المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول


السعيد
07-11-2018, 06:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الاول )

الموضوع : مقدمة 1ـ من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أسماء الله الحسنى تعريف بذات الله عز وجل :
أيها الأخوة الأكارم، مع مقدمة أولى لبرنامج جديد عنوانه:" سبل الوصول وعلامات القبول"، ينطلق هذا البرنامج الجديد من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾
[سورة الكهف الآية: 110 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/01.jpg
كأن الله سبحانه وتعالى سيلخص لنا الوحي هنا. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 110 ]
هذا هو التوحيد. ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف الآية: 110 ]
الإنسان إذا عرف الله ينشأ عنده سؤال كبير، كيف أصل إليه؟ حدثتك عن ملك عظيم، تقول لي: هل من سبيل لأصل إليه؟ إذا كانت أسماء الله الحسنى تعريفاً بذات الله عز وجل، فهذا البرنامج كيف نصل إلى الله جلّ جلاله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى؟ وكأن هذا البرنامج يتكامل مع البرنامج السابق، الله عز وجل ذات كاملة، أسماؤه حسنى، وصفاته فضلى، السؤال: كيف أصل إليه؟ ما الوسائل التي تعجل الوصول إليه؟. ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾
[ سورة طه ]
العمل الصالح الذي يرضاه الله عز وجل هو ما كان خالصاً وصواباً
لذلك ينطلق هذا البرنامج من هذه الآية ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾
لقاؤه في الدنيا، الاتصال به، لقاؤه في الجنة في الآخرة، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
وليكن هذا العمل خالصاً لي، ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
من هذه الآية كان عنوان هذا البرنامج، سبل الوصول وعلامات القبول ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
لذلك حينما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
[سورة النمل الآية: 19 ]
قال العلماء: العمل الصالح الذي يرضاه الله عز وجل ما كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. الخُلق الحسن يقع على رأس الأعمال الصالحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/02.jpg
أيها الأخوة، يقع على رأس الأعمال الصالحة الخلق الحسن، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، أوتي الوحي، أوتي المعجزات، أوتي جمال الصورة، أوتي الفصاحة، حينما أراد الله أن يثني عليه أثنى عليه بالخلق الحسن، قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم ]
من هنا لخص النبي صلى الله عليه وسلم بعثته كلها بمكارم الأخلاق، فقال: (( وإنما بعثت معلماً ))
[أخرجه الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
(( إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ ))
[أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
الشجاعة والكرم من القيم الأصيلة للعرب قبل الإسلام :
كلمة لأتمم مكارم الأخلاق فيها واقعية، لأن الشجاعة والكرم من القيم الأصيلة لهذه الأمة قبل الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( وإنما بعثت معلماً ))
(( إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/03.jpg
بعض أصحاب النبي رضوان الله عليهم سألوا السيدة عائشة، قالوا: "يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت هذه الزوجة الوفية: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ثم قالت: اقرؤوا: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم". صفات النبي عليه الصلاة والسلام :
1 ـ كان جمّ التواضع وافر الأدب:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/04.jpg
لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، كان خلقه القرآن.
لقد كان صلى الله عليه وسلم جمّ التواضع، تقول: بئر جم، أي ماؤه كثير، كان كثير التواضع، وافر الأدب، تواضع كثير وأدب جم.





2 ـ يبدأ الناس بالسلام وينصرف بكلّه إلى محدثه :
يبدأ الناس بالسلام، وينصرف بكلّه إلى محدثه، يهتم به صغيراً كان أو كبيراً، أو إذا صافح أحداً؛ كان عليه الصلاة والسلام آخر من يسحب يده إذا صافح، هناك شخص يصافح بأصابعه فقط، باستعلاء، وهناك شخص لا يسلم، وهناك شخص لا ينتبه إلا لإنسان كبير، أما هؤلاء الدهماء، السوقة لا يلتفت إليهم، كان عليه الصلاة والسلام ينصرف بكلّه إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً، وكان آخر من يسحب يده إذا صافح.
3 ـ يضع الصدقة بيده في يد المسكين و لم يرَ ماداً رجليه قط :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/05.jpg
وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين، تطييباً لقلبه، وإذا جلس جلسَ حيث ينتهي به المجلس، هناك أشخاص كثيرون إذا لم يكن في الصف الأول يتبرم، ويتكلم كلاماً قاسياً، لا تعرفون أقدار الناس؟ وإذا جلس جلسَ حيث ينتهي به المجلس، لم يُرَ ماداً رجليه قط، إلا إذا إنسان معذور فهذا وضع ثان، أما إنسان صحيح لم يرَ ماداً رجليه قط، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته، أو حاجة صاحب أو جار، كان يخدم نفسه.
أحد الصحابة وقع زمام الناقة من يده، فنزل من على الناقة ليأخذ زمامها، صحابي آخر قال له: قل لي أن أعطيك إياها، قال له: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أسأل الناس شيئاً، ما دمت قادراً فاقضِ حاجتك بيدك، اخدم نفسك، هذا من التواضع، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[ورد في الأثر]
4 ـ يحمل بضاعته بنفسه
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/06.jpg
كان يذهب إلى السوق، ويحمل بضاعته، ويقول: أنا أولى بحملها، هذه أخلاق النبي، بهذه الأخلاق وصل أصحاب رسول الله إلى مشارف الصين، وإلى مشارف باريس، ولو فهم الأصحاب الكرام الإسلام كما نفهمه نحن لما خرج من مكة المكرمة، يقول: أنا أولى بحملها، وكان يجيب دعوة الحر والعبد، قال: (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أقدام الدابة، بالغميم ـ أي بظاهر المدينة ـ لأجبت.
5 ـ يقبل عذر المعتذر :
وكان يجيب دعوة الحر، والعبد، والمسكين، ويقبل عذر المعتذر، وكان يقول: (( ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه محقا كان أو مبطلا ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
متنصلاً، أي اعتذر ونفى الشيء، فقال النبي الكريم: (( فليقبل ذلك منه محقا كان أو مبطلا ))
وكان يقبل عذر المعتذر، وكان يرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل بعيره، وكان في مهنة أهله ـ أي في خدمتهم ـ رجال كثيرون يأنفون ويترفعون أن يساعدوا زوجاتهم في عمل البيت، وكان في مهنة أهله، طبعاً صواب كلمة المهنة يقول لك: مهن، صوابها الحرفة، أن تقول مهنة وتقصد بها حرفة هذا خطأ شائع، صواب المهن الحرف، وكان في مهنة أهله.
6 ـ يأكل مع الخادم ويقضي حاجة الضعيف والبائس :
وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، وكان يمشي هوناً. ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
[ سورة الفرقان الآية: 63 ]
7 ـ يمشي هوناً لا ينطق من غير حاجة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/07.jpg
كان يمشي هوناً خافض الطرف من تواضعه، متواصل الأحزان، فالإنسان إذا حقق أهدافه بالحياة لا يعنيه الناس، لكن هناك إنسان تسأله كيف حالك؟ يقول: والله أنا لا يوجد عندي مشكلة، لكن أنا متألم لما يعانيه المسلمون، إن لم تبكِ لما يقع في بلاد المسلمين من قتل، ومن نهب ثروات، ومن اعتداء على الحرمات، أنت ألست مسلماً؟ أليس هؤلاء قومك؟ كان يمشي هوناً، خافض الطرف، متواصل الأحزان، دائم الفكرة، لا ينطق من غير حاجة، كلامه هادف، يبتعد عن اللغو﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾
طويل السكوت، كان يُرى أكثر دهره صامتاً فإذا تكلم بذّ القائلين، إذا تكلم تكلمَ بجوامع الكلم، كلام مركز، كلام واضح، كلام معبر، لا يوجد لغو بكلامه، والمؤمن إذا عدّ كلامه من عمله ضبط لسانه. (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
8 ـ لا يهين أحداً طليق الوجه و يعظم النعم وإن دقت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/08.jpg
كان دمثاً، كان يحذر الناس، ويحترس منهم من دون أن يطوي بشره عن أحد في ابتسامة تعلو وجهه دائماً.
وكان دمثاً ليس بالجاحف ولا المهين، لا يهين أحداً، لا يُحمر الوجوه، لا يحرج أحداً، يُعظم النعم وإن دقت، شربت كأس ماء، هناك من لا يستطيع شربها، أكلت مع أهلك، هناك من لا يستطيع أن يأكل الطعام، سيروم، تمشي على قدمين، تتحرك، هناك من كان طريح الفراش، يعظم النعم، بل في بعض الشمائل كانت تعظم عنده النعم مهما دقت، لا يذم منها شيئاً، هناك أشخاص كثيرون يشمئزون من بعض الأطعمة، يعلقون تعليقات سيئة، ما ذمّ طعاماً قط، ولا يذم مذاقاً، ولا يمدحه.

9 ـ لا تغضبه الدنيا ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها: لا تغضبه الدنيا.
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبة فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
لا تغضبه الدنيا وما كان لها، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.
10 ـ إذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غضّ طرفه :
إذا غضب أعرض وأشاح، هناك أشخاص يرفعون أصواتهم، يدفعون الباب، يكسرون الأواني، يسبون، إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه.
11 ـ يؤلف و لا يفرق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/09.jpg
كان يؤلف ولا يفرق، يدخل إلى بيت أخته، ما هذا البيت! هي راضية عن زوجها، أدخل في قلبها الشك، كان يؤلف ولا يفرق، يقرب ولا ينفر، يقرب من الله، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، أي يعرف أقدار الرجال.
جاءه عدي بن حاتم فانطلق به إلى بيته، وكان عدي بن حاتم يظن أنه سيلقى ملكاً، استوقفته امرأة في الطريق وقف طويلاً وهي تكلمه في حاجتها، قال: والله ما هذا بأمر ملك فلما دخلا إلى البيت، يقول عدي بن حاتم: دفع إليّ وسادة من أدم محشوة ليفاً وقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلست عليها، وجلس رسول الله على الأرض.
12 ـ كان عليه الصلاة و السلام يتفقد أصحابه دائماً:
يتفقد أصحابه، نحن الحد الأدنى لنا أخ يأتي كل درس فجر، غاب اليوم، نسأل عنه، نتفقده، ويسأل الناس عما في الناس، هناك إنسان لا يوجد عنده مشكلة، لا يهتم بالناس، و إنسان آخر لا يوجد عنده مشكلة، لكنه يهتم بالناس، يهتم بأرزاقهم، بأقواتهم، بصحتهم، بمشكلاتهم.
13 ـ يحسن الحسن ويصوبه ويقبح القبيح ويوهنه :
الحسن يجب أن تثني عليه، إنسان دخله محدود لكن أخلاقه عالية جداً، مستقيم، وبيته إسلامي، لأن دخله قليل لا يحسنه، يجب أن تحسن الحسن، وأن تقبح القبيح، لا يقصر عن حق، ولا يجاوزه، مبدأه وسطي، أحياناً تحب إنساناً تتغاضى عن معاصيه الكبيرة، وأحياناً تبغض إنساناً وتنسى كل محاسنه، لذلك ورد: ((أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
14ـ لا يرد أحداً في حاجة :
ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، شيء عجيب! ما التقى النبي بإنسان إلا ظنّ هذا الإنسان أنه أقرب الناس إليه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، يلتقي بالصغار، وبالكبار، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، لولا التشهد كانت ولاؤه نعم، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو ما يسره من القول.
15 ـ كان لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش :
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهي، شيء ما أعجبه يتغافل عنه، ظلّه خفيف، ولا يخيب فيه مؤمله، إنسان علق عليه الآمال لا يخيب فيه مؤمله، كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، هذا الذي يقلد الناس في مشيتهم، في تكلمهم، ليس من أخلاق النبي، لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه. 16 ـ يضحك مما يضحك منه أصحابه و يصبر على الغريب :
وهو يعيش مع أخوانه، يضحك مما يضحك منه أصحابه، هناك شخص يبقى عبوساً قمطريراً و لو ضحك أصحابه، يضحك مما يضحك منه أصحابه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر على الغريب وعلى جفوته.
قال له: "أعطني يا محمد من هذا المال، فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك، قال لهم: صدق إنه مال الله".
مرة شده أعرابي من ثوبه حتى أثّر على رقبته الشريفة، ويصبر على الغريب في جفوته، وفي مسألته، ولا يقطع على أحد حديثه، مستمع من الطراز الأول، والحديث عن شمائله لا تتسع له المجلدات، ولا خطب في سنوات، ولكن الله جلّ جلاله لخصها في كلمات فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم ]
بالخلق العظيم نتقرب إلى الله العظيم. الخلق الحسن أعلى مرتبة في الإسلام و الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1295/10.jpg
أيها الأخوة، جمعت لكم عدداً من الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالخلق العظيم قال عليه الصلاة والسلام: (( إن أحسن الناس إسلاماً، إن أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً ))
[أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
أي أعلى مرتبة في الإسلام الخلق الحسن، أعلى مرتبة في الإيمان الخلق الحسن. (( من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ))
[أخرجه ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ]
البطولة أن تكون حسن الخلق في البيت. (( أَكْمَلُ المُؤمِنينَ إِيمَانا: أَحْسَنُهُمْ خُلُقا، وَخِيَارُكُمْ: خِيَارُكُمْ لأهلِهِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
(( من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: أحسنهم أخلاقاً ))
[أخرجه الطبراني عن أسامة بن شريك ]
الإسلام كلّه خلق :
إن أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان الخلق الحسن، وأنه ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء ـ يتكلم في الفواحش، بذيء اللسان ـ أما المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ ))
[أخرجه أبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]
(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
الخلق الحسن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أيها الأخوة الكرام، سُئل عليه الصلاة والسلام: (( أَيُّ المؤمنين أفضل؟ قال: أَحْسَنُهُم خُلُقا. قيل: فأيُّ المؤمنين أَكْيَسُ؟ قال: أكثرهم للموت ذِكْرا، وأَحْسَنُهُم له استعدادا قبل أن ينزل به. أولئك هم الأكياس ))
[ أخرجه زيادات رزين عن أنس بن مالك]
أيها الأخوة، في لقاءات قادمة إن شاء الله نتابع الحديث عن الأعمال الصالحة التي توصلك إلى الله، ونتحدث أيضاً عن صفات هذه الأعمال، حتى تكون مقبولة عند الله، فبرنامجنا سبل الوصول وعلامات القبول.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : مقدمة 2ـ قواعد كلية فى الحلال والحرام






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحلال و الحرام :
أيها الأخوة الكرام، مع مقدمة ثانية لبرنامج: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والحقيقة الدقيقة في هذا اللقاء الطيب أنه كما أن الأخلاق الحسنة أكبر مسرع إلى الله كذلك الوقوع في الحرام حجاب عن الله عز وجل، ففي حياة المسلمين حلال وحرام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/01.jpg
والحديث عن الحلال والحرام حديث يطول، ولكن هناك قواعد كلية في الحلال والحرام ينبغي أن تكون بين أيدينا، كتمهيد للحلال والحرام: السيارة لماذا صنعت؟ من أجل أن تسير، لكن لماذا فيها المكبح؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، لكنه ضمان لسلامتها.
أنا حينما أفهم الحرام ليس قيداً لحريتي، ولكنه ضمان لسلامتي أكون فقيهاً، حينما أفهم الحرام ليس قيداً لحريتي لكنه ضمان لسلامتي، أفهم أن المكبح في المركبة، ليس تقييداً للمركبة، هي صنعت من أجل أن تسير، ولكن المكبح أحياناً يضمن سلامتها.
مثل آخر: هناك توافق تام مئة بالمئة بين منهج الله وبين فطرة الإنسان، فأي إنسان يعصي ربه، تعاقبه فطرته بالكآبة، والضيق.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
[ سورة طه الآية: 124 ]
توافق الفطرة التام مع منهج الله عز وجل :
سواء أعصى الإنسان ربه أم خرج عن طبيعة فطرته هناك مشكلة كبيرة في حياته، لأن الفطرة متوافقة تماماً مع منهج الله، وأكبر دليل على ذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الروم الآية: 30 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/02.jpg
تطابق منهج الله مع الفطرة بشكل تام، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
من تسويتها أنه: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
لمجرد أنها فجرت تشعر ذاتياً من دون لفت نظر، من دون توجيه، من دون إلقاء كلمة، تشعر أنها فجرت.
لذلك لأن توافق الفطرة مع المنهج توافقاً تاماً، فأية معصية، وأي وقوع في الحرام، وهو محور الدرس يسبب للإنسان شقاء، وضيقاً، وكآبة، هي في الحقيقة مرض العصر، سمِّ هذا المرض إن شئت كآبة، سمِّه إحباطاً، سمِّه ضجراً، سمِّه سأماً، سمِّه مللاً، ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
قواعد كلية في الحلال والحرام :
1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/03.jpg
أيها الأخوة الكرام، القاعدة الأولى في منهج الله أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت، قطعي الدلالة، وثابت نقلاً، نحن أمة الوحيين الكتاب والسنة، فالأصل في الشيء الإباحية، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت، والدليل قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
هذه الأشياء مسخرة لنا , لا يمكن أن تكون محرمة، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الجاثية ]
دليل من السنة النبوية؛ يقول عليه الصلاة والسلام: (( فما أحلَّ فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْو ))
[أخرجه أبو داود عن عبد لله بن عباس ]
شرع شيئاً وحرم شيئاً، وسكت عن شيء، لا تحاول أيها الأخ الكريم أن تسأل عن حكم الأشياء التي سكت الشرع عنها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/04.jpg
إنسان ببيته كراسي، وأثاث ، هذا سكت عنه الشرع، تحب أن تجلس على الأرض، على كراسي، سكت الشرع عنها، أي هناك أشياء لها علاقة بتقريبك إلى الله "الحلال"، وهناك أشياء لها علاقة بحجبك عن الله "الحرام"، هناك أشياء حيادية ليس لها أثر إيجابي ولا سلبي، سكت عنه الشرع، فما سكت عنه الشرع فيه حكمة بالغة، لا تقل عن حكمة الذي أمر به أو نهى عنه.
يقول عليه الصلاة والسلام: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية ثم تلا هذه الآية :
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾))
[البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء]
الأصل في الأشياء والأفعال والتصرفات الإباحية، ولا يحرم شيء إلا بالدليل الثابت، حديث صحيح، آية محكمة معناها قطعية الدلالة، فالتحريم يحتاج إلى دليل ثابت وقطعي, أما العبادات والحقائق الأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت هذه القاعدة الأولى. 2 ـ التحليل والتحريم من حقّ الله تعالى وحده :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/05.jpg
أما القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من حقِّ الله تعالى وحده، شأن البشر أن يتلقوا عن ربهم الأمر والنهي، وليس من شأن البشر أن يشرعوا في أمور الدين والعقائد، فلذلك التحليل والتحريم من حق الله تعالى، والآية الكريمة: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة الشورى ]
لأن الخالق خبير، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر ]
أنت أيها الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، وله منهج واضح، فاتباع المنهج من أجل سلامتك وسعادتك، فالمشرع هو الله، والحلال ما أحلّه الله، والحرام ما حرمه الله. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر :
القاعدة الثالثة، من أكبر الكبائر تحليل الحرام، ومن أكبر الكبائر تحريم الحلال، شيء حرمه الله كيف تبيحه؟ وشيء أحله الله كيف تحرمه؟ فعندما يصل الإنسان إلى أن يحرم ما أحله الله، أو يحلل ما حرمه الله يكون قد وقع من كبيرة ما بعدها من كبيرة.
يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار ]
حنفاء أي مائلين إلى التوحيد، مائلين إلى الإيمان، مائلين إلى الرحمة، إلى الإنصاف، إلى العدل، كل أمر أمرك الله به جبلك عليه، فطرك عليه. (( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ))
أي مائلين إلى الحق، مائلين إلى التوحيد، إلى الإنصاف، إلى العدل، إلى الرحمة، هذه الفطرة: (( وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم ))
التفلت و التشدد خطران على شباب الأمة علينا القضاء عليهما :
صدقوا أيها الأخوة، الذي يحصل بالأرض من ثقافة إباحية، تدمر فطرة الإنسان السليمة. (( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم. وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أَحللتُ لهم. وأمرْتَهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنَزِّلْ به سُلطانا ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/06.jpg
فالإنسان الآن مشوه، الشيطان شوهه، أي من كان يصدق في تاريخ البشرية ما يسمى بزنا المحارم، الفطرة السليمة تأبى ذلك، تنفر من ذلك، ومع ذلك الشياطين اجتالتهم عن فطرتهم، أي عن أصل جبلتهم.
نحن نعاني تطرفين تطرف تفلت، وتطرف تشدد أيضاً، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( هَلَكَ المُتَنَطِّعُون ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود ]
المتنطع هو الذي يغالي، هناك إنسان متفلت، هذا متطرف تطرف تفلت، وهناك إنسان آخر متشدد، هذا متطرف تطرف تشدد، وهم خطران على شباب الأمة، التفلت والتشدد، الإسلام دين الاعتدال، دين الوسطية, دين أن تعطي حق جسدك وحق نفسك، أن تهتم بدنياك وبآخرتك، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( ألا هَلَكَ المُتَنَطِّعُون قالها ثلاثاً ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود ]
4 ـ الحلال طيب والحرام خبيث :
القاعدة الرابعة في شأن الحلال والحرام أن الحلال طيب، وأن الحرام خبيث، الحلال يتوافق مع الفطرة، تطيب به النفس، ترتاح له النفس، تسعد به النفس، تطرب به النفس، والحرام تشقى به النفس، خبيث.
مثلاً: إنسان خطب امرأة وتزوجها، هناك عقد قران، وهناك عرس، و هناك أبواق تطلق من أجل إعلان الناس أن هذا عرس، وهناك احتفالات، وهناك تهنئة، وهناك هدايا، لأن هذه العلاقة بين الذكر والأنثى وفق منهج الله، الحلال طيب.
مرة حدثني أخ قال لي: طُرق بابي الساعة الرابعة ليلاً، فتحت الباب فلم أجد أحداً، حالت مني التفاتة إلى الأرض فرأيت كيساً فيه غُلام ولد لتوه، أنا وازنت بنفسي بين إنسان تزوج وزوجته حامل، والتهاني تتالت عليه ثم ولدت، جاء الأهل فباركوا هذا المولود، فرحوا بهذا المولود، أقيم حفل لهذا المولود، استقبلوا هذا المولود، وبين طفل جاء بالحرام، وضع في كيس وألقي أمام الباب، أو ألقي في الحاوية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/07.jpg
الحلال طيب، والحرام خبيث، لذلك الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 157 ]
كلمة معروف أي أن النفوس السليمة تعرفه ابتداء، من دون تعليم ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
الفطر السليمة تعرف المعروف ابتداء، بحسب خصائصها. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 157 ]
يقول لك إنسان: ما الدليل على أن الدخان حرام؟ نقول: ألم يثبت علمياً أنه ضار بالصحة؟ يقول: نعم، نقول إذاً حرام، هذا هو الدليل ﴿ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
5 ـ في الحلال ما يُغني عن الحرام :
القاعدة الخامسة: في الحلال ما يغني عن الحرام، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، أنا أخاطب الشباب، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، مرة ثانية: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
لذلك في الحلال ما يغني عن الحرام، اشتهيت المرأة؟ تزوج، اشتهيت المال؟ اعمل، أية شهوة جبلت عليها جعل الله لها قناة نظيفة تسري خلالها. 6 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/08.jpg
القاعدة السادسة: هذه القاعدة دقيقة: ما أدى إلى حرام فهو حرام، أخي أنا أجّرته بيتاً، أنا ليس لي علاقة، تعرف أنك أجرته ليلة واحدة بعشرة آلاف، والليلة بالشيراتون خمسة آلاف، معنى هذا أن البيت ليس من أجل النوم فقط، هناك شيء آخر، ما أدى إلى حرام فهو حرام، أي عمل انتهى إلى حرام فالمسبب آثم.
هناك أمثلة كثيرة جداً: صنعت ثياباً تبرز كل مفاتن المرأة، فإذا ارتدت المرأة هذه الثياب أظهرت كل مفاتنها في الطريق لك سهم في هذه المشكلة، ما أدى إلى حرام فهو حرام، إلا إذا كان لزوجها فهذا موضوع ثان، من أجل الحكم الشرعي طبعاً، أما حينما تصنع شيئاً تسهم في إفساد الناس، في إضلالهم، فهو حرام.
الآن إذا حرم الله شيئاً حرم معه ما يفضي إليه من وسائل، الوسائل محرمة كيف؟ كيف أن الوضوء فرض، والصلاة فرض، لأن الصلاة لا تتم إلا به، وإذا كان هناك مشكلة أو معصية لا تتم إلا بعمل فهذا العمل ولو كان في الأصل مباحاً ما دام قد انتهى إلى معصية فهو محرم أيضاً، من هنا جاء سدّ الذرائع، إذا زرعت عنباً وتعلم علم اليقين أنه سيصنع خمراً هذا الشيء المباح أفضى إلى حرام.
أية مشاركة بشرية مادية أو معنوية بمعصية كبيرة هي حرام، إنسان يسهم في بناء ملهى، أخي أنا أركب الكهرباء فقط، هذا ملهى تقام فيه المعاصي والآثام. 7 ـ التحايل على الحرام حرام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/09.jpg
القاعدة السابعة: التحايل على الحرام، ماذا فعل بنو إسرائيل؟ حفروا الحفر على الشواطئ، وجاءت الحيتان يوم السبت شرعاً، فصادوها يوم الأحد، حيلة شرعية، وما أكثر الحيل الشرعية في حياة المسلمين، يتغير الاسم فقط.
هناك فتوى لو أن الإنسان أودع المال في البنك بفائدة ربوية، نحن سنسمي الفائدة عائدة، سمِّها عائدة، سمِّها فائدة، مادام قرض ربوي فهو حرام، بأي تسمية.
فهناك تحايل على الحرام، أوضح مثل بيع العينة، كيس الأرز يباع في اليوم مئة مرة، يشتريه الإنسان بألف ديناً، ثم يبيعه لصاحبه في الدقيقة نفسها نقداً بثمانمئة، أعطاه ثمانمئة وسجل عليه ألفاً، هذا الكيس يباع في اليوم مئة مرة، يباع لمئة سنة، بيع العينة حرام لأنه تحايل على الحرام. 8 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام :
أيها الأخوة، شيء آخر: النية الحسنة لا تبرر الحرام، تقول: يانصيب خيري مثلاً، حفل غنائي ساهر يرصد بيعه للأيتام، النية الحسنة لا تجعل الحرام حلالاً، لأن الله تعالى قال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
[ سورة النمل الآية: 19 ]
العمل الصلح الذي يرضاه الله عز وجل ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. 9 ـ اتقاء الشبهات أولى :
أيها الأخوة، القاعدة التاسعة: اتقاء الشبهات أولى، الحرام واضح، الزنا، القتل، الخمر، السرقة واضحة، والطاعة، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والعمل الشريف واضح، فالحلال الصرف واضح، والحرام الصرف واضح، وبينهما أمور مشتبهات، المشكلة هنا لا يعلمها كثير من الناس، لذلك قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
الحلال واضح، والحرام واضح، وبيّن، ونيّر، وجلي، وظاهر، بينما الشبهات، معنى الشبهات تشبه الحلال من جهة، وتشبه الحرام من جهة، أنت الآن بحاجة إلى أهل الذكر ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
فالورع يسأل. (( فمن تركها استبرأ لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يواقع الحرام ))
كأن نهراً عميقاً جداً له شاطئ مائل زلق، وشاطئ مستوٍ جاف، فالشاطئ المستوي الجاف هذا الحلال أو الحرام، أما الشاطئ المائل الزلق هذه الشبهات، لو سرت على هذا الشاطئ المائل الزلق يمكن أن تقع في النهر. (( الحلالَ بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ))
(( فمن تركها استبرأ لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يواقع الحرام ))
[رواه البخاري عن النعمان بن بشير]
10 ـ الحرام حرام على الجميع :
القاعدة العاشرة: الحرام حرام على الجميع، لا يوجد إنسان معفى من الحكم شرعاً، لا يوجد حكم شرعي يطوى عن إنسان، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إنَّما أَهلك الذين قبلكم: أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ. وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
الحرام حرام على الجميع. 11 ـ ضابط الكسب الحلال :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1296/10.jpg
آخر قاعدة: هي ضابطة للحلال والحرام، هناك آلاف الأحكام المحرمة، وآلاف الأحكام التي تحل الأشياء، لكن ما الضابط؟ ما القاسم المشترك؟ ما المحور؟ ما الخيط الذي يجمع كل أنواع المحرمات؟ هو ما يلي:
أية منفعة بنيت على مضرة فهي حرام، أية منفعة متبادلة فهي حلال، السرقة منفعة للسارق بنيت على مضرة المسروق، أما أنت فتحت بحيٍّ، جئت ببضاعة من مركز المدينة، وتعبت، وبعتها بثمن أعلى من شرائها، أنت ربحت، وجارك وضع بضاعته إلى جانب البيت، فالجار انتفع بالبضاعة إلى جانب البيت، والتاجر انتفع، فأية منفعة متبادلة هي محور الحلال، وأية منفعة بنيت على مضرة فهي محور الحرام، الغش حرام لأنه أنت دفعت ثمن بضاعة جيدة، وهي مغشوشة، فأي منفعة بنيت على مضرة فهي حرام، وأية منفعة بنيت على منفعة فهي حلال.
أيها الأخوة، ذكرت هذا الموضوع كمقدمة ثانية، لأن الحرام يحجب عن الله عز وجل، وبرنامجنا سبل الوصول إلى الله، والحرام يمنعك أن تصل إلى الله، يحجبك عن الله، ومع الإخلاص علامات القبول.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : الاحسان - 1 ـ دوائر وميادين الاحسان





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الإحسان و مواطنه :
أيها الأخوة الكرام، مع الموضوع الأول من هذه السلسة من الدروس " سبل الوصول وعلامات القبول "، مع الموضوع الأول ترتيباً ورتبةً، إنه الإحسان.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/01.jpg
فالإحسان في تعريف بعض العلماء: فعل ما هو حسن، والشيء الحسن مشتق من الحسن، والحسن هو الجمال، الجمال المادي والمعنوي.
فالحلم شيء حسن، والإنفاق شيء حسن، والوجه الجميل وجه حسن، والحُسن مرتبط بالكمال البشري، والحُسن مرتبط بالفطرة، والحُسن يستدعي المديح بشكل عفوي.
أما مواطن الحُسن، فالقصد النية، هناك إنسان في داخله حب للخير، في داخله تسامح، في داخله عفو، وهناك إنسان في داخله حقد، استعلاء، كبر، فالإحسان أن تنطوي على نفس طاهرة تحب الخير لكل الخلق.
موطن آخر: الحال، حال الإنسان في تفاؤل، هناك حال آخر في تشاؤم، حال الإنسان في حب، حال آخر في بغض.
الموطن الثالث: العمل.
مواطن الإحسان: النية، والحال، والعمل.
فلسفة الإحسان :
أما فلسفة الإحسان، الله سبحانه وتعالى سخر لك ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، كرمك إذ منحك نعمة الإيجاد، وكرمك إذ منحك نعمة الإمداد، وكرمك إذ منحك نعمة الهدى والرشاد.
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/02.jpg
فلسفة الإحسان أنه ينبغي أن تقابل إحسان الله لك بإيجادك، وإمدادك، وهدايتك بإحسانك إلى الخلق، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
والفلسفة الثانية للإحسان أن الله سبحانه وتعالى خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمنها أن تأتي إلى الدنيا، وأن تكون فيها محسناً، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
[ سورة الليل ]
الحسنى هي الجنة، الذي صدق بالحسنى يدفع ثمنها في الدنيا، ثمنها في الدنيا شطران، انضباط وعطاء، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾
تقى أن يعصي الله فأعطى، أعطى من ماله، من علمه، من خبرته، من وقته، من عضلاته، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
[ سورة الليل ]
الحسنى هي الجنة، ما دام كذب بالحسنى، وآمن بالدنيا، فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، فالإحسان عطاء، والأخذ نقيض الإحسان، إنسان يعطي، إنسان يأخذ. الإحسان و العدل :
لذلك يمكن أن يكون البشر جميعاً في حقلين، الحقل الأول: أعطى ولم يأخذ، في هذا الحقل أيضاً ملك القلب، في هذا الحقل عاش للناس، هذا المحسن، المسيء أخذ ولم يعطِ، ملك الرقبة، قوي، شيء آخر، عاش الناس له، بين أن تعيش للناس وبين أن يعيش الناس لك، بين أن تعطي وبين أن تأخذ، بين أن تملك القلوب وبين أن تملك الرقاب.
فلسفة الإحسان مقابلة إحسان الله لك، بإيجادك، وإمدادك، وهدايتك، بإحسانك إلى الخلق، وفلسفة الإحسان أن تعمل عملاً تستحق به دخول الجنة، وهي الحسنى، وفضلاً عن ذلك فإن الله أمر عباده المؤمنين بالإحسان، قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
[ سورة النحل الآية: 90]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/03.jpg
العدل قسري، أما الإحسان فطوعي، وأنت مأمور بالإحسان كما أنك مأمور بالعدل، هناك مشكلات كثيرة لا تحل بالعدل، تحل بالإحسان، القانون معك، الشرع معك، لكنه أخوك، تفضل عليه، العدل أن تؤدي ما عليك من دين، أما الإحسان أن تنزل عن بعض الدين، العدل أن تأخذ، أما الإحسان أن تعطي، فإن الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
وقد قال بعض العلماء: الإحسان ما زاد على الواجب شرعاً، إنسان طلّق زوجته طلاقاً شرعياً، أعطاها حقها الكامل، أنا أعرف أشخاصاً، رتبوا لزوجاتهم المطلقات رواتب شهرية مدى الحياة، هذا إحسان.
لذلك ورد في بعض الأحاديث :(( ...وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ـ إحسان ـ وأعطي مَنْ حَرَمَنِي ـ إحسان ـ وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة]
وأصل هذا الحديث: (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة]
ويكفي المحسن شرفاً أن الله يحبه. من كان محسناً أحبه الله ومن أحبه الله فلن يعذبه :
صدق أيها الأخ حينما تكون محسناً تسعد بإحسانك، الإحسان منعكس في الداخل سعادة، راحة نفسية، رضا.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة المائدة ]
وإذا أحبك الله من يستطيع أن يصل إليك؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه، هذا استنباط رائع استنبطه الإمام الشافعي من قوله تعالى حينما ردّ على هؤلاء الذين قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
فردّ عليهم وقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18]
أي أنني لو كنت أحبكم لما عذبتكم، فالله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه أبداً، فإذا كنت محسناً أحبك الله، وإذا أحبك الله لا يعذبك. عواقب الإحسان :
الآن عواقب الإحسان: النتائج في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا كان معك نصرك، وحفظك، وأيدك، وأسعدك، ألقى في قلبك السكينة، وفقك، أعطاك الحكمة، أعطاك الحلم، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟. الإحسان تصاعدي وحركي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/04.jpg
الآن الإحسان له صفة رائعة، الإحسان تصاعدي، فأي عمل حسن يأخذك إلى عمل أحسن منه، والدليل:
(( أن سيدنا أبا ذر الغفاري رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله من ينجي العبد من النار؟ قال: إيمان بالله، قال: يا رسول الله، مع الإيمان عمل؟ قال: أن يعطي مما رزقه الله، فقلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيراً، لا يجد ما يعطي؟ قال: يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، قال: يا رسول الله أرأيت إن كان عيياً، لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ؟ قال صلى الله عليه وسلم: فليصنع لأخرق، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن كان أخرقاً لا يحسن أن يصنع؟ قال صلى الله عليه وسلم: يعين مغلوباً، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مغلوباً؟ قال صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن تدع لصاحبك من خير ؟ـ ليس له أي ميزة؟ ـ قال : فليمسك أذاه عن الناس ـ هنا الشاهد ـ قال: قلت: يا نبي الله أرأيت إن فعل هذا ليدخل الجنة ؟))
[أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي ذر الغفاري ]
صار هناك إحراج كبير، إذا الإنسان لم يؤّذِ فقط يدخل الجنة! فقال عليه الصلاة والسلام : ((...ما من مؤمن يصنع خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة ))
[أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي ذر الغفاري ]
ابدأ بإحسان بسيط، هذا الإحسان يأخذك إلى إحسان أكبر، وأكبر، وأكبر، فالإحسان تصاعدي، والإحسان حركي، الإحسان لا يبقى في مستوى واحد.
قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة.
الإحسان تصاعدي. طريق الإحسان الإيمان بالله :
الآن طريق الإحسان، والإحسان مرتبة تأتي بعد الإيمان؛ الإسلام، فالإيمان، فالإحسان، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الإحسان، قال: أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر]
طريق الإحسان الإيمان بالله، هذا إنسان، أخوك في الإنسانية، والله يراقبك بالمرصاد، هل نصحته؟ هل عفوت عنه؟ هل أكرمته؟ هل حلمت عليه؟. دوائر الإحسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/05.jpg
الآن أيها الأخوة، ننتقل إلى دوائر الإحسان، الإحسان دوائر.
أولاً بشكل مختصر: الإحسان شمولي لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس]
حتى لو قتلت عقرباً يجب أن تقتله بضربة واحدة، لا أن تعذبه: (( إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فَإِذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس]
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يذبح شاة أمام أختها، فغضب وقال: أتريد أن تميتها مرتين، هلا حجبتها عن أختها؟.
فالإحسان شمولي، (( إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ ))
1 ـ الإحسان إلى النفس:
الآن أصغر دائرة في الإحسان أن تحسن إلى نفسك، أن تحملها على طاعة الله، أن تعرفها بالله، أن تقربها من الله، قال تعالى:
﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 7]
2 ـ الإحسان إلى الوالدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/06.jpg
الدائرة الأوسع الإحسان للوالدين:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23]
فرفع الله الإحسان للوالدين إلى مستوى عبادته، والعطف يقتضي المشاركة ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
هذه الدائرة الثانية.


3 ـ الإحسان إلى الأقرباء و الجوار:
الدائرة الثالثة: قرابة النسب، وقرابة الجوار، هناك علاقتان؛ علاقة جغرافية جارك، وعلاقة نسبية أقرباؤك، الدائرة الثالثة: قرابة النسب، وقرابة الجوار.
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾
[ سورة النساء ]
هذه الدائرة الثالثة. 4 ـ الإحسان إلى الجانب الضعيف في المجتمع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/07.jpg
أما الدائرة الرابعة: الجانب الضعيف في المجتمع، لا يوجد قرابة، ولا جوار، اليتامى من هؤلاء، المساكين، الصاحب بالجنب، ابن السبيل، ما ملكت أيمانكم، إنسان تحت يدك بالمفهوم الواسع الآن، خادمة في البيت،
﴿ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾
ارحمها، لا تكلفها ما لا تطيق، اسمح لها أن تنام نوماً مريحاً، أطعمها مما تأكل، اشترِ لها ثياباً جيدة. الدائرة الرابعة: الجانب الضعيف في المجتمع.

5 ـ الإحسان إلى المخالفين للإنسان في العقيدة:
الدائرة الخامسة، المخالفون لك في العقيدة، الدليل قال تعالى:
﴿ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة المائدة]
حتى الذي يخالفك في العقيدة يجب أن تكون محسناً إليه، دليل آخر: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8]
مع من تبغضه، مع من يتناقض معك في العقيدة: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[ سورة المائدة الآية: 8]
إن عدلت معه قربته إلى الله، وقربته إلى دينك. 6 ـ الإحسان إلى الحيوان و النبات و الجماد :
الآن تركنا البشر مع الحيوانات قال عليه الصلاة والسلام:
(( بينما رجلٌ يَمشي بطريق اشْتَدَّ عليه العطشُ، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ، يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ : لقد بلغ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذي كان بلغَ مِني، فنزل البئر، فملأَ خُفَّهُ ماء، ثم أمْسَكه بِفيهِ، حتى رَقِيَ فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفر له، قالوا : يا رسول الله، إِن لنَا في البَهَائِمِ أجرا ؟ فقال : في كُلِّ كَبدٍ رَطبَةٍ أجرٌ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/08.jpg
الإحسان ينتقل الآن إلى الحيوانات، النبات: (( بينما رجلٌ يمشي بطريق وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطريق، فأخَّرَهُ، فشَكَرَ الله له فَغَفَرَ له))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
وهناك حديث آخر: (( لقد رأيت رجلاً يَتَقَلَّبُ في الجنة، في شَجَرَة قَطَعَها مِنْ طريق المسلمين، كانت تُؤذي الناس ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
هذا الشيء السلبي في النبات، الإيجابي: (( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ))
[أخرجه البزار عن أنس بن مالك]
فالإحسان يطول النبات، الأرض، الصخر: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 56]
الآن ينسحب على هذا الموضوع تلويث البيئة، هناك ضجيج، هذا تلوث، هناك ثاني أكسيد الكربون، هذا تلوث، ما تعانيه الأرض من اضطراب في المناخ سببه تلوث، التلوث بثاني أكسيد الكربون، هذا اسمه الاحتباس الحراري، هذا أيضاً إساءة بالغة إلى الأرض. ميادين الإحسان :
1 ـ العلاقات الاجتماعية:
الآن ميادين الإحسان، الأولى دوائر الإحسان، من هذه الميادين: العلاقات الاجتماعية:
﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾
[ سورة النساء]
2 ـ العلاقات الاقتصادية المالية :
العلاقات الاقتصادية المالية:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة]
3 ـ الإحسان عند المصائب:
الآن عند المصائب، أنت مكلف عند المصيبة أن تكون محسناً.
﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة هود]
وأنت في ضائقة أنفق، مع إنسان أساء إليك: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[ سورة فصلتٍ]
الإحسان عند المصائب. 4 ـ الإحسان عند أداء الدية:
الإحسان مع أداء الدية.
﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 178 ]
قال له: أمامك المحاكم، لماذا؟! صار هناك قتل خطأ، أعطه الدية. 5 ـ الإحسان عند الطلاق :
الطلاق:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 229]
إذا صار طلاق كل طرف ينشر فضائح الطرف الثاني، لا يوجد طلاق مع الإحسان؟ ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
6 ـ الإحسان أن تدافع عن بلدك و تحارب الطرف الآخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/09.jpg
بالجهاد:
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أن تدافع عن بلدك، أن تحارب الطرف الآخر الذي يكيد لك، وأن تنتصر، سماه الله في القرآن إحساناً. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
[ سورة الشورى]
إذا انتصرت على عدو حاقد شرس، وأرغمت أنفه، فأنت محسن، حتى إن بعض الصحابة قبل المعركة مشى مشية خيلاء، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن، أن تكون أمام العدو قوياً". 7 ـ الإحسان عند الحوار مع الطرف الآخر:
الحوار الفكري، الآن كثير هو الحديث عن الحوار:
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾
[ سورة الإسراء]
الحوار، والمجادلة، كن محسناً، لا تقل له أنت جاهل، قل له: أعتقد أن هذه الفكرة ليست صحيحة، هناك فرق، وأنت تحاور كن محسناً، الحوار مع الطرف الآخر. ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 46]
أمر. 8 ـ الإحسان في الخصومات:
بالخصومات:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 34]
شيء مهم جداً، ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
9 ـ الإحسان إلى اليتامى و الضعفاء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1297/10.jpg
مع اليتامى والضعفاء:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 152]
إن أردت أن تستثمر مال اليتيم أولاً ينبغي أن تتعفف عن أجرك إن كنت غنياً. ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6]
أما إذا كنت فقيراً واستثمرت مال يتيم فينبغي أن تأخذ أجر المثل أو حاجتك أيهما أقل، بحسب العقد نصيبك مليونا ليرة، يكفك في السنة مليون فرضاً، تأخذ حاجتك، بحسب العقد مليون، ربح المحل أقل من مليون، تأخذ أجر المثل أو حاجتك أيهما أقل. 10 ـ الإحسان في السياسة و الحرب :
الآن في السياسة والحرب.
﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً * وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ﴾
[ سورة الكهف]
في السياسة والحرب، مع اليتامى والضعفاء، في الخصومات، في الحوار مع الطرف الآخر، في الحوار الفكري، في الجهاد، في الطلاق، مع أداء الدية، عند المصائب، في العلاقات الاقتصادية، في العلاقات الاجتماعية هذه ميادين الإحسان.
أما الدوائر: بدءاً من الجماد، الأرض، إلى النبات، إلى الحيوان، إلى المخالفين لك في العقيدة، إلى الجانب الضعيف في المجتمع، إلى قرابة النسب والجوار، إلى الوالدين، إلى النفس.
أما طريق الإحسان: (( أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر]
فالإحسان الموضوع الأول في هذه السلسلة من الدروس الأول رقماً، والأول رتبة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : الاحسان - 2 ـ الإحسان أقصر طريق يدخل به المؤمن على الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الله سبحانه وتعالى أصل الإحسان:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في الموضوع الأول، الأول رتبةً، والأول ترتيباً، إنه موضوع الإحسان، وقد ذكرت مراراً وتكراراً في دروس أسماء الله الحسنى أن أسرع وصول إلى الله أن تتخلق بخلق مشتق من كمال الله، فالله عز وجل رحيم، أقرب طريق إلى الله أن ترحم من حولك.
(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[ الديلمي عن أبي بكر]
(( الراحمون يرحمهم الله، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أسماء الله كلها حسنى، وصفاته فضلى، والبطولة أن تتخلق بخلق مشتق من كمال الله تتقرب به إليه، فالله سبحانه وتعالى أصل الإحسان، الدليل قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
[ سورة السجدة الآية: 7]
أصل الشر ناتج من سوء الاستخدام ومخالفة منهج الله:
الخطأ الذي يأتي من مخلوق حُمّل الأمانة، أودعت فيه الشهوات، أُعطي حرية الاختيار، فتحرك بدافع من شهواته من دون منهج الله عز وجل، هذا هو الخطأ الوحيد في الكون، الإنسان مخير، أودع الله فيه الشهوات، أعطاه منهجاً فتحرك لإرواء شهواته من دون هذا المنهج، وهذا الخطأ الذي يقع محسوب بدقة بالغة، لن يقع خطأ على حساب خطأ.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/02.jpg
فلذلك الله عز وجل أصل الإحسان،
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب]
الشر سوء استعمال، وتوضيح هذه الفكرة: هناك مسحوق أبيض هو السكر، ومسحوق أبيض هو الملح، ومسحوق أبيض هو مادة تنظيفية، مواد مهمة، مفيدة، غالية، صالحة للإنسان، أما لو وضعت مسحوق التنظيف في طبخة غالية جداً انتهت، هذا شر، هذا الشر شر ناتج من سوء الاستخدام.
سيارة من أحسن موديل قادها إنسان مخمور، فهبط في الوادي، فأصبح شكلها غريباً، هذا الشكل الغريب بعد أن ارتطمت بالصخور مئات المرات، هذا الشكل يحتاج إلى معمل؟ لا، هل هناك معمل صمم هذا الشكل؟ مستحيل!.
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب]
أصل الشر ناتج من سوء الاستخدام، من مخالفة منهج الله. ما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/03.jpg
الحقيقة الدقيقة أنه ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، بل إن أزمة أهل النار في النار أزمة جهل.
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
[ سورة الملك]
فالله سبحانه وتعالى أصل الإحسان، ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
والإنسان أكمل المخلوقات، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
[ سورة التين]
تمشي في الطريق تستمع إلى صوت بوق، هناك جهاز بالدماغ بالغ الدقة، يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، التفاضل واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، بهذا الجهاز الرائع تكتشف جهة الصوت، ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
أفضل كلام في الكون هو كلام الله عز وجل:
الشيء الآخر: أفضل كلام في الكون هو كلام الله عز وجل فقد قال تعالى:
﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 23]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/04.jpg
فأصل الإنسان من عند الله، خلقه إنسان كامل، ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
والإنسان المخلوق الأول عند الله، ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
وأحسن كلام على الإطلاق كلام الله عز وجل. (( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[أخرجه الدرامي عن شهر بن حوشب ]
الآن أحسن كلام يسمعه الإنسان هو القرآن، وأحسن كلام يقوله هو: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت]
الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :
وأنا أقول لكم دائماً: الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فرض، ويجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الدعوة إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فرض عين على كل مسلم، والدليل:
(( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
والدليل: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾
[ سورة العصر]
التواصي بالحق ربع النجاة، الإنسان خاسر لا محال إلا إذا عرف الحقيقة، وعمل وفقها، ودعا إليها، فالدعوة إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فرض عين على كل مسلم.
فلذلك أعظم كلام تسمعه القرآن، وأفضل كلام تقوله الدعوة إلى الله. سعي الشيطان إلى إفساد العلاقة بين الناس عن طريق الكلمة القاسية :
الآن في الحديث اليومي بين الزوجين، بين الشريكين، بين الصديقين، بين الأخوين، بين الجارين، قال تعالى:
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 53]
تكلم صديقك كلاماً، تقول له: ألا تفهم؟ طول بالك، قل له: أنا أعتقد أن هذا الكلام يحتاج إلى دراسة، هناك أدلة تخالف هذا الرأي، أنت رددت كلامه لكن بأسلوب لطيف ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/05.jpg
لأن الشيطان يسعى إلى إفساد العلاقة بين إنسانين عن طريق الكلمة القاسية، أحياناً كلمة قاسية من الزوج تسبب خروج الزوجة إلى بيت أهلها، الأمر يتفاقم ينتهي إلى الطلاق، أحياناً شركة تنفض بسبب كلمة قاسية من شريك، أحياناً زواج ينتهي بسبب كلمة قاسية، بتاريخ البشرية حروب دامت عشر سنوات أحرقت الأخضر واليابس بسبب كلمة قالها سفير، إذاً: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 53]
هذه كلها قوانين، فأنت إذا ضبطت لسانك مع زوجتك، أحياناً كلمة من زوجة فيها قسوة، وفيها تطاول، تسبب طلاقها، أحياناً كلمة من شريك تسبب فسخ هذه الشركة، ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
أنا حينما أقرأ تاريخ الصحابة أرى كلاماً مدهشاً، امرأة تشكو زوجها إلى سيدنا عمر، قالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، لم ينتبه سيدنا عمر، قال لها: بارك الله لك بزوجك، سيدنا علي إلى جانبه قال له: إنها تشكو زوجها، صوام في النهار، قوام في الليل، أهملها، أرأيت إلى هذا الأدب؟. انضباط اللسان و الكلمة الطيبة من لوازم المؤمن:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/06.jpg
أيها الأخوة، من لوازم المؤمن انضباط اللسان، من لوازم المؤمن الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة صدقة، عندك مستخدم، كيف حالك يا بني؟ مرتاح؟ أهلك بخير؟ بابتسامة، يبقى مطروباً لهذه الكلمة لمدة شهر.
فلذلك:
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
يمكن بالكلمة الطيبة أن تؤلف القلوب، أن تجمع القلوب حولك، والكلمة الطيبة يستطيعها كل إنسان، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن فحاشاً ولا بذيئاً، المزاح الرخيص، المزاح الجنسي، هذا يتناقض مع الإيمان، المؤمن منضبط في لسانه. (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك]
الجنة هي أحسن شيء يصل إليه الإنسان :
الآن لا زلنا أن الله سبحانه وتعالى أصل الإحسان، أحسن شيء يصل إليه الإنسان الجنة، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
[ سورة الليل ]
الحسنى هي الجنة. ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل ]
أيها الأخوة: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾
[ سورة يونس الآية: 26]
هذا موضوع الإحسان، جزاؤه الجنة، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
الجنة، والجنة: (( فيها ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أي دائرة المرئيات محدودة، يقول: أنا زرت مثلاً مكة المكرمة، زرت بيروت، زرت لندن، زار سبع مدن، بل مئات، بل ألوف المدن في العالم، لكن يسمع بها في الأخبار، كوالالمبور عاصمة ماليزيا، هذه مدينة سمع بها، أما هناك مدينة رآها، دائرة محدودة أما المسموعات كبيرة جداً، أما الخواطر ليس لها نهاية.
(( فيها ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
هذه لمن أحسن في الدنيا، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾
والمؤمن يصدق بالحسنى، الجنة والنار أدخلها في حساباته اليومية، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾:
﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾
[ سورة يونس الآية: 26]
أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله :
قال العلماء: الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
[ سورة القيامة]
وفي بعض الآثار: الإنسان إذا رأى وجه الله الكريم يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام.
وفي آية أخرى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 72]
صار في جنة: (( فيها ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
وفيها: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾
[ سورة الواقعة]
وفيها: ﴿ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾
[ سورة الإنسان]
وفيها من كل شيء، وفوق ذلك النظر إلى وجه الله الكريم، وفوق ذلك: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
أية حركة في الأرض يمكن أن توصف بأنها إحسان أو إساءة :
أيها الأخوة،
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
الآن دقق: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
[ سورة يونس الآية: 26]
دائماً المحسن عزيز، أدى عمله بالتمام والكمال، تأخر جاءه توبيخ بقي شهراً منزعجاً، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/07.jpg
قانون العزة أن تكون محسناً، طبيب محسن، صانع محسن، تاجر محسن، أب محسن، زوج محسن، الكلمة واسعة جداً، أية حركة في الأرض يمكن أن توصف بأنها إحسان أو إساءة.
الآن ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾
الجنة، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾
في هذه الدنيا حسنة، صار: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن]
جنة في الأرض، وجنة في يوم القيامة، جنتان، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد]
في الدنيا، ذاقوا طعمها. كل شيء يدل على الله أما الامتحان فلتربية الناس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/08.jpg
لذلك بقلب المؤمن من الطمأنينة، والسعادة، والسكينة، ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم.
الآن لو نحن أنشأنا مدرسة بأعلى مستوى من التدريس، بأعلى مستوى من المدرسين، المناهج، الكتب، وسائل الإيضاح، المخابر، هذه المدرسة أجرينا فيها امتحاناً، المفروض أن ينجح كل الطلاب، الامتحان لا من أجل أن نفرز الناجح من الراسب، لا، من أجل أن نرتب الناجحين فقط.
لأن الله عز وجل أعطانا كل شيء، الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، الكتب، الأنبياء، المعاملة اليومية، الحوادث، كل شيء يدل على الله، المفروض أن ينجح جميع الخلق، أما الامتحان لترتيبهم، الآية:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك]
المعنى دقيق جداً، الامتحان من أجل ترتيب الناجحين فقط، أما حينما يرسب الإنسان، يكون بعيداً عن أن يكون منطقياً، يكون بعيداً عن أن يفكر بعد الأرض عن السماء.
ودائماً وأبداً الخير يجلب الخير، والإحسان يقود إلى الإحسان، لكن الله جل جلاله كافأ المحسن بالزيادة. ﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة]
من بذل شيئاً في سبيل الله شجعه الله وكافأه في الدنيا قبل الآخرة :
والله أيها الأخوة، معي قصص لا تنتهي، عن إنسان بذل فجاء جواب الله في الدنيا قبل الآخرة، أعطاه أضعافاً مضاعفة.
قال لي إنسان: أنا كل طموحي أن آخذ مشروعاً فقط بمئة و خمسين مليوناً، وأعمل عملاً لوجه الله، وسيكلفه العمل سنتين، ولوجه الله، قال لي: الله كافأني بمشروع يقدر بمليار ومئتي مليون: ﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/09.jpg
و لا يوجد أخ من أخواننا الكرام إذا بذل شيئاً في سبيل الله إلا ويشجعه الله عز وجل ويكافئه في الدنيا قبل الآخرة، ﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾
الآن إذا أنت أحسنت، أب محسن، معلم محسن، مدرس محسن، أستاذ جامعي محسن، طبيب محسن، محسن أي مستقيم، صادق، أمين، لطيف، هذا الإحسان، صار هذا المحامي المحسن قدوة لمحام شاب يتدرب عنده، هذا الأب المحسن صار قدوة لأولاده، هذا المعلم المحسن صار قدوة لتلاميذه، هذا المدير العام المحسن صار قدوة للمعاون، ولبقية الموظفين، فأي إنسان محسن أصبح أسوة حسنة، له أجران، أجره وأجر من قلده، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
[ سورة الممتحنة الآية: 6 ]
إن أحسنت لك أجران، إن أحسنت وكنت في موقع القيادة فلك أجران.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/10.jpg
الآن استعرت حاجة، إنسان قبل أن يموت أوصى أولاده، وكان أمامه مكتبة ضخمة جداً أربعة جدران من الأرض إلى السقف كلها كتب، أوصاهم ألا يعيروا كتاباً واحداً من هذه المكتبة، لِمَ يا أبتِ؟ قال: لأن كل هذه الكتب كتب استعرتها. استعرت كتاباً: ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 178]
أداء إليه، أخي تعال وخذ الكتاب، أخذته من بيته، شاهده في الطريق أعطاه الكتاب! غير لائق، هذا الكتاب أخذته من البيت أرجعه إلى البيت، أرجعه مجلداً، ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
إنسان أقرضك، تعال غداً إلى المحل وخذ الدين، لا، جاء إلى بيتك وأخذ المبلغ من بيتك، الأداء ينبغي أن يكون في مكان الأخذ، ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
هنا إحسان متعلق بالأداء. الإحسان وسطي :
أيها الأخوة، باب الإحسان باب طويل، الإحسان وسطي.
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 195]
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/11.jpg
إن أنفقتم كل أموالكم، ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
إن لم تنفقوا، فالإحسان بين أن تكون في إنفاق المال كله وبين عدم الإنفاق، والفضيلة وسط بين طرفين، ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة]
الإحسان في هذه الآية أن تنفق باعتدال. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
[ سورة الإسراء]
وفي كل الفضائل الفضيلة بين تطرفين، مثلاً الشجاعة بين التهور والجبن، الكرم بين إتلاف المال وبين البخل، فكل فضيلة وسط بين رذيلتين.
والله أنا حينما أُسر من أخ كريم، عمله طيب، محسن، أدعو له من أعماق أعماقي أن يجعل الله له نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، شيء رائع أن تعيش حياة طيبة، بصحة طيبة، زوجتك، أولادك، سمعتك، مكانتك، تأتي المنية إلى الجنة، نعم الدنيا اتصلت بنعم الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 201]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/12.jpg
وقال بعض العلماء: حسنة الدنيا هي الزوجة الصالحة التي إن نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك، وإذا أمرتها أطاعتك.
الإحسان، يسأل رجل غني كم الفطرة السنة؟ يقول له: خمسون ليرة، يدفع هذا الغني الكبير على كل فرد خمسين ليرة، لا، أنت على كل فرد خمسة آلاف، الإحسان يتناسب مع الدخل، قال تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 236 ]
المحسن الغني ليس له حق أن يدفع الحد الأدنى، ينبغي أن يدفع الحد الأقصى، لكن سبحان الله هذا الإله العظيم يتودد إلينا: (( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني ، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
في تودد. بطولة الإنسان أن يكون محسناً ومستقيماً :
الآن:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
[سورة البقرة الآية: 245]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/13.jpg
إذا أنت أطعمت هرة هذا العمل إقراض لله تعالى، إذا خدمت إنساناً، أسعفت مريضاً، أطعمت جائعاً، أعنت إنساناً كبيراً في السن، وقفت في المركبة العامة لشيخ جليل، أي عمل صالح مع نملة، أثناء الوضوء بالمغسلة يوجد نملة لو توضأت مباشرة لغرقت، انتظرت حتى خرجت، هذا الانتظار عمل صالح، وجدت في المسجد قشة وضعتها في جيبك، أي إحسان هو قرض لله عز وجل.
إذا ملك قال لمواطن: أقرضني ليرة واحدة، هذا الملك يرغب أن يعطيه مئة مليون على هذه الليرة.
أنا أحياناً أضرب مثلاً: لو ملك كلف معلماً أن يعطي ابنه دروساً خاصة، هذا الملك بذهنه أن يعطي هذا المعلم بيتاً وسيارة، لكن المعلم أفقه ضيق جداً، فلما انتهت عشرة دروس قال له: أين الأجرة؟ قال له: أستاذ كم تريد؟ قال له: أريد ألفاً على كل درس، قال له: هذه عشرة آلاف، فوت عليه البيت والسيارة.
أنت حينما تقول: أفعل هذا لوجه الله أنت ذكي جداً، لأن هذا العمل قرض لله عز وجل، والكبير إذا أعطى أدهش: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[سورة البقرة]
هناك أشخاص محسنون لكن غير مستقيمين، هناك مشكلة، قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا ﴾
[سورة آل عمران الآية: 172 ]
البطولة أن تكون محسناً ومستقيماً. رحمة الله مطلق عطائه :
أيها الأخوة، أدق آية في هذا الدرس. ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف]
أكبر سبب كي يرحمك الله، كلمة رحمة الله أوسع عطاء، تقول لي: صحة؟ صحة راحة نفسية! راحة نفسية، سعادة! سعادة، أمن! أمن، رضا! رضا، حكمة! حكمة، بيت منتظم! بيت منتظم، زوجة صالحة! زوجة صالحة، أولاد أبرار! أولاد أبرار، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾
جنة؟ جنة، رحمة الله مطلق عطائه، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، أعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، أعطى المال لمن لا يحب لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا سليمان، وعبد الرحمن بن عوف، ما دام يعطي هذا الشيء لمن يحب ولمن لا يحب إذاً ليس مقياساً، لكن الذي يحبه ماذا أعطاه؟ دقق: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
[ سورة القصص الآية: 14]
الحكمة والعلم . ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة القصص]
الإحسان أوسع باب نصل منه إلى الله وأقصر طريق إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1298/14.jpg
الآن في غير الجنة هناك حكمة وعلم، آخر شيء:
﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل الآية: 125]
الحسنة صفة. ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة النحل الآية: 125]
بالمجادلة هناك خصومة، بالمجادلة هناك نفوس متوترة، بالمجادلة إذا كان هناك مئة كلمة حسنة ينبغي أن تختار الكلمة الأحسن، آية دقيقة جداً: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
تلقي درساً تستخدم كلمات حسنة، أما بالحوار: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
فصار الإحسان أوسع باب نصل منه إلى الله، وأقصر طريق إلى الله، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : من علامات المؤمن الاخلاص






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادة و الإخلاص :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍِ جديد من موضوعات سبل الوصول وعلامات القبول والموضوع اليوم الإخلاص، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾
[ سورة البينة الآية: 5 ]
فالعبادة انقيادٌ تام لأوامر الله، والإخلاص عبادة القلب، والجوارح تعبد الله بأن تنقاد إلى أمره، والقلب يعبد الله بالإخلاص.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/01.jpg
والإخلاص تصفية القلب عن الشك والشرك، قال بعض الشعراء: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قـلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ أو صحّ قولي فالخسار عليكما
* * *
هذا ليس إيماناً. ﴿ إِِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 15 ]
لذلك الإخلاص تصفية القلب من الشرك والشك، والشرك كما تعلمون شركٌ أكبر، المسلمون في العالم الإسلامي معافون منه، ولكن المصيبة في الشرك الأصغر، قال عليه الصلاة والسلام: (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]
فحينما تتوهم أن جهةً غير الله ترفعك أو تخفضك، تعطيك أو تمنعك، تعزك أو تذلك، فهذا شركٌ خطيرٌ جداً، الشرك الخفي خطير، أما الجلي غير موجود، أي ليس هناك من إلهٍ له اسم معين يعبد في العالم الإسلامي، أما الشهوة إله، والنفاق شرك، وأن تتوهم أن زيداً أو عبيداً يعطي أو يمنع، يرفع أو يخفض، فهذا شرك.
فلذلك الإخلاص تصفية القلب من الشك والشرك، العبادة للظاهر، والإخلاص للباطن، العبادة للجوارح، والإخلاص للقلب، العبادة لما يظهر، والإخلاص لما يخفى. الإخلاص هو الإيمان كله :
لذلك المؤمن الحق منقادٌ إلى أمر الله بأعضائه وجوارحه، مخلصٌ له بقلبه، إذاً الإخلاص شطر الإيمان، والأصح من ذلك أنه الإيمان كله، لأنك إذا ألغيت الإخلاص ألغيت الإيمان، إذاً الإخلاص هو الإيمان كله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/02.jpg
الحقيقة في الإنسان بواعث، يتحرك، يصل، يقطع، يعطي، يمنع، يغضب، يرضى هذه الأفعال الظاهرة وراءها بواعث، هذه البواعث تسوق الإنسان إلى العمل، أو تدفعه إلى إجادة العمل، أو تغريه بتحمل العبء في العمل، وبذل الكثير في العمل، هذه البواعث كثيرة ومتباينة، من هذه البواعث ما هو قريب يرى مع العمل، إنسان ذاهب إلى محله التجاري ليكسب رزقه، الباعث الواضح الجلي الذي لا يخفى على أحد من أجل كسب رزقه، ومنها ما هو بعيدٌ يحتاج في إدراكه إلى كدٍ وبعد نظر.
أي إنسان عنده مئات الدونمات من الأراضي الشاسعة، جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت من هذه الأراضي الشاسعة ببضع دونمات لإنشاء مسجد تضطر البلدية لتنظيم هذه الأرض، وجعلها مقاسم، عندئذٍ ترتفع أسعارها، فهذا الإنسان تبرع بأرض من أجل بناء مسجد، عند كل أهل الأرض عمل عظيم، أما البواعث لهذا العمل الربح فقط، هذا ليس ظاهراً، لكن الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
[ سورة طه الآية: 7 ]
يعلم السر الذي تكتمه، ويعلم ما خفي عنك.
لذلك قالوا: علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. البواعث نوعان؛ فطرية و كسبية :
من البواعث ما هو فطري، إنسان أراد الزواج، لأنه اشتهى أن يكون له زوجة، مركبٌ في جبلة الإنسان هذه البواعث التي تدفعه إلى الحفاظ على وجوده، إنسان طلب أن يأكل، هذا الطلب واضح جداً، هذا الباعث إلى الطعام يدفعه إلى الحفاظ على وجوده، وعلى سلامة وجوده، أو على بقاء النوع، الزواج بقاء النوع، تأكيد الذات بقاء الذكر، على حب وجوده، وسلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/03.jpg
الآن هناك بواعث كسبية، إنسان يطلب العلم، يحضر مجلس علم، يتابع العلم، ينتسب إلى معهد شرعي، يسمع محاضرة، يسمع مناظرة، ينشأ عنده بواعث كسبية أن يعمل صالحاً، أن يحفظ كتاب الله، أن يكون داعية، هذه البواعث ناتجة عن كسبه، عندما طلب العلم نشأت عنده بواعث جديدة.
أي إنسان همه بيته، همه رزقه، همه أولاده، فلما بدأ يحضر مجالس العلم صار عنده باعث أن يكون داعيةً إلى الله، هذا باعث جديد لم يكن سابقاً، صار عنده باعث أن يكرم الأيتام، يبحث عن يتيم، صار عنده باعث أن يوزع كتاباً، صار عنده باعث أن يؤدي الحج في بيت الله الحرام، صار عنده باعث أن يعمل أعمالاً صالحة، أن ينشئ ميتماً، مستشفى مثلاً، مستوصف، هذه بواعث تتأتى بعد معرفة الله، هذه البواعث كسبية http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/04.jpg
والحقيقة كلما ارتقى الإنسان في سلم العلم النافع الذي أراده الله ارتقى معه الباعث، قل لي: ما الذي يبعثك إلى عملٍ ما أقل لك من أنت؟ النبي عليه الصلاة والسلام وصفه الله عز وجل بأنه في الأفق الأعلى. ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
[سورة النجم ]
بواعثه إنسانية، هناك من يهتم بشخصه، قد يأكل أطيب الطعام في المطعم، وفي البيت ليس هناك طعام، عنده زوجة وأولاد، هذا أشد الناس أنانيةً، هناك من يهتم بأسرته هذا أرقى، هناك من يهتم بالأسرة الموسعة أي أخوته، أخواته البنات، أصهاره، هناك من يهتم بقومه، هناك من يهتم بشعبه، هناك من يهتم بأمته، هناك من يهتم بالإنسانية كلها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/05.jpg
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
لأنه حمل همّ البشرية، وكلما ارتقيت عند الله تتسع دائرة اهتمامك.
أنا مرة أتيت من بلد في إفريقيا إلى بلدي، حينما دخلت الطائرة إلى الأجواء السورية رأيت بعيني من الطائرة طرابلس وبيروت، بعد طرابلس نجد أن طرطوس قريبة منها، وبعد بيروت نجد أن صيدا قريبة منها، نظرة واحدة.
كلما علا مكانك اتسعت رؤيتك، وكلما علا مقامك اتسعت اهتماماتك، تسأل إنساناً الآن كيف الصحة؟ الحمد لله، كيف الأحوال؟ يقول لك: والله أنا لا يوجد عندي مشكلة، لكن أنا حامل همّ الأمة، أرى ما يجري في غزة مثلاً، أرى وضع المسلمين في أفغانستان، في العراق، في فلسطين، فأتألم، هناك من يبكي على الأخبار، فكلما ارتقيت عند الله تتسع دائرة اهتماماتك. من ابتعد عن الله عز وجل هبطت بواعثه إلى مستوى أناني :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/06.jpg
أيها الأخوة، وكلما ابتعدت عن الله هبط الباعث، هبط الباعث إلى مستوى دنيء، حقير، أناني، همه بطنه وفرجه، همه ثيابه وأناقته: (( تَعِسَ عَبْدُ الخميصة ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
همه ماله: (( تعِسَ عبدُ الدِّينار، وعَبْدُ الدِّرهم ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
كلما هبط الإنسان في سلم المعرفة أصبحت بواعثه دنيئة، وقذرة، وأنانية. العمل الصالح مظهرٌ للإيمان و برهانٌ عليه :
أيها الأخوة الكرام، العمل الصالح مظهرٌ للإيمان، برهانٌ عليه، بل إن الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، لا قيمة للإيمان إطلاقاً من دون عمل، لأنه لو أن الشمس ساطعة وأنت أجهدت ذهنك ونطقت بهذه الحقيقة قلت: الشمس ساطعة، أنت ماذا فعلت؟ هي ساطعة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/07.jpg
إن قلت: ساطعة ما أضفت شيئاً، إن قلت: ليست ساطعة تتهم في عقلك، فإذا آمنت فقط ما فعلت شيئاً، إذا آمنت أن هذا المرض الجلدي لا سمح الله شفاؤه الوحيد هو التعرض للشمس وأنت قابعٌ في غرفةٍ قميئةٍ، مظلمة، رطبة، ما قيمة إيمانك؟ لا قيمة لهذا الإيمان إطلاقاً ما لم تتعرض لأشعة الشمس لذلك: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 6 ]
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف الآية: 110 ]
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾
فليتحرك ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
وما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، يحضر مجلس علم، يسأل عالماً عن قضية فيها شبهة، يسأل ربه عز وجل أن يهبه عملاً صالحاً كما جاء في الدعاء، يسأل الله العمل الصالح. قيمة العمل منوطةٌ بالباعث فقط :
أيها الأخوة، قيمة العمل منوطةٌ بالباعث، قيمة العمل كلها منوطةٌ بالباعث فقط، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنما الأعمال بالنيات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
هذا العمل قد يكون عملاً كبيراً لكن: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾
[ سورة الفرقان ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/08.jpg
هذا العمل مهما بدا كبيراً إن لم يكن وراءه باعث صحيح أي نية طيبة هذا العمل لا قيمة له إطلاقاً، لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
نأتي بمثل: إنسان يمشي في الطريق وجد ليرة ذهبية على الأرض، وهناك آلة تصوير خفية، فهذا الإنسان انحنى والتقط هذه الليرة، ووضعها في جيبه، وفي نيته أن يبحث عن صاحبها، هناك دكان، فنوى أن يذهب إلى صاحب الدكان، ويدع عنده خبراً أنه من أضاع شيئاً فهذا رقم هاتفي، نحن صورناه، انحنى والتقط الليرة، ووضعها في جيبه، والتقطنا له صورة، في اليوم التالي وضعنا ليرة ذهبية، وهناك إنسان انحنى والتقط الليرة، ووضعها في جيبه، وصورناه، الصورتان متشابهتان تماماً، لكن الثاني نوى أن يأخذها، عمل الأول صالح بسبب نيته، والعمل الثاني سيء بسبب نيته.
أي ممكن أن تقدم لإنسان كأس عصير وتعلم أن هذا العصير يؤذيه، ويمكن أن تقدم له دواءً مراً بنية أن يشفى، فهو العمل يقيم بنيته فقط. العمل الصالح الذي يقبله الله هو ما كان خالصاً وصواباً :
أيها الأخوة، الحديث المتواتر الصحيح الذي رواه الشيخان عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إِنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله ، فهجرته إِلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
لذلك امرأة اسمها أم قيس تسكن في مكة، خطبها رجل، فاشترطت عليه من أجل أن توافق على الزواج منه أن يهاجر إلى المدينة، فهاجر إلى المدينة، سمي هذا الإنسان مهاجر أم قيس: (( ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/09.jpg
أخواننا الكرام، العلاقة مع الله ليست سهلة، قد تقوم بعمل رائع وتتلقى ثناءات، وتتلقى تشكرات إن صحّ التعبير، وأنت عند الله ساقط.
هناك إنسان يصلي صلاة الفجر في المسجد ـ طبعاً الرواية هكذا ـ أي لأربعين عاماً ما فاتته تكبيرة الإحرام في المسجد، في يوم من الأيام لم يتمكن من ذلك فقال: ماذا يقول الناس عني؟ مشكلة!.
لذلك أيها الأخوة، الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك الآية: 2]
أجاب الفضيل رحمه الله في تفسير هذه الآية، أي ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
أي أيكم أخلصه لله وأصوبه.
أي العمل الصالح الذي يقبله الله هو ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، مثلاً حفلةٌ غنائيةٌ كبرى يرصد ريعها للأيتام، هذا العمل قد يبدو خالصاً لكنه ما وافق السنة، يانصيب خيري هذا العمل قد يبدو خالصاً لكنه ما وافق السنة، وقد يوافق السنة وليس خالصاً.
لذلك إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن العمل إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل، يسمي العلماء هذين الشرطين كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كاف، لابد من أن يكون صواباً وفق منهج الله، ولابد من أن يكون خالصاً، الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
علامات الإخلاص :
1 ـ استواء العمل في السر و العلن :
الآن هناك سؤال قد يتبادر إلى الذهن: ما علامة الإخلاص؟ هناك علامة، الحقيقة هناك علامات، العلامة الأولى: أن يستوي العمل في السر والعلن، في الجهر والخفاء، أمام الناس ووحدك في البيت، حينما يستوي العمل في السر والعلن، في الظاهر والباطن، في خلوتك وجلوتك، استواء العمل في الخلوة والجلوة، في السر والعلن، في الظاهر والباطن، فهذا من علامات الإخلاص، أي مع الناس صلى العشاء، لوحده نام بلا صلاة، مع مجتمع مؤمن غضّ بصره، مع مجتمع غير مؤمن لم يغض بصره، فحينما لا يستوي العمل في السر والعلن، في الظاهر والباطن، في الخلوة والجلوة، في الجهر والخفاء، يكون الإخلاص ضعيفاً، هذه علامة.
2 ـ استواء العمل في المدح و الذم :
والعلامة الثانية حينما يستوي العمل في المديح والذم، قمت بعمل مُدحت عليه تابعته، لا أحد أثنى عليك به تركته، فحينما يلغى العمل لعدم الثناء، ويزداد مع الثناء، فهذا من ضعف الإخلاص، لذلك من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 110]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/10.jpg
دقق الآن: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف الآية: 110 ]
هذا أول قسم بهذه السلسلة؛ سبل الوصول ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
وعلامات القبول: ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف]
لكن هؤلاء الذين شردوا عن الله لهم أعمالٌ كالجبال يجعلها الله هباءً منثوراً، قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾
إذاً استواء العمل في السر والعلن، استواء العمل في المديح والذم من علامات الإخلاص. 3 ـ السكينة التي يمنحها الله للمؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2202/11.jpg
هذه علامة ثالثة، يقول لك: هذا العمل له ثواب، ما هو الثواب؟ ثاب بمعنى رجع، أنت إذا رفعت عملاً صالحاً إلى الله، وهذا العمل الصالح رفعك إلى الله.
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ سورة فاطر الآية:10 ]
الرد الإلهي العظيم لهذا العمل الخالص: أنه يعيد عليك هذا العمل سكينةً، راحة نفسية، شعوراً بالسعادة، هذه السكينة لا يعرفها إلا من ذاقها، يسعد بها ولو فقد كل شيء، وجدها النبي عليه الصلاة والسلام في الغار، وجدها يونس في بطن الحوت، وجدها أهل الكهف في الكهف، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
هذه السكينة العلامة الثالثة من علامات الإخلاص، يستوي العمل في السر والعلن، في المديح والذم، ويتأتى منه إلى قلبك السكينة، السكينة حالة نفسية فيها راحة، فيها سعادة، فيها رضا، فيها قبول، فيها أمن، فيها حكمة، هذه السكينة نسعد بها ولو فقدنا كل شيء ونشقى بفقدها ولو ملكنا كل شيء.
أصبح هناك ثلاث علامات للإخلاص؛ استواء العمل في السر والعلن، استواء العمل في المديح والذم، ثم أن يلقي الله في قلب المخلص سكينةً يسعد بها. قوة شخصية المؤمن أنه لا يستجدي المديح :
لكن هناك من يذم الناس لأنهم لا يشكرون بعضهم بعضاً، فأنت حينما تستجدي المديح من الناس، أي يعمل وليمة، فيقول للحاضرين: هل الأكل إن شاء الله طيب؟ يريد أن يستجدي المديح على الأكل، يدخل لبيتك تحدثه عن مساحته، عن إطلالته، عن هذا البلاط الذي جئت به عن طريق الشحن الجوي من إيطاليا، أنت حينما تريد أن تستجدي المديح من الناس ضعف إخلاصك، فمن قوة شخصية المؤمن أنه لا يستجدي المديح، إذاً إخلاصه على مستوى.
أيها الأخوة، بقي شيءٌ آخر هو أن الله جلّ جلاله في الأثر القدسي يقول: ((أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك ، فمن عمل عملاً فأشرك فيه غيري فأنا منه بريءٌ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
وفي حديثٍ آخر: (( الإخلاص سرٌ من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، الإخلاص هو الدين كله، قيل: شطر الدين، ولكن الحقيقة هو الدين كله، ومع الإخلاص ينفع كثير العمل وقليله، ومن دون إخلاصٍ لا ينفع لا كثير العمل ولا قليله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس )

الموضوع : الاخلاص فى النية





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. عادات المؤمن مع الإخلاص عبادات :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الإخلاص، كموضوعٍ متعلقٍ بسبل الوصول وعلامات القبول.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/01.jpg
الحقيقة الأولى: أن أعمالك اليومية، أن عاداتك، أن حرفتك التي تحترفها، أن عملك الذي ترتزق منه، إذا كان في الأصل مشروعاً وفق منهج الله، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك، وأهلك، وخدمة المسلمين، وغير المسلمين، ولم يشغلك عن فريضةٍ، ولا عن واجبٍ، ولا عن طاعةٍ، انقلب إلى عبادة بالإخلاص، وأنت في محلك التجاري، وأنت في مكتبك الهندسي، وأنت في عيادتك، وأنت في الحقل، وأنت في الصف، عملك اليومي، حرفتك، إذا كنت مخلصاً لله، وابتغيت بها كفاية نفسك، وأهلك، وخدمة المسلمين وغير المسلمين، وما شغلتك عن واجبٍ، ولا عن فريضةٍ، انقلبت إلى عبادة، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات.
أي أخذت أهلك إلى مكانٍ جميل بنية تمتين العلاقة بينك وبين أهلك وأولادك، وتفريج شدة الحياة عنهم، فأنت في عبادة، اشتريت ثياباً جديدة كي يكون مظهرك لائقاً بالمؤمن فأنت في عبادة، زرت أختك، وصلت قريبك، لبيت دعوةً، صدقوا ولا أبالغ أنت حينما تخلص لله، كل أعمالك تحسب عبادات، عبادات تعاملية طبعاً، هناك عبادات شعائرية، وهناك عبادات تعاملية، من دون إخلاص عباداتك المحضة سيئات، أي الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، من دون إخلاص عباداتك المحضة الشعائرية تغدو سيئات، بالإخلاص تكون عاداتك عبادات، من دون إخلاص تكون العبادات سيئات، هذه الحقيقة الأولى. على الإنسان ألا يقبل أو يرفض في الدين شيئاً من دون دليل :
أما الشواهد: طبعاً لا يجرؤ إنسان في العالم الإسلامي كله أن يقول شيئاً في الدين برأيه من دون دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، إن هذا العلم دين: (( انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا الْحَدِيثَ فَإِنَّمَا هُوَ دِينُكُمْ ))
[ أخرجه الدرامي عن الحسن البصري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/02.jpg
لا تقبل في الدين شيئاً من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل، الدين قوام حياتنا، إن هذا العلم دين: (( انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا الْحَدِيثَ فَإِنَّمَا هُوَ دِينُكُمْ ))
ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
وطّن نفسك ألا تقبل شيئاً من أي إنسانٍ في أمور الدين إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً من أي إنسان في أمور الدين من دون دليل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/03.jpg
الأدلة: بعض أصحاب رسول الله رأى رجلاً يصلي في المسجد في وقت العمل، فسأله من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
العمل مع الإخلاص عبادة، وفي نص لسيدنا عمر رأى شاباً يقرأ القرآن في وقت العمل، فقال: إنما أُنزل هذا القرآن ليعمل به، أفاتخذت قراءته عملاً؟ أي صار كلّاً على الناس يمد يده للناس، ويقرأ القرآن، لا، اعمل في النهار، واكسب قوت يومك، واقرأه في الليل، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل، يقول عليه الصلاة والسلام: ((من بنى بنياناً من غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به من خلق الرحمن تبارك وتعالى ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن معاذ بن أنس ]
أنشأت بناء، زرعت مزرعة، زرعت أشجاراً، أي إنسان انتفع من هذا البناء، أو من هذا النبات هو لك أجرٌ إلى يوم القيامة، العمل عبادة، العمل لخدمة المسلمين، لتقوية المسلمين، لإغناء المسلمين، الطرف الآخر اتخذ قراراً قطعياً بإفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وآخر قرار غير معلن هو إبادتنا. العمل مع الإخلاص عبادة :
أنت حينما تقوي أمتك، أنت حينما تتقن عملك، حينما تطور عملك، حينما نستغني بعملك عن أن نأتي بخبير، فأنت تقوي المسلمين، وهذا من العبادة، يقول عليه الصلاة و السلام:
(( ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأكلَ منه طَير، أو إنسان، أو بَهِيمة، إلا كان له به صدقة ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
حديثٌ آخر: (( ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/04.jpg
تقويت بهذا الطعام على طاعة الله. (( وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب ]
وفي بعض الأحاديث: (( الإنسان يوم القيامة يرى لقمةً وضعها في فم زوجته يراها كجبل أُحد ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/05.jpg
الدين هو الحياة، الدين أن تكون يدك هي العليا، الدين أن تحل مشكلات الآخرين، والله أنا أحياناً أزور معملاً لبعض أخوتنا، أقول له: كم عامل عندك؟ يقول لي: عندي مئتا عامل، أقول له: أنت إذاً تفتح مئتي بيت، هذا أكبر عمل صالح، أي لا تكن على هامش الحياة، كن رقماً صعباً، كن إنساناً يشار إليه بالبنان في خدمة المؤمنين.
حديثٌ آخر: (( وإنك لن تُنفقَ نفقة تبتغِي بها وجه الله إِلا أُجِرْتَ بها ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ]
أي جئت مساءً بلعبةٍ كي تفرح بها أولادك صدقة، لأن إدخال الفرح على قلب الصغار من العبادة، قدمت هديةً لأختك، زرت أختك في طرف المدينة الآخر فامتلأ قلبها امتناناً منك أمام زوجها جاء أخي، هناك أشخاص يهمل أخته عشرات السنين. (( وإنك لن تُنفقَ نفقة تبتغِي بها وجه الله إِلا أُجِرْتَ بها ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ]
نية المؤمن خيرٌ من عمله :
الآن موضوع جديد: لو أن الظروف حالت بينك وبين عملٍ صالح، وتأثرت تأثراً كبيراً، لم تستطع أن تقوم بهذا العمل فبكيت، يكتب لك بإخلاصك كأنك قمت بهذا العمل تماماً، الدليل: لما جاء الصحابة إلى رسول الله ليجاهدوا معه لم يجد ما يحملهم عليه، فقال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾
[ سورة التوبة ]
كتب لهم كأنهم في الجهاد بإخلاصهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات خاطب جيشه قال: ((إنَّ قوْماً خَلْفنَا بالمدينةِ، مَا سَلَكنْا شِعْباً، ولا وَادِياً إلا وهم معنا، حَبَسَهُم الْعُذْرُ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]
ما قولك؟
تتابع الأخبار، تابعت أخبار غزة، طفل يموت، لا يوجد كهرباء، هو على منفسة، فبكيت أنت، تتمنى أن تذهب إلى هناك، وأن تقدم لهم نصف مالك، كُتب لك على هذا البكاء وعلى هذا الألم أنك قمت بهذا العمل، ما قولك؟.
الإخلاص هو الدين كله، لذلك قالوا: نية المؤمن خيرٌ من عمله، عمله محدود لكن نواياه غير محدودة، يتمنى أن يحل مشاكل الناس كلها، يتمنى أن يزوج كل الفتيات، يتمنى أن يزوج كل الشباب، يتمنى أن يهيئ فرص عمل لكل الشباب، يتمنى ويسعى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/06.jpg
الآن إنسان له درس علم يحضره دائماً، مرض فتألم، كنت أتمنى أن أكون مع الحاضرين، فالله عز وجل يكتب له أجر حضور هذا الدرس ولو لم يحضر، الحديث: يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله تعالى يكتب للمريض أفضل ما يعمل في صحته ما دام في وثاقه ))
[ الطبراني عن أبى موسى]
أي حَبَسه المرض عن أن يقوم بعمل صالح. (( وللمسافر أفضل ما كان يعمله في حضره ))
[ الطبراني عن أبي موسى]
فإذا كنت مسافراً، ولا سمح الله إذا كان المرء مريضاً، وله أعمال صالحة يؤديها في صحته، أو له أعمال صالحة يؤديها في حضره، في إقامته، يكتب له أجر أعماله الصالحة التي فاتته إن في مرضه، أو سفره بالإخلاص. الأعمال الصالحة تغدو سيئات بالرياء :
ماذا يقابل الإخلاص؟ الرياء، بالرياء تغدو الأعمال الصالحة سيئات، بالرياء تغدو العبادات سيئات. ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة الماعون ]
ويلٌ لمن؟ للمصلين: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ*الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ*وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون ]
إنفاق المال بحفل خيري، المحسن الكبير فلان دفع مئة ألف، له ابن أخت يموت من الجوع، أمام حفل كبير دفع مئة ألف، وأشادوا بإحسانه وكرمه، أما ابن أخيه الفقير طلب منه قرضاً بعشرة آلاف وهو معه مئات الألوف ولا يعطيه، هذه قضية!.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/07.jpg
زعيم كبير من زعماء الغرب سمعته بأذني، في حرب جرت في جنوب إفريقيا، قتل فيها ثمانمئة ألف في أسبوع في راوندا، قال: كان بإمكاني أن أُنقذ أربعمئة ألف لكن ما أنقذتهم لأن هناك لا يوجد نفط، أما على شبهة سلاح شمولي جاء إلى العراق ثلاثون دولة هل الأمر واضح؟ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 264 ]
صخر. ﴿ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 264 ]
طبقة تراب خفيفة. ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 264 ]
مطر. ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْداً ﴾
[ سورة البقرة الآية: 264 ]
أي التراب الخفيف فوق الصخر يُظن تربة زراعية، هو صخر لا ينفع، ولا يقدم شيئاً للإنسان، جاء هذا المطر فأزال التراب فظهر الصخر. ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
لذلك: أخلص دينك يكفك القليل من العمل. أقوال العلماء في الإخلاص :
الآن من أقوال العلماء في الإخلاص: الإخلاص من تعريفاتهم:" استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهر العبد خيراً من باطنه، والصدق أن يكون باطن العبد خيراً من ظاهره"، البطولة أن يكون الباطن خيراً من الظاهر، والرياء أن يكون الظاهر خيراً من الباطن.
"الإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة ـ يصلي لوجه الله ـ وتصفية هذه الطاعة عن ملاحظة الخلق"، أي يصلي أمام الناس فيغمض عينه، ويعصر وجهه، وكأنه بخشوع.
إنسان أحبّ أن يذهب إلى بيت الله الحرام، معه مبلغ ضخم، خمسون ليرة ذهبية، أين يدعها؟ دخل إلى الجامع، تأمل في صلاة هؤلاء، أعجبته صلاة واحدٍ منهم، فيه خشوع، قال له: معي خمسون ليرة أريد أن أضعها عندك أمانة، وأنا ذاهب إلى الحج، قال له: أنا أيضاً صائم.
فلذلك تصفية هذه الطاعة عن ملاحظة الخلق.
"المُخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا يتم الصدق إلا بالإخلاص"، هناك علاقة ترابطية أنت بالصدق تخلص وبالإخلاص تصدق، ولا يتمان إلا بالصبر.
"الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق"، إذا لم تستحِ من خالقك تصنع ما تشاء ولا تعبأ بكلام الخلق.
إنسان أراد أن يقطع ألسنة الخلق، عمل وليمة ووضع في كل قطعة ليرة من الذهب، لما وجدوا الليرة الذهبية قالوا: لو وضعهن اثنتين، فلم يستفد شيئاً.
لا تعمل من أجل الخلق، الخلق لا يقدمون ولا يؤخرون، ولكن طوبى لمن جب الغيبة عن نفسه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2203/08.jpg
لذلك الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله، اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك، إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيءٍ يشينني عندك، إني أعوذ بك أن أكون عبرةً لأحدٍ من خلقك، إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني.
قال: من ترك العمل من أجل الناس وقع في الرياء، ومن عمل من أجل الناس وقع في الشرك، تركت قيام الليل حتى لا يقولوا عني أنا عندي عبادة عظيمة، حتى لا أكون مرائياً، هذا خطأ كبير، تركت خدمة فلان حتى ما أُتهم أني أرائي، ترك العمل من أجل الناس رياء، فالرياء نوعان أن تعمل من أجلهم، أو أن تدع عملاً صالحاً من أجلهم، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
"والإخلاص سرٌ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملكٌ فيكتبه ولا شيطانٌ فيفسده، ولا هوىً فيسقطه".
"الإخلاص ألا تطلب على عملك شاهداً غير الله، ولا مجازياً غير الله".
آخر حقيقة: "من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص"، وحينما ينجو المؤمن من إعجابه بإخلاصه يصبح مُخلَصاً، لذلك المؤمن مخلِص مخلَص. شاهد عن الإخلاص من السيرة النبوية :
الآن أقدم لكم شاهداً من السيرة النبوية، زيد الخير من أشجع صحابة رسول الله، من أجودهم في الجاهلية، بلغته أخبار النبي عليه الصلاة والسلام، وقف على شيءٍ من هذه الأخبار، فأعد راحلته، ودعا كبراء قومه إلى زيارة رسول الله، ولما بلغوا المدينة توجهوا إلى المسجد النبوي الشريف، وأناخوا ركائبهم ببابه، وصادف دخولهم أنه كان صلى الله عليه و سلم يخطب في المسلمين، دخلوا أثناء الخطبة، فراعهم كلامه، وأدهشهم تعلق الناس به، وإنصاتهم له، وتأثرهم بما يقول، ولما أبصرهم النبي عليه الصلاة والسلام رأى وفداً، قال: أنا خيرٌ لكم من العزى، وهم يعبدون الأوثان، ومن كل ما تعبدون، إني خيرٌ لكم من الجمل الأسود، هذا كناية عن أثمن أنواع المال، الأسود غال جداً، فلما انتهى النبي الكريم من خطبته، وقف زيدُ بين الجموع وكان من أجمل الرجال، من أجمل رجال الجاهلية ومن أتمهم خلقةً، وأطولهم قامةً، أطلق صوته الجهير قال: يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فأقبل عليه النبي الكريم، وقال له: من أنت؟ قال: أنا زيد الخيل ـ اسمه زيد الخيل ـ فقال عليه الصلاة و السلام: بل زيد الخير لا زيد الخيل، والحمد لله الذي جاء بك من سهلك وجبلك، ورقق قلبك للإسلام، ثم مضى به النبي الكريم إلى بيته تكريماً له، ومعه سيدنا عمر، وفي البيت طرح النبي الكريم عليه وسادةً متكئاًً، فعظم على زيد أن يتكئ في حضرة رسول الله، مضى على إسلامه نصف ساعة، أُعطي وسادة ليتكئ عليها، قال له: والله لا أتكئ في حضرتك، عرف مكانته، ولما استقر بهم المجلس قال: يا زيد ما وصف لي رجلٌ قط ثم رأيته إلا كان دون ما وصف إلا أنت يا زيد، يا زيد إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله، قال: وما هما؟ قال: الأناة والحلم، فقال زيد: الحمد لله الذي جعلني على حب الله ورسوله، ثم التفت إلى النبي وقال: يا رسول الله أعطني ثلاثمئة فارس، وأنا كفيلٌ لك أن أغير على بلاد الروم وأنال منهم، أكبر النبي همته هذه، وقال له: لله ذرك يا زيد، أي رجلٍ أنت؟ النبي لم يكتم إعجابه، هناك شخص لا يبدي إعجابه بأحد، عامل وقار لنفسه، كهنوت، كل الناس دونه، سيد الخلق وحبيب الحق أُعجب به، إذا كان هناك إنسان تفوق أثني عليه، أكرمه، قال له: لله ذرك أي رجلٌ أنت؟ ثم أسلم مع زيد كل من كان في صحبته.
الشاهد ليس هنا، ولما همّ بالرجوع إلى ديار قومه في نجد ودعه صلى الله عليه و سلم وقال: أي رجلٌ هذا؟ وفي الطريق إلى دياره وافته المنية، ولم يكن بين إسلامه وموته متسع، ولكن إخلاصه في إسلامه، ونواياه الكبيرة بفتح بلاد الروم، ونشر هذا الدين هناك أغنته عن كثيرٍ من العمل.
أَخلص دينك يكفك القليل من العمل، مع الإخلاص ينفعك قليل العمل و كثيره، ومن دون إخلاصٍ لا ينفعك لا كثيره ولا قليله.
فالإخلاص أحد ثاني أكبر الموضوعات التي تسرع الخطا إلى الله، هذه الدروس تحت عنوان: "سبل الوصول وعلامات القبول".
أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الموضوعات سلوكاً يومياً لنا، وأن تنتقل من أفكار تستمع إليها إلى سلوك تفعله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع )

الموضوع : دافع الاستقامة الايمان بالله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الاستقامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الاستقامة".
والاستقامة عين الكرامة، ولن يقطف المسلم من ثمار الإسلام شيئاً إلا إذا كان مستقيماً على أمر الله، كيف أن التجارة بكل نشاطاتها تضغط بكلمةٍ واحدة إنها الربح، كذلك الدين بكل نشاطاته يضغط بكلمةٍ واحدة إنها الاستقامة.
الاستقامة سلوك الصراط المستقيم، ويشمل فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها الظاهرة والباطنة، وتتعلق الاستقامة بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات، أقوال، أفعال، أحوال، نيات.
والاستقامة في كل هذا يجب أن تقع لله إخلاصاً، وبالله استعانةً، وعلى أمر الله تطبيقاً، وكن أيها المؤمن صاحب استقامة ولا تكن طالب كرامة، لكن كتعليقٍ على الكرامة ما من مؤمنٍ يخطب ود الله عز وجل إلا وله عند الله كرامة، هذه الكرامة مستويات، ولكن أعلى مستوياتها كرامة العلم.
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
الصراط المستقيم هو القرآن الكريم :
الكرامة الحقيقية أن تعرف الله،
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/02.jpg
والإله العظيم وصف هذا العطاء بأنه عظيم، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
أنت في الصلاة تقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
[ سورة الفاتحة ]
الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، لأنك بعد أن تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الفاتحة ]
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 53 ]
الآيات التي تقرأها بعد الفاتحة هي الصراط المستقيم الذي سألت الله أن يهديك إياه.
إذاً الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفيه حكم ما بينكم، هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الصراط المستقيم، هو الشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن اتبعه، لا يعوج فيقوّم، أي تشريع أرضي يعوج فيعدل، يبدل، تضاف له مواد، تحذف منه مواد، ثم يلغى، لا يعوج فيقوّم، ولا بزيغ فيستعتب، ولا يخلق على كثرة الرد، مهما استمعت إلى القرآن الكريم تجد فيه شيئاً جديداً، لا يخلق على كثرة الرد، لا تنقضي عجائبه، وهو الذي لا تلتبس به الأهواء، حقٌ صرف، ولا يشبع منه العلماء، هو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته إلى أن: ﴿ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ ﴾
[ سورة الجن الآية: 1-2 ]
من وليه من جبارٍ فحكم بغير ما فيه قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، ومن قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن اتبعه هدي إلى صراطٍ مستقيم. الاستقامة فعل تكليفي :
إذاً الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي.
﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة النور ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/03.jpg
الاستقامة فعل تكليفي، وكل فعل تكليفي أنت مخير أن تستقيم أو ألا تستقيم، أن تصدق أو ألا تصدق، أن تكون أميناً أو ألا تكون أميناً، ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
أنت مخير، تقول: الله كاتب عليَّ، هذا كلام فيه كذب. ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 148 ]
كلام من؟ كلام المشرك. ﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
أي تكذبون، تقول: الله مقدر عليَّ، جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك ـ هناك كلمات تقولوها العوام هي الكفر بعينه، يقول لك: طاسات معدودة بأماكن محدودة ـ فقال: إن الله قدر عليَّ ذلك فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، إياك أن تقول: إن الله قدر عليَّ أن أفعل هذا العمل السيئ. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أكثر العوام يعزون أخطاءهم إلى القضاء والقدر. أبداً. من عزا الاستقامة إلى الله فهي بمعنى أن الله ألزم نفسه بالاستقامة إلزاماً ذاتياً :
الآن شيء لا يصدق، قال تعالى:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 55-56 ]
سيدنا هود:
﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
أي الله مستقيم، وإذا عزيت الاستقامة إلى الله فهي بمعنى أن الله ألزم نفسه بالاستقامة إلزاماً ذاتياً، ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
مثلاً الله عز وجل كما قال عن ذاته العليا ﴿ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الاعتراض دليل نقص معرفة الإنسان بالله :
إذاً: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 147 ]
لأن الله على صراط مستقيم، النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الزخرف ]
مرة قال النبي لأصحابه قبيل معركة بدر: لا تقتلوا عمي العباس، هناك شخص لم يستوعب هذه الكلمة، قال: أحدنا يقتل أخاه وأباه في الحرب، وينهانا عن قتل عمه؟ ثم اكتشف بعد حين أن عمه مسلمٌ وهو في مكة, وهو عين النبي ينقل له كل شيء، فلو أن عمه لم يشارك في الحرب لكشف هويته وانتهت مهمته، لو أن النبي قال: عمي العباس قد أسلم لكشفه وانتهت مهمته، لو سكت لقُتل، فقال: لا تقتلوا عمي العباس، هذا الصحابي بعد حين حينما كشفت له الحقيقة قال: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، هذا نبي ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الآن دعوته. ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فالذي قَبِل هذه الدعوة تعطيه التفاصيل. ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الشورى ]
﴿ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
العبادة :
أيها الأخوة، دقق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/04.jpg
ما العبادة إذاً؟ العبادة أن تتبع الطريق المستقيم، العبادة ليست أن تصلي فقط، في الحلال والحرام، في العطاء والمنع، في الصلة والقطع، في الرضا والغضب، هناك صراطٌ مستقيم، إذا توهم الإنسان أن العبادة هي أداء العبادات الشعائرية فهو واهمٌ جداً، يكاد يكون منهج الله يزيد عن خمسمئة ألف بند، الاستقامة أن تتبع منهج الله في كل شيء، في زواجك، في تجارتك، في رحلاتك، في عطائك، في أفراحك، في أتراحك ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
التفصيلي، لذلك: ﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِي ﴾
[ سورة يس الآية: 61 ]
ماذا تعني العبادة؟ ﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾
[ سورة يس ]
فالعبادة اتباع الصراط المستقيم. من لم يحمله إيمانه على طاعة الله فلا قيمة لهذا الإيمان إطلاقاً :
الآن الإنسان يستقيم على أمر قوي خوفاً منه، لكن الله عز وجل ينتظر من المؤمن أن يستقيم إليه، أن تكون استقامة المؤمن مفضيةً إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 6 ]
فاستقيموا إليه، أي أن تعتقد أن الله إلهٌ واحد دون أن تستقيم إليه لا قيمة لهذا الإيمان إطلاقاً، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾
الموقف الحركي، الموقف العملي، الموقف الدقيق للتعبير عن إيمانك أن تستقيم على أمره، وما لم يحملك إيمانك على طاعة الله فلا قيمة لهذا الإيمان إطلاقاً، إنه إيمانٌ إبليسي، لأن إبليس قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
وقال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾
[ سورة ص الآية: 76 ]
ومع ذلك هو إبليس اللعين، إذاً الآية الأولى: ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾
والآية الثانية: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
نتائج الاستقامة :
أولاً: نتائج الاستقامة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 30-31 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/05.jpg
أقف عند كلمة ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
هذا الزمن هناك ماض، وهناك حاضر، وهناك مستقبل ﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾
من المستقبل، لا يوجد مفاجآت. ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 51 ]
المؤمن بعين الله، بحفظه، برعايته، لأن توقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، أنت من خوف الفقر في فقر، من خوف المرض في مرض ﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾
هذه الكلمة غطت المستقبل ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
لا تندم على ما فات وهذه الكلمة غطت الماضي، فالمستقيم يمنحه الله حالة عجيبة لا يخشى من المستقبل، ولا يندم على الماضي ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
لذلك ليس في قاموس المؤمن لو، لا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
الآن: ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾
لكرامة المؤمن عند الله يجعل الله له نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، في الدنيا ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
فإذا وافته المنية ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً :
الآية الكريمة:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية: 112 ]
يقول عليه الصلاة والسلام: (( شَيَّبَتْني هودٌ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هذه الآية في سورة هود، الآية التي شيبته: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/06.jpg
رأى على السرير تمرة، فقال: "يا عائشة لولا أنني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها"، اشتهى أن يأكل هذه التمرة، لكنه خاف أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة، هذا وضع المؤمن. (( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط))
[ الجامع الصغير عن أنس]
((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بسائر عمله شيئاً))
[ مسند الشهاب عن أنس]
أخ كريم توفي ـ رحمه الله ـ درس إدارة أعمال في أمريكا ذكرت له هذه الآية، أقسم بالله أن اختصاصه كله ملخصٌ في هذه الآية. ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الملك ]
الذي يمشي سوياً هكذا يرى الأهداف البعيدة، أما الذي يمشي مكباً يرى الجزئيات، الآن معظم الناس غارقون في الجزئيات، مشكلات لا تنتهي، يفاجأ بالموت، نسي هذا اليوم، ينتقل من كل شيء إلى قبر.
أحياناً أنا أضطر أن أعزي أحد أقربائي، أو أحد معارفي، أدخل إلى بيت أربعمئة متر، أقول في نفسي: من اختار هذا البلاط؟ المرحوم، من اختار هذا المنظر الرائع جداً؟ المرحوم، من اختار هذه التزيينات؟ المرحوم، من اشترى هذا السجاد؟ المرحوم، من اشترى هذه الثريات؟ المرحوم، أين المرحوم؟ في القبر، نقطة دقيقة جداً. معاقبة الله عز وجل الإنسان أحياناً بالدنيا :
لذلك: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ ﴾
بجزئيات حياته، بالبيع والشراء والمماحكة، وهناك دعوى أقامها على إنسان، المبلغ كان خمسين مليوناً، وكَّل محامي و اثنين و هو غارق في هموم الدنيا، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: (( عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك في كل حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً ))
[ورد في الأثر]
أي الله عز وجل أحياناً يعاقب بالدنيا، يعاقب بدنيا عريضة، غارق باللقاءات، والاجتماعات، والهموم، ونسي ربه، ونسي آخرته، فجأة أزمة قلبية، فجأة في العناية المشددة، ثم نعوة، انتهى ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
هدفه واضح. آثار الاستقامة لا تعد ولا تحصى :
الآن آثار الاستقامة لا تعد ولا تحصى.
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾
[ سورة الجن ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/07.jpg
أي كان بردى قبل عشرات السنين شيء مخيف، بالربيع هناك حوادث عديدة من الغرق: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾
[ سورة الجن ]
أيها الأخوة، يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة إنها الاستقامة، وما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، عندئذٍ أصبح الدين ثقافة، له خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، نزعة إسلامية، مشاعر إسلامية، اهتمامات إسلامية، أقواس إسلامية، فسيفساء إسلامية، زخرفة إسلامية، أي قيم روحية، ومشروبات روحية، صار الدين فلكلوراً، صدقوا ذهب قراءٌ إلى باريس وقرؤوا القرآن على أنه فلكلور شرقي، والله قُرئ القرآن في باريس على أنه فلكلور شرقي.
أيها الأخوة، هذا القرآن هو الصراط المستقيم، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، أنت في سلام ببيتك، سلام مع أولادك، سلام مع شركائك، سلام في عملك، سلام مع أسرتك الواسعة، سلام مع مجتمعك، سلام مع صحتك، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام. ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة المائدة ]
تعدد الباطل و الحق واحد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/08.jpg
الآن الصراط المستقيم واحد، كما أنك لن تستطيع أن ترسم بين نقطتين إلا خطاً مستقيماً واحداً، ليس في الأرض إلا حقٌ واحد.
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 153 ]
ضمير مفرد. ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
[ سورة الأنعام ]
الباطل متعدد، لذلك العمر لا يستوعب إلا الحق، أما الباطل لا تستوعبه أعمار أهل الأرض، الباطل متعدد، ومتنوع، وكثير، إذاً الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد، وبين حقٍ وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي، الباطل لا ينتهي. الطريق إلى الله و الافتقار إليه محمي من الشيطان :
الآن الإنسان حينما يصطلح مع الله، ويبدأ بالاستقامة، يتعرض للشيطان. ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2204/09.jpg
أي شيء طبيعي جداً أن الإنسان وهو متفلت يتركه الشيطان، أما حينما يستقيم على أمر الله تماماً تأتيه الوساوس، قال: ﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 17 ]
أزين لهم العصر، والعصرنة، والتقدم، عصر الفضائيات، عصر الكومبيوتر، عصر التواصل الإعلامي، الثورة الثقافية. ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 17 ]
الآراميين والفراعنة، يلغي الإسلام نعود إلى مسافات كبيرة جداً. ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 17 ]
أي يدخل في وسواس في وضوءه، أحياناً في صلاته، أنت صليت لكن في بالفاتحة أربع عشرة شدة ما جئت بها فالصلاة باطلة مثلاً، يدخله في متاهات الوسوسة. ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 17 ]
المعاصي. ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
شكوى مستمرة، هذا فعل الشيطان، أما الطريق إلى الله محمي من الشيطان، هي ست جهات؛ يمين يسار، شمال جنوب، يمين يسار، أما فوق تحت لا يوجد شيطان، الافتقار إلى الله الطريق محمي، والوصول إلى الله الطريق محمي، قال: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
تجلس مع إنسان، بيوت، وسيارات، ودخل فلكي، يقول لك: السوق مسموم، لا يعاش بهذا البلد، ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
تلتقي بمؤمن دخله ستة آلاف في الشهر يقول لك: الحمد لله، ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
الأدب مع الطرف الآخر :
أيها الأخوة، الطرف الآخر الله عز وجل أعطانا توجيهاً قال: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 7 ]
إنسان غير مسلم عاملك بدقة، بعدل، بلطف، ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾
لمَ الغلظة؟ أكبر دافع إلى الاستقامة هو الإيمان بالآخرة :
أيها الأخوة، لكن الشيء الدقيق. ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
تبين أنه أكبر دافع إلى أن تستقيم أن تؤمن بالآخرة، هناك حساب دقيق ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
أيها الأخوة الكرام، موضوع الاستقامة هو الدين كله، الشيء الذي يميز المسلم أنه مستقيم، مضبوط لسانه، مضبوطة جوارحه، مضبوط دخله، إنفاقه بيته، عمله، بيته، وعمله، وجوارحه، ودخله، وإنفاقه، ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : الاستقامة عين الكرامة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الاستقامة من أشد الوسائل فعاليةً في الوصول إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2205/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الاستقامة، والاستقامة عين الكرامة، وهي من أشد الوسائل فعاليةً في الوصول إلى الله، لكن في هذا اللقاء الطيب نتحدث عن الاستقامة من خلال السنة النبوية، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك؟ قال: قل: آمَنْتُ بالله ثم استقم ))
[ أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
أنا كنت أقول دائماً: يمكن أن يضغط الإسلام كله بكلمة واحدة، إنها الاستقامة، فإن لم تستقم لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، يبقى الدين ثقافةً، معلومات، تراثاً، فكراً، يبقى الدين خلفيةً إسلامية، أرضيةً إسلامية، مشاعر إسلامية، اهتمامات إسلامية، ثقافة إسلامية، إن لم نطبق منهج الله عز وجل يبقى الدين ثقافةً ليس غير.
لذلك لو اعتنق الإسلام مليارات لا وزن لهم في الأرض، كما هي الحال اليوم، مليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم، ليس أمرهم بيدهم، ليست كلمتهم هي العليا، للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، خمس دول إسلامية محتلة، ثرواتهم منهوبة، شبابهم يقتلون، أليس كذلك؟ (( قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك قال: قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))
[ أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
بعد الاستقامة الحديث لا ينتهي عن مكاسب المسلم، عن أخلاق المسلم، عن روحانية المسلم، عن سكينة المسلم، عن ثقة المسلم بالله عز وجل، عن تفاؤل المسلم، عن سعادة المسلم، أما قبل الاستقامة معلومات محشوةٌ في الدماغ ليس غير.
لذلك أحد كبار الأئمة يقول: جاهد تشاهد، لن تشاهد الحقائق، لن تسعد بها، إلا إذا جاهدت نفسك وهواك. من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :
أيها الأخوة، إذاً الإسلام كله يضغط بكلمة واحدة، فتوفيراً للوقت والجهد واختصاراً للقيل والقال إن لم تستقم لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، هذه الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
ورد في الأثر أن أحدهم سأل النبي الكريم يا رسول الله عظني ولا تطل؟ فورد هذا الكلام.
(( قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك؟ قال: قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم، قال: أريد أخف من ذلك قال: إذاً فاستعد للبلاء ))
[ أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2205/02.jpg
قال له الطبيب: عليك بحمية تامة، معك التهاب معدة حاد، حمية تامة، على الحليب فقط، قال له: أريد أن آكل كل شيء قال له: إذاً استعد لعمل جراحي، قضية واضحة مثل الشمس، يمكن أن تشفى بحميةٍ صارمة، فإن لم تقبل بها فاستعد لعمل جراحي، القضية واضحة. ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 284 ]
فإذا استقمتم. ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 284 ]
وإن لم تستقيموا: ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
أي هذا الطبيب متفوق جداً، قادر أن يشفيك بحمية، أو بعمل جراحي، اختر واحدة، هذا كلامٌ جامعٌ مانع. استقامة اللسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2205/03.jpg
الآن عندنا استقامة خاصة؛ استقامة اللسان.
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
كلمة قد تفسد علاقة زوجين، كلمة قد تفصل شركة، كلمة قد تسبب حقداً، لذلك الجوارح تخاطب اللسان تقول له: (( اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
حينما تعد كلامك من عملك تنجو. (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
السيدة عائشة قالت عن أختها صفية إنها قصيرة فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
مجالس إلى ساعة متأخرة من الليل غيبة، ونميمة، وتجريح، وافتراء، وتهم، وتقليد، فلذلك من أين جاء هذا الحجاب بين المسلمين وبين ربهم؟ من أخطاء اللسان، يقول لك: أنا لم أرتكب كبائر والحمد لله، لكن المشكلة في الصغائر، أي أنت تمشي على طريق، عن يمين هذا الطريق وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، الكبيرة حرف المقود تسعون درجة فجأة إلى الوادي، الصغيرة سنتيمتر واحد، لكن ثابت بعد ثلاثة كيلو متر إلى الوادي.
لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
التسعون درجة طريق عرضه يقدر بثلاثين متراً يعيد المقود إلى ما كان عليه بثانية، الكبيرة تسعون درجة والإصلاح يكون فجائياً، انتهى الأمر، لذلك: (( إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن قد رضي منكم بما تحقرون ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ]
من أعمالكم. الصغائر أحد أكبر مداخل الشيطان على الإنسان :
المسلمون محجوبون بالصغائر ليس بالكبائر، أي معظم المسلمين لا يقترفون جريمة قتل، ولا يشربون الخمر، ولا يزنون، هذه كبائر، ما الذي يحجبهم عن الله؟ الصغائر؛ غيبة، ونميمة، وبهتان، وسخرية، واستهزاء، واختلاط، ومصافحة، ويملأ عينيه من الحرام، بهذه الصغائر حجب عن الله عز وجل.
أي بيت فيه عشرات من الأجهزة الكهربائية، سواءٌ أقطعنا التيار ميلي أم متراً، التيار انقطع، كل هذه الأجهزة معطلة، لم يعد لمسافة القطع قيمة، القطع حصل.
فالإنسان إما أن يحجب بالكبائر والعياذ بالله أو أن يحجب بالصغائر، لذلك: (( ولكن قد رضي ما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ]
أي الشيطان ذكي جداً كما يقال، يدعو الإنسان إلى أن يكفر بالله، فإن رآهُ على إيمان دعاه إلى الشرك، إن رآه على توحيد دعاه إلى كبيرة، فإن رآه على طاعة دعاه إلى صغيرة، فالصغائر أحد أكبر مداخل الشيطان على الإنسان، فإن رآه على ورع، بقي ورقتان رابحتان التحريف بين المؤمنين، تجد فلاناً لا أظنه مخلصاً في دعوته، شققت على قلبه؟ التحريش بين المؤمنين، فإن لم تنجح معه هذه الورقة الأخيرة عنده ورقة هي المباحات، يغرق في المباحات، يمضي وقته في تزيين حياته، في الاستمتاع، لم يعصِ الله، لكن هذه المباحات استغرقت كل وقته، فجاء يوم القيامة مفلساً.
إذاً يدعو إلى الكفر، ثم الشرك، ثم الكبائر، ثم الصغائر، ثم التحريش بين المؤمنين، ثم المباحات، إذاً الآن استقامة اللسان، الجوارح تخاطب اللسان تقول له: (( اتَّق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
فإذا كانت كلمة قصيرة: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
فما قولك فيما فوق كلمة قصيرة؟ أنا أقول دائماً: (( دَخَلت امْرَأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربطتها، فلم تُطْعِمها، ولم تَدَعْها تأْكُل مِن خَشاشِ الأرض ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ]
فما قولكم بما فوق الهرة؟ بشعوب بأكملها تُقتل، بشعوب بأكملها تجوع، تموت من الجوع. نتائج الاستقامة :
الآن نتائج الاستقامة: هناك نتائج محدودة، ونتائج غير محدودة، يقول عليه الصلاة و السلام: (( استقيموا ولن تُحْصُوا ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
لن تحصوا نتائج الاستقامة، يا ترى المستقيم سليم؟ سليم، الاستقامة تفضي بك إلى السلامة، يحفظ الله له ماله، ما أكل مالاً حراماً، يحفظ الله له أهله، ما اقترف فاحشة حتى يعاقبه الله بأن تزل قدم زوجته، هو عفيف فوهبه الله زوجة عفيفة، أولاده أبرار كان باراً بوالديه، الاستقامة تفضي إلى السلامة ـ هذه نتيجة ، والسعادة، والطمأنينة، والثقة بالله عز وجل، والتوفيق، والرزق، والسكينة. (( استقيموا ولن تُحْصُوا ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
بدءاً من سلامة الصحة وانتهاءً بسلامة العقيدة، بدءاً من سلامة حياتك المادية وانتهاءً بتألق حياتك الروحية. (( استقيموا ولن تُحْصُوا ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة :
والله أيها الأخوة، أحياناً مؤمن يستعرض تاريخ حياته، أمضى حياته في طاعة الله، كانت له بداية محرقة إذاً له نهاية مشرقة، الله عز وجل يقول: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
انظر الإنسان أحياناً يرتزق أو يسترزق، لكن هناك مستوى أعلى بكثير بعدما أصبح عنده كل وسائل الراحة؛ من بيوت، في المدينة بيت، وفي المصيف بيت، وفي الساحل بيت، ومركبات منوعة، شيء للسفر، شيء للحضر، شيء لأهله، شيء لأولاده، بعدما وصل إلى أكثر مباهج الدنيا يصبح همه الجمع، كان يسترزق ربه الآن همه الجمع فقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
دقق في هذا الحديث، قال النبي الكريم لأحد أصحابه قال: (( يا شداد إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
أي هناك أموال منقولة وغير منقولة، و هناك عملات صعبة، وعملات محلية. (( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات اللهم إني أسألك التثبيت في الأمور ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
أي إنسان بعد عمر معين ينتكس؟ يترك الصلاة؟ يقع في الفاحشة؟ لأنه ورد في بعض الآثار: (( أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد))
[ورد في الأثر]
الشاهد في الذي سيأتي: (( وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد؛ أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد ))
[ورد في الأثر]
يراهق بعد أن أصبح عمره خمسة وخمسين : (( أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد))
[ورد في الأثر]
على الإنسان أن يطلب من الله أن يمنحه الإرادة الكافية لتطبيق الحق :
إذاً: (( إني أسألك التثبيت في الأمور وعزيمة الرشد ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
الإرادة، الإنسان أحياناً يرى الحق حقاً لكن لا يملك إرادة كافية لتطبيق الحق. (( وعزيمة الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلباً سليماً ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
القلب السليم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يحتكم إلا إلى شرع الله، ولا يعبد إلا الله ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
(( ولساناً صادقاً ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
والشاهد: (( وخلقاً مستقيماً ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
هناك استقامة. (( وأستغفرك لما تعلم ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
من ذنوبي. (( وأسألك من خير ما تعلم ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
من خيري الدنيا والآخرة. (( وأعوذ بك من خير مما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم ))
[ أخرجه ابن حبان عن شداد بن أوس ]
من استقام على أمر الله يُستقم به :
أحياناً إنسان يتراءى له الشر خيراً، وهو في الحقيقة شر. ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2205/04.jpg
الآن الاستقامة لها هدف كبير جداً، هدف دعوي، نحن تكلمنا أن الإسلام كله مضغوط بكلمة واحدة، ثم استقامة اللسان، ثم بديل الجمع، والآن أحد نتائج الاستقامة أنك إذا استقمت يُستَقَم بك، الأمين وهو صامت يُعلّم الناس الأمانة، الصادق وهو صامت يُعلّم الناس الصدق، العفيف وهو صامت يُعلّم الناس العفة: (( استقيموا يستقم بكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]
يقول طبيب جراح جاءته هدية من إنسان غير مسلم أو مسلم عاص، الأصح مسلم عاص، و الهدية هي زجاجة خمر، قال له: هذه لا أقبلها، قال له: قدمها هدية، قال له: لا أقبلها ولا أقدمها هدية، يقول هذا المُهدي: والله بعد حين أحد أسباب توبتي عن الخمر رفض هذا الطبيب قبول هذه الهدية. (( استقيموا يستقم بكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]
صلِّ بالبيت ابنك يصلي، اعتذر من زوجتك إذا أخطأت معها تعلم ابنك الاعتذار، مثلاً هناك خطأ تكلمت به قل: أنا تكلمت خطأً أرجو المعذرة، وأنت مستقيم على أمر الله تُعلّم الاستقامة. (( استقيموا يستقم بكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]
الاستقامة تبدأ من القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2205/05.jpg
ثم يقول عليه الصلاة و السلام: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
الاستقامة تبدأ من القلب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الرعد الآية: 11 ]
الأمر يبدأ من القلب . (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
إذا استقام قلبه يستقيم لسانه، وإذا استقام لسانه ابتعد عن مئات المعاصي التي يسببها اللسان.
الإمام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ عدّ عشرات، بل بضع عشرات من المعاصي ترتكب عن طريق اللسان. تعريف الصحابة الكرام للاستقامة :
1 ـ سيدنا أبو بكر الصديق :
الآن الصحابة الكرام ماذا قال الصديق عن الاستقامة؟ قال: ألا تشرك بالله شيئاً، نظر للاستقامة من زاوية السبب، أنت حينما توحد لا تكذب، أمرك بيد الله، أنت حينما توحد لا تنافق، أنت حينما توحد لا تأخذ ما ليس لك، أنت حينما توحد لا تعتدي على أعراض الناس، أصل الاستقامة التوحيد، الله معك.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 4 ]
لذلك سيدنا الصديق نظر إلى الاستقامة من خلال سببها وهو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، المنافق لماذا ينافق؟ لأنه يتوهم أن هذا القوي أمره بيده، غير صحيح، الله تعالى قال: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
لا يمكن أن يقول لك الله: اعبدني ويسلمك إلى غيره أبداً، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
فالتوحيد أن لا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن الله وحده هو الرافع والخافض، والمعطي والمانع، والمعز والمذل، أبداً، فالتوحيد يأخذك إلى الاستقامة، هذا كلام سيدنا الصديق. 2 ـ سيدنا عمر :
أما سيدنا عمر نظر إلى ـ إن صحّ التعبير ـ آلية الاستقامة، الآلية أن تستقيم على الأمر والنهي، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، هذا الولي، وبتعبير قرآني رائع عرَّف الله أولياءه فقال:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
فقط، آمن بالله ثم استقم. (( قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك قال: قل: آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))
[ أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
فقط سيدنا عمر نظر إلى آلية الاستقامة فقال: أن تستقيم على الأمر والنهي. 3 ـ سيدنا عثمان :
سيدنا عثمان نظر إلى الجهة الباطنة فقال: الاستقامة أن تكون مخلصاً لله، كما تحدثنا في درس الإخلاص إن لم تخلص لا ينفعك لا كثير العمل ولا قليله، الاستقامة هي الإخلاص، لأن المؤمن عاداته عبادات، والمنافق عباداته سيئات، فنظر سيدنا عثمان إلى الناحية القلبية.
4 ـ سيدنا علي :
أما سيدنا علي تعريفه للاستقامة رائع قال: أدوا الفرائض، لن تقبل النوافل قبل أن تؤدي الفرائض، أدِّ الفرائض، افعل ما أمرك الله أن تفعله تكن أعبد الناس، فكل صحابي نظر للاستقامة من زاوية.
5 ـ الحسن رضي الله عنه :
الحسن رضي الله عنه يقول: الاستقامة أن تعمل بطاعته، وأن تجتنب معصيته ـ فتعريفه يشبه تعريف سيدنا عمر.
6 ـ مجاهد :
مجاهد قال: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، يشبه تعريف سيدنا الصديق.
7 ـ شيخ الإسلام ابن تيمية :
شيخ الإسلام يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة، أنت تطلب من الله الكرامة وهو يطلب منك الاستقامة.
أعظم كرامةٍ يكرم الله بها الإنسان أن يعرفه :
أنا أرى أن أعظم كرامة أن يعلمك ما لم تكن تعلم، أعظم كرامة أن يعينك على الاستقامة فقط، أعظم كرامة أن تعرفه، أعظم كرامة أن تستقيم على أمره، وانتهى الأمر، دعك من كل القصص التي لا تنتهي، أعظم كرامةٍ يكرمك الله بها أن تعرفه، أعظم كرامة يكرمك الله بها أن تستقيم على أمره، فالاستقامة عين الكرامة.
أيها الأخوة الكرام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب، وأن نفهم الدين فهماً يليق بذاته العلية، وأن ندع القيل والقال، وكثرة السؤال، وأن نلتزم أمر الواحد الديان.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : العلم والقراءات الايمانية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العلم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "العلم".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/01.jpg
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، إذا أردت أن تصل إلى الله فعليك بالعلم، ومن أجل أن تُقبل عند الله فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
أيها الأخوة، الإنسان هو المخلوق الأول رتبةً، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف أن يعبد الله، ولأن الله كلفه أن يعبد الله:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/02.jpg
ومنحه نعمة العقل، ومنحه فطرةً سليمة، ومنحه شهوةً تدفعه إلى الأعمال الصالحة، ومنحه اختياراً ليثمن عمله، وأعطاه وقتاً هو غلاف عمله.
إذاً أعطاه قوةً إدراكية، ميزه بها على سائر المخلوقات، لأنك من بني البشر أُعطيت قوةً إدراكية، الجماد شيء يشغل حيزاً، وله ثلاثة أبعاد، وله وزن، النبات شيء يشغل حيزاً، وله ثلاثة أبعاد، وله وزن لكنه ينمو، والحيوان شيء يشغل حيزاً، وله ثلاثة أبعاد، وله وزن وينمو كالنبات لكنه يتحرك، والإنسان شيء يشغل حيزاً، وله ثلاثة أبعاد، وله وزن وينمو كالنبات ويتحرك كبقية المخلوقات لكنه يفكر، إذاً أودع الله في الإنسان قوةً إدراكية ميزه بها على سائر مخلوقاته، لذلك أول كلمةٍ، في أول آيةٍ، في أول سورةٍ نزلت: ﴿ اقْرَأْ ﴾
[ سورة العلق الآية: 1 ]
أي اطلب العلم، والإنسان ما لم يطلب العلم ألغى إنسانيته. أعظم شيءٍ يتفضل الله به على الإنسان أن يعلمه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/03.jpg
الشيء الآخر: إن أعظم شيءٍ يتفضل الله به على الإنسان أن يعلمه، والدليل:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
الفضل العظيم لا أن تشتري أرضاً فيرتفع سعرها مئة ضعف، ولا أن تحتل منصباً رفيعاً، ولا أن تجمع ثروةً طائلةً، ولا أن يكون لك أولاد نجباء، ولا أن تكون وسيم الصورة، الفضل العظيم بنص القرآن العظيم من كلام خالقنا العظيم: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
إذاً العلم أحد أكبر أسباب الوصول إلى الله، لأن طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، أخطر شيء بحياة الإنسان أن تنطبق عليه الآية الكريمة: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
الإنسان لا يؤكد إنسانيته إلا إذا طلب العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/04.jpg
أيها الأخوة، الأخ التاجر يعلم حقيقة ما أقول، الخسارة مؤلمة جداً، جهود، وسفر، وأموال، وحركة كبيرة، ومصاريف عالية جداً، والنتيجة خسارة، إذا الإنسان خسر رأسماله كله مصيبة كبيرة فكيف إذا خسر الآخرة؟.
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 15 ]
لذلك: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
وإن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، لذلك أول كلمةٍ، في أول آيةٍ، في أول سورةٍ نزلت: ﴿ اقْرَأْ ﴾
أي اطلب العلم، لا تؤكد إنسانيتك إلا إذا طلبت العلم. الحق واحد أما الباطل فمتعدد :
أيها الأخوة، ولكن هذا العلم واسع جداً، النبي عليه الصلاة و السلام رأى رجلاً تحلق الناس حوله، فسأل سؤال العارف من هذا؟ قالوا: هذا نسابة، قال: ذاك علمٌ لا ينتفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به، لهذا من أدعيته:
(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))
[ أخرجه النسائي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/05.jpg
بالمناسبة: عمر الإنسان لا يحتمل إلا أن يستوعب الحق، أما الباطل لا تكفيه أعمار البشر، الباطل واسع والدليل: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 153 ]
الحق واحد، يمكن أن تستوعبه، أما الباطل فمتعدد. ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 153 ]
الحق واحد أما الباطل فمتعدد.
﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 257 ]
جمع. ﴿ إِلَى النُّورِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 257 ]
مفرد، فالحق واحد، فالبطولة أن تستوعب بهذا العمر القصير الحق، فإذا استوعبت الحق كان مقياساً لكل شيءٍ يصل إليك. على كل إنسان أن يطلب العلم الذي يوصله إلى الله عز وجل :
لذلك
﴿ اقْرَأْ ﴾
أي اطلب العلم، العلم الذي يوصلك إلى الله. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
[ سورة العلق ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/06.jpg
لذلك الإمام الغزالي يقول: "حيثما وردت كلمة العلم في القرآن والسنة فإنما تعني العلم بالله"، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
ما كل علمٍ ممتعٍ نافع، ما كل علمٍ ممتعٍ نافع مسعد، اطلب علماً، ممتعاً، نافعاً، مسعداً في الدنيا والآخرة. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
[ سورة العلق ]
أقرب شيء إليك جسمك الذي بين جنبيك، هناك آيات لا تنتهي، مثلاً: في شبكية العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، مئة وثلاثون مليوناً بميلي وربع، بواقع أنه في الميل الواحد مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما في أحدث آلة تصوير رقمية احترافية بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بالعين يوجد مئة مليون، العين أودع الله في مائها مادة مضادة للتجمد، فلو سافر إنسان إلى بلد الحرارة دون السبعين تحت الصفر تبقى عينه سليمة، الله عز وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/07.jpg
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
[ سورة التين ]
والله الذي لا إله إلا هو يمكن من خلال الآيات الباهرات التي أودعها الله في جسمك أن تصل إلى الله، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
باللقاء الزوجي يوجد ثلاثمئة إلى خمسمئة مليون نطفة، تحتاج البويضة إلى نطفة واحدة، هذه النطفة لا ترى بالعين، البويضة تساوي حجم ذرة الملح، فالإنسان إذا وضع على إصبعه شيء من لعابه، ووضعه على كمية ملح دون أن يضغط ليلتصق على يده بسبب لعابه طبقة واحدة من الملح، البويضة التي في المرأة تساوي حجم ذرة الملح، والحوين لا يرى بالعين، هذا الحوين وتلك البويضة بعد تسعة أشهر كائن، دماغ، أعصاب، عضلات، معدة، أمعاء، شرايين، أوردة، قلب، رئتين، كُليتان، أجهزة، الخلق الإنساني وحده من أعظم الآيات الدالة على عظمته. أنواع القراءات :
1 ـ قراءة البحث و الإيمان :
لذلك القراءة الأولى اسمها القراءة الإيمانية، قراءة البحث والإيمان، اطلب العلم من أجل أن تؤمن بالحقيقة العظمى، لأن:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
القراءة الأولى التي كلفك الله بها حينما أمرك أن تقرأ قراءة البحث والإيمان ﴿ اقْرَأْ ﴾
من أجل أن تؤمن، ﴿ اقْرَأْ ﴾
من أجل أن تعرف الله، ﴿ اقْرَأْ ﴾
أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، أسماؤه حسنى وصفاته فضلى، ﴿ اقْرَأْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/08.jpg
من أجل أن تعرفه، إنك أن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتك معرفته فاتك كل شيء، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾
باسم الرب الذي منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ﴿ اقْرَأْ ﴾
من أجل أن تعرف من إليه مصيرك. ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
[ سورة الغاشية ]
﴿ اقْرَأْ ﴾
اطلب العلم، لا يوجد وقت تستثمره كالوقت الذي يصرف في طلب العلم، لأن كل أمراض الجسم تنتهي عند الموت، معه ورم خبيث مات فلابأس، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، وبطلب العلم تتلافى أمراض النفس، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
والآية الصارخة العظيمة التي بين جنبيك هي جسمك، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
2 ـ قراءة الشكر والعرفان :
القراءة الثانية:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
[ سورة العلق ]
قراءة الشكر والعرفان، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد ﴿ اقْرَأْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/09.jpg
من أجل أن تشكر، الله عز وجل سخر هذا الكون لنا تسخيرين؛ تسخير تعريفٍ و تسخير تكريم، إنك إن عرفته، وإن وشكرته، ردك على تسخير التعريف أن تؤمن، وردك أيها الإنسان الموفق على تسخير التكريم أن تشكر، إنك إن آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، وإذا حققت الهدف من وجودك توقفت المعالجات الإلهية، والدليل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 147 ]
إنك إن آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، وأكدت ذاتك، وعرفت ربك، وسلمت، وسعدت في الدنيا والآخرة.
فلذلك القراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
اسم تفضيل منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
القراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان، والقراءة الأولى قراءة البحث والإيمان. 3 ـ قراءة الوحي والإذعان :
هناك قراءة ثالثة:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
[ سورة العلق ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/10.jpg
أي أعطاك عقلاً، أعطاك كوناً، جعل الله مبادئ العقل متوافقةً مع مبادئ الكون، ففي الكون كل شيءٍ له سبب، وعقلك من مبادئه أنه لا يفهم شيئاً بلا سبب، الكون يحكمه نظام السببية، وأكبر مبدأ بعقلك مبدأ السببية، فأنت لا تفهم شيئاً بلا سبب، وهناك مبدأ آخر الغائية، وكما أنك لا تفهم شيئاً بلا سبب لا تفهم شيئاً بلا غاية، وعقلك لا يقبل التناقض، لا يقبل أن تكون في دمشق وفي حلب في وقتٍ واحد، هذا تناقض، فهذا العقل ـ بمبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، وبتوافق هذه المبادئ مع خصائص الكون ـ أداة معرفة الله عز وجل.
لذلك هناك معرفة حسية أساسها الحواس الخمس، وهناك معرفة عقلية، لكن العقل مهمته محدودة، العقل يحتاج إلى شيء مادي أولاً يستنبط منه شيئاً آخر، أي هناك شيء ظهرت عينه وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، وهناك شيء غابت عينه وبقيت آثاره، أداة المعرفة به العقل، الماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماءٌ ذات أبرج وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير؟ القراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/11.jpg
القراءة الثالثة: وأي شيءٍ عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، هذه قراءة الوحي والإذعان، عقلك لا يعلم كيف بدأ الكون الله عز وجل قال: ﴿ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 33 ]
فأي شيءٍ عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، فالقراءة الثالثة قراءة الوحي والإذعان، إذاً أنت مكلفٌ أن تقرأ قراءة البحث والإيمان، ثم أن تقرأ قراءة الشكر والعرفان ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/12.jpg
ثم كلفك الله أن تقرأ قراءة الوحي والإذعان ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
صار هناك معرفة حسية، ومعرفة عقلية، ومعرفة إخبارية، ففي جزء من إيماننا إيمان حسي يقيني.
أي النار تشتعل، الضوء متألق، المروحة تدور، معرفة حسية، الكهرباء موجودة معرفة عقلية، ما يوجد هذه الخزانة معرفة إخبارية، لذلك الوحي أخبرك عن كل شيءٍ عجز عقلك عن إدراكه، أي العقل ميزان غال جداً، مثلاً ميزان إلكتروني فيه ذواكر كثيرة، مصمم لبقالية، حدود استعماله من خمس غرامات لخمسة كيلو غرام، ما دمت تستخدمه بين هذين الحدين يعطيك نتائج رائعة جداً، أما إذا خطر في بالك أن توزن به سيارة، وضعته على الأرض وسرت فوقه حطمته، ليس جيداً! هذا الميزان لم يصمم لوزن مركبتك، مركبتك صنعتها شركة محترمة جداً، وضعت لك لوحة صغيرة في مكان ما تخبرك عن وزن السيارة، فعندما تفكر أن تستخدم عقلك بأشياء مغيبة عنك من دون وحي تضل، فالعقل له مهمة محدودة.
لذلك القراءة الثالثة: قراءة الوحي والإذعان، قراءات ثلاثة؛ قراءة البحث والإيمان، قراءة الشكر والعرفان، قراءة الوحي والإذعان. 4 ـ قراءة العدوان والطغيان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/13.jpg
لكن هناك قراءة رابعة ونعوذ بالله من هذه القراءة، قراءة العدوان والطغيان، تفوق علمي، تفوق انتهى بقنبلة نووية، وقنبلة عنقودية، وقنبلة انشطارية، وقنبلة حارقة خارقة، وأسلحة فتاكة، وقنابل تلغي الاتصالات، وقنابل تبيد البشر ويبقى الحجر، ألقيت واحدة قبل سقوط بغداد، يفنى البشر ويبقى الحجر، فهذا العقل البشري حينما تحرك بحركةٍ لا ترضي الله وصل لنتائج كبيرة جداً ولكنها تقوم على تدمير البشر، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾
[ سورة العلق ]
بعلمه، هنا الطغيان بالعلم، هذه الأسلحة الفتاكة، هذا الكيد، هذا السيناريو المتقن: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق ]
قوم عاد مثال للأمة الطاغية التي تفوقت في شتى المجالات :
لذلك الله عز وجل ضرب مثلاً على الأمم الطاغية قوم عاد فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
[ سورة الفجر ]
أي تفوقوا في شتى المجالات؛ تفوقوا في العمران، قال تعالى: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
و كذلك تفوقوا صناعياً وعمرانياً وعسكرياً: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
تفوق عسكري وتفوق علمي. ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾
[سورة العنكبوت]
فقوم عاد ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
تفوقت عمرانياً، وتفوقت صناعياً، وتفوقت عسكرياً، وتفوقت علمياً. قوم عاد نموذج للأقوام المستعلية التي دمرها الله عز وجل :
مع هذا التفوق والبعد عن الله كانوا متغطرسين، وقالوا:
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
[ سورة فصلت الآية: 16]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2221/14.jpg
لكن الله سبحانه وتعالى أكّد تفوقهم فقال: فما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوةً، إلا قوم عادٍ حينما أهلكهم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
[ سورة فصلت الآية: 15 ]
أي وقتها ما كان فوق عادٍ إلا الله، ضرب الله لنا هذا المثل بقوم عاد: ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
[ سورة الفجر ]
أي بالأسلحة الفتاكة يقصفون، وبالأفلام الإباحية يفسدون، ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
وذكرنا فقال: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى ﴾
[ سورة النجم ]
معنى ذلك هناك عاد ثانية هي مناط البحث.
شيء آخر كيف أهلكهم؟ بالأعاصير: ﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾
[ سورة الحاقة ]
حاجة الحق إلى القوة :
إذاً في هذه السورة الأولى فيها أربع قراءات: قراءة البحث والإيمان، وقراءة الشكر والعرفان، وقراءة الوحي والإذعان، وقراءة العدوان والطغيان، نعوذ بالله من القراءة الرابعة، ينبغي أن نتفوق عسكرياً، لكن هذا التفوق في خدمة الحق، عندهم في الغرب أنت قوي إذاً أنت على حق، أما عندنا في وحي السماء القوة أن تكون على حق، والحق يحتاج إلى قوة.
فلذلك أيها الأخوة، مع الأسف الشديد المسلمون في عصور التخلف، في عصور البعد عن الله، في عصور التفلت، استبدلوا بكلمة ﴿ اقْرَأْ ﴾
كلمة ارقص، هذه المشكلة الكبيرة، نحن أمة ﴿ اقْرَأْ ﴾
فلما غفلنا عن الله أصبحنا أمة ارقص، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا بعودتنا إليه، واصطلاحنا معه، وإقبالنا عليه، وطاعتنا له، فالله سبحانه وتعالى ينتظرنا، وإذا اصطلح العبد مع الله عز وجل: (( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله))
[ورد في الأثر]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 07:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : انواع العلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العلم أحد أكبر أسباب الوصول إلى الله :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع العلم كأحد أكبر أسباب الوصول إلى الله، وبرنامجنا: "سبل الوصول وعلامات القبول".
أولاً: الإنتاج العقليُّ والشعوريُّ للبشرية لا يزيد عن علمٍ وفلسفة، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، العلم تحكمه القوانين، أي علاقة ثابتة بين شيئين مقطوعٌ بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، فإن لم يكن مقطوعٌ بصحتها كانت وهماً، أو شكاً، أو ظناً، العلم يقيني، العلم قطعي، علاقةٌ بين شيئين، مقطوعٌ بصحتها، تطابق الواقع، لو لم تطابق الواقع لكانت جهلاً محضاً.
مثلاً تركب مركبة، تألق ضوءٌ أحمر، إذا توهمت أن هذا الضوء تألق تزييني فهذا جهل، الواقع هذا الضوء تألق تحذيري، نقص الزيت في المحرك، فإذا فهمت أن هذا التألق تزييني فهذا هو الجهل بعينه، أما إذا فهمته تحذيرياً فهذا هو العلم، يطابق الواقع، عليه دليل، من دون دليل تقليد، والله عز وجل لا يقبل إيمانك تقليداً، الدليل:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد الآية: 19 ]
ما قال: فقل، لو قَبِل الله الإيمان تقليداً إذاً لكانت كل الفرق الضالة ناجيةً عند الله، لأنها قلدت من أمرها أن يقول كذا وكذا، إذاً العلم علاقةٌ بين شيئين، مقطوعٌ بصحتها، ليست شكاً، ولا وهماً، ولا ظناً، تطابق الواقع عليها دليل، بتعريفٍ مختصر العلم ما طابق الواقع مع الدليل، العلم واقع، العلم ما هو كائن، الفلسفة ما يجب أن تكون، أبواب الفلسفة فلسفة المعرفة معرفة الله عز وجل، فلسفة الوجود وجود الله عز وجل، فلسفة القيم، نحن في العلم، لذلك قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/01.jpg
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾
[ سورة النجم ]
ما لم تكن حياتك كلها يقينيات لا تنجو، الناس يعيشون الأوهام، فكرة بلا دليل، دليل غير صحيح، دليل ظني، ما لم تكن حياتك مبنيَّةً على اليقينيات القطعية لا ينجو أحدنا من عذاب الله، والدليل: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
والدليل الآخر علة وجود أهل النار في النار الجهل. ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
[ سورة الملك ]
طلب العلم يفضل نوافل العبادات :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً: أن العلاقة بين أي أمرٍ إلهيٍ وبين نتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أي الأمر الإلهي في بذور نتائجه، إن كنت أميناً وثق الناس بك، إن كنت رحيماً رحمك الناس، الآن الطريق الوحيد إلى معرفة الله هو العلم، والدليل:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/02.jpg
إنما أداة قصر وحصر، أي ما لم تطلب العلم لن تخشى الله، الشيء الذي يغيب عن ذهن بعض الناس أن: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم، أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فريضة، وطلب العلم لا يقل فرضيةً عن أداء الصلاة. ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
طبعاً على كل شخصٍ مسلم، أي مسلم ومسلمة، بل إن طلب العلم يفضل في ثمراته نوافل العبادات ـ طبعاً الفرائض فوق كل شيء ـ طلب العلم يفضل في ثمراته نوافل العبادات، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة، وطلب العلم يوماً خير من صيام ثلاثة أشهر ))
[كنز العمال عن ابن عباس]
طلب العلم يفضل نوافل العبادات: (( تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، منار سبيل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح عند الأعداء، والزين عند الأخلاء، القرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الجنة قادة ))
[كنز العمال عن معاذ بن جبل]
أنواع العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/03.jpg
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: هناك علمٌ بالله، وعلمٌ بأمره، وعلمٌ بخلقه، تقسيم دقيق جداً؛ علمٌ بالله، وعلمٌ بأمره، وعلمٌ بخلقه، أو علمٌ بالحقيقة، إن شئت أن تسمي ذلك حقيقةٌ، أو علمٌ بالشريعة، أو علمٌ بالخليقة، العلم بالله أصل الدين، أصل الدين معرفة الله، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من أمر الآمر، العلم بالله أصل الدين، والعلم بأمره أصل العبادة، والعلم بخلقه أصل صلاح الدنيا، الله عز وجل في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة تقترب من الألف آية دعا إلى العلم به، من خلال التفكر في خلق السموات والأرض فقال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الأوامر في القرآن الكريم شمولية أو تفصيلية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/04.jpg
الآن هناك أوامر تفصيلية. ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق ]
النطفة لا ترى بالعين، البويضة كحبة الملح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾
[ سورة الطارق ]
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾
[ سورة عبس ]
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾
[ سورة الغاشية ]
أمر شمولي ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
وأوامر تفصيلية، ومن الأوامر التفصيلية: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
آيات الله عز وجل في الآفاق و جسم الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/05.jpg
أيها الأخوة الكرام، أمثلة انظر إلى الشمس واسأل من رفعها ناراً؟ من نصبها مناراً؟ من ضربها ديناراً؟ من علقها في الجو ساعة يدب عقرباها إلى قيام الساعة؟ من الذي أتاها معارجها؟ وهداها أدراجها؟ وأحلها أبراجها؟ ونقل في سماء الدنيا سراجها؟ الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابها بأجزائه وفصوله، لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه، ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها، تحطمت القرون على قرنها، ولم يمحُ التقادم لمحة حسنها، تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، لسان اللهب يزيد طوله عن مليون كيلو متر، الحرارة في جوفها عشرون مليون درجة، لو ألقيت الأرض في جوفها لتبخرت في ثانيةٍ واحدة، الذي خلق الشمس والقمر، والليل والنهار، هذا الإله يعصى؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ ألا يخطب وده؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/06.jpg
هناك نجم اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 53 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/07.jpg
انظر إلى القلب، انظر إلى القلب في فعله وأثره، وغرضه ووطره، وقدرِه وقدرَه، وحيطانه وجدره، ومنافذه وحجره، وأبوابه وستره، وكهوفه وحفره، وجداوله وغُدره، وصفائه وكدره، ودأبه وسهره، ينبض القلب في الجنين ولا يقف إلا حينما يحين الحين، لا يغفل ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمد ولا يخبو، ولا يمل ولا يشكو، هو دائبٌ صبور بأمر الذي أحسن خلقته، وأعدّ له عدته، وأوقد فيه جذوته، وقدر له أجله ومدته، يعمل من دون راحة، ولا مراجعة، ولا توجيه.
أي الإنسان الذي عنده بيت متوسط، يستهلك بالعام ألف لتر وقوداً سائلاً، هذا القلب يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، قلب كل واحدٍ منا يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، تجري في مئةٍ وخمسين كيلو متراً من الأوعية، طول الأوعية لو وصلناها مع بعضها هو مئة وخمسون كيلو متراً، ويضخ في عمرٍ متوسط لإنسان عاش ستين سنة ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة فصلت ]
النمل آية من آيات الله الدالة على عظمته :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/08.jpg
خذ مخلوقاً مألوفاً ـ هذا كلام سيدنا علي ـ انظر إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها وصبت على رزقها؟ تنقل الحبة إلى جحرها وتعدها في مستقرها، حينما تضع الحبة في جحرها تأكل رشيمها ـ لو لم تأكل هذا الرشيم لنبتت القمحة، كأنها دارسة، هذا الرشيم كائن حي إذا جاءته الرطوبة نما، تأكل الرشيم، حبة العدس لها رشيمان، النملة تأكل الرشيمين معاً ـ تنقل الحبة إلى جحرها تُعدها في مستقرها، إن هاجمها عدو ترسل رسالة استغاثة، إذا كان بإمكان زميلاتها أن ينقذنها، أما إذا كان العدو شرساً جداً إشارة أخرى ابتعدوا عن المذبحة، الله عز وجل أثبت للنملة المعرفة:
﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة النمل ]
أثبت لها المعرفة، وأثبت لها الكلام، تجمع في حرها لبردها، وفي وردها لصدرها، مكفولةٌ برزقها، مرزوقةٌ بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، الله يعلم دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/09.jpg
أخواننا الكرام، هناك بحوث علمية عن النمل شيء لا يصدق، أي كيف عندنا تربية، وجيش، وتعليم، وتصنيع، وزراعة، وإنشاء بيوت، بحث طويل، لو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراشيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، لقد صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود الآية: 6 ]
انظر إلى النبات، انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة، كيف نمت من حبةٍ؟ وكيف صارت شجرة؟ فابحث وقل: من ذا الذي يخرج منها الثمرة؟ وانظر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة، من ذا الذي أوجدها في الجو مثل الشررة؟ وانظر إلى الليل فمن أوجد فيه قمراً؟ وزانه بأنجمٍ كالدرر المنتثرة؟ وانظر إلى الغيم فمن أنزل فيه مطراً فصيّر الأرض به بعد اصفرار خضرة؟ ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة، ذو حكمةٍ بالغةٍ، وقدرةٍ مقتدرة. أعظم العلوم معرفة الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/10.jpg
أخواننا الكرام، أعظم العلوم أن تعرف الله، شرف العلم من شرف مضمونه، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء: (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[تفسير ابن كثير]
التفكر في خلق السماوات والأرض أعظم عبادة، لأنك إن عرفت الله قدرته حق قدره. ﴿ ليلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
[ سورة القدر ]
أي أن تعبد الله ثمانين عاماً عبادة جوفاء تعدلها ليلةٌ واحدة، ﴿ ليلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
لكل شيءٍ عماد وعماد الدين الفقه :
البحث طويل، هذا عن العلم بالله، فماذا عن العلم بأمر الله؟ أنت حينما تعرف الله تتشوق نفسك إلى أن تتقرب إليه، كيف التقرب إليه؟ بتطبيق أمره ونهيه، لذلك أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بعد أن تتعرف إلى الله تشعر بحاجة كبيرة جداً إلى أن تتقرب إليه، الآن تبحث عن أمره ونهيه، يأتي العلم بأمر الله، العلم بالله هذا الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ينطق بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أما بعد أن تعرف الله ـ ما الحلال؟ ما الحرام؟ ما الذي ينبغي؟ ما الذي لا ينبغي؟ ما الذي يجوز؟ ما الذي لا يجوز؟ ماذا يرضي الله؟ ـ تأتي الحاجة ملحةً إلى معرفة أمره ونهيه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/11.jpg
أيها الأخوة الكرام، الشريعة عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، مصلحةٌ كلها، حكمةٌ كلها، أية قضيةٍ في الشريعة خرجت من العدل إلى الجور، من الرحمة إلى ضدها، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل، هذا الشرع يتناسب مع عظمة الله، ومع كمال الله.
لذلك دخلنا في علمٍ آخر هو علم الشريعة، قال عليه الصلاة والسلام:
((إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
[أخرجه البخاري و الطبراني عن معاوية ]
وفي الحديث الشريف الصحيح: (( قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة ))
[ أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/12.jpg
بالفقه يأتي العمل مطابقاً للسنة، بالفقه تلاحظ الإخلاص، العمل الصالح من دون إخلاص لا ينفع كثيره ولا قليله، بل إن التفقه في الشريعة بعد معرفة الله يعد من أفضل العبادات، أي أن تسأل ما الحلال في البيع والشراء؟ ما الحرام؟ أين توجد الشبهات؟ هذا اللقاء يقبله الله؟ مشروع عند الله؟ هذه الصفقة مشروعة؟ علامة المؤمن أنه يسأل، والله قال: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
أهل الذكر أهل القرآن، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( ما عُبد الله عز وجل بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد ))
[ البيهقي عن أبي هريرة ]
ولكل شيءٍ عماد وعماد الدين الفقه، إذاً علمٌ بالله من أجل أن تعرفه، علمٌ بأمره ونهيه من أجل أن تعبده. علم الخليقة :
بقي علمٌ آخر طبعاً العلم بالله يحتاج إلى مجاهدة، جاهد تشاهد، العلم بالأمر والنهي يحتاج إلى مدارسة، بقي علم الخليقة هذا اختصاص جامعات العالم، أي فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب، هندسة، فلك، تربية، علم نفس، علم اجتماع، هذه علوم الخليقة، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
[ سورة لقمان الآية: 20 ]
طبعاً العالم الغربي تفوق علينا كثيراً في علم الخليقة، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا العلم، هذا العلم سبب قوتنا، عندما أتقن علم الخليقة فرض علينا ثقافته، وإباحيته، وإرادته، تعلم العلوم المادية يحقق عمارة الأرض عن طريق استخراج ثرواتها، واستثمار طاقاتها، وتذليل الصعوبات، وتوفير الحاجات، قال تعالى: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾
[ سورة هود الآية: 61 ]
أي نحن مكلفون من قبل الله أن نعمر الأرض باكتشاف الثروات، تصنيع الثروات، استصلاح الأراضي، إنشاء السدود، تطوير الزراعة، هذا كله واجباتنا. أحد أسباب قوة المسلمين تعلم العلوم المادية :
أيها الأخوة الكرام، تعلم العلوم المادية أحد أسباب قوة المسلمين، فالتعلم والتعليم قوام هذا الدين، ولا بقاء لجوهره، ولا ازدهار لمستقبله إلا بهما، والناس أحد رجلين متعلمٌ يطلب النجاة، وعالمٌ يطلب المزيد، وقد قال عليه الصلاة و السلام: (( العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيه ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2306/13.jpg
الناس رجلان؛ عالمٌ ومتعلم ولا خيرٌ فيمن سواهما، قيل: تعلموا العلم؛ إن كنتم سادةً فقهتم به، إن كنتم وسطاً سدتم، إن كنتم سوقةً عشتم، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، لذلك لابد من أن تكون: (( اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة]
تعليقاتٌ سريعة: العلم الذي نرتزق منه وكفى، حرفةٌ من الحرف، نرتزق منه فقط ولا نعرف الله به، العلم الذي لا يصل تأثيره إلى نفوسنا، حذلقة لا طائل منها، العلم الذي يجعلنا نتيه على غيرنا نوعٌ من الكبر، العلم الذي يعطل فينا المحاكمة السليمة نوعٌ من التقليد، العلم الذي يوهمنا أننا علماء كبار نوعٌ من الغرور، العلم الذي يسعى إلى تدمير الإنسانية الأسلحة الجرثومية، القنابل العنقودية، هذا العلم نوعٌ من الجريمة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ودعاءٍ لا يُسمعُ، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن علمٍ لا يَنفَع ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أيها الأخوة الكرام، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد العاشر )

