المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الإسلامية -علم القلوب


السعيد
07-15-2018, 03:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



التربية الاسلامية - علم القلوب
الدرس : ( الاول )
الموضوع : الحكمة 1



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة :
أيها الأخوة الكرام: كلما تأملنا في كتاب الله ازددنا علماً, هذه الآية الكريمة التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لو قابلت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
إنسان أوتي الدنيا, أوتي الملك, أوتي الغنى, أوتي الحظوظ كلها, استمتع بكل قواه في الدنيا, هذا عند الله أوتي قليلاً؛ لأن الموت سوف ينهي هذا كله, لكن حينما يؤتى الحكمة يؤتى خيراً كثيراً. من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً :
لعلنا نقف دروساً عديدة في موضوع الحكمة؛ بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة, ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى, بالحكمة تسعد بدخل محدود, ومن دون حكمة تشقى بدخل غير محدود, بالحكمة تسعد بأولاد عديمين, ومن دون حكمة تشقى بأولاد نجباء.
عندما الإله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة يوسف الآية:22]
فالإنسان حينما يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ لأن هذا الخير لا ينقطع بالموت, هذا الخير الذي يُؤتاه الإنسان من خلال الحكمة يسعده إلى الأبد؛ فشتان بين شيء ينتهي عند الموت, وبين شيء يبدأ عند الموت. النبوة وهبية والتفوق كسبي :
قال بعض العلماء: إن الله عز وجل أعطى النبوة والرسالة للخصوص من أهل الصفوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
النبوة اختص بها صفوته من خلقه, وهناك بحث طويل جعل النبوة وهبية, لكنها وهبية للمتفوقين من خلقه, والتفوق كسبي.
تماماً كما لو أردنا أن نعين إنساناً يمثل بلداً؛ فطالبناه بدكتوراه في العلوم, دكتوراه في الآداب, دكتوراه في الحقوق, وطالبناه بخمس لغات يتقنها, وطالبناه بفطنة وذكاء, بعد أن اخترناه من بين كل الناس, -وهذا من تفوقه وكسبه-؛ أعطيناه خصائص, أعطيناه حقيبة دبلوماسية, أعطيناه أجهزة, أعطيناه شيكات مفتوحة, القسم الثاني وهبي, لكنه مبني على الكسبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
هذه وهبية, لكن بحسب الاصطفاء, والاصطفاء بحسب التفوق, والتفوق بحسب الصدق. الحكمة ثمنها المجاهدة أما العلم فثمنه المدارسة :
هناك موضوع آخر: باب النبوة مغلق, لكن باب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة, الله عز وجل أعطاها للقمان الحكيم:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
يبدو أن الحكمة ثمنها المجاهدة, أما العلم فثمنه المدارسة, أي إنسان ذكي يمكن أن يقرأ الإسلام كله, ويحفظه, وهو يهودي, العلم متعلق بالدماغ؛ إذا كان هناك رغبة في طلب العلم, و دماغ قوي, وذاكرة قوية, وقوة محاكمة.
كثير من المسلمين معهم دكتوراه في السوربون بالشريعة, الذي منحهم هذه الدكتوراه إنسان يهودي؛ فالعلم يأتي من المدارسة, أما الحكمة فتأتي من المجاهدة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
وباب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة؛ بلا توقيت, ولا تحديد. الحكمة من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء :
درس اليوم: هناك عشرة أشياء من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء, علينا أن نطلبها,وأول شيء: الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
فاطلبوها بالمجاهدة؛ أي الصلاة, غض البصر, ضبط اللسان, إنفاق المال, كثرة الذكر والدعاء, هي سبب الحكمة؛ لأن الحكمة تؤتى لمن يشاء الله أن يؤتيه الحكمة, ومشيئة الله متعلقة بالتفوق, بصفوته من الخلق: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
هذه عشرة أشياء ثمينة جداً: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
ورحمة الله عز وجل مطلقُ عطاء الله، لكن: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:56]
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
هذا بحث مستقل, نبحثه إن شاء الله. السعادة و الطمأنينة ثمن رحمة الله :
ما ثمن رحمة الله؟ تكون سعيداً, تكون مطمئناً, تكون متفوقاً, تعمل عملاً طيباً، أحياناً الذي يرحمه الله عز وجل يمشي كالملك, وهو من عامة الناس, في القلب شيء؛ المظهر موظف, المظهر ضارب آلة كاتبة, المظهر عامل, المظهر إنسان مدرس من بين مئة ألف مدرس, لكن من معه رحمة الله, رحمة الله جعلته متفوقاً, جعلته مطمئناً, جعلته سعيداً, جعلته قوياً, جعلته صابراً, جعلته فقيهاً عالماً:
﴿يخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
يجب أن نبحث في دروس قادمة عن أسباب رحمة الله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
أحياناً يملكك الله, إذا أعطى أدهش؛ تكون لا شيء, لا يوجد عندك شيء, تملك شيئاً, وشيئاً كثيراً, وشيئاً ثميناً, وشيئاً مهماً: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء﴾
[سورة البقرة الآية:247]
قال: فاطلبوه بالتواضع والحياء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾
[سورة الشعراء الآية:83]
المستقيم موفق والتوفيق أساس النجاح :
أحياناً الغنى ليس له علاقة بالسعي وبالذكاء, إذا الله عز وجل أعطى أدهش, أحياناً من دون قدرات عالية بالإنسان, قد يكون غنياً كبيراً, وأحياناً يكون عنده المعية, يفوق حدّ الخيال, لا يملك ثمن رغيف خبز, قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
فالتجارة لا تحتاج إلى ذكاء, إلى توفيق من الله, والتوفيق يحتاج إلى استقامة؛ وفي أصعب الظروف, وفي أصعب الأحوال, في أيام الكساد الشديد, المستقيم له معاملة خاصة, المستقيم موفق, والتوفيق أساس النجاح, في التجارة الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
إنسان يكون مستجاب الدعوة, شيء ثمين جداً, أن تدعو فيستجيب الله لك, إذا كنت مستجاب الدعوة؛ فأنت أقوى الناس, أنت أغنى الناس, أنت أسعد الناس. من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6099/01.jpg
لذلك: إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله:
﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
أنت أقوى من خصمك بالدعاء, إذا كان الله معك فمن عليك؟ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
إذا الله منحك التوبة, ألغى لك كل الماضي.
إنسان عليه ملايين, بيته مرهون, بكلمة كله يُمحى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الرزق بالمعنى المعنوي هو الاتصال بالله و فهم كلامه :
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
الرزق أنواع, الغنى قد يكون مادياً, أما الرزق فالاتصال بالله رزق, أن تفهم كلام الله رزق: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[سورة الواقعة الآية:82]
نصيبك من الرزق أنك كذبت بهذا الكتاب بدلاً من أن تصدقه, والهداية: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة البقرة الآية:213]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾
[سورة الأنعام الآية:83]
رفع الدرجات, والهداية, والمغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة الفتح الآية:14]
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الدين ثمرة يانعة ثمنها المجاهدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6099/02.jpg
﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
كملخص لهذه الآيات: يوجد في الدين ثمرة يانعة, هذه الثمرة اليانعة ثمنها المجاهدة, أما إذا جعلته اختصاصاً؛ كلية حقوق, كلية شريعة, كلية طب, كلية آداب, والدين أحد هذه الكليات, تحتاج إلى كتب, ودراسة, ودوام, إن جعلته معلومات, فهذا خطأ كبير, اتجاه الدين فيه معلومات, لكن المعلومات وحدها لا تقدم ولا تؤخر, المعلومات وحدها اختصاص, أما الدين فثمرة يانعة, ثمنها المجاهدة.
والإمام الغزالي يقول: جاهد تشاهد.
الإنسان حينما يقرأ القرآن قراءة تأمل, قراءة تبصر, قراءة تفهم, قراءة تدبر, ويتحرك وفق هذه الآية يكون أسعد الناس. الحكمة خاصة بالمؤمنين لا تعطى لكافر :
هناك آلاف القصص: إنسان بحكمته التي آتاه الله إياها سعيد, كل شيء بين يديه, والذي بين يديه دون الوسط, قد يكون بكل شيء دون الوسط لكنه سعيد, وهناك إنسان يشقى, وبين يديه الدنيا بأكملها, أي مستحيل الله عز وجل أن يعطي الحكمة للكافر, والكافر لا بد من أن يتحامق, والدليل: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
هناك حمق, هناك مواقف حمقاء, هناك مواقف خرقاء قاسية جداً: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[سورة الحشر الآية:2]
لو كان من الممكن أن تعطى الحكمة للكافر, يصبح الدين ليس له فائدة؛ لأن الحكمة أعلى ثمرة بالدين, أما الحكمة فخاصة بالمؤمنين: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
القوي رأسماله قوته أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله :
أما الدنيا فيعطيها للكافر, ويعطيه المال, والذكاء, والجمال, والقوة, لكنه لا يعطيه الحكمة, فتجد الكافر أحمقاً, أرعناً, يقع في إشكالات كبيرة جداً, يخطئ خطأ فاحشاً، فالأنبياء أعطوا الحكمة, والطغاة أعطوا القوة.
فأنت نصيبك ممن؟ من نوع نصيب الأنبياء أم من نوع نصيب الأقوياء؟
على كلٍّ: القوة تنتهي عند الموت، أي إنسان مخيف, عندما تتعطل أجهزته كلها, لم يعد مخيفاً.
هناك أخبار مؤثرة جداً, بحكم الميت, الأجهزة كلها معطلة, في أي لحظة تتوقف الأجهزة, يعلن وفاته. معنى هذا أن الإنسان ضعيف, أما المؤمن فله اتصال بالله عز وجل.
فالقوي رأسماله قوته, والقوة تنتهي عند الموت, أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله, وهذا الاتصال يستثمره بعد الموت إلى ما شاء الله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب
الدرس : ( الثانى )
الموضوع : رحمة الله




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.هذه هي الدنيا :
أيها الأخوة الكرام, البارحة: كان الحديث حول الحكمة التي حينما يؤتاها الإنسان من قبل الله عز وجل, فقد أوتي خيراً كثيراً, وذكرت بالمقابل: أن الدنيا بكل ما فيها من متع, وصفها الله بأنها متاع قليل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة الآية:38]
ما الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من هذه الآيات؟ :
1-رحمة الله هي الجنة :
أيها الأخوة, تطرقت البارحة إلى عطاء آخر, لا يقل عن الحكمة: إنه رحمة الله عز وجل, وقد رغبت أن أتعرف إلى الآيات الكريمة, التي تتحدث عن رحمة الله, فهناك آيات كثيرة, لكن يستنبط من هذه الآيات حقائق .
الحقيقة الأولى: يقول الله عز وجل:﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾
[سورة البقرة الآية:218]
معنى ذلك: أن الإنسان الذي يؤمن, ويستقيم, ويجاهد في سبيل الله نفسه وهواه, إنما يرجو رحمة الله؛ المؤمن يرجو رحمة الله, والكافر يرجو الدنيا؛ يرجو مالها, يرجو نساءها, يرجو سمعتها.....
فالإنسان عليه أن يتبصر, هل يرجو رحمة الله من عمله؟ غير المؤمن يبحث عن مصلحته, يبحث عن شهوته, يبحث عن لذته, يبحث عن مكاسب مادية, بينما المؤمن يرجو رحمة الله, هذا هو الفرق الجوهري, رحمة الله هي الجنة, قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:107]
الحقيقة: من المعاني الجامعة, المانعة, الواسعة, الشاملة, هي رحمة الله عز وجل, هي الجنة, الهدف من الإيمان, والعمل الصالح, والمعاملات, والأخلاق, وما إلى ذلك, هو أن المؤمن يرجو رحمة الله, وصل للجنة, الجنة: هذه رحمة الله عز وجل. 2-مكارم الأخلاق سببها رحمة الله :
أيها الأخوة, كل مكارم الأخلاق, مجموعة في رحمة الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
إذاً: هي السبب, وهي الهدف, وهي المصير, مكارم الأخلاق سببها: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
اللين, واللطف, والرحمة, والشفقة, والعطف, بسبب ما استقر في قلب رسول الله من رحمة, من خلال اتصاله بالله, فهي السبب, هي الهدف: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾
[سورة البقرة الآية:218]
هي المصير: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:107]
هي الأمل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾
[سورة النساء الآية:175]
3-الباعث الحقيقي لكل معالجة هي رحمة الله
أيها الأخوة, ما تشاهد في الدنيا؛ من مصائب, ومن كوارث, ومن فيضانات, ومن زلازل, ومن حروب أهلية, الشيء الذي لا يُحتمل, يُفسر برحمة الله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:147]
تقتضي رحمة الله عز وجل: أن يسوق هذا المجرم إلى الجنة, أن يسوقه إلى الهداية, أن يسوقه إلى التعريف بمهمته في الحياة.
لو أن الإنسان خلق ليكفر, أو خلق كافراً, لا يوجد داع لكي يعذبه الله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:33]
لو أن الإنسان مخلوق لجهنم, أو لم يكلف بالهداية, لا يوجد داع أن يكون مع الكفر, هناك تعذيب.
الآن: هذه الرحمة التي هي السبب, والهدف, والمصير, والباعث لكل معالجة . 4-الرحمة ثمنها الإحسان :
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:56]
﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:56]
هذه الرحمة ثمنها الإحسان: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
عطاء الله هي رحمة الله :
أيها الأخوة, إن أردت رحمة الله, هذا العطاء المطلق, والحقيقة: لو دققت بالتفاصيل, لوجدت رحمة الله في كل شيء, تعني الشيء المادي, تعني الصحة, تعني السلامة, تعني الطمأنينة, تعني الثقة, تعني الراحة, تعني السعادة, تعني أن يكون القبر روضة من رياض الجنة, تعني الجنة .
فالعطاء الجامع, المانع, الشامل, الواسع, أو الأصح أن نقول: مطلق, عطاء الله هي رحمة الله . من معاني الرحمة :
من معاني الرحمة قال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾
[سورة يونس الآية:21]
معناها: المطر رحمة, الجفاف ضرَّاء, المرض ضراء, الصحة رحمة, الفقر الشديد ضراء, الكفاية رحمة, الخلافات الزوجية ضراء, السعادة الزوجية رحمة, الأولاد المشاكسون ضراء, الأولاد الصالحون رحمة, هذا معنى آخر: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾
[سورة يونس الآية:21]
الآن: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾
[سورة هود الآية:9]
معنى ذلك: كل شيء مريح, رحمة الله كل شيء مسعد, رحمة الله كل شيء يسر لك أمرك (رحمة) .
الأولى: جاءته رحمة من بعد ضراء, الثانية: أذقنا الإنسان منا رحمة, ثم نزعناها منه, يعني: السلب بعد العطاء, المرض بعد الصحة, الفقر بعد الغنى, ممكن الغنى بعد الفقر, لكن الثاني أصعب: إنسان كان فقيراً فاغتنى, أما كان غنياً فافتقر, كان مريضاً فشفي, لما كان في صحة طيبة ثم وقع في مرض شديد, مؤمن بين أناس شاردين, مؤمن له يدان, وله رأس, وله أرجل, ويأكل ويشرب كأي إنسان آخر, طيب أين عطاء الله؟ قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾
[سورة هود الآية:28]
قد لا تُرى رحمة الله بالعين, شخص مؤمن يشبه أي إنسان, قد يكون شكله أقل مما ينبغي؛ ليس عنده الجمال الزائد في شكله –مثلاً-, في دخله, في بيته, في أولاده, لكن باستقامته, واتصاله بالله عز وجل, في قلبه رحمة, وسعادة, وطمأنينة, لو وزعت على أهل بلد لكفتهم:
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [سورة هود الآية:28]
أحياناً: تجد بيتاً عادياً, لكنه محفوف برحمة الله: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
[سورة هود الآية:73]
إذا الله عز وجل أحاط أسرة برحمته, فالأسرة موفقة, متفاهمة, بدخل محدود, الله يبارك لها في دخلها, يبارك لها في وقتها, يبارك لها في حاجاتها, والأمور كلها ميسرة, يبارك لها في عملها الصالح, هذا الذي لا يعبأ برحمة الله, هذا ضال أشد الضلال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾
[سورة الحجر الآية:56]
لا يرجو رحمة الله, يقنط من رحمة الله.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية:218]
هؤلاء الذين لا يرجون رحمة الله, هم الضالون. ما هو المطلوب منك؟ :
أيها الأخوة, حينما تُضطر من أجل أن تنال رحمة الله؛ أن تعاكس من حولك, أو أن تعاكس أقرب الناس إليك, قال: أنت مكلف مع هذا الهدف النبيل, والوسيلة المزعجة, أن تكون ليناً: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية:28]
يعني: وأنت في طلب رجاء, رحمة الله ينبغي أن تكون ليناً مع من حولك. هذا ما أراده الله :
أيها الأخوة, أحياناً: الإنسان يؤمن, يستقيم, يكون قاسياً مع والدته, قاسياً مع والده, قسوة لا مبرر لها, فمن أجل رحمة الله, يقف موقفاً قاسياً, هذا ما أراده الله عز وجل, حتى وأنت ترجو رحمة الله؛ أن تكون معتدلاً, أن تكون ليناً, وأن ترعى من حولك: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾
[سورة طه الآية:43]
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
[سورة طه الآية:44]
هذه ما تتمثلها رحمة الله :
في شيء آخر: قال: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية:100]
الأمطار, النباتات, هذه الأساسيات في حياة الإنسان؛ الهواء, والنبات, والماء, والطعام, والشراب, والأطيار, والأسماك.......: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾
[سورة الكهف الآية:10]
﴿آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾
[سورة الكهف الآية:10]
هذا الدعاء الأساسي, الأهم: ((اللهم رحمتك أرجو, فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين))
[أخرجه أبو داود في سننه]
سيدنا الخَضِر, هذا الذي وردت قصته في القرآن الكريم, قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾
[سورة الكهف الآية:65]
والإنسان بأكمله, بكل ما عنده, بوجوده, بإمداده, برشاده, هو كله كلمة واحدة. قال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾
[سورة مريم الآية:2]
يعني: رحمة الله تتمثل بالإيجاد, والإمداد, والهدى, والرشاد. خاتمة القول :
أيها الأخوة, آيات كثيرة جداً من رحمة الله, لكنه موضوع مهم: أن ترى رحمة الله هي كل شيء, وأن تسعى إليها, وأن ترجوها, وأن تكون هي المصير, وهي الهدف, وهي السعادة, وهي الشيء الذي يتمايز به المؤمنون, ورحمة الله تأتي من طاعته, وتأتي من الإحسان إلى خلقه, فكلما كنت أكثر إحساناً للخلق, كنت أقرب إلى رحمة الله.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الثالث )


الموضوع : من علامة ايمان المرء حسن الظن بالله






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
حسن الظن بالله ثمن الجنة :
ورد في الحديث القدسي الصحيح: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ربه أنه قال: ((يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تَظّالموا، يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم، يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم, وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، [كانوا] على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، وسألني كل واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك في ملكي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا غمس في مياه البحرَ؛ ذلك لأن عطائي كلام وعذابي كلام -كن فيكون, زل فيزول-، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي إدريس الخولاني]
هذا من أصح الأحاديث القدسية: "إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي".
أخواننا الكرام, حسن الظن بالله ثمن الجنة, هناك أفكار شائعة بين الناس مفادها أن الله ليس بحكيم, وأن الله ظالم, يقول لك: خلقه كافراً, وقدر عليه الكفر, وقدر عليه شرب الخمر, وجعله في جهنم إلى الأبد, هذا أشد أنواع الظلم, ليس له إرادة أبداً بمعاصيه.
كل من يؤمن بالجبر؛ أي أن الله أجبرنا على المعصية فعقيدته فاسدة, وهذه العقيدة تبعده عن الله عز وجل؛ ليس له جريرة, وليس له ذنب, الله قدّر عليه الكفر, خلقه كافراً, وأجبره على المعاصي والآثام, ثم حاسبه حساباً عسيراً, وجعله في جهنم إلى أبد الآبدين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
[سورة الأنعام الآية:148]
هذا كلام المشركين: ﴿وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية:148]
كل من يؤمن بالجبر عقيدته فاسدة :
كل من يدّعي أن الله أجبر العاصي على المعصية فعقيدته عقيدة أهل الشرك, الصواب: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية:3]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية:148]
الصواب: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية:29]
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
[سورة الشورى الآية:30]
اقرأ القرآن الكريم كله, تجد أن الإنسان مخير, وليس مسيراً.
فالله عز وجل قال: "إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي"، من الذي يظلم؟ الضعيف, القوي لا يظلم.
"لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً": ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾
[سورة الزمر الآية:7]
العين تحتاج إلى نور والعقل يحتاج إلى وحي :
أيها الأخوة, الحديث: "كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه"، العين البشرية لا يمكن أن ترى إلا من خلال وسيط هو الضوء؛ لو إنسان يملك عينين حادتي النظر, ودخل إلى غرفة مظلمة هل يرى بعينيه؟ لا يرى شيئاً, ما قيمة العين من دون ضوء؟
الآن: العقل يحتاج إلى وحي, العين تحتاج إلى نور والعقل يحتاج إلى وحي, فالإنسان إذا ابتعد عن الوحي, ابتعد عن القرآن, لا يمكن إلا أن يكون ضالاً, والدليل:
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
[سورة يونس الآية:32]
إما أن تكون على الحق؛ على منهج صحيح, على منهج الله, على صراطه المستقيم, وليس بعد هذه الحالة إلا حالة ضلال لأن الحق لا يتعدد, والدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[سورة البقرة الآية:257]
الظلمات جمع, أما النور فمفرد. الحق واحد لا يتعدد :
دليل آخر: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية:153]
الحق واحد, والحق لا يتعدد: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
[سورة يونس الآية:32]
فلذلك: "كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه": ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾
[سورة البقرة الآية:120]
كل إنسان ابتعد عن القرآن فهو في ضلال مبين, لكنه في الحياة الدنيا مخدر، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا, أما عند الموت فيصحو، الله عز وجل قال: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق الآية:22]
هذه الرؤية لا بد من أن تحدث لكل مخلوق, أما المؤمن فرآها قبل فوات الأوان. خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :
إذاً ما جاء به الأنبياء سيراه كل الناس حتى أكفر كفارهم, والدليل: فرعون حينما أدركه الغرق قال: ﴿آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
[سورة يونس الآية:90]
معنى ذلك أن خيارك مع الإيمان خيار وقت, هناك أشياء كثيرة جداً خيارك معها خيار قبول أو رفض, إلا مع الدين خيار وقت؛ إما أن تؤمن في الوقت المناسب فتنتفع بإيمانك, وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان, وعندئذ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾
[سورة ص الآية:3]
يقول الإنسان: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية:24]
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية:25]
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية:26]
العقل والوحي متحدا المصدر :
أيها الأخوة, الإنسان يندم بقدر ضعف عقله, وكلما نما عقله لا يندم, على مستوى التجارة الذي يعطل عقله يخطئ خطأ كبيراً ويندم.
فالإنسان حينما يأتيه ملك الموت, وهو على حالة لا ترضي, معنى ذلك كان عقله معطلاً؛ إنسان وصف النبي فقال: "ما قال شيئاً, وقال العقل خلافه –أبداً-, ما أمر بشيء إلا كان أول سابق له –كان سباقاً إليه-, وما نهى عن شيء إلا كان أول تارك له, وما أمر بشيء والعقل يقول: لا, أو نهى عن شيء والعقل يقول: نعم".
العقل مقياس أودعه الله فينا, والوحي من عند الله عز وجل, فالعقل والوحي متحدا المصدر؛ فكل شيء جاء به الشرع يقبله العقل, ويقره, وكل شيء يراه العقل الصريح المنزه عن كل غرض يتوافق مع الدين.
"كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم" أي اطلبوا الهدى من الله عز وجل.
"يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ" أي كل إنسان له حرفة, لو نقطة دم تخثرت في أحد شرايين الدماغ؛ فقد ذاكرته, انتهت حرفته.
أعرف رجلاً, وصل إلى مستوى معاون وزير صناعة, رجل درس في فرنسا؛ و كان في بحبوحة كبيرة, شاب في أول حياته, فقد بصره, تحملوه شهراً, شهرين, قبع في بيته, يأتي المستخدم يعرض له المعاملات؛ هذه وقعها, هذه لا توقعها, زاره صديق لي قال له: والله أتمنى أن أقبع على الرصيف أتسول, وليس على كتفي إلا ثوب واحد, وأن يرد لي بصري, -كلمته حفظتها حرفاً-.
فالإنسان عندما كف بصره, ضعف رزقه, عزل من وظيفته.
الإنسان خثرة دم بالدماغ, تنهي له كل عمله, وكل محله التجاري, وكل ذكائه, وكل ميزاته, كله انتهى.
"كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ كلكم ضال وكلكم جائع وكلكم عار". المؤمن كلما ارتقى إيمانه يسعد بالعطاء :
الآن: "لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم, وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم" أي لو أن البشر جميعاً كانوا كسيدنا محمد, الله عز وجل غني عنا, لا تنفعه طاعتنا, ولا تضره معصيتنا, غني عنا, خلقنا ليسعدنا, الله عز وجل معطي, عطاؤه مطلق, لا يوجد إنسان يعطي إلا مقابل شيء؛ مقابل ثناء, مقابل مديح, مقابل كلمة طيبة, وبالعمل التجاري تعطي وتأخذ, أما الإله فعطاء مطلق, والأنبياء العظام عطاء أيضاً, النبي أعطى ولم يأخذ, أعداء الله أخذ من دون عطاء.
مثلاً في الجهاز الهضمي للنملة جهاز مص وجهاز ضخ, النملة إذا التقت بنملة جائعة, تعطيها بجهاز الضخ من خلاصاتها الغذائية, عندها خلاصة غذائية بالمعدة-أي طعام مهضوم- فإذا التقت بجائعة, تعطيها عن طريق جهاز الضخ من خلاصتها الغذائية.
فهناك أناس كثيرون لا يرقون إلى مستوى النملة, يعمل جهاز المص فقط، الضخ معطل لا يعطي؛ فأعداء الله يأخذون ولا يعطون أبداً, أما المؤمن فيعطي.
وقالوا: إن أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر إلى نفسك أتفرح بالعطاء أم بالأخذ؟.
المؤمن يفرح لما يعطي, فالمؤمن كلما ارتقى إيمانه يسعد بالعطاء. الصدقات أساسها محبة الله عز وجل :
بالمناسبة: الزكاة فرض, الزكاة مثل الضريبة, إذا دفعت ضريبة هل يعطونك وسام شرف في الدولة؟ لا, ضريبة, أما لو قدمت لهم بناء مستوصف كهدية, يمكن أن يعملوا احتفالاً يقدرونك فيه, أما الضريبة فمن دون تقدير لأنها ضريبة، فالله عز وجل قال: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:177]
دققوا: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾
[سورة البقرة الآية:177]
معنى إيتاء الزكاة غير وآتى المال على حبه، الزكاة فرض, أما المال فدفع, هناك عقوبات, أما الصدقات فأساسها محبة الله عز وجل: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّه﴾
[سورة البقرة الآية:177]
إما على حب المال, أو على حب الله عز وجل, كلاهما صحيح المعنى. الخاسر من تعلق بالدنيا و نسي الآخرة :
لذلك الحديث القدسي: "لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، وسألني كل واحد منكم مسألته"، يا رب أريد مئة مليون, يا رب أريد قصراً مساحته ثمانمئة متر, مطل برأس برزة, تفضل خذ, يا رب سيارة أحدث موديل مثلاً, يا رب زوجة شابة خذ.
"ما نقص ذلك في ملكي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا غمس في مياه البحرَ"، اذهب إلى طرطوس, واركب قارباً, وأمسك إبرة, واغمسها بالبحر, واسحبها بم رجعت؟ النبي قال: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))
[ الطبراني عن المستورد بن شداد]
كل النزاع, والصراع, والتهافت على قطرة الماء التي تعلق بالمخيط, والبحر، كله بالآخرة؛ لذلك: (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
فالذي يتعلق بالدنيا فقط وينسى الآخرة أكبر خاسر. التقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز :
لذلك: "لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، وسألني كل واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك في ملكي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا غمس في مياه البحرَ؛ ذلك لأن عطائي كلام, وعذابي كلام".
سؤال الآن: لماذا الفقر في العالم؟ لماذا هناك سنوات عجفاء ليس فيها أمطار؟ لماذا هناك مجاعات في العالم؟ هناك فقر؟ يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن التقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز, والدليل: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء﴾
[سورة الشورى الآية:27]
مررنا بحرب النفط انتهت, جاء بعدها حرب القمح انتهت, جاء بعدها حرب المياه.
كنت بالعمرة من سنة أطالع مجلة علمية فوجدت في بعض الدول الأوروبية عندها مرصد عملاق, يعمل في الأشعة تحت الحمراء, رصدوا سحابة في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم من المياه العذبة, لو جفت كل المحيطات هذه السحابة وحدها تملؤه ستين مرة باليوم الواحد, قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُه﴾
[سورة الحجر الآية:21]
فإذا الله قنن فتقنينه تأديب لا تقنين عجز.
"فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ"، لا تسب إبليس, إبليس ليس له دخل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[سورة إبراهيم الآية:22]
هذا الحديث أخواننا الكرام أصل في قضية العطاء والمنع, والمصيبة البحبوحة، " فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه".







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الرابع )


الموضوع :الشكر ( لئن شكرتم لازيدنكم)


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تسخير تكريم :
أيها الأخوة الكرام: من الآيات الجامعة المانعة في شأن العقيدة قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية:147]
يبدو أن الإنسان حينما يؤمن ويشكر يحقق الهدف من وجوده, لماذا؟ لأنه في الأصل إحسان من الله عز وجل؛ منحه الله نعمة الوجود, أنت موجود.
إذاً: هذه نعمة الله الكبرى لك؛ منحك نعمة الوجود, ومنحك نعمة الإمداد, ومنحك نعمة الهدى والرشاد, فأنت أثر من فضل الله عز وجل.
فالله عز وجل سخر هذا الكون لك تسخيرين؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم في وقت واحد.
لو أن لك صديقاً على مستوى رفيع جداً في الإلكترون, واخترع جهازاً, وقدمه لك هدية, فأنت أمام شعورين؛ شعور الإكبار لهذا الجهاز الذي قدم لك خدمة كبيرة, وشعور الامتنان لأنه قدمه لك هدية. فالكون مسخر تسخير تعريف, وتسخير تكريم.
وقد أشار النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى هذا, لما رأى الهلال قال: ((هلال خير ورشد))
[أخرجه أبو داود عن قتادة]
وقس على هذا الحديث كل شيء؛ الابن أرشدك إلى الله, كيف كان نقطة ماء فصار كائناً بالغ التعقيد، الماء العذب الزلال أرشدك إلى الله, وانتفعت به, والابن أرشدك إلى الله, وانتفعت به, والطعام والشراب أرشدك إلى الله, وانتفعت به. من آمن و شكر حقق الهدف من وجوده :
كل شيء خلقه الله له وظيفتان: وظيفة نفعية, ووظيفة إرشادية؛ الحقيقة الوظيفة الإرشادية أكبر بآلاف المرات من الوظيفة النفعية؛ لأن الوظيفة النفعية تنتهي عند الموت, لكن الوظيفة الإرشادية تمتد إلى أبد الآبدين.
فالإنسان حينما يفكر في شيء, ويعرف الله من خلاله, فقد حقق الهدف من وجود هذا الشيء, أما إذا انتفع به فلم يحقق شيئاً.
العالم الغربي بأكمله ينتفع من النعم إلى أعلى درجة, ولكنه ما عرف الله, عطل أكبر هدف للشيء.
فهذه الآية أيها الأخوة: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم الآية:7]
حينما تشكر تحقق الهدف من وجودك؛ لأن في الأساس وجودك نعمة, منحة, فضل.
أحياناً الإنسان يشتري بيتاً, يدفع ثمنه, صاحب البيت الذي باعه البيت لا يستطيع أن يقول له كلمة أنا تفضلت عليك, أخذت ثمنه, أخذت ثمنه عداً ونقداً, ولم تتسامح معي ولا بليرة, أما إذا إنسان قدم لك البيت كهدية, والبيت ثمين جداً, اختلف الأمر.
فأنت أمام منحة من الله, أنت فضل كلك, أولاً: وجودك, وما أمدك به, ونعمة الهدى التي أنعم الله بها عليك؛ فأنت نعمة, وما حولك نعمة, الكون كله مسخر لك بنص الآية الكريمة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
[سورة الجاثية الآية:13]
فرد فعل هذا الكون المسخر لك؛ الوظيفة الإرشادية أن تؤمن, والوظيفة النفعية أن تشكر, فإذا آمنت وشكرت فقد حققت الهدف من وجودك. معرفة الله عز وجل هو الشيء الذي يرجح بين المؤمنين :
معنى هذا أن الشكر ليس شيئاً استثنائياً, أنت عملية طواعية؛ لأن أصل وجودك نعمة, ومخلوق للسعادة, فينبغي أن تشكر, تشكر من يجب أن تشكر:
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية:147]
أحياناً الإنسان يقدم هدية لمريض, يعمل بطاقة هذه من فلان, المريض كيف يشكرك إن لم يعلم أن هذه الهدية منك؟ انظر تلازم الشكر مع العلم, هذا المريض الذي قدمت له هدية, لو دخل عليك عشرة أشخاص, وشخص منهم معه هدية, ولا يوجد بطاقة, لا تعرف هذه ممن؟ أما لو قدم بطاقة فتعرف هذه ممن, فإذا التقيت به مرة ثانية, تشكره على هديته, فهذا منطلق.
فكرة دقيقة جداً يقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم الآية:7]
قال بعض العارفين بالله: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم طاعتي, ولئن شكرتم طاعتي لأزيدنكم خلوتي, ولئن شكرتم خلوتي لأزيدنكم قربي, ولئن شكرتم قربي لأزيدنكم الغنى, ولئن شكرتم الغنى لأزيدنكم معرفتي, ولئن شكرتم معرفتي لأزيدنكم رؤيتي ووصالي, فزيادة كل مقام بمقدار ذلك المقام.
إنسان شكر أنه أعانه الله على طاعته, الآن الشكر على الطاعة يسبب قرباً.
هذه الخلوة؛ أنا جليس من ذكرني, وحيث ما التمسني عبدي وجدني.
إن شكرته على القرب فيما بينك وبينه زادك غنى, الغنى حالة راقية جداً, أن تستغني بالحق عن الخلق, المؤمن عزيز النفس؛ المؤمن لا يتذلل لأحد, لا يتضعضع لأحد, لا يصغر أمام أحد, أغناه الله عن الخلق, فالغنى أن تستغني بالحق عن الخلق.
لئن شكرتم الغنى لأزيدنكم معرفتي.
الحقيقة المعرفة شيء ثمين, والشيء الذي يرجح بين المؤمنين هو معرفة الله عز وجل. من عرف الله زهد فيما سواه :
الآن: النبي عليه الصلاة و السلام طبق المنهج مئة في المئة, وأي مؤمن صادق ينبغي أن يطبق المنهج مئة في المئة, ولكن الفرق بين مقام الأنبياء وبين مقام المؤمن فرق المعرفة, أما التطبيق فواحد.
الطبيب يجب أن يعطي المريض حقنة، فهناك إجراءات لا بدّ منها؛ تعقيم مكان الإبرة, تعقيم الغطاء, تعقيم الإبرة, فهذا يفعله أكبر طبيب, وأصغر ممرض, أما الفرق بين الممرض والطبيب ففرق معرفة, والمنهج الإلهي يطبقه أقل مؤمن وأعظم نبي, الفرق بينهما فرق معرفة.
قال: ولئن شكرتم الغنى لأزيدنكم معرفتي, ولئن شكرتم معرفتي لأزيدنكم رؤيتي ووصالي.
الإنسان ذاق كل شيء في الدنيا, لكن لو أنه ذاق طعم القرب لزهد في الدنيا، من عرف الله زهد فيما سواه.
إنسان جائع جوعاً شديداً, ثلاثة أيام لم يأكل, فوجد قطعة خبز يابسة مثلاً, بدأ يأكلها, لو التفت إلى جهة وجد الطعام, واللحوم, والمقبلات, والعصير, فوراً يترك هذه القطعة اليابسة, ويلتفت إلى الطعام النفيس.
فمن لم يزهد في الدنيا فهناك دعوة أن أعرف الله, لو عرفه حقيقة لزهد في الدنيا.
قال: لئن شكرتم الفقر لأزيدنكم فقراً ليس لئن شكرتم لأزيدنكم، إنسان فقير, شكر الله على نعمة الفقر, فزاده الله فقراً! مستحيل, إذا شكر الفقر المادي زاده الله افتقاراً إليه, وهذه حالة قرب عالية جداً؛ كلما كنت أكثر افتقاراً لله كلما كنت أقرب إلى الله, فأنت شكرت وضعاً مادياً معيناً فعوض عنك الفقر المادي بغنى في الخلق, أي افتقار إلى الله.

فبالافتقار إليك فقري أدفـــع وما لي سوى فقري إليك وسيلة
وما لي سوى قرع لبابك حيلـة فإذا رددت فـــأي باب أقـرع
***
أنواع البلاء :
ولئن شكرتم البلاء لأزيدنكم بلاء، العلماء قالوا: البلاء على ثلاثة أنواع؛ أحدها الانتقام, وعلامته ضيق الصدر, وشكوى للخلق, إذاً البلاء انتقام من الله وعقاب يرافقه ضيق شديد, والإنسان يضجر ويشتكي, وهناك بلاء لتكفير الذنوب, علامته ضيق القلب من دون شكوى للخلق, وهناك ابتلاء لرفع الدرجات, قال: هذا لا يصحبه لا ضيق نفس ولا شكوى للخلق. وهذه علامة دقيقة.
إنسان أصيب بمصيبة, المؤمن يصاب أحياناً بمصيبة، مرة أخ من الأخوان بعث لي رسالة عقب درس الجمعة, أنت تتحدث عن أمراض العضال كثيراً, هناك مؤمنون يصابون بهذه الأمراض, وأنت يفهم من كلامك أن كل إنسان معه مرض عضال يعاقبه الله, قلت: والله ما أردت هذا المعنى؛ لأن المرض نفسه للمؤمن رفع درجات؛ جاء مرض, وإنسان ضاق به ضيقاً شديداً, وشكا للخلق, فهذا المرض عقاب, أما إذا كان قد ضاق به, ولم يشك لأحد, فهذا تكفير, أما إذا ما ضاق به, ولم يشك لأحد, فهذا رقي درجات, قد يكون المرض نفسه, لكن انعكاسه عند الأشخاص متفاوت.
قال بعضهم: لئن شكرتم الإسلام لأزيدنكم الإيمان، إذا كان الإنسان منصاعاً لأمر الله, شكر ما هو فيه, فالله عز وجل يرقيه إلى درجة الإيمان.
ولئن شكرتم الإيمان لأزيدنكم الإحسان، معلوم عندكم أنه يوجد عندنا إسلام, وإيمان, وإحسان؛ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ فإذا الإنسان شكر طاعته لله, نقله الله إلى الإيمان, فإن شكر الإيمان, نقله الله إلى الإحسان.
ولئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم العرفان، معرفة الله أعلى مقام؛ فالشاكر في مزيد, والشكَّار -كثير الشكر- في مزيد المزيد, والشكور في نهاية المزيد.
حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
أنت منحة من الله, أنت فضل من الله, أنت إحسان من الله, أنت حسنة من الله عز وجل, وجودك منحة.
إنسان دخل لقصر, وتناول أطيب الطعام, وتلقى أعلى الترحيب؛ فكل الدخول, وكل الترحيب, وكل شيء هو منحة من صاحب البيت.
فالكلمة الأولى, والأخيرة, والجامعة, والمانعة هي الشكر, أن تشكره.
قال: "قد يكون المزيد أحوالاً, وقد يكون المزيد أفعالاً, وقد يكون المزيد أخلاقاً, وقد يكون المزيد صفات, وقد يكون المزيد ذاتاً, أو معلوماً, أو مفهوماً, وقد يكون المزيد معجلاً, أو مؤجلاً, وقد يكون في الدنيا, وقد يكون عند فراق الدنيا".
نستعرضهم واحدة واحدة: لئن شكرتم لأزيدنكم, قد يأتي المزيد أحوالاً أي الله يكرم الإنسان بحال طيبة, له حال مع الله طيبة, مرتاح, مطمئن؛ لا يوجد عنده قلق, لا يوجد عنده حزن, لا يوجد عنده حسد, سليم الصدر لكل الخلق؛ على أنه فقير أو غني, على أنه مريض أو صحيح الجسم, على أنه يعاني من مشكلات عديدة أو راضٍ عن الله, هذا إكرام الحال, إكرام الحال شيء مهم جداً.
تجد شخصاً محطماً؛ وهو صحيح محطم, وهو غني يعاني من ضيق نفسي, الشيء الغريب تجد شخصاً بالعكس, يعاني من ضيق مادي وهو في سعادة, يعاني من مرض وهو في سعادة، فقد يكون المزيد حالاً.
إذا إنسان دخل لبيت من بيوت الله, صلى, لا يوجد شيء في بيت الله, كرسي لا يوجد, يجلس على الأرض, لا يوجد شيء من مظاهر الإكرام المادي, تدخل لبيت, هناك جلسة مريحة, على مقعد وسيع, قد يكون جسده حاراً, يفتح له المروحة؛ يأتيه كأس شاي, فنجان قهوة, فواكه, أحياناً غداء, بينما بيت الله لا يوجد فيه شيء إلا الجلوس على الأرض, إذاً أين إكرام الحال؟ يخرج الإنسان مرتاحاً, يخرج متوازناً, يخرج من المسجد مطمئناً, يخرج من المسجد راضياً عن الله, يخرج من المسجد واثقاً, موعوداً بالجنة, يخرج من المسجد يشعر أن الله معه, وهو في رعايته, وفي ظله؛ يأتي أحياناً الإكرام أحوالاً, وأحياناً يأتي الإكرام أفعالاً, الله عز وجل يقدر على يديك الخير.
أنواع الإكرام :
حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
[سورة الأنعام الآية:132]
فإذا الله عز وجل قدّر على يديك عملاً صالحاً كثيراً فهذا إكرام تناله من الله عز وجل، وأحياناً يأتي الإكرام أخلاقاً, الله يعطيك حلماً، وكاد الحليم أن يكون نبياً, والحلم سيد الأخلاق؛ يعطيك حكمة, يعطيك حسن تصرف, يعطيك كلاماً سديداً, يعطيك فعلاً رشيداً.
أحياناً يكون الإكرام أخلاقاً, أحياناً يكون حالاً, أحياناً يكون صفة أي صفة ثابتة في الإنسان, أحياناً يكون ذاتاً, يعطيه ولداً صالحاً, يعطيه ذرية طيبة, أحياناً يكون الإكرام معرفة بالله.
فهناك إكرام معرفة, و إكرام ذات؛ وهبك الله ولداً صالحاً فهذا إكرام, صفات ثابتة هذا إكرام, أخلاق هذا إكرام, أفعال هذا إكرام أحوال؛ وهذا المزيد قد يكون معجلاً, وقد يكون مؤجلاً, قد تأتي الدنيا مجتمعة, وقد تأتي متأخرة..
إذا وجد أنك تستقيم من أجل مكاسب مادية أصبح هناك شائبة بالموضوع, والله يؤخر, يريدك أن تستقيم له من دون غرض مادي, وإذا كان إخلاصك عال جداً, يأتي الإكرام سريعاً؛ وقد يكون في الدنيا, وقد يكون في الآخرة.
يمكن إنسان في الدنيا لحكمة أرادها الله أن يكون إكرامه في الآخرة, فهذه بعض الحقائق عن الشكر الذي هو واجد: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[سورة إبراهيم الآية:7]
حالات الشكر :
هناك نقطة أخيرة: الشكر له ثلاث حالات؛ أول حالة حينما تعزو هذه النعمة إلى الله, فهذا أحد أنواع الشكر؛ إذا قلت: الله عز وجل أكرمني بالصحة, معنى هذا أنك عزوتها إلى صاحبها, وإذا امتلأ قلبك امتناناً بالشكر, فهذه نعمة ثانية, أما حينما ترد على النعمة بعمل صالح فهذا أعلى أنواع الشكر, لقوله تعالى:
﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية:13]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الخامس )


الموضوع :ذكر الله ( فاذكرونى اذكركم )






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أي نشاط يقرب الإنسان من الله عز وجل فهو ذكر له :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/01.jpg
أيها الأخوة: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم -خير اسم تفضيل- وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم, قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل))
[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي الدرداء]
أيها الأخوة, ذكر الله كلمة شاملة واسعة؛ إن قرأت القرآن فأنت ذاكر لله, وإن استغفرت الله فأنت ذاكر لله, وإن سبحته فأنت ذاكر له, وإن حمدته فأنت ذاكر له, وإن كبرته فأنت ذاكر له, وإن وحدته فأنت ذاكر له, وإن دعوته فأنت ذاكر له, وإن قرأت سنة نبيه فأنت ذاكر له, وإن تلوت على الناس سير الصحابة الكرام فأنت ذاكر له, فأي نشاط يقربك من الله عز وجل فهو ذكر له. ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم, قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل))
[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي الدرداء]
علة إقامة الصلاة أن تذكر الله عز وجل :
الآية الكريمة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة العنكبوت الآية:45]
قال بعض العلماء: ذكر الله أكبر شيء في الصلاة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية:14]
إذاً علة إقامة الصلاة أن تذكر الله, وهناك آية أخرى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[سورة البقرة الآية:152]
بعض العلماء قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة العنكبوت الآية:45]
بعضهم قال: ذكر الله لك أيها المؤمن أكبر من ذكرك له؛ بمعنى أنك إذا ذكرته استعنت به, أما إذا ذكرك فأعطاك كل شيء.
ورد في الأثر: ((أنا جليس من ذكرني, وحيث ما التمسني عبدي وجدني))
والمؤمن إذا أكثر من ذكر الله برئ من النفاق؛ لأن المنافقين وصفوا بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً. بطولة الإنسان أن يقيم علاقة طيبة مع الله تعالى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/02.jpg
هناك أقوال لبعض العلماء حول الذكر, قالوا في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:152]
اذكروني على وجه الأرض أذكركم في بطن الأرض.
أي أنت في الدنيا, يمكن أن تأنس بالناس؛ بزوجتك, بأولادك, بأقربائك, بمن حولك, ولك مكانة اجتماعية, عندك طلاقة لسان, الناس حولك متحلقون؛ إن ذكرت الله وأنت على وجه الأرض, ذكرك الله وأنت في بطن الأرض؛ في بيت الوحشة, في بيت الدود, في بيت الظلمة, إن ذكرته وأنت على وجه الأرض ذكرك وأنت في بطن الأرض؛ وأنت في أمس الحاجة إلى الله, وأنت تحت الأرض.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/03.jpg
لذلك في بعض الأدعية: "اللهم استرنا فوق الأرض, وارحمنا تحت الأرض, ويوم العرض".
وبعضهم قال: "إذا وضع الميت في قبره, وانصرف عنه المشيِّعون من أهله, وتركوه وحيداً في لحده, يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا وتركوك, وفي التراب دفنوك, ولو بقوا معك ما نفعوك, ولم يبق لك إلا أنا, وأنا الحي الذي لا أموت".
أحياناً الموظف يُنحى مديره العام, هو قلق جداً, من الذي سيأتي بعده؟ لو جاءته معلومة: فلان سيعين مكانه, يسعى لإقامة علاقات طيبة مع هذا الذي سيأتي ضماناً للمستقبل, فنحن سنؤول إلى القبر جميعاً, ولا يوجد في القبر إلا الله عز وجل.
فالبطولة أن تقيم علاقة طيبة مع الله, الآن حتى إذا كنا تحت الأرض رحمنا الله عز وجل, وقال بعضهم: اذكروني عند المعصية أذكركم يوم القيامة عند رؤية النار.

لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله لأن عبد الله حر :
المعاصي متاحة لكل إنسان, إذا كان الذي يمنعك عن المعصية خوف الله عز وجل فإن ذكرت قلت: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, يذكرك الله يوم القيامة عند رؤية النار.
لو إنسان رأى مثلاً امرأة فاشتهاها, فقال: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, ذكره الله يوم القيامة عند رؤية النار, كلما أغرته معصية فقال: معاذ الله! إني أخاف الله رب العالمين, ذكره الله يوم القيامة عند رؤية النار.
فالإنسان إذا كبرت سنه, وانحنى ظهره, وضعف بصره, وشاب شعره، يقول الله له: عبدي استح مني, فأنا أستحي منك.
إذا ذكرت الله ذكرك الله, إذا خفت من الله أمنك الله, إذا رجوت الله لباك الله عز وجل.
ورد في بعض الكتب: أن عبدي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
قد تجد أحياناً:
((إني والإنس والجن في نبأ عظيم؛ أخلق ويعبد غيري, وأرزق ويشكر سواي))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
أي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/04.jpg
هناك معنى دقيق أحياناً يمكن أن تعبر عنه بلغة دارجة أنت لا يليق بك أن تكون لغير الله, وإذا كنت لغير الله فقد احتقرت نفسك, أنت المخلوق الأول, أنت لله؛ فإذا قدرت أن تكون لغير الله, أن تكون ملحقاً مع إنسان, من أتباع إنسان تعبده من دون الله, تعظمه من دون الله , فأنت قد احتقرت نفسك؛ لأنه قد تعرض عن شيء احتقاراً له, أما إذا أعرضت عن الله فأنت احتقرت نفسك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
[سورة البقرة الآية:130]
إن تعرض عن بيت لا يعجبك احتقاراً له, إن تعرض عن عمل لا يكفيك دخله احتقاراً له, إن تعرض عن فتاة لا تروق لك, لم تعجبك لتتزوج منها، هذه الحالات تحتقرها، أما إذا أعرضت عن الله, فأنت قد سفهت نفسك, احتقرتها؛ لأنك لله, أنت لله, فإذا كنت لعبد الله فأنت من الخاسرين.
لا يليق بك أن تكون لغير الله, تجده حراً؛ إذا كنت لله فأنت حر, إذا كنت لله فأنت عزيز, وإذا كنت لله فأنت مطمئن, إذا كنت لله فأنت واثق من المستقبل, إما إذا كنت لعبد الله, عبد الله لو فرضنا غاب عن الساحة, انتهيت أنت معه؛ إذا ربطت مصيرك بإنسان فأنت عبد لهذا الإنسان, أما إذا ربطت مصيرك بالواحد الديان, فأنت مع الله دائماً. ذكر الله عز وجل من علامات الإيمان :
لذلك المؤمن فوق الأحداث الطارئة, هناك إنسان يربط نفسه بحدث معين, بجماعة معينة؛ فهذا قيمته مرتبطة مع هذه الجماعة, أو مع هذا الشخص, أو مع هذا الحدث, ولا يليق بك أن تكون لغير الله, وحينما تكون لغير الله تحتقر نفسك, ولا تعرف قيمتها.
معظم الناس مشركون شركاً خفياً, أي هو يعبد جهة من دون الله, يؤلهها, يخلص لها؛ يمحضها حبه, يمحضها جهده, يمحضها حنجرته, هو لها.
عبدي أنا لك فأنت لمن؟ وأنا معك فأنت مع من؟.
وقيل: "اذكروني بنسيان غيري أذكركم, وأكشف الحجب عن وجهي, حتى تنظروا إلى نوري".
أي الله عز وجل هو المنحة التي لاتوصف, فإذا قبلت منحة إنسان, ونسيت الواحد الديان, فأنت مع الخاسرين.
كما قلت قبل قليل: إذا أكثرت من ذكر الله برئت من النفاق.
وسبحان الله! ذكر الله يجمع وذكر الدنيا يفرق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/05.jpg
الآن: بجلسة مثلاً تحدثوا عن الدنيا؛ هذا تاجر, هذا صانع, هذا عنده معمل, تجد أن الكآبة قد عمت, لأن إنساناً ليس له هذا النشاط أصبح خارج الاهتمام, أما إذا ذكرت الله, يجتمع الكل حولك, فإن ذكرت الدنيا تفرقوا عنك. (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ و مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
عود نفسك أينما جلست أن تذكر الله, تجد أن المجلس قد ارتقى, عمت الفرحة, تألقت الوجوه, وعود نفسك كلما سمعت شيئاً مهماً, حاول أن تحفظه؛ لأن الإنسان في النهاية ذاكرة.
الذي يريد أن يتكلم؛ سمع تفسير آية, تفسير حديث, قصة أعجبته حفظها, أو كتبها, أو كتب ملخصها, أينما جلس, لو ذكر تفسير آية ارتقى المجلس.
الآن هناك آلاف اللقاءات, ملايين اللقاءات، كلها عن الدنيا, كلام فارغ؛ وغيبة, ونميمة, وتباه، وتفاخر، تجد الجلسة فيها مقت, ليس فيها سرور, يخرجون محطمين؛ هذا افتخر على هذا, وهذا استعلى على هذا, وهذا أظهر ما عنده من متاع الدنيا, فكسر قلوب الآخرين, يخرجون محطمين, أما إذا ذكروا الله فيخرجون جميعاً مجبورين. من عرف الله أكثر من ذكره :
يا أيها الأخوة, ذكر الله عز وجل من علامات الإيمان, وكلما عرفته أكثرت من ذكره، والله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية:41]
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:42]
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية:43]
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾
[سورة الأحزاب الآية:44]
أفضل الذكرِ الذكر الخفي :
قلت لكم كما قال عليه الصلاة والسلام: ((بلِّغُوا عني ولو آية))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/06.jpg
أي حاول أن تبلغ عن رسول الله شيئاً؛ ولو آية, ولو حديث, ولو حكم فقهي, بلغ, إذا بلغت حققت الدعوة التي هي فرض عين على كل إنسان.
سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية:3]
وبعضهم قال: أفضل الذكرِ الذكر الخفي.
الآن: إذا كان الإنسان يمشي في الطريق وحده, هناك حوار ذاتي, هذا شيء معروف, لو ركب سيارة لحلب لوحده, بباص عام, ماذا يفعل في الطريق لوحده؟ طول الطريق يحدث نفسه, حتى الخواطر حوار.
فعلى الإنسان أن يكون حواره الداخلي ذكراً لله، أي إذا رأى آية يقول: سبحان الله! إذا ذكر آية يقول: الحمد لله, أو سبحان الله والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر.
و الإنسان إذا قرأ أذكار النبي -عليه الصلاة والسلام-, وحاول أن يقلده بها, الدعاء ذكر, وكل حركة من حركات الإنسان فيها دعاء. ذكر الله أكبر عبادة وأوسع عبادة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6024/07.jpg
على كلٍّ؛ ذكر الله أكبر ما في الصلاة, وذكر الله أكبر عبادة, وأوسع عبادة, وأشمل عبادة, لأنه يدور معك حيثما درت, أينما تحركت؛ إذا أويت إلى فراشك هناك دعاء خاص قبل أن تنام, إذا استيقظت من فراشك هناك دعاء خاص, إن خرجت من البيت هناك دعاء خاص, إن دخلت هناك دعاء خاص, إن ارتديت ثياباً جديدة هناك دعاء خاص, إن جلست إلى الطعام هناك دعاء خاص, إن قمت عن الطعام هناك دعاء خاص, إن دخلت إلى بيت الخلاء هناك دعاء خاص, إن خرجت منه هناك دعاء خاص, الدعاء اتصال مستمر, هذا هو ذكر الله.
إنسان أقدم على شيء, على عمل يقول: يا رب أعني. يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي, والتجأت إلى حولك وقوتك, يا ذا القوة المتين.
أيها الأخوة, عليكم بذكر الله فإنه شفاء.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( السادس )


الموضوع : الحكمة2 ( معاني الحكمة - معرفة القرآن الكريم - النبوة - السنة -العقل ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة شيء نفيس جداً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، ربنا جلّ جلاله إذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
معنى ذلك أن الحكمة شيء نفيس جداً, بل إن الدنيا بأكملها؛ لو ملكت الدنيا من أقطارها, لو كنت أغنى رجل فيها, لو كنت أقوى رجل فيها, لو كنت أكثر الناس استمتاعاً بالشهوات, الوصف عند الله عز وجل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
الحكمة وصفت بأنها خير كثير, والدنيا بأكملها لا أقول من يأكل ويشرب, من ملك الدنيا هو من عند الله نال شيئاً قليلاً: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
من معاني الحكمة :
1 ـ معرفة القرآن الكريم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/02.jpg
العلماء لهم في تفسير الحكمة مذاهب عديدة: أحد هذه المذاهب قالوا: الحكمة هي المعرفة بالقرآن الكريم؛ لأنه فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
إنسان أديب, شاعر, مثقف, ذو فكر, موضوعات عمله الدنيا, وإنسان اختص بالقرآن الكريم, بكلام الله عز وجل.
فالحكمة كما قال ابن عباس هي المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه, مُحكمه ومتشابهه, مقدَّمه ومؤخره, حلاله وحرامه, وأمثاله.
لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- دعا لابن عباس فقال: "اللهم علمه التأويل"، فهذا عطاء نفيس.
وعن سيدنا يوسف قال:
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
[سورة يوسف الآية:21]
فالذي أوتي فهماً في كتاب الله, هذه نعمة لا تعدلها نعمة, والسبب الإنسان حينما تصح عقيدته, ويصح تصوره عن الكون, والحياة, والإنسان, ويفهم عن الله حكمته, يبلغ أعلى مرتبة. الإنسان حينما يفهم القرآن ينعكس هذا على تصرفاته استقامة وعملاً صالحاً :
القرآن الكريم, الكتاب المقرر, القرآن الكريم هو حبل الله المتين, هو الصراط المستقيم, هو النور المبين, هو الدستور, هو المنهج، من أوتي القرآن وظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله تعالى، السبب: الإنسان حينما يفهم القرآن, ويفهم كلام الله, ينعكس هذا على تصرفاته؛ استقامة, وعملاً صالحاً, وطلباً للعلم.
فلو أن الإنسان اعتقد شيئاً لا ينعكس على سلوكه, اعتقد ما شئت, أما حينما يكون من اللازم أن كل ما تعتقده, أو أن كل ما تقتنع به, أو أن كل ما تتصوره, ينعكس على السلوك, فبقدر ما تعتني بعقيدتك, وفهمك, وعلمك, ينعكس على سلوكك.
لذلك أول تفسير للحكمة: أن تفهم القرآن.
وقال بعضهم: الحكمة هي النبوة، كاد الحكيم أن يكون نبياً. الحكمة من لوازم المؤمن وهي العطاء الإلهي للمؤمن :
وكنت أقول سابقاً: الإنسان بالحكمة في مستوى الزواج يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة, ومن دون حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى, بالحكمة يُدبر أموره في دخل محدود, من دون حكمة يشقى بدخل غير محدود.
الحكمة هي عطاء الله عز وجل, أنت خطبت ود الله, فأكبر مكافأة جعلك حكيماً وكاد الحكيم أن يكون نبياً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/03.jpg
الكافر سُلب الحكمة؛ لا بد من أن يرتكب حماقة, لا بد من أن يخرب بيته بيده, لا بد من أن يشقي نفسه بيده, والدليل قول الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
لو أن الكافر حكيم كالمؤمن أصبح الدين لا فائدة له, وصل الكافر للحكمة من دون دين, أما الحكمة فمن خصائص المؤمن, الكافر يرتكب حماقة؛ أحياناً يحكم على نفسه بالإعدام, الكافر نفسه يحكم على نفسه بالإفلاس, بالشقاء الزوجي.
يمكن لشخص أن يكون بيته جحيماً, وماله نقمة عليه, وقوته سبب دماره, سبب تصرفاته, سبب شقائه، فيجب أن نعتقد أن الحكمة من لوازم المؤمن, هي العطاء الإلهي للمؤمن, هذا المعنى الثاني: الحكمة هي النبوة وقيل: كاد الحكيم أن يكون نبياً, وبعضهم قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
الحكمة توجيهات النبي, منهج النبي -عليه الصلاة والسلام-، الإمام الشافعي هكذا يقول: الحكمة هي النبوة. الحكمة من أعظم العطاءات للإنسان :
أحياناً تتكلم كلمة لا تلقي لها بالاً, من رضوان الله تعالى ترقى بها إلى أعلى عليين, وقد يتكلم الإنسان بالكلمة, لا يلقي لها بالاً, من سخط الله عز وجل يهوي بها في جهنم إلى أسفل سافلين.
الكافر أحياناً يدمر بيته بكلمة قاسية, يلغي شراكة بكلمة قاسية, يخسر أولاده بتصرف أحمق, والمؤمن الله عز وجل عافاه من ذلك؛ لأن المؤمن في ظل الله, ما دام في طاعة فهو في ظل الله, وما دام في ظل الله فهو في عناية الله, هذا أكبر عطاء إلهي أن الإنسان يُلهم الحكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/04.jpg
ليس مهماً مستوى معيشتك, ولا نوع عملك؛ بأي مستوى, وبأي عمل, وبأي وضع اجتماعي, وبأي وضع اقتصادي, وبأي وضع واقعي, وبأي وضع أسري, تسعد بأي وضع, ومن دون حكمة تشقى بأي وضع.
مرة قلت: فندق من الفنادق الضخمة جداً, خمس نجوم, أراد أن يشجع الناس على إقامة عقود القران في فندقه, فعمل إحصاء بالإدارة المالية, كم عقد قران تمّ في هذا الفندق في ستة أشهر ماضية؟ فكان العدد ستة عشر عقداً, دعا أصحاب هذه العقود –الأزواج- لحفل تكريمي حتى يشجعوا الآخرين- وكل عقد كلف عشرين مليوناً, ثمانية ملايين, وأعلى عقد كلف خمسة وثمانين مليوناً- المفاجأة ثلاثة عشر عقداً من هذه العقود آلت إلى الطلاق قبل ستة أشهر, ثلاثة عقود فقط مستمرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/05.jpg
في عقد من العقود ترتيبه أن يأتي العريس على جمل إلى الشيرتون, فتم هدم الجدار, كلفه هدم الجدار الخارجي وترميمه مليون ونصف ليرة, حتى يدخل العريس بالجمل, هذا العقد بعد سبعة عشر يوماً آل إلى الطلاق! لا يوجد حكمة.
قال لي أخ أثناء العقد: العقد كلف ملايين, العروس تقف إلى جانب العريس, ويبدو أن هناك تصويراً, فأشارت للعريس: انزل قليلاً, فقال لها: طالق, طالق, طالق, قبل أن يُوضع الطعام.
بالتعبير العامي: الكافر يجب أن يرتكب حماقة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
تجد إنساناً بسيطاً, يعيش عيشة متواضعة, لكنه حكيم؛ سعيد بربه, سعيد بأهله, سعيد بزوجته, سعيد بأولاده, سعيد بصحته, سعيد بدخله, فمستوى الحياة ليس له علاقة؛ قد تكون بأخشن حياة وأنت حكيم فأنت أسعد الناس, وقد تكون بأفخم بيت لكن لا يوجد حكمة فأنت أشقى الناس؛ فالحكمة من أعظم العطاءات للإنسان, هذه خاصة بالمؤمنين, مستحيل أن تعطى لغير المؤمنين. الحكمة خاصة بالمؤمن لا ينالها الكافر :
قال تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
[سورة القصص الآية:76]
قال: إنسان من أكبر أغنياء اليهود كان يقرض الحكومة البريطانية, أمواله ضمن غرف, وضمن بيوت, مرة دخل إلى خزائنه, والباب أغلق عليه خطأ, هو كثير الأسفار, لم يتفقد المفتاح, فبقي في غرفته التي أغلقت عليه إلى أن مات من شدة الجوع والعطش, ثم جرح يده, وكتب على الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/06.jpg
الله عز وجل يجعل الكافر يدفع الثمن باهظاً.
فالحكمة عطاء الله عز وجل, الله يعطيك المال ولو لم تكن مؤمناً, ويعطي الصحة للكافر, ويعطي الجمال للكافر, وقد يكون جميلاً, الله قال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:55]
يعطيه الصحة, والذكاء, والجمال, والمال، أما الحكمة فيعطيها للمؤمنين, -هذا كلام دقيق- لا يمكن أن يعطي الحكمة للكافر: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
2 ـ الحكمة هي النبوة :
هناك مثل واضح: إنسان يتربع على أعلى منصب في العالم, أي الدولة القوية الآن حاكمة العالم؛ وعندها جبروت, وعندها قوة, وإنسان يقع على رأس سلطتها, يرتكب حماقة جنسية, يصير مضغة بالأفواه, يُفضح, والله حدثوني تلقى إهانات لا يعلمها إلا الله, حماقات، سيدنا يوسف ماذا فعل؟ بالعكس:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية:23]
كان عبداً, أصبح عزيز مصر، فلذلك: الحكمة هي النبوة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
أي السنة. 3 ـ الحكمة هي العقل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/07.jpg
المعنى الثالث للحكمة قال: هي العقل.
قيل لعبد الملك: من العاقل؟ قال: الذي لا يقدم على ما يندم عليه.
كلام دقيق: حينما تندم لم تكن عاقلاً.
قال له: يا عمرو ما بلغك من دهائك؟ قال: ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه, قال له: لست بداهٍ, أما أنا والله ما دخلت مدخلاً, أحتاج أن أخرج منه.
تجد الأقل حكمة يتورط و ينفد, الأحمق يتورط ويعلق, الأقل حكمة يتورط وينفد, أما العاقل فلا يتورط أبداً, أموره واضحة تماماً, فالعقل ألا تفعل شيئاً تندم عليه.
بالمناسبة: الندم دليل ضعف العقل, والمفاجأة بالشيء دليل ضعف العقل, فوجئت أنت لم تفكر بالشيء, المفاجأة بالموت وحدها دليل عدم العقل, أما المؤمن فالموت داخل في حساباته من وقت ما آمن, كل يوم مهيىء نفسه للموت؛ بعمل صالح, بجواب لله عز وجل, بترفع عن الحرام, الموت داخل في حساباته اليومية, فإذا جاء أجله لا يتفاجأ بهذه اللحظة, هو يستعد لهذه اللحظة من سنوات طويلة, أما أعرف شخصاً عمره يقدر بإحدى و ثمانين سنة, بنى ملهى في لبنان وهو من أكبر أغنياء سوريا, فهذا لم يدخل الموت في حساباته أبداً, ومعظم الناس هكذا الموت لم يدخله في حساباته, يعيش؛ أي هذا الشيء حرام أم حلال, يريد أن يؤسس ملهى, يريد أن يأخذ مالاً حراماً!!
في قصر العدل آلاف الدعوى, كلها كيدية؛ أخذوا المحل, أخذوا الأرض, الوصية لم ينفذها, أكل على الأيتام حقهم, ويعمل نفسه شاطراً, الموت لم يدخله في حسابه، حينما يأتي الموت فجأة, يصعق الإنسان.
الأحمق من لا يدخل الموت في حساباته :
قيل: الكافر حينما يأتيه أجله يصيح صيحة من شدة الفزع, لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
مرة شخص -قصة واقعية - قرر أن يهاجر, عنده بيت بأرقى أحياء دمشق بالملايين, ثمنه بضع عشرات الملايين من عشر سنوات,؛ وعنده معمل, وسيارة, وعنده بيت بالمصيف، أخذ قراراً أنه إذا جمع أمواله كلها, وسافر إلى بلد غربي, وأودعهم في البنك, يعيش حياة الملوك تماماً؛ فباع بيته وحوله, باع معمله وحوله, باع بيت المصيف وحوله, باع السيارة وحولها, أصبح له مبلغاً ضخماً جداً, وصل لهذه البلاد, ارتكب خطأ طفيفاً, أنا الآن لا أذكر تفصيلات الحادثة يجب أن يفتح حساباً, الحساب له إشكال, يحتاج إلى وثيقة ليست متوافرة, فوضع المبلغ باسم صديق له بشكل مؤقت لمدة يومين, فقال له صديقه بعد يومين: ليس لك عندي شيء, هل هذا الخبر قليل!؟ هذا ينبغي أن ينتهي.
هناك شخص بلغوه التكليف الضريبي, فمات رأساً, هناك تكليف ضريبي بعشرين, أو ثلاثين مليوناً, مات رأساً بجلطة فقال:
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:83]
أحياناً الإنسان عندما يموت يجد نفسه خسر الآخرة, ما حصّل شيئاً من الدنيا, جاء الله صفر اليدين, يصعق؛ فكل إنسان سيتفاجأ, معنى هذا أن عقله ناقص, كل إنسان يندم, معنى هذا أن عقله ناقص, أما الذي يدخل الموت في حساباته اليومية, وهيأ لله عز وجل جواباً يومياً, هذا أغلب الظن لا يندم, ولا يتفاجأ.
من هنا قال سيدنا علي: "والله لو علمت أن غداً أجلي, ما قدرت أن أزيد في عملي". أعقل الناس من يخاف الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/08.jpg
قال:
﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾
[سورة مريم الآية:12]
النبي الكريم دعي ذات يوم إلى اللعب فقال: لم أخلق لهذا: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
أي العقل.
قيل: من أعقل الناس؟ قال: الذي يخاف الله.
مرة كنا في جنازة؛ فتح القبر, وضع الميت في القبر, وضعت البلاطة, وجاء الحفار, وأهال التراب على فتحة القبر, والله أنا قلت: أعقل إنسان, أذكى إنسان, أكثر الناس فلاحاً, ورشاداً, وذكاء, من يعد لهذه الساعة التي لا بد منها؟
أنت أحياناً تسمع عن إنسان مات فتقول: انتهى عمله, الآن انقلب إلى دار الآخرة, كل شيء فعله سيحاسب عليه؛ عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ عن علمه ماذا عمل به؟ و هذا شيء كبير جداً.
فقيل: الحكمة هي العقل.
قيل: من أعقل الناس؟ قال: الذي يخاف الله, قيل: فمن أحمق الناس؟ قال: مسيء يأمن من مكر الله. ما كل ذكي بعاقل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6025/09.jpg
والآن عندنا مشكلة, قد يكون الإنسان ذكياً لكن ليس عاقلاً, أحياناً الإنسان يعتدي, يغتصب, الله عز وجل يدمره, لو كان عاقلاً لما فعل ذلك.
قال بعض الأعراب: لو صوِّر العاقل, لأظلمت معه الشمس المضيئة - أي الشمس أقل تألقاً من عقل العاقل-, ولو صوّر الأحمق لأضاء معه الليل المظلم, – أي الأحمق أشد ظلمة من الليل المظلم- والعقل أشد تألقاً وإضاءة من الشمس الساطعة.
قال سيدنا عمرو بن العاص عن سيدنا عمر بن الخطاب: "له عقل يمنعه عن أن يُخدع –مستيقظ-, وله ورع يمنعه عن أن يَخدع -لا يُخدع ولا يَخدع-؛ من الذكاء والعقل بحيث لا يُخدع, ومن الطيب والورع بحيث لا يَخدع".







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( السابع )


الموضوع : الحكمة3 ( من معاني الحكمة ؛ الفراسة - الخشية - تفسير القرآن ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من يؤت الحكمَةَ فَقدْ أُوتِي خيراً كثِيراً :
أيها الأخوة الكرام: محور هذه الدروس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
والآية التي تقابلها: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
من أوتي الدنيا بكل ما فيها؛ بمالها, بنسائها, بمراكزها, بمتعها, بمباهجها, بشهواتها: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
من معاني الحكمة :
1 ـ الفراسة :
في درس سابق كان من معاني الحكمة: العقل, ومن معاني الحكمة: المعرفة بالقرآن, ومن معاني الحكمة: النبوة, واليوم من معاني الحكمة: الفراسة, الله عز وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
[سورة الحديد الآية:28]
وقال الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى-: التقوى نور يقذفه الله في القلب.
وفي آية ثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية:29]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/01.jpg
معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يكافئ الطائعين, يكافىء المؤمنين، بنور يقذفه الله في قلوبهم؛ يرون به الخير خيراً, والشر شراً, الحق حقاً, والباطل باطلاً, الصالح صالحاً, والطالح طالحاً, هذه رؤية في القلب ليس لها ضابطاً, ضابطها: طاعة الله عز وجل, وهي غير ملزمة.
ترتاح لإنسان, لا ترتاح لإنسان؛ الذي ترتاح له يكون مؤمناً, وطيباً, وطاهراً, والذي لا ترتاح له يكون شريراً, بينما الأعمى قد يرتاح لشرير, وينقبض من خير, يرتاح لفاسد وينقبض من صالح, هذا أعمى:﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية:124]
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾
[سورة طه الآية:125]
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾
[سورة طه الآية:126]
كنت أعمى في الدنيا, فالفراسة مكافأة من الله عز وجل. المؤمن ينظر بنور الله و ينطق بتوفيقه :
سيدنا عثمان كان في مسجد رسول الله, دخل رجل فقال: أيعصي الله أحدكم ثم يأتي المسجد؟ فقالوا: أوحي بعد رسول الله؟ قال: لا, ولكنها فراسة صادقة.((اتَّقُوا فِراسَةَ المؤمن فإِنه يَنظُرُ بنورِ اللّه))
[التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
وينطق بتوفيق الله لكن لا يوجد دليل؛ شعور بالانقباض, وشعور بالارتياح, وهذا من توفيق الله عز وجل.
حدثني أخ قال لي: أنا عندي معمل, ومصدر لبلد معين قال لي: في سنة من السنوات البضاعة عندي مكدسة, والطلب عليها شديد, لسبب لا أعلمه إطلاقاً, انقبض قلبي أن أصدر؛ البضاعة موجودة, ومكدسة في المستودعات, والطلب عليها شديد, ولا يوجد إنسان عنده ذرة عقل يمتنع عن بيع بضاعة مكدسة, والطلب عليها شديد, قال لي: لم أصدر, قال لي: في هذه السنة فرضت ضرائب تزيد عن ألف وخمسمئة مليون على المصدرين, قال لي: هناك أناس ما ربحوه في أربعين عاماً دفعوه في عام واحد كضرائب, قال لي: أنا دفعت لعمل طيب مليون ليرة.
هذا الذي حركه ليست المعلومات, وليست الوقائع, حركة انقباض. فالمؤمن عندما يكون قريباً من الله عز وجل, يلقي في قلبه نوراً, وهذا الشيء ثابت.
فبعضهم قال: هي الفراسة. الفراسة هي الإصابة بالظنون ومعرفة ما لم يكن بما كان :
قيل لبعض العلماء: ما الفراسة؟ قال: الإصابة بالظنون, ومعرفة ما لم يكن بما كان.
هناك نوع من الفراسة أنت متأكد أن لله قوانين.
مرة أخ حدثني قال لي: لي عمة اغتصبت بيتاً؛ نحن والدي, ووالدتي, وأربعة عشر أخاً نسكن في البيت, والدي دفع نصفه بالتمام والكمال, لي عمة محامية غير متزوجة-عانس- شريكتنا في هذا البيت, فبأسلوب أو بآخر طردت والدي من البيت, البيت باسمها, ووالدي دافع نصف الثمن, قلت له: والله يا بني! هذا عمل خطير, إنسان دفع نصف ثمن البيت, ولأنها أخته لم يطلب وثيقة, لم يطلب تسجيله في التسجيل العقاري, تأتي أخته تأخذ البيت كله, قلت: والله! أمامها مطب كبير هي قوانين الله عز وجل, ما غاب أسبوعين أو ثلاثة, إلا قال: عمتي معها سرطان في الأمعاء, غاب شهراً قال لي: توفيت عمتي, خرجت من البيت, ألقيت كلمة في البيت نفسه في المزة, وأصبح أخوها الوريث الوحيد, رجع للبيت و هذا شيء بديهي!!
إنسان ارتكب ظلماً, شرد أسرة, وصاحب هذه الأسرة مالك حقيقي, مدفوع نصف ثمن البيت، انظر فعل الله عز وجل!!.
أحياناً تجد شاباً, لا يوجد معه مال, ولا مكانة, ولا بيت, ولا شيء, لكنه مستقيم, تقول: أنت لك مستقبل يا بني! فجأة تأتي الدنيا؛ يوفقه الله بعمل, بوظيفة, بتجارة، استنتج هذا من معرفة قوانين ربنا عز وجل؛ إذا إنسان ماله حرام, ينبغي أن تحذره, الله عز وجل قد يبطش بك, وإذا إنسان مستقيم, ولا يوجد معه شيء, ينبغي أن تبشره أن الله عز وجل سينصره.
فالفراسة بأحد وجوهها معرفة قوانين الله عز وجل.
الفراسة لا تُعطى إلا لأهل السبق والسياسة وأرباب العلم والحراسة :
من هو الهالك؟ أنت إذا بنيت بناء, ولم تترك فواصل تحدد؛ والبناء قائم, ورائع, ومتين, وقوي, يأتي عالم يقول لك: سيتصدع البناء, ما الذي عرفه؟ عنده قوانين منها أن المعادن تتمدد بالحرارة, الآن: الدنيا شتاء, أما في الحر فيتمدد البناء فيتصدع, تقول: يعلم الغيب, لا, لا يعلم الغيب, هذه معرفة بالقوانين أي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
[سورة البقرة الآية:276]
مليونير, ملياردير, لكن بعد ذلك أمامه مطب كبير, الله قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية:276]
تجد شخصاً يتصدق, و هو فقير فيغنيه الله, أي إذا أردت أن تكون واقعياً, نوع من أنواع الفراسة أن تعرف القوانين الإلهية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/02.jpg
إنسان عفيف قبل الزواج, تبشره أنت لك زوجة صالحة, من قوانين ربنا الإنسان إذا عف قبل الزواج يعوضه بزوجة صالحة، تسره إن نظر إليها, إذا كان قبل الزواج منحرفاً, وذواقاً, وله تجارب, الله يعاقبه بزوجة تريه النجوم ظهراً؛ فهذه تقول: فراسة, قل: فراسة, تقول: معرفة قوانين, قل: معرفة قوانين, كله حسن الظن بالله, هذه كلها تقريباً قانون واحد.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((استح من الله كما تستحي من رجل صالح من قومك))
[ تفسير ابن كثير من حديث سعيد بن يزيد عن ابن عم له]
ولم يقل: كما تستحي من رجل فاسق.
فأراد النبي -عليه الصلاة والسلام- ألا يتخلق المؤمن بأخلاق الفاسق بحيث يمقته المؤمنون الصالحون.
إنسان يدعي الفراسة, ويكون خلقه سيئاً, هذه ليست حكمة المؤمن, الذي وهبه الله نوراً في قلبه يستخدم هذه الفراسة للخير.
قالوا: والفراسة لا تُعطى إلا لأهل السبق, والسياسة, وأرباب العلم, والحراسة.
وقيل: الفراسة هي الخشية.
في الدرس السابق الحكمة هي معرفة بالقرآن, والحكمة هي النبوة, والحكمة هي العقل, و الآن الحكمة هي الفراسة. 2 ـ الحكمة هي الخشية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/03.jpg
قيل: والحكمة هي الخشية لقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
فالعالم يخشى, الذي عنده حكمة يخشى الله. بالمناسبة مستحيل ألف مرة أن يكون الكافر حكيماً, لو كان حكيماً قطف ثمار الدين دون أن يكون ديناً, هذا شيء يتناقض مع عدالة الله عز وجل, الله عز وجل جعل الحكمة عطاء للمؤمنين:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
أما الكافر فأعمى:﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
الكافر لا بد من أن يرتكب حماقة, وهو في أعلى قمم الذكاء, الذكي غير العاقل, فالحكيم موصول بالله عز وجل, وفي قلبه نور, وفي قلبه توفيق إلهي, والحكيم أوتي فهماً من كتاب الله, أما غير الحكيم فينطلق من ذكاء, والإنسان قد يرديه عقله؛ ويفكر, ويفكر, ويفكر, ثم يرتكب حماقة, يدمر بها نفسه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/04.jpg
مرة سمعت عن تاجر من تجار الأقمشة عنده موظف, نشأ خلاف بينه وبين هذا الموظف فطرده, الموظف انتقم شر انتقام, بلغ الجمارك عن مستودع فيه بضاعة غير نظامية, الجمارك جاؤوا, وضبطوا المخالفة, - القصة قديمة-, كلفوه بستمئة ألف, كان سعر البيت ستة آلاف أو عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً كلفوه بستمئة ألف, بساعة غضب شديد معه مسدس, أطلق عليه النار, حوكم ثلاثين سنة بالسجن, ستمئة ألف الله يعوضهم له, لكن ارتكب حماقة, قتله, فلما قتله حوكم, صار مجرماً, وعوقب ثلاثين سنة بالسجن؛ دمر حياته, دمر أسرته, اختفى من المجتمع, فقد حريته, فلو فرضنا أن الحادثة وقعت مع المؤمن نرى أن المؤمن لا يقتل, يراها من الله.
أنا مرة شاهدت إنساناً احترق محله, قال لي: والله احترق السوق بكامله, ومحلي آخر محل, احترق الساعة السابعة, والحريق بدأ في منتصف الليل, قال لي: والله لو شخص أخبرني لأعطيته على المكالمة مئة وخمسين ألفاً, -أيضاً القصة قديمة, قال لي: في الصندوق ثمانمئة ألف، و لكن من ثلاثين سنة و أنا أعمل في التجارة؛ هناك أخطاء, ومال حرام, فأحب الله أن يطهرني, وجدت منه كلاماً رائعاً؛ إنسان: رأى أمواله تحترق قال لي: لكن الله عز وجل له إرادة, وله حكمة, في الثلاثين سنة لي تقصيرات, أو مخالفات, أو آكل مالاً حراماً فأحب الله أن يطهرني, هذا مؤمن, فقد محله, لم يرتكب جريمة:﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لا تصدق إنساناً بعيداً عن الله عنده حكمة. الحكمة من صفات المؤمن لأن الله يلهمه الصواب :
أحياناً تجد إنساناً دمر نفسه, على مستوى أفراد, وجماعات, تجد حروباً ممتدة خمس عشرة سنة, الآن جيراننا كل شيء مدمر حوالي ثلاثمئة ألف قتيل؛ الأبنية كلها مدمرة, الاقتصاد مدمر, موقف غير حكيم, وبالنهاية لم ينتصر أحد, لا يوجد منتصر, التركيبة هي هي, انظر الحمق!!.
بلد كان جنة المنطقة, يدمر تدميراً كاملاً لعمل أحمق! حروب تنشأ أحياناً من كلمة تدمر, أحياناً إنسان يدمر نفسه, يدمر تجارته, أحياناً بكلمة قاسية يتكلمها بلا حكمة مع شريكه, يدمر زواجه أحياناً يخسر زوجته لموقف أحمق.
لا تصدق إنساناً مقطوعاً عن الله عنده حكمة, عنده حمق, عنده رعونة, أما هذه الحكمة فمن صفات المؤمن, تجد الله عز وجل يلهمه الصواب.
أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة, وبعدم الحكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى, أنت بالحكمة تعيش بدخل محدود, وتسعد به, من دون حكمة تشقى بدخل غير محدود, أنت بالحكمة تسعد وأنت مريض, من دون حكمة تشقى وأنت صحيح. من لم يخشَ الله فليس بعالم :
والله أنا بسنوات طويلة ما كنت منتبهاً لهذه الآية:﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
إله في عليائه, يقول: ﴿خَيْراً كَثِيراً﴾
أحياناً عطاء الله لا يبدو صارخاً؛ شخص عادي لكن عنده حكمة, شخص عادي لكن عنده ذوق, عنده فهم, عنده خشية, عنده فهم لكتاب الله, عنده فهم لسنة رسول الله, قال: من لم يخش الله فليس بعالم: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهـلاً أن يعصيه
***
فلأنك تطيع الله فأنت حكيم.
أنا أعرف أستاذ علم نفس, حسب ما سمعت, وحسب ما رأيت, كان أستاذنا, ومن ثم بنفس الكلية درست معه, له سمعة على مستوى الشرق الأوسط، يعد أحد أكبر علماء النفس, نحن كنا مئيتن واثنين وعشرين طالباً, لا يغيب طالباً, لا تحتاج أن تقرأ الكتاب بعد درسه, درسه لوحده فيه تنظيم, وأدلة, ووضوح, وطرافة, ودعابة, أي درسه قطعة فنية, جاء بعده أستاذ يوجد في درسه أربعة طلاب, فالأول تتعلم منه العلم دون أن تراجع الأمور في البيت؛ أمثلته صارخة, لغته فصيحة, عباراته فيها دعابة, فأنا معجب به إعجاباً كبيراً.
مرة في رمضان, دخل المستخدم يحمل فنجان قهوة أثناء الصيام, سبحان الله! لما رأيته مفطراً سقط من عيني؛ كل الذكاء, وكل الدقة, وكل الإحاطة, وكل القدرة على نقل الحقائق, وهو لا يطيع الله عز وجل, بعد ذلك لا يصوم!! لكن يرضي الناس كلها, لا يجعل أحداً ينفد منه, وجد إنساناً بلفة, وملتحياً, هذا دين, يتحدث عن الدين, وعن عظمة الدين, تجده رابطاً الناس كلها, وفي النهاية لا يصلي, ولا يصوم.
فالحكمة هذه من صفات المؤمنين. أقوال في الخشية :
وقال بعضهم: "الخشية انقباض القلب تحت هيبة الرب".
وقال ابن عطاء السكندري: "الخشية أتم من الخوف؛ لأن الخوف صفة عموم المؤمنين, والخشية صفة العلماء الربانيين":﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
الخشية: "من ترك الحرمة في العبادة, وترك الحرمة في الإخبار عن الحق, وترك الحرمة في متابعة الرسول, وترك الحرمة في الأولياء" أي في عباداته, وفي دعوته, وفي متابعته للنبي -عليه الصلاة والسلام-, وفي ولائه لأهل الحق، هذه هي الحكمة. 3 ـ الحكمة هي الفقه في تفسير القرآن :
وقيل: الحكمة هي الفقه في تفسير القرآن.
قال ابن عباس: " ليس شيئاً في القرآن إلا وقد نزل في شيء, ولكن لا يعلمون وجوهه".
فكان سيدنا عمر يحتفل بابن عباس كثيراً, هو عملاق الإسلام, وهذا طفل, فالشيوخ من الصحابة تألموا كثيراً, فمرة عاتبوه, فسأل ابن عباس:ما تقول في قوله تعالى:http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/05.jpg

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[سورة النصر الآية:1]
قال: هي نعوة النبي.
مرة قال النبي الكريم: ((إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وما عنده فاختار ما عند الله، فلم يلقها إلا أبو بكر قال : نحن نفديك بآبائنا وأمهاتنا))
فهم أبو بكر أن هذه نعوته أي اقترب أجل النبي.((إن عبداً من عباد الله, خيره الله بين الدنيا وما عنده, فاختار ما عند الله))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط عن معاوية بن أبي سفيان]
والآية الكريمة:﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[سورة النصر الآية:1]
هذه نعوة النبي -عليه الصلاة والسلام-, العظماء ليس لهم حظوظ خاصة في الدنيا, فإذا أدى رسالته, انتهت حياته.
مثلاً إنسان عظيم سافر إلى بلد, عمل اجتماعاً مغلقاً, يرجع رأساً, امكث يومين أو ثلاثة بفندق, ليست واردة إطلاقاً, تنتهي المهمة الكبيرة فتنتهي الزيارة.
فالمؤمن صاحب رسالة, فإذا انتهت رسالته, والأصح النبي -عليه الصلاة والسلام- صاحب رسالة, فإذا انتهت رسالته انتهت حياته.
فقال: "ليس شيئاً في القرآن إلا وقد نزل في شيء, ولكن لا يعلمون وجوهه". الإنسان البعيد عن الله يفهم القرآن فهماً مغلوطاً :
وقال سيدنا ابن عباس-رضي الله عنه-: "مسح النبي رأسي, ودعا لي بالحكمة, وقال: اللهم فقهه في الدين, وعلمه التأويل, واجعله إماماً للمتقين".
ودعا لي جبريل -عليه السلام- مرتين, وقال للنبي: "استوص به خيراً, فإنه من خير أمتك".
ابن عباس دعا النبي له: "اللهم علمه التأويل" أي: فهم القرآن.
شيء دقيق جداً، أحياناً آية تفهمها فهماً معكوساً فتبتعد عن الله كثيراً, هناك أمثلة:http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6027/06.jpg
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:8]
إذا كان الإنسان بعيداً عن الله يفهمها فهماً جبرياً؛ أن الله عز وجل يخلق الفجور في إنسان, ويخلق التقوى في إنسان, أما إذا كان فهمه عميقاً؛ أن الله عز وجل جبل النفس جبلة راقية جداً, بحيث لو فجرت تعلم أنها فجرت, ولو أنها اتقت تعلم أنها اتقت, فرق كبير بين كمال في الخلق وبين كمال في الخير, وهي نفس الآية.
مرة قال لي شخص: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾
[سورة الحج الآية:52]
فهم الآية: أن الشيطان يصل للنبي, ويلقي فيه وساوسه, إذاً ما ميزة النبي عن غير النبي؟ قلت له: ﴿ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾
هو يتمنى أن يضله, هذا المعنى المستقيم مع مقام النبوة, أما الشيطان إذا وصل للنبي وألقى فيه وساوسه فلم يعد للنبي أي ميزة, لم يعد محصناً, كل كلامه خاطئ, إذا الشيطان وصل للنبي, ووسوس له, لعله ينطق بشيء من وسوسة الشيطان.
أحياناً هناك كلمة دقيقة جداً: أخي وإن زنا؟ وإن سرق؟ وإن زنا فعل ماض, بالماضي، ليس الآن يزني, الله قال:﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾
[سورة الفرقان الآية:68]
نفى عنهم الزنا أصلاً, لكن إنسان كان له ماض, وتاب إلى الله؛ وإن زنا, وان سرق، بين أن تفهمها فعلاً ماضياً وبين أن تفهمها فعلاً مضارعاً!! الفرق كبير, المؤمن يحسن الظن بالله عز وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الثامن )


الموضوع : الحكمة 4 ( من معاني الحكمةالعلم ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
الحكمة فسرت بالفراسة, وفسرت بفهم القرآن الكريم, وفسرت بمعان كثيرة, ومن هذه المعاني: الحكمة هي العلم، لقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾
[سورة الكهف الآية:65]
والعلم أيها الأخوة كما يقول بعض العلماء على ثلاثة أنواع: "علم بأمر الله, وعلم بخلق الله, وعلم بالله".
العلم أن تصل إلى علاقة ثابتة بين شيئين, العلم أن تصل إلى قانون, العلم أن تصل إلى علاقة رياضية, هذا في خلق الله, وتطور العلوم في العالم واضح جداً.
يقولون: هناك ظاهرة فيزيائية, ظاهرة كيماوية, ظاهرة فلكية, ظاهرة اجتماعية, ظاهرة نفسية, إذاً: هناك علم نفس, وعلم اجتماع, وعلم فلك, وعلم فيزياء, وعلم كيمياء, وهكذا، الكون فيه أشياء مادية, وهذه الأشياء المادية لها قواعد, فكشف هذه القواعد هو العلم المادي, هذا العلم بخلق الله, الجامعات في العالم برعت بهذه العلوم, وهناك تطور علمي من هذه الزاوية كبير جداً. العلم ثلاثة أنواع : علم بأمر الله وعلم بخلق الله وعلم بالله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/02.jpg
الحقيقة أن المنجزات التي حققها العلم المادي صارخة؛ نقل الصورة مثلاً, ارتياد الفضاء, الوصول إلى أعماق البحار, كشف الذرة, إلى آخره.
والمؤمنون مطالبون أن يتقنوا هذه العلوم, فهي فرض كفاية, فإذا قصروا فيها جميعاً كانوا آثمين, إذا كانوا عالة على أمم أخرى كانوا آثمين, ولكن هذه العلوم متعلقة بالدنيا, والإنسان مكلف أن يطور دنياه لما فيه خير المسلمين, لكن العلم الذي أراده الله عز وجل في القرآن, والذي ورد في السنة, علم آخر, هناك علم بأمره؛ أيضاً يحتاج إلى مطالعة, إلى قراءة, إلى دراسة, إلى حفظ, إلى تقديم امتحانات.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/03.jpg
كليات الشريعة في العالم الإسلامي متخصصة بالعلم بأمر الله؛ والعلم بخلق الله وبأمر الله يحتاجان إلى مدارسة, وكلمة مدارسة تعني أن تحتاج إلى معلم, كتاب, شرح، تفسير, حفظ, مراجعة, أداء امتحان, نيل شهادة, هذه مدارسة, وهذا شيء ثابت أيضاً في كلية الشريعة؛ هناك تاريخ التشريع, والتشريع المقارن, و المذاهب الأربعة, و موضوعات كثيرة جداً ضمن هذه الكلية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/04.jpg
الشيء الذي يلفت النظر, والذي برع به الصحابة الكرام هو العلم بالله, أي أن تعرف الله, فرق كبير بين أن تعرفه وبين أن تعرف أمره؛ إنك إن عرفت أمره حفظت أمره, وليس من لوازم معرفة أمره أن تطبق أمره, لكن إن عرفت الله من لوازم معرفة الله تطبيق أمره.
الآن: معرفة الله؛ الأثر يدل على المؤثر, والخلق يدل على الخالق, والكون يدل على المكوِّن, والنظام يدل على المنظم, والتسيير يدل على المسيِّر, وكل شيء ظهرت آثاره, وخفيت عينه, سبيله العقل, فالكون كله يدل على الله.


