محمد العتابي
01-01-2013, 04:43 AM
صفي الدين الحلي.. وهج في العصر المظلم
الشاعر صفي الدين الحلي..ٍ هو أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن نصر الطائي، ولد في مدينة الحلة بالعراق سنة ستمائة وسبع وسبعين من الهجرة ومنها يأتي نسبه الذي اشتهر به، ومات في بغداد سنة سبعمائة واثنين وخمسين من الهجرة. قضى سني حياته في عصر تراجعت فيه المعطيات الحضارية للأمة العربية في معظم النواحي السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية لحد اصطلح عليه بعصر انحطاط الدولة العربية كما أشرت آنفا ماألقى بظلال داكنة على الوضع السياسي والاجتماعي القائم آنذاك، ولكن الشعر العربي كان رغم حالة التردي هذه متألقا وله حضوره في الساحة وكان قبسا متقدا لإلهاب المشاعر وشحذ الهمم عندما يتطلب الأمر ذلك، وصوتا مفعما بالأحاسيس عندما يراد التعبير عن حالة وجدانية أو عاطفية.
وبما أن مدار حديثنا هو الشاعر صفي الدين الحلي، فلابد من الإشارة إلى أن البوح الشعري لهذا الشاعر اتسم بجزالة اللفظ وقوة السبك متحصنا بأسلوب "السهل الممتنع". وكان بمسحته العامة رائق الأنغام، واسع الرؤى، شفيف المعاني، رائع الصور، وكأنما الأمل يعود على يديه من جديد ليترنم صوت شجي في قافلة الشعر العربي لتصدح من خلاله القوافي على وتر الأحاسيس.
تولع هذا الشاعر العراقي الأصل والنشأة والمزاج منذ حداثة سنه بنظم الشعر وعاهد نفسه ألا يمدح أحدا كريما كان أم لئيما.
فروسيته..
صفي الدين الحلي تلك الشخصية الظريفة والراسخة في آن معا، كان قوي الجنان، ساحر البيان، يشار له بالبنان. وفيه تتجلى شخصية الفارس الشجاع والمقاتل المقدام فتراه يقتحم المهالك والمخاطر بقلب وثاب لا يعرف التردد.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن فتنة وقعت في بلدته (الحلة) بين أبناء أسرة هولاكو بسبب الصراع على السلطة واقتسام الكعكة وذلك حين خبت شعلة المجد العربي في ذلك المقطع الزمني وداست سنابك خيل التتار تراب الوطن وخربت بغداد عاصمة الرشيد. ففي ظل هذا الظرف المعقد والمرير والمرحلة التاريخية الحساسة ينبري صفي الدين الحلي شاعرا وفارسا وفيا لأصالته العربية ولفروسيته حيث يقول..
إذ افتخرَ الأقوامُ يوماً بمجدِهم
فإنكَ من قومٍ بهم يفخرُ الـمجدُ
تعوّدَ متنَ الصافناتِ صغيرُهم
إلى أن تساوى عندهُ السرجُ والمهدُ
كان يجهر بتحمسه لقومه ويبث فيهم روح الأنفة والطموح والعزيمة والتمرد معنفا الذين كانوا يستترون تحت جنح الوافدين أو يتوارون بالعتمة خوفا أو ذعرا أو رغبة في اتقاء الفتن والأخطار.
وجدانياته..
رحل صفي الدين الحلي من بغداد إلى مصر ليستقبله هناك ويقربه سلطانها الملك الناصر. وهناك يرينا هذا الشاعر قدرته الفائقة في جانب آخر من أغراض الشعر وآفاقه. فعندما رفل الشاعر الحلي في أفياء القصور القاهرية المطلة على نهر النيل كان وكأن ذلك الفارس العنيد الجامح أصبح عاشقا رقيقا مرهف المشاعر ليفتتن في شعره كل من حضر مجالس اللهو والأنس ويأسر قلوبهم بما أبدع من قصائده وزهرياته الجميلة والتي يقول في إحداها
بثَّ النسـيمُ بقــدّهِ فتأوّدا
وسرى الحياءُ بخدّهِ فتورّدا
رشأٌ تغرّدَ فيـهِ قلـبي بالهوى
لمّا غـدا بجـمالِهِ متفرّدا
مغرىً بإخلاف المواعدِ في الهوى
بل ليتهُ جعل القطيعةَ موعدا
المتأمل في شعر صفي الدين الحلي يتلمس بشكل واضح ولع هذا الشاعر بالبديع والمحسنات اللفظية ما يعزز شاعريته الخصبة واقتداره اللغوي وحسه المرهف وذوقه الرفيع دون أن يفقده ذلك انطباعيته المعهودة دون تكلف. ولعل القصيدة التي نلجأ إلى شواطئها الجميلة مثالا فريد الطابع ربما في ديوان الشعر العربي كله، هي قصيدة تدور حول وصف مجلس أنيق صور كل ما أحاط به بخيال طليق محلق وموسيقى عذبة متراقصة تكشف عن عمق عاطفته المشبوبة وحبه الساعر الملتهب الذي صهر كبرياء الفارس الشجاع وأحالها زفرات عاشق مستهام، يقول في قصيدته "مجلس الحبيب"..
