا سافر فهو في أمس الحاجة إلى إكرام ، إلى بمبالغة بالإكرام ، هكذا فعل سيدنا سعد بن عبادة . (( ثم أصاب من الطعام ، فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام الانصراف قرَّب إليه سعد حماراً ))
دابة ـ
تجد أحياناً شخصاً يزور شخصاً آخر ، ويملك سيارتين أو ثلاثاً أمام الباب ، والدنيا مطر وبرد يقول له : مع السلامة ، لا يا أخي ، بل أوصِلْه إذا كان ضيفك غاليًا عزيزاً عليك ، أوصِله ، هذه تحسب عند الله ، لك أجر كبير ـ (( قرَّب إليه الدابة ، وضع عليها قطيفةً ، فقال سعد : يا قيس ـ يخاطب ابنه ـ اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قيس : قال لي النبي الكريم : اركب ، فأبيت ، فقال : إما أن تركب وإما أن تنصرف ))
ليس هناك حاجة ، فما كان النبي عليه الصلاة والسلام يستهلك جهد الآخرين بلا سبب ، أو بلا فائدة ، الوقت ثمين ـ (( قال له : اركب معي ، فإن لم تركب فانصرف ، قال : فانصرفت ))
وفي رواية أخرى : (( أرسل سعد ابنه قيساً مع رسول الله ليرد الحمار . فقال عليه الصلاة والسلام : احمله ـ أي ضعه على الدابة ، أي أمامي على الدابة ـ فقال : سعد سبحان الله أتحمله أمامك ؟ فقال : نعم هو أحق بصدر الدابة ، فقال سعد : هو لك يا رسول الله قال : إذاً احمله خلفي ))
قال : فانظر إلى كمال لطفه صلى الله عليه وسلم ، وحسن معاشرته ، ورعايته للحقوق ، وإعطائه كل ذي حقٍ حقه .
و نرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادم .

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : زيارته لضعفاء المسلمين عامة ولأهل الصفة خاصة









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الحادي عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وصلنا إلى زياراته صلى الله عليه وسلَّم لضعفاء المسلمين عامةً، ولأهل الصُفَّةِ خاصَّةً، أُذكِّركم بآيةٍ كريمة، وهي قوله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾
( سورة الكهف: من آية " 28 " )
إلى مَن ؟ إلى الكبراء، الأقوياء، الأغنياء..
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
( سورة الكهف: من آية " 28 " )
معنى ذلك أن الإنسان إذا أحبَّ أن يجلس مع الأقوياء، مع الأغنياء، مع الكبراء هذا من زينة الحياة الدنيا ؛ أما إذا جلس مع الفقراء، مع المساكين، مع الضِعاف، مع البُسطاء، جلس بينهم، أحسن إليهم، استمع إلى شكواهُم، وجَّههم فهذا من العمل الصالح، فالجلوس مع الفقراء، والمساكين، والمتواضعين قربةٌ إلى الله ؛ والجلوس مع الأقوياء، والأغنياء، والكبراء، حظُّ نفسٍ..
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
لذلك فإن الإنسان يرقى عند الله إذا زار أخاه الفقير، إذا زار أخاه المسكين، إذا دُعي إلى طعامٍ في مكانٍ بعيد، والطعام خشنٌ متواضع، هذا من العمل الصالح، هذا من العمل الذي ترقى به عند الله ؛ أما إذا دُعيت إلى وليمةً فاخرة عند أناسٍ أقوياء، أو كبراء هذا من الدنيا، هنا دنيا، وهناك آخرة..
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
لهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((اللهمَّ احشرني مع المساكين))
فكأن المساكين المقصود بهم المفتقرون إلى الله عزَّ وجل، أما الذين ضيَّعوا الآخرة والدنيا معاً فأولئك فقراء اليهود، لا دين ولا دنيا، أقصد بالمسكين: الفقير المؤمن، المؤمن المحب لله عزَّ وجل، فماذا يعنينا من هذا الكلام ؟ أي إذا كان لك أخت، وزوجها فقير، تسكن في حي المخيَّم ـ مثلاً ـ ولك أخت ثانية تسكن في حي المالكي، أنت كل يوم عند الأخت الثانية، ابنها مريض، أو زوجها مسافر فأنت عندها، لمَ كل هذا الاهتمام ؟ والتي في المخيم يتركها شهراً، اثنين، ثلاثة، أربعة، و قد ينساها نهائياً، هذا التصرف من الدنيا.
فالشيء الذي يلفت النظر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور ضعفاء المسلمين، ويلاطفهم، ويؤانسهم، ويجلس معهم، ويعود مرضاهم، ويحضر جنائزهم وفي هذا تكريمٌ لهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِا ))
(متفق عليه)
امرأةٌ فقيرةٌ جداً كانت تقُمُّ المسجد ـ تكنس المسجد ـ ولا أعتقد في الدرجات الاجتماعية عمل أقل شأناً من هذا العمل، امرأةٌ فقيرةٌ جداً تقم المسجد توفيت، أصحاب النبي عليهم رضوان الله رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام أعظم وأجل من أن يُبلَّغ خبر موتها، فلم يبلِّغوه، فلما تفقَّد حالها بعد أيام قالوا: " ماتت "، قال:
((أَفَلَا آذَنْتُمُونِي ؟))
يا رسول الله ما شأنك بها ؟ امرأة فقيرة تقم المسجد وماتت، لماذا نعلمك ؟ " فغضب عليه الصلاة والسلام، وذهب إلى قبرها، واستغفر لها، وقرأ القرآن على قبرها، هكذا علَّمنا النبي.
الأنبياء شيء، والطغاة شيءٌ آخر، الأنبياء شيء، والملوك شيء آخر.
فعندما تزور الفقير، تكرمه، تواسيه، تستمع إليه، تؤنسه، ترفع من قيمته، معنى هذا أنك من أهل الآخرة، وضعت مقاييس الدنيا تحت قدمك، وكرَّمت في الفقير إيمانه، وكرَّمت في الفقير استقامته، و كرَّمت في الفقير محبَّته لله عزَّ وجل، فأن تزوره، وأن تهتم به، وأن تعطف عليه، وأن تحترمه، وأن تثني عليه، وأن تؤانسَهُ هذا تكريمٌ لإيمانه، معنى ذلك أن قيَم الدنيا تحت قدمك، وقيَم الآخرة ملء سمعك وبصرك.
فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يأتي ضعفاء المسلمين، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم))
وعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: " جلست في عصابةٍ ـ عصابة أي جماعة، لكن هذه الكلمة لها معنى هامشي حديث، عصابة قُطَّاع طُرُق، عصابة لصوص، أما العصابة في أصل اللغة تعني الجماعة، لا شيء عليها عند الاستعمال ـ قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض))
( من كنز العمال )
أي إن تهلك هذه الجماعة فلن تعبد بعد اليوم، الكلمة تأخذ معاني بحسب العصور، ما قولكم أن أحد الشعراء مدح خليفةً عظيماً هو المعتصم، وصفه بأنه جرثومة فقال له:
أنت جرثومة الدين والإسلام والحسبِ.
* * *
الجرثومة أصل الشيء، وحينما رأينا أمراضاً كثيرة، ثم عرفنا أصلها، كائنات صغيرة مجهريَّة، فسمينا هذه الأصول جراثيم، أما إذا قلت لإنسان الآن: أنت جرثومة الصف ـ لطالب ـ أو أنت جرثومة العائلة. معنى ذلك أنه شيء مهين جداً، فالكلمات تأخذ معاني عبر التاريخ، فكلمة عصابة قديماً لا تعني إلا الجماعة ـ مطلق الجماعة ـ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ إِنَّ بَعْضَنَا لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنْ الْعُرْيِ ـ فقر شديد ـ وَقَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا فَنَحْنُ نَسْمَعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ إِذْ وَقَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَدَ فِينَا لِيَعُدَّ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فَكَفَّ الْقَارِئُ فَقَالَ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا كِتَابَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَحَلَّقَ بِهَا يُومِئُ إِلَيْهِمْ أَنْ تَحَلَّقُوا فَاسْتَدَارَتْ الْحَلْقَةُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي قَالَ فَقَالَ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الصَّعَالِيكِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَلِكَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ))
(أبو داود، وأحمد)
ألم يقل الله عزَّ وجل:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾
( سورة الكهف: من آية " 28 " )
قال: ((... الحمد لله الذي جعل في أمتي من أصبر نفسي معهم))
أي أن هذا الإنسان أتاح لك أن تطيع الله عزَّ وجل.
إخواننا الكرام... هل تصدِّقوني أنك إذا ساعدت إنساناً وقَبِلَ هذه المساعدة، أنه تفضَّل عليك ؟ لأنك لو أردت أن تعمل صالحاً ولم يقبل أحدٌ أن يأخذ منك شيئاً، فقد منعك من المعروف، لذلك الصالحون، الأتقياء، المؤمنون يرون أن الذي يقبل منهم تفضَّل عليهم، أي سمح لهم أن يرقوا عند الله.
فقد كان الإنسان في عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز يمشي مسافات شاسعة ولا يجد رجلاً يأخذ زكاة ماله، سيدنا عمر ضاق ذرعاً، إذْ لم يجد أحداً في عهده من يأخذ زكاة الأموال، فأعطى أمراً أن توزَّع الزكاة على الغارمين، الغارمون انتهوا، أعطى أمراً أن يزوَّج الشباب من بيت مال المسلمين ـ من أموال الزكاة ـ طبعاً لو طبقنا الإسلام لكنا في حال آخر غير هذا الحال، قال:((... الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم. قال: فجلس عليه الصلاة والسلام وسطنا، ليعدل نفسه فينا...))
أي جلس في الوسط، والإنسان أحياناً إذا ذهب مع إخوانه فهو للجميع لا لواحدٍ أو لِاثنين، الأكمل أن تكون مع الجميع. أحياناً بجلسة تجد اثنين أو ثلاثة يتكلَّمون ـ فهو مهمين ـ بمعزل عن البقية، هذا مجلس لا يرضي الله عزَّ وجل، المجلس الذي يرضي الله عزَّ وجل هو الذي يتكلَّم فيه واحد ويستمع الباقون، أما بعض الأقطاب مع بعضهم يتحادثون والباقون في معزل !! هذا ليس من آداب الإسلام في شيء.
((... ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده هكذا ـ أي أشار إليهم ـ فتحلَّقوا حوله، وبرزت وجوههم له، فقال: أبشروا يا فقراء بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بخمسين سنة ))
فالفقر لا يقدح في قيمة الإنسان أبداً، الذي يقدح في قيمة الإنسان أن يعصي الله عزَّ وجل، والمجتمع الذي يقيِّم الناس بحجم أموالهم هذا مجتمعٌ فاسد، وهذا مجتمعٌ هالك، ينبغي أن يُقيَّم الإنسان بعلمه وبعمله، وأي مجتمعٍ يقيِّم الإنسان بماله فهو مجتمعٌ مادي في طريقه إلى الهلاك.
وكانت صُفّةُ المسجد النبوي ـ إذا أحدكم زار مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، خلف القبر الشريف في مكان مرتفع كالجامع الأموي، ترى منصَّة خلف المحراب، يجلس عليها كبار المدعوِّين، مثل هذه المنصَّة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يجلس بها في عهده فقراء المسلمين، اسمهم أهل الصُفَّة، يجلسون في هذا المكان ـ وكانت الصفة في المسجد النبوي مدرسةً للقُرَّاء، يأوي إليها فقراء الصحابة ممن لا أهل لهم، فيتدارسون القرآن، ويتعلَّمون أمور الدين وأحكامه، ثم يذهبون إلى نواحي البلاد ومختلف الآفاق كي يعلِّموا الناس.
و بعد فإلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام:
تفقُّده صلى الله عليه وسلَّم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءاتهم
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾
( سورة المزمل: من آية " 20 " )
روى الشيخان عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ))
أي أنه إذا مرَّ أمام بيت أحد، فمن صلاته بالليل، و من جهره بالقراءة، يعرف من هو، كان عليه الصلاة والسلام لا يعرف أين منازلهم في النهار، أما إذا مرَّ في أسواق المدينة، أو مر في أَزِقَّة المدينة، واستمع إلى قراءات أصحابه في الليل عرف من هم من قراءاتهم.
وروى أبو داود والترمذي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ قَالَ قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ لِعُمَرَ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ قَالَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا))
أي أنت ارفع قليلاً، وأنت اخفض قليلاً.
وفي روايةٍ لأبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: ((ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَلِعُمَرَ اخْفِضْ شَيْئًا زَادَ وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ كَلَامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ))
هكذا كان أصحابه رهباناً في الليل فرساناً في النهار.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ((اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ))
( رواه أبو داود )
أحياناً يكون مجلس علم في المسجد فيدخل أخ يصلي، يقتدي به بعض الإخوان فيرفع صوته: الله أكبر، نحن في مجلس علم، فاقرأ بصوت خفيض، أسمع من حولك فقط، أسمع الذين وراءك، أما بأعلى صوت و يجهر على مجلس علم، و يشوَّش على الحاضرين سماعهم للدرس، وهو يقرأ ويرفع صوته بلا مبرِّر، فليس هذا من الذوق في شيء، فقال عليه الصلاة والسلام:((أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ))
هكذا شأن المؤمن عنده حساسية، أحياناً يصلي مع الجماعة، هو شافعي فيرفع صوته بالقراءة: الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين اهدنا الصراط المستقيم... يعمل موجات في أثناء الصلاة، ألا فليخفض صوته، وليعلم أنّ قراءة الإمام قراءةٌ للمؤتَم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا قَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ))
(الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد)
الأكمل ألاّ تشوش على أحدٍ صلاته، أو عبادته، أو تلاوته.
الآن إلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم:
ملاطفته صلى الله عليه وسلَّم لجفاةالأعراب لئلا يفتتنوا
فالناس أجناس، والناس درجات، والناس معادن، هناك أشخاص عندهم غلظة، عندهم فظاظة، عندهم شدَّة، عندهم قسوة، فكيف عامل النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء ؟ كان عليه الصلاة والسلام يتحمَّل جفوة الأعرابي ويلاطفه، فعَن الْبَرَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ بَدَا جَفَا))
( مسند أحمد )
الإنسان قد يعيش في الريف، ليس له مجلس علم، ليس له مَنْ يهذِّبه، و لا مَنْ يوجِّهه، لا يحضر مجلس علم، لا يصغي إلى خطيب، لا يقرأ، لا يهتم بفهم و لا بعلم، يعيش بأعماله، هذا إذا أراد أن يحتكَّ بالناس ربّما كان فظّاً، ولذلك فالعلم يهذِّب.
فكان عليه الصلاة والسلام يتحمل جفوة الأعرابي، ويلاطفه، ويقابل غلظته بلطيف المقال والحال، وذلك لتثبيته أو من أجل ألاّ يُفتن، ويسلك به مسالك الرحمة، واللين، والتؤدة لئلا ينفر ويشرُد.
فسيد الخلق، زعيم أمة، قائد أمة، نبي، رسول، يمسكه أعرابي من ثوبه ويشده إلى أن يؤثِّر في صفحة عنقه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ))
(متفق عليه)
التعليم لنا، فصاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى ـ أنت موظَّف مرتاح، مكتب فخم، مدير مكتب، موظَّفين، أُذَّان، أجراس، هواتف، الغرفة مكيَّفة، أنت مرتاح جداً، ويكون الشخص صاحب حاجة، تقول له: لطلبك ما في موافقة، لعلَّه ينفجر أمامك، انتظر، صاحب الحاجة أرعن، لعلَّه مقهور، لعله مظلوم، لعله مصاب، لعله مُبتلى، فهناك من يطرده شر طردٍ، ويمزق معاملته تمزيقاً كلياً ويطرده لأنه تجاوز الحد.
مع سيد الرسل أمسكه من ردائه وجذبه حتى أثَّر في عنقه، وقال: "يا محمد ـ باسمه ـ أعطني من مال الله فهذا ليس مالك ولا مال أبيك ". تبسَّم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ((صدق إنه مال الله أعطوه ما يريد))
هكذا كان عليه الصلاة والسلام يعامل جفاة الأعراب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " إِن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم يستعينه في شيء، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلَّم شيئاً ثم قال له: " أأحسنت إليك ؟ " قال الأعرابي: لا ولا أجملت. فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه. فأشار النبي الكريم إليهم أن كفوا، فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام، وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال: (( إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت " فزاده النبي الكريم شيئاً وقال: " أأحسنت إليك ؟ ))
قال: نعم ـ يعني الآن العطيّة معقولة ـ فجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيرا. فقال النبي الكريم: (( إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم ـ الذي قلته لي قل لهم إياه ـ))
فلما جاء الأعرابي قال عليه الصلاة والسلام: (( إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال))
ـ و لم يعد قوله، أحياناً شخص يقول لك: قال فلان عنك: لا تفهم. لا تعدْها، إذا كانت كلمة سيئة فلا تعدها، له انتقادات، مزعوج، تكلَّم كلمة لا تليق، يعيد له نفس الكلمة حتى يهزَّه، النبي ما ذكر مقالته ـ بل قال: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال، وإنَّا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي ـ أصحيح ـ ؟ فقال الأعرابي: نعم جزاك الله من أهل عشيرةٍ خيراً.
اسمعوا التعليق: فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجلٍ له ناقة، فشردت عليه، فاتَّبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم صاحب الناقة: خَلُّوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها منكم، وأنا أعلم بها، فتوجَّه إليها صاحبها، وأخذ لها من قُمام الأرض ـ أي حشيش، أي من نبات الأرض ـ ودعاها حتى جاءت واستجابت وشدَّ عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار))
تعليق دقيق جداً.. ((إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجلٍ له ناقة فشردت عليه، فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها منكم، وأنا أعلم بها، فتوجَّه إليها صاحبها وأخذ لها من قمام الأرض ـ أي من نبات الأرض ـ ودعاها حتى جاءت واستجابت وشدَّ عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار))
قال له: " لا أحسنت ولا أجملت "، النبي زاده عطاء فقال: "أحسنت وأجملت وجزاك الله من أهل عشيرةٍ خيراً "، هذه القصَّة دقيقة جداً، إنسان غير مصقول، محدود التفكير، صاحب حاجة، أرعن، تكلَّم كلمة، فأنت امتصَّها، احتَوِهِ، امتصَّ هذه الكلمة، تجاوْز عنها تأخذ بيده، أما لو انتقمت منه أهلكته.
وننتقل إلى عنوانٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو:
عظيم تواضعه صلى الله عليه وسلَّم مع أصحابه
قال الله تعالى:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾
( سورة الشعراء )
أمَرَ اللُه النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم أن يتواضع للمؤمنين، لكن هناك آيتان، الآية الأولى:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الحجر )
والآية الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾
( سورة الشعراء )
ماذا يستنبط من الآيتين ؟ فأنت لك مسجد، لك مرشد، التقيت مع أخ من جامع آخر، يجب أن تُرَحِّب به، وأن تحبه، فهو مؤمن مثلك، هذا التحزُّب، وهذه النظرة الضيقة ممقوتتان، و هذه الآية تسدد الخطأ، وتحدد التوجه:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾
لكن الآية الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الحجر )
للمؤمنين عامةً، أيّ مؤمن، فأي إنسان مؤمن يعتقد ما تعتقد، يصلي ويصوم، يقيم أمر الله عزَّ وجل، يتَّجه للقبلة ـ لا نكفِّر أحداً من أهل القبلة ـ يصلي معك في اتجاه الكعبة، فالمؤمن الصادق المخلص لا يفرِّق بين جماعةٍ وأُخرى، كل من عرف الله وسار على منهجه على العين والرأس، أبداً من دون تفرقة، وليس من صالح المسلمين هذه التفرقة، ولا هذا التمايُز، ولا هذا التحزُّب الأعمى، ولا هذا الانحياز البغيض.
فقد كان عليه الصلاة والسلام المثل الأكمل في التواضع مع علو مقامه. و هناك شيء يلفت النظر.. ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))
( من صحيح مسلم: عن " عبد الله بن مسعود " )
لماذا الكبر. فمهما كان قليلاً يفسد العمل ؟ و عندنا مثل يوضِّح هذه الحقيقة، فلو عندك مئة كيلو حليب كامل الدسم، نقطة نفط واحدة تفسده، كذلك العبودية لله عزَّ وجل ماذا يفسدها ؟ الكبر، الكبر يتناقض مع العبوديَّة، فلذلك من علامات المؤمنين التواضع، فكان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في التواضع.
كيف كان متواضعاً ؟ كان من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم أن يخدم نفسه بنفسه.. ((مَن حمل بضاعته فقد برئ مِن الكبر))
(البيهقي قي شعب الإيمان عن أبي أمامة)
شخص يحمل طعام أولاده، فاشترى خضاراً وفواكه، وحملها بنفسه، يزداد عند الله رفعة.. ((مَن حمل بضاعته فقد برئ مِن الكبر))
فمن علامة تواضعه صلى الله عليه وسلَّم أنه يخدم نفسه بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ))
( مسند أحمد )
أي إذا غسل الإنسان في بيته صحناً، رتّب غرفة، نقل حاجة من مكان إلى مكان، هذا لا ينتقص من قدره أبداً، هكذا كان عليه الصلاة والسلام.
في رواية أخرى: ((كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ))
( من مسند أحمد: عن " السيدة عائشة " )
في رواية ثالثة: ((كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ))
( من صحيح البخاري: عن " السيدة عائشة " )
أي إذا كانت الزوجة مريضة، وأنت هيَّأت طعام الفطور لأولادك، فهذا الشيء يرفع من قدرك عند الله عزَّ وجل، إذاً كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً، ومن تواضعه أنه كان يخدم نفسه، ((مَن حمل بضاعته فقد برئ من الكبر))
((من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق))

(الطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة)
((ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح ؛ من أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب))
(البيهقي في شعب الإيمان من قول الأوزاعي)
قاعدة.. قالت عائشة: ((كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ))
( من مسند أحمد: عن " السيدة عائشة " )
في رواية: ((يَفْلِي ثَوْبَهُ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ))
( من مسند أحمد: عن " السيدة عائشة " )
ومن تواضعه أنه كان يركب الحمار أحياناً، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل. أحياناً ترى إنساناً يقود سيارة، قد تكون ( بيك أب )، فيدعو صديقهُ أو شخصاً لركوبها: تفضَّل، فيقول: لا أركب، يا أخي اركبْ، وما المانع ؟ فمن الكبر أن تختار مركبة معيَّنة، إن لم تكن في مستواك لا تركبها، فاعلم أن هذا كبر، فكان عليه الصلاة والسلام ـ في زمانه كانت تعد الخيل مركبة فخمة، والأقل فخامة منها الحمار ـ فكان عليه الصلاة والسلام يركب الحمار، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء.
وروى أحمد عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطبَ فَقَالَ ((إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ))
والله يا إخوان مهما قلت لكم عن أثر عيادة المريض فربما لا أكون مبالغاً، فإذا كان لك أخ أقل منك شأناً، ومرض، وذهبت بنفسك وعدَّته، ومعك هديَّة لطيفة، فهذه الزيارة وهذه العيادة تترك في نفسه أعظم الأثر، كما قلت في بداية الدرس: هناك زيارات من عمل الدنيا وزيارات من عمل الآخرة ؛ أن تزور ضعيفاً، مسكيناً، فقيراً، متواضعاً، إنساناً مغموراً أن تزوره، و أن تعوده، أن تلبِّي دعوته، أن تجلس معه، أن تلاطفه، أن تؤانسه، أن تتواضع له، أن تأخذ بيده هذا من عمل الآخرة.
أما أن تزور الأقوياء، والأغنياء، والكبراء، وأن تستأنس بهم، أنت مع الفقير آنسته، أما هنا أنت تستأنس بهم، وقد يزوَّرُّون عنك، وقد يقيِّمونك تقيماً لا يرضيك، وقد يترفَّعون عنك، القاعدة الأساسيَّة: " لا تجالس من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له "، أي إذا أعطاك إنسان جنبه فأنت أعطه ظهرك، فأنت مؤمن كريم عزيز النفس، أما الذي يعطيك وجهه فأعطه روحك، أوضح كلامي ؟ الذي يعطيك وجهه أعطه روحك، والذي يعطيك جنبه أعطه ظهرك.." المتكبِّر على المتكبِّر صدقة ".
الإيمان فيه عزَّة، الدين عظيم، و الإنسان لا يخضع لغير مؤمن ! المؤمن إذا خضعت له فهذا من كرامتك عند الله، لأن الله عزَّ وجل قال:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
(سورة المائدة: من آية " 54 " )
وبالمناسبة: الإنسان لا يشكو همَّه لكافر.. ((من شكا مصيبته لمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، لكن من شكا مصيبته إلى كافر فكأنما اشتكى على الله))
ماذا سيقول لك الكافر ؟ سيشمت بك، والأكمل من هذا وذاك أن تشكو همك وحزنك إلى الله..
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾
( سورة يوسف )
هذا الأكمل.

وروى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجَنَازَةَ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ))
هذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم.
كما روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: " أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من خيْبر، وإني لرديف أبي طلحة، وكان عليه الصلاة والسلام يُردف خلفه بعض أصحابه ـ على الدابَّة، دابَّة صغيرة يركب هو ويركب خلفه صحابيٌ آخر، من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم ـ وصبيان أصحابه، ولا يستنكف من ذلك كما تأنف الكُبراء والأمراء ".
وفي الصحيحين، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: " كنت وراء النبي صلى الله عليه وسلَّم ـ على الدابة ـ ليس بيني وبينه إلا مؤخِّرة الرحل. فقال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك... "
هذه ملاحظة مهمة جداً: أنت تجلس مع الكبراء، تؤخذ ببيوتهم، بمكاتبهم، بمركباتهم، لكن أن تجلس مع إنسان متواضع وتراه أنه أعظم الخلق، فهذا شيء عظيم جداً، المتكبرون حولهم رِياش، وأثاث، ومرفَّهون ببيوت واسعة، بمركبات فارهة، بأجهزة دقيقة جداً، فهذه تعطيهم هالة كبيرة جداً و لكنها زائفة، أما أن تجلس مع نبيٍ عظيم يركب دابةً، يردف خلفه صحابياً، يخصف نعله بيده، يخدم نفسه، يحمل حاجته، يقوم في خدمة أهله، وتراه أعظم إنسان، فهذا هو النظر الحكيم.
معنى ذلك أن الصحابة على مستوى رفيع جداً، نحن أحياناً نؤخذ بالمظاهر، فالذي يحيط نفسه بمظاهر كبيرة جداً نعظِّمه، أما إذا دخلنا إلى بيت صغير ؛ قبو، دهانه وسط، و الأثاث درجة خامسة، فقد يصغر بعينك، من ضعف إيماننا، من النظرة الماديَّة، من تأثُّرنا بقيَم الكفَّار إذا دخلت إلى بيت متواضع، وفرشه متواضع، وصاحبه فقير فقد يكون ولياً من أولياء الله، فأصحاب النبي كذلك و هو في أعلى درجات التواضع، والتقشُّف، والخشونة ومع ذلك قال له:
" يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك... ".
فقط قال له: " يا معاذ بن جبل ". اللهمَّ صلِّ عليه له أسلوب تربوي..
"... ثم سار ساعةً ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك ـ فلم يقل شيئاً ـ ثم سار ساعةً ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال:
ـ إخواننا الكرام فأنا أعلِّق أهميَّة كبرى على هذا القول، والله الذي لا إله إلا هو هذا القول قرأته قبل شهر تأثَّرت به بالغ الأثر ـ قال: " يا معاذ بن جبل ؟ قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حقًّ الله على العباد ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم... ".
فالكلام كلمتين حق الله على العباد وحق العباد على الله، وهذا القول يعنينا جميعاً، فأقرب قول لحياتنا هذا القول... يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به... ".
إنّ حق الله عزَّ وجل عليك أن تطيعه، هذا كتابه وهذه سنة نبيِّه، افعل ولا تفعل، كل موضوع بحياتك حُكمه إما أنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو مستحب، أو مباح، أو مكروه تنزيهاً، أو مكروه تحريماً، أو حرام، كل شيء في الحياة الدنيا لابدَّ له من حكمٍ شرعيٍ متعلِّقٍ به، فأنت كمؤمنٍ، إذا كنت مؤمناً صادقاً فأي عمل، و أي موقف اسأل عن حكمه الشرعي، هل يجوز أن أفعل كذا وكذا ؟.
البارحة كنا على مائدة، و معنا أُناس ليسوا متفقِّهين، انتهى من الطعام مبكراً، فقام يريد أن يغسل يديه، السنة ليست هكذا، إذا انتهيت من الطعام يجب أن تبقى في مكانك حتى ينتهي آخر واحد، عندما انسحبت أنت، وفلان انسحب، وفلان انسحب وهناك واحد مازال جائعاً، استحيا بحاله فانسحب وهو جائع، لا تقم من مكانك وأنت على الطعام حتى ينتهي آخر من على المائدة، فأنت لك أن تأكل حاجتك، و لك أن تتوقف عن الطعام، لا أن تنسحب من المائدة، لا تنسحب إلا إذا انتهى جميع من على المائدة من الطعام، فما من موقف إلا وله حكم شرعي ؛ فرض، واجب، مندوب، مستحب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام، قال له
((يا معاذ بن جبل، قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به، وسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم سار ساعةً قال: يا معاذ بن جبل ـ فالمؤانسة، يقول له كلمة ويريحه ـ قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ألاَّ يعذِّبهم ))
لك عند الله حق ألاَّ يعذِّبك لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذا أطعته، بربكم ألا تكفينا هذه العبارة ؟ له عليك حق أن تطيعه، ولك عليه حق ألا يعذِّبك لا في الدنيا ولا في الآخرة. هذا الحديث يكفينا: (( يا معاذ بن جبل، لبيك رسول الله وسعديك، ما حق الله على العباد ؟ حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا. يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ألاَّ يعذِّبهم ))
هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا وحي غير متلو، لا ينطق عن الهوى، أتريد ألاّ تعذَّب في الدنيا ولا في الآخرة ؟ عليك بطاعة الله.
والله أحياناً التقي بإنسان سنة تقارب الثمانين، أو الخامسة والثمانين لا يشكو شيئاً، هذا من طاعة الله. يا سيدي ما هذه الصحَّة ؟ ـ ست وتسعون سنة ؛ قامته منتصبة، بصره حاد، سمعه مرهف، أسنانه في فمه، ذاكرته قوية، زوجته معه، أكرمه الله بأن أمدَّ في عمرها وبقيت معه، يا سيدي ما هذه الصحة ؟ ـ قال: " يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، هل هناك أحد لا يتمنى أن يعيش حياة كلها صحة، وما يشكو من مشكلة ؟ الصحَّة تحتاج إلى طاعة، هذا الحديث والله يكفينا..
((ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ ألاَّ يعذِّبهم ))
مطلقة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال: من تواضعه صلى الله عليه وسالَّم مشيته مع الأرملة، والمسكين، والأمة.
روى مسلم وغيره عَنْ أَنَسٍ
((أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا))
مع أنه في عقلها شيء، أحياناً يكون واحد محدود، مختل، يأتي يسلِّم عليك، يصافحك، يعانقك، طوِّل بالك عليه، كيف لو كنت مكانه ؟
حدَّثني أخ كريم: رجل تبرَّع ببيت لعمل خيري، أي مشغل لتعليم الخياطة للفتيات الفقيرات، البيت بثمانية ملايين ليرة قدَّمه هديَّة، جزاه الله خيراً، توفي الآن، فالجمعية التي قبلت هذا البيت، والتي عملت على تجهيزه بالوسائل المناسبة، أقامت لهذا المحسن حفل تكريم، تكريماً له على هذا التبرُّع السخي، ألقى الخطباء كلمات أثنوا بها على هذا المحسن، إلا أحد الإخوة الكرام ألقى كلمة تكلَّم فيها كلاماً آخر، خاطب المحسن قائلاً: أنت يا أيها الأخ الكريم لولا فضل الله عليك لكنت أحد المنتفعين بجمعيتنا، الله أعطاك فقدَّمت لنا هذا البيت، لو أراد لكنت أحد المنتفعين بهذه الجمعيَّة. فإذا الله أعطى إنساناً فهذا من فضل الله عزَّ وجل، و المؤمن يرى دائماً فضل الله عليه، كان من الممكن أن تكون مكان هذا المختل الذي عانقك، وقبَّلك، وتبرَّك بك، فالنبي على عظم شأنه أوقفته امرأةٌ في عقلها شيء فَقَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا))
وروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ ـ الطفلة الصغيرة ـ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ))
وفي رواية أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا))
قد يطول بك العمر فتصير جَداً، ولك ابن بنت أو ابن ابن، يمسك يدك ويمشي بك في أرجاء البيت، فامْشِ معه ـ سايره ـ يريد منك سُكّرة، هو يعرف مكان السكر، يسحبك للمكان، أعطني من هذه، فأنت كلَّما كنت متواضعاً كلَّما كنت عظيماً عند الله عزَّ وجل.
زرت مرَّة بلداً إسلامياً عندهم زعيم ديني له مكانة كبيرة جداً، مرسوم بلوحة وبنت صغيرة تمسكه من يده، وتمشي أمامه، قلت: هو يقلِّد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المشهد.. ((إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ))
وفي رواية أحمد: ((فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا))
أي ليقضي لها حاجتها بنفسه الكريمة.
الصغار كلَّما تواضعت لهم أحبوك و استمعوا لك.. ((من كان له صبي فليتصابَ له))
( من الجامع الصغير: عن " معاوية " )
فهذا دليل على عظمة الإنسان، والله سمعت اليوم قصَّة وقعت في الشام، طبعاً الذي حدَّثني بها من كَتَبَ التقرير ـ تقرير الحادثة ـ طفل بكى، أخٌ له أختٌ، ولهذه الأخت هذا الطفل، بكى فتضايق منه، قال لها: والله في نفسي أن ألقيه من النافذة، قالت له: ألقه، وهي تمزح معه، أمسكه، وألقاه من الطابق السابع، وبالطبع نزل ميّتاً، وهو الآن في السجن، قلوب بعض الناس كقلوب الوحوش.
وسمعت قصَّة وقعت في مدينة أبو كمال إنسان ذبح ستة أولاد ـ من أولادِهِ ـ ذبحهم واحداً واحداً.
انظر... ((إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ ))
أو ((فَتَنْطَلِقُ بِهِ فِي حَاجَتِهَا))
أي ليقضي لها حاجتها بنفسه الكريمة، هذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم.
وروى النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ))
مرَّة عدي بن حاتم أتى المدينة ليلقى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتوقَّع أن النبي ملك وليس نبياً، فلما رحَّب به النبي، أخذه إلى بيته، يقول عدي بن حاتم: " في الطريق استوقفته امرأةٌ فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، إنه نبي ".
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلَّم تكريمه لعباد الله المسلمين. فقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما في حجة النبي، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أتى السقاية ـ أي أتى أناس يعملون في السقاية، سقاية الحجاج ـ فقال: " أنا عطش اسقوني " فقالوا: " إن هذا يخوضه الناس، ولكن نأتيك به في البيت "، قال: " لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب منه المسلمون ".
أحياناً يخص الإنسان بشراب خاص، بإناء خاص، بكأس خاص، بشيء مختوم، شيء فخم، قال لهم: " اسقوني مما يشرب منه الناس ".
قد تكون في الطواف، في الحج، في العمرة، تجد مستودعات الماء، والصنابير، والحجاج يشربون، اشرب معهم، أنت من الناس، هذا من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم.
قال: " من تواضعه لم يقبل أن يؤتى بشرابٍ خاص، وأبى إلا أن يشرب مما يشرب منه الناس، ولو خاضت فيه أيديهم ".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلَّم (( كان يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين))
لأن المسلم طاهر.
سيدنا عمر استأذن النبي في العمرة فقال: ((لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ))
( من سنن أبي داود: عن " عمر " )
النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من سيدنا عمر أن يدعو له، هذا من تواضعه.
وآخر شيء في موضوعنا هذا ما رواه الإمام مسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((... وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))
البغي: العدوان، أي لا عدوان مادي، ولا عدوان معنوي، العدوان المعنوي الكِبْر، والمادي أن تأخذ ماله، أو أن تسلبه شيئاً من حاجاته.. ((وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نتابع تواضعه، وكيف أنه اختار أن يكون نبياً عبداً لا نبياً ملكاً.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : اختياره أن يكون نبيا عبداً من أن يكون نبياً ملكاً - حلمه وعطفه - غضبه







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثاني عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقفنا في الدرس الماضي، عند أمره بالتواضع صلى الله عليه وسلم، وها نحن ننتقل إلى عنوانٍ جديد من شمائله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو اختياره أن يكون نبياً عبداً على أن يكون نبياً ملكاً.
فمن أعظم ما يدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنه لما خيره الله جلَّ جلاله أن يكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً، اختار أن يكون نبياً عبداً، أما التحليل، تحليل هذا الاختيار، أو التعليق على هذا الاختيار، فدقيقٌ جداً.
أيهما أقرب إلى العبودية، أن تكون قوياً أم أن تكون ضعيفاً ؟ أن تكون ملكاً أم أن تكون عبداً ؟
الحقيقة أن تكون عبداً أقرب إلى العبودية من أن تكون ملكاً، الإسلام عزيز، والمؤمن عزيز النفس، إلا أن القوة والغنى فيها مزلةٌ للأقدام، فما كل إنسان إذا أعطي منصباً رفيعاً بحيث يتملك رقاب الآخرين، يبقى محافظاً على عبوديته لله عز وجل، فالقوة أحياناً مزلةٌ للقدم، والغنى أحياناً مزلةٌ للقدم، فإذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون نبياً عبداً على أن يكون نبياً ملكاً، فذلك لأن العبودية أقرب إلى الطاعة منها إلى المُلك.
فأنت حينما تتملك رقاب الآخرين ربما تنجرف إلى أن تظلمهم، ربما تنجرف إلى أن تستعلي عليهم، ربما تنجرف إلى أن تأخذ ما في أيديهم، ربما تنجرف إلى أن تتكبَّر، هذه كلها مزالق قدم، فلذلك الأضمن ألا تتمنى أن تكون قوياً فتزل قدمك مع القوة، هذا الذي دفع النبي عليه الصلاة والسلام لاختياره العبودية على المُلك.
بالمناسبة فالنبي عليه الصلاة والسلام مشرّع، فحينما اختار أن يكون نبياً عبداً، جعل نفسه قدوةً لنا، أنا لا أقول لك ارفض منصباً بإمكانك أن تخدم به المسلمون، لا هذا واجب، و سيدنا يوسف قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾
( سورة يوسف )
لكن وأنت تختار أن تكون قوياً، وأنت تختار أن تكون غنياً، لا تنسَ أن في الغنى مزلة للقدم، وفي القوة كذلك مزلةٌ للقدم.
هذا الشيء ينقلنا إلى شيءٌ آخر، الإنسان أحياناً يرقى عند الله بقدر عمله الصالح، ويرقى عند الله بقدر الحظ الذي آتاه الله إيَّاه، كلما علا حظك في الدنيا اتسعت دائرة أعمالك الصالحة، أو ازدادت الأعمال الصالحة المُتاحة إليك، و النبي عليه الصلاة والسلام حينما خيّره جبريل الأمين بأمرٍ من الله عز وجل، أن يكون نبياً ملكاً أو أن يكون نبياً عبداً، اختار أن يكون نبياُ عبداً، وهذا لشدة تواضعه صلى الله عليه وسلم.
أما تفصيل هذا التخيير... فقد جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء فإذا ملكٌ ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك أملكاً أجعلك أم عبداً رسولاً، فقال عليه الصلاة والسلام: " لا بل عبداً رسولاً "، هكذا ورد في الترغيب.
أي أنك إذا خًيِّرت بين أن تكون قوياً، أو أن تكون ضعيفاً، فإن كانت هذه القوة للمسلمين فاختر أن تكون قوياً، ولا تنسَ أن في القوة مزلة قدم، و إذا خيرت أن تكون غنياً أو فقيراً، فإذا تأكدت أن غناك يعود على المسلمين، اختر الغنى لكن لا تنسَ أن في الغنى مزلةً للقدم، هذا هو القصد من هذا الاختيار الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم.
شيءٌ آخر... قال كتاب السيرة: مقام الملك يقتضي اتخاذ الجنود، ويقتضي اتخاذ الحُجَّاب والخيول، ويقتضي اتخاذ الخدم، والحشم، والقصور، ويقتضي الانتقام ممن يتعرض له بسوء ؛ أما مقام العبودية، فإنه يقتضي أن يخدم الإنسان نفسه، وأن يكون في معونة أهله كما كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً، ويقتضي العفو عما آذاه في نفسه، أما إذا انتهكت حُرُمات الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نغضب له. لهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((آكل كما يأكل العبد))
أي في القعود، وفي هيئة التناول، والرضا بما حضر، فالعبد يجلس جلسة مؤدَّبة، ويتناول الطعام بطريقةٍ مؤدبة، ولا يعترض على الطعام، هذا شأن العبد، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((آكل كما يأكل العبد))
أي في هيئته، و أتناول الطعام في هيئته، والرضا بالميسور.
وكان يقول عليه الصلاة والسلام يقول: ((أجلس كما يجلس العبد، لا كما تجلس الملوك))
والحقيقة هذا يقودنا إلى أن المؤمن في جلسته متواضع، إذا جلس ليقود مركبةً، الجلسة متواضعة، إذا مشى، المشية متواضعة، إذا تناول الطعام، التناول متواضع، التواضع يبدو عليه في كل تصرُّفاته، لذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب، أتاني مَلَكٌ إلى حجرة الكعبة فقال: إن ربك يُقرئكَ السلام ويقول لك: إن شئت كنت نبياً ملكاً وإن شئت كنت نبياً عبداً، فقال عليه الصلاة والسلام: بل نبياً عبداً آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: " فو الذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء))
و هذا شيء آخر، فهذه التي زهد بها لا قيمة لها، هذه الدنيا للبَرِّ والفاجر، لكن الآخرة للمؤمن وحده، إن هذه الدنيا يأكل منها البر، والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيها ملكٌ عادل.
وفي سنن أبي داود وابن ماجة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ: ((كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ - أي إناءٌ كبير يوضع فيه الثريد ليأكل الجماعة معه - يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا - أي دخلوا في وقت الضحى بعد طلوع الشمس - وَسَجَدُوا الضُّحَى - أي صلوا الضحى - أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ يَعْنِي وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثَرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أي جلس على ركبتيه - فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا))
أي أن النبي عليه الصلاة والسلام، بتواضعه علا شأنه.
و بعدُ فاسمحوا لي أن أقول لكم هذه الكلمة: هناك علاقات دائماً، علاقات مضطربة، وعلاقات متعاكسة، في هذا الموضوع كلما تواضعت لله رفعك الله عز وجل، وكلما تكبرت وضعك الله عز وجل، أنا لا أعتقد أن على وجه الأرض - وأنا أعني ما أقول ـ إنساناً واحداً رفع الله شأنه وأعزه، كالنبي عليه الصلاة والسلام، وأنت يجب أن تقتدي به، إذا تواضعت رفعك الله عز وجل، أن تجلس مع إنسان دونك هذا لا ينتقص من قدرك، بل يرفع قدرك، أن تُصغي إلى إنسان ضعيف، أن تلبِّي دعوة إنسان فقير، أن تجلس مع إنسان مسكين، أن تصافح إنساناً من الدَهْمَاء من سوقة المجتمع، أن تصافحه بحرارة، وأن تجلس معه، وأن تصغي إليه، وأن تعينه، وان تزور بيته الصغير، هذا لا يقدح في مكانتك، بل هذا يعلي قدرك.
لذلك إخواننا الكرام، هذا الموضوع علاقته متعاكسة، كلما تواضعت لله، رفعك الله عز وجل، وهؤلاء الجبابرة، الذين تكبروا، واستعلوا، هؤلاء قصمهم الله عز وجل، وأذل كبرياءهم، ومرَّغَهُم في الوحل، أقول لكم: ما من مخلوقٍ على وجه الإطلاق أعزَّه الله كالنبي عليه الصلاة والسلام، يكفي أن تذهب إلى الروضة الشريفة، وأن تقف لترى الألوف المؤلَّفة، بل مئات الألوف، بل بعض الملايين، يمرُّون أمام قبره الشريف وهم يبكون، ما هذا العز ؟ قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
( سورة الشرح )
وأية صفةٍ للنبي عليه الصلاة والسلام لك منها نصيب، أطع الله عز وجل، مرِّغْ وجهك في أعتاب الله، تواضع لله، تواضع للفقراء والمساكين، أصغ إلى ذوي الحاجة، أصغِ إلى الضعفاء، اجلس معهم، لبِّ دعوتهم، وانظر كيف أن الله يرفعك، يرفعك إلى أعلى عليين، ومن يكرم الله فما له من مهين، فهل تعتقدون أن إنساناً أعزه الله كالنبي ؟ انظروا كيف كان: ((أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد))
((ويا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً ؟ بل نبياً عبداً، قال: بل نبياً عبداً، أجوع فأذكره، وأشبع فأشكره))
وصدقوني ما من صفةٍ أيضاً على وجه الإطلاق، تُنَفّر الناس من صاحبها، كالكبر، لأن الكبرياء من أسماء الله عز وجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))
(سنن أبي داود)
والكبرياء، هذه الصفة تتناقض مع العبودية لله عز وجل.
والآن إلى آيات القرآن الكريم.. خالقنا جلَّ جلاله، لما أراد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا وصفه ؟ استمعوا..
الآية الأولى:
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19)﴾
( سورة الجن )
فهو عبد الله..
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
( سورة الكهف: من آية " 1 " )
الآية الثانية..
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 41 " )
الآية الثالثة..
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
( سورة البقرة: من آية " 23 " )
الآية الرابعة..
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
( سورة الإسراء: من آية " 31" )
معنى ذلك بخمس آيات وُصف الله النبي بأنه عبد، إذاً كلمة عبد، هي أرقى صفة يوصف بها الإنسان، أي أنك عبد فشأنك أن تخضع لله، العبد عبدٌ والرب رب، لكن الكفار حينما غفلوا عن ربهم، وحينما نسوا خالقهم، وحينما كفروا بآخرتهم، ابتدعوا في أوروبا مُصطلحاً يُكتب في بعض الكتب ـ الإنسان إله يتحكم في مصيره ـ الله عز وجل قال:
﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)﴾
( سورة الواقعة )
الملوك يموتون، أليس عندهم أطباء ؟ عندهم أطباء من كل المستويات، ومع ذلك يموتون حينما قال الشاعر:
لا تأمن الموت في طرفٍ و لا نفس وإن تمنَّعت بالحجاب و الحرس
فما تزال سهام الموت نافــــذةً في جنب مُدَّرعٍ منها و متَّـرس
أراك لست بوقَّافٍ و لا حذرٍ كالحا طب الخابط الأعواد في الغلـس
ترجو النجاة و لم تسلك مسالكهـا إن السفينة لا تجري على اليبس
* * *
ويكفيه شرفاً صلى الله عليه وسلم أنه وصل إلى مقامٍ لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه، فأنا حينما أقول سيدُ الخلق، وحبيب الحق فهذا القول حق، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))
(مسلم)
ألا نقول في الصلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الفضيلة والوسيلة.
وإليكم بعض الأدلة، فأحياناً يموت عالم فيقال: مشي في جنازته مليون إنسان، هذا العالم أصله دولاتي، لو بقي دولاتيًا، كم يمشي في جنازته ؟ لو لم يطلب العلم، لو لم يدع إلى الله عز وجل، لو لم يجنِّد طاقاته في سبيل الله، لكان إنساناً أقل من عادي، فأنا أقول لكم هذا الكلام لا حباً بالمكانة، لكن ليس من المعقول أن تخطب ود الله، وأن تلتزم أمره، وأن تقبل عليه، وإن تشتاق إليه، وأن تخدم عباده، دون أن يرفع شأنك ربك، فالمؤمن له مكانة، فهو ممنوع من أن ينال..
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