من تدبر القرآن أو نظر في الحوادث أو تفكر في الكون عرف الله عزّ وجل :
الآن هناك شيء ثان: نحن قد ندرس الظواهر الفيزيائية, والكيمائية, بهدف أن نحسن حياتنا, لكن الكون نفسه؛ لو تأملت في صنعه, ودقة صنعه, وإتقان صنعه, وعظمة صنعه, دلك على الله عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة الأنعام الآية:103]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/05.jpg
ولكن العقول إذا تتبعت آثار خلق الله عز وجل استنبطت شيئاً كثيراً عن الله عز وجل, لذلك: هناك ألف وثلاثمئة واثنان وعشرون آية في القرآن كلها تدل على الله, الآية الكونية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة البقرة الآية:164]
لماذا ذكر الله هذه الآية؟ من أجل أن تكون عنوانات للتفكر, من أجل أن تكون أساساً لمعرفة الله عز وجل، هذه النقطة الدقيقة، نعرف أمر الله نقتني كتاب فقه, نقرأ الفقه, نؤدي امتحاناً, نحفظ, ننال شهادة, ولكن ليس هناك استقامة, أحياناً ما الذي يحملك على طاعة الله؟ أن تعرف الله أولاً.
لذلك كنت أقول دائماً: من عرف أمر الله ولم يعرف الله تفنن في التفلت من أمره, تفنن بألف حيلة شرعية وشرعية, لكن من عرف الله وعرف أمره تفنن في طاعته.
لذلك ما لم يخصص الإنسان وقتاً لمعرفة الله أولاً من خلال التأمل في كلامه؛ القرآن يُقرأ لمعرفة الله -هذا كلامه-, أو التأمل في خلقه -التفكر في خلق السموات والأرض-, أو النظر في أفعاله، فلن يعرفه.
الله عز وجل له خلق هو الكون, وله أفعال هي الحوادث, وله كلام هو القرآن؛ فإذا تدبرت القرآن, أو نظرت في الحوادث, أو تفكرت في الكون, عرفت الله, معرفة الله باب آخر, غير باب أمره ونهيه. من عرف الله أطاعه :
الآن هناك كلام دقيق: بقدر معرفتك بالله تُطيعه, فإذا كان هناك معصية نقول جازمين: هناك خلل في معرفة الله؛ مستحيل أن تعرفه وتعصيه, مستحيل أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً.
كلام دقيق: الإنسان إذا نافق, معنى ذلك أن توحيده ضعيف, الذي ينافق له يخافه ولا يخاف الله, يرجوه ولا يرجو الله, يعلق على رضاه أهمية لا يعلقها على رضاء الله عز وجل, يراه هو الأقوى.
أنا مرة كنت أقول خطبة في العيد أن الناس يقولون: الله أكبر, ولا سيما في عيد الأضحى, هناك تكبير, من قال: الله أكبر, وأطاع مخلوقاً, وعصى خالقاً, ما قالها ولا مرة, ولو رددها بلسانه ألف مرة, الشيء العملي إنسان أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً؛ من هو الأقوى في نظره؟ المخلوق, عملياً من هو الأنفع في نظره؟ المخلوق فأطاعه وعصى ربه.
إذا إنسان غش الناس لم يقل: الله أكبر ولا مرة, ولو رددها بلسانه ألف مرة؛ لأنه توهم أن هذا المال الوفير الذي يأتيه من الغش أثمن عنده من طاعة الله.
حدثني أخ –والله! القصة مؤثرة- يعمل في الطباعة, طبع دعاية - وجد فيلماً ملوناً فيه صورة ممثلة، ليست معرَّاة لكنها ممثلة- أتى بنموذج إلى البيت, ابنه طالب بمعهد تحفيظ قرآن, قال له: بابا, هذه سألت عنها الأستاذ فقال لي: إنها حرام، -ابنه في الصف السادس أو الخامس- قال لي: بحياتي لم أصغر, تألمت كثيراً, ابنته قالت له نفس الشيء، قال لي: كلفتني مئة وعشرين ألفاً, وربحي كان مئة وعشرين ألفاً, فألغيت كل شيء، إنسان باختياره يتخلى عن مئتين وأربعين ألفاً لأنه شعر أنها لا ترضي الله!!.
من يعرف الله يقدم كل شيء حتى يرضيه :
الذي يعرف الله عز وجل يقدم روحه, يقدم كل ماله, فقط حتى يرضى الله:
((ألا إن سلعة الله غالية))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
الذي يلغي مئتين وأربعين ألفاً, و يضع عمله السيئ في سلة المهملات, يعرف الله عز وجل.
للتقريب هناك مشروع مؤلف من مئة وحدة سكنية و هي مبنية من زمن قديم, بيعت هذه الوحدات منذ زمن -من حوالي عشرين سنة- كان البيت بعشرين, أو ثلاثين, أو خمسة عشر ألفاً, و إن كان هناك نصية بيعت بخمسة آلاف, و كان هناك عقبات أمام تسجيل هذه البيوت لأصحابها, عقبات إدارية, فالشخص الذي اشترى البيت بثلاثين ألفاً أصبح سعره اثني عشر مليوناً, و هو ليس باسمه، أي يمكن أن يدفع شخص لمن بيده هذه البيوت مليوناً ليعطيه ورقة أنه صاحب البيت, وهذا شيء تجاري.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/06.jpg
فالشيء الذي بلغني من أحد أخواننا الصادقين الذين اشتروا هذه الأبنية, اتفقوا فيما بينهم, أن يُقدم كل شخص منهم مليوناً لصاحب المشروع, أي عرضت عليه مئة مليون, هو مؤمن, فقال لهم: أنا بعتكم, وربحت منكم, وقبضت حقي, ليس لي عندكم شيء, بعد فترة زالت العقبات, فطوب البناء, و لم يأخذ قرشاً زيادة, إنسان تعرض عليه مئة مليون يرفضهم؟! يضعهم تحت قدمه لأنه لم يجد مشروعاً -إطلاقاً-!! هذا الدين.
إنسان يقول لي: أنا رددت عشرين مليوناً لأسرة, لا يعلمون عنها شيئاً, عقب سماع درس الأمانة.
ليس الدين ركعتين صليناهم, الدين أعمق بكثير؛ إذا لم يستوِ عندك المليار مع الليرة ليس لك دين, إذا لم يستوِ عندك التبر والتراب ليس لك دين, هذه قصص واقعية.
يأتي إنسان يبذل, يعطي, يأتيه دخل مذهل؛ لأن فيه شبهة, يضعه تحت قدمه, الذي يحب الله يفعل هذا, أما والله! أتينا إلى الجامع, وصلينا, وتباركنا, ما شاء الله, وليس مطبقاً شيئاً بالدين, هذه زعبرة. زوال الكون أهون على الله من أن يعد المؤمنين ثم لا ينفذ وعده :
لذلك هل من الممكن لخالق الكون أن يُوعد المؤمنين بشيء ولا ينفذ؟! زوال الكون أهون على الله من أن يعدنا ثم لا ينفذ وعده، الله وعدنا بالاستخلاف, أين الاستخلاف؟ وعدنا بالتمكين, أين التمكين؟ وعدنا بالتطمين, أين التطمين؟ والله! لسنا مستخلفين, ولا ممكنين, ولا مطمئنين, وأمرنا بيد أعدائنا, هكذا الله عز وجل قال:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية:141]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/07.jpg
الإسلام محارب في العالم كله, لكن لا يوجد تدين.
والله أخ من أخواننا الكرام الخطباء حدثني من فمه إلى أذني مباشرة, قال لي: ذهبت لبلد في أوروبا -هو من ألمانيا- قال لي: اخترت أكبر جامع هناك, وألقيت خطبة هناك, قال لي: المصلون يبكون بكاء, كل واحد معه بطحة عرق, أثناء الخطبة يشرب ويبكي, ما هذه الخطبة!؟
يقول لك: المسلمون مضطهدون في العالم, إنهم مسلمون؛ المسلم ماله حرام, ويأكل حراماً, ويشرب خمراً, ويأكل لحم خنزير, مثله مثل أي إنسان آخر, لكن هناك انتماء؛ أنا مسلم, أنت غير مسلم.
أرجو الله أن يتحسن الوضع, وأساساً هذه الشدة على المسلمين اسمها صحوة, هذا اسمه في الهندسة تحميل, تجد الشرفة فيها إشكال النسمة تحملها, إذا وقعت هذا المطلوب حتى تعيد بناءها مرة ثانية, وإذا لم تقع ثبت لك أنها جيدة, الله تحمل المسلمين.
فلذلك: عندنا قضية العلم بالله، هذه تنقصنا, كل إنسان يعصي الله, أو يأكل مالاً حراماً, أو يعتدي على أعراض الناس, أو يغتصب شيئاً ليس له, ويصلي في أول صف. العلم بالله هو الأساس و يحتاج إلى مجاهدة و ضبط :
الآن كم شركة أصحابها يصلون, ولهم دعايات عن طريق نساء شبه عاريات في أجهزة الإعلام؟ هل ربط هذه بهذه؟ يتناسب دخولك للمسجد مع الدعاية هذه!؟ كيف جمعتها؟ كم شركة تبني ربحها على الحرام, على مادة ممنوعة في الدين, أي أصبح الإسلام الآن إسلاماً فلكلورياً, إسلاماً استعراضياً, إسلاماً هدفه إظهار المظاهر الصارخة.
على كلٍّ الموضوع: الحكمة هي العلم، لكن: العلم بالله، لذلك: تجد إنساناً ذكياً جداً في اختصاصه, لكن لا يوجد فيه دين, هذا اسمه ذكي لكن غير عاقل؛ العاقل من عرف الله, العاقل من عرف الآخرة, من أدرك العلاقات التي يمكن أن تهديه لله عز وجل.
فلذلك قيل: الحكمة هي العلم لقول الله عز وجل:
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾
[سورة الكهف الآية:65]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/08.jpg
فالعلم بأمر الله, وبخلق الله, يحتاج إلى مدارسة, يحتاج إلى جامعات, وأستاذ, وكتاب, لكن العلم بالله, يحتاج إلى مجاهدة, هذا ثمنه فقط, جاهد تشاهد, لمجرد أن تعاكس هواك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية:69]
فالعلم بالله, يحتاج إلى مجاهدة, إلى ضبط؛ ضبط النفس, ضبط اللسان, ضبط الجوارح, إنفاق المال, غض البصر, خدمة, بذل, تضحية, هذا السلوك هو سبب معرفة الله, ويمكن بشكل أو بآخر أن يلقي الله عز وجل في قلب المؤمن -الذي يجاهد نفسه وهواه- الحكمة, يلقي فيه العلم, يعرف الله عز وجل.
الواحد منا -والحمد لله- لو تقتله لا يأكل مالاً حراماً, لا يستطيع, لا يكذب, يعلم ما الذي أمامه، كم إنسان ممكن أن يغتصب شركة؟ ممكن أن يغش الناس؟ واسمه عند الناس صاحب دين.
فلذلك العلم بالله هو الأساس, إذا كان هناك خلل ينعكس بالسلوك, حتى الإنسان لا يغش نفسه, عليه أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الإيمان الذي لا يحمله على طاعة الله لا ينجيه يوم القيامة, ولو آمن أن الله موجود, والله عز وجل أسماؤه حسنة, لو آمنت بهذا إيماناً فكرياً, ولم يحملك هذا الإيمان على طاعة الله, هذا لا ينجي. معرفة الله تكون من خلال التفكر في خلقه و أفعاله و كلامه :
إذاً: من خلال التفكر في خلق الله نعرف الله, والله قال:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:11]
ومن خلال النظر في أفعال الله نعرف الله, ومن خلال التدبر في كلام الله نعرف الله, -عندك كلامه, وخلقه, وأفعاله-, ومن خلال المجاهدة -مجاهدة النفس والهوى- نعرف الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية:69]
والعلم بالله ثمنه باهظ؛ الآن يقول لك مثلاً: أصبح هناك توسعة في المسجد الفلاني مثلاً, أو الحرم الفلاني- بثلاثة و ثمانين ملياراً- لا تكلف شيئاً, هذه تكلف توقيعاً قال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
[سورة التوبة الآية:19]
الإيمان بالله يقتضي المجاهدة. العلماء ثلاثة؛ عالم كامل وتقي خائف وعالم فاجر :
الآن: إذا أراد إنسان أن يعلن ولاءه لإنسان يمدحه, أو يعمل شيئاً يعبر عن ولائه, أما إن أراد أن يوالي الله عز وجل فينبغي أن يطبق, يطيعه, هناك فرق أن تعلن ولاءك لإنسان بعدة مظاهر, لكن لا يكلفك أن تمتنع عن شهواتك, أما أن تعلن ولاءك لله فهذا يحتاج إلى تطبيق منهجه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6028/09.jpg
فسهل جداً أن تعلن ولاءك لإنسان, لكن صعب جداً أن يكون ولاءك لله؛ لأن هذا يقتضي أن تضبط كل شهواتك, وكل دخلك, وكل إنفاقك, وكل حواسك, وكل شعورك.
فالمعنى الذي يضاف إلى الحكمة هو العلم بالله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾
[سورة الكهف الآية:65]
قال سفيان الثوري: " العلماء ثلاثة: عالم بالله، وبأمر الله, فذلك العالم الكامل، وعالم بالله, غير عالم بأمر الله, فذلك التقي الخائف، وعالم بأمر الله, غير عالم بالله, فذلك العالم الفاجر".
يعلم أمر الله, ولا يعرف الله, هذا يقوده إلى الفجور, أما الذي يعرف الله, ولا يعرف أمره, فهذا عابد خائف, أما الكامل فأن تعرف الله, وأن تعرف أمره.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( التاسع )


الموضوع : الحكمة 5 ( من معاني الحكمة من معاني الحكمة ؛ الإصابة في الأقوال - الأحاديث الشريفة ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي الإصابة في الأقوال :
لا زلنا -أيها الأخوة- في المعاني التي يمكن أن تنسحب على الحكمة, لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
تحدثنا عن أن الحكمة هي العلم: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾
[سورة الكهف الآية:65]
وتحدثنا عن أن الحكمة هي تفسير القرآن الكريم, والحكمة هي الفراسة, والحكمة هي الخشية.
واليوم: الحكمة هي الإصابة في الأقوال؛ أن يكون الكلام مصيباً, إذاً فأنت حكيم؛ فالحكيم إن نطق, نطق قائلاً بالله, وإن سكت سكت مع الله, نطقهُ حكمة, وصمته حكمة. من عدَّ كلامه من عمله فقد نجا :
في بعض المواقف تكون أبلغ الحكمة أن تصمت, أن تسكت؛ ففي السكوت حكمة بالغة, وفي النطق حكمة بالغة, وحينما تعرف متى ينبغي أن تسكت؟ ومتى ينبغي أن تنطق؟ وحينما تنطق ماذا ينبغي أن تقول؟ القدر المناسب, مع الشخص المناسب, في الوقت المناسب, في الظرف المناسب، إذاً: أنت حكيم, والكلام في العمل, ومن عدَّ كلامه من عمله فقد نجا:
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
واحفظ لسانك أيــها الإنسان لا يلدغنــك إنــه ثعبان
كـم في المقابر من قتيل لسانه كانت تخاف لقاءه الشجعان
***
إذا تكلم, تكلم بالله, وإذا سكت, سكت مع الله, فالسكوت حكمة, والتكلم حكمة؛ وكم من إنسان تكلم كلمة فندم عليها أشد الندم؟ وكم من كلمة دمرت أسرة؟ وكم من كلمة دمرت شركة؟ وكم من كلمة دمرت علاقة؟ وكم من كلمة ربا خيرها حتى صار مثل الجبل؟ ((إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ سخط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, وإِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً, يرفعه الله بها في الجنة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
فالكلام جزء من العمل.
قال إبراهيم بن رستم: "صحبت ابن عون عشرين سنة ما أظن أن الملائكة كتبوا عليه حرفاً واحداً". كلما نما الإيمان في قلب الإنسان نمت بصيرته :
أحياناً تجلس مع إنسان عشر سنوات, يكون صديقاً؛ ما سمعته تكلم كلمة خطأ, ما سمعته تكلم بمزاح فاحش, ما سمعته اغتاب إنساناً, ما سمعته صغّر إنساناً, هذا من الحكمة, أن إنساناً لم يجرح بكلمة إنساناً, لم يتكلم كلمة يحتاج أن يقول: أعتذر عن هذا الذي قلته؛ وكلما نما الإيمان في قلبه نمت بصيرته, وكلما نمت بصيرته نمت حكمته, فانعكست حكمته قولاً سديداً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:70]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية:71]
قال بعض الصالحين: "منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلام أريد أن أعتذر منه".
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إياك وما يُعتذر منه))
[الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر وجابر]
تجد الإنسان يتكلم كلمة طائشة؛ يعتذر, يترجى, لم يقصد شيئاً, لا تؤاخذوني, فكر.
كان سيدنا عمر يقول: "أتمنى أن يكون لي رقبة كرقبة الجمل, حتى أزن الكلمة قبل أن تخرج". الإنسان كلما زاد إيمانه ضبط كلامه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6029/01.jpg
أحياناً كلمة تكسر خاطر, كلمة تصدع علاقة, كلمة تنفر.
وكم من إنسان ترك المسجد من كلمة، وكم من إنسان التحق بمسجد بكلمة طيبة، وكم من زوجين بكلمة طيبة نمت العلاقة بينهما، وكم من زوج بكلمة نفر.
لي صديق عنده مكتب تجاري, فطلب مني مترجماً, أعرف أخاً راقياً, اختصاصه لغة انكليزية, وله باع في التدريس, فرشحت له هذا الاسم, ذهب ليعمل عندهم, المكتب فيه مدير تنفيذي ليس عنده حكمة, فبقي ستة أشهر يأتي ضيف أحياناً- هذا رجل محترم, مدرس- الضيف مع مدير المكتب, فيعمل هذا المترجم قهوة ويضيفهم, ويشرب معهم, هو إنسان مقامه كبير, مقام مدرس, وله باع في الترجمة, فهذا المدير بعد ستة أشهر, أحبّ أن يعمل تنظيمات إدارية, فعمل لائحة, وأعطى كل إنسان وظيفته, فكتب لهذا الذي رشحته لهم: ترجمة, وقهوة, وشاي, في اليوم الثاني ترك العمل, قال له: أنا أفعله طواعية, أنا مقامي مقام مترجم, ليس عملي ترجمة, وقهوة, وشاي, مقامه أن يترجم, أحب أن يكرمك, كان لطيفاً جداً, زارك ضيف, لم يحب أن يحرجك, عمل لك قهوة, وأحب أن يضيف من نوع الأخوة لكن ليس من نوع التكليف.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6029/02.jpg
فإنسان يتكلم أحياناً كلمة, لم يكن حكيماً, الآن كم من زواج انتهى إلى الطلاق بكلمة قالها الزوج؟ وكم من زوجة طلقت بكلمة قالتها؟
أنا أعرف شركة ناجحة, أرباحها خيالية, انفصلت بكلمة قالها أحد الشريكين, كلمة رعناء, غير مدروسة, فنسأل الله أن يلهمنا الصواب.
الإنسان كلما زاد إيمانه ضبط كلامه.
وقال بعض الصالحين: "منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلام أريد أن أعتذر منه".
وقال بعض الصالحين لابنه: "يا بني! إذا أقللت من الكلام, أكثرت من الصواب, وإذا أكثرت من الكلام, أقللت من الصواب".


من قلّ كلامه كثر صوابه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6029/03.jpg
بشكل عام من كثر كلامه كثر خطؤه؛ الإنسان في الجلسة عليه أن يجلس, ويسمع, فإن كان معه كلام طيب فليتكلم, فإن لم يكن كذلك يظل ساكتاً, أما شخص يريد أن يتكلم فقط فلابد من أن يخطئ خطأ كبيراً وشنيعاً.
عود نفسك عندك شيء تتحدث به, عندك فكرة, آية, حديث, قصة عن صحابي, حكم فقهي, معالجة قضية, تكلم, ليس عندك اسكت.
هناك أستاذ في الجامعة سأل طالبة سؤالاً فلم تعرف, فقسا عليها, قالت: يا أستاذ, النبي قال: "رفقاً بالقوارير" –هي إنسانة ممتلئة الصحة- قال لها: لكن لم يقل: رفقاً بالبراميل.
ما الذي حدث لها أمام ثلاثمئة طالب؟ هذه ليست نكتة, هذا تحطيم, والله عز وجل كبير, الذي يتكلم كلمة قاسية, يصغر إنساناً, الله عز وجل يعاقبه بشيء مشابه, يجعله في موقف بشكل حقير جداً, لا تصغر إنساناً، و قد ورد في الأثر: لا تحمروا الوجوه.
لا تخجل إنساناً, إذا كان هناك قضية ليست متعقلة بالعقيدة, تكلم رقماً خاطئاً, أخطأ, تجاوزها.
هناك شخص لا يمرر, يظل يضيق حتى يحرجك, أحياناً الإنسان يخطىء, ويعلم نفسه أنه خاطئ, يظل صامتاً. فالنبي عليه الصلاة و السلام كان لا يواجه الناس بما يكرهون.
وقال بعضهم: "من قلّ كلامه كثر صوابه".
قال لي شخص: قرأت مقالة فيها ست كلمات تميت, ما المقالة؟"أنت ضعيف لأنك أخلاقي, وأنت أخلاقي لأنك ضعيف".
فرغ الخلق من مضمونه, إنسان ضعيف يصبح أخلاقياً, فإذا كان أخلاقياً يصبح ضعيفاً, معنى هذا أن الأخلاق لا قيمة لها؛ أنت تركز على التجبر, والقسوة, والسيطرة, والاستغلال.
هناك كلمة تقال بأمريكا: أنت قوي إذاً أنت على حق؛ تفرض رأيك على الآخرين بمنتهى الوقاحة ما دمت قوياً, وهذا ما تفعله الآن، ليس لها صديق, حتى أصدقاءها الخلص تخلوا عنها.
من ضبط لسانه كان أقرب إلى الله عز وجل :
هناك نقطة دقيقة جداً: لا يمكن لإنسان بعيد عن الله أن يكون عنده حكمة, لابد من أن يرتكب حماقة, الحمق من لوازم الكفر, والدليل:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6029/04.jpg
على أي مستوى؛ على مستوى عام, على مستوى خاص, على مستوى جماعي, على مستوى فردي.
هناك فندق خمس نجوم, أحبّ أن يكرم الذين أقاموا عنده عقود قرانهم, كتكريم تشجيعي للآخرين, فطلب من إدارته أن يعطوا أسماء الذين أجروا عقداً في هذا الفندق خلال ستة أشهر, فكان هناك ستة عشر عقداً, أُرسلت كتب إلى البيوت, يدعوهم فيها إلى احتفال تكريمي, المفاجأة أن ثلاثة عشر عقداً انتهى إلى الطلاق في أقل من ستة أشهر, في هذا الفندق هناك غناء, وهناك قوة, لكن لا يوجد حكمة.
تجد عقداً بسيطاً, متواضعاً, تمّ في بيت، يقول لك: عشت معها خمسين سنة, لم ينشأ بيننا أية خصومات, هناك بركة من الله.
مرة الإمام الغزالي في الإحياء عرض أكثر من عشرين آفة, سماها باب: (آفات اللسان).
أحياناً تدخل لبيت, لا يعجبك البيت, تصغره بصاحبه, أحياناً تدخل امرأة, تتكلم كلمة مع امرأة: الزوج لا يليق بك, تجعلها سنة زوجة شرسة, أحياناً أب يخرب بيت ابنته, يتكلم كلمة قاسية عن صهره, هي زوجها.
كلما ضبطت لسانك كنت أقرب لله عز وجل, كلما تجاوزت تكون أقرب, وكلما تكلمت الكلمة الطيبة تكون أقرب. الحكمة تقتضي من الإنسان أن يختار الكلمة الطيبة :
الآن: مثلاً الله عز وجل قال:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾
[سورة البقرة الآية:83]
نعم. ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[سورة العنكبوت الآية:46]
هناك فرق بين حسنى وأحسن، أنت مكلف أن تقول كلمة طيبة, أما إذا ناقشت إنساناً, وهناك مئة كلمة طيبة, فيجب أن تختار أطيبها, ليست القضية أن أفحمه, قضية أن آخذ بيده إلى الله عز وجل, الحكمة تقتضي أن تختار الكلمة الطيبة.
سمعت شريطاً من فترة, هناك إنسان له رأي شاذ, ورأي منحرف-هي جماعة- فتصدى عالم مشكور للرد على هؤلاء, فسمعت الرد, الرد رائع جداً, بعد أن انتهى الرد اتُهم شيخ هذه الجماعة بالخرف, هذا سباب, ثلاث كلمات في الشريط سببوا مشكلة لا تنتهي؛ لأن الرد كان علمياً, ورائعاً, لو اكتفيت به لا يوجد مشكلة, بعد أن انتهى الرد اتهمت هذه الجماعة و هذا سبّب مشكلة كبيرة.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( العاشر )


الموضوع : الحكمة 6 ( احاديث شريفة حول الحكمة ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا زلنا في الحكمة, إذ يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
المعنى التاسع للحكمة: إنها أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-, وهذا القول للإمام الشافعي؛ لأن الله عز وجل حينما يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6031/01.jpg
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
الله عز وجل جعل قرآنه في كليات الدين, وأوحى إلى النبي وحياً غير متلو في بيان هذه الكليات.
فالحكمة التي هي أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي بيان لما في القرآن من كليات, أو مجملات, والحكمة التي هي الحديث النبوي الشريف, أو ما صحّ من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وما صحّ من أفعاله, وما صحّ من إقراره, وما صحّ من صفاته؛ أقواله, وأفعاله, وإقراره, وصفاته, هذه هي السنة, وهذه هي الحكمة, وهي بيان, وشرح, وتفصيل, وتوضيح لما في القرآن الكريم: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
وهذه الآية يغفل عنها كثير من الناس, أركان الدعوة أن يعرف الإنسان الله من خلال
الكون: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
الآيات ثلاثة أنواع؛ آيات كونية وتكوينية وقرآنية :
والآيات أنواع ثلاثة؛ آيات كونية, وتكوينية, وقرآنية, أي أن تعرف الله من خلال فعله, ومن خلال خلقه, ومن خلال كلامه؛ من خلال فعله بالنظر:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:11]
ومن خلال خلقه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة آل عمران الآية:190]
ومن خلال كلامه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[سورة محمد الآية:24]
هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
لأن ثمن الجنة التزكية؛ عرف الله, فاستقام على أمره, فأقبل عليه, فزكت نفسه, ويعلمهم المنهج. من عرف الله و استقام على أمره زكت نفسه :
الآن عرف الله, واتصل به, فزكت نفسه من خلال منهجه:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
الكتاب هو القرآن, والحكمة هي السنة.
((تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا بعدي أبداً ما تَمسَّكْتُمْ بهما؛ كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ))
[خرجه مالك في الموطأ عن مالك بن أنس]
والقرآن الكريم تولى الله بذاته حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية:9]
وإذا أصدرنا قانوناً, ثم أتبعناه بمرسوم توضيحي, تفسيري, فحفظ القانون وحده لا يكفي, لا بد من حفظ القانون التفسيري, المرسوم التشريعي, البياني, التوضيحي. الله سبحانه وتعالى تولى بذاته حفظ قرآنه وحفظ سنة رسوله :
لذلك إذا قلنا: إن الله تولى حفظ كلامه وقرآنه, فمن لوازم حفظ كلامه أن يحفظ لنا سنة النبي, والله عز وجل جعل لكل شيء سبباً, فهيأ وأعطى أناساً طاقات فذة, وحفظوا بها السنة, فالسنة محفوظة؛ لأن هذا الإسلام دين الله, ولأن هذا القران كلام الله, ولأن هذه السنة وحي غير متلو لرسوله، فالله سبحانه وتعالى تولى بذاته حفظ قرآنه, وحفظ سنة رسوله.
طبعاً هذا الكلام لا يعني أنه لم تجر محاولة لتغيير الكتاب والسنة, ولكن لم تنجح أية محاولة, جرت محاولات كثيرة لكنها لم تنجح.
تقريباً من حوالي ستة أشهر, نشر على الأنترنت سور من القرآن الكريم, ليست منه, شهد الله لو قرأها طفل في العالم الإسلامي لا يملك إلا أن يضحك؛ ضحك سخرية, وضحك استهزاء, سبحان الله! القرآن له مكانة كبيرة جداً.
أي الذي قلد القرآن في سقوط, وفي سخف, وفي سذاجة, وفي شعور صارخ أن هذا كلاماً مفترى, قبل ستة أشهر؛ أول سورة, وثاني سورة, وثالث سورة, جاءتني من أمريكا رسالة: انظر ما على الأنترنت, قد تجري ألف محاولة, لكنها لا تنجح .
فيما أذكر في العهد العثماني, طبع خمسمئة ألف نسخة من القرآن الكريم, حذف من القرآن كلمة واحدة:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية:85]
المصاحف جمعت, وأحرقت فوراً. من لوازم حفظ كلام الله حفظ سنة رسوله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6031/02.jpg
إذاً: الله عز وجل تولى بنفسه حفظ كلامه, ومن لوازم حفظ كلامه أن يحفظ لنا سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-, فحيثما وردت كلمة حكمة في القرآن الكريم في الأعم الأغلب -وهذا تفسير وجيه -هي السنة، لذلك قال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
[سورة النجم الآية:3]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية:4]
كلام النبي تشريع, إقراره تشريع, أفعاله تشريع, صفاته تشريع, فالمعنى التاسع للحكمة: إنها أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-.
الدعوة القائمة حول الاكتفاء بالقرآن الكريم دعوة معادية للدين :
الآن:هناك دعوة, والدعوة مركزة حول الاكتفاء بالقرآن الكريم, طبعاً هذه الدعوة معادية لهذا الدين, الدعوة في ظاهرها براقة, نحن نريد كتاب الله, الجواب الذي يقول نكتفي بكتاب الله, نقول له: إنك تعصي كلام الله؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية:7]
فأنت حينما تستغني بكتاب الله عن سنة النبي تعصي كلام الله, والله عز وجل قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
[سورة الأحزاب الآية:21]
وحينما تهمل السنة أهملت الأسوة. السنة مشرِّعة تشريعاً مكملاً للقرآن الكريم :
شيء آخر: شاءت حكمة الله عز وجل أن يأتي القرآن الكريم بحكم إجمالي كلي, وتأتي السنة بالتفاصيل، الله عز وجل قال:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
من أخبرنا عن النصاب؟ وعن أنواع الأموال؟ وعن زكاة المواشي؟ وزكاة البقر؟ وزكاة الإبل؟ وزكاة عروض التجارة؟ وزكاة العسل؟ وزكاة الإنتاج الزراعي؟ ومن حدثنا عن مصارف الزكاة مصرفاً مصرفاً؟ هناك مئات الأحاديث كلها تبين كيف أنفق الزكاة.
قال: ﴿أقم الصلاة﴾
إذاً كيف أصلي؟ من حدثنا عن ركعات الصلاة؟ وعن الفرض؟ وعن النية؟ وعن سنن الوضوء؟ كله فعله النبي, فلو استغنيت عن السنة جاز لك أن تتزوج خالة زوجتك.
السنة مشرِّعة تشريعاً مكملاً للقرآن الكريم؛ الله ذكر المجملات, ذكر الكليات, والنبي قاس عليه, وشرع, فالسنة مشرعة. الله عز وجل عصم النبي عن أن يخطئ في أقواله وأفعاله وأحواله وإقراره :
النقطة الدقيقة: النبي وحده مشرع, أما أصحابه فليسوا مشرعين, قد يقف أحدهم موقفاً خاصاً.
أوضح مثل سيدنا عمر لما هاجر جهاراً, وتحدى بهيبته المشركين, وقال: "من أراد أن تثكله أمه, فليلحق بي إلى هذا الوادي".
النبي ما فعل هذا, النبي سار متخفياً, واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام, وهيأ خطة دقيقة جداً؛ من يأتيه بالأخبار, ومن يأتيه بالزاد, ومن يمحو له الآثار, واستأجر خبيراً, ليس مسلماً مشركاً, رجح فيه الخبرة على الولاء, النبي مشرع, لو هاجر النبي كما هاجر عمر, لعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً, ولعد أخذ الحيطة حراماً.
نحن نعجب بالصحابة, ونحبهم, ونجلهم, ولكنهم ليسوا مشرعين, المشرع هو النبي -عليه الصلاة والسلام-. فحيثما وردت كلمة الحكمة في القرآن تعني: السنة, تعني: أقوال النبي, وأفعال النبي, وإقرار النبي.
النبي الكريم من عادته أن يزور بيت المتوفي قبل تشييع الجنازة, -هذا في منتهى الإكرام-, فكان عند أبي السائب, وقد توفاه الله, فسمع امرأة تقول: "هنيئاً لك أبا السائب! لقد أكرمك الله"، النبي الكريم لو سكت لكان كلامها صحيحاً, أما أي إنسان منا إذا سمع خطأ ليس له علاقة, هناك مواقف كثيرة, لا يوجد مجال لأن تصحح, الجو لا يسمح لك بالتصحيح، يتكلم كلاماً غير صحيح, وأنت حاضر, لست مشرعاً، أما النبي إذا قيل أمامه كلمة خطأ وسكت, فهي صحيحة، فلما سمعها تقول: "هنيئاً لك أبا السائب! لقد أكرمك الله, قال: ومن أدراك أن الله أكرمه, قولي: أرجو الله أن يكرمه, وأنا نبي مرسل, لا أدري ما يفعل بي, ولا بكم".
فالنبي أقواله, إقراره, أفعاله, صفاته المتعلقة بالتشريع, طبعاً كلها تشريع:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة البقرة الآية:129]
قيل: "يا رسول الله! أنأخذ عنك وأنت غضبان؟ فأمسك لسانه بيده وقال: والذي بعثني بالحق, هذا اللسان لا ينطق إلا بالحق, في الغضب والرضا".
لأن الله عصمه عن أن يخطئ في أقواله, وأفعاله, وأحواله, وإقراره, عصمه لأنه مشرع, والله عز وجل قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾
[سورة الحشر الآية:7]
لو لم يعصمه كأن الله أمرنا أن نأخذ عن إنسان غير معصوم, وكأن الله أمرنا أن نعصيه إذا كان بساعة من ساعات حياته غير معصوم, وأمرنا أن نأخذ عنه دائماً؟! المعركة بين الحق و الباطل معركة أبدية أزلية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6031/03.jpg
لذلك: هذا الذي يقول: إنه سحر, هذا مطب كبير جداً, نحن نقول: إذا كان هناك حديث نقول: سُحر, ولم يتأثر بالسحر إطلاقاً, جرت محاولة, ولم تنجح, أو لم تجر, كلاهما المؤدى واحد, أما لو أنها نجحت فلشككنا في السنة كلها.
لعل هذا الحديث قاله وهو مسحور,لا:
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية:153]
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:8]
لا, ليس مسحوراً, جرت محاولة, ولم تنجح, وهذا من عظمة الله عز وجل.
أحياناً: الخصم حر, مخير, يفعل ما يشاء, أما النبي فمحصن, تجرى آلاف المحاولات, لكنها لم تنجح.
أساساً هناك معركة بين الحق والباطل, أزلية أبدية؛ في أي عصر هناك فريق على حق, وفريق على باطل, فريق مع الله, و فريق عدو لله عز وجل, فدائماً وأبداً الكفر له حركة، لكن النبي قال:
((نية المؤمن خير من عمله, ونية الكافر شر من عمله))
[العسكري في الأمثال عن النواس بن سمعان]
الكافر يتمنى أن يفعل بالمؤمنين أضعاف أضعاف ما يفعل، لكن لا يستطيع، يتمنى, ولولا أن هذا الدين دين الله لانتهى من ألف سنة, لكن الدين دين الله, أي فرقة ضالة تجدها في الوحل ولا أحد ينظر إليها, كلامها غير منطقي. أي محاولة لتشويه الإسلام تحتضنها القوى المعادية للإسلام وتدعمها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6031/04.jpg
محاولات هائلة جرت, والحقيقة أن الغرب الكافر يحتضن أي فرقة إسلامية منحرفة, الآن في باكستان مثلاً ظهر المذهب القاضياني, هذا يحرم محاربة الانكليز, معنى هذا أن هذا المذهب صنعة الانكليز, هذا المذهب يدّعي أن هناك نبياً بعد رسول الله, ينفي كل شيء لا تراه العين, ينفي الجن -انحراف خطير جداً, وواضح جداً- سبحان الله! أي محاولة لتشويه الإسلام القوى المعادية للإسلام تحتضنها, وتدعمها, ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح.
فالحكمة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
أيها الأخوة, هناك عالم من علماء مصر, له رأي وجيه, أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فرض, لماذا تصوم؟ لأن الصيام فرض, هل يخطر في بال أحدكم أن معرفة سنة النبي فرض كالصلاة تماماً وأن معرفة سيرة النبي فرض كالصلاة تماماً؟ والتفسير دقيق جداً:
عندنا قاعدة أصولية تقول: "ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض, وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
الوضوء فرض؛ لأن الصلاة التي هي فرض لا تتم إلا به.
كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :
أنا أمام آيتين, الله عز وجل قال:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾
[سورة الحشر الآية:7]
هذا أمر, وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
وأساساً الذي ضيع المسلمين أن الإسلام بقي عندهم خمس عبادات, لا؛ كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب, كل أمر فرض، قال لك: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾
[سورة البقرة الآية:83]
فرض, أن تنتقي أفضل كلمة.
على كلٍّ الوضوء فرض لأن الصلاة التي هي فرض لا تتم إلا به: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية:7]
من لوازم إيمان المرء أن يعرف سنة النبي صلى الله عليه و سلم :
عندنا أمران: الأخذ والترك؛ كيف آخذ وكيف أترك ما جاء به النبي وما نهى عنه النبي إن لم أعرف سنة النبي؟ لا يتم هذا الأمر إلا بمعرفة سنة النبي, والله عز وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
[سورة الأحزاب الآية:21]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6031/05.jpg
كيف أتخذه أسوة حسنة إن لم أعرف ماذا فعل؟ الذي ينكب على معرفة كتاب الله, ومعرفة سنة رسول الله القولية والعملية, هو ينفذ أمراً إلهياً, فرضاً إلهياً, وهذا من لوازم إيمان المرء، أن يعرف سنة النبي.
غير معقول! بيت لا يوجد فيه كتاب حديث, لا بد في البيت من كتاب حديث, وليكن رياض الصالحين؛ كتاب لطيف, كله أحاديث صحيحة, فيه أبواب رائعة, وكل باب مُصدّر بآيتين أو ثلاثة, و هو من أبرك الكتب التي ألفها الإمام النووي -رحمه الله تعالى-، فيه أحاديث صحيحة, ولا بد من كتاب سيرة.
لكن مشكلة المسلمين أن الشاشة حلت محل الكتاب, والشاشة فيها كل السقوط, و أوحال قنوات مجارير.
ينبغي أن يكون هناك علم في البيت, السهرة فيها حديث شريف, فيها سيرة الصحابة, فيها كلام عن رسول الله, هذا بيت المؤمن؛ بيت فيه علم, بيت فيه سنة, بيت فيه سيرة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : الحكمة 7 ( من معاني الحكمة ؛ الورع ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من معاني الحكمة الورع :
لا زلنا في الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
من معاني الحكمة أن يكون ورعاً, فقد ورد أن: (( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط))
[ الجامع الصغير عن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/01.jpg
الورع هو الذي يبتعد عما يجره إلى معصية, الورع هو الذي يدع هامش أمان بينه وبين المعاصي؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية:187]
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((الحلالَ بيِّن, والحرام بيِّن))
[أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير]
السرقة و القتل و الزنا أشياء محرمة وهي واضحة كالشمس, يغتصب مالاً حراماً, الغيبة حرام, النميمة حرام, إنسان دخله حلال, طبخ وأكل لا يسألك؛ لأنه لم يعمل شيئاً, يعمل عملاً مشروعاً, وكسبه مشروع, وماله حلال, اشترى طعاماً وأكل هو وأولاده.
ما سمعت في تاريخ الدعوة إنساناً يقول: أستاذ طبخت فاصولياء, هل في عملي شيء؟ لا أحد يسأل؛ لأن العمل حلال.
إنسان تزوج, إنسان فتح محلاً تجارياً, باع مواد غذائية, لم يكذب, لم يغش؛ فالحرام الصرف بين, والحلال الصرف واضح, ولا يختلف فيه اثنان, وليس هناك أية مشكلة, أين المشكلة؟ في الشبهات, شيء من زاوية حلال من زاوية حرام, الورع يقتضي أن تدع هذا الشيء ورعاً. ((الحلالَ بيِّن, والحرام بيِّن, وبينها أمور مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس))
[أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير]
الأغلبية يشتبه عليه الأمر, حينما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يعلمهن كثير من الناس))
أي ذلك لا يعلمه إلا قليل من الناس, هؤلاء الذين أكرمهم الله بالعلم. أعظم الكرامات التي ليس فيها خرق للعادات هي كرامة العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/02.jpg
بالمناسبة الحديث عن الكرامات حديث كبير جداًً, الكرامات خرق العادات, العادات تخرق، معجزات الأنبياء يجوز التحدي بها, والعادات, والمألوفات, والقوانين, والسنن, والنظم تخرق للأولياء ككرامات لا ينبغي أن يتحدوا أحداً بها, ولا ينبغي أن يذكروها.
أما أجمل قول قرأته: إنه أعظم الكرامات العلم, لا يوجد به خرق للعادات.
إذا إنسان قال لك: أنا صليت في الكعبة, ورجعت البارحة, لا تعلم ماذا تقول له؟ إن صدقته مشكلة, وإن لم تصدقه مشكلة, يحرجك, ليس معصوماً, أما نبي يمسك العصا, تصبح ثعباناً, طبيعي!! لأن الله عز وجل أيده بها, لو أحداً قال له: أنت كاذب, لست نبياً, الله أيده بمعجزة, ومعنى معجزة يعجز عن فعلها البشر, إلا أن خالق البشر وحده يفعلها؛ فسيدنا عيسى أحيى الميت, سيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً:
﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾
[سورة البقرة الآية:60]
سيدنا صالح أخرج ناقة من جمل, وكل نبي له معجزة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- الكتاب الذي بين أيدينا معجزة مستمرة.
معجزات الأنبياء السابقين كعود الثقاب, تألقت مرة واحدة, وأصبحت خبراً؛ يصدقه من يصدقه, ويكذبه من يكذبه, إلا أن القرآن الكريم معجزة حية بين أيدينا إلى يوم القيامة.
فالكرامات خرق العادات, لكن أعظم هذه الكرامات وليس فيها خرق للعادات هي كرامة العلم، فالإنسان الذي أوتي العلم الصحيح طلبه كسباً. العلم طريق الإنسان للتفريق بين الحلال و الحرام :
عندك يقين كسبي بالأصول: إنما العلم بالتعلم, وإنما الحلم بالتحلم, وإنما الكرم بالتكرم.
وعندنا يقين إشراقي, هذا يأتي من قبل الله عز وجل, لكنه منضبط بالشريعة.
على كلٍّ؛ هذا العلم يكفيك أن تفرق بين الحق والباطل.
شخص أحب أن يشتري بيتاً جيداً, معه ثلاثة ملايين, والبيت سعره أربعة ملايين, جاء استقرض من إنسان مليوناً, قال له: أنا لا أقرض، أدخل شريكاً في البيت, قال له: حسناً, أدخله بالمليون شريكاً, كتب له الربع للمقرض, مالك البيت الأصلي له ثلاثة أرباع البيت, قال له: أريد أجرة من ثمنه بشرط ألا ينقص المليون قرشاً, وعندما يصبح معك تعطيني مليوناً, دخلنا في الشبهة, عندما ضمن له المليون صار ربا, هو في الظاهر اشترى معه كشريك وأجره, أنا لي ربع البيت من حقي أن آخذ أجرة, هذه عملية ربا كاملة, لكن تفوت على الناس, هذه شبهة, لأن ظاهرها مشاركة في الشراء, بيت وأجرة، أما حينما ضمن له المبلغ صار قرضاً, وهذه الأجرة فائدة, وكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا, أما إذا قال له: بعد سنة, سنتين, ثلاثة, البيت نقيّمه في السوق, ما قيمته لي الربع, وأريد أجرة, يأخذها حلالاً تماماً.
هناك آلاف الحالات, تشبه الحلال من جهة, وهي حرام, هذه شبهة.
على كلٍّ هذه الشبهات لا يعلمها كثير من الناس, لكن القلة القليلة يعلمونها.
من أراد أن يعرف الله فليبحث عن إنسان يعرف الله عز وجل :
الله عز وجل قال آيتين:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:43]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/03.jpg
إن أردت أن تعرف الله فابحث عن إنسان يعرف الله عز وجل, اسأله: لماذا يسوق الله المصائب للناس؟ لماذا توجد الزلازل؟ لماذا المسلمون متخلفون؟ لماذا الكفار أقوياء؟ لماذا هناك أمراض؟ لماذا هناك فقر؟ لماذا لا توجد أمطار؟ هذا شيء متعلق بالله عز وجل, العارف بالله عز وجل آتاه الحكمة, لكن؛ إذا كان هناك قضية متعلقة بالفقه اسأل فقيهاً, قضية متعلقة بالدنيا اسأل خبيراً: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:43]
إن كنت لا تعلم فاسأل.
مرة أحد أخواننا في ضائقة مالية جداً, وعليه ديون, يكاد يسحق, جاءه عرض ألف بيت مصحف, والمبلغ جيد, والربح جيد جداً, قال: لأن العرض جاءه من نصراني, قال: حرام, من قال لك حرام!؟
إذا شخص غير مسلم قال لك: أريد ألف بيت مصحف, -يبدو أن هذا الشيء مطلوب-, لا يوجد فيه أي شبهة.
فأحياناً الإنسان من جهله يدع الحلال, ومن جهله يرتكب الحرام, ومن جهل معظم الناس يقعون في الشبهات. الجهل يوقع الإنسان في الشبهة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/04.jpg
الآن: كم من مسلم في هذا البلد مستثمر أمواله بربح ثابت؟ بالألوف, بمئات الألوف, كله حرام, إذا كان الربح ثابتاً فهذا ربا, أخي! أنا لا أدخل في حساباته يحرجني, أنا لي على المئة ألف ألفان في الشهر، ولا يحب أن يدخل بمتاهات مع الناس، هذا ربا، وعلى هذا فقس مئات الحالات, آلاف الحالات، فالورع أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
الإمام الغزالي بالإحياء عمل أربع مراتب للورع؛ أول مرتبة ورع الفتوى: قال لك إنسان: هذه حرام, حرام, وهناك ورع من نوع أرقى إذا كان هناك شيء هو في الأساس حلال لكن ممكن أن يقود إلى حرام فدعه, وهناك مستوى أرقى و مستوى أرقى وأرقى".
لذلك:
(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط))
[ الجامع الصغير عن أنس]
(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
الورع يقتضي من الإنسان أن يبتعد عن كل شبهة :
أيها الأخوة, تصور أنت موظف في دائرة, والمدير العام خصك بسيارة كبيرة, وجديدة, وغالية, ومع بنزينها, وسائقها, والمدير العام له خصم في الدائرة, إذاً أنت ليس لك مصلحة أن تسلم عليه, وليس لك مصلحة أن تزوره, وليس لك مصلحة أن تقدم له أي شيء, تخاف على مكانتك عند المدير العام؛ لأنه أعطاك سيارة, مع بنزينها, وسائقها.
مثلاً: انظر في الحياة اليومية, الموظف هذا لحفاظه على مكانته عند مدير الدائرة, ولحفاظه على مكتسباته من مدير الدائرة, يبتعد عن الشبهات, يبتعد عن شخص لو زاره والخبر وصل للمدير العام, يتألم. فالإنسان لمصالحه المادية يبتعد عن الشبهات.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/05.jpg
صدر قانون من فترة: "ممنوع التداول بالدولار, أو العملات الصعبة, مسموح الحيازة", هل هناك مواطن يقول لمسؤول: أنا معي عشرون ألفاً لكن حيازة ليس تداولاً؟ لا تتكلم ولا كلمة كي لا يفهمونك خطأ, أيضاً أبعد عن الشبهات في أمور القوانين.
أناس كثيرون يبعدون عن الشبهات, لا تقل: فرد, قل: مِثقب, سوف يستورد فرد تثقيب, إن قال فرداً سيفهم شيئاً ثانياً، اكتب مثقب لا تكتب فرداً, شخص كتب فرداً, فصار له متاعب كثيرة فنبه الناس: اكتب مثقب.
فأنت مع مسؤول, مع شخص قوي, تبتعد عن الشبهات كلها, فكيف مع خالق الأكوان!؟ الورع يقتضي أن تبتعد عن كل شبهة لكن هذا يحتاج إلى جهد؛ لأن الله عز وجل قال:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾
[سورة الكهف الآية:110]
أنت ترجو الله, ترجو الآخرة - الجنة- ترجو حياة أبدية سعيدة, هذه الحياة ألا تقتضي أن تدع الشبهات!؟
هناك قضايا فيها فتوى, لعلها فتوى ضعيفة؛ ابحث عن جمهور العلماء, ابحث عما اتفق عليه العلماء, ولا تبحث عن فتوى شاذة.
أنا أقول: أحياناً الموضوع خلافي, وهناك فتوى ضعيفة. الفتوى و التقوى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/06.jpg
ورد عند الفقهاء أن إسقاط الجنين ممكن قبل مضي أربعين يوماً على حمله بفتوى ضعيفة, على أساس أن الحياة تبدأ في الجنين بعد أربعين يوماً, لو تعمقت تجد أن الحياة تبدأ بالتلقيح, هذه النطفة خلية حية, ولما لقحت البويضة، البويضة ملقحة فيها حياة خلوية, فإسقاط الجنين فيه شبهة, وفيه مشكلة, وإذا اعتبرت الحياة هي حركة, فهذا موضوع ثان.
أنا أقول: هناك فتوى ضعيفة لكن الأولى أن تبتعد عنها, فالمؤمن يا أخوان يبتعد عن الشبهات, لينجو بدينه، قال عليه الصلاة والسلام: ((إنّ الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينها أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضهِ، ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/07.jpg
الشيء الثاني: يقول لك: هل يوجد فتوى؟ نحن نريد فتوى وتقوى, إنسان ذهب إلى فرنسا, قال: أنا أريد أن أبقى أربع سنوات بلا زوجة!! أتزوج ولما أسافر أطلق, ذهب إلى مركز إسلامي, اختار واحدة, قالت له: بألفين, صار هناك عقد شرعي مئة في المئة؛ إيجاب وقبول, وشاهدان, ومهر, وهذا العقد في الأرض شرعي, ليس له مأخذ, لكن نيته توقيت.
فعند بعض الأئمة: من نوى التوقيت فهو زان.
الزواج على التأبيد, يمكن أن تتزوج وتطلق, لكن الطلاق أصبح طارئاً, هناك حقيقة لا تعلمها, فلما كشفت لك طلقتها هذا ممكن, أما حينما عقد العقد, فعقد الزواج على التأبيد لا على التوقيت.
الآن: عندنا حالة؛ حالة الفتوى والتقوى، هو عند الناس متزوج ولا شيء عليه, أما عند الله فزان؛ لأنه أراد التوقيت.
فأحياناً تجد فتوى لكل ما تريد, وأنا أطمئن المسلم أية معصية مهما بدت كبيرة فيها فتوى؛ إن كنت تبحث عن الفتوى فالفتوى موجودة, أما إن كنت تبحث عن التقوى فينبغي أن تبتعد عنها. كل إنسان عنده مفتي صغير هو قلبه :
الآن: هناك فتوى بالربا الصريح، أن تذهب إلى بنك, وأن تودع أموالك فيه, وأن تتقاضى فائدة بشكل ربوي صارخ, وهناك فتوى لشيخ الأزهر بمصر هي:" ليست فوائد, ولكنها عوائد"، أنت أودعت مالك أمانة بمصرف, والمصرف كان لطيفاً جداً, أحب أن يعمل لك مكافأة, سماها عوائد, وأذكر أنه وضع في البنك في اليوم الثاني ثلاثة وثمانون ملياراً, و لكن سبعة وعشرين عالماً ردوا عليه.
إذا كنت تريد فتوى فبكل معصية فتوى, أنا أنصحك أن تبحث عن التقوى؛ لأنه:
((استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ))
[أحمد والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم عن وابصة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/08.jpg
وكل إنسان عنده مفتي صغير هو قلبه, والنبي الكريم أعطاك مقياساً مذهلاً, قال: ((البر ما اطمأنت إليه النفس ))
[أحمد عن وابصة بن معبد ]
(( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
كنت في أمريكا, السؤال الذي سئلته كل يوم مرتين أو ثلاثة خلال شهر, خرجت من جلدي, السؤال: يأتي إنسان هناك بيت سعره مئة ألف دولار, عندما يأخذ البيت تقسيطاً، يصبح بثلاثمئة ألف دولار, أي عندما يأخذ بيتاً بالتقسيط ضرائبه تنزل إلى رقم قليل جداً, لأن عليه ديناً, قسط البيت أقل من أجرته, وفوق ذلك معفى من الضرائب, لو استأجر البيت أجرته أعلى من قسطه, والضرائب تزيد, معنى هذا أن المستأجر غني.
فتجد أن أكثر الجاليات متورطون بشراء البيت بتقسيط فاحش, أي يصبح ثمن البيت ثلاثة أضعاف الثمن تقريباً، أي البيت ثمنه مئة ألف إذا اشتراه الإنسان نقداً, أما إن اشتراه بالتقسيط فيقدر سعره بثلاثمئة ألف دولار, وعلى مدى ثلاثين سنة، تجد يسألك: لماذا سأل؟ لأنه متضايق, لماذا عندما يأكل فاصولياء ورز هو وزوجته وماله حلال لم يسألك؟ لأنه واضح مثل الشمس, لم يعمل شيئاً, أما الإنسان إذا عمل شبهة فيتضايق. البر و الإثم :
النبي قال:
((البر ما اطمأنت إليه النفس ))
[أحمد عن وابصة بن معبد ]
(( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]
ما دام متضايقاً يسأل, يقول لك: والله ذهبت لبيروت, أوصاني شخص على زيت, حلال أن أربح عليه؟ لا, ليس حلالاً, أنت لست تاجر زيت.
لو فرضنا, إنسان ذهب إلى عفرين, ائت لنا بتنكة زيت, لا يستطيع أن يضيف ولا قرشاً, أما لو كان صديقك تاجر زيت, وأنت اشتريت منه كتاجر زيت, فتستطيع أن تربح عليه.
أنت قلت لشخص يعمل بالزيت: نريد منك تنكة زيت, فأعطاك تنكة, سافر, وضع حمولة؛ هذا اختصاصه, عمله, مصلحته, يمكن أن يأخذ منك ربحاً, أما إنسان ليس له علاقة بالزيت, سخرته بتنكة, أنت مؤتمن, فلا تستطيع أن تضيف أي قرش.
مثلاً: شخص يبيع قطعاً, جاء صانع, قال لك: أعطني صحن دبرياج, الزبون -صاحب السيارة- غشيم, سعره في السوق ألف ليرة, قلت له: الفاتورة بألف ومئة, هذه المئة لك, لا يجوز؛ لأنه أضاف مبلغاً على السعر الطبيعي, أما إذا أنت أعطيته إكرامية, فلا يوجد مشكلة, هذا في السوق بألف, لو ذهبت إلى كل المحلات ثمنه ألف ليرة.
مثلاً: لو أنه مسعر بألف, وأنا أحببت إكرام الصانع بخمسين ليرة من ربحي لا يوجد مشكلة.
هناك قضايا كثيرة, تنشأ عندنا مشكلة شخص اشترى شيئاً, واشترط عليك أريد بالمئة واحد, اكتب بالفاتورة كذا, هذا حرام، أما أنت أكرمته من عندك, من ربحك, فلا يوجد مشكلة.
يا أخوان, إذا لم يعلم يسأل, هذا الذي امتنع عن شغل المصاحف, هذا ورع غير معقول, وعندنا بالمناسبة: ورع وسوسة. أنواع الورع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/09.jpg
الإمام الغزالي ذكر في كتاب الإحياء, شخص صاد سمكة هو في أمس الحاجة إليها, وجائع, خطر في باله خاطر, لعل شخص صادها قبلي, وتملكها, ثم سقطت منه سهواً في البحر, معنى هذا لم تعد ملكي, هذه اغتصاب, هذه سماها الغزالي: (ورع وسوسة), وهناك أنماط كثيرة.
يدخل أخي يجوز أن أشتري كنزة من عمل الانكليز؟ قلت له: يجوز, قال لي: أليس حراماً؟ هؤلاء الكفار الذين عملوا الكنزة نحن نعاونهم؟ قلت له: اخلعها, وارمها في سلة المهملات.
هناك ورع وسوسة, هذا غير مطلوب, وهناك ورع حقيقي, وهناك قلة ورع.
إذا الإنسان مثلاً أحبّ أن يأخذ من كل مذهب قليلاً, يجمعهم كلهم, انظروا لي؛ أين لا توجد زكاة في الحلي؟ أين يوجد كذا؟ أين يوجد كذا؟ تصيد الرخص في كل المذاهب, وقع في شبهة التلفيق والوهن في الدين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6032/10.jpg
على كلٍّّ؛ الإنسان يسأل, ولا تظن كل سؤال له جواب, هناك حالات الآن, تشعر أنك تحتاج إلى مجمع فقهي لكل بلد، مليون علاقة؛ شيء ربوي, وشيء غير صحيح, وشيء فيه شبهات.
هات خمسمئة ألف, وخذ البيت, اسكن فيه, وبدون مقابل, ربا, وعندما يخرج من البيت, خذ خمسمئة ألف, أنت لماذا أسكنك في البيت؟ مقابل القرض, أنت قبلت مقابل القرض.
أحياناً يقول لك: أجّره سيارة, يريد أن يرجعها مثلما استلمها؛ الدواليب, والمحرك... كله كامل, أنت لما ضمنت, لا ضمان, ولا آجار, هي تستهلك, أنت مقابل أي شيء أجرتها؟ مقابل أنها ممكن أن تستهلك, أيضاً فيها شبهة؛ أما إذا كان هناك شيء من التقصير أدفعه, عدوان أدفعه, البطارية احترقت أدفعه, أما اهتراء الدواليب مثلاً, اهتراء عمر المحرك فشيء طبيعي؛ إذا المكابح عليه, والمحرك عليه, والدواليب عليه, ولم تترك شيئاً إلا وتركته عليه, وأنت ضمنت, صار هناك ضمان وآجار, لا يجتمعون سوية.
شريك وموظف عليها إشكال, أنا آتي بموظف, أعمل له نسبة بعقد واحد, لا يجوز, أساسه موظف, أحببت أن تشجعه شفهياً, أو بعقد آخر, ممكن, أما بأصل العقد شريك وموظف, فلا يعملون سوية, وعلى هذا فقس.
على كلٍّ؛ الحكمة ورع:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : الحكمة 8 ( من معاني الحكمة ؛ فهم كلام الله - فهم دقائق القرآن ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي فهم كلام الله عز وجل :
أيها الأخوة, لا زلنا في الحكمة التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
بعضهم قال: الحكمة هي فهم كلام الله عز وجل؛ لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((من أَوتى القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه))
[ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6033/01.jpg
ذلك أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه, وشرف الرسالة من شرف المرسل, وشرف الكتاب من شرف صاحبه, فإذا عملت بالقرآن - وهو كلام الله عز وجل الذي نزل على سيد الأكوان- فأنت ممن أوتي خيراً كثيراً.
لذلك من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه, فقد حقر ما عظمه الله تعالى.
من أوتي القرآن, وله صديق معه ملايين, فشعر نفسه أمامه قليلاً, محروماً, فقد حقر ما عظمه الله تعالى؛ الذي يُؤتى القرآن حفظاً, وفهماً, وتطبيقاً, هذا أوتي خيراً كثيراً, هذا أوتي الحكمة. ((من أَوتى القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه))
[ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو]
وله لفظ آخر: ((من قرأ القرآن كله فقد أعطى النبوة كلها غير أنه لا يُوحى إليه))
[البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن أبي أمامة]
لأنه كلام الله عز وجل. من فهم كلام الله عز وجل يكون قد فهم الحقيقة المطلقة :
شيء آخر: أنت عندما تفهم كلام رب العالمين تكون قد فهمت الحقيقة المطلقة, فهمت سر الوجود, فهمت الحكمة من وجودك, فهمت الرسالة التي أنيطت بك, شيء كبير جداً أن تفهم القرآن الكريم, والحقيقة الوقت الذي تصرفه في كلام الله هو استثمار للوقت.
كنت أضرب مثلاً أول ما أصبحت ألقي خطبة في المسجد, جاءني شخص قال لي: أنا زوجتي تخونني كل يوم من سنتين, وأنا لا أدري, قلت له: كيف؟ قال لي: أدخل البيت, وأتناول طعام العشاء, وأشرب كأس شاي, فإذا بي أشعر بحاجة إلى النوم عجيبة, قال لي: بعد سنتين, مرة كأس الشاي لم أشربها, وإذا بجار يدخل إلى البيت بعد أن أويت إلى الفراش, فسألته أنا: من هذا الإنسان؟ قال: جارنا, قلت: كيف تعرفت عليه؟ قال لي: مرة زارنا فقلت لزوجتي: تعالي اجلسي عندنا, مثل أخيك, قلت له: لو كنت تحضر مجلس علم واحد, لو قرأت القرآن, لو سمعت كلام النبي ما فعلت هذا, وأنت السبب, أنت الذي عرفت هذا الجار على زوجتك.
قصص كثيرة جداً, تجد يرتكب الإنسان حماقة كبيرة جداً تنتهي به إلى الدمار؛ لأنه لم يقرأ القرآن, لم يقرأ سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.
القرآن الكريم منهج و دستور وحبل يعتصم به الإنسان :
لما أنت تقرأ القرآن, ويأتي أمر:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية:30]
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب الآية:33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6033/02.jpg
تجد الإنسان من دون قرآن تائهاً, شارداً, يرتكب حماقات, ولو كان ذكياً.
القرآن الكريم منهج, القرآن الكريم نور, القرآن الكريم دستور, القرآن الكريم حبل تعتصم به, القرآن الكريم قانون تسير عليه.
والحقيقة إذا الإنسان أوتي القرآن أوتي خيراً كثيراً؛ أوتي القرآن قراءة, وأوتي القرآن حفظاً, وأوتي القرآن فهماً, وأقوى شيء أوتي القرآن تطبيقاً.
الحديث الشريف: ((مَا آمَنَ بالقرآنِ مَن استحلَّ مَحَارِمَهُ))
[أخرجه الترمذي عن صهيب]
والآية الكريمة: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾
[سورة البقرة الآية:121]
يُحسنون قراءته, وفهمه, وتطبيقه. المؤمن محصن بالقرآن :
الإنسان إذا جعل قرآنه شغله الشاغل طوال حياته يكون قد استثمر الوقت, أنت لا تحس على حالك, هناك انضباط في السلوك, أساسه قناعة ناتجة من آية قرآنية, تجد مؤمناً قلما يرتكب معصية, وإذا ارتكبها في حالات نادرة, وفي حالة غفلة, وفي حالة ضغط شديد, أما في الأعم الأغلب فالمؤمن محصن بالقرآن.
صعدت امرأة إلى السيارة, قال لها السائق: إلى أين يا أختي؟ قالت له: خذني أين ما تريد؟ وجدها فرصة أعطته ظرفاً فيه خمسة آلاف دولار, ورسالة, قرأ الرسالة, قالت: أهلاً بك في نادي الإيدز- معها إيدز- والمبلغ مزور, أودعوه في السجن, لو كان قارئاً للقرآن يركلها بقدمه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6033/03.jpg
لا يوجد مشكلة في الأرض إلا بسبب معصية, و ما من معصية إلا بسبب جهل, الإنسان حينما يجهل يرتكب حماقة كبيرة.
فالقرآن الكريم حينما تقرأه, وتفهمه, يترسب في اللاشعور, في العقل الباطن قناعات, هذه القناعات تسيرك وفق المنهج.
الآن: أكبر شخص يذل من قبل امرأة إذا كان منحرفاً, أو من قبل المال.
كل إنسان له نقطتا ضعف خطيرتان, المرأة والمال, المؤمن إذا قرأ القرآن, محصن, النقطتان محصن منهما تماماً.
تجد الناس يُفتضحون, يشهر بهم, يمرغون في الوحل, أنا الإنسان المؤمن فهو مستقيم مثل الملك؛ عفيف, شهم, دخله حلال, لا يستطيع أحد أن يناله بكلمة, أي يوجد للطاعة عز؛ قد تكون مرتبتك الاجتماعية وسطاً، قد تكون موظفاً عادياً, لكن من حولك يعطيك مكانة كبيرة جداً.
حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو :
لذلك: ((من أَوتي القرآن فكأَنما أُدْرجتِ النبوّة بين جنبيه، إِلاَّ أَنّه لم يوحَ إِليه))
[ الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو]
وتقول السيدة عائشة: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة]
وهناك حديث: النبي الكريم -جبار الخواطر- قال: ((الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران))
[ متفق عليه عن عائشة ]
مثلاً: الذي أقبل على الدين في سن متأخرة, لم يدرس القرآن, فقط يحب الله كثيراً, يقرأ بصعوبة, هذا له أجر كبير على أساس أنه تمنى أن يكون ماهراً به, لكن لم يستطع, بذل جهداً.
وقال الفضيل بن عياض: "حامل القرآن حامل راية الإسلام؛ لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو, ولا أن يسهو مع من يسهو, ولا أن يلغو مع من يلغو, ولا يكون له إلى مخلوق حاجة".
لي قريب توفي, فأهله كلفوني أن أؤمن لوازم الوفاة, فذهبت إلى مكتب دفن الموتى, ثم وجدت منظراً لا أنساه أبداً, ركضوا وراءنا حوالي ستين أو سبعين قارئاً على السيارة, وترجوا, نحن نقرأ جيداً, منظر لا أتمناه أبداً.
إنسان يحفظ كتاب الله يجب أن يكون عزيز النفس, يجب أن تأتي بيته, تترجاه, يجب أن تكون في مكان عال جداً, فإذا إنسان حفظ كتاب الله هذا إنسان ملك, هل يعقل أن يلحق سيارة؟ يركض و يترجاك!؟ شيء غير معقول أبداً! فحامل القرآن لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو.
والله! سمعت من يومين قصة: جالس إنسان يحفظ كتاب الله, جروه حتى لعب طاولة, وشرب أركيلة, هل يعقل أن يلعب طاولة ويحفظ كتاب الله!؟, هذه مشكلة كبيرة.
"لا يجب أن يلهو مع من يلهو, ولا أن يسهو مع من يسهو, ولا أن يلغو مع من يلغو, وألا يكون له إلى مخلوق حاجة".
أن يحتاجه الناس, أن يقفوا على بابه معتذرين.
تجد في النظام العسكري يسمح لملازم أن يركب دراجة, لكن هناك رتب اجتماعية, يمشي الإنسان مشياً, هل يسمح للشيخ أن يركب دراجة وهو خطيب مسجد؟ ليس مسموحاً, لا, ليس حراماً لكن هذه مقامات, هذا إنسان يعتلي المنبر, المشي لا يحط من قدر الإنسان؛ أما دراجة, ثياب مهترئة، فيكون حط من قدره.
الحكمة فهم لطائف القرآن ووجوه معانيه :
وقيل: الحكمة فهم لطائف القرآن ووجوه معانيه.
مثلاً: سيدنا يوسف لما جمع أخوته قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6033/04.jpg
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية:100]
الجب أخطر, الإنسان في السجن حياته مضمونة, وطعامه مضمون, أما في الجب فالهلاك, والموت, فأيهما أعظم أن يخرج من الجب أم من السجن؟ لكن لو قال: أخرجني من الجب لذكَّر أخوته بجريمته, فمن كماله أنه أغفل الجب, وذكر السجن, وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية:100]
أي جالس في طرف مسيء, الطرفان بريئان, إلا أن الشيطان دخل بينهما, هذا كمال, عدم الإحراج, النبي قال: "لا تحمروا الوجوه".
لا تذكر إنساناً بخطئه, إذا إنسان له خطأ, وتاب منه؛ لا تذكره بخطئه, لا تحرجه, لا تحمر وجهه. في القرآن الكريم لطائف كثيرة جداً :
في القرآن لطائف كثيرة جداً, سيدنا موسى قال له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية:17]
إله يسأل نبياً- رسولاً- ما هذه؟ هل يعقل أن يكون السؤال سؤال معرفة؟ أصل السؤال طلب العلم بمجهول، هل هناك شيء عند الله مجهول؟ كيف يسأل الله موسى عن هذا الذي بيده؟
فسيدنا موسى إله يسأله, الله ناجاه: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾
[سورة طه الآية:18]
وجد كلام الله عز وجل, أو أن يكلم الله شيئاً يفوق حدّ الخيال, يريد أن يطول الحديث, قال له: هذا أطناب, قال له: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾
[سورة طه الآية:18]
خجل لعلي أطلت, قال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾
[سورة طه الآية:18]
فالله إذا أحب أن يكمل سأله: وما هي المآرب يا موسى؟ السؤال: أن الله سأل انظر إلى هذه العصا, تأكد, هذه عصا, بعد قليل ستكون حية, لكن أراد أن يكون الأمر واضحاً عنده, انظر إليها؛ هي عصاي, بعد حين ستكون حية تسعى, لما كان وحده سواها حية صغيرة, أما عندما كان أمام السحرة: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:107]
تجد في القرآن دقائق, في الحديث دقائق, في الفهم, إذاً في القرآن دقائق كثيرة جداً.
كما قيل: والحكمة فهم لطائف القرآن, ووجوه معانيه.
كما حكي عن سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير الفاتحة لفعلت".
والله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾
[سورة الكهف الآية:109]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 04:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : الحكمة 9 ( من معاني الحكمة ؛ التقديم والتاخير فى القران ).