أذابَ التبـرَ في صـافي اللُجيـنِ
رشـأٌ بالراحِ مخضوبَ اليدينِ
وطافَ على السحابِ بكأسِ راحٍ
فطـافتْ مُقـلتاهُ بآخـرينِ
إلى عيـنيـهِ تنـتسـبُ المنايا
كمـا انتسبَ الرمحُ إلى ردينِ
وشـمعتنـا شبيـهَ سنانَ تبرٍ
توقـدُ في أكـفِ الساقيـينِ
وقد صاغتْ يدُ الأزهارِ تاجـاً
على الأغصانِ فوقَ الحاجبـينِ
إذا ما رامَ يسـلوهُ قلـبـي
تـمثّلَ شخصـُهُ تلقاءَ عينـي
يا ناشـرَ (الصبا) بلّغْ سلامي
إلى الفيحـاءِ بينَ القلعتـيـنِ
وهبتكِ في الهوى روحي بوعدٍ
وبعتـُكِ عامـداً نقـداً بدينِ
كم قد شاهدتكَ الناسُ قـبلي
فما نظروكَ كلّهمُ بعيـنـي
وقلتُ الوعدَ عندَ الحرِ دينٌ
فكيفَ مطلتني وجحدتَ ديني
فكانَ الناسُ قبلَ هاكَ صحبي
فهلْ أبقيتَ لي من صاحبيـنِ؟
تنغصَ فيكَ (بالزوراءِ) عيشي
وبدّلَ زينَ لذاتـي بشــينِ
وهذا مصداق على أن العراقي لا يستسلم للظروف الصعبة مهما تشابكت الأحداث والمصائب عليه ولا يكون تحت طائلتها أبدا، فها هو رغم كل الظروف المعقدة التي يمر بها البلد، لم يتخل عن الإبداع و لا عن نزوعه للخلق والبناء. ورغم آلامه لم يتخل عن آماله، ورغم حرمانه من أبسط مسلمات الحياة، نراه يواكب آخر التطورات العلمية والتقنية.
الشاعر صفي الدين الحلي..ٍ هو أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن نصر الطائي، ولد في مدينة الحلة بالعراق سنة ستمائة وسبع وسبعين من الهجرة ومنها يأتي نسبه الذي اشتهر به، ومات في بغداد سنة سبعمائة واثنين وخمسين من الهجرة. قضى سني حياته في عصر تراجعت فيه المعطيات الحضارية للأمة العربية في معظم النواحي السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية لحد اصطلح عليه بعصر انحطاط الدولة العربية كما أشرت آنفا ماألقى بظلال داكنة على الوضع السياسي والاجتماعي القائم آنذاك، ولكن الشعر العربي كان رغم حالة التردي هذه متألقا وله حضوره في الساحة وكان قبسا متقدا لإلهاب المشاعر وشحذ الهمم عندما يتطلب الأمر ذلك، وصوتا مفعما بالأحاسيس عندما يراد التعبير عن حالة وجدانية أو عاطفية.
وبما أن مدار حديثنا هو الشاعر صفي الدين الحلي، فلابد من الإشارة إلى أن البوح الشعري لهذا الشاعر اتسم بجزالة اللفظ وقوة السبك متحصنا بأسلوب "السهل الممتنع". وكان بمسحته العامة رائق الأنغام، واسع الرؤى، شفيف المعاني، رائع الصور، وكأنما الأمل يعود على يديه من جديد ليترنم صوت شجي في قافلة الشعر العربي لتصدح من خلاله القوافي على وتر الأحاسيس.
تولع هذا الشاعر العراقي الأصل والنشأة والمزاج منذ حداثة سنه بنظم الشعر وعاهد نفسه ألا يمدح أحدا كريما كان أم لئيما.
فروسيته..
صفي الدين الحلي تلك الشخصية الظريفة والراسخة في آن معا، كان قوي الجنان، ساحر البيان، يشار له بالبنان. وفيه تتجلى شخصية الفارس الشجاع والمقاتل المقدام فتراه يقتحم المهالك والمخاطر بقلب وثاب لا يعرف التردد.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن فتنة وقعت في بلدته (الحلة) بين أبناء أسرة هولاكو بسبب الصراع على السلطة واقتسام الكعكة وذلك حين خبت شعلة المجد العربي في ذلك المقطع الزمني وداست سنابك خيل التتار تراب الوطن وخربت بغداد عاصمة الرشيد. ففي ظل هذا الظرف المعقد والمرير والمرحلة التاريخية الحساسة ينبري صفي الدين الحلي شاعرا وفارسا وفيا لأصالته العربية ولفروسيته حيث يقول..