( سورة النساء )
* * * * *
وننتقل إلى موضوعٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو:
حلمه وعطفه
قال تعالى:
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)﴾
( سورة المائدة )
قال تعالى:
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 159 " )
كان عليه الصلاة والسلام عظيم الحلم، فكاد الحليم أن يكون نبياً، فالإنسان الحليم، إخواننا، مالك زمام نفسه، يتخذ قراره بهدوء، ويتصرف بهدوء، وغالباً ما يصيب في قراره، أما الإنسان إذا غضب اختل توازنه، واضطربت رؤيته، واصبح كالوحش، لهذا هناك أحاديث كثيرة جداً يقول فيها عليه الصلاة والسلام: ((لا تغضب كاد الحليم أن يكون نبياً))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
والحلم سيد الأخلاق، كان عظيم الحلم، لا يقابل السيِّئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، وما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمةٌ لله فينتقم لله تعالى، وهذا الدرس ليس للإعلام، أقول دائماً: العلم في الإسلام وسيلة، وليس هدفاً، نقل المعلومات، والاستماع إلى الحقائق، والاكتفاء بها، والتزيُّن بها، وتحليلها، وتنميقها، وعرضها، هذا لا يقدِّم، ولا يؤخر، الذي يقدم ويؤخر، أن تنقلب هذه الحقائق إلى سلوك.
كل إنسان له عمل، هناك من هو دونه، له بيت هناك من هو دونه فلا بيت له، له جيران الخ، فأنت بحلمك، وعفوك، وكريم خصالك تملك القلوب، والحقيقة أن الأقوياء يملكون الرقاب، لكن الأنبياء يملكون القلوب، فمثلاً بالجامعة للطلاب دوام، فلو غاب طالب ثلاث مرات في بعض المواد يحرم من الامتحان، تجد القاعة مليئة، هذا الانضباط خوفاً من الرسوب، لكن إذا رأيت مسجداً ممتلئاً فهذا الامتلاء طوعي، فالبطولة لا في أن تملك الرقاب، بل في أن تملك القلوب، من شأن الأقوياء أن يملكوا الرقاب، ومن شأن الأنبياء أن يملكوا القلوب، بطولتك لا في ملك الرقاب، بل في ملك القلوب، بطولتك، ليس للذي يقال في حضرتك خوفاً منك أو طمعاً بما عندك، بل بطولتك بالذي يقال في غيبتك من دون أن يخافك الناس أو يرجوا ما عندك.
وهذا يقودنا إلى فكرة دقيقةٍ جداً وهي: أن الله جل ثناؤه لحكمة بالغةٍ أرادها جعل معظم أنبيائه في مطلع الدعوة ضُعفاء، حيث لو أن إنساناً تهجَّم عليهم، أو تطاول عليهم، أو انتقص من قيمتهم، أو طعن في رسالتهم، أو كذَّبهم، أو سخر منهم، أو اتهمهم بالجنون، ساحر، كاهن، مجنون، فهذا الذي اتهمهم، وتطاول عليهم، ونال منهم، يذهب إلى بيته، وينام نوماً هانئاً.
فإذا كان شخص ضعيف بالطريق، تكلمت معه كلمةً جافيةً قاسية، هل تقلق ليلاً ؟ لا، فمن هذا الشخص ؟ إنه لا شأن له، أما إذا كان الشخص قوياً، وتورطت معه بكلمةٍ ينبغي ألا تقولها، أنا أرجح أنك لن تنام الليل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان ضعيفاً، لماذا كان ضعيفاً ؟ ليكون الإيمان به ثميناً، لا خوفاً ولا طمعاً، والتعليق على الموضوع الأول، لو أن الله جعله ملكاً، أحياناً ملك يعطي إشارة، تجد الناس جميعاً هابوا سطوته، ونفذوا أمره، فهل هذا التنفيذ عبادة ؟ لا، بل خوف لا قيمة له أبداً.
إذاً، الفكرة الأولى: لما جاءه جبريل قال له: يا رسول الله أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً، فاختار عليه الصلاة و السلام نبياً عبداً، لأن العبودية طاعة و قرب من الله.
الحكمة الثانية: أنه لو كان نبياً ملكاً، وجاء بهذه الدعوة، وأعلنها للناس، ودعاهم إلى قبولها، لرأيت الملايين الطائلة تقبل عليها، أليس كذلك ؟ لأنه ملك قوي، شيء مخيف، لكن جعله الله ضعيفاً، حتى يكون الذي آمن به قد آمن به لا عن خوفٍ ولا عن طمع، فما عنده شيء مخيفٌ أو مغْرٍ، لذلك قالوا: ساحر، قالوا: مجنون، قالوا: كاهن، ومع ذلك ناموا مطمئنين، فلحكمةٍ بالغة، جعل الله النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفاً، لذلك فالناس الذي آمنوا به، كان إيمانهم به ثميناً، لا خوفاً ولا طمعاً.
روى الشيخان وأبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ((مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا))
وقالوا: لقد اتسع حلمه لجميع خلق الله تعالى، حتى لأعدائه الذين آذوه، في غزوة أحد، كسرت رباعيَّته، وجرحت شفته السُفلى، وشُجَّ في جبهته، حتى سال منه الدم، ولقد شق ذلك على أصحابه فقالوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
((اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون))
كسرت رباعيته، وجرحت شفته، وشج جبينه، فلما قيل له: ادع عليهم قال: ((اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون))
هذه قصة تحمل عبرة، أحياناً يروي شخص فقرة منها، وهذه الفقرة مستنكرة، توقع في حرج، لكن لو قرأت القصة بأكملها تراها مستساغة، ورد عن زيد بن سعنة أنه قال: لم يبق من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمدٍ صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما فيه هما: أنه يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، قال زيد بن سعنة: فكنت أتلطَّف له أي بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمراً ـ اشتريت منه تمراً ـ إلى أجلٍ، فأعطيته الثمن، فأعطاه. وفي روايةٍ: " أعطاه زيدٌ قبل إسلامه ثمانين مثقالاً ـ أي أن هذا زيد اشترى من رسول الله صلى الله عليه وسلم تمراً، أعطاه الثمن ولم يقبض البضاعة، طبعاً إلى أجل هكذا الشرط ـ فلما كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيت محمداً صلى الله عليه وسلم، فأخذت بمجامع قميصه، ورداؤه على عنقه، ونظرت إليه بوجهٍ غليظٍ ثم قلت: ألا تقضين يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطلٌ ".
كان سيدنا عمر موجود، وهذا يهودي، قال له: " أي عدو الله تقول هذا لرسول الله، فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك "، ماذا كان يحاذر سيدنا عمر ؟ كان هناك اتفاق مع اليهود، فلو ضربه لانتهِك هذا الاتفاق، كان عليه الصلاة والسلام ينظر إلى عمر بتؤدةٍ وسكونٍ وتبسم، ثم قال عليه الصلاة والسلام
((أنا وهو ـ أي أنا وزيد ـ كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وأن تأمره بحسن المقاضاة "، ثم قال: " اذهب يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً، مكان ما رعته ـ أي خوفته ـ أي مقابل فزعه))
ففعل ذلك عمر.
قال زيد: فقلت: يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما هما: أنه يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً ـ يبدو أن هذه الصفات وردت في التوراة ـ فقد اختبرته بهما، فاشهد يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً.
أحياناً يذكر القارئ فقط الفقرة التي في منتصف الحديث، وهذه فيها إشكال كبير كثير، هذا الذي قرأ في التوراة صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما التقى به عرفها كلها إلا هاتين الصفتين، فأراد أن يتأكد، أيسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلماً ؟ فتلطَّف إليه حتى أقام علاقةً تجاريةً معه، دفع له ثمن التمر، ثم جاء يطلب الأداء قبل الأجل، ثم جذبه من ردائه وأغلظ له القول، بأن قال: فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطلٌ، سيدنا عمر أراد أن يفتك به، قال له:
((دعه يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك، أن تأمرني بحسن الأداء، وأن تأمره بحسن المقاضاة))
هذا اليهودي حينما رأى هذا الحلم الشديد سكنت نفسه، وأعلن إسلامه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
في روايةٍ أخرى قال زيد: " وما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني كنت رأيت صفاته في التوراة كلها إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم، فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي إلى فقراء المسلمين ".
و أسلم زيدٌ وأسلم أهل بيته كلهم إلا شيخاً كبيراً غلبت عليه الشِقْوَة، فهو أراد أن يسلم هو وأهل بيته جميعاً، قرأ في التوراة، فرأى كل الصفات التي في التوراة، رآها بعينه في النبي إلا صفة الحلم فاختبره بها، بدأ متطلفاً، عقد معه صفقةً، أعطاه الثمن مقدماً، وعده النبي بتسليم البضاعة بعد حين، جاء قبل أن يحل الحين، وأمسكه كما قلت قبل قليل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((يا عمر مرني بحسن الأداء، وأمره بحسن المقاضاة، كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر))
روى أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ فَحَدَّثَنَا يَوْمًا فَقُمْنَا حِينَ قَامَ فَنَظَرْنَا إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ - وفي روايةٍ جذبه، فبالطبع نحن عندنا قاعدة باللغة الفعل الثلاثي يمكن أن تتغير تراكيب حروفه فتقول: جذب وجبذ، أنعم النظر، وأمعن النظر، عبر، وعرب، وهكذا، ويبقى ذات المعنى، وله ذات الدلالة - بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ - أي صار فيها حمرةٌ من أثر الجبذة - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا فَالْتَفَتَ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِي جَبَذْتَنِي فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى))
وفي رواية البيهقي: " فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((المال مال الله وأنا عبده، وأستغفر الله لا أحملك حتى تُقيِدَني، من جذبتك التي جذبتني بها))
ـ أريد أن آخذ حقي منك ـ فقال الأعرابي: والله لا أُقِيدكها ـ أي لا أعطيك أن تأخذ مني حقك ـ فقال عليه الصلاة والسلام: لمَ ؟ فقال الأعرابي: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة ". فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا النبي الكريم رجلاً وهو عمر ـ كما في الرواية ـ فقال: ((احمل له على بعيريه هذين على بعيرٍ تمراً وعلى بعيرٍ شعيراً))
هذه لو فعلها الأعرابي مع أي إنسان آخر قوي قطعت رقبته وانتهى الأمر، وهذه بالطبع تفاصيل القصة.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أوذي في نفسه عفا وصفح، ولكن إذا انتهكت حرمةٌ من حرم الله عز وجل غضب، لما شُجَّ وجهه الشريف يوم أحد عفا وقال: ((اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون))
أما لما شغله اليهود عن الصلاة يوم الخندق، لم يعف عنهم بل قال: ((مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا))
( من صحيح البخاري: عن " علي " )
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يغضب كذلك قال: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ))
( من صحيح مسلم: عن " أم سليم " )
ولكن ما الذي كان يغضبه ؟ وأنا أقول لكم: قل لي أيها الأخ الكريم ما الذي يغضبك أقل لك من أنت ؟ فمثلاً إذا دخلت إلى البيت ولم يكن الطعام جاهزاً هل تغضب ؟ قد تغضب.
إذا نظرت إلى ابنتك وهي في ريعان الصبا قد خرجت إلى الشرفة دون أن تضع شيئاً على رأسها، ونظرت إليها هكذا وابتسمت، ولم تغضب ؟ هنا المشكلة، إذا انتهكت أوامر الله عز وجل لا تغضب ؟! و إذا فعلت المعصية لا تغضب ؟! أما إذا تأخر الطعام تغضب !!
أقول لكم أيها الإخوة: قل لي ما الذي يغضبك أقل لك من أنت ؟
الآن نحن مع غضب النبي عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه، لم يكن تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، ولم يكن يغضب لنفسه، بل كان يغضب لربه تعالى.
أحياناً الإنسان إذا كانت عنده آلة، وآخر خربها له، أو عنده أثاث فخم، وأفسده له إنسان، تقوم الدنيا ولا تقعد، تنطلق من لسانه كلمات لا يعلمها إلا الله، يتجاوز حده، لأنه أفسد له حاجة، أما إذا رأى معصيةً، أو رأى كبيرةً، أو رأى حرمةً تنتهك فلا يبالي.
وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره يصف النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعُرِّضَ للحق لم يعرفه أحد، ولن يُقَم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ". أي أنه لا يغضب إلا لله، أما لنفسه فلا يغضب.
مرةً غضب حينما رأى في البيت قِرَاماً فيه الصور كما في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ وَقَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ))
فقد كان حديث عهد بالأصنام، هؤلاء الذين كانوا يصنعون الأصنام ويصورونها، هؤلاء يعيشون في مجتمع الشرك، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يغضب أشد الغضب من هؤلاء الذين يصورون هذه التصاوير، طبعاً خوفاً من أن تعبد من دون الله.
مِن هذا غضبه صلى الله عليه وسلم، مِن العمل الذي ينفِّر المؤمن، و قد ورد في الصحيحين وغيرهما عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ـ أي يطيل الصلاة بنا ـ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ))
كان عليه الصلاة والسلام يصلي مع أصحابه صلاة الفجر، والسنة أن تقرأ في صلاة الفجر السور الطويلة، الواقعة مثلاً، الحجرات، من السنة أن تقرأها بأكملها في كل ركعة، وكان كما يروي كُتَّاب السيرة في أعلى درجات نشوته، وانغماسه في القرب من ربه، بدأ الصلاة، وقرأ الفاتحة، فسمع طفلاً يبكي، فقرأ أقصر سورةٍ وسلَّم، فعجب أصحابه من هذا، ليس هذا من عادته، كان إذا صلى الفجر قرأ طوال السور، فقد أراد أن يرحم أم هذا الغلام الصغير الذي كان يبكي ويناديها ببكائه، فالنبي الكريم قال: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ))
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ))
( من سنن النسائي: عن " جابر " )
كان عليه الصلاة والسلام كما قال أصحابه يتخولنا بالموعظة، مخافة السآمة علينا وكان يقول: ((روحوا القلوب ساعةً بعد الساعة))
( من الجامع الصغير )
وأنت أيضاً إذا تكلمت مع أولادك، مع أهلك، مع أصدقائك، فكن كما تكون على الطعام تماماً، اجلس إليهم وحدِّثهم، حدِّثهم وهم يتمنون أن تحدثهم، واسكت وهم يتمنَّون أن تتابع، هذا هو المقياس، أجل، حدثهم وهم يتمنون أن تحدثهم، وكُفَّ عن الحديث وهم يتمنون أن تتابع الحديث، هذا هو المقياس، أحياناً يكون الإنسان مضطرباً مشوشاً، ويأتي إنسان يعظه، فليس هذا وقت الموعظة، أحياناً يكون في ظرف عصيب، في مرض مثلاً، في مشكلة، المفروض أنك تختار الوقت المناسب، أن يكون في صفاء ذهن، و أن يكون في راحة نفسية، فإذا حدثته فهو لا يسمع إليك و ربما تشاغل عنك، لا تحدث الناس إلا إذا كانوا مستعدين لهذا الحديث، فإذا حدَّثتهم فكفَّ في الوقت المناسب، قبل أن يبدو السأم على وجوههم.
ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم لما رأى النُخامة في المسجد كما في الصحيحين، ذلك لأن المساجد ينبغي أن يحرص المسلم على نظافتها وكرامتها، ولا يجوز إلقاء الوسخ فيها، و قد تقدَّم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنظافة المسجد.
فأنت لو حملت قشةً من المسجد، ووضعتها في جيبك لك أجر، فأحياناً الإنسان يكون عنده حساسية بالغة، يسجد، فيشم رائحة غير مستحبة من الأرض، معنى ذلك أنَّ واحداً يرتدي جرابات غير نظيفة، فإذا كان إنسان إيمانه ضعيف و يقف على شعرة، تجده يقول: " لا أصلي في المسجد"، المفروض أن يكون المسجد نظيفاً جداً، مريحاً جداً، فهذا الذي يأتي والتدفئة في المسجد، والمراوح في المسجد، والصوت الواضح في المسجد، والماء الساخن للوضوء في المسجد، والماء البارد للشرب في المسجد، فكل هذا مما يرغب الناس في المسجد فيقبل الناس على مساجدهم.
و معلوم أننا في عصر فيه الاعتناء بالأثاث والنظافة والترتيب شيء هام، والمفروض أن يكون بيت الله عز وجل في مقدمة كل مكانٍ فيه أناقةٌ وترتيبٌ ونظافة، و أحياناً المسجد النظيف المرتب يستقطب الناس، مرة جاء شخص من بلد عربي ـ والله لا أقولها افتخاراً ـ فأراد أن يقضي حاجةً، فدخل إلى دورات المياه فقال لي: ما رأيت في حياتي على الإطلاق دروات مياه نظيفة كما هي عندكم في المسجد، كأنها دورات مياه بيت. والفضل لإخواننا الكرام الذين يعتنون بها، شيء جميل جداً، ترى الميضأة نظيفة، والرخام يلمع، ونظافة ما بعدها نظافة، هذا مما يجلب الناس إلى المسجد، لذلك كنا قبل سنواتٍ طويلة نرى دورات المياه غير مريحة إطلاقاً، و السجاد غير نظيف، فذاك الوقت ولَّى، هذا بيت الله، و العناية به تستقطب وجود الناس جميعاً.
أنا عندما كنت صغيراً أذكر أنه إذا كانت عند واحد ثريا مكسورة يقول: خذوها على الجامع، سجادة نصفها تالف ونصفها سليم إلى حد ما، خذوها إلى المسجد، هذه الأحوال انتهت، نريد سجاداً جديداً، نريد ثريات جميلة، نريد نظافة، نريد أجهزة تنظيف، هذا الشيء ضروري الآن لكي يجلب الناس لمساجدهم.
ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم من شدة الإثقال، والإحراج، وشدة الإلحاح، ففي صحيح البخاري وغيره عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَةً - أي قبع في غرفته - مُخَصَّفَةً أَوْ حَصِيرًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيهَا فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ))
النبي أراد أن يصلي نافلة، لو صلاها في المسجد لأصبحت سنة مؤكدة، فأثقل على أمته من بعده، فدخل إلى غرفته ليصلي هذه الصلاة، تبعه الرجال وصلوا معه هذه الصلاة، فغضب، و لم يفهموا عليه، هو إذا فعل شيئاً أصبح فرضاً، أو أصبح سنةً ثابتة، فلما دخل إلى غرفةً ليصلي تبعه الرجال وصلوا معه، صلوا بصلاته وكأنه إمامهم، واقتدوا به، فغضب عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم مغضباً، وقال لهم: ((مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ))
كانت الأشياء التي ترهق أمته يفعلها حيناً ولا يفعلها حيناً آخر، لم لا يفعلها لئلا يلزم بها الناس من بعده.
لكن النقطة الدقيقة أنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب، إلا أن شدة غضبه مهما بلغت لم تكن لتخرجه عن الحق ـ هذه نقطة مهمة جداً ـ لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ))
( من مسند أحمد: عن " ابن عباس " )
الحقيقة هي أن الإنسان معرض لأن يغضب لكن لا بد من كوابح، والأبلغ أن تتغاضب لا أن تغضب، ما الفرق بين التغاضب والغضب ؟ التغاضب أنت تملك زمام نفسك، أما إذا غضبت عندئذٍ لا تملك زمام نفسك، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب ملك زمام نفسه، والإنسان القوي الإرادة يكون كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
الحقيقة بطولتك أن تملك نفسك، حتى إن الدين كله في إجماله سيطرةٌ على الذات، و لقد قال بعضهم: حضارة الإنسان سيطرةٌ على الذات، وربما كانت حضارة غير المسلمين، سيطرةٌ على الطبيعة. فقد غاصوا في البحار، وصعدوا إلى الأجواء، ولكن المسلم كما قال أحد زعماء إنكلترا: ملكنا العلم ولم نملك أنفسنا. فالإنسان أمام نفسه ضعيف يتهاوى، ولكنَّهُ قد يملك القوة التي يفعل بها ما يشاء.
هناك شيء دقيق جداً فقد روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ((كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ))
الحق في الغضب والحق في الرضا وفي روايةٍ: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ))
إذاً فالنبي كان يغضب، ولكن كان يغضب لله، و إذا غضب لله فلا يخرجه غضبه عن الحق، لكنّ الناس أحياناً إذا غضبوا خرجوا عن الحق، وإذا أحبوا خرجوا عن الحق، و قد تجد إنساناً يحب شخصاً لا يصلي يقول لك: قلبه أبيض، تقي، نقي، لكن تنقصه فقط الصلاة، هذا موقف فيه انحراف.
و إليكم هذه الطرفة خطب شخص بنت الملك، قال: أنا وأمي وأبي موافقون بقي عقبة صغيرة جداً أن توافق هي و أمها وأبوها. أما هو فموافق هو وأمه وأبوه، فأحياناً الإنسان رضاه عن شخصٍ يخرجه عن الحق، وغضبه على شخصٍ يخرجه عن الحق، فالبطولة أن تبقى مع الحق في الرضا والغضب.
والحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جامع لكل المعاني التي سبقت: ((أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً))
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى ننتقل إلى عظيم كرمه صلى الله عليه وسلم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : كرمة - شجاعتة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... نحن مع الدرس الثالث عشر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى عظيم كرمه صلى الله عليه وسلَّم.
أيها الإخوة الكرام... بادئ ذي بدء المؤمن يبني حياته كلَّها على العطاء، والكافر يبني حياته كلَّها على الأخذ، فإذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة، اسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يفرحك ؛ أن تعطي أم أن تأخذ ؟ أُقدِّم لكم مثلاً صارخاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يوزِّع شاةً وكانت معه السيدة عائشة رضي الله عنها، فلمَّا وزَّعها، وكادت تنتهي، يبدو أن السيدة عائشة أرادت أن يبقي لها شيٌ تأكله، فعَنْ عَائِشَةَ
((أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا قَالَتْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا))
( الترمذي)
فقبل أن نخوض في موضوع كرمه صلى الله عليه وسلَّم، ما الذي يسعدك ؛ أن تعطي أم أن تأخذ ؟ ما الذي ترتاح له، أن تبذل أم أن تغتصب ؟ أهل الإيمان يسعدهم العطاء، يسعدهم البذل، تسعدهم المؤاثرة، وأهل الكفر يسعدهم أن يأخذوا، وأن يغتصبوا، وأن يعتدوا، لذلك عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا))
( رواه الشيخان )
أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، هذه الأوصاف الثلاثة هي أمهات الكمالات، فهو أحسن الناس صورةً ومعنىً، كان عليه الصلاة والسلام جميل الصورة، وأخلاقه جميلة، طيِّبة، مريحة، وكان أشجع الناس قلباً، وهو أجود الناس، وأنفعهم للناس، هذا الجود الذي اتصف به النبي صلى الله عليه وسلَّم، كما قال كتَّاب السيرة هو جودٌ لله تعالى، وجودٌ في الله تعالى، وجودٌ ابتغاء مرضاة تعالى، هو في الله، ولله، وابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل، لذلك كانت مصارف جوده كلها في طاعة الله ـ أحياناً الإنسان ينفق المال لا في طاعة الله، بل ينفق سخاءً و رياءً فهو سخاءٌ على عملٍ يرفعه عند الناس ـ لكن كانت مصارف جوده صلى الله عليه وسلَّم في الإنفاق على الفقراء والمساكين، والإنفاق في سبيل الله وفي الجهاد، وفي تأليف قلوب المؤلَّفة قلوبهم تمكيناً لهم وللمؤمنين، إذاً تارةً ينفق في سبيل الله وفي الجهاد، وتارةً ينفق إطعاماً للفقراء والمساكين، وتارةً ينفق تأليفاً لقلوب ضعاف الإيمان وتأليفاً لقلوب أعداء الإسلام لعلَّهم يميلون إلى الإسلام.
روى الإمام مسلمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ))
دائماً يعطي، لأنه كان يسعده السؤال.
لا تسألنَّ بُنيَّ آدم حاجــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ
* * *
أحياناً الإنسان يتضَجّر، فمجرد سؤالين أو ثلاثة، طلبين أو ثلاثة يتضجر، و لو تزاحمت عليه الأسئلة لَخرج عن طوره، لكن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان يسعده السؤال، هذه أخلاق النبي، لذلك فالمؤمن صدره واسع، يطرق الناس بابه صباحاً، ومساءً، وظهراً، وفي القيلولة، وقبل الفجر، وبعد الفجر، وفي ساعةٍ متأخرة من الليل يطلبون منه حاجاتهم ؛ قضايا، وساطة، معاونة.
المؤمن الكامل يتسع صدره لكل هؤلاء، المؤمن الكامل لا يَتَضجر، و لا يتأفَّف، لأن هذا الذي يطرق بابه إنما هو ضيفٌ ساقه الله إليه، والله سبحانه وتعالى ينظر ماذا تفعل، كيف تردَّه ؟ فالإنسان إذا طُرق بابه أو التجأ إليه أحد، فالله عزَّ وجل بهذا يمتحنه، والذي أرسله هو الله عزَّ وجل، إذا كنت مَرْضيّاً عند الله عزَّ وجل، وكنت قريباً منه، تشعر أن الله أرسله إليك، أن الله دلَّه عليك، أن الله سبحانه وتعالى جعله يأتيك لترقى إليه، ولو تأفَّفت لصرفه إلى غيرك، لذلك هؤلاء الذين اختصَّهم الله بالنعم يُقِرُّهم الله عليها ما بذلوها، وإذا منعوها صرفها إلى غيرهم، أحياناً يكون إنسان دخله جيد، له إخوة بنات، له أقرباء كلُّهم يطمعون به، ما في مانع، بارك الله به، فهو مظنة صلاح، ومظنة كرم فلا يأس، ولا حرج، أختك طلبت منك، أخوك طلب منك ساعدهما، أختك الثانية ابنها يحتاج إلى عمليَّة فقالت لك: والله ما لنا غيرك يا أخي، لا تضجر، لأن الله عزَّ وجل قادر على أن يجعلك تقف على أبوابه.
هناك شيء لفت نظري ـ قصة قد ذكرتها لكم على ما أعتقد من قبل ـ رجل محسن قدَّم بيتاً بثمانية ملايين ليرة لجمعية خيرية ـ ليكون مشغلاً للخياطة، وقد كان ـ فأعضاء الجمعية أرادوا أن يكرِّموه، فأقاموا له وليمة، حفل تكريم وطعام، وبدأ الخطباء يتبارون في كَيْل الثناء على هذا المحسن الكريم، لكن أعجبني أحد إخواننا الكرام عندما ألقى كلمة خاطب المحسن من خلالها، وقال له: أنت أيها المحسن يا أبا فلان ـ و قد توفي من بعد رحمه الله ـ كان من الممكن أن تكون أحد الفقراء المنتفعين من جمعيتنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أعطاك فأعطيت، فينبغي أن تشكر أنت ربَّك، لا أن نشكرك نحن، أن تشكر أنت ربك على أنه منحك فمنحت، وأعطاك فأعطيت، ومكَّنك فبذلت.
إخواننا الكرام... و قد تجدون إنساناً لضعف إيمانه يفهم الأمور معكوسة، إذا كان ضعيف الإيمان وأنفق، يقول لك: يا أخي أنا أعطيتهم، وأنا أعطي من مالي، أما إذا كان إيمانه قوياً يرى أن الله سبحانه وتعالى فضَّله، وكرَّمه، ومكَّنه من أن يعطي فيحمد الله على ذلك، فقد كان من الممكن أن يكون ممن يُعْطَى، فقيراً محتاجاً. أي أنك إذا أعطيت، و إذا كانت يدك هي العُليا، فاحمد الله كثيراً. إذ لم تكن يدك هي السفلى..
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)﴾
( سورة إبراهيم )
فالنقطة الدقيقة إذا كنت قد أعطيت يجب أن تذوب شكراً لله عزَّ وجل على أن مكَّنك من أن تعطي.
روى الإمام مسلمٌ عن أَنَسٍ قَالَ: ((مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ))
أنا لا أبالغ أيها الإخوة إذا قلت لكم: إن عدداً كبيراً جداً من المؤمنين آمنوا لا لأنهم اقتنعوا بحقائق الإيمان، بل لأن مؤمناً أحسن إليهم، فملك قلوبهم، فآمنوا حباً به، فممكن أن يكون العطاء سبب الإيمان.
و أنا أذكر رجلاً كان يركب سيارة فاخرة جداً بين مدينتين، رأى إنساناً يركب دراجة، وقد قُطع جنزيرها، فهو مقطوعٌ في قارعة الطريق، هذا الرجل الذي يركب سيارة فارهة مؤمن، أوقف مركبته على يمين الطريق، ونزل وأعان هذا الإنسان على إصلاح دراجته لأنه يعرف كيف يصلحها، قال لي: كنت أعمل من قبل في إصلاح الدراجات، أصلحها له، وجعله ينطلق إلى هدفه، إصلاح هذه الدراجة كان سبب إيمانه، وسبب توبته، واستقامته، فصاحب الدراجة أسره صنيع المعروف، ورده إلى الصلاح والإيمان.
العمل الصالح يلفت النظر، العمل الصالح ؛ الإحسان، العطاء، الكرم يملك القلب، وأنت لن تستطيع أن تدعو إلى الله إلا إذا أحسنت إلى الناس، لذلك قالوا: القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، قبل أن تتكلَّم، وتتفلسف، وتشقِّق، وتحلِّل، وتأتي بالدليل، وتشرح، وتفصِّل، قبل أن تفعل هذا مع الناس أحسن إليهم، إنك إن أحسنت إليهم فتحت قلوبهم، وبعد أن تُفتح قلوبهم لك يفتحون لك عقولهم، العقل يأتي بعد القلب.
فصفوان بن أمية أعطاه النبي غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: ((يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ))
والنبي عليه الصلاة والسلام امتُحِن مرَّتين ؛ امتحن مرَّة بالفقر، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ: ((يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ قَالَتْ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا قَالَ طَلْحَةُ))
( مسلم)
وامتحن مرَّةً بالغنى فلمَّا سأله أحدهم: " لمن هذا الغنم ؟ " قال: " هو لك ". قال: " أتهزأ بي ؟ "، قال: " لا والله هو لك "، قال: " أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر".
إخواننا الكرام... أحد أسباب كرم المؤمن يقينه القاطع أن كل شيءٍ ينفقه يخلفه الله عليه.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾
( سورة سبأ: من آية " 39 " )
اليقين القاطع بأن الذي تنفقه يأتيك عشرة أضعاف، هذا الذي يجعلك تُعطي، فهذا الكلام أقوله للدعاة إلى الله، هناك أشخاص العطاء المادي يملك قلوبهم، والمؤمن عنده هداية إنسان أغلى من الدنيا وما فيها، فرضاً إذا ابنك سيلتزم الشرع بمبلغ من المال طلبه منك، أنت الرابح، إذا كان سَيَلتزم بالدين إن زوَّجته، فأنت الرابح، إذا كان سيسلك طريق الإيمان إذا أمَّنت له بيتاً، فأنت الرابح، الإنسان أغلى من كل شيء، هدايته أغلى من الدنيا وما فيها، فإذا ثبت لك أن هذا العطاء يسهم في هداية هذا الإنسان، فأعطِ، وأنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، وظِّف المال في خدمة الخلق، أهِن المال من أجل الحق، لا تجعل المال يأسرك، كن أنت سيده و آسره.
قال: " وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يوم حنينٍ أناساً من الطُلَقاء ليتألَّف قلوبهم على الإسلام، أعطاهم مئةً من الإبل ـ أي عشرة آلاف ـ وكان من جملة من أعطى مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة".
أنت قد تعجب أنه يعطي إنساناً عطاء كبيراً ؟‍! هذا الإنسان إذا أسلم، وإذا اهتدى فهذا نصر وَ غُنمٌ كبيران، لذلك فهداية إنسان قضية ليست من السهولة بمكان، لو أنك التقيت مع أناس بعيدين عن الدين فمهما جئتهم بالأدلَّة، والآيات الواضحة، والحجج الواضحة، والقصص المؤثِّرة، فهي كالكتابة على الماء، فأن تجد إنساناً يلتفت إلى الله، يلتزم، يضع شهوته تحت قدمه فهذه بطولة، فإذا كان ثمن هذه الهداية العطاء والبذل فما من مانع و كن معطاءً جواداً.
فالمؤمن إخواننا الكرام مجنَّد في خدمة الحق، مستعد ليبذل وقته، وماله، وإمكاناته، وخبراته، وعضلاته، ووجاهته، ومكانته، وقلمه، ولسانه، في سبيل هداية الخلق، وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلَّم.
أذكر، أنني كنت قد ذكرت لكم قصَّة: أن إنساناً دخل عند أخته فرأى أن هناك شجاراً بينها وبين زوجها، واتسع الخلاف بينهما ـ و موضوع الشجار أنّ زوجها من أصحاب الدخل المحدود ـ وهي تطالبه بمبلغ شهري للإنفاق على بناتها، هو يقول: المعاش كله للطعام وللشراب، ولا يكفي، هذا موضوع الخلاف، وهذا الأخ الذي دخل بيت أخته ورأى هذا الشجار و هو ليس من الأغنياء، لكن أراد أن يتقرَّب إلى الله فقال لها: يا أختي هذا المبلغ ـ ثلاثمئة ليرة عليّ، خذيها مني أول كل شهر، وأنهوا الموضوع. قال لي: والله كنت أول كل شهر أطرق الباب وأعطيها ثلاثمئة، ما خطر في باله أبداً أن يكون هذا المال سبباً لهداية هذا البيت، قال: بعد ستة أشهر من شدة الميل والمحبة قيل له: يا أخي خصص لنا وقتاً لدرس أسبوعي.
بدأ يقوم بدرس أسبوعي لأخته وبنات أخته وأولاد أخته، قال لي: آية قرآنية، حديث شريف أشرحه لهم، حكم فقهي، تلاوة قرآن، وتجويد، كل جمعة، الله عزَّ وجل بعد حين تحجبت بنات أخته، و لم يلبثن حتى أكرمهن الله عزَّ وجل و أكرمه بتزويجهن بشبابٍ مؤمنين.
قلت: سبحان الله ! ثلاثمئة ليرة بالشهر على ستة أشهر سبب هداية أسرة بأكملها ؟! فلا تبخل أيها المسلم، أحياناً يكون عندك صانع، وأنت ميسور، و يتقاضى أجارته وهذا صحيح، له بالشهر خمسة آلاف، و بعد حين أراد أن يتزوج، فأعطه في هذا الشهر خمسة وعشرين ألفاً، عليه نفقات باهظة ؛ غرفة نوم، وغرفة ضيوف، وصيغة، ومَهر. يا أخي ليس له عندي أي حق، و أنا أعطيته كل حقه. إعطاؤه حقه، هذا العدل، و لكن أين الإحسان ؟.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
( سورة النحل: من آية " 90 " )
ألا تريد أن يميل قلبه لك ؟ ألا تريد أن يميل قلب هذا الموظف لسيده ؟ ألا تريد من هذا الموظَّف لو قال له سيده: صلِّ، أن يصلي ؟ لو قال له: تعال معي إلى درس العلم أن يأتي معه ؟ بالبر يستعبد الحر، فأنا لا أفهم الدين مجرد كلام، إذا فهمنا: " الدين كلام ويظل كلاما"، فالصحابة الكرام ما رأوه كلاماً بل رأوه بذلاً، فأنت بصراحة إذا كنت تطمع بهداية الناس، يجب أن تعطي من مالك، من وقتك، من جهدك، فلا تستصغر معروفاً، لعلَّ هذا المعروف يكون سبب هداية أسرة، والأسرة تجر أسرة، أحياناً تجد شخصاً آمن بِيُسْر، فسبحان الله ! واستقام والتزم، جرَّ كل من حوله، يقول لك: فلان أخي، أهلاً وسهلاً، هذا صهرنا، أهلاً وسهلاً، الثالث هذا ابن أختي، أهلاً وسهلاً، كل يوم يأتي بواحد لأنه محسن، ليست هذه قضية حكي، فالكلام قد ملَّ منه كل الناس، نقولها بصراحة، وشبعوا منه، فهناك حكي يملأ الأرض، الناس يريدون فعلاً، يريدون مسلماً، لا يريدون من يحدِّثهم عن الإسلام بل يريدون مسلماً حقاً، يريدون مسلماً يبذل، مسلماً ملتزماً، مسلماً مطبِّقاً، مسلماً محباً، مسلماً صادقاً، مسلماً أميناً، مسلماً وفياً، هذا الذي يؤثِّر في الناس.
وروى الترمذي عن سعيد بن المسيِّب عن صفوان بن أمية أنه قال: ((لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي))
هذا مصداق ما قلته قبل قليل، فأنت تستطيع بمالك وحده أن تقنع الناس بالهدى، والله الذي لا إله إلا هو لا أغبط إنساناً كما أغبط إنساناً غنياً مؤمناً، بإمكانه بهذا المال أن يصل إلى أعلى عليين، بإمكانه بهذا المال أن يكون أكبر داعية في الأرض، أحياناً الإنسان الفقير لا يحتاج إلى إقناع، يحتاج إلى دراهم ليحل مشاكله، إذا أنت أمَّنت لإنسان بيتاً، أمَّنت له زواجاً، أمَّنت له عملاً، انتعش، أكل، لبس، تزوَّج، صار له بيت، فبهذا أنت ملكت قلبه، أنت شيخه.
والله مرَّة ذكر لي شخص قصَّة، إنسان يعمل في تجارة الساعات، قال لي: أفلست، له أخ هكذا قال لي ـ و أنا لا أدري الحقيقة ـ: والله أخي حجمه المالي مئتا مليون هكذا قال، و ما قدَّم لي شيئاً، ولا أمدني و لو بليرة، ولا مساعدة، ولا مواساة، قال لي: فسافرت إلى بلد مجاور ـ لبنان ـ و تعرفت على تاجر ساعات كبير، قال لي: من كثرة تأثري حكيت له القصَّة فبكيت أمامه. قال: أتبكي ؟! ثم طيب خاطري: و بعثني إلى فندق من أفخر فنادق لبنان، وقال له: ابق فيه يومين أو ثلاثة حتى ترتاح، وبعد ذلك تعال، فأقمت في الفندق على شاطئ البحر وكان معي زوجتي.
و بعد يومين ذهبت إليه ـ والقصة من اثنتي عشرة سنة ـ فقال له: هذه خمسون ألفاً لترمِّم نفسك بها، وهذه كمية ساعات بمئة ألف، وارجع، واعمل، ثم قال: والله أنام، وأراه في المنام، و في النهار لا يغادر ذهني إطلاقاً، و قال أخيراً: أحببته أكثر من أقرب الناس إلي.
الإنسان عبد الإحسان، أنت إذا أردت هداية الناس لا تحكِ كثيراً بل افعل كثيراً، اخدمهم، حل مشاكلهم، أعطهم، عاونهم، ساعدهم، الصحابة الكرام كان أحدهم يرى أنه ما له حق من الدنيا إلا بحاجاته الأساسيَّة، وما سوى ذلك فبإمكانه أن يحل آلاف المشكلات، فهل من المعقول عُرس يكلِّف عشرين مليوناً، و تجد عشرين ألف شاب لا يجدون غرفة يسكنون فيها، أمعقول هذا ؟! أنا والله كما قلت قبل قليل: أغبط إخواننا الأغنياء المؤمنين على أنهم يستطيعون بمالهم أن يمسحوا الدموع عن آلاف الأسر، و يقدر بماله أن يرقى كل يوم سبعين درجة، المال يجب أن تبذله في الحق، أن توظِّفه في الحق: ((أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))
( من أحاديث الإحياء: عن " أبي هريرة " )
وهذا الذي قال عن رسول الله: ((لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فبما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي))
أنا أقسم لكم بالله أنك إذا تألَّفت قلباً قاسياً، شارداً، جافياً بالمال لان القلب، لا تنسوا هذه الكلمة: " بالبر يستعبد الحر "، قد يقول أحدكم: أنا لست غنياً، إذاً استمعوا لهذا الحديث الثاني: ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))
( من شرح الجامع الصغير )
ألا تستطيع أن تكون باش الوجه، ليِّن الجانب، لين العريكة متواضعاً ؟ ألا تستطيع أن تعاون إنساناً بجهدك، بخبرتك ؟ قال لك: أنا لا أعرف كيف أشتري غرفة نوم، قل له: على عيني، أنت خبير، انزل معه مرتين، ثلاثاً، أربعاً على سبعة أيام، در معه، وانتقِ له غرفة نوم سعرها مناسب، وجيدة لأنك نجَّار وتعرف، هذا الوقت كله صدقة، ليس شرطاً أن تكون الصدقة مالاً، تصدَّقت بوقتك، بخبرتك، أحياناً بجاهك، قال لك: فلان صاحبك وأنا مضطر و لي عنده حاجة، وهو يرفض أن يلبيها لي، فامشِ معه.
لا تنسوا إخواننا الكرام أن سيدنا ابن عبَّاس ابن عم رسول الله كان معتكفاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، جاءه رجل يشكو ديناً ركبه، قال له: " من صاحب الدين ؟ " قال: فلان. قال: " أتحب أن أكلِّمه لك؟ " قال: إذا شئت، قام سيدنا ابن عباس المعتكف، نسي اعتكافه، فقال له واحد فضولي: أنسيت أنك معتكف ؟ قال له: " لا. ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب.. يقول: ((لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا))
عندما نفهم الدين خدمة، وبذلاً، وتضحية، ومؤاثرة، فالله يحبنا جميعاً ؛ وإذا فهمنا الدين شعائر، عبادات نؤديها جوفاء نزهو بها، ولا نطلع عن الضربة ـ بالتعبير العامي ـ عندئذٍ لا يرضى الله علينا، الحياة تعاون، الله قال:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
( سورة المائدة: من آية " 2 " )
لا تظن أن الناس متعلقون بالدين لأن الدين حق، فالدين هو حق، لكن أبلغ من أنه حق، عندما التقى المؤمن بالمؤمنين و رأى البذل، والتضحية، والاهتمام، والخدمة، والحرص، والأنس، فسُر و انخرط في صفوفهم راضياً.
وفي مغازي الواقدي أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلَّم يتصفَّح الغنائم يوم حنين، إذ مرَّ بشعبٍ مملوءٍ إبلاً وغنماً فأعجبه، فجعل ينظر إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟". قال: " نعم "، قال: " هو لك بما فيه"، فقال صفوان: " أشهد أنك رسول الله ما طابت بهذا نفس أحدٍ قط إلا نفس نبي "، و بعد فهل من الممكن في زماننا أن يقول لك شخص: أخي هذا البيت كله لك ؟‍‍! فما هذا الكلام ؟!! يقول الناس عندئذٍ: أعطهِ هدية، أعطهِ مبلغاً من المال ألفاً ألفين مثلاً، يمكن أن تعطيه شيئاً يلبسه، أو تعطيه ثمنَ طعامِ شهرٍ، أما هذا بيت فخذه، هذا فوق مستوى الأشخاص الآن، أما النبي قال له: " خذه "، قال: " ما طابت بهذا نفس أحدٍ قط إلا نفس نبي "، فالإنسان عندما يقدِّم شيئاً ثميناً جداً عن طيب نفس، وعن سماحة نفس، وعن شعور بخدمة الخلق، قال العلماء: فهذا الذي يرفع الإنسان.
وكان عليه الصلاة والسلام من أجود الناس، فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا))
(متفق عليه)
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((حُمِل إليه تسعون ألف درهم، ووضِعت على حصيرٍ ثم قام إليها يقسمها، فما ردَّ سائلاً حتى فرغ منها))
إخواننا الكرام... الإنسان إذا دعا إلى الله عليه أن يكون خبيراً بالنفوس، فالنفس تحب من أحسن إليها، وفي الأثر القدسي: (( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها))
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ))
(متفق عليه)
إذا تعفَّفت يعفَّك الله، إذا استغنيت يغنِك الله، إذا تصبَّرت يصبِّرك الله، و هنا أشعر أننا انتهينا إلى الطرف الثاني ـ الطرف الآخذ ـ قال: احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
و إذا أحب شخص أن يتعفَّف فالله يعفَّه، أي يغنيه من فضله، و إذا أحب أن يتصبَّر، فالله يصبِّره، و إذا أحب أن يستغني، فالله يغنيه، كذلك شخص أخذ، ما في مانع، فالأخذ مقبول.
وكان عليه الصلاة والسلام كريم النفس، يكرِّم السائل بنفسه ـ خذوا أعطوه ـ كان عليه الصلاة والسلام ينهض، ويتوجَّه نحو الفقير، ويعطيه بيده، هذا تكريم للفقير، لا يكفي أن تعطيه، و تكون آمراً الطرف الآخر أن يعطيه: أعطوا، أعطوا، بل بنفسك أعط، بيدك أعط، تحرَّك إلى الفقير، كان عليه الصلاة والسلام يُكْرِم السائل بنفسه، ولا يأنف أن يقوم إلى السائل فيعطيه الصدقة، بل كان لا يَكِلُ صدقته إلى غير نفسه حتى يكون، فهو الذي يضعها في يد السائل، معنى ذلك أن إنفاق المال بيدك فضيلة.
وروى ابن ماجة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ))
فإذا جلس الإنسان مع فقير، و تناول معه الطعام فهذا تواضع من جهة و جبر لخاطر الفقير من جهة أخرى، حدَّثني أخ، سبحان الله ! يوم أن كان طفلاً صغيراً يعمل في معمل، لرجل صالح، هذا الطفل فقير، ويتيم، ولا يملك من الدنيا شيئاً، قال لي: تعطيني والدتي بطاطا مسلوقة، ورغيف خبز بمحرمة، كان صاحب المعمل كل يوم يجلس مع عاملين أو ثلاثة، يا ابني أين أكلك ؟ تعال لِتأكل معي ؟ قال له: آكل معك شرط أن تأكل معي، يضع البطاطا المسلوقة، والثاني يحضر طعاماً نفيساً، يأكل كل يوم مع عاملين أو ثلاثة لتأليف قلوبهم، يكرمه، عيديَّة، و بمبلغ إضافي، و الإنسان يسعد بالعطاء، أنا أحياناً أغبط أصحاب المعامل، عندك اثنا عشر عاملاً هؤلاء زادك إلى الله، ممكن أن تصل للجنة عن طريقهم، اخدمهم، اعتنِ بهم، تفقَّد أحوالهم، كيف أوضاعهم في البيوت ؟ يا ترى أهم متزوجون ؟ أم غير متزوجين ؟ جاءهم أولاد، أعنده حالة ولادة ؟ من الممكن لِلْإنسان أن يصل إلى الجنة عن طريق عُمَّاله، للجنة عن طريق موظفيه، للجنة عن طريق أولاده، عن طريق جيرانه، عن طريق أصحابه.
سيدنا الصديق وما أدراكم ما الصديق، " ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر"، ومع ذلك كان يحلب الشياه لجيرانه بنفسه، خدمة لهم، فلما صار خليفة، أمعقول ؟ بعد أن أصبح خليفة المسلمين يحلب الشاة للجيران، طُرق باب أحد جيرانه في صبيحة اليوم التالي لتسلُّمه الخلافة، قالت الأم لابنتها: يا بنيتي افتحي الباب. ثم قالت: من الطارق يا بنيتي ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أُماه، ما استأنف، ما استنكفت نفسه، ما ترفَّعت نفسه عن حلب الشاة لجيرانه !! أنت تبقى عظيماً جداً إذا خدمت الناس. قالت: يا أمي جاء حالب الشاة. سيدنا الصديق ذهب ليحلب شياه جيرانه المساكين الفقراء.
وروى ابن سعدٍ عن زياد مولى عيّاش عن أبي ربيعة قال: " خصلتان كان عليه الصلاة والسلام لا يكلهما لأحد ؛ الوضوء من الليل حين يقوم، والسائل يقوم صلى الله عليه وسلَّم حتى يعطيه بنفسه ".
وفي سنن أبي داود والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْهَوْزَنِيِّ قَالَ لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ فَقُلْتُ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ ـ أي أنا المتولي أمر مال رسول الله ـ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ...))
كان النبي يقترض ليكسو مسلماً عارياً، أجل يقترض، والله أنا أعرف بعض المؤمنين جزاهم الله خيراً، لشدة حرصهم على العطاء، إن لم يكن معهم، وحدث أمر ضروري جداً فإنه يقترض ويعطي.
وروى الترمذي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فسأله أن يعطيه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " ما عندي شيء ولكن ابْتَعْ عليّ ـ دين علي ـ فإذا جاءني شيءٌ قضيته "، قال عمر: " يا رسول الله قد أعطيته فما كلَّفك الله ما لا تقدر عليه". فالله ما كلَّفك أن تقترض وتعطي، فكره النبي صلى الله عليه وسلَّم قول عمر ـ تضايق منه ـ فقال له رجل من الأنصار: " يا رسول الله أنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً "، فتبسَّم النبي صلى الله عليه وسلم، وعُرف في وجهه البشر لقول الأنصاري، ثم قال: " بهذا أُمرت ".
أحياناً الإنسان يضع سكاكر في جيبه، و كلَّما رأى شخصاً يعطيه سكرة، و يعطي ابنه المرافق سكرتين، العطاء لو كان قليلاً فاسمه عطاء، يورث مودة، و محبة، و سروراً، أحياناً الإنسان يعطي شيئاً قد يكون قليل القيمة لكن معناه كبير، لذلك فالمؤمن لا ينظر إلى قيمة الشيء بل ينظر إلى المعنى الذي قُدِّم هذا الشيء من أجله.
عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا))
(متفق عليه)
وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ))
(متفق عليه)
لذلك، يتضح مما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لا يُجَارى في كرمه، ولا يُساوى بل ولا يدانى، ولقد بلغ من كرمه صلى الله عليه وسلَّم أنه كان ينفق المال مرةً للفقير والمحتاج، ومرةً في سبيل الله والجهاد، وتارةً يتألَّف به فيعطي عطاءً تعجز الملوك عنه، حتى لا يبقى عنده قوت ليلة، فيطوي جائعاً هو وأزواجه كلُّهن، وقد اخترن ذلك لمَّا خيرهن الله جلَّ جلاله، فالله عزَّ وجل خيَّر زوجات النبي بين أن يسرحهن سراحاً جميلا، وبين أن يصبرن كما يصبر النبي، والحياة ماضية، و يبقى الخير وتذهب المتاعب، وتبقى التبعة وتذهب الملذَّات.
انظروا إخواننا الكرام مهما تمتعت بالحياة، هذه المتع كلها تُنسى، وتبقى التبعات، ومهما تعبت في الحياة هذه المتاعب تنسى، ويبقى الأجر والثواب من الله عزَّ وجل.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ))
(متفق عليه)
وقد علَّقت تعليقات عديدة على هذا الموضوع من أنه بإمكانك أن تجعل من مالك أداةً في تعريف الناس بالله.
تعليق آخر وأخير: والله الذي لا إله إلا هو لو أنك أنفقت المال في سبيل تليين قلوب الناس وتأليفهم، وفي سبيل ربطها بهذا الدين، والله الذي لا إله إلا هو لَزوال الكون أهون على الله من أن يجعلك فقيراً بعد هذا العطاء، الله كريم، تنفق من أجل أن تؤلِّف القلوب، من أجل أن تنهض بالنفوس، من أجل أن تُلَيِّن النفوس، وتبقى أنت فقيراً ؟! لا، ثم لا، قد ينفق الرجل مالاً و تقول له الشركة: على حسابنا، قيده على حسابنا، أحياناً ينفق الإنسان عينات للدعاية فيعطونه حساباً خاصاً لتوزيع المساطر، فإذا كانت شركة عادية، وأنت روَّجت بضاعتها حُسِمت لك هذه المبالغ، و سجلت على حساب الشركة، فكيف إذا روَّجت الحق للناس عن طريق المال ؟ هذا شيء بدهي. * * * * *
ومن عظيم شجاعته صلى الله عليه وسلَّم قال سيدنا علي رضي الله عنه في وصف النبي:
((كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس صبراً، وأشجعهم قلباً، وأصدقهم لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرةً، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اعترت الصحابة المخاوف أسرع بنفسه إلى كشفها وإزالتها))
فالحقيقة أن السيطرة على قلوب الناس لها أسلوبها ؛ فهناك سيطرة ماديَّة، قد تكون أنت أقوى منهم من حيث السُلطة، أنت رئيس هذه الدائرة، هذه سلطة مادية لكن لن تستطيع أن تكون سيَّدهم حقيقةً إلا إذا تفوَّقت عليهم، فرضاً مدير مستشفى، قد يكون طبيباً عادياً، و عنده أطبَّاء كبار، في نظام هذه المستشفى هو المدير وأمره هو النافذ، وبإمكانه أن يعاقب ويكافئ، لكن هؤلاء الأطباء الكبار الذين معه هو ليس عندهم مديراً، هم أقوى منه في علمهم، وفي خبرتهم، وفي مهارتهم، أما لو تصورنا مدير المستشفى هو أعلى طبيب في المستشفى من حيث الخبرة الفنيَّة، فهو عندئذٍ حقاً مدير المستشفى فعلاً قلباً وقالباً.
فالنبي الكريم اللهم صلِّ عليه ما أحبَّه أصحابه لأنه رسول فقط، أو لأنه جاء بالقرآن، بل لأنه كان بكل الكمالات البشريَّة متفوِّقاً، فالشجاع إزاءه صغير، والكريم إزاءَه صغير، والحليم كذلك إزاءه صغير، تفوق في كل مكارم الأخلاق، فأحياناً إنسان يحضر مجلس علم، وهو مختص اختصاصاً عادياً، وتطرح في الدرس قضية في اختصاصه بسيطة، فتكلَّم الأستاذ، ولكن هذه فكرة بسيطة، وهو يرى نفسه أقوى، لكن لو أنه فرضاً ـ وهذا الشيء مستحيل الآن ـ أن هذا الداعية يتكلَّم بكل اختصاص، بشكل يبدو أنه أعلم من أصحاب الاختصاص ؟! فهم يتحجَّمون كلهم، يقول لك: هذا مثل الزبديَّة الصيني ـ مثلاً ـ فأنت لا تقدر تسيطر بالسلطة، بل تسيطر بالتفوق، فتفوق النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي جعل أصحابه يخضعون إليه، تفوق بالكمال بكل أنواعه، أحياناً تجد شخصاً له مكانة عليَّة جداً، عندما يكون في خطر تجده يرتجف، فبهذا انتهى عند مرؤوسيه، إذا رجف انتهى، فسيدنا النبي كان شجاعاً.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ))
( رواه الشيخان )
سُمعت أصوات مخيفة، لَعلَّهُ غزوٌ مفاجئ، لعلها غارة صاعقة، فهم خافوا، فخرجوا، فإذا بالنبي قد استطلع الخبر وعاد على فرسٍ عريٍّ وفي عنقه سيف وقد استطلع الخبر وقال: ((لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا))
كان اللهمَّ صلِّ عليه شجاعاً.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: " ما رأيت أشجع، ولا أنجد، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا ألمَّت بهم الملمَّات وأحاطت بهم المخاوف لاذوا بجنابه الرفيع، واحتموا بحماه المنيع صلى الله عليه وسلَّم "، سبحان الله !
وقال سيدنا علي كرَّم الله وجهه: " كنا ـ أي معشر الصحابة ـ إذا حمي البأس أو اشتد البأس واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه "، حتى في الحرب هو الأول، أقرب إنسان للعدو هو رسول الله، كان أصحاب النبي يحتمون به من بأس العدو.
بالتعبير العامي شيء يكسر العين، بالكرم كريم، بالشجاعة شجاع، بالحلم حليم، بالشدة شديد، بالعلم عالِم، بالحلم حليم قال: " ولقد رأيتني يوم بدرٍ ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلَّم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً على الأعداء ".
أما يوم حنين ـ كما تروي كتب السيرة ـ والله عزَّ وجل قال:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
( سورة التوبة )
في يوم حنين وقد ألقى الله الرعب في قلوب الصحابة، لأنهم قالوا: " لن نغلب من قلَّة "، فاعتدّوا بقوَّتهم، فعَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: ((يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّهُمْ))
(متفق عليه)
وهذه نقطة مهمة جداً: لو كان النبي يدعي النبوة لكان في حنين ولَّى هارباً، أما لأنه نبيٌ صادق، و هو واثق من نصر الله له فهو ثابت في أرض المعركة، أحياناً الإنسان يتكلَّم كلاماً هو ليس قانعاً به، أما إذا صار على المِحَك.. لو فرضنا مثلاً صنع دواء غير واثق من فعاليته، وغير واثق من سلامته، وأراد أن يبيعه للناس، وروَّجه، و قال له واحد: استعمله أنت. فإذا رفض، فمعنى ذلك أنه غير واثق به، استعمله أنت، فعندما أقدم النبي اللهم صلِّ عليه والموت محقق، لولا أنه نبيٌ صادق لما أقدم، و لولى هارباً، قال: " أنا النبي لا كذب ـ أي ليست نبوتي كذباً ـ أنا ابن عبد المطلب ".
وروى البيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير أن أُبَيَّ بن خلف المشرك قال يوم أحد: أين محمد لا نجوت إن نجا ". قال: " وقد كان أبيّ يقول للنبي صلى الله عليه وسلَّم حين افتدى يوم بدر: " عندي فرسٌ أعلفها كل يومٍ فرقاً ـ أي مكيالاً كبيراً ـ من ذرةٍ لأقتلك عليها"، فقال عليه الصلاة والسلام: " أنا أقتلك إن شاء الله " ـ هذه الثقة ـ فلما رأى أبيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم يوم أحد، شدَّ أبي بن خلف على فرسه، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فاعترضه رجالٌ من المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام هكذا: " تنحوا ولا تحولوا بيني وبين أبيّ بن خلف "، وتناول النبي الحربة من الحارث بن الصمَّة الصحابي، فانتفض النبي بها انتفاضةً ـ أي قام بالحربة قومةً سريعةً ـ تطايروا، أي أبيّ بن خلف ومن معه من الكفار، تفرقوا فارِّين بسرعة كالطيور، ثم استقبل النبي أبيّ بن خلف بالحربة، فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ ـ أي سقط ـ منها عن فرسه مراراً. وقيل: بل كُسر ضلعٌ من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف إلى قريش وهو يقول: " قتلني محمد "، وهم يقولون: " لا بأس بك " فقال لهم: " لو كان ما بي من الألم والشدة لجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: أنا أقتلك، والله لو بصق علي لقتلني".
ثم مات أبي بن خلف بشرفٍ في قفولهم إلى مكة، أي حين رجعوا إلى مكة. ما أشقى هذا الإنسان الذي أراد أن يقتل النبي، قال له: " أنا أقتلك إن شاء الله "، و قال أبيّ: " لو بصق عليَّ لقتلني ".
أيها الإخوة... تحدَّثنا اليوم عن الشجاعة والكرم، والمؤمن كريم وشجاع اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، كريم لأنه يعلم علم اليقين أن أي شيءٍ ينفقه يخلفه الله عليه، وشجاع لأنه يعلم علم اليقين أن الأمر كلَّه بيد الله، وأن الله مع المؤمنين، وهذه الثقة التي يثق بها المؤمن بربه هي أثمن ما في إيمانه، الثقة بالله عزَّ وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((والثقة كنز))
وفي درسٍ قادم ننتقل إلى صبره صلى الله عليه وسلَّم على أذى المشركين، وتحمُّله الشدائد في سبيل الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : صبرة على اذى المشركين - عدلة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الرابع عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى صبره صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين.
أيها الإخوة الكرام... لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون الدنيا دار ابتلاء، حيث قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
( سورة الملك )
ولقوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾
( سورة المؤمنون )
ولقوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
( سورة العنكبوت )
لأن مشيئة الله جلَّ جلاله شاءت أن تكون الدنيا دار ابتلاء، لذلك لا بدَّ أن يمتحن الإنسان فيما يكره، لا فيما يحب، أنت إذا سبحت في نهرٍ، وقد اتجهت مع حركة النهر، ترى يسراً وراحةً في الحركة، لكنك إذا أردت أن تسبح على عكس اتجاه النهر تحتاج إلى جهد كبير، فإذا كان الهدف على عكس اتجاه التيار، وكنت صادقاً في الوصول إلى هذا الهدف، تأخذ الطريق المعاكس لاتجاه النهر، عندها تبذل جهداً كبيراً.
أردت من هذه المقدمة ومن هذا المثل، أنك إذا أردت الآخرة، لو أن الآخرة كانت مُيَسَّرةً مع الدنيا، مع الشهوات، مع المصالح، لا يتضح من هو الصادق ولا من هو الكاذب، ولكن حينما تكون الآخرة، أو حينما تتعارض الآخرة مع مصالح الدنيا عندئذٍ يظهر الصادق، ويظهر المخلص، ويمتحن الإنسان.
إذاً لن يصل الإنسان إلى الجنة إلا إذا امتحن، والامتحان ليس فيما يحبه الإنسان، في الأعم الأغلب فيما لا يحبه، الإمام الشافعي سُئل: نسأل الله التمكين أم الابتلاء، فقال رضي الله عنه: " لن تمكن قبل أن تبتلى".
الآن النبي عليه الصلاة والسلام لو أن حياته كانت محفوفةً بالمسرَّات، لو أن الله سبحانه وتعالى ما خلق له أعداءً، ولا كفاراً، ولا من عارضه، لو أنه لم يهاجر إلى المدينة، لم يذهب إلى الطائف، لم يأتمر عليه كفار قريش، وسارت الدعوة هكذا بيُسر، فأين الامتحان ؟ كيف يكون النبي قدوةً لمن بعده من الدعاة إلى الله عز وجل ؟ لذلك حياة النبي كانت قدوةً، وكانت مثلاً، وكانت أسوةً، فلا بدَّ من أن يسير النبي في طريقٍ صعب، ليكون قدوةً لمن بعدَه، ولأن أساس الامتحان يقتضي ذلك، فلذلك قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾
( سورة الأحقاف: من آية " 35 " )
أي أنك كمؤمن نحن جميعاً نسأل الله العافية، نسأل الله التوفيق، نسأل الله البَحبوحة، اليُسر، الصحة، ولكن يجب أن توطِّن نفسك على أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يمتحنك، فلابدَّ أن تهيِّئ نفسك لهذا الامتحان، إذا أردت أن تمتحن مركبة، هل تمتحنها في الطريق النازلة أن في الطريق الصاعدة ؟ لا شك أنك تمتحنها في الطريق الصاعدة.
روى الإمام أحمد والترمذي عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))
إذا خاف الإنسان، وكان في ظرف عصيب وخاف، والخوف من طبيعة البشر، فله في النبي عليه الصلاة والسلام أسوة، النبي خاف، فخرج منها خائفاً، أن تخاف من قويٍ، ظالمٍ، غاشمٍ، ليس هذا ضعفاً فيك، ولا نقصاً فيك، كمالك، النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله، وهو نبي الله، وهو المكرَّم عند الله، وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق، أصابه خوف، العبرة أن تكون في طاعة الله، أما إذا خفت لا يوجد مانع، تمتحن، وقد تنجح، وقد ترقى، فالإنسان ينبغي أن يحرص على شيءٍ واحد، ينبغي أن يحرص على أن يجده الله حيث أمره وأن يفتقده حيث نهاه، هذا الذي ينبغي أن تحرص عليه، أما أن تخاف، إذا خفت فهذا لا يقدح في مكانتك، ولا في كمالك، أما أن تفتقر، النبي كان أحياناً يدخل بيته ولا يجد طعاما، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (( دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ))
( مسلم)
أن تفتقر ليس هذا عيباً، أن تخاف ليس هذا عيباً، أن تؤذى ليس هذا عيباً، لك في النبي عليه الصلاة والسلام أسوةٌ حسنة، ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ))
أما إذا هرب الإنسان بضاعة وخاف، فهل هذه في الله ؟ لا ليست في الله، لأنه مهَرِّب، هذا الخوف لا علاقة له بالدين، إذا الإنسان خالف النظام، خالف القوانين، والعقاب شديد جداً، وخاف، فهذا خوفٌ متعلقٌ بالدنيا، نتحدث نحن هنا عن الخوف في الله، ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ))
أي لأنك مؤمنٌ تخاف، لأنك تقيم أمر الله تخاف، أحياناً يكون هذا.
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)﴾
( سورة البروج )
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ))
( الترمذي وأحمد)
النبي عليه الصلاة والسلام يبيِّن ما أصابه من خوف، وما أصابه من أذى. على كلٍ بونٌ شاسع بين المسلمين المتأخِّرين، وبين المسلمين السابقين، المسلمون السابقون حملوا الإسلام، وفتحوا البلاد، ووضعوا أرواحهم على أكُفِّهم، وتحملوا من الشدائد ما لا يتحمَّله أحد، والمسلمون اللاحقون المتأخرون أخذوا هذا الإسلام جاهزاً، أخذوه مُيَسَّراً، كل شيء الآن ميسر ؛ المساجد مفتوحة، دروس العلم قائمة، لك أن تقرأ القرآن، المصاحف ميسَّرة، الأشرطة ميسرة، فالأمور اختلفت اختلاف كبير جداً، فلذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))
(متفق عليه)
لأنهم حملوا الإسلام، وفتحوا البلاد، وجاهدوا، وقتلوا، وعذبوا، وأخرجوا من ديارهم.
لكن والله الذي لا إله إلا هو لو يعلم الإنسان المشاعر أو السكينة التي ينزلها الله على قلب المُبتلى في سبيل الله، فإذا أنت كلفت إنسان تكليف يتحمل مشقة كبيرة، لو قلت له: ضع عندك هذه الحاج، وكتب من أجلها ضبط تموين، في أمامه محاكمة، أنت تحار كيف تكرمه، كيف تكافئه على عمله ـ مثلاً ـ لكن عندما ربنا عز وجل يكلف إنسان بطاعته، وهذا الإنسان يعيش في مجتمع قاسٍ، ويدفع ثمن طاعته باهظاً، هذا لا يعلم أحدٌ إلا الله كم ينتظره من جزاءٍ من الله تعالى.
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))
( الترمذي وأحمد)
أذىً، على خوف، على جوع، من هو ؟ سيد الخلق وحبيب الحق، وأنت لست مكلف بشيء، مكلف أن تحضر درس علم، مكلف تطبق الإسلام في بيتك، في عملك، لكنك لست مكلفًا أن تبذل جهدًا كبيرًا، وتضحي بمستقبلك، وتضحي بسلامتك، وتضحي بأهلك.
وقد روى الإمام الطبراني عن الحارث بن الحارث قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة ؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئٍ لهم... "
نحن الآن إذا ذكرنا النبي عليه الصلاة والسلام نصلي عليه، ونعظمه، ونبجِّله، ونوقِّره، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بالدعوة عومل معاملة قاسية، قال: " يا أبتِ ما هذه الجماعة ؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئٍ لهم، قال: فنزلنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل ".
إخواننا الدعاة الآن يتكلم أمامهم إخوة مؤمنون، طيبون، محبون، مشتاقون، متأدِّبون، مجتمعون، القضية سهلة جداً، أما أنت الآن اجلس مع إنسان مُلحد، ذكي، وقح، متعجرف، متكبِّر، وتفضَّل ناقشه، والله نحت الجبل بإبرة أهون، كما قال الإمام عليه مرةً: " والله واللهِ مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس يوم الحجاز في يوم عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين ذاخرين إلى أرض الحجاز بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين ".
فنحن نجلس مع إخواننا فالقضية سهلة، في محبة، في مودة، وفي قواسم مشتركة، إذا قلت له: قال الله تعالى، يقول لك: جلَّ جلاله، وإذا قلت: قال عليه الصلاة والسلام. يصلي عليه معك، قضية سهلة جداً، أما اجلس مع إنسان مُلحد، مُنكر، متكبِّر، متعجرف، وقح، غير مؤدب، وناقشه، والله أصعب من نحت الصخر.
قال: " فنزلنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل، والإيمان، وهم يردون عليه ويؤذونه... "، إذا تعوَّد الرجل على الإكرام، وشخص ناداه باسمه المفرد، يشعر في داخله بالإهانة، طيب إذا ناداه بالمفرد لا بالجمع، يرى حاله مهينًا، إذا أمسكه من يد وجذبه رأى نفسه صغيرًا، فالنبي الكريم سيد الخلق وحبيب الحق قال (( يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان، وهم يردون عليه ويؤذونه، حتى انتصف النهار، وانصدع الناس عنه، فأقبلت امرأةٌ وهي تحمل قدحاً ومنديلاً، فتناوله صلى الله عليه وسلم، فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه فقال: يا بُنيتي خَمِّري عليك، أي غطي، ولا تخافي على أبيكِ قلنا: من هذه ؟ قالوا: هذه زينب بنته صلى الله عليه وسلم ))
ابنته تأتي تمسح عنه العناء، تخفف عنه، تصور المشقة التي تحمَّلها، نحن ماذا فعلنا من أجل الدين ؟ ماذا تحمَّلنا من أجل الإسلام ؟ ماذا بذلنا ؟ لو تمحورنا حول مصالحنا، وحول بيوتنا، وحول أقواتنا، وحول دخلنا، وحول تجارتنا، فلم نعبأ ببقية المسلمين، ولم نعبأ بنشر الدعوة ولم نعبأ بإنصاف المظلوم، ولم نعبأ بمساعدة الفقير، ولم نهتم إلا بأنفسنا، فيكف يتجلى الله علينا ؟ كيف يحبنا ؟ كيف يرفعنا ؟ كيف ينصرنا ؟ كيف يؤيدنا ؟
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قُلْتُ لَهُ: ((مَا أَكْثَرَ - الحقيقة ما أكثرُ، إذا قلت: ما أكثرُ، فما استفهامية، أما ما أكثرَ أصبح التركيب تعجبيًا - مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ قَالَ حَضَرْتُهُمْ وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَشَتَمَ آبَاءَنَا وَعَابَ دِينَنَا وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ أَوْ كَمَا قَالُوا قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ قَالَ فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَقَالَ تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ انْصَرِفْ رَاشِدًا فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا قَالَ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ قَالَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ قَالَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ))
(أحمد)
إذا كان للإنسان كلمات وهو يمشي في الطريق، ورفع طفل صغير صوته، وقلَّده بهذه الكلمات، ألا يشعر أنه خدش، أنه جرح.
أنتم تتطاولون، تسخرون، تكفرون، تستهزؤون، لكم مصيرٌ صعب " ((لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ))
ـ أي القتل ـ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجلٌ إلا على رأسه طائرٌ واقع، حتى إن أشدهم فيه بإيذائه تكلَّم كلاماً حسناً، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً فوالله ما كنت جهولاً ".
يبدو أنهم بالغوا بإيذائه، أول مرة، وثاني مرة، والثالثة، في الثالثة اللهم صلي عليه غضب، ورأى في تطاولهم هلاكاً لهم فقال: ((لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ))
فمن كان أشد الناس عداوةً أصبح أشدهم ليناً، قال: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً، وهذه كما قال سيدنا جعفر: " حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه وعفافه، ونسبه ".
فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم قبل البعثة وبعد البعثة، السبب لو أن الله سبحانه وتعالى عصمه بعد البعثة، وله أخطاء قبل البعثة، ثم جاء بهذه الدعوة، لا هم لخصومه إلا أن يعيِّروه بأخطائه التي كانت قبل البعثة، لكن الأنبياء باتفاق علماء التوحيد والعقيدة معصومون قبل النبوة وبعدها، إذا جاء النبي برسالة، خصوم الدين مهما نقَّبوا في سيرته ـ الآن أحياناً يكون رئيس دولة بالدول الغربية، له خصوم، ينقبوا في تاريخه السابق، له علاقة مع فتاة ينشروها بالصحف، له قضية مالية، له ملف خاص، هكذا يفعلون ـ لكن النبي عليه لصلاة والسلام لو أنه لم يكن معصوماً قبل البعثة، ثم جاء بهذا الدين الذي عاب فيه آلهتهم، وعاب فيه عقيدتهم، ما كان له من همٍ إلا أن ينقبوا في ماضيه عن أخطائه مهما دقَّت، فيكبروها، ويشهروا بها لينالوا منه، ولكنهم مهما نقبوا في سيرته قبل النبوة لا يجدون إلا كمالاً، وعفةً، وأمانةً، واستقامةً، وخلقاً حسناً.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغدو اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعضٍ: " ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا جاهركم محمد بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجلٍ واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لمَ كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول عليه الصلاة والسلام: نعم أنا الذي أقول كذا وكذا ".
أحياناً الإنسان من ضعاف الإيمان يتكلم كلمة الحق، فإذا حوسب تجده يقول: لا أنا ما قلت هذا الكلام. لماذا التراجع، الحق حق، والباطل باطل، الحق لا يستحيا منه، الحق لا يخضع للبحث، لا يحتمل المداهنة، قال: نعم أنا الذي أقول ذلك، والله عز وجل قال:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾
( سورة القلم )
إذا المؤمن على حساب دينه تكلم كلام لا يرضي الله انتهى.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (39)﴾
( سورة الأحزاب )
لو أن المؤمن أو الداعية خشي غير الله، فسكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشي منه، أو تكلم بالباطل إرضاءً لهذا الذي خشي منه، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهى، وسقط، وأصبح في مزبلة التاريخ.
فيقول عليه الصلاة والسلام: " نعم أنا الذي أقول ذلك، فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه صلى الله عليه وسلم، وقام أبو بكرٍ رضي الله عنه دونه يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله ؟! ـ فالأمر وصل إلى الشادة، أمسكه رجل بمجامع ثوبه، فقام أبو بكر يدافع عنه بكل طاقته ثم انصرفوا عنه قال: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط ". هذا الموقف، فهو أصعب موقف مر به النبي عليه الصلاة والسلام.
ولقد مات عمه صلى الله عليه وسلم ـ أبو طالب ـ وحينما مات عمه أبو طالب اشتد إيذاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقابلوه بأنواع العداوة والشدائد، فتوجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، لعل ثقيفاً يقومون له ردءاً، وعوناً، وأنصاراً على قومه في مكة، لكنه خاب ظنه، وكان بالتجائه إليهم كما يقول المثل: كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإذا بهم يقابلونه أسوأ مقابلة، ويردون عليه أقبح رد، وإنما قصدهم لأنهم كانوا أخواله، ولم يكن بينه وبينهم عداوة، ومع ذلك بالغوا في الكفر، وبالغوا في السخرية، وبالغوا في الإيذاء، وقد جاءهم مشياً بعد أن كفرت قريش برسالته.
روى الشيخان أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))
أحياناً الله عز وجل يكرم إنسان، يعطيه، يرفع شأنه، يرفع ذكره، يجعل كلامه مقبول، يلقي محبَّته في قلوب الناس، لكن لا تعلم ماذا تحمَّل هذا الإنسان من شدائد، وماذا صبر، وكم صبر على ملمَّات إرضاءً لله عز وجل، فالله عز وجل الميزان عنده دقيق جداً، الله يقدِّر الليل والنهار، البذل، التضيحة، الصبر، تحمل الأذى، تحمل المكاره، تحمل المعارضة، تحمل الفتن، هذا كله عند الله حسابٌ جزيل.
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت:: ((هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ))
وحده شريدًا، طريدًا، كفر به، ردت دعوته، سُخِرَ منه، الآن إذا الإنسان له مستوى ثقافي معين، وكان جالس إلى جانبه أقل بكثير، دهماء، لا يطاق هذا جاهل، الله عز وجل أرسل أكمل الخلق، أعلم الخلق لأناس جهلة، لأناس كفرة، مشركون، غلاظ، فظاظ، الأخلاق قاسية جداً، أصعب.
قال: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: ـ طبعاً هنا النبي الكريم يشير إلى الطائف، حينما عرض نفسه على أهل الطائف، وكذبوه، وردوا دعوته، وبالغوا في إيذائه، وأغروا به صبيانهم ـ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))
وللقصة روايةٌ أخرى رواها أبو نعيم في الدلائل، عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: " ومات أبو طالب، وازداد من البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم شدةً، فعمد إلى ثقيفٍ يرجو أن يؤوه وينصروه، فوجد ثلاثة نفرٍ منهم سادة ثقيف، وهم إخوةٌ، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه ـ الآن اسمعوا ـ فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيءٍ قط ـ أي أنت كذاب ـ وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمةً واحدةً أبداً، لإن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أكلمك، وقال الآخر: أيعجز الله أن يرسل غيرك ـ لم يجد غيرك لأن يبعثه ؟! هذا الرد، هذا رد أهل الطائف على دعوة النبي ـ وأفشوا ذلك في ثقيف ـ ما كتموا هذا الخبر، مجيء النبي وعرض نفسه عليهم، أشاعوه في ثقيف ـ واجتمعوا يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعدوا له على صفين على طريقه، فأخذوا بأيدهم حجارةً، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزؤون ويسخرون، فلما خلص من صفَّيهم وقدماه تسيلان بالدماء، عمد صلى الله عليه وسلم إلى حائطٍ من كرومهم، فأتى ظل حبلةٍ من الكَرم، فجلس في أصلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه بالدماء ".
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، أنه لما توفي أبو طالب، خرج النبي صلى الله عليه وسلم ماشياً إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرةٍ من عنبٍ فصلى ركعتين وقال: ((اللهم إن أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى عدوٍ بعيدٍ يتجهمني، أم إلى قريبٍ ملَّكته أمري ))
وفي روايةٍ: ((إن لم يكن سخطٌ ))
وفي روايةٍ: ((إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض، وأشرقت له الظُلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو أن يحل بي سخطك وفي روايةٍ: أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل علي سخطك ـ ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))

فالمصائب تأتي على الإنسان أحياناً فتضعضع الحب، المصائب تضعضع الثقة، هل هناك من مصيبةٍ أبلغ من هذه المصيبة ؟ هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، أليس لنا به أسوةٌ حسنة، أقول لكم: ليسأل الإنسان نفسه ماذا قدمت لهذا الدين ؟ الأمور ميسَّرة جداً، قدمت شيء من مالك ؟ قدمت شيء من علمك ؟ قدمت شيء من وقتك ؟ دعيت إلى الله عز وجل ؟ ماذا قدمت ؟
يوم القيامة إذا وقف الخلائق أمام الله عز وجل، كل إنسان معه عمل طيب، معه عمل جليل، معه عمل نفيس، فألا يخجل الإنسان أن لا يكون له عمل، ماذا عملت ؟ أنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن تسأل نفسك كل يوم هذا السؤال: ماذا سأقدم من عملٍ إلى الله عز وجل حينما ألقاه.
أيها الإخوة الكرام... هذه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها مختارة على محورٍ واحد ؛ محور صبره صلى الله عليه وسلم، فأحياناً الإنسان يكون دخله قليل، قد يكون زوجته، قد يكون بيته صغير، قد يكون في متاعب بعمله، متاعب بصحته، متاعب مع أولاده، لو وازن هذه المصائب التي يراها كبيرةً كبيرة، مع ما أصاب النبي عليه الصلاة والسلام من مصائب ليست بشيء، وكل شيء بثمنه، فالمؤمن الكامل يوطِّن نفسه على الابتلاء.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ))
( الترمذي، ابن ماجه)
والمؤمن لابد من مرحلةٍ يعالج بها، ولابد من مرحلةٍ يبتلى بها، ولابد من مرحلةٍ مديدة يكرَّم بها، أنت بين ابتلاءٍ ومعالجةٍ وتكريم. * * * * *
وننتقل إلى عدله صلى الله عليه وسلم
كان عليه الصلاة والسلام أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قوَّاماً بالقسط، أكثر الناس، يموت الأب، الأولاد الأقوياء يأخذون كل الميراث، البنات ليس لهم شيء، متزوجة، ساكنة مع زوجها، اغتصاب، فليس هناك وقوف عند الحقوق، يصلي، وعليه حقوق، يصوم، وعليه ذمم، يحج، ويغتصب محل تجاري، عمل على شريكه مقلب جعله بالخارج، فمثل هذه النماذج لا قيمة لها عند الله، لا قيمة لها عند الله أبداً ما لم تؤدي الحقوق، أداء الحقوق مقدمٌ على كل أنواع العبادات، لا الحج مقبول.
فالنبي الكريم هل هناك أبلغ ممن استشهاد في سبيل الله ؟ فهذا أعلى عمل على الإطلاق، ما قدم ماله، قدم روحه، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يسأل أهل الشهيد: أعَليه دين ؟ فإن قالوا: عليه دين، لا يصلي عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ))
( من صحيح مسلم: عن " عمرو بن العاص " )
شهيد لكن كل شيء بحسابه، إخواننا الكرام حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة.
" فترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام "
فالبطولة أن تؤدي الحقوق.
كان عليه الصلاة والسلام أعدل خلق الله تعالى في حقوق الله تعالى، وفي حقوق عباد الله تعالى، قوَّاماً بالقسط، منتصراً للحق، حيث كان الحق، مع القوي أو مع الضعيف، مع الغني أو مع الفقير، فالناس من ضعف نفوسهم يجاملوا الغني، إذا احتكم لك غني وفقير، وأنت لا تشعر مع الغني، حكمنا لك ـ أعوذ بالله ـ مع القوي والضعيف، مع القوي مع الغني دائماً، هو كان مع الحق مع القوي أو مع الضعيف، مع الغني أو مع الفقير، فهو كان مع الحق، مع القوي أو مع الضعيف، مع الغني أو مع الفقير، مع الكبير أو مع الصغير، مع الرجل أو مع المرأة، أهل الفتاة مع ابنتهم، ابنتهم على حق دائماً، ولا يتنازل الأب يسأل الصهر: ماذا فعلت معك ابنتي ؟ يأخذ من ابنته الكلام وانتهى الأمر، أخذ من ابنته كل شيء، انحياز أعمى، ظلم، عدل ساعةٍ أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، عدل ساعة، أن تعدل بين ابنتك وزوجها، الحق على ابنتك، قل لها: الحق عليكِ. محاباة، أهل الزوج مع ابنهم ولو كان وحشًا، وأهل الزوجة مع ابنتهم ولو كانت ابنتهم ماكرة وخادعة.
مع القوي أو الضعيف، مع الغني أو الفقير، مع الكبير أو الصغير، مع الرجل أو المرأة، مع الحُر أو العبد.
روى الشيخان واللفظ للبخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ((أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
المجتمع الراقي المبادئ كبيرة جداً، والأشخاص صغيرون جداً، المجتمع المتخلف المبادئ صغيرة والأشخاص كبيرون، أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله ـ لا أعرف ـ فلما كان العشي قام صلى الله عليه وسلم خطيباً، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، وحسنت توبتها بعد ذلك، وتزوجت، وقالت عائشة عنها: أنها كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
هذا مجتمع العدل، لا يوجد فيه تفاوف، بدأ بابنته صلى الله عليه وسلم، ((وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
يقولون عن قاضٍ طرق بابه، فسأل غلامه: من الطارق ؟ قال رجلٌ قدم لك هذا الطبق من الرطب، وكان هذا القاضي معروفاً في المدينة بحبه للرطب في بواكيرها، فقال القاضي لغلامه: صف لي هذا الرجل، وصفه له، فعرف هذا القاضي أن هذا الرجل أحد الخصوم عنده، فرد له الطبق، ولم يأخذه منه، بعد حين رفع إلى الخليفة طلباً بإعفائه من منصبه، فقل الخليفة له: لماذا ؟ قال والله جاءني متخاصمان، بعث إلي أحدهما بطبقٍ من الرطب في بواكيره، فرددته، في اليوم التالي وأنا أفصل بينهما تمنَّيت أن يكون الحق مع الذي قدَّم لي هذا الطبق، هذا مع أني رفضته، فكيف لو قبلته ؟ الطبق رفضه، وتمنى أن يكون الحق مع الذي قدَّم طبق الرطب، قال: فكيف لو قبلته ؟ هكذا النزاهة.
وقد روى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ ((أَنَّهُ كَانَ لِيَهُودِيٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِي عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهَا فَقَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى خَيْبَرَ فَأَرْجُو أَنْ تُغْنِمَنَا شَيْئًا فَأَرْجِعُ فَأَقْضِيهِ قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ ثَلَاثًا لَمْ يُرَاجَعْ فَخَرَجَ بِهِ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ إِلَى السُّوقِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةٌ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِبُرْدٍ فَنَزَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَاتَّزَرَ بِهَا وَنَزَعَ الْبُرْدَةَ فَقَالَ اشْتَرِ مِنِّي هَذِهِ الْبُرْدَةَ فَبَاعَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعَةِ الدَّرَاهِمِ فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ مَا لَكَ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أي سألت ابن أبي حدرد عن حاله ـ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ هَا دُونَكَ هَذَا بِبُرْدٍ عَلَيْهَا طَرَحَتْهُ عَلَيْهِ))
كيف كان الحق عظيم ؟! يهودي اشتكى على مسلم له عليه أربعة دراهم، فالنبي قال له: ادفع له حقها، أول مرة والثانية والثالثة، ما كان من هذا الصحابي إلا أن لف نفسه بعمامته وباع ثوبه، ودفع لليهودي حقه.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا فَقَالَ لَهُمْ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ قَالَ فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً))
(متفق عليه)
أي أن الله سمح له أن يغلظ له بالقول، ليظهر كمال النبي، ليظهر حلمه، ليظهر عدله ـ حتى هَمَّ به بعض القوم ـ إذا كان الصحابة الكرام مع رسول الله، وواحد تكلم كلمة يمكن يطلعون بروحه من شدة حبهم لهم ـ وكان أعرابياً، فقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالً ـ اسمع منه، واحد مظلوم، واحد مقهور، واحد فقير له حاجة، اسمع منه، قال: إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ـ ثم قال: أعطوه فطلبوا سنَّه ـ أي الناقة التي في السن التي دفعها للنبي ـ فلم يجدوا إلا سناً فوقها ـ أي أحسن منها ـ فقال عليه الصلاة والسلام: أعطوه، فقال الرجل أوفيتني أوفاك الله تعالى. فقال عليه الصلاة والسلام: (( فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً))
أيضاً هذه القصة وقف فيها النبي الموقف الكامل، الأعرابي كان فظاً، غليظاً، تجاوز حده، لكن لقي في صدر النبي السعة والحلم، وكان النبي حريصاً على أداء الحق وزيادة، أعطوه ناقةً في سنٍ فوق السن التي أخذها منه النبي.
وكان صلى الله عليه وسلم يتحاكم إليه قبل البعثة أيضاً الخصوم، لمَ عرفوا من عدله وأمانته، قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: " كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام ".
وروى ابن أبي شيبة عن أبي رافعٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "
((والله إني لأمينٌ في السماء، أمين في الأرض))
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ قَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ))
( مسلم)
وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى إلى رحمته صلى الله عليه وسلم.
أرجو الله أن يكون واضحاً عندكم أن هذه الأخلاق، اليوم درسنا في العدل وفي الصبر، فلا تنحز لأحد، لا تنحز لابنتك، لا تنحز لابنك، لا تنحز لشريكك، كن مع الحق، هذه بطولتك، لعل شريك على خطأ، انصره ظالماً بالأخذ على يده، لعل ابنك مخطئ، انصره بالأخذ على يده، لعل ابنتك مخطئة، انصرها بالأخذ على يدها، هذا الإيمان، أما المحاباة، والتعصب، والانحياز الأعمى هذا يسقط الإنسان ولا يرفعه.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 08:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : رحمته بالمؤمنين - بالمنافقين - بالكفار - بالصبية - بالأولاد







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الخامس عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى رحمته صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
( سورة الأنبياء )
الرحمة أيها الإخوة كلمةٌ جامعةً لكل الخير ؛ المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي، كل أنواع الخير المادي، والمعنوي، الدنيوي، والأخروي مجموعٌ في كلمة الرحمن، فقد قال الله عزَّ وجل:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
( سورة هود: من آية " 119 " )
ينبغي أن تعتقد ـ وهذا جزءٌ من العقيدة الصحيحة ـ أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليرحمه، فإذا رأيت إنساناً معذَّباً فهذه حالةٌ طارئة، حالةٌ استثنائيَّة اقتضت المُعالجة، فالأصل أن الإنسان خُلِق ليُرحم، أما إذا شذَّ عن الطريق، واستوجب العقاب، يأتي العقاب لا انتقاماً، ولا تشفياً، ولكن يأتي العقاب إصلاحاً وحملاً له على التوبة، أما أن يقول الله عزَّ وجل:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
( سورة الأنبياء )
أي أن الله سبحانه وتعالى أرسل نبيَّه صلى الله عليه وسلَّم لجميع العالمين، والعالمين جمع عالَم، أرسله رحمةً للمؤمنين، ورحمةً للكافرين، ورحمةً للمنافقين، ورحمةً لجميع بني الناس، ورحمةً للرجال، والنساء، والصبيان، والطير، والحيوان، فهو رحمةٌ مهداة، ونعمةٌ مزجاة كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلَّم.
أيها الإخوة الكرام... هذا كلامٌ دقيق وخطير، وله أبعادٌ إن فهمناها حق الفهم ربَّما تركت أثراً واضحاً في حياتنا، أما رحمته صلى الله عليه وسلَّم بالمؤمنين فبهدايتهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، وباهتمامه لما يُصلح أمرهم في الدنيا والآخرة، وتحذيره إيَّاهم مما يفسد عليهم دنياهم وأخراهم، هذه رحمته بالمؤمنين، قال تعالى:
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
( سورة التوبة )
وقد فرَّق العلماء بين الرأفة والرحمة، والفرق هو أن الرأفة تمنع ما يؤذي، لكن الرحمة تجلب ما ينفع، فهو صلى الله عليه وسلَّم..
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
رأفته تقتضي أن يحذِّرهم من كل ما يؤذيهم في دنياهم وأخراهم، ورحمته تقتضي أن يجلب لهم الخير في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة الكرام... الآن دخلنا في موضوع دقيق، الله جلَّ جلاله يقول:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
كيف نفسِّر هذه الآية ؟ النبي صلى الله عليه وسلَّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، هذه الآية تعني أنه مهما تصوَّرت، ومهما توهَّمت، ومهما تخيَّلت، بل ومهما اعتقدت، ومهما تيقَّنت أن صالحك في هذا الطريق، أو في هذا الجانب، ورأيت حديث رسول الله ينهاك عن هذا الطريق، ويأمرك بهذا الطريق، هو أولى بك من نفسه، إن طبقت أمره، وطبقت سُنَّته عاد عليك الخير كله، مهما حاولت أن تفكر، وأن تتفنَّن في تشعيب الأمور، ورأيت مصلحتك في ترك السُنَّة، إن مصلحتك كل مصلحتك، إن فوزك كل الفوز، والتفوُّق كل التفوق، والفلاح كل الفلاح في تطبيق السنة.
طبعاً هذا قد يكتشفه الإنسان بعد فوات الأوان، أما إذا عرفه وهو شاب، أي بماذا أمرنا النبي ؟ عن أي شيءٍ نهانا عنه ؟ لا تعتقد أن تكون مصلحتك بخلاف أمره ونهيه، لا تعتقد أن أمره يقيِّد من حريتك، ولكنه يضمن سلامتك، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
قد ترى الخير الدنيوي في هذا العمل، في سلوك هذا الطريق، في التعاون مع هذه الفئة، في التقرُّب من هذا الإنسان، وقد ترى أن النبي ينهاك عن هذا، وأنت قد ترى أن مصلحتك هنا، أما النبي يأمرك أن تفعل كذا، يجب أن تعتقد أن كل شيءٍ أمرك به النبي عليه الصلاة والسلام، وأن كل شيءٍ نهاك عنه النبي عليه الصلاة والسلام هو لك، ولصالحك، ولرقيك، ولسعادتك في الدنيا والآخرة، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
فهل هناك من إنسان أحرص على ذاته من نفسه ؟ هل هناك من إنسان أحرص على سلامة وجوده من ذات الإنسان ؟ على استمرار وجوده، على سلامة وجوده، على كمال وجوده، على بقاء وجوده، لو قرأت سُنة رسول الله القولية والعملية، واتبعت سُنته القولية، وتأسيت بسُنته العمليَّة، لوجدت أن كلمته هي وحدها ولا شيء سواها يحقق لك سعادة الدنيا والآخرة.
لكن حتى يكون الكلام واضحاً الحياة فيها امتحانات، لولا أنه يبدو لك أن خيرك في مخالفة السنة لما كان لك أجرٌ في اتباع السُنة، لولا أنه يبدو لك للنظرة الأولى أن الخير في هذا الطريق والنبي نهاك عنه، ما كان لك من أجرٍ ولا ترقى باتباعك السُنة، شيء طبيعي جداً أن تختلف الظواهر مع الحقائق، لو أنها تطابقت لأُلغيت العبادة.
فمثلاً لو أن الكسب الحلال سهلٌ جداً، وأن الكسب الحرام صعبٌ جداً، لأقبل جميع الناس على الحلال لا حباً في الله، ولا طمعاً برحمته، ولا تقرُّباً إليه، ولا تمنِّياً لدخول جنَّته بل لأنه سهل، معنى ذلك أن العبادة أُلغيت، لكن شاءت حكمة الله أن يجعل الحلال صعباً والحرام سهلاً، هنا الامتحان، لولا أن الظاهر يتناقض بعض الشيء مع الحقيقة، الظاهر، لما كان من عبادة، ولما كان من رقي، لذلك الإنسان العاقل ما الذي يرفع قدره عند الله ؟ إنه يسارع إلى تطبيق أمر رسوله من دون أن يجري محاكمةً حول الخسائر والأرباح، شأن المؤمن..
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )
أنت تختار هذا البيت أو هذا البيت، هذه الفتاة أو هذه الفتاة للزواج، أن تسافر أو أن تقيم، أم أن تخيِّر نفسك بين أمرٍ، وأن تأتمر، أو لا تأتمر، عندئذٍ لست مؤمناً..
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )
أي أن شأن المؤمن إذا دعي إلى تنفيذ أمر الله يقول: سمعنا وأطعنا، لعلمه أن هذا الأمر فيه كل الخير، وفيه كل السعادة، أضرب لكم مثلاً، أو أوضِّح لكم هذه الحقيقة من خلال آيتين، الله عزَّ وجل قال:
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
( سورة البقرة:من آية " 5 " )
على تفيد العُلو، أي أن هذا الهدى الذي في حقيقته كلُّه قيود، فحياة الكافر تفلُّت كامل، ما في عنده شيء حرام أبداً، ما في شيء ممنوع، ما في شيء ما يصير، يأكل ما يشاء، يذهب إلى أي مكانٍ يشاء، يلتقي مع من يشاء، يمتِّع بصره بمن يشاء، كل شيء يمارسه، يقول لك: أنا حر. المؤمن في عنده منظومة قيَم، ومجموعة من الأوامر والنواهي كبيرة جداَ، هذا حرام، هذا مكروه، هذا يجوز أو لا يجوز، هذا يرضي الله، يسخط الله..
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
( سورة البقرة:من آية " 5 " )
الذي اهتدى الهدى يرفعه، مع أن الهدى كله قيود، و..
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)﴾
( سورة الزمر )
والضَّال دخل في شيء، دخل في قيْد ؛ إما أنه دخل في السجن، أو دخل في كآبة، أو دخل في قلق، أي هو دائماً مع طلاقته يقيِّده الشقاء، ومع قيود يسعده الإيمان ويطلقه..
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)﴾
( سورة المدثر )
لذلك هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
اعتقد هذا، اعتقد اعتقاداً جازماً السُنة في هذا، السنة في أن تستقيم، في أن تصدق، في أن تفي بالعهد، في أن تُنجز الوعد، في أن تكون عفيفاً، في أن تتحرَّى الحلال ولو كنت في فقرٍ مدقع، في أن تضع قدمك فوق الحرام ولو كان بالملايين، هذا الإيمان.
روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ))
الحقيقة هذا الحديث له مجال آخر، هذا الحديث النبي عليه الصلاة والسلام لا يتحدَّث عن نفسه كنبي، لكنه يتحدث على نفسه على أنه وليّ أمر المسلمين، النبي مقام ديني، أما ولي أمر المسلمين مقام زمني ـ إن صحَّ التعبير ـ لذلك ولي أمر المسلمين يجب أن يتحمل عن رعيته كل تبعاتهم، ((وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ))
أما إن ترك مالاً فلورثته، فالمواطن المسلم إذا اغتنى تغتني بغناه الدولة، وإذا افتقر تفتقر، أحياناً حينما يُكلَّف الإنسان فوق طاقته عندئذٍ ينسحب من الحياة، لا يعمل، لا ينتج، هذه القضية متعلِّقة بالنظام الاقتصادي، ونظام متعلِّق بالسياسة الشرعية، فأي مؤمنٍ ترك مالاً فلورثته، ترك ديناً أو ضياعاً أو عيالاً فليأتني فأنا أولى الناس به.
النبي في هذا الحديث الشريف يتحدث لا على أنه نبيٌ مرسل، بل على أنه ولي أمر المسلمين، فكل مجتمع عندما يغتني، القائمون على هذا المجتمع يغتنون بغناه، أما إذا أُفقِر الإنسان أُلغيت القوة الشرائية، هذه قاعدة عامة، فلو فتحنا مؤسَّسة في بلد فقير لا تربح إطلاقاً، أنَّا لها أن تربح، لا توجد قوة شرائية، لا يوجد مال مع الناس، أما إذا اغتنى الناس فأي مشروع ينجح ويربح، وتأتي الدولة فتأخذ الضرائب من هذه المؤسَّسات الناجحة، لذلك هذا الحديث متعلِّق بالسياسية الشرعيَّة، أي أنه إذا اغتنى المواطن تغتني معه كل شيء ؛ تغتني معه المؤسَّسات، تغتني فيه المشروعات، تغتني الدولة كلها، فهذا الحديث يعلمنا الشيء الكثير، أن ولي أمر المسلمين ينبغي أن يسعى لإغناء رعيته، فإن اغتنوا اغتنت الدولة بغنى الرعيَّة.
وفي رواية أحمد: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْ مَالَهُ عُصْبَتُهُ مَنْ كَانَ))
هذه رحمته بالمؤمنين، حرص على سعادتهم في الدنيا والآخرة، وحذَّرهم مما يفسد سعادتهم في الدنيا والآخرة، وأمرهم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة، وهو أولى بهم من أنفسهم، لكن أدق نقطة في الموضوع أن المؤمن العميق الإيمان يعتقد أن كل مصلحته، وكل فوزه، وكل نجاحه، وكل سعادته، وكل تفوّقه في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
كثير من الأشخاص ـ مثلاً ـ يطلب الخاطب طلبًا غير شرعي، يخافون أن يذهب فيتساهلون معه، ويتركون السُنة، ثم يفاجؤون أن الخاطب ترك ابنتهم وقد أمضى معها سَنةً، الموضوع دقيق ؛ بالتجارة، بالبيع، بالشراء، بكسب المال، بإنفاق المال، بالعلاقات الاجتماعية، بالزواج، بالطلاق، في كل شيء حينما ترى أن السُنَّة تقيدك، يا أخي دعونا من السُنَّة الآن، فإذا تحرك الإنسان بخلاف السنة وفق هواه، وفق مصالحه التي يراها فإنه يدفع الثمن باهظاً، هذه الآية دعها في ذهنك..
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 6 " )
فأحياناً يتوهَّم الأهل أن الفتاة إن لم تبد زينتها أمام الأجانب لا أحد يخطبها، أما إذا حجَّبناها، وأبقيناها في البيت، وعلَّمناها، من يعرف ما عندها من قيم جماليَّة ؟ إذاً لا أحد يتقدَّم لخطبتها، الذي يحدث العكس، المرأة التي طبَّقت سُنة النبي عليه الصلاة والسلام الله جلَّ جلاله يهيِّئ لها شاباً مؤمناً يعرف قيمتها ويرعاها، لا تفكِّر أبداً تنجح بخلاف شريعة الإسلام، لا في حياتك الخاصة، ولا حياتك الزوجية، ولا في حياتك الاجتماعية، ولا في تجارتك، ولا في أعمالك كلها، حتى الإنسان أحياناً يخالف السنة ويطيع من هو أقوى منه، كأن يقول: الآن أنا مضطر تلافيت الشر. هذا الذي أطاعه وعصى الله عزَّ وجل لابدَّ أن يسخط عليه.. ((ومن أعان ظالماً سلَّطه الله عليه))
((مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ))
( من سنن ابن ماجة: عن " أبي هريرة " )
ولا يوجد أخ ما عنده تجارب سابقة، كأن يكون عمل عملا تمليه عليه مصالحه، فتساهل في تطبيق السُنة، دفع الثمن باهظاً، أبداً.
قال: أما برحمته بالمنافقين فبالأمان من القتل والسبي نظراً لظاهر إسلامهم في الدنيا. أي هم تزيّوا بزَي الإسلام، وأظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، فهذا الذي أظهروه حماهم من أن يعاملوا كالكفار، هذه رحمة النبي بهم، وكما علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام نحن نحكم بالظاهر والله يتولَّى السرائر.
أما رحمته بالكفار كيف ؟ قال: فبرفع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا، فمن علامات قيام الساعة ـ كما ورد في بعض الأحاديث ـ هلاك العرب لا هلاك استئصال ولكن هلاك ضعف وتمزُّق. فكأن الله سبحانه وتعالى ضمن للنبي عليه الصلاة والسلام من أن يهلك أمَّته إهلاك استئصال، فقوم عاد، وثمود، وتبَّع، وقوم لوط أُهلِكوا هلاك استئصال..
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾
( سورة الحجر: من آية " 74 " )
لكن أمة النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً إذا قلت: أمة النبي أقصد الأمة التي هنا في هذا الموطن هناك أمة الاستجابة، وهناك أمة التبليغ، فكل إنسان بحكم ولادته، وبحكم والديه، وبحكم مكان ولادته، كان من أبوين مسلمين هذا من أمة التبليغ، قد يكون علمانياً، قد يكون مُلحداً لكن هو من أمة التبليغ، هذا الذي كفر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة النبي له أنه لا يهلك هلاك استئصال، بل يعذَّب عذاب معالجة، هذا من رحمة النبي بالكفار.
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
( سورة الأنبياء )
قال: " من آمن تمَّت له الرحمة في الدنيا وفي الآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم من عاجل الدنيا من العذاب، من المسخ، والخسف، والقذف ".
أما قول الله عزَّ وجل:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 33 " )
فهذه الآية أفضنا الحديث عنها سابقاً، أي مادامت سُنة النبي صلى الله عليه وسلَّم مطبَّقةً في حياتهم فالله لا يعذبهم، لِمَ يعذبهم ؟ يعذبهم إذا خالفوا منهج الله، أما إذا طبَّقوا سنة النبي فهم في أمانٍ من أن يعذَّبوا، إذاً وأنت فيهم تعني وأنك بين ظهرانيهم في حياتك، وشريعتك في حياتهم بعد مماتك..
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾
بعضهم فهم الآية فهماً آخر، تأكيداً لهذا المعنى ـ معنى رحمته بالكفار ـ أن النبي صلى الله عليه وسلَّم ما دام مُرسلاً إلى هذه الأمة فلن تُهلك هلاك استئصال، هذا المعنى الثالث.
المعنى الأول: ما دامت سنة النبي قائمةٌ في حياتهم لن يعذَّبوا، ما دام النبي بين ظهراني أصحابه لن يعذبوا، ما دامت سُنته في أمَّته من بعد وفاته لن يعذَّبوا.
المعنى الثالث: ما دام النبي صلى الله عليه وسلَّم قد أُرسل لهذه الأمة، ما دامت هذه الأمة قد أُرسل إليها النبي عليه الصلاة والسلام، فهي في أمانٍ من أن تعذَّب عذاب استئصال، العذاب الكامل الشامل، عذاب الإهلاك، عذاب الإبادة، هذه الأمة معافاةٌ من أن تعذَّب هذا العذاب، لكن كيف نوفِّق بين هذه الآية وبين قوله تعالى:
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 34 " )
هناك عذاب إفرادي، عذاب فِئَوي، أما عذاب شامل لا يوجد، فهذه الآية تشير إلى العذاب الفردي، فالإنسان الله عزَّ وجل يعالجه أحياناً، يضيِّق عليه، أما أن يهلك الأمة إهلاك إبادة، إهلاك استئصال هذا مما ضمنه الله للنبي تكريماً له ولأمَّته من بعده، هذا المعنى الثالث.
أما المعنى الأول أوجه معنى، أنه أنت متى تعذَّب ؟ تعذب إذا خالفت منهج الله، أما إذا طبقته فلماذا العذاب ؟ وهذا يؤكد معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
( سورة النساء: من آية " 147 " )
كان عليه الصلاة والسلام يقول عن نفسه: ((أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي موسى الأشعري " )
وحينما دُعِيَ عليه الصلاة والسلام ليلعن الكفار، أو يدعو على المشركين قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
فأنت مهمتك لست أن تكون قاضياً تحكم على الناس، أنت داعي إلى الله، لست قاضياَ، كن داعياً ولا تكن قاضياً، كن رحيماً ولا تكن قاسياً، كن يسروا ولا تعسِّروا، سدِّدوا وقاربوا، بَشِّروا ولا تنفِّروا، كن مبشراً ولا تكن منفراً، سدِّد وقارب، يسِّر ولا تعسِّر.
وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِيهِمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ))
(الدارمي)
نحن علاقتنا بهذه الأحاديث والآيات، أنت كمؤمن، في مؤمن كله خير، أو المؤمن كله خير، أساس حياته العطاء، أما الكافر أساس حياته الأخذ، أي أنَّه باني حياته بالتعبير الحديث ـ باستراتيجيته ـ على الأخذ، كلَّما أخذ يسعد، المؤمن باني حياته على العطاء، فلذلك إذا أراد المؤمن أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع فليكن رحيماً، ليرحم، ليعطي ؛ من وقته، من ماله، من جهده، من خبرته، من عضلاته، من كل ما أعطاه الله عزَّ وجل حتى يكون رحمةً للناس بشكل مصغَّر جداً، أي أنه نموذج مصغَّر لرحمة النبي عليه الصلاة والسلام، المؤمن أينما حَل يتبارك الناس به.
والمعنى المخالف لقوله تعالى:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
( سورة الدخان: من آية " 29 " )
المؤمن تبكي عليه السماء والأرض، الأرض التي كان يطأها تبكي عليه، المكان الذي كان يجلس فيه يبكي عليه، لأن كله خير.
هذه رحمته بالمؤمنين وبالكافرين وبالمنافقين، أما رحمته بالأهل والعيال، فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن عمرو بن سعيد، عن أنسٍ رضي الله عنه قال ـ دققوا في هذه الأحاديث ونحن في أمس الحاجة إليها ـ: ((ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم))
فأحياناً تجد أب رحمته غير طبيعيَّة، زائدة، هذا الأب من أسعد الآباء، والذي يكون في النهاية أن أهله يحبونه حباً لا حدود له، ويتنافسون في خدمته، فأنا أرى أن أحد أسباب سعادة الإنسان أسرته، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أرحم بالعيال، ((ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم))
" كان إبراهيم ـ ابنه ـ مسترضعاً له في عوالي المدينة ـ أي بمكان بعيد في المدينة ـ فكان ينطلق ونحن معه. ينطلق النبي أي تقريباً واحد ساكن بالمهاجرين وابنه بالمخيَّم، مسافة طويلة، سيقطع قطر المدينة. فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت فيأخذ ابنه المسترضع فيقبِّله ثم يرجع " ـ هكذا ورد ـ من شدة محبته لأهله كان ينطلق مع أصحابه من بيته، أو من مسجده إلى طرف المدينة، ليرى ابنه إبراهيم عند مرضعته فيقبله ويرجع، ما الذي دفعه إلى هذا ؟ حُبه لأهله، رحمته بهم.
قال عمرو: " لما توفي إبراهيم قال عليه الصلاة والسلام:((إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي ـ أي رضيع، أي في سِن رضاع الثدي ـ وإنه له لظئرين ـ أي مرضعتين ـ تكمِّلان رضاعته في الجنَّة، فإنه توفي وله ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً))
ومن رحمته بأهله أنه كان يعاونهم في الأمور البيتيَّة، كما تقدَّم عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ قَالَتْ: ((كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ))
(البخاري)
فأحياناً تجد شخص في البيت دائماً في خدمة أهله ؛ يرتِّب، ويقوم بأعمال من أعمال البيت، إذا كان مرتاح وما عنده شغل، وزوجته مرهقة فعاونها هذا من سُنة النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: " فما كان صلى الله عليه وسلم من جبابرة الرجال، بل كثيراً ما كان يخدم نفسه بنفسه... " ـ هناك رجال جبابرة، أي يضرب، ويكسِّر، ويسب، إذا دخل البلاء للبيت، تجده وحش وشيء مخيف، النبي عليه الصلاة كان رحيماً، في إنسان دخوله يبعث الفرح للبيت ـ " فما كان صلى الله عليه وسلَّم من جبابرة الرجال بل كثيراً ما كان يخدم نفسه بنفسه " ـ أي أن مؤنته خفيفة، العيال نائمين يتعشَّى لوحده، فيتناول لقمتان، أما يقيم القيامة لماذا ناموا قبل أن يأتي ؟ يوقظهم قوموا اعملوا عشاء، إذا كان قميصه غير مكوي تقام قيامة المرأة، تُطلَّق، تتقلَّع على بيت أهلها ؟! نسيت قميص، نسيت زر لم تقطبه، هذا جبَّار. قال: ما كان صلى الله عليه وسلم من جبابرة الرجال، بل كثيراً ما كان يخدم نفسه بنفسه.
ففي مسند أحمد وغيره عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: ((مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ))
هذه رحمته بأهله ـ أي بزوجاته ـ.
أما رحمته بالصبيان فقد روى الشيخان وغيرهما عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
أي كثيراً ما كان، وفي صلاة الفجر التي سَنَّ لنا أن نقرأ فيها أربعين آية، أو ستين آية، في صلاة الفجر إذا سمع بكاء طفلٍ، وأمه تصلي خلف رسول الله، كان يقرأ أقصر سورةٍ ويسلِّم، رحمةً بهذه الأم التي يناديها ابنها ببكائه هكذا.
ومن رحمته بالصبيان أنه كان يمسح رؤوسهم ويقبِّلهم ـ أحياناً، وهذا الشيء يكاد يكون واقع ـ اللقطاء في العالَم الغربي أصبحت نسبتهم وبائيَّة، أي احتمال الشخص الذي أمامك واحد من اثنين لقيط، واللقطاء لا رحمة في قلوبهم، لأن الرحمة يرضعها الطفل من ثدي أمه، الطفل عندما ينشأ في بيت بين أمه وأبيه، كيفما كان هذا البيت، هذا العطف، وهذا الضَّم، وهذا التقبيل، وهذه العناية، وهذا الإطعام، وهذه المداعبة، هذا يتغذَّى بالرحمة، فإذا كبر وصار بمنصب في عنده رحمة، يقول لك: هذا مربى. تربيته المنزلية عالية لا يؤذي أحد، يعامل الناس كأنهم أولاده، هذا من رحمته في قلبه، أما هناك أشخاص تعجب لحالهم يتلذَّذون بإيذاء الخلق، يتلذَّذون بإيقاع الأذى، يتلذَّذون بتعقيد الأمور، فإذا قدر يعذب إنسان ويجعله يرتبك يشعر بسرور، فهذا ما رضع الرحمة من ثدي أمه، هذه أخلاق اللقطاء، الذي عاش في الطُرقات ؛ لا عرف رحمة الأب، ولا رحمة الأم، ولا إنسان عطف عليه، ولا أُعطي درساً في العطف، فلذلك والعياذ بالله عندما ينحرف الإنسان أو أن يهمل أولاده ـ فأنا دائماً وأبداً عندما أعالج قضية زواج أو خلاف زوجي نعد للمليار قبل أن أٌقول له: طلِّق ـ لي كلمة أقولها لإخواننا الكرام دائماً: أنت تتزوَّج وهي تتزوَّج، من الضحية ؟ الأولاد، هذا الابن صفي مشرَّد، أبوه ضد أمه، أمه أمّه، وأبوه أبوه، والأب والأم مختلفين، فلذلك في الأعم الأغلب يتشرَّد، أن أعرف شخص طلَّق، كان أبًا ناجحًا جداً، طلَّق زوجته، الزوجة الجديدة ما قبِلت أن تعيش معه ومع أولاده، فوضعهم عند أهله، أهله كبار في السن ـ والده ووالدته ـ لم يستطيعوا يضبطوا الأولاد، الابن الأول الأكبر صار له ثمانية سنوات لا يعرف أين هو، اختفى، وابنتان انحرفتا، هو تزوج، وهي تزوجت، من الذي انحرف ؟ الأولاد.
فلذلك الموضوع عندما ينشأ الطفل مع أمه وأبيه ؛ يرضع الحنان، يرضع العطف، يرضع الحُب، يرضع الرحمة، فهذا إذا كبر تجد عنده أصول تردعه، لاحظوا إذا امرأة ما تزوجت تجدونها قاسية جداً، لأنها لم تنجب ولد، هي لا تعرف معنى الأمومة، لا تعرف قيمة الابن، أما إذا كانت امرأة متزوِّجة وتعلم فرضاً، لها أولاد، الملاحظ على المعلمات اللواتي ما عندهن أولاد ـ أي لم يتزوجن ـ تجدونهن قاسيات بشكل غير معقول، ما ذاقت لذَّة الأمومة، ولا ذاقت طعم البنوَّة.
لذلك ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم بالصبيان ما ثبت عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: ((لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ فَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَإِنِّي مُطَيَّبٌ بِالْخَلُوقِ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى رَأْسِي وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أُمِّي خَلَّقَتْنِي بِالْخَلُوقِ فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ))
(أحمد)
أنت تلاحظ إذا قبَّلت طفل ولم تقبِّل أخوه يتطلَّع فيك هكذا، جرح، النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرنا أن نعدل ولو في القُبَل، والحقيقة أحياناً يكون في عندك ولدين أو ثلاثة، أو أولاد ابنتك أو أولاد ابنك، واحد أذكى من الثاني، واحد أجمل من الثاني، لا تنساق مع هواك فتعتني بالأجمل، والأذكى، أنت الآن تمشي مع هوى نفسك، أما الأكمل أن تعتني بالآخر نفس العناية حتى تأخذ بيده، ما تعقده، أما مجتمعنا قاسي أحياناً يعتني بالذكي والجميل، والأقل ذكاء والأقل جمال تجده مهمل، هذه من قسوة المجتمع، حتى في التعليم المعلم الناجح يجد الطفل الذي وضعه العام أقل من غيره، أفقر، أقل جمال، أقل ذكاء يعتني فيه، يرفع له معنوياته، يبث فيه الحماس، يثني على اجتهاده، وإذا أجاب إجابة صحيحة يثني عليها ثناءً كبيراً فينعشه، كن رحمانياً لا تكن شهوانياً، حتى في معاملة الأبناء والاثنين أولادك، اعتني بالأقل، بالأقل ذكاء، بالأقل جمال اعتني فيه، ارفع له معنوياته، عاونه على نفسه.
ومن رحمته بالصبيان أنه صلى الله عليه وسلم " كان يمسح رؤوسهم ويقبِّلهم ". كما جاء في الصحيحين عن عائشة. قالت: " قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الحسن والحسين ابني علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرةً ما قبَّلت أحداً منهم قط. فنظر إليه عليه الصلاة والسلام ثم قال: ((من لا يرحم لا يُرحم))
هذه الأطفال ـ أطفالنا ـ هم عدة المستقبل، الحقيقة يجوز الإنسان يكون نفض يديه من الكبار، فالأمل أين الأمل ؟ في الصغار، إذا نشَّأناهم نشأة طيبة، نشأة إسلاميَّة، علَّمناهم أمر دينهم، المعوَّل عليه هم الصغار، كل واحد عنده ابن أو بنت ممكن يدخل الجنة من أوسع أولادها من خلال أولاده فقط، علِّمه القرآن، علمه أدب النبي، علمه السُنَّة، خذه معك على الجامع، احترمه، دلِّله، أكرمه، حتى ينشأ على حب الله ورسوله.
((علموا أولادكم حب نبيَّكم وحب آل بيته))
اذكر له مآثر النبي، رحمة النبي، مواقف النبي، كيف كان أصحابه.
وفي الصحيحين حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ))
أي ماذا أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ؟ فهناك كثير من الآباء إذا دخل إلى بيته يمضي وقت طويل في مداعبة أولاده الصغار، لكي يتألَّف قلبهم، حتى يحبوه.
وروى الشيخان والترمذي عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ ـ أي يركبه على أكتافه ـ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ))
وروى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ))
وكان يقول لابنته فاطمة: ((أين ابناي الحسن والحسين؟))
فقد عدَّهم أولاده.
ومن رحمته بالصبيان وحبه لهم إدخال السرور عليهم، أنه صلى الله عليه وسلَّم كان إذا أوتي بأول ما يُدرك من الفاكهة، يعطيها لمن يكون في المجلس من الصبيان. إذا قُدِّمت له الفاكهة أول مرَّة في موسمها ينظر إلى أصغر الحاضرين سِناً، ويعطيه لهذا الطفل الصغير.
كما روى الطبراني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان إذا أوتي بباكورة الثمرة أي أولها، وضعها على عينيه ثم على شفتيه، وقال: اللهمَّ كما أريتنا أوله فأرنا آخره، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان))
هذه لها معنى عميق، الطفل يحب الفاكهة، ولا يعرف أن والده ما معه ثمن الفاكهة، فعندما يرخِّص الإنسان الفاكهة ويجعلها متوافرة بين أيدي الناس، الآن كم الناس هم فرحين بموضوع الموز، القضية سهلة ثلاثة كيلو بمئة ليرة، أما عندما يجد الطفل أن ثمن كيلو الموز مئة وستين ليرة، ويقول لأبيه: بابا اشتر لي الموز، والأب ليس معه ثمن الموز، ما معه ثمن كيلو هذا الموز، فالطفل الصغير يحب الفاكهة، وتأمين الطعام للطفل الصغير متعة كبيرة، لأن جسمه ينمو، يحتاج إلى غذاء، إلى شيء يعينه على بنائه الجسدي، فلذلك عندما يتشتغل الأب ويتعب، يذهب إلى شغله من الساعة السادسة، يتاجر، يقيم مشروعًا زراعيًا صناعيًا لكي يؤمن لأولاده الطعام والشراب، هذه عبادة بكل معنى الكلمة.
ليس في الإسلام إثنينيَّة، أنت في طاعة الله، وأنت في منهج الله عزَّ وجل، وأنت في عملك ؛ المعمل، المكتب، مدرس، محام، طبيب، صيدلي، مزارع، بأي مكان، أنت في عملك من أجل أن تأتي بقوت أولادك، ولحكمةٍ بالغة جعل الله الحلال صعباً لترقى، الحلال صعب لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))
أحياناً يأتي الواحد على البيت ميت من التعب، الحياة صعبة، كسب المال صعب، وكسب المال الحلال صعب، وإذا كنت أنت إنسان عادي كذلك فكسبه صعب أكثر، إذا كان الواحد عادي وما له أي ميزة وحلال، فهذا صعب على صعب، فإذا جاء بهذا المال وأمَّن فيه طعام لأولاده، أمن لباس لأولاده، هذا عمل من العبادة، من الدين، أنت ما خرجت عن الدين، فالعمل عبادة.
ومن رحمته دمع عينيه لفراق ولده إبراهيم، فعن أنسٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم دخل على ابنه إبراهيم رضي الله عنه وهو يجود بنفسه ـ أي في حالة الاحتضار ـ فجعلت عينا رسول الله تذرفان بالدموع، فقال عبد الرحمن بن عوف: " وأنت يا رسول الله تبكي؟ ". فقال:
(( يا ابن عوف إنها رحمة " ثم أتبعها بأخرى قال:" إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ))
( رواه البخاري وروى بعضه مسلم )
إذا بكى الرجل فلا مانع، ولكن لا يتكلم كلام لا يليق بإيمانه، أحياناً يموت الأب فيقول لك: انهدَّ الجسر ـ الله موجود ـ خرب بيتنا ـ ما خرب بيتكم، الله الموجود، الله هو الرزَّاق ـ مات المعيل ـ هو كان معال معكم كله كلام كفر ـ أما الإنسان يتألَّم..
"... وإن عليك يا إبراهيم لمحزونون ".
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم رُفع إليه ابن ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله بالدموع، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذه رحمةٌ جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرُحَماء))
الواحد يرحم الصغار، يعتني فيهم، يكفيهم، ينيِّمهم نومة مريحة، يطعمهم أكلة طيبة، يأخذهم سيران. والله أحياناً إذا أخذت أولادك سيران تكون في أعلى درجات العبادة، من لهم غيرك ؟ يأتون إلى المدرسة فيقولون: والله بابا أخذنا إلى هنا، كل ابن يتكلَّم عن والده أين أخذه، وأنت خذه مشوار، عطِّل وقتك ما في مانع، ابذل جهد ما في مانع، فالعناية بالأولاد جزء من الدين لكي ينشأ على محبة رسول الله، أن أباه مؤمن اعتنى فيه.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم بكاؤه لثقل مرض بعض أصحابه كما ورد في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاس، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم فبكى رسول الله، فلما رأى القوم بكاء رسول الله بكوا فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذِّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه ))
لا يعذب ببكاء العين ولا بحزن القلب، مُعفى، أما إذا تكلَّم الإنسان كلام كفر ـ واحد توفيت زوجته، ولها أخت أكبر منها بعشر سنوات فقال: كنت خذ تلك التي ما لها زوج، أخذت لي هذه ـ طبعاً هذا كلام فيه كفر، فيه عدم معرفة بحكمة الله عزَّ وجل، فالإنسان لا يعذب لا بعينه ولا بقلبه إنما يعذَّب بلسانه.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم بكاؤه لموت صاحبٍ من أصحابه، ومن ذلك ما رواه الترمذي عن عائشة ـ أحياناً يكون في أشخاص عندهم قدرات قيادية، وحولهم أشخاص كثيرون، ولكن ذكاء وخبرة في جمع الناس، ولا رحمة في قلبه، أما النبي عليه الصلاة والسلام في رحمة في قلبه، يحب أصحابه حباً حقيقياً، أصحابه أهله، وهكذا المؤمنون، حب حقيقي، مودَّة حقيقيَّة.
فأنا أقول لكم هذا المقياس، وأرجو الله أن يكون صحيحاً: أخوك المؤمن إذا الله أكرمه بشيء كأن اشترى بيت، أو تزوج امرأة ممتازة، أو أخذ دكتوراه، أو تعيَّن بمنصب رفيع، أو حقَّق مكانة اجتماعية كبيرة، إذا فرحت له وسررت من أعماقك هذه علامة إيمانك، وإن تضايقت علامة النفاق..
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
( سورة التوبة: من آية " 50 " )
المنافق يتألَّم من الخير إذا أصاب أخيه، يتألَّم، هذا المقياس لا يخيب أبداً، ما في إنسان ما في حوله أصدقاء مؤمنين، يا ترى أخوك أخذ دكتوراه ؟ وأنت تضايقت ؟ متى أخذها ؟ هذه أخذها بالأموال، على الفور يطعن فيه، إذا تزوَّج أخوك يحاول يبحث عن نقاط ضعف لكي يرتاح، من حسده يبحث عن نقاط ضعف، أما إذا كان فرحا لأخيه بشهادته، بزواجه، بعمله، بتجارته، فرحت له فأنت مؤمن ورب الكعبة، تعد نفسك معه بخندق واحد، لأن الله عزَّ وجل قال في آية دقيقة جداً:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة النور: من آية " 19 " )
ليس له ذنب، لم يتكلَّم ولا كلمة، ولا تكلَّم بحرف، ولكن لأنه أحب..
﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
الله جعله في خندق المنافقين، وخندق الكفَّار، أنت مع المؤمنين يجب أن تفرح للخير إذا أصابهم، أو تحزن لما أصابهم من شر، فإن قلت: ما دخلني، هذا الكلام لا يليق بالمؤمنين.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلَّم بكاؤه لموت صاحبٍ من أصحابه، وذلك ما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم " قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو صلى الله عليه وسلم يبكي ".
وفي رواية ابن سعد في الطبقات عن عائشة رضي الله عنها " قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، قالت: فرأيت دموع النبي تسيل على خد عثمان ".
يرحم أصحابه، يحبهم، يعرف قدرهم، يعرف قيمتهم، يعرف ميزاتهم.
وعند ابن الجوزي في كتاب الوفاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( لما مات عثمان بن مظعون كفَّ النبي الثوب عن وجهه، وقبل بين عينيه ثم بكى طويلاً، فلما رُفع على السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها ))
أي مت فقيراً لم تصب من الدنيا ولم تصِب منك.
وأما رحمته بالمساكين والضعفاء، فقد تقدم ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: " إن كانت الأمة ـ أي المملوكة ـ لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فتنطلق به حيث شاءت ـ أي إذا في بنت صغيرة في البيت، أحياناً الطفل يعرف أن هنا توجد سكرة، أو بسكوت مغلق عليه، فيمسك يد والده ويشدَّه، هذا قبل أن يدرك، قبل أن يتكلَّم، فكان عليه الصلاة والسلام إذا طفلة صغيرة أمسكت بيده، وسارت به سار معها ـ فتنطلق به في حاجتها أي ليقضي لها حاجتها من شراء طعامٍ أو متاعٍ أو نحو ذلك ".
وروى النسائي عن ابن أب أوفى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم " كان لا يأنف ـ أي لا يتكبَّر ـ أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما الحاجة ".
وعن سهل بن حنيفٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم "كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ".
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن رحمته باليتيم، ورحمته بالحيوان، ورحمته بالطيور وما إلى ذلك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : رحمته على اليتيم - الحيوان - الطيور