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. موضوع التقديم والتأخير في كتاب الله موضوع جليل :
أيها الأخوة, الآية الكريمة في سورة فاطر: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[سورة فاطر الآية:32]
هذا التقسيم؛ تقسيم البشر إلى متفوقين, وإلى مقتصدين, وإلى ظالمين, أصحاب اليمين, وأصحاب الشمال, والسابقون السابقون, فهناك مراتب قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية:21]
بعض علماء التفسير قال: ما الحكمة من تقديم الظالم لنفسه على السابق للخيرات؟
وموضوع التقديم والتأخير في كتاب الله موضوع جليل.
الإنسان إذا تكلم, أو إذا ألف نصاً, قد يقدم, وقد يؤخر, وقد تسأله لماذا فعلت هذا؟ يقول: والله لا أدري, خطر في بالي أن أبدأ بهذه الكلمة, ثم أكمل بهذه الكلمة, وأختم بهذه الكلمة, أما حينما يكون النص قرآناً, وصاحب النص خالق الكون؛ فتقديم الكلمة يعني شيئاً كثيراً, وتأخيرها يعني شيئاً كثيراً, ويمكن أن تؤلف أبحاثاً دقيقة جداً في موضوع التقديم والتأخير فقط. الله عز وجل قدم في آيات :
1 ـ الزانية على الزاني :
الله عز وجل قدم الزانية على الزاني قال:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
[سورة النور الآية:2]
2 ـ السارق على السارقة :
وقدم السارق على السارقة قال:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾
[سورة المائدة الآية:38]
3 ـ الآباء :
وقدم في آيات الآباء:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:24]
4 ـ النساء :
وقدم في آية النساء:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
[سورة آل عمران الآية:14]
5 ـ الأخ :
وقدم في آية الأخ:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾
[سورة عبس الآية:34]
6 ـ الابن :
وقدم في آية الابن:
﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾
[سورة المعارج الآية:11]
فهناك آية قدم فيها الابن، و آية قدم فيها الأخ و آية قدم فيها الأب. 7 ـ الجن على الإنس :
قال: شياطين الإنس والجن؛ قدم الإنس على الجن قال:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية:33]
قدم الجن. 8 ـ الإنس على الجن :
قال:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية:88]
قدم الإنس, وهذا بحث طويل. 9 ـ التجارة :
ثم قال:
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾
[سورة الجمعة الآية:11]
بدأ بالتجارة. 10 ـ اللهو على التجارة :
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾
[سورة الجمعة الآية:11]
عكس الترتيب.
فلأنه كلام خالق الكون, يجب أن نقف عند التقديم والتأخير؛ فالتقديم يعني شيئاً كثيراً, والتأخير يعني شيئاً كثيراً. 11 ـ غض البصر على حفظ الفرج :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
[سورة النور الآية:30]
قدم غض البصر على حفظ الفرج. 12 ـ العبادة على الاستعانة:
قد يأتي السبب سابقاً, وقد تأتي النتيجة سابقة قال:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
بدأ بالعبادة التي هي هدف, وثنى بالاستعانة التي هي وسيلة.
فحينما تقرأ كلام الله ينبغي أن تقف وقفة متأنية عند التقديم والتأخير, فهذا بحث دقيق, وهناك معان دقيقة جداً, تُستنبط من تقديم كلمة وتأخير أخرى. تكريماً للمرأة قدمت الأنثى على الذكر وتعريفاً لقيمة الرجل عرف الذكر ونكرت الأنثى :
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾
[سورة النساء الآية:1]
بدأ بالرجال, قال: ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾
[سورة النساء الآية:1]
في آية الله عز وجل بدأ بالإناث: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾
[سورة الشورى الآية:49]
الإناث قدمت على الذكور، قدمت ونكرت, والذكور أخرت وعرفت, يسمونها إشارات لطيفة أن المرأة جاءت هنا نكرة, فينبغي أن تكون محجبة كي لا تعرف, والذكور جاء معرفاً بال.
تكريماً للمرأة قدمت الأنثى على الذكر, تعريفاً لقيمة الرجل عرف الذكر ونكرت الأنثى, وهكذا. على الإنسان أن ينتبه إلى التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والجمع والفرد في القرآن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/01.jpg
بحث دقيق جداً, إذا قرأت القرآن انتبه إلى التقديم والتأخير, والتعريف والتنكير, والجمع والفرد, أي:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾
[سورة الأنعام الآية:153]
واحد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية:153]
الباطل متعدد, أما الحق فلا يتعدد: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[سورة البقرة الآية:257]
ليس من الظلمات إلى الأنوار, وليس من الظلمة إلى النور, الباطل متعدد, هناك مليون باطل, لكن لا يوجد غير حق واحد؛ فالإفراد, والتثنية, والجمع, أيضاً لها شأن كبير, والتعريف والتنكير لها شأن كبير, والمطابقة وعدم المطابقة لها شأن كبير, والتقديم والتأخير هذا من نظم القرآن الكريم, وحينما تقرأ القرآن قراءة متأنية, وتقف عند مظاهر إعجازه البلاغي, تعلم علم اليقين أنه كلام الله عز وجل. الحكمة من تقديم الظالم على المقتصد :
أحد العارفين بالله سئل: ما الحكمة من تقديم قوله تعالى: الظالم على المقتصد, والسابق في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[سورة فاطر الآية:32]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/02.jpg
فقال: إن الحكمة من ذلك هي أن الظالم له ذنوب جمَّة, ومعاص جُلَّى, تحملانه على الإياس من فضل الله, والقنوط من رحمته, فابتدأ الله بذكرهم, كي لا ييئسوا, بدأ بهم تشجيعاً لهم على التوبة, واهتماماً بهم,والأم تهتم بابنها الشارد أضعاف ما تهتم بابنها البار, ابنها البار مطمئنة عليه, أما ابنها الشارد فقلقة عليه؛ فاهتمامها, ورعايتها, ينصبان على ابنها الشارد.
فربنا عز وجل بدأ بالظالم لنفسه, قال: لأن الظالم له ذنوب جمَّة, ومعاص جُلَّى, تحملانه على الإياس من فضل الله, والقنوط من رحمته, فابتدأ الله بذكرهم, كي لا ييئسوا, فأغلق باب الذكر عنهم, وأخر ذكر السابق؛ لأن له طاعات كثيرة, وأحوالاً رفيعة, تحملانه على الإعجاب, فأغلق باب المعجبين, وتوسط بذكر المقتصد كي يتوسط مع الله, ويعمل فيما بين الخوف والرجاء.
هذا يُحمل عليه إذا قال الراكع: يا رب, قال الله له: لبيك يا عبدي, فإذا قال الساجد: يا رب, قال الله له: لبيك يا عبدي, فإذا قال العاصي: يا رب, قال الله له: لبيك, ثم لبيك, ثم لبيك.
هذا من حكمة تقديم الظالم على المقتصد, الظالم مكسور لأنه يحتاج إلى عناية, يحتاج إلى رعاية.
وقد ورد: "أن يا داود, بشر المذنبين, وأنذر الصديقين, –كلام يحتاج إلى توضيح- قال: لأن الصديق أقرب إلى العجب, والمذنب أقرب إلى اليأس والقنوط". بطولة الإنسان أن يتفوق و يبقى مفتقراًً لله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/03.jpg
دائماً الإنسان إذا تفوق أمامه مطب كبير؛ مطبه الكبير أن تذل قدمه إلى العجب, مطب كبير أن تذل قدمه إلى أن يتيه على الآخرين, هذا مرض الناجحين في الحياة, الإنسان حينما ينجح عنده منزلق الغرور.
فلذلك: "بشر المذنبين –مكسورين-, وأنذر الصديقين".
عندهم شعور بالتفوق.
فالبطولة أن تتفوق وأن تبقى مفتقراً إلى الله عز وجل, أن تتفوق وأنت في أعتاب الله, وأنت تمرغ وجهك في الأرض, تواضعاً لله عز وجل.
وقد دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة المكرمة, حانياً رأسه, حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/04.jpg
أي أنت بحاجة للتواضع مليون مرة؛ عند النجاح, وعند التفوق, والبطولة أن تكون في القمة وأنت عند الله في أعتابه؛ أما إنسان لسبب تافه, لتفوق بسيط, يتيه عن الخلق, فيقول لك: أنا.
سيدنا علي -رضي الله عنه- يقول: "أولياء الله من خلقه, وعماله في أرضه, والدعاة إلى دينه, صحبوا الدنيا بأبدانهم, وأرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, هجم بهم العلم على حقيقة الأمر, فاستلانوا ما استوعر منه المترفون, وأنسوا بما استوحش منه الغافلون, أولئك الأقلون عدداً, والأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة".
هذه صفات الصديقين, صفات السابقين: "أرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, هجم بهم العلم على حقيقة الأمر, فاستلانوا ما استوعر منه المترفون, وأنسوا بما استوحش منه الغافلون, أولئك الأقلون عدداً, والأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة". سعادة المؤمن تكون بمعرفة الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/05.jpg
الآن: الناس كلهم يستمرؤون البيت الفخم, والأثاث الفاخر, والطعام الطيب, والمركبة الحديثة, والنزهة الجميلة, أما المؤمن فسعادته في المسجد, سعادته في معرفة الله, سعادته في خدمة الخلق, فتجده متعباً, لكن لو شققت على صدره, يوجد سعادة في قلبه مع هذا التعب, ومع هذا الجهد الشاق, ما لو وزعت على أهل بلد لكفته, تجد هذا المنعم المترف الذي يغرق في النعيم, والفراش الوسيع, والطعام الطيب, والأثاث الفاخر؛ يوجد في قلبه من الضياع, يوجد في قلبه من القلق, ما لو وزع على أهل بلد لكفاه. فالعبرة لا بالمظاهر, بل بالحقائق.
بعدما وصفهم سيدنا علي قال: بكى, حتى علا نحيبه, ثم قال:
واشوقاه إلى رؤيتهم يا ليـــتني رأيتهم
***
والله! والحياة طافحة بالأمثلة، تجد شخصاً في المرتبة الاجتماعية في الدرجة الدنيا؛ قد يكون موظفاً صغيراً, قد يكون تاجراً صغيراً, قد يكون شخصاً مهملاً, مغموراً, لكنه قريب من الله, يوجد في قلبه من السعادة ما لا يوصف؛ متوازن, مطمئن إلى الله, مطمئن إلى المستقبل, لا يوجد عنده قلق, سعادته أنه قريب من الله, يشعر أن الله راض عنه.
مرة كنت في عقد قران, فقام أحد الخطباء, ذكر نصاً معروفاً, قال: "والله يا معاذ, إني لأحبك"- هكذا قال النبي عليه الصلاة و السلام له-.
والله! بقيت أسبوعاً يا رب ما هذه المرتبة؟ أن يقول لك رسول الله: والله إني أحبك!!.
إنسان يمشي في الطريق, والله يحبه, خالق الكون!! من الذي يجرؤ أن يعتدي عليه؟ من الذي يجرؤ أن يناله بأذى؟ من الذي يجرؤ أن يقترب منه؟ إله يحب عبداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/06.jpg
قلت: والله! محبة الله بيدك, أطعه تحبه, إذا أطعته يلقي في قلبك السكينة فتحبه, أي محبته ليست مستحيلة, الله عز وجل جعل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق, وأنت في بيتك هناك طرائق لله عز وجل؛ تربية أولادك طريق, الصدق والأمانة طريق, إتقان عملك طريق, خدمة الخلق طريق, ممكن أن يكون عملك طيباً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾
[سورة السجدة الآية:18]
يسمونها: حركة الإنسان في الحياة, الشخص مجموع عمل, خرج من بيته له عمل, ورجع صادق لا يكذب, محسن لا يسيء, منصف لا يشحن, رحيم لا يقسو؛ فرحمته, مع إنصافه, مع محبته, مع تواضعه, مع خدمته, مع بذل ماله, هذا الشيء كله عند الله كبير, فالمحصلة المؤمن يشعر أنه في رضوان الله, في رحمة الله, في ظل الله, و هو غال على الله.
قال:
واشوقاه إلى رؤيتهم يا ليـــتني رأيتهم
***
علماء الآخرة قدوة للناس وعلماء الدنيا يتنعمون في الدنيا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/07.jpg
هناك تعليق لطيف قال: "ليس هذا وصف علماء الدنيا, الناطقين بالرخص والهوى, بل وصف علماء الآخرة".
ورد في كتاب الأحياء: "علماء الدنيا الذين يتنعمون في الدنيا, ويعيشون بعلمهم حياة مترفة, أما علماء الآخرة فالذين هم قدوة للناس".
هناك شخص دنياه عريضة, قد يكون من طرف الدين لكنه يصدر فتاوى, هناك تسهيلات لدرجة أنه لم يعد هناك شيء حرام؛ تارة التمثيل مسموح به, وتارة الاختلاط مسموح به, وتارة الزنا مسموح به, وتارة الموسيقا مسموح بها, وتارة الغناء مسموح به, أي هذا الشارد عن الله لم يعد له سيئة أمام هذه الفتاوى.
فلذلك قال: "ليس هذا وصف علماء الدنيا, الناطقين بالرخص والهوى, بل وصف علماء الآخرة".
وفي بعض الأقوال: "إن الجنة اشتاقت إلى أقوام, واشتاق أقوام إليها, السابقون, السابقون, اشتاقت لهم الجنة".
وفي قول للنبي الكريم:
((اشتقت لأخواني، قالوا: أو لسنا أخوانك يا رسول الله ؟! قال : أنتم أصحابي، وأخواننا الذين لم يأتوا بعد))
[ مسلم عن أبي هريرة]
يود أحدهم لو يشتري رؤيتي بأهله وماله. المؤمن مبارك أينما ذهب يذكر الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/08.jpg
وقال -عليه الصلاة والسلام-:
((بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
عندما تكون صادقاً وهناك من يكذب من حولك تكون ورعاً, وهناك من يتساهل حولك, تكون تؤثر الآخرة, وهناك من يؤثر الدنيا؛ حينما تعف عن مال لا يحل لك, حينما تعف عن علاقة لا ترضي الله, وحينما تعف عن مغنم كبير, خوفاً من الله عز وجل, فأنت غريب. ((بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
قال بعض الحكماء: "أهل الطاعة مشتاقون إلى الجنة, والجنة مشتاقة إلى السابقين".
أي السابق الجنة تشتاق إليهم.
طبعاً هناك آية تؤكد ذلك قال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
[سورة الدخان الآية:29]
المعنى المخالف أن المؤمن تبكي عليه السماء والأرض, المؤمن مبارك؛ أينما ذهب يذكر الله, أينما حل يحسن, أينما جلس يصدق, صدقه, وإحسانه, وتواضعه, يصبح قدوة, يصبح مباركاً: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
[سورة الدخان الآية:29]
أما المؤمن فتبكي عليه السماء والأرض.
أيضاً: ورد في بعض الآثار: "أن يا داود, ألا طال شوق الأولياء إلي, وأنا إليهم لأشد شوقاً". المؤمن يحب الله عز وجل ومن آثار محبته لله خدمته للخلق :
هناك أناس -سامحهم الله- يلغون معاني الحب بين العبد والرب, الله عز وجل قال:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[سور المائدة الآية:54]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6034/09.jpg
المؤمن يحب الله عز وجل, ومن آثار محبته لله خدمته للخلق. ((الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط عن عبد الله بن مسعود]
الله عز وجل أثبت حب الله للمؤمنين, وحبهم له, وأعلى شعور أن تحب الله؛ لأنك إن أحببت ما سوى الله فالموت يفرق بين المحبين, أحبب من شئت فإنك مفارق, أما إذا أحببت الله عز وجل فهو باق على الدوام, أما أي شيء في الدنيا فزائل, فالذي أحب إنساناً لا بد من أن يفرق الموت بينهم.
جاء في الخبر أن جبريل هبط على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "من هذا العبد الذي مات من أمتك, فاهتز له عرش الرحمن؟"
عبد مات, فاهتز له عرش الرحمن!!.
وفي رواية: "فرح الله لموته, فنظروا, فإذا هو سعد بن معاذ".
إنسان, شخص, تجد الآن ملايين مملينة لا شأن لها عند الله, قال تعالى: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾
[سور الأنعام الآية:124]
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[سورة الكهف الآية:105]
وسيدنا معاذ حينما مات اهتز لموته عرش الرحمن.
والإنسان طاعته, وخدمته, وبذل ماله, ورقته, وجهده, هذا يصل إلى مرتبة أن يكون حبيب الله, لكن كلمة حبيب الله هي لرسول الله, أما أنت كمؤمن فتحب الله, وأثر محبتك في طاعته.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 04:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : الحكمة 10 ( من حديث الاسراء والمعراج ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض :
أيها الأخوة, لا زلنا في الحديث عن الحكمة؛ لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
وقد ورد: ((أعطيت داود وسليمان علماً, وأعطيت إبراهيم رشده, وأعطيت موسى وهارون الفرقان والضياء, وأعطيت عيسى بن مريم البينات, وأيدته بروح القدس, وفضلت أمة موسى على عالمي زمانهم, فما الذي أعطيتني وأعطيت أمتي؟ فقال الله عز وجل: أعطيتك -يا محمد- سبعاً من المثاني, والقرآن العظيم, وأعطيت أمتك الحكمة))
[ ورد في الأثر]
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
الحقيقة ورد: ((أن القرآن جمع في الفاتحة, وأن الفاتحة جمعت في (إياك نعبد وإياك نستعين))
[ورد في الأثر]
وأن علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله.
كيف أنك إذا ذهبت إلى بلد بعيد, أرسلتك حكومتك لتنال الدكتوراه, وتعود إلى بلدك, لتحتل منصباً رفيعاً جداً, وتكرم أعلى تكريم, فإن ذهبت إلى هذا البلد البعيد, لك فيه مهمة واحدة؛ أن تدرس, وأن تأتي بالشهادة, مع أن هناك في هذا البلد آلاف النشاطات, آلاف المغريات, آلاف الصوارم, آلاف العقبات, الذي خرج من بلده ليحقق الهدف الذي من أجله خرج يبتعد عن كل الصوارم, وعن كل العقبات, ويعود, ويحمل هذه الشهادة.
فعلة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله. كل إنسان يعاني من نقص في حياته فهذا نقص في استعانته لا في قدراته :
لكن الشيء الذي لا يصدق هو أن العبادة أمرك الله أن تستعين به عليها قال:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
وما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك, فالعبء ليس عليك, عليك أن تسأله الإعانة.
فالإنسان واقعه لا بقدر قدراته, ولكن بقدر استعانته, والخلل الذي يعاني منه لا لنقص قدراته, ولكن لنقص استعانته, ولو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل من مكانه, هذا الشيء مستحيل, جبل قاسيون لو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل صادقاً, لأزيح الجبل.
أي لا يوجد شيء صعب, الله موجود, كل شيء بيده, وكل شيء خاضع لأمره, وأنت معه.
فكل إنسان يعاني من نقص في حياته, نقول: هذا نقص في استعانتك لا نقص في قدراتك, وكل إنسان حقق شيئاً نقول له: هذا ليس من ذكائك ولا من قدراتك, ولكن من توفيق الله لك. فإذا كان كل الأمر بيد الله؛ والله على كل شيء قدير, وسميع, وبصير, ورحيم, وودود, فما الذي يعيقك على أن تستعين به؟ أن تكون من أعلى الناس إيماناً ومن أعظم الناس أعمالاً؟
مرة ذهبت إلى تركيا, فرجل عاش في عهد أتاتورك, وأتاتورك قتْلُ إنسان أهون عنده من قتل ذبابة, كان الرجل إذا وجِد معه مصحفاً يُقتل, أي كانت الأيام التي مرت بها تركيا عصيبة في عهد أتاتورك, شيء لا يصدق, أراد كمال أتاتورك أن يلغي الدين كله, ومع ذلك عاصره عالم من علماء تركيا؛ وله دعوة كبيرة جداً, وعاش عمراً مديداً, وترك آثاراً مهمة, ولا تزال آثاره حتى الآن, وهناك ملايين يسمعونه الآن, هذا درس لا يُنسى.
لا يوجد إنسان يعيش في ظرف لا يحتمل, الظرف الذي عاشه هذا العالم يجب أن يموت مليون بالمئة, ومع ذلك سلّمه الله, ونشر دعوته, ودعوته الآن قوية جداً, ويتبعه ملايين مملينة.
فلا يوجد غير الله, الأمر كله بيده, لكن الله أمرك أن تكون حكيماً, وأن تهتدي إلى الصواب دائماً، لذلك هذه الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
العبادة طاعة ومحبة والاستعانة ثقة واعتماد :
العبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد.
يمكن أن تعتمد على إنسان, ولا تثق به, ولكنك مضطر, مثلاً هناك مشكلة كبيرة جداً, ولا يوجد غير محام واحد وكلته, فأنت مضطر أن تعتمد عليه, ولكنك لست واثقاً منه, وقد تثق بإنسان ثقة مطلقة, ولا تعتمد عليه؛ لأنك مستغن عنه, إلا أنك مع الله, إن استعنت به فأنت تثق به كل الثقة, وتعتمد عليه كل الاعتماد.
فالعبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد, والناس حيال هذه الآية:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
الناس أربعة أقسام :
الناس أربعة أقسام: قسم عبده, واستعان به, وهؤلاء صفوة الله من خلقه.
وقسم لم يعبده, ولم يستعن به, وهؤلاء أشرار الخلق.
وقسم لضعف توحيدهم, ولضعف إيمانهم, وهذا القسم يعنينا كثيراً؛ لأنه مع شديد الأسف ينطبق على معظم المسلمين.
وقسم عبده, ولم يستعن به, لضعف توحيده؛ صلى, وصام, وغض بصره, لكن ضعُف أمام قوى البشر, فظن أن هذه القوى قوى حقيقية, وأنه لا يستطيع أن يواجهها, فعبدهم, لكن لم يغلب على يقينه أن الأمر بيد الله, فما استعان به.
من الممكن أن تستفيد كل يوم من عشرات الدروس, مما يجري في الحياة في كل شيء؛ حتى في عالم التجارة, في عالم الصناعة, في عالم الزراعة, في عالم التعامل اليومي, مثلاً العصاة كيف يدمرهم الله؟ المؤمنون كيف ينصرهم الله؟ تحرك بعقل مفتوح, بنظر ثابت, بأذن مرهفة, اسمع، أحياناً كلمة تترك أثراً كبيراً، أصغ و اسمع, بهدف أن تعرف الحقيقة, فكل إنسان ينطق بالحكمة وهو لا يشعر، و قد قال بعض العلماء في قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾
[سورة الشورى الآية:19]
لطيف؛ أي نور قلبك بالهدى, وربى جسمك بالغذاء, وأخرجك من الدنيا مع الإيمان بغير بلوى, وحرسك وأنت في لظى, حتى تسمع وترى, يرزق من يشاء الحكمة والفطنة, وهو القوي، والعزيز؛ عنايته ورعايته لا يبذلها لكل أحد. على الإنسان أن يسعى دائماً لمعرفة الحقيقة :
قال أحد العلماء: الحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
لقمان ليس نبياً, لكن تأتي مرتبته بعد النبوة, فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
يمكن أن يتعلم الإنسان من كل شيء, أحياناً يتعلم من طائر.
سمعت عن الغربان؟ الغراب طائر ممقوت, لا أحد يحبه, لكن في مجتمع الغربان ببعض بلاد الهند, يتغذون على جوز الهند, فالغراب يحمل جوزة, ويحلق إلى مسافات شاسعة جداً, ويدعها, فتنزل على الأرض, وتنكسر, ينزل يأكلها, لكن هناك عرفاً بين الغربان: الذي حمل الجوزة, وألقاها من مكان مرتفع, لا أحد يقترب منها إلا صاحبها, وبنو البشر هناك عدوان على أملاك بعض الناس, يكون للإنسان شيء قد تعب فيه, فيأتي إنسان و يخطفه, الغربان يترفعون عن هذا.
أيضاً في عالم الحيوان هناك مواعظ كبيرة جداً, هناك حيوانات لا يمكن أن تواقع إناثها أمام الآخرين, من هؤلاء: الأسماك, الجمل, فإذا رآه أحد مع أنثى يحقد عليه.
فهناك حيوانات تترفع عن هذا, وهناك أشخاص من بني البشر يمارسون كل أنواع الغزل أمام الناس أحياناً, وهذه الظاهرة في الشام أصبحت غير معقولة!!
فلذلك: الإنسان يتعلم من حيوان أحياناً, يتعلم من قطة, أحياناً تلقي لها اللحمة, إذا ألقيتها أنت تأكلها أمامك, فإذا خطفتها, تأكلها بعيدة عنك, عندها شعور بالذنب أنها خطفت اللحمة.
فيمكن أن تتعلم من هرة, أن يتعلم الإنسان من أي حيوان؛ يتعلم الإنسان, يتعلم الطفل, يتعلم الكافر.
العبرة: أن يكون همك أن تعرف الحقيقة, أما تأخذ الحكمة بشكل مكثف, بشكل مركز, بشكل مطلق من الصحة، فمن الكتاب والسنة، يمكن أن تأخذها من أي تجربة.
فالحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة.
وقالوا: الحكمة إحكام الأمور.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 04:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب


الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : الحكمة 11 ( العدالة الالوهية ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من سمع قصة من آخر فصل فليس مؤهلاً لأن يحكم عليها :
أيها الأخوة: أية قصة لها فصول؛ تبدأ بفصل أول, وتنتهي بفصل أخير, إن سمعت القصة من الفصل الأخير, لست مؤهلاً أن تحكم عليها, والذي يحدث أن كلاً منا سمع ألف قصة, من فصلها الأخير فقط, ولا يعلم فصلها الأول, وفي حياة كل واحد منا عدة قصص, يعرفها من أول فصل, حتى آخر فصل، فهذه القصة التي يعرفها من أول فصل حتى آخر فصل يرى فيها عدالة ما بعدها عدالة.
هناك قصة نموذجية, توضح هذه الفكرة, لعلي ذكرتها لكم، لكنه مناسبة جداً هنا: رجل استوقفني في الحريقة, وقال لي: أنت تخطب في مسجد؟ قلت له: نعم, قال لي: تعال, اسمع هذه القصة: رجل -هكذا قال لي- صالح, عنده محل في مدحت باشا, نزل في أحد الأيام ليفتح هذا المحل, ويكسب رزق أولاده, وهذا عمل مشروع, قلت له: عبادة أن تكسب رزق أولادك, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ورد عنه:
((طلب الحلال فريضة بعد الفريضة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]
رجلان تشاجرا في مدحت باشا, أحدهما معه مسدس, فأطلق منه طلقة طائشة, أو طلقات, فصاحب هذا المحل, سمع إطلاق رصاص, مد رأسه ليرى ما الأمر، فإذا برصاصة تأتي في عموده الفقري, تصيبه بالشلل فوراً, فهذا الذي استوقفني, يريد أن يعترض على الله, قال لي: ما ذنبه؟ لم يرتكب ذنباً, إنما جاء ليكسب رزق أولاده, قلت: والله علمي كعلمك, لا أعلم؛ أنا أثق بعدل الله, أثق برحمة الله, وأثق بحكمة الله, أما لا يعلم تفاصيل ما جرى إلا الله, وانتهى الأمر, وانطوى.
بعد عشرين أو ثلاثين يوماً, لي أخ كريم من أخواننا في المسجد, له باع طويل في الدعوة - القصة قديمة جداً - أعتقد من عشرين سنة أو أكثر, هو كان شاباً صغيراً, مرة كان معي, من حديث لحديث, قال لي: والله لنا جار أكل أموال أولاد أخيه, مبلغ ضخم يساوي ثمن بيت, ولم يتركوا وسيلة, إلى أن توصل الأمر إلى أن شكوه إلى الشيخ حسين خطاب -رحمه الله تعالى-, الشيخ حسين دعاه, وسمع منه, فكان وقحاً جداً, قال له: لن أعطيهم شيئاً, وهذا الحاضر, التفت الشيخ -رحمه الله- قال لهم: يا بني! هذا عمكم, والعم كالأب, لا تشكوه إلى القضاء, اشكوه إلى الله, القصة الساعة الثامنة مساء, الساعة التاسعة صباحاً, كان هو نفسه الذي مدّ رأسه, وجاءت هذه الرصاصة, فجعلته مشلولاً, أما حينما سمعت التفاصيل, والله اقشعر بدني!!.
أخ ثان قال لي: لي عمة محامية, استطاعت أن تطردنا من بيت دفع والدي نصف ثمنه بالتمام والكمال, لكن لأن البيت باسم الأخت, لم يخطر في بال الأخ أن يأخذ وثيقة, كان ثمنه خمسمئة ألف, أصبح ثمنه ثمانية عشر مليوناً, قالت له: أعطيك مليوناً وتخرج؟ قال لها: يا أختي إلى أين أذهب؟ عنده أربعة عشر ولداً, أحد أولاده من أخواننا, اسمه (أيمن), فالأخ يحكي لي القصة بالتفاصيل, في النهاية أخرجته بطريقة ذكية جداً بعقد وهمي مع شخص متنفذ, فأخرج من البيت, قال لي: نصف أخواتي عند بيت جدي, والنصف الآخر عند بيت جدتي, والأغراض في المستودع, وتشردنا, أنا بحسب ما أعرف عن الله عز وجل, قلت له: والله يا بني! هناك عقاب أليم, لكن متى؟ لا أعلم, غاب ثلاثين يوماً, قال لي: عمتي معها سرطان في الأمعاء, إنها تعوي كالكلاب, قلت في نفسي: المرض قد يطول لمدة سنتين, قال لي: والله يا أستاذ بعد شهر ماتت, ممكن أن تأتي لتلقي كلمة في التعزية؟ ذهبت للبيت نفسه, وألقيت كلمة, وريثها الوحيد (أخوها), عاد إلى البيت بعد شهرين, هو وأولاده. عدالة الله مطلقة في كل شيء :
هناك قصة تعرفها من أول فصل لآخر فصل, ترى فيها عدلاً مطلقاً, وقد سمعت مليون قصة, لكن آخر فصل؛ هذا دهس, هذا دمر أمواله, وهذا انتحر, وهذا أملاكه صودرت, فأصيب بالشلل...هذا حادث, ممكن أن تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك وأنصح نفسي ألا تحكم على قصة لا تعرف كل فصولها.
مرة كنت في زيارة ابن عمي في العيد, -توفي رحمه الله- قال لي: والله لنا جار, تزوج لكن متأخراً, له زوجة أولى, لعلها ماتت, أو طلقها, لا أذكر, قال لي: تزوج امرأة ثانية, يحبها حباً جماً, ما زالت تحمله على أن يكتب المعمل باسمها -معمل غسالات- حتى فعل, تقول له: ليس لي أحد غيرك, وأنا أخاف من أولادك غداً، وما زالت تحمله حتى كتب البيت الذي تسكنه باسمها, ثم فوجئ أنها طردته من البيت, تحب شاباً غيره, فلما تمكنت من المعمل والبيت طردته.
فلما ابن عمي ذكر القصة, قلت له: القصة هذه لها فصول أولى, لعلك لا تعلمها, الله عادل, قال لي فجأة والله أذكر أن هذا كان أكبر أخوته, استولى على ثروة والده كلها, وحرم أخوته منها, فجاءت امرأة ضحكت عليه, وخلصته كل ثروته.
أخواننا الكرام, تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك ألا تحكم عليها حتى تسمع كل الفصول, وكل واحد منا بحسب معارفه قد سمع خمس أو ست قصص لكن من أول فصل لآخر فصل, يرى فيها عدالة الله المطلقة.
الإنسان لا يستطيع أن يثبت عدالة الله بعقله إلا أن يكون لك علم كعلم الله :
الآن أطمئنك, المليون قصة التي تعلم آخر فصل فيها هي كالخمس قصص التي تعلم كل فصولها, لكن لا تعلم نصها, لن تستطيع أن تثبت عدالة الله بعقلك, إلا أن يكون لك علم, كعلم الله.
هناك قصة رمزية: شوحة سألت سيدنا سليمان:
((اسأل ربك: هل هو مهول أم عجول؟ فإذا كان مهولاً, حتى نتصرف و نأخذ حريتنا, فسأل ربه قال له: قل لها: إنني مهول, ولست عجولاً, ارتاحت, خطفت لحمة ومعلق في اللحمة شعلة من النار, فلما وضعت هذا اللحم في عشها, أحرق العش, رجعت إليه, قالت: ألم تقل أن ربك مهول, ها هو ذا عجول!؟ فلما سأل ربه -القصة طبعاً رمزية- قال له: قل لها: هذا حساب قديم))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6036/01.jpg
مرة إنسان أيضاً خرج من محله التجاري, وهو حانق جداً, واستوقفني، قال: أنا ضابط أموري بشكل مذهل في المحل؛ كل بضاعتي نظامية, وفواتير, وأسعار, لا يوجد عندي ولا مخالفة, البارحة جاء موظف, استطاع أن يصل إلى أن هناك ثوباً واحداً, هو يبيع أقمشة قمصان، التسعيرة قد سقطت على الأرض, قال لي: كتب لي مخالفة, وتحتاج إلى شهرين في عدرا، ماذا فعلنا يا أخي؟ أين عدل الله؟ أين الله؟ وصل هو لله، قلت له: أنا قناعتي أن الله لا يتعامل بحساب السندات, يتعامل بحساب جار, قال لي: كيف؟ لم أفهم, قلت له: الحساب الجاري تكون أنت جالس في البيت في سهرة مختلطة مثلاً, خالفت فيها الشرع, أتيت إلى المحل, وفعلاً محلك كله نظامي, الله يحاسبك على السهرة البارحة.
عنده حساب جار؛ أين سافرت؟ أين ذهبت؟ أين أتيت؟ كل المخالفات مجموعة في صفحة واحدة, قد تكون في محل, لا يوجد عندك ولا مخالفة؛ لكن هذا الحساب ليس على المحل, على السهرة البارحة.
هذه قاعدة ثانية: الله عز وجل يحاسب عباده حساباً مجملاً, يكون فعلاً هناك جهة بريء مئة في المئة.
سائق سيارة أجرة, ضرب والدته, وذهب ليعمل, استوقفه شخص و عندما توقف قتله, قال له: ما ذنبي؟ أنا وقفت لك!! هو ضارب والدته, فسلط الله عليه شخصاً ضربه ضرباً مبرحاً، الظالم سوط الله ينتقم به, ثم ينتقم منه. الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6036/02.jpg
الحياة طافحة بالقصص, الله عز وجل:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية:147]
فالكلام الطبيعي والثابت أن الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة, ودائماً الإنسان يتهم نفسه, وكلما بالغت في اتهام نفسك كلما ارتقيت عند الله عز وجل؛ الله عز وجل عدل في خلقه, وعدل في أمره, وعدل في أفعاله, والله عز وجل أكبر, وأجل, وأعظم من أن يظلمك؛ الذي يظلم هو الضعيف, الخائف يظلم, الجبان ضربته قاسية جداً, الضعيف ضربته قاسية, أما الله عز وجل فقوي.
الآن: الدول العظمى تقول: غداً سأقصف هذه المدينة, هي تقول الصدق لأنها قوية, أما إذا ضربت و هربت فهي دولة ضعيفة, فالذي يحتال هو الضعيف, الذي يظلم هو الضعيف, الذي يخاف هو الضعيف, الله عز وجل قوي, لماذا يظلمك؟
الآن: أنت إذا رأيت بطل سوريا في الملاكمة, جاء طفل عمره سنة ونصف, ضربه كف, أزال رأسه, هل يكون بطلاً؟ لا، يكون بطلاً على شخص من مستواه, من نفس وزنه. الله عز وجل إله ليس له ند :
الله عز وجل إله ليس له ند, ليس ظالماً إلا في حكمة:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾
[سورة الكهف الآية:59]
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
[سورة هود الآية:117]
﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾
[سورة العنكبوت الآية:40]
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبا الآية:17]
معقول!!
الآيات التالية تدل على عدالة الله عز وجل المطلقة :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة الآيات :7-8 ]
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية:77]
و: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية:17]
لا قطميراً، ولا نقيراً، ولا فتيلاً, و: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية:17]
و: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:70]
هذه الآيات, وهذه الأحداث الواقعة.
فيا أيها الأخوة الكرام, يجب أن تؤمنوا بعدالة الله, فإذا آمنتم بعدالته تستقيموا, أما إذا عملت عملاً خاطئاً ونفدت فمعنى ذلك أن الله ليس عادلاً؛ الله عدله مطلق, لكنه يُمهل ولا يهمل.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : الحكمة 12 ( اولى علاماتها , الصمت ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الصمت والكلام على قدر الحاجة أول علامة من علامات الحكمة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/01.jpg
أيها الأخوة الكرام لا زلنا في الحكمة, فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
أول علامة من علامات الحكمة الصمت, والكلام على قدر الحاجة.
فمن علامات الحكيم أنه يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا بالكلمة الضرورية التي تغطي الحاجة، لذلك المؤمن يعد كلامه من عمله.
فرب كلمة لا يلقي الإنسان لها بالاً, يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, ورب كلمة طيبة تطير في الآفاق, يهتدي بها أناس كثيرون: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾
[سورة إبراهيم الآية:24]
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية:25]
والأنبياء على عظمتهم جاؤوا بالكلمة فقط. الكلمة الصادقة الطيبة قلبت المجتمعات من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/02.jpg
الآن المؤسسات العلمية أتت باختراعات, وبأجهزة, والمؤسسات العسكرية جاءت بأسلحة فتاكة, هناك إنجازات مادية مذهلة, أما قوم البشر, صفوة الله من خلقه, بماذا جاؤوا؟ بالكلمة الصادقة, بالكلمة المخلصة, بالكلمة الطيبة, بالكلمة التي تنطبق على الحقيقة, هذه الكلمة قلبت المجتمعات, نشرت الفضيلة في الآفاق, نقلت الناس من الظلمات إلى النور, من الشقاء إلى السعادة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/03.jpg
الآن: الكلمة كفر الناس بها؛ لأنها لا تعبر عن حقيقة, لا تعبر عن واقع, فشا الكذب, والنفاق, فالكلمة ساقطة, لا قيمة لها, ولا بد من أن يعود لها رونقها, وبهاؤها, وألقها عن طريق المصداقية.
فالأنبياء جاؤوا بالكلمة؛ بكلمة صادقة, طيبة, مخلصة, والمؤمن حينما يستقيم, وحينما يأتي عمله مؤكداً لكلمته, يملك ما يسمى بالمصداقية, عندئذ لكلمته فعل كفعل السحر.
قد يأتي أعداء الدين بإنجازات حضارية كبيرة, والإنسان لا يزال شقياً في مجتمعاته, وقد يؤتى بكلمة طيبة طاهرة, والقرآن الكريم كلام رب العالمين, والنبي -عليه الصلاة والسلام- كلمته حكمة. فعلامة الحكيم أنه يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا كلاماً فصلاً, لا هذراً, ولا نذراً, لا يوجد في كلامه حشو, كلامه موجز إيجاز غني.
والإنسان حينما تلتقي به؛ تنظر إلى طوله, وإلى لونه, وإلى لون عينيه, وإلى ثيابه, وإلى أناقته, وإلى, وإلى..... فإذا تكلم نسيت هيئته, ونسيت ثيابه, الآن إذا عاملك نسيت كلامه.
فالكلمة الطيبة إذا جاء الواقع يؤيدها, أصبح لها فعل كفعل السحر, والأنبياء جاؤوا بالكلمة الطيبة, والحكيم يغلب عليه الصمت, ولا يتكلم إلا عند الضرورة , وبالقدر المناسب, ومن كثر كلامه كثر خطؤه, ومن عدّ كلامه من عمله فقد نجا, والكلام عمل.
ما من شيء الواحد منه خير من ألف مثله إلا الإنسان :
هناك نقطة دقيقة جداً: الأشياء في الأرض؛ حيوانات, أو جمادات, أو نباتات, لا يوجد شيء في الأرض, واحد من هذا الشيء يساوي مليون واحد من نفس الشيء, لا يوجد غير الإنسان, أي إنسان واحد يساوي مليار إنسان من نوع ثان؛ الأنبياء قلة, الأنبياء بشر, ولهم شكل كشكل البشر, لكن ينطوون على معرفة بالله, وعلى حكمة, تجعل واحداً من الأنبياء يساوي مئة مليون, لكن ما سوى الإنسان, لا يوجد شيء يساوي مليون شيء إلا الإنسان, أي واحد كألف, وألف كأف.
الآن هناك ملايين مملينة في العالم, لا يقيم الله لهم وزناً, هينون على الله, لكن مؤمن واحد آتاه الله الحكمة, يساوي من جنسه مليون.
وقد يُعزى هذا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, فيما رواه الطبراني عن ابن عمر قال -عليه الصلاة والسلام-: ((لا نعلم شيئاً خيراً من ألف مثله))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط الصغير والإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/04.jpg
إلا الرجل المسلم, أي قد يكون الرجل المسلم في عصر الفتن والانحرافات شخصاً عادياً من هؤلاء الأشخاص, لكن هو إنسان عادي بمقياس المادة؛ دخله محدود, بيته محدود, عنده زوجة, وأولاد, أما معرفته بالله عز وجل, ومقامه عند الله, ومقعده الذي احتله عند الله عز وجل, فيفوق ملوك الأرض مجتمعين، وما من شيء الواحد منه خير من ألف مثله إلا الإنسان.
وقالوا: "قلب حكيم خير من قلب ألف عليم".
العليم: كتاب متنقل.
لما قيل للإمام الغزالي: "إن فلاناً حفظ كتاب الأم -وكتاب الأم من أوسع كتب الفقه للشافعي- فما زاد عن أن قال: زادت نسخة".
كان في السوق مئة نسخة, صار هناك مئة وواحد.
فالإنسان إذا حفظ العلم ولم يعمل به, إذا حفظ العلم ولم يؤت الحكمة, زادت نسخة.
لذلك قال: "قلب حكيم خير من قلب ألف عليم, وقلب مؤمن خير من قلب ألف مسلم, وقلب موقن خير من ألف قلب مؤمن".
موقن يتعامل مع الحقائق التي يراها لا التي يعلمها بل التي يراها.
والإمام النووي -رحمه الله تعالى- يقول: "لست أُعظم أحداً, كتعظيم رجل تكون معه كلمة من الحكمة".
والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
أعظم عطاء يناله الإنسان من الله أن يكون حكيماً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/05.jpg
نحن في هذا البلد الطيب دروس العلم كثيرة, والدعاة إلى الله كثر, والحق مألوف, لكن لو ذهبت إلى بلاد الكفر, بلاد البعد عن الله عز وجل, الكلمة الطيبة ثمينة جداً, بل لا تقدر بثمن, هي مفتاح السعادة.
شخص يمشي في طريق خاطىء, تجده يسمع كلمة غيّر اتجاهه, عندما غيّر اتجاهه تلقى الأنوار من الله عز وجل, تلقى الأمن, والطمأنينة, والسعادة, والتوازن, يقول لك: حياتي انتقلت قفزات نوعية كبيرة جداً.
فالإنسان يجب أن يعلم، أعظم عطاء تناله من الله أن تكون حكيماً, أن تعرف الحقيقة الكبرى في الكون وهي الله عز وجل, أن تعرف الطريق الموصل إليه.
هناك شخص مرة قال لي- وهو أحد أخواننا الكرام توفي رحمه الله, عنده معمل كاتو- زارني شخص أرمني, دخل إلى المعمل, قال له: علمني صنعة الكاتو, قال لي: بكل نفس طيبة على عيني, عمل أمامه الطبخة, بعدما انتهت, ونجحت الطبخة, طلب منه أن يعمل طبخة أمامه, وتدرب, وسافر, قال لي: مضى على الحادثة خمس وعشرون سنة, كل سنة يأتي لي بهدية, يقول لي: أنا توفقت كثيراً, والخير الذي وصلت إليه عن طريقك.
فهناك إنسان أرباحه كلها بسبب توجيه إنسان دله على أصول التجارة، فكيف إذا إنسان دلك على الله عز وجل؟
شقاء الإنسان من سلوكه المنحرف وعمله الطيب بسبب الحكمة التي آتاه الله إياها :
لذلك: لك آباء ثلاثة؛ لك أب أنجبك, وأب زوجك, وأب دلك على الله؛ طبعاً الأب الذي أنجبك ينتهي فضله عند الموت, والأب الذي زوجك ينتهي فضله بفراق الزوجة, -بفراقها, أو بفراقك عنها-, أما الأب الذي دلك على الله ففضله يستمر إلى أبد الآبدين.
فلذلك: على الإنسان ألا يستهين بالحكمة؛ لأن شقاء الإنسان من سلوكه المنحرف, وانحرافه من ضعف علمه, وسعادته من عمله الطيب, وعمله الطيب بسبب الحكمة التي آتاه الله إياها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/06.jpg
الآن: أكثر الناس يشقون حتى في أعمالهم المهنية بسبب جهلهم بالله عز وجل, لا يعرف الله, يعتدي على حقوق الآخرين, فيعاقبه الله عقاباً أليماً.
قوانين ربنا لا تتعطل إن لم تؤمن بها هي نافذة؛ آمنت بها, أو لم تؤمن, عظّمتها, أو لم تعظّمها, أيقنت بها, أو لم توقن, اهتممت بها, أو لم تهتم, هي قائمة, نافذة, فلما الإنسان يغفل عنها, ويتحرك حركة فيها عدوان, ربنا عز وجل يهلكه, وهلاك ربنا عز وجل مخيف:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية:12]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/07.jpg
ممكن أن أقول لك كلمة فيها تعنيف شديد: في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة؛ ما من مشكلة ظهرت في الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله, وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل, هذا الجهل أعدى أعداء الإنسان, يقابله الحكمة أن تعرف الحقيقة, وأن تعمل بها.
الفلاسفة قالوا: "هناك إنسان فيلسوف لكن ليس حكيماً, أما حينما يطبق فلسفته في سلوكه فصار حكيماً".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6037/08.jpg
الحكيم هو عالم انتفع بعلمه, عالم نفذ علمه, عالم ترجم علمه إلى سلوك, هذا الحكيم.
فقال بعضهم: "نور القلب من الحكمة, وظلماته من اللقمة, وعمارته من كثرة الفكرة, وخرابه من طول الغفلة والقسوة".
المؤمن ينور, تصور إنساناً يمشي في غابة في الليل؛ يوجد في الغابة وحوش, يوجد في الغابة حشرات, و أفاع, و عقارب, فيها حفر, فيها صخور, فيها أشجار, إنسان معه مصباح شديد, الأمور واضحة جداً أمامه, طبعاً الحفرة ابتعد عنها, والحشرة قتلها, والفاكهة أكلها, إنسان يمشي في هذه الغابة بلا مصباح، سيقع في متاعب كثيرة.

الجهل سبب شقاء الإنسان :
الآن: أحياناً الإنسان -هناك نقطة دقيقة جداً- يركب سيارة موديل (38), موديل (40), يعمل حادثاً يموت, نقول: مات؛ لأن السيارة فيها أخطاء كبيرة جداً, مهترئة, غير متوازنة, ويمكن أن يركب الإنسان مركبة أحدث ماركة موديل (99), ثمنها خمسة وعشرون مليوناً, يمشي في طريق في الليل؛ كله منعطفات, وانطفأ الضوء فجأة, وعن اليمين واد, وعن اليسار واد, يعمل حادثاً فيموت, بأحدث نوع من السيارات لأنه انطفأ مصباحه فجأة.
هذا الكلام تؤكده الآية الكريمة: أهل النار وهم في النار يتصايحون, يعبرون عن سبب شقائهم؛ لأنهم كانوا لا يسمعون أو يعقلون، آية دقيقة جداً:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية:10]
سبب شقائنا ما سمعنا الحق, ولا عقلناه, ليس سبباً ببنية الإنسان, بنيته راقية جداً, السبب الجهل, الجهل سبب شقائه. الإنسان بالإيمان يحبه الناس جميعاً و العكس صحيح :
فيا أيها الأخوة يمكن أن نقول: إن الجهل أعدى أعداء الإنسان, والحكمة هي العلم الذي يطبق, و لا يوجد شيء يساوي مليون من جنسه إلا الإنسان.
مثل بسيط: إنسان من ثلاثة أيام لم يأكل, وجائع, وضعوه أمام لحم مشوي طازج, متقن, مع مقبلات, يقبل على هذا اللحم بنهم شديد, أما لو كان هناك قطعة لحم متفسخة, يكاد يخرج من جلده, تقززاً منها؛ هذا لحم, وهذا لحم, هذه تقبل عليها وتتمناها, وهذه تنفر منها, وتبتعد عنها.
وهكذا الإنسان بالإيمان يحبه الناس جميعاً, عندما يكفر يصبح شخصاً شرساً, وقحاً, أنانياً, أصولياً, متكبراً, متعجرفاً, يعتدي على حقوق الآخرين, هذا شأن الإنسان؛ ولا تعلم قيمة المؤمن إلا إذا عاملت غير المؤمن, لا تعرف تواضع المؤمن, ولطف المؤمن, ورحمة المؤمن, وعدل المؤمن إلا إذا عاملت إنساناً بعيداً عن الله.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : الحكمة 13 ( من ثمارها , حسن اختيار ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من ثمرات الحكمة حسن الاختيار :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/01.jpg
أيها الأخوة الكرام: من ثمرات الحكمة التي يؤتاها الإنسان حينما يستحقها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
حسن اختياره.
فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل: أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً؛ أجوع يوماً فأذكره, وأشبع يوماً فأشكره.
كل الحكمة تظهر في حسن اختيار؛ الإنسان قد يختار عملاً خشناً, لكنه يرضي الله, وقد يختار الجاهل عملاً ناعماً, لكنه يسخط الله عز وجل, قد يختار الإنسان زوجة صالحة تزيده قرباً من الله, وقد يختار زوجة تجعل حياته جحيماً.
فالحكمة تظهر في حسن الاختيار, فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار أن يكون نبياً عبداً.
وقالوا: اختار أن يكون نبياً عبداً؛ يجوع يوماً فيذكره, ويشبع يوماً فيشكره.
هناك أشياء لو أن الإنسان غني غنى فاحشاً, و استقام على أمر الله لنجا, ولكان غناه قوة للمسلمين, ولو أن إنساناً قوياً قوة كبيرة, واستقام على أمر الله لنجا؛ ولكن مظنة الزلل في الغنى والقوة أكبر من مظنة الزلل في الفقر والضعف, فالنبي اختار الأسلم.
بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/02.jpg
لو أن الله جعل إنساناً من أقوى الأقوياء, يمكن في ساعة غفلة ينتقم من خصومه انتقاماً شديداً, يمكن ألا يكون عادلاً, لو جعل إنساناً من أغنى الأغنياء, يمكن في ساعة غفلة ينفق ماله على شهوة من شهواته, لا ترضي الله عز وجل، فدقق في الأسلم.
أحياناً الإنسان يزوج ابنته لإنسان مؤمن, فيضمن لها سبيلها الأخروي, وقد يزوجها لإنسان من أهل الدنيا, فتزل قدمها, وتزل قدمه.
يروون أن سعيد بن المسيب لزم القضاء, وكان قاضياً من كبار القضاة, عنده فتاة, خطبها الوليد بن عبد الملك فاعتذر, عنده تلميذ من فقراء التلاميذ, غاب أسبوعين, أو ثلاثة, فتفقده, فإذا بزوجته قد ماتت, قال له: يا بني! هل لك من زوجة؟ قال: أتمنى, قال له: ماذا عندك؟ قال له: عندي درهم, فزوجه إياها على هذا الدرهم.
ففي الظاهر اختار إنساناً فقيراً على ملك, لكنه نظر إلى مستقبل حياتها, فوجد أنها إن كانت زوجة لهذا الإنسان المؤمن الفقير يسلم دينها, وتدخل الجنة, أما إذا اختار لها زوجاً قوياً, وغنياً, فلعله يحملها على معصية, لعلها تغتر بالدنيا.
فكل بطولة الإنسان في اختيار زوجته, في اختيار عمله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/03.jpg
أنا لا أنسى مرة: شخص يبدو أن عمله غير مشروع, قال لي: أنا عملي قذر؛ - قد يكون غير مشروع من حيث كسب المال, قد يكون هناك دخل ربوي كبير في حياته, قد تكون بضاعته محرمة- فالنتيجة عنده مكتب من أفخر ما رأيت في حياتي, قال لي: أنا عملي قذر؛ فهناك أعمال لا ترضي الله, أساسها إيقاع الأذى في الناس, وأذكر في اليوم الثاني أنني اضطررت أن أصلح مركبتي عند إنسان, كان الجو ماطراً فهذا الإنسان يلبس معطفاً لونه كان أزرقاً من الشحم والوحل, لم يعد له لون إطلاقاً؛ والدنيا مطر, وانبطح تحت السيارة, فك الدواليب, وأصلحهم, وأخذ أجرة معتدلة.
فأنا وازنت بين كلمة الأول: أنا عملي قذر, وبين المهنة التي كلها وحل وشحم وزيت ومشقة وآلات قلت: هذا عمل نظيف.
بطولة الإنسان أن يتجاوز الصور إلى الحقائق.
أحياناً تجد شخصاً في محل تجاري, في سوق من الأسواق, سوق كله ألبسة جاهزة, الزبائن نساء حسناوات, بحسب الظاهر المحل فخم, هدوء, تكييف, عطر, كل الزبائن نساء, كاسيات عاريات, تجد محلاً في زقاق الجن, محل تصليح سيارات, ومزعج, وشحوم؛ لكن هذا المحل الأول طريق إلى المعصية, أما المحل الثاني فطريق إلى الله عز وجل.
على الإنسان أن يختار الشيء الذي يرضي الله عز وجل :
إذاً: أنا استطيع أن أصل إلى اختيار صحيح؛ في زوجتي, وفي حرفتي, وفي مهنتي, وفي عملي، فالحكمة تقتضي أن أحسن الاختيار، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
و قد قيل: إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته.
مثلاً: الإنسان يكون في بلد غني, ومريح, لكن يغيب عنه أن أولاده قد ينشؤون منحرفين, قد ينشؤون على غير الإسلام, قد ينشؤون على غير الولاء لهذا الدين العظيم, فيغريه فيلا فخمة, ومسبح, وحياة مريحة, وحريات كبيرة جداً, ودخل كبير, ومركبات رخيصة, ويغيب عنه أن أولاده الذين هم أثمن شيء في حياته خسرهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/04.jpg
فيأتي على الإنسان الذي اختار الدنيا ساعة يتألم أشد الألم, فالحكمة تظهر بحسن الاختيار, قد يلغي سفراً.
زارني طبيب من شهر تقريباً قال لي :أنا مقيم في أمريكا, وأنا في بحبوحة كبيرة جداً, لكن عندي شعوراً بالذنب مستمراً؛ أنني أداوي أعداء المسلمين, خبرتي وطاقتي لأعداء المسلمين, قال لي: أخذت قراراً حاسماً, وعدت إلى بلدي, فتحت عيادة، دعاني إليها, فزرتها, قال لي: هنا أخدم المسلمين و أنا مطمئن, والله قرار حاسم, طبعاً لن يجد الأمور ميسرة كما هي هناك، لكن اختار ما يقربه من الله عز وجل.
هناك أخوان كثر, كانوا في بلاد أجنبية, وعادوا إلى بلدهم, وارتادوا مجالس العلم, وزوجاتهم محجبات, وأولادهم معهم في المساجد, يقول لي: ما اتخذت قراراً في حياتي أحكم من هذا القرار, وهناك إنسان تجده يقيم مع المشركين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله))
[ورد في الأثر]
قد يفرض عليك عمل, دخله كبير جداً؛ لكن فيه شبهات, أو فيه ظلمات, ومبني على إيذاء الناس, وقد يكون عملك متواضعاً جداً, دخله قليل, لكنه مبني على خدمة الناس, فحكمتك تبدو في حسن الاختيار, وكل إنسان قد يختار الشيء الخشن لأنه قد يرضي الله. الحكمة من أن الحلال صعب والحرام سهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/05.jpg
لحكمة أرادها الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذه الحكمة. لو أن الحلال سهل, والحرام صعب لأقبل الناس على الحلال؛ لا حباً بالله, ولا طاعة له, ولا تقرباً إليه, لكن لأنه سهل, فالتغت العبادة كلها.
فتجد الإنسان يعمل عملاً مشروعاً, يتعب كثيراً, والجني معقول, وأقل من معقول, وقد لا يغطي نفقاته, و إنسان يسلك طريق الحرام، و يكسب أموالاً كثيرة.
قال له إنسان: أنا موظف بالبريد, لا يوجد عندي شيء, فتحت بيت دعارة؛ أصبح عندي سيارة, من أفخر ماركة, وسكنت في أرقى حي, ودخلي جيد, عملت خمس بيوت.
الآن: الملاهي دخلها كبير جداً, الذين أنشؤوها أرباحهم بالملايين, مبنية على شخص سكران, تعمل له فاتورة بعشرة أضعاف, لا يتكلم ولا كلمة؛ لأنه سكران, تأتي بتجارة مشروعة, يعمل ليلاً نهاراً, يقول لك: أتيت بالرأسين ولم آت بهم.
فلحكمة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعب, والحرام سهل, هذا امتحان صعب.
((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
[ورد في الأثر]
الحكمة تبدو في حسن الاختيار والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله :
كل العقل, وكل الحكمة تبدو في حسن الاختيار, والمؤمن يختار ما يقربه إلى الله, ولو كان خشناً, ويبتعد عما تزل به قدمه, ولو كان ناعماً.
هذا الذي يقوله الحكماء: حسن الاختيار, وأنت أمام آلاف الخيارات كل يوم.
أقرب مثل واضح: قد يأتي إنسان غني جداً, وقد يأتي إنسان مختف, المختفي دين, والغني غير دين.
مرة قال لي شخص يمشي في الحريقة: أريد أن أستشيرك استشارة, قال لي: خطب ابنتي شخص, لا يوجد عنده مشكلة أبداً؛ هناك معمل باسمه, وسيارة باسمه، لكن دينه رقيق, ماذا أفعل يا أستاذ؟ قلت له: الله عز وجل قال:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:221]
والله ليس ديناً كثيراً, يبدو هناك ضغط عليه داخلي, فزوجها, بعد سبعة عشر يوماً طلقها. الله عز وجل يمتحن الإنسان دائماً في الدنيا :
البطولة أن تحسن الاختيار, ودائماً الاختيار صعب, والله عز وجل يمتحننا, نحن مبتلون في الدنيا:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:30]
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[سورة الملك الآية:2]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/06.jpg
حتى يمتحننا, دائماً الخيار صعب.
مثلاً: لو خيرتك بين دراجة وسيارة, لن تجد صعوبة في الاختيار, تختار السيارة, أنا أريد أن قدم لك هدية, تحب سيارة أم دراجة؟ لا تتردد ثانية في قبول السيارة, لكن أحياناً يكون الخيار صعباً, شيء تركبه في وقت محدد, وشيء تتملكه, أختار التملك؛ لكن التملك أقل من الشيء المحدود. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:14]
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:15]
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة الأعلى الآية:16]
﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة الأعلى الآية:17]
سحرة فرعون وقفوا منه موقفاً لا يصدق :
الآن: سحرة فرعون وقفوا موقفاً لا يصدق, كلمة فرعون الآن ليس لها قيمة بعدما مات ومضى على موته ستة آلاف سنة, أما عندما كان فرعون حياً وأنت أحد رعاياه, فكلمة (ف) ترتعد الفرائص منها, قال لهم:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾
[سورة طه الآية: 71-72]
يدك وما تعطي. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة طه الآية:72]
﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:73]
موقف يهد الجبال, طبعاً الناس يخافون, لم يخافوا. الإنسان يشقيه اختياره ويسعده اختياره :
الحسن البصري أدى رسالة العلماء, كان في عهد الحجاج, أدى الرسالة, وبيَّن و لم يصمت, فلما بيّن, وبلغ الحجاج ما قال فيه، قال: يا جبناء, والله لأروينكم من دمه, فأمر بقتله -قضية سهلة جداً- فجاء بالسياف, والسياف مد النطع استعداداً لقطع رأس الحسن البصري, فلما جيء به لقطع رأسه, ورأى السياف, ورأى كل شيء جاهزاً, علم أنه منته, فدعا الله عز وجل, بدعاء لم يفهمه أحد, فإذا بالحجاج يقف له, ويستقبله, ويقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء؛ ويسأله, ويستشيره, ويضيفه, ويعطره, ويشيعه إلى باب القصر, من الذي صعق؟ السياف, والحاجب, تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
فالإنسان يشقيه اختياره, ويسعده اختياره.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/07.jpg
تصور إنساناً جالساً في خيمته, في معسكر المشركين, رجل من زعماء غطفان, من أكابر غطفان, جاء مع قومه, ليقاتل النبي في معركة الخندق, جالس في الخيمة مساء, يبدو أنه لم يستطع أن ينام, عانى من الأرق ما عانى, فخاطب نفسه, -هذا الحوار الذاتي أحياناً هو سبب سعادتك-, قال: يا نعيم, أنت رجل عاقل, ما الذي جاء بك إلى هنا؟ جئت لتقاتل هذا الرجل؟ ماذا فعل هذا الرجل حتى تأتي لتقاتله؟ إنه لم يسفك دماً حراماً, ولم يغتصب مالاً, ولم ينتهك عرضاً, وحوله رجال صالحون, أيليق بك أن تأتي من بلاد بعيدة لتقاتل هذا الرجل وأنت العاقل؟ -حوار ذاتي, رأى نفسه خاطئاً-, وقف من توه, توجه إلى معسكر المسلمين, ودخل على النبي -عليه الصلاة والسلام-, فالنبي يعرفه, قال له: نعيم!! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ قال له: جئت لأسلم, جئت لأشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, -قلت لأخواننا في خطبة مرة: هذه لحظة صفاء, لحظة حوار ذاتي, لحظة صدق-, قال له: مرني ماذا أفعل، قال له: أنت واحد، خذل عنا ما استطعت، والمسلمون كانوا على وشك أن ينتهي الإسلام, هذه كانت حرب استئصال, حرب إبادة, المشركون عددهم عشرة آلاف, جاؤوا ليستأصلوا شأفة المسلمين, قال له: أنت فينا واحد, خذل عنا, أروع ما في القصة أن يستخدم الإنسان ذكاءه, وحكمته في الحق, فهو لم يعلم أحد بإسلامه؛ فذهب إلى اليهود, وقال لهم: إنكم تواطأتم مع قريش على حرب محمد, لكن قريشاً إن لم تفلح, عادت إلى بلدها, ومعها أهلها, ونساؤها, وانفرد بكم النبي فقتلكم, فأنا أنصحكم ألا تقبلوا أن تحاربوا النبي مع قريش, إلا إذا أخذتم الرهائن, حتى لا يتركوكم, ليذبحكم محمد, اقتنعوا, وذهب إلى قريش, قال لهم: اليهود ندموا على خيانتهم لمحمد, فأرادوا أن يأخذوا منكم رهائن, ليقدموهم للنبي, ليذبحهم, ويعفو عنهم النبي, أيضاً اقتنعوا, فوقع الشقاق بينهم, والله عز وجل ساعد المسلمين فأرسل ريحاً عاتية؛ أطفأت نيرانهم, وقلبت قدورهم, وقلبت خيامهم, وملأت عيونهم تراباً:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
موقف ضعاف الإيمان من الله و رسوله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/08.jpg
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية:12]
أحياناً الإنسان يقول لك: أين الله؟ يجد المسلمين معذبين, مقهورين, والأغنياء قوة, وقال: سيطرة عنجهية, تصرف وحشي, وتصريحات كلها غطرسة, ويقول لك: أين الله عز وجل؟ لماذا لا ينصرنا؟ قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:23]
فالله عز وجل نصرهم, وأعطاهم. حكمة الإنسان تظهر في حسن اختياره :
هنا محور الدرس اليوم: حكمتك تظهر في حسن اختيارك؛ وقد تختار الشيء الناعم الكثير, فتزل به القدم, وقد تختار الشيء الخشن القليل, فتسعد به, وترقى إلى أبد الآبدين, قد تختار حرفة دخلها كبير, لكنها لا ترضي الله عز وجل؛ مبنية على معصية, مبنية على إيذاء الناس, وقد تختار حرفة دخلها قليل, لكنها ترضي الله.
فالبطولة أن تكون مع الله, والاختيار في حد ذاته بطولة, والاختيار لن يكون سهلاً.
أحياناً إنسان تقع مشكلة بين زوجته وأمه؛ الأم غالية, والزوجة غالية, فالخيار صعب, لو كان خياراً سهلاً لا يوجد مشكلة أبداً, لا يوجد تردد, أما الخيار فدائماً صعب.
تجد مع المعصية هناك دخل كبير, مع المعصية هناك عز, أحياناً مع المعصية هناك شعور بالأمن, ومع الطاعة هناك خوف أحياناً.
فعندما يوقن الإنسان أنه ما من إله إلا الله, وكل اختيار طيب، تكون العاقبة له. العاقل من يختار الشيء الصحيح مهما كانت الظروف المحيطة به :
انظر الآن الله عز وجل قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:12]
الكافر تجده يمشي بالعرض, لكن الله قال: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:12]
أو انظر إلى الذين عارضوا النبي -عليه الصلاة والسلام-, هم في مزبلة التاريخ, انظر إلى الذين نصروه, هم أعلام, في أعلى عليين.
فأنا عندما أختار اختياراً صحيحاً لا تهمني الظروف المحيطة بي.
شخص يحمل شهادة عليا, ويعمل في مهنة راقية جداً, في قصر العدل, وجد أن الدخل مشبوه, والحرفة مبنية على سلوك لا يرضي الله عز وجل, ترك وفتح بقالية, والآن هو في بحبوحة كبيرة, العملية ليست سهلة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6038/09.jpg
مثلاً: الإنسان إن وقع في مشكلة فهو أعمى, يقول لك: مئة ألف أول دفعة, لتعمل مذكرة صغيرة, مئة ألف ثانية, مئة ألف ثالثة, مئة ألف رابعة, وأنت تعلم أن الدعوى لا تنجح إطلاقاً, لا يوجد أمل بنجاحها, ولا بالمليون واحد, لكن هو الغرقان, يريد قشة يتعلق بها ليستغله.
بعض الحرف يستغلون الوضع النفسي الصعب للإنسان؛ قد يكون ابنه في سجن, أو في أمن اقتصادي, أو عليه مشكلة, يقول له: أريد نصف مليون, والله! القاضي بطنه كبير, رأساً يتهم بالقاضي, والقاضي قد يكون بريئاً من هذا الشيء, فالنتيجة يأتيه دخل كبير جداً.
هناك شخص بنى ثروة طائلة, يأتي لعند شخص عنده مستودعات, يقول له: والله! رأيت على طاولة فلان مذكرة مداهمة لمستودعاتك انتبه, مسكين, يجعله يعمل حوالي عشرين يوماً في الليل والنهار, يستأجر مستودعات ثانية, ينقل كل بضاعته، والقصة ليس لها أصل, بعد ذلك: يقول له: والله أنا أستطيع أن ألغي الموضوع كله, لكني أحتاج إلى مليون ليرة, أصحاب الأمر ليس لهم علاقة, هو ذكي جداً؛ بنى ثروة طائلة, لكن بعد ذلك لقي نتيجة عمله بشكل مخيف, الجاهل عدو نفسه.
فدائماً: اختر الاختيار الصحيح بكل شيء؛ لو كان خشناً, لو كان دخله قليلاً, لو كانت الزوجة درجة ثانية؛ اختر الإيمان, اختر شيئاً يقربك من الله, وابتعد عن شيء يبعدك عن الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 07:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : الحكمة 14 ( كيفية الوصول الى الحكمة ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. حبّ الدنيا رأس كل خطيئة :
لا زلنا أيها الأخوة في الحكمة؛ لأنه: من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
اليوم في طريق الوصول إلى الحكمة, قال بعض السلف: من ترك الحرام وصل إلى الحكمة, ومن ترك الدنيا وصل إلى الحكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/01.jpg
لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة, وحبك الشيء يعمي ويصم, ولن تكون حكيماً إلا إذا نقلت اهتماماتك إلى الدار الآخرة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية:19]
قضية إرادة الآخرة, والإنسان حينما يريد الآخرة, تنقلب موازينه رأساً على عقب.
ائت برجلين؛ رجل أراد الدنيا, ورحل أراد الآخرة, ووازن بين أفعالهما، تجد العجب العجاب؛ الذي أراد الدنيا يرى الذكاء, والفلاح, والتفوق, والفوز في الأخذ, والذي أراد الآخرة يرى النجاح, والفلاح في العطاء, الأول يرى الزهد حمقاً, الثاني يرى الزهد مغنماً.
لذلك أيها الأخوة: أركان الإسلام خمسة, ما من ركنين تلازما في القرآن, كركني الإيمان بالله واليوم الآخر.
بعد أن تؤمن بالله, الركن الثاني بعد هذا الإيمان أن تؤمن أن هناك يوماً آخر؛ هو الهدف, وفيه تسوى الحسابات, وبه تسعد إلى الأبد. المؤمن الحق الدنيا بيديه وقلبه معلق بالله تعالى :
طريق الحكمة ترك الدنيا, ليس معنى ترك الدنيا أن تدع العمل, أن تدع الزواج, لا, أن تُنزع من قلبك وأن تبقى في يديك, القضية دقيقة جداً؛ لأن:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/02.jpg
إذا وازنا بين مؤمن فقير, وكافر غني, المؤمن الفقير أفضل ألف مرة من الكافر الغني, إذا وازنا بين مؤمن ضعيف, وكافر قوي, المؤمن الضعيف أفضل ألف مرة من الكافر القوي, أما إذا وازنا بين مؤمن ضعيف, ومؤمن قوي, المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف, هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
مؤمن قوي أي عادل, قوي, مؤمن بالمعنى السائد بين الناس، كيف نوفق بين الزهد في الدنيا وبين أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف؟
التفريق بينهما أن المؤمن الحق الدنيا بيديه, وقلبه معلق بالله تعالى, والدليل لو أن الدنيا أقبلت, أو أدبرت, لا تتحرك شعرة في يده, إذا لم يستوِ التبر والتراب عند المؤمن لا يعد مؤمناً بالآخرة، والدليل: المؤمن الصادق يركل بقدمه ملايين مملينة فيها شبهة, وقد يقبل على عمل يهد الجبال ابتغاء وجه الله. انتقال الدنيا من القلب إلى اليدين هذا من شان المؤمن وحده :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/03.jpg
هناك نقطة مهمة جداً: أن المؤمن داعية شاء أم أبى, ولو بقي ساكتاً؛ لأنه يقبل على عمل يهد الجبال بلا مقابل, ويرفض دخلاً كبيراً فيه شبهة, وهو في أمس الحاجة إليه؛ فانحيازه للحق, وولاؤه للحق, وورعه, هو بحدِّ ذاته دعوة إلى الله عز وجل.
لذلك أيها الأخوة: انتقال الدنيا من القلب إلى اليدين, هذا من شان المؤمن, تنتقل الدنيا من قلبه إلى يديه؛ لأنه يتعامل معها, لأن الدنيا مطية الآخرة, لأن الدنيا فيها ثمن الآخرة, تجد هناك أناس كثر قدموا من أموالهم, أو من جهدهم, أو من خبرتهم, حينما يمضي الإنسان ساعات طويلة في عمل صالح, لا يبتغي به الدنيا, يبتغي به الدار الآخرة, معنى ذلك: هو بين يدي الدنيا.
هذا المفهوم قاله علماء كثيرون: أن الدنيا انتقلت إلى اليدين لا في القلب.
وقد تجد إنساناً يدعي الزهد, وليس له من حطام الدنيا شيء, وهو متعلق بها أشد التعلق, يدعي الزهد, ولا يملك من الدنيا شيء, وتجده متعلقاً بالدنيا, وقد تجد إنساناً آخر, الدنيا بين يديه, وهمه الأول أن يرضي الله عز وجل.
نقلوا عن سيدنا عمر بن عبد العزيز أنه قال: تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة, فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة.
وسيدنا عمر بن عبد العزيز مشهود له: أنه خامس الخلفاء الراشدين, وهو في أعلى درجة في الدنيا, كان زاهداً في الدنيا, وكان حريصاً على مرضاة الله عز وجل.
المؤمن المتفوق مؤمن متعلق بالآخرة :
أخواننا الكرام؛ طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً, والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً: "أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه, ومن خدمك فاستخدميه, و إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها, وأشقاهم فيها أرغبهم فيها" وقد ورد:
((إياك عبد الله والتنعم, فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/04.jpg
أي إياك أن تقصد التنعم لذاته, الله عز وجل يسرك, ويريحك, وتمر أيام أنت من أسعد الناس, ولكن إياك أن تكون الدنيا جل همك, ومبلغ علمك, ومحط رحالك، والله عز وجل أثبت للكفار أنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية:7]
أي ما وجدت مؤمناً متفوقاً إلا بتعلقه بالآخرة, دائماً المؤمن بكل موقف عنده سؤال: ماذا سأجيب الله يوم القيامة عن هذا العمل؟ يهمه أن يجيب الله إجابة صحيحة.
سيدنا عمر بن عبد العزيز, يروى أنه دخلت عليه فاطمة زوجته, فقالت: ما لك تبكي؟ فقال: دعيني وشأني, قالت له ثانية: ما لك تبكي؟ فقال: دعيني وشاني, فلما ألحت عليه, قال: يا فلانة, تأملت في الفقير الضائع, وفي العيال الكثير والدخل القليل, وفي ابن السبيل, وفي الشرك الكبير, وفي الأرملة والمسكين, والطفل الصغير, واليتيم..... ذكر أصنافاً عديدة جداً, قال: فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً, وأن خصمي دونهم رسول الله, فخفت ألا تثبت حجتي, فلذلك أبكي.
سيدنا عمر سمع من سيدنا رسول الله بشارة بالجنة, يسأل حذيفة بن اليمان: بربك يا حذيفة اسمي بين المنافقين؟ ما تفسير ذلك؟ من شدة خوفه من الله نسي بشارة رسول الله, وخاف أن يكون منافقاً.
فإذا كان عملاق الإسلام يخاف أن يكون منافقاً, فهذا المطمئن ما شأنه؟ كيف تطمئن؟ وكلما بالغت في اتهام نفسك فهذا علامة إيمانك, وكلما تركت ما هو مباح, خوفاً من أن تقع في الحرام, فهذا علامة إيمانك, وكلما تقلبت في أحوال اليوم الواحد, أحوالاً عديدة جداً، قيل: المؤمن يتقلب في اليوم الواحد إلى أربعين حالاً, بينما المنافق يستقر على حال واحدة أربعين سنة.
يتقلب في اليوم الواحد؛ تارة مطمئن, تارة خائف, تارة يشك في هذا العمل, لعله شبهة, من شدة حرصه على طاعة الله, وخوفه من سخط الله, يتقلب في اليوم الواحد بعشرات الأحوال. علامة المؤمن أنه قلق من ألا يكون في المستوى المطلوب للإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/05.jpg
قضيتك مع الله قضية كبيرة, علامة المؤمن أنه قلق, عنده قلق دائم, هذا قلق مقدس, أما بعد أن عرف الله, فيقلقه ألا يكون في المستوى المطلوب.
يقولون: سيدنا رسول الله حجب عنه الوحي أسبوعين تقريباً, فقال: يا عائشة, لعلها تمرة أكلتها من تمر الصدقة.
مرة رأى على السرير تمرة أكلها, يبدو أنه كان جائعاً, حجب عنه الوحي أسبوعين, فقال: يا عائشة, لعلها تمرة أكلتها من تمر الصدقة.
تجد المؤمن مستحيل أن يدخل عليه قرشاً حراماً؛ ورعه مذهل, ورعه يفوق حدّ الخيال, وهذا فيما بينه وبين الله, لا يدعي هذا الورع أمام الناس, ولا يظهره لئلا يقع في الرياء, لكن فعلاً أمانة ما بعدها أمانة، انظر الآن إلى حياتنا لو كنا نتعامل مع بعضنا بعضاً بهذه الأمانة, لانعدمت المشاكل؛ و لأصبحت الأمور كلها دقيقة ومنضبطة, وليس هناك شيء يذهب جزافاً, وكلما ضعف الإيمان؛ دخلنا في الشك, ودخلنا في المحاسبة, ودخلنا في أكل المال الباطل, ودخلنا في شبهات ما بعدها شبهات.
من ترك الحرام وزهد في الدنيا وصل إلى الحكمة الحقيقية:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/06.jpg
أيها الأخوة, من ترك الحرام, وزهد في الدنيا, وصل إلى الحكمة الحقيقية, الذي يحجبك عن الحكمة الدنيا, فإذا نزعتها من قلبك, وبقيت في يديك، فقد كسبت الدنيا و الآخرة.
أنا لا أقبل, ولا أرى في القرآن والسنة, أن تترك الدنيا كلياً, وأن تكون عالة على الآخرين, وأن تكون عبئاً على الآخرين, وأن تكون عبئاً على من حولك, وأن تعيش متكففاً, لا, اليد العليا خير من اليد السفلى؛ ولكن لو شخص سألني عن الضابط, لقلت له: نسمي هذا يحب الدنيا, هذا يحب الآخرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/07.jpg
حينما تحملك الدنيا على ترك واجب ديني, أو ترك فريضة, أو ترك طلب علم, أو ترك عمل صالح, فهذا من الدنيا, وحينما توفق بين طاعة الله عز وجل, وبين أداء فرائضه, وبين القيام بواجبات هذا الدين العظيم, وأنت في عملك, فهذا انضباط, فالجمع بين واجبات الدنيا ومتطلبات الآخرة دليل أن الدين بيديك, أما حينما تحملك الدنيا على معصية, أو على ترك فريضة, أو على ترك واجب, فقد استحوذت على القلب, وانتقلت من اليد إلى القلب.
الآية الكريمة التالية دقيقة جداً في هذا؛ ممكن أن تكون تاجراً موفقاً جداً, ممكن أن تكون تاجراً كبيراً, لكن الضابط:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
[سورة النور الآية:37]
من علامات الذي يجمع بين الزهد في الدنيا وأن تكون الدنيا في يديه, من علامات هذا الإنسان هو أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل. الإنسان الحق يعطي كل ذي حقٍّ حقه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6039/08.jpg
ذكرت في خطبة الجمعة أن الإنسان له مقام, وله ظرف, وله زمن يظله, فالإنسان الحق يعبد الله فيما أقامه, في الظرف الذي وضعه فيه, وفي الزمن الذي يظله.
من غير المعقول أن يغسل الإنسان سيارته عند الفجر، الفجر للعبادة, فوقت الفجر والسحر للصلاة والذكر.
من غير المعقول الإنسان وهو مع أهله يذكر الله، هم ينتظرونك؛ يجب أن تؤنسهم, أن تحادثهم، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
أيها الأخوة الكرام, أعط كل ذي حق حقه, واعبد الله العبادة المطلقة لا المقيدة.

الأشياء التي يتمتع بها أصحاب الحكمة :
قال: لا تكونوا من أصحاب الحكمة, إلا بثلاثة أشياء: ألا تحب الدنيا, لأنها ليست داراً للمؤمنين, -دقق في هذه الآية-:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية:83]
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾
[سورة القصص الآية:83]
الشيء الأول: ألا تحب الدنيا؛ لأنها ليست داراً للمؤمنين, وألا تصاحب أهل الدنيا, فإنهم ليسوا برفقاء المؤمنين, وألا تؤذي المؤمنين, أي: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية:28]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : الحكمة 15 ( الحكمة هى الحال وليس القال ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكيم الصادق موعظته رؤيته وآدابه أفعاله :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الحكمة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
قال ذو النون المصري لبعض تلاميذه, وهو يوصيه: جالس من تكلمك صفته, ولا تجالس من يكلمك لسانه.
هناك قال, وهناك حال. الإنسان حينما يخطب ود الله عز وجل له حال, وحال إنسان صادق في ألف خير من ألف إنسان في واحد؛ أي: ألف رجل يتكلم بلا حال في واحد, لا يساوي إنسان له حال مع الله يتكلم بألف؛ لأنك حينما تخطب ود الله عز وجل يلقي الله في قلبك نوراً, إلا أن الحال مضبوط بالعلم.
الإنسان حينما يحقق هدفه يتألق, قد يكون الهدف خسيساً, وقد تكون الوسيلة غير مشروعة, أما حينما يكون منضبطاً بمنهج الله عز وجل, ويتصل بالله اتصالاً حقيقياً, الآن له حال, هذا الحال أبلغ من ألف قال.
لذلك يقول هذا العارف بالله: جالس من تكلمك صفته, ولا تجالس من يكلمك لسانه, فقيل: من هو؟ قال: هو الحكيم الصادق؛ موعظته رؤيته, وآدابه أفعاله, وقد أغناك مشهده عن مخبره. من يتصل بالله عز وجل يلقي في قلبه حالاً هذا الحال يؤثر في الناس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/01.jpg
الشيء الذي يلفت النظر أن أصحاب رسول الله, وهم قلة؛ ملؤوا الأرض حكمة, ملؤوا الأرض هداية, ملؤوا الأرض سعادة, وتجد الآن مليار ومئتي مليون مقهورين, كلمتهم ليست هي العليا؛ لأن انتماءهم للدين شكلي, أما حينما تتصل بالله, يلقي الله في قلبك نوراً؛ فهذا تسميه: زخم نوري, تسميه: قوة تأثير.
لماذا الإنسان إذا التقى مع رسول الله يشعر أنه يطير من السعادة؟ قالوا: محمد سحر أصحابه بحال.
فحال إنسان في ألف خير من ألف لسان في واحد؛ كل إنسان بإمكانه أن يتكلم بفضائل الأخلاق, أما ليس كل إنسان يعيشها, فالذي يعيشها له حال.
يقول بعضهم: الحكمة إذا خرجت من فم الحكيم, صعدت إلى السماء, فصارت تحت العرش, ولها دوي كدوي النحل, تذكر صاحبها, وتثني عليه.
لذلك: الآية التي لا ننتبه إليها وقد نفهمها فهماً آخر: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
أي كلام يفهم باعتدال.
وأنت حينما تطبق, وحينما تتصل بالله عز وجل, يلقي ربك في قلبك حالاً, هذا الحال هو الذي يؤثر في الناس: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
طبق من أجل أن تتصل, من أجل أن تتألق, من أجل أن تؤثر. التأثير في الناس يتأتى من الاتصال بالله عز وجل و الاشتقاق منه :
فقد تجد إنساناً, معلوماته محدودة, ومتواضعة, لكن تأثيره كبير, وقد تجد إنساناً معلوماته دائرة معارف, وتأثيره محدود؛ فالتأثير لا يتأتى من فصاحة العبارة, ولا من كثرة الأفكار, ولا من دقة الشواهد, ولا من عمق التحليل, التأثير يتأتى من اتصالك بالله عز وجل, واشتقاقك منه.
هذا الحال يعطي الكلام قوة تأثيرية عجيبة, أن تطبق ما تقول؛ إن طبقت ما تقول اتصلت بالله عز وجل, هذا الاتصال أصبح في كلامك روحانية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/02.jpg
الآن: انظر إلى وردة بلاستيكية كبيرة, وحمراء, لا يوجد إنسان وضع في بيته وردة بلاستيكية إلا بعد حين يمل منها, ويرميها, أما ضع وردة حقيقية, ليس هناك مجال للموازنة بينهما؛ الوردة الحقيقية فيها حياة, فيها رائحة, فيها جمال, فيها قوة تأثير, أما الوردة الصناعية فلا تؤثر.
فمهما كان في العبارة فصاحة, وفي الأفكار دقة, وفي التحليل عمق, لا تؤثر؛ إلا إذا كان لك مع الله حال.
الذي يلقي الكلام على الناس, في أمس الحاجة إلى أن يكون له مع الله حال حتى يؤثر.
سيدنا الصديق كان في الطريق, رأى حنظلة يبكي, قال له: ما لك تبكي؟ قال له: نافق حنظلة, قال له: كيف ذلك؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنا الأهل ننسى, سيدنا الصديق قال له: أنا كذلك يا أخي, انطلق بنا إلى رسول الله, -بينا للنبي هذه المشكلة- فقال: أما نحن معاشر الأنبياء, تنام أعيننا, ولا تنام قلوبنا, أما أنتم يا أخي, فساعة, وساعة, لو بقيتم على الحال الذي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة, ولزارتكم في بيوتكم.
معنى هذا أن الصحابي له حال, وهو عند رسول الله, إذا جاء إلى البيت, قد يفقد هذا الحال؛ تسميه الوميض, تسميه التجلي, تسميه السكينة, تسميه التألق, تسميه الزخم الروحي, سمه ما شئت, الطاعة لها قوة تأثير, المسلمون بحاجة إلى رجال, لهم أحوال تؤثر فيهم أي: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
الفرق بين العالم والحكيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/03.jpg
الفرق بين العالم والحكيم؛ العالم معه معلومات دقيقة جداً, الحكيم طبق هذه المعلومات فتألق, الحكيم معه الحقيقة والبرهان عليها, العالم قد يحدثك عن الصبر, أو عن الشكر حديثاً طويلاً, دقيقاً, عجيباً, ولكن الحكيم صابر, وشاكر؛ فبين أن تتحدث عن الصبر وبين أن تكون صادقاً, وبين أن تتحدث عن الشكر وبين أن تكون شاكراً، مسافة كبيرة.
أهم كلمة في هذا الدرس: حال واحد في ألف خير من ألف قال في واحد, ألف إنسان متكلم لا يهزون واحداً, وإنسان متصل بالله يهز ألفاً.
قال بعضهم: وكيف تحب أن تُدعى حكيماً وأنت لكل ما تهوى وتجوب تضحك دائماً ظهراً لبطن، وتذكر ما جنيت فلا تذوب؟.
قال بعضهم: لو أن رجلاً بين جبلين, أحدهما من ذهب, والآخر من فضة, ثم جعل يتصدق من هذا, ومن هذا, ورجل حبيس ينطق بالحكمة, لكان صاحب الحكمة أعظم أجراً عند الله؛ لأنه:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية:32]
الناس لا تصدق إلا ما تشاهد, أما ما تسمع فلا يؤثر فيها, والحقيقة الناس يتعلمون بعيونهم, لا بآذانهم. جهاد النفس والهوى أعلى جهاد على الإطلاق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/04.jpg
الآن: الأب القدوة له تأثير مذهل في أولاده, أما الأب الذي عنده ثقافة واسعة, ويلقي على أولاده مواعظ, ويدخن فرضاً, لمجرد أن يدخن الأب انتهى؛ معنى هذا أنه ضعيف الإرادة أمام نفسه, معنى هذا أن هذه الدخينة مسيطرة عليه, معنى ذلك أنه انهزم أمام نفسه, فالمهزوم لا يؤثر.