الموضوع : الاتباع لا الاتباع







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الاتباع :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:" سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الاتباع".
اتبع لا تبتدع، المعنى اللغوي للاتباع أن يسير الرجل وأنت تسير وراءه، هذا المعنى اللغوي، أما المعنى الاصطلاحي يأتي في آيةٍ كريمة يقول الله عز وجل:
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 157 ]
في سنته القولية، والفعلية، والإقرارية. ﴿ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الاتباع أن تتبع ما في القرآن الكريم من أمرٍ ونهيٍ، وما في حديث رسول الله الصحيح من أمرٍ أو نهيٍ. في الاتباع طريقان لا ثالث لهما؛ العقل أو الشهوة :
لكن مما يلفت النظر أن في الاتباع طريقين لا ثالث لهما، إما أن تتبع العقل، أو أن تتبع الشهوة، إما أن تؤثر الدنيا، أو أن تؤثر الآخرة، لذلك الإتباع الأول الخيار الأول:
﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 106 ]
ويا أيها المؤمنون اتبعوا وحي السماء. ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية:106 ]
أما الخيار الثاني: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾
[ سورة النور الآية: 21 ]
الخياران معاً: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
أي الخيارات ليست واسعة جداً، إما أن تتبع الحق أو الباطل، الخير أو الشر، الآخرة أو الدنيا، المبادئ والقيم أو الشهوات والحاجات، إما أن تكون رحمانياً أو أن تكون شيطانياً، خياران لا ثالث لهما. من اتبع هواه بغير هدىً من الله ظلم نفسه وحرمها السعادة الأبدية :
لكن الفكرة الدقيقة حتمية اتباع أحد الخيارين، لا يوجد حالة ثالثة، والدليل: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
إن لم تكن على الحق ـ لا سمح الله ولا قدر ـ فأنت على الباطل قطعاً، إن لم تتبع هدى الله عز وجل فأنت تتبع الهوى قطعاً. ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
كأن المعنى المخالف أنه بإمكانك أن تتبع الهوى وفق منهج الله، اشتهيت المرأة تتزوج، يأتيك أولادٌ أبرار، فتياتٌ مشفقات، يأتيك أصهارٌ خيرون.
لذلك: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
لأنه ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
معنى ذلك أنك إذا اتبعت الهوى بغير هدىً من الله ظلمت نفسك، وحرمتها السعادة الأبدية. أنواع أخرى من الاتباع :
1 ـ اتباع سبيل الكفار و المنافقين :
الآن هناك أنواع أخرى من الاتباع لكنها في مجموعها يصب في خانة اتباع الشيطان، من هذه الأنواع:
﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 115 ]
المؤمنون لهم في أفراحهم مبادئ، لهم في أتراحهم مبادئ، لهم في بيعهم وشرائهم مبادئ، لهم في لقاءاتهم مبادئ، لهم في غَيبتهم مبادئ، هناك مبادئ وقيم تحكم المؤمنين، فالذي يشذ عنهم ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
طبعاً وقطعاً هو يتبع سبيل الكفار والمنافقين. ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
[ سورة النساء ]
موضوعٌ خطيرٌ جداً. 2 ـ اتباع الظن :
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾
[ سورة النساء الآية: 157 ]
أي سمع أن هناك إنساناً جيناته شاذة إذاً لا يحاسب، أنت متأكد؟ كلينتون قبل أن تنتهي ولايته ألقى قنبلةً علمية هي الخارطة الجينية، قال: الجينات لا علاقة لها بالسلوك، أناسٌ كثيرون يتوهمون أن المنحرف له جينات خاصة، انطلاقاً من هذه الفكرة الواهمة الآن المنحرف يعطى شهادة، ويسترد مكانته الاجتماعية. ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾
[ سورة النجم الآية: 23 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/01.jpg
هناك دليل إيماني، هل من الممكن أن الله عز وجل يبرمج الإنسان برمجة خاطئة ويحاسبه؟ هناك آلاف الأفكار لم تثبت، هي أوهام، موضوع دارون مريح، لكنه حقيقة باطلة لا أصل لها، لكنها مريحة لأنه لا يوجد حساب، لا يوجد إله، من أنواع الاتباع التي تصب في خانة الشيطان اتباع الظن، فكرة غير صحيحة لم تثبت، قرأها بكتاب وتعلق بها، أعجبته لأنها مريحة.
أي إذا أراد شخص شراء سيارة ولم يشترِ بعد، والثاني أراد شراء سيارة واشترى، سرت إشاعة أن هناك مشروع قانون بتخفيض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يكذب الإشاعة، من دون دليل يكذبها، والذي لم يشترِ يصدقها من دون دليل.
إذاً أنت عندك إمكانية أن تكذب شيئاً من دون دليل، وتصدق شيئاً من دون دليل، هذا هو الظن، ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾
إذاً أن تتبع غير سبيل المؤمنين اتباعاً فرعياً يصب في خانة الشيطان، إن تتبع الظن اتباعاً فرعياً يصب في خانة الشيطان. 3 ـ اتباع سبيل المفسدين :
الآن:
﴿ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
المفسدين أرادوا إظهار العورات، وتعرية المرأة، وإظهارها على الشاشة، فهناك من يطرب لهذه البرامج، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
هؤلاء مفسدون، هؤلاء يدمرون آخرة الإنسان، دقق: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾
[ سورة هود ]
قبل أن يرحل عن منصبه قال: أنا عنيد، أكبر خطأ من أخطائي أنني لا أعترف بخطئي، وقال: أنا كل معلوماتي عن سلاح الدمار الشامل غير صحيحة.
إذاً: ﴿ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾
القوي الطاغية يخضع له الناس، اتقاءً لشره، وطلباً للمغانم، هذا اتباعٌ يصب في خانة الشيطان ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾
لذلك ورد أنه: ((سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء))
[ أخرجه الطبراني عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده]
هم يقيمون العدل لكن ليسوا على منهج النبي تماماً، أي سكنوا بالقصور وترفهوا: (( ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة ))
[ أخرجه الطبراني عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده]
يبنون أمجادهم على أنقاض الشعوب، يبنون حياتهم على موت الشعوب، يبنون عزهم على إذلال الشعوب، هؤلاء جبابرة هؤلاء أغبى خلق الله. نتائج اتباع منهج الله عز وجل :
1 ـ يخرج المسلم بالاتباع من الظلمات إلى النور :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/02.jpg
الآن إذا اتبعت منهج الله ما النتائج؟ قال:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 16 ]
أنت في سلام مع نفسك، مستقيم، تنام قرير العين، تشعر كأنك ملك، لا يوجد إنسان له عندك حق، لن تظلم أحداً، السلام مع نفسك، في بيتك، اخترت امرأةً صالحة، وفية، ترعاك، ترعى أولادك، ربيت أولادك تربيةً صالحة، هم أبرار، عاملت الناس بالأمانة والصدق يحبونك، ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
ولعلي اشتققت عنوان هذا الدرس سبل الوصول وعلامات القبول من: ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 16 ]
إنسان في عمى والثاني في ضوءٍ ساطع، فرق كبير. ﴿ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة المائدة ]
صراط مستقيم، يخرج المسلم بالاتباع من الظلمات إلى النور، ويهديه الله ﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
2 ـ لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :
ثمرة أخرى:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه ]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه. 3 ـ لا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت :
الآن:
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 38 ]
لا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقيَّ من سعادة الدنيا؟ لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
شيء آخر: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد الآية: 28]
سقط عملهم ولو أنه صالح، إما أن يصبح العمل سيئاً، والله أعرف إنساناً بالثمانين بنى كازينو، ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾
أصبحت أعمالهم ساقطة، وإن كان لهم عمل طيب باتباع الشيطان سقط الأجر والثواب. الله عز وجل لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل :
الآن الله عز وجل لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل قال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 31 ]
ما قبل دعوى محبته إلا بالدليل، والذين قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
بماذا ردّ الله عليهم؟ قال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
وإذا قال المسلمون اليوم: نحن أتباع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الرد الإلهي جاهز:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
وازن، أحياناً إنسان بوظيفة دخلها مرتفع، وبتجارة دخلها معتدل، قريبان من بعضهم، لكن إن قارنا بين إنسان يتمتع في بيت مع أهله وأولاده، وإنسان بالسجن، مسافة كبيرة جداً. الموازنة بين المتبع وبين غير المتبع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/03.jpg
اسمع الموازنة بين المتبع وبين غير المتبع: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران ]
المسافة كبيرة جداً، إنسان في النور، إنسان في الظلام، إنسان في النار، إنسان في الجنة، إنسان في التوفيق، إنسان في التعسير، إنسان في السعادة، إنسان في الشقاء، ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
الآن: ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾
[ سورة يونس الآية: 15 ]
الذين آمنوا بالدنيا، وكفروا بالآخرة: ﴿ ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا ﴾
[ سورة يونس الآية: 15 ]
في تشديد، في تزمت، في تضييق. ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
[ سورة يونس الآية: 15 ]
الآن أعلى إنسان في الكون، سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم قال: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
[ سورة يونس الآية:15 ]
إنما أنا متبع قال سيدنا الصديق: ولست بمبتدع. ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة يونس ]
مثل بهم يا رسول الله كما مثلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً، عدل. ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 56 ]
الآية التالية هي محور التفاعل بين المسلمين وغير المسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/04.jpg
أما الآية التي هي محور التفاعل بين المسلمين وغير المسلمين: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 73 ]
أي الطرف الآخر لا يوجد عنده مانع، تنشئ مساجد، تعمل احتفالات، تعقد مؤتمرات، كله سهل، لكن المنهج التفصيلي يريد أن تبدله، أما الفلكلور لا يوجد عنده مانع أبداً، بالعكس، بأكبر مكان يحارب فيه الإسلام هناك مظاهر إسلامية صارخة. ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
العلاقات تطبع ساعتئذ، تطبيع علاقات ﴿ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
﴿ إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 75]
أي جهود العالم الغربي مع المسلمين وفق هذه الآية، ﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
القرآن ثابت فالتف الآخر عليه بالفتاوى أو بإلغاء السنة أو بالتأويلات الباطلة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/05.jpg
الآن القرآن ثابت، التفوا عليه بالفتاوى، التفوا عليه بإلغاء السنة، التفوا عليه بالتأويلات الباطلة. ﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 130 ]
أما إذا كانت النسب قليلة فلا مانع من ذلك، فالالتفاف كان بالتأويل، أو التفاف بالفتاوى، أو التفاف بإلغاء السنة، الهدف ﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 108 ]
﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 36 ]
على الإنسان أن يكون مع الأقلية المؤمنة لا مع الأكثرية الشاردة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/06.jpg
والأمر الإلهي لنا جميعاً: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
إياك أن تستشير إنساناً شرد عن الله، إياك أن تستنصحه، إياك أن تأتمر بأمره: ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾
[ سورة لقمان الآية: 15 ]
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
لكن لا تغتر بالأكثرية، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
كن مع الأقلية المؤمنة ولا تكن مع الأكثرية الشاردة، كن مع الأقلية المنضبطة ولا تكن مع الأكثرية المتفلتة. صفات الفرق الضالة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/07.jpg
النقطة الدقيقة أيها الأخوة، الحق واحد والباطل متعدد. ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[سورة الأنعام ]
السبل، أي الدين حينما ينحرف يؤله الأشخاص، يخفف التكاليف، يعتمد نصوص موضوعة غير صحيحة، والنزعة العدوانية، أربع صفات تنتظم كل الفرق الضالة؛ تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد نصوص ضعيفة أو موضوعة، والنزعة العدوانية، وملة الكفر واحدة من قديم الزمان إلى الآن: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ ﴾
يملؤون العين، بيت، مركبة، تجارة. ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
وهناك آلافٌ مؤلفة يقولون لك: إن سرت في طريق الإيمان تهلك، ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾
بطولة الإنسان لا أن يتبع أهل الحق حينما ينصرهم الله بل يتبعهم في ساعة العسرة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2410/08.jpg
البطولة لا أن تتبع أهل الحق حينما ينصرهم الله عز وجل، البطولة أن تتبع أهل الحق في ساعة العسرة، اسمع إلى قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 117 ]
أحياناً يكون هناك حزب، أعضاؤه بالسجون، معذبون، ثم يتولى الحكم، بعد تولي الحكم يدخل في هذا الحزب ملايين، لأنه أصبح هناك مغانم كثيرة، البطولة أن تكون حزبياً وقت السجون، هذا معنى للتقريب، ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾
مع الشدة، مع الضيق، مع الخوف، أي سيد الخلق وحبيب الحق يمشي فيرى عمار بن ياسر يُعذب حتى الموت لا يستطيع إنقاذه، فيقول: (( اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة ))
[ أخرجه الطبراني عن عثمان بن عفان ]
ما بيده شيء، والحكمة البالغة أن النبي ضعيف حتى يكون الإيمان به ثميناً جداً، لو كان قوياً الكل يؤمن به خوفاً منه، أو طمعاً بما عنده، البطولة أن تؤمن بالحق والحق ضعيف، ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾
البطولة والحق ضعيف، والإسلام محارب في العالم الإسلامي كله أن تتبع هذا الدين العظيم، لكن تتبع وتنتظر بعد أيام تصبح غنياً كبيراً؟ لا. ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾
[ سورة يونس ]
الله حكم قبل شهر أو شهرين على النظام العالمي الغربي بالدمار، والله الذي حدث ليس بشيء أمام ما سيحدث، إفلاسات، انهيار أنظمة بأكملها، إفلاس شركات، إفلاس بنوك، هذه الضربة الإلهية، ﴿ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾
بطولة الإنسان أن يبتغي الرفعة عند الله عز وجل :
لكن مع الأسف الشديد هؤلاء الفقراء الذين عرفوا ربهم أكثرية في الاتباع. ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾
[ سورة هود الآية: 27 ]
الفقراء، أي موظف بسيط، بيته ستون متراً، أي يخاطب هؤلاء النبي الكريم أن هؤلاء أتباعك، النبي قال لأحد أصحابه: "أهلاً بمن خبرني به جبريل، قال: أوَ مثلي؟ قال: يا أخي أنت خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء"، البطولة أن تبتغي الرفعة عند الله. التفسير القرآني لواقع المسلمين :
أما التفسير القرآني لواقع المسلمين:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
[ سورة النور الآية: 55 ]
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
[ سورة مريم ]
وقد لقينا ذلك الغي، هذا التفسير الدقيق لحال المسلمين الآن، ﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
مع الأسف الشديد هناك من يتوهم أنك إذا صليت، واستقمت، وحجبت زوجتك، تُدمر، من قال لك ذلك؟ تعلو عند الله. ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية: 57 ]
مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل.
أيها الأخوة الكرام، للموضوع تتمة إن شاء الله، لكن هذا من أخطر الموضوعات، قالوا: ثلاث نصائح تكتب على ظفر: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع، انفق مالك باعتدال، ابقِّ باعتدال، الورع لا يتسع، اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : الرؤيا الصحيحة للاتباع والابتداع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من لم يتبع منهج الله عز وجل لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الاتباع كموضوعٍ أساسي في: "سبل الوصول وعلامات القبول".
الحقيقة الأولى: لو نظرتم إلى رجلٍ أُعطي من الكرامات حتى طار في الهواء، أو مشى على وجه الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وعند الحلال والحرام، وحفظ الحدود، لو أُعطيت من الكرامات ما أُعطيت لا ترقى عند الله إلا إذا رآك حيث أمرك، وإذا افتقدك حيث نهاك، عند الحلال والحرام، عند الأمر والنهي، عند حدود الله.
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية: 112 ]
أي ما لم تكن متبعاً لمنهج الله، ما لم تكن متبعاً ـ وفي هذين الدرسين الحديث عن الاتباع ـ لمنهج الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، يبقى الدين ثقافة، لا يقدم ولا يؤخر، ومليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم في الأرض، كلمتهم ليست هي العليا، و للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هذه الحقيقة المرة التي أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح. من طبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام فلن يُعذب أبداً :
بل إنه في اللغة العربية نفيٌ اسمه نفي الشأن، هذا أبلغ نفيٍ في اللغة العربية صيغته:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية:33 ]
أي مستحيلٌ وألفُ ألف ألف مستحيل أن يعذب المسلمين ما دامت سنة النبي قائمةً فيهم. ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33 ]
أنت فيهم في حياتك لها معنى، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى لها معنى آخر، ما دام منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حياتهم، ما دام هذا المنهج قائماً في حياتهم هم في مأمنٍ من عذاب الله، فإذا كانوا يعذبون ليلاً ونهاراً فمعنى ذلك أنهم هجروا هذا القرآن الكريم، وهجروا هذا المنهج القويم ،هذه الحقيقة الأولى. التجارة مع الله تجارة رابحة جداً :
الحقيقة الثانية: أنت كمؤمن قد تُتبع، أنت أب، معلم، مدير مؤسسة، رئيس مستشفى قد تُتبع، قد تُقلد، المتبوع في الخير له مثل أجر من اتبعه، وأقوى دليل أولادك، قال الله تعالى عنك أيها الأب المؤمن:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الطور الآية: 21 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/02.jpg
كل أعمال أولادك، وأحفادك، وذريتك، إلى يوم القيامة في صحيفتك، التجارة مع الله رابحة جداً، تاجروا مع الله، أولادك، وأحفادك، وذريتك إلى يوم القيامة في صحيفتك.
لذلك مرة ثانية: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾
أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم: ﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
[ سورة الطور ]
هذا في القرآن، فماذا في السنة؟ قال عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح: (( مَنْ دعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثْلُ أجور مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضَلالَة كان عليه من الإثمِ مِثْلُ آثام من تَبِعَهُ، لا يَنْقُص ذلك من أوزارهم شيئاً ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
إذاً أي كلمةٍ تنطق بها، أي عملٍ تعمله، إذا اتبعك من اتبعك بهذا العمل فلك مثل أجره والعكس صحيح، وأي عملٍ سيئ من قلدك فيه عليك إثم هذا العمل. المتبوع في الشر يتبرأ يوم القيامة من التابع :
الآن المتبوع يتبرأ يوم القيامة من التابع إذا اُتبع في الشر.
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
الشيطان يتبرأ من الإنسان الذي اتبعه، المتبوع في الشر يتبرأ يوم القيامة من التابع.
لذلك لا أحد يضل أحداً، هذه الحقيقة، الذي يتوهم أن فلاناً أضله هو عنده رغبة في هذا الضلال، آية ثانية: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾
[ سورة البقرة ]
إذاً إذا اُتبعت في الخير لك مثل أجر من اتبعك، وإن اُتبعت في الشر عليك وزر الذي اتبعك. الإحسان و الطاعة :
الآن هناك حالة قد تلتبس على الإنسان، طاعة الوالدين، الطاعة لله وحده، والعبادة لله وحده، والإحسان للوالدين، فرقٌ كبير بين الإحسان وبين الطاعة، والآية الكريمة:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/03.jpg
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ]
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23 ]
قال لي أحد الأخوة أن أباه أمره أن يطلق امرأته، فسألته عن حال زوجته فقال لي: والله جيدة جداً، ودينة، ومحجبة، ووفية، ومخلصة، لكن أبي لا يحبها فأمرني أن أطلقها، قلت له: لا تطلقها، قال لي: سيدنا عمر أمر ابنه؟ فقلت له: إذا أبوك كعمر فطلقها، لكن أباك ليس عمر بن الخطاب، سيدنا عمر عندما يأمر يكون هناك أمر متصلاً بالدين.
لذلك: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
الوالد يُحسن إليه، وكذلك الوالدة، أما العبادة لله وحده، لولا أني أسمع كثيراً من الناس يطيع أباه وأمه في معصية الله إرضاءً لهما ما قلت هذا الكلام، لذلك الآية الدقيقة جداً: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ ﴾
[ سورة لقمان الآية: 15 ]
الدعوة إلى الله دعوتان؛ دعوةٌ إلى الذات ودعوةٌ إلى الله :
موضوع الاتباع مهم جداً:
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة لقمان ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/04.jpg
مما يتصل بموضوع الاتباع الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله دعوتان دعوةٌ إلى الذات مغلفةٌ بدعوة إلى الله، ودعوةٌ إلى الله خالصة، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها الابتداع لا الاتباع، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها التنافس، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها إلغاء الآخر، تجاهل الآخر، أما الدعوة إلى الله الخالصة أساسها التعاون لا التنافس، أساسها الاتباع لا الابتداع، أساسها الاعتراف بالآخر، لذلك الاتباع في الدعوة إلى الله فيصل بين دعوةٍ خالصة أساسها الاتباع، وبين دعوة إلى الذات أساسها الابتداع، لابد من أن يبتدع شيئاً جديداً في الدين حتى يقول ليس هناك من أحدٍ غيري.
أيها الأخوة، الدعوة إلى الله ترقى بالإنسان إلى أعلى عليين، وترقى الدعوة إلى الله إلى صنعة الأنبياء، الدعوة إلى الله صنعة الأنبياء، والشيء المؤسف أن الدعوة إلى الله يمكن أن تكون أتفه عملٍ على الإطلاق لا تستأهل إلا ابتسامة ساخرة، يمكن أن ترقى الدعوة فتكون صنعة الأنبياء، ويمكن أن تسقط الدعوة فتكون عملاً لا يستأهل إلا ابتسامةً ساخرة، حينما تبذل من أجل الدعوة الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وحينما تموت من أجل الدعوة، تكون دعوةً ترتقي إلى صنعة الأنبياء، أما حينما ترتزق بالدعوة ولا تطبق منهج الله لكنك تتاجر به تسقط الدعوة، وتصبح عملاً تافهاً لا قيمة له.
لذلك قال الإمام الشافعي: "لأن أرتزق بالرقص أفضل من أرتزق بالدين".
مرة إنسان قال لإنسان: أنا أموت من أجل لا إله إلا الله، أما أنت فترتزق بها، وفرقٌ كبير بين أن تموت من أجل لا إله إلا الله، وبين أن ترتزق منها. الاتباع والابتداع :
أيها الأخوة، الحديث عن الاتباع يقودنا إلى موضوعٍ في الدين خطيرٍ جداً هو الاتباع والابتداع، إما أن تكون متبعاً، وإما أن تكون لا سمح الله مبتدعاً، أصل هذا الموضوع في آيةٍ واحدة هي محور ما يجري في العالم الإسلامي:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 73 ]
ما عندهم مانع أن يكون هناك مساجد، واحتفالات دينية، ومؤتمرات إسلامية، أما المنهج التفصيلي يريدون منهجاً آخر: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
علاقات طيبة، تطبيع علاقات، بشرط أن تتخلى عن المنهج، أما الفلكلور، المظاهر، لا مانع افعل ما شئت منها، أما المنهج الاقتصاد ربوي، الاختلاط المرأة مكشفة، هم يريدون منهجاً آخر، ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
الدين توقيفي من عند الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/05.jpg
أيها الأخوة، الدين توقيفي، توفيقي لا يُعدّل، ولا يُبدل، ولا يُطور، ولا يُحدث، ولا يُضاف عليه، ولا يُحذف منه، لأنه من عند الله توقيفي، أما كلمة تجديد في الدين فلا تعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه فقط، معنى التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد الصحيح تجديد في الخطاب الدعوي فقط، أما الدين هو هو:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة الآية: 3 ]
الكمال نوعي والإتمام عددي، أي عدد القضايا التي عالجها الدين تامٌ عدداً ، وطريقة المعالجة كاملةٌ نوعاً، فالإتمام عددي والكمال نوعي، فلذلك الدين توقيفي، ليس هناك تجديد في الدين، ولا تطوير في الدين، ولا تحديث في الدين، ولا إضافة على الدين، ولا حذف من الدين، هذه هي المشكلة الأولى أن هناك اتباع وهناك ابتداع. علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :
أيها الأخوة، أولاً هؤلاء الذين قالوا:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
بماذا ردّ الله عليهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
وإذا توهم المسلمون أنهم الأمة المختارة، أو هم خير أمةٍ أخرجت للناس كما جاء في القرآن الكريم، الرد الإلهي جاهز، ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
لأن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
كنتم بمعنى أصبحتم بهذه الدعوة: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية:110 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/06.jpg
هذه علة الخيرية لذلك قال عليه الصلاة و السلام: (( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))
[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
والبيت الذي دخل فيه الشاعر السجن: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *
هذا شعار كل مسلم، لا علاقة لي، ما دام دخله وفير، بيته واسع، يتمتع بالحياة الدنيا، لا يعبأ بأحد، أحياناً تجد إنفاقاً من حيث الإسراف والتبذير يفوق حدّ الخيال، وتجد مسلمين يموتون من الجوع.
لذلك إذا قال المسلمون: نحن ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
نقول: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
وهذه حقيقةٌ ثانية، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح. البدعة في اللغة والبدعة في الدين :
الآن يتصل بهذا الموضوع أيضاً البدعة في اللغة، والبدعة في الدين، البدعة في اللغة أن تأتي بشيءٍ لم يكن من قبل، تكبير الصوت، مهما كان المسجد كبيراً، في الحرم المكي أي إنسان في أي مكان في مكة يستمع إلى قراءة الإمام عن طريق تكبير الصوت، هذه بدعة لكن في اللغة لا في الدين، البدعة في اللغة مطلوبة، أن نطور حياتنا، أن نستصلح أراضينا، أن نؤمن فرص عمل للشباب، أن نزوج الشباب والشابات، أن نخفف من الأمية، أن نرقى بمستوى الدخل، هناك أعمال لا تنتهي في البدعة في اللغة.
لذلك يغطي البدعة في اللغة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ))
[ أخرجه ابن ماجه عن أبي جحيفة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/07.jpg
أي مشروع خيري، ميتم، تكافل اجتماعي، جمعيات خيرية، هذا كله مطلوب، هذا هو المطلوب: (( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن أبي جحيفة ]
أي نحل مشكلات بلادنا، نستصلح أراضينا، ننشئ السدود، نستخرج الثروات، نطور الصناعات، نرفع دخل المواطن، نلغي العنوسة، نلغي البطالة، نلغي الفقر، هذا المطلوب في الابتداع، الابتداع في الدنيا، الذي حصل العكس، ابتدعنا في الدين وقلدنا في الدنيا، هذا أحد أكبر أسباب تخلفنا، ابتدعنا في الدين أصبحنا طوائف، وفرق، واتجاهات، وصراعات، ودماء، تسيل بين الفرق الإسلامية، في الدين نقلد في الدنيا نبتدع. البدعة في الدين ممنوعة ولاسيما في العقائد والعبادات :
أيها الأخوة، أما الابتداع في الدين فهذا الحديث يقصم الظهر، يقول عليه الصلاة و السلام: (( أُوصيكم بتقْوى الله، والسَّمعِ والطاعة، وإنْ عَبْداً حبشيّاً، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيَرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفَاءِ الراشِدينَ المهديِّينَ، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلاَلَة))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/08.jpg
أيها الأخوة، البدعة في الدين ممنوعة ولا سيما في العقائد والعبادات، أما في الفقه إذا النص ظني فهناك اجتهادات.
مثلاً: لو قلت لإنسان من إخوتي: أعطِ فلاناً ألف درهمٍ ونصفه، هذه عبارة احتمالية، ظنية الدلالة، أي ألف وخمسمئة أم ألف ونصف درهم؟ ألف درهمٍ ونصفه الهاء على من تعود؟ تعود على الألف؛ ألف وخمسمئة، تعود على الدرهم؛ ألف ونصف درهم، أما لو قلت لواحدٍ منا: أعطِ فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم، هذا نص قطعي الدلالة، لا يحتاج لا إلى اجتهاد، ولا إلى تأويل، ولا إلى تحليل.
فكان من الممكن أن تكون جميع النصوص في القرآن والسنة قطعية الدلالة، لكن هناك حكمة بالغة، هناك نصوص ظنية الدلالة تحتمل معاني كثيرة، والله عز وجل أراد كل المعاني، لأن الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، بينما المتغيرات في الإنسان مغطاة بنصوص ظنية الدلالة فتحتمل معاني كثيرة.
فلذلك في النص قطعي الدلالة لا يوجد اجتهاد، هناك اتباع فقط، أما في النص ظني الدلالة فهناك اجتهاد فقهاء، وما اجتهادٌ بأولى باجتهاد. الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :
أيها الأخوة، الدعوة إلى الله فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 104 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2417/09.jpg
منكم، هذا التبحر، والتعمق، والتفرغ، الدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة إلى الله كفرض عين اسمعوا هذه الآية: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف الآية: 108 ]
فإن لم تدعُ إلى الله كفرض عين لا تكن متبعاً لرسول الله، في حدود ما تعلم ومع من تعرف. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
كل واحد منا مكلف أن يكون داعيةً إلى الله في حدود ما يعلم ومع من يعرف، هذه دعوة هي فرض عين تغطيها هذه الآية: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
المنتفع لا يتبع أبداً :
آخر فكرة في هذا اللقاء الطيب المنتفع لا يتبع، الدليل:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة يس ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : الاخوة الايمانية فى الاسلام





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأخوة الإيمانية :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الأخوة الإيمانية"، الله عز وجل يقول على لسان سيدنا عيسى عليه السلام:
﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ ﴾
[ سورة مريم الآية: 31 ]
الإنسان له حركة نحو خالقه ﴿ َأَوْصْانِي بِالصّلاةِ ﴾
أن تعرفه، أن تعرف منهجه، أن تعبده، أن تتصل به، أن تقبل عليه، أن تسعد بقربه، هذه الحركة نحو الخالق، ﴿ َأَوْصْانِي بِالصّلاةِ ﴾
ولابد لك من حركة نحو المخلوق، ﴿ والزَّكَاةِ ﴾
أن أكون محسناً، أن أكون مستقيماً، أن أكون معطاءً، ﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ ﴾
موضوع الأخوة الإيمانية يتصل بالحركة الثانية، علاقتك مع من حولك، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 1 ]
أي أصلح علاقتك مع أخيك الإنسان، أصلح علاقتك مع من حولك، مع من فوقك، مع من تحتك.
فلذلك ينضوي هذا الموضوع تحت باب العلاقة مع الخلق، وأهم علاقة مع أخيك، ماذا تعني كلمة أخ؟ معاني الأخوة :
1 ـ أخوة النسب :
أول معنى من معاني الأخوة أخوة النسب، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 11 ]
الأخوة هنا أخوة النسب، أخٌ من أمك وأبيك، أو أخٌ من أمك، أو أخٌ من أبيك. 2 ـ أخوة العشيرة :
والمعنى الثاني: أخٌ في القبيلة أو العشيرة:
﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾
[ سورة هود الآية: 50 ]
هذه أخوة، هناك دائرة أوسع بكثير، إنسان من أسرة كبيرة، أي إنسان في هذه الأسرة هو في الحقيقة أخٌ له، أخٌ في أسرته الكبيرة، أخٌ في عشيرته، أخٌ في قبيلته، وينضوي هنا المواطنة؛ أخٌ في الوطن. 3 ـ أخوة الدين :
ثم هناك أخٌ في الدين:
﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 103 ]
هذه أخوة الدين، ولعل هذه الأخوة هي أقوى أخوةٌ على الإطلاق. 4 ـ أخوة المودة والرحمة :
وهناك أخٌ في المودة والرحمة.
﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾
[ سورة الحجر ]
هذه أخوة المودة والرحمة، إنسان تحبه هو أخٌ لك، أو شبيهٌ لك. 5 ـ أخوة الصحبة :
وهناك الصاحب والصديق.
﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾
[ سورة ص الآية: 23 ]
هذه أخوة الصحبة، فمن أخٍ في النسب، إلى أخٍ في العشيرة، إلى أخ في الدين، إلى أخٍ في المودة والرحمة، إلى أخٍ صاحب. التفسيرات العلمية للحب بين الزوجين أو بين الأصدقاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2430/01.jpg
متى تكون الأخوة عميقةً جداً؟ كل إنسان له صفات، وكل مجموعة صفات تعود إلى سمة، فمجموع الصفات والسمات في شخصية الإنسان ومجموع الصفات والسمات في شخصية إنسانٍ آخر، إذا كثرت التقاطعات بين هذه الصفات وهذه السمات كان التوافق والحب.
لو سألنا إنساناً ألف سؤال عن خصائص شخصيته، عن رغبته في أن يمضي يوم العطلة كيف؟ المؤمن له خصائص وغير المؤمن له خصائص، علاقته مع أقاربه، علاقته مع من دونه، مع من فوقه، مع من في مستواه، فهذه الخصائص التي هي مجموع السمات والصفات، وهذه الخصائص في إنسان آخر التي هي مجموع الصفات والسمات، إذا كثرت فيما بينها التقاطعات كان الحب.
لذلك الآن أحد التفسيرات العلمية للحب بين الزوجين: كثرة التقاطعات في شخصية الزوجين، أحد التفسيرات العلمية للحب بين الأصدقاء: كثرة التقاطعات بين صفات وسمات الشخصيتين. العلاقة بين الأخوة المؤمنين يجب أن تكون علاقة حبّ و ود :
أيها الأخوة، الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب هي الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
هناك استنباطٌ خطير، الآية تقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، الانتماء إلى فقاعات صغيرة، إلى جماعات صغيرة مع التعصب، والعداوة، والبغضاء، والتحزب، هذا اتجاهٌ مرفوضٌ في الإسلام. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 159 ]
ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، الانتماء إلى فقاعات انتماء مصالح، وليس في الإسلام تشرذم مصلحي، لذلك أكبر مشكلةٍ يعاني منها المسلمون هذا التشرذم، هذه الجماعات المتعددة التي يعادي بعضها بعضاً، هذه وصمة عارٍ بحق الأمة، ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين ففي الإيمان خلل، في الإيمان ضعف، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
وينبغي أن تكون العلاقة بين الأخوة المؤمنين علاقة حب، علاقة ود لذلك: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
(( إِيَّاكُمْ وسُوءَ ذَاتِ البَيْن، فَإِنَّهَا الحَالِقَةِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
أي أكبر مصيبة تصيب المسلمين تفرقتهم، تشرذمهم، العداوات بينهم، تراشق التهم فيما بينهم. كلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكَ
* * *
هذه حقيقة أولى. التعاون أمر في القرآن الكريم :
الحقيقة الثانية: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 103 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2430/02.jpg
ما الذي يجمعكم؟ حبل الله، ما لم يكن هناك حبلٌ لن يكون هناك اعتصام، بلا حبل هناك تفرق، أي لو نزعنا الاعتصام بحبل الله التفرقة شيء طبيعي جداً، لأن الإنسان معه طبع ومعه تكليف، والطبع كما تعلمون يتناقض مع التكليف، الطبع فردي والتكليف تعاوني، وأنت بقدر طاعتك تتعاون مع أخيك، وبقدر معصيتك تكون فردياً، فإذا وجدت مجتمعاً يؤمن بالفردية وكلٌ يجلب الخير إلى نفسه، كلٌ يبني مجده على أنقاض الآخرين، هذا مجتمع متخلف دينياً، لأن الله عز وجل بنص القرآن الكريم يقول: ﴿ وَتَعَاوَنُوا ﴾
[ سورة المائدة الآية: 2 ]
والتعاون أمر في القرآن الكريم، ومن مسلمات الإيمان كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب. ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة الآية: 2 ]
قالوا: البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة. لن تكون هناك أخوةٌ حقيقية إلا على شيءٍ نعتصم به :
إذاً ما لم يكن هناك شيءٌ نعتصم به فنحن قطعاً متفرقون، ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
هناك حبلٌ يجمعنا، هناك منهجٌ يجمعنا، هناك عقيدةٌ تجمعنا، هناك قيمٌ تجمعنا، هناك سلوكٌ يجمعنا. ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 103 ]
بنعمة هذا القرآن الكريم، وهذا النبي الكريم: ﴿ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
المعنى الثاني: لن تكون هناك أخوةٌ حقيقية إلا على شيءٍ نعتصم به، فالدين يجمع والدنيا تفرق. نعمة الأخوة في الله من أعظم النعم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2430/03.jpg
الآن من منكم يصدق أن نعمة الأخوة في الله من أعظم النعم؟ مفهوم الأخ على إطلاقه نعمةٌ عظمى من الله، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ﴾
[ سورة مريم ]
الآن سيدنا الصديق ذهب ليشتري سيدنا بلالاً، وهو عبدٌ حبشي عند أمية بن خلف، بعد أن اشتراه منه أراد أمية بن خلف أن يذل سيدنا بلال، فقال له: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت به مئة ألفٍ لأعطيتكها، ووضع يده تحت إبط بلال وقال: هذا أخي حقاً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2430/04.jpg
مرةٍ قدم بلال إلى المدينة فخرج عمر عملاق الإسلام، خليفة المسلمين، أمير المؤمنين لاستقباله، وكان الصحابة الكرام إذا ذكروا الصديق قالوا: "هو سيدنا وأعتق سيدنا" أي بلالاً.
هذا هو المجتمع المسلم، لا يوجد تفرقة، المجتمع المسلم طبقةٌُ واحدة، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
للتقريب تصور مدير عام أكبر مؤسسة وعنده حاجب، إذا كان هذا الحاجب مؤمناً هم عند الله سيان، يعامله كأخٍ في الله. نهي الله عز وجل المؤمن عن كلّ شيءٍ يضعف العلاقة بينه وبين أخيه :
الآن الله عز وجل يريدنا أن نكون أخوة إيمان، فنبهنا إلى أن أي شيءٍ يضعف العلاقة بينك وبين أخيك ينبغي أن تنتهي عنه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 12 ]
إياك أن تسيء الظن بأخيك، أخوك مؤمن، يخاف الله كما تخافه، ورعٌ كما أنت ورع، طبعاً الظن هنا من دون دليل نوع من الحقد، نوع من الحيلة الشيطانية، ليس لي ثقة به، هل بدر لك منه شيء؟. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 12 ]
لكن بعضه الآخر ليس إثماً: (( احترسوا من الناس بسوء الظن ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك]
سوء الظن، عصمة الحزم سوء الظن، أما أخوك قائم بواجباتك الدينية، لا يوجد أي دليل ضده، لماذا سوء الظن؟. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 12 ]
تتبع الأخبار السيئة. ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحجرات ]
إذاً الله عز وجل ينهانا عن كل شيءٍ يضعف العلاقة بينك وبين أخيك، ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
(( إِيَّاكُم والظَّنَّ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
معان دقيقة في الأخوة :
لكن هنا معان دقيقة في الأخوة، الأخوة الإيمانية أو النسبية، أو أي أخوةٌ أخرى لا تعفيك من المسؤولية. ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
تقول: أخي أردت أن أرضيه فعصيت الله، زوجتي أردت أن أرضيها فعصيت الله، إن كنت كذلك فاعتقد يقيناً أن الطريق إلى الله مسدود، ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
والله أيها الأخوة، هذه الآية تقصم الظهر، إذا كانت علاقتك بأبيك، وابنك، وأخيك، وزوجتك، وعشيرتك تحول بينك وبين طاعة الله فلا كانت هذه الأخوة، لأن الأخ الذي أعاقته هذه الأخوة عن طاعة الله خاسرٌ لا محالة، أي هناك حدود، الأخوة لها حدود، أما أن أعصي الله إرضاءً لأخي؟ معنى ذلك رأيت علاقتك مع أخيك أكبر من علاقتك مع الله. (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عمران بن حصين]
الولاء و البراء :
الآن عندنا موضوع الولاء والبراء، لا تجد مؤمناً يوالي أهل الكفر والفسوق والعصيان ولو كانوا آباءهم أو أخوانهم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة التوبة ]
الموضوع دقيق، الموضوع يحدد لك متى ترعى أخوة الإيمان، الآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
أي راعِ حقوق أخيك، ولو أن أخاك سامحك أنت عليك ألا تقبل حتى تقدم له شيئاً، مثلاًَ إنسان خطب فتاة، ثم رأى أنه لا مصلحة له بهذا الزواج، ففسخ العقد، هم سامحوك، و لو أنهم سامحوك عليك أن تكون إنساناً راقياً، ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
تمنى الله عز وجل على المؤمن أن يعفو، وتمنى على من عُفي عليه أن يؤدي شيئاً، سامحوك بالمهر قدم هدية، قدم قطعة ذهب، جلست معها شهرين، وأنت في طور الخطبة، فلما فسخت العقد، وأعفوك من المهر، لا تكن بعيداً عن الذوق، دقق في المعنى ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾
أدِّ شيئاً. الإنسان إما أن يكون أخاً للمؤمنين أو أخاً للشياطين :
أيها الأخوة، ونعوذ بالله أن يكون المرء من إخوان الشياطين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
إما أن تكون أخاً للمؤمنين فأنت على شاكلتهم وعلى منهجهم، وإما أن يكون الإنسان أخاً للشياطين.
مرة ثانية نعود إلى البراء والولاء: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم ﴾
[ سورة المجادلة الآية: 22 ]
علاقة الأخوة أعظم علاقةٍ أرادها الله بين المؤمنين :
الآن: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحشر ]
أي علامة إيمانك صفاء قلبك تجاه أخوانك، أما المكر، والخداع، والحقد، والقنص، هذه أخلاق المنافقين، أخلاق العصاة، أخلاق المؤمنين أخلاق محبة، أخلاق ود، المؤمن ودود لأخيه المؤمن، ونحن لا ينقصنا شيء الآن، مساجد، مكتبات، مؤتمرات، ينقصنا الحب الذي كان بين الصحابة، بالحب نكون أمةً واحدة، والله أنا حينما أرى تعاطف الأخوة الكرام مع ما يجري في غزة والله يمتلئ قلبي تفاؤلاً بمستقبلٍ عظيم، فما دام هناك تعاطف، مادام هناك بكاء لما ترى وتسمع، فنحن بخير، أما الذي يقول أنا ليس لي علاقة، دعني وشأني، الآن كأن الله جعل علاقة الأخوة أرقى علاقة على الإطلاق، قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 220]
بالتعامل المادي: ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 220 ]
لذلك استنبط العلماء من هذه الآية أنك إذا أردت أن تستثمر مال يتيم، أو أن يتيماً وضع ماله عندك، فإن كنت غنياً فاستعفف عن أجرك وربحك، اجعل هذا المال في صفقة، أعطه الربح كله، لأنه أخوك، وإن كنت فقيراً: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
المعروف فُسر أن تأخذ حاجتك، أو أجر المثل أيهما أقل، هذا معنى فليأخذ بالمعروف، أي جعل الله علاقتك مع مال اليتيم علاقة أخوة، معنى ذلك أن علاقة الأخوة أعظم علاقةٍ أرادها الله بين المؤمنين. الأخوة الإيمانية شيءٌ يقربنا جميعاً إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام: ((إِن رجلاً زارَ أخاً لَهُ في قريةِ أخرى، فأرْصَدَ اللهُ لَهُ على مَدْرَجَتِهِ مَلَكا، فلما أَتى عليه قال: أين تُريدُ؟ قال: أُريدُ أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نِعْمة تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحبَبْتُه في الله، قال: فإني رسولُ الله إِليكَ بأنَّ اللهَ قد أحبَّكَ كما أحببتَه فيه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
يبدو أن الأخوة في الله شيءٌ يقربنا جميعاً إلى الله.
عبد الرحمن بن عوف آخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع، ماذا قال سعد بن الربيع؟ أراد أن يناصفه ماله، قال له: خذ نصف مالي، كيف كان موقف عبد الرحمن بن عوف؟ قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، كما أن الأنصار أعطوا أخوانهم المهاجرين نصف أموالهم، لكن لم يثبت أن مهاجراً واحداً أخذ شيئاً، بارك الله بك وبمالك ولكن دلني على السوق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( تبسمك في وجه أخيك صدقة ))
[ أخرجه ابن حبان، عن أبي ذر الغفاري ]
الابتعاد عن الأشياء التي تفتت عضد المسلمين :
هناك شيء آخر: والله حديثٌ رائعٌ جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إِيَّاكُم والظَّنَّ ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجسَّسُوا ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
التحسس تصيد الأخبار الجيدة، أي فلان موظف بشركة، كم راتبك؟ (( لا تَحَسَّسُوا، ولا تَجسَّسُوا، ولا تَنَاجَشوا ))
أن ترفع السعر وأنت لا تريد أن تشتري السلعة حتى أخوك يرغب بالشراء، هذه مؤامرة بينك وبين البائع. (( ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجسَّسُوا، ولا تَنَافسُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَبَاغضُوا، ولا تَدَابَروا، وكُونوا عبادَ اللهِ إِخواناً كما أمرَكُم، المسلم أخو المسلم، لا يظلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ. التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ويشير إِلى صدره، بِحَسْب امرئ من الشَّرِّ أن يَحْقِر أخاه المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ، وعِرْضُهُ، ومَالُهُ. إِن الله لا ينظر إِلى أجسادكم، ولا إِلى صُوَرِكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأَعمالكم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الدرس تتمة إن شاء الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : يجب أن يكون المسلم مرآة مستوية يعكس كل فضيلة من خلال أخيه المسلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الأخوة الإيمانية كوسيلةٍ من وسائل سبل الوصول وعلامات القبول، بادئ ذي بدء الله عز وجل حينما قال:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/01.jpg
آيةٌ رائعة، لكن البطولة أن تتابع هذه الآية: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا، علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا كأمة، وأصبحنا أمةً كأية أمة لا وزن لنا عند لله تعالى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))
[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً انتهت هذه الأمة. التناصح أساس الأخوة الإيمانية :
فيأيها الأخوة الكرام، تقتضي الأخوة الإيمانية التناصح، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ رائع:
(( المؤمن مرآة المؤمن ))
[ أخرجه الطبراني والبزار عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/02.jpg
هذا الحديث له أبعادٌ كثيرة في العلاقة بين المؤمنين، فالمؤمن مرآةٌ تريه محاسن أخيه ومعايبه، الآن إذا شخص وجهه جميل جداً نظر في المرآة يرى جماله في المرآة، ولا سمح الله إذا فيه عاهة أيضاً هذه المرآة تريه العاهة، فالمرآة تريه المحاسن والمساوئ، قال عليه الصلاة والسلام: (( المؤمن مرآة المؤمن ))
لكن هذه المرآة تري المحاسن وتري المساوئ من دون ضجيج، من دون صخب، من دون فضائح، من دون شماتة، من دون تشهير، هي صامتة، لكنها تريك المحاسن والمساوئ، لذلك المرآة تظهر العيوب من دون صخب، من دون ضجيج، من دون فضائح، وأنت أيها المؤمن ينبغي أن تكون مرآة أخيك، ينبغي أن تريه الأخطاء من دون صخب بينك وبينه، النصيحة أمام الملأ فضيحة، بينما النصيحة بينك وبين أخيك جزءٌ من الدين. (( الدِّينُ النصيحة ))
[ أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة ]
لكن بينك وبينه، إن كنت مخلصاً لا تنصحه أبداً أمام الملأ، إن أردت أن تطبق هذه العبادة ينبغي أن تنصحه فيما بينك وبينه، كالمرآة تريك المحاسن والمساوئ من دون صخب، من دون ضجيج، من دون فضائح، من دون مشكلات. على المؤمن أن ينصح أخاه بألطف عبارة من دون صخب أو ضجيج :
أيها الأخوة، التوجيه الأول من هذا الحديث: انصح أخاك بينك وبينه بألطف عبارة، أي:
﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل الآية: 125 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/03.jpg
الموعظة الحسنة، من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر، بألطف عبارة، والمنهج:
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ ﴾
[ سورة طه الآية: 43 ]
فرعون قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
فرعون قال:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
هذا الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
هذا الذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
هذا فرعون، فقال الله عز وجل: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه الآية: 43 -44 ]
إذا كان خالق السماوات والأرض يأمر نبيه وهو من أولي العزم أن يقول لفرعون قولاً ليناً، فلِمَ الغلظة يا أخي؟ لِمَ القسوة؟ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
[ سورة فصلت ]
علامة إيمان المرء أنه مرآة لأخيه ينصحه دون تهويل أو تشهير :
الآن إذاً أنت كمؤمن أنت مرآة أخيك، ينبغي أن تنصحه من دون فضيحة، من دون صخب، من دون تهويل، من دون تشهير، اعكس له بعض الثغرات في سلوكه بصمت لأنك مرآة أخيك، علامة إيمانك أنك مرآة أخيك.
أحياناً أضرب هذا المثل كثيراً: تأتي إلى بيتك ابنة أخيك، ترتدي أفضح الثياب، أضيق الثياب، تستقبلها، وترحب بها، وتسألها عن أبيها، وعن أمها، تثني على جمالها، تثني على شبابها، لكن ألم يخطر في بالك أن تنصحها، أنت عمها، يا بنيتي أنت شابة مؤمنة مسلمة، هذه الثياب تتناقض مع دينك واستقامتك.
فحينما يكف الناس عن التناصح عند الله ينتهون، لأن الله أهلك بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، وعندما تحل المجاملة، والتلطف، والترحيب، محل التناصح انتهينا عند الله.
(( المؤمن مرآة المؤمن ))
لكن من دون صخب، من دون ضجيج، من دون فضيحة، من دون تشهير، كيف أن المرآة تريك المعايب بصمت، وتريك المحاسن بصمت، كن أيها المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( المؤمن مرآة المؤمن ))
من علامات الإيمان أن يبرز المؤمن محاسن أخيه :
النقطة الدقيقة هذه المرآة ليست مصممة للعيوب هي حيادية، تريك العيوب والمحاسن، لماذا ترى المحاسن فتسكت؟ لماذا ترى الفضائل فتسكت؟ لماذا لا تبرز المحاسن أيضاً؟ فلذلك من علامات الإيمان أن تبرز محاسن أخيك. (( اذكروا محاسِنَ موتاكم ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/04.jpg
اذكر محاسن أخيك لأنك مرآة، فكما كأنها تعكس العيوب ينبغي أن تعكس الفضائل، اذكر أخيك أمام الناس، ادعمه، ادعم الحق، كان عليه الصلاة والسلام يُحسن الحسن ويصوبه، ويُقبح القبيح ويوهنه، كما أنك مكلفٌ أن تنقل لأخيك بعض العيوب بأدب، برقة، بلطف، إن رأيت فيه فضلاً، كرماً، عطاءً، ورعاً، شجاعةً، أبرز هذه من أجل التواصل.
أيها الأخوة الكرام، هناك من يعتم على من حوله، كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( لو كانَ بعدي نبيّ لكانَ عمرَ بن الخطاب ))
[ أخرجه الترمذي عن عقبة بن عامر ]
((إن أبا بكر لم يسؤني قط))
[ الطبراني عن سهل]
(( أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ))
[ أخرجه ابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]
(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله ))
[ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ]
مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، مع أنه شمس، مع ذلك لم يكن يعتم على أحدٍ حوله، أبرز المحاسن، اذكر أخاك بخير، له عمل طيب، مستقيم، اذكر استقامته، ورع اذكر ورعه، متمسك بمنهج لله عز وجل أثني على تمسكه، لأنك مرآة، كما أن المرآة تريك العيوب أيضاً تريك المحاسن، وأنت مؤمن.
من أراد أن ينصح الآخرين فليذكر مع النصيحة الإيجابيات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/05.jpg
أيها الأخوة الكرام، يمكن عن طريق إظهار محاسن أخيك وأمام الملأ أن تزداد المودة بين المؤمنين، النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي مع أصحابه، دخل صحابي من شدة حرصه على إدراك ركعةٍ مع النبي أحدث في المسجد ضجيجاً، فلما انتهى النبي من الصلاة ماذا قال له؟ قال له: (( زادك الله حرصاً ولا تعُدْ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة ]
أي أثنى على حرصه مع أنه أخطأ، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن ينصح يذكر مع النصيحة الإيجابيات، أنت مدير مؤسسة، مدير جامعة، مدير مدرسة، مدير مستشفى، عندك موظف يتأخر، لكنك موقن أنه مستقيم، ينبغي أن تثني على استقامته أولاً ثم أن تلفت نظره إلى خطئه، عود نفسك مع ابنك، مع من حولك، مع من فوقك، أظهر المحاسن أولاً، ثم اذكر بعض العيوب من أجل إصلاحها، والنية إصلاح، لأنه إذا سكتنا جميعنا يبقى الخطأ خطأ، نحن علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر، إلا إذا غلب على ظنك أن إنكار المنكر ينتج عنه منكرٌ أكبر، عندئذٍ تمسك بقول سيدنا عمر: "ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشريَّن، وفرق بينهما واختار أهونهما". الموضوعية قيمةٌ من قيم العلم والأخلاق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/06.jpg
أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة أنت حينما تظهر المحاسن بشكل موضوعي، وحينما تلفت النظر بأدبٍ جم بينك وبين أخيك للمساوئ بشكل موضوعي، أنت عالم، وأنت أخلاقي، لأن الموضوعية قيمة، قيمةٌ من قيم العلم، وقيمةٌ من قيم الأخلاق، ولا يلتقي العلم والأخلاق إلا بهذه القيمة، أي أنت أخلاقي إذا كنت موضوعياً، وأنت أخلاقي وأنت عالمٌ إذا كنت موضوعياً، فقيمة الموضوعية أن تذكر الشيء من دون زيادة ومن دون نقصان.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بالله من جار سوء، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، واستعاذ بالله من إمام السوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر، فإنك مرآة أخيك، يجب أن تريه المحاسن بشكل موضوعي، وأن تريه المساوئ بشكل موضوعي، أي أن تريه المساوئ بينك وبينه، و تريه المحاسن أمام الملأ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
أحد ملوك الأندلس يمشي في حديقته، رأى بركة ماء، جاء الريح عليها فجعلها كالزرد، قال: نسج الريح على الماء زرد، لم يتمكن من إكمال البيت، وراءه جارية قالت له: يا له درعاً منيعاً لو جمد، أُعجب بها وبشعرها فتزوجها، هي جارية أكرمها إكراماً ما بعده إكرام، مرة اشتهت حياة التقشف، اشتهت أن تمشي في الطين كما كانت في السابق، فجاء لها بالمسك والعنبر وجبله بماء الورد وقال: هذا هو الطين، بعدئذٍ عزل من منصبه ودخل السجن، وساءت أحواله، فقالت له مرةً: ما رأيت منك خيراً قط، قال لها: ولا يوم الطين؟ هناك إنسان ينسى الفضل، قال لها: ولا يوم الطين؟. على الإنسان ألا يتصدى لنصح الآخرين و فيه عيوب و أخطاء و تقصيرات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/07.jpg
أيها الأخوة، يجب أن تبرز المحاسن والمساوئ، المحاسن أمام الملأ، والمساوئ بينك وبينه، الآن المرآة المطلوبة يجب أن تكون مسطحة، هناك مرآة مقعرة تكبر العيوب، لا تكبر العيوب، أعطِ العيب حجمه الحقيقي، وهناك مرآة محدبة ما دام هناك مصلحة تصغر العيوب، يجب أن تكون المرآة مسطحة لا تكبر ولا تصغر، لا تبالغ ولا تختصر، إذا ارتكب الخطأ إنسان لك معه مصلحة فالخطأ لا يذكر إطلاقاً، وإذا ارتكب إنسان آخر ليس لك عنده مصلحة تكبر هذا الخطأ حتى تخرجه من الدين، الموقفان لا يليقان بالمؤمن، لا تكن مرآةً مقعرة تكبر ولا مرآة محدبة تصغر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/08.jpg
أيها الأخوة، لكن النقطة الدقيقة أن المرآة لا تعكس العيوب ولا المحاسن إلا إذا كانت نظيفةً صافية، إذا كان لك أخطاء كثيرة فاسكت، أصلح خطأك أولاً، ما دام هناك أخطاء، و عيوب، و تقصيرات، إياك أن تتصدى للنصح، عندئذٍ يتطاول الناس عليك، يقولون لك: يا طبيب طبب نفسك، لا يمكن للمرآة أن تعكس الفضائل والمساوئ إلا إذا كانت نظيفة، صقيلة، ملمعة، لذلك طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[ أخرجه الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
اهتم بنفسك، اهتم باستقامتك، اهتم بإصلاح عيوبك، اهتم بسد الثغرات في شخصيتك. من كان منضبطاً كانت نصيحته أبلغ و أفضل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/09.jpg
لذلك أيها الأخوة، لذلك كلما كنت منضبطاً أكثر جاءت نصيحتك أبلغ، أما إذا لم تكن مطبقاً لما تقول تضعضعت، الآن هذه المرآة تعكس العيوب والمحاسن ولا تبالي من أمامها، أما المؤمن إذا أبرز عيوب الضعفاء، وسكت عن عيوب الأقوياء، لا يكون مرآة صادقة، المرآة تعكس عيوب الكبراء والصغراء، الكبير والصغير، القوي والضعيف، الغني والفقير، أما حينما يتعامى الناس عن أخطاء الغني، وعن أخطاء القوي، ويبرزون بحقدٍ أخطاء الضعيف والفقير ليسوا مرآةً صافية، لذلك: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/10.jpg
(( إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و أيم الله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ))
[ أخرجه الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين ]
كن مرآةً تعكس الفضائل وتعكس المعايب، المعايب بينك وبين أخيك والفضائل أمام الملأ، كن مرآةً مستويةً ليست مقعرةً وليست محدبة، الآن كن مرآةً نظيفةً من أجل أن تعكس الوضع بشكلٍ موضوعي، الآن المرآة ينبغي أن تعكس العيوب ولا تبالي من أمامها، أنت إما أن تأخذ موقف النصح تنصح الكبير والصغير، والقوي والضعيف، والغني والفقير، أو اسكت، أما أن تعتدي على الضعيف، أن تستضعف إنساناً، تقسو عليه بالنصيحة، ليس هذا من شيم المؤمنين.
أيها الأخوة الكرام، الحديث الشريف:(( إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و أيم الله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ))
[ أخرجه الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين ]
ما لم يطبق الحد على كل الناس، ما لم تطبق القواعد على كل الناس، فعندئذٍ يقع الخلل الخطير. المؤمن لا يحقد بل ينصح و لا يفضح :
أيها الأخوة، المرآة تؤدي واجبها ولا تنتظر مغنماً ولا مغرماً، وأنت إن أردت أن تكون مرآة أخيك انصحه من دون أن تنتظر منه شيئاً، انصحه لوجه الله.
لذلك العمل إذا كان مربوط بمكسب مادي اختلف الوضع، أما إذا كان العمل لوجه الله خالصاً، لا ترجو ثواباً ولا عقاباً تكون هذه مرآة صادقة، فلنقرأ هذا التشبيه الرائع من النبي الكريم:
(( المؤمن مرآة المؤمن ))
وفي رواية: مرآة أخيه، أي مؤمن ينصح ولا يسكت، ينصح ولا يفضح، يثني على الخير ويرشد إلى الخطأ، الآن هذه المرآة لو كسرتها تبقى مرآة، ينصح في حال القوة وفي حال الضعف، في حال أن النصيحة أجادت أو لم تجدِ، مع أنك كسرتها تبقى تريك الشيء الحسن حسناً، والشيء السيئ سيئاَ.
أيها الأخوة، سيدنا عمر لما رأى أحد الأشخاص قد علق على عاتقه سيفاً قال : هذا عمير بن وهب جاء يريد شراً، فقد كان عمير جالساً مع صفوان بن أمية، قال: يا صفوان لولا ديونٌ لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفالٌ صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فقال له صفوان: ديونك عليّ بلغت ما بلغت، وأولادك أولادي مهما كبروا، فاذهب لما أردت، فسقى سيفه سماً، وركب ناقته، وتوجه إلى المدينة، تحت غطاء أن يفدي ابنه، ابنه كان أسيراً، فلما وصل إلى المدينة رآه سيدنا عمر، قال: هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، فقيده بحمالة سيفه وساقه إلى النبي، النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيدنا عمر: أطلقه يا عمر، فأطلقه، ثم قال له: ابتعد عنه، فابتعد عنه، قال له: ادنُ مني، فاقترب منه، قال له: سلم علينا، فقال له: عمت صباحاً، قال له: قل: السلام عليكم، قال له: هذا سلامنا ليس عندنا غيره بغلظة، قال له: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أفدي ابني، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك، قال له: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال له: ألم تقل لولا ديونٌ لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفالٌ أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه؟ قال له: أشهد أنك لرسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه إلا الله وأنت رسول الله وأسلم، الشاهد ليس هنا، الشاهد يقول سيدنا عمر: دخل عمير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أقرب إليّ من بعض أولادي.
المؤمن لا يحقد، هذه المرآة أظهرت العيب، فلما ابتعد عنها صاحب العيب لا يوجد شيء بالقلب، لا يوجد حقد، ولا غيبة، ولا نميمة، أنت رأيت عيباً وأظهرته بنية الإصلاح وانتهى الأمر، فالمؤمن لا يحقد، فكما أن سيدنا عمر قال: دخل على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه وخرج من عنده وهو أحب إليّ من بعض أولادي، هكذا المؤمن. الله عز وجل وحده مطلعٌ على السرائر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2515/11.jpg
أيها الأخوة، هناك شيء ثان: المرآة تظهر العيب الظاهر، لكن المرآة لا تقول: نيته ليست جيدة، لا تعلم ذلك، فكل شيء متعلق بالنوايا، وأنا أنصح الأخوة الكرام بالبعد عن ذلك، هذا ليس من شأنك، هذا من شأن الله وحده، الله عز وجل مطلعٌ على السرائر، أما أنت تنصب نفسك مكان الإله، وتحكم على الأشخاص بغير علم، فهذا خطأ كبير.
أنا أحاول أن أبين خصائص المرآة، وماذا يمكن أن يكون المؤمن من خلالها، يجب أن تظهر المحاسن والمعايب، المحاسن أمام الملأ، والمعايب فيما بينك وبينه، يجب أن تكون حيادياً، يجب ألا تكون مرآة مقعرة أو محدبة تخفف أو تبالغ في العيوب، هذه كلها من خصائص المؤمن، فعلاقتك بأخيك المؤمن علاقة مقدسة، تحكمها هذه المرآة، فأنت كلما درست خصائصها، وتعمقت في ميزاتها، اكتشفت أنك تقدم لأخيك خدمةً كبيرة إذا كنت مرآةً له.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : غربة فى موطن التفلت والانحراف





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الغربة شعور من لوازم المؤمن في آخر الزمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الغربة"، ولا بد من تقديم:
قد تجلس مع أناسٍ يتكلمون لغةً لا تعرفها إطلاقاً فتشعر بالغربة، قد يجلس إنسان حصّل علماً عالياً جداً مع أناسٍ أميين فيشعر بالغربة، قد يذهب مسلم إلى بلد إباحي فيشعر بالغربة، فالشعور بالغربة أحياناً يكون صحياً، وأحياناً شعور مرضي http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/02.jpg
إلا أن المسلم الحقيقي، المتمسك بدينه، الذي عرف الله، وعرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، من مشاعره الصحية أن يشعر بالغربة، السبب أن الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة منها يقول:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 116 ]
الناس يهتمون بالمال، بالمتع، بالمكانة، بجمع الثروة، بجمع الأموال، المؤمن مهتم بمعرفة الله، بطاعته، بالعمل لآخرته، الاهتمامات متناقضة، والأهداف متناقضة، فلذلك من المشاعر التي ينبغي أن تشعر بها كمسلم هو الشعور بالغربة، أحياناً الموضوعات المطروحة غير صحيحة فيها كذب تشعر بالغربة، المجتمع متفلت تشعر بالغربة، إنسان يذهب إلى مكان المعاصي والآثام ترتكب على قارعة الطريق يشعر بغربة، فالغربة شعور من لوازم المؤمن في آخر الزمان، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
من أراد أن يستقيم على أمر الله فليكن مع الصادقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/03.jpg
أما الأحاديث، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ))
[ أخرجه الطبراني و أحمد عن عبد الرحمن بن سنة ]
لذلك أنا أقول: إن أردت أن تستقيم على أمر الله فكن مع الصادقين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/04.jpg
عش في بيئةٍ إيمانية، عش مع أناسٍ يرفعون مقامك عند الله، عش مع أناسٍ يحفزون همتك إلى الله، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله، اجلس مع أناسٍ يُذكرونك بالله، اجلس مع أناسٍ ينصحونك، المشكلة أن الإنسان إذا جلس مع بيئةٍ لا ترضي الله قد يستنكر حالهم في بداية الأمر، لكن بعد حين يألفهم، ويألف عاداتهم، ويألف انحرافهم، ويألف منطلقاتهم النظرية، بعد حين يقرهم على أعمالهم، فلذلك أخطر شيء في الحياة أن تكون في بيئةٍ لا ترضي الله، الاستنكار أولي، أناسٌ كثيرون ذهبوا إلى بلاد الغرب، أول شهر، شهرين، ثلاثة، إنكار غير معقول، يا أخي مجتمع متفلت، مجتمع غير منضبط، إباحي، بعد سنتين أصبح مثلهم، واقتنع بسلوكهم، وأقرهم على أعمالهم، فالبيئة شيء أساسي جداً، وأوضح شيء، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
أنا أشبه المؤمن بالهاتف المحمول، يحتاج إلى شحن، ما دام يشحن بشكل نوبي بالأسبوع مرة، بالأسبوع مرتان، يومياً يشحن بالصلوات، يشحن بدرس علم أسبوعي، درس علم نصف أسبوعي، هذا الشحن يجعله مع الدين، مع المبادئ، مع القيم، مع التصورات الصحيحة، أما إذا ابتعد عن مجالس العلم، وعاش مع الناس ينكر حالهم في بداية الأمر، بعدئذٍ يألفهم، ويختفي الشعور بالغربة، ما دمت تشعر بالغربة في مجتمع متفلت فأنت على خير، أما إذا زال هذا الشعور في مجتمع متفلت فهناك مشكلة كبيرة. من لم يشعر بالغربة ففي إيمانه خلل :
إذاً الحديث: (( بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ))
أي ألا تشعر بغربة؟ إذا كيان قام على سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأرض، وإذلال الشعب، ثم يمنح رئيس هذا الكيان جائزة نوبل للسلام، ألا تحتقر هذا المجتمع؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/05.jpg
مجموعة دول أوروبية اجتمعت، تصريحها الوحيد هم سيتعاونون على منع تهريب الأسلحة، وهذه الجريمة التي تمت لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، أسلحة الدمار المخيفة على الأطفال والنساء ألا يستدعي هذا الموقف تصريح واحد؟ تعليق واحد؟ استنكار واحد؟ شجب واحد؟ ألا تشعر بهذه الغربة؟.
جاء مرة رئيس دولة كبرى، ببرنامج زيارته زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي، ولنا عند اليهود أحد عشر ألف أسيراً، الأحد عشر ألفاً لا يستأهلون أن تزور إحدى الأسر للتوازن؟ ألا تشعر بغربة؟.
فتاةٌ في بلدٍ بعيد غربي ارتدت ثياب السحاقيات، يبدو أن مدير المدرسة على بقيةٍ من مروءة ففصلها، لأن هذا شذوذ، ومرفوض في الأديان كلها، وفي تشريعات الأرض، وطالبة مدرسة ترتدي ثياب السحاقيات! فالمدير طردها، أقام أبوها دعوى على المدير، فحكم له القاضي بمبلغٍ كبير، لأنه اعتدى على حريتها، فتاةٌ مسلمةٌ في باريس تضع قطعة قماشٍ على رأسها، لأنها تدين بدينٍ يدين به ربع سكان الأرض مليار ونصف أوروبا بأكملها قامت الدنيا ولم تقعد من أجل حجاب، ثياب السحاقيات لما منعت اعتداءٌ على حريتها، أما فتاة تضع قطعة قماش على رأسها تنفيذاً لوصية نبيها في الحشمة والعفة تقوم الدنيا ولا تقعد، ألا تشعر بغربة عن هذا العالم؟.
والله أيها الأخوة، إن لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل، المؤمن إنسان، شخصية فذة، المؤمن عرف الله، تمسك بالحقيقة المطلقة، المؤمن شرُفت نفسه بمعرفة الله، يعيش في أجواء عليا: (( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
ما لم نشعر بغربةٍ عن هذا المجتمع المتفلت، مجتمع العالم المتفلت، الإباحي، المجتمع الذي لا يقيم للفضيلة أية قيمة، المجتمع الذي يُعظم أرباب الأموال، الذي يُعظم الأقوياء ولو كانوا مجرمين، المجتمع الذي يؤمن بالمادة ولا شيء غير المادة، المجتمع المؤمن باللذة من أي طريق، هذا المجتمع لابد من أن تشعر وأنت بين أنحائه بغربة. زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
[ سورة النور الآية: 55 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/06.jpg
وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن الحقيقة المرة وهي عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أننا لسنا مستخلفين الآن، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، لا مستخلفين، ولا ممكنين، ولا آمنين، لذلك السبب، لأن الفريق الثاني وهم عباد الله أخلوا بما عليهم من طاعة الله، لذلك: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
[ سورة مريم ]
وقد لقينا ذلك الغي، وقال العلماء: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
والقلب السليم هو الذي سلم من شهوةٍ لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبرٍ يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله، هذا هو القلب السليم، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾
مهما كان حجمك المالي، مهما يكن أولادك نجباء: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
القلب السليم هو الذي سلم من شهوةٍ لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبرٍ يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم شرعٍ غير شرع الله. إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات جعل المسلمين متفرقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/07.jpg
لذلك أيها الأخوة، أنا أقول دائماً: الكرة في ملعبنا، مثلاً حديثٌ شريف ربما يشده له، عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حديثٍ طويل: (( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
المسلمون الآن مليار وخمسمئة مليون، يملكون أكبر ثروات في العالم، يحتلون أخطر موقع في الأرض، ومع ذلك متفرقون، ليس أمرهم بيدهم، لا وزن لهم في العالم، أمرهم إلى غيرهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل لماذا؟ لأنه: ﴿ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
وقد أرانا الله عز وجل كيف أن عشرة آلاف نحسبهم صالحين مؤمنين ولا نزكي على الله أحداً، استطاعوا أن يقفوا أمام جيش من أقوى جيوش العالم، لاثنين وعشرين يوماً، لذلك الوعود قائمة: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
إله الصحابة إلهنا، القرآن الذي نزل على قلب رسول الله بين أيدينا، الوعد وعد، والوعيد وعيد، نحن نحتاج إلى أن نتحرك، إلى أن نراجع حساباتنا، إلى أن نصحو من غفلتنا، إلى أن نصطلح مع ربنا، إلى أن نقيم علاقةً طيبةً فيما بيننا وبين ربنا. طاعة الله عز وجل أساس استحقاق المسلمين للنصر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/08.jpg
أيها الأخوة الكرام: (( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا سعد له كلمة رائعة يقول: "ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ـ من هذه الثلاثة ـ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى"، فهذا الحديث: (( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
لأن الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والحرب بين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.
كتعليق: المظاهر الإسلامية الصارخة! أحياناً تجد مسجداً كلف ألف مليون، مليار دولار فوق البحر، مسجد ضخم، زخرفة إسلامية، مؤتمر إسلامي، مجلدات إسلامية رائعة، هذه المظاهر مع أنها حضارية لكن لا تقدم ولا تؤخر في استحقاق النصر للمسلمين، الذي يقدم ويؤخر طاعتهم لله عز وجل، فالمليار والخمسمئة مليون إن لم يكونوا على طاعةٍ لله لا وزن لهم. اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/09.jpg
البطولة أن تتعامل مع الله بمقاييس القرآن الكريم، الله عز وجل اعتمد قيمتين في كتابه، قيمة العلم كقيمة مرجحة، وقيمة العمل، قال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
[ سورة المجادلة الآية: 11 ]
وقال: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
وقال: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
فالقيمة المعتمدة في القرآن الكريم للترجيح بين البشر هي العلم، والقيمة الثانية العمل، فأي أمة تعتمد هاتين القيمتين فقط ترتقي، أما في انتماءات أخرى، في مكانة انتمائية حينما تعتمد الأمة مقياساً انتمائياً لا مقياساً موضوعياً تتخلف، أحد أكبر أسباب التخلف اعتماد مقاييس انتمائية، وأحد أكبر أسباب التقدم والرقي اعتماد مقاييس موضوعية جاءت في القرآن الكريم: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 19 ]
أي حجمك عند الله بحجم عملك الصالح. عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين الملتزمين :
لذلك: (( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/10.jpg
مما يروى في قصص العرب: أن رجلاً كان قصير القمة، أسمر اللون، أحنف الرِجل، مائل الذقن، ضيق المنكبين، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيمَ غضب؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
فالمقياس الحقيقي علمك وعملك، فإذا اعتمدنا هذين المقياسين في حياتنا نرتقي، أما إذا اعتمدنا مقياس المال نُعظّم أرباب المال، إذا اعتمدنا مقياس القوة نُعظّم الأقوياء، إذا اعتمدنا مقياس الانتماء إلى جهة معينة نُعظّمهم لانتماءاتهم فتتخلف الأمة.
لذلك أيها الأخوة، المظاهر الإسلامية الصارخة، تدخل إلى بيت على الجدار الأول هناك آية الكرسي وهذا شيء رائع، بجدار آخر أسماء الله الحسنى، ثم صورة الكعبة، كل شيء جميل، لكن يا ترى هل شرع الله مطبقٌ في هذا البيت؟ يمكن أن تضع على مركبتك مصحف، أي المظهر الإسلامي مقبول، الآن محل تجاري، أول آية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
[ سورة الفتح ]
أي هل الفتح المبين أن تربح فقط؟ فهناك آيات، وأحاديث، وأشياء لطيفة نعتز بها، لكن في ميزان القبول عند الله لا تقدم ولا تؤخر، فالمظاهر الإسلامية الصارخة لا قيمة لها عند الله عز وجل، لأن عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين فقط، عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين الملتزمين. المؤمن الصادق يزيد في إنفاقه ولو نقص إنفاق الآخرين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/11.jpg
الآن من ولي الله؟ قال: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
فقط، لذلك سُئل أحد العارفين: من ولي الله؟ أهو الذي يطير في الهواء؟ قال: لا، قال: أهو الذي يمشي على وجه الماء؟ قال: لا، ثم قال: الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام فقط، حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (( طوبى للغرباء، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس ))
[ أحمد عن المطلب بن حنطب]
أي الناس خففوا من الطاعة لله، خفف من صلواته، خفف من إنفاقه، خفف من تشدده، تساهل، إذا تساهل الناس، ونقص إيمانهم، نقصت طاعتهم، نقص ورعهم، هؤلاء الغرباء يزيدون في ورعهم، في التزامهم، في محبتهم، في تعاونهم، في بذلهم، في عطائهم، أوضح مثل إنفاق المال، أحياناً هناك إنفاق، لكن أحياناً يقول لك: هناك أزمة، فضعف الإنفاق، أما المؤمن الصادق يزيد في إنفاقه ولو نقص إنفاق الآخرين. بطولة الإنسان أن يغذي نفسه بالحق والبطولات :
أيها الأخوة، حديثٌ ثالث: (( إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال النُّزَّاع من القبائل ))
[أحمد عن عبد الله بن مسعود]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/12.jpg
قبيلة تعد بالألوف، نُزع منها شخصان، عرفا ربهما، واستقاما على أمره، وأخلصا دينهما، ودعوا إلى الله عز وجل، هؤلاء النُزاع من القبائل، تجد أسرة أحد عشر فرداً، شاب واحد مؤمن، مستقيم، ورع، صادق، يصلي الفجر في جماعة، يغض بصره عن محارم الله، يسعى لمعرفة الله، يدعو إلى الله، النزاع من القبائل أي قبيلة على كثرتها واحد أو اثنان نزعا منها وتعرفا إلى الله. ((إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل))
[أحمد عن عبد الله بن مسعود]
أخواننا الكرام، مثل أطرحه كثيراً، وعاء الماء في السيارة، له فتحة من الأعلى، وله صنبور من الأسفل، الذي يوضع في الأعلى تأخذه في الأسفل، وأنت تصور نفسك وعاء كيف تتغذى ثقافياً؟ هناك تغذية أفلام، تغذية أناس متفلتين، تغذية أخبار فقط، تكلم ما عندك غير الأخبار، وقصص بعض المشهورين ممن يعملون في عمل لا يرضي الله عز وجل، و عندك أشياء أخرى لا ترضي الله، أما لو أن هذا الوعاء يغذى من القرآن الكريم، من سنة النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم، من سير الصحابة الكرام، تفضل تكلم، تتكلم بشيء غُذيت به لذلك قل لي ما الذي تقرأه؟ أقل لك: من أنت، قل لي: ما الذي تسمعه؟ أقل لك: من أنت، قل: ما الذي تشاهده؟ أقل لك: من أنت، البطولة في التغذية، أن تغذي نفسك بالحق، بالبطولات، لا بالسقطات، فلذلك: (( إن الدِّين بدأ غريباً ))
[ أخرجه الترمذي عن عمرو بن عوف ]
من اتبع الله و نشر تعاليمه أحبه الله وغفر ذنوبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2575/13.jpg
حديث رابع:
(( وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء وهم الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ ))
[ أخرجه الترمذي عن عمرو بن عوف ]
الناس تفلتوا، هو ينضبط، الناس أطلقوا لبناتهم العنان في ثيابهن، هو ضبط بناته. (( الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ ))
[ أخرجه الطبراني و أحمد عن عبد الرحمن بن سنة ]
(( الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس ))
[ ابن عساكر عن الحسن بن علي ]
أيها الأخوة: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران ]
قيل: يحيونها بالتطبيق، وينشرونها بالتعليم.
أيها الأخوة، هذا الموضوع له تتمة إن شاء الله، نتابعه غداً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : غربة فى الدنيا وفوز فى الاخرة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أشقى إنسان على وجه الأرض من جلس في خندقٍ مضادٍ للحق :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الغربة، وهو من الموضوعات المتعلقة بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول".
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج يوماً إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد معاذ بن جبل قاعداً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أي لَمَ تبكي؟ قال: يبكيني شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول:
(( اليسير من الرياء شرك ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/01.jpg
الرياء أن تترك عملاً يرضي الله من أجل الناس، هذا رياء:(( الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل ))
[ أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
مثلاً إنسان نصحك وهو مستقيم، أبغضته لأنه نصحك، وإنسان لك عنده مصلحة فجاملته على هذه على خطئه فهذا أحد أنواع الشرك، يقول عليه الصلاة والسلام: (( اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
أقول لكم هذه الكلمة: أشقى إنسان على وجه الأرض من جلس في خندقٍ مضادٍ للحق، من حارب الله ورسوله: (( إن الله يحب الأبرار ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/02.jpg
الأبرار جمع بر، والبر هو الطائع لله عز وجل، برٌ بوالديه يقدم لهما كل خدمة نقيض العاق، مؤمنٌ بر مؤمنٌ طائع. (( إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
في التعتيم لا في الأنوار، أي هناك إنسان مشهور و إنسان غير مشهور، فغير المشهور إذا كان تقياً فالله عز وجل يحبه، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به:(( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[ ابن عدي في الكامل عن ابن عمر]
(( إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
إنسان من عباد الله الطائعين المتقين غاب، لا أحد يعرفه حتى يسأل عنه. (( وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
أي مجتمع مغبَّر، قاتم، منصرف عن الله، شارد، هناك ظلم، هناك شهوات و معاص وآثام، من هذه البيئة السيئة، الشاردة، المنحرفة، يخرج.
والله سمعت عن إنسان عنده ملهى، ولو أن ابنته طلبت منه المليون تلو المليون ما سألها لَمَ؟ هي اعتقدت أن مال أبيها حرام، فعملت معلمة في أحد ضواحي دمشق، وتسكن في بيت وحدها، وتأكل من مالها، ولو طلبت من أبيها المليون تلو المليون لما سألها لِمَ هكذا؟ على المؤمن أن يكون مع القلة المؤمنة الطائعة لا مع الكثرة الفاجرة الكافرة :
أيها الأخوة:
(( إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة ))
[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/03.jpg
من مجتمع منحط، من مجتمع منافق، من مجتمع ظالم، من مجتمع شارد، من مجتمع يعبد الشهوات من دون الله، من مجتمع مادي مقيت، من هذا المجتمع يخرج شابٌ مؤمن، فكن غريباً عن هذا المجتمع، كن مع القلة المؤمنة الطائعة، ولا تكن مع الكثرة الفاجرة الكافرة، كن مع القلة التي تعرف الله، ولا تكن مع الكثرة التي شردت عن الله، والحديث اليوم عن الغربة.
فعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: آية! أية آية؟ قلت: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 105 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/04.jpg
قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً ـ الآية متداولة جداً، وقد تفهم فهماً على غير ما أراد الله عز وجل ـ قال: والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ))
[ أخرجه الإمام الترمذي و أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني]
مادية مقيتة، يبيع دينه بيمينٍ كاذبة، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل:(( حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ))
الجنس: (( ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ))
كل إنسان كأنه محور العالم: يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***
كأنه مشرع، هذه لم أقتنع بها، من أنت؟ إله؟ خالق السماوات والأرض أنزل كتاباً، وجاء نبيٌ هو سيد الخلق وحبيب الحق شرح هذا الكتاب، وعندك غير مقبول:يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***
(( وإعجاب كل ذي رأي برأيه))
أليست هذه صفات مجتمعاتنا؟ عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة إذا انتشر الفساد :
(( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ))
[ أخرجه الإمام الترمذي و أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/05.jpg
خاصة نفسك أي أهلك، جيرانك، أصدقاؤك، أخوانك، زملاؤك، هذا معنى خاصة نفسك أهلك، أقاربك، جيرانك، أخوانك في المسجد، زملاؤك في العمل، أصدقاؤك، أقرباؤك: (( ودعهم وعوامهم فإن وراءكم أيام الصبر صبر فيهن كقبض على الجمر، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه، فإن وراءكم أيام الصبر صبر فيهن كقبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين يعمل مثل عملكم، قيل يا رسول الله: أجر خمسين منا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))
[ أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني ]
تجد بيتاً مسلماً، يرتاد المساجد، فالشاب إذا أراد أن يغض بصره عمن لا يحل له تقوم عليه الدنيا ولا تقعد في البيت المسلم، إذا رفض شابٌ الاختلاط تقوم عليه الدنيا من أهله، من بيوت المسلمين، وهذه النسوة الكاسيات العاريات من أين جاؤوا؟ من بيوت المسلمين، أين الأب؟ أين الأم؟ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[ ابن عدي في الكامل عن ابن عمر]
بطولة الإنسان أن يكون عند الله مقبولاً :
دققوا في هذه الآية:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
البطولة أن يكون لك عند الله مقعد صدق، أن تكون عند الله مقبولاً، أن يكون الله راضياً عنك: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة ]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 21 ]
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
المسلمون بمجموعهم غرباء في هذا العالم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/06.jpg
لذلك أيها الأخوة، عندنا سلسلة موازنات؛ أولاً: المسلمون بمجموعهم غرباء عند أهل الأرض، كيف؟ أربعمئة وخمسين مليون إنسان في الهند يعبدون البقر من دون الله، البقرة إذا مشت في الطريق قطعت الطريق لأنها إله، فإذا دخلت إلى مكان فيه فواكه تأكل من الفواكه ما لذّ وطاب، وصاحب المحل في أعلى درجات الغبطة، يوضع أحياناً روث البقر في غرف الضيوف، أربعمئة وخمسين مليون إنسان يعبدون البقر من دون الله، ثلاثمئة وخمسين مليون في شمال الهند يرفعون شعار لا إله، أوروبا بأكملها إلا ما ندر ملحدة، هؤلاء الذين يفتكون بالشعوب، يدمرون الشعوب، يقتلون الأطفال والنساء، هؤلاء ملحدون ما رأوا إلا قوتهم، أليس المسلمون غرباء؟ هذه غربة، المسلمون بمجموعهم غرباء، هناك من يعبد الجرذان، عندي تحقيق مطول، الجرذان لها معابد، وأتباع، وفي المعبد عشرة آلاف جرذ، يأتي الإنسان ويتوسل لهؤلاء الجرذان، هؤلاء بشر؟ هناك من يعبد الحجر، من يعبد الشمس والقمر، أليس المسلمون غرباء في هذا العالم؟ هناك أخطاء كثيرة عندنا، لكن هل من الممكن أن تفكر في إبادة شعب إبادة كاملة وأنت مرتاح؟ مليون قتيل في العراق، خمسة ملايين مشرد، مليون معاق من أجل الحرية والديمقراطية؟ ممكن! المسلمون في هذا المجتمع غرباء.http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/07.jpg

(( يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير))
[ أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني ]
ثلاث وثلاثون بالمئة من حالات الزنا في الغرب، زنا محارم، تصور الأب مع ابنته، الأخ مع أخته، والعياذ بالله، ألسنا غرباء؟ وزير إيطالي يقول: أنا شاذ جنسياً بتصريح رسمي، وزير الصحة البريطاني يقول: أنا شاذ جنسياً، سفير دولة عظمى أُقيم له حفل وداع في العاصمة الكبرى في العالم، عاصمة القطب الواحد، حضر هو وشريكه الجنسي شيء طبيعي جداً، والآن الشريك الجنسي في العالم الغربي كالزوجة تماماً، ألسنا غرباء عن هذا العالم؟.
فتاة وضعت قطعة قماش على رأسها في فرنسا، قامت الدنيا ولم تقعد؟ ألسنا غرباء؟ فالمسلمون بمجموعهم غرباء في هذا العالم. المؤمن المستقيم الورع غريب مع المسلمين و أهل العلم غرباء مع المؤمنين :
الآن المؤمنون غرباءٌ في المسلمين، مسلم نشأ من أب وأم مسلمين، يصلي خمسة أوقات، يحج، ويذهب إلى العمرة، ويدفع زكاة ماله، لكن بيته غير إسلامي، عمله غير إسلامي، دخله غير إسلامي، إنفاقه غير إسلامي، علاقاته غير إسلامية، فالمؤمن المستقيم الورع غريب مع المسلمين، الآن أهل العلم غرباء مع المؤمنين، هذا دارس متبحر، الله قال:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/08.jpg
أهل العلم عرفوا سرّ وجودهم وغاية وجودهم، عرفوا ربهم، أخلصوا له، أطاعوه، أقبلوا عليه، خدموا عباده، يحمل رسالة، أنا أكثر شيء لفت نظري في العالم الغربي أن الإنسان بلا رسالة، همه بطنه وفرجه فقط، ينام كالدابة، لا يعرف حقاً ولا باطلاً، ولا خيراً ولا شراً، تجد مسلماً في دولة نامية همّه هداية الناس، يصلي قيام الليل، يأتي إلى المسجد، يحاول أن يدعو إلى الله عز وجل، يحضر مجلس علم، تجد المسلم عنده رسالة،فطلاب العلم عند المؤمنين غرباء، المؤمن مستقيم، المسلم ينتمي للإسلام: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 14 ]
فالمسلم ينتمي لهذا الدين من أب وأم مسلمين، أما المؤمن مستقيم، أما طالب العلم أساساً ما عطاء أعظم من العلم، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
أهل العلم غرباء في المؤمنين. كلما ارتفع مقام الإنسان ضاقت الدائرة التي فيها أمثاله :
الآن وأهل السنة هؤلاء الذين تتبعوا السنة وعرفوا دقائقها، وعرفوا الأهواء والبدع، غرباء في أهل العلم مراتب، والنبي عليه الصلاة والسلام غريبٌ مع المؤمنين:
(( أبيت يطعمني ربي ويسقيني ))
[ أخرجه مسلم وابن خزيمة عن أبي هريرة ]
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
أي المؤمن الراقي، طالب العلم، إذا كان بخير هو ومن حوله يقول لك: الحمد لله، أما النبي يحمل همّ البشرية.
أي كلما ارتفع مقامك ضاقت الدائرة التي فيها أمثالك، كأن الحياة موشور أوسع دائرة في الأسفل، فكلما صعدت نحو الأعلى ضاقت الدوائر، فأنا أتمنى أن يكون المؤمن في الأفق الأعلى: ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النجم ]
(( إن الله عز وجل يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ]
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
(( عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعَ بخلقهن، أفيعييني رغيفٌ أسوقه إليك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا ـ الدنيا بمالها ـ تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماًَ، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلملي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ ورد في الأثر]
المؤمن مع المؤمن ليس بينهما غربة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/09.jpg
أيها الأخوة، لكن عندنا متنفس، المؤمن مع المؤمن ليس بينهما غربة، لذلك قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الكهف الآية: 28 ]
﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾
هناك مجالس أنس، مجالس طرب، مجالس اختلاط، نساء رائعات، جلسة مختلطة، طُرف، يقول لك: والله سررنا كثيراً: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾
[ سورة الكهف الآية: 28 ]
معنى أغفلنا باللغة وجدناه غافلاً، عاشرت القوم فما أجبنتهم ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم ما وجدتهم بخلاء، ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾
بمعنى دقيق من وجدناه غافلاً: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
لذلك:(( رُبَّ أشعث أغبر ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
أغبر أي ليس أبيض اللون، لونه داكن، ملون: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
ورد في بعض الآثار أن النبي رحب بصحابي ترحيباً غير طبيعي قال له:(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أنا يا رسول الله؟ قال له: أنت، أنت خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء ))
[ورد في الأثر]
الغربة نعمةٌ وليست نقمة
إذا كان الإنسان مع القلة المؤمنة الصادقة :
لذلك:
(( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[ ابن عدي في الكامل عن ابن عمر]
مثلاً أنت ترى إنساناً كافراً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
قد يستجيب الله لدعوة كافرٍ مظلوم: (( إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ))
[ أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
هناك حديثٍ آخر: (( أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى قَالَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعِفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن معاذ بن جبل ]
لو لم تكن مشهوراً، لو لم تكن الأضواء مسلطة عليك، لو كنت في التعتيم: (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ ـ أي ثوبين باليين ـ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ الترمذي عن أنس بن مالك ]
أي الغربة الآن نعمة، إذا كنت مع القلة المؤمنة الصادقة، وكلام آخر: إن لم تكن طرفاً مؤامرةٍ قذرة هدفها إفقار المسلمين، أو إضلالهم، أو إفسادهم، أو إذلالهم، أو إبادتهم، فأنت من ملوك الآخرة.
إذاً الغربة نعمةٌ وليست نقمة. على الإنسان في شأن الدنيا أن ينظر لمن هو أدنى منه :
لكن هناك توجيهات: في الدنيا انظر لمن هو أدنى منك، فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك، إنسان أحياناً يزور مستشفى، يرى أمراضاً عضالة، فانظر لمن هو أدنى منك، فذلك أحرى ألا تزدري نعمة الله عليك، وفي بعض الأقوال: من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، يقول لك: بيت سعره يقدر بمئة وثمانين مليوناً، فيه فرش بخمسين مليوناً، هو عنده بيت يقدر بستين متراً تحت الأرض، هذه الدنيا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2576/10.jpg
دخلوا على سيدنا أبي عبيدة بن الجراح، وجدوا غرفة فيها قدر ماء مغطى برغيف خبز، يجلس على جلد غزال، والسيف معلق، قالوا: ما هذا؟ قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير ألا يبلغنا المقيل؟
لذلك من دخل على الأغنياء طبعاً الغير مؤمنين، المتفلتين، الذين يتباهون بما عندهم، ويكسرون قلب الفقير، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم إذا كان غافلاً وهو على الله ساخط، يا عائشة:
(( إِن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
أي انظر لمن هو أدنى منك، فذلك أحرى ألا تزدري نعمة الله عليك، أي:(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
ملك سأل وزيره من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، ورزقٌ يكفيه، وزوجة ترضيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله، فالملك هو إنسان، له بيتٌ يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزقٌ يكفيه، هذا في شأن الدنيا، أما في شأن الآخرة: اصحب من هو أتقى منك، واصحب من هو أعلم منك، وقال بعضهم: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، أنت في شأن الدنيا انظر لمن هو أدنى منك، وفي شأن الآخرة انظر لمن هو أتقى منك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : رعاية الاسباب والاخذ بها








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من لوازم العبودية لله أن يأخذ الإنسان بالأسباب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:" سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع عنوانه: رعاية الأسباب، وهذه التسمية من عند ابن القيم رحمه الله تعالى، ولا أبالغ إذا قلت: إن مشكلة المسلمين اليوم الأولى عدم الأخذ بهذا القانون، من لوازم عبوديتك لله عز وجل أن تحترم قوانين الله عز وجل في كل شيء، وأن تأخذ بها، هذه هي العبودية لله عز وجل، فالله عز وجل خلق هذا الكون وفق مبدأ السببية: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/02.jpg

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾
[ سورة الكهف ]
فالأخذ بالأسباب جزءٌ من الدين، وعدم الأخذ بها معصية كبيرة، ويمكن أن يعزى تخلف المسلمين، وانتهاك حرماتهم، واحتلال أراضيهم، وقتل أبنائهم، ونهب ثرواتهم، إلى أن أعداءهم أخذوا بالأسباب وهم غفلوا عنها، وتواكلوا على الله، فلذلك من لوازم العبودية لله أن تأخذ بالأسباب.
مثلاً ومن أقرب الأمثلة الابن مرض، يجب أن تأخذه إلى أقرب طبيب، وأن تشتري أفضل الدواء، وأن تشرف بنفسك على إعطاء الدواء، وبعدئذٍ تتوجه من أعماق أعماقك إلى الله عز وجل تسأله الشفاء، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. أي عملٍ يسبقه تصور فإذا صحّ التصور صحّ العمل وإذا فسد التصور فسد العمل. :
أيها الأخوة، أي عملٍ يسبقه تصور، فالسارق لماذا أقدم على السرقة؟ لأنه تصور أنها كسبٌ كبير بجهدٍ قليل، وغاب عنه العقاب والسجن، لذلك التصور يسبق العمل، فإذا صحّ التصور صحّ العمل، وإذا فسد التصور فسد العمل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/03.jpg
أوضح الأمثلة: تركب مركبتك، وفي لوحة البيانات تألق ضوءٌ احمر، إذا فهمت هذا التألق هو تألقٌ تزييني وهو في الحقيقة تألق تحذيري، نقص الزيت في المحرك ، فإذا فهمت أن هذا التألق تألق تزييني، وتابعت السير، احترق المحرك، وتوقفت المركبة، وتعطلت الرحلة، وفاتك الهدف، ودفعت مبلغاً فلكياً لإصلاح المحرك، أما إذا فهمت أن هذا التألق تألق تحذيري، فأوقفت المركبة، وأضفت الزيت، وسلم المحرك، وتابعت السير، وحققت الهدف، هذا المثل على بساطته يوضح كل شيء، الخطأ بالفهم، الخطأ بالتصور: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
أي لمجرد أن تتصور الأمة أن خلاصها أن تنبطح لأمةٍ قوية، هذا خطأ في التصور، الأمة القوية تذلها، وتنتهك حرماتها، وتأخذ أرضها وثروتها، أما لو تصورت أن النصر من عند الله وحده، وأن هذا النصر لمن ينصر دين الله، فاصطلحت مع الله، ونصرت دينه، لوجدت العجب العجاب، لوجدت أن هذا الإيمان، وهذا الصلح مع الله، قلب كل المعادلات، وألغى كل التفوق: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 120 ]
مثل آخر: شركة سيارات كل شهر ينفجر بعجلات السيارات مئة عجلة، مشكلة كبيرة، وكلما انفجرت العجلة مع سائق استدعاه المدير وعاقبه، شركة أخرى بالشهر كله تنفجر عجلة أو عجلتان، هنا في مئة، الخطأ أن المدير أعطى تعليمات أن يكون الضغط أربعين وهو يجب أن يكون ثلاثين، والوقت صيف، فإذا أسرع السائق تمدد الهواء، وانفجرت العجلة، الخطأ في التصور، في تصور القيادة، فحينما يخطئ الإنسان في التصور يدفع الثمن. مشكلة المسلمين اليوم في تصوراتهم الخاطئة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/04.jpg
لذلك النقطة الأولى: أن الموازنة بين عهد الصحابة وهذا العهد، ما قولكم بجامعٍ أو بمسجدٍ أرضه رمل، وسقفه من سعف النخيل، ورايات المسلمين في الأفاق؟ في الصين شرقاً، وفي مشارف باريس غرباً، والآن هناك مساجد تكلفتها تقدر بمليار أو بملياري دولار، مظاهر صارخة إسلامية، مؤتمرات، مؤلفات، كتب، محاضرات، أشرطة، زخارف، وخمس دول إسلامية محتلة، والثروات بيد أعدائنا، والعالم كله يحاربنا، لماذا؟ لماذا هؤلاء الصحابة رفرفت راياتهم في الخافقين، وكلمتهم هي العليا، وأمرهم بيدهم؟ ولماذا المسلمون بهذا التخاذل، وهذا الضعف، وهذا الانبطاح، لماذا؟ لأن الصحابة الكرام كان تصورهم صحيحاً، ونحن تصورنا الإسلام تصوراً خاطئاً، هنا المشكلة في التصور الخاطئ. التوحيد يصحح التصور :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/05.jpg
أيها الأخوة، التوحيد يصحح التصور، التوحيد أن ترى أن الأمر بيد الله، هو الناصر، هو القوي، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، هو الموفق، هو الناصر، فالتوحيد يصحح التصور، والشرك بالله يبعدك عن التصور الصحيح، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
لمجرد أن تعتمد على مالك وقعت في الشرك، أن تعتمد على قوي ليس مؤمناً ترى الخلاص عنده فهذا شرك، لمجرد أن تعتمد على ذكائك فهذا شرك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/06.jpg
سأروي لكم قصة عن طبيب في أمريكا، رفع جدار الجري ـ الجري اليومي ـ وكان يجري في اليوم عشرين كيلو متر، وعمل ندوات، وألقى محاضرات، هو أستاذ في الجامعة، وهو طبيب قلب أيضاً، الجري كل شيء، وكلامه صحيح، لكنه مات وهو يجري في سن مبكرة جداً، يا ترى هل كلامه خطأ؟ لا، لكنه اعتمد على الجري ونسي الله.
أي شيءٍ تعتمد عليه وتنسى الله، الله عز وجل يؤدبك، فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أي لو فرضنا أن الخطأ في التصور لا ينعكس على السلوك تصور ما شئت، لو تصورنا أن الخطأ في العقيدة لا علاقة له بالسلوك اعتقد ما شئت، ولكن لأن كل خطأ في العقيدة، ولأن كل خطأ في التصور، ينعكس على السلوك قطعاً، لذلك لا يقبل الله العقيدة تقليداً ولو أنها صحيحة، لقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد الآية: 19 ]
ما قال: فقل، ﴿ فَاعْلَمْ ﴾
الله عز وجل لا يقبل العقيدة من المسلم إلا عن بحثٍ ودرسٍ وإيمانٍ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/07.jpg
لا يقبل الله العقيدة من المسلم إلا عن بحثٍ، ودرسٍ، وإيمانٍ، وأما إن كانت تقليداً فلا تقبل، والدليل: لو أن الله قَبِل التقليد في العقيدة لكانت كل الطوائف المنحرفة عند الله ناجية، أفراد هذه الطائفة ما ذنبهم؟ قال لهم زعيمهم: كذا فقالوا: كذا، لا العقيدة لا تُقبل تقليداً، لابد من التحقيق، لقوله تعالى:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/08.jpg
الآن بعض الأمثلة: الابن مرض، الدعاء لا يكفي، لابد من أن تأخذه إلى الطبيب، و يجب أن يكون الطبيب جيداً، وتختار الدواء الجيد، وأن تشرف بنفسك على معالجته، وفي أعماق أعماق قلبك تقول: يا رب أنت الشافي، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
عندك ابن بالرياضيات مقصر، يا بني ادعُ الله أن ينجحك، خطأ، يجب أن تأتي له بأستاذ خاص ليعلمه بعض الموضوعات التي صعُبت عليه، وبعدها تقول له: يا بني ادعُ الله أن ينجحك.
هناك آفة زراعية، يا رب تنجينا، لا، يجب أن تأتي بالدواء، وأن تستخدم الدواء وفق تعليمات المهندس الزراعي، وبعدها تقول: يارب سلم هذا المحصول.
بضاعة كاسدة، هناك خطأ بشرائها، و خطأ بالسعر، و خطأ بالتسويق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/09.jpg
أوضح مثل عندما رأى سيدنا عمر أناساً في الحج يتكففون الناس، قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله وأوضح مثل أن سيدنا عمر لما رأى جملاً أجرب، فسأل صاحبه: يا أخا العرب ما تفعل به؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال: يا أخي هلا جعلت مع الدعاء قطراناً.
هذه مشكلة المسلمين الأولى، يا رب تنتقم منهم، يا رب عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، يا رب اجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأنت نائم، لا تستعد، لا تأخذ بالأسباب، هم لا ينامون الليل يعملون، لن ننتصر عليهم إلا إذا أخذنا بالأسباب، وإلا إذا أخذنا بهذه الآية: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 60 ]
هناك خطأ بالتصور، أن الله ينصرنا لكن ما نصرنا، الله عز وجل بيده كل شيء لكن أمرك أن تأخذ بالأسباب. ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾
[ سورة محمد الآية:4 ]
القضاء والقدر لا يعفي من المسؤولية :
أيها الأخوة، كنت مرة في مؤتمر في ماليزيا، فقال أحد الخطباء: ما دام المسلمون يُعزُون أخطاءهم إلى القدر فلن يتقدموا، ولن ينتصروا، أي قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النور الآية: 11 ]
الإفك الحديث الذي لا يحتمل عن السيدة عائشة: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾
[ سورة النور الآية: 11 ]
يا رب كيف هو خير؟ فرز المؤمنين، الصادقون أحسنوا الظن برسول الله، وزوجته، والمنافقون روجوا هذا الخبر، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾
بعدها يقول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النور ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/10.jpg
القضاء والقدر لا يعفي من المسؤولية، فما دام المسلمون يُعزون أخطاءهم إلى القدر فلن يتقدموا، بلادٌ محتلة، هكذا يريد الله، هذا ترتيب سيدك، ليس بيدنا شيء، لا، الله أمرك أن تقاوم، هو معك، كلما ارتكب خطأ فاحش والنتيجة مؤلمة جداً، يقول: هذا ترتيب ربي، هكذا يريد الله، ليس بيدنا شيء، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، الله يسلم، هذا الموقف الغلط، الله أمرك أن تقاوم، أمرك أن تجاهد، أنا مضطر أن أسمي ما يصيب المسلمين بسبب أخطائهم الفادحة أن هذا جزاء التقصير، هذه التسمية الصحيحة، لأن القضاء والقدر شيء، وجزاء التقصير شيءٌ آخر.
طالب لم يدرس إطلاقاً، فلم ينجح، سبحان الله! الله لم يرد لي النجاح، أيضاً الأمر بيد الله، أنت لم تدرس، أما لو طالب استنفذ جهده في الدراسة، وقبل الامتحان أصابه مرضٌ حال بينه وبين الامتحان، فهذا قضاء وقدر، الفرق بين القضاء والقدر وجزاء التقصير، القضاء والقدر قوة قاهرة، أما جزاء التقصير هناك قوانين، لم تدرس إذاً لن تنجح، لم تحسن شراء البضاعة إذاً البضاعة كاسدة.
لذلك إذا أردت أن تنتمي إلى أمةٍ كانت فيما مضى قائدةً للأمم بعد أن كانت راعيةً للغنم ينبغي أن تأخذ بالأسباب، من قدوتك؟ النبي عليه الصلاة والسلام. على الإنسان أن يأخذ بالأسباب و يتوكل على رب الأرباب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/11.jpg
أخواننا الكرام، هل تعتقدون أن على وجه الأرض إنساناً أكرم على الله من رسول الله؟ ومع ذلك لما هاجر أخذ بكل الأسباب، توجه ساحلاً، قبع في غار ثور، كلف إنساناً ليمحو الآثار، إنسان يأتي بالأخبار، إنسان يأتي بالزاد، استأجر دليلاً رجح فيه الكفاءة والخبرة على الولاء، كان مشركاً، أخذ بكل الأسباب، فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق متأدباً مع الله، فأخذ بالأسباب كلها، هل يعقل ألا نعد لعدونا شيئاً وأن ننام في رابعة النهار؟ ثم نقول: يا رب عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، لا، هذا خطأ يسمى في المصطلح المعاصر إستراتيجي، خطأ إستراتيجي.
وهذا الدرس متعلق بعملك، أخي لا يوجد بيع، وهناك أناس مع هذا الكساد يبيعون لأنهم أخذوا بالأسباب، اختار بضاعة جيدة، اختار سعراً مناسباً، العرض مناسب، التسهيلات مناسبة، عود نفسك أن تتهم نفسك دائماً، لا تعزُ خطأك إلى القضاء والقدر، اعزُ خطأك إليك فتنجح، البطولة أن تواجه المشكلة لا أن تقفز عليها، ضعاف النفوس، ضعاف الإيمان، يقفزون على مشكلاتهم، ويعزوها إلى القضاء والقدر.
على كل إنسان أن يصحح تصوراته لأن التطرف سهل :
أيها الأخوة، وعن عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين: (( فقال المقضيُّ عليه لَمَّا أدبر: حَسْبيَ الله ونعم الوكيل ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
الإنسان هو الإنسان، حكم بين شخصين، والذي عليه الحق: (( فقال المقضيُّ عليه لَمَّا أدبر: حَسْبيَ الله ونعم الوكيل ))
فغضب النبي الكريم فقال له: (( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/12.jpg
أنت مقصر: (( ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
ما درست، ما نجحت، قال: (( حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
لا، قل: لم أنجح لأنني لم أدرس، أما إذا جاء مرضٌ حال بينك وبين الامتحان تقول حينئذٍ: (( حَسبيَ الله ونعم الوكيل))
يجب أن نصحح تصوراتنا.
أخواننا الكرام، دائماً التطرف سهل، أي أن تسيب أولادك بلا متابعة، بلا تأديب، بلا محاسبة، سهلة جداً، وإذا أخطأ الواحد أن تسحقه بالضرب أيضاً سهلة، أما البطولة أن يحبك ابنك بقدر ما يخافك، الموقف الوسطي صعب يحتاج دقة بالغة، يحتاج إلى حنكة، إلى خبرة، فدائماً وأبداً التطرف سهل، ألا تأخذ بالأسباب أصلاً قضية سهلة، إنسان محترم جداً، سافر إلى الشمال بسيارة لم يكشف عنها إطلاقاً، مات هو وأهله، فعليك أن تراجع العجلات، تراجع الأجهزة، تراجع المركبة، لم يراجع فيعزى هذا إلى خطئه، أما راجعها مراجعة تامة وصار هناك حادث فهذا قضاء وقدر. فهم الإنسان للقضاء والقدر يجب أن يكون فهماً آخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2696/13.jpg
أيها الأخوة، شيء آخر: سيدنا عمر كان في الشام، فعلم أن فيها طاعوناً، وقف على أبواب دمشق، فرجع ولم يدخلها مشفقاً على أصحاب رسول الله، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ فقال سيدنا عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله، الطاعون قدر الله، والشفاء قدر الله، فأنا أفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم نادى في الجيش، هل فيكم من سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن هذا الوجع رجْزُ أو عذابُ، عُذِّب أُنَاسُ من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها))
[ أخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص ]
أحدث نظرية في الوقاية، هناك إنسان حامل المرض ليس مريضاً، فإذا كان إنسان بأرض فيها طاعون، أو فيها مرض عضال، قد يحمله وليس مصاباً به، فإذا خرج من هذا البلد نقل هذا المرض إلى مكان آخر، هذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: نعم أنا أفر من قدر الله إلى قدر الله، وفي حديث قالوا يا رسول الله: (( أرأيتَ رُقَاة نَستَرقي بها، ودَوَاء نتَداوَى به، وتُقَاة نَتَّقيها هل ترُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً؟ قال: هو من قَدَرِ الله ))
[ أخرجه الترمذي عن يعمر السعدي ]
هذا الفهم الصحيح، أي كل القصد أن هذا القعود، والاستسلام، والتأمل، من دون حركة، من دون استعداد، ربِّ ابنك، نور ابنك، اضبط بيتك، أتقن عملك، حتى تقدم لهذه الأمة شيئاً.
إذاً فهمنا للقضاء والقدر يجب أن يكون فهماً آخر، طبيب بالمستشفى، في قسم الإسعاف، جاء مريض، لأنه كان يدير حديثاً مع الممرضة، أو يلعب بالنرد، مات المريض، قال: سبحان الله! مات بأجله، لا، يحاسب على هذا التقصير، لا يجوز أن نعتذر بالقضاء والقدر أبداً، تقول: هذا ترتيب الله، هو التقصير منك، لذلك قالوا: من طبب ولم يُعلم منه طبٌ فهو ضامن، يدفع الدية، من طبب ولم يعهد منه طبٌ فهو ضامن.
أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله، لكن أنا أراه من أخطر الموضوعات التي يحتاجها المسلمون في هذا الوقت الصعب، لأن أعداءنا يأخذون بالأسباب، ونحن نهملها، ولن نستطيع أن ننتصر إذا قصرنا بأمرٍ قرآني هو قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 60 ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : عدم الأخذ بالأسباب هو سبب كل ضائقة في حياة الإنسان







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. رعاية الأسباب :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيقٍ جداً متعلقٍ بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع "رعاية الأسباب" كما سمَّى هذا الاسم العالم الجليل ابن القيم الجوزية، الآن نقرأ بعض هذه الآيات، قال تعالى:
﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾
[ سورة الحجر ]
والآية الثانية: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
والآية الثالثة: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾
[ سورة الطلاق ]
إذاً آياتٌ كثيرة، كثيرةٌ جداً، أنا اخترت هذه الآيات، كلها بقدر، بقدرٍ دقيق، أي خُلق بنظام وترتيب، خُلق وفق سُنةٍ ثابتة، هناك أسباب، هناك نتائج، هناك أسباب، هناك مسببات، هناك مقدمات، هناك نتائج، فإذا كان تصميم الكون بكل تفاصيله وفق مقدماتٍ ونتائج، وفق أسبابٍ ومسببات، فهل يليق بالمؤمن أن يتجاهل هذا؟. الأخذ بالأسباب يكون بدءاً من الفرد وانتهاءً بالأمة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/01.jpg
من أقرب الأشياء إليك صحتك، إذا قال الطبيب لك: دع الملح فرضاً، هناك نظام دقيق، الملح يحبس السوائل، والسوائل إذا حُبست ارتفع الضغط، والضغط هو القاتل الصامت، فتقول لي: أنا مؤمن لا يحصل لي شيء، هذا جهل، قال لك الطبيب الذي مكنه الله من معرفة خصائص هذا الجسم: دع الملح، أي دع الملح.
أنا أسوق بعض الأمثلة كي يتضح أن المسلم يأكل تفاحة دون أن يغسلها ويقول: سمِّ بالله، هذا كلام غير علمي، وغير ديني، وغير إيماني، ورد في بعض الأحاديث:
(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))
[ أخرجه الطبراني عن سلمان ]
طبعاً لا زلنا في موضوعٍ دقيق "رعاية الأسباب"، إذا كان هذا الكون وفق نظامٍ دقيق، وفق أسبابٍ ومسببات، وفق مقدماتٍ ونتائج، لا ينبغي أيها المؤمن أن تتجاهل هذا النظام، من علامات تأدبك مع الله، من علامات طاعتك لله، أن تخضع لنظامه، هذه نقطةٌ نفتقدها كثيراً على مستوى أشخاص، وعلى مستوى جماعات، لابد من أن نستعد لأعدائنا تقول لي: عدوان غاشم، طبعاً غاشم، عدوان غادر، طبعاً غادر، العدو لن يخبرك إن أراد أن يعتدي عليك، فلابد من أن تأخذ بالأسباب بدءاً من الفرد وانتهاءً بالأمة.
المعجزة و الكرامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/02.jpg
لكن هناك نقطة دقيقة جداً وهي أن الله سبحانه وتعالى يخرق النواميس للأنبياء، لأن الله عز وجل حينما يرسل إنساناً ويقول للناس: أنا رسول الله، معه منهج، معه افعل ولا تفعل، هناك أشياء محرمة، فالذي أَلِف الحرام يرفض هذه الدعوة، ويتهمه بالكذب، وقال:
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾
[ سورة الرعد الآية: 43 ]
الآن كيف يشهد الله لرسولِه أنه رسوله؟ لابد من أن يجري على يديه خرقاً للنواميس، وخرق النواميس هو المعجزة، وقد كُلف النبي عليه الصلاة والسلام أن يتحدى بها الآخرين، هذا وضعٌ خاص بالأنبياء والمرسلين، القوانين والنواميس لن تُخرق لك، تُخرق لنبي كشهادة من شهادات الله أنه رسوله، أما مؤمن عادي الله عز وجل يخصك بكرامة، هذه الكرامة ليست قابلة للتداول، الوليُّ يستحي بكرامته كما تستحي المرأة بدم حيضها، هكذا قال بعض العلماء، الكرامة لك وحدك، لأن الله عز وجل من كماله أنه شكور. أعظم كرامةٍ هي كرامة العلم :
أنت حينما تخطب وده، أنت حينما تتقرب إليه، أنت حينما تؤثره على هوى نفسك، أنت حينما تخدم عباده، لابد من أن يقابلك بود، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
[ سورة مريم ]
قال علماء التفسير: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/03.jpg
فيما بينهم وبينه، المؤمن الصادق يشعر أن الله يحبه، يشعر أنه قريبٌ من الله عز وجل، فلذلك أنت حينما تخطب ود الله لك كرامة، هذه الكرامة ممنوعٌ أن تجهر بها، بينك وبينه، لأنك لست معصوماً، لو جهرت بها لكذبك الناس، أنت لست معصوماً، لكن أنا أؤكد لكم مستحيل وألفُ ألف مستحيل أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، تخطب ود الله كل يوم بطاعته، وخدمة عباده، والنصح لهم، دون أن يريك شيئاً يؤكد لك أنه يحبك هي الكرامة، فالوليُّ له كرامة، والنبي له معجزة، النبي مسموحٌ له أن يتحدى الكفار بالمعجزات، لأنها شهادة الله له أنه رسوله، أما أنت أحياناً قد تأتي بأشياء ليست صدفة و: ﴿ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾
[ سورة طه ]
هناك توفيق إلهي، هناك انشراح بالصدر، أحياناً أمام عقبة كبيرة، تُذلل أمام مشكلة تُحل، أمام قضية شائكة لها حل عند الله عز وجل، هذه كرامة المؤمن، وأنا أطالبكم أن تطلبوا من الله الكرامة، لكن أجمل كلمة سمعتها: أن أعظم كرامةٍ هي كرامة العلم، هي كرامة لا تحتاج إلى خرقٍ للعادات، ولا إلى تعطيل للنواميس، لذلك قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
الكرامة طريقة يُشعر الله بها الإنسان أنه يحبه :
لذلك النبي له معجزة، وقد أمر أن يتحدى بها قومه، والولي له كرامة، والكرامة طريقة يشعرك الله بها أنه يحبك، وقد وردت في القرآن الكريم تحت اسمٍ آخر هذا الاسم أيام الله، قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 5 ]
يوم كنت مضطراً فدعوته فأجابك: وجدناك مضطراً فقلنا لك ادعُنـا نُجبك، فهل أنت حقاً دعوتنـــا؟
دعوناك للـخيرات أعرضت نائياً فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنـا؟
فيا خجلي منه إذا هــو قال لي أيا عبدنــا ما قرأت كتابنـــا ؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا ؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنـــا ؟
* * *
على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/04.jpg
أيها الأخوة، إذاً أنا حينما أخطب ود الله لابد من باب كمال الله المطلق، من باب أن الله شكور، أن يشعرني بطريقةٍ أو بأخرى من دون تفاصيل أنه يحبني، هذه كرامة تمسك بها، وابحث عنها، ولا تذكرها للناس، إلا لمن تحبه حباً شديداً وهو يثق بك، ليس ممنوع كلياً لكن الأصل أنه لا يتحدى بها الآخرين، لأن المؤمن غير معصوم، إذا لم يكن عنده عصمة وتكلم عن كرامة له، هناك من يتهمه أنه كاذب، الآن الذي أنا أراه وأرجو أن أكون على صواب أن المؤمن الذي يستخف بالأسباب، ولا يبالي بها، ولا يأخذ بها، ويدّعي أنه متوكل فهو كاذب، هذا ليس توكلاً، التوكل محله القلب، أما الأعضاء محل الأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
أوضح الأمثلة: الابن مرض، آخذه إلى أفضل طبيب، أشرف بنفسي على الدواء، وأتصدق، وفي أعماق أعماق قلبي أقول: يارب أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، فهنا تستطيع أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا ما ينقص المسلمين اليوم، لا يأخذون بالأسباب أبداً، العالم الغربي أخذ بها، واعتمد عليها، وألّهها ، فوقع في وادي الشرك، والعالم الشرقي لم يأخذ بها أصلاً فوقع في وادي المعصية، أي الطريق القويم طريق على يمينه وادٍ سحيق، وعلى يساره وادٍ سحيق، على يمينه وادي الشرك إن أخذت بالأسباب، واعتمدت عليها، ونسيت الله عز وجل وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها أصلاً وقعت في وادي المعصية، والموقف الكامل أن تأخذ بها كأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
الله عز وجل رحمة بالإنسان كلفه أن يأخذ بالأسباب المتاحة لا المطلقة :
الآن النقطة الثانية: الله عز وجل رحمةً بنا ما كلفنا أن نأخذ بالأسباب المطلقة بالأسباب المتاحة، ساكن بقرية وهناك طبيب، طبيب أي لم يتخصص، والابن مريض، إن أخذته إلى هذا الطبيب يكفي، أنت أخذت بالأسباب، قد لا يكون بالإمكان أن تصل للمدينة، هناك أطباء كبار اختصاصيون، فالوقت قصير، والمرض داهم الطفل، فرحمةً بنا الله عز وجل ما كلفنا أن نأخذ بالأسباب المطلقة، كلفنا أن نأخذ بالأسباب المتاحة، أي بالنهاية آمن بالله إيماناً يحملك على طاعته، وخذ بالأسباب المتاحة لك، هذا الذي عليك قد أديته، وبقي لك أن ينصرك الله على أي قضية.
طبعاً هذا كلام عام يصلح في الدراسة، في العمل، في التجارة، في الزواج، خذ الأسباب وكأنها كل شيء، خذ الأسباب المتاحة، ما كلفك الله فوق ما تطيق، قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 60 ]
وعلى الله الباقي، أحياناً تجد أن أناساً مؤمنين صنعوا سلاحاً متواضعاً جداً هذه إمكانيته، وجابهوا بها أقوى جيش، والله أيدهم، فمعنى ذلك يمكن أن تأخذ بالأسباب المتاحة فقط، وما كلفك الله أن تأخذ بالأسباب المطلقة. بطولة الإنسان لا أن يتجاهل القوانين بل يأخذ بها :
النقطة الثالثة في هذا الموضوع دقيقة جداً: هذه القوانين الدقيقة آمنت بها أو لم تؤمن، عرفتها أو لم تعرف، عظمتها أو لم تعظمها، صدقتها أو لم تصدقها، نافذةٌ فيك شئت أم أبيت، لا يوجد علاقة بين نفوذها بك وبين إيمانك بها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/05.jpg
مثلاً إنسان راكب طائرة استخف بقانون السقوط، فقفز من دون مظلة، ينزل ميتاً، لأنه لك يصدق هذا القانون، لم يعبأ به، استخف به، احتقره، آمنت به أو لم تؤمن، عظمّته أو لم تعظمّه، نافذٌ فيك، فالبطولة لا أن تتجاهل القوانين، هي نافذة فيك، البطولة أن تأخذ بها.
فلذلك المؤمن الصادق يتأدب مع الله عز وجل، بدءاً من صحته وانتهاءً بالقضايا الكبيرة، يشتري صفقة من دون دراسة، ويوجد بالسوق أسعار للنصف من مصدر آخر، لم يدرس الأوضاع، اشترى صفقة لم تُباع، يا أخي الله لم يكتب لي النجاح! لا أنت قصرت، دراسة هذه الصفقة غير جيدة، لا يوجد معها دراسة شمولية الأسعار، المصادر، بيع هذه المادة، عليها طلب أم ليس عليها أي طلب، عندما تقصر بالدراسة تدفع الثمن، أنا أتمنى دائماً أن تفرق بين القضاء والقدر وبين جزاء التقصير، مثلاً إنسان تارك مأخذاً كهربائياً مكشوفاً بالحمام، والتيار مائتان وعشرون، وإذا دخل الابن إلى الحمام بلا وقاية في رجله مع الماء يموت فوراً، فإذا مات ابنه لا يقل: هكذا كتب الله لي، ليقل: أنا قصرت، طبيب الإسعاف إذا أهمل مريضاً مرضه خطير، كان يدير حديثاً مع ممرضة، بعد دقائق مات المريض، كان من الممكن أن يسعفه، يقول: مات بأجله هذا موضوع ثان.
التوحيد لا يعفي من المسؤولية :
لذلك النقطة الدقيقة جداً أن التوحيد لا يعفي من المسؤولية، والدليل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾
[ سورة النور الآية: 11 ]
بعد قليل: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النور ]
قبل آية قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾
ومع ذلك الذي تولى كبر هذا الموضوع ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/06.jpg
هذه قاعدة مهمة جداً، التوحيد لا يعفي من المسؤولية، لذلك نصل إلى أن عدم الأخذ بالأسباب هو سبب تخلف المسلمين، عدم الأخذ بالأسباب هو سبب ضعفهم، عدم الأخذ بالأسباب هو سبب تخلي الله عنهم.
مدير مدرسة وضع نظاماً دقيقاً، الدوام الساعة الثامنة، من يتأخر لا يدخل، له صديق حميم جاء ابنه الساعة التاسعة، أنا أرى أن هذا الصديق الحميم عندما سمح لابنه أن يتأخر اعتماداً على صداقته مع المدير، هو لا يعبأ بهذه الصداقة، فأحرجه كثيراً.
فلذلك مرة ثانية: أنت حينما تعتد وتأخذ بالأسباب أنت تعظم الله عز وجل، فإن لم تأخذ بها لا تتخيل أن الله سوف يخرق لك القوانين من أجلك، تحاسب وأنت تحت القوانين التي قننها الله عز وجل.
أيها الأخوة، أعداء المسلمين يتهمون المسلمين بأنهم متواكلون، بأنهم حالمون، بأنهم عاطفيون، بأنهم يثارون لأتفه الأسباب، تضعف همتهم لأتفه الأسباب، هذا الوضع هو الذي ضعضع مكانة المسلمين في العالم، الطرف الآخر يعمل بعقله، يأخذ بالأسباب، لا يثور ولا يهوج، نحن نهوج ولا نفعل شيئاً بالنهاية، لكن العالم الآخر يستغل هذا الهياج وهذه الانفلاتات ويتهمنا بالتخلف، فلذلك آن الأوان أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. كلّ شيءٍ له سبب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/07.jpg
أخواننا الكرام، الآن هناك موضوع عقدي دقيق، الله عز وجل حينما يقول:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 57 ]
السحاب أنزل الله به الماء: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
إذاً كان هناك سحاب، ومطر، ونبات، وكل واحد سبب الثاني، الآية الثانية: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
ماذا تعني هذه الآيات؟ تعني أن كل شيءٍ له سبب. الله عز وجل أراد أن تكون أنظمة الكون وفق نظام السببية :
الآن سؤال عقدي، الله عز وجل هل يليق بمقام الألوهية أن الشيء لا يكون إلا بسبب عند الله؟ عند الله:
﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/08.jpg
أنت لن تستطيع أن تلتقي بابنك في أمريكا إلا إذا سافرت إليه، فأنت مقهور بالأسباب، لن تستطيع أن تشرب الماء إلا إذا استخرجته من البئر، لن تستطيع أن تأكل شيئاً إلا إذا زرعته، الإنسان مقهور بالأسباب، أما الله عز وجل لا يليق بمقام الألوهية أن يكون فعله وفق الأسباب، الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس ]
من أجل أن تأكل رغيف خبز، هناك شيء اسمه زراعة، وسقي، وتسميد، وجني، ودراسة، وطحن، وخبز، مراحل طويلة مقرونة جميعاً بها، لكن الله عز وجل للتقريب قادر مباشرةً: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
خبز جاهز من دون أي أسباب، كيف نوفق بين هذه الآيات التي تبين أن لكل شيءٍ سبباً وبين أن الله عز وجل لا يليق بمقامه أن تحكمه الأسباب؟ الجواب، الله عز وجل أراد أن تكون أنظمة الكون وفق السببية، هو قادر على كل شيء، قادر ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
لكن لو جعل الخلق بلا أسباب لم نؤمن به، أنت تقول: هذه الدجاجة من البيضة، والبيضة من دجاجة، تمشي مع التسلسل إلى أن تصل إلى دجاجة خلقها الله بادئ ذي بدء، فلو أن هذا الكون ليس وفق نظام السببية لما عرفت الله، فليس هناك من تناقض بين أن الله عز وجل جعل لكل شيءٍ سبباً، وبين أن الله يقول: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
إذاً هذا الذي يمكن أن يكون واضحاً من خلال هذه الآيات وتلك الحقيقة. توافق مبادئ العقل مع نظام الكون يجعل من العقل أداةً لمعرفة الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/09.jpg
أيها الأخوة، عقل البشر في مبادئ ثلاث: مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، هذه المبادئ الثلاث تتوافق توافقاً تاماً مع أنظمة الكون، بعالم المادة كل شيء له سبب، وفي عقلك لا تفهم شيئاً بلا سبب، بعالم المادة كل شيء له غاية، وبعقلك لا تفهم شيئاً بلا غاية، بعالم المادة التناقض مستحيل، وبعقلك التناقض مرفوض، إذاً توافق مبادئ العقل مع نظام الكون هو الذي يجعل من العقل أداةً لمعرفة الله عز وجل، الآن للتقريب، لو فرضنا مدير مستشفى قال: كل واحد من الموظفين يداوم سنة لا يتأخر يأخذ كتاب شكر، سنة ثانية لم يأخذ تقريراً طبياً كتاب شكر ثان، سنة ثالثة ليس عليه شكوى كتاب شكر ثالث، سنة رابعة لا يوجد بحقه أي مخالفة كتاب شكر رابع، وكل واحد معه أربع كتب شكر يترفع، ويزيد معاشه عشرين بالمئة، التعامل مع مثل هؤلاء المدراء مريح جداً، كل الموظفين عنده سواء، لا يوجد تفرقة، عمل مقاييس موضوعية، أما هناك مدير هذا ابن عمه، هذا ابن خالته، وهذا قدم له هدية، يتعامل مع الموظفين بمقاييس إنتمائية أو نفعية، إما ابن عمه، أو قدم له هدية، فكل إدارة أساس التعامل مع الموظفين أساس نفعي أو انتمائي هذه إدارة متخلفة، وكل إدارة تتعامل مع الموظفين وفق مقاييس موضوعية إدارة راقية جداً، هذا للتقريب.
تعامل الله عز وجل مع كل عباده بمقياس واحد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3487/10.jpg
اعتقد يقيناً أن الله سبحانه وتعالى يتعامل مع كل عباده بمقياس واحد:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 13 ]
سيدنا سعد بن أبي وقاص فداه النبي بأمه وأبيه: (( ارْمِ فداك أبي وأمِّي ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن علي بن أبي طالب ]
وكان يقول: (( هذا خالي فليُرِني امْرؤ خَالَهُ ))
[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
سيدنا عمر قال له بعد وفاة النبي: "يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له"، هذا شيء مريح، كن ابن من شئت، غني، فقير، ذكي، محدود، وسيم الصورة، غير وسيم، هناك مقياس واحد تعامل به من قبل الله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 13 ]
أيها الأخوة، أنا أتمنى مرة ثانية أن قيمة هذا الدرس ليس في معلوماته، في أن يترجم إلى سلوك، حتى يقوى المسلمون، حتى يقفوا أمام أعدائهم، لأن الأخذ بالأسباب مع الإيمان بالله أساس النجاح، سنلخص الدرس بهذه المقولة التي أرددها كثيراً، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع :موطن الصبر