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم، فقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾
[ سورة الضحى ]
والنبي عليه الصلاة والسلام شاءت حكمته تعالى أن يكون يتيماً تطييباً لقلوب اليتامى من بعده، فسيد الخلق، وحبيب الحق كان يتيماً، وكان عليه الصلاة والسلام يحسن إلى اليتامى، ويبرهم، ويوصي بكفالتهم، والإحسان إليهم، ويبيّن الفضائل المترتبة على ذلك فقد روى البخاري وغيره عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ))
وهذه ليست إشارة نصر، لا، فهذا موضوع آخر، وروى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ))
خير، اسم تفضيل، إذا أكرم الله عز وجل إنساناً بيتيم ورعاه، فرعاية هذا اليتيم كافية لدخول الجنة، وكذلك امرأة مات زوجها، وذكر فضلها عليه الصلاة والسلام، فحبست نفسها على تربية أولادها، يعني أحياناً يتوفى الزوج بحادث، أو بمرض غير متوقع، أو في سن مبكرة جداً، قد يموت الزوج في الثلاثين من عمره، وعنده زوجة بالاثنين وعشرين، في ريعان شبابها ترك لها أولاداً، طبعاً لها أن تتزوج، لكنها إذا تزوجت لعل الأولاد يضيعون، يُشَرّدون، الزوج الجديد لا يرضاها مع أولادها، تضع أولادها عند أهلها، وقد يكون أهلها متقدمين في السن، فالطفل الصغير مع رجل كبير قد يتفلت من سيطرته.
فامرأة شابة في ريعان الشباب حبست نفسها على تربية أولادها، وآثرت هذا العمل الطيب على حظها من الأزواج، فهذه امرأة مدحها النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا))
ما معنى امرأة سفعاء الخدين ؟ قال شراح الحديث: المرأة التي حبست نفسها عن الزواج فيصبح لونها إلى الكمودة والسواد أقرب، لأن المرأة خلقها الله عز وجل لتكون زوجةً، فحينما يبتعد عنها زوجها لعل هذا الحرمان يؤثر في مُحياها، وهذا واضح حينما جاءت امرأة إلى السيدة عائشة رضي الله عنها،،وقد رأتها السيدة عائشة مهملةً لنفسها، وهي امرأة سيدنا عثمان بن مظعون، فلما شكت زوجها بأنه صوام قوام استدعاه النبي، وقال له: يا عثمان أليس لك بي أسوة ؟ فأفهمه أنّ عليه حقوقاً متعلقة به، فجاءت في اليوم التالي زوجته كما تقول السيدة عائشة عطرةً نضرة ـ متألقة ـ من أين جاءها التألق ؟ حينما التفتَ إليها زوجها، قالت: ما حالك ؟ قالت امرأة عثمان: أصابنا ما أصاب الناس.
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((... فَلا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))
[ البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبو داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]
الإسلام متوازن، يمكن أن تصل إلى أعلى مرتبة عند الله، وأنت تؤدي الحقوق، أما إذا أكثرت من العبادة، وأهملت حقوق العباد فهناك مسؤولية، وهناك محاسبة.
فهذه المرأة التي حبست نفسها على أولادها، وآثرت هذا العمل الطيب على حظها من الرجال أصبحت سفعاء الخدين، يعني في كمودةِ حرمانٍ، كمودةِ البعدِ عن الزوج، ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا))
آمت أي أصبحت أيماً ـ ترملت ـ يعني ربت أولادها، ولم تتزوج، والسؤال الآن: هذا الطفل الصغير كم هو غال على الله ؟ حيث إنك إذا رعيته تستحق الجنة، فالله شهيد أني لا أرى في الحياة الدنيا عملاً أعظم من أن تغرس الإيمان في نفس أولادك، من أن ترعاهم، من أن تدخل على قلوبهم السرور، وأن تنشئهم على حب الله، وحب رسوله، وحب آل بيته، وحب كتاب الله عز وجل، وأن تربيهم تربيةً إسلامية، وأن تعلمهم أحكام الفقه، وأن يكونوا معك دائماً على محبة الإيمان والصلاح، فهذا العمل كبير جداً.
لذلك ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الإنسان يشقى بشقاء أولاده شقاء حكماً، مهما بلغت، مهما ارتقيت، مهما حصلت من المال، لي قريب مات منذ ثلاثين عاماً، ترك مئة مليون ليرة، فقبل أن يموت بأيام قال لامرأته: ضيعنا الذهب ـ ويقصد بالذهب أولاده، فقد أهملهم، فنشؤوا منحرفين ـ وتبعنا العراط أي الفحم.
عبر عن خطأه الفاحش أنه أهمل أولاده، واهتم بتجميع الأموال، فلما توفي ترك هذا المال بأيدٍ شقية، منحرفة، فضاع المال والأولاد.
أيها الإخوة، ما للرجل من عمل أعظم على الإطلاق من تربية أولاده، وتنشئتهم تنشئة إسلامية، واللهِ من يقم بهذا العمل فأنا أكبره أشد إكبار، الإنسان يكون في بلاد الغرب، أو في أمريكا، وهو في أعلى درجات النجاح والتفوق، لكن يتخذ قراراً في ظاهره صعب، أما في حقيقته فهو والله أحسن قرار، فيعود إلى بلده حفاظاً على تربية أولاده، حفاظاً على دين أولاده، فهذا إنسان عظيم راجح عقله.
نناقش اليوم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم باليتيم، والله شيء لا يكاد يصدق، كافل اليتيم مع رسول الله في الجنة، امرأة مات زوجها، وترك لها أولاداً فحبست نفسها على تربيتهم، وحرمت نفسها من الزواج، فهي مع رسول الله في الجنة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: ((امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ))
[ أحمد ]
أحياناً قد يكون هذا اليتيم في غده مصلحاً اجتماعياً، قد يكون عالماً كبيراً، قد يكون محسناً كبيراً، فهذا الذي نشأه هذه التنشئة الطيبة ثوابه عند الله عظيم، أنا أعرف رجلاً والله حينما ألتقي به ملء سمعي وبصري، توفي أخوه، وترك له أولاداً ذكوراً وإناثاً، ربى أولاد أخيه تربيةً لا تقل درجة واحدة عن تربية أولاده، اختار لبنات أخيه أزواجاً طيبين، وأقام لبنات أخيه احتفالات في عقود قرانهن كاحتفالات بناته تماماً، على نفقته، هناك أسر، وأنا أكبر هذه الأسر، إذا مات الأخ فبقية الأخوة كالآباء تماماً لأولاد أخيهم، رعاية الأطفال من أعظم الأعمال، تربية الأولاد من أعظم الأعمال، ((.... أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا))
لي صديق توفي بحادث سيارة، وكان عمره خمسة وثلاثين عاماً، ترك زوجة وثلاثة أولاد، مرةً التقيت بأحد أولاده يوم كان في صف البكالوريا، وقلت له: هل أنت بحاجة إلى شيء ؟ قال لي: نعم، أريد بعض التوجيهات في اللغة العربية، قلت له: تعال إليّ، جلست معه، فإذا هو ضعيف جداً في هذه المادة، فإكراماً لصديقي المتوفى اعتنيت به كما يرضى الله عز وجل، أعطيته كل يوم درساً حتى أصبح قوياً في هذه المادة، ونجح وتفوق، فرأيت والده في المنام يشكرني.
اليتيم ليس له أب، فكل مؤمن أب له، وإذا شعر هذا اليتيم أن الناس يعطفون عليه، ويكرمونه أحبهم، سواء كانوا من أهل والده، أو من أصدقائه، لذلك فالمجتمع المؤمن مترابط، متعاون، متكاتف، ألم يخطر في بالك هذا السؤال ؟ قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
[ سورة الماعون ]
لماذا اختار الله سبحانه وتعالى كصفة قبيحة أشد القبح بالذي يكذب بالدين أنه يدع اليتيم ؟ أعجبني هذا التفسير قال العلماء: اليتيم ينبغي أن يكرم، فإذا لم تكرمه فقد وقعت في خطأ كبير، فكيف لو دفعته بصدره، فالخطأ الكبير في عدم تكريمه، فكيف إذا دفعته في صدره، وأهنته، وقسوت عليه.
لي صديق قال: له قريبة توفيت ـ وأنا لا أذكر هذا كحجة، لا، ولكن للاستئناس ـ رأيتها في المنام بحالة صعبة جداً، يعني مغموسة في ألسنة لهب، يقسم بالله العظيم أنه رآها بمعدل مرة أو مرتين بالسنة لمدة ثماني سنوات، وهي بهذه الحالة، قال لي: بعد ثماني سنوات رأيتها بحالةٍ طيبة ففرحت لها، وأشعرتها أنني مسرور جداً بهذه الحالة، وقلت لها: ماذا أصابك، وكيف أنت ؟ قالت يا فلان: الحليب، هو يعرف قصتها في الدنيا، كان لها أولاد من زوجها الثاني، ولها أولاد أيتام من زوجها الأول، فكانت تسقي أولادها حليباً كامل الدسم، وتسقي الأولاد الأيتام كأس حليب نصفه ماء ونصفه حليب، ثماني سنوات، وهي تعذب في القبر، وليس هذا الكلام حجةً كمنهج، بل يستأنس به، عندك يتيم تسقيه حليباً مغشوشاً، وتعطي ابنك حليباً كامل الدسم، فهذا عمل قبيح وشنيع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: ((امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ))
[ أحمد ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ))
[ البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ أحمد ]
السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، أي الذي يسعى فيما ينفع الأرملة والمسكين، هذا الحديث رواه الشيخان، وإذا رأيتم حديثاً شريفاً رواه الشيخان فالحديث من أصح الأحاديث على الإطلاق، وله رواية يرويها ابن ماجة: ((...قَالَ السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ...))
أما رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان فكان صلى الله عليه وسلم يوصي بالرحمة بالحيوان، وينهى صاحبه أن يجيعه، أو أن يدئبه، أو أن يتعبه بإدامة الحمل عليه، أو إثقاله، فعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: ((مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً))
[ أحمد ـ أبو داود ]
بالمناسبة لي قريب كان عنده فرس فيما مضى - توفي رحمه الله - وكان يرعاها رعايةً تامة، يقدم لها الطعام المنقى من الحصى، وكان إذا أراد أن يرقدها أرقدها على فراش من الذبل، طبعاً تستريح به، مرةً كانت ابنته على ظهرها، وكانت على الشارع العام فحينما جاءت الحافلة الكهربائية فزعت ـ وبالتعبير الفروسي جفلت ـ وهي تدرك أن على ظهرها ابنة صاحبها، فحنت ظهرها إلى الأرض ودفعت بالطفلة إلى الأرض سليمةً، وعادت لا تلوي على شيء، فالحيوان يعرف الذي يحبه، والذي يعتني به، والذي يطعمه، فلذلك من صفات المؤمن الرحمة بالحيوان.
((... مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً))
لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، أي ضمر من شدة الجوع، العناية بالحيوان جزء من دين المؤمن، والآن ليس لدينا حيوانات، ولكن هناك حيوانات من نوع آخر، وبيوتنا كانت سابقاً فيها هرر، والآن لا شيء من هذا كله، ولكن الإنسان إذا رأى حيواناً في بستان فعليه أن يعتني به إذا دعته حاجة لذلك.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ((أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ))
[ مسلم ـ أبو داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]
أنا والله لقد رأيت مرةً بعيني كلبةً تبكي، دَهستْ أولادها سيارةٌ، فوقفت أمام أولادها الصغار، والدموع تتقاطر من عينيها، الحيوان نفس، سيمر معنا بعد قليل كيف أن امرأة استحقت دخول النار بهرة، ((... فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ ـ وهو موضع الأذنين من مؤخر الرأس ـ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: أَفلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ))
وكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن إجاعة الحيوان، وإتعابه، إما بكثرة العمل عليه، أو بتحميله فوق طاقته، بعض من يعملون مع الدواب يأتون بمخرز أحياناً، ويخزوها فيه، فهم يسيئون إلى هذه الدابة إساءة بالغة، مثل هؤلاء الأشخاص يحاسبون عند الله أشد الحساب.
منطلق المؤمن: أن هذه المخلوقات ربُها اللهُ سبحانه وتعالى وهو حسيبها، وهو يقتص ممن يؤذيها، ذكرت لكم مرة أني رأيت في طريق المطار إنساناً دهس كلباً، ولكن أراد أن يظهر براعته في القيادة فقطع يدي الكلب، وأبقاه حياً، كلب في أيام الشتاء يشعر بالبرد جالس على الزفت، والزفت لونه أسود يمتص الحرارة، وحرارته أعلى من حرارة التراب، والكلب الصغير جالس على يمين الطريق، وهذا السائق بقيادة ماهرة دهس يدي الكلب فقطعهما، وأطلق ضحكةً هستيريةً يعبر عن مهارته في قيادة السيارة، يركب إلى جانبه شخص زارني في مكان عملي قبل سنوات، وهو شاهد عيان، قال لي: والله بعد أسبوع واحد في المكان نفسه تعطلت سيارته، فجاء ليرفعها بالرافعة المخصصة لذلك، فاضطربت، ووقعت العجلة على رسغيه، وطرف العجلة حاد، فمزقت عظام رسغيه، فلما أخذ إلى المستشفى كانت يداه قد اسودتا، فصار لزاما مِن قطعهما فبعد أسبوع واحد كان بلا كفين، فالله كبير، وهو عزيز جبار منتقم.
لأن الحيوان ليس له أحد، وإذا دهست دجاجة يخرج أصحابها بروحك، والخروف كذلك، أما الكلب فليس له أحد، ليس له صاحب، وأنا أقول: له الله تعالى.
لذلك فهذه البغي التي سقت الكلب، وهي تعلم أنّه ليس له صاحب يشكرها، وليس حولها أحد ترائي له فيبدو أنها سقت هذا الكلب مخلصةً في إروائه من العطش فغفر الله لها.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا و لا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ البخاري ـ مسلم ـ الدارمي ]
يقاس على ذلك إنسان يدوس بقدمه نملة، قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾
[ سورة النمل ]
لدينا حكم شرعي مفاده ليس كل حيوان ندهسه مشيا، كله عند العرب صابون، تفقه، فهناك حيوان لا يجوز أن يقتل، قال تعالى:
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[ سورة الفرقان (68)]
عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ ـ يعني واقفون على دواب يتحادثون ـ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأَسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا هِيَ أَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ))
[ أحمد ـ الدارمي ]
هذه الدابة المركوبة ربما كانت عند الله خير من راكبها، لأن الله عز وجل قال:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً(44)﴾
[ سورة الإسراء ]
فإذا كان الراكب غافلاً والمركوب ذاكراً، فالمركوب أصبح خيراً من الراكب.
عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يوصيكم بهذه البهائم العجم مرتين أو ثلاثاً فإذا سرتم عليها فأنزلوها منازلها))
أحياناً يبيعون سمكاً طازجاً يصطاد من البحيرة، أو من الحوض لتوه، والقائمون على بيع السمك جهلة، سمك يضطرب يُفتح بطنه، وتُنزع أحشاؤه، هذا السمك لا يجوز أن يفتح بطنه، وهو حي، إلى أن تموت حقاً، وتكون قد وجبت جنوبها، لا تعذبَ سمكةً ما تزال تشعر، وتتألم، فوق أنك اصطدتها، وأخرجتها من الماء، وتتلوى من قلة الأوكسجين تفتح بطنها، وتنزع أحشاءها، كائن فيه روح، فالإنسان ليس له حق إذا اشترى سمكاً من الماء أن يسمح لهذا الذي يعمل في بيع السمك أن يفتح بطن السمك، وينظفه قبل أن تجب جنوبها.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ((ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَوَاءً وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَلُ فِيهِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ))
[ أحمد ـ النسائي ـ الدارمي ـ أبو داود ]
وقال نقيقها تسبيح.
والحديث الذي ورد في ترغيب المنذري والمعروف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا و لا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ))
[ البخاري ـ مسلم ـ الدارمي ]
امرأة استوجبت دخول النار لأنها حبست هرة، فإذا أودع رئيس مخفر شخصاً بالنظارة من دون تحقيق، من دون اهتمام، ثم مات في النظارة فهو قاتل. فبالهرة وجبت لها النار، فما قولكم بما فوق الهرة، الهرة توجب النار لمن يحبسها من دون سبب وهي بريئة فكيف بإنسان مظلوم.
والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى، وتهييجها بالإفساد والتحريش، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ))
[ أبو داود ـ الترمذي ]
قد يجري بين الديكة أحياناً اشتباك، وكذلك صراع بين الثيران مثلاً، فهذه اللعبة كلها حرام، إلا أن يكون ثيران تصارع ثيراناً من تلقاء ذواتها، فهذا موضوع آخر، أما أن يكون لعبًا، رياضة هوايات، مبنية على تعذيب الحيوان، أو على قتله فهذا ما لا يجوز في الإسلام.
والنبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بالطيور، دققوا في هذه الأحاديث، كان عليه الصلاة والسلام يحذر من أن يفجع الإنسان الطيور في أولادها، وذلك من باب الرحمة، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ))
[ أبو داود ـ أحمد ]
الحمرة طائر صغيرٌ كالعصفور، تفرش: أي تقف، وتضطرب بجناحيها اضطراباً وقلقاً على أولادها.
قد يضعون عقرباً ضمن فحم، ويشعلون الفحم، هذا تعذيب، والتعذيب بالنار محرم أشد التحريم، فلا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار.
عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ))
[أحمد ]
أنت مسافر، وأصابك جوع شديد، وليس هناك طعام تأكله، فلك أن تصطاد طيراً، وتأكله، أما أن تجعل الصيد هوايةً، تقتل الطير من دون أن تأكله، وتحقيقاً لهواية الصيد فهذا بإجماع الفقهاء حرام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلَّا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا قَالَ يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا ولا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا))
[ أحمد ـ النسائي ]
الآن إذا أردت أن تذبح عصفوراً، أو دابةً، أو خروفاً، أو شاةً، فما حكم الشرع فيما تفعل ؟ روى الطبراني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أضجع شاةً وهو يحد شفرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتريد أن تميتها موتتين هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها))
والذي ذبح شاةً أمام أختها أيضاً عنفه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((تريد أن تميتها مرتين هلا حجبتها عن أختها))
وبعد أن أُحدِثت مسالخ للقطاع الخاص استشارني أخ من إخواننا الكرام، فهو يشتري غنماً، ويذبحها، ويبيعها، قلت له: اجعل غرفةً للذبح خاصة في منأى عن بقية الغنم، لأنك إذا ذبحت الشاة أمام أختها فقد وقعت في معصية، غرفة ولو من قماش أذبح في هذه الغرفة، أما أن تذبح الشاة أمام أختها فكأنما ذبحتها مرتين.
والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً ـ أي هدفاً للرمي ـ روى الشيخان عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ((مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا لَعَنِ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا))
[ البخاري ـ مسلم ـ النسائي ـ أحمد ـ الدارمي ]
سمعت عن أكلة يأكلونها في جنوب شرق آسيا، يأتون بقرد يضعونه تحت كرسي خشب مفتوح فتحة دائرية، حيث يظهر رأسه فَيُسلخ جلد رأسه، تقطع جمجمته، ويأكلون من دماغه، وهو حي، هذه أكلة رآها بعض الأصدقاء في جنوب شرق آسيا، ورآها صديق لي بأم عينه في أمريكا، فهناك جهل كبير، أفلا يخشى هذا أن يُمسخ قرداً، وهذا الذي يأكل قرداً لعله يُمسخ قرداً، الإنسان حينما يقسو قلبه إلى هذه الدرجة حتى لو قتلت عقرباً، لو قتلت أفعى يجب ألّا تعذبها.
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ((ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))
[ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ أبو داود ـ أحمد ـ الدرامي ]
حتى لو قتلت حيواناً سمح الله لك أن تقتله فلا يجوز لك أن تعذبه، أما إذا عذبته فالله سبحانه وتعالى شديد الانتقام.
لذلك أرسل صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما ذكر الله عز وجل قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
[ سورة الأنبياء ]
فكل الأعمال الطيبة التي تفعلها أمة النبي صلى الله عليه وسلم هي بتوجيهات النبي، المؤمن يسير على منهج، وعنده قيم ومبادئ، وبُلّغ بالأوامر والنواهي، والقضية ليست عشوائية، أما الإنسان الكافر الجاهل فهو دابة شَموس، لكن المؤمن مخلوق مكرم عند الله، ومنضبط، فكل شيء يفعله وفق ما يأمر به الشرع.
لاحظت أنهم أحياناً يذبحون في سوق الدجاج، فالدجاجة وهي لا تزال حية تضطرب توضع في ماء يغلي من أجل نتف ريشها، أليست لديهم رحمة ؟ الإنسان يجب أن يعرف ماذا يأكل، اذبح لي هذه الدجاجة، يذبحها لتوها، ويضعها في ماء يغلي حتى يسهل عليه نتف ريشها، ولا تزال حيةً تضطرب، فليتقِ الله.
لذلك فالمؤمن المستقيم يحفظه الله عز وجل، ويحفظ أولاده، إنسان أعطى ابنه عصفوراً، ربطه بخيط، كلما طار يشده حتى خلع له رجله بعد يومين كُسِرتْ رِجْلُ الابن، وانتكست مرة واثنين وثلاثاً، دقق قبل أن تسمح لأولادك أن يلعبوا بعصفور، هذا مخلوق، الرجُلُ راع في بيته، وهو مسؤول عن رعيته.
ورد في السنة المطهرة في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَالآخَرُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ اضْرِبْ مَثَلَ هَذَا وَمَثَلَ أُمَّتِهِ فَقَالَ إِنَّ مَثَلَهُ وَمَثَلَ أُمَّتِهِ كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ انْتَهَوْا إِلَى رَأْسِ مَفَازَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنَ الزَّادِ مَا يَقْطَعُونَ بِهِ الْمَفَازَةَ وَلا مَا يَرْجِعُونَ بِهِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلٌ فِي حُلَّةٍ حِبَرَةٍ ـ حلة حريرية فخمة ـ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَرَدْتُ بِكُمْ رِيَاضًا مُعْشِبَةً وَحِيَاضًا رُوَاءً أَتَتَّبِعُونِي، فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمْ فَأَوْرَدَهُمْ رِيَاضًا مُعْشِبَةً وَحِيَاضًا رُوَاءً فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا وَسَمِنُوا، فَقَالَ: لَهُمْ أَلَمْ أَلْقَكُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَجَعَلْتُمْ لِي إِنْ وَرَدْتُ بِكُمْ رِيَاضًا مُعْشِبَةً وَحِيَاضًا رُوَاءً أَنْ تَتَّبِعُونِي فَقَالُوا: بَلَى قَالَ فَإِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ رِيَاضًا أَعْشَبَ مِنْ هَذِهِ وَحِيَاضًا هِيَ أَرْوَى مِنْ هَذِهِ فَاتَّبِعُونِي قَالَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ صَدَقَ وَاللَّهِ لَنَتَّبِعَنَّهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ قَدْ رَضِينَا بِهَذَا نُقِيمُ عَلَيْهِ))
[ أحمد ]
القصة رمزية ذات دلالة، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءنا بهذا الدين القويم وجاءنا بهذا المنهج المستقيم، وجاءنا بهذه السنة المطهرة وهذه السنة تحقق مصالح الدنيا والآخرة، فلو أن الإنسان طبق هذه السنة صلحت دنياه، ورفع ذكره، ويسرت أموره، وسعد قلبه، واكتفى بالدنيا ضيع عليه الآخرة، فالنبي الكريم يقول هناك مكان أعشب من هذا، وأكثر ماءً، وهو الآخرة.
فإذا طبق الإنسان منهج الله في الدنيا، وقطف الثمار يانعةً فعليه أن يسعى للآخرة كي تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، فأحياناً يكون الإنسان في الدنيا بأحسن حال، ولكن أمامه مطب كبير، وهو الموت، وبعد الموت يفقد كل شيء، ولكن السعداء في الدنيا هم الذين تتصل عندهم نِعَمْ الآخرة بنِعَم الدنيا، فهو في الدنيا مِن أسعد الناس، وإذا جاء الموت من أسعد الناس ؟ فمن أجل أن تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة ينبغي أن تطبق منهج رسول الله في الدنيا وأن تطلب الآخرة من أجل أن تكون في الدارين من السعداء.
لقد تحدثنا اليوم عن رحمته باليتيم، ورحمته بالحيوان، ورحمته بالطيور، وعن رحمته العامة، وفي درس قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى حيائه صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : حياء الرسول







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى عظيم حيائه صلى الله عليه وسلم، وقبل أن أمضي بالحديث عن حيائه صلى الله عليه وسلم أريد أن أضع بين أيديكم حقيقةً لعلها تلقي ضوءاً على موضوع درسنا.
أيها الإخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون سيد الخلق وحبيب الحق، وهو صفوة الله من خلقه، وهو سيد الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم بنصوص قطعية الدلالة والثبوت، فلما أراد ربنا سبحانه وتعالى أن يثني عليه، فلو أنه وصفه بخطابته التي لا تعلو عليها خطابة، ولو وصفه بعلمه، ولو وصفه بقيادته، لو وصفه باجتهاده، لو وصفه باستنباطه، لو وصفه بفتواه، لو وصفه بقضائه، لكانت هذه الأوصاف صحيحة، وهي صفات فذّة، لكن الله جل جلاله حينما أراد أن يثني على نبيه الكريم ما أثنى عليه إلا بحسن خلقه، وهذه هي الصفة العظمى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ سورة القلم ]
هذه قضية يجب أن تكون ماثلةً نصب أعيننا، الإنسان إذا آتاه الله قدرةً عقليةً فائقة ربما تفوق في اختصاصه، تفوق في كتابته، تفوق في إلقائه، تفوق في استنباطه، في حفظه، هذه قدرات عقلية لا ترفع صاحبها عند الله ما لم تستخدم في الحق، لكنَّ الذي يسعدك في الجنة إلى أبد الآبدين أن تكون ذا خلق حسن، والله سبحانه وتعالى حينما أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ما أثنى عليه إلا بالخلق الحسن، فإذا أردت أن تكون قريباً من الله عز وجل فكن ذا خلق حسن.
الآن ندخل في شميلة من شمائله صلى الله عليه وسلم ألا وهي حياؤه، فقد كان عليه الصلاة والسلام أعظم الناس حياءً، لأنه أعظمهم إيماناً، وثمَّةَ علاقةً طردية مترابطةً بين الحياء والإيمان، فالحياء والإيمان قُرِنا معاً، فإذا زال أحدهما زال الآخر، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً، فالذي لا يستحيي لا خير فيه، الذي لا يخجل لا خير فيه، الوقح لا خير فيه، الذي لا يبالي بسلامة سمعته لا خير فيه، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ))
[ الترمذي ـ أحمد ]
إذا كان في المرء حياء ففيه إيمان، وإذا كان فيه إيمان ففيه حياء، إذا أَثبتَّ أحدهما أثبتَّ الآخر، إذا أثبتَّ لإنسان أنه مؤمن فهو حيِيٌّ طبعاً، وإن أثبتّ له الحياء فهو مؤمن وربِّ الكعبة، إذا أثبتَّ الحياء فهو مؤمن، وإذا أثبتَّ الإيمان فهو حيِيّ، فالذي لا يستحي ليس مؤمنًا، يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام استأجر أجيراً في بناء، فاغتسل عرياناً، فقال له: خذ أجارتك، لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحيي من الله.
الآن درسنا خطير، كلمة حياء تعني إيمان، إنْ لم يكن الحياء عند الرجل فلا إيمان له، وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا))
[ البخاري ـ مسلم ـ ابن ماجة ـ أحمد ]
المؤمن يستحيي، يخجل، وفي رواية البخاري في وصف النبي صلى الله عليه وسلم... ((وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ))
فمن شدة حيائه فهو يستحيي أن يواجه الناس بأخطائهم، فإذا تجاوز إنسان حدَّه معه، وإذا فعل إنسان نقيصةً أمامه، وهو يستحيي أن يواجه بخطأ الناس، عرفنا ذلك من وجهه.
أما القول الذي ذكرته قبل قليل: ((... أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا))
فمن هي العذراء ؟ هي البكر المستترة في ناحية بيتها أو خيمتها، تكون في الأعم الأغلب شديدة الحياء، ولقد كان عليه الصلاة والسلام أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، ماذا نستنبط من هذا الكلام ؟ أن الله سبحانه وتعالى فطر الفتاة على الحياء، فأي إنسان بَدَّل فطرة هذه الفتاة من الحياء إلى التبذل، إلى الوقاحة، وإلى الترجل، فقد أفسد طبيعتها، فالذي عنده فتاة فالأصل أنها تستحيي، هكذا فطرها الله عز وجل، فالإنسان إذا أراد لابنته أو لمن يربيها أن تنطلق، كما يقول أهل الدنيا، أن تكون جريئةً، فهذا يخرجها عن فطرتها التي أرادها الله.
إن بعض العلماء يقول: إن أجمل ما في الفتاة حياؤها، ومن علامات قيام الساعة أن النخوة ترفع من رؤوس الرجال، وأن الحياء يذهب من وجوه النساء، وأن الرحمة تنزع من قلوب الأمراء، هذه من علامات آخر الزمان.
إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها.
لذلك أيها الإخوة ؛ مِن الدعاء النبوي الشريف:
((اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.))
يا رب إذا كانت الحياة خير لي فأحيني، وإن كان الموت ستراً لي وراحةً لي فأمِتْنِي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى جنازةً كما روى ذلك أَبُو قَتَادَةَ بُنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ))
[ البخاري ـ مسلم ـ النسائي ـ أحمد ـ مالك ]
فأنت بين أن تكون مستريحاً، وبين أن تكون مستراحًا منه، وشتان بين الحالين، يقول لك: الناس يخافون مني، فهذا الكلام لا يعد مزيةً، فَعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتِ: ((اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ سَمِعْتُ ضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ ثُمَّ لَمْ تَنْشَبْ أَنْ ضَحِكْتَ مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ))
[متفق عليه، واللفظ لمالك ]
إنما أنا رحمة مهداة، ونعمة مزجاة، كما قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه، ولدينا تعليق أحبُّ أنْ أسوقه لكم، وأنتم تفهمون عليَّ مقصدي، كان النبي عليه الصلاة والسلام يجلس وإلى جنبه سيدنا علي بن أبي طالب، فدخل سيدنا الصديق وسيدنا علي بن أبي طالب قام من مكانه وأجلس سيدنا الصديق، فالنبي سر سروراً عظيماً فقال:
(( لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل.))
الحياء أيها الإخوة خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
[ الترمذي ـ أحمد ]
هذه العين، هذه النعمة العظيمة هل تنظر بها إلى عورات المسلمين، هذه الأذن النعمة الجليلة هل تستمع بها إلى ما يغضب الله عز وجل، إلى غناء، أو نميمة، أو فسق، أو فجور.
((... أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى...))
هل تسمح لنفسك أن تُدخِل إلى معدتك طعاماً حراماً، في الرأس عينان، وأذنان، ولسان، والبطن فيه معدة، والمعدة فيها طعام، فإذا حفظت الرأس وما فيه من حواس من أن تعصي الله عز وجل، وحفظت البطن من أن تدخل عليه مالاً حراماً أو طعاماً حراماً فقد استحييتَ من الله تعالى حقًّا.
((... وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى...))
فإذا فعلت ذلك فقد استحييت من الله حق الحياء، ولهذا الحديث تتمة في رواية أخرى: ((... وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ))
[ الترمذي ـ أحمد ]
معنى ذلك أن الحياء يحملك على فعل الخيرات، وفعل الكمال، وفعل الجميل، وأن الحياء يمنعك من فعل السيئات، وفعل القبائح، وفعل المنكرات، فالحياء والإيمان واحد، الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رُفِع أحدهما رُفِع الآخر، إذًا هناك مؤشران للحياء والإيمان ؛ هذان المؤشران يتحركان معاً.
لكن أريد أن أنبه أيها الإخوة أن الحياء شيء، والخجل شيء آخر، الخجل أن تستحيي أن تطلب حقك، أن تستحي أن تُدليَ بالحق، أن تذكِّر بأمر الله، أن تأمر بالمعروف، أن تنهى عن المنكر، تستحيي أن تقول للمخطئ إنك مخطئ، هذا ليس حياءً، فالحياء فضيلة، لكن الخجل نقيصة.
الخجل أُدْرِج في علم النفس مع الأمراض النفسية، لكن الحياء أدرج مع الفضائل، الحياء فضيلة، لكن الخجل رذيلة، وفي حديث صحيح عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ))
[ البخاري ـ مسلم ـ أبو داود ـ أحمد ]
أحياناً الحياء يحجبك عن معصية، عن فعل شنيع، عن فعل قبيح، عن إيقاع أذى، وقد بلغ من حياء النبي صلى الله عليه وسلم - دققوا -أنه لم يواجه أحداً بما يكره، هناك إنسان طبيعته وقحة، يرى إنساناً جالسًا بين مجموعة فيقول له: أنت غلطت، وقلت كذا، لا يراعي كرامته، وإحساسه الرقيق، ومشاعره، بل يَفْضحه بين الناس، أنت ممكن أن تنصحه بين الناس بألطف عبارة، وبأدق إشارة من دون قسوة، من دون تجريح، من دون فضح، لذلك قالوا النصيحة شيء، والفضيحة شيء آخر.
وهذه نصيحة أيها الإخوة، إذا أردت أن يتشنج الإنسان، وأن يركب رأسه، وأن يقول لك قولاً غليظًا جرحًا فوَجِّهْ إليه نقداً أمام ملأ من الناس، عندئذٍ لن يكون منطقياً، ولا واقعياً، ولا متفهماً لكلامك، لأنك ربطت بين النصيحة والفضيحة، أما إذا أردت الخير فلا تفضح أحداً على ملأ من الناس، ولكن انفرد به، وانتقِ أجمل عبارةٍ، وأدق إشارةٍ، وكن مخلصاً في إسداء هذه النصيحة حتى يتقبلها أخوك، وفي هذا عمل جليل.
وقد بلغ من حيائه صلى الله عليه وسلم أنه لم يواجه أحداً بما يكره، بل يعرِّض بذلك، أو يأمر بعض أصحابه من يصارح ذلك الرجلَ المقصر، مثلاً قد يرتدي إنسان ثوبًا بالصيف أبيض من دون بنطال، أو سروال تحته، فيجلس من دون عناية، وتبدو عورته، وهو لا ينتبه، إذا سكتنا، وما تكلمنا ولا كلمة لم نكن له ناصحين، وإذا نصحناه أمام الناس أيضاً فهذه مشكلة، من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه أن يوجهوا صحابياً إلى خطئه، لأن النبي مقامه كريم، فإذا هو نصحه أمامه يصغر، ويقع في إشكال، فإذا كان الإنسان يستيحي منك فلا تدقق كثيرًا، ولا تحرجه، ولا تقتحم عليه عالمه الخاص، فلو فرضنا إنسانًا دخل على غرفة ابنه، فقد يكون ابنه في تلك اللحظة قائمًا يغيِّر ملابسه، فليُحْدِثْ حركةً أو صوتًا قبل أنْ يدخل عليه، وقد يكون جالسًا جلسة غير مقبولة ففاجأته، فاقْرَع الباب حتى يشعر أنك تريد أنْ تدخل غرفته، أو نادِ أخاه الثاني أمام غرفته، فيأخذ حذره، ويتهيَّأ، أو يعتدل في شأنه، الإنسان الذي يستحيي فاستَحْيِ منه، والذي يستهابك استهَبْهُ، الذي يحسب لك حسابًا فلا تدقق عليه حتى تبقى أنت في مكانتك، فإِنْ كان الشخص يهابه ابنُه، لكنه يقتحمه، ويقتحمه، فبعد ذلك يفجر الابن، وكذلك المعلم، والمدرس، والقاضي، فإذا استحيا منك شخصٌ فحاول أن تحفظ مكانته.
وقد روى أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ صُفْرَةً فَكَرِهَهَا قَالَ لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ قَالَ وَكَانَ لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَدًا فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ))
تذكرون كما ورد في السيرة عندما كان النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في دعوة غذاء، وقد تناولوا لحم الجزور، يبدو أنه ظهرت رائحة تؤكد أن أحد الحاضرين انتقض وضوءه، فلما أذن العصر فكل الصحابة متوضؤون، فمَن الذي سوف يتوضأ ؟ هذا الذي انتقض وضوءه، فالنبي عليه الصلاة والسلام لعظيم كماله، وعظيم حيائه قال:
((من أكل لحم جزور فليتوضأ))
قالوا: كلنا أكلنا، قال: كلكم توضؤوا.
من أجل أن يستر حال هذا الذي انتقض وضوءه، هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، أحياناً الخطيب يلقي خطبة يتحدث فيها عن فساد المجتمع، والنساء الكاسيات العاريات كيف يرتدين الثياب، ويذكر أعضاء المرأة عضوًا عُضوًا على منبر رسول الله، واللهِ إنّ ذكر الأعضاء على منبر رسول الله أمرٌ لا يليق، والناس تفهم على الطائر، يكفي أنْ يقول: ثيابهن متبذلة، وانتهى الأمر، وصار مفهومًا أنّ ثياب النساء متبذلة، فاضحة وليست محتشمة، فعَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ أُسَامَةَ قَالَ:
((كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا))
(مسند الإمام أحمد)
أين العظم ؟ العظم لا يظهر في مواطن كثيرة، وما ذكر شيئًا مٍن أعضاء المرأة.
هناك شيء آخر سأقوله لكم، قد يرتكب الإنسان غلطة فلا تواجهه صراحةً، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ويكون واحد هو الذي ارتكب الغلطة، وهو عندما قال أقوام ضيعه، دققوا، فمِن الممكن أن يغلط الإنسان غلطة بمفرده، أنت يمكنك أن تقول: هناك عدد كبير من الناس يفعلون هذا، فالجمع ضَيَّعه، أحياناً ترى مخالفة في مجلس العلم، إذا ذكرتها في أثناء وقوعها اتَّجهتْ كلُّ الأنظار إلى المخالف، ولكن بعد العشاء، وبعد أن انتهت الصلاة والأماكن تغيرت والمخالف حكماً مخالفته زالت إذا نبهتَ إليها فلا مانع، فالمسلم يجب أن يكون نبيهًا ولطيفاً، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
[ سورة آل عمران ]
العلماء لهم عند هذه الآية وقفة رائعة، قالوا: الباء باء السببية، أيْ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليّناً لهم، فلما كنت ليّناً معهم التفّوا حولك، وأقبلوا عليك، وأحبوك، وطبقوا سنتك، وارتقوا إلى الله عن طريقك، ونجوا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وسعدوا بك، لأن رحمة استقرت في قلبك أدَّت إلى لينك معهم، واللين جذبهم، ولو لم تكن هذه الرحمة في قلبك لكنت فظاً غليظاً، وحينما تكون فظاً غليظاً ينفض الناس من حولك رغم أنه يوحى إليك، أخي في حيِّنا دكتور قاسٍ، دكتور بأخلاقه العالية، إذا كان لديه قسوة، وإجحاف وكبر، انصرف الناسُ عنه، مهما كانت علمه وكانت خبرته، واعلمْ أنّ شهادتك هي أخلاقك.
ومن ذلك حياؤه صلى الله عليه وسلم من القوم الذين أطالوا الجلوس عنده بعد الأكل، فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم انصرفوا، كلمة (انصرف) وقعُها صعب على المؤمن أنْ يتحملها، فكان لا يتكلم كلمة جارحة، فهناك أشخاص لو جرح بكلمة يراها فعلتْ جرحاً بليغاً، وبذلك تخسره.
اسمعوا هذه القاعدة أيها الإخوة ؛ مجموعة تصرفات كثيرة وذكية، ومجهدة، تشدّ إنسانًا إليك، تصرُّفٌ واحد أحمق ينصرف به عنك، فالانصراف يكفي بحادث واحد أحمق، كلمة قاسية، كلمة غير لبقة، كلمة فيها تعجرف، فمئةُ تصرف ذكي، وكامل، ولطيف تُبذل حتى تشده إليك، أما التنفير فيكفيه تصرف واحد ليبعده عنك.
أنا أسأل أحياناً بعض الذين انضموا إلى جماعة ثم انتكسوا، وتركوا الدين كله، وهذه ممكن أن تكون بدراسة، فعندنا ظاهرة مفادها إنسان انضم إلى مسجد، وأقبل على الدين بكليته، وفجأةً انتكس، وانقلب على عقبيه، فلو كانت هناك دراسة اجتماعية نفسية تجد أنّ إنسانًا أساء إليه، فلضعف تفكيره لم يفرق بين الدين وبين هذا الإنسان، بل جمعهما معاً، فَكَرِهَ الدين بسبب هذا الإنسان، نخبة قليلة وقلة قليلة تستطيع أن تفرق بين الدين، وبين رجال الدين، بين القيم، وبين من يدعي هذه القيم، بين المبادئ والأشخاص، لكن الكثرة الكاثرة لا تستطيع أن تفرق، تصرف قاسٍ واحد، تصرف مجحف واحد، تصرف واحد فيه كبر ربما صرفتَ به إنسانًا عن هذا الدين العظيم الذي كان من الممكن أن يكون سبب سعادته، فقبل أن تقول كلمة، قبل أن تبتسم، جاءك سؤال سخيف وابتسمت، هذا السائل لن يسألك بعدُ طيلة حياته أبدًا، لقد منعتَ عنه العلم لأنك سخرت منه، أما أنْ يطرح عليك سؤالاً، وأن تصغي إليه بأدب، وأن تقول: السؤال وجيه، وهذا جوابه، فقد شجعته أن يسأل، فاللهم ألهمنا الحكمة قولاً وعملاً، والإنسان إذا صدق في خدمة الخلق ألهمه الله سلوكَ الطريق الصحيح.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((مَرَّ بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا افْعَلِي فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لِي ضَعْهَا ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَالَ: ادْعُ لِي رِجَالاً سَمَّاهُمْ وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ...))
وبالمناسبة أذكرُ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قُدِّم إليه طعام فأكله وحده أبداً، قدَّم هذا الصحابي الجليل هديةً لرسول الله فأمره أنْ يدعوَ قومًا ليأكلوا معه ؛ ((... قَالَ فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَنِي فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَقُولُ لَهُمُ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ...))
[ البخاري ]
والنبي الكريم قال: أذيبوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه.
الإنسان إذا جلس للطعام مع أولاده يرتِّب جلسة لطيفة، فالأكل نشاط اجتماعي، هناك من يأكل كما تأكل البهائم، أما المؤمن فيأكل بهدوء.
شكا بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الطعام لا يكفيهم فقال: لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم.
مع الاجتماع على الطعام فوائد.
أولاً: الطعام الذي يجتمع عليه الناس يبارك الله فيه، لاحظ أحياناً أنّه قد زادت بقية طعام، لو جلس كل أفراد الأسرة على هذه البقية لكفتهم، أما إنْ أكلوا فرادى فلا تكفيهم.
ثانياً: الطعام مناسبة لذكر الله عز وجل فقال: أذيبوا طعامكم بذكر الله، يبدو أن الطعام يزداد هضمه أو يسهل هضمه إذا مزج بذكر الله عز وجل، فإذا كان إنسان غضبان فلا يأكل، لِيأكلْ، وهو مرتاح، ويأكل مع أخيه، ولا يبقى ساكتًا، وعينه في الطعام، كُلْ ببطء، وحِّدث أخاك في أثناء الطعام، وهذا من السنة.
ولا تناموا عليه، فإذا نام على الطعام، يعني أكل من دون جهد، تراكَمَ الغذاء من دون عمل، هذا الغذاء يترسب في الشرايين، وإذا تصلِّبت الشرايين تعبَ القلب.
ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم، القلب يضخ الدم، والشريان، قلب آخر !! فهل تصدقون ؟
أخ من إخواننا قال لنا هذا، الذين يعملون في الصحيات، أنبوب الماء يضخ اثني عشر بارًا، البار وحدةٌ تحمّل الضغط، طبيب من أطباء القلب الذين اختصوا في موضوع البالون قال: يدخلون بالونًا عن طريق الوريد الفخذي إلى الشريان الذي في القلب المسدود، فإذا دخل هذا البالون توسع حتى يفتح المجرى، فسئل هذا الطبيب ألا ينفجر هذا الشريان ؟ قال له: لا، لأن هذا الشريان يتحمل عشرين باراً، فقد جهَّز الله عز وجل الشرايين بعضلات مرنة طولية وعرضية، فلما يضخُّ القلب الدمَ يتوسَّع الشريان بحسب مرونته، ولأنه مرن يجب أن يعود إلى حجمه الطبيعي فيتقلص، ولما يتقلص ينقل الدم إلى الجهة الثانية، فصار الشريان قلبًا أيضاً، فكلما كان الشريان مرنًا ارتاح القلب، لكن الشريان عندما تترسب فيه الدهون يفقد مرونته، ويتعب القلب.
انظروا إلى دقة الحديث: ((أذيبوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
يتعب القلب، وإذا تعب تضخّم، بعد أن يتضخم يسترخي، وأخطر شيء في الإنسان شرايينه ومرونة هذه الشرايين، ودواؤها الأول زيت الزيتون، عشرين سنة والأطباء ينهون عن زيت الزيتون، ويحذِّرون منه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ))
[ الترمذي ـ ابن ماجة ]
الآن، العالم كله يقول الدواء الوحيد لتصلب الشرايين زيت الزيتون، وهو الزيت الذي تركيبه غير مشبع، بمعنى أنه يلتقم ذرات الدهن في الدم، فالزيوت غير المشبعة تخفض الشحوم الثلاثية في الدم، أما الزيوت المشبعة فترفعها، يخفض الكولسترول، ويخفض الضغط، لأنه صنع الله عز وجل، ((أذيبوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
والنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن دعاهم، وبعد أنْ أطعمهم رآهم استمروا في جلوسهم، فتضايق واستحيا منهم، عندئذٍ أنزل تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَق﴾
[سورة الأحزاب]
((... حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ وَبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْحُجُرَاتِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَقُلْتُ إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) قَالَ أَبُو عُثْمَانَ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ خَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ))
[ البخاري ]
والإنسان أحيانا قيد دخل بيته الساعة الثالثة، وعنده الساعة الرابعة موعد، فلديه إذًا ساعة فراغ واحدة، فإنْ لم يسترِح قليلا فلن يستطيع أنْ يستأنف العمل، فيأتيه إنسان بعد الساعة الثالثة بقليل بلا سبب وجيه، بلا أمر مهم، وبلا أمر قاهر، مستأنس فقط، الإنسان يحتاج إلى ملاحظة أنّ هذه الفترة ساعة راحة المرء الوحيدة، وقد يجري بعضهم اتصالاً الساعة الثانية ليلاً، والموضوع يتعلق بالميراث، هل من المعقول الاتصال بالليل لفتوى على الهاتف الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أصحاب القضية سهروا فاختلفوا، يقولون: نسأل الأستاذ فلانًا، فهذا ليس معقولاً إطلاقاً، الإنسان يحتاج إلى ذوق، هناك أوقات نوم وراحة، يطُرق الباب، وما فُتِح، فصاحب الببت يتوضأ في الحمام، أو يصلي الظهر، فالأدب أن تنتظر ما يساوي أربع ركعات، فلو أنه قال: الله أكبر، وأنت طرقت الباب فماذا يفعل ؟ والطَّرق المستمر يشوش الصلاة.
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ ولا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ...))
[ مسلم ـ أبو داود ـ أحمد ]
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾
[الأحزاب: الآية 53]
لذلك قال النبي الكريم: ((العيادة فواق ناقة))
مريض متألم، ومضطر لتناول دواء، حقنة، جرعة، يريد أن يأكل، جاء الطبيب يريد أن يغير له الضمادة، فهذا حال لا يصح، وليس مقبولاً لا عقلاً ولا ذوقًا ولا دينًا.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَق﴾
[الأحزاب: الآية 53]
والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم يستحيي حياء كرم، فلن يقول لضيوفه: انصرفوا، فهذه ثقيلة، إذا قلت لإنسان: انصرف فمن الممكن ألاّ يدخل بيتك في حياته، وهذا شيء وقع، فالنبي كان يستحيي، وإذا كان يستحيي فالمفروض على الطرف الثاني أيضاً أن يكون لطيفاً، قالوا: المراد أنه صلى الله عليه وسلم يستحيي حياء كرم أن يقول لضيوفه: انصرفوا، واللهُ لا يستيحي من بيان الواجب اتباعه، وهذا لا ينافي أنه سبحانه و تعالى متصف بحياء الكرم، فعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا))
[رواه أبو داود]
أي خاليتين، فالله عز وجل كريم، إنْ قلت: يا رب بإخلاص ثم لا يلبِّي دعاءك، فهذا غير صحيح، أما إذا كان الطلب غير معقول فلن يجيبك، فاجهد أن تطلب من الله الشيء الذي يرضيه.
العلماء ذكروا أن للحياء أنواعاً، النوع الأول: حياء الكرم، وسببه كرم النفس كاستحيائه صلى الله عليه وسلم من القوم لما أطالوا الجلوس عنده، ضيف دخل بيتك، وليس عندك شيء لتضيفه فتستحيي، هذا حياء الكرم، و من ذلك حياء الإجلال، حياء الكرم زارك ضيف ولم تكرمه، أو طلب منك شيئاً، ولم تلبِّه، أو وسّطك لقضية فخيَّبتَ ظنه فيها، أذكر مرة أنّ سيدنا عليًّا قال كما ورد في نهج البلاغة: " واللهِ والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، و كنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، و نقل بحرين زاخرين بمنخلين، و غسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين "، تقف بباب اللئيم ثم يردك، لذلك فالنبي عليه الصلاة و السلام ما سئل عن شيء فقال: لا، رجل وضع ثقته بك، والله كريم لا تخيب ظنه بك، هذا حياء الكرم، أما حياء الإجلال فهو حياء سببه المعرفة بعظمة المستحيا منه، أي أنت طالب والأستاذ حضر عندك درس ومذاكرة فخجلت من مقامه، طلاب العلم المخلصين يستحيون ممن تفوَّق عليهم بالعلم، أن يتفلسفوا أمامه، أو يتطاولوا، والإنسان إذا كان عنده هذا الأدب لا يتجاوز حده مع من علَّمه، فهذا حياء الإجلال، والنبي عليه الصلاة و السلام قال: ((وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ قَلْبًا))
[ رواه أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
فكان أصحابه الكرام أمامه لا يتكلمون إجلالاً لمقامه العلمي، يقال: سكت إجلالاً لعلمك، أحياناً تجد رجلاً علمه قليل ومِن دون دقة، ومن دون دليل، من دون برهان، و بحضرة عالم جليل هو يتكلم خمس دقائق، ربع ساعة، نصف ساعة، وكلامه كله أغلاط، أو كله ضحالة، فالإنسان يجب أن يستحيي ممن تفوَّق عليه، أحيانًا طبيب ناشئ مع طبيب كبير، تاجر صغير فتح محلاً البارحة مع تاجر قضى أربعين سنة بالتجارة، ممرض أمام طبيب مثلاً، إنسان برتبة دنيا أمام إنسان برتبة عالية، الحياء دليل الإيمان، هذا حياء الهيبة والإجلال، الإنسان من الأكمل أمام من تفوّق عليه أن يقف بحياء، حياء المحبة، وهذا حياء المُحبِّ من محبوبه، فيستحي أن يسيء إليه لأنه يحبه.
وهناك حياء العبودية، حياء العبودية فيه محبة وخوف، رغباً ورهباً، يرجو ويخاف، يطمع برحمة الله ويخاف عقابه، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، هذا حياء العبودية يجب أن يجمع بين الخوف والرجاء، أمّا خوف فقط معه يأس، ورجاء معه تفلُّت، فربنا عز وجل قد يؤدِّب فاعلَه، مثلاً يرى المؤمن حين تزداد ثقته بنفسه، وثقته بأن الله يحبه يتساهل قليلاً، إذا تساهل فالله عز وجل يحجبه، ينكمش لكنه يرجع بعد حين أكثر أدبًا، وحتى لا ييأس فقد يفتح الله عليه، أمّا التأديب فإنّ الله سبحانه وتعالى يقلبك من حال إلى حال، إذا كان حالك حال الثقة الزائدة مع التفلت يأتي الحجاب، حال اليأس مع القنوط يأتي الفتح، وعلى كلٍ حياء العبودية يجب أن يجمع بين الخوف والرجاء.
بقي حياء المرء من نفسه، الإنسان أحيانًا يكون في غرفته، والباب مقفل، والنوافذ كذلك، فإذا عمل عملاً لا يليق بمكانه كإنسان فيستحيي من نفسه ويتوقف، إذا نظف الإنسان نفسه تنظيفًا جيدًا فالنظافة احترام للذات، فالإنسان وحده لا يعبأ لأنّه لا أحد يراقبه، لكن ألاَ يستحيي من نفسه ؟ ألاَ يستحي من الله الذي يراه ؟.
فهذا حياء الحشمة، قالوا: هذا الحياء سببه الاحتشام، وتَوِّقي إبداء ما يُطلَب منه الإخفاء، كلما كان أكثر حشمة فالحياء من النفس، حياء العبودية، حياء المحبة، حياء الإجلال، حياء الكرم، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ: ((خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ))
[ النسائي ـ ابن ماجة ـ أحمد ]
أخبرني إنسان سافر إلى بلد شرقي حينما كان ملتئم الشمل، وانتسب إلى جامعة من أكبر الجامعات هناك، طبعاً دخل في المدينة الجامعية، ففوجئ في أول يوم عطلة حين أراد أن يغتسل قال: صالون ضخم كلها منابع ماء، ويغتسل كل الطلاب ذكوراً وإناثاً عراةً مختلطين، المراحيض بصالون يضمُّ خمسين مرحاضًا ليس بين اثنين حواجز، إنهم وحوش، فإذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء، أين نحن المسلمين، الحمد لله لدينا بقية حياء، بقية احترام للذات.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ))
[ الترمذي ـ أبو داود ]
أنا ألاحظ أناسًا يلبس أحدهم ثوبًا في الصيف يشمره إلى مكان عالٍ بلا سبب، يدَّعي أنه يتهوى، ويمشي في الطريق بلا حياء أبداً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المِرفَق ـ دورة المياه ـ لبس حذاءه وغطى رأسه، ((وكان عليه الصلاة والسلام يغتسل من وراء الحجرات وما رأى أحد عورته قط))
[ وإسناد هذا الحديث حسن ]
أيها الإخوة ؛ هذا حياء النبي، والمؤمن يستحيي، والحياء من الإيمان، والحياء والإيمان قُرِنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر، وإذا أثبت الحياء أثبت الإيمان، وإذا نقضتَ الحياء نقضتَ الإيمان، وإذا أثبتَّ الإيمان أثبتَّ الحياء، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء من لوازم الإيمان والحياء من الله، ألا يستحي أحدنا من الله عز وجل ؟ قال له: ابن آدم عظ نفسك فإذا وعظتها فعظ غيرك وإلا فاستحْيِ مني.
شيء مخجل، وقاحة في الإنسان أنْ ينصح الناس ولا ينتصح، يأمرهم ولا يأتمر، ينهاهم عن شيء ثم يقترفه، هذا من الوقاحة ومن قلة الحياء، فاستحيِ من الله حق الحياء، أجل، حق الحياء: ((... وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
[ الترمذي ـ أحمد ]
إذًا الرأس وما حوى؛ العين والأذن واللسان، والبطن وما حوى ألاّ نأكل طعاماً حراماً، في الدرس القادم إنْ شاء الله ننتقل إلى عظيم مهابته صلى الله عليه وسلم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : مهابتة صلى الله علية وسلم