>لذلك قالوا: جهاد النفس والهوى أعلى جهاد؛ لأنك أنت عندما انتصرت على نفسك, الآن ممكن أن تعمل جولة مع الخصوم, أما إذا كنت مهزوماً مع نفسك فأنت منتهٍ، والجهاد الدعوي يأتي بعده, وفي الدرجة الثالثة الجهاد القتالي.
أما الجهاد الدعوي فالله عز وجل قال:
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:52]
وقال بعضهم: مثل الجوع كمثل السحاب, ومثل الزهد كمثل الرعد, ومثل القناعة كمثل البرق, والحكمة كالمطر.
أي السحاب مع الرعد مع البرق في النهاية يشكل المطر التي هي الحكمة.
وقال بعضهم: أمر الله تعالى نبيه أن يدعو هذه الأمة بدعوتين, فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
علاقة الإخلاص بالتوحيد علاقة وطيدة :
أنا أقول هذه الكلمة: طبق, وأخلص, وتكلم بأي لغة, بأي طريقة, بأي أسلوب, يصبح لكلامك قوة تأثير, لأنك أنت تنطق بالحكمة, والحكمة فيها علم, وفيها دليل, الدليل: أنت.
وأخلص، الإخلاص له علاقة بالتوحيد, وأنت بقدر توحيدك مخلص, إذا كان بحياتك أشخاص ترجوهم, أو تخافهم, أصبح إخلاصك ضعيفاً لله عز وجل, أما إن لم ترَ مع الله أحداً, ترى أن يد الله تعمل وحدها:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:26]
إذا وحدت الله حقيقة اتجهت إليه وحده, كما قال عليه الصلاة والسلام: يا علي, لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها. هداية الإنسان ليس من مقوماتها المعلومات فقط بل الاتصال القوي بالله مع الإخلاص :
هداية الإنسان ليس من مقوماتها المعلومات فقط, الآن هناك زخم في المعلومات يفوق حدّ الخيال, أينما ذهبت هناك كثافة في الكتب, والأشرطة, والمحاضرات, والمؤتمرات, والمكتبة الإسلامية طافحة بالمعلومات, لكن لا يوجد رجال لهم اتصال قوي بالله يهز المجتمع، والناس دائماً نقاد, إذا الإنسان نافق انتهى عند الناس؛ إذا أكل مالاً حراماً انتهى, إذا كذب انتهى, أما إذا كان الإنسان مظنة صلاح, يجهد في أن يطبق ما يقول, هذا له قوة تأثير؛ وقد تكون معلوماته وسط, وقد تكون معلوماته ليست واسعة جداً؛ معلومات محدودة, مع إخلاص, وتطبيق, أفضل ألف مرة من معلومات كثيفة جداً مع عدم تطبيق.
قيل للإمام الغزالي: فلان حفظ كتاب الأم للشافعي, فتبسم و قال: زادت نسخة.
أي حال إنسان صادق في ألف خير من لسان ألف في واحد, ألف متكلم من دون صدق لا يؤثرون في واحد, وواحد صادق يؤثر في ألف.
حاجة المسلمين اليوم إلى الدعاة الصادقين :
استفدنا في هذا الدرس من قوله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية:125]
أي كن عالماً مطبقاً حتى تكون حكيماً, حتى تكون داعية إلى الله عز وجل.
والمسلمون الآن في أمس الحاجة للدعاة إلى الله, و حاجتهم إلى الدعاة أضعاف حاجتهم إلى العلماء.
كل إنسان درس, وتبحر, وتعمق, وألّف, وصنف, هذا عالم لا شك, لكن ضعيف التأثير.
العالم عمله مخبري, يجوز أن يكون شخصاً متفوقاً في المواريث تفوقاً عجيباً, كل دمشق تحتاج إلى إنسان في المواريث, كلما مات شخص عنده مسألة يحلها، لكن الناس الشاردين يحتاجون إلى دعاة صادقين, إلى إنسان مسلم متحرك.
من أدق التعريفات, قالوا: القرآن كون ناطق, والكون قرآن صامت, والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي. الحال علاقته بالعلم لا بالاستقامة :
اhttp://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/06.jpg
لآن: نحن بحاجة إلى إنسان مسلم, صادق, أمين, متواضع, ورع, ضابط دخله, وإنفاقه, هذا الإنسان المنضبط المسلمون في أمس الحاجة إليه, هذا الذي يلفت النظر.
كيف أن هناك ألواناً صارخة موجتها واسعة جداً؛ اللون الأصفر الفاقع, اللون البرتقالي, هذا لون صارخ, لأن موجته عالية جداً, ترى من بعيد المركبات في المطارات جميعها لونها أصفر, أو برتقالي؛ لأنه لو كان لونها حديدياً كلون الزفت لا يراه الطيار, نريد لوناً صارخاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6040/07.jpg
والمؤمن الذي له حال بسبب طاعته لله هذا لون صارخ؛ لكن كل إنسان يدّعي الحال, مستحيل وألف مستحيل أن يلقي الله عز وجل نوره في قلب إنسان فاسق, دعوة الحال سهلة جداً:
كل يدّعي وصلاً بليلى و ليلى لا تقر لهم بذاكا
***
والحال يجب أن يضبطه العلم.
أحياناً إنسان يحقق مبلغاً كبيراً جداً غير مشروع, يتألق, الحال ليس له علاقة بالاستقامة.
بشكل عام الإنسان إذا وصل إلى هدفه يتألق, ما الذي يضبط الحال؟ العلم؛ قد يكون الحال شيطانياً, أما الحال إذا كان نابعاً عن طاعة لله عز وجل فهذا الذي نتحدث عنه في هذا الدرس.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : الحكمة 16 ( الحكمة هى الكلمة الصادقة او الكلمة الطيبة ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الكلمة الصادقة المخلصة تحتاج إلى جهاد النفس والهوى حتى تكون صادقة مخلصة :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الحكمة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/01.jpg
((يُوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء, فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء))
[المرهبي في فضل العلم عن عمران بن حصين]
لأن الأنبياء جاؤوا بالحكمة, وقد قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾
[سورة إبراهيم الآية:24]
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[سورة إبراهيم الآية:25]
فكلمات صادقات, مخلصات, لها آثار لا تنتهي إلى يوم القيامة؛ ولكن هذه الكلمة الصادقة, المخلصة, تحتاج إلى جهاد النفس والهوى حتى تكون صادقة مخلصة, تفعل فعل السحر في نفوس الناس.
لذلك أجلّ شيء عند الشهيد دمه, وأقل شيء عند العالم مداده, وأقل شيء عند العالم يرجح على أكمل شيء عند الإنسان, وهو دمه, فما ظنك بأرفع حالات العالم؟ كل مؤمن ينبغي أن يكون ولياً لله عز وجل :
ثم يقول الله عز وجل:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية:62]
لا يوجد في الإسلام كهنوت أبداً, كل مؤمن ينبغي أن يكون ولياً لله, والولي بتعريف جامع مانع بسيط: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية:62]
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية:63]
كل إنسان آمن, واتقى, فهو ولي لله عز وجل. جوهر الدين أن تصل إلى الله و تتصل به و تخلص له :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/02.jpg
الشيء الآخر: الكلمة الطيبة لها آثار لا تنتهي, فالنبي صلى الله عليه و سلم جاء بكلمة طيبة, في أي مكان في العالم الإسلامي تقرأ الحديث, تتأثر, تطبق, تستقيم, تقبل, تسمع. فدماء الشهداء وسيلة من أجل أن يكون الحق منتشراً في الآفاق, فالهدف هو العلم الذي يُعرف بالله عز وجل.
لذلك رجح في الحديث الصحيح مداد العلماء على دماء الشهداء؛ لأن دم الشهيد وسيلة لنشر الحق, أما مداد العالم فهو الغاية؛ لأنك إذا أردت أن تعرف الله, فلا بد من أن تسلك طريق العلم, فإن أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، والإنسان بالعلم يستقيم على أمر الله, بالعلم يتعرف إلى الله, بالعلم يسلك طريق السعادة, بالعلم يسلك طريق السلامة, بالعلم يصل إلى الجنة؛ فلذلك: العلم أثمن شيء في الإسلام http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/03.jpg
حتى إن آيات الله أكثر من ألف آية؛ آيات العقل والعلم وتوابع العقل والعلم, قد تصل إلى ألف آية في القرآن الكريم, القرآن تقريباً ستة آلاف آية, قد يكون الحديث عن العلم سدس القرآن الكريم، و قد قيل: كل مدينة ليس فيها فقيه فأهلها مرضى, وكل مدينة ليس فيها عالم فأهلها موتى.
وقال بعضهم: إن الله عز وجل غرس في قلب كل عبد مؤمن أشجاراً؛ شجرة الحكمة تسقى بماء الجوع, -المقصود بالجوع الاعتدال في ملذات الحياة الدنيا المشروعة-, وشجرة الإخلاص تسقى بماء الزهد, وشجرة التوبة تسقى بماء الندامة, وشجرة المحبة تسقى بماء الإنفاق, ولكل شجرة منها نوع من الثمار لا يمسه إلا المطهرون, وهذه الأشجار مغروسة في أرض الإيمان, وكل شجرة لا تثمر فالعيب ليس فيها؛ ولكن في الأرض, وما يعقلها إلا العالمون.
جوهر الدين أن تصل إلى الله, وأن تتصل به, وأن تخلص له, وأن يكون الله عز وجل كل همك, ومبلغ علمك, وأن تعمل له ليلاً ونهاراً.الكلمة الطيبة هي كلمة الحق :
أيها الأخوة, الكلمة الطيبة هي كلمة الحق:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾
[سورة إبراهيم الآية:24]
عندنا في الحياة حقائق ثابتة: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾
[سورة إبراهيم الآية:24]
المؤمن ينطلق من حقيقة يقينية, كبيرة, أساسية: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية:25]
من أكرمه الله بهداية إنسان فأعمال هذا المهتدي في صحيفة الذي هداه إلى يوم القيامة :
الإنسان إذا أحيا نفساً بشرية فكأنما أحيا الناس جميعاً، فأنت إذا هديت إنساناً؛ زوجته تابعة له, أولاده تابعون له, أخوته يتبعونه, أولاد أخوته يتبعونه, جيرانه يتبعونه, زملاؤه يتبعونه؛ فكلما ساهمت في هداية إنسان, فالإنسان له من يتبعه, فأنت هديت كل من يتبع هذا الإنسان, هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية:32]
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية:25]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/04.jpg
الإنسان إذا أكرمه الله عز وجل بهداية إنسان, قد يموت هذا الذي دعا إلى الله؛ ولكن أعماله لا تنتهي, كل من دعاه إلى الله, الخير الذي جاءه منه إلى يوم القيامة في صحيفته، لذلك قال سيدنا رسول الله لسيدنا علي رضي الله عنه: ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[أخرجه البخاري و مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ]
و : (( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
و : (( خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]
الحق ثابت ومستمر والباطل طارئ وزاهق :
الآن: الكلمة الخبيثة: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية:26]
الكلمة الخبيثة ليس لها قاعدة صلبة تستند إليها؛ لذلك الباطل: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
[سورة الإسراء الآية:81]
لو الباطل عاش سبعين سنة, ينهار من داخله؛ أما الحق فثابت ومستمر, والباطل طارئ وزاهق: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية:26]
أيضاً: الكلمة الخبيثة تنتشر, لكن لا بدّ من أن تنهار؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
[سورة الإسراء الآية:81]
شديد الزهوق, وزهوق: صيغة مبالغة؛ أي أكبر باطل لا بدّ من أن ينهار, وأكبر عدد من أنواع الباطل لا بدّ من أن ينهار, نوعاً, وكماً. من يقرأ القرآن إنسان حيّ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/05.jpg
ثم يقول الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة إبراهيم الآية:27]
القول الثابت القرآن الكريم, القرآن فيه آيات, فيه وعد, وفيه وعيد, وفيه أمر, وفيه نهي, وفيه ثواب, وفيه عقاب. فالإنسان حينما يقرأ القرآن والله عز وجل بشره، هذه البشرى حياة لقلبه, الله حذره هذا التحذير ردع له عن كل سيئة؛ فالذي يقرأ القرآن إنسان حي, والذي لا يقرؤه إنسان ميت, والله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية:22]
هذا الإنسان مقبور بشهوته, أما المؤمن فقلبه أصبح حياً, والحياة حياة القلوب:
ليس من مات فاستراح بميـ ــت إنما الميت ميت الأحياء
***
قال: يا بني! العلم خير من المال؛ لأن العلم يحرسك, وأنت تحرس المال, والمال تنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يا بني! مات خزان المال وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر. سرّ الشباب الذي يتمتع به المؤمن :
البارحة صار هناك نقاش حول موضوع أن المؤمن هل يشيخ؟ المؤمن لا يشيخ, المؤمن في شباب دائم, ما سرّ الشباب الذي يتمتع به المؤمن؟ أهل الدنيا لهم أهداف محدودة, فإذا بلغوها سئموا الحياة؛ هدفه البيت، اشترى بيتاً, وهدفه المال، جمع المال, وهدفه الزواج، تزوج, بعد أن تصل إلى كل أهدافك المادية المحدودة؛ يبدأ السام, والضجر, والملل, والانقباض, والشعور بالفراغ؛ فالإنسان يشيخ, أي يكبر حينما تنتهي أهدافه, وحينما يمل حياته, لماذا المؤمن لا يشيخ وهو في شباب دائم؟ لأن هدفه كبير جداً, مهما سعى في طريق هدفه المسافة طويلة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/06.jpg
فقد تجد إنساناً في سن متقدم جداً, نفسيته نفسية شباب, والإنسان متى يشيخ؟ إذا انتهت أهدافه؛ أما إذا أهدافه متجددة, وكبيرة جداً, ولا نهائية, فهو في شباب دائم, وهذا سر نشاط المؤمن, هدفه الله عز وجل؛ ومهما طلب العلم, هل من مزيد؟ مهما عمل الأعمال الصالحة, هل من مزيد؟
لذلك: المؤمن شاب دائماً, قد يضعف جسمه, وقد تضعف قواه, وقد يضعف بصره؛ ولكن نفسيته في شباب دائم, وهذا سر الإنسان المؤمن, صحيح الجسم؛ لأن جهازه المناعي قوي جداً, والجهاز المناعي يقوى بالأمن, والتفاؤل, والحب, يوجد عند المؤمن مشاعر غنية جداً, قربه من الله, ومحبته له, هذه المشاعر تورثه قوة في جهازه المناعي.
والله مرة زرت إنساناً بالخامسة والثمانين, قلت له: كيف الصحة؟ قال: الحمد لله, صحتي جيدة جداً بحسب سني, إنسان في التسعين تقريباً, نشيط, يذهب إلى عمله مشياً على قدميه!! هذا نشاط.
فالذي أتمنى أن يكون واضحاً عند الأخوة الكرام, الإنسان حينما يصل إلى الهدف الذي ينبغي أن يصل إليه, وأن يعرف الله, وأن يستقيم على أمره, وأن يعمل الأعمال الصالحة، يسلم بقدر طاعته لله, ويسعد بقدر قربه منه.
الدين كلمتان؛ إحسان واتصال :
الله عز وجل قال على لسان سيدنا عيسى: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم الآية:31]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6041/07.jpg
الإنسان له حركة نحو الله اتصالاً, وحركة نحو الخلق إحساناً؛ بقدر إحسانك نحو الخلق تتصل بالخالق, وبقدر اتصالك بالخالق تكون مهيئاً بالإحسان إلى الخلق, وأحياناً الإنسان بحاجة إلى المفاهيم المضغوطة.
الدين كلمتان: إحسان واتصال؛ إن لم تحسن لا تتصل, والإنسان المسيء مقطوع عن الله عز وجل, الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:190]
لمجرد أن تعتدي على حق أخيك, الله عز وجل يبعدك عنه, لا يحبك: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:55]
فإذا دعوتموهم وأنتم معتدون لا يحبكم ولا يستجيب لكم.
أيها الأخوة, يمكن أن نقول في هذا الموضوع: إن الحكمة تتعلق بها حياة الإنسان الراقية, ومداد العلماء أقل ما عند العلماء, ودماء الشهداء أغلى ما عند الشهداء, ومع ذلك أقل ما عند العلماء يرجح على أعظم ما عند الشهداء.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الواحد و العشرون )


الموضوع : الحكمة 17 ( أدعية وأقوال في الحكمة - الحكمة دقة فهم القرآن ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة هي العطاء الإلهي للمؤمن :
لا زلنا -أيها الأخوة الكرام- في موضوع الحكمة انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لعل الحكمة هي العطاء الإلهي للمؤمن، وكما قلت سابقاً: بالحكمة تنال كل شيء, ومن غير الحكمة تفقد كل شيء, بالحكمة تعرف الله وتسعد به, ومن غير الحكمة قد تكون هذه العلوم بين يديك دون أن تسعد بها. أربعة أدعية ينخلع القلب لها :
أيها الأخوة الكرام, وقع تحت يدي كتاب, صُدّر بأربعة أدعية, هذه الأدعية دقيقة جداً.
الدعاء الأول:
((اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه))
مصيبة المصائب أن تُعلّم الناس شيئاً, وأن يستفيدوا, وأن يسعدوا بهذا العلم, و أنت لا تطبق هذا العلم فتشقى به.
الدعاء الثاني: ((اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/01.jpg
يمكن أن تتكلم بالحكمة؛ لك ذاكرة قوية, و اطلاع واسع, و ثقافة عميقة, وتتزين بالحكمة أمام الناس, لكن تلتمس بها غير الله.
الدعاء الثالث: ((اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك))
من ضعف الإخلاص تكون في مظهر أمام الناس, ومظهر آخر فيما بينك وبين الله؛ إذا كان هناك ازدواجية, ومسافة بين جلوتك وخلوتك, بين سرك وعلانيتك, بين ما أنت عليه وفيما يبدو للناس, فعليك أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك.
والدعاء الرابع: ((اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك))
ألا أكون قصة، أحياناً الإنسان يخطئ فيؤدبه الله, يصبح قصة يتعظ بها الناس. للإنسان قلب واحد فإذا امتلأ بحب الآخرة أصبحت الدنيا في يده لا في قلبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/02.jpg
فالحكمة فيما أوحي إلى داود: "حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يذوق طعم الحكمة"، ومصداقية هذا في قوله تعالى:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
[ سورة الأحزاب الآية:4]
الإنسان له قلب واحد, فإذا امتلأ القلب حباً بالآخرة, وحباً بالله ورسوله, أصبحت الدنيا في اليد, وفرق كبير بين أن تكون الدنيا في اليد, وبين أن تكون في القلب, إنها إن كانت في القلب أعمت, وحبك الشيء يعمي ويصم.
كلنا نرى بعض الناس عمياناً, يرتكبون المعصية, يأخذون ما ليس لهم, يرتكبون حماقة كبيرة, وقد يكونون على درجة عالية من التحصيل العلمي؛ ولكن حينما ينقطعون عن الله عز وجل يصبحون عمياناً, قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية:46]
الهدى أكبر نعمة أنعم الله بها على المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/03.jpg
أكاد أقول: أكبر نعمة أنعم الله بها على المؤمن الهدى؛ بصيرته صحيحة, رؤيته صحيحة, هدفه واضح, وسائله مشروعة, يسير على منهج الله, لا تأخذه في الله لومة لائم, رزقه الله الحكمة, هذا أكبر عطاء, يأتي بعد هذا العطاء الصحة, وبعد هذه الصحة الهداية، فمن كان مهتدياً, مقيماً أمر الله عز وجل, لا يشكو من مرض عضال, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها, ويمكن أن تكون من ملوك الدنيا إن عرفت الله, وإن أقبلت عليه, ويمكن أن تكون من سعداء الدنيا, حينما تعمل عملاً صالحاً.
فيما أوحي إلى داود: "حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يذوق طعم الحكمة".
وقال بعض العارفين بالله: "يخرج العارف من الدنيا, ولم يقض وطره من أربعة أشياء: من استماع الحكمة و....".
أخواننا الكرام, لا تستهينوا بسماع تفسير كلام الله, بسماع سيرة رسول الله, بسماع حديث رسول الله, هذه كلها حكم تتراكم, ومع التراكم تجد بعد حين أن سيرك مستقيم, القناعات تترسخ, والأحوال تتألق، فالإنسان حينما يستمر على الشحن الروحي, وسماع الحكمة, في النهاية قلّما يخطئ، وهذه نقطة مهمة، أحياناً الإنسان في البدايات يرتكب كل أسبوع خطأ أو أكثر، كلما نصح, كلما تقرب من الله, كلما حسن صلته بالله عز وجل, يمضي أسبوع, أسبوعان، ثلاثة أسابيع, لم يخطىء, لم يرتكب خطأ؛ لا باللسان, ولا بالحواس, ولا بالأجهزة, فالقناعات تترسخ.
أرقى أنواع البكاء أن تبكي شوقاً إلى الله وخشوعاً له وهذا بكاء المتفوقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/04.jpg
الله عز وجل جعل خطبة الجمعة شحناً أسبوعياً, الإنسان بحاجة إلى شحن يومي في الصلوات, وشحن أسبوعي في خطبة الجمعة, وشحن سنوي في صوم رمضان, وشحن نوبي في الحج؛ فالحج شحنة روحية كبيرة جداً, تفرغ كامل, والصيام شحنة روحية, وخطبة الجمعة, والصلوات الخمس, فهذا الشحن اليومي والشحن الأسبوعي ينتهي بالحكمة.
قيل: "يخرج العارف بالله من الدنيا, ولم يقض وطره من أربعة أشياء: استماع الحكمة, والفرح بالله, والتلذذ بقراءة القرآن, والاستشفاء من البكاء".
البكاء ضروري, الإنسان أحياناً يتأثر تأثراً كبيراً فيبكي, هذا أرقى أنواع البكاء؛ أن تبكي شوقاً إلى الله, أن تبكي خشوعاً لله, هذا بكاء المتفوقين.
يقولون: إذا الإنسان بكى في الصلاة على شيء فاته من الدنيا فقد بطلت صلاته؛ مثلاً احترق محله في الصلاة فبكى, أو طلق زوجته, أو خسر شيئاً, أو خسر مبلغاً ضخماً, أو جعلوا عليه ضريبة عالية, هذا البكاء يبطل صلاته, أما حينما تبكي شوقاً لله, وخشوعاً لله, فهذا البكاء بكاء راق جداً. دقة فهم الآيات من فضل الله عز و جل :
قال بعض المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية:79]
دقة الفهم من فضل الله عز وجل.
أنت أمام نص قرآني أحياناً قد يفهمه الناس فهماً معكوساً فيشقى، مثلاً: إذا فهمت قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:7]
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية:8]
إذا فهمت أن الله خلق فيها الفجور, وخلق فيها التقوى, آمنت بالجبر, انشلت حركتك, انتهيت, أما إذا فهمت أن الله جبلك جبلة عالية, بحيث إذا أخطأت شعرت بخطئك, فهذا فهم راق جداً, إذا فهمت أن الشيطان ألقى في أمنية النبي, معنى هذا أن النبي وهو أعلى إنسان, و هو قمة البشر, غير محصن من الشيطان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾
[سورة الحج الآية:52]
إذا فهمت الآية بهذا الشكل, فالمشكلة كبيرة جداً, أما إذا فهمتها أن النبي يريد هداية الخلق, ويتمنى الشيطان في نفسه إضلاله, لا يوجد مشكلة, وضحت الآية. من فهم الآيات فهماً معكوساً شقي بهذا الفهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/05.jpg
أحياناً تفهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[سورة الأعراف الآية:16]
أي الله عز وجل لا يغوي, لكن هنا معنى الآية: الإنسان إذا أصر على شيء, وتمناه, وصار أعمى, أصماً, لا يرى غير هذا الشيء؛ فلحكمة بالغة بالغة الله عز وجل يطلقه لهذا الشيء, كي ينتهي من بغضه, وبعدئذ يعالجه.
فأكثر الآيات لو فهمها الإنسان فهماً معكوساً لشقي بهذا الفهم, أما لو فهمها فهماً صحيحاً لسعد بهذا الفهم، لذلك: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية:79]
الله عز وجل قال: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
[سورة يوسف الآية:21]
هذا إكرام من الله كبير جداً, أن تتقن فهم النصوص, فهم النص دقيق جداً, النص بين أيدي الناس جميعاً. ما كل ما يُعلم يُقال وما كل ما يُقال له رجال :
الآن مثلاً:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
[سورة الكهف الآية:28]
إذا كان الإنسان ضعيفاً في اللغة, يفهم أن الله عز وجل خلق فيه الغفلة, ما ذنبه إذا خلق الله فيه الغفلة؟ أما حينما أعلم أن أغفل بمعنى وجده غافلاً, اختلف الوضع.
وقد قيل: عاشرت القوم فما أجبنتهم -ما وجدتهم جبناء-, وعاشرتهم فما أبخلتهم -ما وجدتهم بخلاء-: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا﴾
[سورة الكهف الآية:28]
قال بعض السلف: "سبعة أشياء في سبعة مواضع هن ضائعات: حكيم بين الجهال, لا يستمعون حكمته, ولا يحفظون حرمته, وسراج في ضوء الشمس, وطعام طيب يُقدم إلى سكران, وصاحب صوت حسن, يغني بين أهل المقابر، وكلام لين تُكلم به صاحب حقد وحسد, أشياء ضائعة في أشياء".
قيل لبعض العارفين: "من الحكيم؟ قال: من يضع المرهم على موضع الجرح والألم, ويشد موضع الكسر, ولا يسقي الشربة إلا لمن نظف بطنه واحتمى، وللحكيم نور يمشي بين جنبيه, فإذا ما أجاب عن كل ما يُسأل, ذهب كل نوره".
هناك ندوة أقيمت في محطة فضائية عن العلاقات الزوجية, بلغت الإساءة بها حداً غير معقول, انطلاقاً من هذه الحكمة الرائعة: "ما كل ما يُعلم يُقال"، أشياء دقيقة جداً, تفاصيل دقيقة جداً جداً بثت على الفضاء, وسمعها الناس جميعاً؛ وصار هناك هجوم شديد على الإسلام، و نقد شديد، كل شيء يُقال هكذا؟!
"ما كل ما يُعلم يُقال, وما كل ما يُقال له رجال, ولا إذا وجد الرجال آن الأوان".
أي هناك شيء لا يقال أبداً, و هناك شيء يقال؛ ولكن لغته محدودة. الانضباط هو أكبر نشاط للإنسان :
يأتي الآن سؤال يتعلق بالعلاقة الزوجية, هل يعقل أن تجيب عنه أمام ألفي شخص نصفهم غير متزوج؟ نصفهم صغار؟ نصفهم كبار؟! مستحيل, أما لو سألك سؤالاً: تجيبه: "ما كل ما يُعلم يُقال, وما كل ما يُقال له رجال".
وهذا الذي يقال لفئة محددة لا يقال في كل الأوقات, في وقت معين, وفي ظرف معين، فحينما يلقى كل شيء هكذا على الهواء, فهذه مشكلة كبيرة جداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/06.jpg
هناك مجلة في مصر ذات ميول إلحادية, تناولت هذه الندوة بنقد, وصل النقد إلى الإسلام, والحق معهم, هل يعقل أمور تفصيلية, حماقات, أشياء مستحيل أن تقرأها أنت أساساً, مستحيل أن تسمعها من شخص, بثت هكذا!؟ سمعها ملايين مملينة.
فقضية الحكمة أن تعرف ماذا يُقال, ومع من يقال, وبالقدر الذي ينبغي, وفي الوقت الذي ينبغي, والإنسان أكبر نشاط له هو الانضباط:
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاًً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أي أن تعيش مع مؤمن سنوات, وسنوات, وسنوات, لا تسمع منه كلمة خاطئة, كلمة فاحشة, تعليق ساخر, هذا كله من نتائج الإيمان, صار هناك ضبط.
الآن: تجد المجتمعات كلها مفككة على مستوى الأسر, على مستوى الأحياء, على مستوى الأقارب, هناك كلام غير منضبط على مستوى الأسرة الواحدة؛ خصومات بين الزوجين لا تنتهي من عدم الانضباط, كلمة قاسية, تهكم على أهلها, ردت عليه بكلمتين قاسيتين, صار هناك مشكلة، فالإنسان حينما يضبط لسانه كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه, ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك]
الحكمة عطاء مستمر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6042/07.jpg
لعلنا أطلنا عليكم في موضوع الحكمة, هذا آخر درس في موضوع الحكمة, يجب أن تعتقد أن أثمن عطاء تناله من الله عز وجل أن ترزق الحكمة.
مثلاً: إنسان يقدم لك باقة ورد, بعد يومين ذبلت, وضعتها في سلة المهملات, إنسان يقدم لك قطعة أثاث, يقدم لك شيئاً, أما لو قدم لك شيكاً مفتوحاً بالمال, تشتري كل شيء؛ تشتري بيتاً, وسيارة, وأثاثاً, وطعاماً, وشراباً, وثياباً, وتسافر, هذا المال قيمة مطلقة, والشيك مطلق, مُوقّع, لكن هذا العطاء رأيت قصراً, ثمنه مئتا مليون, معك شيك مفتوح فتشتريه, وجدت سيارة لا يوجد مثلها في العالم, تشتريها رأساً, أنت معك شيك مفتوح, هذه الحكمة.
لعلك تعطيه باقة ورد, بعد يومين تذبل, يضعها في سلة المهملات, تعطيه مثلاً قميصاً يلبسه, فيهترئ بعد فترة من الزمن, فأي عطاء آخر غير الحكمة له أمد, إلا الحكمة عطاء مستمر, هذا عطاء الأنبياء:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة يوسف الآية:22]
فتجد الإنسان سعيداً في أي وضع.
تكلمت البارحة في درس الجمعة: قد تسعد بأخشن طعام, وقد تسعد بأضيق مكان, وقد تسعد ومعك أمراض, وقد تشقى و أنت تأكل أطيب الطعام, وتشقى و أنت ساكن في قصر منيف, و تشقى وأنت يتمتع بكل القوة والشباب، فالشقاء والسعادة متعلق بالقرب من الله عز وجل, هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 1 ( المنتقون سادة والعلماء قادة ومجالستهم زيادة ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. قادة الناس رجلان عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة :
في حديث ابن مسعود:
((المتقون سادة, والفقهاء قادة, ومجالستهم زيادة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]
المتقون هم الذين اتقوا الله عز وجل فكانوا سادة؛ أي هيمنوا على أنفسهم, وملكوا أمرهم, فسعدوا في دنياهم وأخراهم. ((المتقون سادة, والفقهاء قادة, ومجالستهم زيادة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]
قادة الناس رجلان: عالم رباني, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع أتباع كل ناعق؛ لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق, فاحذر أن تكون منهم.
هناك إنسان عالم رباني, و متعلم يبغي النجاة, ولا خير فيمن سواهما.
الناس رجلان: عالم, ومتعلم, ولا خير فيمن سواهما، فالشيء الذي يؤكد إنسانية الإنسان هو طلب العلم, والعالم والمتعلم في الأجر سواء، أي شأن المتعلم لا يقل عن شأن المعلم أبداً, كلاهما يبغي الخير؛ إنسان يعطي مما أعطاه الله, وإنسان يأخذ مما تفضل الله عليه.
فالناس رجلان: عالم ومتعلم ولا خير فيمن سواهما, وعالم رباني, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع أتباع كل ناعق، ويعبرون عنه الآن بالخط العريض, يقول لك: الشارع العربي مع كل صرعة, مع كل تقليد أعمى, مع كل شيء, يقلد من دون تفكير.
بطولة الإنسان أن يحتل مركزاً مستمراً في الآخرة :
المتقون سادة، والسيادة الحقيقية أن تصل إلى مكان, وأن تحافظ عليه, فالدنيا مراتب؛ لكن يأتي الموت يأخذ منك كل شيء.
فالبطولة أن تحتل مركزاً مستمراً, هذا في الآخرة, في الدنيا مراتب, الدنيا إلى زوال:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية:21]
هناك قصة جرت معي, اضطررت أن أدخل إلى بيت إنسان بعمل, قضية استلام عقد، بيت من أرقى أحياء دمشق, مساحته ألف وأربعمئة متر, بدأ يصف لي: البلاط إيطالي استورده بالطائرة, والأثاث من فرنسا، أي بالغ مبالغة كبيرة في وصف ما في البيت من أثاث, وإطلالة البيت, وكيف اشترى البيت، قلت: والله يجب أن أقدم له نصيحة, قلت له: ما قولك في هذا البيت وبيت مساحته تقدر بستين متراً تحت الأرض في أحد أحياء دمشق الفقيرة في أطراف المدينة؟ وازن بينهما؟ قال لي: لا يوجد نسبة, قلت له: وازن بين رئيس أركان وبين جندي؟ قال لي: لا يوجد نسبة, بين أستاذ جامعة ومعلم ابتدائي في قرية؟ لا يوجد نسبة, بين رئيس غرفة تجارة وبين بائع متجول؟ لا يوجد نسبة, ذكرت مهناً كثيرة, المفارقات حادة, قلت له: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية:21]
لا يتساوى ممرض مع جراح قلب, يأخذ على العملية مئتي ألف في خمس ساعات, وممرض؛ مع القيء, ومع الضمادات, والتنظيف, والتعب, والمعاش الذي لا يكفي ليومين, وازن بين معلم في قرية في آخر الدنيا, يركب من باص لباص, ويحمل طعامه, وينتظر، وبين أستاذ جامعة دوامه خمس ساعات, عنده كرسي، وازن كل هذا.
قلت له: مراتب الدنيا لا تعني شيئاً, بل تعني أحياناً العكس, لكن مراتب الآخرة ثابتة. فحتى تكون سيداً حقيقياً احتل عند الله مرتبة ثابتة. ((المتقون سادة, والعلماء قادة
- إنسان يدلك على الله عز وجل, يدلك على طريق سعادتك, يدلك على منهج الله عز وجل, إذا طبقت فهنيئاً لك, وإذا لم تطبق فالويل لك, و عليك أن تأخذ هذه التوجيهات, وهذه الآيات, وأن تطبقها- ومجالستهم زيادة))
القرآن الكريم يُفهم وفق لغة العرب و قواعدها :
هناك نقطة ثانية: الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/01.jpg
نحن نقرأ القرآن الكريم؛ لكن ليس قراءة تدقيق, قراءة تبرك أحياناً, أخي العلم ضروري, لكن هذه الآية لو وقفت عند دقائقها: العلماء وحدهم, ولا أحد سواهم يخشى الله, هكذا سياق الآية، فاللغة العربية مهمة جداً في فهم القرآن الكريم؛ لأن الله عز وجل جعل هذا القرآن عربياً قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
[سورة الشعراء الآية:195]
واللغة اصطلاحاً أي أنا من غير المعقول أن أقول لإنسان: أريد أن أشرب, يأتيني بطعام!! إذا لم تكن كلمة أشرب مصطلحاً بين كل أهل اللغة فليس لها معنى, قيمة اللغة أنها مصطلح. فكل إنسان يحاول أن يفهم اللغة فهماً خاصاً, يعمل تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان, يتناقض هذا مع مهمة اللغة.
الله عز وجل قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
[سورة الشعراء الآية:195]
فالقرآن يُفهم وفق لغة العرب, وفق قواعد هذه اللغة. من أراد أن يكون خاشياً لله فليسلك طريق العلم :
إنما في اللغة أداة قصر وحصر، فإذا قلت: شوقي شاعر, أي شوقي ليس له عمل آخر غير الشعر, إذا قلت: إنما الشاعر شوقي اختلف المعنى, أي لا يوجد شاعر في الأرض إلا شوقي, كل ما سواه ليس بشاعر, هذا مثل يأتون به في كتب البلاغة. فإنما أداة قصر وحصر:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية:28]
العلماء وحدهم, ولا أحد سواهم يخشى الله, فإن أردت أن تكون خاشياً لله فاسلك طريق العلم.
أنا أتمنى أن تقول: طالب علم, كلمة عالم كبيرة جداً, لا تليق بإنسان, الإنسان أصغر منها, ويظل المرء عالماً ما طلب العلم, فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل, أنت طالب علم, أي في أعلى مرتبة، والله سمعت كلمات كثيرة من بعض الأخوة الدعاة, يقول لك: أسعد بهذه الكلمة, هي أدب عال, قل: طالب علم لا تقل عالماً.
مرة إنسان ألف كتاباً, أحد علماء دمشق - كلمة كبيرة فوق مستوى الإنسان- قل: أنا طالب علم؛ فطالب العلم هو الذي يخشى الله عز وجل.
فالإنسان منضبط بلسانه, بحركاته, بسكناته, بكسبه للمال, الانضباط دليل علمه, والعلم في النهاية يحمله على طاعة الله, وهو لا يشعر, و قد سمى العلماء هذا الأثر التراكمي.
الإنسان أحياناً يأكل طعاماً فيه هرمونات, فإن أكل هذا الطعام مرة واحدة فلابأس، أما إن أدمن عليه فيصبح عنده أثر تراكمي, ينشأ عنده ورم خبيث, طبعاً هذا مثل سيئ.
أنا أردت من ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يطلب العلم, ينشأ عنده أثر تراكمي, قناعات, قناعات, بعد ذلك أصبح يمشي بشكل صحيح، كلامه مضبوط, حركته مضبوطة, سمعه مضبوط. طلب العلم يعطي الإنسان موقعه الحقيقي بين المؤمنين :
لذلك الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية:13]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/02.jpg
المرتبة العالية تحصّلها بطلب العلم, والآن لا يوجد حل ثان, الإنسان يحب نفسه, يحب وجوده, الذي يجعله يسلك الطريق الصحيح هو العلم.
لذلك يقولون: أول خطوة في حل المشكلة أن تعلم أنها مشكلة.
أول خطوة في التوبة: أن تطلب العلم, أن تعرف نفسك مذنباً.
الآن: مشكلة العوام أن الإنسان منهم يغرق في مليون معصية, يقول لك: إيماني في قلبي, أكثر كلمة يقولها الناس: إيماني في قلبي, لا يطبق شيئاً في الدين, ويدّعي أن إيمانه في قلبه, وكل شيء يفعله طبيعي, ويغرق في المعاصي والآثام, و هذا نتيجة نقص العلم، فلا بد من طلب العلم, لأن طلب العلم يعطي الإنسان موقعه.
نحن كنا نتحدث عن الحكمة في الدروس السابقة, الآن: طلب العلم, طلب العلم يعطيك موقعك الحقيقي بين المؤمنين, لذلك الله عز وجل قال: ﴿سَابِقُوا﴾
[سورة الحديد الآية:21]
وقال: ﴿وَسَارِعُوا﴾
[سورة آل عمران الآية:133]
أمر الهي, وكل أمر في القران يقتضي الوجوب.
هناك إنسان يسارع, أو يسابق لوحده ضمن مجموعة, معنى هذا أن الجماعة رحمة, والفرقة عذاب, عندما تكون مع مجموع؛ تكون في أنس, في منافسة شريفة, في غيرة. المنافسة التي يتمتع بها الإنسان حيادية قد تُستخدم في الخير وقد تستخدم في الشر :
في الإنسان صفة من كل ثقافة العوام, أو ثقافة الناس، ثقافة مادية بالجسم, أما النفس فلها خصيصة, لها طبع, ولها فطرة, أحد خصائص النفس أنها...أنا محتار في التسمية؛ تسميها غيرة, تسميها منافسة, سمِّها ما شئت.
مثلاً إذا رأيت إنساناً أغنى منك, تتمنى أن تكون مثله, إن رأيت إنساناً أعلم منك, تتمنى أن تنافسه, تكون مثله, إن رأيت إنساناً أتقى منك, تتمنى أن تكون مثله, هذه خصيصة بالنفس –غيرة- الله عز وجل فطر النفس هكذا.
الخصيصة هذه حيادية؛ قد تُستخدم في الخير, وقد تستخدم في الشر, إن استخدمت في الشر كانت الحسد, وإن استخدمت في الخير كانت الغبطة, الخصيصة حيادية, أنت مجبول هكذا, لا تتحمل أن يكون أحد أفضل منك, تحب أن تكون أفضل الناس.
الآن ما يجري بين الناس من منافسات, ومن بغي, ومن عدوان, ومن شقاء, ومن بغضاء، سببه الحسد:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:19]
الخصيصة هي خصيصة المنافسة, والغيرة, والتفوق, الخصيصة هذه حيادية خام, ما معنى خام؟ مثلاً السكينة - هذه السكينة حيادية - يمكن أن تقطع بها الطعام, ويمكن أن تذبح بها إنساناً، فالإنسان إذا استخدم الخصيصة في التنافس على الآخرة, هذه أصبحت فضيلة, أحد أسباب سعادته وتفوقه هذه الخصيصة, وإن استخدمها في الدنيا صار حسوداً, وبغى, واعتدى. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية:13]
والآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
الدعاء أن تكون أوليَّاً, ومتفوقاً.
تجد الإنسان في أمور الآخرة زاهداً جداً, في الدنيا طموح؛ يريد أعلى مرتبة, أعلى دخل, أعلى شهادة, وأجمل زوجة, وأكبر بيت, وأفضل سيارة, كل الناس هكذا، ماذا فعلوا؟ طبقوا هذه الخصيصة في الدنيا, فتنافسوا، مثلما قلت سابقاً: السباق في الدنيا مضحك، مثلاً طريق فيه ألف سيارة متسابقة, أنواع متنوعة, في النهاية وقعت أغلى سيارة في المنحدر فنزلت ودمرت, وأرخص سيارة نزلت, وأجمل سيارة نزلت, وأقدم سيارة نزلت, وأبطأ سيارة نزلت, هذا سباق الدنيا, يأتي الموت ينهي كل شيء؛ الغني تجده قد مات, أصبح تراباً, والفقير مات, والمتفوق مات, والذي يحمل أعلى شهادة مات.
فلو كان التنافس في الدنيا فهو حمق؛ المصير لا معنى له, المصير واحد للجميع, لا يوجد حوار, هناك هلاك, المصير واحد لكل المتسابقين. الطرائق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق :
لذلك:
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
ابتغوا الرفعة عند الله, المؤمن دائماً يبحث عن مرتبة في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
[سورة القمر الآية:54]
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية:55]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6043/03.jpg
سبحان الله! هناك معنى دقيق جداً: إن ملوك الأرض لا يوجد لهم طريق, لا تستطيع أن تقابل ملكاً, ولا بسنة, ولا بخمس سنوات, أما ملك الملوك وهو الله عز وجل, هو من محبته لعباده جعل لهم مليون طريق, الطرائق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق, كيفما تحركت تجد الطريق إلى الله عز وجل؛ إذا غضضت بصرك فهذا طريق إلى الله عز وجل, تنفق مالك طريق، تربي ابنك طريق, تعتني بزوجتك طريق, تخلص بعملك طريق, تتقن عملك طريق, تنصح المسلمين طريق, تدعو إلى الله طريق, تطلب العلم طريق، فلذلك الله عز وجل قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
أكثر الناس يقول لك: أريد وراء الباب, أريد الجنة وراء الباب, لا, اطلب أعلى مرتبة في الجنة, اطلب أن تكون إماماً للمتقين, هذا الطموح, أما الطموح في الدنيا فليس له معنى،
ترى أثرياء العالم, تسمع أحياناً قصصهم؛ مات في اليخت, مات في البحر, تجده مات ميتةً بشعةً, قذرةً, وهو في معصية, وهو في متعة، وانتهى؛ كل الغنى, وكل الثروات الطائلة، انتهت إلى لا شيء, أما الإنسان إذا سلك طريق الإيمان فلا يوجد عنده خط بياني نازل, كله صاعد, حتى لو مات. أصل الدين معرفة الله :
الآن: أصحاب رسول الله، أعلام الأمة الأبطال, لم يموتوا, يُذكرون كل يوم ملايين المرات, ذكرهم مستمر.
قال له: "يا بني! مات خزان المال وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة".
سئل عبد الله بن المبارك: "من الناس؟ قال: العلماء, قيل: فمن الكبراء من الناس؟ قال: الحكماء, قيل: فمن الملوك؟ قال: الجهال, قيل: فمن السفلة؟ قال: من أكل دنياه بآخرته" أي من حقق الدنيا, وخسر الآخرة، وهناك وسائل كثيرة جداً لكسب المال.
وقد كان أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- كثيراً ما يأتي إلى معروف الكرخي, فقال له ابنه ذات يوم: يا أبتاه, إنك تكثر الجلوس مع معروف, -أحمد بن حنبل من كبار العلماء- فهل عنده علم أو وقع إليه إسناد لم يقع إليك؟ قال:" يا بني! عنده أصل الدين, ومخ علوم التقى والحكمة".
السلف الصالح فرّق بين تفاصيل الدين -الأحكام الشرعية- وبين مخ الدين, وأصل الدين أن تعرف الله, وأن تعرف منهجه التفصيلي, هذا من فروع الدين؛ و هناك علماء متفوقون بفروع الدين, و علماء متفوقون بأصول الدين، فكان يقول: "يا بني! عنده أصل الدين, ومخ علوم التقى والحكمة".
و الشافعي -رضي الله عنه- كان إذا اشتبهت عليه مسألة في الفقه, فلم يجد لها دليلاً في الكتاب والسنة, دخل على شيبان الراعي, وقال له: "يا أبا محمد! كيف ترى في هذا؟ ويجلس بين يديه, فيكشف له ما اشتبه عليه من المسالة".
التواضع في العلم :
هناك أشياء لطيفة مؤداها أن العلم بالله شيء ثمين جداً, وهناك درجة أخرى: العلم بمنهجه، أي الدين واسع جداً, لا أحد ينافس أحد, كل إنسان تفوق بشيء.
وأنا أقول كلمة لو طبقها علماء الدين لسعدوا, وسعد الناس, هم متكاملون, كل إنسان: الله عز وجل آتاه شيئاً.
مرة قال لي شخص كلمة أعجبتني، قال لي: كل إنسان ألبسه الله ثوباً, لا يستطيع أن يخلعه, ولا يليق على غيره, هذا تفوق في فهم النص, هذا تفوق في استنباط الأحكام الشرعية, هذا تفوق في علم التجريب, هذا تفوق في علم العقيدة, هذا تفوق في علم الحديث, هذا تفوق في أصول الدعوة, وهكذا.
يُروى أن علي بن دينار -رحمه الله- اشتبهت عليه مسألة, فاتجه إلى قاضي خراسان, فجلس بين يديه, ثم قال: إني أريد أن أسالك عن مسألة, قال له: تركت العلماء من أصحابك وجئت تسألني؟ فأجابه: مثلي ومثلك كمثل ملك ضلّ في البرية, فهل يسأل في الطريق ملكاً مثله أم راعياً!؟.
أحياناً: يكون الإنسان خبيراً في قضية, التواضع في العلم مفيد جداً, يمكن أن يكون هناك شخص أدنى منك مرتبة لكن في موضوع ما أعلم منك, قضية الكبر في العلم, المتكبر والمستحي لا يتعلمان, فلا بد من التواضع.
والله عز وجل أمر سيدنا موسى أن يلزم الخضر, وأن يتعلم منه, فلذلك الإنسان بالعلم لا يوجد أحد أفضل من أحد, يمكن أن يكون هناك قضية أنت لست متفوقاً فيها, وغيرك متفوق.
تجد هذا عند الأطباء، أحياناً الطبيب إذا كان مخلصاً, وجاءته حالة مستعصية, و هو يعرف أن زميله أفضل منه, يحيله إلى زميله, أو يسأله بالهاتف, فتسأل باستمرار, هذا شيء يرفع من قدرك, أما إن استغنيت عن كل الناس و توهمت أنك تعلم كل شيء, فهذا سلوك يتنافى مع العلم الدقيق, العالم يسأل, ويأخذ رأي الآخرين.
يقول الجنيد -رحمه الله تعالى-: "لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لنفذ وانقطع؛ ولكنه من حق بدأ, وإلى حق يعود".






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 2 ( فاسألوا أهل الذكر - فاسأل به خبيرا - فاعلم أنه لا إله إلا الله ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الناجحون في الحياة يستخيرون الله ويستشيرون أولي الخبرة من المؤمنين :
أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع العلم قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:43]
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
من خلال هاتين الآيتين يتضح أن أهل الذكر هم الخبراء في كل علم من العلوم, كل علم له خبير، فأنت إن أردت النجاح في الحياة, عليك أن تسأل أهل الذكر, وهذه قاعدة أساسية في الحياة، ينبغي أن تستخير الله, وينبغي أن تستشير أولي الخبرة من المؤمنين الناجحين في الحياة, كما إن الله عز وجل أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
الناجحون في الحياة يستخيرون الله, ويستشيرون أولي الخبرة من المؤمنين؛ فكل مصلحة, كل حرفة, كل نشاط, كل قطاع له خبراؤه. من أراد أن يعرف الله فليبحث عن عارف به :
بعد أن تستخير الله, وترتاح إلى أن الله أجابك إلى هذا الطلب, الآن تنكفئ على أهل الخبرة فتسألهم, هناك طائفة من العلماء يعرفون الله عز وجل, إن أردت أن تعرف عن الله شيئاً:
﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
هناك خبراء بالزراعة, خبراء بالصناعة, خبراء بالتجارة, أطباء متخصصون بالأمراض. فأنت في أي جانب من جوانب الحياة بحاجة إلى عالم تستشيره في هذا الجانب, أما إن أردت أن تعرف الله فينبغي أن تستشير الخبراء لله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
العلماء قسمان؛ علماء الدنيا و علماء الآخرة :
وقد دعا الإمام الغزالي إلى تقسيم العلماء إلى قسمين: علماء في الدنيا, وعلماء في الآخرة؛ علماء الدنيا هم الذين يعرفون دقائق الأمور, وعلماء الآخرة هم الذين يعرفون الله عز وجل.
فأنت في كل قضية يجب أن تسأل عنها الخبير, أما إن أردت أن تعرف الله فابحث عن عارف بالله, عن عالم بالله.
والإمام الغزالي أيضاً له توجيه: "العلم حيثما ورد في القرآن الكريم المقصود منه العلم بالله".
قيل لأحمد بن حنبل: "إذا كتب الرجل مئة ألف حديث, أيحل له أن يفتي؟ قال: لا, قيل: بمئتي ألف حديث؟ قال: لا, قيل: بثلاثمئة ألف حديث؟ قال: أرجو".
أي قضية الفتوى أخطر شيء, قضية حلال وحرام, ففي الفتوى لا يوجد حلوى.
نحن في الحقل الديني عندنا مفتي, ومجتهد, وقاض, وداع, هذه اختصاصات, فمن أجل أن تفتي تحتاج إلى أن تتوسع في دقائق الأحكام الشرعية.
فقيل له: "...ثلاثمئة ألف حديث؟"
أي أرجو الله أن يكون أهلاً للفتوى, بعد أن يحفظ ثلاثمئة ألف حديث طبعاً في شؤون الفقه, والأحكام الشرعية.
نظر رجل إلى إسحاق بن راهويه, وقد وضع قلنسوة على رأسه, فقال له إسحاق: "ما هذا المنظر!؟ فو الله! ما وضعتها على رأسي, حتى حفظت أربعين ألف حديث".
قضية العلم عند السلف الصالح شيء خطير جداً.
يروون أن أحد العارفين بالله أخطأ خطأ, فاعتكف سبع سنوات حتى تمكن من العلم, وألقى العلم على الناس. إذا عرفت الله ازددت معرفة بنفسك :
قال ابن عطاء الله السكندري في معنى قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾
[سورة النمل الآية:15]
قال: علماً بالله عز وجل, وعلماً بالنفس.
وقد قال الإمام علي -كرم الله وجهه-: "من عرف نفسه عرف ربه".
أي إذا عرفت الله, ازددت معرفة بنفسك, وإذا عرفت نفسك, ازددت معرفة بالله.
ويقال: إن يحيى وعيسى -عليهما السلام- كانا يصطحبان, فإذا بلغا باب قرية أو مدينة يقول عيسى: "دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاها, ويقول يحيى: دلوني على أبر رجل وأتقاه, فيقول يحيى لعيسى: يا بن خالة! ما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء؟ فيقول: إنما أنا طبيب؛ أعالج أهل البلوى- أداوي المرضى-.
هذه الكلمة تذكرني بكلمة عالم جليل: يا بني! لا تأتني بأناس من عند العلماء, ائتِ بأناس من الملاهي.
أي بطولتك لا أن تأتي بإنسان له شيخ, تفسده على شيخه, وتقنعه أن شيخه ليس بجيد, وتأتي به إليّ, بطولتك أن تأتي بإنسان من الملهى, إنسان لا يصلي, إنسان شارد, إنسان يغرق في المعاصي, هذه بطولتك.
لذلك هناك رجل قال كلمة: الجيد لا يحتاجك.
الإنسان يجب أن يتجه إلى إنسان شارد؛ إذا كان عنده قوة إقناع, يرى إنساناً بعيداً عن الله عز وجل, يقربه, فهذه بطولة كبيرة جداً, أما إنسان ملتزم, مستقيم, أكثر الأمور محصلها, بقي فقط أن يقنعه أن هذا الشيخ ليس جيداً, تعال إلي؛ هذه ليست دعوة إلى الله عز وجل, هذه عملية إفساد, وعملية فتنة. العلم أرفع من المعرفة :
وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[سورة فاطر الآية:32]
قال: "السابق: هو العالم, والمقتصد: هو المتعلم, والظالم: هو الجاهل".
سابق, مقتصد, ظالم.
الإمام الجنيد يقول: "العلم أرفع من المعرفة, وأكمل, وأسلم"، لذلك: تسمى الله بالعلم, ولم يتسم بالمعرفة قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
[سورة التغابن الآية:18]
قال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة الشورى الآية:24]
ترتيب العلماء و المؤمنين على درجات :
وقد رتب المؤمنون والعلماء على درجات فقال:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة الآية:11]
الاعتقاد بالتوحيد لا يُقبل تقليداً :
وخاطب نبيه بأتم الأوصاف فقال:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾
[سورة محمد الآية:19]
وهذه الآية أيها الأخوة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
تعني أن الاعتقاد بالتوحيد لا يُقبل تقليداً, ولو فرضنا أن الله يقبل من عباده اعتقادهم به تقليداً, لما كانت أية فرقة ضالة محاسبة عند الله عز وجل؛ لأن كل أبناء فرقة ضالة, وكل أبناء طائفة ضالة, حجتها: يا رب, هكذا قال شيخنا, أو هكذا قال من نعتقد أنه عظيمنا, أما لأن قضية العقيدة قضية خطيرة جداً, فلا يمكن أن تكون تقليداً, والدليل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
لم يقل قلد, حتى لو إنك اعتقدت صواباً اعتقاداً عن تقليد غير مقبول, لو اعتقدت صواباً, لا بد من أن يكون معك الدليل, الدليل ينفي عنك التقليد، لذلك قالوا: العلم حكم مقطوع بصحته, مطابق للواقع، عليه دليل.
هذا أدق تعريف للعلم: مقطوع بصحته يقيني ليس ظني, ومطابق للواقع كل شيء خالف الواقع صار عليه دليل, وإلا كان تقليداً؛ لو ألغينا مطابقة الواقع لكان الجهل, لو ألغينا الدليل لكان التقليد, لو ألغينا القطع لكان الظن؛ فالعلم ليس ظناً, وليس مخالفاً للواقع, وليس مفتقراً إلى الدليل, يوجد معه دليل. الحق لا يخشى البحث أبداً لأن الحق هو الله :
وهناك بعض الكلمات يقولها العلماء: الحق لا يخشى البحث أبداً, لا تخف الحق هو الله.
أي لا تدقق فتضيع؟ لا، لن تضيع, العلم بحر تغرق فيه؟ لا, لن تغرق فيه؛ الحق لا يخشى البحث, والحق لا يحتاج أن تكذب عليه, ولا أن تقلل من خصومه, ولا أن تبالغ به, ولا يُستحيا به, الحق هو الله.
وقيل: إن هارون الرشيد دعا الأوزاعي إلى حضرته فأبى, فجاء إليه, وسأله عن شيء فأجابه, فقال له: ما بالي ملئت منك غضباً وغيظاً فلما رأيتك ملئت فزعاً ورعباً؟! فقال الأوزاعي: سمعت أنساً يقول: قال -عليه الصلاة والسلام-: "من تعلم العلم لله لم يخف من شيء, وخاف منه كل شيء, ومن تعلم العلم لغير الله خاف من كل شيء, ولم يخف منه شيء".
من هاب الله هابه كل شيء :
والشيء الدقيق جداً أن الإنسان إن تعلم لله, الله يكسبه هيبة, فإن تعلم لغير الله, ليس له هيبة إطلاقاً.
والمشكلة لما سئل الإمام الحسن البصري: ما هذا المقام الذي حباك الله به؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس, وحاجتهم إلى علمي.
أي الإنسان إذا تعلم لله, ألبسه الله عز وجل ثوب المهابة.
قلت لكم مرة: الحجاج أمر بقتل الحسن البصري, وهيأ السياف, وكل شيء جاهز لقتله في حضرته, فلما دخل الحسن البصري, ورأى السياف, فهم كل شيء, فتمتم بكلمات لم يسمعه أحد, فإذا بالحجاج يقف له, ويرحب به, ويجلسه جنبه في السرير, ويسأله, ويعطره, ويضيفه, ويستفتيه, ويشيعه إلى باب القصر, فتبعه الحاجب- طبعاً الحاجب صعق, والسياف صعق؛ لأنه جيء به ليقتل, فإذا بالحجاج يرحب به- قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟قال له: قلت: "يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
يقول الظاهر بيبرس: "والله ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام".
هناك قصص كثيرة جداً، قيل للإمام مالك: "أجب أمير المؤمنين, فقال لهم: قولوا لهارون: إن العلم يُؤتى ولا يأتي, فقال: صدق, نحن نأتيه, فلما سمع أنه سيأتيه, قال: قولوا له: ألا يتخطى رقاب الناس, قال: صدق, فلما جاء أجلسوه على كرسي, فقال: من تواضع لله رفعه, ومن تكبر وضعه, فقال: خذوا عني هذا الكرسي, وجلس على الأرض".
فلذلك: الإنسان عندما يكون مخلصاً, يلبسه الله ثوب المهابة، من هاب الله هابه كل شيء, وفي تاريخ المسلمين مواقف للعلماء يشهد لها التاريخ قوة, وجرأة, والإنسان يكون قوياً, وله هيبة، بقدر إخلاصه, وطاعته لله, فإذا ضعف الإخلاص, وضعفت الطاعة لله, لم يعد له هيبة, فصار ألعوبة بيد الآخرين.
سمعت عن رجل -رحمه الله- عالم, له مثل لطيف: إذا الباخرة شربت من ماء البحر شيئاً, ابتلعها البحر كلها – أي إن خرقت ودخل ماء البحر إليها غرقت, ابتلعها البحر- وإذا الإنسان اقترب من الأقوياء, وأخذ منهم شيئاً ابتلعوه.
العلم إظهار الربوبية أما الإسلام فإظهار العبودية :
آخر شيء: قال الإمام الواصفي في معنى قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
قال: "هما دعوتان؛ دعا رسوله محمداً إلى العلم بقوله: (فاعلم), ودعا رسوله إبراهيم إلى الإسلام بقوله: (أسلم)": ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
فالإسلام: هو الانقياد, والانقياد إظهار العبودية لله, وإن الله ابتلى إبراهيم حين قال: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
أما العلم ففي قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ﴾
[سورة محمد الآية:19]
هو إظهار الربوبية, وعلى هذا فالعلم أعلى منزلة في الإسلام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
العلم إظهار الربوبية, أما الإسلام فإظهار العبودية.
فسيدنا إبراهيم قال له: (أسلم), وسيدنا محمد قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 3 ( اقوال فى العلم ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من عظمت نعمة الله عنده كثرت حوائج الناس إليه :
لا زلنا -أيها الأخوة الكرام- في موضوع العلم, أنهينا موضوع الحكمة وانتقلنا إلى موضوع العلم، ورد: ((من استغنى بالله أحوج إليه الناس, ومن استحضر خشية الله في قلبه أنطقه الله بالحكمة))
[ورد في الأثر]
وقد ورد أيضاً: ((ما عظمت نعمة الله على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال ))
[ابن حبان عن ابن عباس]
إذا عظمت نعمة الله عند إنسان كثرت حوائج الناس إليه, فإذا مل هذه الحوائج, عرض هذه الحوائج للزوال، أي: إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه.
الناس يقبلون على من عنده شيء, على من يبش لهم, على من يقدم لهم خدمة, على من يقدم لهم علماً, فإذا عظمت نعمة الله عليك كثرت حوائج الناس إليك. ((من استغنى بالله أحوج إليه الناس, ومن استحضر خشية الله في قلبه أنطقه الله بالحكمة))
[ورد في الأثر]
الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده إلا اعتقاداً تحقيقياً :
أحد العلماء قال: الله عز وجل يخاطب نبينا -عليه الصلاة والسلام- يقول له:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾
[سورة محمد الآية:19]
أول استنباط من هذه الآية: أن العقيدة لا تكون تقليداً, لم يقل الله عز وجل: (فقل لا إله إلا الله), قال: (فاعلم), ولو أنه قُبل منا أن نعتقد تقليداً لكانت كل الفرق الضالة ناجية عند الله, حجتها: سمعنا آباءنا, أو مشايخنا يقولون, فقلنا. العقيدة لا تكون إلا تحقيقاً, من هنا يُحاسب الناس.
فالآية الكريمة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
الله عز وجل أمر سيدنا إبراهيم قال له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية:131]
لنبينا الكريم قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية:19]
قال بعض العلماء: (فاعلم) تقودنا إلى العبودية, و(أسلم) تقودنا إلى العبودية, والذي يقودنا إلى الربوبية أعلى من الثاني، أي العلم مقدم على كل شيء.
ورد أنه اجتمع العلماء في موضع, فقالوا: "إنا تعلمنا العلم, ولم نزدد منه هيبة, ولا حكمة, ولا ورعاً, فقال بعضهم: ورد في الأثر: " إني أهب الهيبة بالأسحار وأنتم نائمون, وأخرج الحكمة من بطن خال وأنتم تشبعون, وأُقسم التقوى والورع في صحبة الأتقياء وأنتم عنه مفارقون". حاجة الإنسان إلى الهيبة و الحكمة و الورع :
الإنسان يحتاج إلى أشياء ثلاثة؛ يحتاج إلى أن يصلي بالأسحار:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾
[سورة الإسراء الآية:78]
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾
[سورة الإسراء الآية:79]
لماذا لم يكن هناك هيبة ولا حكمة ولا ورع؟ لأن الله يهب الحكمة بالأسحار وأنتم نائمون, وينطق بالحكمة من بطن خال وأنتم تشبعون, وأقسم التقوى والورع في صحبة الأتقياء وأنتم عنه مفارقون.
الإنسان أحياناً يُؤثر جلسة, سهرة فيها ضيافة على مجلس علم, يؤثر مكاناً فيه متعة على سماع تفسير القرآن, على ارتياد بيوت الله عز وجل, فالجواب كان لا حكمة, ولا هيبة, ولا ورع؛ لأنه لا يوجد تهجد, ولا زهد في الدنيا, ولا صحبة للعارفين بالله. الذكي و العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها :
يُروى: دخل بهلول على هارون الرشيد فقال له هارون: يا بهلول! أفدنا من حكمتك, فقال: يا أمير المؤمنين! قد أفاد العليم الخبير قبلي, حيث يقول:
﴿فإن خير الزاد التقوى﴾
أما السفر بين يديك -أي كلنا مسافرون- كل واحد منا له أجل, وقد يكون قريباً, وقد يكون بعيداً, لكن في النهاية لا بد من أن يغادر الدنيا كما كان, لم ينقطع منه شيء, وأما الزاد فلا أدري؛ هل تزودت كما أمرت أم توليت؟ ثم أنشد يقول: ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***
هل من الممكن أن تستيقظ كل يوم كالبارحة إلى ما شاء الله؟ مستحيل! هناك يوم من الأيام ستخرج بالعرض لا بالطول.
النبي حدثنا عن مرض الموت, هذا ليس له شفاء, حدثنا عن مرض آخر له شفاء: ((لكل داء دواء إلا السام))
[ لسان العرب عن عائشة]
أي الكبر.
ويوجد مرض الموت. فأنت مهما دعوت, إذا كان مرض الموت انتهى الأمر, لأن المغادرة عن طريقه.
فهل هناك إنسان منا ممكن أن يستيقظ كل يوم كاليوم السابق, لم يصبه شيء؟ لا, مستحيل, كيف الناس يغادرون الدنيا؟ سوف يستيقظ في أحد الأيام على علة بجسمه؛ فالعلة تتفاقم, تتفاقم, تتفاقم, بأسبوع, بثلاثة أيام, بعشر سنوات حتى يأتي الأجل.
فمن هو الذكي كل الذكي؟ العاقل كل العاقل؟ من أعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها العدة.
قال له: يا أمير المؤمنين! ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***
كل واحد منا له بيت قد رتبه؛ مكان جلوسه, مكان طعامه, حمامه, له مكتبه, مكانته, الأمور كلها مرتبة لكن هذا مؤقت, وهناك شيء سوف يصرفك عنه: ستزعجك المنايا عن قرار ويبدلك الردى لحداً بدارك
***
الموازنة بين البيت و القبر :
أنت وازن بين البيت وبين القبر، مسافة كبيرة جداً بين القبر وبين البيت: وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك
***
كل إنسان حتى يسكن في بيت يموت ألف موتة؛ حتى جمع ثمنه, حتى كساه, حتى زينه, حتى فرشه, المغادرة في ثانية, كان شخصاً أصبح خبراً على الجدران: وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك
***
والله كنت مرة في حلب, الذي دعانا أحب أن يريني بعض أحياء حلب, يوجد عندهم حي اسمه الشهباء, والله قصور حي المالكي أكواخ أمامه, اطلعنا على قصر على النمط الصيني, - هذه القصة سنة أربع وسبعين - ثمنه وقتها خمسة وثلاثون مليوناً, كانت الأمور رخيصة, كان الدولار بثلاث ليرات, فيه رخام أونيكس بخمسة ملايين, الوصف لا يصدق مثل الخيال, لأحد أغنياء حلب, مات في الثانية والأربعين, وكان طويل القامة, وشاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله. فلما وضعوه في القبر, جاء الحفار, دفعه بصدره حتى صار رأسه ملامساً لركبتيه صاحب هذا القصر سكن هذا القبر:
وتترك ما شقيت به زماناً وتُنقل من غناك إلى افتقارك وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
***
لي قريب حصَّل بيتاً في حي السبكي, واعتنى به عناية كبيرة, ورتبه, وزينه, وإذ يصاب بمرض عضال, فزار صديقه فقال له بالضبط: أخاف بنت الحرام – أي زوجته-, بعد أن أموت أن تتزوج, يأتي إنسان, يتمتع بالبيت, وأنا جالس في القبر: وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
***
الإنسان إذا نظر للمرآة, له عين غالية جداً؛ عمل لها ليزر, وضع نظارة, عمل لها عملية, لكن هذه بعد الموت خلال يومين يأكلها الدود؛ عينه, أنفه, جلده, يتغسل, يفرك جسده, متألق, خلال يومين ينتهي.
مرة حضرت دفن أحد أخواننا الكرام, هو إنسان نظيف جداً, على درجة عالية من الذوق, عندما دفن كان هناك فرجة في القبر فأهالوا فوقه الكثير من التراب, عنده وسوسة بالنظافة تفوق حدّ الخيال, أنزله وانتهى الأمر, خلال دقيقة أصبح من أهل القبور: وعينك في محل الدود تَبلى وترتع عين غيرك في ديارك
فبـــادر توبة لتحل داراً تلذ بها وتنــعم مع جوارك
***
العاقل من عمل عملاً طيباً يلقى الله به و لم يعبأ بالناس :
الذكاء والعقل أن تعمل للجنة, كل الناس حولك يبكون, أنت اضحك لوحدك: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[سورة ياسين الآية:26]
هذا الإخلاص؛ اعمل للجنة, واعمل عملاً طيباً لتلقى الله به, ولا تعبأ بالناس.
ثم قال: إن الطبيب إذا سقى الشــبعان دواء أتعب نفسه وضيع متاعه
***
ثم خرج, وهو يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾
[سورة الدخان الآية:25]
﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
[سورة الدخان الآية:26]
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾
[سورة الدخان الآية:27]
المؤمن الصادق ينظر لآخرته لا لدنياه :
كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل دار الخلافة, هناك آية كان يتلوها كلما دخل, أي إن صح التعبير مثل شعار عملي, الآية الكبيرة:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية:205]
﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية:206]
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية:207]
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
المؤمن الصادق كلما استيقظ يقول: هذا يوم سمح الله لي أن أعيشه, انظر الغلة -غلة الآخرة- الدنيا ليس لها قيمة. الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :
الله عز وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ﴾
[سورة العصر الآية:1]
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
[سورة العصر الآية:2]
الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه فهو خاسر، إنسان له ثلاثة أيام, مضى يوم, يومان، بقي يوم واحد.
أخ من أخواننا حدثني عن قصة -أنا لا أعلم تفسيرها أبداً-: رأى مناماً -الأخ من أخواننا الكرام الصادقين- له أخ عمره تسع عشرة سنة, بعد ثلاثة أيام سيموت, هو اعتبر المنام مزحة, قال له: يا فلان -اسمه أيمن- بقي ثلاثة أيام؛ مضى يوم, بقي يومان, مضى يوم, قال له: بقي يوم.
وفعلاً تشاجر مع صديقه, صديقه معه مسدس, أطلق عليه النار, الساعة الواحدة, اليوم الثالث كان من أهل القبور.
لو يعلم الإنسان متى أجله تجد هذا الشيء مخيفاً، الإنسان يعيش بالأمل, يضع آمالاً لعشرين سنة, وقد يكون غداً من أهل القبور.
لي طالب كان في الحادي عشر, له خال صاحب سينما, جاءه مرض عضال في سن مبكرة, دخل عليه صار يبكي, قال له: أنا جمعت الثروة حتى أتمتع بها في حياتي, هو لم يتمكن أن يتمتع بها, هو جمعها لإفساد أخلاق الشباب أساساً, كلما كان الفيلم فيه إثارة أكثر, كان ربحه أكثر, فجمعها من إفساد أخلاق الشباب: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾
[سورة الدخان الآية:25]
﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
[سورة الدخان الآية:26]
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾
[سورة الدخان الآية:27]
وقيل: "الحكيم لا يزداد حكمة إلا ازداد من ربه خوفاً, وإليه قرباً, ومع الخلق تواضعاً, والعالم غير الحكيم, لا يزداد علماً إلا إذا ازداد من الله أمناً, وعن الله بعداً, ومع الخلق تكبراً".
فلابد من العلم, ولابد من الحكمة.
الناس في العلم والحكمة على أربع طبقات :
آخر شيء: قال بعض أهل المعرفة: "الناس في العلم والحكمة على أربع طبقات: رجل عالم لسانه جاهل قلبه, فذلك العالم الفاجر, وهو الذي يقول فيه عمر: كم من عالم فاجر وعابد جاهل؟ -هناك عابد جاهل, وهناك عالم فاجر-, فاتقوا الجاهل من المتعبدين, والفاجر من العلماء".
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ))
[ أحمد عن عمر بن الخطاب]
"ورجل عالم قلبه جاهل لسانه, فذلك العالم التقي الخائف, ورجل عالم لسانه عالم قلبه, فذلك العالم الرباني", وهو ممن وصفهم علي بن أبي طالب: "إن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة؛ إما ظاهر مكشوف, أو خائف مرغوب, فأولئك الأقلون عدداً, الأعظمون قدراً؛ أعيانهم مفقودة, وأمثالهم في القلوب موجودة, صحبوا الدنيا بأبدانهم, وأرواحهم معلقة بالرفيق الأعلى, أولئك العلماء الربانيون".
وقال لقمان الحكيم: "يا بني! كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب, كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل".
الصنف الرابع: رجل جاهل لسانه جاهل قلبه, -وهم ممن حذر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام- حينما قال: (( كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة ]
قيل: الخامسة هو مبغض العلم. الجهل أعدى أعداء الإنسان و أعظم من الجهل أن تجهل أنك جاهل :
وقال علي بن أبي طالب في صفة أهل الجهل: "همج رعاع, لا عقل لهم, يستفزهم الطمع, ويستخفهم الغضب, أتباع كل ناعق, يميلون مع كل ريح؛ لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق".
وقال بعض العلماء: "خصلة واحدة من نجا منها في الدنيا, نجا في العقبى من النار, ألا وهي الجهل".
قال آخر: "فتشت عن المعاصي كلها, فلم أر فيها معصية أعظم من الجهل- لأن الجهل أعدى أعداء الإنسان، أي أبشع صفة في الإنسان أن يكون جاهلاً- فلم أر فيها معصية أعظم من الجهل, قيل: فهل شيء أعظم من الجهل؟ قال: نعم, أن تكون جاهلاً بالجهل"، وأنشد: إذا أنت لا تدري ولا أنت عالم بقول الذي يدري فحتى متى تدري
ومن أعظم البلوى بأنك جاهل وأنك لا تدري بأنـــك لا تدري
***
أي أعظم من الجهل أن تجهل أنك جاهل, وكل إنسان يعجبه عقله لكن لا يعجبه رزقه, وهذه من أبشع الصفات يسمونها التكلس العقلي, يقول لك: كل العلماء كذابون وهو ومرتاح, ويجلس طوال وقته أمام التلفاز, متكلس عقلياً, أنا لا أريد أن أدخل إلى الجامع, لا أريد أن أوجع رأسي مثلاً, عنده كم تصور متكلس عليهم, انتهى, هذه أعظم صفة بشعة في الإنسان أن يكون جاهلاً, ولا يوجد عنده إمكانية أن يتعلم.
لسيدنا علي كلام رائع قال: "قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, -لي كلمة: ليس العار أن تكون جاهلاً, العار أن تبقى جاهلاً, ليس العار أن تخطىء, العار أن تبقى مخطئاً, كل بني آدم خطَّاء, لكن بطولة المؤمن كلما أخطأ يصحح رأساً -, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره أو بدنياه, قال: فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم, وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره".







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 4 ( العلم بخلق الله و بامر الله و بالله ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. علم الإيمان والمعرفة واليقين لا يتأتى إلا لمؤمن موقن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/01.jpg
لا زلنا في موضوع العلم بعد أن كنا قبل شهر في موضوع الحكمة.
يقول مؤلف هذا الكتاب: "إن كل نوع من العلوم يتأتى بذله ونشره بمنافق, أو مبتدع, أو مشرك إذا رغب فيه, إلا علم الإيمان, والمعرفة, واليقين, فإنه لا يتأتى كشف مشاهداته, والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن".
أي إنسان ذكي, ولو كان ملحداً, يتمكن أن يقرأ موضوعاً في الفقه ويفهمه, يمنح فيه الدكتوراه, قضية معلومات؛ تحتاج إلى فهم, وإلى حفظ, وإلى مناقشة. فالقوة الإدراكية في الإنسان تسمح له أن يفهم أي علم, هذا العلم هو العلم بأمر الله, وبخلق الله.
الآن أنشتاين: يكاد يكون أعلم علماء الأرض في الفيزياء, جاء بالنظرية النسبية, يجوز إنسان يتقن الشريعة, وهذا ما يحصل في بلاد الغرب, أستاذ كرسي الشريعة يهودي, بكل جامعات الغرب, في بعض الجامعات منها كليات شرعية تمنح الدكتوراه وأساتذتها غير مسلمين, وقد يكونون كفاراً, معنى هذا أن الإنسان عنده قوة إدراكية, إذا تفوق فيها يمكن أن يحفظ أي موضوع. أنواع العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/02.jpg
لذلك الإمام الغزالي قال: "هناك علم بخلق الله - برع به أذكياء العالم في كل الجامعات؛ طب, هندسة, تاريخ, جغرافيا, علم اجتماع, فيزياء, كيمياء, رياضيات, فلك, هذه كلها علوم؛ فيها حقائق, وفيها قوانين, وفيها علاقات, هذا علم بخلق الله- وهناك علم بأمر الله –الشريعة؛ الحلال, والحرام, والأحوال الشخصية, والطلاق, والزواج, ورأي المذاهب والفقهاء, والفقه المقارن أيضاً-, أما العلم بالله فهذا العلم لا يمكن أن تصل إليه بالمدارسة, -أي بالقراءة-, هذا العلم تصل إليه بالمجاهدة".
المدارسة غير المجاهدة؛ المدارسة انتباه, كتاب, وقراءة, وتلخيص, وحفظ, أما المجاهدة فغض بصر, وضبط لسان, وضبط جوارح, واتصال بالله.
لذلك قالوا: "جاهد تشاهد".
تريد علماً يكون في قلبك نوراً, تريد علماً تشعر نفسك أسعد الناس؛ وقد تكون أقل مالاً, وقد تكون أقل جاهاً, تريد اتصالاً بالله؛ الاتصال ليس ثمنه المعلومات, الاتصال ثمنه الاستقامة والمجاهدة، قالوا: "جاهد تشاهد". من أراد الوصول إلى الله فليطعه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/03.jpg
هناك طرق كثيرة؛ أما إن أردت الطريق إلى الله, إن أردت السلوك إلى الله, فعليك بطاعة الله, والدليل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية:69]
تريد أن تصل إلى الله, أطعه بينك وبينه, لا تحتاج لإنسان, وأنت بالفطرة تعرف الحق من الباطل, تستطيع أن تكون لطيفاً؛ لا تكذب, لا تخون، إذا قمت بالكمالات البشرية كما أراد الله عز وجل صار الطريق إلى الله سالكاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/04.jpg
أحياناً تسحب الهاتف من الذي قطعه؟ لا يوجد خط, إن كان هناك صوت, معنى هذا أنه يوجد في الخط حرارة.
أحياناً تجد الطريق إلى الله سالكاً فيه حرارة؛ تصلي, تخشع, تقرأ القرآن, تبكي, تناجيه, لا يوجد حجاب بينك وبينه, ليس معنى هذا أنك معه دائماً, هذه حال الأنبياء, أما أنت في لحظة فتستطيع أن تقبل؛ لا يوجد عندك موانع, لا يوجد عقبات, لم تأكل مالاً حراماً, لم تؤذ إنساناً أبداً, تخاف منه دائماً, تجد الطريق سالكاً له, أما عندما تؤذي إنساناً, يغتصب مالاً, يبني مجده على أنقاض الآخرين, تجده يصلي, لا يوجد شيء.
فقال الحسن البصري كلمة خطيرة: "إذا صليت ولم تجد شيئاً في الصلاة, إذا ذكرت الله ولم تجد شيئاً, قرأت ولم تجد شيئاً, فهذه أعراض ضعف الإيمان".
تستطيع أن تقرأ القرآن كله, لكن لا تشعر بشيء, وتستطيع أن تصلي من دون أي إحساس, و تستطيع أن تدعي دعاء شكلياً؛ إذا كنت في الصلاة لا تشعر بشيء إطلاقاً, وفي الذكر لا تشعر بشيء, وفي القرآن لا تشعر بشيء, معنى هذا أن هناك مشكلة كبيرة انتبه؛ إما أنك متلبس بمعصية, أو بمخالفة, أو بمال حرام, أو بسوء ظن بالله, أو متعلق بإنسان بعيد عن الله, فعندك مشكلة كبيرة, أما هكذا إسلام فإسلام فلكلوري. من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم :
سهل جداً أن يصلي الإنسان الجمعة, يتعطر, يضع مسواكاً في جيبه, يمسك مسبحة, يضع آية الكرسي في جيبه, سهلة جداً, النواحي المادية سهلة, أما أن تشعر وأنت تصلي أن هناك خطاً حاراً بينك وبين الله فهذه تحتاج إلى مجاهدة, هذا فحوى الكلام.
قال: "هذا العلم -العلم بالله- هو عهدة عند الأولياء من عباد الله, وديعة عند الخواص منهم, لا يناله الظالمون, وخسر هنالك المبطلون".
وقال بعض العارفين: "الكبر والبدعة إذا كانتا في إنسان لم يُفتح له حرف واحد من هذا العلم".
كنت أقول لأخواننا: كيلو لبن نضربه بخمسة كيلو ماء, يصبح عيراناً, لكن لا يتحمل نقطة كاز, ممكن أن يضاف للبن ماء, أما نقطة كاز واحدة فنضعه في سلة المهملات, انتهى؛ فالكبر يفسد العمل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/05.jpg
واتفق أهل المعرفة على أن: علم الباطن هو علم الصديقين, وأن من كان له نصيب منهم فهو فوق درجة أصحاب اليمين.
وأجمل قول ورد في كتب الأثر: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم".
هناك شرع ظاهر عملت به, ما دام طبقت الشيء الظاهر فهذا ثمن أن الله عز وجل يعلمك علماً لا تعلمه سابقاً.
وقال الثوري: "لا تكونوا جهالاً, وميزوا بين العلم ووعاء العلم, - هناك عالم, وهناك وعاء للعلم".
وقد قيل للإمام الغزالي: "فلان حفظ كتاب الأم للشافعي, فقال لهم: زادت نسخة".
تجد شخصاً حافظاً, إن جلس في جلسة لا يترك دوراً لأحد, عنده نهف كثيرة جداً, لكن ليس هذا المطلوب, هذا مثل دائرة معارف, أصبح كتاباً متنقلاً؛ تريد إنساناً موصولاً بالله عز وجل, موصولاً بخالق السموات والأرض.
إذا هرب العالم من الناس فاطلبوه, وإذا طلب الناس فاهربوا منه, العالم عنده غنى, ليس بحاجة للناس.
قيل للحسن البصري: "بم نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن الناس, وحاجتهم إلى علمي".
العالم موصول بالله عز وجل, غني, متعفف.
العمل الصالح ثمن الاتصال بالله عز وجل :
وقال سهل: "العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله, وهم المؤمنون, وعالم بأيام الله وهم المتفقهون في الحلال والحرام, وعالم بالله, عالم بأيام الله وهم الصديقون, وفي معنى قوله عالم بأيام الله، أي بنعمه الظاهرة والباطنة".
مثلما قلت قبل قليل: هناك عالم بالله, وبخلقه, وبأمره, بخلقه وبأمره تحتاج إلى ذكاء, تحتاج إلى تفرغ, تحتاج إلى جامعة, تحتاج إلى كتاب, تحتاج إلى مطالعة, تحتاج إلى ملخص, هذه كلها مدارسة, أما عالم به فتحتاج إلى مجاهدة, والآية من أوضح ما يكون: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/06.jpg
ثمن اللقاء, ثمن الاتصال هو العمل الصالح, أنا أركز على هذه أن تصل إلى الله؛ إذا وصلت إليه وصلت إلى كل شيء, وإن فاتتك هذه الصلة فاتك كل شيء.
قال الثوري: "كان الناس يطلبون العلم؛ فإذا علموا عملوا, وإذا عملوا أخلصوا, وإذا أخلصوا رهبوا"، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية:74]
وقيل لسهل: "من العلماء؟ قال: الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا, ويؤثرون الله على نفوسهم".
وقيل: " العالم هو الذي يخالف أحوال الجاهل والعامي، و ينبغي أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وببكائه إذا الناس يضحكون, وبصمته إذا الناس يخوضون"
أي باستقامته إذا الناس يخوضون.
ويقول أحدهم: "يا أخي, إذا كان كلامك كلام السفهاء, وفعالك فعال الجهال, وسكوتك سكوت أهل الغفلة, فما ينفعك ما جمعت من طرائف العلم وحكمة الحكماء؟". أندم الناس إنسان دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار :
أقول لكم كلمة, -والله! ينقصم لها الظهر-: أندم الناس إنسان دخل الناس بعلمه الجنة, ودخل هو بعلمه النار.
اتخذه مهنة.
"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه".
"اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك, ألتمس به أحداً سواك".
"اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك".
"اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/07.jpg
شيء مؤلم جداً أن تشرح, وتبين, والناس يستفيدون, والذي يتكلم ليس مطبقاً شيئاً, أصبحت حرفة. أخطر شيء أن ينقلب الدين حرفة, لم يعد هناك مضمون أبداً, مصلحة فقط.
تجد حفاري القبور؛ إذا صحّ له شرشف, صحّ له مسبل, يأخذه كله, يدفن في اليوم عشرة نحَّس, لم يعد له أي علاقة بالموضوع.
هناك أشخاص مثلاً عملهم بكليات الطب مع الجثث, يسحب جثة, يبيعها في الليل تهريب, هذا يقول لك: رأسه كبير, يبيعه بسعر أعلى، يغليه بالماء الساخن ليذوب اللحم, يبيع الجمجمة لطالب طب, عمله كله بالأموات, وقلبه مثل الحجر, أكثر مهن الموتى - موتى أصحاب القبور- وهم أحياء موتى, لا يتعظ.
"ليس العالم المتكلم الواصف, إنما العالم الحذر الخائف, ليس العالم من جلس على الكراسي, إنما العالم من اجتنب المعاصي, ليس العالم من صاح في المحافل, إنما العالم من عرف دقائق الشبهات والنواجذ, ليس العالم من يروي, إنما العالم من يرعوي, ليس العالم من جمع ومنع, إنما العالم من رفع ثيابه وفي الخلوة جلس, ليس العالم هو الذي يضحك من غير عجب, إنما العالم من طال حزنه وجدّ في الهرب والطلب". يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/08.jpg
أتمنى على الأخوان شيئاً: كلمة عالم أراها كبيرة, طالب علم, كلنا طلاب علم, لا يوجد أحد أفضل من أحد, ولا يوجد عندنا كهنوت في الإسلام, كلنا مؤمنون, والله عز وجل قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية:62]
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية:63]
كلام بسيط واضح: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية:63]
كل إنسان منا مطلوب أن يؤمن, ويتقي الله عز وجل, ليكون ولياً, لا يوجد في الإسلام إنسان رجل دين, بالإسلام هناك مؤمن, وهناك طالب علم.
أحياناً بعقود القران, يقف الخطيب, يقول: طالب علم, يكبر عندي, أجمل كلمة: طالب علم، يظل المرء عالماً ما طلب العلم, فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. المؤمن يؤدي للناس حقوقهم و يعرف ما له عليهم :
كلمة سأقولها لكم -لا تعدوها مبالغة-: لو فرضنا أعلى منصب ديني في أضخم دولة إسلامية, لا أعلم أي دولة تريدها اختر؛ في دولة شيخ الأزهر, -ليس المفتي شيخ الأزهر أكبر-, في دولة مفت, في دولة رئيس رابطة العلماء, في دولة هيئة كبار العلماء, اختر من كل دولة منصب ديني رفيع جداً.
لو اخترنا واحداً في أعلى منصب ديني, وعنده مستخدم لا يقرأ, ولا يكتب, أمي, وجاءت صحفية لتجري مع العالم الكبير حديثاً صحفياً, وهي جميلة, ومتكشفة, إذا المستخدم غض بصره عنها, الذي لا يقرأ ولا يكتب, والذي يحتل المكانة العليّة, ملأ عينيه من محاسنها, عند الله المستخدم هو العالم, وهذا هو الجاهل؛ رغم كل العلوم, وكل الكتب, هذا قد يكون مثلاً حاداً, قد يكون مبالغاً به, أنا هكذا قناعتي: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله, وكفى به جهلاً أن يعجب بنفسه, أو أن يعصيه.
عندما تعصيه لا تعرفه, ولا تطيعه, تعرفه من تكن؟ كن بأي وضع, بأي ثقافة, بأي مستوى, بأي انتماء.
قال له: "بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي, قال له: قل لصاحبها: إنها ماتت, قال له: والله! إنني بأشد الحاجة إلى ثمنها, ولو قلت لصاحبها إنها ماتت لصدقني, فإنني عنده صادق أمين, ولكن أين الله؟".
والله! قال لي أخ: بيت ثمنه سبعة ملايين, استأجره شخص من رواد المساجد, ويقف بأول صف, قال لي هذا الأخ: أنهى هذا الشخص البيت بسبعمئة ألف, بأساليب ملتوية، صاحبته إنسانة تعيش من أجرته, مقيمة في تركيا؛ أوهمها, كذب عليها, خوفها, حتى فوضته بسبعمئة ألف, هذا نموذج.
المؤمن ليس كذلك, المؤمن يؤدي للناس حقوقهم, هذا دينه, دينه بالحقوق, يؤدي ما لهم, إذا أحب أن يصلي, يجد الطريق ساخناً بينه وبين الله.
الكبر علامة الجهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6045/09.jpg
هذه النقطة أريدها: أدِّ الحقوق كلها, لا تحتال على أحد, تجد الخط أصبح ساخناً, كُلْ حقوق الناس لم يبق هناك خط, انقطعت, هذه النقطة ضعها في بالك، يكون الخط بينك وبين الله ساخناً عن طريق الاستقامة.
"ليس العالم طويل اللسان, ولكن العالم هو كثير الإحسان, والعالم هو الذي كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً لله".
يقول الإمام الشافعي: "لما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي".
علامة الجهل الكبر. ((اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة، والحلم، ولينوا لمن تعلمونه ولمن تعلمتم منه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء))
[ الديلمي عن أبي هريرة]
دائماً الله عز وجل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي﴾
[سورة الإسراء الآية:80]
لماذا لم يقل الله: اجعلني صادقاً؟ أحياناً: يكون الدخول-والله- صادقاً, نظيفاً, أما الخروج فليس نظيفاً, نويت أن تعمل مستشفى فيها إحسان, إذا شعرت بالمال تغير رأيك.
الآن: كان عند الطبيب, أخذ الطبيب خمسمئة ليرة, يرجع ليسأله ماذا يأكل؟ يقول له: أريد خمسمئة ثانية, نسي أن يسأل سؤالاً جعل عليه معاينة ثانية.
الإنسان –أحياناً- يقسو, يصبح قلبه مثل الصخر, لا يهمه؛ فقير, غني, يريد مالاً. العالم الحق ينفق ماله على علمه وليس الذي يكتسب المال بعلمه :
((... ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فيغلب جهلكم علمكم ))
[ الديلمي عن أبي هريرة]
العالم الحق ينفق ماله على علمه, وليس الذي يكتسب المال بعلمه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية:95]
يا أخواننا الكرام؛ ضمن الدين هناك انزلاق, ضمن الدين هناك دنيا, وأنت منتمٍ لجامع, العبرة أن تصل إلى الله, والوصول له سهل جداً؛ يحتاج إلى إخلاص, وضبط شهوات, وضبط دخل, وضبط لسان, وضبط عين, لا تريد التعقيدات, الدين بسيط كالهواء, سهل جداً, الله عز وجل يريد من الشاب أو المؤمن أن يكون مستقيماً, ملتفتاً له, لكن يعطي كل شيء.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 5 ( التوحيد ).