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. حقيقة الصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:"سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع الذي نحن بصدده من أجلَّ الموضوعات، إنه الصبر، أما حقيقة الصبر أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 72 ]
الأمانة نفسك التي بين جنبيك، جعلها الله عندك أمانة، فإن عرَّفتها بربها، وحمَّلتها على طاعته، وتقربت إلى ربك بالأعمال الصالحة كانت لك: ﴿ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 133 ]
إلى أبد الآبدين، إلا أن هذه الجنة ثمنها الصبر. مقومات التكليف :
الصبر هو الإيمان، كيف؟ الله عز وجل جعل هذا الكون دليلاً عليه، فهذا الكون أحد أكبر مقومات التكليف، مظهراً لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أعطاك عقلاً هو أداة معرفة الله، مبادئ العقل متوافقة مع مبادئ الكون، السببية، والغائية، وعدم التناقض، الآن أعطاك شهوةً: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/02.jpg
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 14 ]
أعطاك فطرةً متوافقةً توافقاً تاماً مع منهج الله، فكل أمرٍ أمرك الله به ترتاح نفسك إذا طبقته، وأي أمرٍ نهاك الله عنه تتضايق نفسك إذا ارتكبته، أعطاك كوناً، وعقلاً، وفطرةً، وشهوةً، أعطاك اختياراً: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 29 ]
ليثمن عملك، أعطاك منهجاً افعل ولا تفعل، أعطاك وقتاً، هذه مقومات التكليف علاقتنا بهذه المقومات أن الله سبحانه وتعالى حينما أعطاك شهوةً، وأعطاك اختياراً، الشهوة ميل إلى جمع المال، أمرك أن تنفقه، سمح لك بوسائل لكسب المال مشروعة، وهناك آلاف الوسائل الغير مشروعة، سمح لك بالمرأة زوجةً فقط، وحرم عليك الزنا، أودع فيك الشهوات لكن المدى الذي تستطيع أن تتحرك به في الشهوة مئة وثمانين درجة، وسمح لك بمئة درجة. من اتبع هواه وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليه :
مثلاً: هناك حيز مسموح به، ما هو الصبر؟ الإيمان هو الصبر، أن توقع حركتك في الدنيا في الحيز الذي سمح الله به، أن توقع حركتك في الحياة في الحيز الذي سمح الله به، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/03.jpg
المعنى المعاكس أو المخالف عند علماء الأصول أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، الإنسان لا يخجل إذا تزوج أبداً، وفي الزواج تحقيق شهوة، لا يخجل إذا جمع المال من طريق مشروع، فما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، بالإسلام لا يوجد حرمان، لكن يوجد تنظيم، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، فالشهوات سلمٌ نرقى بها، أو دركاتٌ نهوي بها.
عالم جليل دعاني مرةً، قال لي: عندي ثمان وعشرون حفيداً، معظمهم من حفاظ كتاب الله، وعدد كبير منهم أطباء، أنا فكرت بكلامه، أي هذا الجمع الغفير من حفاظ كتاب الله، من الأطباء، والمهندسين، أي له أولاد، والأولاد جلبوا له الكنائن، وله بنات، والبنات جلبوا له الأصهار، ثمان وثلاثون حفيداً غير أولاده وكنائنه، وغير بناته وأصهاره، معنى هذا هناك كم كبير، هذا الكم الكبير من الأشخاص المتفوقين علماً وديناً، أساس هذا الكم علاقةٌ جنسية، أليس كذلك؟ وفي أي بيت دعارة هناك علاقة جنسية، هذه الشهوة سلمٌ ترقى بها إلى أعلى عليين، أو دركات تهوي بها إلى أسفل سافلين. علاقة الصبر بالإيمان :
ما علاقة الصبر بالإيمان؟ الإيمان هو الصبر، عملية إيقاع الحركة بدافع الشهوة وفق منهج الله، المؤمن يأكل، ويشرب، ويتزوج، ويعمل، ويكسب المال، ويتألق، لكن كل حركته وفق منهج الله، وغير المؤمن يأكل من مالٍ حرام، ويشرب الخمور، ويزني، ويكذب، ويقتل، ويبطش كما ترون وتسمعون كل يوم. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة ]
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/04.jpg
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية ]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة إنها الصبر، أوضح مثل بين أيدينا، من أجل أن تكون طبيباً متألقاً، يقول لك: سبع وثلاثون سنة دراسة، سبع وثلاثون سنة وراء الكتاب حتى أصبح طبيباً متألقاً، لو لم يصبر لكان من أولاد الأزقة، المتع الحسية ليس لها أثر مستقبلي، لو إنسان استمتع بالحياة هل يمكن أن يكون عالماً كبيراً؟ طبيباً متألقاً؟ صناعياً كبيراً؟ مستحيل! لابد من الصبر حتى من أجل الدنيا، حتى من أجل أن تكون متألقاً في الدنيا لابد من أن تصبر. الصبر ثمن الجنة :
لذلك إذا قلنا: إن الدين كله يضغط بكلمة واحدة ما بالغنا، ولا تجاوزنا المعقول، إنه الصبر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/05.jpg
الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: ورد الصبر في القرآن الكريم في تسعين موضعاً، لأن الإيمان هو الصبر، ولأن الإنسان مخلوقٌ للجنة، وثمن الجنة الصبر أبداً، سيدنا يوسف، ما معنى سيدنا يوسف؟ نبيٌ كريم، قيمته في عفته: ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 23]
أي صبر على شهوته، سيدنا أيوب: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾
[ سورة ص الآية: 44 ]
إذاً ثمن الجنة هو الصبر. الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :
غير المؤمن متفلت يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، من حلال، من حرام، يجلس مع من يشاء، إنسان صالح، طالح، سيئ، مجرم، يذهب إلى أي مكانٍ يشاء، إلى ملهى، إلى ناد، يأخذ أي مالٍ يشاء، يعتدي على أي مخلوقٍ يشاء، كما ترون وتسمعون في العالم كله، هكذا غير المؤمن، أما المؤمن فمنضبط: (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/06.jpg
عندما فتح الفرنجة القدس ذبحوا في يومين سبعين ألفاً، الدماء تمشي في الطرقات، فلما فتح صلاح الدين القدس لم ترق قطرة دمٍ واحدة. (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
والمسلم لا يستطيع أن يقر مبدأ المعاملة بالمثل، لا يقدر، مقيد، وهذا القيد شرفٌ له، وهذا القيد وسام شرفٍ يضعه على صدره، يقول عليه الصلاة والسلام: (( الإيمان نصفان نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]
أنت بين حالةٍ تتمناها فكن شاكراً، وبين حالةٍ تؤلمك فكن صابراً: (( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[ أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
المؤمن يتميز عن غير المؤمن بأنه شاكر صابر. الإسلام منهج تفصيلي فإذا ضُغط إلى عباداتٍ شعائرية أصبح المسلمون لا وزن لهم:
الحديث الآخر الذي يؤكد هذه المعاني:
(( الإيمان هو الصبر ))
[ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/07.jpg
فقط، أن توقع الحركة وفق منهج الله، في طعامك، في التوجيهات، في شرابك، في بيتك، في عملك، في طريقك، في المصائب، في الأفراح، في الحل، في الترحال، في الإقامة، في الغضب، في الرضا، هناك منهج تفصيلي ولا أبالغ قد يقترب من خمسمئة ألف بند، هذا المنهج يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج كامل، مشكلة المسلمين الكبرى أنهم توهموا أن الدين أن تؤدي هذه العبادات الشعائرية، هناك مئات بل ألوف التوجيهات في كل مناحي الحياة، أي أنت تقدر أن تذبح حيواناً وقبل أن يسكن تخرج أحشاءه؟ والله مرة رأيت في سوق يبيع الدجاج، يذبح الدجاجة وبعد ثانية واحدة يغمسها في ماءٍ يغلي حتى يسهل نتف ريشها، هناك توجيهات، إنسان ذبح شاةً أمام أختها فغضب النبي وقال: "هلا حجبتها عن أختها، تريد أن تميتها مرتين".
هناك مئات ألوف التوجيهات في كل شيء بحياتك، الدين منهج كامل، فلما اقتصر المسلمون على فهم الدين أنه عبادات شعائرية أصبحوا في مؤخرة الأمم، ليس أمرهم بيدهم، ليست كلمتهم هي العليا، للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، ترون وتسمعون، لأنهم فهموا الدين عباداتٍ شعائرية ليس غير، صلى، وصام، وحج، وزكى، أما في كسب أمواله، في بيته، في عمله، في أفراحه، في أتراحه، في حركته اليومية، بناته، زوجته، أهله، والديه، وفق مزاجه، وفق مصالحه، هنا المشكلة، المشكلة أن الإسلام منهج تفصيلي، فإذا ضُغط إلى عباداتٍ شعائرية أصبح المسلمون لا وزن لهم في الأرض.
والله حديثٌ شريف، والله من أعوام طويلة ما عدت ألقيته إطلاقاً خشية ألا أُصدق، الحديث: (( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
لكن شاهدنا قبل أيام كيف أن عشرة آلاف مقاتل وقفوا أمام أعتى جيش، هناك مقاييس دينية دقيقة جداً. الصبر واجب بإجماع الأمة :
أيها الأخوة: (( الإيمان هو الصبر ))
الآن الصبر واجب بإجماع الأمة، لأن القرآن الكريم حينما يقول: ﴿ اصْبِرْ ﴾
[ سورة ص الآية: 17 ]
فهذا أمر، وكل أمرٍ يقتضي الوجوب، ﴿ اصْبِرْ ﴾
على تطبيق منهج الله، منهج الله عز وجل سلسلةٌ من الأوامر والنواهي، فأنت بعد أن تؤمن لابد من أن تتحرى الأحكام الشرعية، أن تأتمر بما أمرت، وأن تنتهي عما نهيت، والآية الدقيقة جداً: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 36 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/08.jpg
كلمة مؤمن، أي هناك عقد إيماني مع الله، أنت آمنت بالله رباً، آمنت به خالقاً، أمنت به إلهاً، آمنت به موجوداً، آمنت به واحداً، آمنت به كاملاً، عاهدته على الطاعة، هناك عقد إيماني، فإذا قال الله لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 153]
أي يا عبدي بحسب العقد الإيماني بيني وبينك: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب ]
الأوامر والنواهي ليست خاضعةً للبحث، أحياناً بالمعاهدات، بالمؤتمرات، هناك بنود في جدول الأعمال يقال عنها: إنها ليست خاضعةً للبحث هذه مسلمات، فالمؤمن يختار هذه المرأة ليتزوجها أو هذه، مخير، يختار أن يكون تاجراً أو موظفاً، يختار أن يقيم في هذا المكان أو في هذا المكان، أما بالأوامر والنواهي لا يوجد اختيار، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
الصبر وسيلة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة :
الآن الصبر وسيلة لتحقيق الهدف الذي خلقت من أجله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 153 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/09.jpg
الآن ما من أمة تتقدم إلا بالصبر، هل تصدقون أن الله عز وجل حينما يقول: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ومع ذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 120 ]
أنت حينما تصبر وتطيع الله تلغي كلّ كيد الكافرين، تلغي كل قوتهم، كل بطشهم، كل أسلحتهم، كل مكرهم، كل أموالهم، كل إعلامهم، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
إذاً الصبر وسيلة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، الصبر وسيلة لتحقيق الهدف الذي خلقت من أجله، ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾
كلما ازداد علم الإنسان ازداد صبره :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/10.jpg
الآن كلما ازداد علمك يزداد صبرك، إنسان راشد جلس على كرسي طبيب الأسنان، قال له: قلبك لا يتحمل المخدر، تحتاج إلى أن تصبر، تجده صابراً، لأنه عرف القصة المخدر يؤذي قلبه، وهناك ألم، عندما عرف القصة صبر، شدّ على الكرسي ولم يتكلم بكلمة، أما الطفل فلا يوجد عنده إمكان أن يدرك الحقيقة، يصيح، وقد يضرب الطبيب إذا كان صغيراً، فالصبر يتناسب مع العلم، كلما ازداد علمك ازداد صبرك .
مرة قال لي طالب: أنا لا أخاف من الله ـ هو يبدو ملحداً ـ، قلت له: أنت معك حق، فلما قلت له: أنت معك حق ازداد غضبه، قال لي: لماذا؟ قلت له: لأن الفلاح أحياناً يأخذ ابنه إلى الحقل إلى الحصيدة، يضعه بين سنابل القمح، يمر ثعبان طوله عشرة أمتار لا يخاف منه، لأنه لا يدرك ، و بالتالي لا يخاف، من يخاف من الثعبان؟ الراشد.
فالخوف متعلق بالإدراك، كلما ضعف إدراكك ضعف خوفك، الطبيب أحياناً يعقم الفاكهة مرات عديدة، حتى أنت تضجر منه، لأنه يرى الجراثيم، والأوبئة، والأمراض العضالة، تأتي بالعدوى، فكلما ازداد علمك ازداد صبرك. على الإنسان الاستعانة بالله على الصبر :
لكن قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النحل الآية: 127 ]
استعن بالله على الصبر، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
والذي رأيناه من صبر أخوتنا والله هناك معونة إلهية، والله الذي أصابهم فوق طاقة البشر، لكن الله سبحانه وتعالى أعانهم على أن يصبروا، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
لكن أحياناً الإنسان يكون ضعيفاً، لكنه مضطر أن يصبر، والصبر عنده هو القهر، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾
[ سورة المدثر ]
المؤمن يصبر لله، أما إذا كان هناك تجاوز: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
[ سورة الشورى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2879/11.jpg
يصبر لله، لا عن ضعفٍ، ولا عن قهرٍ، ولا عن ذلةٍ، يصبر وهو قوي، عشرة آلاف سيف متوهجة، مؤتمرة بكلمةٍ من فم النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
[ السيرة النبوية]
الصبر وأنت قوي، نحن الضعاف صابرون شئنا أم أبينا، أي مقهورون، ليس هذا هو الصبر، أن تكون قوياً، وأن تعفو عمن ظلمك، و أن تجعل صبرك لله، اجعل صبرك بطولةً، عملاً صالحاً، أما كل إنسان ضعيف يصبر، يصبر شاء أم أبى، رضي أم لم يرضَ، وأنت مهمتك أن تصبر، وأن تصابر، إنسان اشتكى لك همه، أعنه على الصبر، لا تقل له: أنا لو مكانك لانتحرت، هناك إنسان يجعل كلامه يضاعف المصيبة: ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 200 ]
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 35 ]
من قدوتك في الصبر؟ الأنبياء أما المتفلتون فلا يصبرون. الوهن والحزن والتولي من الزحف واستعجال العذاب من عدم الصبر :
أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
إنسان خدم والدته عشر سنوات ثم ضجر، وغضب، وتكلم كلاماً قبيحاً، فبكت واتصلت بابنها الآخر، وجاء وأخذها، في اليوم الثاني ماتت عند ابنها الثاني، لا تبطل عملك: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾
أيها الأخوة، الوهن والحزن من عدم الصبر، والضجر من عدم الصبر، والتولي من الزحف من عدم الصبر، واستعجال العذاب من عدم الصبر: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
للموضوع تتمة إن شاء الله في لقاءٍ آخر.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-11-2018, 03:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( العشرون )

الموضوع :الصبر مع الشهوات









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الصبر هو إيقاع حركة الإنسان في النطاق المسموح به من الشهوات :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيق متعلقٍ بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع الصبر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/01.jpg
ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، فالصبر هو إيقاع حركة الإنسان في النطاق المسموح به من الشهوات، إذاً الإيمان كله صبر، الآن لندقق في هذه الآيات، الآية الأولى قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾
[ سورة هود ]
بالمناسبة حيثما وردت كلمة الإنسان معرفة بأل تعني الإنسان قبل أن يؤمن: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾
[ سورة هود ]
أي في الرخاء ينسى فضل الله عليه، يفرح بهذا العطاء، وفي الشدة ييئس، يائسٍ متبجح. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة هود ]
المؤمن في الرخاء شكور وفي الضراء صبور :
أي المؤمن متميز، في الرخاء شكور، وفي الضراء صبور، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[ أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
آيةٌ ثانية: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
[ سورة الفجر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/02.jpg
يتوهم الإنسان أن نعم الله في الدنيا إكراماً، ويتوهم الإنسان أيضاً أن الحرمان إهانةً، فجاء الجواب الإلهي: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة الفجر الآية: 17 ]
﴿ كَلَّا ﴾
أداة ردعٍ ونهي، أي يا عبادي ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء: ((إنَّ اللَّهَ لَيَحْمِيَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ))
[الحاكم عن أبي سعيد الخدري]
وفي رواية ثانية: ((إن الله عز و جل يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشقيق غنمه من مراتع الهلكة ))
[ شعب الإيمان عن حذيفة ]
لذلك قال ابن عطاء الله السكندري: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء."
أحياناً البلاد التي فيها رخاءٌ كبير، هذا الرخاء قد يكون حجاباً بين الناس وبين ربهم، وبلادٌ أخرى فيها شدائد كثيرة، هذه الشدائد تدفعهم إلى باب الله، ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء. كل الخصائص التي منحت للإنسان ابتلاءٌ يقيّم في ضوء التعامل معه :
الآن: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/03.jpg
أعطاه مالاً، أعطاه صحةً، أعطاه وسامةً، أعطاه ذكاءً، أعطاه أهلاً وأولاداً، أعطاه منصباً رفيعاً، أعطاه بحبوحةً ماديةً ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن ﴾
نقول له: لا، هذا العطاء ليس نعمةً وليس نقمةً، هذا العطاء امتحان، يقيّم في ضوء استخدامك له، فإذا أُنفق المال في طاعة الله كان المال نعمةً وأية نعمة، وإذا أنفق المال في المعاصي والآثام كان المال نقمةً وأية نقمة، أعطاك صحةً، إن استخدمتها في طاعة الله الصحة نعمةٌ وأية نعمة، أما إذا استخدمت في المعاصي والآثام الصحة نقمةٌ وأية نقمة، كل نعم الله، وكل الحظوظ في الدنيا، وكل الخصائص التي منحت للإنسان، ليست نعمةً وليست نقمةً، إنما هي ابتلاءٌ يقيّم في ضوء التعامل معه، المال نعمة إن أنفق في طاعة الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر ]
إذاً : ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء. الصبر طريق الجنة :
أيها الأخوة، كما تعلمون لكل حسنةٍ ثواب، إلا الصبر، التعبير المعاصر معه شيك مفتوح، الآن أي سند فيه رقم، مليون، خمسة ملايين، ألف مليون، إلا أن هناك شيكاً موقعاً والرقم فارغ، اكتب أي رقم:
﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر ]
الصبر طريق الجنة، الآن الإله العظيم يقول لعباده: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة النحل الآية: 126 ]
خير لكم، أي هناك شهوات، و هناك ضبط، غض البصر صبر، ضبط اللسان صبر، ضبط الدخل صبر، ضبط الإنفاق صبر، ضبط اللقاءات ـ هناك لقاءات مختلطة ـ صبر، ضبط الحركة صبر، ضبط اليد صبر، ضبط الأذن صبر، لذلك، ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾
من علامة الإيمان التعاون و التنازل :
الآن دقق: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 46 ]
تضعفوا، وهذه مشكلة المسلمين: ﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 46 ]
تذهب قوتكم: ﴿ وَاصْبِرُوا ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/04.jpg
على ماذا؟ ما علاقة الصبر بهذه الآية؟ أي إذا كنتم في مهمة تطاوعوا ولا تنافسوا، لذلك ينشأ من هذه الآية فضيلة اسمها فضيلة التنازل، مثلاً أنا وأخي بوفد تكلم فانطلق لسانه، أنا ينبغي أن أسكت لأنه قام بالمهمة، أما ينبغي أن أثبت أنني لست أقل منه فأقاطعه وأتكلم، لا، إذا المهمة تحققت ينبغي أن أسكت، أن أتنازل له، لذلك: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 46 ]
حينما تطيع أخاك تحقيقاً للمصلحة العامة فأنت صابر، من علامة الإيمان التعاون، ومن علامة ضعف الإيمان التنافس، من علامة الإيمان التنازل أحياناً، ومن علامة البعد عن الإيمان تأكيد الذات، الآن أنت مكلف أن تصبر، لكن لا تنسى أنك مكلفٌ أيضاً أن تصابر، أن تحمل الناس على الصبر، أحياناً يشكو لك أحدهم مشكلةً بزوجته، تقول له: لا، الحمد لله أنا عندي زوجة رائعة، لا، هذا من سوء الأدب، هو الآن متضايق، يشكو لك قضيةً آلمته، يجب أن تعينه على الصبر، لا أن تحمله على تطليقها. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
نظام الدنيا نظام جهد و بذل و نظام الآخرة نظام إكرام و جزاء :
الآن الصبر شيء ليس سهلاً: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/05.jpg
الذي يملك إرادة قوية، الذي يملك رؤيا صحيحة، الذي يملك تطلعاً إلى مرضاة الله كبير يصبر، والحياة تحتاج إلى صبر، نحن في دار عمل لا في دار جزاء، نحن في دار تكليف لا في دار تشريف، نحن في دار كدح لا في دار تكريم، في الدنيا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الإنشقاق ]
أما في الآخرة: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾
[ سورة ق الآية: 35 ]
نظام الآخرة نظام إكرام، نظام الدنيا نظام جهد يبذل، إذاً، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
ما من دعوةٍ إلى الله إلا وتواجه معارضة فشأن الدعاة إلى الله شأن الصبر :
الآن دقق في هذه الآية: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
ما قولك أنك إذا كنت صابراً فإن الله يحبك؟ ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
لو تتبعت آيات القرآن الكريم على كلمة ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ ﴾
لوجدت أن الله سبحانه وتعالى في بضع عشرة آية ذكر من الذي يحب؟ يحب التوابين، يحب المتطهرين، يحب الصابرين، يحب المحسنين، يحب المتقين، أي أن تصل إلى محبة الله شيء سهل: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/06.jpg
والله حينما أقرأ هذه الآية يقشعر بدني: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص ]
أي الله يقدر صبرك، يكون الدخل قليلاً والتكاليف كثيرة، و عندك طرائق كثيرة لكسب المال الحرام، تقول: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الحشر ]
الله يقدر أنه أنت بإمكانك أن تملك الملايين المملينة، لكن مبادئك تمنعك أن تأكل المال الحرام، والله يقدر هذا الموقف، الآن ما من دعوةٍ إلى الله إلا وتواجه معارضة أحياناً، فشأن الدعاة إلى الله شأن الصبر، سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، والذي أقسم الله بعمره، في الطائف كُذب، وسخر منه، وضرب، فقال: (( يا رب إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
ما هذا الأدب؟ ما هذا الصبر؟ في آخر الزمان القابض على دينه كالقابض على الجمر :
الآن: (( بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا : منا أم منهم؟ قال : بل منكم، قالوا: و لمَ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً و لا يجدون ))
[ الترمذي عن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/07.jpg
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، موتٌ كعقاص الغنم: (( يَوْمٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
لذلك: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
الصبر طريقٌ لابد من أن يسلكه الإنسان ليصل إلى الجنة :
الآن أيها الأخوة: الطرف الآخر له مكر مخيف، قال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/08.jpg
تصور إله عظيم يصف مكرهم بأنه تزول منه الجبال، هل تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تنقل جبل قاسيون إلى درعا؟ فوق طاقة كل الدول، وصف الله مكر هؤلاء أعداء الدين بأن مكرهم تزول منه الجبال: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
استمع إلى الآية الثانية: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 120 ]
أسلحتهم، أقمارهم الصناعية، أموالهم الطائلة، الإعلام الذي يملكونه، ثلاثون دولة تتحالف فوراً معهم، على ضلال، على عدوان، معهم تحالفات، معهم حق الفيتو، معهم أقمار صناعية، معهم أموال طائلة، معهم إعلام، قال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
هل تصدقون أن خلاص المسلمين بكلمتين في هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
بالمناسبة الإمام الشافعي سُئل: "أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فتبسم وقال: لن تمكن قبل أن تبتلى"، أي مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل أن تنال عطاءً من الله من دون ابتلاء، تبتلى ثم تُمكن، الآية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
إذاً لابد من أن تصبر، فالصبر طريقٌ لابد من أن تسلكه. الله عز وجل مع المؤمن بالنجاح و الفلاح و التفوق :
الآن ماذا تعني كلمة: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/09.jpg
بالتأييد، بالتوفيق، بالحفظ، بالنصر، قال تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
أي إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ آيةٌ دقيقةٌ جداً قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 177 ]
أي النجاح، الفلاح، التفوق: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 177 ]
الصبر إشارةٌ على صدق الإنسان :
الآن دققوا: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 177 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/10.jpg
هناك النعماء والبأساء، النعماء مال وفير، بيت جميل، صحة طيبة، ألوان من الأطعمة؛ هذه النعماء، والبأساء قد يكون البيت صغيراً، والدخل قليلاً، و المعاناة كثيرة: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 177 ]
قال علماء التفسير: النقص في المال والأنفس، دخل قليل، ولم يرزق بأولاد، النقص في المال والأنفس، قال: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 177 ]
الشدة: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
فصار الصبر إشارةٌ على صدق الإنسان، الآية المتعلقة بالمؤمنين: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
الصبر يشمل البحث عن الحقيقة والعمل وفقها والدعوة إليها :
الآن الآية التي قال عنها الإمام الشافعي، بل السورة التي قال عنها الإمام الشافعي: لو تدبرها الناس لكفتهم هي سورة العصر:
﴿ وَالْعَصْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية: 1 ]
جواب القسم: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة العصر الآيات: 2-3 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/11.jpg
أي بحثوا عن الحقيقة: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
[ سورة العصر الآيات: 2-3 ]
تحركوا وفقها: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾
[ سورة العصر الآيات: 2-3 ]
دعوا إليها، أما الرابعة: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
قال العلماء: هنا الصبر يشمل البحث عن الحقيقة، والعمل وفقها، والدعوة إليها. البحث يحتاج إلى صبر :
البحث يحتاج إلى صبر، وتطبيق هذا المنهج يحتاج إلى صبر، والدعوة إلى هذا المنهج تحتاج إلى صبر، والله عز وجل يقول: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾
[ سورة المعارج ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/12.jpg
هناك إنسان صابر، لكن لم يعد يستطيع الاحتمال، كلامه قاس جداً، دائماً ينتقد، متبرم، دعك مني، اذهب من وجهي، الله عز وجل قال: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾
وهناك إنسان يتقبل قضاء لله وقدره بصبرٍ جميل: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 18 ]
والله مرة قرأت هذه الآية في مكان تأثرت بها كثيراً: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
[ سورة الطور الآية: 48 ]
أحياناً الأمر واضح، ما دام واضحاً لا يحتاج إلى صبر، لو قال لك طبيب الأسنان: لا تحتمل المخدر، لابد من أن تتألم، الأمر واضح، فتتألم وتسكت، لكن أحياناً وأنت مؤمن مستقيم، مطبق لمنهج الله تماماً، تأتي مشكلة يصعب عليك تفسيرها، هنا تأتي هذه الآية: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور الآية: 48 ]
أخ من أخواننا ولدت امرأته فجاء الولد معه أذية دماغية، فأصبحت تأتيه اختلاجات نوبية، فالأطباء قالوا: هذه أذية في الدماغ تنتهي بشلل، أو بفقد بصر، أو بأشياء كثيرة، فألمت به كآبةٌ كئيبة، قلت له: إن الذي تحبه، والذي تعبده، والذي ترجو رضاه، هذا قراره ينبغي أن تقبله، فلذلك: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾
[ سورة الطور ]
وراء كل مِحنة مَنحة من الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/13.jpg
الآن هذا الذي سمح الله له أن ينطق بالحق دخل في امتحانات صعبة جداً: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾
[ سورة السجدة ]
أي مستحيل أن تصل إلى مقامٍ رفيعٍ عند الله دون أن يسبقه امتحانات، حينما أعلم الله نبيه أنه سيد الأنبياء والمرسلين في الإسراء والمعراج، ماذا سبق ذلك؟ الطائف، لذلك كل محنةٍ بعدها منحة، وكل شِّدةٍ وراءها شَّدةٌ إلى الله عز وجل: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة لقمان ]
النصر و الفرج مع الصبر لأن الصبر يحتاج إلى عزيمة :
لكن: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الشورى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2974/14.jpg
قد يأتي قضاء الله وقدره مباشرةً، ينبغي أن تصبر، والصبر يحتاج إلى عزيمة، لكن قد يأتي قضاء الله وقدره على يد إنسان، أنت في الحالة هذه الصبر أصعب، يوجد إنسان غريم أمامك، وقع الطفل من الشرفة فمات، تقاضي من؟ قضاء وقدر، لكن هناك إنساناً يقود مركبته بدقةٍ بالغة، الابن قفز أمام المركبة ودهسته، أنت أمامك إنسان، بهذا الموقف العصيب في هذه الآية: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره، ﴿ وَغَفَرَ ﴾
لمن جعل الله هذا القضاء والقدر على يديه، ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أيها الأخوة الكرام، إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الصبر، والنبي كان يدعو ويقول: (( اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الصَّبْرَ ))
[ أخرجه الترمذي عن معاذ بن جبل ]
أما الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى، أحياناً إنسان عند الصدمة الأولى لا يصبر لكن بعد ذلك يجبر على أن يصبر، هذا الواقع ماذا تفعل؟ أما المؤمن يصبر عند الصدمة الأولى، اللهم اجعلنا من الصابرين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع :تعظيمك لله من محبتك لة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الفرق بين الإيمان و التعظيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع تعظيم الله، فرقٌ كبير بين أن تؤمن به وبين أن تعظمه، إبليس آمن به:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
قال: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
[ سورة ص الآية: 76 ]
قال: ﴿ فأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة ص ]
فالإيمان بالله شيء، وتعظيمه شيءٌ آخر، تعظيمه يحملك على طاعته، تعظيمه يدفعك إلى أن تقبل عليه، تعظيمه يعني أن تخشاه، تعظيمه يعني أن تحبه، تعظيمه يعني أن تطيعه، فالتعظيم شيء والإيمان به، هذا الإيمان التقليدي الأجوف شيءٌ آخر، وما أوصل المسلمين إلى ما وصلوا إليه من ضعفٍ وتخاذلٍ إلا لأنهم آمنوا ولم يعظموا، أي أهل الأرض مؤمنون بالله حتى الذين يتفننون في سحق الشعوب، ومحو ثقافات الشعوب، ونهب ثروات الشعوب، وقتل الشعوب، كُتب على عملتهم ثقتنا بالله، فأن تقول: أنا مؤمن قضيةٌ سهلةٌ جداً، لكن الذي يدفعك إلى طاعته تعظيمه. بطولة الإنسان أن يُعظم الله لا أن يقول أنا مؤمن :
أخواننا الكرام، في هذا الموضوع آيةٌ هي الأصل، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/02.jpg

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]
ما عظمه، ما عظم حرماته، ما عظم شعائره، ما عظم بيته، ما عظم أهل العلم، ما عظم الصحابة الكرام، ما عظم الأنبياء والمرسلين، فالبطولة لا أن تقول: أنا مؤمن، إبليس قال: أنا مؤمن، البطولة أن تُعظم الله، لذلك كيف أنك إذا قرأت هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
التركيز لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة النساء ]
تعظيم الله من خلال آياته أحد سبل الوصول إليه :
إذاً حينما نقول: إيمان، نقصد أن تؤمن بالله العظيم، إذاً أحد سبل الوصول إلى الله أن تعظمه من خلال آياته:
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة المرسلات الآية: 50 ]
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/03.jpg
إذاً الإيمان بالله العظيم يقتضي التفكر في خلق السماوات والأرض.
أيها الأخوة، كنت أضرب هذا المثل كثيراً: إذا قال طفل: معي مبلغ عظيم، والده مدرس، عقب أحد الأعياد قال: معي مبلغ عظيم، أن أقدره بعملتنا مئتي ليرة، فإذا قال إنسان يحتل منصباً رفيعاً في البنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، كلمة عظيم قالها الطفل فقدرناها بمئتي ليرة، فإذا قال هذا الموظف الكبير: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، نحن نقدرها بمئتي مليار، الرقم اختلف، الكلمة واحدة قالها طفل وقالها مسؤول كبير، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك، وخالق السماوات والأرض: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
إذاً ليس عند الله شيءٌ أعظم من أن تعرفه. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء))
[ تفسير ابن كثير]
يا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ التعظيم أن تعظم الله. (( يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحبّ من أحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك على خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ))
[ من الدر المنثور عن ابن عباس]
التفكر في الكون طريق الإنسان للوصول إلى الخالق سبحانه :
عندما تكون المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، وابنك الصغير بدقائق معدودة يحسب لك كم هذه المسافة، الضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، في أربع سنوات ضرب أربع، بدقيقة تحسب هذه المسافة، فلو كان هناك طريق سالك إلى هذا النجم، ومعك مركبة أرضية، والسرعة مئة، أي قسم هذه المسافة على مئة تعرف كم ساعة تحتاج كي تصل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/04.jpg
قسم على أربع وعشرين كم يوم؟ قسم على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة؟ فمن أجل أن تصل إلى أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض تحتاج إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام قيادة مركبة أرضية بسرعة مئة، من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب، متى تصل إلى نجم القطب؟ أربع آلاف سنة ضوئية، متى تصل إلى مجرة المرأة المسلسلة؟ مليونا سنة ضوئية، متى تصل إلى بعض النجوم التي اكتشفت حديثاً والتي تبعد عنا أربع وعشرين مليون سنة ضوئية ؟ الأربع سنوات تحتاج إلى خمسين مليون عام إذاً: الأربع والعشرون مليون كم سنة تحتاج لنصل إليها؟.
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الواقعة ]
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟. ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾
[ سورة التكوير ]
التفكر في مخلوقات الله طريق تعظيم الله عز وجل :
إذاً موضوع اليوم تعظيم الله، طريق تعظيمه التفكر في مخلوقاته: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
إذاً ننطلق من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/05.jpg
إذا إنسان معه مال عظيم يدعه عند الموت، لا يدخل في قبره إلا كفنٌ رخيص، ليس هناك دفتر شيكات، ولا أموال منقولة وغير منقولة، ولا بيوت فخمة، قبر، من بيتٍ فخمٍ إلى قبر، ماذا أعددنا في القبر؟ الذي لم يؤمن بالله لابدّ من أن يعتدي على خلق الله، أي إذا إنسان أُُطفئت مصابيحه وهو يقود سيارة في طريق متعرج، لابدّ من أن يقع في الوادي ما دام قد أطفئ مصباحه: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
﴿>أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
[ سورة الماعون ]
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
فالإنسان إن لم يكن هناك علاقة بين اعتقاده وبين سلوكه، فليعتقد ما يشاء، لأنه ما من اعتقادٍ يعتقده إلا وينعكس سلوكاً يسلكه، فإن صحت العقيدة صحّ العمل، والعالم بين أيديكم، هؤلاء الذين ما آمنوا بالله أصلاً ماذا يفعلون؟ يدمرون الشعوب، ينهبون الثروات، يبيدون الأمم، هم مرتاحون، لذلك: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
ما من إنسانٍ يضعف إيمانه إلا وينحرف سلوكه، فإذا أنكر وجود الله أصلاً أصبح مجرماً، فالعقاب ليس على عدم الإيمان ولكن على العدوان. تتبع كلمة عظيم في القرآن الكريم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/06.jpg
أيها الأخوة، الآن لو تتبعنا كلمة عظيم في القرآن، أنا أقول لكم هذه الملاحظة: إذا قال العظيم: هذا شيءٌ عظيم، يجب أن نعظمه، فإن لم نعظمه إذاً نحن لم نؤمن بالله، أي الله عز وجل قال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
فالله عنده بلاء عظيم، عنده بلاء تحار منه العقول، أنا حدثني أخ مقيم بالقاهرة، في أثناء زلزال القاهرة، هو صديقٌ لي مقيم هناك، قال لي: عندما وقع الزلزال من شدة الخوف انطلقت امرأته إلى خارج البناء، وقد حملت طفلها الرضيع، في الطريق اكتشفت أن هذا الذي حملته ليس طفلها بل حذاء زوجها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج ]
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
هذه الصواعق، والآن الصواريخ: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
هذه الزلازل، والألغام، دققوا في الثالثة: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
الحروب الأهلية. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾
[ سورة القصص الآية: 4 ]
إذاً إذا قال الله: هذا شيء عظيم، من علامات إيماننا أننا نصدق العظيم إذا قال عن شيءٍ عظيم ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾
البهتان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/07.jpg
قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً ﴾
[ سورة النساء الآية: 156 ]
من أدق تعريفات البهتان هو الباطل الذي يتحير في بطلانه ـ هناك تعبير معاصر و هو كلمة ليست عربية تسمى سيناريو ـ يقول لك: سيناريو مطلق، أي مكر، وتمثيلية، هم خبثاء ومجرمون، ولكن يقدمون إجرامهم بقالب إنساني، جئناكم من أجل الحرية، من أجل الديمقراطية، من أجل حقوق الإنسان، ينتهكون حقوق الإنسان كل ساعة، ويتحدثون عن حقوق الإنسان، هذا هو البهتان، باطل لكنه متقن: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
البهتان هو الباطل التي تحار به العقول. مقاييس أهل الدنيا لا قيمة لها :
الآن: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/08.jpg
إذا قال العظيم: ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
ما هذا العذاب العظيم؟ فالطفل إذا قال: معي مبلغ عظيم فيقدر بمئتي ليرة، أما إذا قال إنسان كبير في مؤسسة عسكرية أعددنا مبلغاً عظيماً فيقدر هذا المبلغ بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
أي أن تعرف الله شيء ثمين جداً جداً، كل واحد منا يحب الجمال، والكمال، والنوال، يحب الشيء العظيم، يحب الإنسان العظيم، يحب البيت العظيم، المرتبة العظيمة، المركز العظيم، هذه جبلتنا، هذه فطرتنا.
لذلك كل واحد منا عنده مقاييس للتفوق، أهل الدنيا يعظمون بعضهم بعضاً، أهل الدنيا يعظمون رب المال، يقول لك: فلان حجمه كذا مليار ـ بلكيت حجمه المالي يقدر بتسعين ملياراً ـ فلان مئة وثلاثون ملياراً، فلان دخله خمسمئة ألف دولار بالشهر، مدراء البنوك في العالم الغربي رواتبهم فلكية، فدائماً أهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، فأنت من تعظم؟ بطولة الإنسان أن تأتي مقاييسه مطابقة لمقاييس خالق السماوات و الأرض :
الله عز وجل قال:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/09.jpg
هل تأتي مقاييسك وفق مقاييس خالق السماوات والأرض؟ أهل الدنيا يعظمون الأغنياء، والأقوياء، والأذكياء، ومن وهبهم الله وسامةً، وذكاءً، وطلاقة لسان، وقوة تأثير، وشخصية قوية، هذه مقاييس أهل الدنيا، لكن الله بمقاييس القرآن ما القيم التي ترجح في القرآن الناس بعضهم على بعض؟ قيمتان فقط، قيمة العلم، وقيمة العمل: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
العلم، والعمل والعمل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 19 ]
فما لم تأتِ مقاييسك وفق مقاييس القرآن فلن تفلح، مادامت مقاييسك مقاييس أخرى، المال؟ تجمع المال، والإنسان أي شيء طلبه بصدق يناله: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
فما مقياسك؟ لذلك بطولتك أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس خالق السماوات والأرض، ما دامت مقاييسك تطابق مقاييس القرآن الكريم فأنت ناجح، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
الكسب و الرزق :
عندنا فضل عظيم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الأنفال ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/10.jpg
فضلٌ عظيمٌ جداً أن يلقي الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، فضلٌ من الله عظيمٌ جداً أن تستقيم على أمره، أن تحسن إلى خلقه، أن تقبل عليه، لذلك في مقاييسك أيها المؤمن ما الفضل العظيم؟ يقول لك: أخذنا أرضاً ارتفع سعرها مئتي ضعف، يظن نفسه حقق النجاح المطلق، لأنه أخذناها بأثمان بخسة، كان هناك تنظيم للأرض فارتفع سعرها مئتي ضعف، يمشي مزهواً، قد يموت ويتركها ولم ينتفع بها، والفرق كبير جداً بين الرزق وبين الكسب، الرزق ما انتفعت به فقط، الطعام الذي أكلته، الثياب التي ترتديها، السرير الذي تنام عليه، المركبة التي تركبها، وما سوى ذلك كسبٌ لم تنتفع به، ستحاسب عليه، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، فكل الأرقام بالحسابات أرقام لا تعني شيئاً، وأساساً الأزمة المالية الكبيرة، التي هي زلزال العصر، هذه الأزمة تعني أن الذي كان يكبر ويكبر هو وهمٌ يكبر ويكبر، فلما انكشف القناع انهارت هذه النظم المالية الغربية. الفضل العظيم أن يرى الإنسان الحق حقاً والباطل باطلاً :
إذاً الفضل العظيم أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/11.jpg
دقق: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
فإذا ألقى الله في قلبك نوراً ترى به الخير خيراً، والشر شراً، والحق حقاً، والباطل باطلاً، فهذا أكبر فضلٍ عليك، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
تتبعوا في القرآن الآيات التي تنتهي بقوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
من لم يُعظم ما عظمه الله فهذا ضعفٌ كبير في إيمانه :
أيها الأخوة: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة التوبة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2975/12.jpg
قال عليه الصلاة والسلام: (( اللهم رب السماوات السبع ، ورب العرش العظيم ، كن لي جاراً ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
أخواننا الكرام، من الأدعية التي كان يدعو بها النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
تتمتع بسمعٍ، وبصرٍ، ولسانٍ، وعقلٍ، وصحةٍ، وحركةٍ. (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ ))
أن تزول نعمة الصحة، أن تزول نعمة المال فجأةً، تصادر الأموال كلها، أن تزول نعمة السمع والبصر: (( واجعَلْهُ الوارثَ مني ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
فجأةً خثرة فقد الحركة، تشمع كبد، فشل كلوي، خثرة في الدماغ، جلطة في القلب، احتشاء قلب، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
أيها الأخوة الكرام، أتمنى عليكم أنك إذا قرأت القرآن الكريم ومرت معك كلمة عظيم أن تعظم ما عظمه الله، فإن لم تعظم ما عظمه الله فهذا ضعفٌ في إيمانك كبير.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : اعتماد قيمة العلم والعمل من تعظيم الله سبحانه وتعالى









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. المؤمن عزيز لا يتضعضع أمام قوي أو غني :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع متصلٍ أشد الاتصال مع :"سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو التعظيم، فالمؤمن يعظم الله من خلال آياته الكونية، يعظم رسول الله، يعظم أصحابه الكرام، يعظم التابعين، العلماء العاملين، الدعاة الصادقين، يعظم المساجد، يعظم كتاب الله، يعظم الأمر، يعظم النهي http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/01.jpg
من شأن المؤمن أنه يعظم الله، ويعظم من يعظم الله، يروى أن أحد العلماء الكبار كان في الحرم المكي، فلقيه أمير المؤمنين، قال: سلني حاجتك؟ قال: والله إني أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، فالتقى به خارج الحرم قال له: سلني حاجتك؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها؟ فلما ألح عليه، قال: نجني من النار وأدخلني الجنة، قال: هذه ليست لي، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
أنت حينما تؤمن بالله لا تتضعضع أمام قوي، ولا أمام غني:
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ رواه البيهقي عن ابن مسعود]
أبو جعفر المنصور لقي أبا حنيفة النعمان، قال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، قال له: ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإنك إن أبعدتني أزريت بي.
الملخص أن المؤمن عزيز، ولا يتضعضع لا أمام قوي ولا أمام غني. اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبتُ فإذا اعتززت بمن يموت فإنك عزك ميتُ
* * *
أهل الدنيا يُعظمون أهل الدنيا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/02.jpg
لكن أهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، يعظمون الأغنياء، يعظمون الأقوياء، يعظمون الأذكياء، يعظمون من أتاه الله من حظوظ الدنيا ما أتاه.
بالمقابل سيدنا الصديق ذهب إلى أمية بن خلف ليشتري منه سيدنا بلالاً، أمية بن خلف أراد أن يبالغ في ازدراء بلال، قال له: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف درهمٍ لأعطيتكها، فلما اشتراه وضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي حقاً، طبعاً بالمقاييس الاجتماعية سيدنا الصديق من أعرق أسر قريش، وبلال كان عبداً، المقاييس الاجتماعية وُضعت تحت الأقدام، قال: هذا أخي حقاً، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا الصديق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا أي بلالاً.
وسيدنا عمر ـ عملاق الإسلام ـ كان يخرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال، هذا هو الدين، الدين ألغى الفروق الطبقية، ألغى كل المعطيات الاجتماعية التي أساسها الانتماء، أو أساسها المال، أو أساسها القوة.
اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :
لذلك القرآن الكريم اعتمد قيمتين مرجحتين، اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل، ففي القيمة الأولى قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
وقال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
[ سورة المجادلة الآية: 11 ]
واعتمد قيمة العمل فقال: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 132 ]
وأية أمة لا تنهض، ولا تقوى، ولا تتألق، ولا تنتقل من رعاية الغنم إلى قيادة الأمم، إلا إذا اعتمدت قيمة العلم وقيمة العمل وهذه قيم موضوعية، أما الدول النامية الضعيفة كانت ضعيفةً لأنها اعتمدت قيم إنتمائية، قيم المال، أو القوة، أو قيم الانتماء. المؤمن يُعظّم كل ما يتصل بالله عز وجل :
أيها الأخوة، لذلك المؤمن يُعظّم ربه، يُعظّم دينه، يُعظّم قرآنه، يُعظّم المؤمنين، هؤلاء أتقياء، أخفياء، يُعظّم كل ما يتصل بالله عز وجل، الحقيقة الأولى: على قدر المعرفة تُعظّم، بقدر معرفتك لله تُعظّم الله، والشيء الدقيق جداً أنه ما لم تُعظّم ربك فلن تكون مؤمناً ناجياً: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/03.jpg
طبعاً آمن بالله، لكن ما آمن به عظيماً، آمن لأنه خالق، قال له إبليس: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
[ سورة ص الآية: 12 ]
قال له: ربي ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
قال له: ﴿ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة ص ]
لكن ما آمن به عظيماً، وتأكد أن أي خطأ لا سمح الله ولا قدر تقترفه، وأي طاعة تقصر فيها، وأي عملٍ صالحٍ تضن به، تأكد أنه من ضعف تعظيمك لله عز وجل. الآية التالية هي الآية الأصل في تعظيم الله عز وجل :
الآية الأصل في هذا الموضوع قال تعالى:
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾
[ سورة نوح ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/04.jpg
النطفة لا تُرى بالعين، لا تُرى إطلاقاً، إلا أن البويضة تشبه ذرة الملح، أحياناً إنسان يضع على طرف إصبعه بعض لعابه، ويمس كميةً من ملحٍ مساً رقيقاً، يجد على سطح إصبعه طبقة من ذرات الملح، البويضة أحد هذه الذرات، الحوين لا يرى والبويضة هكذا، بعد تسعة أشهر يولد طفل، بدماغه مئة وأربعون مليار خلية استنادية سمراء، بشبكية العين مئة وثلاثون مليون عصي ومخروط، هناك عشرون مليون عصب شمي، هناك معدة، و أمعاء، و أمعاء دقيقة، وأمعاء غليظة، و قلب، و رئتان، و عضلات، و أنسجة، ودم في أوعية، و كليتان، في تسعة أشهر يكون طفلاً سوياً، لذلك: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
[ سورة الطور ]
(( يا ربي أي عبادٍك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي))
[ من الدر المنثور عن ابن عباس]
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾
قال ابن عباس ومجاهد: "ما لكم لا ترجون لله عظمةً؟" وقال ابن جبير: "ما لكم لا تعظمون الله حق التعظيم"؟ روح العبادة الإجلال والمحبة :
دقق:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/05.jpg
قال بعضهم: "ما لكم لا تخافون الله حق الخوف منه"، وقال بعض العلماء أيضاً: "ما لكم لا ترجون في عبادة الله ـ أي يثيبكم على توقيركم إياه ـ خيراً؟". ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية: 57 ]
إله عظيم، لأنك أطعته تفتقر؟! لأنك أطعته تخطف؟! تذهب دنياك؟!. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
قال بعض العلماء: روح العبادة، العبادة لها شكل، تصلي، تصوم، تحج، ولها روح، روح العبادة الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر، أي إجلال بلا محبة، أو محبة بلا إجلال فسدت. العبادة غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية الحب له :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/06.jpg
لذلك:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
بقدر ما تُعظمه، هناك إنسان تعظمه ولا تحبه، قد يكون أستاذاً في الجامعة، قد يكون قاسياً جداً، ومستعلياً جداً، ومستكبراً جداً، لكن باختصاصه ليس له مثيل، فتعظمه ولا تحبه، وقد يحب إنسان أمه حباً لا حدود له، لكن غير متعلمة، أي هو بلغ درجة من الثقافة لا يمكن أن يقبل أفكارها، يحبها ولا يُعظمها، وقد تُعظم ولا تحب، لكن عظمة هذا الدين أن الله سبحانه وتعالى بقدر ما تعظمه تحبه، ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
فروح العبادة الإجلال والمحبة، لذلك قالوا: العبادة غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية الحب، العبادة طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، فما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية. كرامة العلم أعظم كرامةٍ للولي :
لذلك قالوا: ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، وليس الولي الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أي أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/07.jpg
بالمناسبة: هناك تعريفات لا تعد ولا تحصى، ومعظمها ما أنزل الله بها من سلطان للولي، أما التعريف القرآني يجب أن يكون كل واحدٍ منكم ولياً، الدليل:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
أما أعظم كرامةٍ للولي، طبعاً من الثابت أن الأنبياء لهم معجزات، وقد أمروا أن يتحدوا الناس بها، أما الأولياء لهم كرامات، أعظم كرامةٍ للولي كرامة العلم، قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
أول أنواع التعظيم بعد تعظيم الله عز وجل تعظيم الأمر والنهي :
الآن دخلنا في صلب الموضوع، أول أنواع التعظيم بعد تعظيم الله عز وجل: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/08.jpg
أول أنواع التعظيم، وأخطر أنواع التعظيم، تعظيم الأمر والنهي، الفرق بين المؤمن الصادق والمؤمن غير الصادق ضعيف الإيمان ذنب المؤمن الصادق كجبلٍ جاثمٍ على صدره، وذنب المؤمن ضعيف الإيمان كذبابة وقعت على خده فدفعها، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
[ سورة الحج ]
أمر الصلاة أمر مُعظم، الصيام مُعظم، الحج مُعظم، الصدق مُعظم، الأمانة مُعظمة، العفة مُعظمة، تعظيم الأمر والنهي.
مظاهر تعظيم الأمر و النهي :
إذاً ما مظاهر هذا التعظيم؟ مظاهر هذا التعظيم ألا يشوب الأمر والنهي ترخُصٌ جافٍٍ، أو تشددٌ غالٍ، من دون ترخُص يبعدك عن طاعة الله، من دون تشدد ينفر الناس من الدين، تعظيم الأمر والنهي أي ألا تكون متشدداً بحيث تبغض الدين للناس، وألا تكون متساهلاً بحيث تخرج عن طاعة الله عز وجل، وضع وسطي معتدل سليم، إذا تساهلت أي أنك لا تعظم الله عز وجل، وإذا غاليت أي أنك لا تعظم الله عز وجل، الغلو يقابله التفريط، والعبادة الحقة بين الإفراط والتفريط.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/09.jpg
لذلك قال بعض العلماء: هناك أمران ينافيان تعظيم الأمر والنهي، أحدهما الترخص، التساهل الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، يصلي كنقر الديك، يصوم ويغتاب، يصوم ويطلق بصره في الحرام، يحج بيت الله الحرام وهو ساهٍ ولاهٍ، لا يعنيه إقباله على الله عز وجل بقدر ما يعنيه أداء المناسك فقط، هذا من عدم تعظيم أمر الله عز وجل.
إنسان قال لي بالحرف الواحد: أنا أصلي العصر في جدة، وأركب مركبتي وأتوجه بها إلى مكة يوم عرفة، الطريق فارغ، قال لي: أطوف بأقل من عشر دقائق، الحرم فارغ كلياً، الناس كلهم في عرفات، أتوجه إلى عرفات، الطريق فارغ كلياً، أصل إلى حدود عرفة، ما إن تغيب الشمس حتى أرجع إلى منى، الطريق فارغ، أجمعُ المغرب مع العشاء جمع تقديم، وأرجم الجمرة الكبرى، وأتوجه إلى مكة، وأطوف حول البيت كذلك بدقائق، وأُوكل بالرجم في الأيام الثلاث غيري، والحج كله ما زاد عن ثماني ساعات، أنا كان تعليقي على هذا الكلام، قلت له: إنسان دعي إلى طعام نفيس جداً، بمدخل البيت موضوع سِجل للحضور، فكتب اسمه ووقع، لكن ما أكل شيئاً، كتب اسمه ووقع أنه حضر، رفع عنه الملامة، لكن لم يأكل الطعام.
أخواننا الكرام، هناك من يترخص، يبحث عن الرخص في كل المذاهب، هذا سماه العلماء رقةٍ في الدين، مثلاً يقول لك: بأي مذهب لا يوجد زكاة على الحلي؟ بأي مذهب يمكن أن أفعل كذا وكذا؟ هذا الذي يتتبع الرخص في كل المذاهب ليجمعها، هذا سمي تلفيقاً ورقةً في الدين. التساهل و التشدد ينفران الإنسان من الدين :
أيها الأخوة، الشيء الدقيق الذي أتمنى أن يكون واضحاً إذا تساهلنا في العبادة فهذا من عدم تعظيم الله عز وجل، وإذا تشددنا فهذا من عدم تعظيم الله عز وجل، هناك من يقول ـ طبعاً أناس ضالون ـ: أنه إذا لبست حذاء زوجتك خطأً تشبهت بها، وإذا تشبهت بها ينطبق عليك الحديث الشريف: (( لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المتَشَبِّهِينَ من الرجال بالنِّساء ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/10.jpg
وإذا لعن الإنسان فقد كفر، وإذا كفر طُلقت زوجته، أي إذا لبست حاجة لزوجتك في رجلك خطأً طُلقت زوجتك، والله هناك فتاوى لا يحتملها إنسان من التشدد، التشدد لا يقل عن التفريط، المتشدد ينفّر الناس من الدين.
أوضح مثل: إنسان كان شارداً عن الله، عمل مغنياً في فندق، معه مليون ليرة فرضاً، جمعهم من الغناء، يسأل إنساناً ممن يعمل في الحقل الديني، يقول له: كل مالك حرام، لكن غاب عنه أن توبة المؤمن النصوح تُطهر ماله، ماذا تعني التوبة عند هذا الإنسان؟ تعني أن يكون فقيراً فلا يتوب، لا يتوب أبداً، وكم من إنسان أفتى لإنسان: ﴿ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة الممتحنة ]
وجمع مالاً ليكون زاداً له في العمل التجاري، أُفتي له أنه مال حرام، فأنفقه فأصبح فقيراً، أحياناً الإنسان يبعد الناس عن التوبة، لكن بعض العلماء الكبار قال: توبة التائب تطهر ماله، هناك فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، بهذه الفتوى لا تعني التوبة له إلا أن يفتقر، إلا أن يموت من الجوع، توبة التائب تطهر ماله ما لم يتعلق بالمال حق الغير. أمثلة عن التشدد في الدين :
أنا آتي ببعض الأمثلة، هناك تشدد غير معقول، فرضاً أنا شهدت هذه القصة امرأة من أرياف دمشق ذهبت لحج بيت الله الحرام مع فوج، وهي فقيرةٌ جداً، وأنا أعتقد أنها جمعت نفقات الحج خلال عمر مديد، جاءها العذر قبل طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة أحد أركان الحج، فسألت إنساناً متشدداً في مذهبه الفقهي أمامي فقال لها: عليك بدنة، أي جمل، ثمنه مئتا ألف ليرة، فبركت كالجمل، لا يوجد حل أبداً عنده، عليك بدنة، عند الأحناف عليها بدنة، لكن ماذا قال السادة الشافعية؟ قال: تغدو أميرة الحج، ينتظرها قومها إلى أن تطهر، أي لو أن هذه المرأة لها ابن مقيم في جدة، تذهب إلى بيت ابنها في جدة، تقيم سبعة أيام إلى أن تطهر، ثم تطوف وتعود إلى بلدها، لكن ليس عندها ابن مقيم في جدة، ولا معها ثمن فندق لسبعة أيام، والفوج لا ينتظرها، نقول لها: أنت على مذهب الإمام مالك، تطوفين البيت ولا شيء عليك، الغنية نقول لها: عليك بدنة، أطعمي الجياع، ادفعي مئتي ألف، والتي عندها إمكان أن تنتظر سبعة أيام، نقول لها: على المذهب الشافعي انتظري سبعة أيام ثم تطهرين، وتطوفين في البيت، أما الفقير الذي لا يستطيع أن يتأخر، ولا أن يدفع ثمن بدنة، وليس معه مال يقيم سبعة أيام في مكة، نقول: أنتِ على مذهب الإمام مالك، تطوفين البيت ولا شيء عليكِ، ولولا مالك لكان الدين هالكاً كما قال بعضهم.
أنا أقول دائماً: عند الشدة لك أن تقلد أي مذهب، وفي الرخاء يجب أن تأخذ الأحوط. ما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريط أو إلى إفراطٍ :
أيها الأخوة، قضية التشدد يستطيعها كل إنسان، حتى الجاهل بإمكانه أن يتشدد، يقول لك: حرام، حرام، حرام، قضية سهلة، التشدد يحسنه أي إنسان، أما أن تعطي فتوى مؤصلة بالدليل القطعي مع الرخصة هذا هو العلم، لذلك الذي يفتي بشيء يصعب على الناس أو يستحيل فهذا متشدد، هذا لا يعظم أمر الله عز وجل، والذي يفتي بالتساهل أيضاً لا يعظم أمر الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2976/11.jpg
أحياناً درس طويل جداً، أنا أقول: المتكلم لا يشعر بالحر، ولا بالقر، ولا بالتعب، ولا بالعطش، ولا بالجوع، ولا بالملل، هناك نشاط، أما الذي يجلس على الأرض ويستمع الوقت ثقيل عليه، فكان عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة، أي: (( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ))
[ أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة ]
تكلم ثم انهِ الكلام، تكلم والناس متشوقون إلى كلامك، فلأن تلام على قصر الدرس أفضل ألف مرة من أن تلام على طوله.
لذلك قالوا: ما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإضاعة، أو إلى إفراطٍ وغلو.
أيها الأخوة الكرام، قل: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾
[ سورة النساء الآية: 171 ]
نعوذ بالله من الغلو في الدين.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : الأمل يعيق الاتصال بالله وينسي الإنسان الآخرة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأمل أن تعيش الدنيا وتنسى الآخرة وهو مرضٌ خطير يصيب المسلمين :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات تتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع: هو الأمل، الأمل أن تعيش الدنيا وتنسى الآخرة، لذلك قال تعالى:
﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
هذا الموضوع سلبي، بمعنى أن الأمل متصلٌ بسبل الوصول اتصالاً سلبياً، هو يعيق الوصول إلى الله، هو من علامات عدم القبول، فالأمل أن تعيش الدنيا وأن تنسى الآخرة، وهذا مرضٌ خطير يصيب المسلمين، قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
[ سورة الكهف ]
تناقض الأمل مع الوصول إلى الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2992/01.jpg
عندما قال:
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ ﴾
أي المال والبنون من الزائلات، فالذي يتعلق بالزائل وينسى الأبد خاسرٌ لا محالة، لعل الموضوعات السابقة تتصل بعنوان هذه السلسلة من الدروس اتصالاً إيجابياً، لكن هذا الموضوع بالذات يتصل بعنوان هذه السلسلة من الدروس اتصالاً سلبياً، فالأمل يتناقض مع الوصول إلى الله عز وجل ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
كلمة ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
وصفت المال والبنين بأنها قضايا زائلة: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾
[ سورة الكهف ]
الأمل يمكن أن يكون عائقاً أمام الوصول إلى الله كما يمكن أن يكون دافعاً :
دخلنا في موضوع جديد، يمكن أن تعقد الأمل على الآخرة، يمكن أن يكون أملك في الدار الآخرة، يمكن أن ترجو الله والدار الآخرة، فكما أن هذا الموضوع إذا تعلق بالدنيا كان عقبةً كؤوداً أمام الوصول، إن جعلت هذا الأمل مرتبطاً في الآخرة، كان هذا الموضوع إيجابياً، إذاً يمكن أن يكون الأمل عائقاً أمام وصولك إلى الله، كما أنه يمكن أن يكون الأمل إن ارتبط بالآخرة أكبر دافعٍ لك إلى الله، الآن الله عز وجل يبين ذلك بموازنةٍ رائعة قال:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 61 ]
قطعاً، وصدقاً، ويقيناً: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
وازن، ما دمنا قد وازنا من خلال هذه الآية، هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها موازنة: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ﴾
[ سورة السجدة الآية: 18 ]
لعل الموازنة بين المؤمن وبين غير المؤمن، لكن الله عز وجل استبدل غير المؤمن بالفاسق، أو استبدل الفاسق بغير المؤمن، بمعنى أن الذي ينحرف عن منهج الله لابد من أن يفسق: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة الآية: 18 ]
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
الذي لم يسلم وجهه لله لابد من أن يتبع شهواته، واتباع الشهوة يعني العدوان على ما عند الآخرين. الأمل المنعقد على الدار الآخرة ينسي المؤمن كل متاعب الحياة الدنيا :
أيها الأخوة، مرة أخ اعترض وقال: كيف تقول المؤمن سعيد هو مثله مثل أي إنسان آخر؟ هكذا قال، قلت له كمثل بسيط: لو أن إنساناً دخله قليل جداً، وأولاده كثر، وبيته بالإيجار، وعليه دعوى إخلاء، ويعاني ما يعاني، مشكلات لا تعد ولا تحصى، هذا الإنسان له عم لم ينجب أولاداً، معه خمسمئة مليون، توفي بحادث، هذه الثروة الطائلة بسبب وفاة العم المفاجئة انتقلت إليه لأنه وريثه الوحيد، إلى أن يصل إلى هذه الثروة لابد من إجراءات، ومن عقبات، ومن براءات ذمة، ومن معاملات معينة، هذه الفترة بين قبض المبلغ وبين وفاة العم قد تكون أشهراً، لماذا هو أسعد إنسان مع أنه لم يمسك بيده أي مبلغ؟ لأن هذا الوعد بالمبلغ الكبير الفلكي يمتص كل متاعبه.
بمعنى أن الله عز وجل حينما يعد المؤمن الصادق المستقيم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، هذا الوعد بالجنة ينسي المؤمن كل متاعب الدنيا، أي أحد أسباب سعادة المؤمن أن الله وعده بالجنة ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
إذاً هذا الوعد الإلهي: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 111 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 30 ]
دقق: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية: 30 ]
لا تخافوا مما سيأتي، ولا تحزنوا على ما مضى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
هذا الوعد الإلهي، أو إن شئت فقل: هذا الأمل المنعقد على الدار الآخرة، هذا ينسي المؤمن كل متاعب الحياة الدنيا. الدنيا تضر وتغر وتمر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2992/02.jpg
لذلك هؤلاء الذين شردوا عن الله شرود البعير، هؤلاء الذين نسوا الدار الآخرة، هؤلاء الذين داسوا على القيم بأقدامهم، وصفهم الله عز وجل فقال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 44 ]
لم يقل باباً، قال: ﴿ أَبْوَابَ ﴾
لم يقل: شيئاً، قال: ﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
دنيا عريضة، أموال طائلة، مكانة كبيرة، قوة مخيفة، تصدر على الشاشات، تصريحات فيها غطرسة، فيها كبر: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً يعقد الأمل على أن يعيش عمراً مديداً، يحلم بأموال طائلة، بشهوات، بمباهج في الدنيا، ببيوت، بقصور، بمركبات، بنساء جميلات، يحلم بالدنيا وينسى الآخرة، هذا يقامر ويغامر، كل آماله، وكل أحلامه، متوقفةٌ على ضربات قلبه، فإذا وقف القلب توقفت كل آماله، كل آماله وأحلامه متوقفةٌ على سيولة دمه، فإذا تجمد الدم في أحد فروع الأوعية الدموية، في الدماغ أصيب بالشلل، أو بفقد الذاكرة، أو بالعمى، أو بما شاكل ذلك، كل آماله وكل أحلامه متوقفةٌ على نمو خلاياه، فإذا نمت خلاياه نمواً عشوائياً انقطعت كل آماله، لذلك قالوا عن الدنيا: إنها تضر، وتغر، وتمر. أعظم شيءٍ في حياة المؤمن أنه عقد الأمل على الدار الآخرة وعلى عطاء الله:
لذلك أخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يعقد الأمل على الدنيا، وأن ينسى ربه والدار الآخرة، وأعظم شيءٍ في حياة المؤمن أنه عقد الأمل على الدار الآخرة، وعلى عطاء الله عز وجل.
هناك طرفة لكن لها معنى ، إنسان من شدة الفقر، من شدة الضنك، أراد أن ينتحر، فجاءه ملك الموت، قال له: اجعل من حرفتك أن تكون طبيباً، وأعطاه أشياء وسوائل ملونة، وقال له: إذا رأيتني على رأس المريض فإياك أن تعالجه لأنه سيموت، وإن رأيتني أمام رجليه فعالجه، لابد من أن يعيش، فإذا رآه أمام رأسه انسحب معتذراً عن معالجته، وإن رآه أمام قدميه فيعالجه، نجحت معالجاته، ونمت شهرته، وتألق في سماء المدينة، وأصبح الطبيب الأول ـ قصة رمزية ـ فمرضت ابنة الملك، فالطبيب أراد أن الذي يعالجها ليتزوجها ويصبح ولي العهد، فجاء إليها، فرأى ملك الموت عند قدميها، فعالجها فشفيت، وأصبح هذا الطبيب زوجاً لبنت الملك، وكان ولي العهد، يوم التتويج جاء ملك الموت قال له: تفضل، قال له: الآن؟ قال له: الآن، قال له: ليتك جئت قبل هذا.
المغزى أحياناً إنسان يجمع أموالاً طائلة، يصل إلى درجة عالية من التألق، نجاح في التجارة، في الصناعة، يتسلم منصباً رفيعاً جداً، بعد أن تأتيه الدنيا وهي راغمة يأتيه ملك الموت، فالبطولة ألا تفاجأ بالموت، تعلمنا في الجامعة أن الذكاء من تعريفاته الجامعة المانعة، أن الذكاء هو التكيف والتكيف مع ماذا؟ مع أخطر حدثٍ مستقبلي إنه مغادرة الدنيا. الذكاء هو التكيف مع أخطر حدثٍ مستقبلي وهو مغادرة الدنيا :
لذلك ورد في بعض برامج البرمجة العصبية اللغوية: ابدأ من النهاية، دقق أيها الأخ الكريم، أنت حينما تنطلق من الموت تستقيم على أمر الله، التفكر بالموت لا يعني ألا تعمل، يعني أن تعمل، أن تؤسس عملاً، أن تنال دكتوراه، تؤسس شركة، ولكن إذا أدخلت الموت في حساباتك اليومية تبقى مستقيماً على أمر الله، تسمو أعمالك إلى مرضاة الله، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2992/03.jpg
التفكر بالموت له نتائج إيجابية، إنه يسرع الخطا إلى الله، و التفكر بالموت يضبط السلوك، وهذا من السنة، لذلك ورد في بعض الآثار النبوية: (( أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن عمران بن حصين ]
ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور، فكل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت: والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***
التفكر بالموت والعمل للآخرة لا يتناقض مع العمل في الدنيا لكن يضبطه :
البطولة ألا تفاجأ بالموت، البطولة أن تدخل الموت في حساباتك اليومية، وهذا الإدخال لا يعني ألا تعمل، لا يعني أن تكون كلاً على الناس.
سأل النبي الكريم شاباً لا يعمل، قال له: من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، أمسك بيد عبد الله بن مسعود، وكانت خشنة من العمل، رفعها بين أصحابه وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله.
إذاً التفكر بالموت، والتعلق بالآخرة، والعمل للآخرة لا يتناقض مع العمل في الدنيا، لكن يضبطه.
لذلك قال تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الكدح من خصائص الدنيا و الإكرام من خصائص الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2992/04.jpg
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الانشقاق ]
أي جهدك في العبادة، جهدك في معرفة الله، جهدك في الاستقامة، جهدك في العمل الصالح، هذا محفوظٌ عند الله، وسوف يسعدك إلى أبد الآبدين ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
الدنيا من خصائصها الكدح، أما الآخرة من خصائصها الإكرام، في الآخرة: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
[ سورة ق ]
أيها الأخوة، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: "خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّاً مُربَّعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه ـ رسم مربعاً على الرمل بقضيب، ومدّ خطاً من داخله إلى خارجه، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خطاً صغيراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه ـ وقال: هذا الإنسان، والمربع أجله، والخط الذي تجاوز المربع إلى مسافاتٍ طويلة أمله"
هناك مربع هو أجله، و خط يبدأ ضمن المربع ويتجاوز حدود المربع هذا أمله. أغبى إنسان من لم يدخل الله عز وجل والموت في حساباته :
أنا لا أنسى قصة، جلست مع إنسان يعمل مدير ثانوية، حدثني عن طموحاته ـ القصة من أندر القصص ـ قال لي: أنا قدمت طلباً لأُعار إلى الجزائر كمدرس، وقد وافقوا على طلبي ـ الإعارة كانت متبعةً في بلدنا ـ مدرس يعار إلى بلد عربي، يعطى راتباً في بلده، وراتباً آخر هناك، أي يضاعف دخله، قال لي: وافقوا لي على هذا الانتقال، ثم قال لي: سأبقى هناك خمس سنوات، خلال هذه الفترة في العطلة الصيفية لن آتي إلى دمشق، قلت له: لِمَ؟ قال لي: سأمضي كل صيفٍ في بلد أوروبي، فذكر البلاد كما يلي: الصيف الأول في فرنسا، والصيف الثاني في إيطاليا، والصيف الثالث في إسبانيا، والصيف الرابع في بريطانيا، قال لي: سأذهب إلى هذه البلاد في الصيف، أرى معالمها، أرى حضارتها، أرى ريفها، أرى متاحفها، و بعد خمسة أعوام تنتهي الإعارة وأعود إلى بلدي، وأقدم استقالتي، وأُحال على المعاش، قال لي: هذا المال الذي سأجمعه، وهذه التعويضات التي سآخذها، سأؤسس بها محلاً تجارياً أبيع التحف، لأن التحف ليس لها علاقة بالتموين والمتاعب مع الدولة، قال لي: هذا المحل أجعله منتدى فكرياً ـ هو أستاذ فلسفة ـ ثم قال لي: أنا آتي بعد الظهر أحياناً، أو صباحاً، وأولادي يكونون قد كبروا فيتسلمون هذا العمل، والله الذي لا إله إلا هو، حدثني عن عشرين سنة قادمة وأنا أستمع له، وقدم لي ضيافة، وانتهى اللقاء، وغادرت المدرسة إلى بيتي، وتناولت طعام الغداء، وبعد الظهر نزلت إلى مركز المدينة، لي عمل هناك، وعدت إلى البيت ماشياً، فإذا نعوته على الجدران في اليوم نفسه.
لذلك: كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت:
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***
ما لم تبدأ من النهاية، ما لم تضع مغادرة الدنيا نصب عينيك، ما لم تسأل في كل عملٍ ما جوابك عند الله، لو سألك لماذا طلقتها؟ لماذا شاركت فلاناً؟ لماذا اشتريت هذه البضاعة المحرمة؟ لماذا بنيت مجدك على أنقاض الناس؟ لماذا ظلمت هذا الإنسان؟. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
والله الذي لا إله إلا هو لن تجد على وجه الأرض إنساناً أغبى ممن لم يدخل الله عز وجل والموت في حساباته. المؤمن الصادق يسعى لمرضاة الله و يدخل الآخرة في حساباته :
أيها الأخوة، علامة المؤمن الصادق أنه يريد الله، والدار الآخرة، وعلامة المؤمن الصادق أنه وضع في حساباته مغادرة الدنيا، أدخلها في حساباته، علامة المؤمن الصادق أنه يسعى لمرضاة الله عز وجل.
أخواننا الكرام، دخلت مرة إلى بيت، صاحب البيت ـ سامحه الله ـ قال لي: هذا البيت مساحته أربعمئة متر، قلت له: بارك الله لك به، هنيئاً لك، قال لي: هذه القطع من الأثاث أتيت بها من إيطاليا، أي بالغ في وصف بيته، وكسوة بيته، وأثاث بيته، والطنافس، والمناظر، واللوحات، فالإنسان من حقه أن يكون عنده بيت فخم، لكن أخذ كل عقله، أنا أردت أن أُعلم نفسي درساً، قلت له: ما قولك ببيت بأحد أحياء دمشق الفقيرة جداً؟ أي تحت الأرض، بلا كسوة، هناك بيوت لا تحتمل، قال لي: والله يوجد فرق كبير، قلت له: الفرق بين جندي وبين رئيس أركان؟ بين ممرض وبين جراح قلب؟ بين معلم ابتدائي بقرية وبين أستاذ جامعة؟ جئت بتناقضات عجيبة، رئيس غرفة تجارة وبائع متجول؟ قلت له: اسمع قوله تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
مراتب الدنيا مؤقتة. (( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
مراتب الدنيا تنتهي بالموت، أي الموت ينهي قوة القوي، سبحان من قهر عباده بالموت، الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي ذكاء الذكي، ينهي محدودية المحدود، الموت ينهي كل شيء. أمراض الجسم تنتهي عند الموت لكن أمراض النفس تهلك صاحبها إلى أبد الآبدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2992/05.jpg
بل يا أخوان جميع أمراض الجسم تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، وتهلك صاحبها إلى أبد الآبدين، جميع أمراض الجسم مهما كانت عضالة تنتهي عند الموت، ورم خبيث، مات انتهى المرض، احتشاء بالقلب مات انتهى المرض، تشمع بالكبد مات انتهى المرض، خثرة بالدماغ مات انتهى المرض، فشل كلوي مات انتهى المرض، أمراض الجسم تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس، الكبر، العدوان، الاحتيال، الكيد، هذه الأمراض تهلك صاحبها إلى أبد الآبدين، القلب السليم أكبر عطاء إلهي، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد إلا الله ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
بطولة الإنسان أن يسعى لنيل الآخرة لا لنيل المراتب الدنيوية :
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثانية، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً لأنها زائلة، أما مراتب الآخرة تعني كل شيء: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
فطوبى لمن له ﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، والمؤمن له عند الله مكانة كبيرة، هذا أكبر إنجاز يحققه الإنسان في الدنيا.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : اطلاق الأمل وتقييدة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأمل في الدنيا :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع الأمل، ولا شك أن بعض الموضوعات علاقتها بهذه السلسلة من الدروس علاقة إيجابية، وبعض الموضوعات علاقتها سلبية، وبعض الموضوعات بين بين.
فالأمل إذا أُطلق انصرف إلى الدنيا، أما إذا قُيد انصرف إلى الآخرة، كالأخلاق تماماً، تقول: فلان ذو أخلاق، أي راقية، أما إذا أردت أن تعني الأخلاق السيئة فلابد من أن تصف الأخلاق بأنها سيئة، فلانٌ ذو أخلاقٍ سيئة، فهذه الكلمة إذا أُطلقت انصرفت إلى الدنيا، أما إذا قُيدت انصرفت إلى الآخرة.
بالمصطلحات شيء لطيف، مثلاً: الفقراء والمساكين، هاتان الكلمتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا، إذا قلت: فقراء أي الفقراء والمساكين، إذا قلت: مساكين فتعني الفقراء والمساكين، إذا قلت: الفقراء والمساكين، الفقراء شيء، والمساكين شيء، الفقير هو الذي لا يجد حاجته، له دخل لكن أقل من حاجته فهذا فقير، أما المسكين عاجز عن أن يعمل، الفقير بإمكانه أن يعيش لكن بصعوبة بالغة.
لذلك الآن نبدأ بالأمل في الدنيا، ورد في الأحاديث الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
أي إذا أصبح وأكبر همه الدنيا. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
لا يوجد توفيق، الطرق كلها غير سالكة، يطرق هذا الباب مغلق، هذا الباب مغلق، هناك تعسير. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
من تعريفات الفقر: لا أن تكون فقيراً، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض. المؤمن الصادق المستقيم يتمتع بنعمة ينفرد بها إنها نعمة الأمن :
الآن هناك أمراض قلب سببها الخوف من أمراض القلب، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، لذلك المؤمن وحده أعني ما أقول: المؤمن وحده يتمتع بالأمن، الدليل: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 81-82 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/01.jpg
هو يتوقع من الله الخير دائماً، يشعر أن له حقاً عند الله، سيدنا رسول الله أردف معاذ بن جبل وراءه ـ الحديث طويل ـ آخر فقرة قال له يا معاذ: (( ما حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله: أن لا يعذِّبهم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنشأ الله لك حقاً عليه، تؤكد هذا المعنى آيةٌ كريمة: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 51 ]
﴿ لَنَا ﴾
الفرق باللغة كبير بين كتب علينا وكتب لنا، لنا الخير، ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
فالمؤمن الصادق، المستقيم، المخلص، يتمتع بنعمة ينفرد بها، إنها نعمة الأمن. على الإنسان أن تعظم عنده النعمة مهما دقت :
لذلك: (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/02.jpg
لا يوجد توفيق، لا يوجد إنجاز، لا يوجد راحة نفسية. (( وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ))
يكون معه ملايين مملينة، يقول لك: لا يوجد بيع هذه السنة، أي ربحه قال: خمسة ملايين، يعد نفسه صار فقيراً: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
هناك نموذج والعياذ بالله، نموذج التشكي، يتشكى دائماً، بيت أربعمئة متر، أربع سيارات، دخل فلكي، ويتشكى، اشكر الله، كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، أنت إذا شربت كأس ماءٍ ينبغي أن تحمد الله عليه، قال: (( وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
الكسب و الرزق :
الحقيقة الخطيرة أن الرزق هو الذي تستهلكه فقط، أي هذا الثوب، هذا البيت، هذا الطعام، هذه المركبة، هذا رزقك، وما سوى ذلك كسبك، والفرق كبير بين رزقك وكسبك، الرزق ما انتفعت به، http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/03.jpg
والكسب ما حصلته ولم تنتفع به وستحاسب عليه، هذا هو الكسب، أما الرزق ما حصلته وانتفعت به، والرزق له معان واسعة جداً: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة ]
فالصلة بالله رزق، والمعرفة بالله رزق، والعمل الصالح رزق، والسمعة الطيبة رزق: (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
ومن أراد الآخرة أرادها، وسعى لها سعيها، وهو مؤمن: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
(( جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
هناك توفيق: (( وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
والله أيها الأخوة، يتمتع المؤمن بغنى نفسي لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، ثقته بالله كبيرة. ((أَن تكون بما في يَدِ الله تعالى أَوثَقَ منك بما في يَدَيْكَ ))
[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري]
تجد إنساناً معه أموال منقولة وغير منقولة، أرصدة في البنوك، وهو غير مطمئن، وإنساناً لا يملك غير المعاش، لا يملك غيره وهو مطمئن، نعمة الأمن نعمةٌ يخلقها الله في الإنسان. من أشرك بالله عز وجل ألقى الله في قلبه الخوف :
بالمناسبة هذا قانون لمجرد أن تشرك يقذف الله في القلب الخوف. ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 151]
لمجرد أن يشرك الإنسان يقذف الله في قلبه الخوف. ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ* وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ* وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
[ سورة الشعراء ]
أحياناً تشدُّ الأمور، والأمل يضعف، فالمؤمن بهذه الحالة واثق من الله عز وجل، ثقته بالله كبيرة جداً، وهذه الثقة تعطيه التوازن، إذاً: (( جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ))
وفّق: (( وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
الدنيا دار التواء لا دار استواء :
أخواننا الكرام، لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة أراد الله أن تكون الدنيا هكذا، كما ورد في بعض الخطب النبوية: (( إن هذه الدنيا دار التواء ))
[كنز العمال عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/04.jpg
مال وفير لا يوجد أولاد، أولاد كثر لا يوجد مال، أولاد وأموال لا يوجد صحة، هناك صحة لكن لا يوجد دخل، أي شاءت حكمة الله ألا تكون الدنيا كما نتمنى، كي نحب لقاء الله، لذلك إذا جاءت كما نتمنى يكره الإنسان لقاء الله.
أنا أحياناً كدعابة، إذا وجدت إنساناً ينظم أموره تنظيماً يفوق حدّ الخيال، أقول له: والله الموت صعب، شيء صعب، أما إذا تعلقت آمال الإنسان برحمة الله، فمرحباً بلقاء الله.(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ـ هذا كلام النبي ـ وأن من عرفها لم يفرح لرخاء ـ مؤقتة ـ ولم يحزن لشقاء ـ مؤقتة ـ قد جعلها الله دار بلوى ))
[كنز العمال عن ابن عمر]
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
(( وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجلي ))
ربما أعطاك فمنعك، أي هناك بلاد تنعم برفاهية تفوق حدّ الخيال، تجد فيها بعداً عن الله يفوق حدّ الخيال، وبلاد تحت ضغوط لا تحتمل، مع هذه الضغوط التي لا تحتمل هناك قرب من الله، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء. الإنسان عندما يوطن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء يقبلها ويسعد بها :
من الأحاديث الدقيقة التي تلتصق أشد الالتصاق بهذا الموضوع: عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: (( خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّا مُربَّعاً ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/05.jpg
أي رسم مربعاً على الرمل بقضيب: (( خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّا مُربَّعاً ، وخطَّ خطّا في الوسط ))
أخذ نقطة داخل المربع ورسم خطاً، ومدد الخط حتى خرج خارج المربع: (( وخطَّ خطّا في الوسط خارجاً منه ))
مربع، وخط يبدأ من داخل المربع، وقد مدد إلى أن وصل خارج المربع: (( وخطَّ خُطاً صغاراً، إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
المربع أجله، له عند الله ثلاث وسبعون سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وخمس ساعات، وسبع دقائق، وثمان ثواني، هذا أجله، والمرض ليس له علاقة بالأجل إطلاقاً، يموت الإنسان حينما ينتهي أجله.
إن الطبيبَ له علمٌ يدلُّ بــه ما دامَ في أجلِ الإِنسانِ تأخيرُ
حتى إِذا ما انقضتْ أيامُ مهلتهِ حارَ الطبيبُ وخانَتـهْ العقاقيرُ
* * *
فهناك خطوط صغيرة حول هذا الخط الذي في الوسط: (( فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به ـ أو قد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أمَلُهُ، وهذه الخططُ الصغارُ الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشَهُ هذا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
هناك مرض، هناك فقر، هناك مشاكل زوجية، هناك مشاكل أسرية، هناك مشاكل متعلقة بالعمل، هناك مشاكل متعلقة بالصحة، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
الإمام الشافعي سُئل أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
فالإنسان عندما يوطن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء، دار امتحان، دار عمل، يقبلها ويسعد بها. استعاذة النبي الكريم من أربعة أشياء :
سيدنا أنس بن مالك يروي عن النبي صلى الله عليه و سلم هذا الحديث، قال: (( أربعة من الشقاء: جمود العين ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/06.jpg
لا يبكي أبداً، لا بتلاوة قرآن، ولا بمشهد جنازة، ولا بصلاة، ولا بذكر. (( جمود العين ))
النبي الكريم استعاذ فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع))
[مسلم عن زيد بن أرقم]
إذاً: (( أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
موضوعنا طول الأمل، قصة ذكرتها عشرات المرات حدثني عن عشرين سنة قادمة وقرأت نعوته في اليوم نفسه، عن عشرين سنة قادمة، عن خططه، وسفرياته، وعودته، وإنشاء محل تجاري، وقرأت نعوته مساءً في اليوم نفسه: (( أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا ))
[ أخرجه البزار، عن أنس بن مالك ]
المؤمن أكثر محبة للتفوق من غير المؤمن لكنه نقل اهتماماته إلى الآخرة :
أخواننا الكرام، المؤمن نقل اهتماماته إلى الآخرة، المؤمن أكثر محبة للتفوق من غير المؤمن لكنه نقل اهتماماته إلى الدار الآخرة: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 19 ]
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (( أن عمر أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأمر فيها قال: إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن ابن عمر بن الخطاب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/07.jpg
الآن هذه أصل الوقف: (( قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر ))
أي أوقفها للمسلمين: (( أن لا تباع ـ أصولها لا تباع ـ ولا توهب، ولا تورث، فتصدق بها على الفقراء ))
هناك من يقول: أرض الشام كلها وقف، هذا عمل طيب، نحن الآن لا نعرف ما الوقف، في الحقيقة الوقف من أعظم الأعمال الصالحة، هذه الأرض حبست عينها أي أصلها، وتصدقت بمنفعتها.
مرة حضرت مؤتمراً للوقف، أحد مندوبي الدول العربية ذكر إجراءات عندهم تفوق حدّ الخيال، هناك وقف لتحبيب الصغار بالمطالعة، توزع كتب رائعة جداً، قصص إسلامية على البيوت مجاناً، فهذا الصغير يقرأ قصة ملونة، رائعة، ممتعة، يحب المطالعة، هناك وقف للتوفيق بين الزوجين، مؤسسة لها خبراء، وبعض الدعاة، و سيارات، فأي إنسان بلغه أن هناك شقاقاً زوجياً، يخبر المؤسسة، يأتي شخص إلى عند أهل الزوجة، و شخص إلى عند أهل الزوج، هناك وقف لتعليم الفقراء الكمبيوتر، وبعض الأشياء الحديثة الأساسية في حياتنا، استمعت من هذا المندوب عن عشرة صناديق للوقف تقريباً ، كل صندوق يحل مشكلة كبيرة جداً، حتى هناك وقف للصغار، طفل صغير دفع مئة ليرة للوقف، يُشترى بهذا المبلغ مثلاً بناء للصغار، دار أيتام، الطفل إلى أن يموت، وبعد أن يموت إلى يوم القيامة له أجر بهذا الوقف http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/08.jpg
لكن أحياناً تكون الأوقاف عندنا بتأجير بيوت بالسعر القديم، فهذه التجارة يسمونها تجارة الكسالى، أي هناك مؤسسات وقفية تولت شركات عملاقة إدارة الوقف، وتولت جمعيات خيرية توزيع الوقف، والدولة أشرفت على هذه المؤسسة بكسب أموالها، وإنفاق أموالها، وضبط أعمالها، هذا الوقف، فإذا إنسان أمله بالآخرة، يضع شيئاً للآخرة. (( قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر: أن لا تباع، أصولها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، فتصدق بها على الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها ))
هذا ناظر الوقف: (( أن يأكل منها بالمعروف ))
نعطيه دخلاً يعيش منه: (( أو يطعم صديقاً غير متمول فيها ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن عمر بن الخطاب ]
فإذا نقل الإنسان أهدافه إلى الآخرة يعمل وقفاً، وأبواب الخير لا تعد ولا تحصى. الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
أخواننا الكرام، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، قيل: يا رسول الله: (( أَيُّ الصدقة خير أو أفضل ؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغِنى وتخشَى الفقر، ولا تُمهِلْ حتى إِذا بلغتِ الحُلْقومَ، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ))
[ أخرجه البخاري، عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/09.jpg
أي الإنسان عند الموت يصبح خيراً، البطولة أن تنفق وأنت شاب، وأنت غني المال له معنى عندك، أما على فراش الموت المال ليس له معنى إطلاقاً.
أخواننا الكرام، صدقوا ولا أبالغ، عندي عشرات الوصايا لم تنفذ واحدة، لا تكن تحت رحمة الورثة، لأن الأهل يضنون على أبيهم المتوفى بتنفيذ وصيته، يرون أن هذا المال لهم، لذلك تصدق وأنت في حياتك، لا تجعل هذا العمل الصالح تحت رحمة الورثة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة ))
دنياه عريضة، لكن هذا البيت إلى أبد الآبدين؟ لا، مثوى مؤقت، والدليل النعوات وسيشيع فلان إلى مثواه الأخير، هذا مثوى مؤقت. (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))
[ السيوطي عن أبي البحير]
الموت ينهي كل شيء لكن مراتب الآخرة أبدية :
دقق الآن: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 21 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/10.jpg
أي ممرض كجراح قلب؟ لا، جندي يقوم بتأدية خدمة إلزامية، في خط النار الأول، في الشتاء، البرد، والصقيع، والأمطار، كرئيس أركان؟ لا، رئيس غرفة تجارة كبائع صحون في الحميدية؟ لا، معلم بقرية كأستاذ جامعي؟ لا. ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
درجات الدنيا تنتهي بالموت، الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، وذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، وصحة الصحيح، ومرض المريض، الموت ينهي كل شيء، لكن مراتب الآخرة أبدية. ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
من هو الذكي؟ من هو العاقل؟ من هو الموفق؟ الذي يحتل مرتبةً في الآخرة. (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))
[ السيوطي عن أبي البحير]
خيارات العمل الصالح أمام الغني و القوي لا تعد و لا تحصى :
طبعاً أنا أقول لكم كلمة دقيقة: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
إذا كان طريق الغنى، أو طريق القوة سالكاً وفق منهج الله، ينبغي أن تكون قوياً أو غنياً لماذا؟ لأن الغني أو القوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، الغني يحل مليون مشكلة، يزوج شاباً، يفتح ميتماً، يعمل مستوصفاً، يعمل مشروعاً لخدمة الفقراء، عنده إمكانيات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى، والقوي كذلك، بجرة قلمٍ يحق حقاً ويبطل باطلاً، أما إذا كان طريق الغنى والقوة على حساب دينك وقيمك، فأن تبقى فقيراً وضعيفاً وسام شرفٍ لك. على الإنسان أن يبتغي الرفعة عند الله عز وجل :
الآن: (( ألا يا رب مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ))
[ السيوطي عن أبي البحير]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/11.jpg
مرة شيعنا طبيباً، وهذا الطبيب أستاذ في الجامعة، وكان هناك رئيس جامعة، لم يصلِّ بقي واقفاً، إنسان بالخامسة والستين ماذا ينتظر؟ أي هل أنت أكبر من أن تصلي؟ هذه المشكلة. (( ألا يا رب مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهينٍ لنفسه وهو لها مكرم ))
النبي الكريم قال: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
قال: (( ألا يا رب متخوضٍ و متنعم ما له عند الله من خَلاق))
[ السيوطي عن أبي البحير]
دنياه عريضة، لكن ليس له وزن عند الله عز وجل، ودخل صحابي فقير، فقال له النبي الكريم: (( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، خاملٌ في الأرض، علمٌ في السماء ))
لذلك ورد: ابتغوا الرفعة عند الله. قيمة الإنسان عند الله بقدر ما يعطي :
حديث آخر: (( ألا إن عمل الآخرة حزن بربوة ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية، عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3190/12.jpg
الجنة فيها جهد، صعود القمة فيه تعب، فيه جهد، فيه حرارة، فيه عقبات، فيه أكمات، فيه وهاد، أما القمة فشيء رائع جداً، والطريق المنحرف الهابط وراءه حفرة ليس لها من قرار.
بشكل عام أنت تمشي بطريق مستوٍّ، تفاجأت أصبح طريقين، طريق هابط، وطريق صاعد، وأنت راكب دراجة، والطريق الهابط للدراجة شيء مريح جداً، الطريق الهابط معبد، فيه ورود، وأزهار، ورياحين، شيء رائع جداً، والطريق الصاعد صخور، وحفر، وأكمات، وغبار، وجهد كبير، وتصبب عرق، طبعاً كل شيء في هذا الطريق الهابط يدعوك أن تسير به، سهولته، لا يوجد جهد، معبد، فيه ورود، رياحين، وكل شيء بالطريق الصاعد ينفرك منه، مكتوب لوحة: هذا الطريق الصاعد ينتهي بقصرٍ هو لك، وهذا الطريق الهابط ينتهي بحفرةٍ فيها وحوشٌ كاسرة وجائعة تنتظرك، هذا البيان ألا يجب أن يعكس لك القرار؟ كمعطيات مادية الذكاء والراحة بالطريق الهابط، والصاعد متعب، لكن بعد البيان ينعكس قرارك.
وأنت إذا آمنت بالآخرة تنعكس كل مقاييسك، ترى البطولة أن تعطي لا أن تأخذ، البطولة أن تخدم الناس لا أن تستهلك خدماتهم، البطولة أن تكون معطاءً، قيمتك عند الله بقدر ما تعطي، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، فلذلك فإن: (( ألا إن عمل الآخرة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بشهوة))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عبد الله بن عباس ]
استرخاء، كل ما تشاء، التقِ مع من تشاء، اكسب أي مالٍ تشاء، أي عمل جهنم سهل جداً، وعمل الجنة صعب جداً.
أيها الأخوة، هذا الموضوع من أدق الموضوعات المتعلقة بسبل الوصول وعلامات القبول.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : الوقت ملك لمن يملكة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الوقت هو البعد الرابع للأشياء :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعل هذا الموضوع من أخطر الموضوعات في حياة الإنسان، إنه الوقت، لأن الإنسان وقتٌ، بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/01.jpg

(( ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة))
[ ورد في الأثر]
فأنت وقت، من أدق أدق تعريفات الإنسان عند الإمام الجليل الحسن البصري أن: "الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه"، لو أن واحداً منا عمره عند الله ثلاثاً وسبعين سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وسبع ساعات، وأربع دقائق، وثماني ثواني، كلما مضت ثانية مضى بضعٌ منه، كائن متحرك إلى هدف ثابت.
لذلك قالوا: النقطة إذا تحركت رسمت خطاً، والخط إذا تحرك رسم سطحاً، والسطح إذا تحرك شكّل حجماً، والحجم إذا تحرك صار وقتاً، فالوقت هو البعد الرابع للأشياء كيف؟
أي شيء مادي له أبعاد ثلاث، له طولٌ، وعرضٌ، وارتفاع، لكن الله سبحانه وتعالى جعل الكون متحركاً، لولا حركته لأصبح كتلةً واحدة، لأنه من خلال هذه الحركة تنشأ قوى نبذ تكافئ قوى الجذب، فهذا الكون على عظمته متحرك.
الآن الوقت هو البعد الحركي للأشياء، فالشيء إذا تحرك تبدلت خصائصه، اللون مع مضي الوقت يختلف، المتانة تختلف، المنظر يختلف، الإنسان يختلف، انظر إلى صورتك في السنوات العشر الأولى وانظر إليها في السبعينات، الفرق كبير جداً، هذا هو الوقت، الوقت هو البعد الرابع للأشياء. ما مضى فات والمؤمل غيب وللإنسان الساعة التي هو فيها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/02.jpg
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة: أن الإنسان بين وقت مضى، ووقتٍ لم يأتِ بعدُ، وبين اللحظة الراهنة، الوقت الذي مضى لا جدوى منه، الحديث عنه مضيعةٌ للوقت، معظم الناس يتحسرون على وقتٍ مضى، يقول لك: الأرض كانت بسعر، الآن أربعمئة ضعف، وكان بإمكاني أن أشتري أرضاً، يمضي حياته في الندم.
مما أُثر عن سيدنا الصديق أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فما مضى فات، الذكي، العاقل لا يتحدث عن الماضي أبداً، لأنه مضيعةٌ للوقت، ما مضى فات والمستقبل غيب، لا تملكه، أنت إذاً لا تملك إلا اللحظة الراهنة، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/03.jpg
لذلك الإنسان إذا قال: سوف أفعل كذا، ورد في بعض الآثار:
((هلك المسوفون ))
[ورد في الأثر]
سأفعل كذا، لا تملك المستقبل، أنا لا أصدق أن واحداً وافته المنية إلا وفي تصوراته أن هناك قائمةً من الأعمال لابدّ من أن ينجزها، مات ولم ينتهِ شيء بعد، لا يوجد إنسان بالقبر إلا كان في باله خطط، ومشاريع، وطموحات، وأعمال للمستقبل.
والحديث البارحة أن الإنسان ضمن مربع، هذا المربع هو أجله، وهناك خط ينطلق من هذا المربع إلى خارج المربع، فالذي إلى خارج المربع هو أمله، والأمل في الدنيا مهلك.
النقطة الأولى: ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
فالبطولة الآن، غداً سأتوب، بعد انتهاء الامتحان سأتوب، بعد الزواج سأتوب، بعد أن أبلغ من الكبر سناً معيناً سأتوب.(( هلك المسوفون ))
ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، هذه الحقيقة الأولى. الوقت و المال أهم شيئين في حياة الإنسان :
الحقيقة الثانية: أنه لا يتصور وقوع حدثٍ إلا له مكان، ويظله زمان، وهناك محدث، وهناك غاية، أي حدث يقع على وجه الأرض لابدّ له من مكان، ولابدّ له من زمان، ولابدّ له من محدث، ولابدّ له من غاية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/04.jpg
لذلك هناك شيء اسمه الوقت، وشيء اسمه المال، أهم شيئين في حياة الإنسان مركزٌ في أعماق أعماق الإنسان أن الوقت أثمن من المال، الدليل، لا سمح الله ولا قدر لو أن إنساناً أصابه مرضٌ عضال، وأن كلفة العملية الجراحية في بلاد الغرب تساوي ثمن بيته الوحيد الذي يملكه، أؤكد لكم بالمئة ألف حالة من بني البشر لا يتردد الإنسان ثانية واحدة في بيع بيته الوحيد، وإجراء العملية، متوهماً أنه سيعيش بعض السنوات فضلاً عن وضعه الراهن.
إذاً مركبٌ في أعماقنا أن الوقت أثمن من المال، وهذا شيء يفعله كل إنسان يبيع بيته لإجراء عملية جراحية تمد في حياته بضع سنوات.
دقق الآن، لو أن هناك إنساناً وقف أمامنا، وأمسك خمسمئة ألف وأحرقها، إذا شاهده ألف إنسان، كم واحد من هؤلاء الألف يحكم عليه بالجنون أو السفه؟ الجواب الألف، خمسمئة ألف تحل بها مشكلات كثيرة، تحرقها! لذلك قالوا: إتلاف المال يعد سفهاً.
الوقت أثمن من المال والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/05.jpg
الآن الحقيقة الخطيرة: لأن الوقت أثمن من المال، فيعد إتلاف الوقت أشد سفاهاً من إتلاف المال، سهرة، كلام فارغ، حديث بلا طائل، طُرف سخيفة، تبادل تهم، غيبة، نميمة، مسلسل، هذا الوقت الذي هو أنت، هذا الوقت رأسمالك الوحيد، هذا الوقت الذي لا تملك أثمن منه، لابدّ من ترشيد استهلاكه، وبالتعبير المعاصر: لابدّ من إدارة الوقت، يجب أن ترسم لك برنامجاً دقيقاً بحيث لا تضيع ساعة، هل تصدق أن واحداً من الناس جاء إلى الدنيا وغادرها وعمت رسالته الخافقين؟ إنه رسول الله، أنا لا أتصور أن هذا النبي العظيم ضيّع دقيقةً من حياته، لذلك استحق أن يقسم الله بعمره، قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
والله أيها الأخ، لو عرفت قيمة الوقت لا تسمح لنفسك أن تضيع ساعة بلا طائل، كلام فارغ، لقاء تافه، عمل سخيف، حديث فارغ، تراشق تهم، غيبة، نميمة، الوقت ثمينٌ جداً لأنك وقت، لأن رأسمالك هو الوقت، لأن أثمن شيء تملكه هو الوقت، والله يا أخوان ملايين مملينة يستهلكون أوقاتهم استهلاكاً رخيصاً، لذلك الآن هناك شيء اسمه إدارة الوقت، والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته. على الإنسان الابتعاد عن اللغو الذي لا جدوى منه :
أيها الأخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
وأفلح وردت في القرآن في بضع آياتٍ لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
قال بعضهم: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
اللغو كلام فارغ، لقاء سخيف، حديث بلا طائل، كلام معاد، كلام مكرر. المؤمن الصادق يعرف قيمة الوقت فيرشد استهلاكه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/06.jpg
أيها الأخوة، المؤمن الصادق عرف قيمة الوقت، فرشد استهلاكه، وصرفه في عملٍ ينفعه بعد الموت، أي شيءٍ تفعله للدنيا مضيعةٌ للوقت، لأن الدنيا تتركها وتذهب، هناك مقياس واحد، أي عمل تفعله يدخل معك إلى القبر هذا هو المجدي، أعمال لا أقول هي حرام، لكن الشيطان ـ كما كنت أقول ـ يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمانٍ وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/07.jpg
فإن رآه على ورع بقي مع الشيطان ورقتان رابحتان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، هذه الخصومات بين الجماعات الإسلامية من فعل الشيطان، هذه الخصومات التي تعود لأسبابٍ تاريخية، والدماء سالت من أجلها من فعل الشيطان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم يفلح بقي معه ورقةٌ رابحة كبيرة، ورقة المباحات، استهلك وقته في تحسين دنياه، ويأتي الموت فينهي كل شيء، تصور إنساناً من لا شيء صار شيئاً، حسّن، رتّب، ارتقى بيته، ارتقت مركبته، ارتقت مكانته، وهو صاعد يقف القلب، بثانيةٍ واحدة يخسر كل شيء، لو أن كل نشاطه في الدنيا فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر، لأن البيض وضعه في سلةٍ واحدة، أما إنسان له عمل للآخرة، له عمل صالح، له إنفاق مال، له دعوة إلى الله، له نشر علم، له إطعام المساكين، له منشآت أسسها في سبيل الله، هذا إنسان عرف قيمة الوقت.
صدقوا أيها الأخوة أن المؤمن أشد الناس طموحاً، فلذلك المؤمن الصادق إذا عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، لا يجد شيئاً أثمن من الوقت، يستهلكه بحذرٍ شديد، وبترشيدٍ بالغ، وليس عنده وقتٌ للكلام الفارغ، ولا للمشاحنات، حتى الجدال، المؤمن يدع الجدال. الإنسان مخير و هو في قبضة الله عز وجل :
الآن:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/08.jpg
الإنسان مخير: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]
نحن في قبضة الله، ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا ﴾
أي في أية مكانةٍ كنتم، وفي أي مكانٍ كنتم.
لا تأمن المـوت في طرف ولا نفس وإن تمنعت بالــحجاب والحرس
فما تزال سهام الـــموت نافذة فــي جنب مدّرع منها و مترس
أراك لـــست بوقاف ولا حذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولـم تسلك مسالكها إن الـسفينة لا تجري على اليبس
* * *
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
الآن الوقت، ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾
سبحان من قهر عباده بالموت. ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
[ سورة الغاشية ]
معاني الوقت في القرآن الكريم :
أيها الأخوة، من معاني الوقت في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 133 ]
أي سابقوا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/09.jpg
لو أن شريطاً متحركاً يمشي، والناس على هذا الشريط، هذا مضي الوقت، لو أنت خرجت عن الشريط ووقفت، أنت واقف لكن الآخرين سبقوك، أنت واقف وقوفك تراجع، لأن الحركة ماشية، كل إنسان له عمل صالح، يعبد الله، يفعل الخيرات، يصوم، يدعو إلى الله، ينفق ماله في سبيل الله، يطعم الجائع، يكسو العاري، يرعى يتيماً، العمل الصالح حركة، والذي ليس له عمل واقف، فهو في مؤخرة الركب، بالنهاية حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
لذلك كلمة: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾
فيها ملمح للوقت، بالنهاية هناك عاقل، وهناك ذكي، وما كل ذكي بعاقل، قد تحمل أعلى شهادة في العالم، قد تحمل دكتوراه من أكبر دولة متطورة بالفيزياء النووية، ما دمت ما عرفت سرّ وجودك، ولا غاية وجودك، ولا عرفت أنك مخلوقٌ للجنة، وأن هذه الدنيا دار عمل، فأنت ذكيٌ ولست عاقلاً، ما كل ذكي بعاقل، الأذكياء كثر، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين. آيات متعلقة بالوقت :
آيةٌ أخرى متعلقة بالوقت: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحديد ]
آيةٌ أخرى متعلقة بالوقت: ﴿ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾
[ سورة طه ]

>جئت في الوقت المناسب، لذلك قالوا: لكل شيءٍ أوان، فمن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أي هناك وقت تتزوج فيه، وهناك وقت تعمل به، لكن ما دام الإنسان مهملاً، أعماله لا يهتم بها، لا يوجد تخطيط، وأنا أقول دائماً: إما أن تخطط، وإما أن يُخطط لك، إما أن تكون رقماً صعباً تخطط، أو أن تكون رقماً تافهاً في خطة عدوك، فالأمر ليس بالسهولة بمكان، الأمر يحتاج إلى وقفة، إلى تأمل، إلى بحث فيما مضى، في المستقبل، في سرّ الوجود، في غاية الوجود، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 5 ]
والآية متعلقة بالوقت: ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 5 ]
فهناك مراحل، وهناك وقت مناسب، وهناك نضج، الإنسان عليه أن يبدأ. نية المؤمن خيرٌ من عمله :
لكن من عظمة هذا الدين أنك إذا سرت في طريق الإيمان في أي وقت، لو جاءت المنية لكتب الله لك أجر النهاية، في الدنيا لا بدّ من إنجاز، لكن في الآخرة يكتب لك نيتك، لذلك نية المؤمن خيرٌ من عمله، أنت مشيت في طريق الإيمان، ما نهاية الطريق؟ لك أجر نهايته: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
تعاريف الوقت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/11.jpg
أيها الأخوة، من تعاريف الوقت: الوقت ظرف الكون، هناك كون، وهناك وقت يحتويه، الوقت وعاء العمل، لذلك لا يوجد عمل بلا وقت، الإنسان الذي فرط في حياته الدنيا: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر ]
فالوقت ظرف العمل، الوقت وعاء الكون.
أيها الأخوة، عندنا باللغة ما يسمى ظرف مكان، وظرف زمان، تقول: جلست جانب النهر، جانب إعرابه مفعول فيه ظرف مكان، سافرت عصراً، العصر ظرف زمان، فلابد لكل حدثٍ من ظرف مكانٍ، ومن ظرف زمان.
لذلك الله عز وجل لا يقال: متى كان الله؟ لأنه خالق الزمان، سيدنا علي يقول: "علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون" فالزمان من خلق الله، الله عز وجل محيطٌ بكل شيء، أما نحن محاطون بالزمن، أنت تقول: أنا غداً سأسافر، أنت ضمن الزمان. اللحظة التي يعيشها الإنسان هي أخطر شيء في حياته :
أيها الأخوة، الشيء الخطير هي اللحظة التي تعيشها، لذلك قالوا: هناك يومٌ مفقود هو الماضي، ويومٌ مشهود، ويوم موعود، ويومٌ مورود، ويومٌ ممدود، فالوقت المفقود هو الماضي، ولا جدوى في الماضي إطلاقاً، والوقت المشهود هو الوقت الحاضر، هو أثمن وقت تملكه، الآن: نويت أن أتوب الآن، نويت أن أعطي هذه الصدقة الآن، الوقت الموعود الموت، الوقت المورود يوم القيامة، والوقت الممدود الأبد، إما في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، لذلك من أدق أدق الأحاديث الشريفة المتعلقة بالوقت: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3286/12.jpg

(( اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك ))
[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
مرة قال لي إنسان: أنا ـ سبحان الله ـ قبل خمسين سنة كنت أنشط من الآن، طبعاً، الشباب غير الشيخوخة، والله كنت في الحج عندما أجد الشاب يسعى بنشاط أغبطه، لا تحج من فوق الخامسة والستين، حج وأنت شاب:(( اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ))
[ أخرجه الحاكم، عن عبد الله بن عباس ]
أنت لم تتزوج بعد، عندك وقت فراغ كبير، اطلب العلم، غداً يوجد زوجة، و أولاد، وحمل، و ولادة، وتأمين حاجات الأولاد، لذلك الزواج مشغلة، ومجبنة أحياناً، الشباب قبل الهرم، الصحة قبل المرض، الفراغ قبل الشغل، الحياة قبل الموت. الوقت من أخطر القضايا في حياة الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، قضية الوقت من أخطر القضايا التي ينبغي أن تعالج، يقول النبي الكريم: (( إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليست له صبوة ))
[ أخرجه أبو يعلى والطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
هذا الشاب الذي عرف قيمة الوقت، ما ضيّع وقته أبداً في القيل والقال، إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكره لكم كل شيءٍ يضيع الوقت.
أيها الأخوة الكرام، لا شك أن هذا الدرس متعلق بالوقت، وأن الوقت هو أثمن شيءٍ يملكه الإنسان.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : الغفلة تناقض قيمة الوقت





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الوقت ينفق استهلاكاً أو استثماراً :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في الموضوع المتعلق بالوقت، وهذا الموضوع من أخطر الموضوعات، لأن الإنسان وقت، لأن الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/01.jpg
الحقيقة الأولى: أن هذا الوقت الذي هو أنت، أن هذا الوقت الذي هو رأسمالك، أن هذا الوقت الذي هو أثمن شيءٍ تملكه، إما أن ينفق استهلاكاً، أو أن ينفق استثماراً، ينفق استهلاكاً كما يفعل أهل الأرض، نأكل، ونشرب، ونتمتع بالحياة الدنيا، ثم يفاجأ الإنسان بتطور خطير في صحته، ينتهي به إلى الموت، وأحياناً يأتي الموت بغتةً، من دون أي مقدمات، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى، لا يشكو من شيء، خلال ثوان أصبح من أهل القبور، كان شخصاً فأصبح خبراً، فلذلك إنفاق الوقت إنفاق استهلاكي قضية سهلة جداً.
(( إن عمل النار سهل بشهوة ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عبد الله بن عباس ]
استرخاء، عدم مبالاة، عدم انضباط، هذا إنفاق الوقت إنفاق استهلاكي، وينفق الوقت إنفاقاً استثمارياً، حينما تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الوقت. حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/02.jpg
الحقيقة هناك ضابط لهذا الموضوع دقيق: أي شيء من أعمالك الصالحة يدخل معك في القبر، هذا العمل الذي يعد إنفاقاً استثمارياً للوقت، أما الإنسان إذا مات يترك كل شيء في البيت، مقتنياته، خزانته، حساباته، أشياء ثمينة يملكها، البيت نفسه، أثاث البيت، مكتبه الخاص، لكن أهله يمشون في الجنازة إلى شفير القبر، حتى أقرب الناس إليه يودعه عند القبر، ما الذي يدخل معه في القبر؟ عمله الصالح:
(( يا قيس! إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك ))
[ صحيح عن قيس بن عاصم]
فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، هذه الحقيقة الأولى.
إذاً استهلاك الوقت خطأ، استثماره صواب، استثماره أن تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً يدخل معك في قبرك، طلبت العلم، دعوت إلى الله، ربيت أولادك، عملت الصالحات، أنفقت من مالك، رعيت يتيماً، رعيت أرملةً، أطعمت فقيراً، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع :
الشيء الثاني: يقول عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه:" أيها الناس! لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع ". http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/03.jpg