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقا و ارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا، وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الثامن عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه و سلم، و موضوع البحث اليوم مهابتُهُ العظيمة صلى الله عليه و سلم وفخامته الكريمة.
أيها الإخوة الكرام ؛ في شخصية الإنسان شيء يخرج عن كل قاعدة، و يهزأ بكل أصول، هذا الشيء سرٌّ من أسرار الله تعالى، إنه المهابة فإنسان قد يكون من أقوى الأقوياء، أو من أغنى الأغنياء ومع ذلك ينزع الله منه المهابة، و إنسان من أضعف الضعفاء، ومع ذلك قد يلقي الله عليه المهابة.
قلت لكم مرة: إن الإمام الحسن البصري حينما أدى واجبه كعالم، و تكلم بالحق الذي رآه أغضب الحجَّاج، فلما نُقل إليه ما قاله الحسن البصري، قال بالحرف الواحد: ( يا جبناء، و اللهِ لأسقينكم من دمه، و جاء بالسياف فورا، وأمره بقطع رأسه، وطلب الحسن البصري عن طريق أعوانه، فالحسن البصري حينما دخل على الحجاج، ورأى السياف ينتظر قدومه، والنطع قد مُدَّ على الأرض، ولم يبق على قطع رأسه إلا أن يصل، ما كان من الحجاج ساعة دخوله إلا أن وقف له، واستقبله، ودعاه إلى الجلوس على سريره، ثم سأله عن حاله، ثم استفتاه ثم قال له: أنت يا أبا سعيد سيد العلماء، ثم عطَّره ثم شيَّعه إلى باب القصر، وودَّعه توديعا لائقا، فالذي صُعق هو السياف والحاجب، فلما خرج تبعه الحاجب، وقال له: يا إمام لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت ؟ فذكر أنه حينما دخل توجَّه داعيًا الله سبحانه وتعالى: و اللهِ قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي عند وحشتي، اِجعل نقمته عليَّ بردا و سلاما، كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم)، ما الذي حدث ؟ لا أحد يستطيع أن يفسَّر ما حدث، لكن في شخصية الإنسان شيء يخرج على كل قاعدة، و يهزأ بكل أصول، هذا الشيء هو أن الله عز وجل يلقي على بعض المؤمنين المهابةَ، وهناك أشخاص تُنزع عنهم المهابة، تراه تافها لا قيمة له، يبدو ظاهرُه على أنه قويٌّ، وعلى أنه غنيٌّ، ثم تراه حقيقة سخيفَ العقل، مضطربَ الفؤاد، إذًا هذا حال لابد أنْ يفهمه المؤمن، لأنه من لوازم حياته، وقد ورد في الأثر أنه: ((من هاب اللهَ هابه كلُّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه اللهُ من كل شيء ))
المؤمن معه سرٌّ عجيب، هذا السر قاعدته الاستقامة على أمر الله، والإخلاص لله، استقامة بالسلوك، والإخلاص بالقلب، ففي القلب إخلاص، وفي السلوك انضباط، فالله عزوجل يمنحك هيبةً بقدر إخلاصك له، وبقدر استقامتك على منهجه، وعندئذ تبدو لك هالةٌ حول شخصك كبيرة جدًّا، ما هذه الهالة ؟ هو أنه مَنْ تواضع لله رفعه، ومن تكبَّر وضعه، هارون الرشيد حينما قدِم إلى الديار المقدَّسة ليحجَّ بيت الله الحرام قال: (ائتوني بأحد العلماء الكبار كي أستفيد منه فذهبوا إلى الإمام مالك، قالوا له: إنّ الخليفة يرجو أن يلتقي بك كي يسألك بعض الأسئلة، فقال: قولوا له: يا هارون، إن العلم يؤتى، ولا يأتي، قال لهم: صدق، ثم قال لهم: و اللهِ إن جاء لن أسمح له بتخطَّي رقاب الناس، فبلَّغوه ذلك وقال لهم: معه الحق و هكذا السُّنة فلما جلس قال: من تواضع لله رفعه و من تكبَّر وضعه )، أي إذا كان الإنسان مع الله ألقى عليه هيبةً، وهيئة وقورة، أما إذا كان الإنسان غير مخلص اتَّجر بالدين، وابتغى بالدين عرض الدنيا نزع عنه كلَّ مهابة، ويروون قصةً سمعتها من أحد الأشخاص الذين عاصروا أحداثها، السلطان عبد الحميد أراد أن يدعوَ الشيخ بدر الدين الحسني شيخ الشام إلى استنبول لحضور احتفالات، أرسل له الصدرَ الأعظم، أي أعلى شخصية بعد السلطان، ركب بارجة من البوسفور إلى بيروت، ومنها إلى الشام، ودخل على الشيخ ليدعوَه باسم السلطان، قال له: يا أبي، أنا لا أرضى بمثل هذه الحفلات، ولا أحد يجرؤ أن يكرِّر الطلب عليه ثانيةً، رجع الصدر الأعظم، ووصل في طريق عودته إلى إسكندرون، لكنه كبُر عليه الأمر، الصدر الأعظم يبعثه السلطانُ ليدعو عالما إلى حضور احتفال في استنبول، فيرفض، ماذا سيقول له السلطان ؟ أخذته الحميةُ، قال: واللهِ لآخذنَّه بالقوة، فعاد إلى بيروت مرة ثانية، ووصل إلى الشام، ودخل عليه، وفي نيته أن يأخذه قسرًا، كان الشيخ يصلي، فلما سلَّم رآه في غرفته، قال له: يا أبي رجعت ؟ قال له: نسيت أن أقبِّل يدك يا سيدي، هات إخلاصًا، واستقامة، وخذْ تكريمًا ومهابة، وإذا فَتَرَ الإخلاص عند المسلمين، وضعفت الاستقامة تهاوى قدر الإنسان، واستُهين به، واستخفَّ به، واستهزأ به، فاللهُ عزوجل له مقاييس دقيقة، فالمؤمن من لوازمه أنه مُهاب، واللهُ عزوجل يلقي عليه هيبة، وهذه الهيبة ترفعه بين الناس، من دون قصد منه، وطبعا سيِّدنا رسول الله سيد الأنبياء و المرسلين، كان عليه الصلاة و السلام عظيم المهابة، وقد توَّجه اللهُ تعالى تاج العزَّة والكرامة، وكساه حُلَّة الفخامة، أنا لا أعتقد على الإطلاق أن على وجه الأرض من دون استثناء رجل أعزَّه اللهُ كرسول الله، مع أنه كان في منتهى التواضع، وإذا دخلت إلى الحرم النبوي الآن ترى الذي لا يُصدَّق، مئات الألوف، خمسمائة ألف ومليون يمشون أمام قبره، ويبكون، ولم يروه أبدًا، وما التقوا به، و ما سمعوا منه، و ما أخذوا منه شيئا، قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
و لكل مؤمن من هذه الآية نصيب، بقدر إيمانه، قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾
[سورة فاطر]
العزُّ كلُّه عند الله، والعز كلُّه في طاعة الله، و الكرامة كلها للمؤمنين، ما اتَّخذ اللهُ وليًّا ذليلا، و ما اتَّخذ الله وليًّا جاهلا، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعِز من عاديت، فكان عليه الصلاة و السلام عظيم المهابة، قد توَّجه الله تعالى تاج العزة و الكرامة، و كساه حلة الفخامة، فقد روى الترمذي في الشمائل وغيره من حديث هند بن أبي هالة يصف النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ((كان رسولُ الله صلى الله عليه و سلم فخما مفخَّما))
وعلى ضوء التفسير العلمي، فالإنسان إذا وجدتَ عليه مأخذًا كبيرًا إنْ ؛ في كسب المال، أو إنفاقه، أو في علاقته مع النساء، ووجدته يسترق الطرف، لا يبالي أكان المالُ حلالا أم حراما، إن وجدت زوجته ضعيفة، وورعه قليلاً، و نفسه "خضراء " بالتعبير العامي" وماديًا، سقط من نظرك، رغم أن له ألقابا كبيرة، وشارات علمية ونعوتًا، انتهى، فالقضية أن توقن أن فلانا مستقيم، والاستقامة تعطي قدسية، كما أنّ القدسية نظيرة المهابة.
الحقيقة أنك أحيانا قد لا تعلم عن الإنسان شيئا، ثم هو يفضح حاله، مرة أنا التقيت مع شخص يحمل اثنتين من الدكتوراه، في الفيزياء و في التربية، كنت أتمنى ألاَّ يقول لي هذه الكلمة، لكنه قال لي كلمة من دون قصد فنزلت مكانته مِن عيني، أو هبطت به، والإنسان قد يقول: أنا لا أصلي، ألاَ تصلي، وأنت في الأربعين ؟ أعاقل وراشد هذا ؟! بينما الدين واضح كالشمس، والكون الذي يحيط به معجِز يدلّ على الله، والأمر بالصلاة قطعي، فتشعر بضعف في عقله، إنسان يأكل مالا حراما، أين عقله ؟ إنسان يسلك سلوكا خاطئا أين عقله ؟ فروى الترمذي في الشمائل و غيره من حديث هند بن أبي هالة يصف النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقال: ((كان رسول الله صلى الله عليه و سلم فخما مفخَّما يتلألأ وجهُه تلألؤ القمر ليلة البدر))
و قال سيدُنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في وصف النبي صلى الله عليه و سلم: (من رآه بديهة هابه و من خالطه معرفة أحبَّه)
و يا أيها الإخوة الكرام ؛ كتطبيق عمليٍّ لهذا النص، كلُّ مؤمن ينبغي أن يكون على شيء من هذه الصفة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبه، على المخالطة هناك أشخاص على ظاهر المنظر هو رائع، فإذا عاملتَه تستعيذ بالله، مرة ذكرتُ أن الإنسان حينما تراه أول مرة تدرسه من ثيابه، من شكله، ومن أناقته، ومن نظافته، ومن تناسب الألوان، ومن أناقة اختياره للألبسة، أما إذا تكلَّم، وكان كلامه سخيفا نسيتَ أناقته، أو سقطت هيبته، ولو أنه تكلم كلاما طيِّبا، لكنه عاملك معاملة سيِّئة نسيت عذوبة كلامه، إذًا فأولُ شيء في تقييم الإنسان الشكل، ثم الكلام ثم المعاملة، أكثر الناس على الاحتكاك الشديد ينزل قدرُه عندك، على الاحتكاك الشديد، وعلى المخالطة، وعلى السفر، وعلى المجاورة، وعلى الشراكة وعلى المحاككة بالدرهم والدينار، أو في الجوار تسقط هالته الكبيرة، قد يكون ماديا، وقد يكون أنانيا، لا يؤدِّي واجبه في السفر، يأكل فقط، قد يكون وصوليا، و قد يكون فوقيا، لكن الأشخاص الذين على الاحتكاك الحميم، وعلى ضوء العلاقات الحميمة الزائدة تزداد حبًّا لهم، هؤلاء عظماء، و الشيء المألوف من شخص بأنه عن بُعدٍ جيِّد، أما عن قرب فقد يكون غيرَ جيِّد، وعن بُعد قد يكون مقبولاً، أما على المحاككة اليومية فغير مقبول، غير محتمل أساسا، رضي الله عن سيدنا عمر لما أراد من رجل أنْ يأتيه بمَن يشهد له، قال له: (ائتني بمن يعرفك، أولاً قال له كلاما في منتهى الأدب، قال له: لا أعرفك، ولا يضرُّك أني لا أعرفك )، انظُر إلى هذه الكلمة ما أدقّها إني لا أعرفك و لا يضرُّك أني لا أعرفك، ثم طلب منه مرةً أنْ يأتيه بمَن يشهد له، لأنه مرة أرسل جيشا إلى بلاد فارس، نعم، وجاء الرسول، و قال له: (يا أمير المؤمنين مات خلقٌ كثير إنك لا تعرفهم، فبكى سيدُنا عمر، وقال له: من هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى سيدنا عمر، قال: وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان اللهُ يعرفهم )، ومَن أنا؟ انظُر إلى الإخلاص لله عزوجل، و ما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم،انتهى الأمر، فهذا الشخص قال له: ( إني لا أعرفك، و لا يضرُّك أني لا أعرفك، مكانتك هي هي، لكن لا بدَّ من شاهد، فجاءه برجل ليعرِّف به، قال له: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال له: هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: فأنت إذًا لا تعرفه)، وبشكل عام من الصعب، وهذا كلام دقيق و خطير، من الصعب، أو من المستحيل أن تعرف حقيقة الإنسان مائة بالمائة، قد تعرف من المائة خمسا وعشرين، معي دليل قطعي مُسكِت، إنَّ النبيّ عليه الصلاة و السلام سيدُ الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، لما جاءه وفدٌ، وطلب علماءَ و قرَّاء، وقتلوهم في الطريق، وقد غدروا بهم، لِمَ لمْ يعرف ؟ اسمعوا الجوابَ ؛ ليس من شأن البشر أن يعرف حقيقة الإنسان المعرفة المطلقة التامة، قد تعرف من المائة خمسا وعشرين، من المائة ثلاثين، من المائة خمسين، و بالمائة ستين، أما المعرفة التامة فهي فوق طاقة البشر، لذلك أنصح لكم ألاّ تزكُّوا على الله أحدًا، قل: فلان أرى أنه صالح، والله أعلم، ولا أزكِّي على الله أحدا، أظن أن فلانا صالحٌ، أظنه مستقيما، أظنه ورِعا، أظنه عالما، والله أعلم، ولا أزكي على الله أحدا، فإذا لم تكنْ مكلَّفا بأن تزكِّيَ أحدا فليكن في الكلام تحفُظ، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبَّه، وقد كان الصحابةُ رضي الله عنهم لا يستطيعون إمعان النظر فيه، لقوَّة مهابته، ومزيد وقاره، أكرر: لا يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته، ومزيد وقاره، ومِن ثَمَّ لم يصفه إلا صغارهم، هذا الذي تأمَّل فيه مليَّا، ورأى لون جلد وجهه ونوع خدِّه، وخدُّه أسيل، دقَّق في ملامح وجهه و في خطوطه، هؤلاء صغار الصحابة، أما كبار الصحابة فلم يستطيعوا أن يمعنوا النظر فيه لعِظم مهابته صلى الله عليه وسلم قال: ومن ثَمَّ لم يصفه إلا صغارهم، أو من كان يعرفه قبل النبوَّة، الذي كان معه، كابن عمِّه رضي الله عنه، كهند بن أبي هالة.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: ((صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبةً طويلة و سمعت منه أحاديث كثيرة، و حفظت عنه ألف مثَل ومع ذلك ما ملأتُ عينيَّ منه قط، حياء منه و تعظيما له، و لو قيل لي: صِفه لما وصفته))
لذلك إذا زار الإنسان النبيَّ عليه الصلاة والسلام فمن السُّنة أن تقف بعيدا عن مقامه كما لو كان حيًّا، أحيانا الإنسان يقترب من زميله أو صديقه زيادة يكاد أنفه يلتصق بوجهك، مما يؤدِّي إلى مضايقته، فهذه عدم لباقة، اترُك مسافة أربعين سنتيمترًا بين شخصين، فالاقتراب الشديد جدًّا ليس من الأدب، فكان كبارُ المؤمنين إذا زاروا مقام النبيِّ عليه الصلاة والسلام يقفون أمام مقامه مسافة تتناسب كما لو كان حيًّا.
ومن عظيم مهابته صلى الله عليه وسلم، وكمال وقاره أنّ مَنْ جلس إليه هابه، و ربما أخذته رِعدةٌ شديدة من قوة الهيبة المحمَّدية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يباسطهم، ويلاطفهم ليسكِّن من روعهم، أقول لكم نقطة دقيقة، إذا كان الشخصُ في منصب قيادي، مثلاً معلِّم مدرسة، رئيس دائرة مستشفى، مدير ثانوية، فهذا اسمه منصب قيادي، فإذا لم تكن له مهابة من الله، فلو عصرت نفسك لن تكون لك مهابة، وإذا كانت هناك مهابة، ولو كنت لطيفا، ولو تباسطت، ولو مزحت، فلك هيبتك، ثم إنّ مزاحك اللطيف مع من دونك، و مؤانستك لمن دونك، سؤالك عن صحَّتهم، وعن أحوالهم، وعن أولادهم، فهذه لا تنقص مهابتك، والهيبة سر من الله عزوجل يلقيه اللهُ على بعض المؤمنين.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))
[رواه ابن ماجه]
كان سيدنا رسول الله مرةً مستلقيا على حصير و قد أثَّر في خدَّه الشريف كما جاء ذلك في حديث طويل عن عمر قال: ((... فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ))
[رواه البخاري]
أنا لست ملِكا، ولكنني نبيٌّ، فالمعنى أنّ هذه قاعدة أساسية، وهي أن ملوك الأرض ملكوا الرقاب، ولكن الأنبياء ملكوا القلوب، وشتَّان بين المُلكين، كلُّ إنسان قويٍّ يملك الرقاب، لكن البطولة والعظمة أن تملك القلوب، البطولة أن يكون المديح في غيبتك لا في حضرتك، المديح في حضرتك تملُّق إليك، أو خوف منك، لكن المديح الذي يُساق في غيبتك، دليل محبَّتك، دليل استقامتك، ودليل أخلاقك العالية، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: أنا لست بملك، ولا بجبَّار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة، فعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))
[رواه أبو داود]
و التواضع من صفات المؤمنين الصادقين.
وعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ ((أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخْتَشِعَ وَقَالَ مُوسَى الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنْ الْفَرَقِ))
[رواه أحمد]
وهذه ملاحظة أتمنى أن تكون واضحة، أحيانا ترى إنسانا فتجده شخصا له قيمته، فإذا فحصتَه اضطرب، والإنسان إذا كان في موقع الفاحص، أو موقع الحاكم، كالقاضي مثلاً، فكمال أخلاقه يؤكِّد إخلاصه لله عزوجل، فإنْ كنتَ كذلك فتواضعْ، واجعَل غيرك يأنس بك، ويُروى أن أحد كبار العلماء، وكان مفتيًا فيها، لعله الشيخ عطا الكسم فيما أذكر، وكان قاضيا، فدخلت امرأةٌ صحتُّها زائدة فيما يظهر، وهناك درج، فلما صعدته سُمِع منها صوتٌ قبيح، فغشيَ وجهَها الخجلُ، والحياء غمسها، وغطَّاها، قالت لأختها: لقد سمعنا القاضي، فلما وصلت، أدرك القاضي ذاك الشيء، و لما وصلت إليه قال: ما اسمكِ يا أختي ؟ فأجابتْ، قال: ما سمعت، ارفعي صوتَكِ، ثم قال: ما سمعت، أنا سمعي ضعيف، قالت: إذًا ما سمعَنا، يعني أنه لم يسمع الصوتَ الذي خرج منها، وليس بيدها ما صدر منها مِن صوتٌ، "فلقد انسلق بدنها " بالتعبير العامي، وذابت ذوبانا خجلاً، لكنه خفَّف عنها، عندما قال لها: أنا سمعي ضعيف، ما سمعت، ارفعي صوتكِ،ففهمت أنه لم يسمعها، والنبيُّ قال: ((لا تحمِّروا الوجوه))
لا تخجِل، ولا تُحرج الناس، لا تضعه في موقف يستحيي منك، وقد ترى شخصا يحمل دخينة، فتجده كأنه يريد أن ينعصر خجلاً، أدِرْ وجهك، ولا تؤكِّد زيادة، هو استحيا منك، وخجل منك، أدر وجهك ولا تدقِّق، لقد هابك فأعِنه على هيبتك، كلُّ إنسان يريد أن يحاسب زيادة تذهب هيبتُه، إن كنتَ أبا، أو كنت معلِّما، أو كنت رئيس دائرة، كثرة الحساب تذهب الهيبة، وبعد ذلك يتواقح، ويكسر، ثم بعد ذلك يفجر، قال: يا مسكينة عليكِ السكينة، قال: فلما قالها أذهب اللهُ ما بها من الخوف.
و من ذلك عن أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ((كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا))
[رواه مسلم]
وأنا أتمنى أن الإنسان إذا أدَّب ابنَه، والتأديب وارد أحيانا، فقال لك: لوجه الله فأوقِف، حتى يشعر أن الله عظيم عندك، قال لك: لوجه الله، فلا تُعِدها، انتهى وأوقف، وعلى المؤدِّب ألاّ يضرب الوجه، فالوجه مكرَّم، وكرامة الإنسان في وجهه، فضربُ الوجه منهيٌّ عنه ؛ و في رواية فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ))
[رواه مسلم]
قالوا: وقف رجل بين يدي الحجَّاج، و كان سيقتله، قال له: ( أسألك بالذي أنت بين يديه أذلُّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدرُ منك على عقابي، فعفا عنه، ذكَّره بالله عزوجل، قال له: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلُّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدرُ منك على عقابي).
وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: ((كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ))
[رواه البخاري]
مِن حليِّكن، أي من الأشياء الثمينة، إنك رجلٌ خفيف ذات اليد - أي قليل المال - و الحقيقة في أحكام الزكاة يجوز للمرأة أن تعطي زكاة مالها لزوجها، وهو أقرب الناس إليها، لكن الرجلَ لا يجوز أن يعطيَ زكاة ماله لزوجته، لأنه مكلَّف بالإنفاق عليها، فإذا أعطاها من زكاة ماله فقد تحايل في دفع الزكاة، ولا يجوز دفع الزكاة لا إلى الأصول مهما علوا، و لا إلى الفروع، ولا إلى الزوجة، فإذا كانت المرأة ميسورة وأنفقتْ على وزوجها الفقير فلها أجران، أمّا الآن فقد ترى المرأة زوجها معدَمًا من الفقر، ومعها ذهب، ومعها سيولة نقدية، ولا تعطيه، و لا تشارك في المصروف شيئا، إنّ المرأة مالها صعب عليها، فالنبيُّ الكريم قال: لهما أجران ؛ أجر القرابة و أجر الصدقة.
طبعا هناك استنباطات كثيرة من هذا الحديث، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف أصحابه معرفة دقيقة، وفتواه تناسب، وأحيانا يكون الرجلُ غنيًّا، ويسأل: أعلى المال المدين زكاة ؟ فنقول له: أنت عندك مال فائض عن الدين ؟ فيجيب: نعم، طبعا، لك مائة ألف دينًا على آخر، ومعك مليون، وهذه مائة الألف ثابتة، معترف بها، واسترجاعها يقيني، ادفع زكاتك، وشخص آخر يسأل: أعلى الدَّين هناك زكاة ؟ نسأله: أمعك مال فائض ؟ لا، ليس معي، إذًا حينما تقبض دَينك تدفع الزكاة، فالفتوى في أحيانٍ كثيرة يجب أن تكون متعلقة بحال الإنسان، والنبي سأل واستفسر.
أيها الإخوة الكرام ؛ مهابته صلى الله عليه وسلم مضرب المثل، طبعا الدرس له حالة تطبيقية، فمن تطبيقات الدرس، أن الإنسان كلما اشتدَّ إخلاصُه، واشتدَّت طاعتُه لله، فمن المكافآت في الدنيا قبل الآخرة أن الله سبحانه وتعالى يلقي عليه المهابةَ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))
[رواه البخاري]
والإنسان إذا عصى اللهَ عزوجل تُنزع منه المهابةُ، لذلك فالنبي الكريم ماذا قال ؟ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))
[رواه أبو داود]
مليار ومئتا مليون مسلم لا حول لهم ولا طول، هذا هو الوهن، أرجو الله سبحانه و تعالى أن تكون هذه القصص وهذه الحقائق دافعا لنا إلى مزيد من الإخلاص، ومزيد من الطاعة، حتى نكسب نصيبا قليلا مما أكرم الله به نبيَّه صلى الله عليه وسلم من هذه الهيبة، تجد شخصا له هيبته في البيت، وهناك شخص في بيته ليس له هيبة، فمن الممكن أن تتطاول عليه زوجته أو أولادُه، والمهابة إذا نُزِعت مشكلة كبيرة، الحياة لا يُطاق العيش فيها بلا مهابة، إذا كان الإنسان في بيته غير محترَم، تتطاول عليه زوجته، وأولاده، وفي عمله ليس محترما، فالمعنى أن لديه خللا كبيرا، فأنت كن مع الله عزوجل، يقول الإمام الشعراني: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، فكلما كان مستقيما مع الله أكثر، وله اتِّصال بالله أكثر، كانت له مهابة أكثر، و من دلائل هذه المهابة أن أهله يحترمونه احتراما بالغا، أما إذا كان لا الشخصُ بلا استقامة، وبلا إخلاص لله عزوجل تُنزَع هذه المهابة، عندئذٍ يجترئ عليه من حوله.
أرجو الله سبحانه و تعالى أن ننتفع بهذه الحقائق وبهذه السير، و اللهُ سبحانه و تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وسنعالج في الدرس القادم إن شاء الله تعالى خشيته صلى الله عليه وسلم من الله سبحانه.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : خشيتة صلى الله علية وسلم وخوفة من الله






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس التاسع عشر من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، و قد وصلنا في الدرس الماضي إلى خشيته صلى الله عليه و سلم و خوفه منه تعالى.
فقد كان عليه الصلاة و السلام أشدَّ الناس خشية من الله تعالى، وذلك لأنه أعلمهم بالله، ويجب أن نربط دائما بين الخشية والعلم، فحجم خشيتك بحجم علمك، وأنت تخشى اللهَ لأنك تعلم مقامه، ولن تزداد الخشية إلا إذا ازداد العلمُ، ولن يُفسِّر انعدامُ الخشية إلا بانعدام العلم، وهذه الحقيقة ثابتة في الحياة، الطبيب يزداد خوفُه من الطعام الملوَّث لأن علمه بالجراثيم، وطرق العدوى شديد، فكما قال عليه الصلاة و السلام: ((رأس الحكمة مخافة الله))
[ السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود]
فإذا شبَّهنا الحكمة بإنسان فرأسها مخافة الله فإذا ألغيَ الرأسُ أُلغي الإنسان، لذلك كان عليه الصلاة و السلام أشدَّ الناس خشية من الله تعالى، وذلك لأنه أعلمهم بالله تعالى، و الخشيةُ من الله تعالى تكون على حسب العلم، ويمكن أن تعدَّ هذه قاعدة ثابتة مطّردة لا تخيب و لا تتأخَّر، فإن وجدتَ نفسك تتفلَّت من منهج الله فلا بد أن تَحْكُم عليها بضعف العلم، لأن النبيَّ عليه الصلاة و السلام كان يدعو ويقول كما في حديثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: ((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا))
[رواه الترمذي]
فالخشية تسبب الاستقامة، و العلم يسبِّب الخشية، وهذه قاعدة صحيحة ؛ العلم يؤدِّي إلى الخشية، والخشية تؤدِّي إلى الاستقامة، فأنت تخشى بقدر ما تعلم و تستقيم بقدر ما تخشى، إذا أردنا دليلا قطعيا من كتاب الله ناصعًا كالشمس، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر(28)]
العلماء وحدهم يخشون الله، و:
﴿إِنَّمَا﴾
تفيد الحصر، أيْ أنه لا يخشى اللهَ أحدٌ إلا العلماء فقط، وليس المقصود العالم الذي له عمامة، لا، بل الذي عرف مقام ربه، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾
[سورة النازعات]
الذي عرف مقام ربه هو الذي يخشاه، علمٌ، وخشية، واستقامة، أمّا ضعف علم، وضعف خشية، وضعف استقامة، يعني انعدام علم، انعدام خشية، وانعدام استقامة.
هذه قاعدة ذهبية في طريق الإيمان، كلما وجدتَ نفسَك تتفلَّت من منهج الله، أو تتساهل في تطبيق أمر الله، أو لا تبالي إذا كان هذا العملُ مشروعا أو غير مشروع، إن كنتَ لا سمح الله بهذه الحالة فاحكم على نفسك حكما قطعيا بأنّ خشيتك ضعيفة، لأن علمك بالله ضعيف، هذه حقيقة.
قَالَتْ عَائِشَةُ: ((صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً))
[رواه البخاري]
أيضا هذه مواقف غير أدبية، أن تفعل شيئا زيادة على ما فعله النبي وهو أشدُّنا خشية، وأشدنا علما، فهذا عمل فيه مجاوزة، و فيه رياء، و أحد الصحابة أراد أن يحرم قبل الميقات الذي أحرم منه النبي، فقال له صحابيٌّ جليل: ( ويلك تُفتن، قال: و لِمَ أُفتن ؟ قال له: وهل من فتنة أشدّ أن ترى نفسَك سبقتَ رسول الله)، والنبيُّ تزوج، فإذا ترك شخصٌ الزواج خوفا من الله، وورعا، فهذا رياء، لأن أشدَّنا خوفا هو النبي الكريم، أشدنا ورعا هو النبي، أشدنا علما هو النبي، ومع ذلك تزوَّج، أبو العلاء المعري ما أكل اللحم أبدا، قال: "هذا اللحم مذبوح، وهو حيوان، ونحن اعتدينا عليه"، معناه أن أبا العلاء المعري الشاعر يرى نفسَه أشد خشية من رسول الله، لا، بل هو كذَّاب أَشِرٌ، عندنا مقاييس، فالنبي رسولُ الله، و يُوحى إليه، وهو أشدُّنا علما وخشية، والذي فعله نفعله، والذي لم يفعله لا نفعله، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[رواه البخاري]
هذه نقطة مهمة، إيَّاك أن تفعل شيئا لم يفعله النبيُّ، ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه.
مرة زارنا أخٌ، وكان عليَّ أنْ أحضر عقدَ قران، جلست معه وقتا كافيا، وأردت أن ألبِّي الدعوة، فدعوته ليذهب معي، فقال: يا لطيف، وانتفض، وقال: أنا لا أذهب إلى منكرات، قلت له: عقد قران، وأخ ضيف قادم من بلد آخر، ومعه حق، وعندهم في بلدهم عقود القران فيها اختلاط، وفيها غناء، ثم قلت: تعال معي، أخذنا مجلسنا، وقرأ القارئ القرآن الكريم، وأنشد المنشدون أناشيد رائعة حول أسماء الله الحسنى، ثم ألقيتُ أنا كلمة، ووُزِّعت الحلوى، فقال لي: أهذا هو العقد ‍! يا خجلي منك، عقد قران ليس فيه شيء، بالعكس من السنَّة أن تحضره، الأخ الكريم قاس الأمرَ على بلده، عقود القران عندهم فيها اختلاطات وغناء، فالإنسان لا بد أن يحسن الظنَّ برسول الله، وما فعلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو أكمل شيء، أكمل شيء على الإطلاق، بإمكانك أن تفعله و أن تزداد به من الله قربا، أمَّا أن تفعل شيئا ما فعله النبيُّ، أما أن ترفض الزواج، أن ترفض العمل فلا ثم لا، والنبي قد أمسك بيد أحد الصحابة فوجدها خشنة، رفعها أمام الملأ وقال:
((هذه اليد يحبُّها اللهُ ورسولُه))
إذا وجدتَ أخا عمله يدعوه للتعري، وهو لابس ثياب العمل ويعمل بنشاط، فما المانع ؟ العمل شرف، إني أرى الرجل ليس له عمل، فيسقط من عيني، هكذا قال سيدنا عمر: (يسقط من عيني )، قال: من يطعمك ؟ هذا إنسان يصلي في رمضان في المسجد، فيما بين الصلاتين، لكنه بلا عمل، مَن يطعمك ؟ قال له: أخي، فالنبي قال: "أخوك أعبد منك " الذي عمل و يكسب المال و ينفقه في طاعة الله و في إطعام المساكين و خدمة المحتاجين، هذا إنسان عظيم، فالانسحاب من الحياة ليس من الدين، ويجب أن تكون لك حرفة، ويجب أن تتقنها، ويجب أن تنفع بها المسلمين، ويجب أن تكون إيجابيا، وهكذا النبيُّ تألم، أكرِّر رواية الحديث: قَالَتْ عَائِشَةُ:
((صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً))
[رواه البخاري]
أحيانا أخ اجتهد اجتهادا فرغِب أن يعتكف اعتكافا مستمرا، ترك دراسته وعمله، من قال لك: هذا هو الصواب، يجب أن تعمل، وأن تتاجر، وأن تتوظف، وأن تتفوَّق في دنياك وفق منهج الله، هذا الذي ترقى به، لذلك عالم واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
هناك استنباط، قال: يُستنبط من هذا الحديث الحثُّ الشديد على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن التَّعمق، وفيه الذمُّ عن التنزُّه عن المباح شكًّا في إباحته، رجل اصطاد سمكة، فقال في نفسه: لعلّ هذه السمكة قد اصطادها أحدٌ قبلي فامتلكها، ثم تفلَّتت منه، ورجعت إلى البحر، لقد صارت هذه السمكة ملكه، فقال: أنا الآن آكلها حراما، هذه اسمها وسوسة غير مقبولة، إنّ الورع جميل، لكنه إذا تجاوز الحدَ المعقول صار هذا مرضا، فنحن لا نريد التفلت من الورع، و لا نريد وسوسة، كلاهما حدَّان ليسا من الدين في شيء، والصواب لا أن تتساهل ولا أن تتوسوس.
و اللهُ سبحانه و تعالى أعطى النبيَّ صلى الله عليه و سلم أفضل وأكمل مقام في المعرفة والخشية، فإذا عرفت، وخشيت الله عزوجل فقد نِلت كلَّ شيء، لأن المعرفة ثمارها الطبيعية الخشية، وإذا حصلت الخشية فقد انتهى الأمر، لذلك مِن الدعاء الشريف: " اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأننا نراك"، والحديث الشريف: ((أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ))
هذه أعلى درجة في الإيمان، أن ترى أن الله معك حيث كنت، عبَّر عنه بعضُهم بمقام المراقبة، أي أن تشعر دائما أنَّ الله يراقبك، و هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
[النساء: من الآية 1]
وعن أنس رضي الله عنه قال: ((لما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة يوم الفتح استشرفه الناسُ فوضع رأسه على رحله متخشِّعا، و في رواية البيهقي، دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة يوم الفتح و ذقنه على راحلته متخشِّعا، و بعضهم قال: كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، من شدَّة الخوف و الخشية من الله))
و هذه الكلمة أقولها لكم بدقَّة، الإنسان عند المصيبة يخشع، وهذا شيء طبيعي، لكن الإنسان عند الرخاء قد ينسى، وقد يغترُّ، وقد يتجبَّر، قد يقول كلاما فوق مقامه، فإذا كنتَ تخاف عند الشدَّة مرة فينبغي أن تخاف عند الرخاء ألف مرة، لأن في الرخاء منزلقات كثيرة، منزلق الغرور، ومنزلق التجبُّر، ومنزلق العنجهية، ومنزلق الفوقية، ومنزلق التفلُّت، ومنزلق الطمأنينة الساذجة، الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا لها، وفي رواية الواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة يوم الفتح حتى وقف بذي طُوى، و توسط الناس، و إن لحيته لتمسُّ وسط رحله أو تقرب منها تواضعا لله عزوجل، حين رأى ما رأى من فتح الله و كثرة المسلمين، ثم قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة))
وهذا تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، أحيانا الإنسان يدخل إلى بيته فيجده بيتا واسعا مرتَّبا منظَّما، ودخلُه جيِّد، وزوجته وأولاده يستقبلونه، وهم بخير، فالأولى أن يقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، لأن هذا لا يدوم، وإنْ ركب مركبة فخمة، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وكذا إذا نظرت إلى بيت جميل، هناك بيوت جميلة، هكذا علَّمنا النبيُّ، كلما رأيت شيئا من مباهج الدنيا، من زينتها، من بساتينها، من بيوتها، من مركباتها، فكلما نظرت إلى الدنيا هذه النظرة فتذكَّر الآخرة، هذه الدنيا زائلة، وقل: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، أحيانا أقوم بواجب تعزية في بيت فخم، أوازن بين هذا البيت وبين المثوى الأخير، الذي استقرَّ فيه صاحبُ هذا البيت، غرفة رخام، وورق جدران، وثريات جميلة، وسجَّاد يدوي فخم، وصاحب البيت في مقبرة الباب الصغير، في قبر صغير، ليس فيه بلاط، ولا رخام، ولا طلاء، ولا كهرباء، ولا تدفئة، ولا تبريد، ولا فراش وثير، ولا " سليب كونفورت "، على الأرض ضعوه، ثم تركوه، أما قال الله في الحديث القدسي: ((عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحيُّ الذي لا يموت))
هذه قاعدة ذهبية فاحفظها، مركبة فخمة وبيت جميل، وآلة فخمة، فقل: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، دائما تذكَّر الآخرة.
وروى الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ أُمَّتِي، أُمَّتِي، وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ))
[رواه مسلم]
أمتك، ومن هي أمتك ؟ التي استجابت لك، والتي آمنتْ بك، والتي طبَّقت سنَّتك، والتي أحبَّتك، والتي والت مَن توالي، و عادت من تُعَادي، هذه أمتك، مرة ثانية أيها الإخوة ؛ وهمٌ كبير أنْ تعتقد أنك من أمة محمد، ولستَ متَّبعا لمحمد، إنك عند العلماء من أمة التبليغ لا من أمة الاستجابة، و أمة التبليغ ليس لها أيَّة ميزة عن بقية الأمم، أمة تبليغ، أي بَلِّغت الرسالة، أما الأمة التي عناها النبيُّ حينما قال: أمَّتي أمّتي هي التي استجابت له ونفَّذت أمره وطبَّقت سنَّته، والآية تؤكَّد هذا المعنى، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
[سورة الأنفال]
أي ما دامت سنَّتُك قائمة في حياتهم فهم مُبعدون من العذاب.
طالب دخل الجامعة، وقدَّم عشر مواد، ونجح في المواد كلها، ونقصته ثلاث علامات في مادة، فهذا تناله شفاعة مجلس الكلية، لكن طالبًا آخر لم يداوم إطلاقا، وما قدَّم امتحانا إطلاقا، وما اشترى كتابا، وما قرأ الكتاب، وما حضر ولا محاضرة، هذا الإنسان لا تناله شفاعةُ مجلس الكلية، شفاعة النبيِّ بالحديث الصحيح: ((لمن مات غير مشرك))
لمن مات موحِّدا، والتوحيد قضية كبيرة، والتوحيد نهاية العلم.
و مما جاء في عظيم خوفه صلى الله عليه و سلم من الله تعالى ما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيتي و كان بيده سواك، فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضبُ في وجهه، كلَّفها بعمل فأطالت الغياب كثيرا، و خرجت أمُّ سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة تلعب ببهمة - بغنمة صغيرة - فقالت أم سلمة: ((ألا أراكِ تلعبين بهذه البهمة و رسول الله يدعوكِ فقالت: و الذي بعثك بالحق ما سمعتُك، فقال عليه الصلاة و السلام: و اللهِ لولا خشية القَوَد - والقود هو القصاص، أي لولا خشية القصاص - لأوجعتكِ بهذا السواك))
لو أنت حاولت أنْ تعاقب إنسانا بسواك، فلن يؤثِّر العقاب فيه، والنبيُّ الكريم يقول: ((واللهِ لولا خشية القصاص لأوجعتكِ بهذا السواك))
سمعتُ في السيرة النبوية ((أن النبي صلى الله عليه و سلم دُعِي إلى التمثيل بقتلى قريش، لأنهم مثَّلوا بقتلى المسلمين، ومنهم سيدنا حمزة، فقال عليه الصلاة والسلام قولا لا يُنسى، قال: و اللهِ لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي، و إن كنتُ رسولَه))
يجب أن تعلم أن عدالة الله من الدقة بحيث كنْ من تكون، إذا تجاوزت الحدودَ جاء العقابُ الإلهي، فالذي يرقى عند الله هو المستقيم، أما هذا المتساهل والذي تجاوز الحدود و يدَّعي أنه مع الله، فاللهُ عزوجل لا يقبل إلا الكامل.
وكان عليه الصلاة و السلام دائم الخشوع والانكسار والتواضع في سائر مواقفه الكريمة، و مشاهده العظيمة، في صلاته وفي عباداته وفي شؤونه وقضاياه، وقد بلغ من خشوعه صلى الله عليه وسلم في صلاته أنه سُمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل، بكاء، كما روى النسائي عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ يَعْنِي يَبْكِي))
ليس من السهل أن تبكي، بعض الناس يقول لك: أنا في عمري ما بكيت، لكن أن تبكي في أثناء الصلاة، أن تبكي وأنت حول الكعبة، وأن تبكي أمام مقام النبي هذا دليل إيمان، لأن البكاء من علامات الإيمان، فإنْ لم تبكِ فتباكَ، هذا بكاء الرحمة، وإذا سألت مؤمنا عريقَ الإيمان فأسعد لحظاته على الإطلاق حينما يبكي من خشية الله تعالى، هذا بكاء الخشية، و بكاء الرحمة، و في رواية أخرى، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنْ الْبُكَاءِ))
[رواه أبو داود]
أيها الإخوة مرة ثانية أقول لكم: البكاء يجلب الرحمة الذي تتنزَّل على قلب المؤمن في أثناء اتِّصاله بالله، وهذا الاتِّصال ثمرة من ثمرات الطاعة لله، والطاعة ثمرة من الخشية، والخشية ثمرة من المعرفة، إذًا معرفة فخشية فاستقامة فاتِّصال فرحمة، قال تعالى:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
[سورة الزخرف]
فالإنسان إذا أُتيح له أن تتنزَّل على قلبه تلك الرحمة بسبب العبادة التامة التي يؤدَّيها، أو بسبب الطاعة التامة التي يمارسها، وهذا بسبب استقامته على أمره، و بسبب معرفته، وخشيته، فقد حقَّق من الدين جوهرَه، الدين فيه نشاطات كثيرة، يمكن أن تعمّر جامعا ولك واللهِ أجر كبير، لكن هذا النشاط يحتاج إلى وقت وإلى جهد، لكن الإنسان حين يستقيم وتنعقد صلتُه مع الله، فهذا الشيء متميِّز، هناك إنسان مقيم على أكثر الشهوات، لكن يفعل بعض الأعمال الصالحة، وقد تكون هذه الأعمال مادية، لكن بطولتك حينما تستطيع أن تصل إلى الله، حينما تستطيع أن تقبل عليه، حينما تستطيع أن تنعقد معه الصلة، فهذه هي البطولة، وهي تحتاج إلى جهاد متواصل، جهادِ النفس والهوى.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يقبلنا، وأن يبارك لنا فيما بقي من شهر رمضان الذي نسعد به هذه الأيام، وأن يعيننا فيه على الصيام، والقيام، وغضِّ البصر، وحفظ اللسان.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : صفاتة صلى الله علية وسلم








الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. جمال الوجه هو الصفاء و الروحانية و الطهر في صفحة وجه الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون؛ مع الدرس العشرين من شمائل النبي صلى الله عليه و سلم، وصلنا إلى جوامع من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الكريمة، وقد يسأل سائل: ماذا يعنينا وصفُ النبي الظاهري؛ لونه، وشكل وجهه، وشعره؟ هذه الأوصاف الظاهرة ماذا تعنينا؟
للإجابة عن هذا السؤال أقول: لو أن الإنسان رأى النبيَّ صلى الله عليه و سلم في منامه على خلاف هذه الأوصاف فلا تُعدُّ هذه الرؤيا صحيحة إذا كانت على خلاف هذه الأوصاف، هذه واحدة.
الشيء الثاني: ورد في الأثر "لو أن الوجه الحسن رجلٌ لكان رجلاً صالحاً "، الوجه الحسن لا يعني أنه أبيض اللون، الوجه الحسن فيه صفاء، فيه نور، فيه براءة، فلو نظرتَ إلى سيدنا بلال لرأيت في وجهه من الصفاء، والطهر، والبراءة ما يسبي، فإذا قلنا: وجه حسن فلا نعني لوناً، و لا نعني تلك الشروط التي اتَّفق الناسُ على أنها مقياس الجمال، لكن المؤمن في وجهه نور، ووجه المؤمن صفحة نفسه، وجه المؤمن مرآة نفسه، صفاؤه في وجهه، وعفافه في وجهه، وحياؤه في وجهه، وإخلاصه في وجهه، وبراءته في وجهه، وذاتيته في وجهه، فلذلك من علامات الإنسان المقبل على الله عز وجل أنك ترى إقباله في وجهه، والإنسان لو نظر إلى وجهه و كان فاتر الهمة نحو الله لرأى في وجهه اختلافاً، لو نظر في وجهه و كان بعيداً عن الله عز وجل لا يعجبه وجهه، فجمال الوجه الذي نتحدَّث عنه لا علاقة له إطلاقاً بصفات الجمال التي اتفق الناسُ عليها، بل أقصد بجمال الوجه هذه الروحانية، وذاك الصفاء، وذاك الطهر الذي يبدو على صفحة وجه الإنسان، فالنبي عليه الصلاة والسلام كما روى السيوطي في الجامع الصغير عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة و كان وصَّافاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئاً أتعلَّق به فقال هند بن أبي هالة: ((كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه و سلم فخماً مفخَّماً))
معنى فخماً أي: كان ذا هيبة عند نفسه وعند الناس. النبي الكريم كان فخماً مفخّماً :
بالمناسبة أيها الأخوة المؤمنون؛ لا أقول هذا كبر، ولا استعلاء، ولكن المؤمن يحترم ذاته، لأنه طاهر، ولأنه مستقيم، ولأنه صادق، ولأنه أمين، فاستقامته وطهرُه يورثان احتراماً لذاته، لذلك لا يضع نفسه موضع صغار، ولا موضع تهمة، ولا يقبل أن يكون في موضع مهانة، والمؤمن كما قال عليه الصلاة و السلام:
((شرف المؤمن قيامه في الليل و عزُّه استغناؤه عن الناس))
[لحاكم في المستدرك عن سهل بن سعد]
ولا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه، فالنبي كان فخماً، ذا هيبة عند ذاته، والإنسان إذا احترم نفسه لا يضعها في موضع التهمة، وهأنذا أذكر لكم أمثلةً طفيفة، لو أن إنساناً كلَّفك بشيء ونسيت أن تؤمِّن له هذا الشيء، وسألك بعد حين، فبإمكانك أنْ تقول مثلاً: إني وجدتُ المحلَّ مغلقاً، فلو قلت خلاف الحقيقة سقطت من عين نفسك، ولا تغدو محترِماً لها، فينبغي أن تكون صادقاً، أن تقول له: واللهِ نسيت، إذا قلت له نسيت ربما عاتبك، أو ربما لامك على نسيانك، لكنك تبقى فخماً عند نفسك، فكان عليه الصلاة و السلام فخماً مفخَّماً، المؤمن لا يكذب، ويُطبع المؤمن على الخلال كلِّها إلا الكذب والخيانة، و إذا كذب سقط من عين نفسه، وقد تبدو عند الناس عظيماً، والأقوياء عند الناس عظماء، والأغنياء عند الناس عظماء، لكن لو أنهم كسبوا مالاً حراماً، أو وصلوا إلى هذه القوة على أنقاض الآخرين، عندئذ يسقطون من أعين أنفسهم، وأنا ألِحُّ على فكرة يجب أنْ تحترم ذاتك، يجب أن تقدِّر ذاتك، كلما كنت مستقيماً وعفيفاً وصادقاً وذا مبدأ ولا تساوم على مبادئك، ولا تقول إلا حقاً، ولا تداريِ، ولا تجامل، ولا تنافق، ولا تزوِّر، شعرتَ أنك عظيم عند نفسك، و المعوَّل عليه أن تحترم ذاتك، فعلماء السيرة يقولون: كان فخماً مفخَّماً، أي فخماً عند ذاته ذا هيبة، و مفخَّماً عند الآخرين، هذا من أين يأتي؟ يأتي من أن المؤمن خلوتُه كجلوته، وسرُّه كعلانيته، والذي في قلبه على لسانه، وما نطق به لسانُه يؤكِّده قلبُه، ليس هناك اثنينية، وليس هناك ازدواجية، ليس هناك موقف معلن و موقف حقيقي، ليس هناك شيء يفعله في العلانية يستقطب به إعجاب الناس، وهناك مخازٍ يفعلها فيما بينه وبين نفسه فيحتقر نفسه، فكلمة: ((كان فخماً مفخَّماً))
تعني أن الإنسان المؤمن سريرته كعلانيته، خلوته كجلوته، وهو في بيته مثله خارج بيته، بأكمل وضع، لذلك ليس هناك في حياته ازدواجية ولا اثنينية، هذا معنى: ((كان فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر))
الصفات الخَلقية للنبي صلى الله عليه وسلم :
هذا الجمال الذي يكسبه الإنسان إذا أقبل على الله، و اللهِ هو سرٌّ، وكل واحد منا يلاحظ نفسه أحياناً عقب صلاة متقنة، عقب ذكر صحيح، عقب تلاوة قرآن مع بكاء، فلو نظر إلى وجهه في المرآة لرأى وجهه كالبدر، هو نفسه عقب انشغال بالدنيا، عقب دخول في مشكلة، لو نظر إلى وجهه لوجد هناك فتورًا، وجمودًا، فالجمال الذي نعنيه بهذه الأوصاف جمال الروح، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، المربوع بين القصير والطويل، كان عليه الصلاة والسلام أطول من المربوع، و أقصر من المشذَّب، لا طويل بائن، ولا قصير، فوق المربوع بقليل، هذا طوله صلى الله عليه و سلم، عظيم الهامة، رأسه ليس صغيراً، لا يتناسب مع جسمه، و ليس مفرطاً في الكِبر، رأسه يتناسب مع جسمه، وهذا من صفات الجمال في الإنسان، أن يكون متوافقاً مع جسمه، عظيم الهامة، رَجِل الشعر، أي في شعره بعض الجعد، هناك أشخاص شَعرهم إذا رجَّله يبدو جَعِداً، فالذي وصف النبيَّ عليه الصلاة والسلام يقول:
((رجِل الشعر، إذا انفرقت عقيقتُه فرقها))
أي كان يفرق شعره يمنة ويسرة، العقيقة هي الشعر، أزهر اللون، كان أبيض اللون، مُشرباً بحُمرة خفيفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أزهر اللون، واسع الجبين، وسعة الجبين صفة رائعة في الإنسان، واسع الجبين، أزَجَّ الحواجب، حواجبه دقيقة، سوابغ في غير قرَن، أمُّ معبد حينما وصفت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: كان أزجَّ أقرن، وهنا أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، العلماء قالوا: إذا نظرت إليه من بعيد ظننته أزجَّ أقرن، أما إذا نظرت إليه من قريب رأيت حواجبه دقيقة، و غير متَّصلة، و هذه الصفة أيضاً تصبغ على الوجه جمالاً، بينهما عِرق يدِرُّه الغضبُ، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب في حاجبيه عرق ينبض، أقنى العِرنين، أي أنفه عالٍ، ومحدَّب، وهذا أيضاً جمال في الأنف، له نور يعلوه، كثَّ اللحية، غزير الشعر، سهل الخدَّين، ليس فيه نتوء، هناك تعبير آخر أسيل الخدِّ، ضليع الفم، فمه واسع، من أجل الفصاحة، مفلج الأسنان، بين أسنانه فراغات، وهذه صفة أيضاً رائعة في الأسنان، دقيق المسربة، هناك خطُّ شعر من تُرقوته إلى سُرَّته، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جلدُ دُمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، أي لا هو مفرِط في الحجم، ولا هو نحيل، معتدل الخلق، بادن أي ممتلئ، متماسك، أحيانا تكون عضلات الرَّجُل رخوة، متهدِّلة، لكن عضلاته صلى الله عليه وسلم مشدودة، بادن متماسك، سواء البطن و الصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، والكراديس رؤوس العظام، أنور المتجرَّد، أي لو رفع عن عضده ليتوضأ، كانت أعضاؤه منيرة، أشعر الذراعين، و المنكبين، وأعالي الصدر، كان في ذراعيه ومنكبيه وأعالي صدره شعر كثير، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفَّين والقدمين، أي كفَّاه وقدماه متماثلتان مع جسمه، سائل الأطراف أي أطرافه متناسبة في طولها مع جسمه، خمصان الأخمصين، فلان أخمص، أي هناك مساحة في قدمه لا تلتصق بالأرض، هذه تعينه على المشي، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، أي قدماه على انسياب تام، لو صببت الماء عليهما لسال، لا توجد تعرُّجات، إذا زال زال قِلعا، و إذا مشى يرفع رجله وكأنه يقلعها، و يمشي هوناً، ذريع المشية، أي واسع الخطوة، إذا مشى كأنه ينحطُّ من صبب، أي من منحدر، و إذا التفتَ التفت جميعاً، خافض الطرف تواضعاً لله عز وجل ‏، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلُّ نظره الملاحظة، ألم يقل عليه الصلاة و السلام: ((أُمرتُ أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة))
يسوق أصحابه، كان يقدِّمهم أمامه، ويبدر من لقي بالسلام، طبعاً هذه صفات النبي عليه الصلاة و السلام، وقد جمعها سيدنا حسَّان بن ثابت في هذين البيتين: وأحسن منكَ لم تر قطُّ عيني و أجمل منك لم تلد النساء
خُلقت مبرّأً من كـــــــــــل عيــب كأنك قد خُلقت كما تشــــــاء
***
أوصافه الظاهرة صلى الله عليه وسلم :
ولكن في خلُقه، وفي دعوته، وفي جهاده، وفي أخلاقه، وفي أمانته، لا مانعَ من خلال هذه الدروس عن شمائل النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن نقف مرة واحدة عند أوصافه الظاهرة صلى الله عليه و سلم. قال الحسنُ رضي الله عنه لهند بن أبي هالة:
((صِف لي منطق رسول الله صلى الله عليه و سلم - كما تعلمون: جمال الرجل فصاحته - فقال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم متواصل الأحزان))
لماذا ؟ التفسير سهل، لو أن أمًّا لها ابن موقوف، لو وُضع الطعام بين يديها، ولو أخذت إلى أجمل الأمكنة، فقلبها حزين دائماً على ابنها، لأن النبي عليه الصلاة و السلام أرحم الخلق بالخلق، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة: 128]
من شدَّة رحمته على الخلق كان متواصل الأحزان، لأنه يرى مصير الخلق، أما نحن فإذا أكرم اللهُ عز وجل‏ الإنسان بالهدى والاستقامة يقول: الناس هالكون، فليس في قلبه رحمة، هو يفرح باستقامته، ويفرح أنه نجا، لكن لا يشعر بحُرقة لهؤلاء الناس الذي شردوا عن الله عز وجل‏، و مصيرهم معروف، فمن عِظم رحمة النبي، ومن عِظم كمال أخلاقه، أنه كان متواصل الأحزان، لأنه يرى الخلق كلَّهم عيال الله، وأكثرهم هالكون، دائم الفكرة، هذا العقل أثمن شيء أكرمنا الله به، هذا يعمل دائماً، متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، كما وصف اللهُ عز وجل المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
[سورة السجدة: 16]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: ((إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ))
[ أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
المؤمن الصادق لا يركن إلى الدنيا، لأنها تغرُّ، وتضرُّ، وتمرُّ، مهما اعتنى بحياته الخاصة، لا بدَّ من نزول القبر، مهما اعتنى ببيته لا بدَّ من مغادرته، عشْ ما شئت فإنك ميِّت و أحبب من شئت فإنك مفارق، و اعمل ما شئت فإنك مجزيِ به، طويل السكوت، والإنسان كلما خزن لسانه كبُر عقلُه، فهو عليه الصلاة والسلام طويل السكوت، لا يتكلَّم في غير حاجة، لا يتكلم إلا عند الضرورة، كان طويل السكوت، متواصل الأحزان، ليست له راحة، دائم الفكرة، يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى، المؤمن إنْ دخل بيته قال: السلام عليكم، وإنْ جلس سمَّى، وإنْ جلس ليأكل سمَّى، وإذا دخل إلى بيته سلَّم، بين السلام والتسمية، و بين الحمد و الشكر، دائما يذكر الله عز وجل‏، إذًا يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى، ويتكلَّم بجوامع الكلِم، كلامه موجز، وكلامه بليغ، ليس هناك تفاصيل ممِلَّة، وليس في كلامه جزئيات تافهة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا))
[ البخاري عن أبي هريرة]
كلامه فصل، لا فضول فيه، ولا تقصير، ليس فيه إيجاز مخِلٌّ، ولا إطناب مملٌّ، ليس بالجافي، أي مؤنِس، يألف، ويُؤلف، هناك إنسان عنده جفاء، وغلظة، ليس بالجافي، ولا المهين، أي هناك شخص نفسه دنيئة، خانع، يقبل الذلَّ، ليس بالجافي، ولا المهين، يعظِّم النعمة، وإن دقَّت، فمشيُ الإنسان وحركتُه نعمةٌ، وحين ينام كذلك، أنا أعرف أخًاً بقي أكثر من سنة لا ينام الليل، أنا أتصوَّر لو قيل له: أتدفع كلَّ ما تملك من أجل أن تنام ليلة واحدة لما تردَّد أبدا، يمشي، وينام، ويرى، ويسمع، وينطق، وعقله سليم، وله بيت، كان عليه الصلاة والسلام يعظِّم النعمة مهما دقَّت، والإنسان حينما يعظِّم النعمة يزيدها الله عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم: 7]
و لا يذمُّ منها شيئاً، هناك إنسان يسبُّ بيته، يقول: لعن الله هذا البيت، والساعة التي اشتريته فيها، فليعلمْ أنّ هناك أناسًا لا يملكون بيتًا، وهناك أناساً ليس عندهم غرفة واحدة، أحياناً الإنسان يسبُّ أهله، ويسبُّ ماله، ويسبُّ نفسه، النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يذمُّ منها شيئاً إطلاقاً، ولم يكن يذمُّ طعاماً ولا يمدحه، فإذا ذمَّ الإنسانُ طعاماً فماذا يعني ذلك؟ أنه متكبِّر، وإذا مدحه فهو ذو بطنة، إذا ذمَّه متكبِّر، وإذا مدحه يكون غارقاً في لذائذ الطعام، أحيانًا بعض الناس يصف لك الأكل وصفاً دقيقاً، هذه مثل الفستق، وهذا الطعام نضج تماماً، كان عليه الصلاة و السلام لا يذمُّ طعاماً، ولا يمدحه، مدح الطعام دليل أنه عبد بطنه، وذمُّ الطعام دليل أنه متكبَّر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
لو دُعيت إلى كراع بالغميم لأجبت - كراع مأدم فقط، بالغميم مكان بعيد عن مكة- كأنْ يكون الشخص يسكن في الشام، والدعوة بمنطقة الكسوة، ولا بدَّ أن يأخذ سيارة أو اثنتين، ويكابد مشقَّة السفر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
اللهم صلِّ عليه، أي على مأدم خارج المدينة يجيب الدعوة، وإجابة الدعوة أدب مع الله، وإجابة الدعوة مودَّة مع الناس، وجبر خاطر، لا تغضبه الدنيا، ولا ما كان لها، أيْ شيء فَقَده، شيء ما أدركه، شيء فاته، لذلك وُصِف سيدُنا الصدِّيق رضي الله عنه بأنه لم يندم على شيء فاته من الدنيا قط، أحياناً تجد شخصاً زوجته من سنِّه، فهو مغموم طوال حياته، يقول: هي من سنِّي، أي أنها كبيرة السن بالنسبة له، قال لي شخص: أكبر مني بشهرين، أي فاتته الزوجة الرائعة، لأنّ زوجته كبيرة السن كما يدّعي، يقول لك: أنا لو لم أدخل في هذه الوظيفة لكنت الآن تاجراً، ولكن كل عمري دخلي محدود، لأن أباه أراد أن يكون فلهويًا فتركه يكمل دراسته، أما أخوه الذي أخرجه من المدرسة، فصار معه ملايين، حُرِق قلبه أسفًا على حاله، لكنّ الصدِّيق لم يندم على شيء فاته من الدنيا قط، لأن الدنيا عنده صغيرة، بمالها، ونسائها، وبيوتها، ومركباتها، ومساكنها، ولأنها مؤقَّتة، يقول لك: أُتيحت لي بعثة، وشطبوا اسمي آخر لحظة، يعيد لك القصة مئة مرة، واللهِ هذه القصة حفظناها، شطبوا اسمك آخر لحظة، فاعلمْ إذًا أنّ هذا قدرك فارضَ، واللهُ يعوِّضك، ولا تغضبه الدنيا، ولا ما كان لها، فإذا تُعدِّي الحقُّ لم يُقَم لغضبه شيء حتى ينتصر له، النبيُّ عليه الصلاة والسلام كلُّ غضبه للحق، فلا يغضب لنفسه، وإذا انتُهكت حرمات الله غضب، ولا يغضب لنفسه أبداً، ولا ينتصر لها، لذلك المؤمن يغضب لله، ويحبُّ لله، ويوادد لله، ويعادي لله، أمّا لذاته فلا، وإلا صار أنانياً، إذا أشارَ أشار بكفِّه كلها، هذا من الأدب، وإذا تعجَّب قَلَبَها، أي في أثناء كلامه يقوم بحركات أو إشارات، وضرب براحته اليمنى بطنَ إبهامه الأيسر، هكذا، هذه من صفاته عليه الصلاة والسلام، ألم يقل له: صِف لي منطقه؟ وإذا غضب أعرض، وأشاح، هناك إنسان إنْ غضِب لم يترك عليه ستراً مغطَّى، يسب أباه على أبي أبيه، والأب الذي خلَّفه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام إذا غضب أعرض، وأشاح فقط، هذه أخلاق لا لأخذ العلم، و لكن كي نقتدي بها، دروسنا هذه ليست لأخذ العلم، ولكن كي تكون قدوة لنا، وإذا غضب أعرض، وأشاح، المنافق إذا خاصم فجر، المنافق عنيف جدًا، وإذا فرح غضَّ طرفه، من شدَّة تواضعه لله عز وجل‏، كل إنسان يسمع خبراً طيِّباً، كأنْ ينجح في الامتحان، أو يفوز بشيء، ينال شهادة مثلاً، يشتري بيتاً، يتزوج، تجده شاكرًا ربِّه دائماً، إذا فرح غضَّ طرفه، جلُّ ضحكه التَّبسّم، هناك إنسان إذا ضحك ينقلب نصفين، ينقلب إلى الوراء، و أحياناً إلى الأمام، يخرج معه صوتٌ كأنه صراخ، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
[سورة لقمان: 19]
قال: جلُّ ضحكه التبسُّم، يفترُّ عن مثل حَبِّ الغمام، و قال الحسين رضي الله عنه: " سألتُ عليًّا رضي الله عنه عن دخول النبيِّ صلى الله عليه و سلم إلى بيته - فمثلاً رجل يدخل بيتَه، وكلُّ إنسان له طبع، هناك إنسان لا يخلع ثيابه، بل يجلس فورًا، بينما غيرُه ينزع ثيابه رأسًا ويبعثرها، وإنسان ينزعها ويعلِّقها، فالنبي عليه الصلاة و السلام كيف يكون إذا دخل بيتَه؟ - قال: كان عليه الصلاة و السلام إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله عز وجل- البيت ليس قبراً، ليس للنوم، المنافقون جيفة في الليل، دابة في النهار، عمل شاقٌّ في النهار، ونوم طويل في الليل، وما درى أنّ هناك صلاة الفجر، وهناك تلاوة قرآن، وهناك جلسة مع الأهل، هناك أمر بالمعروف، وهناك مطالعة، وهناك مؤانسة، وهناك ذكر، هناك دعوة إلى الله هناك قيام ليل، قال -إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله عز وجل - لي ساعة مع ربي- كما قال عليه الصلاة و السلام: ((لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها نبيٌّ مرسل، ولا ملك مقرَّب))
تقول السيدة عائشة: ((كان عليه الصلاة و السلام يحدَّثنا ونحدِّثه - إنسان لطيف مؤنس - فإذا دخل وقت الصلاة فكأنه لا يعرفنا و لا نعرفه))
هذا وقت الله عز وجل‏، أحيانا تلاحظ موظَّفًا في دائرة يطلبه الوزير، يقف أمام المرآة، ويركِّز وضعه، ويصلح ثيابه، وينظر إلى شعره، لأنه داخل لمقابلة وزير، النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل وقت الصلاة، قالت: كأننا لا نعرفه، ولا يعرفنا، هذا وقت الصلاة -وجزء لأهله وجزء لنفسه " قسم يرتاح فيه، وينام، وقسم لأهله، كلما رُفعت إليَّ قضية زوجية أسأل سؤالاً، وألِحُّ عليه، فأتبيَّن أن أحد أكبر أسباب الخصومة الزوجية، أنه يذهب باكراً، ويعود في منتصف الليل، فقد جعلَ البيت فندقاً، يتعشَّى، وينام، في الصباح الباكر ينطلق إلى العمل، هذه الزوجة تصعد روحها، فلابد أنْ يخصِّص جزءاً لأهله، إذًا وقته جزءٌ لربِّه، وجزءٌ لنفسه، وجزءٌ لأهله، هذا وضع النبي في البيت، قال: ثم جزَّأ جزءَه الخاص به بينه وبين الناس، أي وقته الخاص، وهو في البيت كان يحلُّ به بعض المشكلات، هناك حالة خاصة، هناك صديق، هناك مشكلة هناك فتوى خاصة، هناك حلُّ مشكلة، هناك خصومة زوجية، هناك أخ له سؤال معقَّد مثلاً، فهذا الجزء الخاص به قسمه جزأين، بينه وبين الناس، وكان من سيرته في جزء أُمَّته إيثار أهل الفضل، الناس عنده مراتب، هناك شخص قريب، شخص له مكانة في المجتمع، فهو يعرف منازل الناس، فعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ: ((أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ))
[أبو داود عن مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ]
سيرته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه :
و كان من سيرته صلى الله عليه و سلم في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمة ذلك على قدر فضلهم، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذوُو الحوائج، فيتشاغل بهم، أي كان عليه الصلاة والسلام يرى أن حلَّ مشكلات الناس عبادة، يا من كانت الرحمةُ مهجتَه، والعدل شريعته، والحبُّ فطرته، ومشكلات الناس عبادته، يشغل وقته بما يصلحهم في دنياهم وأخراهم، وكان عليه الصلاة و السلام يقول: ((ليبلغ الشاهد الغائب منكم، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة أو حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبَّت الله قدميه يوم القيامة))
كان أصحابه عليهم رضوان الله يدخلون عليه روادًا، ولا يفترقون إلا عن ذواقٍ، أي كان يكرمهم في بيته، يقدِّم لهم ضيافة، من شدَّة كرمه عليه الصلاة و السلام، يستقبلهم، ويحلُّ مشكلاتهم، ويقدِّم لهم طعاماً يأكلونه، ويخرجون من عنده، وهم أدلَّة على الخير، امتلؤوا محبَّة لهذا النبي، وإعجابا بعلمه، وكرمه، وإيناسه، وتواضعه، فأصبحوا أدلّة عليه.
أما إذا خرج من بيته فكان عليه الصلاة والسلام يخزن لسانه، إلا فيما يعنيه: احفظ لسانك أيها الإنســــــــــــان لا يلدغنَّــــــــــــــك إنه ثعبــــانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ
***
الإنسان لو ندم على السكوت أفضل من أن يندم على الكلام، الساكت في أمان، أما المتكلِّم فله، أو عليه، فكان عليه الصلاة و السلام إذا خرج من بيته يخزن لسانه، إلا فيما يعنيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
النبي عليه الصلاة و السلام يؤلِّف ولا ينفِّر ويجمع ولا يفرِّق :
وكان عليه الصلاة و السلام يؤلِّف ولا ينفِّر، يجمع ولا يفرِّق، يقرِّب ولا ينفِّر، ويكرِّم كريم كل قوم، ويولِّيه عليهم، أي يضع الكريم أميراً لا اللئيم، أحياناً تجد مجموعة موظَّفين متقدِّمين في السنِّ أصحاب خبرة يقودهم شابٌ أرعن، هذا خطأ كبير، مدرسة فيها ثلاثون أو أربعون مدرَّساً يشكلِّون نخبة، تجد المدير أحياناً أقلَّهم سنًّا، وأشدهم رعونة، وكذلك في مستشفى مثلاً، أو في دائرة، فمِن سياسة النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه كان يكرِّم كريم كل قوم، ويولِّيه عليهم، ويحذر الناسَ، ويحترس منهم من غير أن يطويَ عن أحد منهم بِشره، وخلُقه، مؤنس، ولطيف، و بشوش، طليق الوجه، لكنه ليس ساذجاً، شخص لا تعرفه فعليك أنْ تكون حذراً، النبيُّ علَّمنا فقال: ((المؤمن كيِّس فطِن حذر))
فالمؤمن الصادق ليس من السذاجة حيث يُخدَع، ولا من الخبث حيث يَخدع، المؤمن لا يُخدع، ولا يَخدَع، له أكمل موقف، ليس من الخبث بحيث يَخدع، و لا من السذاجة حيث يُخدع، فكان عليه الصلاة السلام يكرِّم كريم كل قوم، ويولِّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطويَ عن أحد بِشره، وخُلقه، ويتفقَّد أصحابَه، كان مربِّياً، هناك مدرِّس يلقي درساً، وينصرف، لكن هناك مدرِّساً آخر يسأل عن زملائه: فلان ما رأيناه، و فلان ما أخباره؟ وفلان لعله مريض؟ فلا بد من عيادته، لعله سافر، اسألوا لنا عنه، زوروه إذا كان مريضاً، هذه محبَّة، محبَّة، ورحمة، وإخلاص، ووفاء، وتربية، بعكس ما إذا سأل عنك أخٌ، يقال له: ما دخلُك فيه؟ أنت مخطئ، كثَّر اللهُ خيرَه، جزاه الله عنا كلَّ خير، إذا تفقَّدك، ولو بهاتف، وقال لك: أمسِ ما رأيناك في الدرس، انشغل قلبنا عليك، وأنت غالٍ علينا، فتجد مَن يصفه فيقول: هذا حشري، لا ليس حشريًا، أنت لست فهِماً، هذا مؤمن كريم، يريد أن يأخذ بيدك إلى الله عز وجل ‏، يتفقَّد أصحابه، و في السيرة وردت مواقف كثيرة، يسأل: أين فلان؟ أين فلانة؟ مرة في تبوك تفقَّد بعض الصحابة فقال: أين فلان؟ شخص غمز بأنه شغله بستانُه عن الجهاد معك يا رسول الله، ففقام صحابيٌّ آخر وقال: لا واللهِ يا رسول الله، لقد تخلَّف عنك أناس ما نحن بأشدَّ حبًّا لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدوًّا ما تخلَّفوا عنك، ابتسم النبيُّ، وأعجبه ذلك، أعجبه دفاع الصحابة عن بعضهم بعضاً، أعجبه هذا الموقف النبيل، كن سيفاً عند غياب أخيك، سيفاً تدافع عنه، والمؤمن له حرمة، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، و ظهرت عدالته، ووجبت أخوَّته، و حرمت غيبته، ومن أحسنَ الظنَّ بأخيه فكأنما أحسن الظن بربه.
واللهِ أنا أعدُّ إلى المليون قبل أن أقول: المؤمن يكذب، ليس معقولاً أن يكذب، وليس معقولاً أن يأكل مالاً حراماً، مؤمن يعرف اللهَ، فإذا اتَّهمتَ كل الناس الجيِّدين، معناه أن الدين باطل، من أحسن الظن بأخيه المؤمن فكأنما أحسن الظن بربه، أنت تتَّهم المنهج عندما تتهم المؤمنين، فلا تفعل، فهذا المنهج من لوازمه الاستقامة، من لوازمه الصدق، والأمانة، والعفة، والورع، فكيف تتَّهم أخاك اتِّهاماً كبيراً بلا مبرِّر وبلا دليل؟ يتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ليس منعزلاً يعيش ببرج عاجي، لا، هو مع الناس، معهم في مشكلاتهم، معهم في أفراحهم، معهم في أتراحهم، معهم في مصائبهم، معهم في مكتسباتهم، معهم بكل أحوالهم، إذا لم تعِش مع الناس فكيف يعنيك أمرهم؟ و كيف يحبُّونك؟ يجب أن تعيش همومهم. النبي الكريم كان أرحم الناس وأعظمهم منزلة :
الحقيقة أخواننا الكرام، المؤمن الصادق إذا أراد أن يكون داعية إلى الله عز وجل ‏ يجب أن يشعِرَ المدعو أن مشكلته مشكلة الداعي، هذه رحمة، يسأل الناس عما في الناس، كان سيدنا عمر رضي الله عنه أول سؤال يطرحه على ولاته إذا لقيهم: كيف الأسعار عندكم؟ مثلاً قد يأتي أخ من جهة الشمال في بلادنا، كيف الأمطار عندكم؟ كيف العمل؟ الأهل؟ انظر إلى هذا السؤال فإنه يرقِّق القلب، أهلك، أولادك، عملك، المنطقة عندكم جيِّدة، الأمطار جيِّدة إن شاء الله، أجد هذا الكلام فيه محبَّة، وفيه مودَّة، هناك شخص يقول: يا ليت المطر لم ينزل الآن، لأني ألبس بدلة، تجده أنانياً، صغيراً في التفكير، الله يرحم الناس بالمطر فما بالك؟ ويحسِّن الحسن، ويقوِّيه، إذا وجد عملاً طيِّباً يشجِّعه، ويقبِّح القبيح، ويوهِّيه، أي العمل الطيِّب يشجِّعه، والعمل السيِّئ يضعفه، أمّا إذا كسب شخصٌ مالاً حراماً، وقال آخر: إنه يدبر حاله، فهذه انتكاسة، وقد شاركه في الإثم، وهو لا يدري، معنى هذا أنك شجَّعته، كسب مالاً حراماً، وتعتبره ذكياً، يقول: لا ليس سارقاً، ولكنه ذكي، فإذا وهَّنت الباطل وضعَّفته فأنت مؤمن، وإذا حسَّنت الحسن وقوَّيته فأنت مؤمن، تلك تحجَّبت، فبدت مثل البومة، المغتابون الأدب عندهم معدوم، هذه لا بدَّ أن تشجِّعها، و تقول لها: ما شاء الله، نسأل الله أن يكرمُك، بينما آخر يصفها: كيس أسود، هناك أشخاص ليس فيهم أدب، يعيبون الحسن، ولكنه كان يحسِّن الحسن ويقوِّيه، ويقبِّح القبيح، ويوهِّيه، معتدل الأمر غير مختل، أي ليس عنده أوامر فيها شطح، كأن يقال: شيء لا يُطاق، قال: إذا أردتَ أن تُطاع فسل ما يُستطاع، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو أن يميلوا، ولا يتساهل مع أصحابه في العبادات، إذا تساهل يسيِّبونها بعد ذلك، همَّته عالية ودائماً يحثُّ أصحابه على الهمة العالية، لا يقصِّر عن حق، ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أقرب الناس لك يكون أكمل الناس، الإنسان يُعرف بمن حوله، لذلك صحبة الأراذل تجرح العدالة، إذا كان الإنسان ساقطًا بذيء اللسان، شارب خمر، وجلست معه، وآنسته، واستقبلته، ورحَّبت به، وأكرمته، ما شاء الله حولك، تحسب أنك فهيم ذكي!! أعوذ بالله، أنت اقترنت به، لذلك الذين يلونه من الناس خيارهم، الإنسان ينتقي أحسن منه دائماً، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، لا يُقدِّر المنافقين، فكل إنسان قوي تجد حوله أناسًا ينافقون له، فليحذر أحدُنا من هؤلاء، هذا الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما اختار النبي موقعاً ببدر جاء إلى النبيّ، في أعلى درجات الأدب، قال له: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه اللهُ إليك أم رأي و مشورة ؟ ذكي جدًّا، إذا كان وحيًا فلا مجال لأتكلم ولا بحرف، أما إذا كان رأياً فالأمر يختلف، قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال له: ليس هذا بموقع، رجل نصوح، فمن هذا الموقف علَّمنا النبيُّ أن نقبل النصيحة، أنت قرِّب الذي ينصحك، أقول لكم كلمة: الذي يمدحك يثبِّطك، أما الذي ينصحك فإنه يرفعك، كلما نصحك نصيحة تجد نفسك ارتفعت، فالعاقل بصير، ماذا قال سيدنا عمر:" أَحَبُّ ما أهدى إليَّ أصحابي عيوبي" إذا كنت مؤمناً متواضعاً تحبُّ من؟ الذي ينصحك، لا الذي يمدحك، الذي ينصحك يحبُّك، أما الذي يمدحك فيتملَّقك، أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى آدابه الجمَّة في مجلسه مع أصحابه رضوان الله عليهم.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : ادابة اذا خرج الى الناس







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الواحد والعشرين من دروس شمائل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى سيرته صلى الله عليه وسلم وآدابه إذا خرج من منزله وبرز للناس.
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه، الإنسان، وهو بين الناس إذا تكلَّم إما أن يرقى، وإما أن يهبط، ومن أجمل صفات الرجل أن يكون كثير الصمت، فهو في مأمن، والإنسان لا يندم على كلمة لم يتكلَّم بها، لكن يندم أشدَّ الندم على كلمة تفوَّه بها خطأ، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:
((إياك و ما يُعتذر منه))
لا تقل كلمة تضطرُّ بعدها لتقول: سامحوني، أو: لا تؤاخذوني، وكلكم يعلم أن سيدنا معاوية قال لعمرو بن العاص، وكان من دهاة العرب، (ما بلغ من دهائك ؟ قال: واللهِ ما دخلت مدخلا إلا أحسنت الخروج منه، فقال معاوية: لستَ بداهية، أما إني واللهِ ما دخلت مدخلا أحتاج أن أخرج منه )، كلما أمعنت في الأمر، وفكَّرت فيه مليًّا اتَّخذت قرارا صحيحا، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد إنفاذ أمر تدبَّر عاقبته، فلذلك أجمل صفة للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو بين أصحابه أنه كان يخزن لسانه، أي قليل الكلام، فإذا تكلَّم كان كلامه فصلاً، كلامه حقٌّ، وكلامه خير، وكلامه في الإصلاح، كلامه في معالي الأمور، لا في سفاسفها، لذلك فكلامك جزء من عملك، هكذا فاعلمْ.
إخواننا الكرام ؛ لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانُه، لأن معاصي اللسان كثيرة جدًّا، وقد عدَّ الإمام الغزالي في الإحياء العشرات، بل بضع العشرات من آفات اللسان، والحقيقة أن المؤمن قلَّما يفكِّر في أن يرتكب جريمة، أو أن يشرب خمرا، أو أن يأكل حراما، أو أن يدخل مكانا يغضب اللهَ عزوجل، لكن المؤمن الآن من أين يُؤتى ؟ من أين يُحجب عن الله عزوجل ؟ من لسانه، من أين يشعر بالخجل أمام ربِّه ؟ من لسانه، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخزن لسانه، ومن كثُر كلامُه كثر خطؤه، قبل أن تقول، هل في هذا الكلام غيبة، ونميمة، وبهتان، وسخرية، وإيذاء، وجرح، وطعن، ومبالغة، وكذب، وتدليس، فالإنسان كلما حاسب نفسه حسابا عسيرا في الدنيا، كان حسابُه يوم القيامة يسيرا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لأحد أصحابه: ((فيك يا فلان، أو يا زيد خصلتان يحبهما الله و رسوله من هاتين الخصلتين أنه يكثر الصمت))
لا تتكلم إلا فيما يعنيك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))
[رواه الترمذي]
طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، كلامك جزء من عملك، و ربما كان الكلام دركاتٍ يهوي بها الإنسان، فكان عليه الصلاة والسلام يخزن لسانه، ليس معنى هذا أن يُطرح موضوع متعلِّق بالدين مثلا، وأنت تعرف الجواب الصحيح ثم تسكت، الساكت عن الحق شيطان أخرس، بل يخزن لسانَه عما لا يعنيه، يخزنه عن الموضوعات السخيفة، مثلاً اختلفوا على سعر حاجة، خير إن شاء الله، لا ندخل في هذه، اختلفوا على رأي سياسي معيَّن، هذا شيء لا يعنيني، اختلفوا في تحديد موعد، اختلفوا على توقُّعات فلا تعنيني، أما إذا اختلفوا على معنى آية وأنتَ تعرف معناها الدقيق ينبغي ألاّ تسكت، كان عليه الصلاة والسلام يخزن لسانه - دققوا - إلا فيما يعنيه، يعنيه الدعوة إلى الله، يعنيه أن يظهر الحقُّ، يعنيه أن يُرسَّخ الحق في نفوس الناس يعنيه أن تشيع الفضيلة، هذا شيء يعنيه، يعنيه أن يعرِّف الناسَ بالله عزوجل، يعنيه أن يعرِّفهم بأمره، يعنيه أن يعرِّفهم بالآخرة، هذا كلُّه يعنيه، لذلك فالمؤمن يحيِّر، بينما تراه طليق اللسان في الحق، إذْ بك تراه كثير السكوت عن الباطل، موضوع لا يعنيه، لا يخوض مع الناس فيما يخوضون، الناس تستهويهم موضوعات لا ترضي الله عزوجل، فأول صفة من صفاته عليه الصلاة و السلام وهو بين أصحابه، كان يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلِّفهم، ولا ينفِّرهم، سبحان الله ! الإنسان البعيد عن الله عزوجل، المقطوع الذي لا ينطوي قلبُه على كمال ويحبُّ التفرقة، ويميل إلى الإيقاع بين الناس، إن زار أخته يكرِّهها في زوجها، وإن زار شخصا يكرِّهه في شريكه، وإن سأل صانعا ماذا يعطيك معلِّمك ؟ لا يكفي هذا، لا تقبل منه ؟ كرَّهه في عمله، ودائما يسعى ليفرِّق، يكرِّه الناس فيما عندهم دائما، ينتقد بيتا صغيرا، وينتقد دخلا قليلا، وينتقد زوجا ضيِّق الحال، أما المؤمن فسبحان الله بالعكس، يذكر النواحي الإيجابية في الناس، إن زار أخته، ووجد وضعها المادي سيِّئًا يذكِّرها بأخلاق زوجها، وبمكانته، وبعلمه، وباستقامته، وبعفَّته، وإن زار رجلا له محلٌّ تجاري، وله شريك، يذكِّره بفضائل شريكه، وببركة الشركة، وإذا زار بيتا وجده صغيرا، يقول لصاحبه: النبي كان بيتُه لا يتَّسع لصلاته، ونوم السيدة عائشة في وقت واحد، وهو سيِّد الخلق، فينجبر خاطرُه، فمهما استطعت ألِّف، وفِّق، اجمعْ، عمِّق المودة، ولا تنفِّر الناس، لا تبعدهم عن بعضهم، لا تفرِّق بين أمٍّ وولدها، ولا بين أخ وأخيه، ولا بين شريك وشريكه، كان عليه الصلاة والسلام يؤلِّفهم، ولا ينفِّرهم، يؤلِّف بينهم، ويؤلِّفهم معه، أنت بيدك أن تجمع النَّاس حولك، بالكمال تجمعهم حولك، وبالنقص تنفِّرهم منك، ودائما قالوا: الأقوياء يملكون من الناس الرقابَ، بينما الأنبياء يملكون من الناس القلوب، فإذا شئت أن تملك القلوب فكن كاملا، ولا حاجة للتنويه بكمالك، ولا حاجة للتذكير بكمالك، لأن الفطرة العالية تألف الكمال، وتكره النقص، مهما أوَّلته يبقَ نقصا، والكمال لا يحتاج إلى أن تشير إليه، فهو صارخ، فإذا أردت أن تؤلَّف قلوب الناس، وأن ترسِّخ ثقتهم بالدين فكنْ كاملا، إن هذا الدين قد ارتضيتُه لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء، وحسنُ الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه، و كان عليه الصلاة و السلام يؤلِّف الناس حوله، لأنه هو على الحق، إذا ألَّف الناسَ حوله أوصلهم إلى الله عزوجل، لذلك فالإنسان إذا دعا إلى الله لا بدَّ أن يعُدَّ للمليون قبل أن يقول أو يفعل ما يؤدِّي للخطأ مع الناس، لأنه إذا أخطأ معهم نفَّرهم عن الحق وعن الدين، وقلَّما تجد من الناس من يفرَِّق بين الدين وبين أهله، وعامة الناس الخطُّ العريض عندهم أنّ الأمور عندهم متداخلة، فإذا أساء إليهم رجلٌ له صبغة دينية يبتعدون عن أصل الدين، لكن الإنسان الواعي جدًّا لا يتأثَّر بأخطاء من ينتمي إلى الدين، الدين عنده في العلياء، وفي السماء، رجل مبادئ، لا رجل أشخاص، ولكن هؤلاء قلَّة، لكن الكثرة يتأثَّرون بسلوك من عليه مسحةٌ دينية، لذلك أنت على ثُغرة من ثغر الإسلام، فلا يُؤتينَّ هذا من قِبَلِك، فكان عليه الصلاة والسلام يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلِّفهم، ولا ينفِّرهم، الكلمة الطيِّبة صدقة، الاعتذار صدقة، أي ليقتدِ الإنسانُ بمقام النبي اللهم صلِّ عليه، سيد الخلق يقول لعمر: يا أُخيَّ لا تنسنا من دعائك، فهل مكانة النبي انتقصت بهذا الكلام ؟ معاذ الله، سيد الخلق لما قال له، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: ((يَا أَخِي لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ وَقَالَ بَعْدُ فِي الْمَدِينَةِ يَا أَخِي أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ فَقَالَ عُمَرُ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ يَا أَخِي))
[رواه الترمذي]
فمثلاً شخصٌ خدمك خدمة، أو تقرَّب منك بهدية، تقرَّب منك بكلمة طيَّبة ؛ زارك وسأل عنك فلابدَّ أن تشكره من أعماقك، من أجل أن ترسِّخ المعروف وترسِّخ الإحسان، فكان عليه الصلاة والسلام يؤلِّفهم ولا ينفِّرهم، ويكرِّم كريم كل قوم، ويولِّيه عليهم، أحيانا أنت تكون في منصب قيادي ؛ كأنْ تكون مدير مستشفى، أو مدير مدرسة، أو مدير معمل، وتحتاج إلى أعوان لك، فإياك أن تقرِّب المنافقين، وإياك أن تقرِّب الذين يتقرَّبون إليك بالوشاية والإخبار، قرِّب المخلصين، وقرِّب الأتقياء، وقرِّب الكُمَّل، لذلك كان يكرِّم كريم كل قوم، ويولِّيه عليهم، كان عليه الصلاة والسلام يعرف أقدارَ الناس، وينزل الناس منازلهم، أنت لا تستطيع أن تستوعب الناس إلا إذا عرفت فضائلهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام عرف لكلِّ صحابي جليل مكانته، وعرف إمكاناته، وعرف نوع عظمته، نوع بطولته، وأثنى عليه الثناء الطيِّب، أي قيادة الرجال قضية معقَّدة تحتاج إلى رجل يستوعب كلَّ فضائل الرجال، فهذا تفوَّق في شيء إذا تجاهلته نفَّرته، وإذا عرَّفته أنك تعرف ما عنده من الإمكانات، وإذا استشرته أحيانا، وإذا أثنيت عليه ثناء معتدلا واقعيا تملك قلبه، فيمكن للإنسان أنْ يتعامل مع الناس كما يتعامل أصحابُ الحِرف مع المواد ؛ النجار مع الخشب، والحدَّاد مع الحديد، لكن إذا أردت أن تتعامل مع الرجال ينبغي أن تستوعبهم جميعا، وأن تعفوَ عنهم، وأن تسامحهم، وأن تتجاوز عن أخطائهم من أجل أن تؤلِّفهم، وتقرِّبهم، فكان عليه الصلاة و السلام يكرِّم كريم كل قوم، مرة زاره عديُّ بن حاتم وكان ملكا، فأخذه إلى البيت، وأكرمه، وقدَّم له وسادة من أدم محشوة ليفا، قال:"اجلِس عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلست عليها و جلس هو - يعني النبي - على الأرض "، رأى زيد الخير، فقال له: ((يا زيد للهِ درُّك أيُّ رجل أنت ؟! ما وُصِف لي رجلٌ فرأيته إلا رأيته دون ما وُصِف إلا أنت يا زيد))
عرف قيمته، يكرِّم كريم كل قوم و يولِّيه عليهم، أيْ إذا أردت أن تجرح الإنسانَ، وأن تحطِّمه، وأن تهينه وَلِّ عليه من هو دونه، علما وخلقا، فذاك شيء لا يُحتمَل، سئل سيدنا عليٍّ كرَّم الله وجهه:( ما الذُّلُّ ؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه )، إذا ولَّيت على أناس كرماء لئيما فقد حطَّمتهم، فقد ذبحتهم من الوريد إلى الوريد، يجب أن تولِّيَ على كل قوم أكرمهم، وأعدلهم، وأرحمهم، لذلك عندما الصحابة الكرام تخوَّفوا من سيدنا عمر حين ولاَّه سيدُنا الصِّديق، فسيدنا الصّديق قال:(أتخوِّفونني بالله، أقول لله عزوجل يوم القيامة: يا ربي ولَّيتُ عليهم أرحمهم)، ولَّيتُ عليهم أرحَمَهُم، أنت أحيانا على مستوى معلِّم صف لو عيَّنت عرِّيفا، أنتقي مثلا بسيطا، فعن هذا العريف يُحاسب المعلم يوم القيامة، كيف ولَّيته، وفي الصف من هو خير منه ؟ من ولَّى رجلا على عشرة، وفيهم من هو خير منه فقد خان اللهَ ورسوله، كان يولِّي كريم كل قوم، فلا بدَّ أن تولَّي الكريم النزيه النظيف المنصف العادل الرحيم، أحيانا أنت تجد هذا الأمر بيد فلان فترتاح نفسك، إنه ابن أصل، منصف نظيف، ويده نظيفة، وعفيف، حقًّا تشعر براحة ما بعدها راحة عندما تولِّي الإنسان الكفء تولى منصبا معيَّنا، لذلك:
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾
[سورة القصص]
القوي الأمين، والقوة تعني الكفاءة، والأمانة تعني الإخلاص، كان قويًّا في اختصاصه، أمينا على قيمه، هناك إدارات للعمل أنا أعترض عليها اعتراضا شديدا، أحيانا مدير عام شركة يتلقى كلَّ معلوماته من أحد الموظَّفين، وقد يكون أحد هؤلاء ليس في المستوى المطلوب، فينقل المعلومات التي يريد، هؤلاء الذين يملي عليهم من هو دونهم، وبدأ ينقل المعلومات غير الصحيحة لمن هو أعلى منه، ماذا فعل هذا بهؤلاء؟ بالغ في الإساءة إليهم، لذلك يقول سيدنا عمر:(و لا تغلق بابك دونهم، فيأكل قويُّهم ضعيفَهم).
كان عليه الصلاة والسلام، وهو مع الناس يحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطويَ عن أحد منهم بِشْره، وخلقه، إنسان لا تعرفه، يجب أن تأخذ الحيطة منه، المؤمن كما قال النبي: ((كيِّس فطن حذر))
قال لي شخص: إنه قد أشار له شاب في الطريق فأركبه معه في سيارته، ثم تبيَن أنه قاتل، وبقي في السجن خمس سنوات أو ستًا، الذي أركبه اعتُبر متواطئا معه، وسارت التحقيقات وعلى المدى الطويل، فأحيانا الإنسان يكون الشخص يحمل مخدِّرات، وأحيانا يكون الشخص يحمل مواد ممنوعة، فلا تكن ساذجا، سيدنا عمر علَّمنا فقال:( لست بالخِب ولا الخب يخدعني )، لا من السذاجة حيث أُخدَع، ولا من الخبث حيث أَخدع، فكان يحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشْرَه وخلقه، هناك ابتسامة، وهناك مودَّة وهناك علاقة طيَّبة، لكن هناك ذكاء، هناك حيطة، وهناك حذر، نسمع أحيانا من إخواننا قصصا ليس من المعقول أن تقع، مثلاً مبلغ ضخم سلَّمه إياه من دون وصل، ثم تبيَّن أنه نصَّاب، دفع مبلغ استثمار لجهة غير موثوقة فذهب المبلغُ، المؤمن طيَّب لكن ليس ساذجا، المؤمن عنده حسن ظنٍّ بالناس، لكنه ليس أبله، فنحن في زمن يقال: إنّ المؤمن ذاك الإنسان الدرويش، وكلمة درويش لها معنى أعمق، أي أجدب، فلان درويش، لا ليس درويشا، في أعلى درجات اليقظة والحيطة و الذكاء، المؤمن كيِّس فطن حذر، فالإنسان قبل أن يوقِّع، وقبل أن يقبض، وقبل أن يسلِّم نفسه لإنسان، هذا الذي أوكلتَ إليه مصيرك هل تعرفه ؟ سيدنا عمر علَّمنا، قال له:(ائتني بمن يعرفك، فهذا الذي طُلب منه جاء برجل، قال له: أتعرفه ؟ قال: نعم، قال له: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم و الدينار، قال: لا، قال: إذًا أنت لا تعرفه، لعلك رأيته يصلي في المسجد، قال: نعم، قال: أنت إذًا لا تعرفه، هل جاورته لا، هل سافرت معه ؟ لا، هل حاككته بالدرهم و الدينار ؟ لا، قال له: أنت إذًا لا تعرفه، قال له: يا هذا إني لا أعرفك ) هذا الشاهد غير كافٍ، لكن من شدة أدبه رضي الله عنه، قال له:(ولا يضرُّك أني لا أعرفك)، قد تكون أحسن مني، إني لا أعرفك، ولا يضرُّك أني لا أعرفك، انظر إلى قصر العدل، يقال لك: خمسة آلاف دعوى، أسبابها كلها تَصَرُّفٌ في سذاجة، سلَّم بلا تيقُّن، أعطى بلا إيصال، أسّس شركة بال عقد، إذا لم يكن هناك عقد، ولا إيصال يدخل الشيطان، ليس معه وثيقة ضدك، أنت عندك أولاد وهو غنيٌّ، يدخل الشيطان، فأنا أتمنى على إخواننا الكرام، وثِّق كلَّ شيء، وثِّق كلَّ شيء ترتَحْ، ونم على ريش نعام كما يقول بعضُ الناس، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشْره وخلقه، وجهه بشوش، علاقاته طيِّبة عليه الصلاة والسلام، لكن إذا لم يعرف الإنسان يسأل، ويدقِّق، واللهِ إني لأسمع عن حالات زواج شيئا لا يُصدَّق، ببساطة وافقوا على الزواج، وتبيَّن أنه شارب خمر، وببساطة وافقوا، وتبيَّن أنه نصَّاب، وتبيَّن أنه كذَّاب، إنّ الزواج رقٌّ فلينظر أحدُكم أين يضع كريمته، والحقيقة أنّ الناس لا يحترمون المغفَّل أبدا، أنت لا تكن مغفَّلا، ولا تكن طيِّبا لدرجة السذاجة، ولا تكن غير مدقِّق فيما يقوله الناسُ، من صفاته مع أصحابه كان يتفقَّد أصحابَه.
أيها الإخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة و السلام: ((إن الله يسأل العبدَ عن صحبة ساعة))
أليس لك أصدقاء في أثناء الدراسة ؟ أليس لك أصدقاء في الخدمة الإلزامية ؟ أليس لك أصدقاء في العمل التجاري ؟ أليس لك أصدقاء في الوظيفة ؟ هل تفقَّدتهم وسألت عنهم، لا تريد عملا ترقى به عند الله عزوجل، هكذا النبيُّ علَّمنا، كان يتفقَّد أصحابه، سيدنا عمر بلغه أن أحد أصدقائه صار في الشام، وعاقر الخمر، وانتكس على رأسه، فأرسل له كتابا صدَّره بقوله تعالى:
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)﴾
[سورة غافر]
و نصحه نصيحة طيِّبة، فهذا الرجل قرأ الكتاب وصار يبكي، أعاده مرة، ومرتين، وثلاثا، وأربع مرات، إلى أن أقلع عن شرب الخمر، وبلغ سيدَنا عمر النتيجةُ الطيِّبة لهذا الكتاب، فقال سيدنا عمر:(هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضلَّ، لا تكونوا عونا للشيطان عليه، بل كونوا له عونا على الشيطان ) إذا شرد أخ، وانتكس، وترك الصلاة، وانغمس في المعاصي فلا تحاربه، تألَّف قلبَه، وزره، وأحسن له، وقدِّم له هديةً، فإنك بهذا العمل تستجلبه، وكان عليه الصلاة والسلام يتفقَّد أصحابَه، وأخ كريم قال لي كلمة أعجبتني، قال: أنا أفضِّل أن أزرع عشر غرسات، وأعتني بها عناية فائقة حتى تكبر، وتثمر خيرٌ لي من أن أزرع ألف غرسة من دون عناية، كلها تيبس بعد ذلك، هذا هو الفرق بين التربية والتعليم، لا تهتم بإلقاء الدرس وتذهب، هذا الأخ الذي أمامك له مشكلة، وله قضية، فهل سألت عنه ؟ وعن أحواله ؟ هل تابعت أموره، وتفقَّدت أحواله ؟ فالمتابعة تعني المودَّة، والنبي كان يتفقَّد أصحابه، فتفقَّدوا بعضكم، وأكثر شيء أنا ألحُّ عليه أن كل أخٍ من إخواننا يتولَّى أخا واحدا فقط، واحدا، واللهِ واحد ليس بالقضية الصعبة، أتيت إلى درس الجمعة، ولم يأتِ، معناه أنه مريض لا سمح الله، معناه أن عنده مشكلة، اتِّصل به، هذا الإنسان توفي أحدُ أقربائه بلِّغونا حتى نعزِّيَه، يجده شيئا حلوا، وذاك مريض نزوره، وآخر بحاجة إلى حلِّ مشكلة لعلها تُحلُّ عن طريق أحد الإخوان، فأنا أتمنى عليكم واحدا وَاحدا أنْ يتآخى مع أخ واحد، وهذا هو الحدُّ الأدنى، اثنين أحسن، والثلاثة أحسن، الخمسة أحسن والعشرة أحسن، و لكن الحد الأدنى واحد، إنّ الناس كلهم يتعاملون معك في هذه الدنيا، بيع و شراء، أما إذا طرق إنسان بابك ليس له شيء عندك، غير أنه أحبَّك في الله، وتفقَّدك لله، وسأل عنك لله، واطمأن عن صحَّتك لله، فلتشعر أن هذا الإنسان متميِّز، وقلبك مُفعم بالمحبَّة له، فإذا سلك إنسان طريق الإيمان فنحن بحاجة إلى أن نُقلِّد النبيَّ العدنان، قلِّده في تفقٌّد إخوانه، قلِّده في زيارته والسؤال عنهم، وفي عيادة مريضهم، في مساعدة محتاجهم، و في رعاية ضائعهم، قلِّده، فأول نقطة، يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، يؤلِّفهم، ولا ينفِّرهم، يكرِّم كريم كل قوم و يوليه عليهم، و يحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي بِشْرَه عن أحد، يتفقَّد أصحابه، هذه أخلاقه الاجتماعية، ولا يوجد أحد منكم على الإطلاق إلاّ وله مجتمع يجتمع إليهم، لك زوجة، ولك أولاد، ولك أصدقاء، ولك جيران، لك أولاد عم، ولك أصهار، ولك بنات، ولك أولاد، لك أعمام ولك أخوال، ولك زملاء في العمل، فلا أحدَ مقطوع من شجرة، ولا أحد ليس له مجتمع حوله، هذا المجتمع الذي حولك يمكن أن تصل من خلاله إلى الله، و يمكن تحتلَّ من خلاله أعلى مراتب الجنة، تفقَّدهم واخدُمهم و انصحهم، وزُرهم وأعِنهم، مجتمع المؤمنين مجتمع التعاون، تجد كل الإخوة يسارعون لمعونة المضطر، كل أخ مؤمن كل طاقاته لإخوانه، نحن شعارنا إن صحَّ التعبيرُ " كلُّنا للفرد، والفرد كلُّه للمجتمع "، ومن صفته الاجتماعية الراقية أنه كان عليه الصلاة والسلام يسأل الناس عما يعاني منه الناس، ليس يعيش في برج عاجي، وليس يعيش في أحلام، وليس يعيش في اهتمامات بعيدة عن واقع الناس، كان يعنيه ما يعني الناسَ، أحوال الناس، يعانون من قضية، فتراه قد سأل عنها، وتفقَّد إخوانه، وحاول معالجة مشاكلهم، هناك أشخاص عندهم روح فردية، فهو يملك بيتًا، وهو متزوِّج، ودخله يكفيه، عنده شركة رابحة، فلم يعد يهمُّه حتى أمر الأولاد، تزوجوا أو لم يتزوجوا، لهم أعمال أوْ لا، شعاره: لا توجع رأسك، هذا إنسان فردي، هذا إنسان لا يحبُّه اللهُ عزوجل، لأنه من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم، عندك اهتمامات مقدَّسة خاصة بك، واهتمامات ليس لك أجر عليها، بدافع حبِّك لذاتك، فالإنسان لا يرقى عند الله إلا باهتماماته الجماعية، يهمُّك أمرُ إخوانك، يهمُّك أمرُ هدايتهم، يهمُّك أمر زواجهم و أمر عملهم، أمر دينهم فالنبي الكريم كان يسأل الناس عما في الناس، زارك أخٌ من محافظة بعيدة، كيف الأمطار عندكم ؟ وكيف أحوالكم ؟ كيف أعمالكم ؟ والحق أقول: إني أحاول أن أقلِّد النبيَّ الكريم، أسأل الأخ عن زوجته، كيف الأهل بخير ؟ الأولاد أهم بخير ؟ العمل جيِّد، وليس فيه متاعب أولادك ما أخبارهم، أعمارهم، أسماؤهم، أين وصلوا في الدراسة ؟ هذا الشيء ينمِّي المودَّة، فالنبيُّ الكريم كان عليه الصلاة والسلام يسأل الناس عما في الناس، ويحسِّن الحسنَ ويقوِّيه، أحيانا الإنسان لا ينتبه لنفسه، يسمع قصةُ فيها مخالفة للشرع، يقول لصاحبها: هكذا عملت، فأثنى على صاحبه، أنت ماذا فعلت ؟ تكلمت كلاما فيه معصية كبيرة، أنت الآن قوَّيت القبيح، و قويت المعصية، أثنيت على صاحبها، لو كان العمل في ظاهره فيه بطولة، ولكنه في أساسه مخالفة للشرع، فلا ينبغي أن تمدحه، ورد في الحديث: ((إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق))
أجل، يغضب، وإذا مدحت الفاسق رسَّختَ الرذيلة، رسَّخت المعصية، ينبغي أن تحسِّن الحسن وتقوِّيه، وأن تقبَّح القبيح، وأن تضعفه، وأن توهِّنه، وجدت عملا طيِّبا أثنِ على صاحبه، هذا شاب يصلي في المسجد، قل له: تقبَّل الله، قال لي أخ إنّ شابًا دخل المسجد شاب، وسُرِق حذاؤُه، هو حالته - القائل - المادية جيِّدة، قال لي: مباشرة - وكنا سوق الحميدية - اشتريتُ له حذاءً، يقول هذا الشاب الذي سُرق حذاؤه: ما تركت الصلاة طيلة حياتي، تأثُّرا بهذا الموقف، فإنسان عمل عملا طيِّبا فشجِّعْه، قوِّ له همَّته، وإنسان عمل عملا سيِّئا فلا تسكت، انصحه، واذكرْ له أنك خالفتَ الشرع، وما دام هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فاللهُ يحبُّنا جميعا، أما إذا عُطِّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمقتنا اللهُ جميعا، ولو كنا صالحين، واللهُ أمر بإهلاك بلدة، فقيل: يا رب إن فيها صالحا، فورد في الحديث أْن به فابدؤوا، قالت الملائكة: لِم يا رب ؟ قال: لأن وجهه لم يتمعَّر حين رأى منكرا، وانتهى الأمر، لذلك فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة، قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾
[سورة الأنفال]
وقال الله عزوجل:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾
[سورة هود]
إذا كانوا مصلحين لا يهلكون، أما إذا كانوا صالحين يهلكون، والفرق واضح بين المصلح والصالح، الصالح لذاته ولنفسه، أما المصلح لغيره، يحسِّن الحسن و يقوِّيه، ويقبِّح القبيح و يوهِّيه، وبعض الآباء أيضا إذا كذب ابنُه سكت، فهذه واللهِ مشكلة، وإذا ترك الابن الصلاة، أو ترك فرض صلاة، ولم يحتجّ الأب، أو يعترض فالأمر خطير، و إذا عمل الابن عملا طيِّبا وسكت الأب، ولم يعبأ به، فقد ضعَّفه، وهذه النقطة ما أدقَّها ! كلما وجدتَ عملا طيِّبا فعليك أن تثنيَ على صاحبه، وأن تقوَِّيه، وأن تبرزه، وأن تدعمه، وكلما وجدت عملا سيِّئا فعليك أن تحقِّر صاحبه، وتقبِّحه، وتوهِّنه، وأن تحذِّر الناس منه.
كان عليه الصلاة والسلام وهو مع أصحابه معتدل الأمر، فلا مبالغات، ولا تطرُّف، ولا غلو، ولا إفراط أو تفريط، الإفراط المبالغة، والتفريط التقصير، أصوب موقف الاعتدال، معتدل الأمر غير مختلف، فليس هناك تناقض، الإنسان أحيانا يتناقض، سمعت قصة مفادها أنّ شابًا اشترى لزوجته غسَّالة من النوع الحديث، فقالت له أمُّه موبِّخة: لماذا ؟ من أجل أن تبقى نائمة إلى الظهر، وعنَّفته أشدَّ التعنيف، لكنه من غرائب الصُّدف أن صهرها اشترى لابنتها الغسَّالة نفسها، فقالت: الله يرضى عليه، ويوفِّقه، فهل هناك أقبح من التناقض ؟ خاصة في التعامل مع الأبناء والبنات، انظر إلى الأب أحيانا، تكون له بنت، وكلمته عنها رقيقة مع مدح لها، وعطف عليها، دائما معذورة، في تعب، مسكينة لا ترتاح، و إذا قصَّرت زوجة ابنه يوما فيقول: كسلانة، ليس لها همَّة ونشاط، وليس فيها ذوق، لا تتناقض أيها الرجل، فالتناقض بشِع، مرة كنتُ في محلٍّ تجاري، وفي المحل في أثناء العطلة النصفية، ابن صاحب المحل وصانع في سنه، واللهِ حمل الصانعُ ثوبين أو ثلاثة، قال له صاحب المحل: احمِل المزيد، فأنت الآن شاب قوي، وأمسك ابنه ثوبا، "احذر بابا ظهرك"، يا لطيف، احتقرته احتقارا شديدا، هذا ضد الناس، هذا تحمِّله ثوبين، وثلاثة، وخمسة، وعشرة حتى لا يتحمَّل، قال لك: لا أستطيع أن أحمل، فقلتَ: لا بأس فأنت شاب، أما ابنه حمل ثوبا واحدا فأنت تخاف على ظهره، الإنسان لو سار في الطريق عاريًا بلا ثياب واللهِ أشرف من أن يتناقض، إياك أن تتناقض، النبيُّ الكريم معتدل الأمر غير مختلف، ودائما وأبدا عندنا مقياس لا يخطئ، لا يخطئ أبدا، عامل الناسَ كما تحبُّ أن يعاملوك، ضع نفسك مكان هذا الإنسان، أنت موظَّف وراء الطاولة، جاءك مراجع، ضع نفسك مكانه، هناك حديث لطيف، هناك فنجان قهوة ساخن، والجريدة أمامك، والذي يراجعك ملهوف، تقول له: تعال غدا، من أين أتى هذا ؟ كم من حافلة ركب حتى وصل إليك ؟ قد يكون جاء من حمص، يعني يذهب لينام في الفندق، وسيتكلف ادفع حوالي ثمانمائة ليرة أو ألفًا، وتقول له: تعال غدا، والقضية تكلَّفك عشر دقائق، عامل الناس كما تحبُّ أن يعاملوك، إنه معتدل الأمر غير مختلف.
إخواننا الكرام، المؤمن ينصف الناسَ من نفسه، لو كان قويًّا، و لو كانت كلمته هي العليا، لو لم يجرأ أحدٌ أن يحاسبه فليحاسبْ نفسه، يعتذر، يقول: سامحوني، أنا غلطت، أما أنْ يكون دائما هو على الحق، والناس على باطل، فهذا الموقف غير منصف، فكان عليه الصلاة و السلام معتدل الأمر غير مختلف، أي لا تناقضَ في حياته، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ((أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
[رواه البخاري]
لكل حال عنده عتاد، العتاد أيْ الأدوات، أي عليه الصلاة والسلام يخطِّط، هناك حال، وقد يُفاجأ بحال، يهيِّئ ما يغطِّي هذا الحال، الإنسان الساذج السائب هو الذي تواجهه الأحداث، فأفعاله كلُّها ردود فعل، كلُّ شيء متوقَّع يهيِّئ له حلاًّ، والفكر العلمي لو أنه ما وافقه ماذا أفعل ؟ لو سافرت ماذا أفعل ؟ لو قُبلت في هذا العمل ماذا أفعل ؟ دائما يفكِّر في المستقبل، أساسا الأذكياء يعيشون المستقبل سلفا، والأقلُّ ذكاء يعيشون الحاضر، والأغبياء يعيشون الماضي، قال:
ألهى بني تغلبٍ عن كلِّ مكرمةٍ قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
***
التغنِّي بالماضي، دون أن يكون الحاضر امتدادًا للماضي، فهذا غباء من الإنسان، و الاهتمام بالحاضر ثم يُفاجأ بالمستقبل بأشياء غير متوقَّعة فهذا أيضًا غباء من الإنسان، لا بدَّ من أن تعِدَّ لكلِّ شيء عدَّته، لذلك فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))
[رواه أحمد]
لا أعتقد أن هناك مثلاً أوضح من هذا المثل: ((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))
رغم أنّ الدنيا فليغرسها، هيِّئ لأولادك من بعدك، سيدنا زكريا ماذا قال:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)﴾
[سورة مريم]
ليس المهم أنه دعا إلى الله، والناس التفُّوا حوله، لا، لكن فكَّر بمستقبل الدعوة، وفكَّر بمن يحلُّ محلَّه، هناك كثير من الأشخاص عظماء، لا يفكِّرون أبدا فيمن يحلُّ محلَّهم، هيِّئ ناسا يتابعون العمل، لكل حال عنده عتاد، لا يقصِّر عن الحق لا، ولا يجاوزه، هناك أشخاص إذا أقبلوا كان إقبالهم غير معقول، وإذا أدبروا كان إدبارهم غير معقول، إذا أحبُّوا إنسانا يزوِّجونه ابنتهم، فهذا الإنسان بحديثهم ليس إنسانا عاديًا، إنه فوق التصوُّر خلقا وعلما، وفهما وغنى، فإذا وقع هناك خلاف يتّهمونه بأنه مصاب بأمراض وأنه لئيم...إلخ، فهذا عدم الاعتدال، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ: ((أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا))
[رواه الترمذي]
الذين يلونه من الناس خيارهم، لا تقرِّب أراذل الناس منك، قرِّب الأكارم، أنت مؤمن ولك سمعة ولك مكانة، اترُك من حولك قريبين منك، لا تصاحب الأراذل، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مواساةً ومؤازرة، والأقوياء أحيانا يقرِّبون أناسًا غير جيِّدين، فالناس يتعاملون مع القمم من أعوانهم، الأعوان إذا لم يكونوا على المستوى الراقي يسيؤون أشدَّ الإساءة لمن فوقهم، فأنت لا تقرِّب إلا الإنسان الكامل، لا يكن حولك إلا إنسانا كاملا، لأنك تُعرف به، كلُّكم يعلم أن صحبة الأراذل تجرح العدالة، أنت إنسان مستقيم ومالك حلال، وعفيف، وملتزم، يكفي أن تصحب رذيلا حتى تُجرح عدالتُك كيف انسجمتَ معه، كيف سِرت معه، كيف سافرت معه، لهذا قال العلماء: صحبة الأراذل تجرح العدالة، لذلك فالذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمُّهم نصيحة، والإنسان إذا كان في موقع قيادي لا يلغي المعارضة، لو ألغاها ينافق له، أصغِ إلى النصيحة، وأصغِ إلى كلمة الحق تَرْقَ، أما إذا رددتَ كلَّ نصيحة فلن ترقى، بل تهلك، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، هذه أخلاق النبيِّ عليه الصلاة والسلام وهو بين أصحابه
من باب التذكير أكرِّر يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، يؤلِّف أصحابَه ولا ينفِّرهم، يكرِّم كريمَ كلِّ قوم ويولِّيه عليهم، يحذر الناسَ ويحترس منهم، من غير أن يطوي بِشرَه عن أحد، يتفقَّد أصحابه، يسأل الناسَ عما في الناس، يعنيه أمرُ الناس، يحسِّن الحسنَ ويقوِّيه، ويقبِّح القبيحَ ويوهِّنه، معتدل الأمر غير مختلف، ليس لديه تناقض، معتدل، لا إفراط ولا تفريط، لكلِّ حال عنده عتاد، يهيِّئ للمستقبل، يخطِّط، لا يقصِّر عن حقٍِّ و لا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارُهم، أفضلهم عنده أعمُّهم نصيحةً، أعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مواساةً و مؤازرة.
هذه بعض شمائل النبيِّ صلى الله عليه و سلم، وهو بين أصحابه، وله كذلك شمائل وهو في بيته، وننتقل في درس قادم إن شاء الله تعالى إلى آدابه صلى الله عليه وسلم في مجالسه مع أصحابه.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : مشاورتة لاصحابة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه :
أيها الأخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثالث والعشرين من دروس: "شمائل النبي صلى الله عليه وسلم"، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى: "مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه"، وهذا الدرس أيها الأخوة من أدق الدروس التي يتصل موضوعها بحياتنا اليومية، قال تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/01.jpg
فالله سبحانه يأمر النبي أن يشاور أصحابه، مَن هو النبي؟ سيد الخلق، وحبيب الحق، أوتي الفطنة، سيد ولد آدم، يوحى إليه، معصوم، ومع كل هذه الخصائص، ومع كل هذه الميزات، ومع عصمته، ومع رجاحة عقله، ومع أن الوحي يُصَبُّ على صدره، ومع كل ذلك أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، قال: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
فما الذي يعنينا مِن هذا؟ ما الحكمة التي وراء المشاورة؟ في كلام الله عز وجل حِكَمُهُ التي لا تعدُّ ولا تحصى، لماذا أمر الله النبي أن يشاور أصحابه؟ قال: أولاً لأن في مشاورة أصحابه تطييباً لنفوسهم، أي أنك حينما تأمر، وعلى الطرف الآخر أن ينفذ، يشعر أنه أداةٌ بيدك، أما حينما تشاوره فتُشْعِرُه أنه شريكك، وهذا من الأساليب التربوية، كان عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه في الغزوات، معنى ذلك أن الصحابة الكرام حينما يشيرون عليه أن يخرج للقاء العدو، ويخرجون معه، لا يشعرون أنهم أدوات، هم شركاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/02.jpg
المشاورة من شأنها أن تطيِّب نفوس الذين تشاورهم، فأنت ترى أن الحكمة أن تفعل كذا في بيتك، لو سألت زوجتك: ما قولك يا فلانة في هذا الأمر؟ فإذا قالت: والله نِعْمَ الرأي، وبدأت تفعله لا تشعر أنها مأمورة بل هي شريكة، ما قولك يا فلان أن نفعل كذا؟ فإذا أجابك إلى رأيك وفَعَلَه يفعله عن طيب نفسٍ، فأول حكمةٍ من حكم مشاورته صلى الله عليه وسلم أن يطيِّب نفوس أصحابه.


الحكمة من المشاورة :
الله عز وجل حينما أمر عباده أمرهم وبيَّن لهم حكمة أمره، وأيضاً حينما يأمر الخالق أمراً، يأمر عباده أمراً ويبيِّن لهم حكمته، فإنه يُطيِّب قلوبهم بهذا الأمر، هذه واحدة، والشيء الذي يقولـه النبي عليه الصلاة والسلام هو ذاته الذي قاله تعالى، قال مرةً لأبي بكرٍ وعمر:
((لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا))
[ أحمد عن أبي بكر وعمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/03.jpg
ما معنى هذا الكلام؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يسأل أصحابه- أصحاب الرأي الراجح، أصحاب العقل السديد- يقول: أنا لو استشرت أبا بكرٍ وعمر لا أخالفهما، وهذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أصحاباً ليشاورهم من أصحاب العقول الناضجة، وهو بهذا يُعَزِّزُ رأيه برأيهم، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ))
[أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
طبعاً أنت رأيت هذا الرأي، وهو على صواب لا شك، لو سألت إنسانًا آخر وأشار عليك بالرأي نفسه، فأنت بهذا تتقوى على هذا الرأي، أنت رأيت، والحق معك، والحُجَّة قوية، أما إذا جاءك صديق، واستشرته، وأشار عليك بما أنت صانع تشعر بالأُنس، تشعر أن رأيك سديد، هذا اسمه التقوِّي، ولو كنت على حق، ولو أصبت في رأيك، حينما تسأل من حولك، وتستشيرهم، ويدلون لك بالرأي نفسه، هذا مما يقوِّي رأيك.
إذاً أول حكمة من حكم المشاورة تطييب نفوس أصحابه، والحكمة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم يَتَقَوَّى برأيهم. على الإنسان أن يكون مع جمهور العلماء وجمهور المسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/04.jpg
أخ يسألني سؤالاً، أعرف الجواب، وأعطيه الجواب والدليل؛ الآية أو الحديث أو رأي الفقهاء، أكون مرة في نزهة لقاء مع أخواننا العلماء، أقول: ما قولكم في هذا الموضوع؟ يجيبون كما أجبت، أشعر براحة، أتقوَّى، هذا الذي أفتيت به يُفتي به غيري، وغيري، و غيري، فالإنسان أحياناً يتقوى بأخيه، أنا رأيت أنّ هذا هو الجواب، وأنّ هذا هو الدليل، وأنّ هذه هي الآية، وهذا رأي الإمام أبي حنيفة كذلك، فهو قوة لرأيي، وحينما أرى أن أُناساً آخرين يفتون بما أفتي أشعر بأُنس، أشعر بطمأنينة، أشعر أني مع المجموع، أنني مع جماعة المؤمنين، الإنسان دائماً لا يختَرْ رأياً ضعيفًا، ولا رأياً مُفْرَدًا، ولا حُجة ضعيفة، ولا رأياً شاذًا، عليه أن يكون مع جمهور العلماء، ومع جمهور المسلمين، ومع الأكثرية، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))
[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا تجتمع، ويجب أن تعلموا علم اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم معصومٌ بمفرده، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها، لا تجتمع على خطأ، فأنت حينما تقرأ التفاسير، يقول لك: قال الجمهور، فكن مع الجمهور، كن مع الأكثرية، طبعاً الأكثرية ليس من عامة الناس، بل المقصود من جماعة المؤمنين، لأن الأكثرية من الناس على ضلال.. ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾
[ سورة يونس : 36]
إذا قلت: كن مع الأكثرية فأقصد بها أكثرية المسلمين، وإذا قلت لك مرة: كن مع الأقلية؛ مع أقلية الناس المؤمنة، لأن الكثرة غير مؤمنة.
إذاً أولاً: تطيب نفوسهم، وثانياً: تتقوى برأيهم، أنت على حق، لكن سبحان الله السؤال يُعطي أُنسًا، يعطي قوة، يعطي ثقة بالنفس. مشاورة النبي الكريم أصحابه ليكون قدوةً لهم :
والأخطر من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما شاور أصحابه تنفيذاً لأمر الله عز وجل، فهو إنما يُشَرِّع لأمته من بعده، أي أنَّه هو معصوم لا يخطئ، والوحي يسدده، والله يؤيده، ورجاحة عقله لا حدود لها، والتوفيق الإلهي يحالفه دائماً، لكن هؤلاء الذين سيأتون من بعده، من أمته من أمراء أو من علماء، ليسوا في مستواه، قد يخطئون، قد يلتبس عليهم الأمر، إذاً هم في أشد الحاجة إلى المشورة، فقد سَنَّ لهم المشورة ليكون قدوةً لهم، إذاً رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم غنيٌ عن آراء أصحابه، لأنّ رجاحة عقله، وعصمته، والوحي الذي يأتيه يغنيه عن مشاورة أصحابه؛ إلا أنه شاور أصحابه ليكون قدوةً لمن بعده من العلماء والأمراء، هو حينما شاور أصحابه كان مُشَرِّعاً في مشاورة الأصحاب.
كلكم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهر يومًا ركعتين، ركعتين فقط، فقيل له:
((أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ - أي صليت ركعتين فقط - فسأل النبي أصحابه، طلبًا للتواتر، فتبيَّن فعلاً أنّه صلى ركعتين، قال: إنما نُسِّيتُ كَي أَسُن))
[البخاري عن أبي هريرة " بغير زيادة "إنما نسيت....." ]
فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم في كل أيام بعثته ما نسي ولا مرة، كيف يَسُنُّ لنا سجود السهو؟ ليس إذًا من طريق إلى ذلك، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى *إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾
[ سورة الأعلى: 6-7]
إلا ما شاء الله لحكمةٍ تشريعية، أي يجب أن ينسى كي يشرِّع لنا سجود السهو، فمقامه فوق النسيان، لكن أنساه الله عز وجل لحكمةٍ تشريعية راجحة.
أيضاً عندما شاور النبي أصحابه، طبعاً تطييباً لخاطرهم، وتقوَّى بهم، ولكنه قطعاً غنيٌ عن رأيهم، وعن توجيههم، وعن خبرتهم لأنه معصوم، ومعه الوحي، وله من رجاحة عقله ما يغنيه عن عقولهم، ومع ذلك شاورهم كمشرِّع ليكون قدوةً لهم. النبي مُلزم من قِبَل الله عز وجل أن يكون قدوةً ومشرعاً :
تذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض من يهوديٍ من أهل الكتاب، وقد يقول إنسان ضيِّق التفكير: أيعقل أن يقترض النبي من يهوديٍ وأصحابه حوله يفدونه بأرواحهم وبمهجهم؟! الجواب سهل جداً: هو ما اقترض من هذا الكتابي لحاجة، أو لأن أصحابه يقصرِّون في حقه؛ لكن أراد أن يكون مشرِّعاً، لك أن تتعامل مع أهل الكتاب، أنت الآن لو دخلت لمحل صاحبه غير مسلم، من أهل الكتاب، أيجوز أن تشتري منه؟ نعم يجوز، ولا شيء في ذلك، يجوز أن تشتري منه ويجوز أن تبيعه، لولا أن النبي تعامل مع أهل الكتاب لما جاز لك أن تفعل ذلك، فالنبي مُلزم من قِبَل الله عز وجل أن يكون قدوةً ومشرعاً.
وهذا مثل أوضح من ذلك، في نظركم أيهما أشدُّ شجاعة؛ سيدنا النبي الذي كان يقول أصحابه عنه:
((كان إذا حمي الوطيس واحمرَّت الحدق اتَّقينا برسول الله، فلم يكن أحدٌ أقرب إلى العدو منه))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/05.jpg
أي أن شجاعة أصحابه مجتمعين لا تعدل جزءاً من شجاعته صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كيف هاجر النبي؟ هاجر مُساحلاً، وتخفَّى، ودخل إلى غار ثور، وأمر من يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالزاد، ومن يمحو الآثار، لماذا فعل النبي هذا؟ لماذا لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل عمر هاجر متحدياً المشركين؟ قال: "من أراد أن تثكله أمه، أو أن ييتم ولده فليحقني بهذا الوادي"، الإنسان قد يعجب، يا رب أيهما أشد شجاعةً، نبيُّك المُرسل أم هذا الصحابي الجليل؟ صحابيٌ يتحدى كفار قريش، والنبي يتسلل، ويختبئ، ويذهب إلى غار ثور، ويقيم فيه أيامًا ثلاثة.
الجواب سهل جداً: لو أن النبي هاجر كعم، لعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً، ولكان أخذ الحيطةً حراماً، ولأَهْلكَ أمَّته من بعده، فهو مشرِّع، كل أفعاله تعد تشريعاً، كل شيء يفعله تشريعٌ إلى يوم القيامة، لذلك فالنبي أخذ الحيطة، وأخذ بالأسباب، ولم يتحد قريشاً، ذهب إلى غار ثور، مكث فيه أياماً ثلاثة، كلَّف من يأتيه بالأخبار، من يمحو الآثار، من يأتيه بالزَّاد، استأجر خبيراً غير مسلمٍ، رجَّح الخبرة.
أحياناً يكون الطبيب غير مسلم مختصاً بهذا المرض، والمرض عُضال، أخي أنا لا أتعامل مع غير المسلمين، النبي سيد الخلق استأجر خبيرًا في الطريق مشركًا، أحياناً يجب أن تقصد الخبرة لذاتها، عندك قضية عويصة، علَّة في الجسم حيَّرت الأطباء، وجاء طبيب غير مسلم متخصص بهذا المرض، فينبغي أن تستفيد من خبرته، لأن الحياة غاليةً عند الله وعند الناس. النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لأمته من بعده :
على كلٍّ النبي مشرِّع، فعندما استشار أصحابه شرَّع لنا أن نستشير، شرع للأمراء من بعده، وللعلماء من بعده أن يستشيروا، وهناك موقف عملي أبلغ من ذلك - وهذا في الحقيقة يشبه موضوع صلاة الظهر ركعتين - النبي الكريم في موقعة بدر اختار موقعاً، تقول: يا رب ألم يكن من الممكن أن ترسل له جبريل ليخبره عن الموقع المناسب؟ هذا ممكن، يا رب لمَ لمْ ترسل له جبريل؟ ألم يكن من الممكن أن تلهمه الموقع المناسب إلهاماً؟ نعم ممكن، لمَ لمْ يكن ذلك؟ اختار موقعاً، اجتهد النبي واختار موقعاً، فجاء صحابي في أعلى درجات الأدب، أعلى درجات الغَيْرَة، أعلى درجات الحُب، وسأل النبي سؤالاً يقطر أدباً، قال:
((يا رسول الله هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمكيدة؟،
الصحابي دقيق جداً، لو أن هذا المكان وحي لما كان له أن ينبس ببنت شفة، قال له: بل هو الرأي والمكيدة، فقال: يا رسول الله ليس بموقع، بكل بساطة، بكل تواضع، بكل عفوية، من دون تشنُّج، من دون أن يرى النبي أن هذا انتقاصاً من قدره، من دون أن يُهمل هذا الذي نصح، من دون أن يحطِّمه، من دون أن يطرده، قال له: أين الموقع المناسب؟ قال: هناك، فأعطى النبيُّ أمرًا بنقل الجيش إلى ذاك الموقع.
هذه القدوة، كان عليه الصلاة والسلام قدوةً لأمته من بعده، فإذا جاءك إنسان مخلص، غيور، جاءك ناصحاً، بيَّن لك الحجة والدليل، إيَّاك أن تستعلي عليه، إياك أن ترفضه، إياك أن تدير ظهرك له، إياك أنْ تفعل ما يحطِّمه لأنه تجرَّأ ونصحك، بل بالعكس. الإنسان المؤمن يقبل النصيحة ويصغي إليها ويشكر صاحبها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/06.jpg
أيها الأخوة، - دققوا فيما سأقول - الذين يمدحونك لا يرفعونك، لكن الذين ينتقدونك هم الذين يرفعونك، كلما انتقدك إنسان بشيء تتلافاه وترقى وتعلو، وكلما مدحك إنسان تطمئن إلى سلوكك، فلن ترقى عندئذٍ، هذا قول سيدنا عمر لا يغيب عن ذهني إطلاقاً: "أحبُّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي"، هذا حال الإنسان المؤمن؛ يقبل النصيحة، ويصغي إليها، ويشكر صاحبها، لا يحتقره، ولا يعنفه، ولا يهجره، ولا يَعدُّ هذا تجرُّؤًا عليه، أبداً، اشكره على نصيحته.
إذاً كان عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه ليكون عملُه سنةً من بعده، فهو المشرِّع.
أخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه، أنه قال في هذه الآية:
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
قد علِم الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة إليهم، لكنه أراد أن يَسْتَنَّ به مَن هم بعده، فأنت الآن كتطبيق عملي؛ لك أسرة، فما مِن مانع للأمور الأساسية أن تستشير زوجتك، وليس في هذا من غضاضة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أم سلمة في صُلح الحُديبية، فأشارت عليه، ونفذ مشورتها، لا مانع أن تستشير الأولاد الكبار عندك، تطيِّب نفوسهم، وتتقوى برأيهم، وتشعرهم أنهم شُركاء، وفوق هذا وذاك تعلمهم أن يتواضعوا في مستقبل حياتهم، وتعلمهم أن يشاوروا، وتعلمهم أن يقبلوا المشورة والنصيحة. من نصح فله أجر و من قبِل النصيحة فله أجر :
أخواننا الكرام؛ الذي يقبل النصيحة التي تُسدى إليه بإخلاص، ليس أقل أجراً من الذي يُسديها، أنت نصحت، فلك أجر، لكن هذا الذي يقبل هذه النصيحة بأدبٍ جَم، ويثني عليك، ليس أقل أجراً منك، يجب أن تعلم أنك إذا نصحت فلك أجر، وإذا قبِلت النصيحة فلك أجر، عوِّد نفسك أنْ تقول لأيِّ ناصحٍ: جزاك الله عني كل خير، إلا إذا كان هناك التباس، أو خطأ، فَهمٌ خطأ، فتقول: أنا لم أقصد ذلك، هذا الذي قصدته.
وروى ابن عدي والبيهقي في الشُعَبِ بسندٍ حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((لما نزلت وشاورهم في الأمر قال عليه الصلاة والسلام: أما إن الله ورسوله لغنيَّان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رُشداً، ومن تركها لم يعدم غَيًّا))
[ابن عدي والبيهقي في الشُعَبِ بسندٍ حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما]
أنت ممكن أن تقتبس خبرة خمسين سنة بسؤال؟ طبعاً ممكن أن تقتبس خبرة خمسين سنة بسؤال أديب لرجل خبير في عمله، عالم بالتجارة، بالصناعة، قبل أن تُقبل على المشروع، خذ رأي أهل الرأي من المؤمنين الصادقين، استشرهم. من حِكَمِ المشاورة أيضاً أن الذي تشاوره ترفع قدره :
أيضاً من حِكَمِ المشاورة أن الذي تشاوره ترفع قدره، وتشعره أن رأيه مقبول، وأن له دوراً في هذه الأسرة، أو في هذه المؤسسة، أو في هذه المدرسة، أو في هذا المستشفى، إذا كان مديرًا عامًا في مستشفى سأل الأطباء مَن حوله: ما قولكم في كذا وكذا؟ هذه يسمونها الآن إدارة ديموقراطية، إدارة ناجحة، لكن في قول الله:
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
لكي لا تنقلب المشاورة إلى فوضى، وإلى تمزُّق، وإلى تعطيل أعمال، وإلى مُهاترات، نحن نستشير، ونأخذ الرأي؛ ولكن ضرورات القيادة تقتضي في بعض الحالات أخذَ رأي الناس، ولكن افعل الذي تراه صواباً بعد أن تستأنس بآرائهم، فالشورى هل هي مُعْلِمة أم ملزمة؟ في الإسلام مُعْلِمَة، لأن: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
إلا إذا كان المستشار ليس متمرِّساً في هذا العلم، فيجوز له أن يستشير العلماء في قضية فقهية، فإذا كانت بضاعته في الفقه ضعيفة، يصبح رأي المستشار مُلزماً، إذا كان في القضية التي يستشير فيها ليس مُلِمَّاً بها، تصبح المشورة مُلْزِمَةً وليست مُعلمةً. الطريقة المستبدة تلغي عقل العقلاء واختيار المختارين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/07.jpg
يقول بعضهم في هذا المجال كلامًا طيبًا: إن الاستبداد في الرأي يجعل العقلاء كالمفقودين، والمختارين كالمكْرَهين، إذا استبدَّ إنسان برأيه وحوله عقلاء، يلغي عقلهم بهذه الطريقة، فالطريقة المستبدة تلغي عقل العقلاء واختيار المختارين، المختار ينقلب إلى مُضطر، والعاقل ينقلب إلى غبي حينما يستبد برأيه.
روى الشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم".
الشورى جزء من حياة المؤمن :
وهناك نقطة مهمة غابت عنا، أن القائد إذا استشار، مثلاً مدير مدرسة، مدير مستشفى، مدير مؤسسة، رب أسرة، رب عمل، تاجر، لو استشار من حوله ما الذي يحدث غير تطييب قلوبهم وغير التقوِّي برأيهم وغير أن تعلي مكانهم؟ في استشارتهم هدف تربوي كبير وهو أنك حينما تستشير مَن حولك تتعرف إلى عقولهم، تتعرف إلى وجهات نظرهم، تعرف صاحب العقل الراجح من صاحب العقل المحدود، تعرف بعيد النظر من قاصر النظر، تعرف المخلص من غير المخلص، أنت حينما تستشير تمتحن من دون أن يدري هؤلاء أنك تمتحنهم.
إذاً الاستشارة مهمة، والله عز وجل وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، فقال تعالى:
﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الشورى: 38 ]
وقال له: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
معنى ذلك أن الشورى يجب أن تغدو جزءًا من حياة المؤمن. المستشير مُعان والمستشار مؤتمن :
ولا شك أن كل واحدٍ منكم في حياته العملية أحياناً أسديت له نصيحةٌ ثمينة، واستفاد منها فائدة عظمى، وكان عليه أن يبالغ في الثناء على من أشار عليه بهذه النصيحة، وأنت حينما تتقبَّل هذه النصيحة، وتثني على أصحابها، تشجِّع هذا السلوك القويم الذي جاءت به السنة المطهرة، ونطق به القرآن الكريم.
وبعدُ؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام حثَّ أصحابه على الاستشارة، فكان عليه الصلاة والسلام يحثُّ على الاستشارة، ويرغِّب فيها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:
((المستشير مُعان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه))
[ من كشف الخفاء عن عائشة ]
واسمحوا لي أن أذكر هذه الأمثولة: لو أنّ شخصًا سألك عن شاب؟ فقلت له: هو جيد أو ممتاز، فقال لك: أزوِّجه ابنتي؟ قلت له: زوِّجه، قال لك: بالله عليك لو طلب ابنتك هل تزوِّجه إيَّاها؟ فإذا كنت أنت في قرارة نفسك لا تزوِّج ابنتك لهذا الشاب فينبغي أن تقول له: لا أزوِّجه إياها، فالأولى أن تنطق بالحق وألا تُجامل، المستشار مؤتمن، يقول عليه الصلاة والسلام: ((المستشير مُعان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه))
[ من كشف الخفاء عن عائشة ]
بعض تُجَّار الأقمشة يكون لديه لون كاسد، أو نوع من القماش كاسد، فهذا التاجر يخيِّط بنطالاً لنفسه من هذا القماش، وكلما سأله زبون: بالله عليك هل هذا النوع جيِّد؟ يقول له: تفضل انظر فأنا لابس منه، يكون هو لابس منه لكي يُصَرِّفه، هذه خيانة، كثير من الأشخاص يستعمل الحاجة ويقول: أنا أستعملها، فأنت لك مصلحة في استعمالها، مَن استشار فليُشِرْ بما هو صانع لنفسه حقيقة، وليس استعراضاً، أو خبثاً، أو مكراً، لا، بل حقيقةً. المشورة استخلاص حلاوةَ الرأي وخالصَهُ من خبايا الصدور :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/08.jpg
العلماء قالوا: المشورة أن تستخلص حلاوةَ الرأي وخالصَهُ من خبايا الصدور، كما يشور العسل جانيه، كأنك تأخذ العسل من الخلية، أنت حينما تستشير مؤمناً صادقاً خبيراً كأنما تأخذ العسل من صدره، تأخذ الرأي السديد.
منذ يومين أخ كريم بعد إلقائي درسًا في مسجد الطاووسيَّة قال لي: لقد اشتريتُ أرضًا، وبعدما تملكتها جاء من يدَّعي أن بعضاً منها ملكه، ونازعني، وأنا رجعت للبائع، وقدم لي وثائق غير كاملة، أقيمت دعوى ربحتها، والأرض كلها بحوزتي، لكنني لست مرتاحاً، إلا أن بعضاً منها لا يملكه الذي باعني إيَّاها، مع أنني ربحت الدعوى، لكنّي قلقٌ منذ ثلاث سنوات، ثم قال: ثم توفِّي الذي باعني، فماذا أفعل؟ قلت له: القضية سهلة، القسم الذي شككت فيه بعه، وتصدق بثمنه، فإن كانت الأرض لك كُتبت لك هذه الصدقة في صحيفتك يوم القيامة، وإن كانت لغيرك كتبت لك في صحيفته، وأنت بهذا نجوت من القلق، طبعاً لأن البائع مات، ولو كان حيًّا لأعطيتَه إياها، ويتصرف فيها، ولقد تأثر السائل تأثراً لا حدود له، فهذا الحل كان غائبًا عنه، فهو يعاني من القلق طيلةَ ثلاث سنوات، لأنه يظنّ أنه آكل مالاً حرامًا http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/09.jpg
فحكم المعتدي على أرض، لو اغتصب شبراً منها، فالمغتصِب شبرًا في جهنم فكيف بدنمين؟ كان قلقًا مضطربًا، هذا الحل مريح، تصدق بهذا المبلغ، إذا كانت الأرض لك فالصدقة لك، وإن كانت هذه الأرض لغيرك كتبت في صحيفة غيرك، ونجوت أنت من الإثم، وانتهى الأمر، فلا شيء إلاّ وله حل، وإذا بحثتَ عن الحل وجدتَه.
وفي بعض الآثار: " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة "، أي أن أجمل جلسة هي مذاكرة العلم، عليك قضية، خذ رأي الآخرين، اسألهم عن دليلهم، عن حجَّتهم، وازن بين رأيك ورأيهم، نقَّحت عقلك بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة، لكن ليس لك حق أن تستشير أي إنسان، فاعرف مَنْ تستشير.
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
صفات المستشار :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/10.jpg
يجب أن تستشير المؤمنين، العلماء قالوا: المستشار يجب أن يكون أميناً محترماً، ناصحاً، ثابت الجأش، غير معجبٍ بنفسه، ولا متلِّونٍ برأيه - أي سويعاتي- ولا كاذبٍ في مقالِهِ، ولا محباً لهذا الأمر الذي يستشار فيه - كأن يكون هو مأخوذ بالحدائق، وسألته: هذه الحديقة لي ولجاري ماذا أفعل؟ يقول لك: خذها، مادام مغرماً بالحدائق، فينبغي ألا تستشير إنساناً غارقاً في حب هذا الشيء الذي تستشيره به - لأنه يغلبه الهوى، ولا متجرداً عن الدنيا، شخص بعيد عن الدنيا، ساكن بصومعة، قلت له: هذا المحل التجاري في خلاف بيني وبين صاحبه. فيقول لك: أعطه له، وأنت عندك أولاد، فإذا كان لك يجب أن يبقى لك، وإذا كان الإنسان بعيدًا عن موضوع الاستشارة، بعيدًا بُعدًا شديدًا، فهذا صعب أن يعطيك رأيًا صحيحًا، وإذا كان غارقًا في حُب الشيء صَعُب عليه أن يعطيك رأيًا صحيحًا، الأول بُعدُه الشديد يُعمِّي عليه الحقيقة، والثاني قُربُه الشديد يعمِّي عليه الحقيقة - ولا تستشِر بخيلاً بقضايا مالية - يقول لك: " ضب قرشك ولا ترد عليه"، البخيل لا يستشار، إياك أن تستشير بخيلاً أو مغرماً في موضوع الاستشارة، أو بعيداً عن موضوع الاستشارة، يجب أن تستشير الأمين، المحترم، الناصح، ثابت الجأش، غير المعجب بنفسه، وغير المتلون برأيه، ولا الكاذب في مقاله.
وعن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((المستشير مُعان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه))
[ من كشف الخفاء عن عائشة ]
أي بإمكانك أن تعتذر عن إبداء الرأي، ولعل السكوت جواب، أنت مؤتمن، فإذا نشأت فتنة كبيرة من إبداء الرأي، يجب أن تعتذر عن قبول الاستشارة، أما أن تفتي، أو أن تشير بما لست قانعاً به، أو أن تفتي أو أن تشير بخلاف ما تعلم، فهذه معصيةٌ كبيرة؛ فاحذَرْ أن تشير بخلاف ما تعلم. الاستخارة لله عز وجل والاستشارة لأولِي الخبرة من المؤمنين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3245/11.jpg
وروى الطبراني عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((ما خاب من استخار ولا ندم من استشار))
[الطبراني عن أنسٍ رضي الله عنه ]
الاستخارة لله عز وجل، والاستشارة لأولِي الخبرة من المؤمنين. لا يكفي أنْ يكون مؤمنًا، ولا يكفي أنْ يكون خبيرًا، لأولي الخبرة من المؤمنين، إذا كان الخبير غير مؤمن فلن ينصحك، قد يتعارض نصحه لك مع مصلحته فلا ينصحك، والمؤمن غير الخبير يفتي لك بشيء وهو جاهل، فالاستخارة لله عز وجل، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين.
وأخيراً: " من استشار الرجال استعار عقولهم "، تستعين بعقل تراكمت فيه خبرات خمسين سنة، تشتريه كله بكلمة لطيفة: ما قولك في هذا الموضوع يا سيدي؟ من استشار الرجال استعار عقولهم.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجم هذا الدرس عملياً في حياتنا اليومية، عوِّد نفسك أنْ تستشير، عوِّد نفسك أنْ تسأل، تجس النبض، تأخذ رأي من حولك، تأخذ رأي الخبراء، الأتقياء، المؤمنين؛ في زواج، في تجارة، في سفر، إياك أن تستبد بالرأي، إذا استبْددتَ برأيك وقعت في شر عملك.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع : وقارة العظيم






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الرابع والعشرين من دروس الشمائل المحمديَّة، التي كان عليه الصلاة السلام يتحلَّى بها، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى وقاره العظيم.
أيها الإخوة ؛ الوقار شيءٌ يُحسُّه الإنسان، ولكن لا يرى له آثاراً ماديَّة، فرجلٌ تهابه، ورجلٌ لا تهابه، رجلٌ تشعر، وأنت في حضرته بسعادةٍ غامرة، ورجلٌ لا تلقي له بالاً، هذا الوقار، أو هذه الهَيْبَة، أو هذه المكانة العلية التي يهبها الله للإنسان، ما سرها؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس وقاراً، وكان من أعظمهم أدباً، وكان أرفعهم فخامةً وكرماً، لكن قبل أن نمضي في الحديث عن وقاره صلى الله عليه وسلَّم، لنستمِعْ إلى هذا الحديث الشريف:
((من خاف الله خوف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء))
( من أحاديث الإحياء: عن " أبي هريرة )
إما أن يهابك الناس ؛ وإما أن تهاب الناس، فبقدر طاعتك لله يلبسك الله سبحانه وتعالى ثوب مهابة.
روى أبو داود في مراسيله، عن خارجة بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يُخرج شيئاً من أطرافه))
أحياناً تجلس في مجلس تشعر بسعادة، هذا الذي تجلس معه تأنس به، إذا رأيته تذكر الله عزَّ وجل، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الحقيقة، قال: ((أولياء أمتي إذا رؤوا ذُكِرَ الله بهم))
إذا رأيت ولياً لله عزَّ وجل يذكِّرك بالله، يذكرك بطاعته، يذكرك بالآخرة.
فلذلك أيها الإخوة مرَّةً ثانية أقول هذا الكلام: إذا شكوتَ تفلُّتَ نفسك من منهج الله، فلعلَّ تركَن إلى أُناسٍ بعيدين عن الله عزَّ وجل، إذا صاحبت من ينهض بك إلى الله حاله، ويدلُّك على الله مقاله، إذا صاحبت المؤمنين المتفوِّقين، إذا غيَّرت هؤلاء الذين كنت تعرفهم قبل أن تعرف الله عزَّ وجل، إذا غيَّرت كل هؤلاء، وأقمت علاقاتٍ مع إخوةٍ كرامٍ يفوقونك في معرفتهم بالله، وفي طاعتهم له، هم يأخذون بيدك إلى الله، لا تنسَ أن البذرة مهما تكن جيدة، إذا كانت التربة ملوثة فإنها لا تنبت، وإذا نبتت أصيبت بالأمراض، هذه حقيقةٌ يعرفها المشتغلون بالزراعة، إذًا لابدَّ من تربةٍ معقَّمة، لابدَّ من تربةٍ غنيةٍ بالمواد النافعة، لابدَّ من تربةٍ مفعمةٍ بالماء كي ينبُت النَبْت، وأنت لك تربة.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه، وقد يُروى عنه أنه: ((من رآه بديهةً هابه، ومن عامله أحبَّه))
وروى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلَأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلَا حَيَّوْنَا وَلَا عَلَّمُونَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا))
نحن نتعلَّم أدب الصحابة الكرام مع رسولهم، لكن ربنا عزَّ وجل قال في القرآن - ودقِّق النظر في قول الله عزَّ وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخفض جناحه للمؤمنين - قال:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾
( سورة الشعراء )
بل أمره أن يخفض جناحه لكل المؤمنين..

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الحجر )
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
وفي حديث آخر: ((تواضعوا لمن تعلِّمون))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة )
تواضعوا لمن تُعلِّمونه، فهو يتواضع لأصحابه، ويخدمهم بنفسه، ويسوِّي أنفسهم معه، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نوقِّره، وأن نعزَّره، وأن نبجِّله، وأن نحبه، فكما أمرنا أن نحبَّ رسولَه وأن نوقره..
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 40 )
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾
( سورة الحجرات: من آية " 3 )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾
( سورة الحجرات: من آية " 2 )
لا تقولوا: يا محمد، قولوا: يا رسول الله، هل تصدقون أيها الإخوة أن الله جلَّ جلاله في عليائه ما خاطب النبي في القرآن الكريم كله بلفظ محمد ؟! جاءت كلمة محمد خبرًا أو مبتدأً.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾
( سورة الفتح: من آية " 29 )
أما عند الخطاب:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 28 )
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
( سورة المائدة: من آية " 67)
إذا كان الله في عليائه يخاطب النبي بمقامه - مقام النبوة، ومقام الرسالة - ولم يخاطبه باسمه فكيف بنا نحن ؟ لذلك الله عزَّ وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾
( سورة الحجرات: من آية " 2 )
((إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ))
وبعدُ ؛ فالآية الكريمة التالية تعرفونها جميعاً:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 159 )
هذه الآية قانون، هذا القانون جاء من حرف الباء، الباء باء السببية، والقانون في العلم هو وصف علاقةٍ بين متغيِّرين ـ علاقة رياضيَّة ـ الله عزَّ وجل يقول:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾
أي بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بالله، هذه الرحمة بسببها لنت لهم، فأحبوك، والتفوا حولك، وفدوكَ بأرواحهم.
لكن لو كنت منقطعاً عن الله، فلن تستقر هذه الرحمة في قلبك، ولكنتَ إذاً فظاً غليظاً، وإذا كنت فظاً غليظاً انفضَّ الناسُ مِن حولك.
هذا قانون، هذا القانون يسري على كل مؤمن، إنْ تتصلْ تستقرْ الرحمة في قلبك، وتلن، ويلتف الناس حولك، وإنْ تنقطع يقسُ قلبُك، وتكن فظاً غليظاً، وينفض الناس من حولك، هذا الكلام موجَّه للأب، للمعلِّم، للداعية، لرئيس الدائرة، لمدير المدرسة، لمدير المستشفى، لك صلة بالله ففي قلبك رحمة، هذه الرحمة ولَّدت اللين، واللين ولد المحبَّة، فالتفَّ الناس حولك.
ومِن ثَمَّ ها نحن ندخل في المهابة، الإنسان الرحيم له هيبة، القاسي ليس له هيبة، أنت لاحظ أحياناً الإنسان من خلال معاملته، واتزانه، وإنصافه، وإكرامه يصير محبوبًا، والناس تلهج ألسنتهم بالثناء عليه في غيبته كما هو في حضرته ؛ لكن الإنسان القوي يخافه الناس في حضرته، ويكيلون له كل أنواع الشتائم والسخرية في غيبته، فالعبرة ليست بما يقال في حضرتك، بل العبرة فيما يقال في غيبتك، لكن هذا الكلام كلام النبي عليه الصلاة والسلام مؤثِّرٌ، ويجب أن يتخذه كل مؤمنٍ منهجاً له.. ((إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ))
وكل واحد منكم، بل ما مِن إنسان إلاّ وله أهل، له أقرباء، له مجتمع، له إخوة وأخوات، وأولاد إخوة وأخوات، جيران، زملاء بالعمل، أقارب، هؤلاء إذا آنست من أحدهم طلباً للعلم رحِّب به، أكرمه، استقبله، عاونه، بهذا اللين يميلون إليك، هذا هو القانون، وبهذا القانون تصبح ذا هيبة.
طبعاً قد تعجبون من هذا الدرس ـ درس شمائل النبي ـ فيقول قائل: لكن ماذا نستفيد نحن إذا عرفنا أن النبي ذو هيبة ؟ نريد أن نكون نحن أيضاً أصحاب هيبة، طبعاً تكون لنا هيبة بقدر إيماننا، بقدر إقبالنا على الله، بقدر إخلاصنا، أنت إذا اتصلت بالله استقرَّت الرحمة في قلبك، ومتى استقرَّت لِنت لهم، فإذا لنت لهم أحبوك، وهابوك، وقدَّسوك.
كلمة شيء مقدس هذه الكلمة تَرِدُ على الألسنة كثيراً، ما معنى بيت مقدس ؟ هذا الإنسان مقدَّس ؟ أي مستقيم، الشيء المقدس الطاهر النقي من الشوائب، فكلَّما حرصت على ألا تزلّ قدمك، وألا يزلّ لسانك، وألا تزلّ أعضاؤك، وألا تزلّ خواطرك كنت مقدَّسًا.
أخي هذا البيت مقدَّس، أيْ أن هذا البيت كان فيه مجالس علم، كان فيه ذكر لله عزَّ وجل، لم تُرتكب معصية، لم تكشف عورة، لم يتكلَّم أحدٌ فيه بكلمةٍ قاسية، نقول: فلان مقدَّس، أي مستقيم. * * * * *
الآن من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام..
تقديمه كبير القوم في الكلام
الملاحظ ـ والعياذ بالله ـ في المجتمعات الغربية، الإنسان ما دام في شبابه، وعلى رأس عمله، له مكانته، فإذا تقدَّمت به السن هُمِّش، أصبح على الهامش، أي أن أهله ينصرفون عنه، والشيء المعروف في تلك المجتمعاتِ أن الأب المتقدِّم بالسن لا يحظى بزيارة أولاده إلا في العام مرَّة على أحسن تقدير، وكثيراً ما يعتذرُ الأبناء عن زيارة آبائهم، أجل: في العام مرَّةً واحدة، إذاً في المجتمعات الماديَّة الإنسان إذا تقدمت به السن هُمِّش، خرج من بؤرة الاهتمام إلى زوايا الإهمال ؛ نبذ من أسرته، من أبنائه، من أقربائه، لكن في الإسلام عندنا شيء آخر، التقدُّم في السن وحده يلزمنا أن نوقِّره، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))
( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )
و: ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ))
( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك )
الحقيقة أنّ الإنسان يكون قدَّم شيئًا، بل أشياء، وبعدما كبر بالسن من حقه أن يجنيَ الخير، أدَّى ما عليه وبقي ما له ؛ له الاحترام، له العناية الفائقة، له الخدمة، هذا حال المجتمع الإسلامي.
لذلك كلما قرأت هذا الحديث أيها الإخوة اقشعَرَّ جلدي.. ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
أنت إذا رأيت إنسانًا عمره بالستين، بالخامسة والستين، بالسبعين، كل حياته في طاعة الله، إذا أكرمت هذا الإنسان لا لشيء إلا لأنه مسلم، وتقدَّمت به السن، فإكرامك له إكرامٌ لله تعالى.. ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
التقدم بالسن شيء ثمين في الإسلام، حتى إنه في بعض الأحاديث القدسيَّة: ((عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحيِ مني فأنا أستحيِ منك))
والنبي عليه الصلاة والسلام - دقِّقوا النظر - إذا قال: " ليس منا " أي أن هذا الشيء من الكبائر.. ((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا...))
( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )
الإنسان المتقدم بالسن تستهزئ به، تقلده، تشد نظرك إليه، تستخف به، تجلس جلسة غير أديبة أمامه، لا تقوم له، لا توقِّر-دقِّق- ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
فكان عليه الصلاة والسلام يقدِّم كبير القوم في الكلام والسؤال، وذلك من باب التكريم وحفظ المراتب، وتنزيله الناس منازلهم، النبي الكريم قال: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ))
( من سنن أبي داود: عن " السيدة عائشة )
هذه سفَّانةُ بنت حاتم الطائي حينما وقعت أسيرة، رآها النبي عليه الصلاة والسلام فوقفت وقالت: "يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك "، سألها: " من الذي غاب ؟ " قالت: " عدي بن حاتم "، فقال عليه الصلاة والسلام: "الفار من الله ورسوله ؟ "، في اليوم التالي مرَّ أمامها فوقفت وقالت: " يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد فامنن عليَّ منَّ الله عليك "، قال: " من الذي غاب ؟ "، قالت: " عدي بن حاتم "، قال: " الفار من الله ورسوله ؟ " ومشى.
في اليوم الثالث لم تقف، فأوعز إليها أحدهم أن قفي واسأليه مرةً ثالثة، قالت: " يا رسول الله إن أبي كان من كرماء قومه، كان يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويطعم الفقير - كلمات لطيفة رقيقة - ويفك الأسير، ويحمل الكَل، ويعين على نوائب الدهر، أنا بنت حاتم طي"، فقال عليه الصلاة والسلام: " يا جارية إن هذه أخلاق المؤمنين، إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق"، فعفا عنها إكراماً لأبيها، وعفا عن قومها كلهم.
فقالت له: " يا رسول الله أتأذن لي بالدعاء ؟ "، قال: " نعم - فاسمعوا أيها الإخوة وعوا - قالت هذه الفتاة النجيبة: " أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيمٍ حاجة، وإذا سلب نعمةً عن قومٍ جعلك ممن يعود بها إليهم - بهذا المعنى - فالنبيُّ أنزل هذه الفتاة منزلتها ـ بنت حاتم طي ـ ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( أكرموا عزيز قومٍ ذلّ، وغنياً افتقر، وعالِماً ضاع بين الجُّهال ))
أكرموا، فإذا كنت إنسانًا لهذا منصب سابقاً، ولك مكانة سابقاً، فلا بدّ مِن تكريمك، لذلك في أحكام الزكاة أنا سأسألكم هذا السؤال: هل يجوز أن نعطي الزكاة لإنسانٍ قوي ؟ لا يجوز، لا تعطى الزكاة لا لغني، ولا لذي مِرَّةٍ قوي، إلا في حالة واحدة، إذا كان غنيًا وافتقر، هذا الإنسان لا نكلفه أن يكسب قوته بعضلاته، أنشغِّله مثلاً، حفاظاً على مكانته السابقة نعطيه ما يقيم به صلبه من مال الزكاة، هذا هو الحكم الشرعي.
روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: ((انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ))
أي ليتكلَّم أكبركم.
وفي روايةٍ لمسلم: ((لِيَبْدَأِ الأَكْبَرُ))
وفي رواية الإمام أحمد: ((الكِبَرَ،َالكِبَر))
وفي روايةٍ البخاري أيضا: ((كَبِّرْ، كَبِّرْ))
يريد السن.
وفي مسند أحمد وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمْ الصَّغِيرَ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ))
لذلك ممّا يؤلمني أشد الألم أنْ أرى أطفالاً في الطريق يستهزئون بإنسان متقدِّم في السن، يضحكون من مشيته مثلاً، يحاكونه في حركاته، أقول: هؤلاء الصغار أليس لهم آباءٌ يهذِّبونهم، يربونهم التربية اللائقة بهذه السُنَّة النبوية المطهرة ؟.
إذاً ذو الشيبة المسلم إكرامه من إكرام الله عزَّ وجل، فإذا أكرمت ذا الشيبة المسلم فكأنما أكرمت الله عزَّ وجل، فما الذي يمنع أحدَنا إذا وجد شيخًا سنُّه متقدِّمة، ويحمل أغراضًا، وأحدنا شاب في ريعان الشباب أنْ تعينه بحملها، ولو كنتَ لا تعرفه، هل مِن شيء يمنع ذلك ؟ وما يمنع إذا كنت راكبًا سيارتك، وإنسان كبير في السن يحمل أغراضًا أن تقول له: تفضل لأوصلك ؟.
أذكر مرة في أحد أيام البراد القارس ـ كانت درجة الحرارة خمسًا أو ستًّا تحت الصفر ـ وجدت شابًا وزوجته إلى جانبه يحملان طفلاً صغيرًا، لكنهما خائفين عليه من البرد خوفاً واضحاً في معالم وجه الأب، لفُّوه، ويكاد يختنق هذا الصغير من شدة البرد، فأنا قلت: والله سأوصله بسيارتي إلى مكانه، كان بيته بالجادات العُليا، سبحان الله، أنا ما خطر في بالي أن هذا الإنسان من خلال هذا العمل سيلتزم الدروس كلها، طبعاً سألني أجبته، وحدَّثته عن بعض الدروس، وفي الدرس التالي التحق بنا، وصار مِن الملازمين لحضور الدروس كلها.
إذا كان الشخصُ يقود مركبة، وهو شاب في مقتبل العمُر، ورأى شخصًا كبيرًا في السن فأكرمه، وحمل له أغراضه، فهذا من السُنة، هذا من شرع الله عزَّ وجل، لكنّ الناس في زماننا تكبروا، فتجد طفلاً جالسًا في مركبة عامة، وإنسان في التسعين يكاد يقع من اضطراب المركبة، والطفل جالس، وأبوه إلى جانبه، وكأنه لا يبصر شيئًا. * * * * *
تكريمه صلى الله عليه وسلم أهل الفضل
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه أنه قال:
((البركة مع أكابركم))
وفي روايةٍ: ((الخير مع أكابركم))
والمعنى: كلمة أكابر أعتقد في هذا العصر لها مفهوم آخر ما أراده النبي، الأكابر الآن الأغنياء، أما الأكابر الذين ورد ذكرهم في الحديث الشريف هم أهل الفضل، أهل العلم وأهل الدين، الوجهاء، الأتقياء، الورعون، الذين يخدمون الناس، هذا معنى أكابر.. ((سيد القوم خادمهم))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عبَّاس )
والحديث الشريف: ((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))
( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )
قضية توقير العلماء هذه قضية لها معنى دقيق، العلم يقدَّم بلا مقابل، فهذا الإنسان الذي يعلمك لا يريد شيئاً، لا مكافأة مادية ولا معنوية، إلا أن المودَّة تثلج صدره، والمودة تنسيه تعبه، هناك آباء أصلحهم الله أحياناً يذكر أمامه اسم معلِّم ابنه فيسبه، لا تسبَّه، هذا يعلم ابنك، والمفروض أنْ يكون عندك محترمًا، ولو أخطأ، وقسا على ابنك، فالمفروض أنْ يكون المعلم في مكان عالٍ موقَّر.
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
* * *
لكنْ قد تجد آباء عقلاء في منتهى الأدب، فأحدهم يكرم معلم ابنه، ويحترمه، أحياناً يخدمه، لأن ابنه عنده، وبعض الآباء لجهلٍ بأصول التربية إذا أخطأ المعلم خطيئة يكيلون له الصاع صاعَين، عندئذٍ ينتقم هذا المعلم من ابنهم طوال العام، إذًا ليس من الحكمة أن تُجَرِّح المعلِّم، ولا أن تصغِّره، ولا أن تؤذيه لا بلسانك ولا بفعلك.
من ذلك التكريم إكرامُ النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس".
الشيء الدقيق أن الله عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها أنْ كان له عم له - طبعاً عمُّه هذا عاصر النبي - فكان عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني بسندٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس، عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى الله عليه وسلَّم، فلما رآه - انظر - فلما رأى عمه العباس قام إليه وقبَّل ما بين عينيه، ثم أقعده عن يمينه، ثم قال: ((هذا عمي فمن شاء فليباهِ بعمه))
فقال العباس: ((نعم القول يا رسول الله))
نبيٌ يقف، ويستقبل عمه، ويقبله، ويجلسه عن يمينه ويقول: ((هذا عمي فمن شاء فليباهِ بعمه))
وروى الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: استسقى عمر عام الرماد ـ أي عام القحط ـ بالعباس، فقال: ((اللهمَّ هذا عم نبيك نتوجَّه إليك به فاسقنا))
فما برحوا حتى سُقوا، فخطب عمر فقال: (يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده...).
بالمناسبة العم والد، والخالة والدة، فالذي له خالة أو له عم ينبغي أن يصلهما، وأن يوقرهما، وأن يبرهما كما لو كان هذا الإنسان أباه، أو كما لو كانت هذه الخالة أمه. فيقول سيدنا عمر: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده يعظمه، ويفخمه، ويبرُّ قسمه، فاقتدوا برسول الله في عمه العبَّاس، واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم)، وبعض هذا الحديث في صحيح البخاري.
وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يعظِّمون العباس ويكرِّمونه اتباعاً للنبي، فقد روى الحافظ بن عبد البر عن ابن شهاب أنه قال: (كان الصحابة يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه).
روي أيضاً عن أبي الزناد أنه قال ـ دقِّقوا ـ: (لم يمر العباس بعمر وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ وهما راكبان إلا نزلا عن دابتهما، حتى يجوز العباس إجلالاً له ويقولان: عمّ رسول الله).
الدين كله أدب.
قال: من لطائف أدب العباس ـ عم النبي صلى الله عليه وسلم ـ مع النبي، ما رواه ابن أبي عاصم عن أبي رزين والبغوي في معجمه، عن ابن عمر أنه قيل للعباس: (أأنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟ فقال: " هو أكبر مني وأنا ولدت قبله)، انظر كتاب الإصابة في هذه الرواية.
وفي كتاب الإصابة أيضاً نقلاً عن الشعبي أنه قال: (ذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب، فأمسك ابن عباسٍ رضي الله عنهما بالركاب ـ أي ركاب الدابة ـ فقال: تنحَّ يا ابن عم رسول الله، قال: لا، أُمِرْنا أنْ نفعل هكذا بالعلماء والكبراء).
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومعه أبو بكرٍ وعمر وأبو عبيدة بن الجرَّاح في نفرٍ من أصحابه، إذ أُتي بقدحٍ فيه شرابٌ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أبا عبيدة، فقال أبو عبيدة: ((أنت أولى مني يا نبي الله. قال: خذ. فأخذ أبو عبيدة القدح وقال قبل أن يشرب: خذ يا نبي الله، قال صلى الله عليه وسلَّم: " اشرب - قدَّمه على نفسه اللهمَّ صلِّ عليه - فإن البركة مع أكابرنا، فمن لم يرحم صغيرنا ويجل كبيرنا فليس منا))
طبعاً أكرم النبي الكريم أبا عبيدة لأنه أمره أن يشرب قبله، وهذا ورد في الحديث الذي ذكرته قبل قليل..
وروى أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
لا مغالاة ولا مجافاة، الذي يحمل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، مَن هجر القرآن، فهذا الجافي عنه، بالغ ؛ تجاوز الحد المعقول في تفسيره، وأوله تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان، فهذا مبتدع، أما إذا لم يكن لديه غلو ولا مجافاة، فإكرام حامل القرآن من إكرام الله تعالى.
ذات مرَّة لقيتُ رجلاً أصغر مني بكثير، لكن أعرف أنه يحفظ كتاب الله، فأوصلته وما ودَّعته إلا واقفاً، نزلت وودعته واقفاً لأنه يحمل كلام الله، فإذا كان الإنسان حافظًا يجب أن تحترمه، وإذا كان ابنك حافظَ القرآن الكريم فإيَّاك أن تضربه، وإذا كان عندك طالب في الصف يقرأ القرآن الكريم فإياك أن تهينه، من إكرام الله تعالى أن تكرمه.
من هو الثالث ؟ ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
أي إذا كان في (قائم مقام) أخلاقه عالية، وشريف، ويده نظيفة فاحترمه وهذا هو الصواب، إذا كان الإنسان ذو المنصب مستقيمًا، معروفًا بالعدل، نظيفًا، يخدم الناس، فإكرامه من إجلال الله عزَّ وجل، إكرام السلطان المُقسط من إجلال الله عزَّ وجل.
ذو الشيبة المسلم ليست شيبة نشأت بالمعصية، الحديث دقيق.. ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ...))
( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )
لكنّك أحياناً تجد شخصًا بالسبعين لا يصلي، بالسبعين مراهق، بالسبعين وللساعة الثانية ليلاً يلعب بالطاولة، بالسبعين يسافر سفرًا، والله أعلم ماذا يقصد من هذا السفر، فهذا الشخصُ ليس مقصودًا بهذا الحديث، ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
وكان عليه الصلاة والسلام يُحَسِّن الأمر الحسن، ويمدح على ذلك تكريماً لمن أحسن فيه، وتنشيطاً لهمَّته، ويقبِّح الأمر القبيح ويردُّه.
هناك أشخاص لهم طباع عجيبة، فمن حولهم مهما تفوَّقوا، مهما أبدعوا، مهما تقرَّبوا، فلا يُحسِّن حسنهم، ولا يُثني على أفعالِهم، هذا مما يسبب تثبيط همَّتهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحسِّن الحسن، فمثلاً حولك إنسان قدَّم اقتراحًا لم يخطُر في بال أحد، فتجد شخصًا يسمع فقط، فيطبقه، ويستفيد منه، من دون أنْ يتكلَّم كلمة واحدة، بينما تجد شخصًا آخر يقول له: الله يجزيك الخير، والله هذه النقطة كانت غائبة عني، فأحسَنَ اللهُ إليك، لقد أكرمتني بهذا الاقتراح، فهذا التشجيع شيءٌ جميل، إذًا فمَن قدَّم لك اقتراحًا، نصحك نصيحة، لَفَتَ نظرك إلى شيء، تفوَّق أمامك، خدمك، فاشكُرْهُ، وكرِّر الشكر، أحياناً يكون الموظف في محل تجاري بقي مع صاحب المحل ساعتين بعد الدوام، فكأنه ما عمل شيئًا، لكن لو قال له: لقد أخرناك، وجزاك الله خيرًا، خجلنا منك، فقد حصلتْ مودة، وقد ترى شخصًا مهما أبدع الناس، فالذين حوله في أعمالهم، مهما تفوقوا، مهما أتقنوا، مهما أخلصوا، مهما ضحوا لا يتكلم بكلمة ثناء عليهم، وهذا مما يثبطهم في أعمالهم، بالإضافة إلى بخسهم حقَّهم.
إخواننا الكرام ؛ هذه نقطة مهمة في تربية الأولاد، فلو كان لابنك موقفَ أمانةٍ فاشكُرْه على أمانته، عندك موظَّف دوامه جيِّد، من حين لآخر قل له: أنا مسرور من دوامك، فيشعر الذين حولك أنك تقدر الجميل، فالنبي كان يحسِّن الحسن، ويمدح صاحبه، لا تضن بكلمةٍ ثناء، لا تضن بكلمة مدح، لا تضن بكلمة تقدير لزوجتك، لأولادك، لموظَّف عندك بالمحل، صانع صغير بعثته لحاجة فقضاها بسرعة، فقل له: ما شاء الله لم تتأخّر، أحسنتَ، والله شيء جميل، بكلمة تجده انطلق وضاعف جهوده، بينما هناك شخص مهما أحسنت، ومهما تفوقت، وبذلت، و ضحيت تجده لا ينبس بكلمة، ولا بشكر، ولا ثناء كأنك لم تفعل شيئاً.
صحابي دخل ليلحق ركعة مع رسول الله فأحدث جلبة وضجيجًا، وشوَّش على الصحابة صلاتهم، فلما انتهى النبي من صلاته، توجَّه إليه وقال له: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي بكرة )
وفيما يتعلَّق بإدارة البيت، فإنْ كان الأكل طيبًا، والبيت نظيفًا، الأولاد لابسين مهندمين، فقل لزوجتك: الله يعطيك العافية، والله شيء جميل، ابنك أخذ علامات جيدة فأثنِ عليه، امدحه فلا مانع، شجِّع الناس، هذه من خصائص النبوَّة، أو من شمائل النبي اللهمَّ صلِّ عليه.. ((كان يحسِّن الأمر الحسن، ويمدح صاحبه تكريماً لمن أحسن))
روى الإمام أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ: ((دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ أَحْسَنْتِ))
روى ابن حبان في صحيحه عن طلق بن علي الحنفي قال: ((بنيت المسجد مع رسول الله، فأخذت المسحات بمخلطة الطين فكأنه أعجبه فقال: دع الحنفي والطين فإنه أضبطكم للطين))
رجل قدَّم لك حاجة قد صنعها بنفسه، فقل له: شيء جميل، والله متقنة، الله يعطيك العافية، القصد أنك عندما تثني على المحسن، وتقدر المتقن، وتعرف قدر التضحية التي قُدمت لك، هذا مما يشجع على فعل الخير.
ولدينا قصة معروفة لا بأس من ذكرها، رجل من لصوص الخيل في الصحراء، وإنسان يركب فرسه فرأى الفارس فقيرًا، ينتعل رمال الصحراء المحرقة، فرقَّ له ودعاه لركوب فرسِه خلفه، ما إن تمكَّن اللص من ركوب مطية الفارس وراء صاحبها حتى دفعه وسوَّاهُ بالأرض، وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: " يا هذا لقد وهبت لك الفرس ولن أسال عنها بعد اليوم، ولكن إيَّاك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها".
فإذا خدمك شخصٌ فاثنِ عليه، وإنْ تَفَوَّق فكافِئْه، أو قدَّم لك خدمة فاشكره، وإنْ أحسن ابنك فامدحه، حتى نشجع العمل الطيب، هذا من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
آخر حديث ؛ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))
ذات مرَّة أحد الصحابة حفر قبرًا لصحابي قد توفي، ولما سوى القبر لم يسوِّهِ كما ينبغي، فقال النبي الكريم: ((إن هذا لا يؤذي الميت ولكنه يؤذي الحي))
فلا بدّ مِنْ إتقان العمل، فكان عليه الصلاة والسلام يحسِّن الحسن ويصوبه، ويمدح صاحبه تشجيعاً له، وكان يقبِّح القبيح ويوهِّنه، وإذا عمِل شخصٌ عملاً سيئًا فلا تقل له: أحسنت، بمعنى أنه إنسان جيِّد، فهذا كلام خطير، يجب أن تقبِّح القبيح وأن توهِّنه وأن تنصح صاحبه.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : حبة حسن الاسماء و كراهيتة قبيحها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الخامس والعشرين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وصلنا في الدرس الماضي إلى حبه صلى الله عليه وسلَّم حسن الأسماء، وكراهيته قبيحها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحب المسلم صالح الاسم وحَسَنَهُ.
إنّ الاسم ألصق شيء بالإنسان، فإن كان حسناً سِعد به، وإن كان قبيحاً فقد أورثه مواقف محرجة، وألماً نفسياً، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم السيئ، وفي هذا تكريمٌ للمسلم أن يعرف باسم حسن، لا أنْ ينادى باسمٍ قبيح، أو يوضع لي علمٌ قبيح ؛ اسماً أو لقباً أو كنيةً.
بالمناسبة الاسم: سعيد، والكُنية: أبو محمد، أو ابن فلان، واللقب: الصديق، أو الفاروق، فالمتنبي لقب، والجاحظ لقب، فالإنسان له اسمٌ، وكنيةٌ، ولقب، ويضاف النسب ؛ كالقرشيِّ، والشهرةُ ؛ كالحداد، والخرَّاز، والسمَّان، فهناك اسمٌ، وهناك كنيةٌ، وهناك لقبٌ، وهناك نسبٌ، وهناك شهرةٌ، فهذه هي الأسماء التي نعرفها في اللغة العربية.
روى الطبراني وأبو يعلى عن حنظلة رضي الله عنه
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه أن يُدعا الرجل بأحب أسمائه إليه وأحب كناه))
فالمؤمن ينادي إخوانه بأحب الأسماء إليهم، وهذا من حكمته، ومن أدبه العالي، فأحياناً يكون الاسم حسنًا، أما الكنية أو الشهرة أو النسب فغير مستحبة، فالمؤمن ينادي أخاه باسمه الأول، فإذا كان اسمه الأول غير مستحب ناداه بكنيته، وعلى كلٍّ فالفيْصل أن تنادي أخاك المؤمن بأحب الأسماء إليه، هناك من يحب أن تناديه بكنيته ؛ يا أبا فلان، أو ابن فلان، وهناك من يحب أن تناديه باسمه، وهناك من له اسمٌ مركَّب، محمد سعيد، فلا يحب أن تناديه إلا بالأول، محمد، أو بالاسمين معاً محمد سعيد، وعلى كلٍ ينبغي أن يكون اختيار الاسم الذي تنادي به أخاك جزءًا من استقامتك، ومن اقتدائك برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب أن تختار أحب الأسماء إلى إخوانك، أما هذا الذي يناديهم بأبشع الأسماء، وبالألقاب التي غير مستحبةً فقد خالف سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في هديه، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ: (( لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ))
(رواه الترمذي)
إذاً إنّ جزءًا من استقامتك، ومن اقتدائك برسول الله عليه الصلاة والسلام أن تحسن اختيار الأسماء التي تنادي بها إخوانك، أما إذا كنت معلِّماً، وفي طلاَّبك اسمٌ غير مستحب، فعليك أن تبدل اسمه إلى اسمٍ مستحب، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى كلٍ أن تنادي أخاك بأحب الأسماء إليه فهذا من التكريم، ومن التحابُب، ومن التواصل، وإدخال السرور عليه.
فمثلاً إذا كان أحدكم يكتب أسماء إخوانه، فلان أبو وائل، فليكتب كنيته، لعله يطرب أن تناديه بكُنيته، فلان اسمه محمد سعيد، لعله يستحسن أن تناديه باسمه الأول، أو الاسمين معاً، وعلى كلٍ إنّ جزءًا من استقامتك، ومن تأسِّيك برسول الله عليه الصلاة والسلام أن تطلق الأسماء المحببة على إخوانك، أما إذا كنت قَيِّماً ومشرفاً، وكان لأحد طلاَّبك اسمٌ قبيح، وثمة أسماء ليست معقولة ؛ كعدوان، عربش، سَرْجنها، فالأفضل أن تختار الأسماء الطيبة، أو أنْ تتحاشى هذه الأسماء.
وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتحسين الأسماء، فروى أبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَحَسِّنُوا أَسْمَاءَكُمْ))
وهذه لفتة لطيفة، فإن اسمك هذا تُعرف به في الدنيا والآخرة، لذلك ينبغي أن يكون الأب معتنياً بتسمية أبنائه، لأنّ جزءًا من حقوق ابنك عليك أن تُحسن اسمه، والذين يعملون في التعليم يعرفون الحرجَ الشديد الذي يُصَبُّ على أطفالٍ بريئين لهم أسماء تثير الضحك والاشمئزاز، فهم يصبحون بها محطَّ سخريةٍ بين زملائهم، (( إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَحَسِّنُوا أَسْمَاءَكُمْ))
وعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ ـ من الهمة ـ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ))
(رواه أبو داود)
الحارث هو الكاسب، والهَمَّام الذي يهم مرةً بعد مرة، وكل إنسانٍ لا ينفكُّ أن يكون كاسباً لرزقه، ويهُمُّ في مسعاه مرةً بعد مرة.
الاسم الكريم كما يقولون يُشْعِرُ بكرامة المُسمى، وبالمناسبة كل واحد له اسم، ومن توفيقه في الحياة، ومن نجاحه فيها أن يكون هناك حدٌ أدنى من المطابقة بين اسمه وبين صفاته، فلا ينبغي أن يكون سعيدٌ شقياً، ولا ينبغي أن يكون كاملٌ ناقصاً، ولا ينبغي أن يكون كريمٌ بخيلاً، فمن المفارقات أن يكون هناك تناقضٌ بين معنى الاسم، وبين صفة المُسمى، والأكمل أن يكون هناك توافقٌ بين الاسم وبين المُسمى، وهناك من يقول: لكل إنسانٍ من اسمه نصيب.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يغيِّر الاسم القبيح إلى الاسم الحسن، فعَنْ عَائِشَةَ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ))
(رواه الترمذي)
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ (( أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ كَانَتْ يُقَالُ لَهَا عَاصِيَةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيلَةَ))
( رواه مسلم)
إذاً من حق ابنك عليك أن تحسن اسمه، والآن في الأسواق كتب فيها آلاف الأسماء ؛ أربعة آلاف، أو خمسة آلاف اسم، فإذا أنجب الإنسان مولودًا، فيجب أن يبذل جهداً كبيرا ومتقناً في اختيار اسم ابنه، لأن هذا الاسم يصبح علماً على ابنك طوال حياته، وحتى في الآخرة، هذا فلان ابن فلان، كما جاء في الحديث. * * * * *
وننتقل إلى موضوعٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو:
حبه صلى الله عليه وسلم للفأل الصالح وكراهيته للتطير
فقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ))
فكيف ينفي النبي صلى الله عليه وسلم العدوى مع أنها واقعة، ثابتة في الطب ؟! وهناك أمراضٌ مُعديةٌ، وهناك أمراضٌ ساريةٌ، وهذا شيء لا يستطيع أحدٌ أن ينكره، فكيف ينفيه النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وكيف يقول: " لا عَدْوَى " ؟
ثم كيف يقول في أحاديث أخرى عَنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا))
( صحيح البخاري )
والحقيقة هذا الحديث من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، ومن قديم الزمان معروفٌ أن الإنسان إذا دخل إلى بلدةٍ موبوءةٍ فربما أصيب بهذا المرض، كبلدة موبوءة بالطاعون إذا دخلها في الأعم الأغلب يصاب بهذا المرض بالعدوى، أما أن يشير النبي قبل ألفٍ وخمسمئة عام إلى أن هناك إنساناً يحمل المرض وليس مريضاً، فإذا خرج من بلدةٍ فيها طاعون، ربما كان يحمل جرثوم الطاعون في مفرزاته، ومقاومته عاليةٌ جداً، هو معافى منه، ولكنه يحمل هذا الجرثوم، فإذا كنتم في بلدٍ موبوءٍ فلا تخرجوا منه.
وهذا الحديث يتوافق مع أحدث معطيات الطب في موضوع العدوى، فلا ينبغي لك أن تدخل بلدةً موبوءة، ولا أن تخرج من بلدةٍ موبوءة، ولو كنت صحيحاً، فربَّما كنت تحمل المرض ولست مريضاً، والنبي أشار إلى أرقى الحقائق التي عرفها العلم الصحيح، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام: " لا عدوى " ؟
الجواب: إنّ النبي لا ينفي العدوى ؛ ولكن ينفي أن يكون المريض بمرضٍ معيَّن هو الذي أحدث هذه العدوى، واللهُ جلَّ جلاله سمح لهذا المرض أن ينتقل من زَيْدٍ إلى عُبيد، فالإنسان إذا أصيب بمرض بسبب اتصاله بزيد أو عُبيد، فلا ينبغي له أن يعزو هذا المرض إلى زيد أو عبيد، لئلا تقع الأحقاد، ولصون التوحيد، أي لا عدوى، خُذ الأسباب، ولكن لا سمح الله إذا مرض الإنسان فلا ينبغي له أن يقول فلان أمرضني يقول: مرضت، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
(سورة الشعراء)
(( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ))
الطِيَرةُ بكسر حرف الطاء وفتح الياء التشاؤمُ، والعرب كانوا إن طار طائرٌ عن يمينهم تفاءلوا، وإن طار طائرٌ عن شمالهم تشاءموا، فالطائر الذي يطير عن اليمين اسمه السانح، والطائر الذي يطير عن الشمال اسمه البارح، فإذا طار طائرٌ عن شمالهم تشاءموا، وهذا التشاؤم ليس له أصل إطلاقاً، ولا ينطبق على الحقيقة، وهو من فعل الشيطان، فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يتشاءم ؛ لا من رقم، ولا من يوم، ولا من شخص.
﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾
( سورة يس: من الآية " 19 " )
فالإنسان أخطاؤه وذنوبه تسبب له المتاعب ؛ واستقامته وإخلاصه تسبب له البهجة والسعادة، فسعادتك منك، وشقاؤك منك، ولا علاقة لأحدٍ بذلك، وهذه هي الحقيقة، أما أن تعزو هذا الشر إلى فلان، وهذا الشر إلى هذا الرقم، وهذا الشر إلى هذا اليوم، وهذا البيع الذي لم ينعقد إلى فلان، لما دخل لم ينعقد البيع، فهذا كله كلام لا معنى له، أما الذي يقرأ في الأبراج في المجلات فقد وقع في الكفر، وهو لا يدري، لأنَّه: (( مَنْ أَتَىْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))
( من سنن ابن ماجة: عن " أبي هريرة " )
وهذه كهانةٌ لا معنى لها.
وعَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))
(رواه مسلم)
ولذلك فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: (( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ))
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ))
فمثلاً فلان مريض، وأنت تعرف أن في ناسًا ماتوا بهذا المرض، وناسًا عاشوا، ومّد الله في عمرهم، وزرت مريضًا بهذا المرض، فما الذي ينبغي لك أن تقوله ؟ أن تذكر له أشخاصاً أصيبوا بهذا المرض، وشفاهم الله، وهم في صحةً تامة، هذا هو الكلام الطيِّب، نَفِّس له في الأجل، فهناك أشخاص دائماً سودُ المزاج، يعطيك أحدهم الصورة القاتمة، ويُنْبِئُكَ بالشر المُحَتَّم، فهذا الإنسان يخالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يحب الفأل، ويحب لك أن تتفاءل بالخير.
ومرة أحدهم سمع كلمة مفادها أنه بعد عامين، لن يكون هناك أي مجال لعمل خاص، وعنده معمل، فما زال الهم يأكل من قلبه حتى أصيب بمرض عُضال، مع أن هذا الكلام لم يطَبَّق، وما من وقتٍ نشط فيه العمل الخاص كهذه الأوقات، فإنسان يأخذ كلمة قد يسبب بها لنفسه متاعب كثيرة، ويصدقها، ويلغي التفاؤل من حياته، فهذا إنسان غير عاقل.
فدائماً أو أحياناً يقول لك: الجفاف حل في بلادنا، ثم نفاجأ أن هناك أمطاراً غزيرة، وأنا أذكر مرة بلغ الجفاف درجة أن معدل أمطار دمشق السنوي أصبح مئة وستين، مئة وأربعين، استمر سبع سنوات، أو ست سنوات، حتى قيل: إن خطوط المطر انتقلت وتبدَّلت، ثم نفاجأ في عام بثلاثمئة وخمسين مليمترًا، والعام الثاني بثلاثمئة وعشرة، والعام الثالث بمئتين وستين، وهذه السنة مئتان وستون، فالإنسان لا ينبغي له أن يتشاءم بالأمطار، ولكن عليه أنْ يتفاءل بالمواسم بالمستقبل.
وهناك إنسان ينتقي من الأخبار التي سمعها المظلمةَ منها، فيلقيها ويكبِّرها، حتى يُشعر الناس باليأس، وليس هذا هو الإيمان، بل الإيمان أن تُلقي الخبر الطيِّب، والخبر المُريح، وأن تختار من بين الأخبار كلها الخبرَ الذي يثلج الصدر.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه الفأل الصالح، أي الكلمة الحسنة المبشرة بالخير، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه إذا خرج لحاجةٍ أن يسمع: يا راشد، يا نجيح، أي يا راشد في مسعاك، ويا ناجح فيما أنت فيه، كان يعجبه أن يُسمع طالب الضالة يا واجد، فإذا بحث الإنسان عن ضالته قيل له: يا واجد، وأن يُسمع التاجر يا رازق، وأن يُسمع المسافر يا سالم، وقاصد الحاجة يا نجيح، والغازي يا منصور، والحاج يا مبرور، والزائر يا مقبول، إنسان سيسافر قل له: رافقتك السلامة، أما أن تقول له: مسافر بالطائرة، والله شيء مخيف، إذا وقعت مات كل من فيها، ومات جميع ركابها، فهذا كلام لا يجوز، دائماً اختَر الخبر الطيِّب، ولطيف الكلام.
والله إنّ المؤمن لطيف يختار أجمل الكلمات وقد حدثني أخ طبيب، وهو أستاذ في الجامعة فقال لي: عندي طالب في آخر سنة عنده امتحان فغاب، وهو امتحان شفهي، التقى به بعد أيام فسأله: لمَ لمْ تأت ؟ فقال له: أنا لن أحضر، لماذا يا بني ؟ قال له: أنا مصاب بمرض خبيث، وقد وقَّت لي الأطباء أشهرًا عدة أموت بعدها، فماذا يعني الامتحان بالنسبة إلي ؟ وهو يدرس بأعلى صف، امتحان شفهي، ثم تخرُّج، قال لي هذا الصديق: فما زلت أقنعه أن يقدِّم الامتحان، حتى قلت له: واللهِ لن أسألك ولا سؤالاً، لكن تعال فقط ؟ قال له: ولِمَ ؟ فقال له: لو أنك متَّ يكتب على نعيك: الدكتور فلان.
فقال لي: بعد لأْيٍ، وبعد إقناعٍ شديد جاء وقدَّم امتحانًا، ولم يسأله ولا سؤالاً، بل رَقَّ لحاله وليأسه ونجَّحه.
يقول لي: بعد ست سنوات رأيته في الطريق فصعقت، فسألته عن حاله قال: والله ذهبت إلى بلدٍ أجنبي، وأجريت فحوصاً دقيقة، فإذا أنا مصابٌ بمرضٍ يشبه أعراض المرض الخبيث تماماً، إلا أنه التهاب حاد بالأمعاء، وشفيت من هذا المرض.
فالعوام يقولون: الذي عند الله ليس عند العبد، ومهما كان الخبر قاسياً، ومهما كان التشخيص مخيفاً، ثق بالله عز وجل، بل إن الأطباء يقولون: إن ارتفاع معنويَّات المريض أحد أسباب شفائه.
ولذلك فالتفاؤل والاستبشار بالخير محمودٌ شرعاً، فأحياناً تكون كل الطرق مغلقة أمام الإنسان، وفجأةً تفتح الطرق كلها، يكون أمل الزواج منعدمًا، فلا بيت عنده، ولا عمل، فيتوظف براتب كبير، ويجد بعدها بيتًا، و هناك أخ كريم يسكن خارج دمشق، وله قريبة ساكنة في بيت بحيٍّ ممتاز، والبيت كبير وفارغ تقريباً، وهي ساكنة في غرفة واحدة مفصولة عن ذلك البيت، وعرض عليها طويلاً أن تؤجره هذا البيت فرفضت، وهو يسكن في مكان بعيد، ومرةً دخل أحد اللصوص إلى البيت واقتحمه عليها، فخافت، فبحثت عن قريبها وقالت: تعال اسكن هنا في البيت، فالله أرسل لصًّا لهذه المرأة، فدفعها إلى أن تأتي بقريبها، ويسكن معها في البيت في حيٍ جيد.
فالأمور تبدو مغلقة، والطرق مسدودة، والأمور صعبة المنال، والحاجات متأبِّية، وفجأةً تُسَهَّل، وإنّ الله عز وجل إذا أعطى أدهش، فتجد شخصًا لا يملك شيء، اشتغل، ونال شهادات عليا، وتزوج، وسكن بيتًا له، وتاجر، وربح، فلا يكاد يصدق نفسه.
ولذلك فالتفاؤل والاستبشار محمودٌ شرعاً، أما التطير بمعنى التشاؤم فهو منهيٌ عنه شرعاً، واحد توفي وترك خمسة أولاد أيتامًا، وله أخ فقير، ولهذا الأخ الفقير شيخ، فجاء هذا الأخ ـ العم ـ إلى شيخه يبكي، فقال له: أخي مات وترك لي خمسة أولاد، ولا أملك قوتاً لهم، فقال له الشيخ: ألا تملك شيئاً ؟ قال له: أملك شيئًا يكفي سبعة أشهر، قال له: جيد، بعد أن ينتهي ما بيديك ابدأ بالبكاء، فما زال الوقت طويلاً على البكاء، وقد قالوا: إنّ هذا الإنسان عاش خمسة أشهر، بكى خوفاً من ضيق ذات يده، والأجل لم يمهله حتى يبلغ هذا الوقت.
التطير بمعنى التشاؤم، منهيٌ عنه شرعاً، وكان عليه الصلاة والسلام يتفاءل ولا يتطير، وكان يحب الاسم الحسن.
وقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ))
ومع ذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ))
(رواه أحمد)
فر من المجذوم، وخذ بالأسباب، أما إذا وقع المرض فقل: هو من الله، لا من زيد ولا من عُبيد، وإيَّاك أن تشرك.
أي إن النبي عليه الصلاة والسلام نفى تأثير العدوى بذاتها، بل إن الله سبحانه وتعالى إذا أذن وقعت العدوى.
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا - وهذا شيء واقع - فَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ))
أول جمل أصيب بالجرب من أصابه بهذا المرض ؟ الله جل جلاله، فقد أراد النبي أن نوحِّد لا أن نشرك.
أما الفرار من المجذوم فواجب، لأنك إن فررت منه فقد أخذت بالأسباب، أما إذا أصبت بمرضٍ ـ لا سمح الله ـ فينبغي لك أن تعزوه إلى الله، أمَا: (( لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ))
قال: هو اسمٌ لطيرٍ يتشاءم به الناس، يسكن في الأماكن الخربة، ويصيح ليلاً هو البوم، هناك أناسٌ يتشاءمون من البوم، اسمه هامة، قال: (( لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ))
وأحياناً العوام يتشاءمون من قطة سوداء، هذا كله ليس له أصل.
(( وَلَا صَفَرَ))
وكان أهل الجاهلية يحلون صَفَرَ عاماً ويحرِّمونه عاماً، فقال عليه الصلاة والسلام: (( وَلَا صَفَرَ))
حتى شهر معين، ليس هناك تشاؤم من شهر معين.
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَحْمَدُ الْقُرَشِيُّ قَالَ ذُكِرَتْ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ))
(رواه أبو داود)
أما الآن الحديث الدقيق الذي رواه الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ))
أحدهم مسافر فتشاءم من رقم، حجز بالطائرة فكان مقعده رقم ثلاثة عشر، فألغى السفر، فإذا ألغى السفر من رقم ثلاثة عشر، أو من يوم الأربعاء، أو من شخص رآه بعينه، أو من طائر معيَّن، أو ألغى إقدامه على حاجة لسبب تشاؤمي فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( فَقَدْ أَشْرَكَ))
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ))
(رواه أحمد)
لا يوجد إلا الله عز وجل، يجب أن نعتقد هذا الاعتقاد يقيناً، وأي اعتقاد آخر فهو نوعٌ من أنواع الشرك.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن في شأنه كله، فقد روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ))
وفي رواية أخرى للبخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ))
أي أن يبدأ باليمين.
هذا نظام فابدأ باليمين، فإذا كانت الأفعال تنجز باليد، كان عليه الصلاة والسلام يبدأ باليد اليمنى، يستخدم اليد اليمنى، وإذا كانت الأفعال تدرك بالرِجل استخدم رجله اليمنى، والحكمة أنه من باب تكريم اليمين، والتفاؤل الحسن، فإن أصحاب اليمين هم أصحاب الجنة، يؤتَوْن كتابهم بأيمانهم..
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾
( سورة التحريم: من آية " 8 " )
وهذا نظام المجتمع المُسلم، نبدأ باليمين ؛ في الدخول والخروج، و الجلوس والقعود، والطعام والشراب، واللباس، فالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا النظام ألغى الفوضى، سن البدء باليمين ورجحها على الشمال لما تقدم، فكان عليه الصلاة والسلام يبدأ باليمين في طهوره، أي تطهره، وهذا يشمل الوضوء والغسل والتيمُّم ـ في الوضوء والغسل والتيمم يبدأ في اليمين ـ وفي ترجُّله ـ أي تمشيط شعره ابدأ بالقسم الأيمن ـ وفي تنعُّله ـ ابدأ بلبس نعلك الأيمن ـ وفي سواكه ـ ابدأ بالجانب الأيمن ـوفي شأنه كله، وكان عليه الصلاة والسلام يحب التيمُّن، فيأخذ بيمينه، ويعطي بيمينه، ويحب التيمُّن في جميع أمره.
قال الإمام النووي: هذا محمولٌ على باب التكريم والتزيين، كالأخذ والعطاء ـ الأخذ باليمنى، والعطاء باليمنى، ودخول المسجد بالرجل اليمنى، ودخول البيت باليُمنى، وحلق الرأس، وقص الشارب ابدأ باليمين، وتقليم الأظافر ابدأ باليمين، ونطف الإبط ابدأ باليمين، والاكتحال بدأ باليمين، والاضطجاع على اليمين، فكلْ بيمينك، واشرب بيمينك، وهذا شأن النبي عليه الصلاة والسلام ـ أمّا ما لا تكريم فيه ولا تزيين، أو كان من باب الإزالة، فيؤخذ باليسار إكراماً لليمين.
فكانت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى، فاليسرى للخلاء، والتنظيف، وإزالة النجاسة، واليمنى للأخذ، والعطاء، والطعام، والشراب، والمصافحة، وسائر الشؤون.
وعَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ))
(رواه أبو داود)
وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ))
(رواه البخاري)
وقد روى ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ))
وقد روى الإمام مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ))
آخر قصة... روى الشيخان واللفظ للبخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (( أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ دَاجِنٌ وَهِيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيَّ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ فَأَعْطَاهُ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ))
وسيدنا الصديق سيد المؤمنين، على الشمال جالس، وعلى يمينه أعرابي، ومرة غلام على يمينه، فاستأذنه، فلم يسمح الغلام إلا أن يشرب بعد رسول الله، نظام مريح، الأيمن فالأيمن.
قال الحافظ في الفتح: يقدَّم من على يمين الشارب في الشرب، ثم الذي على يمين الثاني، وهَلُمَّ جرًا، وهذا مستحبٌ عند الجميع.
وقال ابن حزمٍ: يجب بالضيافة، فابدأ بكبير القوم، ثم الذي على يمينه، وهكذا إلى أن تأتي على كل الحاضرين.
والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : كراهيته إطلاق بعض الكلمات بغرض إبهامها - عبادته





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس السادس والعشرين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى كراهيته صلى الله عليه وسلم إطلاق بعض الكلمات مخافة إيهامِها.
فقد جاء في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي))
فإذا شعر باضطرابات في أمعائه فلا يقولنّ أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي، أي إن النبي عليه الصلاة والسلام كره أن يوصف المؤمن بالخبث، وبعض علماء المواريث يقولون: جدةٌ فاسدة، فلعل الإنسان يتوهم أنها فاسدة بالمعنى المعروف، وإنما المقصود الجدةُ التي عن طريق الأب، مثل أم أب أم، فهي ليست من طريق الأم، وبعضهم يقول: جدةٌ غير ثابتة، فالإنسان كلما ارتقى إيمانه ارتقى مستوى تعبيره، وأحسن اختيار كلماته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي... ))
فإذا شعرت باضطرابات في الهضم والأمعاء، فهو ليس خبيثاً، والمرض ليس خبثاً، كان يبدو في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إذا شعر الإنسان بآلام في معدته، أو باضطراب، أو بتُخمة يقول: خبثت نفسي، فالنبي ما أراد أن يوصف المؤمن بالخبث قال: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي))
وإذا أردنا أن نستنبط من هذا الحديث الشريف قاعدةً فإنها: " حسن اختيار الكلمات جزءٌ من دينك "، وكلما ارتقى إيمانك اخترت الكلمة التي لا تخدُش، ولا توهم بشيء، وسيدنا عمر تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقومٍ يشعلون ناراً فقال: (( السلام عليكم يا أهل الضوء))
ولم يقل: السلام عليكم يا أهل النار، و أيضاً هذا من حسن اختيار المؤمن للكلمات، فليس غريباً أن تعيش مع مؤمنٍ سنواتٍ طويلة، ثلاثين عاماً، لا تسمع منه كلمة نابية، ولا كلمةً تجرح الحياء، ولا كلمة توهم بخلاف ما أردت، كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلا هَالِكٌ))
( من مسند أحمد: عن " العرباض بن سارية " )
كان عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يتوهم متوهمٌ شيئاً ليس واقعاً، فَعَنْ عَلِيِّ بِنُ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (( أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَان
َ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا))
( متفق عليه)
تعَوَّدْ أن تبيِّن، فإنّ البيان يطرد الشيطان، وقِسْ على هذا الحديث آلاف الحالات، وضِّحْ أين كنت، ولماذا أتيت في هذا الوقت، وما قصدك من هذه الكلمة، وما قصدك من هذه الزيارة، ولماذا أعطيت، ولماذا منعت، لا تكن مُبهمًا، هناك شخصيات مبهمة، لا تعرف، وقد يسئ الناس بها الظن، وسيدنا علي يقول: (من وضع نفسه موضع التهمة، فلا يلومنَّ الناس إذا اتهموه).
فلو فرضنا أنك في بيت، فدخلت على الأهل ـ على الحريم ـ وهذا ليس بيتك، وأنت مع أصدقاء، فيجب أن تعلمهم أن هذا بيت أختك، أنا داخلٌ على أهلي، أحياناً الإنسان يستغرب، سبعة رجال في جلسة، وصاحب البيت موجود، قام رجل ودخل، أين ذاهب ؟ وثمة نساء، فيجب أن تعلم أنّ فلانًا زوج أختي، فدائماً وضِّح، ولا تجعل العدو يفسر عملك الطيب بتفسير خبيث، وهذه لها تعريف آخر، وإذا كنت موفقاً وذكياً، فلا تفعل شيئاً له تفسيران، اجهد على أن يفهم من عملك الحقيقة التي هي عليه، أو هو عليها.
خبثت نفسي، كيف خبثت ؟ هل ارتكبت المعاصي ؟ لا، لا معي اضطراب في الأمعاء، ففي هذه لا تقل: خبثت نفسي، قل: لقست نفسي، أعاني من اضطرابات هضمية، أما فلان نفسه خبيثة، أي يشعر بآلام في معدته، وهذا كلام لا يليق.
وفي سنن أبي داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ جَاشَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي))
وبعضهم يستخدم كلمات سوقية، أو كلمات ليست مستعملة في المجتمع الراقي، فإذا قال واحد: دخل الحمام، والله كلمة لطيفة، وهناك كلمات أخرى تخدش الحياء، إنسان قضى حاجة، فقل: دخل الحمام، والقرآن علمنا الكنايات اللطيفة..
قال تعالى:
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾
( سورة النساء: من آية " 43 " )
وقال أيضا:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾
( سورة الأعراف: من آية " 189 " )
تغشاها، لامستم النساء.
وقال عزوجل:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المؤمنون )
فيجب أن تعد كلامك جزءًا من عملك، والإنسان كيف يتجمَّل، يلبس، ويتعطر، ويرتب بيته، فكما تعتني ببيتك، وبأثاث بيتك، وبهندامك، وبمركبتك، فعليك أن تعتني بألفاظك.
أحدهم رأى شابًا يرتدي أجمل الثياب، ويتكلم أقبح الكلمات، فقال له: إما أن ترتدي ثياباً تشبه كلامك، وإما أن تتكلم كلاماً يشبه ثيابك، ففي سيرته تناقضٌ.
وقال الإمام النووي: قال العلماء: معنى لقست وجاشت أي غثيت، وهو الشعور بالغثيان، وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم كلمة خبُثت لأنه ما أحب أن يوصف المؤمن بالخبث.
هل هناك آيةٌ في القرآن الكريم تشير إلى هذا المعنى، أن يختار الإنسان أجمل الكلمات وأحسنها ؟ قال رنا عزوجل:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
( سورة المؤمنون: من آية " 96 " )
أي اختر أحسن الكلمات، فلو اعتدى عليك إنسان، وقسا عليك بالكلمات، رُدَّ عليه بأحسن الكلمات، مثلاً: من ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقول العبد لسيده: يا ربي، ربك هو الله، فهذا سيّدك، ومعلمك، وليس ربك، ولذلك فأنا لا أستسيغ كلمة أرباب الشعائر الدينية، أرباب جمع رب، خدام المساجد ليسوا أرباب الشعائر الدينية، هم موظفون على العين والرأس، يخدمون بيوت الله، أما أرباب !! فلا تليق.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي))
( من مسند أحمد )
كلمة عبدي فيها استعلاء، وكلمة ربي فيها تذلل، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يقول العبد لسيِّده ربي، بل يقول: سيدي ومولاي، ونهى أن يقول السيد لغلامه: عبدي أو أمتي، وليقل: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي، إذاً فالكلمات لها أثر في إهانة المخاطب، أو في تأليه المخاطب، فلا تؤلِّه مَن هو فوقك، ولا تستعبد من هو دونك.
والإمام مسلم رحمه الله تعالى روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي))
( مسلم )
لمخلوقٍ إياك أن تقول له: ربي، ولو قلت له: سيدي، وأنت تراه رباً لك، فأيضاً هذا خطأ، والآن دعنا من الألفاظ، إذا رأيت أن فلاناً الكبير بإمكانه أن ينفعك أو أن يضرك، أو أن يقربك أو أن يبعدك، ولو قلت له يا سيدي، فقد ارتكبت إثمًا أكبر، لأنك ألَّهته بالمعنى، وأنت لا تدري، ولذلك عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ))
( مسند أحمد )
وفي روايةٍ أخرى يقول عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
وكلكم يعلم في الدعاء الشريف: (( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ))
( من مسند أحمد: عن " عبد الله بن مسعود " )
إذاً: (( لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
الحكمة أنه منع السادة أن يتألَّهوا، ويتجبروا، ومنع الصغار أن يُستعبَدوا ويهانوا.
ومن ذلك أيضاً تحذيره صلى الله عليه وسلم أن يقول: هلك الناس، الناس لا يوجد فيهم خير، الناس كلهم فسقوا، الناس كلهم فسدوا، لا يوجد غيرنا، من السذاجة أن تظن ذلك، (( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
أي هو أشدهم هلاكاً، من قال هلك الناس، الدنيا بخير، وهناك أُناسٌ طيِّبون، وفي كل بلدةٍ أناس طيبون، فهذا الذي ينظر إلى الدنيا بمنظار أسود، ويلقي على نفسه كل فضيلة، وينزعها من كل إنسانٍ آخر، هذا إنسان غير سوي، يحتاج إلى معالجة، ولذلك نهى فعليه الصلاة والسلام وحذر أن يقول الرجل هلك الناس، وهو يريد بذلك انتقاصهم واحتقارهم، و تنزيه نفسه وتفضيلها عليهم، لا تقل: هلك الناس.
فسبحان الله هناك أشخاص لا يرون الكمال إلا فيهم، ومهما رأوا من كمال في غيرهم يرونه نقصاً، فهذا إنسان يحتاج إلى طبيب نفسي، لأنه هو مريض، ويرى الكمال في نفسه وحدها، وما سواه كلهم في نقصٍ شديد.
فلذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
في رواية: (( مِنْ أَهْلَكِهِمْ))
هو أهلكهم، وأشدهم هلاكاً، ومِن أهلكِهم، وسبحان الله هذا الذي يكَفِّر الناس ويفسِّقهم يقع في شر عمله، ربما فُضِحَ في عقر داره، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ قَالَ وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ))
(رواه الترمذي)
وفي رواية أبي داود عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ))
ودائماً يوزع تهمًا على الناس، ويقيِّمهم تقيماً سيِّئاً، ويسئ الظن بالآخرين، ويحسن الظن بذاته، وربما وقع هذا الإنسان في شر عمله، وزلت قدمه فوقع في حماقةٍ يترفَّع عنها معظم الناس الذين اتهمهم بالسفه.
وبالمناسبة اللهم صلِّ عليه هو أعظم إنسان، هو البطل الذي جمع كل نواحي العظمة، ومع ذلك ما غفل أبداً عن بطولة أصحابه، أعطى كل صحابيٍ حقه، فإذا كنت في عمل ولك زميل، وأنت مهندس وثمة مهندس غيرك، أو كنت مدرسًا وثمة مدرس غيرك، ووجدت من صديقك أو زميلك تفوقاً، فما الذي يمنعك أن تذكر هذا التفوق، وألاّ تحسده، عوِّد نفسك أن تعترف للآخرين بالفضل، وتُثني على أعمالهم، وألاّ تكون ذا أثرة، وأن تكون موضوعياً، فأنت مهندس وقدم لك مهندس مشروعًا رائعًا فقل له: والله هذا شيء رائع، بارك الله بك، إنه شيء يرفع الرأس، هنيئاً لك على هذه الملكات، عود نفسك أن تقدِّر عمل الآخرين، أما مَن كان أفقه ضيقًا، والحسد يأكل قلبه فلا يستطيع أبداً أن يقدِّر الآخرين، بل ينتقصهم، ويبحث عن زلاتهم، وأحياناً يوجد إنسان يقرأ كتابًا لا لشيء إلا ليبحث عن نقاط ضعفه، ليس هذا مثقفاً، أما المتعلم الحقيقي فيقرأ الكتاب ليستفيد منه، وقد يغُضُّ الطرف عن بعض زلات المؤلف، ويقول لك: العصمة لله، وما منا إلا من رَدَّ ورُدّ عليه، فخذ ما يعجبك ودع ما لا يعجبك، وخذ ما تستفيد منه ودع ما لا تستفيد منه، وخذ الأشياء المشرقة، ودع الأقل إشراقًا.
أما الحقيقة فهناك أناس كثيرون إذا أمسك أحدهم كتابًا فقط ليبحث عن العلل، والأخطاء، والثغرات، فهذا إنسان مريض، يتعامى عن إيجابيات الكتاب، ويتعامى عن فكره العميق، وعن أسلوبه الرفيع، لكنه وجد خطأً، كأنه فاز بشيء، فالنقد جيد، ولكنه النقد المعتدل، والنقد البنَّاء، والذي فيه ثناء.
أنا كنت أذكر لكم ذلك الذي دخل إلى المسجد، وأحدث جلبة وضجيجًا، وشوش على المصلين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (( زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
( من سنن البخاري: عن " أبي بكرة " )
وإذا كنت مدير دائرة، أو مدير ثانوية، أو مدير مستشفى، بمنصب قيادي، ووجدت إنسانًا أخطأ معك، فأساء، أو تأخَّر، فحاوِلْ أنْ تقدَّم له شيئًا من ميزاته، وإيجابيَّاته، لكي يطمئن، وتجبر قلبه، وبعد ذلك اذكر بعض عيوبه، ولا تذكر العيب إلا بعد أن تذكر الحسن، ولذلك في أدق تعاريف النقد الحديث ذكر الحسنات والسيئات، وذكر الإيجابيَّات والسلبيات، وذكر المنائح والمثالب، أما أن تكتفي بالمثالب وبنقاط الضعف فهذا بعيد عن الاستقامة.
قضية يسمونها سمة بالإنسان، إنسان دخل بيته فوجده نظيفًا، والطبخ جاهز، وغرف النوم نظيفة، والأولاد منتظمون، وجد غلطة واحدة، فتعامى عن كل الإنجازات، ونظر إلى هذا الخطأ وكبَّره، فهذا إنسان شقيٌ في حياته، ويَشقي مَن معه، كن إيجابيًا، وخذ النواحي الإيجابية وكبَّرها، كان يحسِّن الحسن عليه الصلاة والسلام، ولذلك فأنجح الأزواج هؤلاء الذين يثنون على زوجاتهم بما هُو فيهن، أما ويبتعدون عن النقص، والغلط.
يروون قصة وهي طريفة عن أحد الأزواج المتعسفين الظُلاَّم الجبابرة، له كأس خاص له ـ كريستال ـ يشرب منه، فإذا دخل البيت وجب أن تكون امرأته وراء الباب، تحمل المنشفة والنعل الخاص بالبيت، فماذا يفعل ؟ يأتي بمنديل أبيض ويصعد إلى سطح الخزانة ويمرر المنديل عليه، فإذا تلوث هذا المنديل أقام عليها النكير، وأقام القيامة، ولم يقعدها، وله كأسٌ ثمينٌ، وغالٍ خاص به، فمرة طلب كأس ماء، فجاءته بهذا الكأس، شرب منه، وقع من يده على السجاد فانكسر، فابتسمت، فلما ابتسمت توعدها، لماذا ابتسمت ؟ وضيَّق عليها، وضغط، إلى أن قالت: واللهِ هذا الكأس وقع مني من رأس الدرج، ولم ينكسر، فسجدت لله شكراً خوفاً منك إذا انكسر، قال لها متعسف: أنت خَرِفة.
وهناك شخص جبار في البيت، ووجوده فيه مخيف، إذا خرج من البيت تنفس أهله الصعداء ؛ ويقولون: ارتحنا منه، وإذا مرض وجاء الطبيب وقال لهم: حالة بسيطة عرضية، انزعجوا كثيراً، ما هذه العرضية، ظنناها القاضية، فلم تكن القاضية، فشتان بين من يتمنى الناس بقاءه وحياته، وبين من يتمنى الناس موته، اجهد أن يتمنى الناس بقاءك، وأن يتمنى الناس حياتك.
والإمام النووي يقول: لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساوئهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلَكُهُم، أي أسوؤهم حالاً فيما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أدَّى ذلك إلى العُجب بنفسه، ورؤيته أن له فضلاً عليهم، وأنه خيرٌ منهم، فيهلكه الله عز وجل.
إخواننا الكرام... اسمعوا هذا الحديث، إنه حديثٌ خطيرٌ جداً: (( وله أيضا عن أنس رفعه لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك - يا رب ما هو الذي أشد ؟ - العُجب العُجْب))
(القضاعي عن أنس)
فهناك إنسان معجب بنفسه، وبشخصيته، وببيته، وبأولاده، يرى الناس كلهم أمامه لا شيء، فهذا إنسان مريض، فمن ظن أن الناس أغبياء فهو أغباهم، فالناس أذكياء، ويعرفون الغث من الثمين، ويعرفون الصالح من الطالح، والخير من الشر، والمتواضع من المتكبِّر، ويعرفون الوقائع، أما إذا أردت أن تكون أنت في برجٍ عاجي بمعزل عن المؤمنين الطيِّبين، وظننت أنهم لا يفقهون ولا يعرفون، فمن ظن أن الناس أغبياء فهو أغباهم، "وليحذر المسلم أن يزكي نفسه وأن يحتقر غيره ".
فيا أيها الأخ اتهم نفسك بالتقصير دائماً وأبداً، وأحسن الظن بأخيك المؤمن، فهذا أكمل خُلُق، والمعاكس دائماً تحسن الظن بنفسك ؛ ولا ترى الأخطاء الكبيرة في شخصيتك، وتبحث عن أخطاء صغيرة في الآخرين، وهذا موقف مرضي، ومثل هذا الإنسان يحتاج إلى معالجة نفسية، ولذلك فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا إذا رأى الرجلُ أخاه وقع في ذنب ماذا يفعل ؟ قال في الحديث الشريف: (( الذنب شؤم على غير فاعله، إن غيره ابتلي، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه))
(كنز العمال عن أنس)
يجب ألا تعيِّر، وألا تذكر، وألا تقره على عمله، ويجب أن تقول: الحمد لله الذي عافاني، وأرجو الله أن يهديه، فقط من دون أن تسمعه ذلك، إذا قلت: الحمد وهذا هو الموقف الصحيح، سمعت عن عالم بحمص رحمه الله تعالى، ما سُئل سؤالاً، وعزي الجوابُ إلى عالمٍ آخر إلاّ امتنع عن الإجابة عن هذا السؤال، لا تقل: قال فلان كذا فما رأيك ؟ هذه فتنة، ما قولك يا سيدي في هذا الموضوع ؟ هذا الجواب، أما: قال فلان كذا ماذا، فماذا تقول أنت ؟ فقد دخل الشيطان، سيدي أفتى بخلاف ما قلت، لم يرض ما قلت، لم يعجبه ما قلت، دخلنا في الفتنة، فلذلك كثير من طلاب العلم أقدر فيهم أنهم يجمعون ولا يفرقون، فهو ينقل من عالم لعالم أجمل صورة، ولا ينقل أسوأ صورة، ورد في الأثر عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ (( لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ))
(رواه مالك في الموطأ)
فهل أنت وصي عليهم ؟ أحد الدعاة قال: نحن دعاةٌ، ولسنا قضاةً، أنت لست قاضيًا، سبحان الله هناك كثير ممن يُنصِّب نفسه وصيًّا على المسلمين، فيوزِّع التُهم، ويقيِّم الناس، وهو لا يعرف قدر نفسه، فقد جاء في الأثر: (( وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ))
(رواه مالك في الموطأ)
إلا أن المؤمن لو رأى عاصياً فلا يحتقره، إنها معصية، ولكن ليقل: أرجو الله أن يتوب منها، وربما تاب العاصي وسبق الذي انتقده، الصُلْحَة بلمحة، فأنا لفت نظري اليوم في درس الطاووسية سحرة فرعون، هؤلاء أعوان فرعون، وأعوان الظلمة، كادوا لسيدنا موسى، وأرادوا أن يطفئوا نور الله، وأنْ يردوا الحق، فلما رأوا العَصَا انقلبت إلى ثعبانٍ مبين.. ماذا حصل ؟
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ﴾
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾
( سورة طه )
فلو رأى مؤمن قبل ثانية سحرةَ فرعون يصنعون الحبال، ويهيئون الكيد لسيدنا موسى، ويعاونون فرعون لقال: هؤلاء كفار، ولكن بعد دقيقة صاروا صدِّيقين، وهذا الكلام أقوله لكم، فهل ترى إنساناً أسوأ من سحرة فرعون ؟ إنهم سحرة، ومن سحر فقد كفر، والساحر عون للظالم، يريد أن يكيد لهذا النبي الكريم، ولكن عندما أجرى محاكمة دقيقة جداً، ورأى أن هذا الذي جاء بهذه المعجزة هو رسول الله، انتهى الأمر، وآمنوا به خلال دقائق.
ولذلك قلت لإخواننا اليوم: العبرة لا لمن سبق بل لمن صدق، وهناك شيء في الإسلام اسمه حرق المراحل، في نظام التعليم لا بدَّ أن تمضي أربع سنوات كي تأخذ الإجازة في فرع معين، وفي بعض الدول الراقية ثلاث سنوات للأذكياء والمتفوقين، لكن يمكن عند الله عزَّ وجل أن تأخذ هذه الإجازة في ساعة، لأنّ المراحل تُضْغَط، فكلَّما ازداد الصدق قصُر الزمن، فسحرة فرعون في زمنٍ قياسيٍ وصلوا إلى ما وصلوا إليه في أعلى درجة، هذا الكلام الذي ذكرته الآن لا تحتقر حتى العاصي، فلعلَّه يتوب ويتفوق عليك، واسأل الله السلامة، فالعبد شأنه التواضع لا التكبُّر.
قال:
(( وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ))
(رواه مالك في الموطأ)
* * * * *
وننتقل إلى موضوعٍ آخر من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ألا وهو:
عبادته صلى الله عليه وسلَّم
النبي صلى الله عليه وسلَّم نال أعلى مقامات العبادة..
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
أنت في أعلى درجة من درجات الرُقي، وفي أعلى درجة تكون عبداً لله، وأعلى مقام تناله العبوديَّة لله، وحينما تكون عبداً لله يرفع الله لك ذكرك، فالقضية علاقة معكوسة، كلَّما ازددت تواضعاً لله رفع الله شأنك، وكلَّما تكبَّرت قصمك الله عزَّ وجل، فلذلك لا أجد على وجه الأرض إنسانًا أعزَّه الله كالنبي الكريم، وما على وجه الأرض إنسان أشد تواضعاً لله، وانصياعاً لأمر الله، وعبوديَّةً لله كرسول الله، فكلَّما ازددت خضوعاً زادك الله عزًّا، ولذلك فأحد الصالحين قال: " أنا أدخل على الله من باب الانكسار "، هذا الباب ليس عليه ازدحام أبداً، فأكثر الناس يقول لك: أنا داعية، أنا هديت الناس، أنا لي مؤلَّفات، أنا دكتور في كذا، دائماً يكبِّر حجمه ؛ إلا المؤمن الصادق الذي وصل إلى درجة عالية فإنه يصغِّر حجمه، والله سبحانه وتعالى يزيده عزاً بهذا التصغير، يقول الإمام الشافعي في كلمة مشهورة: " كلَّما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي "، ويقول ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: (( أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ))
(رواه البخاري)
وسيدنا حذيفة بن اليمان معه أسماء المنافقين، فمن سأله عن القائمة ؟ سيدنا عمر، قال له: " بربك اسمي معهم ؟ "، ما هذا الكلام ؟ سيدنا عمر عملاق الإسلام، ثاني الخلفاء الراشدين، الذي ضرب للناس مثلاً أعلى في العدالة والتقشُّف يقول: " بربك اسمي مع المنافقين ؟ "، فهذا هو التواضع، المؤمن عبد لله عزَّ وجل، ليس عنده كبر، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ فَقَالَ:
(( أَيْ أُخَيَّ أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا))
( رواه الترمذي)
كان عليه الصلاة والسلام مَن رآه بديهةً هابه، فإذا عامله أحبَّه، المؤمن بسيط من الداخل، ليس فيه تعقيدات، ولا كهنوت، ولا تصنُّع، إنه بسيط، قال: كانت الجارية ـ الطفلة الصغيرة ـ تأخذ بيد النبي وتقوده فيدفعها حيث شاءت، جارية صغيرة، سيدنا الصديق له جيران فقراء يحلب لهم الشياه، تولَّى الخلافة، و غير معقول أنْ يتابع لهم هذه المهمَّة، ففي صبيحة اليوم الأول من توليه الخلافة طُرق باب أحد الجيران، وصاحبة البيت قالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، فلما فتحت قالت: من جاء ؟ من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه ليحلب لنا، هو سيدنا الصديق نفسه.
هو على ناقته وقع منه زمامها، فنزل عن ناقته ليلتقط الزِمام، وحوله أصحابه وهو خليفة رسول الله وخليفة المسلمين، قالوا: نكفيك ذلك، قال: " لا.. أمرني حبيبي أن لا أسأل الناس شيئاً "، اخدم نفسك بنفسك، هكذا كانوا، سيدنا الصديق يمشي على قدميه، وسيدنا أسامة بن زيد الذي لا تزيد سنه عن سبعة عشرَ عاماً، قائد جيش المسلمين، يمشي في ركابه، سيدنا أسامة أديب قال له: " والله يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن ". فقال له: " والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليَّ أن تغبَّر قدماي ساعةً في سبيل الله ؟ ".
فيا إخواننا تقرؤون عن الصحابة شيئًا لا يصدق ؛ مِن تواضع، وبساطة، وأدب، ومحبة لله عزَّ وجل، وورع.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان سيد العابدين، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
والعياذ بالله هناك فرقةٌ ضالةٌ تفهم هذه الآية على النحو التالي: أنه إذا بلغت اليقين سقطت عنك العبادة، لا، فاليقين في الآية هو الموت، أي واعبد ربك طوال حياتك، وعندما قال ربنا:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾
( سورة آل عمران )
ما معنى قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبهم ؟ أي دائماً، فالإنسان إما أنه واقف، أو نائم، أو مُضجع، أي دائماً..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
أي طوال حياتك إلى الموت، فأمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلَّم في هذه الآية بأربعة أشياء ؛ أمره بالتسبيح، والتحميد، والسجود، والعبادة حتى الموت، والتسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، والتحميد إثبات المحامد كلِّها لله عزَّ وجل..
﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)﴾
( سورة الحجر )
أي كن من المصلين، واللهُ ذكر السجود لأنه أبرز ما في الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، هذا في البلاغة يقال عنه: ذكر الجُزء وإرادة الكل، والإنسان بالسجود له أن يدعو الله كثيراً، لأنه أقرب حالة تكون فيها مع الله وأنت ساجد، فلذلك اغتنم هذا القرب بالدعاء..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
وهنا سؤال: لماذا سمَّى الله الموت يقيناً ؟ لسببين ؛ السبب الأول أن الموت متيقنٌ وقوعه..
كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى .. إلا ذو العزة والجبروت
* * *
كل مخلوقٍ يموت، متيقين وقوعه، ولا أحد على الإطلاق يجرؤ أن ينكر الموت، لكن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن هو أن المؤمن يستعد له، وغير المؤمن لا يستعد له، فالمؤمن أدخله في حساباته اليوميَّة، وأدخله في برامجه اليوميَّة، أما غير المؤمن فلا يستعدُّ له، هذه واحدة.
والثانية: عند الموت تتيقَّن ِمن كل ما جاء به الوحي، والقرآن بين أيدي الناس، بربكم لو أنهم تيقنوا ما فيه لما كانوا على ما هم عليه، أما الشيء الثابت فإنهم غير متيقِّنين، ولكن عند الموت كل شيء سمعته في القرآن، أو من السنة تتيقَّن به، وماذا يفيدنا هذا ؟ يفيدنا أن خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت، لا خيار قبول، أو رفض، فقد يقدَّم إليَّ كأس ماء، فأشرب أو لا أشرب، خياري مع هذا الكأس القبول أو الرفض، أما خياري مع التنفس فليس الرفض، إذًا أنا مع التنفس مقهور وإلا أموت، لكن خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن وأنت في الحياة الدنيا، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان، والدليل ؛ أكفر أهل الأرض فرعون آمن، ولكن متى ؟ عند الموت، إذاً الإيمان حاصل، وبقي أنه ينبغي لك أن تؤمن قبل فوات الأوان، فخيارك مع الإيمان خيار وقت، وليس خيار قبول أو رفض.
إذاً سُمِّي الموت يقيناً لتيقُّن وقوعه، ولأن فيه اليقين..
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
فالناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، وسأسمعكم كلمتين لسيدنا علي ؛ الأولى يقول: " والله لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً "، أي إنه بلغ درجة من اليقين قبل الموت، فيقينه بالحقائق قبل الموت، كيقينه بها بعد الموت، والكلمة الثانية: " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي "، فهذه درجة عالية جداً، إلى أقصى سرعة.
والآن القرآن كما قلت لكم: مثاني، ومعنى مثاني، أي إن كل آية تنثني على أختها فتفسرها، كيف عرفنا أن اليقين هو الموت ؟ من آية ثانية:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾
( سورة المدثر )
الموت. فاليقين هو الموت..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
اعبد ربك طوال حياتك، فقضية الدين ليست قضية مرحليَّة، نهائيَّة طوال الحياة.
وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري وأحمد عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا))
قالت واحدة: " هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله "، قال: (( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ))
طبعاً التفسير الدقيق جداً: واعبد ربك مدة حياتك كلِّها دائماً دائباً، وهذا نراه في آية أخرى:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
ورد في أثر مُرسل: (( ما أوحي إليَّ أن اجمع المال وكن مع التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبِّح بحمد ربك وكن مع الساجدين))
كن مع الساجدين لا مع جُمَّاع الأموال، بقي شيء ثالث مع العبادة، أولاً مدَّتها طوال الحياة، قال لك:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾
( سورة مريم: من آية " 65 " )
من خصائص العبادة أنها ربما تتناقض مع طبع الإنسان، لأنّ الطبع يميل للراحة، والعبادة فيها جهد، والطبع إطلاق البصر، والعبادة غض البصر، والطبع قبض المال، والعبادة إنفاقه، والطبع إطلاق اللسان في عورات الناس، والعبادة ضبطه، فالعبادة ذات كُلفة، و سمي التكليف تكليفاً لأنه ذو كلفةٍ، ولذلك الآية الكريمة:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (65) ﴾
(سورة مريم)
والسيدة عائشة سُئلت عن عبادة النبي، كيف كان عمل النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟ فَعَنْ عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
(( هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا قَالَتْ لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ))
(رواه البخاري)
أي ما في عنده فورات وهموم، الآن أكثر طلاب العلم يفور فورة وبعدها يهمد، حضور قوي وبعده يغيب، إقبال شديد وبعده يدبر، هذه الحالات المتناوبة النبي كان بعيد عنها، (( كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً))
ولذلك قال: (( أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))
( من صحيح مسلم: عن " السيدة عائشة " )
لزمتَ مجلس علم فتابعه، ألزمت نفسك أن تقرأ كل يوم جزءًا فتابعه، وأنْ تدفع كل شهر صدقة فتابعها، تتراكم الأمور، وتتنامى، أما هذه الفورات، فورة وهمود، فهذه لا تصنع شخصيةً إيمانيةً كبيرة، قطرات ماء ثم انقطاع لا تملأ برميلاً، إذْ لا بدَّ من الاستمرار، ولذلك فالإنسان المؤمن الصادق يشكِّل حياته وفق برامج دينيَّة رائعة، أما من يجعل حضور الدروس وطلب العلم من باب الفضلة، وعلى ما تبقَّى من وقته، ففي الأعم الأغلب ليس عنده وقت فراغ، والأصل بالعكس، الأصل أن تطلب العلم وأن تعطيه أثمن أوقاتك، حتى يبارك الله عزَّ وجل لك في بقية الأوقات، تماماً كأداء الزكاة، فمن أدَّى زكاة ماله حفظ الله له بقية ماله، ومن أدى زكاة وقته حفظ الله له بقية وقته، ومن تأدية زكاة الوقت القيام بالعبادات، وطلب العلم الشرعي.
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (( مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))
(رواه النسائي)
أي تقدَّمت سِنُّه، يصلي صلاة التطوع وهو جالس لكن ما ترك الصلاة ـ وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه العبد وإن كان شيئاً يسيراً "، وجميل جداً أنْ يكون للإنسان نظامٌ صارم لحياته، وقت لدرس العلم، ووقت لحفظ القرآن، وثالث لتلاوته، ورابع للجلوس مع الأهل، وخاص للأولاد، وآخر للعمل.
فالحقيقة التوازن يحتاج إلى بطولة، أما التطرُّف فعملك يمتص وقتك كله، وهذه سهلة، تجد الجل منحازًا، أو كل وقته للبيت، فالتطرُّف سهل لا يحتاج إلى بطولة، أما أن توزِّع الوقت توزيعًا منتظمًا، وأن تعطي كل ذي حقٍ حقَّه ؛ فأولادك لهم حق، والزوجة لها حق، وعملك له حق..
وسيدنا عمر رضي الله عنه جاءه رسولٌ من أذربيجان، وصل المدينة منتصف الليل، وكره أن يطرق بابه، فذهب إلى المسجد، فسمع رجلاً يتأوَّه ويبكي ويقول: " يا رب هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ "، قال: " من أنت يرحمك الله ؟ "، فقال: " أنا عمر "، قال: "أنت أمير المؤمنين ؟! "، لقد كره أن يطرق بابه ليلاً لئلا يوقظه، فوجده سهران يصلي، فأجابه عمر: " إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، فإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل ".
وفي الدرس القادم إن شاء الله نتابع موضوع العبادة عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولا تنسوا قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
أي إن علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله. فإذا ذهب طالب إلى فرنسا ليدرس، فالسؤال الدقيق: ما علة وجوده في هذه البلدة ؟ الدكتوراه فقط، فأكبر خطأ يرتكبه أن يغفل عن مهمته الأساسية، فلو زار المتاحف، وزار المقاصف، وطالع كتبًا ليست لها علاقة باختصاصه، وأقام حفلات وسهرات، ورجع بخفَّي حُنين، فهذا غفل عن مهمته الأساسية، وكل إنسان يغفل عن عبادة الله عزَّ وجل، يغفل عن مهمته الأساسيَّة في الدنيا.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : عبادتة صلى الله علية وسلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وبعد... فنحن في الدرس السابع والعشرين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقد وصلنا في شمائله إلى عباداته صلى الله عليه وسلَّم.
أيها الإخوة الكرام... يكفي أن نشعر بأهمية هذا الدرس أن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
فعلَّة وجود الإنسان في الدنيا أن يعبد الله عزَّ وجل، ويقول الله عزَّ وجل مخاطباً النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)﴾
( سورة الحجر )
التكذيب، والمعارضة، والاستخفاف، والإعراض، والكفر، مواقف الكفار تبعث الضيق في نفس النبي عليه الصلاة والسلام..
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
واليقين هو الموت، أي اعبد الله عزَّ وجل طوال حياتك، ولذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلَّم بهذه الآية ؛ بالتسبيح، والتحميد، والسجود، والعبادة حتى الموت، فالتسبيح تقديس الله جلَّ جلاله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، والتحميد نسبة الكمالات كلها إلى الله عزَّ وجل، والسجود هي الصلاة، ذُكر جزءٌ منها وأريد الكل، أما..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
فأنت مخلوقٌ في الدنيا من أجل العبادة.
والعبادة أيها الإخوة سلوك، طريقه وغايته الخضوع، والاستسلام، والحُب، والائتمار، والإخلاص، والوفاء، ولكن لن تكون إلا بمعرفة الله، وإن كانت أثمرت سعادةً أبديَّة، فالعبادة جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، فإن عرفت الله عبدته، وإن عبدته سعدت بقربه، ولذلك جاءت هذه الآية موجزة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
ولن تكون العبادة أي الخضوع إلا بعد معرفة الله، ولن تكون السعادة إلا بعد طاعته، والقضية مترابطة ؛ تعرف الله، فتستقيم على أمره، وتسعد بقربه، الغاية هي السعادة، والسبب هي العبادة والطاعة، وسبب السبب هي المعرفة، تعرفه، فتستقيم على أمره، وتسعد بقربه.
وكان عليه الصلاة والسلالم ـ دقِّقوا ـ إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، فهل من الحاضرين ليس عنده مشكلات في الحياة ؟ مشكلات في بيته، وعمله، وصحته، وعلاقاته العامة، وهذه المشكلات هي دوافع إلى باب الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أنه إذا أصابه أمرٌ فزع منه بادر إلى الصلاة، إذا أحزنه أمرٌ فزع إلى الصلاة، وعلينا أن نقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام.
وأجمل ما في الدين الدعاء، وأنت حينما تدعو الله عزَّ وجل، فإنّ الله جلَّ جلاله بشكلٍ واضحٍ صارخ يشعرك أنه سمع دعاءك، وأنه استجاب لك، ومن أجل هذا يقرِّبك.
والإنسان كيف يتقرَّب إلى الله عزَّ وجل ؟ إذا دعاه يشعره أنه سمع دعاءه، ويشعره الله أنه استجاب له، فكل مشكلةٍ يعقبها دعاءٌ، ويعقب الدعاء استجابةٌ، ويعقب الاستجابة معرفةٌ بالله وحبٌ له، إذاً كل محنةٍ وراءها مِنحة، وكل شِدةٍ وراءها شَدَّة، وطِّن نفسك أيها المؤمن أن كل مشكلة وراءها قفزة إلى الله، وكل مِحنة فيها منحة، وكل شِدة فيها شَدة، وإن وقعتَ في مشكلة فإنّ الله عزَّ وجل قال:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
( سورة الطلاق )
معناها الأمور أُحكمت ـ نزلت فلما استحكمت حلقاتها ـ لو أن هناك مخارج أرضيَّة لم تلجأ إلى الله عزَّ وجل، متى تقول: يا رب ليس لي إلا أنت ؟ حينما تُغلق عليك منافذ الأرض، والإنسان أحياناً يتكئ على أشخاص، أو على ماله.
أخ كريم قبل أن ينضج قال كلمة، قال: " الدراهم مراهم، كل شيء يُحل بالمال "، هذه كلمة كبيرة، فربنا عزَّ وجل ساق له شدَّة لا تحل بالمال، فبقي في هذه الشدة سبعين يوماً، ما قولك:" كل شيء يُحل بالمال " ؟ لا يا رب، فعلى الإنسان أنْ يدقق في كلامه، في كلام يحتاج إلى تأديب.
أيها الإخوة الكرام... أي مشكلة، وأنت مؤمن، فالتخطيط الإلهي أن يشدك إليه، ويقرِّبك إليه، وهذه المشكلة يعقبها دعاء، والدعاء من آثاره شعورُك أنّ الله سمع دعاءك، وأنه استجاب لك، تزداد معرفةً به وحباً له، وأحياناً الإنسان بلغ درجة من الإيمان رضي بها، لكن الله لا يرضى له هذه المرتبة الثابتة، إذن تنشأ مشكلة، فيحصل حجاب أحياناً، وهذا الحجاب يضيق به المؤمن ذرعاً، فيرفع وتيرة عبادته أو عمله فيقفز، وهذه القفزة تشده إلى الله عزَّ وجل.
ولكن يعنينا من هذا الدرس.. عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى))
( رواه أبو داود)
أقول لكم بصراحة: قد تكون في مشكلة كبيرة جداً، فتترك التدبير لها، وتذهب تتوضَّأ، وتدخل إلى غرفة الضيوف، وتصلي ركعتين، وفي السجود تناجي الله عزَّ وجل، هذا حل لمشكلة، وهذا أعظم حل، وهو هذا حل واقعي، وأنت الآن وكَّلت خالق الكون ليحل لك مشكلتك ؛ وكَّلت الذي بيده كل شيء، وكَّلت السميع، القريب، المجيب، الرحيم، العليم، الحكيم، وكَّلت من ناصية خصومك بيده، ومن ناصية أعدائك بيده، ومن ناصية الأقوياء بيده، ومن ملكوت كل شيءٍ بيده، وكلته، لذلك إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى))
أو (( إذا أحزنه أمرٌ فزع إلى الصلاة))
فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق يلجأ إلى الصلاة إذا اشتد عليه أمر، فنحن من باب أولى.
وأقول لكم هذه الكلمة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحةً عندكم: ما من مشكلةٍ يسوقها الله للمؤمن، ولو كشف الله له الغطاء يوم القيامة لذاب كالشمعة شكراً على هذا الذي ساقه إليه، وهناك آلاف القصص، فالشدَّة ظاهرة يعقبها توبة، ومن التفلُّت جاءت المصيبة، فأثمرت توبة نصوحًا، ومِن التسيُّب جاءت مشكلة فأثمرت إقبالاً على الله عزَّ وجل، ومن التقصير جاءت المشكلة فأثمرت سعياً حثيثاً في طلب مرضاة الله عزَّ وجل، فبشكل أو بآخر المؤمن يفهم على ربه، ومن فهم على ربه سر التصرُّفات قطع أربعة أخماس الطريق إلى الله عزَّ وجل..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
أي دُم على عبادتك ما دمت حياً، من غير إخلالٍ بها ولا لحظةً واحدة، فأنت تعاملت مع خالق الكون، وطِّن نفسك على أن تثبت على ما أنت عليه ؛ فصلواتك، واستقامتك، وغض بصرك، وصدقك، وأمانتك، فأنت عاهدت الله سبحانه وتعالى، وعاهدت الذي خلقك.
وبالمناسبة ؛ هناك فهم إبليسي لبعض الآيات..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
قال بعضهم: إذا جاءك اليقين انتهت العبادة، اليقين هنا هو الموت فقط، والدليل:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾
( سورة المدثر )
الموت، إذاً القرآن مثاني، وكل آيةٍ تنثني على أختها فتفسِّرها..
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
أي الموت، والدليل:
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾
( سورة المدثر )
قد يسأل أحدكم: لمَ اختار الله جلَّ جلاله للموت هذا الاسم اليقين ؟ الجواب: لأنه ما من شيءٍ أكثر يقيناً في وقوعه من الموت، وما نجا منه أحدٌ على الإطلاق، وهناك أمراض تصيب الشيخوخة، وحالات نادرة أنه لا يصاب الإنسان بهذا المرض، قال لي طبيب: فحصنا شرايين إنسان متقدِّم في السن، مهمل لغذائه، قال لي: الشرايين سبعة عشرَ عاماً، مرنة إلى أقصى درجة، وهناك حالات نادرة، فهذا الإنسان على تقدمه في السن، وعلى إهماله الغذاء، فشرايينه مرنة جداً، ويمكن لإنسان أنْ ينجو من مرض ؛ ولكن هل يمكن أن ينجو من الموت ؟ أبداً..
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)﴾
( سورة الرحمن )
فسمى الله الموت يقيناً لأنه متيقنٌ وقوعه، وسمى الله الموت يقيناً لأن كل الأفكار التي سمعتها في الدنيا تراها عند الموت حقيقةً، تتيقَّن من كل ما قيل لك عن الدار الآخرة ـ يقين ـ الوقوع يقيني، والشهود يقيني. هذه الآية كقوله تعالى:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
أي طول حياتي.
ورد في الأثر: (( ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبِّح بحمد ربك وكن من الساجدين))
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
والآن العبادة أمر تكليفي، ومعنى تكليفي أي إن هذه الأوامر ذات كُلْفَة، ولذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾
( سورة مريم: من آية " 65 " )
صلاة الفجر تحتاج إلى صبر، وغض البصر يحتاج إلى صبر، والمحافظة على الصلوات الخمس يحتاج إلى صبر، وصيام رمضان في أيام الصيف يحتاج إلى صبر، وأن تأخذ حقَّك وأن تخشى الله عزَّ وجل من أن تأخذ فوق حقك يحتاج إلى صبر، المال يغري، والقوي أحياناً يشتط بقوته فيستعلي على من دونه، فالصبر أساس الاستقامة على أمر الله عزَّ وجل..
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (65)﴾
أي هل هناك جهة أخرى يمكن أن تكون وجهتك إليها ؟ الله عزَّ وجل هو أهلٌ أن تعبده، وبالتعبير الدارج الإنسان لا يليق له أن يكون لغير الله، أنت لله، (( ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له))
( من شرح الجامع الصغير: عن " ابن مسعود " )
ولذلك كانت عبادات النبي صلى الله عليه وسلَّم دائمةً، ومستمرةً، ومتواصلةً في الليل والنهار.
أطرح عليكم هذا السؤال:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
( سورة المعارج )
كيف ؟ هناك آيات كثيرة..
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)﴾
( سورة المؤمنون )
واضحة ؛ خمس صلوات، أما دائمون فقالوا: فيما بين الصلاتين، ودائمون بالدعاء، فأنت بالدعاء مع الله دائماً ؛ قبل أن تدخل البيت، وقبل أن تخرج منه، قبل أن تدخل المسجد، وبعد أن تخرج منه، قبل أن تدخل السوق، وقبل أن تُلقي درساً، وقبل أن تُعالج مريضاً، وقبل أن تقابل مسؤولاً، وقبل أن تقوم بعمل، وقبل السفر، وبعد السفر، وفي أثناء السفر، فالدعاء عبادة مستمرَّة، و: (( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )
روى البخاري عَنْ عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (( هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا قَالَتْ لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ))
أي دائماً، فإنْ كان لك مجلس علم فحافظ عليه، وصلاة الفجر في المسجد فحافظ عليها، وغض البصر فحافظ عليه، وعدم المصافحة فحافظ عليها، ولا تعمل نوْبات نوْباتٍ، فهذه النوبات لا تصنع إيماناً، ولا الفورات ؛ فورة ويغيب، يحضر ويغيب، ويقبل ويدبر، ويفور ويسكن، ويتألَّق ويخمد، فهذا لا يتناسب مع سلوكٍ تعامل به الله عزَّ وجل. (( كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً))
نظِّم أعمالك وفق نظامك الديني، ولا تجعل نظامك الديني وفق أعمالك، وإذا جعلت نظامك الديني وفق أعمالك فمعظم الأيام لستَ متفرِّغا، بل أنت فيها مشغول، وعندنا موسم، وعندنا أعمال كثيفة، فاجعل عملك الدنيوي وفق نظامك الديني، ولا تجعل نظامك الديني وفق عملك الدنيوي، لا تعكسها، فالأصل أنك في عبادة الله عزَّ وجل، ولذلك فزكاة الوقت أداء العبادات، وكيف أنك إذا أديت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك، وأنت إذا أديت زكاة وقتك بأداء العبادات وطلب العلم، والله أيها الإخوة بارك الله لك في بقية وقتك، دقِّقوا في هذه الكلمة: بارك الله لك في بقية وقتك.
السلف الصالح بارك الله جلَّ جلاله لهم في أوقاتهم، تجد إنسانًا مثل الإمام النووي قد ترك كتبًا فيها من البركات والخيرات ما لا يعلمها إلا الله، فالأذكار، ورياض الصالحين، وقد مات قبل أن يتم خمسين عامًا، فمتى ألَّف هذه الكتب ؟ وهناك علماء أجلاَّء تركوا مؤلَّفات فأقول: يا رب متى ألَّفوها ؟ الآن يوجد تسهيلات لم تكن في زمنهم، وكلها بخط يدهم، أمليت على تلاميذهم، فكلمة توجد بركة للوقت، هذه والله أومن بها كإيماني بوجودي، فمن طلب العلم، وأدَّى العبادات، وعمل الصالحات، وأخلص لله بارك الله له في وقته، ومعنى بارك الله له في بوقته، أي إنه ينجز الأعمال الجليلة في الأوقات القليلة، والله عزَّ وجل بالمقابل قادر أنْ يتلف لك الوقت الثمين بأسبابٍ أتفه من التافهة.
إخواننا الكرام... لا تضن بمجلس علم وتقول: لا يسمح لي الوقت، فأحياناً بالآلة التي عندك خطأ بسيط تتعطَّل أسبوعين، وأحياناً جهاز بسيط لا يوجد له قطع تبديل، والآلة وقفت، أحياناً ارتفاع حرارة طارئ، ويقول لك الطبيب: حلل، فتحلل، صوِّر، فصور تصويرا طبقيًا، أو مرنان، ويقول لك: أنت سليم، خسرت عشرة آلاف ليرة، وثلاثين ساعة، وأنت معافى، فلا تضن على الله عزَّ وجل بوقت العبادة، وبوقت الطاعة، وبطلب العلم، وبحضور مجالس العلم، فإذا أديت زكاة وقتك بارك الله لك فيه، فتنجز في الوقت القليل الشيء الكثير.
وأحياناً إذا كانت عندك مركبة، ضربة تتم في ثانية، فتحتاج إصلاحًا يستغرق شهرًا، ساعة تجليس، وساعة قطع، وساعة بخ، وساعة معجون، اذهب وتعال، ذهبت منك ثلاثون ساعة، والحادث بثانية، فلا تضن بوقتك على ربك، فأنت لله، وهذه العبادة..
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
( سورة الأنعام )
فأنت عندما تعطي ما لله تشعر براحة، فهذا وقت العبادة، وهذا وقت مجلس العلم، وهناك مَن إذا زاره شخص عادي يقول لك: زارني شخص، قل له: أنا عندي مجلس علم، تفضَّل معي، فأنت عندما يكون عملك ديمة. (( كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً))
أنت عاهدت الله عزَّ وجل، لك هذا المجلس، ولك هذه الصلاة، ولك هذا الذكر، ولك هذا الفجر، وهذا الظُهر، وهذه الدعوة، وهذه الجلسة مع أهلك.
أنا أتمنى على كل أخ كريم تكون له دعوة صغيرة، أليس حولك أحد ؟ أليس لك إخوة ؟ أو أصدقاء ؟ أو جيران ؟ أو أولاد ؟ أو أقارب ؟ أو أخوات بنات ؟ أو بنات أخوات ؟ لتكُن لك جلسة دينية، اجمعهم، وعلّمهم آية قرآنية، أو حديثًا شريفًا، أو شيئًا من السيرة، أو حكمًا فقهيا، ألِّف قلوبهم، وزرهم، وتفقَّدهم، فأنت تحتاج عملاً لله، عملاً للآخرة.
إنّ الأعمال الخالصة لله تُسعِد صاحبها أيَّما مسعد، كأن تعمل عملاً لا تبتغي منه سمعةً، ولا مالاً، ولا كسباً، ولا رياءً، بل تبتغي به وجه الله عزَّ وجل، ولذلك الوقفة أين ؟.. (( كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً))
يقول وهذه من سنته العملية: (( ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نوافله، وتطوعاته طيلة عمره))
كما جاء عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (( مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ ـ أي صلاة التطوع ـ جَالِسًا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))
(رواه مسلم)
وفي رواية عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ أَكْثَرُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَكَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا))
(مسند أحمد)
إخواننا الكرام... قد يكون وجود أخٍ في المسجد معلومًا، فإذا غاب يومًا واحدًا فالكل يعلم ذلك، أين فلان ؟ وجوده معروف، فقد صار أحد أركان المسجد، فإذا غاب يومًا واحدًا فحتماً هو مريض، أو نزل به أمر قاهر، فيزوره الناس، قال لي واحد مرَّة: مرضت شهرين وما زارني أحد، فقلت له: الحق عليك، هو بالأساس حضوره متقطِّع، فلما غاب ظنوا حسب نظامه يأتي، ولا يأتي، فإذا كان وجودك معلومًا، فأنت أحد أركان المسجد، طبعاً ستُفتقد، أما إذا أنت بالأساس تأتي قليلاً وتغيب كثيراً، فإذا غبت لعلة أو مرضٍ ـ لا سمح الله ـ فأنت حسب طبيعتك المنقطعة، فلا أحد يزورك، وأنت تتألَّم، والحق على الذي داوم بهذه الطريقة.
إخواننا الكرام... العبادة هي التقرُّب إلى الله تعالى بأقصى غايات الخضوع والتذلل له سبحانه، فبصراحة وبقدر ما تستطيع فتذلَّل لله، وهذه علاقة عكسيَّة، وبقدر ذُلِّك لله يعزُّك الله، وأعلم علم اليقين أنه لا أحد في تاريخ البشرية كان أكثر تواضعاً لله من رسول الله، وبحسب ما أعلم ما لا يوجد إنسان في تاريخ البشرية رفع الله ذكره، وأعلى شأنه كرسول الله، فكلَّما تنزل تصعد، وكلَّما ازددت تواضعاً لله رفعك الله، أما أمام الآخرين فكُن عزيزَ النفس، ولا تخضع لإنسان، وأمام الآخرين اعرف قدرك، قال له: " متى أمَتَّ علينا ديننا ؟! ارفع رأسك يا أخي لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه".. (( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))
فأنت عزيز إذا كنت مع الله، وإن لم يكن الإنسان مع الله فهو ذليل، ((... وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ))
( من سنن أبي داود: عن " الحسن بن علي " )
والعبادة هي التقرب إلى الله جل جلاله بأقصى غايات الخضوع والتذلل، فيما شرعه لعباده؛ من الأقوال، والأعمال القلبية، والبدنية والحالية.
والآن أدق نقطة في الدرس أنه ينبغي لك أن تعبد الله وفق منهجه، أمّا انحرافات الجماعات الإسلامية أنها تريد أن تعبد الله وفق مزاجها، لأنها مبتدعة، فيجب أن تعبد الله، ويجب أن تعبده وفق أمره، وهذا ملخَّص درس اليوم، يجب أن تعبده، وينبغي أن تعبده وفق منهجه.
ولعلي أوضِّح هذه الفكرة بهذا المثل: اشترى شخص مركبة فيها أعطال، وهي واقفة أمام البيت، ما ركبها ولا مرَّة، ضاق بها ذرعاً، وسئم منها، ورفضها، فتركها، ولأنه ما ذاق حلاوتها، بل ذاق تكاليفها وأعباءها، فإذا صلى الرجل وليس له وجهة فإنّه سيمَلُّ من الصلاة، ويصير حاله كحال المنافقين..
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾
( سورة النساء: من آية " 142 " )
فما استقام، وما طهَّر نفسه، وما أخلص، وما قدم هدية إلى الله عزَّ وجل ـ عمل صالح ـ إذا وقف ليصلي تألَّق، ما قدَّم شيئًا، وعنده مخالفات، وتسيُّب، و تقصير، وتحريش بين المؤمنين، وإطلاق بصر أحياناً، وتساهل، فهذه المعاصي حجاب.
وفي كلمة أقولها لإخواننا: أيعقل أن يكون المؤمن مقطوعاً عن الله لأسبابٍ تافهة ؟ المجرم مقطوع ولكن لأسباب وجيهة، فالسارق الزاني وشارب الخمر مقطوعون، لكن لأسباب وجيهة، كبيرة، أما أنت فقد خطف بصرك قليلاً فحجبت، إنها كلمة بلا فائدة، غيبة مثلا، فهل يعقل أنْ تحرم نفسك هذه الوجهة إلى الله بذنبٍ تافه ؟ لأن الذنوب كبيرها وصغيرها تقطع، وأوضح بمثل: بيت فيه ثلاجة، ومروحة، ومكيِّف، ومكواة، ومسجلة، فيه خمسون آلة كهربائية، فإذا انفصل التيار الكهربائي الأساسي مترًا، أو نصف متر، أو ثلاثين سنتيمترًا، أو عشرين، أو عشرة، أو خمسة، أو سنتيمترًا، أو مليمترًا، فما دام مفصولا فكل الآلات واقفة، فمسافة الفصل سواء كانت كبيرة أم صغيرة فالآلات كلها واقفة، والإنسان إذا كانت له معصية كبيرة حُجِب عن الله بحجاب يتناسب مع المعصية، ولكنه حجاب مع الله لسبب تافه ؟! غير معقول.
ولذلك أيها الإخوة... عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))
(رواه مسلم)
فالشيطان ليس له أمل بعد مجيء هذه الرسالة أن تنحت أصنام وتعبد من دون الله، فلم تعد اللات والعُزى ولا يغوث ونسر موجودة، لكن هناك مخالفات... (( وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))
وفي الحديث: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))
(رواه مسلم عن جابر)
لا تسمح للشيطان أنْ يقطعك عن الله لسبب صغير، بكلمة تقولها، أو بنظرةٍ تُلقيها، أو بخلافٍ بينك وبين أخيك.. (( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ، إِنَّمَا يَعْنِي الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَوْلُهُ الْحَالِقَةُ يَقُولُ إِنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
ولذلك للعبادة لذةٌ، فهذه السيارة إذا ما سرتَ بها مللتَ منها ؛ تصليح، وتبديل عجلات، وتصليح محرك، ولكن ما ركبتها ولا مرَّة، فتمل منها، أما إذا استعملتها فلا بد من توافر كل الشروط فيها، فما دام ثمة شرطًا ناقصًا فهي واقفة، فإذا كانت واقفة مللتَ منها.
فتصور العبادة كهذه المركبة، إذا لم تكن جاهزة جاهزية تامة، وانطلقت سائرةً، تملُّ منها، وتسأم منها، وتعافُها، وتتكاسل في تعاملك معها، أما إذا أقلَّتك إلى مكان جميل أنت وأهلك، فقد صار لها معنى.
فهذا المثل تمهيدي، للعبادة لذةٌ، وحلاوةٌ، ونعيمٌ، وطلاوةٌ، فمن طَعِمَ حلاوتها، وذاق لذَتها، تعلق بها وعشقها، فهل من الممكن أنْ يكون أسعد أيام حياتك وأنت في الصلاة ؟ نعم، ولكن قدِّم الثمن، وقد تكون أجمل ساعات حياتك قيام الليل، والإنسان يصلي، ويبكي، ويناجي ربه، ويشعر بأمن واللهِ لو وزِّع على وجه الأرض لكفاهم، خالق الكون معك ليس أمرًا سهلاً، الآن الناس يعيشون في قلق.
" دع القلق وابدأ الحياة " كتاب ألَّفه (ديل كارنجي )أول طبعة بيع منه خمسة ملايين نسخة، من شدة قلق الناس..
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا﴾
( سورة آل عمران: من آية " 151 " )
والإنسان حينما يشرك يمتلئ قلبه خوفاً، أي إنسان يطبَّق عليه هذا القانون، اسألني عن قانون الخوف أقل لك: الشرك سبب الخوف، فإذا أطاع الإنسان الله عاش آمنًا، وتجد الناس يعيشون في خوف منقطع النظير ؛ من قلبه، من جلطة، من دسَّام، من تضيّق الشريان التاجي، من إخفاق كلوي، ومن التهاب كبد وبائي، تجدهم منهارين، مظهرهم فخم، ولكن من الداخل كل شيء منتهٍ، والمؤمن لأنه انشغل بشيء عظيم فالله يريحه من أمور صحته، ويطمئنه على أولاده، فيسافر، انظر الدعاء: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ))
( من سنن أبي داود: عن " ابن عمر " )
دعاء بإخلاص، الله مكانك بأولادك، ومكانك ببيتك، أحياناً إبريق من الماء الساخن إذا حدثَ خطأ بالبيت، ووقع على فتاة صغيرة شوَّهها للأبد، فكلَّما ألقى الأب نظره على وجه ابنته كيف تشوَّهت يشعر بسكين طُعن بها، فإذا كنت مع الله، تولاّك بدعائك.. (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ))
( من سنن أبي داود: عن " ابن عمر " )
الدعاء مُتعة، فيا إخواننا الصلاة، والصوم، وصلاة الليل، والذكر، والدعاء، والتلاوة في كل هذه العبادات لذةٌ، وحلاوةٌ، ونعيمٌ، وطلاوةٌ، فمن طعم حلاوتها، وذاق لذَّتها تعلَّق بها وعشقها، فهو لا ينفك عنها أبداً لأنها تصير راحته وريحانه.
السيدة رابعة العدويَّة كانت تقول: " يا رب أغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيبٍ بحبيبه، وها أنا ذا واقفةٌ بين يديك " فهل من السهل عليك تناجي ربك ؟ يقبلك، ويتجلى عليك، وينصرك، ويطمئنك، ويعطيك، فهذا أمر كبير.
ويقولون: إن أعظم ذائقٍ ذاق حلاوتها، وأكبر من نعم بها وشهد أسرارها وأنوارها، هو سيدنا محمدٌ صلى الله عليه.
والله مرَّة ـ هذا العبد الفقير ـ صليت ركعتين في المدينة المنورة، خلف إمام أنا أثق أنه في إقبال على الله عزَّ وجل، والله صلى، وتمنيت أن يصلي حتى الظهر، إن الصلاة شيء جميل جداً، وهذه هي الصلاة التي أرادها الله، فإذا دعاك أحدهم لأكل، صحون وملاعق، ولكن لا يوجد أكل، وأنت جائع، وانتهت العزيمة، ودعاك مرة ثانية تقول: إنني مشغول، لأنك لم تأكل شيئًا، توضأت وصليت ولكن في عباداتك مخالفات، وهناك حجاب، وتشعر نفسك أنها ليست هذه هي الصلاة، أما عندما تهيئ نفسك للصلاة بطاعة، وعمل صالح، وهديَّة إلى الله، وخدمة للعباد، ونصحهم، والدعوة إلى الله، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيعطيك الثمن بالصلاة، والله عزَّ وجل قال:
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾
( سورة الأعراف )
فأحياناً وإن كان الأمر من باب التشبيه إذْ تكون لك قضية وقد وكلت محاميًا من الطراز الأول، يقول لك: كل القضاة خاتم في يدي فاطمئن، فإذا وكَّلت محاميًا من الطراز الأول شعرت بطمأنينة، فكيف إذا كان الله وليك..
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾
( سورة البقرة: من آية " 257 " )
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
( سورة محمد )
فتصور أبًا من أعلى مستوى ؛ من علم، وفهم، وقوة، وغنى، وتربية، وعنده ابن غالٍ عليه كثيراً، يتابعه في حركاته، وسكناته ؛ ومدرسته، وطعامه، وشرابه، وغذائه، وأطباء، ودروسه خاصة، وغرفة خاصة، فهذا ابن له أب يتولى شأنه، وإذا يقابله طفل متفلت في هذه الطرقات..
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
( سورة محمد )
وأنت أكبر شرفًا بأن الله وليَّك..
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 257 " )
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾
( سورة الأعراف )
فأنت على قدر صلاحك لك من ولاية الله نصيب، وهو يتولى الصالحين، وأصلح الصالحين رسول الله، فكان الله وليه.
ماذا أراد سراقة بن مالك ؟ أراد أن يقتل النبي ليأخذ مئتي ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فساخت قدما فرسه في الرمال، واستغاث بالنبي، وكان أهل مكة يشعرون أن النبي يحميه ربُّه، وأنت كمؤمن يشعرك الله أنك بعينه..
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
( سورة الطور: من آية " 48 " )
فحياتك وكرامتك وصحتك غالية، وأهلك وأولادك مقربون مكرمون، فأنت في طمأنينة، وهذه ليست من الأمر السهل ؛ أن يطمئنك خالق الكون..
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
ولذلك أكمل ذوقٍ لحلاوة العبادات، وألذ راحةٍ ونعيمٍ بها، كما جاء في المسند وسنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إِلَى صِهْرٍ لَنَا مِنْ الْأَنْصَارِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ يَا جَارِيَةُ ائْتُونِي بِوَضُوءٍ لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ قَالَ فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ))
بصراحة في هذا الحديث الفرق بين المؤمن والمنافق، أوّلهم أرحنا بها، والثاني أرحنا منها، بين الباء وبين من، إما أن يكون لسان حالك أرحنا بها، وإما أرحنا منها، فالمؤمن أرحنا بها، والمقصِّر الذي فيه مخالفات، وفيه تقصير أرحنا منها.
وكما في المسند وغيره عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))
* * * * *
أقوال بعض العارفين بالله
يقول إبراهيم بن الأدهم: " والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف ".
وقال الشيخ أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: " أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ".
والآن تجد طريق منين فيه أكثر من عشر ملاهٍ، يكتبون: المغني الفلاني، والفنانة الفلانية، طبعاً مع خمور، ونساء كاسيات عاريات، هؤلاء الذين يرتادون الملاهي لماذا يرتادونها ؟ يبحثون عن لذَّتهم، يقول هذا الشيخ: " أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم "، لو يعلم أهل اللهو ـ رواد الملاهي ـ أنهم إذا اتصلوا بالله، سعدوا سعادةً لا توصف، لتركوا ملاهيهم وأقبلوا على ربهم، ولذلك الإنسان المؤمن لسان حاله يقول: هؤلاء مساكين ما عرفوا الله.
قال بعض العلماء: " مساكين أهل الدنيا جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها "، وأطيب شيء في الدنيا الاتصال بالله، مساكين أهل الدين.
يقول أحد العارفين بالله: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ "، لا شيء، أنت سعادتك داخلية، فأهل الدنيا سعادتهم بالمكيّف، إذا لم يملك تكييفًا يقول لك: لا يعاش من دون مكيِّف، سعادته بسيارته، بزوجته، وبيته، وأمواله، وطعامه وشرابه، له ترتيبات، يأكل وينام ؛ والمؤمن سعادته من الداخل، سعادته من شعوره أن الله يحبه، سعادته من شعوره أن الله راضٍ عنه، سعادته من شعوره أن المستقبل له..
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾
( سورة القصص )
سعادته من شعوره أن الحقيقة الكبرى في الكون معه..
فإذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك ؟!
يقول عالِمٌ آخر: " والله لولا قيام الليل لما أحببت البقاء في الدنيا ".
وقال بعضهم: " والله إذا كان أهل الجنة على ما نحن عليه هم في عيشٍ طيب ".
حتى بعضهم قال حينما قال عليه الصلاة والسلام: (( أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ))
(رواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف)
المقصود أنه الآن في الجنة، في الدنيا جنة، جنة القرب، وفي الآخرة جنة، لكن المؤمن لن يدخل جنة الآخرة إلا إذا ذاق حلاوة جنة الدنيا، هي جنة القرب.
يقول الله تعالى لملائكته الذين يطوفون في الطُرق يلتمسون أهل الذكر: (( فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُون لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
نحن على الغيب ؛ إله عظيم، رحيم، غني، كريم، قال: كيف لو رأوني.
ورد في الأثر أن الإنسان يوم القيامة ينظر إلى الله عزَّ وجل فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظر، قال لهم: (( وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي))
قال فيما رواه الإمام مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ قَالَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ))
كيف لو رأوني ؟ نحن في الدنيا نسبِّح ونحمد ونقدِّس، ولم نر ربنا، أما في الجنة فيرى المؤمنون ربهم كما نرى نحن في الدنيا القمر ليلة البدر.
والعبادات تهذِّب النفس من الرعونات، والحماقات، والدعاوى، الأثرة، حتى تصفو نفس العابد وتدخل في دائرة العبوديَّة، وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: (( كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ))
( رواه مسلم )
الإنسان كلَّما اتصل بالله رقَّت مشاعره، وتهذَّبت حركاته وسكناته، فالحماقات، والرعونات، والأثرة، والكِبر، والدعاوى، والاستطالة على الآخرين، هذه من ضعف العبادة، فالكمال كله عند الله، وبقدر اتصالك بالله تأخذ من هذا الكمال، ومكارم الأخلاق مجموعةٌ عند الله، فإذا أحب الله عبداً منحه خُلقاً حسناً.
نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله، في منهج دقيق جداً في الدرس القادم ـ منهج العبادة في الإسلام ـ فيه نقاط مهمة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحةً عندكم.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : المنهج الذى رسمة للعابدين











الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثامن والعشرين من دروس شمائل محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى المنهج الذي رسمه النبي للعابدين.
وأساس هذا الدرس أنه ينبغي لك أن تعبد الله، ولكن حينما تعبده ينبغي لك أن تعبده وفق توجيهاته، لا وفق توجيهاتٍ لا تمتُّ لهذا الدين بصلة، يجب أن تعبد الله، وأن تعبد الله وفق منهجه.
أيها الإخوة... قبل أن أدخل في الموضوع أريد أن أنوِّه إلى أن المنهج التعبدي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هو المنهج الأكمل الذي يصل بك إلى أعلى مراتب الإيمان، وأعلى مراتب القُرب، فإذا بحثت عن منهجٍ آخر من أجل أن تصل به إلى أعلى المراتب تكون واهماً، لأن المنهج النبوي هو أكمل منهج، ولذلك أيَّة فرقة دينية، أو أية طريقةٍ من الطُرُق تكلّف طالب العلم بغير ما كلَّف به النبي أصحابه، فهذه طريقة مرفوضة، لأنها تخالف منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعبُّد، فيجب أن نعبد الله، ويجب أن نعبده وفق ما أمر، لا وفق أمزجتنا، ولا وفق اجتهاداتنا، فكل شيءٍ في الدين لا ينبُع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
هذا الدرس أيها الإخوة أعلق عليه أهميةً كبيرة... روى الشيخان عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
(( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا - أي رأوها قليلةً بالنسبة لما ينبغي لهم - فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
إنه منهج واقعي، وسطي، متوازن، هذا النهج الواقعي، الوسطي، المتوازن، ينقلك إلى أعلى مراتب الإيمان، أما إذا أردت أن تزيد فقد وقعت في الفتنة.
ومرةً أحد التابعين أراد أن يُحْرِم قبل الميقات، فقال له صحابيٌ جليل: لا تفعل. قال: ولمَ ؟ قال: تفتن، قال: وكيف أُفتن ؟ قال: وأي فتنةٍ أكبر من أن ترى نفسك سبقت رسول الله!!
لا تحاول أن تعمل مزايدة على رسول الله، فالذي أعطاك إيَّاه هو الأكمل، فكل إنسان يحاول أنْ يبتدع منهجًا جديدًا ا في العبادة غير منهج النبي اللهم صلِّ عليه، فيه زيادة، وهذه الزيادة هي مزايدة، وهذه الزيادة ربما تمنعه من متابعة السير، فالمنهج الذي يسع الناس جميعاً هو منهج رسول الله، إنه المنهج الذي يرقى بالناس جميعاً هو منهج رسول الله، والعبادة التي تسمو بالناس جميعاً هي عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك أيّة فرقةٍ أو أي طريقةٍ تضع منهجًا آخر غير منهج النبي عليه الصلاة والسلام، فإنما تغلوا في الدين، قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
( سورة المائدة: من آية " 77 " )
يقول عليه الصلاة والسلام: (( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
(متفق عليه)
أول نقطة في منهج النبي عليه الصلاة والسلام التعبدي، الآن الدرس عبارة عن نقاط.
النقطة الأولى: كان عليه الصلاة والسلام إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه، و فأول نقطة في العبادة التي يريدها النبي عليه الصلاة والسلام الثبات والاستمرار، فأنت أول تطبيق ؛ تريد أن تصلي، صل الصلوات التي يمكن أن تستمر عليها، ولا تجعل حياتك فورة ثم تنطفئ، تكون في إقبال شديد ثم تبتعد، وفي غليان ثم تبرد، فهذا منهجٌ لا يدوم، وهذا منهجٌ فيه نكساتٌ خطيرة، والشيء الذي تفعله يجب أن تداوم عليه.
و أول نقطةٍ في منهج النبي عليه لصلاة والسلام ما روي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَتْ لَنَا حَصِيرَةٌ نَبْسُطُهَا بِالنَّهَارِ وَنَتَحَجَّرُهَا بِاللَّيْلِ خَفِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ لَمْ أَفْهَمْهُ مِنْ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ))
(رواه أحمد)
فالأخ أحياناً يقبل إقبالاً منقطع النظير ؛ الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ودرس الجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، وزيارات خاصة، وإقبال شديد، إنه شيء رائع، ثم يختفي، داوم على الدروس التي بدأت بها، الدوام والمثابرة والثبات، فهذا السلوك هو الذي يرقى بك، ولا بدَّ من التراكم، فالومضات، والنَوْبات، والفورات كلها لا تفعل شيئاً ؛ أما الذي يفعل كل شيء فالمداومة والاستمرار والثبات، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))
(متفق عليه)
هذا هو الإرشاد الأول.
الإرشاد الثاني: عبادة تبنى على تضييع الحقوق هذه ليست عبادة، وعبادة تبنى على إهمال الأولاد ليست عبادة، وعبادة تبنى على إهمال الزوجة ليست عبادة، وعبادة تبنى على إهمال العمل والتقصير فيه، وعدم إتقان في الصُنع، ومشكلات مع الناس، وتأخير مواعيد، من أجل أن يصلي قيام الله، وفي النهار ينام، وعنده مواعيد، وإنجازات، وأعمال، فهذا المنهج لا يريده الله عز وجل، وأية عبادةٍ تبنى على تضييع الحقوق، وعلى إهمال الواجبات، وعلى التقصير، وعلى التسيُّب، فهذه ليست عبادة، إنها نقطة مهمة جداً.
هذه كلها من إرشاداته صلى الله عليه وسلم، فالزوجة لها حق، والأولاد لهم حقوق وزبائنك الذين منحوك ثقتهم لهم حقوق، ومن حولك ؛ أمك وأبوك لهم حقوق، لذلك دع خيراً عليه الشر يربو، فدرء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
والنقطة الثانية في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم التعبُّدي أن العبادة لا تقبل إذا بنيت على تضييع الحقوق، وعلى إهمال الواجبات، وعلى التقصير في الأعمال، عندئذٍ يغدو هذا المتعبِّد ممقوتاً عند الناس، مبغوضاً لديهم.
ففي سنن أبي داود عَنْ عَائِشَةَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا عُثْمَانُ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي ـ أي يا عثمان أترغب عن سنتي ؟ ـ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ قَالَ فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ))
هذا الكلام دقيق، وواضح، لأنّ عبادةٌ تبنى على إهمال الواجبات، وتضييع الحقوق، والتقصير في الأعمال، والتسيُّب في الإنجاز، هذه ليست عبادة مقبولة عند الله عز وجل.
وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ نِصْفَ الدَّهْرِ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
(رواه البخاري)
وفي روايةٍ لمسلم: (( قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))
قال ابن عمرو ـ الآن اسمعوا الندم ـ: (( يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
لا تقيِّد نفسك، لا تقيد نفسك بنظام لا تستطيع تحمُّله، ولا تستطيع المداومة عليه، لا تقيِّد نفسك بنظام تنتكس منه، لا تقيد نفسك بمنهاج ينفر من العبادة، تتمنى أن تنتهي منها، هذا الصحابي الجليل الذي نصحه النبي قال له: أطيق أفضل من ذلك. افعل كذا. أطيق أفضل من ذلك. افعل كذا. أطيق أفضل من ذلك. قال ابن عمرو: (( يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
طبعاً هذا النص في الصحاح، وله روايات كثيرة، من بعض هذه الروايات قال ابن عمرو: (( فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قَالَ وَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ))
ثلاثة أيام كل شهر، هذه الأيام الثلاثة تعدل صيام ثلاثين يوماً، لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
وفي روايةٍ مسلم: (( وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))
وفي رواية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ صَامَ الْأَبَدَ فَلَا صَامَ))
(رواه النسائي)
فليس هذا صوماً.
ومرة ثانية أيها الإخوة، أحياناً هناك لازمة تتكرر، وأنا سأجعل من هذه الفكرة لازمة تتكرر: المنهج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة هو أكمل منهج، وهو الذي يرقى بك إلى أعلى عليين، ويسمو بك إلى درجة القُرب، لا تحاول أن تخترع منهجاً جديداً لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
في روايةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ - أب زوج ابنه، تفقد الابن، أحواله، تفقد زوجة ابنه، لعل هناك تقصير من ابنه، لعل هناك شطط، وكان يتعاهد كنته، أي امرأة ولده - فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا ـ عن زوجها، أي عن حال زوجها معها ـ فَتَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا ـ أي لم يكشف لنا ستراً ـ مُنْذُ أَتَيْنَاهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ـ أي على الأب، كنته تشكو زوجها لعمها ـ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْقَنِي بِهِ - أي اجمعني معه - فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقَالَ كَيْفَ تَصُومُ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَكَيْفَ تَخْتِمُ قَالَ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنْ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ))
(رواه البخاري)
والإمام النووي يذكر أن هذا الحديث جميع رواياته صحيحة، وهذا الحديث أصل في المنهج التعبُّدي، وهذه أكثر روايات هذا الحديث، حديث ابن عمرو في الإكثار من الصلاة، والصيام، والبعد عن النساء، والبعد عن كل ما يمُتُّ به إلى الحياة.
وجاء في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ ـ أي يجتمعون عند النبي صلى الله عليه وسلم ـ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ))
وفي روايةٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً قَالَتْ وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ))
(رواه مسلم)
وفي روايةٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))
( متفق عليه )
لا زلنا في توجيهات النبي في شأن العبادة، ولكن لي تعليقٌ قبل أن أتابع الدرس.
نحن بحاجة إلى أن نُكثر من العبادة، لماذا ؟ لأن الحد الأدنى ليس متوافراً في هذا الزمان، فالصحابة الكرام أرادوا أن يزيدوا، فكان عليه الصلاة والسلام يكبح جماحهم، أما الآن فربما لا يجد الإنسان وقتًا ليصلي الضُحى، أو ليصلي صلاة الأوَّابين، أو ليصلي ركعتين ليلاً، فأنا أشعر الآن أن إقبال أصحاب رسول الله على العبادة كان منقطع النظير، فكانت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كبح جماح أصحابه، وإرساء التوازن ؛ أما نحن فقد نحتاج إلى توجيه آخر معاكس، نحتاج إلى توجيه من نوع آخر ؛ أن نقبل على العبادة كي نصل إلى الحد الأدنى الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان عليه الصلاة والسلام يحذر من المشادَّة في الدين.. فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ))
الغدوة سير أول النهار، والروحة سير آخر النهار، والدلجة سير آخر الليل، وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم الغدوة والروحة والدُلجة بمعنى أن الإنسان عليه أن يعبد الله وهو في أعلى درجات نشاطه، فإذا سافر إنسان فالسفر باكراً منشط، والسفر قبل المغرب، وقت جميل جداً وقت الأصيل، والسفر في الليل والناس نيام يقطع مسافاتٍ طويلة في رطوبة، وفي جو لطيف، فالنبي عليه الصلاة والسلام كَنَّى عن أوقات النشاط بالغدوة والروحة والدلجة، فقال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ))
أي ألزموا القصد، والقصد هو التوسُّط، تبلغوا المقصود، الاعتدال.
وأنا أشعر أحياناً أن الإخوة الكرام الذين يكلفون أنفسهم ما لا يطيقون في البداية ينتكسون، والنكسة خطيرة، أما الذي يوازن نفسه مع الآخرين، فأحياناً وهذا شيء وقع، طالب علم من شدة إقباله على الدين ترك الدراسة، لأنه لم يتوازن، فلما ترك الدراسة، ورأى أصدقاءه قد تفوقوا ونالوا الشهادات العُليا، وتمتعوا بمركز مرموق في المجتمع، فلأنه سار في طريق الدين أصبح على هامش الحياة، وهذا الشعور بالحرمان يورثه نكسة كبيرة، فلذلك المنهج المتوسط هو القصدُ، أي الزم التوسط تبلغ القصد، إذْ بالمنهج المتوسط المعتدل تبلُغ القصد.
وروى الإمام أحمد بسندٍ حسن عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ ـ طبعاً الفعل المضارع إذا جزم تظهر الفتحة على آخره لخفتها ـ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ))
عليكم هدياً معتدلاً، متوسطاً، متوازناً.
و الآن من هو المُتَنَطِّع ؟ المتنطع هو الذي يبالغ، وبعد المبالغة ينقطع، في نقطة دقيقة جداً قال: ليس المُراد منع طلب الكمال في العبادة، هذه التوجيهات التي أقولها قد يتوهم بعضكم أن النبي صلى الله عليه وسلم يمنع طلب الكمال في العبادة، لا والله، ليس المقصود من هذا المنهج المتوازن، المعتدل، الواقعي، الوَسَطي أن نمنع بلوغ كمال العبادة، لا، ولكن المقصود منع الإفراط المؤدِّي إلى الملل والانقطاع، أي رُبَّ أكلةٍ منعت أكلات، فالمبالغة إذا أدت إلى الانقطاع، فهذا هو التنطُّع، ولذلك: إذا تجاوز الشيء حده انقلب إلى ضده.
والآن مع بعض النتائج السلبية لهذا الإفراط...
إنّ المراد منع الإفراط المؤدِّي إلى التنطُّع والانقطاع، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الفجر، أو أخرج الصلاة عن وقتها المُختار.
وفي الأثر: (( لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم أيسره))
أخ من إخواننا الكرام قال لي: أنا من الواحدة والنصف إلى الساعة السابعة، درس الفجر حضره نعسان، نائمًا، غير معقول، فوقت اليقظة، وقت الفريضة، وقت الاستمتاع بمناجاة الله عز وجل تكون منهك القوى ؟‍! فالاعتدال أولى.
ومرة ثانية، نحن في حاجة إلى الحث على العبادة، لا إلى كبح جماحها، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابٍ كرام أقبلوا على الدين إقبالاً منقطع النظير.
العلماء قالوا: الأخذ بالعزيمة في موضع الرُخصة تنطُّع، أي إذا سمح الله عز وجل لك أن تقصر الصلاة وأنت مسافر، والوقت ضيق، والسفر بعيد، والمواصلات تنطلق بمواقيت محددة ولن تنتظرك، والأجرة عالية، وإذا سافر الركب أصبحت بلا رَكب، فالشرع سمح لك أن تقصر الصلاة، إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، فمن التنطُّع أن ترفض الرخصة وتأخذ بالعزيمة.
وقد روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ))
وجاء في رواية البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن هذا الدين متين فأوغِل فيه برفق، ولا تبغِّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))
من هو المُنْبَت ؟ الذي ركب ناقةً وحملها على السير بسرعة إلى أن وقعت ميتةً. ((... لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))
(( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغِّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))
ويبدو أن من منهج الله جلَّ جلاله التدرُّج في رفع مستوى العبادة، فأحياناً بالرياضة يقول لك: تحمية، البدء بتدريبات عالية جداً ربما سببت نكسة كبيرة، والبدء بتمرين عالي الجهد ربما سبب نكسة صحية، فثمة شيء اسمه تحمية، وشيء اسمه تبريد، فالحياة واحدة في قوانينها المادية وقوانينها المعنوية، فينبغي لك أن تبدأ بالتدريج وأن تنتهي بالتدريج.
وهذا الشيء يجب أن نلاحظه في تربية الأولاد، فلو حَمَلْتَ ابنك على صلاة الفرائض، والنوافل، وقيام الليل وهو صغير، ربما كره الصلاة طوال حياته، لا تحمل ابنك على شيء فوق الفريضة، حتى يبدأ في الدين بالتدرج، فلو حملته على شيءٍ لا يطيقه، أو منعته من اللعب أحياناً، ويكون الدرس طويلاً، فإنّ ابنك صغير لا يفهم الدرس، فتُجبره على أن يبقى معك ساعات طويلة، فتضيق نفسه، ويضجر، وينفجر، وتورثه عقدة كراهية المسجد، فإن كان الدرس طويلاً فلا تحمل ابنك الصغير فوق طاقته، له سن، وسِنّه سن اللعب، يمكن أن تحمله على ذلك يسيرا، فالقصد ألا تنفر الناس من عبادة الله، وألا تحمل الناس على أن يكرهوا هذا الدين للقصر عليه.
ومن إرشادات النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذِّر من الدخول في العبادات على كراهيةٍ أو كسلٍ ؛ بل يدخلها على جدٍ ونشاطٍ في العمل، فقد جاء في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ ـ أي كسلت ـ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))
((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ))
أي ما دام نشيطاً،
(( فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))
فلينم قليلاً، وإذا كان شعورك بالحاجة إلى النوم، فعندئذٍ الصلاة ليست لها معنى، وقراءة القرآن لا معنى لها. (( لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ))
أن يدعو على نفسه، وهو لا يشعر لثقل نعاسه، أي إذا صلى أحدكم وهو ناعس فليرقد، ولا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. * * * * *
الآن آخر فقرة في الدرس دقيقة جداً يجب أن تنتبهوا إليها.
أيها الإخوة الكرام... ما من أخٍ كريم إلا وفي أول إقباله على الدين تألق منقطع النظير، وهذه هي الفترة الأولى ؛ حينما تنتقل نقلةً نوعيةً، من الضياع إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن التفلُّت إلى الاستقامة، ومن القطيعة إلى الاتصال أجمل أيام الحياة على الإطلاق، هذه فترة التألُّق، فترة الإقبال، إلا أن الشيء المناسب جداً أن الإنسان لا له ينبغي أن يمدح في هذه الفترة، لأن هذه الفترة سوف تزول، كيف استقرت حياته ؟
وهذا التألق في أول الطريق تألُّق لا يدوم، أما إذا ذهب وتلاشى وعاد إلى ما كان عليه فالمديح في هذه الفترة لا معنى له، والآن دققوا في هذه الأحاديث.
كان صلى الله عليه وسلم لا يرضيه أن يمدح الرجل بعباداته حال هجمته الأولى، وشِرَّتِهِ، ونشاطه في بادئ الأمر، حتى تمضي عليه مدةٌ يستقر أمره.
صدقوني عشرات بل مئات الأشخاص أقبلوا إقبالاً شديد، واختفوا ولا نعرف عنهم شيئاً، أين هم ؟ هذه هي الشِرَّة، أو الهجمة، أو الفورة، أو التألُّق، أو البداية، أو الانطلاق، الإقلاع، ولكن البطولة هي الاستقرار، فأحياناً بالمستوى الاجتماعي يخطب الإنسان فتاة، يمدحها مديحاً غير معقول، ويقول لك: ملك من السماء، طبعاً الفتاة في أثناء الخطوبة تبدي أجمل ما عندها من لطف، ونعومة، والزوج الخاطب كذلك، فيظنان أن الحياة كلها بهذه الطريقة، وبعد الزواج ؛ المشكلات تلو المشاكسات، والنفور والشقاق، والكلام المرتفع، والكلام القاسي، فأين اللطف والكمال سابقاً ؟ فالبطولة لا في الفترة الأولى لكن في الاستقرار والاستمرار.
فكل واحد في أول طريقه إلى الله انتقل نقلة مفاجأة، نقلة نوعية، من الضياع إلى الهدى، من الانقطاع للاتصال، ومن الشقاء للسعادة، ومن الخمول إلى التألُّق، لكنّ البطولة في الاستمرار لا في هذه الفورة، اسمعوا ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.
روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً - الشرة الفورة والاندفاع - وَلِكُلِّ شِرَّةٍ - وبعد ذلك يفتر - فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ))
أي بعد الفورة كيف حاله ؟ استقر على الطاعة، الصلاة الصحيحة، والتلاوة، والذكر، نريد فترة الاستقرار لا التألق.
والحديث له روايات كثيرة. (( لكل عملٍ شرة))
والشِرَّة بكسر الشين المُعجمة وتشديد الراء النشاط والهمة.
وفي روايةٍ ثالثة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: (( أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَكَانَ لَا يَأْتِيهَا كَانَ يَشْغَلُهُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَقَالَ لَهُ اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ اقْرَأْهُ فِي كُلِّ خَمْسَ عَشْرَةَ قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ اقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ حَتَّى قَالَ اقْرَأْ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
(رواه أحمد)
فعندنا فترة تألُّق ثم استقرار، لا تمدح الشخص إلا في فترة الاستقرار، ولا تمدحه بإقباله، لأن هذا الإقبال موقت، والإنسان لا يغتر بالمرحلة الأولى، وربنا عز وجل لحكمةٍ أرادها، يرغِّب الإنسان في البدايات.
إذاً: (( إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
ويقول سيدنا الصديق: " بكينا حتى جَفَّت مآقينا "، أول فترة فبكاء شديد، و بعد حين يستقر الإنسان، ويتوازن، فالعبرة والبطولة في الفترة التالية، فيا ترى استقررت على السنة، ويا ترى هذه الشرة، والفورة والانطلاقة، والتألق انتهت إلى طاعة الله، فإذا انتهت إلى طاعة الله فهذا هو الهدى، أما إذا انتهت إلى نكسة، وإلى رجوع عن هذا الطريق، فهذا هو الهلاك.
وقد أورد الحافظ بن حجر في المطالب العالية قصة مفادها: (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن ابن أخي قد اجتهد في العبادة وأجهد نفسه. فقال عليه الصلاة والسلام: تلك شرة الإسلام، ولكل شيءٍ شرة، ولكل شرةٍ فترة، فارقبه عند فترته، فإن قارب فلعلَّه، وإن هلك فتباً له))
ولذلك فآخر كلمة: ليست البطولة أن تصل إلى القمة، بل أن تبقى فيها، قد تصل إلى القمة، ولكن البطولة أن تبقى فيها، فنحن نريد أن نرى إخوةً كراماً بعد فورتهم وإقبالهم وتألُّقهم استقروا على طاعة الله، واستقروا على طلب العلم، وعلى أداء الحقوق، وعلى الاتصال بالله عز وجل، أما هذه الشرة فليست هي العبرة، العبرة في المداومة.
وفي درسٍ إن شاء الله نتابع الحديث عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : ادابة صلى الله علية وسلم فى الدعاء







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.رفع يديه صلى الله عليه وسلَّم في الدعاء :
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، ومع الدرس التاسع والعشرين، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى آدابه صلى الله عليه وسلَّم في الدعاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/01.jpg
كان صلى الله عليه وسلَّم يرفع يديه في الدعاء حذو منكبيه، وقد جاء ذلك في كثيرٍ من أدعيته، دعا بها في مناسباتٍ عديدة، قال الإمام القسطلاَّني: " وقد جمع النووي في شرح المهذَّب نحواً من ثلاثين حديثاً في رفع يديه صلى الله عليه وسلَّم في الدعاء ". إذاً أول أدب من آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه حذو منكبيه.
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلامـ دقِّقوا ـ:
((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))
[ الترمذي عن سلمان الفارسي]
إذاً ادعوا الله عباد الرحمن.. من لا يدعني أغضب علي: ((إن اللّه يحبّ الملحّين في الدعاء))
[الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]
((الدعاء سلاح المؤمن))
[الجامع الصغير عن علي]
((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))
[ الترمذي عن سلمان الفارسي]
النبي يدعو مشيراً بباطن كفَّيه نحو السماء :
أيها وكان صلى الله عليه وسلَّم يدعو مشيراً بباطن كفَّيه نحو السماء تارةً، إذا كان الدعاء بنحو تحصيل شيء: " اللهمَّ ارزقنا طيباً، واستعملنا صالحاً "، أكرِّر: وكان صلى الله عليه وسلَّم يدعو مشيراً بباطن كفيه نحو السماء تارةً، إذا كان الدعاء بنحو تحصيل شيء، وبظاهرهما إلى السماء تارةً، إذا دعا بنحو دفع البلاء، باطن اليدين نحو الأرض، وفي طلب الرحمة باطن اليدين نحو السماء، واليدين حذو المنكبين.
وأنت بالدعاء أقوى إنسان في الأرض، لأنك مع القوي، لأنك مع الغني، لأنك مع العليم، لأنك مع القدير، لأنك مع السميع، لأنك مع البصير، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فادع الله عزَّ وجل.
قال الإمام النووي: " السنة في كل دعاءٍ لدفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفَّيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيءٍ وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء ". الأدب مطلوب.
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ))
[متفق عليه عن أَنَسٍ ]
النبي يدعو الله بلهفةٍ شديدة :
من شدة لهفته، وهنا يطالعنا سؤال هام: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يدعو قبيل معركة بدر بلهفةٍ شديدة حتى سقط رداؤه؟ الحقيقة ما من أحدٍ على وجه الأرض أوثق من النبي بالنصر منه، إلا أنه كان يخاف أن يكون هناك تقصيرٌ في الأخذ بالأسباب، تقصيرٌ في إعداد العُدة، لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 60 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/02.jpg
أيها الأخوة الكرام، الإنسان مهما كان متوكلاً على الله فعليه أن يستجمع الأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، فالتطرف سهل دائمًا، أن تستسلم إلى الله عزَّ وجل من دون أن تأخذ بالأسباب قضية سهلة، يقول لك: هذا كله بسبب سيدك، لا يفعل شيئاً، لا يتخذ احتياطاً، لا يعد عدةً، لا يأخذ بالأسباب، لا يدرس، لا يختار البضاعة الجيدة، ويقول: أنا متوكِّل. التوكل أن تأخذ بالأسباب وتعتمد على الله :
فسيدنا عمر سأل بعض الناس: " من أنتم؟ "، قالوا: " نحن المتوكلون ". فقال هذا الصحابيٌ الجليل: " كذبتم المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكَّل على الله ".
مشكلة المسلمين اليوم إما أنهم تركوا الأسباب عاصين، أو اتخذوها مشركين، إما أن يتخذ الأسباب ويعتمد عليها، فقد وقع في الشرك، وإما ألا يأخذ بالأسباب فقد وقع في المعصية، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء في النجاح، وأن تعتمد على الله وكأنها ليست بشيء، هذا هو الموقف، نحن في طريقٍ عن يمينه وادي الشرك وعن يساره وادي المعصية، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها وقعت في وادي الشرك، إن لم تأخذ بها وقعت في وادي المعصية، من أجل أن تكون مؤمناً كاملاً عليك أن تأخذ بها وتعتمد على الله عزَّ وجل.
أذكر مرَّةً أن النبي صلى الله عليه وسلَّم حكم بين رجلين، الذي حكم عليه قال حينما خرج: " حسبي الله ونعم الوكيل "، هذه كلمة حق لكن أريد بها باطل، فقال له النبي ـ الآن دققوا، والله هذا الحديث يحل مشكلات المسلمين في العالَم ـ قال:
((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))
[أبي داود عن عوف بن مالك ]
أنت بادئ ذي بدء عليك أن تأخذ بالأسباب، عليك بالكيس، أن تدبِّر، أن تفكر، أن تخطط، أن تسعى، أن تسأل، أن تكتب، أن تعترض، أن توسِّط. كل هذا من قضاء الله وقدره، قال له: ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ....))
[أبي داود عن عوف بن مالك ]
إذا خطَّطتَ، ودبرت، وتوسَّطت، وسألت، وكتبت، واعترضت، وشكوت، وبعد كل هذا لم تُفلح، هذه مشيئة الله، إذاً حسبي الله ونعم الوكيل، متى يمكن أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل؟ بعد أن تستنفذ الأسباب، والله جلَّ جلاله لا يقبل منك أن تقول: حسبي الله ونعم والوكيل قبل أن تأخذ بالأسباب. إعداد القوة المتاحة :
فأوضح مثل لهذا طالب قصَّر ولم يدرس، فلما رسب قال: هكذا يريد الله، حسبي الله ونعم الوكيل، هذا كلام دجل، هذه كلمة حق أريد بها باطل، لا تُقبَل منك كلمة حسبي الله ونعم الوكيل قبل أن تأخذ بالأسباب، وقبل أن تستنفذ الأسباب، وقبل أن تفعل كل شيءٍ في إمكانك، لذلك فالله عزَّ وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/03.jpg

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 60 ]
المسلم الذي لم يفهم بُعْدَ هذه الآية يظن أن على المسلمين أن يعدُّوا القوة المكافئة، وهذا الآن ليس في مقدورهم، وفوق طاقتهم، هناك مسافاتٌ كبيرة جداً بين قِوى المسلمين وبين قوى أعدائهم، فإذا أمرهم الله عزَّ وجل أن يعدوا القوة المكافئة، فهذا طلب تعجيزي مستحيل، لكن الله عزَّ وجل أمرهم أن يعدوا القوة المتاحة وليست المكافئة. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 60 ]
هذه النقطة التي أظنها سبب تخلُّف المسلمين، توكُّل ساذج، والأصح تواكل، دعاء بلا أخذ بالأسباب، نبيٌ كريم معه رسالة، معه وحي، معه معجزات، ظل يدعو في بدر حتى وقع رداءه، إلى أن قال له سيدنا الصديق: " يا رسول الله بعض مناشدتك ربك إن الله ناصرك "، لماذا كان يدعو بلهفة؟ يخاف أن يكون هناك تقصيرٌ في الأخذ بالأسباب. مسح النبي وجهه إذا رفع يديه في الدعاء :
ذلك فالمؤمن الصادق يستجمع كل الوسائل، وكل الأسباب، ولا يعتمد عليها، إذا استطعت أن تكون في هذا المستوى فقد أفلحت ورب الكعبة، ادرس الأمر، فلو أنّ إنسانًا توقَّفت مركبته في الطريق، ثم نزل من المركبة: يا رب أنقذنا، واكتفى بالدعاء، فلن يصل إلى نتيجة، ولكن افتح غطاء المحرِّك، وابحث عن السبب المادي أولاً، واطلب من الله التوفيق، فالحركة نحو تحقيق الهدف بالوسائل الواقعية هو الأمرُ المطلوب.
لذلك قالوا: الإسلام واقعي، ما معنى واقعي؟ أي أنه يحل المشكلات بطريقةٍ واقعيَّة، هو لا يقبل الواقع السيئ، لا يقرُّه أبداً، يرفضه، لكن ذا أراد حل مشكلةٍ يحلها بطريقةٍ واقعية، وهذه الواقعيَّة هي التي رفعت من شأن الإسلام.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا رفع يديه في الدعاء لم يضعهما حتى يمسح بهما وجهه، وروى أبو داود عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ:
((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ))
[أبي داود عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ]
وقال العلامة المناوي: " ذلك عند فراغه من الدعاء تفاؤلاً وتيمناً بأن كفيه مُلئا خيراً فأفاض منهما على وجهه فيتأكد ذلك للداعي".
( ذكره الحُليمي )
أي من آداب الدعاء أن تمسح وجهك بيديك، وكأن يديك مُلئتا خيراً، هذه أشياء رمزيَّة، فبعض الناس يظن أنّه ليس في الإسلام أشياء رمزيَّة، وحياتنا كلها واقعيَّة، نحن (المسلمين) في عندنا ألف رمز ورمز، نأتي بقماش: لونٌ كذا، ولونٌ كذا، ولونٌ كذا، مصنوع في اليابان، هذه الألوان الثلاثة ترمز إلى الوطن وتؤلِّف علَم البلاد، لذلك نحيِّيه، ونقف أمامه باستعداد، ونعاقب من يهين هذه الراية، هي رمز للوطن، فالإنسان عندما يدعو، ورفع يديه، فهذا رمز التأدب، رمز التذلل والخضوع إلى الله عزَّ وجل. استقبال النبي القبلة في دعائه :
ذلك وكان عليه الصلاة والسلام يستقبل القبلة في دعائه. الأكمل أن تتجه نحو القبلة، لذلك الحُجَّاج والعُمَّار وهم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، إما أن يقفوا باتجاه الحجرة الشريفة، يبلِّغونه أنه أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد. وإما أن يتجهوا نحو القبلة فيدعون ربهم جلَّ جلاله، إذاً من السُنَّة أن يستقبل الرجل القبلة في دعائه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/04.jpg
ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ))
[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هذا دعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((... وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا ...))
[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلَّم القبلة يوم بدرٍ ودعا الله تعالى -لازلنا في آداب الدعاء، نحن مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم -والدعاء مخُّ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، لماذا؟ لأنك حينما تدعو الله عزَّ وجل تكون في أعلى درجات القُرب، وتكون في أشد حالات الإخلاص، وفي أشد الضرورة إلى الله عزَّ وجل، إذًا ضرورة، وقرب، وإخلاص، ومِن هنا كان: ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
ثناء النبي على الله في دعائه :
وكان صلى الله عليه وسلَّم يرشد الداعي إلى أن يفتتح دعاءه بالثناء على الله عزَّ وجل، هل عندكم شاهد من كتاب الله أن الثناء على الله دعاء؟ نعم.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 87]
ثم قال الله عزَّ وجل: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾
[ سورة الأنبياء: 88]
معنى هذا أنّ سيدنا يونس كان يدعو، فالثناء دعاء عند الله عزَّ وجل، أنت أحياناً ألا تستعطف إنسانًا قويًّا وابنُك بيده، تقول له: أنت رحيم، ما معنى أنت رحيم؟ أي ارحمه، أنت عظيم، أنت كريم، فالثناء دعاء أيها الأخوة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يفتتح دعاءه بالثناء على الله تعالى، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم.
تصور نفسك داخلاً على إنسان عظيم وهو لا يعرفك، لكنك دخلت بمعية أقرب الناس إليه، وأحب الناس إلى قلبه، أنت بمعية هذا الصديق الحميم، فحكمة البدء بالثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم هو أنك استشفعت به في الدخول على الله عزَّ وجل.
روى الإمام الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))
[الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]
نشر الهدى هي حاجة الله عزَّ وجل :
لي تعليقٌ صغير، مرَّةً ذكرت في درس التفسير صلحَ الحديبية، فحينما بايع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم، بايعوا رسولهم على البذل والتضحية في سبيل الله، بعد أن كان عثمان عند قريش موفداً من قِبل النبي، وقد أشيع أنه قد قُتِل، وقد بايع أصحاب النبي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بيعة الرضوان، التي قال الله عنها:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾
[ سورة الفتح : 18 ]
الذي لفت نظري أن النبي صلى الله عليه وسلَّم بعد أن فرغ من أخذ البَيْعَةِ من أصحابه الكرام أمسك يداً بيد وقال: ((إِنَّ عُثْمَانَ - الغائب - فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
نحن لنا حاجات عند الله، لكن الله ما حاجته؟ هنا السؤال، هذا الشيء ورد بالسُنَّة، أنت لك ألف حاجة وحاجة، تريد زوجة صالحة، تريد رزقًا حلالاً، تريد بيتًا، تريد إيمانًا، تريد إقبالاً، تريد اتصالاً بالله، لك عند الله ألف حاجةٍ وحاجة، لكن الله ما حاجته؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
فهل لله حاجة؟ النبي الكريم قرَّب إلينا شيئاً من كمال الله عزَّ وجل، كأن هداية خلقه هي حاجة الله عزَّ وجل، كأن نشر الهدى هي حاجة الله عزَّ وجل، أيْ إذا شرَّف الله شخصًا وسمح له أنْ ينطق بالحق، ويكون جنديًا في خدمة الحق فهو ساعٍ في حاجة الله، في حاجة الله لأن الله سبحانه وتعالى خلق عباده ليرحمهم، خلق عباده ليهديهم، خلق عباده ليسعدهم، فمن ساهم في إسعادهم، وفي هدايتهم، وفي تعريفهم بربهم، وفي حملهم على طاعة الله عزَّ وجل فهو ساعٍ في حاجة الله وحاجة رسوله، هل هناك من حرفةٍ أشرف عند الله، وأعظم عند الله من أن تكون جندياً ساعيًا وعاملاً في حاجة الله عزَّ وجل وحاجة رسوله؟ ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود:119]
النبي الكريم سأل موجبات الرحمة :
طبعاً فالحديث التالي أصل في الدعاء، قال الإمام الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))
[الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]
ثم دقق النظر بين التوحيد وبين الأسماء الحسنى تجد بينهما علاقةً وشيجةً، أحياناً لك مشكلة في دائرة، وتقول: الأمر بيد مَن في هذه الدائرة؟ لديَّ مشكلة ومعاملة، الأمر بيد مَن؟ يقال لك: بيد فلان، فلان كيف أخلاقه؟ منصف، يحب الخير؟ أنت يهمك شيئان: أن يكون الأمر بيد إنسان كريم، إنسان حليم، إنسان عادل، إنسان قوي، إنسان غني.
المعنى أقرِّبه لكم أيها الأخوة الكرام، فالنبي الكريم يقول: ((... لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- الأمر بيد الله- الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ....))
[الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]
ماذا نفهم من هذا الدعاء موجبات رحمتك؟ في منتهى الأدب.
لو أن النبي قال: اللهمَّ إني أسألك رحمتك، فهذا شأنُه كمَن قدّم طلبًا إلى الجامعة الفلانيَّة يرجى منحي دكتوراه، التوقيع فلان، ولصق الطابع، فتصرُّفه في منتهى الوقاحة، ماذا قدَّمت لتنال هذه الشهادة؟ أين علاماتك؟ أين شهاداتك السابقة؟ أين أطروحتك؟ أين الإجازة؟ فالنبي الكريم ما سأل رحمة الله وحدها بل سأل موجبات الرحمة.
يا رسول الله ادع الله أن أكون معك في الجنة فقال عليه الصلاة والسلام: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ))
[مسلم عن ربيعة بن كعب]
إذاً النبي الكريم قال: ((... أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))
[الترمذي وابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]
الأدب في الدعاء يكون بالثناء على الله ثم النبي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/05.jpg
إذاً الأدب في الدعاء أن تفتتحه بالثناء على الله عزَّ وجل، ثم تُثَنِّي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم.
وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ:
((مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِسُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ))
[أحمد عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيُّ]
ومن آداب الدعاء التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلَّم، الصلاة عليه أول الدعاء، وأوسطه، وآخره، واللهُ عزَّ وجل يقول: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55 ]
فمن دعا بصوتٍ عالٍ فقد اعتدى على الخُفية، ومن دعا باستكبارٍ وعدم افتقارٍ فقد اعتدى على التضرُّع، ومن كان معتدياً فالله سبحانه وتعالى لا يستجيب له لأنه لا يحبه، وهناك من قال: من أطال الدعاء فقد اعتدى، أحياناً الدعاء ثلاثة أرباع الساعة، نصف ساعة، الناس يضجرون ويغفلون، فمرةً غفل أحدهم فأيقَظَوه، وقالوا له: أين وصل الشيخ بالدعاء؟ إطالة الدعاء عدوان، وعدم التضرُّع عدوان، ورفع الصوت عدوان، وأن تكون معتدياً على خلق الله هذا عدوان، وهذا يمنع استجابة الدعاء.
وعن عليٍ رضي الله عنه قال: " كل دعاءٍ محجوبٌ حتى يُصلى على محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم ".
لذلك فأنتم حينما تستمعون إلى أدعيةٍ مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، أو عن الصحابة والتابعين تجدونها مصدَّرةً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم، ومختتمةً بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلَّم.
وروى الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: ((إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
الحقيقة أنّ الناس ابتدَعوا صلاةً فارغةً لا تعني شيئاً، يقول لك أحدُهم: صلِّ على النبي، زده صلاة. وهو يكذب، ويغش، ويحتال، هذه الصلوات التي أمرنا بها حينما فُرِّغت من مضمونها، أو حينما خالطها العمل السيِّئ فقدت عند الناس قيمتها، أما في الأصل حينما تصلي على النبي، يعني أنك متمثلٌ بهذا النبي العظيم، مقتدٍ به، مستمسك بسنته، متابعٌ له في أقواله وأفعاله. من آداب الدعاء الإلحاح فيه :
أيها الأخوة الكرام، ومن آداب الدعاء الإلحاح فيه، فقد روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلَاثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا))
[أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
فالإنسان إذا دعا، والدعاء لاقى رغبةً في نفسه، ومسَّ الدعاءُ أوتارَ قلبه، لِيُعِدْ هذا الدعاء ثلاثاً، فهذا من السنة. سؤال: ورد في القرآن الكريم:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[ سورة المعارج : 23 ]
كيف دائم؟ أمَا لهذا الداعي عمل؟ أما له وظيفة؟ ألا يتاجر؟ ألا يبيع؟ ألا يشتري؟ ألا يذهب إلى عمله؟ ألا يطبِّب؟ ألا يُرافع؟ كيف على صلاتهم دائمون؟ ففي الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 9 ]
علامة حب المؤمن لله كثرة الدعاء :
فهذه واضحة، أما على صلواتهم دائمون !! قالوا: المقصود هنا الدعاء، في الطريق تدعو، قبل أن تدخل إلى مكتبك تدعو، قبل أن تدخل بيتك تدعو، قبل أن تخرج من بيتك تدعو.
قبل أن تدخل المسجد: ((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))
تدعو.
[ مسلم عن أبي أسيد ]
قبل أن تخرج منه: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[ مسلم عن أبي أسيد ]
قبل أن تخرج من بيتك: ((اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))
[أبي داود عن أبي سلمة]
قبل أن تركب مركبتك: اللهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما صُنعت له، وأعوذ بك من شرها وشر ما صنعت له.
دعاء قبل الركوب، وبعد النزول، وقبل السفر: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
فهل هناك جهة في الكون يمكن أن تكون في آنٍ واحد معك في السفر ومع أهلك في الحضر؟ مستحيل، إلا الله عزَّ وجل، إذًا لك دعاء السفر، دعاء الحضر، دعاء الطعام، دعاء الزيارة، دعاء دخول البيت والخروج منه، دخول المسجد والخروج منه، حتى إذا خرج مِن دورة المياه: ((الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاه))
[ من الأذكار النووية عن ابن عمر]
إذاً: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
[ سورة المعارج : 23 ]
بالأدعية، فالمؤمن يحب الله عزَّ وجل، علامة حبه له كثرة الدعاء، فأنت تخاطب من؟ تخاطب سميعًا، تخاطب قديرًا، تخاطب رحيمًا، فأن يستجيب اللهُ لك شيء يقيني قطعي.
روي عنه صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((إن اللّه يحبّ الملحّين في الدعاء))
[ من الأذكار النووية عن ابن عمر]
تطييب المأكل والمشرب لتحصيل الإجابة في الدعاء :
الآن دخلنا في المنطقة الحرجة، في المنطقة الخطيرة في الدعاء، قلنا: رفع اليدين حذاء المنكبين، فعند سؤالِ الرحمة باطنهما إلى السماء، وعند سؤالٍ لدفع البلاء باطنهما إلى الأرض، مسح الوجه باليدين، الإلحاح بالدعاء، الثناء على الله عزَّ وجل، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم..
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/06.jpg
أما مجال المنطقة الحرجة فبسطُه في الفقرات التالية، قالوا: ومن مطالب الدعاء التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلَّم لتحصيل الإجابة، تطييب المأكل والمشرب والملبس، وذلك بأن يكون حلالاً.
هذا أخطر شيء، والآن دخلنا بالمهنة، بالوظيفة، بالصناعة، بالزراعة، بالتجارة، بالبيع، بالشراء، بكسب المال، بالمرافعة أمام القضاة، بمعالجة المرضى، أنت طبيب، والمريض مستسلم لك، مِن الممكن أنْ تكلفه بعشرة تحاليل أو بتحليل واحد، قد يكون عندك يقين أنه لا يحتاج إلى تخطيط، والتخطيط يكلِّف خمسمئة ليرة، والإيكو ألف ليرة، والمرنان خمسة آلاف، يمكن أنْ تكلِّفه بتحاليل وصور هو ليس بحاجة إليها، مَن يعلم؟ الله وحده يعلم، فإذا صار في الأمر ابتزاز، وإيهام، وتوجيه نحو كسب مال غير مشروع، طبيب، محام، مهندس، مدرس أحياناً يضع للطالب علامات قليلة لكي تكثر الدروس الخاصة، كذلك، بضاعة مستوردة من جهة، أوهمتَ أنّها من جهة ثانية، وضعتَ لها وصفًا كاذبًا، الآن دخلنا في صميم الدرس، فدعاؤك متعلِّق بكسب مالك وطيب مطعمك: ((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[ من مجمَّع الزوائد عن ابن عبَّاس]
الاستجابة للدعاء تستوجب الاستقامة :
فالاستجابة تستوجب الاستقامة، وعندك في الاستقامة شيئان أساسيان، استقامتك في كسب المال، واستقامتك في الشهوات، أي أن موضوع علاقتك بالمرأة، وعلاقتك بالدرهم والدينار، هذان الموضوعان يستقطبان تسعين بالمئة من الأحكام الشرعيَّة، علاقتك بكسب المال وعلاقتك بالنساء.
اسمعوا هذا الحديث الشريف الذي رواه مسلم والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[مسلم والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الاستقامة هي أساس الدين :
الآن دخلنا في صميم الدين، عندك صناعة غذائية يأكلها أطفال المسلمين، بإمكانك أنْ تضع مواد منتهية المفعول، أخذتها بنصف قيمتها، فمن يدري؟ بإمكانك تضع مواد كيماويَّة أرخص بكثير، بإمكانك أنْ تضع أشياء ترفع السعر لكن تخفِّض القيمة الغذائيَّة، ولا أحد يعلم إلا الله، فاحذَرْ ثم احذر.
أكرِّر، الآن دخلنا في صميم الدين، فعندما يكون كسبك حلالاً، أي فيه نصيحة، ليس فيه غش، ولا كذب، ولا تدليس، ولا ابتزاز، ولا احتكار، ولا استغلال، ولا إيهام، ولا احتيال، إذا كان كسبك حلالاً معناه أن مالك حلال، معناه أن طعامك حلال، معناه طعامك طيب..
((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[ من مجمَّع الزوائد عن ابن عبَّاس]
غياب حقيقة الدين إذا أكل الإنسان المال الحرام :
هذا هو الدين، الآن قد وضِعتَ اليد على جوهر الدين، قال عبد الله بن عمر للراعي: " بعني هذه الشاة وخذ ثمنها "، قال الراعي: " ليست لي "، قال: " قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب "، قال: "ليست لي "، قال: " خذ ثمنها "، قال: " والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين ولكن أين الله؟ "، هذا الأعرابي البدوي الراعي وضع يده على جوهر الدين، ولو كنتَ تحمل أعلى شهادة اختصاصيَّة في الدين، وتأكل المال الحرام، غابت عنك حقيقة الدين..
((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[ من مجمَّع الزوائد عن ابن عبَّاس]
الدين بالمعمل، بالعيادة، بالمكتب الهندسي، بقاعة التدريس، الدين بدكَّانك، الدين بوظيفتك، الدين بكل حالاتك وظروفك، شيء لا يصدق، لو طبَّق الناس الدين كما أراد الله لدخل الناس في دين الله أفواجاً، لو طبق الناس الدين كما أراد الله لن يُغلب من أمتي اثنا عشر ألفًا من قلَّة، اثنا عشرَ ألف من قلَّة لن يُغلبوا، لكنَّ مليارًا ومئتي مليون كلمتهم ليست هي العليا.. ((يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[ من مجمَّع الزوائد عن ابن عبَّاس]
الدين بتجارتك..ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام، الدين صدق، وقد قلت مرَّةً: والله، إنّ الطبيب المسلم لا يوصَّى، كيف يوصَّى؟ أمامه عبدٌ من عباد الله، والله يراقبه، كيف يوصَّى؟ إجابة الدعاء لمن يمتنع عن أكل الحرام :
إخواننا الكرام، الشيء ليس بالمظهر بل بالمخبر، عندما تمتنع عن أكل الحرام، حينما تخلص للناس، تصدق معهم، لا توهمهم، لا تبتزُّ أموالهم، لا تدلِّس، عندئذٍ أنت دَيِّن ودعاؤك مستجاب.
من آداب الدعاء أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أرشد المؤمنين إلى عدم الاستعجال في القول: دعوتُ ولم يُستجب لي.
والله دعيت ولم يستجب لي الله هذا منهي عنه، بأن يقول: دعوت ربي ولم يستجب لي، فإن ذلك يبعد الإجابة، لما ورد في الصحيحين وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((قَالَ يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
دعوت ربي فلم يستجب لي، إياك أن تقول هذا.. ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 66 ]
الله عزَّ وجل يختار لك الخير، والخير لا تعلمه أنت، ولا تعلم أين هو.
وقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قَالُوا وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي))
[أحمد وأبو يعلى عَنْ أَنَسٍ]
موضوعات دقيقة ومهمَّة، الدعاء هو العبادة، و.. : ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
[الترمذي عن أنس بن مالك ]
أقرب حالةٍ إلى الله حينما تدعوه :
فأقرب حالةٍ إلى الله تكون فيها حينما تدعو الله عزَّ وجل، فأحياناً يكون لدى الإنسان مرض خطير - لا سمح الله - مرض عضال، أَيُعقَل أنْ يشفيه الله منه؟ نعم هذا معقول، وآيات الله ظاهرة، كان عليه الصلاة والسلام يرشد الداعي إلى العزم والجزم بوقوع مطلوبه، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ - أيْ إذا أحببت - اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وفي رواية البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
اجزم المسألة عند دعاء الله :
اللهمَّ ارزقني، اللهم وفقني، اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً، دون قولك "إن شئت"، و"إذا أردت"، لأن الله عزَّ وجل لا مُكره له، أنت مع إنسان تقول له ربما يكون في الأمر إحراج لك، ربما يكون عليك ضغط، ربما لا تستطيع، لعلي كلفتك ما لا تطيق، فهذا الكلام صحيح لأن الإنسان هكذا شأنه، أما خالق الأكوان ليس هذا شأنه، فهو يعطي فيدهش، فهذه: "إن شئت"، "إن أردت"، "إن سمحت" لا تقلها في دعائك، اعزم المسألة، واجزم المسألة.
قال بعض العلماء: " ومعنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة فإنه يدعو كريماً ".
ألفت النظر إلى نقطة دقيقة، أحياناً يقع تقصير في أداء الواجبات الدينية، أخطاء سابقة، ذنوب، فهل هذه الذنوب، وتلك التقصيرات تحول بينك وبين الدعاء؟ الجواب: لا، لا ينبغي أن تحول.
قال ابن عيينة: " لا يمنعن أحدكم الدعاء ما يعلم من نفسه ـ أي إذا كان يعلم من نفسه تقصيرًا، أو ذنوبًا فلا ينبغي أن تمنعه هذه المعرفة من الدعاء ـ فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال:
﴿ فأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة ص: 79 ]
فالمضطر يدعو بأي وضع، والله عزَّ وجل يقبله. ختم الدعاء بالتأمين لتحصيل الإجابة :
وكان عليه الصلاة والسلام يُرشد الداعي إلى ختم دعائه بالتأمين لتحصيل الإجابة.
روى أبو داود عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ:
((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِعُ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ قَالَ بِآمِينَ فَإِنَّهُ إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ اخْتِمْ يَا فُلَانُ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ))
[أبو داود عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ]
فهذا الرجل بأي شيءٍ يختمه؟ أوجب أي أن الاستجابة حصلت ذا ختم الدعاء، فقال رجل: ((بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ))
؟ فقال: ((بِآمينَ))
.
وآمين كما تعلمون اسم فعل أمر بمعنى استجب يا رب، عند قراءة الفاتحة نقول: آمين، بعد "ولا الضالين" آمين، لأنّ فيها دعاء وثناء.
وروى الحاكم عن حبيب بن سلمة الفهري ـ وكان مجاب الدعوة ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: ((لا يجتمع ملأٌ ـ أي جماعةٌ ـ فيدعو بعضهم ويؤمِّن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى))
[الحاكم عن حبيب بن سلمة الفهري]
وثمَّةَ دليل قرآني؟ سيدنا موسى دعا ربه، وإلى جانبه هارون عليه السلام، فقال الله عزَّ وجل: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾
[ سورة يونس : 89 ]
الداعي واحد، والثاني قال: آمين، فصار داعيًا، فكل إنسان قال: آمين صار داعيًا.
لو أنّ شخصًا سألك سؤالاً، طلب منك حاجة، وهو ملتفت عنك، يتسلى بمسبحة، يقرأ مجلة، وقال لك: أعطني الحاجة الفلانية، فهل تستجيب له؟ الداعي إذا كان غافلاً عن المدعو لا يستجاب له. الدعاء بقلب غافل لا يستجاب :
وفي الحديث الصحيح في مسند الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ - دققوا الآن - لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
الدعاء بقلب غافل لا يستجاب، الدعاء يجب أنْ يكون بقلب خاشع، وقلب حاضر، وقلب شاهد، بقلبٍ شاهدٍ حاضرٍ خاشع، عندئذٍ يستجاب، أمالا دعاء مع الغفلة، مع الشرود، الداعي يدعو ولديه خواطر، أشكال وألوان، وفي الختام آمين، فهذا ليس دعاء، يجب أن تدعو وأنت شاهد لا وأنت غافل غائب، بل شاهد، حاضر، خاشع، متذلل، متضرع، فالله عندها يستجيب، أما إذا كنت في شرود، وفي تأمين شكلي أجوف، فهذا الدعاء لا يستجاب: ((... فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ))
[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
* * * * *
حب النبي لجوامع الدعاء :
ومن آداب الدعاء الواردة عنه صلى الله عليه وسلَّم أنه كان يحب جوامع الدعاء، يا رب زوجني فلانة بنت فلان، يا رب المحضر الفلاني الخانة رقم كذا، هذه ليست جوامع الدعاء، يجب أن تدعو الله بجوامع الدعاء، " ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً "، هذا مِن جوامع الدعاء، أكمل الدعاء دعاء القرآن ودعاء النبي، فعلى الإنسان أنْ يحفظ أدعية القرآن كلها، لأن فيها غطاءً لكل حالات الإنسان، ويحفظ أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم، لأنه أوتي جوامع الكلم.
كان عليه الصلاة والسلام يجمع في الدعاء: اللهمَّ ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً "، " اللهم أنا بك وإليك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب "، " اللهمَّ إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
اقرأ أدعية النبي، واحفظها، وحبَّذا لو حملتَ في جيبك كُتيبًا صغيرًا عن أدعية النبي، اقرأها إلى أن تحفظها، عندئذٍ ادعُ الله دائماً، الدعاء مخ العبادة، والدعاء هو العبادة، والدعاء هو الصلاة الدائمة.
إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله :
أيها الأخوة الكرام، أمر على فقرات الدرس مروراً سريعاً، رغبةً في تلخيصها، من آداب النبي صلى الله عليه وسلَّم في دعائه أنه كان أولاً يرفع يديه حذاء منكبيه، وكان صلى الله عليه وسلَّم يستقبل القبلة عند الدعاء http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3253/ar-3253/07.jpg
وكان يختم الدعاء بمسح وجهه بيديه، وكان يلحُّ في الدعاء، وكان يفتتح دعاءه بالثناء على الله عزَّ وجل، ويُثَنِّي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان صلى الله عليه وسلَّم يعجبه الدعاء الجامع لا التفصيلي، وكان ينهى عن الاستعجال بأن يقول العبد: دعوت فلم يستجب لي، وكان عليه الصلاة والسلام يحب في الدعاء العزم والجزم، فما كان يقول: اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، وكان يشير إلى التأمين في ختامِ الدعاء بأن تقول: آمين، وكان يحبُّ أن يكون الدعاء بقلبٍ حاضرٍ خاشعٍ شاهد، وكان عليه الصلاة والسلام يحب جوامع الدعاء.
هذه كلها آداب النبي صلى الله عليه وسلَّم في دعائه ربه، والدعاء مرةً ثالثة مخُّ العبادة، والدعاء هو العبادة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو يدعوه، والدعاء سلاح المؤمن، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بعضٍ من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم، ونشرحها، وبالله التوفيق.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : جوامع الادعية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثلاثين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الدرس الماضي حول آدابه صلى الله عليه في الدعاء، وننتقل إلى الفقرة الثانية من الدرس وهي نماذج من جوامع أدعيته صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة الكرام... بادئ ذي بدء، أعلى درجةٍ في العبادة أن تدعو الله عز وجل، لذلك أتمنى على إخوتنا الأكارم أن يقتنوا كتيِّباً في بيوتهم حول أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقرؤوا هذا الكتيِّب كثيراً إلى أن يحفظوه، فإذا حفظوه كان الدعاء وسيلةً من وسائل اتصالهم بالله في كل أحوالهم.
كما قلت في الدرس الماضي ؛ إذا استيقظ أحدكم، إذا دخل إلى المسجد، إذا خرج من المسجد، إذا دخل بيته، إذا خرج من بيته، في كل أحواله، إذا دخل السوق، إذا عقد صفقةً، إذا اشترى ثوباً، إذا ارتدى ثوباً، إذا دخل إلى الخلاء، إذا دُعي إلى طعام، ما من حركةٍ وسكنةٍ في حياة النبي إلا ولها دعاءٌ من جوامع الكَلِم.
وحينما تتوجه إلى الله جل جلاله بدعاء رسول الله فأنت على الصراط المستقيم، لا تبتدع في الأدعية، ترك لنا النبي صلى الله عليه وسلم جوامع من أدعيته، وأدعيته فيها جوامع الكَلِم، والدرس اليوم بعض النماذج من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم.
جاء في الصحيحينِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))
ولعل الذين اعتمروا أو حجّوا بيت الله الحرام، يسمعون بآذانهم أن أكثر دعاءٍ يُدعَى به في الطواف وفي السعي: (( اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))
فما هي حسنة الدنيا ؟ سيدنا علي بن أبي طالب قال: " هي المرأة الصالحة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها برَّتك ))
وقال قتادة: " حسنة الدنيا هي العافية والكفاف ".
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
إخواننا الكرام ؛ الذي آتاه الله عز وجل سلامة في صحته، وكفافَ يومه، وأمنًا في أهله، واللِه لا أبالغ فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها، صحيح الجسم عنده قوت يومه، لأنه: (( خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها همًّا - كلما كبر حجمك في الدنيا كبر همك - " خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً))
( من كشف الخفاء )
(( ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر))
لذلك سيدنا علي كرم الله وجهه يرى أن هناك ثلاث نعمٍ على التسلسل ؛ إن كانت فلا تأس على شيءٍ فاتك من الدنيا، إيمانٌ صحيح، وعافيةٌ وكفاف، ولا معنى للعافية من دون إيمان، ولا معنى للكفاف من دون عافية، على التسلسل ؛ إيمانٌ، وعافيةٌ، وكفاف، فمن حيزت له هذه الثلاث ما فاته شيءٌ من الدنيا، والله هو الملك، وهناك ملكٌ جبار سأل وزيره: " من الملك ؟ من شدة خوفه قال الوزير: أنت الملك، قال له: لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له رزقٌ يكفيه، وزوجةٌ ترضيه، وبيتٌ يؤويه، إنه إن عَرَفنا جَهِد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله ".
لا نعرفه ولا يعرفنا، له زوجةٌ ترضيه، وبيتٌ يؤويه، ورزقٌ يكفيه، هذا هو الملك، فإذا أخٌ من إخواننا الكرام عافاه الله في بدنه، وأمتن عليه بالإيمان والاستقامة على منهج الله، وعنده ما يكفيه، فقد فاز بكل شيء.
لذلك قبل ثلاثين عاماً فيما أذكر، قرأت كتاباً عن سيدنا الصديق رضي الله عنه، الكتاب من أروع ما كتب عنه، ولفت نظري في حياته كلمات قالها المؤلِّف عنه في مقدمة الكتاب، قال: هذا الصحابي الجليل ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط.
قبل أن آتي إليكم كنت في عيادة مريض، قلت له: سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال: " الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ".
وأنا أحبكم أن تتفاءلوا، أن تبتسموا، أن تنطلقوا، إيمان، واستقامة، وصحة، وكفاف.
إذاً سيدنا قتادة يقول: حسنة الدنيا هي العافية والكفاف.
الحسن البصري قال: حسنة الدنيا العلم والعبادة، عبادةٌ بلا علم فيها نكسات، لعالمٌ واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد، العابد مقاومته هشَّة، فتاةٌ تفتنه، ومبلغٌ يُسقطه، المقاومة عنده هشَّة، لذلك عالمٌ واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، العلم والعبادة، علمٌ بلا عبادة كالشجر بلا ثمر، وعبادةٌ من دون علم هشةٌ ضعيفة سريعاً ما تسقط.
الحسن البصري قال: حسنة الدنيا العلم والعبادة، وقتادة قال: العافية والكفاف. وسيدنا علي قال: " المرأة الصالحة "، لا زلنا في حسنة الدنيا، وقال السُدِّي: حسنة الدنيا المال الحلال.
(( نِعْم المال الصالح للعبد الصالح))
سيدنا أبو ذر الغفاري يقول: حبذا المال ـ لماذا ؟ ـ أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي ". ولو يعلم الأغنياء أن مالهم يمكن أن يرفعهم عند الله وفي الجنة إلى أعلى عليين، لمَا بخِلوا في الإنفاق في سبيل الله.
قبل ساعتين كنا في حفل افتتاح مسجدٍ في يعفور، مسجد جميل، معتنى به، وألقى الخطباء كلماتهم، وألقيتُ كلمةً معهم، وبينما كانت عيني على الذي بنى المسجد كله على نفقته الخاصة، سبحان الله، حانت مني التفاتةٌ إلى الطرف الآخر، في الطرف الآخر نادٍ ليلي من أشهر النوادي في الصبورة، ترتكب فيه كل أنواع الموبقات في العالم، قلت: سبحان الله على هذه الضفة بيتٌ من بيوت الله، وعلى تلك الضفة نادٍ من نوادي المعاصي والآثام.
الذي بنى هذا النادي افتتحه وبعد أسبوعٍ توفاه الله، فأصبح لعنةً جاريةً إلى يوم القيامة، والذي بنى هذا المسجد فهو في صحيفته، كل من صلى فيه إلى يوم القيامة في صحيفته، فشتان بين أن تترك ملهىً، وبين أن تترك مسجداً، وشتان بين من يترك غناءً ومن يترك قرآناً، فالمغني مات وبقيت أشرطته، والقارئ مات وبقيت أشرطته.
فالقضية قضية تفكير عميق، لا بدَّ من ملاقاة الله عز وجل، الحسن البصري: العلم والعبادة، السُدي: المال الصالح، بالمال يمكن أن تعمِّر مسجداً، يمكن أن تبني مستوصفًا، يمكن أن تنشئ مستشفىً، يمكن أن ترعى الأيتام، يمكن أن تنفق على الأرامل، يمكن أن ترسم البسمة على وجوه الفقراء، كل هذا بالمال، حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي، المال الصالح هو حسنة الدنيا عند السدي.
أما عند ابن عمر: حسنة الدنيا الأولاد الأبرار، الولد البار بوالديه، ولد مستقيم، عالم، سمعته عطرة، بارٌ بوالديه، هذه حسنة الدنيا وهو قُرة عين والديه.
وعند أحد العلماء حسنة الدنيا ثناء الخلق، لأن ألسنة الخلق هي أقلام الحق، فرأس مال كبير أن تتمتع بثقة الناس ومحبتهم وثنائهم.
وقال جعفر الصادق: حسنة الدنيا صحبة الصالحين والعلماء، والمحروم من حُرِمَ صالحي زمانه، في كل زمن تجد صالحين، وكلُّ زمن فيه علماء، أتقياء، فقهاء، فأهل القُرب، أهل المحبة، أهل الوداد مع الله تعالى.
سوف نجمعهم، حسنة الدنيا ؛ المرأة الصالحة، والعافية، والكفاف، والعلم، والعبادة، والمال الصالح، والأولاد الأبرار، وثناء الخلق، وصحبة الصالحين.
العلاَّمة الألوسي من كبار علماء اللغة، قال: كلمة " حسنة" هذه نكرةٌ جاءت في حيِّز الإثبات، تفيد أنها مطلقة، وتنصرف إلى الكمال من كل شيء. هذا المعنى اللغوي، إذاً حسنة الدنيا كل هؤلاء ؛ امرأةٌ صالحةٌ، وعافيةٌ، وكفافٌ، وعلمٌ، وعبادةٌ، ومالٌ صالحٌ، وأولادٌ أبرار، وثناء الخلق، وصحبة الصالحين، (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة))
أما الآخرة، ما حسنة الآخرة ؟ كلمة واحدة هي الجنة ؛ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الدنيا محدودة، والآخرة ممدودة، من هو الطموح ؟ لا الذي يطمح في الدنيا ؛ لكن الذي يطمح في الآخرة..
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾
( سورة القمر )
الطموح مَن وصل إلى مرتبةٍ ساميةٍ عند الله عز وجل، والله مرة في حفل عقد قران، قام أحد الخطباء، وذكَّر الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل، ماذا قال النبي له ؟ أنا شعرت بنشوةٍ ما بعدها نشوة قال: (( إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ))
( من سنن الترمذي: عن " معاذ بن جبل " )
والله بقيت أسبوعاً وأنا في نشوة هذه الكلمة، نبي الله، سيد الخلق، يقسم بالله إنه يحب معاذ بن جبل !! معنى هذا أن مكانتك عند من ؟ عند الله ورسوله، فإذا كان الله راضياً عنك، فاسمَعْ ما قاله الشاعر:
فليتك تحلو والحياة مريـــرة وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني و بينك عامـرٌ وبيني وبين العالمين خـرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ و كل الذي فوق التراب ترابُ
أقول لعذَّالي مدى الدهر اقصروا فكل الذي يهوى سواه يعـابُ
* * *
مرة قلت في خطبة: ليس البطولة أن تحب، كل إنسان يحب، لأن الحب من أخص خصائص الإنسان، لكن البطولة أن تعرف من ينبغي أن تحب، أن تحسن الاختيار، رجل صالح مر على قبرٍ وعليه من يبكي فقال: لمَ تبكي يا أخي ؟ قال: أبكي على حبيبٍ فارقته، قال: لقد ظلمت نفسك بأنك أحببت حبيباً يموت، فلو أحببت حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه.
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 165 " )
vيا أيها الإخوة الكرام ؛ واللهِ لا يليق بنا أن نحب غير الله، واللهِ إنّه من الغبن الفاحش أن نجَيَّر لغير الله، من الغبن الفاحش أن نكون لغير الله، من الغبن الفاحش أن يكون عقلك، وبيانك، واهتمامك، وطاقاتك لغير الله، أن تكون ذَنَباً لإنسان، أن تكون تابعاً لمخلوق، أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، كن عبدًا للَّه، فعبد الله حر، لا تكن عبداً لعبد، قال والي البصرة للحسن البصري: " ماذا أفعل ؟ جاءني من يزيد توجيه إن نفذته أغضبت الله وإن لم أنفذه أغضبت يزيد فماذا أفعل يا إمام ؟ "، ببساطة، وببلاغة، وبروعة، قال: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله"، وهذه طبقوها على حياتكم ؛ إنسان ضغط عليك، إن الله يمنعك منه، ولكنه لا يمنعك من الله، كلمةٌ بليغةٌ.
قالوا: حسنة الآخرة هي الجنة، وقالوا: هي السلامة من هول الموقف وسوء الحساب، وقيل: الحور العين، فليس مِن امرأة كاملة في الحياة الدنيا، تتفوق بجهة إلاّ وتنقص بجهة، أخلاق عالية جمال وسط، جمال عالٍ أخلاق شرسة، لا تُحتمل، النَسَب قد يقابله شيء مرذول، والجمال يقابله نشوز، والفقر قد يقابله سماحةٌ وطيب، والذكاء والكياسة يقابله نقص بجهة ثانية، شاءت حكمة الله أن تكون الدنيا هكذا، لئلا نتعلق بها، لذلك أحد الصحابة الكرام حينما طالبته زوجته بحظٍ من حظوظ الدنيا قال: "اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلكِ ".
إذًا " حسنة الآخرة" قيل: الحور العين، وقيل: السلامة من هول الموقف وسوء الحساب. وقيل: الجنة. وقيل: لذة الرؤية. أي رؤية الباري عز وجل..
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)﴾
( سورة القيامة )
متألقة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
( سورة القيامة )
ورد في الأثر أن أهل الجنة إذا نظروا إلى وجه الله الكريم يغيبون خمسين ألف عامٍ من نشوة النظر.
ووَرد أن الله عز وجل حينما قال:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
( سورة يونس: من آية " 26 " )
الزيادة رؤية وجه الله الكريم، الحسنى هي الجنة، والزيادة رؤية وجه الله الكريم.
والحقيقة نلخص حسنة الآخرة في كلماتٍ معدودة، كما فعلنا في حسنة الدنيا ؛ كل أولئك ؛ رؤية وجه الله الكريم، الحور العين، السلامة من هول الموقف، الجنة بكل ما فيها.
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ ـ ضعيفًا، هزيلاً، مريضًا ـ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ قَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ))
فهل على الله كثير في الدنيا والآخرة أنْ يريحك ؟! دعاء فيه جهل: ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، قال له: لا، لا تقل هذا الكلام، أحيانًا بعض الإخوة عن جهل يدعو: يا رب ابتلِني وأنا أصبر، ومن قال لك إنك تصبر ؟‍! قد لا تصبر، قد تنهار مقاومتك، قد تكفر بربك، كن أديباً مع الله، تأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي مِن أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))
( من الجامع الصغير: عن " عبد الله بن جعفر " )
سل الله العافية: " سل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ".
من أجمل الأدعية، كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي))
( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )
وكان يدعو عليه الصلاة والسلام: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))
( من سنن ابن ماجة: عن " أبو هريرة " )
من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة: (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
وهذه مداخلة في الموضوع... قرأت خبرًا في الجريدة أن فكرةً لمعت في ذهن بعض دور النشر أن يقلب الكتاب من كتاب مقروء إلى كتاب مسموع، فأتى بكبار المذيعين، وسجلوا هذا الكتاب على أشرطة، فهذا الكتاب كما سمعت حقق أرباحًا تقدر بتسعين مليون دولار ـ أرباح كتاب سجل على أشرطة ـ قالوا: لماذا ؟ لأن فئةً مِن الناس عندهم ساعتان في اليوم ؛ الساعة الأولى ساعة الرياضة والجري، والساعة الثانية ساعة قيادة السيارة، وهاتان الساعتان وقتٌ ميت، لذلك فمعظم هؤلاء يستمعون إلى الأشرطة عند قطع مسافة الوصول إلى أعمالهم في السيارة وفي أثناء الرياضة - شيء جميل - ممكن إذًا في أثناء الرياضة أنْ يقرأ الشخصُ كتابًا، يسمعه بمسجلات صغيرة، وفي السيارة يستمع إلى أشرطة سجلت الكتاب.
فهذا المؤمن إذا كان يعمل في مجال الرياضة، أو يتمشى فمعه أدعية، ومعه أذكار، أنا سُقت هذه القصة لأصِل إلى هذا، فأنت أيها المسلم أنيسُك الأول ذكر الله سبحانه، فممكن في أثناء مشيك من أجل الرياضة، وممكن في أثناء قيادة مركبتك من بيتك إلى معملك، ممكن أن تستمع إلى درس علم وتستفيد، ويمكن أن تذكر الله في هذا الوقت، ومن الممكن أن تدعوه، أن تسبحه، أن تستغفره، أن تكبِّره أن تهلل، أن توحِّد، أن تضرع إليه.
قالوا: إذا أردت أن تحدث ربك فادعه، وإذا أردت أن يحدِّثك الله فاقرأ القرآن، تحدثه ويحدثك، تدعوه وتقرأ كلامه.
من أدعيته الجامعة ما روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ))
شيء جميل.. (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي))
(( ابن عمر: دينك ينك إنه لحمك ودمك))
( من كنز العمال: عن " ابن عمر " )
(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
( من صحيح مسلم: عن " محمد بن سيرين " )
(( وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
فأنت تحتاج إلى مال، وعندك زوجة وأولاد، ويترتَّب عليك مصروف، تحتاج إلى الصحة، تحتاج إلى مأوى، تحتاج إلى طعام وشراب، تحتاج إلى ثمن دواء، إلى ثمن كساء.
(( وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي))
ماذا بقي ؟
(( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ))
أحياناً الموت رحمة، قال: إذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، صرنا في زمان يقول أحدهم: هل شاورت الخانوم ؟ شاورها ثم تعال، الأمر ليس بيده بل بيدها، أخي أحضر معك الخانوم، أريح لنا، (( وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
أحد الشعراء رثى يوسف العظمة، الذي كان وزير الدفاع في أوّل عهد الاستقلال، هو دارس دراسات عليا في أوروبا، ويعلم علم اليقين أن هذا الجيش المتواضع لن يقابل جيش فرنسا، ومع ذلك خرج، واستشهد وكان بهذا الاستشهاد بطلاً، فمدحه شاعر قائلاً:
هذا الذي اشتاق الكرى تحت الثرى كي لا يرى في جلق الأغراب * * *
(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
لذلك من أدعية النبي: (( اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلا مَفْتُونِينَ))
( من مسند أحمد: عن " ابن رفاعة " )
وهذا دعاءٌ رائعٌ، ومِن أدعية النبي الجامعة: (( رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ـ أي خطيئتي ـ وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ))
السخيمة الحقد.
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
فهذا من أدعية النبي، وهناك دعاء مقتبس من هذا الدعاء: (( اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا وَأَرْضِنَا))
( من مسند أحمد: عن " عمر بن الخطاب " )
أروع ساعات الإنسان مع الله ساعات الدعاء.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)﴾
( سورة الأعراف )
ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.. من أدعيته صلى الله عليه وسلم ما رواه مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ: (( يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى))
الهدى والتقى، الهدى الهداية، والتقى الطاعة، ما قيمة الفكر النيِّر من دون عمل مستقيم،: (( يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى))
المؤمن عفيف، المؤمن الفقير متجمِّل، والغني سخي، وكلاهما تحبهما.
من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ))
( من صحيح مسلم: عن " ابن عباس " )
لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت..
اجعل لربك كـل... .. عزك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن.. يموت فإن عزك ميت
* * *
إذا ربط الإنسان نفسه بالحق من خير إلى خير، ومن مقام إلى مقام، من منزلة إلى منزلة، من رفعة إلى رفعة، أما إذا ربط نفسه بالباطل، لا يحتاج ربطًا، فهو مربوط، وم ثَمّ فهو زاهق.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
أحياناً الإنسان كل كيانه يتلاشى إذا ربط نفسه بالباطل، قد يربط نفسه بمبدأ أرضي وضعي، هذا المبدأ إذا انهارَ انهار معه، قد يربط نفسه بشخص قوي، فإذا مات فجأةً مات معه.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
فالمؤمن العاقل يربط نفسه بالحق، والحق ثابت، فبصراحة المؤمنُ بالله ليس عنده مفاجأة في حياته إطلاقاً، فلن يكون مبدؤه مغلوطًا ولا خاطئًا، ومِن المستحيل أنْ تنهار قيمه، فهو مع الحق، والحق أبديٌ سرمدي، الله هو الحي الباقي، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِ))
( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )
أحياناً نلوذ بهذا الدعاء: (( اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء))
فهذا شيء صعب ؛ السلب بعد العطاء، عضال الداء، شماتة الأعداء، (( اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي))
( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )
قال له: يا سيدي ما هذه الصحة ؟ بعد ستة وتسعين سنة يتمتع بقامةٍ منتصبة، وبصرٍ حاد، وسمعٍ مُرهف، وأسنانه في فمه، وهو قويٍ نشيط في السادسة والتسعين، وزوجته في التسعين، وصحتها كصحته، تلاميذه عجبوا من هذه الصحة، فقال أحدهم: يا سيدي ما هذه الصحة ؟ فقال هذا العالم الجليل: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
إخواننا الكرام ؛ بشرى للجميع ؛ ما مِن إنسان يشتغل بالعلم الشرعي، يقرأ القرآن، يحفظ القرآن، يجوِّد القرآن، يفسِّر القرآن، يقرأ سُنَّة النبي، يحضر مجالس العلم، يصلي الصلوات الخمس، يصوم رمضان، يحُج البيت، يعتمر، وهذا كله نشاط فكري، إلا متعه الله بعقله حتى يموت، نعوذ بالله من أرذل العمر.
قال لي أخ: والدتي نضجعها على سرير ونربطها من يديها ورجليها، لأنها إذا أطلقت يداها خلعت ثيابها كلها، وأكلت من غائطها، وبقيت على هذه الحالة عشر سنوات، بينما المؤمن تجده متألِّقًا، وهو في التسعين، كأنه كوكب دري.
إخواننا الكرام ؛ إخواننا الشباب، البطولة ليست في الشباب، بل البطولة في خريف العمر، المؤمن له خريف رائع، له خريف عمر، كالكوكب الدري متألق، احفظها في الصغر، ليحفظها الله عليك في الكبر، اقرؤوا القرآن ليمتعكم الله بسمعكم وأبصاركم وعقولكم، ألا تسمعون دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عمر " )
أي أنه مات وعينه سليمة، وسمعه سليم، وذوقه سليم، وعقله سليم، أما الآخر وهو حي، يفقد بصره، يفقد سمعه، يفقد توازنه، يفقد ذاكرته، يفقد قوته، فهذه مشكلة، بل مصيبة المصائب.
(( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عمر " )
هذه العين سماها الله كريمة، في الأعم الأغلب ولا أتألَّى على الله عينٌ غضَّت عن محارم الله، عينٌ بكت في سبيل الله، نرجو الله أن يحفظها لنا إلى آخر الحياة، عينٌ تغض عن محارم الله، تستحيي من وجه الله الكريم أن تنظر إلى عورة مسلم، هذه العين لها معاملة خاصة عند الله، عينٌ غضت عن محارم الله، أما هذا الذي يملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم.
لي صديق مقيم في أحد أحياء دمشق، وله جار بيته ملاصقٌ له، قال لي هذا الصديق: جاره متزوج، وعنده أولاد وبنات، وقد زوج بناته كلهن، أي أنه عنده خمسة أصهار، ومع ذلك عنده هوايةٌ غريبة، والقصة قديمة، بيته في حي المزة، ينزل إلى مركز المدينة ليسير في طريق الصالحية، ذهاباً وإياباً عصر كل يوم، ليمتع عينيه بحسناوات هذا الطريق، نظر فقط، قال لي هذا الصديق: فجأةً أصيب هذا الجار بمرضٍ نادر، اسمه ارتخاء الجفون، الجفنان ارتخيا، لا يرى إلا أن يمسك جفنيه بيديه ويرفعهما، فإذا تركهما أُغلقا على العينين.
كل شيء بثمن، سنواتٍ طويلة، عصرَ كل يوم يمشي في هذا الطريق ليملأ عينيه من الحرام، ليستمتع بمنظر الحسناوات الغاديات الرائحات، الكاسيات العاريات، المائلات المُميلات، الملعونات، لذلك عاقبَه الله عز وجل بعقابٍ من جنس العمل ؛ ارتخاءٌ في الجفون، فهو مرض موجود يصيب بعض الناس، أمّا أنت فمرتاح، وجفنك مفتوح، هذا المرض ؛ ارتخاء الجفون، لا يستطيع الشخص أن يرى إلا أن يُمسك جفنه ويفتحه بيده، فهذه حالة تستدعي الاعتبار.
لذلك حين طلب النبي العافية، واللهِ هو محقٌ بها، من أدبٍ النبي اللهم صلِّ عليه أنه كان يطلب موجبات الرحمة، موجبات العافية الاستقامة على أمر الله، هذه موجبات العافية.
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ))
( من صحيح البخاري: عن " أنس بن مالك " )
قهر الرجال، شيء لا يحتمل، أحياناً تأتي المصيبة من الله مباشرةً، لأنها من الله تُحْتَمل، أما قد تأتي على يد إنسان.. (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ))
هذا من الأدعية الجامعة المانعة.
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ))
( من صحيح مسلم: عن " زيد بن أرقم " )
دخل النبي إلى مسجده، فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله فقال: (( من هذا ؟ وهو يعلم من هذا، سؤال العارف المعلم قال: من هذا ؟ قالوا: هذا نسابة، قال: وما نسَّابة ؟ قال: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علمٌ لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به))
الوقت ثمين، فمِن العبث أن تقرأ قصة في ثمانمئة صفحة، فإذا فيها لعقة عسل ممددة بخمس جوابي كبيرة، من أجل أن تدخل هذه اللعقة لجوفك يجب أن تشرب كل هذا الماء، الوقت ثمين، وقراءة مثل هذه القصة هدرٌ للوقت، يجب أن تختار من الكتب ما ينفعك، من الأصدقاء ما يرشدك، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ومن لا يدلُّك على الله مقاله، اختر أفضل الأصدقاء، واقرأ أحسن الكتب، واستمتع بأجمل الأوقات فيما يرضي الله عز وجل.
إذاً: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا))
( من صحيح مسلم: عن " زيد بن أرقم " )
قلبٌ غير خاشع، وعينٌ لا تبكي من خشية الله، وأذنٌ لا تصغي إلى الحق، ونفسٌ طمَّاعة، جمَّاعةٌ طماعة، ودعوةٌ لا يستجاب لها، فالعياذ بالله من كل هذا.
وأحياناً يكون الإنسان في بحبوحة، في سعادة، في يُسر، فجأةً تنقلب الأمور، فجأةً يسحب البساط من تحت قدميه، فجأةً، ينهار بيته، فكان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك))
وأحياناً يرخي الله الحبل، فجأةً يشُد الحبل فإذا هذا الإنسان قد انهار، إما مرضٌ عضال، أو شقاقٌ زوجي كبير، أو أولادٌ عاقّون، يقول لك: الأمر انقلب فجأةً، (( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك))
(رواه مسلم )
بقي علينا دعاءان قصيران: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ))
( من سنن الترمذي: عن " زياد بن علاقة " )
(( اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء ـ يوم مشؤوم ـ ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة))
وكان يدعو النبي الكريم يقول: (( تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء إن دخلت عليها لسنتك، وإن غبت عنها خانتك، وتعوذوا بالله من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر))
( من كنز العمال: عن " أبي هريرة " )
وبهذا ينتهي هذا الدرس، وننتقل في درسٍ آخر إلى مختاراتٍ من أدعيته في مناسباتٍ متعددة، وهذه الأدعية التي وقفنا عندها أدعيةٌ من دون مناسبات تدعون بها في أي وقت، ولكن الدرس القادم إن شاء الله تعالى نتبادل أدعية النبي في المناسبات المتكررة التي نوَّهت إليها في أول الدرس.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )


الموضوع : ادعية المناسبات حتى دعاء الحاج







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الواحد والثلاثين من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وسنقف في هذا الدرس عند نماذج من أدعيته في مناسباتٍ خاصَّة، بينما كان الدرس الماضي نماذج من أدعيته بشكلٍ عام، وقبله آدابه صلى الله عليه وسلَّم في الدعاء، ولا مانع من أن أذكِّركم بأن.. (( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )
بل إن الدعاء هو العبادة، بل إن الشيء الوحيد في الحياة كلِّها الذي يردُّ القضاء هو الدعاء، لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا ينبغي أن نغفل عن أنك إذا دعوت الله أنت مع خالق الكون، مع أقوى الأقوياء، مع أغنى الأغنياء، مع أرحم الرحماء، مع الذي يسمعك في أي مكان، وأنت في بطن الحوت..
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾
( سورة الأنبياء: من آية " 87 " )
وأنت في الصحراء، وأنت في الجو، وأنت في البحر، لا تنسَ أيها الأخ الكريم، واللهِ الذي لا إله إلا هو لزوال الكون أهون على الله من أن تتوجَّه إليه مخلصاً بالدعاء ولا يستجيب لك، ولا يُشعرك أنه سمعك، وأنه حرَّك الأحداث وفق ما تريد، لذلك: (( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )
الصلاة دعاء، وأعلى درجات الاتصال بالله حينما تدعوه، بل إن أعلى ما يكون اتصالُ حينما تدعوه مضطراً..
وجدناك مضطراً فقلنا لك: ادعنا... نجبك فهل أنت حقاً دعوتنا ؟
دعوناك للخيرات أعرضت نائيا فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنا ؟
فيا خجلي منه إذا هو قال لي:...... أيا عبدنا ما قرأت كتابنا ؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عُتبنا يوم جمعنا ؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً...... وتنظر ما به جاء وعدنا ؟
* * *
لا تنظروا إلى أن هذا الدرس درس تقليدي، وموضوعه الدعاء، فالدين كلُّه دعاء، أعمق ما في الصِلة الدعاء، أشدُّ حالات القرب من الله هو الدعاء.
إخواننا الكرام ؛ دققوا، أنتَ لستَ مضطرًا وأنت في الطريق، أو راكب مركبة، أو في دائرة حكوميَّة، أو أنْ تقابل إنسانًا، لك معاملة عنده، لست مضطرًا أن تقول له: يا رب ـ أمام الناس ـ يا رب، لا لست مضَّطرًا..
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3)﴾
( سورة مريم )
بإمكانك أن تدعو الله الدعاء الذي يرضاه، ويريده، وشفتاك لا تتحرَّكان، سألك شخصٌ سؤالاً، فقل في سرِّك: يا رب ألهمني الصواب لا تفضحني، تريد أن تقابل إنسانًا، يا رب ارزقني هيبة، وألهمني الكلام السديد الرشيد، أحياناً الإنسان يتكلَّم كلمة يظل شهرًا متمزِّقًا من أجلها، ما فيها ذكاء أبداً، فيها حُمق، كلمة واحدة، أحياناً كلمة تخرب مشروعًا عمره خمس سنوات.
رجل دخل بيته، من كلمة إلى كلمة طلَّق زوجته ثلاثًا، يتسكع على أبواب المُفتين، يتحكَّمون فيه، يقول له: طلقت منكَ فاذهب اذهب، والثاني في وجه ضعيف، والثالث، لو أنك حين دخلت إلى البيت، ودعوت بدعاء النبي لما حدث معك هذا، كلٌّ يلومه ويصرفه.
فهذا الدرس ملخَّص كتاب الأذكار للنووي.
درس اليوم ملخص كتاب، ولكن الذي أرجوه من الله عزَّ وجل هو أن يأخذ أحدكم الدعاء مأخذاً جدياً، فأنت طالب عندك امتحان، تاجر عندك صفقة لا تُباع، مزارع عندك آفة زراعية، ما من إنسان إلاّ وله مشكلة، وربنا عزَّ وجل حاضر ناظر..
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
( سورة غافر: من آية " 60 " )
ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، الأمر عجيب، فالإنسان معه سلاح يجعله أقوى إنسان على الأرض، لكنك تجد تفكيره أرضيًا، النبي ماذا كان يفعل ؟ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى))
( أبو داود)
فيا إخواننا الكرام ؛ درس اليوم ؛ استيقظت، توضأت، خرجت من بيتك، دخلت للمسجد، خرجت من المسجد، دخلت البيت مرة ثانية، دخلت السوق، خرجت من السوق، عُدت مريضًا، دعاك إنسان، الدعاء لا بد منه في كل الأحوال، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد يدعو، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ اللَّهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ))
( أبو داود)
أحياناً ينام الإنسان نومًا هنيئًا، فيرى منامًا مريحًا، وأحياناً عند منتصف الليل تبرز مشكلة، يحتاج إلى مستشفى وإلى إسعاف، خط الهاتف مقطوع، والطبيب مسافر، وهذا في إجازة، وهذا لم يجده، والمناوب لم يأتِ، وتحتاج إلى "سيروم" فوراً، وتحتاج إلى أدوية فوراً، وكل ذلك بالليل، وإنسان آخر ينام ليلاً هنيئًا مطمئنًا، يرى منامًا مريحًا، ثم يستيقظ لصلاة الفجر، فعند النوم يحتاج المرءُ إلى دعاء. (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ))
إذا أراد الشخص أن ينام وعليه دَين فلا يستطيع أنْ ينام الليل.. (( الدَين همٌ في الليل وذلٌ في النهار))
أو قد يكون ذا إثم، خائف أن يتوفَّاه الله على حالةٍ لا ترضي..فليدْعُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ اللَّهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ))
( أبو داود)
أي ليس ثمّة ذكاء مع الله أبداً، بل لا ينفع مع لله إلاّ صدقُ التوكُّل، (( إنَّ اللهَ تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عبَّاس " )
ماذا يجدي مع الله ؟ الاستقامة، والاستقامة يقابلها التوفيق، أنا كلَّما رأيت تاجرًا، أو إنسانًا مُقْدِمًا على تأسيس مشروع، شركة، معملٍ صغيٍر، مزرعة، أقول له: أولاً ليكن في علمك اليقيني أن النجاح في الأعمال ليس بالذكاء، ولا بالخبرات ؛ ولكن بالتوفيق، والتوفيق بالاستقامة..
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
( سورة هود: من آية " 88 " )
قال العلماء: " لا يمكن على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أن يُحَقَّق شيء إلا بتوفيق الله ".
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن ينام وضع يده اليمنى على خدِّه الأيمن، واستلقى على شقه الأيمن وقال: (( اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك))
"ثلاث مرات ".
وكان إذا أوى إلى فراشه، طبعاً تناول طعام العشاء..
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ))
(رواه مسلم عن أنس)
معك مفتاح بيت، لا يهم ؛ بعيد أم قريب، صغير أم كبير، مِلك أم أجرة، معك مفتاح بيت، وعندك مأوى، تدخل بيتك، وتستلقي على الفراش، وتستريح. (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ))
فأنا أحب من إخواننا الكرام - من أي أخ - يبدأ بشكر ما عنده، لا ينبغي أن تتطلَّع إلى ما ينقصك، انظر إلى ما عندك، وكذلك هناك دعاء تتمة لما سبق: (( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
هناك كثير من الحالات رجل نام ولم يستيقظ، هو نائم وزوجته بجانبه، بحركة عفويَّة لامست يدها يده، فوجدتها مثل الثلج، انتفضت من الفراش فوجدت زوجها ميتًا، هناك حالات كثيرة ينام ولا يُفيق من النوم، فالمسلم عند النوم يدعو قائلاً: (( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
هذا قبل أن ينام، الآن استيقظ، فيدعو بدعاء كما علَّمنا عليه الصلاة والسلام، إذْ كان يقول عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ: (( الحمد لله الذي ردَّ إليَّ روحي - أفاق، أولاً - وعافاني في بدني - ثانياً - وأذن لي بذكره ))
-في المسجد لصلاة الفجر -.
أحياهُ يوماً جديداً، وعافاه من كل مرض، وسمح له أن يذكر ربَّه.
كان إذا استيقظ من نومه يقول: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))
(البخاري عن حذيفة)
وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه يتلو قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة آل عمران )
الآن دخل الخلاء، فهل تظن أن القضيَّة سهلة، وأن جهاز الهضم سليم ؟ والله سمعت عن امرأةٍ تشكو همَّها لصديقتها، قالت: أُصبتُ بمرضٍ خبيث بالمستقيم فاستؤصل، ثم صارت الفتحة من طرف البطن، وأستعمل كيسًا ثمنه ثلاثمئة ليرة، البراز يخرج بلا إرادة منها إلى الكيس مباشرة، فتشعر بحركة، صار الكيس ثقيلاً، أيْ صار فيه براز، أحياناً تتولّد غازات تثقب هذا الكيس، فيمتلئ البيت رائحةً لا تحتمل، وإن لم يُثقب يجب أن يبدَّل، ثلاثمئة ليرة ثمنه، لكن الواحد منا، والحمد لله يدخل إلى الخلاء ويقضي الحاجة من دون أكياس، وبإرادته.
وإذا دخل الخلاء يدعو فَعَنْ أَنَسٍ يَقُولُ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))
(متفق عليه)
هناك شخص ما أصابه سرطان بالمستقيم، لكن أصابه شلل بالمستقيم، فاستأجر عاملاً بعشرة آلاف ليرة بالشهر ليسحب له القذر بيده، وما مِن طريقة أخرى، فإذا دخل الواحد منا الخلاء وقضى حاجته بيسر، وبنفسه، من دون مساعدة، من دون مصاريف، من دون أكياس، فمعنى هذا أنّ هذه نعمة كبيرة فليحمد الله عليها.
لا تنسوا إخواننا الكرام هذا الدعاء، فإنْ يدعو به إنسان فهو يعرف نعمة الله عليه، ويقدرها، ويشكرها، أنا أرجِّح - في الأعم الأغلب - أنّ الله يحفظه في عافية ما دام حياً، يعرف نعمة إخراج الفضلات من دون مساعدة، وإنّ سرطان المستقيم مرض خطير، كذلك الشلل خطير، وهناك أمراض تنكِّد حياة الإنسان بها.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا خرج من الخلاء يدعو فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ غُفْرَانَكَ))
(أبو داود)
حدَّثني أخ كريم قال لي: إنه صار معه التهاب بروستات، فغدّة البروستات التهبت وتضخَّمت فأغلقت مجرى البول، قال لي: ذقت آلامًا أقسم بالله منذ أن ولدت ـ عمره سبعين سنة ـ حتى هذا التاريخ ما أشعر أن هناك ألمًا بهذا المستوى، فعندما حُبِس البول أخذوه في حالة إسعاف، وميَّلوه بالميل، وفتحوا المجرى، أحد الخلفاء وأظنه هارون الرشيد سأله وزيره: " بكم تشتري هذه الكأس إذا مُنعتَها ؟ "، قال: " بنصف ملكي ". قال: " فإذا مُنع إخراجه ؟ "، قال: " بنصف ملكي الآخر "، فقال له: " إذًا اتَّقِ اللهَ، فكل هذا الملك يعدل كأس ماء ".
أنا أريد أن ألفت النظر إلى أن أحدكم إذا كان في صحةٍ جيّدة فليحمد الله كثيرًا، مرَّة حدثني شخصٌ عنده مزرعة، وأسعار التفاح تدنَّت، وكسر موسم التفاح عنده وهو غضبان، فهوَّنتُ عليه، وقلت: ولكن هناك أُناس ما عندهم مزارع، وعليهم أن يغيِّروا الشريان التاجي، وآخرون يجب أن يغيروا دسام القلب، وتكاليف العملية باهضة الثمن، وهناك أناس يجب أن يغسلوا الكلية في الأسبوع مرَّتين، وتستغرق كل مرة ست ساعات، وبالدور في المستشفى.
قال لي أخ كريم: يغسل كليتيه كل أسبوع مرتين فحَّره الطبيب وبقسوة: إياك أن تشرب الماء طيلة هذا الأسبوع، لأن الآلة معطَّلة، يبقى طيلة هذا الأسبوع بلا ماء، أنت تشرب كأسًا أو اثنتين، أو ثلاثا، والجو حار، والحمد لله، تشرب الماء، ويخرج الماء، وتأكل الطعام ويخرج الطعام، من دون مساعدة، من دون نفقات، من دون عمليات، من دون مستشفيات، من دون تصوير، من دون تخطيط، من دون إيكو، من دون مرنان، فالمرنان بثمانية آلاف، وبألفٍ الإيكو، هكذا علَّمنا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي))
(ابن ماجه)
آخر دعاء إذا خرج من الخلاء يقول: (( الحمد لله الذي أذاقني لذَّته))
أكلت فاصولياء وليس سيرومًا، أكلت صحن فول، وليس أقراص دواء. (( أذاقني لذَّته وأبقى فيَّ قوته وأذهب عني أذاه))
هذا دعاء الخلاء، المعنى كُن مع الله دائماً، نامَ مع الله، استيقظَ مع الله، دخل الخلاء مع الله.
الآن خرج من بيته... عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (( مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))
(أبو داود)
صفَّ سيارته، ودخل إلى البيت ونام، سُرقت السيارة في الليل، وفي اليوم التالي عنده أعمال كثيفة، طبعاً تألَّم أشد الألم، لكن عنده أعمال كثيفة، أرجأ إخبار المخفر للظهر، هذه السيارة المسروقة ضُبطت صباحاً بتهريب، بُحث عن صاحبها، أودع السجن، إلى الآن صار له أربع سنوات، ويقول: أنا لا علاقة لي، كانت مسروقة، لماذا لم تخبرنا أنها مسروقة ؟ بها تمت عملية تهريب كبيرة، صاحب السيارة أوقفها قرب منزله، ودخل إلى البيت لينام، وجاء مَن سرقها، وهرَّب بها مواد ممنوعة، وضبطت.
فأحياناً الإنسان يتورَّط، أحياناً يتيه، أحياناً يقول لك: هذا يوم شؤم، أحياناً بكلمة ينزلق ويهوي، وبكلمة قد يفقد حريته عشر سنوات، بسبب كلمة واحدة تكلَّمها، فإذا الواحد خرج من بيته.. (( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))
فمَن خرج من بيته، ودعا بهذا الدعاء، فهو في ذمة الله، فهو في حفظ الله، فهو في ظل الله، فهو في رعاية الله، فهو في ضمانة الله، هذا دعاء الخروج من البيت.
والآن دخل المسجد، أنت تدخل بيتًا من بيوت الله، أنت في هذا البيت ضيف الله، فهل من المعقول المضيف لا يضيفك ؟! الشخص يجلس في بيته على مقعد وثير، مثلاً على ديوان مريح، أولاده حوله، زوجته أمامه، إن طلب الشاي، أو طلب مشروبًا ؛ ليمونًا مثلاً.. إلخ، فكل شيء يأتيه، لكنه يترك بيته، وزوجته، وأولاده، والمقعد المريح، والجلسة المريحة، ويذهب إلى المسجد ويجلس على ركبتيه في بيت الله، معنى هذا أنه ضيف الله..
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عُمارها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني، وحُق على المزور أن يكرم الزائر))
فكان إذا كان دخل المسجد يدعو، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى حَاجَتَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا))
(متفق عليه)
ولدخول المسجد دعاء، فعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))
(مسلم)
في المسجد رحمة، وتجلٍّ، وسرور، وانشراح، يقول لك: أنا من أسعد الناس، سيدنا حنظلة قال لرسول الله: (( نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين))
فأنت لا تأتي إلى الشيخ، بل تأتي إلى بيت الله، وفي بيوت الله تتنزل الرحمات. (( اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))
هذا مختصر، خرج من المسجد وقد سمع درسًا، أو حكمًا شرعيًا، أو درسًا في الأدب الإسلامي، أو سمعت عن عمل صالح، سمعت شيئًا عن الصحابة، ثم خرجت.. (( اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))
أي يا رب الذي سمعته فها أنذا أطبقه، سمعت عن الصدقة تصدق، سمعت عن غض البصر غض بصرك، سمعت عن الصدق كن صادقًا، أنت في مكانين، في بيت الله أو خارج بيت الله، خارج بيت الله، فالدعاء أن يلهمك أن تنال من فضل الله ما تنال، أنت في بيت الله فالدعاء أن يرحمك.
قد يكون الإنسان في ضيافة صارخة، كأنْ يُدعى إلى وليمة، أو يدعى إلى حفلات يقال له: تجد عشرين نوعَ لحوماتٍ، أحياناً يقيمون في بعض السفارات حفلات، ويقدِّمون عشرين أو ثلاثين نوعًا من اللحم، وأربعين أو خمسين نوعًا من أنواع الخضار، ومن الحلويات خمسين نوعًا أو نحوها، ماذا سيأكل الواحد ؟ يأكل لقمتين، أحياناً يقدَّم لك شيك بورقة صغيرة عشرة آلاف، أو مليون، هذه ورقة ليست ظاهرة بل صغيرة، الطاولات أحياناً مئتا متر ظاهرة وواسعة، أما هذا الشيك الذي بمليون، أو خمسة ملايين فليس له وزن أساساً، وزنه لا شيء، موقَّع جاهز، فكانت الضيافة والعطاء كبيران، لكن في بيوت الله الضيافة ليس صارخة، والروعة أنّ الله يتجلَّى على قلبك وأنت في المسجد، فتشعر بمشاعر لا توصف، يستنير قلبك، يستنير عقلك، تتخذ قرارًا حكيمًا، تخرج من المسجد وأمامك نور، الله عزَّ وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾
( سورة الأحزاب )
﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
( سورة الأنفال: من آية " 29 " )
هذه آية ثانية..
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
( سورة الحديد: من آية " 28 " )
أساساً كل أعمالك يا أخي مبنيَّة على رؤية ؛ إما أنها صحيحة أو غير صحيحة، المؤمن رؤيته صحيحة، وغير المؤمن رؤيته فيها خطأ، منحرفة، لذلك يدفع الثمن باهظاً.
وعَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: (( كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ))
(الترمذي، وأحمد)
هناك معنى ثانٍ دقيق، وهو إنْ غلط رجل غلطة، فإذا كانت الغلطة أمامه فهو محجوب عن الله عزَّ وجل.. (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ))
فعسى أن يغفر الله له، ويفتح أمامه أبوابه.
وإذا خرج من المسجد: (( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك))
هذا دعاء المسجد.
ومن أدعيته صلى الله عليه وسلَّم إذا أصبح وإذا أمسى، ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ يَقُولُ: (( إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ))
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمْسَى قَالَ: (( أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ))
(مسلم)
وإذا أصبح كان يقول عليه الصلاة والسلام: ((أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله))
وكان إذا أصبح يقول: (( اللهمَّ اجعل أول هذا النهار صلاحاً، وأوسطه فلاحاً، وآخره نجاحاً يا أرحم الراحمين))
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أصبح يدعو، فقد روى أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ))
إذا ذهب أخ من إخواننا إلى العمرة أو إلى الحج، لا يشعر أنّه في وقتٍ من الأوقات بأمس الحاجة إلى دعاءٍ يحفظه كما هو في هذا الوقت، لأن الحج كله دعاء ؛ فإذا دخلت إلى بيت الله الحرام، في أثناء الطواف ماذا ينبغي أن تقول ؟ أدعية، ففي أثناء السعي، في مِنى، في عرفات، في مزدلفة، أثناء الرَجم، في طواف الإفاضة، عند زيارة رسول الله، العمرة والحج كلها أدعية.
فالإنسان بالرخاء إذا كان معه كتاب أدعية صغير في جيبه، قالوا: إذا أردت أن تحفظ فاقرأ، الدعاء مرَّتين تحفظه، أو ثلاثًا أربعًا يُحفظ معك، استخدمه يُثبَّت، المفروض أنْ تكون ذخيرة الإنسان بالدعاء كثيرة، أحياناً يزاول الرياضة، يمشي، يتمشَّى، اجعل هذا الطريق كله دعاءً، أحياناً يركب سيارة عامة، والطريق طويل، اجعل هذه الجلسة دعاءً كلَّها.
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو حين يمسي وحين يصبح بهذه الدعوات: (( اللهمَّ إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة))
عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي))
قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِي الْخَسْفَ.
(أبو داود)
ـ هذه محفوظة ـ ".
أحياناً العوام يقولون كلمات لطيفة: " في إنسان عليه خيمة "، ما هذه الخيمة ؟ ستر الله عزَّ وجل، أحياناً الإنسان يُفضَح لأتفه الأسباب، وهي فضيحة مفتعلة غير صحيحة، فالإنسان إذا رجا الله عزَّ وجل أن يسبل عليه ستره فلن يخيِّبه.
هذا الدعاء أتأثر به كثيراً: (( اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي))
هناك أشياء مخيفة ومرعِبة، وأخبار مؤلمة قاسية، ترتعد لها الفرائص، الإنسان قد ينهار، طائرة أصابها عطبٌ خطير في الجو، دخلت في غيمة مكهربة فأُتلفت مقدِّمتها وبعض أجهزتها، واضطرب الركاب، وعلا صياحهم، بعضهم أصابه ذعرٌ شديد، بعضهم أصابه خوفٌ قاتل، بعضهم بدأ يندُب حظَّه وينادي بويله، ويذكر أولاده، فحدَثني مضيفٌ يعمل في الطائرة في أثناء هذه الحادثة، فقال لي: طلب الطيار من بعض المضيفين أن يهدِّئوا الركاب، لا أحد يستمع إليه، فقال له: اذهب إلى أحد الرُّكاب المتماسكين فبلِّغه أن يهدِّئ من روع الركاب، قال لي: نظرت في الطائرة من أولها إلى آخرها فما وجدت إلا الصياح، والعويل، والبكاء، والنَدب، لكن فوجئت بواحد متماسك، هذا سنكلفه بأن يقف ويهدئ من روع الناس، قال: ذهبت إليه فإذا هو مغمى عليه، هذا الوحيد الهادئ مغمى عليه، ونجت هذه الطائرة بفضل الله في مطار باريس، وكل من رآها بعد أن جثمت على أرض المطار قال: مستحيل أن تنجو، لكنها نجتْ، فالإنسان أحياناً يخاف خوفاً لا حدود له، قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
( سورة الحج )
حدثَ زلزال في مصر فقرأت في مقالة ؛ امرأةٌ حينما شعرت بالزلزال أمسكت بابنتها الصغيرة وخرجت بها إلى الطريق، في الطريق نظرت فإذا هي تحمل كيسًا فيه حذاء، بدلاً من أن تأخذ ابنتها أخذت حذاءها، وتركتْها على السرير وخرجت..
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾
لذلك: (( اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي))
أحياناً الإنسان قصته كلها تصير بين الناس، يكون هناك خلاف داخلي فيصير قصة، وينتشر.
والإمام أحمد في المسند عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ: (( اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ تُعِيدُهَا حِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي قَالَ نَعَمْ يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِنَّ فَأُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ))
(أبو داود وأحمد)
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجلِ
* * *
فقير على كافر فهذا بلاء دونه كل بلاء، فقير على مؤمن راضٍ ومتجمِّل، موعود بالجنة، وكافر على غنى شيء ينسي شيئًا، أما كفر وإفلاس، فما أقبح الكفر والإفلاس بالرجلِ.
أعَنْ َبِي بَكْرَةَ قَالََ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ))
(أبو داود وأحمد)
مرَّة سمعت أثرًا أن: " عبدي كن لي كما أريد ولا تُعلمني بما يصلحك "،. أي لا تكلِّف خاطرك وتذكر حاجتك، أنا أعرف حاجتك كلها.." كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ".
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ))
(الترمذي)
أي بيتي، وعملي، وصحتي، وأولادي، ومستقبل أولادي، وتزويج بناتي، وتزويج أولادي، ورضا والديَّ عليَّ، وكل علاقاتي الاجتماعية، طمَّاع، (( وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ))
فاطلب من الكريم المعطاء الذي لا يبخل.
قيل: إنّ إنسانًا كريمًا جاءته سائلة فأعطاها الشيء الكثير، فقال له من إلى جانبه: " لقد كان يرضيها القليل وهي لا تعرفك "، فقال: " إذا كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى لها إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي"، إذا كان العبد هكذا حاله فكيف حال الله ؟‍! عبد من عباد الله الكُرماء أعطى عطاءً كبيراً لمن يطلب قليلاً، قال: " كان يكفيها القليل وهي لا تعرفك "، قال: " إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى لها إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي ".
فإذا طلب الإنسان من الله فلا يطلب شيئًا قليلًا، كمن دخل على ملك، فقال له الملك: اطلُب حاجتك، قال: أريد قلم رصاص فقط، فقالوا: اطلب سيارة مرة واحدة، لأن الملك لا يعطي قلم رصاص، فأقل شيء يعطيه سيارة، هذا ملك من ملوك الأرض فكيف بملك الملوك ؟ إذا طلب الإنسان منه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة فهو يقدر على الإجابة، فهل دعاء القنوت قليل ؟ (( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ))
( من سنن الترمذي: عن " الحسن بن علي " )
كرامتك على الله غالية..
اجعل لربك كل عزِّ ك... يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزَّك ميتُ
* * *
(( استر عورتي، وآمن روعتي، يا رب أسبل عليَّ سترك، ولا تخفني))
الخوف صعب.
وكان صلى الله عليه وسلَّم إذا أهمَّه الأمر، رفع رأسه إلى السماء وقال:
(( سبحان الله العظيم))
وإذا اجتهد في الدعاء يقول: (( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ))
(الترمذي عن أنس)
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أمراً دعا، فعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا قَالَ: (( اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي))
(الترمذي)
لو دخل شخصٌ على صديقه الذي يبيع ألماسًا، فقال له: أعطني هذا الخاتم، فأعطاه إياه، ثم تبيَّن أنه ألماس تقليد، لكن إذا قال له: أنت اختر لي، فسيختار له أثمن شيء عنده، هذا أيضاً من توجيهات النبي.. (( اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي))
(الترمذي)
فالله اختار لك هذه الزوجة، معنى ذلك هذه لصالح آخرتك، اختار لك هذا البيت، هذه الوظيفة، عمل شريف فيه دعوة إلى الله، تدريس والدخل قليل، فالله اختار لك هذه لصالح آخرتك.
فهل مِن أحد لم يشترِ قميصًا يستره بمناسبة العيد ؟ أو بنطالاً، أو حذاء، لا يخطر في بال الإنسان أنّ للجديد دعاء، كان عليه الصلاة والسلام إذا استجدَّ ثوباً، أو قميصاً، أو عمامةً، أو رداءً دعا بدعاء، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ))
(الترمذي)
فهذا دعاؤه عند ارتداء الجديد، أحياناً تجد إنسانًا - والله هذا المنظر ما كنا نراه - ينقب بالحاوية، ما الذي سيجده ؟ خسة، غير صالحةذبلانة، ليمونة نصف عصرة، معنى ذلك هو في أمس الحاجة إلى هذا الذي لفظه الناس، ألقوه في الحاوية، فإذا كان الله عزَّ وجل كرَّمك عن هذا، وأمدَّك بثمن الطعام والشراب، فهذه نعمةٌ كبرى، وكذلك إنْ كساك ثوبًا جديدًا.
كان إذا رأى المطر دعا أيضا، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: (( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا))
(البخاري)
بمصر نزلت أمطار منذ حين، وجرت سيول، تدمَّرت قرى بأكملها، ودخل الماءُ البيوتَ، وبلغ ارتفاع مترين أو ثلاثة، المحاصيل أُتلفت كلها، هذا مطر، هل تريدون مطرًا ؟ كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى المطر كان يقول: (( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا))
فبإذن الله يكون نافعًا لا مدمِّرًا، والله رحيم بالعباد.
وكذلك إذا رأى الهلال، فَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: (( اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ))
دعاء لرؤية الهلال.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: (( اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ وَمِنْ سُوءِ الْحَشْرِ))
(أحمد)
وعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: (( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا))
(أبو داود)
وكان إذا قدمت ليلة الجمعة دعا، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: (( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَارِكْ لَنَا فِي رَمَضَانَ وَكَانَ يَقُولُ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ غَرَّاءُ وَيَوْمُهَا أَزْهَرُ))
(أحمد)
ثبت بالأحاديث الشريفة أن هناك أيامَ فضيلة مستثناة، لها ميزة خاصة، منها يوم الجمعة، وفيه ساعةٌ إذا أصابها الإنسان، فأيّ سؤالٍ سأل الله فيها استجاب الله له، لكن الساعة غير محددة، معنى هذا أنك كن مستعدًا طوال الوقت.
وكان صلى الله عليه وسلَّم إذا عصفت الريح - أي اشتدَّت وهاجت - دعا، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ قَالَتْ وَإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا))
في أمريكا تهبُّ أعاصير إذا توجَّهت نحو مدينة لا تبقي منها ولا تذر، قرأت مرَّة مقالة في مجلة المختار عن إعصار داهَمَ ولاية في أمريكا، يقول كاتب المقالة: بيته لم يبقَ له أثر، وجد محرِّك سيارته على بُعْد خمسة كيلو مترات ـ المحرِّك فقط ـ لا تبقي ولا تذر، ثمانمئة ميل في الساعة تدمِّر كل شيء، نحن أحياناً تصل الرياح إلى مئة وثمانين كيلومترا، أو مئتين، يقول لك: ثمانية بيوت تهدَّمت، جُدُر انهارت، أشجار اقتُلِعت، مرَّة رياح سرعتها مئة وثمانون كيلو مترًا أتلفت مئة وثلاثين بيتًا بلاستيكيًا، اقتلعتها من أصلها مع محصولها، لذلك كل شيء له درجة مقبولة، درجة نافعة، أو درجة مدمِّرة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا تضور من الليل ـ تقلَّب ـ قال: (( لا إله إلا الله الواحد القهَّار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفَّار))
الآن دخل السوق، له محل تجاري، عنده مكتب، فإذا دخل السوق قال: (( بسم الله اللهمَّ إني أسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشر ما فيها، اللهمَّ إني أعوذ بك أن أصيب فيها يميناً فاجرة، أو صفقةً خاسرة))
اشترى صفقة من دون بيان ـ أي غير نظامية ـ أعجبته، وضعها بالمستودع، اختصم مع موظَّف عنده فطرده، هذا الموظَّف بلَّغ الجمارك أن هناك بضاعة مهرَّبة، فعندما داهموا المحل وصادروا البضاعة، وألزموه بدفع مبلغ فلكي، اغتلىا الحقد في قلبه، فأمسك بالمسدس وأطلق النار على هذا الموظَّف فأرداه قتيلاً، فحُكِم عليه ثلاثين سنة، هذه تجارة مثلاً، فليدعُ مَن يدخل السوق، ووقعت هذه الحادثة من خلال صفقة، وأدت إلى جريمة انتهت إلى سجن ثلاثين سنة، وهذا الشيء حدث في السوق.
إذا كان للرجل محل تجاري فالمطبات كثيرة، هناك مطبات، و توريطات، ومزالق، يكون واقفًا فصار في العناية المشددة، قال لي: دخل علي موظف صرت أرجف هكذا، أخذوه فوراً على العناية المشددة، فهذا لم يكن يرى الله، والله أقوى من كل قوي، أنت كن مع الله مستقيمًا، فالله يحميك.
فإذا دخل السوق قال: (( اللهمَّ إني أسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشر ما فيها، اللهمَّ إني أعوذ بك أن أصيب فيها يميناً فاجرة، أو صفقةً خاسرة))
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أُتي بباكورة الثمرة وضعها على عينيه، ثم على شفتيه وقال: (( اللهمَّ كما أريتنا أوله فأرنا آخره))
ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان ـ ولا يأكلها ـ يعطيها لأصغر طفل لأن الطفل يحب الفاكهة، يؤثر الطفل على نفسه.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ سِنِينَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُرِّبَ لَهُ طَعَامٌ قَالَ: (( بِسْمِ اللَّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَاجْتَبَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ))
أي ألم تأكل أكلة تحبها، وأعجبتك وشبعت منها ؟ فكم من أكلة تحبها طبخوها لك مثلما تحب، وأكلت، وارتحت، وغسَّلت، وذهبت إلى الفراش واستلقيت، فهذه أليست نعمة ؟ طعامٌ تحبه أكلته، أفلا تشكر الله وتحمده ؟.
وكان يدعو أيضاً إذا فرغ من طعامه، ففي المسند عَنْ نُعَيْمِ بْنِ سَلَامَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: (( اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَشْبَعْتَ وَأَرْوَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْكَ))
فأيُّ إنسان يدعو بهذه الأدعية، فهل يفقره الله ؟ يحرمه الطعام ؟ أبداً..
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
( سورة إبراهيم: من آية " 7 " )
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الرعد: من آية " 11 " )
وبالشكر تدوم النعم.
وفي سنن أبي داود عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ - لأن هناك طعامًا غير مستساغ، وإنّ الله فقد جعل لك الطعام مستساغًا ـ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًاه))
الطريق مفتوح وسالك، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: (( اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ))
(أبو داود)
وعَنِ ابْن عُمَرَ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
(أبو داود)
تجد في أول يوم من رمضان في الصيف شخصًا طويلاً عريضًا، فهيمًا، معه دكتوراه، يحتل أعلى منصب، عند العصر تجده ذائبًا على كأس ماء، وكل خواطره كأس تمر هندي، عرقسوس، ليمون، أين علمه ؟ أين شهادته العُليا ؟ أين مكانته الرفيعة ؟ أين منصبه الحساس ؟ على كأس ماء ذَبُل، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: (( ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
إنّ الله عزَّ وجل بالصيام يريك ضعفك، يريك عبوديَّتك له.
إذا دعي الإنسان إلى طعام، إلى وليمة، دعا بهذا الدعاء الشريف، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ))
(أبو داود)
إذا دُعي إلى عقد قِران فالدعاء المأثور عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: (( بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الْخَيْرِ))
(الترمذي)
وإذا تزوج امرأةً فعليه أن يدعو بما ثبت عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ))
(أبو داود)
تزوج رجلد اتزوج امرأة فاسقة، اكتشف أنه يوجد رجال كثيرون في حياتها، طلَّقها، ثم ندم على ذلك، فطلبت منه مئة ألف أخرى تضاف إلى مقدَّمها، ثم طالبته بالمبلغ فوراً، لا يملكه، ادخُل السجن، حقد عليها، خرج من السجن، أطلق عليها النار وعلى أمها فأرداهما فيما توهَّم قتيلين، فلما شعر بجريمته أطلق على نفسه الرصاص، لكن إطلاق النار عليهما لم يقتلهما، أُسعفتا وعاشتا وهو مات وانتهى ـ هذه امرأة مثلاً ـ فامرأة مدمرة تنتهي كل الحياة معها، وامرأة صالحة كل الخير من قِبلها، فلذلك إذا تزوج أحد امرأةً فالنبي قال: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ))
(أبو داود)
وإذا عاد مريضاً فالدعاء ما رواه الترمذي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا قَالَ اللَّهُمَّ أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ فَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا))
وفي دعاء آخر عند البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: (( لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
وكان عليه الصلاة والسلام في أي مجلس ينهيه بهذا الدعاء الصحيح، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: (( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا))
(الترمذي)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةًفَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ))
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تِرَةً يَعْنِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً.
(الترمذي)
وإنْ ودَّعت بالمطار مسافرًا فالدعاء ما صح عند الترمذي عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعْكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَدِّعُنَا فَيَقُولُ: (( أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))
إنسان سافر فليدعُ بالمأثور، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ بِإِصْبَعِهِ وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ))
(الترمذي)
عاد من السفر، وصل إلى المطار، الطائرة حطَّت على أرض المطار بسلام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))
(البخاري)
زار أحد الموتى في المقبرة، أوله قريب متوفًّى زاره بالعيد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: (( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ...))
(مسلم)
زرت حاجاً عاد من الحج: (( اللهمَّ اغفر للحاج ولمن يستغفر له الحاج))
هذه بعض أدعيته صلى الله عليه وسلَّم في أحواله كلها، الذي أرجوه من الله عزَّ وجل أنْ يعينك على أنْ تضع كتيبًا صغيرًا في جيبك فيه أدعية النبي، واحفظها، فإذا أردت أن تطبِّق سنة النبي في الدعاء في كل أحوالك، وحركاتك، وسكناتك، وسفرك، وإقامتك، وزواجك، وبيعك، وشرائك، ونومك، واستيقاظك، وذهابك إلى المسجد وخروجك منه، فهناك أدعيةٌ مأثورة، وبالدعاء أنت مع الله، والدعاء المستمر يعني الصلاة المستمرة..
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
( سورة المعارج )


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-23-2018, 03:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الشمائل المحمدية

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : خاتمة - عن فوائد واهمية الشمائل








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الأخير من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الدرس الثاني والثلاثون.
أيها الإخوة ؛ لابد من حقائق أضعها بين أيديكم بمناسبة انتهاء دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
الحقيقة الأولى: أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الأول، الذي اصطفاه الله على العالمين جميعاً، وأقسم الله بعمره إذ قال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
( سورة الحجر )
هذا النبي صلى الله عليه وسلم له دوران خطيران في حياة المسلم، أولاً سنته صلى الله عليه وسلم بيانٌ لكتاب الله عز وجل، فإذا أردت بياناً، وتفصيلاً، وإيضاحاً لكلام الله جل جلاله، فعليك بسنة النبي التي هي في علم التوحيد وفي علم العقيدة وحي ثانٍ، علماء العقيدة متفقون على أن هناك وحيين ؛ وحياً متلواً وهو القرآن الكريم، ووحيًا غير متلو، وهو السنة النبوية القولية.
لذلك يجب أن نعلم علم اليقين ـ وهذا عودٌ على بدء ـ أنَّ تَعَلُّم سنة النبي القولية، أيْ قراءة الأحاديث الشريفة الصحيحة، وفهم معناها، ومدلولاتها، وأبعادها، هذا فرض عينٍ على كل مسلم، أي كيف أنَّك تشرب الماء ولا خيار لك في ذلك، وكيف أنك تتنفس الهواء، وتنفُّس الهواء ضرورة حياتية، وتعلُّم الأحاديث فرض عينٍ على كل مسلم حي، يجب أن تعلم علم اليقين أن معرفة أحاديث النبي الصحيحة معرفةً دقيقةً، وعميقة، أن تعرف مدلولاتها، وأن تعرف الأحكام المستنبطة منها فرض عينٍ على كل مسلم، وإليك الدليل:
نحن المسلمين عندنا قاعدة مفادها: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، لكن ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من آية " 7 " )
كيف تأخذ ما أمرك النبي به إن لم تعرف ماذا أمرك النبي به، كيف تنتهي عما نهاك عنه النبي إن لم تعرف ماذا نهاك النبي عنه، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، فرض عينٍ، لأنك بسببها تنفذ قوله تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من آية " 7 " )
قصدي من هذا الدرس الأخير، بعد أن انتهينا من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمضينا فيه اثنين وثلاثين درساً تزيد على نصف عام، القصد أن الثمرة الآن من هذه الشمائل أن تترجمها إلى سلوك، أن تعيشها في بيتك، أن تعيشها في عملك، أن تعيشها مع إخوانك، أما أن يكون درس الشمائل لأخذ العلم، وللمتعة العلمية، وللإعجاب بشخصية النبي، فهذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر، هذا الذي ضيَّع المسلمين وجعلهم في مؤخرة الركب، أنهم تعلَّموا العلم ليتزينوا به، تعلموا العلم ليستمتعوا به، تعلموا العلم لأخذ العلم، ولكن العلم في الأصل للتطبيق، والعلم كي يترجم إلى سلوك.
فمثلاً ـ أقرب مثل أضعه بين أيديكم ـ لو أنّ إنسانًا ألقى على الناس ألف درسٍ في سيرة النبي، وبيَّن لهم تواضعه صلى الله عليه وسلم، وكيف كان مع أصحابه كواحدٍ منهم، ولم يفعل ما فعله النبي لظلَّ كلامه مجرّد أقوال، فالنبي ما تكلم، لكنّ النبي فعل، قال: (( وعليَّ جمع الحطب قالوا: نكفيك قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على قرانه))
أريد: (( وعليَّ جمع الحطب))
أن تكون بين الإخوة المؤمنين، اليوم كنت مع بعض الإخوة في مكان، فلفت نظري أنه حينما انتهى الأكَلَةُ من الطعام، قاموا جميعاً ونظفوا الصحون ـ جميعاً ـ ولم يجلس واحدٍ منهم يتفرَّج عليهم، فهذه هي السنة.
فيا أيها الإخوة، الذي أتمناه عليكم، وقد شارفنا على الانتهاء من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، أن تعودوا إلى هذه الدروس، أن تعودوا إلى سنته القولية، والعملية، والتقريرية، وتلاحظوا أين أنتم منها ؟ هل أنتم مطبِّقوها ؟ هل أنتم بعيدون عن تطبيقها ؟ هنا محطُّ الشاهد، وهنا القضية الفاصلة.
الشيء الثاني، أول شيء معرفة أحاديث رسول الله فرض عين، أي إذا كنا في مجلس علم مثل يوم الأحد، هذا اليوم مخصص للسنة، السنة القولية، يجوز أنْ يكون الموضوعُ بحثًا فقهيًا، والبحث الفقهي مبنيٌّ على سنة النبي، فحضور هذا الدرس لمعرفة ماذا أمر به النبي وماذا نهى عنه، وما الحكم الشرعي في أي موضوع ؟ فهذا درس فرض عين، كما قلت قبل قليل.
أي أنك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله، لتتفهم كلام النبي، وأبعاد كلام النبي، وحكمة كلام النبي، ومدلولات كلام النبي، والأحكام الشرعية المستنبطة من كلام النبي، طلب هذا العلم فرض عينٍ على كل مسلم، إن كنت مثقفًا أو غير مثقف، معك شهادة عليا ؛ طبيب، مهندس، محام، تاجر، صاحب مهنة، صاحب حرفة، كبير في السن، صغير في السن، مِن عِلية القوم، مِن عامة الناس، فرض عين على كل مسلم، كما إن تنفس الهواء فرض عينٍ على كل إنسان، وكما أن شرب الماء فرض عينٍ على كل إنسان..
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: من آية " 7 " )
أنت حينما تفهم كلام الله فهماً أصولياً، وفهماً عملياً، وفهماً إلزامياً، تتحرك إلى تطبيق السنة، وهذه أول نقطة أو حقيقة.
الحقيقة الثانية: معرفة سيرة النبي ـ غير أقواله ـ أحاديثه الصحيحة، معرفتها فرض عين، لأنه ما لا يتوصل إلى الفرض إلاّ به فهو فرض، والله سبحانه وتعالى أمرك إيجاباً أن تأخذ ما أعطاك إيَّاه النبي، وأن تنتهي عما عنه نهاك، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به كان فرضاً، إذاً معرفة أحاديث النبي فرض عين.
ثانياً: معرفة سيرة النبي، أخلاقه، النبي كزوج، النبي كصديق، النبي كأب، النبي كمرشد، النبي كقائد، النبي كجار، النبي كقريب، النبي يحارب، النبي يُصالح، النبي يتكلَّم، يخطُب، كيف يتعامل ؟ كيف يغضب ؟ لماذا لا يغضب ؟ لماذا يغضب ؟ لماذا يعطي ؟ لماذا لا يعطي ؟ معرفة سيرة النبي، وشمائله فرض عين، والدليل، قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 21 " )
كيف يكون هذا النبي أسوةً لنا إن لم نعرف شمائله، وأخلاقه، ورحمته، وحلمه، وعفوه، وتواضعه، ووفاءه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، إذاً أنت لا تدرس موضوعًا ثانويًا للتسلية، لا تدرس موضوعًا قد ينفعك أو لا ينفعك، بل تدرس موضوعًا بمثابة شرب الماء، بمثابة تنفُّس الهواء، فرض عينٍ على كل مسلم، لأنه ما لا يتوصل إلى الفرض إلاّ به فهو فرض، لأنه أساس الفرض المكلَّف به الإنسان.
الحقيقة الثالثة: ذكرت لكم مرةً، كنت في العمرة قبل عامٍ، وأكرمني الله عز وجل بالصلاة في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد الله كنت من أسعد الناس بهذه الصلاة، ولكن بعد أن انتهت هذه الصلاة، خطر في بالي خاطر، قلت: لو أن أستاذاً جامعياً يحمل أعلى الشهادات، وله أكبر المؤلَّفات، وجاء الآذن الذي يعمل معه، وجلس في مكانه وراء المكتب في أثناء غيابه، فهذا الآذن الأمي كم ارتقت درجته حينما جلس في مقعد هذا الأستاذ العالم ؟ ولا درجة، إطلاقاً، أما لو حصَّل شهادة الكفاءة فقد سار في طريق العلم.
فالذي يرفعك عند الله، ليس أن تصلي مكان صلاة النبي، ولا أن تتواجد في الأماكن التي وجِدَ بها، هذه مُسعِدة ولا شك، تذكِّرك بحياة النبي، وبأصحاب النبي، طبعاً الأماكن المقدسة تملأ النفس شعوراً بالسعادة، لكن أنا أتكلم على الرُقي، هل ترقى بأن ترتدي زي النبي ؟ لا والله، هل ترقى بأن تفعل شيئاً فعله النبي في حياته الخاصة ؟ لا، لكنك ترقى إذا اتَّبعت سنة النبي، إذا تعلَّمت العلم، إذا عرفت أخلاقه، إذا عرفت أقواله، إذا قلَّدته في كل أحواله.
ونحن نعلم أنّ الإسلام دين الله عز وجل، وهذا الدين العظيم لا يحتمل الشكليَّات ولا السلوك الأجوف، لا يحتمل إلا الحقائق، فالذي أرجوه من الله عز وجل أن تكون هذه الشمائل التي أمضينا فيها اثنين وثلاثين درساً أن تكون هذه الشمائل في قلب كلٍ منا أساس السلوك وأساس التطبيق.
نقطة مهمة أضعها بين أيديكم، حينما تعتقد ـ دقق فيما سأقول ـ حينما تعتقد أن أي إنسانٍ كائناً من كان يسلك سلوكاً هو عندك أقرب إلى القبول من سلوك النبي، فأنت لا تعرف الله أبداً، وأنت لا تعرف النبي أبداً، فدائماً وأبداً سلوك النبي صلى الله عليه وسلم هو السلوك الأكمل، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج، فإذا توهَّمت أن العزوف عن الزواج يقربك إلى الله أكثر فأنت واهم، قَالَتْ عَائِشَةُ صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: (( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً))
(متفق عليه)
أشد الناس خشيةً هو رسول الله، (( وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
( من صحيح البخاري: عن " أنس بن مالك " )
أحياناً الإنسان يعجب بأحد الشعراء أنه ما أكل اللحم في بحياته، لأنه ليس قانعاً بذلك، ويقول: هذا ظلمٌ للحيوان، فهذا شيء فيه جهل كبير، لأنه فعل شيئاً لم يفعله النبي، أو ترك شيئاً لم يتركه النبي، فحينما تعتقد أن إنساناً، فيلسوفاً، عبقرياً، مصلحاً، فأيّ رجل مهما علا شأنه في الأرض، إنْ يفعل شيئاً، وهو عندك أكثر قبولاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنت لا تعرف الله ولا تعرف رسول الله.
أو حينما تتبع منهجاً فيه غلوٌ عن منهج النبي، بدافع أنك محبٌ لله أكثر، تريد أن تصل قبل كل الناس إلى الله عز وجل، فتفعل شيئاً ما فعله النبي ؛ النبي تزوج، ورعى زوجته وأولاده، فمن أهمل زوجته وأولاده، والتفت إلى الله على حساب تربيتهم، وعلى حساب العناية بهم، وعلى حساب تعليمهم وتهذيبهم، فقد سلك سلوكاً فيه مجاوزة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
النقطة الأولى أيها الإخوة ؛ معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، ومعرفة سنة النبي العملية فرض عينٍ على كل مسلم، وأن تعتقد أن هناك سلوكاً أكمل من سلوك النبي هذا عين الضلال، وأن تعتقد أن هذا الذي يدع شيئًا، أو يفعل شيئًا، والنبي ما ترك هذا الشيء، أو ما فعل هذا الشيء، وهو في نظرك إنسانٌ كامل، فقد جانبت الصواب مجانبةً كبيرة.
أيها الإخوة ؛ الكمال كله عند النبي صلى الله عليه وسلم، أنا أحياناً أرى بأم عيني أُناساً يدعون إلى الله عز وجل، يسلكون في معاملة تلاميذهم سلوكاً ما فعله النبي، أو يتركون شيئاً ما تركه النبي، وهم يوحون لمن حولهم أن هذا هو الكمال، لا، فالكمال ما فعله النبي، النبي مشى في الأسواق، فإذا ترفَّعت عن أن تكون مع الناس، فهذا ليس سلوكاً كاملاً، هذا إطلالٌ على الناس من برجٍ عاجي، والنبيُّ ما فعل هذا.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: (( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))
( من سنن ابن ماجة)
فهؤلاء الذين يحيطون أشخاصهم بهالةٍ كبيرة، حيث إن تلاميذهم لا يستطيعون أن يروهم أو يجتمعوا بهم، فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان مع أصحابه كواحدٍ منهم قال: (( وعليَّ جمع الحطب...))
قال: (( أنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة))
فلما جاء دوره في المشي توسلا إليه أن يبقى راكباً قال: (( لا ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))
هكذا فعل النبي، لذلك إياك أن تزل منك القدم، إياك أن تعتقد الكمال في غير النبي، إياك أن تعتقد أن هناك إنساناً أكمل عندك في فعله من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم عرف قدر أصحابه واحداً وَاحداً، فهذا يقول له: (( ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))
( من صحيح البخاري: عن " سعد بن أبي وقَّاس " )
وهذا يقول له: (( أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))
( من مسند أحمد: عن " عبيدة بن الجرَّاح " )
(( إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ))
( من صحيح البخاري: عن " جابر " )
(( لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))
( من الجامع الصغير: عن " عصمة بن مالك " )
(( وما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر))
هؤلاء أبرز أصحابه عرف أقدارهم، سلَّط عليهم الأضواء تكريماً لهم، ولم يطْمِس شخصيَّتهم، ولم يضعهم في الظِل، ولم يعمِّ عنهم كي يبقى هو الوحيد في الساحة، هذا ما فعله النبي، لأن الإنسان حين يتعامل مع أناسٍ يعرف أقدارهم، ويعرف إمكاناتهم فهذا أكثر عونًا على دوام الصلة بينه وبينهم.
أيها الإخوة ؛ على كلٍّ ؛ هذه الشمائل المحمدية التي أمضينا فيها نصف عامٍ تقريباً، كلِّي أملٌ ورجاءٌ أن تترجم إلى سلوك، كيف عامل النبي زوجاته ؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ))
( صحيح البخاري)
أدرَكَ شعور الغيرةِ الذي أصاب زوجته وفهِم حالها، فما من إنسان مؤمن إذا أخطأت زوجتُه بدافع من أنوثتها، أو من غيرتها، إلاّ و يقيم عليها النكير، لكنه يتأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( التمس لأخيك عذراً، ولو سبعين مرة))
فدائماً المؤمن الصادق، دائماً يقيس أفعاله، وأقواله، وتصرفاته، ومواقفه، وعطاءه، ومَنْعَه، وصلته، وقطيعته بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فأول تطبيق عملي لنا جميعاً أن نأخذ مواقف النبي، أن نأخذ شمائل النبي، وأن نقلِّده بها، فهناك آباء لا يمكن أن يبتسموا لأولادهم أبداً، ولا أن يلاعبوهم، ولا أن يتصابوا لهم، هذا خلاف السنة، النبي عليه الصلاة والسلام داعبَ الحسن والحسين حتى ارتحلاه، أي ركبا على ظهره، وهو نبي هذه الأمة، ماذا فعل ؟ قال: (( كرهت أن أفسد عليهما ارتحالهما لي))
بقي ساجداً طويلاً حتى يستمتعا بركوب ظهر النبي صلى الله عليه وسلَّم، هكذا كان مع أولاده، الإنسان المؤمن في بيته واحدٌ من أهل البيت ؛ يداعب أولاده، يضاحكهم، يسلِّيهم، يتصابى لهم، يؤنسهم، يرعاهم، يوجههم، هو لهم جنة، وجوده في البيت جنة، هكذا فعل النبي.
مع زوجاته كان حليماً، كان لطيفاً هل تحبني ؟ الآن أكثر الناس عيوب زوجته يضخمها، فيقول لها: لولا خمسون علة لكنت وكنت، ويذكرهن واحدة واحدةً، فلم يعد بينهما أي محبة، أما النبي عليه الصلاة والسلام سألته السيدة عائشة: أتحبني قال: (( كعقدة الحبل))
فأصبحت هذه الكلمة شفرة بينهما، من حين لآخر تسأله: (( كيف العقدة ؟))
يقول: (( على حالها))
زوج كامل، زوج يعرف قيمة زوجته، ويعرف ويحترم شخصيتها، السيدة أم سلمة أشارت عليه فأخذ برأيها تكريماً لها.
فأتمنى والله من كل قلبي أن تراجع حساباتك كلها ؛ سواء علاقاتك مع أهلك، ومع أولادك، ومع جيرانك، أين حقوق الجار ؟ يصلي في أول صف، وإذا كان جاره غلط غلطة طفيفة يكيل له الصاع عشرة أصوع، أين: (( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))
( من صحيح البخاري: عن " عائشة " )
أين حق الجار ؟ إذا كان الجار مسلماً له حقَّان ؛ حق الجوار وحق الإسلام، وإذا كان مسلماً ذا قرابة فله ثلاثة حقوق ؛ حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة أين ؟ لماذا هان أمر الله علينا ؟ لماذا هنا على الله ؟ لأن أمر الله هان علينا، وإذا كان في قصر العدل عشرات ألوف القضايا، فكلها بين الأقارب ؛ بين الأخ وأخيه، وبين الزوجة وزوجها، هكذا المسلمون ؟ هذا هو الإسلام ؟ شعائر شكلية فارغة، وعلاقات كلها سلبية، عِداء، وشحناء، وبغضاء، وتجاوز، ليس هذا هو الإسلام.
لذلك أيها الإخوة استمعوا إلى هذه الآية، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 33 " )
فما قولكم ؟ المعنى الأول ما دام النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني أمته فهم في بحبوحة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام توفي، فما معنى هذه الآية بالنسبة إلينا ؟ قال العلماء: وما كان الله ليعذبهم وسُنَّتك في حياتهم ؛ بيتك إسلامي، تأكل وفق السنة، تكسب المال وفق السنة، تنفق المال وفق السنة، تربي أولادك وفق السنة، قال لك: (( أدبُّوا أولادكم على حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن))
أنت عندك تلفاز، ومعه صحن، ديدن أولادك كرة القدم، والممثلون والممثلات، الأحياء منهم والأموات، هذا دينهم وديدنهم، والرياضيّون، ولاعبوا الكرة، أين ؟ (( أدبُّوا أولادكم على حب نبيكم وحب آل بيته، وتلاوة القرآن))
كيف ينشأ ابنك على حب رسول الله إن لم تتلُ عليه سيرة رسول الله كيف ؟ شبعنا كلاماً، كلام، وكتب، ومؤلفات، ومحاضرات، وخطب الجمعة، وشرائط كاسيتات، نريد تطبيقًا، نريد بيتًا مسلمًا، نريد أولادًا نشؤوا في طاعة الله، نريد أولادًا من روَّاد المساجد، أنا أريدك مع ابنك في المسجد، ونتحمل كل شيءٍ من ابنك، ابنك غالٍ وعزيز، لأن الأمل معقود على الصغار، ابنك امتدادك، خليفتك، ثمرة عملك، كسبك الحقيقي.. (( خير كسب الرجل ولده))
فأين نحن من ذلك ؟ أَيُعقَل أنْ إنسان يطبق الإنسانُ منهج الله ويكون في المؤخرة ؟ إذًا يكون الدين باطلاً، أنت تمشي على منهج خالق الكون، يجب أن تكون في المقدمة، يا ترى بيعك إسلامي وفق السنة ؟ غير إسلامي: (( لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))
( من سنن الترمذي: عن: حكيم بن حزام " )
انظر الآن إلى التجار يأخذ أحدُهم مسطرة يديرها يبيع على بعضهم، لم يشترها، (( لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ))
( من مسند أحمد: عن " عبد الله بن عمر " )
ليست مطبقة.. (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))
( من سنن أبي داود: عن " أبي هريرة " )
هذا الحديث كذلك ليس معمولاً به ولا مطبق، كيف تريد أن ينصرنا الله عز وجل، لا بيعنا بيع إسلامي، ولا شراؤنا شراء إسلامي، والآن تجد أكثر الأعراس فيها تصوير فيديو، هذه أكبر معصية على الإطلاق أن تصور النساء في أبهى زينة، وأن يُعرض هذا الفيلم في البيوت، وتشير إحداهن وتقول: هذه زوجة فلان، كشف العورات، وفضح البيوت، وإظهار النساء الأجنبيات أمام الأجانب بأبهى زينة، ثم يقول لك: نحن مسلمون والحمد لله، في صحوة إسلامية. أي صحوة إسلامية هذه ؟ نريد التمسك بأهداب الدين.
ما أردت من هذا الدرس الأخير من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون حافزاً لنا جميعاً على مراجعة الحسابات، راجع عملك، هناك مخالفات ؟ يقول: أنا أبيع دخان، ومعي رخصة فهل أتركها تذهب من يدي ؟ ما دام الدخان بأفضل أحكامه مكروه كراهة تحريمية، فالذي يبيعه يقع في مشكلة كبيرة عويصة، يبيع طاولات زهر، ويصلي أول صف، لا يجوز أن تبيع شيئاً محرماً، لا ينبغي أن تعين على معصية، لا ينبغي أن تروّج معصية، لا ينبغي أن تسهم في نشر معصية، ألم يقل النبي الكريم: (( لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ))
( من سنن ابن داود: عن " ابن عمر " )
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
( سورة المائدة: من آية " 2 " )
فالذي أتمناه على كل إخوتنا أن نترجم هذه الشمائل إلى حقائق ووقائع نمارسها فعلاً وقولاً، طبعاً شمائل النبي أمضينا فيها نصف عامٍ تقريباً.
ولقد آن الأوان أن تكون هذه الشمائل بين أيدينا، اسمحوا لي أن أسوق هذا المثل.
إذا قال شخصٌ بلسانه: خمسمئة مليون دولار، ولا يملك في جيبه ثمن رغيف خبز، ماذا ينفعه هذا اللفظ ؟ وما هو الفرق بين أن تلفظ هذا الرقم وبين أن تملكه ؟ كم هي المسافة كبيرة جداً، كبيرة جداً جِداً بين أن تلفظ هذا الرقم خمسمئة مليون دولار وبين أن تملكه، كذلك الفرق بين أن تتحدَّث عن سنة النبي، وعن شمائل النبي، وعن أخلاق النبي، وعن تواضع النبي، وعن حكمة النبي، وعن رحمة النبي، وعن عَدل النبي، وعن عفَّة النبي، وعن شجاعة النبي، وبين أن تتمثَّل هذه الأخلاق.
فلذلك هذه المعلومات التي تقرؤها في كتب السيرة، وعن شمائل النبي، لا يمكن أن تكون لأخذ العلم، إنما هي من أجل التطبيق، فلا مانعَ للإنسان أن يقرأ هذه الكتب التي بين أيدي الناس، مرة ثانية ولْيراقب نفسه: إذا دخل البيت ماذا يقول ؟ وإذا خرج منه، إذا جلس إلى الطعام، وإذا قام عنه، إذا دعا إلى وليمة، إذا دُعي إلى وليمة، ماذا يفعل ؟ وماذا يقول ؟
في مناسبات الحزن، وفي مناسبات الفرح، كيف كان عليه الصلاة والسلام يتصرف ؟ فمثلاً لما دخل مكة المكرمة فاتحاً، فما من قائد في الأرض يفتح بلدةً إلا ويصيبه العُجب والكِبر والغطرسة والتجبر ؛ إلا النبي عليه الصلاة والسلام، حينما دخل مكة فاتحاً كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
ثم أيها الإخوة ؛ لماُ تطبِّق سنة النبي اللهم صلِّ عليه تغدو عَلماً في الأرض، تغدو متألِّقاً، تغدو كالكوب الدري، يلتف الناس حولك، يحبك الناس، لأن الناس يحبون الكمال، وشمائل النبي هي الكمال المطلق، فكلما اقتربت من سنة النبي اقترب الناس منك، وأحبك الناس.
سيدنا عمر بن عبد العزيز كان ـ كما يقول المؤرخون - خامس الخلفاء الراشدين، مرة جاء رجل يشكو عمر إلى أحد ملوك بني أمية، وقال له بالحرف التالي: " إن جدك أقطعني أرضاً، وجاء عمر رحمه الله فأخذها مني ". فقال هذا الملك: "عجبت لك تذكر الذي أعطاك الأرض ولا تترحم عليه، وتترحم على من أخذها منك" !!، لأن سيدنا عمر طبق السنة، نزع الأرض من أصحابها، ونزع الأموال المغتصبة من أصحابها، فألهمهم الله تعالى أنْ يترحموا عليه.
أيها الإخوة ؛ والله الذي لا إله إلا هو لو طبقتَ هذه السيرة، أو هذه الشمائل، أو هذه السُنَّة لأصبح بيتك جنةً، ولسعدت بأولادك، لأنه كما قال لك: (( ربوا أولادكم على حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن))
أفليس من الواجب أن ترعى أولادك وأن تنشئهم على حفظ القرآن الكريم، وعلى معرفة أحكام الدين ؟ ألا ينبغي أن تلحقهم بمعهد شرعي، أو مدرسة شرعية، ولو في الصيف دورة شرعية ؟ فهذا الابن علماني ؛ فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب هندسة، فقط ؟! لا ترجو منه إلا أن يكون شخصيةً متألقة، دخله وفير، ومكانته رفيعة، ولا تعبأ بدينه أبداً ؟! هل بلغ علمك أن بعض الأولاد يقول يوم القيامة: " يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه لم يعلمني، لم يوجهني، لم يربِّني "، كان همه أدرست، أنجحت ؟ لكن أصليت ؟ لا سؤال عن الصلاة، أقرأت القرآن ؟ لا سؤال عن القرآن، كنت معنا بالدرس ؟ لا يسأل عن كل هذا، يريد فقط الشهادة، ويريد تأمين مستقبلٍ، في تصور الأب متألِّق. * * * * *
أيها الإخوة ؛ أمضي بقية الدرس مع بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث الأول عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
(( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
تذكرون أيها الإخوة لما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة، وعاد إلى بيته، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: (( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ))
(متفق عليه)
فخديجة من أين انطلقت في هذا التطمين ؟ لم يكن نزل القرآن بعد، والسنة لم تكن وجدتْ، فمِن أين انطلقتْ وأجابتْ ؟ ومن أين جاءت ؟ سؤال دقيق، من الفطرة، هذا الكلام لو طبقناه على أنفسنا، فإذا كان الشاب مؤمنًا مستقيمًا، عفيفًا، صادقًا، أمينًا، متقنًا لعمله، بارًا لوالديه، بارًا بمن حوله، فهل يبقى منبوذًا في حياته، تصور ما دام الإله بيده كل شيء، وليس فعَّالاً إلا الله، فهل هذا الشاب يخزيه الله في الدنيا ؟ أيبقى بلا زواج ؟ أيبقى بلا بيت ؟ أيبقى فقير لا يملك ثمن أكل ؟ مستحيل.
إخواننا الكرام ؛ كلِّي أمل ألا نفهم كتاب الله وسنة النبي فهماً تاريخياً، افهموها فهماً حياتياً، فهمًا واقعيًا متجددًا، ما دامت السيدة خديجة تقول للنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن عبَّر لها عن بعض مخاوفه قالت: " والله لا يخزيك الله أبداً ـ لماذا ؟ ـ لأنك تعطي الفقير، تحمل الكل، تقري الضيف، صادق، أمين، عفيف، وكان جوابها نابعًا من فطرتها.
فأنت كشاب الآن يقولون لك: حياة صعبة، لا يوجد أمل للزواج، الأعمال غير متوفرة، الكسب ضئيل، فهل الله عز وجل ليس قادراً على أن يرزقك ؟ ليس قادراً على أن يعطيك ؟ مستحيل، لكن أنت عليك على أن تكون عفيفاً، صادقاً، أميناً، ورعاً، باراً، وعلى الله الباقي.
والله قرأت مرة حديثًا في الجامع الصغير اقشعر منه بدني: (( حق الزوج على زوجته، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره ـ حوالي عشرين حديثًا، وهذه كلها معروفة، لكن حديث واحد أذهلني ـ حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف))
شاب لا يريد أن يعصي الله أبداً، يريد زوجة فقط، هذا المطلب مشروع جداً، لكنه لا يملك بيتًا، ولا يجد عملاً، وهو بلا دخل إطلاقاً، فهل الله يخزي هذا الشاب ؟ ينبغي أن نفهم ديننا فهماً واقعياً لا فهماً تاريخياً، قال له: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
صليت الفجر في جماعة وانطلقت إلى عملك ؛ أنت في رعاية الله وفي حفظه، وفي تأييده، وفي نصره، أنت في حَصانة، يقول لك: فلان عضو مجلس الشعب معه حصانة. وكل مؤمن معه حصانة، كل مؤمنٍ صلى الفجر في جماعة معه حصانة لا من مخلوقٍ بل، من الخالق، (( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
لكن أنّ رجلاً صلى الفجر في جماعة وجلس يقرأ القرآن الكريم حتى طلعت الشمس، فهذا بدأ نهاره هكذا، ماذا تنتظرون أن يكون بقية نهاره ؟ أيقع في مطب ؟ لا، وفي فخٍّ ؟ لا، وفي ورطة ؟ لا، بل هو في حفظ الله، وفي تأييدهِ، لذلك: (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
وبعد ذلك ربنا عز وجل قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة الحج: من آية " 38 " )
إذا كنت مع الله فقد تولَّى الله في عليائه الدفاع عنك، يسخِّر لك أُناسًا وأنت لا تدري، ينطلقون في الدفاع عنك بأبلغ مما تقول أنت عن نفسك، (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ... ))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
بالمناسبة أصحاب رسول الله والنبي معهم وهم في الجهاد، وقد انتقلوا من معركةٍ إلى معركة، من بدرٍ إلى أُحدٍ إلى الخندق، وبذلوا أرواحهم رخيصةً في سبيل الله، ومع كل هذه الفضائل وهذه العطاءات، وهذه التضحيات، حينما قالوا: " لن نغلب من قلة"، حينما أشركوا شركاً خفياً تخلى الله عنهم..
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
( سورة التوبة )
فالمعنى إذا كان النبي وأصحابه وهم مَن هم، إلاّ أنّ الله أدبهم حينما قالوا: لن نغلب من قلة، وفيهم النبي، فما ظنك أنت إذا جئت بعد ألفٍ وخمسمئة عام وقلت: أنا وأنا، فالله عز وجل يتخلى حتمًا عن كل مسلمٍ ادَّعى لنفسه الفعل، ماذا قال سيدنا عمر ؟ قال: " نحن قومٌ قد أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلَّنا الله ؟ "، فالأمة العربية، حينما تعتز بغير الله لا تفلح أبداً، ولن تنجح، ولن تنتصر، أما إذا اعتزَّت بالله، ونصرت دين الله عز وجل أفلحت وأنجحت، أشياء دقيقة جداً، فالله عز وجل قال:
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: من آية " 7 " )
فهل الله عز وجل بحاجةٍ إلى نصرنا ؟ لا أبداً، فما معنى هذه الآية ؟ معنى هذه الآية: إنك إن نصرت دين الله وسَّعت رقعة الإسلام، وضيقت رقعة المنحرفين، وسعت دوائر الحق وضيقت دوائر الباطل، و إذا أقام المسلمُ شرع الله وكثَّر سواد المسلمين وقلَّل المنحرفين، فهذا كلُّه نصرٌ لدين الله، فلمجرد أن تنتصر لدين الله عز وجل فالله ينصرك، فهذه الآية افهمها فهمًا واسعًا ؛ أنت في كل يوم عندك خمسون معركة، فمعركة الشراء معركة، تزويج فتياتك معركة...إلخ، المعنى أنْت تقابلك مطبات، ومخاوف، وأخطاء، وألغام، ومنزلقات أحياناً، وجهالات، واحتيال، ومن الممكن أنْ تتورط ورطة كبيرة..
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: من آية " 7 " )
طبعاً نصر مطلق في كل مجال ؛ في دراستك، في تجارتك، في عملك، مع جيرانك، في اختصاصك، في مكانتك الاجتماعية، بزواجك، بأولادك، بتربية أولادك..
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: من آية " 7 " )
إذاً: ((... يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))
( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )
وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))
(البخاري)
وفي رواية الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا))
كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُدَّ نفسك من أهل القبور، ولن تفلح إلا إذا تعلقت بالآخرة، ولن تفلح إلا إذا أدخلت في حساباتك اليومية لقاء الله عز وجل، ولن تفلح إلا إذا نقلت اهتماماتك وطاقاتك الفعالة إلى الآخرة، عُدَّ نفسك من أهل القبور.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: (( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ))
( من سنن ابن ماجة )
المشكلة الآن أن الناس يزهدون بما عند الله، فيغضب الله عليهم ويطمعون بما في أيدي الناس فيغضب الناس عليهم، باؤوا بغضبٍ من الله ومن الناس، الحديث الشريف: (( ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ...))
( من سنن ابن ماجة )
أو اطمع بما عند الله يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس..
لا تسألن بني آدم حاجةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَب
* * *
الإنسان يغضب إن سألته، لكن الرحمن يغضب إن لم تسأله، هذه مبادئ أساسية.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (( جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، قال عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصلِّ صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يعتذر منه))
والله أيها الإخوة هذه الكلمات المضيئة للنبي عليه الصلاة والسلام يمكن أن تكون منهجاً كاملاً في حياتك، والله لن تخيب، ولن تضل، ولن تشقى، ولن تخفق، ولن تذل إذا طبقت هذا التوجيه النبوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتقل في دروسٍ قادمة إلى موضوعٍ آخر ينفعنا في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى من وراء القصد.

والحمد لله رب العالمين







الختام

آفراح
07-27-2018, 01:56 PM
صلى الله عليه وسلم على خير الأنام والصادق المصدوق
بورك فيك وجوزيت كل خير
تحية

منال نور الهدى
08-07-2018, 06:37 PM
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء وأسعدك الله في الدارين لطرح القيم والجهد المبارك أخي السعيد
في أمان الله وحفظه

عاشقة الأنس
08-24-2018, 10:48 AM
صلى الله عليه وسلم
في ميزان حسناتك وجزاك الله خير