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
على الإنسان أن يعبد الله فيما أقامه وفي الظرف الذي وضعه فيه :
قيل: "عشرة أشياء قبيحة, ومن عشرة أصناف من الناس أقبح؛ فالحرص على طلب الدنيا قبيح, ومن العلماء أقبح", لأن سيدنا علي يقول: "قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنياه؛ فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم, وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره, فقوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ منهم العالم المستعمل لعلمه, فإن لم يستعمل علمه, زهد الناس بالعلم, ونفرهم منه".
فالحرص على طلب الدنيا قبيح ومن العلماء أقبح, والكبر قبيح وفي الفقراء أقبح, - إنسان فقير ينبغي أن يكون متواضعاً؛ فقير ومتكبر ويرد الصاع صاعين!, لو إنسان أحب أن يقدم له شيئاً يتراجع فوراً-, والجور قبيح, ومن الأمراء أقبح, -الجور من إنسان قوي, ليس بحاجة لجور-.
هذا يدلنا أن الإنسان يجب أن يعبد الله فيما أقامه, وفي الظرف الذي وضعه فيه, وفي الوقت الذي أظله؛ فأقامك قوياً, أعظم صفة بالقوي أن ينصف الضعيف, أقامك غنياً, أعظم صفة بالغني أن ينفق المال, أقامك عالماً, أعظم صفة أن تعلم الناس العلم, هويتك هكذا, أقامك امرأة, أعظم صفة بالمرأة أن تحسن تبعل زوجها وأودلاها, هذا فيما أقامك, في الظرف الذي وضعك فيه.
عندك ضيف, أول عبادة إكرام الضيف, عندك مريض, أول عبادة معالجة المريض، في الزمن الذي أظلك -وقت الفجر وقت صلاة, يوم العيد يوم إفطار, ليس يوم صيام مثلاً, الساعة الثانية عشرة والنصف يوم الجمعة يجب أن تكون في المسجد, كل وقت له عبادة خاصة, والمؤمن يعبد الله فيما أقامه, وفيما وضعه, وفيما أظله-. المؤمن واضح يبتعد عن كل الصفات القبيحة :
لذلك: الجور قبيح, ومن الأمراء أقبح؛ -لأن الأمير عبادته الإنصاف، إنصاف الضعيف-, والكذب قبيح, وبين الأصدقاء أقبح, -شخص يكذب؛ على قوي, على ظالم خوفاً, الكذب حرام في كل الحالات؛ لكن متى يشتد؟ إذا كان بين من يثق بك وبين من يمحضك الود وتكذب عليه.
"كفى بها خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب".
وقلة الحياء قبيح, ومن ذوي الأحساب أقبح, - إنسان معروف من أسرة كريمة, تربى تربية سليمة, قليل الحياء!, لو أن قلة الحياء من عامة الناس, من دهماء الناس, إنسان سوقي, إنسان ليس معروفاً لا بأسرة, ولا بنسب, مقبول, أما إنسان قليل الحياء, وهو من نسب رفيع!! فهذا يتناقض مع نسبه-.
الشح قبيح, وفي الأغنياء أقبح, - إنسان حجمه المالي ثمانمئة أو تسعمئة مليون, عنده موظف, صار عنده خطأ أثناء العمل, احترق وجهه من الدرجة الثالثة, فأخذوه إسعافاً إلى مستشفى خاصة, كلفه الإسعاف ثلاثة آلاف وثمانمئة ليرة, يعمل درساً, قبيح, نحن ليس عندنا مصاريف عالية, خذه إلى مستشفى عامة, موظف عندك, وأثناء العمل أصيب بحرق من الدرجة الثالثة, وتتكلم و حجمك تسعمئة مليون, استكثرت ثلاثة آلاف على موظف عندك, يخدمك....!!.
أي أبشع من إنسان غني بخيل لا يوجد, فالشح قبيح, وفي الأغنياء أقبح, والضحك قبيح, ولكن من الحكماء أقبح, - أي الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده, الضحك كالملح في الطعام, إذا زاد عن حده, انقلب إلى ضده-, والغدر قبيح, ولكن من أهل الديانة أقبح".
الغدر فوق صفات المؤمنين, حتى الإيماء ليس من صفات الأنبياء.
إنسان النبي أمر بقتله, فقال له أحدهم: "لو أنك أومأت إلينا, قال: ما كان لنبي أن يومئ في غدر".
تغمز عليه! المؤمن واضح.
ورد حديث في الأثر: ((أحب ثلاثاً, وحبي لثلاث أشد؛ أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد,- شاب يغلي غلياناً, يغض بصره, من جامع إلى جامع-, أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد, وأبغض ثلاثاً, وبغضي لثلاث أشد؛ أبغض المتكبرين, وبغضي للفقير المتكبر أشد, أبغض البخلاء, وبغضي للغني البخيل أشد, أبغض العصاة, وبغضي للشيخ العاصي أشد))
التوحيد يجمع القلوب و يطمئن الإنسان :
سئل الجنيد -رحمه الله تعالى-: "أي شيء أحسن في كلام العبد؟ قال: الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين".
التوحيد يجمع القلوب, والتوحيد يطمئن الإنسان, والتوحيد يريح الإنسان إذا علم أن الأمر بيد الله, لو رأيت الأمر بغير يد الله, الإنسان وضعه صعب جداً؛ إنسان لئيم, قوي, معه سلاح.
الآن ما يجري في العالم اليوم, إذا لم تدخل التوحيد في فهمك للأمور, شيء لا يحتمل, جهة معها سلاح قوي جداً, أي نقطة في العالم مكشوفة بالأقمار الصناعية, مكشوفة بدقة؛ هنا معمل, هنا ثكنة, هنا مصفاة نفط, هنا بيت سكني.
والله! هناك أشياء سمعتها مرة: إنسان قدم لي مجلة أجنبية, فيها تحقيق عن تصوير بالأقمار الصناعية, أول رسمة: الأرض بكاملها من القمر, والشكل معروف, أي صارت الرسمة مطروقة, يوجد على أول رسمة مربع صغير, في أحد أطراف الأرض, هذا المربع كبرناه في الرسمة الثانية, فوجدنا أمريكا وقسم من المحيط الهادي, يوجد على المربع الصغير على الشكل الثاني أيضاً مربع صغير, كبرناه في الرسمة الثالثة, ظهرت فلوريدا وما حولها من بحار, يوجد على الرسمة الثالثة أيضاً مربع صغير, كبرناه, ظهر رصيف ميناء في فلوريدا, عليه مربع صغير كبرناه, ظهر رصيف ميناء وإلى جانبه مرج أخضر, ونقطة سوداء على هذا المرج, ضمن مربع صغير كبرناه, ظهر إنسان مستلق على ظهره, يقرأ قصة, وبيده ساعة, وإلى جانبه صحن فيه ثلاث تفاحات, هذا من الفضاء الخارجي.
فإذا كان من الممكن أن نصور إنساناً, يمكن لو دققت أعرف عنوان القصة من فوق. فإذا كان أي منطقة في العالم مغطاة بالأقمار الصناعية, نعرف رقم السيارة أحياناً, وأي مكان في العالم, لا تحتاج إلى شجاعة, تركب الطائرة, عليها شاشة رادار, وهناك محرك كمقود الدراجة, وهناك إشارة ضرب, مرسوم مثلاً معمل كبير, نضع الإشارة فوق المعمل, نضغط على الزر, يتفجر المعمل. فهم الأمور من دون توحيد يؤدي إلى الانتحار :
الإنسان إذا نسي التوحيد نسي أن الله بيده كل شيء, نسي أن الفاعل هو الله, وجد إنساناً أنانياً, خبيثاً, مادياً, لئيماً, قلبه كالصخر, لا يوجد عنده أي معنى من معاني الإنسانية, ومعه قوة مخيفة, فهم الأمور من دون توحيد يؤدي إلى الانتحار. فالتوحيد قضية سهلة جداً:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية:54]
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾
[سورة يونس الآية:24]
بالتوحيد تحل كل مشاكلنا, بالتوحيد ترتاح نفسك, لا يوجد عندك مشكلة, لا يوجد عندك قلق, أنا خلقني الله عز وجل, وأمري بيده فقط, لم يسلمني لغيره. الأقوياء عصي بيد الله :
كلمة أقولها لكم, -لا تأخذوها علي-: إذا سلمك لغيره لا يستحق أن تعبده, أصبح معك حجة: يا رب! أنت سلمتني لإنسان, أنا مضطر أن أعبده, حتى أتخلص من شره, إذا سلمك لغيره, لا يستحق أن تعبده. إنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية:123]
معاني التوحيد ولاسيما في هذه الأزمنة الصعبة نحن في أمس الحاجة إليها, ألا ترى مع الله أحداً؛ لا يوجد غير الله, بيده كل شيء, هؤلاء الأقوياء عصي بيد الله.
سألوا تيمورلنك: "من أنت؟ قال: أنا غضب الرب".
إذا غضب الله على جهة يسلط عليها أحد الأقوياء الذين معهم أشياء تافهة.
التوحيد نحن بحاجة ماسة إليه, لا تفهم شيئاً من دون توحيد, لا تنزل إلى وحل السياسة, التوحيد مريح, ابق مع الله, والأمر بيده: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الشورى الآية:12]
إذا كان: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
الصاروخ ليس داخلاً في الآية, إذا كان: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
طبعاً الصاروخ من باب أولى إذا الشيء مدمر.
أحياناً تسمع أشياء بعيدة عن التوحيد, هذا الصاروخ يدمر تدميراً مخيفاً.
هناك خطة جديدة: القنبلة لا تتفجر أثناء رميها، لو تفجرت لكان الملجأ في مأمن, هي خارقة, بعد ذلك تتفجر؛ خارقة حارقة, تنزل, تخرق مترين إسمنت مسلح, تصل لوسط الملجأ, تنفجر في الداخل, تميت تسعمئة شخص في آن واحد, هذا الذكاء البشري بقي في التدمير. من أدى الذي عليه لله نال السلامة و الحفظ و السعادة :
لذلك: بالتوحيد ترتاح: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية:123]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية:84]
في الأرض يا رب أنا عليّ أن أطيعك, فإذا أطعتك أديت الذي علي, بقي الذي لي؛ بقي لك عنده السلامة, بقي لك عنده أن يسعدك, وأن يسلمك, وأن يحفظك, وأن يكرمك, استقيموا. أحسن شيء في كلام العبد الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين :
الإنسان يتابع الأخبار؛ لكن لا يوجد عنده شيء مدمر, لا يوجد عنده شيء ساحق, المشرك شركاً خفياً يسمع أموراً معزوة إلى البشر اللؤماء, يتحطم, يقول لك: بركت, لم أعد أستطع الوقوف, أما المؤمن فيرى أن الأمر بيد الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾
[سورة آل عمران الآية:146]
معنوياته عالية, بسبب التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
سئل الجنيد -رحمه الله تعالى-:"أي شيء أحسن في كلام العبد, قال: الدعوة إلى الله بلسان التوحيد لجميع العالمين, ونشر آلاء الله في مجالس الذاكرين, وغلبة الثناء عليه عند أهل المحبة من خصوص الخائفين, وتفريج كرب المكروبين, الذين في قلوبهم موضع نظر رب العالمين".
ابن عباس يقول: "علماء هذه الأمة: رجلان؛ رجل أعطاه الله تعالى علماً, فبذله للناس, ولم يأخذ عليه, طمعاً بما عند الله, ولم يشتر به ثمناً قليلاً؛ فذلك يصلي عليه طير السماء, وحيتان الماء, ودواب الأرض, والكرام الكاتبون-أي: أجمل شيء أن تبذل العلم الديني في سبيل الله, ألا تأخذ عليه أجراً- يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيداً شريفاً, حتى يوافق المرسلين, ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباده".
أحياناً يلفت نظري في الكتب, حق النشر لكل مسلم ألّف كتاباً, ولك حق النشر لكل مسلم, مسموح لكل إنسان أن يأخذ هذا النص, وأن يطبعه من دون أن يرجع للمؤلف, علم شرعي؛ من برنامج عن الحديث الشريف, تقريباً هناك ألف كتاب يُوزَّع مجاناً, من دون أن يكون هناك حماية, وأساليب.
العلم الديني إذا بذل بلا ثمن, شيء رائع جداً, "ورجل آتاه الله علماً في الدنيا, فضن به على عباده".





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 6 ( علماء الدنيا وعلماء الآخرة - بين الصمت والكلام ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الوحش هو الإنسان البعيد عن الله عز وجل :
هذا الإنسان إذا لم يعرف الله وحش, الوحش أرحم منه, الوحش يفترس, يشبع, يرتاح, لم يعد يقترب من أحد, أما هذا الإنسان فوحش؛ يتعطش إلى الدماء, وإلى القتل.
والله الإنسان أحياناً يخجل أن ينتمي إلى الجنس البشري؛ إن هذا العصر عصر علم, إنه عصر حضارة, إنه عصر قيم, إنه عصر حقوق الإنسان, المجرم له معاملة خاصة, هناك اتفاقيات للمجرمين فكيف إن كان الإنسان ليس له أي ذنب لكن فقط لأنه مسلم!؟ أي هناك أشياء تفوق حدّ الخيال.
هذا الإنسان إذا كان بعيداً عن الله فهو وحش, بأي مكان في العالم إذا كان الإنسان مقطوعاً عن الله فهو وحش، فتعليقي كان: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
المسلم شيء كبير, المسلم يوجد في قلبه رحمة لعدوه, لألد الأعداء, لا يوجد عنده إمكانية أن يعذب إنساناً, لا يتحمل أساساً- ليست قضية تصنع- أن يعذب مخلوقاً.
النبي رأى شخصاً يذبح شاة أمام أختها, غضب, قال له: ((أتريد أن تميتها مرتين؟ هلا حجبتها عن أختها؟ قال: إذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس]
هذا توجيه النبي صلى الله عليه و سلم. على الإنسان ألا يرضى لقلبه إلا بأنظف العلوم :
قال حاتم الأصم: "لا تجلس إلى كل عالم, ولا تستمع من كل متكلم, واعلم أن لجسدك قوتاً, ولقلبك قوتاً, وقد أمرت بطلب القوتين معاً, -تريد طعاماً, تريد علماً-, فكما أنك لا ترضى بجسدك إلا بالطيب من الأقوال, -كل شخص منا لا يتناول طعاماً فاسداً, رائحته كريهة, أو هذه بضاعة من الدرجة العاشرة ليست جيدة, إذاً لماذا أنت لا ترضى غير طعام طيب, وترضى بعلم غير طيب؟-, فكما أنك لا ترضى إلا بالطيب من الأقوال, فكذلك لا ترضى لقلبك إلا أنظف العلوم, وكما أن لك في قوت يومك حلالاً تحاسب عليه, وحراماً تعذب به, وشبهة تعاتب عليها, كذلك في قوت قلبك مثله, فتدبر".
هل هناك درس ليس فيه حق؟! هناك دروس فيها سحبات وخرافات و كلام له مصالح, يمكن أن يأتي بآية يفسرها لمصلحة, يأتي بحديث لمصلحة, يركز على آيات معينة, يغفل آيات معينة, هنا أصبح هناك مصالح.
النبي عليه الصلاة و السلام لما مات ابنه إبراهيم, الصحابة من شدة محبتهم له, والشمس كسفت, توهموا أن كسوف الشمس لموت ابنه إبراهيم –الآن: أي إنسان إذا كان هناك عمل يرفع شأنه, يبقى صامتاً, جيد- النبي قال: "إن الشمس والقمر آيتان, لا ينبغي أن تنكسفا لموت أحد من خلقه".
انظر إلى الطرح العلمي، مستحيل أن يقبلها النبي, هذه أمانة.
إذا شخص أوهمك, تقول: ما شاء الله! على هذه الكرامات, يقول لك: الشيخ يعرف المريد, هذا كلام فيه شطحات, الشيخ عبد لله.
النبي عليه الصلاة و السلام لا يعلم إلا أن يُعلم, جاءه وفد, وطلب منه قرَّاء, والقراء قتلوا جميعاً, لماذا لم يعرف النبي؟ الله عز وجل أرسل له الوحي لمئة قضية صغيرة جداً, هنا لم يبعث الوحي؛ ليعلمنا أن النبي لا يعلم إلا أن يُعلمه الله, لا يعلم إلا أن يُعلم, فمن أنت؟ لا تعلم. كثرة الكلام تدل على قلة صدق الرجل :
قال: "وإن من علامة عالم الآخرة ألا يكون محباً للدنيا, ولا جريئاً على الفتيا, ولا ذا شهوة في كثرة الكلام".
الجرأة على الفتيا، أنا أستغرب, رأساً يقول له: حلال, هذه قضية ربوية, حلال, لا يوجد فيها شيء, ضعها في رقبتي, الذي عنده جرأة على الفتيا, هذه علامة غير طيبة, والجبان في الفتيا علامة طيبة.
قال: "إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت".
الكلام شهوة.
قال الحسن البصري: "يُستدل على قلة صدق الرجل بكثرة كلامه".
وقيل: "الصمت زينٌ للعالم, وستر للجاهل, وكثرة الكلام تفضح الجاهل, وتُذهب بهاء العالم, - إنسان جاهل, وجد كل الدعاة يتحدثون بالعلم, فقال في نفسه: وأنا أيضاً أريد أن أدلي بدلوي, فقال: صعدوا إلى الشمس يا بني! -هم صعدوا إلى القمر-, قال لهم: صعدوا إلى الشمس, عنده تلميذ فهيم, قال له: يا سيدي, لسان الشمس طوله مليون كيلو متر, فكر, قال له: صعدوا في الليل، فالكلام يفضح الجاهل, ويُذهب بهاء العالم, وكان التورع عن جواب المسائل, والسكوت عن كثير من العلوم طلباً للسلامة, معروف في الصحابة, وخيار التابعين, وصالح السلامة لا يحتاج إلى وجاهة, ولا يحتاج إلى قضاء".
الإمام أبو حنيفة ضُرب مئة جلدة, لأنه رفض القضاء.
قال له: يا بني! دفعوا لي ثلاثمئة ألف, وأعلم أن البيت لك, لكن إن كان دفعتهم أحكم لك, دبر حالك, هذا قاض من نوع آخر.
القاضي النزيه طُرق بابه, قدم له طبق من الرطب, فقال له الغلام: "هذا الطبق قدم إليك, قال له: ممن؟ قال له: من رجل في الباب, قال له: صفه لي, وصفه فإذا أحد خصومه في المحكمة, قال له: ردَّه, فرده, في اليوم الثاني حكم, وفي اليوم الثالث طلب إعفائه من القضاء, فقال له الخليفة: لماذا؟ قال له: والله! قدم لي طبق من الرطب, في اليوم الثالث تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم لي هذا الطبق, مع أني لم آخذه, فكيف لو أخذته؟ قال: من أفتى الناس في كل ما يشتهونه, فهو مجنون".
وقال أبو محمد: "العالم هو الذي يقعد فيسكت, ويرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه, ويسأله أن يلهمه الصواب, وأي شيء سئل عنه يتكلم فيه بما فتح له مولاه".
وكان أنس بن مالك إذا سئل عن شيء يقول: "سلوا مولانا الحسن, فإنه حفظ ونسينا". بطولة الإنسان أن يعطي الفتوى بشكل صحيح مع الدليل :
الآن هناك عالم معاصر, يقول لك: غير فهيم, اشتهيت أن أسمع مدحاً من إنسان لإنسان، أبداً, حتى بين الأطباء, يكون هناك مريض عند طبيب يأتي إلى طبيب ثان: من وصف لك هذه الوصفة؟, يقلب خلقته, كأنه جاهل, تجد كل شخص يبني مجده على أنقاض الآخرين, هذا سلوك أهل الدنيا, هذه عداوة الكار.
أما ماذا قال له: "سلوا مولانا, فإنه حفظ ونسينا".
انظر: كيف العالم يحترم زميله و يقدره.
وجاء في الأثر: "كانت المسالة من العلم, يُسأل عنها الرجل من الصحابة, فيردها إلى الآخر, ويردها إلى الآخر, حتى ترجع إلى الذي سئل عنها".
لا تقولوا حرام ببساطة, التحريم سهل أينما كان, البطولة أن تعطي الفتوى الصحيحة مع الدليل, أما إذا كان الإنسان ضعيفاً فيقول لك: حرام, حرام, حرام, وقفت الحياة؛ لأن كل شيء عنده حرام, تريد أن تعطي فتوى مع دليل بجرأة.
قال: سيدنا عمر إذا سئل عن مسألة, جمع الصحابة, فبدأ بأهل بدر, ثم المهاجرين, ثم الأنصار, فإذا لم يجد جواباً عندهم, التفت إلى ابن عباس, وقال له: "غُص يا غوَّاص, -غص في النصوص-, واستنبط الحكم, -أي استنبط من القرآن-, ثم إلى ابن مسعود ثلاثين يوماً, - هناك مسألة ابن مسعود سئل ثلاثين يوماً فلم يجيبهم عن ذلك-, ثم قال بعد ثلاثين أجيب بها في رأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله, وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان من هذا".
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((مَنْ كَانَ يؤمِنُ بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو لِيَصْمُت))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة]
وكان رجل يقول لأبي بكر الصديق: "إذا كان العلم عند من لا يعمل به, والسلاح عند من لا يقاتل به, والمال عند من لا ينفقه, والرأي عند من لا يقبل منه, ضاعت الأمور". الإنسان لا يقطف الثمار إلا بالتطبيق :
أيها الأخوة, مرة ثانية تعقيب على ما بدأت: نحن لا يوجد عندنا طبقة رجال علم في الدين الإسلامي؛ كل شخص منا يكون طالب علم, وأديباً مع الله, ومطبقاً لما يعلم, كل شخص منا يجب أن يكون ولياً لله, يطلب العلم, ويطبقه.
وبصراحة بالمثل العامي: "علم قليل تطبقه أفضل مليون مرة من علم غزير غير مطبق".
علم قليل؛ عشر آيات احفظهم, وطبقهم, أفضل من أن تكون أكبر جامع للقرآن الكريم, عشر قراءات, لكن غير مطبق شيئاً, عشر آيات مطبقة أفضل مليون مرة من كتاب بأكمله غير مطبق.
والإنسان لا يقطف الثمار إلا بالتطبيق, وأعظم إنسان هو إنسان قلبه عامر بذكر الله, موصول, هناك خط مع الله سالك, مفتوح, الذي له خط مع الله هذا من أسعد الناس, من دون ضجيج, ولتكن ما تكن؛ كن من الدرجة العاشرة, كن من المغمورين.
هؤلاء الأتقياء الأخفياء إذا وجدوا لم يعرفوا, وإذا غابوا لم يفتقدوا.
إذا كان موجوداً لا تعرفه, وإذا لم يأت بشهر لا أحد يسأل عنه إطلاقاً, لأنه ليس مشهوراً.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : طلب العلم 7 ( كما يطلب العلم يطلب الحلم ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
تزكية النفس ثمن جنة الله عز وجل :
أيها الأخوة: كما يُطلب العلم على أهله يُطلب الحلم على أهله.
الإنسان يطلب العلم, ويطلب الحلم؛ أي: لا بد لهذه النفس أن تُزكيها, وتزكيتها ثمن جنة ربها؛ فقد تعلم ولا تكون حليماً, لا تكون ذا حال ترقى بك إلى الله عز وجل.
فالأحنف بن قيس قال: "كنت أطلب العلم عند مالك بن أنس, وأطلب الحلم عند قيس ابن عاصم, ولقد حضرت يوماً عنده, فإذا بجماعة منهم مقتول ومكتوف, فوقفوا بين يدي, وقالوا: هذا ابنك, قتله ابن أخيك -مكتوف ومقتول-, فو الله ما حل حبوته حتى قال لابن له: قم؛ فحلَّ وثاق ابن عمك, ووار أخاك, وسق مئة من الإبل إلى أمه, فإنها غريبة, ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: قتلت قرابتك, وأفرحت عدوك, وأذهبت عزك, وقطعت رحمك, فلا أبعد الله غيرك".
كتعليق على هذه القصة أو على مضمون هذا الدرس: الله عز وجل قال:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[سورة الشمس الآية: -109]
تزكية النفس هي ثمن جنة الله عز وجل, في النهاية, المحصلة: الخلق الكريم هو الذي يؤهلك للجنة. الخلق الحسن ثمنه الجنة :
قد نستنبط من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان قد يكون ديِّناً, لكن أخلاقه غير جيدة؛ يصلي, يصوم, يؤدي ما عليه, لكن فظ, قاس, عنده غلظة: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه, فزوجوه))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]
فأنت كما أنك تطلب العلم, يجب أن تزكي نفسك, وكاد الحليم أن يكون نبياً, والحلم سيد الأخلاق. أي غير مقبول أن تكون طالب علم ولك نفس خشنة, الكلام فيه قسوة, الحديث فيه كبر, هذا يتناقض مع أهل الإيمان.
أكثر من ستة أحاديث صحيحة تؤكد أن أعظم شيء في الدين حسن الخلق, والذي له حسن خلق يسبق من أمضى وقته كله في العبادات, لأن الخلق الحسن ثمنه الجنة؛ فكما أن العلم يطلب من أهله, كذلك ينبغي أن تطلب تزكية النفس من أهلها.
ويقول: " لقد كان فيما مضى مجالس للمتقدمين, يجتمعون عليها, قد اندرست, فكان للصالحين في علم اليقين مقامات, يتذكرها أهلها, ويطلبون أربابها, وقد عفت لقلة الطالبين, وعدم الراغبين بها, وذهاب السالكين طرقها؛ منها طلب علم الحلال, والفرق بين شبه الحلال وشبه الحرام، شبه الحلال: الشيء يغلب عليه الحلال لكن فيه شبهة حرام, أما شبه الحرام فيغلب عليه الحرام, لكن فيه شبهة حلال". الجهل أعدى أعداء الإنسان والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به :
لذلك:
(( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس))
[متفق عليه عن النعمان بن البشير]
طبعاً شرب الخمر بديهي, يعرفه كل مسلم؛ القتل حرام, الزنا حرام, أن تتزوج هذا شيء حلال, وأن تشتري بيتاً تسكنه هذا حلال؛ لكن بين هذين الشيئين, الواضحيين, البينين, آلاف بل عشرات الآلاف من الأشياء يغلب عليها الحلال وفيها حرمة, أو يغلب عليها الحرام وفيها بعض الحلال, لا بد من طلب العلم، "إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون علمكم".
المشكلة في النهاية أزمة علم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية:10]
فأنت مهيأ أن تكون مؤمناً كبيراً, وأن تكون من أهل الجنة, لكن العقبة الكأداء الجهل؛ لذلك: الجهل أعدى أعداء الإنسان, والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
فهناك من يطلب علم الحلال والحرام, والفرق بين شبه الحلال وشبه الحرام, وهناك علم الورع في المحاسبات والمعاملات, وهناك علم الإخلاص, وعلم آفات النفوس, وعلم فساد الأعمال, وعلم نفاق العمل ونفاق القول, والفرق بين نفاق القلب, ونفاق النفس, ونفاق الروح, ونفاق العقل, وعلم إخفاء النفس شهوتها, وعلم الفرق بين سكون القلب بالله وسكون النفس بالأسباب. الفرق الكبير بين سكون القلب بالتوكل على الله و سكونه بامتلاك الأسباب :
أحياناً الإنسان يتوكل على الله يرتاح, وهناك إنسان معه عملات من كل الأنواع, أينما سافر له حسابات, يشعر براحة. فرق كبير بين أن تسكن إلى الأسباب, وبين أن تتوكل على الله.
أحياناً الشخص تلتبس عليه الأمور، حينما تأخذ بالأسباب, تتوهم أنها تكفي, وأنها تحميك من كل آفة.
شخص من الأغنياء, في جلسة من الجلسات أخطأ, قال: كل شيء يحل بالمال, والدراهم مراهم, وقع بورطة, اضطر أن يبقى ثلاثة وستين يوماً في المنفردة, وكل يوم تأتيه خواطر: أين مالك؟
الإنسان أحياناً يرتاح إذا أخذ بالأسباب, أو معه مال, أو مركزه قوي, وأحياناً الإنسان يرتاح إذا كان متوكلاً على الله.
فرق كبير بين أن يسكن القلب بالتوكل على الله, وبين أن يسكن القلب بامتلاك الأسباب, لأن ربنا لما يؤدب إنساناً لو معه كل الأسباب:
(( إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))
[ رواه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس]
والفرق بين سكون القلب بالله عز وجل, وسكون النفس بالأسباب, وعلم خواطر النفس, وخواطر الروح, وخواطر اليقين, ولمة الشيطان, ولمة الملك, وغير ذلك.
كشرح لمة الشيطان: ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام الزيدي, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إنَّ للشَّيْطانِ لَمَّة بابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّة؛ فأَمَّا لَمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحق، وأمَّا لَمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخَير وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك، فلْيعْلَم أنَّه من الله))
[أخرجه الترمذي عن ابن مسعود]
من كان منضبطاً بمنهج الله كان الطريق أمامه سالكاً إلى الله :
الحقيقة يمكن أن تطلب العلم الشرعي, أما علم أحوال القلب وأحوال النفس فهذا شيء مهم جداً, هذا هو سبب سعادتك؛ فكلما كنت على منهج الله منضبطاً كلما كان الطريق إلى الله سالكاً, وكلما كان الطريق إلى الله سالكاً كلما كانت التزكية أعلى, التزكية تشعر بالقرب من الله, تشعر بالافتقار إلى الله, دائماً تعتمد لا على مالك بل على الله عز وجل, كن بما في يدي الله أوثق منك في يديك.
وأما أهل العلم فقد اختلفوا في معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ]
بعضهم قال: قال بعض علماء الشام: "إنما عُني به طلب علم الإخلاص, ومعرفة آفات النفوس, -لأنه: إنما الأعمال بالنيات, لو كان لك عمل كالجبال, ولا يوجد إخلاص جعلناه هباء منثوراً". الإخلاص أخطر شيء في الدين :
أخطر شيء في الدين الإخلاص, لو كان لك عمل كالجبال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:23]
حديث الآن -لا أذكره مرة شرحته في درس طويل-: إنسان قد يأتي وله أعمال كالجبال, فيجعلها الله هباء منثوراً, فقيل: ((يا رسول الله! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ– يصلون ويصومون-, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[أخرجه ابن ماجه ثوبان بن بجدد]
أي مظهره رائع جداً, انتزع إعجاب الناس, أما إذا خلا مع نفسه فينتهك حرمات الله, فكل عمله الظاهر لا قيمة له, عمله للناس, معنى هذا أن علم الإخلاص مهم جداً.
قال: "هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص, إنما عني به طلب علم الإخلاص, ومعرفة آفات النفوس, ووسواسها, ومعرفة مكائد الشيطان وغروره, وما يُصلح الأعمال, وما يفسدها".
طبعاً في البدايات تصلي, تتحرى الحلال, لكن إن أردت أن ترقى إلى أعلى من ذلك, يجب أن تعلم ما الذي يفسد العمل؟ الكبر أحياناً يفسد العمل, أحياناً الزهو بما أنت فيه يفسد العمل. العلوم الأساسية التي ينبغي على الإنسان أن يطلبها :
وقال بعض علماء البصرة: "طلب علم القلب, ومعرفة الخواطر, وتفصيلها, وبماذا يُدفع خاطر العدو, وهذه فريضة – أيضاً- يحتاج فيها صاحبها إلى أن يفرق بين وسوسة النفس, وعلم اليقين, وقوادح العقل, وهذا مذهب مالك بن دينار".
علماء قالوا: "علم الإخلاص", وعلماء قالوا: "علم القلب".
سيدنا عمر يقول: "تعاهد قلبك".
لو فيه كبر, الكبر يفسد العمل: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))
[رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وقال بعض السلف: "معناها: طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد, وأصول الأمر والنهي, والفرق بين الحلال والحرام".
بعضهم قال: "الأساسيات علم التوحيد, صحة العقيدة, والحلال والحرام".
هذا مذهب ثالث, أو اتجاه ثالث.
وقال إبراهيم بن أدهم: "معناه: طلب علم الحلال إذ قد أمر الله به".
أي طلب العلم فريضة, هذه كلمة عامة: إذا إنسان أخذ لسانس في الفنون الجميلة مثلاً, دخل في الحديث فرضاً, يمكن أن تدرس في المعهد الموسيقي, معك شهادة من المعهد الموسيقي, أخي, أنا طالب علم؟ أي طالب علم هذا!!
العلم المقصود به: "أول رأي: علم الإخلاص, الرأي الثاني: علم أحوال القلب, الرأي الثالث: طلب الحلال والحرام, الرأي الرابع: طلب علم ما لم يسع جهله, طلب علم الحلال إذ قد أمر الله به".
وقال بعض فقهاء الكوفة: "معناه: طلب علم البيع والشراء, والنكاح والطلاق".
أي في البيت متزوج, وفي النهار له عمل, هناك بيع, وهناك شراء, فإذا كان في عمله وفق منهج الله, وفي بيته وفق منهج الله, معناها هذا رأي آخر.
وقال بعض المتقدمين, ومنهم ابن المبارك: "معناه: أن يكون الرجل في منزله, فيريد أن يعمل شيئاً من أمر الدين, أو تخطر له مسألة لله سبحانه وتعالى, إذا كانت القضية لله وفعلها لغير الله فليتركها".
أي يراقب مقصوده من كل شيء.
يقول مؤلف الكتاب:"والذي عنده: أنه طلب علم الفرائض الخمس, التي بني الإسلام عليها, من حيث لم يُفترض على المسلمين غيرها, وعلم التوحيد داخل في هذا الطلب, لأنه من قول لا إله إلا الله".
طبعاً الفرائض الخمس, وفيها علم التوحيد. من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم :
قال ذو النون المصري: "سافرت ثلاث سفرات؛ فأول سفرة جئت بعلوم يفهمها العام والخاص, وفي السفرة الثانية جئت بعلوم يفهمها الخاص ولا يفقهها العام".
لأنه من عمل بما علم, أورثه الله علم ما لا يعلم؛ أي هناك علم بسيط, وعلم أرقى؛ أن تعرف الله, أن تعرف أسماءه الحسنى, وصفاته الفضلى.
نحن في عصر الفتن يقظى, والدنيا تجذب الناس إليها, وتأخذهم إليها, فلا بد من علم يكافئ هذه الشهوات, وهذه الفتن, حتى يبقى الإنسان مع الله عز وجل.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : التوحيد والتفريد 1 ( من صفات الله عز وجل ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله فإن كان لغير الله فقد احتقر نفسه :
هناك سبع آيات من الذكر الحكيم في التوحيد والتفريد؛ التوحيد معروف أن توحد الله, والتفريد: أن تنقطع له معرفة وإقبالاً.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة البقرة الآية:163]
الإمام أبو سعيد النيسابوري يقول: "معبودكم الذي يستحق العبادة, ويستحق الطاعة واحد".
أي الكون جهة واحدة هي الله؛ تستحق أن تعبده, وأن تفني عمرك من أجله, وأن تهب له وقتك, ومالك, وقدراتك, وحبك, وإخلاصك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:162]
ولا يليق بك أن تكون لغيره, وإذا كنت لغيره فقد احتقرت نفسك.
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله, فإذا كان لغير الله فقد احتقر نفسه, لا تكن محسوباً على جهة في الأرض, كن محسوباً على الله.
أحد علماء مصر -توفي رحمه الله-, كان يجري عملية جراحية في لندن, وجاءت رسائل بعدد غير معقول, واتصالات, تطمئن عن صحته, فسأله صحفي: ما هذه المكانة الكبيرة التي تتمتع بها؟ اعتذر عن أن يجيب, ثم اعتذر, فلما ضُيِّق عليه, قال: لأنني محسوب على الله.
لا تكن محسوباً على جهة أرضية؛ أية جهة أرضية مهما علا شأنها, لا تستحق أن تكون محسوباً عليه, لأن أهل الأرض لو اجتمعوا لا ينفعونك: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية:188]
وهو سيد الخلق: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾
[سورة الأعراف الآية:188]
السلامة والسعادة غاية كل إنسان :
لذلك: التوحيد ألا ترى مع الله أحداً, التوحيد ألا تتوكل إلا على الله؛ هو الواحد القهار, الفرد الصمد, الرافع الخافض, المعز المذل, المعطي المانع, القابض الباسط؛ حينما توحد ترتاح نفسك, حينما توحد علاقتك مع واحد, وهو سميع بصير, قريب مجيب, حينما تقيم علاقة خالصة, طيبة, بينك وبين الله فقد سرت في طريق الإيمان.
الإسلام كأي شيء آخر, فيه نشاطات كثيرة جداً, إن لم تتصل بالله, كل هذه النشاطات لا تغني ولا تسمن من جوع.
في التجارة كلمة واحدة هي الربح, إن لم يكن هناك ربح؛ و كان هناك مكتب ضخم, ومندوب مبيعات, واسم رنان, وإعلانات في الصحف, كله كلام فارغ إذا لم تربح, أساس التجارة كلمة واحدة: أن تربح, وأساس الدين كله كلمة واحدة: أن تتصل بالله, والاتصال بالله يحتاج إلى طاعة, وإلى عمل صالح, بالطاعة تسلم, وبالعمل الصالح تسعد.
أخوان كثر يشكون لي: صلاتنا لا يوجد فيها حرارة, الجواب: صحيح؛ أنت تغض بصرك, وصادق, وأمين, وما تكذب, وما تغش, وما تغتاب, وما تسرق, أكمل كل شيء قبله يوجد (ما), أي هل هناك استقامة؟ بالاستقامة تسلم لكنك لا تسعد, لكن بالعمل الصالح تسعد, العمل الصالح فيه عطاء, فيه بذل؛ بذل من مالك, من وقتك, من جهدك, من طاقاتك, من إمكاناتك, من وقتك, عندما تبذل تسعد, وحينما تلتزم تسلم, والسلامة والسعادة غاية كل إنسان كائناً من كان على وجه الأرض, غاية خمسة آلاف مليون إنسان, أن تسلم, وأن تسعد بمنهج الله, تسلم بتطبيق تعليمات الصانع, وتسعد بخدمة الخلق.
عدم فزع المؤمن عند الموت لأنه في كل حياته يعمل لله :
حي لا يموت, شخص جلس على قبر يبكي, مرّ به رجل قال له: "علام تبكي؟ قال له: على محبوبي, قال له: لقد أخطأت, لقد أحببت محبوباً يموت, فلو أحببت من لا يموت, لا تبكي".
سبحان الله! الموت مصيبة كبيرة جداً, لا يوجد إنسان عند الموت إلا يفزع إلا المؤمن, لأن كل حياته يعمل لله, فإذا جاءه الموت, فهو عرس له, غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه, لا يوجد مؤمن إيمانه كبير وجاءه الموت إلا وهو مستبشر:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:158]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:32]
حي لا يموت, قيوم لا ينام, أي إنسان لو اعتمدت عليه, في لحظة حرجة قد لا تجده, مثلاً أعطاك رقم هاتفه, أنت نقلته خطأ, زادت عليك مشكلة, أنت في موقف حرج, الهاتف لم يجاوبك, أما إذا كنت مع الله فلا يحتاج إلى تلفون, ولا خلوي, ولا فاكس, ولا يحتاج إلى شيء, الله معك؛ حاضر ناضر, سميع مجيب, قيوم, فرد صمد, هنيئاً لمن كان اعتماده على الله, هنيئاً لمن كان إقباله على الله. كل إنسان مفتقر في وجوده إلى الله عز وجل :
إذاً: حي لا يموت, قيوم لا ينام, صمد لا يأكل, الله عز وجل وصف الأنبياء وصفاً, قال:
﴿إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
[ سور الفرقان الآية: 20 ]
الأنبياء قمم البشر, خلاصة البشر، هؤلاء بشريتهم تعني أنهم مفتقرون في وجودهم إلى أن يأكلوا.
في رمضان, في أيام الصيف الحارة, تجد شخصاً محترماً جداً, يحتل منصباً رفيعاً, له مكانة, أول يوم في رمضان, وإذا كان شهر آب, بعد الساعة الثانية عشرة, تجد كل خواطره؛ كأس عرق سوس, كأس ماء, أين عظمة الإنسان؟ على كاس ماء، أي النعم مألوفة.
حدثني أخ, كان في لبنان بقوات الردع, قال: نأكل الطعام وما يزيد منه نضعه في الحاوية؛ خبز, أكل, بقايا طبخ, جاءت سنة الثلج فيها كان خمسة أمتار, انقطعوا عن العالم الخارجي, تجد رتباً على الحاوية, يريدون أن يأكلوا, فتشوا في الحاوية, طبعاً الأكل, مع البول, ومع النجس, يريدون أن يأكلوا. فالإنسان عندما يمنع عنه الطعام يختل توازنه كله.
فنحن, الحمد لله إذا الإنسان وجد قوت يومه, وبقي في بيته، فهذه من النعم الكبرى. الرابح الأول من أفنى وقته في طاعة الله و بذل جهده في مرضاته :
انظر الإنسان أحياناً عندما يرى المشردين, كل دعاء له نكهة, عندما ترى المشردين, تقول: "اللهم آمنا في أوطاننا".
إنسان يسكن في بيت؛ له سرير, غرفة نوم, حمام, مطبخ, غرفة ضيوف, أما ضع أسرة في طريق درعا, أين تقضي حاجتها؟ كيف تريد أن تأكل إذا كان البرد شديداً و هناك ورياح وثلوج وأمطار وأطفال صغار؟ فلذلك الإنسان يفتقر إلى الله في كل شيء.
قال لها: ((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإنها قلما انكشفت عن أهل بيت فكانت تعود فيهم))
[ الزهري عن عائشة]
حي قيوم، لا يموت, لا ينام, صمد لا يأكل, قائم لا يلهو, قوي لا يغلب, عزيز لا يدركه أحد, باق إلى غير أمد, ليس كمثله شيء, ولا لكلامه كلام, ولا ككلامه كلام في الإحكام والبيان, لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
مهما بالغت في معرفة الله, مهما أفنيت وقتك في طاعته, مهما بذلت جهداً في كسب مرضاته, أنت الرابح الأول, بيده كل شيء. الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولكن البصائر تراه :
الحقيقة: أعظم شيء أن يغادر الإنسان الدنيا والله راض عنه, هذه ساعة المغادرة، لابد من أن يدرك كل إنسان ساعة المغادرة, الإنسان الذي له عمل طيب يكون من أسعد الناس.
قيل لأحد الصحابة: "بم عرفت ربك؟ قال: بما عرفني به نفسه, لا تشبهه صورة, ولا يُدرك بالحواس, ولا يُقاس بالناس, قريب في بعده, بعيد في قربه, فوق كل شيء, لا يقال تحته شيء, لا يقال فوقه شيء, لا يقال أمامه شيء-أمام كل شيء- لا يقال وراءه شيء- وراء كل شيء- علم بما كان, وبما يكون, وبما سيكون, وبما لم يكن لو كان كيف كان يكون"، هذا هو الله عز وجل.
أعرابي جاء إلى سيدنا جعفر الصادق قال له: "هل رأيت ربك؟ قال: ما كنت لأعبد رباً لم أره, قال الأعرابي: كيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان, ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان", أي إذا دخلت إلى بيت أنيق جداً, ولم تر صاحب البيت, ألا تحكم عليه من بيته؟ من هندسة بيته؟ من تزييناته؟ من نظافة البيت؟ تستنبط عشرات الصفات وأنت لم ترَ صاحب البيت, رأيت صاحب البيت بعقلك, ولم تره بعينك. فالله عز وجل ذاته العلية, لا تدركه الأبصار, ولكن البصائر تراه.
والله الذي لا إله إلا هو, المؤمن الصادق يرى الله في كل شيء, حتى لو سمع الأخبار؛ يفهم الأخبار فهماً توحيدياً, إيمانه قوي, لا تخونه نفسه, لا يتزعزع, وقد تكون الأخبار مؤلمة جداً, وقد تكون الأخبار فيها هجمة شرسة, لكنه يرى يد الله تعمل في الخفاء, لا يرى مع الله أحداً, لا يرى إلا الله, لكن لحكمة بالغة لا يعترض على حكم الله, لا يرى أن في الكون إرادة مع إرادته, ولا قدرة مع قدرته, ولا جهة مستقلة عنه في الأمر والنهي, ليس إلا الله. الله تعالى ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن الأمر كله بيده :
التوحيد مريح يا أخوان, ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى التوحيد, إذا الإنسان نظر إلى الأقوياء, ونسي الله, وقع في همٍّ ما بعده هم, أي شيء يدعو إلى الموت؛ قوي, لئيم, جبار, متكبر, قلبه من صخر, بيده سلاح فتاك, ولا يرحم, ولا يقيم قيمة لأي إنسانية إطلاقاً, هذا ما نشاهده, ونسمعه كل يوم, أما التوحيد فمريح, ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[سورة هود الآية:123]
هذا القرآن كلام خالق الأكوان؛ بالتوحيد تفهم كل شيء, وترتاح نفسك, تفسر كل شيء, لا يوجد مع التوحيد قهر, مع الشرك هناك قهر, الإنسان إذا أشرك يشعر بالقهر, مقهور, يقول لك: مسحوقون, كلمة مسحوقين, مقهورين، كله كلام شرك, أما المؤمن فلا يرى مع الله أحداً, له إله خلقه, وأمره بيده, ولو أن الله أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده, لو أسلمك إلى غيره, معك حجة، يا رب أنت سلمت أمري لزيد أو عبيد, وإذا لم أرضه يفرمني, سأعبده, ماذا أفعل؟ أما إذا أنت أيقنت أن الأمر بيد الله وحده: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة هود الآية:26]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
وقد تكتشف أحياناً عدالته, أحياناً تجد أمة طغت واعتدت, تجد أمة أظلم منها تسحقها سحقاً، فالظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه. بالتوحيد يرى الإنسان أن يد الله عز وجل تعمل وحدها :
أحياناً الله عز وجل في الدنيا يعاقب بعض المسيئين, لا كل المسيئين, ردعاً للبقية, ويكافىء بعض المحسنين, لا كل المحسنين, تشجيعاً للبقية, كل ظالم ناله بطش الله؟ لا؛ لكن أحياناً يختار ظالماً- لحكمة أرادها- يبطش فيه عن طريق ظالم أظلم منه.
أي هناك حكمة إلهية عجيبة جداً، بالتوحيد ترى يد الله عز وجل تعمل وحدها, وتقرأ الآية الكريمة:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
طبعاً الآية ضمن سياقها لها معنى، لما أصحاب النبي الكريم بايعوا النبي, ووضعوا يدهم في يده، قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية:10]
مباركة, وإكراماً, وعلماً. كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع :
الآن: انزع الكلمتين لوحدهم, قانون ثان؛ أي جهة قوية تدّعي أنها قوية, الله فوقها, لا يسمح لها بتنفيذ خطتها إلا بموافقة خطتها مع خطته, تجد كافراً أعطى أمراً, وغزا دولة مثلاً معهم أسلحة طيران, وحاملات طيران, وأشعة الليزر, و شيخ, هذه كيف أصبحت!؟
لا يسمح لقوي أن يتحرك إلا بإذنه, إن كانت خطة القوي ضمن خطة الله عز وجل يسمح له, ما فعله القوي ضمن خطة الله عز وجل سمح له, أما لو أن الله عز وجل لم يشأ لهذا القوي أن يتحرك, فلا يتحرك, فالذي يحدث قد أراده الله عز وجل, كل شيء وقع أراده الله, وكل شيء أراده الله وقع.
فقيل لهذا الأعرابي: كيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان, ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان, لا يُدرك بالحواس, ولا يقاس بالناس, ولكنه معروف بالآيات, مشهور بالعلامات, لا يجور في قضائه, ولا يحيف في حكمه, هو الواحد الذي لا إله إلا هو, فقال الأعرابي: أعلم أنك من أهل بيت النبوة والشرف. عزة المؤمن تنبع من إيمانه أن أمره بيد الله عز وجل :
أيها الأخوة, التوحيد يُفضي بك إلى الإخلاص, أنت دخلت إلى دائرة, فيها ثلاثة طوابق, وفيها مئتا موظف, وهناك مدير عام, المعاملة التي تخصك لا يجرؤ أي موظف أن يوقع عليها إلا المدير العام, هذه من صلاحيات المدير العام, تريد أن تسافر, تريد تأشيرة خروج لبلد ما, تحتاج إلى توقيع المدير العام حصراً, وأمامك ثلاثة طوابق, وأمامك مئتا موظف, هل ممكن أن تبذل ماء وجهك لموظف وأنت موقن أن هذا من صلاحيات المدير العام؟ توفر وقتك, تحفظ ماء وجهك, تترجى المدير العام, انظر هذا مثل بسيط؛ إذا أيقنت أنه ليس من الممكن لأي إنسان أن يعطيك موافقة إلا المدير العام, في هذا الموضوع بالذات, عندك مئتا موظف, رتب مختلفة, لا تطرق باب إلا المدير العام, إذا أنت أيقنت أن أمرك بيد الله وحده لا تبذل ماء وجهك لإنسان, لن تتضعضع أمام غني, ولا أمام قوي:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
هذا سر عزة المؤمن, يوقن أن أمره بيد الله عز وجل, أن الله لن يسلمه لأحد, هناك خط مفتوح بينه وبين الله, يطلب من الله. الدعاء و الالتجاء إلى الله سلاح الإنسان للوصول إلى ما يريد :
والله يا أخوان, مرّ معي حديث -لا أذكر نصه بالضبط, لكن يحل مليون مشكلة-: إذا الإنسان أصيب ببلاء, أحد أسباب هذا البلاء أنه لم يدعُ الله عز وجل, ادعُ الله, الله معك دائماً, والله يحبنا, نعرفه سميع, مجيب, ادعه, اسأل الله ملح طعامك, ادعه، "من لا يدعني أغضب عليه".
اسأله حاجتك كلها, عود نفسك دائماً على الدعاء.
دخلت لإنسان لا تعلمه, يا رب يسر لي الأمر, تريد أن تقوم بعمل, يا رب أعني.
والله! سمعت عن طبيب جراح أعصاب, سبحان الله! لا يجري عملية قبل أن يصلي ركعتين لله أمام المريض, وفي غرفة العمليات, يقرأ بصوت جهوري: يا رب؛ أنا مفتقر إلى حكمتك, مفتقر إلى علمك, مفتقر إلى توفيقك, ويجري عمليات الدماغ كلها، بهاتين الركعتين هناك التجاء إلى الله.
حاول أن تكون مع الله دائماً, تدخل إلى عملك, تدخل إلى بيتك؛ دخلت إلى بيتك: بسم الله الرحمن الرحيم, يا رب يسر لي أمري, تجد الأمور كلها ميسرة, دخلت إلى البيت, أنت رب البيت, تظهر لك مشكلة, لم تحسب لها, تبقى شهراً لا تتكلم مع زوجتك, من شيء سخيف، فالإنسان عندما يطيع الله عز وجل يجد الأمور كلها تمشي بسهولة.
إن شاء الله غداً نتابع بعض هذه الآيات.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : التوحيد والتفريد 2 ( الفرار إلى الله - قل كل من عند الله).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
منزلة الفرار إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام, يقول الله عز وجل:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
بعض العلماء استنبط من هذه الآية منزلة: هي منزلة الفرار إلى الله.
قد تخشى شيئاً فتفر منه, لكن الله وحده تفر إليه: "لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك".
وفي بعض أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: "أعوذ بك منك".
ومن بعض أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم إنا بك واليك".
دعاء جامع مانع, أنا بك أي قائم بك؛ كل شيء تفوقت فيه بفضلك, كل شيء أتقنته بفضلك, كل ما أنا فيه من خير من فضلك, "أنا بك", وينبغي أن يكون كل شيء إليه.
على هاتين الكلمتين, الموجزتين, البليغتين: "اللهم إنا بك واليك"، "أعوذ بك منك"، "لا ملجأ منك إلا إليك"، قال بعضهم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
أي: لا تشتغلوا بسياسة أنفسكم, فإن مؤونتها عظيمة, ولا تتفرغوا إلى رضا الخلق, فإن رضاهم غاية لا تُدرك؛ ولكن فروا إلى الله, ليكون الله غايتكم.
هناك قضية الإخلاص, هذه مهمة جداً في الطريق إلى الله عز وجل؛ ضمن العمل الديني, ضمن السعي لمرضاة الله عز وجل, وقد تزل القدم, ويهتم الإنسان بالخلق أكثر من اهتمامه بالحق, هذا أيضاً جزء من التقصير. بطولة الإنسان أن يتوازن مع كل الجوانب في حياته :
لذلك ربنا عز وجل أعطانا مثلين صارخين؛ مثل سيدنا داود, ومثل سيدنا سليمان, وقصة هذين النبيين العظيمين فيها موعظة كبيرة؛ سيدنا داود آثر أن يكون مع الله عن أن يكون مع الخلق, فعاتبه الله عز وجل, سيدنا سليمان آثر حب الخير أكثر من حبه ليكون مع الله عز وجل فعاتبه الله.
من السهل أن تأخذ موقفاً متطرفاً, ولكن البطولة في التوازن؛ ممكن أن تكون مع الخلق في أعلى درجة من النجاح, على حساب علاقتك بالله, وممكن أن تكون مع الله في أعلى درجة من النجاح, على حساب العمل الصالح الذي خلقت من أجله.
لذلك ورد: "إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل".
وكما قلت قبل قليل: من السهل أن تأخذ موقفاً إلى جانب, أما أن تتوازن مع كل الجوانب فهذه بطولة. فلذلك يجب أن يكون لك مع الله ساعة لا تعمل فيها لغيره, وأن يكون لك مع الخلق ساعة لا تعمل فيها لغيرهم.
على الإنسان أن يفر من المعصية إلى الطاعة ومن الجهل إلى العلم :
الآن: الجلوس مع الخلق أحد أسباب الأعمال الصالحة, أنت بالمجتمع ترقى بعمل صالح؛ بدعوة, بخدمة, ببذل, بتضحية, بنصيحة, بإرشاد مع الخلق, لا بد من أن تشحن.
هناك شيء بالإنسان -إن صحّ التعبير- هو الشحن؛ الصلاة تشحن نفسك شحنة روحية, الصيام كذلك, الحج كذلك؛ فلابد من شحنة, ولا بد من أن تفرَّغ هذه الشحنة, تشحن وتفرغها في العمل الصالح, الذي أدرك سرّ هذا التوازن بين أن تُشحن وأن تفرغ هذه الشحنة بعمل صالح, هذه الحقيقة هي الهدف الكبير من هذا التوازن في هذا الموضوع.
قال بعض العلماء: فروا إِلَى اللَّهِ بمعنى فروا من المعصية إلى الطاعة, ومن مقام الجهل إلى مقام العلم, ومن مجالس الغفلة إلى مجالس الذكر.
الآن أكثر مجالس الناس مجالس غفلة؛ يجلسون, يضحكون, غيبة, نميمة, تطاول أحياناً, مزاح لا يرضي الله, وحديث فيه شرك, وتأليه بعض الجهات دون أن يشعروا.
فقال: هذا المجلس مجلس غفلة, يجب أن تفر منه إلى مجلس الذكر, هناك مجالس كذب, كل ما يقال فيها كذب, فكلهم اصطلحوا بشكل أو بآخر على أن يكذبوا, فالذي يُقال في هذه المجالس لا يصدر عن قناعات المتكلمين بل يصدر عن نفاقهم.
فأن تفر من مجلس كذب إلى مجلس صدق, من مجلس غفلة إلى مجلس ذكر, من مجلس جهل إلى مجلس علم, من مجلس معصية إلى مجلس طاعة, هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
معاني منزلة الفرار إلى الله :
الآن: يجب أن تفر أيضاً من مجالسة المخلطين إلى مجالسة المخلصين, هناك أناس لهم عمل صالح وعمل سيئ, لهم مخالفات ولهم أعمال صالحة, هذا مجلس, وهناك مجلس أرقى منه؛ أن تكون مع المخلصين, مع الذين أخلصوا دينهم لله عز وجل.
فروا من محبة الدنيا إلى محبة المولى, فروا من عذاب الله إلى رحمته, فروا من سخطه إلى رضوانه.
لذلك قال بعض العلماء - وهو ابن القيم-: "منزلة الفرار إلى الله لها معان دقيقة؛ أن تفر من سخطه إلى رضاه, أن تفر من موقف, أو من كلام, أو من تصرف يُسخطه إلى موقف, أو كلام, أو تصرف يُرضيه, من عذابه إلى رحمته, من محبة الدنيا إلى محبة المولى, من مجالسة المخلطين -الذين خلطوا عملاً صالحاً, وآخر سيئاً- إلى مجالسة المخلصين, فروا من مجالسة الغفلة إلى مجالسة الذكر, من مقام الجهل إلى مقام العلم, من المعصية إلى الطاعة".
هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
وقال أبو جعفر النيسابوري: "وا عجباً! كل من خاف من شيء أُمر بالفرار منه, وأنا أخاف من الله, وقد أمرت أن أفر إليه".
أي ما سوى الله, كل شيء مخيف تفر منه, إلا الله عز وجل إذا خفت منه فيجب أن تفر إليه. الله عز وجل يبين للإنسان عجزه عن الغيب :
آية أخرى متعلقة بالتوحيد وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
هذه العندية في الآية تشتمل على كل شيء, سواء أكان هذا الشيء عرضاً أم جهوراً, ويبين الله تعالى للإنسان عجزه عن الغيب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
[سورة الأنعام الآية:59]
ويبين الله عز وجل في آية أخرى صفات ما عند الإنسان وما عند الرحمن, بقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾
[سورة النحل الآية:96]
الحقيقة: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
هو التوحيد. على الإنسان ألا يبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله بل من خلال خلقه ثم كلامه ثم أفعاله :
كنت قد ذكرت ذلك من قبل, يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه, ومن خلال كلامه, ومن خلال أفعاله, لكن النصيحة لا تبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله, يجب أن تبدأ بمعرفة الله من خلال خلقه, طريق سالك وآمن, ثم تعرفه من خلال كلامه وهو القرآن, طريق آمن وسالك؛ إن عرفته أولاً من خلقه, ثم عرفته من كلامه, يمكن أن تعرفه من أفعاله, أما أن تبدأ بأفعاله فقد تفتقر إلى علم, يكشف لك عدله وحكمته.
والناس دائماً يُمتحنون من حالتين, هناك حالات ترى وجود الله صارخاً, هناك حوادث كثيرة حتى البعيد عن الله عز وجل, حتى أهل الغفلة, يرى هذا فعل الله.
مرة جاءت رياح عاتية إلى منطقة زراعية, فأهلكت مئة وثلاثين بيتاً زراعياً, بيت له غلة بمئتي ألف, طبعاً ومزروع, مدفوع عليه نفقات عالية جداً, فهذه الرياح قلعت مئة وثلاثين بيتاً, الشيء الذي لا يصدق أن كل الناس الشريرين اقتُلعت بيوتهم، والذي يلفت النظر هناك بيوت متلاصقة لأخوين, أخ صالح, وأخ سيئ, أحياناً ترى فعل الله صارخاً, وربنا عز وجل أحياناً لحكمة يريدها يري الناس فعل إنسان صارخ, فأهل الدنيا يُفتنون. لا يوجد جهة في الكون يمكن أن تشرع إلا الله عز وجل :
والآن هناك من يقول: ليس في الأرض إلا دولة قوية واحدة, تفعل ما تريد, هذا نوع من أنواع التأليه والشرك.
فأحياناً فعل الله لا يبدو واضحاً, يبدو فعل الجهة التي يؤلهها الناس واضحاً, هذه فتنة, والفتنة الثانية والموقف الثاني: أن يمتحن الله الناس بشيء واضح جداً, أنه من عند الله عز وجل, هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]
أما عامة الناس فهناك حالات معينة يرون هذا من عند الله, وفي حالات أخرى لا يرونه من عند الله, يرونه من عند زيد أو عبيد, لكن المؤمن الصادق الكامل -دائماً وأبداً- يرى أن كل شيء من عند الله.
هناك معنى آخر لهذه الآية: لا يوجد جهة في الكون يمكن أن تشرع إلا الله عز وجل.
بعضهم قال:
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***
أنا لا يوجد في حياتي إنسان يشرع, إنسان لا يعبأ بالوحي, يلغي الوحي, هذا عندنا غير جائز, لا يوجد إنسان يستطيع أن يشرع إلا الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية:36]
لك خيار بالمباحات, أما في شيء بتَّ الله به, أعطى فيه حكماً, فلا يوجد لك خيار كمؤمن.
هذه بعض المعاني التي تنطوي عليها آية كريمة وهي: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
و: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:78]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )


الموضوع : التوحيد والتفريد 3 ( معرفة العبد بالله تعالى1).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. سرّ وجود الإنسان على وجه الأرض أن يعرف الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام: سبع آيات كريمة تبين معرفة العارفين بالله عز وجل, من هذه الآيات:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
قال ابن عطاء السكندري: "إلا ليعرفون".
سرّ وجودك على وجه الأرض أن تعرف الله؛ لأنك إن عرفته عبدته, وإن عبدته سعدت بقربه, فغاية المعرفة أن تسعد بقرب الله عز وجل, وأية سعادة بما سوى الله عز وجل سعادة جوفاء لا تدوم.
والله عز وجل خلق التراب للنبات, وخلق الماء للتراب, وخلق النبات للحيوان, وخلق الحيوان للإنسان, وخلق الإنسان لله عز وجل. ((ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك))
[ ورد في الأثر]
الدين وحدة كاملة :
أيها الأخوة, الإنسان حينما يسعى لغير الله يحتقر نفسه, لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
[سورة البقرة الآية:130]
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله, فإذا كان لغير الله فقد احتقر نفسه.
لأن الله عز وجل كما ورد: (( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة, هذه الآية وحدها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
تلخص سرّ وجود الإنسان على وجه الأرض.
في بعض تعريفات العبادة؛ فيها جانب معرفي, وجانب سلوكي, وجانب جمالي, وهذه حقيقة؛ الدين معرفة, وطاعة, وسعادة؛ تعرفه, تطيعه, تسعد بقربه في الدنيا والآخرة, وحينما نقصر في واحدة من هذه الشروط نقع في التطرف, أما إذا حققناها كلها فنقع في التفوق.
فالدين وحدة متكاملة, فمن لم يأخذه من كل جوانبه وقع في العرج والتفرق؛ فالدين معرفة، "ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه" من لم يتخذ موقفاً بناء على إيمانه فليس مؤمناً :
والدين انضباط أي: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال الآية:72]
والدين هجرة.
دائماً هناك شيء اسمه موقف, أنت لأنك مؤمن يجب أن تأخذ موقفاً؛ في صلة, في قطيعة, في رضا, في غضب, في عطاء, في منع, ما لم تتخذ موقفاً بناء على إيمانك فلست مؤمناً.
لا يوجد شيء اسمه الإيمان في القلب, والسلوك عادي, إنسان مثله مثل الناس, يدعي أنه مؤمن, ولا يوجد عنده موقف يؤكد إيمانه.
ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس الإنسان حتى تعبر عن ذاتها بحركة, فلا يوجد إيمان سكوني, الإيمان حركة. من لا يوالي المؤمنين و يتبرأ من الكفار فليس مؤمناً :
الإنسان عنده سؤال كبير جداً؛ ماذا قدمت لله عز وجل؟ ماذا فعلت في سبيل الله؟
لو أن الله عز وجل أوقفك يوم القيامة بين يديه, قال: يا عبدي, ماذا فعلت من أجلي؟
((أوحى الله - عز وجل - إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت به راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي، فماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وما لك علي؟ قال هل واليت في ولياً؟ أو عاديت في عدواً؟))
[ كنز العمال عن ابن مسعود]
أي هل لك ولاء للمؤمنين ولك براء من أهل الكفر والعصيان؟.
فالإنسان إذا كان جميع الناس أصحابه, ليس له موقف, لا يقف موقفاً معيناً, أما إنسان يعصي الله جهاراً, يقاطعه, إنسان يطيع الله, يقترب منه؛ ما لم تأخذ موقفاً توالي المؤمنين, وتعادي أهل الكفر والنفاق, لا تكون قد فعلت لله شيئاً، ربنا عز وجل قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾
[سورة البقرة الآية:18]
قيل: "الكافر والزنديق؛ صم عن سماع الحق, بكم عن التكلم به, عمي عن النظر للآخرة, فهم لا يعقلون".
أكبر صفة ماحقة: صم, لا يستمع إلى الحق، يقابل ذلك قوله تعالى في وصف حال أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية:10]
أزمة علم, أزمة استماع, لأن البنية مؤهلة لتكون من أهل الجنة، فإذا الإنسان وصل للنار, بسبب لم يسمع الحق, لأن الإنسان يحب نفسه, وحريص على سلامتها وسعادتها, فلو سمع الحق, لطبق الحق, لكن لم يسمع الحق, إذاً: أزمة علم. حاجة الإنسان إلى التوحيد :
على كلٍّ؛ من منا تأتيه رسالة يمزقها قبل أن يقرأها؟ هذا القرآن, كتاب الله للبشر, ينبغي أن نفهمه, وبعد ذلك افعل ما تشاء.
لو إنسان عرف المعرفة التي عرفها النبي -عليه الصلاة والسلام- بحكم فطرته, لفعل كما فعل النبي, لو عرف ما عرفه النبي لفعل كما فعل النبي, فالأزمة أزمة معرفة؛ بحكم حب الإنسان لذاته, حبه لسلامته, حبه لسعادته, فلو عرف الحقيقة, لفعل كما فعل الأنبياء والمرسلون.
ورد في الأثر:
((إذا أراد الله بعبد خيراً؛ أعماه, وأصمه, وأخرسه, وأجهله عن غيره))
المؤمن لا يرى إلا الله, وطبعاً التوحيد الإنسان يحتاجه حاجة شديدة أثناء الأزمات, أحياناً قوى البغي والشر تتفوق, تهيمن, تسيطر, في هذه الحالة الصعبة المؤمن في أمس الحاجة إلى التوحيد, إلى أن يرى الله وحده هو المتصرف, وليس مع الله أحداً. الإنسان كلما عرف حقيقته كان إلى التواضع أميل :
وفي قوله تعالى:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[سورة الذاريات الآية:21]
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾
[سورة الذاريات الآية:22]
يقال إن رجلاً جاء إلى الشبلي, فقال له: " دلني على معرفة الجنين, كيف ينبغي الدخول فيها؟ وبماذا ينال ذلك؟ -وكان الرجل له معرفة بعلم الظاهر-, فقال الشبلي: يا رجل! من أي شيء خلقت؟ ومتى؟ وفي ماذا؟ وبماذا؟ فإذا أجبتني عن ذلك أجبتك عما تسأل, وإلا فأنت إلى معرفة ما أخبرتك به أحوج إلى معرفة ما سألت عنه, فقال الرجل: بل خلقت من نطفة للابتلاء والمحنة, فقال الشبلي: ويحك! من علم أنه خلق من نطفة كيف يطمع في معرفة من قطع الأوهام عن إدراك الحقيقة وأظهر اسماً من أسمائه؟".
أي: ((بئس العبد عبد عتا و طغى و نسي المبتدا و المنتهى))
[ ورد في الأثر]
فالإنسان إذا عرف أساسه من نطفة؛ خرجت من عورة, ودخلت إلى عورة, ثم خرج من عورة, فكيف يتكبر!؟
والإنسان كلما عرف حقيقته كان إلى التواضع أميل, الإنسان قائم بالله, وجوده واستمرار وجوده مبني على معرفته بالله عز وجل, في اللحظة التي يغفل عن الله, وقد يقطع الله الإمداد عنه, فإذا هو في قبضة الله عز وجل. أمر كل شيء بيد الله عز وجل :
الآية التي تبين حقيقة التوحيد:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية:54]
الإنسان أحياناً يصنع شيئاً و يبيعه, فأمر هذا الشيء بيد من اشتراه, لكن الله عز وجل كل شيء خلقه مالكه, كل شيء خلقه هو الذي يأمره, لا يوجد الله عز وجل عنده شيء خلقه وتركه, أو خلقه وأطلقه, حتى الإنسان يطمئن, لا يوجد شيء مخيف, الله خلقه وأطلقه: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية:54]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
الإحاطة بعلم الله عز وجل مستحيلة على العباد إلا ما سمح الله به :
الآية التي تليها في التوحيد:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
[سورة البقرة الآية:255]
الإحاطة بعلم الله عز وجل مستحيلة على العباد, لكن الله عز وجل بالقدر الذي يشاء يسمح للعبد أن يعرف, أنا لا أستغرب إذا عرف الإنسان مثلاً نوع الجنين كان ذكراً أو أنثى, الله سمح, لكن الله عز وجل قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[سورة لقمان الآية:34]
لم يقل: يعلم من في الأرحام, إذا كان يعلم من ذكر أو أنثى, أما: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[سورة لقمان الآية:34]
يوجد عند الإنسان خمسة آلاف مليون معلومة مركزة في الحوين, هذه كلها معارف مبرمجة, معلومات مبرمجة على الحوين, فالله عز وجل يعلم عن هذا الإنسان كل شيء, فإذا عرف الإنسان ذكراً أو أنثى بطريقة أو بأخرى, هذا الشيء الله سمح فيه, وإذا سمح فيه فلحكمة بالغة. لا يعرف الله إلا الله :

والآية التي تليها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
قال ابن عطاء: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب, واقشعرت منها الجلود, ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
و: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . ويقول : " بعثت أنا والساعة كهاتين " ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى))
[مسلم عن جابر بن عبد الله]
فالناس كلهم في ذات الله حمقى.
لا يعرف الله إلا الله, حتى الأنبياء و الرسل معرفتهم نسبية, أما أن تعرف حقيقة الله عز وجل المعرفة المطلقة فمستحيل على أي إنسان, لا يعرف الله إلا الله.
فالناس كلهم في ذات الله حمقى، أي: لا يصلون إلى المعرفة المطلقة.
وقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: "سبحان من لم يجعل لأحد من خلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن درك معرفته, العجز عن إدراك الإدراك إدراك".
كلمة سيدنا الصديق. التوحيد نهاية العلم والتقوى نهاية العمل :
لذلك قالوا: "عين الجهل به عين العلم به, وعين العلم به عين الجهل به".
هذا الذي يدّعي أنه يعرف الله معرفة مطلقة جاهل, وهذا الذي يقول: لا أعرف الحقيقة الإلهية إلا بقدر يسير هو العالم.
وقال يحيى ين معاذ: "وما قدروا الله حق قدره حين خالفوه في أمره, وما قدروا الله حق قدره حين استخفوا بحفظ حرمته, وما قدر الله حق قدره من بادر الجبار بالمعاصي, وما قدر الله حق قدره من استعان على معاصيه بنعمته, وما قدر الله حق قدره من أفنى شبابه في مخالفته, وما قدر الله حق قدره من اختار دنياه على آخرته, وما قدر الله حق قدره من عمل الطاعة لطلب جنته, وما قدر الله حق قدره من ترك المعاصي خوفاً من ناره, وما قدر الله حق قدره من شكاه إلى أعدائه".
لذلك قالوا: من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى لكافر فكأنما اشتكى على الله، " وما قدر الله حق قدره من أرضى نفسه بإعطائها كل ما تشتهي".
وقال بعض الحكماء: "يا صاحب الظلمات هيهات أن تهتدي إلى حفظ الحرمات, ويا صاحب الغفلات هيهات أن تُكشف لك المشاهدات, ويا صاحب أكل الشبهات هيهات أن تزداد بطاعتك غير البعد وسوء الخطرات".
أيها الأخوة, حقائق التوحيد ليس لها نهاية، كما قال العلماء: التوحيد نهاية العلم, والتقوى نهاية العمل.
أعلى علم ألا ترى مع الله أحداً, وأعلى عمل أن تطيع الله عز وجل فلا تخالفه أبداً؛ فنهاية العلم التوحيد, ونهاية العمل التقوى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه في الدنيا والآخرة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : التوحيد والتفريد 4 ( معرفة العبد بالله تعالى2).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. العلم بالله هو العلم الذي يُعوَّل عليه في النجاة في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام: ذكرت من قبل أن هناك علماً بالله, وعلماً بأمره, وعلماً بخلقه؛ فالعلم بخلق الله أن تعلم هذه الحقائق في الكون؛ الفيزياء, والكيمياء, والرياضيات, والفلك, والطب, والهندسة, والجغرافيا, والجيولوجيا, هذا علم بخلقه, وجامعات الغرب متفوقة في هذه العلوم, وهناك علم بأمره، وكليات الشريعة في العالم الإسلامي متفوقة في هذه العلوم؛ الحلال والحرام, وأحكام الزواج والطلاق, والوكالة والحوالة والكفالة, وما إلى ذلك.
لكن العلم الذي يُعوَّل عليه في النجاة في الدارين هو: العلم بالله؛ سمه إن شئت معرفة الله عز وجل, سمِّ الذي يعلم هذه الحقائق عارفاً بالله, مسميات أو أسماء لمسمى واحد.
فقال: "من سكن إلى غير الله, فذلك من قلة معرفته بالله, ومن سكن إلى الله على ما ينبغي, -هنا يوجد شرح دقيق, أي اطمأن ولم يكن كما ينبغي أن يكون تماماً, اطمأن كما ينبغي أن يكون-, فهذا من قلة معرفته بالله أيضاً".
الله عز وجل إن رأى عبداً قد سكن واطمأن على غير ما ينبغي يفاجئه بتأديبه, ويتخلى عنه أحياناً.
"من سكن إلى غير الله فذلك من قلة معرفته بالله, ومن سكن إلى الله على ما لا ينبغي فذلك لقلة معرفته بالله أيضاً".
أي:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾
[سورة السجدة الآية:16]
من هاب الله هابه كل شيء ومن لم يهب الله هابه الله من كل شيء :
دقة الفكرة أحياناً الخوف يقود إلى اليأس, والطمع يقود إلى التساهل؛ فالله عز وجل يؤدب العبد إذا اطمأن أكثر مما ينبغي, ويقربه إذا يئس أكثر مما ينبغي.
وقال أبو الوراق: "من صحت معرفته بالله, ظهرت عليه الهيبة والخشية؛ يخشى الله ويهابه الخلق, يهاب الله ويهابه الخلق, يخشى الله ويخشاه الخلق".
هذه نقطة دقيقة جداً: بقدر خشيته لله يخشاه أهل الدنيا, بقدر هيبته لله يهابه الخلق؛ من هاب الله هابه كل شيء, ومن لم يهب الله هابه الله من كل شيء.
يُحكى عن الحسن البصري أنه مرّ بصبيان يلعبون في السكة, فلما رأوه تنحوا عنه, فدنا منهم, فقال: "ما شأنكم تنحيتم؟ فقال واحد منهم: إنك أصلحت سرك مع ربك, فوقعت هيبتك في قلوبنا".
هذا قانون لكل واحد من المؤمنين, إذا أصلح سره مع الله ألقى الله عليه الهيبة.
هناك قصص كأنها خيال؛ يُروى أن السلطان العثماني أرسل الصدر الأعظم, ليدعو الشيخ بدر الدين لاحتفال في استانبول, -والصدر الأعظم كان رئيس وزارة, والدولة العثمانية كانت تحكم ثلثي العالم -, ركب البارجة من استانبول, إلى بيروت, ثم إلى الشام, ودخل على الشيخ, -معه دعوة من السلطان إلى استانبول-, فالشيخ له هيبة كبيرة جداً, قال له: لا أرغب أن أذهب إلى هذا المكان, انتهت الجلسة, رجع, وصل إلى الإسكندرون, تألم أشد الألم, صدر أعظم, ولم يتمكن أن يدعو عالماً في دمشق تنفيذاً لرغبة السلطان!؟ خاف من السلطان, وامتلأ غيظاً, فعاد ثانية -هكذا تصور-, ليأخذه بالقوة, دخل عليه, -طبعاً بعد أسبوع لأن السفر كان شاقاً بالباخرة أو بالبارجة-, فدخل عليه, كان يصلي, فلما سلم من صلاته, التفت, قال له: يا با, أنت هنا, قال له: نسيت أن أُقبّل يدك سيدي, ورجع مرة ثانية".
ما هذه الهيبة؟ هذه هيبة الطاعة, هيبة الإخلاص, هيبة الخوف من الله, هيبة الزهد في الدنيا.
الحسن البصري سئل: "بم نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس, وحاجتهم إلى علمي".
إذا كان من يعمل في الحقل الديني يحتاج إلى ما عند الناس, والناس مُستغنون عن علمه, انتهى العالم كله أساساً.
فقال: "إنك أصلحت سرك مع ربك, فوقعت هيبتك في قلوبنا". الله عز وجل يعطي المستقيم على أمره والمخلص له هيبة لا تقاوم :
المؤمن المتصل بالله الله يعينه, يذله؟ مستحيل! بقدر طاعتك وإخلاصك الله يلقي عليك الهيبة, وهذا سر.
يروون أن أبا لهب, أو أبا جهل, هناك إنسان له دَيْن على إنسان, استهزاء دفعوه إلى بيت النبي ليأخذ له حقه, يروى أن النبي خرج من بيته, وطرق باب أبي جهل, أو أبي لهب, قال له: "أعطه حقه, لم يتردد, وأعطاه حقه, الناس عجبوا لهذه الاستجابة السريعة, قال: والله! رأيت عليه مهابة لا تقاوم".
الله عز وجل يعطي المستقيم على أمره والمخلص له هيبة, وهذا الشيء ثابت وواضح.
وقضية الحسن البصري مع الحجاج قال لهم: "يا جبناء, والله لأورينكم من دمه, فأمر بقتله, وجاء بالسياف, والسياف واقف، وجيء بالحسن ليقتله, أعطى أمراً بقتله, دخل الحسن البصري, ورأى الحجاج بأعلى حالات الغضب, فقال: "يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
الحجاج وقف له, -وهو لا يشعر-, واستقبله, وقربه, وأجلسه على سريره, وسأله, واستفتاه, وعطره, وأكرمه, وشيعه إلى باب القصر, تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فعل بك, فماذا قلت لربك وأنت داخل؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي, يا مؤنسي عند وحشتي, اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً".
أنت موصول بالله, لك هيبة؛ هذه هيبة أهل الحق, هذه هيبة الإخلاص, هذه هيبة الطاعة, هذه هيبة الزهد. العارف بالله لا يعبد الله على موافقة الخلق بل يعامل الخلق على موافقة الخالق :
قلت لكم يوم الجمعة قصة مفادها أن هارون الرشيد كان في الحج, وفي ساعة من ساعات الضيق, قال لوزيره الفضل بن الربيع: "انطلق بنا إلى رجل من أهل العلم, لعله يُسري علي, فطرقوا باب أول عالم, قال له: أجب أمير المؤمنين, خرج مسرعاً, وقال: يا أمير المؤمنين! لو طلبتني لأجبتك, -أنا آتي إليك-, جلس معه ساعة, حدثه, لم يشعر بشيء, قال له: أعليك دين؟ قال له: نعم, قال: يا عباس, اقض دينه, -متضايق-.
انطلق بنا إلى رجل آخر, أيضاً طرق الباب, قال له: أجب أمير المؤمنين, فانطلق مسرعاً إليه, وقال: يا أمير المؤمنين! لو طلبتني لأتيتك, جلس معه ساعة, لم يرتاح, قال له: أعليك دين؟ قال له: علي دين, قال: اقض دينه, قال له: ما زلت ضائق النفس.
مالوا لعالم ثالث, -يبدو أن الثالث قريب من الله-, قال له: أجب أمير المؤمنين, قال له: وما شأني وشأنه؟ قال له: أليس له عليك حق؟ فنزل, فتح الباب, ورجع, أطفأ المصباح, وجلس في زاوية الغرفة, وصلت كف أمير المؤمنين إلى يده في الظلام, قال له: ما ألين هذه الكف لو نجت من عذاب الله! وحدثه عن سيدنا عمر بن عبد العزيز, وكيف كان حوله رجال صلحاء, علماء كبار, نصحة, ومرة كيف سألهم, وكيف أجابوه, يقول له وهو يبكي, -والقصة طويلة-, قال له: أعليك دين؟ قال له: نعم, لله عز وجل, إن حاسبني سقطت حجتي, وإن عفا عني فهذا ما أرجوه, قال له: للعباد؟ قال له: لا, لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه, فبذل المستحيل أن يعطيه شيئاً أبداً, اعتذر, - والقصة لها تتمة, أي أنت عندما تكون مع الله لك هيبة-, وشعر براحة كبيرة جداً, وبكى بكاء شديداً, قال له: يا فضل, إن أردت أن تأخذني إلى عالم, فخذني إلى مثل هذا الرجل".
فالإنسان إذا كان مع الله يكون له هيبة, ويكون موصولاً بالله.
قيل: "العارف بالله من جعل قلبه لمولاه, وروحه لبلواه, وجسمه للمخلوقين في موافقة رضا الله"
القلب لله, الروح لبلواه, صابر على بلاء الله عز وجل, قلبه معلق بالله, جسده صابر على بلوى الله عز وجل, وروحه أيضاً مستشرفة لعظمة الله.
وقيل: "العارف بالله لا يعبد الله على موافقة الخلق, بل يعامل الخلق على موافقة الخالق".
الأصل: الله عز وجل, فيتعامل مع الناس وفق منهج الله, ولا يتعامل مع الله وفق رغبة الخلق.
من أراد أن يعرف مكانته عند الله فلينظر فيما استعمله :
الآن: هناك أشخاص مصلحته, وعمله, ورغباته, حتى المباحة هي الأصل, ويجعل علاقته بالله وفق مصالحه.
أوضح مثل: إذا كان له مجلس علم, مجلس ذكر, لأتفه سبب يقول لك: والله ما تمكنت؛ الأصل مصالحه, الأصل رغباته, خططه, أما القريب من الله فالأصل الله عز وجل, فيجعل كل علاقاته بالخلق وفق خطته مع الله, بينما بعض الأشخاص يجعل كل علاقته مع الله وفق خطته مع الخلق, أي علاقته بالله تابعة لخطته مع الخلق, أما العارف بالله فعلاقته بالخلق تابعة لخطته مع الله عز وجل.
"من أراد أن يعرف قدر معرفته بالله فلينظر قدر هيبته من الله في وقت خدمته لله".
أي إن أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك, إن أردت أن تعرف مكانة الله عندك فانظر قدر هيبتك له، أي أنت تعرف الله بقدر هيبتك له.
كلمة أرجو فيها أدب أما الجزم في مصير الخلق فهذا سوء أدب مع الله عز وجل :
سئل محمد بن الواسع: "هل عرفت الرب؟ فسكت, قال: من عرفه طلبه, ومن طلبه وجده, ومن وجده أنس به, ومن أنس به استوحش بغيره".
وقال بعضهم: "إن من المسائل مسائل جوابها السكوت, إذا سئل الرجل: هل أنت العارف بالله؟ أو هل تعرف الله؟ أو هل تخاف من الله؟ أو هل أنت مؤمن؟ فإن قال: لا, فقد كفر, وإن قال: نعم, فليس وصفه وصف العارفين الخائفين".
وهذه نقطة دقيقة: أحياناً السكوت أبلغ جواب, الإنسان يتحدث بألف موضوع, أما إذا وصف نفسه وصفاً معيناً فكأنه أساء الأدب مع الله عز وجل, أنا أعرف هنا يوجد إساءة أدب مع الله، أرجو الله أن أكون كذلك.
قالت له: "هنيئاً لك أبا السائب! لقد أكرمك الله, فالنبي ما قبل هذا الكلام, قال لها: ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه, وأنا نبي مرسل, لا أدري ما يفعل بي ولا بكم, أرجو الله أن يكرمه".
الرجاء فيف أدب, أما الجزم ففيه تأل على الله عز وجل, فلان ما منه خير, تأل على الله, فلان هذا من أهل الجنة, من أنت؟ نبي أنت؟ تقول له: أنت من أهل الجنة, من قال لك ذلك؟ قل: أرجو الله أن يكون من أهل الجنة.
كلمة أرجو فيها أدب, أما الجزم والقطع في مصير الخلق فهذا سوء أدب مع الله عز وجل.
قال له: "هل تعرف الله؟ هل تخاف من الله؟ هل أنت مؤمن؟ إذا قال: لا, فقد كفر, وإن قال: نعم, فليس في أدبه وصف مع الله عز وجل".
في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة هي جنة القرب من الله عز وجل :
قال بعض العارفين: يقول الله عز وجل: "وعزتي وجلالي, ما عرفني من لم يحبني, وكيف لا يحبني وقد عرفني؟ وأين يذهب ولا هو يجد مثلي؟ ولا عبدني من لم يذكرني, ولا علم قربي من لم يأنس بي".
أي مستحيل أن تعرفه ولا تحبه, ومستحيل أن تحبه ولا تتقرب إليه, ومستحيل إذا تقربت إليه أن تأنس بغيره, هذه كلها مستحيلات.
وقال مالك بن دينار: "إن في الدنيا جنة, من لم يجدها لم يشتق معها إلى شيء آخر".
إذا الإنسان وصل إلى الله لا يشتهي شيئاً آخر، من عرف الله زهد فيما سواه.
يُروى عن سيدنا علي -كرم الله وجهه- أنه قال: "لا أحب إن أماتني الله في صغري, ورفعني في عليين, قيل: ولم؟ قال: تركني حتى عرفته، ليس العجب ممن وجد الجنة في العقبى, ولكن العجب من وجد الجنة في الدنيا".
طفل صغير, ذهب إلى الجنة, شيء طبيعي جداً, لأنه غير مكلف, أما البطولة فأن تصبح رجلاً في الأربعين, في الخمسين, في الستين, وأنت قريب من الله, إلى درجة أنك في الجنة.
لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، هي جنة القرب من الله عز وجل.
صفات العارف بالله :
وقالوا: "للعارف ثلاث علامات؛ لا يطفىء نورُ معرفته بالله نورَ ورعه, أي هناك شخص إذا عرف الله, وعرف رحمته, قل ورعه, هذا ليس عارفاً بالله, كلما ازددت معرفة به ازداد ورعك-, من لم يطفئ نورُ معرفته بالله نورَ ورعه, ولا يدعي باطناً من العلم ينقضه ظاهر من الحكم, -يدعي دعوى كبيرة, سلوكه الظاهر لا يؤيدها, هذا ليس عارفاً بالله-, ولا تحمله الكرامات على هتك أستار الحرمات".
وقيل: "العارف بالله يُقبل عليك بوجهه وكأنه لا يعرف غيرك, أو يقوم عنك وكأنه لم يعرفك قط".
أي إذا كان أقبل على عمل طيب كأنه لا يعرف غيرك, وإذا كانت مصلحته لا تتوافق مع بقائه مع هذا الإنسان ينصرف عنه وكأنه لا يعرفه.
هذا يوافق ما قالته السيدة عائشة -رضي الله عنها-, سئلت عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقالت: " يكون معنا يحدثنا ونحدثه, فإذا حضرت الصلاة, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه".
أي إذا أقبل على عمل يُقبل عليه بكليته, فإذا انصرف إلى الله عز وجل ينصرف بكليته.
هذه بعض صفات العارفين بالله.
أصل الدين معرفة الله عز وجل :
على كلٍّ؛ يجب أن يكون كل مؤمن عارفاً بالله, لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل, ومعرفة الله إن صحت صحّ معها كل شيء؛ أن تصل إلى الله, وأن تعرفه, وأن تحبه, وأن تؤثره على ما سواه, وأن تخلص له, هذا جوهر الدين, وهذا الذي كان عليه أصحاب رسول الله, أما حينما يبقى الدين شعائر, وعبادات شكلية ظاهرية, ويفرغ من مضمونه الأخلاقي, ومن مضمونه الوجداني, ويبقى فلكلوراً, وعادات, فينتهي.
وهذا ما انتهى إليه الإسلام في معظم بلاد المسلمين؛ الإسلام أقواس, وزخرفة, وزينة, وفلكلور, ومصاحف مزينة, ومساجد فخمة جداً, واحتفالات, وألقاب علمية, ومكتبات, وجامعات, ومؤتمرات, هذا الإسلام.
لكن: ادخل إلى بيوت المسلمين لا يوجد إسلام, بيت كبيوت الشاردين عن الله عز وجل, هذا الإسلام مضمونه ومحتواه الأخلاقي, ومحتواه الوجداني, بقي مظاهر فلكلورية أو تراث.
كلمة دقيقة الآن: الناس يسمون الدين تراثاً, هؤلاء الشاردون عن الله, كيف نأكل طعاماً معيناً؟ مثلاً: لنا أطعمة خاصة بنا, حمامات خاصة, لنا احتفالات خاصة, عندنا رقصات خاصة, وعندنا تراث ديني, أيضاً التراث الديني فرغ من مضمونه؛ أما الدين فمنهج, والدين صلة بالله عز وجل, والإنسان المؤمن إنسان متميز, وإنسان فذ.
فالإيمان مرتبة أخلاقية, ومرتبة علمية, ومرتبة جمالية؛ مرتبة أخلاقية لا يوجد إنسان مؤمن لا يوجد عنده قيم أخلاقية صارمة, لا يوجد إنسان مؤمن ليس على معرفة بالله عز وجل, لا يوجد إنسان مؤمن إلا وهو أسعد الخلق.
البارحة كان هناك جلسة, عندنا طلاب علم, أحدهم قال لي: أنا عمري بالخامسة والعشرين, فخطر في بالي أن أحج, وصف لنا الحج الذي أكرمه الله به, شيء غير معقول! قال لي: كنت في فوج فيه سبعمئة شخص, صار لي حالة قرب من الله كبيرة جداً, وشعر أنه كسب شيئاً في الحج, شيء لا يوصف, فقلت: سبحان الله! يعطي الله الإنسان على قدر إخلاصه.
تجلس أحياناً مع إنسان, يحدثك عن كل شيء إلا الحج؛ نوع الأكل, والشرب, والطائرة, والدخول, والخروج, والإقامة, وأنت في الطواف ماذا شعرت؟ ما هذه المشاعر التي امتنَّ الله بها عليك؟ ما هذا القرب الذي حباك الله به؟ لا يعرف شيئاً, تجد إنساناً آخر يحج إلى بيت الله الحرام مخلصاً, فله حال مع الله كبيرة جداً.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )


الموضوع : التوحيد والتفريد 5 ( معرفة العبد بالله تعالى3).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الله عز وجل يُعرف بنقض العزائم :
أيها الأخوة الكرام: لقي حكيم حكيماً فقال له: "بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت الله بنقض العزائم".
أي الله عز وجل ينقض عزيمة إنسان معه كل أسباب القوة, ويقوي إنساناً معه كل أسباب الضعف, وهذا من عظمة الله عز وجل.
قوة عاتية كبيرة جداً تتهاوى كبيت العنكبوت, بسببٍ داخلي دون سبب خارجي؛ فالقوي يُضعفه الله أحياناً لأسباب تافهة, والضعيف يقويه الله عز وجل بأسباب صغيرة.
أي هل يعقل الإسلام وعظمته وانتشاره وهيمنته في العالم سببه نسيج العنكبوت الذي نُسج على غار ثور؟
جاؤوا ليقتلوه, جاؤوا ليأخذوا مئة ناقة, لمن يأتي به حياً أو ميتاً, ووصلوا إلى باب الغار, وقد قال الصديق: "لقد رأونا, فقال: يا أبا بكر! ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية:198]
ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟".
فهذا الإسلام العظيم, عنكبوتة نسجت على هذا الغار نسيجاً, فصرفت أعداء الإسلام.
عندنا في معركة الخندق: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
قال أحدهم: "أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى, وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟" مهما بدا للإنسان أن العدو قوي وشرس فالله عز وجل أقوى :
ومع ذلك: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
[سورة الأحزاب الآية:10]
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية:11]
كل أسباب الضعف كانت موجودة, جاؤوكم من كل مكان, ليستأصلوكم عن آخركم, الإسلام بقي ساعات, قضية ساعات, وينتهي, حرب إبادة-, ومع ذلك: سيدنا نعيم بن مسعود واحد, استطاع أن يوقع بين اليهود وبين المشركين, ثم جاءت رياح عاتية؛ قلبت قدروهم, وأطفأت نيرانهم, وقلعت خيامهم, وانصرفوا-.
ونحن في أمس الحاجة في هذه الأيام إلى هذه المعاني, لا من أجل أن نتكل, لا, يجب أن نسعى؛ ولكن من أجل ألا نيئس؛ مهما بدا لك العدو قوياً، مهما بدا لك شرساً، مهما بدا لك مسيطراً, مهيمناً, الله عز وجل أقوى، عرفت الله من نقض العزائم. العارف هو من لسانه بذكر الله ناطق وسره بموعود الله واثق :
قد تملك كل أسباب القوة وتضعف, وقد تملك كل أسباب الضعف وتقوى, لا يوجد غير الله عز وجل.
فقال له: "كيف عرفت الله؟ قال: عرفت الله من نقض العزائم".
طلاب علم جاؤوا إلى الشام, درسوا العلم الشرعي, وعادوا إلى بلدهم -يمكن داغستان أو الشيشان لا أعلم-, قدموا طلباً, نريد مقراً بمعهد شرعي, أعطوا بناء, كان يرفع شعار لا إله, هذا البناء أصبح مقراً لمعهد شرعي.
من يصدق أن هذه البلاد الطويلة العريضة, التي قامت على الإلحاد, تتهاوى كبيت العنكبوت! هذا فعل الله عز وجل, وكما انهارت هذه الكتلة الضخمة لعل الله عز وجل بالمرصاد لهذه الكتلة الثانية التي تتغطرس وتتيه في الأرض تدميراً وفساداً.
سئل الإمام الشبلي: "من العارف؟ قال: من لسانه بذكر الله ناطق, وقلبه بمحبة الله صادق, وسره بموعود الله واثق".
إنسان معرض للقتل, نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[سورة المائدة الآية:67]
النبي صرف حراسه, الثقة بالله منقطعة النظير.
سيدنا موسى كان ماشياً مع أصحابه, وراءهم فرعون, وما أدراكم ما فرعون؟! بقوته, وجبروته, وسيطرته, وقوته, وحقده, وبطشه، أمامهم البحر, والأمل صفر, أسباب النجاة صفر, انتهى كل شيء: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية:61]
﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية:62]
عندك أمل- ومهما بدوت ضعيفاً, مخذولاً, فقيراً, مضطهداً- أن الله إذا أراد يقويك, وينصرك على عدوك: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[سورة الشعراء الآية:61-62]
الله عز وجل بيده كل شيء :
أحد أخواننا طبيب, درس في القاهرة, ليلة العيد, -هو كان طبيباً في مستشفى حكومي-, الوقت الساعة التاسعة, يريد أن يذهب ليلة العيد, قال له رئيس القسم: عندك مريض, خلال ربع ساعة سيموت, اعمل له شهادة وفاة, واذهب, -انصرف عندما يموت, قضية ربع ساعة-, فهذا مضى خمس دقائق, قال في نفسه: أشرب كأس شاي, فقال للممرضة: اعملي كأس شاي, -الممرضة لئيمة جداً-, فقالت له: لست خادمة عند أبيك كي أعمل لك, قال لي: انزعجت انزعاجاً غير معقول, لم أتكلم شيئاً, فأحب أن ينتقم منها, قال لها: اعملي تحليل كرياتين, قالت له: ألن يتوفى بعد دقائق فلماذا التحليل؟ قال لها: أنا طبيب, وآمرك- كأس الشاي لا تفعلينه, لأنه ليس من اختصاصك, أما التحليل فمن اختصاصك- قال لي: المريض ليس يخطر في بالي أبداً, لأنني أعلم أنه ميت, أريد فقط أن أغيظها, اعملي التحليل, قضية كلية, منته, قال لي: نويت أن أبقى للصبح, لا أريد أن أذهب إلى البيت, أريد فقط أن أغيظها؛ وإذ بالمريض يتحسن و يعيش, عاش ثلاث عشرة سنة بعد الحادثة, رئيسه في المستشفى مات بعد سنتين, قال له: توفيه وتذهب، عرفت الله من نقض العزائم.
كل أسباب الوفاة موجودة, أقسم بالله عشر دقائق يكون قد انتهى, وجاءت قضية كأس الشاي, انزعج من الممرضة, أحب أن يغيظها, يريد أن يكلفها بأشياء مزعجة, من تكليف لتكليف, أصبح هناك تحسن طفيف, عندما وجد أن هناك تحسناً بقي حتى الصباح، فأصبح المريض في تحسن أشد, بعد أيام تخرج, بدأ يتابعه, أصبح معه هوساً أن يتابع أخباره, ثلاث عشرة سنة عاش المريض، عرفت الله من نقض العزائم.
أعرف شخصاً وصل لدرجة من القوة والغنى غير معقولة؛ مسيطر, مهيمن, من أجل تبديل مكان قاطع, رفع القاطع إلى الأعلى, اضطر أن يستخدمه, لم يكفِ طوله, أتى بكرسي, تحرك الكرسي و هو يقف عليه فدخل في مقعده رجل الكرسي, دخل إلى المستشفى, بعد عشرين يوماً كان منتهياً, معقول إنسان ينتهي بتبديل مكان القاطع!، عرفت الله من نقض العزائم.
هناك إنسان سيموت الله تعالى يشفيه, و إنسان يكون في أعلى درجة من القوة, الله يدمره, فهذه أحد المعاني.
هناك أشياء مهما طلبها الإنسان لا بدّ لها من كسب :
سئل ابن عطاء السكندري في معنى قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة النحل الآية:122]
قال: "المعرفة بنا, والتوكل علينا". ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾
[سورة النحل الآية:122]
أي أعرف الله وأتوكل عليه: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة النحل الآية:122]
أي: الراجعون إلى الله عز وجل, والصالحون لعطاء الله عز وجل.
لو فرضنا ابناً قال لأبيه وهو ملك: أريد أغلى سيارة؟ يحضرها له، ثم طلب منه أغلى طائرة خاصة فيعطيه, طلب منه أن يكون أستاذ جامعة قال له: هذه ليس بيدي, هذه بجهدك, ائتني بالدكتوراه لكي أعينك.
فهناك شيء مهما طلبته لا بد له من كسب: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة النحل الآية:122]
لعطائنا.
النبي من شدة أدبه مع الله, كان يقول: "اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك".
يا رب أعني أن أصلح للجنة, أن أصلح لعطائك.
النبي الكريم يقول لأحد أصحابه لما سأله أن يكون رفيقه في الجنة قال له: (( أعني على نفسك بكثرة السجود ))
[أخرجه البزار عن عبد الملك بن عمير ]
أنت طلبت طلباً عاجلاً, لكن له مؤهلات, أنت قدم المؤهلات, وخذ ما تتمنى. أيّ تفسير توحيدي للأحداث يزعج أهل الشرك و الضلال :
في بعض التفاسير اللطيفة لبعض الآيات, الآية مثلاً: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
[سورة الزمر الآية:45]
الآن: أي تفسير لأي ظاهرة, تفسير توحيد, يشمئز منه أهل الشرك, وأهل الدنيا.
أي قضية عامة أو خاصة, إذا قال لي الإنسان: الأمطار قليلة, إذا قلت: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[سورة الجن الآية:16]
هذا التفسير توحيدي, ينزعج من هذا التفسير, أما يهمه أن تقول له: خطوط المياه تغيرت, نحن نميل إلى التصحر, تعطي كلمات علمية, كلمات متعلقة بالتصحر, وانتقال خطوط المطر, وفي الأرض طبقة الأوزون تخلخلت, والحرارة ارتفعت, هذا يرضيه, كل شيء أرضي, شركي, يرضيه, أما كل شيء متعلق بالتوحيد فيزعجه.
إذا فسرت مثلاً المصائب الكبرى التي تأتي إلى الأمم بالمعاصي والآثام ينزعج, لا يريد هذا, يريد تفسيراً آخر, يريد تفسيراً سياسياً, لا يريد تفسيراً توحيدياً: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النحل الآية:112]
هذا التفسير يزعجه, يريد تفسيراً آخر. من أراد أن يكون بينه و بين الله معرفه فليبع نفسه لله :
قال بعض العارفين: "كل قلب لا يعرف الله لا يأنس بذكره, ولا يسكن إليه, ولا يفرح به".
قال الإمام الجنيد: "إن أردت أن يكون بينك وبين الله معرفة, فاحفظ عني ثلاثاً؛ بع نفسك حتى يفعل بك ما يريد".
أنت الآن في الواقع, إذا عندك بيت بعته, الذي اشتراه دفع لك الثمن بالتمام والكمال, وطوبت له, أحب أن يقيم حائطاً بين غرفتين, لك حق أن تعترض؟ ليس لك علاقة, أنت ألم تبعه؟ ألم تقبض ثمنه؟ إذا بعت نفسك لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة الآية:111]
أحبّ أن يجعلك إنساناً من أصحاب الدخول المحدودة, دخلك محدود, لا يكفيك المصروف, وأحب أن يعطي شخصاً دخلاً غير محدود, أنت إذا بعت لا تعترض, إذا لم تبع اعترض.
إذا أنت مثلاً بعت نفسك لله؛ رفعك, أنزلك, أغناك, أفقرك, صحح جسمك, أمرضه, التف الناس حولك, انفضوا, أنا ليس لي علاقة, أنا يهمني أن أعبده, أنا بعته. على الإنسان ألا يعترض بل يسعى وأينما وصل به السعي فهذه مشيئة الله عز وجل :
قال له: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية:66]
﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:144]
جعلك موظفاً, جعلك تاجراً, أعطاك امرأة من الدرجة الأولى, من الدرجة العاشرة, جاءك أولاد أبرار, أولاد غير أبرار, جاءك أولاد متفوقون دراسياً, متخلفون عقلياً, أنا عليّ أن أطيعه, أنا مهمتي أن أعبده, المعنى مريح جداً؛ أسعى, وأجتهد, وأطلب أعلى درجة, وأرفع مستوى ثقافتي, ودراستي, ومعاشي, ودخلي, لكن عندما أصل إلى طريق مسدود, هذه مشيئة الله عز وجل؛ أنا لا أعترض, لا أيئس, لا أنقض, أنا أسعى, وأينما وصل بي السعي فهذه مشيئة الله عز وجل.
"....بع نفسك حتى يفعل بك ما يريد, واحفظ الباطل على رضاه, وانظر في الظاهر على حكم الكتاب والسنة, – بالظاهر أنت مطبق الكتاب والسنة, وبالباطن تبغي رضاه-, وبع نفسك حتى يفعل بك ما يريد, ومن عرف مولاه أذهب بلواه, ومن خالف هواه صحح تقواه, ومن ترك شهوة شم من الجنة شمة".
في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
تجلس مع إنسان من أهل الدنيا, لا تستطيع أن تقف على ركبك؛ غني, سوداوي المزاج, يائس, يخاف أن يفتقر, ومعه والله ملايين مملينة, تجلس مع إنسان لا يملك شيئاً من الدنيا أبداً؛ متفائل, متوازن, مرتاح, مطمئن. امتحان الله عز وجل الإنسان بأوامر ليس لها علاقة بالقوانين :
لذلك: كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
يقول لك شخص: ينبغي أن يكون معك عملة صعبة, تجعلها لساعة الشدة, الليرة السورية ستنزل قيمتها, كل شيء تصدره يذهب فرق عملك, يحدثك عشر ساعات, وأنت لا يوجد معك نقود, على باب الله تسعى.
أحياناً الإنسان بالتوكل يسعى, وصل به السعي إلى هنا, انتهى.
أنت تخاف من الله عز وجل فيما بينك وبينه, وتستطيع أن تعصيه, لكن خفت:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية:23]
لذلك: هناك أوامر إلهية كثيرة الشرع يتطابق معها, السرقة محرمة في الكتاب والسنة, وأيضاً القوانين تحرم السرقة.
فأنت كنت موظفاً, وعندك مدير عام شرس, وقوي, له عيون, لا تستطيع أن تأخذ قرشاً خطأ, يكشفك, بعد ذلك كل شيء جمعته تأتي به دفعة واحدة, أما إذا شئت امرأة فاتنة في الطريق تمشي, من الذي يمنعك أن تنظر إليها؟ من الذي يمنعك أن تغض بصرك عنها؟ لله عمل و أوامر, ليس لها علاقة بالقوانين, لها علاقة بالإخلاص.
فالله يمتحنك بأوامر ليس لها علاقة بالقوانين, وهناك أوامر لها علاقة بالقوانين, هذه السرقة فسرت لا نعلم إما خوفاً من الله أو من المدير العام، أما إذا غضضت بصرك فليس لهذا تفسير, إلا أنها خشية من الله عز وجل، فغض البصر عبادة الإخلاص.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 1 ( اوجة الاخلاص ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الإخلاص :
الإخلاص أيها الأخوة هو فرض في سائر الأعمال والأقوال في الدين؛ عبادة القلب: الإخلاص, وعبادة الجوارح: أن تنفذ أمر الله عز وجل.
أي من الخارج انصياع لأمر الله, من الداخل الإخلاص, والإخلاص روح الدين, وجسم بلا روح, ميت لا معنى له.
وجوه الإخلاص :
1 ـ إخلاص الملة بجملة الملل :
وجوه الإخلاص ستة:
الوجه الأول: إخلاص الملة بجملة الملل, قال تعالى:
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:95]
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية:85]
الحق واحد, والله عز وجل قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية:85]
فلابدّ من أن تكون مع التوجيهات الإلهية, ومع الملة الصحيحة. الإخلاص أن يكون الإنسان مع الحق و لو ضربت مصالحه و فقد مكاسبه :
أيها الأخوة, هذا الإخلاص أن تكون مع الحق؛ هناك باطن مغلف بالحق, هناك حق يشوبه باطل, فالحق الصافي الصرف هو ما يقودك الإخلاص إليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية:69]
المصالح تتناقض مع الإخلاص.
لو أن الإنسان له مصلحة في شيء, منتفع بطريقة لا ترضي الله عز وجل, الانتفاع بطريقة محايدة, أو بعيدة عن سنة رسول الله, إذا انتفع منها تمسك بها, إن تمسك بها ليس مخلصاً, الإخلاص أن تكون مع الحق حيث كان, ولو ضرب الحق مصلحتك.
المشكلة: هو المصلحة، فالإنسان إذا انتفع من اتجاه معين انتفاعاً مادياً يتمسك به, ويقاتل من أجله, هو يقاتل من أجله لا من أجل مصلحته؟ لا.
قد يكون الإنسان قانعاً أشد القناعة أنه ليس على حق, ولكن هذا الاتجاه جلب له مكاسب جمة, فهو متمسك به.
الإخلاص أن تكون مع الحق؛ ولو ضُربت مصالحك, ولو فقدت كل مكاسبك, الإخلاص أن تكون مع الحق. 2 ـ إخلاص الدين من الفرق والشيع والأهواء الفاسدة والبدع المضلة :
الوجه الثاني للإخلاص قال: إخلاص الدين من الفرق والشيع, والأهواء الفاسدة, والبدع المضلة, وقد قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية:159]
الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
الذي يرضي الله أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين, لا أن تشكل لوحدك جماعة صغيرة, وأن تكفر كل ما عداها, هذا الشيء لا يرضي الله عز وجل, بالطريقة هذه فرقت المسلمين, وفرقت شملهم, وجعلتهم شيعاً وأحزاباً, ضعفوا وقوي عليهم عدوهم، وهذه أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون، أن كل فئة تدّعي أنها وحدها على حق, وما سواها باطل, أما الإيمان الصادق فكل إنسان صحت عقيدته, واستقامت سريرته, واستقام عمله, أخوك في الله؛ لو كان من مسجدك, أو من غير مسجدك, من جماعتك, أو من دون جماعتك, الانتماء إلى مجموع المؤمنين لا إلى فقاعة صغيرة لا تشكل شيئاً من عالم المسلمين.
فهذه الآية تغطي هذا الوجه الثاني: إخلاص الدين من الفرق, والشيع, والأهواء الفاسدة, والبدع المضلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية:159]
براءة الرسول الكريم من أهل البدع :
قالت عائشة -رضي الله عنها-, سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هؤلاء فقال:
((هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة أنا منهم برئ، وهم منى برآء))
[ مسلم عن عائشة]
أهل البدع أحدثوا في الإسلام شيئاً لم يكن من قبل, أحدثوا في عقيدة المسلمين أو في عبادات المسلمين عبادة ليست من سنة رسول الله؛ لأن السنة متوازنة من عند حكيم عليم, من عند خبير, من عند خالق الأكوان.
فالإنسان عندما يعدد, يضيف, يحذف, كأنه يتهم هذا الدين بالنقص أو بالزيادة, ومادام الإنسان اخترع شيئاً فهذا لا ينجح.
أوضح شيء: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾
[سورة الحديد الآية:27]
لأنها فوق طاقتهم.
الميل الجنسي متغلغل في أعماق النفس وقد أراده الله ليكون حفظاً للنوع من الاندثار :
الميل الجنسي متغلغل في أعماق النفس, هكذا أراده الله عز وجل, أراده ليكون حفظاً للنوع من الاندثار, فلمَ نحرم الزواج ولو النية طيبة؟ ولو النية النسك والتعبد والانقطاع لله عز وجل؟ هذا الشيء ما أمر الله به, ولا سمح به, ويتناقض مع بنية النفس ومع فطرتها.
فالرهبانية التي ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء مرضاة الله, لما كتبوها على أنفسهم, أعلنوا أنهم في سبيل الله, لأنها لم تشرع لهم, فما رعوها حق رعايتها. لذلك تجد الانحراف الشديد جداً، فالذين عزفوا عن الزواج, وقعوا في انحرافات أخطر.
فقال عليه الصلاة و السلام: ((هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة أنا منهم برئ، وهم منى برآء))
[ مسلم عن عائشة]
والحديث: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قال الصحابة : من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي))
[الترمذي عن عبد الله بن عمر]
استقامة العقيدة أخطر من استقامة السلوك :
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((خير القرون قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم))
[البخاري عن عمران بن حصين]
ثلاثة قرون شهد النبي بالخير لهم؛ أصحاب النبي, والتابعون, وتابعو التابعين, هذه القرون الثلاثة؛ فُهم الدين فهماً صحيحاً, وطُبق الدين تطبيقاً صحيحاً, وأي فهم معاصر للدين, بعيد عن فهم الصحابة, وفهم التابعين, وفهم تابعي التابعين, فهو فهم منكر, وانحراف عن خط سيره.
إذاً: اتبعوا ولا تبتدعوا, بشروا ولا تنفروا, يسروا ولا تعسروا, وإياكم والحدثة والبدعة, وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار, وإياكم والتبتدع والتعمق, فإن شرار عباد الله المتعمقون المتشدقون, ومن أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة, ومن شذ شذ في النار.
في قول لا أدري يقول إبليس: "سولت لأمة محمد بالمعاصي, فقطعوا ظهري بالاستغفار".
أي إبليس يسول للإنسان المعصية, لكن الإنسان معه سلاح فتاك هو الاستغفار.
سيدنا علي -رضي الله عنه- يقول: "ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان: مبتدع ناسك, وعالم فاجر؛ فالعالم الفاجر يُزهد الناس من علمه لما يرون من فجوره".
أي شخص متعمق, معه شهادة عالية جداً في أصول الدين, وإذا تكلم بدل قائمة, وإذا شرح نصاً أبدع في النص, وله مؤلفات, تدخل إلى حياته الخاصة, لا يوجد التزام, أي يعطي نفسه ما تشتهي, بل تجده يقترف بعض المعاصي؛ فالناس رغم علمه, واختصاصه, وتفوقه, وطلاقة لسانه, وذاكرته القوية, ومؤلفاته, يزهدونه, لأن سلوكه لا يتناسب مع علمه.
هناك طرفة: إنسان أنيق جداً, تكلم كلاماً بذيئاً جداً, فقال له إنسان آخر: إما أن تلبس مثل كلامك, وإما أن تتكلم مثل لبسك، أي هذه الأناقة العالية تحتاج إلى كلام مهذب.
أيضاً: إنسان معه اختصاص عال في أصول الدين, له طريقة بارعة في عرض الدين, هذا المستوى الرفيع بالعلم لا يتناسب معه بدع, وفسق, وفجور, وتفلت.
الثاني: أشد خطراً, الأول: العالم الفاجر, زهد الناس بعلمه, لما يرون من فجوره, أما المبتدع الناسك فشخص مستقيم, لكن جاء بشيء في الدين لم يكن من قبل.
فالذي يُسلِّك بدعته في الناس صلاحه واستقامته, والحقيقة استقامة العقيدة أخطر من استقامة السلوك, لأن المبتدع لا يتوب, السبب: المبتدع يظن أنه على حق وحده, وما سواه على باطل, دائماً المبتدع يتهم الآخرين بالانحراف, فإذا كان مستقيماً استقامة ظاهرية يجذب الناس إليه مع أنه مبتدع. ترتيب الله عز وجل المعاصي ترتيباً تصاعدياً :
وكما هو معلوم الله عز وجل رتب المعاصي ترتيباً تصاعدياً؛ بدأ بالفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, ثم الشرك, ثم الكفر, وجعل في قمة هذه المعاصي:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية:33]
التوجيه الخاطئ أن تبني الإنسان بناء غير صحيح, أن تؤله شخصاً, أن تتساهل بالتكاليف, أن تشدد بتكاليف معينة.
الشيء الذي يؤلم أن كل جماعة تأخذ ناحية تبالغ فيها, وتعتز بها, وتأخذ نظر الناس, وتتساهل تساهلاً خطيراً بنواح أخرى, فالذي يحصل كل فئة تدّعي أنها على حق وحدها, لما تبالغ به في بعض فرائض الدين, وفي نقاط أخرى هناك تساهل فيها, أصبحنا أمام مجموعة أديان: وكل يدعي وصلاً بليـلى وليـلى لا تقر لهم بذاك
***
على الإنسان أن ينتمي لمجموع المؤمنين لا لفقاعات صغيرة :
أصبح الإنسان إذا أراد أن يتميز, يتفوق, يأتي بشيء من الدين, لم يكن من قبل, يركز عليه, وكل فرقة لها طريقة عجيبة في التركيز على شيء, والإخلال بشيء آخر, يصبح في النهاية كل شخص يرى نفسه هو على حق, والمسلمون ينزلون ببعضهم طعناً, وعداوة, وبغضاء, وهذا لصالح العدو, أما لو أن السنة وسعتنا جميعاً, وطبقناها جميعاً, ولم نبتدع في الدين, لاجتمعنا, ولأصبحنا قوة كبيرة؛ لأن المبتدع دائماً يأتي بشيء لم يكن في الدين, يدّعي أنه على حق, نزعته عدوانية, يؤله الأشخاص, يخفف التكاليف أو يزيدها, يؤله الأشخاص, له نزعة عدوانية, وهذه أمراض المسلمين.
الشيء المؤلم جداً أن أمراض المسلمين في الشرق هي نفسها في الغرب, أينما ذهبت, حتى في أقصى البلاد, تجد من هؤلاء؛ أنت لست من جماعتنا, هذا المسجد للجماعة الفلانية, إذا دخل شخص من جماعة أخرى الويل له, كأنه كافر, هذه أمراض المسلمين.
فلذلك الصواب أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين, أن يكون المؤمنون جميعاً أمة واحدة, أما الانتماء إلى فقاعات صغيرة فهذا يفرق.
3 ـ إخلاص العمل من دقائق الآفات وخفايا العلل :
الوجه الثالث في الإخلاص: إخلاص العمل من دقائق الآفات وخفايا العلل, قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
من خاف المقام بين يدي العلاَّم فليعمل عملاً صالحاً؛ أي على أساس الإخلاص والتمام, ولا يشرك ولا يرائي بطاعة ربه أحداً من الأنام.
قال عليه الصلاة والسلام: ((يُنادى المرء يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء يُنسب إليها, يقال له: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا ظالم, ضل سعيك, وبطل عملك, اذهب فالتمس الأجر, ممن كنت تعمل له))
[ورد في الأثر]
أكثر شيء مؤلم أن الإنسان يجير لإنسان, إنسان يعمل لإنسان, هذا هو الشرك؛ لا يليق بك إلا أن تكون لله, لا يليق بك إلا أن تعمل لله, فإن جيرت عملك لإنسان كنت عبداً لهذا الإنسان.
قال له: ((اذهب فالتمس الأجر ممن كنت تعمل له))
على الإنسان أن يخلص لله عز وجل الذي يعطيه و يحفظه :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((مَن سَمَّع, سَمَّعَ الله به, -أراد الشهرة الله يرفع شأنه- وَمَنْ رَاءَى, رَاءَى الله به))
[أخرجه البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله]
وكم من موسّع عليه في الدنيا مقتر عليه في الآخرة، وكم من مقتر عليه في الدنيا موسع عليه في الآخرة، ومستريح, ومستراح منه: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:110]
أي لا يرائي بطاعته أحداً, فإن هذا الأحد –الشخص- لا يضرك ولا ينفعك, ولا يرزقك ولا يحفظك, ولا يعطيك, ولا يميتك ولا يحييك, أخلص عملك لمن يقدر لك هذه الأشياء كلها. الموحد إذا مدحته يزداد لله شكراً والمشرك إذا مدحته يزداد اعتزازاً بشركه :
الآن: هناك بعض الشواهد: قيل: "من غضب إذا ذكرت عيوبه فهو مراء, -إذا إنسان ذكرته بعيوب, إذا غضب فهو مراء, أما إذا كان مخلصاً يقول لك: جزاك الله خيراً, والله لم أكن منتبهاً, تجده ينصاع للحق سريعاً-, ومن ازداد بالمديح, وانتقص بالمدح فهو مراء".
إذا مدحته يجود أكثر, خففت المديح يخف جوده, هناك شخص عبد المديح, يستجدي المديح, إذا مدحته يزداد, إذا لم تمدحه يخف طبعاً.
بالمناسبة حتى أكون دقيقاً: المؤمن إذا مدحته يربو –يزداد- الإيمان في قلبه، هنا ازدياد شكر لله عز وجل, وإذا لم تمدحه استقامته هي هي, أما إذا كان مدحت إنساناً ضعيف الإيمان, ينمو الشرك فيه؛ فأنت إما أن تنمي الشرك, أو أن تنمي الإيمان.
هناك حديث:
(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))
[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
أحدهم مدح أخاه أمام رسول الله، قال له: ويحك قطعت عنق صاحبك.
الإيمان يربو في قلب المؤمن إذا مدحته، كيف نوفق بينهما؟ الموحد إذا مدحته يزداد لله شكراً, والمشرك إذا مدحته يزداد اعتزازاً بشركه.
وقيل: "هناك من يشرك بالله عز وجل يقال له: يا عبيد الشهوات, خذ أجرك ممن عملت له". 4 ـ المخلص كلامه كله في سبيل الله يتكلم الكلمة المناسبة التي تجمع ولا تُفرق :
الوجه الرابع للإخلاص:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية:114]
المخلص كلامه كله في سبيل الله، لا يمدح ذاته, دائماً يمدح ربه, يتكلم الكلمة المناسبة؛ الكلمة التي تجمع ولا تُفرق, التي تؤلف ولا تبعد, التي ترقى بالإنسان ولا تبعده عن الله عز وجل, الأضواء كلها مسلطة على الكمالات الإلهية, والكمالات النبوية, وأصحاب رسول الله, إذا الضوء سلطناه على الذات أصبح في شهوة, هذه شهوة العلم؛ فالإنسان يبتعد قدر الإمكان عن أن يمدح ذاته, وإلا وقع في مطب كبير.
كنت أقول دائماً: القمة بلوغها صعب جداً والأصعب من ذلك أن تبقى فيها.
هناك طرق تنقلك إلى القاع سريعاً وهي الغرور, الإنسان إذا نجح في عمل, نجح في دعوة, نجح في عمل خيري, المفروض أن يبقى في أعلى درجة من التواضع, ولا يسقط في مطب الغرور.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما دخل مكة فاتحاً, دخلها مطأطىء الرأس, تواضعاً لله عز وجل.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 2 ( اوجة الاخلاص 2 ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
وجوه الإخلاص :
1 ـ المخلص كلامه كله في سبيل الله يتكلم الكلمة المناسبة التي تجمع ولا تُفرق :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الإخلاص.
والوجه الرابع للإخلاص: قوله تعالى:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية:114]
لقد نفى الله جل جلاله أن يكون في كلام العبد نفع للعبد, إلا في هذه الحالات الثلاث: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
[سورة النساء الآية:114]
الكلمة الطيبة صدقة.
أية دعوة إلى الله بالمفهوم الواسع هي صدقة, أية نصيحة, أية دعوة إلى التمسك بكتاب الله, أية دعوة إلى الإعراض عن الدنيا, أية دعوة إلى طاعة الله, هذه عند النبي -صلى الله عليه وسلم- صدقة, لأن أفضل صدقة أن تدل إنساناً على الله عز وجل, طبعاً بالمعنى الواسع, والمعنى الضيق أن تدعو الناس إلى الإنفاق.
قيل في تفسير هذه الآية: "موعظتك لأخيك بالله صدقة, تتصدق بها عليه, وكف أذى لسانك عن المسلمين صدقة, وإرشادك الأعمى إلى الطريق صدقة". المؤمن مع الحق :
وقوله تعالى:
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾
[سورة النساء الآية:114]
هو كل ما قبله العلم, أو عُرف مثله في الأثر الصحيح؛ شيء معروف بالعلم, أو بالنقض, أو إصلاح بين الناس, هو الكلام في إصلاح ذات البين.
فإذا أصلحت بين اثنين, أو أصلحت بينك وبين الآخرين, فهذا من قبيل إصلاح ذات البين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))
[رواه الترمذي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
[سورة النساء الآية:135]
وقال ابن عباس: "كونوا قوامين، ناطقين بالحق: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾
[سورة النساء الآية:135]
ولو كانت الشهادة على أنفسكم, أو على أبويكم, أو على أقربائكم, لا تميلوا مع الهوى في أقوالكم؛ ولكن انطقوا بالحق".
المؤمن مع الحق, غير المؤمن مع الهوى, مع أقربائه, ينحاز إلى جماعته, ولو كانوا على باطل, ينحاز إلى أولاده, ولو كانوا على باطل: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
[سورة النساء الآية:135]
المخلص تعد كلامه عدّاً لأنه يراقب نفسه مراقبة دقيقة :
أوحى الله جل جلاله إلى بعض أنبيائه: "أن يا داود, حرام على قلب يحب الدنيا أن يقول الحق".
أي قلب يحب الدنيا لا ينطق إلا بالباطل.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((مَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَو لِيَسْكُتْ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
قالوا: المخلص تعد كلامه عدّاً، لأنه يراقب نفسه مراقبة دقيقة؛ ينطق بالكلمة التي ترضي الله عز وجل, ينطق بالكلمة التي تجمع ولا تفرق, ينطق بالكلمة التي تؤلف ولا تبعد, ينطق بالكلمة التي تُرَضِّي الناس عن الله عز وجل.
هناك شخص شيطان يتكلم؛ إذا دخل إلى بيت, يزدري هذا البيت, إذا زار أخته, يصغر زوجها في نظرها, إذا دخل إلى بيت صديقه, يصغر متاعه في نظره, التقى بشخص, يحتقر دخله أمام دخله, شيطان يتكلم.(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ترفعه إلى أعلى عليين، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى يهوي بها إلى أسفل سافلين ))
[ورد في الأثر]
والكلمة الطيبة صدقة, والإنسان قد يسقط من عين الله بكلمة.
قيل: "من تكلم بكل ما يريد, لم يتورع في كلامه, ومن كثر كلامه, كثر خطؤه, ومن أكل -أكل ما يشتهي-, لم يتورع في طعامه, ومن نام في الليل أكثر من ثلاثة أرباعه, لم يتورع في نظره, ومن زاد ثمن كسوته عن أربعين درهماً, لم يتورع في كسوته, ومن رفع بنيان بيته عن ثمانية أذرع, لم يتورع في بنيانه, ومن علا صوته عند ضحكه, لم يتورع في ضحكه".
كان عليه الصلاة والسلام جل ضحكه التبسم. 2 ـ إخلاص الأخلاق :
الوجه الخامس للإخلاص: إخلاص الأخلاق, فقد قال الله تعالى مدحاً لنبيه -صلى الله عليه وسلم-:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية:4]
قال أنس بن مالك: "خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين, فوا الذي بعثه بالحق نبياً, ما قال لي في شيء فعلته وهو يكره ذلك لم فعلته؟ وما تركت شيئاً قط من خدمته كان يحب أن أفعله, فقال لي: ما لك لِمَ لم تفعله؟ فضلاً عن أن يُلزمني في شيء, وما كان أحد يلزمه في شيء إلا قال: دعوه, فإنما كان هذا بكتاب وقدر, وكان إذا أراد أو افتقر عليه قال: لو قدر لكان, وما كان يعيب طعاماً قط إذا قدم إليه, إذا اشتهى أكل, وإذا لم يشته ترك, لا يغضب لنفسه, ولا ينتصر لها, فأما الشيء الذي من حقوق الله تعالى, أو من حقوق الناس بعضهم من بعض, فليس عنده هوى لقريب أو بعيد إذا غضب".
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس قواماً, وأحب الناس وجهاً, وأطيب الناس ريحاً, وألين الناس كفاً, ما شممت رائحة مسك ولا عنبر أطيب من رائحته, وما مسكت قزاً ولا حريراً ألين من كفه, ولقد قالت عائشة في ذلك: ما ضرّ من شم تربة أحمد ألا يشم الدهر ريح الغواليا
***
3 ـ الدين الخالص الذي يقبله الله عز وجل ما كان خالصاً لوجهه :
الوجه السادس للإخلاص:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
[سورة الزمر الآية:3]
قال بعض العلماء: إن من لطائف هذا الدين قوله جل جلاله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
[سورة الزمر الآية:3]
وهذا تهديد لطيف, معنى ذلك أن الدين الخالص الذي يقبله الله عز وجل ما كان خالصاً لوجهه.
لو إنسان رأى أوزاناً غير صحيحة, قال: أنا عندي الوزن الصحيح, أي لا أقبل إلا الوزن الصحيح, وهذا من ألطف أنواع التهديد: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
[سورة الزمر الآية:3]
الدين الذي أقبله, الدين الذي أبارك صاحبه ما كان خالصاً لله عز وجل. المخلص عمله القليل يُغني عن عمل كثير من دون إخلاص :
المشكلة الإنسان قد يتحرك, وهو يتوهم أنه يرضي الله, وهو في الحقيقة يرضي ذاته.
فيقول سيدنا عمر -رضي الله عنه-: "تعاهد قلبك".
الإنسان بحاجة ماسة إلى أن ينظر إلى أعماله؛ يا ترى فيها رياء؟ فيها نفاق؟ فيها تظاهر أمام الناس؟ هل هناك مسافة بين سريرته وعلانيته؟ بين خلوته وجلوته؟ هل يفعل شيئاً فيما بينه في البيت يستحي أن يراه الناس؟
إذا يوجد عنده خلوة وجلوة, وظاهر وباطن, وسر وعلن مختلفان, فهذه بشارة لا تفضي إلا إلى أن الإخلاص ضعيف, أما إذا كان لا تأخذه في الله لومة لائم, وسريرته كعلانيته, وباطنه كظاهره, وسره كجهره, وخلوته لجلوته, فهذه ظاهرة طيبة.
المخلص عمله القليل يُغني عن عمل كثير من دون إخلاص.
يروون أن إنساناً صلى في المسجد أربعين عاماً في الصف الأول, مرة غاب عن المسجد فقال: ماذا يقول الناس عني؟
أربعون عاماً يصلي في المسجد في الصف الأول لينتزع إعجاب الناس, فلما تخلف يوماً عن ذلك, الذي أهمه ماذا يقول الناس عنه؟ هذا مؤشر خطير جداً.
أكثر الأسر تجدهم يقبلون أي عمل سيئ فيما بينهم وبين أسرتهم, أما إذا انتقل هذا الشيء إلى الآخرين فيغضبون, هو لا يغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل, إذا بقيت في البيت, أما يغضب إذا أُشيع عنه ذلك, فهذه ظاهرة خطيرة جداً؛ هو يخشى الناس, ولا يخشى الله, يخشى ما عند الناس, ولا يخشى الله.
الإخلاص أثمن شيء في الدين بل هو عبادة القلب :
البارحة في الدرس ذكرت شيئاً لم أقرأه من قبل: أحد كبار العلماء خرج للمدينة, فخرج معه قوم كثيرون, فدعا الله عز وجل ألا يكون هؤلاء الأتباع الكثر حجاباً بينه وبين الله, كما يرجو لهم ألا يكون هو حجاباً لهم عن الله.
أحياناً الإنسان ينسى الله عز وجل, يتجه لشخص, يهمه أن يرضيه, يعمل ليراه, يخاف أن تخدش مكانته عنده, وينسى الله عز وجل.
فأحياناً يكون الأتباع حجاباً, أحياناً الذي يدعوهم إلى الله هو الحجاب, أما الأصل فهو الله عز وجل. فالإنسان إن حيل بينه وبين الدعوة إلى الله يقول: يا رب, أنا أدعو إليك, فإذا قدرت ألا أتكلم فهذه مشيئتك, لا يتأثر.
أي أنا يا رب جندي للحق, إن سمحت لي فهذا يسعدني, وإن لم تسمح لي فأنا راض, أما إذا هناك مصالح, أو مكاسب ولو معنوية, فيتأثر تأثراً غير معقول, أنت جندي عند الله عز وجل, سمح لك أن تتكلم تتكلم, لم يسمح لك تبقى صامتاً، فكلما ارتفع مستوى الإخلاص العمل قُبل, وشعرت أنك قريب من الله عز وجل.
قال لي شخص: الإخلاص كيف يكون؟ قلت له: الإخلاص محصلة إيمانك كله, واستقامتك, وجهادك, وطلبك للعلم, كل هذا النشاط المكثف محصلة الإخلاص, لا يأتي بساعة, أو بكلمة, أو بتقليد, الإخلاص مؤشر عميق جداً.
كيف أن سعر العملة في بلد مؤشر إلى اقتصادها؛ أي الثروات الباطنية, مع الإنتاج الصناعي الضخم, مع الهيمنة الدولية, مئة عامل يدخلون في سعر العملة.
فلذلك: الإخلاص أثمن شيء في الدين, بل هو عبادة القلب, كل شيء تفعله من الظاهر هذه عبادة الجوارح, والإخلاص عبادة القلب.
مؤشرات عدم الإخلاص لله :
أكثر شيء ملاحظ أن المخلص يأتيه ثمن عمله الصالح, يمكن أن نسميها سكينة تملأ قلبه, أو شعوراً بالفرحة في عمله الصالح, يقبض الثمن, أما غير المخلص فإذا عمل عملاً صالحاً, ولم يجد مديحاً كافياً, لم يلق ثناء كافياً, يضطرب, وكأنه يعمل ليمدحه الناس, فإذا جاء المدح مكافئاً لعمله يرتاح, إذا جاء المديح أقل من عمله: يا أخي لا أحد ينتبه للعمل, ليس واضحاً معهم, معنى ذلك أنك تعمل لهم, فهذه نقطة مهمة.
إذا عملت عملاً صالحاً؛ لم تجد ردّ فعل طيب, لم تجد تقديراً لعملك, وتأثرت وغضبت, فهذا مؤشر غير مريح, هذا مؤشر على أنك ترجو ما عند الناس.
وربنا عز وجل لحكمة بالغة إذا علم من العبد عدم الإخلاص, ألهم الذين من حوله ألا يقدروا عمله حتى ينبهوه؛ إنك تعمل من أجلهم لا من أجلي, فهذا مؤشر.
المؤشر الثاني: إذا عملت عملاً صالحاً, ولم تسعد فيه, الدليل: ليس لله, عملت عملاً طيباً؛ لم تشعر بالإقبال على الله, لم تشعر أن الله عز وجل تجلى على قلبك, لم تشعر أنك قريب منه, معنى ذلك أن العمل ليس لله.
المؤشر الثالث: إن كان هناك مسافة بين خلوتك وجلوتك, بين سرك وعلانيتك, بين ظاهرك وباطنك، فهذا أيضاً مؤشر عن عدم الإخلاص.
ثلاثة مؤشرات؛ أول مؤشر: هذه المسافة بين الظاهر والباطن, ثاني مؤشر: أن تضطرب حين لا ترى مديحاً يكافىء عملك, الثالث: ألا تجد حلاوة في قلبك إثر عمل صالح, لو كان لله عز وجل قبضت الثمن من الله, ولا تعبأ بمديح الآخرين, فلذلك: المخلص يستوي عنده المديح والدين.
من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به :
من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، المخلص لا يهمه ردّ الفعل, الله أحياناً يعطيك امتحاناً صعباً, تخدم إنساناً خدمة عالية جداً لله, الله لحكمة بالغة لا أقول: يلهمه أن يزعجك, لكن الإنسان يزعجك بالعمل, لكن المخلص برداً وسلاماً:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الزمر الآية:9]
إن مدحك أو لم يمدحك, لو ذمك, أنت خدمته لله, هو ذمك, عملك لله, وقبضت الثمن صلة بالله عز وجل.
كانت المؤشرات الثلاثة مهمة جداً؛ المسافة بين الخلوة والجلوة, والظاهر والباطن, والسر والعلن, وعدم الراحة عقب العمل الصالح, دليل عدم وجود الإخلاص, والثالثة: إذا كان ردّ فعل الناس بعملك الصالح ضعيفاً, وأنت اضطربت اضطراباً شديداً فهذا دليل عدم الإخلاص, أما المخلص فيعمل العمل الذي يرضي الله, ولا يعبأ برد الفعل, وهذا المعنى دقيق جداً. المخلص يهمه إرضاء الله عز وجل :
ورد في الحديث الشريف, يفهمه الناس فهماً خاطئاً:
((إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا تشاء))
[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود البدري]
أي إذا لم تستح من الله في هذا العمل, وكنت به مخلصاً, افعل ما تشاء, ولا تعبأ بقول الآخرين.
مثلاً: إنسان عنده مشكلة زوجية, فتزوج امرأة ثانية, ليس مقبولاً اجتماعياً أن يأخذ اثنتين, هناك أشخاص يعصون الله, يتساهل, يقع في بعض المخالفات, دون أن يجرح مكانته الاجتماعية, هناك إنسان لا, يفعل ما سمح الله به دون أن يجرح مكانته الاجتماعية, طبعاً الناس يتكلمون كلاماً غير مقبول, يذمونه, يسخرون منه, أما المؤمن فلا يوجد عنده حل ثان, لا يستطيع أن يعصي الله عز وجل, فيقوم بشيء قد لا يرضي الآخرين, لكنه يرضي الله عز وجل. ((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء))
[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود البدري]
ابن المبارك ذاهب للحج, رأى طفلة تنقب في قمامة, فإذا بطير ميت تأخذه وتركض, تبعها إلى البيت, بيت فقير جداً, مات رب الأسرة, ولم يترك لهم شيئاً, فتذهب هذه الفتاة إلى القمامة تنقي, هذا الرجل العالم الكبير أعطى الأسرة كل ما معه, وعاد إلى بلده.
هناك شخص لا يقبل إلا أن يذهب كل سنة إلى الحج, أصبح هناك له مكانة, كل سنة يحج, إذا كان عنده ابن ليس متزوجاً, تزويج الابن أولى.
والله أعرف أشخاصاً, يسكن في بيت, ثمنه ثلاثون مليوناً, وله ولدان, ثلاثة, يتألمون من شدة العزوبية لا يوجههم, بع البيت, خذ عدة بيوت, كل بيت بعشرة ملايين, لا يبيعه, هذا مكانه؛ بيت فخم, ثلاثمئة متر بأرقى أحياء دمشق, تجعل أولادك يتقلبون على فراش العزوبية, وفي أشد الحاجة إلى الزواج, لا يبيع البيت, أما المخلص فيهمه إرضاء الله عز وجل, لا يهمه المظاهر. المظاهر لا قيمة لها عند الإنسان المخلص :
الناس حجبتهم المظاهر عن الله عز وجل, لو المظاهر حقيقة تحل كل مشاكلنا فلابأس, لكن هناك طلبات فوق طاقة الشباب, فإذا الآباء لم يتساهلوا, المخلص لا يهمه المظهر.
يروون أن أحد كبار التابعين -سعيد بن المسيب-, خطب ابنته الوليد بن عبد الملك, فاعتذر, عنده مريد فقير جداً, تفقده, لم يأت إلى الدروس, سأل عنه, فقيل له: إن زوجته توفيت, فواساه في وفاة زوجته, وعرض عليه تزويجه من ابنته, وهو لا يملك إلا درهمين, ذهب إلى بيته مهموماً؛ مساء طرق الباب قال: "من الطارق؟ قال له: سعيد, خطر في باله أربعون سعيداً إلا شيخه, فتح الباب فإذا بشيخه وقد دفع له ابنته, قال له: كرهت أن تنام وحدك الليلة".
إنسان سمح له أن تكون ابنته السيدة الأولى في البلاد فزوجها من إنسان فقير!! لكن يرجو لها صلاح آخرتها.
فالمخلص المظاهر ليس لها عنده قيمة أبداً, الناس يقاتلون ويرتكبون المعاصي الكبيرة للمظاهر فقط, هذه نقطة كبيرة في الإخلاص.
المؤشرات ثلاثة: شعورك بالسعادة عقب العمل الصالح, وألا يكون هناك مسافة بين ظاهرك وباطنك, والثالثة: لا تغضب إذا لم يمدحك الناس ولو ذموك.
من عرف نفسه ما ضره مقالة الناس به.
والله عز وجل أعطانا هذه المؤشرات, لتكون عوناً لنا على الإخلاص، "ويا معاذ, أخلص دينك, يكفك القليل من العمل".








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السادس و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 3 ( بعض اقوال للسلف الصالح ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أقوال السلف الصالح في الإخلاص :
من أقوال السلف الصالح في الإخلاص، قال حاتم الأصم: "تعاهد نفسك في خمسة أشياء: العمل الصالح من غير رياء".
وقد بينت في درس سابق علامات الإخلاص, أن الإنسان حينما تستوي خلوته وجلوته, وحينما تستوي سريرته وعلانيته, وحينما يستوي ظاهره وباطنه, فهذا الاستواء من علامات الإخلاص, وحينما يعمل عملاً صالحاً, ولا يرجو به إلا الله, فلو أن الذي عمل له العمل الصالح, كان رده غير أخلاقي, لا يتأثر المخلص, أما الذي يتأثر تأثراً شديداً من عدم تقدير عمله, فهذه علامة من علامات ضعف الإخلاص, والعلامة الثالثة: إنك إن عملت عملاً تبتغي به وجه الله تسعد بهذا العمل, لأن الله عز وجل أعطاك ثمنه سكينة, ألقاها في قلبك؛ فالسكينة, واستواء السريرة والعلانية, وعدم التأثر بجحود الناس بعملك, هذه كلها علامة من علامات الإخلاص.
"فالعمل الصالح بغير رياء, والأخذ بلا طمع, والعطاء بلا منّ, والإمساك بغير بخل, والأكل بغير شرى, -هذه خمس علامات من علامات الإخلاص, يشرح هذه النقطة الأولى-؛ الرياء مع العمل خسران, والطمع مع الأخذ نقصان, والمن مع العطاء بهتان, والإمساك مع البخل طغيان, والشرى مع الأكل ظلم وعدوان". أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان :
وهناك قول آخر: "من علامات الإخلاص تعاهد نفسك في ثلاثة مواضع لعلك تنال الشرف والإخلاص؛ إذا عملت فاذكر نظر الجبار إليك".
حينما تعمل كن تحت المراقبة, لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية:1]
والإنسان إذا شعر أن إنساناً يراقبه يختلف الأمر اختلافاً كلياً, إذا قيل: إنك مراقب, أو إن هاتفك مراقب, تضبط كلامك إلى درجة متناهية, فكيف إذا شعرت أن الله يراقبك؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية:1]
"إذا عملت فاذكر نظر الجبار إليك, وإذا تكلمت فاذكر سمع الغفار, وإذا سكت فاذكر فيك علم القهار".
أي إن تكلمت فهو يسمعك, وإن سكت فهو يعلم ما في قلبك, وإن تحركت فأنت تحت المراقبة, هذا الحال وحده يجعل الإنسان منضبطاً أن الله معك, وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان.
وقال بعضهم: "من عمل بغير اتباع السنة بطل عمله". إخلاص بلا اتباع لا قيمة له واتباع بلا إخلاص لا قيمة له :
الفضيل بن عياض يفسر قوله تعالى:
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾
[سورة النمل الآية:19]
ما العمل الصالح الذي يرضي الله عز وجل؟-, قال: بشرطين؛ أن يكون خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتُغي به وجه الله, وصواباً ما وافق السنة.
أي عمل صالح يخالف السنة لا يُقبل ولو كانت نيته طيبة, وأي عمل صالح ولو وافق السنة لا يُقبل إن كان غير مخلص؛ إخلاص بلا اتباع لا قيمة له, واتباع بلا إخلاص لا قيمة له, لا بد من أن تتبع منهج النبي, ولا بد من أن يأتي عملك خالصاً لوجه الله عز وجل.
ألا ترى إلى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة]
هي اتباع السنة. الله تعالى لن يقبل من الإنسان أن يدّعي حبه من دون دليل والدليل هو اتباع النبي :
الإنسان حينما يجتهد, فيأتي بشيء ما فعله النبي, ولو كان مخلصاً لا يُقبل منه؛ لأنه أحدث ديناً جديداً, فرق الأمة؛ فكل اجتهاد في زيادة العبادات, وفي تكليف الناس ما لا يطيقون, أو في إلغاء شيء من الدين, اتهام له بالزيادة والنقص, ولن تكون مقبولاً عند الله إلا إذا اتبعت السنة, بل إن الله جل جلاله لن يقبل منك أن تدّعي حبه من دون دليل, والدليل هو اتباع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:31]
قالوا: سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاث؛ حب الخليل –حب الله عز وجل-, وشكر القليل, وطاعة الذليل.
أي أن تكون عبداً لله, لدرجة أن أي شيء يرضيك تفعله؛ عرفت أم لم تعرف, قنعت أم لم تقنع.
وقال عبد الله بن المبارك: "لو صحّ لعبد في عمره كله نَفَسٌ في غير رياء ولا شرك لكان بركة من بركات الله عليه".
أي الشرك والرياء يفسدان العمل كما يفسد الخل العسل.
وقال بعضهم: "لا يكون العمل مخلصاً حتى يخلُص من ثلاثة: رؤية الخلق, ورؤية النفس, ورؤية الجزاء عليه من الرب". من يؤمن أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب لا يمكن أن يعصيه :
وأنا كنت أقول: حينما تُوقن بثلاث كلمات؛ أن الله يعلم, وسيحاسب, وسيعاقب, لا يمكن أن تعصيه, إلا إذا أيقنت أنه يعلم, ويحاسب, ويعاقب, كما أنك لا يمكن أن تتجاوز الشارة الحمراء إذا كنت تعلم أن الشرطي يقف, وشرطي ثان مع دراجة يقف, وأنت مواطن عادي, والإشارة حمراء, مستحيل أن تعصي, أما حينما تتجاوز هذه الإشارة, فقد تفعلها في الليل, لأنه ليس هناك من ينقل هذه المخالفة لواضع النظام, أو أكبر من واضع النظام, أما إنسان أقل من واضع النظام, ويعلم إذا خالف النظام أنه سيعاقب فمستحيل!.
فحينما تؤمن أن الله يعلم, وسيحاسب, وسيعاقب, أنت لا يمكن أن تعصي إنساناً يعلم, ويحاسب, ويعاقب. أنواع الشرك :
ماذا يقابل الإخلاص؟ الشرك, شرك بالتوحيد, وهو شرك أهل الكتاب, وشرك في شيء من الدنيا, عندما يجعله عدة له, ويتوكل عليه, ويقول: هو عندي فيعبده, أي شيء أنت متمكن منه, هذا شرك أيضاً؛ متمكن من المال, متمكن من القوة, أي شيء مكنك الله به, إذا اعتمدت عليه فهذا نوع من الشرك.
وهناك شرك في الأعمال: الإنسان أحياناً يعمل هذا العمل, وقد يكون عمله جليلاً, لكنه يرى أن هذا العمل فعله بإرادته, وقوته, وتدبيره, وإحكامه, فهذه الرؤية للعمل دون أن ترى هذا الذي تفضل عليك بهذا العمل نوع من الشرك.
الحسد والغبطة :
الإنسان إذا رأى أن ابتداء عمله من الله نفى عنه العجب, وإذا التمس بعمله رضا الله عز وجل نفى عنه المحمدة والمذمة من خلق الله, إذا التمس بعمله الثواب بعد الموت نفى به الطمع في المخلوقين.
وقال بعض العلماء: "إن الذي يفسد القلب كما يفسد الخل العسل هو سوء الخلق".
سوء الخلق يُفسد العمل؛ إنسان يعبد الله بخلقه السيئ, يفسد كل عمله.
والذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب هو الحسد, والحسد يأكل الحسنات, والإنسان في الأساس مصمم, ومبرمج, ومجبول على شيء سمِّه الغيرة, إذا اتجه إلى الآخرة كان محموداً و يسمى الغبطة, أما إذا كان موضوع الغيرة هو الدنيا, فصار حسداً.
هذه الصفة حيادية, وبها ترقى, لأنه:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية:26]
الله عز وجل أعطاك صفات بالنفس, تعينك على أمر آخرتك, الإنسان الشارد عن الله عز وجل يستخدمها استخداماً آخر.
فأنت عندك شيء اسمه غيرة, لا تحتمل إنساناً يسبقك, فان كانت هذه الصفة في أمر الآخرة ارتقيت بها, تتنافس مع أخوانك الطيبين, أما إن كانت في أمر الدنيا فكانت حسداً.
والفرق بين الحسد والغبطة أن الحسد في الدنيا, والغبطة في عمل الآخرة.
وإن الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب هو الحسد, وإن الذي يحرق البر كما يحلق موسى الشعر هو الغل والبغضاء, وإن الذي يجعلك مفلساً يوم القيامة هو الكبر والخُيلاء, وإن الذي يُعمي القلب عن موارد الحق من الله تعالى هو متابعة النفس والهوى, والذي يقطع العبد عن الأعمال الصالحة هم أهل البطر والغفلة. المخلص ينفعه قليل العمل وكثيره أما المرائي فلا ينفعه شيء :
وقال بعض العلماء: "من أحبّ أن يطلع الناس على عمله فهو مراء, ومن أحبّ أن يطلع الناس على حاله فهو مدعٍ كذاب".
وقال بعضهم: "صحة الشهادة تحتاج إلى أربع خصال, حتى يكون العبد صادقاً بها؛ الإخلاص, والتصديق, واتباع السنة, واستقامة الطريق؛ فمن أتى بالشهادة بلا إخلاص القلب فهو منافق مرتاب, ومن أتى بها بلا تصديق القلب فهو كافر كذاب, ومن أتى بها بغير اتباع السنة فهو متبع مذموم, ومن أتى بها بلا استقامة الطريق فهو فاسق ملوم".
وقال بعض العلماء: "يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته؛ حضور القلب, وشهود العقل, وخضوع الأركان, وخشوع النفس".
والصلاة -كما تعلمون- عماد الدين؛ من أقامها فقد أقام الدين, ومن هدمها فقد هدم الدين.
قال: "من صلى بلا حضور القلب فهو مصل لاه, ومن صلى بلا شهود العقل فهو مصل ساه, ومن صلى بلا خضوع الأركان فهو مصل جاف, ومن صلى بلا خشوع فهو مصل خاطئ, ومن أتم هذه الحدود فهو مصل واف".
أرجو الله سبحانه أن يجعلنا مخلصين له.
"يا معاذ!أخلص دينك لله يكفك العمل من القليل".
المخلص ينفعه قليل العمل وكثيره, أما المرائي وغير المخلص فلا ينفعه كثير العمل ولا قليله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السابع و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 4 ( بعض اقوال للسلف الصالح فى الشرك الخفى ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
معرفة أبواب الشرك :
لا زلنا في الإخلاص أيها الأخوة, ودروس الفجر لها نكهة خاصة؛ لأن الإنسان حينما يستيقظ من منامه شديد الشفافية, والأعمال روحها الإخلاص, والحديث عن الإخلاص ضروري جداً.
قال بعض العلماء في معرفة أبواب الشرك: "وذلك أن يقول العبد: إن الخير من الله, -كلام صحيح-, وإن الشر من نفسه, ومع ذلك يؤمن بالكِهانة, والنجوم, وهجر الطيور, وحك الحاجب, والطيرة, والتعلل بالأطعمة, وأن يقول: لولا هذا الماء لم ينبت زرعي, ولولا كلب فلان لقطعوا داري, ولولا فراهة الملاح لغرقت السفينة, وأشباه ذلك كله من الشرك الخفي الذي حذرنا منه النبي".
حينما تنسى أن الله هو الفعال, حينما تعزو شيئاً إلى شيء, فهذا نوع من الشرك.
طبعاً: الشرك الجلي أن تقول: بوذا إله, هذا نادر في المسلمين. ((أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))
[ورد في الأثر]
الشرك الجلي انتهى في عالم المسلمين, حينما جاءت هذه البعثة, لكن ماذا بقي؟ بقي الشرك الخفي، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية:106]
سيئة مغفورة خير للإنسان من طاعة مردودة لا تُقبل منه :
إذا شخص قال: الدراهم مراهم أشرك, في ذهنه المال يحل كل مشكلة, لا, لا يحلها, يحل كل مشكلة الله عز وجل, فهذا نوع من أنواع الشرك.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((إذا كان يومُ القيامةِ نادى منادٍ يُسْمِعُ أهلَ الجَمْعِ أين الذين كانوا يعبدون الناسَ قوموا وخذوا أجورَكم ممن عملتم له فإنى لا أقبلُ عملا خالطه فيه شىءٌ من الدنيا وأهلها ))
[الديلمى عن ابن عباس]
إنسان صلى الفجر أربعين سنة في أول صف, وهناك يوم تخلف, قال: ماذا يقول الناس عني؟
شيء مخيف, أربعون سنة في العمل الصالح, لكن هو يعمل للحفاظ على سمعته بين الناس, فلما تخلف أحد الأيام قال: ماذا يقول الناس عني؟.
يقول أحد العلماء: "سيئة مغفورة خير لك من طاعة مردودة لا تُقبل منك".
طبعاً الطاعة ترد بالشرك. على الإنسان أن يراقب نفسه بدقة :
والله أيها الأخوة قبل ستة أشهر أو أكثر قرأت حديثاً يقصم الظهر, -لا أذكر نصه بدقة-: ((يُؤتى يوم القيامة برجال لهم أعمال كجبال تهامة, فيؤمر بهم إلى النار, فقالوا: يا رسول الله! جَلّهم لنا, -صفهم لنا-, لئلا نكون منهم, قال: هم يصلون كما تصلون, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم كانوا إذا خلوا بأنفسهم, انتهكوا محارم الله))
[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]
منضبطون أمام الناس مئة في المئة؛ مكانته, وسمعته, والهيمنة كلها ناتجة عن انضباطه أمام الناس, أما إذا خلا مع نفسه انتهك حرمات الله, مثل هذا الإنسان لو جاء بحسنات كالجبال يوم القيامة ترد عليه, وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:23]
الكلام كله مفاده أن يراقب الإنسان نفسه. كل عمل باطل إلا إذا أريد به وجه الله عز وجل :
بعضهم قال في تفسير قوله تعالى:
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
[سورة الفجر الآية:3]
الشفع: الأفعال, والوتر: النية والإخلاص.
وقد قال بعضهم في الأثر القدسي: "ما أريدَ به وجهي فقليله كثير, وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل".
وقال بعض الحكماء: "إن العبد إذا أخلص لله بأعماله وأقواله, لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه, وإذا قال العبد المخلص: يا رب, يقول الله: لبيك عبدي, فإذا سأله أعطاه, وإن لم يسأل, ادخر له ما هو خير له في مسألته".
وقال الجنيد: "الإخلاص واجب الفرائض والنوافل, هو فرض في الفرض, وفرض في الفضل".
أي: كل أعمالك؛ الفرائض والنوافل, والفرائض والفضائل, شرطها الإخلاص.
وقال بعضهم في معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[سورة القصص الآية:88]
كل عمل باطل إلا إذا أريد به وجه الله عز وجل.
والحديث معروف: ((يؤتى بالعالم فيقال له: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلمته فيقال له: كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار))
[مسلم من حديث أبي هريرة]
المخلص لا يتحمل المديح بل يرى العمل فضلاً من الله عز وجل :
وفي حديث آخر:
((يؤتى بالرجل يوم القيامة, فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النار, يقول له أهل النار: ألست أنت فلان؟ يقول: نعم, ما الذي جاء بك إلى هنا؟ يقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي وائل]
الإنسان من لوازم الذكاء إتقان التمثيل, فالإنسان يمكن أن يمثل, تظهر أحياناً بمناسبات الزواج, تجد الخاطب ظهر بمظهر ملائكي, وهو قد يكون وحشاً، فالتمثيل يتناقض مع الإخلاص.
قال أبو سعيد النيسابوري -رحمه الله تعالى-:"جاهدوا أنفسكم على بُغض المحمدة, وعلى الرضا بالمذمة".
المخلص لا يتحمل المديح, يرى العمل فضلاً من الله عز وجل.
إذا شخص عنده مرض جلدي, إذا حككت له يشعر بسعادة, هناك أمراض تحتاج إلى حك, هناك شخص كلما تمدحه يسر, المخلص لا يعبأ بالمدح إطلاقاً.
قال: جاهدوا أنفسكم على بُغض المحمدة, وعلى الرضا بالمذمة, فإنه بلغنا حديثاً- إن صحّ عن رسول الله- وإنه لقاصم الظهور: ((ويل للصائم, ويل للقائم, ويل لصاحب الصوف، فقيل إلا من؟ فقال: إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة))
[ورد في الأثر]
حينما يستوي عندك أن يمدحك الناس أو يذموك, فأنت مخلص, لا تعبأ بالمدح ولا بالذم.
من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به. بالعلم تقوم الأعمال وبالإخلاص تصحح وبالصدق تصفى :
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((أخوف ما أخاف على أمتي (الشرك الخفي), قيل: يا رسول الله! أو تشرك أمتك من بعدك؟ -معقول!-, قال: إنهم لا يعبدون شمساً, ولا قمراً, ولا وثناً, ولا حجراً, ولكنهم يراؤون الناس بأعمالهم, وإن يسير الرياء شرك, قيل: يا رسول الله! فما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح الرجل صائماً, فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر))
[أخرجه الحاكم في مستدركه عن شداد بن أوس]
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله))
[البيهقى فى شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
وقيل: "بالعلم تقوم الأعمال, وبالإخلاص تصحح, وبالصدق تصفى".
وقيل: "المرائي له ثلاث علامات؛ يكسل في الوحدة, وينشط في الملأ, ويحرص على الأمور الممدوحة عند الناس".
والله! حدثوني عن شخص, له أولاد أخ يموتون من الجوع, وهو في أعلى درجة من الغناء, لم يعطهم شيئاً, كان مرة في حفلة, فيها تبرعات, تبرع بخمسمئة ألف, حفل كبير, وأصبح في شهرة, أولاد أخوته يموتون من الجوع, ولا يعطيهم شيئاً, أما في حفل ضخم, وأصبح كل إنسان يبين إحسانه وكرمه, قدم خمسمئة ألف, فهذا واضح أنه في رياء.
قال بعضهم: "احذر الشيطان أن يحول بينك وبين طاعة ربك, فإن أعانك الله على الطاعة, احذر الشيطان أن يحول بينك وبين ربك- هذه أكبر مهمة له- فإذا نجوت من هذا الكيد وأطعت الله عز وجل, احذره أن يفسد عليك هذه الطاعة, فإذا نجوت, فاحذره أن يخفي عليك ما أفسد عليك منها".
أولاً: قد يحول بينك وبين الطاعة, فإذا أطعت الله قد يفسد عليك هذه الطاعة, فإذا أفسد عليك هذه الطاعة, قد يخفي عليك هذا الإفساد.
قال: "إذا أراد المؤمن أن يصلي ركعتين, استقبله الشيطان على خمسة أوجه؛ بالمنع, أو التعجيل, أو الرياء, أو الخجل, أو الإياسة". المخلص يعمل لوجه الله وحده :
سئل الجنيد عن الإخلاص فقال: "هو سر بين العبد وربه".
الإخلاص لا يطلع عليه أحد, ولا ملك, هذا الذي بينك وبين الله فقط هو الإخلاص.
وقيل: من المخلص؟ قال: الذي لا يملكه شيئاً.
يقول لك: كل إنسان له مفتاح, الأذكياء في التعامل مع الآخرين يعرف كل إنسان مفتاحه.
قال لي مرة شخص: شخص وصل لمنصب, وله ابن أخ, لا يحب أن يفعل خيراً أبداً, إن أراد أحدهم أن ينتقل إلى للشام, لا يقبل, جاء شخص قال له: والله! مرتاح جداً إذا تركته, قال له: أريد أن أنقله.
مفتاحه أين يوجد أذى يعمل, إذا كنت تريد أن تعمل عملاً خلاف ما تريد, أعطه مقدمات خاصة, تأتي ردة فعل خاصة. فالإنسان المخلص هو الذي يعمل لوجه الله وحده.
قال: المخلص هو الذي يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
وفعلاً الذي عنده إخلاص شديد, لا يرغب في أن يتحدث عن أعماله إطلاقاً, وينزعج إذا تكلم.
والله! هناك أخوان كثر, إذا تكلمت عن أعمالهم الطيبة ينزعجون, فعلاً: هذه عملها لله, لا يريدها أن تفوح, والناس يثنون عليه, لأن إخلاصه شديد, وحرصه شديد على كتمان أعماله.
قال: المخلص يكتم سيئاته, والمخلص هو الذي يكتم حسناته كما يكتم سيئاته, والمخلص هو الذي لا يريد على أعماله جزاء ولا شكوراً.
المخلص من يعمل لله ولا يحب المدح عليه :
قال الشعبي:
((عمر بن الخطاب خرج إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، فإذا هو بمعاذ بن جبل عند قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم يبكي فقال : ما يبكيك يا معاذ؟ قال : يبكيني ما سمعت من صاحب هذا القبر، قال: ما هو؟ قال : سمعته يقول: إن يسيرا من الرياء شرك، وأن الله يحب الإبرار الأخفياء الأتقياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الدجى، يخرجون من كل غبراء مظلمة))
[ شعب الإيمان عن يزيد بن أسلم عن أبيه]
و في حديث آخر: ((تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم فيها في عافية))
[ المعجم الأوسط عن ابن عمر]
أحياناً يدعى إنسان لحفل, إذا لم يضعوه في أول صف يقيم القيامة, إذا لم ينوهوا باسمه, إذا أثنوا على بعض الحضور ونسوه أيضاً ينزعج, أي الأنا متضخمة عنده جداً, المخلص الأنا عنده صفر.
وسئل بعضهم عن الإخلاص فقال: "المخلص من يعمل لله, ولا يحب المدح عليه".
وكتبت عائشة -رضي الله عنها-: "إنه من عمل لله كفاه الله الناس, ومن عمل للناس وكله الله إليهم, ومن تزين للعباد بغير ما يحبه الله عاد حامده إليه ذاماً".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يامعاذ ! أخلص عملك يكفك القليل))
[رواه الحاكم عن معاذ]
أخلص يكفك العمل القليل. العمل لأجل الناس رياء وترك العمل لأجلهم شرك :
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لقد خشينا أن يدخلنا خوفنا من الرياء في تسعة أعشار".
أي الإنسان يخاف من الرياء, يقع في رياء أشد؛ يترك طاعة الله, لا يصلي أمام الناس, أيضاً هذا رياء, الأمور دقيقة, لذلك أن يترك العبد الصالحات خوف الرياء, هذا نفسه رياء, فالرياء كان عندهم العمل لأجل الناس, أما ترك العمل لأجلهم فهو شرك, العمل لأجل الناس رياء, وترك العمل لأجلهم شرك.
هناك أخوان كثر يسألونني: لا يفعل الطاعة لأنه لا يحب المديح, لا, افعلها, ولا تعبأ بالمديح, أيضاً تترك العمل الصالح خوف الرياء, أصبح العمل شركاً, لأجل الناس رياء, وتركه لأجلهم شركاً, أنت أطع الله, وانتهى الأمر.
هذه دروس لنا جميعاً أيها الأخوة, لا أحد ينفد منها.
أحد العارفين بالله, خرج من مدينة لمدينة, فتبعه خلق كثير, كثير جداً, له أتباع, فتوجه إلى الله بالدعاء فقال: "يا رب, لا تقطعني عنك, ولا تقطعهم عنك بي".
الأصل هو الله عز وجل في كل شيء, أحياناً الإنسان ينسى الله, يتجه لعبد الله اتجاهاً شديداً, يكون قد ضيّع شيئاً من إخلاصه لله عز وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 5 ( مصطلحات اسلامية ).