(( الناس رجلان عالم ومتعلم هما في الأجر سواء ولا خير فيما بينهما من الناس ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
" أيها الناس! لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع، أيها الناس! إنكم في زمن هدنة".
الآن العام الدراسي زمن هدنة، الطلاب كلهم جميعاً واحد، هذا كسول لكن لم يظهر، هذا مجتهد لكن لم يظهر، طوال العام الدراسي الطلاب لا فرق بينهم، يأتي الامتحان يفرزون، ناجح، متفوق، الأول، الوسط، المقبول، الراسب مع الخزي والعار:" أيها الناس! إنكم في زمن هدنة".
الآن كل الناس ساكن ببيت، يأكل، يشرب، عنده مركبة، يعمل نزهة، يعمل لقاء، يزوج ابنته، لم يتبين شيء، لكن بعد الموت: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/04.jpg
أصبح هناك مسلم ومجرم، مؤمن وكافر: " إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم لسريع، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال المقداد يا رسول الله: وما الهدنة؟ فقال: دار بلاءٍ وانقطاع "
دار امتحان ثم انقطاع، الموت ينهي غنى الغني، ترك ثلاثة وثمانين مليوناً، الموت أنهى هذه الثروة، ينهي قوة القوي، كان طاغية كبيراً، ترتعد منه المفاصل، صار خبراً، ينهي غنى الغني، قوة القوي، ضعف الضعيف، وسامة الوسيم، دمامة الدميم، ذكاء الذكي، محدودية المحدود:" إنكم في زمن هدنة، قال يا رسول الله: وما الهدنة ؟ قال: دار بلاءٍ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الأمور".
صار هناك ضلالات، شبهات، طروحات فكرية ضالة، تسفيه للدين: " فإذا التبست عليكم الأمور فعليكم بالقرآن، فهو شافعُ مشفع، وشاهدٌ مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، هو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه".
قال بعضهم: إنه رأى الصديق في منامه، فقال له: أوصني، قال: كن ابن وقتك، فسر بعضهم هذه الكلمة، في وقت الفجر أنت في المسجد، يوم الجمعة ظهراً أنت في الجامع، في النهار أنت في العمل، في الليل أنت في بيتك، كل وقت له عبادة مناسبة، كن ابن وقتك. من خصائص الوقت أنه نسبي يطول و يقصر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/05.jpg
أخواننا الكرام، الوقت من خصائصه أنه نسبي، يطول ويقصر، هو في الحقيقة لا يطول ولا يقصر، الوقت وقت، الستون دقيقة ستون دقيقة بالعالم كله، لكن يطول على المعذب.
إن يطول بعدك ليلي فلكم بتُ أشكو قصر الليل معك
* * *
قالوا: دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذة دقيقة.
نحن كنا طلاباً في الجامعة، الامتحان ثلاث ساعات، والله أيها الأخوة، كيف يمضي الوقت لا أعرف؟ أكتب انقضت ساعة، مرة ثانية انقضت ساعتان، الثالثة انتهى الوقت، أصبحت أستاذاً في الجامعة، ثلاث ساعات مراقبة قدر ثلاث سنوات، راقب، انتظر، اقلب الساعة للوراء، أقول: مضى نصف ساعة، أفتح أجد دقائق مضوا، بقي أمامي ثلاث ساعات، يمكن أصعب شيء في حياة أستاذ الجامعة المراقبة، هذه الثلاث ساعات ثلاث سنوات، لأنه لا يوجد عمل و الطالب منهمك في العمل.
فالوقت يطول ويقصر. الوقت يخف على المؤمنين ويثقل على الكافرين :
الآن تطبيق هذا الكلام؛ الوقت يخف على المؤمنين، ويثقل على الكافرين، قال تعالى:
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة غافر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/06.jpg
ستة آلاف سنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين كل سنة ضرب اثنين ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾
والخير للأمام، لذلك القبر حفرة من حفر النيران، أو روضة من رياض الجنة، لكن هناك شيء يبشر: (( أَنَّ أعرابيا قال: يا رسولَ الله، مَنْ خَيْرُ الناس؟ قال: مَنْ طال عمره، وحَسُنَ عمله ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن بسر ]
كان في الشام شيخ، بدأ بالتعليم، أنشأ مدرسة خاصة إسلامية، بدأ بالتعليم في الثامنة عشرة من عمره، وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، علّم ثمانين سنة، كان يرى الشاب في الطريق، يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، حينما يُسأل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
زرت والد صديقي، قال لي: عمري ست وتسعون سنة، عملنا البارحة تحليلات كاملة كله طبيعي، قال لي: والله لم آكل قرشاً حراماً بحياتي، ولا أعرف الحرام الثاني، حرام النساء. سرعة انقضاء الوقت :
أيها الأخوة، هناك شيء ثان في الوقت، سرعة انقضائه، أي كل واحد منا له عمر، كيف مضى هذا العمر؟ كلمح البصر، يمر الوقت مرّ السحاب، يجري جري الرياح، إن كنت في مسرة، أو في فرح، أو في اكتئاب وترح، إن كانت الأيام أيام سرور، أو أيام أخرى، الوقت يمضي، يمضي سريعاً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/07.jpg
فلذلك الوقت لا يرجع إلى الوراء أبداً، قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾
[ سورة يونس الآية: 45 ]
عاش ثمان وثلاثين سنة، أو ثمان وتسعين سنة، أو ثمان وسبعين سنة، ساعة من نهار: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
أيها الأخوة، من خصائص الوقت أنما ما مضى منه لا يعود، لذلك الأغبياء يتحدثون عن الماضي، الحديث عن الماضي لا يجدي، إلا إن أخذت العبرة منه فقط، أما التحسر، والتأسف فكلامٌ فارغ، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
قال الإمام الحسن البصري: ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: ابن آدم أنا خلقٌ جديدٌ، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. موقفان يندم فيهما الإنسان أشد الندم :
الآن، من جهل قيمة الوقت لم يعبأ بالوقت، سيأتي عليه حين يعرف قيمته ونفاسته، ولكن بعد فوات الأوان، وقد ذكر القرآن موقفين اثنين يندم فيهما الإنسان أشد الندم، الموقف الأول في قوله تعالى عند ساعة الاحتضار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المنافقون ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/08.jpg
هذا الموقف الأول، الرد الإلهي: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
الوقف الثاني: في الآخرة حيث: ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَت ﴾
[ سورة النحل الآية: 111]
وتجزى ما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هناك يتمنى أهل النار لو يعودون إلى الدنيا، إلى دار التكليف، ليعملوا عملاً صالحاً، ولكن هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وجاء زمن الجزاء، يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ* وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 36-37 ]
من أدق ما قاله العلماء في كلمة النذير :
1 ـ النذير هو النبي عليه الصلاة والسلام :
الآن دقق:
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 37 ]
قفوا عند كلمة نذير: ﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
الإمام القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ مفسر كبير، فسر كلمة نذير بتفسيرات عديدة رائعة، ﴿ النَّذِيرُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/09.jpg
هو رسول الله: ﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
لأنه قال: ((عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد أو عبد الله بن عمر ]
قال: (( إن أكيس الناس أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن زيد بن علي ]
(( ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور ))
[ورد في الأثر]
(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
ضبطها: (( وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله الأماني ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
فالنبي عليه الصلاة والسلام بأحاديثه الشريفة الصحيحة هو ﴿ النَّذِيرُ ﴾
2 ـ أو القرآن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/10.jpg
والقرآن هو
﴿ النَّذِيرُ ﴾
قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ *إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]
فالقرآن هو النذير، والنبي هو النذير. 3 ـ أو سن الأربعين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/11.jpg
قال: وسن الأربعين هو النذير، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، أنت سافرت سفرة لمدة عشرة أيام، باليوم الثامن تنعكس الخطة تقطع تذاكر العودة، تشتري الهدايا، تفكر في العودة، فمن بلغ الأربعين، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، و:
((من بلغ أربعين سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار))
[أبو الفتح الأزدي عن ابن عباس]
أربعين سنة، لذلك: (( أبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاثٍ أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد ))
هذه مراهقة متأخرة، ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو القرآن الكريم، و ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، و ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو سن الأربعين. 4 ـ أو سن الستين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/12.jpg
وقالوا:
﴿ النَّذِيرُ ﴾
سن الستين، إذا بلغ الإنسان سن الستين صار أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، هذه حقيقة. 5 ـ أو الشيب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/13.jpg
قال و
﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو الشيب، ورد في الأثر: ((أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحِ مني فإنا أستحي منك ))
إلى متى وأنت في اللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تعصي الإله وأنت تظهر حبــه ذاك لــعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن الـــمحب لمن يحب مطيع
* * *
أيها الأخوة، هذا هو ﴿ النَّذِيرُ ﴾
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
6 ـ أو المصائب :
الآن
﴿ النَّذِيرُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/14.jpg
المصائب، المصيبة رسالة من الله، الآية الكريمة: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا ﴾
[ سورة القصص الآية: 47 ]
ما قال: مصيبة، قال: ﴿ رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
فسمى الله المصيبة رسالة، الآن هناك رسائل يقول لك: عرض عسكري، رسالة للدولة المجاورة، هناك رسائل ليست كتابية، أحياناً هناك حركة هي رسالة، اعتقد يقيناً أن المصيبة رسالة، إنسان غافل، ساه، لاه، تأتي مشكلة في صحته ينتبه، فالمصائب نذير. 7 ـ أو التطور الصحي السلبي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/15.jpg
كذلك هناك شيء آخر، التطور الصحي السلبي، كان من الممكن أن يتمتع الإنسان بشباب دائم حتى الموت، ضغطه إحدى عشرة سبعة، نبضه ثمانون، التحليلات كلها كاملة، و هو في التسعين، لكن شاءت حكمة الله من بعد الخمسين أن يكون هناك تطورات، يشيب شعره، يضعف بصره، يضع نظارات، يصلح أسنانه، يقول لك: آلام في الظهر، معي أسيد أوريك، معي شحوم ثلاثية، هذه الأكلة ممنوع عنها، هناك مجموعة أعراض صحية سلبية بعد سن معين تصيب جميع الخلق، هي رسائل لطيفة من الله، رسائل، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء، هل أنت مستعدٌ له؟ اقترب اللقاء.
8 ـ أو موت الأقارب :
أيها الأخوة، يناقض معرفة قيمة الوقت الغفلة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
لذلك ﴿ النَّذِيرُ ﴾
بحث دقيق جداً، ومن ﴿ النَّذِيرُ ﴾
موت الأقارب، إنسان له هيبته، له مكانته، وقد يكون محبوباً، مات، يخافون أن يدخلوا إلى غرفته بعد موته وبعد تشييعه، غرفته تخوف، ما الذي حصل؟ لذلك موت الأقارب أيضاً نذير. التسويف من أخطر آفات الوقت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/16.jpg
أيها الأخوة، من أخطر آفات الوقت التسويف، الإمام الحسن البصري يقول: "إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكن في غدك كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غدُ لن تندم على ما فرطت في هذا اليوم، لا تقل غداً، لا تقل سوف".
إنسان وعد النبي أن يتوب غداً، قال له: ويحك، أو ليس الدهر كله غداً. (( هلك المسوفون ))
[ورد في الأثر]
قيل لعالم: أوصنا، قال: احذروا سوف فهي جند إبليس، كلمة سوف من جند إبليس، قال: تزود من التقوى فإنك لا تـدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الــفجر
فكم من سليمٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من فتىً يمسي ويصبح أمناً وقد نسجت أكفانه وهــو لا يدري
* * *
قيمة العمر بالعمل الصالح :
أيها الأخوة، عمر الإنسان الحقيقي هو عمر عمله الصالح، إنسان فتح دكاناً وداوم عشر ساعات، باع بخمسمئة ليرة، وإنسان فتح دكاناً وداوم ساعة، وباع بمليون، الزمن لم يعد له قيمة، القيمة بالغلة، مجموع المبيعات، فقيمة العمر لا بأمده، بل إن الأمد الزمن العمر أتفه أعمار الإنسان، العمر يطول بالعمل الصالح، ويقصر بقلة العمل الصالح.
أيها الأخوة، لذلك قال صاحب الحكم العطائية: "ربًّ عمرٍ اتسعت آماده، وقلّت أمداده، وربَّ عمرٍ قليلةٌ آماده، كثيرةٌ أمداده، ومن بورك له في عمره أدرك في يسيرٍ من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، ولا تلحقه ومضة الإشارة".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3408/17.jpg
إذاً العمر قيمته بالعمل الصالح، لذلك ورد في بعض الأدعية: "لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ".
والإنسان بإمكانه أن يطيل عمره بكثرة أعماله الصالحة، قيمة العمر بالعمل الصالح، لا بالأمد الزمني المحدود.
أيها الأخوة، أعظم عمل صالح الذي يستمر بعد وفاة الإنسان. (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
وأخطر عمل سيئ الذي يستمر بعد وفاة الإنسان، أسس ملهى ومات والملهى مفتوح، فكل ما فيه من موبقات في صحيفته، أسس عملاً صالحاً ومات، كل الأعمال الصالحة التي تستمر من خلال هذا العمل في صحيفته.
فالبطولة أيها الأخوة، أن يكون الإنسان عاقلاً يعرف كيف يتحرك في هذا الوقت المحدود.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : محاسبة المؤمن لنفسة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. المحاسبة :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، وهذا الموضوع هو: "المحاسبة".
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم".
الإنسان يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن في أحد الأيام لابد من أن يقرأ الناس نعوته، فماذا أعددت لهذا اليوم؟ نحن جميعاً ندخل إلى المساجد لنصلي، لكن يقيناً هناك يومٌ ندخل فيه إلى المسجد في نعشٍ ليصلى علينا، فماذا أعددنا لهذا اليوم؟ نحن جميعاً نخرج من بيوتنا واقفين على قدمين بشكل عمودي، لكن في مرة واحدة نخرج من بيوتنا بشكل أفقي في نعش، فماذا أعددنا لهذا اليوم؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/01.jpg
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم.
(( الكَيِّس ))
العاقل، الذكي. (( مَنْ دانَ نفسَه ))
ضبط أموره، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط بيته، ضبط نسائه: (( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
لذلك قيل: من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
رأى النبي تمرةً على السرير، فقال: يا عائشة لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها، تاقت نفسه أن يأكل تمرةً، لكنه خشي من أن تكون من تمر الصدقة.
لذلك قالوا: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط.
المخلط الذي خلط عملاً صالحاً بعملٍ سيئ.
أخواننا الكرام، بعضكم يعمل في التجارة، والتاجر عندما تكون حساباته دقيقة يشعر براحة كبيرة جداً، أما إذا كان هناك أخطاء بحساباته، أخطاء بالمستودع، أخطاء بالذمم، تجده مضطرباً دائماً، لذلك المحاسبة مريحة، وعود نفسك أيها الأخ الكريم أن تحاسب نفسك كل يوم، المؤمن الصادق يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، لا يسامحها، يتهم نفسه دائماً، يقول أحد التابعين: التقيت بأربعين صحابياً، ما منهم واحدٌ إلا وهو يظن نفسه منافقاً من شدة خوفه من الله، سيدنا عمر ـ عملاق الإسلام ـ جاء لسيدنا حذيفة و قال له: بربك اسمي مع المنافقين؟ قال له: معاذ الله يا أمير المؤمنين! من شدة خوفه من الله. التعريف الدقيق للمحاسبة :
أخواننا الكرام، التعريف الدقيق للمحاسبة، أن تميز ما لك وما عليك، أن تعرف ما لك وما عليك، وأن تؤدي الذي عليك، وأن تطالب بالذي لك، لذلك قالوا: أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/02.jpg
هناك حديث أيها الأخوة شهد الله أن الأخ المؤمن إذا استوعبه يمتلئ قلبه أمناً، سيدنا معاذ ابن جبل أردفه النبي وراءه ـ الحديث طويل أقتطع منه فقرةً واحدة ـ قال له: يا معاذ:
(( أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ فقلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال: فتدري ما حقُّهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذِّبَهم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
فأنت حينما تؤدي الذي عليك، من عبادةٍ، من صدقٍ، من أمانةٍ، من إنصافٍ، من ورعٍ، من ضبطٍ لبيتك، لنسائك، لدخلك، لإنفاقك، عندئذٍ أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، من هنا قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 51 ]
لنا، ليس علينا. آلية المحاسبة :
أخواننا الكرام، آلية المحاسبة أن تخلو مع نفسك كل يوم دقائق، لِمَ فعلت هذا؟ لِمَ تركت؟ لمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ ابتسمت؟ لِمَ عنفت؟ لِمَ ضربت؟ لِمَ حاسبت؟ لِمَ آذيت؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
لذلك بطولتك أن تهيئ لربك جواباً، مرة أخ يعمل في عمل حساس جداً، وبإمكانه أن يوقع الأذى بالناس دون أن يُسأل، فمرة قال لي: انصحني؟ قلت له: افعل ما تشاء، وأوقع الأذى بالناس كما تشاء، وزج الناس بالسجن كما تشاء، ولكن لا تنسَ أن تهيئ لربك جواباً عن كل شيءٍ تفعله، بطولة المؤمن أن يهيئ لله جواباً عن كل شيء يفعله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/03.jpg
أيها الأخوة، المؤمن ينصف الناس من نفسه، الآن هناك موضوع دقيق جداً، أحياناً الإنسان يكون بموقع لا يُحَاسب، في البيت الأب يحاسب زوجته، يحاسب أولاده، يحاسب بناته، لكن هو نمطه قمعي، لا يجرؤ أحد أن يحاسبه، الذي يحتاج أن يحاسب نفسه مليون مرة هو الذي لا يحاسب، وزير عنده عدد من الموظفين، لا أحد يجرؤ أن يحاسبه، مدير دائرة، رئيس مستشفى، رئيس جامعة، هناك وظائف أساسها أن صاحب هذه الوظيفة يُحَاسِب، لكنه لا يُحَاسَب فالإنسان إذا كان في موقع لا يُحَاسَب يحتاج إلى هذا الدرس ألف مرة زيادة عن غيره، الإنسان عندما يعرف الله عز وجل يحاسب نفسه حساباً دقيقاً جداً، لذلك يعتذر، يقدم هدية، ترميماً لخطأ ارتكبه، يقول صراحةً: إذا أخطأت حاسبوني.
سيدنا الصديق الإنسان الأول بعد رسول الله، قال: "إني وليت عليكم، ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".
أنا أتمنى على كل إنسان يكون بموقع حساس، بموقع قيادي، يبلغ من حوله صراحةً، إذا ارتكبت خطأ فنبهني.
سيدنا عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ اختار أحد كبار الشخصيات، اسمه حازم، قال له: كن معي، فإذا رأيتني أخطأت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر.
من كان في موقعٍ لا يُحَاسَب فيه فليُحَاسِب نفسه حساباً عسيراً :
أنا أتمنى أن كل إنسان يكون بموقع قيادي يبلغ من حوله أن حاسبوني، لأنه في الأعم الأغلب لا يحاسب، وإذا كان لا يحاسب، هناك منافقون يمدحونه على خطئه، المنافق يمدح القوي إن أصاب وإن أخطأ، فأكبر إنسان يغش القوي من حوله، يمدحه، ويمدحه، ويصدق، لذلك عود الناس من حولك أن يحاسبوك.
الآن إن وجّه لك إنسان ملاحظة فاقبلها بصدر رحب، واشكره عليها، إن فعلت ذلك شجعت من حولك أن يقدموا لك النصح، والذي يقدم النصح إنسان له أجر كبير، والذي يقبل النصح لا يقل أجره عن أجر من أسدى النصح ، لذلك الذي هو في موقعٍ لا يُحَاسَب، ينبغي أن يُحَاسِب نفسه حساباً عسيراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/04.jpg
مرة أخ قال لي: أنا عصبي المزاج، وتكلمت زوجتي كلمة أزعجتني كثيراً، ويبدو أن الحكمة لا يقابلها إلا بالقسوة، فصبّ غضبه على ابنه الصغير، ضربه ضرباً مبرحاً، بعدما انتبه ماذا فعل الصغير؟ ما ذنب الصغير؟ قال لي: والله دخلت إلى غرفتي أبكي، ثم ما كان مني إلا أن أخذت ابني الصغير، وقلت له: يا أبتي سامحني، أنا أخطأت بحقك، كلمة سامحني تحل مليون مشكلة، عود نفسك ولو كنت أباً أخطأت مع زوجتك قل لها: سامحيني أنا أخطأت، إذا كان في البيت اعتراف بالخطأ فهذا شيء عظيم جداً، أساساً أي مجتمع الإنسان في هذا المجتمع يعترف بخطئه تحل آلاف المشكلات، قل بصوتٍ جهوري: أنا أخطأت.
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
أما يخطئ ويستعلي، ولا يقبل أن يعترف بذلك، فهذا النوع من الأشخاص لا يحتمل يخطئ ويصر على خطئه.
وقف إنسان ضعيف أمام جبار من جبابرة الأرض ـ أمام الحجاج ـ قال له: " أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي "
المؤمن يشعر دائماً أن يد الله فوقه، فهذا الشعور يعطيه أدب مع من حوله. أغبى الأغبياء من لا يدخل الله في حساباته :
لذلك أنا أرى أنه كلما كنت ذكياً، وكلما كنت عاقلاً، وكلما كنت موفقاً، تحاسب نفسك حساباً عسيراً، وعلامة المؤمن أنه يرى ذنبه كالجبل جاثماً على صدره، وعلامة المنافق أنه يرى ذنبه كالذبابة، كلما كبر الذنب عندك أيها المؤمن صغر عند الله، وكلما صغر عندك كبر عند الله، هناك علاقة عكسية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/05.jpg
لذلك أقول لكم هذه الكلمات طبعاً من زاوية الذكاء والغباء: أنا لا أرى أغبى من إنسان لا يدخل الله في حساباته، أي هذا الذي هدم آلاف البيوت في غزة، وكان من جبابرة الأرض، والذي كان يتلذذ بالقتل، هذه السنة الرابعة أعتقد أو الخامسة ولم يمت بعد، ونقول: أمدّ الله في عمره، السنة الرابعة لم يمت، شاهدت له صورةً قبل أيام مخيفة، الذي لا يدخل الله في حساباته أغبى إنسان على وجه الأرض، دائماً المؤمن يهيئ لله جواباً عن كل عمل، لو أن الله سألني ماذا أقول؟.
أنت لاحظ كمثل: لو ذهبت إلى بلد مجاور، وفي الحدود وجدت محاسبة غير معقولة على كل بضاعة يأتي به العائد إلى بلده، محاسبة غير معقولة، أحياناً تأتي موجات تشديد كبيرة جداً، فأنت عندما تكون في البلد الثاني كلما شاهدت حاجة، لا تدخل معي، بشكل آلي كلما أعجبتك حاجة بسعر رخيص، تقول: صعب أن تدخل، بحسب ما شاهدت بالذهاب.
فالمؤمن له مثل هذه الحالة، كلما أراد أن يفعل شيئاً، ماذا أقول لله عز وجل عنه؟ لذلك من هو البطل؟ الذي يحاسب نفسه دائماً، يحاسب نفسه لِمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ عنفت؟.
الإنسان مهما فعل فهو في قبضة الله فليتخذ حذره :
أيها الأخوة، قال تعالى دقق في هذه الآية:
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
[ سورة الأعراف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/06.jpg
كلمة متين في العلوم، هي مقاومة قوى الشد، أمتن عنصر في حياتنا الفولاذ المضفور، التلفريك، المصاعد، الجسور، تُعلق بالفولاذ المضفور، فأمتن عنصر في الأرض هو الفولاذ المضفور، المتانة هي مقاومة قوى الشد، أما القساوة فمقاومة قوى الضغط، أمتن عنصر في الأرض يقاوم قوى الضغط الألماس، وميناء الأسنان تأتي بعد الألماس، أي مكعب الإسمنت، سنتيمتر مكعب إسمنتي يتحمل خمسمئة وخمسين كيلو ضغط، لكن لا يتحمل خمسة كيلو شد، فلابد من إسمنت مسلح، الإسمنت يتحمل السنتيمتر مكعب منه خمسمئة وخمسين كيلو ضغط، تجد بناية مؤلفة من عشرين طابقاً، الأعمدة هكذا حجمها، الإسمنت هكذا خصائصه، لكن لا يتحمل على قوى الشد خمسة كيلو، إذاً لابد من تسليح الإسمنت.
الآن هل فهمنا سرّ هذه الآية؟ ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي هذا الإنسان مربوط بحبل، مهما فعل في قبضة الله، بلمحة خثرة في الدماغ، بلمحة سكتة، فهناك أمراض تأتي فجأةً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته: (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
لذلك لا ينجو الذكي بذكائه عند الله، ولكن ينجو مع الله المستقيم، ذكاؤك لا ينجيك لكن الذي ينجيك من الله استقامتك، هناك تعبير مألوف: مع الله لا يوجد ذكي، لأن الله عز وجل يصل للإنسان من مأمنه، من مكان أمنه، والله عز وجل عنده بكل بلد أدوية، مثلاً هناك بلاد يتمتع الإنسان فيها بحرية فائقة، فهناك أدوية من نوع ثان، وهناك بلاد فيها أدوية من نوع آخر، لكن أينما كنت على وجه الأرض الله عنده أدوية مُرة يؤدب بها عباده.
لذلك ورد أنه:" إذا أحبّ الله إنفاذ أمرٍ، أخذ من كل ذي لبٍّ لبه"، مثلاً يكون الإنسان ذكياً جداً، عبقرياً، إن أراد الله أن يؤدبه سحب منه عقله، ولبه، وذكاءه، ويرتكب حماقة ما بعدها حماقة، وتكون هذه الحماقة سبب دماره، أي مع الله لا يوجد ذكي. خالق السماوات والأرض لا يقبل أحداً إلا إذا كان كاملاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/07.jpg
هناك نقطة دقيقة جداً: أن القوي أحياناً يحتاج إلى أتباع، لذلك أي إنسان يعلن له الولاء يقبله، هذا شأن الأغنياء، لكن خالق السماوات والأرض لا يقبل أحداً إلا إذا كان كاملاً، لذلك إن صحّ أن نقول: إنه يقع على رأس الهرم البشري الأنبياء والأقوياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، والناس جميعاً تبعٌ لقويٍ أو نبي، لذلك أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء، وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الناس، فإذا كنت تابعاً لله فلن يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً، أما أي قوي أعلنْ له ولاءك يقبلك، على كل ما في الإنسان من أخطاء.
مشكلة الدين مشكلة خطيرة جداً لأنه متصل ببيت الإنسان و عمله :
أيها الأخوة، الآن سوف أضرب لكم بعض الأمثلة: إذا كان هناك مادة مسرطنة، إن وضعت في هذه البضاعة ترتفع قيمتها، وأنت لم تعبأ بصحة الناس، وضعت هذه المادة وتأذى الناس من جراء هذه المادة، أنا بحسب دعوتي إلى الله أرى أن هذا الإنسان ألغى كل عباداته، من أين جئت بهذا الكلام؟ هناك حديث صحيح، يعزى إلى السيدة عائشة تقول:
(( أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهادَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ))
[ أخرجه زيادات رزين عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/08.jpg
يمكن صلاتك بعمر مديد، وصيامك، وحجك، يلغى كله، عندما تضحي بصحة المسلمين من أجل أن تربح ألوف مؤلفة من مادة غذائية بمادة مسرطنة، تجعل لونها فاتحاً جداً، فأنت بهذا ضحيت بصحة المسلمين، ألغيت كل عباداتك، أحياناً دواء انتهت صلاحيته، و ثمنه مرتفع، يأتي طفل صغير يطلب هذا الدواء، فتحك التاريخ و تقدمه لهذا الطفل، أنا أرى أنك إن فعلت هذا ألغيت كل عباداتك، قضية الدين قضية استقامة، أحياناً مادة مسرطنة، مثلاً يكون هناك أداة طبية احتمال نكستها عشرون بالمئة، لكن معها عمولة عشرة آلاف ليرة، وهناك مادة أخرى نكستها ثلاثة بالمئة، لكن ليس لها عمولة، فيأتي طبيب لو أنه أختار المادة الأولى، أنا أرى أيضاً أنه ألغى كل عباداته.
الدين خطير جداً، الدين ليس في المسجد، الدين في عيادتك، في مكتب المحامي، عندما يقول المحامي للموكل: الدعوى رابحة قطعاً، وهو يعلم علم اليقين أنها لن تربح لكن يمكن أن يسحب منه خمسمئة ألف مثلاً، أنهى عبادته كلها، المشكلة هنا، المشكلة الدين ليس في المسجد، أنت في المسجد تتلقى التعليمات، وتقبض الثمن، أما دينك في بيتك، في عيادتك، في الحقل، الآن هناك مواد مسرطنة، هرمونات، تُرش بها المزروعات، تصبح الثمرة كبيرة جداً، وترضي، وقاسية، وغالية جداً، لكن الهرمونات محرمة دولياً، وأي صيدلية زراعية فيها هذا الدواء تُغلق فوراً، فتأتي هذه المواد مهربة، فمشكلة الدين مشكلة خطيرة جداً، الدين متصل ببيتك، بعملك، بمعملك بمكتبك، بدكانك، وعندما يضحي الإنسان بصحة المسلمين، يضحي بسلامتهم، خسر كل عباداته. عبادة الإنسان تُقبل إن كان مستقيماً وإلا فهذه العبادات لا تقدم ولا تؤخر :
مثلاً يمكن أن يكون هناك مواد أولية انتهت صلاحيتها، هذه لا تباع، لكن هناك طريقة واحدة تباع بها، للمعامل، المعامل تجعلها بضاعة، والأمر اختفى، وهذا المعمل إذا اشترى مادة أولية انتهت صلاحيتها، وبحسم يزيد عن ثلاثين بالمئة من ثمنها، يكون رأسماله قليل ويربح أرباحاً طائلة، هل يعلم أنه خسر كل عباداته؟ هذا طفل مسلم، والده أعطاه عشر ليرات، اشترى حاجة تضره ولا تنفعه، هو ربح أرباحاً طائلة، هذا واقع المسلمين http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3488/09.jpg
هناك غش كبير، واحتيال، و مواد مؤذية، بالأفران يوجد مادة يحتاجها الفران، سعر الكيلو خمسون ألفاً، تكفيه سنة، لكن هناك كيلو يعطي التأثير نفسه، لكنه مسرطن، سعر الكيلو خمسة آلاف تقريباً، لو استخدم المادة المسرطنة يكون قد خسر عباداته، أنا هذا الذي أراه، عبادة الإنسان تقبل إن كان مستقيماً، وإلا فهذه العبادات لا تقدم ولا تؤخر.
الآن أيها الأخوة، حتى أنت حينما تؤذي إنساناً إيذاء شديداً، وتحمله على أن يكفر فأنت تحاسب عن كفره، موظف ثلاثة أشهر لم يقبض راتبه، وسأل، فقال له: هذا الحاضر إن لم يعجبك فاترك، ذهبت زوجته لتعمل، لم يقبلها أحد إلا بخلع الحجاب، فقال له: أنا كفرت، من حمله على الكفر؟ صاحب المعمل، وبعد أيام أقام عقد قران بفندق، كلفه قريب المليون، لا تعطي الموظف راتبه وتجعله يكفر، وزوجته لا تقبل بعمل إلا بخلع الحجاب، وأنت تنفق الملايين.
لذلك الله كبير، أنا أحياناً أقول: الله عنده سرطان، عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده أمراض تدع الحليم حيراناً، كل إنسان ما أدخل الله في حساباته يكون أحمقاً.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العلاقة الترابطية بين المحاسبة و التوبة :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ دقيق، يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ، ألا وهو "موضوع المحاسبة"، والمحاسبة مرتبطة بالتوبة، فالتوبة تحمل على المحاسبة، والمحاسبة تحمل على التوبة، بينهما علاقةٌ ترابطية، بل إن المحاسبة من نتائج التوبة، وقد تكون التوبة نتيجة للمحاسبة.
لذلك الكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم".
(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/01.jpg
لعلي ذكرت لكم أن أحد علماء دمشق، كان يأخذ أخوانه في أيام العيد، في اليوم الأول يأخذهم إلى المقابر، ليعرفوا نعمة الحياة، أنت حي، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تؤدي الحقوق، بإمكانك أن تعتذر، بإمكانك أن تقدم ما يعوض تقصيرك، بإمكانك أن ترأب الصدع، بإمكانك أن تلم الشمل، بإمكانك أن تتقدم، ما دام القلب ينبض فكل شيء جائز، وكل شيء ممكن، أما إذا توقف القلب، خُتم العمل، بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ (( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسياً، أو غِنى مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً، أو هَرَماً مُفنِداً، أو موتاً مُجْهِزاً، والدجالَ ؟))
الذي يأتي إلينا من أجل الحرية والديمقراطية: (( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
فهذا العالم الجليل يأخذ أخوانه في اليوم الأول من أيام العيد إلى المقابر، ليعرفوا قيمة الحياة، أنت حيٌ ترزق، وما دمت حياً ترزق، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تصلح الخطأ، بإمكانك أن تعتذر، أن تؤدي ما عليك، وفي اليوم التالي يأخذهم إلى المستشفيات ليُعرّف أخوانه نعمة الصحة، هذا معه احتشاء في القلب، هذا معه تشمع كبد، هذا فشل كلوي، شلل، ورم، أنت صحيح معافى، تتحرك، تمشي، الأجهزة سليمة، الحواس سليمة، لا أحد يخدمك، تؤدي حاجاتك بنفسك، نعمة الصحة لا تعدلها نعمة، وفي اليوم الثالث إلى السجون، ليعرف الأخوان الكرام نعمة الحرية، أنت حر، لا يوجد مذكرة بحث بحقك، تتحرك بطمأنينة، تسافر، تقيم، فنعمة الحياة، ونعمة الصحة، ونعمة الحرية، هذه نعمٌ ثلاثة لا يعرفها إلا من فقدها. المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل :
أيها الأخوة، أحد أخواننا الكرام عنده معمل ـ والقصة قديمة ـ يقول لي: هناك نقص بالبضاعة دائماً، وأحياناً نقص في المال، فجهد بكل إمكانياته أن يكتشف السارق، ولم يتمكن، فقال لي: بعد حين توقفت هذه السرقة، بعد عشر سنوات، يأتيه شابٌ وسيم، يبدو أن هذا الشاب حاسب نفسه حساباً عسيراً، قال له: أنا كنت عندك موظفاً، وكنت آخذ من مالك، ومن بضاعتك، وجئتك كي تسامحني، وأؤدي الذي عليًّ، قال لي: تأثرت تأثراً بالغاً، قلت له: نظير هذه التوبة، وهذه الزيارة، كي تؤدي ما عليك، أنا أسامحك من أعماق نفسي بكل ما أخذت، وإن كنت بلا عمل لك عندي عمل في أعلى مستوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/02.jpg
أنا مرة قلت: هذا البدوي الذي عنده أرض بشمال جدة، عندما توسعت جدة كثيراً اقتربت من أرضه، فارتفع سعرها، فنزل وباعها إلى مكتبٍ عقاريٍ خبيثٍ جداً، واشتراها بربع ثمنها، وأنشأ عليها بناءً كبيراً، يزيد عن اثني عشر طابقاً، هم شركاء ثلاث، أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر، حتى عثر عليه، فأعطاه ثلاثة أضعاف حصته، فقال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك، فما دام القلب ينبض بإمكاننا أن نستدرك الخطأ السابق.
أيها الأخوة، عود نفسك أن تعتذر، عود نفسك أن تطلب المسامحة، عود نفسك أن تقدم هدية لرأب الصدع، عود نفسك إذا أسأت أن تحسن، عود نفسك قبل أن تنام في هذا اليوم ماذا فعلت؟ أي حاسب نفسك، المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل.
مرة ثانية: من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً، كان حسابه يوم القيامة يسيراً، وذكرت البارحة أن الذي يحتاج إلى المحاسبة أكثر من غيره، الذي موقعه بحيث لا يُسأل، أب، مدير عام، وزير، الذي من شأنه ألا يسأل، أن يُحَاسِب ولا يُحَاسَب، هذا الإنسان يحتاج إلى هذا الدرس عشرة أضعاف ما يحتاجه الإنسان العادي.
مثلاً هذا الموظف لا يسرق لماذا؟ قد يكون المدير العام قوياً جداً، وله عيون دقيقة جداً، وحسابه دقيق جداً، هو لا يسرق خوفاً من المسؤولية، وهناك إنسان لا يسرق خوفاً من الله، لكن ما دام هناك مكان عمل، فيه محاسبة شديدة، فهذا الذي يحاسب مسؤوليته أقل ممن لا يحاسب.
القوي أو الغني هو من أشد الناس حاجة إلى أن يحاسِب نفسه وإلى أن يصبر :
يقولون: الشيء بالشيء يذكر، الآن من هو الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة؟ هل هو الفقير؟ لا، الضعيف؟ لا، الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة هو القوي والغني http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/03.jpg
لأن الخيارات أمام الفقير محدودة جداً، دخله محدود، هذا بيته، وهذا عمله، ومن بيته إلى عمله، ومن عمله إلى بيته، خيارات الخطأ ضعيفة جداً أمامه، أما إنسان قوي وغني، له أن يأكل، ويشرب، من أي مصدر، وقد يكون من مالٍ حرام، سافر، له أن يرتاد الملاهي والنوادي الليلية، من هذا الذي يحتاج إلى شدة محاسبة وإلى يقظة وصبر؟ هو القوي والغني لأن الخيارات أمامه واسعة جداً، فكلما كثرت الخيارات اشتدت المحاسبة، واشتد الصبر.
فأنا أقول: القوي، أو الغني، هو من أشد الناس حاجةً إلى أن يحاسب نفسه، وإلى أن يصبر.
لكن بالمناسبة:
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
المؤمن قيده الإيمان، المؤمن لا يستطيع أن يفعل ما يفعله الآخرون، الفرنجة عندما فتحوا القدس، ذبحوا سبعين ألفاً في يومين، وعندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، هل استطاع أن يريق قطرة دمٍ؟ لا يقدر. (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :
أيها الأخوة، هناك ملاحظة دقيقة جداً، حينما أكدت لكم أن التوبة سبب المحاسبة، أو أن المحاسبة سبب التوبة، لكن ما التوبة؟ التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل.
مثلاً إنسان معه ضغط مرتفع، متى يعالج نفسه؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع، هذا الضغط ليس له أعراض في الأعمّ الأغلب، وهو القاتل الصامت، فأنت لا تعالج نفسك من ضغطٍ مرتفع إلا إذا علمت أن معك ضغطاً مرتفعاً.
إذاً لابد من أن تعلم، أنت حينما تطلب العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، تقيّم نفسك عندئذٍ، فسبب تقييم الذات العلم، فلا توبة قبل العلم، اطلب العلم حتى تقيّم، قد يكون الدخل حراماً، هذه العلاقة آثمة، هذا اللقاء لا يجوز، هذه الزوجة فسقت بهذه الطريقة في ثيابها، فلابد من أن تطلب العلم حتى تقيّم نفسك، إذاً التوبة أحد أكبر أركانها العلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/04.jpg
وبالمناسبة: طبيعة الإنسان حينما يعلم فلابدّ من أن ينفعل، مثلاً، لو إنسان قال لآخر: على كتفك عقربُ شائلة، وبقي هادئاً، مبتسماً، متوازناً، ثم التفت نحوه وقال له: جزاك الله خيراً على هذه الملاحظة، هل تعتقدون أنه فهم ما قال له؟ لو فهم ما قال له لقفز وخلع معطفه، وصاح بأعلى صوته، لكن ما دمت لا تعلم فأنت لن تنفعل، أما حينما تعلم تنفعل، فمن لوازم الإدراك الصحيح الانفعال، ومن لوازم الانفعال السلوك، هذا قانون، إدراكٌ، انفعالٌ، سلوك، إنسان رأى أفعى، إذا أدرك أنها أفعى ينفعل، فإذا انفعل إما أن يهرب منها، أو أن يقتلها، هذا القانون دقيق جداً، وحاسب نفسك في ضوئه، اسمع الدرس، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
[ سورة التحريم الآية: 4 ]
علامة إصغائكم إلى الحق السلوك، ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ ﴾
من الإصغاء ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾
أيها الأخوة، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، الحال الندم، النبي قال: (( الندم توبة ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
والعلم أن تعرف الحلال والحرام، قال لك إنسان: أنا لا أريد أن أُتعب نفسي بالمحاسبة، وضع معي إنسان مليون ليرة، سأعطيه بالشهر مبلغاً ثابتاً، لأن هذا أفضل لي ، لكن أنت لا تعلم أن هذا أصبح ربا، ما لم تعطِ الربح الحقيقي بحساب دقيق فهذا ربا، أي هناك أخطاء كبيرة جداً يرتكبها المسلمون بجهلهم، ما لم تتحرَ الحقيقة فقد تقع في أخطاءٍ كبيرة.
لذلك يقول سيدنا عمر: من دخل السوق من غير فقهٍ، أكل الربا شاء أم أبى".
يقول له أحدهم: أنا محتاج إلى مليون، وثمن بيته مليونا ليرة، هل تقرضني مليون وأدفع لك نصف أجرة البيت أجار؟ شيء رائع جداً، لو أنه ضمن المليون، المليون التي أقرضتها لصاحب البيت يضمنها لك صاحب البيت كقرض، فالأجرة ربا، أما إذا البيت بعد سنتين رخص ثمنه أو ارتفع وقلت له: أريد أن أحاسبك، البيت عُرض للبيع كم يساوي؟ تدفع نصف ثمن البيت، قد تدفع مليون ونصف، أو نصف مليون، فما دام المبلغ غير مضمون فالأجرة حلال، أخطاء كثيرة جداً هي كلمة تكون في الحرام فإذا أنت في الحلال. من ينوي الحلال ييسره الله له :
أخواننا الكرام، من أندر القصص، فلاح فقير، معدوم، أمضى حياته كلها بالفقر، والجهد، والتعب، صدر قانون بتوزيع بعض الأراضي، فأعطوه عشرين دونماً، من شدة فرحه اختل توازنه، كل حياته يعمل بأجر قليل لا يكفيه، صار عنده عشرون دونماً، له شيخ في الشام، ذهب لعنده ليبشره بهذه الأرض التي أعطي إياها، فقال له هذا الشيخ: هذه حرام يا بني، هذا مال مغتصب، لا يجوز أن تأخذه، كأنه جمرة أطفأتها بالماء، همد، كل فرحه انتهى، كل استبشاره انتهى، كل تألقه انتهى، قال له: حرام يا بني، لكن عندما رآه بهذا الحزن، وهذا الإحباط، قال له: اذهب إلى صاحب الأرض لعله يبيعك إياها تقسيطاً، أعطه أساور زوجتك واطلب منه أن يبيعك إياها تقسيطاً، فذهب إليه ـ القصة واقعية في الشام ـ وقال له: يا سيدي أعطوني عشرين دونماً من أراضيك، ولي شيخ قال لي: هذه حرام أن آخذها، هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ فكر، فكر، فكر، ثم قال له: أنا يا بني ذهب لي أربعمئة دونم، و لم يأت لعندي أي واحد من هؤلاء الذين أعطوا أرضي، هذه هدية لك، تملكها وهي مني هبةٌ لك، وازرعها، وانتفع بها، حاسب نفسه، سأل شيخه، فجاء الفرج.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/05.jpg
والله يا أخوان قضايا تكون عسيرة جداً، عندما ينوي صاحبها الحلال تيسر، قال له: هذه الأرض لك، هبةٌ مني لك، تملكها، وانتفع بها، وهنيئاً لك.
أيها الأخوة، أعتقد أن أقوى آية تتعلق بموضوعنا:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحشر ]
لو أن إنساناً عنده أراض كثيرة جداً، وجاء من يهمس في أذنه: لو أنك تبرعت بخمسة دونمات لمسجد، فالبلدية تضطر أن تنظم الأرض، وأن تجعلها محاضر، وبهذه الطريقة يرتفع السعر إلى أضعاف مضاعفة، هو لا يصلي أصلاً، فتبرع بخمسة دنومات بنية أن تُنظّم الأرض، وأن تُقسّم إلى محاضر، ويرتفع سعرها، أما الناس جميعاً ما شاء الله! محسن كبير، قدم أرضاً من ماله الشخصي.
لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/06.jpg
من صرعات العصر أن الإنسان أحياناً يحسن لينجح في الانتخابات، لذلك هذا هو إحباط العمل، كان له قيمة كبيرة، فانتهت قيمته.
والله أعرف شخصاً توفي في الثمانين، أنشأ كازينو بالثمانين،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾
تجده بالسبعين للساعة الثانية يلعب بالنرد، إلى متى؟. أما تستحي منا؟ ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جاء وعدنــــا
* * *
إلـى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــمقال شنيعُ
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن المــحب لمن يحب يطيعُ
* * *
أي المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله، حاسب نفسك قبل أن تُحاسب. حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة وحقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة :
أيها الأخوة، عندنا وهم لابد من توضيحه، الإنسان يحج بيت الله الحرام، وقد سمع من سيد الأنام أنه:
(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/07.jpg
يتوهم أن كل ما عليه من حقوق غُفرت له، أبداً، الذي يغفر لك في الحج، والذي يغفر لك في الصيام، ما كان بينك وبين الله فقط، أما ما كان بينك وبين العباد فهذا لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، لذلك قال تعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾
[ سورة نوح الآية: 4 ]
من للتبعيض، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم التي كانت بينكم وبينه، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وهناك ذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله.
إنسان ركب القطار باتجاه حلب، حتى يقبض مبلغاً كبيراً جداً، له عند إنسان دَيْن، قطع بطاقة في الدرجة الأولى، وركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، فلابأس، ركب مع شباب ليسوا منضبطين، انزعج كثيراً، هذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة طعام وهو لا يعلم ذلك، هذا خطأ ثالث، لكن القطار في طريقه إلى حلب، جلس بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار، وهذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، أما الخطأ الذي لا يغتفر أن يركب قطار درعا، وهناك لا يوجد خمسة ملايين.
فأنت حينما تتجه إلى غير الله، لا يوجد شيء، هذا هو الذنب الذي لا يغفر، أما إذا اتجهت إلى الله تغفر ذنوبك، وتستر عيوبك، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، لأن حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة.
إذاً كلمة أنه رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، من ذنوبه التي بينه وبين الله، لذلك دققوا: (( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
لا يغفر. بطولة الإنسان أن يحاسب نفسه حساباً عسيراً و ألا يغتر بها :
أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة أن الإنسان أحياناً يغتر. ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
[ سورة الانفطار ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/08.jpg
يقول: الله يتوب عليَّ، هذا غرور، البطولة أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً لا تغتر أن الله عز وجل حينما تأكل حقوق العباد يعفو عنك بلا ثمن، أبداً، هذا فهمٌ ساذج، ولا تسمح للدنيا أن تغرك، أن تراها بحجم أكبر من حجمها.
لي صديق توفي ـ رحمه الله ـ كان شاباً يعمل في سوق الحميدية، عنده رغبة أن يجمع قمامة المحل بعلبة، ثم يلفها بورق فخم جداً، مع شريطة حمراء، مع وردة، ويضعها على طرف الرصيف، يأتي إنسان يظن فيها مُطيف ألماس فيحملها ويسرع، يلحقه، يمشي مئتي متر ويفك الشريط، يتابعه، مئتا متر ثانية يفك الربطة، مئتا متر ثالثة يفك الورق، يفتح حتى يشاهد المطيف الألماس فيجد قمامة المحل، هكذا يغتر الإنسان بالدنيا. ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة فاطر الآية: 5 ]
الدنيا تغر، وتضر، وتمر. أدوات المحاسبة :
1 ـ طلب العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/09.jpg
أيها الأخوة، هناك شيء آخر: أحد أسباب المحاسبة أن تدقق في وضعك، هناك إنسان أحياناً لا يعرف وضعه، لذلك الأداة الأولى للمحاسبة العلم، اطلب العلم حتى تحاسب نفسك، الأداة الأولى من أجل أن تعرف مكانك، أخطاءك، الدخل، الإنفاق، العلاقات، السفر، أقمت حفلة مختلطة، يجب أن تطلب العلم كأداة أولى للمحاسبة.



2 ـ سوء الظن بالنفس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/10.jpg
والشيء الثاني، الأداة الثانية للمحاسبة: سوء الظن بالنفس، معظم الناس يحسن الظن بنفسه، يقول: الله يحبني، هل معك دليل؟ أنا إيماني بقلبي، أنا لا أؤذي أحداً، و أنت مرتكب أخطاء لا يعلمها إلا الله، حسن الظن بالنفس سذاجة وغباء، أنا أنصح الإنسان يبالغ بسوء الظن بنفسه، ويبالغ بحسن الظن بالآخرين، هناك مرض معاكس، كل أخطائه مبررة عند نفسه، وإذا إنسان أخطأ خطأ بسيطاً يقيم عليه الدنيا ولا يقعدها، لا، بالغ بإساءة الظن بنفسك، وأحسن الظن بالآخرين.

3 ـ أن تميز بين النعمة وبين الفتنة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3541/11.jpg
الأداة الثالثة للمحاسبة: أن تميز بين النعمة وبين الفتنة، إذا كان الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذه ليست نعمة هذه فتنة، قال تعالى: ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
[ سورة الدخان ]
النِعمة مع الطاعة، أما النَعمة مع المعصية، النَعمة فتنة، فلا تظن ما أنت فيه من خير، من دخل وفير، من صحة طيبة، أنها نِعمة وأنت غارق في المعاصي، هذه ليست نِعمة لكنها نقمة، هذه ليست نعمة ولكنها نَعمة، هذه ليست نِعمة ولكنها فتنة، فينبغي أولاً: أن تطلب العلم، وثانياً: أن تسيء الظن بنفسك، وأن تحسن الظن بالآخرين، وثالثاً: أن تفرق بشكلٍ دقيق بين النعمة وبين الفتنة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : الهمة وتأثيرها على أداء واجبات المسلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الهمة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع اسمه: "الهمة".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/01.jpg
هناك حالات كثيرة جداً الحق فيها واضح، والإنسان قانع جداً بهذا الحق، لكن لا يملك همة تحمله على سلوك هذا الطريق، لقاء اليوم حول هذه الهمة، لأن علو الهمة من الإيمان، إن علت همتك قويت إرادتك.
هناك حالات كثيرة يقول لي أخٌ كريم: لا أجد عزيمةً على تطبيق ما أنا قانعٌ به، فأقول له: إن كنت لا تملك إرادةً قويةً، وبالتالي لا تملك همةً عاليةً، فليس هناك أي حل لك، ما لم يملك أحدنا همةً عالية، ينتج عن هذه الهمة إرادة صلبة لتحقيق ما هو قانعٌ به، فالأمر ليس يسيراً.
حتى في شأن الطعام والشراب، حتى في شأن الحياة اليومية، حتى في شأن الدراسة، كل شيء يتفوق يحتاج إلى جهد كبير، الدنيا بنيت على الكدح.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الانشقاق ]
من أجل أن تركب مركبة، أن تنال شهادة، أن يضاف إلى اسمك حرف دال تدرس ثلاثاً وثلاثين سنة، فهذه الدنيا هكذا، فالذي لا يملك همة عالية يكون في مؤخرة الركب. المسافة الشاسعة بين المتفوقين من بني البشر وبين المجرمين :
النقطة الأولى في هذا اللقاء الطيب صحن من البيض، كم هو التفاوت بين حبات البيض؟ بالغرامات فقط، الآن مجموعة من البشر، كم هو التفاوت بينها؟ يا لطيف! إنسان يخلف ثلاثاً وخمسين مليون قتيل بالحرب العالمية الثانية، وإنسان ينشر الهدى في الآفاق http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/02.jpg
أي المسافة يصعب تصورها، بين إنسان مؤمن أو إنسان نبي، وبين إنسان طاغية، المسافة بين الأنبياء والطغاة كما بين السماء والأرض، إنسان كتلة من الخير، كتلة من التواضع، كتلة من العطاء، وإنسان كتلة من الشر، كتلة من الجريمة، هذا الذي يجري في العالم شيء يصعب تصوره، الإنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على قتلهم، يبني أمنه على خوفهم، يبني غناه على فقرهم، يبني عزه على ذلهم، فالمسافة بين المتفوقين من بني البشر وبين المجرمين يكاد العقل لا يتصورها.
للتقريب: أنت جائع جداً، وهناك لحم مشوي بأعلى درجة من الجودة، مع مقبلات كاملة؛ هذه حالة، ويوجد أيضاً قطعة لحم متفسخة، المسافة بينهما كما بين السماء والأرض، قطعة اللحم المتفسخة لها رائحة تكاد تخرج من جلدك منها، أحياناً يموت حيوان بالفلاة، لخمسين متراً لا تستطيع أن تواجه هذه الرائحة، هذه لحم، وهذه قطعة لحم شهية، والبشر هكذا.
لذلك يقول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ: "رُكب الملك من عقلٍ بلا شهوة، و رُكب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، و رُكب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان".
كلما ارتقى الإنسان رأى رؤيةً إنسانية :
نحن في دمشق، قف في شرفة بيتك لا ترى إلا أمتاراً معدودة، لو صعدت إلى هذا الجبل ترى دمشق بأكملها.
مرة هناك رحلة قريبة، الطيار كان طالباً عندي، فدعاني إلى غرفته، قبل أن ندخل القطر صدقوا أني رأيت من طرطوس إلى صيدا بنظرة واحدة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/03.jpg
فالإنسان كلما ارتفع مكانه اتسعت رؤيته، هذا مثل مادي، يقاس عليه مثل آخر: كلما ارتقى الإنسان يرى رؤيةً إنسانية، لذلك الأنبياء الكرام كانوا يبكون كثيراً على الكفار ومصيرهم، قال: (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
الإنسان أحياناً يحمل همّ أسرته، أب صالح، عنده أولاد، بعض أولاده لم يجد عملاً، عنده بنت تقدمت في السن، لم يأتِ أحدٌ ليخطبها، يتألم، هذا الإنسان حامل همّ أسرته، وهناك إنسان يحمل همّ العائلة الكبيرة، هو عميد العائلة، له أخوة، له أخوات، له أخوات عوانس، فهو متألم، هذا إنسان أرقى، لأنه حمل هماً أكبر، يأتي إنسان يحمل همّ الأسرة الواسعة جداً، همّ أمته، لكن هناك اتجاهات وطنية، يقدم لشعبه رفاهاً يفوق حدّ الخيال، ويكون سفاك دماء بحق بقية الشعوب، هذا اتجاه مرفوض، الإسلام إنساني، المسلم منهجه هذا الحديث: (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
العنصرية و الإنسانية :
علماء الأصول يقولون: المطلق على إطلاقه، أوسع مفهوم للأخوة المفهوم الإنساني، فأنت لن تؤمن حتى تحب لأي إنسان كائناً من كان، من أي جنس، من أي لون، من هنا أقول لك كلاماً دقيقاً: هذا العالم إما أن يسوده الشعور الإنساني، أو العنصري، ما معنى كلمة عنصري؟ أي إنسان يتوهم مخطئاً أن له ما ليس لغيره، أو أن يتوهم أن على غيره ما ليس عليه فهو عنصري.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/04.jpg
مثلاً دول إن قالت: لا ألغي القرار، فهذا حق الفيتو، حق الفيتو عنصري، دول تملك مئتي رأس نووي ولا أحد يعترض، أما إذا أرادت دولة إسلامية تطوير مفاعل نووي لأغراض سلمية تقوم الدنيا لا تقعد، عنصري.
فتاة ترتدي ثياب السحاقيات، يطردها المدير، يقيم والدها دعوى على المدير، لأنه اعتدى على حريتها، يحكم لها القاضي بمبلغ فلكي، وفتاة بفرنسا وضعت خرقةً على رأسها تقوم الدنيا ولا تقعد، وضعت خرقةً، لأنها تنتمي لدين يدين به ربع سكان الأرض تقوم الدنيا ولا تقعد، عنصري.
لو أردت أن أعدد لكم التناقضات في العالم؛ كيل بمئة مكيال، مثلاً رئيس دولة عربية إسلامية صدر قرار باعتقاله، والذي قتل بغزة الأطفال والنساء بأرقى الأسلحة، والذي عمل مئات المذابح، الذي لم يمت بعد ـ أمدّ الله بعمره ـ لم يطلب أحد اعتقاله، مليون قتيل في العراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، لم يأمر أحد باعتقاله، أرأيت إلى هذا العالم الظالم؟ الكيل بمكاييل. كلما ارتفع مقام الإنسان اتسعت رؤيته وسمت همته وازدادت مسؤوليته :
أقول لكم: ما دام هناك اتجاه عنصري فالعنف لا يقف في الأرض، إلى أن يحل الاتجاه الإنساني محل الاتجاه العنصري، لذلك كلما ارتقى الإنسان اتسعت رؤيته، وأصبح إنسانياً، لذلك القول النبوي الشريف: (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/05.jpg
لأنه يتألم على بني البشر هؤلاء الذين تفننوا في تكذيبه، وفي السخرية منه، بل تفننوا في ضربه، حتى سال الدم من قدمه الشريف، الله عز وجل سوف يرينا من هو النبي، فأرسل له ملك الجبال، ملك الجبال قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، أي مكنه الله أن ينتقم، فقال: لا يا أخي: (( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]
لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، ما تخلى عنهم، قال: قومي، ودعا لهم، واعتذر عنهم، ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة، هذا مقام النبوة.
لذلك أقول لكم دائماً: الأقوياء والأنبياء، أي الطغاة والأنبياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، والأقوياء في حضرتهم.
أريد أن أقول لكم: كلما ارتقى الإنسان اتسعت رؤيته، وسمت همته، وازدادت مسؤوليته، قلت قبل قليل: الإنسان من مكان معين يرى أكبر مساحة، أنا رأيت على ارتفاع أربعين ألف قدم طرطوس وصيدا بنظرة واحدة، الآن كلما ارتفع مقام الإنسان، مكانة الإنسان، اتسعت رؤيته، وسمت همته، وازدادت مسؤوليته، ماذا قال سيدنا عمر؟ قال: "لست خيراً من أحدكم، ولكنني أثقلكم حملاً". الإسلام ينقل الإنسان من العنصرية إلى الإنسانية :
لذلك أيها الأخوة، الله جلّ جلاله لا ينظر لا إلى أشكالنا، ولا إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/06.jpg

(( عبدي طهرت منظر الخلق سنين))
[ ورد في الأثر]
منظر الخلق: مدخل البيت، طلاء البيت، مركبتك تحتاج إلى إصلاح، هندامك، ثيابك، هذا منظر الخلق. (( أفلا طهرت منظري ساعة ))
لأن الله ينظر إلى قلبك، يا ترى فيه حقد؟ فيه كبر؟ فيه استعلاء؟ فيه عنصرية؟ العنصرية وصلنا بها إلى حق الفيتو، نبدأ بالذي يعامل زوجة ابنه في البيت معاملةً لا يرضاها لابنته عند بيت أهل زوجها، عنصري، والذي يستهزئ بأم زوجته، فإذا تكلمت زوجته كلمة عن أمه أقام عليها الدنيا، عنصري، يمكن أن تكون أفقر إنسان وأنت عنصري، ويمكن أن تكون أضعف إنسان وأنت عنصري، الإسلام ينقلك من العنصرية إلى الإنسانية. أسعد إنسان من يحمل همّ المسلمين و يسعى للدعوة إلى الله :
أيها الأخوة، الآن هناك نقطة دقيقة جداً: أنت كإنسان أنت المخلوق الأول، أنت مصمم بشكل أنه لا يسعدك إلا هدف كبير، فإذا اخترت هدفاً محدوداً، ووصلت إليه يبدأ شقاؤك، أنت مصمم لهدف كبير، فإذا اخترت هدفاً صغيراً، إنسان أراد أن يكون غنياً فقط أصبح غنياً، ألِفَ بيته، ألِفَ مركبته، أكل أطيب الطعام، سافر إلى أجمل البلاد، تزوج أجمل زوجة، يقول لك: الحياة مملة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/07.jpg
أحد أكبر مهندسي العالم، الذي صمم جسر اسطنبول الأول ـ هو ياباني ـ أثناء افتتاحه وقص الشريط الحريري، ألقى بنفسه في البوسفور، ذهبوا إلى غرفته بالفندق، فرأوا ورقة مكتوب فيها: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
حياة بلا هدف تافهة، حياة بلا رسالة تافهة، إنسان بلا رسالة حقير، همه بطنه وفرجه، وهذا معنى مسخ بعض الأقوام إلى قردة وخنازير، القرد همه بطنه، والخنزير همه فرجه، فإذا لم يكن هناك أهداف نبيلة فالإنسان لا قيمة له، تجد إنساناً فقيراً، بيته صغير، طعامه خشن، حامل همّ المسلمين، يسعى للدعوة إلى الله، فهذا أسعد إنسان، وإنسان آخر غارق بالنعيم، أشقى إنسان، فالإنسان يرقى عند الله بهمه، قل لي: ما الذي يهمك؟ هل تحمل همّ المسلمين؟ هل تبكي إذا رأيت المذابح في بلاد المسلمين؟ هل تقدم شيئاً للمسلمين؟ هل تبيع البضاعة بسعرٍ معتدل يتحمله الفقير؟ الحقيقة الإنسان عندما يعرف الله عز وجل يصبح إنساناً آخر. أسعد إنسان من اختار هدفاً كبيراً و سعى لتحقيقه :
لذلك دقق لمجرد أن تختار هدفاً محدوداً، أن تكون غنياً فقط، أن تشتري بيتاً، لمجرد أن تختار هدفاً محدوداً، حينما تصل لهذا الهدف يبدأ شقاؤك، أنا أرى رؤية شخصية أن كل الانحرافات الجنسية في العالم لا لأن الذين انحرفوا إليه أمتع من الذي انحرفوا عنه، لا، من الملل، والسأم، أما لو كان للإنسان هدف، هدف كبير، فهو أسعد إنسان، المؤمن طبعاً، لهذا أقول: المؤمن شابٌ ولو كان في التسعين، لأنه اختار هدفاً كبيراً، يقول لك: لا يوجد عندي وقت، شاب وهو في التسعين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/08.jpg
كان هناك عالم جليل بهذه البلدة الطيبة، يقول للشاب: كنت تلميذي يا بني، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، درَّس ثمانين سنة، وكان منتصب القامة، وحاد البصر، أسنانه في فمه، يتمتع بنشاط عجيب، فإذا سُئل: يا سيدي! ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
لذلك الذي ألَّف كتاباً عن المئة الأوائل، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس المئة الأوائل، ما مقاييسه؟ اتخذ أربعة مقاييس، اتساع رقعة التأثير، أي وصلت رقعة المسلمين من مشارف باريس إلى الصين، اتساع رقعة التأثير، امتداد أمد التأثير، من ألف وأربعمئة عام وإلى ما شاء الله، هذا الإسلام يمتد في أطراف الدنيا، ثم عمق التأثير.
هناك وزير إيطالي أسلم، لأنه التقى بإنسان مسلم قدّم له خمراً، فقال له: أنا لا أشرب الخمر، من كلمة لا أشرب الخمر، لأنه محرمٌ في ديني، لا تقل: معي قرحة، لا تستحِ بدينك، لأنه قال كلمة بأدب وبصدق، قال له: أنا مسلم لا أشرب الخمر، فكان سبب إسلام هذا الوزير الإيطالي.
جاءت وزيرة نفط بريطانية إلى بلد، و هناك وزير نفط طبعاً، استقبلها في المطار، ومعه كبار موظفيه، أحد الموظفين لم يصافحها لأن هناك حكماً شرعياً في ذلك فانزعجت، أما الذي انزعج أكثر هو الوزير، فعنفه، و كان هناك دعوة على الغداء، قال له: لا تأتي، هذه الوزيرة جالسة إلى جانبه، قالت له: واحد من موظفيك الكبار لم يصافحني أين هو؟ فأصابه الحرج، قال لها: لعله اعتذر، قالت له: أنا حريصة على مقابلته، فقابلته، قالت له: لمَ لم تصافحني؟ قال لها: أنا مسلم، وفي ديني لا يجوز أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فتأملت ملياً، وقالت للوزير نظيرها: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم. الله عز وجل ينظر إلى قلب الإنسان و عمله لا إلى شكله :
فيا أيها الأخوة، الله عز وجل ينظر إلى قلوبنا، وأعمالنا، أنت مصمم لمعرفة الله، حينما تختار هذا الهدف الكبير، أنت شاب، شاب وأنت في التسعين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/09.jpg
والله أيها الأخوة، قبل سنوات عدة، كرموا كبار علماء القرآن، ستة علماء أو سبعة، معظمهم فوق التسعين، فالإنسان إذا كان مؤمناً هو شابٌ حتى ولو كان شيخاً، هدفه كبير، فأنا أتمنى أن تختار هدفاً كبيراً، لا أن ترضى بدخل جيد.
الآن سيدنا عمر أدخل شاعراً السجن، لأنه قال أهجى بيت قالته العرب، ما هذا البيت؟ قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *
هذا البيت عدّ أهجى بيت قاله الشعراء، فدخل صاحبه السجن، هذا البيت شعار كل مسلم الآن، ما دام دخله وفيراً، وبيته جيداً، وأهله معه، يقول لك: من بعدي الطوفان.
هناك كلمات يقولها العامة، كلامٌ شيطاني، يقول لك: فخار يكسر بعضه، من أخذ أمي عمي، هذه كلها كلمات تعبر عن انسحاب الإنسان من المجتمع، فما لم تحمل همّ الأمة فلست مسلماً.
والله قبل يومين أخت كريمة محجبة مع ابنتها، طلبت مقابلتي، فأول ما دخلت بكت بكاءً شديداً، قلت لها: ما القصة يا أختي؟ قالت لي: أنا زوجّت هذه البنت من شاب، ثم تبين أن معه انفصام شخصية، فأنا بحق هذه البنت مجرمة، ابنتها معها، قالت لها: يا ماما أنا قلت لك مئة مرة أنني راغبة في أن أبقى معه، ليس له أحد غيرنا، أريد أن أتقرب إلى الله بخدمته، أريد عملاً ألقى الله به، نظرت! رأيت البنت بطلة، بنت تتقرب إلى الله برعاية زوجها، وأنا من أعماق أعماق أعماقي قلت لها: إن شاء الله، الله يشفيه لك نظير عملك. من لم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3616/10.jpg
نحن الآن بحاجة إلى شاب مؤمن، إلى شابة مؤمنة، تتجاوز هموم الفتيات المتفلتات، أريد شاباً يتجاوز هموم الشباب المنحرفين، هذه أمة تبنى على شبابها، أمتنا كبت، هذه الكبوة المعول فيها على هؤلاء الشباب، فأنا أقول لك كلمة: لا يوجد ورقة رابحة بيدنا إلا أولادنا، الذي عنده ابن يمكن أن يصل إلى أعلى مرتبة في الجنة بتربية ابنه، لأن هؤلاء الصغار هم رجال الغد، أبطال الغد، فكل إنسان يعتني بأولاده، لا نملك إلا أولادنا، ومهما ارتقيت، مهما حصّلت من ثروات، مهما ارتقيت في سلم المراتب، مهما جمعت من أموال، مهما نلت من شهادات، إن لم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
فأنا أقول: يجب أن تختار هدفاً كبيراً، هذا الهدف الكبير يعطيك الهمة العالية، الموضوع دقيق جداً وطويل، وإن شاء الله في درس قادم أحاول أن أتمم المعالجة، لكن القصد من هذا الموضوع أنك إذا اقتنعت بالحق، ووجدت نفسك دون المستوى، أنت بحاجة إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى همة، وما لم تملك هذه الهمة فلن تصل إلى شيء.
في اللقاء القادم إن شاء الله نتحدث عن وسائل امتلاك هذه الهمة العالية التي تترجم إلى إرادة قوية.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-12-2018, 07:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : علو الهمة مع الصحبة الصالحة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الهمة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ:"سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع "الهمة".
وقد ورد في الأثر:
(( أن علو الهمة من الإيمان ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/01.jpg
الإنسان أحياناً يناجي نفسه، يسمونه الحوار الذاتي، أنا أسأل ما الذي يهمك؟ (( مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، وَمَنْ كانت الدنيا هَمَّه، جعل الله فَقْرَه بين عينيه، وفَرَّق عليه شَمْلَهُ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
ما الذي يهمك؟ اسأل نفسك، ما الذي يقلقك؟ ما الذي تصبو إليه؟ ما الذي ترجوه؟ تعيش مع من؟ تعيش لمن؟ هناك إنسان يعيش مع الصحابة الكرام، تصوراته كلها عن الإسلام، عن عصور الازدهار، عن الصحابة، عن رسول الله، و إنسان يعيش مع الفنانين، مع الممثلين، مع لاعبي الكرة، مع السياسة المتعبة، تعيش مع من؟ تعيش لمن؟ تُرضي من؟ تُغضب من؟ تنفق على من؟ تصل من؟ تقطع من؟ ما الذي يغضبك؟ ما الذي يرضيك؟ هذه كلها مقاييس، وكلها أدلة، فالإنسان عندما يقلقه ألا يكون كما ينبغي مع الله فهذه نعمة كبيرة، الذي يفرحه أن يكون مستقيماً على أمر الله. أنواع الفرح :
الفرح نوعان أيها الأخوة، الله عز وجل حينما حدثنا عن قارون:
﴿ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/02.jpg
الله عز وجل لا يحب الذي يفرح بالدنيا، لأن: (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ كنز العمال عن ابن عمر ]
ما الذي يفرحك؟ هناك نهي عن أن تفرح بالدنيا، لأن عطاء الله جلّ جلاله لا يمكن أن يكون في الدنيا فقط، لأن العطاء الذي ينتهي بالموت ليس عطاءً، لا يوجد إنسان يقدم لإنسان سيارة ربع ساعة، التقديم الحقيقي أن يتملكها مدى الحياة، أما العطاء الذي ينتهي بالموت فليس بعطاء.
فلذلك يليق بكرم الله عز وجل أن يعطيك الأبد، فالذي يفرح بالدنيا عنده قصور تفكير، لأنه: (( من عرفها لم يفرح لرخاء ـ مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء ـ مؤقت ـ))
فالبطولة أن تفرح بفضل الله. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
[ سورة يونس الآية: 58 ]
وسؤال دقيق، ومقياس دقيق، أسأل نفسك ما الذي يفرحك؟. الإنسان مخلوق مكرم بفضل الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/03.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
أنت مخلوق مكرم، انظر الجماد للنبات، النبات ينمو في التراب، والنبات في الأصل للحيوان، والحيوان لك، وأنت لمن؟ أنت لله، إياك أن تُجيَّر لمخلوق، لا يليق بك أن تكون تابعاً لمخلوق، أنت لله، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لله، فلذلك بطولتك أن تعرف من أنت؟ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
[ سورة البينة ]
ورود الحرب في القرآن الكريم مرة واحدة في موضوع الربا :
أيها الأخوة، في الحديث القدسي:
(( من عادى لي وَلِيّاً فقد آذَنتُه بحرب ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/04.jpg
الحرب ورد في القرآن الكريم مرة واحدة في موضوع الربا: ﴿ فَإِن ْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 279 ]
ورد في الحديث: (( من عادى لي وَلِيّاً، فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
لذلك الدعاء الشريف: (( اللَّهمَّ أحْيِني ما كانَتِ الحْياةُ خَيْراً لي، وتَوَفَّني إذَا كانتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لي ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
أحياناً الموت رحمة. الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
أخواننا الكرام، أولاً: قد يكون ملك بيده كل شيء، لكن مستحيل أن تصل إليه، لا يوجد أمل بالوصول إليه، لكن الله جلّ جلاله ملك الملوك، الوصول له متاح لكل إنسان، لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق"، ألف طريق موصل إلى الله معظمها الأعمال الصالحة، والعمل الصالح يرفعك، وأوضح آية:
﴿ َمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/05.jpg
أنا أقول: في القرآن الكريم أكثر من عشر آيات: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 219 ]
العشر آيات فيها كلمة قل بين السؤال والجواب، إلا في آية واحدة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هذه الآية ليس فيها كلمة قل، فاستنبط العلماء من خلالها أنه: ليس بين العبد وربه حجاب، ولا وسيط، ليس بين العبد وربه وسيط، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
هذا يدعم موضوع علو الهمة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. الإنسان التافه يعيش لشهواته ومصالحه والإنسان المؤمن يعيش لمبادئه وأهدافه :
لكن هناك نقطة دقيقة: إذا إنسان تقرب إلى الله قليلاً، يرى النتائج مبهرة:
(( من تقرب إلى الله عز وجل شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أقبل إلى الله عز وجل ماشياً أقبل الله عز وجل إليه مهرولاً ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي ذر الغفاري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/06.jpg
أي لمجرد أن تعقد نية على الصلح مع الله، تحس براحة نفسية كبيرة عجيبة، تحس هموماً كالجبال انزاحت عنك، معنى ذلك أنك عندما فكرت أن تتقرب إلى الله رأيت النتائج، والرد الإلهي قريب جداً.
أيها الأخوة، الإنسان التافه يعيش لشهواته ومصالحه، والإنسان المؤمن يعيش لمبادئه وأهدافه.
مرة تكلمت عن خامس مهندس في العالم، الذي صمم جسر اسطنبول الأول المعلق بالحبال، الذي تقطعه في اليوم من أربعمئة إلى خمسمئة ألف سيارة، أثناء افتتاحه ألقى المهندس المصمم بنفسه في البوسفور، فذهبوا إلى غرفته في الفندق، كتب ورقة: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
أنا علمتني هذه القصة أن الإنسان بلا هدف إنسان تافه، هدفه الأكل، والشرب، والمكانة، وتجميع الأموال ما دام لم يصل لهدفه، و لكنه يشعر بحالة مريحة بعد أن يبلغ هذا الهدف، أخطر فكرة أقولها دائماً: أنت مصمم من قبل الخالق أن تختار هدفاً لا نهائياً، فإذا اخترت هدفاً نهائياً وبلغته بدأ شقاؤك، الحياة مملة، الغرب لماذا انحرف؟ مللاً، سقماً، أراد المال بلغ المال، اسأل إنساناً معه ملايين مملينة، كيف يعيش؟ يعيش حالة من الملل، أكل حتى شبع، بيته أجمل بيت، مركبته أحلى ركبة، وبعد ذلك؟ هناك فراغ بالنفس البشرية لا يملؤه إلا الإيمان بالله، قد تكون أقوى إنسان، قد تكون أذكى إنسان، قد تكون أغنى إنسان، هناك فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، و الإنسان عندما يملأ هذا الفراغ بالإيمان ترتاح نفسه.
لذلك الإنسان بلا هدف، بلا رسالة، إنسان تافه، وإنسان عنده إحباط عام، إنسان عنده كل أنواع الشقاء. من يُعرض عن الله عز وجل تبدأ متاعبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/07.jpg
بعد ذلك قال الله عز وجل في القرآن الكريم:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
[ سورة طه ]
فالإنسان حينما يعرض عن الله عز وجل تبدأ متاعبه، ويوم القيامة: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[ سورة الكهف ]
إنسان دخل على النبي الكريم فهش له وبش وقال: " أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، خاملٌ في الأرض، علمٌ في السماء ". آيات من القرآن الكريم عن الذين شردوا عن الله :
الآن الذين شردوا عن الله، الذين لا يملكون همةً عاليةً تقربهم إلى الله، كيف هم في القرآن الكريم؟ والله شيء لا يصدق! قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
الأنعام غير مكلفة، هم أضل من الأنعام. ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 176 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/08.jpg
بالملايين المملينة يقول لك: السوق مسموم، لا يعاش بهذا البلد، ماذا ينقصك؟ كل شيء عندك، لأنه لا يوجد شكر: ﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
تجد مؤمناً ساكناً ببيت، مساحته ستون متراً، دخله محدود، زوجته أقل من الوسط، يقول لك: الحمد لله، تجد المؤمن على ضعف حياته، على فقره، شاكراً لله عز وجل، فالآيات التي تتحدث عن الذين شردوا عن الله شيء مخيف: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة الآية: 5 ]
أبلغ من ذلك: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون الآية: 4 ]
أي في حياة القلب، دقق في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ﴾
معيشة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
المعيشة و الحياة :
فرقٌ كبير بين المعيشة وبين الحياة، أسال أنا أحد الأخوة الكرام: أنت عايش أم حي؟ إن كان من أهل الدنيا فهو عايش، أما إن كان مؤمناً فهو حي، حيٌ بذكر الله، حيٌ بمعرفة الله، حيٌ بطاعة الله، حيٌ بعملٍ صالح، الآن ألقيت كلمة في حفل، قلت إن الدعاء الشريف: (( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ))
[ أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/09.jpg
معنى الأمة المرأة، ((ابن عبدك ))
أي ابن والدي، و ((ابن أمتك ))
أي ابن والدتي، فالأمة المرأة، ضع ضمة فوق الهمزة، وشدة على الميم، كانت أمة أصبحت أُمّة: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النحل الآية: 120 ]
المؤمن له أعمال صالحة كثيرة في قلوب الخلق، المؤمن له أعمال جليلة، الله عز وجل يرزقه عملاً صالحاً يرقى به عنده، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
فلذلك بين أن تكون فرداً و بين أن تأتي الله يوم القيامة ومئات الألوف يثنون عليك من أعمالك الصالحة، فأنا أتمنى أن يكون لك عمل يتجاوز مصالحك، لأن معظم الناس أعمالهم تصب في خانة مصالحهم، تصب بنجاح عمله، بنجاح دخله، بضغط مركزه، لكن الإنسان بحاجة إلى عمل صالح ليس له علاقة بمصالحه إطلاقاً. علو الهمة من العلم :
أيها الأخوة، لذلك الآن الموضوع الدقيق في هذا الجزء الثاني من علو الهمة كيف نرتقي بهممنا؟ الحقيقة العلم وحده يرقى بهمتك.
أحياناً نسهر مع بعض الأخوة الأطباء، وهناك طبيب تُقدم له بعض الحلويات، يرفضها أشد الرفض، فعاتبوه مرة، فقال: والله أُحبها أكثر منكم، أما أنا عملي بجراحة القلب، حينما أرى الشرايين كلها مسدودة، وكل إنسان حينما يفاجأ بالقسطرة، وأن خمسة شرايين مسدودة، من الدسم، من المواد الدسمة، فيكره الحلويات كراهة عقلية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/10.jpg
معنى هذا أن الإنسان عندما يكون علمه عالياً، العلم يدفعه إلى حبٍ وكراهيةٍ جديدتين، هناك حب حسي، وكراهة حسية، الأكل الطيب طيب، لكن هناك أكلاً صحياً، الأكل الصحي أقل مذاقاً من الأكل المؤذي، فالإنسان بعقله أحياناً يكره شيئاً.
الآن أحياناً طالب هدفه أن يأخذ الأولى في الجامعة، يلغي السهرات، يلغي النزهات، يلغي اللقاءات، أشياء محببة، لكن هدفه الكبير جعله يكرهها عقلياً.
فمن أين يأتي علو الهمة؟ من العلم، أحياناً تجد الطبيب يعقم الخضراوات تعقيماً غير معقول، لأن علمه غير علمك، حينما يرى الأمراض الوبيلة الناتجة عن العدوى، أو عن تلوث الفواكه والثمار، يبالغ في غسلها، فيأتي علو الهمة من العلم.
لذلك قالوا: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، سيدنا يوسف:
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾
[ سورة يوسف الآية: 24 ]
طبعاً لا شك أن همه بها غير همها به، ﴿ هَمَّتْ ﴾
أن تغريه، أما ﴿ َهَمَّ ﴾
بدفعها، وإياك ثم إياك ثم إياك أن تتوهم أنه ﴿ هَمَّ بِهَا ﴾
أي بدأ بالاستجابة لها، مستحيل ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾
همه بها غير همها به، لأنه: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 32 ]
الواحد لو شاهد أفعى بغرفة، هي همت أن تلدغه، وهمّ بقتلها، همه بقتلها لا بالاستجابة لها، مستحيل! ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 24 ]
هناك تفسير لطيف جداً، ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
أعظم شيء عند المؤمن أنه بطلب العلم يملك رؤية صحيحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/11.jpg
لذلك أخواننا الكرام، أخطر شيء بحياتنا الرؤية، الآن الذي يسرق ماذا رأى؟ هناك سبعة أشخاص سرقوا صائغاً من يبرود، وأخذوا الذهب، وقتلوه، وبعد شهر شُنقوا جميعاً في المكان نفسه، هم حينما أقدموا على سرقة هذا الصائغ، وقتله، هل رأوا أنهم سيشنقون هنا؟ لا، رأوا أنهم سيغتنون، إذاً كل الخطر بالرؤية، ماذا ترى؟ دقق الآن، المؤمن يلقي الله في قلبه نوراً، يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، أقوى آية بهذا المعنى:
﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 102 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
إذاً أعظم شيء عند المؤمن أنه بطلب العلم ملك رؤية صحيحة، لذلك لا شيء يرفع همتك، لا شيء يقوي إرادتك، كطلب العلم، بالعلم تعرف الخير من الشر، والحق من الباطل، وما ينبغي وما لا ينبغي. الإنسان يعرف بالعلم الخير من الشر و الحق من الباطل :
إذاً: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/12.jpg
الإنسان أحياناً يُعرض عليه مبلغ فلكي مقابل أن يكتب الوفاة طبيعية، هذه الوفاة جريمة، أحياناً يقول له: سأعطيك خمسين مليون، إذاً من وفاته جاءه ألف مليون، فالمؤمن لو مئة مليون، عنده رؤية لا يمكن أن يتكلم بغير الحق، غير المؤمن تضعف همته، فيدفع ثمن عمله.
مرة كنت آتياً من حلب، في أيام الشتاء القارسة، والأمطار كأفواه القرب، وجدت رجلاً يمشي، يركض في العدوي في الشارع، قلت: الشام فيها خمسة ملايين، معظم سكان الشام يجلسون حول المدافئ، يأكلون ويشربون، هذا كم هي القناعة في ذهنه حتى في هذا الوقت العصيب و الأمطار الشديدة يمشي ويركض؟
هناك رجل اسمه جيفري لنك، هذا أكبر ملحد بأمريكا، أستاذ رياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، هناك أستاذ أرسل له طالبة شرق أوسطية، في أيام الصيف الحارة محجبة حجاباً كاملاً، وتحضر دكتوراه في الرياضيات، فيقول هذا جيفري لنك الملحد: هذه الفتاة بهذه الثياب عندها قناعات بأعلى مستوى، جعلتها ترتدي هذه الثياب، مع أن كل الفتيات شبه عرايا، قال: تهيبت أن أحدق في وجهها، ورغبت أن أقدم لها كل خدمة، وعكفت من يومي على قراءة القرآن، لكن بنية أن أرى الأخطاء، وصل إلى قوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾
[ سورة يونس الآية: 92 ]
اتصل بصديقه موريس موكاي بفرنسا، قال له: أنت ألفت كتاباً تقول: إن القرآن كتاب مقدس، تفضل هذا خطأ، فكيف فرعون نجاه الله ببدنه؟ فأجابه موريس موكاي: هذا الرجل رممت جسده بنفسي، هذا أرسل من القاهرة إلى باريس لترميم جثته، هذا فرعون موسى الذي مات غرقاً، وآثار الملح في فمه، فهنا أيقن أن هذا كلام الله، والآن من كبار الدعاة بأمريكا لذلك قالوا: (( استقيموا يستقم بكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب]
كان أكبر ملحد، هذه الفتاة المحجبة قال: عندها قناعات متميزة، حتى لبست هذه الثياب.
فلذلك أيها الأخوة، الإنسان حينما تكون قناعاته عالية جداً يسلك سلوكاً مختلفاً عن بقية الناس، إذاً أحد أكبر أسباب علو الهمة العلم.
من كبُر هدفه ازدادت همته علواً :
الآن عندنا سبب آخر، كلما كبر الهدف ازدادت الهمة علواً، هناك أهداف محدودة، أهداف تنتهي، هدفه الأكبر شراء بيت، اشترى بيتاً، هدفه الأكبر أن يتوظف فتوظف، هدفه الأكبر أن يصبح غنياً، فأصبح غنياً، الأهداف الدنيوية لا تجعل الإنسان ذا همة عالية، أما الأهداف الكبيرة، لو إنسان أراد أن يقدم لأمته شيئاً، أو أراد أن يحل مشكلة أمته، هناك مشاكل البطالة، مشاكل العنوسة، مشاكل الجهل، مشاكل الانحراف، فالإنسان إن أراد أن يحمل همّ أمته، كلما كان همه كبيراً كانت همته كبيرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/13.jpg
أخواننا الكرام، المقولة الرائعة: علو الهمة من الإيمان، لذلك صاحب أصحاب الهمة العالية، لا تصاحب أصحاب الهمة الدنية، أحياناً تعيش مع إنسان إيمانه قوي، يشجعك، تتوق أن تكون مثله، تتمنى أن تفعل الخير، تتمنى أن تحفظ كتاب الله، تتمنى أن تكون داعيةً إلى الله، صاحب أهل الشهوات، تثبط عزائمك، تشتهي أن تكون في معاصيهم، فلذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
مرة أخ أثناء الدرس على خلاف المألوف وقف، قال لي: نسمع الدرس نكون بحالة مريحة جداً، نغادر إلى البيت، نعود إلى ما كنا عليه، أين المشكلة؟ فألهمني الله جواباً مختصراً قلت له: غيّر طقمك، يجب أن تغير طقم الأصدقاء، مادمت تعيش مع ماديين دنيويين شهوانيين، يثبطون لك كل عزائمك، كن مع المؤمنين، وأنا أول ما أسأل عن هذا الموضوع، إنسان سألني على الهاتف: أنا عندي مشكلة، أقول له: صاحب المؤمن. (( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري]
أقول له الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
إذاً صاحب أصحاب الهمة العالية. أصحاب الهمة العالية الدنيا عندهم صغيرة و لا يتأثرون بالبيئة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3617/14.jpg
شيء آخر: من علامات أصحاب الهمم العالية الدنيا عندهم صغيرة، ليست كبيرة، أي ليس مستعداً أن يعصي الله ولو أعطيته ملياراً، الدنيا صغيرة، صغيرةٌ أمام طاعة الله عز وجل.
شيء آخر: أصحاب الهمة العالية لا يتأثرون بالبيئة إطلاقاً، الآن نساء المسلمين أحياناً تحت رحمة مصمم أزياء فرنسي، قد يكون يهودياً، أي تصميم للأزياء يتبعه نساء المسلمين، هذا من ضعف الإيمان، أما قوي الإيمان يتحرك بقناعاته، ترتدي المرأة المؤمنة الثياب التي ترضي الله عز وجل.
فيا أيها الأخوة، علو الهمة من الإيمان، أو يمكن أن يقابلها قوة الإرادة، قوة الإرادة تحتاج إلى هدف كبير، وإلى علم غزير.







والحمد لله رب العالمين

عاشقة الأنس
07-12-2018, 05:29 PM
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك

السعيد
07-13-2018, 04:38 PM
تسلمين اختى عاشقة وجزاك الله كل خير

السعيد
07-13-2018, 04:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : التفكير فى خلق السماوات والارض





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التفكر في خلق السماوات والأرض :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: " سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو: "التفكر في خلق السماوات والأرض"، الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/01.jpg
والسماوات والأرض مصطلحٌ قرآني، أي الكون، والكون ما سوى الله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
نقف عند كلمة ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾
الفعل الماضي يدل على حدثٍ وقع، والفعل الأمر يدل على حدثٍ لم يقع، يقع بعد الأمر، لكن الفعل الماضي يدل على الاستمرار، ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
فالتفكر هو العبادة الأولى، لأن التفكر طريق معرفة الله، وأصل الدين معرفة الله، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، حينما يعرف المسلمون الأمر، ولم يعرفوا الآمر، يقصرون في طاعة الآمر، وهذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى. العقل أكبر عطاء إلهي وأعظم شيءٍ في الكون :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بهذا العقل، والعقل أعقد شيءٍ في الكون، أي هذا العقل عاجزٌ عن فهم ذاته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/02.jpg
من الأبحاث العلمية أن في الدماغ مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، وعلى القشرة أربعة عشر مليار خلية قشرية، فيها المحاكمة، وفيها التصور، وفيها القرار، وفيها الاستنباط، وفيها التخيل.
العقل البشري أعظم شيءٍ في الكون، بل هو عاجزٌ عن فهم ذاته، بل إن العباقرة الكبار لم يستخدموا من إمكانات العقل البشري إلا الجزء اليسير.
أيها الأخوة، هذا العقل جهاز استشاري جاهز، تصور إنساناً باع بيته بثمنٍ فلكي، ولكن بالعملة الصعبة، وفي جيبه جهاز إلكتروني يكشف له العملة المزورة، يضع الورقة النقدية عليه، هناك لون على الشاشة، إذا كانت العملة أصلية ـ العملة معها معدن ـ يظهر لون معين، و إن كانت العملة مزورة يظهر لون آخر، وفي جيبه الثاني أرقام العملات المزورة، فباع بيته بثمنٍ باهظ، بعملةٍ أجنبية، ولم يستخدم هذا الجهاز، ولم يقرأ أرقام العملات، ففوجئ بعد حين أن العملات كلها مزورة، إذاً الذنب ذنبه، أحياناً الإنسان يمشي مع التيار العريض، يتعامل كما يتعامل الناس، يفعل كما يفعلون، ينحرف كما ينحرفون، يغفل كما يغفلون، ومعه جهاز استشاري يعينه على معرفة الصواب، و معه قرآن، معه منهج، يبين له الخطأ من الصواب، لم يستخدم عقله لمعرفة الخطأ من الصواب، ولم يستخدم الورقة التي في جيبه الأخرى.
فلذلك العقل أكبر عطاء إلهي، لكن مع الأسف الشديد هذا العقل اُستخدم للدنيا فقط.
الحق ما جاء به النقل الصحيح وقبِله العقل الصريح وارتاحت إليه الفطرة السليمة :
لكن بادئ ذي بدء: هناك دائرةٌ تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/03.jpg
الحق ما جاء به الوحي من عند الله، أو ما جاء بالنقل الصحيح، إما قرآن، أو حديثٌ صحيح، هذا الحق، ما جاء به النقل الصحيح، وقبله العقل الصريح، معنى الصريح أي العقل المجرد عن الهوى، ليس العقل التبريري.
حينما تأتي دولة قوية إلى بلدٍ في الشرق الأوسط، وتقتل المليون، وتعيق المليون، وتشرد الخمسة ملايين، وتهدم كل شيء، وتقول: جئنا من أجل الحرية والديمقراطية، هذا عقل تبريري ساقط.
لذلك الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبِله العقل الصريح، غير التبريري، وارتاحت إليه الفطرة السليمة، وأيّده الواقع الموضوعي، لأن الواقع خلق الله، ولأن النقل الصحيح وحي الله، ولأن العقل الصريح مقياسٌ أودعه الله فينا، ولأن الفطرة مقياسٌ نفسي، يكشف لك عن خطأك، فالحق في الأصل هو الله، أما الفكرة الصحيحة، الفكرة التي هي حق، ما جاءت عن طريق الوحي، وقبلها العقل، وارتاحت إليها الفطرة، وأيدها الواقع الموضوعي.
العقل طريق الإنسان لمعرفة الله عز وجل :
أيها الأخوة، الفكرة الدقيقة جداً أن هذا العقل أعطاك الله إياه كي تعرفه، فإذا عرفته سعدت، وسلمت في الدنيا الآخرة، فاستخدم الإنسان هذا العقل من أجل دنياه فقط، فلذلك لابد من تقديم مثل: الآن هناك حواسيب معقدة جداً، وغالية جداً، قد يصل ثمنها إلى خمسين مليوناً، هذا الحاسوب تضع عليه قطرة من الدم، يعطيك سبعاً وعشرين تحليلاً فورياً، فلو أن إنساناً اشترى هذا الحاسوب بخمسين مليوناً، واستخدمه كطاولة، ألا تحتقره بهذه الطريقة؟ طاولة بهذا الحجم، وهو بهذا الحجم، حاسوب لتحليل الدم، كل قطرة دم تعطي سبعاً وعشرين تحليلاً فورياً، وإذا كان هناك مئة شخص ينتظرون، وكل إنسان يدفع خمسة آلاف، أو عشرة آلاف http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/04.jpg
هذا العقل أو هذا الحاسوب، يقدم أرباحاً مذهلة فلكية، ثمنه خمسون مليوناً، تستخدمه كطاولة!
شيء آخر: ورقة على الطاولة، طويلة، بيضاء، هي شك بألف مليون، لكنها مقلوبة على ظهرها، فظنها صاحبها ورقة عادية، فكتب عليها بعض الحسابات، ثم مزقها في المهملات، ثم اكتشف بعد حين أن هذه الورقة هي شك بألف مليون دولار، كم يتألم؟.
هذا العقل أودعه الله فينا كي نعرفه، فإذا عرفناه سلمنا وسعدنا في الدنيا والآخرة، أما الإنجازات التي قدمها العقل شيء لا يصدق، تركب طائرة، على ارتفاع أربعين أو خمسين ألف قدم، المقاعد وثيرة، تغدو بعد حين سريراً كاملاً، الجو مكيف، يُقدم لك الطعام، والشراب، أمامك قنوات، أمامك صحف ومجلات، وأنت على ارتفاع أربعين ألف قدم، والسرعة ألف كيلو متر في الساعة هذه الطائرة من إنجاز العقل البشري.
الإنجازات التي نعيشها الآن هي من إنتاج العقل :
أخواننا الكرام، هناك شيء دقيق: الحاسوب رفع الدقة من واحد لمليون، خفض الجهد من مليون لواحد، تطور من دراجة إلى (rose rise )، هبط سعره من (rose rise ) إلى دراجة، أي بالضغط على بعض الأزرار يقدم لك معلومات تفوق حدّ الخيال، أنا عندي شريحة، صدقوا حجمها أقل من أربعة ميلي، تتسع لأربعين ألف صفحة، الآن هناك انجازات، وهذا شيء لا يصدق.
الآن عندي مجلة ألمانية، فيها صورة للأرض من القمر، الأرض كما هي كرة، عليها مربع صغير جداً، المربع كُبر هناك صورة ثانية، فإذا هو أمريكا الشمالية، على هذه الخارطة مربع صغير جداً، كُبر في الصورة الثالثة، فإذا هو فلوريدا، على هذه الصورة مربع صغير جداً كُبر في الصورة الرابعة، فإذا هو ساحل في فلوريدا، عليه مربع صغير، كُبر في الصورة الخامسة، فإذا هو ميناء، وحقل، ومرج، وعليه نقطة، النقطة كُبرت في الصورة السادسة، فإذا إنسان مستلق على قماش، ومعه قصة، يمكن أن تقرأ عنوانها، وهناك صحن تفاح على جانبه، هذه الصورة من القمر، وأحياناً يكتبون: ممنوع التصوير.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/05.jpg
هذا العقل البشري الذي صنع هذه الآلات، الآن هناك آلات تريك من سبعة كيلو متر نقطة تتحرك، قبل ثمانية كيلو متر ترى الشخص كما هو، لكن سعر هذه الآلة نصف مليون، هذا العقل البشري قدم أشياء مذهلة.
مثلاً المحمول، إنسان معه قطعة في جيبه، يتصل بأمريكا، بأستراليا، بأي إنسان في العالم، كأنه أمامك، ما هذا الانجاز؟.
أخواننا الكرام، أشعة الليزر، تقيس المسافة بين الأرض والقمر بالمليمترات، تذهب أشعة وتعود، يستخدم المهندسون هذا الجهاز، يقف بمكان يرسل أشعة، تذهب وتعود يقول لك: ثلاثة وأربعون متراً وخمسة وثلاثون مليمتر بالضبط، الإنجازات التي ترونها بأعينكم، ركبت قطار بفرنسا، سرعته تقدر بثلاثمئة وخمسين كيلو متر، قطار من مركز باريس إلى مركز ليون.
إذاً العقل البشري عندما وظّف في شؤون الدنيا قدّم إنجازات مذهلة، وهذه الإنجازات هي واحد بالمليار من طاقاته، وقد أودع الله فيك العقل، كي تسلم، وتسعد في الدنيا والآخرة، فاستخدمه الإنسان من أجل مصالحه فقط.
أيها الأخوة، الآن، أو قديماً، إرسال رسالة من المدينة إلى بغداد يحتاج إلى شهرين، الآن استخدم الفاكس، تكتب الفاكس إلى أقصى مكان في العالم، إلى ألاسكا، بثانية واحدة تكون الرسالة هناك.
أنا أسافر أحياناً معي لاب توب صغير، فيه موسوعة فيها عشرة آلاف كتاب، مئتا كتاب تفسير، كتب الحديث كلها، كتب الفقه كلها، المعاجم كلها، كل الكتب في هذا الكومبيوتر الصغير، أنت تسافر معك عشرة آلاف كتاب، والبحث يتم بدقائق، والنصوص مضبوطة بالشكل.
الإنجازات التي نعيشها الآن العقل لا يصدقها، هي من إنتاج العقل، أما أنا والله حينما أرى إنجازاً عظيماً أسبح الله على هذا الإنجاز، لماذا؟ القرود صنعوا طائرة؟ يقول لك: الإنسان أصله قرد، مع أنني أنا آمنت بهذه النظرية لكن معكوسة، إنه كان إنساناً صار قرداً الآن، القرود صنعوا طائرة؟ ركبوا البحر؟ ذهبوا إلى القمر؟ غاصوا أعماق البحار؟ الآن هناك سفن أو غواصات تصل إلى خليج مريانا في المحيط الهادي، عمق هذا الخليج ـ أعمق نقطة في البحر ـ اثنا عشر كيلو متر، فإنسان يركب مركبة، مصفحة، وفيها شاشات، وفيها نوافذ، وفيها إضاءة، شديدة، يرى قاع البحر.
الإنسان يستطيع أن يصل بالعقل إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة :
أيها الأخوة، طبعاً الحديث عن المنجزات لا ينتهي، أما أنا والله هذه الإنجازات تزيدني تعظيماً لله، لأن الإنسان أعطاه الله عقلاً، تركب طائرة، ركبت رحلة من باريس إلى سان باولو، ثلاث عشرة ساعة بالفضاء، أربعمئة راكب، يأكلون، ويشربون، وينامون، فوق في الجو، فهناك تطور شديد، أنت تفتح القرآن الكريم، تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
لأنه كلام الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/06.jpg
لذلك أيها الأخوة، أنت بالإمكان أن تصل بهذا العقل إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة، لو فكرت في خلق السماوات والأرض، وعرفت الله، إنك إن عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفة الله فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء.
لكن قد يقول أحدهم: هؤلاء العلماء الكبار لِمَ لم يؤمنوا؟ والجواب الدقيق: بعضهم آمن، أنشتاين آمن، ماذا قال؟ هناك كتاب أحتفظ به، يقول هذا العالم الذي جاء بالنظرية النسبية: كل إنسان لا يرى من هذا الكون قوةً، هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، هو إنسانٌ حي، ولكنه ميت، هذا كلام أنشتاين.
دارون لم يؤمن قال: لا، هذه المخلوقات تطورت، من مخلوقات وحيدة الخلية إلى الإنسان، وجاء بهذه النظرية، والآن ثبت بالدليل القطعي من معظم العلماء الغربيين أنها باطلة، لأنه ادعى أن الفأرة تأتي من الخرق البالية، وأن الضفدع يأتي من الوحل، وأن الدود يأتي من اللحم المتفسخ، إن هذه مادة أصبحت كائناً حياً، والعلم طبعاً أثبت بطلانها، وسخر منها، لكن أقوى دليل على بطلان هذه النظرية، أنه حينما يتوهم أن هناك تطوراً بالمخلوقات إذاً لابد من مخلوق مرحلي، بالمستحاثات وجدوا أن هناك أحافير لحيوانات عاشت قبل خمسمئة وثلاثين مليون عام كما هي الآن تماماً، أحافير في المستحاثات، فيها صور حيوانات، عاشت قبل خمسمئة وثلاثين مليون عام، وهذه الحيوانات أو الطيور كما هي الآن تماماً، هذه النظرية باطلة سقطت، ومع الأسف الشديد هناك بعض الدول الإسلامية تدرس هذه النظرية، وهي مريحة بالنسبة للغرب لأنها تؤكد أنه لا يوجد خالق.
لذلك الطغاة حينما يبيدون الشعوب يرتاحون بهذه النظرية، أما حينما تعلم أن هناك إلهاً سيحاسبك، تعد للمليون قبل أن تؤذي مخلوقاً. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :
أيها الأخوة، وكالة الفضاء ناسا، عرضت صورة بموقعها الإلكتروني لوردة، لا تشك للحظة واحدة أنها وردة جورية، وردة جميلة جداً، بأوراقها الحمراء الداكنة، بوريقاتها الخضراء الزاهية، بكأسها الأزرق في الوسط، مكتوب تحت هذه الصورة، صورة انفجارٍ لنجمٍ اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، نحن اتفقنا قبل حين أن أربع سنوات ضوئية لو أن هناك طريقاً إلى هذا النجم، لاحتجنا إلى خمسين مليون عام لنصل إليه، هذا النجم بعده عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، تفتح القرآن يقول الله عز وجل:
﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ* فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/07.jpg
يقول رائد الفضاء بعد أن تجاوز طبقة الهواء البالغة خمسة وستين ألف كيلو متر قال: لقد أصبحنا عمياً، لأنه انعدم انتثار الضوء، انتثار الضوء ظاهرة فيزيائية في الضوء لابد من شرحها في وقت آخر إن شاء الله، فقال: لقد أصبحنا عمياً، تفتح القرآن الكريم: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
هذا القرآن من عند خالق الأكوان، والدليل الإعجاز العلمي، مثلاً بيننا وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، يقطعها الضوء في مسافة قليلة جداً، هي أربع سنوات ضوئية، لكن لو ترجمنا هذا المصطلح إلى كيلو مترات، يقطع الضوء في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في العام ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربعة أعوام ضرب أربعة، هذا الرقم لو معك مركبة، وسرعتك مئة، قسّم على مئة، كم ساعة تريد؟ قسم على أربع وعشرين، كم يوم؟ قسّم على ثلاثمئة وخمسة وستين، كم سنة؟ من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب تحتاج إلى خمسين مليون عام، هذا النجم أربع سنوات، نجم القطب أربع آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، نجم حديث أربع وعشرين مليار سنة ضوئية، هذا الكون يدل على الله، الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل إلى جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، بينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وفي برج العقرب نجم اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟.
من لم يُعمل فكره في هذا الكون العظيم يبقى غافلاً عن الله عز وجل :
أيها الأخوة، العين، آلات التصوير هذه احترافية، ورقمية، أي ديجيتال، هذه الآلة فيها بالميليمتر المربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما بالعين البشرية بالميليمتر المربع من الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، وماء العين فيه مادة مضادة للتجمد، حتى إذا كنت بمكان بارد لا تتجمد العين.
الله فتح بين الأذينين ثقباً، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، هذا الثقب يلغي الدورة الدموية الصغرى، لأن في البطن لا يوجد هواء ولا تنفس، هناك رئتان لكن معطلتين، عند الولادة تأتي جلطة، فتغلق هذا الثقب، يد من؟.
وأنت نائم غارق في النوم، يتجمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة من الفم إلى الدماغ أن اللعاب ازداد، يأتي أمر من الدماغ، يأمر لسان المزمار بإغلاق مجرى الهواء، وفتح مجرى المعدة، فتبلع ريقك، وأنت نائم.
يُضغط قسم من جسمك تحت الهيكل العظمي، هناك مراكز ضغط تبلغ الدماغ أن ضغطنا، يأتي أمر من الدماغ فتقلب مرة على اليمين، ومرة على اليسار، حتى لا تقع من على السرير.
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 18 ]
الطفل الآن يلد، لولا أنه مزود بآلية معقدة جداً تأتيه مع الولادة من دون تعلم هي منعكس المص ما كان هذا الدرس، ولا كان هناك دمشق، ولا سورية، ولا إنسان في الأرض، الآن الطفل يلد فوراً يمص ثدي أمه.
أيها الأخوة، المشكلة أن الإنسان إذا لم يُعمل فكره في هذا الكون العظيم يبقى غافلاً عن الله عز وجل، إنجازات العقل البشري تقدم لك أموالاً طائلة، أو منصباً رفيعاً، أو متعة ساقطة بالغة، والأنبياء استخدموا عقولهم، ثم جاءهم الوحي في معرفة الله، فسعدوا، وأسعدوا، وسلموا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3746/08.jpg
شيء ثان: الدنيا لها سقف، أي بقدر ما كنت غنياً، على كم سرير تنام؟ كم ثوباً ترتدي؟ تجد الدنيا لها سقف، بقدر ما اغتنيت هناك سقف، أما الآخرة ليس لها سقف، فلو أعملت عقلك في الدنيا، هذه الدنيا تعطيك مالاً، أو مكانة، أو شيئاً آخر، وهذه الأشياء محدودة.
لذلك المؤمن استخدم عقله لمعرفة الله، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
آخر حديث يقول عليه الصلاة والسلام: (( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : التفكير فى خلق الله من خلال الافاق المعجزة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. بحث علمي لتقريب عظمة الكون من أذهاننا :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التفكر في خلق السماوات والأرض، وهو من علامات القبول، فالله سبحانه وتعالى في أعظم سورةٍ، بل في أعظم آيةٍ في كتاب الله يقول:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة ]
لنحاول أن نحوم حول هذه الآية.
أيها الأخوة، الأرقام أحياناً لا تعني شيئاً، بل الموازنات قد تعني شيئاً يقرب من الحقيقة، هذا المسجد الذي نحن فيه، مساحته فرضاً مع الحرم، والمرافق، والوجائب، ألف وخمسمئة متر، بينما مساحة الجامع الأموي تقدر بثلاثين ألف متر، إذاً الجامع الأموي أكبر من مسجدنا بعشرين ضعفاً، ولكن هذا المسجد الأموي الكبير، سيصبح صغيراً حينما نوازنه بمساحة المسجد النبوي الشريف، ثلاثمئة ألف متر مربع، أي أن المسجد النبوي يكبر الجامع الأموي بعشرين ضعفاً مثلاً .
أيها الأخوة، فإذا بقينا في سياق الموازنات، على اعتبار أن مساحة المدينة المنورة ستمئة مليون متر مربع، فإنها تكبر المسجد النبوي بألفي ضعف، مساحة المدينة أكبر من مساحة المسجد النبوي بألفي ضعف، والجزيرة العربية مساحتها ثلاثة ملايين كيلو متر مربع، إذاً هي أكبر من مساحة المدينة المنورة بعشرة آلاف ضعف، نتابع هذه الموازنات، ومساحة قارة آسيا أكبر من مساحة الجزيرة العربية بأربعة عشر ضعفاً، أما مساحة كوكب الأرض فأكبر من مساحة آسيا بأحد عشر ضعفاً، انطلقنا من هذا المسجد، إلى المسجد الأموي، إلى المسجد النبوي الشريف، إلى الجزيرة العربية، إلى آسيا، إلى الأرض، ما موقع هذا المسجد من مساحة الأرض؟ ثلاثمئة ألف بليون مرة، فهذا المسجد لا شيء أمام مساحة الأرض. التفكر في خلق السماوات و الأرض :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/01.jpg
أيها الأخوة، ولكن كوكب الأرض هل هو أكبر شيءٍ في الوجود؟ بالتأكيد الجواب لا، فالله سبحانه وتعالى خلق كوكب المشتري أكبر من الأرض بألف وثلاثمئة مرة.
﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾
[ سورة الروم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/02.jpg
نتابع، وتبقى الشمس العظيمة نجماً متواضعاً عندما نوازنها بنجومٍ أخرى أودعها الخالق في سمائه، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾
[ سورة ق ]
فإذا نظر الإنسان وجد أن نجم الشِعرى اليمانية ألمع نجمٍ في السماء، يكبر شمسنا بثمانية أضعاف، بالمناسبة الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي إن مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، ونجم الشِعرى اليمانية يكبر الشمس بثمانية أضعاف، وصدق الله عز وجل حينما قال: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾
[ سورة النجم ]
ولنسأل أنفسنا: ما هو حجم كوكب الأرض من الشِعرى اليمانية؟ الشِعرى اليمانية أكبر من الأرض بعشرة ملايين مرة، أي عشرة ملايين أرض تدخل في الشِعرى اليمانية. الدين عباداتٌ شعائرية وتعاملية وتفكرية :
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:
﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾
[ سورة مريم ]
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
وقال الله عز وجل: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة يونس الآية: 101 ]
ولا تنسوا أيها الأخوة، أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهمنا أن الدين عباداتٌ شعائرية، هو في الحقيقة عباداتٌ شعائرية، وتعاملية، وتفكرية، أكثر من ألف وثلاثمئة آية في كتاب الله تتحدث عن الكون، وتدبر هذه الآيات يعني التفكر في خلق السماوات والأرض، والآية الأصل في هذا الموضوع: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
ونحن في هذا البحث ننطلق من أن أصل الدين معرفة الله، فإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من الأمر. التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/03.jpg
الآن إذا أمعنا النظر في كواكب السماء ونجوم السماء، هناك نجم أكبر من شمسنا بخمسمئة مرة، وأكبر من أرضنا بستمئة مليون مرة، نجم، فلا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله والله أكبر و أعظم، أما نجم السماك الرامح فأكبر من شمسنا بثلاثين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعين مليون مرة.
نتابع: أما نجم رجل الجوزاء، فهو أكبر من شمسنا بثلاثمئة وثلاث وأربعين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعمئة بليون مرة، نحن وازنا هذا المسجد بالأرض، والآن نوازن الأرض بهذه الكواكب، أما نجم بيت الجوزاء، فأكبر من شمسنا بمئتين وأربع وسبعين مليون مرة، لذلك هذا النجم أكبر من أرضنا بثلاثمئة وخمس وخمسين تريليون مرة:
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
[ سورة غافر الآية: 57 ]
نندهش بصاروخ صنعه إنسان، نندهش بباخرة، بطائرة، انظر إلى خلق الله عز وجل، مرة ثانية: التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]
الآيات العلمية في القرآن الكريم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/04.jpg
أخوتنا الكرام، النجوم أفرانٌ نوويةٌ مخيفة، يتفطر لها قلب الإنسان هولاً، وخوفاً، حينما يتأمل، ويتدبر، ويتفكر بحجمها، وموقعها، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الواقعة ]
صدقوا أيها الأخوة أن عالم فلكٍ إذا وقف عند كلمة ﴿ مَوَاقِعِ ﴾
لخر ساجداً لله عند كلمة ﴿ مَوَاقِعِ ﴾
فقط، لأن هذا النجم الذي يبعد عنا أربعاً وعشرين مليار سنة، كان في هذا المكان وانطلق الضوء منه، ومشى هذا الضوء نحو الأرض، وبعد أربع وعشرين مليار سنة وصل الضوء إلينا، أما هذا النجم سرعته تقترب من سرعة الضوء، سرعته تقدر بمئتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، أين هو الآن؟ هذا المكان ليس نجماً، هذا المكان موقع النجم، معنى الموقع أن صاحب الموقع ليس في الموقع، لو أن الآية افتراضاً: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم، هذا ليس قرآناً، أما ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، هل أتانا نبأ النجم الأحمر العملاق، الذي اسمه قلب العقرب، والذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، أي ثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون شمس تدخل في قلب العقرب، ومليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس. ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
[ سورة لقمان الآية: 11 ]
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ هذا الإله العظيم يعصى!. لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت
* * *
هذا النجم قلب العقرب العملاق الذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، يبعد عنا ستمئة سنة ضوئية. السماء أشد خلقاً من الإنسان والذي خلقها أشد منها :
أنا مرة حدثتكم: أن أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب للأرض، لو كان له طريق، ومعنا مركبة أرضية، والسرعة مئة، نصل إليه بعد خمسين مليون عام، نحتاج إلى أن نقود مركبةً أرضيةً خمسين مليون عام حتى نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، أما هذا النجم قلب العقرب، بعده عنا ستمئة سنة ضوئية، أي خمسة آلاف مليون مليون كيلو متر، متى نصل إليها؟ والمخيف والمدهش أننا لو افترضنا أن نجم قلب العقرب العملاق حلّ مكان الشمس، لابتلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، دخلوا مع المسافات بينها في جوفه.
أيها الأخوة، هذا النجم الذي يفوق الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة وقلب العقرب أشد إشعاعاً من الشمس بعشرة آلاف مرة، ألم يقل لكم ربكم أيها الأخوة:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
[ سورة النازعات ]
طبعاً نجيب جميعاً بلا تردد: السماء يا ربنا بلا جدال أشد منا خلقاً، والذي خلقها أشد منها، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. الكون لا نهاية لاتساعه وكلما تقدم العلم اكتُشفت آفاقٌ جديدةٌ لم تكن معروفة :
الآن عندنا نجم اسمه كانسيو، يبعد عنا خمسة آلاف سنة ضوئية، يفوق الشمس حجماً بتسعة بلايين ومئتين وواحد وستين مليون مرة.
﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة يس ]
هل نريد أن نعرف حجم أرضنا عند هذا العملاق؟ نسبة الأرض إلى هذا النجم العملاق، طبعاً قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾
[ سورة الذاريات ]
هذا النجم لو حلّ محل نجمنا لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، من أبعد النجوم عن الأرض المشتري، بعض الوكالات أرسلت مركبة فضائية للمشتري، هذه المركبة سارت بأسرع سرعة وضعها الإنسان، أربعون ألف ميل في الساعة بقيت هذه المركبة تتجه نحو المشتري ست سنوات، بسرعة أربعون ألف ميل في الساعة، بعد ست سنوات وصلت للمشتري، وأرسلت الصور من هناك.
أيها الأخوة، هذا النجم العملاق لو حلّ مكان نجمنا، لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، ووصل إلى حدود زحل، طبعاً حتى الضوء الذي سرعته ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، يستغرق ثماني ساعات ليكمل دورةً حول هذا النجم العملاق، يحتاج الضوء إلى ثماني ساعات ليلف حول هذا النجم العملاق، هناك نجم اكتشف حديثاً، بعده عنا يقدر بأربع وعشرين مليار سنة ضوئية، لأنك إذا قرأت قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
لذلك: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 28 ]
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. النجوم هي وحدة بناء المجرات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/05.jpg
أيها الأخوة، النجوم هي وحدة بناء المجرات، مجرتنا المتواضعة، درب التبابنة تحتوي على ملايين، بل بلايين النجوم، والشموس، نحن بمجرة متواضعة، شكلها كشكل عضلة، هذه المجرة المتواضعة تحتوي على ملايين بل بلايين النجوم والشموس، وهذه المعطيات الرقمية ليست نظرية، إنما هي مشاهدة حقيقية من مراصد عملاقة، قابعة في السماء، مرصد هُبل في السماء يرصد هذه النجوم.
يقدر العلماء أن طول مجرتنا مئة ألف سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، طول مجرتنا المتواضعة درب التبابنة مئة ألف سنة ضوئية، أي ما يعادل تسعمئة وخمس وأربعين ألف مليون مليون، يقدر عدد نجوم هذه المجرة المتواضعة ما بين مئتين إلى أربعمئة بليون نجم، وفي السماء الدنيا بلايين المجرات، وكل مجرة تحتوي على بلايين النجوم، والعلماء كلما طوروا مناظيرهم العملاقة اكتشفوا المزيد والمزيد من هذه المجرات، حجم السماء أكبر وأعظم من أن يستوعبه العقل البشري، أو أن يدركه الذهن الإنساني، ولا حتى الحاسب الإلكتروني، يكفي أن نذكر أن متوسط قطر المجرات يساوي ثلاثين ألف سنة ضوئية، أي المجرات كثيرة جداً، لنأخذ متوسطها، قطر مجرة متوسطة يقدر بثلاثين ألف سنة ضوئية، والمسافة بين كل مجرتين ثلاثة ملايين سنة ضوئية، الكون متباعد
﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
وعلى مستوى الكون المكتشف والمنظور هناك أحدث تقدير علمي لعرض الكون أقول لكم كلمات: لا أدري كيف نفهمها؟ قال: الكون، التقدير العلمي الحالي ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، أربعة وعشرون صفراً أمامها واحد. التفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق لأن أصل الدين معرفة الله :
أيها الأخوة، الحقيقة أن الكلمات وحتى الأرقام تعجز عن وصف سعة الكون وما يختزنه من خلقٍ عظيمٍ، ومدهش، قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الحشر ]
هذا الموجود المخلوق فكيف بالموجد الخالق؟ لا زلنا في المخلوق، والمخلوق فيما يبدو لا نهائي، فكيف بالخالق؟ هل أدركنا حجم السماء ومساحتها وسعتها؟.
أيها الأخوة، الآن أتريدون أن تقرؤوا عن مخلوقٍ يتيمٍ يكبر السماوات والأرض، مخلوق يتيم، واحد، يكبر السماوات والأرض، ولم يشاهده البشر إطلاقاً، ولم يخلق مثله في الوجود، إنه الكرسي، ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
مخلوق يتيم واحد يلف الكون كله، سبحان الله، والله أكبر، سبحان الله، والله أكبر وأعظم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله عز وجل يقول: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾
[ سورة الصافات الآية: 11 ]
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
أكاد أضع يدي على مشكلة العالم الإسلامي، عرفوا الأمر، درس في المدرسة الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والأمانة، والصدق، لكن ما عرف من هو الآمر، لذلك تفلت من الأمر، أي: (( لن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
الأمة الإسلامية الآن مليار وخمسمئة مليون، لا وزن لها، ليس أمرها بيدها، للطرف الآخر عليها ألف سبيلٍ وسبيل، كيف نفسر ذلك؟ لأننا ما عرفنا الله، أصل الدين معرفة الله، ومعرفة الله تتم بالتفكر في خلق السماوات والأرض، والتفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق، عن طريق التفكر تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[تفسير ابن كثير]
من عرف الله عز وجل تفانى في طاعته :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3796/06.jpg
أيها الأخوة الكرام، أصل الدين معرفته، والآية الأصل:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
والله عز وجل قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 53 ]
أنت أمام كأس الماء، أمام صحن الطعام، أمام هذه الفواكه، أمام الأسماك، أمام الأطيار، وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ، عود نفسك أن تفكر، تفكر في خلق السموات والأرض، تفكر في طعامك: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس ]
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق ]
أيها الأخوة الكرام: الطفل أساسه حوين واحد، والحوين لا يرى بالعين، والبويضة يمكن لو وضعت لعاباً على طرف إصبعك، ووضعت إصبعك على الملح، بأخف ضغط تجد طبقة ذرات الملح، البويضة تساوي أحد هذه الذرات، والحوين لا يرى بالعين، وعند التقاء البويضة مع الحوين يجري اللقاح و بعد تسعة أشهر يلد طفل، بدماغه مئة وأربعون مليار خلية، سمع، بصر، فم، لسان، مريء، قلب، أمعاء، هضم، كليتان، عضلات، تسعة أشهر: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ* إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾
[ سورة الطارق ]
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ ﴾
في مثل هذا الدرس، ﴿ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
انظر إلى عينك: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
[ سورة البلد ]
إلى لسانك، إلى سمعك، إلى بصرك، إن عرفنا الله تفانينا في طاعته، أما إذا لم نعرفه، الأمر أصبح كما ترون، ثقافة إسلامية، لكن هدى إسلامياً لا يوجد.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع :الادب والرفعة العالية التى يمتاز بها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأدب :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:" سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعل هذا الموضوع أقرب إلى علامات القبول منه إلى أسباب الوصول، هذا الموضوع هو "الأدب".
وقبل كل شيء، الدين الإسلامي أربعة أقسام: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والآداب، أخطر شيءٍ في هذه الأقسام العقائد، إن صحت صحّ العمل، وقُبل العمل، ثم العبادات الشعائرية، والعبادات التعاملية، ثم الآداب.
عقائدُ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وآداب، هناك شيء متعلق بالحلال والحرام، معاملات، و شيء متعلق بالصلاة والصيام، عبادات، وشيء متعلق بالإيمان، عقائد، أما هذا الدرس فمتعلق بالقسم الرابع، وهو الآداب.
أنواع الأدب مع الله عز وجل :
الأدب أن تكون أديباً مع الله، وأن تكون أديباً مع رسوله، وأن تكون أديباً مع خلقه، أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسول الله، وأدبٌ مع الخلق، الأدب مع الله أنواعٌ ثلاث، صيانة معاملته من أن يشوبها نقيصة، فالصلاة تامة، تؤدى أداءً كاملاً، فالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، هذه عبادات، تعاملت مع الله من خلال العبادات، يجب أن تؤدى هذه العبادات أداءً كاملاً، وهذا من الأدب مع الله، أمرك بغض البصر، غض البصر من تمام الأدب مع الله، أمرك بتحري الحلال، تحري الحلال من الأدب مع الله، نهاك عن أن تأخذ ما ليس لك، فإن لم تأخذ ما ليس لك فهذا من الأدب مع الله، أي تتعامل مع الله بهذه العبادات، أو بهذه المعاملات، من كمال الأدب مع الله ألا يشوبها نقص، قد تؤديها لكن مع النقص، قد تؤديها مع الغفلة، أن تؤديها فرض، فرضٌ في العبادات، وفي المعاملات، أما أن تؤديها أداءً كاملاً فهذا أدب، إذاً الأداء الكامل لكل شيءٍ أمرك الله به، الأداء الكامل هو الأدب http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/01.jpg
ومن الأدب مع الله أن تصون قلبك أن يلتفت إلى غيره، هذا أدب القلب، أدب الجوارح، أن تؤدي العبادات أداءً كاملاً، أن تقوم بالمعاملات كما أمر الله قياماً كاملاً، أن تؤدي ما عليك أداءً كاملاً، هذا أدب الجوارح، أي اللسان، والعين، والأذن، واليد، والجسم، أما أدب القلب فألا يلتفت إلى غير الله، لأن الله ينظر إلى قلوبنا، وأعمالنا، فإذا طهرت قلبك من الالتفات لغير الله فهذا من كمال الأدب مع الله.
الآن والأدب الثالث، صيانة الإرادة من أن تتعلق بما يمقت الله عليك، أي لا تنوي إلا الخير، لا تنوي إلا الشيء الذي يرضي الله عز وجل، فأصبح هناك إرادة، وقلب، وسلوك، الأدب مع الله أن تتعامل معه بكمال، بتمام، بأداء حسن، وأن تصون قلبك على أن يلتفت إلى غير الله، والشيء الثالث أن تكون الإرادة إرادة خير للأمة، لا أن تريد شيئاً لا يرضي الله، أي طهر إرادتك، وطهر قلبك، وطهر أداءك للعبادات الشعائرية والتعاملية.
من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن :
أخواننا الكرام، الشيء الذي يعد من أهم نقاط هذا اللقاء، من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن، ومن تهاون في أداء السنن عُوقب بحرمانه من الفرائض، الإسلام حركي، تهمل الآداب، بعد حين سوف تهمل السنن، تهمل السنن، بعد حين تهمل الفرائض، تهمل الفرائض، يصبح القلب مغلقاً:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/02.jpg
إذاً هناك مشكلة، إن تهاونت بالشيء قادك هذا التهاون إلى شيءٍ أكبر، فأعظم شيء الفرائض، ثم السنن، ثم الآداب، فإذا تهاونت بالآداب حرمت السنن، تهاونت في السنن حرمت الفرائض، تهاونت بالفرائض حرمت معرفة الله، وأصل الدين معرفة الله، من تأدب مع الله صار من أهل محبته، أي الأدب مع الله يكسبك محبة الله.
أحد العلماء رأى شاباً يتطاول، فقال: يا بني! نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم.
مرة قال بعض الأدباء: رقصت الفضيلة تيــهاً بفضلها فانكشفت عورتها
***
حتى لو اعتززت بطاعة، أنا اليوم صليت قيام الليل، قلتها مئة مرة، أردت بهذا الكلام أن تصغر من حولك، صمت من أيام النفل، تقول لصديقك: أأنت صائم اليوم؟ هذا الذي يؤدي العبادة بلا أدب فقد أجر العبادة، فلذلك نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم. خصائص الآداب :
أخواننا الكرام، الآداب من خصائصها أنها تعمق الصلة بالله عز وجل، الإمام الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ سُئل عن أنفع الأدب، فقال: التفقه بالدين، التفقه بالدين أدب، أحياناً الإنسان يكون مدعواً على طعام، ينتهي من الطعام في وقت مبكر جداً، يبتعد عن المائدة، ويقوم إلى مكان آخر، يحرج الحاضرين، عند الإمام الغزالي بالإحياء فصول رائعة جداً في الآداب: إذا انتهيت من الطعام ينبغي أن تبقى جالساً، إلى أن يقوم آخر واحد، أما أن تنسحب بوقت مبكر فهذا يحرج الباقين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/03.jpg
فلذلك الأدب التفقه في الدين، فإذا طالعت كتاباً في الآداب، آداب الطعام، آداب الحديث، آداب العيادة، تعود مريضاً، ورد في بعض الآثار: "العيادة فواق ناقة"، مقدار حلب ناقة، يجلس ساعة، عنده أدوية، عنده مشكلة، عنده حاجة إلى شيء، فالآداب شيء أساسي جداً، وهناك كتب زاخرة بالآداب، آداب العلاقة مع الزوجة، آداب العلاقة مع الجيران، عندنا عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب علامة محبة الله لك، إذاً التفقه في الدين، والزهد في الدنيا.
الحقيقة الزهد في الدنيا يعني أن تكون طامعاً في الآخرة، الزاهد إنسان ذكي جداً، طموح جداً، طموحاته أكبر مما يتصور الإنسان، لكنه زهد في هذه الدنيا التي سوف تنتهي بالموت، وطمع بما عند الله، الزهد في الدنيا لا يعني أن تكون مهملاً لبيتك، مهملاً لعملك، فقيراً، ما تابعت الدراسة، لا ليس هذا هو الزهد، الزهد أن تنقل اهتمامك من الدنيا إلى الآخرة، تشتري بيتاً وتسكن، تنال دكتوراه، تؤسس معملاً، كله جيد، الدنيا عمل، إلا أنه يجب ألا تضع البيض كله في سلة واحدة، تقامر وتغامر، فإذا وضعت كل نشاطاتك في الدنيا، هذه النشاطات تنتهي بوقف القلب، كل كيانك، كل طموحاتك، كل مكانتك، كل هيمنتك، مبنية على ضربات القلب، فإن توقف، انتهى كل شيء، سكتة قلبية، طموحاتك كلها مبنية على نمو الخلايا، نمت نمواً عشوائياً انتهت الحياة، فالذي يغامر بالدنيا فقط مقامر، أي وضع كل إنجازاته في حيز محدود وضيق، لذلك الزهد في الدنيا أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، والمعرفة بما لله عليك هذا كلام الإمام الحسن البصري في الأدب، التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة لما لله عليك.
تعريفات الأدب :
من تعريفات الأدب، قال: "أن تستعين بالله على مراد الله، وأن تصبر لله على الأدب مع الله"، يحتاج إلى صبر، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ يعصيه بالحواس الخمسة، يعصيه بالمال الذي أنعم الله به عليه، فرقٌ كبير، مرة إنسان في أثناء مناجاته لله، قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
فرعون، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[ سورة طه ]
قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟ إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله؟ فأن تستعين بالله على مراد الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/04.jpg
إنسان عاتب الإمام الجنيد، قال له: أدبت أصحابك أدب السلاطين، أي أدب الالتزام التام والخوف، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن.
الإنسان ـ صدقوا ولا أبالغ ـ عنوان محبته لله المبالغة في الأدب مع الله، وقال بعضهم: "الأدب مع الله حُسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم، والإجلال، والحياء، كما لو أنك تجالس ملكاً"، الآن الإنسان إذا كان بحضرة إنسان له مكانة كبيرة، لا يعبث بالسبحة، ولا يقرأ جريدة أمامه، ولا يجلس جلسة ليس فيها أدب، بشكل لاشعوري إذا كان الإنسان مهماً، له مكانة، قد تكون دينية، أو اجتماعية، أو له منصب رفيع، تجلس أمامه جلسة فيها أدب، تتجه إليه هكذا، فكلما ازداد أدبك ازدادت محبة الله لك.
إنسان لا يقدر أن ينام، المصحف عند قدميه، لا يقدر، لا يقدر أن ينام بغرفة فيها أشياء مقدسة، بغرفة النوم أشياء مقدسة مثلاً، تجد المسلمون عندهم آداب راقية جداً.
والله حدثني أخ، ذهب إلى جامعة في الدول الشرقية، التي ترفع شعار لا إله، قال لي: دورات المياه جماعية، صالون كبير الناس أمام بعضهم بعضاً، والاغتسال جماعي، بالجامعات يغتسل الإنسان عرياناً أمام كل من حوله، ويقضي حاجته أمام كل من حوله، أين الأدب؟ النبي عليه الصلاة والسلام، استأجر أجيراً، فاغتسل أمام الناس عرياناً، فقال له: (( لَا أَرَاك تَسْتَحِي مِنْ رَبِّكَ خُذْ إجَارَتَك لَا حَاجَةَ لَنَا بِك ))
[عبد الرزاق عن ابن جريج]
النبي عليه الصلاة والسلام ما رئي ماداً رجليه قط، أحياناً إنسان يكون عنده آلام في المفاصل، هذا موضوع ثان، أما بلا سبب، الأدب مع الله أن تكون في وضع يليق بك كمؤمن، من أدب النبي مع الله، كان يقول: (( إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ))
[أحمد عن عطاء بن أبي رباح ]
الأدب في القرآن الكريم :
صدقوا ولا أبالغ، الأديب مع الله، حتى لو قاد مركبته بأدب، هناك جلسة فيها سوء أدب، هناك نظرة للناس فيها استعلاء، هناك جلسة جانبية، حتى بركوب المركبة يوجد سوء أدب، حتى في السير، هناك تجاوز أحياناً، إنسان يتجاوزك ترفع السرعة، هذا سوء أدب، لم يفعل شيئاً أحب أن يتجاوزك، عندما بدأ يتجاوزك تحاول أن تمنعه من ذلك، فهذا سوء أدب، في القيادة أخلاق، الدين كله أدب، والله أنا أعترض على كلمة: لا حياء في الدين، الدين كله حياء، هذه لا حياء في الدين، نقول ما نشاء، ونفعل ما نشاء، تحت شعار لا حياء في الدين، الدين كله حياء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/05.jpg
يا بنيتي! إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، قال: حجم عظامك، لأن أي كلمة أخرى تثير الشهوة، تصف حجم عظامك، انظر الأدب في القرآن الكريم:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج الآية: 29 -30 ]
دخل كل أنواع الانحراف الجنسي: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المعارج ]
الآية الكريمة: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 6 ]
طفل قرأ القرآن، ماذا يفهم من ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
لمس يد امرأته مثلاً. ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 189 ]
انظر إلى كلام الله عز وجل، الصحابية الجليلة قالت لسيدنا عمر: إن زوجي صوامٌ قوام، ما هذه الكلمة؟ قال لها: بارك الله لك في زوجك، فقال سيدنا علي له: إنها تشكو زوجها، ما هذه الشكوى؟ إن زوجي صوامٌ قوام، أي يقوم الليل، ويصوم النهار، ولم يعد له علاقة معي، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها.
النبي الكريم أقنع أحد الصحابة، كان منصرفاً عن زوجته كلياً، أقنعه أن يكون متوازناً، ففي اليوم التالي جاءت زوجته إلى السيدة عائشة عطرةً نضرة، قالت لها: ما الذي أصابك؟ اسمعوا جوابها، قالت: أصابنا ما أصاب الناس، فقط. المؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة :
أنا أحتار بأدب الصحابة، يتكلمون كلاماً من أرفع ما يكون، وصدقوا ولا أبالغ المؤمن تعيش معه أربعين سنة لا تسمع منه كلمة فيها سوء أدب، كلمة فيها ذكر عورات، كلمة فيها طرفة جنسية، كلمة ملغومة، الكلام الملغوم، واستخدام الضمير الغائب بشيء لا يرضي الله، والمؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة، أي أحد أكبر أنواع الاستقامة ضبط اللسان:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/06.jpg
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
قال بعضهم: "الأدب أن تعرف رعونات النفس"، أحياناً النفس لها رعونات، لها تجاوزات، الأدب أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات، من أدب النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة، دخلها خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله عز وجل.
مرة امرأةٌ سألت النبي: كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: خذي فرصةً ممسكةً تتبعي بها أثر الدم، خذي فرصةً ـ أي خرقةً ـ ممسكةً، تتبعي بها أثر الدم، فسألت: كيف أتّبع بها أثر الدم؟ فاحمر وجه النبي من شدة الخجل، قال لها: يا سبحان الله! تطهرين بها، فالسيدة عائشة جرتها إلى مكان آخر وشرحت لها. من صحت محبته لله كان أديباً مع الله :
المؤمن عنده حياء، عنده خجل، هذا الكلام الوقح، هذه التعليقات اللاذعة، تجد إنساناً ثقافته عالية، لكن عنده كلمات وقحة، وتعليقات لاذعة وقاسية، هذا من بعده عن الله، كلما ازداد قربك من الله ازداد أدبك، قال: إذا صحت محبتك لله كنت أديباً مع الله، فكأن الأدب مع الله من علامات محبة الله، سيدنا عيسى عليه وعلى نبيينا أفضل الصلاة والسلام استمعوا إلى الأدب مع الله:
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 116 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/07.jpg
لو أنه قال: لم أقل هذا الكلام. ﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾
[ سورة المائدة ]
مرة سيدنا عمر من أدبه مع الله وقف على المنبر مكان الصديق، ونزل درجة، قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، مستحيل! يقولون:إن سيدنا عثمان نزل درجة، ثم عاد إلى الدرجة السابقة، وهناك خليفة أموي سأله وزيره، قال له: إن عثمان لمَ لم ينزل درجة؟ قال له: لو فعلها لكنت في قعر بئر، إذا كل خليفة نزل درجة تحتاج أن تحفر بئراً وتجلس في الأسفل، كذلك سيدنا عثمان عنده حكمة بالغة، نزل درجة أدباً، ورجع إلى مكانه، فهذا أدب.
سيدنا عمر تقرب منه إنسان بمديح، فقال له: ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، يا لطيف! وكأنه نطق بالكفر، فأحدّ فيهم النظر، حتى انخلعت قلوبهم خوفاً منه، إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال له: الصديق، قال لهم: كذبتم جميعاً وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، ما هذا الوفاء؟. الأدب ربع الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3838/08.jpg
أيها الأخوة، جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة، اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، الواحد منا يلتقي بإنسان في الطريق لا يعرف ماذا يفعل؟ يحترمه، لو علم ماذا يفعل ما سلم عليه، الله عز وجل يقول:
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
الله عز وجل يعلم كل أخطائهم، وكل انحرافاتهم، الحمد لله على حلمك بعد علمك والملكان الآخران يقولان: الحمد لله على عفوك بعد قدرتك، قادر، ويعفو، ويعلم، وحليم، ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
أيها الأخوة، لا تنسوا أن موضوع الأدب ربع الدين، عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب تقرب إلى الله، الآداب علامة محبة الله، الآداب أسرع طريقٍ إلى الله، الآداب أن تؤدي العبادات بالتمام والكمال، أن تؤدي الأوامر والنواهي بالتمام والكمال، الآداب أن تحب الله فكأن هناك علاقة ترابطية بين الحب والآداب، أنت أديب إذاً الله يحبك، أنت محب إذاً تتأدب مع الله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع :اداب الانبياء



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأدب مع الله :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ اتصالاً شديداً بـ:"سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو "الأدب مع الله"، وقد بينت لكم من قبل أن في الدين عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وبالأدب يكمل الإيمان، وفي الدين عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وهذا الدرس يندرج مع الآداب، جاء في الأثر: أن من حملة العرش ملكان يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، الله عز وجل: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/01.jpg
ومع ذلك هو حليمٌ على عباده، يرزقهم، ويعافيهم، وملكان آخران يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، دقق، حلمٌ مع العلم، وعفوٌ مع القدرة، فالمؤمن الصادق يتخلق بهذا الكمال الإلهي، حلمٌ بعد علم، وعفوٌ بعد قدرة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحج ]
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
النبي عليه الصلاة والسلام سئل ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
أي الكمال البشري متمثل في رسول الله، وكنت أقول دائماً: الكون قرآنٌ صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي.
وحينما سئلت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: "كان خلقه القرآن". بطولة المؤمن أن يكون في أعلى درجات الخلق في البيت :
مرةً ثانية: من السهل جداً أن تنضبط في علاقاتك مع الآخرين، وهذا ينبع من حرصك على مكانتك، ولكن الانضباط الحقيقي، ولكن الخلق الأصيل ما كان في بيتك، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/02.jpg
وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، وكان يقول عن النساء: (( فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
وبطولة المؤمن أن يكون في أعلى درجات الخلق في البيت، شكاوى لا تعد ولا تحصى مفادها أنه من ألطف الناس مع الآخرين، ومن أقساهم في بيته، ودائماً وأبداً أؤكد لكم أن بطولتك أيها المؤمن أن يكون العيد إذا دخلت إلى بيتك، وهناك أناسٌ يكون العيد بخروج الزوج من البيت، فالبطولة أن يكون العيد إذا دخلت لا إذا خرجت.
ومكة التي ناصبت النبي عليه الصلاة والسلام العداء عشرين عاماً، أخرجته ونكلت بأصحابه، فلما فتحها، ودانت له هذه المدينة التي أخرجته، وهي مدينته، وسأل أهل مكة: (( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
[ السيرة النبوية]
بل إن عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمةً من فمه الشريف، ودائماً الأقوياء يبيدون المدن. أحمق إنسان من لا يدخل الله عز وجل في حساباته :
يروى أن إنساناً يطوف حول الكعبة، ويدعو ويقول: ربي اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل، مشى وراءه إنسان، سمع هذا الكلام، فقال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟ قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنةٍ في مدينة، فلما قمعت أبيحت لنا المدينة، قال: دخلت أحد البيوت، وجدت فيها رجلاً وامرأةً وولدين، قتلت الرجل وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها فقتلت ولدها الأول، فلما رأتني جاداً في قتل الثاني، أعطتني درعاً مذهباً، أعجبتني، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأتهما، فوقعت مغشياً علي:
إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/03.jpg
أخوتنا الكرام، الذي لا يدخل الله في حساباته هو من أغبى الأغبياء، ومن أحمق الحمقى. فــويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضي الأرض مـن قاضي السماء
* * *
طبعاً حينما بالغ أهل الطائف في الإساءة إلى النبي، حينما كذبوه، وحينما سخروا منه، بل حينما أغروا صبيانهم أن يضربوه وضربوه، وسال الدم من قدمه الشريف، جاءه ملك الجبال: (( قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ـ أي الجبلين ـ قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ـ هل فوق هذا الأدب من أدب مع الله؟ ـ اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[متفق عليه عن عائشة]
ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
أدب الأنبياء :
في هذا اللقاء الطيب الحديث عن أدب الأنبياء، الأنبياء قممٌ في الكمال، كان سيدنا حنظلة يبكي في الطريق، مرّ به الصديق فقال له: ما بك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولِمَ يا أخي؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، قال: أنا كذلك يا أخي ـ من تواضع الصديقـ انطلق بنا إلى النبي الكريم، فلما التقيا بالنبي عليه الصلاة والسلام حدثاه بهذا الحال، فقال: نحن معاشر الأنبياء، تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/04.jpg
معنى ذلك أن أحوال الأنبياء اتصال دائم مع الله، أما نحن فساعة وساعة، وأنا أتمنى عليكم من أعماق قلبي ألا تفهموا ساعة وساعة، ساعة معصية، وساعة استقامة، لا أبداً، ساعة تألق وساعة فتور فقط ، المؤمن ساعة تألق، وساعة فتور، مؤمنو الجن ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾
[ سورة الجن ]
ما قالوا: وأنا لا ندري أشرٌ أراد الله بهم، الله عز وجل كماله مطلق، كلام لطيف جداً: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾
سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ماذا قال؟: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 116 ]
لو أنه قال: لم أقل ذلك. ﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة المائدة ]
أي أدب الأنبياء شيء مذهل، هم قدوةٌ لنا. ما جاء به الأنبياء من منهجٍ أخلاقي جميع البشر مكلفون أن يطبقوا هذا المنهج :
الذي يلفت النظر كأن الإنسان إذا قرأ عن كمالات الأنبياء يقول: هذا نبي، هو نبيٌ، وأنت لست بنبي، لكنك مكلفٌ أن تقلد النبي والدليل: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/05.jpg
أوضح لكم هذه الحقيقة: أعلى جراح قلب، وأدنى ممرض، حينما يعطون حقنة لابد من تعقيمها، يستوي أكبر جراح مع أدنى ممرض في تعقيم الحقنة.
فلذلك ما جاء به الأنبياء من منهجٍ أخلاقي، جميع البشر مكلفون أن يطبقوا هذا المنهج، قيادة المركبة، يستوي أعلى إنسان لو أنه ملك قاد مركبة، وخفير صغير قاد مركبة، لابد من اتباع تعليمات موحدة، أي إذا قلت: إن النبي نبي، نعم هو نبي، وأنت لست بنبي لكنك مكلفٌ أن تكون مطبقاً لمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا موسى، قال: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص ]
فقير إلى ماذا؟ يا الله! فقير إلى العمل الصالح، لما سقى للفتاتين، ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح، والغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، أما بمقياس الناس الغنى الحقيقي بحجمك المالي، والفقر الحقيقي عند الناس بقلة المال الذي بين يديك.
لذلك ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله"، لا يسمى الغني غنياً في الدنيا إلا إذا أنفق هذا المال في طاعة الله، ولا يسمى الفقير فقيراً في الدنيا إذا كان محسناً، وله أعمالٌ صالحة كبيرة جداً، ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
أسعد لحظات المؤمن عند مناجاة الله عز وجل :
أيها الأخوة، سيدنا آدم، أنا أتيكم بمواقف الأنبياء في الأدب، سيدنا آدم قال: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/06.jpg
المؤمن له مناجاة مع الله عز وجل، وهو في أسعد لحظاته حين يناجي ربه، أي أنت حينما تتعامل مع الله هو معك، يسمعك، ويراك، بالمناسبة إن تكلمت فهو يسمعك، ألم تقل في الصلاة: سمع الله لمن حمده؟ هو الآن يسمعك، حتى إن بعضهم قالوا: إن أردت أن تناجي الله فادعه، الدعاء مناجاة، إن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
[ سورة الإسراء ]
أنت حينما تقرأ القرآن كأن الله يخاطبك، وحينما تريد أن تناجي ربك ادعه، فأنت بالدعاء تناجي، وبتلاوة القرآن يناجيك الله عز وجل، ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
ورد في بعض الأثر: أن شاباً له شيخ، قال له: يا بني، إن لكل حسنةٍ ثواباً، وإن لكل سيئةٍ عقاباً، يبدو أن هذا الشاب زلت قدمه، فارتكب مخالفة، بحسب كلام شيخه لابد من عقابٍ سوف يقع به، فانتظر، فهذا الشاب انتظر المصيبة، مرّ أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع، لم يحصل شيء، بصحته، ببيته، بمركبته، الآن كله تمام، فناجى ربه، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني، قال: فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفِك هذه؟ أكبر عقاب يصيب المؤمن أن يحجب عن الله عز وجل :
أخواننا الكرام، الذين لهم أذواق عالية جداً، أكبر عقاب يعاقب به الإنسان أن الله يحجبه عنه فقط، لا تكفيك هذه؟ إذا ابن تربيته عالية جداً، ما من داع لأن يضربه الأب إطلاقاً، يكفي أن يعرض عنه، فيحترق، كلما ارتقى مقامك تتأثر لا بالضرب، تتأثر بالإعراض.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/07.jpg
لذلك أكبر عقاب يصيب المؤمنين، لا مصائب، ولا شيء، مكانته، صحته، بيته كله تمام، لكن الله يعاقبه بحجبه، والدليل: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
هذا الحجاب أكبر عقاب، ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
سيدنا أيوب قال الله عنه: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 83 ]
بربكم هؤلاء الأنبياء يخاطبون ربهم، هل خطر ببالك أن تناجي ربك؟ عندما تلعب رياضة، ناجِ ربك، تقود مركبتك، ناجِ ربك، اطلب منه العفو، استسمحه، استغفره، عبر عن محبتك له، شيء رائع جداًَ أن تناجي ربك: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 83 ]
قال: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾
هناك إنسان يقول: أنت ابتليتني يا رب: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
الله عز وجل إن حدثته فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن ناجيته فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن أضمرت شيئاً فهو عليم، أنت في قبضته. سيدنا يوسف عليه السلام قمة في الأدب :
من قمم الآداب سيدنا يوسف، هذا الطفل الصغير، الوديع، الذي وضعه أخوته في الجب، وضعوه في الجب ليموت، والقصة تعرفونها جميعاً، كيف أن سيارةً مرت بهذا البئر، أدلوا دلوهم، فخرج هذا الطفل الصغير:
﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾
[ سورة يوسف الآية: 19 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/08.jpg
الآن بعد أن التقى بإخوته، وهو عزيز مصر، في أعلى مقام، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100 ]
بربكم، أيهما أخطر السجن أم الجب؟ لم يقل: إذ أخرجني من الجب، لئلا يُذكّر أخوته بجريمتهم، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
ثم يقول: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف ]
لم يقل: تآمروا علي، عزا الأمر إلى الشيطان، هو وأخوته سواء، والشيطان دخل بينهما، هذا كله نحتاجه في علاقاتنا، ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
على الإنسان أن يلزم الأدب ظاهراً و باطناً :
قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحدٌ الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحدٌ الأدب باطناً إلا عُوقب باطناً، بالظاهر أساء الأدب، هناك من يسيء إليه بالباطن، يحجب عن الله، عقاب الظاهر بالظاهر، وعقاب الباطن بالباطن http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/09.jpg
بعضهم قال: إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، فهناك مشكلةٌ كبيرة في علاقاتك مع الله، معنى هذا أنت محجوب، و هذه مشكلة كبيرة، وبعضهم قال: اعلم أنه لا قلب لك، لا يوجد خشوع إطلاقاً، لا تبكي أبداً، لا تضطرب أبداً، هناك مشكلة، قال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
قال بعضهم: الأدب في العمل من علامات قبول العمل، هناك عمل أديته بأدب، من علامات قبوله أنك توجته بالأدب، والأدب كما قلت قبل قليل: كمال العمل الصالح، وكمال العبادة، حتى إن بعض الكتاب المعاصرين له كلمة أعجبتني قال: رقصت الفضيلة تيــهاً بفضلها فانكشفت عورتها
***
أي هناك عمل صالح كبير، إن تكلمت عنه مرة، مرتين، ثلاثة، فقد قيمته، اجعله بينك وبين الله، فالعمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر هذا العمل الطيب تاه صاحبه به، فذهبت قيمته.
وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخلق الحسن، وقال بعضهم: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال، من القوة إلى الفعل: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
أعظم عملٍ على الإطلاق أن يزكي الإنسان نفسه :
أخواننا الكرام، الإنسان عندما يجهد ليكون كاملاً هو قريب من الله عز وجل لأن: (( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/10.jpg
فهذه الآداب التي تأدب بها أنبياء الله عز وجل ينبغي أن نأخذ بها نحن في علاقاتنا، لذلك أيها الأخوة، أعظم عملٍ على الإطلاق أن تزكي نفسك: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
بل إن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 72 ]
ما الأمانة؟ نفسك التي بين جنبيك، أودعها الله عندك أمانة، فإما أن تُعرفها بربها، وإما أن تحملها على طاعته، وإما أنها تقبل عليه فتزكو، وزكاة النفس ثمن الحنة، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
بالقرآن أعتقد آيتان أو ثلاثة فقط: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
إذاً تنجح، وتفلح، وترقى، وتنجو، وتتفوق، وتكون عاقلاً، وذكياً، وحكيماً حينما تزكي نفسك، لأنها رأسمالك، لأن هذه النفس إذا زكيتها استحقت جنة ربها. الأدب كمال العبادة :
صدقوا أيها الأخوة،
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3839/11.jpg
من أخطر آيات القرآن الكريم، الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، والذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، أن تزكي نفسك، أي أن تطهرها من الأدران، وأن تصلها بالواحد الديان، هذا هو الذكاء والفلاح، وهذا لا نعرف قيمته إلا حينما نقابل الله عز وجل، فالمؤمن في روضات الجنات، المؤمن يرى مقامه عند الله حينما يأتيه ملك الموت: (( يقول: لم أرَ شراً قط، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
[ورد في الأثر]
أي إذا أتيح لنا إن شاء الله أن نصل إلى القبر ونحن طاهرون، والله فاز الإنسان بكل شيء، تحمل بعض العلاج الإلهي في الدنيا، تحمل بعض المشكلات. (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
من خلال هذه النصوص والآداب التي تخلق بها الأنبياء يتبين أن الأدب كمال العبادة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع :التذوق من حلاوة الايمان







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. بطولة الإنسان لا أن يدرك حقائق الإيمان بل يذوق حلاوته :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:"سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الذوق"، والذوق أن تذوق حلاوة الإيمان، والذوق ينطلق من قوله تعالى:
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 14 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/01.jpg
أخواننا الكرام، يوجد بالدين حقائق يدركها العقل، يقبلها، يؤمن بها، يقتنع بها، يدعو إليها، هذا نشاط عقلي، وفي الدين أحوال، الإنسان يحب الله، يتصل به، تأتيه سكينة من الله يسعد بها، هذه أحوال.
إذاً هناك أقوال، وأحوال، وحقائق، وأذواق، من أين جِئت بهذا الكلام؟ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
ذاق طعم الإيمان، الإيمان له حقائق، وله طعم، فمن لم يذق طعم الإيمان لا يصل إلى مبتغاه، البطولة لا أن تدرك حقائق الإيمان، البطولة أن تذوق حلاوة الإيمان، والبون شاسعٌ جداً بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان، أي إنسان يملك تفكيراً سليماً، يدرك أن لهذا الكون خالقاً، يدرك أن هذا الخالق عظيم، كبير، غني، قوي، بل إن إبليس اللعين: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة ص ]
قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة ص ]
فإدراك حقائق الإيمان من دون أن تذوق حلاوة الإيمان لا تقطف ثمار الدين إطلاقاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً ـ أي خضع لأمره ـ وبالإسلام ديناً ـ كمنهج ـ وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
الحديث التالي هو الحديث الأصل في موضوع حلاوة الإيمان :
ولكن الحديث الأصل في هذا الموضوع، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان وطَعْمَهُ؛ أنْ يكون اللَّهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهُما ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/02.jpg
أنا أعلق تعليقاً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، أليس الله ورسوله أحب إليك مما سواهما؟ لا يتردد واحد في أن يؤكد هذا المعنى، يقول: نعم، ليس هذا هو المعنى، قال علماء شرح الحديث: أن يكون الله في قرآنه، والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، أحب إليك من مصالحك المتوهمة القريبة إذا تعارضت مع الكتاب والسنة.
وكيل شركة، دخله فلكي، لأنه الوكيل الحصري، جاءه مندوب، طلب مطعماً فيه خمر، فحينما لا يعبأ بالتحريم، ويقدم له هذا المشروب المحرم، من أجل مصلحته، فهو بهذا لم يدفع ثمن حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان شيء يصعب تصوره، الناس يعيشون بحقائق الإيمان، يقول لك: الحمد لله نحن مسلمون، لكن لو ذقت حلاوة الإيمان لكنت إنساناً آخر. (( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان وطَعْمَهُ: أنْ يكون اللَّهُ ـ أي في قرآنه، والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته ـ أحبَّ إليه مما سواهُما ))
من الدنيا وما فيها حينما تتعارض مصالحك المتوهمة، حينما تتعارض مصالحك القريبة، مع كلام الله، وسنة رسوله، وتؤثر طاعة الله، وتضع تحت قدمك هذه المصالح المتوهمة، عندئذٍ تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، وعندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، وعندئذٍ تقول: أنا أسعد الناس، إن لم تقل: أنا أسعد الناس، إلا أن يكون أحدٌ أتقى مني لم تذق حلاوة الإيمان: (( أنْ يكون اللَّهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهُما ))
البند الأول. الولاء و البراء :
البند الثاني:
((ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/03.jpg
هذا سماه العلماء الولاء والبراء، أنت توالي المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وتتبرأ من الكفار والمشركين، ولو كانوا أغنياء وأقوياء، أنت مع المؤمنين، هذا هو الولاء والبراء، ويكاد يكون الولاء والبراء الفريضة السادسة، توالي من أنت؟ توالي الأقوياء ولو كانوا أعداءً للدين؟ توالي الأغنياء لأن مصالحك معهم؟ أم توالي أهل الإيمان وتحمل همهم وتتمنى انتصارهم ويؤلمك ما يعانون من مآس؟. (( ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
(( كما يكرَه أن يُلقى في النار ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
أي هناك إنسان يعبد الله على حرف، مادامت مصالحه مؤمّنة، ما دام وضعه العام جيد، هو مؤمن، صالح، لكن حينما تهدد مصالحه، يتنكر لهذا الدين، هذا الحديث الصحيح أصلٌ في موضوع الذوق: (( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرَه أن يُلقى في النار ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
من لم يكن محباً لله مؤثراً طاعته على كل شيء فقد أهمل شطر الدين :
أخواننا الكرام، مرة ثانية: في الإنسان عقلٌ، وقلبٌ، وجسم، العقل غذاؤه العلم، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، والقلب غذاؤه الحب، فالذي يهمل قلبه أهمل شطر الدين، قال تعالى:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 54 ]
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/04.jpg
فالقلب غذاؤه الحب، وما لم تكن محباً لله، مؤثراً طاعته على أي شيء آخر، فقد أهملت شطر الدين، الإيمان حقائق، وأذواق، الإيمان أقوال، وأحوال، فالحال متعلق بالقلب، والأقوال متعلقة بالعقل، فأنت عقلٌ تدرك، غذاؤه العلم، وقلبٌ يحب، غذاؤه الحب.
أخواننا الكرام، بعض الذين نظموا الشعر يقول: فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة ً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولــو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقاً لقربنــــا
فمـــا حبنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
* * *
مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً :
أيها الأخوة، الذوق أن تذوق طعم القرب، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، وفي توجيه بعض المفسرين في قوله تعالى:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/05.jpg
جنةٌ في الدنيا، وجنةٌ في الآخرة، يؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا، أي ذاقوا طعمها، إنها جنة القرب، يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟.
أي ما لم تتمتع، ما لم تشعر، ما لم تتصل، ما لم تقبل، ما لم يشعر قلبك بالسكينة، بمشاعر الإيمان، فأنت أهملت شطر الدين، الدين عقائد، وعبادات، العبادة اتصال بالله، الصلاة من أجل الصلاة، والصيام من أجل الصلاة، والحج من أصل الصلاة، والذكر من أجل الصلاة، والدعاء من أجل الصلاة، الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن تركها هدم الدين، الصلاة غرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، والصلاة هي الفرض الوحيد الذي لا يزول بحال، الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال، الصيام يسقط عن المريض والمسافر، والحج يسقط عن المريض والفقير، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرةٌ واحدة، أما الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال إنه الصلاة.
لذلك أيها الأخوة الكرام، أنت بالصلاة الحقيقية، بالاتصال الحقيقي، تكتسب الكمال الذي وعدك الله به، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً، منحه خلقاً حسناً. أمثلة عن صحابة ذاقوا حلاوة الإيمان :
لو أن أتيت لكم بأمثلة عن هؤلاء الذين ذاقوا حلاوة الإيمان، سيدنا خبيب بن عدي، قبض عليه المشركون ليصلبوه، انتقاماً من قتلى بدر، فجاء أبو سفيان وسأله، دققوا أتحب أن يكون محمدٌ مكانك؟ هذا الصحابي الجليل ذاق حلاوة الإيمان، ماذا قال؟ قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ـ أي أمامي زوجتي وأولادي، والإنسان الذي عنده زوجة وأولاد وهما أمامه شيء مريح ـ وعندي عافية الدنيا، ونعيمها ـ أي بالتصور المعاصر بيت فخم، إطلالة رائعة، مساحة واسعة، أجهزة كهربائية كاملة، الثلاجة ممتلئة بما لذّ وطاب، من الطعام، والشراب، والفواكه، والحلويات، والورود ـ والله ما أحب أن أكون في أهلي، وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة.
هذا الصحابي الجليل ذاق حلاوة الإيمان، والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة.
أيها الأخوة، صحابيٌ آخر، اسمه سعد بن الربيع، هذا سأل عنه النبي عقب معركة أُحد، فلم يعلم أحد عنه شيئاً، كلف أحد الصحابة أن يتفقده في أرض المعركة، ذهب إلى أرض المعركة، فرأى القتلى، وبعض الجرحى، وكان سعد بن الربيع بينهم، فقال له: يا سعد! أنت مع الأموات أم مع الأحياء؟ أي جرحك بسيط أم جرحك كبير؟ قال له: أنا مع الأموات، قال له: النبي الكريم أرسلني كي أتفقدك، اسمعوا ماذا قال، قال: أبلغ رسول الله أن جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وهو يموت! وهو سيلاقي الدار الآخرة! أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ أصحابه أنه لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عينٌ تطرف، وهذا الصحابي أيضاً ذاق حلاوة الإيمان.
أخواننا الكرام، امرأةٌ ذاقت حلاوة الإيمان، بلغها في أُحد أن النبي قُتل، فانطلقت إلى ساحة المعركة، فرأت أباها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت زوجها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت ابنها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت أخاها مقتولاً، رأت أباها، وزوجها، وابنها، وأخاها، وهي تقول: ما فعل رسول الله؟ إلى أن وقعت عينها عليه، فاطمأنت، وقالت: يا رسول الله كل مصيبةً بعدك جلل، هذه امرأةٌ ذاقت حلاوة الإيمان.
من ذاق حلاوة الإيمان كان أسعد الناس :
والله أيها الأخوة، لو ذاق أحدنا حلاوة الإيمان لكان إنساناً آخر، نحن نؤمن بالله ورسوله، وبالكتاب، وبالقضاء والقدر، ونصلي، ونصوم، ونحج، ونزكي، لكن لو ذقت حلاوة الإيمان لكنت إنساناً آخر، هؤلاء الصحابة القلة الذين وصلوا إلى أطراف الدنيا، الذين دانت لهم الدنيا شرقاً وغرباً، ذاقوا حلاوة الإيمان، كانوا أسعد الخلق، وإن لم تقل أنا أسعد الناس، إلا أن يكون أحدهم أتقى مني، فلم تذق حلاوة الإيمان، الإيمان أن تكون مع الله، الإيمان أن تكون مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، الإيمان أن تتصل به، أن تسعد بقربه، لذلك هناك حقائق الإيمان، يدركها جميع المسلمين، وهناك حلاوة الإيمان، هذا الذي قال:
فليتك تحلو والحياة مــريرةٌ ولــيتك ترضى والأنام غضابُ
ولـيت الذي بينك وبيني عامرٌ وبينـــي وبين العالمين خرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغٌ وشربي مـن ماء الفرات شرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ وكــل الذي فوق التراب ترابُ
* * *
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/06.jpg
أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، كما كان إبراهيم في النار: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، وأنت في بطن الحوت، سيدنا يونس: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، وأنت ملاحق، وقد هدر دمك، ووضع مئة ناقةٍ لمن يأتي بك حياً أو ميتاً، النبي الكريم، وهو في الغار، قال له الصديق: يا رسول الله لقد رأونا: (( فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
أنا أقدم لكم نماذج ذاقوا حلاوة الإيمان، النبي الكريم في الغار، مهدورٌ دمه، ذاقوا حلاوة الإيمان في بطن الحوت، ذاقوا حلاوة الإيمان في النار، ذاق أهل الكهف حلاوة الإيمان وهم في الكهف. الفرق الكبير بين حقائق الإيمان و حلاوة الإيمان :
أيها الأخوة، فرقٌ كبير بين أن تدرك حقائق الإيمان وبين أن تذوق حلاوة الإيمان، مثلاً على الطاولة هناك خارطة قصر، ما شاء الله! الغرف ثمانية أمتار بستة أمتار، الشرفات واسعة، الإطلالة رائعة، الصالونات، الغرف، غرف النوم، غرف الجلوس، لكن هذا ورق، هذه خارطة، و هو لا يملك كوخاً، الذي يملك هذه الخارطة، التي هي حقائق الإيمان، لا يملك كوخاً يسكنه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/07.jpg
كم هو الفرق بين أن تملك خارطة قصر وبين أن تسكن هذا القصر؟ مسافة كبيرة جداً، كم هي المسافة بين صورة لسيارة حديثة جداً وبين أن تملك هذه السيارة؟ كم هي المسافة بين أن تقول: ألف مليون دولار، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها؟ صدقوا ولا أبالغ المسافة بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان كالمسافة بين أن تنطق بمئة مليون دولار، وبين أن تملكها في هذه الظروف الصعبة مثلاً، لذلك حلاوة الإيمان شيء، هذا الذي لو سعى إليه الإنسان، لقال: أنا إنسان آخر.
هؤلاء الصحابة الكرام، أبطال، مؤمنون، قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر: ابسط يدك لأبايعك، القصة لها روايات عديدة، بعض هذه الروايات، قال له: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر؟ معقول! قال له: يا عمر أنت أقوى مني، قال له: أنت أفضل مني، قال له: قوتي إلى فضلك، أي نتعاون، هكذا كان الصحابة الكرام، صدقوا ولا أبالغ أكثر ما يروى من خلافاتهم والله كذب بكذب، هناك روايات باطلة كتبت في عصور كان فيها صراعات، وكان فيها أشياء كثيرة، أنا أقول لكم كلمة حق: ما أتيح للتاريخ الإسلامي رجال كعلماء الحديث عكفوا عليه، ونقحوا رواياته، في التاريخ ما هب ودب.
الإمام الحسن البصري ذاق حلاوة الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/08.jpg
أيها الأخوة، الحسن البصري ذاق حلاوة الإيمان، وأدى رسالة العلماء في إنكار المنكر، في عهد الحجاج، والحجاج كان بطاشاً، بلغه أن هذا العالم الجليل أنكر المنكر، فقال لمن حوله: يا جبناء، والله لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، ومُدّ النطع ـ النطع جلد يمد تحت قدمي المقتول، لئلا يصيب الدم الأثاث الفاخر ـ جاء بالسياف، ومُدّ النطع، وطلب أن يأتوا به، فلما دخل على الحجاج، حرك شفتيه، لم يفهم أحداً ماذا قال، فإذا بالحجاج يقف له، ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه من مجلسه، حتى أجلسه على سريره، وقال الرواة: سأله، واستفتاه، وقدم له ضيافةً، وعطره، وودعه إلى باب القصر، هذا السياف صعق، جيء به ليقطع رأس هذا العالم، جيء به ليقتله، مُدّ النطع ، تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فُعل بك فماذا قلت لربك؟ بعد إلحاح قال له: حينما دخلت، ورأيت السياف، والنطع قد مدّ، عرفت أنني مقتول، فناجيت ربي، قلت: يا رب، يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، فإذا بالحجاج ما الذي حدث؟ ماذا تصور؟ قال له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وأجلسه على سريره، واستفتاه، وقدم له ضيافةً، وعطره، وشيعه إلى باب القصر.
أي أنت إذا ذقت حلاوة الإيمان أصبحت إنساناً آخر، أنت مستجاب الدعوة.
(( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون أنا سمعه الذي يسمعه، وبصره الذي يبصر به، ولسأنه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
حلاوة الإيمان لا يضحي بها الإنسان ولو فقد كل شيء :
حلاوة الإيمان شيء آخر، أن تذوق طعم القرب، حلاوة الإيمان لا تضحي بها ولو أن الدنيا بأكملها ذهبت من يدك، هذا الذي نرجوه من أخوتنا الكرام، أن يحاولوا أن يذوقوا طعم حلاوة الإيمان، إسلام كبير واضح، والعبادات واضحة، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والأفكار كثيرة، والنصوص واضحة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3840/09.jpg
لكن جرب أن تذوق حلاوة الإيمان، جرب أن تعمل عملاً خالصاً لله، جرب أن تتقرب إلى الله بنافلة، بصلاة، بخدمة، بعمل صالح، هذا الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، انصحه، ارحمه، سامحه، اغفر له، أعنه، أنفق عليه، الإنسان كما قلت قبل قليل: بنيان الله، لا تغشه، لا توهمه، لا تخوفه، لا تبتز ماله، لا تضحك عليه، لا تحتال عليه، هذا الإنسان بنيان الله، الله خلقه، فأنت إذا أكرمت الإنسان أكرمت الواحد الديان، إذا أكرمت أخاك المؤمن أكرمت الله، إذا أكرمت إنساناً لا تعرفه ولو كان مجوسياً أكرمت الله، لأن هذا الذي تعرفه قد يكون شارداً عن الله، فإذا رأى منك إحساناً صعقته، وأعلمته أنك على حق.
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثالثة:
(( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرَه أن يُلقى في النار ))