إذ افتخرَ الأقوامُ يوماً بمجدِهم
فإنكَ من قومٍ بهم يفخرُ الـمجدُ
تعوّدَ متنَ الصافناتِ صغيرُهم
إلى أن تساوى عندهُ السرجُ والمهدُ
كان يجهر بتحمسه لقومه ويبث فيهم روح الأنفة والطموح والعزيمة والتمرد معنفا الذين كانوا يستترون تحت جنح الوافدين أو يتوارون بالعتمة خوفا أو ذعرا أو رغبة في اتقاء الفتن والأخطار.
وجدانياته..
رحل صفي الدين الحلي من بغداد إلى مصر ليستقبله هناك ويقربه سلطانها الملك الناصر. وهناك يرينا هذا الشاعر قدرته الفائقة في جانب آخر من أغراض الشعر وآفاقه. فعندما رفل الشاعر الحلي في أفياء القصور القاهرية المطلة على نهر النيل كان وكأن ذلك الفارس العنيد الجامح أصبح عاشقا رقيقا مرهف المشاعر ليفتتن في شعره كل من حضر مجالس اللهو والأنس ويأسر قلوبهم بما أبدع من قصائده وزهرياته الجميلة والتي يقول في إحداها
بثَّ النسـيمُ بقــدّهِ فتأوّدا
وسرى الحياءُ بخدّهِ فتورّدا
رشأٌ تغرّدَ فيـهِ قلـبي بالهوى
لمّا غـدا بجـمالِهِ متفرّدا
مغرىً بإخلاف المواعدِ في الهوى
بل ليتهُ جعل القطيعةَ موعدا
المتأمل في شعر صفي الدين الحلي يتلمس بشكل واضح ولع هذا الشاعر بالبديع والمحسنات اللفظية ما يعزز شاعريته الخصبة واقتداره اللغوي وحسه المرهف وذوقه الرفيع دون أن يفقده ذلك انطباعيته المعهودة دون تكلف. ولعل القصيدة التي نلجأ إلى شواطئها الجميلة مثالا فريد الطابع ربما في ديوان الشعر العربي كله، هي قصيدة تدور حول وصف مجلس أنيق صور كل ما أحاط به بخيال طليق محلق وموسيقى عذبة متراقصة تكشف عن عمق عاطفته المشبوبة وحبه الساعر الملتهب الذي صهر كبرياء الفارس الشجاع وأحالها زفرات عاشق مستهام، يقول في قصيدته "مجلس الحبيب"..
أذابَ التبـرَ في صـافي اللُجيـنِ
رشـأٌ بالراحِ مخضوبَ اليدينِ
وطافَ على السحابِ بكأسِ راحٍ
فطـافتْ مُقـلتاهُ بآخـرينِ
إلى عيـنيـهِ تنـتسـبُ المنايا
كمـا انتسبَ الرمحُ إلى ردينِ
وشـمعتنـا شبيـهَ سنانَ تبرٍ
توقـدُ في أكـفِ الساقيـينِ
وقد صاغتْ يدُ الأزهارِ تاجـاً
على الأغصانِ فوقَ الحاجبـينِ
إذا ما رامَ يسـلوهُ قلـبـي
تـمثّلَ شخصـُهُ تلقاءَ عينـي
يا ناشـرَ (الصبا) بلّغْ سلامي
إلى الفيحـاءِ بينَ القلعتـيـنِ
وهبتكِ في الهوى روحي بوعدٍ
وبعتـُكِ عامـداً نقـداً بدينِ
كم قد شاهدتكَ الناسُ قـبلي
فما نظروكَ كلّهمُ بعيـنـي
وقلتُ الوعدَ عندَ الحرِ دينٌ
فكيفَ مطلتني وجحدتَ ديني
فكانَ الناسُ قبلَ هاكَ صحبي
فهلْ أبقيتَ لي من صاحبيـنِ؟
تنغصَ فيكَ (بالزوراءِ) عيشي
وبدّلَ زينَ لذاتـي بشــينِ
وهذا مصداق على أن العراقي لا يستسلم للظروف الصعبة مهما تشابكت الأحداث والمصائب عليه ولا يكون تحت طائلتها أبدا، فها هو رغم كل الظروف المعقدة التي يمر بها البلد، لم يتخل عن الإبداع و لا عن نزوعه للخلق والبناء. ورغم آلامه لم يتخل عن آماله، ورغم حرمانه من أبسط مسلمات الحياة، نراه يواكب آخر التطورات العلمية والتقنية.