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
مصطلحات إسلامية :
أيها الأخوة: في الإسلام مصطلحات يتصل بعضها ببعض, ويفترق بعضها عن بعض, ولا بد من فهم دقيق لمعرفة حدودها؛ مثلاً: 1 ـ المداراة و المداهنة :
قد يختلط عند البعض أن تداري أخاك أو تداهنه, وفرق بين الشيئين كبير؛ المداراة: بذل الدنيا من أجل الدين, والمداهنة: بذل الدين من أجل الدنيا, المداهنة مذمومة, والمداراة مستحسنة.
فأنت قد تضحي بشيء من دنياك في سبيل أخيك, قد تمضي معه وقتاً؛ قد تبذل من مالك, من وقتك, من جهدك, من إمكاناتك, من حظوظك, من أجل أن تتقرب إليه, أو تعينه على أمر دينه, فكل تضحية في دنياك من أجل آخرته فهذه مداراة.
وقد ورد:
((بعثت لمداراة الناس))
[ورد في الأثر]
ورأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس.
أنت في موقع قوي, وفي التزام شديد, لكن دنياك ممكن أن تبذلها, أو تبذل بعضها في سبيل أن تستجلب أخاك, أو أن تقربه إلى الله, أو تقربه منك, هذا عمل طيب, بل هو من أجلِّ الأعمال بعد الإيمان بالله، أن تستخدم الدنيا وسيلة لإكرام الآخرين.
شخص رأى وادياً كله غنم, فسأل النبي -عليه الصلاة والسلام-: لمن هذا الوادي؟ قال: هو لك, قال: أتهزأ بي!؟ قال: لا والله! هو لك, -هو رئيس قبيلة-, قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر. المؤمن يداري ولا يداهن :
المؤمن دنياه هينة عليه نظير أن يهتدي الناس إلى الله؛ يبذل من وقته, من جهده, من ماله, ليس حريصاً كثيراً. فالمداراة مطلوبة, أما الشيء المذموم المداهنة فأن تبذل دينك من أجل دنياك.
لك مصلحة مع شخص, والإنسان بعيد عن الدين, فأنت ضحيت بعباداتك, أو بطاعتك لله عز وجل, إرضاء له.
أي هناك نفوس ضعيفة, هو يصوم في الأساس, وجد أمام شخص استهجن صيامه فأفطر؛ ضحى بطاعته, ضحى باتصاله بالله إكراماً لهذا الإنسان القوي, الذي يرجو دنياه, ويرجو ما عنده.
فحينما تبذل دينك من أجل دنياك فهذه المداهنة, وقد قال الله عز وجل:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
[سورة القلم الآية:9]
فالمؤمن يداري ولا يداهن, الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة, أما دينه فغال عليه, أي لا يطيع أحداً في دينه ولو كلفه أن يخسر شيئاً ثميناً. انعدام المساومة في الدين :
سيدنا عمر لما جاءه جبلة مسلماً, جبلة ملك, -و عندما يدخل في الإسلام شخص كبير فهذا يعد مكسباً تقريباً-.
أحياناً إنسان في جامع, يأتي إنسان له مرتبة عالية جداً؛ تألق علمي, أو تألق ديني, أو تألق اقتصادي.
فسيدنا عمر طبعاً رحّب به ترحيباً شديداً, أثناء الطواف حول الكعبة داس بدوي من فزارة طرف إزاره, فانخلع ثوبه من كتفه, فالتف جبلة وهشم أنف هذا البدوي, فشكاه إلى عمر, فسيدنا عمر قال له: أرضِ الفتى لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشــمن الآن أنـفـك، وتـنال مــا فعلتـه كفك.
والقصة معروفة, في النهاية يقول له:
كان وهماً ما جرى في خلدي، أننـــي عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتنـي، قال: عنق المرتد بالسيف تحز عالم نبنيه ، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
فسيدنا عمر قالوا: ضحى بملك ولم يضح بمبدأ.
لو أنه تساهل معه لضحى بمبدأ العدل, طبعاً ارتد, وولى هارباً إلى الشمال. فسيدنا عمر لم يضحِّ بمبدأ, ضحى بملك, وهو أهون من أن يضحي بمبدأ.
فبالدين لا يوجد مساومة, ولو كان كل المسلمين صادقين, ولو كانوا وقافين عند حدود الله عز وجل, ابذل دنياك, لكن لا تبذل دينك, هذا هو الفرق بين المداراة وبين المداهنة. 2 ـ الحب في الله والحب مع الله :
عندنا فرق دقيق بين الحب بالله والحب مع الله, -ليس فرق دقيق, فرق خطير-؛ الحب في الله عين التوحيد, والحب مع الله عين الشرك.
الأصل أنك تحب الله, من لوازم حب الله أن تحب رسوله, فحب رسول الله فرع من الأصل, وهو حب الله عز وجل, من لوازم حب رسول الله أن تحب أصحابه, لأنه أثنى عليهم جميعاً, فالله عز وجل قال:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
[سورة الفتح الآية:18]
من أنت حتى لا ترضى عنهم؟ بعد ذلك هل يعقل النبي يثني على أصحابه ثناء عطراً وأنت لا تعبأ بهذا الثناء؟ هو يكذب علينا؟ مستحيل! هو قد ضُلل؟ مستحيل! لم يكن يعرفهم على حقيقتهم؟ مستحيل!.
فمن لوازم محبة رسول الله محبة أصحابه, من لوازم محبة الله عز وجل محبة المؤمنين جميعاً الصادقين, فالأصل أن تحب الله, من فروع هذه المحبة أن تحب رسول الله, وأن تحب أصحابه الكرام, وأن تحب أولياء الله المؤمنين الصادقين, هذا كله من فروع محبة الله. الحب في الله عين التوحيد و الحب مع الله عين الشرك :
الآن: تحب المساجد, تحب المؤمنين, تحب خدمة المساجد, تحب العمل الصالح, يتفرع عن محبة الله مليون محبة, كلها تصب في خانة واحدة, كل هذا الود فرع من محبة الله عز وجل, فالحب في الله عين التوحيد أما أن تحب مع الله إنساناً, ليس على ما يرام, ليس على ما ينبغي أن يكون, لكن لك معه مصلحة, فعلى الرغم من أنه غير مستقيم تحبه, لأن مصلحتك محققة عنده, هذا الحب عين الشرك, أي أنت أحببته للدنيا ولم تحبه لله.
يقول سيدنا عمر: ورد عن النبي حديث -هكذا ورد-: "اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق".
إذا جاءك خير من طرف كافر أو منافق, أنت تصبح بشكل لا شعوري تلتمس له الأعذار؛ والله! مؤدب, لبق, جيد, هو لا يصلي مثلاً, أو له انحرافات خطيرة, لأنه جاءك خير منه تحاول أن تتعامى عن أخطائه, تتعامى عن انحرافاته ومعاصيه, وتكبر أعماله الطيبة, فإذا سمعك إنسان تمدحه, هو بعيد عن الدين, عملت له اضطراباً شديداً.
من هنا ورد:
(( إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ))
[البيهقي في الشعب عن أنس]
إذا مدحت فاسقاً, منحرفاً, تعمل اضطراباً في القيم, ولا سيما الصغار.
لو فرضنا شخص غير ملتزم إطلاقاً, وأنت لست منتبهاً؛ فلان لبق, فهيم, أخلاقه عالية, وهو متفلت من كل قواعد الدين, فالطفل يصدق هذا الصح.
فإياك أن تمدح فاسقاً؛ لأنك إن مدحت الفاسق غضب الله عز وجل, بمدح الفاسق يصبح هناك اضطراب بالقيم. 3 ـ الغبطة و الحسد :
فرق دقيق بينهما، أنت بلغك عن إنسان ينفق ماله في سبيل الله, بحكم ما أودع الله فيك من فطرة تغار منه, تتمنى أن تكون مثله, هذا شيء طيب, الغبطة: أن تتمنى خير الآخرة, فلو إنسان سبقك, تفوق عليك, تتمنى أن تكون مكانه, فهذه مقبولة، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ علماً, فهو ينفقه آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالاً، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد اللَّه بن عمر]
فإذا الإنسان رأى إنساناً متفوقاً في آخرته, في عمله, في دعوته, ينبغي أن تغبطه, وينبغي أن تتمنى أن تكون مكانه, وفي الأساس هذه الصفة التي أودعها الله في الإنسان, صفة الغيرة, التنافس, حب التفوق, هي صفة بأصل الفطرة, لكن كل شيء أودعه الله في الفطرة حيادي, يوظف في الخير, ثم يوظف في الشر؛ فإذا تمنيت الدنيا, الإنسان أغلى منها: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية:79]
هذا تمني الدنيا, هذا حسد؛ الحسد مذموم, لأنه من شؤون الدنيا, والغبطة مطلوبة, لأنها من شؤون الآخرة.
لا يوجد إنسان لا يغار, إذا لا يغار يكون بعيداً عن الجبلة الإنسانية الصحيحة, لكن البطولة أن تغار من أهل الآخرة لا أن تغار من أهل الدنيا, لأن سباق الدنيا ليس له معنى لتتفوق.
أحياناً اثنان يتناحران بالسرعة في السيارة, بعد ذلك تأتي إشارة حمراء يقفان عندها, الإشارة سوت بينهما؛ رغم التنافس الشديد, وسيعمل حادثاً, ويريد أن يغيظه, عند الإشارة وقف, والثاني وقف.
كذلك الإنسان عندما يتنافس في الدنيا, الموت ينهيها؛ ينهي تفوقه, ينهي غناه, ينهي كل شيء, أما عندما يتنافس في الآخرة, فهذا السباق جيد, والسباق فيه تفوق, والجوائز مستمرة، لذلك قال الله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية:26]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية:61]
4 ـ سوء الظن :
سوء الظن عصمة, احترس من الناس بسوء الظن.
كان يحذر الناس, ويحترس منهم, من دون أن يطوي بشره عن أحد.
الحزم سوء الظن, سوء الظن عصمة, احترس من الناس بسوء الظن, وهناك سوء ظن يُعد إثماً؛ فمتى يكون سوء الظن عصمة؟ ومتى يكون إثماً؟
إذا كان هناك دليل فسوء الظن عصمة, وإذا لم يكن هناك دليل فسوء الظن إثم من الآثام.
الآن: هناك إنسان بلا أي دليل يشك في زوجته، الله عز وجل قال:
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:12]
أما إن كان هناك دليل, فمن التوفيق أن تكون على حذر من هذا الإنسان؛ من دون دليل يُعد إثماً, مع الدليل يعد احتياطاً وعصمة.
حتى في أمور الفقه, أي عاونت إنساناً في شراء بيت, قال لك: أعطيك أجرة, حلال وحرام, كيف؟ إذا قلت له: أخي, أنت عندما يصبح معك حق البيت تعطيني المبلغ, أنت هل ضمنت مبلغك؟ ما دام قد ضمن لك المبلغ, فأي مبلغ يعطيك إياه شهرياً, تحت اسم أجرة هذا ربا, أما إذا لم يضمن لك المبلغ, أنت عاونته في شراء ربع البيت, أنت لك عنده ليس مبلغاً, أنت لك عنده ربع البيت, أعطاك أجرة فهذا حلال, أما عندما أراد أن يقدم لك هذا المبلغ, البيت يقيّم, قد يزيد الثمن, أو قد يقل الثمن, ما دام الثمن غير مضمون, فالذي تأخذه شهرياً من هذا الشخص هذه أجرة, أما إذا كان الثمن مضموناً فهذا المبلغ الذي تأخذه ربا.
أحياناً: إنسان يكون سبباً لربحك, تعطيه مبلغاً من المال, إذا كان من ربحك هذا حلال, أما إذا كان أضفته على الشاري, أنت أعطيته للوسيط, وأضفته على الشاري, فهذا حرام, لا يجوز. فالعمولة إذا أضيفت على الشاري, دون أن يعلم فهي حرام, أما إذا دفعت من ربح البائع, فهي حلال, لا يوجد مشكلة. 5 ـ النصيحة و الفضيحة :
إنسان يكون هناك شخص بمجموع, يريد أن ينصحه, يحمر وجهه, يخجل, الفكرة خاطئة, أو التصرف خاطىء, الإنسان لم يعد يدافع عن فكرته, يدافع عن مكانته, تنشأ مشكلة, فإذا أردت أن تنصح, فبينك وبين أخيك على انفراد, أما الفضيحة أن تنصحه في الملأ, العتاب أيضاً فيما بينك وبينه.
هناك أشخاص كثر, تنشأ مشكلة مع شخص, يقطعه رأساً.
يقول سيدنا علي: "لا أصرم أخاً قبل أن أعاتبه".
قبل أن تقطع عاتب على انفراد, إذا بلغك عن أخيك شيئاً, وأنت لم تتحمل الشيء, فبإمكانك أن تسأله, أو أن تعاتبه, أو أن تستوضح منه, أما رأساً بلغك عنه شيء فقطعته, فهذا سلوك شيطاني؛ بلغني عنك كذا, لم فعلت كذا؟ لم قلت كذا؟
فهناك عدة احتمالات؛ أول احتمال: لم يقل عنك شيئاً, نقل عنه خطأ, أنت تبقى نفسك اتجاهه سليمة.
الاحتمال الثاني: أنه قاله وأخطأ, فهو يعتذر منك, أصبح هناك ود.
حاجة الإنسان إلى المصطلحات السابقة :
الإنسان أحياناً يحتاج إلى هذه المصطلحات الدقيقة جداً, حتى الغيبة محرمة أشد التحريم, لكن هناك حالات ليس فيها غيبة, إنسان مبتدع, يروج أخباراً باطلة، أخي! لا نريد أن نغتابه, هذه عقيدة, ليست غيبة, أنت تنقذ العقيدة, في أمور الاستيداع لا يوجد غيبة أبداً, يجب أن تنبه الناس إلى خطر فئة معينة.
هناك فئات كثيرة في المجتمع ضالة ضلالاً شديداً, أخي كل الناس خير وبركة, هذا كلام فيه سذاجة, إذا كان في العقيدة هناك شرك مثلاً؛ أو تعطيل فريضة, أو تعطيل ركن من أركان الدين, لا يوجد مجاملة, هنا تقول: والله! كل الناس خير وبركة, إذا شخص سألك: ابق عندهم.
إذا كان هناك أناس ينكرون ما عُلم من الدين بالضرورة, فهنا لا يوجد مجاملة, إذا كان هناك عقائد زائغة منحرفة, وقلت: نحن واحد, لم يعد هناك واحد, أنت ألغيت الدين كله, عندما قلت: نحن واحد.
هناك أشياء متناقضة, أشياء متعاكسة, هذا الجدار فيه خط أسود, وخط أبيض، الأبيض عكس الأسود, فهذان اللونان متعاكسان, وهناك أشياء متعاكسة, أما الضوء والظلام فليسا متعاكسين, متناقضين, إذا كان الجامع مناراً لا يوجد ظلام, معنى هذا إذا كان هناك ظلام فلا يوجد نور, فالضوء والنور يتناقضان؛ أي وجود أحدهما ينقض الآخر, أما الأبيض والأسود فمتعاكسان, يجتمعان.
فأحياناً يكون في العقائد تناقض, الذي يقول لك: نحن واحد, هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً, يكون هناك خلل بالعقيدة خطير جداً, فإذا قلت: نحن واحد, بسذاجة, هذا موقف سياسي, ليس موقفاً دينياً أبداً.
يمكن أن نلتقي مع أي إنسان, ونتجاهل عقيدته, نتجاهل سلوكه, مصلحتنا أن نتعاون معه, لا يوجد مانع, لكن هذا ليس موقفاً دينياً, موقفاً سياسياً؛ أما تجمع النار مع البارود فيصبح هناك انفجار, تجمع الظلام مع النور مستحيل! لا يجتمعان.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )


الموضوع : الاخلاص 6 ( من معانى الاخلاص ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الإخلاص عبادة القلب والسلوك عبادة الجوارح :
أيها الأخوة, لازلنا في الإخلاص لله تعالى, لأن الإخلاص لله تعالى شطر الدين, بل هو الدين كله, كيف؟ لعبادة: لها مظهر مادي, ولها حالة قلبية:
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية:2]
فالإخلاص عبادة القلب, والسلوك عبادة الجوارح, فإن لم يكن هناك إخلاص فا قيمة لعبادة الجوارح. إذاً: هو الدين كله.
قيل: هو شطر الدين, بل هو الدين كله. آيات فهم منها بعض العلماء معاني في الإخلاص :
الآية الأولى :
هناك آيات فهم منها بعض العلماء معان في الإخلاص، فالآية الأولى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:59]
قال بعضهم في معناها: من فتش سره, فرأى فيه شيئاً أعظم من ربه أو أجل, فقد أشرك به.
وقد نستهجن هذا المعنى, لا, هذا المعنى قائم عند معظم الناس؛ حينما يغش الإنسان في بيعه, ماذا رأى؟ رأى أن هذا المال الذي يحصله من الغش أغلى عنده من طاعة الله, فهذا المال أكبر عنده من الله, والذي يطيع زوجته, ويعصي ربه, طاعة زوجته رآها عنده أكبر من الله, والذي يطيع مخلوقاً, ويعصي خالقاً, هذا المخلوق هو عنده أكبر من الله, هذا كلام دقيق.
فلذلك: من فتش سره, فرأى فيه شيئاً أعظم من ربه أو أجل, فقد أشرك به. الآية الثانية :
هناك آية أخرى, قال تعالى:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
[سورة النور الآية:31]
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
المرأة ليس بإمكانها أن تخفي طولها, مهما كانت تقية, ورعة, فطولها يظهر رغماً عنها, ولون ثيابها تظهر, فهذه أشياء تظهر عنها قصراً, والمؤمن الصادق لا يتحدث عن أعماله الصالحة, إلا ما ظهر من دون قصد منه, أما أن يجلس, ويتحدث عن أعماله, فهذا دليل عدم الإخلاص, يريد أن يأخذ إعجاب الآخرين, طبعاً هذا اسمه فهم إشاري. المحاسبة يوم القيامة دقيقة جداً :
الآية الكريمة في الجهاد: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾
[سورة النساء الآية:104]
يمكن أن تسحب هذه الآية على موضوع ثان.
الشاب الذي يجهد للزواج, قد يبذل جهداً كبيراً, وغيره يبذل هذا الجهد, ولكن الشاب المؤمن يرجو من زواجه ما لا يرجو الشاب الآخر, والمؤمن حينما يتعب, نقول له: والكافر يتعب مثلك, ولكن تعب المؤمن مأجور.
من يظهر من أفعاله شيئاً, إلا ما يظهرُ عليه من غير قصد له فيه فقد سقط به عند رؤية الحق, لأنه ما وقع عليه رؤية الخلق فهو ساقط عند رؤية الحق.
الذي يراه الناس من عمله, ويثنون به عليه, يشعر الإنسان أنه حقق مكسباً, هذا المكسب يتناقض مع الإخلاص.
أي هناك شيء أصبح دقيقاً أكثر مما ينبغي, لكن قال بعضهم: "ربما قال الرجل: سبحان الله, لا إله إلا الله, فأخشى عليه من النار, قال: كيف ذلك؟ قال: يُغتاب بين يديه رجل, فيعجبه ذلك, – أي خصم, أو مثيل, أو ند–, ويقول: سبحان الله, لا حول ولا قوة إلا بالله, لا إله إلا الله, هو يقول هذا تعجباً وراحة".
اغتيب بين يديه رجل لعله صالح, لكن هو يذله, فسكت, وسبح الله على هذه الغيبة, وكان يجب أن ينصح, ويقول للمستغيب: اتق الله.
قال: "سبحان الله, لا إله إلا الله, لله في خلقه شؤون, هذه الكلمات هو قالها تشفياً وراحة".
والله المحاسبة أدق من ذلك.
مؤمن اغتيب عندك, يجب أن تنصح المتكلم أن يسكت, قل له: اتق الله.
قيل لابن عباس: "يا أبا إسماعيل! ما بلغك من الغيبة؟ قال: بلغني أن أقلَّ الغيبة أن يسأل الرجل عن الرجل, فيقول: دعه, غفر الله له ولنا, -معنى هذا هناك مشكلة-, فتكتب له خطيئة أثقل من جبل أحد إذا أراد عيبه بذلك".
لما قال: غفر الله له، معنى هذا عنده مشكلات, وقال: ولنا، هو أقحم نفسه حتى يثبت خطأ غيره, غفر الله لنا وله, هذا حساب دقيق. الآية الثالثة :
والآية الثالثة:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية:88-89]
قالوا: "سلامة القلب على أربعة منازل؛ سلامة القلب من الشرك, وسلامة القلب من الأهواء, وسلامة القلب من الرياء, وسلامة القلب من ذكر كل شيء سوى الله".
يُروى أن رجلاً عارف بالله, أتعبه من حوله, فخرج من بغداد هائماً على وجهه, اسمه الشبلي, جلس في ظل شجرة, -: قصة رمزية-, قالت له: "يا شبلي, كن مثلي, -هذا اسم بلسان الحال, قد تجد هرة تنظر إليك, وكأنها تقول: أطعمني, نقول: هذا بلسان الحال, لا بلسان المقال-, قال: وكيف؟ قال: يرميني الناس بالحجارة, وأرميهم بالثمار, -هم يرمونني بالحجارة, وأنا أرميهم بالثمار, كن مثلي-, قال: فما بالك إلى النار في النهاية؟ قالت: لأني أميل مع الهوى حيث يميل".
فالذي يميل مع الهوى بعيد عن الحق, طبعاً القصة رمزية.
"سلامة القلب من الشرك, والأهواء, والرياء, وذكر كل شيء سوى الله". الآية الرابعة :
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
[سورة القصص الآية:77]
قال الجنيد في معناه: "لا تترك إخلاص العمل في الدنيا, فهو الذي يقربك من الله عز وجل, ويقطعك عمن سواه, وهو نصيبك من الدنيا".
الشيء الذي تأخذه خالصاً للآخرة الإخلاص, لأنه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:23]
والله هناك حديث أيها الأخوة, -ذكرته لكم فيما أذكر, يقصم الظهر-, قال: ((يُؤتى يوم القيامة برجال لهم أعمال كجبال تهامة, فيؤمر بهم إلى النار, فقالوا: يا رسول الله! جَلّهم لنا, -صفهم لنا-, لئلا نكون منهم, قال: هم يصلون كما تصلون, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]
لهم مواقف كالجبال رائعة, أمام الناس قمة في الورع والإخلاص, أما إذا خلوا مع أنفسهم وقعوا في المعاصي والآثام, فهؤلاء لهم أعمال كجبال تهامة, يُؤمر بهم إلى النار.
ليس لك من الدنيا إلا الإخلاص, إلا عمل خالص لوجه الله. الآية الخامسة :
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
[سورة يونس الآية:105]
قال أحد العلماء: "إن الله جلّ ثناؤه, دعا عباده إلى الإخلاص من كل وجه, وأخبر أنه من كان في ظاهره وباطنه شيء غير الحق لم يكن مخلصاً, لقد دعا عبده أن يكون معرضاً عن الكل, مقبلاً عن الكل, حنيفاً؛ أي مطهراً عن الأكوان وما فيها": ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:162]
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:163]
سمعت عن رجل صالح, سأله شخص: أنا أهوى الكرة, وأتابع هذه المباريات, وأنا أقيم صلاتي, وصيامي, وحجي, وطاعتي لله عز وجل, قال له: ما معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:162]
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية:163]
لا يوجد شيء آخر ضمن الآية.
طبعاً أخواننا رواد صلاة الفجر همتهم عالية جداً, لذلك الحساب دقيق في الدروس. الآية السادسة :
﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
[سورة لقمان الآية:13]
وعظ لقمان ابنه, ودله على ابتداء وعظه على مجانبة الشرك, فلا تشتغل النفس إلا بخدمته, ولا يلاحظ القلب سواه, ولا يُشاهد بالروح غيره.
لا تشرك بالله: أول نصيحة. الآية السابعة :
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
[سورة فاطر الآية:10]
ظاهره: الدعاء والصدق, وباطنه: عمل بالعلم واقتداء بالسنة, ليتوصل بهما إلى الإخلاص. الآية الثامنة :
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾
[سورة فاطر الآية:32]
قالوا: الظالم لنفسه من يكون عمله كله رياء, والمقتصد من يكون بعض عمله رياء وبعضه إخلاصاً, والسابق من يخلص لله عمله.
السابق هو المخلص, المقتصد إخلاص مع رياء, الظالم لنفسه رياء كامل: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
[سورة الزمر الآية:3]
قال الواسطي: "هو الذي يخلُص فيه صاحبه من النفاق, والبدعة, والرياء, والعجب, ورؤية النفس".
شخص -هكذا سمعت- صلى في الصف الأول, خلف الإمام في صلاة الفجر أربعين سنة, مرة تخلف عن الصلاة, قال: ماذا سيقول الناس عني؟
كلمة واحدة قالها, إذاً: هو يحرص على صلاته في الصف الأول كل يوم أربعين عاماً, ليحافظ على سمعته أمام الناس, فلما تخلف في أحد الأيام, قال: ماذا سيقول الناس عني؟ الآية التاسعة :
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾
[سورة الزخرف الآية:38]
قال أحد العلماء: جاءه بعلمه الذي أشرك فيه معنا غيرنا، لقول النبي الكريم: "الشرك أخفى من دبيب النملة على الصفاء السوداء".
أي شرك النفس. ﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾
[سورة الزخرف الآية:38]
الآية العاشرة :
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
[سورة النجم الآية:39]
قال ابن عطاء: "إلا ما نواه, وإن كان سعيه فيه رضا الرحمن".
قد يكون السعي ظاهره يرضي الله, لكن: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
[سورة النجم الآية:39]
نيته من سعيه, هذه له. الآية الحادية عشرة :
والآية الأخيرة:
﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية:6]
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية:6]
معنى صلاة الليل في بيتك, قال: "أصوب قولاً, لأنها أبعد عن الرياء".
والليل أتم إخلاصاً, وأكثر بركة.
اللهم اجعلنا مخلصين يا رب العالمين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-16-2018, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الاربعون )


الموضوع : الاخلاص 7 ( النية ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. النية :
أيها الأخوة الكرام, لازلنا في النية, فهي أساس العمل.
يقول أحد العلماء: " النية هي روح العمل, وكما لا قيمة للجسد إلا بالروح, كذلك لا قيمة للعمل إلا بالنية, والنية هي زمام القلب, فكما أنه لا صلاح للدابة في سيرها إلا بإحكام الزمام, كذلك لا صلاح للقلب في مقاصده إلا بإحكام النية".
قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
فنظرُ علام الغيوب إلى القلوب, إنما هو موضوع النية, لذلك قالوا: "القلب منظرُ الرب". (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))
والنية أيها الأخوة كما قال بعض العلماء: "مثل الأمير في الجند, فلو كان الجند ألفَ ألفِ رجل, لما اجترؤوا على محاربة العدو, إلا إذا خرج الأمير وساسهم, كذلك العمل وإن كثر, لا يصلح للعرض على الجليل, إلا إذا كان معه النية الخالصة".
قلت البارحة: النية شطر الدين, بل هي الدين كله؛ لأنه إن لم تصح النية لا يصح العمل, والنية محصلة إيمانك. آيات متعلقة بالنية :
الآية الأولى :
العرب كانوا إذا ذبحوا الإبل, لطَّخوا جدران بيوتهم بدمائها، أي هم ذبحوا هذه الإبل لله, وهذه الدماء علامة, فلما جاء الإسلام, المسلمون فعلوا مثل فعلهم, فقال الله عز وجل:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
[سورة الحج الآية:37]
الذي يريده الله منكم هذا الإخلاص له, أما هذه المظاهر فلا تقدم ولا تؤخر, إذاً ماذا يُقاس عليها؟
الإنسان أحياناً يعمل عملاً طيباً, فيريد أن يُذكر هذا العمل في لوحة مثلاً, هذه اللوحة لا تقدم ولا تؤخر, الله يريد إخلاصك, ولا يريد هذه اللوحة.
والعلماء قالوا: "لا تصعد الملائكة بلحمها وبدمها؛ ولكن يصعد إلى الله التقوى منكم".
لذلك قالوا: "نية المؤمن خير من عمله, ونية الكافر شر من عمله".
المؤمن يتمنى أكبر مما هو فيه, والكافر يتمنى من الإفساد, والضلال, والإضلال أكبر مما هو فيه. الآية الثانية :
﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾
[سورة الروم الآية:39]
﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾
[سورة الروم الآية:39]
زكاة البدن في تطهيره من المعاصي والمخالفات, وزكاة المال في تطهيره من الشبهات.
وقد أوحى الله إلى داود -عليه السلام-: "ليس كل من صلى قُبلت صلاته, ولا من تصدق رفعت صدقته, ولا من نكس رأسه صار من الصالحين, إنما أتقبل من الأعمال ما أريد به وجهي".
وقال بعضهم: "يا عبيد الدنيا؛ ما أحلى كلامكم وما أمرَّ أفعالكم, وما أطيب رائحتكم وأنتن قلوبكم, وما ألين ألسنتكم وأصلب قلوبكم".
إذا لم يكن هناك إخلاص, يصبح هناك مجاملة بالوجه, كلام أحلى من العسل, ينصرف, يطعن به, وهذا حال أهل الدنيا, حينما يبتعدون عن الله عز وجل, لا يوجد إنسان له مكانة إلا في حضرته, فإذا غاب, بدأ الغمز, واللمز, والطعن. الآية الثالثة :
الآية الثالثة المتعلقة بالنية:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
الإنسان إذا عمل عملاً لا يبتغي به وجه الله يبحث عن مكافأة مادية أو عن ذكر طيب :
في الغالب الإنسان إذا عمل عملاً لا يبتغي به وجه الله, يبحث عن مكافأة مادية, أو عن ذكر طيب, فإذا عمل عملاً, والناس لم يتكلموا عن عمله يستثيرهم, كيف وجدتم هذا العمل؟ من أجل أن يمدحونه, فهو عبد المديح؛ إما مكافأة مادية, أو مديح معنوي, أما لا مكافأة, ولا مديح, فمعنى ذلك أنك تبتغي وجه الله:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
والعلماء قالوا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
ما قالوها بألسنتهم, الله عز وجل اطلع على قلوبهم, فعبَّر عن لسان حالهم, لا عن لسان قالهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
النية غيب لا يطلع عليه إلا الله عز وجل :
والشيء الثابت: إذا عمل الإنسان عملاً لله ,لا يتأثر أبداً برد فعله؛ قد يكون ردّ فعل سيئ, قد يكون عمل عملاً مع إنسان لم يشكره, ولا أثنى عليه, ولا انتبه له:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
لا نريد منكم جزاء مادياً, ولا شكوراً معنوياً.
يُقال: "إن العبد إذا ذكر ربه في نفسه, كتب الله ذلك بيده في صحيفته, فتقول الملائكة: ربنا عملُ هذا العبد كله قد أحصيناه, وهذا -أي الأجر الزائد-, فيقول الله عز وجل: إن هذا العبد ذكرني في نفسه, فكتبته في صحيفته, فإذا كان يوم القيامة, لم يكن له جزاء دون النظر إلى وجه الله الكريم".
وقيل في معنى الحديث: النية غيب لا يطلع عليه إلا الله, وسائر الأعمال مشتركة بين رؤية الله ورؤية الخلق.
إنسان قام ليصلي, الصلاة يراها الله عز وجل, ويراها الناس, تصدق, أي عمل تعمله, مشترك بين الله وبين الخلق, إلا ما في القلب لا يعلمه إلا الله. تقييم الإنسان من شأن الله وحده :
لذلك أنا أخذت قاعدة من وقت طويل: لا أجرؤ على تقييم إنسان, أقول: تقييم الإنسان من شأن الله؛ قد يبدو عمله غير منطقي, لكن وراءه نية طيبة, وقد يبدو عمله كالجبال, لكن وراءه نية خبيثة.
أي لم يكن يخطر في بالي, أنه من الممكن لإنسان أن يعمر مسجداً, ولا يبتغي به وجه الله، فأخ أطلعني: أراض كبيرة مهملة, يأتي إنسان يهب قطعة من الأراضي, ليُنشأ عليها مسجد, البلديات حينما توهب أرضاً لمسجد, تُنظم هذه الأراضي, فإذا نظمت, ارتفع سعرها مضاعفة, فقد يأتي إنسان ليس له علاقة بالدين إطلاقاً, فيهب بعض أرضه لتكون مسجداً, فإذا البلديات تنظم الأرض, تصبح محاضر, ويرتفع سعرها إلى الضعف.
هو أمام الناس بنى مسجداً, من يعلم الحقيقة؟ الله وحده يعلمها.
سمعت عن مدرسة, طبعاً القسط عال جداً, القسط تقريباً فوق المئة ألف, المدرسة راقية جداً؛ أول ساعة دين, قرآن, وحفظ, بعد ذلك رقص مشترك بين الفتيات والفتيان, بعد ذلك سباحة مختلطة, كل المعاصي والآثام في هذه المدرسة؛ ذكور, وإناث, واختلاط, أما أول ساعة فقرآن, ودين, وحفظ, والقسط مئة ألف.
يمكن أن تتاجر بالدين, و لكن النية هي الأساس.
الصدقة أنواع كثيرة :
وقيل في معنى الحديث: النية غيب, لا يطلع عليه إلا الله, بينما بقية الأعمال مشتركة بين رؤية الله ورؤية الخلق.
وكما قيل: "إن الملائكة تصعد بصحيفة العبد إلى الله, فإذا بنداء من قِبل الله عز وجل: ملائكتي, اكتبوا لهذا العبد كذا, فتقول الملائكة: إلهنا, إنه لم يعمل شيئاً في ذلك, فيقول الله عز وجل: إنه نواه".
فهذا يدلك على أن النية لا يطلع عليها أحد إلا الله.
أعرف رجلاً لا يزال حياً يرزق, له عمل طيب مع امرأة مقعدة, خدمها قرابة عشرين سنة, في غرفة في مسجد, امرأة مقعدة, ليس لها أحد, فكان يخدمها باستمرار, يؤمن لها طعامها وشرابها, ينظف لها غرفتها, امرأة مسنة, هو رجل صالح, فكان يسكن في حي, انتقل إلى حي بعيد جداً عن الحي الأول, وعمره فوق السبعين عاماً, وكل يوم يركب السيارة العامة, من أول باص, لثاني باص, يتابع خدمتها, فأهله بذلوا المستحيل لصرفه عن هذا العمل, خدمتها لمدة عشرين سنة يكفي, أي تعهدها إلى نهاية الحياة, فلما رأوا إصراره, وصار من المستحيل أن يترك العمل, فقالوا له: ائت بها إلينا, فنقلت إلى البيت, أعطوها غرفة, أشفقوا على والدهم, عشرة أيام توفاها الله عز وجل.
هو نيته أن يخدمها إلى آخر لحظة في حياته, وأصر على ذلك, فلما أصر على ذل: جيء بها إلى البيت, عشرة أيام توفاها الله عز وجل, وكتب الله له نيته الطيبة لها طوال الحياة.
لذلك قالوا:
((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
إنسان ورع عمله بنية عالية أفضل ألف مرة من أعمال كالجبال فيها تخليط. أحد الصحابة لا يوجد عنده شيء يقدمه إطلاقاً, فقير جداً, اسمه أبو ضُمضم, ماذا قدم؟ نوى أن يتصدق بعرضه على من نال منه، فقال:
(( اللهمَّ إني تصدَّقت بعرضي على المسلمين، فمن تحدَّث عني بما أكره فقد سامحته ))
[ سنن أبي داود عن قتادة ]
فيروى أن النبي -عليه الصلاة والسلام-, غدا إلى أصحابه, فقال: "من المتصدق بعرضه البارحة؟ ألا إن الله قد قَبِل صدقته, ثم عظم رسول الله فعله, وقلل فعل الآخرين".
لا يملك شيئاً, يا رب! أنا عرضي من نال منه أنا مسامحه. ثبات نية المؤمنين سبب خلودهم في الجنة :
امرأة عمران ماذا فعلت:
﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
[سورة آل عمران الآية:35]
كل شخص منا, أنت تأخذ شهادة عليا, تقول: يا رب, هذه الشهادة في سبيلك, كل ما أحصّله من هذه الشهادة؛ من مكانة, ومن مال, أستخدمه في الدفاع عن دينك, وفي الدعوة إليك؛ ممكن إنسان يدرس الأدب الانكليزي ينوي بهذا الاختصاص أن ينقل فيه الحق للأجانب, هذا واحد كألف, ممكن أن تنوي تجارة, يكون ريع هذا المال للحق, تأخذ حاجتك, وما تبقى في خدمة الحق.
أسعد الناس الذي نوى أن يكون اختصاصه, وماله, وقوته, وبدنه, ووقته, وعضلاته في سبيل الله؛ فصار ثبات نية المؤمنين سبب خلودهم في الجنة, ثبات نية المنافقين سبب خلودهم في النار.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن بالمدينة أقواماً ما قطعنا وادياً, ولا وطئنا موطئاً يغيظ الكفار, ولا أنفقنا نفقة, ولا نصبنا نصباً, ولا أصابنا مخمصة, إلا ويشركوننا في ذلك, وهو في المدينة, قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله, وليسوا معنا؟ قال: حبسهم العذر))
[البخاري و أبو داود عن أنس]
أي إنسان حبسه العذر, مرض, فلم يشارك النبي في هذه الغزوة.
حتى المؤمن إذا مرض يُكتب له عمله صحيحاً مقيماً.
وهناك إنسان هاجر إلى المدينة, لأنه أحب امرأة في مكة, ولم تقبل الزواج منه, إلا إذا هاجر, فهاجر, اسمها أم قيس, قصار اسمه مهاجر أم قيس, لأنه ابتغى بهجرته الزواج من هذه المرأة فهاجر. ((...مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
يعاقب العبد على إرادة الشر من غير عمل :
بالمناسبة: عندنا ذنبين كبيرين جداً؛ الذنب الأول: إذا كان الإنسان في مكة المكرمة, في بيت الله الحرام, يكفي أن ينوي إيذاء هذا البيت حتى يستحق عقاب الله, مع أنه لم يفعل شيئاً, قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الحج الآية:25]
فإن الله تعالى: يعاقب العبد على إرادة الشر من غير عمل.
والآية الثانية: ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾
[سورة النور الآية:19]
لم يفعل شيئاً, لم يتكلم بكلمة, لكن علامة إيمانك إذا أصاب مؤمن شيئاً, أصابه شر, يجب أن تتألم ألماً شديداً, أما إذا مؤمن سقط فتفرح, فهذا موقف المنافقين دائماً؛ فعلامة إيمانك إذا أصاب أخوك خيراً وفرحت فهذه علامة إيمانك, فرح حقيقي. أي أنت لست متعلماً, أخوك أخذ دكتوراه مثلاً, تسلم منصباً رفيعاً, اشترى بيتاً, الله أكرمه بشيء؛ علامة فرحك له أنك مؤمن, وعلامة حسدك له أنك غير مؤمن, منافق.
قال: ((رجل آتاه الله علماً وآتاه مالاً فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل ، ورجل لم يؤته الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول : لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء))
[ ابن ماجه عن أبي كبشة الأنماري]
قال: من غاب عن معصية فأقرها, كان كمن شهدها, ومن شهد معصية فأنكرها, كان كمن غاب عنها.
شيء خطير.
حدثني شخص عن قصة في كندا, هكذا يفعلون, والله لو كنت هناك كنت سررت، مثلاً أنت تسكن في الشام, والقصة بكندا؛ هكذا يفعلون, هكذا يسبحون, هكذا يحتفلون, هكذا مثلاً يزنون, فتمنى أن يكون جالساً معهم, ويسكن في الشام لا يوجد عنده شيء. ((....فهما في الوزر سواء))
من غاب عن معصية فأقرها, كان كمن شهدها, ومن شهد معصية فأنكرها, كان كمن غاب عنها. النية موضوع خطير جداً :
لعلي أطلت في موضوع النية, لكن والله الموضوع خطير أيها الأخوة, أنا والله أذكر نفسي وأذكركم, لأن هناك أعمالاً كالجبال.
حديث يقصم الظهر, قلته لكم سابقاً:
((يُؤتى يوم القيامة برجال لهم أعمال كجبال تهامة, فيؤمر بهم إلى النار, فقالوا: يا رسول الله! جَلّهم لنا, -صفهم لنا-, لئلا نكون منهم, قال: هم يصلون كما تصلون, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم كانوا إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]
لهم موقف معلن ذكي جداً, موقف بينهم وبين الله, موقفهم الخاص يفعلون كل شيء, أما أمام الناس فمحترمون جداً, هؤلاء لو فعلوا أعمالاً كجبال تهامة, يُؤمر بهم إلى النار؛ لأنهم لم يفعلوا شيئاً لله, فعلوا شيئاً لتحقيق مصالح مادية في الدنيا.
نرجو الله أن نكون من المخلصين.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 09:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الواحد و الاربعون )


الموضوع : الاخلاص11 ( معرفة منهج الله ، مراتب تعليماته ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحد الأدنى من الإيمان الذي من ثماره الطاعة هو الذي ينجي صاحبه يوم القيامة :
أيها الأخوة: بعد أن يعرف الإنسان ربه المعرفة التي تكفي أن تجعله يستقيم على أمره, هذا هو الحد الأدنى من المعرفة التي تنفعه, أما أي إنسان قال: لهذا الكون إله, وهو مؤمن, هذا الإيمان لا يرقى به إلى السلامة, ولا إلى السعادة, فالحد الأدنى من الإيمان الذي من ثماره الطاعة هو الذي ينجي صاحبه يوم القيامة.
بعد أن يعرف الإنسان ربه, هذه المعرفة في الحد الأدنى, شغله الشاغل أن يتعرف إلى أمر الله ونهيه.
طبعاً في التفاصيل الأوامر الكبيرة واضحة؛ لا يقتل, ولا يسرق, ولا يزني, ولا يشرب الخمر؛ ولكن هناك آلاف التفاصيل, منهج الله عز وجل أكبر بكثير من أن تحدَّه خمس فقرات.
يكاد يكون منهج الله عز وجل مئة ألف بند, نصف مليون بند؛ في كل حركاتك, وسكناتك, وسفرك, وبيعك, وشرائك, وأفراحك, وأتراحك.
فأنت بالكون عرفت الله, كيف تعبده؟ بالشرع, فالكون له مهمة, والشرع له مهمة؛ فبالكون تعرفه, وبالشرع تعبده.
فبعد أن حصلت إيماناً دفعك إلى طلب طاعته, أين طاعته؟
على الإنسان أن يعرف الفرائض من النوافل والفضائل من النواقص :
ما من أمر من أمور الدنيا إلا وينتظم في خمس حالات, أو في إحدى خمس حالات؛ فرض, واجب, سنة, مستحب, مباح, مكروه تنزيهاً, مكروه تحريماً, حرام.
فالمهمة الأولى: أن تعرف أي عمل تفعله, ما حكمه؟ مباح: لا ثواب ولا عقاب, سنة: من تركها فقد أساء, واجب: من تركها يستحق العقاب, فرض: من تركها يهلك, وهكذا .
فهنا يقول مؤلف الكتاب: على العامل أن يعرف الفرائض من النوافل, والفضائل من النواقص.
كم من إنسان جاهل ضيع فريضة من أجل نافلة, أوضح مثل: إنسان حج بيت الله الحرام؛ أول مرة, والثانية, والثالثة, وله أولاد هم في أمس الحاجة إلى الزواج, لا يعبأ بهم؛ أن يزوجهم, أن يحصنهم, أن تقرَّ عينه بهم, هذا فرض, فرض على الآباء؛ يهمل أولاده, ويحج حجة نافلة, وقد يبتغي بها السمعة بين الناس, قبل أن يبتغي بها وجه الله عز وجل, والدليل: ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج, فألقى بعض من معه طائراً ميتاً في قمامة, فرأى بنتاً خرجت من بيت, وأخذت هذا الطائر, وعادت به إلى البيت, تتبع أحوال هذه البنت الصغيرة الجارية, فإذا أسرة فقيرة فقراً مدقعاً, فتروي الكتب: أنه أعطاها كل ما معه, وعاد, ولم يحج, ورأى في هذا هو الفضل.
كم إنسان في الحج من أجل أن يقبل الحجر -وهو سنة- يرتكب محرماً, وهو إيذاء مسلم.
يجب أن تعرف: فرض, واجب, سنة, مستحب, مباح, مكروه تنزيهاً, مكروه تحريماً, حرام.
بعد أن تعرف الله المعرفة التي تحملك على طاعته يجب أن تعرف حكم كل شيء.
فعلى العامل أن يعرف الفرائض من النوافل, والفضائل من النواقص, والسنن من البدع, حتى لا يقع فيما فيه هلاكه, وهو لا يدري. تقسيم الشريعة إلى خمسة مقاصد :
العلماء قسموا الأحكام الشرعية, وقسموا مقاصد الشريعة, فالشريعة لها خمسة مقاصد كبيرة؛ أولاً: حفظ الدين, ثانياً: حفظ الحياة, ثالثاً: حفظ العرض, رابعاً: حفظ العقل, خامساً: حفظ المال, مُرتبة.
فحفظ الدين ممكن أن يضحي الإنسان بحياته من أجل دينه, هذا هو الجهاد.
وحفظ الحياة ممكن أن يضحي بحاجة من أجل فريضة.
المرأة ينبغي ألا تنكشف أمام أجنبي, هذه حاجة في الدين, أما حينما تهدد حياتها, نقول: يُسمح للمرأة أن تتعالج عند طبيب.
فعندنا مقاصد خمسة؛ حفظ الدين, وحفظ الحياة, وحفظ العرض, وحفظ العقل, وحفظ المال.
لو إنسان خيِّر بين أن تنتهك حرمات زوجته وبين أن يدفع مبلغاً من المال, يضحي بماله من أجل صون عرضه.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((ذبوا عن أعراضكم بأموالكم))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]
على الإنسان أن يضحي بالأقل درجة من أجل الأكبر درجة :
هناك تسلسل رائع, ثم إن هناك حاجات أساسية, حاجات فرعية, حاجات ثانوية, سموها الفرائض, والحاجيات, والمباحات.
فأنت تضحي بالأقل درجة من أجل الأكبر درجة, وبالسلم الثاني تضحي بالمال من أجل العرض, يضحي الإنسان بحياته من أجل دينه, يضحي بسنة من أجل بقاء حياته.
الموضوع طويل, وشائك, لكن ملخصه: يوجد عندك خمسة مقاصد للشريعة, ويوجد عندك حاجات أساسية جداً؛ وحاجات من الدرجة الثانية, و حاجات من الدرجة الثالثة.
ممكن أن تتحرك من الأسفل إلى الأعلى, من اليسار إلى اليمين بجدول, فهذا هو الفقه.
أحياناً إنسان يحرص على نافلة, يضحي بفريضة من أجلها, يقول لك: لا أسمح لزوجتي أن تنكشف عند طبيب, ماتت, لست تقياً, يجب أن تسمح لها بالمعالجة, ولو كان عند طبيب, المفروض أن تحافظ على حياتها.
العناية بالمظهر أحياناً جزء من الدين :
ورد بأن سفيان الثوري لقي جعفراً الصادق وعلى جعفر جبة خز فقال: " ما هذا يا بن رسول الله!؟ فأخذ بيده, فأدخلها في جبته, فإذا تحتها عباءة خشنة, فقال: هذا لله -العباءة الخشنة- وهذه للناس.
الإنسان أحياناً يكون أمام أناس من أهل الدنيا, وأهل الدنيا لهم مقاييس معينة, فالمؤمن قد يُضطر إلى أن يظهر بمظهر حسن, ليذبَّ عن دينه المذمة, فهذه نية طيبة، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
شخص مؤمن لا يؤثر, إذا كنت في أي وضع أمامه, أما إنسان بعيد عن الدين, سيقيّمك من خلال مظهرك, فالعناية بالمظهر أحياناً جزء من الدين, أنت تمثل الدين.
فكان عليه الصلاة والسلام له ثياب جديدة, يرتديها حينما يقابل الوفود, وفي أيام الجمع, وكان عالية قومه يفعلون ذلك.
فالإنسان إن كان له مظهر حسن فهذا من الدين.
قال: لقد أظهر جعفر الصادق عمله الخفي, لأجل نفي التهمة عن قلب أخيه المؤمن.
أراه كيف أن هذه الجبة الخز للناس, وأن عباءته الخشنة هذه التي يرتديها لله عز وجل.
وكان بعض الصالحين إذا أصبح يقول: "صليت الليلة كذا وكذا, وقرأت كذا وكذا, فيقول له أصحابه: أتتحدث بعملك؟ فيقرأ قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[سورة الضحى الآية:11]
فهذا الإمام أظهر عمله كي يقتدي به أصحابه.
الإنسان حينما يبتغي بإظهار عمله أن يكون قدوة, إذا كانت هذه نيته, لا شيء عليه.
ويقال: مرض الجنيد وسفيان الثوري, فعادهما جماعة من الفقراء؛ فأما الثوري فلم يشك علته, ولم يظهرها, وأما الجنيد فقد أظهر علته, فسئل عن سبب إظهارها, فقال: أردنا أن نكشف آثار قدرة الله فينا.
الذي صمد شكا علته لله –اجتهد-, والذي تحدث عن علته أراد أن يُظهر قدرة الله فيه. المجتهد له أجران ما دامت النية طيبة :
الإنسان يقول لك: أنا ضعيف, فأنت ممكن أن تتكلم عن العلة التي ألمت بك بنية أن تظهر قدرة الله فيك, ويمكن أن تسكت بنية:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة يوسف الآية: 86]
على كلٍّ دائماً المجتهد له أجران: إن أصاب, أو إن أخطأ, ما دام النية طيبة؛ فإذا أصاب في اجتهاده فله أجران, وإن لم يصب فله أجر.
وسئل الداراني عن الرجل يعمل الطاعة, ثم يخبر بها الناس, فقال: " إذا كان إماماً يُقتدى به فنعم ذلك الإظهار, وقد يعمل الجاهل عملاً, ويلتمس به الفضل, ولكنه في حقيقة الأمر يكون اهتراراً-هو نقص-".
ومثل ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, تآخيا على العبادة, واعتزلا الناس, فقال أحدهما لصاحبه: "هلم اليوم فلنفرد عن الناس, ونلزم الصمت, ولا نكلم من كلمنا, فمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فسلم عليهما, فلم يردا عليه السلام, وحين ابتعد عنهما, سمعا يقول: هلك المتعمقون, هلك المتنطعون, فاعتذرا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, وتابا إلى الله من ذلك".
الله عز وجل أمر الإنسان أن يكون مع الجماعة :
أحياناً الإنسان يكون جاهلاً, فيرتكب عملاً لا يرضي الله عز وجل, بوهمه أنه يفعل هذا من أجل الله.
وكان هناك رجل يأتي إلى مجلس ابن عون, فترك ذلك المجلس أياماً, وجلس في بيته, فرأى ذات ليلة في المنام قائلاً يقول: "إن قطعت عن المجلس, لقد غفر الله للقوم سبعين مرة بعد تخلفك عنهم, وحرمت ذلك".
أي الله عز وجل أمرنا أن نكون مع الجماعة.
وقال:
((عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ, وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر]
أحياناً الإنسان يجتهد اجتهاداً خاطئاً, يكون مثلاً بحالة نفسية مضطربة, لا يأتي إلى الدرس, يقول لك: أنا مضطرب, لكن الدرس من أجل أن تصفو به.
أنا شبهته بإنسان مريض, قال لك: أنا لا آتي لعند الطبيب حتى أشفى آتي لعنده, شفيت, أصبحت لست بحاجة له. الشيطان يقف بالمرصاد لكل إنسان مؤمن بالله :
الإنسان عندما يكون عنده مشكلة نفسية, هو في أمس الحاجة إلى درس العلم؛ لينجلي قلبه, وتتوضح الحقائق أمامه, وينشحن أحياناً بشحنة روحية, والشيطان له أساليب ذكية جداً:
﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:17]
أول آية: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[سورة الأعراف الآية:16]
تجد الإنسان شارداً, غافلاً, غارقاً في المعاصي, لا يوجد عنده مشكلة نفسية أبداً, الشيطان يتركه, لأنه يحقق له الهدف الكبير, لمجرد أن يتوب إلى الله, وأن يصطلح معه, يبدأ عمل الشيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[سورة الأعراف الآية:16]
طريق الملاهي, والموبقات, هذا الطريق لا يوجد عليه شيطان, لأنه يحقق هدف الشيطان, أما طريق المساجد, والطاعات, فالشيطان واقف بالمرصاد: ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الأعراف الآية:17]
أي يزين لهم الحداثة, والتقدم, ولو فيها معاص, وآثام, وإباحية, وانحلال, واختلاط على تقدم الحضارة, ويزين لهم الماضي الذي فيه معاص وآثام, يقول لك: تراث, ماض عريق, تقاليد, عادات. التفقه في الدين أكبر جزء من الدين بعد الإيمان بالله :
وقد يأتيهم عن شمائلهم فيأمرهم بالمعاصي, وقد يأتيهم عن يمينهم فيوسوس لهم؛ صلاتك لم تصح, هناك شدّة بالفاتحة نقصتها, الله عز وجل لا يقبل هذه الصلاة, يعقد الأمور عليه تعقيداً, بحيث يقطعه عن الدين, يقول: أنت ترائي بعملك, هذه كلها من الشيطان.
ولآتينهم عن أيمانهم: يأتيك من زاوية الدين, وضوءك لم يصح, شعرت ببلل في لباسك الداخلي, معنى هذا أن الصلاة لم تصح, يدخله في عالم الوسوسة.
وهناك أشخاص عندهم الوسوسة, وهذا فعل الشيطان.
لكن بعضهم قال: "الله ذكر أربع جهات: الأمام, والخلف, واليمين, واليسار, لكن لم يذكر فوق, وتحت؛ الطريق إلى الله محصن من الشيطان- الطريق نحو الأعلى-, وطريق العبودية والتذلل أيضاً محصن من الشيطان".
أيها الأخوة, الإنسان عليه أن يتفقه في الدين, لأن التفقه في الدين أكبر جزء من الدين بعد الإيمان بالله؛ فأنت أمام إيمان بالله, وأمام طاعة له: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾
[سورة المؤمنون الآية:32]
﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾
هو التوحيد. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾
هو العبادة والطاعة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثانى و الاربعون )


الموضوع : الاخلاص9 ( مصطلحات متباينة بين الدين والدنيا ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأعمال التي يُشبه بعضها بعضاً :
أيها الأخوة: هناك موضوع دقيق هو: الأعمال التي يُشبه بعضها بعضاً, فلا شك أن هناك فرقاً كبيراً بين الأبيض والأسود، أي إنسان يدرك هذا الفرق؛ ولكن هناك ألواناً متقاربة, لو أن بعضها محرماً, وبعضها محللاً, فلا بد من معرفة الفروق الدقيقة بين هذه الألوان.
مثلاً: إنسان اشترى بيتاً, لزمه مليون ليرة, عرض على صديقه أن يشترك معه في شراء البيت, عمل طيب, قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية:2]
قال له صديقه غير المتفقه: أنا المليون أريدها كاملة سالمة بعد عام, قال له: لا يوجد مانع, وأريد أجرة, فرسم له أجرة, -ولتكن ما تكن-, لأنه ضَمِنَ المليون كل شيء يأكله أجرة هو ربا.
حالة ثانية مشابهة جداً: ساعده بمليون, بعد عام البيت قيّم, ارتفع أو هبط, قد يكون زاد مليوناً ونصف, الأجرة التي يأخذها من دون ضمان المبلغ أجرة, يأكلها حلالاً سائغة، لو ضمن المبلغ أصبحت الأجرة ربا, لو لم يضمن على سعر السوق كانت أجرة.
أحياناً إنسان يطلب منك قرضاً, ينتفع به نفعاً كبيراً, وأحب أن يكرمك, قدم معه هدية, هذه مقبولة, أداء حسن, لو أنك اشترطت هذه الهدية ربا, ولو هدية, ولو كرافة ربا, إن اشتُرطت فهي ربا, إن لم يكن لك علم بها, فاجأك الذي استقرض بهدية مع هذا القرض, سماها العلماء: أداء حسن. المداراة و المداهنة :
الآن: هناك شيء اسمه المداراة, وشيء اسمه المداهنة، كلاهما موقف ذكي في تأليف القلوب, لكن عندما تبذل جزءاً من مالك؛ تعمل عشاء, تدعوه, تكرمه, تضحي بوقتك من أجله, هذه اسمها مداراة, ولك عليها أجر, أما عندما تلغي فرض صلاة حتى لا تغضبه, أو تحرجه, ليس متوضئاً, بقيت تسايره, أذهبت عليك فرض صلاة مداراة له, فهذه اسمها مداهنة.
المداراة والمداهنة موقف ذكي, موقف اجتماعي, موقف في أعلى درجة من الذكاء الاجتماعي, تأخذ بيده, لكن البذل إذا كان بذلاً من الدنيا فهو مداراة, إذا كان بذلاً من الدين فهو مداهنة, والمداهنة محرمة:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
[سورة القلم الآية:9]
أما المدارة فمطلوبة:
وقد ورد: ((بعثت لمداراة الناس))
[ورد في الأثر]
ورأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس.
إذا كان تريد أن تهديهم إلى الله ورسوله, يحتاجون إلى مداراة من قبلك؛ مساعدة, معاونة؛ لأن الإحسان قبل البيان, والقدوة قبل الدعوة, لن تفتح عقولهم لدعوتك إلا إذا فتحت قلوبهم بإحسانك.
فالإحسان الذي يبذله الداعية, هو نوع من المداراة, أما الموقف المرن الذي يبذله الداعية, فتوى مرنة ترضي السائل, فنوع من المداهنة, حينما تفتي بخلاف ما تعلم, فأنت آثم, وهذه مداهنة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾
[سورة القلم الآية:9]
فأصبح الفرق بين الأجرة والربا, بين القرض الحسن وبين القرض الربوي (اثنان), بين المداراة والمداهنة (ثلاثة). العتاب مطلوب :
يقول سيدنا علي: "لا أصرم أخاً قبل أن أعاتبه".
هناك مواقف كثيرة فيها جهل، بلغك عن أخيك شيء, تقاطعه رأساً, كلمة قاسية جداً تقاطعه؛ هل تأكدت من ذلك؟ هل التقيت معه قبل أن تصرمه؟ قبل أن تقطعه؟ إن كان لا بد من أن تقاطعه فليكن على بينة: أنا قطعتك لهذا السبب؛ يقطعه, لا يتكلم ولا كلمة, الآخر يتهمه بالجفاء, بدلاً من أن يرجع إلى الله, يتوب, يستغفر, يعتذر لك, وجدك قد قاطعته ولم يعلم ما السبب فاعتبرك مجاف, ونقم عليك.
يقول سيدنا علي: "لا أصرم أخاً, قبل أن أعاتبه".
المعاتبة مطلوبة.
الآن بالخلوة بينك وبينه عمل طيب, في جماعة عمل لا يرضي الله, الإنسان له مكانة.
أنا أضرب مثلاً بسيطاً: لي صديق, عنده مكتب تجاري, طلب مني مترجماً, أحد أخواننا الكرام, مدرس لغة انكليزية؛ عريق, أنيق, محترم جداً, وهو داعية, له عمل بالدعوة طيب, فاقترحته له, فعمل, المكتب فيه مدير شاب, والمترجم جالس عنده, جاء ضيف -مندوب شركة-, المترجم -ذوقه رفيع يعامل الآخرين كأنهم أسرة واحدة- عمل قهوة, وقدمها, وشرب فنجان القهوة, هو بقي على هذه الحالة ثمانية أشهر تقريباً, ترجمته جيدة جداً، فمدير المكتب أحب أن يعمل تنظيمات إدارية, فكتب اختصاصات, جاء دور المترجم كتب: ترجمة وقهوة, في اليوم الثاني ترك, لا يزال يخدمك منذ ثمانية أشهر عندما اعتبرته قهوجي أنت جرحته.
فالإنسان أحياناً ممكن أن تعاتبه لكن بينك وبينه, أما تعاتبه أمام الناس؛ منتهى الحمق, ومنتهى الإيذاء أن تجرحه وأن تصغره أمام الناس.
الفرق بين العتاب المقبول والعتاب المرفوض :
الفرق بين العتاب المقبول والعتاب المرفوض: ما كان في خلوة فهو مقبول, وصاحبه مأجور, وما كان في ملأ فهو توبيخ, انقلب من عتاب إلى توبيخ, أنت مصمم أن تغار, هذه الخاصة بالإنسان حيادية.
تجد إنساناً يصلي الفجر في جماعة, أنت تغار منه, أنا نائم وهو يصلي الفجر في جماعة, تتمنى أن تكون مثله, تسمع عن إنسان, له إنفاق للمال شديد, إنسان موفق, فأنت تغار منه, من أي إنسان يسبقك, هذه صفة بالإنسان ثابتة, وهي لصالحه, هذه حيادية؛ أما إذا تمنيت النعمة التي أنعم الله بها عليه, أن تكون لك, وأن تزول عنه, أصبحت حسداً, أما إذا تمنيت أن تكون مثله, حافظاً لكتاب الله, دون أن تزول عنه, فهذه غبطة, الغبطة محمودة، النبي عبر عنها بالحسودة, قال: ((لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ علماً, فهو ينفقه آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالاً، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد اللَّه بن عمر]
فانظر إذا كانت القضية في الدنيا وتمنيتها لك فهذا حسد, إن تمنيت أن تزول عن أخيك فهذا حسد أعلى, أما -لا سمح الله- كتبت فيه تقريراً, كي تزول عنه هذه النعمة هذه أصبحت جريمة, أصبح حسداً وعدواناً؛ إذا تحركت بتقرير, أو بعمل, خبّر التموين, فتح محلاً, لم يبع بشكل جيد، نريد أن نقدم شكوى تموينية ضده, حتى يأتوا ويغلقوا محله, وهذا يحدث في هذه الأيام, هذا عدوان.
أما إن كان الإنسان له باع طويل في أعمال البر, وتتمنى أن تكون مثله, فهذا عمل طيب, هذه غيرة؛ لكن الغيرة في عمل الآخرة مشكورة, وفي الدنيا مرفوضة. الفراسة :
إذا إنسان توسم في أخيه الخير, بدليل ظهر أمامه, فهذه الفراسة حسنة، وقد ورد ببعض الأحاديث:
((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))
[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
أما تسيء الظن به بلا دليل, فهذا إثم: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:12]
إذا كان هناك دليل خير فهذه فراسة، إذا لم يكن هناك دليل سيئ, وحملته على شيء لا يرضي الله فهذا سوء ظن, أما إذا كان هناك دليل سيئ وأنت أخذت احتياطاً فهذا حزم.
تجد أحياناً الإنسان نبيهاً, فهيماً؛ والله آخرتك إنسان عظيم, لعلك تكون عالماً كبيراً, هذه فراسة, أما إذا اتهمته باتهام باطل, ولا يوجد دليل, لكن أردت الشر به فهذا صار عدواناً, والفرق بسيط جداً: فراسة وسوء ظن؛ الفراسة: دليل طيب, سوء الظن: بلا دليل: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:12]
أما إذا كان هناك دليل, انقلب من سوء ظن إلى حزم, الحزم: سوء الظن مع الدليل.
احترس من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة، كان عليه الصلاة و السلام يحذر الناس, ويحترس منهم, من غير أن يطوي بشره عن أحد. النصيحة والفضيحة :
المعنى واحد, لكن أمام الناس فضيحة, بينك وبينه نصيحة, وكل إنسان يخطىء, لكن أنت عندما تنصح بينك وبينه ينبغي أن يشكرك, تقول لإنسان نصحك: جزاك الله خيراً, شاكر فضلك عليّ, أنا شاكر لك, لأن الذي ينصحك يرفع لك شأنك.
نحن لو نتناصح نعلو, لو نتجامل, -كل شخص يجامل الثاني- نهبط جميعاً؛ رأيت منه عيباً, جاملته, نزل, رأيت منه عيباً ثانياً, نزل, ما الذي يرفعنا جميعاً؟ التناصح, نصيحة لوجه الله, هذا لا يجوز, هذه الكلمة لا تليق بك, بينك وبينه, فينبغي أن يشكرك, يقول لك: جزاك الله خيرا.
المديح و الانتقاد :
بالمناسبة: سننتقل إلى موضوع ثان: أنت بموقع لا تلغي المعارضة, إن ألغيتها سقطت أنت, هناك أشخاص كثر أقوياء؛ يصبح في مركزه الاجتماعي, مركزه التجاري, مركزه الديني قوياً, لم يعد يقبل النصيحة, هذا بدأ يهبط, أما إذا أصغيت للنصيحة, فالنبي أصغى لها.
والله هناك موقف, أنا متأثر فيه تأثراً بالغاً، جاء صحابي جليل قال للنبي صلى الله عليه و سلم: "الموقع وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ قال له: لا, هو الرأي والمشورة, قال له: يا رسول الله! ليس بموقع, فالنبي استجاب, قال: جزاك الله خيراً, أين الموقع الصحيح؟ فأمر أصحابه بالتنقل معه".
هذه فضيلة بالإنسان, هذه نصيحة.
مرة أخ قال لي: هناك حديث عليه إشكال روي بجامع العثمان، قلت: أنا لم أقل هذا الحديث, والشريط موجود, ومع ذلك: جزاك الله خيراً, أوصلته إلى بيته في البرامكة, قلت له: كلما لقيت نصاً فيه إشكال, قل لي عنه, جزاك الله خيراً, شجعته وأنا أستفيد.
لو فرضنا غاب عنك أخوك, انتبه, لو بقي ساكتاً بقيت هابطاً أنت, لما نبهك علوت, هذه قاعدة: المديح يهبطك, والانتقاد يرفعك؛ الذي يريد أن ينتقدك, له فضل عليك, لا تنزعج منه, انتقدك, أنت انزعجت لدقيقة, لثانية, لكن هذا الانتقاد رفعك, أما لو مدحك وأنت الخاطئ فجعلك تبرك.
المديح يهبط الإنسان والانتقاد يرفعه :
الآن: مشكلة الأقوياء ما الذي يُرديهم؟ لا يقبل نقداً, فالناس يفهمون عليهم, أصبحوا يمدحونه, هم يمدحونه وهو يهبط.
أحياناً يكون الأب قاسياً جداً, لا يقبل النقد أبداً, هم يعكسون الأسطوانة, يمدحونه دائماً, انتهوا من شره, لكنه يخطىء, أحياناً يكون مدير مدرسة, مدير مستشفى بمكان, أما إذا إنسان سمح بالمعارضة, سمح بالنقد, فيعلو.
هذه قاعدة ذهبية: لا تسكت النقد, إذا أسكته تنتهي أنت, اجعل النقد مسموحاً به لتعلو.
طبعاً هناك إزعاجات, لكن الإزعاجات لها آثار طيبة جداً.
صحابي من أقل الصحابة شأناً, اسمه -ذو اليدين- روي: ((أن رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ليسن لنا سجود السهو أنساه الله.
فأنا قصدي؛ في موقعك التجاري, في موقعك الديني, في موقعك العملي, في موقعك المهني, لا تسكت المعارضة, اجعل هناك نقداً, وشجع المنتقد, واشكره, وبارك له, وقل له: جزاك الله خيراً, فضلت عليّ, وأنا شاكر, استفدت من خبرات الآخرين كلها, هكذا النبي علمنا, والنبي أصغى للنصيحة؛ هو سيد الخلق, هو المعصوم, هو المشرع الذي يُوحى إليه, ومع ذلك أصغى للنصيحة, بل وشاور أصحابه قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
هذه كلها قواعد للنجاح في الحياة؛ أصغ للناصح, أصغ للمنتقد, ولا تسكته, ولا تغلق بابك دونه. على الإنسان ألا يغلق بابه في وجه من هو دونه فيخسر كل شيء :
والله مرة لنا صديق في الجامعة, حضر مؤتمر تطوير إدارة فندق المريديان, فغاب عن المراقبة فترة, سألته: أين كنت؟ قال لي: والله كنت في مؤتمر, من باب الدردشة سألته: ماذا حدث معكم في المؤتمر؟ قال لي: والله هناك شيء غريب جداً, ما زلنا منذ أسبوع نجتمع, التوصية واحدة, الحقيقة واحدة؛ أن كل إنسان بموقع القيادة لا يعمل حجاباً بينه وبين من دونه, قلت له: هذه قالها سيدنا عمر, لما عين والياً, قال له: لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم.
إذا استطاع أي إنسان أن يصل إلى المدير العام, يعد أعوان المدير المعاونين له للمليون قبل أن يظلموا أحداً, لأنهم سيشتكون عليهم, أما إذا كان الطريق مسدوداً فيأخذون حريتهم.
فكل إنسان يريد أن يعمل عملاً قيادياً, ولو أدار مدرسة, لا يجعل حوله أناساً يمنعون الناس عنه, يكون مع الجميع, عندئذ تستقيم الأمور.
تفاجأت -أثناء كنت في أمريكا-: السيارات اليابانية متفوقة جداً على الأمريكية, فأرسلوا وفداً, يا ترى عندهم التكنولوجيا أعلى؟ لا, المفاجأة الصاعقة أن الإدارة الديمقراطية لمعامل اليابان هي سبب التفوق؛ الشيف, المدير العام, المنجر, يأكل مع العمال, الود بينه وبين عماله, فأصبح هناك إتقان في العمل.
عندنا عدد من المعامل جعلهم المدير كلهم شركاء؛ أصبح هناك نساء, وعمل لهم مطعماً, وعمل لهم مؤسسة استهلاكية, وعمل لهم دارة حضانة, فالعامل يأتي إلى المعمل, هذا معمله؛ إتقان عجيب, يبيع بضاعة لأوروبا بإتقانها, لو كان العمال ضده, يهملون عملهم, تصبح بضاعته درجة عاشرة, لا تباع.
فالجماعة وجدوا تفوق صناعة السيارات في اليابان ليس لأن عندهم تكنولوجيا أعلى, لأنه يوجد عندهم إدارة ديمقراطية أكثر.
فأنت في عملك, في تجارتك, في أي عمل؛ أصغ للنصيحة, واقبل من الناصح, وأثن عليه, حتى تشجع الناس يصوبوا لك عملك, دائماً هذه إدارة ديمقراطية، والإدارة الشرعية هي:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
المعصوم كُلِّف أن يُشاور.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثالث و الاربعون )


الموضوع : الاخلاص10 ( النية من ارتياد المساجد والاعتكاف بها1 ).





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
النية من دخول المساجد تقتضي :
1 ـ أن ينوي زيارة رب العالمين في بيته :
إن ملازمة المساجد من أعمال المتقين, وبهذه الملازمة أظهر الله إيمان المؤمنين.
التردد على المساجد من أظهر علامات الإيمان.
قال العلماء: ينبغي للعبد إذا خرج من منزله يريد أن يدخل المسجد أن تكون نيته من هذا الدخول كما ورد في هذه الآيات.
النية الأولى من دخول المسجد أن ينوي زيارة رب العالمين في بيته، لأن المسجد بيت الله, وأنت عبده.
وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفضل ذلك, فقال من حديث سلمان:
((ما من مسلم توضأ, فأحسن الوضوء, ثم أتى مسجداً من مساجد الله, إلا كان زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن سلمان]
وفي رواية ثانية: ((إن بيوتي في الأرض المساجد, وإن زوارها هم عمارها, فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم جاءني))
[أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]
ولو أن عبداً من عباد الله عاملته بالقبيح من فعلك, ثم أتيته إلى بيته معتذراً إليه, لأكرمك, وعفا عنك, فكيف بالله العظيم وهو أكرم الأكرمين؟
ولولا أن الله يريد بعبده الكرامة لما وفقه لزيارة بيته، فالإنسان إذا دخل بيت الله هو يزور الله عز وجل, وحق على المزور أن يكرم الزائر.
أحد العلماء قال: لما تمّ لي ستون حجة, -عمره ستون سنة-, قعدت بحذاء البزار في المسجد الحرام, وجعلت أتفكر, وأقول: إلى كم أتردد على هذا البيت؟ فغلبتني عيناي, فنمت, فإذا قائل يقول: يا موفق, لو كان لك بيت تجمع فيه أضيافك هل تدعو إلا من كنت تحبه ويحبك؟ فسري عني, ولم أذكر ما كنت أجده من ضيق".
لولا أن الله يحبك, لما دعاك إلى بيته، فقد ورد: ((إذا دخل المسلم المسجد فقال: بسم الله, وبالله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعليه السلام, ورحمة الله, قالت له الملائكة: وأنت صلى الله عليك, قد جئت لأحسن الكلام بعد لا إله إلا الله))
[ورد في الأثر]
2 ـ أن ينال بفعله ذلك عند ربه عهداً فيكون من أهل الشفاعة عند الله تعالى :
وهذا ما قيل في معنى قوله تعالى:
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾
[سورة مريم الآية:87]
قالوا: الصلاة في جماعة، أي الذي يصلي في جماعة في مسجد اتخذ عند الله عهداً.
وفي حديث آخر : (( مَنْ تطهَّر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضيَ فريضة من فرائض الله، كانت خطواتُه إحداهما تَحُطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
3 ـ الازدياد مما يتحسر أهل الجنة عليه في الآخرة :
حتى أهل الجنة هناك أشياء يتحسرون عليها.
قيل لابن عباس: "هل يتحسر أهل الجنة إذا دخلوها على شيء؟ قال: لا يتحسرون إلا على الغدو والرواح إلى المسجد, ليتهم ازدادوا من ذلك, فكسبوا النعيم المقيم".
"الغدو والرواح".
فيا أيها العامل, تقدم من قبل أن تندم فلا ينفعك الندم.
قال عليه الصلاة والسلام:
((من غدا إلى المسجد أو راح, أعدّ الله له في الجنة نزلاً, كلما غدا أو راح))
[أخرجه البخاري وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة]
وكان بعض الصالحين إذا راح بعد صلاة العشاء إلى منزله, كثيراً ما يقول:
نروح ونغدو كل يوم وليلة وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
***
الآن: أذهب وأعود, لكن يأتي وقت انتهى الأمر, دفن تحت الأرض, وانتهى:
نروح ونغدو كل يوم وليلة وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
***
وقد قال الله تعالى ليلة المعراج للنبي -عليه الصلاة والسلام-: ((هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: لا, قال: في الكفارات والدرجات, قيل: فما هي؟ قال: أما الكفارات فإسباغ الوضوء بالماء البارد, ونقل الأقدام إلى المساجد للجماعات, وانتظار الصلاة بعد الصلاة))
[أخرجه الترمذي عن ابن عباس]
4 ـ أن ينوي المسابقة إلى بيت الله وسرعة الإجابة للنداء :
قيل في معنى قوله تعالى:
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾
[سورة مريم الآية:87]
أي: سابقوا إلى المساجد, فإن فيها تنالون المغفرة.
ويقال: "لا تكونن كالعبد السوء, لا يأتي مولاه إلا إذا دعاه؛ ولكن ائتوا الصلاة قبل الدعوة".
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتحدث معنا, ونتحدث معه كأحدنا, فإذا سمع الأذان, قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه" -دعاه الله عز وجل-. 5 ـ أن ينوي أداء الأمانة إلى الله عز وجل فيما افترض الله عليه وأُخذ عليه الميثاق:
كان علي -رضي الله عنه- إذا سمع النداء للصلاة, تغير لونه, وتقلقل في موضعه, فيُقال له في ذلك, فيقول: حضر وقت أداء الأمانة العظيمة, التي عرضها الله على السماوات, والأرض, والجبال, فأبين أن يحملنها, وأشفقن منها, وحملها الإنسان, إنه كان ظلوماً جهولاً".
وقال أبو بكر -رضي الله عنه-: "ما حضرتُ وقت صلاة قط, إلا نادت الملائكة: معاشر المؤمنين! قوموا إلى ناركم التي أشعلتموها على أنفسكم, فأطفئوها بالصلاة".
الصلاة كفارة لما قبلها.
6 ـ عمارة المسجد بصلاته ليكون ممن شهد الله له بالإيمان فيصير من خواصه :
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
[سورة التوبة الآية:18]
والمؤمن في المسجد كالسمك في الماء.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان))
[أخرجه الترمذي وابن ماجه والدرامي والإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن خزيمة في صحيحه عن أبي سعيد الخدري]
من علامة الإيمان أن تعمر مساجد الله.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((عمَّار المساجد هم أهل الله عز وجل))
[أخرجه أبو يعلى وعبد بن حميد في مسنده وأبو داود الطيالسي في مسنده عن أنس بن مالك]
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((يقول الله: وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم))
[شعب الإيمان عن أنس]
7 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون من خواص عباد الله :
النية السابعة من دخول المساجد: الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, ليكون من خواص عباد الله, الذين باعوا أنفسهم لطلب مرضاته، قال تعالى:
﴿الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة التوبة الآية:112]
هناك أحاديث ضعيفة, من هذه الأحاديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم".
الصبي إذا لم يدخل المسجد, ولم يألف المسجد, ولم يحب المسجد, كيف يؤمن بالله عز وجل؟ تجد الحديث ليس له أصل.
ونهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن إنفاذ الضالة في المسجد, وقول الشعر فيه, وأمر بأن يرد على منفذ الضالة, لا ردَّ الله ضالتك.
المسجد ليس للدنيا, ولحل مشاكل الدنيا، ومن نفذ ضالة المسجد يقال له تأديباً: لا ردَّ الله ضالتك.
وقد قيل: " لا يتقي هذه المساجد إلا من رضي الله عنه, ومن رضي الله عنه فله الجنة".
أي يتقي وجدان الضالة في المسجد, أو بحث أمور الدنيا, وسيأتي على الناس زمان, يتخلفون عن مساجدهم, ليست لهم همة إلا الدنيا, فإذا كان ذلك الزمان فلا تجالسوهم, فإنه ليس لله فيهم حاجة.
وسمع سيدنا عمر -رضي الله عنه- قوماً يذكرون تجارتهم في المسجد, فقال: "إنما بينت هذه المساجد لذكر الله, فإذا ذكرتم تجارتكم ودنياكم فاخرجوا منها إلى البقيع". 8 ـ الهرب من الدنيا إلى الآخرة :
آخر نية من دخول المساجد: الهرب من الدنيا إلى الآخرة, ومن تجارة الهوى إلى تجارة التقى, ومن أبناء الدنيا إلى أبناء الآخرة:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية:50]
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً﴾
[سورة آل عمران الآية:97]
قال بعضهم في معنى هذه الآية: هي المساجد, وقيل هي مكة والحرم, وقيل أيُّ مسجد.
وقال بعضهم: "المساجد من دخلها فهو آمن من فتنة إبليس وجنوده, لا يستطيع أن يوقعه في المعصية فيهلك بها, وليس للشيطان بعد دخول المسجد إلا الوسوسة, فإذا بكر أحدكم, حضر له الفوز العظيم".
من علامة الإيمان ارتياد المساجد, وصلاة الفجر لها معنى خاص. (( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ ]
(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلُِ ))
[ مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فإذا الإنسان صلى الفجر في جماعة, والعشاء في جماعة, فهو نوع من قيام الليل, وهو في ذمة الله تقريباً طوال الوقت؛ فالحياة كلها مفاجآت, فإذا كان الإنسان مع الله عز وجل فهو آمن.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الرابع و الاربعون )


الموضوع : الاخلاص11 ( النية من ارتياد المساجد والاعتكاف بها2 ).







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ينبغي للمؤمن إذا قعد في المسجد أن ينوي في قعوده اثنتي عشرة نية مستحبة هي :
1 ـ الصلاة في الجماعة والمحافظة عليها :
ماذا ينبغي أن تكون نية العبد حينما يرتاد بيوت الله عز وجل؟
قال: الجلوس في المساجد, والاعتكاف بها, من فضائل الأعمال, ولا يداوم على ذلك إلا أهل الإخلاص.
فقد ورد: "المساجد بساتين المؤمنين, والمنافق في المسجد كالطير في القفص".
قال: ينبغي للمؤمن إذا قعد في المسجد أن ينوي في قعوده اثنتي عشرة نية مستحبة, يكتب له في كل نية جزاء وافراً، فإنما الأعمال بالنيات.
النية الأولى: الصلاة في الجماعة والمحافظة عليها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته بسبعة وعشرين ضعفاً))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وعبد الرزاق في مصنفه عن أبي سعيد الخدري]
هذه أول نية: أداء صلاة الجماعة امتثالاً لسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض العلماء: "الجماعة أربع خصال؛ اتباع السنة, وتضعيف الثواب, والخروج من الشهوة, والبراءة من الرياء". 2 ـ موافقة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إن اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ في بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن مسعود]
إذاً: اتباع السنة أيضاً.
وقال عليه الصلاة والسلام: (( مَن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة حَسَنَة فله أجرُها وأجرُ من عمل بها من بعده، من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإِسلام سُنَّة سيِّئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عمل بها من بعده، من غير أن ينقُصَ من أوزارهم شيء ))
[أخرجه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي]
و قد قيل: ((ينادى في كل يوم من ترك سنة محمد لم يرد الحوض ولم تدركه شفاعة محمد))
[ورد في الأثر]
3 ـ أن ينوي مكاثرة جمع ليحصل له فضل عظيم :
ما معنى مكاثرة جمع؟
ورد أنه:
((من كثر سواد قوم فهو منهم))
[أخرجه أبو يعلى عن عمرو بن الحارث]
إذا إنسان كثر سواد أهل المعصية قواهم, وإذا كثر سواد المؤمنين فقد قواهم, وهو منهم, أنت تقوي من بهذه الصلاة؟
وقد ورد أيضاً أنه: ((عليكم بالثواب الأعظم, فإن الذئب يأخذ بالقاصية والشاردة, عليكم بالثواب الأعظم))
[ورد في الأثر]
وفي بعض الأحاديث: ((هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]
4 ـ المرابطة بانتظار الصلاة بعد الصلاة :
قيل في أحد معاني قول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
[سورة آل عمران الآية:200]
أي في المساجد، ومنه قول النبي: ((ألا أدلكم على ما يمحو الخطايا ويُرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: كثرة الخطا إلى المساجد, وإسباغ الوضوء على المكاره, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فذلكم الرباط, فذلكم الرباط))
[ الطبري عن جابر بن عبد الله]
5 ـ ينوي كف سمعه وبصره ولسانه وجوارحه عن المحرمات :
توفي لعثمان بن مظعون -رضي الله عنه- ابن, فجلس في البيت, فنصب محراباً, وترك المسجد, فتفقده النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال:
((إنها لم تكتب علينا الرهبانية يا عثمان، إن رهبانية أمتي الجلوس في المساجد))
[ أبو نعيم في المعرفة عن أنس ]
وعن أنس -رضي الله عنه- قيل: ((يا رسول الله! ترك الغيبة أحب إليك أم صلاة ألف ركعة؟ فقال: ترك الغيبة))
[نزهة المجالس عن أنس]
6 ـ ينوي الاعتكاف في المسجد إلى حين خروجه :
فقد قال أنس بن مالك: "إن من الأعمال أعمالاً لا يُحصى ثوابها, وإنها الاعتكاف".
ودخل بعض الصالحين إلى المسجد, فرأى فيه واحداً من الفقراء معتكفاً, فقال: "ما جلوسك في هذه الساعة؟ قال: عصيت صاحب البيت, فلزمت الجلوس في بيته, وآليت ألاَّ أخرج حتى يُغفر لي".
7 ـ ينوي استماع العلم إن اتفق ذلك له والجلوس في حلق الذكر :
وقد ورد:
((من غدا إلى المسجد ليذكر الله عز وجل, أو يذكر به, كان كالمجاهد في سبيل الله))
[الطبراني عن أبي أمامة]
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((كن عالماً, أو متعلماً, أو مستمعاً, أو محباً, ولا تكن الخامسة فتهلك))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط والطبراني في المعجم الصغير والبزار في مسنده عن أبي بكرة]
8 ـ ينوي لعله يُصادف أخاً له في الله لينفعه أو ينتفع به أيام حياته أو بعد وفاته:
النية الثامنة: ينوي لعله يُصادف أخاً له في الله لينفعه, أو ينتفع به أيام حياته, أو يستشفع به بعد وفاته، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- في الحديث القدسي:
((يقول الله عز وجل يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي, حيث لا ظل إلا ظلي))
[أخرجه مسلم ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "ما أُعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح".
فلعلك تلقى بهذا المسجد أخاً صالحاً.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أراد الله به خيرا رزقه خليلاً صالحاً إن نسى ذكره، وان ذكر أعانه))
[ أبو داود عن عائشة]
9 ـ ينوي انتظار نزول الرحمة من الله :
قال عليه الصلاة والسلام:
((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث ))
[ رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق ]
10 ـ ينوي ترك الذنوب حياء من أخوانه في المسجد وخشياً من مقتهم :
كما جاء عن النبي -صلى الله عليه- أنه:
((استح من الله كما تستحي من الرجل الصالح في قومك))
[ابن كثير عن سعيد بن يزيد عن ابن عم له]
وقال بعض العلماء: "عليك بمجالسة من إذا رأيته وقع على باطنك هيبته, وأنساك الأهل والولد رؤيته, ولا تعصي مولاك ما دمت قريباً منه".