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع :الوصول الى حلاوة الايمان





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من ذاق حلاوة الإيمان بذل الغالي و الرخيص و النفس و النفيس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الذوق، وهذا الموضوع ينطلق من أن للإيمان حقائق، وللإيمان حلاوة، وحلاوة الإيمان شيء، وحقائقه شيءٌ آخر، معظم الناس بإمكانهم أن يدركوا حقائق الإيمان، لكن قلةً من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دفعوا حلاوة الإيمان، فذاقوا حلاوة الإيمان، والفرق بينهما شاسعٌ جداً، كأن تنطق بكلمة مئة مليار، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها.
فلذلك الذي يشدك إلى الدين في الحقيقة ليس حقائق الإيمان، ولكن الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان، إذا ذقت حلاوة الإيمان بذلت الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وكنت أسعد الناس في الدنيا، في أي ظرف، وفي أي عصر، وفي أي مصر، ظروف صعبة، سهلة، غني، فقير، قوي، ضعيف، متزوج، أعزب، صحيح، مريض، الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان ثمنها باهظ، لكن نتائجها باهرة، الثمن باهظ جداً، الثمن انضباط، الثمن بذل وتضحية، لكن النتائج باهرة جداً.
حلاوة الإيمان يذوقها الإنسان ولا ترى بالعين :
لذلك الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب: أن حلاوة الإيمان أو أن تذوق حلاوة الإيمان شيءٌ داخلي لا يرى بالعين، أي المؤمن صادق، و يوجد بقلبه من الأمن ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، بقلبه من التفاؤل، والثقة بالله، والشعور أن الله يحبه، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/02.jpg
أقول لكم مرةً ثانية: الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان لا حقائق الإيمان، حقائق الإيمان إدراكها سهل جداً، الله خالق السماوات والأرض، هذا القرآن وحي السماء، هناك جنة وهناك نار، أي معظم المسلمين، المليار والخمسمئة مليون يؤمنون بهذه الحقائق، لكنهم بحسب الآيات الكريمة:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة النور الآية: 55 ]
المسلمون الآن ليسوا مستخلفين، على كثرتهم، وعلى غناهم، يملكون ثروات لا يعلمها إلا الله، يتمتعون بموقع في بلادهم نادر، مواقع أساسية خطيرة، مع ذلك ليست كلمتهم هي العليا، وليس الأمر بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، لأنهم عرفوا حقائق الإيمان، لكنهم ما ذاقوا حلاوة الإيمان، إذا ذقت حلاوة الإيمان بذلت الغالي والرخيص والنفس والنفيس.
الحقيقة الأولى: أن حلاوة الإيمان يذوقها الإنسان، ولا ترى بالعين، مثلاً: لو أنك تأكل طعاماً نفيساً جداً، وأنت جائع جداً، تستمتع بهذا الطعام متعة يصعب أن توصف، الذي يراقبك، مهما يكن ذكياً، مهما يكن عاقلاً، هل بإمكانه أن يذوق ما تذوق؟ لا، لكن حينما تطلب صحناً آخر، وصحناً ثالثاً، حينما تطلب المزيد، الدليل أنت تستمتع بهذا الطعام، لو كان الطعام من الدرجة الثانية، أو الثالثة تكتفي بلقيمات، لو دُعيت بإلحاح تقول: اكتفيت، حينما تكتفي بكمية قليلة يكون هذا الطعام ليس كما تتمنى. المؤمن رقم صعب لا يُباع ولا يُشترى لأنه ذاق حلاوة الإيمان :
فلذلك أحد أكبر الأدلة على أنك تذوق حلاوة الإيمان، أن تطالب بالمزيد، تصلي قيام الليل، تطالب بالمزيد، تصوم صيام النفل، تطالب بالمزيد، تبذل بعض المال لخدمة الخلق، تطالب بالمزيد، علامة أنك تذوق حلاوة الإيمان أنك تطالب المزيد، وعلامة أن هذه الحلاوة ضعيفة الأثر، تكتفي بالقليل، فالذي يكتفي بالقليل من العمل الصالح، بالقليل من العبادة، بالحد الأدنى، معنى ذلك أن حلاوة الإيمان لم يذقها، أدرك بعض الحقائق، يعمل وفقها، لكن ما ذاق حلاوة الإيمان.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/03.jpg
أيها الأخوة، لو أنك ذقت حلاوة الإيمان لا تسمح لصارفٍ، أو لعقبةٍ، أن تحول بينك وبين حلاوة الإيمان، هناك تعبير شائع هو: لا يمكن لسبائك الذهب اللامعة، ولا لسياط الجلادين اللاذعة، أن تصرفك عن هدفك، المؤمن رقم صعب، أنا أقول لكم هذه الكلمة: أي إنسان على وجه الأرض، إذا غيّر قناعته بمبلغ من المال، ولو كان مليارات، انتهى عند الله، هذا الإنسان ثمنه هذا المبلغ، أي إنسان يغيّر قناعته، يخرج عن مبدئه، عن قيمه، عن أهدافه، مقابل مبلغ، لو كان مئات المليارات، لا يهم كبير أم قليل، هذا الإنسان له ثمن، انتهى، ثمنه هذا المبلغ، أما:
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية]
لذلك المؤمن رقم صعب، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُساوم، لأنه ذاق حلاوة الإيمان. الذي يبحث عن الإيمان و حلاوته لا يسمح لأي شيء أن يصرفه عن هدفه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/04.jpg
أيها الأخوة، أحياناً سبب تافه جداً يصرفك عن درس علم، لو أنك تذوق في هذا الدرس حلاوة الإيمان، لو أنك تزداد فهماً لهذا الدين في هذا الدرس، لا تسمح لإنسان زائر زيارة عابرة أن يلغي حضور الدرس، لسبب تافه بسيط، لحاجة في البيت تريد أن تتابعها، تترك طلب العلم، إذا ذقت حلاوة الإيمان لا تسمح لا لصارفٍ، ولا لعقبةٍ، والعقبات كثيرة، والصوارف كثيرة، لكن الذي يبحث عن الإيمان، وعن حلاوة الإيمان، وعن الذوق الذي يجعله في مصاف السابقين السابقين، لا يسمح لكل هذا أن يصرفه عن هدفه، لذلك الموحدون:
﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
بينما ضعاف التوحيد، ضعاف الذوق، أية عقبةٍ مهما تكن تافهة، تصرفهم عن حقائق الإيمان، أي لو أن إنساناً دعي إلى الله أقل مساءلة، يلغي الدرس كله، أقل مساءلة يقول لك: هذا أفضل، لأنه ما ذاق حلاوة الإيمان. الحب في الله و الحب مع الله :
أيها الأخوة الكرام، أي شيءٍ تتعلق به من الدنيا يصرفك عن حلاوة الإيمان، لذلك قالوا، وهذا كلام دقيق جداً: هناك حبٌ في الله، وهو عين التوحيد، وهناك حبٌ مع الله، وهو عين الشرك، إنسان يحب الله، من فروع محبة الله أنه يحب رسول الله، من فروع محبته لله أنه يحب أصحاب رسول الله جميعاً، من فروع محبته لله يحب التابعين، تابعي التابعين، يحب العلماء العاملين، يحب العلماء الربانيين، يحب المساجد، يحب القرآن، يحب العمل الصالح، يحب أهل الإيمان، ولو كانوا فقراء، ويتجافى عن الأغنياء والكبراء ولو كانوا أقوياء، فحلاوة الإيمان أساسها حبٌ في الله، صدقوا ولا أبالغ، محبة الزوجة المؤمنة، الطاهرة، العفيفة، فرعٌ من محبة الله، الحب مع الله عين الشرك، أن تحب إنساناً بعيداً عن الله لكنك تنتفع منه، لك معه مصلحة، هذا الإنسان يبعدك عن الله، قد تنسى فرض الصلاة معه، قد تنسى بعض المحرمات معه، فأي جهةٍ تحبها، وتبعدك عن الله، هذا حبٌ مع الله، والحب مع الله عين الشرك، بينما الحب في الله عين التوحيد، أنت إنسان تحب، والحب أنواع، لكن كل أنواع الحب تصب في خانةٍ واحدة، إنك تحب الله، إذاً تحب العمل الصالح، تحب البذل والتضحية، تحب أفعال الخير، تحب حليلتك. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/05.jpg

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ورد في الأثر]
تحب من حولك، من يلوذ بك، فالحب منوع، لكن أصله أنك تحب الله، فأي حبٌ لأية جهةٍ تزداد معها حباً لله هي حبٌ في الله، أي حبٌ لأية جهةٍ تزيدك قرباً من الله حبٌ في الله، لذلك في الدعاء الشريف:" اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عملٍ صالحٍ يقربنا إلى حبك "
هذا الحب في الله، بينما الحب مع الله، أن تحب جهةً تبعدك عن الله.
دائماَ وأبداً أستخدم هذا المثل، لعبة شد الحبل، بأي لقاء مع الناس، بسهرة، بنزهة، بعلاقة، هذا اللقاء، أو هذه النزهة، أو تلك العلاقة، إذا شعرت أنهم شدوك إليهم، شدوك إلى تقصيرهم، شدوك إلى محبة الدنيا، شدوك إلى معصية، ابتعد عنهم، أم إذا جلست مع الآخرين، وتمكنت أن تشدهم إليك، كن معهم، الضابط في هذا الموضوع، هل تستطيع أن تشدهم إليك أم أنهم استطاعوا أن يشدوك إليهم؟ هنا المشكلة، إذاً دقق في كلمة الحب في الله، والحب مع الله، الحب في الله يزيد حبك لله، والحب مع الله يبعدك عن الحب لله عز وجل. الوقت أثمن من المال فبطولة الإنسان أن يصرفه في معرفة الله و طاعته :
أيها الأخوة، كلما أحببت غير الله هبط مستواك، الله عز وجل في بعض تفاسير هذه الآية، وصف النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النجم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/06.jpg
شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس، وكلما ارتقيت إلى الله ابتعدت عن سفاسف الأمور، القيل والقال، والمشاحنات، والجدل العقيم، والغيبة، والنميمة، والكلام الفارغ، والله أيها الأخوة، أقول لكم: تسعة أعشار كلام الناس كلامٌ فارغ، لا جدوى منه، فالمؤمن شرف قلبه بمعرفة الله، أهدافه نبيلة، يتحرك لهدف نبيل، يبذل وقتاً ثميناً لهدفٍ نبيل، أما أن يجر إلى سفاسف الأمور، إلى أشياء فارغة، لا تقدم ولا تؤخر، تجد سهرة للساعة الواحدة، كلها غيبة ونميمة، ومتابعة أفلام، وحديث عن المال، والنساء، والأسعار، كلام فارغ.
وتعلمون علم اليقين أن الإنسان مؤمنٌ في أعماق أعماقه، أن الوقت أثمن من المال، الدليل: لا سمح الله ولا قدر، لو أصيب الإنسان بمرضٍ عضال، وكُلفة عملية هذا المرض ثمن بيته، والله لا يتردد ثانية واحدة في بيع بيته، وإجراء العملية، إذاً مركزٌ في أعماقك أن الوقت أثمن من المال.
الآن لو إنسان وقف أمامنا، وأمسك خمسمئة ألف، وأحرقها أمامنا، بماذا نحكم عليه جميعاً؟ أنه سفيه، بل مجنون، إذا كان إتلاف المال يعد سفهاً وجنوناً، فكيف بإتلاف الوقت؟ صدقوا ولا أبالغ ما من شيءٍ تملكونه أثمن من الوقت، والمؤمن يحسن إدارة الوقت، ينتفع من كل وقته، لا يضيع ثانية، لهذا أقسم الله جلّ جلاله في عليائه بعمر النبي، ماذا قال؟ ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
لك عند الله وقت، بطولتك أن تنفقه في معرفة الله، وفي طاعته، وفي العمل الصالح، إذا انتهى الوقت، فعلت في هذا الوقت الذي سينتهي عملاً ينفعك بعد مضي الوقت هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الدنيا لا علاقة لها بمرتبة المؤمن :
الآن دققوا في هذا الموقف، سيدنا عمر رضي الله عنه، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اضطجع على حصير، بلا وسادة، هذا الحصير أثر في خده الشريف، فبكى عمر، فقال النبي الكريم: يا عمر ما يبكيك؟ قال له: رسول الله، أي سيد الخلق، حبيب الحق ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟
للقصة ثلاث روايات، الرواية الأولى: "قال له: يا عمر، ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ "
هذه إجابة، الثانية:
" يا عمر، إنها نبوةٌ وليست ملكاً "
أنا لست ملكاً، أنا نبي، النبي قدوة.
"إنها نبوةٌ وليست ملكاً "
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/07.jpg
الرواية الثالثة:
" أفي شكٍ أنت يا عمر؟ "
تجد مؤمناً فقيراً، له عند الله مقام كبير، فالدنيا لا علاقة لها بمرتبة المؤمن، قد يكون حاجباً، وقد يكون المدير العام أفسق إنسان، هذه الدنيا هكذا، الدنيا لها مقاييس، والله عنده مقاييس أخرى.
هناك رواية رابعة: قال: دخل عليه عمر وهو على حصير، وقد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله! لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائف، فاستظل تحت شجرة، ساعة من نهار، ثم راح وتركها ))
[ المستدرك عن ابن عباس]
أنا أضرب مثلاً لعله طريف، دابة واقفة بأيام الحر الشديد، وإنسان جلس في ظلها واستراح، فذهب ليشرب جاء إنسان جلس مكانه، قال له: هذا مكاني، قال له: لا هذا مكانك، تلاسنا، تصايحا، تشاتما، تضاربا، الحمار مشى، كل هذه المعركة ليس لها معنى إطلاقاً، لأن هذا الظل زائل. الدنيا تغر وتضر وتمر :
أنا أعرف من بعض الأخوة المحامين آلاف الدعاوى شُطبت لموت أحد الطرفين، يقول لك: ثلاث وعشرون سنة في القضاء، بعدها مات أحدهما، الدعوى شُطبت، هذه الدنيا أحقر من أن نهتم بها.
سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى مركز عمله ـ يسمونها آية الشعار ـ يتلو هذه الآية دققوا:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/08.jpg
لسيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ كلمة قال: "لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها، أوتيها رجل، ثم جاءه الموت، لكان بمنزلتي"، من رأى في منامه ما يسره، ثم استيقظ، ليس بيده شيء، رجل فقير، في غرفةٍ قميئة، و ثيابٍ بالية، و طعامٍ خشن، رأى نفسه في قصر، حلم، استيقظ، هذا الواقع.
إنسان ـ رحمه الله ـ توفي كان شاباً، يعمل في سوق الحميدية في أحد المحلات، عنده هواية الدعابة، يجمع قمامة المحل، يضعها في علبة فاخرة جداً، يلفها بورق هدايا، لها شريط أحمر مع عقدة، يضعها على طرف المحل، يأتي إنسان، يظنه مُطيف ألماس، شيء غال، يحمل هذه العلبة، ويمضي، يلحقه، بعد مئتي متر يفك الشريط أولاً، وبعد مئتي متر ثانية يفك الغلاف، ثم يفتح العلبة، فإذا بها قمامة المحل، يصيح، وهو مستمتع بهذا الموقف، شاهدت المفاجأة؟ هذه المفاجأة الصاعقة؟ أقسم لكم بالله، من أمضى حياته في الدنيا، واستمتع بها، ونسي الله، عند الموت يفاجأ هذه المفاجأة، نعم الدنيا تغر، وتضر، وتمر. ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة. بطولة الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقاه في القبر :
أخواننا الكرام، يقول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/09.jpg
نعيم الدنيا بحذافيره، في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرةٍ في جنب جبال الدنيا، نعيم الدنيا بنسائها، بأموالها، بمراكزها، بمناصبها، بمباهجها، بقصورها، ببيوتها، بمركباتها، طائرة خاصة، ويخت خاص، وعدد من السيارات، نعيم الدنيا بأكمله لا يساوي أمام نعيم الآخرة إلا كذرة أمام جبال الدنيا، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام له حديث دقيق قال:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))
[ الطبراني عن المستورد بن شداد]
أنت سافر إلى طرطوس إلى البحر، واركب إلى أرواد، وأمسك إبرة واغمسها في البحر، واسحبها، كم علق بها من ماء البحر؟ نسبة هذا الذي علق بها أمام البحر المتوسط، والمحيط الهادي، والمتجمد الشمالي، والجنوبي، والبحر العربي، وكل المحيطات كم علق بها من مياه البحر؟ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
وسيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: "ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحدٌ من الناس ـ من هذه الثلاثة ـ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى".
أعرف إنساناً كان يسكن في أحد أحياء دمشق، الشعبية، الفقيرة، البائسة، بيت تحت الأرض، ستون متراً، شمالي، لا شمس، ولا ضوء، بعد ست وعشرين سنة يجمع القرش فوق القرش، اشترى بيتاً في المهاجرين، له إطلالة جميلة، القصة دقيقة جداً جلس مع زوجته في الشرفة، مع فنجان قهوة، قال لها: الآن أمّنا مستقبلنا، عاش ثلاثة أيام و في اليوم الرابع كان بالقبر، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، فالبطولة أن تعمل عملاً تلقاه في القبر. السعادة و اللذة :
أيها الأخوة، في الدنيا لذائذ، تأتيك من الخارج، وتحتاج إلى مال، اللذة تشترى شراءً، البيت الفخم غال كثيراً، والمركبة الفاخرة غالية جداً، والزوجة الجميلة لها مطالب عالية جداً، فهناك أشياء تأتيك من الخارج، تسمى لذائذ، هذه حسية، وتتناقص، وتعقبها كآبة، وشيء اسمه سعادة، هذا ينبع من الداخل، هذا لا يشترى ولا يباع، يأتيك من الله، بعد طاعتك له، وإقبالك عليه، ودفع ثمن حلاوة الإيمان http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3841/10.jpg
هذه السعادة متنامية، متنامية وتنتهي بالجنة، وأنا والله أدعو لكم جميعاً أن يجعل الله لكم نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، ليس على الله عسير إطلاقاً، أي إنسان عاش ببحبوحة، والله أكرمه، سمعة طيبة، وصحة طيبة، وتوفاه الله إلى الجنة، أن يجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، بطاعة الله طبعاً.
فلذلك السعادة متنامية، واللذة متناقصة وتعقبها كآبة، اللذة حسية، تأتيك من الخارج، طابعها مادي، حسي، متناقصة، والسعادة متنامية، تنبع من طاعتك لله، تنبع من استقامتك على أمره، تنبع من عملك الصالح، لذلك بأي مجتمع لا يوجد كآبة عند المؤمن، مع الله لا يوجد كآبة إطلاقاً، فالله عز وجل بيده كل شيء، الأقوياء بيده:
﴿ جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
أي ملخص هذا الكلام، ابحث عن حلاوة الإيمان، لأن حلاوة الإيمان هي المسعدة في الدنيا والآخرة، وحلاوة الإيمان تشدك إلى الله، حلاوة الإيمان تمنعك أن تنصرف عنها بأي صارف، وأي عائق، لكن إذا كان هناك تقصير، يصبح هناك إهمال، وملل، و سأم، و ضجر، و تأجيل.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع :الافتقار الى الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الافتقار إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو موضوع "الافتقار إلى الله عز وجل"، فالعبد عبدٌ، والرب رب، شأن الرب الغنى، وشأن العبد الفقر، شأن الرب أنه قوي، وشأن العبد أنه ضعيف، شأن الرب أنه عليم، وشأن العبد أنه جاهل، هذا هو الأصل، الرب ربٌ، والعبد عبدٌ.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/01.jpg
ولكن لابدّ من ملاحظة، كل المعاني التي قد تخطر على بالكم من كلمة افتقار المتعلقة بالفقر لا علاقة لها بهذا الدرس إطلاقاً، الافتقار مرتبةٌ عاليةٌ جداً، هذه المرتبة تقابل مرتبة العبودية لله، العبد عبدٌ، والرب رب، حقيقتك، جوهرك، هويتك، أنك عبدٌ مفتقرٌ إلى الله، القضية التي سوف أتابعها في هذا اللقاء الطيب ليست من باب الأدب، هي من باب الحقيقة، أنت ضعيف، أي الإنسان بكل هيمنته، بكل شخصيته، بكل سيطرته، بكل عظم شأنه، حياته متوقفةٌ على سيولة دمه، فإذا تجمد الدم في أدق أوعية الدماغ، في مكان أصيب بالشلل، في مكان أصيب بفقد البصر، أنت كل هيمنتك، وكل قوتك، وكل سيطرتك، وكل شأنك، متوقفٌ على ضربات القلب، فإذا توقف القلب فجأةً فأنت خبر، بعد أن كنت شيئاً مذكوراً، كل هيمنتك، وقوتك، وحجمك المالي، وسيطرتك، وقوة شخصيتك، متوقفة على نمو خلاياك، فإذا نمت نمواً عشوائياً أصبحت في خبر كان.
تناقض الكِبر مع العبودية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/02.jpg
لذلك أيها الأخوة، قد تكون من أغنى الأغنياء، وقد تكون من أقوى الأقوياء، وقد تكون من أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله، هذا شأن المؤمن، وقد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكِبر، للتقريب: أحياناً إنسان يأتيه ضيوف كُثر، لا يوجد عنده شيء يقدمه لهم ضيافة، عنده كمية من اللبن قليلة جداً، أضاف إليها خمسة أضعافها ماء، وشيء من الثلج، وقدمها شراباً سائغاً للضيوف، أي هذا اللبن المحدود الكمية قَبِل خمسة أضعافه ماء، وصار شراباً سائغاً للإنسان، أما إذا أُضيف لهذا اللبن قطرة نفطٍ واحدة لا يُشرب.
فالكبر يتناقض مع العبودية، ومن أكبر الذنوب الكبر، قد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكبر، وقد تكون من أقوى الأقوياء، ومن أغنى الأغنياء، ومن أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله عز وجل، شأن المؤمن أنه مفتقر، أما الشيء المدهش كلما تواضعت لله، كلما افتقرت إلى الله، كلما أعلنت عبوديتك لله، رفع الله شأنك، ورفع ذكرك، وأسبغ عليك هيبةً لا يعرفها إلا من ذاقها.
افتقار الناس إلى الله في كل شيء :
أيها الأخوة، نحن جميعاً من دون استثناء مفتقرون إلى الله في وجودنا، وفي استمرار وجودنا، وفي إمداداتنا، وفي حاجاتنا، وفي قيامنا، وفي قعودنا، وفي سمعنا، وفي بصرنا، وفي عقولنا، إنسان له شأن كبير يصاب بلوثة في عقله، أقرب الناس إليه، أحب الناس إليه، أولاده، يبحثون عن طريقةٍ لإدخاله مستشفى المجانين، بوساطة، وبجهد كبير، فالإنسان مفتقر إلى الله بعقله، بسمعه، ببصره، بقوته، أنت حينما تمشي على قدمين، حينما تقضي حاجاتك من دون الاستعانة بأحد، حينما تنام، حينما تستيقظ، حينما ترى، حينما تسمع، حينما تنطق، حينما تفكر، أنت مفتقرٌ إلى الله، وكلما عرفت عبوديتك لله كنت أقرب إلى الله، وكلما اعتددت بنفسك، وقلت: أنا.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 12 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/03.jpg
قالها إبليس فأهلكه الله. ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
[ سورة الزخرف الآية: 51 ]
قالها فرعون فأهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
[ سورة النمل الآية: 33 ]
قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله. ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 78 ]
قالها قارون فأهلكه الله، فمعنى الافتقار إلى الله هذا المعنى يقابل العبودية لله. التولي و التخلي :
أخواننا الكرام، هذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل في كل ساعة، في كل دقيقة، أنت تفتقر إلى الله يتولاك الله، تقول: أنا، يتخلى عنك، من نحن؟ النبي الكريم، ومعه أصحابه وهم صفوة البشر، في بدر افتقروا إلى الله فنصرهم، وفي حنين قال بعضهم: لن نغلب من قلة اعتدوا بعددهم، اعتدوا بقوتهم، فلم ينتصروا، أنت بحاجة إلى هذا الدرس كل دقيقة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/04.jpg
أنا سمعت عن طبيب أعصاب، جراح أعصاب، المريض على الطاولة، قبل إجراء العملية يصلي ركعتين أمام المريض، يا رب ألهمني الصواب.
أنت بكل عمل، عمل في الطب، في المحاماة، في الهندسة، في التدريس، إذا افتقرت إلى الله، جاءك المدد، إذا افتقرت إلى الله جاءك التوفيق، إذا افتقرت إلى الله جاءك النصر، إذا افتقرت إلى الله جاءك التأييد، إذا افتقرت إلى الله جاءك النجاح، جاءك الفوز، قل أنا.
في بلدة عربية كنت أزورها، حدثني أخٌ طبيب عن زوجته، عندها ولادة معقدة عسرة، فاستشار أحد أطباء البلد النسائيين، النتيجة ـ القصة طويلة لكن ملخصها ـ عندما طلب زوج المريضة من الطبيب أن يستشير طبيباً آخر، قال له: أنا أعلم الأطباء في هذا المرض بكبر ما بعده كبر، فيما سمعت أول حادثة في هذا البلد بعد الاستقلال تسحب شهادة الطب من هذا الطبيب، ارتكب خطأ لا يرتكبه ممرض وماتت الزوجة، أقام عليه دعوى، طلب منه استشارة من طبيب آخر.
إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، درس نحتاجه كل ساعة، كل دقيقة، بتجارتنا، بوظائفنا، بأعمالنا، بسفرنا، بإقامتنا، بتربية أولادنا، بمعاملتنا لزوجاتنا، تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، ببدر تولى الله أصحاب النبي الكرام، في حنين تخلى عنهم، والآن إذا تخلى الله عنا، لأننا وقعنا في الشرك الخفي، نظن النصر يأتي من علاقةٍ مع جهةٍ قوية، من أن ترضى عني هذه الدولة، أو هذه الدولة، أما حينما تعقد الأمل على الله عز وجل، فأنت أقوى الأقوياء. من افتقر إلى الله رفع الله قدره وأعلى مقامه وألقى في قلوب الناس محبته :
أخواننا الكرام، مراد القول من الافتقار العبودية لله عز وجل، أن تكون عبداً لله حقاً، أن تتحقق من عبوديتك لله، أن تعرف عبوديتك، أن تعرف نفسك، الافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القرب، والافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الغنى، وفي أعلى درجات العلم، أن تعرف حقيقة ذاتك، أن تعرف من أنت، أنت عبدٌ ضعيف، أنت قويٌ بالله، ضعيفٌ بنفسك، غنيٌ في الله، فقيرٌ في نفسك، عالمٌ بالله، جاهلٌ بنفسك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/05.jpg
إذا تحققت من هذه المعاني اقتربت من مرتبة العبودية، أي من مرتبة الافتقار إلى الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان عبداً لله، في أعلى درجات القرب، بلغ:
﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾
[ سورة النجم ]
هذه المرتبة ما بلغها إنسان، ورد في بعض الأحاديث:
(( سلوا لي الوسيلة، فإنها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه، وأرجو أن أكون أنا ))
[ أخرجه مسلم عن ابن عمر ]
قال تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
[ سورة النجم ]
﴿ إِلَى عَبْدِهِ ﴾
في ﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾
في أعلى درجات القرب: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
[ سورة النجم ]
أيها الأخوة، كلما افتقرت إلى الله، رفع الله قدرك، ورفع ذكرك، وأعلى مقامك، وألبسك هيبةً، ووقاراً، وألقى في قلوب الناس محبتك، وألقى في قلوب الناس هيبتك، شيء لا يصدق. من خضع لله رفعه و من قال أنا تخلى عنه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/06.jpg
العلاقة عكسية، كلما خضعت له رفعك، ألم يقل الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
[ سورة الشرح ]
هل هناك على وجه الأرض إنسان كلما ذُكر الله ذُكر النبي الكريم العدنان؟ لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان؟ ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
الحقيقة لبعض العلماء رأيٌ دقيق، أن هذا المعنى ـ معنى العبودية والافتقار ـ أجل من أن يسمى فقراً، لأن كلمة فقر تنصرف إلى أن إنساناً لا يجد كل حاجاته، و ربما تكفف الناس. المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه لأن من شهد عمله فقد أشرك :
مرة ثانية: قد تكون أقوى الأقوياء، وأغنى الأغنياء، وأعلم العلماء، وأنت مفتقر إلى الله، هذا شأن الأنبياء، بعض الأمثلة، سيدنا يوسف قال ربي:
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/07.jpg
حتى في عفته، وفي استقامته، مفتقرٌ إلى الله، سيدنا إبراهيم، ربي: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
أي الله عز وجل أقامك قياماً حسناً، وأنت من أسرة راقية، لكن هناك أشخاص من أسر راقية حرفتهم ملهى، فأنت أقامك الله مثلاً في التعليم، أو الطب، أو في أي عمل شريف، بالتجارة، بالصناعة، عملك ليس عليه مأخذ، فإذا إنسان شهد عمله فقد أشرك، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه.
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً لجهله،أو لحمقه، يتقمص صفات الربوبية، يقول لك: لحم أكتافك من خيري، أنا هديتك، من أنت؟
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
انظروا العبودية لله. المفتقر إلى الله لا يرى له علماً ولا عملاً بل يرى فضل الله عليه :
أخواننا الكرام، دون أن تشعر الموحد يقول لك: الله فضل عليّ، الله أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بهذه الشهادة العليا، أكرمني بهذا البيت، أكرمني، وفقني، أكرمني بالصحة، أكرمني بالأولاد، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه، وغير المؤمن:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
يقول لك: كد يميني، وعرق جبيني، قد يكون إنساناً من أذكى الأذكياء، يلجئه الله إلى التسول، من أذكى الأذكياء، مع الله لا يوجد ذكي أبداً، هناك مستقيم، المستقيم موفق، حينما تقول: أنا أُعطي، أنا أمنع، أنا أُعاقب، كأنك تقمصت صفات الربوبية، هذا يتناقض مع العبودية لله، صدقوا ولا أبالغ المؤمن الصادق دون أن يشعر يقول لك: الله أكرمني، الله هيأ لي البيت، الله دلني على زوجة صالحة، أكرمني بأولاد أبرار، فأي نعمة هو فيها يرى من خلالها فضل الله عليه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/08.jpg
أيها الأخوة، سُئل بعضهم: متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ فقال: إذا لم يبقَ عليه بقيةٌ منه، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له، أي هو وحده فقير، لكن بالله غنياً، وحده جاهل، بالله عالم، وحده أحمق، بالله حكيم، هذا كله من إمداد الله عز وجل، و الناجحون من المؤمنين افتقروا إلى الله.
أنا قرأت عن طبيب في أمريكا رفع لواء الجري، كان يجري في اليوم عشرين كيلو متراً، وألف كتب، وألقى محاضرات، وعمل ندوات تلفزيونية، هو يرى أن الجري هو الصيانة الوحيدة للقلب، و كلامه هذا صحيح، لا شائبة فيه، لكنه ألّه الجري، فمات وهو يجري في مقتبل حياته، لا لأن الجري خطأ، لا أبداً، الجري صواب، لكن إياك أن تؤله شيئاً، إياك، قل: الله عز وجل وفقني، إذا إنسان له تدريبات رياضية، فهذا شيء جيد جداً، لكن لا يجوز أن يقول: بالرياضة تعيش عمراً مديداً، أنا أقول دائماً: لك عند الله هذا العمر، بالرياضة تبقى واقفاً، من دون رياضة قد تمضي بعض أيام حياتك طريح الفراش، فالرياضة ليس لها علاقة بالعمر، لها علاقة بالنشاط، والصحة.
مرة قال لي إنسان: أنا لا أتأثر بالبنات أبداً، هذا شيء دون اهتمامي، مهما تكن جميلة، هو طبيب بالمستشفى، قلت له: والله سيدنا يوسف كان أكثر أدباً منك مع الله، قال: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
افتقار جميل، يرفع قدرك، يرفع شأنك، يقربك من الله عز وجل، المفتقر إلى الله لا يرى له علماً، ولا عملاً، يرى فضل الله عليه، وأثر فضل الله عليه توحيده، والعبودية له، فوجوده. نعم الله عز وجل على الإنسان :
الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، أحياناً إذا تصفحت كتاباً، طُبع قبل ولادتي، يأتيني خاطر، أنه أثناء طبع هذا الكتاب أنت من؟ لا شيء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/09.jpg
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
ليس لك وجود إطلاقاً، فصار لك وجود، أنت تتمتع بنعمة الإيجاد، وبنعمة الإمداد، وبنعمة الهدى والرشاد، مثلاً في الهند بشر، يعبدون الجرذان، عندي تحقيق بصحيفة ألمانية، بناء فخم، ومعابد ضخمة جداً، وهناك ألف أو مليون جرذ، يأكلون الحليب، والقمح، وعلى أكتاف العبيد، عبيد الجرذان، وهناك شعوب تعبد ذكر الرجل، في اليابان، و شعوب تعبد موج البحر، و شعوب تعبد الشمس والقمر، و شعوب تعبد الحجر، والله عز وجل كرمنا، وشرفنا بعبادة خالق السماوات والأرض، هذه نعمةٌ كبرى، هذا من فضل الله عليك، أعطاك شكلاً حسناً، كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر في المرآة يقول:
(( اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي ))
[أحمد والبيهقي عن عائشة]
لا يوجد شيء منفر، خلق تام، تتحرك، تمشي، تتكلم، تأكل، تشرب، تسمع، ترى، الأجهزة صحيحة. من ازداد افتقاراً إلى الله زاده الله غنىً ومن ازداد تذللاً إلى الله زاده الله عزاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/10.jpg
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: هذه المنزلة لا تتناقض مع أن تكون غنياً، والله هناك كل غني محسن، تشتهي الغنى منه، من تواضعه، متواضع، سخي، وهناك إنسان قوي، لكنه متواضع، يرى فضل الله عليه.
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
سيدنا عمر بن عبد العزيز، اختار إنساناً عالماً، قال له: كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت، فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت.
قد تكون في أعلى درجات الغنى، وأنت في أعلى درجات الفقر إلى الله، وكلما ازددت افتقاراً إلى الله زادك الله غنىً، كلما ازددت تذللاً إلى الله زادك الله عزاً، كلما ازددت خوفاً من الله زادك الله أمناً، كلما ازددت حرصاً على طاعته زادك الله رفعةً، كلما خضعت رفعك، وكلما تكبرت وضعك، أبداً علاقة عكسية، كلما خضعت لله رفعك، فإذا تكبرت وضعك. على الإنسان أن يرى النعم وهي موجودة لا حينما يفتقدها :
أيها الأخوة، قضية الغنى والفقر رؤية، أي هذا المقام لا يقبل تصنعاً، أحياناً إنسان يتلفظ بكلمات العبودية، لكن في الحقيقة متكبر، يتلفظ بكلمات التواضع، لكن في الحقيقة بطاش، أنا لا أريد كلمات تقولها، أريد أن تعيش معنى العبودية لله عز وجل، دخلت إلى بيتك: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/11.jpg
معك مفتاح بيت، أرضي، عال، كبير، صغير، ملك، أجرة، معك مفتاح بيت، تدخل، تنام، تستحم، تأكل، تستلقي، تستريح، معك مفتاح بيت.
مرة كنت بمدينة بأيام الصيف، بعمل تجاري، فما وجدنا فندقاً، من العصر إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وعندما استطعنا أن ندخل إلى مكان مسقوف وننام فيه، تذوقت معنى الحديث الشريف: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".
هذه النعم يجب أن تراها وهي موجودة لا حينما تفتقدها، مثلاً عندما كان هناك توازن قوى، تتذكروا؟ كان هناك معسكر شرقي، ومعسكر غربي، فنعمة توازن القوى من نعم الله الكبرى، ونحن لم ننتبه لها.
الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال :
أيها الأخوة الكرام، كلمة رائعة جداً قيلت في حق الأنبياء، قال: كانوا أغنياء في فقرهم، وفقراء في غناهم، أغنياء في افتقارهم إلى الله، وفقراء وهم أغنياء، هذه الصفات المتناقضة تحتاج إلى دقة في الفهم، الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/12.jpg
أي إذا كنت قوياً تتكبر وجاءت مصيبة تتواضع؟ لا، هذا شأن الناس، كل الناس، إذا كان قوياً، وغنياً، يستعلي، جاءه مرض، مرة قال لي إنسان غيّر معالم وجهه: لا يعاش في هذا البلد، قلت له: لماذا؟ قال: لا يوجد بيع، ولا شراء، صدقوا أعرف أشياء عنه، كل صفقة بالملايين، عندما كان الدولار بثلاث ليرات، كل صفقة بالملايين، أي دخله مئة ضعف عن حاجاته، فمرضَ مرضاً شديداً، زرته فقال لي: أستاذ الإنسان يكفيه بالشهر ألف ليرة ـ هذه القصة بالسبعينات، صار يكفيه ألف؟ ـ إذا الله عافاه، كان معه ملايين مملينة لا يعاش، فالله عز وجل يصف المؤمن أنه شاكر، وأن هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
يقول لك: السنة خسرنا ثمانية ملايين، أي نقص ربحه ثمانية ملايين، كان مئة، أصبح مئة وتسعين، يقول لك: خسرنا، لا يقول لك: الله أكرمنا. ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق ]
الافتقار إلى الله محصلة إيمان الإنسان و استقامته :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4152/13.jpg
أيها الأخوة الكرام، موضوع الافتقار موضوع مهم جداً، صدق ولا أبالغ هو محصلة الدين، محصلة إيمانك، محصلة استقامتك، محصلة علاقتك بالله عز وجل، ليس معنى هذا أن تكون متطامناً، لا، مشى أحد الصحابة مشيةً فيها خيلاء، فقال النبي الكريم: " إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن".
أنت أمام الطرف الآخر قوي، تعتد بإسلامك، بقوتك، لا تساوم، أنت رقم صعب، إياكم أن تفهموا مني في هذا اللقاء الطيب أن المفتقر إلى الله درويش، أجدب، لا، في أعلى درجات الذكاء، في أعلى درجات القوة، أما بينه وبين الله عز وجل في أعلى درجات الافتقار إليه، افتقارك بينك وبين الله عز وجل، لكن أنت تبدو قوياً، تبدو متماسكاً.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة الشورى الآية: 39 -40 ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 04:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع :الافتقار الى الله يكون مع القوة و الغنى و المنصب والعلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الافتقار إلى الله تعالى :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو "الافتقار إلى الله تعالى".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/01.jpg
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: قد يكون الإنسان على درجة عالية جداً من العلم، يلتقي بمن هو أدنى منه، يقول له: نحن تلاميذكم، هذا من باب الأدب، من باب التواضع، أما هو في الحقيقة أعلم منه، إلا أن الافتقار إلى الله شيءٌ آخر، هو واقع، أي العبد عبدٌ، والرب رب، أنت حينما تكون مفتقراً إلى الله، أنت في أعلى درجات الواقعية، لماذا؟ لأن العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل، إن لم يكن هناك الدليل فهو التقليد، وإن لم يكن هناك مطابقة للواقع فهو الجهل.
أخوتي الكرام، يتوهم بعضنا أن الجاهل وعاؤه فارغٌ من المعلومات، لا، الجاهل وعاؤه ممتلئٌ بمعلوماتٍ ليست صحيحة، قد يحمل الجاهل أعلى شهادة، يتصور الدنيا هي كل شيء وليس هناك شيءٌ بعد الدنيا، القوة قوة المال فقط، الجنة في الدنيا، قد يحمل إنسان أعلى شهادة، وكل معلوماته الكبرى، وتصوراته، غير صحيحة، فالعلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
من الناس من يدري ويدري أنه يدري، فهذا عالمُ فاتبعوه، ومن الناس من لا يدري ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهلٌ فعلموه، ومن الناس من لا يدري ويدري أنه يدري، فهذا شيطانٌ فاحذروه. المؤمن عبد شكرٍ لأنه أدرك العبودية لله عز وجل :
لذلك الجاهل له ميزة، أنه يتقبل أن يتعلم، والعالم له ميزة، أنه عرف الحقيقة، لكن الخطورة في نصف العالم، لا هو عالمٌ فينتفع بعلمه، ولا هو جاهلٌ فيقبل أن يتعلم، فلذلك الافتقار إلى الله واقع، أنت عبدٌ فقيرٌ إلى الله، أي المؤمن فقير، والكافر فقير، والمشرك فقير، والفاجر فقير، والعاصي فقير، وكل إنسان مفتقر إلى الله، http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/02.jpg
لذلك ورد في القرآن الكريم عبيد وعباد، العبيد: جمع عبد الفقر، عبد القهر، والعباد: جمع عبد الشكر، أي إنسان لو تجمدت نقطة دمٍ في أحد أوعية الدماغ شُل، فهو عبد القهر، بأي لحظة الإنسان يفقد حركته، يفقد سمعه وبصره، يفقد توازنه:
(( اللَّهمَّ أَمتِعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقُوَّتنا ما أَحيَيتنا ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]
فنحن جميعاً على اختلاف مشاربنا، وعلى اختلاف مستوى إيماننا، عبيدٌ قهرٍ، قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة فصلت ]
لكن المؤمن عبد شكرٍ، أدرك هذه العبودية. الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان ضعيف كثير الجزع وحريص على ما في يده :
لذلك دققوا في هذا الدليل:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
[ سورة المعارج ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/03.jpg
هذا شأن الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان، شأن الإنسان أنه ضعيف، كثير الجزع، حريص على ما في يده. ﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾
[ سورة المعارج ]
فالإنسان شأنه أنه فقير، جاهل، ضعيف، هذا شأن أي إنسان، لذلك ورد أنه: ((ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وأوى الغريب، كل ذلك لي وعزتي وجلالي، إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عني كمثل الفردوس، لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها ))
[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]
المفتقر إلى الله مرتبةٌ في الإيمان عاليةٌ جداً :
إذاً أي إنسان كائناً من كان، مؤمن، كافر، ملحد، فاسق، فاجر، هو فقير إلى الله، لكن فقره فقر قهر، من هو المفتقر إلى الله؟ الذي رأى هذه الرؤية وهو قوي، رأى افتقاره إلى الله وهو غني، رأى افتقاره إلى الله وهو عالم، لذلك المفتقر إلى الله مرتبةٌ في الإيمان عاليةٌ جداً، من هو المفتقر؟ الذي شهد افتقاره، هو قوي يعلم علم اليقين أنه بثانية يصبح طريح الفراش، بثانية يصبح خبراً بعد أن كان رجلاً، بثانية يصبح في نعش كالبضاعة، الإنسان إذا سافر ومات في مكان السفر يرجع بضاعة، بأوراق معينة، بتخليص، بوثائق، كان شخصاً راكباً على مقعد، رجع بالنعش، فالإنسان الذي يشهد افتقاره إلى الله، هذه مرتبة في العبودية عالية جداً، يشهد افتقاره وهو قوي، يشهد افتقاره وهو غني، يشهد افتقاره وهو عالم.
لذلك قال بعض العلماء:
والفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبَداً كَمَا أَنَّ الغِنى أَبداً وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي
***
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/04.jpg
العبد عبدٌ، والرب رب، أما أنت كلما افتقرت إلى الله، أي كلما شهدت ضعفك أمام الله، كلما شهدت جهلك أمام علم الله، ماذا قال الشافعي؟ والله كلام رائع، قال: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي. ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
لذلك قال بعض العارفين: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، أنت حينما تعجز عن إدراك ما ينبغي أن تدركه، فهذا نوعٌ من الإدراك، قال الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
لو سُئلت وأنت على شاطئ بحر، هذا المحيط الهادي كم لتر؟ أي رقم تعطيه فأنت جاهل، لو سُئلت أمام المحيط الهادي، كم لتر؟ أي رقم تدلي به فأنت جاهل، إذا قلت: لا أدري فأنت عالم.
مع الذات الإلهية عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، ولا يعرف الله إلا الله، حتى إن سيد الأنبياء والمرسلين هو أعلمنا بالله، لكنه في الحقيقة لا يعرف الله إلا الله. أي شيءٍ يؤلهه الإنسان الله عز وجل يخيب ظنه به :
أيها الأخوة، الافتقار إلى الله وأنت في أعلى درجات القوة تشهد ضعفك أمامه، وأنت في أعلى درجات الغنى تشهد افتقارك أمامه، إنسان أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، أخطأ خطأ في التوحيد، قال: الدراهم مراهم، توهم أن في الدراهم تحل كل المشكلات، وقع في مشكلة، بقي في المنفردة ثلاثةً وستين يوماً، أدبه الله، الدراهم ليست مراهم، المراهم رحمة الله، المراهم حفظ الله، المراهم توفيق الله، المراهم نصر الله لك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/05.jpg
لذلك أيها الأخوة، أي شيءٍ تؤلهه لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، وغيرة عليك، ومحبة لك، الله عز وجل يخيب ظنك به، تعتمد على المال، هناك مشكلات لا تحل بالمال.
مرة كنت عند طبيب قلب، جاءه هاتف، قال له: أي مكان بالعالم، وأي مبلغ، قال له: والله لا يوجد أمل، الورم بالدرجة الخامسة.
لذلك رحمة الله خير، والشيء العجيب أنه يؤتى الحذر من مأمنه، أي مع الله لا يوجد ذكي أبداً، لكن هناك إنسان مستقيم، الاستقامة تنفعك، أما الذكاء مع الله لا ينفعك، لأن الحذر يؤتى من مأمنه، لهذا قال الله عز وجل:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾
[ سورة المسد ]
لو أن أبا لهب جاء إلى النبي، وأعلن الشهادة شكلاً، من باب الذكاء، لألغى هذه السورة، ولكن الله إرادته مطلقة: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 142 ]
السين للاستقبال: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 142 ]
هؤلاء السفهاء لو سكتوا لألغوا هذه الآية، يؤتى الحذر من مأمنه، لا تقل: أنا، ولي، وعندي، ونحن، لا تقل: لا أنا، ولا نحن، ولا لي، ولا عندي. مرتبة الافتقار من أعلى درجات العبودية لله عز وجل :
أيها الأخوة، هذه المرتبة، مرتبة الافتقار، من أعلى درجات العبودية لله عز وجل، أنا أقول: افتقار وأنت قوي، أما أي إنسان حينما يكون ضعيفاً يكون مفتقراً، مفتقراً قهراً، وأي إنسان حينما يكون فقيراً حقيقةً هو مفتقر، ضعيف مفتقر، جاهل مفتقر، أما البطولة وأنت في أوج قوتك، وفي أوج علمك، وفي أوج غناك، أن ترى ضعفك أمام الله، هذه درجة في الإيمان عالية جداً، لذلك هذه المرتبة ليست سهلة، كفكرة سهلة، أما أن تعيش بها دائماً فليست سهلة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/06.jpg
لذلك الأقوياء يستكبرون، والأقوياء يقعون في شر أعمالهم، والأقوياء يغترون، وقلت لكم من قبل: طريق القمة صعبٌ جداً، تصور الطريق صاعدة، وهناك غبار، وحر، و أكمات، ووهاد، ومشقة، لا تبلغ القمة إلا بشق الأنفس، ولكن البطولة لا أن تصل إليها أن تبقى فيها، لأن الهبوط من القمة إلى الحضيض سهل جداً، بثانية، لذلك أخطر مرض يصيب الناجحين في الحياة هو الغرور، احفظوا هذه الكلمة: بطولتك لا أن تصل إلى قمة النجاح، أن تبقى في هذه القمة، ولن تبقى في القمة، إلا إذا كنت مفتقراً إلى الله.
دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
للتقريب: تجد أحياناً اسماً، قبله حرف الدال، ما معنى اسم قبله حرف الدال؟ أي هذا معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، ولسانس، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه، ومؤلف كتاب، والكتاب له طابع إبداعي، كلمة دال تعني كل هذه المراحل، وكلمة مفتقر إلى الله تعني إنسان مؤمن إيماناً كبيراً عرف الله فتواضعت نفسه، أي كما قلت في لقاءٍ سابق: العبودية لله لا تحتمل الكبر أبداً:
(( لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
العلم أحد أسباب الافتقار إلى الله عز وجل :
لذلك مرتبة الافتقار مرتبةٌ في أعلى درجات العبودية لله عز وجل، هذه تحتاج إلى مقومات، قال: الافتقار يحتاج إلى علم يسوسه ، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/07.jpg
مثلاً: يعرف الطبيب أنه بأي ثانية الإنسان يفقد حركته، إذاً هناك أدب، لا يقول: أنا، يبدو كان هناك شيخ النجارين في العهود السابقة، نشبت مشكلة بينه وبين الملك، أراد الملك أن ينتقم منه، فكلفه بأن يأتيه بمئة كيس من النشارة، هذه تحتاج إلى عشر سنوات، أيقن هذا النجار الكبير أن الملك أراد قتله، فإن لم يأتِ بها في صبيحة اليوم يُقتل، طرق الباب صبيحة اليوم ودع زوجته، وأولاده، وعمل الوصية، قال له: تفضل، قال له: لا، الملك مات، اصنع له نعشاً، فالإنسان بأي لحظة يفقد حياته، يفقد صحته.
(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، ولك العتبى حتى ترضى))
[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]
لا يوجد إنسان أغبى من إنسان لم يدخل الله في حساباته، لا تفتقر بلا علم، العلم أساس الافتقار، يجب أن تعلم من أنت، يجب أن تعلم أنك بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، يجب أن تعلم أن الأمر كله بيد الله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف الآية: 84 ]
ينبغي أن تعلم أنك في قبضة الله في كل ثانية، العلم أحد أسباب الافتقار إلى الله، لا يوجد حركة، ولا سكنة، إلا بيد الله عز وجل.
أغنى أغنياء بريطانيا، روتشيلد، عنده خزانة، فيها أموال تحتاجها الدولة، وكثيراً ما أقرض الدولة في بريطانيا، وكان كثير الأسفار، أحياناً يغادر لندن إلى باريس، إلى روما، فمرةً دخل خزنته، غرفة كبيرة، أُغلق الباب خطأً، و لم يسمعه أحد، قبل أن يفارق الحياة، جرح يده، وكتب على الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعاً وعطشاً. المفتقر إلى الله يحتاج إلى ورع يحجزه عن معاصي الله :
الله عز وجل قادر، الإنسان لا ينتفع بالمال كله، ولا بأولاده أحياناً، يعتني بالابن عناية فائقة، يرسله إلى بلاد الغرب، يتزوج أجنبية، ويتجنس، وينسى أباه، لأنه وضع أمله فيه لذلك:
(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً، لكان أبو بكرٍ خليلي، ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله ))
[ابن إسحاق عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/08.jpg
المفتقر إلى الله يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى ورع، يحجزه عن معاصي الله، من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله. (( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط ))
[الجامع الصغير عن أنس]
بعض العلماء قال: والله لترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام، الدانق كما قال العلماء سدس الدرهم، أي نصف ليرة سورية، ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام، العبادات الشعائرية، منها الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، لا تقبل، ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وهي الصدق، والأمانة، والعفة، والورع، والرحمة، والإنصاف، والتواضع، هذه الأخلاق هي أسباب قبول العبادات. المؤمن الصادق يتمتع برؤية لا يملكها أكثر الناس يرى الحق حقاً والباطل باطلاً :
ويحتاج هذا الافتقار إلى يقين:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/09.jpg
المؤمن الصادق لو كفر ستة آلاف مليون لا يكفر، المؤمن الصادق لا تأخذه الكثرة، قد تكون الكثرة شاردة عن الله عز وجل: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
[ سورة التكاثر ]
المؤمن الصادق يتمتع برؤية لا يملكها أكثر الناس، يرى الحق حقاً، والباطل باطلاً، يرى مصيره، مثلاً سيدنا يوسف شاب، في ريعان الشباب، وغريب، وجميل الصورة، العلماء عددوا عشرة أسباب تدعوه لقبول عرض امرأة العزيز: ﴿ قالَ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 23 ]
له رؤية، رؤيته منعته أن يعصي الله، بينما مليون مليون شاب لو كان مكانه لرأى مقاربة هذه المرأة مغنماً كبيراً، يحتاج إلى علم، وإلى ورع، وإلى يقين، وإلى ذكر ليأنس بالله، لذلك قال تعالى: ﴿ يا أيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 15 ]
سُئل بعض العلماء: متى يستريح الفقير؟ قال: إذا عاش كل يومٍ بيومه، لأنه ما مضى فات، والمؤمل غيب، الذي مضى مضى، لا جدوى من الحديث فيه، والأغبياء دائماً يتغنون بالماضي. ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ
* * *
قصيدةٌ قالها عمر بن كلثوم، التغني بالماضي من دون حاضر قوي نوع من الغباء، والمستقبل لا أحد يملكه، إنسان مرة حدثني عن عشرين سنة قادمة، قرأت نعوته في اليوم نفسه، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، لا تملك إلا هذه الساعة. الافتقار إلى الله له بداية وبدايته التذلل إلى الله وله نهاية ونهايته العز :
الافتقار إلى الله له بداية، وله نهاية، له ظاهر، وله باطن، بدايته التذلل إلى الله ونهايته العز.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4153/10.jpg
ظاهره تذلل، أما باطنه سموٌ إلى الله عز وجل.
أخواننا الكرام، شيء عجيب! هذا الدرس، والدرس السابق، فيه حقيقة خطيرة، كلما تواضعت لله، وافتقرت إليه، رفعك، وكلما تكبرت وضعك، أنت في أعلى درجات العز، والقوة، والهيبة، والوقار، حينما تكون في أعلى درجات الافتقار إلى الله، فكلما تواضعت لله رفعك، دقق في هذه الآية: ﴿ أولئك َعَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 5 ]
الهدى رفعهم، الافتقار رفعهم، الشعور بالضعف أمام الله رفعهم، لذلك أنا أتمنى كل عمل تقدم عليه أن تقول: يا رب إني تبرأت من حولي، وقوتي، وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك، وعلمك، يا ذا القوة المتين، إن كنت طبيباً قبل أن تعالج المريض، يا رب أنا فقير إلى هدايتك، إن كنت محامياً أن تستلهم ربك عز وجل قبل كتابة المذكرة، إن كنت تاجراً، قبل أن تشتري هذه الصفقة، قد تكون فيها خسارة كبيرة، فلذلك الافتقار إلى الله أحد أكبر أسباب النجاح.
أيها الأخوة، البطولة أن تداوم على الافتقار إلى الله، طبعاً كل إنسان بساعات الضعف، ساعات المرض، يفتقر، هذا افتقار طبيعي، افتقار عام، أما الذي أتمناه أن يكون الافتقار مستمراً في حياتك، وهذا من علامة إيمانك. الافتقار إلى الله يحتاجه كل إنسان في كل وقت :
أيها الأخوة الكرام، موضوع الافتقار إلى الله موضوع يحتاجه كل واحدٍ منا، لكن ألخص هذا الموضوع بكلمتين: إذا كنت مفتقراً إلى الله تولاك الله، بالرعاية، والحفظ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، وإذا اعتمدت على مالك، أو على جاهك، أو على أسرتك، أو على أتباعك، أو اعتمدت على هذا الجهاز المحمول، تكون في أدق الحاجة إليه، لا يوجد تغطية، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت:
﴿ فنادى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 05:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : العمل الصالح يؤدي إلى التوبة والتوبة تؤدي إلى الصلح مع الله









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو "التوبة"، بل إن الحقيقة أن عنوان الموضوع ينبغي أن يكون استئناف التوبة، أو استمرار التوبة، فالمؤمن مذنبٌ تواب:
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
فكرحمة من الله عز وجل امتن بها علينا أنه دعانا إلى التوبة، وهناك نصوص كثيرة جداً قرآنية، ونبوية، تؤكد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 222 ]
﴿ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
[ سورة الزمر الآية: 53 ]
من طبق سنة النبي الكريم في حياته فلن يعذبه الله أبداً :
لذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى:
(( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ))
[ مسلم عن أبي ذر ]
وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/02.jpg
أي ما دامت سنة النبي قائمة في حياتنا، فنحن في مأمنٍ من عذاب الله، أما الشيء اللطيف: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
فأنت أيها الأخ الكريم في بحبوحتين، بحبوحة أن تكون مطبقاً لمنهج الله، وبحبوحة أنك إن لم تكن مطبقاً لمنهج الله أن تستغفر، وفي الأثر القدسي: (( وعزتي وجلالي، إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليًّ هرولت إليه، إن استغفرني غفرت له، إن استقالني أقلته، إن تاب إلي تبت عليه، من أقبل عليًّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردت ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان :
أيها الأخوة، أكبر مشكلة تواجه الإنسان أن يكون بعيداً عن الله، غافلاً عن سرّ وجوده، عن غاية وجوده، غافلاً عن المهمة التي أُنيطت به، عن الرسالة التي ينبغي أن يحملها، أن يكون غافلاً عن الدار الآخرة، أن يكون غافلاً عن أنه خُلق لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وأن هذه الدنيا جيء به إليها كي يدفع ثمن الجنة، فغفل عن الجنة وانغمس في ملذاتها، وعندما جاءه ملك الموت قال:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
[ سورة المؤمنون]
قال: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 100 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/03.jpg
أيها الأخوة، أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
الغافل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام و النار عاقبته :
أيها الأخوة، الذي غفل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام:
﴿ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/04.jpg
الغافل عن الله: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
الغافل عن الله: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون الآية: 4 ]
الغافل عن الله عز وجل: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة الآية: 5 ]
السلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/05.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات ]
أدق شيء في موضوع التوبة أنك ينبغي أن تعرف سرّ وجودك في الدنيا، إن عرفت سرّ وجودك صحّ عملك، وإن صحّ عملك سلمت وسعدت، والسلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض، والذي يشقي الإنسان هو الجهل والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الآية الدقيقة جداً التي تبين علة وجودك: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
العبادة غاية المحبة لله و الطاعة له :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/06.jpg
والعبادة كما تعلمون طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية.
(( يا عبادي! إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم على أمرٍ عجزت عنه، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً، وتذكروني كثيراً، وتسبحوني بكرةً وأصيلاً ))
[ ورد في الأثر]
خلقك له، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لمن؟ أنت للواحد الديان.
أيها الأخوة، حينما تختار الدنيا تلغي إنسانيتك، حينما تختار الدنيا تلغي المهمة التي أنيطت بك، فلذلك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، وعلة وجودك، وأن تعرف أنك مخلوقٌ للجنة، عندئذٍ تسعى إليها. (( ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))
[ ورد في الأثر]
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى مناد من السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر]
السعادة التي يدركها التائب من ذنبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/07.jpg
أيها الأخوة الكرام، ما من سعادةٍ تغمر قلب الإنسان حينما يدركها كالسعادة التي تغمر قلبه حينما يتوب، والله كأن جبالاً أزيحت عن صدره.
(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
(( لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي))
[ الترمذي عن أنس بن مالك]
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء الآية :27 ]
من تاب إلى الله نجا من عذابه و لكنه لا يقطف ثمار التوبة الجماعية :
أيها الأخوة الكرام، هناك نقطة دقيقة تتضح من خلال هذه الآية، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة النور الآية: 31 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/08.jpg
ماذا تعني كلمة جميعاً؟ للتوضيح: لك خمسون صديقاً، ومعك هاتف جوال، و هم لا يملكون هذا الهاتف، ما قيمة هاتفك؟ أما حينما يكون مع أصدقائك هواتف جوالة كما هو معك تشعر بقيمة هذا الهاتف، أنت بإمكانك أن تتصل مع كل واحدٍ منهم في أي لحظة.
نحن ماذا يحصل؟ إذا الإنسان تاب وحده ينجو، لكن لا تقطف ثمار هذا الدين، اجلس في مكان جميع النساء محجبات، تعرف ما معنى الحجاب، ما معنى أن الإنسان ينصرف إلى عمله؟ والطالب إلى دراسته؟ والتاجر إلى تجارته؟ والموظف إلى عمله؟ حينما ينصرف الناس إلى بناء أمتهم ترقى الأمة، أما إذا أشغلناهم بالجنس صباحاً ومساءً، وظهراً، وعصراً، وليلاً، وفي أثناء العمل هناك جنس، ما الذي يحصل؟ تفسد الحياة فلذلك: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور ]
أحياناً هناك من يكون في بيئة فيها تفلت شديد، ويستقيم، وله أجر كبير، وينجو عند الله، ولكن لا يقطف المجتمع ثمار التوبة الجماعية، التوبة الجماعية أن الناس صادقون، أن الناس أمناء، أن الناس طيبون، أن الناس منصفون، لا يغدرون، العيش في هذا المجتمع شيء جميل جداً، لذلك قيل: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
الله عز وجل ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا :
أيها الأخوة،
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/09.jpg
أمر، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، والمؤمن كثير التوبة، أي كمنهج للنبي الكريم يأمرنا أن نأخذ به: (( إني لأتوب إلى الله في اليوم مئة مرة ))
[ البزار عن أنس ]
عن كل خاطر، عن كل شيء، فالله عز وجل تواب رحيم، بل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
بل ينتظرنا أن نتوب إليه، بل إن بعضهم قال: ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
أحاديث دقيقة جداً متعلقة بالتوبة :
والحقيقة من الأحاديث الدقيقة جداً المتعلقة بالتوبة:
(( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتوبةِ عَبدهِ المؤمن مَنْ رجلٍ نزلَ في أرض دَوِّيَّةٍ مُهلِكَةٍ، معه راحلتُهُ فَطلبها، حتى إذا اشتدَّ عليه الحرُّ والعطشُ أو ما شاءَ اللّه، قال: أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/10.jpg
مرة حدثنا أستاذ في الجامعة، في كلية الآداب، قال: إنكم لن تتذوقوا الشعر الجاهلي إلا إذا عشتم في الصحراء عشرة أيام، أي إذا فقد إنسان ناقته في الصحراء، موته محقق مئة بالمئة، فهذا حينما فقد ناقته أيقن بالموت: (( قال : أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ، فوضعَ رأسهُ على ساعدِهِ ليمُوتَ فاستيقظَ، فإذا راحلتُهُ عندهُ، عليها زادُهُ وشَرابُهُ، ثم قال من شِدَّة الفرح: اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
أرأيتم إلى وصفٍ دقيق يعبر عن محبة الله لك حينما تتوب؟. (( فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
لذلك هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
الذي لم ينجب لمدة عشرين عاماً، ثم حملت زوجته، وأنجب، كم فرحه؟ (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :
أيها الأخوة، الموضوع دقيق، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، علم: الذي لم يحضر مجالس العلم، لا يعرف الحلال والحرام، ممَ يتوب؟ يقول لك: لا نعمل شيئاً، لأنه يقترف الكبائر ولا يدري، ما الذي يخبرك أنه ينبغي أن تتوب؟ العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، وتعرف الحق والباطل، والخير والشر، والحرام والحلال، يمكن أن تتوب، أي أنت حينما تدرس قواعد اللغة العربية، يمكن إذا استمعت إلى من يقرأ نصاً من كتاب، يمكن أن تكشف أنه أخطأ، أو أصاب، أما إذا كنت لم تدرس هذه اللغة، وارتكب مئة خطيئة لا تدري، فأنت لن تكشف خطأك إلا إذا طلبت العلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/11.jpg
مثلاً إنسان معه ارتفاع ضغط، متى يعالج هذا الارتفاع؟ جواب بسيط جداً: إذا علم أن ضغطه مرتفع، إن لم يعلم كيف يعالج هذا الضغط المرتفع؟
وهذا الإنسان إن لم يعلم الحلال والحرام كيف يتوب؟ فالتوبة أساسها علم، اطلب العلم كي تتوب، كي تتوب من هذه العلاقة المالية المشبوهة، اطلب العلم كي تتوب من هذه العلاقة الاجتماعية الخاطئة، هناك علاقات اجتماعية خاطئة، هناك صفقة محرمة، هناك بضاعة محرمة، هناك طريقة في البيع والشراء محرمة، متى تكشف الحقيقة؟ إذا طلبت العلم.
لذلك من دخل السوق من دون فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى، أنا أستغرب أحياناً الإنسان يجعل طلب العلم من نوافل العمل، إذا وجد وقت فراغ، الأصل أن تطلب العلم، إنك إن طلبت العلم عرفت الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، عرفت سرّ وجودك، وغاية وجودك، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، هذا العلم، اطلب العلم من أجل أن تتوب، من أجل أن تعرف أين الخلل؟ أين الخطأ؟ أحياناً الخطأ في كسب المال، عقاب المال الحرام إتلاف المال، فأنت في حيرة، يقول لك إنسان: أينما ذهبت الطريق مسدود، طبعاً، عندك علة كبيرة جداً ما عرفتها، هذا العلم.
أما الحال، لابد من توضيح: إنسان يمشي في بستان، وجد ثعباناً، علاقته مع الثعبان وفق قانون، إدراك، انفعال، سلوك، أما إذا قال إنسان لآخر: على كتفك عقربٌ شائلة، بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، وقال له: شكراً لك على هذه الملاحظة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني أن أثيبك عليها، هل سمع ماذا قلت له؟ ما سمع، لو سمع، أو فهم، لقفز، ورفع صوته، وخلع معطفه، لكن لم يفهم، فإن لم يكن هناك انفعال شديد، لم يكن هناك إدراك صحيح، فليس هناك سلوك، السلوك أساسه الانفعال، والانفعال أساسه الإدراك، إدراك، انفعال، سلوك، هذا نظام وقانون، ذكره أحد كبار علماء الاجتماع، تدرك، فتنفعل، فتتحرك، أدرك أن هذا ثعبان، الإدراك جعله يضطرب ويخاف، واضطرابه وخوفه حمله على أن يهرب، أو أن يقتله، حينما لا ترى سلوكاً المعنى أنه لا يوجد انفعال، وحينما لا ترى انفعالاً حقيقياً لا يوجد إدراك، وهذه مشكلة، فاجعل هذا القانون ديدنك، لذلك التوبة علمٌ، وحالٌ، وعملٌ، العمل متعلق بالماضي، والحاضر، والمستقبل، بالماضي ندم وعزم على أن يصحح الخطأ الماضي، والحاضر إقلاعٌ عن هذا الذنب، والمستقبل عزيمةٌ ألا يعود إليه، فالتوبة علم، وحالٌ، وعمل، وقد لخصها النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة، فقال:
(( الندم توبة ))
[ أخرجه البزار وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]
أي أدرك فندم، فلما ندم تحرك، أدرك، فندم، فتحرك، علمٌ، وحالٌ، وعمل. الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ و خدمة للناس :
أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن:
(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/12.jpg
الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ، والإسلام في حقيقته خدمة للناس، لذلك سيدنا ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني، لا أطيق سدادها، قال له: لمن؟ قال له: لزيدٍ أو عبيد، قال له: أتحب أن أكلمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام من معتكفه، فقال له أحدهم: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر ـ والعهد به قريب، وبكى ـ والله لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرُ لي من صيام شهرٍ، واعتكافه في مسجدي هذا، أي الدين امتناع. (( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
والدين عمل صالح، لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا: (( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]
أيها الأخوة، سيدنا عمر كان مع عبد الرحمن بن عوف في المدينة، فرأى قافلةً، فقال سيدنا عمر لعبد الرحمن: تعال نحرس هذه القافلة، طفل بكى، عندما بكى، قال لأمه: أرضعيه، بكى ثانيةً، قال لها: أرضعيه، بكى ثالثةً، فغضب سيدنا عمر، قال: أرضعيه، هي غضبت، قالت له: وما شأنك بنا، إني أفطمه، فسألها لِمَ تفطميه؟ قال: لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام، ليس مع الولادة، تروي الروايات أنه بكى، وضرب جبهته، وقال: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ وحينما صلى الفجر، لم يستطع أصحابه أن يسمعوا قراءته من شدة البكاء، وهو يقول: "ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟".
فالإنسان حينما يدرك أن هناك حساباً دقيقاً، و سؤالاً، و دقة بالغة في الحساب، والله ما من قطرة دمٍ تراق في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
التوبة رحمة الله بالإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4161/13.jpg
الإنسان يا أخوان، ما دام القلب ينبض، ما دام هناك بقية في الحياة، لنبادر إلى التوبة، والتوبة رحمة الله:
(( لو جئتني بملء الأرض خطايا عفرتها لك ولا أبالي ))
[حديث قدسي رواه الترمذي والضياء والدرامي وأحمد وله شواهد أوردها الألباني في السلسلة الصحيحة]
والله ينتظرنا، و ﴿ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-13-2018, 05:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : استئناف التوبة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. استئناف التوبة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التوبة، كموضوعٍ كبير من: "سبل الوصول علامات القبول"، ولكن هذه المرة الموضوع معكوس، بمعنى أنه كما أن الإسلام أول، ثم الإيمان، ثم الإحسان، وحينما قال الله عز وجل:
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 131 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/01.jpg
سيدنا إبراهيم: ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هناك إسلام يعد بداية الطريق، وإسلام يعد نهاية الطريق، كذلك الإنسان في أول مدارج السالكين يتوب إلى الله، التوبة أولاً، وفي نهاية منازل السائرين يتوب إلى الله، فالتوبة تأتي أولاً، وتأتي آخراً، والإسلام يأتي أولاً، ويأتي آخراً، ونحن مع موضوعٍ متعلقٍ بالموضوع الأول، وهو التوبة، ولكن بتفصيلٍ آخر، استئناف التوبة، الآية الكريمة: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
أي التوبة هنا قبول عملهم، نجاتهم في الدنيا والآخرة، فكما أن التوبة تأتي في بداية الطريق، التوبة هي نهاية المطاف. التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان :
أيها الأخوة، الإنسان يتوب ليصلي، لكن في النهاية يصلي ليتوب، يتوب بمعنى قَبِل الله صلاته:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 118 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/02.jpg
إذا جاءت توبة الله قبل توبة الإنسان، أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة الإنسان، أي قَبِل توبتهم، ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، الآن تابوا فتاب عليهم، أي قَبِل توبتهم.
إذاً المؤمن يتوب إلى الله دائماً، يستغفره دائماً، التوبة ليست حدثاً واحداً، التوبة مستمرة، بل إن التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان، مثلاً: الله عز وجل وصف سيدنا إبراهيم فقال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
هل وفيت ما عليك؟ قال تعالى: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أما إبراهيم، ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
وفى ما عليه، لا يوجد وصف أروع من هذا الوصف، أي وجدك الله وفياً، وجدك تائباً، وجدك مخلصاً: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
أن يقبل عملكم، اجعلوه مخلصاً. من شروط قبول العمل الإخلاص و الصواب :
العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة.
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
فرقٌ كبير. خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :
أيها الأخوة، إذا قال الله عز وجل يخاطب سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، يقول له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/03.jpg
أنت لي، أنت لمن أيها المؤمن؟ التراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ لله للواحد الديان، حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 130 ]
أنت بحياتك أحياناً ترفض آلاف الأشياء احتقاراً لها، ترفض هذا البيت الصغير، هذا البيت التي تحت الأرض، هذا البيت البعيد، ترفض هذه الفتاة الغير المثقفة، الغير دينة، ترفضها كزوجة، أنت ترفض ملايين الأشياء احتقاراً لها، إلا أنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك، ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
وأنت مع ملايين الموضوعات معك خيار قبول، أو رفض، لكنك مع الإيمان معك خيار وقت فقط، كيف؟ أكفر كفار الأرض الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
والذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
عند الموت قال: ﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
[ سورة يونس الآية: 90 ]
معنى ذلك خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، فإما أن تؤمن قبل فوات الأوان، وأن تنتفع بإيمانك، أو لابدّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، أنت عبد، إما أن تكون عبداً لله، فعبد الله حر، وعبد الله عزيز النفس، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، هؤلاء الذين استنكفوا أن يعبدوا الله أمام الأقوياء صغار ينبطحون. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
التوبة بداية مدارج السالكين ونهاية منازل السائرين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/04.jpg
أيها الأخوة، إذاً التوبة بداية مدارج السالكين، والتوبة نهاية منازل السائرين، الآية الكريمة:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
[ سورة النصر ]
هذه السورة من أدق ما تؤكد هذه الحقيقة، في نهاية المطاف، ﴿ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
ودخل الناس ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
التولي و التخلي :
أيها الأخوة، الحقيقة أن هناك مرضاً كالإخطبوط، ينتظر الناجحين في الحياة، قلت لكم مرةً: طريق القمة صعبةً جداً، أكمات، وصخرات، وحفر، و وهاد، وتلال، وغبار، وحر، وقر، تبذل جهداً يكاد يكون فلكياً كي تصل إلى القمة، أما النزول من هذه القمة فيتم بثاني، إذا أصابك الغرور، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة، أن تبقى فيها، فلذلك الناجح بحياته، الناجح بدعوته، الناجح بتجارته، الناجح بصناعته، ينتظره مرضٌ خطير، هو الغرور، حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، الصحابة الكرام قمم البشر، بل نخبة البشر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))
[ أخرجه الطبراني عن عويم بن ساعدة ]
هؤلاء في بدر قالوا: الله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/05.jpg
أي مفتقرون إلى الله، فانتصروا نصراً استحقاقياً، هم هم، وفيهم سيد الخلق وحبيب الحق، في حنين قالوا: (( لن نغلب اليوم من قلة ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
فتخلى الله عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 25 ]
هذا الدرس أيها الأخوة، نحتاجه جميعاً كل ساعة، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا بمعلوماتي القيمة، بخبراتي المتراكمة، باختصاصي النادر، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، بمالي الوفير، إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، هذا هو درس التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. بطولة الإنسان أن يقرأ ما بين السطور :
في نهاية المطاف:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

<سيدنا عمر بن الخطاب، كان يكرم ابن عباس كثيراً، يبدو أن بعض الصحابة أخذوا عليه مأخذاً، طفل صغير، فأراد أن يعطيهم درساً، سأله أمامهم عن هذه السورة، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
فقال: هي نعوة النبي، والنبي حينما نزلت عليه هذه السورة، عرف أنه قد دنا أجله، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/06.jpg
بالمناسبة في الأدب ما يسمى بالتراجيديا والكوميديا، أي مأساة وملهاة، العظماء حينما يؤدون رسالتهم، تنتهي حياتهم، لذلك التراجيديا تنتهي بالموت، موت البطل، أما الكوميديا فتنتهي بالزواج، والصغار متعتهم هي هدفهم، فإذا تزوج هذه التي أحبها حلت كل مشكلاته، فالملهاة تنتهي بالزواج، أما المأساة فتنتهي بالموت.
فحينما أدى النبي رسالته، انتهت حياته، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
مثلاً: يمكن أن تسأل إنساناً يحمل دكتوراه في الآداب، هل تقرأ؟ مستحيل، يمكن أن تسأله هل تقرأ ما بين السطور؟ هناك فرق، القراءة الأولى قراءة محو أمية، أما قراءة إنسان يحمل دكتوراه فقراءة ما بين السطور، والآن الناس يتفاوتون لا بقراءة النص، يقول لك: ما بين السطور، لا بسماع الخبر، ماذا يعني هذا الخبر؟ من هنا كان التحليل السياسي، هناك تحليل للأحداث، يقول لك: هذا العرض العسكري رسالة إلى الدولة الفلانية، هذه المناورات على الحدود رسالة إلى الدولة الفلانية، هناك من يقرأ الخبر بعمق. الإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة ولا يعد ثمن دخولها :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
فاعل مؤخر: (( قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/07.jpg
الحقيقة تتمة الحديث: (( فسددوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً، فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً، فلعله أن يستعتب ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]
أريد أن أوضح مثلاً دقيقاً هذه قضية تحتاج إلى شرح، أنه كيف النبي الكريم وهو سيد الخلق لا يدخل الجنة بعمله مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
فيأتي الحديث ليقول: لا، القضية ليست بالعمل، أريد أن أوضح لكم: بيت ثمنه مئة وثمانون مليوناً، ثمن مفتاحه عشرون ليرة، فأحياناً إنسان يصنع مفتاحاً لهذا البيت ويدخل به، هذا المفتاح لا يساوي ثمن البيت، هذا لا يساوي شيئاً أمام البيت، فأنت حينما تستقيم، وحينما تصلي، وحينما تصوم، وحينما تحج البيت، وحينما تغض بصرك، وتؤدي زكاة مالك، وتحرر دخلك، وتربي أولادك، مجمل عملك بمثابة مفتاح لهذه الجنة، لذلك في بعض النصوص: (( ادخلوا الجنة برحمتي وتقاسموها بأعمالكم ))
[ ورد في الأثر]
مثل آخر: أب قال لابنه: يا بني إذا نلت الدرجة الأولى في الصف الثامن، لك مني أغلى دراجة، فهذا الابن نال الدرجة الأول، فتوجه مباشرةً إلى بائع الدراجات، قال له: أعطيني هذه الدراجة، لن يعطيه، لابد من دفع ثمنها من قبل الأب، أنت أتيت بسبب شراء هذه الدراجة، السبب عند والدك، وليس عند بائع الدراجات.
فالإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة، سبب، ولا يعد ثمن دخول الجنة، فأي إنسان يتوهم أن عمله كاف لدخول الجنة يحتاج إلى توبة، هذا ذنب كبير، أن تتوهم أن عملك كاف، أنا محسن كبير، أنا إنسان فعلت عملاً عظيماً، هذا هو الشرك الخفي، لذلك التوبة تأتي في نهاية المطاف.
لذلك قالوا: رب معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً. تناقض الكِبر مع العبودية :
أحياناً الإنسان ضعيف التوحيد، يرى له عملاً كبيراً، هذا العمل ربما كان حجاباً بينه وبين الله. (( لو لم تُذْنِبوا لَخَشيِتُ عليكم ما هُوَ أَشدّ منه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/08.jpg
ما الذي هو أكبر من الذنب؟ العُجب، مثلاً إنسان جاءه ضيوف كثر، لا يوجد عنده شيء، عنده كمية لبن قليلة، يضيف لها خمسة أمثالها ماء، يعملها شراباً مع الثلج، شيء نفيس جداً، هذه الكمية من اللبن لو وضع فوقها قطرة نفط، قطرة واحدة، فسد، فالكبر يتناقض مع العبودية، لذلك المستكبر لا يدخل الجنة. ((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنت عبد لله عز وجل، فكلما زادك الله علماً، أو فضلاَ، أو عملاَ، ينبغي أن تزداد تواضعاً له عز وجل، فلذلك من علامات المتفوقين عند الله التواضع، يقول الإمام الشافعي: "كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي": ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 255 ]
من أقامه الله بعمل صالح عليه أن يذوب محبة له :
أيها الأخوة، مرة إنسان محسن، قدم بيتاً لجمعية خيرية، الجمعية تستقبل الفتيات الفقيرات، يتعلمن في هذه الجمعية فن الخياطة الرفيع، تُقدم لها آلة خياطة، وتعمل من أجل ألا تبقى متسولة، أي تحول الفقيرات إلى عاملات، جمعية طيبة جداً، الذي قدم هذا البيت أُقيم له حفل تكريمي، أحد الخطباء ماذا قال؟ قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، فتقف في صفٍ طويل، ومعك هويتك، لتأخذ قبل أيام عيد الفطر مبلغ ثلاثمئة ليرة مع التوقيع والبصم، أي إذا إنسان من الأخوة الكرام سمح الله له أن يعطي لا أن يأخذ هذا من فضل الله عليه، من الممكن أن تأخذ ولو كنت ذكياً. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/09.jpg

(( ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مع الله لا يوجد ذكي يوجد مستقيم، فإذا إنسان أقامه الله عز وجل بعمل صالح، أو أقامه بعمل ناجح، أو أقامه بتجارة، أو أقامه بدخل معقول، يجب أن يذوب محبةً لله، كان من الممكن أن يمد يده للناس.
إنسان جالس مع زوجته، يأكل الدجاج، طرق الباب، كان متسولاً، فالزوجة همت أن تعطيه قطعةً من الدجاج ليأكلها، فنهرها، وقال: اطرديه، والقصة طويلة ساءت العلاقة بينهما حتى طلقها، وأكرمها الله بزوجٍ آخر، جالسة مع الثاني، تأكل الدجاج، طُرق الباب قال: انظري من الطارق، رجعت مضطربة، قال لها: ما الذي حصل؟ قالت له: سائل، قال لها: من هو، قالت له: إنه زوجي الأول، قال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول؟ الإنسان إذا استكبر، الله عز وجل: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة البروج ]
إياك أن تتكبر. من شهد عمله فقد أشرك :
أيها الأخوة، بعض علماء القلوب قالوا: من شهد عمله فقد أشرك، قال لك: أنا، مثلما قال قارون، حصّلت هذا المال بجهدي، بتعبي، وعرق جبيني، أي:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 78 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/10.jpg
المؤمن الصادق الذي استنار قلبه يقول لك: الله أكرمني بهذه الشهادة، أكرمني بهذه التجارة، أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بالأولاد، أكرمني بهذا البيت، لا يقولها تأدباً يقولها واقعاً، حقيقةً، فالمؤمن يرى فضل الله عليه، وغير المؤمن يرى جهده، وعمله، فيكون حجاباً بينه وبين الله، لذلك من يحتاج إلى التوبة؟ الناجحون: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة فاتحاً، دخلها مطأطئاًً رأسه حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله.
سيدنا عمر، عبقري هذه الأمة، وهو على المنبر يخطب، قطع الخطبة فجأةً وقال: يا عمر، كنت راعياً ترعى إبلاً لبني مخزوم، على قراريط بمكة، لا علاقة لهذا الكلام بالخطبة، يخطب في المسلمين، أمير المؤمنين، يا عمر: كنت راعياً ترعى الإبل، بقراريط لبني مخزوم، وتابع الخطبة، فلما نزل، سأله سيدنا أبو ذر الغفاري، يا أمير المؤمنين، هذا الذي قلته ماذا يعني؟ قال له: جاءتني نفسي، فقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، أنت قمة المجتمع الإسلامي، فأردت أن أعرفها قدرها.
إنسان منا أكرمه الله بشيء، عليه أن يتذكر قبل ثلاثين سنة ماذا كان يعمل؟ عمل في محل تجاري، الله أكرمك، جعل معك شهادة عليا، معك تجارة ناجحة، فكلما تذكر الإنسان أصله يتواضع، وكلما نسي أصله يتكبر.
سيدنا عمر بن عبد العزيز طلب من أحد الكبار اسمه عمر بن مزاحم، قال له: يا عمر كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت. بطولة الإنسان أن يدخل مدخل صدق و يخرج مخرج صدق :
أنا أركز على التوبة بعد النجاح، هناك خطورة كبيرة جداً بعد النجاح، خطورة الغرور، الكِبر، لذلك كلما دخل سيدنا عمر بن عبد العزيز مجلس الخلافة يتلو هذه الآية، آية دقيقة جداً:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4162/11.jpg
لذلك قال تعالى: ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 80 ]
القرآن موجز، هناك إيجاز بلاغي، لو أن الله قال: رب اجعلني صادقاً، أحياناً تبدأ بمشروع وأنت صادق، في منتصفه تأتيك أموال طائلة، أحياناً إنسان ينشئ مستشفى خيرياً بعد حين تأتيه الجلطة من الفاتورة، أي صار الرقم غير معقول، شعر أنه يمكن أن يربح أرباحاً فلكية، نسي أن هذا مشروع خيري بالأساس، فأحياناً إنسان يدخل ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾
ولكن أحياناً لا يخرج ﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
فالآية دقيقة جداً، بأي مشروع، بأي عمل، قد تبدأ المشروع وأنت مخلص، وتنوي فعل لخير، البطولة أن ينتهي كذلك: ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
أيها الأخوة الكرام، كما أن بداية مدارج السالكين أن تتوب إلى الله، نهاية منازل السائرين أن تتوب إلى الله، فالتوبة في البداية، وفي النهاية، بل التوبة مستمرة، والإنسان حينما يألف أن يتوب دائماً، هو مع الله دائماً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الاربعون )

الموضوع : اجتناب الكبائر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الكبائر :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكن طبيعة هذا الموضوع طبيعة سلبية، بمعنى أن هناك موضوعات تعد أصلاً في الوصول، وهناك موضوعات أخرى تعد في أصلاً في عدم الوصول، فما دام الحديث في اللقاءات السابقة عن التوبة، فهناك موضوع الكبائر، الكبائر من أخطر الموضوعات التي تتناقض مع الوصول إلى الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/01.jpg
نحن في النظام المدني عندنا مخالفات، مخالفة سير، وجريمة قتل، فرقٌ كبير بين مخالفة السير، وبين جريمة القتل، نسمي بالمصطلح الشرعي جريمة القتل كبيرة، ونسمي مخالفة السير صغيرة، فالموضوع اليوم هو "الكبائر"، لذلك من أدق الآيات في هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
للتقريب: إنسان حُكم عليه بالإعدام، وعليه مخالفة سير، يعفى من مخالفة السير، لأنه سيعدم. ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
في الإسلام مخالفات بسيطة، صغائر، مخالفات أكبر أكبر أكبر إلى أن نصل إلى الكبائر. أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن :
لكن بالمناسبة: الشيطان يوسوس للإنسان، يوسوس له بالكفر، فإن وجده على إيمان يوسوس له بالشرك، فإن وجده على توحيد يوسوس له بالكبائر، فإذا وجده على طاعة يوسوس له بالصغائر، فإذا وجده على ورع، بقي معه ورقتان رابحتان، يوسوس له بالتحريش بين المؤمنين http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/02.jpg
فالخلافات، وتراشق التهم، والتكفير، والتبديع، والتشريك، هذا من عمل الشيطان، وعندنا قاعدة مهمة جداً، حدث خطير وقع، لصالح من؟ إذا عرفنا لصالح من نتهم هذه الجهة التي كان هذا العمل لصالحها، إذاً التفرقة بين المؤمنين لصالح من؟ لصالح الشيطان، وأعداء الدين، فأي إنسان يشق صفوف المسلمين، يفرق بينهم، يجعلهم شيعاً وأحزاباً، يضعف قوتهم، فهو يعمل لصالح الشيطان.
إذاً هناك موضوعات تتناقض مع الوصول إلى الله، فإذا لم يستطع الشيطان أن يوسوس، وأن يقنع، وأن يحمل الإنسان على الكفر، وعلى الشرك، وعلى الكبائر، وعلى الصغائر، بقي معه ورقتان رابحتان، الأولى: التحريش بين المؤمنين، والثانية: المباحات، يغرق في المباحات، إلى أن يوافيه الأجل، وهو غارقٌ في المباحات، هذه من أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن.
تفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة :
إذاً تتفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة، الآن بالضبط كيف نفهم الكبائر والصغائر؟ أقول: طريقٌ عرضه ستون متراً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، والإنسان يركب مركبة على هذا الطريق، ما الصغيرة؟ أن تحرف المقود سنتمتر، هذا الانحراف لو استمر لكان المصير إلى الوادي، هذه الصغيرة، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( لا صغيرة مع الإصرار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/03.jpg
لو أن حرف المقود سنتيمتراً واحداً وثبته، فالمركبة تنتقل من وسط الطريق إلى اليمين إلى اليمين إلى اليمين، إلى الوادي. (( لا صغيرة مع الإصرار ))
أما الكبيرة أن تحرف المقود تسعين درجة، إلى الوادي فوراً، لكن لأن الطريق عريض، بإمكانك أن تتلافى السقوط في الوادي بإرجاعه. (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
الكبائر إذا تبت منها أصبحت صغائر، والصغائر إذا أصررت عليها أصبحت كبائر، (( لا صغيرة مع الإصرار ))
السنتيمتر الواحد لو ثبت إلى الوادي، والكبيرة إذا أدركت أنها كبيرة، فأرجعت المقود كما كان بقيت على الطريق. الصغائر و الكبائر تحجب الإنسان عن الله عز وجل :
أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة والثابتة أن أية مخالفةٍ تحجبك عن الله، لكن دقق في هذا المثل: بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، ثلاجة، مكيف، مسجلة، مروحة، ميكروويف، كل هذه الأجهزة إذا قُطع التيار لا معنى لها إطلاقاً، لو قُطع التيار ميلي متراً واحداً جميع الأجهزة معطلة، ولو قُطع متراً جميع الأجهزة معطلة، فالقطع قطع، بصغيرةٍ أو بكبيرة، والوصل وصل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/04.jpg
فالبطولة أن تكون موصولاً بالله عز وجل، لا أن تحجب عن الله بالصغائر، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يخشى على أمته من الصغائر، من:
(( محقرات الذنوب ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن سهل بن سعد ]
بصراحة معظم المسلمين لا يقتلون، ولا يزنون، ولا يشربون الخمر، لكن ما الذي يحجبهم عن الله؟ (( محقرات الذنوب ))
الصغائر إذا أصروا عليها، فإذا أصروا عليها انقلبت إلى كبائر. الكبائر هي :
1 ـ الإشراك بالله :
أيها الأخوة، كم هي الكبائر؟ هذا موضوع خلافي، بعضهم عدها سبعاً إلى سبعين إلى سبعمئة، هناك كتاب مشهور للإمام الذهبي، وهو من كبار علماء الحديث، عنوانه: "الكبائر"، طبعاً هو استنبطها من الكتاب، وما صحّ من السنة، الآية الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/05.jpg
هذا هو الأصل، فإلى الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تتحدث عن الكبائر، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكبائر: الإشراك بالله ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
للتقريب: إنسان له مبلغ كبير في حلب، نحن في دمشق، وحلب من أكبر مدن الشمال، له مبلغ كبير، وسوف يأخذه يوم السبت، الساعة الواحدة ركب قطار حلب، قطع في الدرجة الأولى، وارتكب خطأ، فركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، الخطأ الثاني أنه جلس مع شباب منحرفين، أزعجوه كثيراً في الطريق، هذا خطأ ثان، لكن القطار منطلقٌ إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ ثالثاً، أنه جلس بعكس اتجاه القطار، فأصابه دوار، ارتكب خطأ ثالثاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ رابعاً، أنه كان يتلوى من الجوع، ولم يعلم أن في القطار عربةً فيها مطعم، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ هذا المبلغ، أما هناك خطأ لا يغفر، أن يركب قطار الجنوب المتجه إلى درعا، هذا القطار لا يصل إلى حلب، يصل إلى مدينة ليس فيها مبلغ.
لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، هو الشرك، تتجه إلى غير الله، ليس معه شيء، صفر، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، ذنبٌ لا يغفر، الشرك بالله، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله، لذلك الشرك من أكبر الكبائر. 2 ـ عقوق الوالدين :
((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/06.jpg
الله عز وجل رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادة الله، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23 ]
هذه الواو حرف عطف، ومن لوازم العطف التجانس، أي لا يوجد إنسان يقول: أنا اشتريت أرضاً وملعقة، بل يقول: اشتريت أرضاً وبيتاً، أو بيتاً وسيارة، فالعطف من لوازمه التماثل، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
رفع الله عز وجل مستوى بر الوالدين إلى مستوى عبادته، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، والأبوان كانا سبباً في وجودك في الدنيا، لذلك أنا أنصح أي أخ كريم ألا يشارك عاقاً، لأنه إذا لم يكن فيه خير لوالديه لم يكن فيه خيرٌ لك. 3 ـ قتل النفس :


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/07.jpg
((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، لأنه ما من قطرة دمٍ تراق من آدم إلى يوم القيامة إلا وسيتحملها إنسان يوم القيامة، لابدّ من أن يتحملها إنسان، إلا دم المقتول بحد يتحمله الله جلّ جلاله.




4 ـ اليمين الغموس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/08.jpg
(( ....واليمينُ الغموسُ، قلت وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقْتطِعُ مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وهي اليمين الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار، هي اليمين الكاذبة، الفاجرة التي: (( تذر الديار بلاقع ))
[ابن حبان عن واثلة بن الأسقع]
يمين مدمرة، تسمى في القضاء اليمين الحاسمة، فإذا حلف الإنسان كاذباً ليتوقع أنه دمر نفسه. الرد الإلهي قد يأتي سريعاً أو بطيئاً جداً :
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 137 ]
دقق الآن: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
[ سورة آل عمران الآية:137 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/09.jpg
الفاء تفيد الترتيب على التعقيب: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المكذبينَ﴾
[ سورة آل عمران ]
هناك برنامج شهير جداً في الإذاعة ـ حكم العدالة ـ مرة التقيت بمعد هذا البرنامج، حدثنا عن قصة، قال: عمارة يزيد ثمنها عن خمسين مليوناً، بدعوى كاذبة سوف تنتقل إلى صاحبٍ آخر يدّعي ملكيتها، لكن يحتاج إلى شاهد، جاؤوا بشاهد زور، وقد دفعوا له مبلغاً فلكياً، أقسم لي بالله أنه رأى الحادث أمامه، فجاء القاضي وقال لهذا الشاهد الزور الذي سينقل بناء، ثمنه خمسون مليوناً ـ والقصة قديمة جداً، الآن خمسمئة مليون ـ من مالك حقيقي متوفى، إلى مالك مزور، هذه الدعوى الباطلة تحتاج إلى شاهد زور، جاؤوا بهذا الشاهد، وضع يده على المصحف وأقسم، وأبقى يده مرفوعةً، فانزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، قال لي: كان يمسك طرف الطاولة بيده، إلى أن وقع، حوالي نصف دقيقة، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، انظر الآية قل: ﴿ َفسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هذه الفاء للترتيب على التعقيب، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هناك آية ثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 11 ]
ثم تفيد الترتيب على التراخي، هو نفسه أقسم لي بالله، قال لي: هناك إنسان متهم بجريمة قتل، فأبلغه المحامي أن حكماً بالإعدام صدر عليه، قال لي هذا المحامي: بحياتي يوجد حوادث كثيرة، إبلاغ حكم الإعدام، أما هذا الإنسان فلم ينزعج، أي تلقى الحكم بأعصاب باردة، فأنا استغربت، صار عندي رغبة أن أشهد إعدامه، بعد أسابيع أعتقد بالقلعة قال لي: ذهبت لأشهد إعدامه، وقف على طاولة الإعدام، وضع حبل المشنقة وقال: الآن سأموت، هذا الذي قُتل، واتُهمت به، أنا لم أقتله، لكنني قتلت إنساناً قبل ثلاثين عاماً، كان رئيس مخفر بعهد فرنسا، وضابط فرنسي أعطاه إنساناً ليُقتل، وضعه في الإسطبل، وأقفل الباب، فهرب بالليل لا يعرف كيف، لئلا يكون مسؤولاً أمام هذا الضابط، جاء بإنسان معه جمل، باع الجمل، وضع الثمن في جيبه، وأدخله مكانه، وثاني يوم أُعدم، قال: أنا من ثلاثين سنة تسببت بقتل إنسان بريء، وهأنذا أُقتل مكانه، هذه الآية الثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
فإما أن يأتي الرد الإلهي سريعاً، وإما لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يأتي بطيئاً، أي قد يحلف إنسان يميناً كاذبة غموساً، ويعاقب بعد عشر سنوات، إذاً: (( الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وقتْلُ النفس، واليمينُ الغموسُ ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
الغش و قول الزور سبب هلاك الإنسان في دنياه :
حديث آخر: قال النبي صلى الله عليه و سلم: (( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر، ثلاثاً قلنا : بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، ألا وشهادةُ الزور، وقولُ الزور، وكان متَّكئاً فجلس، فما زال يكرّرُها حتى قلنا: ليته سكتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بكرة ]
طبعاً هناك إضافة بهذا الحديث، شهادة الزور، أنت تشتري قماشاً من دولة شرقية، من آسيا، من تايوان، هناك شريط ذهبي عن طريق المكواة مكتوب صنع في فرنسا أو انكلترا، تستطيع أن توهم المشتري أن هذا القماش مصنوع بدولة أوروبية، تأخذ الثمن مضاعفاً، هذه شهادة زور، كل أنواع الغش شهادة زور، لذلك: (( من غش فليس منا ))
[ أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/10.jpg
نفى عنه انتماءه للإسلام، فالغش من الكبائر، تغيير الصفات، أن توهم الشاري أن هذه البضاعة من الطراز الأول، وهي من الطراز الخامس، أن تغير في صفاتها، في منشئها، في موادها الأساسية، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، وكل أنواع الغش تنطوي تحت كلمة شهادة الزور.
فلذلك أيها الأخوة، الذي أهلك المسلمين في بيعهم وشرائهم الغش، يحلف يميناً كاذبة، واليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة، ممحقةٌ للبركة، لذلك المؤمن مستقيم، وقد ورد أن عدل ساعةٍ خيرٌ من عبادة سبعين عاماً. (( وترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
الدين في الأسواق، في البيع والشراء، الدين في العيادة، الدين في الصيدلية، الدين في المستشفى، الدين في الحقل، إياك أن تضع مادة مسرطنة، إياك أن تضيف مادة مبيضة للمادة الغذائية، المادة المبيضة مسرطنة، إياك أن تستخدم شيئاً تؤذي المسلمين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مرة إنسان يطوف حول الكعبة، يقول: ربي اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل، كان وراءه إنسان صالح، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله! قال له: ذنبي كبير، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أبيحت لنا المدينة، دخلت أحد البيوت، رأيت فيه رجلاً وامرأة وولدين، فقتلت الرجل، وقلت لزوجته: أعطني كل ما عندك، أعطته كل ما عندها، فقتل ولدها الأول، فلما رأته جاداً في قتل الثاني أعطته درعاً مذهبة ـ من الذهب ـ تأملها فأعجبته، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأهما فوقع مغشياً عليه: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *
من الكبائر أيضاً :
1 ـ أن يجعل الإنسان لله نداً :
أيها الأخوة، عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه و سلم:
(( أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
أي تقول: مصيري بيد فلان، فلان يرفعني، فلان يدمرني، هذا شرك كبير: (( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ))
وإذا قلت: الدولة الفلانية، إن أقمنا معها علاقات طيبة نجونا، وإلا هلكنا، لا، هذا شرك أيضاً، الضار والنافع هو الله، المعطي والمانع هو الله، المعز والمذل هو الله، فحينما (( تجعل لله نداً وهو خلقك ))
فهذا أيضاً من الكبائر، وهو يندرج مع الشرك بالله. 2 ـ قتل الولد :
(( أن تقْتُلَ ولدَكَ مخافة أن يطْعمَ مَعَك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/11.jpg
أحياناً إنسان يقذف بابنه إلى أتون الفتن من أجل مستقبله، يرجع زانياً، يرجع كافراً بدينه، لكن يا أخي أخذ شهادة عليا، لا، الإيمان أولاً، أنا مع العلم، مع التفوق، مع الاختصاص، لكن لابد من أن تنتبه.
قال لي مرة شاب جاء بأعلى شهادة من أمريكا: والدي زوجني وأرسلني مع زوجتي، قال لي: زوجتي كانت حصناً.
أنا مع العلم، مع تلقي العلم من أكبر الدول، مع تقوية المسلمين، لكن إذا كان هذا العلم على حساب دينك، ومستقبلك، فعندنا مشكلة كبيرة: (( أن تقْتُلَ ولدَكَ ))
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 191 ]
صدق أيها الأخ الكريم، هذه الموءودة التي قال الله عنها: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
[ سورة التكوير ]
طفلة كالشمعة، توضع في الرمل، ويهال عليها الرمل، وتموت، جريمة كبيرة، والذي يطلق لابنته العنان، تثير الفتن، كاسيةٌ عارية في الطريق، هذه يوم القيامة تقف أمام ربها وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأن: ﴿ َالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
هذه التي وئدت إلى الجنة، صح، أما هذه التي كبرت، وانحرفت، وأثارت الشبهات، والفتن، وأفسدت الشباب، في صحيفة والدها الذي أطلق لها العنان. 3 ـ أن يزني الإنسان بحليلة جاره :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4163/12.jpg
(( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
بلغ النبي الكريم أن هناك إنساناً ذهب إلى الجهاد، وأوصى جاره بزوجته، فزنى بها، فجاء الكلب وقتله، فقال: خان صاحبه، والكلب قتله، والكلب خيرٌ منه. (( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
أيها الأخوة، للموضوع تتمة إن شاء الله، الكبائر قضية خطيرة جداً، الأصل في هذا الموضوع: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع : انواع الكبائر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. تناقض الكبائر مع الوصول إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكنه يتصل اتصالاً سلبياً، فالشيطان يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم تنجح هذه الورقة وسوس له بالمباحات، فلذلك الكبائر تتناقض مع الوصول إلى الله، والكبائر كما قال الله عز وجل:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
والحديث في اللقاء السابق كان عن أنواع الكبائر، ولا زلنا في ذكر هذه الأنواع. أي عمل يسقط صاحبه من عين الله وأعين الناس يندرج تحت الفواحش :
الآية الكريمة:
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/01.jpg
وقد بينت لكم أن الشرك ذنبٌ لا يغفر، لأنك اتجهت إلى غير الله، وغير الله ليس عنده شيء، ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله. ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
الفاحشة معصية ممقوتة، تفوح رائحتها النتنة، تسقط صاحبها في الوحل، يصبح مذموماً، يفقد مكانته، يفقد عدالته، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))
[أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده عن علي]
العكس: من حدثهم وكذبهم، سقطت عدالته، ووعدهم فأخلفهم، سقطت عدالته، وعاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، فهذه من الكبائر، ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
الزنا من الفاحشة، وأي عمل يسقط صاحبه من أعين الناس يندرج تحت الفواحش، وأي عملٍ أيضاً يسقط صاحبه من عين الله يندرج مع الفواحش.
أيها الأخوة: ﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد ]
الفواحش الباطنة و الظاهرة :
﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/02.jpg
بل إن لبعض العلماء رأياً دقيقاً في الفواحش الباطنة، إنها الكِبر، الفواحش الظاهرة في الأعمّ الأغلب الإنسان يتوب منها، لكن الفواحش الباطنة هي الكِبر، وهناك فواحش تصيب النفس، الاستعلاء، الكِبر، أن ترى نفسك فوق الآخرين، بل إن العالم كله يعاني من مرضٍ خطير، إنه العنصرية، ما معنى العنصرية؟ يكفي أن تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، فأنت عنصري، يكفي أن تتوهم أن على الآخرين ما ليس عليك، فأنت عنصري، وقد يكون الزوج عنصرياً، فإذا صعدنا إلى الأعلى وقد يكون حق الفيتو في مجلس الأمن حقاً عنصرياً، أنت حينما تتوهم أن لك ما ليس لغيرك أو أن عليك أو أن على غيرك ما ليس عليك فأنت عنصري.
هذه الفواحش الباطنة، في الأعم الأغلب الإنسان لا يتوب منها، لأنها ليست ظاهرة، الكِبر أن يرى نفسه فوق الآخرين، أن يرى أن له فضلاً عليهم، أن يرى أن أحداً لا يحق له أن ينتقده، مع أنه ما من أحدٍ أصغر من أن ينقد، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقد، فالمجتمع الذي فيه نظام إنساني وليس عنصرياً هذا المجتمع معافى، أما إذا كان هناك عنصرية قهذا المجتمع يعاني ما يعاني، وقد ينتقل إلى العنف، والعنف لا يلد إلا العنف. تحريم الزنا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/03.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
[ سورة الفرقان الآية: 68 ]
الزنا جريمة، لأنه عدوان، لأن الله سبحانه وتعالى فطر النفس الإنسانية فطرةً سليمة، وأن المرأة فطرها فطرةً سليمة، فإذا تزوجت تألقت، إذا تزوجت كان الزواج وفق فطرتها، أما إذا أُفسدت بالزنا، كان الزنا وبالاً عليها.
على كلٍّ أيها الأخوة الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
المؤمن لا يزني، أما وإن زنا وإن سرق في الماضي، قبل أن يتوب، لكن بعد أن تاب إلى الله عز وجل، فهذا بعيدٌ عن أخلاق المؤمن بعد الأرض عن السماء. العلاقة مع الجن علاقة محرمة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/04.jpg
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:
(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله والسِّحْرُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة: (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
[ أخرجه النسائي عن أبي هريرة ]
أي علاقةٍ مع الجن علاقةٌ محرمة. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
أي تعاون مع الجن لإضلال البشر، لا يوجد عندنا قناة نظيفة مع الجن إطلاقاً. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
الاستعاذة بالله تحرق الشيطان لأن الجن ليس لهم على الإنس سلطان :
ولكن هناك آياتٌ دقيقة جداً:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/05.jpg
الجن ليس لهم على الإنس سلطان: ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
آيةٌ ثانية: ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 102 ]
أي الجن، آيةٌ ثالثة: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 200 ]
فالاستعاذة بالله تحرق الشيطان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ﴾
[ سورة سبأ الآية: 14 ]
سيدنا سليمان: ﴿ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
[ سورة سبأ ]
هذه الآيات القرآنية الحاسمة، الجن لا يعلمون الغيب، والجن لا يملكون للبشر نفعاً ولا ضراً، هذا المعنى الدقيق المتعلق بالجن، أما هناك خرافات، وهناك ترهات، وهناك تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، الموقف العلمي، القرآني، التوحيدي من الجن هذا، فلذلك: (( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
من يسفك دم الآخرين يتحمل وزرهم يوم القيامة :
وقد ذكرت لكم أن المسلم يظل بخير ما لم يسفك دماً، لأن هذا الدم الذي سُفك لابد من أن يتحمله إنسانٌ يوم القيامة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 115 ]
بل إن علماء التوحيد يؤكدون أن الإيمان باليوم الآخر يندرج تحت السمعيات، أو تحت الإخباريات، لأن الله أخبرنا أن هناك يوماً آخر، إلا أن بعض العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الأخر يندرج تحت المعقولات، لأنه لا يعقل أن يخلق الله قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وتنتهي الحياة، القوي أكل الضعيف، والغني أكل الفقير، والمتمكن سحق الضعيف، لا يعقل أن تنتهي الحياة دون أن تسوى الحسابات، هذا الكمال الذي يشف عنه الكون لا يقبل أن تنتهي الحياة مع الموت، ولا شيء بعد الموت، لابدّ من أن تسوى الحسابات. من الكبائر أيضاً :
1 ـ أكل الربا :
فلذلك أيها الأخوة: (( السِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الربا من الكبائر لماذا؟ لأن الربا يسهم بتجميع الأموال الكثيرة، في أيدٍ قليلة، وهذا وحده يعد اختلالاً بالتوازن، لأن الله حينما أودع في الإنسان حب المال، أراد أن يكون هذا المال متداولاً بين كل البشر، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية: 7 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/06.jpg
فالعالم حينما يتاجر بالسلعة والخدمة، توزع الثروات على أوسع طبقةٍ في المجتمع، أما حينما يتاجر بالقيمة ـ كما هو حال النظام العالمي اليوم ـ وحينما يتاجر بالدين، تتجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك عُشر سكان الأرض بسبب النظام الربوي، يملكون تسعة أعشار ثروات الأرض، والتسعون بالمئة من أهل الأرض لا يملكون إلا عشرة بالمئة من ثروات الأرض، حرمة الربا أتت من أنه يخل بالتوازن المالي بين طبقات البشر.
فلذلك حينما يقل المال بين أيدي الناس، تظهر الدعارة، يظهر الاحتيال، أكثر الأمراض الخطيرة الاجتماعية سببها الفقر، وحينما قال الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً"، هذا كلام صحيح، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكون جريمةً وكاد الفقر أن يكون احتيالاً، أكثر الأمراض الاجتماعية سببها الفقر، فلذلك الذي يسهم في إبعاد الهوة بين الأغنياء والفقراء يسهم في إفساد المجتمع، لذلك قال النبي الكريم: (( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
2 ـ أكل مال اليتيم :
أكل مال اليتيم من الكبائر، والله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/07.jpg
لو أن إنساناً تاجراً كبيراً، معه مال يتيم، إذا كان غنياً بماله، ينبغي أن يستعفف عن أن يأخذ ربحاً من استثمار مال اليتيم، أما إذا كان فقيراً، قال: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
العلماء فسروا المعروف أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، مثلاً يتيم وضع معك مليون ليرة، الربح بينكما، ربحت بهذا المليون مئتي ألف، أجر المثل لك مئة ألف وله مئة ألف، هذه المئة ألف أقل من حاجتك، هذا هو الحق، لكن أودع معك عشرة ملايين، وربحت مليوناً، لك خمسمئة، وله خمسمئة، الخمسمئة فوق حاجتك، ينبغي أن تأخذ حاجتك، كلام دقيق: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
؛ أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، فإذا الحاجة كانت أقل يأخذ حاجته، وإذا كان أجر المثل أقل، يأخذ أجر المثل. 3 ـ التولي يوم الزحف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/08.jpg
(( وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الإنسان حينما يجبن عن لقاء العدو، فهذا الجبن، وهذا الفرار، أو هذا التولي من الزحف، يعد من الكبائر.






4 ـ قذف المحصنات :
(( وقذف المحصنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/09.jpg
وورد في الأثر: (( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ))
الناس يخوضون في أعراض الآخرين، أحياناً تُذكر امرأة، أحد الحاضرين يقول: الله أعلم، قذفها بهذه الطريقة، أساساً حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية إنها قصيرة قال النبي عليه الصلاة و السلام: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
(( والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث في البخاري ومسلم. 5 ـ قتل مخلوق بلا سبب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/10.jpg
أيها الأخوة، أن تقتل مخلوقاً بلا سبب، هذا من الكبائر، تصوروا لو أن واحداً اصطاد عصفوراً، لغير مأكلةٍ، للتسلية، هذا العصفور يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي النحل، يقول:
(( يا رب سله لِمَ قتلني؟))
آلاف الصيادين يذهبون هوايةً، يقتلون آلاف الطيور ثم يرمونها في الأرض، ماذا فعلت؟ مخلوق يسبح الله، أما إذا كنت مسافراً، وأنت مكرمٌ عند الله، وكنت جائعاً و مضطراً إلى أن تأكل، لك أن تصطاد، وأن تأكل، الصيد لتلبية حاجةٍ أساسية، أما للتسلية. ((من قتل عصفورا عبثاً جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش تقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
6 ـ شتم الرجل والديه :
أيها الأخوة:
(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
بشكل دقيق أنت حينما تؤذي الناس تستسب لأبيك، النهي ولا تستسب له، أي لا تعامل الناس معاملةً يكون رد فعلها أن يسبوا أباك، فالمؤمن لا يستسب لأبيه، يحفظ ود أبيه، يحفظ سمعة أبيه، يحفظ كرامة أبيه، إلا أن المؤمن له نشاط أوسع، لا يستسب للمسلمين وهذا المعنى مأخوذ من حديث رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/11.jpg
قد تتوهمون أن المعنى أنه لا يؤذي المسلمين، ولا يسبهم، لا، حينما يعامل غير المسلمين فيظلمهم، أو يأخذ ما ليس له، يسبب سباً للمسلمين، أنت حينما تسيء إلى مسلم يتهمك أنت باسمك، أم إذا أسأت لغير المسلم، ينسى اسمك، ويتهم الإسلام، المعنى دقيق جداً: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
أي من سلمت سمعة المسلمين حينما يعامل غير المسلمين من لسانه ويده، ودائماً وأبداً حينما تسيء لغير المسلم، يقول: هكذا الإسلام؟ ينسى اسمك، لا يعلق على اسمك أبداً، فلذلك المسلم إذا أساء لغير المسلم، يكون قد انتهك حرمة المسلمين، وأنت أيها المسلم على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، لذلك الحديث: (( من غش فليس منا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
لو غششت مجوسياً فلست منا: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
من هو العدو التقليدي للمؤمن؟ الكافر، ولا يحملنكم بغض هذا الكافر ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
إن عدلت معه، قربته إلى الله، وقربته إليك، أنا أرى أن الإساءة لغير المسلمين أعظم إثماً ومسؤوليةً من أن تسيء للمسلمين. 7 ـ استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق :
إن من أكبر الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/12.jpg
ما معنى كلمة عرض؟ نحن جميعاً نتوهم أن كلمة عرض متعلقة بالمرأة، لا، كل إنسان له عرض، عرضه سمعته، أو بالتعبير الدقيق العرض: موضع المدح والذم في الإنسان، فإذا أسأت إلى سمعة إنسان، أي اتهمت أمانته من دون تأكد، من دون دليل، لا يوجد أحد جيد، هذا المشكك، ذُكر اسم شخص، ليس معك دليل، ليس معك بينة، ليس معك مستمسك، اتهمت أمانته، ماذا فعلت؟ استطلت في عرضه، لذلك: (( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
هذه امرأة نشكك بعفتها، وهذا إنسان نشكك في أمانته من دون دليل، إن كان هناك دليل فلا يوجد مشكلة.
لذلك مرة سيدنا عمر، جاءته رسالة من أحد الولاة، قال: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فكان الجواب الرائع، قال: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر! وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم، فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا، فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم، أهون من أن ألقى الله بدمائهم، هذا المنهج، هذه القنوات الصحيحة.
أيها الأخوة الكرام، الحديث عن الكبائر حديثٌ خطير، إذا استطلت في عرض امرئ مسلم من دون دليل، رجل له دعوة، له مصالح، معك دليل؟ شككت بأمانته، الناس كانوا ينتفعون منه، قطعت الخير عن هؤلاء الناس بكلمة، مرة أخيرة: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
8 ـ اتباع غير سبيل المؤمنين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4192/13.jpg
أيها الأخوة:
(( مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجماعةَ فماتَ ماتَ مِيتة جَاهلية ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]
اتبع غير سبيل المؤمنين، فكل إنسان يقدم خدمات لأعداء المسلمين، فكأنه خرج عن مفهوم الأخوة الإيمانية. ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 115 ]
صار في خدمة أعداء المسلمين، هذه من أكبر الكبائر، هي الخيانة العظمى.
الحقيقة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبعدنا جميعاً عن هذه الكبائر، لأنك تظل بخير ما لم تقترف هذه الكبائر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال القران الكريم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحب من خلال القرآن الكريم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع: "الحب".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/01.jpg
الحب هذه الكلمة الساحرة، ذات الظلال الرقيقة والمحببة في النفس البشرية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، لأنه يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدةٌ من أهم الدوافع الإنسانية، والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي، لكن البطولة أن تعرف من تحب وكيف تحب.
شيء آخر الحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، أما إذا لبيت واحدة تطرفت، وفرقٌ كبير بين التطرف والتفوق.
أيها الأخوة، مرة أحد كبار الأساتذة في كلية التربية درست فيها ثلاثين عاماً، تقاعد أحد الأساتذة، أُقيم له حفل وداع كبير جداً، هو أستاذ علم النفس، فقال كلمة تأثرت لها كثيراً، قال: أي إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، إذا كنت من بني البشر ينبغي أن تشعر بحاجة إلى أن تُحِب أو إلى أن تُحَب.
بنية الإنسان النفسية مبرمجة من قِبل الله على محبة ما أمر به وكره ما نهى عنه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/02.jpg
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن لك فطرة، جِبلّة، خصائص، هذه الفطرة مبرمجة على منهج الله، أي شيءٍ أمر الله به جُبلت على محبته، وأي شيءٍ نهاك الله عنه جُبلت على كراهيته، شيء رائع جداً أن بنيتك النفسية، خصائصك النفسية، فطرتك، جِبلتك، مبرمجة من قِبل الخالق العظيم على محبة ما أمرك به، وعلى كره ما نهاك عنه، والدليل:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 7 ]
فأنت لمجرد أن تطيع الله اصطلحت مع نفسك، وشعرت براحة لا توصف، وكأن جبالاً أزيحت عن كاهله لمجرد أنك اصطلحت مع الله. أنواع الحب :
أيها الأخوة، ولكن هناك حبٌ حسي وهناك حبٌ عقلي، فكلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، كلما ارتقيت تحب بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان يحب بحواسه، الدليل القطعي أن الله عز وجل قال في القرآن الكريم يحدثنا عن سيدنا يوسف: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/03.jpg

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 33 ]
دُعيَّ إلى أن يلتقي مع امرأة العزيز لقاءً زوجياً، لو عرض هذا الشيء على مليار شاب الآن يراه غنيمة كبيرة، بينما سيدنا يوسف رأى في هذا الشيء بُعداً عن الله، فكرهه بعقله مع أن طبيعته الجسمية ترغب في ذلك، ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
وما في إنسان الآن عظيم إلا أحب بعقله، الحد الأدنى الذي أخذ شهادة عليا أحب الدراسة بعقله، ترك اللقاءات، والسهرات الممتعة، واللقاء مع الأصدقاء، والنوم المديد، والطعام الطيب، والنزهات تركه كله، لأنه أحب أن يكون إنسان مرموق في المجتمع فدرس فالإنسان لن يكون عظيماً في الدنيا إلا إذا أحب بعقله، وأبغض بعقله، أما إذا أحب بحواسه دمر نفسه، وأبسط شيء الطعام والشراب، الذي أحب الطعام والشراب ولم يحكم عقله في الأمر يعني أصيب بأمراض وبيلة، يجب أن تحب بعقلك، وأن تكره بعقلك، وهذا علامة الرقي. عدم ارتقاء الإنسان إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله :
الآن ربما أحببت بحواسك فهلكت، وربما كرهت بحواسك فنجوت، قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/04.jpg
أوضح مثل هذا اللقاء الطيب، تستيقظ قبل الفجر وتتوضأ، وتنتقل من بيتك إلى المسجد، والجلسة على الأرض، ولا يوجد ضيافة إطلاقاً، وتعود، ولكن تشعر بسعادة لا توصف، لأنك ذكرت الله في وقت القرب. (( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
فكلما ارتقيت تحب بعقلك وتكره بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، بقي نائماً، أكل ما شاء، نظر إلى من يشاء، من دون ضابط، من دون قيد، من دون قيمة، فأنت يمكن أن تمتحن نفسك، هل تحب بعقلك؟.
مرة كنا في جلسة قُدمت ضيافة طيبة جداً لكنها لا تريح الجسم، هناك طبيب قلب دُعي إلى أن يأكل فرفض، اعتذر طبعاً، فلما أصر صاحب البيت عليه أن يأكل، قال له: والله أحب هذا الطعام أكثر منكم جميعاً، لكنني لكثرة ما أرى الشرايين مسدودة ـ هو عمله طبيب جراح ـ أكره هذا الطعام.
أحياناً الإنسان يكره بعقله ويحب بعقله، لا يرتقي إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله، موضوع الطعام والشراب، موضوع الدراسة، موضوع السير إلى الله عز وجل، مجاهدة النفس والهوى، كل هذا السلوك أساسه حب عقلي، لكن الحب الحسي يتناقض معه، النوم أريح من حضور الدرس، إذاً ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
من أحبّ غير الله عز وجل ظلم نفسه :
أيها الأخوة: الآية الأساسية في هذا اللقاء الطيب. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/05.jpg

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
أحب المال، أحب النساء، أحب الكِبر ـ أن يكون كبيراً عند الناس ـ أحب السيطرة، أحب أشياء كثيرة، ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
أي يحبونهم حباً كما ينبغي أن يحب الله عز وجل، يبيع حياته من أجل هذه الشهوة، يموت من أجلها، التعليق الرائع: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
الله عز وجل هو أصل الكمال و الجمال و النوال :
لكن النقطة الدقيقة:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/06.jpg
الذي أحبّ غير الله أحبّ الدنيا، أحبّ أموالها، أحبّ نساءها، أحبّ بيوتها، أحبّ قصورها، أحبّ مركباتها، أحبّ مناصبها . ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
يوم القيامة: ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
هنا القوة بمعنى قوة الجمال، هو لماذا أحب المرأة ؟ لأنه أُخذ بجمالها، لو يعلم علم اليقين أن أصل الجمال هو الله، وأن أصل الكمال هو الله، وأن أصل النوال هو الله، لذلك يتألم أشد الألم حينما تبع فرعاً ضئيلاً ونسي الأصل . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا غير الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
يوم القيامة طبعاً حينما أحبوا غير الله، اعتدوا على الآخرين، الحب قادهم إلى العدوان ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله :
الإنسان أيها الأخوة مجبولٌ على حب الكمال، والجمال، والنوال، يحب العطاء، ويحب الكمال، ويحب الجمال، الآن هذا الحب قد يكون ادعاءً، قال تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/07.jpg
ادعاءً ، ردّ الله عليهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]
والمسلمون إذا قالوا: نحن الأمة المختارة، نحن: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية :110]
نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد الخلق وحبيب الحق، الرد جاهز: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
ليس لكم ولا ميزة ما دمتم لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 110 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر، أو أمرنا بالمنكر ونهينا عن المعروف، أو أصبح عندنا المعروف منكراً والمنكر معروفاً، لسنا ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
بل نحن أمة كأية أمةٍ خلقها الله عز وجل، ليس لها أي ميزة. من هان أمر الله عليه هان على الله :
لذلك ملخص الملخص هان أمر الله علينا فهنا على الله، لأن الله عز وجل قال :
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
علامة حبكم اتباعي، فإن لم تتبعوا رسول الله فهذا دليلٌ قطعي على أنكم لا تحبون الله عز وجل.
مرة قلت: من منكم يصدق ـ وهذا هو الحق ـ أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين لقول النبي: (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أي سمعت درساً تأثرت فيه، انقل الذكرى إلى من حولك، إلى زميلك، إلى صديقك، إلى جارك، إلى ابنك، إلى أخيك، إلى أصهارك، إلى بناتك، إلى زوجتك. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
والدليل: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾
[ سورة العصر ]
التواصي بالحق ربع النجاة، فما لم تتواصَ بالحق فلست ناجياً، والدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط، أما كفرض كفاية فتحتاج إلى تفرغ، وإلى تبحر، وإلى تعمق، وهذا الذي بهذا المستوى يستطيع أن يرد على كل الشبهات، وأن يجيب عن كل الأسئلة، هذا التفرغ, والتعمق، والتخصص، والتبحر، هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لذلك، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
علامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة :
الآن الاتباع:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف الآية : 108 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/08.jpg
فعلامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة، أي ما خطر ببالك مرة أن تقنع إنساناً بالدين؟ قريب، جار، صديق، شريك، تقنعه بشيء من عظمة هذا الدين، تدعوه إلى درس علم، تقدم له شريطاً، تدعوه إلى قراءة كتاب، ما خطر في البال إطلاقاً؟ لذلك ورد: (( أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال : اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[ أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
والآن هناك حالات هو مستقيم، وبيته إسلامي، ودخله إسلامي، لكن لم يخطر في باله لثانية أن ينقل الحق لإنسان: (( قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط))
أيها الأخوة، إذاً : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
دقق في الآيات: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾
[ سورة الإنسان الآية : 8 ]
من آثر رضاه على رضا الله فالطريق إلى الله غير سالكة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/09.jpg
لكن الآية التي تقصم الظهر:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 24 ]
الطريق إلى الله غير سالكة، أي إذا أحببت تجارة فيها معصية، أو فيها شبهة، أو فيها بضاعة محرمة، أو علاقة محرمة آثرتها على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت زوجتك وهي متفلتة من الدين، ولم تعبأ بنصحك، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت شيئاً ما سوى الله، وكان هذا الشيء لا يرضي الله، وثبت على محبته، ولم تعبأ بمحبة الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً لذلك: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الله عز وجل يحب :
1 ـ المحسن :
أيها الأخوة، من هم الذين يحبهم الله؟ طبعاً نحن جميعاً نحب الله، لكن محبة الله لنا أهم بكثير من محبتنا له، محبتنا له شيء طبيعي منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لكن البطولة أن يحبك الله، من هؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/10.jpg

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هل أنت محسن؟ ﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
والمطلق على إطلاقه، هل أنت محسن في بيتك؟ في عملك؟ في تجارتك؟ في حرفتك؟ في طبك؟ في هندستك؟ أنت محام، هل أحسنت كتابة المذكرات؟ هل كنت مخلصاً للموكل أم أهملت قضيته وابتززت ماله؟ هل أنت محسن؟ أنت معلم هل أنت محسن؟ طبيب أتقنت اختصاصك؟ اعتنيت بالمريض؟ كلمة إحسان مطلقة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
طريق محبة الله بيدك، أحسن يحبك الله. 2 ـ المقسط :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 42 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/11.jpg
تأتي ابنتك إلى البيت تشكو زوجها، تقول لها: اجلسي لن ترجعي إليه، لن أرسلك له، هل سألته ماذا فعلت معه؟ أنت الآن قاض استمعت لابنتك فقط ولم تكلف نفسك أن تسأله باتصال هاتفي لعلها أساءت إليه، لست منصفاً، أحياناً يعطي كل ثروته للذكور، ويحرم البنات، لماذا؟ يخاف المال أن ينتقل إلى الأصهار، لأن الله عز وجل حينما وزع الإرث بذاته العلية نزل التوزيع بالقرآن، فأنت تجتهد ألا نعطي البنات؟! اعملوا وكالة عامة لأخيكم بالقهر . (( إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيضِران في الوصية، فتجب لهما النار ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أنت محسن مع أولادك ؟ هل عدلت بينهم ؟ كلمة واسعة جداً محسن ومقسط . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
عادل ، عندك زوجتان، لماذا كره النساء التعدد؟ يكرهونه كراهة تحريمية لأن النساء لم يروا تعدداً عادلاً ، رأوا تعدداً ظالماً فكفروا بالتعدد، إذا كان عندك زوجة ثانية هل تعامل الاثنتين في المسكن، وفي الطعام والشراب، وفي الوقت، والإقامة، و الإنفاق، والود معاملة واحدة؟ لماذا مع الجديدة أنت منطلق الأسارير ومرح وتأخذها نزهات كثيرة ومع القديمة أنت عبوس قمطرير لماذا؟ لست منصفاً، لذلك ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
3 ـ التواب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/12.jpg
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 222 ]
الذي يتوب من كل ذنب ويتوب من قريب . ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]



4 ـ المتطهر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/13.jpg
إن الله:
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
طهر نفسه من السِوء، من الأدران، من الشهوات، من الحقد، من الكبر، من الاستعلاء، من التحدي، طاهر، مستقيم.





5 ـ الصابر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/14.jpg
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 146 ]
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 30 ]
هل أنت صابر على قضاء الله وقدره؟ هل أنت صابر عن معصية الله ؟ هل أنت صابر على طاعته؟ ينبغي أن تصبر على طاعته، وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

6 ـ المتوكل :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159 ]
خالق السماوات والأرض، بيده كل شيء، توكل عليه. ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
[ سورة النمل ]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
كلمة واسعة تبدأ من طهارة الجسم، إلى طهارة الثياب، إلى طهارة المكان، إلى طهارة المنزل، إلى طهارة النفس، لا يوجد حقد، ولا غل، ولا حسد، ولا خبث، ولا مؤامرة، ماذا قال سيدنا عمر ؟ "لست بالخَب ولا الخب يخدعني" .
أي لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع ، لست بالخب ولا الخب يخدعني. 7 ـ المتقي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/15.jpg
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الذي يتقي أن يعصي الله.
الآيات واضحة جداً، طريق محبة الله لك بين يديك وسالك إلى الله، يحب المحسنين، والمقسطين، والتوابين، والمتطهرين، والصابرين، والمتوكلين، والمتقين.




الشارد عن الله عز وجل يحب الدنيا و ما فيها :
لكن الذين شردوا عن الله ماذا يحبون؟ قال:
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة العاديات ]
يحب المال . ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
[ سورة الإنسان ]
أحب الدنيا وكفر، أما هناك موت، هناك قبر، هناك حساب، هناك عذاب، هناك نار، لم يدخل الموت في حسابه أصلاً، ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
علامة إيمان الإنسان أن يفرح لأخيه لا أن يعطي نفسه حجماً أكبر منها :
﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 188 ]
الآن معظم الناس يحب أن يعطي لنفسه حجماً كبيراً هو دونه بكثير، أي الأشياء الطبيعية يعزوها إليه، أما هؤلاء. ﴿ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة النور الآية : 19 ]
هؤلاء: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أي الإنسان عندما يتمنى أن يسقط المؤمن أو يُدمر، بل إذا دمر يفرح، أكبر علامة نفاق أن تتألم إذا أكرم الله أخاك، أكرمه بمنصب، أكرمه بزوجة صالحة، أكرمه بشهادة عليا، أكرمه بتجارة ناجحة، علامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الإنجاز لك، وعلامة النفاق أن تتألم. الله عز وجل جعل الحب اختياراً لا قهراً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4246/16.jpg
فلذلك:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أساساً الله عز وجل جعل الحب اختياراً، قال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
[ سورة فصلت الآية : 17 ]
والآن بشر كثيرون بعقلهم يختارون الدنيا ويرفضون الآخرة، يختارون المعصية ويرفضون الطاعة، يؤثرون علاقة مع امرأة لا تحل لهم على علاقته مع زوجاتهم، يؤثرون الدخل الحرام على الدخل الحلال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
ونسأل الله جلّ جلاله أن نكون عند ما ينبغي أن نكون، وفي لقاءٍ آخر إن شاء الله أتحدث عن الحب من خلال السنة النبوية، اليوم الحب من خلال القرآن الكريم.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال السنة النبوية





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحبّ من خلال السنة النبوية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحب، والحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، لكن المؤمن يعرف من ينبغي أن يحب، وكيف يحب.
وفي اللقاء السابق تحدثنا عن الحب من خلال القرآن الكريم، واليوم الحديث عن الحب من خلال السنة النبوية الصحيحة المطهرة، من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
[أخرجه أبو يعلى عن الأشج العصري ]
كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، والأناة التؤدة والتأني، في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، فالحلم والأناة صفتان يحبهما الله عز وجل ورسوله. (( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
المؤمن هو من كان الله في قرآنه والنبي في سنته أحبّ إليه من أي شيءٍ آخر :
حديثٌ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/02.jpg
الحقيقة أن هذه الأحاديث أولاً مقياس وثانياً هدف، مقياس إيمانك أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك من ولدك، ووالدك، والناس أجمعين، هذه علامة الإيمان.
سيدنا عمر كان واضحاً جداً مع رسول الله قال له: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له: عندما يكمل إيمانك يا عمر، بعد حين قال: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، ونفسي التي بين جنبي، فقال: الآن يا عمر.
هذا مقياس ، ما معنى أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك ممن سواهما؟ ككلمة سهلة جداً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء؟ لقال الجميع: نعم، حينما تتعارض مصلحتك القريبة المتوهمة مع النص الشرعي، مع القرآن ومع السنة، مع أمر الله في القرآن وأمر النبي في السنة، وتلزم النص الشرعي، ولا تعبأ بمصلحتك المتوهمة، فأنت تحب الله ورسوله أكثر من أي شيءٍ آخر، أي قضية أن تحب الله ورسوله أكثر من أهلك، وولدك، والناس أجمعين، ككلمة سهلة، أما كتطبيق، أحياناً له زوجة ويحبها لكنها متفلتة، وسوف ينعكس هذا على الأولاد، فلابدّ من تقويمها، لابدّ من أخذ موقف منها، أما معظم الناس ما دام مصالحه محققة من خلال هذه الزوجة لا يعبأ بدينها، ولا بتربيتها لأولادها.
فما دام هناك رغبة أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته، أحب إليك من أي شيءٍ آخر فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة. على الإنسان أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه :
الآن يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/03.jpg
دائماً وأبداً حينما يربط الأمر بالإيمان فهو شيءٌ خطيرٌ جداً. (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
قال شراح الحديث: المطلق في القرآن والسنة على إطلاقه، أوسع معنى للأخوة الأخوة الإنسانية، فمن علامة الإيمان أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك، وفي بعض الروايات: وأن تكره لهم ما تكره لنفسك، أما الذي يأخذ ما يوافقه ويدع للناس ما لا يوافقه، فهو لا يحب لهم ما يحب لنفسه.
والحقيقة أيها الأخوة: هناك مقياس دقيق جداً، ضع نفسك مكان الآخر، أنت موظف أمامك مواطن، له حاجة تنتهي بدقائق، لكنك تدير حديثاً ممتعاً مع صديقك، قلت له: تعال غداً، وقد يكون بلده في مكان بعيد، وسوف يضطر أن ينام في الفندق، لو كنت مكانه هل تقبل؟.
لذلك القاعدة الرائعة التي تؤكدها نصوص كثيرة: عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك، هل ترضى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها كما تعامل أنت زوجة ابنك في البيت؟ هل ترضى أن تسخر الزوجة من أمك كما تسخر من أمها؟ أنا أقول: إما أن تكون إنسانياً، أو أن تكون عنصرياً، فالزوج الذي يسخر من أم زوجته فإذا تكلمت زوجته بكلمة عن أمه أقام الدنيا عليها، هذا إنسان غير منطقي، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. التوحيد أن يتحرك الإنسان وفق ما يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة: (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
صدقوا ولا أبالغ لو طُبق هذا المبدأ، أو هذا الحديث، لكنا في حال غير هذا الحال، ينبغي ألا تقبل للناس إلا ما تقبله أنت.
حدثني مرة أخ قال لي: أنا عندي معمل مياه غازية لا أذوقه إطلاقاً، لأنه سيئ جداً، إذاً لماذا تبيع الناس شيئاً أنت تترفع عن شربه؟ هذا خطأ استراتيجي، في كل المصالح، بالحرف الشيء الذي تقدمه للناس ينبغي أن يكون مقبولاً عندك، أما تطعم الناس طعاماً لا تأكله أنت، ليس هذا من الدين إطلاقاً.
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله، ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك روايات كثيرة: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله ومنع للهِ، ووصل لله، وقطع لله ورضي لله، فقد استكمل الإيمانَ ))
أي المؤمن نحى رغبته الشخصية جانباً، وتحرك وفق ما يرضي الله، فإن غضب لله، وإن رضي لله، وإن وصل لله، وإن قطع لله، وإن أعطى لله، وإن منع لله، هذا هو التوحيد، أن تتحرك وفق ما يرضي الله . صفات التاجر الذي يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ اللهَ يُحِبُّ سَمْحَ البيع ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/04.jpg
هناك تساهل بالبيع، هناك تشدد، أحياناً امرأة فقيرة ليس معها ثمن الدواء الكامل ينقص نصف ليرة، يسحب الدواء من يدها ائتني بالمبلغ الكامل، نصف ليرة أحياناً، لا يوجد سماحة، هناك تشدد أحياناً بالبيع والشراء لا يحتمل . (( رحم الله عبداً سمح البيع، سمح الابتياع، سمح القضاء ، سمح التقاضي ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عثمان بن عفان ]
(( إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]
مر معي: ((أطيب الكسب كسب التجار))
[الأصبهاني عن معاذ بن جبل]
الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا ـ لم يمدحوا ـ وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر الذي يرضي الله عز وجل. رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/05.jpg
وهناك أيضاً حديث قد يلفت النظر لكنه في البخاري: رجل من القوم يشرب الخمر، لعنه الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تَلعنوه، فواللَّه ما علمتُ إلا أنهُ يُحِبُّ اللَّه ورسوله ))
[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لئلا نقع في فهم خاطئ، أحياناً الإنسان يعصي ربه كِبراً، وتأبياً، كما عصى إبليس، وأحياناً يعصي الإنسان ربه غلبةً، غلبته شهوته، ضعف أمام نفسه، هذا يعصي ويبكي، فهذا الذي يعصي غلبةً لا تعامله كما تعامل إنساناً يعصي الله كِبراً واستعلاءً، هذا نوع وذاك نوع آخر، وقد قال بعض العلماء: رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً . حاجة المسلمين اليوم إلى أن يحبوا بعضهم بعضاً حاجة أساسية :
أيضاً أيها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام:
(( وَالذي نَفسي بِيدِهِ، لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/06.jpg
ما الذي ينقصنا الآن؟ مساجد رائعة، أبنية فخمة، مؤتمرات جيدة، ندوات رائعة، هناك كل شيء، إلا أن هذا الحب الذي كان بين الصحابة نفتقده، هذا الحديث: (( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
نحتاج إلى الحب، إلى أن يحب بعضنا بعضاً، أما التحريش بين المؤمنين، وتراشق التهم . ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
هذه تضعضع مكانة المؤمنين عند الله عز وجل، المؤمنون إذا تعاونوا ارتقوا جميعاً عند الله، وعند من حولهم، أما إذا تنافسوا، وتراشقوا التهم، سقطوا جميعاً من عين الله، ومن عين من حولهم. (( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
المحبة أساس الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/07.jpg
الحب من أين يأتي ؟ (( ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]
افتراض، لو أنك مستقيم تماماً، وأنا مستقيم تماماً، يجب أن يُحب بعضنا بعضاً، الحب حتمي، الحب نتيجة طبيعية، والدليل حينما ننسى ما ذُكرنا به تكون العداوة والبغضاء، وكأن هذه الآية تشير إلى قانون العداوة والبغضاء: ﴿ َفنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ﴾
[ سورة المائدة الآية : 14 ]
إذاً . (( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ ))
[ أخرجه الترمذي عن الزبير بن العوام ]
أحبّ الناس إلى رسول الله و أبغضهم إليه :
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/08.jpg

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِني مَجْلِسا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُم أخلاقاً ))
[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
لذلك الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. (( وَإِنَّ أَبغَضَكُمْ إِليَّ، وَأبْعَدَكُمْ مِني مَجْلسا يَومَ القِيامةِ: الثَّرْثَارونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
(( الثَّرْثَارونَ ))
الذين يكثرون القول الباطل . (( والمُتَشَدِّقُونَ ))
المتوسعون في الكلام . (( وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
المتكبرون بالعلم، هؤلاء من أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمام العادل أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/09.jpg
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أَحَبُّ النَّاسِ إِلى الله يوم القيامة وأدْنَاهُمْ منه مَجْلِساً إمَامٌ عَادِلٌ، وأَبغَضُ النَّاسِ إلى الله تعالى وأَبعدهم منه مجلساً إمَامٌ جَائِرٌ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
الإمام ممكنٌ في الأرض، والإنسان إذا مكن في الأرض، وعمل صالحاً، أجره مضاعف، أجر استقامته ومن قلده في الاستقامة، والممكن في الأرض إذا أخطأ عليه وزران، وزر خطئه، ووزر من قلده بخطئه، أي منصب قيادي، معلم صف، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، أي منصب قيادي إن أحسن هذا الذي يتسلم هذا المنصب له أجرٌ مضاعف، وإذا أساء عليه وزرٌ مضاعف.
ما دامت الشعائر تؤدى فيجب على الإنسان ألا يفعل شيئاً يشق الصفوف :
أيها الأخوة، حديثٌ دقيقٌ جداً يحتاجه المسلمين اليوم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الذين تُحبُّونَهُمْ ويُحبونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عليهم، ويُصَلُّونَ عليكم وَشِرارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكمْ، وتَلْعَنُونَهُم، وَيلْعَنُونَكم ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم وأُمورُكم إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/10.jpg
لكن هذا الحديث له تتمة خطيرة جداً ، قلنا: يا رسول الله: (( أفَلا نُنابِذُهم ))
أي نجاهرهم بالعداء: (( قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
ما دامت الشعائر يمكن أن تؤدى وأنت مرتاح، لا يجوز أن تنابذهم العداوة: (( ما أقاموا فيكم الصلاةَ ألا مَنْ وَلِيَ عليهِ وَالٍ، فرآهُ يَأْتي شَيئاً مِنْ مَعصيةِ اللهِ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنَّ يَدا من طَاعَةٍ ))
[ أخرجه مسلم، عن عوف بن مالك ]
لئلا تقع حربٌ أهلية، ما دام الشعائر تؤدى في أخطاء، يجب أن تبقى من دون أن تفعل شيئاً يشق الصفوف، ويؤدي إلى منكرات كنا في غنى عنها. الدعاء مخ العبادة :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ، فإن الله يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرجِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/11.jpg
أي الدعاء مخ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، إن الله يحب الملحين في الدعاء. (( ليسأل أحدكم ربه حاجته أو حوائجه كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح ))
[ أخرجه البزار في مسنده ، عن أنس بن مالك ]
من لا يدعني أغضب عليه، معاذ بن جبل رضي الله عنه يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَخَذَ بِيَدِهِ، وقال: يا مُعَاذُ، واللهِ إِني لأُحِبُّكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله: (( فقال: أُوصيكَ يا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
بعد الصلاة: (( أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
كل إنسان ممتحن في شيئين :
أيها الأخوة، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أسألك حُبَّك، وحبَّ من يحبُّك، والعَمَل الذي يُبَلِّغُني حبَّكَ، اللَّهمَّ اجعل حُبَّك أَحَبَّ إِليَّ من نفسي، ومالي، وأَهْلي، ومن الماءِ البارِد ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء ]
والماء البارد في البلاد الحارة شيء ثمين جداً، و إن لم يكن هناك ثلاجات فهذا شيء ثمين جداً، لكن هذا الدعاء الآخر يلفت النظر، أي الواحد منا أحد أمرين، إما أنه أراد شيئاً فأصابه، أو أراد شيئاً فلم يتح له، وأنت ممتحن في شيئين؛ فيما أعطاك، وفيما زوى عنك، أعطاك صحةً نعمة كبيرة، تتمنى زوجة غير هذه الزوجة تقول: لم أوفق في اختيارها مثلاً فأنت أمام امتحانين كل يوم، شيء تتمناه وقد أكرمك الله به، وشيء تتمناه وقد زوي عنك، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
الذي أحببته المال فرضاً، يا رب اجعل هذا المال في سبيلك، اجعل هذا المال أنفقه في مرضاتك: (( ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ ))
الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار: (( فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
دقق الآن: (( وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
مرة أحد الأخوة الأكارم أثناء الدرس سأل سؤالاً قال: ما الحكمة أن الزوجة أحياناً لا تكون كما يتمنى الإنسان؟ قلت له: حتى نراك في المسجد، هي حكمة كذلك، أحياناً الإنسان ينطلق إلى عمل، إلى عبادة، إلى طاعة، أحياناً يؤثر أن يقبع في البيت، فإذا كان مرتاحاً لدرجة غير معقولة ينسى العمل الصالح، طبعاً هذه طرفة. من نصر الضعيف نصره الله على من هو أقوى منه :
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/12.jpg
أي هؤلاء المساكين الضعاف، يقول النبي الكريم: (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]
هذا الضعيف إذا أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، عالجته إن كان مريضاً، آويته إن كان مشرداً، علمته إن كان جاهلاً، أنصفته إن كان مظلوماً، سوف تُكافأ في نصرته لأن الله سبحانه وتعالى ينصرك على من هو أقوى منك. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
في الحقيقة حينما نعتني بالضعيف تتماسك الأمة، لا تخرق، أما إذا كان هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، والأغنياء لم يهتموا بالفقراء، والأقوياء لم يهتموا بالضعفاء، ينشأ شرخ بالأمة، هذا الشرخ يسبب أن تخترق. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
أنت أمام عدو قوي جداً، كيف تنتصر عليه؟ إذا نصرت من هو أضعف منك، تكافأ مكافأةً من جنس عملك، أنت نصرت من هو أضعف منك، فالله سبحانه وتعالى يكافئك بأن ينصرك على من هو أقوى منك. من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة:
(( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حَبيبَتَان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحانَ اللهِ العظيم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعْطي على العنفِ، وما لا يُعطي على مَا سِواهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]
ومن أقوال النبي الكريم: (( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]
على الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبته لرسوله :
أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يا رسول الله، والله إني لأُحِبُّكَ، فقال: انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ ثلاث مرات قال: إِن كنت تُحِبُّني فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]
كأن المعنى الدقيق أن حبك لي وحده من دون عمل لا تنتفع به يوم القيامة، الحب وحده من دون عمل، الآن المسلمون يمدحون النبي ليلاً نهاراً، شيء رائع جداً، من دون اتباعه لا ينتفعون بهذه المحبة، محبتك لي من دون عمل تلقى الله به يوم القيامة وهذا الحب لا ينفعك. (( انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ - ثلاث مرات ))
إن كنت صادقاً فيما تقول، هناك رواية أخرى: (( للفقر إليك من شركٍ عليك ))
لكن هذه الرواية: (( فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
أي اعمل عملاً صالحاً تلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبتك لي، أما حب وحده فلا يقدم ولا يؤخر.
مثلاً: جاء ابن غير متعلم وله أب عالم كبير، مهما أثنى الابن على أبيه هذا الثناء لا يقدم ولا يؤخر، الذي يقدم ويؤخر أن يسلك مسلك أبيه في طلب العلم، المحبة والمديح لا تكفي. مكارم الأخلاق التي يحبها الله أن تكون سخياً تداوم على عملك :
أيها الأخوة :
(( السَّخِيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريبُ من الجَنَّةِ، بَعِيد من النار، والبَخِيلُ بَعِيد من الله، بَعِيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجَاهِل سَخيُّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4248/13.jpg
معنى هذا أن مكارم الأخلاق التي يحبها الله عز وجل أن تكون سخياً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (( إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
أي أَلِفت درس علم حافظ عليه، أَلِفت صلاة نافلة حافظ عليها، أَلِفت صدقة شهرية حافظ عليه. (( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
الحب كما قلت لكم ثلث الإنسان، هو عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، والحب في القرآن وفي السنة له ضوابط، وله مضامين، وله اتجاهات، فينبغي أن نتأكد من أننا نحسن الحب في الله، ونجتنب الحب مع الله، فرقٌ كبير بين أن تحب في الله، والحب في الله عين التوحيد، وبين أن تحب مع الله، والحب مع الله عين الشرك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع : كيف تذكر الله ؟




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ذكر الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو:"ذكر الله".
يكفي أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/01.jpg
خير اسم تفضيل، أي بأفضل أعمالكم. (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
لأن ذكر الله يدور معك أينما تحركت، إذا دعوت الله فهذا ذكر، إن استغفرته فهذا ذكر، إن صليت فالصلاة ذكر، إن تلوت القرآن فالتلاوة ذكر، إن سبحته فالتسبيح ذكر، إن وحدته فالتوحيد ذكر، إن كبّرته فالتكبير ذكر، إن قرأت كتاب علمٍ من أجل أن تعرفه فقراءة الكتاب ذكر، إن دعوت إلى الله فالدعوة إلى الله ذكر، إن نصحت أخاً في الله فالنصيحة ذكر، أينما تحركت في كل أحوالك، في حركاتك، في سكناتك، وأنت مع أهلك، وأنت وحدك، وأنت في صحة، وأنت في مرض ـ لا سمح الله ولا قدر ـ وأنت في ضيق، ذكر الله يدور معك حيثما تحركت. الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر :
لذلك: (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
مع القرآن الكريم: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه الآية : 14 ]
فالصلاة ذكر، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/02.jpg
وذكر الله أكبر ما فيها، لكن الذكر ينبغي أن يكون كثيراً، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى : ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة النساء الآية : 142 ]
لذلك الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 41 ]
بل هناك بعض المقاييس التي وردت: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر]
إذاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
التركيز على الكثرة ، بل إن الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر. ربط الذكر في القرآن الكريم بالفلاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/03.jpg
بل إن الذكر قد ربطه القرآن بالفلاح، والفلاح هو النجاح، والفلاح هو الفوز، والفلاح هو التفوق.
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الجمعة ]
والذكر متعلق بكل الأوقات. ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ ]
ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ﴿ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ .
(( لا تعجز يا ابن آدم عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره ))
[ مسند ابن أبي شيبة عن نعيم بن همّار]
أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/04.jpg
المرأة تذكر، والرجل يذكر، طبعاً من بديهيات اللغة أن أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات، هذا تحت باب التغليب، ومع ذلك فقد أكّد الله أن المرأة يمكن أن تكون ذاكرةً في أعلى مستوى، قال تعالى : ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 35 ]
ولكن ورد في بعض الأحاديث: (( خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد، عن سعد بن مالك ]
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 205 ]
بإمكانك أن تذكره دون أن تحرك شفتيك. دوران الذكر مع الإنسان في كل أحواله :
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أكبر مرض يصيب المؤمن الغفلة، ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/05.jpg
والإنسان ساعةٌ وساعة . ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
مثلاً صار هناك خطأ، عند الخطأ اذكر الله، اذكره تائباً، اذكره نادماً، اذكره معتذراً، وكما قلت: الذكر يدور مع الإنسان في كل أحواله، وهل أحوال الإنسان تزيد عن أن يكون واقفاً أو قاعداً أو مستلقياً؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهم ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 191 ]
أما الذكر الذي ابتدع مع الحركات والقفز هذا لا تعنيه الآية، لو أنه الآية فرضاً قياماً قعوداً شيء ثان: ﴿ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أيام الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/06.jpg
أيها الأخوة، لا يوجد إنسان من الأخوة الحاضرين وأنا معكم إلا مرّ بأزمة، ودعا الله عز وجل، ففرج الله عنه، يسر له سبيل وظيفةٍ مرموقة، يسر له سبيل زواجٍ ناجح، يسر له أولاداً أبراراً، يسر له شفاء من مرضٍ ربما كان عضالاً، هذه الإنجازات التي تحققت بفضل الله عز وجل سميت في القرآن الكريم بأيام الله، قال تعالى :
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 5 ]
لا يوجد إنسان من الأخوة المؤمنين الأكارم إلا وهناك أيام في حياته، دعا الله عز وجل فاستجاب له، وفقه إما بصحته، أو بزواجه، أو بعمله، أو بأولاده، أو بإنجاز كبير، قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضـا
وأبشر بخيرٍ عاجلٍ تنسى به مـــــا قد مضى
فـلرب أمرٍ مسخطٍ لك في عواقبه رضــــا
* * *
ولربما ضـاق المضيق ولربما اتسع الفضــا
الله يفعل مـــا يشاء فلا تكن معترضــــا
الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضـى
* * *
قد تأتي أزمة، الله أكرمك لأربعين سنة ماضية من كل أنواع الإكرام، اقبلها من الله واصبر عليها. ذكر الآخرة من أعظم أنواع الذكر :
أخواننا الكرام، من أعظم أنواع الذكر أن تذكر الآخرة .
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/07.jpg
مرة سألني أخ يعمل في وظيفة بإمكانه بحسب وظيفته أن يوقع بالناس أذىً كبيراً، قال لي: انصحني، قلت له: إن كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة عن كل فعلٍ تفعله، هيئ جواباً لله عز وجل لا لعبد الله، لا لمن يأتي فوقك في العمل، هيئ جواباً لله عز وجل.
فالمؤمن قبل أن يعطي، قبل أن يمنع ، قبل أن يرضى، قبل أن يغضب، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، ليسأل لو أن الله سألني لماذا طلقتها؟ عندك جواب؟ قبل أن تمنع البنات من الإرث، وتأمرهن بتوقيع وكالةٍ عامةٍ لأخيهم، هل هيأت لله جواباً يوم القيامة؟ ما ذنب هذه الفتاة حرمتها من مالك متوهماً أن هذا المال ينبغي ألا يصل إلى زوجها؟ أنت مشرع! الإله شرع، أنت تلغي شرع الإله؟! ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
لكن كمثل واضح مرة سافرت إلى بيروت، وأنا خارج من الحدود وجدت تفتيشاً يفوق حدّ الخيال، هناك سبب لا أدري ما هو، أي الحاجات تفتش حاجةً حاجة، وأنا في بيروت قبل أن أشتري أي غرض تصورت الوضع، يا ترى هذا الشيء يسمح به أم لا يسمح به؟ تعلمت درساً لا ينسى.
سألوا مرة طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية ما سبب هذا التفوق؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادرني ولا ثانية. البطولة والذكاء أن يدخل الإنسان الله عز وجل في حساباته :
أنت قبل أن تغضب، قبل أن تشتم، قبل أن تطلق، قبل أن تتهم فلاناً وهو بريء وتعلم أنه بريء، هل هيأت لله جواباً؟ لِمَ قلت كذا ؟ ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
أي بتعبير الآخر ما لم تدخل اليوم الآخر في حساباتك فأنت تمشي في طريق الهلاك، أنا أستخدم هذه العبارة أقول: فلان ما أدخل الله في حساباته، يمكن أربع سنوات أو خمس هذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة لا يزال حياً، وأمدّ الله بعمره، وله صورة أخيرة اطلعت عليها، صورة مخيفة، أربع سنوات في سبات، لأنه ما أدخل الله في حساباته، أدخل أن القوى الغربية معه، اقتل، اهدم، البطولة والذكاء أن تدخل الله في حساباتك . ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
[ سورة آل عمران ]
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾
[ سورة الصافات ]
أخواننا الكرام الإنسان أحياناً يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو دقق في معنى مسؤول كبير لارتعدت فرائصه.
يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق ـ هو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟.
فهذا الذي يترنم فيقول: أنا مسؤول كبير، لو وقف عند معنى مسؤول كبير، سوف تحاسب عن كل شيء. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
أنواع الذكر :
1 ـ ذكر نعم الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/08.jpg
الآن من أنواع الذكر أن تذكر نِعم الله عز وجل.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾
[ سورة آل عمران الآية 103 ]
أيها الأخوة، من لوازم الذكر أن تذكر مجمل النِعم إجمالاً وتفصيلاً . ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 86 ]


2 ـ ذكر اسم الله على كل شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/09.jpg
ومن أنواع الذكر أن تذكر اسم الله على كل شيء، أي عملٍ لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر، معنى بسم الله حينما تشرب الماء تقول: بسم الله، من هذا الذي حوّل لك الملح الأجاج إلى عذبٍ فرات؟ قبل أيام كنا في نبع الفيجة من الداخل، شيء يدعو للبكاء، من خصّ هذه البلدة الطيبة بهذا النبع الذي يصل إلى مشارف حمص؟ نصف لبنان فوق حوضه، ومن الشرق سيف البادية من حوض النبع، وفتحته في عين الفيجة، وكل ثانية يضخ ثمانية عشر متراً، وفي الأحوال الجيدة كل ثانية يضخ ستاً وثلاثين متراً، وفي الأحوال الصعبة يضخ بكل ثانية مترين، مدينة فيها خمسة ملايين لولا هذا النبع، طبعاً مكتوب آية كريمة:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾
[ سورة الملك ]
البيت الذي ثمنه مئة مليون لا قيمة له من دون ماء. 3 ـ ذكر حكمة الأمر :
أيها الأخوة، من أنواع الذكر أن تذكر حكمة الأمر .
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/10.jpg
أنا لا أنسى هذه الحكاية الصغيرة، أعرابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك قال: قل آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))
[أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
وفي رواية ثانية: (( قال له: فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره، هذا الأعرابي قال: كُفيت ))
القرآن ستمئة صفحة، أربعمئة ألف حديث، قال له: كُفيت، آية واحدة اكتفى بها، والله أيها الأخوة أحياناً تكفي آية واحدة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
[ سورة الفجر ]
يكفي حديث واحد: (( عش ما شئت فإنك ميت ))
[ الطبراني عن سهل بن سعد]
الله عز وجل قال : ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 63]
دقق في كلام الله، دقق في حديث رسول الله، يقول سيدنا سعد: "ثلاثةً أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى". ارتباط الذكاء و العقل الراجح بالإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/11.jpg
الآن هناك ملمح رائع جداً: أن سيدنا خالد حينما أسلم، قال النبي الكريم له: عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً، كأن النبي الكريم ربط الذكاء والعقل الراجح بالإيمان، وفي بعض الآثار:
(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
[ورد في الأثر]
ماذا يقول الله عز وجل ؟ ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة ]
أصحاب العقول يذكرون، فكلما نما عقلك نما ذكرك، والله عز وجل الكون كله آياتٌ كونية تدل عليه، نصب الآيات الكونية، وأجرى الآيات التكوينية، أحياناً تقوم حرب أهلية، الآية الكريمة: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
هذه آيات تكوينية، غرق الباخرة تيتانيك آية تكوينية لأن في نشرتها: أن القدر لا يستطيع إغراقها، فغرقت في أول رحلة، الله عز وجل له آيات كونية خلقه، وله آيات تكوينية أفعاله، وله آيات قرآنية كلامه، الله عز وجل قال: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
لِمَ لا تذكر هذه الآيات؟ على الإنسان أن يذكر الله في الملمات :
كما قلت قبل قليل: هناك آياتٌ خاصة
﴿ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
قال لي إنسان من بلد إسلامي: أنا كنت عتالاً، والآن من أكبر تجار الخضراوات في بلده، عنده أسطول من البرادات يجوب أقطار الشرق الأوسط، قال لي: والله ما فاتني فرض صلاةٍ في حياتي، قال لي: كنت عتالاً، إذاً أن تذكر ماضيك، وكيف كنت فقيراً، وكيف كنت مستضعفاً، وكيف كنت بلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا شيء، الله أكرمك بشهادة عليا، بعمل مربح، بزوجة صالحة، بأولاد أبرار، هذه النعم أذكرها، وينبغي أن تذكر الله في الملمات. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 135 ]
لا سمح الله ولا قدر: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 135 ]
مرة سألت أخاً، قلت له: لك وقتٌ طويل لم نرك في المسجد، قال لي: لأنني وقعت في مشكلة مع الله فاستحييت، قلت له: بالعكس، أنت حينما تقع في مشكلة مع الله ينبغي أن تبادر إلى المسجد، حتى أوضحها له، قلت له: إنسان مريض، قال: لأني مريض أنا أخجل من الطبيب، لكن الطبيب مهمته الآن، الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 135 ]
ذكر الله عز وجل وقته المناسب حينما تُخطئ، أعلن توبتك، استغفر، تضرع، اعتذر، اندم، ناجِ ربك . ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
عدم تناقض الدنيا مع الآخرة فالدنيا في خدمة الآخرة :
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تتناقض الآخرة مع الدنيا، بل الدنيا في خدمة الآخرة ورد:
(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة))
[الديلمي وابن عساكر عن أنس]
لذلك قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور الآية : 37 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4475/12.jpg
يتاجر، يؤسس شركة، ينال الدكتوراه، يعمل عملاً عظيماً، وأنت في قمة انهماكك بالعمل أنت مع الله، لا تتوهم الدين تقعد لوحدك، تقبع بالبيت، لا تعمل شيئاً، تقول: ليس في الناس خير، لا ليس هذا هو الدين، أن تكون في المعمعة، أن تقدم شيئاً للأمة، كما أن الأمة في حاجة إلى من يموت في سبيلها، هي في أمس الحاجة إلى من يعيش في سبيلها، قدمت شيئاً للأمة؟ ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
كن أول تاجر، وأمّن بيوتاً لطلاب العلم، كن أول تاجر وأنشئ جمعية للأيتام، جمعية خيرية، أنشئ مستوصفاً، اعمل عملاً ينتفع به الناس، في بعض الأماكن هناك مستوصفات خيرية، التحاليل كلها، والأعمال الطبية الغالية جداً بعشر قيمتها، هذا عمل انتفع به جميع الناس، لا تكن متقوقعاً، منسحباً، انعزالياً، سلبياً، عظيماً، وإذا كان عظيماً أنت ماذا قدمت له؟ لم تقدم شيئاً، إعجاب سلبي، أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون إعجابهم السلبي بالدين، لا يساوي شيئاً، يوزع التهم على الناس ومرتاح، وأنا أساساً هناك إنسان أموت حباً به فهو لا يخطئ هو رسول الله، وهناك إنسان آخر لا يخطئ أحتقره لأنه لا يعمل، من لا يعمل لا يخطئ، مادمت لم تقدم شيئاً فلن تغلط ، قاعد، مرتاح، وصي على الأمة ، توزع الألقاب، والاتهامات، ولا تقدر شيئاً. لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه لأحد :
لذلك:
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
يتاجر، يده عليا وليست سفلى. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
اعمل. (( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه هذا من قوله تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور ]
إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع : فوائد الذكر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الذكر :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الذكر"، والذكر من أفضل القربات إلى الله عز وجل، من فوائد هذا الذكر: أنه يطرد الشيطان ويقمعه، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ لكنه خناس، لمجرد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يخنس، لذلك معك سلاحٌ فعال لا يخيب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/01.jpg
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200 ]
الاستعاذة التي ذكرها الله عز وجل أن تكون حاضر القلب مع الله.
لذلك ما من مصيبةٍ في الأرض، ما من بلاءٍ كبير، إلا بسبب وسوسة الشيطان، سيدنا موسى ماذا قال؟ قال: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 15]
ما يجري في الأرض من حروب، من اجتياحات، من قتل، من تدمير، هذا من عمل الشيطان. الإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له فإما أن يستجيب لهذا أو لهذا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/02.jpg
لذلك بشكل أو بآخر معظم المؤمنين موضوع الشيطان ليس داخلاً في قناعاتهم، أو في حياتهم بشكلٍ كما ينبغي في القرآن الكريم .
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
[ سورة فاطر الآية : 6 ]
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 268 ]
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾
[ سورة المائدة الآية 91 ]
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 175 ]
آياتٌ كثيرة تقترب من مئة آية تتحدث عن فعل الشيطان، فالإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له، فإما أن يستجيب لإلهام الملك، فيسلم ويسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يستجيب لوسوسة الشيطان فيهلك ويشقى في الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
وما أدخل الله آدم عليه السلام وحواء الجنة التي في الأرض إلا ليلقن هذا الإنسان الأول وذريته من بعده هذا الدرس البليغ. من استعاذ بالله من الشيطان الرجيم صرفه الله عنه :
لكن الآية المطمئنة: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
[ سورة الحجر الآية : 42 ]
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 22 ]
مثلٌ أضربه كثيراً: إنسان يرتدي أجمل ثياب وأغلى ثياب، نزل في حفرةٍ فيها مياهٌ سوداء ـ مياه مجاري ـ فلما خرج منها ذهب إلى مركز الشرطة ليشتكي على إنسان، فسأله المحقق هل دفعك إلى هذه الحفرة؟ قال له: لا والله ما دفعني، هل أشهر عليك مسدساً وأمرك أن تنزل بها؟ قال له: لا والله ما فعل هذا، قال له: هل أمسكك ووضعك فيها؟ قال له: لا والله ، قال : لِمَ تشتكي عليه؟ قال: لأنه قال لي: انزل فنزلت، هذا يستحق مستشفى المجانين.
هذا الوضع نفسه، ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
أنت بين إلهام الملك، وبين وسوسة الشيطان، لابدّ من أن تأخذ موقفاً، ولمجرد أن تستعيذ بالله عز وجل صُرف عنك الشيطان. ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200-201 ]
أي ذكروا الله. فوائد الذكر :
1 ـ ابتعاد الشيطان عن الذاكر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/03.jpg
أول فائدة من فوائد الذكر أن الذاكر يبتعد عنه الشيطان، يا عمر:
(( ما لقيك الشيطان قطُّ سالكا فجّاً إِلا سلك فَجّاً غير فَجِّكَ ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
الذاكر بعيدٌ عن وسوسة الشيطان، وكل الأعمال الخطيرة والمصائب الوبيلة تبدأ بوسوسة، ثم برغبة، ثم بإرادة، ثم بعمل، ثم بشقاء في الدنيا والآخرة.


2 ـ الذاكر يرضي الرحمن :
من فوائد الذكر أنك ترضي الرحمن، ورد في الأثر:
(( يا موسى: أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
أنا جليس الذاكرين، أي هل هناك أعظم من أن يكون الله معك؟ معك إذا ذكرته، لكن اجعل هذه الكلمة نصب عينيك، أنا جليس الذاكرين، إن ذكرته كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ لذلك قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 102 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/04.jpg
بعض العلماء فسر حق التقوى: أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره، معنى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره.
أي إذا رضي الله عنك كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ من يستطيع في الأرض أن يصل إليك؟
مثلاً إنسان يكون شرطياً عند ملك يخافه جميع الناس، لأن وراءه الملك، فإذا كنت مع الله من يستطيع أن يصل إليك؟ من يستطيع أن ينال منك؟ فمعية الله شيء لا يقدر بثمن ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هذه معيةٌ عامة مع كل الخلق، مع الملحد، مع الكافر، مع الفاسق، مع الماجن، معهم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: إن الله مع المؤمنين، مع المتقين، مع الصادقين، هذه معيةٌ خاصة أي معهم بالحفظ، والتأييد، والتوفيق، والرعاية، والنصر . 3 ـ يزيل الهم و الحزن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/05.jpg
أيها الأخوة، من فوائد الذكر أنه يزيل الهم والحَزن، إنسان ذاكر يشعر بالهم؟ مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل، من غفل عن الله عز وجل ابتلاه الله بالهم، والدليل:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]



الإعراض عن ذكر الله يفضي بالإنسان إلى معيشةٍ ضنك :
قد يقول قائل: هؤلاء الذين يملكون المليارات أية معيشةٍ ضنك؟ الجواب: ضيق القلب، الأقوياء والأغنياء إذا أعرضوا عن ذكر الله ابتلوا بضيق القلب.
لذلك أحد كبار العارفين الذي كان ملكاً قال: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، إذا كنت مع الله كنت في سعادة، كنت في طمأنينة، لذلك ملخص وملخص الملخص:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يقل الله عز وجل تطمئن القلوب بذكر الله، إن كانت الآية كذلك أي أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، أما حينما جعل الله العبارة عبارة قصر وحصر، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
أي أن القلوب لا تطمئن، ولا تستقر، ولا ترتاح، إلا بذكر الله، بشكل أو بآخر هناك حاجة عند الإنسان لا تملؤها أموال الأرض، ولا أعلى منصب، يملؤها ذكر الله، تجد الأغنياء الأقوياء يبحثون عن سعادةٍ مفقودة، لو عرفوا الله وذكروا الله لاستقرت نفوسهم.
بعض العلماء الكبار قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
هذه جنة القرب ذكرها الله عز وجل قال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا أذاقهم طعمها، والله أنا لا أبالغ إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبةً، إلا أن يكون أحد الناس أتقى مني، ففي الإيمان خلل، هل هناك شقاء مع معرفة الله؟ هل هناك شقاء والله وليك؟ هل هناك شقاء والله بيده كل شيء؟ هل هناك شقاء وكل من في الكون بيد الله؟ وأنت مع الله؟ وملخص الملخص: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟. 4 ـ للذكر فائدتان؛ فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/06.jpg
الفائدة الأخرى للذكر: الذكر له فائدتان، فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية، أحياناً أنت تغسل الإناء وتملؤه بماء الزهر ، تغسله أولاً وتملؤه بالعطر، فالغسل هدف تطهيري، وإملاءه بالعطر هدف تعطيري، فالمؤمن بالذكر يطهر ويزكو، تقول: لا يكذب ـ طهارة ـ لا يشك، لا يغتاب، لا ينحرف، لا يغش المسلمين، تقول ألف كلمة قبلها لا هذا تطهير، لكن لطيف ـ تعطير ـ حليم، رحيم، ودود، متواضع، هناك تطهير وهناك تعطير، الذكر يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والحَزن، ويجلب للقلب الفرح والسرور، الذكر يطهر ويعطر.


5 ـ يقوي البدن :
من فوائد الذكر: أنه يقوي البدن، هذه تحتاج إلى شرح، ما علاقة الذكر بالصحة؟ الآن ثبت أن الشدة النفسية وراء معظم الأمراض، القلق، الحقد، الخوف، أمراض المعدة قد تبدأ بالشدة النفسية، أمراض القلب تبدأ بالشدة النفسية، أنا أعتقد أنه كلما تقدم الطب كشف العلاقة المتينة والقوية بين خطأ في العضوية وبين الشدة النفسية، بل إن في القرآن الكريم إشارة إلى هذه الشدة:
﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 119 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/07.jpg
الغيظ قاتل، الشدة النفسية تفك القامع عن الخلايا السرطانية، الشدة النفسية أي وحشة، بعد عن الله، خوف، قلق، إحباط، يأس، هذه الشدة النفسية، والشدة النفسية الآن مرض العصر الأول لبعد أهل الأرض عن الله عز وجل ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
يمكن أن تضع محلها الشدة النفسية، الآن أكثر الأطباء المتعمقين في الطب يربط بين المرض وبين أزمة نفسية طاحنة.
لذلك الذكر يجعلك صحيحاً، ماذا أقول لكم؟ أخطر جهاز بالإنسان جهاز المناعة المكتسب، هذا الجهاز يقويه الفرح، يقويه الأمن، يضعفه القلق، والخوف، والحزن، الذكر يملأ القلب نوراً، فترى بقلبك المستنير الحق حقاً والباطل باطلاً، والذكر يملأ الوجه نوراً، لا بالمقياس الجمالي المادي، قد يكون الإنسان ليس فاتح البشرة، لكن يوجد بوجهه نور يتلألأ، وقد يكون أسود البشرة، هناك بالذاكر شيء يجذبك، ترتاح، تسعد بالنظر إلى وجهه، فالذكر يملأ القلب نوراً فترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، ويملأ الوجه نوراً فيتألق الوجه. 6 ـ يجلب الرزق :
الذكر يجلب الرزق، عجيب! لأنه ورد أن الإنسان قد يحرم الرزق بذنب يصيبه، الله عز وجل قال:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية : 147 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/08.jpg
وقال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾
[ سورة طه الآية : 132 ]
معنى ذلك أنك إذا ذكرت الله فالله يتولى أن تكون في حياةٍ مريحة، الذاكر يكسوه الله مهابة، ومن هاب الله وذكره هابه كل شيء.
عندما أمر الحجاج بقتل الحسن البصري، جاؤوا به والسياف واقف، وقد مدّ النطع، دخل الحسن البصري على الحجاج، فإذا بالحجاج يقف له، ويدعوه إلى مجلسه، ويسأله، ويعطره، ويضيفه، ويشيعه إلى باب القصر، فصعق السياف، ولما غادر الحجاج تبعه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت لربك؟ هو عندما دخل حرك شفتيه، قال له: قلت لربي: "يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
فالذاكر له هيبة، احفظوا هذه القاعدة: من ذكر الله هابه كل شيء، ومن لم يذكر الله أخافه الله من كل شيء. 7 ـ يورث المحبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/09.jpg
الآن الذكر يورث المحبة، هي روح الإسلام، الآن هناك مساجد، وكتب إسلامية، ومكتبات إسلامية، ومؤتمرات إسلامية، ولقاءات إسلامية، كل شيء إسلامي، لكن لا يوجد حب، الذكر يورث المحبة، إن لم تحب المؤمنين، إن لم تنتمِ إلى مجموع المؤمنين، فلست مؤمناً، هذه الفقاعات، جماعات، خصامٌ بينها، تراشق تهم بينها، تكفير، تبديع، هؤلاء ليسوا كما يرضى الله عز وجل، لو أنهم ذكروا الله الذكر الحقيقي لأحب بعضهم بعضاً، الحب أصل في الدين.
(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
إن أردت أن يحبك الله عز وجل فأكثر من ذكر الله، ورد في الأثر: (( إذا أردتم رحمتي فاذكروني ))
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
8 ـ يفضي بالإنسان إلى مراقبة الله عز وجل :
الذكر أيها الأخوة، يفضي بك إلى المراقبة، تراقب الله عز وجل، والمراقبة تفضي بك إلى الإحسان، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
(( أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنَّه يراك ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
9 ـ يورث القرب من الله عز وجل :
الذكر يورث القرب من الله عز وجل، فعلى قدر ذكرك لله يكون قربك منه، وكلما كنت أقرب إلى الله كنت أسعد الخلق، وعلى قدر الغفلة يكون البعد، وكلما كان العبد بعيداً عن ربه كان شقياً، قضية كالرياضيات واضحة جداً، وأكبر عقاب يناله الإنسان.
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/10.jpg
مثلاً: يقول لك إنسان: أنا معي مال كثير، وعملت فحوصاً كاملة، فتقول له: خير إن شاء الله، معك مال ومعك صحة طيبة، لكنك مقطوع عن الله، بعضهم قال: الذكر يفتح أبواباً كثيرة من أبواب المعرفة، أي إن صحّ أن هناك معرفة اشراقية هي من ثمار الذكر، هذه المعرفة الاشراقية منضبطة بالكتاب والسنة، فلعل الله عز وجل يزيد المؤمن بذكر الله عز وجل فهماً لكتابه. ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية : 79 ]
وفهماً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإدراكاً للحكم من وراء النصوص، هذه معرفة اشراقية أحد أسبابها الذكر، والشيء الذي أذكره كثيراً: أن ذكر الله يورثك أن يذكرك الله. ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 152 ]
أما إذا ذكرك الله عز وجل منحك الأمن، منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك السكينة، منحك التأييد، منحك النصر، شيء لا يقدر بثمن أن يذكرك الله عز وجل، قال لك: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
إذا ذكرك كنت الإنسان الأول، والحقيقة الذكر حياةٌ للقلب، الذكر للقلب كالماء للسمك بالضبط، كيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ صدق ولا أبالغ ويكون حال المؤمن إذا غفل عن ذكر الله كالسمك الذي أُخرج من الماء، قالوا: الذكر قوت القلوب. 10 ـ يبعد القلوب عن السأم و الملل و الضجر :
الآن الذاكر من إكرام الله له أن قلبه الصدئ يذهب عنه الصدأ، الدليل: إن هذه القلوب تصدأ، أي يصيبها حالة ملل، سأم، ضجر، لا يوجد رغبة بالطاعة ولا بالصلاة، يقرأ القرآن لا يحس ب شيء، رأساً ينصرف عنه، إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: فما جلاؤها؟ قال: ذكر الله ،أنت بالذكر ينتعش قلبك، وبالذكر تزول الوحشة بينك وبين الله:
فــليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
ولـيت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين الـعالمين خراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين ٌ وكل الذي فوق التراب تراب
* * *
11 ـ ينجي من عذاب الله تعالى :
والذكر ينجي من عذاب الله تعالى، ورد أنه:
(( ما عَمِل ابنُ آدمَ من عَمَل أنْجَى له من عذابِ الله من ذِكْرِ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/11.jpg
ارتباط الذكر بتنزل السكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، أحد أسباب السكينة ذكر الله عز وجل، ما دمت تذكر الله معنى ذلك أنك ابتعدت عن الغيبة والنميمة، لابد من أن تتكلم، إذا كان كلامك ذكر الله عز وجل. (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[ أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
إذا تكلمت فتكلم بذكر الله، كي تبتعد عن كل معاصي اللسان. 12 ـ الذكر سبب لعطاء الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4637/12.jpg
لذلك آخر شيء: الذكر سبب لعطاء الله، والله أيها الأخوة، ما من نصٍ أثّر في حياة المؤمنين كهذا النص:
(( يقول الرب تباركَ وتعالى: مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي بشكل أو بآخر بعضهم عدّ للذكر مئة فائدة ذكرت بعضها، لكن هذه كلها تلخص في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرضا عن الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد يتصل أشد الاتصال بـ:" سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع: "الرضا عن الله".
أيها الأخوة، من الثابت أن الإنسان بين حالين، بين حالة الرضا وبين حالة السخط، الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب من الله، والسخط من لوازم البعد عن الله، القرب يؤكد أنك راضٍ عن الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/01.jpg
الآن تفسير الرضا، تعليله: طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، حينما يتألم يضجر، ويبكي، ويضطرب، وقد يمسك يد الطبيب لأنه لا يعلم أن هذا الألم لابد منه ولصالحه، إنسان راشد يجلس، يقول له الطبيب: قلبك لا يحتمل المخدر، يجب أن تتحمل فيتألم أشد الألم وهو يتحمل.
كلما زاد علمك زاد رضاك عن الله، وكلما قلّ علمك قلَّ رضاك، فالعلم متعلق بالرضا، إذاً الرضا من لوازم الإيمان، السخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب، السخط من لوازم البعد، الرضا من لوازم الاتصال بالله، السخط من لوازم البعد عن الله، العلماء قالوا: الرضا مستحبٌ مؤكد، فقد ورد في الأثر القدسي:
(( من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليلتمس رباً سوائي ))
[أخرجه الطبراني عن أبي هند الداري ]
حينما تنطلق من مقولةٍ رائعةٍ جداً، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذا كلامٌ دقيق لو استوعبه الإنسان لرضي عن الله، كل شيء وقع أراده الله، الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى سمح به، ولو لم يكن هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها لم يسمح الله به، إذاً لكل واقعٍ حكمة، وقد يكون الموقِع مجرماً، معنى سمح به لا يعني أنه رضيه ولا أمر به، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، لكن هكذا تقتضي الحكمة، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذه المقولة على إيجازها تملأ قلب المؤمن رضا عن الله. الحال و المقام :
أيها الأخوة، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:
(( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار والإمام أحمد وابن حبان عن عبد الله بن مسعود ]
أي يجب أن ترضى بالله وهذا قدرك، وينبغي أن ترضى بالله وهذا إيمانك، هناك فرق بين أن ترضى قدراً وبين أن ترضى إيماناً، أن ترضى قدراً يقول لك: ليس بيدنا شيء، أما أن ترضى إيماناً تشكره على قضائه وقدره.
لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/02.jpg
هناك موضوع دقيق يحتاج إلى شرح، هناك عند بعض العلماء حالٌ ومقام، الحال وهبي، والمقام كسبي، أنت بجلسة فيها إنسان موصول بالله تشعر براحة كبيرة، هذه الراحة جاءتك من هذا المجلس، أما أنت في بيتك، وفي عملك، وفي شؤونك الخاصة، لست بهذا الحال، هذا الحال جاءك من هذا المجلس. (( لو تكونون على كل حال على الحال الذي أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة بأكفكم ولو أنكم في بيوتكم ))
[أخرجه الترمذي والدرامي والطبراني عن أبي هريرة ]
هذا شيء واضح جداً، الإنسان عندما يجلس مجلس علم، يقول لك: والله شعرنا براحة كبيرة، و هناك تعبيرات كثيرة تقابل هذه الراحة، التعبير القرآني أشعرنا بسكينة أي: (( مَا اجتمعَ قَوم في بيت من بُيُوتِ الله تباركَ وتعالى يَتْلُونَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ ويَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نزلت عليهم السكينةُ، وَغَشِيَتْهم الرحمةُ ، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
هذا الذي يصيب من يحضر مجلس علم هذا حال وهبي، أما حينما تجتهد أنت، وتجاهد نفسك، وهواك، وتزداد يقيناً، وتزداد قرباً، وتزداد اتصالاً، الحال الذي شعرت به في هذا المجلس يبقى مستمراً معك، هذا الحال الذي يبقى معك ملكك، هذا هو أنت، هذا هو المقام، المقام كسبي، الحال وهبي، الحال طارئ.
تصور راكب دراجة تعلق بسيارة، الآن حركته في الطريق الصاعدة ليست ذاتية من تعلقه بالسيارة، أما حينما يركب سيارة ملكه فيها محرك شخصي، الحركة ذاتية.
الفرق كبير بين الحال وبين المقام، المقام كسبي، الحال الذي تشعر به بسبب مقامك الذي حصّلته بجهدك، هذا شيء ثابت، أما كل إنسان بجلسة فيها درس علم يقول لك: والله سررنا، هذا السرور ليس منك من جو المجلس، لكن لا مانع من أن تكثر من هذه المجالس حتى تشتاق إلى أن تملك هذا الحال، فالفرق دقيقٌ جداً بين المقام وبين الحال. بطولة الإنسان أن يملك مقام القرب لا أن يأتيه ومضة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/03.jpg
لذلك أيها الأخوة، الرضا كما تبين من هذه الملاحظة وهبي لكن هناك جانباً كسبياً، المقام الذي حصلته بجهدك، وجهادك، وبَذلك، وعطائك، وانضباطك، وإقبالك، وعملك الصالح، له منعكس حال، هذا الحال كذلك كسبي، الحال الذي يأتيك من دون جهد وهبي، أما الحال الذي يأتيك بعد جهد جهيد فهذا كسبي، فالبطولة أن تملك مقام القرب لا أن يأتيك ومضة، أو تأتيك مس من القرب من الله عز و جل، فالبطولة أنه إذا ذقت طعم القرب ستعمل على أن تتابع وتجاهد وتسعى كي تملك هذا الحال، أي المؤمن سعيد بأي حال.
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم، عن صهيب الرومي ]
أي كما قال بعضهم: إنك إذا بذلت ما كُلفت به من معرفةٍ بالله، من فهمٍ لكتابه، من استقامةٍ على أمره، جاءك الرضا، هذا الرضا منعكس هذا المقام. الإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر أما المؤمن فالله يلقي في قلبه الأمن و السكينة:
أيها الأخوة: من الثابت لو أن الإنسان في أعلى مستويات الحياة، له دخل فلكي، دخل غير محدود، بيت متميز، مركبة فارهة، أي كل شيء في أعلى مستوى، ولم يكن هذا الإنسان راضياً عن الله فهو أشقى الناس.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/04.jpg
لذلك قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر، دائماً فقير حقيقي لأنه يخاف الفقر، مريض حقيقي لأنه يخاف المرض، الآن بعض الأزمات القلبية سببها الخوف من أزمة قلبية، الناس يعيشون في قلق، أما المؤمن فالله عز وجل يلقي في قلبه الأمن.
أيها الأخوة، ولو أن إنساناً في أدنى مستويات الحياة، والله أذكر مرة دخلت إلى بيت يمكن أعلى بيت في جبل قاسيون، بيت متواضع بشكل لا يُتَصور، شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة، قد تسكن ببيت، ثمنه مئة وثمانون مليوناً، وقد تسكن ببيت أربعين متراً، فالله عز وجل عندما يلقي في قلبك السكينة أي مكان يصبح جنة.
قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي؟ يقول هذا العالم الجليل: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
من تعرف إلى أسماء الله الحسنى ازداد قرباً منه واطمئناناً وثقةً وتوكلاً :
أخواننا الكرام، الآية الدقيقة جداً التي تؤكد هذا المعنى:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/05.jpg
ذاقوا طعمها في الدنيا، أنا أقول بعبارة أخرى: إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، تتعامل مع من؟ مع خالق السموات والأرض، مع القوي، مع الغني، مع الكريم، مع الرحيم، وكلما تعرفت إلى أسماء الله الحسنى ازددت قرباً منه، واطمئناناً، وثقةً، وتوكلاً.
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا ربي هل أنت راضٍ عني؟ قيل: إن وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ما هذا الكلام؟! فقال له الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، البطولة لا في الرخاء، أن تأتي الشدة وتقول: يا ربي لك الحمد. ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر ]
هناك آية يقشعر منها البدن: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه. الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل :
أخواننا الكرام، الحظوظ؛ المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، يكون عندك زوجة جيدة جداً حظ، عندك أولاد أبرار حظ، لك سمعة طيبة حظ، هذا أنا أسميه حظوظ، الحظوظ ثابتة الذي معه مئة مليون مئة مليون، الذي معه ألف ألف، المشكلة في منعكسات الحظوظ، أحياناً إنسان بالمنفردة وهو راضٍ عن الله، والله لا أبالغ في جنة، أنا لا أتكلم من فراغ، حدثني أناسٌ كثيرون في جنة، وبقصر منيف في وحشة، البطولة منعكس ما عندك، قد يكون ما عندك شيء بسيط، لكن منعكسه رضا عن الله.
لذلك أنا ذكرت هذا الموضوع لأنه من أشد الموضوعات اتصالاً بسبل الوصول وعلامات القبول، المؤمن راضٍ عن الله، راضٍ عن قضائه وقدره، راضٍ عما فيه، وراضٍ عما ليس فيه، انظر الدعاء ما أدقه:
(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

>أنت أمام أحد أمرين؛ شيءٌ تحبه نلته، وشيء تحبه لم تنله، إن نلته قل: يا رب اجعله في سبيلك، اجعله قوة لي في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً ألقاه يوم ألقاك، وإن زويت عني المال ينشأ فراغ ناتج عن قلة المال، الذي عنده أموال طائلة تحتاج إلى وقت لإدارتها، و الذي لا يوجد عنده شيء عنده وقت فراغ كبير، يا رب إن رزقتني مالاً وفيراً اجعله في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً أتقرب به إليك، وإن زويت عني المال اجعل الفراغ الناشئ عن قلة المال في سبيلك.
أخواننا الكرام، مرة أخ كريم دعاني إلى أن أزور أخاً في حمص، دخلت إلى بيته رأيته مستلقياً على فراش، قال لي: أنا بهذا الوضع من سبعةٍ وعشرين عاماً، صدقوا ولا أبالغ هذا الأخ الذي ابتلاه الله بهذا البلاء عنده ثقة بالله، وعنده معنويات عالية، وعنده رضا عن الله يفوق الأصحاء، أناسٌ كثيرون زاروه، راض عن الله، مرة زاره عالم قال له: إن شاء الله أنت من أهل الجنة، قال له: أنا في الجنة الآن، الآن في الجنة! حينما ترضى عن الله فأنت في جنة، والساخط يكون معه مئة مليون يقول لك: لا يوجد ربح، ما معنى خسرنا؟ أي نزل ربحه إلى ثلاثين مليوناً وهو ساخط عن الله، هناك ناس بقمة النعم وهم ساخطون، و شخص لا يوجد عنده شيء وهو راض عن الله، الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل. على المسلم أن يعتز بدينه الذي ارتضاه الله له :
وعن العباس بن عبد المطلب: (( إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/07.jpg
أي الخمر حرام، دعي إلى طعام قدم له خمر، قال: أنا معي قرحة، لا، قل: أنا مسلم، اعتز بدينك، أنا لا أشرب الخمر، معه قرحة، استحى بدينه، يريد أن يصافح امرأة خجل، فلف يده، قل: أنا لا أصافح.
مرة ببلد عربي وزير نفط دعا وزيرة النفط البريطاني، طبعاً أخذ كبار موظفيه لاستقبالها في المطار، أحد كبار موظفيه امتنع عن مصافحتها، فانزعج الوزير انزعاجاً بالغاً، وقال له: لمّ لم تصافحها؟ قال له: أنا هكذا، هناك دعوة على الغداء قال له: لا تأتي، طرده، قال له: وليكن، في الظهيرة على طعام الغداء قالت له: هناك إنسان لم يصافحني، أين هو؟ فشعر بالإحراج وقال لها: اعتذر، قالت: أرغب بالالتقاء به، قال لهم: أخبروه ليأتي، جاء قالت له: لما لم تصافحني؟ قال لها: والله أنا مسلم وديني يمنعني من أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فكرت فكرت، فقالت للوزير: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم، اعتز بدينك لا تستحِ. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت]
اعتز بدين لا يوجد فيه ربا، والله عز وجل عاقب أهل الأرض بانهيار النظام المالي، اعتز بدين حرم الخنزير، والله عاقب أهل الأرض من مئتي حالة إلى إحدى عشرة ألف حالة خلال أربعة أسابيع، والمرض يزداد انتشاراً، أخواننا الكرام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
اعتز بهذا الدين، الربا محرم، الاختلاط محرم، الملهيات التي لا ترضي الله محرمة، اعتز بهذا الدين وارضَ به، لا تستحِ به، أهل الدنيا كل أفكارهم سوداوية يقول لك: هناك فقر قادم أي الغذاء لا يكفي الأرض، هناك مجاعات، دائماً يعطيك الأفكار السوداوية السيئة.
مرة زارنا أخ عضو في حوض دمشق، والله حدثني حديثاً عن هبوط مستوى المياه في هذا الحوض، واحتمال الجفاف الكلي ـ القصة قديمة طبعاً ـ لم أستطع أن أقف، أي الشام انتهت، لكن العام الذي بعده أكرمنا الله بثلاثمئة وسبعين ملي، وهناك ينابيع من ثلاثين سنة غارت، تفجرت، فدائماً البعيد عن الله سوداوي، دائماً يؤوس، قنوط ، كل الأخبار سيئة، لا تقبل هذه الأخبار. الله موجود وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى :
أنا أقول لكم هذه الكلمة: تكلم ما شئت، اسمع ما شئت، لا تنسى أن الله موجود، وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى، هذه الدولة العملاقة المتعجرفة، من يظن أن انهيار النظام المالي أضعفها كثيراً؟ من يظن؟ هناك أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان، هذه العصا الغليظة، إسرائيل في المنطقة التي صُممت وجهزت لتكون العصا الرادعة لأي دولة شرق أوسطية، وحروبها السابقة معروفة، كل كم سنة هناك حرب، حرب طاحنة، جيوش وقفت أمامها فئة قليلة في عام ألفين وستة تحدتها، وفئة قليلة في عام ألفين وثمانية تحدتها، فهذه العصا الغليظة كُسرت، وصار الآن همهم البقاء وليس الأمن، اختلف الوضع، أحياناً تجد هناك تطورات ليست من صنعك، من صنع الله عز وجل، الله موجود، قل: الحمد لله على وجود الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/08.jpg
أيها الأخوة قال تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرجع هذا التدافع، عندما كان هناك تدافع الدول الضعيفة مرتاحة جداً، وعندما التغى التدافع صار هناك قطب واحد، الدول الضعيفة تعبت كثيراً لكن على كلٍّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 34 ]
لا يوجد شيء يستمر، حتى الأمم لها آجال، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
لذلك مرة اطلعت على تقرير للسي أي إي يؤكد أن عمر إسرائيل بقي له عشرين عاماً، التعليل هو الهجرة المعاكسة بسبب انعدام الأمن. الرضا حال يلازم الإيمان والسخط يلازم الكفران :
أيها الأخوة، عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( مَنْ قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحدَهُ لا شريك له وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، رَضِيتُ بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِيناً غُفِرَ له ذَنْبُه ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]
أي حال الرضا حال يلازم الإيمان، والسخط يلازم الكفران، الرضا يلازم العلم، والسخط يلازم الجهل، الرضا يلازم القرب من الله، والسخط يلازم البعد، والدنيا مؤقتة، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره بحيث أعطاه الدنيا.
هذه البيوت الرائعة جداً، والمركبات الفارهة، والطيران، ما رآها النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق، فمعنى ذلك هناك في الجنة: (( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة :
أخواننا الكرام، من رضي عن ربه فقد عرفه، ومن عرفه رضي عن ربه، أي هناك علاقة ترابطية، حينما ترضى عنه يرضى عنك، الدليل:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4638/09.jpg
علامة رضاه عنك أنك ترضى عنه.
والله أخ طبيب بالمستشفى جاءه مريض معه ورم خبيث منتشر بأمعائه، جلس في غرفة، كلما زاره رجل يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد، عجيب! هذه الغرفة استقطبت الناس، يدخل الطبيب يرتاح، الممرض يرتاح، هناك أنوار في هذه الغرفة، وآلام لا تحتمل، صابر، وكلما جاءه شخص يقول له: يا رب إنني راضٍ عنك فارضَ عني، اشهد يا أخي أنني راضٍ عن الله، أربعة أيام أو خمسة توفاه الله، و هذه الغرفة منورة، وفيها تجليات رائعة، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جاء مريض بالمرض نفسه وبالغرفة نفسها، ما من نبي إلا وسبه، يسب، ويصرخ، فأهملوه، الله عز وجل أطلع أهل المستشفى من هو المؤمن، من هو غير المؤمن، بالمرض نفسه، وبعد عدة يوم مات.
أي المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة، حتى في المرض الشديد، راض لا يتكلم كلمة.
أخ من أخواننا توفاه الله بمرض خبيث، تقول زوجته: سنتان لم يتكلم كلمة غلطاً، سنتان و هو يعاني من آلام لا تحتمل، هذا حال الرضا، حال كبير جداً، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء، العلماء قالوا: الرضا باب الله الأعظم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله فى السراء والضراء







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرضا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الرضا"، أي أن ترضى عن الله، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
الإمام الجنيد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: الرضا هو العلم، أنت حينما تعلم حكمة الله، ورحمته، وعدله، لابد أن ترضى عنه، وحينما تنطلق من حقيقةٍ في الإيمان دقيقة وهي أن كل شيءٍ وقع أراده الله، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع ، لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ومعنى يريد أنه سمح بذلك، قد يسمح ولم يأمر، وقد يسمح ولم يرضَ. كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق :
أيها الأخوة الكرام، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فالشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/02.jpg
الإنسان أحياناً حينما يُفتح بطنه، ويخدر، وتستأصل الزائدة الدودية، هذا شرٌ نسبي من أجل سلامته، ومن أجل استمرار حياته، فدائماً كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق، لذلك ننطلق في هذا المعنى الدقيق من قوله تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
[ سورة الفجر ]
أي الإنسان إذا أكرمه الله بنعمٍ لا تعد ولا تحصى في الدنيا يتوهم أن هذا إكرامٌ له، وحينما يزوي الله عنه نعمةً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يتوهم أن الله أهانه، فجاء الجواب الإلهي: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة الفجر الآية : 17 ]
كلا ليست أداة نفي، أداة ردعٍ ونفيٍ، لو أن إنساناً سُئل هل أنت جائع ؟ يقول: لا، أما إذا قيل له: هل أنت سارق؟ ـ وهو إنسان ذو أخلاق عالية جداً ـ لا يقول: لا، يقول: كلا، أي ما كان لي أن أسرق، ولا أن أقبل بالسرقة، ولا أن أدعو إليها، ولا أن أرضى بها، ولا، ولا، علماء اللغة عددوا أكثر من عشر حالات نفي بهذه الصيغة "وما كان"، فالله عز وجل قال: ﴿ كَلَّا ﴾
أي: (( يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ))
[ ورد في الأثر]
حظوظ الإنسان موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها :
المال هل هو نعمة؟ الجواب: نعم ولا، نعم إذا اكتسب من طريقٍ حلال، وأنفق في وجهٍ حلال، فهو نعمة، أما إذا اكتسب من طريقٍ حرام، وأنفق في وجهٍ حرام، فهو نقمة.
الصحة نقمة أم نعمة؟ إن تقوى الإنسان بالصحة على معصية الله فهي نقمة، وإن تقوى بالصحة على طاعة الله فهي نعمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/03.jpg
الزوجة نعمةٌ أم نقمة؟ إذا أعانتك على أمر آخرتك فهي نعمة، أما إذا ضغطت عليك حتى حَملتك على معصية الله فهي نقمة، كل حظوظ الإنسان ابتلاء، أو موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها، فالآية الآن معناها الدقيق .
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾
أي امتحنه بالمال، ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾
هو ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ ﴾
امتحنه بقلة المال، ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
يأتي الرد الإلهي، ﴿ كَلَّا ﴾
لذلك جميع الحظوظ التي أنت فيها، وجميع الحظوظ التي زويت عنك، امتحاناتٌ دقيقة، أنت ممتحن شئت أم أبيت، ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، ممتحن فيما أنت فيه، ممتحن فيما لست فيه، ممتحن بالمال، ممتحن بفقده، ممتحن بالصحة، ممتحن بفقدها، ممتحن بالوسامة، ممتحن بضدها، ممتحن بالصحة، ممتحن بالمرض، أي شيءٍ إيجابي هو مادة امتحانك مع الله، وأي شيءٍ سلبي هو مادة امتحانك مع الله، اعلم علم اليقين أنك في دار امتحان، أنت في دار امتحان. (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الرضا أن يرضى الإنسان عن الله إن أعطاه أو منعه :
إذاً الرضا أن ترضى عن الله إن أعطاك أو منعك، إن قواك أو أضعفك، إن أغناك أو أفقرك، إن عُمرت طويلاً وإن كان العمر قصيراً، في بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/04.jpg
((إن الله عز و جل يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشقيق غنمه من مراتع الهلكة ))
[ شعب الإيمان عن حذيفة ]
فحينما نفهم أن الله سبحانه وتعالى حينما يزوي عنا نعمةً من نعمه فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، والحقيقة لن تكون راضياً عن الله إلا إذا استوى عندك أن تأتيك الدنيا أو أن تزوى عنك، لا تعد راضياً عن الله، لا تبلغ مقام الرضا، إلا إذا استوى عندك أن تؤتى الدنيا أو أن تزوى عنك، لذلك من أجمل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
هذا المؤمن أعطاه الله المال يقول: يا رب اجعله قوةً لي في التقرب إليك، زوى عنه المال: يا رب اجعل الوقت الذي نتج عن إبعاد المال عني قربةً إليك. من خصائص المؤمن أنه شاكرٌ في السراء صابرٌ في الضراء :
أيها الأخوة، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا تسألوني ممَ أضحك؟ قالوا: يا رسول الله وممَ تضحك ؟ قال:
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/05.jpg
هذه من خصائص المؤمن، شاكرٌ في السراء، صابرٌ في الضراء، إذا جاءت الأمور كما يتمنى يقول: الحمد لله، فإذا جاءت بخير ما يتمنى يقول: الحمد لله ، وهناك حمد مشهور عند عامة الناس: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، والذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))
[أخرجه ابن ماجه عن عائشة أم المؤمنين ]
فالمؤمن شاكر وحامد، قيل لأحد العلماء الكبار: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ تحدثنا في لقاءٍ سابق عن فرقٍ دقيق بين المقام والحال، المقام كسبي وثابت، والحال وهبي وطارئ، وأحيانا إنسان يكون في حال رضا بجو معين، بمكان معين، مع أشخاص معينين، أما مقام الرضا مقام دائم وثابت، وهو كسبي، فسُئل هذا العالم الجليل: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول، يقول هذا العبد المؤمن الراضي: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت. الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية :
أخواننا الكرام، فكرة دقيقة جداً: أنت حينما تطيع الله في أمر اتضحت لك حكمته، وحينما تتلكأ في طاعة الله في أمرٍ لم تتضح لك حكمته، أنت إذاً لا تعبد الله، ولكنك تعبد ذاتك، الشيء الذي اقتنعت به أنه سيعود عليك بالخير أطعت الله به، والشيء الذي لم تتضح لك حكمته تلكأت في طاعة الله به، هذا الإنسان لا يعبد الله، يعبد ذاته.
بالمناسبة: كلما اتضحت حكمة الأمر ضعف الجانب التعبدي فيه، وكلما غابت عنك حكمة الأمر ازدادت قيمة التعبد فيه، أي أعلى عبادة في تاريخ البشرية عبادة سيدنا إبراهيم :
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
أي هناك شيء مقبول، وشيء غير مقبول، أمره الله أن يذبح ابنه، الشاب النبي الذي بلغ معه السعي: ﴿ قال يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
طبعاً الحكمة ليست واضحةً إطلاقاً من ذبح ابنه: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾
[ سورة الصافات ]
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الصافات ]
إذاً الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية، وحينما تغيب عنك الحكمة تزداد قيمة التعبد في هذا الأمر، للتقريب: أب أمر ابنه بتنظيف أسنانه، الأمر واضح لمصلحة الابن، لمصلحة سلامة أسنانه، وكلما أعطى الأب أمراً لابنه، الحكمة واضحة جداً عند الابن، فالابن يبادر إلى تطبيقها، هو في الحقيقة بادر إلى تحقيق مصالحه، لكن لو أن الابن بحالة من الجوع شديدة، والطعام نفيس، والطعام احضره الأب، وهذا الولد ابنه، قال له: يا بني لا تأكل، الأمر غير واضح، أنا يا أبتِ ابنك، وأنا جائع، وهذا طعامك من لي غيرك؟ لا تأكل، فقال له: سمعاً وطاعةً يا أبي، لأن الحكمة من هذا المنع ليست واضحة، فلما وقف الابن موقف المتأدب مع أبيه كان في أعلى درجات القرب من أبيه.
حينما يأتيك أمر إلهي وليست الحكمة واضحة عندك منه، وتبادر إلى طاعته، فأنت عبدٌ لله، أما لا تطبق إلا الأمر الذي تقتنع به فأنت عندئذٍ تعبد ذاتك، ولا تعبد الله، قال بعض العلماء: علة الأمر أنه أمرٌ من الله. علة أي أمرٍ أنه أمر :
أنا لا أنسى لقاء تمّ بين عالم من علماء الشام، وعالم في أمريكا من أصل أمريكي هداه الله إلى الإسلام، جاء موضوع لحم الخنزير، هذا العالم الدمشقي وله أجر عند الله أفاض وأسهب في الحديث عن مضار لحم الخنزير لساعةٍ أو أكثر، فلما انتهى من شرحه الطويل، وأدلته العميقة، وتحليله الدقيق، ابتسم هذا العالم الأمريكي وقال له: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/06.jpg
لأنك أنت مع طبيب من بني جلدتك، يحمل شهادة عليا من بلد متقدم جداً، قال لك: دع الملح، قد لا يخطر في بالك أن تسأله لماذا؟ هكذا قال الطبيب، قد يقول لك الطبيب: بع بيتك في الطابق المرتفع، وتكون أنت قد اعتنيت به وبكسوته عناية فائقة، وتكلفت مبالغ طائلة، وأمضيت وقتاً طويلاً في كسوته، في اليوم التالي تبيعه، الطبيب قال: هذا البيت لا يناسبني.
فأنت مع إنسان عادي تثق بعلمه لا تفكر في مناقشة أوامره، فكيف مع الواحد الديان؟ لذلك قالوا: علة أي أمرٍ أنه أمر وكفى، هذا المؤمن، فأنت حينما تطبق تقطف كل ثمار الدين، أما حينما تحلل، وتفلسف، وتبحث عن الحكمة، يمكن أن تقنع الناس بذلك، تنقلب إلى داعية، أما العابد لله يقطف كل ثمار الدين من تطبيق الأمر.
وأوضح فكرة في هذا الموضوع أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، إنسان لا يقرأ ولا يكتب، اشترى مكيفاً، ضغط على مفتاح التشغيل فجاءه الهواء البارد، وإنسان آخر يحمل دكتوراه بالتكييف، اشترى مكيفاً، وضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد، فالانتفاع بالهواء البارد وبخصائص هذا المكيف ليست متعلقة بفهم آلية العمل، هذا الدين كالهواء للناس، يطبقه المؤمن الأمي والمثقف، من فهم الحكمة ومن لم يفهمها، هذا هواء للناس، فالذي يطبق أوامر الدين يقطف كل ثماره ولو لم يقف على حكمة هذه الأوامر لكنه عابد، أما الذي وصل إلى حكمة الأوامر فيمكن أن يكون داعيةً يقنع الناس بهذا الدين.
الله عز وجل عزيز يمتحن صدق الإنسان وصبره فإن رآه صادقاً أعطاه :
أيها الأخوة، الله عز وجل عزيز، ومعنى عزيز أي الشيء الذي تطلبه منه لا تأخذه فوراً، يمتحن صدقك، لذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 5 ]
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 69]
لا تتصور أن القضية ببساطة بالغة، طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب، فالله عز وجل عزيز يمتحن صدقك، وصبرك، وإلحاحك، وسعيك، فإذا رآك صادقاً أعطاك. من غابت عنه حكمة ما أصابه فهو بحاجة إلى الصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/07.jpg
أيها الأخوة قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]
الحقيقة الإنسان متى يصبر؟ حينما لا تتضح الحكمة، إنسان راشد بالغ عاقل، قال له طبيب الأسنان: قلبك لا يحتمل المخدر، وسوف أقلع لك هذا السن من دون مخدر فعليك تحمل الألم، الإنسان واع، وهذا كلام دقيق.
لذلك حينما يأتي الألم الذي لا يحتمل يتجلد ولا يتكلم، ما الذي أعانه على الصبر؟ توضيح الطبيب له، فهو بالغ، وعاقل، وراشد، لكن حينما تغيب عنك الحكمة أنت الآن في حاجةٍ إلى الصبر.
إنسان يأكل المال الحرام، يتلف الله هذا المال، لكن أحياناً إنسان وهو مستقيم على أمر الله تأتيه مصيبة، هنا تحتاج إلى الصبر، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
الآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب :
لكن الآية التي تذيب الإنسان.
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/08.jpg
ولي رأي في هذا الموضوع، أن كل آيةٍ موجهةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب، بقدر إيمانه وإخلاصه، فإذا الله عز وجل قال للنبي الكريم: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فيا أيها المؤمن الصادق المخلص المتفاني في طاعة الله، إذا جاءتك الأمور على خلاف ما تريد فاعلم ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
هكذا تقتضي الحكمة . ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فالآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب. ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾
[ سورة الطور ]
أيها الأخوة، مما جاء في بعض الأحاديث القدسية: (( يا ابن آدمَ لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك، أكْفِكَ آخرَهُ ))
[أخرجه أبو داود عن نعيم بن همار ]
صدقوا ولا أبالغ أن كل واحدٍ من الأخوة وقد جاء لصلاة الفجر، وترك فراشه الوثير، وسار في الطريق إلى بيت الله عز وجل كأنه في ذمة الله حتى المساء. (( لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك ، أكْفِكَ آخرَهُ ))
فإنك في هذا اليوم بأعيننا، فإنك في هذا اليوم بحفظنا، فإنك بهذا اليوم في توفيقنا، فإنك بهذا اليوم في رعايتنا، شيء جميل جداً، (( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة ]
(( مَنْ صَلَّى العِشاء في جماعة فكأنَّما قام نِصْفَ الليل، ومن صلَّى الصبحَ في جماعة فكأنَّما صلَّى الليلَ كُلَّهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن عثمان بن عفان ]
عدم التناقض بين الألم من المصيبة و الرضا عن الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/09.jpg
أيها الأخوة، هناك ملاحظة مهمة جداً، الألم عند المصيبة لا يلغي الرضا، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم دمعت عيناه حينما مات ابنه إبراهيم، فالصحابة دهشوا قالوا: يا رسول الله: أتبكي؟ قال:
(( تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ))
[أخرجه ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد ]
هذا الموقف سليم، المصيبة تؤلم، وحينما يتألم الإنسان من مصيبة لا يعني أنه ليس راضياً عن الله، لا يوجد تناقض أبداً بين الألم من المصيبة وبين الرضا عن الله عز وجل. بطولة الإنسان أن يقف من المصيبة الموقف الكامل لأن الدنيا دار ابتلاء :
بالمناسبة أيها الأخوة، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة أبداً، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
[سورة المؤمنون ]
ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة لا أحد ينجو منها لأن هذه الدنيا دار ابتلاء، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
والإمام الشافعي سُئل: " ندعو الإله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى" فالابتلاء قدرنا، والبطولة لا أن تنجو من ابتلاء بل أن تقف الموقف الكامل من هذا الابتلاء.
قيل للحسين بن عليٍ ـ رضي الله عنهما ـ:" إن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم ـ أي المرض ـ أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَ غير ما اختار الله له". الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4639/10.jpg
الله عليم حكيم، جعلك غنياً، أرادك أن تتقرب إليه بإنفاق المال، الحمد لله على نعمة الغنى، الآن جعلك فقيراً، أرادك أن تتقرب إليه بصبرك على هذا الامتحان، إذاً اختار الله لك الغنى، أنت راض، اختار الله لك قلة المال، أنت راض، اختار الله لك أن تكون قوياً، أنت راض، أراد أن يمتحنك باستخدام قوتك في طاعته، أراد أن تكون ضعيفاً، أنت راض، جعلك وسيماً، أنت راض، غير وسيم، أنت راض، صحيح، راض، مريض، راض، هذا هو المؤمن، قالوا: إن الرضا قبل القضاء عزمٌ على الرضا، لكنه بعد القضاء هو الرضا الحقيقي، أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
لذلك من اتكل على ماله ضلّ، ومن اتكل على قوته ذلّ، ومن اتكل على الله لا ضلّ ولا ذلّ.
سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: "الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".
أي هناك صبر وهناك رضا، الرضا أرقى من الصبر، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر ـ أي رضي ـ اقتناه.
قال بعض العلماء: الرضا أقسامٌ ثلاث: رضا العوام بما قسمه الله لهم، رضا الخواص بما قدره الله عليهم، رضا خواص الخواص يرضون به بدلاً عما سواه.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : مفهوم الزهد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الزهد :
أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من دروس: "سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع "الزهدِ".
آياتٌ كثيرةٌ جداً وردت في الزهد من حيث المضمون، أما من حيث اللفظ فليس في القرآن الكريم إلا آية واحدة، هي قوله تعالى في معرض الحديث عن سيدنا يوسف:
﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾
[سورة يوسف ]
من حيث اللفظ هذه الآية الوحيدة، من حيث المضمون آياتٌ كثيرةٌ جداً فحواها يشير إلى الزهد. حقيقة الزهد :
أيها الأخوة، العلماء قالوا: "الزهدُ أن تنصرف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، وتستغني به بشيءٍ خيرٍ منه".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/01.jpg
هناك نقطة مهمة جداً في موضوع الزهد، ليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل، هذا ليس زهداً، الزهد أن تستخدم نعم الله عز و جل فيما سمح لك به، أو أن تستعين بهذه النعم على طلب الآخرة، أو أن تسخر هذه النعم لأعمالٍ صالحةٍ ترقى بك عند الله، هذا هو الزهد، لا أن ترفض الدنيا بل أن تستخدمها ابتغاء رضوان الله، أن تستخدم النعم التي أنعم الله بها عليك فيما أمر الله، وأن توظفها في العمل الصالح، هذه هي حقيقة الزهد على خلاف ما يتوهم بعض الناس، الآية الدقيقة:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾
[ سورة القصص الآية : 50 ]
أي ليس على وجه الأرض من هو أضل: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
أما الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليه بنص هذه الآية، أي اشتهى المال فكسبه من طريقٍ مشروع، اشتهى المرأة فتزوج، من اتبع هواه وفق منهج الله فلا شيء عليه، إذاً ليس في الإسلام حرمان، في الإسلام تنظيم، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها. الزهد الحقيقي أن تكسب المال وتجعله بيديك لا بقلبك وتوظفه في الحق :
أيها الأخوة، إذاً الزهد ليس أن ترفض المال وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ليس الزهد أن تفتقر، ولكن الزهد الحقيقي أن تكسب المال، وأن تجعله بيديك لا بقلبك، وأن توظفه في الحق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/02.jpg
سيدنا الصديق كان غنياً، أنفق كل ماله لرسول الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، قال: فبكى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال: ما أنا ومالي إلا لك ))
[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]
من أنا؟ إذاً سيدنا الصديق كان زاهداً، لأنه وظف ماله في خدمة الدعوة.
وأي إنسان يوظف ماله، يوظف علمه، يوظف جاهه، يوظف ما رزقه الله، في سبيل الله، هذا يعد في قمة الزهد، ليس الزهد أن تكون ضعيفاً، فقيراً، محروماً، تتمنى ما عند الناس، ليس الزهد أن تتضعضع أمام قويٍ أو غني، الزهد أن تكون يدك هي العليا. العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا بعد أن يؤمن بالله :

لذلك في هذا الموضوع الحديث الأول هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام مسلم: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/03.jpg
لكن النبي كما تعلمون بالتعبير الدارج جبار خواطر قال: (( وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كل مؤمن على العين والرأس ولو كان ضعيفاً أو فقيراً ، لكن: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
التعليل: لماذا أنت في الدنيا؟ بعد أن تؤمن ما المهمة الأولى التي ينبغي أن تفعلها؟ أن تعمل عملاً صالحاً يكون زادك إلى الجنة، بعد أن تعرف الله، بعد أن تعرف سرّ وجودك، بعد أن تعرف غاية وجودك، بعد أن تؤمن بالآخرة، العمل الأول أن تعمل عملاً صالحاً، والدليل الإنسان وهو على مشارف الموت يقول : ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية : 99-100 ]
أي المؤمن علة وجوده في الدنيا بعد أن يؤمن أن يعمل صالحاً، الآن عندما قال النبي الكريم: (( المؤمن القويُّ ))
لأن القوة هي قوة المال، ولأن القوة هي قوة المنصب، ولأن القوة هي قوة العلم، القوى الثلاثة الكبيرة قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، فأنت إذا كنت قوياً فرص العمل الصالح أمامك لا تعد ولا تحصى، معك مالٌ وفير يمكن أن تنشئ ميتماً، معهداً شرعياً، أن تنشئ سكناً للشباب، أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى إذا كنت غنياً، وإذا كنت عالماً أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى، وإذا كنت في منصبٍ رفيع بجرة قلمٍ تحق حقاً وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتزيل منكراً.
لذلك ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً من أجل آخرتك، من أجل أن تعمل أعمالاً كبيرة . الزهد في حقيقته لا أن يرفض الإنسان الدنيا ولكن أن يوظفها للآخرة :
فيا أيها الأخوة، هناك مفهوم شائع في أوساط غير المتعمقين في الدين، إنسان بسيط جداً في زاوية، معزول ليس بيده شيء، هذا زاهد، لا، الزاهد من زهد في شيءٍ خسيس وأقبل على شيءٍ نفيس .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/04.jpg
أيها الأخوة، الزهد في حقيقته لا أن ترفض الدنيا، ولكن أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، ولكن أن تكون مثقفاً ثقافةً عالية تسخرها للدعوة إلى الله، الزهد لا أن تكون عالةً على الآخرين، الزهد أن تكون في خدمة الآخرين، هذه المعاني الإيجابية للزهد ترفع من شأن المؤمن، النبي عليه الصلاة و السلام طلب النخبة فقال : " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".
وأقول لكم الآن: ينبغي أن يكون المؤمن قوياً، أستاذ جامعي كبير، عالم كبير، صناعي كبير، تاجر كبير، لماذا؟ لكن وفق منهج الله، لأن قوة المؤمن قوة للمؤمنين، النبي طلب النخبة، والمؤمن القوي الأصل في هذا الدرس هذا الحديث:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
المؤمن أن تحجز ـ إن صحّ التعبير ـ بقوتك التي أنفقتها في طاعة الله، بمالك الذي أنفقته في طاعة الله، بعلمك الذي علمته في طاعة الله، بجاهك الذي وظفته في طاعة الله، أن تكون حاجزاً مكاناً في الجنة. اللعب عمل عابث لا جدوى منه وليس له أثر مستقبلي :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الزاهد هو الذي يزهد بشيءٍ محتقر، ويطمح إلى شيءٍ معتبر، قال تعالى:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]
أنما تفيد القصر والحصر : ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/05.jpg
معنى لعب؛ أي اللعب، لو إنسان بقي حتى الساعة الثانية ليلاً يلعب النرد ـ ولعب النرد حرام ـ من لعب النرد فكأنما غمس يديه في لحم خنزير، للساعة الثانية، هذا الوقت الذي أمضاه اللاعبان في لعب النرد، ماذا ينتج عنه؟ لا شيء إطلاقاً، أي عمل عابث، اللعب عمل عابث لا جدوى منه، وليس له أثر مستقبلي.
أوضح من ذلك إنسان جلس في حوض ماء فاتر في بيته، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح مثقفاً ثقافةً عالية؟ الاستمتاع ليس له أثر مستقبلي أبداً، حتى اللعب البريء ليس له أثر.
مرّ بعض الصالحين بأناسٍ يلعبون النرد في مقهى فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
الوقت أنت، أنت أيها الإنسان بضعة أيام، كلما مضى يوم مضى بضعٌ منك، فلذلك الحياة الدنيا لعبٌ، عمل لا طائل منه، إنسان اعتنى بحياته الخاصة عناية تفوق حدّ الخيال، ثم جاءه ملك الموت، هل تعد حياته الناعمة سبباً لدخول الجنة؟ لا أبداً، ترك هذا البيت ووضع في القبر.
الإنسان أحياناً يكون له قريب غني جداً، يموت يذهب للتعزية، هناك سؤال؛ من اشترى هذا البلاط؟ المرحوم، من اختار هذه الثريات؟ من اختار هذا المنظر الطبيعي الجميل؟ من اشترى هذا البيت أصلاً؟ من صمم هذا البيت؟ أين صاحب البيت؟ تحت أطباق الثرى. اللهو واللعب :
أيها الأخوة،
﴿ لَعِبٌ ﴾
أي عمل عابث ليس له أثر مستقبلي، تدرس تصبح دكتوراً، تاجراً، تصبح أكبر تاجر، لكن بأمور اللعب مهما أمضيت الوقت في اللعب فليس له أي أثر مستقبلي، هذا هو اللعب، أي عملٌ عابث ليس له أثر مستقبلي أبداً. ﴿ وَلَهْوٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/06.jpg
اللهو أن تغوص في أعماق البحر لتبحث عن الأصداف لا عن اللآلئ، أن تلهو بشيءٍ خسيس عن شيءٍ نفيس، هذا اللهو، أن تنشغل بشيءٍ خسيس، بأعماق البحر لؤلؤ، واللؤلؤ غال جداً، يغوص، ويخاطر، وقد يموت بحثاً عن الصدف لا عن اللؤلؤ، هذا هو اللهو. ﴿ لَعِبٌ ﴾
عمل ليس له أثر مستقبلي، ﴿ وَلَهْوٌ ﴾
أن تشتغل بالخسيس عن النفيس. ﴿ وَزِينَةٌ ﴾
زينة أي شيء له منظر رائع، لكن سوف تتركه وتمضي. ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
يقول لك: عندي ثلاثة أطباء، لم يهتم بدينهم إطلاقاً، اهتم بلقب دكتور، أما ابنه لا يصلي، يصلي، عندما سافر إلى بلاد الغرب وقع في الفاحشة، هذه قضية ثانوية جداً، المهم أنه أنجب أولاداً نجباء: ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
أيها الأخوة، للتقريب طالب التحق بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بمقعد مريح، جاء بشيء يأكله أثناء الدرس، جاء بأجهزة، بألعاب، كل هذا النشاط يتناقض مع كونه طالباً، و طالب اهتم بالدراسة، اهتم بطلب العلم، اهتم بنيل شهادة عليا، وآخر اهتم بمقعد مطل على الشارع، اهتم بأشياء يأكلها في أثناء الدرس، بمجلة يتصفحها على رجليه دون أن يرى المعلم، أي اهتم بشيء يتناقض مع وجوده في هذه المدرسة، هذا هو الذي ينبغي أن ننتبه إليه. ظاهر الحياة الدنيا أنها لهو و لعب و تفاخر أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة :

أيها الأخوة، حقيقة الحياة الدنيا هكذا: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهر الدنيا، أما حقيقتها فهي مزرعة الآخرة، المؤمن حينما يدخل الجنة يقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 74 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/07.jpg
جاء الله بنا إلى الدنيا، في الدنيا تعرفنا على ربنا، في الدنيا أدينا الصلوات، في الدنيا أدينا العبادات، في الدنيا أدينا الأعمال الصالحة، هذه المعرفة، وهذه الصلوات، وهذه العبادات، وهذه الأعمال الصالحة هي سبب وصولنا إلى الجنة، لذلك نقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
معنى ذلك أن ظاهر الحياة الدنيا ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهرها، أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة، الحياة الدنيا تسبق الحياة العليا، الحياة الدنيا تتعرف فيها إلى الله، والحياة العليا تقطف ثمار هذه المعرفة، الحياة الدنيا تستقيم فيها على أمر الله، والحياة العليا تستفيد من هذه الاستقامة، الحياة الدنيا مملوءة بالأعمال الصالحة، والحياة الآخرة تعد هذه الأعمال الصالحة سبباً لرقيك في الجنة.
لذلك الدنيا لها شيء آخر، الدنيا جنة للمؤمن، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا المؤمن ذاق طعم الجنة وهو في الدنيا ، بل إن بعض العلماء يقول: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
جنةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة ، واقبلوا هذا الكلام مني إن لم تقل أنا أسعد الناس لأنك عرفت الله، عرفت سرّ وجودك، عرفت غاية وجودك، جعلت الدنيا مطية الآخرة، جعلت الدنيا في خدمة الآخرة، جعلت المال الذي أكرمك الله به، أنفقته في طاعة الله، جعلت جاهك في خدمة الحق، جعلت علمك في خدمة الحق، الدنيا جميلة جداً، جميلة بطاعة الله، بمعرفة الله، بالعمل الصالح، أنجبت أولاداً أبراراً، ربيتهم تربيةً إسلامية، أنجبت بناتٍ طاهرات زوجتهن من شبابٍ مؤمنين. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/08.jpg
كلمة غرور دقيقة جداً، أنا أضرب مثلاً لعلي ذكرنه لكم: أعرف رجلاً ـ توفي رحمه الله ـ عنده دعابة؛ يجمع قمامة المحل التجاري ويضعها في علبة ثمينة، ويغلفها بورق هدايا، ثم شريط أحمر مع وردة، يضعها على الرصيف، إنسان عابر يتوهمها مطيف ألماس، قطعة ذهبية غالية جداً، يحملها ويمضي، ويظن أنه حصّل ثروةً كبيرة، بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئتي متر أخرى ينزع الورق، بعد مئتي متر ثالثة يفتح العلبة، فإذا فيها قمامة المحل، هذا المثل الصارخ يعبر عن الدنيا عند الموت، يراها لا شيء، يراها لعباً، ولهواً، وزينةً، وتفاخر، وتكاثر، وينسى العمل الصالح.
لذلك العلماء قالوا : الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
إذاً هي متاع الغرور، تبدو لك بحجمٍ كبير، في مقتبل الحياة ترى المال شيئاً عظيماً، ترى المرأة شيئاً نفيساً، في منتصف الحياة ترى المال شيئاً لكن ليس كل شيء، في نهاية المطاف لا ترى شيئاً إلا أن تطيع الله عز وجل، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
تستمتع بها، وتغتر بها، وتتوهمها بحجمٍ أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، فالبطولة أن ترى حقيقتها في مقتبل العمر، البطولة أن تجعلها في يديك لا في قلبك ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر وتضر وتمر :
أيها الأخوة، الآية الثانية، يا أيها الناس:
﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾
[ سورة لقمان ]
من هو الغرور ؟ الشيطان. ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
[ سورة النساء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/09.jpg
تجد الإنسان الذي غفل عن الله له طموحات كثيرة، يتمنى أن يكون أكبر تاجر، يتمنى أن يكون في قمة المجتمع، يتمنى أن يكون في أعلى منصب، في أعلى مكانة، يتمنى أن يسكن في أجمل بيت، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
أنا كنت مرة في مدينة في الشمال، أطلعوني على شارع فيه أبنية من الفخامة تفوق حدّ الخيال، بالسبعينات كان هناك بناء يأخذ بالألباب، الرخام فقط كلف مئات الملايين، شيء يفوق حدّ الخيال، صاحبه كان طويل القامة، توفي في الثانية والأربعين وكان لحكمةٍ بالغة القبر قصير، فكان أقصر من قامته، وضعه الحفار في القبر ودفعه من صدره حتى صار بشكل حرف لام ، صاحب هذا البناء الضخم هذا مصيره ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر، وتضر، وتمر، عندنا الدنيا تغر، والغرور هو الشيطان ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
أي الشيطان يعطي الدنيا حجماً كبيراً، يعطي اللذائذ حجماً كبيراً، يعطي المكانة الاجتماعية حجماً كبيراً، على حساب دين الإنسان، وعلى حساب مبادئه وقيمه.
سيدنا علي يقول: "يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري، شأنك حقير"، أي الدنيا تغر، وتضر، وتمر.
أحد أخوتنا الكرام يعمل في الأبنية، في مصيف قرب دمشق، مرة كنت عنده أطلعني على بيت ما شاء الله! يفوق حدّ الخيال، الأبهاء، والغرف، والكسوة من أعلى مستوى، أذواق رفيعة جداً، إطلالة، شرفات، مطابخ، غرف، قال لي: بعد أن انتهى البيت طلب مني صاحب البيت أن آتيه بمنظم كهربائي من أجل ثبات القوة الكهربائية، هيأته له، قال لي: أنا الخميس إن شاء الله سأستقر في هذا البيت، جاء الخميس لم يأتِ أحد ، الجمعة لم يأتِ أحد، السبت اتصلت بصاحب البيت فقالت له زوجته: والله مات.
والله هناك أبنية تأخذ بالألباب لم يتح لأصحابها أن يسكنوها، إنسان أُتيح له أن يغسل فيه بعد أن مات، هكذا الدنيا تغر، وتضر، وتمر . أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً لأن عطاء الله أبدي :
أيها الأخوة:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4640/10.jpg
المؤمن يتعرف إلى الله، والله عز وجل يصبغ عليه من النعم ما تكفيه، لكن الأصل أنه يعبد الله، أنه في طريقه إلى الجنة، والله عز وجل يخاطب الكفار فيقول: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
والله عز وجل يخبرنا ويقول: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
إله ينصحنا ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
أخواننا الكرام، أي عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً، أي عطاءٍ مهما كان عظيماً ما دام هناك موت ينتهي فيه فليس بعطاء، عطاء الله أبدي. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
والله عز وجل يعتب علينا حينما يقول: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
خيرٌ من الحياة الدنيا وأبدية، الدنيا أقل ومؤقتة.
أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نتابعها غداً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : الزهد لا أن يكون ترك الدنيا بل ملك الدنيا مع تركها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الزهد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الزهد".
وبادئ ذي بدء: لابدّ من توضيح الفرق الدقيق بين اللذة وبين السعادة، اللذة شيء والسعادة شيءٌ آخر، اللذة حسية طابعها حسي مادي، تأتيك من الخارج لا من الداخل، تحتاج إلى مالٍ وفير، وإلى وقتٍ مديد، وإلى صحةٍ عالية.
ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة الإنسان يفتقد أحد الشروط الثلاث دائماً، ففي البدايات الصحة جيدة والوقت مديد لكن لا يوجد مال وفير، إذاً اللذائذ ليست محققة، وفي منتصف الحياة المال وفير والصحة جيدة لكن لا يوجد وقت، انغماسٌ في العمل إلى أقصى الحدود، وفي خريف العمر المال وفير والوقت مديد لكن لا يوجد صحة، اللذة طابعها حسي، مصدرها خارجي، تحتاج إلى وقتٍ، وإلى مالٍ، وإلى صحة، ولحكمةٍ بالغة أحد هذه الشروط يفتقده الإنسان دائماً.
اللذة و السعادة :
السعادة تنبع من الداخل، لا تحتاج إلى شيءٍ خارجي، وهي مستمرةٌ ومتنامية، وقد تتصل بنعم الآخرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/02.jpg
السعادة تأتي من الاتصال بالله، السعادة تأتي من الإقبال على الله، السعادة تأتي من محبة الله، السعادة تأتي من معرفة الله، فرقٌ كبيرٌ كبير بين اللذة والسعادة، الزهد في الدنيا يحقق السعادة، بينما اللذائذ تتناقض مع الزهد، الآن القرآن الكريم ينصح المؤمنين:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
خالق السموات والأرض يخبرنا أن: ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[ سورة النساء ]
آيةٌ ثانية تؤكد على المعنى نفسه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بالإنسان إن اتخذ قراراً خاطئاً أن يتولى الله عز وجل تربيته :
الله عز وجل لأنه ربنا، ويحبنا، ويرعانا، وخلقنا، لذلك وعدنا:
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/03.jpg
[ سورة آل عمران الآية : 133 ]
﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بنا إن اتخذنا قراراً خاطئاً فالله عز وجل يتولى تربيتنا، وحينما وصف الله الذين شردوا عنه فقال: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
بربكم لو خيرنا إنساناً أن نعطيه سيارةً لساعةٍ واحدةٍ ودراجةً لوقتٍ مديد دائماً يختار الدراجة، فلو خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ مديد وسيارةٍ لوقتٍ مديد يختار السيارة، فإذا خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ قصير وسيارةٍ لوقتٍ مديد من الحمق أن يختار الدراجة. ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
[ سورة الضحى ]
﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
سحرة فرعون قدموا أروع المثل عندما آمنوا بسيدنا موسى أمام فرعون :
أخواننا الكرام، سحرة فرعون قدموا أروع المثل، آمنوا بسيدنا موسى، فرعون صُعق، جاء بهم ليدعموه، فإذا هم يؤمنون.
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾
[ سورة طه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/04.jpg
فرعون صُعق: ﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه ]
كلامٌ دقيقٌ جداً. ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا*وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة طه ]
بالمصطلح الحديث: هؤلاء السحرة أحرقوا المراحل، أحياناً تأتيك ومضة، إشراقة، قفزة، فإذا أنت في أعلى درجات الإيمان، وهؤلاء السحرة يمثلون هذا النموذج النادر ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾
لمن يقتل الناس بثانية ، قتل الناس عند فرعون سهل جداً. ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية : 4 ]
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
ما خيرٌ بعده النار بخير وما شرٌ بعده الجنة بشر :
أخواننا الكرام، سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ يقول مخاطباً ابنه: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير" ـ ارتقيت لأعلى منصب، جمعت أكبر ثروة، استمتعت بالحياة إلى قمة رأسك ـ وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيمٌ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/05.jpg
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
القرآن الكريم يخاطب المؤمنين: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه الآية : 131 ]
أي إذا كنت مؤمناً ولك صديقٌ بعيدٌ عن الدين، لكنه في غنىً كبير، لمجرد أن تقول: هنيئاً له فأنت لا تعرف الله، كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى شيئاً جميلاً من متاع الدنيا يقول: (( اللهم لا عيشَ إِلا عيشُ الآخرةِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]
من تأوه و تحسر إذا رأى شيئاً جميلاًفهذا إنسانٌ عند الله جاهل :
أوضح مثل قارون.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾
[ سورة القصص الآية : 79]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/06.jpg
الآن قد تجد بيتاً، مركبات أمامه، حدائق. ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
استمع إلى التعليق: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
الإنسان أيها الأخوة، إذا تأوه، وتحسر، وتمنى إذا رأى شيئاً جميلاً، ونسي أن الله أعدّ له. ﴿ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 133]
هذا إنسانٌ هو عند الله جاهل. الله عز وجل خلق الإنسان ليسعده في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، هناك آية دقيقة جداً يقول الله فيها:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/07.jpg
أي هم جميعاً مدعوون للجنة، هم جميعاً مدعوون لرحمة الله، لسعادة الدارين: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
الكافر مدعوٌ للجنة، مدعوٌ إلى رحمة الله. ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[ سورة طه ]
والدليل: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾
[ سورة هود الآية :119 ]
أدق آية: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا في الدنيا والآخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة أم المؤمنين ]
إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها أهم شيءٍ في حياته أن يعطي :
أخوتنا الكرام، لمجرد أن تؤمن بالآخرة الإيمان الذي أراده الله تنعكس مقاييسك، تنعكس مئة وثمانين درجة، إن آمنت في الدنيا ترى الذكاء، والعقل، والبطولة في الأخذ، إن آمنت بالآخرة ترى الذكاء، والعبقرية، والبطولة في العطاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/08.jpg
لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها، أهم شيءٍ في حياته أن يعطي لا أن يأخذ، وأهل الدنيا يأخذون ولا يعطون.
مرة أخ كريم جاء من أمريكا، وأنا علمت أنه اشترى بيتاً، فباركت له، فقال لي: لم أشترِه، استأجرته حتى الموت، هو اشتراه، لكن هذا البيت مثوى مؤقت، والدليل: اقرؤوا جميع النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، معنى ذلك أنت في بيتٍ هو في الحقيقة مؤقت، والبطولة أن تعد للبيت الأخير.
أحد رعاة الإبل معه قطيع إبل سُئل لمن هذا القطيع؟ قال علماء البلاغة: أجاب أبلغ إجابة في اللغة العربية، قال: هي لله في يدي، فأنت آمن كإيمان هذا الراعي، وبيتك لله في يدك، ومركبتك لله في يدك، ومكتبك التجاري لله في يدك، كل شيء في حوزتك هو لله، الآن بيدك وفي أية لحظة يؤخذ منك.
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :
أخواننا الكرام، هؤلاء السلف الصالح كانوا عقلاء، سيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل دار الخلافة يتلو هذه الآية، والله هذه الآية تقشعر منها الأبدان، كان يقول الآية الكريمة:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/09.jpg
هؤلاء الطغاة عاشوا حياة ناعمة جداً، البلاد كلها لهم، الأموال كلها لهم، المتع كلها لهم، القصور كلها لهم ، فإذا ماتوا أين النعيم؟ ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
البطولة أن تعيش المستقبل، الأغبياء يعيشون الماضي، والأقل غباءً يعيشون الحاضر، أما الأذكياء والعقلاء فيعيشون المستقبل.
يا ترى ما هو أخطر حدثٍ مستقبليٍ ينتظرنا جميعاً وأنا واحدٌ منكم؟ مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر، بيت أربعمئة متر بعده القبر، منصب رفيع بعده القبر، أموال طائلة بعدها القبر، زوجة وأولاد وأقارب وأتباع بعدهم القبر.
أيها الأخوة، بحسب ما يُرى الإنسان يجمع الدنيا لَبِنةً لبنة ثم يخسرها في ثانيةً واحدة، يخسر كل شيء، لا يأخذ معه إلى القبر إلا الكفن، وأنا بحسب ما سألت من أرخص أنواع الأقمشة. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح :
أيها الأخوة، القرآن الكريم مملوءٌ بالتزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها، وانقطاعها، وسرعة فنائها، مملوءٌ في الترغيب بالآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، هناك آية دقيقة جداً قد لا ننتبه إليها:
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص الآية : 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/10.jpg
مرة سألوا طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: كيف نجحت هذا النجاح الباهر؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تكن تغادر مخيلتي ولا ثانية طوال العام الدراسي.
وأنا أقول لكم: لحظة مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر ينبغي ألا تغادر أذهاننا ولا دقيقة في الحياة لماذا؟ لأنك إن فعلت هذا عملت للآخرة، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص]
سيدنا علي يقول: "الغنى والفقر بعد العرض على الله".
العلماء لهم أقوال في الزهد، قال بعضهم: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة"، أنت اجعل هذا المقياس الدقيق، أي شيءٍ لا يدخل معك في القبر فهو من الدنيا.
والله أعرف رجلاً له أذواق في الدنيا تفوق حدّ الخيال، بيته، مركبته، سفرياته، طعامه، شرابه، أذواق عالية جداً، توفي ـ رحمه الله ـ فجاء أحدهم ليلقي كلمة وهو في النعش، قال: كان أخوكم ـ أبو فلان ـ مؤذن ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة، فكرت هل يمكن الحديث عن بيته؟ لا، عن مركبته؟ لا، عن سفره؟ لا، عن أناقته؟ لا، عن أثاث بيته؟ لا، الحديث عن أعماله الصالحة، كان مؤذناً فقط، قال: ترحموا عليه، أنا لا أنسى هذا الموقف السريع، تأبين بكلمة واحدة، قلت بنفسي: اعمل عملاً يتحدثون بعد الموت دقيقة، أو خمس دقائق، هناك أشخاص لهم أعمال كالجبال، هذا هو الغنى الحقيقي. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
إن لم تترك أثراً في الدنيا فأنت زائدٌ عليها، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة، الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس بأكل الغليظ من الطعام، ولا لبس الخشن من الثياب".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/11.jpg
والله مرة حدثني أخ عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، بتفاصيل مملة خلال ساعة، وفي المساء قرأت نعوته.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، والله لي صديق أو هو في الأصح صديق أخي، عندهم كل سبت سهرة، واحد من هؤلاء الأعضاء في هذه السهرة رشيق، وسيم الصورة، ذكي جداً، وهو أستاذ فلسفة، قال: أنا لن أموت في وقت باكر، أي قال كلاماً غير مألوف، سألوه لماذا؟ قال أنا وزني مناسب جداً، وأتابع الرياضة يومياً، كل طعامي خضراوات وفواكه، وهو عنده روح دعابة ومرح، هذا الكلام قاله السبت مساءً، السبت الثاني كان تحت أطباق الثرى.
حقيقة قصة مؤثرة جداً، بحسب قواعد الصحة، بحسب رشاقته، واعتنائه بالرياضة، أنا مع الرياضة لست ضد الرياضة، لكن لا تؤله الرياضة، بشكل دقيق لك عند الله ثلاث وسبعون سنة، وأربعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وخمسة أيام، وأربع ساعات، وثلاث دقائق، وثماني ثواني، هذا العمر إما أن تمضيه في السرير إذا ما اعتنيت بجسمك، أو تمضيه واقفاً، فالرياضة أن تمضي العمر الذي أعدّه الله لك واقفاً، الرياضة مهمة جداً ولكن لا تطيل العمر ولا تقصره، الرياضة أن تستمتع بصحتك، وأن تبقى نشيطاً طوال حياتك، أما أن تتوهم أن الرياضة لها علاقة بالعمر فهذا شيء مستحيل.
أيها الأخوة، قصص أحياناً تترك أثراً كبيراً، مرة هناك جامع إلى جانب جامع النابلسي، دُعيت إلى حضور احتفال بإلحاح شديد، والله لبيت الدعوة، استقبلني رجل في مدخل المسجد و رحب بي ترحاباً منقطع النظير، جلست في المكان المقرر، بعد دقائق وجدت أن هناك اضطراباً في المسجد، هناك متكلم لكن يوجد اضطراب، بعد أن انتهت كلمته سألت؟ هذا الذي استقبلني وقع ميتاً، والله ذهبنا إلى المستشفى و لكنه مات لتوه قبل دقيقة، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل.
والله هناك قصص خلال الأشهر الستة الماضية، أخوة كرام، صلى الفجر في جماعة والظهر في المسجد والعصر كان مدفوناً، هناك علماء ماتوا في المسجد لا يشكون شيئاً، هذه من نعم الله الموت في المسجد أيضاً.
أقوال في الزهد :
أيها الأخوة، الإمام الجنيد قال:
﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة الحديد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4641/12.jpg
هذه الآية متعلقة بالزهد، قال: "الزاهد لا يفرح من الدنيا بمولود ولا يأسف منها على مفقود".
قال: "الزاهد هو الذي ينظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينيه، فيسهل عليه الإعراض عنها".
قال: "الزاهد عزف قلبه عن الدنيا بلا تكلف".
قال الجنيد: "الزهد خلو القلب مما خلت منه اليد"، أي لم يتح لك زوجة كما تتمنى، لابأس الحياة مؤقتة، "الزهد أن يخلو القلب مما خلت منه اليدان"، هذا تعريف دقيق، "الزهد في الدنيا قصر الأمل"، "الزهد في الدنيا عدم الفرح بإقبال الدنيا ولا بالحزن عليها".
ُسئل: الرجل يملك آلافاً مؤلفة هل يكون زاهداً؟ قال: نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت وألا يحزن إذا نقصت.
بعضهم قال: "الزهد ترك ما يشغل عن الله عز و جل".
بعضهم قال: "الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب".
وقال بعضهم: "لا يبلغ أحدٌ حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عملٌ بلا علاقة، وقولٌ بلا طمع، وعزٌ بلا رئاسة". أنواع الزهد :
آخر شيء أخوتنا الكرام، الزهد على ثلاثة أوجه، ترك الحرام وهذا زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهذا زهد الخواص، وترك ما يشغل عن الله وهذا زهد العارفين.
وبعضهم قال: الزهد سفر القلب من الدنيا إلى الآخرة، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور]
أخوتنا الكرام، موضوع الزهد لا أن تكون فقيراً، ولا أن تكون يدك هي الدنيا، ولا أن تكون متضعضعاً أمام قويٍ ولا أمام غني، ولكن الزهد أن يكون المال بيديك لا في قلبك، أن يكون العمل الصالح هدفك الأول، والذي بيدك من الدنيا في خدمة هذا الهدف الكبير.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع : الفرق بين الشرك الجلى و الشرك الخفى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الشرك :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول".
ولكن علاقة هذا الموضوع مع هذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية، إنه موضوع "الشرك"، فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، المشرك لن يصل إلى الله عز وجل ذلك لأن الإنسان إذا أشرك بالله عز وجل توجه إلى غير الله، وغير الله عز وجل لا يملك لا رزقك، ولا حياتك، ولا موتك، ولا سعادتك، توجهت إلى لا شيء.
فلذلك الأصل في هذا الدين أنه دين التوحيد، وما من إنسانٍ أحب رسول الله حباً يفوق حدّ التصور كسيدنا الصديق، فلما توفاه الله عز وجل قال كلمته المشهورة: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت".
الشرك نوعان؛ شرك جلي و شرك خفي :
أخواننا الكرام، الشرك تتسع دائرته حتى يشمل الشرك الخفي، قال تعالى:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
وتضيق دائرته حتى يقتصر على الشرك الجلي، أن تعبد غير الله، هناك شركٌ جلي و شركٌ خفي، من فضل الله عز وجل ليس في العالم الإسلامي شركٌ جلي، لا أحد يعبد حجراً ولا صنماً، ولكن هناك شركاً خفياً، وقد قال عليه الصلاة و السلام: (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن شداد بن أوس ]
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله، وذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ لا يغفر وهو الشرك. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
علاقة الشرك بالإثم علاقة ترابطية :
الآن:
﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
ما علاقة الإثم العظيم بالشرك؟ إنك إذا اتجهت إلى غير الله، وتوهمت أن هذه الجهة تنفعك أو تضرك، تعطيك أو تمنعك، تعزك أو تذلك، أرضيتها وأسخطت الله، وقد يكون رضاها بالمعاصي والآثام، أو بإيذاء الخلق، فمن لوازم الشرك الإثم، هناك آيتان في القرآن الكريم حصراً، الأولى هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
إذاً علاقة الشرك بالإثم علاقةٌ ترابطية، بشكل مبسط أنت توهمت أن رزقك بيد فلان، فلان لا يعرف الله، يأمرك بما يخالف منهج الله عز وجل، أنت بدافعٍ من توهمك أن أمورك بيده تعصي ربك وتطيعه، إذاً الشرك من لوازمه الإثم العظيم، والآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
[ سورة النساء]
في ضلال مبين، في ضلال بعيد، إنسان أحياناً في طريقه في السفر قد يسلك طريقاً خطأً، قد يمشي فيه بضع كيلومترات، لكن تصور إنساناً مشى في طريقٍ خطأ ألف كيلو متر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
فالشرك من لوازمه الإثم، والشرك من لوازمه أن صاحبه ﴿ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4642/01.jpg
لكن من أجل التطمين يوجد آيتان محصورتان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
هذا إذا وافته المنية فهو مشرك، أما من تاب تاب الله عليه، أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة.
لذلك أكثر المفسرين يعقبون على هاتين الآيتين بكلمة مختصرة: ما لم يتب، إنسان وقع في شرك خفي بحسب الآيتين لن يغفر له، لن يغفر له إذا بقي مقيماً على هذا الشرك، أما إذا تاب انتهى كل شيء.
هناك شرك ـ كما قلت قبل قليل ـ أكبر وشركٌ أصغر، الأكبر نوعان أي هناك شرك جلي أن يعبد بعض الناس في بلادٍ بعيدة صنماً اسمه بوذا هذا شرك جلي، صنم يعبد.
مرة كنت في أمريكا في لوس أنجلوس، أخذني بعض الأخوة الكرام إلى معبد هندوسي، يبعد عن هذه المدينة تقريباً مئة كيلو متر، البناء مكلف عشرات الملايين من الدولارات، وهناك صنمان؛ الصنم الأول من البرونز، لا أبالغ على صدر هذا الصنم من الألماس البرلنت ما يساوي الملايين، ورأيت أناساً بلغني أنهم مثقفون يسجدون لهذين الصنمين انبطاحاً، سجود انبطاح، ورأيت آلةً لتكسير جوز الهند في مقدمة هذا المعبد، سألت عنها فقيل لي: الآلهة يحبون جوز الهند، هذان الصنمان المصنوعان من البرونز، وعلى صدر الصنمين أنواع عديدة جداً من الألماس، قلت: سبحان الله! نحن في نعمةً كبيرة، بلادٌ تعبد الحجر، بلاد تعبد الشمس والقمر، بلادٌ تعبد البقر، وقد كرمنا الله عز وجل، فنحن نعبد الله خالق السموات والأرض. الخطأ الذي لا يغتفر أن يتوهم الإنسان أن جهةً أرضية تملك له نفعاً أو ضراً :
إذاً الشرك الأكبر نوعان: إما أن تعبد صنماً، إلهاً مزعوماً من حجر، من أشياء كثيرة جداً، وعندي مجلة ألمانية فيها تحقيق مطول عن أناسٍ في شرقي آسيا يعبدون الجرذان، وهناك بحثٌ طويل حول الديانات الوثنية في العالم، لكن الذي يعنينا الآن في هذا اللقاء الطيب أن هناك شركاً لا يأخذ هذا الشكل الفاضح، يأخذ شكلاً آخر، يأخذ شكلاً نسميه النديّة، أي اتخذ من دون الله نداً، كيف؟ إنسان بحسب جهله يتوهم أن صديقه الذي يحتل منصباً رفيعاً يمكن أن يعطيه، يمكن أن يرفعه، يمكن أن يمده بالمال، يمكن أن يحميه من أعدائه، هذا التوهم هو لم يقل هو إله ولكنه عامله كإله، هذا الذي يعنينا في هذا اللقاء الطيب، لا أحد يقول: إن زيداً من الناس إله، أو خلق السماوات والأرض، لا، لكنه يطيعه في معصية الله، لكنه يتقرب إليه بإيذاء الخلق، فأنت حينما تعامل جهةً بشرية تمنحها الود والحب، وتعتقد أنها تنفعك وتضرك، وتعلي شأنك، أنت اتخذت شريكاً لله نداً له وهو دون الله عز وجل.
أيها الأخوة، أحياناً إنسان يقع في شرك جلي من نوعٍ النديٍة، لكن هذا الذي أشركه بالله عز وجل بينه وبين خالق السموات والأرض شيء يصعب تصوره، إنسان ضعيف مثلك يموت، يمرض، يحقد، ينسى، وخالق السموات والأرض الذي هو معك دائماً، معك يمدك بكل ما تحتاجه، سمعك بيده، بصرك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، قلبك بيده، الشريان التاجي بيده، سيولة الدم بيده، عمل الأجهزة بيده، زوجتك بيده، أولادك بيده، الذي بيده كل شيء، كيف تنصرف عنه؟ إلى أين؟ لذلك هذا الخطأ الذي لا يغتفر أن تتوهم جهةً أرضية تملك لك نفعاً أو ضراً.
سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب فغيره من باب أولى ألا يعرف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4642/02.jpg
الآن دقق من هو الإنسان الأول في الكون؟ رسول الله الإنسان الأول، الذي بلغ سدرة المنتهى، قال الله له: قل لهم:
﴿ َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 50 ]
لكن الله يعلم الغيب، قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
[ سورة الجن ]
قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 188 ]
فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، قل لهم: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الأنعام ]
إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب، ولا يملك لنا ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويخاف إن عصى ربه ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
هذا مقام سيد الخلق وحبيب الحق فكيف بغيره من الطغاة؟ الإيمان الحقيقي هو التوحيد والإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له :
لذلك أيها الأخوة، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وديننا دين التوحيد، بل إن الإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له، بدليل أن الشيطان آمن بالله، قال: ربي.
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، الشيطان آمن به خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الشيطان آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
ومع ذلك هو إبليس اللعين، فإن تعترف أن هذا الكون خلقه خالقٌ عظيم فالقضية سهلة جداً، لكن البطولة أن توحده، ألا ترى معه أحداً، ألا ترى فاعلاً غيره، أن ترى أن الله بيده كل شيء، أن ترى أن الله: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج ]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
البطولة أن ترى هذه الرؤية، هذه الرؤية ليست سهلةً، تحتاج إلى جهد كبير، أي التوحيد هو الإيمان، الإيمان الحقيقي هو التوحيد، أن ترى أن يد الله فوق أيديهم، أن ترى أن أي شيءٍ يقع في الكون وقع بعلم الله، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. الشرك الأصغر هو الشرك الذي ابتلي المؤمنون به في هذه الأيام :
لذلك أيها الأخوة، الإنسان حينما يشرك بالله عز وجل هذا الذي أشركه مع الله عز وجل لا شيء أمام عظمة الله.
لذلك هناك شركٌ أصغر هذا الذي ابتلي به المؤمنون، الشرك الأصغر الآية التي تؤكده: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
لك ابن عم بوزارة قال لك: أنا معك دائماً، هذا رقم هاتفي بأي لحظة أنجدك، فأنت اعتمدت عليه، ونسيت الله عز و جل، وصدقوا ولا أبالغ ما من إنسانٍ ينجو من تأديبٍ إذا أشرك، حتى الصحابة الكرام في بدر قالوا: الله . ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]
هم هم وفيهم سيد الخلق في حُنين اعتدوا بكثرتهم فقالوا: (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
هم نخبة البشر، ومعهم سيد البشر، ومع ذلك لم ينتصروا، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
التولي و التخلي :
أخوتنا الكرام، هناك درس تحتاجه كل ساعة، تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، أنت بين التولي والتخلي، باختصاصك: أنا حصّلت علماً من أعلى مستوى، قد ترتكب خطيئة في اختصاصك لا يرتكبها الحمقى، أنت حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، وحينما تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، لذلك هناك نص لسيدنا علي يقول:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء" أي نملة سوداء في ليلة ظلماء، على صخرة سمراء تمشي، هل يسمع لمشيها صوت؟ قال:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء ـ دقق الآن ـ وأدناه أن تحب على جور".
أي: إنسان يرتكب بعض الظلم، لكنه نفعك بشيء فأحببته، أحببته وهو ظالم، أحببته وهو بعيد عن الله عز وجل، لمجرد أنك أحببته وهو ليس على حق فهذا نوعٌ من الشرك.
وأن تبغض على عدل، إنسان نصحك نصيحة بأدب، غضبت لأنه تجرأ عليك ووصل إلى مقامك الكبير، قال لك: هذه غلط، هذا التصرف لا يليق، فلمجرد أن تغضب لنصيحةٍ أسديت إليك، أو لمجرد أن تحب إنساناً ظالماً، فهذا نوعٌ من الشرك الخفي، الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
الابتعاد عن التلفيق وهو أن تلبس الباطل بالحق :
أيها الأخوة، مرةٍ ثانية: حينما تعتمد على إنسان تقول: معقول أن أظنه خالق السماوات والأرض؟ لا، مستحيل طبعاً! لكن هنا عاملته كما يعامل الإله، ودائماً هؤلاء الذين يفعلون هذا يقولون:
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
[ سورة الزمر الآية 3 ]
حتى الذين أشركوا يعللون شركهم الخفي بأنهم يعبدون هؤلاء ليقربوهم إلى الله عز وجل، هو في الحقيقة يسمى تلفيقاً، التلفيق أن تلبس الباطل بالحق.
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾
[ سورة الزمر ]
وهناك آية ثانية: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 3 ]
التصور هذا اسمه تلفيق. ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
هنا الشاهد، أنت قد تعامل إنساناً قوياً، لا تقل هو إله إطلاقاً، لكنك تعامله كما يعامل الإله، تخافه، تتوهم أن نفعك بيده، وأن عطاءك بيده، وأن حمايتك بيده، هذا هو الشرك الذي يعني المسلمين. انطلاق الديانات الأرضية من ضعف الإنسان :
لكن قد يسأل سائل، هناك سؤال يثير العجب: أن هذا الدين الوثني بشرق آسيا تسعمئة مليون، السيخ، والهندوس، والبوذيون، أرقام كبيرة جداً هل يعقل هذا؟ الجواب سهل جداً: الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً، لأنه خلقه ضعيفاً، هو بحاجة إلى جهة قوية، فجميع الديانات الأرضية تنطلق من ضعف الإنسان، لكنها انطلقت من ضعفه، وتوجهت إلى جهةٍ ليست أهلاً لهذا التوجه، هنا المشكلة، لكن إقبال معظم الناس على هذه الديانات الأرضية لأن هذه الديانات ليس فيها منهج، ليس فيها حرام، ليس فيها افعل ولا تفعل، يكفي أن تعلن انتماءك وانتهى الأمر، أن تعلن ولاءك، لماذا الدين الذي من عند الله يحتاج إلى جهد؟ يحتاج إلى كلفة؟ هناك تكليف، و حلال، و حرام، و افعل، ولا تفعل، بينما تلك الديانات الأرضية ليس فيها هذا. من اتجه إلى غير الله عز وجل فلن يستفيد شيئاً :
أيها الأخوة، بقي شيءٌ دقيق هو مثل أضربه كثيراً، لكنني بحاجة إليه في هذا اللقاء: إنسان له مبلغ كبير بحلب، يسكن في دمشق، ركب القطار ليصل إلى حلب الساعة الثانية عشرة ظهراً ليأخذ هذا المبلغ، الآن دققوا، قطع في هذا القطار بطاقة من الدرجة الأولى، وجلس خطاً في عربة من الدرجة الثالثة هذا خطأ، لكن القطار يمشي باتجاه حلب، جلس مع شباب منحرفين أزعجوه كثيراً وهذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، هذه الثانية، جلس بعكس اتجاه القطار فأصابه دوار وهذا خطأ كبير، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة مطعم وهو لا يعلم هذا خطأ رابع، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، لكن هناك خطأ لا يغتفر أن يركب قطار درعا باتجاه الجنوب هذا خطأ لا يغفر، في الجنوب ليس هناك من يعطيك قرشاً، القبض بحلب فمعنى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي إذا اتجهت إلى غير الله لن تستفيد شيئاً، تصور إنساناً معه التهاب زائدة، ويتلوى من الألم، وعلى وشك الموت، توجه إلى فندق، الفندق ليس فيه عملية جراحية، ليس فيه طبيب، فيه من يستقبله ليأخذ ماله، ويسكن في غرفة، الفندق شيء والمستشفى شيء، فأنت إذا توجهت إلى جهةٍ أرضية زاعماً أن فيها ما تحتاجه فهذا هو الخطأ الأكبر، فلذلك مرة ثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كان الإنسان موحداً :
علاقة هذا الموضوع بسلسلة هذه الدروس علاقة عكسية أو سلبية، بمعنى أن الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كنت موحداً، فإذا وقعت في شركٍ خفي وهو أن تتوهم جهةً أرضية يمكن أن تمدك بشيء، أن تعطيك شيئاً، أن تحفظك من شيء، أن تحل مشكلتك، هذا التوهم نوعٌ من الشرك الخفي الذي قال الله عنه:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع : الشرك يعيق الوصول إلى الله، والعمل بالمراءاة من الشرك





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرياء من الشرك الخفي :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيقٍ جداً يتصل بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" اتصالاً سلبياً، أي أنه يعيق الوصول إلى الله، ألا وهو موضوع "الشرك"، قال شداد بن أوس: رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يبكي، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/01.jpg

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم ))
[أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]
فالمراءاة من الشرك الخفي، أي أن تعمل عملاً أمام الناس كي تنتزع إعجابهم وفيما بينك وبين نفسك هذا العمل الطيب لا تفعله، تفعله أمام الناس، هذا هو الرياء، والرياء من الشرك الخفي، وفي حديثٍ آخر: (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الرياء شرك. أنواع الشرك الخفي :
وقد عدد بعض العلماء أنواع الشرك الخفي: من حلف بغير الله فقد أشرك، ومن علق تميمةً فقد أشرك، يعلقون حدوة حصان، أو حذاء صغيراً، هذا كله من الشرك، هذه الحدوة لا تحفظ ولكن الله هو الحافظ، والعوام لهم أعمال كثيرة كلها من الشرك الخفي، ومن أسند الحفظ والرعاية إلى غير الله فقد أشرك، لو عنده كلب حراسة وقال: لولا الكلب لأتى اللصوص فقد أشرك، لولا هذا الطبيب لمات ابني فقد أشرك، الحفظ والرعاية إذا عُزيت لغير الله فهذا نوعٌ من الشرك ـ والعياذ بالله ـ أو حينما تجعل لله نداً، خطيبٌ وقف أمام النبي عليه الصلاة و السلام فقال : ((ما شاء الله وشئت قال : جعلتني لله نداً ما شاء الله وحده ))
[ أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/02.jpg
أيها الأخوة : وفي حديثٍ آخر ، سمع النبي صلى الله عليه و سلم خطيباً يقول : (( مَنْ يُطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يَعْصِهما فقد غَوَى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومن يعصهما: أي جعل الإله العظيم مع رسوله الكريم بضمير المثنى: (( وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومرّ عمر رضي الله عنه برجلٍ يطأطئ رأسه في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
الإنسان أحياناً إذا صلى أمام الناس يبالغ في الخشوع، قال له: ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب ولكن الخشوع في القلوب . من شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص :
أيها الأخوة: هناك شركٌ خفي خطيرٌ جداً، يقول الله عز وجل يصف المؤمنين قال:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/03.jpg
طبعاً المعنى هنا الشرك الخفي غير الجلي، لذلك الإخلاص ألا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فمن شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص، أحياناً يتحدث عن إخلاصه أمام الناس، هذا الإخلاص الذي يتحدث عنه أمام الناس يحتاج إلى إخلاص.
المؤمن يخفي أعماله الصالحة كما يخفي أعماله السيئة خوفاً من الرياء، لكن هناك مواطن معينة لابد من أن تعلن ذلك.
أذكر مرة كان هناك بعض الجمعيات الخيرية، يدعون المحسنين قُبيل رمضان للتبرع، فكنت ألقي كلمةً فيهم، فكان المجموع رقم فلكي بالملايين، مرة جربوا طريقةً أخرى أن يعطوا أوراقاً ليملأها المحسنون فكان مجموع ما حصلوا عليه ستمئةُ ألف، العشر، أحياناً الإنسان إذا قال: أنا سأدفع مئة ألف، شريكه يقول: أنا مئة ثانية، مع كل واحد ورقة كتب أحدهم خمسة وعشرين، والثاني خمسة، لكن قال الشريك: مئة فقال الثاني: مئة، لذلك: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 271 ]
أحياناً أن تبدي الصدقة لك أجر بهذا ، إنك بهذا تشجع الناس على الإنفاق. المشرك من يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار :
أخواننا الكرام: الموضوع خطير جداً، لا يوجد إنسان يعصي الله إلا بسبب الشرك، هو لماذا يعصيه؟ من أجل شهوةٍ يؤثرها، لو علم أن القرب من الله أسعد للإنسان من هذه الشهوة لما عصى، إذاً هو لا يعرف ما عند الله من سعادة لو أطعته، لماذا يعصي الله؟ من أجل المال، لو علم أن الله هو الرزاق وحده لأطاعه، والله عز وجل كافأه بأضعاف مضاعفة، لأنه: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/04.jpg
أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية : 57 ]
يقول محام الآن: إن صدقت لا تأتيني ولا دعوى، من قال لك ذلك؟ هذا شرك، إن أطعته تبقى بلا دخل وإن عصيته ترزق؟ هذا كلام غريب، إن لم أغش لا أربح آلافاً، الكلمات التي يقولها التجار متوهمين أنهم إن لم يفعلوا هذا الخطأ لا يربحون كلمات فيها شرك. ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية : 30 ]
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
أي إنسان يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار فهو مشرك، مستحيلٌ وألفُ ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر. (( سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))
[أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي]
تطيعه وتخسر؟ وتعصيه وتربح؟ هذا كلام الشيطان، أيعقل أنك إذا اهتديت إلى الله خُطفت من أرضك؟. الله عز وجل لا يرضى من عباده الشرك :
أيها الأخوة، كلام العوام ممتلئٌ بالشرك الخفي، الشفاعة التي وردت في القرآن الكريم لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، ولن تعطى إلا لمن رضي الله له قولاً، قال تعالى :
﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾
[سورة الأنبياء الآية : 28 ]
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 255 ]
والله لا يرضى من عباده الشرك، لذلك من مات غير مشرك نالته منفعة النبي أما من مات مشركاً حُرم من هذه الشفاعة.
الشرك أن تتجه إلى غير الله، وغير الله لا يوجد عنده شيء، الشرك أن تتجه إلى غير الله، أن تعلق الأمل على غير الله، أن تعتمد على غير الله، أن تتوهم أن خيرك من زيد وأن عبيداً قد يؤذيك، حينما تعزو الفعل إلى غير الله وقعت في الشرك الخفي، ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو الرزاق، هو المعز، هو المذل، هو الذي يسعد، هو الذي يشقي، حينما ترى أن يد الله تعمل وحدها، حينما ترى أنه لا إله إلا الله، لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع ولا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي إلا الله .
أنت دخلت لدائرة ولابدّ من أن تأخذ موافقة على هذا الطلب، أخبرك أحدهم أن هذا الطلب ليس من صلاحية أي موظف في الدائرة إلا المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ لن تأخذ هذه الموافقة إلا من المدير العام حصراً، والدائرة عشرة طوابق، وفيها آلاف الموظفين، كل هؤلاء ليس من صلاحيتهم إعطاؤك هذه الموافقة، هل يعقل أن تقف على باب موظف عادي؟.
هذا هو التوحيد، سعادتك بيد الله، رزقك بيد الله، صحتك بيد الله، كل شيء تتوهمه من عند الناس هو من عند الله. من اعتمد على غير الله و توهم أن الأمر بيده فقد أشرك :
إنسان يقول لك: لا إله إلا الله، تدقق في أعماله، أعماله لا تنم عن توحيدٍ لله، تنم عن شركٍ خفي ، يقول لك: فلان يلزمني، فلان إذا خدمته يخدمني، وفلان عند الشدة اتصل به يخلصني، ما دمت متعلقٍ بزيدٍ أو عبيد فهذا نوعٌ من الشرك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/05.jpg
المعصية أحياناً كلمة تقولها، قد تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ كبير، إنسان يقول لك: الفاعل مرفوع أم منصوب، إذا نصب الإنسان الفاعل فهو بعيدٌ عن اللغة بعد الأرض عن السماء، فهناك أخطاء تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ فادح، لو قال لك أحدهم: كلما أكثرت الملح في الطعام انخفض ضغطك هذا ليس طبيباً، ولا ممرضاً، ولا إنساناً عادياً ، لا يوجد إنسان في الأرض إلا ويعلم أن الملح في الطعام يرفع الضغط، فإذا قال لك: هذا الملح يخفض الضغط، كلمة قالها، معنى ذلك أنه جاهل، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، والله عز وجل يقول :
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 41 ]
من دون الله، اعتمد على صديق، على محام، على طبيب، على إنسان قوي علق عليه الآمال، توهم أن الأمر بيده، هو الذي يعطيه، هو الذي يمنعه، فقد أشرك. ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
الله عز وجل نفى أن يكون له شريك أو معين أو ظهير :
والله أيها الأخوة، مرضٌ مستشرٍ في الناس، كل إنسان يتعلق بإنسان آخر، يرى سعادته بالولاء له، أو يرى شقاءه بالولاء له، يبتعد عن الصالحين خوفاً من أن يُتهم أنه منهم، يقترب من المنحرفين الأقوياء متوهماً أن بيدهم عطاءً أو منعاً، أو تقريباً، أو إبعاداً، هذا كله من الشرك ، مرة ثانية:
((الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/06.jpg
إنسان تعرفه منحرفاً جاءك منه خيرٌ كبير، فأنت على ولاءٍ له، تتعامى عن أخطائه الفادحة، عن معاصيه الكبيرة، هذا نوعٌ من الشرك، وإنسان آخر نصحك هذه النصيحة خدشت كبرياءك فغضبت، هذا نوعٌ من الشرك، بعضهم قال: أنت حينما تعتمد على إنسان هذا الإنسان إما أنه مالكٌ لهذا الكون، أو مالكٌ لجزءٍ منه، أو أنه شريكٌ مع الله فيه، أو أنه ظهيرٌ، أو أنه معين، أو أنه شفيع، فالله عز وجل نفى أن يكون له شريك، أو معين، أو ظهير.
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل : ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾
[ سورة سبأ ]
ولا معين، أيها الأخوة، هذا الذي تتوهم أنه بيده أمرك، ليس مالكاً، وليس شريكاً، وليس معينا،ً وليس شفيعاً، وليس ظهيراً. الموحد من يتجه إلى الله عز وجل لا إلى غيره :
لذلك:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[ سورة الإخلاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/07.jpg
حينما تتوجه إلى الله فأنت موحد، وحينما تتوجه إلى غير الله فهذا التوجه نوعٌ من الشرك الخفي.
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تعصيه إذا كنت موحداً، بل المعصية سببها الشرك، لا يمكن أن ترجو غير الله إن كنت موحداً، إذا رجوت غير الله فهذا نوعٌ من الشرك، طبعاً الآن ليس في العالم الإسلامي صنمٌ يُعبد من دون الله هذا ولّى، الشرك الجلي من فضل الله تعالى نحن ناجون منه، لكن هناك شعوباً بآسيا تعبد صنم بوذا فهو عندهم إله، في العالم الإسلامي الشرك الجلي من فضل الله علينا لا وجود له، لكن الشرك الخفي هو الذي يتحدث عنه النبي عليه الصلاة و السلام وهو الذي قال : (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الخطأ الذي يرتكبه الإنسان يسبقه خطأ في العلم أو التصور أو التوهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/08.jpg
أيها الأخوة، أي خطأ يرتكبه الإنسان يسبقه خطأٌ في العلم، أو خطأٌ في التصور، أو خطأُ في التوهم، أنت إذا توهمت أن أمرك بيد فلان طبعاً من لوازم هذا التوهم أن تطيعه وتعصي الله.
عفواً الكلمة لعلها قاسية: إذا أطاع الإنسان زوجته وعصا ربه، وجاء العيد وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، هو في الحقيقة ما قال: الله أكبر، رأى طاعة زوجته أكبر من طاعة الله، قضية خطيرة، أنت حينما تطيع شريكك في معصية في البيع والشراء، وهذه المعصية تدر أرباحاً كثيرة، أنت حينما تقول: الله أكبر في العيد لا تقولها حقيقةً لأنك رأيت طاعة شريكك الذي جلب لك من الربح ما جلب هي أكبر عندك من طاعة الله، فكلمة الله أكبر تعني لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله.
معرفة الله عز وجل أثمن ما في الدنيا :
أيها الأخوة، أثمن ما في الدنيا أن تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/09.jpg
والآية دقيقة، المال من دون بنين مؤلم جداً، لمن هذه الأموال الطائلة؟ والبنون من دون مال أشد ألماً . ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]
إذاً المال زائل والأبناء زائلون ولا يبقى إلا الواحد الديان، ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
قال بعضهم: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي إذا سبحته، وحمدته، ووحدته، وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
إذاً سيدنا هود قال: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
هذا هو التوحيد. الحقد أساسه الشرك بالله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/10.jpg
أخواننا الكرام، الحقد أساسه الشرك، مثلاً إنسان عنده محاسب اختلف معه فطرده، وشى عليه أن هناك بضاعة غير صحيحة، غير نظامية، فدفع ـ القصة بعام السبعين ـ ستمئة ألف أي يقدر المبلغ الآن بستين مليوناً، فهذا صاحب المحل التجاري من شدة حقده على هذا الموظف أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً، وهو الآن في السجن حكم ثلاثين عاماً، أنا تعليقي على هذه القصة لو أنه كان موحداً لما رأى هذه الخسارة من هذا الإنسان، رآها من الله، فصبر وعوضه الله أضعافاً مضاعفة، الحقد يأتي من الشرك، المشرك يحقد أما المؤمن فلا يحقد، لأنه يرى يد الله وحدها تعمل، فالتوحيد مريح جداً.
أيها الأخوة، هو الدين كله توحيد وتقوى .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
كل شيءٍ وقع أراده الله :
هناك شيء آخر إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 59 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/11.jpg
ما دام الله عز وجل يعلم الورقة إذا سقطت، فهناك أعمال كثيرة جداً بيد الله، أنت حينما توحد لا تندم، حينما توحد لا تحقد، حينما توحد لا تيئس، حينما توحد لا تضعف، حينما توحد لا تنافق.
والله أيها الأخوة، يكاد الدين كله أن يكون توحيداً، الموحد علاقته مع جهة واحدة بالأرض. ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد الآية : 19 ]
كل شيءٍ وقع أراده الله ، لكل شيءٍ حقيقة. (( لا يؤمنَ عبد حتى يؤمنَ بالقدر خَيرِه وَشَرِّه من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه ، وأن ما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ ))
[أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
من ارتقى توحيده سعد و اطمأن في الدنيا و الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/12.jpg
أخواننا الكرام، كلما ارتقى توحيدكم سعدتم، وارتحتم، وأرحتم، واطمأننتم، ووفقتم، ووضعتم يدكم على جوهر الدين، جوهر الدين هو التوحيد، بل لا تكون عزيزاً إلا بالتوحيد، الإنسان غير الموحد يخاف، يتمسح بالآخر، يتذلل له، يرجو رضاه، و ليس هناك أصعب من أن تحتاج إلى لئيم، قيل: ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده .
"والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين" .
من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من الدعاء التالي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4643/13.jpg
أيها الأخوة، من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من هذا الدعاء :
(( اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ))
[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي علي رجل من بني كاهل ]
أن يستشعر العبد قبح الشرك مهما صغر، أن يستشعر أنه يحبط العمل، أن يعلم المرائي بعبادته أن الناس متى عرفوا أنه يرائي صغر في أعينهم.
هذه كلها أيها الأخوة من وسائل أن ننجو جميعاً من الشرك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع : الفرار الى الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الفرار إلى الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولا أعتقد أن هناك موضوعاً ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع إنه: "الفرار إلى الله"، والأصل في هذا الموضوع قوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/01.jpg

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة الذاريات الآية :50 ]
الحقيقة كيف يكون الفرار إلى الله وليس من الله؟ والفرق كبيرٌ بينهما، كل الناس في حالة فرار، أما السعداء منهم ففرارهم إلى الله عز وجل، إلى رحابه، إلى جنته، وأما الأشقياء ففرارهم منه لا إليه، ينشغلون عنه بملهياتٍ كثيرة تبعدهم عن ربهم جل جلاله، هؤلاء السعداء يفرون صعوداً إلى السماء، وهؤلاء الأشقياء يفرون سقوطاً إلى الأرض.
الله جل جلاله يطالبنا أن نفر إليه لا منه في قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/02.jpg
الفرار إلى الله هو العمل بطاعته، والبعد عن معصيته، الفرار إلى الله شوقٌ إلى الجنة، وطلبٌ حثيثٌ لها، وخوفٌ من النار، وفزعٌ كبيرٌ منها، الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل إلى العلم، من الشرك إلى التوحيد، الفرار إلى الله فرارٌ من الغفلة إلى اليقظة، من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، الفرار إلى الله فرارٌ من الضيق إلى السعة، من الكدر إلى الصفاء، الفرار إلى الله فرارٌ من الكسل إلى الجد، ومن التخليط إلى الإخلاص، الفرار إلى الله فرارٌ من الخلق إلى الخالق، من الأرض إلى السماء، الفرار إلى الله فرارٌ من ضيق الصدر وانقباضه إلى طمأنينة القلب وانشراحه، من القلق إلى قرة العين، هذا هو الفرار إلى الله، الفرار إلى الله من سجن الدنيا ونكدها إلى نعيم الجنة وعبقها، الفرار إلى الله فرارٌ من ذلّ الشهوة ومرارتها إلى عز الطاعة وحلاوتها، الفرار إلى الله فرارٌ من حور الطين إلى حور العين، من النساء الكاسيات العاريات اللواتي يتلاعب بهن الشيطان إلى الحور العين اللواتي يباركهن الرحمن، الفرار إلى الله فرارٌ من الشقاء إلى السعادة. الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه :
أيها الأخوة، حينما لا نعلم نكون جهلاء، لكن عندما نعلم ثم لا نعمل يكون جهلنا مركباً، فرقٌ كبير بين الجاهل الذي لا يعلم وبين الذي يعلم ولا يعمل فهذا في جهالةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، الجهل مصيبة وعدم العمل بما نعلم كارثة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/03.jpg
أيها الأخوة، من منا يحب أن يوصف بالجهل؟ طبعاً لا أحد، لكن الذي يعلم ولا يعمل هو أجهل الجهلاء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الصف ]
الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه، أي علمٍ هذا؟ العلم الذي يستنير به قلبك حتى يتوهج، دع عنك سوف، هلك المسوفون، دع عنك لعل، دع عنك ربما، دع عنك أخوات هذه الكلمات، اذبح عجل التسويف وطول الأمل بسيف العزم، والتشمير، والمبادرة، وارحل طلباً لما عند الله، تعال فما عند الله خيرٌ وأبقى وأحلى وأرقى، اعلم أنك ابن يومك، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى لا جدوى من الحديث عنه، مضى ولن يعود، والمستقبل لا تملكه، من منا يملك أن يضمن بقاءه لساعةٍ قادمة؟ ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، أنت بين يومٍ مفقود هو الماضي، ويومٍ مشهود هو الحاضر، ويومٍ مورود هو الموت، ويومٍ موعود هو يوم القيامة، ويومٍ ممدود إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها، أخطر هذه الأيام اليوم المشهود، لك الساعة التي أنت فيها، لا تقل سوف أفعل هذا غداً، هلك المسوفون، الليل وانهار يعملان فيك، لو أن كل واحدٍ منا نظر إلى صورةٍ قبل عشرين عاماً لوجد فرقاً واضحاً جداً، هذا من فعل الليل والنهار، هذا أثر مضي الزمن، هذا أثر العمر، فالزمن هو البعد الرابع للأشياء، لكل شيءٍ طولٌ وعرضٌ وارتفاع، والبعد الرابع هو الزمن، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. على الإنسان أن يفر إلى الله كما طالبه الله عز وجل بهذا :
قرر، اتخذ هذا القرار الخطير أن تفر إلى الله كما يطالبك الله بهذا القرار
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/04.jpg
عاجلاً لا آجلاً، أمرٌ صريح فلماذا يراوغ الإنسان؟ اعرف الطريق وقد بانت لك آماده، وشمر للسير وقد لاحت لك معالمه، وقرر السفر ما دامت أنفاسك تتردد في صدرك، فلعلك تجد نفسك غداً محمولاً على الأعناق لتوضع في حفرةٍ ضيقةٍ، تنقلب على صاحبها إن كان غافلاً نيراناً محرقة، القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النيران، لئلا يقول الإنسان: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
يا خيبة العمر الذي يقضيه الإنسان في جهلٍ، وحمقٍ، وتنعمٍ، وغفلةٍ عن الله عز وجل. الفرار إلى الله يقذف الإنسان إلى السماء ليحيا في جنات القرب :

أيها الأخوة الكرام، ما من موضوعٍ فيما أرى أكثر اتصالاً بهذه السلسلة من الدروس سبل الوصول وعلامات القبول كهذا الموضوع ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/05.jpg
ينبغي أن تفر من جهةٍ إلى جهة، من الجهل إلى العلم، من الشقاء إلى السعادة، من المعصية إلى الطاعة، لتكن هذه الآية شعارنا ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
دع هذه الآية تحتل أكبر مساحة من قلبك ومن عقلك ثم انظر ماذا تصنع فيك ولك.
الفرار إلى الله حقاً يقذفك مباشرة إلى السماء لتحيا في جنات القرب الحافلة بكل بهجةٍ ونعيم، وأنا في كل درسٍ أدعو وأقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، أي ينبغي أن نفر من الوهم والجهل إلى المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من صحّ فراره إلى الله ذاق ألواناً من أسرار العبادات لا تعد و لا تحصى :
كلما صحّ لك هذا الفرار تذوقت ألواناً من أسرار العبادات، تجعل قلبك يهتز وروحك تنتشي، وعقلك يهدأ، وعينك تقر، ونفسك تطمئن، والله الذي لا إله إلا هو بقلب المؤمن من السعادة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، بقلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، الإيمان مرتبة عالية جداً، مرتبة علمية، مرتبة أخلاقية، مرتبة جمالية، أنت حينما تفر إلى الله تجد نفسك في يسرٍ، وراحةٍ، وطمأنينةٍ، وسعادةٍ، وقربٍ، وأملٍ، وتفاؤلٍ، وإشراقٍ، تستعلي به على كل زخارف الدنيا. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/06.jpg

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 44 ]
تسمو فوق كل فخاخ الشيطان التي يحرص على أن يسوقها بين يديك وعلى عينيك ليفتنك بها، حقيقة الفرار إلى الله أن تشحن قلبك بالنور، أن يمتلئ القلب بالنور حتى يصبح كالكوكب الدري يوقد من شجرةٍ مباركة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
قلب المؤمن الصادق مستنير يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، يمتلئ القلب نوراً من أنوار الوحي حتى يتوهج، أولياء أمتي: (( خيار أمتي الذين إذا رُؤوا ذُكر الله ))
[أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت ]
الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه :
الفرار إلى الله فرار من حظوظ النفس الظاهرة والخفية التي تقطعك عن الله جل جلاله وتصرفك عن بابه، فرارٌ من حظوظ النفس الظاهرة والخفية، الفرار إلى الله فرارٌ من صحبة سوء تحول بينك وبين مولاك.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/07.jpg
كن مع الصادقين، صاحبهم، اجلس معهم. ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
ابتعد عن أصحاب السوء، عن أهل الدنيا، يا عائشة: (( إن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ ))
[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، أغنياء أهل الدنيا لا أغنياء أهل الإيمان، والله الغني المؤمن تشتهي أن تكون غنياً مثله من تواضعه، ومن سخائه، الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه، وتحصيل رضاء الله غاية المنى، إذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ، وإذا حصلت فكل شيءٌ حاصلُ . فليتك تحلو والحياة مــريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عـامرٌ وبيني وبين الـــعالمين خرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ وكل الذي فوق الــترابِ ترابُ
* * *
فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائحٌ تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنـــا
* * *
ثمرات الفرار إلى الله :
1 ـ راحة القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/08.jpg
أيها الأخوة، ثمرات الفرار إلى الله كثيرةٌ جداً منها: راحة القلب.
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
2 ـ قرة العين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/09.jpg
منها قرة العين. ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾
[ سورة الفرقان الآية : 74 ]
3 ـ سكينة النفس :
منها سكينة النفس، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هي جنةٌ معجلة، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/10.jpg

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
ذاقوا طعمها في الدنيا، ماذا يفعل أعدائي بي؟ كما قال بعض العلماء: إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟
الفرار إلى الله جنةٌ معجلة، نعيمٌ يتجدد رغم المشقات التي يعانيها المؤمن، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]


القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله :
ولكن الله عز وجل كثيراً ما يقول:
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/11.jpg
لكن سوف يعلمون، هذا كله. ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
قالوا: القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يُحكّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله، المشكلة أن معظم الناس يفرون من الله إلى الدنيا، من درس علمٍ إلى مجلس غناء، من مجلس حقٍ إلى مجلس غيبة، هل لنا ربٌ سوى الله؟ هل رأينا نور الدنيا إلا بتقديره وكرمه؟ منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن ]
الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه :
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/12.jpg
فروا من صوت الشيطان إلى صوت الرحمن. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
أيها الأخوة، الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند الحلال والحرام، والاهتداء بتعاليم المصطفى المختار، لقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[ سورة الحشر الآية : 7 ]
من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله :
1 ـ محبة الله :
الآن كخطوات عملية من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله من هذه الأمور: أن تحب الله.
(( أحِبُّوا الله لما يَغْذوكم من نعمه ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/13.jpg
محبة الله قارب النجاة من الفتن، عاصم المرء من الخطايا، حب الله ينجي المسلم من الغرق في بحر الدنيا، ينجي المسلم من اللهاث وراء مُتعها وشهواتها، فالذي تعلق قلبه بالله لا يطغى عليه حبٌ آخر، والله تعالى يقول: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
والله عز وجل يؤكد هذا الحب، حب المؤمن لله. ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
حب الله عز وجل والتعلق به يصنع المعجزات، إذ يهتدي المسلم بهدى الله، ويسترشد بهدي رسول الله. 2 ـ محبة رسول الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/14.jpg
من الوسائل المعينة على الفرار إلى الله: أن تحب رسول الله، يقول الله عز وجل:
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 31 ]
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]


3 ـ الورع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/15.jpg
من وسائل الفرار إلى الله: الورع، ورد: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط، والمخلط الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
فالمسلم يتقرب إلى الله ولابد لهذا التقرب من الورع، يدقق في الحلال فيأتيه، يدقق في الحرام فيجتنبه، فقد كان الصحابة الكرام يتحرون في هذا الشأن.

4 ـ تجديد التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/16.jpg
من وسائل الفرار من الله: تجديد التوبة، المؤمن كثير التوبة.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾
[ سورة التحريم الآية: 8 ]
ويقول عليه الصلاة و السلام: (( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]



5 ـ الاستعداد للآخرة وتذكر الموت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/17.jpg
من وسائل الفرار إلى الله الاستعداد للآخرة وتذكر الموت.
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
6 ـ التقرب إلى الله بالنوافل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/18.jpg
من وسائل الفرار إلى الله التقرب إلى الله بالنوافل، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
(( من عادى لي وَلِيّا، فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
الآن دققوا: (( ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
7 ـ الرفقة الصالحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7340/19.jpg
ومن وسائل الفرار إلى الله الرفقة الصالحة.
(( المرءُ على دِين خليله ، فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلْ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة ]
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثالثة ما من موضوعٍ ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع؛ الفرار إلى الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : من لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، وتضيق على أهل المعصية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. موضوع الإيمان موضوعٌ خطير يحدد مصير الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الفرار إلى الله".
ورد في الأثر:
(( أن شمروا فإن الأمر جد ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/01.jpg
هناك موضوعات توصف بأنها مصيرية أي أنها تحدد مصير الإنسان، موضوع الدين، موضوع الإيمان، موضوعٌ مصيري، هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، هناك موضوعات ليس لها أثر مستقبلي، بينما موضوع الإيمان وموضوع الدين موضوعٌ خطير، هذا الموضوع يحدد ما إذا كان مصير الإنسان في جنةٌ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها لذلك: (( أن شمروا فإن الأمر جد ))
أحياناً الإنسان لا سمح الله ولا قدر يكتشف ورماً، يحلل فإذا هو ورمٌ خبيث، آلاف الموضوعات الثانوية يهملها، يبحث عن علاج، ماذا يفعل؟ يأخذ دواء كيماوياً، يجري عملية استئصال، هذا الموضوع يحدد مصيره وقد ينتهي به إلى الموت.
هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، وموضوعات مصيرية، فموضوع الإيمان موضوع مصيري. (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب ))
الإنسان يفصله عن القبر ثانية، بينما هو ملء السمع والبصر إذا هو خبر تحت أطباق الثرى، فلذلك: (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/02.jpg
كلما طال السفر فإن السفر بعيد، كلما طال السفر كبرت الحاجات التي يحتاجها لهذا السفر البعيد. (( واخلصوا النية فإن الناقد بصير))
أي: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾
[ سورة الحاقة ]
أنت أمام الله مكشوف، لك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولك أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أما أن تخدع الله أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل!. ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة ]
لذلك : (( اخلصوا النية فإن الناقد بصير، وخففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود لا يجتازها إلا المُخِفون))
[ورد في الأثر]
يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق. الفرار إلى الله قمع الفتنة و محاصرة المعصية :
أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نجدد إيماننا، الفتن كثيرة، نحن في عصر ما أكثر الصوارف عن الدين، وما أكثر العقبات التي تقف بينك وبين الدين، عقباتٌ لا تعد ولا تحصى، وصوارف لا تعد ولا تحصى.
(( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/03.jpg
لذلك أيها الأخوة مرة ثانية: الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن تحاصر المعصية، أن تسد كل الطرق المؤدية إلى النار، أن تجفف ينابيع المعصية والآثام.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث النعمان ابن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
يقول عليه الصلاة و السلام: (( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
نحن في قاربٍ واحد، فإن لم تبادر إلى إنكار المنكر فنحن هلكى جميعاً. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :
أيها الأخوة، لذلك يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضوع الفرار إلى الله موضوعاً أساسياً في هذا الشأن، شأن الفرار إلى الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/04.jpg
فلذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة إن صحّ أن في الإسلام فريضةً سادسة فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن علة خيرية هذه الأمة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
أيها الأخوة، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمةً كأية أمةٍ شردت عن الله عز وجل، وهذا معنى قوله تعالى يخاطب الله الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
أي لا شأن لكم عند الله، لذلك اضطر العلماء إلى تقسيم أمة رسول الله إلى أمتين؛ أمة الاستجابة التي استجابت لله وللرسول من أجل أن تحيا حياة الإيمان، هذه الأمة هي المعنية بقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
وأمة التبليغ هي الأمة التي لا وزن لها عند الله عز و جل، شأنها كشأن أية أمة ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
أمانة العلماء أمانة التبيين وأمانة الأمراء أمانة التغيير :
لذلك أيها الأخوة، الحديث الذي يعد في أعلى مراتب الصحة:
(( من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/05.jpg
إن صحّ أن هناك أُمراء وعلماء، العلماء مهمتهم إنكار المنكر بألسنتهم، هذه أمانتهم أمانة التبيين، والأمراء مهمتهم أن ينكروا المنكر بالقوة، وهذه أمانة الولاية.
ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ سيدنا عمر سأل أحد الولاة، قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
لذلك أمانة العلماء أمانة التبيين، إنكار المنكر باللسان، وأمانة الأمراء أمانة التغيير باليد، لأن الله أعطاهم قوةً، ومن أدق ما قاله الإمام الشافعي في قوله تعالى: ﴿أ َطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 59 ]
من هم أولو الأمر؟ قال: هم العلماء والأمراء معاً، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر، لذلك: (( من رأى أمراً منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري]
من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر:
إلا أن العلماء قالوا: لا يقبل أن تغير المنكر بلسانك إن كنت قادراً أن تغيره بيدك، كما أنه لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادراً أن تغيره بلسانك، من هنا استنبط العلماء أنك إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك بالمعروف، وإذا نهيت عن المنكر فليكن نهيك من دون منكر.
أحياناً الإنسان من ضعف حكمته ينكر منكراً فينشأ من إنكار هذا المنكر منكراً أشد خطراً على المجموع من المنكر الذي أنكره، طريقة إنكار المنكر قد تسبب منكراً أشد، فلابد من أخذ الحكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/06.jpg
لذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
(( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الخلوف هي جمع خلف من يأتي بعدهم. (( ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الآن دققوا. (( لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أي إن لم تنكر بقلبك، وإن لم تنكر بلسانك، وإن لم تنكر بيدك، اعلم علم اليقين أنه ليس في قلبك ذرة إيمان، الحديث خطير جداً. (( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
لذلك قالوا: من غاب عن معصيةٍ فلم ينكرها، ومن شهد معصيةٍ فلم ينكرها، فهو في ورطةٍ كبيرة، أي إذا قيل لك: في بلادٍ بعيدة هناك تبادل زوجات، مثلاً قلت: والله شيء ممتع مثلاً، هذا المنكر البعيد يبعد عنك آلاف الكيلومترات إذا أقررته كأنك شهدته، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، كلام دقيق، إذا غبت عن معصيةٍ فلم تنكرها كأنك قد شهدتها، وإذا أنكرت معصيةً كنت كمن غاب عنها، فلابد من إنكار المنكر. أضعف الإيمان أن ينكر الإنسان المنكر بقلبه :
أيها الأخوة، أضعف الإيمان أن تنكر بقلبك، لكن هناك حالة أنا أسميها السلبية المدمرة، إنه مالي ومال الناس، لهم ربٌ يحاسبهم، لذلك الله عز وجل حينما أرسل الملائكة ليهلكوا قوماً قالوا:
(( إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
اعلم علم اليقين إن لم تنكر المنكر فأنت في ورطة كبيرة جداً ولو بقلبك. حينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله تعالى بالعقاب الشديد :
أيها الأخوة، هناك من يفهم هذه الآية فهماً ما أراده الله، يقول لك أحدهم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المائدة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/07.jpg
سيدنا الصديق، أو سيدنا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خاف من هذه السلبية القاتلة من منطلق فهمٍ مغلوط ومقلوب لهذه الآية، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( أيُّها الناس، إنكم تقرؤونَ هذه الآية وتَضَعونَها على غير موضِعِها، وإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيِّرُوا ولا يغيرون، إلا يوشِكُ أن يَعُمَّهُم الله بعقاب ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق ]
وهذا حال معظم المسلمين، أي لا أحد يكلف نفسه أن ينكر منكراً، تأتي ابنة أخيه شابة في ريعان الشباب متفلتة في ثيابها، كل مفاتنها ظاهرة، فالعم يرحب بها، ويثني على جمالها، وعلى شبابها، ويسألها عن دراستها، وكأنها لا تفعل شيئاً، فحينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله بالعقاب، أنا أقول لكم: حينما قال عليه الصلاة و السلام: (( كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]
نحن في عصر تبدل القيم، الذي ينفق ماله في سبيل الله يُتهم بالجنون، والذي ينصح الأقوياء يُتهم بالحمق، المنافق اسمه لبق، والفتاة المتفلتة لها اسم حديث سبور مثلاً، والكذب لباقة، والنفاق مرونة، فكل هذه القيم تبدلت، لذلك أهجى بيتٍ قالته العرب: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *
هذا البيت أصبح شعار معظم الناس: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *
حينما تفقد الأمة خيريتها يتحقق الهلاك و الدمار :
في الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل يوماً عليها فزعاً، النبي الكريم دخل عليها فزعاً، وفي روايةٍ استيقظ يوماً من نومه فزعاً يقول:
(( لا إله إلا اللّه، ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرّ قد اقْتَرَب، فُتِحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه وحَلَّقَ بأصْبَعِهِ : الإبهام والتي تَليِها فقالت زينب بنتُ جَحْشٍ: فقلت: يا رسول اللّه أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/08.jpg
حينما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما تفقد الأمة خيريتها أو تفقد علة خيريتها يتحقق الهلاك، فهل في تاريخ هذه الأمة من ظرفٍ عصيب، من محنة قاسية، من عدوان، من احتلال، من قهر، من إذلال كهذه الحقبة؟. (( ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرٍ قد اقترب، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
أخواننا الكرام، الإمام مالك في موطئه أفرد باباً بعنوان باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ))
[أخرجه الطبراني والإمام عن عدي بن عميرة الكندي ]
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 25 ]
هناك فهم غير دقيق لهذه الآية، يقول لك: الرحمة خاصة والبلاء يعم، والحقيقة الرحمة خاصة والبلاء خاص، أما حينما عمّ البلاء بمعنى أن العامة لم تنكر على الخاصة فعدم إنكار المنكر ذنبٌ كبير. من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/09.jpg
أيها الأخوة، العالم الغربي عاش الإباحية، عاش التفلت، عاش الانحراف، عاش تصيد اللذة من أي طريق، هذا العالم الغربي وقع في هذا الانحراف الخطير، المشكلة الخطيرة أنه يريد أن يعمم هذه الحالة المرضية على العالم الإسلامي، هنا المشكلة.
لذلك بعض المؤتمرات مؤتمرات السكان التي تلزم العالم الثالث بنمطٍ إباحي حينما عدوا الزواج أنواعاً ثلاث: زواج مثلي ذكر مع ذكر، وزواج مثلي أنثى مع أنثى، وزواج تقليدي ذكر مع أنثى، حينما جعلوا مفهوم الزواج مفهوماً انحرافياً إباحياً، هذا مما يفعله العالم الغربي في عالم المسلمين.
أيها الأخوة:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
سيدنا آدم وحواء: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
الآن دققوا: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
اجمع الآيتين: من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
ضيق القلب شأن من لا يذكر الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/10.jpg
ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
[ سورة طه الآية: 124 ]
بعضهم قال: ما شأن الملوك والبلاد كلها في ملكهم؟ ما شأن الأغنياء الذين يملكون المليارات الممليرة بهذه الآية؟ فأجاب بعض المفسرين: ضيق القلب، قد تجمع ثروة أهل الأرض، وقد تعتلي أعلى منصباً في الأرض إن لم تكن ذاكراً لله. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]
في قلب المؤمن من السعادة والطمأنينة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7466/11.jpg
أحد كبار العلماء العارفين بالله إبراهيم بن الأدهم المدفون بجبلة، هذا كان ملكاً فترك الملك، وقال هذه المقولة: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
بقلب المؤمن من السعادة، من الطمأنينة، من الراحة النفسية، من الرضا، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
[ سورة طه ]
أيها الأخوة الكرام، الفرار إلى الله ألصق موضوعٍ بسبل الوصول وعلامات القبول، ومن لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن يضيق على أهل المعصية، وإلا عمّ البلاء أهل الأرض، وعمّ البلاء المسلمين خاصة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع : الحياء فضيلة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحياء :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "الحياء"، هذه المنزلة إن صحّ التعبير منزلة الحياء مستنبطةٌ من آيةٍ كريمة هي قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
الله يراك، مطلعٌ عليك، سميعٌ لما تقول، عليمٌ بما يجول به خاطرك.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/01.jpg
أيها الأخوة، كلٌ منا إذا شعر أنه مراقب كيف يتصرف؟ بانضباطٍ شديد، إذا شعر أن هاتفه مراقب كيف يتحدث في الهاتف؟ بانضباطٍ مذهل، الإنسان حينما يشعر أن إنساناً من بني جلدته لكنه أقوى منه يراقبه لاشك أنه ينضبط، فكيف إذا علم أن خالق السموات والأرض يراقبه، الله عز وجل يقول: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
[ سورة الشعراء ]
يراك في فراشك، يراك في بيتك، يراك مع أخوانك، يراك في بيعك وشرائك، يراك في علاقاتك، يراك في سفرك وفي حضرك، يراك في كل شؤونك، ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان :
أيها الأخوة، الآية الثانية:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
أخوتنا الكرام، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هو معكم بعلمه، ما من حركةٍ، ولا من سكنةٍ، ولا من كلمةٍ، ولا من توهمٍ، ولا من نظرةٍ إلا يعلمها، لا تخفى عليه خافية، أيها الأخوة. الله تعالى مع الإنسان في كل حركاته و سكناته :
آيةٌ ثالثة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 1 ]
الشاهد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
هو يراك، ويعلم ما يجول في خاطرك، ويسمعك، ﴿ وكَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
هذه المنزلة منزلة الحياء مستنبطة من هذه الآيات. على الإنسان أن يراعي الحياء أمام الله عز وجل :

أيها الأخوة، مرةٌ ثانية: إنسان من بني جلدتك لكنه أقوى منك إذا كان يراقبك تنضبط أشد الانضباط، أحياناً تبتعد عن الشبهات، تبتعد عن كلمة تؤول على طريقتين، تختار كلمة لا تؤول لأنك مراقب، فكيف إذا كان خالق السموات والأرض؟ من بيده شؤونك، من بيده صحتك، من بيده مرضك، من بيده رزقك، من بيده سعادتك، من بيده أن يعطيك أو أن يمنع، أو أن يرفع أو أن يخفض، أو أن يعز أو أن يذل؟ إذا كان هذا الخالق العظيم ﴿ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
ماذا ينبغي أن تكون حالك معه؟ حال الحياء.
الآن تذهب إلى بلاد الغرب، تدخل إلى محل تجاري كبير، فيه بضائع بالمليارات، لكن هذا المحل مراقب تلفزيونياً
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/02.jpg
انضباط مذهل، يقول لك: الطريق مراقب فيه رادار، كانت السعة مئة وعشرين الآن ستين، هذه نماذج من حياتنا اليومية، إنسان أقوى منك واضع جهاز تصوير في الطريق، وإذا ضبطك بسرعة تفوق السرعة المحددة ستدفع عشرة آلاف، وهناك مخالفات بمئات الألوف، ألا يستحي الإنسان أن ينضبط مع إنسان من بني جلدته لكنه أقوى منه ولا ينضبط مع خالق السموات والأرض؟.
أيها الأخوة، مثل آخر: لو أنه ضيفاً من أقربائك رفيع المستوى، من أوجه وجهاء البلد، زارك في العيد، ماذا تفعل؟ ترتدي أجمل ثيابك، تضبط كلامك، تجلس جلسة مؤدبة مع إنسان، لا يمكن أن تقابل إنساناً كبيراً وفي يدك سُبحة تعبث بها، مستحيل! أنت دون أن تشعر مع إنسان قوي أو كبير، علماً، أو قوةً، أو مالاً، تجلس أمامه بأدب، تتحدث بكلام منضبط، لا تقول كلمةً لا يليق بك أن تقولها، فأنت راقب نفسك مع إنسان من بني جلدتك، أليس الله سبحانه وتعالى أحق أن تراعي الحياء أمامه؟
لذلك هناك آية كريمة يمكن أن تضاف إلى هذه الآيات: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر ]
ارتباط الحياء بالإيمان :
أضرب مثلين: أنت جالس في بيتك والنافذة مفتوحة، وهناك بناء أمام بيتك، فيه شرفة، خرجت امرأةٌ حسناء ترتدي ثياباً فاضحة، أنت إذا نظرت إليها ليس على وجه الأرض جهةٌ تضبط هذه المخالفة، أنت في غرفة مظلمة، والنافذة مفتوحة، وامرأةٌ حسناء وقفت على الشرفة بثيابٍ فاضحة، لك أن تملأ عينيك من محاسنها، ولكن المؤمن يغض بصره لأنه يعلم أن الله يراه، هو في البيت، أنا أتيت بمخالفة لا يمكن أن تضبط في الأرض.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/03.jpg
مخالفة ثانية: طبيب، و لك أن تنظر إلى مكانٍ في جسم المرأة تشكو منه، لو أنك اختلست نظرةً لمكانٍ لا تشكو منه، هل في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تضبط هذه المخالفة إلا الله؟
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
أية نظرةٍ، أية حركةٍ، أية سكنةٍ، أية ابتسامة، ليست في مكانها، أي غضبٍ ينبغي ألا يكون الله يعلمه وسيحاسب عليه، في الحديث الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: (( أنَّ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ على رَجُلٍ من الأنْصَار وهُو يَعِظُ أخَاهُ في الْحياءِ، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
عجيب! منزلة الحياء مرتبطة بالإيمان، فالمؤمن يستحيي، وغير المؤمن لا يستحيي نعكسها، الذي يستحيي مؤمن والذي لا يستحيي ليس مؤمناً، أبسط الأمور أن إنساناً يتحدث بطرف جنسية فاحشة ليس فيه حياءٌ أبداً، لا يخجل من ذكر العورات، وذكر ما يكون بين الرجل وامرأته في الفراش، فالذي يتحدث بهذه الموضوعات بإسهابٍ وتفصيلٍ ويسمي الأشياء بأسمائها هذا ليس عنده حياء من الله عز وجل. ضبط اللسان من علامات الإيمان :
والله أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أنك تجلس مع مؤمن، أو تعيش مع مؤمن لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة تخدش الحياء أبداً، القول الرائع:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
من أبرز خصائص المؤمن ضبط اللسان، لا يوجد كلمة فاحشة، ولا كلمة بذيئة، ولا كلمة يسمي العورة باسمها، هناك انضباط شديد.
فلذلك من علامات الإيمان ضبط اللسان، وأسباب ضبط اللسان الحياء من الواحد الديان، هناك حياء، إذاً قال: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
أنت مؤمن فأنت تملك خلق الحياء، أنت حيي فأنت مؤمن.
تناقض الخيانة والكذب مع الإيمان :
أخوتنا الكرام، من أدق الأحاديث الشريفة:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك مؤمن عصبي المزاج، ومؤمن يغلب عليه الحلم، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يحب أن يلتقي بالآخرين، منفتح، ومؤمن يؤثر أن يبقى في البيت، تعزف نفسه على أن يلتقي بأحد، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يعتني كثيراً بثيابه، ومؤمن أقل عناية، أكثر عناية وأقل عناية، هناك مؤمن يبالغ في اختيار الألوان المناسبة لثيابه، عنده ذوق عال في الثياب، و مؤمن أقل من ذلك، هذه كلها خلال: (( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
مؤمن عصبي على العين والرأس، قلبه نظيف، قلبه طاهر، مؤمن يغلب عليه الحلم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه أكثر مما ينبغي كريم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه مدروس جداً، دخله محدود، وعنده أولاد، معه الحق مقبول، أنا يمكن أن ألقي على مسامعكم مئات الحالات من اختلاف الطباع وأصحابها مؤمنون. (( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
وكأن الخيانة والكذب تتناقضان مع الإيمان، فالمؤمن لا يكذب، والمؤمن لا يخون، وأنت أيها الأخ الكريم: تتعامل مع موظف، قد يرتكب مئات الأخطاء مقبولة إلا إذا كذب أو خان ليس لك من مصلحةٍ أن يبقى عندك، إذا خان أو كذب قالت: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[ سورة القصص ]
لذلك قال النبي الكريم: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
علامة غير المؤمن أنه لا يستحيي، لا بكلمة بذيئة، ولا بذكر عورة، ولا بطرفة فاحشة، ولا بالتحديق في عورات من حوله، ولا بالتعليق القاسي على ما يرى، هذه كلها من صفات غير المؤمن، لذلك مرتبة الحياء من أفضل مرتبات المؤمن. المؤمن يستحيي أن يعصي الله فالحياء يحمله على الاستقامة :
عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصينٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحياءُ لا يَأْتي إلا بِخَيْرٍ، فقال بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: إنَّهُ مَكتوبٌ في الْحِكْمَةِ: إنَّ منه وَقارا، ومنه سَكينة ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين ]
الذي يستحيي عنده وقار، والذي يستحيي يتنزل على قلبه السكينة، الذي يستحيي له مهابة، له وقار، والذي يستحيي تتنزل على قلبه السكينة مكافأةً من الله له، وقار أمام الناس وسكينة في قلبه، أي أبسط مفهومات الحياء أن المؤمن يستحيي أن يعصي الله، إذاً الحياء حمله على الاستقامة، المؤمن يستحيي أن يغتاب إنساناً حمله حياءه على الاستقامة. التوحيد أعلى درجات الإيمان :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة و السلام:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
أعلى درجات الإيمان أن تكون موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد نهاية العلم، نهاية العلم أن تكون موحداً، ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى الأمور كلها بيد الله، ألا ترى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معطياً إلا الله، ولا مانعاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، ولا مذلاً إلا الله، هذا هو التوحيد، علاقتك مع جهة واحدة، مع خالق السموات والأرض، لذلك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))
[ورد في الأثر]
هناك أقوياء ، وطغاة، وأشخاص شريرون، ووحوش مخيفة، وحشرات لدغتها قاتلة، الأخطار لا تعد ولا تحصى، ولكن لا تخف منها كلها، خف من ذنبٍ تقترفه، هذا الذنب يستدعي أن يسمح الله لهؤلاء الأشرار أن يصلوا إليك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))
بطولة الإنسان لا أن يؤمن بالله فحسب بل أن يؤمن بأنه فعال لما يريد أيضاً :
أيها الأخوة الكرام، إذاً:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/04.jpg
هناك حجر لو أبقيته في مكانه ربما يؤذي إنساناً، هناك شيء من الفاكهة يدعو إلى التزحلق، نزعتها وضعتها في مكانها، إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان، الإيمان ثلاث وستون، أو ثلاث وسبعون شعبة، أعلاها التوحيد وأدناها أن تميط الأذى عن الطريق. (( والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
البطولة لا أن تؤمن بخالق السماوات والأرض أن تؤمن بأنه: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج الآية : 16 ]
وأنه : ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 84 ]
النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها :
الآن من شمائل النبي أن النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه، عنده حياء عال جداً، مرة سألته امرأة كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
استحيا أن يشرح دقائق دقائق الأمور النسائية: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت : كيف أتطهَّر بها ؟ قال : سبحان الله ! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
أحياناً تجد امرأة تتصل بالهاتف تسأل سؤالاً غير معقول، أن تخاطب امرأة رجلاً بهذا السؤال! لذلك أنا أتمنى أن يتعلم النساء أمور الفقه لتكون المرأة في بعض المواقف وفي بعض الموضوعات أولى من الرجل في الإجابة عن الموضوعات النسائية، فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، ورد: (( لا تحمروا الوجوه ))
[ورد في الأثر]
هناك شخص يحرجك، يضايقك، يتكلم كلمة فيها غلط، الرقم غير صحيح، أي إذا القضية ليس لها علاقة بالعقيدة، أعطى رقماً، أو أعطى سعراً، أو أعطى درجة حرارة ليس متأكداً منها أمام عشرين أو ثلاثين إنساناً، سفهته، فمن حياء المؤمن أنه لا يحرج أحداً. (( لا تحمروا الوجوه ))
لا تخجله، لا تضعه في زاوية ضيقة، الموضوع خلافي وغير ثابت سأرويه لكم: كان النبي مع أصحابه في طعام، أكلوا لحم جزور، ثم جاء وقت الصلاة، توضؤوا جميعاً وصلوا الظهر، وأكلوا هذا الطعام، والآن إلى صلاة العصر، يبدو أن إنساناً انتقض وضوءه مع رائحة، من الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا الإنسان، فقال: كل من أكل لحم الجزور فليتوضأ، أي لم يحرجه، هذا تفسير، وهناك تفسير آخر. من علامات المؤمن انضباطه باللباس :
أيها الأخوة، عن عبد الله بن مسعودٍ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ ، قُلنا : إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى، وَمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
هل تطلق بصرك في محاسن النساء؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تطلق لأذنك أن تستمع إلى شيءٍ لا يرضي الله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تنطق بلسانك كلماتٍ بذيئة فاحشة أو محرجة؟ أنت لا تستحيي من الله. (( أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى ))
هل تشتري بمالٍ حرام طعاماً تأكله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تعيش حياتك لا تعبأ بالموت إطلاقاً؟ أنت لا تستحيي من الله . (( وتذْكْرَ المَوتَ والبلى َمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا ، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى ، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
أيها الأخوة الكرام، الحياء من صفات المؤمنين، وعلامة إيمانك الحياء من الله، مرة إنسان اغتسل عرياناً أمام الناس، وكان عند النبي يعمل بأجر، فقال له: ((لا أراك تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك ))
[عبد الرزاق عن رافع بن خديج]
إنسان يقوم بثياب فاضحة، بثياب داخلية في البيت، أمام بناته، أمام أولاده، أمام أقاربه، هذا الموقف لا يوجد فيه حياء إطلاقاً، فمن علامات المؤمن انضباطه باللباس، انظر إلى الآية: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 43 ]
هذه العبارة تعني شيئاً تعلمونه، لكن لا تخدش حياء الطفل، ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
الدين كله حياء :
قال: يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير شهوةً، أما أي كلمة أخرى فتثير شهوة، إن هذه الثياب تصف حجم عظامك،
﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
إذاً القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
انظر ﴿ وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
دخل في هذه الكلمة كل أنواع الانحراف الجنسي، ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
القرآن الكريم، والنبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم يعلمنا الحياء بالتعبير، أما أن تصف الأشياء بأسمائها الفاضحة باسم لا حياء في الدين، فلا، الدين كله حياء.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : مواقف و مواضيع الحياء




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحياء من الحياة وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحياء كموضوعٍ أساسي في: "سبل الوصول وعلامات القبول"، لكن:
(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ]
خالقنا ربنا خالق السموات والأرض. (( حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الحياء من الحياة، فالذي له قلبٌ حي يستحيي، والذي يستحيي له قلبٌ حي، وكأن هناك علاقةً ترابطيةً بين حياة القلب وبين الحياء، قلة الحياء علامة موت القلب، وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً. أصل الحياء أن يغمرك الله بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم :
الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، لكن قبل أن نتابع قوله، الأكمل إن ذكرت عالماً جليلاً أن تقول: رحمه الله تعالى، وإن ذكرت صحابياً جليلاً أن تقول: رضي الله عنه، لكن كلمة رضي الله عنه تعني شيئين إما أن تكون دعائية، وإما أن تكون تقريرية، فالصحابة العشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة تقول لهم: رضي الله عنهم تقريراً لقوله تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
[ سورة الفتح ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/02.jpg
فإذا كان خالق السموات والأرض في عليائه رضي عن المؤمنين الذين بايعوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وكان فيهم أبو بكر وعمر، فمن أنت أيها الإنسان حتى لا ترضى عنهم؟ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
فالصحابي الذي بشره النبي بالجنة تقول عقب ذكر اسمه: رضي الله عنه تقريراً، والصحابي الآخر تقول رضي الله عنه دعاءً، أما العلماء العاملون، العلماء الربانيون، فالأولى أن تقول: رحمهم الله تعالى.
لذلك الإمام الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء مع رؤية التقصير، رؤيتان ينتج عنهما الحياء، أن ترى عظمة الله، فضل الله، نعم الله قد غمرتك، وأنت لم تقدم شيئاً في مستوى هذه النعم، ينشأ من هاتين الرؤيتين معاً رؤية لفضل الله عليك، ورؤيةٍ لتقصيرك، ينشأ حالة حياء، أي فلسفة الحياء، أصل الحياء أن يغمرك الله عز وجل بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم. بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه :
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
[ سورة النور الآية:21 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/03.jpg
أنا أتصور أنك إذا دخلت إلى مسجد ورأيت في المسجد آلافاً مؤلفة، اعتقد يقيناً أن تسعين بالمئة من هؤلاء الذين أكرمهم الله بارتياد بيوته، جاؤوا إلى بيت الله عقب معالجة لطيفة من الله، لأن الله رب العالمين يتابع عباده، يسوق لهم بعض الشدائد، تلوح لهم بعض المصائب، فيسارعون إلى الله عز و جل، فالله ربنا يأخذ بيدنا إلى ذاته العلية، فلذلك: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه، أن يرى أن الله منحه نعمة الإيجاد، أنت موجود. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الدهر ]
النعم التي أنعمها الله على الإنسان هي نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد و نعمة الهدى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/04.jpg
أنا أحياناً حينما أتصفح كتاباً، وأقرأ في مقدمته متى طبع، فإن طبع قبل أن أولد أقول في أثناء طباعة هذا الكتاب: من أنا؟ ليس لي وجود، من بعض الوقت سمعت شريطاً لأحد القراء الكبار قال: هذا الشريط مسجل عام ستة وثلاثين، أي قبل ولادتي، إذاً من أنا أثناء تلاوة هذه الآيات؟ لم أكن شيئاً مذكورا، فالله عز وجل تفضل عليك فأوجدك، هذه أكبر نعمة، أنت موجود، موجود للسعادة، الآية الكريمة. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقهم ليرحمهم، لمجرد أن الله منحك نعمة الإيجاد منحك هذه النعمة لتسعد في الدنيا والآخرة، إذاً هذه النعمة الأولى نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، بالشراب، بالزوجة، بالأولاد، بحرفة تتقنها تربح منها، تنفق على نفسك منها وعلى عيالك، أمدك بكل ما تحتاج، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، وتفضل عليك فمنحك نعمة الهدى والرشاد، لذلك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه الله بذاته العلية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/05.jpg
صدقوا أيها الأخوة: أنه ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه بذاته العلية
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

سيدنا إبراهيم هذا النبي العظيم قال الله عنه: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
أنت ماذا تتوهم؟ أن وفى نعم الله حينما امتحنه بذبح ابنه، نفذ هذا الأمر بطواعية، لذلك ما من إنسانٍ على وجه الأرض مهما علت مرتبته حتى الأنبياء يستطيع أن يوفي نعم الله عليه، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الفرق الواضح بين المؤمن و غير المؤمن :
لذلك قالوا: إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، وكلما ازددت إيماناً تزدد رؤيةً لفضل الله عليك، والفرق الدقيق الواضح بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن يقول:
﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾
[ سورة النمل الآية 40 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/06.jpg
غير المؤمن يقول كما قال قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية 78 ]
كلمات؛ الخبرات، والشهادات، والمعركة، وقد نجحت فيها، هذه كلمات يقولها من شرد عن الله عز و جل، أما المؤمن: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾
[ سورة النمل الآية : 40 ]
لذلك الحياء الفضل العميم مع الجهد القليل، ينشأ عن هاتين الحالتين رؤية الفضل العميم ورؤية التقصير، ينشأ حالةٌ اسمها الحياء، من لوازم هذه الحالة ترك القبائح، وترك التفريط مع أصحاب الحقوق، الحد الأدنى أن تدع ما نهاك الله عنه، الحد الأدنى من الحياء أن تدع ما نهاك لله عنه، أن تدع تقصيراً في أداء الحقوق، أما أن تكافئ خالقك على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فهذا مستحيلٌ وألف ألف مستحيل. علامات الشقاء :
1 ـ قسوة في القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/07.jpg
يقول الفضيل بن عياض وهو قاض جليل: خمسٌ من علامات الشقاء، القسوة في القلب، أبعد قلبٍ عن الله عز وجل القلب القاسي، وكأن هناك علاقةً ترابطية بين الصلة بالله وبين قسوة القلب.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159]
أي يا محمد حينما اتصلت بنا امتلأ قلبك رحمةً، فانعكست هذه الرحمة ليناً مع أصحابك، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوةً، فانعكست هذه القسوة غِلظةً وفظاظة، فانفضوا من حولك، فأنت بين أن يلتف الناس حولك وبين أن ينفضوا عنك، يلتف الناس حولك باللين الذي هو انعكاسٌ لرحمةٍ استقرت في قلبك من خلال اتصالك بالله ، والفظاظة والغلظة انعكاسٌ لقسوة القلب التي جاءت من بعدك عن الله، هذا قانون اسمه قانون الالتفاف والانفضاض. 2 ـ جمود العين :
لذلك خمسٌ من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، لا يبكي أبداً، أما المؤمن فيبكي بكاء الحب، يبكي بكاء الاتصال، يبكي بكاء الرحمة .
3 ـ قلة الحياء :
وقلة الحياء من علامات الشقاء.
4 ـ طول الأمل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/08.jpg
وطول الأمل، والله مرة إنسان جلست معه لبعض الوقت، والله حدثني لعشرين سنة قادمة ماذا سيفعل؟ سيسافر، وسيفعل، وسيبني، وسيؤسس ...الخ ، وفي المساء قرأت نعوته على الجدران.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.
5 ـ الرغبة في الدنيا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/09.jpg
لذلك علامات الشقاء قسوةٌ في القلب، جمودٌ في العين، قلةٌ في الحياء، رغبةٌ في الدنيا، وطولٌ في الأمل، وقال بعض العلماء: إن الحياء والأنثى يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع أقاما فيه ولم يرتحلا.
ويحيى بن معاذ يقول: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله منه وهو مذنب، أي أنت استحييت من الله فأطعته، مرةً زلت قدمك الآن الله يستحيي أن يعاقبك، إذا استحييت منه مطيعاً استحيا منك مذنباً.
لذلك ورد في الأثر:
((أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشابَ شعرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك))
[ورد في الأثر]
إلى متى وأنت باللذات مشغولُ وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
* * *
وجوه الحياء و أمثلة عنها :
1 ـ حياء الجناية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/10.jpg
قال بعض العلماء: الحياء على عشرة أوجه؛ حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء إجلالٍ، وحياء كرم، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغار نفسٍ، وحياء محبةٍ، وحياء عبوديةٍ، وحياء شرف، وحياء الإنسان من نفسه، أما حياء الجناية فمنه حياء سيدنا آدم عليه السلام، فرّ هارباً من الجنة قال: يا آدم أفراراً مني؟ قال: لا يا ربي بل حياءً منك، أحياناً إنسان يتوارى عن الأنظار حياءً من عظيم لم يطعه، هذا حياء الجناية.



2 ـ حياء التقصير :
أما حياء التقصير فكحياء الملائكة.
﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/11.jpg
فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق العبادة، هذا حياء التقصير.
سيدنا رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، وهو الإنسان الأول، وله عمل كالجبال، العالم الإسلامي يزيد عن مليار وخمسمئة مليون، يحتل أكبر مساحات في الأرض، هذا العالم اهتدى بسبب النبي عليه الصلاة والسلام، قال عن نفسه وعن عمله: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
إذا النبي الكريم قال: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
مرة سيدنا عمر مع أصحابه، قال أحدهم: والله ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، تغير لونه، وجحظت عيناه، وأحد فيهم النظر، خافوا، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، فقال للذي قال رأينا خيراً منك: لقد كذبتم جميعاً أي بسكوتكم وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، أي استحيا من الله أن يقال: ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال لهم: كذبتم جميعاً حينما سكتم. 3 ـ حياء الإجلال :
حياء الإجلال حياء المعرفة، حينما يتعرف العبد إلى ربه يكون حياؤه منه، كلما ارتقت معرفتك تستحيي من الله حياء الإجلال، سيدنا رسول الله حينما أسلم زيد الخير اسمه زيد الخيل، قال له: أنت زيد الخير لا الخيل، أخذه إلى بيته، أعطاه وسادةً ليتكئ عليها، يا الله حديث عهدٍ بالإسلام، قال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك، أنا مع رسول الله أتكئ؟ قال له: والله لا أتكئ في حضرتك،أي ما هذا الأدب الذي تعلمه أصحاب رسول الله؟.
أيهما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله، استحيا أن يقول: أنا أكبر منه، قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله.
النبي الكريم يستحيي من الله حياء إجلال، قال: ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه حياءً من الله، سيد الأمة، عظيم الأمة، نبي الأمة، رسول الأمة ما رئي ماداً رجليه قط.
4 ـ حياء الكرم :
هناك حياء الكرم، النبي الكريم دعا أصحابه إلى وليمةٍ بمناسبة زواجه من زينب، جلسوا وأطالوا الجلوس، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا.
أحياناًَ يأتيك ضيف وعندك موعد مهم جداً، والموعد خطير، جالس مرتاح يحدثك، ومستأنس بك، يمكن أن تصرفه بكلمة لكن لا تقدر، تستحيي أن تقول له: انصرف، هذا الحياء اسمه حياء الكرم، من لوازم كرمك ألا تصرف الضيف كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء القرآن وأكّد أن النبي يستحيي منك.
5 ـ حياء الحشمة :
قال: حياء الحشمة كحياء سيدنا علي بن أبي طالب، حينما استحيا أن يسأل النبي الكريم عن المزي، فاطمة بنت رسول الله وزوجته، موضوع المزي يحتاج إلى غسل؟ سائل شفاف غير المني، استحيا أن يسأل رسول الله وزوجته ابنة رسول الله.
أحياناً بعض الأصهار يتحدث عن قضايا نسائية مع زوجته أمام والدها، وأمام أخوتها، هذا من قلة الحياء، هذه أختهم، أو البنت مقدسة، يأتي حديث من الصهر عن العلاقة الزوجية هذه صعبة.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يستحي وسيدنا علي استحيا من رسول الله أن يسأله عن حكم المزي، شيء متعلق بابنته فاطمة، هذا حياء الحشمة.
6 ـ حياة استصغار النفس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/12.jpg
حياء الاستصغار كحياء العبد من ربه عز و جل حين يسأله حوائجه احتقاراً لشأن نفسه، من أنا؟ أنت تخاطب خالق السموات والأرض يقول لك:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 53 ]
من أنا يا رب حتى تخاطبني؟ حتى تقول يا عبادي؟ هذا حياء الاستصغار.
مرة نور الدين الشهيد سأل الله النصر، لكن استحيا قال: من أنا؟ والله كلمة أنا أتردد في ذكرها، سجد لأن هناك معركة بينه و بين المغول والتتار، معركة طاحنة، معركة مصيرية قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، أي هو استصغر هذا النصر لذاته، قال له: انصر دينك يا رب، هذا حياء الاستصغار. 7 ـ حياء المحبة :
حياء المحبة قد يستحيي المحب من محبوبه أن يسأله شيئاً.
8 ـ حياء العبودية :
و هناك حياء العبودية؛ وهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده سبحانه، وأن قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
9 ـ حياء الشرف والعزة :
وهناك حياء الشرف والعزة، إنسان له مقام كبير كالمعلم، كالأب، أحياناً إنسان عنده بنات، وعنده أصهار، وعنده أولاد، وعند كنائن، يحكي طرفة بذيئة جنسية، هناك أشخاص لا يوجد عندهم حياء، أنت أب وعندك أولاد، وعندك كنائن، وعنك أصهار، وعندك بنات، هذا المزاح لا يليق بك، لكل مقامٍ مقال، والله أحياناً تعاشر أخاً لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة بذيئة أبداً، المؤمن منضبط.
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسأنه ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/13.jpg
ضبط اللسان، وذكرت البارحة أنه: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 189 ]
انظر تغشاها، هذه الكلمة لا تخدش الحياء أبداً. ﴿ أَوْ لَامَسْتمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
هذه الكلمة لا تخدش الحياء، يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، لم يقل: حجم فخذيك مثلاً، حجم عظامك، هذه الكلمة لا تثير المشاعر الجنسية، فلو تتبعت أقوال النبي، ولو تتبعت القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾
[ سورة المعارج ]
10 ـ حياء الإنسان من نفسه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/14.jpg
يقول لك: لا حياء في الدين، أنا أقول: الدين كله حياء، انظر العبارات القرآنية والنبوية في التعبير عن العلاقات الجنسية، في حياء المرء من نفسه، الآن لا يوجد أحد أنت وحدك في البيت، هناك إنسان يتعرى تعرياً غير معقول في البيت، ألا يستحيي من الله؟ أيضاً وأنت وحدك لا يوجد إنسان معك هناك نوع من الحياء، أن تستحيي من الله وأنت وحدك في البيت، أن تفعل شيئاً لا يليق بمكانتك، أو أن تتعرى تعرياً غير معقول، والعلماء قالوا: من استحيا من نفسه فاستحياؤه من غيره من باب أولى، يستحي من نفسه، وهناك حياء المراقبة، أنت حينما تشعر أن الله يراقبك فهذا يقتضي حياء من الله، ليس هناك كلمة غلط، ولا جلسة غلط، ولا تعليق قاس، لكن كما قلت مراراً: أرقى أنواع الحياء أن تشعر أن الله معك، لذلك:
(( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي الدرداء ]
المعية العامة و المعية الخاصة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7468/15.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية:4]
هذهِ معية العلم هي المعية العامة، أما المعية الخاصة إن الله مع المؤمنين، إن الله مع الصادقين، إن الله مع المتقين، هي معية خاصة، قال: معية التأييد والتوفيق والحفظ والنصر هي المعية الخاصة، إلا إن هذه المعية لها ثمن: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة]
أيها الأخوة الكرام: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
[ سورة البقرة الآية :186]
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
و هو يراكم في أحوالكم، الآية الكريمة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الشعراء]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : الخشوع قبول وليس طقوسا





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الخشوع :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه موضوع "الخشوع"، فقد ورد الخشوع، أو وردت كلمة الخشوع في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون]
الفلاح و النجاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/01.jpg
بادئ ذي بدء: ما الفلاح؟ قد يقول أحدكم: إنه النجاح، لا، فرقٌ كبير بين الفلاح وبين النجاح، الفلاح هو الفوز بالآخرة، الفلاح هو الفوز برضا الله عز وجل، الفلاح هو أن يحقق الإنسان في الدنيا سرّ وجوده، الفلاح أن يكون قريباً من الله، الفلاح أي يحمل نفسه على طاعة الله، الفلاح أن يتقرب إلى الله بالعمل الصالح، فالفلاح نجاح مع الله، والفلاح نجاحٌ في الفوز في الآخرة، هذا هو الفلاح.
أما قد ينجح إنسان بكتابة سيناريو فيلم فهذا ليس فلاحاً هذا نجاح، قد ينجح الإنسان في عمل لا يرضي الله، قد ينجح الإنسان في عمل يسبب دماراً للبشرية، ربح حرباً لكن دمر أمماً، فلذلك الفرق كبير بين الفلاح والنجاح، النجاح في الدنيا، وفي موضوعات شتى، وقد تكون هذه الموضوعات ليست خيرة.
الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة :
على كلٍ كلمة الفلاح أو:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
وردت مراتٍ ثلاثة في القرآن الكريم حصراً، الآية الأولى دقق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/02.jpg
النجاح بالمعنى الواسع الفلاح، الفوز، التفوق، العقل، الذكاء، الذي يتزكى كلام خالق الكون، لأن تزكية نفسك ثمن دخول الجنة، لأنك خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة أن تزكي نفسك، أي أن تحملها على طاعة الله أولاً، وأن تقبل بنفسك على الله ثانياًً عندئذٍ تطهر النفس من كل أدرانها وتتحلى بالكمال الإلهي، هذه التزكية.
أي إنسان صادق، أمين، عفيف، منصف، متواضع، يحب الخير، قلبه ممتلئ رحمة، يجري الله على يديه أعمالاً بطولية، هذا هو الفلاح ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
لذلك ينبغي أن يكون الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه، لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة، قد حرف تحقيق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
هذه الآية الأولى، والآية الثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
الهاء تعود على النفس. ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾
[ سورة الشمس الآية : 10 ]
خاب على العكس من أفلح. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
دساها أبعدها عن ربها، فلما أبعدها عن ربها تعلقت بشهوات الدنيا فمارستها معتديةً على حقوق الآخرين، أيها الأخوة، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
أما الآية الثالثة فيبدو أن الصلاة كما تعلمون عماد الدين، الصلاة من أجل الاتصال بالله، والصيام من أجل الاتصال بالله، والحج من أجل الاتصال بالله، والعمل الصالح من أجل الاتصال بالله، وإنفاق المال من أجل الاتصال بالله، يكاد يجمع حالات لا تعد ولا تحصى مؤداها الاتصال بالله. الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/03.jpg
لذلك. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
من أروع ما قرأت عن هذه الآية في بعض التفاسير أن الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها، لأن هذا الإله العظيم لا يعقل أن يأمرك أن تصلي في اليوم خمس مرات، تقف وأنت شارد الذهن، غافل، تركع، وتسجد، تقرأ الفاتحة وسورة، ولا تشعر بشيء، وكأنك أديت حركاتٍ وسكناتٍ وتمتماتٍ لا معنى لها، هذا الإله العظيم خالق السموات والأرض، هذا الذي يفعله المسلمون في الصلاة ليست هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل، الصلاة اتصال بالله، والاتصال يحتاج إلى تمهيد، إلى استقامة، وإلى عمل صالح.
التجارة الرابحة هي التجارة مع الله وأكبر خسارة أن يخسر الإنسان الآخرة :
فلذلك كلمة أفلح وردت مراتٍ ثلاثة حصراً:
الأولى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
والثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
والثالثة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/04.jpg
ولعل الفلاح هو الذي يشق الأرض، ويزرع بذرة، كمعلومات لطيفة بذار بعض الخضروات يعطي مليون ضعف، الآن البيت البلاستيكي الذي مساحته خمسمئة متر يحتاج إلى خمسة غرامات من البذور، هذا البيت يعطي خمسة طن أي مليون ضعف، في بلادنا يعطي خمسة طن، في هولندا يعطي خمسة وعشرين طناً، أي البذرة تقدم خمسة ملايين ضعف، هذا هو الفلاح، تزرع بذرة تعطيك خمسة ملايين ضعف من وزنها من هذه الثمرة اليانعة التي يحتاجها الناس دائماً، فكأن الفلاح هو الذي يقدم قليلاً ويأخذ كثيراً، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن نربح عليه، يريد أن نتاجر معه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة الصف الآية : 10-11 ]
أكبر تجارة مع الله، الإنسان أحياناً يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، والله لا أبالغ لو عرفنا ماذا ينتظر المؤمن من عطاء، من تكريم، من نعيم مقيم، لأنه في السنوات المعدودة استقام على أمر الله، وأدى العبادات، وعمل الصالحات، فاستحق جنة ربه إلى أبد الآبدين، لذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة.
الله عز وجل إذا أعطى أدهش :
أيها الأخوة، إذاً الفلاح يشق الأرض، ويزرع البذار، وتأتيه الأضعاف المضاعفة من هذه البذار، وكأن الفلاح سمّي فلاحاً لأنه أفلح في أخذ الكثير من الشيء القليل، طبعاً يؤكد هذا المعنى ربنا جلّ جلاله حينما يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/05.jpg

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
أنا مرة كنت في غوطة دمشق، رأيت في حقل قمح مجموعة سنابل كثيرة جداً، والله قلعتها فإذا هي خمس وثلاثون سنبلة، أخذت واحدة وعددت حبات القمح فيها فكان العدد خمسين، ضربت خمس وثلاثين بخمسين خرج من حبة واحدة ألف وسبعمئة حبة من حبة واحدة.
أخواننا الكرام، الله إذا أعطى أدهش، في بعض الأماكن في أمريكا نهر الأمازون، غزارته بالثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، في البرازيل هناك شلالات كثافتها مليون وأربعمئة ألف متر مكعب بالثانية، كنت في كندا في مدينة اسمها مونتريال حولها مليون بحيرة، أكبر تجمع مائي في العالم، الله إذا أعطى أدهش.
مرة في البرازيل لي درس عقب المغرب، هناك أخوة كرام وعدوني أن يأتوا إلى المسجد فلم يحضروا، سألت عنهم؟ قال: الأمطار نزلت، مئة وخمسون ميلمتر بساعتين، أمطار دمشق على مدى العام بساعتين، فارتفع الماء في الطرقات متراً ونصف، تعطل السير وشقت المدينة نصفين، الله إذا أعطى أدهش. تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :
أولاً: لا يمكن أن يكون تقنين الله عز وجل إن صحّ التعبير تقنين عجز، تقنين الله تقنين تأديب فقط.
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن الآية : 16-17 ]
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 96 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/06.jpg
نحن في الجديدة هناك واد سحيق، في قعر الوادي يمشي نهر بردى، وهناك واد أعمق منه بكثير، وقد وضع عمود وفوقه لوحة مكتوب عليها مستوى الماء عام ستة وثلاثين، هذا الوادي السحيق ممتلئ ماء، وفوق هذا الوادي ارتفاع مستوى الماء يقدر بستة أمتار سابقاً، أنا أذكر قبل بضع عقود من الزمن إن كل سنة يغرق أشخاص كُثر في نهر بردى، الآن لا أحد يغرق فيه، لأن الماء قليل جداً، ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 66 ]
هذا التقنين تقنين تأديب. الفلاح لا أن نستهلك الوقت بل أن نستثمره :
أيها الأخوة، الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، أنت وقت، أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، ينفق استهلاكاً كمعظم الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون ثم يفاجؤون بالأجل، استهلكوا وقتهم استهلاكاً بلا عمل له أثر مستقبلي، للتقريب: إنسان جلس بحوض وملأه ماء فاتر، استمتع، هذا العمل هل له أثر مستقبلي؟ هل يمكن أن يكون بعد الاستمتاع تاجر كبير أو دكتور؟ هذا عمل آني، استمتاع ليس له أثر مستقبلي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/07.jpg
فلذلك الفلاح لا أن تستهلك الوقت بل أن تستثمره، لذلك المؤمن ينفق وقته استثماراً، بمعنى أنه يفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً يرى نتائجه بعد انقضاء الوقت، بينما غير المؤمن يستهلك وقته استهلاكاً، تماماً كتاجر ينفق من رأسماله بعد حين يعلن إفلاسه، وتاجر آخر ينفق نفقاتٍ كبيرة من ريع ماله.
لذلك الإنسان وقت، وأثمن شيء يملكه هو الوقت، بل رأسماله الوحيد هو الوقت، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الله أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في الحقيقة زمن، جاء جواب القسم: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
النقلة من بيت إلى قبر، من منصب رفيع إلى قبر، من صحة جيدة إلى قبر، من زوجة وأولاد إلى قبر، من دخل كبير إلى قبر، نقلة مخيفة، نقلة من كل شيء مبدئياً إلى لا شيء، فكيف إذا كان بعد هذا القبر عذابٌ لا ينتهي؟
فلذلك الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، وألا تستهلك المال بل أن تستثمره بالعمل الصالح، وألا تستهلك نعمة الأمن بل تستثمرها في معرفة الله، وألا تستهلك نعمة الصحة بل تستثمرها في طاعة الله ، الفرق الواضح الصارخ بين المؤمن وغير المؤمن غير المؤمن يستهلك بينما المؤمن يستثمر. الآية التالية متعلقة بالخشوع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/08.jpg
أيها الأخوة، آيةٌ ثانية متعلقة بالخشوع قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد ]
إلــى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لــعمري في المقال بديع
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن الــمحب لمن يحبه مطيع
* * *
فيا خجلي منه إذا هـــو قال أيا عبدنــا ما قرأت كتابنـــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
وجدناك مضطراً يا فتى فقلنا لك ادعُنا نجـبكا فهل أنت حقاً دعوتنا؟
دعوناك للإحسان أعرضت نائياً فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنـا؟
* * *
فالإنسان إلى متى هو غافل؟ إلى متى هو غارق بهمومه وشهواته وميوله وطموحاته في الدنيا؟ أما آن له أن يصحو، والله الذي لا إله إلا هو الإنسان حينما يصحو ويصطلح مع الله عز وجل يشعر أن جبالاً على كاهله أُزيحت عنه. لن يكون الإنسان مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذاق في الدنيا طعم الجنة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/09.jpg
حياة المؤمن الذي اصطلح مع الله، والذي استقام على أمر الله من الصعب أن نعرف أبعادها، قال أحدهم: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ قال: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل في قوله تعالى:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
لن تكون مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذقت في الدنيا طعم الجنة، هذه حنة القرب. فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لـــغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولـو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقا لقربنـــا
* * *
هذا كله من خلال الخشوع، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
الإنسان أحياناً يشعر أن قلبه ميت، أحياناً القلب يكبر ويكبر ويكبر ولا نرى كبَرَه فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ويصغر ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، هذا القلب كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/10.jpg
أيها الأخوة: الآن هناك موضوع دقيق جداً، هناك مصطلح اسمه الطقوس، الطقوس هذه الكلمة تستخدم لأعمالٍ، وحركاتٍ، وسكناتٍ، وتمتماتٍ، يرددها أصحاب الديانات الأرضية، الديانات الأرضية التي من أصل أرضي بشري، من اختراع البشر، هذه الديانات لها طقوس، لكن يجب أن نؤمن إيماناً دقيقاً أن العبادات ليست طقوساً، ليس موضوع حركات، وسكنات، وتمتمات، مثلاً قال الإمام الشافعي: العبادات معللةٌ بمصالح الخلق، الدليل القرآني:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103 ]
تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، تزكي الفقير فيشعر بقيمته في المجتمع، تزكي الغني فيشعر بإحسانه، تطهر المال من تعلق حق الغير به، تزكي المال فينمو، فالزكاة معللة بمصالح الخلق. علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله عز وجل :
لذلك قال بعض العلماء: الشريعة مصلحةٌ كلها، عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، وأية قضيةٌ خرجت من العدل إلى الجور، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أُدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل، فالزكاة معللة بمصلحة الخلق. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7469/11.jpg
أي أكبر ما فيها ذكر الله، أو ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك نعمة الأمن، منحك نعمة الحكمة، منحك نعمة الرضا، منحك نعمة السعادة، منحك عطايا لا تعد ولا تحصى من خلال الصلاة.
الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
فعلة الصيام أن تصل إلى مرتبة التقوى.
الحج الآية الدقيقة في موضوع الحج: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
أي: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
دققوا الآن: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
هذه لام التعليل، علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله. من أيقن أن علم الله يطوله و قدرته تطوله لا يمكن أن يعصيه :
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
[ سورة الطلاق ]
اختار الله من أسمائه اسمين؛ العلم والقدرة، معنى العلم ومعنى القدرة، أي علم الله يطولك وقدرته تطولك، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه.
أنت كتاجر لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها في حسابات تقدمها للمالية، لماذا؟ لأن هناك نسخة من هذه الصفقة تذهب إلى المالية، فإن أغفلت هذه الصفقة أُهدرت حساباتك، لأنه توقن أن علم هذه الوزارة يطولك وأن قدرتها تطولك بإهدار حساباتك، أنت دقق مع أشخاص من بني البشر لأن علمهم يطولك ولأن قدرتهم تطولك لا يمكن أن تعصيهم فكيف بالواحد الديان؟. الخشوع من أدق الموضوعات في الوصول إلى الله تعالى :
أيها الأخوة، الخشوع حينما تعرف حكمة العبادات، حكمة الصلاة، وحكمة الصيام، وحكمة الحج، وحكمة الزكاة، حينما تؤمن أن العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق، وهذا من فضل الله علينا.
أيها الأخوة، موضوع الخشوع من أدق الموضوعات التي تعد ذات أهميةٍ بالغة في الوصول إلى الله، أنت حينما تصلي بخشوع وصلت إلى الله.
لذلك الصلاة هي كبيرة أي صعبة إلا على الخاشعين.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 45 ]
الخاشع يسعد بالصلاة وغير الخاشع يراها عبئاً، النبي كان يقول: (( أقم الصلاةَ يا بلالُ ، أرِحْنا بها ))
[أخرجه أبو داود عن رجل من خزاعة ]
ولسان حال المسلم المقصر أرحنا منها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : الخشوع فى الصلاة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادات معللة بمصالح الخلق :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو الخشوع.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/01.jpg
وقد بينت في اللقاء السابق أن هناك عبادات كما قال عنها الإمام الشافعي: معللةٌ بمصالح الخلق، وأن هناك طقوساً من سمات الديانات الوضعية الأرضية، الطقوس حركاتٌ، وسكناتٌ، وإيماءاتٌ، وتمتماتٌ لا معنى لها، بينما العبادات معللة بمصالح الخلق.
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103]
﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
الحج: ﴿ ِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
إذاً العبادات معللة بمصالح الخلق. الوقوف على الحكم اللامتناهية للعبادات تعين الإنسان على الخشوع في الصلاة :
إذاً حينما قال الله عز وجل:
﴿ خذوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 171 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/02.jpg
من حكم، حكمة العبادة تعينك على الخشوع، الصلاة مثلاً قال تعالى: ﴿ اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ * ﴾
[ سورة العنكبوت ]
ذكر الله أكبر ما فيها، بل إن ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، لأنه إن ذكرك منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك الطمأنينة، منحك الأمن، منحك السعادة، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، فالصلاة معللة بثمارٍ لا يعلمها إلا الله. ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
[ سورة العلق ]
من الله ، فالصلاة قرب . ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
الصلاة ذكر. (( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))
[ورد في الأثر]
فالصلاة عقل. ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
الصلاة قربٌ، والصلاة ذكرٌ، والصلاة عقلٌ، والصلاة طهورٌ، كما قال عليه الصلاة و السلام: (( لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ))
[أخرجه البزارعن أبي هريرة ]
تطهر الإنسان من أدرانه، من شهواته المنحرفة، والصلاة نورٌ تلقي في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، والصلاة حبورٌ و سعادةٌ. (( أرحنا بها يا بلال- أي الصلاة -))
[أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة ]
أنت حينما تقف على الحكم اللامتناهية للعبادات لعل هذه الحكم التي وقفت عليها أعانتك على الخشوع في الصلاة. إدراك الحكم يعين الإنسان على الخشوع لله عز وجل :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدِكم يغتَسِلُ فيه كلَّ يوم خمس مرات، ما تقولون ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من دَرَنهِ شيئاً، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمسِ يمحو الله بها الخطايا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/03.jpg
فالعبادات معللةٌ بمصالح الخلق، إذاً إدراك الحكم يعينك على الخشوع، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء عقد لكل عبادةٍ أسرارها وحكمها، المؤمن لا يصدق أن يأمره الله في الحج أن يدع بيته، وأهله، وماله، وعمله، وأن يأتي من بلادٍ بعيدة من أجل أن يكون في مكان واحد للحظات في عرفات وانتهى الأمر،لا ،الفقهاء يعنون بظاهر العبادات، لكن علماء القلوب يبينون أسرارها وحكمها، يوم عرفة يوم اللقاء الأكبر مع الله، يوم عرفة يوم معرفة الله عز وجل، يوم عرفة يوم القرب. (( من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ))
[ورد في الأثر]
أي العبادات عندما تفرغ من مضمونها، من أسرارها، من حكمها، من الأهداف الكبيرة التي أرادها الله منها، تغدو حركات، وسكنات، وتمتمات، وكلمات، عندئذٍ تقترب العبادات مع الجهل الفاضح من الطقوس، العبادات أعمال كبيرة جداً، لأن الإسلام جزءٌ منه عقائد، وجزءٌ آخر عبادات، معاملات، آداب، لكن الفقهاء معهم الحق درسوا الأمر في ظاهره، فالصلاة عندهم أقوالٌ وأفعال تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ولكن الله عز وجل قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ * ﴾
[ سورة العلق ]
آيات الخشوع :
أيها الأخوة، الآن من آيات الخشوع: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية : 2 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/04.jpg
هناك اضطراب، وقشعريرة، و تأثر، و بكاء، و شعور بالقرب من الله عز وجل. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[سورة الأنفال ]
هذه آيةٌ أخرى من آيات الخشوع، العين تدمع، والوجه يشرق، والقلب يخشع، والجلد يقشعر، والأعصاب تضطرب، والإنسان يبكي بكاء القرب، بكاء الحب، بكاء الخشوع، أي الكلمة أو الحقيقة المرة أنا أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، من صلى فلم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله فلم يشعر بشيء، عنده مشكلة كبيرة، بعضهم قال : لا قلب له أصلاً.
أي الإنسان يملك مقياساً دقيقاً، أنت حينما تخالف السنة، حينما تقصر في عمل، حينما تتجاوز الحدود، حينما تفعل شيئاً تعلم أن الله نهى عنه، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والبطولة أن تتعاهد قلبك، البطولة أن تكون حكيم نفسك، حينما تقترف مخالفةً، أو حينما تقصر، أو حينما تتجاوز الحدود، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والاستقامة التي أرادها الله من أجل أن تهدم هذا الحجاب بينك وبين الله. الخشوع هو الانخفاض مع التذلل لله عز وجل :
الآن عندنا معنى مادياً للخشوع، الخشوع معناه الانخفاض، والدليل:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * ﴾
[ سورة الغاشية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/05.jpg
الخشوع هو الانخفاض، قال: انخفاض الرأس مع الذل مع التذلل إلى الله عز و جل، بعضهم قال: كلما تذللت إلى الله أكثر ازددت عزاً، وكلما خفضت رأسك لله رفعك الله، العلاقة عكسية، كلما بالغت في تمريغ وجهك في أعتاب الله رفع الله قدرك، وأعلى شأنك.
النبي الكريم رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية، في بعض البلاد يصلح ثيابه، قد يعد ماله أثناء الصلاة، فالنبي رأى شخصاً هكذا فقال: (( لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
لو خشع قلبه من الداخل لسكنت جوارحه، فالحركة الزائدة في الصلاة تضعف الخشوع فيها، وكما قلنا في لقاءٍ سابق: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها، الآية الكريم: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 39 ]
أي منخفضة. ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
[ سورة فصلت الآية 39 ]
فالخشوع هنا ببعض معانيه الانخفاض، التذلل، الخضوع لله عز و جل. من علامات الخشوع خمود نار الشهوة وتألق نور الله في القلب :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل، وبعضهم قال: الخشوع هو الانقياد للحق ما دمت خاضعاً لحكم الله.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/06.jpg
الأوامر القرآنية والنبوية لا تخضع للبحث والدرس وليست محل مناقشة، وليست محل دراسة، وليست محل قبول أو رفض، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾
هذه ما كان من أشد صيغ النفي، نفي الشأن: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
لذلك قال بعضهم: من علامات الخشوع خمود نار الشهوة، وتألق نور الله في القلب، هناك نار وهناك نور، الله عز وجل إذا أقبلت عليه يلقي في قلبك نوراً، وإذا خضعت لشهوتك هذه الشهوة تعد ناراً متأججة، الشهوات يرمز إليها بالنيران، والقرب من الله يرمز إليه بالأنوار، أنت بين النار والنور، وكلما اقتربت من الخشوع تألق النور وانطفأت الشهوة.
لذلك قال الإمام الشافعي: شكوت إلى وكيعٍٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
و أنبئني بأن العلـــم نورٌ ونور الله لا يـهدى لعاصـي
***
من يتصل بالله يقذف في قلبه نوراً يرى به الحق حقاً والباطل باطلاً :
أي ما لم تشعر أنك قريب من الله، ما لم تشعر بحالة من السعادة يصعب وصفها، ما لم تشعر بالسكينة التي ذكرها الله في القرآن الكريم ، ففي العبادات مشكلة، الخشوع سر العبادة، الخشوع أي أن تعبد الله كما أراد لا كما تصورت، لذلك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/07.jpg
انظر الشاهد القوي على أن الله عز و جل حينما تتصل به يقذف في قلبك نوراً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]
أي رحمةٌ في الدنيا ورحمةٌ في الآخرة ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد ]
هذا النور ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً. من صحّ عمله سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، ما من عمل من دون استثناء يعمله الإنسان إلا وراءه رؤية، هذه الرؤية إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، ماذا رأى السارق قبل أن يسرق؟ رأى أن السرقة أقصر طريقٍ إلى المال بلا جهد، لكن غاب عنه أنه سيقبض عليه، وسيودع في السجن، وغاب عنه أن السرقة في معظم الأحيان تتحول إلى قتل، والقاتل يُعدم، غابت عنه نتائج هذه المعصية وتألق ورأى رؤيةً خاطئة، رؤية شيطانية أن السرقة أقصر طريقٍ لجمع المال، لذلك كل هؤلاء الذين يدفعون ثمن أخطائهم كانوا في عمى. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/08.jpg
﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * ﴾
[ سورة الحج ]
أنت حينما تملك رؤية صحيحة يصح عملك فتسلم وتسعد في الدنيا والآخرة، سيدنا يوسف شابٌ في مقتبل العمر، بعيدٌ عن أهله، غريب، غير متزوج، دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، وهي سيدته، وليس من مصلحتها أن يفشو هذا الخبر، ما الذي رأى في الزنا حتى قال: ﴿ مَعَاذَ اْللهِ ﴾
[سورة يوسف الآية: 23 ]
وأي شاب آخر غافل عن الله يرى أن هذا اللقاء مكسب كبير، القضية قضية رؤية، إما أن تصح رؤيتك فيصح عملك فتسلم وتسعد، وإما أن تفسد رؤيتك من بعدك عن الله فيفسد عملك فتشقى وتهلك، هذا ملخص الملخص، هناك رؤية، هذه الرؤية الصحيحة بسبب نورٍ قذفه الله في قلبك.
لذلك الاتصال بالله ثماره يصعب تصورها، أنت حينما اتصلت بالله ألقى في قلبك نوراً.
الآن أحياناً تقوم حملة شديدة لمكافحة الفساد، هؤلاء الذين ساءت رؤيتهم فساء عملهم يُقبض عليهم، ويودّعون في السجون، لو صحت رؤيتهم لما أقدموا على ذلك. من تذلل إلى الله رفع شأنه و قدره :
من هو المؤمن؟ هو الذي يملك رؤية صحيحة، الإنسان إذا توهم أنه إذا كذب في صفات البضاعة باعها أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا حلف يميناً كاذبةً راجت تجارته أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا غش المسلمين يحقق أرباحاً كبيرة أعمى، لا يمكن أن يدعك الله من دون تأديب، لذلك مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/09.jpg
لذلك الإنسان تسوء رؤيته فيعصي الله، تصح رؤيته فيتقي الله، الإمام الجنيد يقول: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب، الإنسان منحه الله عزة، لكن مع الله هناك تذلل في تمريغ الوجه بأعتاب الله، هناك مناجاة مع الله: يا رب أنا فقير، أنا مفتقر إلى غناك، أنا جاهل، أنا مقصر، يجب أن تعود نفسك أن تناجي ربك، ناجه بالتذلل، سيدنا يونس في بطن الحوت ماذا قال؟ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
عود نفسك وأنت لك شأن كبير، ولك مكانة كبيرة، وتحت يدك مقدرات كبيرة جداً، بينك وبين الله أن تتذلل.
نور الدين الشهيد هذا البطل الذي ردّ التتار، سجد قبل المعركة وقال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب، بقدر ما تستطيع بينك وبينه أن تتذلل يرفعك، يرفع شأنك، يعلي قدرك، يلقي في قلبك النور، توفق. الخشوع محله في القلب لا في الجوارح :
لو أن الله قال:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور الآية: 30 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/10.jpg
ما هو الخشوع؟ مع هذا الأمر الخضوع له، هنا الخشوع في الصلاة شيء أما الخشوع لأوامر الله فالخضوع لها، ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
لا يقول: أين سأذهب بعيوني؟ لا، ما أمرك الله بهذا الأمر إلا وهو يعلم أنك تستطيعه.
العلماء جميعاً أجمعوا على أن الخشوع محله في القلب لا في الجوارح، لذلك ارفع رأسك يا أخي، لا تتذلل، لا تتطامن، لا تتمسكن، ليس هذا من صفات المؤمن، خشوعك في القلب، ارفع رأسك، واجعل قامتك مديدة، وكن عزيزاً. (( إنكُم قادِمُونَ على إخوانكم، فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))
[ أخرجه أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع ]
هذا الخاشع تذلل، تمسكن، لا يوجد بيدنا شيء، لا، محل الخشوع القلب لا الجوارح، النبي رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: (( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
أي خشوع القلب يقابله خشوع الجوارح.
حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، أنت حينما تكون مؤدباً في ظاهرك، الجلسة مؤدبة، الكلام مؤدب، الحركة مؤدبة، الثياب مؤدبة، الأدب الظاهري دليل أدب قلبك، بعضهم رأى رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقال له: يا فلان الخشوع ها هنا وأشار إلى صدره وليس ها هنا وأشار إلى منكبيه، الخشوع في القلب حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً من أصحابه قبيل معركةٍ يتبختر في مشيته فقال عليه الصلاة و السلام: إن الله يكره هذه المشية، إلا في هذا الموطن، لأن التكبر على المتكبر صدقة.
لا يوجد مؤمن ذليل، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
قيل للإمام الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
تصور إنساناً استغنى الناس عن علمه وهو بحاجةٍ إلى دنياهم سقطت الدعوة، أنا أنصح الدعاة أن يكون لهم عمل شخصي، عمل خاص يعيشون منه، من أجل ألا يخضعوا لقويٍ أو لغني لقول النبي الكريم:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
من جلس إلى غنيٍ، وفي رواية أو قويٍ فتضعضع له - تمسكن - ذهب ثلثا دينه، أي أصحاب النبي الكريم عليهم رضوان الله يتمتعون بعزة مذهلة.
سيدنا خُبيب صُلب على جذع نخلة، وقبل قتله سُئل أتحب أن يكون محمدٌ مكانك؟ أنت اسأل من يراقب إعدام المجرمين، هناك تذلل، هناك بكاء، هناك رجاء، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، وهو يُقتل كان عزيزاً.
الخشوع في القلب وفي الظاهر ينبغي أن تكون عزيزاً. (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله :
لذلك إياك ثم إياك ثم إياك أن تشكو همك لكافر، قالوا: من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، الفرق كبير بين أن تشتكي إلى الله وبين أن تشتكي على الله، لذلك تحل كل مشكلاتك في ثلث الليل الأخير.
(( يَنْزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إِلى السماءِ الدنيا، فيقولُ: هل من سائِلٍ فَيُعْطَ ؟ هل من دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَه؟ هل من مُستَغفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ؟ حتى يَنفَجِرَ الصُّبْحُ' ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/11.jpg
لذلك لا تشتكي إلا لله. ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 86 ]
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، سيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع.
سيدنا عمر رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
سمع سيدنا عمر رجلاً علا صياحه في الحرم أثناء الطواف لأنه وجد لوزة، فسأل من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب، كُلْها وخلصنا.
السيدة عائشة رأت شباباً يتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء النساك، قالت: رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه.
الفضيل يقول: يكره أن يرى الرجل في خشوعٍ أكثر مما في قلبه، أي أظهر خشوعاً ليس في قلبه، هذا مكروه. الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل :
سيدنا حذيفة يقول: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، صلاة بلا خشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، أي التطورات السلبية في العالم الإسلامي صلاة بلا خشوع ثم ترك الصلاة، لأن الصلاة بلا خشوع صلاة مملة.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 45 ]
أي صعبةً. ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7601/12.jpg
قال بعض العلماء: من خشع قلبه لم يقترب الشيطان منه، الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل، وأنت بين التولي والتخلي، تفتقر يتولاك، يحميك، يؤيدك، يوفقك، ينصرك، يحفظك، تقول: أنا ابن فلان، أنا أحمل هذه الشهادة، عندي خبرات، عندي أموال لا تأكلها النيران، يتخلى عنك.
والله مرة أخ أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، غلط غلطة مع ربه، قال: الدراهم مراهم، هذه غلطة كبيرة، هذا شرك، اُتهم اُتهاماً هو بريء منه، بقي في المنفردة أربعة وستين يوماً، قال لي: الخاطر يأتيني كل دقيقة: الدراهم مراهم؟ تفضل حل هذه، البطولة أن تفتقر إلى الله لا أن تعتد بما عندك.
فالصحابة الكرام في بدر افتقروا إلى الله فانتصروا، هم هم ومعهم رسول الله في حنين قالوا: ((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
اعتدوا بالعدد فتخلى الله عنهم، هذا ملخص الملخص تفتقر يتولاك، تقول: أنا يتخلى عنك، فقبل أن تقوم بعمل، قبل أن تجري عملية جراحية، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تقابل مسؤولاً، قل: يا رب إني التجأت إليك، إني تبرأت من علمي، ومن قوتي، والتجأت إلى علمك وقوتك يا رب العالمين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الخمسون )

الموضوع : الفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله.







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الفتوة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع عنوانه: "الفتوة"، فالفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله، حقيقتها الإحسان، والإحسان نهاية العمل، لقوله تعالى:
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/01.jpg
لقد منحك الله نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، أنت حسنةٌ من حسنات الله عز و جل فهل جزاء إحسان الله لك إلا أن تحسن إلى خلقه؟ ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
الله عز وجل خلقنا لـ: ﴿ َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 133 ]
الله عز وجل خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 119 ]
وكل الخلق مطلوبون لرحمة الله عز و جل، فإذا كان ردّ فعلك على إحسان الله لك أن تحسن إلى عباده، فهذه منزلة سماها العلماء منزلة الفتوة، وهي بين التخلق وبين المروءة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في المروءة.
والبدايات إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما العلم بالتعلم، فأن تتصنع الحلم هذا سبيل أن تكون حليماً، أن تتصنع الكرم هذا طريق أن تكون كريماً، أن تتعلم هذا طريق أن تكون عالماً.
فالفتوة بين التخلق وبين المروءة التي جمعت فيها مكارم الأخلاق، وإن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فالإيمان هو الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. من آمن بالله و شكره حقق الهدف من وجوده :
أيها الأخوة، مرةٍ ثانية وثالثة: الله عز وجل سخر لك هذا الكون لأنه حينما عرضت عليك الأمانة المخلوقات جميعاً أبوا أن يحملوها، وأشفقوا منها، وأنت أيها الإنسان قلت: أنا لها يا رب، قبِلت حمل الأمانة ، فلما قبلت حمل الأمانة. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/02.jpg

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
سخر الله لك أيها الإنسان. ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، أراد من هذا الكون الذي سخره لك أن تعرفه، وأراد من هذا الكون الذي سخره لك أن يكرمك به، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، وردّ فعل التكريم أن تشكر، إذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 147 ]
فحينما تشكر وحينما تؤمن تكون قد حققت الهدف الأكبر الذي خلقت من أجله. الفرق بين الفتوة و المروءة :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفتوة هي: الإحسان إلى الخلق، وكف الأذى عنهم، بل احتمال الأذى منهم، الإحسان يعني الفتوة، والفتوة تعني الإحسان، كف الأذى، بل احتمال الأذى، بل الإحسان إلى الخلق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/03.jpg
مرة ثانية: الإيمان حسن الخلق، وذهب حسن الخلق بالخير كله، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين مرتبة الفتوة وبين مرتبة المروءة أن المروءة أعمّ من الفتوة، وكأن الفتوة تعني أن يتخلق الشباب بأخلاقٍ بطولية، وكأن الفتوة تخص الشباب بادئ ذي الأمر.
أيها الأخوة، الفتوة بمعناها الدقيق استعمال ما يجمل ويحسن مما هو مختصٌ بالعبد، وترك ما يدنسه ويشينه مما هو مختصٌ به، فالموقف الكامل هو المروءة وهو ترك الموقف الناقص، كأن مكارم الأخلاق جُمعت في المروءة، وكأن مساوئ الأخلاق جُمعت في اللؤم، فلان ذو مروءة أي فيه خير، فيه تواضع، فيه كرم، فيه شجاعة، فيه وفاء، فيه إنصاف، جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، وجُمعت مساوئ الأخلاق في اللؤم، لئيم، على بخيل، على جبان، على منحرف، على شهواني، جُمعت مساوئ الأخلاق في كلمة واحدة هي اللؤم.
الإمام عليٌ رضي الله عنه يقول: والله والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين.
سئل أحدهم ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده.
ما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب :
لذلك أيها الأخوة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي المروءة وجمعت مساوئ الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي اللؤم، والفتوة بين التخلق وبين المروءة وكأن هذه المرتبة تخص الشباب لأن ريح الجنة في الشباب، ولأن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول: "انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي" .
وما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/04.jpg
أيها الأخوة، حينما نقول: إنما الحلم بالتحلم، أنت بالبدايات تتصنع الحلم، موقف يؤلم، تغلي من الداخل، لكنك ضبطت أعصابك، هذا تحلم، لكن بعد حين تكون حليماً، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق.
إذاً تتحلم فتكون حليماً، تتكرم فتكون كريماً، تتعلم فتكون عالماً، هذه مرتبة البدايات، للتوضيح: إنسان تاب إلى الله، من لوازم توبته أن يكف عن سماع الغناء، لكن كان هناك أغان قبل أن يتوب يحبها كثيراً، راكب في مركبة عامة وضعت هذه الأغنية لا شك أنه يطرب لها أشد الطرب، لكن هو بحسب النصوص لم يستمع إنما سمع، وفرقٌ كبير بين من استمع وبين من سمع، فهو الآن حينما كف عن سماع الغناء ضبط هذه الشهوة، لكن بعد حين يمقت هذه الأغنية، هذه مرتبة أعلى.
حينما تشتاق للمعصية ولا تفعلها خوفاً من الله هذه مرتبة في البدايات، لكن بعد حين: (( ليس منا مَنْ لم يتَغَنَّ بالقُرآنِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
لكن بعد حين تشمئز من هذه الأغنية لأنها لا تليق بمؤمن، والمعاني ساقطة، والمعاني مثيرة، وكأنها تدعو إلى معصية. عظمة الإسلام أنه أقرّ مكارم الأخلاق في الجاهلية :
أيها الأخوة، شيءٌ آخر: الإسلام عظمته أن مكارم الأخلاق في الجاهلية أقرها، فقال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
ففي الجاهلية كان هناك مروءة، و كرم، إنسان يركب فرسه في أيام الحر الشديدة رأى رجلاً ينتعل رمال الصحراء المحرقة، أشفق عليه، دعاه إلى ركوب الخيل وراءه، ولم يكن يدري أن هذا أحد لصوص الخيل، فما أن اعتلى هذا اللص وراء صاحب الخيل حتى دفعه نحو الأرض، وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، فقال له صاحب الفرس: لقد وهبت لك هذه الفرس، اطمئن، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا شاع هذا الخبر تذهب المروءة، وبذهاب المروءة من الصحراء يذهب أجمل ما فيها، كان هناك قيم جاهلية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( أسلمت على ما أسلفت لك من خير ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ]
وكان يقول: (( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
لذلك قال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
ولهذا الحديث روايةٌ أخرى: (( وإنما بعثت معلماً ))
[أخرجه الحارث وأبو داوود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
الفطرة و الصِبغة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/05.jpg
لابد من توضيح دقيقٍ جداً، هناك فرقٌ كبير بين الفطرة وبين الصِبغة، الفطرة أن تحب الخير وليس من الضروري أن تكون خيراً، الفطرة أن تحب العدل وليس من الضروري أن تكون عادلاً، الفطرة أن تحب الإحسان وليس من الضروري أن تكون محسناً،ً هذه الفطرة تحب مكارم الأخلاق، محبة مكارم الأخلاق شيء وأن تكون ذا أخلاقٍ شيء آخر، لكنك حينما تتصل بالله تصطبغ نفسك بكمال الله، الآن دخلنا في الصبغة قال تعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾
[ سورة البقرة الآية: 138 ]
أما الفطرة فأن تحب مكارم الأخلاق، لذلك: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾
[ سورة الروم الآية: 30 ]
كل واحد حتى السيئ، حتى اللص، حينما يسرق مع رفاقه يقول أحدهم: وزع هذا بالعدل، و لكن هذا مال مسروق!
أحياناً الإنسان يقول كلاماً عجيباً، هو غارق في المعصية وعنده فطرة، أحياناً تقول الراقصة: إن الله وفقني بهذه الرقصة، شيء مضحك طبعاً!. ما من عملٍ أعظم عند الله من حلّ مشكلات الشباب :
الآن كما هو ملاحظ الشباب قوة كبيرة جداً، الله عز وجل قال عنهم: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
[ سورة الكهف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/06.jpg
كلمة فتوة تعني الشباب، أنا لي رأي خاص، أنا أرى أن الشباب في المجتمعات المعاصرة قنبلةٌ موقوتة، هذا الشاب يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى زوجة، يحتاج إلى فرصة عمل، فإن لم توفر له هذه المطالب الأساسية الثلاث تطرف، هناك تطرفان؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، تطرف التفلت يبدأ بإلغاء الدين وينتهي بالإباحية كما ترون وتسمعون، أما تطرف التشدد فيبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير، الشباب بين تطرفين؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، لأن من حقه أن يكون له بيت، من حقه أن يكون له زوجة، من حقه أن يكون له عمل يعيش منه.
لذلك أيها الأخوة، ما من عملٍ أعظم عند الله الآن من تأمين لشاب وشابة، من تزويج شابٍ بشابة، من تهيئة فرصة عمل لشابٍ أو شابة، هذه مشكلة المشكلات، ما لم تحل مشكلة الشباب، لن يكون لنا مستقبل، مستقبلنا في الشباب، وريح الجنة في الشباب، ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
هذه المرتبة في القرآن الكريم، مرتبة الفتوة كأنها خاصة بالشباب، أنا أقول أيها الأخوة: الشيوخ هم الماضي، والكهول هم الحاضر، والشباب هم المستقبل، لذلك الآن ليس هناك من نهضةٍ لأية أمة إلا وتعتمد على الشباب. الشباب قوةٌ كبيرة وهم قوام نهضة الأمة :
هناك ملمح من السيرة والله يلفت النظر، أن النبي الكريم يشكل جيشاً يضع على رأسه قائداً شاباً لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً، من جنود هذا الجيش؟ أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، يعني هل يعقل أن يمشي خليفة المسلمين مشياً وقائد الجيش أسامة على ناقة؟ أسامة كتلةٌ من الأدب، قال: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأمشينّ، قال: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدمي ساعة في سبيل الله، خليفة المسلمين الصاحب الأول لسيد المرسلين يمشي، وشابٌ في السابعة عشر من عمره عينه النبي قائداً للجيش.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/07.jpg
الآن شاب عندنا في السابعة عشر، كان الشاب قديماً معه بضع تمرات والسيف إلى الجهاد، الآن معه همبرغر، وبيبسي إلى الملعب، اختلف الوضع اختلافاً كلياً، مستقبل هذه الأمة للشباب.
لذلك سيدنا الصديق احتاج إلى عمر ليكون مساعده في إدارة البلاد، وهذا عمر جندي عند أسامة، فقال له: يا أسامة! أتأذن لي بعمر؟ ما هذا النظام التسلسلي؟ هناك جيش، و قائد، القائد أسامة، أحد الجنود عمر، الخليفة أراد أن يستبقي عمراً إلى جانبه كي يعينه على إدارة البلاد، فما قال له: ابقَ معي، إذا قال له: ابقَ معي تجاوز القائد، قال له: يا أسامة أتأذن لي بعمر؟ هؤلاء أين تعلموا؟ في أي جامعاتٍ درسوا؟ من أي جامعاتٍ تخرجوا؟ أي أعلى درجة بإدارة البلاد اتبع التسلسل.
مرة حدثني مدير ثانوية معين في بلدة قال لي: جاء مدير التربية، فأخذ معه أمين السر، دون أن يسألني، ثم قال لي: جاء مدير تربية ثان، احتاج لأمين السر دخل واستأذنني، قال لي هل تسمح لي به؟ الموقف الثاني حضاري، هناك مؤسسة على رأسها مدير، وهذا موظف عند هذا المدير.
أيها الأخوة، ما عيّن النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد في هذا المنصب إلا ليشعرنا أن الشباب قوةٌ كبيرة، وأن الشباب قوام نهضة الأمة.
أيها الأخوة، ورد في الأثر:
(( أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد ـ كتلة شهوات ضبطها ـ أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للكريم الفقير أشد، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد، وأبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ))
[ورد في الأثر]
من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه :
أخواننا الكرام، ملخص الملخص أن الله عز وجل أودع فينا الشهوات، وبإمكانك أن تتحرك بهذه الشهوات مئة وثمانين درجة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/08.jpg
الشرع سمح لك بمئة درجة، بطولة المؤمن أنه يوقع حركته في هذه المنطقة التي سمح الله بها، لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
المعنى المخالف عند علماء الأصول الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، كلنا نعلم إذا كان هناك عرس يوجد إطلاق أبواق السيارات، ألا يستحيون؟ لا، هذا منهج الله عز وجل، الزواج مشروع، أما أي علاقة مع أنثى خارج الزواج ففضيحة، لذلك قال تعالى: ﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 86 ]
الشرع سمح لك بحيز كبير جداً من الحلال ومنعك عن الحلال، كم نوع من الشراب الآن؟ والله هناك ألف نوع، كله مباح عدا الخمر، سمح لك أن تشرب ما تشاء من عصائر الفواكه، أما الخمر فمحرمة، سمح لك بالمرأة كزوجة أولى وثانية وثالثة ورابعة، لكن لا يوجد عشيقة بالإسلام. الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/09.jpg
قال بعض العلماء: الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان:
ما كنت مذ كنت إلا طوع أخواني ليست مؤاخذة الإخوان من شأني
إذا خليليَّ لم تكثر جنايتــــه فأين موضع إحساني و غفراني؟
***
من صفات الفتى الصفح عن عثرات الأصدقاء، والصفح عن الزلات، يقول لك: اتق شر من أحسنت إليه، هذه ليست حديثاً هذه كلمة، أما أنت حينما تحسن إليه وتنسى الله وتفاجأ بموقف غير أخلاقي منه فتحس بإحباط شديد، أما لو أنك قدمت هذا العمل لله، ولم يكن منه رد فعلٍ جميل فلا تعبأ به.
لذلك قيل: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ فأنت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله. الفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7602/10.jpg
أيها الأخوة، قال الإمام أحمد: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى، الإنسان أحياناً هناك أكلات لذيذة يحبها، قال له الطبيب: هذه الأكلة تسبب لك أزمة قلبية فيتركها، لذلك جاء الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فقال: يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله؟ إذاً فما أكفرك، طبيب يقول لك: البيت المرتفع بعه فوراً واشترِ داراً أرضيةً من أجل قلبك، تكون قد بذلت جهداً كبيراً في كسوته سنوات وسنوات تبيعه فوراً، لأن الطبيب قال ذلك، الله عز وجل يقول لك بستمئة صفحة بكتاب الله :
﴿ اتَّقِ اللَّهَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 206 ]
افعل كذا، افعل كذا، يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب - وعيد الطبيب مرض- أشد عندك من وعيد الله؟ -جهنم- فما أكفرك.
أيها الأخوة الكرام، ترك ما تهوى لما تخشى هذه من مراتب الفتوة، والفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل، وكأن هذه المرتبة تعني الشباب أكثر ما تعني، وفي موضوعٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع هذه التفصيلات.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-14-2018, 01:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الستون )

الموضوع : تعريف مضامين الفتوة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من تعريفات الفتوة :
1 ـ فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ عنوانه: "الفتوة"، وهو موضوعٌ يتصل اتصالاً وثيقاً بـ :"سبل الوصول إلى الله وعلامات القبول".
من تعريفات الفتوة: هي فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها، المؤمن الصادق إذا فُعل معه معروف لا ينساه أبداً، أما إذا فَعل معروفاً ينساه فوراً، البطولة أن تنسى معروفك مع الناس، وألا تنسى معروف الناس معك، بينما أناسٌ كثيرون إذا فَعل خيراً يمنن به، وإذا فُعل معه خير لا يفكر فيه إطلاقاً، الفتوة فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها.
2 ـ ألا تحتجب عمن قصدك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/01.jpg
أيها الأخوة، ومن تعريفات الفتوة: ألا تحتجب عمن قصدك، هناك إنسان يسحب الهاتف قبل أن ينام، أنت طبيب قلب، يتصل بك أحدهم فلا تجيب، بشكل أو بآخر أي إنسان حجب نفسه عن خدمة الآخرين هو ضعيف الفتوة، أي راحته وسعادته فوق كل مصالح الخلق، الحياة دار عمل وليست دار جزاء، فإذا ظنها الإنسان دار جزاء وقع في خطأ كبير، الأنبياء العظام، الصحابة الكرام، عاشوا للناس، أما الأقوياء فعاش الناس لهم، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، فلأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا دار عمل، لأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا إعدادٌ للآخرة.
لذلك أول صفات المؤمن أنه يبني حياته على العطاء لا على الأخذ، وأول صفات غير المؤمن أنه يبني حياته على الأخذ.
3 ـ إظهار النعمة وإسرار المحنة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/02.jpg
الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة، أناسٌ كثيرون يتشكى ويتشكى، يكون في بحبوحة كبيرة، وبيت، ومركبة، وأولاد، وزوجة، وتجارة عريضة، لأتفه الأسباب يتشكى، هذا التشكي ليس من صفات المؤمن، انظر ما الذي أعطاك الله إياه، انظر كم أنت بنعمة، المؤمن يرى نعم الله عليه، والذي غاب عنه يراه حكمة بالغة، من هنا ورد في الأحاديث الشريفة:
((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
أي يظهر النعمة ويحجب عنك المحنة، المحنة بينه وبين الله، لأنه يعلم علم اليقين أنه ما من محنةٍ إلا وراءها منحة، ويعلم علم اليقين أنه ما من شِدةٍ إلا وراءها شَّدة إلى الله عز وجل، فهو راضي عن الله ، ويقبل كل المصائب عن فهمٍ وعن وعيٍّ، ويرى هذه المصائب ساقها الله لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، وحينما يكشف الله لنا يوم القيامة الحكمة من سوق المصائب نذوب محبةً لله عز وجل. 4 ـ الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر :
أيها الأخوة، وقيل في الفتوة: الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، ألا تدخر وسعاً، أي إذا كان بإمكانك أن تخدم الناس بمالك، أو بعلمك، أو بجاهك، أو بوقتك، لا تدخر ما آتاك الله إياه عن الناس، أنت في الدنيا من أجل العمل الصالح، حجمك عند الله بحجم العمل الصالح، اسأل نفسك هذا السؤال المحرج ماذا قدمت لهذه الأمة؟ حجمك عند الله لا بما تستهلك، حجمك عند الله بقدر ما تقدم، ألا تدخر وسعاً، لا وسعاً مالياً، ولا علمياً، ولا اقتصادياً، ولا اجتماعياً، لا تدخر جاهك إذا كان هذا الجاه يحل مشكلة، وألا تعتذر، من أدق الأحاديث الشريفة.
(( وإياك وما يعتذر منه ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/03.jpg
أي موقف، أي سلوك، أي تصرف، تضطر أن تقول: اعذروني، إياك أن تفعله أصلاً، كما قلت لكم: جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، والفتوة قريبةٌ من المروءة، ولكن تخص الشباب، الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، الفتى معطاء، هناك أشخاص الموقف الأساسي بحياتهم العطاء، الآن المؤمن يسعد إذا أعطى، غير المؤمن يرى نفسه ذكياً جداً إذا أخذ، في بالتعبير المعاصر إستراتيجية، ما الذي يحكمك العطاء أم الأخذ؟ إن كان الذي يحكمك العطاء فأنت من أهل الآخرة، المؤمن لا يفكر أبداً بالتعويض، يفكر بعمل صالح، وأنا أقول دائماً: هذا المال ضعه تحت قدمك تناله، أما إذا وضعته أمامك فتخسره، أنت طبيب، مهندس، تاجر، إذا كان همك الأول المال تخسره، إذا همك تقديم خدمة للناس تربحه أضعافاً مضاعفة، شيء عجيب! إن وضعته أمامك تخسره وإن وضعته تحت قدمك تربحه.
فلذلك الفتى خيِّرٌ معطاء. 5 ـ استرسال الناس في فضلك :
والحقيقة من تعريفات الفتوة: استرسال الناس في فضلك، طبعاً أنت باشٌ فيهم، تعرض عليهم خدماتك، هذا الموقف اللطيف -عرض الخدمات- حينما يلتقون بك يرون أنساً وترحيباً، هم يسترسلون في فضلك، فأنت عندئذٍ تبذل لهم ما تستطيع، استرسال الناس في فضلك، أي وجه باش، زارك ترحب به http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/04.jpg
أما أنت بأيام معدودة تصرف عنك كل الناس، موقف قاس، كلمة قاسية، أغلق الباب في وجهه، انتهى، لا أحد يأتيك إطلاقاً، فحينما يسترسل الناس في فضلك بسبب أنك رحبت بهم، وآنستهم، وأكرمتهم طبعاً هناك متاعب كثيرة، قال: اصنع المعروف مع أهلهِ ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ أصبت أهلهُ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
النقطة الدقيقة: ما دمت تعمل هذا العمل لوجه الله لا تهتم إطلاقاً لردود الفعل، أي قدر أم لم يقدر، شكر أم لم يشكر، عرف قيمتك أم لم يعرف، نوه للناس بفضلك أم لم ينوه، كله عندك سيان، أنت عملت هذا لوجه الله، والله قبل هذا العمل، أروع ما في حياة المؤمن أنه يستغني عن المديح، أو لا يستجدي المديح، يرضي الله، وانتهى الأمر، بينما الذي يرضي الناس إن كانت ردود الفعل غير مناسبة له يضجر، يقول: يا أخي اتقِ شرّ من أحسنت إليه، أنت أحسن لله ولا تعبأ بردود الناس معك.
إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده :
كما قلت قبل قليل: ببساطةٍ ما بعدها بساطة تصرف الناس من عندك بكلمة قاسية، بوجه متجهم، باعتذار قاس، بتعليق شديد، لا أحد يطرق بابك، الناس عندهم ذوق، فإن استرسلوا بفضلك طمعوا فيك، وإذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده، فالذي يأتيه الناس زرافاتٍ ووحدانا عليه ألا يضجر، فإذا ضجر ليس أهلاً لهذه الأعمال الجليلة، الله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/05.jpg
والحقيقة هناك عشرات التصرفات الذكية، والحكيمة، والمخلصة، والرحيمة، تجذب بها الناس إليك، تصرف واحد أحمق تصرفهم عنك، فجمع الناس ليس قضية سهلة، هذا الشيء يحتاج إلى لباقة، إلى فهم، إلى أن تعرف أقدار الناس، إلى أن تكون حكيماً معهم، إلى أن تستوعبهم، أن تحتمل تجاوزاتهم، ما دام الهدف الله عز وجل، ما دام الهدف الجنة، فالمؤمن يمتص كل هذه المزعجات. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم ]
لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى وابن أبي شيبة في مسنده عن أبي هريرة ]
الحلم سيد الأخلاق :
لذلك الله عز و جل يخاطب نبيه الكريم يقول له:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 199 ]
كلمة خذ أي هذا شيء ثمين من الله ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾
اعفُ عنهم أي اجعل نصيبك من الله أنك عفوت عنهم. ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
من هنا يكون الحلم، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، بتعبير آخر الفتوة أن تدع الناس يطؤون عليك من شدة لينك، وتواضعك، وخفض جناحك. من يتصل بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة و ليناً :
أخواننا الكرام آيةٌ من أدق الآيات يقول الله عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/06.jpg
حينما يتصل الإنسان بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة، الرحمة شيء ثمين، يمتلئ قلبه رحمة، هذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة، هذا اللين يجعل الناس يلتفون حولك، الآن ولو كنت منقطعاً عنا يا محمد لامتلأ القلب قسوة، فانعكست القسوة غلظةً، وفظاظة، والغلظة والفظاظة تجعل الناس ينفضون عنك.
هذه الآية يحتاجها الأب، والأم، والمعلم، وأي منصب قيادي في الأرض، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةٍ، فالرحمة من منعكساتها اللين، اللين يجذب الناس إليك، والبعد عن الله عز وجل يجعل القلب قاسياً، والقسوة تنعكس غلظةً وفظاظةً، ينفضون من حولك، هل هناك أب لا يتمنى أن يكون مَن حوله مِن أولاده وبناته وأصهاره يحبونه و يعجبون به؟ شيء طبيعي جداً، الرحمة تجعلك ليناً، والبعد عن الله يجعلك قاسياً، والرحمة منعكساتها اللين، والقسوة الغلظة والفظاظة.
مرة الشيخ بدر الدين -رحمه الله تعالى- شيخ سورية، مشى مع أخوانه، و هناك أحد الأخوة ابتسم، فقال له: ما الذي دعاك تبتسم؟ استحى، جراب الشيخ قد نزل، فنظر إلى جرابه قال له: أدخل الله على قلبك الفرح.
الذين حولك يجب أن تؤنسهم، أن تداعبهم، أن تمازحهم، حتى يلتفوا حولك، المؤمن ليِّن، هيِّن ليِّن ، يألّف ويؤلّف، دائماً التصنع ينفر الناس منك، كن طبيعياً. 6 ـ ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضى الناس بها :
الآن من معاني الفتوة ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضاهم بها، أنا لي مكانة غير مكانتكم، أي إنسان يتوهم لنفسه رتبة عالية جداً، في ضوء هذه الرتبة يحاسب الناس، أنت لم تقف لي، أنت لم تحترمني، أنت لم تقل لي: دكتور، ما هذا؟! كن طبيعياً، عامل الناس كواحد منهم، لا كسيدٍ عليهم، الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم بها، أنا أب خير إن شاء الله! أنت في البيت واحد من أهل البيت، قد يكون لك خارج البيت مكانة كبيرة، أما في البيت فواحد منهم.
(( إن دخل دخل ضاحكاً وإن خرج خرج بساماً ))
[ أخرجه الحاكم عن أم أبان بنت عتبة بن ربيعة ]
كان يصف النساء: (( فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
كان إذا دخل بيته يكون كواحدٍ من أهله. (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ))
[أخرجه أبو يعلى وابن حبان وعبد الرزاق عن عائشة أم المؤمنين ]
يصغي الإناء للهرة، كان في مهنة أهله، هذا الإنسان العظيم صاحب أكبر دعوة في الأرض، في بيته واحد منهم، كان يرى أن أبناء ابنته فاطمة الحسن والحسين يسرهم أن يركبوا على ظهره، سيد الخلق وحبيب الحق، يركبون على ظهره ويدع لهم وقتاً كافياً كي يستمتعوا، ما هذه النبوة؟.
فالمؤمن يألّف ويؤلّف، لازلنا في صفات الفتوة.
واحد من أصحابه، دخل أعرابيٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، تأملهم واحداً واحداً، قال: أيكم محمد؟ ما هذا! والله يحكى سنة على هذا النص أيكم محمد؟ ليس له لباس خاص؟ ولا كرسي خاص؟ ولا مكان خاص؟ ولا هيمنة؟ ولا كهنوت؟ واحد من أصحابه، وكلما ألغيت التصنع، والعلو، والهيمنة، كنت أقرب إلى الله عز وجل.
النبي معروف، كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاةً بكل بساطة، قال أحدهم عليّ ذبحها، قال الثاني: علي سلخها، قال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، واحد من أصحابه، قالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا هو.
في معركة من المعارك الرواحل ثلاثمئة و الصحابة ألف، أعطى النبي أمراً قال: كل ثلاثة على راحلة، هو قائد جيش، زعيم أمة، نبي، رسول، قال: وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أقل جندي، ركب الناقة، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر، هذه النبوة. 7 ـ الحفاظ على القلب مع الله ودوام الإقبال على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/07.jpg
قالوا: الفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال على الله، ما دمت متصلاً بالله فأنت أسعد الناس، أنت مستنير ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، بقدر اتصالك بقدر رؤيتك الصحيحة، بقدر اتصالك بقدر النور الذي يقذف في قلبك، عفواً تجد المؤمن يعيش ثلاثين سنة لا يدخل مركز شرطة لأنه محسن، الأشياء واضحة عنده تماماً، أما الإنسان البعيد عن الله فيتورط بورطات كبيرة، يدفع ثمنها باهظاً، فالإنسان كلما استقام كلما حقق السلامة.
فالفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، لكن كيف نجمع بين أن تكون مع الناس وبين أن تنأى عن سقطاتهم ووحلهم؟ هناك مصطلح جديد سماه بعض الأدباء البرج العاجي الأخلاقي، أنت لست في برجٍ عاجيٍ فكري تنأى عن هموم المجتمع، عن مشكلاته، أنت مع الناس، مع مشكلاتهم، لكنك في برجٍ عاجي أخلاقي، أنت معهم لكن لا تسقط في وحولهم، أنت معهم لكن لست في سقطاتهم، هذا البرج العاجي الفكري وسام شرف أما البرج العاجي الفكري فاستعلاء وابتعاد عن مشكلات المجتمع.
8 ـ ألا تشهد لك فضلاً وألا ترى لك حقاً :
قالوا: والفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً، فضلك على الناس أغفلته كلياً وكأنه لم يكن، وحقك على الناس نسيته، تنتبه إلى فضل الناس عليك وإلى حقهم عليك، الحقيقة هذه بطولة كبيرة.
لما وجد الأنصار في أنفسهم على النبي الكريم، هذا متى؟ عقب حنين، عقب حنين دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، أي أقوى وقت كان فيه النبي عقب حنين، انتهت بدر، أُحد، والخندق، فتحت مكة، آخر معركة حنين دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وأناسٌ وجدوا عليه في أنفسهم، والله بمنطق الأقوياء يلغي وجودهم، بمنطق الأقوياء يهملهم، بمنطق الأقوياء يعاتبهم عتاباً شديداً، يهدر بهذا العتاب كرامتهم، ماذا فعل؟ والله شيء لا يصدق! ذكرهم بفضلهم عليه قال:
(( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ]
لو قلتم هذا الكلام أنتم صادقون والناس جميعاً تصدقكم بهذا الكلام: (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ))
يمكن أن تذكر من حولك وأنت قويٌ جداً بفضلهم عليك: (( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً))
دقق فما قال هديتكم، قال: (( فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا؟ تألفت قوماً ليسلموا؟ ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ]
سبحانك يا رب! هذه المواقف أين مكانها في السيرة؟ مع وفائه؟ أم حكمته؟ أم مع رحمته؟ أم مع محبته؟. أي حوار فيه استعلاء لا ينجح :
أيها الأخوة، سيدنا عمر مرة جاءه رسول من نهاوند، سأله ما الذي حصل؟ قال له: والله مات خلقٌ كثير، قال له: من هم؟ قال له: أنت لا تعرفهم، فبكى قال: ما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم، ومن أنا؟ انظر إلى أدب القرآن في الحوار. ﴿ وَإِنَّا ﴾
[ سورة سبأ الآية: 24 ]
النبي الكريم: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة سبأ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/08.jpg
الحق كرة عندي أو عندك، سويت نفسك مع المحاور، هناك إنسان يحاور وهو الأصح، وهو الذي لا يخطئ، وهو المهيمن، لا، إن أردت أن تأخذ بيد الناس تواضع لهم، كلام النبي ينطق به القرآن: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
بهذه المساواة التامة مع الخصم، أخي إما أنا أو أنت على حق، سنتحاور، أنا نبي مرسل معي وحي السماء وأنت لا تفهم شيئاً، لا، لا يجوز أن تتكلم هذا الكلام ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
يوجد أدب آخر لا يصدق. ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة سبأ ]
معقول دعوة النبي جريمة؟ ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
هذا أدب القرآن في الحوار.
لذلك أي حوار فيه استعلاء لا ينجح، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنا على حق وقد أكون مخطئاً، والآخر على باطل وقد يكون مصيباً. حاجة الشباب إلى مبادئ وقيم و فرص عمل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7603/09.jpg
أيها الأخوة، الفتوة تعني مكارم الأخلاق، لكن الشباب الآن بحاجة للفتوة، بحاجة إلى قيم، إلى مبادئ، بحاجة إلى مثل، الشباب هم المستقبل، والحقيقة الذي يصنعه الشباب لا تصنعه فئةٌ أخرى، لكن هؤلاء الشريحة الشابة بحاجة إلى مبادئ، إلى قيم، بحاجة إلى فرص عمل، بحاجة إلى زواج، بحاجة إلى بيوت، والله أنا الذي أتمناه على الله أن تهتم الأمة بشبابها، وإلا الشباب أمام تطرفين تطرف تفلتي إلغاء الدين والإباحية، أو تطرف تشددي التكفير ثم التفجير، فما لم نرعَ الشباب، ونرعَ مصالحهم، ونرعَ مستقبلهم، ونرعَ زواجهم، ونرعَ تأمين فرص عمل لهم، فالأمة تمشي في طريق مسدود.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الستون )

الموضوع : الاعتصام بالله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الاعتصام :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوع جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الاعتصام".
اعتصم العبد بالله إذا استعان به، والتجأ إليه، واحتمى به، عصم الله عبده أي حماه من سوءٍ قاربه، العصمة؛ المنع أي منع شريراً أن يصل إليك، والحفظ حفظك من كل مكروه، يمنع عنك المعتدين، ويحفظك من كل مكروه.
الاعتصام بالكتاب والسنة التمسك بهما ، إقامة أمرهما.
أنواع الاعتصام :
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الاعتصام نوعان: أن تعتصم بحبل الله، وأن تعتصم بالله، بينهما فرقٌ دقيق، أن تعتصم بحبل الله أن تهتدي بالقرآن، القرآن يدلك على سبل سلامتك، وسبل سعادتك، الاعتصام بالقرآن اعتصامٌ بالنور الإلهي، اعتصامٌ بمنهج الله عز وجل، اهتداءٌ بهديه، سيرٌ على طريقه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/01.jpg
الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فأن تستعين به، فتغدو قوياً، أن تستعين به فتغدو حكيماً، أن تستعيذ به وأن تستعين به فترى عدوك صغيراً، الاعتصام بالله، بقدرته، بتوفيقه، بتأييده، بنصره، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، اعتصام بحكمته، اعتصام بحفظه، فالآيات متنوعة قال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 103 ]
وهناك آيات كثيرة: ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 146 ]
الاعتصام بحبل الله أن تهتدي بهديه، أن تتحرك وفق منهجه، أن تستنير بنوره، أن تحقق ما أمرك به، اعتصام معرفي، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، ونصره، وتأييده. النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده بينما أمته معصومةٌ بمجموعها :
أيها الأخوة،
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/02.jpg
للسادة المفسرين آراءٌ متباينة منها: الاعتصام بدين الله، هذا الدين جملةً وتفصيلاً، بما في كتابه وبما في سنته، الاعتصام بحبل الله الاعتصام بدين الله، والاعتصام بحبل الله الاعتصام بالجماعة. (( عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]
أن تعتصم بجماعة المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طمأننا أنه: (( لن تجتمع أمتي على الضلالة))
[ الطبراني عن ابن عمر]
النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها. (( لن تجتمع أمتي على ضلالة))
للتوضيح: نُشر كتاب، لا يوجد فيه خطأ، النصوص صحيحة، الأدلة قوية، وفق منهج الله، وفق سنة رسول الله، وفق مقاصد الشريعة، يُنشر ويباع منه بالآلاف ولا أحد ينطق بكلمة، فإذا نُشر كتاب فيه ضلالات تقوم الدنيا ولا تقعد.
لذلك من حكمة الله عز وجل ومن فضله أنه عصم الأمة عن أن تجتمع على خطأ، هي معصومةٌ بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده. الجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين :
لذلك
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/03.jpg
اعتصموا بدين الله جملةً وتفصيلاً، واعتصموا بجماعة المسلمين، وهل تصدقون أن الجماعة قد تكون واحداً؟ الجماعة من كانت على حق، جمعاً غفيراً، أو قلةً قليلة. (( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خالفهم ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ]
أي بكل عصر هناك حق، قد يتسع، قد تتسع رقعته، وقد يقل، فالجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين، ولحكمة الله البالغة في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل جمع، وفي كل مؤسسة هناك إنسان مستقيم، حجةٌ على من حوله، بأسوأ الأماكن، بأسوأ الظروف، إنسان مستقيم يقيم الحجة على من حوله، والظروف نفسها.
هناك بلاد عليها ضغوط لا يعلمها إلا الله، أحد هذه البلاد يقيم منهج الله، هذا البلد الصغير الضعيف لا يوجد به خمر، ولا مقهى، ولا انحراف، هذا البلد الضعيف حجةٌ على من حوله، لذلك دائماً الحجة قائمةٌ على العباد. القصة المعاصرة وقعها أشد في النفس لأن الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها :
بالمناسبة القصة القديمة لها وقع، أما أنا فأرى أن القصة المعاصرة وقعها أشد، السبب هذا الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها، والإغراءات نفسها، والعقبات نفسها، والصوارف نفسها، واستقام على أمر الله، بل إن الأنبياء بشر، تجري عليهم كل خصائص البشر http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/04.jpg
ولولا أنهم بشر وتجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر، النبي يغضب، ويرضى، ويشتهي، ويحب، ويتمنى، لأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، لذلك هو سيد البشر.
فالقصة المعاصرة لها وقع كبير جداً، كيف استطاع هذا الإنسان أن ينجو من كل هذه الضغوط والإغراءات والصوارف والعقبات؟ إذاً هو حجةٌ على من حوله، لا تتصور أن الله سبحانه وتعالى يكلفك ما لا تستطيع.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 286 ]
والاستطاعة لا تحددها أنت يحددها الله عز وجل، فإذا أمرك بغض البصر بإمكانك أن تغض البصر، فإذا توهمت أنك لا تستطيع غض البصر اعلم يقيناً أنك لا تريد أن تغض البصر، الذي تدّعي أنك لا تستطيعه هو الذي لا تريده. على الإنسان الاعتصام بعهد الله و الاعتصام بجماعة المؤمنين :
أيها الأخوة، على الإنسان الاعتصام بدين الله عامةً، والاعتصام بجماعة المؤمنين، وأن يتبع سبيل المؤمنين، المؤمنون لا يكذبون، المؤمنون لا يحتالون، المؤمنون لا يدلسون، المؤمنون لا يخونون، المؤمنون لا يخدعون، هناك صفات للمؤمن، الذي يميزه عن بقية الناس ليس العبادات ولكنها المعاملات، هناك مبادئ وهناك قيم تحكمه.
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/05.jpg
فلذلك الاعتصام بجماعة المؤمنين، والاعتصام بعهد الله، هذا العهد الذي قطعته على نفسك في عالم الأزل. ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 172 ]
الاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالقرآن لأن النبي وصفه بأنه حبل الله المتين، والاعتصام بأمر الله ونهيه، هذه المعاني التي قالها المفسرون في الاعتصام بحبل الله ، أما الاعتصام بالله فأن تستعين بقوته، أن تستعين بجبروته، أن تستعين بعلمه، أن تستعين بتوفيقه، بحفظه، الآية الكريمة الأصل في هذا اللقاء الطيب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 102 ]
حق التقوى أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تغفل عنه، وأن تشكره ولا تكفره. ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران ]
وحبل الله كما تبين قبل قليل التمسك بدين الله، بجماعة المؤمنين، بعهد الله، بالقرآن، بالأمر والنهي ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الاعتصام بالله اعتصام معرفي :
الآن الآية الثانية بمنحى آخر:
﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 101 ]
بحبل الله اعتصام بياني، اعتصام معرفي ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾
بقوته، بجبروته بقدرته، بغناه، بعلمه: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الكافر لا يضل الإنسان أما الخطير فهو المنافق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/06.jpg
أيها الأخوة، الآية الثالثة:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 145 ]
لأن المؤمن واضح، والكافر واضح، الكافر رفض الدين، رفض الآخرة، آمن بالدنيا واضح، الكافر لا يضلك، قال لك: أنا لست مؤمناً، أما الخطير فهو المنافق تظنه مؤمناً وهو كافر، المنافق في بعض الآيات كافر لكنه ذكي جداً، في مجتمع المؤمنين من أجل مصالحه يتزيا بالزي الديني، يطرح أفكاراً دينية كي تقبله، كي ينتفع بك، قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾
[ سورة النساء الآية: 145 ]
من آمن بالله هدي إلى الصراط المستقيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/07.jpg
ثم قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 146 ]
تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله. ﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
أيها الأخوة، آيةٌ رابعة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
الله عز وجل تولى حفظ النبي الكريم وعصمه من الناس :
أيها الأخوة، هذه الآيات، أما الأحاديث فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ ليْلا، حتى نزل { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }
[ المائدة : 67 ]
فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله )) [ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
الحقيقة هناك رجل ألماني سبب إسلامه هذا الحديث، لو كان الذي يقوله للناس ليس قانعاً به لا يمكن أن يصرف حراسه، ما دام إيمانه بالله عز وجل إيماناً في أعلى مستوى الله قال له: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ))
هذه خصوصية، ذلك لأن اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم هو عدوان على الذات الإلهية، لذلك الله عز وجل تولى حفظه، عصمه من الناس، النبي يحارب، يكذب أما لا يقتل، فإذا قتل النبي فقد انتهت رسالته ومهمته، بعد انتهاء المهمة اليهود قتلوا أنبياءهم، أما مادام في صلب الدعوة، ما دام في طور الدعوة، فالله عز وجل عصمه من أن يقتل: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله ))
النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم :
أخواننا الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وقد تعلمنا في الجامعة أن النص النبوي أفصح نصٍ على الإطلاق بعد القرآن الكريم ، وقد قال عن نفسه:
(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
هذه بيد أني من قريش أسلوب بلاغة اسمه تأكيد المدح بما يشبه الذم، تقول: فلان كريم إلا أنه شجاع، هذه إلا أنه تتوهم أنه سيذم، وقد أخذ هذا النبي الكريم هذا الأسلوب: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
وقريش أفصح قبيلة. الدعاء مخ العبادة :
الدعاء التالي من أدق الأدعية:
(( اللهم! إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها أُلفَتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوءٍ اللهم أعطني إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز عند القضاءِ، ونزل الشهداءِ، وعيش السعداءِ، ومرافقة الأنبياءِ، والنصر على الأعداءِ. اللهم أُنزل بك حاجتي وإن قصُر رأْيي، وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأْيي وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي من خير وعدته أحداً من عبادك، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك، فإني أرغب إليك فيه ))
[ أخرجه الترمذي وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/08.jpg
طموح النبي ليس له حدّ. (( اللهم وما قَصَّرَ عَنهُ رَأْيي، وَلَمْ تَبْلُغْه مَسألتي، ولم تَبلُغْهُ نِيَّتي مِن خَيرٍ وَعَدْتَهُ أحَدا مِن خَلقِكَ، أَو خَيرٍ أنْتَ مُعطيه أحداً من عبادك، فَإني أرغَبُ إليكَ فيه، وأسأَلُكَهُ برحمتكَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم يا ذا الحَبْلِ الشَّديدِ، والأمرِ الرَّشيدِ أسأَلُكَ الأمنَ يومَ الوعيدِ والجَنَّةَ يَومَ الخُلودِ، مع المقَرَّبينَ الشُّهودِ، الرُّكَّعِ السجودِ، المُوفِينَ بالعهودِ، إِنَّكَ رَحيمٌ ودَودٌ، وإنك تفعل ما تُريدُ، اللهم اجعلنا هَادِينَ مهتدينَ، غير ضالِّينَ، ولا مُضِلِّينَ، سِلْما لأوليَائِكَ، وحَرْبا لأعدائِكَ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ، ونُعَادي بِعَدَاوتِكَ مَن خالَفَكَ اللهم هذا الدُّعَاءُ وعليكَ الإجَابَةُ اللهم هذا الجُهدُ، وعَلَيكَ التُّكلانُ، اللهم اجعَل لي نُورا في قَلبي، ونُورا في قبري، ونورا من بين يَدَيَّ، ونُورا من خَلفي، ونورا عن يَميني، ونورا عن شِمالي، ونورا من فَوقي، ونورا من تَحتي، ونورا في سَمعي، ونورا في بصري، ونورا في شَعْري، ونورا في بَشَري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في مُخِّي، ونورا في عِظامي، اللهمَّ أعظِم لي نورا وأعطِني نورا، واجعَلْ لي نورا، سُبحَانَ الذي تَعَطَّفَ بِالعِزِّ وقالَ بِهِ، سُبحَانَ الذي لَبِس المجدَ وتَكرَّمَ بِهِ، سبحانَ الذي لا ينبغي التَّسبيحُ إلا لَهُ، سبحانَ ذِي الفَضْلِ والنِّعَمِ، سبحانَ ذِي المَجدِ والكَرَمِ، سبحانَ ذِي الجَلالِ والإكرَامِ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هل بعد هذه الفصاحة من فصاحة؟ هذا الدعاء والدعاء مخ العبادة، أتمنى أن يكون للمؤمن ساعة يناجي بها ربه، ناجِه في الطريق وأنت تمشي، وأنت في مركبتك، وقبل أن تنام، وبعد أن تستيقظ، مناجاة الله عز و جل شيء مسعد جداً.
من الأدعية الشهيرة: (( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
((الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
(( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصَلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعَل الحياة زيادة لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحة لي من كل شَرٍّ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كتاب الله وسنة نبيه من تمسك بهما فلن يضل أبداً :
أيها الأخوة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أيها الناس ـ كلام خطيرـ قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ))
[أخرجه عبد ابن حميد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/09.jpg
الله عز و جل ما تعبدنا بأقوال العلماء، تعبدنا بكتابه وسنته، أحياناً إنسان داعية يُدرس كتاباً، الكتاب رائع لكن لا يرقى إلى القرآن الكريم، فيه حق وفيه تقصير أحياناً. (( أيها الناس، قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ))
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (( أيما شاب تزوج في حداثة سنه ـ كان زواجه مبكراً ـ عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله ]
وأنا الآن أرى مع هذا العصر الذي يعج بالفتن، والفتن في أي مكان، أينما التفت تمسك جريدة فيها فتنة، الإنترنت فيه فتنة، الفضائية فيها فتنة، الطريق فيه فتنة، أي حركةٍ أو أية سكنةٍ فيها فتنة، في هذا العصر أنا مع أنصار الزواج المبكر، هذا الشاب الذي تزوج في حداثة سنه: (( عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه ))
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
ألا تقول في الفاتحة في اليوم عشرات المرات: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة ]
أي نستعين على عبادتك بك.
لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله :
وفي بعض الأقوال:
(( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7630/10.jpg
وهذا مقام النبوة، قال: ربِ: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
(( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
(( نزل جبريل عليه السلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره: أنها ستكونُ فتَن، قال: فما المخرَجُ منها يا جبريل؟ قال: كتابُ الله، فيه نَبَأُ ما قبلَكم ونبأ ما هو كائن بعدَكم، وفيه الحُكم بينكم، وهو حبلُ الله المتين، وهو النورُ المبين، وهو الصراطُ المستقيم، وهو الشفاء النافع، عِصْمة لمن تمسّك بهِ، ونجاة لمن اتَّبعه، لا يَعْوجُّ فَيُقَوَّم، ولا يزيغ فَيُسْتَعْتَبَ، ولا يَخْلَقُ على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لا تلتبس به الأهواء، ولا تشْبع منه العلماء، هو الذي لم تنته الجنّ إِذ سمعتْه أنْ قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَن وَلِيَه من جبَّار فحكم بغير ما فيه قَصَمه الله، وَمَن ابتَغَى الهُدى في غيره أَضَلَّه الله ، مَن قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومَن اتَّبعه هُدِي إِلى صراط مستقيم ))
[أخرجه زيادات رزين عن عبد الله بن عمر ]
أيها الأخوة، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: (( مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا استَخْلَفَ مِن خَليفةٍ، إلا كانَتْ لَهُ بِطَانَتانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عليه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عليه، والمَعْصُومُ مَنْ عَصمَ اللهُ ))
[أخرجه البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ]
والحديث الأخير: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن الله عز وجل يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الستون )

الموضوع : الاعتصام سلوك ايمانى يؤدى الى ايمان قوى








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. انضباط المؤمن بأقواله وأفعاله :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه الاعتصام.
فعن الحارث بن هشيمٍ رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بأمرٍ أعتصم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( املك هذا وأشار إلى لسانه ))
[ الطبراني عن الحارث بن هشيم]
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/01.jpg
بل إنه: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر في الإحياء أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية كبيرة عن طريق اللسان. (( املك عليك هذا ))
احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنــــك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تخاف لقاءه الشجعان
***
فالإنسان بكلمة يفرق بين زوجين، بكلمة يفسد علاقة شريكين، بكلمة يفرق بين أمٍ وابنها، بكلمة يفرق بين أخٍ وأخيه، فالكلام أحياناً له فعل السنان، والمؤمن منضبطٌ في أقواله وأفعاله، الشيء الصارخ بالمؤمن المتميز أنه يضبط لسانه، هنك غيبة وهناك نميمة. (( لا يدخل الجنة نمّام ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة بن اليمان ]
كبائر اللسان لا تقل عن الكبائر الأخرى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/02.jpg
المشكلة أن المسلمين توهموا أن الكبائر؛ الزنا، والقتل، والخمر، وهذا صحيح، ولكن هناك كبائر لا تقل عنها؛ كبائر اللسان، تجد لقاء طويلاً كله غيبة ونميمة، والناس في راحة تامة: (( املك عليك هذا ))
[ الطبراني عن الحارث بن هشيم]
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
لي رأيٌ خاص أنه إذا ذُكرت امرأةٌ في مجلس فقال الواحد: لا نعرف، ما تكلم شيئاً، كأنه طعنها في الصميم، كأنه اتهمها بالزنا، فالإنسان قبل أن يقول كلمة، قبل أن يتكلم يجب أن يعد للمليون. (( املك عليك لسانك ))
الشرك الخفي أخطر شيء في حياة المسلمين :
وعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: أيها الناس ، كلام دقيق: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ))
[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/03.jpg
من فضل الله أن الشرك الجلي بالعالم الإسلامي غير موجود، طبعاً هناك بلاد بشرق آسيا يعبدون صنماً من دون الله، بلاد يعبدون حجراً، بلاد يعبدون شمساً وقمراً، هناك شرك لا ينتهي جلي في العالم، في العالم الإسلامي الشرك الجلي الله عز وجل عافانا منه، لكن هناك شرك خفي، هناك آلهة تعبد من دون الله . ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية : 23 ]
الشهوات آلهة تعبد من دون الله، بالمصطلحات المعاصرة التنمية، من أجل التنمية فقط نشجع السياحة، ومن أجل تشجيع السياحة يجب أن نتغاضى عن آلاف الجرائم الأخلاقية ، إذاً التنمية أحياناً إلهٌ يعبد من دون الله: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
المسلم محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة :
النقطة الدقيقة: فالمسلم لم يقتل، لم يرتكب الزنا، لم يشرب الخمر، لكنه محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة. (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/04.jpg
أليس من الخسارة الكبيرة أن تحجب عن الله بذنوبٍ تتوههما صغيرة؟ اضبط لسانك، اختلاط، وغيبة، ونميمة، ومصافحة، ومتابعة أفلام، إن بعضهم قال: هذه ليست أمة محمد، لعلها أمة مهند، حينما يتعلق الناس بأفلامٍ ساقطة، يتعلقون بها أشد التعلق، هذه مشكلة كبيرة جداً، إذاً . (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ]
الآن دقق: (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ]
الخصومات المذهبية والطائفية في أمة الإسلام تعد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم كفراً. (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ))
ألم تسل الدماء بين المسلمين؟ المسلمون. ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية 14 ]
وسلمهم لأعدائهم. ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/05.jpg
أيها الأخوة، هذا حديثٌ دقيقٌ جداً في الحديث عن اليوم الآخر، وكيف أن الإنسان سوف يحاسب أشد الحساب.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله حدثني بأمرٍ أعتصم به -أتمسك به- يكون نجاةً لي، الله عز وجل قال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 103 ]
حبل الله القرآن الكريم، وحبل الله دين الله، وحبل الله جماعة المؤمنين، وحبل الله الأمر والنهي: (( قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال : قل : ربي الله ثم استقم ))
[ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
أي ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، إسلام من دون استقامة فلكلور، عادات، تقاليد، تراث قديم، خلفيات إسلامية، أرضيات إسلامية، الإسلام لن تقطف ثماره إلا باستقامتك على أمر الله، وفر وقتك وجهدك. المؤمن مكلف أن يأتمر بما أمر به الأنبياء :
هناك رواية أخرى بهذا الحديث قال له : (( قال: قل ربي الله ثم استقم، قال: قلت: يا رسول الله ما أكثر ما أخاف علي؟ قال : فأخذ بلسان نفسه ثم قال : هذا))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/06.jpg
لذلك النبي الكريم شيبه في سورة هود قول الله عز وجل : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أي هل يستطيع ممرض مهما تكن مرتبته متدنية أن يعطي حقنة من دون تعقيم؟ تعقيم الحقنة يستوي به جراح القلب مع الممرض. (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
العوام يقولون : نحن لسنا أنبياء، ومن قال لكم أنكم أنبياء؟ لكن: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
مقام الأنبياء يفوق حدّ الخيال، لكن أنت كمؤمن أنت مكلف أن تأتمر بما أمر به الأنبياء، والدليل الآية: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
بشكل مختصر إنسان معه التهاب معدة حاد، بحميةٍ قاسيةٍ يشفى من هذا المرض، قال له: والله الحمية صعبة، قال له: إذاً تهيأ لعملية جراحية ما دمت ترى أن الحمية صعبة فأمامك عملٌ جراحيٌ كبير . (( قال: قل : ربي الله، ثم استقم، قال : قلتُ: يا رسول الله، ما أخوفَ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا ))
[ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
من عدّ كلامه من عمله فقد نجا :
الآن مشاكل المسلمين بالكلام، من عدّ كلامه من عمله فقد نجا، يقول لك: كلام بكلام، من قال لك: كلام بكلام؟
مرة ثالثة: (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفا في النار ))
هناك كلمات تزلزل الإنسان، مرة قرأت كلمة لكاتب قال: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، نسف الدين كله، نسف مكارم الأخلاق كلها، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، ولماذا أنت أخلاقي؟ لأنك ضعيف، طبعاً كلمة تحت الأقدام، عن أم الحصين رضي الله عنها قالت: (( حَجَجْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الودَاعِ، فَرأيتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وانصَرَفَ، وهو على راحِلَتِهِ، ومعه بلالٌ وأُسَامَةُ: أَحَدُهُما يقودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ والآخرُ رافعٌ ثَوبَهُ على رأسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُظِلُّهُ من الشمس، قالت : فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَولا كثيراً لم أفْهمهُ، ثُمَّ سَمِعتُهُ يقولُ: إِنْ أُمِّرَ عليكم عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، حَسِبْتها قالت : أسودُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أم الحصين ]
والعبد المجدع هو العبد المقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا لَهُ وَأَطِيعوا ))
[ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، عن أم الحصين ]
هذا الدين، لا يهم المسلم من يحكمه، يهمه كيف يُحكم، مادام هذا العبد المجدع أسود اللون ومقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا [ لَهُ ]وَأَطِيعوا ))
الإسلام دين مبادئ وقيم :
الإسلام دين مبادئ، قال له: ابسط يدك لأبايعك، سيدنا الصديق لسيدنا عمر، قال له: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر، قال: يا عمر أنت أقوى مني، قال: يا خليفة رسول الله أنت أفضل مني، فقال عمر: قوتي إلى فضلك نتعاون. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/07.jpg
هذا مجتمع المؤمنين، قوتي إلى فضلك، لذلك يقول سيدنا عمر: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إلى أبي بكر، فكنت خادمه، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بهذا أسعد، ثم آلت الأمور إلي، فالناس خافوا شدته، قال: يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، ثم آلت الأمور إلي، أيها الناس! اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت وإنها تكون على أهل المعصية والكفران، أما أهل التقوى والعفاف فإني سأضع خدي على الأرض ليطؤوه بأقدامهم، أيها الناس: خذوني بخمس –حاسبوني- : لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحق، ولكم عليّ ألا أنفق من هذه الأموال شيئاً إلا بحق، ولكم علي ألا أجمركم في البعوث، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، هذا عمر.
النسب تاجٌ يتوج به المؤمن :
وعن زيد بن أرقم قال : (( قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيبا بماء يُدعى خُمّا بين مكةَ والمدينةِ، فَحمِد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أما بعدُ، ألا أيُّها الناس إنما أنا بشر يُوشِكُ أن يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ، وإني تارِك فيكم ثَقَلَيْن، أولُهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه ثم قال: وأهلُ بيتي، أُذَكِّرُكُم الله في أهل بيتي، أُذَكِّركم الله في أهل بيتي ))
[ أخرجه مسلم عن زيد بن أرقم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/08.jpg
أما بشرح هذا الحديث نحتاج إلى حديثٍ آخر، عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قال: (( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ فقال: كل تقي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } ))
[ أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
أي أقرب إنسان لرسول الله المتقي، والدليل: هناك دليل وأقرب إنسان للنبي نسباً أبو لهب. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
[ سورة المسد ]
نستنبط من هذا أن النسب تاجٌ يتوج به المؤمن، فإذا كان هذا الإنسان غير مؤمن فلا قيمة للنسب إطلاقاً بدليل قوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع العلماء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/09.jpg
على كلٍّ مرة ثانية النسب تاجٌ كبير يتوج به المؤمنون، جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي ملك الحبشة: (( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به، وحرّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، ثم ذكر باقي الحديث))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]
أيها الأخوة، يقول ابن بطال: لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله، أو في سنة رسوله، أو إجماع العلماء على معنى في أحدهما، أي الله عز وجل ما تعبدنا بأقوال فلان، ولا أقوال علان، ولا الكتاب الفلاني، تعبدنا بالقرآن الكريم، هذا حبل الله المتين، هذا هو الصراط المستقيم، هذا القرآن كما وصف بأنه كونٌ ناطق، والكون وصف بأنه قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف بأنه قرآنٌ يمشي، نحن الآن في أمس الحاجة إلى مسلم يمشي. حجب الإسلام بالمسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/10.jpg
أخواننا الكرام، كلام دقيق العالم الآخر لا يقتنع بديننا إطلاقاً، إلا إن رأى واقعاً قوياً، الواقع مؤلم جداً، من ملامح الواقع المؤلم ارتفاع نسب البطالة، ارتفاع نسب الأمية، ارتفاع نسب الفقر، ارتفاع نسب العنوسة، من ملامح الواقع المؤلم أننا نستورد ولا نصدر، من ملامح الضعف الكبير الذي أصاب المسلمين أن بأسنا بيننا وأن سلمنا لأعدائنا، هذا الواقع لا يقنع أحداً بديننا.
لذلك قالوا: الإسلام محجوبٌ بالمسلمين، أنت إذا رأيت إنساناً من دين معين قذراً، يتسول الناس، هل يخطر ببالك لثانية واحدة أن تشتري كتاباً عن دينه فتقرأه؟ مستحيل، فالإسلام محجوب عن العالم بالمسلمين، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الجاليات الإسلامية في العالم طبقت منهج الله عز وجل بالتمام والكمال لكان موقف العالم الغربي من الإسلام غير هذا الموقف.
لذلك الآن القضية كبيرة جداً، تحتاج أن نقدم إنجازاً حضارياً، ورقياً في واقعنا، وأن نسكت، عندئذٍ يقتنع العالم بهذا الدين، وأقول لكم كلمة خطيرة: لو نجح الخطاب الإسلامي وكان واقعنا متخلفاً لا نقنع بهذا الخطاب الناجح أحداً، لسان حال الآخرين يقولون: يا طبيب طبب لنفسك. إقناع الطرف الآخر بالدين الإسلامي لا يكون إلا بواقع قوي و متماسك :
الآن عندنا ظاهرة جديدة، قبل خمسين عاماً هل من الممكن أن تعيش كل أمة وحدها؟ نعم، أما الآن مع التواصل العالم كله كان خمس قارات، صار قارة، صار بلداً، صار مدينة، صار قرية، صار بيتاً، صار غرفة، الآن العالم كله سطح مكتب، ما يقع في أي مكان في أطراف الدنيا تراه بعد دقائق، فالعالم فيه تواصل مذهل، فيه ثورة بالمعلومات مذهلة، هذه الظاهرة الجديدة التي ظهرت مؤخراً جعلت الأمة أو الشعب أو الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده ، فنحن لم نستطع إقناع أحدٍ بهذا الدين إلا بواقع قوي، بواقع متماسك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7756/11.jpg
فلذلك ما دام هناك أقوياء، طغاة، قال: (( إِنما ينصُر الله هذه الأمةَ بضعيفها))
[ أخرجه البخاري والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]
هؤلاء الضعفاء ينبغي أن نطعمهم إذا كانوا جياعاً، أن نكسوهم إن كانوا عراةً، أن نؤويهم إن كانوا مشردين، أن نعلمهم إن كانوا جاهلين، أن نعالجهم إن كانوا مرضى، أن ننصفهم إن كانوا مظلومين، إذا فعلنا هذا كافأنا الله بمكافأة من جنس عملنا، فنصرنا على من هو أقوى منا. (( هل تُنصَرون وتُرزَقون إِلا بضعفائكم ؟ ))
الطريق طويل، والطريق شاق، ونحن الآن مكشوفون أمام العالم، فلابد لكل واحدٍ منا أن يسهم بشكل أو بآخر بتقوية أمته بعمل جاد، بعمل صادق أمين، وإلا فالمشكلة كبيرة، أسأل الله جل جلاله أن يعصمنا بهذا الكتاب الكريم، وأن يعصمنا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الستون )

الموضوع : التبتل و حياة المتبتل








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم هو "التبتل".
ولابد من وقفةٍ قصيرة حول اختيار الموضوعات، هناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً قوياً بموضوع سبل الوصول وعلامات القبول، وهناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً سلبياً، تحدثنا عن الشرك والنفاق، هذه موضوعات تتناقض مع سبل الوصول، وهناك موضوعات اتصالها بالوصول إلى الله من أعلى مستوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/01.jpg
إذاً الموضوعات بين أن تكون في أعلى درجة، أو في درجة عادية، أو في درجة سلبية، الحقيقة التبتل من الموضوعات التي يتصف بها كبار المؤمنين، الله عز و جل يقول:
﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
الإنسان حينما يصنف من حوله في مراتب محدودة، أحياناً بعالم الوظائف عشر مراتب، وكل مرتبة ثلاث درجات، إذا كان هناك خمسة ملايين موظف ينزلون جميعاً في هذه الثلاثين خانة، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أن كل إنسانٍ على وجه الأرض له مرتبة والدليل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 19 ]
هذه المرتبة مرتبة التبتل هي للسابقين السابقين، لكبار المؤمنين. كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك :
بالمناسبة: من تعليمات وضع الأسئلة في الشهادات العامة أن يكون هناك سؤال لا يجيب عنه إلا الطلاب المتفوقون جداً، وهناك سؤال يجيب عنه الطلاب الضعاف في تحصيلهم، وفي قدراتهم، والأسئلة الأساسية يجيب عنها المتوسطون.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/02.jpg
لأن في أساس تقسيم البشر هناك عالم قديم رمز للتقسيم في كل القدرات التي يتحلى بها البشر، هناك خمسة بالمئة متفوقون، وخمسة بالمئة متخلفون، وتسعون بالمئة متوسطون، في شأن الجمال، في شأن الذكاء، طلاقة اللسان، في معظم صفات البشر خمسة بالمئة تفوق، وخمسة بالمئة ضعف، وتسعون بالمئة وسط.
لذلك هناك سؤال يجيب عنه معظم الطلاب؛ متوسطو الثقافة والتحصيل والقدرات، و سؤال لا يجيب عنه إلا المتفوقون جداً، و سؤال يجيب عنه ضعاف الطلاب، فحينما نختار موضوعاً من موضوعات سبل الوصول هناك موضوعات إيجابية، أساس في الوصول إلى الله، وهناك موضوعات سلبية تتناقض مع الوصول إلى الله، وهناك موضوعات للمتفوقين.
فموضوع اليوم للمتفوقين "التبتل"، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة، من قواعد الفقه أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهم الناس أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية، والحقيقة الدين هو كل أمر في القرآن الكريم وفي السنة، هذا الأمر يقتضي الوجوب، وعلة هذا الأمر أنه أمر من الله عز وجل، فالذي يطلب العلم يرى أن الدين عشرات بل مئات الألوف من الأوامر والنواهي، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، وهناك من يتوهم أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية ليس غير، هذا فهمٌ ساذج وفهمٌ ضعيف، لذلك كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وللدقة البالغة ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك.
إذا قلت: في بيتنا زهرة أي زهرة، أما إذا قلت: في بيتنا زهرةٌ تلعب إذاً طفل، كلمة تلعب قرينة تنفي معنى الزهرة الطبيعية، إذاً كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك. الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤون حياة الإنسان :
أنت أيها المؤمن حينما تقرأ القرآن الكريم وتمر على أمر اجتماعي، أمر نفسي، أمر شخصي، أمر علمي.
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة يونس الآية : 101 ]
أمر، فكلما كان إيمانك أقوى ترى أن هذه الأوامر كلها ينبغي أن تطبق، مثلاً قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]
علامة إيمانك -وهذا مقياس دقيق- أنك إذا مررت في كتاب الله على أمر، أي أمر من المئة ألف أمر، أو من الخمسمئة ألف أمر، هذا الأمر يقتضي أن تنفذه، هذا الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤونك، وكل أحوالك، وكل أقواتك، وكل أطوارك، إذاً ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
التفاوت الواسع بين بني البشر :
لكن هناك ملاحظة: لو جئت بمئة بيضة الفرق بين اثنتين لا يزيد على خمسة بالمئة من حيث الحجم أو الوزن، إلا أن بني البشر شيءٌ آخر، قد تجد إنساناً في أعلى عليين، قد تجد إنساناً عمّ خيره معظم الخلائق، وقد تجد إنساناً كتلة من الشر، كيف بقطع اللحم هناك قطعة من اللحم الطازج المشوية وأنت جائع، وهناك قطعة متفسخة تكاد تخرج من جلدك من رائحتها، التفاوت بين بني البشر واسع جداً. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/03.jpg

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
[ سورة الماعون ]
إنسان مجرم، يبني حياته على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني أمنه على إخافتهم، يبني عزه على إذلالهم، وإنسان حياته كلها عطاء، المسافة كبيرة جداً، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( هذا خيرٌ من مِلءِ الأرض من هذا ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ]
رجل واحد يساوي ملء الأرض، أي الأرض لو أنها مجوفة تتسع لكم إنسان؟ لمليارات ممليرة، إنسان يساوي ملء الأرض من غيره، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، حال واحدٍ في ألف أفضل من قول ألفٍ في واحد، إنسان واحد موصول بالله يؤثر بألف إنسان، وألف إنسان متكلم بارع لا يؤثر في إنسان واحد، إذا كان هناك بعد عن الله عز وجل. أغبى إنسان من يتمنى شيئاً في الدنيا فقط و ينسى الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/04.jpg
أيها الأخوة، الأصل في ذلك أنك مصمم أيها الإنسان لهدفٍ كبير، فحينما تختار هدفاً محدوداً تسقط من عين الله، دخلت على ملك قال لك: اطلب وتمنى، قلت له: قلم رصاص، أقل عطاء للملك بيت فخم وسيارة معه، فأنت قبلت من عطاء الملك بقلم، كم هو غبيٌ الإنسان حينما يتمنى شيئاً في الدنيا فقط، والدنيا زائلة ومنقطعة.
﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 38 ]
الله يعجب! ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
خُلق الإنسان لمعرفة الله عز وجل :
هناك آيات أخرى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
﴿ َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
إذاً أنت أيها الإنسان خُلقت لمعرفة الله، أنت مُصممٌ لمعرفة الله، فحينما تختار هدفاً أرضياً محدوداً قبل أن تصل إليه ربما تشعر بالسعادة، لأن هذه السعادة شعور بالوصول، فإذا وصلت إلى هذا الهدف خبا بريق هذا الهدف، وأصبح شيئاً مألوفاً، ولو سألت من نجحوا في الحياة الدنيا، من جمعوا أموالاً طائلة، من ارتقوا إلى مناصب رفيعة، من تزوجوا بنساءٍ جميلات، لو سألتهم الوضع أقل مما يتصور، لأن الله سبحانه وتعالى أبى أن يجعل لهذه الدنيا قدرةً على أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، تمده بلذائذ متدنية، ولذائذ متناقصة، ولذائذ حسية، أما الذي يمدك بسعادة مستمرة بل ومتنامية فهو الإيمان. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
أيها الأخوة، الآن كل واحد من الأخوة المؤمنين بمعرفته، باستقامته، بإخلاصه، بنواياه الطيبة، بتضحياته، بانضباطه، بورعه، بمؤثراته، بكل هذا يحتل عند الله مرتبة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
هذه المرتبة لها أثر كبير في السعادة الأبدية ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
فالبطولة أن يكون لك: ﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/05.jpg
والله مرة التقيت مع إنسان عدة لقاءات، دنياه يصعب تصورها، أذواقه، بيته، أثاث بيته، مركباته، سفرياته، معمله، شيء يفوق حدّ الخيال، أتاه الله أذواقاً عالية جداً، وذكاء، وقدرة على تحصيل المال، ثم توفاه الله عز و جل، وحضرت جنازته، قام أحد علماء دمشق ليؤبنه، والله قال: أخوكم أبو فلان كان مؤذناً، هو كان صوته حسناً، و أحياناً إذا حضر صلاة جمعة يدعوه الإمام إلى أن يؤذن، فقال: أخوكم كان مؤذناً ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة؟ ثم عذرت المتكلم، أي بعد الوفاة هل هناك من حديث عن نوع البيت؟ مساحة البيت؟ تزيينات البيت؟ نوع المركبات؟ عند الوفاة لا يتحدث إلا عن العمل الصالح، فقلت وقتها في نفسي: اعمل عملاً يستمر الحديث عنك أربع دقائق، هناك مشكلة عند الموت لا يذكر إلا العمل الصالح، والناس في الدنيا حجمهم كبير، الحجم المالي كبير، الهيمنة كبيرة، الأتباع كثر، أما عند الموت فلا يذكر إلا العمل الصالح، وهذا درسٌ بليغ.
أيها الأخوة، حجمك عند الله، لا بأناقتك، ولا بطعامك، ولا بشرابك، ولا بأثاث بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بمساحة بيتك، ولا بنوع مركبتك، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فالبطولة وأنت في الدنيا أن تستخدم مقاييس القرآن ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
مرتبة التبتل مرتبة المتفوقين و المنقطعين إلى الله :
أيها الأخوة، مرتبة التبتل ليست مرتبةً مألوفةً بين الناس، هذه مرتبة المتفوقين، مرتبة المنقطعين إلى الله، مرتبة الذين قال الله عنهم:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/06.jpg
مرتبةٍ تستنبط من دعابةٍ بين إنسانين، قال له: سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال له: عجيب الدين واحد! قال له: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا فالعبد وماله لسيده.
المؤمنون السابقون، المتفوقون، أوقاتهم، طاقاتهم، جهدهم، ذكاؤهم، أقلامهم، ألسنتهم في سبيل الله كلها، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
ومن بعض الآيات التي تؤثر، حينما خاطب الله سيدنا موسى قال له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه ]
أنت لي. ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/07.jpg
أيها الأخوة، المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين، أهدافه في الحياة تزيد عن حاجاته اليومية، هناك أناس كثيرون إذا أمّن بيتاً، وتزوج، انتهت كل أهدافه، وهناك أشخاص يحملون همّ المسلمين، هدفهم كبير، يتحركون لأهدافٍ ساميةٍ كبيرة، فمهما ارتقت أهدافك ارتقيت عند الله، هناك إنسان يهتم بأهله فقط جيد، لكن هناك أشخاص يسمون عميد أسرتهم، يهتم بالأسرة الموسعة، وهناك إنسان يهتم بأمته، الأنبياء يهتمون ببني البشر.
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف نال منه أهل الطائف شيئاً لا يحتمل حتى سال الدم من قدمه، جاءه جبريل ليمكنه أن ينتقم منهم، جاء ملك الجبال وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده. المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده :
المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده، يسخر كل طاقته لله، ولا يسخر من القيم والمبادئ، الآن الله عز و جل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 180 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/08.jpg
الإنسان يتقرب إلى الرحيم بأن يرحم خلقه، يتقرب إلى العدل بأن يكون منصفاً، أي كل واحد منا أحياناً في موقع أنه قاض، جاءت ابنته تشكو زوجها، فالعم الآن قاض بين ابنته وزوجها، اختلف ولداه هو يقضي بينهم، هناك إنسان ينحاز إلى ابنته، تكون ابنته قد تطاولت على زوجها، وهناك آباء كثر لا يتنازل أن يسأل صهره ما الذي أزعجك من ابنتي؟ تأتي إلى بيت أهلها يحجزها ليذله، لا يوجد إنصاف، فأنت أحياناً تكون في موقع قاض، أحياناً بين تاجرين، بين شريكين، بين أخوين، بين جارين، لن تتقرب إلى الله إلا بالعدل، لن تتقرب إلى الله إلا بالرحمة، إلا بالحكمة، إلا بالإنصاف.
لذلك الآية الكريمة: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
أي تخلق بخلقٍ من كمالات الله تقرب بهذا الخلق إلى الله، هذا معنى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
تقرب إليه بخلقٍ مشتقٍ من كمال الله. الفطرة و الصِبغة :
أيها الأخوة، هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع الصبغة، هناك مصطلحان في القرآن الكريم مصطلح الفطرة ومصطلح الصبغة، مصطلح الفطرة.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الروم الآية : 30 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/09.jpg
نحن جميعاً مفطورون على حب الكمال، فأن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيءٌ آخر، أن تحب الرحمة شيء وأن تكون رحيماً شيءٌ آخر، كل واحد منا يتمنى أن يكون رحيماً ويقدر الرحماء، بل إن اللصوص حينما يسرقون يقسمون هذا الذي سرقوه بالعدل بينهم، فطرتهم تدعوهم إلى العدل، الفطرة ليست كمالاً لكنها حبٌ للكمال، أنت ولِّفت، جُبلت، فطرت على حب الكمال، وحب الكمال هو الذي يعذبنا إذا أخطأنا، لو أن الإنسان فطر على النقص وكان ناقصاً لا يتعذب إطلاقاً، أحد أسباب الشقاء النفسي أنك مفطور فطرة سليمة على حب الكمال، فإذا وقع منك نقصٌ تتألم، هذا يسمونه تأنيب الضمير، يسمونه الشعور بالنقص، الشعور بالذنب.
مرة ذكرت لكم أن هناك فندقاً بألمانيا كُتب على السرير إن لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.
الذين يقترفون السيئات، يظلمون البشر، هؤلاء يعانون من أزمات، ما سبب هذه الأزمات؟ أنهم فطروا فطرةً عالية، أي إنسان حتى الكافر، حتى المجرم، حتى الطاغية، في أصل فطرته فطرة عالية، ما الذي يعذبه؟ أنه خرج عن مبادئ فطرته، فأنت سواء اصطلحت مع الله فأطعته دون أن تشعر تصطلح مع نفسك، لأن منهج الله مطابقٌ تماماً لقواعد الفطرة التي فطرك الله عليها، وكل خروج عن منهج الله هو خروج عن مبادئ الفطرة، فهناك توافق عجيب بين منهج الله وبين خصائص نفسك.
هذه الفطرة، الفطرة أن تحب الكمال، أن تقدر الرحمة، أن تقدر العدل، أن تقدر الكمال هذه فطرة، أما الصبغة فأن تكون رحيماً، أن تكون منصفاً، أن تكون حكيماً، أن تكون سخياً، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
مصطلحان دقيقان الفطرة والصبغة، بعد الاتصال بالله تنتقل من الفطرة إلى الصبغة، الصبغة كمال، الصبغة إنصاف، الصبغة عدل، الصبغة رحمة، أما الفطرة فحب الرحمة، حب الكمال، حب العدل، حب الإنصاف وهكذا ... التبتل هو الانقطاع المستمر لله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/10.jpg
أيها الأخوة الكرام، التبتل هو الانقطاع، وهو الَّتفعل من البتل، وهو القطع، بتل أي قطع، انقطع لله،
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
بتل قطع، تبتل تفعل ، التفعل العمل المتكرر، انظر كسر تكسر، تكسر على مراحل، فالتبتل هو الانقطاع المستمر، الانقطاع المتعدد، منقطع لله عز وجل، وسميت مريم البتول بتولاً لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها. ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أول اصطفاء اصطفاء الكمال، والاصطفاء الثاني أنها الوحيدة التي أنجبت من دون زواج، اصطفاء إعجاز، واصطفاء تكريم. الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي، هؤلاء الذين انقطعوا على الله مغمورون بسعادةٍ لا توصف، حتى قال بعضهم -وكان ملكاً-: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7907/11.jpg
وصدقوا أيها الأخوة، إن لم تقل-إذا كنت متبتلاً، منقطعاً لله-: أنا أسعد الخلق ففي التبتل شك، أنت مع الله .
تنام أعيننا كما قال النبي الكريم ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة.
نقول نحن في الصلوات على رسول الله: وعلى أسعدنا محمد، هذا الذي وصل إلى الله، واتصل به، وسعد بقربه عن طريق التبتل، التبتل مرتبة، عامة الناس يعمل، ويصلي، ويصوم، وله بيت، وله نزهات، وله حظوظ نفسية، كلها وفق المباحات لا يوجد مشكلة هذا مؤمن، أما هناك سابق.
﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة ]
أوقاتهم كلها لله، طاقاتهم كلها لله، قدراتهم كلها لله، أموالهم كلها لله، فأرجو الله سبحانه وتعالى حينما نعرض موضوعاً متفوقاً أن نطمح إلى هذه المراتب العليا.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الستون )

الموضوع : حال المتبتل مع الله









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل بطولة كبيرة جداً وهو الانقطاع إلى الله بالكلية :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول" وهو موضوع "التبتل".
هناك مقدمةٌ قصيرة تبين أن الإنسان ينبغي ألا يكتفي بالرخص، ينبغي أن يكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أضرب على هذا مثلاً: مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين جليلين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، المفاجأة تقييم النبي للثاني، قال: وأما الثاني فقد قبل رخصة الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/01.jpg
فالله عز وجل رحمة بنا ما كلفنا فوق ما نستطيع، الأول أعز دين الله فأعزه الله، كان بطلاً، والثاني قبل رخصة الله عز وجل، لكن لو أن كل الذين وقعوا في موقفٍ حرج أخذوا بالرخص لأُلغيت البطولات في العالم.
أصحاب الأخدود كان بإمكانهم أن يقولوا: أنت إلهنا ومعهم رخصة، وماشطة بنت فرعون حينما قال لها: أتشهدي أن لك رباً غيري، قالت له: الله ربي وربك، وضع ولدها الأول في زيتٍ مغلي، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، ثم وضعها، لو ألغينا البطولات لأصبح التاريخ باهتاً.
فلذلك هناك رخص، لكن لابد من أن تكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أي بالتعبير الآخر في كل موضوع مستوى عال جداً، ومستوى مقبول، الآن حتى في الجامعة هناك امتياز، ومقبول، المقبول ناجح، أما الامتياز فمتفوق، فالإنسان لِمَ لا يطمح أحياناً أن يكون في موضوعٍ ما بطلاً؟ فالتبتل بطولة كبيرة جداً، التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
الإنسان حينما يكون متبتلاً ينفذ أمر الله عز وجل :
ذكرت من قبل أن موضوعات سبل الوصول منها ما علاقته بهذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية كالشرك والنفاق، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة إيجابية، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة متميزة، فأنت حينما تكون متبتلاً تنفذ أمر الله عز وجل، وقد بينت من قبل أن كل أمرٍ يقتضي الوجوب.
﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/02.jpg
للتقريب كلما كثرت ساعات الإقبال وقلت ساعات الغفلة فأنت اقتربت من البطولة كثيراً، كلما كثرت ساعات الصحوة، ساعات التألق، ساعات الإقبال، ساعات البذل والتضحية، لماذا أنت في الدنيا تحب أن تحمل أعلى شهادة؟ وأن ترتقي إلى أعلى منصب؟ وأن تجمع أكبر ثروة ؟ وأن تكون التاجر الأول أو الأستاذ الأول أو الطبيب الأول أو المهندس الأول؟ لماذا في الدنيا وهي فانية؟ والموت ينهي كل شيء، ينهي قدرة القدير، ينهي وسامة الوسيم، دمامة الدميم، قوة القوي، ضعف الضعيف، صحة الصحيح، مرض المريض، غنى الغني، فقر الفقير، الموت ينهي كل شيء، لِمَ في هذه الدنيا الفانية التي هي بضعة أيام تحب أن تكون في أعلى منصب؟ وأن تقتني أجمل بيت؟ وأن تتزوج بأجمل امرأة لماذا؟ لماذا تحب التفوق في الدنيا ولا تحب أن تكون علماً من أعلام الآخرة؟.
فلذلك ما الذي يمنع أن أكون الأول؟ لِمَ هذا الرضا بالدون؟ وراء الباب، لِمَ لا تكون في الفردوس الأعلى؟ والأمر بيدك؟ أي الطموح في الدين ضعيف، أما الطموح في الدنيا فكبير جداً. الإنسان ينبغي أن يعبد الله وحده ويخلص له وحده ويعتمد عليه وحده :
لذلك التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية، أما قول الله عز وجل:
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
[ سورة الرعد الآية : 14 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/03.jpg
دعوة الحق له وحده، بمعنى أن الإنسان ينبغي أن يعبده وحده، وأن يخلص له وحده، وأن يقبل عليه وحده، وأن يعتمد عليه وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يرجوه وحده، وأن يخافه وحده ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
لأنه: ﴿َ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
[ سورة المدثر ]
أهلٌ أن تُفني عمرك من أجله، أهلٌ أن تعطيه كل شيء، لذلك لا تنسى هذه الآيات: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه الآية : 41 ]
أنت لي. (( خلقت ما في الكون لأجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))
[ ورد في الأثر]
الناس عند الله زمرتان لا ثالث لهما :
أيها الأخوة:
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾
[ سورة الرعد ]
له وحده العبادة، والدعاء قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/04.jpg
هذا من التبتل، لكن هناك واواً يظنها بعض العلماء واو عطفٍ هي في الحقيقة واو استئناف، لأن هؤلاء زمرة. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
هناك زمرة: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
هذا هو التبتل.
وهناك زمرة درجة ثانية، الدرجة مقبول ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾
فالواو ليست عاطفة الواو استئنافية، انتهى الكلام الأول بدأنا بكلامٍ جديد: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
تفاوت الناس في مواقفهم :
أيها الأخوة، ورد في الأثر أنه: "من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا"، أي الواقع أن هناك أناساً كثيرين يستقيمون كي يُنعم الله عليهم بالصحة، وبالزواج الناجح، وبالدخل الكبير، استقامتهم مقبولة لكنها معلولة، استقام ليربح، استقام ليستريح، استقام ليعلو شأنه بين الناس، استقام لتنجح تجارته، هذه استقامة مقبولة وعلى العين والرأس لكنها معلولة، أما هناك أناسٌ يعبدون الله عز وجل لأنه أهلٌ للعبادة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/05.jpg
مرة وقع تحت يدي دراسة حول استبيان، سألوا ألف زوج لماذا لا تخون زوجتك؟ فجاءت الإجابات وصنفت تصنيفاً أخلاقياً، الدرجة الدنيا من هذه الإجابات لا أستطيع لأنها معه في المحل التجاري، وفي البيت، الوقت كله مغطى بها، قال: لا أستطيع، يتمنى لكن ولا يستطيع، الدرجة الأعلى قال: لا أتحمل الشعور بالذنب أعلى، أما الدرجة الأعلى والأعلى لا أحب الخيانة.
المواقف تتفاوت، هناك إنسان يستقيم همه أن يربح في تجارته، استقامته مقبولة ومعلولة، لكن هناك أشخاص:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
نزه طاعته عن المكاسب الدنيوية. هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهمُ معدلٌ وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باقٍ علـى حبهم راضٍ بما فعلوا
* * *
أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. الحب منزه عن المصالح :
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه، تقول له السيدة عائشة رضي الله عنها:
(( لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غُفِرَ لكَ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال : أَفلا أُحِبُّ أن أَكُونَ عبداً شكوراً؟ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/06.jpg
أيها الأخوة، أضرب مثلاً: إنسان له صديق غني، كلما زاره أطعمه، أخذه إلى مكان جميل، أنفق عليه، قدم له الهدايا باستمرار، فهذا الغني مرةً جاءه صديقه فلم يقدم له شيئاً، وجاءه ثانيةً فلم يأخذه إلى مكانٍ جميل، وجاءه ثالثةً فلم يطعمه فتركه، إذاً هذا الود من هذا الصديق المنتفع معلول بعطاء هذا الغني، فلما توقف العطاء تركه، أما هناك إنسان فيحب إنساناً ضيفه أو لم يضيفه، أعطاه أو لم يعطه، هذا الحب منزه عن المصالح.
أحياناً للتوضيح إنسان يستقيم لعلة، فربنا عز وجل ليرفع مقامه وليؤدبه على الرغم من استقامته لا يحقق له الله ما يصبو إليه، فإذا ثبت يكون قد نجح في الامتحان.
التبتل هو الانقطاع لله عز وجل، أن يعبد وحده، يدعى وحده، يقصد وحده، يُشكر وحده، يحمد وحده، يحب وحده، يرجى وحده، يُخاف وحده، يُتوكل عليه وحده، يُستعان به وحده، يُستجار به وحده، ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
كلما وضحت حكمة الأمر يضعف الجانب التعبدي في هذا الأمر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/07.jpg
الآن: كلما وضحت حكمة الأمر يضعف في هذا الأمر الجانب التعبدي، وكلما غابت حكمة الأمر تعلو القيمة التعبدية، مثلاً: أبٌ أعطى ابنه توجيهاً: أن يا بني لا تنم حتى تنظف أسنانك واضح، يا بني ادرس واضح، كل أوامر الأب مؤداها لمصلحة ابنه، والأمر واضح جداً، فطاعة هذا الابن في هذه التوجيهات تضعف قيمتها لأنها في النهاية لصالحه، لكن تصور الابن جائع جداً، والطعام نفيس, والطعام لأبيه، فقال له الأب: يا بني لا تأكل، الأمر صعب تفسيره، قال: الطعام لأبي وأنا ابنه، وأنا جائع، والطعام حلال، وأنا لست مريضاً، لماذا لا آكل؟ فإذا قال هذا الابن بأدبٍ جم: سمعاً وطاعةً، الآن تكون المحبة في أعلى مستوى، والتقدير بأعلى مستوى.
فكل واحد منا أحياناً تأتيه مصيبة صعب تفسيرها، مستقيم، مطيع لله، يؤدي العبادات، يدفع الصدقات، تأتيه مصيبة، هذه المصيبة ليمتحن الله عبوديته فقط.
سيدنا إبراهيم هو الأول من الأنبياء لأنه في أعلى درجات العبودية والتوكل على الله :
من هو الأول من الأنبياء؟ سيدنا إبراهيم، اذبح ابنك صعب أن تُفهم، من ابنه؟ شقي؟ لا، نبي، ابنه نبي، بلغ معه السعي، كأن هذا الأمر يعطي هذا النبي الكريم أعلى درجات العبودية والتوكل.
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/08.jpg
أعلى امتحان فيما أتصور بتاريخ البشرية أن يقال لنبي ٍكريم هو أبو الأنبياء : اذبح ابنك. ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾
[ سورة الصافات ]
قال: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾
[ سورة الصافات ]
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الصافات ]
نجح بالامتحان.
أحياناً توضع في ظرف صعب جداً، وتقف موقفاً بطولياً جداً، ثم ربنا عز وجل يصرف عنك هذه المغامرة والمخاطرة، لكنك نجحت عند الله. قصص عن بطولات عالية جداً :
أحياناً الإنسان لو كان مستقيماً، لو كان متألقاً، لو كان يؤدي العبادات، قد يأتي امتحان لامتحان عبوديته لله، نحن في هذين اللقاءين الحديث عن بطولات عالية جداً، الحديث عن مستوى رفيع من مستويات الإيمان، الحديث عن درجة عالية جداً من الانقطاع لله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/09.jpg
السيدة عائشة حينما اتهمها بعضهم بأثمن ما تملكه امرأة، بعفتها، وتأخر الوحي أربعين يوماً، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس معه دليل إثبات، ولا دليل نفي، ثم نزلت تبرئتها من الله عز وجل وكان أبوها عندها.
(( فقال لها أُبوها: قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه، ولا أحْمَد إلا اللّه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
على مسمع من النبي الكريم فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: (( عرفت الحق بأهله ))
التوحيد أعلى درجة: (( قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه ولا أحْمَد إلا اللّه))
هناك قصة تكاد لا تصدق، أن النبي خطب امرأةً لتكون زوجته، هل هناك من أنثى في تاريخ البشرية لا تطمح أن تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين؟ اعتذرت، سألها: لِمَ؟ قالت : يا رسول الله لي خمسة أولاد، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، وأخاف إن قمت بحقهم أن أقصر بحقك، هذا التوحيد من أعلى مستوى، اعتذرت عن أن تكون زوجة رسول الله خوفاً من أن تحاسب عن أبنائها، ما هذه التربية؟.
سيدنا الصديق، أنا لا أتصور أن هناك اثنين على وجه الأرض يحب أحدهما الآخر حباً يفوق حدّ الخيال كالنبي الكريم و أبي بكر، فلما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى يقول سيدنا الصديق: (( فَمَنْ كان منكم يَعْبُدُ محمداً ـ بلا لقب ـ فَإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ ))
[أخرجه البخاري عن أبي بكر الصديق]
ما هذا التوحيد؟ ما هذا التنزيه؟.
سيدنا عمر عزل سيدنا خالداً، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قالها ثالثةً: لِمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبك وما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، كان الصحابة الكرام في أعلى درجة من التوحيد، خاف على إيمان الناس أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، الناصر هو الله فعزله وبقي النصر مستمراً. الله عز وجل يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره :
أيها الأخوة، أنت حينما تعبده، وتوحده، وتنقطع إليه، وتؤثره على كل شيء، تحتل عند الله مرتبةً، هذه المرتبة تنفعك إلى أبد الآبدين.
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/10.jpg
والله عز وجل من أجل أن يرقى بك أحياناً تتعلق بشيء مما سوى الله، فالحكمة بالغة بالغة، ومن أجل أن يؤدبك تأديباً لطيفاً، هذه الجهة التي اعتمدت عليها يلهمها الله أن تقف موقفاً غير معقولٍ منك، يكون لك صديق حميم، صديق العمر، تسلم منصباً رفيعاً، فهذا الصديق يطمئن صديقه الثاني و يقول له: إن صديقي فلان يتمنى لي خدمة فينسى الله، ويذهب إليه واضعاً كل الأمل فيه، فيقف موقفاً متجهماً يصعق له، هذا التجهم من إلهام الله عز وجل لأن الله يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره.
وطّن نفسك إذا تعلقت بشيء، والله أخٌ كريم له دخل كبير أحب ابنه حباً يفوق حدّ الخيال يقترب من الجنون، أرسله إلى بلاد بعيدة، وأنفق عليه، واشترى له بيتاً في الشام بعشرات الملايين، فإذا بهذا الابن ينسى أباه ويتزوج ويقيم إقامةً دائمةً، ويضن على أبيه باتصال هاتفي، حينما تتعلق بغير الله الله يؤدبك، لذلك: (( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي في الله))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
نصيحةٌ لوجه الله، أحب زوجتك، أحب أولادك، أحب من حولك، ولكن لا تعتمد عليهم، اعتمد على الله وحده، ضع ثقتك بالله، ضع آمالك في الله، علق أهمية على رضاء الله عنك فقط.
رجل له قريب مدير مكتب السلطان عبد الحميد، افتقر، فذهب إليه على نية أن يبحث له عن عمل كوظيفة، فاستقبله قريبه، وأقام عنده مدة طويلة، يقول هذا القريب: كلما وضع كتاب التعيين لا يوقعه السلطان لثلاثين يوماً، يبدو أن القريب على علم بالله، فعلم أن قريبه متعلقٌ به ونسي الله عز وجل، أعطى توجيهاً لأحد الخدم أن يتجهم به، ثلاثون يوماً يكفي، الزيارة ثلاثة أيام، فهذا المسكين خرج من بيت قريبه هائماً على وجهه يبكي، قال له: اتبعه، انظر أي مكان ذهب، فذهب إلى بعض الخانات - الفنادق قديماً- قدم الطلب ووقعه السلطان فاستدعاه، قال له: ثلاثون يوماً وأنت معتمد عليّ، فلما خرجت من البيت مكسوراً اعتمدت على الله فوقع لك.
أحياناً إنسان يعتمد على الله، في توفيق، أحياناً يضع أمله بإنسان، هذا الإنسان الذي وضعت فيه كل أملك هو الذي سيخيب ظنك، هذا تأديب من الله لأن هذا شرك خفي.
أيها الأخوة: لا تسألــن بني آدم حاجةً وسل الــذي أبوابه لا تغلقُ
الله يغضبُ إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ
* * *
على العبد ألا يخافن إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7908/11.jpg
أيها الأخوة الكرام، حديثٌ جامعٌ مانع موجز قصير:
((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه))
[سعيد بن منصور في سننه عن علي]
هناك قوى شريرة بالأرض، هناك طغاة، هناك وحوش، هناك كائنات مؤذية، هناك عداوات. ((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه))
كلهم بأزمةٍ محكمةٍ بيد الله، أو كلهم عصيٍ بيد الله، إياك أن تقع في ذنب لئلا يسمح الله لأحدهم أن يصل إليك، والآية الكريمة: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الستون )

الموضوع : اكل الطيبات








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أكل الطيبات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "أكل الطيبات"، فطاب الطعام لغةً لذَّ وزكا، الطعام الطيب الطعام اللذيذ، وطاب الطعام شرعاً إذا كان حلالاً، أي إذا أُشتري من مالٍ حلال، والطيب لها معنى واسع جداً، الطيب من كل شيءٍ أحسنه، هناك كلام طيب، وعمل طيب، وطعام طيب، و لقاء طيب، الله عز وجل يقول:
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الشاهد: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
فأي شيءٍ ثبت علمياً أنه خبيث كالدخان فهو محرم بنص هذه الآية، هذه الآية تسمى عند علماء الأصول دليل عام، الخمر محرمة بدليل خاص، ولحم الخنزير محرم بدليل خاص، أما أي شيءٍ ضار، ثابتٌ علميٌ أنه ضار فهو محرمٌ بالدليل العام بنص هذه الآية: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
أوامر الدين ونواهيه ليست حداً لحرية الإنسان ولكنها ضمانٌ لسلامته :
أخواننا الكرام، هناك ملمحٌ دقيقٌٌ جداً متعلق بالحلال والحرام، أو بشكل أوسع متعلق بالأمر والنهي، أي أمرٍ في القرآن الكريم، أو أي أمرٍ فيما صحّ من السنة النبوية المطهرة، أو أي نهيٍ في القرآن الكريم، أو أي نهيٍ مأخوذٍ من السنة المطهرة الصحيحة، العلاقة بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقةٌ علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/02.jpg
فالإنسان إذا رفع سرعة مركبته تؤخذ له صورة، ويدفع مبلغاً كبيراً، لكن لا يوجد علاقة علمية بين أن تركب مركبة وتنطلق فيها بسرعةٍ هي من خصائصها، وبين مخالفةٍ تدفع آلاف الليرات لأن القانون يمنع هذه السرعة، لا يوجد علاقة علمية هناك علاقة وضعية، أي المشرع قال: أقصى سرعة على هذا الطريق هي: ستون كيلو متراً، المشرع وضع هذا الشيء، لكن أنت حينما تضع يدك على مدفأة مشتعلة تحترق، العلاقة بين وضع اليد على المدفأة المشتعلة وبين احتراقها علاقةٌ علمية، مثل أوضح: راكب مركبة، معك عشرون طناً، وصلت إلى جسر مكتوب على مقدمة الجسر: الحمولة القصوى عشرة طن، فالسائق الذي يبحث هل هناك شرطي يخالفني أحمق، هنا الموضوع لا يتعلق بالشرطة، الجسر يعاقبك، حمولته القصوى عشرة طن، معك عشرون طناً فلابد من أن تقع في النهر، أحياناً سبب النتيجة مترابط علمياً من أجل أن توقنوا أن كل أمرٍ أمر الله به وأن كل نهيٍ نهى الله عنه، بين الأمر والنهي، بين الأمر ونتائجه، والنهي ونتائجه، علاقةٌ علمية.
خط كهربائي التوتر عشرة آلاف فولت، هذا التوتر قاتل، لو اقترب الإنسان من هذا التيار دون ثمانية أمتار يصبح قطعةً من الفحم، فهل يا ترى إذا أراد الإنسان أن يقترب على أساس أنه لا يوجد شرطة يكون أحمقاً، التيار نفسه يعاقبك، فالاقتراب من التيار ينتج عنه احتراق الإنسان، فأنت حينما تؤمن أن كل أمرٍ إلهي بينه وبين النتيجة علاقة علمية، هذا الفهم للدين فهم عميق جداً، هذا الفهم فهم حضاري، أي أوامر الدين ونواهي الدين ليست حداً لحريتك ولكنها ضمانٌ لسلامتك، تمشي في الطريق وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، يا ترى هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟.
حينما تفهم الأمر الإلهي أنه ضمان لسلامتك، وحينما تفهم النهي الإلهي ضمان لسلامتك عندئذٍ تكون فقيهاً.
لذلك الفكرة الأولى: أن العلاقة بين الشيء الطيب ونتائجه، وبين الشيء الخبيث ونتائجه، علاقة علمية.
معاني الطيب :
الشيء الثاني: من معاني الطيب قال تعالى :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
[ سورة فاطر الآية : 10 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/03.jpg
الإنسان عنده ثلاث حاجات، عنده حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده كفرد، وعنده حاجة إلى الجنس حفاظاً على بقاء النوع، وعنده حاجة ثالثة إلى تأكيد الذات حفاظاً على بقاء الذكر، فالإنسان عنده حاجة إلى أن يكون عزيزاً، له مكانة، له شأن، يشار إليه بالبنان، حاجة عند كل إنسان، لكن هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم، اعمل الأعمال الصالحة يرفع الله لك ذكرك، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
[ سورة الشرح ]
يموت عالم تجد ملايين يشيعونه بلا جهد في إقناعهم أن يشيعوه، ملايين لأن الله عز وجل رفع له ذكره، فأنت إذا عملت الصالحات، وعملت عملاً يرضي الله عز وجل، الله عز وجل يكافئك بأن يرفع لك ذكرك، وأية آيةٍ يتوهمها الإنسان أنها متعلقةٌ برسول الله وحده في الحقيقة لكل مؤمنٍ منها نصيب.
إذاً الحاجة الثالثة أن تكون عزيزاً، أن تكون إنساناً مهماً، الناس يعرفون قدرك، هذه حاجة عند كل إنسان، لكن ببساطةٍ ما بعدها بساطة هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم تكون عالماً، اعمل الأعمال الصالحة يرقى الله بك، ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
لذلك من كان يريد العزة، الرفعة، المكانة: ﴿ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ سورة فاطر الآية 10 ]
(( إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
كلمة ترقى بها إلى أعلى عليين، وكلمة يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين. الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة :
فلذلك
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/04.jpg
الكلمة الصادقة، الكلمة المخلصة، الكلمة الحانية، الكلمة التي تنطلق من واقع، من تجربة، من صدق، من إخلاص، هذه الكلمة جاء بها الأنبياء، الطغاة جاؤوا بالصواريخ، جاؤوا بالمدرعات، بالطائرات، بالأقمار الصناعية، بالقنابل الذرية النووية، بماذا جاء الأنبياء؟ الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة. ﴿ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 24 -25 ]
لكن المشكلة أنه في هذا الزمان حينما انفصلت الكلمة عن الواقع، تأتي إلى بلد تقول: أنا جئت لهذا البلد من أجل الحرية، فتقتل مليوناً، وتصيب بالعطب مليوناً آخر-مليون معاق- وتشرد خمسة ملايين، وتنهب ثروات البلد، وتؤخر البلد مئة سنة للوراء، وأنت جئت من أجل الحرية! لذلك كفر الناس بالحرية، حينما تكون الممارسة سيئة جداً، والغطاء راق جداً، يكفر بالكلمة، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، بالكلمة المخلصة، بالكلمة الرحيمة، بالكلمة الحانية، بالكلمة التي تنطلق من واقع، لذلك الكلمة الطيبة جاء بها الأنبياء، وجاء بها المرسلون، وجاء بها الدعاة الصادقون، فالكلام يكون طيباً ويكون خبيثاً. المؤمن منضبط اللسان لا ينطق إلا بالكلم الطيب :
مرة قرأت كلمة لا أبالغ أن الذي قالها يهوي بها سبعين خريفاً، أنت ضعيف لأنك أخلاقي، وأنت أخلاقي لأنك ضعيف، الشيطان وراء هذه الكلمة، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، لماذا أنت قوي؟ لأنك غير أخلاقي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/05.jpg
فلذلك حينما تطرح طُروحات تتناقض مع عظمة هذا الدين، تتناقض مع منهج الله، هذه الكلمة الخبيثة يهوي بها صاحبها سبعين خريفاً.
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
ورد: (( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
[ورد في الأثر]
قذف محصنة، إنسانة طاهرة عفيفة، أحياناً يُذكر اسم امرأة تقول: لا نعرف، يهوي بها من دون دليل، من دون تحقق في جهنم سبعين خريفاً. (( قالت: قلتُ: يا رسول الله حَسْبُكَ من صفيّةَ قِصَرها، قال: لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَ بها البحر لَمَزَجَتْهُ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة أم المؤمنين]
أنت حينما تؤمن أن كلامك من عملك تستقيم على أمر الله. ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
[أخرجه الإمام أحمد،عن أنس بن مالك]
أبرز صفة بالمؤمن أنه منضبط اللسان، تعيش معه ثلاثين عاماً لا يسمع منك كلمة لا ترضي الله عز وجل، لا يوجد بهتان، ولا كذب، ولا احتقار، ولا اشمئزاز من الناس، ولا استعلاء، ولا كبر، المؤمن ينطق بالكلم الطيب وهذا يرفعه عند الله، وغير المؤمن ينطق بالكلم الخبيث. من عاش تقياً عاش قوياً :
الآن هناك طعام طيب، طبعاً كفكرة أولى هناك لحوم كثيرة، ومواد غذائية من أعلى نوع، وخبرة بالطبخ من أعلى مستوى، حيثما جاءت كلمة طعام طيب ليس هذا هو المعنى في الدين إطلاقاً، المعنى أنه أُشتُريّ بمالٍ حلال.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/06.jpg
والله زرت والد صديقي -قصة من عشر سنوات تقريباً- عمره ستة وتسعون عاماً، قال لي: الحمد لله أجريت البارحة تحاليل كاملة، فكانت النتيجة أن كل التحاليل طبيعية، ست وتسعون سنة التحاليل كلها طبيعية، وفق الحدود الدنيا والقصوى، قال لي: والله لم آكل في حياتي لقمة حرام، ولا أعرف الحرام النسائي، لا يعرف حرام المال ولا حرام النساء، من عاش تقياً عاش نقياً.
عالم شهير أسس مدرسة شرعية وعلّم فيها ثمانين سنة، بدأ في الثامنة عشرة من عمره ومات في الثامنة والتسعين، كان إذا رأى شاباً في الطريق يقول له: أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، هذا في الثامنة والتسعين كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، على كل خد وردة، فكان من حوله يسألونه يا سيدي ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش نقياً.
من استقام على أمر الله كان مستجاب الدعوة :
أيها الأخوة، الآن هناك طعام طيب أي أُشتريَّ بمالٍ حلال، أنت عملت في مهن عديدة، ما كذبت، ولا غششت، ولا دلست، ولا زورت، ولا أعطيت صفة للبضاعة بخلاف واقعها، هناك أكثر من مليون مخالفة في البيع والشراء، قد تأتي ببضاعة من دولة من الدرجة العاشرة، وتدمغها على أنها من دولة من الدرجة الأولى، هذا غش، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، أنت حينما لا تكذب، ولا تزور، ولا تدلس، ولا تحتكر، ولا تبع بيع نجشٍ، أنت حينما تستقيم في بيعك وشرائك، معنى ذلك أن هذا المال الذي ربحته مالٌ حلال، فإذا اشتريت به أي طعام فهو عند الله طعامٌ طيب.
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/07.jpg
عندي طالب له خال صاحب دار سينما، هذه الدار تأتي بأفلام فيها إثارة جنسية عالية جداً، والإقبال عليها منقطع النظير، فهذا جمع ملايين عدة من هذه الدار، وفي الأربعين من عمره أصيب بورم خبيث، فزاره ابن أخته تلميذي، فبكى خاله، قال له: جمعت هذا المال كي أستمتع به في خريف عمري، أما وقد داهمني المرض فلن أستفيد شيئاً، لأنك بنيت هذه الثروة على إفساد أخلاق الشباب، عقب هذا الفيلم كم حادث زنا صار؟ كم انحراف جنسي صار؟ كم انحراف أخلاقي صار؟ حينما تجمع المال على حساب أخلاق الشباب فأنت مؤاخذ: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس]
إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيباً :
أيها الأخوة، وهناك زوج طيب وزوجة طيبة، وهناك زوج خبيث وزوجة خبيثة، قال تعالى:
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[ سورة النور الآية: 26 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/08.jpg
هناك إنسان طيب صادق، متواضع، رحيم، منصف، محسن، وهناك إنسان كاذب، خائن، منحرف، يغتاب، ينم بين الناس، إنسان طيب وإنسانة طيبة، المؤمنة إنسانة طيبة. ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين]
أي أعظم النساء بركةً أقلهن مهراً.
لذلك: ((إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يتصدَّق أحَد بتمرة من كَسْب طَيِّب إلا أخَذَها الله بيمينه، يُربِّيها كما يربي أحَد فَلُوَّه أو قَلوصَه، حتى تكون مثل الجبل، أو أعظم ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]
دفعت مبلغاَ من مالٍ حلال، من مبلغٍ طيب حصلته بجهدٍ طيب. الرزق أخطر شيء بحياة الإنسان :
أخواننا الكرام، أخطر شيء بحياة الإنسان أن يكون رزقه حراماً، مثلاً: دعوة ميئوس من نجاحها، لكن الموكل ليس له خبرة في القوانين، تقول له: بالمئة مليون ناجحة، يمكن أن تبتز منه مئات الألوف لعشر سنوات، ثم تفاجئه بأن القاضي لم يكن عادلاً ليس هذا ذنبي، هذا المال حرام، يمكن أن تنصح مريضاً بعملية جراحية لا يحتاجها، فالمبلغ مال حرام، يمكن أن ترفع مستوى الأسئلة فالطلاب جميعاً بعلامات متدنية، يحتاجون إلى دروس خاصة، فهذا المال حرام، والله أساليب الحرام لا تعد ولا تحصى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/09.jpg
وأنت حينما تراقب نفسك، أنت حينما توهم الشاري أن هذه البضاعة في طريقها إلى المنع، أي ِالحق نفسك والأمر غير صحيح، فرفعت السعر قبله، أساليب البيع الحرام لا تعد ولا تحصى، فالبطولة أن يكون كسبك حلالاً، لا فيه كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا تزوير، ولا تحوير، ولا احتكار، ولا تلقي الركبان، فمعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، الله عز وجل كما قلت :
(( إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً ))
حديثٌ آخر بهذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام : (( أيُّها الناس، إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
تقول: أنا لست نبياً، ومن قال لك أنت نبي؟ لكن أنت مكلف أن تستقيم كما استقام النبي، أنت ممرض بمستشفى كُلفت أن تعطي حقنة لمريض، يجب أن تعقمها كما يعقمها الطبيب، هذه قضايا حدية ليس لها علاقة بالمكانة، الممرض وجراح القلب يستويان في تعقيم الحقنة: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
(( ثم ذكرَ الرجلَ يُطيل السَّفر، أشعثَ أغْبَرَ، يمدّ يديه إلى السماء: يا ربِّ يارب ومطْعمه حرام، ومشْرَبُهُ حرام، وملبَسَهُ حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجَاب لذلك؟ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
أكل الطيبات أحد سبل الوصول وأحد علامات القبول، أن تأكل طيباً، أن تأكل طعاماً أُشتري بمالٍ حلال، والمال الحلال هو المال الذي كسبته بطريقٍ مشروع مئة بالمئة. الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً :
أيها الأخوة:
(( إنَّ من أطيب ما أكل الرجلُ من كسبه ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7995/10.jpg
أي عمل مشروع، عمل يدوي، عمل صناعي مشروع، عمل تجاري، عمل زراعي، عمل خدمي، فيه صدق، فيه أمانة، ليس فيه كذب، ولا إيهام، و لا دجل، و لا تزوير، و لا غش، هذا العمل دخله حلال، إن اشتريت به أسوأ طعام صناعةً فهو عند الله أطيب طعام، ولو اشتريت أطيب طعامٍ من حيث المذاق بمالٍ حرام فهو عند الله طعامٌ خبيث.
لذلك أيها الأخوة، الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً، لماذا سمّى الله المعروف معروفاً؟ لأن الفطر السليمة تعرفه، ولماذا سمّى الله المنكر منكراً؟ لأن الفطر السليمة تنكره، فالطيب تعرفه الفطر السليمة.
أنت فتحت دكاناً، اشتريت بضاعة جيدة وسعرها معتدلاً، وعاملت الناس معاملة طيبة، فالفرق بين الشراء والمبيع هذا الربح، هذا حلال مئة بالمئة، البضاعة طيبة والسعر معتدل، و لا يوجد غش.
لكن لو إنسان فرضاً يبيع الزيت وجد فأرة في الزيت، لم يراها أحد من زبائنه نزعها بملقط، وباع الزيت كزيت، فهذا المال حرام، هذا الزيت يباع لمعمل الصابون، أما لا يباع للناس للأكل.
فأنت حينما تخالف الشريعة فالدخل حرام، ومع الدخل الحرام هناك دمار مال، يقول لك: مصادرات، احترق المحل.
أحياناً هناك ردّ إلهي دون أن تشعر، قال له: يا ربي -هكذا يروى- لقد عصيتك فلم تعاقبنِي، قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ.
كما أن هناك مليون طريق للمال الحرام، هناك مليون طريق لتدمير المال، يقول لك: مصادرة، احتراق شاحنة، أصابها حادث.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين الطيب والحلال؛ الحلال ما أفتى به المفتي، أما الطيب فما أفتاك به قلبك، أنت معك فطرة سليمة تشعر أن هذا الدخل طيب، ليس فيه كذب ولا دجل.
أيها الأخوة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نجهد أن يكون الدخل حلالاً حتى إذا اشترينا به طعاماً يكون هذا الطعام طيباً عندئذٍ يستجيب الله دعاءنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الستون )

الموضوع : اكل الطيبات و تعلقة بالحلال والحرام









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. قواعد في الحلال والحرام :
1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" الموضوع "أكل الطيبات".
ولكن من لوازم هذا الموضوع موضوع الحلال والحرام، ومن خلال النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة استنبط بعض العلماء قواعد في الحلال والحرام لابد من الوقوف عندها، لأنها منهجٌ للمؤمن في موضوع الحلال والحرام.
فالقاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي الدلالة، والثابت نسباً، هذا في الأشياء، أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، عندنا عقائد وعبادات الأصل فيها الحظر، وعندنا أشياء الأصل فيها الإباحة، بالأشياء التحريم يحتاج إلى دليل، أما في العبادات فالتشريع يحتاج إلى دليل، لو كان كل مسلم يخترع عبادة انتهى الدين، فالعبادات توقيفية، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، هذه قاعدة، طبعاً قال تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13]
الكون كله مسخر لهذا الإنسان، إذاً الأصل في الأشياء الإباحة. (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال))
[أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء]
الآن بموضوع الحلال والحرام والعبادات: (( وما حرم هو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } ))
[أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء]
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾
[ سورة مريم الآية: 64 ]
هذه القاعدة الأولى مهمة جداً، الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، والأصل في العقائد والعبادات الحظر ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت هذه قاعدة. 2 ـ التحليل والتحريم من شأن الله وحده :
القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لأي إنسانٍ كائنٍ من كان أن يقول لك: هذا حلال وهذا حرام، التحليل والتحريم من شأن الله وحده، ونحن لا يوجد عندنا بالعالم الإسلامي إنسان كلامه دليل، إلا أن كلامه يحتاج إلى دليل، أما النبي وحده فكلامه سنة، وفعله سنة، وإقراره سنة، بحياة المسلمين إنسان واحد هو رسول الله كلامه دليل، أي إنسان آخر يحتاج كلامه إلى دليل، هذه قاعدة ثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده.
﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾
[ سورة الشورى الآية: 21 ]
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾
[ سورة النحل الآية: 116 ]
فالتحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام بلا دليل، كان بعض العلماء الكبار إن سُئل عن شيء يقول: لا أرتاح له لا أفعله فقط، أما حلال و حرام فهذا تألي على الله. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر :
أيها الأخوة، القاعدة الثالثة: تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، بل إن تحريم الحلال ليس أقل إثماً من تحليل الحرام، يقول الله عز وجل فيما يرويه النبي عن ربه:
(( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ))
حنفاء أي مائلون بفطرتهم إلى الشرع، الفطرة متوافقة مع الشرع. (( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم . وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/02.jpg
أي استخفت بهم، فجالوا معها في الحلال والحرام، الآن إنسان عادي جداً يقول لك: حرام، حلال، لست مقتنعاً أنه حرام، من أنت؟
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ؟
***
(( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم، وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم ))
أي استخفت بهم، فجالوا معها، جالوا تجولوا معها في الحلال والحرام وقالوا: هذا حلال بزعمهم، وهذا حرام بزعمهم. (( وحرمت عليهم ما أَحللتُ لهم . وأمرْتَهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنَزِّلْ به سُلطانا ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار]
الآن هناك فئة من الناس متشددون، يحرمون الحلال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( هَلَكَ المُتَنَطِّعُون ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود]
المتنطع هو المتعمق، المغالي في الكلام، هو مرتاح يقول لك: حرام، أين الدليل؟ يا أخي الكريم عود نفسك ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، ألا تقبل تحريماً إلا بالدليل، وألا تقبل إباحةً إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء. 4 ـ الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس :
إذاً: الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في العبادات الحظر، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، وتحليل الحرام من أكبر الكبائر، كما أن تحريم الحلال من أكبر الكبائر، ويقترن بالشرك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/03.jpg
أخواننا الكرام، الحلال طيب تطيب به النفس، والحرام خبيث تخبث به النفس، هذا ينقلنا إلى أن هناك علاقةً علميةً بين الحلال ونتائجه، وبين الحرام ونتائجه، الحلال طيب تطيب نفسك به، إنسان اشتهى المرأة قام وتزوج، زوجة صالحة، طاهرة، عفيفة، أنجبت له أولاداً، ملأت حياته فرحاً، هذا الزواج كلما تقدم في السن صار هناك مراحل أخرى، صار جد والجد له مكانة كبيرة، المرأة أصبحت أماً، أصبحت جدة، أي هناك مستقبل للحلال، ولا يوجد مستقبل للحرام، الحرام خبيث تخبث به النفس، أوضح مثل: خاطب لابنتك تتم الموافقة عليه، يعقد العقد الشرعي، يسهر عندكم للساعة الثانية ليلاً، لا أحد يتكلم كلمة، أما لو أن فتاة كلمها شاب لا تعرفه، ومشت معه في الطريق، ورآها أبوها كأنها وقعت في فضيحة، الحلال مقبول والحرام مرفوض، الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس، طبعاً الدليل:
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 157 ]
وهذا دليل عام، أي شيء ثبت أنه خبيث فهو حرام بالدليل العام. 5 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/04.jpg
أيها الأخوة، هناك قاعدة أخرى: في الحلال ما يغني عن الحرام، أي شيءٍ حرمه الله عز وجل أحلّ مقابله شيئا آخر، الله عز وجل حرم الاستقسام بالأزلام - وسيلة بدائية لأن تختار هذا الشيء وهذا الشيء- عوضهم عن الاستقسام بالأزلام بدعاء الاستخارة، الاستقسام بالأزلام محرم يقابله دعاء الاستخارة، حرم عليهم الربا عوضهم عنها بالتجارة الرابحة والبيع الحلال، حرم عليهم القمار و جعل بدلاً منها المسابقة في الدين، حرم عليهم الحرير و استعاض عنها بالملابس الفاخرة، حرم عليهم الزنا و استعاض عنها بالزواج الحلال، حرم عليهم شرب المسكرات عوضهم بالأشربة اللذيذة، حرم عليهم الخبائث من المطعومات و استعاض عنها بالمطاعم الطيبات، ما من شيءٍ حرمه الله إلا له بديل.
الآن التأمين حرام لكن التأمين التعاوني حلال، أنت بالتأمين التعاوني شريك في هذه المؤسسة، أربع سنوات لم يحدث معك أي حادث يقتضي أن تأخذ تعويضاً، لكن مالك محفوظٌ لك، ولك أن تربح منه، أي لا يوجد شيء حرام إلا ويقابله شيء حلال، حرمان بالإسلام لا يوجد لكن هناك تنظيماً.
6 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة في القاعدة السادسة: ما أدى إلى حرام فهو حرام، الزنا محرم، إطلاق البصر محرم، مقدمات الزنا محرمة، التبرج الجاهلي محرم، الخلوة بامرأةٍ لا تحل لك محرمة، الاختلاط العابث محرم، الصور الفاضحة محرمة، الأدب المكشوف محرم، المواقع الإباحية بالإنترنت محرمة، القصص الماجنة محرمة، الفضائيات التي يوجد فيها مشاهد مثيرة محرمة، فما أدى إلى حرام فهو حرام، نحن عندنا قاعدة مذهلة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/05.jpg
الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة، الوسائل من جنس الهدف، لا يوجد هدف نبيل وسائله خبيثة أبداً، لا يوجد يانصيب خيري، ولا حفلة غنائية كبرى يرصد ريعها للأيتام، لا تصح، الأهداف النبيلة لابد لها من وسائل نبيلة، الأهداف الشريفة لها وسائل شريفة، في الإسلام الوسيلة من جنس الهدف، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام.
هناك نقطة ثانية: الحرام تتسع دائرته لا لتبقى عند فاعل الحرام بل لتشمل كل من شارك فيه، ملهى ليلي كل ما في الملهى معاصي وآثام، الذي ركب الكهرباء آثم، والذي دهن البناء آثم، والذي زين البناء آثم، كل من شارك في هذا الملهى آثم، فإثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر بل تتسع الدائرة لتشمل كل من شارك بجهدٍ ماديٍ أو أدبي، أي من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، أنت عند موظف خطير يريد أن يوقع الأذى بإنسان، قال لك: معي الحق، قلت له: طبعاً شاركته في الإثم.
(( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ))
[أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة]
لذلك من أين أُخذ هذا؟ في الخمر: (( لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس]
يمكن أن نضيف شيئاً الآن؟ والمعلن عنها، مؤسسة إعلانية، تعلن عن نشاط ملهى ليلي مثلاً، هذا الإعلان آثم، تتسع دائرة الحرام حتى تشمل كل من شارك في هذا الحرام، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾
[ سورة النساء الآية: 85 ]
هذه القواعد ليست من بنات أفكار العلماء، هذه القواعد مستنبطة من نصوص كثيرة، آيات وأحاديث صحيحة متعلقة بالحلال والحرام. 7 ـ التحايل على الحرام حرام :
أخواننا الكرام، قاعدة أخرى: التحايل على الحرام حرام، آتي بسجادة من محل بيع السجاد، يأتي إنسان بكم هذه السجادة؟ يقول له: هذه بعشرة آلاف، يشتريها ديناً، نكتب في الدفتر مبيع السجادة لفلان بعشرة آلاف، اشتراها ديناً بعشرة آلاف، الآن يقول هذا الشاري: أتشتريها مني بثمانية آلاف نقداً؟ قال له: موافق أعطاه الثمانية آلاف، الذي حصل أن إنساناً أخذ ثمانية آلاف يجب أن يؤدي بعد شهرين عشرة آلاف، هذا الربا بعينه، أما الصورة بيع وشراء، بيع العينة حرام، هو ربا بشكل بيع وشراء، ببلاد سجادة، ببلاد كيس رز، يشتري الإنسان كيس الرز بخمسة آلاف ديناً، يبيعه للبائع بأربعة آلاف نقداً، أي اقترض أربعة آلاف سددها خمسة آلاف عن طريق شراء كيس رز.
لذلك التحايل على الحرام حرام، وهذا موضوع ينقلنا إلى الحيل، الذي يحتال على الله كأن الله لا يعلم، مثلاً يريد أن يسكن مع امرأة أخيه، يحضر طفلة صغيرة من الحي ترضعها امرأة الأخ تصبح أمها من الرضاعة، يعقد قرانه على هذه الطفلة التي عمرها سنتين أو شهرين، تصبح هي حماته، يُطلّق الصغيرة، تصبح حماته على التأبيد، فيسكن معها دائماً، هذه الحيل لا تنطلي على طفل، هناك أساليب لا تعد ولا تحصى في الحيل، أنت بهذه الحيلة لا تعرف الله أبداً، فالتحايل على الحرام حرام، أحياناً يتغير الاسم، بدل فائدة عائدة تبقى فائدة، هناك أشياء محرمة قطعاً تعطى أسماء أخرى وكأن هذا الاسم إذا تغير تغير طبيعة الشيء.
8 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام :
الآن القاعدة الثامنة: النية الحسنة لا تبرر الحرام، لا يوجد حرام بنية حسنة، طبعاً الإسلام يقدر الباعث الكريم، والقصد الشريف، والنية الطيبة في التشريعات.
(( إِنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/06.jpg
بالنية الطيبة تصبح المباحات والعادات طاعات وعبادات، أنت إذا اشتريت ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق، أنت مؤمن لك خصوم، أنت حينما تشتري ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق صار عملاً صالحاً، حينما تأخذ أهلك إلى نزهة بنية أن تمتن العلاقة بينك وبين أولادك عمل صالح، عادات المؤمن عبادات بالنية الطيبة، وعبادات المنافق سيئات بالنية الخبيثة، هذا شيء ثابت، لكن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( ومن طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله، وتعطفاً على جاره ، لقي الله عز وجل ووجهه مثل القمر ليلة البدر))
[شعب الإيمان عن أبي هريرة]
أنت تعمل عملاً يومياً، بائع، موظف، طبيب، أنت حينما تنوي خدمة المسلمين بطبك أصبحت حرفتك عبادة، حينما تنوي نفع المسلمين بتجارتك تقدم لهم بضائع جيدة بسعر معتدل بمعاملة طيبة، وأنت في محلك التجاري في عبادة، بل إن العمل المهني، العمل الذي ترتزق منه، إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك ولم يشغلك عن طاعةٍ، ولا عن واجبٍ ديني، انقلب إلى عبادة، ماذا تقولون؟ كل إنسان إذا ابتغى بعمله خدمة المسلمين انقلب عمله إلى عبادة. 9 ـ اتقاء الشبهات أولى :
أيها الأخوة، عندنا قاعدة أخرى اتقاء الشبهات أولى، أي درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع، اتقاء الشبهات أولى.
(( إنّ الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
الزنا حرام، السرقة حرام، وأن تشتري طعاماً بمالٍ حلال تأكله مع أهلك هذا حلال، فالحلال الصرف واضح كالشمس، والحرام الصرف واضح كالشمس، لكن: (( وبينها أمور مشتبهات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
أي هذا الأمر يشبه الحلال من جهة والحرام من جهة، هذه: (( أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
الآن: (( فمن اتقى الشبهات ، استبرأ لدينه وعِرْضهِ ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يَوشك أن يرتَعَ فيه ، ألا ولكِّ ملك حمى، إلا وإنّ حمى الله محارمُه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
10 ـ الحرام حرام على الجميع :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7996/07.jpg
أخواننا الكرام، الحرام حرام على الجميع، نحن لا يوجد عندنا استثناءات بالدين، لا يوجد حرام على فئة وحلال لفئة، لا يوجد شيء ممنوع على فئة ومسموح لفئة، لا يوجد شيء مباح لفئة ومحرم على فئة، الحرام حرامٌ على الجميع، فالإسلام فيه عدل مطلق، السرقة حرام سواء أكان السارق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، سواء أكان المسروق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، هذا كافر، من قال لك إن ماله حلال لك؟ من قال لك؟ أنا لي رأي خاص: الحرمة أشد، إنك إن أسأت إلى كافر، أو أكلت ماله، يتهم الإسلام كله، الجزاء لازم للسارق أياً كان نسبه:
(( إنما هلك الذين من قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ))
[ أخرجه الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين]
الحرام على الجميع. 11 ـ ضابط الكسب الحلال :
لكن آخر شيء في هذا اللقاء الطيب: عندنا ضابط، قاعدة تجمع كل الحرام، وقاعدة أخرى تجمع كل الحلال، الحلال منفعةٌ بنيت على منفعة، أما الحرام فمنفعةٌ بنيت على مضرة، لو جمعت كل أنواع الحرام؛ يانصيب، سرقة، احتيال، غش، تدليس، أي المحرمات في البيع لا تعد ولا تحصى، لو جمعت كل المحرمات في البيع والشراء لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على مضرة، ولو جمعت كل أنواع الحلال لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على منفعة، هذه محور الأصل في الحلال أن منفعةً تبنى على منفعة أي منافع متبادلة، والحرام منفعة بنيت على مضرة.
أيها الأخوة الكرام، موضوع الحلال والحرام مهم جداً لأنه قوام حياتنا، لأنه قوام طريقنا إلى الله، لأنه ما من موضوعٍ أشد لصوقاً بسبل الوصول وعلامات القبول من موضوع الحلال والحرام.












والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الستون )

الموضوع : صلة الرحم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. صلة الرحم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعله من أبرز العبادات التعاملية إنه "صلة الرحم"، فقد قال الله عز وجل:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النساء الآية: 36 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/01.jpg
وقد قرنت هذه العبادة التعاملية بالصلاة والزكاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( أخبرني بعمل يُدْخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني من النار، فقال القوم: ما لَهُ؟ ما لَهُ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أرَبَّ ما لَهُ؟ تعبدُ الله لا تُشْرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب ]
هذا قانون، وقد أُمرت الأمم قبلنا بصلة الرحم، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة البقرة الآية: 83 ]
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع نبوته إلى صلة الرحم، فعن أبي أمامة قال: (( كُنْتُ وأنا في الجاهلية أظُنُّ أنَّ الناس على ضلالة، وأنهم لَيْسُوا على شيء وهم يَعْبُدُون الأوثان، فسمعتُ برَجُل بمكةَ يُخْبِرُ أخْبارا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلتي، فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيا، حِرَاء، عليه قومه، فَتَلَطَّفتُ، حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنتَ؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله فقلت: فَبِأيِّ شيء [ أرسلك ]؟ قال: [ أرسلني ] بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله ولا يشرك به شيء ))
[ أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة ]
صلة الرحم عبادة تحتل المركز الأول بعد العبادات الشعائرية :
تلاحظون أن هذه العبادة التعاملية تحتل أول مركز بعد العبادات الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يربط هذه العبادة بأن يكون الأرحام لهم مكانة، قال النبي الكريم:
((أوصاني خليلي بصلة الرحم وإن أدبرت ))
[ أخرجه الطبراني والطبراني عن أبي ذر الغفاري ]
و: ((أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضى ، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، بل إن هذه العبادة التعاملية الأولى ربطت بالإيمان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَصِل رَحِمَه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ]
صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخصّ العبادات :
أيها الأخوة، صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخص العبادات، يقول عمر بن دينار: ما من خطوةٍ بعد الفريضة أعظم أجراً من خطوةٍ إلى ذي رحم، ثوابها معجلٌ في الدنيا، ونعيمٌ مدخرٌ في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
(( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم ))
[أخرجه الطبراني في المعجم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/02.jpg
أعجل ثواباً في الدنيا قبل الآخرة، والقائم بحقوق ذوي القربى موعودٌ في الجنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أصحاب الجنة ثلاثة ذو سلطان مصدق ومقسط موفق ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
إنسان قوي، عادل، مستقيم، موفق، محسن. (( ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم ، وعفيف مُتَعَفِّف ذو عيال ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/03.jpg
أيها الأخوة الكرام، أمر الله بالرأفة بالأرحام كما نرأف بالمساكين، قال عز وجل:
﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 26]
وحق الرحم في البذل والعطاء مقدمٌ على اليتامى والمساكين، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 215 ]
أيها الأخوة، السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دققوا في هذا الحديث: (( الصَّدَقَةُ على المسكينِ صَدَقة، وهي على ذي الرَّحمِ اثنتان: صدقة وصِلة ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان بن عامر ]
إن تفقدت ذوي رحمك لك أجران؛ أجر الصدقة مع أجر الصلة، وأول من يعطى من الصدقة هم الأقربون من ذوي المسكنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (( كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إِليه بَيْرُحاءَ - بستان جميل جداً وكانت مستقبلةَ المسجدِ - فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدخُلُها، ويشربُ من ماء فيها طيِّب ، قال أنس: فلما نزلتْ هذه الآية: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }
[آل عمران : 92]
قام أبو طلحةَ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إِن الله تبارك وتعالى يقول: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإِن أحبَّ مالي إِليَّ: بَيْرُحاءَ، وإِنَّها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله فَضعْها يا رسولَ الله حيث أراكَ الله، قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَخ، ذلك مال رابح ذلك مال رابح )) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
بعضهم يقول: لما سمي المال مالاً؟ لأنه ليس لك ما لك، أما إذا أنفقته في سبيل الله فيصبح لك. (( ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإِني أرى أن تجعلَها في الأقربين، فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمها أبو طلحةَ في أقاربه وبني عمه))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
الباذل لأقربائه سخيُ النفس كريم الشيم :
أيها الأخوة، الباذل لأقربائه سخيُ النفس، كريم الشيم، يقول الشعبي -رحمه الله-: والله ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
أحد أخواننا الكرام، له ابن عم أستاذ جامعي، توفي بمرض وبيل، فسأل أولاده أمامي أَعلى والدكم دين؟ قالوا: نعم، قال: هو عليّ، قال لي: تصورت عشرة آلاف، عشرين ألفاً، بعد عدة يوم سألهم، فقالوا: ثلاثمئة وخمسة وثمانين ألفاً، قال لي: والله دفعتها عداً ونقداً، أقسم لي بالله وقال: كان عندي بضاعةٌ كاسدة من سنوات طويلة بعتها بعد عدة أيام ونصيب أرباحي منها المبلغ نفسه.
فهذا الشعبي يقول: ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
من هم الأرحام؟
من هم الأرحام؟ بشكل موضوعي الرحم الأولى رحم الدين، هي رحمٌ عامة تشمل جميع المسلمين، تتفاوت صلتهم بحسب قربهم وبعدهم من الدين، أو بحسب قربهم المكاني أو الزماني فيدل على ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/04.jpg
أي مؤمن هو أخوك في الدين بحسب مكانه، طبعاً الإنسان بالصين غير الإنسان بالشام، الذي في الشام أقرب إليك، بحسب المكان، والزمان، والقوة في الدين، لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
الأخوة الإيمانية لجميع المسلمين، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
هنا الرحم العامة رحم الإيمان، أي كل أخ مؤمن له عليك حق.
النوع الثاني: رحم القرابة القريبة أو البعيدة من جهتي الأبوين، إذاً كل أقربائك القريبة والبعيدة من جهة الأبوين، أي من جهة والدك ومن جهة أمك. صلة الرحم تدفع ميتة السوء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/05.jpg
أيها الأخوة، العلاقات بين الناس تزداد وثوقاً بالرحم، وقريبك لا يمَلّك على القرب، ولا ينساك في البعد، عزه عزٌ لك، وذله ذلٌ لك، قال القرطبي رحمه الله تعالى: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبةٌ، وأن قطيعتها محرمة.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
معنى يزيدان في الأعمار؛ هناك معنى شرحه العلماء قالوا: العمر لا يتبدل، لكن العمر يغتني بالعمل الصالح، أو يطول بالعمل الصالح، ويقصر بضعف العمل الصالح، أوضح مثل إنسان فتح محله التجاري ساعة باع بمليون، وإنسان فتحه اثنتي عشرة ساعة باع بمئة ليرة، فالزمن ليس له قيمة، القيمة لهذا المبلغ الذي باع فيه في هذا اليوم.
و عن أنسٍ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
والله مرة في طريقي إلى مكتبي وجدت إنساناً ملقى على الأرض مغطى بغطاء، مات لعله بسكتة دماغية في الطريق، هذا الساعة التاسعة صباحاً، الساعة الرابعة بعد الظهر هو هو، الطبيب لم يأتِ، إنسان يموت في الطريق، إنسان يموت في بيته بين أهله، فلذلك صلة الرحم تدفع ميتة السوء. كيفية صلة الرحم العامة و الخاصة :
أيها الأخوة، أولاً: رحم الدين كيف نصلها؟ قال: بملازمة الإيمان، والمحبة للمؤمنين، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك أذيتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، ومواساة الفقراء من دون أن يمن عليهم، ونصرة المظلومين، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة على أهل الإيمان، هذه الرحم العامة، الرحم الخاصة رحم القرابة، وتكون صلتها بزيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم، والتلطف مع وجيههم وغنيهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتكون الصلة باستضافتهم، وحسن استقبالهم، وإعزازهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وتكون الصلة بالدعاء للأرحام، وسلامة الصدر لهم، والحرص على نصحهم، ودعوتهم للخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإصلاح ذات البين إذا فسدت.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/06.jpg
حدثني أخ قال لي: أنا أسكن ببيت، ثاني قبو تحت الأرض، شمالي، مساحته سبعون متراً، رطوبته عالية جداً، أولادي معهم أمراض كثيرة، قال لي: والله ما خطر في بالي شيء، إلا أنك حينما تحدثت عن صلة الرحم زرت أحد أقربائي، لم أجده فوضعت له بطاقة، يبدو أن هذا القريب رأى من الواجب أن يرد الزيارة، ردها بعد العيد، رأى بيتي بهذا الوضع، قال له: هذا البيت لا يُسكن، قال لي بمروءةٍ عجيبة وبحرصٍ على أولادي: ابحث عن بيت بمليوني ليرة، القصة قديمة، قال لي: والله الله أكرمني ببيت في الطابق الرابع، جنوبي، انتقلت إليه وحياتنا انقلبت رأساً على عقب بهذه الصلة.
صلة الرحم زيارة وتفقد ومساعدة وتوجيه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/07.jpg
الحقيقة هذه الصلة تعني أن القوي من الأقارب يعاون الضعيف، وأن الغني يعاون الفقير، وأن العالم يعاون الجاهل، أنا أتصور صلة الرحم عملية معقدة جداً، الناس اختصروها بزيارة مع بطاقة، ويتمنى ألا يجده، يضع البطاقة وانتهى الأمر، كأن هذه الصلة مسخت، أنا أتصور صلة الرحم أن تزوره، أن تتفقد شؤونه المعاشية، التربوية، الدينية، الاجتماعية، أن تمده بما تستطيع، من مال بأسلوب ذكي جداً، لطيف، مثلاً على المدارس هناك هدية معينة، على أول العام الدراسي هناك هدية معينة، في مواسم العبادة هناك هدية معينة، في الأعياد أن تمده بالمال، أن تمده بتعليم أولاده.
والله حضرت قبل يومين جمعية رائعة جداً، أي طالب متفوق لم يتح له أن يدرس في الجامعة، هذه الجمعية مختصة بالإنفاق عليه حتى التخرج، هذا شيء يفعله أهل الدنيا بأكملهم، طالب متفوق يجب أن يدرس.
فأنت حينما تتفقد من حولك المكافأة في الدنيا قبل الآخرة، أولاً: تكون هذه الصلة ببشاشةٍ عند اللقاء، ولينٍ في المعاملة، وطيبٍ في القول، وطلاقةٍ في الوجه، وزيارات، وصلات إحسانٍ إلى المحتاج، وبذلٍ للمعروف، تكون بنصحهم والنصح لهم، ومساندة مكروبهم، وعيادة مريضهم، والصفح عن عثراتهم، وترك مضرتهم، والمعنى الجامع لكل هذا إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، هذه الصلة، الصلة زيارة، الصلة تفقد، الصلة مساعدة، الصلة توجيه.
والله سمعت عن أسرة في هذه البلدة الطيبة أنشؤوا شركة غير ربحية من أجل أن تهيئ فرص عمل للشباب الفقراء من هذه الأسرة، لها اجتماعات تعين الشباب، تبحث عن مستقبلهم، تبعثهم إلى الجامعات، من أروع الأُسر، أقامت جمعية خيرية من أجل مساعدة أفراد هذه الأسرة الكبيرة.
كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة :
أيها الأخوة، إلا أن الأقارب يختلفون في أحوالهم، وطباعهم، ومنازلهم، منهم من يرضى بالقليل، تكفيه الزيارة السنوية، والمكالمة الهاتفية، منهم من لا يرضى بطلاقة الوجه، والصلة بالقول، منهم من يعفو عن حقه كاملاً ويلتمس المعاذير لأرحامه، ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة والاهتمام الدائم، فمعاملتهم بهذا المقتضى، كل قريب له طبع، هذا القريب يكفيه بالسنة زيارة، هذا القريب يحتاج إلى زيارة دورية، هذا القريب دقيق جداً يحاسبك على الهمسة، هذا القريب متسامح.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/08.jpg
على كلٍّ بشكل مختصر: تبدأ صلة الرحم بنوعٍ من الاتصال، قد يكون هاتفياً، قد يكون بريدياً، قد تكون زيارة، ثم تفقد الأحوال المعيشية والاجتماعية، ثم المساعدة بألطف أسلوب، ثم الأخذ بيد القريب وأهله إلى الله، وحملهم على طاعته والتقرب إليه، وهذا تاجٌ تتوج به الصلة، أي إذا تمكنت أن تأخذ بيد هذه الأسرة إلى الله، دعوتهم إلى مسجدك، اعتنيت بهم، تفقدت شؤونهم، أكرمتهم بهدايا:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ))
[ ورد في الأثر]
والله بالواقع أعرف أناساً كثيرين يتمتعون بهذه العبادة التعاملية، والله عز وجل أكرمهم إكراماً لا حدود له، أخ كريم له خمس أخوات بنات، أزواجهن ليسوا أغنياء، هذه بحاجة إلى عملية جراحية على حسابه، هذه تريد مساعدة شهرية على حسابه، شيء عجيب جداً، كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة.
الآن عندنا أقارب متعبون، حتى لو كان الأقارب من النوع المتعب الذي يقابل الإحسان بالإساءة لا يجوز أن تقاطعهم، لأنك تتعامل مع الله، طاعةً لأمره، والتزاماً بسنة نبيه، أي اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
غض البصر عن الهفوات والعفو عن الزلات تجني الود والإخاء واللين والصفاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/09.jpg
أيها الأخوة، الواقع أن ذوي الرحم غير معصومين، يتعرضون للزلل، ويقعون في الخلل، تصدر منهم الهفوات، يقعون في خطيئاتٍ كبيرات، فإن بدر منهم شيءٌ من ذلك فالزم جانب العفو معهم، فإن العفو من شيم المحسنين، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزة، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، واقبل عذر معتذرهم، ولك في النبي الكريم يوسف القدوة والأُسوة، فقد فعل أخوة يوسف مع يوسف ما فعلوا، وضعوه في الجب ليموت، أي قتلة، وعندما اعتذروا قَبِل عذرهم، وصفح عنهم الصفح الجميل، ولم يوبخهم بل دعا لهم وقال:
﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
هناك ملمح دقيق في الآية، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100]
لم يقل من الجب، إن قال: إن أخرجني من الجب ذكرهم بخطيئتهم، تجاهل خطيئتهم قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100 ]
لم يصف أنهم أعداء، قال: نزغ الشيطان بيننا، هذا تلطف عال جداً، الأنبياء مثل عليا. حق الرحم :
أيها الأخوة، إذاً غض البصر عن الهفوات، والعفو عن الزلات، وإقالة العثرات تجني الود، والإخاء، واللين، والصفاء، وتتحقق فيك الشهامة، والوفاء، وداوم على هذه الصلة ولو قطعوا، وبادر بالمغفرة ولو أخطؤوا، وأحسن إليهم ولو أساؤوا، ودع عنك محاسبة الأقربين، ولا تجعل عتابك لهم سبباً لبعدهم عنك، وكن جواد النفس، كريم العطاء، وجانب الشح فإنه من أسباب القطيعة.
وعن عبد الله بن عمرو قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(( وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم، وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالبخل فبخلوا ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7997/10.jpg
قيل لأحدهم ما حق الرحم؟ قال: تستقبل إذا أقبلت، وتتبع إذا أدبرت، أي ليس الواصل بالمكافئ، زارني أزوره، دعاني إلى وليمة أدعوه إلى وليمة، هذا نمط الغرب، أما عند المسلمين فأصله ولو قطعني، أصله ولو جافاني. (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي الكريم: (( يا رسولَ الله، إِن لي قرابة، أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ - التراب - ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، هذا بعض ما في هذه الصلة، وهذه العبادة التعاملية الأولى بعد العبادات الشعائرية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه النصوص والحقائق إلى سلوك يومي.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 08:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الستون )

الموضوع : الوصول الى صلة الرحم









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. صلة الرحم تدفع نوائب الدهر وترفع بأمر الله عن المرء البلايا :
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع "صلة الرحم".
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/01.jpg
الحقيقة أن لهذه الصلة، أو لهذه العبادة التعاملية الأولى التي وردت بعد العبادات الشعائرية في القرآن والسنة ثماراً يانعةً وكبيرة، فصلة الرحم تدفع نوائب الدهر، وترفع بأمر الله عن المرء البلايا، فقد قال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في الغار: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُف فؤاده ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
لأول مرة: (( فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زمّلوني، زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيتُ على نفسي ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
الآن دققوا: (( فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم، عن عائشة أم المؤمنين ]
من أبرز العبادات التعاملية بعد العبادات الشعائرية صلة الرحم. (( فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلّ - الضعيف - وتَكسِب المعدوم . وتَقْرِي الضيف ، وتُعين على نوائب الحق ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
(( لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم ))
صلة الرحم محبة الأهل و بسط الرزق و بركة العمر :
أيها الإخوة، لقد خلق الله الرحم، وشق لها اسماً من اسمه، ووعد ربنا جلّ وعلا بوصل من وصلها، ومن وصله الرحيم وصله كل خير، ولم يقطعه أحد، ومن بتره الجبار لم يعله بشر، وعاش في كبد، فالله عز وجل يصل من وصل رحمه، ويقطع من قطع رحمه.
أيها الإخوة، في الحديث الصحيح. (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك: قالت: بلى قال فذاك لك قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]
أيها الإخوة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ، تقولُ: من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ، ومن قطعني قَطَعَهُ الله ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/02.jpg
صلة الرحم محبة الأهل، بسط الرزق، بركة العمر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (( تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صِلَة الرحم: مَحَبَّة في الأهل مَثْرَاة في المال، مَنْسَأة في الأثر))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
و هناك حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَن سَرَّهُ أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه، فَلْيَصِلْ رحمه))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ]
أيها الإخوة، صلة الرحم أمارةٌ على كرم النفس، وسعة الأفق، وطيب المنبت، وحسن الوفاء، ولهذا قيل: من لم يصلح لأهله لن يصلح لك، ومن لم يذبَّ عنهم لن يذبَّ عنك، يقدم على صلة الرحم أولو التذكرة وأصحاب البصيرة.
أيها الإخوة، صلة الرحم مدعاةٌ لرفعة الواصل، وسببٌ للذكر الجميل، وموجبةٌ لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين، صلة الرحم تقوي المودة، وتزيد المحبة، وتتوثق بها عرى القرابة، وتزيل العداوة والشحناء، فيها التعارف، وفيها التواصل، وفيها الشعور بالسعادة. تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/03.jpg
لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، المسلمون ليسوا كذلك، كثيرٌ من الناس مضيعٌ لهذا الحق، مفرطٌ فيه، فمن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلةٍ، ولا بمال، ولا بجاهٍ، ولا بحال، ولا بخلقٍ، ولا بود، تمضي الشهور، و ربما الأعوام، ولا يقوم بزيارتهم، ولا يتودد إليهم لا بصلةٍ، ولا بهدية، ولا يدفع عنهم مضرةً، ولا أذية، بل ربما أساء إليهم، وأغلظ القول فيهم، هذا الواقع المر.
ومن الناس من لا يشارك أقاربه في أفراحهم، ولا يواسيهم في أتراحهم، ولا يتصدق على فقرائهم، بل تجده يقدم عليهم الأباعد في الصِلات والهبات، أحياناً تأتيك دعوة من جهة قوية أو غنية تلبيها فوراً، وتلبية هذه الدعوة من الدنيا، وأحياناً تأتيك دعوة من قريب فقير في أطراف المدينة لا تلبيها لضعف شأنه، لذلك تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة. (( لو دعيت إلى كراع لأجبت ))
[ أخرجه البخاري ]
((ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ))
[أخرجه البخاري ومسلم]
لكن الناس ألفوا أن يلبوا دعوة الأغنياء والأقوياء، وتلبية هذه الدعوة ليست من الدين بل من الدنيا، لكن تلبية دعوة الفقراء والأقرباء من عمل الآخرة. بطولة المؤمن أن يصل من قطعه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/04.jpg
هناك حالة أخرى من الناس من يصل أقاربه إن وصلوه، ويقطعهم إن قطعوه، يدعوهم إن دعوه، هذه ليست بصلة رحم، إنما هو مكافئٌ للمعروف بمثله، وهو حاصلٌ للقريب والبعيد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
البطولة أن تصل من قطعك، أما أن تصل من وصلك، أن تلبي من لباك، فهذا ليس في باب صلة الرحم هذا في باب المكافأة.
الآن هناك أناسٌ يحرصون على دعوة الأباعد، ويغفلون دعوة الأقارب، الأباعد قد يكونون من أصحاب الشأن، من أصحاب القوة والمال، لذلك الأقربون أولى بالمعروف. نتائج قطيعة الرحم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/05.jpg
النتائج أيها الإخوة نتائج صلة الرحم تحدثنا عنها كثيراً، لكن نتائج قطيعة الرحم معاداة الأقارب، هذه المعاداة شرٌ وبلاء، الرابح فيها خاسر، والمنتصر مهزوم، وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، متوعدٌ صاحبها باللعنة والثبور، فالتدابر بين ذوي القربى مؤذنٌ بزوال النعمة، وسوء العاقبة، وتعجيل العقوبة.
فعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع -أي قاطعَ رحم -))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ]
عقوبتها معجلةٌ في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والبغي ))
[ رواه الترمذي عن أبي بكرة ]
ذنبان يعجل الله لصاحبهما العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
أيها الإخوة، قطيعة الرحم سببٌ للذلة والصغار، والضعف والتفرق، مجلبةٌ للهم والغم، قاطع الرحم لا يثبت على مؤاخاة، ولا يرجى منه وفاء، ولا صدقٌ في الإخاء، يشعر بقطيعة الله له، ملاحقٌ بنظرات الاحتقار مهما تلقى من مظاهر التبجيل، لقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستوحشون من الجلوس مع قاطع رحم. معنى قوله تعالى
﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/06.jpg
أخواننا الكرام، ما دام القلب ينبض كل شيء له حل، المشكلة أن يقف القلب وأنت قاطع رحم، ما دام القلب ينبض، ما دام في الحياة بقية، كل مشكلة مهما عظمت لها حل، فالعداوات التي تتوهم أنها لن تنقضي تنقضي، بزيارة مفاجئة، بهدية، باعتذار على الهاتف، بعمل صالح، فالإنسان إذا أراد أن يحسن العلاقة بينه وبين الخلق الله يعينه على ذلك، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 1 ]
قال بعض العلماء: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
تعني ما بينك وبين الله عز و جل، هذه أهم علاقة، وقال بعضهم: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
ما بينك وبين من حولك، مع زوجتك، مع أولادك، مع أهلك، مع والديك، مع أخوتك، مع أخواتك، مع أصهارك، ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
بزيارة، بمصالحة، بمودة، بهدية، باتصال هاتفي، باعتذار ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
والمعنى الثالث: ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
أي أصلح أية علاقةٍ بين اثنين، أول معنى: بينك وبين الله، المعنى الثاني: بينك وبين من حولك، المعنى الثالث: أصلح أي علاقةٍ بين اثنين، لذلك النمام لا يدخل الجنة، النمام ينقل ما قاله فلان عن فلان. أثر الهدية في اجتلاب المحبة وإثبات المودة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/07.jpg
أيها الإخوة، حسن الخلق له تأثير في هذه الصلة، حسن الخلق من جهة والهدية قال: (( تَهَادُوا، فإن الهدية تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
(( تهادوا تحابوا ))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
هناك مشكلة مع أخيك قدم له هدية، لتكن هذه الهدية شفيعاً لك في إعادة المودة إلى ما كانت عليه، فالهدية لها أثرٌ في اجتلاب المحبة، وإثبات المودة، وإذهاب الضغائن، وتأليف القلوب، وكان عليه الصلاة والسلام يحذرنا ويقول: (( لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرِضُ هذا، ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي أيوب ]
الله عز و جل يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
[ سورة فصلت ]
أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/08.jpg
أيها الإخوة الأكارم، قد يلتبس على بعض الناس أخلاق الجهاد مع أخلاق السلم في السلم: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
هذا في الحياة الدنيا، أما في الحرب. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
[ سورة التحريم الآية:9]
أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر، بالسلم اجعل هذه الآية شعاراً لك: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
قطيعة الرحم من أقبح العيوب و أفظع الذنوب :
مرة ثانية: (( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع- أي قاطعَ رحم -))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ]
وكأنها من أكبر الكبائر، من أقبح العيوب، من أفظع الذنوب، الله عز و جل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾
[ سورة الرعد ]
هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/09.jpg
لنقف وقفةً متأنيةً عند هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته، كان عليه الصلاة والسلام أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم للرحم، وأحلمهم، لذلك ذكره القرآن الكريم بأنه ذو: ﴿ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم الآية: 4 ]
وقال أيضاً: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي أنت أنت يا محمد على علو قدرك، وعلى أنك سيد الأنبياء والمرسلين، وقد أوتيت وحي السماء، أوتيت القرآن، أوتيت الفصاحة والبيان، أوتيت جمال الصورة، أوتيت الحكمة، أوتيت المنطق، مع كل هذه الخصائص أنت أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أمثلة من التاريخ عن صلة النبي الكريم لرحمه :
النبي الكريم بلغ من صلة رحمه مبلغاً عظيماً ضرب به المثل على مرّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه.
قرابته، أبناء عمه، أبناء عمومته، أخرجوه من مكة، طاردوه، أرادوا قتله، شتموه، آذوه، حاربوه في المعارك، نازلوه في الميدان، قاموا بثلاثة حروبٍ في بدرٍ وأحدٍ والخندق، ودخل مكة منتصراً، عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمة من فمه، وقفت له الأعلام مكبرة، طنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه و سلم منحنياً وهو يقول للقرابة والعمومة: ماذا ترون أني فاعلٌ بكم؟ فيتصورون الجزاء المر، والقتل الحار، والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فتدمع عيناه، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هذا من أعلى درجات العفو، أخرجوه، طاردوه، قاتلوه، شتموه، نكلوا بأصحابه لعشرين عاماً، فلما تمكن منهم، وحياتهم موقوفة على كلمة من فمه، وعشرة آلاف سيف متوهجة تأتمر بأمره، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، النبي الكريم أسوة حسنة لنا، في الطائف حينما قهر قال: ((إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/10.jpg
وفي فتح مكة حينما انتصر قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، كأنه يقول عفا الله عنكم وسامحكم، يأتي ابن عمه - أبو سفيان بن الحارث- يسمع بالانتصار، وقد أذى الرسول الكريم، وشتمه، وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج بهم من مكة، فيلقاه علي بن أبي طالب يقول له: يا أبا سفيان إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً، والله إن ظفر بي محمد ليقطعني إرباً إرباً، يقول له عليٌ وهو يعرف رسول الله: أخطأت يا أبا سفيان، إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصل الناس، وأبر الناس، وأكرم الناس، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال أخوة يوسف: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
فيأتي بأطفاله ويقف على رأس المصطفى صلى الله عليه و سلم ويقول: يا رسول الله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾
فيبكي عليه الصلاة و السلام وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
هذه هي النبوة، يقول أبو سفيان: يا بن أخي ما أوصلك! وما أرحمك! وما أحكمك! يا بن أخي ما أوصلك! أي ما أشد وصلك لنا، وما أرحمك! وما أعظم رحمتك بنا، وما أحكمك! وما أعقلك!
الآن تأتيه أخته من الرضاعة، وقد ابتعدت عنه عقوداً كثيرة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه أصلاً، رضعت معه وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاعة، وهو تحت سدرةٍ عليه الصلاة و السلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن فيقول لها الصحابة: من أنت؟ تقول: أنا أخت رسول الله من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث، أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون النبي الكريم، يتذكر القربى وصلة الرحم، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، ويرحب بها ترحيب الأخ بأخته بعد طول غياب، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس، تصوروا هذا النبي الكريم، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يظلل هذه العجوز أخته من الرضاعة من الشمس، ويترك الناس وشؤون الناس ويقبل عليها ويسألها: يا أختاه كيف حالكم؟ يا أختاه اختاري الحياة عندي أو تريدين أهلك؟ تقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال، ويعطيها مئة ناقة، ليُعلّم الناس صلة الرحم، يا سيدي يا رسول الله، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك، هذه نبوة النبي، هذه أخلاق النبي، هذه صلة الرحم، العبادة التي تأتي بعد الفرائض. أسباب قطيعة الرحم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7998/11.jpg
إخواننا الكرام، قطيعة الرحم لها أسباب كثيرة، أولها: الجهل بعواقب القطيعة وفضائل الصلة، ضعف التقوى والكبر، الانقطاع الطويل عن الأقارب، العتاب الشديد، هذا يضعف العلاقة، التكلف الزائد أحياناً بإكرامهم بحيث أن الآخر يخاف على هذا القريب من أن يدفع مبالغ فوق طاقته، الشح والبخل، تأخير قسمة الميراث، أحد أسباب قطيعة الرحم، الشراكة بين الأقارب أحد الأسباب، الاشتغال بالدنيا، الطلاق بين الأقارب، بعد المسافة والتكاسل، هذه كلها أسباب، أو الاحتكاك الشديد يأتي إلى قطيعة الرحم من حيث الأولاد أحياناً، قلة التحمل، أن تنسى أقاربك في الولائم والمناسبات و تدعو الأباعد، هذه كلها أسباب تدعو إلى ضعف صلة الرحم.
أيها الإخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق، وهذه المواقف الرائعة للنبي الكريم إلى سلوك يومي.












والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 09:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الستون )

الموضوع : الرحمة










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرحمة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الرحمة".
أُذكركم أيها الأخوة بأن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 180 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/01.jpg
من معاني هذه الآية أنك لا تتقرب إلى الله بأعظم من أن تتخلق بكمالٍ من كمالاته، فالله جلّ جلاله رحمن رحيم، وأفعل وسيلةٍ للتقرب إليه أن ترحم عباده، فإذا رحمتهم وصلت إليه، علاقة هذا الموضوع بهذه السلسلة من الدروس علاقة وشيجة، أنت حينما ترحم من حولك تستطيع أن تتقرب إلى الرحمن الرحيم.
فلذلك: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
ولكن سوف نقف في هذا اللقاء الطيب عند بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الرحمة. الله جلّ جلاله خلقنا ليرحمنا و يسعدنا :
بادئ ذي بدء: الله جلّ جلاله خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، وقد يقول قائل: فما بال هذه المصائب وما أكثرها؟ نقول: المركبة السيارة صنعت من أجل أن تسير، علة صنعها السير، ما بال المكبح فيها؟ المكبح من حيث المنطلقات يتناقض مع علة صنعها، المكبح يوقفها وصنعت كي تسير، لكن المكبح أعظم ضمانةٍ لسلامتها، أعظم ضمانة لسلامة المركبة المكبح مع أنه يتناقض فكرياً مع علة صنعها.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/02.jpg
فلذلك المصائب لها حكمةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
لذلك بعض علماء العقيدة يرى أنه ينبغي أن تذكر بعض أسماء الله الحسنى مثنى مثنى، المعز المذل معاً، يذل ليعز، الخافض الرافع، يخفض ليرفع، الضار النافع، يضر لينفع، المعطي المانع، يمنع ليعطي.
لذلك ورد:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء ـ لأنه مؤقت ـ قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الحب أصلٌ في الدين :
إذاً الآية الأولى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة هود الآية: 118 ]
كان من الممكن أن يحملنا ربنا قسراً على الهداية، هذه الهداية القسرية لا تسعدنا إطلاقاً، لذلك أراد أن تكون علاقته بنا علاقة حب، قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 256 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/03.jpg
ما أرادنا أن نأتيه إلا طائعين، إلا مختارين، إلا بمبادرةٍ منا، قال: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 54 ]
قال: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
أي ما أراد الله أن تكون علاقته بنا علاقة قسر، ولا قهر، ولا إكراه، علاقة حب.
فلذلك الحب أصلٌ في الدين لأن الإنسان في الأصل عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب. الله عز وجل أعطى الناس حرية الاختيار :
لذلك:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
ولا يزالون مختلفين لأنه خلقهم مخيرين: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 29 ]
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/04.jpg
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
لكنه شاء أن يعطيهم حرية الاختيار، وشاء لهم أن يأتوه طائعين، مختارين، بمبادرةٍ منهم، ولا يزالون مختلفين لأنهم مخيرون، دقق: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 119 ]
خلقنا ليرحمنا، والله أناسٌ كثيرون يقولون لك: سبحان الله! خلقنا للشقاء، من قال لك ذلك؟ هذا خلاف القرآن ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
أيّ إنسان شاء رحمة الله يصل إليها لأنها مبذولةٌ لكل مخلوق :
الآن الآية الثانية:
﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 105 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/05.jpg
على من تعود يشاء؟ تعود على الإنسان بدليل ما سيأتي بعدها. ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة البقرة ]
لأن فضله عظيم، أي إنسان شاء رحمة الله يصل إليها، مبذولةٌ لكل مخلوق. ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة البقرة ]
الله عز و جل في بعض الآيات وصف قرآنه بأنه مثاني، أي أية آيةٍ تنثني على أختها فتشرحها، ما الذي يؤكد أن فاعل يشاء نحن؟ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
لأن قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
أبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي :
الآن هذا النبي الكريم، سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، قال تعالى عنه:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 107 ]
فكأن علة وجودنا أن يرحمنا ربنا، الآن أكبر طريق، وأوسع طريق، وأقصر طريق، وأوسع باب نصل منهما إلى الله أن نتخلق بالرحمة، إذاً من أهم موضوعات سبل الوصول وعلامات القبول أن تكون رحيماً، والدليل: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 22 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/06.jpg
أبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي، والآية التي تبين قانوناً رائعاً هي قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي يا محمد بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك كنت ليناً لهم، فالتفوا حولك، اتصال رحمة لين التفاف، يقابلها انقطاع قسوة غلظة انفضاض. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
هذه الآية أصل قانون يسمى قانون الالتفاف وقانون الانفضاض، أنت كأب، أو أنتِ كأم، أو أنت كمعلم، أو أنت كمرشد، أو أنت كداعية، أو أنت كمدير، أو كقائد، أنت محتاج إلى أن يلتف الناس حولك، أن يخضعوا، أن ينفذوا أوامرك، فالذي يدعو الناس إلى أن يلتفوا حولك شيءٌ خطير، هو أن تكون رحيماً، هذه الرحمة تنعكس ليناً في معاملتهم، هذا اللين يدفعهم إلى أن يلتفوا حولك: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
تمتع المؤمن بتصور من عند خالق السماوات والأرض :
والله أيها الأخوة، آيةٌ دقيقةٌ جداً يقول الله فيها:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/07.jpg
الأمور واضحة، المؤمن لأنه آمن بالله، وقرأ القرآن، عنده تصورات واضحة، رائعة، عميقة، دقيقة، متناسقة للكون، والحياة، والإنسان، عنده فلسفة للمصائب، عنده فلسفة للزمن، عنده فلسفة للحياة الدنيا، عنده فلسفة لما سيكون، المؤمن يتمتع بتصور من عند خالق السماوات والأرض.
فلذلك قال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
أي الأمور واضحة جداً جداً للمؤمن، حتى الذي يجري له تفسير عميق جداً، أضرب لكم بعض الأمثلة: قد تنشأ حرب أهلية في بلد، تفسر أحياناً تفسيراً دولياً إن هذا البلد نما مالياً نمواً عجيباً، فالغرب حطمه، ممكن، وهناك تفسير داخلي محلي، أي هناك صراع قوى غريبة عن هذا البلد، كل قوة معها وسائل، ومعها أسلحة، وما شاكل ذلك، نشبت حربٌ أهلية هذا تفسير محلي، وهناك تفسير طائفي، طوائف متناحرة من مئة عام، وهناك تفسير أنا أقول: نسواني، حكمتها عين، هذا تفسير نسائي، لكن هناك تفسيراً قرآنياً: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
السكينة يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء :
لذلك:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/08.jpg
هذا صلة بالله، الشعور بالرضا، الشعور بالسعادة، السكينة يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، قال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
أي تجد مؤمناً موظفاً، ضارب آلة كاتبة، بيته صغير، دخله محدود، لكن له صلة بالله تراه أسعد الناس، كأنه يملك الدنيا وما فيها.
حدثني أخ قال لي: مرة طلبت امرأة مساعدة مني -هو رئيس جمعية- القصة طويلة ذهبوا إلى بيتها أقسم لي بالله، قال لي: بيتها تحت الدرج، لم يمر معه بيت بهذا المستوى، تحت الدرج، المساحة العالية غرفة، والأقل مطبخ، والأقل حمام، مع فسحة سماوية بسيطة جداً، أربعة أولاد كالوردات في البيت، ثيابهم نظيفة، دخلنا إلى البيت للتحقيق، ما هذا البيت؟! قال لي: والله أقسم لي بالله قبل يوم التقى مع رجل يملك أربعة مليارات، بقدر ما شكا همه لي لم أقدر على الوقوف، أربعة مليارات، البلد لم يعجبه، الشغل سيئ، لا يوجد سيولة نقدية أمامه، قال لي: طلبي هذه المرأة ألف ليرة في الشهر، فقرروا ألفين، قالت: ألف يكفي، معاش زوجي يكفينا نحتاج إلى أجرة هذا البيت، قال لي: أنا قبل يوم التقيت مع إنسان معه أربعة مليارات يشكو همه، وجدت هذه الأسرة المتواضعة تحت درج، لما أعطيناهم ألفين رفضت، قالت: يكفي ألف. السعيد من يتصل بالله فيهبه الرضا و الطمأنينة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/09.jpg
عندما يسعد الله إنساناً، قد يكون بيته صغيراً، قد تكون حياته خشنة، لكن إذا اتصل بالله يكون سعيداً.
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾
[ سورة هود ]
الإنسان مخير، الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 218 ]
نحن جميعاً إن شاء الله نرجو رحمته، نرجو أن يرحمنا في الدنيا والآخرة، نرجو أن يقربنا، نرجو أن يتجلى علينا، نرجو أن يهبنا السكينة و الرضا. أسباب رحمة الله :
1 ـ طاعة الله وطاعة ورسوله :
الآن هذه الرحمة التي يمتلئ القلب بها ما سبيلها؟ أنت بالرحمة ترحم، فإن رحمت تصل إلى الله.
(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[الديلمي عن أبي بكر]
قال: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/10.jpg
يرحمنا الله بطاعة الله ورسوله، بطاعة الله في قرآنه وطاعة الرسول في سنته. ﴿ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
وأنت شيء، أنت ضمن رحمة الله. ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
أي يتقون أن يعصوني، يتقون أن يغضبوني : ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
إذاً: طاعة الله، وطاعة ورسوله طريقٌ إلى رحمة الله، ورحمة الله طريقٌ إلى القرب منه، علاقة هذا الموضوع بسبل الوصول أنت حينما تكون رحيماً، وترحم خلقه، يسمح لك أن تتصل به، أو أن تصل إليه. 2 ـ تلاوة القرآن :
الآن سبب آخر من أسباب رحمة الله قال:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
رحمة الله تأتيك من تلاوة القرآن، لذلك قال بعض العلماء: إذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، وصليت فلم تشعر بشيء، وذكرت الله فلم تشعر بشيء، فاعلم أنه لا قلب لك، ابحث عن قلبٍ ذاكر، عن قلبٍ موصولٍ بالله عز وجل. المؤمن يفرح بطاعته لله و بعمل صالح أجراه الله على يديه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/11.jpg
الآن ما الذي ينبغي أن تفرح له؟ يقول لك: أنا عندي وكالة حصرية، أرباحي باليوم مليون، هذا كلام موجود، أرباحه اليومية، أحياناً هناك مواد غذائية مستوردة لها رواج كبير جداً، فإذا كان وكيلاً حصرياً، و على المادة طلب شديد، لا يبالغ، أرباحه اليومية مليون كل يوم، قال: لا تفرح بهذا الدخل الكبير، بيل غيت يملك تسعين ملياراً، شاب ليس كبيراً في السن.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
[ سورة يونس الآية: 58 ]
لما قارون خرج من قوم موسى: ﴿ فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
لابد من أن تفرح، ولكن بماذا يفرح؟ المؤمن يفرح بطاعته لله، يفرح بفهمه لكتاب الله، يفرح بعمل صالح أجراه الله على يديه، يفرح أنه ربى أولاده، يفرح بأن دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي، يفرح أن الله وفقه بالدعوة إلى الله. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
مستقبل الإنسان في الآخرة لا في الدنيا :
أحياناً تدخل إلى بيت يقول لك: سعره مئة وثمانون مليوناً، لكن أين صاحبه؟ بالقبر، من اختار البلاط؟ المرحوم، من اختار الثريات الرائعة؟ المرحوم، من اختار هذا المنظر الطبيعي الرائع؟ المرحوم،
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/12.jpg
سبحان الله! الإنسان يجمع الدنيا لبنةً فوق لبنة، خلال عمر مديد، ثم يفقدها في ثانية واحدة.
إنسان ساكن ببيت تحت الأرض شمالي، تقريباً عاش في البيت ثلاث وعشرين سنة، وهو يجمع ويجمع حتى تمكّن من شراء بيت، له إطلالة جميلة جداً، فجلس في الشرفة بأول يوم سكن فيه مع زوجته قال لها: الآن أمَّنا مستقبلنا ، ثالث يوم كان متوفى تحت الأرض، ليس هناك مستقبل، مستقبلك عند الله، مستقبلك في الآخرة، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
الإنسان إن لم يعرف ربه حيثما تأتي كلمة إنسان معرفةً بأل فهو الإنسان قبل أن يعرف الله. ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾
[ سورة هود الآية: 9-10]
يفرح فرحاً باطلاً، وييأس يأساً باطلاً، يأس وباطل، وفرح وباطل، إلا إذا عرف الإنسان ربه. 3 ـ الإحسان :
الآن: الطاعة طريقٌ لرحمة الله، تلاوة القرآن طريقٌ آخر لرحمة الله، هناك طريق ثالث.
﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
بالطاعة يرحمك الله، وبتلاوة القرآن يرحمك الله، وبالإحسان يرحمك الله. الرحمة بيد الله لا بيد البشر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/13.jpg
الآن هذه الرحمة بيد الله لا بيد البشر، لذلك قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة فاطر ]
الأمر بيده وحده، علاقتك مع الله، يقول لك: معي فتوى من فلان، خير إن شاء الله! لو استطعت أن تنتزع فتوى من فم رسول الله ولم تكن على حق لا تنجو من عذاب الله. (( إنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار))
[ أخرجه ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]
4 ـ العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/14.jpg
الآن هناك موازنات بالقرآن:
﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
معنى ذلك أن العلم طريقٌ لرحمة الله، أصبح الطاعة، القرآن، الإحسان، العلم، هذه كلها سبل الوصول إلى الله عز وجل. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر ]
مهما كبر الذنب ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
القنوط واليأس كفرٌ بالله عز وجل :
لذلك أيها الأخوة، المؤمن لا يقنط أبداً، والقنوط واليأس كفرٌ بالله عز وجل، لكن الله عز وجل ينصحنا.
أخواننا الكرام، الإنسان أحياناً يعمل بالتجارة، بالزراعة، بالصناعة، بالخدمات، يحمل شهادة عليا، يكسب رزقه، في درجة أعلى من كسب الرزق، ينتقل إلى مرحلة اسمها الجمع، أي يجب أن يربح ثلاثين مليوناً، والله السنة الأسواق عاطلة، خسرنا خمسة ملايين، أي قلّ ربحه بمقدار خمسة ملايين، فهناك حالة تصيب التجار والصناعيين هي حالة الجمع، ينتقل من مرحلة كسب الرزق إلى مرحلة الجمع، المباهاة، كم حجمك المالي؟ والله ثلاثمئة مليون لا شيء، لنا أخ أربعة آلاف مليون، الآن الكلام بالمليارات، كان بالملايين الآن بالمليارات http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/15.jpg
الله عز و جل يقول لنا:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
إلهٌ ينصحك، أنت تعرف ربك، مستقيم، تقرأ القرآن، لك أعمال صالحة، ربيت أولادك، لا تملك شيئاً من الدنيا، ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خيْرٌ﴾
من طاعتك، من إخلاصك، من تربية أولادك، من أعمالك الصالحة ﴿ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
قال له: أين تذهب؟ شاب بمقتبل العمر توفي والده من أسبوع، فالتقى به صديق والده، قال له: أين؟ قال له: ذاهب أسكر على روح أبي، خلّف له أموالاً طائلة، وهو جاهل ومنحرف، ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
رحمة الله تقتضي ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله عز وجل :
الآن أحياناً تقتضي رحمة الله أن يؤدبك.
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
تقتضي رحمة الله ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله عز وجل. اعتزال من لا يعبد الله عز وجل و الابتعاد عنه :
أيها الأخوة، الآن أحد طرق الوصول إلى رحمة الله، قال تعالى:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
مجتمع اختلاط، عرس مختلط، النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، جلسة كلها كذب ونفاق، جلسة كلها غيبة ونميمة، جلسة كلها فتن: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
أي لا يعبدون الله، أما إذا عبدوا الله فينبغي ألا تعتزلوهم. ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
أعظم شيء في حياة الإنسان عمل صالح يلقى الله به :
الآن الجامع كهف، الآن بيتك كهف، ادخل إلى بيتك وصلِّ، ادخل إلى بيتك واقرأ القرآن، ادخل إلى بيتك و ربِّ أولادك:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/16.jpg
لذلك النبي الكريم إذا دخل المسجد يقول: ((اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد وأبي أسيد]
الرحمة في المسجد، فإذا خرج من المسجد: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد وأبي أسيد]
في الحياة العامة تريد عملاً صالحاً يرحمك الله به، بالدخول للمسجد تحتاج إلى سكينة تتنزل على قلبك، فبالدخول: ((اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك ))
بالخروج: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
قال: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
[ سورة الكهف ]
رحمة الله تأتينا من طاعته ومن الجهد الذي يُبذل للوصول إليه سبحانه :
أيها الأخوة، أحياناً:
﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾
[ الإسراء الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7999/17.jpg
قال لي إنسان: والدي أمرني بتطليق زوجتي، قلت له: كيف زوجتك؟ قال لي: جيدة جداً يا أستاذ، صاحبة دين، محجبة، لكن أبي لا يحبها، قال لي: طلقها، ماذا أفعل؟ قلت له :لا تطلقها، قال لي: أليس سيدنا عمر أمر ابنه أن يطلق زوجته؟ قلت له: أبوك عمر؟ إذا كان أبوك عمر بن الخطاب فطلقها، لكن أباك ليس عمراً. ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
كن لطيفاً لكن لا ترد عليهم. قالت له: إما أن تكفر بمحمد أو أن أدع الطعام حتى أموت- أم سيدنا سعد بن أبي وقاص- قال: يا أمي لو أن لك مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، أكلت فيما بعد.
أيها الأخوة، رحمة الله تأتينا من طاعة الله، وتأتينا من تلاوة القرآن، وتأتينا من العمل الصالح: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
وتأتينا أيضاً من هذا الجهد الذي يُبذل للوصول إلى الله عز وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 09:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السبعون )

الموضوع : من ترحم ؟ وكيف ترحم ؟







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرحمة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الرحمة"، فقد حدثنا مالك قال:
(( أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن مالك بن الحويرث ]
شبيبة جمع شاب. (( متقاربون ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة، عن مالك بن الحويرث ]
أي متقاربون في السن: (( متقاربون، فأقمنا عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
هنا الشاهد: (( رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنْ قد اشتهينا أهلينا أو اشتقنا سألنا عما تركنا بعدنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وذكر أشياء أحفظها وأشياءَ أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أُصلي. فإذا حضرت الصلاة فليؤَذن لكم أحدكم وليؤُمّكم أكبركم ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن مالك بن الحويرث ]
الشاهد أن سيدنا عمر قال مرةً: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أسعد، ثم آلت الأمور إلى أبي بكر فكنت سيفه المسلول وجلواذه، وخادمه، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أسعد، وقد آلت الأمور إليّ، فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أُضعفت، وإنما تكون على أهل البغي والعدوان، أما أهل التقوى والعفاف فسأضع رأسي لهم ليطؤوه بأقدامهم.
مرة قال: لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى. الرحمة أصلٌ في القيادة :
نتابع خطابه، قال: أيها الناس لكم عليّ خمس خصالٍ خذوني بهن، لكم عليَّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولكم عليَّ ألا أنفق هذه الأموال إلا بحقها، ولكم عليَّ ألا أجمركم في البعوث، إنسان مقيم في بلد، أن أرسله إلى بلد بعيد، بعيد عن زوجته وأولاده إلى أمد طويل، هذه قسوة، لكم عليَّ ألا أجمركم في البعوث، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم، إن شاء الله تعالى أرفع الرواتب، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، لذلك الآية الدقيقة جداً: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/01.jpg

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك وأحبوك، ولو كنت بعيداً عنهم لامتلأ القلب قسوةً، ولانعكست القسوة غلظةً وفظاظةً فانفضوا من حولك، أصبح هناك معادلة رياضية، اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض.
فأنت كأم، وأنت كمعلم، وأنت كمدير مؤسسة، إذا كنت متصلاً بالله يمتلئ القلب رحمةً، هذه الرحمة تنعكس ليناً، هذا اللين يدعو من حولك أن يلتفوا حولك، فالرحمة أصلٌ في القيادة، لذلك من علامات قيام الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، ليس هناك عند الرجال نخوة، يتباهى بأهله بأبهى زينة، وليس في وجوه النساء حياء، وليس في قلوب الأمراء رحمة. على المؤمن أن تغلب رحمته غضبه :
أيها الأخوة، النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/02.jpg
وأنا أقول: والمؤمن الصادق يتخلق بهذا الكمال، يجب أن تغلب رحمته غضبه.
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ يومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضِ مئةَ رَحمة، كلُّ رحمةٍ طِبَاقُ ما بَينَ السَّمَاءِ والأرضِ ))
[ أخرجه مسلم عن سلمان الفارسي ]
أي تغطي ما بين السماء والأرض. (( فَجَعَلَ مِنْهَا في الأرضِ رَحمة، فبها تَعطِفُ الوَالِدةُ على وَلَدِها، والوَحْشُ والطيرُ بعضُها على بعض، فَإِذا كان يومُ القِيامَةِ أَكمَلَهَا بِهذهِ الرحمة ))
[ أخرجه مسلم عن سلمان الفارسي ]
أوضح مثل قلب الأم، إنسانة تريد لابنها كل سعادة، تعرى من أجله، تجوع من أجله، تضحي بالغالي والرخيص من أجله، ولا تنتظر منه شيئاً، هذه الأم. نظام الأبوة والبنوة من آيات الله الدالة على عظمته :
لذلك قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾
[ سورة البلد ]
من آيات الله الدالة على عظمته نظام الأبوة والبنوة ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/03.jpg
أي إن أردت أن تعرف كمال الله من خلقه فانظر بشكل مصغر جداً، بشكل لا يتساوى مع الأصل، رحمة الأب بأولاده، كم أب في الأزمة الصعبة السكنية يبيع بيته بأرقى أحياء دمشق ويسكن في الريف من أجل أن يزوج أولاده؟ هذه بطولة في الأب، حينما يحمل الأب همّ أولاده، حينما يسعى جاهداً لتأمينهم، لتزويجهم، لتهيئة عملٍ مناسبٍ لهم، هذه بطولة، و الحياة من دون رحمة صحراء، مجتمع غاب، فالتراحم هو ما يميز المؤمنين، المؤمنون يرحم بعضهم بعضاً. (( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[ الديلمي عن أبي بكر]
يقول عليه الصلاة والسلام: (( لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: افشوا السلام بينكم تحابوا، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أي كل أب يرحم أولاده بالفطرة، أكاد أقول: ليس له أجر بذلك لأن الله أودع في قلبك رحمةً لأبنائك، لكن أين بطولتك أيها الأب؟ حينما ترحم شاباً يعمل عندك في المحل التجاري.
والله مرة حدثني إنسان قال لي: عندي موظف فهيم، ذكي جداً، لكنه يتيم، طلب مني أن يغادر المحل قبل ساعة من الدوام ليلتحق بمدرسة ليأخذ شهادة، هو غير متعلم، قال لي: لم أسمح له، أخاف إن تعلم أن يتركني، لكن ابنه بلقاء آخر دفع عليه أكثر من مليون ليرة لدروس خاصة ليكون طبيباً، هذا الشاب الذي في محلك التجاري لا تسمح له أن يتعلم من أجل أن تستغله وابنك تنفق عليه مليون ليرة كي يكون طبيباً؟!. بطولة الإنسان أن يرحم الآخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/04.jpg
البطولة أن ترحم الآخر، أن ترحم أولادك شيء طبيعي جداً، البطولة أن ترحم زوجة ابنك في البيت، هل تعامل زوجة ابنك كما تتمنى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها؟ هذه البطولة، البطولة أن ترحم الناس، أما أن ترحم أهلك وأولادك فهذا شيء طبيعي جداً، لا أقول ليس لك أجر إطلاقاً، لكن الله أودع في جبلتك محبة الأولاد، فأن ترحمهم شيء طبيعي جداً، لكن بطولة المؤمن أن يرحم الآخر، أن يرحم شاباً في محله التجاري.
والله مرة ثانية: أنا أتألم أشد الألم، كنت في محل تجاري فحمّل صاحب المحل الموظف الصغير الشاب، رقيق العود، أول ثوب، و ثاني ثوب، و ثالث ثوب، و رابع ثوب، قال له: لا أقدر، قال له: أنت شاب، حمّل ابنه ثوباً واحداً، قال له: بابا احذر ظهرك.
بطولتك أن ترحم الآخرين، البطولة أن ترحم الناس، أن ترحم الذي لا تعرفه، أن ترحم الذي لا ينتمي إليك، هذه بطولتك، المؤمن رحيم.
أية أمة لا ترحم ضعيفها لا تنتصر :
الآن شيء ينقلنا إلى موضوع آخر: الدول الكبرى تعامل شعبها معاملة تفوق حدّ الخيال، لكنها تعامل بقية الشعوب بوحشيةٍ ما بعدها وحشية، هؤلاء لا قيمة لإحسانهم لشعوبهم، وحوشٌ على شعوب العالم، إذا ألغيت المبدأ الإنساني الأمة سقطت.
لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألفاً، فلما فتحها صلاح الدين لم يرق قطرة دمٍ واحدة.
((الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/05.jpg
فبطولتك ليست مع أولادك، أن تكون رحيماً بهم شيء طبيعي جداً، وشيء أودع في جبلتك، لكن بطولتك أن ترحم الآخر، أن ترحم إنساناً لا ينتمي لك بقرابة، أن ترحم موظفاً عندك.
أحياناً تجد دخله لا يكفيه أربعة أيام، هذا الحاضر، والإنسان مضطر، فيقبل بهذا العرض، هو ينفق في اليوم مئة ألف، في اليوم الواحد، ويعطي هذا الموظف المضطر أجراً لا يكفيه طعام خمسة أيام، لذلك لا نرقى عند الله.
أخواننا الكرام، كلام دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سعد بن أبي وقاص ]
أية أمة لا ترحم ضعيفها، هذا الضعيف ينبغي أن تطعمه إن كان جائعاً، ينبغي أن تكسوه إن كان عارياً، ينبغي أن تؤويه إن كان مشرداً، ينبغي أن تعلمه إن كان جاهلاً، ينبغي أن تعالجه إن كان مريضاً، ينبغي أن تنصفه إن كان مظلوماً، عندئذٍ يتكرم الله علينا فيكافئنا مكافأةً من جنس عملنا فينصرنا على من هو أقوى منا، إن أطعمت من هو أضعف منك أكرمك على من هو أقوى منك. الإنسان يرحم بقدر إيمانه و يقسو بقدر بعده عن الله :
لذلك أيها الأخوة:
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))
[ أخرجه البزار عن عمران بن حصين ]
(( لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقيٍّ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/06.jpg
موضوع دقيق جداً، أقرب قلبٍ إلى الله القلب الرحيم، وأبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي. ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 22 ]
أكاد أقول لكم: أحياناً بالمركبة هناك عداد السرعة، وعداد حركة المحرك -دورات المحرك- أحياناً العقربان يتحركان معاً، اسمعوا هذه الكلمة: إذا كان للإيمان عداد وللرحمة عداد عقربا العدادين يتحركان معاً، فأنت ترحم الخلق بقدر إيمانك، وتقسو عليهم بقدر بعدك عن الله عز وجل ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
لا يغيب عنكم: ((أن امرأة بَغِيّا رَأَت كَلبا في يومٍ حارٍّ يُطيفُ بِبِئْرٍ، قد أدْلَعَ لِسَانُهُ من العطَشِ فَنزَعَتْ لَهُ مُوقَهَا ، فَغُفِرَ لَهَا ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن أبي هريرة ]
لك أجر كبير في إطعام البهائم، لك أجر كبير في معالجة مرضى البهائم. الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله :
إذاً:
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))
[ أخرجه البزار عن عمران بن حصين ]
(( لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقيٍّ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
(( لَيْسَ مِنا مَن لم يَرحَمْ صغيرَنا، ويُوِّقرْ كَبيرنا ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
الشاهد الدقيق: (( قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي موسى الأشعري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/07.jpg
يجب أن ترحم كل من حولك، يجب أن ترحم من لا ينتمي إليك لا بصلة، ولا بقرابة، هذا إنسان، لذلك أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله، إنسان تبتز ماله، تستغل جهله، ترفع عليه السعر أضعافاً مضاعفة، تلقي في قلبه الروع لتأخذ من ماله، ويلٌ لإنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني أمنه على إخافتهم، يبني عزه على إذلالهم، يبني قوته على ضعفهم، الآن بعض أسباب الرحمة يقول عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقْتَضَى ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]
هناك تساهل، هناك رحمة، تأتي امرأة إلى صيدلية تريد دواء معين، المبلغ الذي معها ينقص نصف ليرة، يأخذ الدواء من يدها و يقول لها: ائتِ بالمبلغ الكامل، نصف ليرة! سامحها. (( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقْتَضَى ))
الجماعة رحمة والفرقة عذاب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/08.jpg
أيضاً:
(( رحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
في الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
(( وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
حتى يستيقظ، أي التعاون بين الزوجين لأداء العبادات شيء طيب جداً، والجماعة رحمة والفرقة عذاب. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :
ثم قال عليه الصلاة و السلام:
(( رَحِمَ الله أبا بكر، زوَّجني ابنتَه، وَحَمَلَني إِلى دار الهجرة، وصحبني في الغار وأَعتَقَ بلالاً من ماله، رحم الله عمر، يقول الحق وإن كان مُرّاً، تَرَكه الحقُّ وما له من صديق، رحم الله عثمان، تَسْتَحِي منه الملائكة، رحم الله عليّا، اللهم أَدِرِ الحقَّ معه حيث دار ))
[ أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/09.jpg
أي أنت أيها المؤمن هل لك عمل يصلح للعرض على الله يوم القيامة؟ ربيت أولادك؟ أعنت الفقراء؟ لبيت حاجة الضعيف؟ لك عمل صالح؟ إنسان بلا عمل فقير. ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص ]
الغنى والفقر بعد العرض على الله، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. (( أن رجلاً من قيس جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: العن حمير؟ فأعرض عنه، فأعاد عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله حِمْيَرَ أفْوَاهُهُم سَلام، وأيْدِيهم طَعَام، وهم أهْلُ أمْن وإيمان ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
لم يُبعث النبي الكريم لعاناً، ما بعثه الله لعاناً بعثه رحمةً للعالمين. طلب السماح ممن ظلمت قبل فوات الأوان من أسباب رحمة الله :
أيضاً من أسباب رحمة الله:
(( رحِمَ الله عبداً كانت لأخيه عنده مظلِمة مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
معنى هذا هناك عرض في السمعة، اغتبت إنساناً، اعتديت على عرضه، على سمعته، لكن نحن نتوهم العِرض خاص بالنساء، لا، سمعة الإنسان عرضه. (( رحِمَ الله عبداً كانت لأخيه عنده مظلِمة مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه، فلْيَتَحلَّلَهُ منه اليومَ، من قبلِ أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذَ منه بقدر مَظلِمتِهِ وإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبه، فَحمِل عليه ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
إتقان الصنعة من الدين :
(( رحم الله امرأً أحسن صنعته ))
[ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/10.jpg
إتقان الصنعة من الدين، إنسان باع غرفة جلوس، الذي اشتراها زاره أصدقاءه جلسوا عليها ففسدت، فذهب إلى صاحبها متوتراً جداً، قال له: من أول جلسة؟ قال له: جلستم عليها؟ (( رحم الله امرأً أحسن صنعته ))
إتقان الصنعة من الدين، جزء من دينك أن تتقن صنعتك، مرة ركب صحن ببرغيين من ستة، بأيام الرياح الشديدة طار هذا الصحن و وقع فوق رأس بنت صديقي فقتلها، من أجل أن توفر عشر دقائق أزهقت روحاً بريئة، هناك أخطاء كثيرة جداً، بسبب السرعة والإهمال، فلذلك. (( رحم الله امرأ أحسن صنعته ))
[ورد في الأثر]
(( نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه غيره ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدرامي والإمام أحمد وابن حبان عن زيد بن ثابت ]
ما الذي يمنع إذا حضرت خطبة جمعة وتأثرت بها، كتبت بعض النقاط، فإذا جلست مع أصدقائك حدثتهم عنها؟ إن جلست مع جيرانك، مع زملائك، مع زوجتك. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
(( نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن زيد بن ثابت ]
التعاون و التناصح من الأعمال الصالحة التي تستوجب رحمة الله عز وجل :
أيها الأخوة، هذا أيضاً من الأعمال الصالحة التي تستوجب رحمة الله عز وجل:
(( رحم الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ))
[ أخرجه الحاكم عن جبير بن مطعم ]
ويقول سيدنا عمر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/8155/11.jpg
أي إذا كان هناك إخلاص بين المؤمنين، و تعاون، وأنت وجدت على أخيك شائبة وهو يحبك وتحبه، وبينك وبينه نصحته، والله الناصح له أجر كبير، والمنصوح إذا قَبِل هذه النصيحة له أجر أكبر، أي التناصح، أنا أقول دائماً: نتعاون فيما اتفقنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، هناك تعديل لهذا الرأي: نتعاون فيما اتفقنا وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أخوك مثلاً إذا ذكر حديثاً ضعيفاً وأنت نبهته، هذا الحديث ضعيف أو شديد الضعف، أتمنى عليك ألا تذكره ثانيةً، بينك وبينه، قدمت له نصيحة طيبة جداً.
فلذلك أيها الأخوة، إن أردت رحمة الله فكن نصوحاً، وهل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم ضغط الدين كله بكلمة واحدة فقال: (( الدِّينُ النصيحة ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نوفق في تطبيق هذه الآيات والأحاديث: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-15-2018, 03:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الاول )

الموضوع : الحكمة 1






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الحكمة :
أيها الأخوة الكرام: كلما تأملنا في كتاب الله ازددنا علماً, هذه الآية الكريمة التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لو قابلت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
إنسان أوتي الدنيا, أوتي الملك, أوتي الغنى, أوتي الحظوظ كلها, استمتع بكل قواه في الدنيا, هذا عند الله أوتي قليلاً؛ لأن الموت سوف ينهي هذا كله, لكن حينما يؤتى الحكمة يؤتى خيراً كثيراً. من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً :
لعلنا نقف دروساً عديدة في موضوع الحكمة؛ بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة, ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى, بالحكمة تسعد بدخل محدود, ومن دون حكمة تشقى بدخل غير محدود, بالحكمة تسعد بأولاد عديمين, ومن دون حكمة تشقى بأولاد نجباء.
عندما الإله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة يوسف الآية:22]
فالإنسان حينما يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ لأن هذا الخير لا ينقطع بالموت, هذا الخير الذي يُؤتاه الإنسان من خلال الحكمة يسعده إلى الأبد؛ فشتان بين شيء ينتهي عند الموت, وبين شيء يبدأ عند الموت. النبوة وهبية والتفوق كسبي :
قال بعض العلماء: إن الله عز وجل أعطى النبوة والرسالة للخصوص من أهل الصفوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
النبوة اختص بها صفوته من خلقه, وهناك بحث طويل جعل النبوة وهبية, لكنها وهبية للمتفوقين من خلقه, والتفوق كسبي.
تماماً كما لو أردنا أن نعين إنساناً يمثل بلداً؛ فطالبناه بدكتوراه في العلوم, دكتوراه في الآداب, دكتوراه في الحقوق, وطالبناه بخمس لغات يتقنها, وطالبناه بفطنة وذكاء, بعد أن اخترناه من بين كل الناس, -وهذا من تفوقه وكسبه-؛ أعطيناه خصائص, أعطيناه حقيبة دبلوماسية, أعطيناه أجهزة, أعطيناه شيكات مفتوحة, القسم الثاني وهبي, لكنه مبني على الكسبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
هذه وهبية, لكن بحسب الاصطفاء, والاصطفاء بحسب التفوق, والتفوق بحسب الصدق. الحكمة ثمنها المجاهدة أما العلم فثمنه المدارسة :
هناك موضوع آخر: باب النبوة مغلق, لكن باب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة, الله عز وجل أعطاها للقمان الحكيم:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
يبدو أن الحكمة ثمنها المجاهدة, أما العلم فثمنه المدارسة, أي إنسان ذكي يمكن أن يقرأ الإسلام كله, ويحفظه, وهو يهودي, العلم متعلق بالدماغ؛ إذا كان هناك رغبة في طلب العلم, و دماغ قوي, وذاكرة قوية, وقوة محاكمة.
كثير من المسلمين معهم دكتوراه في السوربون بالشريعة, الذي منحهم هذه الدكتوراه إنسان يهودي؛ فالعلم يأتي من المدارسة, أما الحكمة فتأتي من المجاهدة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
وباب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة؛ بلا توقيت, ولا تحديد. الحكمة من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء :
درس اليوم: هناك عشرة أشياء من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء, علينا أن نطلبها,وأول شيء: الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
فاطلبوها بالمجاهدة؛ أي الصلاة, غض البصر, ضبط اللسان, إنفاق المال, كثرة الذكر والدعاء, هي سبب الحكمة؛ لأن الحكمة تؤتى لمن يشاء الله أن يؤتيه الحكمة, ومشيئة الله متعلقة بالتفوق, بصفوته من الخلق: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
هذه عشرة أشياء ثمينة جداً: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
ورحمة الله عز وجل مطلقُ عطاء الله، لكن: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:56]
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
هذا بحث مستقل, نبحثه إن شاء الله. السعادة و الطمأنينة ثمن رحمة الله :
ما ثمن رحمة الله؟ تكون سعيداً, تكون مطمئناً, تكون متفوقاً, تعمل عملاً طيباً، أحياناً الذي يرحمه الله عز وجل يمشي كالملك, وهو من عامة الناس, في القلب شيء؛ المظهر موظف, المظهر ضارب آلة كاتبة, المظهر عامل, المظهر إنسان مدرس من بين مئة ألف مدرس, لكن من معه رحمة الله, رحمة الله جعلته متفوقاً, جعلته مطمئناً, جعلته سعيداً, جعلته قوياً, جعلته صابراً, جعلته فقيهاً عالماً:
﴿يخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
يجب أن نبحث في دروس قادمة عن أسباب رحمة الله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
أحياناً يملكك الله, إذا أعطى أدهش؛ تكون لا شيء, لا يوجد عندك شيء, تملك شيئاً, وشيئاً كثيراً, وشيئاً ثميناً, وشيئاً مهماً: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء﴾
[سورة البقرة الآية:247]
قال: فاطلبوه بالتواضع والحياء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾
[سورة الشعراء الآية:83]
المستقيم موفق والتوفيق أساس النجاح :
أحياناً الغنى ليس له علاقة بالسعي وبالذكاء, إذا الله عز وجل أعطى أدهش, أحياناً من دون قدرات عالية بالإنسان, قد يكون غنياً كبيراً, وأحياناً يكون عنده المعية, يفوق حدّ الخيال, لا يملك ثمن رغيف خبز, قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
فالتجارة لا تحتاج إلى ذكاء, إلى توفيق من الله, والتوفيق يحتاج إلى استقامة؛ وفي أصعب الظروف, وفي أصعب الأحوال, في أيام الكساد الشديد, المستقيم له معاملة خاصة, المستقيم موفق, والتوفيق أساس النجاح, في التجارة الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
إنسان يكون مستجاب الدعوة, شيء ثمين جداً, أن تدعو فيستجيب الله لك, إذا كنت مستجاب الدعوة؛ فأنت أقوى الناس, أنت أغنى الناس, أنت أسعد الناس. من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6099/01.jpg
لذلك: إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله:
﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
أنت أقوى من خصمك بالدعاء, إذا كان الله معك فمن عليك؟ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
إذا الله منحك التوبة, ألغى لك كل الماضي.
إنسان عليه ملايين, بيته مرهون, بكلمة كله يُمحى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الرزق بالمعنى المعنوي هو الاتصال بالله و فهم كلامه :
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
الرزق أنواع, الغنى قد يكون مادياً, أما الرزق فالاتصال بالله رزق, أن تفهم كلام الله رزق: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[سورة الواقعة الآية:82]
نصيبك من الرزق أنك كذبت بهذا الكتاب بدلاً من أن تصدقه, والهداية: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة البقرة الآية:213]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾
[سورة الأنعام الآية:83]
رفع الدرجات, والهداية, والمغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة الفتح الآية:14]
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الدين ثمرة يانعة ثمنها المجاهدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6099/02.jpg
﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
كملخص لهذه الآيات: يوجد في الدين ثمرة يانعة, هذه الثمرة اليانعة ثمنها المجاهدة, أما إذا جعلته اختصاصاً؛ كلية حقوق, كلية شريعة, كلية طب, كلية آداب, والدين أحد هذه الكليات, تحتاج إلى كتب, ودراسة, ودوام, إن جعلته معلومات, فهذا خطأ كبير, اتجاه الدين فيه معلومات, لكن المعلومات وحدها لا تقدم ولا تؤخر, المعلومات وحدها اختصاص, أما الدين فثمرة يانعة, ثمنها المجاهدة.
والإمام الغزالي يقول: جاهد تشاهد.
الإنسان حينما يقرأ القرآن قراءة تأمل, قراءة تبصر, قراءة تفهم, قراءة تدبر, ويتحرك وفق هذه الآية يكون أسعد الناس. الحكمة خاصة بالمؤمنين لا تعطى لكافر :
هناك آلاف القصص: إنسان بحكمته التي آتاه الله إياها سعيد, كل شيء بين يديه, والذي بين يديه دون الوسط, قد يكون بكل شيء دون الوسط لكنه سعيد, وهناك إنسان يشقى, وبين يديه الدنيا بأكملها, أي مستحيل الله عز وجل أن يعطي الحكمة للكافر, والكافر لا بد من أن يتحامق, والدليل: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
هناك حمق, هناك مواقف حمقاء, هناك مواقف خرقاء قاسية جداً: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[سورة الحشر الآية:2]
لو كان من الممكن أن تعطى الحكمة للكافر, يصبح الدين ليس له فائدة؛ لأن الحكمة أعلى ثمرة بالدين, أما الحكمة فخاصة بالمؤمنين: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
القوي رأسماله قوته أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله :
أما الدنيا فيعطيها للكافر, ويعطيه المال, والذكاء, والجمال, والقوة, لكنه لا يعطيه الحكمة, فتجد الكافر أحمقاً, أرعناً, يقع في إشكالات كبيرة جداً, يخطئ خطأ فاحشاً، فالأنبياء أعطوا الحكمة, والطغاة أعطوا القوة.
فأنت نصيبك ممن؟ من نوع نصيب الأنبياء أم من نوع نصيب الأقوياء؟
على كلٍّ: القوة تنتهي عند الموت، أي إنسان مخيف, عندما تتعطل أجهزته كلها, لم يعد مخيفاً.
هناك أخبار مؤثرة جداً, بحكم الميت, الأجهزة كلها معطلة, في أي لحظة تتوقف الأجهزة, يعلن وفاته. معنى هذا أن الإنسان ضعيف, أما المؤمن فله اتصال بالله عز وجل.
فالقوي رأسماله قوته, والقوة تنتهي عند الموت, أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله, وهذا الاتصال يستثمره بعد الموت إلى ما شاء الله.








والحمد لله رب العالمين

آفراح
07-18-2018, 11:43 AM
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية

السعيد
08-08-2018, 07:11 AM
تسلمين اختى افراح