11 ـ ينوي الخلاص من عذاب الله أن ينزل :
النية الحادية عشرة: ينوي الخلاص من عذاب الله أن ينزل, فيكون مقصراً في أمله, زاهداً في عمارة وقته الدنيوي، قال مالك بن دينار: "لو نزل من السماء عذاب عوفي من ذلك أهل المساجد".
وقيل: الصواعق لا تصيب ذاكر الله عز وجل.
12 ـ ينوي ملاقاة الأخ لله وزيارته لله :
النية الثانية عشرة: ينوي ملاقاة الأخ لله, وزيارته لله, والنظر إليه في بيت الله, فيحصل له الثواب من الله عز وجل:
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
وقد ورد في الأثر: ((امش قليلاً وصلِّ خلف إمام تقي, وامش ميلين وعُد مريضاً, وامش ثلاثة أميال وشيع جنازة, وامش أربعة أميال لحضور مجلس عالم يذكر الله, وامش خمسة أميال وأصلح بين اثنين متقاطعين, وامش ستة أميال وزر أخاً في الله))
[ورد في الأثر]
هذه النيات كلها يجمعها العبد في عمل واحد, إذا كان عالماً, عارفاً, يُعطى بكل نية أجراً عظيماً؛ فشتان بين من يحصل له عمل واحد, أجور كثيرة.
أيها الأخوة, هذه صلاة الجماعة، وقد ورد فيها أيضاً أنه: ((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي, ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح))
[ورد في الأثر]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الخامس و الاربعون )


الموضوع : زيارة الاخ المؤمن




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. على المؤمن أن ينوي بزيارة أخيه :
1 ـ أن يزور أخاه لحرمته وجلال قدره :
أيها الأخوة الكرام: أن تزور أخاك المؤمن هذا عمل عظيم، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نظر إلى الكعبة, فقال:
((لقد شرفك الله, وعظمك, وحرمك, والمؤمن أعظم حرمة منك))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
فأن تزور أخاك المؤمن فهذا من الأعمال العظيمة التي أثنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال عبد الله بن المبارك: "خمسة أشياء لا تصعد من الأرض إلى السماء إلا بالتمام؛ حرمة المؤمن, وشكر نعمة الرب, وحق الوالدين, وإكرام العالم الزاهد....".
هذه الأشياء لا تصعد إلى الله عز وجل إلا بالتمام والكمال.
الإنسان عليه أن يشكر النعمة شكراً تاماً, وعليه أن يرعى حق والديه, وعليه أن يعرف حرمة المؤمن.
فأول نية من نوايا زيارة المؤمن: يزور أخاه لحرمته وجلال قدره.
الإنسان في الأساس مخلوق أول, فإذا استجاب لله عز وجل في حمل الأمانة, ووفى بما عليه, كان له أعلى درجة, بل إن هذه الدرجة لتفوق الملائكة.
الإنسان مركب من عقل وشهوة, والملك مركب من عقل بلا شهوة, والحيوان مركب من شهوة بلا عقل, فإن سما عقله على شهوته, أصبح فوق الملائكة -كلام سيدنا علي-, وإن سمت شهوته على عقله, أصبح دون الحيوان.
الملك عقل بلا شهوة, الحيوان شهوة بلا عقل, الإنسان نفخة من روح الله, وقبضة من تراب الأرض، فيه نوازع أرضية, و ميول روحية؛ فإذا سمت نفسه على شهوته, وإن سما عقله على حاجته, كان فوق الملائكة, فلذلك له حرمة عند الله عز وجل.
ومن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه, ومن أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه.
مثلاً: لسبب تافه, أو لملاحظة عابرة, أو لعدم دقة في الحكم, تقول: فلان يأكل مالاً حراماً, أنت لست متأكداً, وهو يصلي, ويعبد الله عز وجل, هذا اتهام للدين؛ إذا الدّيّن يفعل هذا, ماذا يفعل غير الدّيّن؟
قبل أن تتهم مؤمناً, عد للمليون, دائماً هناك معركة بين الحق والباطل, والمؤمن أحياناً دون أن يشعر هناك من يقول كلاماً فيه ليس صحيحاً.
فحرمة المؤمن يجب أن تُرعى رعاية تامة, وشكر نعمة الله عز وجل, وحق الوالدين, وإكرام العالم الزاهد. 2 ـ أن ينوي بزيارة أخيه المؤمن تألفه :
تألفه؛ أي يتألف قلبه، أن تكون الزيارة فيها ود.
أخ غاب عن المسجد أسبوعين, أنت زرته, تجشمت وقتاً وجهداً إلى أن زرته, فهذه الزيارة لها معنى كبير, إنها تأليف قلبه، يقول الله عز وجل:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية:63]
من الأعمال الصالحة الجليلة أن تزور أخاك المؤمن.
ابن مسعود قال: "نزلت هذه الآية في المتحابين في الله".
المتحابون في الله يتزاورون, المتحابون في الله يتجالسون ويتبادلون.
وقيل: "أربع خصال تؤكد مودة الأخ مع أخيه: الزيارة, والسلام, والمصافحة, والهدية؛ الزيارة: أن تزوره في مناسبات أفراحه وأتراحه, وأن تسلم عليه, وأن تصافحه, وأن تقدم له الهدية".
كما قال عليه الصلاة والسلام: ((تهادوا؛ إن الهدية تذهب وحر الصدر ))
[أحمد في مسنده والترمذي عن أبي هريرة ]
هناك مشكلة بين أخين, هناك سوء تفاهم, فالإنسان يقدم هدية رمزية, هذه الهدية كما علمنا النبي: (( تهادوا تحابوا ))
[ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]
سيدنا عمر يقول: "ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح, فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه, فليتمسك به". الإنسان قبل أن يسيء الظن بأحد عليه أن يتأكد :
قبل أن تقطع العلاقة, قبل أن تتصرف تصرفاً يبعده عنك, عد للمليون, هذا أخوك, وأنت قوي بأخيك, وضعيف وحدك, وإياك وسوء الظن, إياك أن تسيء الظن به, بلا مبرر أو بلا دليل.
مرة حدثني أخ, قال لي: عندي معمل حلويات, -قصة من حوالي خمسين سنة, توفي رحمه الله-, خبرت معمل زبدة أن يأتي لي بمئة باكيت, أحصيتهم, وجدت تسعاً وتسعين, -هكذا خطر في بالي-, جئت لمعطف أحد الموظفين, وجدت قالباً في جيبه, كأنه دليل قوي أن الموظف أخذ القالب, قال لي: هممت أن أعنفه, وأوبخه, وأطرده من العمل, قال لي: لماذا سكت لا أعلم, في اليوم الثاني, وأنا أحاسب المعمل, قال له: والله بعثنا لك مئة باكيت, صانعك اشترى واحداً, دفع ثمنه, أعطنا ثمن تسع وتسعين.
الإنسان قبل أن يسيء الظن, قد يكون خاطئاً، فعليه أن يتأكد.
في حياتي حالات تهمة كبيرة؛ لكن بعد التحقيق لا يوجد شيء, لا يوجد خطأ, وإن كان البيان يطرد الشيطان. فالقصد الإنسان قبل أن يتسرع, قبل أن يتهم, ينتبه.
مرة جاء إنسان ليشتري حاجة من محل, لم يشترها, غاب ساعة ورجع, قال: نسيت خمسة آلاف على الطاولة, لا يوجد خمسة آلاف, وكأنه اتهم المحاسب, أو الذي وراء الطاولة؛ وراء الطاولة رجل أمين, صادق, لا يوجد مشكلة أبداً, بعد حين زاروه في بلدته في الشمال, فأكرمهم إكراماً منقطع النظير لم يعهدوه من قبل منه, ثم قال لهم: والله أنا تسرعت, دفعت الخمسة آلاف لشخص, ونسيت أن أسجلها.
الإنسان عندما يفقد مبلغاً و يتهم إنساناً فهذه مشكلة كبيرة, ويُحاسب عليها، ومن أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه, ومن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه.
يقول عمر : "ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به"
لأن تخسر الدنيا, وتربح أخاً في الله فأنت الرابح, ولأن تكسب الدنيا, وتخسر أخاً في الله فأنت الخاسر.
إذا كان هناك ود بينك وبين أخيك, حاول المستحيل أن تحافظ على هذا الود, لقيت جفاء؛ اسأل عن السبب, قدم اعتذاراً, زره في البيت.
زيارة المؤمن للمؤمن تولد المودة و التآخي :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((مثل المؤمن وأخيه كمثل الكفين تنقي إحداهما الأخرى))
[ كنز العمال عن أنس]
وقال أنس بن مالك: ((كان -عليه الصلاة والسلام- إذا غاب الرجل عن المسجد ثلاثاً, سأل عنه؛ فإن كان مريضاً عاده, وإن كان مسافراً دعا له, وإن كان حاضراً زاره))
[أبو يعلى عن أنس بن مالك]
و من آخى أخاً في الله - الحد الأدنى واحد- فعليه أن يتفقد شؤونه, و إن غاب يسأل عنه, يتصل فيه هاتفياً, من حين لآخر يزوره, يتفقد أحواله الاجتماعية, أحواله النفسية, أحواله الدينية, فهذا النوع يعمل وداً كبيراً.
والنبي قال: "تآخيا اثنين اثنين".
اصطفِ من المسجد واحداً, واجعله أخوك في الله؛ زره ويزورك, انصحه وينصحك, خذ بيده ويأخذ بيدك.
وفي الخبر: ((ما زار رجل أخاه في الله شوقا إليه ، ورغبة في لقائه ، أو حبا للقائه ، إلا ناداه ملك من خلفه : ألا طبت ، وطابت لك))
[ البزار عن أنس]
مرة ثانية: أن تزور أخاك في الله, هذا عمل عظيم, هذا يُمكّن المجتمع.
مرة إنسان قال لي: أنا مستقر في بريطانيا, في مانشستر, وأنا طبيب, ومتفوق, ذكر لي أوضاعه المادية, شيء كثير, ولكنني أردت أن أعود إلى هذه البلدة, بدخل أقل من واحد من عشرين من دخله في بريطانيا, قال لي: السبب: في البناء في الطابق العاشر في مانشستر, رجل يسكن وحيداً, توفي, والدنيا شتاء, والبرد قارس, وآخر طابق, والبيت محكم, ومضى على وفاته ستة أشهر دون أن يعلم به أحد, لكن بعد تفسخ الجثة, أصبح هناك رائحة لا تحتمل, هذه لفتت النظر, وله ستة أولاد في لندن, ولم يخطر في بال واحد منهم أن يزور أباه مرة واحدة؛ مجتمع التدابر.
نحن الابن يجب أن يكون عند أبيه كل يوم, وعند والدته كل يوم, هذه الصلة تعمل وداً, تعمل تناسقاً اجتماعياً.
لذلك: ((ما زار رجل أخاه في الله شوقا إليه ، ورغبة في لقائه ، أو حبا للقائه ، إلا ناداه ملك من خلفه : ألا طبت ، وطابت لك))
[ البزار عن أنس]
3 ـ كفارة الذنوب والخطايا :
جاء في الخبر:
((ما من مسلمين التقيا فتصافحا إلا تساقطت ذنوبهما بينهما))
[كنز العمال عن البراء]
زرته, وبششت بوجهه, وصافحته بحرارة, تساقطت ذنوبكما.
كم عمل صالح الله عز وجل يكرمك عليه وينسيك خطاياك فيه؟
أيضاً: ((إذا نظر المؤمن إلى المؤمن, ففرحا ببعضهما, ناداهما ملك: استئنفا العمل فقد غفر الله لكما))
[ورد في الأثر]
الله يحبنا أن نحب بعضنا و نتناصح. 4 ـ بركات النظر إليه للتقرب فيه فيداوي بذلك قلبه :
النية الرابعة: ينوي المؤمن بزيارة أخيه؛ بركات النظر إلى أخيه, للتقرب فيه, فيداوي بذلك قلبه، جاء في الخبر:
((إن الله جل ثناؤه, ليحاسب العبد يوم القيامة, فيُوقع عليه الحجة, فيؤمر به إلى النار, فيبقى العبد حيراناً, فيقول الله عز وجل: هل رأيت ولياً في دار الدنيا فأحببته لي؟ أو زرته من أجلي؟ أو أحبك ولياً من أوليائي؟ فأهبك اليوم له؟))
[ ورد في الأثر]
أن توالي ولياً في الله, أو أن تعادي عدواً في الله, أيضاً هذا عمل عظيم.
وقال ابن عباس: "أربعة أشياء النظر إليهما عبادة؛ نظر الأخ إلى أخيه في الله, والنظر في المصحف, والنظر إلى الكعبة....".
وقال الحسن البصري: "لقاء أخواننا في الله أحب من لقاء أهلينا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا في الدنيا, وأخواننا يذكروننا بالآخرة".
تجلس مع أخ مؤمن, يتكلم خمس أو ست ساعات عن الله عز وجل لا تمل؛ أما الزوجة, والأولاد, والحاجات, والطعام, والشراب, واللباس, والقروض, فدائماً هناك نواح مادية, أما أخوك في الله فالعلاقة خالصة لوجه الله. 5 ـ أن يزوره ليعرض حاله عليه ويستنصحه في دينه :
أخ لك في الله كلما لقيك وعظك بالله, خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.
الوعظ, والنصيحة, والدلالة على الله عز وجل, أبلغ من المساعدات المادية.
وفي حكمة آل داود: "ينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه, وساعة يحاسب فيها نفسه, وساعة يجلس مع أخوته الذين يذكرونه عيوب نفسه, وساعة يخلي بين نفسه وحظوظها من لذات الدنيا, فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات".
6 ـ التماس محبة الله وتصديق وعد الله :
النية السادسة: ينوي بزيارته التماس محبة الله, وتصديق وعد الله, الذي وعد للزائر العبد من عبيده, من فرط محبته له، فقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى, فأرسل الله في مدرجته ملكاً, يقال: أين تريد؟ فقال: أردت أخاً لي في هذه القرية, فقال: هل بينك وبينه رحم تصلها, ولك عليه نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا, إلا أنني أحببته في الله, فقال: إني رسول الله إليك, أحبك الله كما أحببته))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
ملخص هذه القصص, والأحاديث, واللفتات إلى أن مجتمع المؤمنين مجتمعاً متماسكاً, واحداً, أسباب هذا التماسك الزيارة, فإذا زرت أخاك في الله, فأنت في عمل عظيم يرضي الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السادس و الاربعون )


الموضوع : محبة العبد لله جوهر الدين





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أقدس علاقة هي علاقة الحب بين العبد والرب :
أيها الأخوة الكرام: خلق السموات والأرض بني على ما يسمى بالمحبوبية، أحبّ الله أن يسعد خلقاً, فخلقهم ليسعدهم.
فأصل الخلق المحبوبية, وأن يحب الله عز وجل هو جوهر الدين, لأن الله بدأ بمحبته, فقال تعالى:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[سورة المائدة الآية:54]
أقدس علاقة, وأول علاقة, وأخطر علاقة, وآخر علاقة، علاقة الحب بين العبد والرب.
فحقيقة التوبة, العلماء قالوا: "الورع: من كان ورعاً كان تائباً, وحقيقة الورع الزهد: أن تزهد نفسُك, وأن تزهد بنفسك, -أي حظوظ النفس, مطالبها, ميولها, شهواتها, أن تزهد بها, وأن تؤثر طاعة الله عليها-, والرضا: أن تقبل بأحكامه عليها". ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾
[سورة الطور الآية:48]
أن ترضى عن الله هو جوهر الدين. من آثر الله على حظوظ نفسه فالطريق إلى الله سالك :
إنسان يطوف حول الكعبة, يقول: يا رب, هل أنت راض عني؟ فكان وراءه الإمام الشافعي قال: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة, فقد رضيت عن الله, وحقيقة الرضى المحبة, وعلامة المحبة أن تؤثر الله على محبتك, ولا تؤثر عليه شيئاً:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية:24]
هناك حقائق في الطريق إلى الله؛ إذا كان هناك شيء في الأرض آثرُ عندك من الله, فالطريق إلى الله غير سالك, أما حينما يكون الله عز وجل آثرُ عليك من كل شيء فعندئذ الطريق إلى الله سالك.
قال بعض العارفين: "طلقت الدنيا ثلاثاً ثلاثاً، بتاتاً لا رجعة فيها, وصرت وحدي إلى ربي, فناديته بالاستعانة: إلهي أدعوك دعاء من لم يحبّ غيرك, فلما علم صدق الدعاء من قلبي, كان أول ما ردّ عليّ من إجابته؛ أن أنساني نفسي بالكلية, ونصب الخلائق بين يدي, مع إعراضي عنهم". من يحبّ لله و يعطي لله فقد زهد بنفسه :
ما دام هناك نفس لها حظوظ, ولها شهوات, وتغضب لها, وترضى لها, وتعطي لها, وتمنع لها, فأنت محجوب بها عن الله, أما حينما تفنى عن ذاتك, وتحب لله, وتعطي لله, وتمنع لله, وتبغض لله, فقد زهدت بنفسك.
لأحد العارفين كلمة طيبة قال: "غلطت في ابتداء أمري؛ حسبت أنني أذكره, فإذا هو ذكرني قبل أن أذكره, وحسبت أني أطلبه, فإذا هو طلبني قبل طلبي له, وحسبت أني أعرفه, فإذا هو عرفني قبل معرفتي له, وحسبت أني أحبه, فإذا هو أحبني قبل محبتي له, وحسبت أني عبده, فإذا هو جعل الخلائق في الأرض في خدمتي".
سئل بعض العارفين عن حقيقة المؤمن فقال: "هو الذي يأخذ الكتاب بيمينه, وسنة رسول الله بشماله, وينظر بإحدى عينيه إلى الجنة, وبالأخرى إلى النار, ويتزر بالدنيا, ويرتدي بالآخرة, ويلبي من بينهما للمولى, لبيك اللهم لبيك".
وقال: "من اختار الدنيا على الآخرة غلب جهله على ذكره, ومعصيته على طاعته, ومن اختار الآخرة على الدنيا, غلب سكوته على كلامه, وفقره على غناه, وهمه على سروره, ومن اختار رضا المولى على الدارين, غلبت نفسه الرحمة, وقلبه المحبة, وسره القرب, وصارت نفسه مقيدة بقيد الخدمة, وقلبه أسيراً بخوف الفرقة, وسره مستأنساً بأنس الصحبة".
أهمية الجانب النفسي في الدين :
الجانب النفسي في الدين مهم جداً, والذي أراه أنه أخطر جانب؛ لأن الإنسان من داخله, إن سعد في داخله, صحت حركته في الخارج, إن لم يسعد في داخله, اضطربت حركته في الخارج.
هؤلاء الصحابة الكرام بمَ نالوا أعلى المراتب؟ بمَ نالوا هذا التأييد الإلهي؟ بمَ نالوا هذا العطاء الرباني؟ بمحبتهم لله عز وجل.
والشيء المناسب أن نقتدي بهم؛ فالشيء الذي أهمهم ينبغي أن يهمنا, والشيء الذي لم يعبؤوا به ينبغي ألا نعبأ به. فإذا وصلنا إلى زمن؛ شيء ما فكر فيه الصحابة إطلاقاً, ولا انتبهوا له, ولا شغل من وقتهم شيئاً, ينبغي ألا يشغلنا هذا الشيء, والشيء الذي أهمهم ينبغي أن يهمنا, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- شهد لهم بالخيرية, فقال: ((خير القرون قرني, ثم الذي يلونهم, ثم الذين يلونهم))
[ البخاري عن عمران بن حصين]
إن وجدت واقع المسلمين يبتعد بعداً كبيراً عن ماضيهم, وعن عصر الصحابة, فنحن في تخلف كبير؛ قد تجد خلافات تمزق وحدة المسلمين, قد تجد موضوعات يعالجها المسلمون بشكل غير معقول, والصحابة لم يفكروا فيها إطلاقاً, هذا من بعد المسلمين عن منهج الله عز وجل.
سئل بعض العارفين: "من تأمرنا أن نصحب؟ فقال: من إذا مرضت عادك, وإذا أذنبت في حقه كان عليك".
الصاحب المؤمن مسامح؛ التقييد, والتكلف, والمحاسبة الدقيقة, والثأر للنفس, ليس من صفات المؤمن.
وقال بعض العارفين: "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب, وانتظار الشفاعة بلا فضيلة نوع من الغرور, ورجاء الرحمة من غير طاعة حمق وجهالة". من كانت همته الدنيا فقيمته لا شيء ومن كانت همته الآخرة فقيمته الجنة :
ورد في الأثر: ((من عمل بلا عمل ورثه الله علم ما لا يعلم))
العلماء أوردوا في شرح هذا الأثر معان كثيرة:
فقال أبو القاسم الجنيد -رحمه الله-: "من عمل الرواية ورثه الله علم الدراية".
من تعلم علم الرواية, وأتقنها, ورثه الله علم الدراية, دراية متن الحديث.
قال غيره: "من عمل بما دعا إليه من الفرائض ورثه الله العونة في الزيادة في النوافل".
إذا أيقنت الفرائض أكرمك الله بالنوافل.
وقال بعضهم: "من عمل بما دعا إليه ورثه الله الإخلاص, والرضا, واليقين في القلب, وهو فعل الله تعالى".
وقال بعض العارفين: "إذا كانت همته الدنيا, فقيمته لا شيء, - أي إذا اطلع الله على قلب العبد, فرآه ممتلئاً بحب الدنيا, فلا شأن له عند الله-" ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[سورة الكهف الآية:105]
﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام الآية:124]
(( من أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره في عينيه، وشتت عليه شمله ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ))
[الترمذي عن أنس]
ومن كانت همته الآخرة, فقيمته الجنة, وعلامته أن يكون غضبه بحق الله, ورضاه بحق الله, لا للنفس ولا للدنيا, أي يغضب لله, ويرضى لله.
مثال بسيط: إنسان فرضاً أنكر منكراً, وغضب أو تغاضب, لو أعطيته مبلغاً من المال كبيراً فسكت, ورضي عنك, هذا غضبه للدنيا, فاتخذ من الدين مادة لمكاسبه, أما إذا أعطيته ملء الثقلين مالاً, وبقي غاضباً, فغضبه لله, وهذه علامة دقيقة.
إذا القضية تحل بالمال, انتهيت عند الله, إذا عندك غضب فيما يبدو لله, فإذا أعطيت عطاء وفيراً, رضيت, فهذا الغضب ليس لله, إنه للدنيا. المؤمن لا قيمة للدنيا عنده وهمه اتصاله بالله عز وجل :
من كانت همته الآخرة, فقيمته الجنة, وعلامته أن يكون غضبه بحق الله, ورضاه بحق الله, لا للنفس ولا للدنيا, ومن كانت همته لله, فقيمته رضا الله عز وجل, وعلامته ألا يستأنسه, ولا يوحشه, ولا يؤنسه شيء غير الله.
فالإنسان إذا كان له صلة مع الله لا يسعده إلا أن تعود له هذه الصلة, إذا له تجربة ناجحة جداً مع الله لا يسعده إلا أن يكون مع الله, فإذا بدت جفوة بينه وبين الله كان مُصابه كبيراً.
لذلك: المؤمن يتقلب في اليوم الواحد بأربعين حالة, بينما المنافق يثبت على حاله أربعين سنة, قضية الآخرة خارج اهتمامه؛ لو جرى له اتصال, لم يجر له اتصال, حجب, لم يحجب, همه الدنيا, أما المؤمن فلا قيمة لها عنده, همه اتصاله بالله عز وجل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه))
[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]
قال بعض العلماء: كريم القوم؛ أي تقيهم, لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية:13]
نحن نرقى عند الله إذا اتخذنا مقياس التقوى؛ الناس يعظمون التقي, يعظمون القوي, يعظمون الذكي طليق اللسان, لا يعظمون المستقيم, وهذا من علامة تخلف المسلمين, أما إذا عظم المستقيم, وكان في أعلى مقام, فهذه علامة الصحة النفسية في هذا المجتمع: ((وإن الله ليغضب إذا مدح الفاسق))
[ البيهقي عن أنس]
والإنسان أحياناً يكيل المديح بغير حساب للغني أو للقوي, وهذا من بعده عن الله, وحبه للدنيا؛ لأنه يرى أن الدنيا بيديه, فإذا مدحه أخذ من هذه الدنيا ما يشاء, وهذا ديدن معظم الناس.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( السابع و الاربعون )


الموضوع : أحاديث شريفة تبدأ بـ مثل المؤمن .....







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيباً ولا تطعم إلا طيباً :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ووقعت فلم تفسد ولم تكسر))
[البيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمرو]
قال بعض العلماء: "هذه صفة المؤمن؛ المطعم بنفسه, النافع للأمة, المعطي ماله من غير مسألة, الخفيف المؤونة, الكافي بنظر الأذى عن الجملة, يحضر في محضر فلا يضر, ويُظن به الظن الحسن, ويُطمع فيه فيصدق".
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف المؤمن بأنه كالنحلة, لا تأكل إلا طيباً, ولا تطعم إلا طيباً, وإذا وقعت لا تؤذي ولا تكسر. المؤمن مبتلى تأتيه بعض الشدائد فيميل ولكن في النهاية يبقى منتصباً :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( مثل المؤمن كمثلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرعِ ، تُفِيئها الريحُ، تَصرَعُهَا مرةً، وتَعْدِلُها أُخرى))
[ البخاري و مسلم عن كعب بن مالك]
الخامة من الزرع النبات في أوله صغير, ولطيف, ورقيق, فإذا جاءت الريح أمالتها هكذا, وأمالتها هكذا, دون أن تنقصف.
المؤمن مبتلى, تأتيه بعض الشدائد فيميل, تأتيه شدائد أخرى فيميل؛ ولكن في النهاية يبقى منتصباً, لا يُكسر؛ هناك لطف إلهي, وهناك تربية.
فقالوا: هذه صفة المؤمن المبتلى بالمحن والمصائب في الدنيا؛ يميل بالجزع والشكوى أحياناً, ويستوي قائماً أحياناً؛ أي أنه يشكو إلى الناس أحياناً, ثم يندم, يستغفر الله, مع ذلك لا يزيده الابتلاء إلا قربة من الله تعالى.
المؤمن مبتلى؛ لكن المحصلة نجاح, المحصلة تفوق, المحصلة نجاة, مجموع حياته تنتهي بالجنة, وتنتهي بالتوفيق والسعادة؛ لكن لا تخلو من محن, ومن ابتلاءات, ومن شدائد, لكن يبقى منتصباً. الغني أشد حاجة إلى الصبر من الفقير والقوي أشد حاجة إلى الصبر من الضعيف :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((مثل المؤمن كمثل السنبلة تخر مرة وتستقيم مرة))
[ أحمد عن جابر]
قال: هذه صفة المبتلى بالمصائب والأمراض, غير أنه أشد مخاطرة من الأول.
الإنسان أحياناً يبتلى ببلية, قد لا يصبر فيسقط, أما الخامة من الزرع فقلّما تسقط؛ لأنها رقيقة جداً, ولينة جداً, السنبلة أكثر قساوة من الخامة من الزرع, الخامة في المثل الأول يمكن أن ترجع مستقيمة بعد الريح, أما السنبلة فهي صلبة, قد تنكسر.
والمؤمن الفقير كمثل الخامة, يخرج بالأجر والثواب؛ لأنه مبتلى, وخفيف من المال, صاف, لين, أما المؤمن الغني فكمثل السنبلة ثقيلة, تضربها الرياح أكثر من غيرها.
كلما نال المؤمن حظوظاً أكثر في الدنيا فهو معرض للفتنة أكثر؛ مؤمن فقير لا يوجد عنده مجالات لأي معصية, مؤمن غني وسافر, ممكن أن تزل قدمه مثلاً, ممكن أن يخطىء, فكلما نلت من الله حظاً, صار احتمال الخطأ أكبر؛ لذلك: الغني أشد حاجة إلى الصبر من الفقير, والقوي أشد حاجة إلى الصبر من الضعيف. المؤمن الصادق يجمع من الدنيا إلى الآخرة :
وقال عليه الصلاة والسلام: ((مثل المؤمن كالنملة تجمع في صيفها لشتائها))
[ قوت القلوب عن مجاهد]
الآخرة المديدة, الأبدية, المؤمن الصادق يجمع من الدنيا إلى الآخرة؛ همه الأول أن يعمل عملاً صالحاً يسعده في قبره, همه الأول أن يعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله يوم القيامة, همه أن يعمل عملاً صالحاً يستمر بعد موته, فهو كالنملة تجمع في صيفها لشتائها.
وهذه صفة المؤمن، يؤمن بالرزاق, ولا يطمئن قلبه إلا بالحركة في الطلب, وهذا الشخص الذي لا يفعل كذلك, موصوف بحبه للدنيا. الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
فرس مربوط بحبل, يتحرك, طول الحبل عشرة أمتار, حركته ضمن العشرة أمتار؛ لكن لا يتجاوز هذه الأمتار لأنه مربوط, لأن الإيمان قيد.
أنت مستحيل أن تأكل قرشاً حراماً, مستحيل أن تفتري على إنسان, مستحيل أن تتهم إنساناً بالباطل, مستحيل أن تعتدي على عرض الآخرين, كلها قيود, ضمن الحدود هناك حركة. إنسان ممكن أن يتزوج, يسافر, يتاجر, يلتقي مع أخوانه, أما كيف أن الفرس مربوط بحبل يتحرك ضمن دائرة, قطرها مثلاً عشرة أمتار, أو نصف قطرها عشرة أمتار, أكثر لا يوجد. ((الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
((مثل المؤمن والإيمان كالفرس في آخيته, يجول ويجول, ثم يرجع إلى آخيته, وإنما المؤمن يسهو, ثم يرجع إلى الإيمان))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
المؤمن طيب ريحه يُسمع بمناقبه وفضائله من بعيد :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( مثل الذي يعمل بالقرآن ويقرؤه كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب))
[ الطبراني عن عبد الله]
البرتقالة ريحها طيب, وطعمها طيب، وهذه صفة المؤمن؛ العالم العامل, القارىء الذاكر، المذكر, الصالح بنفسه, المصلح للآخرين, كالأترجة؛ طيبة ريحها, حسن لونها, لذيذ طعمها, كذلك المؤمن طيب ريحه, يُسمع بمناقبه وفضائله من بعيد, حسنة مشاهدته من قريب, لذيذ مخبره ومعاشرته, رفيع قيمته, لأنه رحل إلى الله بالإخلاص والصدق. ((ومثل الذي يعمل بالقرآن [ ولا يقرؤه ]كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ))
[ الطبراني عن عبد الله]
وهذه صفة المؤمن التقي الصالح, غير العالم بأمر الله, وغير المعلم لعباد الله, مستور في حاله, متورع في دينه. ((ومثل المؤمن كمثل الأنف؛ إذا قيد استقام, وإذا استنيخ على الصخرة استناخ))
[ ورد في الأثر]
وهذه صفة المؤمن الحصين اللين, السهل القريب, ينخدع ولا يخدع, يتبع الحق, ويدور معه, سواء أكان المتبوع كبيراً أو صغيراً, يقتات من الأذى ولا يحقد, يتصف بالورع والتقى, كالبرَّة في أنف الجبل -البرة: حلقة في أنف الجمل- تمنع عن الحرد والهرب. صفة المؤمن القوي :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شئ منها ينتفع به ))
[ القرطبي عن ابن عمر]
أي مثل المؤمن كمثل النخلة, لا ينتشل ورقها, ولا ينقطع ثمرها, دائمة الخضرة, دائمة الثمرة، وهذه صفة المؤمن القوي, المكين المتين, ذي القلب الغني, والإخلاص والبهاء الرباني؛ لا يفتر عن الخدمة, ولا يبخل عن العبادة, ولا يسأم من الذكر, لطيف الخلق, حصيف العقل, لا يتغير عن الصلاح والاستقامة, وهذه الصفة قليلة في الناس.
وإن من المؤمنين من هو أشد في الله من الصخرة, ومنهم من هو ألين في الله من الحرير، تجد مؤمناً شديداً كالصخر, ومؤمناً ليناً كالحرير؛ وهاتان صفتان فاضلتان لشخصين مؤمنين فاضلين, وحالان محمودتان عن مقامين عاليين.
كان أبو بكر ألين في الله من الحرير, وكان عمر أشد في الله من الصخرة؛ كان سيدنا الصديق يحسن البر والحلم مع الناس, وكان عمر يحسن الغضب والشدة في الله, وغضب أبي بكر وشدته في دين الله يوم الردة, كان أشد من غضب عمر وشدته, وكان إبراهيم الخليل ألين في الله تعالى من الحرير, وكان موسى الكليم أشد في الله من الصخرة. المؤمن باطنه خير من ظاهره ونيته خير من عمله :
ومثل المؤمن كالنعجة, ينتشل صوفها, ويحلب درها, ويمشش عظمها.
الآن: النعجة كلها خير, كل شيء منها ينتفع منه, المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض, الدليل أن الكافر إذا مات:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
[سورة الدخان الآية:29]
ويقول علي بن أبي طالب: "مثل المؤمن في الناس كمثل النحلة في الطير, كل أجناس الطير يستضعفها, ولو علموا ما في بطنها لبجلوها, فكذلك -يا أخي المؤمن-: لو علم الناس ما في بطن المؤمن, وقلبه, ومرتبته عند ربه؛ لحملوه على أكفهم, ومهدوا له في حجورهم, واشتروا صحبته بأموالهم, وآثروه على أنفسهم؛ ولكن خفي ذلك عليهم بإخفاء الله, حكمة منه وحجة بالغة منه, ليقضي أمراً كان مفعولاً".
النحلة أضعف طائر, تطير ضعيفة؛ لكن فيها العسل.
قال مرة سيدنا أبو ذر الغفاري لسيدنا عمر: "إن الناس قد هابوا شدتك, قال: والله يا أبا ذر! لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه".
فالمؤمن باطنه خير من ظاهره, ونيته خير من عمله, وهو كالنحلة مستضعف؛ لكن فيها العسل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثامن و الاربعون )


الموضوع : اقوال فى المحبة






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. أقوال في المحبة :
أقوال في المحبة؛ محبة العوام, ومحبة الخواص, ومحبة خواص الخواص.
محبة العوام: محو القلب عن حب المعصية وترك الكبائر.
محبة الخواص: محو القلب عن حب الدنيا, وتكون بالتوبة من الكبائر والصغائر.
محبة خواص الخواص: هي سرّ الأسرار مع حقائق الإتقان, وتكون في التوبة من الخواطر.
هناك توبة من الكبائر, توبة من الكبائر والصغائر, وتوبة من الخواطر, هذه ثلاثة مستويات في المحبة, وعلامتها: أن تحب حبيب حبيبك, وأن تبغض عدوه, كما قال الله عز وجل:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:31]
الله عز وجل لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل, والدليل أن تحب حبيبه, وأن تتبع سنة حبيبه, وأن تعادي عدوه. الولاء والبراء من لوازم الإيمان :
لذلك: الولاء والبراء من صفات المؤمنين؛ يجب أن توالي المؤمنين, ولو كانوا فقراء أو ضعفاء, ويجب أن تعادي المنحرفين, العصاة، المذنبين, ولو كانوا أقوياء وأغنياء.
الولاء والبراء من لوازم الإيمان, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
وقالوا: قيمة كل إنسان همته، فمن كانت همته الدنيا فلا قيمة له.
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
ومن كانت همته رضى الله عز وجل, فلا يمكن لأحد أن يستدرك غاية قيمته.
لا يمكن لأحد أن يعرف حجم قيمة هذا الإنسان, إذا كانت همته الله عز وجل, كل شيء فان.
الإنسان حينما ينشأ في الدنيا, يحلم بالدنيا, بعد حين يصل إلى الدنيا؛ كان يشتهي المال فأصبح معه المال, يشتهي المنصب أصبح بمنصب, يشتهي الأسرة أصبح له أسرة. الدنيا حينما تصل إليها تنتهي, يُحس بالفراغ, يحس بالسأم والملل, فإذا لم يختر الله عز وجل سوف يصاب بنكسة خطيرة, أما إذا أردت الله عز وجل فأنت شاب.
دائماً: انظر إلى أهل الدنيا بعد أن حصّلوا الدنيا, وضع لا يحسدون عليه؛ سأم, وملل, وضجر. من سكن إلى غير الله فهو من قلة معرفته بالله :
سئل الحسن بن عبد الله -رضي الله عنه- عن أصول الدين فقال: "إثبات صدق الافتقار إلى الله, وحسن الاقتداء برسول الله".
وقال بعض العارفين: "من أراد أن يذكر الواحد, فلينسَ ما دون الواحد, حتى تصل إلى محبة الواحد, وتوحيد الله بالرجوع إليه في كل ما لك, وما عليك؛ فلا تسأل أحداً غيره, ولا تشك لأحد سواه, ولا تحب إلا إياه, وأن تعلم أن أوصاف الحق مباينة لأوصاف الخلق؛ باينهم بصفاته قديماً, كما باينوه بصفاتهم حديثاً".
فهذا هو التوحيد؛ ألا تعرف مع الله أحداً, وأن ترجع إليه وحده, وألا تسال أحداً سواه, وألا تشكوه إلى خلقه.
وقال بعض العلماء: "المعرفة أولها هو, وأوسطها هو, وآخرها هو".
وقالوا: "من سكن إلى غير الله فهو من قلة معرفته بالله".
وقيل: "العارف يُقبل عليك بوجهه, كأنه لم يعرف غيرك, ويقوم عنك, كأنه لم يعرفك قط".
المؤمن الصادق تعلقه بالله عز وجل, يحسن لإنسان, لكن لا ينشىء علاقة أساسها الشرك.
ممكن أن تخدم إنساناً؛ أما إنسان مخطىء, منحرف, توده مودة بالغة, فأصبح هناك شرك بالموضوع.
فالعارف يُقبل عليك بوجهه, كأنه لا يعرف أحداً غيرك, ويقوم عنك كأنه لم يعرفك قط.
وجاء في الأثر:
((من قال في سواد الليل: لا إله إلا الله, محمد رسول الله, خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))
أحوال المحبين لله عز وجل :
طبعاً المقصود أنه استيقظ ليصلي, فهذا دليل محبة:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾
[سورة السجدة الآية:16]
أقلقه محبوبه.
وقال بعضهم: "من أراد الله بعمله من المؤمنين, علمه الإخلاص في العمل, وصفاء القلب, والهمة في المعاملة".
يقول سيدنا علي: "ما كان ظاهره أرجح من باطنه خفت موازينه يوم القيامة, ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقلت موازينه يوم القيامة".
السيدة عائشة تقول: "يكون معنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكأنه واحد منا, فإذا سمع الأذان, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه" من شدة اهتمامه بالصلاة.
سئل الشبلي: "من هو المحب؟ قال: لسانه بذكر الله ناطق, وقلبه بمحبة الله صادق, وسره بوعود الله واثق, وهو أبداً عند الله مقرب".
وقال بعضهم أيضاً في وصف العارف بالله: "قلبه سليم, وفؤاده سقيم, ونَفَسُه كظيم, وبلاؤه عظيم, لأن معاملته مع رب العالمين".
وقال بعض السلف: "من أراد أن يصل إلى روح التوحيد, فعليه بثلاث خصال: ترك الكلام, وتلقي الأحكام, وقلة الطعام, فحرام على قلب أن يُلحَّ في الملكوت وهو يجد لذة في الطعام والشراب".
وأوحى الله إلى داود: "أن أخبر أهل الأرض عني؛ إني حبيب لمن أحبني, وجليس لمن جالسني, ومؤنس لمن أنس بذكري, وصاحب لمن صحبني, ومطيع لمن أطاعني, ومختار لمن اختارني, فارفضوا يا أهل الدنيا ما أنتم فيه من غرورها, هلموا إلى كرامتي, واجعلوا أُنسكم بي حتى آنس بكم".
وقال بعض العلماء: "يا معشر طلاب العلم من أراد منكم الطريق إلى الله فليلق العلماء بالجهل, والزهاد بالرغبة, وأهل المعرفة بالصمت". أصل الدين أن نحب الله عز وجل :
أيها الأخوة, هذه بعض أحوال المحبين؛ والمحبة أصل الدين, والمحبة روح الدين, ودين بلا محبة جسد بلا روح, وأصل الدين أن تحب الله.
قال: "والله -يا رسول الله!- لأنت أحب إليّ من أهلي, وولدي, ومالي, والناس أجمعين, إلا نفسي التي بين جنبي, فقال رسول الله لسيدنا عمر: لمَّا يكمل إيمانك يا عمر, إلى أن قال: والله -يا رسول الله!- لأنت أحبّ إليّ من أهلي, وولدي, ومالي, حتى نفسي التي بين جنبي, قال: الآن يا عمر".
الإنسان لا يستهين بالمحبة؛ المحبة أكبر وقود, أكبر محرك, من دون محبة تجد الإنسان في سأم؛ كأنه يألف سماع الكلمات, ويألف العبادات, ويفرغ من الاتصال بالله عز وجل, أما بالمحبة فيبقى في شوق دائم, وفي حركة عجيبة, والصحابة الكرام ظهر منهم بطولات لا تصدق, لأن أساسها المحبة.
ونحن الآن في أمس الحاجة إلى أن نحب الله عز وجل, ومحبتنا لله تُترجم إلى أعمال جليلة, وإلى تضحيات بليغة, وإلى قرب من الله عز وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( التاسع و الاربعون )


الموضوع : المغفرة







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المغفرة مقيدة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى :
في كتاب الله جلّ جلاله بضعة آيات تؤكد حقيقة دقيقة وهي: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾
[سورة طه الآية:82]
قد يقول قائل: الله عز وجل غفور رحيم: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الحجر الآية:49]
أكمل: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾
[سورة الحجر الآية:50]
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
[سورة الزمر الآية:53]
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾
[سورة الزمر الآية:54]
فالمغفرة مقيدة؛ مقيدة لمن تاب, وآمن, وعمل صالحاً, ثم اهتدى, أما أن نفهم المغفرة فهماً ساذجاً؛ أن نفعل ما نشاء, ونعلق الآمال على مغفرة الله, فهذه سذاجة وجهل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾
[سورة طه الآية:82]
الله عز وجل غفور بعد التوبة والإيمان والعمل الصالح :
هناك آيات أخرى مشابهة:
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:153]
بعد التوبة, والإيمان, والعمل الصالح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:153]
فالإنسان إذا فهم كلام الله على غير ما أراد الله فقد ارتكب كبيرة.
وذكرت لكم من قبل: أن الله رتب المعاصي ترتيباً تصاعدياً؛ بدأ بالإثم والعدوان, والفحشاء والمنكر, ثم الشرك, ثم الكفر, وأعلى معصية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية:169]
تضلل الإنسان, تقول له: ضعها في رقبتي, لا تخف, الله غفور رحيم؛ الله غفور رحيم بعد أن تتوب, وبعد أن تعمل عملاً صالحاً, وبعد أن تصلح الماضي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:153]
هذه واحدة. من لا يؤمن بالكون كمعجزة لن يؤمن إذا خرقت قوانينه :
الثانية: هناك مفارقة عجيبة، أصحاب سيدنا موسى الذين رأوا بأعينهم كيف أن البحر أصبح طريقاً يبساً, ورأوا بأعينهم كيف أن العصا أصبحت ثعباناً مبيناً, ورأوا بأعينهم كيف أن يد سيدنا موسى نزعها فإذا هي كوكب يضيء لمن حوله, فلما غاب عنهم هذا النبي الكريم، ماذا فعل السامري؟
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾
[سورة طه الآية:88]
هذه حقيقة؛ أن الذي لا يؤمن بالكون كمعجزة لوضعه الراهن, بقوانينه الطبيعية, بسننه الثابتة, لن يؤمن إذا خرقت هذه القوانين, فبنو إسرائيل رأوا هذه القوانين قد خرقت، فلما رأوا عجلاً جسداً له خوار: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:138]
الشيء المقابل: سحرة فرعون, بنو إسرائيل؛ ما فكروا, ما حاكموا, ما تبصروا, أما سحرة موسى فجاؤوا ليدحضوا الحق, جاؤوا ليكذبوا هذه المعجزة, لكنهم عندما فكروا وجدوا أن هذه العصا أصبحت ثعباناً مبيناً حقيقياً, وليست ألاعيب, وسحراً, ودجلاً, كما هم يفعلون: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية:46]
العقل مناط التكليف :
العدو لما فكر آمن, والصديق لما عطل تفكيره كفر, معنى ذلك أن العقل مناط التكليف؛ الصديق, التابع, الصاحب, لما عطل فكره, ورأى القوانين وقد خرقت, -ولا تخرق إلا بمعجزة-, عبدوا العجل من بعد سيدنا موسى, والعدو اللدود, اللئيم, المبطل, الذي جاء ليطفىء نور الله عز وجل, لما حكَّم عقله آمن، فالسحرة آمنوا، وقال بعضهم: آمنوا إيمان الصدِّيقين:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾
[سورة طه الآية:70]
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:71]
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة طه الآية:72]
﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:73]
العقل أصل في الدين :
لذلك: تجد الملحد الذي يفكر إذا عرضت عليه الإسلام, وحاكم الأمر محاكمة موضوعية صحيحة يؤمن, ويسبق إنساناً ناشئاً في أسرة مسلمة, وفي جو إسلامي, لكنه منافق.
الإنسان عندما يكون مع نفسه صادقاً يصل إلى الله, أما إذا كان بانياً حياته على الكذب, لو عاش في جو إسلامي لا يستفيد.
الذين كانوا ملحدين وآمنوا, إيمانهم أضعاف مضاعفة عن هؤلاء الذين نشؤوا في جو ديني, لكنهم رفضوا الدين في داخلهم, وبقوا في خارجهم ينافقون.
فهذا المثل واضح: سحرة فرعون أصبحوا صدِّيقين, حينما كانوا صادقين مع أنفسهم, وأتباع سيدنا موسى -الذين هم محسوبون عليه- عبدوا العجل من بعد سيدنا موسى, لأنهم عطلوا تفكيرهم.
وذكرت لكم من قبل: سيدنا رسول الله لما أمّر أحد الصحابة على جماعة, وهذا الأمير كان ذا دعابة, وأمر بإضرام نار عظيمة, وقال: اقتحموها؛ ألست أميركم؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله؟ تردد الصحابة في اقتحام النار, فقال بعضهم: إنما آمنا بالله فراراً منها, كيف نقتحمها!؟ وقال بعضهم الآخر: طاعة الأمير طاعة لرسول الله, فلما عرضوا الأمر على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: والله! لو اقتحمتموها, لا زلتم فيها إلى يوم القيامة:
((إنما الطاعة في معروف))
[ مسلم عن علي]
العقل لا يعطل أبداً, والإنسان عندما يعطل عقله, عطل مناط التكليف, العقل أصل في الدين؛ لأن النص الذي أمامك كيف يثبت لك؟ عن طريق العقل.
العقل له دور قبل النقل, ودور بعد النقل؛ دوره قبل النقل إثبات صحة النقل, دوره بعد النقل فهم النقل, فالعقل أصل في الدين.
فهذه مفارقة عجيبة بين أتباع سيدنا موسى الذين عبدوا العجل من بعده, وبين سحرة فرعون الذين أصبحوا في مرتبة الصدّيقين, وقد أعملوا عقولهم, وكانوا مع أنفسهم صادقين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 10:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الخمسون )


الموضوع : تفسير آيات من سورة طه تتعلق بالسحرة.







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الأمر دائماً بيد الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام: الآيات التي قرئت في صلاة الفجر تتحدث عن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
فرعون هو الذي قتل أبناء بني إسرائيل, واستحيا نساءهم, فلما جاءه موسى -عليه الصلاة والسلام- يدعوه إلى الإيمان بالله, وقف منه موقفاً, لا يمليه عليه منطقه في قتل الناس, قال له:
﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية:57]
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى﴾
[سورة طه الآية:58]
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾
[سورة طه الآية:59]
لو أن الأمر بيد فرعون لأمر بقتله وانتهى الأمر, لكن لأن الأمر بيد الله؛ هذا الجبار, البطَّاش, الذي لا يساوي عنده قتل إنسان قتل ذبابة, وقف منه موقفاً ضعيفاً: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية:57]
﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾
[سورة طه الآية:59]
هذه القصص لا ينبغي أن نقرأها فقط, ينبغي أن نستنبط منها. الله وحده هو القوة المتصرفة :
أحياناً يقول لك إنسان: لا يوجد إلا الله, هناك أقوياء؛ جبابرة, بطاشون, مجرمون, ومع ذلك لا تجد إلا الله.
فإنسان ضعيف, من فئة مستضعفة, من بني إسرائيل, الأقباط هم أعوان فرعون, وفرعون منهم, وبنو إسرائيل مستضعفون, شرذمة قليلون, وإنهم لنا لغائظون, وإنا لجميع حاذرون, وموسى منهم, لمَ لم يقتله؟ هو قتل أبناء بني إسرائيل, واستحيا نساءهم، هذه أول نقطة، يمكن أن يتحرك الإنسان بحسب رؤيا يريه الله إياها, فالله عز وجل حمى سيدنا موسى:
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾
[سورة طه الآية:45]
﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[سورة طه الآية:46]
يجب أن تقيس على هذه القصة، لا يوجد إنسان طليق, كل إنسان بيد الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية:62]
فرعون, الجبار, البطاش, ما الذي ألجمه عن قتل موسى؟ لأنه لا يوجد إلا الله, الله وحده القوة المتصرفة.
الإنسان عندما يخاف من جهة, معنى ذلك أن هناك ضعفاً في توحيده, عليه أن يأخذ بالأسباب, أما مع إله واحد فلا يوجد إله ثان: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية:84]
المنحرفون يفلسفون انحرافهم و يجعلون من عملهم عملاً براقاً :
هناك نقطة ثانية: الإنسان أوتي منطقاً, أوتي عقلاً, أوتي ذكاء, لا يوجد إنسان يتكلم الحقيقة إن كانت ليست في صالحه.
الإنسان الجبار, الظالم, الطاغية, ماذا قال؟
﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾
[سورة طه الآية:63]
فرعون ومن حوله طريقة مثلى.
الإنسان قد يكون على أعلى درجة من الانحراف؛ ويدّعي أنه على حق, ويدّعي أنه على صواب, ويدّعي أنه القدوة, فلا تعبأ بكلامه؛ المنحرفون يفلسفون انحرافهم, الذين يأخذون ما ليس لهم يجعلون من عملهم عملاً براقاً, فهذا كلام, الحقيقة أن ينطبق عملك على القرآن الكريم, ليس كل إنسان قال: أنا على حق, هو على حق.
هذا فرعون, قال: اذهبا: ﴿ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾
[سورة طه الآية:64]
حرق المراحل :
هناك نقطة ثالثة اسمها حرق المراحل، إنسان يؤمن بالله عز وجل وفق برنامج معين, لكن أحياناً يكون الدليل قوياً جداً, لدرجة أن هذا الإنسان ينتقل فجأة من مصاف المؤمنين المبتدئين إلى مصاف العلماء الكبار, هؤلاء السحرة هم كذلك.
أنا ممكن أن آخذ لسانس بأربع سنوات, أما بساعة فلا يوجد لسانس بساعة, عند الله هناك حالات نادرة جداً, أي لسانس بساعة, مثلاً قال:
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى* بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾
[سورة طه الآية:65-66]
معنى هذا أن الساحر عنده قوة تأثير, يسمونها الآن تنويماً مغناطيسياً.
لي صديق, كان في الهند, جاء ساحر معه غلام معه حبل, فألقى الحبل إلى الأعلى, فعلق في السماء, أمر غلامه أن يصعد, صعد الحبل حتى لم يُرَ, أمره أن ينزل, لم ينزل, فصعد وراءه, ونزل رأسه, ثم يده, ثم يده الثانية, قطعه إرباً إرباً, كان هناك سائح أميركي, معه آلة تصوير متحركة, فصور, لم يظهر شيئاً، قوة تأثير هذا الساحر أوهم الحاضرين؛ صعد الطفل, لم يرجع, ثم صعد وراءه الساحر, وقطعه, ثم نزل, فهنا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾
[سورة طه الآية:66]
هم جاؤوا بأنابيب, ولونوها على شكل أفاع, وضعوا فيها الزئبق, وضعوها على منطقة حارة, تمدد الزئبق, - الزئبق معدن رجاج- فتحركت الأنابيب, كأنها تسعى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾
[سورة طه الآية:67-68]
أنت مع خالق الكون: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً ﴾
[سورة طه الآية:69-70]
الله عز وجل أراد لثعبان موسى أن يأكل كل الحبال والعصي :
أما:
﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾
[سورة طه الآية:69]
فالسحرة جاؤوا بحبال وعصي, وأوهموا الناس أنها تسعى, سيدنا موسى عصاه أصبحت ثعباناً مبيناً, وسعت مثلهم, وهناك جمع غفير, قد لا يدرك الإنسان البعيد الفرق بين الاثنين. فربنا عز وجل أراد لهذا الثعبان المبين أن يأكل كل هذه الحبال والعصي: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾
[سورة طه الآية:69]
هذا الثعبان. اكتشاف سحرة فرعون أن ثعبان موسى ثعبان حقيقي :
وفي الحقيقة هناك نقطة دقيقة عندما سيدنا موسى في المناجاة:
﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾
[سورة طه الآية:17-20]
عندما كان على انفراد مع ربه, حتى لا يخاف كانت حية صغيرة: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾
[سورة طه الآية:20]
لكن عندما صار في جمع غفير: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية:107]
وهذا الثعبان المبين أكل كل الحبال والعصي, السحرة سحرة, لو شاهدوا سحراً آخر لم يؤمنوا, لكن هم يعلمون أنهم فعلوا حيلاً, أما هذا فثعبان حقيقي. سحرة فرعون هم أول من آمن بسيدنا موسى فإيمانهم دعوة إلى الله :
لذلك:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:70-71]
بالمناسبة الله عز وجل يجعل المؤمن شاء أم أبى داعية، مثلاً: هناك مؤمن لا يوجد عنده إمكانية أن يتكلم, لكنه مستقيم, توحيده عال, دخله محدود جداً, يأتيه مبلغ ضخم فيه شبهة, يرفض, رفض المبلغ دعوة لمن حوله, إنسان يجد أحياناً مليون ليرة, يبحث عن صاحبهم المؤمن, ولو لم يدع بلسانه؛ مواقفه, استقامته, عفته, ورعه, صدقه, أمانته، دعوة.
فهؤلاء أعوان فرعون, سحرة فرعون, جاؤوا ليدحضوا الحق, هم أول من آمن بسيدنا موسى, فإيمانهم دعوة إلى الله, فطبعاً قال لهم: ﴿آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:71]
هذا الموقف الذي سجله الله لهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾
[سورة طه الآية:72]
هم يواجهون فرعون؛ لا يعرف من هو فرعون إلا من عاش في عصر فرعون, ولا يعرف الطاغية إلا من عاش في عصر الطاغية, الخوف يملأ القلوب, إنسان يواجه إنساناً, قتل الشخص سهل جداً: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾
[سورة طه الآية:72]
كلمة لا تؤكد إيمان المؤمن لأن المؤمن موحد لا يرى إلا الله عز وجل :
عند المؤمن يوجد كلمة لا, كلمة لا دليل إيمانه, ما كل شيء يوافق عليه, هناك شيء يقول: لا بملء فمه, هو يرى الله عز وجل, لا يرى إلا الله, مستحيل! يضحي بحياته ولا يضحي بدينه.
أنا سمعت عن ملك - عاش في عصر المماليك- أراد إذلال العلماء, فجمع العلماء, وجاء بلحم خنزير, وأمر كل العلماء أن يأكلوا من هذا اللحم, فالذي لا يأكل يضرب عنقه, الأكثر أكلوا, هناك رجل من علماء البلد ورع جداً, من شدة مكانته عند الناس استطاع خادم الملك أن يأتي بلحم ضان, وهمس في أذنه كُلْ, هذا لحم ضان, قال له: هو عند الناس خنزير, لا آكل, وقتله.
كلمة لا: هي التي تؤكد إيمان المؤمن, ما كل شيء يقال له: نعم, المؤمن عنده ساعات يقول: لا, ولو كلفت هذه الكلمة حياته؛ لأن المؤمن موحد, لا يرى إلا الله عز وجل:
﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة طه الآية:72]
بالتعبير العامي يدك وما تعطي, وكل ما تملك أن تقتلنا, وأنا لا أخاف الموت, بل هو غايتي, وإذا قتلتنا فنحن إلى الجنة. إيمان الإنسان بالله عز وجل ليغفر له أخطاءه :
سحرة فرعون وصلوا إلى مستوى الصديقية في لحظة:
﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:73]
أنت تؤمن بالله عز وجل, حتى الماضي كله يلغى بكلمة, الله عز وجل تؤمن به ليغفر لك الماضي: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية:73]
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾
[سورة طه الآية:74]
هذه حالة صعبة, يقول لك: اللا حرب واللا سلم, اللا موت واللا حياة, الموت مريح والحياة مريحة: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة طه الآية:74-76]
الإنسان في الدنيا من أجل أن يتزكى :
لاحظت الإيجاز, أنت في الدنيا من أجل أن تتزكى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:14]
إله يقول لك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية:14]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الواحد و الخمسون )


الموضوع : تفسير آيات من سورةالمؤمنون






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. من طابق مقياسه مقياس القرآن الكريم كان هو المتفوق الحقيقي :
أيها الأخوة: لكل منا مقياسٌ للتفوق؛ فمن طابق مقياسه مقياس القرآن الكريم, كان هو المتفوق الحقيقي, ومن توهم تفوقاً ما أقره القرآن الكريم, كان هو الخاسر الحقيقي, فربنا عز وجل يقول:
﴿فَذَرْهُمْ﴾
[سورة المؤمنون الآية:54]
دعهم: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾
[سورة المؤمنون الآية:54]
إنسان غارق في أوهام, غارق في ضلالات, غارق في شهوات, غارق في انحرافات: ﴿فَذَرْهُمْ﴾
إن لم يستجيبوا لك فذرهم: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ* أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:54-56]
المال الوفير و الذرية النجيبة ليست دليل محبة الله عز وجل للعبد :
الآن: معظم الناس إذا آتاه الله المال الوفير, والذرية النجيبة, ظنّ أن الله يحبه حباً جماً:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:55-56]
لعلهم ليسوا كما يريد الله عز وجل: ﴿) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ﴾
[سورة المؤمنون الآية:57-61]
مقاييس التفوق هي الخشية والخوف والإيمان الصادق وعدم الإشراك :
الآن كم إنسان في هذا العصر يعد معرفة الله, والخوف من الله, والحرص على طاعة الله, هو التفوق؟ يقول لك: أبداً؛ القوة, والمال, والسيطرة, والنجاح المادي هو التفوق.
فربنا عز وجل يصحح لنا المفاهيم؛ لا تغتر بهؤلاء الذين أمددناهم بأموال وبنين, هذا ليس هو الخير؛ الخير أن يخاف الإنسان ربه, والخير أن يسارع في الخيرات, والخير أن يعمل الصالحات, لكن الشيء المحسوس هو الطاغي.
دائماً الآخرة غيب, كلام؛ كلامٌ في القرآن الكريم, أما الشيء الذي أمامك فتراه العين, الشهوات المحسوسة؛ ترى البيت الفاخر, المركبة الفارهة, المال الوفير, الطعام الطيب, المرأة الحسناء, هذه كلها محسوسة, أما الآخرة فخبر, غيب. القرآن يخبرك أن هناك آخرة, و جنة و نار للأبد, وهناك حساب و عذاب.
فالإنسان عليه أن يجعل مقياس التفوق كما في القرآن الكريم؛ الخشية, والخوف, والإيمان الصادق, وعدم الإشراك, والإخلاص:
﴿يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
[سورة المؤمنون الآية:60]
يخاف ألا يقبل مع أن العمل طيب, لكن يخاف ألا تكون النية كذلك. من شروط العمل المقبول الإخلاص و الصواب :
العمل -كما تعلمون- لا يُقبل, إلا إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً: ما ابتغي به وجه الله, وصواباً: ما وافق السنة؛ لكن هذا الإيمان, وهذه الخشية, وهذا الإشفاق, وعدم الشرك, والعمل الصالح, والإخلاص, هذا من ضمن طاقة الإنسان:
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة المؤمنون الآية:62]
الشيء غير الواقعي الإنسان لا يبتغيه. الابتعاد عن الخيال في الدين :
هناك أخطاء كثيرة في السيرة, أو في التاريخ الإسلامي، أن أبا حنيفة النعمان -رضي الله عنه- أربعون سنة صلى الفجر بوضوء العشاء.
هذا كلام يُيَئس, غير معقول! إذا الإنسان لم ينم يوماً يختل كل كيانه. فإذا أعطيت إنساناً صفة ليست واقعية, معنى هذا أنت تُيَئس الناس من دين الله عز وجل.
هناك سحبات كثيرة في حياة العلماء السابقين، أنا أعتقد ليس لها أصل؛ النبي نام, وقام, وصلى, وصام, وأفطر, فإذا قال سيد الخلق - لا يوجد إنسان محبته لله تفوق محبة النبي-: أشدكم لله خشية أنا:
(( فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ))
[ أحمد عن عائشة]
فإذا بيّن الإنسان للناس أنه يفعل شيئاً غير واقعي, الناس لن تصدقه, أصبح الدين شيئاً خيالياً, غير واقعي, لكن لا؛ نم, واستيقظ, واعمل, واكسب مالاً, وأنفقه في سبيل الله: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) ﴾
[سورة المؤمنون الآية:62-66]
من آمن بالآخرة لزم طريق الاستقامة :
الشيء الثاني: أن هذه الحياة ليست مستمرة, إنها منقطعة, الشيء المستمر هو الآخرة، فكل إنسان يعيش لحظته, وينسى هذه الحياة الأبدية, أيضاً ضلّ ضلالاً مبيناً, والإيمان بالآخرة يعكس المقاييس مئة وثمانين درجة؛ إذا آمنت بالآخرة فعلاً ترى العطاء هو المكسب, وإذا ضعف الإيمان بالآخرة ترى الأخذ هو المكسب؛ وشتان بين من يرى أن العطاء هو المكسب وهو التفوق, وبين من يرى أن الأخذ هو التفوق.
النقطة الدقيقة:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:74]
إذا آمنت بالآخرة فلا يمكن أن تعصي الله, أما إن لم تؤمن, فستنحرف, إذا كانت هذه الحياة الدنيا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:37]
معنى هذا أن القوي يأكل الضعيف, والغني يعيش حياة ناعمة على حساب الفقير, أما إذا كان هناك إيمان بالآخرة فالإنسان يلزم سبيل الاستقامة, ولا يحيد عنها أبداً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثانى و الخمسون )


الموضوع : مقياس المؤمن من خلال صفات المؤمنين من القران







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. النبي الكريم قدوة لنا ينبغي أن نتأسى به :
أيها الأخوة: ربنا جل جلاله: يذكر لنا في قرآنه الكريم قصص الأنبياء.
هناك مفهوم خاطئ مؤداه: أنه كلما قلت لإنسان: هذا النبي العظيم فعل كذا وكذا, يقول: لا, أنا لست نبياً, كأن هناك فصلاً بين حياة المؤمنين وبين حياة الأنبياء, من قال لك إنك في مرتبة هذا النبي؟ لكن هذا النبي قدوة لنا؛ يجب أن تقتدي به, وأن تتأسى به, وأن تكون الآيات التي ذكرها الله عنه نبراساً لك في طريقك إلى الله.
فربنا عز وجل في سورة الأنبياء ذكر عدة أنبياء, سيدنا أيوب مثلاً:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:83-84]
هناك إنسان لا يوجد عنده مشكلة؛ المشكلة, والضر, والابتلاء من لوازم الحياة؛ إن هذه الدنيا دار ابتلاء, إنا كنا مبتلين.
فهذا النبي الكريم وقف هذا الموقف من هذا البلاء, فدعا الله عز وجل, لو كل شخص منا كلما ألمَّ به شيء بادر إلى الصلاة، لكنا في حال غير هذه الحال.
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة. قصص الأنبياء علينا أن نتخذها نبراساً في علاقتنا مع الله عز وجل :
الله عز وجل جعل من الدعاء سبباً لتقوية العقيدة، أنت تؤمن أن الله فعال, بيده كل شيء, ومعك أينما كنت؛ لكن عندما تساق مشكلة, وتستجير بالله منها, وتنكشف عنها بشكل استثنائي, وشكل ملفت للنظر, تشعر أن كل شيء بيد الله عز وجل. فالله عز وجل يريدك أن تؤمن به إيماناً كاملاً, أحد وسائل أن يزداد إيمانك به تساق لك مشكلة, أو شبح مشكلة, تفزع أنت إلى الدعاء, فتنكشف بشكل ملفت للنظر, بشكل استثنائي.
فهذه القصص نبراس لنا؛ هناك مشكلات اجتماعية, مشكلات اقتصادية, ومشكلات صحية.
مثلاً: الطالب في الجامعة له مشكلة, الباحث عن وظيفة له مشكلة, العامل في التجارة له مشكلة, لماذا الدعاء يجب أن يكون إفرادياً؟ ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا بشكل إفرادي.
مرة ذكرت مثلاً طالب جامعي عنده مادة صعبة جداً, وأستاذها لا يرحم أحداً, ومتوقف تخرجه عليها, وتاجر عنده بضاعة متوقفة بالجمرك, عليها مشكلة كبيرة, وإذا لم تتخلص فهناك خسارة كبيرة جداً, وامرأة لم تنجب, وزوجها يفكر في تركها, وتطليقها, هل هناك دعاء يجمع بين هؤلاء؟ لا يوجد.
إذا قلنا لهم: ادعوا؛ هذه تطلب من الله ولداً, وهذا يطلب من الله تيسيراً, أو تخليص هذه البضاعة, وهذا الطالب يطلب من الله التوفيق في أداء الامتحان, لأن كل إنسان له حاجات, وهناك مريض معه مرض مستعص, يرجو الله أن يشفيه منه.
فالعبرة: القصص -قصص الأنبياء-يجب أن نتخذها نبراساً في علاقتنا مع الله عز وجل.
بطولة الإنسان لا أن ينجو من المشكلة ولكن أن يقف منها الموقف الكامل :
هذا النبي الكريم, سيدنا أيوب قال:
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:85]
معنى هذا أن المصيبة قد تصيب نبياً, أحد خصائص الحياة الدنيا أنها مفعمة بالابتلاء, لا بد من أن تبتلى.
فقلت لواحد من الناس قبل يومين عنده مشكلة, قلت له: البطولة لا أن تنجو من مشكلة, ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل.
النبي وقف موقفاً؛ اتهمت زوجته بالزنا, مات ابنه إبراهيم, افتقر, لا يوجد شيء يأكله: (( هل عندكم شيء ؟ قالوا : لا، قال : فإني صائم ))
[ مسلم عن عائشة ]
بالطائف هناك مشكلة كبيرة جداً؛ اتهم, وضرب, وسخر به, وكذب.
فلا يوجد إنسان نفد من مشكلة. فأنت عندما يتوسع أفق تفكيرك, تشعر أن المشكلة أحد أسباب تقوية إيمانك, الله عز وجل لأنه يحب المؤمن يستخدمه شاء أم أبى.
أنت لم تنوِ أن تدعو لله عز وجل؛ لكن أنت فقير, يأتيك مبلغ ضخم, لكن فيه شبهة ترفضه, رفضك للمبلغ, وأنت في أمس الحاجة إليه دعوة دون أن تشعر, يأتي مرض -لا سمح الله- تجده صابراً, راضياً عن الله, إذا دخل عليه إنسان يستحي بحاله, هو لا يوجد عنده مشكلة, ومقصر, وهذا بالمرض متفوق. فالله عز وجل يجعل المؤمن دعوة شاء أم أبى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:86]
التوجه إلى الله ينجي الإنسان من الهم و الكرب :
الإنسان عندما يقرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية:43]
الإنسان يصبر لوجه الله, يحتسب لوجه الله, يضبط أموره, لا يشكو همه لأحد: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية:86]
أنا أتحدى إنساناً في الأرض لا يوجد عنده مشكلة؛ إما من طرف بيته, أو من أولاده, أو من زوجته, أو من عمله, أو من صحته, أو من مكانته, أو من شخص أعلى منه يكيده, يجب أن يصبر؛ لكن ربنا علمنا أن نفزع إلى الدعاء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء الآية:87-88]
والله أيها الأخوة هذه الآية تملأ قلب المؤمن طمأنينة؛ في أي مكان, في أي زمان, في أي حال, في أي وضع, إذا أنت توجهت إلى الله ينجيك من كل كرب. البشر كلهم خلقوا لجنة عرضها السموات والأرض :
أحد أسباب سكينة المؤمن أنه يعيش مع الله, ويعيش مع أنبيائه.
الآن: أنت لو سألت كافراً أو ملحداً, كل حياته: زوجته, وأولاده فقط, وجماعته, أما المؤمن فممتد الجذور إلى سيدنا آدم, هؤلاء أنبياء كرام, تعيش أنت معهم؛ بتجاربهم, بإقبالهم, بمحنهم, بإكرامهم، هذه:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:88]
أصبحت قانوناً: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
[سورة الأنبياء الآية:89-90]
ألا ترى هذه الأوصاف: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ * إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾
[سورة الأنبياء الآية:90-92]
كل البشر مدعوون إلى الله, كل البشر مطلوبون إلى الله, كل البشر خلقوا لجنة عرضها السموات والأرض, هذه تفريقات البشر مفتعلة, ما أنزل الله بها من سلطان؛ تقسيمات عرقية, وتقسيمات إقليمية, وتقسيمات جنسية, وتقسيمات قبلية, وتقسيمات طائفية, هذه التقسيمات كلها من فعل الشيطان. البشر نوعان لا ثالث لهما :
البشر نوعان: مؤمن وكافر, مستقيم ومنحرف, صادق وكاذب, أمين وخائن, منصف وجاحد فقط.
فالمؤمنون متشابهون في العالم كله, وأنت أخ لكل مؤمن كائناً من كان, وأكبر دليل: أحياناً تزور بلداً في أقصى الدنيا, تجد مؤمناً كأنه أنت؛ بقيمه, بخشوعه, بنواياه الطيبة, بحبه لله عز وجل.
والله الإنسان عندما يسافر, ويلتقي بمؤمنين, والله كأنه جالس في بلده, كأنه جالس في بيته, وقد يكون أخوك النسبي -الذي من أم وأب واحدة- بعيداً.
من أسبوع تقريباً إنسانة صالحة أصيبت بمرض خبيث, وتوفيت, فلها ابن مقيم في أمريكا, متزوج امرأة أمريكية, يبدو أنها أسلمت, وإسلامها قوي جداً, فجاء هو وزوجته ليحضر مرض والدته, فالأمريكية المسلمة طلبت من زوجها أن ينام هذا الشهر مع أمه من أجل أن يكسب رضاها, قال لها: نعم, وضعت غطاء صلاة, لكي لا يراها أحد, لم تنزعه عن جسمها أبداً.
مرة أثناء النزاع بكى, قالت له: أتبك على أمك!؟ إنها في الجنة إن شاء الله, أما أنا التي ينبغي أن أبكي على أمي وأبي, فقد ماتا كفاراً, وخدمت والدة زوجها خدمة تفوق حدّ الخيال. هذه والدها نصراني, ووالدتها نصرانية, وكانت كافرة, فلما عرفت ربها تحولت لإنسانة أخرى, يوجد في البيت كنة, سابع جد لها مسلم, شيء غير معقول! قالت لها: أنت معك سرطان, سوف تموتين؛ بكل وقاحة, بكل فظاظة دائماً تستهتر بثيابها, وبطلعتها، لكن سبحان الله! أهل الإيمان متشابهون من أقصى الدنيا, جاءت, ووالدها ووالدتها نصرانيان, هكذا مواقفها, هذا هو الإيمان.
تشعر نفسك عندما تلتقي مع أي مؤمن في أي مكان بالعالم؛ القيم واحدة, الأهداف واحدة, المبادىء واحدة, المظهر واحد, الخشوع واحد:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية:92]
أينما ذهبت: المسلم هو المسلم؛ المسلم ورع, المسلم صاف, المسلم نواياه طيبة, المسلم يحب الخير, المسلم موصول بالله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية:92]
النزعات الفردية لا تظهر إلا بغياب الدين :
لذلك أي إنسان دخل في الإسلام, له ما لنا, وعليه ما علينا, هذه التقسيمات العرقية, تقسيمات من فعل جهات, تريد أن تمزق العالم.
بلاد المسلمين كانت من أقصى الشرق لأقصى الغرب أمة واحدة, الآن تفرقة, والشيطان دائماً يعمل عمله.
بالمناسبة الإنسان له طبع, وله تكليف؛ الطبع فردي أما التكليف فجماعي.
الله كلفنا أن نتعاون, أن نتفق, أن نزيل كل الفوارق بيننا, هكذا كلفنا الله, فإذا ابتعدنا عن ديننا تظهر الفروق الفردية, النزعات الفردية تظهر في غياب الدين, لذلك:
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾
[سورة الحشر الآية:14]
الإنسان عندما يترك الدين, يصبح فردياً؛ ينافس, يعتز, قد يكون بعرقه, وقد يكون بنسبه، فهتلر عندما جاء, أقام الدنيا, اعتبر العرق الألماني أعظم عرق, ونحن اعتبرناه برابرة. أي إنسان من أي عرق إذا كان عمله صالحاً ويؤمن بالله فله الجنة :
كل إنسان عندما يكون بعيداً عن الله يدّعي لنفسه التفوق, ويحتقر الآخرين, أما المؤمن فليس كذلك, ثم يقول الله عز وجل -الآن تلخيص-:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية:94]
انظر الشمول, أي إنسان من أي عرق إذا كان عمله صالحاً, ويؤمن بالله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾
[سورة الأنبياء الآية:94]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾
[سورة الأنبياء الآية:101-105]
في النهاية لا يصح إلا الصحيح.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الثالث و الخمسون )


الموضوع : ذلك بان الله هو الحق وان ما يدعون من دونة الباطل





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحق هو الشيء الذي لا يزول والباطل هو الشيء الذي يزول :
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
[سورة الحج الآية:62]
الحق: الشيء المستقر, الثابت, الذي لا يزول, والباطل: هو الشيء الذي يزول: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
[سورة الإسراء الآية:81]
وزهوق: صيغة مبالغة؛ أي: شديد الزهوق, أي أكبر باطل سوف ينهار, ومليون باطل سوف ينهار، مهما تنوع الباطل, لو كان هناك مليون نوع كله إلى زوال, ولو كان أكبر باطل تدعمه أكبر قوة في العالم لا بد من أن يزول. الحق هو الشيء الثابت الهادف :
لو أنشأنا حائطاً وفق قواعد هندسية ثابتة, فالحائط بني ليبقى, أما إذا بني بخلاف القواعد الهندسية، بلا شاقول, فهذا الحائط آيل إلى الزوال. فالشيء الذي سيزول هو الباطل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
[سورة الحج الآية:62]
وخلق السموات والأرض بالحق, وكلمة حق تُفهم في القرآن عن طريق القرآن: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾
[سورة ص الآية:26]
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[سورة الدخان الآية:39]
فالحق خلاف الباطل, والباطل هو الشيء الزائل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
[سورة الدخان الآية:38]
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة ص الآية:26]
فالحق خلاف اللعب, اللعب عبث, والباطل زائل, فصار الحق هو الشيء الثابت, الهادف؛ وراءه حكمة بالغة, وراءه هدف نبيل, وراءه شيء عظيم, لذلك مليون اتجاه, مليون نظرية, مليون مذهب, ومليون نزعة, كلها تزول, والحق باق. بطولة الإنسان أن يكون مع الحق :
كم فرقة ضالة ظهرت عبر تطور الإسلام؟ كل هذه الفرق تلاشت, وانهارت, ونسيها التاريخ, بل قبعت في مزابل التاريخ, وبقي الإسلام صامداً كالطود؛ الله هو الحق, هو الذي ينصر الحق, هو الذي يدعم الحق؛ الحق هو الدائم, الحق هو الباقي, والباطل هو الزائل.
العصر شهد انهيار أكبر قوة في العالم, بنيت على الإلحاد, باطلة، وللعوام كلمة لطيفة, يقول لك: "لا يصح إلا الصحيح".
الأمر لا يستقر إلا على وضع سليم, فكل شيء خلاف الحق زائل وباطل.
الآن: الإنسان بطولته أن يكون مع الحق لا أن يكون مع الباطل, فإذا ربط مصيره مع الباطل فهو زائل؛ كل مكتسباته إلى زوال, كل أعماله يجعلها الله هباء منثوراً, كل تصرفاته لا قيمة لها:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية:23]
من ربط مصيره بالحق نجح وأفلح وسعد :
في الإسلام نعمة لا يعرفها إلا من فقدها؛ مهما تطور العلم, مهما تغيرت الحياة, مهما استجدت النظم, الإسلام باق, ويزداد قوة ومنعة, ولو كان أعداؤه أهل الأرض, لأنه حق, أما لو كان الإنسان مع مذهب باطل, فعنده حالة قلق دائمة, لو أن هذا الباطل انهار, انهار هو معه؛ فإذا الإنسان ربط مصيره مع الحق نجح, وأفلح, وسعد, وإذا ربط مصيره مع الباطل, انهارت كل آماله.
هناك رئيس وزراء فرنسي انتحر, صحفيون كتبوا مئة مقالة تقريباً عن أسباب انتحاره, لم يصل صحفي واحد منهم إلى نتيجة, أولاً: رجل من أعرق أسر فرنسا, وغني, ليس له أي مخالفة بفضائح في حياته حتى ينتحر خوفاً منها, إلا صحفياً واحداً, وفِّق لفهم سبب انتحاره, كان مؤمناً بمبدأ, بعد سبعين سنة من ظهور هذا المبدأ تبين له أنه كان على خطأ, فاحتقر نفسه.
إنسان ربط مصيره و وضع كل إمكاناته في خدمة هذا المبدأ, ثم تبين له أنه كان مضللاً, وكان بعيداً عن الحق.
فالمسلم لا يوجد عنده هذه الحالة؛ مهما تطورت الحياة, مهما تطور العلم, لا يوجد شيء ظهر يناقض هذا الدين, بالعكس كلما اقترب العلم من الحق, كان على صواب.
الملاحظ أن الدول الشاردة عن الله عز وجل بدافع من مصلحتها الشخصية, بدافع من قناعاتها, تعود إلى الإسلام مقهورة.
الاتحاد السوفييتي قبل أن ينهار حرم الخمر, الآن في السويد الخمر محرم, بعض ولايات أمريكا الاختلاط فيها محرم.
هم يدركون أنهم إذا نفذوا هذا الإجراء لمصلحتهم, هم لا يعبدون الله في هذا, يعبدون ذواتهم؛ لكن اهتدوا إلى أن هذا الذي جاء به القرآن هو الحق, و ينبغي أن يطبق.
من طبق الحق بدافع من قناعاته و عبادة الله كسب الدنيا و الآخرة :
الإنسان إما أن يطبق الحق بدافع من مصالحه, عندئذ يكسب الدنيا فقط, وإما أن يطبق الحق بدافع من قناعاته, وبدافع من عبادة الله عز وجل, عندئذ يكسب الدنيا والآخرة.
آية قصيرة لكنها بليغة:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾
[سورة الحج الآية:62]
هو إن كان شيء عن النبي لم يرد, لكن يفعله معظم الناس, في تلقين الميت يقال له: ((اعلم -يا عبد الله!- أن الجنة حق, وأن النار حق, وأن الحساب حق, وأن الصراط حق, وأن العرض حق))
حق أي واقع.
الآن: كم إنسان في الأرض يعيش للدنيا فقط والآخرة غائبة عنه تماماً؟ عندما يفاجأ أن هناك آخرة, وهناك أبد, من الممكن أنه سوف يُصعق: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
[سورة الطور الآية:45]
المؤمن عنده نعمة كبيرة, قبل أن يأتي هذا اليوم الذي يصعق فيه الناس, هو متوقع هذا اليوم. أكبر عطاء للمؤمن أن معه الحقيقة المطلقة :
أكبر عطاء للمؤمن أن معه الحقيقة, الحقيقة المطلقة, لا يوجد عنده مفاجأة؛ يموت, الموت حق, هناك جهنم للأبد, جهنم حق, هناك جنة, الجنة حق, هناك حساب دقيق, الحساب حق, هناك من يعمل مثقال ذرة خيراً يره, هذه العدالة الإلهية من يراها؟ لا يوجد إنسان يراها ويأخذ مال أخيه, هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل, ويعتدي عليهم, لا يؤمن بالآخرة إطلاقاً, يؤمن بالدنيا فقط.
العبرة ألا يتفاجأ الإنسان, والإنسان حينما يندم, معنى هذا أن عقله ضعيف, أو لم يستخدمه.
تصور طالباً من أول يوم في العام الدراسي يدرس, لأن الامتحان ماثل أمامه, فيأتي الامتحان, مهيأ؛ يكتب, ينجح, بالعكس يفرح, لا يندم, طالب آخر غاب عنه الامتحان, عاش لحظته, فيبدو أنه مسرور أكثر من المجتهد؛ يذهب, ويعود, ويسهر, عندما يأتي الامتحان, ليس مستعداً له, هنا المصيبة!!.
فالمؤمن إذا وصل للحق وصل لكل شيء, إذا كان مع الحق كان مع أكبر قوة في الكون, إذا كان مصيره الحق, معنى هذا أن مصيره السعادة.
من لا يؤمن بأن للكون خالقاً حكيماً يبحث عن طريق آخر :
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
[سورة الحج الآية:62]
الله عز وجل خلق الإنسان من نطفة أمشاج يبتليه.
هم الآن في اتجاه أن يعملوا استنساخاً, فاستطاعوا أن يعملوا نعجة, ليست من ذكر وأنثى, ولا من حوين وبويضة, من أخذ خلية من الثدي, وتنبيتها في رحم, طبعاً اكتشفوا أن كل خلية في الإنسان فيها مورثات, لكن الطريق خلاف الطريق الذي رسمه الله؛ الله رسم ذكراً وأنثى, ومورثات هنا, ومورثات هنا, يتفاعلون, يظهر جنين يحمل مورثات الأب والأم معاً, هذه معنى أمشاج: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾
[سورة الإنسان الآية: 2]
أخذوا خلية من الثدي, فجاءت النعجة مشابهة لأمها تماماً, وليس لها علاقة بأبيها إطلاقاً.
من حوالي شهر تقريباً أذيع أن علامات الشيخوخة المبكرة جداً ظهرت على هذه النعجة, لأن خلق المخلوق من نطفة أمشاج, هذا هو الحق, هذا هو الكمال المطلق, فلما بحثوا عن طريق آخر, الطريق الآخر غير معقول! ولعله يبدو في المستقبل له آفات خطيرة جداً, وحالات نادرة جداً من تغيير خلق الله عز وجل.
فالإنسان حينما يؤمن أن لهذا الكون خالقاً حكيماً, وأنه يفعل أكمل شيء في الوجود, يستسلم, أما حينما لا يؤمن بهذه الحقيقة فيبحث عن طريق جديد.
في عالم الزراعة مثلاً بحثوا عن أسمدة كيماوية, الآن ثبت خطؤها, عادوا للنظام القديم -نظام السماد الطبيعي-, حاولوا أن يكافحوا الحشرات بأدوية كيماوية, الآن ثبت خطؤها, عادوا إلى النظام القديم -المكافحة الحيوية-، فكلما أخطؤوا خطأ فاحشاً, الآن يعودون إلى أصل التصميم الإلهي, معنى هذا أن أصل التصميم هو الحق. أكبر إنجاز يحققه الإنسان أنه مع الحق :
حتى إن هناك عالماً اسمه كاريل, ألّف كتاباً: "الإنسان ذلك المجهول" قال فيه: "خير نظام البشرية أن يقصر المرء طرفه على زوجة واحدة".
حتى غض البصر وصلوا له عن طريق المنطق, فذلك لأن الله هو الحق, وأمره حق, وتوجيهاته حق, ونظام الزواج حق, ونظام الإرث حق, والطلاق حق، الله صمم أن الإنسان يأتيه ذكر, أو أنثى, أو ذكر و أنثى.
ظهر قانون في الصين: نريد ولداً واحداً فقط, فكل أسرة تأتيها بنت تخنقها, تقتلها, مادام مسموح للأسرة بطفل واحد فلا تسجل إلا الذكر, فالبنت كانت تقتل؛ هناك جهل, و إلحاد, ويريدون ذكراً, فعندما يأتي الذكر, ويسجلونه, ذكراً واحداً, لا يوجد غيره أساساً, لكن غاب عنهم أن هذا النظام باطل, الآن هناك إحصائية دقيقة أن خمسين مليون شاب من دون فتاة, من دون زوجة, فنشأت عصابات تخطف الفتيات في سن الزواج, لأن الإجراء باطل.
هناك بلد غربي بشمالي إفريقيا, أظهر قانوناً ألغى فيه قانون الزواج الإسلامي؛ أن كل إنسان يطلق, تأخذ زوجته نصف ممتلكاته, هذا نظام باطل, الحق أن المرأة لها مهر, تستحقه عند الطلاق, أما إنسان عنده معمل, ثمنه ألوف الملايين, وهذه التي عنده في البيت, أحب أن يطلقها, تأخذ نصف ثروته, فرد الفعل في أمريكا أن الزواج قد التغى.
الآن: هناك مشاكلة -هذا الشيء أنا لمسته بشكل واضح- نظام المشاكلة ألغى نظام الزواج, حتى الزواج المدني التغى, لأتفه سبب؛ يلفظها, يركلها بقدمه.
في بلد عربي بشمال إفريقيا, توقف سوق الزواج نهائياً على أثر القانون, فصار الأب يعرض على خاطب ابنته أن يوقع له سند أمانة بمليون في حال طالبناك بنصف ثروتك حتى يزوج ابنته. فتجد كلما ظهر قانون خلاف الشرع يثبت فشله بشكل ذريع:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾
[سورة الحج الآية:62]
نظام الزواج هو الحق, نظام المهر هو الحق, غض البصر هو الحق.
عندما عملوا بالكنيسة زوجة واحدة, أصبح هناك مئة عشيقة, أما الإسلام فلا يوجد عنده مخالفة؛ هناك أمر قاهر, هناك زوجة لا تنجب, زوجة مريضة, زوجة لا تحصن, سمح لك بزوجة ثانية, التعدد هو الحق, هو الذي يحل مشاكل المجتمعات, ومشاكل الأسر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
[سورة الحج الآية:62]
أكبر إنجاز يحققه الإنسان أنه مع الحق؛ مع الشيء الثابت والهادف, مع الشيء الباقي, مع الشيء الذي لا يزول, حتى الإنسان لو مات الجنة حق, فسوف ينتقل من الدنيا إلى الآخرة, من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الآخرة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الرابع و الخمسون )


الموضوع : اين نحن من صفات المؤمنين ؟









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الله جلّ جلاله جعل وصف المؤمنين هدفاً للإنسان أو مقياساً له :
أيها الأخوة: حينما نقرأ في القرآن الكريم وصفاً للمؤمنين, ينبغي أن نقف وقفة متأنية, وأن نتأمل أين نحن من هذه الأوصاف؟ كأن الله جل جلاله جعل هذا الوصف هدفاً لنا, أو مقياساً, والأصح أن نبدأ بالمقياس, هذا المقياس: المؤمن هكذا يشعر, وهكذا يفعل, وهكذا يقف, وهكذا يتصرف, وهكذا يفعل الله معه, وهكذا يدافع عنه, وهكذا ينصره, وهكذا يطمئنه.
لو أن الإنسان منا جمع صفات المؤمنين التي وردت في القرآن الكريم, فجعلها مقياساً لإيمانه, وسأل نفسه أين أنا من هذه الصفات؟ فإن انطبقت عليه, فهذه نعمة كبرى, وإن لم تنطبق عليه, فليجعلها هدفاً يسعى إليه, أما أن يقرأ صفات المؤمنين, دون أن يفكر لحظة أن يطبقها على نفسه, فهذه قراءة غافلة, ساهية, لاهية.
الله عز وجل جعل هذه الصفات مقياساً, فإن لم تتوفر هدفاً, إن انطبقت عليك هذه نعمة كبرى, وإن لم تنطبق فتحرك إلى أن تصل إليها, أما تقرؤها, وتمر عليها مرور الكرام, ولا تفكر أبداً أن تطبقها على نفسك, فهذه مشكلة, وهذه القراءة التي لا يرضاها الله عز وجل, لأنك لم تنتفع منها, قرأت القرآن بلا فهم.
على الإنسان أن يقلق على قلبه كما يقلق على صحته :
يقول الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾
[سورة الحج الآية:35]
المخبتون: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الحج الآية:35]
لذلك هناك عالم يقول: -الحسن البصري من كبار التابعين-: "إذا صليت فلم تشعر بشيء, وذكرت الله فلم تشعر بشيء, وقرأت القرآن فلم تشعر بشيء, فهناك خلل خطير في إيمانك".
والإنسان عندما تصيبه أعراض في جسمه, يقلق أشد القلق, ويذهب إلى عند أكبر الأطباء, ويقول لك: يا أخي, هذه عين ليس معها لعبة, يحاول أن يتأكد من سلامة قلبه, من سلامة أعضائه, من سلامة حواسه, يعمل تقريراً, يعمل نسخاً, يعمل تحليلاً, حتى يطمئن, فلماذا نقلق على صحتنا ولا نقلق على قلوبنا؟ مع أن الله عز وجل يقول: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[سورة الشعراء الآية:88-89]
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾
[سورة الحج الآية:35]
كلما اتسعت دائرة المعرفة اتسعت معها دائرة الصبر :
علامة الإيمان الصحيح أن يضطرب قلبك إذا ذكرت الله, وعلامة الإيمان الصحيح أن تصبر على قضاء الله وقدره, فالصبر علم؛ الذي يصبر يعرف الله, والذي لا يصبر يغفل عن الله عز وجل, وأكبر دليل: طفل عند طبيب أسنان وراشد, الطفل يبكي؛ وقد يسب, وقد يمتنع, وقد يتحرك حركات عشوائية, لأن إدراكه محدود, لا يحتمل الألم, أما الراشد فقد يقلع ضرساً من دون مخدر, يقول: قلبك لا يتحمل مخدراً, فيصبر.
كلما اتسعت دائرة المعرفة اتسعت معها دائرة الصبر, فالمؤمن يصبر؛ لأنه يوجد عنده يقين أن أفعال الله كلها حكيمة, وكلها رحيمة, وكلها عادلة, وكلها خبيرة. فالعلم يدعو إلى الصبر. معرفة الإنسان بالله تظهر في الشدة :
ثم يقول تعالى:
﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾
[سورة الحج الآية:35]
لماذا لم يقل الله: أقام الصلاة و إنما المقيمي الصلاة؟ هناك فرق كبير، هناك معان كثيرة لهذه الآية؛ لكن الله أعلم.
شخص يقول: أقمت البناء؛ لأن البناء يحتاج إلى رخصة, إلى ممهدات, إلى موافقات, إلى حفر أساسات, إلى تأسيس هيكل, ثم إلى إكساء الهيكل, ثم إلى إكساء الهيكل خارجياً, ثم إلى تأسيس البيت, كلمة أقام بناء أي عمل له مراحل عديدة.
كل إنسان يستطيع بأي لحظة أن يصلي, الله أكبر, لكن لا يوجد اتصال, أما الاتصال فيحتاج إلى تمهيد؛ يجب أن يعرف الله, يجب أن يستقيم على أمره, يجب أن يضبط حواسه, وحركاته, وسكناته, ودخله, وإنفاقه, وضبط بيته, وضبط دخله, وضبط إنفاقه.
أن يسمح الله لك أن تتصل به ليست قضية سهلة, لا تأتي بثانية, ليس عملاً عشوائياً, عملاً له ممهدات:
أقام الصلاة- فقط للتوضيح- أقام البناء أولاً جمع أموالاً, بعد ذلك طلب رخصة, بعد ذلك حفر أساسات, بعد ذلك أتى بمهندس, بعد ذلك رسم الخطط, أي مراحل متعددة.
حتى الله عز وجل يسمح لك أن تتصل به, معنى ذلك أنت طاهر, دخلك طاهر, علاقاتك كلها طيبة, عندك انضباط, عندك التزام.
فهذا المخبب الذي يُبشره الله عز وجل إذا ذكر الله وجل قلبه: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
[سورة الحج الآية:35]
مستحيل الله عز وجل يمنحك الجنة وأنت في الدنيا في رخاء تام, مستحيل أن تمتحن السيارة في النزول, لا بد من أن تمتحن محركها في الصعود.
كل إنسان بالرخاء يمشي, لكن في الشدة المعرفة تظهر في الشدة؛ معرفتك بالله تظهر في الشدة, إيمانك يظهر في الشدة, قوة صبرك تظهر في الشدة, الابتلاء يظهر في الشدة, الشدة تكشف, مثلاً إذا كان الصعود قاسياً جداً, تكشف السيارة يا ترى ترتفع حرارتها؟ يضعف المحرك؟ المحرك حاله متعبة؟ كل الأغلاط تظهر في الصعود, فالابتلاء من سنن ربنا عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية:30]
الفرق الصارخ بين المؤمن و الكافر :
فهذه الآية أيها الأخوة:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
[سورة الحج الآية:35]
هناك شيء اسمه إستراتيجية، المؤمن بانت إستراتيجيته على الإنفاق, على العطاء, يسعد إذا أعطى, نذر حياته لله عز وجل, هناك إنسان بانت إستراتيجيته على الأخذ, همه الأول الجمع, والأخذ, واستهلاك جهد الآخرين, واستهلاك أموال الآخرين, همه أن يتمتع، هذا الكافر, المؤمن همه أن يعطي, حتى يرضى الله عز وجل عنه.
فتجد هناك فرقاً صارخاً, أو فرقاً حاداً, أو فرقاً يكاد يكون متناقضاً بين المؤمن وبين غير المؤمن؛ المؤمن بنى حياته على العطاء, الكافر بنى حياته على الأخذ, المؤمن يعطي ولا يأخذ, الكافر يأخذ ولا يعطي, من الصعب أن يجتمعا, لا يجتمع كافر ومؤمن, وكل شيء اسمه وحدة أديان كلام فارغ, ليس له أي معنى, هناك تناقض صارخ. المؤمن يرجو الله و يتخلق بأخلاقه والكافر تحكمه الأهواء والشهوات والمصالح :
إنسان بنى حياته على الأخذ, وعلى الاستمتاع الرخيص, والمصلحة الذاتية, ولا يعبأ بأي قيمة, وأي مبدأ, هذا الكافر كيف يجتمع مع مؤمن بنى حياته على المبدأ والقيم والعطاء لا على الأخذ و عدم الخوف من الله عز وجل؟ من سابع المستحيلات أن يجتمعا, كما يجتمع الظلام مع النور, لا يجتمعان, أحدهما ينقض الآخر.
يتعاكس لونان -أبيض وأسود-, هناك أشياء متعاكسة, وقد تجمعها أبيض وأسود, أما الأشياء المتناقضة فوجود أحدهما ينقض وجود الآخر, هناك مئة وثمانون درجة بين المؤمن والكافر.
لذلك: التقسيم الحقيقي, البشر يقسمون إلى مؤمنين وإلى كفار؛ المؤمن يرجو الله, يتخلق بأخلاق الله, يسعى لمرضاة الله, يتقرب إلى الله بخدمة الخلق, والنصح لهم, الكافر تحكمه الأهواء, والشهوات, والمصالح فقط.
الحق قيمة موضوعية تحتاج إلى قوة :
في أمريكا قاعدة, يؤمن بها كل من في هذه البلاد: القوة تصنع الحق, أنت قوي, افعل ما تشاء, هذا هو الحق؛ القوي لو انتهك الحرمات في نظرهم حق, لو اعتدى على الشعوب في نظرهم حق, لو داس القيم بقدمه هذا هو الحق, أما عند المؤمنين فالحق ما جاء به الكتاب والسنة, ويحتاج إلى قوة, الحق قيمة موضوعية, تحتاج إلى قوة, أما عند الكفار فالقوة هي الحق, هذا حق أهل الكفر.
أيها الأخوة, مرة ثانية: إذا قرأت القرآن, ووقفت عند أوصاف المؤمنين, فاجعلها مقياساً, فإن انطبقت عليك, فاشكر الله عز وجل, وإن لم تنطبق عليك, فاجعلها هدفاً, واسع نحوها.









والحمد لله رب العالمين





الختام

آفراح
07-18-2018, 11:42 AM
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية