تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام


السعيد
07-07-2018, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الاول )


الموضوع : اهمية التربية





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أخطر عمل في حياة المسلمين هو تربية أولادهم:
أيها الأخوة الكرام.. بعد عيد الفطر السعيد، كنت أفكِّر في موضوعٍ يطرح في درس الأحد، فقد كان درس الأحد كما تعلمون، خاصاً بالسُّنة النبويَّة المطهَّرة، إما للأحاديث الشريفة شرحاً وتبياناً، أو للأحكام الفقهيَّة التي تدور حول الأحاديث الشريفة، منذ يومين وأنا أتأمَّل أنه ما من عملٍ أخطر في حياة المسلمين من تربية أولادهم، لأن هذا العمل بإمكانهم، هذا من اختصاصهم، ومن دائرة سيطرتهم، المسلم أحياناً ينظر يمنةً ويسرةً فقد يجد نفسه ضعيفاً، أو يجد نفسه مستضعفاً، لا يملك أن يمنع هذه القوى المخيفة التي تتحرك لتقضي على الإسلام، لكنه يملك أن يربي أولاده والإنسان إذا أراد ألا يموت، فعليه بتربية أولاده تربيةً إسلاميةً قد يقول أحدكم: هناك عقبات كثيرة جداً، وهذا صحيح، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
( سنن الترمذي عن أنس بن مالك )
لا يشعر الإنسان بسعادة إلا إذا كان ابنه كما يتمنى:
لا شكَّ أن المهمة صعبة، لكن ما من عملٍ أعظم ولا أجدى ولا أدوم في حياة المؤمن من أن يربِّي أولاده، هم بضعةٌ منه، هم ثمرة قلبه، هم استمرار وجوده، وأنا أرى وأسمع وأعاين أن هناك آباءً على مستوىً عالٍ من الفهم، وعلى مستوىً عالٍ من الكمال، وعلى مستوىً عالٍ من الإيمان، لكنَّهم يَشْقَون بشقاء أولادهم، فالابن يحتاج إلى انتباه شديد وهو في سنٍ صغير، ويحتاج إلى وقتٍ مديد، إلى معاينةٍ، إلى مراقبةٍ، إلى توجيهٍ، إلى وعظٍ، إلى اصطحابٍ، يحتاج إلى جهد كبير.. لكن والله الذي لا إله إلا هو، حينما ترى ابنك كما تتمنى ديناً وصلاحاً واستقامةً وتفوّقاً تشعر بسعادةٍ. والله لو أعطي الدنيا بأكملها من الذهب والفضة وكان من أهل الدنيا لا يشعر بسعادةٍ كتلك التي يشعرها حينما يرى ابنه كما يتمنى، لذلك قد يقول أحدكم: ماذا أفعل ؟ بإمكانك أن تفعل كلَّ شيء، لكن إذا أردت بإخلاصٍ وصدقٍ أن يكون أولادك استمراراً لوجودك المؤمن، وأن تخلِّف ولداً صالحاً يدعو لك، فعليك أن تشمِّر.
الطفل أثمن شيء يناله الإنسان من الله عز وجل:
الله عزَّ وجلَّ أعطاك هذا الابن هدية، أو أعطاك إيَّاه هبة، والدليل قوله تعالى:
َوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
(سورة الأنعام)
هبة، تعني أثمن شيء تناله من الله عزّ وجل، طفل بين يديك هو ابنك وأنت أبوه، خاضعٌ لك، يأتمرُ بأمرِك، مصروفه عليك، نفقته عليك، توجيهه أنت مسؤولٌ عنه، فأنا أشعر أنَّ الأب الذي ينهمك بعمله ليحقِّق نجاحاً خارج البيت، ويهمل أولاده، يشعر بعد فوات الأوان أنه خسر خسارةً كبيرةً، وأنَّه ضيَّع أثمن ما في وجوده أولاده.
ارتباط الطفل بالمسجد عامل هام من عوامل طاعته لله عز وجل:
فيا إخواننا الكرام: والله ما سعيت بكلِّ جهدي لأفتتح معهد تحفيظ القرآن التابع لهذا المسجد، إلا ليكون أبناؤكم مشمولين بالرعاية، معهد تحفيظ قرآن وسنحاول في الصيف إن شاء الله أن نبدأ تعليم القرآن الكريم تحفيظاً وتسميعاً وتجويداً، و شيئاً من الفقه ولاسيَّما أحكام الصلاة، و شيئاً من سيرة السلف الصالح الصحابة الكرام، أي هذا الابن سيكون له مناشط إسلامية أعدَّت له من أجل أن ينشدَّ، أو يرتبط الطفل بالمسجد كي ينشأ على طاعة الله.
النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده:
على كلٍ الموضوع خطير جداً وطويل جداً، ولكن أكتفي في هذا الدرس باستعراض النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده، من آيات القرآن الكريم قال تعالى:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)
(سورة طه)
المؤمن مكلف بأمر أهله بالصلاة و الاصطبار عليها:
كم من المؤمنين يصلِّي لكن لا يعنيه شأن أهله.. صلَّوا أم لم يصلّوا، لا يعنيه شأن أولاده.. صلَّوا أم لم يصلّوا، إذا كان بالإمكان أن تصلّي بهم إماماً في البيت فافعل، إذا كان بالإمكان أن تصطحبهم إلى المسجد فافعل، دائما الابن قد يكون عبئاً على أبيه، لكن إذا كان عبئاً عليه ثم قطف الثمرة اليانعة، ينسى كلَّ الأتعاب التي تعبها من أجله، إذاً أوَّل آية:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا
( سورة طه: من آية " 132 " )
فكلَّما دخل وقت الصلاة تذكَّر هذه الآية، أنت لست مكلفاً أن تصلِّي وحدك.. أنت كمؤمن مكلفٌ أن تأمر أهلك بالصلاة وأن تصطبر عليها.
الآية الثانية: على الإنسان المؤمن أن يقي نفسه و أهله نار جهنم:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)
(سورة التحريم)
أمْرُ الله عزَّ وجلَّ لك لا أن تقي ذاتك وحدك، أمْرُ الله عزَّ وجلّ أن تقي نفسك وأهلك، فالآية واضحة:
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
(سورة التحريم: من آية " 6 " )
الآية الثالثة:
على الإنسان المؤمن أن يأخذ بيد أولاده إلى الله عز وجل:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
(سورة النساء: من الآية " 11 " )
خالق الكون يوصيك بأولادك، والقرآن أحياناً له مناسبة خاصة وله معنى عام،.. الله سبحانه وتعالى يوصيك بأولادك، يوصيك أن تربِّيهم، يوصيك أن تهذِّبهم، أن تؤدِّبهم، أن تعلِّمهم، أن تنشِّئهم نشأةً طاهرة، أن ترعاهم، أن تراقبهم، أن تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
( سورة النساء: من آية " 11 " )
كل إنسان مسؤول عن رعيته أمام ربه يوم القيامة:
(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))
(رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر)
أنت مسؤول أمام الله.. ورد في الأثر أن الابن الذي يهمله أبوه ويستحقُّ دخول النار، يقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ ويقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدْخِل أبي قبلي، لأنَّه كان لي في دخولها سبباً.
هذا الكلام سهل.. إلقاؤه سهل، واستماعه سهل، لكن إخواننا الَّذين لديهم أولاد صغار، الآن أنت مشغول عنه.. لكن حينما يشبُّ في غفلةٍ عنك، ولم يتلقَّ التوجيه الكافي، يتفلَّت من بين يديك، لا تستطيع أن تفعل معه شيئاً، لا يستمع، ولا يرعوي، ولا يصغي، ولا ينتبه، يصبح هذا الابن عبئاً على أهله، فلذلك نصيحة من القلب.. كل أخٍ عنده أولاد يجب أن يمضي جزءاً من وقته في تعريفهم بالله، في إكرامهم، في ملاطفتهم، في التحبُّب إليهم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( من كان له صبيٌ فليتصابَ له ))
على الإنسان أن يمضي جزءاً من وقته مع أولاده:
لا بدَّ من جزءٍ من وقتك تمضيه مع أولادك، لا تقل لي: والله أنا مشغول.. فأنا أخرج من البيت وهم نائمون وأرجع وهم نائمون، هذا خطأ كبير جداً، الملاحظ أن الأب إذا كثر غيابه عن البيت.. تفلَّت أولاده، لا بد من وقتٍ تمضيه مع أولادك، هذا الوقت يؤخذ من زبدة وقتك.
(( لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ))
(رواه الترمذي عن جابر بن سمرة)
صدقة يوميَّة.. لأن يؤدِّب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدَّق بصاع، وقد روى الترمذي أيضاً عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال:
(( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ))
(رواه الترمذي عن أيوب بن موسى)
الإنسان الذي يأمر أهله بالصلاة يتكفل الله برزقه هو و أولاده:
نحن نحاول أن نتعرَّف إلى سنَّة النبيّ، نحن نحاول أن نتعرَّف إلى توجيهات النبيّ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)
(سورة الحشر)
هذه توجيهات النبيّ..افعل ما يأمرك به النبيّ، ولا تلتفت إلى الرزق، ما الدليل ؟ الدليل هو قوله تعالى:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)
(سورة طه)
العلماء استنبطوا: " أن الذي يأمر أهله بالصلاة، يتكفَّل الله سبحانه وتعالى له ولهم بالرزق، هكذا تقول الآية ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾
لا تقل لي: إنني مشغول، عندنا موسم، أريد تأمين الطعام لي ولهم، أنت واحد منهما، أنت معال ولست معيلاً.. أنت وهم عالةٌ على الله عزَّ وجلَّ، لا تحتَّج بإهمال أولادك بعلَّة كسب الرزق.. لا نسألك رزقاً.. هذا كلام خالق الكون ﴿ نحن نرزقك ﴾
الوفاق الفكري و القيمي أساس الحياة الزوجية:
وفي حديث آخر للنبي عليه الصلاة والسلام:
(( علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم ))
أذكر لكم أنه هناك زوجة، وهناك زوجة رفيقة (بالمعنى الإسلامي طبعاً ).. معنى رفيقة أن هذه الزوجة إذا كانت على شاكلة زوجها، إذا كانت مؤمنةً، مصليةً، صائمةً، محبَّةً لربِّها، قائمةً بأمره، راعيةً لبيت زوجها، ترعى أولادها، هذه الزوجة تسمو عن أن تكون زوجةً فقط تصبح شريكة حياة، والحقيقة عندما يعيش الزوج مع زوجته حياة أساسها الوفاق الفكري، والوفاق القِيَمي، أي إن المبادئ واحدة، القيم واحدة، الأهداف واحدة، حينها يمكن أن يعالج معها موضوعاً طويلاً في أمور الدين، أي إذا ارتقت الزوجة إلى مستوى زوجها فكان إيمانها كإيمانه، وإدراكها كإدراكه، وأهدافها كأهدافه، وخوفها من الله عزّ وجل كخوفه، ورغبتها في طاعة الله عزّ وجل كرغبته، وحرصها على تربية أولادها تربيةً إسلاميةً كحرصه، هذه أرقى من زوجة.. أصبحت شريكة حياة، لذلك النبيّ الكريم يقول (( علموا أولادكم وأهليكم ))
أي إنّ الزوجة يجب أن لا تكون (طبخ ونفخ بالتعبير العامي)، وغسيل ورعاية، وهي ذات إيمان ضعيف، متفلتة من الدين لأن هذه الزوجة تُمَلُّ، هي تَملُّ من زوجها وأولادها، وزوجها يَملُّ منها ومن أولادها.
الإنسان لا يسعد بزوجته سعادة متنامية إلا إذا عرّفها بالله:
الحاجات الماديَّة تُمَلُّ سريعاً، كل شيء له بريق تجد بعد حين أن هذا البريق يخبو، وهذا أمرٌ معروف فلا يمكن لشيء من الحياة الدنيا أن يعطيك سعادة مستمرة. هذا مستحيل.
تشتري سيارة، في أول جمعة لا تنام الليل، بعد سنتين تجدها لا تحتلُّ من نفسك ولا ذرة.. شيء طبيعي، تسكن في بيت فخم، في أول شهرين مسرورٌ وفرحٌ به وكلما جاءك ضيف تريه البيت كله.. انظر مساحته - 213- لكن والله العليم - 225 م2 -.. يجب أن تقول له كم مساحته وثمنه، وتريه الأثاث، بعد مدة من الزمن تجده أمراً طبيعياً جداً.. حظوظ الدنيا (حظٌ حظ )، هكذا أوَّله له بريق، أما الشيء الذي يمدك بسعادة مستمرة هو أن تتعرف إلى الله، فالإنسان لو اختار زوجته وفق مقاييس معينة وكانت ملء سمعه وبصره سعد بها، اِسأل أي زوج بعد سنتين.. الأمر بسيط جداً كيفما كانت زوجته، بريق وانتهى، لذلك الزوجة تسعد بها سعادة متنامية إذا عَّرْفتها بالله، تسعد بها سعادة متنامية إذا كانت شريكتك في الحياة و تسعد بها سعادة متنامية إذا كانت على شاكلتك، إذا كانت ورعةً، إذا كانت مؤمنةً طاهرةً، تسعى إلى رضوان الله عزَّ وجلَّ، تعينك على الشيطان، ولا تعين الشيطان عليك.
المجتمعات الماديَّة مجتمعات مصالح و مجتمعات الإيمان مجتمعات يربط بينها الله:
مرة استنصحني أخ كريم على مشارف الزواج قلت له والله لي نصيحة سأقولها لك: دائماً الزوجة في مقتبل الزواج تحلم بفتى أحلامها، وهو يحلم بفتاة تروق له، هي تنتظر أن يبالغ في إكرامها، وهو ينتظر أن تبالغ في إكرامه، والاثنان ينتظران شيئاً واحداً ! لذلك يصطدمان، يكتشف بعد حين أنَّها تريد من يدللها، وهي طامعة أن يقدِّم لها كلَّ الخدمات، وهو طامع أن تقدِّم له كلَّ الخدمات، لذلك يتصادمان، ولا يسعد الإنسان بزوجته إلا إذا سعد بربِّه أولاً، وعرَّفها بربِّها فسعدت بربِّها ثانياً، عندئذٍ تُسعِدُه لأنَّها تعرف حقَّه عليها، وعندئذٍ تتقرَّب إلى الله بخدمته، ويتقرَّب إلى الله بخدمتها.
العلاقات في المجتمعات الإسلاميَّة، علاقات يربط بيْنها اللهُ عزّ وجل، أما العلاقات في المجتمعات الماديَّة علاقات مباشرة، ما دام له مصلحة معها يحبُّها، أما لو أصابها مرضٌ عُضال، أو لو انقطعت مصلحته منها تجده يطلقها ؟ سمعت عن إنسان، زوجته أصيبت بمرض، طلَّقها فوراً !! انتهت المصلحة، وكم من زوجة مادام زوجها ملء السمع والبصر، قوياً وغنياً، تحبُّه حباً جماً، فإذا افتقر فجأة أو أصابه مرض، تعامله أقسى معاملة.
خير عمل الرجل تأديب ولده:
لذلك المجتمعات الماديَّة مجتمعات مصالح، منافع متبادلة، لكنَّ مجتمعات الإيمان مجتمعات بين كل شخصين الله.
أتمنَّى أن أعبِّر عن هذا المعنى تعبيراً دقيقاً، أي إنّ الزوج يتقرَّب إلى الله بصبره على زوجته، وخدمته لها، والزوجة تتقرَّب إلى ربها بصبرها على زوجها وخدمتها له.. وحسبك هذه القاعدة فهي تُسعد الزوجين أيَّما سعادة.. ذكرت لكم كلّ هذا الكلام لأنَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( علِّموا أولادكم وأهليكم (أيّ وزوجتك ) الخير وأدِّبوهم ))
وفي حديث آخر رواه الطبراني.. يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن ))
(رواه الطبراني)
أمَّا إذا وُجِدَت أجهزة المُلهيات بالبيت.. يؤدَّب الابن على حبِّ الفنانين والفنَّانات الأحياء منهم والأموات، هكذا.. لا تنس هذا المثل الشهير (خزان ماء)، الذي تضعه من فتحته العليا تأخذه من صنبوره الأسفل، ما نوع التغذية التي يُغذى بها أولادك ؟ نوع التغذية.. ما يقرؤون من مجلات ؟ ما يقرؤون من صحف ؟ مع من يجلسون ؟ مع من يسهرون ؟ ما الحديث الذي يدور فيما بينهم ؟ هذه تغذية. ماذا يشاهدون ؟ ماذا يقرؤون ؟ ماذا يستمعون ؟ أين يذهبون ؟ مَنْ أصدقاؤهم ؟ هذه تغذية.. فإذا كان لابنك أصدقاء يغذونه تغذية سيئة، تغذية أساسها المتعة المحرمة، أساسها رفقاء السوء، أساسها الاحتيال على الناس، أنّى له أن يكون قرَّة عينٍ لك ؟
أكبر معاناة يعانيها الأب تربية أولاده:
أقول هذا الكلام لأنني أعاني كل يوم من ذلك، لأن إخواننا يحكون لي.. أكبر معاناة يعانيها الأب الآن، أن أولاده ليسوا على ما يريد، ماذا يفعل ؟.. أرى أحياناً أنَّ الإنسان يعتصر الألم قلبه، ماذا يفعل ؟.. فقبل فوات الأوان يا إخوان، قبل فوات الأوان، إخواننا الشباب المتزوجون حديثاً هذا الكلام مفيد جداً لهم، مهما كان ابنك صغيراً يجب أن تربيه، النبي الكريم أمرنا أن نؤذِّن في أذن الصبي حين ولادته، ليكون أول صوت وصله كلمةُ التوحيد:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن ))
فإنني أعجب كثيراً من أنك لو جلستَ مع شباب في مقتبل حياتهم، ترى حديثهم كله عن لاعب كرة القدم، وهو يهودي، ومصاب بالإيدز، كل حديثهم عن لاعب كرة قدم مشهور كثيراً، هذا طموحهم.. إذا كان لاعبو كرة القدم قدوة شبابنا، فهذه مشكلة كبيرة جداً، لذلك أفضل شيء يقرؤه الشاب سير صحابة رسول الله، القصَّة محببة.. أنت أمام نموذج حيّ، أمام شاب نشأ في طاعة الله، أحبَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم.. أي إنَّ الشاب في مقتبل حياته يحتاج إلى قصص تنمّي فيه روح الفروسيَّة، تنمِّي فيه القيَم، قيم الشجاعة، قيم التفوق، قيم المروءة، فلا يوجد موضوع يناسب الشباب كَسِيَرِ صحابة رسول الله، أي إنَّ إخواننا الكرام لو اقتنوا كتاباً في السيرة عن صحابة رسول الله، وجلسوا مع أهلهم وأغلقوا هذا الجهاز (الملعون) وتخلَّصوا منه، اقرأ لهم شيئاً عن صحابة رسول الله، اقرأ شيئاً عن سيدنا سعد، شيئاً عن سيدنا عمير بن وهب، هناك صحابة قصصهم رائعةٌ جداً، واسأل هل يوجد كتاب مناسب لأبنائي ؟ إذا كان الأب قرأ.. الأم قرأت.. أو كلَّف أولاده أن يقرؤوا، فهذا شيء ممتع جداً.
الإنسان المؤمن من يجعل بيته قطعة من الجنة:
أقول لكم بصراحة: مهما تكن حياتك شاقةً.. إذا كان بيتك جنة تنسى كل التعب، يجب أن تجعل من بيتك قطعة من الجنة، لو كان مئة مترٍ.. لو كان غرفتين لو كان ما يزال على الهيكل، قضية الجنَّة ليست بالأثاث، بل بالود، بالمحبَّة، بالتفاهم، بالتعاون، فأنا أدعو أن تكون بيوتات المسلمين كالجنَّات، صدقوني.. أخشن طعام مع الحب والمودَّة، يصبح أفخر طعام، أثاث متواضع، طعام قليل، لكن يوجد مودَّة بين الزوجين والأولاد، هذا الشيء ينسي كلّ متاعب الحياة، وتوجد بيوت ثمن البيت منها خمسون مليوناً ولكنها قطعة من جحيم لأنه أُسِس على معصية الله ؛ وهناك بيت يتلى فيه القرآن، بيت تصلَّى فيه الصلوات الخمس جماعةً، بيت ليس فيه غناء ولا مُلهيات ولا مناظرُ تُثيرُ مشاعر الصغار البريئين، هذا البيت مبارَك يحبُّه الله ورسوله، البعض يعلقون لوحة كتب عليها ـ اللهمَّ بارك هذا البيت ـ فلا تُحل المشكلة مع وجود وسائل الفساد في هذا البيت، ضع خمسين لوحة ـ اللهمَّ بارك هذا البيت ـ البيت المبارك الذي تقام فيه الصلوات ويتلى فيه القرآن وفيه دعوة إلى الله عزَّ وجلَّ غرفة الضيوف فيه مقدسة، قد شَهِدَتْ عشراتِ بل مئاتِ السهرات فيها ذكرٌ لله عزَّ وجلَّ، بالمقابل توجد سهرات مختلطة والحديث فيها عن النساء وعن الأسعار والتجارة هذا حديث ليس له معنى.
مملكة المؤمن بيته فعليه أن يقيم الإسلام فيه:
فلذلك:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)
(سورة المؤمنون)
بيتك يجب أن يكون مقدساً... غرفة الضيوف هذه تشهد لك فكم من إنسان دخلها وكان الحديث عن الله عزَّ وجلَّ ؟ غرفة الطعام تشهد لك كم إنساناً دعوته لوجه لله ؟ كم دعوت من أخ مؤمن مسافر للطعام عندك لوجه الله ؟ فالمؤمن إن دعا الناس للطعام له هدف كبير، إذا دعا إلى ندوة أو سهرة أو لقاء له من ذلك هدف كبير.
فالذي دعاني لهذا الدرس هو أننا لا نملك إلا البيوت صراحة وإن كانت الكلمة مؤلمة فلا نملك سوى بيوتنا، فهل تملُك أن تغيِّر شيئاً في العالم ؟ لا تملك، فلا يوجد بأيدينا سوى هذا البيت الذي هو مملكة المؤمن فعليك أن تقيم فيه الإسلام ـ هذا الدرس عن بيتك، يوجد كذلك درسٌ عن عملك ـ إذا فعلت ما أمرك الله في بيتك وعملك فقد برئَت ذمَّتك كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ ))
( سنن أبي داود عن عائشة )

من أراد ألا يموت فليجعل ابنه على شاكلته:
هل تستطيع أن تمنع الهجمة الشرسة على المسلمين في العالم ؟ لا تستطيع أن تفعل شيئاً، إلا أنك تملك بيتك وتملك عملك وتملك أولادك، نتمنى في الصيف أن نرى كلَّ أبنائكم عندنا في هذا المعهد، فنحن قد هيأنا مناشط إسلامية تشدُّ الطفل للمسجد وللقرآن ولصحابة رسول الله، فلا أعتقد بوجود أبٍ يرى ابنه يصلي طواعيةً دون ضغط، يراه مستقيماً على أمر الله، ومتمسكاً بالأخلاق الفاضلة إلا وقد شعر أنه قد ملك الدنيا بحذافيرها، فأحياناً أقول لأحد إخواننا إذا رأيتُ ابنه صالحاً: والله هذا الابن أفضل من ألف مليون لأنه استمرار وخلود لك، فأنت لم تمت.
أنا لا أنسى أن أحد علمائنا الأفاضل وقد توفي ـ رحمه الله ـ وأقيم له مجلسٌ للعزاء في أحد الجوامع الكبيرة وكنت أحضر هذا المجلس، وقد فوجئنا أن ابنه طالب علمٍ شرعيّ على شاكلة أبيه وعُيِّن خطيباً مكانه، فقلت معنى ذلك أن الأب لم يمت لاستمرار الابن في عمل والده، فكان منطلقي في هذا الدرس: إذا أردتَ أن لا تموت فليكن ابنك على شاكلتك.. إذا أردت أن تستمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له ))
[ صحيح عند ابن خزيمة]
على الإنسان أن يلجأ إلى المرغبات و المشجعات مع ابنه ليحب المسجد:
فأولادَكم.. أولادَكم، إذا جاؤوا إلى الجامع نرحِّب بهم.. فنحن بالعيد قد رتَّبنا أنه إذا حضر الأب مع ابنه فللابن هديَّه، فالابن لابدَّ له من مرغِّبات ومشجِّعات وإكرام، فما يؤلمني أشدَّ الألم هو أن يُرجَع طفلٌ يقف في الصف الأول إلى الصف الثاني لماذا ؟ اجعلوه في الصف الأوَّل يصلِّي حتى يشعر بكيانه بالمسجد ولو كان صغيراً.
فقد مر سيدنا عمر في الطريق (وقد كان ذا هيبة) فوجد أطفالاً فلما رأوه تفرَّقوا هاربين إلا واحداً. قال: " يا غلام لِمَ لَمْ تهرب مع من هرب ؟ "، قال: " يا أيها الأمير لستَ ظالماً فأخشى ظلمَك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك ". هذا طفل.
ففي تاريخنا الإسلامي مواقف للأطفال مذهلة، مرة دخل وفدٌ على عبد الملك بن مروان فوجد طفلاً صغيراً معهم، فغضب وعدّها إهانةً له، فأرسل إلى الحاجب وقال له: " ما شاء أحدٌ أن يدخل عليّ إلا دخل حتى الأطفال ! "، فوقف الطفل قائلاً: " أيها الأمير.. إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ولكنَّه شرَّفني، أصابتنا سَنةٌ أذابت الشحم، وسَنةٌ أكلت اللحم، وسَنةٌ دقَّت العظم، ومعكم فضول أموال.. فإن كانت لنا فعلام تحبسونها عنَّا ؟ وإن كانت لله فأعطوها لعباده ؟ وإن كانت لكم فتصدَّقوا بها علينا ؟ "، قال: " والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً ".
الطفل الأديب و الجريء طفل لا يقدر بثمن:
دخل على سيِّدنا عمر بن عبد العزيز وفود المهنِّئين.. تقدَّمهم وفدُّ الحجازيّين ورئيس الوفد غلام لا تزيد سِنُّه عن عشرة أعوام. فقال له: " اجلس وليقم من هو أكبر منك سناً ".، قال: " أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمَّة من هو أحقُّ منك بهذا المجلس".
إذا تعلَّم الطفل وتربّى وكان جريئاً وأديباً، فلا يقدَّر بثمن، ففي رمضان كنت بميتم من المياتم فأعجبني أخوان كريمان جعلا ما تبرعا به من المبالغ عن طريق ابنيهما الصغيرين وباسميهما.. طفل صغير يقدِّم مبلغاً أمام جمع غفير.. فلان الفلاني تبرَّع بمئة ألف.. أراد الأب أن يعوِّد ابنه على التبرُّع، على العطاء.. فألاحظ الإخوان يكلفون أبناءهم أن يدفعوا لبعض الأعمال الطيِّبة ليتعوَّدوا على العطاء، فنحن نملك الآن أولادنا وبيوتنا وهذا أخطر عمل نفعله، فأنت ترسِّخ قيم الإيمان في هذا الجيل الصاعد، وهؤلاء كلهم رجال المستقبل.
(( حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا))
(رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن مالك)
فالنبي صلى الله عليه وسلم واقعيٌ مع أصحابه. الشقي من ينتقل من شقاء العمل إلى شقاء البيت:
أحياناً يسافر الأخ خمسة أيام فيقول: اشتقت لابنتي الصغيرة، لا تذهب من بالي، وتلاحظه أحياناً يضع صورتها أمامه على مكتبه أو في حافظته، هكذا فطرنا الله عزَّ وجلَّ على حبِّ أولادنا.
أقول لكم هذه الكلمة: ألاحظ أحياناً وجود أخ ليس متفرغاً لأهله.. فلو أخذتَ أهلك لنزهة نصف نهار، فقد سررتهم وَسررتَ أطفالك وتمتَّنتْ علاقتك بهم، وسَرَّيتَ عنهم وتنفَّسوا الصعداء قليلاً ( ولو كانت نزهة متواضعة ) فالآن المواصلات متيسِّرة والحمد لله خذ أهلك إلى مكان يكون بعيداً عن الناس فينطلق الطفل من أربعة جدران إلى بستان، فهذا العمل ضمن الأعمال الصالحة ليس من الدنيا، هذا من الآخرة، عندما يرفِّه الإنسان أحياناً عن أهله فيأخذهم لنزهة يُسعدهم.. فكان الحسن والحسين يرتحلان النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فيمشي النبي وهما راكبان على ظهره ويقول: ( نعم الجمل جملكما ونعم الحملان أنتما )، الإنسان عظمته بتواضعه، كان عليه الصلاة والسلام واحداً من أهل البيت.. فقد كان يكنس بيته ويخصف نعله ويحلب شاته وكان في مهنة أهله.
الآن ندعو أن يكون كل بيت بيتاً إسلامياً، أن يكون قطعة من الجنَّة فيه مودة ومحبة، فيه اعتذار وتسامح فيه عطف ومؤاثرة، إذا دخل الإنسان بيته وكان سعيداً فيه ينسى كلّ متاعب العمل ؛ لكن من هو الشقي ؟ هو الذي ينتقل من شقاء العمل إلى شقاء البيت، يوجد بالبيت شقاء وخارج البيت يوجد شقاء.
(( قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتِ الصّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ))
(رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن مالك)
الأسس التي يستنبطها الإنسان من أقوال العلماء التربوية:
الآن طائفة من الأقوال التربوية
1 ـ لا يمكن أن تصلح الأمَّة إلا عن طريق التربية:
روى الجاحظ أنَّ عقبة بن أبي سفيان لمَّا دفع ولده إلى المؤدِّب قال له: " ليكن أوَّل ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك، فإنَّ أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنتَ، والقبيح عندهم ما استقبحتَ".
فإذا كان المعلِّم يدخِّن وهو قدوة، أو إذا سبَّ المعلِّم الدين مرَّةً مثلاً والله هذه مشكلةٌ كبيرةٌ جداً فهو معلم وقدوة، وإذا كان يكذب مثلاً.. انتهى الجيل بذلك، الأب معلم فإذا كذب وقال لابنه قل له: أبي ليس هنا، فهذا موضوع كبير جداً.. معنى ذلك أنك تكذب، أو تكذب الأم أحياناً على زوجها: لم أذهب إلى مكان.. فيقول: اتصلتُ هاتفياً ولم تجيبي ! فتقول أمام ابنتها: الهاتف أحياناً يتعطل.. تكذب على زوجها أمام ابنتها فتنتهي الابنة وكذلك الابن. قال له: فإن الحسن عندهم ما استحسنتَ والقبيح عندهم ما استقبحتَ.
2 ـ إعداد المعلم المثقف الأخلاقي:
المعلم مثلٌ أعلى، لذلك بعض العلماء قالوا: لا يمكن أن تصلح الأمَّة إلا عن طريق التربية، لا يمكن أن تنهض أمة إلا بدءاً من تربية الصغار.. وتربية الصغار تحتاج إلى معلِّم.. إذاً لابدَّ من إعداد المعلِّم. أنا أرى أنه إذا كانت الأمة متخلِّفة وأرادت أن تصبح أمة متقدِّمة فأوَّل خطوة هي: إعداد المعلِّم المثقَّف الأخلاقي، صاحب المبدأ، ليبدأ بتربية الصغار وهي الخطوة الأولى نحو التقدُّم.
3 ـ التعاون بين الآباء و المعلمين:
" الحسن عندهم ما استحسنتَ والقبيح عندهم ما استقبحتَ.. علِّمهم سِيَرَ الحكماء وأخلاق الأدباء، وتهددْهم بي ".. أي أن يكون هناك تعاون بين الآباء والمعلِّمين.. وأدِّبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تَّتكِلَنَّ على عذرٍ منّي، فإني قد اتكلت على كفايةٍ منك.
هذا وصية وليّ طالب لمؤدِّب ابنه.. أعيدها عليكم مرة ثانية.. قال له:
" ليكن أوَّل ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك، فإنَّ أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنتَ، والقبيح عندهم ما استقبحتَ، علِّمهم سيِرَ الحكماء وأخلاق الأدباء وتهدَدْهم بي وأدِّبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتَّكِلَنَّ على عذرٍ منّي فإنِّي قد اتكّلتُ على كفايةٍ منك ".
4 ـ الأبناء ثمرة قلوب الآباء فعلى المعلم أن يقدم لهم أفضل ما عنده:
ابن خلدون في مقدمته يروي أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدِّب قال له: " إنَّ أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه ـ أقول للمعلمين: الطبيب عمله مع المرضى، والمحامي مع أصحاب المشاكل، والنجار مع الخشب، والحدَّاد مع الحديد، والمعلم مع أفضل فئة في المجتمع مع الصغار.. طُهرٌ على براءة على صفاء على عفويّة على ذاتيِّة.. وهؤلاء الذين أمامك أيُّها المعلِّم ثمرة قلوب آبائهم، فعندما يقدِّم الإنسان ابنه لمعلم فقد قدَّم له أثمن ما يملك ـ فصيَّرَ يدَك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئْه القرآن وعرِّفه الأخبار ورَوِّهِ الأشعار وعلّمه السُنن وبصِّره بمواقع الكلام وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدةٍ تفيده إيَّاها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تُمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدَّة ".
نصائح تربوية:
1 ـ على الإنسان أن يربي ابنه تربية إسلامية:
نصائح تربويَّة.. في إحدى المرَّات كنت أعاين بيتاً ليشتريه أحد إخواننا، ونحن نتجوَّل في غرفه فوجدنا بأحدها طفلاً مضطجعاً على ظهره ورافعاً أرجله فوق بعضها ويتابع برنامجاً في التلفزيون.. دخلنا وخرجنا ولم يتحرَّك ولم يغيَّر من وضعه إطلاقاً وأبوه معنا.. فما هذه التربية؟!
من علامات آخر الزمان يصبح الولد غيظاً.. يفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ويكون الولد غيظاً والمطر قيظاً.
2 ـ على الإنسان أن يعلم ابنه الصدق كما يعلمه القرآن:
أحد الخلفاء نصح مؤدِّب ابنه قال له: " علِّمهم الصدق كما تعلِّمهم القرآن ـ أحيانا تسأل ابنك من أين هذا القلم ؟.. فيقول: رفيقي أعارني إياه. فتُصدِّقه.. أو تشعر بأن الكلام ليس صحيحاً، وتتغافل عنه ستتكلف نصف يوم في تحقيق ذلك، فتذهب إلى المدرسة وتستدعي رفيقه.. فإن فعلتها مرة واحدة عرف الابن أن الكلام عليه محاسبة، فقد يكون قد أخذه خفيةً، فإن وجدت مع ابنك شيئاً ليس له فلا تصمت.. تتبَّع، اسأل، حقِّق.. اذهب إلى المدرسة بنفسك في اليوم الثاني وإلا تفاقم الأمر ـ واحملهم على الأخلاق الجميلة وروِّهم الشعر، وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم ".
3 ـ على الأب أن يصطحب ابنه معه دائماً ليتعرف على أقربائه:
أحياناً يكون عند الأب سهرات وزيارات في العيد، فخذ معك ابنك ليرى هؤلاء الرجال ويرى مجتمعك وأقرباءك وأصدقاءك، والكلام المهذب والأحاديث العلمية اللطيفة ويرى مجلساً راقياً.. أمَّا إن تركته مع رفاقه فمزح وكلام فارغ.. اجعله معك دائماً يسمع منك ومن توجيهاتك ويشاهد أخلاقك ومبادئك، " وجنِّبهم السفلة فإنَّهم أسوأ الناس أدباً، وَقِّرْهم في العلانية.
4 ـ لا يُهن أحد ابنه أمام أحد:
لا يُهن أحد ابنه أمام أحد كأقربائه أو إخوته أو أصدقائه ـ وأنِّبهم في السر ـ فالخطأ الكبير أن تعنِّف ابنك أمام أحد.
5 ـ على الإنسان أن يضرب ابنه إذا كذب لأن الكذب يدعو إلى النار:
واضربهم على الكذب، أخطر شيء الكذب: إنَّ الكذب يدعو إلى الفجور وإنَّ الفجور يدعو إلى النار.
6 ـ على الإنسان ألا يخرج ابنه من علم إلى علم حتى يحكمه:
وقال أحد الحكماء لمعلِّم ولده: " لا تخرجهم من علمٍ إلى علمٍ حتَّى يحكموه، فإن اصطكاك العلم بالسمع وازدحامه في الوهم يُضلُّ المتعلِّم ويعيق فهمه ".
7 ـ أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة:
وابن سينا ينصح في تربية الأولاد أن يكون مع الصبيِّ في مكتبه صِبْيَةٌ حسنةٌ آدابهم مرضيَّةٌ عاداتهم، لأن: " الصبيّ عن الصبيِّ ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس "، لقد قرأت بحثاٌ في علم النفس يؤكِّد بعد كثير من التجارب أنَّ ستين في المئة مما يأخذه الطفلَّ يأخذه عن أصدقائه وأقلِّ من هذه النسبة بكثير عن أبيه وأمه.
تربية الأولاد تبدأ بعد الموت لأن الابن استمرار لأبيه:
أيها الأخوة: أخطر عمل كُلِّفنا به هو: تربية أولادنا، وهو أجلُّ عمل وأطوله أمداً.. فأي عملٍ تفعله ينتهي عند الموت، أما تربية أولادك تبدأ بعد الموت، ويكون الابن استمراراً لأبيه، ويكون صدقةً جارية، وقد يقول أحدكم: إن ابني كثير الصعوبة، فأجيبه على ذلك وأقول له: استعن بالله ولا تعجز.. فعندما يعلم ربنا عزَّ وجلَّ منك صدقاً في تربيته، واهتماماً ورغبةً وإلحاحاً، فسيهديك الله عزَّ وجلَّ إلى سواء السبيل وإلى الأساليب الناجحة والمؤثِّرة.
فإنِّي أعرف إحدى الأسر ابنهم رسب ست سنوات في الشهادة الإعدادية، وأصرَّت والدته أن يصبح طبيباً، دروس خاصةٌ ومتابعةٌ، وأصبح الآن طبيباً للأسنان، بعض الآباء يقول عن ابنه: إنه لا يصلح للدراسة فيتركه من أول بادرة تقصير دون متابعة وهذا خطأ جسيم، فيجب أن لا تضعف همَّتك فكبار العلماء (مثلاً توفيق الحكيم) وهو أحد كبار الأدباء في الأدب العربي ( أما في الدين فلا ) كان ضعيفاً في اللغة العربية وهو في التعليم الثانوي.
اينشتاين، أكبر عالم في الفيزياء والكيمياء طُرد من المدرسة لضعفه في مادة الفيزياء.
على الإنسان أن يدرس ظروف ابنه و يستثير ما به من طاقات:
قد يكون الطفل المقصِّر طاقاته لم تُدرَس، لا توجد ظروف استثارت ما فيه من طاقاتٍ كامنةٍ، فلا تيأس سريعاً من ابنك، فعسى أن يكون العلم مفيداً له أكثر من العمل، فسيعمل بعد ذلك، أما إذا بدأ جاهلاً فمشكلته كبيرة، فالمفروض أن يستنفد الإنسان كل طاقاته، وإن لم يكن قد تعلَّم العلم العادي، فليعلِّمه العلم الديني، فلا مانع من أن يطلب العلم في مسجد فهذا علم كذلك، بل أرقى علم، فمن كان له مجلس علم فاسمه عالم، فإني أعجب من شخص له في المسجد ثلاثة عشر عاماً ويقول: أنا غير متعلم !.. فكيف ذلك ؟ ثلاث عشرة سنة وكل أسبوع ثلاثة دروس (تفسير وحديث وسيرة وفقه وخطبة ) ولستَ متعلماً ؟! بل متعلِّماً وأكثر، فهذا الكلام يجب ألا نتكلمه، فطالب العلم بالمسجد متعلِّم، والأبلغ من ذلك: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، فكل من استقام على أمر الله (والله لا أبالغ) فهو عالم.. عالم.. عالم ولو كان أميّاً ولو كان لم يحصل على الشهادة الإعدادية، من غض بصره وكان دخله حلالاً ولم يكذب أو يغش ولم يعمل عملاً سيئاً، ويقول: لستُ متعلماً.. فهذا كلام الشيطان.. فأنت متعلمٌ أكثر، فمن عرف الله في مسجد فهو طالب علم، فكلُّنا طلاب علم.. فإني لا أسمح لأحد له مجلس علم ويقول: لستُ متعلماً، أهلي لم يعلموني.. أنت تتعلم عندنا، فهذا علم.
في اللحظة التي يتوهم الإنسان فيها أنه عالم فهو جاهل:
يقولون: أحدهم عنده درجة ـ الليسانس ـ فما هي هذه الدرجة ؟ أي إن عنده ثماني مواد في ستة أشهر قد درسهم، وعنده دوام في الجامعة يومياً خمس أو ست ساعات، فقرأ عدداً من الكتب وتقدم للفحص ونجح فحصل على درجة ـ الليسانس ـ فمن تعريفات الجامعة.. أنها مدرسة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً، ويخرج منها جاهلاً متكبراً.. فإنني ألحُّ على أنه إذا كان للإنسان مجلسٌ للعلم فليس اسمه جاهلاً بل عالماً، أو طالباً للعلم فهذا أكمل، فلا تقل عالم بل قل: طالب علم.. لأنه يظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهل، في اللحظة التي تتوهَّم أنَّك تعلَّمت فأنت جاهل.
الاستقامة سر توفيق الإنسان في حياته:
في الحقيقة كنت أقول لإخواننا دائماً: هناك علمٌ ممتع.. فأنت تقرأ قصيدةً شعرية رائعة أو قصة مثيرة جداً فهذا أدبٌ ممتعٌ، وهناك علمٌ ممتع نافع.. فإن كنت مختصاً اختصاصاً نادراً ويقف على بابك أكثر من خمسين شخصاً وكل منهم يدفع لك ألف ليرة فأنت متعلم ولكن مع العلم تقبض المال فهذا علم ممتع نافع، لكن العلم الديني.. علمٌ ممتعٌ نافعٌ مسعدٌ في الدنيا والآخرة، أي إن أرقى علم هو: العلم الديني.. ممتع ونافع ومسعد، أما أنَّه ممتع.. فلا أعظم من كلام الله قراءةً وحفظاً وتفهُّماً وتدَّبراً وتطبيقاً، ولا أعظم من كلام رسول الله أو سير صحابة رسول الله، أمَّا أنَّه نافع.. فعندما يستقيم الإنسان يستحق من الله الإكرام، فسرُّ توفيقك في الحياة استقامتك.
فكم من إنسان انزلق، فقد حدثني أحد الإخوان بقصة حدَثْت في الشام: أن سائق سيارة أجرة استوقفته امرأة وطلبت منه الذهاب إلى أي مكان يريده، فسقط معها.. وقد ناولته ظرفاً به خمسة آلاف دولار ورسالة كتب فيها ( مرحباً بك في نادي الإيدز )، وعندما ذهب لصرف المبلغ وجده مزوراً فدخل السجن وأصيب بالمرض العُضال ومات، هذا هو الجهل، فلو كان يحضر مجلس علم لامتنع عنها وطردها.
" العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تُنقِصُهُ النفقة والعلم يزكو على الإنفاق ".
العلم الديني ممتع ونافع ومسعد في الدنيا والآخرة:
فلذلك يا إخواننا الكرام العلم الديني في الحقيقة هو أمتع شيء في الحياة، وهو نافع وهو سر نجاحك في الحياة، وسر مكانتك العالية وثقة الناس بك، فالأمين موثوق، والمستقيم مكرَّم وعظيم كثيراً، فأصبح العلم الديني ممتعاً ونافعاً ومسعداً في الدنيا والآخرة، لذلك فالإنسان يجب أن يختار العلم الديني.
(( النبي دخل المسجد فرأى رجلاً قال: من هذا ؟ قالوا هذا نسَّابة. قال: وما نسَّابة !.. فقالوا: يعرف أنساب العرب. فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه، ولا يضرُّ من جهل به ))
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لا يُسْمَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ ))
[ سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو]
إذاً فالعلم الدينيّ هو العلم الحقيقيّ، والإمام الغزالي يقول: "حيثما وردت كلمة العلم في القرآن الكريم فإنَّما تعني العلم بالله ". هذا أرقى علم وأشرف علم، فمن كان له مجلس علم يقول: أنا متعلم ونصف، وإن لم يكن معه كفاءة، لوجود ثلاثة دروس كل أسبوع، ولفترة ثلاثَ عشرة سنة، فأصبحت عالماً وزيادة، فالانتساب لمجلس علم دليلٌ على أنَّك طالب علم، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 03:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى )


الموضوع :التربية الايمانية






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. المشكلة الأولى التي يعاني منها الآباء في هذا الزمان تربية الأولاد:
وبعد.. فنحن في الدرس الثاني من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام، بدأت في الدرس الماضي بقيمة تربية الأولاد، ولا تنسوا أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الكريم:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا
(سورة المائدة: من آية " 3 ")
كلكم يعلم أن التمام عددي والكمال نوعي، إذاً حينما يؤكد الله سبحانه وتعالى أن هذا الدين كاملٌ تام معنى ذلك أنه منهجٌ كامل، وجزء من حياة الإنسان أولاده.. فلا بدّ من أن نجد في منهج الله إما في الكتاب الذي هو الأصل الأول أو في السنة التي هي الأصل الثاني أو هي تبيان للأصل الأول، لابدّ من أن نجد في منهج الله تفاصيل وإرشادات وتوجيهات في تربية الأولاد، ولا أبالغ إذا قلت: إن المشكلة الأولى.. الأولى.. التي يعاني منها الآباء ولا سيّما في فساد الزمان تربية الأولاد.
لو طبق المسلمون منهج الله عز وجل لكانوا في حال غير هذا الحال:
إذا سألت الأَب عن ابنه سيتكلم كلاماً تنقطع له نياط قلبه يقول لك: آه.. ابني ليس على ما أريد، لوجود حواجز كثيرة، لوجود مطبات كثيرة، توجد مغريات كثيرة، فساد عريض وفتن يقظة، توجد شهوات مستعرة، يوجد رفقاء سوء كثيرون، توجد أعمال فنية منحطة ساقطة، كل شيء يدعو إلى الدنيا، كل شيء في آخر الزمان يدعو إلى المعصية، يدعو إلى زينة الدنيا، وإلى البعد عن الله عزّ وجلَّ، لذلك لا أُبالغ إن قلت: إنّ أكبر مشكلةٍ يعاني منها الآباء اليوم تربية أولادهم، وقد يغيب عن الأذهان أن في الكتاب والسنّة توجيهات، لو طبقها الآباء لكان أولادهم قرَّةَ عينٍ لهم.. طبعاً أقول هذا الكلام ولا أُعمّم، لأن هناك حالات خاصة.
مثلاً سيدنا نوح، ابنه لم يكن على ما يريد، فهذه حالة خاصة، وهذه الحالات لا تأخذ الأحكام العامة، الأصل أن هناك منهجاً في دين الله عزّ وجلَّ وفي كتاب الله وفي سنةِ رسولهِ لو طُبِّق لكان المسلمون بحالٍ غير هذه الحال.
أعظم عمل على الإطلاق تنشئة الأولاد التنشئة الإيمانية:
لكنَّ المشكلة أن الأب المؤمن قد يصطلح مع الله في الأربعين، معنى ذلك أنه فرط في تربية أولاده، معاناته الآن ؟ لا لأن هذا المنهج غير كامل، بل لأنه عرفه متأخراً، وقد يعرف منهج الله في سنٍ مبكرة لكنه مشغولٌ بأعماله ونشاطاته خارج البيت، فإذا أهمل أولادهُ كانوا عبئاً عليه.
إخواننا الكرام.. كما قلت في الدرس الماضي، والله لا أبالغ وليس من شأني المبالغة.. لكن والله لا أرى عملاً أعظم ولا أشرف ولا أنفع ولا أسعد من أن يعكف الأَبُ على تنشئة أولاده التنشئة الإيمانية ؛ لأنهم إذا كبروا كانوا قرَّة عينٍ له، فلا شيء يسعدني كأن أرى أباً متقدماً في السِّن، وحوله أولاده يحفونه ويبادرون إلى تنفيذ أمره، يجلُّونه، يحترمونه، يكرّمونه، يقدِّمون كلَّ ما يسعده، هذه من سعادة المرء في الدنيا، أن تكبر سنُّه وحوله أولادٌ ربَّاهم تربيةً إيمانية، فكلُّ التعب الذي تبذله وأنت تربي الأولاد ؛ والله تقبضه ملايين الأضعاف في شيخوختك.
وهناك أبناء والله بلاء من الله، أعرف أباً أقسم بالله: إن مات ابنه فسيقيم مولداً في بيته احتفالاً بموته، هؤلاء الأولاد أصبحوا كثيرين تجد الولد غيظاً لوالديه، يتفنن في إغاظة أبيه وأمه (يتفنن) فتارةً يغيظهما في استهلاك الطاقات بلا طائل، أو بالتهام الطعام بلا مبرر، بجلب رفاقه إلى البيت، وتارةً يغيظهما بنظره الذي يشدُّه إليهما، أو بتطاوله عليهما، أو بوقوعه في بعض العادات السيّئة، ولا يبالي، والويل للأب إذا تكلّم كلمة، ينبحت عليه ابنه وينفجر وكأنّ الأب ابنٌ والابن أب.
المسجد هو مكان لتربية الأولاد ولتنشئة الدعاة ولأداء الصلوات:
فيا أيها الأخوة الكرام.. هذا الجامع بيت الله، وأقل ما في هذا المسجد الصلاة.. أكثر ما فيه العلم، فأنت تصلي في أي مكان، في الطريق تصلي أو في حديقة أو في البيت، لكنّ بيت الله منارة علم بالأساس أو لِنَقُل هو جامعة، فالمسجد له رسالة أغفلناها الآن، فنحن نشأنا على أن الجامع للصلاة، لكن المسجد له رسالة.. اقرؤوا كتب التربية الإسلامية، اقرؤوا عن دور المسجد في الإسلام.. فهو مكان لتربية الأولاد، ولتنشئة الدعاة، ولأداء الصلوات، مكان لفهم كتاب الله، ولحل قضايا المسلمين، مكان للقضاء، للشورى.. هذا بيت الله.. فيجب أن يستوعب كلَّ مشكلات الإخوان، فابنك مشكلة يجب علينا أن نستوعبها، والله ما معهد تحفيظ القرآن وما الأرض التي ألحقت به إلا من أجل أن يُشدَّ الطفل إلى بيت الله، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الدروس إلى ممارسات تعيشونها في بيوتكم.
الولد الصالح لا يعدله شيءٌ في الدنيا.. فهو استمرار لوجودك.
الأبوة مسؤولية كبيرة فمن فاته شيء عليه أن يستدركه بأولاده:
على كلٍ الدروس كثيرة حول هذا الموضوع، لكن أبرز الموضوعات.. تربية ابنك تربيةً إيمانية.. التربية الإيمانية، هناك التربية الخلقية، وهناك التربية العقلية، والاجتماعية، والجسمية، والعلمية.. الأُبوة مسؤولية، فقط هكذا تزوجنا ورُزِقْنا أولاداً ؟!.. الأُبوة مسؤولية كبيرةٌ جداً، وإن كان قد فات الإنسان شيء فعليه أن يستدركه في أولاده، فكل إنسان يتمنى أن يطبق خبرته المتراكمة في أوَّل حياته.. لكن هيهات، هذه الخبرات التي تنامت وتراكمت في أربعين أو خمسين سنة يتمنى كل أب أن يعرفه وهو في مقتبل حياته.. فإن فاته ذلك فليعطها ابنه، والابن استمرار لوجود الأب.
أعرفُ صديقاً مقيماً في مصر ويعمل في شركة كبرى، وصاحب هذه الشركة مسلم وله أولاد، فذات مرَّة حضر ابن صاحب الشركة إلى مصر وسأل صديقي: أين قبر محمد ؟.. مهندس كبير درس في أوروبا ويحمل أعلى الشهادات وهو في القاهرة ومسلم ابن مسلم ابن مسلمة ويسأل أحد موظفيه: أين قبر محمد ؟.. فقال له صديقي: مَن محمد ؟ فقال له: النبي !.. قبر النبي في المدينة وليس في القاهرة (إنسان يسأل سؤالاً جاداً) أحياناً الآباء يعلمون أولادهم كل شيء إلا معرفة الله، يعلّمه أصول الطعام لو دُعِيَ إلى مائدة، ينظر إلى ثياب ابنه ويقول له: ليس فيها تناسب، ويعنفه.. أما إذا ترك الصلاة فليست مشكلة، أما إذا ارتكب مخالفة في ثانويات الحياة المدنيَّة المعاصرة يقيم عليه النكير.
تعريف التربية الإيمانية:
فيا أيها الأخوة الأكارم... نعني بالتربية الإيمانية: أن تربط ابنك بأصول الدين وبفروعه وأن تلقنه حقائق الإيمان.. الإيمان بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، الإيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، الإيمان بأسمائه الحسنى كلِّها، الإيمان بأنبيائه ورسله، الإيمان بكتبه المنزَّلة على رسله، الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه من الله تعالى، هكذا فلابدّ من جهدٍ ولابدّ من وقتٍ ولابدّ من ملاحظةٍ ولابدّ من محاضرةٍ ولابدّ من وعظٍ ولابدّ من إرشادٍ.
وعلى الأب أن يعتني بتربية ابنه تربيةً إسلامية، فلابدّ من تعليمه ومراقبته، ومطالبته ومتابعته للصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا إذا كان مستطيعاً، وفي السن التي كلِّف بها، فكلكم يعلم أن هذا الدين عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات.. عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق، فلابد من أن يرعى الأب ابنه في هذه الكليَّات الأربع التي يتألَّف منها الإسلام.
أخطر سنٍ لتلقِّي العادات والمبادئ والقيم هو التعليم الابتدائي:
قد يقول أحدكم: هذا كلام فأين الدليل ؟.. أي إنسان مهما علا شأنه فما قيمة كلامه إن لم يأتِ بالدليل القرآني أو النبوي؟
روى الحاكم عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال:
(( افتحوا على صبيانكم أوّل كلمةٍ بلا إله إلا الله ))
لمجرد أن يولد المولود افتح عليه بكلمة لا إله إلا الله، وكلَّما تقدّم العلم اكتشف أن السِّن التي يلقن فيها الابن مبادئ الدين تناقصت.. كلما تطور العلم السِّن نزلت، حتى إنني عثرت على كتاب في علم النفس ألَّفه صديقٌ لي وأنا لا أتهمه بضعف الضبط في نقل أفكاره، فقد قرأت في كتابه شيئاً لا يصدَّق: أن الأمَّ التي تقرأ القرآن، يخرج ابنها من بطنها متعلقاً بالقرآن، وهو في بطن أمِّه، والله الموضوع معقّد وطويل وقرأته وأعجبت به، وذكرت بعض ما فيه في إحدى الخطب، والآن لا تحضرني التفاصيل، لكن لو أن الأمَّ حملت بابنها راضيةً، لكانت حركاته في بطنها من أعذب الحركات، ولو أنَّها حملته كرهاً، وكانت ترفض أن تحمله، وتتمنى أن تسقطه.. هذا الموقف الرافض ينعكس على الابن مشاكسةً وحركاتٍ مؤلمةً في بطنها، تلاوتها لكتاب الله تنعكس عليه، فقد كنت لا أصدِّق أن تربيةَ الابن تبدأ وهو في البطن.. شيء كان غائباً عني والأخ الكريم مؤلف الكتاب يؤكدُّ هذا ببحوث أجنبية، والذين اكتشفوا هذه البحوث ليسوا مسلمين ولا يعرفون كلام الله إطلاقاً، على كلٍّ: الذي أعرفه سابقاً من دراستي في التربية: أن أخطر سنٍ في تلقِّي العادات والتقاليد والمبادئ والقيم هو التعليم الابتدائي بل والحضانة.
من طبق تعاليم النبي و أقام الصلاة و تلا القرآن جعل بيته جنة في الدنيا:
حدثنا أحد إخواننا الدعاة أن له ابناً في إحدى دور الحضانة التي لها توجيه إسلامي جيِّد، ففي إحدى المرات استيقظوا من نومهم متأخرين وليس هناك متسع من الوقت لتناول الطعام، فصنع له شطيرة وقال له: يا بني كُلْها في الطريق. فنظر إليه ابنه وقال: يا أبت قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأكل في الطريق دناءة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
عمره أربع سنوات لقَّن أباه درساً لا ينسى، لاحظْ: الصغار إن علّمتهم تجدهم متمسكين بما تعلموا، مثلاً هناك تعليمات حول النظافة، تنظيف الأسنان، خلْع الثياب وطيِّها وتعليقها، فلو أن الأب والأم اعتنوا عناية بالغة في تلقين أولادهم هذه الأُصول لاستراحوا وأراحوا، فعندما يتكاسلون في تعليم أبنائهم الأشياء البديهيَّة في الحياة فالبيت ينشأ في فوضى لا نهاية لها، وعندئذٍ خذ منهم المشاكل طوال حياتهم، شيء غير معقول، فوضى.
أما لو أن الأم والأب اعتنوا بتربية الأولاد وبتلقينهم العادات الصحيحة وبأصول وفن الحياة، فهذا شيء مريح جداً.. فالإسلام هو الحياة حقيقةً، البعض يظن أن الإسلام هو حياة ما بعد الموت.. الجنة تبدأ في الدنيا، كنت أقول لكم دائماً: في الدنيا جنَّةٌ من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، فالمؤمن بيته جنَّة، البيت جنَّة ولو كان صغيراً، أخشن الطعام، مع أخشن الأثاث مع أضيق المساحات، بالإيمان وبتطبيق تعاليم النبي العدنان وبإقامة الصلوات وبتلاوة القرآن.. هذا مما يجعل البيت جنَّة في الدنيا.
على الأهل أن يلقنوا ابنهم مبادئ الدين منذ حداثة عمره:
إذاً النبيّ عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفتح على صبياننا أول كلمةٍ بلا إله إلا الله، أحياناً بعض إخواننا يضعون أولادهم في حضانة لها توجيه إسلامي، يأتي الطفل ويقرأ لك سورة مثلاً عمَّ يتساءلون مع الحركات الإيمائية، تجده يبادر إلى القراءة وإلى الصلاة فيمتلئ قلب الأب والأم بالسرور، فلو تابعنا هذه التربية بحيث ينشأ الطفل في رحاب القرآن وفي رحاب سنَّة النبي وعلى حبِّ النبي، فهذا شيءٌ لا يصدق، فأنا لا أعتقد أن هناك شيئاً يسعد الآباء كأن يكون الأبناء على ما يرضي الله عزَّ وجلَّ.
كذلك لا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤذِّن في أذن المولود اليمنى، ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى، أي كأنك تلقِّن هذا الطفل المولود حديثاً مبادئ الدين، الطفل عنده التقليد أغلب من العقل، المغرب العربي بأكمله عندهم أساس من أسس التربية.. أنّ الطفل لابدَّ من أن يحفظ القرآن، يحفظه في سِنيِّ حياته الأولى، فإذا ما كبرت سنُّه بدأ يعقل معانيه، لكن حفظ القرآن قوّم لسانه، أعطاه الآداب، ففي تدريس اللغة العربية يجب الإكثار من النصوص، ممارسة النصوص وقراءتها وتحليلها وشرحها، لا تقوى اللغة إلا بالنصوص، فهل بعد كتاب الله نص ؟!.. هكذا عُلِّمنا في الجامعة أن أعلى كلامٍ في اللغة العربيَّة كلام الله وبعده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فعندما يحفظ الطفل ستمئة صفحة من كتاب الله غيباً، هذا الطفل إذا تكلَّم يتكلَّم بلغة قرآنية وهو لا يدري.
العاقل من قام بتعليم ابنه و تأديبه دون تعنيف:
إذا قرأ الإنسان قرآناً كثيراً، في حديثه اليومي مع أصدقائه في سهرة يقول لك في مناسبة ما:
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا
(سورة محمد)
هذه عبارة قرآنية، أو يقول لك في معرض آخر:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
(سورة آل عمران)
هذه كذلك عبارة قرآنية، إذا دققنا في إنسان يقرأ القرآن بشكل مستمر، واستمعنا لحديثه العادي في بيته مع زوجته وأولاده، ومع أصدقائه، وفي سهراته، تجد أنّ أربعة أخماس عباراته قرآنية، فهل يوجد أفصح من كلام الله عزَّ وجل ؟
الشيء الثاني يا إخواننا الكرام يجب أن تعرِّفه بالحلال والحرام، تقول له: هذه حرام وهذه حلال، هذه قد نهى النبي عنها، هذا كذب، أو غش مثلاً، الطفل يجرِّب كلَّ شيء فإذا وجدت منه مخالفة فأدّبه وبدون تعنيف، فالنبي قال:
((علِّموا ولا تعنفوا فإنَّ المعلم خيرٌ من المعنف ))
( الجامع الصغير: عن أبي هريرة )
موضوع الحلال والحرام بالكلام والتصرفات مهم جداً عند تربية الولد:
لكنّ الأب والأم في مراقبة دائمة، فإذا تكلم الابن بكلمة غير لائقة يجب التوجيه بنعومة، عاد مرة أخرى توجيه ثانٍ، ثمّ عاد مرةً ثالثة ؛ يجب أن يكون هناك شيء من العقاب. المرة الأولى توجيه، المرة الثانية توجيه مع تأنيب، مرتان ثم عقاب.
فعندما ينتبه الأب لهذه الأمور تجد أن الطفل ليس عنده كلمةٌ غير لائقة أبداً، كنت في إحدى المرات في مدرسة ثانوية ولم يكن عندي دوام في هذا الوقت، وكان بعض الشباب الذين يعملون في حرفة الدهان يقومون بدهان المدرسة، فسمعت منهم كلاماً بذيئاً، شيئاً لا يعقل، فإذا كان الشاب غير مربى وتركْته يتكلم فيا لطيف.. الحجر يخجل من سماع ما قاله هؤلاء الشباب بينما إذا كان الابن مربَّى تجد منه الحياء والأدب والإحساس حتى لو تركته مع رفاقه.
إذاً موضوع الحلال والحرام بالكلام وبالتصرفات مهم جداً، أحياناً تجد جلسةً غير أديبة، ويوجد جلسة فيها أدب، أحياناً ارتداء الثياب فيها أدب، أحياناً البعض يرتدي المعطف بدون أن يرتدي أكمامه هذا التصرف فيه كِبر، هناك جلسات أو حركات أو تصرفات كلها غير لائقة، فإن وجدت شيئاً من ذلك فعليك المراقبة والمتابعة وسؤال وجواب وتعليم.. هكذا قال النبي، وهكذا علمنا، وهذه من السنة وهذه خلاف السنة.
من أولى واجبات الأب تجاه أولاده:
1 ـ أن يفتح عليهم بكلمة لا إله إلا الله:
أيها الأخوة الكرام من أولى واجبات الأب تجاه أولاده، أن يفتح عليهم بكلمة لا إله إلا الله.
2 ـ أن يؤذن في أذنهم اليمنى و يقيم الصلاة في أذنهم اليسرى:
والأذان في أذنهم اليمنى والإقامة في الأذن اليسرى.
3 ـ أن يعرف ولده بالحلال و الحرام:
ثمّ تعريف الولد بالحلال والحرام.
4 ـ الأوامر التعبدية يؤمر بها الطفل تأديباً لا تكليفاً ويتابعه أبوه:
طبعاً الصلاة والصوم والحجِّ والزكاة هذه أركان الإسلام.. لكنَّ الحج سابق لأوانه وهو على المستطيع بالطبع، وكذلك الصيام فقد يكون في سنٍ صغيرةٍ، لكن الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، فهل يا ترى الطفل في سن السابعة مكلفٌ بالصلاة ؟ نقول: نعم.. يوجد تكليف ويوجد تأديب، يؤمر بالصلاة تأديباً.. فمن المستحيل أن الطفل يلتزم بالصلاة فجأةً، مثلاً.. في الواحد والثلاثين من كانون الأول أصبح عمره ثلاث عشرة سنة تماماً.. إذاً في الأول من كانون الثاني يجب عليه أن يصلي فليس هذا معقولاً.
يجب أن تأمره بالصلاة في السابعة، هذا الأمر أمر تأديبي وكذلك الصيام، وقد رأيت بالحجِّ أطفالاً صغاراً يرتدون ملابس الإحرام، وهذا شيء جميلٌ، فقد أخذهم أبوهم إلى الحجِّ وألبسهم ثياب الإحرام أثناء الطواف، فتعويد الطفل على الصلاة والصيام والحجِّ شيء مهم جداً.. بعض الإخوة يجعل ابنه يدفع صدقة ليدرِّبه على العطاء.. أعطِ فلاناً، يكلفه بدفع زكاة ماله على كلٍ الأوامر التعبدية كالصلاة والصيام والحجِّ يؤمر بها الطفل تأديباً لا تكليفاً ويتابعه أبوه.
(( مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))
( سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب )
هذا توجيه النبيّ اللهم صلِّ عليه.
تأديب الطفل على حبّ رسول الله بأن تعلِّمه شمائل النبيّ وأخلاقه السَّمحة ورحمته بالصغار:
الآن كما قال عليه الصلاة والسلام: يجب أن يؤدَّبَ الطفلُ على حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى حبِّ آلِ بيته، وعلى تلاوة القرآن الكريم.. كيف يؤدَّب الطفل على حبِّ رسول الله ؟
كنت بالمسجد الحرام في بعض الحجج وكان بين المغرب والعشاء مجلس علم فجلست لأستمع، فقال المدرِّس هداه الله: إن إنساناً قتل ابنه من شدَّة حبِّه لرسول الله، لأنه رفض أن يأكل اليقطين وقد كان النبيُّ يحبُّ اليقطين، ليس بهذه الطريقة يحبُّ ابنك رسول الله، يحبه بأن تذكر له شمائله، ومحبته للصغار وكيف كان يسلِّم على الصبيان، كان إذا مشى في الطريق يقول: السلام عليكم يا صبيان. كيف كان عليه الصلاة والسلام يتحبَّبُ إلى الصغار، كيف أجاز أحد الصغار ليكون مع المجاهدين وردَّ الآخر، وحينما تألَّم الآخر دعاهم إلى أن يصطرعا أمامه، هذا اهتمام بالغ.. والحقيقة لا تنمو شخصيَّة الطفل إلا إذا احترمتَه وقدَّرتَ مشاعره واستمعت إلى شكواه.
هناك معلمون إذا اشتكى له طالبٌ على زميله فيضرب الاثنين معاً.. الشاكي والمشكو أَرْيَح له !. فهذا خطأ كبير جداً، طفل قد علَّق الآمال عليك والتجأ لك وجعلك حَكَماً وقاضياً فتضربه بالإضافة إلى أنَّه مظلومٌ ؟ هذا الصغير صغيرٌ في نظر الناس ؛ ولكنه كبيرٌ عند الله، فهو من عباده الصغار، فالإصغاء للطفل، وأنا أتمنى ممن يأتي بابنه للمسجد أن يعتني به كثيراً أتمنى أن يكرَّم الطفل في المسجد إلى أعلى درجة، فإن وقف في الصَّف الأول فاتركه في أول صف، واجعله في مكانه، ولا يؤخِّرْ أحد طفلاً عن الصف الأوَّل، اجعله يشعر أن هذا البيت بيت الله وهو فيه مكرَّم.. فالتأديب على حب رسول الله أن تعلِّمه شمائل النبيّ وأخلاقه السَّمحة ورحمته بالصغار ونزوله إلى مستواهم.. وقوله عليه الصلاة والسلام:
(( من كان له صبيٌّ فليتصابَ له ))
المؤمن الحقيقي هو الذي يؤدب ابنه على حبِّ النبيّ وحبِّ آل بيته وتلاوة القرآن:
الحديث الشريف:
(( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيِّكم وحبِّ آلِ بيته وتلاوة القرآن فإنَّ حملة القرآن في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه مع أنبيائه وأصفيائه ))
(رواه الطبراني)
آلِ بيته: إمَّا أنهم الذين من نسل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهم قلَّة بالطبع، أو كلُّ تقيٍ من آلِ البيت كما قال عليه الصلاة والسلام(شرحاً للحديث الشريف)، أيّ علِّمه الأدب مع العلماء، فإن رأى إنساناً كبيراً في السّن له مكانةٌ دينيةً علِّم ابنك أن يحترمه، أن يحبه، أن يتقرَّب منه، وأن هؤلاء العلماء منارات الهدى ومصابيحها. فأدِّبه على حبِّ النبيّ وحبِّ آل بيته وتلاوة القرآن، هذا النصِّ النبويّ.. فإنَّ حَمَلَةَ القرآن في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه مع أنبيائه وأصفيائه.
الأساليب التربوية أساسها التشجيع والتكريم والدفع والاحترام:
كنت أدرِّس في صف فعرض نص قرآني، فعندما درسنا النصّ الأول فالطلاب أشاروا إلى طالب وقالوا: يا أستاذ هذا يجوِّد القرآن. فقلت له: اقرأ. فوجدت أن القراءة رائعة جداً، ومنذ ذلك الوقت كان لهذا الطالب مكانةٌ عندي خاصَّة إكراماً لإتقانه قراءة القرآن، فشعر أن له مكانةً كبيرةً جداً لا لشيء إلا لأنَّه يتقن قراءة القرآن. إذا قرأ طالب القرآن فلا تضربْه، يجب أن يكون في حِرْز، فالقرآن كرَّمه، كرَّمه من أن يُضرب.. وقل له: لولا أنك تحفظ كتاب الله لضربتك، عرِّفه أنّ حفظ كلام الله حفظه من الضرب، فإن أخطأ وكان حافظاً جزءاً أو ثلاثة فتريَّثْ في معاقبته نظير حفظه لكتاب الله، فيشعر بأنَّه قام بعملٍ عظيم، فأكثر الأساليب التربوية أساسها التشجيع والتكريم والدفع والاحترام.
على كل مؤمن أن يعلم أولاده سيرة النبي الكريم و سير أصحابه:
طبعاً يتفرع عن تأديب الأولاد على ثلاث خصال كما قال عليه الصلاة والسلام: حبِّ نبيِّكم. يتفرَّع عن هذا أن تعلِّمه سيرة النبيّ، لذلك الصغير لو ألزمته بكتاب فقه يتململ، ألزمه بكتاب سيرة يُسَرُّ، فلا أرى موضوعاً أقرب إليهم من سيَر أصحاب رسول الله، لأنهم شباب كيف أحبوه ؟ وكيف آمنوا به ؟ وكيف قدموا له الغالي والرخيص ؟ وكيف استقاموا على أمر الله؟ و كيف أحبهم النّبي وكيف كرَّمهم ؟ فإن الموضوع الأوَّل للصغار هو السيرة.. سيرة النَّبي وسيرة أصحابه، أتمنى أن لا يخلو بيت من كتاب سيرة أو من كتاب سيَر الصحابة الكرام، فأحياناً الأب يجلس مع أولاده ويأخذ الكتاب ويقرأ لهم قصَّة.. ثماني صفحات في ساعة من الزمن، قرأ جملتين وعلَّق عليهما ووجَّههم حتى شعر أن هذا الموضوع قد استوعبوه، ألم يقل النّبي: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيِّكم، كيف يحبُّ ابنك نبيَّه ؟ أن تعلِّمه سيرة النَّبي، وسيرة أصحابه، بالمناسبة سيرة أصحاب النَّبي فيها أيضاً سيرة النَّبي، فلا يوجد صحابي لم يتعامل مع النَّبي، فأغلب الظّن أن سيَر أصحاب رسول الله متضمِّنة لسيرة رسول الله بشكلٍ موسَّع أو مُقْتَضب.
يقول سيِّدنا سعد بن أبي وقَّاص: " كنَّا نعلِّم أولادنا مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم ".
القصَّة هي أحد الأساليب التربويَّة الناجحة:
دقِّقوا في ذلك فكل أب الآن مكلَّف في أن يضع بين يدي أولاده كتاب سيرة وكتاباً لسيَر صحابة رسول الله، وإذا تمكَّن أن يلقي عليهم درساً أو يقرأ لهم قصة كل أسبوع، فالقصَّة ممتعةٌ جداً لا جهد فيها وحفظها سهل ولا ينسونها أبداً، فليلاحظ من يعطون الدروس للطلاب أن ثلاثة وتسعين بالمئة من جزئيَّات الدرس ينساها الطالب بعد حين، قالوا: بعد سبعة أيام.. ولا يبقى سوى سبعةٍ بالمئة مما قرؤوه، والآن ألقِ عليهم قصَّة ودَعْهم ستَّة أشهر ثم اسألهم عنها، فسيعيدونها كلمةً كلمةً ودقيقةً دقيقة.. والله عزَّ وجلّ قال:
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
(سورة يوسف)
الله جعل القصَّة أحد الأساليب التربويَّة الناجحة، لذلك فالأب مهما كانت ثقافته متدنِّية يمكنه أن يقرأ قصَّة لأولاده، أو إذا كان ابنه متفوقاً في القراءة يقول له: اقرأ لنا يا بنيّ عن سيدنا سعد. فقرأ الابن، وعلَّق الأب تعليقين أو ثلاثة، فإذا لم يجلس الأب مع أولاده في الجمعة ساعة من الزمن فهذه مشكلة ! فأجمل موضوع وأقرب موضوع وأسهل موضوع وأمتع موضوع هو سيَر صحابة رسول الله، هكذا وجَّهنا النَّبي قال:
(( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال حبِّ نبيِّكم وحبِّ آلِ بيته وتلاوة القرآن ))
الموضوعات الأساسية للطفل هي الصلاة و السيرة و التلاوة:
إن صعب عليك أن تدرِّس السيرة، فيوجد لدينا أكثر من سبعين شريطاً مسجَّلة عليهم سيرة رسول الله وصحابته، فأسمِعْهم شريطاً في كل سهرة أو في كل أسبوع، قل لهم: تعالوا نستمع عن سيدنا أسامة بن زيد، فإمّا أن تتلو عليهم أنت سيرة صحابيِّ جليل أو أسمعْهم سيرة صحابيّ، أي اجلس معهم في الأسبوع ساعة من الزمن واسمع منهم، اسمع تعليقاتهم، اسمع قراءتهم، هل القراءة صحيحة ؟ أنت اقرأ لهم، اسمعوا شريطاً، فلابدَّ من جلسة لله مع أولادك وإلا أصبح البيت قطعة من الجحيم.
إذاً التوجيه الثاني: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيكم وحبِّ آلِ بيته. أي الرسول وآل بيته وصحابته والعلماء والدعاة والشيوخ إلى يوم القيامة، أي الذين يمثلون هذا الدين، وتلاوة القرآن: إذا أردت أن تدرِّس الصغار فلتدرسهم تلاوة القرآن وتحفيظه وتسميعه والسيَر والصلاة هذه الموضوعات الأساسية للطفل، صلاة وسيرة وتلاوة.
سيدنا سعد يقول: " كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلِّمهم السورة من القرآن ".
تعليم القرآن هو أساس التعليم لأنه يؤدّي إلى تثبيت العقيدة ورسوخ الإيمان:
الإمام الغزالي يوصي في إحيائه بتعليم القرآن للأطفال وتحفيظه، وأوضّحُ أنّ تعليم القرآن هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسيَّة في مختلف البلاد الإسلامية، لأنَّه شعارٌ من شعائر الدين يؤدّي إلى تثبيت العقيدة ورسوخ الإيمان.
لاحظ أنَّ السور التي قرأتَها وحفظتَها في سنٍ مبكِّرة لا تزال حتّى الآن تحفظها، لأن العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، إن سَمع خطبة يقول: ما شاء الله. وإن سألته: ماذا قال الخطيب ؟ يقول: والله لا أتذكَّر شيئاً منها. والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، لا يتذكر كلمة واحدة أو حرفاً منها، لكن الخطبة كانت ناجحةً جداً هكذا يقول.
ابن سينا نصح في كتابه السياسة، بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرَّد استعداده جسمياً وعقلياً لهذا التعليم. كانت تجري مسابقات لحفَّاظ القرآن الكريم، فمرّة كان أصغر طفل حافظاً خمسة أجزاء، وطوله يبلغ ستين سنتيمتراً، أوقفوه على الكرسي ليتسلَّم الجائزة من وزير الأوقاف، وبالطبع لا يقرأ ولا يكتب وقدموا له حلوى هدية، وطفل عمره تسع سنوات حافظاً للقرآن بكامله، شيء رائع جداً.. طفل يحفظ القرآن بكامله هل هي قضيَّة سهلة ؟ هذا طفل يجب أن يكرَّم.
لابد لكل طفل من مثل أعلى و المثل الأعلى له هو النبي الكريم:
يروى أنَّ الفضل بن زيد رأى مرَّة ابن امرأة من الأعراب أُعجب بمنظره، فسألها عنه ؟ فقالت: " إذا أتمَّ خمسَ سنوات أسلَمته إلى المؤدِّب فحفِظَ القرآن فتلاه، وعلَّمه الشعر فرواه، ورُغِّب في مفاخر قومه، ولُقِّن مآثر آبائه وأجداده، فلمَّا بلغ الحُلم حملته على أعناق الخيل فتمرَّس وتفرَّس ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ وأصغى إلى صوت الصَّارخ " (من باب المروءة) هذه أعرابية هكذا تعلِّم ابنها، هذه تربية أعرابية من البادية، الآن يتعلَّم ويعرف أسماء الفنَّانات والفنَّانين ولاعبي الكرة، وكل الأخبار غير الحسنة يحفظها عن ظهر قلب.
حديث دقيق جداً يا إخواننا الكرام: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيِّكم، معنى ذلك أن الطفل لابدَّ له من مَثَلٍ أعلى، يحتاج إلى مُثُل، فالنبيّ هو المثل الأعلى وصحابته والعلماء و التّابعون، والأبطال والأشخاص الأفذاذ هؤلاء اقرأ له في سيرتهم، والقرآن الكريم، يَنْمُ وتَقوَ لغته ويستقِم لسانه.
كل مولود يولد على الفطرة:
إخواننا الكرام: الطفل على الفطرة:
(( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
أي أن بُنْيته النفسيَّة متوافقة مع الشرع مئة بالمئة، فهناك آباء يحافظون على هذه الفطرة ويرقَون بها إلى الصبغة، وهناك آباء يشوِّهون هذه الفطرة، وهم في حقِّ أولادهم -والله- مجرمون، كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، ولكن لم يقل يُسْلمانه لماذا ؟! لأنه في الأصل مسلم هو على الفطرة، لأنَّ الفطرة دين الله:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
(سورة الروم)
الأب مسؤول عن كلِّ حركات ابنه وسكناته قبلَ سنِّ البلوغ:
يقول الإمام الغزالي: " الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشرَّ وأُهمل إهمال البهائم شقيَ وهلك وصيانته بأن يؤدِّبه وأن يهذِّبه وأن يعلِّمه محاسن الأخلاق ".
ألا تستمعون لأطفال في الطرقات يتكلمون بكلمات من الوقاحة والبذاءة بحيث إن الإنسان يكاد يخرج من جلده منه، أين أبوه هذا ؟ أبوه قد شوَّهه، ألقاه في الطريق وسمح له أن يجالس رفقاء السوء فشوَّهه. إذاً فمهمتنا كيف تَسَلَّمنا هذا الطفل ؟ تسلَّمناه على الفطرة، فمهمَّة الأبِ بادئ ذي بدء أن يحافظ على فطرته، إذا كان عالماً يرقى بها إلى الصِّبغة، قال تعالى:
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
(سورة البقرة )
الفطرة صفحةٌ بيضاء لكنَّ الصبغة كمالٌ في كمال، لذلك فالأب الذي يرسل ابنه إلى مدارس أجنبية، أو إلى مدارس ليست على ما يرضي الله عزَّ وجلَّ، أو يسمح لابنه مثلاً بأن يذهب إلى بلاد بعيدة وهذه البلاد لا تعرف الله أبداً، فسينشأُ نشأةً سيِّئة وسيتربى تربية سيِّئة، فلذلك الأب مسؤول عن كلِّ حركات ابنه وسكناته قبلَ سنِّ البلوغ، سيتحاسب حساباً شديداً، الأُبوَّة مسؤوليَّة والأُبوَّة أمانة، هذا الطفل أمانةٌ عند والديه.
من أنشأ ابنه على العمل بوقت مبكر سيبارك الله له و من أهمل ابنه فسيدفع الثمن باهظاً:
في إحدى المرَّات شخص له عندي قضية فقلت له: متى نلتقي ؟ فقال لي أنا موجود باكراً. قلت له الساعة التاسعة مثلاً. قال: لا، الساعة السادسة أكون بمكتبي. فسألته عن السبب. فقال لي: إنَّ والدي عندما كان عمري خمس أو ست سنوات كان يوقظني يومياً لأُصلِّي الفجر معه في المسجد، فذهبت معي عادةً إلى الآن.. يستيقظ قبل الفجر ويصلّي ويجلس ليعمل، (بورك لأُمَّتي في بكورها)، عمره الآن ستون سنة. يحضر إلى مكتبه الساعة السادسة صباحاً، والناس كلها تأتي لأعمالها ما بين الساعة تسعة إلى الساعة الثانية عشرة، هذه من آثار تربية والده، فإذا نشَّأْتَ ابنك على العمل بوقت مبكر، فهكذا ينشأ.. على الصلاة في المسجد، على صلاة الفجر، وإذا وجد إهمالاً يدفع الإنسان الثمن باهظاً.
الإنسان مادام قلبه ينبض فهو قادر على تصحيح كل تقصير في حياته:
لا تنسوا أنَّ أخطر موضوع في حياة الإنسان هو: تربية الأولاد، وأنَّ المنهج الدينيّ وأنّ القرآن والسُّنة فيه من التوجيهات الدقيقة ما يعجب لها الإنسان، هل في ديننا هذه الدرجة من التوجيهات ؟! نعم، وإن شاء الله سأستعرضها كلَّها في هذه الدروس، قد نبقى مع هذا الموضوع عدَّة دروس، أو قد يكون عدَّة أشهر مع هذا الموضوع، وهو يهمُّ كلّ أب وكلّ شاب على أبواب الزواج حتى يربي أولاده، وإذا حضر معنا طفلٌ صغير فيرى نعمة ربَّه، يرى هل يا ترى يتربى تربية صحيحة، حتى يربِّي أولاده في الكبر تربية صحيحة ؟
على كلٍ أرجو أن تكون هذه الدروس منطلقاً لنا جميعاً لتربية أولادنا، وإن وجد إنسان مقصِّر سابقاً فمن الآن نحن نبدأ، وإن وُجِد تقصيرٌ من الآن يصحَّح ما دام القلب ينبض، فما دمنا أحياء فنحن في فسحةٍ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث )


الموضوع :التربية الخلقية ( 1 ) ظاهرة الكذب





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الإيمان حسن الخلق:
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثالث من دروس تربية الأولاد في الإسلام، في الدرس الماضي تحدَّثنا عن التربية الإيمانيَّة، وكيف أنَّ الأبَ المسلم عليه أن ينشئ أولاده تنشئة إيمانيَّة وذكرت لكم قصصاً ونصوصاً من الكتاب والسنَّة، تؤكِّد هذا التكليف للآباء، وبيَّنتُ أيضاً أن الأُبوَّة مسؤوليَّةٌ كبيرة، وهاأنذا اليوم أنتقل إلى موضوع التربيَّة الخلُقيَّة.
أيُّها الأخوة الكرام.. الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الإيمان حسنُ الخلُق ))
لمجرَّد أن تلغيَ الأخلاق من الدين لم يبقَ من الدين شيء، فالإيمان حسن الخلق، وهناك أحاديث كثيرة جداً وصحيحة وقد أجمع عليها علماء الأحاديث، بل إنَّ أكثرها مما اتَّفق عليه الشيخان، هذه الأحاديث تؤكِّد أنَّ حسن الخلق هو أعظم ما في الإيمان، وأعظم ما في الإسلام، وأنَّه إذا ذهب ذهب كلُّ شيء.
كل أب مسلم عليه أن يغرس في نفس ابنه مجموعة قيم أخلاقية:
الحقيقة فضلاً عن أنَّ الأَب المسلم يربّي ابنه كما قلت في الدرس الماضي على الإيمان بالله والإيمان برسوله وكتبه وباليوم الآخر، وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، ويربِّي ابنه على حبِّ نبيِّه وعلى تلاوة القرآن، فضلاً عن كلِّ ذلك، هناك مجموعة قِيَم خلقيَّة لا بدَّ من أن ينتبه الأبُ إلى غرسها في نفس ابنه، لذلك أروي لكم هذه القصَّة ولعلَّها مفيدةٌ جداً:
قال سهل بن عبد الله التُستُريّ: كنت ابن ثلاث سنين أقوم بالليل، فأنظُر إلى صلاة خالي محمد بن سِوار، فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك، قلت: كيف أذكره ؟ قال قل بقلبك عند تقلُّبك في فراشك ثلاث مرَّاتٍ من غير أن تحرِّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالَي ثمَّ أعلْمته، فقال: قل في كلِّ ليلة سبعَ مرَّات. فقلت ذلك ثمَّ أعلْمته، فقال: قل ذلك في كلّ ليلة إحدى عشرة مرَّة، فقلته.. ففي الليلة الثالثة قال: وقع في قلبي حلاوة الذكر، وقع في قلبي حلاوته فلمَّا كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علَّمتك ودُم عليه إلى أن تدخل القبر فإنَّه ينفعك في الدنيا والآخرة. قال: فلم أزل على ذلك سنين فوجدّت لذلك حلاوة في سرِّي، ثمَّ قال لي خالي يوماً: يا سهل، من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟! إيَّاك والمعصية.
وبهذا التوجيه السديد والترويض المستمر، والتربية الإيمانيَّة الحقَّة، أصبح سهل رحمه الله من كبار العارفين، ومن رجال الله الصالحين، بفضل خاله الَّذي أدَّبه وعلَّمه وربَّاه.
الحياة لا تصلح إلا بالإيمان:
كثيراً ما نشاهد أشخاصاً متدينين صالحين جدَّاً يقول لك أحدهم: الفضل لعمِّي، الفضل لخالي، الفضل لوالدي، الفضل لعمَّتي، الفضل لوالدتي، شيء لا يقدَّر بثمن أن يلهمك الله تربية طفل صغير، ابناً كان أو غير ابن.. فهذا أصبح من كبار العارفين بهذا التوجيه اللطيف: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي.
اكتفى منه أولَ الأمر أن يقولها وهو في الفراش، ثمَّ رفع العدد إلى أن أصبحت هذه الكلمة كلمة ثابتة في حياة هذا الغلام، فلمَّا نشأ عليها قال: من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟! قال: لا.. قال: إيَّاك أن تعصيه.
على كلٍ هناك نقطة مهمة جداً.. أنّ الحياة لا تصلح إلا بالإيمان، أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناك قيوداً تقيِّده، أي إذا كان الإيمان قيداً، والاستقامة قيداً، أنت قيِّدت بهذا القيد لكنَّ الله عزَّ وجلَّ من أجلك قيَّد لك مليار إنسان، ما هو السِّر أنَّك إذا تعاملت مع مؤمن فأنت مرتاح لا تخاف ؟ لا تخاف أن يغشَّك، أو أن يكذب عليك، أو أن يخونك، أو أن يأخذ ما ليس له منك، هذه الطمأنينة دخلت عليك لأنك مقيَّد، ولأن الله عزَّ وجلَّ قيَّد مليار إنسان من أجلك، وحياتنا لا تستقيم إلا بهذه الطريقة، تتعامل مع الناس جميعاً، هؤلاء الذين تتعامل معهم إن كانوا مؤمنين فهم مقيَّدون مثلك، يخافون الله، لا يأخذون ما ليس لهم، يخافون أن يكذبوا، أو أن يغشّوا، أو أن يحيفوا على أحد، فكما أنت مقيَّد هم مقيَّدون من أجلك.
سعادة الإنسان في الحياة الدنيا مرتبطة بعلاقته بمن حوله:
لذلك يقول أحد الأُدباء الغربيِّين: لمَ تشكِكون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي، ولولاه لسرقني خادمي، أحد أسباب سعادتك في الحياة الدنيا أنَّ هؤلاء الذين تعيش معهم وترتاح إليهم وتطمئن إلى علاقتك بهم الإيمان قيَّدهم، و خوْفهم من الله جعلهم يستقيمون في تعاملهم معك، فأنت قيَّدت نفسك لكنَّ الله عزَّ وجلَّ قيَّد لك كلّ المسلمين، فهم مقيَّدون من أجلك.
لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة:
1 ـ وجود الله:
يقول بعض الفلاسفة أيضاً: إنَّه لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة ـ كلمة دقيقة جداً كنت أقولها كثيراً من قبل ـ لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة: وجود الله.
2 ـ خلود الروح بعد الموت:
وخلود الروح بعد الموت (أي النفوس).
3 ـ الحساب بعد الموت:
والحساب بعد الموت. أي إن الله موجود، وهناك حياة أبديَّة وفيها سيحاسب الإنسان عن كلِّ ما اقترفت يداه. إذا أيقنت أن الله موجود، ويعلم، وسيحاسب، وهناك حياةٌ بعد الحياة، لا بدَّ من أن تستقيم على أمره، ولا بدَّ من أن تكون أخلاقياً.
لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق و بأبديَّة الحياة و علم الله:
الأخلاق في بعض تعاريفها: هي عملية خوف أولاً (انضباط) بعد حين تنقلب إلى عمليَّة متعة، عندما يألف الإنسان الأخلاق لا يستطيع أن يحيد عنها. وهذا من عظمة الله عزَّ وجلَّ، الشيء في أوله صعب، لكن بعد حين يصبح جزءاً من كيانك، فدائماً الصعوبة تكون في أول الأوامر فقط، في التمرُّس بها، لكن بعد حين تغدو متعة لك، المؤمن بعد حين قضيَّة الجهاد انتهت بالنسبة له، أن يجاهد نفسه وهواها، أن يبذل جهوداً كبيرة ليغضَّ من بصره ولضبط لسانه فلا، أصبحت استقامة لسانه وجوارحه جزءاً من كيانه وهذا معنى قول الله عزَّ وجلَّ.
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)
(سورة البقرة)
أنت بالصبر تكفُّ شهوتك عمَّا حرَّم الله، لكنَّك بالصلاة ترقى إلى مستوى الشرع، عندئذٍ لو سمح لك أن تفعل ما كان منهياً عنه لا تفعل، الإنسان أحياناً يمتنع عن المعاصي خوفاً، ولكن بعد حين يمتنع عنها اشمئزازاً، وهذه علامة طيِّبة في الإنسان. فهذا الفيلسوف يقول:
لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق، وإيمان بأبديَّة الحياة، وإيمان بعلم الله (أنه يعلم )، وبالجزاء الأبديّ.
رأى علماء النفس أن هناك أربعة نماذج للأشخاص هي:
1 ـ النموذج العصبي:
أيُّها الأخوة... أحياناً يتلفَّظ الإنسان بكلمات لها معنى دقيق، يقول لك: فلان لو لم يكن مؤمناً مع هذا الذكاء وتلك الحيوية لكان مجرماً، لكنَّ الإيمان سما به فِعلاً، بعض الأشخاص عندهم مزاج عصبي، والبعض مزاجهم شهواني، وأشخاص عندهم مزاج شيطاني، والبعض عندهم تلبُّد، هذا بعض آراء علماء النفس بوجود أربعة نماذج: نموذج عصبي، وآخر شهواني، ونموذج شيطاني، والنموذج الرابع خامل مسالم، فالإنسان دون إيمان يمكن أن يكون من النموذج العصبي وهذا يميل للسيطرة والاستعلاء والقهر، الإيمان يقيده، ويسمو به، مع وجود هذا النموذج أو هذا الميل الجارف للسيطرة والتنكيل بالآخرين والاعتداد بالقوَّة، ونشوة الظفر.. هذا نموذج وهو دون الإيمان مخيف، وكلُّكم يرى بأمِّ عينه ماذا يجري في العالم، فمن علامات قيام الساعة أنَّه موتٌ كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يُقتل، ولا يدري المقتول فيمَ قُتل. لم يرتكب جريمة، يقولون لك: مئات القتلى ومئات الجرحى، الجثث في الطرقات بعضها فوق بعض، فلماذا القتل ؟! هذا نموذج فيه عصاب وبالطبع دون إيمان. 2 ـ النموذج الشهواني:
وهناك نموذج شهواني ينغمس في الشهوات المحرَّمة إلى قمَّة رأسه، أي يصبح زيراً للنساء، وأشد انحرافاً من الزنى (خمور على نساء على مخدرات على) والعياذ بالله.
3 ـ النموذج الشيطاني:
وهناك نموذج آخر شيطاني، أي إذا أوقع الأذى بالناس يشعر بالنشوة، إيقاع الأذى، التفريق بين الأحبَّة، إثارة المشكلات، إفساد العلاقات،لا يوجد مكاسب من ورائها، هذا نموذج شيطاني.
4 ـ النموذج البليد:
وهناك نموذج بليد وجوده كغيبته لا يقدم ولا يؤخِّر، لا يحرِّك ساكناً، لا أحد يعرفه إذا وجد ولا إذا غاب، هذا نموذج.
المؤمن الحقيقي هو كل إنسان يؤْثِرُك على نفسه و يهتم بك:
هذه النماذج الأربعة دون إيمان مخيفة الأول ميِّت كحيّ، والثاني مجرم، والثالث ينغمس في وحول الشهوات إلى قمَّة رأسه، والرابع مؤذٍ، أمَّا الإيمان ـ فيا الله ـ يصبح الإنسان كتلة من الخير، كتلة عطاء، المؤمن إن صاحبته تنتفع به، إن ماشيته تنتفع به، وإن أصغيت إليه أو عاملته تنتفع به، إن جاورته تنتفع به، سيدنا أبو حنيفة له جار مغنٍ، وقد أوقع به أشدَّ الأذى وكان يغني طوال الليل ولا ينام ويقول:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلس وسَداد ثَغرٍ.
وقع هذا المغني في قبضة الشرطة، فذهب سيدنا أبو حنيفة النعمان بذاته إلى المحتسِب ليشفع له، لأنَّه جار وله حقّ عليه فلمَّا عاد معه إلى البيت (وقد أكبر المُحتسب وهو مدير للشرطة مجيء أبي حنيفة ودخوله عليه فأطلق سراح كلّ من اعتقل إكراماً له ) وفي الطريق قال له: يا فتى هل أضعناك ؟! تقول طوال الليالي أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا.. هل أضعناك يا فتى؟
هذا هو المؤمن، بعيداً عن التعريفات الدقيقة للمؤمن، المؤمن إنسان محبوب كيفما تعاملتَ معه، تعامل تجاري، تعامل سكني، جوار، تعامل في السفر، أصغيت له، حدَّثته.. إن حدَّثته يصغ ِلك، يهتمّ بك، إن أصغيت له تنتفع بعلمه، إن ماشيته تربح لأنه يؤْثِرُك على نفسه دائماً هذا هو الإيمان.
الإنسان من دون إيمان يميل إلى السيطرة و الاستعلاء و القهر:
لذلك دون إيمان هناك نماذج موجودة في المجتمع وهذا شيء معروف، وكل عصر وكل مكان وكل زمان وكل حيّ يوجد شخص غارق في الزنى إلى قمَّة رأسه، وبالخمور وبالمخدرات، وبالانحراف الجنسي، وهناك شخص هدفه الأوَّل السيطرة والاستعلاء والقهر وإخضاع الناس له هذه شهوته، وشخص آخر هدفه الإيقاع بين الناس أي إيقاع الشقاق والعداوة بين الناس، ينقل كلاماً من جهة لجهة، دائماً يتشفَّى بإفساد ذات البين، وشخص بليد لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
الدين خلق و عطاء و تسامح و ذوق:
أمَّا عندما تدخل إلى عالم الإيمان فهذه النماذج غير موجودة، هناك نموذج موحَّد، إنسان عقله نامٍ وإدراكه عميق وشعوره دقيق ونفسه عامرة بالإيمان، وسلوكه منضبط بالإسلام، أساس حياته العطاء، والدعوةُ إلى الله عزَّ وجلَّ، بنى حياته على العمل الصالح.. هذا الإيمان.
إخواننا الكرام... لمجرَّد أن تُلغي الأخلاق من الدين ألغيتَ الدين كلُّه، الدين كلُّه خلق، الدين كلُّه فهم وذوق وعطاء وتسامح، هذا الذي تسمعونه من خلافات دينيَّة في العالم وقتل.. هذا ليس من الدين في شيء.
أعظم عطاء يعطيه الإنسان لابنه هو الأدب الحسن:
الآن إلى بعض النصوص التي تؤكِّد التربية الخلُقيَّة، الدرس الماضي كنَّا بالتربية الإيمانيَّة الآن بالتربيَّة الخلقيَّة:
(( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ))
(رواه الترمذي عن أيوب بن موسى)
العوام يقولون: المُرَبَّى غالي.. الطفل المربى عنده حياء، كلماته كلُّها مضبوطة، الإنسان لو مشى في أحد الأزقَّة وسمع كلام الأطفال غير المهذبين.. والله يتكلمون بكلامٍ الحائطُ يخجَل منه، الحجر يخجل وليس الأشخاص، إذا مرت بالطريق امرأة مثلاً أو معها بناتها، أو شاب مهذَّب يسمعون كلاماً الإنسان يستحي أن يتذكَّره، لذلك أعظم عطاء تعطيه لابنك الأدب الحسن، الطفل الأديب لا يقدَّر بثمن، ولكنَّه محصِّلة جهود جبَّارة بذلها أبوه في تربيَّته، محصلة ملاحظة ومتابعة ومحاسبة مستمرَّة، محصِّلة اهتمام وعناية.
(( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ))
نحل بمعنى أعطى، إذاً أعظم عطاء تعطيه إلى ابنك أن تؤدبه الأدب الحسن، لماذا ارتقى النبيُّ إلى سدرة المنتهى ؟ ولماذا كان قمَّة البشر ؟، قالت له: ما هذا الأدب !! قال: أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي.
موقف سيدنا يوسف من إخوته موقف يَنِمُ عن خلق حسن:
كلكم تعرفون ذلك عن سيدنا يوسف عندما دخل السجن وأُلقي في الجبَّ أيهما أخطر ؟ الجب طبعاً، فالسجن فيه طعام، أمَّا الجُبُّ فيه موت، فلمَّا خرج من السجن وأصبح عزيز مصر واستقبل إخوته الذين تآمروا عليه وألقوه في غيابة الجب وذكر فضلَ الله عليه ماذا قال ؟ قال:
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
( سورة يوسف )
لماذا لم يذكر الجب، قيل: لئلا يذكِّر إخوته بجريمتهم، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، لم يذكر الجبُّ أبداً، والأغربُ من ذلك لم يعزُ الخطيئة إليهم. قال ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
أي إننا لم نفعل شيئاً ولكنَّ الشيطان دخل بيننا، والأمر ليس كذلك.. فهم ائتمروا عليه ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
ما هذا الأدب !! النبيِّ الكريم مرة قال له (وأعتقد أبو سفيان القائل) يا ابن أخي ما أعقلك، ما أكرمك، ما أحكمك، ما أوصلك.
التربية لابدَّ لها من طول نَفَس لأن المعلم أفضل من المعنف:
ما هذا الكرم وما هذا الأدب وما هذا الوفاء وما هذا البر !!.. قال له: ما أعقلك وما أرحمك وما أحكمك وما أوصلك.
مازلنا مع كلام رسول الله والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
ولا تنسَوا قول سيدنا سعد بن أبي وقَّاص: " ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، واحدة منها: ما سمعتُ حديثاً من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا علمت أنَّه حقٌ من الله تعالى.
(( أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ ))
( مسند ابن ماجة: عن الحارث بن النعمان )
كل كلمة حاسبْه عليها ووجهْه إليها.. هكذا خطأ، هذه حرام، وهذه يتكلَّم الناس عليك. التربية لابدَّ لها من طول نَفَس، فالرجل الذي نفسه قصير مشكلته كبيرة لأنه يربِّي بالضرب، قال عليه الصلاة والسلام:
(( علِّموا ولا تُعنِّفوا فإنَّ المعلِّمُ خيرٌ من المعنِفَ ))
( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
النتائج الإيجابيَّة الطيِّبة التي يجنيها المعلِّم أروَع بكثير من التي يجنيها المعنِّف، هذا الذي يستخدم الضرب في كلِّ أمر من أمور التربية، هذا ليسَ معلِّماً بل معنِّفاً، والمعنِّف لا يحبُّه النبيّ عليه الصلاة والسلام، لأنه لا يكون الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه.
من حق الولد على والده أن يحسن أدبه و يحسن اختيار اسمه:
حديث ثالث.. وأخرج عبدُّ الرزَّاق وسعيد بن منصور وغيرهما من حديث عليٍّ رضيَ الله عنه: " علِّموا أولادَكم وأهليكم الخيّرَ وأدِّبوهم "، الخيّرَ هو: الإيمان والطاعة لله، ففي هذا الحديث إشارة إلى التربية الإيمانيَّة والتربية الخلُقيَّة في آنٍ واحد.
(( من حقِّ الولَدِ على الوالدِ أن يُحسِنَ أدبه وأن يُحسِنَ اسمَه ))
(أخرجه البيهقيّ عن ابن عبّاسٍ)
ما أسماك أبوك ؟ قال له: زعيتر. ما هذا الاسم ؟! توجد أسماء لطيفةٌ جداً، أسماء دينيَّة وأسماء أخلاقيَّة، مثل: كامل، سعيد، حسام اسم فيه شجاعة، فعلى الأب أن يعتني بأسماء أولاده لأنَّ هذا الاسم سيكون متداولاً.. أعرف صديقاً لي اسمه: عدوان، وآخر اسمه: حرب.
(( كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُمَاطُ عَنْهُ الأذَى وَيُسَمَّى ))
( مسند أحمد عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ )
(( الغلامُ يُعَقُّ (أي تذبح له العقيقة) في اليوم السابع، ويُسمَّى، ويُماط عنه الأذى، فإذا بلغ ستَّ سنين أُدِّب، وإذا بلغ تسعَ سنين عُزل عن فِراشه، فإذا بلغ ثلاثَ عشَرَة سنة ضُرِبَ على الصلاة والصوم، فإذا بلَغَ ستَّ عشرة زوَّجه أبوه، ثمَّ أَخذَ بيده وقال: قد أَدَّبتُكَ وعلَّمتُك وأنكحتُك أعوذ بالله من فتنتِكَ في الدنيا وعذابك في الآخرة ))
(رواه ابن حِبَّان عن أنسٍ)
هذا توجيه النبيِّ في السنة السادسة يؤدَّب أي إن الطفل إذا دخلَ التعليم الابتدائي يحاسب على كل كلمة، وعلى كل هفوة، وعلى كل نظرة، يحاسب على شيء ليس مِلكه في حوزته، يحاسب عن كلِّ انحراف.
أعظم الأعمال الصالحة تسهيل الزواج و تيسير البيوت و الحاجات الأساسية:
الزوج الآن يتكلَّف مليونين من الليرات على الأقل، وأتمنى من إخواننا الذين أعطاهم الله عزَّ وجلَّ شيئاً من الدنيا أن يزوِّجوا أبناءهم وبناتهم، وقد أِلف إخواننا أن الابن يزوجوه، أمّا الابنة لا تتزوَّج حتى يأتي لها خاطب يخطبها، وأنت إن كنت ميسور الحال إن أمَّنتَ لها بيتاً يأتِ لها ألف خاطب، فانتقِ منهم المتديِّن، فلماذا العناية فقط بالأولاد الذكور ؟! هيِّئ لابنتك أيضاً بيتاً فلَكَ أجرٌ كبير، الآن الوضع صعب للغاية، فإن هيَّأت بيتاً متواضعاً ولا أقول لك بيتاً فخماً، ولو قلت: أريد شاباً مؤمناً سيأتي لك مئة.. فالبيت مشكلة وحجر عثرة أمام الزواج، والله تعالى قال:
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
(سورة النور)
﴿ أنكحوا الأيامى منكم﴾
هذا أمر، ولا أتصور الآن عملاً في زمن الفساد والفتن والانحراف، في زمن كل شيء فيه يدعو إلى الشهوة، الطرقات وكل شيء وفهمكم كفاية.. يدعو ويثير الفتنة، فلا أعظم من تزويج الشباب المؤمنين من الفتيات المؤمنات في هذا الزمان، لذلك تسهيل الزواج، تيسير البيوت والحاجات الأساسيَّة، فكل هذا من الأعمال الصالحة فقد قال الله عزَّ وجلّ:
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
(سورة المائدة)
أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح:
أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح، هذه أفضل شفاعة، فإن كان الأب قد يسّرَ الله تعالى له أموره، فليهيِّئ بيتاً ولو صغيراً لابنته، ولو كان البيت في ظاهر دمشق أو ريفها، فستجد شاباً دخْلُه أربعة آلاف أو خمسة آلاف، ومع هذا البيت تسير الأمور، فإن سكن في بيت وكان له مأوى وتأمَّن طعامه فالله يتولَّى الباقي، وهذه تسمَّى إقلاعاً.. لعلَّ الله يغنيه ولو بعد حين ويغيِّر البيت ويأتي إلى دمشق.. ولعله بعد حين يحقِق للابنة ما تتمنى من المباحات، ولكن عليك أنت أولاً أن تجعله يقنع، بغرفةٍ أو غرفتين خارج دمشق، مع أثاث متواضع، وشاب مؤمن مستقيم.. إن لم نفعل تكن فتنةٌ وفسادٌ في الأرض.
vاسأل المعنيين بشأن الأخلاق الآن، حالات السفاح أصبحت لا تحصى، إن لم يكن نكاحٌ فالبديلُ هو السفاح.. إذا لم توجد بيوت فيها أزواج تصبح البيوت فيها دعارة، هذه مسؤوليَّة المجتمع المسلم.. قد حضرت عقد قران فتأثرت لموقفٍ مفاده أنَّ الَّذي دعانا رجل مليء ولم يقدِّم هديَّةً أبداً، فليس هذا معقولاً، وقد فوجئنا في العقد أنَّ ثمن الهدايا التي يجب أن يقدِّمها تبلغ سبعمئة ألف، وقد وضعها في تصرُّف جهةٍ موثوقةٍ كي تزوِّج الشباب، كفانا هدايا قد مللنا منها وزوِّج بثمنها شاباً أو شابّين، هذا شيء جميل، يجب أن نفعله.
أفضلَ عمل الآن هو أن تسهم في تزويج شابٍ لشابةٍ:
أخ آخر كذلك أعجبني موقفه، أقام عقد قِران فذكر لي أخ من إخواننا وقال لي: والله في اليوم الثاني كامل النفقات دُفِعَ مثلها لتزويج الشباب، ولدينا مثال عامي ( كبَّرها بتكبر، صغَّرها بتصغر )، فإن كبَّرها يدفع ثلاثة ملايين، وإن صغَّرها لا يحتاج إلا لمئتي ألف فقط، يمكنك أن تدَبِّر بيتاً بمئة وخمسين ألفاً خارج العاصمة، والأثاث متواضع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحقُّ كيف كان بيته ؟ لو وصفته لكم لا تصدّقون، وهو سيِّدُ الخلق وحبيب الحقُّ.. غرفةٌ صغيرةٌ، فوصف بيت النبيُّ لا يصدَّقُ فهو القائل: ما لي والدنيا. الأصل أن تكون مؤمناً.
أُلخِّص كلامي بأنَّ أفضلَ عمل الآن هو أن تسهم في تزويج شابٍ لشابةٍ، شابٍ مؤمنٍ لشابَّةٍ مؤمنةٍ، هذا عمل عظيم، لأنَّه لا يوجد أب عنده بنات في بيته إلا ويكون قلقاً، ولا تقرُّ عينهُ إلا بتزويجهنَّ، ولا أب عنده شابٌ في رَيعان الشباب وهو يغلي ولا يملك بيتاً ولا عملاً إلا ويكون قلقاً.
أعظم عمل على الإطلاق تيسير الأعمال للناس لأن البطالة مرتبطة بالجريمة:
لذلك أعظم عمل أن تيسِّرَ للناسِ الأعمال، فمن كان عنده عمل متواضع يديره ويعمل تحت يديه عشرة شباب، فهذا يشغِّل الناس، فلماذا حرَّم الله تعالى الرِّبا حرمةً شديدة ؟
لأنَّك لو فتحت محلاً صغيراً تجد ألف شخص يخدمك، لو استعرضنا حاجة محل تجاري صغير تجد حاجته لأشياء كثيرة مثلاً: الفواتير تحتاج لمطبعة، وهي تحتاج لعمَّال، وحبر، وآلات، ونقل هذه الحاجات للمحلات تحتاج لشاحنة، وعلى الشاحنة يعمل سائق، وتحتاج إلى أكياس، فيوجد إنسان أمَّن لك أكياساً، وتحتاج كذلك إلى بطاقات، وإلى محاسب، وإلى صانع وإلى موظَّف، وتحتاج كذلك إلى مستودع.
محل صغير يشغِّل ألف شخص وهو لا يشعر، وأخطر شيء في المجتمع البطالة، البطالة هذه التي يئنَّ منها المجتمع الغربيّ يقولون لك: سبعة ملايين عامل بلا عمل، ثمانية ملايين، والإنسان إذا فرغ من العمل التفت إلى الانحطاط أو الجريمة، فدائماً مؤشِّرات الجريمة في المجتمع تترافق مع البطالة، الجريمة العدوانيَّة والشهوانيَّة، هذه الجرائم تتأثَّر بالبطالة، أحياناً تجد شاباً أمَّن عملاً ثمَّ تزوَّج فانتهت أموره ومشاكله وأصبح عنصُراً نافعاً، وإنساناً في خدمة الآخرين، لم يعد عبئاً على الآخرين، أصبح يحمِلُ همومَ الآخرين.
أخطر نقاط في تربيّة الأولاد الخلُقيَّة أربع صفات:
إخواننا الكرام... أخطر نقاط في تربيّة الأولاد الخلُقيَّة أربع صفات: ظاهرة الكذب، وظاهرة السرِقة، وظاهرة السباب والشتائم، وظاهرة الميوعة والانحلال. فهذه هي الأمراض الأربعة الفتَّاكة بالشباب وبالصِغار.
1 ـ ظاهرة الكذب:
نبدأ أولاً بظاهرة الكذب وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
(( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا أؤتمن خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
(رواه البخاري ومسلم عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو)
يعنينا من هذا الحديث: إذا حدَّثَ كذَب.. لي قريب ربَّى ابنه على الصدق بجهود جبَّارة، ويسكن في بلد غير بلد والدته، فلما جاء ليزور والدته ومعه أولاده، فالجَدة قالت للصغير: اسكت مساء سنخرج معاً، فسكت.. وفي المساء انتظر وقد لبس ثيابه فلم يجد أي تحرُّك من الجدَّة فقال لها: أنتِ كاذبة.
الكذَّاب لا ينظُر الله إليه ولا يكلِّمه وله عذابٌ أليم:
والله أنا أرى أنَّ من أخطر المضاعفات الناشئة في نفس الطفل إذا وعدْته وأخلفت، إذا وعدْته فلابدَّ من أن تنجز وعدك، لأنَّك إذا أخلفت وعدك علَّمته الكذب عمليّاً.. درس عمليّ في الكذب لا يُنسى قد لقّنته له، بالطبع لن يقول لك كذَّاب بل سيسكت، عرفك أنّك كاذب، فلا يهم الكلام ولكنّ المهم الحقيقة.
(( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ))
( صحيح مسلم عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ)
الكذَّاب لا ينظُر الله إليه ولا يكلِّمه وله عذابٌ أليم.
(( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.))
(رواه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ)
أي إنّ هذا الإنسان إن رأينا حالة صحيفته نجد مكتوباً فيها: كذّاب، له صحيفة ( إضبارة) عند الله عزَّ وجلَّ مكتوب فيها كذّاب.
الصدقُ أمانة والكذب خيانة:
أيُّها الأخوة الكرام... الكذب خيانة، يقولُ عليه الصلاة والسلام:
(( كَبُرت خيانةً أن تُحدِّث أخاك بحديث هو لك به مصدِّق وأنت له به كاذب ))
( الجامع الصغير: عن سفيان بن أسيد )
الكاذب يشعر أَنَّهُ يخون، قال لك: انصحني. وعندك قطعة قماش فاسدة لونها سيئ فقلت له: هذه أحسن شيء. والمشتري صدَّقك، هو لك مصدَّق لأنه طلب منك أن تنصحه وأنت له به كاذب، فقد خُنتَه.. فالنبيّ سمَّى الكذب خيانة وقال: الصدقُ أمانة والكذب خيانة.
الآن عليه الصلاة والسلام من وسائله في تربيَّة الأطفال على الصدق:
(( قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ))
( سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ )
لذلك رضيَ الله عن علماء الحديث هذا الذي جاءَ من المدينة المنوَّرة إلى البصّرة ليتلقَّى حديثاً عن أحد الرواة، هذا الرّاوي كذَب على فرسه لا على طفلٍ صغير، فقد رفع ثوبه موهماً فرسه أنَّ به شعيراً كي تُقبِلَ عليه، فتقدَّم فإذا بالثوب لا شعير فيه، فرجع من توِّهِ.. ليس ما بين ساحة المرجة وحيّ المهاجرين، جاء من المدينة المنورة إلى البصرة ليتلقى حديثاً عن أحد الرواة، لم يكن الطيران موجوداً، فلمَّا رآه يكذب على فرسه اتهمه بالكذب ولم يسأله شيئاً، فالنبيّ عليه الصلاة والسلام لمّا رأى هذه المرأة تقول لغلامها الصغير: تعال أُعطكَ. قال: ماذا أردّتِ أن تعطيه ؟ قالت: أُعطيه تمراً. فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنَّك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليكِ كذبة.
الإنسان الصادق لا يقدر بثمن:
قصةٌ بعضكم يعرفها.. أنَّ العالم الربَّاني الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله يروي قصَّةً طريفةً عن الصِّدق قال: بنيتُ أمري من حينُ ما نشأتُّ على الصدق، وذلك أَنّي خرجت من مكَّةَ إلى بغداد أطلُبُ العلمُ، أعطتني أُمّي أَربعين ديناراً أستعينُ بها على النفقة، وعاهدتني على الصدق، فلمّا وصلنا إلى أرضِ همدان خرجَ علينا جماعةٌ من اللصوص (قطّاع الطريق)، فأَخذوا القافِلة فمرَّ واحدٌ منهم وقال لي: ما معك ؟ قلتُ: أربعون ديناراً. فظنَّ أني أَهزأُ بهِ فترَكني، فرآني رجُلٌ آخر قال: ما معك ؟ فقُلت له أَربعونَ ديناراً. فأَخذني إلى كبيرهم (كبير اللصوص) فصاحَ.. فسألني فأَخبرته. قالَ: يا غلام ما حملَكَ على الصدق ؟ قُلتُ عاهدْتُ أُمّي على الصدق فأَخافُ أن أخون عهدها، فأخذت الخشيَةَ رئيس اللصوص، فصاح ومزَّق ثيابه وقال: أنت تخافُ أن تخونَ عهدَ أُمِّك وأنا لا أَخافَ أن أَخونَ عهد الله، ثمَّ أمَر بردِّ ما أخذوه من القافلةِ كلِّها وقال: أنا تائبٌ لله على يدِكَ يا غُلام. هذا الغلام أصبح الشيخَ العارفَ بالله الجليل عبد القادر الجيلاني، فقالَ من مع كبير اللصوص: أنتَ كبيرُنا في قطعِ الطريق وأنتَ اليوم كبيرُنا في التَوْبَة، فتابوا جميعاً على يدي رئيسهم قاطع الطريق.
الصدق مع الناس ينقُلُك إلى الصدق مع نفسك ثم مع الله:
أحياناً بموقف أخلاقي لا يعلم إلا الله ما نتائجه، عصابة من اللصوص وقطّاع طريق تسلُب أموال المسافرين، تعجَبُ من طفل صادق الحديث، أمّا الآن فقد اختلف الوضع، فتابوا جميعاً ببركة الصدق، مما ينفع في هذه المناسبة أنَّه إذا لاحظ الأب أنَّ ابنه يكذب يجب أن يتابع الأمر ولا يتساهل، أحياناً الأب يحسن الظَّن ويتساهل، فقد حضر للبيت وهو متعب وسمع ابنه يروي قصَّةً كاذبة ويتركه، لكن حينما يحمل الأب ابنه على الصدق ويتعب بالتحقيق والتدقيق والنصيحة والمتابعة لعلَّه بعد حين يقطِفُ ثماراً يانعة.
الإنسان الصادق لا يقدَّر بثمن، فشيء عظيم أن تكون صادقاً، فالصدق مع الناس ينقُلُك إلى الصدق مع نفسك، ثمَّ تنتقِلُ إلى الصدقُ مع الله، يوجد صدق مع الله، وأحياناً يكون الإنسان صادقاً مع نفسه فلا يحاول أن يوهم نفسه أوهاماً غير صحيحة، يبدأُ صدقُه مع الناس، ثمَّ مع نفسه، ثمَّ مع الله.
الإنسان يشقى بشقاء أولاده ويسعدُ بانضباطهم:
إن شاء الله في درس قادم نتابع ظاهرة السرقة، وظاهرة الميوعة والسباب والشتائم، هذه مما يعانيه المجتمع المسلم، فيكفي أن تمشي في طريق وتسمع السباب المنحطَّ، والشتائم، والميوعة، والخلاعة، والتشبُّه بالفتيات، وإن وجد طريق فيه من الجنسين اسمع ماذا يقول طرفٌ لطرفٍ آخر.. هؤلاء أولاد مسلمون كلُّهم، فبلادنا إسلاميَّة والحمد لله، هذه تربية ؟ لذلك المؤمن يتميَّز بتربية أولاده، انتبه، حاسب، دقِّق، اجلس معهم وإلا كما قلت لكم دائماً: الإنسان يشقى بشقاء أولاده ويسعدُ بانضباطهم، فالمتزوِّج الذي رُزق بأولاد يبدأُ من الآن، ومن لم يتزوَّج فليصممُ على أنه إذا أنجبَ أولاداً فسوف يربيهم هكذا، والله سبحانه وتعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع )

الموضوع :التربية الخلقية ( 2 ) ظاهرة السرقة







الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
القسوة البالغة من الآباء تحمل الأبناء على الكذب:
أيُّها الأخوة الكرام: مع الدرس الرابع من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وقد كنَّا في الدرس الماضي في موضوع التربية الخُلقيَّة، وقد ذكرت لكم أنَّ من المفاسد الخطيرة التي تصيب أولاد المسلمين.. ظاهرة الكذب وقد تحدَّثنا عنها، والآن نتحدَّث عن ظاهرة السرقة، لكن أودُّ أن أذكر عنها شيئاً دقيقاً هو أنَّ الأب القاسي على أولاده يدفعُهم إلى الكذب، فحينما يكون العقابُ أليماً يلجأُ الطفلُ إلى الكذب لينجوَ من العقاب بحكمِ الدفاعِ عن نفسه، أمّا إذا كان الأب متفهماً لابنه فإنه يُشعِرَهُ أنَّ الصدقَ منجاة، وأنَّه إذا أخطأ ينبغي أن يذكر خطأه، وأنَّ الأبَ لا يملك إلا أن ينصحهُ ويبيِّن له.
إن القسوة البالغة من الآباء كثيراً ما تحمل الأبناء على الكذب، لينجوَ الطفلُ من عقاب الأب، هو لا ينوي أن يكذب ولكن يريد أن ينجوَ من العقاب الأليم، ولذلك فإن أحد أسباب الكذب قسوة الآباء في معاملة أولادهم المذنبين، وأُذكِّركم دائماً بالحديث الشريف:
((علِّموا ولا تعنِّفوا ))
( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
ظاهرة الكذب أحياناً تعود إلى المربي:
رُبَّما كان التعنيف أسهل ولكنَّ التعليم يحتاج إلى نفسٍ طويل.. ويحتاج إلى بيان، وإلى حنان، و إلى صبر وتروِّ، و إلى تأنٍِّ، والثمارُ اليانعة التي يقطفها المعلِّم لا تُقدَّر بثمن، أمَّا الثمار التي يقطفها المعنِّف رُبَّما أَدَّت إلى الكذب، وإلى تركِ المنزل، وإلى الخوفِ من الأب، وإلى أن يصبح وجود الأب في البيت مكروهاً، وإذا خرج الأب من بيته تنفَّس أولاده الصُعداء فإذا عاد صار جوُّ البيت عبوساً قمطريراً، فأنت لا تنجح كأبٍ إلا إذا كان دخولك إلى البيت عيداً لهم، وعُرساً، وإلا إذا كان غيابك مأساة، وهذا هو الأب الناجح.
والإنسان حينما يرعى أولاده وأهلهُ، أقول لكم دائماً هذا الكلام: الغيرُ أنت له وغيرُك له، لكنَّ أولادك من لهم ومن يرعاهم، ومن يعلِّمهم، ومن يحرِصُ على مستقبلهم غيرُك ؟ أنت أبوهم.. بحكم أبوَّتك وحكم المسؤوليَّة التي أُنيطت بك، فلذلك ظاهرة الكذب أحياناً تعود إلى المربي توجد عندنا قاعدة في التربية ربَّما نفعتنا هنا: يجب أن يوقن المعلِّم أنَّ أكثر المشكلات التي يعاني منها في تربية تلاميذه تعودُ إليه، فلو كان ليِّناً صار الصف فوضى وإذا صار فوضى اشتدَّ اضطراب المدرِّس وكان عنيفاً جداً معهم، لينهُ سبَّب الفوضى، والفوضى سبَّبت له هذه الشدَّة النفسيَّة، وهذه سببت له القسوة البالغة في معاملته، فلذلك ترى المعلِّم الناجح لا يعزوها إليهم، بل يعزو أخطاء تلاميذه إليه.
بطولة الإنسان أن يجمع بين الرغبة و الرهبة معاً أثناء التربية:
الأب الناجح كُلَّما رأى من ابنه انحِرافاً أو تقصيراً أو خُروجاً لا ينبغي له أن يقول: يا أخي جيل صعب.. لا تقل ذلك، بل اتَّهم نفسك واتَّهم أسلوبك في التربية، واتَّهم تقصيرك مع أبنائك قبل أن تتهم الأبناء هذا هو الأصل، أي إنَّ أخطاءَ الأولاد تُعزى إلى إهمال الآباء، أو إلى لينِهم الشديد، أو إلى قسوتهم البالِغة،( لا تكُن ليِّناً فتعصر ولا قاسياً فتُكسر)، فليس من الصعوبة أن تكون قاسياً، ولا أن تكون ليِّناً فكلاهما سهل، ولكنَّ الصعوبة البالغة أن يحارَ ابنُك فيك، لين يشفُّ عن رحمة وقسوة تشِفُّ عن حزم، وهكذا علَّمنا الله عزَّ وجلَّ.. والأنبياء الكرام يعبدون الله رغباً ورهباً، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، وربنا عزَّ وجلَّ يعاملك معاملةً ترى أنَّه رحيم رحيم، فإذا توسَّعت في الرَّحمة وتجاوزتَ الحدود رأيت قسوةً لا حدود لها، ربُّنا عزَّ وجلَّ يؤدِّبك، لا يريدك أن تكون منبسطاً إلى درجة التجاوز، ولا منقبضاً إلى درجة اليأس، بل يُريدُك أن تكون راغِباً وراهِباً، راجياً وخائِفاً. وهذا هو الأكمل (لا تكن ليِّناً فتعصر ولا قاسياً فتكسر )
هذا الكلام موجَّه للأبِّ، وللمعلِّم، ولمدير الدائرة، ولمدير الثانويَّة، ولأيِّ منصب قيادي، من السهل أن تكون عنيفاً، ومن السهل أن تكون ليِّنا، ولكنَّ البطولة أن تجمع بينهما، وأن يحارَ فيكَ مرؤوسوك، أي ليِّن وقاسٍ.. حازم ورحيم.
ظاهرة السرقة و صحبة قرناء السوء شيء خطير جداً في المجتمع:
والآن ننتقل إلى ظاهرة السرقة.. من قبل سنتين أو ثلاث لزم المسجِد شاب قد أقبل على الدين إقبالاً عجيباً، والله حين أُحدِّثه كنت أرى الدموع تنهمر على خدِّه، وحينما كان يجلس في الدرس أشعر أنَّه يتلقَّف العلم بشغفٍ عجيب، ثمَّ فجأةً غاب عن الأبصار، سألتُ عنه.. فقيل لي: إنه في السجن. قلتُّ: لم ؟! قيل: قبل أن يتوب إلى الله كان له رفقاء منحرفون، أو بالأصح كانوا عصابة سرقة، فمرَّة كان معهم فكلَّفوه أن يقف في هذا المكان ليرقُبَ شيئاً ما، وصعدوا إلى البيت إلى الطابق الثالث، وسرقوا بيتاً، وأُحيلوا إلى محكمةٍ ميدانيَّة فأقرّوا عن زميلهم الذي وقف على الطريق يراقب لهم شيئاً ما، فكان نصيبه ثماني سنوات سجن، والآن هو في السِّجن.
وصحبة قرناء السوء شيء خطير جداً، لا شيء يشغل الآباء كأن ترى من هو صديق ابنك ؟ ولا يوجد عمل أعظم من هذا العمل، فلا شيء تسعد به في الدنيا سوى أن تربِّي ابنك، فمثلاً إن وجدَّت مع ابنك ممحاة جديدة فاسأله من أين ؟ هذا اليوم لم يأخذ منك مصروفاً، فمن أين أحضرتها يا بنيّ ؟ أغلب الظَّن أن رفيقه أعطاه إياها، وأنت قبلت هذا الكلام.. لا هذا كلام غير صحيح، ولو كلَّفك أن تذهب إلى المدرسة وتطلب إحضار رفيقه وتسأله مرَّة واحدة فيتعلَّم الابن أنَّه قبل أن يكذب يعدَّ للألف، ودائماً الآباء يجدون مع أبنائهم إمَّا مالاً أو حاجات أو أقلاماً أو دفاتر، فيوجد آباء لا يسألون أبداً ولا يهتمُّون، فيطرح الأب سؤالاً فيتلقى جواباً تقليدياً.. وجدها في الطريق، أو رفيقه أعطاه إياها، فأين أنت سائر، هذا قبول ساذج، فيجب أن تحقّق. الأمانة و الصدق و العفاف أشياء لا تُجزأ:
يقولون عن إنسان بدأ حياته سارقاً، ثمَّ تلبَّس بجريمة قتل، وأذكر قصَّة تقليديَّة صيغت في خمسين بيتاً من الشعر، فيوم أن حكم على هذا السارق القاتل بالقتل وجيء به إلى المشنقة، والمألوف فيمن سيشنق أن يسأل: هل لك من طلب ؟ فقال: نعم أُريدُ أن أرى أُمِّي. وهو طلب معقول، فتوقَّف تنفيذ حكم الإعدام وجيء بأُمِّه، وهكذا تُروى القصَّة وهكذا صيغت شعراً يقول لها:
يا أمِّي مُدّي لسانك كي أُقبِّله، فلمَّا مدَّت لسانها قطعه، وقال: لو لم يكن هذا اللسانُ مشجعاً لي في الجرائم ما فقدّتُ حياتي. هذا الرجل سرق بيضة في صغره من بيت الجيران، فالأمُّ حينما رأته أتى ببيضة أكبرت عمله وفرحت لأنه أصبح رجلاً فقد أحضر معه بيضة، وهذه البيضة جرَّت إلى دجاجة، ثمَّ إلى حاجات، ثمَّ أصبح محترفاً للسرقة، ثمَّ تلبَّس بجريمة قتل، فحكم عليه بالإعدام، فقال لأُمِّه:
لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعاً لي في الجرائم ما فقدتُ حياتي
* * *
والآن أقول لكم: الأب الذي يغضُّ النظر عن غرضٍ أو حاجةٍ عند ابنه.. يجب أن يسأله: من أين جئت بها ؟ فيجيب: اشتريتها. فتسأله: من أعطاك المال ؟.. لأنَّ معظم النار من مستصغر الشرر. ويقولون: أمَّهات الفضائل.. الصدق والأمانة. تذكَّروا قول سيِّدنا جعفر عندما سأله النجاشي ملك الحبشة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:
أيُّها الملك كنَّا قوماً أهل جاهليَّة، نعبدُ الأصنام، ونأتي الفواحش، ونسيءُ الجوار، ويأكل القويُّ منَّا الضعيف، ونقطعُ الرَّحم. تكلَّم عن الجاهليَّة، قال: حتَّى بعث الله فينا رجُلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه.. وهذه أُمَّهات الفضائل، وبصراحة أقول لكم: من عنده أمانةٌ وصدق، ولم يكن عنده عفاف..بالتعبير الشائع (نفسه خضراء).. لأن غضُّ البصر أمانة، أيضاً هناك قاعدةٌ في الأخلاق: إن الأخلاق لا تُجزَّأ.. فالأمين على أموال الناس أمينٌ على أعراضهم في الوقت نفسِه، فالذي يخونُ الناس في أعراضهم ليس بعيداً أن يخونهم في أموالهم، فالأمانة لا تجزَّأَ.
على الأب أن يبين لابنه الخطأ قبل إنزال العقاب به:
إذاً الشيء الّذي أتمناه أن تراقب.. أحياناً الابن يسرق دون أن يكون سارقاً، أي توجد عنده رغبةُ تملُّك دون أن يعي، فقد يزور أقاربه فيجد لعبة تعجبه فيأخُذها، أو يجد حاجةً فيضعها في جيبه ويذهب، فلا تعدُّه سارقاً..لا، ولكن نبِّهه وقل له: هذه ليست لك. علّمه قبل أن تعاقبه، وبالمناسبة فكثيرٌ من الآباء يُنزِلون أشدَّ العقاب بأولادهم قبل أن يبيِّنوا لهم أن هذا ممنوع. وعندنا قاعدةً في الدين: لا معصية دون تكليف وهو لم يكلَّف.. ليست هناك معصية فالأب الذي ينهال ضرباً على ابنه لأنَّه رأى معهُ حاجةً ليست له، فقبل أن يضربه يجب أن يبلِّغه ويقول له: يا بني هذه ليست لك، وهذه مخالفة للشرع، والله عزَّ وجلَّ هكذا علَّمنا: أدُّوا الأمانات إلى أهلها، لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ذكِّره بالآيات وبالأحاديث، وبيِّن له.. ثمَّ حاسبه، ولا تحاسب قبل أن تبيِّن، ولا تنزل العقاب قبل أن تشرح، وقبل أن تبيِّن أمر الله عزَّ وجلَّ.
أسباب انتشار ظاهرة السرقة بين الأولاد:

الآباء يستثقلون التحقيق في حاجات يجدونها مع أبنائهم:
إذاً أحد أسباب انتشار ظاهرة السرقة بين الأولاد، أن الآباء يستثقلون التحقيق في حاجات يجدونها مع أبنائهم، وقد يسألون فيأتي جوابٌ ساذج، أو جواب تقليدي، إنّه التقطها من الطريق أو أعاره إياها صديقه في المدرسة، فيقتنع الأب بهذا الجواب، ولا يتابع التحقيق، أمَّا الأب الذي يخاف على مستقبل أولاده، فيتابع التحقيق إلى أن يضع يده على حقيقة ما جرى، ثمَّ يوجِّه ثمَّ يحاسب.
وسيدنا عمر رضي الله عنه أصدر قانوناً يمنع غشَّ اللبن بالماء، القصَّة المشهورة: وهي أنَّ الأمَّ التي أرادت أن تخلط اللبن بالماء ليزداد ثمنه، ورفضت ابنتها ذلك، قالت أمَّها: إنَّ عمرَ لا يرانا يا بنيَّتي. فقالت ابنتها: إن كان أميرُ المؤمنين لا يرانا، فربُّ أميرُ المؤمنين يرانا.
الإنسان يتحرَّك إمَّا بوازع باطني أو برادع خارجيّ:
فأنت عندما تنمِّي الوازع الباطني عند ابنك، هذا أرقى من أن تنمِّي الوازع الخارجي، وسأقول لكم نقطةٌ دقيقة: الإنسان يتحرَّك إمَّا بوازع باطني أو برادع خارجيّ. فلو فرضنا من باب المثل المضحك: أن أحدَ الأشخاص يسبح في المسبح، وأراد أن يتبوَّل لم يحدث شيء، ولم يشعر به أحد، الآن يقال إنَّ بعض المسابح أضيفت لمائه مادةٌ تتفاعل مع البول، فإذا فعلها أحد السابحين، طفت حوله دائرةٌ بنفسجيَّة اللون، ويوجد حارس معه مكبِّر شديد للضوء، فيأخذونه ويدخلونه غرفةً خاصَّة على مدخل هذا المسبح، ومعلق على جدرانها عباراتٌ قاسية جدَّاً بحقِّه.. وضع المادَّة التي تتلون مع البول في المسبح هذا رادع خارجي، وأُوربَّا كلُّها والغرب كلُّه النظام الدقيق المطبَّق عليهم أساسه الرادع الخارجي.
فلمّا قطعت الكهرباء عنهم ليلةً، تمَّت في هذه الليلة مئتا ألف سرقة، السرعة الآن في الطرقات.. يوجد رادار مخفي يكشف السرعة الفائقة، فاخترعوا جهازاً يشوِّش على الرادار، فاخترعت الدولة جهازاً يكشف عن أجهزة التشويش، فالحياة الغربيَّة كلَّها، والحياة المادِّية كلُّها، وحياة أهل الإعراض عن الله، أساسها الرادع الخارجيّ، ولكنَّ الدين الإسلاميّ إضافةً لوجود الرادع الخارجيّ هناك أساس الالتزام الوازع الباطنيّ، فالمربِّي الناجح يربي أبناءه على الوازع الباطنيّ قبل أن يربِّيهم على الوازع الخارجيّ.. فالوازع الباطنيّ، علِّمه الخوف من الله عزَّ وجلَّ، علِّمه أنَّ الله يراقبه، وعلِّمه الخشيةَ من الله دون رقيب.
المؤمن الحقيقي هو المؤمن الذي يخشى الله في سره قبل علانيته:
المثل الشهير الذي تعرِفونه والذي رويته كثيراً، عندما رأى سيدنا عبد الله بن عمر راعياً ومعه شياه فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، يريد أن يمتحنه. قال له: ليست لي. قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب. قال: ليست لي. قال له: خذ ثمنها. قال له: والله إنّي لفي أشدُّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإنِّي عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟!
يا إخواننا الكرام هذا الراعي وضع يده على جوهر الدِّين، عندمَّا تقول لي: أين الله ؟ أَعدُّك فقيهاً وأَعدُّك عالماً، ومتديناً حقيقياً، وإن كانت معلوماتك قليلةً جداً، وطالما أنك قلت: أين الله ؟ فقد وضعت يدك على جوهر الدين، هذا هو الدين.
(ركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط )إلى أن تراقب الله، وإلى أن تخشاه في سرِّك قبل علانيتك.
من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله. عوِّد نفسك أن تقول: أين الله ؟ المؤمن يؤَدِّي ما عليه دون قضاء، ويؤدِّي ما عليه دون إزعاج، لأنَّه يعرفُ أين الله، الله مراقب.
من الظواهر السيئة أيضاً الكلام البذيء والسباب والشتائم:
توجد عندنا ظاهرةٌ أُخرى سيِّئة جداً.. الكلام البذيء والسباب والشتائم، فالحقيقة ولو كان الكلام فيه قسوة.. أن أحد أكبر أسباب بذاءة لسان الصغار، هو أنَّ الأب أحياناً يتكلَّم كلاماً بذيئاً إمَّا في ساعة غضبه الشديد، أو في ساعة انبساطه، فالكلمات البذيئة التي يقولها الأب في البيت مازحاً أو جاداً، غاضباً أو راضياً، هذه تُحفَر في نفس الأبناء، فهل من الممكن أن طفلاً يسبُّ الدين ؟ نعم.. إذا سمعها من أبيه، وهل من الممكن أن طفلاً يتكلَّمَ بأسماء العورات صراحةً ؟ نعم.. إذا سمعها من أبيه. فأوَّل سببٍ رئيس لبذاءة اللسان ولظاهرة السباب والشتائم.. هو الأب نفسه.
(الحمَّى: الحرارة )، ما رضيَ النبيّ من ابنته أن تلعن الحمَّى فإذا كان الأب يلعن كلَّ شيء والأمَّ تلعن كلَّ شيء مع كلام مجاوزٍ للحدود، وهذا الطفل موجود ويسمع، والطفل يتكلّم بما يسمع.
أوَّل أسلوب في تربية الأقوال تهذيب اللسان:
إذاً أوَّل أسلوب في تربية الأقوال تهذيب اللسان أن يكون الأبُ والأمُّ على أعلى مستوى من تهذيب اللسان، هناك كلمات ليست معصية.. مثلاً أين هو وماذا يفعل ؟ أُجيب: والله في الحمام، هذه كلمة لطيفة، توجد أسماء أخرى مثلاً: يتوضَّأ أيضاً كلمة لطيفة. ومثلاً ألبسته الداخليَّة تلوثت هذه أحلى من كلمات أُخرى، وبالمقابل يمكن أن تعوِّد ابنك أن يتكلَّم الكلمات التي يقولُها معظم الناس بأسمائها الصريحة.. فهبط بذلك مستواه.
ولم يتكلَّم كلمة تثير الشهوة، والقرآن كلُّه آداب وحياء، الكلمة التي لا أُطيقها أن يقول الإنسان: لا حياء في الدين ويتكلّم أشكالاً وألواناً، الدين كلُّه حياء، وهذه الكلمة: لا حياء في الدين بمعنى أنَّك ينبغي أن تسألَ عن حكمٍ فقهيّ. فلو رأى مثلاً ماءً شفافاً على ثيابه الداخليَّة ترى هل يحتاج إلى غسل ؟ نقولُ له: لا هذا ليس منيّاً هذا مذيّ، فإذا استحى الإنسان أن يسأل إمّا أن يقع بالشك في صلاته، أو يرهق نفسه بما لم يكلِّفه به الشرع، فكلَّما رأى هذا السائل يغتسل، لا ليست له حاجةٌ في الاغتسال بل يجزئه الوضوء، هذا معنى لا حياء في الدين، واسأل على انفراد، بعض الناس يشترون كتاباً فقهيّاً ويضعه في البيّت، فمهما طرأ عليه من أسئلة يجد الجواب فيه، وبذلك حُلّت القضيَّة.
من أسباب الكلام البذيء و السباب و الشتائم:
1 ـ المربي نفسه:
أوَّل نقطةٍ إذاً: الكلام البذيء، السباب، الشتائم، هبوط مستوى الكلام.. يعودُ في بعض أسبابه إلى المربّي، إلى الأمِّ والأب.
2 ـ الخلطة الفاسدة بأولاد الأزِقَّة:
وفي أسباب أُخرى يعودُ إلى الخلطة الفاسدة بأولاد الأزِقَّة والله يسمع الإنسان من أولاد الأزقَّة كلاماً شَهِدَ الله أن الحجر يستحي منه، تجد رجُلاً في الستين من عمره يخجل منه، طفلٌ صغيرٌ يتكلَّم كلاماً بذيئاً، فأين أبوه وأين أهله ؟ فالعوام يقولون: المربَّى غالٍ، أما هذا فلا شأنَ له لا عند الله ولا عندَ الناس.
شهادةُ المرأة أولادها:
أحياناً يخطر في بالي أن الأب قيمته الحقيقيَّة: أولاده، والأم قيمتها الحقيقيَّة: أولادها، فلو كانت معها أعلى شهادة علميَّة، وأولادها مهملون فهي جاهلة، ويوجد بالجيل السابق أمَّهات وكلكم تعرفون ذلك، عندهن حرصٌ على أولادهن، وعلى تربيتهن وعلى تهذيبهن وعلى تأديبهن مع أنَّهن أُميَّات - عندهن حرصٌ بالغ لا حدود له، فأقول لكم: شهادةُ المرأة أولادها.
توجيهات النبيُّ في هذا الموضوع:
1 ـ احترام الطرف الآخر:
سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، فالَّذي يحضرني الآن أنَّ معظم الناس إذا حاورَ إنساناً يستخدمَ أساليب التجريح مثل: أنت لا تفهم، ماذا تفهم عن هذا الموضوع ؟ هذا سباب.. لكنَّ الإنسان الرَّاقي يدير المناقشة عشر ساعات ولا يتكلَّم كلمةً واحدةً فيها جرحٌ للطرف الآخر، من أين هذا الأدب نقتبسه ؟ من القرآن:
﴾قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) ﴿
(سورة سبأ)
أعوذ بالله.. النبيُّ يجرم ؟! قال:هذا من تأديب القرآن للنبيّ، دائماً احترم الطرف الآخر لا تسألون عمَّا أجرمنا ولا نسأل عما تعملون وقال تعالى:
﴾وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ﴿
(سورة سبأ)
2 ـ عدم سباب الطرف الآخر لأن سباب المسلم فسوق:
اسمعوا من سيِّدنا يوسف:
﴾وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴿
(سورة يوسف)
إخوته أجرموا بحقِّه، ولكنِّه جعل الشيطان هو المسؤول لئلا يحرجهم، فإذا ناقش الإنسان وحاور، يمكن أن يجعل المناقشة عشر ساعات ولا يحتاج لكلمةٍ فيها تجريح، وطعن وسباب، أو سخرية أو انتقاص، أو احتقار، إذاً سباب المسلم فسوق.
3 ـ على الإنسان ألا يعمل عملاً سيِّئاً لِئلا يجلب لوالديه السباب والشتائم:
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاريّ:
(( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ ))
(رواه الإمام البخاري عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو)
وقد نفهم هذا الحديث بشكلٍ موسَّع، أي إذا أساء الإنسان ربَّما جلب سباباً لأُمِّه وأبيه، وعند العوام فوراً يصل في سبابه إلى الأب والجد وسائر أفراد الأُسرة، فكلَّما كان الإنسان محسناً جلب لوالديه السمعة الطيِّبة، فإذا أساء لعن الناس والديه، وقد كان أحد الأشخاص سائراً في الطريق فسبَّ الناس والديه، فسأل أُمَّه: ماذا فعل أبي ؟ فقالت له: ماذا تريد من هذا السؤال ؟ فقد مات أبوك رحمه الله. فأَلحَّ عليها فقالت له: كان أبوك كلَّما مات ميِّت قام بحفر قبره، وأخذ كفنه ثمَّ باعه. فأصبح الابن كلَّما مات أحد حفر قبره، وأخذ كفنه، ووضع الميت على ظهر القبر، ثمّ سار في الطريق فبدأ الناس يترحَّمون على أبيه. هذا العمل عمل سلبيّ.. فعندما يسيء الإنسان يتذكَّر الناس عمل السابق، وهذه طرفة لا علاقة لها بالدَّرس.. أمَّا الإنسان فعليه ألا يعمل عملاً سيِّئاً لِئلا يجلب لوالديه السباب والشتائم.
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّار ))
(سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
الرَّجُل قيمته بعلمه وأخلاقه لا بشكله و مظهره:
كنت أقول لإخواننا في بعض المدن الساحلية الكبرى، المياه المالحة تسير في البحر حوالي ستين كيلو متراً، فإذا ركبتَ الطائرة، وحلَّقت على شاطئ أمريكا الشرقي، تجد خطاً أسود متَّصلاً في نيويورك، هذا الخط طوله ستِّون كيلو متراً، هذه هي المياه المالحة التي تخرج من هذه المدينة، التي يزيدُ سكَّانها على سبعة عشرَ مليوناً، ومع ذلك فالبحرُ لا ينجُس، ماؤه طاهر.. ولننظر الآن إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ))
(سنن أبي داود عَنْ عَائِشَةَ)
تجد ابنةً تدرس في المدرسة، أعطاها الله شيئاً وحرمها من شيء آخر، تجد البنات من حولها و دون تربية يسخرن منها، بسبب ما تفقده، فتجد في المجتمعات المسلمة مجتمعاً مقصِّراً، فيه تراشق بالتهم، وفيه تعيير وغمز ولمز، أي حينما قالت عنها إنَّها قصيرة، " قال: يا عائشة لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ".
فمثلاً أن تذكر شيئاً عن شخص ما بأن تقول: طوله كذا. فهذا الكلام يجب ألا نتكلم به إطلاقاً لأنَّ هذا خلق الله، فالإنسان يملك صفاته ولا يملك شكله، فمن منَّا له خيار بشكله ؟ لا أحد له خيار في ذلك، وعلى كلٍ فالنبيّ الكريم عندما كان ينظر إلى المرآة يقول: اللهمَّ كما حسَّنت خَلقي فحسِّن خُلُقي.
هذا شيءٌ لطيف جدَّاً.. أما إذا كان شكل الإنسان.. طويلاً أو قصيراً أو أبيض أو أسمر اللون فهذا من خلق الله.
يروى أن الأحنف بن قيس كان: قصير القامة، أسمَرَ اللون، مائل الذقن، غائر العينين، ناتئ الوجنتيّن، أحنفَ الرجل، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيِّدَ قومه، إذا غضِبَ غضِبَ لغضّبته مئة ألف سيفٍ، لا يسألونه فيم غضب، وكان إذا علِمَ أنَّ الماء يفسِدَ مروءته ما شربه.
لا يجوز للإنسان عقد مفاضلة في الشكل بل يجب أن تكون المفاضلة في الخلق و التديُّن:
الرَّجُل قيمته بعلمه وأخلاقه، وهذا ينبغي له، أن يُرسَّخ حتَّى في عالم النساء، فالأم التي تتحدَّث دوماً في مجلسها عن عيوب الأخريات وصفاتهنَّ، فقد عقَّدت ابنتها، فيا أيها النسوة تحدثن عن دينهنَّ وعن أخلاقهنَّ وعن ورعهنَّ، وما يحفظن من قرآن وعن إخلاصهن لبيتهن وزوجهن وأنَّهن من الطراز الأوَّل، اجعلنَ مجال التسابق في الأخلاق، لا في الجمال.. فعندما تتكلَّم الأم عن جمال بناتها وقريباتها وصديقاتها، وهذه رغبوا فيها لأنَّ صفاتها كذا، وابنتها الصغيرة تسمع ذلك فماذا سيحدث لها ؟.. يجب أن لا نطرح هذه الموضوعات والموضوع الجمالي دائماً، بل يطرح الموضوع الكمالي.
فالأم الجاهلة حديثها دوماً عن جمال من حولها، فإذا كانت ابنتها تفقد شيئاً مما ذكرته أمُّها من صفات الجمال فقد تصاب بعقدةٍ نفسِيَّة وتتحطم، فلا يجوز عقد مفاضلة في الشكل بل يجب أن تكون المفاضلة في الخلق و التديُّن.
جعل الله نظام الحياة نظام أسرة ليمنح الآباء فرصة للعمل الصالح:
أيها الأخوة الكرام: الأبوَّة مسؤوليَّة.. فالأب مسؤول إن كان قد ربَّى أولاده تربيةً صالحةً دخل الجنَّة بسببِهم، وسعد إلى أبدَ الآبدين، وما شاء الله أن يكون نظام الحياة نظام أُسرةٍ، إلا ليمنح الآباء فرصةً للعمل الصالح.. هذا ابنك، فقد كان الرسول اللهمَّ صلِّ عليه إن لم يعجبه اسم قام بتغييره فوراً.. قال له: من أنت ؟ قال: أنا زيدُ الخيل. قال له: لا بل زيد الخير. غيَّر اسمه على الفور، أعرف معلمين حكماء إن وجدوا اسماً من أسماء الطلاب يثير الضَّحك فيغير له اسمه فوراً وطوال العام.
يهمنا أن تكون كرامة الإنسان موفورة، إذ توجد أسماء فيها خطأ، فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يغير الاسم..
(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَ عَظِيمًا وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قُلْتُ بَلَى فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
(سنن الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)
كلام المؤمن أطهرُ من ماء السماء:
الكلام أكبر عمل سيئ، إذ ليس المؤمن بالطَعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحشِ، ولا البذيء. والمؤمن لا يكون بذيئاً، بصراحة هل في مزحه يوجد جنس أو غمز ولمز وكلام مغشوش؟ هذا والله بعيد عن الإيمان، فكلام المؤمن أطهرُ من ماء السماء، وأنقى من الثلج، ولا يلفظ كلمة مغشوشة أو معيبة إطلاقاً، وهناك كلام يغشه الناس، كيفما تكلَّمَ يغشَّه ويحوِّره ويقول: هكذا تقصد ؟ فتجيبه: والله لم أقصد هذا الكلام. وهؤلاء هم أهل الدنيا بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجلَّ، يضحكون لهذا المُزاح الرخيص، الَّذي يحوِّل الكلام إلى معانٍ كلُّها مما يكون بين المرءِ وزوجه.. وبالمناسبة إذا تحدَّث الإنسان لمن حوله عمَّا يجري بينه وبين امرأته فهذا فاقد الشرف وهناك أحاديث كثيرةً جداً تنهى عن ذلك.
قصة درواس مع هشام بن عبد الملك:
قد رويت لكم قصَّةً بشكلٍ مختصر وسأرويها الآن تفصيلاً.. قال: قحطت البادية في أيَّام هشام بن عبد الملك، فقدمت القبائل إلى هشام ودخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب وكان عمره أربع عشرة سنة، فلمَّا دخلوا على هشام ارتبكوا، فأحجمَ القوم وهابوا هشاماً، ووقعت عين هشامٍ على درواس فاستصغرهُ، فقال لحاجبه: ما يشاءُ أحدٌ أن يصل إليَّ إلا وصل، حتَّى الصبيان !! فعلِمَ درواس أنَّه يُريده فقال: يا أمير المؤمنين: إنَّ دخولي لم يُزرِ بك ولكنَّه شرَّفني وإنَّ هؤلاءِ القوم قدموا لأمرٍ أحجموا دونهُ، وإنَّ الكلام نشرٌ، والسكوتَ طيٌ، ولا يعرفُ الكلام إلا بنشره. فقال هشام: فانشُر لا أبا لك.
قال: يا أميرَ المؤمنين أصابتنا ثلاثُ سنين، فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنةٌ دقَّت العظم، وفي أيديكم فضولُ مال فإن كانت للهِ ففرِّقوها على عباد الله المستحقّين لها، وإن كانت لعبادِ الله فعلامَ تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدَّقوا بها علينا فإنَّ اللهَ يجزي المتصدِّقين، ولا يضيع أجرَ المحسنين، واعلم يا أمير المؤمنين أنَّ الوالي من الرعيَّة، كالرُّوحِ من الجسد، ولا حياةَ للجسد إلا به. فقال هشام: ما ترك الغُلامُ في واحدةٍ من الثلاثِ عذراً.. وأمرَ أن يعطى إلى باديَته مئة ألف درهم، وأمرَ لِدرواسَ وحدهُ بمئة ألفٍ أُخرى. فقال: يا أميرَ المؤمنين ارددها إلى أعطيةِ أهلِ البادية فإني أكره أن يعجزَ ما أمرت لهم بهِ عن كفايتهم. قال له: ما لك من حاجةٍ تذكُرُها لنفسكَ ؟ قال: لا.. ما لي من حاجةٍ دون عامَّة المسلمين.
السلف الصالح كان لا يطلب لنفسه شيئاً بل لعامَّة المسلمين:
السلف الصالح إذا التقى بمسؤول، كانوا يطلبون طلباً عاماً للمسلمين، لا يطلب طلباً خاصاً له، أو حاجات شخصيّة، والعلماء العاملون المخلصون لا يطلبون لأنفسهم شيئاً، بل لعامَّة المسلمين.. فأنا الآن أُمثِّل الذين كلَّفوني أن أصل إلى هذا المسؤول، فهل ينبغي لي أن أطلب حاجةً شخصيَّة ؟. قال له: فما لك من حاجةٍ تذكرها لنفسك ؟ قال: ما لي من حاجةٍ دون عامَّة المسلمين.
ظاهرة الميوعة والانحلال أساسها تقليدُ الأجانب:
في الحقيقة عندنا ظاهرةٌ أُخرى وهي: ظاهرة الميوعة والانحلال، و أساسها تقليدُ الأجانب.. روى البخاريُّ ومسلم.
(( خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى ))
(رواه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
أي خالفوهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تشبَّه بقومٍ حُشرَ معهم.. ومن هوي الكفرةَ حُشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، تجد شاباً بأيَّام بطولاته كل همّه زينته الظاهرة، يجلس ساعات وراء المرآة كأنَّه فتاة، هذا من الميوعة والانحلال، وفي حديثٍ آخر:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإشَارَةُ بِالأصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإشَارَةُ بِالأَكُفِّ))
(سنن الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ)
وروى الترمذي عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه قال:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا))
(رواه الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ)
يمكن للإنسان أن يقلد الأجانب لكن في العلم لا في الأخلاق والسلوك:
لا يكن الإنسان مقلِّداً، بل يجب أن ينطلق الإنسان في تصرّفاته من دينه، لا بالتقليد الأعمى، وفي الحقيقة توجد نقطةٌ دقيقةٌ.. نحن يمكننا أن نقلِّدَ الأجانب ولكن في العلم لا في الأخلاق والسلوك، وتحضرُني كلمة وهي لأحد الأُدباء قال: ثقافة أيَّة أمَّة بمثابة عسلٍ، استُخلِصَ من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها.
الثقافات تؤخذ، والعلوم تؤخذ، لكن العادات والتقاليد لا تؤخذ فماذا نأخذ وماذا ندعُ من الغربيين ؟ قال: نأخُذ ما في عقولهم، وندعُ ما في نفوسهم.
وبمناسبة أنَّ ثقافة كلَّ أُمَّةٍ ملكُ الأمم جميعاً، يقول النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ ))
(سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ)
وكذلك قال:
(( اطلبوا العلم ولو في الصِّين ))
وقال:
((الحكمةُ ضالَّةُ المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقَّ بها ))
(سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
من أساليب مكافحة الميوعة والانحلال:
1 ـ عدم التقليد الأعمى لأهل الغرب:
لو أنَّ لنا أعداء وعندهم إنجاز حضاريٌّ، أو علمي، فيمكننا أن ننقله إلينا، ولا يمنعنا من أخذه أنَّهم أعداء، خذ ما في عقولهم ودع ما في نفوسهم، فالعلم ليس له وطن، ومن التعصُّب أن تنسب علماً ما إلى وطن.. لأن العلم عبارة عن كشف لقوانين قد قننها الله عزَّ وجلَّ، فمن يكشف القانون نأخُذه منه مهما كان، فنحن نحارب التقليد الأعمى بالعادات والتقاليد، أمَّا في شؤون العلم والتقدُّم الحضاري فهذا نقتبِسُه، فالإسلام مرن سمح لنا أن نأخُذَ ما لا يتعارض مع ديننا ولا سيَّما أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴾وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴿ (سورة الأنفال)
فإذا لم يكن عندنا قوَّة تكافئ قوَّتهم فكيف ننتصر عليهم ؟.. إذاً من أساليب مكافحة الميوعة والانحلال، عدم التقليد الأعمى لأهل الغرب.
2 ـ النهي عن الاستغراق في التنعُّم:
الشيء الثاني: النهي عن الاستغراق في التنعُّم.. دقِّقوا في هذه الأحاديث أيُّها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين:
عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه كتبَ إلى المسلمين المقيمين في بلاد فارس فقال: إيَّاكم والتنعُّم وزِيَّ أهل الشرك.
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))
(رواه الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)
ليس أبعد عن النفس من شاب غارق في النعيم، فهو يزعج كل إنسان وينزعج من كل شيء، فالذي يحبُّه الإنسان عادةً أن يكون شاباً مخشوشناً، يتحمل شظف العيش، والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
(( اخشوشنوا فإنَّ النِعم لا تدوم))
أمّا الاستغراق في النعيم فمشكلةٍ كبيرة.
الابن ذخيرةٌ الأب وهو وسيلته إلى الجنَّة:
وفي درسٍ آخر إن شاءَ الله تعالى نتابعُ الحديثَ عنِ التربية الخُلُقيَّةِ، الَّتي ينبغي أن يربِّيها الأبُ المسلم لأولاده، ونيتنا أن يستوعب الإنسان هذه الدروس و يستمع إليها مرة ثانية، أو ثالثه ويكتُب بعض الملاحظات، حين تتراكم عنده التصوُّرات والقناعات، فيجد نفسه من غير شعور يقوم بتوجيه أولاده التوجيه الصحيح، وهذا التوجيه الصحيح أساسيّ، وحينما يرى الإنسان ابنه على دينٍ قويم، وعلى أدَبٍ رفيع وعلى أخلاق رضِيَّة. وعلى همَّة عالية وإنتاج حسن فهذا الابن هو ذخيرةٌ للأب وهو وسيلته إلى الجنَّة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس )

الموضوع :التربية الخلقية ( 3 )






الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مع الدَّرس الخامس من دروس تربيَّةِ الأولادِ في الإسلام. الابن استمرارٌ لأبيه قضية مهمة جداً في التربية:
هناك نقطةٌ دقيقةٌ جداً في موضوع التربية وهي: أنَّ الإنسان حينما ينشأ وحينما يكبر تتنامى خبراته، تصوَّبُ قناعاته، تعمُقُ خبرته، يكثُرُ وعيُهُ، فإذا بلغَ الأربعين أو الخمسين، وأَكاد أقول هذا الكلام في الأعمِ الأَغلب، ما من إنسان إلا ويتمنى أن يعودَ شاباً بقناعات الشيخوخة، ليشكِّلَ حياته تشكيلاً آخر، يقول: يا ليتني أَعرفُ هذه الحقيقة لكنت من أسعدِ الناس بها، يا ليتني عرفتُ ربّي قبل هذه السن.
هناك قضيَّةٌ في التربية ثمينةً جداً وهي: أنَّ الابن استمرارٌ لأبيه، فإذا فاتك شيءٌ أيها الأخُ المؤمن في شبابك، فلك أن تتدارك هذا في أبنائك، كُلُّ الأخطاء التي وقعت بها حينما كانت خبرتك ضعيفةً، وحينما كنت غيرَ مستكملٍ لقواعِد إيمانك، فبإمكانك أن تتلافى هذا التقصير وهذا الجهل، وهذه الأخطاءِ الفاحشة في ابنِك، فلذلك يحقق الإنسان أحياناً قناعاته المتنامية المتراكمة، وتصوُّراته الصحيحة، وقيمه الرفيعة، ومبادئه الثمينة في ابنه، فما أعظم أن تستخدم كلَّ خبراتك، وكلَّ قناعاتك، وكلَّ إيمانك في تربيةِ أولادك، هؤلاء الأولاد بضعةٌ منك، فإذا عرفوا ربَّهم وعرفوا منهجَ الله عزَّ وجلَّ، فكأنك تعيش أبداً. لأنَّ هذا الابن استمرارٌ لك، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يؤكِّد هذا المعنى:
(( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ))
(سنن الترمذي عن أبي هريرة)
سعادة الإنسان الحقيقية تتجلى برؤية ابنه في أعلى درجات الخوف من الله:
هذه الأفكار التي أُلقيها في هذا الدرس أُريد منها شيئاً واحداً.. أن أُثيرَ فيكم أعلى درجات الاهتمام بتربيةِ أولادكم، لأنَّ الأبَ الذي يوفِّقُه الله عزَّ وجلَّ لتوجيه ابنه التوجيه الصحيح، وتنشئته التنشئةَ المثلى، وتعليمِه التعليم السليم، وتخليقِه بأخلاق الإسلام، يدخُلُ على قلبه من السعادة، واللهِ الَّذي لا إله إلا هو لا تستطيعُ أُلوفُ الملايين أن تمنحك هذه السعادة، ولا تستطيعُ كلُّ المناصِبَ الرفيعة أن تمنحك هذه السعادة، ولا تستطيعُ كلُّ هذه الدنيا بمباهجها أن تعطيك هذه الهناءة، وهي أن ترى ابنَكَ الذي هو بضعةٌ منك، واستمرارٌ لوجودك وعملك، و هو تجسيدٌ لقناعاتك وإيمانك، وأخلاقِك ومبادئك، أن ترى ابنك في أعلى درجات القرب، والخوف من الله، ونفعِ العِباد.
ولذلك فمفتوحة أمامك أبوابٌ من الخير لا يعلمها إلا الله، فواحدٌ تربِّى تربيةً صالحةً، كألف فهل تعلم هذا الابن ماذا سيكون ؟ وقد يكون أكبرَ داعيةً في العالم الإسلامي، قد يكون أكبرَ مصلحٍ اجتماعيّ، أو علماً من أعلام الأُمَّة، وكلُّ عمله في صحيفتك، أنت أبوه أنت الذي ربيِّته، و نشَّأته هذه التنشئة.
الابن هو أعظم سعادة لأبيه:
قبل أن يدخل الإنسان في موضوعات عامة مثل: موضوعات المسلمين خارج الوطن الإسلاميّ، وقبل أن يحشر نفسه في قضايا، يوجد بين يديه عمل، لا أحد في الأرض يستطيع أن يمنعه من فعله.. هو بيتك وأولادك، إذا دخلت بيتك فهو مملكتك.. و هؤلاء أولادك بالإقناع، وبالإحسان، والتربية الهادئة، بالتعليم وبالإكرام، بالإعراض أحياناً وبالمعاتبة والمتابعة، يستطيع هذا الابن أن يتشكَّل تشكيلاً إيمانياً رائعاً.
وربنا عزَّ وجلَّ عندما قال عن سيدنا إبراهيم:
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)
(سورة الصافات)
قوله تعالى فلما بلغ معه السعي، هل وقفتم عند هذه الآية ؟. فعندما يرى الإنسان ابنه وقد أصبح رجلاً وهو يده اليمنى، ويتمثَّل أخلاق أبيه ومبادئه وقيمه، وهو متدينٌ وصالحٌ، وهذا الابن هو أعظم سعادة لأبيه، والأب مشرَّف تشريفاً لا يعلمه إلا الله، مشرَّف لأنَّ الله أسند إليه دور التربية واللهُ هو ربُّ العالمين.
لكرامة الإنسان على الله عز وجل سمح له أن يكون مربياً:
أقرب اسم إلَهي للإنسان الرَّب.. الحمد لله ربِّ العالمين، ربنا يربِّي العباد.. يربِّي لك جسمك، لكنَّ الأبلغ من ذلك أنه يربِّي لك نفسك، فيخوِّفك أحياناً، أو يكرمك، أو يعطيك، أو يحرمك، أو يجعلك ترى مناماً مخيفاً، أو يجمعك مع أهل الحقِّّ، أو يسمعك الحقُّ صرفاً بيِّناً، فالله يعالجك من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، وهو المربِّي، فلكرامتك عليه سمح لك أن تكون مربِّياً، كما يربِّي عباده قال لك: ربِّ أولادك وأنت تعلَّم من الله كيف يربِّي عباده، وقد دخلنا الآن في موضوع جانبي ولكن له علاقةً بموضوعنا الأساسي.
الإنسان مكرَّم ومعنى ذلك أن الله قد سمح له أن يكون مربِّياً، وسمح له أن يكون مشرِّعاً، وجعل نصوصاً ظنِّيَّة الدلالة تحتاج إلى إعمال نظر، واجتهاد، فلكرامتك عليه جعل الإنسان يقوم بدور المشرِّع المستنبط، ورضيَ اللهُ أن نعبُدهُ باجتهاد المجتهدين، وأعطى المجتهد ميزةً لا يعلمها إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم:
من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر. فأنت بصرف النظر عن نتائج اجتهادك، بين الأجر والأجرين، إذاً لكرامتك عليه، سمح لك أن تكون مربِّياً، وسمح لك أن تكون مشرِّعاً، وسمح لك بخصائص أودعها في الكون، كأن تكون مبدعاً.
كل إنسان فرد لا مثيل له في الحياة بقدرة الله عز وجل:
حدَّثني طبيب قال لي: أحدث البحوث في العالم هي الهندسة الوراثيَّة.. أي الحوين والبويضة، وعلى كلٍ منهما هندسة وراثيَّة تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة، وقد عرف العلماء منها ثمانمئة معلومة فقط، فوجدوا أنَّ بعض الأمراض كالكلسترول، حيث يتراكم في الشرايين، وحيث يضعف القلب، فيصاب الإنسان من خلال هذا التصلُّب، وهذا الضَّعف بأزمات قلبيَّة حادَّة، وجدوا أنَّ بعض المورِّثات مسؤولة عن هذا، فالآن كلَّ التجارب على التدخُّل في المورِّثات، سمح لك أن تكون مبدعاً.
في عالم النبات.. عالم بذور الهجين وهو عالمٌ قائمٌ بذاته، يقولون إنَّ هذه البذرة مهجَّنةً فما معنى ذلك ؟ أي إنَّهم قد زاوجوها مع أصناف عديدة مثلاً: صنف مقاوم للبرودة، وذلك بإجراء تزاوج بين هذه البذرة وصنفٌ آخر يقاوم درجة البرودة.. أو مع صنف له إنتاج مديد، أو مع صنف إنتاجه مبكِّر، أو مع صنف إنتاجه غزير، أو مع صنف يتميَّز بالحموضة المحبَّبة، أو بالشكل المحبَّب، واللون المحبَّب.. فبعض البذور فيها مزاوجات تزيد على ثماني مرَّات، أليس هذا إبداعاً ؟
فالله سبحانه وتعالى قد سمح للإنسان أن يكون مبدعاً، وسمح له أن يكون مربياً، وأن يكون مشرِّعاً، وجعله فرداً لا مثيل له، وهذا من صفات الله عزَّ وجلَّ الواحد الأحد الفرد الصمد لا يوجد إنسان يماثلك، بالشكل أو اللون أو كيمياء الدَّم فكل إنسان له كيمياء دم خاصَّةٌ به، بلازما خاصَّة به، وكل إنسان يتمتَّع بقزحيَّة خاصَّة، ولا يوجد على الأرض إنسان واحد يماثلك في شكل القُزحيَّة.. لذلك فقد صمموا أنواعاً من الأقفال في أمريكا، لا تفتح إلا بوضع العينين على فتحتين في القفل، لا يستطيع أيُّ إنسان آخر فتح القفل، فأنت تنفرد بالقزحيَّة، وبلازما الدم تنفرد بها كذلك، ونبرة الصوت، ورائحة الجلد، والبصمة، والشكل.
تكريم الله الإنسان بمنحه حرّية الإرادة والفرديَّة والتشريع والتربية:
وقد اكتشف العلماء الآن موضوعاً جديداً فكما توجد زمر دمويَّة كذلك توجد زُمر نسيجيَّة، وإنَّ عددها المكتشف حتى الآن هو اثنان ونصف مليار زُمرةٍ نسيجيَّة، فكم عدد العالم ؟ خمسة مليارات.. حتى الآن تجد شخصاً واحداً في الأرض فقط يتشابه معك في الزمرة النسيجيَّة، ولكنَّي أعتقد أنَّه بعد حين سيكتشفون أنَّ عدد الزُمر النسيجيَّة بعدد سكَّان الأرض، أيّ لا أحد في الأرض يشبهك من حيث الزمر النسيجيَّة.
كلُّ هذه المكتشفات في الإنسان، من زمر نسيجيَّة، وبلازما الدَّم، ورائحة الجلد، ونبرة الصَّوت، وقزحيَّة العين، مع بصمة اليد، تؤكِّد أَنَّك لا مثيل لك.. هذه من صفة الله عزَّ وجلَّ الواحد الأحد الفرد الصَّمد، الله عزَّ وجلَّ مريد.. أعطاك حرِّية الإرادة.
وهناك حديث بين العلماء وهو: إنَّ الله خلق آدَمَ على صورتِهِ.
و تكريماً لك أعطاك حرّية الإرادة، والفرديَّة، والتشريع، والتربية، وكذلك الإبداع.
فالإنسان يمكنه أن يتلافى كلَّ ماضيه، وكل قصوره، وأخطائه، ورعوناته السابقة، وقسوته السابقة يستطيع أن يتلافى كل ذلك في أولاده، فإنني معجبٌ بأب يعطي كلَّ اهتمامه لتربية أولاده، لأنَّ ابنَكَ هو أولاً أمانةٌ بين يديك، فالله عزَّ وجلَّ جعله لك هديَّةً، وهو في البيت مسعد، يملأَ البيتَ سروراً، لكن عندما يشذُّ وينحرف فهو بلاءٌ من الله عزَّ وجلَّ، لا يرقى إليه بلاء، لذلك من الممكن أن تشقى أُسرةٌ بأكملها من ابنٍ منحرف، فالأخطاء السابقة تتراكم فتصنع إنساناً منحرفاً.
على الإنسان أن يتجه إلى بيته و عمله و يقيم الإسلام فيهما:
فيا أيُّها الأخوة قد أردَّت من هذه الدروس أن يتَّعظَ بعضُنا من بعض، وأن تقدَّم لكم خبرات هي الآن ناضجةٌ جداً، مأخوذةٌ من حقائق القرآن، ومن حقائق السُّنة النبويَّة الشريفة، وأقول لكم هذه الحقيقة دائماً وأبداً: دعك من الأمور العامَّة وادخل إلى مملكتك.. إلى بيتك وإلى عملك وأقم الإسلام فيهما، وانظر كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يصلحُ المسلمين، لا يغيِّرُ اللهُ ما بقومٍ.. حتَّى يُغيِّرَ المسلمون ما بأنفسهم.. فإذا غيَّروا ما بأنفسهم غيَّر اللهُ ما بهم، أي أن القوى الخارجَة التي لا يستطيعون أن يواجهوها، عندهم طريقةٌ واحدةٌ للتغلب عليها.. أن يصلحوا ما بأنفسهم.
فنحنُ مطالبون وهذا الكلام موجَّه إلى أشخاص عديدين، موجَّه إلى شابٍّ في مقتبل عمره سيتزوَّج، وفي الأعمِّ الأغلب يهتمُّ الشاب بزوجته، فقد دخل إلى عالمٍ جديد، وموضوعُ الأولاد لا يأخذ منه سوى حيِّز صغير جدَّاً، فمتى يصحو ويستيقظ ؟ بعد أن يرى أنَّ أولاده قد انحرفوا.. فيصيح ويستغيث ويستنجد، ولكن بعد فوات الأوان، فأنا أُريد أن تُقدَّم الخبرات لإخواننا المؤمنين، المستنبطة من كتاب الله وسنَّة رسوله، للشباب المتزوِّجين حديثاً لئلا يقعوا في أزمة الاهتمام بزوجاتهم على حساب أولادهم، الابن إذا أهملته شبَّ ونما نموَّاً منحرفاً، لذلك فأنا أُرحِّب بكل أب يأتي ومعه أولاده، ولا شيء يسعدني مثل هذا، نتحمَّل كلَّ المتاعب لأنَّه ابنك، فإذا ألفَ المسجد وسماع الحقّ فهذا شيء عظيم جداً.
الطفل الصغير كالعجينة يشكلها الإنسان كيفما يريد:
في العيد السابق خصّصنا هديَّةً لكل ابن يأتي مع والده، وهذا من تطبيق السنَّة، فحدَّثني أحد إخواننا أن ابنه قد تحدَّث مع أُمُّه وقال لها: قد أحببت هذا الشيخ لأنَّه أعطاني هديَّة. ومرةً حضر طفل مع والده الدرس وأعطيته قطعة من الحلوى، وقلت لوالده: أنت تأثرت من هذا الدرس الذي سمعته، أمّا ابنك فلم يتذوَّقه حتماً، أمَّا الآن فأصبح له طعم حلو، فالطفل قطعة من الحلوى أو نزهة ترضيه.
نحن نريدكم مع أولادكم، فابنك قطعةٌ منك، وهو أغلى شيء عليك، من باب مزح التعليم أقول: النجَّار يتعامل مع الخشب، والحدَّاد مع الحديد، والطبيب أشرف مهنة مع المرضى، والمحامي مع المشكلات، والمعلِّم يتعامل مع أطهر فئة في المجتمع، فالطفل وردةٌ فليس عنده كذب، ولا نفاق ولا احتيال، بريء وطاهر، وهو كالعجينة تشكِّلها كيفما تريد، فلذلك أيُّها الأخوة نحن نريد الإسلام والحياة، لا نريد إسلاماً في بطون الكتب، نريد إسلاماً يتعايش معنا، ويدخل إلى بيوتنا وأعمالنا، نريد إسلاماً يسعدنا ويجعلنا أشخاصاً متميِّزين.
فلنتصوَّر الصحابة الكرام، لو كانوا كبعض المسلمين المعاصرين فهل تصدِّقون أنَّ الإسلام يخرج من مكَّة ؟ والله لا يتجاوزها متراً واحداً، فكيف وصل الإسلام إلى العالم ؟
المسلم إنسان بنى حياته على العطاء لا على الأخذ:
المسلم شخصيَّة فذَّة ونادرةٌ جداً، وإنسان ممتلئ بالقيم وبالمبادئ وبالتضحية، قد بنى حياته على العطاء لا على الأخذ، و نحن نتمنى للأخ المؤمن أن يكون عطاؤه للمجتمع وهذه الدروس.. دروس الأحد من أجل أن تعطي أولادك فقط، ونريد أن يكون هذا العطاء ضمن البيت، تجعله يحفظ القرآن..و تعلِّمه، فهذا المعهد الذي افتُتح في هذا المسجد الهدف منه: هذا الطفل الصغير و ما الذي يحفِّزه على المجيء إلى هذا المسجد ؟ أنزهة، أم مسبح، أم ملعب، ففي الصيف الماضي كان عندنا ثلاث عشرة شعبة، كلُّ الذي جذبهم إلى المسجد وجود مناشط إسلاميَّة منضبطة، فعندما يحب ابنك المسجد ويحب قراءة القرآن فهذا شيء يسعدك كثيراً، ففي الحديث الشريف:
(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
(صحيح البخاري عن أبي هريرة)
إنني أتصوَّر أنَّ بيت المسلم قطعةٌ من الجنَّة، ليس فيه الملهيات، بل فيه قرآن، فيه رحمن، وعبادات، وتوجيه سليم، و مودَّةٌ ومحبَّةٌ وتسامح.
السكينة و الحب في البيت تنسيان الإنسان كل متاعب الحياة:
أيها الأخوة الكرام: إنَّ الإنسان يتحمَّل أشقَّ الأعمال، إن كان سعيداً في بيته، إذ توجد أعمال شاقَّة وأُخرى لا تُحتمل، فالحياة كلَّها مشكلات ومؤامرات، ولكن يوجد شيءٌ واحدٌ ينسيك كلَّ هذه المتاعب: أن تدخُلَ إلى بيتك فترى فيه السكينة والحبَّ والودَّ، وترى فيه التقدير، فعندما ترعى بيتك فأنت بذلك تسعد نفسك، فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)
(سورة الروم)
نحن في الدَّرس الماضي، وصلنا إلى أنَّ الطفل لا بد من أن تقاوم فيه ظاهرة الميوعة والانحلال. ونحن نرى في الشباب والأطفال عندهم من الميوعة والانحلال والبذاءة الشيء الذي لا يحتمل، هذا الطفل عبء على أهله، وأوَّل شيء نقاومه من هذه الميوعة هو: أن نحذِّره من التقليد الأعمى.
على الأب أن يملأ حياة ابنه بالمثل الأعلى و الأبطال الحقيقيين:
قد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنَّ النبيّ عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاريُّ ومسلم يقول:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإشَارَةُ بِالأصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإشَارَةُ بِالأَكُفِّ ))
(سنن الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ)
ويقول:
(( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ))
(سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
ويقول:
(( من هوي الكفرةَ حُشِرَ معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ))
أي إنَّ الأب الراقي يجب أن ينزع من ابنه رغبةَ التقليد للأجانب، إذ توجد أعياد غربيَّة مثل عيد رأس السنة، سهرة في فندق، أو متابعة شيء معيَّن، أو سهرات، أو طرق معيَّنة في التعامل، فيجب أن تنتزع من ابنك هذا التقليد الأعمى المقيت، وأن تُؤدِّبه على حبِّ النبيِّ، و آلِ بيته، و تلاوة القرآن، أي أن تملأ نفسه بأصحاب رسولِ الله، بدلاً من المغنين والمغنيَّات، ولاعبي الكرة، وكل إنسان بحسب التغذية، فإن حدَّثته عن سيِّدنا سعد أو سيِّدنا معاذ، أو عن مصعبٍ بن عمير، أشخاص ملء السمع والبصر لهم بطولات ومواقف، ولهم محبَّتهم لله ورسوله، وانضباطهم، وتضحيتهم وفداؤهم، فدائماً الشاب يحبُّ البطولة، فهو يريد نوعاً من أنواع البطولة، فإذا كان بالمصادفة وجد بطولات أساسها إغواء الفتيات مثلاً، أو باللعب على الناس، أو بالاحتيال، فهذه بطولة كذلك، فإن جعل هؤلاء قدوته، فهذه مشكلة كبيرة، وعند الابن فراغ، يجب أن يملأَ فراغه و بالمثل العليا وبالأبطال الحقيقيين، الذين شهد لهم النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وشهد لهم القرآن الكريم.
الأخلاق الفاضلة هي التي تبعد عن الابن الانحلال و الميوعة:
وأهم حديث في هذا الموضوع..
(( لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
(سنن الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ)
وقد ذكرته في الدرس الماضي ولكن أذكره الآن ليكون الموضوع متكاملاً، وذكرت أيضاً أنَّه لا مانع من اقتباس الثقافة عن الأجانب.. كلمةً أحفظها لأحد الأُدباء رائعة يقول: ثقافة أيَّة أُمَّة ما هي إلا عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال، فليس هناك مُلكيَّةٌ للثقافة، أمَّا العادات والتقاليد والأساليب والأخلاق فهذه مرفوضة كلُّها.
هذا هي الشيءَ الذي يدفع عن أبنائك الميوعة والانحلال.. فأنا لم أرَ أباً يبالغ في ترفيه أولاده، إلا نشؤوا نشأةً لا تُحتمل، فلا تظنَّ إن أطعمته كثيراً، وسمحت له أن يسهر إلى أيَّة ساعةٍ يريد، وأن يطلب أي طلب فينفَّذ فوراً، فهذا الابن بهذه التربية لا تجد أحداً يحتمله، وسوف يواجه حياةً صعبةً جداً، فلا يتحمَّلَ الابنَ إلا الأب والأُم.
تُروى قصَّةً ذات عمق كبير، أنَّ اثنين تراهنا على حلم الخليفة الأُموي معاوية ابن أبي سفيان.. فدفعا طفلاً غمزهُ وهو يصعدُ المنبَر، وقد كان معاوية وافر الذكاء فقال للغلام: خذ الرهن يا غلام.. ولم يفعل شيئاً، هذا الغلام فعل الأمر نفسه مع خليفةٍ آخر فأمر بقطع رأسه، فقالوا: حلمُ معاويةَ قتلَ الغلام. فالذي قتله ليس الثاني بل الأوَّل.
النهي عن الاستغراق في التنعُّم:
أحياناً الأب بدافع من محبَّته لأولاده، يقوم بترفيههم أكثر من اللازم، ولا يحاسبهم إطلاقاً، وكذلك الأم.. بنومه وأكله وشربه و كلّ طلباته منفَّذة، حتَّى تصبح عنده قناعات أن كل شيء يمكن أن يحصل عليه، فإذا خرج من بيت أبيه للحياة العمليَّة فلا أحد يحتمله، وهذا الابن غالباً ما يخفق في حياته ويصبح منبوذاً، أمَّا إذا ربَّاه الأب تربية صارمة، حسب خطة النبي:
(( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ))
( الجامع الصغير قريبا من هذا اللفظ عن ابن أبي حدرد )
وإن عوَّدت أولادك على تلبية جميع طلباتهم، فإن جاء لابنتك خاطب ممتاز، ومحدود الرَّاتب، فلن تستمر ابنتك في العيش معه أبداً، " اخشوشنوا وتمعددوا فإنَّ النعم لا تدوم " هكذا قال النبيِّ، وطِّن نفسك أن تأكُلَ كلَّ شيء مما لديك، من طعام ولو كان بسيطاً، فحسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، وليس القصد حرمانه، ولكن أن تناقشه في طلباته، هذه هي التربية، أمَّا الميوعة أن تعوِّده على تلبية جميع رغباته، فلذلك النهي عن الاستغراق في التنعُّم وهذا هو الإجراء الثاني.
((أَبِو عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ يَا عُتْبَةَ ابْنَ فَرْقَدٍ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَبُوسَ الْحَرِيرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ ))
(مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي عُثْمَانَ)
وفي رواية الإمام أحمد: ذروا التنعُّمَ و زِيَّ أهل العجم.
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))
(مسند الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)
على الإنسان أن ينهى ابنه عن الاستماع للموسيقا والغناء لأنهما يؤديان إلى النفاق:
أيقظه للصلاة ولا تتركه ينام، وإن أكل أكلاً زائداً عن الحد فقم بتنبيهه وقل له: ستصبح سميناً.. ويكون لك تصرُّفات غير محتملة، فعندما يقوم الأبوان بتربية أولادهما على الاعتدال، والانضباط والخشونة أحياناً، فقد تجد من نشأَ في الفقر أحياناً، كثير اللطف، متواضعاً، ويعرِفُ قيمةَ المال، الحاجات، الطعام.
والنهي عن الاستماع للموسيقا والغناء.. ولي درس كامل منذ سنوات، جعلتهُ عن الغناء مع التفاصيل والأحكام، فلا يجتمع في إنسان غناءٌ وقرآن.. فهما متناقضان، إمَّا القرآن أو الغناء، والغناء ينبتُ النفاق، ولا سيَّما إذا كان بصوت امرأةٍ فصوتُها في الغناءِ عورة، ولا سيَّما إذا كان بمعانٍ مبتذلة، تثيرُ الغرائز، لكن الصوت الحسن مطلوب ومقبول، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ليُؤذِّن بلالٌ فإنَّه أندى منك صوتاً.
فالصوتُ الحسن مقبول، في القرآن، أو الأذان، أو في مديحِ رسولِ الله، فنحن لسنا ضدَّ الشيء البريء الصحيح، لكن عندما نوظِّف النغم في معانٍ ساقطة أو في أصوات هي عورة تثير الغرائز، نكون قد صرفنا الإنسان إلى طريقٍ لا يرضي الله عزَّ وجلَّ.
لذلك روى الإمام أحمد بن حنبل.
(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْكَبَارَاتِ يَعْنِي الْبَرَابِطَ وَالْمَعَازِفَ وَالأوْثَانَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقْسَمَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلا سَقَيْتُهُ مَكَانَهَا مِنْ حَمِيمِ جَهَنَّمَ ))
(رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ)
علينا أن نوظف النغم إن وجد في مدح النبي الكريم و تلاوة القرآن الكريم:
أنا أقول لكم كلمة والله أعلم.. والله الَّذي لا إله إلا هو لو جمعتَ ذوَّاقي الغناء في العالم، ما طربوا بأُغنياتهم المحبَّبة كما يطرَب المؤمن بكلام الله حينما يتلى عليه، فلا تظن أن المؤمن محروم، فهو والله أَشدُّ ذوقاً، وأكثر طرباً، واستمتاعاً بالقرآن الكريم، وهو يتلى عليه أو وهو يتلوه، وبمديح رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حينما يستمعُ إليه، فيمكن أن نوظِّف النغم الذي هو شيء مطرب في الحقِّ، في القرآن، وفي مديح النبيِّ العدنان.
(( يَقُولُ لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ))
(رواه البخاريُّ وأحمد وابن ماجة عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ)
(( مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ بِهِ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
(سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
( والآنُكُ هو: الرصاصُ المذاب )
هذا شيء.. ولكن الإنسان في أوَّل طريق الإيمان يبلغه أنَّ الغناء حرام فلا يستمع إليه، لكن لو أنَّه كان يحبُّ أُغنيةً معيَّنةً، وسمعها عَرَضاً و طربَ لسماعها، وبعد حين اشمأزُّ منها، فما الذي حدث ؟ الذي حدث أنَّ إيمانه ارتقى، وهناك من يترك المعصية خوفاً من الله وهو يحبُّها، وهناك من يترُكها اشمئزازاً، فمعنى ذلك أنَّ النفس ارتقت إلى مستوى الشرع.
(( من استمع إلى صوتِ غناءٍ لم يؤذنْ له أن يستمع إلى صوت الروحانيين في الجنَّة ))
( سنن الترمذي عن أبي موسى )
أي شيء يقرب الإنسان من المعاصي هو شيء حرام:
وأقول لكم إن شاء الله: إن الإنسان يصل إلى مستوى لأن يمزَّقَ، أهونُ عليه من أن يصغي إلى صوت غناء، فلا يتحمَّل، ولكن هذه علامة رُقِيُّه، في البدايات يتمنى أن يسمع ما كان محبّباً له، لكن يخشى الله عزَّ وجلَّ، فكلَّما اقترب من أن يشمئزَّ من أُغنيةٍ كان يُحبُّها، فهذه علامة طيبة جداً، أنَّه بدأ في الاقتراب من أجواء القرآن الكريم.. ومن أراد أن يرجع إلى موضوع الغناء بالتفصيل، فيرجع إلى درسنا المسجَّل منذ فترة، والحقيقة لهذا الدرس قصَّة:
فقد طلب أحد إخواننا الكرام هذا الدرس بإلحاح كثير فقرَّرت هذا الدرس، وهذا الأخ له قريب مغنٍ لامع، فأعطاه الشريط ولكنَّه صادق، فكانت توبته بسبب سماع هذا الشريط، وأقلع عن الغناء، وكانت كل حفلة يغنِّي فيها يدفع له عشرة آلاف دولار، وقد يسَّر الله له أعمالاً طيِّبةً ودخل في عالم الإيمان، فلذلك هذا الشريط له عندي طعم خاصَّ، لأنَّه كان سبباً في هداية مغنٍِّ.
فأيّ شيء يقرِّبك من المعاصي، ويثير الغرائز و أيّ جهاز مرئي أو مسموع ويحوِّلك عن الله إلى الدنيا والمعصية فهو حرام.. فمثلاً إذا التقط أحد صورةً في عقد قِران، وعقد رجال يا غيرة الله.. التصوير حرام، وهذه الصور المتحرِّكة الملوَّنة التي تراها كلَّ يوم، وفيها عورات تتكشف، وفيها غرائز تُثار، أليست حراماً ؟!! يجب أن تكون منطقيَّاً، فهذه أيضاً صور متحرِّكة وملوَّنة وفيها كلّ الفتن.. فكل جهاز مرئي أو مسموع يقدِّم لك الفتن الَّتي تثير الغرائز، وأردّت بيتاً مسلماً وأولاداً منضبطين، وأن تصلِّي صلاةً تقبل بها على الله، فيجب أن يحظر استعماله في بيتك
نهي الله عز وجل الإنسان عن التخنُّث والتشبُّه بالنساء:
عندنا نقطة رابعة مهمة جداً وهي: النهيُ عن التخنُّث والتشبُّه بالنساء، لا تجد أجمل من شابٍ أنيقٍ، ولا تجد أبشع من شاب بالغ في الأناقة حتى اقترب من النساء، فلا يخرج من البيت إلا بكوي شعره، يسرِّحه ويخرج بعد أن يقف ساعات أمام المرآة !
ولذلك فقد جاء في الصحيحين:
(( قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَنَا وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلا الْيَهُودَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ ))
(صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب)
وفي لفظٍ آخر لمسلم أنَّ معاوية رضي الله عنه قال: ذات يومٍ: إنَّكم قد أحدثتم زِيَّ سوءٍ وإنَّ النبيَّ صلَّى الله نهى عن الزُّور:
(( لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا ))
(رواه البخاري وأبو داود والترمذي وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
أي إنَّ هذه التي ترتدي ثياب الرجال في الطُرقات، وهذه الثياب تصف حجم عوراتها كلِّها أليست ملعونةً عند الله عزَّ وجلَّ ؟.. لعن الله المخنَّثين من الرجال والمترجِّلات من النساء.
وفي لفظٍ آخر: لعن الله المتشبِّهات من النساء بالرجال، والمتشبِّهين من الرجال بالنساء:
(( حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لإنَاثِهِمْ...))
(رواه أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ)
الحرير والذهب، تجد البعض يلبس خاتماً من الذهب بيده، وزِرَّان من أزرار قميصه مفتوحان، ويعلك بفمه علكةً، وظهره إن ركع يكشف، فأي شاب هذا؟!
أجمل ما في الفتاة حياؤها و أجمل ما في الفتى رجولته و فتوته:
بالطَّبع إذا قلنا تربية الأولاد، فنقصد بذلك الأولاد ذكوراً وإناثاً، الذكور لهم تربيةٌ خاصَّةٌ.. تقوم على الرجولة والإقدام والفتوَّة، والإناث لهن تربية خاصَّة تنهض على الحياء والخجل والتستُّر والأدب، فأجمل ما في المرأة حياؤها..
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
(سورة القصص: الآية 25)
فما الَّذي يلفت نظر الرجل في المرأة ؟ حياؤها، ويعبِّرون عنها تعبيراً جديداً: أُنوثتها.. أحياناً تتمتع الفتاة بأجمل مظهر، وإذا فقدت أُنوثتها فإذا هي غير مرغوبةٍ عند الرجال، فأجمل ما في المرأة أُنُوثتها وحياؤها وأدبُها.. فالله سبحانه وتعالى يقول:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)
(سورة الأحزاب)
هذه الآية قد فسَّرتها تفسيراً لطيفاً، أنه إذا رأيت في الطريق شاباً يرتدي لباس الدراسة، فهذه الثياب هي أقل دليل على أنَّه طالب علم، وقد يكون راسباً، أو حاصلاً على علامة صفر في جميع المواد، ولكن كونه يرتدي هذه البذلة فمعنى ذلك أنَّه طالب.
حجاب المرأة المسلمة دليل إيمانها بالله عز وجل:
المرأة المسلمة حينما ترتدي الحجاب فهذا أقلَّ ما يشير إلى أنَّها مؤمنة، وبقي عليها أن تكون زوجةً صالحة وتفقه أمر دينها، و حقَّ زوجها، وأولادها وتربِّيهم التربية العالية، أي أنَّ عليها أن تجتاز طريقاً طويلاً، ولكن أقلَّ شيء تعرف به أنَّها مؤمنة: حجابها.. كما قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)
(سورة الأحزاب)
فالطبيب أقلَّ شيء تعرفه به أنَّه طبيب هذه السمَّاعة، وكتابته الوصفة الطبيَّة، وقد تكون شهادته متواضعة أو معلوماته قليلة.. وأحياناً يضع المحامي ميزاناً وهو أقلَّ مظهر يعرف به أنَّه محامٍ.. وأحياناً تجد في جيب المدرِّس أُصبعاً أو قطعةً من الحوَّار فمعنى ذلك أنَّه مدرِّس، إذاً فحجاب المرأة أقل ما يشير إلى أنها مؤمنة، وليس أكثر ما يشير.
على الإنسان أن يؤدب ابنه على غض بصره و حفظ فرجه:
ثمَّ يقول الله عزَّ وجلَّ:
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)
(سورة النور)
ويجب أن تؤدِّب أولادك على هّذا، ذكوراً وإناثاً، وفي الأحاديث الشريفة فيما رويَ:
(( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ))
(رواه البخاري عن عائشة)
و:
(( كنَّا نخمِّر وجوهنا، أي نغطِّيها، ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما ))
(الموطأ للإمام مالك عن فاطمة بنت المنذر )
(( تسدلُ المرأة جلبابها من فوقِ رأسها على وجهها ))
( أخرجه البخاري عن عائشة في فتح الباري )
((مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
(رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
جمال المرأة في حشمتها و ورعها:
يقولون فلانة شريفة.. ولكنها تلبس ثياباً تحرِّك الجماد، فأيُّ شرفٍ هذا، تثيرُ الغرائز وهي لا تدري، كم من زوج كره زوجته من امرأةٍ متبرِّجةٍ في الطريق، وكم من شابٍ التفت إلى أشياء أُخرى وقد كان ينبغي له أن يبني مستقبله عن طريق امرأةٍ متبرِّجة ومتهتِّكة ومتفلِّتة.
(( نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مميلاتٌ، رؤوسُهُنَّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخُلنَ الجَّنةَ، ولا يجدنَ ريحها، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خَمس ماِئَةِ عام ))
(موطأ مالك عن أبي هريرة).
إن تبرز المرأةُ مفاتنها في الطرقات، فهي تقوم بهدم مجتمع دون أن تدري:
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)
(سورة الأحزاب)
وعند أهلِ الذّوق.. لا تبدو المرأة بحالةٍ أجملَ من أن تكون في وضعٍ محشوم.. فالحشمة لها جمالها، فحينما تبدو محشومةً منضبطة تبدو وكأنَّها ملكة.
البعد عن الاختلاط لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما:
وفي توجيهات النَّبي عليه الصلاة والسلام:
((عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَد لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))
(سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
(( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))
(صحيح البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ)
لأنَّ المنزلق هنا أشدَّ.. أُخت زوجته، أو أخو زوجها، حتَّى لو جلس الإنسان، أو تنزَّه في الطرقات، فذلك مما يجرح عدالته، لوجود الكاسيات العاريات فيها.
(( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السّلامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ المنكر))
(رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ)
يذكر في موضوع الخلوة بامرأة، أنه يوجد كتابٌ شهيرٌ جدّاً اسمه " الإنسان ذلك المجهول " لألكسي كاريلي، وهذا الرجل متخصِّصٌ في علم النفس، وهو يُعَدُّ من أقوى الكتب الَّتي تؤكد القيم، يقول في هذا الكتاب:
"عندما تتحرَّك الغريزة الجنسيَّة لدى الإنسان، تُفرزُ نوعاً من المادَّة التي تتسرَّبُ بالدم، إلى دماغه، فتُخَدِّره، فلا يعود قادراً على التفكير الصائب."
وقائل ذلك طبيب، وقد ثبت علمياً أنَّه عندما يثار الإنسان تفرز مادَّةٌ في دمه، وتصل إلى دماغه، فتشُلُّ حركته، ومن هنا جاء قول النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))
(رواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي)
فقد يتعطَّل الدماغ، ويقوم الإنسان بارتكاب حماقةٍ يتمزَّق بعدها.. ويؤنِّب نفسه ويقول: كيف فعلت ذلك ؟ السَّبب أنَّه قد خلا، فتحرَّكت الغريزة الجنسيَّة لديه.
وأحد رؤساء الجمهوريَّات في أمريكا قام بتأليف كتاب وذكر فيه: أنَّ مستقبل أمريكا في خطر، لأنَّ شبابها مائعٌ، منحل، غارقٌ في الشهوات، لا يقدِّر المسؤوليَّة الملقاة على عاتقه، وأنَّ من بين كلّ سبعة شبابٍ، يتقدَّمون للتجنيد، يوجد ستةٌ غير صالحين، لأنَّ الشهوات الَّتي أُغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبِّية.
المجتمع أساسه الأُسرة فإذا صلحت صلح المجتمع:
درسنا اليوم كان عن: الميوعة والانحلال والتقليد الأعمى، و النهيُ عن التنعُّم غير المعقول، وسماع الغناء، والاختلاط، وعدم غضِّ البصر.. هذه كلُّها تورث الميوعة في الأطفال، ذُكوراً كانوا أو إناثاً.
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن تُؤول هذه الحقائق إلى سلوك في بيوتنا، وأقول لكم: إنَّ المجتمع أساسه الأُسرة، فإذا صلحت صلح المجتمع، والأُسرة ضمن مملكتنا، وبإمكان كلٍ منَّا أن يعمل جاهداً كيْ يحمل أفراد أُسرته: زوجته وأولاده ذكوراً وإناثاً على طاعة الله، والجهود الجبَّارة الَّتي يبذلها الأب في تربية أبنائه هذه لا تضيع سدى:
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)
(سورة الطور)
أي إنَّ ذريَّتك هي ذخرك يوم القيامة، تسعد بها إلى أبد الآبدين








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس )

الموضوع :التربية الصحية ( 1 )






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من دروس تربية الأولاد في الإسلام.
مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميَّة:
في دروسٍ سابقة، تحدَّثنا عن مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الإيمانيَّة، ثمَّ تحدَّثنا عن مسؤوليَّة الآباء في تربية أبنائهم التربية الخلقيَّة، واليوم ننتقل إلى موضوع ثالث وهو: مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميَّة.
أيُّها الأخوة الكرام، كلُّكم يعلم أنَّ أكبر نعمةٍ بعد نعمة الهدى هي نعمة العافية ونعمة الصِّحة، وفي الدعاء النبويّ الشريف:
((اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت))
[النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي، عن الحسن بن علي ]
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( اللهمَّ إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ))
[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
أي إنَّ أثمن نعمة على الإطلاق بعد نعمة الإيمان هي نعمة العافية، وقد يقال إنَّ هذه النعمة بالنسبة إلى بقيّة النعم الماديّة كواحد، وأية نعمةٍ بعد هذه النعمة تساوي الصفر أمام الواحد، فأصبح المجموع مساوياً العشرة، فمثال ذلك: صحَّة ومال أصبح المجموع مساوياً العشرة، صِّحة ومال وأولاد فالمجموع مئة، صحّة ومال وأولاد وزوجة صالحة فالمجموع ألف، صحة ومال وأولاد وزوجة صالحة ومكانة اجتماعيَّة فذلك مساوٍ عشرة آلاف، فإذا حذف الواحد تصبح بقيَّة النعم أصفاراً لا معنى لها.
لذلك فصحَّة الإنسان رأسماله في حياته، لا أقول إنَّ الآباء بإمكانهم أن يعطوا أولادهم صحَّةً كما يريدون، ولكنَّ مسؤوليَّة الآباء تترتب عليهم في أن يكونوا محافظين على صحَّة أولادهم، فالأب يجب عليه أن يكون عالماً بما ينفع ابنه وما يضرُّه.
و كم من غلطةٍ ارتكبها الأب فسببت عاهةً دائمةً في الأولاد، وكم من خطأٍ بسيط سبب مرضاً خطيراً وبيلاً عانى منه الابن طوال الحياة، فهناك أمراض مزمنة، و أمراض وبيلة، وأمراض عضال ليس لها حل، فالأب حينما يكون أباً حقيقياً فهذه الأُبوَّة تعطيه مسؤوليَّة تجاه أولاده.
أول مسؤوليات الأب تجاه أولاده وجوب الإنفاق عليهم:
أوَّل مسؤوليَّات الأب تجاه الابن من حيث التربية الجسميَّة وجوب الإنفاق عليه، فلابدَّ لهذا الجسم من النمو، فيحتاج إلى غذاء، هناك آباء كثيرون يبخلون بالمواد الأساسيَّة التي تقوّي عظام أبنائهم، فلابدَّ من أجل نموّ العظام والعضلات من غذاء خاص حينما يكون الأب مقتدراً، ولابد من أن ينفق على أولاده لإطعامهم وكسوتهم وتوفير كسوتهم ومسكنهم بشكلٍ يضمن لهم صحَّتهم.
كثير من الأخوة لا يقدِّرون بعض أنواع الأطعمة، فيدفع ثمناً للدواء عشرة أضعاف ثمن الطعام أحياناً، لأنَّ الدواء قسري، فالقارورة ثمنها ثلاثمئة ليرة مثلاً بسبب نقص في الفيتامين ويمكن أن نستدرك ذلك بتناول بعض أنواع الفاكهة، فالأبوَّة علم فلابدّ أن تعلم ما ينبغي لابنك أن يأكل، فإن كان هناك تقصير أو إهمال فتصبح هناك مضاعفات في جسمه تحتاج إلى أدويةٍ غاليةٍ جدّاً، قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(233) ﴾
(سورة البقرة)
وقال عليه الصلاة والسلام وهذا حديث دقيق جداً:
(( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
[رواه مسلم عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أمَّا التعليل فهو أنَّ أهلك ليس لهم إلا أنت، لكنَّ الآخرين فأنت وغيرك لهم، فإن لم ترعَهُم الرعاية الجسميَّة الكافية فهذا إهمال كبير، فأحياناً لديهم أسنان متراكبة، والأب لا يصغي لهذا الطلب، والخطأ يمكن علاجه، أو يوجد خطأٌ في الجهاز العظمي، فيمكن تقويمه بعمليَّة، فهذه الفتاة كانت معاقةً فأصبحت سليمة، وربما هذه العاهة أعاقت زواجها، فالأب مسؤول، وأغلب الظَّن أنَّ جميع الآباء، لا يتحمَّلون أن يروا في أولادهم ولا في بناتهم شيئاً غير صحيح، لكن هناك من يبادر في الوقت المناسب، ويسأل الأطباء ويتابع الأمر وهذا واجب عليه، وهناك من يقصر في ذلك.
توفير الحاجات الأساسيَّة ووسائل السلامة في البيت مسؤولية لابدَّ منه:
فلنستمع لهذه القاعدة: لست بطلاً إذا لم تصبك الملمّات، ولكنَّ البطولة أنَّها إذا أصابتك أن تقف منها الموقف الكامل.
وهناك إنسان له ابن معه مرض، وموقفه كأب مؤمن عليه أن يتابع من طبيب لآخر ويطبِّق المعالجة وعلى الله الشفاء، أدّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، ولكنني أقول كلاماً ليس من الهواء ولكن من الواقع، فإنني أعرف حالات خطيرة جداً رَسَخَت في الأبناء بسبب إهمال الآباء، أحياناً يوجد إهمال في ترتيب البيت وأثاثه، فبعض الطاولات لها حرف مدبَّب وهذا ربَّما سبب كسراً للجمجمة أحياناً، فتوجد طريقة لبناء البيت، وقد تجد دعامات حادَّة الزوايا، ولو أنَّ طفلاً كان مندفعاً وارتطم بها فيصاب بكسر في الجمجمة، أو ارتجاج في الدماغ، أو عاهةً دائمة.
وأحياناً تكون أسلاك الكهرباء ظاهرة، ومن الممكن أن يلمسها طفل، وهي ذات تيار يبلغ مئتين وعشرين فولت مثلاً، فيصبح معه ارتجاج، فيجب أن تعتني بكهرباء البيت وبكل شيء يسبب خطراً على الأولاد، فأنت مسؤول، التمديدات الكهربائية يجب ألا يكون فيها تماس، وكذلك الأعمدة يجب ألا تكون زواياها حادّة، وكذلك سقف بيت الدرج بالملاحق قد يكون منخفضاً جداً فكثيراً ما يصطدم رأس الخارج من البيت به.
فالقضيَّة فيها مسؤوليَّة، وعندما يشعر الإنسان بأنَّه كان مسؤولاً عمَّا حدث، وأنَّ هذا الابن أصيب بما يشبه العاهة الدائمة، فهذا الشيء لا يحتمل، فلذلك توفير الحاجات الأساسيَّة ووسائل السلامة في البيت لابدَّ منه.
أيُّها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
الغذاء والمسكن والكساء هي الحاجات الأساسية التي يجب على الأب توفيرها لأبنائه:
عدم الإنفاق هذا أكبر أنواع الإثم بالنسبة للأب، ومن التقصير أن يكون المعال بحاجة ماسَّة لنوع معيَّن من الغذاء متعلِّق بالنمو، والأب لا يبالي، وقد يكون ميسور الحال، ولكنَّه غير مقتنع، تأتيني حالات كثيرة مثلاً: بنتٌ في ريعان شبابها وأسنانها متراكبة، وهذه الأسنان المتراكبة تتفاقم، والأب غني، ويملك من الأموال الكثير، ولكنَّه غير مقتنع ويقول: تستقيم لذاتها وهذا كلام غير صائب، فإذا كبرت البنت وصارت أسنانها غير مقبولة فربَّما سببت لها عقدة نفسيَّة، فالمفروض أن يعتني الإنسان بأولاده من حيث توفير الحاجات الأساسيَّة كالغذاء والملبس والمسكن، وأن يكون المسكن مريحاً فقط وفيه حد أدنى من السلامة.
وقد تجد طفلاً وقع من الطابق العاشر فنزل ميِّتاً لعدم وجود حواجز على النوافذ، وتجد بعض الناس قبل أن يسكنوا مثل هذا البيت يضعون الحواجز على النوافذ، وتوجد شرفات ذات حاجز منخفض، قد تسبب سقوط طفل من طابق عالٍ.
واليوم درسنا عن التربية البدنيَّة، عن مسؤوليَّة الآباء عن صحَّة أبنائهم وعن سلامتهم، فأحياناً يكون هناك تلقيح فننسى أن نلقِّحهم، وتوجد مثلاً جائحة التهاب سحايا أو غيرها، فيجب بقدر الإمكان أن يراعي الأب هذه الناحية، والعلماء قالوا: " على الأب أن ينفق على أهله وأولاده ما يصلح حياتهم وشأنهم ولاسيَّما الغذاء الصالح، والمسكن الصالح، والكساء الصالح ".
على الوالدين توجيه أولادهم توجيهاً إسلامياً عن كيفية الطعام والشراب:
الآن الأب والأم يراقبان أولادهما، كيف يأكل هذا الابن، وعند وجود توجيه إسلامي عن كيفية الطعام، قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( مَا ملأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثُ طَعَامٍ وَثُلُثُ شَرَابٍ وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ ))
[رواه الإمام أحمد والترمذي عن الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ]
وبالمناسبة أطفال كثيرون تنمو أجسامهم نموَّاً غير معقول، بسبب قناعة الآباء المغلوطة أنَّ الصِّحة في كثرة الشحوم والدهون، فينشأَ هذا الطفل على عادات غذائيَّة سيِّئة، فيصبح ضحيَّةً لإهمال أبيه وأمِّه، فلابدَّ من العناية بهذا التوجيه، ومن هدي النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الشراب كما علَّمنا:
(( لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاثَ ))
[رواه الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فالسنَّة أن نشرب الماء أو كأس الماء على مرَّتين أو ثلاث وفي حديثٍ يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مصّوا الماء مصَّاً ولا تعبّوه عبَّاً فإنَّ الكباد من العبّ )).
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بالشطر الأول ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح إذا شربتم فاشربوا مصاً ]
وفي توجيهٍ آخر للنبيّ عليه الصلاة والسلام أنَّه نهى عن التنفس في الإناء، وفي توجيهٍ ثالثٍ له عليه الصلاة والسلام أنَّه نهى عن الشرب قائماً.
آداب الطعام والشراب:
فإذا لاحظ الأب أولاده، وكذلك لاحظت الأم أولادها، وقاما بتنبيههم ؛ اشرب وأنت جالس، اشرب كأس الماء ثلاث مرَّات، مصَّ الماء مصّاً ولا تعبَّه عبّاً، إيّاك أن تتنفَّس في الإناء فبعض الأمراض تنتقل عن طريق الزفير إلى الماء، وقبل أن تشرب اذكر اسمِّ الله، وإذا انتهيت من الشرب احمد الله، هذا توجيه النبيّ، وإن كان التوجيه مستمراً فتجد أنَّ هذا الابن ينشأ على شرب الماء وفق السنَّة، فإن وجد توجيهاً بأن يأكل ويسمّي، وأن يأكل ويتكلَّم، اجعل وجبة الطعام وجبة للحديث والمؤانسة، فهناك أُسر لا تلتقي إلا على الطعام، وهناك من يجعل من هذا الطعام مناسبة للحديث، فازدراد الطعام بسرعة يسيء إلى هضمه، أمَّا الأكل بهدوء وببطء مع الحديث الممتع على الطعام فهذا مما يعين على هضمه وتمثُّله، ويعين على أن تكتفي بقدرٍ مناسبٍ منه، أمّا من يضع رأسه في الإناء، ويزدرد الطعام ازدراداً فهذا يسيء إلى هضمه.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاثَ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ ))
[رواه الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
تسمّي وتشرب على ثلاث، وتشرب قاعداً، وتمصُّ الماء مصّاً ولا تعبُّه عبّاً، وبعد الانتهاء تحمد الله على أنك شربت ماءً عذباً، فأن يكون الإنسان شربه إسلامي وطعامه إسلامي، وعند دخوله إلى البيت ألقى السلام، وجلس للطعام وسمّى، وإنّكم تعرفون أنّ الشيطان إذا رأى رجلاً دخل بيته ولم يسلِّم قال: أدركتم المبيت، فطوال الليل مشاجرات بين أهل البيت، وإذا جلس ولم يسمّ قال: أدركتم العشاء، لعدم وجود البركة، فالأكل لا يكفي، فإذا دخل ولم يسلّم، وجلس إلى الطعام ولم يسمّ، يقول الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء.
الحكمة من تقديم الفاكهة على الطعام:
وتوجد توجيهات كثيرة في الطعام، فمن كان متعوداً على تناول قطعة من الفواكه بعد الطعام، لو أكلها قبل الطعام لرأى فوائد لا تحصى، لأنّ هذا الغذاء السكريّ سريع الهضم، وسريع الوصول إلى مركز الشبع للإنسان ويمكث أقلّ مدة ممكنة في المعدة، حوالي عشرين دقيقة، فلو دخل الإنسان إلى بيته، وأكل من الفاكهة قبل الطعام، ولو نصف برتقالة، أو نصف تفّاحة، ما كان سيأكله بعد الطعام، فبذلك تخف عنده حدّة الجوع، فالتفاح سكري، والسكّر ينتقل من الفم إلى الدم في ثلث الساعة، أو يأكل شيئاً موجوداً من السكريّات ولو تمرة فهذا مما يخفف من حدّة الجوع، ويخفف من النهم في الطعام، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) ﴾
( سورة الواقعة)
تقديم الفاكهة على اللحم له حكمة، استنبط العلماء أنّ التقديم أولى، وقد حدّثني صديق لي أنه في أكثر من دولة غربيّة يقدِّمون الفاكهة على الطعام وهو عُرف.
أقترح عليكم اقتناء كتاب عن الغذاء، فأحياناً يحتاج الجسم لبعض الأدوية لما فيها من مواد فعّالة، وهذه المواد تكون متوفِّرة في غذاء معيَّن، فمثال على ذلك: الملوخيَّة يوجد فيها مادّة غرويّة تعدّ مرممةً للغشاء المخاطي في الجهاز الهضمي، فتناولها لابدَّ منه، فإذا عرفنا الحكمة من كل طعام وُقي الجسم من المرض، فالثوم يخفِّض الضغط ويعقِّم الأمعاء، لو وضعنا في لتر من الماء بعض النقاط من الليمون أصبح الماء معقَّماً، فالليمون له فائدة، وكذلك البصل والثوم.
فلو قرأنا عن كل غذاء، ما هي فوائده التي تعود على الجسم بالنفع، أقبلنا عليه وكأنَّنا نقبل على الدواء، لذلك قيل: خير الدواء ما كان غذاء، وخير غذاء ما كان دواء.
فوائد حبة البركة وبعض الخضراوات:
النبيّ قال عن حبَّة البركة: (( عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ ))
[صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
وهو صلّى الله عليه وسلَّم لا ينطق عن الهوى قال تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾
(سورة النجم)
فقد عقد مؤتمر في مصر عن حبَّة البركة، فاكتشف أنَّ حبَّة البركة تقوِّي جهاز المناعة في الإنسان، وإذا قوي جهاز المناعة قويت مقاومة الجسم للأمراض، فإنَّ فيها الشفاء هكذا قال النبيّ، فهي ذات فائدة عظيمةٍ جداً.
وهناك فواكه رخيصة، فمن منكم يصدِّق أنّ البصل فيه من الفوائد أكثر من التفَّاح بعشرة أمثال، فهذه المادَّة الشعبيَّة يجب أن تأكل منها وتتناولها يومياً فهو معقِّم ومطهِّر ويعطي قوَّة على التفكير، وهو مغذٍ للدماغ أحياناً.
وقد قرأت مقالة عن اللفت فيها ما لا يصدق، وهذا الملفوف ( اليخنة ) فيه أعلى نسبة من فيتامين (c)، فالقصد من كلامي هذا أنّ الخضراوات التي تجدها أمامك في الطرقات مبتذلة ورخيصة، فكل واحدة منها دواء بل صيدليّة، فإن كان الإنسان عنده ثقافة غذائيَّة فسيقبل على هذه الخضراوات إقبالاً علمياً لا إقبالاً ذوقياً، فيعرف الضروري من كل واحدة من الخضراوات، ونحن قد اخترنا أرخص الأنواع وذكرناها حتّى لا يعتب علينا أحد، البصل والملفوف أشياء رخيصة، ولم نتكلَّم عن الأسماك ولا مرّة.
وفي الصحيحين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ ))
[صحيح البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ]
وفي روايةٍ للترمذيّ:
نهى أن يُتَنَفَّس في الإناء أو ينفخ فيه فهذا من آداب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أن تشرب وأن تبعد القدح عن فيك فيما بين الشربتين، تجد كثيراً من الأطفال يشرب وينفخ في الكأس، و والده لا يتكلَّم معه ولا ينبّهه، فالابن قد خالف السّنة بذلك.
قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ ))
[رواه مسلم عن أبي هريرة]
اشرب وأنت جالس.
آداب النوم وأشكاله:
ومن هدي ِالنبيّ صلّى الله عليه وسلَّم في النوم ؛ النوم على الجانب الأيمن، قيل النوم أربعة: نوم الملوك، ونوم الشياطين، ونوم المؤمنين، ونوم الأغنياء، الأغنياء ينامون على شِقّهم الأيسر، فهم مثقلون بالطعام كثيراً، والكبد بالجانب الأيسر فيشعر بالراحة، والملوك على ظهورهم، والشياطين على بطونهم، والمؤمنون على شقِّهم الأيمن، فالمؤمن يضطجع على شقِّه الأيمن، ويضع كفَّه تحت خدِّه كما يفعل النبيّ عليه الصلاة والسلام ويدعو دعاء النوم ويستلقي.
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ للصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ ))
[رواه البخاري ومسلم عن الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ]
هذا الدعاء احتياط.
على الإنسان أن يعرف كل شيء عن الخبز والفاكهة والخضراوات:
تحدَّثنا عن الطعام والشراب والنوم، وفي نفسي أنَّ الطعام يحتاج إلى دروس كثيرة، فمثلاً يوجد إقبال شديد على الخبز الأبيض الناصع الغالي مع أنَّه من السموم الثلاثة، فقد قيل: إنَّه في حياتنا ثلاثة سموم ؛ الملح والسكَّر والخبز الأبيض. وأوَّل بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله هي نخل الطحين، كلُّ الغذاء بالقشر ففيه ستة من الفيتامينات، واثنا عشر معدناً، فكل ما في القمح من فائدة في القشر، فنحن نعطي القشر للدواب، ونأكل النشاء أي الغراء الذي يعقِّد جهازنا الهضمي، فأحضر قطعة من لب الخبز واضغطها، وضعها في كأس من الماء فلا تتغيَّر، أمّا لو أحضرت شيئاً محمّصاً ووضعته في الماء فإنك تجده يتفتت، فلذلك المفروض أن نعرف شيئاً عن الخبز، وعن الفاكهة، وعن الخضراوات وعن كل شيء ماذا يفيد ؟ فيقبل الإنسان على هذه الأشياء وفق خطَّة.
بعد الإنفاق على الأولاد واتباع القواعد الصحية علينا التحرز من الأمراض المعدية:
إذاً الشيء الأول: الإنفاق على الأهل والأولاد والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
الشيء الثاني: اتباع القواعد الصحيّة في المأكل والمشرب والنوم.
الشيء الثالث: التحرُّز من الأمراض المعدية، قَالَ:
(( كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ ))
[صحيح مسلم عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ]
وأحياناً يزور الإنسان مريضاً مرضاً معدياً، ويصرُّ أهل المريض على أن يضيِّفوه، النبي الكريم نهى عن أن تأكل شيئاً، أو أن تشرب شيئاً وأنت تعود المريض، لعل المريض مرضه معدٍ فيحدث لك الضرر، فمن يزُر المريض فلا يشرب شيئاً، ولا يأكل شيئاً هكذا السُّنة فقد يكون معه التهاب كبدي معدٍ، أو مرض معدٍ فيحرج الضيف حرجاً شديداً، قد لا يوجد اهتمام بموضوع الأواني وتنظيفها، فالنبي قال للمجزوم:
((ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ ))
[صحيح مسلم عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ]
وروى البخاريُّ في صحيحه أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال فيما معناه: فَرّ من المجذوم فِرارك من وحشٍ كاسر. فمن كان معه مرض معد ٍ ينبغي لك أن تبتعد عنه من دون أن تشعره، وفي الصحيحين قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ِ]
فمن عنده مرض معدٍ، فليس له حق أن يزور أشخاصاً أصحاء، وسيدنا عمر قال لامرأةٍ معها جذام: الزمي بيتك يا أمة الله لا تؤذي عباد الله. فلزمت بيتها إلى أن تَوَفَّى الله عمر، فقيل لها: الآن لا عليك اخرجي. قالت: كلا والله ما كنت لأُطيعه حياً وأعصيه ميِّتاً، ولم تقبل أن تخرج.
معالجة الأمراض بالتداوي فلكل داء دواء:
أحياناً يكون المرض في الابن معدياً، فيرسله أبوه إلى المدرسة، وهناك أولاد الناس الآخرون، فيؤذيهم، المسلم منضبط، فمادام هناك مرض معدٍ يبقي ابنه في البيت إلى أن يشفيه الله، فلا تؤذ أطفال المسلمين.
معالجة الأمراض بالتداوي، فقد روى مسلمٌ وأحمد وغيرهما:
(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ]
هذا الحديث يعطينا نفساً طويلاً في المعالجة، لكلِّ داءٍ دواء، والآن يكتشف أن لكل داء دواء، وتجري الآن عمليَّات في جسم الإنسان شبه مستحيلة، يدخلون منظاراً إلى المعدة، أو قسطرة يدخلونها من الوريد الفخذي إلى القلب، ليمتحنوا شرايين القلب، فيوجد تقدم طبّي مذهل، وهذا من كرامة الإنسان على الله، عمليّات تتم داخل القلب، فتحة بين الأُذينين، وعمليّات تتم في أعقد الأمكنة، وفي الجمجمة، والله هو الموفِّق، وتوجد الآن جراحة مجهريَّة المكان لا يزيد عن ميكرون، ويبدو للجرّاح سنتيمتراً، فيتحرَّك بمشرطه بحرّية تحت المجهر، وهذه الجراحة الآن اختصاص، وهذا التقدّم الطبّي أساسه أنَّ الإنسان كريم على الله عزَّ وجلَّ، لذلك:
(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ]
ولهذا الحديث تفسير لطيف، لكلِّ داءٍ دواء، فمهمةُ الطبيب أن يشخِّص الدّاء أولاً وأن يوفَّق لاكتشاف الدواء ثانياً، وهنا انتهت مهمَّة الطبيب، وبدأت عناية الله، إذا سمح لهذا الدواء أن يفعل فعله، شفي بإذن الله.
لذلك أي دواء لا يفعل فعله إلا إذا سمح الله له أن يفعل:
(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ]
إذاً مهمة الطبيب أن يكتشف الدَّاء، وأن يكتشف الدّواء، وتنتهي مهمّته وعلى الله عزَّ وجلَّ أن يخلق الشفاء لوجود الدواء فيشفى بإذن الله وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾
(سورة الشعراء)
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ ))
[مسند الإمام أحمد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]
الدواء من قدر الله والمرض من قدر الله:
ولذلك يقول بعض العلماء: " المعالجة بأخبار طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ورعٍ، ترقى إلى مستوى الفرض ".
فلو وجد مرض وأهمله الإنسان، يكون قد أهمل فرضاً، لأنّ صحّته ليست ملكه بل هي ملك أهله أولاً وملك المسلمين ثانياً، وهي وعاء عمله، وهي رأسماله، فإذا أهمل صحَّته وأصبح عاجزاً فقد أساء لنفسه ولإخوانه ولكلِّ المسلمين.
لذلك:
(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ ))
[مسند الإمام أحمد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]
فهذا الشيء لابدَّ منه، وهو يزهِّد في الدنيا.
(( أبو خزامة رحمه الله: عن أبيه قال: ' قلتُ: يا رسول الله أرأيتَ رُقَاة نَستَرقي بها، ودَوَاء نتَداوَى به، وتُقَاة نَتَّقيها: هل ترُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً ؟ قال: هو من قَدَرِ الله))
[رواه الترمذي عَنْ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ]
الدواء من قدر الله، أي أنه إذا أراد الله عزَّ وجلَّ الشفاء، يلهم الطبيب الدواء المناسب، ويأذن بالشفاء لوجود الدواء، فصار الدواء من قدر الله، والمرض من قدر الله، جواب دقيق جداً.
الوصايا الصحّية التي ينبغي أن يوجِّهها الآباء إلى الأبناء:
وتوجد عندنا قاعدة أُصوليَّة ـ من أهمّ قواعد الفقه ـ مأخوذة من قول النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم :
(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
[رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فكل شيء فيه ضرر، أنت المسلم منهيُّ عنه أن تفعله، فهذا الحديث الشريف عدّه الفقهاء قاعدةً شرعيّةً من أهمِّ القواعد، مثلاً أكل الفواكه فجَّةً، ففي أيام ظهور الفول، وهو أخضر يأكله الطفل فيتسمم دمه، ويسعف إلى المشفى، إذا قرأ الإنسان القرآن لا يأكل الفاكهة الفجّة فهي مؤذية قال تعالى:
﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ (141) ﴾
(سورة الأنعام)
ومن أكل الخضار والفواكه قبل أن يغسلها، فقد أعان على قتل نفسه لقول النبيّ:
(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))
[ رواه الطبراني عن سلمان ]
وتوجيه ثانٍ: إدخال الطعام على الطعام، يسبب أمراضاً في المعدة، وفي جهاز التنفُّس، وجهاز الهضم.
تناول الطعام باليدين قبل غسلهما، يؤدّي إلى انتشار المرض، وقد سمعت بنشرة صادرة من اليونسكو، أن ثلاثمئة مليون إنسان في العالم يصابون كل عام بأمراض القذارة، أي عدم غسل اليدين فتأتي العدوى والإنتانات والمشكلات، أمّا في الإسلام فتوجد دقةٌ بالغة.
((عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: قال: قرأتُ في التوراة: أن بَرَكَةَ الطَّعام الوضوءُ بعدَه، فذكرتُ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأخبرتُه بما قرأتُ في التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' بركة الطعام الوُضُوء قبلَه، والوضوء بعدَه ))
[سنن الترمذي عَنْ سَلْمَانَ]
وقالوا: وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، فوضوء الطعام غسل اليدين والفم.
شيء آخر من الوصايا الصحّية التي ينبغي أن يوجِّهها الآباء إلى الأبناء أخذاً من قوله تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾
( سورة الأنفال)
مداعبة الأولاد وتعليمهم الرمي والسباحة ليس من اللهو بل من الأعمال الصالحة:
وهنا حديثٍ رواه الإمام مسلم:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
[رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فالتدريبات الرياضيّة، والمشي، والجري للشباب، هذه كلُّها تقوّي القلب، وتعطي لياقة بدنيّة عالية، ومن فاته العمر، ولم يتدرَّب عليها، فليعتن بأولاده، فاللياقة البدنيّة مهمّةٌ جداً، وقد جئت من سفر في أيّام الشتاء القارس، والبرد الشديد والأمطار، فوجدت إنساناً يجري في الطريق فقلت: كم هو مقتنع بجدوى الجري، والناس كلُّهم في البيوت، وحول المدافئ، ومستريحون على الأرائك، إلا هذا فهو تحت المطر يجري، فعندما يقتنع بشيء يفعل المستحيل، فأخذت عبرة من هذا الإنسان، برد شديد ومطر غزير والناس كلّهم في البيوت وهو يجري، إذاً فقناعته دفعته إلى هذا العمل غير المعقول وغير المألوف، فلو قنعت بالخير لأقبلت عليه، فالقضيّة قضيّة قناعة:
(( إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الثلاثة الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إلا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ ))
[رواه الطبراني عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ]
وقال:
(( كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، وتعليم السباحة ))
[رواه الطبراني في الأوسط عن عطاء بن أبي رباح]
عنده أولاد فجلس معهم وداعبهم وتقرّب إليهم وآنسهم ولو كان مرحاً معهم، فأدخل على قلبهم السرور، فهذا ليس من اللهو بل من الأعمال الصالحة، وتعليمه السباحة.
أهمية تعلم الرمي في الحديث والسنة:
((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))
[رواه مسلم عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ]
وهذا الحديث أيُّها الأخوة، من دلائل نبوّة النبيّ عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الصاروخ ثمنه مئتان وخمسون ألف دولار ولم يصب الطائرة فهذه خسارة كبيرة، والآن الأسلحة الفتّاكة أساسها دقّة الإصابة، يقولون: نزلت القنبلة في مدخنة المعمل، فهي تنطلق مسترشدة بشعاع من الليزر ( الضوء المركَّز )، فتصيب الهدف بدقّةٍ بالغة، ولا تتجاوز سنتيمترات محدودة:
((أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ))
[رواه مسلم عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ]
على اختلاف الأسلحة، واختلاف مستوياتها ومداها، وأقوى شيء في السلاح دقّة إصابته.
(( عليكم بالرمي فإنَّه من خير لهوكم ))
[رواه البزّار والطبراني عن سعد بن أبي وقاص]
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يمرُّ على أصحابه في حلقات الرّمي فيشجّعهم ويقول لهم:
(( ارموا وأنا معكم كُلِّكم ))
[رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع]
وجاء في الصحيحين أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَذن لأبناء الحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده الشريف، وكان يقول لهم:
(( دونكم يا بني أرفده ـ أي أبناء الحبشة ـ وبينما هم يلعبون عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال عليه الصلاة والسلام: دعهم يا عمر ))
و تعلُّم الرّمي قيّم جداً، فقد سمح النبيّ أن يكون هذا في المسجد.
من وصايا النبي تعويد الأولاد على التقشف وعدم الإغراق في التنعم:
من وصايا النبيّ عليه الصلاة والسلام في تربية الأولاد، تعويد الولد على التقشُّف، وعدم الإغراق في التنعُّم.
والطفل المدلّل لا يُحتمل، فإذا أردّت أن يكره النّاس ابنك فدلّله، وأعطه كلَّ شيء، اطلب تعط، فينشأَ الطفل بحالة لا تحتمل أبداً، والنبيّ علمنا أن نعوّد أبناءنا على التقشُّف، فالنبي عليه الصلاة و السلام لما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى الْيَمَنِ قَالَ:
(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))
[رواه الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]
وقال:
(( تمعددوا واخشوشنوا وانتضلوا ))
[ الطبراني وابن شاهين وأبو نعيم عن القعقاع ]
تمعددوا أي عوّدوا المعدة الطعام الخشن، فبعض الأشخاص لا يمكن أن يأكل الخبز اليابس، وهناك أشخاص غيرهم يقومون بترطيبه بقليل من الماء وتسخينه قليلاً ثمَّ يأكلونه، فمن السُّنة التعوّد على الشيء الخشن.
اخشوشنوا: أي على الطعام الخشن، وعلى الثياب الخشنة، وانتضلوا.
وللحديث رواية أُخرى: فإنَّ النعم لا تدوم.
فإذا تعوَّد الإنسان على الرفاهية ولم يتمكّن من تغيير هذه العادة، ربما يضطّر إلى أن يخرج عن دينه من أجل الحفاظ على دخله إن كان بعمل ودخله كبير وأجبر على معصية، وهو معوّد على الرفاهية، أمّا إن كان معوّداً على الخشونة فمبدؤه فوق كلّ شيء.
أهم النقاط الأساسية التي وردت في هذا الدرس:
أيُّها الأخوة الكرام، كتلخيصٍ لهذا الدرس الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه:
أوّلاً: مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الجسميَّة الصحيحة تتلخّص في أنّ من واجبهم الإنفاق على الأهل والأولاد، الإنفاق الذي يوفِّر لهم الحاجات الأساسيّة التي تحقق نموّهم الطبيعي.
ثانياً: تأمين الطعام والشراب والمسكن والكساء.
ثالثاً: اتّباع القواعد الصّحية في الأكل والشرب والنوم، والتحرُّز من الأمراض السارية المعدية.
رابعاً: معالجة الأمراض بالتداوي، وتطبيق مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
خامساً: تعويد الولد على ممارسة الرياضة، ليقوى جسمه.
سادساً: تعويد الولد على التقشُّف، وعدم الإغراق في التنعُّم.
سابعاً : تعويد الولد على حياة الجِّد والرجولة، والابتعاد عن التراخي والميوعة والانحلال وقد ورد هذا المعنى في درسٍ سابق.
(( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
[صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ظاهرة التدخين من الظواهر الخطيرة المتعلقة بالصحة:
أيُّها الأخوة، توجد عندنا عدّة ظواهر خطيرة متعلِّقة بالصّحة، ومنها: ظاهرة التدخين، وعن هذه الظاهرة المرضيّة التي تتفشى بين شبابنا سأفرد لها درساً خاصاً إن شاء الله تعالى، وسأوضّح لكم بالدليل العلميّ الأخطار الناجمة عن هذه الظاهرة، ولن أعطيكم الحكم الفقهيّ فيه، فكلّكم يمكن أن يستنبط الحكم الفقهي، أعطيكم أدقَّ الحقائق العلميَّة عن هذه الظاهرة فهذه متعلّقة بالصّحة.
توجد ظاهرات أخرى ـ من فضل الله المؤمنون بعيدون عنها ـ أمّا التدخين فهو ظاهرة متفشّية.
ما زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الجسميّة، وقد تحدّثنا عن التربية الإيمانيّة، وعن التربية الخُلقيَّة، وها نحن أولاء نتحدَّث عن التربية الجسميّة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع )

الموضوع :التربية الصحية ( 2 )الدخان





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيّها الأخوة الكرام لازلنا مع الدرس السابع من دروس تربية الأولاد في الإسلام.
قيمة الصحة في حياة المؤمن:
لقد وصلنا في التربية الصحية أو مسؤولية الآباء عن تربية أبنائهم الجسميّة والبدنية إلى موضوع الظواهر الخطيرة المتفشِّية بين الشباب، ومن هذه الظواهر ظاهرة التدخين، وقبل أن نمضي في الحديث عن هذه الظاهرة التي ينبغي أن نكافحها جميعاً، لا بدَّ من وقفةٍ قصيرةٍ عند قيمة سلامة الجسم وقيمة الصحة في حياة المؤمن.
أيّها الأخوة يجب أن نعلم أنَّ أثمن نعمةٍ على الإطلاق بعد نعمة الهدى هي نعمة الصحة، ولأنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام في أكثر أدعيته كان يقرنها مع الهدى:
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ))
[ الترمذي عن الحسن بن علي ]
وقال:
(( اللَّهمَّ إني أسألُكَ العَافِيَةَ في الدنيا والآخِرةِ، اللَّهمَّ إني أَسألُكَ العَفو والعَافِيَةَ في دِيني ودُنيايَ ))
[أبو داود عن عبد الله بن عمر]
يجب أن نعلم أنّ هناك ثلاثة مرتكزات في حياتنا: نعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية، فإذا حصّلتها فقد حصّلت كلّ شيء، ولا تلتفت إلى ما فاتك من الدنيا، لكنّ الصحة أيّها الأخوة ليست مقصودةً لذاتها بل مقصودةٌ لغيرها لأنّ الجسم أداة العمل الصالح، فإذا كان صحيحاً حقق الهدف من وجوده.
اتقاء الأمراض التي تسببها أخطاؤنا:
الآن هناك أمراض تأتي من نوع القضاء والقدر، هذه الأمراض لله حكمةٌ بالغة في سوقها للإنسان، لكن نحن حديثنا عن الصحة ليس من هذا النوع، ليس من نوع الأمراض التي تأتي قضاءً وقدراً ولحكمةٍ بالغة يريدها الله عزَّ وجلَّ، حديثنا عن الصحة كيف نتّقي الأمراض التي تسببها أخطاؤنا ؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾
( سورة الشعراء )
لم يقل الله تعالى والذي أمرضني فهو يشفين، أو والذي يمرضني ويشفين، فلو قالها فليس لنا علاقة بالصحة ولكنّه قال عزَّ وجلَّ: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾
( سورة الشعراء )
عُزي المرض إلى الإنسان، إذاً أصل المرض خروجٌ عن منهج الله، والآية الكريمة: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾
( سورة البقرة )
والآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) ﴾
( سورة النساء )
والحديث الشريف:
(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))
[ رواه الطبراني عن سلمان ]
من يفعل أشياء قد تودي به إلى التهلكة فقد عصى:
والنبيّ علّمنا أشياء كثيرة، علّمنا من خلال بعض أوامره لأصحابه أنَّ الذي له جملٌ حرون ينبغي ألا يصحبنا في الجهاد، الجمل الحرون خطر، فبعض أصحابه ركب جملاً حروناً فقتله، والنبيّ أبى أن يصلّي عليه لأنّه عاصٍٍ، يقاس عليه أن تركب مركبة مكابحها غير منتظمة، غير جيّدة، أن تركب مركبة لا تراجعها قبل السفر، قد يكون خطأ في الميزان فلو اضطرب الميزان أثناء السرعة العالية ربما يقتل صاحبه ! وقد نهى النبيّ أن ننام على سطحٍ لا سور له.
الآن من يفعل أشياء ربما أودت به إلى التهلكة فقد عصى، فإذا وجد عندك تيارٌ كهربائيٌ مئتان وعشرون فولطاً وفيه أسلاك مكشوفة، وعندك أولاد، فلو حدث فيها ماسٌ وصدمةٌ كهربائيّة ومات أحدهم فأنت محاسب، محاسب حساباً شديداً وعليك دِيَّة !!
أردت من هذه المقدّمة أن أؤكد لكم أنّه ما من نعمةٍ على الإطلاق بعد نعمةِ الهدى من نعمة الصحة، تليها نعمة الكفاية لا الغنى، هدى، صحة، كفاية، فإذا حصّلتها فعلى الدنيا السلام.
ومرةً ثانيةً أقول لكم: أنا لا أتحدّث عن الأمراض التي يسوقها الله عزَّ وجلَّ محض رحمةٍ، والله محض ودٍ، ومحض فضلٍ، الإله يكون منعه أحياناً هو عين العطاء.
حدّثني أخ أعرفه قبل سنواتٍ عدّة، أعرف هذا الإنسان أبعد شيءٍ عن الإيمان، يكاد يكون غير مؤمن إطلاقاً، قريباً من الإلحاد، جاءته الدنيا كما يشتهي، عاش في بحبوحة وفي مرح، من مكان إلى آخر، من ندوة إلى أخرى، من نادٍ إلى آخر، من ملهى إلى آخر، إلى أن أصيبت ابنته الوحيدة التي يحبُّها حباً جمّاً بمرضٍ خبيث في الدّم، ولشدّة حبّه لها أنفق كلَّ شيءٍ يملكه حتّى إنّه باع بيته، قال لي مرّةً وقد وجدْته في مكان: أنا أصلّي عندك منذ أشهرٍ كثيرة، وقد فوجئت بهذا الخبر، وله سمتٌ حسن، فسألته عن سرِّ مجيئه للمسجد ؟ فحدّثني بهذه القصّة:
أنّه له فتاة يحبُّها حبّاً جمّاً أصيبت بمرضٍ عضالٍ في دمها، أنفق كلّ ما يملكه حتّى اضطرّ إلى بيع بيته، قال لي: ثمَّ جاءني خاطرٌ يا ترى لو أنني رجعت إلى الله أنا وأمّها هل يشفيها ربنا عزَّ وجلَّ ؟ خاطر، فكأنّه شعر بوجود القبول أي تفضّل وتب إليّ، فبدأ يصلّي هو وزوجته، وحجّب زوجته، والتزم خطب الجمعة، وبدأ يسعى إلى الله كما وعده، ثمّ قال لي: شيئاً فشيئاً تراجع هذا المرض، وبعد سنواتٍ عدّة دعاني إلى عقد قرانٍ ابنته، وأنا في عقد القران ـ وقد ألقيت كلمة ـ سألته: هي هي ؟ فقال لي: هي هي، هي التي أصيبت بمرض عضال وشفاها الله.
ما من مرض يسوقه الله لعباده إلا من أجل أن يقربهم إليه:
أخواننا الكرام، يوم القيامة هذا الإنسان حينما يرى هذا المرض الخبيث الذي ألمَّ بابنته، كان سبب هدايته إلى الله، ألا يرى هذا محض فضلٍ ؟ والله الذي لا إله إلا هو فإنني أجزم أنّه ما من مرض يسوقه الله لهذا الإنسان إلا هو محض فضلٍ ولو كشف الغطاء لذابت نفسه شكراً لله عزَّ وجلَّ، لأنّ ربنا عزَّ وجلَّ رب يربّي فهو يعلم كيف يجلب العبد، وكيف يحمله على التوبة، ويعلم كيف يجعله يقف على بابه متأدّباَ عابداً، فهو سبحانه وحده قد يكون منعه عين العطاء، فأنا الآن لا أتحدّث عن هذه الأمراض التي يسوقها الله عزَّ وجلَّ لعباده من أجل أن يقرِّبهم منه.
أحد كبار العلماء في قطر عربي له سمعة كبيرة في العالم الإسلامي، اضطرّ أن يجري عمليّة في المرارة وضعت تحت تصرّفه أربع طائرات في المطار مع الطاقم الطّبي الكامل، وأخذ إلى بريطانيا وأجريت له العمليّة بنجاح، سأله صحفي: ما هذه المكانة العلية التي تتمتع بها في العالم الإسلامي ؟ فقال بمنتهى الأدب: لأنني محسوبٌ على الله، أنا لست محسوباً على جهةٍ أرضيّة. وكلمة محسوب فيها أدب أيضاً، قد أكون لست أهلاً لكنني محسوب على الله عزَّ وجلَّ.
قبل أيام قرأت لقاءً صحفياً معه أنه ما الحكمة من هذا المرض الذي ألمّ بك ؟ فقال: لأزداد قرباً من الله عزَّ وجلَّ.
للمصائب عدة أنواع منها مخالفة النظام الدقيق الذي نظّمه الله لنا:
فأنا أحب أن أُطَمئِن كل أخواننا لأنّ الحديث القدسي دقيق جداً:
(( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ؟ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
أي أنّ ربنا عزَّ وجلَّ عندما يسلب الصحّة من الإنسان يعوّضه من تجلّيه ومن سكينته ومن النور يقذفه في قلبه أضعافاً كثيرة، فإذا زار الإنسان مريضاً يشعر بالصفاء لماذا ؟ لأنّ المريض زاده مرضُه قرباً من الله عزَّ وجلَّ.
مرّة ثالثة أنا لا أتحدّث عن هذه الأمراض، فهذه الأمراض محض فضل، محض رحمة، محض تربية، أنا أتحدَّث عن مرض سببه خطأ منا، وهذا درسنا اليوم، فأنا لا أقبل أبداً من مسلم يرتكب أخطاء بجسمه وعندما يدفع الثمن باهظاً يقول لك: هذا ترتيب سيدك، هذه حماقة، صدقاً لا أقبل أحداً يقصّر في التعامل مع جسمه ويرتكب أخطاء كثيرة في غذائه في حركته في أنواع طعامه ثمّ يقول: هكذا قدّر الله لي !!
لا، هذا ليس قضاءً وقدراً، هذا جزاء مخالفة النظام الإلهي، ذكرت مرة في خطبة جمعة: أنّ المصائب أنواع منوّعة منها مصائب مخالفة النظام الدقيق الذي نظّمه الله لنا فمثلاً إذا قلنا لشخص خفف من تناول الملح وهو يحبُّه جداً، فهو لا يُسرُّ إذا لم يوجد الملح وكل لقمة يغمسها فيه وإذا لم توجد المملحة على طاولة الطعام، قلنا له: إنّ الملح يحبس السوائل في الجسم ويرفع الضغط، وبارتفاع الضغط يجهد القلب، فارتفع ضغطه، وأصيب بخثرة دمويّة وانتقلت للدماغ وأصبح معه شبه شلل فيقول لك: هكذا الله يريد، لا الله لا يريد ذلك فهذا جزاء الخطأ.
فمثلاً قال لك الطبيب: إيّاك أن تدع حبَّ الضغط إلا بعد استشارتي وبالتدريج، كثير من الأشخاص يتناولون حبوب الضغط ويجد أن ضغطه قد نزل فيرتاح ويقول: لا أريد وأبعدوه عنّي. هل هذا حسب ما تريد ؟ طبيب قلبيّة مثّل لي الحادثة فقال: هذا الضغط مثل النابض وحبّة الضغط أنزلته، وإذا تركته فجأةً يرجع لمكان أعلى مما كان سابقاً، وإن زاد قياسه عن ثمانية عشر فهناك احتمال أن ينفجر شريانٌ بالدماغ فوراً، واحتمال خثرة وفالج.
فدرسنا اليوم ليس له علاقة بالأمراض التي يسوقها الله من أجل أن يقرِّب هذا العبد، درسنا اليوم متعلّق بأمراض أسبابها أخطاء منّا، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة]
ربنا عز وجل جهز الإنسان بجهاز عالي المستوى لدرء الأخطار:
الآن إلى ظاهرة التدخين، أخواننا الكرام كلُّكم يعلم أنَّ هذا الجسم مزوّد بآليّة عجيبة جداً، أي أنّ جسمك وحده كونٌ ينطق بعظمة الله، والحديث عن الجسم لا ينتهي، لا تكفيه سنوات ولا مجلّدات، ولكنني سأتناول من الجسم ما له علاقة بالتدخين.
ربنا عزَّ وجلَّ جهّز الإنسان بجهاز لدرء الأخطار ولكنّه عالي المستوى، فمثلاً: لو شاهد الإنسان أفعى في بستان، أو شاهد عقرباً، أو إنساناً يشهر عليه السلاح، أو وهو يقود سيارته شعر بأنّ هناك حادثاً مميتاً، تجاوز سيّارة فوجد أمامه سيّارة وبسرعة عالية، ماذا يحدث في جسمه خلال ثوانٍ ؟
أولاً: هذه العين تنطبع على شبكيّتها صورة خطيرة، هذه الصورة تنتقل إلى الدماغ إدراكاً (إدراك الخطر) والدماغ يوجد عنده مفاهيم، فلو رأى أفعى وهو قد درس عنها في سنين دراسته وكيف أنّ لدغتها قاتلة، ودرس عن بعض أنواع الأفاعي الشرسة التي تقفز قفزاً، وشاهد أفعى مصبّرة في مدرسته، وسمع عدداً من القصص في بعض المعسكرات عن أفعى لدغت مثلاً مجنّداً، فتوجد لديه مجموعة مفاهيم عن الأفعى، فعندما شاهدها فهذه الصورة انتقلت إلى الدماغ عن طريق العين، فبالعين إحساس وبالدماغ إدراك، والدماغ هو ملك الجهاز العصبي، وتوجد بداخله ملكةٌ صغيرة اسمها الغدّة النخاميّة وهي ملكة الجهاز الهرموني، الجهاز العصبي أوامره كهربائيّة، والجهاز الهرموني أوامره كيميائيّة.
فالدماغ يعطي أمراً للملكة عن طريق جسم تحت السرير البصري هذا ضابط اتصال بين الملك والملكة، الملكة أي الغدّة النخاميّة تعطي أمراً هرمونياً إلى الكظر وهما غدّتان فوق الكليتين (وهما من أخطر الغدد) تعطي أمراً إلى الكظر بمواجهة الخطر، فماذا يفعل الكظر ؟
ما الذي يحدث عند مواجهة الإنسان للخطر ؟
عند مواجهة الإنسان للخطر يحتاج إلى جهد عضلي، أوّل أمر يذهب إلى القلب لرفع ضرباته، كانت ضرباته ثمانين، فترتفع للتسعين ثمّ المئة، ثمّ المئة والعشرين، ويمكن أن تصل ضربات القلب للمئة والثمانين ضربة بالدقيقة.
الهرمون الثاني يذهب إلى الرئتين من أجل أن تسرعا في وجيبيهما بحيث تتوافق مع ضربات القلب السريعة، فالخائف دقّات قلبه مئة وثمانون ويلهث.
أمراً ثالثاً يذهب للأوعية الدمويّة، فالإنسان أزهر اللون ومورَّد الخدّين وهذه لا يحتاجها الخائف، فهو يريد الخلاص من الأفعى ولا يريد الوجنات الموردة المحمرّة، فيذهب أمر إلى الأوعية المحيطيّة لتضيق لمعتها، فالخائف يصبح أصفر اللون، فما الذي حدث ؟ كلُّ هذه الأوعية تضيق لمعتها.
أمرٌ رابعٌ يذهب إلى الكبد، طبعاً الإنسان يحتاج إلى طاقة، فالكبد يقوم بطرح كميّة إضافية من السكر بالدم.
وأمر خامس يذهب للكبد فيطرح مزيداً من هرمون التجلّط، فالخائف دمه لزج، و أغلب الظّن عند وجود مشادة أو قتال أو مشكلة قد يصاب بجرح فينزف كل دمه فيميل الدم للزوجة، هذا الأمر يحدث في ثوانٍ، وهذه أشياء مسلّم بها طبيّاً وليست غريبة.
الأخطار التي يسببها النيكوتين لجسم الإنسان:
ماذا يفعل النيكوتين في الجسم ؟ النيكوتين هو المادة السامّة في الدخان، هذه المادّة السامة لو أخذت محصّلة دخينة واحدة من النيكوتين وحقنته في الوريد لمات الإنسان فوراً، ماذا يوجد في الدخينة الواحدة ؟ النيكوتين، لو حقنته في جسم الإنسان لمات فوراً ! ماذا تفعل هذه المادّة السامة في الجسم ؟
تقوم بحثِّ الكظر على إعطاء كلِّ هذه الأوامر طوال التدخين، الإنسان أحياناً يضطرب في الشهر أو في السنة مرة أو في الخمس سنوات اضطراباً شديداً ويخاف، وتوجد لديه آليّة عالية المستوى يواجه بها الخطر، أمّا المدخن هذه الجاهزيّة العالية من ضربات سريعة إلى وجيب سريع إلى هرمون التجلّط إلى السكر الزائد إلى سكّر إلى ضيق الأوعية المحيطيّة، عندما يضيق الوعاء المحيطي يتعب القلب، فالقلب مضخّة فإذا ضاق المجرى يحتاج إلى جهد أكبر.
فأوّل شيء بالدخان أنّ المادة السامة في الدخينة تفعل فعل الشدّة النفسيّة في الإنسان، والحقيقة أن هذه المادة تؤثّر على الكظر وتجعله يفعل ما يفعله حينما يخاف الإنسان هذه واحدة.
الشيء الثاني عندما تضيق شرايين الإنسان، ويصبح دمّه لزجاً فلا يستطيع الدّم الدخول إلى الأوعية الدقيقة جدّاً، لذلك احتمال أن يصاب المدخن بالغرغرين يصبح قائماً ـ وهو هذا المرض الموات ـ عندما تمتنع التروية ببعض الأطراف تسود، وإذا اسودّت يجب قطعها فوراً، وبالمناسبة أخواننا لا أحد يستعمل حذاءً ضيّقاً فهو خطر جداً، ولا يهمّك أنّ الضيّق موضة، هذا كلام فارغ، استعمل الأحذية الواسعة المريحة، لأنّ الحذاء الضيّق له مفعول خطير يشد على الأوعية الدمويّة وربما أصيبت قدمه بالموات.
الأضرار المادية والمعنوية التي يسببها التدخين:
درسنا اليوم درسٌ صحيحٌ لأنّه عن التربية الصحيّة، فقم بتربية أولادك، هذه واحدة.
الثانية أنّ هذه الرئة كما تعلمون، خمسة وثلاثون مليون حويصل رئوي، لو نشرنا هذه الحويصلات تصبح مساحتها سبعين متراً مربّعاً، القصبة الهوائية تتفرع لثلاثة وعشرين فرعاً، وكل فرع إلى فروع، إلى أن تصل هذه الفروع إلى خمسة وثلاثين مليون حويصل رئوي، في كل المجاري التنفسيّة أهداب تتحرّك نحو الأعلى باستمرار، فكل المواد الغريبة تنطلق نحو الأعلى، وأحياناً يشعر الإنسان أن بحنجرته قشع، اسمها النخامة، ويقوم بلفظها، المادة السامة في الدخان تشلُّ حركة الأهداب شلاً كاملاً، كل إنسان يستخدم الدخان يشكل تلاقي هذه الأهداب مثلثاً، إذاً احتمال أن يحدث إنتان بالرئتين، وهذه الحالة الثانية، وأنا لا أقول عن أخطار الدخان سوى واحد بالألف.
قبل أن آتي إليكم اطلعت على كتاب صدر حديثاً عن إحدى دور النشر ـ وهي لأحد أخواننا ـ اطلعت على الكتاب فوجدت أنّ مستوى الكتاب أعلى من درسٍ يلقى في المسجد، فالأمور تحتاج إلى شرح صور، سليدات، وصعب أن تُشرَح شرحاً نظرياً، فبقيت على المعلومات البسيطة التي أعرفها، ووجدت أنه من غير المناسب طرح الموضوع المعقّد العلمي في المسجد، وأنا والله لا أتكلّم عن أضرار الدخان سوى واحدٍ بالألف.
ذلك فضلاً عن موضوع الرائحة التي لا يقبلها الإنسان، وعن الإنفاق الزائد، دعني من أنه حرامٌ أم حلالٌ، فأنت إنسان رأسمالك صحّتك، وإن كنت شاباً في ريعان الشباب، فالمفروض أن يكون لديك إرادة قويّة وقوّة إدراكيّة عالية لتختار ما هو صالح لنفسك، أمامي بعض المعلومات عن أضرار الدخان.
قيل إن نسبة الوفيّات بين المدخنين الذكور تزيد ثمانية وستين بالمئة عنها من بين غير المدخنين، أي لو أخذنا مئة شخص لا يدخنون ومئة يدخنون، فإن مات واحد من المئة الذين لا يدخنون يموت ثمانية وستون من المدخنين.
بعض الإحصائيات عن نسبة الوفيات في صفوف المدخنين بالمقارنة مع غير المدخنين:
توجد لدينا إحصائيات أجرتها مجلّة ألمانيّة متخصّصة في هذا الموضوع، وتقول هذه الإحصائيّات أن نسبة الوفيّات في صفوف المدخنين من الأمراض التالية بالمقارنة مع غير المدخنين:
سرطان الرئة: ( 10.8) أي عشرة أضعاف، أي الذين يصابون بسرطان الرئة من بين المدخنين عشرة أمثال غير المدخنين.
التهابات الأغشية المخاطيّة والمجاري التنفّسيّة وتورُّمها وانتفاخها: ستة أضعاف وواحد بالعشرة.
سرطان الحنجرة: خمسة أضعاف وأربعة بالعشرة.
سرطان تجويف الفم: أربعة أضعاف وواحد بالعشرة.
سرطان المري: ثلاثة أضعاف وأربعة بالعشرة.
أمراض المعدة: ضعفان وأربعة بالعشرة.
أمراض دوريّة أخرى: ضعفان وستة بالعشرة.
أمراض الدّسامات القلبية: ضعف وسبعة بالعشرة.
هذه إحصائيّة والذين أجروها لا علاقة لهم بحرمة الدخان ولا بحلِّه، وكذلك جمعيّة مكافحة السل أصدرت نشرة تقول فيها إنّ سنوات عديدة من البحث العلمي أثبتت الوقائع التالية: عندما يدخن شخصٌ ما دخينةً (أنا أقول دخينةً عوضاً عن سيجارة لأنها كلمةٌ عربية) فإنّه يبتلع الدخان ويحتفظ الجسم بثمانين إلى تسعين في المئة منه، كما يحتفظ ببقايا احتراق التبغ الذي هو القطران الذي يتجمّع في الطرق التنفُّسيّة، والقطران نوعٌ من عدّة مركبات كيماويّة يستطيع بعضها إحداث السرطان بينما بقيّة العناصر الأخرى تحدث التخريش أيضاً.
التدخين يهيئ لعدة أمراض خطيرة:
المدخنون أشدُّ تعرُّضاً للإصابة بالسل والسرطان من الذين لا يدخنون، والتدخين هذه العادة تؤدّي إلى الآفات الرئويّة المزمنة كالتهاب القصبات وانتفاخ الرئة والربو والسل.
التدخين يهيئ لأمراض القلب، يعني أوضح قضيّة بالقلب، عندما يكون الدم لزجاً فاحتمال تجلُّطه أكبر، لذلك أول سؤال يسأله طبيب القلب للمريض: هل تدخّن ؟ وأحيانا يوجد طبيبٌ لا يسأل بل يضع يده على صدر المريض ويتحسس هل يحمل في جيبه علبة من الدخان، لوجود علاقة علميّة بينهما.
وأنا أقسم لكم لم أتحدّث وليس في إمكاني أن أتحدّث أكثر من ذلك، لأنّ الأمور أعقد بكثير، كتب بأكملها بعضها صدرت في أربعمئة صفحة عن أضرار التدخين، وقد اكتشفت اليوم شيئاً لم أكن أعرفه من قبل، يوجد مرض خطير اسمه فقر الدم اللامُصنّع، فقد وضع الله عزَّ وجلَّ بنقي العظام الموجودة داخل عظم الساق أو الفخذ ـ يحبّها الأطفال كثيراً وهي لب العظم (النخاع ) وهي طيبة الطعم ـ وهي معمل لإنتاج كريات الدم الحمراء، وهي تسمّى نقي العظام، هذا المعمل لو توقّف لصار الموت محققاّ، وحتى الآن لا يدري أحدٌ لِمَ يتوقف هذا المعمل، المرض اسمه فقر دم لا مصنِّع، واليوم اكتشفت في هذا الكتاب الجديد أن الدخان يسهم في تقليل إنتاج كريات الدّم الحمراء، فالمواد السميّة بالدخان تفعل فعلها في معامل نقي الدم، النبيّ أمرنا بالحجامة، فماذا تفعل الحجامة ؟
قال عليه الصلاة والسلام:
((احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم))
[الترمذي عن عبد الله بن عباس]
وتوجد أحاديث كثيرةٌ جداً وصحيحة عن الحجامة ولا سيّما في هذه الأيام ـ أيام الربيع ـ فالحجامة تقلل كميّة الدم بالجسم، حينما تقلُّ هذه الكميّة في الجسم تنشط معامل كريات الدم الحمراء، فكأنّ الحجامة صيانة مستمرّة لمعامل كريات الدم الحمراء في الجسم. الإرشادات الطبيّة النبويّة تعدّ من تعليمات الصانع لا من كلام النبيّ:
أخواننا الكرام، الذي قاله النبي عن الصحّة وحيٌ من الله، لأنّ المعطيات العلميّة في عصر النبيّ لا تسمح له أبداً أن يعرفها، أشياء في منتهى التعقيد لكنّ النبيّ نطق بها، لأنّه:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾
(سورة النجم)
الإرشادات الطبيّة النبويّة يجب أن تعدّ من تعليمات الصانع، لا من كلام النبيّ، ألم يقل سيّدنا سعد بن أبي وقّاص: وما سمعت حديثاً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا علمت أنّه حقٌ من الله تعالى.
طبعاً أخطر شيء السرطانات بدءاً من الفم للحلق للبلعوم للمريء للرئتين، أمراض الموات كالغرغرين والجلطات الدمويّة، أي الأمراض القلبية والوعائية، هذه من نتائج الدخان الطبيعيّة.
بعض الدلائل من الكتاب والسنة عن العناية بالصحة وعدم إهمالها:
الآن أضع بين أيديكم هذه الآيات قال تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾
( سورة البقرة )
قد يكون في الإنسان أعلى درجات العناية بصحته، ويبعث الله له مرضاً هذا يسمّى قضاءً وقدراً، وهذا موضوع آخر، لكن باختيارك وسعيك وبخطأ منك، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾
( سورة البقرة )
وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) ﴾
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
[رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
هذا الحديث يعدُّ أحد القواعد الكبرى في الشرع، لا ضرر ولا ضرار، قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) ﴾
( سورة النساء )
الخبيث يبقى خبيثاً ولو كثر:
عندما يشرب الإنسان كأساً من الشاي، أو كأساً من العصير، أو يأكل تفّاحة ماذا يقول ؟ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما ينتهي يقول: الحمد لله، يا ترى هل من الممكن أن يقولها قبل أن يدخّن ؟! إذا أراد أن يدخّن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم !! وعندما ينتهي منها: الحمد لله، الله يديمها علينا، مستحيل أن يفعل ذلك لأنّها ضارّة قال الرسول الكريم:
(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
[رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ(2) ﴾
(سورة النساء)
وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) ﴾
( سورة الأعراف )
ويقول أيضاً: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) ﴾
( سورة المائدة )
لو كان الأكثر مبيعاً في العالم: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ(100) ﴾
( سورة المائدة )
لو كثر ولو تسعين بالمئة يبقى الخبيث خبيثاً، هذه كلها آيات قرآنيّة.
الدخان أيضاً يخدّر العقل ويفتّر الجسم وهذا أمر يشعر به المقدم على تناوله والمبتدئ بشربه، وقد نهى النبيّ عليه الصلاة والسلام عن كلّ مفتّر، كما نهى عن كلّ مسكر ومخدّر وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسندٍ صحيح عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت:
(( نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفْتِر ))
[أبو داود عن أم سلمة]
التدخين يسبب الإدمان فتضعف سيطرة الإنسان على جسمه وتقوده إلى الهلاك باختياره:
ربما قال لي أحدكم: إنّ بعض العلماء أفتوا به. هذا الكلام غير مقبول إطلاقاً، لأنّ العلماء الذين أفتوا بالدخان أفتوا به يوم لم تكن بين أيديهم هذه المعطيات، واعتمدوا على مقولةٍ وقاعدةٍ شرعيّةٍ أساسيّةٍ هي: أنّ الأصل في الأشياء الإباحة.
فلا أحد يحتجّ بقول عالم عاش قبل خمسمئة سنة، لم تكن هذه المعطيات العلميّة موجودة بين يديه، والأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ذهبت إلى السعوديّة بالحج ووجدت فاكهةً لا تعرفها، ولكنّها فاكهة فهل هي حرامٌ ؟ لا ليست حراماً، فما هو الدليل ؟ أقول لك إنّ الأصل في الأشياء الإباحة، ولكن بعدما ثبتت هذه الأخطار الوبيلة، وهذه المضاعفات الخطيرة، فأصبح الأمر له وضع آخر.
طبعاً ناهيك عن الضرر المالي، فالمدخّن يحتاج إلى مبلغ، فإذا كان دخله محدوداً يقترب من ربع دخله، طبعاً فلو أطعم أولاده فاكهةً لو أطعم أولاده طعاماً مغذّياً بهذا الثمن لكان خيراً له أي: " أن أرجحكم عقلاً أشدّكم لله حباً."
مشكلة التدخين أنّه يسبب الإدمان والإنسان مع الإدمان تضعف سيطرته على جسمه، تجده يقود نفسه إلى هلاكه باختياره.
بعض الأمثلة المتعلقة بالتربية الصحية والتربية الجسمية:
توجد موضوعات كثيرة جداً في التربية الصحيّة لكن سأشير إليها إشارة سريعة فهمكم كفاية: إذا وجد في البيت مجلات أو أشياء فيها صور فهي لا تجوز ولا تليق ببيت المسلم، وهي أشياء تنقل الشاب إلى عادات لا ترضي الله عزَّ وجلَّ، وتفريغ طاقاته، وقد يفرغ طاقته بعادات تحطّم جسمه وأعصابه وتجعله في دوّامة لا نهايةَ لها، والأسباب هي المثيرات، فكل شيء ممكن أن يحرّك المشاعر الغريزيّة في الإنسان فيه ضرر كبير، يجوز أن يكون الأب والأم القضيّة محلولة معهم أمّا الأبناء فلا حلّ لهم، أي أن الطريق للزواج طويل، بعد ثلاثين سنة وهذه المثيرات الموجودة في البيت كالمجلات والكتب وأجهزة اللهو مثلاً الشاب والشابّة ماذا يفعلون ؟ فهذه نقطةٌ دقيقة جداً ولا أحد يتكلّم بها ولكنّها واقعة وأسبابها التساهل في هذه الأشياء قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾
( سورة المؤمنون )
معتدٍ، أي أنّ أيّ أسلوب أو أيّ طريق لتفريغ هذه الطاقة غير الطريق المشروع الذي أمر الله به وسمح به هذا عدوان، وهذا محرّمٌ بنصّ هذه الآية.
هناك أشياء أخرى متعلّقة بالتربية الجسميّة، فمثلاً تجد بعض الأدوية بين يدي الأطفال ويكون بعضها ساماً، الطفل دون سن الخمس سنوات لا يعرف، وأي شيء يضعه في فمه، فيجب أن تكون جميع الأدوية في معزل عن أيدي الأطفال، توضع في خزانة عالية لأنّه لو حدث خطأ ما فالأب مسؤول عند الله عزَّ وجلَّ، فهذا الإهمال تنجم عنه تسممات أحياناً، وفي بعض الأحيان يسبب عللاً دائمةً، فأول شيء موضوع الأدوية يجب أن تكون في البيوت في حرزٍ حريزٍ وفي مكانٍ بعيدٍ عن تناول أيدي الأطفال.
من أهمل في عمله وتسبب بمقتل شخص ما يحاسب كقاتل:
أحياناً نأتي بدواء للقوارض وهو سامٌ ويقوم بوضعه في مكان غير آمن، فيظنونه دواء آخر، ويضعه في بخاخ مثلاً تستعمل للكوي، وهو سام فيقومون برشه على الثياب عند كيّها، أو ترش في أماكن في البيت فيسبب مضاعفات خطيرة، في أحد المرّات بالأردن قاموا بحل دواءٍ زراعيٍ بوعاء كبير في حلّة، وقاموا برشّه، وقاموا بغسيلها وجليها سبع مرّات ثمّ قاموا بالطبخ فيها، فمات سبعة أشخاص منها، توجد أدوية زراعيّة ذات سميّة شديدة جداً.
فأخواننا الذين يملكون مزارع أو من عنده محلات تجاريّة متعلّقة بهذه الأدوية فيجب أن يراعوا ذلك، فالأمور دقيقةٌ جداً، الإنسان أيّاماً يحاسب كقاتل عند الله عزَّ وجلَّ، فلا تقل لي: قضاءً وقدراً، إذا كان هناك إهمال يحاسب كقاتل.
حدثني أحد الأخوة بأنّه جاء من بلاد الحجاز بسيارةٍ أيام الحر الشديد، وأراد صاحبها أن يغير زيت علبة السرعة، ويظهر أنّ الصانع لم يشد البرغي لعلبة الزيت، وعلى الطريق تسرّب الزيت منها وحدث بعلبة السرعة خللٌ فتوقّفت السيّارة، فنزل منها صاحبها وفتح غطاءها وبحث في المحرّك فأصيب بضربة شمس فمات.
هل يا ترى هذا الذي قام بشد هذا البرغي يحاسب عند الله هو أو معلّمه ؟ أدّى إلى قتل نفس والدليل:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾
( سورة يس )
أحياناً يكون خطأ مثلاً بالبيت يسبب عاهة دائمة لطفلة صغيرة، ثلاثين أربعين خمسين ستين سنة، وكلّما وقعت عين الأم على ابنتها يحترق قلبها، قضيّة خطيرة، مثلاً مصادر الاحتراق كالمواقد والمدافئ لها ترتيب خاص، مثلاً الأسلاك الكهربائيّة المكشوفة هذه خطيرة جداً، كثير من الناس ماتوا بالحمام بسبب أنّ الغسّالة تعمل وهو حافي القدمين، وحدث ماس كهربائي، فالتيار البالغ 220 فولطاً مع الماء مميت، حوادث وفاة كثيرة ويقولون: قضاء وقدر، هي صحيح قضاء وقدر ولكن فيها مسؤوليّة، أحياناً إبريق من الشاي يوضع على طرف المائدة وينسكب على وجه الفتاة أو الفتى فأصبح بعاهة دائمة طوال حياته.
الأب مسؤول أمام الله عن تربية ابنه الجسميّة فالأبوّة مسؤوليّة:
المقصّات والسكاكين يجب وضعها في أماكن بعيدة عن الأطفال، أحياناً تنام الأم وتضع طفلها بجانبها لينام فيموت بالاختناق من أمّه وتحدث كثيراً هذه الحوادث، يجب أن ينام الطفل في سريره، الشرفات أطفال كثيرون يسقطون منها، وقد سمعنا بالهامة أنّ شاباً وقف فوق الجسر فوقع من فوقه ميّتاً، فلو وجدت طوابق عالية وفيها شرفات والطفل لا يقدّر وهي خطيرة جداً، فاستدن واعمل لها حاجزاً، لا تقل لا يحدث شيء، بل ممكن أن يحدث ويظل القلب محترقاً إلى يوم القيامة.
كثيرٌ من الأطفال أدخلوا أيديهم في مفرمة اللحوم فقطعت أو فرمت أصابعهم وهذه نقطة مهمة جداً، فعلى الأم أن تكون ذات وعي أكثر في تنبيهاتها وتوجيهها لأولادها فهم أمانةٌ عند والديهم، فإذا لم توجد التعليمات المشدّدة والتحذيرات فتقع العاهات الدائمة ويصبح الابن مصدر شقاء لوالديه، على كلٍ الموضوع طويلٌ وننتهي عند هذا الحد.
فالأب مسؤول أمام الله عن تربية ابنه الجسميّة، عن غذائه، عن سلامته، عن صحّته، عن قوّة بنيته، فالأبوّة مسؤوليّة، وعندما يجد الإنسان أولاده أمامه بصحّة جيّدةٍ ونشاطٍ وأخلاقٍ وعلمٍ وجسمٍ جيِّدٍ هذا مما يسعده، وننتهي في هذا الوقت بهذا القدر عن مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميّة، وننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى إلى مسؤولية التربية العقليّة.
الأب يقوم بتربية ابنه تربيةً إيمانيّة وتربية أخلاقيّة وتربية جسميّة، غداً والأسبوع القادم التربية العقليّة، كيف ينمّي مدارك ابنه ؟ فابنك زادك إلى الله، زادك إلى الجّنة، وإذا كنت قد اعتنيت به فهذا استمرار لك، هذا صدقة جارية، هذا به تستمر ولا ينقطع ذكرك عند الموت.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن )

الموضوع :التربية العقلية ( 1 )



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن من دروس تربية الأولاد في الإسلام.
مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة:
لقد مرّ بنا من قبل مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، هذا كلّه تحدّثنا عنه في دروس سابقة، واليوم ننتقل إلى مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، ربيته تربيةً إيمانيّة، وربيته تربيةً خلقيّة، وربيته تربيةً جسميّة، وننتقل اليوم إلى التربية العقليّة.
أيّها الأخوة الكرام، لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ أنّ أوّل آيةٍ في القرآن الكريم هي قوله تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾
( سورة العلق )
الشيء الأساسي ـ وهذا قلته لكم سابقاً ـ الجماد شيء، التعليل الفيزيائي له حيّز أي له طول وعرض وارتفاع ووزن، هذا الجماد.
لكنّ النبات أيضاً شيء مادي وهو يشغل حيّزاً في عالم المادة، له طول وعرض وارتفاع ووزن إلا أنّه ينمو، بماذا اختلف النبات عن الجماد ؟ بالنمو، الحيوان شيءٌ طبعاً مادة له طول وعرض وارتفاع ووزن وينمو كالنبات لكنّه يتحرّك، النبات ينمو.
الجماد له حيّز يشغل حيّزاً له طول وعرض وارتفاع ووزن، والنبات ينفرد عن الجماد بالنمو، الحيوان يشغل حيّزاً وينمو وينفرد عن الجماد والنبات بالحركة، أمّا الإنسان جسم ماديّ له طول وعرض وارتفاع يشغل حيّزاً وينمو ويتحرّك ويفكّر.
أعظم شيء يتمتع به الإنسان هو العلم:
التربية العقليّة إذا لم يستخدم الإنسان هذا الفكر أو تلك القوّة الإدراكيّة التي أودعها الله فيه فقد عطّل إنسانيّته، أي أنّ أعظم شيء يتمتّع به الإنسان هو العلم، بالعلم فضّلت على كثيرٍ ممن خلق الله تفضيلاً، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) ﴾
( سورة الإسراء )
توجد كلمةٌ أيها الأخوة لا أشبع ولا أملّ من تردادها ؛ رتبة العلم أعلى الرتب، من في الأرض الآن هو الأقوى ؟ الإنسان الذي بيده الأسلحة المدمّرة، وهو محاط بعدد كبير من العلماء يقدّمون له المشورة والخيارات، إذاً من هو الذي يحكم العالم كلّه ؟ العلماء.
أريد خبرةً في هذا الموضوع، من يأتي بالخبرة ؟ العالِم، لذلك هذه الكلمة: رتبة العلم أعلى الرتب أي أنّك لن ترقى إلى أعلى الدرجات إلا بالعلم، لذلك الحظوظ التي يتمايز بها الناس في الدنيا (وهي كلمة دقيقة الحظوظ) المال حظ، يقولون: فلان حجمه المالي كذا، فلان يحكي بكذا، إلى ما هنالك من عبارات يستخدمها أرباب الأموال، فالمال حظ، القوّة حظ ؛ فلان مسيطر على قارة بأكملها، هذه الدولة تتحكم بمصير العالم مثلاً، القوة حظ، والصحة حظ، الوسامة حظ، لكن ما الحظُّ الذي اعتمده القرآن كقيمةٍ مرجحةٍ بين العباد ؟ العلم فقط قال تعالى:
﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾
( سورة الزمر )
رفض الله عزَّ وجلَّ في القرآن أن يكون المال مرجّحاً بين العباد كذلك قال النبيُّ الكريم:
(( سَبق دِرْهَم مائةَ ألف دِرْهم ))
[النسائي عن أبي هريرة]
وقال:
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم: قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) ﴾
( سورة آل عمران )
القوّة لا شأن لها في القرآن، متاعٌ قليل، ولكنّ الله عزَّ وجلّ لم يعترف بقوَّة المال، ولا بقوّة السلطة، ولا بقوّة الصحّة، ولا بقوّة الوسامة، ولا بقوّة النسب، القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم، لذلك كلمة الإمام الشافعي:
" إذا أردّت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردّت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردّتهما معاً فعليك بالعلم."
أي أنّك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله كي تطلب العلم ؛ العلم الشرعي، بالمناسبة دققوا في هذه الكلمات، أيُّ علمٍ، فإذا دخل الطالب الجامعة مثلاً ودرس الحقوق، أو الآداب، أو لغات أجنبيّة، فيزياء، كيمياء، رياضيّات، طبيعيّات، درس الطب، درس الهندسة، فالعلوم ممتعة بحد ذاتها، أي علم لكن بشرط التعمّق، فإذا درست العلوم سطحيّاً فالعلم عبء مزعج جداً، أيُّ علمٍ ممتع. عند الموت ينتهي العلم الدنيوي لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين:
هناك علمٌ ممتعٌ ونافع مثلاً يدرس الإلياذة لهيموروس ؛ وهو شاعر إغريقي قد عاش قبل الميلاد، لكن لو درست هذه القصيدة لن تقبض على دراستها شيئاً، أمّا قد يكون الإنسان له اختصاص نادر والمجتمع بحاجة ماسّة له، فهو تعلّم هذا العلم واستمتع به لكنّه انتفع ماديّاً به إذاً كلُّ علمٍ ممتع، لكن هناك علمٌ ممتعٌ ونافعٌ.
العلم الديني ممتع نافع ومسعد، يجوز أن تقرأ نعوة فلان الفلاني يكون له لقب علمي كبير، فإذا مات انتهى هذا اللقب وانتهت تلك المكانة وكل شيء قد انتهى، إلا أنّ العالم بالدين إذا مات، الآن قد بدأت سعادته، العلم الديني يستمر إلى الأبد، أمّا العلوم الدنيويّة تنتهي عند الموت.
لو فرضنا أعلم إنسان في علوم الفضاء عند الموت ينتهي اختصاصه، و أعلم إنسان في علوم الطّب، أكبر جرّاح في العالم، أكبر أستاذ في الفيزياء مثلاً، أكبر عالم طبيعيات في العالم، عند الموت ينتهي علمه لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين قال تعالى:
﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾
( سورة الزمر )
وقال أيضاً:
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) ﴾
( سورة طه )
الفرق كبير جداً بين المتعلم والجاهل:
وقل ربي زدني مالاً قوةً جاهاً، وقل ربِّ زدني علماً هذا الشعار لجامعة دمشق، آية ثالثة قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾
( سورة المجادلة)
العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، بالمناسبة أقول لكم هذا الكلام لأنّ الأب مسؤول أكبر مسؤوليّة عن تربية أولاده التربية العقليّة، يقولون لك: العلم لا يطعم الخبز، هذا كلام صحيح، و فعلاً لا يطعمك خبزاً الآن، ولكن العلم قيمةٌ في ذاته، فأتمنى من كل أب أن يحرص على تعليم أولاده، لأنه يوجد فارقٌ كبير جدّاً بين المتعلّم وبين الجاهل.
مرّة شاهدت إنساناً أخرجه أهله من المدرسة منذ فترة، يقف أمام أسطوانة من الورق رول، فقلت له: ما طوله ؟ قال لي: من هنا لأمريكا. من هنا لأمريكا المسافة أكثر من ثمانية عشر ألف كيلومتر تقريباً، أما طول الرول، أكثر طول له خمسمئة متر، فلا يوجد عنده ميزان دقيق إطلاقاً. الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به:
إذا اجتمعت بجاهل تجد منه كل خطأ أكبر من الثاني في تقديراته، أحكامه مضحكة، تعليقاته مضحكة، تحليلاته مضحكة، تعليلاته مضحكة، فتوجد فوارق كبيرة جداً بينه وبين المتعلّم، وأعظم ما في الإنسان العلم، وأبشع ما فيه الجهل، والجاهل عدوّ نفسه، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوّه به.
ابنك يجب أن تدفعه إلى العلم، العلم على إطلاقه، لأنّ أي علم يرفع الإنسان، أحياناً تشاهد إنساناً يعمل بعضلاته اثنتي عشرة ساعة، وآخر يعمل بعقله خمس دقائق فيجوز أن يربح أضعاف من يعمل بعضلاته لساعاتٍ طويلة، فكل شيء له ثمن، روى الإمام مسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول:
(( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ))
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث أذكره كثيراً، أي وأنت في طريقك إلى المسجد ـ والله لا أُبالغ ـ هذا الطريق يفضي إلى الجنّة، طلبت العلم، عرفت الأمر والنهي، عرفت الحقّ والباطل، عرفت ماذا يرضي الله وماذا لا يرضيه، سلكت الطريق الصحيح، دخلت الجنّة، فهذا العلم نهايته الجنّة.
انظر إلى طلاب الجامعة مثلاً، يدخل أحدهم إلى كلّية الطب، الدوام فيها اثنتا عشرة ساعة، وكتب صعبة، وفحوص عويصة، وشدّة أحياناً، ودروس عمليّة ونظريّة، ولكن الدخول للجامعة والجلوس على مقاعد الدراسة هذا ينتهي بالطالب إلى أن يكون طبيباً، ربما ما تزال للطب مميزات جيّدة في المجتمعات كلها، لكن هذا الطالب وما يمر به من سنوات دراسيّة عديدة وما فيها من تعب ومشقّة، ثمّ سنوات الاختصاص حتى يحصل على درجة رفيعة ـ بورد ـ مثلاً، هو ينظر إلى المستقبل إلى هذا العمل المريح الذي له قيمة في المجتمع، لا ينظر إلى المتاعب. فائدة طلب العلم في السنة الشريفة:
وأنت كطالب علم شرعي لا تنظر لطول وقت الدرس وطول الطريق الذي تقطعه للحضور للمسجد، لا تنظر لمواسم البيع والشراء وتقول: السوق ( حامية )، لا بل السوق ( باردة ) الآن، انظر إلى أنّ هذا الطريق ينتهي بك إلى الجنّة.
(( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ))
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. ))
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
أحياناً يكون مع الإنسان مئات الملايين، ويصاب بمرض ليس له حلٌّ بالمال، وكان ناسياً لربّه ولم يعرفه سابقاً فيشعر بإحباط شديد:
(( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. ))
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
أي وما يتبع هذا الذكر من طاعة، من أعمال صالحة، وروى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))
[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]
المؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ:
أنت الآن بمهمّة، أخواننا الموظفون يعرفون معنى المهمّة، فإذا حدث شيء لا سمح الله فيتقاضى الراتب كاملاً إلى أن تنتهي حياته، لأنّ هذا الحادث حدث أثناء مهمّة رسميّة، والمؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ:
(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))
[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]
توجد نقطة هامة جداً في هذا الموضوع:
أنّه بعالم الدنيا وبعالم الناس إن لم تصل إلى النهاية لا تقطف الثمار، فلو بدأ شخص بتأثيث مشروعٍ تجاريٍ، فإذا لم ينجح المشروع لا يقطف ثماره، إلا عند الله إذا أنت وضعت قدمك في طريق العلم وجاءك الموت فجأةً تنال نهايات هذا الطريق، فعندما يبدأ الإنسان بالطريق المستقيم فإنّ الله سبحانه وتعالى يضمن له النتائج.
(( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. ))
[ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ]
وروى الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ))
[ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ]
كلّكم تعرفون أنّ النبي الكريم عندما رأى شخصاً في المسجد فيما بين وقتي الصلاة قال له: ماذا تصنع ؟ قال له: أصلّي، قال النبيُّ الكريم: ومن يطعمك ؟ قال: أخي. فقال عليه الصلاة والسلام: أخوك أعبد منك.
أمّا الذي شكا شريكه لرسول الله أنّه لا يبذل الجهد الكافي، وكان شريكه طالباً للعلم، النبي لم يقل له إنّك أعبد منه ولكنّه قال له: لعلّك ترزق به.
لأنّ طالب العلم يتعلّم لغيره، لكن العابد يتعبد لنفسه، فطالب العلم غيري، نفعه يعمّ، وأنا دائماً أتمنى على أخواننا الكرام، فأنت حضرت الخطبة ودرس الفجر، ودروس جامع الطاووسيّة ظهراً، ألا توجد آيةٌ لفتت نظرك أو حديث شريف، سجلها على ورقةٍ، ثمّ إذا جلست في جلسة أو دعيت إلى غداء أو في سهرة أو تكون في زيارة لأختك أو أحد أقاربك مثلاً أو لقاءً أسبوعياً مع أصدقائك، فمن منا من ليس له لقاءٌ دائمٌ مع أصدقائه وجيرانه ومعارفه وأقاربه ؟ حتّى في عملك، أو سافرت لمكان وجلس بجوارك شخص، يجب أن يكون لديك ذخيرة كبيرة من الآيات والأحاديث والقصص والحقائق الدقيقة الدالة على الله عزَّ وجلَّ، حتى يبقى هذا اللسان رطباً بذكر الله، فأينما حلّ المؤمن فهو يذكر ويدعو الله وأنت مؤمن، وكيفما تحرّك ينفع الناس.
كل ما يقربك من الله حقّ وكل ما يبعدك عن الله باطل:
الله عزَّ وجلَّ قال في معرض الحديث عن الكفّار:
﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (29) ﴾
(سورة الدخان )
فهل هذا المعنى له معنى مخالف ؟ معاكس ؟ معنى ذلك أنّ المؤمن إذا ما توفّاه الله عزَّ وجلَّ بكت عليه السماوات والأرض، معنى ذلك أنّ المؤمن الأرض تتبارك بمشيه عليها، أينما حلّ يدعو إلى الله، أينما حلّ ينشر الحقّ، أينما حلّ يلقي العلم، الحقيقة لا يليق بالإنسان أن يتحدّث عن غير الله عزَّ وجلَّ، حتّى إنّ بعض المفسرين قال في تفسيره للآية الكريمة:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾
( سورة المؤمنون )
فما هو اللغو ؛ قال: كلُّ ما سوى الله لغو ألم يقل الشاعر لبيد الذي استشهد النبيّ بقوله صلى الله عليه وسلم لم يقل الشعر أبداً ولكنّه قال مرّة: أصدق كلمةً قالها لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ، ولم يكمل النبيّ الشعر لأن فيه تتمة البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ، وهي كلمةٌ
غير صحيحة لأنّ نعيم أهل الجنّة لا يزول، النبيّ قد عوّدنا ألا ينطق لسانه إلا بالحق، وكلُّنا نقرأ هذه الأبيات أحياناً نستشهد بها ونقول:

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل وكلُّ نعيمٍ ما خلا الله لا محالةَ زائل
* * *
هذا الكلام خطأ، والنبي لم يكمل البيت وقال: ألا كل ما خلا الله باطل، فقط، ومعنى ذلك أنّ كلَّ شيءٍ يقرّبك إلى الله فهو الحق، وأنّ كلَّ شيءٍ يبعدك عن الله فهو الباطل.
إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض يصلّون على معلمي الناس الخير:
إذاً:

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ))

[ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ]
إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض حتّى النملة في جحرها (بيتها) وحتى الحوت ليصلّون على معلمي الناس الخير.
إنّ الله وملائكته وأهل السماوات والأرض معقول أن يصلّوا، لكن حتّى النملة في جحرها فما علاقة النملة بهذا المؤمن، قال: وحتى الحوت أي ـ السمك ـ ليصلّون على معلمي الناس الخير، فإذا أحد من الناس اشترى سمكاً قد صيد حديثاً، فإذا كان الشاري مؤمناً تجده لا يسمح للبائع أن ينظّف جوفها قبل أن تموت تماماً، تجد كثيراً من المحلات تبيع الأسماك وهو يتحرّك حركةً مخيفة، وتجد البائع يفتح بطنها وينزع الأحشاء، فقد عذّبها مرتين، المؤمن لا يسمح لمثل هذا البائع أن يفعل هذا، لعدم جواز ذلك، إلى أن تسكن فقد قال تعالى:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)﴾
( سورة الحج)
فالسمكة إذا ما اشتراها المؤمن فلا يعذّبها، وإذا ذبح حيواناً فلا يعذّبه، فالنبي الكريم عندما رأى من يذبح شاةً أمام أختها غضب وقال: هلاّ حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرّتين ؟
فمن السنّة أن تضع حاجزاً بين الغنم أو الحيوان عند الذبح، فلماذا النملة في جحرها والحوت في بحره يصلّي على معلّم الناس الخير، لأنّ المؤمن يعود خيره حتى على النمل، سألني أحد الأخوة أمس هل قتل النمل حرامٌ ؟ فأجبته بالآية الكريمة:
﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾
( سورة النمل )
فاستنبط أنّ سليمان عليه السلام لا يمكن أن يحطم نملةً وهو يشعر أمّا إذا كان لا يشعر فليست هناك مشكلة. الولد الصالح استمرار لأبيه لأنه ينفع الناس من بعده:
(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له. ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
من عنده أولاد، فمن منّا لا يحبُّ الخلود ؟ هذه فطرة الإنسان، أخواننا الكرام إذا كان عندك ابن وربيته تربية إيمانيّة وخلقيّة وجسميّة وعقليّة معنى ذلك أنّك لا تموت أبداً، لا تموت لأنّ هذا الطفل إذا تعلّم وأصبح ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدك، فهو استمرارٌ لوجودك.
مرة ذكرت لكم أننا قد حضرنا تعزية أحد العلماء في الشام وكانت بالمسجد الأموي، فوجئنا بعد انتهاء العزاء أنّ ابن هذا العالم خطيبٌ من كبار الخطباء، فألقى كلمةً رائعةً شكر بها المعزّين، فما كان من وزير الأوقاف إلا أن عيّن هذا الابن مكان أبيه في الجلسة نفسها، فقلت إنّ هذا العالِم لم يمت، أي أن ابنه خلفه من بعده واستمرّ فلم يمت الأب.
فأنا أتمنى لكل إنسان أن يكون ابنه استمراراً لوجوده، طبعاً هذا يقتضي جهداً كبيراً، والأرجح يقول لك: هذا الجيل ليس فيه خير، هذا كلام يلقى على عواهنه، أمّا هذا الطفل هو فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، يحتاج إلى جهد كبير، إلى متابعة، إلى جلسات طويلة، إلى مراقبة دقيقة، يحتاج إلى تعليم، يحتاج إلى أساتذة، أياماً يقول لي أخ: أين أضع ابني ؟ أريد أن أدخله في الثانويّة الشرعيّة، فو الله يكبر في نظري، أي أنّه قلق على ابنه أشدّ القلق، أريد له علماً نافعاً، علماً شرعياً صحيحاً يعلمه له.
بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم:
أتقن المسلمون هذه العلوم وطلبوا العلم وتفوّقوا، كانوا في قمّة المجتمعات البشريّة، سأذكر لكم بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم، يقول بعض العلماء: "ظلّت أوروبا نحو ألف سنة تنظر إلى الفن الإسلامي كأنّه أعجوبةٌ من الأعاجيب."
يقول عالم آخر هولندي: " إن في الأندلس كلها لم يكن يوجد رجل أمّي، بينما لم يكن يعرف القراءة والكتابة في أوروبا معرفةً أوّليةً إلا الطبقة العليا من القسس." أي رجال الدين المسيحيون.
يقول عالم آخر: " كانت أوروبا الأميّة تزخر بالجهل والحرمان، بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم وراية الثقافة."
يقول عالم آخر: " إنّ زوال الحضارة العربية كان شؤماً على أسبانيا وأوروبا، فالأندلس لم تعرف السعادة إلا في ظلّ العرب، وحالما ذهب العرب حلّ الدمار محلّ الثراء والجمال والخصب."
أحياناً يقومون بعمل تحقيقات صحفيّة في المجلات، مجلّة عربية قامت بتحقيق عن إسبانيا، ففن العمارة هناك شيء لا يصدّق، كان العرب المسلمون في أوجهم، فلمّا التفتوا إلى اللهو وإلى ما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، انتُزِع هذا الملك من أيديهم.
قال عالم آخر: " كان أشراف أوروبا لا يستطيعون توقيع أسمائهم، بينما كان أطفال المسلمين في قرطبة يذهبون إلى المدارس، وكان رهبان أوروبا يلحنون في تلاوة سفر الكنيسة، بينما كان معلمو قرطبة قد أسسوا مكتبةً تضارع في ضخامتها مكتبة الإسكندريّة العظيمة."
والآن كما تعلمون أكبر مكتبة للمخطوطات الإسلاميّة على الإطلاق في العالم في أسبانيا في اسكوريال، حينما كان المسلمون هناك.
الإسلام حركة وبناء:
توجد منطلقات نظريّة وتطبيقات عمليّة، وقد تحدّثت قبل قليل عن الآيات والأحاديث التي حثّت المسلم على طلب العلم، ونتيجة هذه النصوص ما الذي حدث ؟ الذي حدث أنّ المسلمين في أوج تفوّقهم كانوا أعلاماً، قد لا تصدّقون هذه المفارقة الحادّة، الآن أتصور دولة متخلّفةً جداً من العالم الثالث، لا مواصلات، ولا تقدّم علمي، ولا جماليات، وفقر مدقع، تصور بمقياس العصر المادّي ولا أقول بالمقياس الروحي والأخلاقي، ودولة متقدمةٌ جداً فيها من الجامعات والثقافة، فكم هي المسافة كبيرةٌ جداً بين البلدين ؟؟ المسافة نفسها كانت بين المسلمين في مشرقهم ومغربهم وبين أوروبا التي تعيش الظلام والجهل والقهر في العصور الوسطى، المسافة نفسها.
يوجد كتاب ذو شهرةٍ كبيرة اسمه " شمس العرب تسطع على أوروبا " لمؤلّفة ألمانيّة، هذا الكتاب يؤكّد فضل المسلمين على العالم الغربي، وما كان منطلق الحضارة الغربية الحديثة إلا من تأثير الحضارة الإسلاميّة في العالم الغربي.
الآن يوجد عندنا سرّ، ما هو السر الكامن الذي دفع المسلمين إلى هذه النقلة النوعيّة في طلب العلم وفي التفوّق ؟
طبعا العلماء يحللون، يقال: إنّ أوّل أسرارِ هذا التفوّق العلمي أنّ الإسلام كما يقولون مادّةٌ وروح، دينٌ ودنيا، دنيا وآخرة. الإسلام ليس قوقعةً ولا انزواءً ولا انسحاباً ولا انعزالاً عن المجتمع ولا كسلاً ولا قعوداً، الإسلام حركة بناء، الإسلام رسالة تحقق السعادة وهذه الرسالة تحتاج إلى علم، أنتم لا تصدّقون أن دولة الأمويين بحركةٍ سريعةٍ جداً شكّلوا أساطيل في البحار وقاموا بغزو جزر، وهم شعب لا يعرف ما البحر، فصنعوا السفن الحربيّة وغزوا الجزر وتفوّقوا في البحر المتوسّط، معنى ذلك أنّ الإسلام حركة، الإسلام بناء قال تعالى:
﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) ﴾
( سورة الجمعة )
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
يعني أكرمكم أتقاكم، ومعنى أتقاكم أي أطوعكم لله عزَّ وجلَّ.
الشريعة الإسلامية هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً:
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
نحن في أوّل استقلالنا، اقتبسنا من القانون الفرنسي الأحكام المدنيّة، فهذا القانون المدني الفرنسي ذاته اقتبس على عهد نابليون من الفقه الإسلامي، لا توجد موسوعة فقهيّة في العالم أغنى من موسوعة الفقه الإسلامي، هذه حقيقة، أنّ معظم الأحكام التي اقتبسها نابليون في مصر أخذها من الفقه الإسلامي، ونحن أصبحنا نأخذ عن هذه القوانين المدنيّة في العالم الغربي !!
يقول بعض العلماء: إنّ الشريعة الإسلامية تفوق في كثيرٍ من بحوثها الشرائع الأوربّية، بل هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً، يوجد كتاب ألّفه أحد رؤساء أمريكا السابقين في مذكّراته، تكلّم أشياء دقيقةً جدّاً بالطبع هو لا يتكلّم دفاعاً عنّا إطلاقاً، لكنّه يضع حقائق أمام العلماء يقول:
نحن لا نخشى من المسلمين لا نخشاهم كقوّة، هم ضعاف ومتفرّقون، لكنّهم كحضارة لا تضاهيها حضارة. المجتمع المسلم عنده حضارة، حضارة دينيّة، فالمسلم متماسك، فهذه الأمراض التي تفتك في العالم الغربي من فضل الله عزَّ وجلَّ نسبها عندنا تكاد تكون معدومة أو قليلة جداً، بفضل هذه الحضارة وبفضل هذه القيم، بالمناسبة الآن يوجد مرض جديد اسمه آكل لحوم البشر، مرض أساسه انحراف جنسي، لكن الإنسان يموت خلال أربعٍ وعشرين ساعة، يتساقط لحمه !! وقد ظهر الآن في إنكلترا وينتشر، ومعدّل الوفاة أربعٌ وعشرون ساعة، يفقد الإنسان جزءاً من لحمه، وذلك بتضافر جرثومتين أو فيروسين على تحليل النسيج اللحمي في الإنسان، وقرأت عنه في جريدة دمشقيّة.
الإسلام دين واقعي:
العلم الحمد لله في بلاد المسلمين، والحمد لله توجد نظافة واستقامة، ونظام الزواج لا يزال هو الأساس.
يقول عالمٌ آخر: " إنّ البشريّة لتفتخر بانتساب رجلٍ كمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم إليها، إذ أنّه رغم أميّته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريعٍ سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمّته بعد ألفي عام."
أي إذا وصلوا إلى مستوى الشريعة الإسلاميّة سيكونون من أرقى الأمم، والذي يقول هذا الكلام عميد كلّية الحقوق في جامعة فيينّا.
هذا العامل الأول أنّ الإسلام دين واقعي، الإسلام دين ودنيا، والإسلام دنيا وآخرة، الإسلام قيم وحاجات، الإسلام حركة، الإسلام بناء ـ هذا هو العامل الأول ـ سأذكر لكم نقطة هامة جداً: في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان بالقلب يعبّر الإيمان عن ذاته بذاته بشكل عملٍ صالح.
لا يوجد مؤمن كسول، ولا مؤمن منزوٍ في زاوية ميّتة، أو يعيش لذاته، يقول النقّاد الأدبيون: أهجى بيتٍ قالته العرب على الإطلاق هذا البيت والذي قاله دخل السجن في عهد عمر، ماذا قال ؟
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
* * *
أليس هذا شعار كلّ إنسان الآن ؟ يقول لك: ماذا تريد من الناس فعندك دخلٌ كبيرٌ فاقعد وانبسط وكل واشرب أنت وأهلك وأولادك، هذا الذي دخل الشاعر السجن من أجله.
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاس
* * *
العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة:
إذا لم يبحث الإنسان عن الله عزَّ وجلَّ، ولم يسع إليه، ولم يرتق إليه لم يدع إلى الله، قرأت في مجلّة من قبل خمسة وثلاثين عاماً حكمةً من ثلاث كلمات ولكنّها قد سرت في قناعاتي بشكل عجيب: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين."
اخرج من ذاتك ما دام كل تفكيرك ذاتياً، كل همومك ذاتيّة، كل المزاريب للداخل فهذا إنسان يعيش لذاته، لكن إذا خرج من ذاته لخدمة الخلق فالله يقدّسه، لما الإنسان يعنيه أخوه المسلم ويعنيه شأنه يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عندما يهمّه صلاح المجتمع، ورقي الناس وأن يسعدوا في بيوتهم، ويهمّه أن يكون الناس علماء حكماء، النبي اللهمّ صلِّ عليه قبل أن يتوفّاه الله أطلّ على أصحابه، ونظر إليهم وهم يصلّون، ماذا قال ؟
قال: علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وابتسم ابتسامةً لم يبتسم مثلها من قبل إطلاقاً، حتّى بدت نواجذه أي أنيابه.
عندما تجد في المجتمع المسلم أُناساً صالحين خيرين يضحّون بالغالي والرخيص وبالنفس والنفيس، عندما تجد أخاً الكل يعاونوه ؛ فهذا والله شيءٌ جميل، فلا شيء أسعد من أن ترى مجتمعاً متماسكاً متعاوناً متحاباً، العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة.
العامل الثاني التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني:
العامل الثاني: التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني، وهذه هي الأدلّة:
1 ـ التعليم إلزامي والأدلة على ذلك:
أمّا إنّه إلزامي فقد روى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( طلب العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم.))
[ رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة، والزكاة فريضة، وطلب العلم فريضة هذا كلام النبي، وهو حديث صحيح.
وروى الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه قال خطب النبيّ صلى الله علي وسلّم ذات يومٍ فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثمّ قال:
(( ما بال أقوامٍ لا يفقّهون جيرانهم، ولا يعلِّمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم !! وما بال أقوامٍ لا يتعلّمون من جيرانهم، ولا يتفقّهون، ولا يتّعظون !! والله ليعلّمنّ قومٌ جيرانهم، ويفقّهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم.. وليتعلّمنّ قومٌ من جيرانهم، ويتفقّهون، ويتّعظون أو لأُعاجلنّهم بالعقوبة !! ))
[ رواه الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه ]
هذا الذي أدعو إليه، تعلّمت حديثاً علّمه لغيرك، تعلّمت آية علّمها الآخرين، تعلّمت حكماً فقهيّاً علّمه، لا تكن متلقّياً فقط، متى تتلقّى ؟!! لا بدّ من أن تلقي، لا يوجد أحد ليس حوله مجتمع، هل يوجد أحد ليس حوله أسرة، جيران، أقرباء، أصدقاء ؟!! فالتعليم إلزامي ليس فيه خيار.
ومن إلزاميّة التعليم في الإسلام، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( مَنْ كَتَمَ عِلْماً مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ. ))
[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]
معنى ذلك: الساكت عن الحق شيطان أخرس، هذا إلزامي.
2 ـ التعليم مجاني والأدلة على ذلك:
الصفة الثانية مجّاني قال تعالى:
﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) ﴾
( سورة الفرقان )
وقال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ﴾
( سورة يونس ) وقال أيضاً:

﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) ﴾
( سورة يوسف)
أعظم شيء بالعلم أنّه يلقى مجّاناً، ليس في المسجد تذاكر للدخول فباب المسجد مفتوح، لا تستطيع الدخول لعند الطبيب إلا ومعك الأجر، المحامي لا يستمع لأي كلمة منك تسمّى استشارة قانونيّة إمّا بخمسمئة أو بألف ليرة، ولا بدّ أن تضع قيمة استشارته، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى وعد الذين يدعون إلى الله بالخير الجزيل، لذلك هؤلاء لا يبتغون من الناس أجراً يبتغون عند الله الأجر.
سيدنا النبي اللهمّ صلِّ عليه أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة وأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، وأرسل جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ليعلّموا الناس وما تقاضوا على هذا أجراً.
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كما روى أبو داود عن أبي شيبة.. قال:
" علّمت ناساً من أهل الصُّفة الكتابة والقرآن، فأهدى لي رجلٌ منهم قوساً، فقلت: ليس بمالٍ، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتينّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلأسألنّه، فأتيته وقلت له: يا رسول الله رجلٌ أهدى لي قوساً ممن كنت أعلّمه الكتابة والقرآن وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كنت تحبُّ أن تكون طوقاً من النار فاقبلها ".
من دعا إلى الله ابتغى الأجر عنده:
طبعاً البحث يحتاج إلى توضيح، أحياناً الدولة تقوم بتعيين أحد المدرسين ليعلّم الطلاب التربية الإسلاميّة، فليس له عملٌ آخر، وهو متفرّغ تفرُّغاً تاماً في تعليم الدين، هذا الوضع قد أجاز جميع العلماء أن يأخذ الأجر، فكيف يأكل أو يشرب وقد أخذنا وقته كلّه، ستّاً وثلاثين ساعة تدريس في تعليم الطلاب في المرحلة الإعداديّة والثانويّة ليعلم الطلاب القرآن والسنّة، هذا موضوع آخر، فإن كان للإنسان رزقاً وعملاً لكنّه يتقن القرآن الكريم وجلس مع إنسان علّمه التجويد علّمه القرآن ليس له أن يأخذ أجراً على ذلك، بل لوجه الله ويحتسبه في سبيل الله.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
" على المعلّم أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً ولا يقصد به جزاءً ولا شكوراً، بل يعلّمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرُّب إليه."
قال سبحانه وتعالى على لسان أحد أنبيائه:
﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) ﴾
( سورة هود )
يحضرني مثل قلته لكم سابقاً: إذا قال لك شخص غني: علّم لي ابني والحساب عندي، وعلى كلّ درس خمسة آلاف ليرة. فقلت للابن: أعطني أجرتي ؟ فأعطاك على كل درس ليرتين، وعندما أخذت الليرتين خسرت الآلاف المتفق عليها، أليس هذا الحمق عينه ؟ فعندما يعدك ربنا عزَّ وجلَّ على عملك الصالح أجراً فمعنى ذلك: إيّاك أن تطلب الأجر من الخلق.
الإنسان دون علم يهبط إلى مستوى غير إنساني:
الحقيقة حتّى لا أظلم أحداً الحكم الشرعي معروف: إذا كان المعلّم متفرّغاً للتعليم وليس عنده موردٌ آخر يتكسّب منه يجوز له أن يأخذ أجراً على تعليمه، أصبح التعليم حرفة له، ألا يوجد مدرّسون متخصّصون ؟ ليس عنده عملٌ آخر فهو يعلّم الطلاب اللغة العربية، الدين الإسلامي، العلوم الأخرى الضروريّة، فهذا الوضع ليس له علاقة بدرسنا، فالمعلّم المتفرّغ للتدريس هذا يتقاضى أجراً حلالاً لا شبهة فيه إطلاقاً.
أمّا الحديث ينصرف على إنسان له دخل أو أعمالٌ كثيرة، وأتقن شيئاً من كتاب الله فإذا أراد أن يعلّم ينبغي ألا يأخذ عليه أجراً.
هناك قصّة لها معنى لطيف، قيل من طريف ما يروى (كما جاء في كتاب علوم الأخبار لابن قتيبة) أنّ رجلاً من ثقيف دخل على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد: أقرأت القرآن ؟ قال الأعرابي: لا يا أمير المؤمنين شغلتني عنه أمورٌ وهنات (مشغول)، فقال الوليد: أتعرف الفقه ؟ قال: لا. قال الوليد: أرويت من الشعر شيئاً ؟ قال: لا. فما كان من الوليد إلا أن تركه ولم يحدّثه والتفت لشخص آخر، وكأنّه غير موجود، كان يتكلّم معه وسأله عدة أسئلة ثمّ تركه نهائياً، وكان أحد الجالسين واسمه عبد الله بن معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل (أي أكمل الحديث معه) فقال له الوليد: اسكت ما معنا أحد، من هذا ؟
اعتبره غير موجودٍ نهائيّاً، مادام لا قرآن ولا فقه ولا شعر ولا علم، اعتبره خيالاً بالغرفة.
قصّة بليغة فإذا لم يتعلّم الإنسان ولم يكن على شيء من العلم، فهو ككائن له فم ومعدة ولحم ودم ومثله كمثل أي كائن آخر من غير جنس البشر، أي أنّ إنساناً من دون علم هبط إلى مستوى غير إنساني.
عتبة بن أبي سفيان أوصى مؤدّب ولده بأن يعلّمه كتاب الله، ويروّيه من الشعر أعفّه، ومن الحديث أشرفه.
وقد أوصى سيّدنا عمر الولاة فقال: أمّا بعد، علّموا أولادكم السباحة والفروسيّة وروّوهم ما صار من المثل وحسن من الشعر.
أحكم قرار يتخذه الأب في حقِّ أولاده تعليمهم القرآن في الصغر:
ذات مرّةٍ رأى المفضّل بن زيد ابن أعرابيّةٍ مسلمة فأُعجب بمنظره وسألها عنه فقالت: لما أتمّ خمس سنوات أسلمته إلى المؤدّب فحفّظه القرآن فتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ورغّب في مفاخر قومه، وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلمّا بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ وأصغى إلى صوت الصارخ.
نحن بفضل الله عزَّ وجلَّ لدينا معهد لتحفيظ القرآن، فيه دورات صباحيّة ومسائيّة للذكور والإناث في أيام الأسبوع، ونقوم بتعليمهم التجويد والقرآن الكريم وفقه الصلاة وسير الصحابة، والمناهج مناسبة لهم، ومن لديه ابن يريد إلحاقه بالمعهد فنحن نرحب بذلك، أصبح الدرس تطبيقاً عملياً.
يقول الإمام الشافعي: " من تعلّم القرآن الكريم عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجّته، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزُل رأيه."
فإذا تعلّم ابنك القرآن في الصغر، هذا الحفظ ذهب معه إلى نهاية حياته، يعني التعليم بالكبر صعب، فكلما كانت السن أصغر كانت قوة الحفظ أكبر، فلذلك المغرب العربي كلُّه يتّبع نظريّة ابن خلدون في التربية، يعلّمون القرآن الكريم كلّه للطفل الصغير قبل أن يُعطى شيئاً آخر، بعدئذٍ يفهم معانيه، لكن التأسيس قوي جداً، ففي بعض مسابقات القرآن طفل عمره عشر سنوات يحفظ كتاب الله كلّه، لو أعطيته الآية لأعطاك رقمها هكذا كانت بدايته، فموضوع حفظ القرآن أكبر نشاط يمتصّ وقت الأولاد، يتنافسون، وشيء رائع جداً أن تشغل ابنك بالقرآن الكريم حفظاً، وعندما يكبر في العمر يفهم معانيه، ولكن عنده الركيزة الأساسيّة قد تعلّمها.
فلذلك في المغرب العربي تحفيظ كتاب الله للصغار هذا شيء بديهي وطبيعي ونحن والحمد لله هنا في الشام أصبح لدينا معاهد تحفيظ كثيرة جداً وتزيد عن تسعين معهداً في دمشق وحدها، ومن كان عنده أولاد فيجب أن يدخل في خطته اليوميّة أن يحفّظهم كتاب الله عزَّ وجلَّ وهذا أحكم قرار يتخذه في حقِّ أولاده.
الإنسان قيمته في علمه ولغته:
يقول بعض الشعراء كلاماً طيّباً قال: أراني أنسى ما تعلّمت في الكبر ولست بناسٍ ما تعلّمت في الصغر
وما العلم إلا بالتعلّم في الصبـا ومـا الحلم إلا بالتحلّم فـي الكبـر
ولو فُلق القلب المعلّم في الصبا لأصبح فيه العلم كالنقش في الحجر
وما العلم بعد الشيب إلا تعسـّفٌ إذا كلَّ قلب المرء والسمع والبصر
وما المرءُ إلا اثنان عقلٌ ومنطقٌ فمن فاتـه هذا وهذا فقــد دمر
* * *
قد دمر: أي دمّرت حياته.
آخر قصّة أرويها لكم، عندما دخل على عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين وفيهم طفلٌ صغير وأراد أن يتكلّم، فانزعج الخليفة وقال له: اجلس أيُّها الغلام، اجلس وليقم من هو أكبر منك سنّاً. قام هذا الغلام بهدوء وثقة بالنفس وقال: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقّ الكلام، ولو أنّ الأمر كما تقول لكان في الأمّة من هو أحق منك بهذا المجلس.
الإنسان قيمته في علمه وفي منطقه العلم واللغة، وقديماً قالوا: جمال الرجل فصاحته.
أخواننا الكرام إذا فاتك طلب العلم ممكن أن تحقق هذا الهدف في أولادك ـ وهذا ملاحظ دائماً ـ الذي افتقده الأب في حياته يحرص عليه عند أولاده، فمن فاته شيء في شبابه أو في كهولته يتلافى هذا الشيء في أولاده.
لا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد تحدّثنا عن التربية الإيمانيّة، وعن التربية الأخلاقيّة، وعن التربية الجسميّة، وها نحن ندخل في بابٍ جديد وهو مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، وللبحث تتمة إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع )

الموضوع :التربية العقلية ( 2 )







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع من دروس تربية الأولاد في الإسلام.
الأبوة مسؤولية:
لقد بدأنا في الدرس الماضي بموضوعٍ حول مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد كانت الموضوعات قبل هذا الموضوع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، والتربية العقليّة.
أيّها الأخوة الأبوّة مسؤوليّة، يتوهم بعض السذّج أنّ الإنسان إذا عقد قرانه على فتاةٍ، وقضى حاجته، وأنجب أولاداً انتهى كلُّ شيء، والحقيقة لم ينتهِ شيء، بل بدأ كلُّ شيء، بدأت المسؤوليّة، أي أنّ الإنسان لا بدّ من أن يموت، لكن إذا أنجب ذريّةً صالحة هذه الذريّة الصالحة استمرارٌ له.
لا يدري أحدنا أنّ من ذريّته من سيكون إنساناً عظيماً، مؤمناً كبيراً، قائداً فذّاً، مصلحاً اجتماعيّاً، فأنت إذا أردّت ألا تموت فاحرص على أن تكون ذريّتك صالحة، وهذا الصلاح يحتاج إلى جهدٍ كبير، لذلك يجب أن تقتطع شئت أم أبيت من وقتك الثمين وقتاً لتعتني بأولادك.
أيُّها الأخوة، قد تعجبون من إصراري على هذا الموضوع، لأنّه عند فساد الزمان لا بدّ من أن نقوّي العلاقات الأُسريّة، إذا كانت الأُسرة متماسكةً فربما استطعنا أن نتغلّب على الفساد العام، الشارع فاسد، المجتمع العام فاسد، الأماكن العامّة فاسدة، ما الذي يحصّننا من الفساد العام ؟
الطفل أو الشاب إن وجد في البيت مشكلات وخصومات وإهمالاً، لا بدّ من أن يلتجئ إلى أصدقائه، إلى أماكن أُخرى غير البيت، لكن إذا توافر للشّاب بيتٌ ولا أقول أو أريد بيتاً فخماً، ولا بيتاً أنيقاً، ولا أقول بيتاً فيه كلّ الأجهزة، لا بل أقول وأحب بيتاً فيه حب، فيه وئام، فيه مودّة، فيه مرح، فيه تعاطف، فيه مؤاثرة، هذا البيت يشدُّ الأولاد، هناك من لا يأكل إلا مع أولاده على مائدة واحدة، هناك من يدير حديثاً ممتعاً مع أولاده، هناك من يخلق جواً فيه ألفة ومودّة مع أهله.
العلم الشرعيّ فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان:
فيا أيّها الأخوة، هذا كلام مدفوع ثمنه، خبرات، حينما تجعل من البيت جنّةً صغيرةً تشدُّ أبناءك إلى البيت، يألفون البيت يقبعون فيه، يطالعون، ويدرسون، تزداد ثقافتهم.
فلذلك حينما اخترت هذا الموضوع موضوع تربية الأولاد لأنّ الفساد العام والانحراف الخلقيّ وانحلال الإنسان وإقباله على شهواته المنحطّة هذا يدمّر الإنسان، يدمّر الأسر، لذلك قبل أن نمضي في متابعة هذا الموضوع، أضع بين أيديكم الحقيقة التالية:
يوجد مصطلحٌ في كتب الدين: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة. وكذلك يوجد بحثٌ في كتاب الإحياء عن العلم، أي أنّه توجد نقطةً دقيقة جداً: هي أنّ الناس يهتمون في أنت ماذا تعمل ؟ طبيب، خيراً إن شاء الله، وأنت ؟ قال له: أنا محامٍ، وأنت ؟ رجل دين.
من قال لكم: إنّ الدين اختصاص ؟!! كلُّ إنسانٍ ينبغي أن يكون ديّناً، لأنّ العلم الدينيّ فرض عينٍ، تقول لي: أنا طبيب، تقول لي: أنا ضابط، أو معي دكتوراه مثلاً بالحاسوب، أو حقوقي، قاضٍ، هذا لا يعفيك من طلب العلم الشرعيّ لأنّ العلم الشرعيّ فرض عين، فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان، وفي أيّ حقلٍ كان.
ولا تستغربوا أن أقول لكم: إنّ الإنسان قد يحمل أعلى شهادةٍ في العالم وهو أُمّيٌ في الدين لا يفهم، ركب الطائرة من جدّة إلى عاصمة عربية رجل يحتلّ في بلده منصباً رفيعاً جدّاً، تساءل مع صديقه الذي إلى جانبه أنّه لمَ لا يكون الحجُّ على مدار العام دفعاً للازدحام ؟! لو نقترح على أُولي الأمر في المملكة أن يجعلوا الحجّ على مدار العام، والسائل يحتل منصباً رفيعاً في بلده ! هذا أُمّي في الدين، أحياناً الإنسان من كلمة يتكلّمها تكشف جهله، بأنه جهل فاضح.
هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة لأن علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة:
فيا أيُّها الأخوة، لا تقل أنا لست مختصّاً في الدين، طلب العلم الشرعيّ فرض عينٍ، وكنت أضرب مثلاً من قبل تعرفونه: كل إنسان جلس خلف مقعد القيادة في السيّارة، فهل يا ترى هو سائق أم حاجب، متعلم أو غير متعلّم، أحياناً يكون قائد السيّارة ملكاً، فبعض الملوك يقودون السيّارة بأنفسهم، أي بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك، إذا جلس وراء مقعد القيادة فهناك معلومات أساسيّة لا بدّ من أن يعرفها، فإن لم يعرفها أودى بنفسه إلى الهاوية، المعلومات الأساسيّة التي تعينك على تحريك السيّارة وإيقافها، وعطفها نحو اليمين، وعطفها نحو اليسار، وسلامتها، هذه المعلومات الأساسيّة هي فرض عينٍ على كل سائق من حاجب إلى ملك فرض عين.
لكن يا ترى كيف تصنع المكابح ومن أيّة مادّة تصنع ؟ ليس شرطاً أن تعرفها. أمّا إذا أردت أن تؤسس مصنعاً للسيّارات فلا بدّ من المعرفة للمادّة الأساسيّة أو طريقة صنع المكابح، كيف هذا الجسم يضغط بشكلٍ منحنٍ ؟ هذا اختصاص معامل السيّارات، أنت كسائق سيّارة هذه المعلومات لا تعنيك، لكن يعنيك أن تحرّكها، أن توقفها، يعنيك بالانعطافات أن تكون خبيراً، يعنيك في الطرق المزدحمة أن لا تقع في مشكلة.
ففي قيادة السيّارة هناك معلومات يجب أن تعلم بالضرورة، هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة، بدءاً من إنسان أُميّ لا يقرأ ولا يكتب وانتهاءً بأعلى مثقّف في العالم، علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة، والدليل أنك تجد أُناساً ذوي ثقافةٍ عاليةٍ جداً ومع ذلك يرتكبون من الحماقات والمخالفات والكبائر وهم لا يشعرون، وهذه الكبائر تجرُّ عليهم الويلات والمصائب والحرب والدمار وهم لا يشعرون، إذاً هم أميّون في الدين.
ما ينبغي أن يعلم بالضرورة أركان الإسلام وأركان الإيمان:
لذلك الإنسان لا يجب أن يقول اليوم ليس لديّ شيء، حضرنا درس علم، لا القضيّة أعمق من ذلك، طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فريضةٌ كما أنّ الهواء فرضٌ لاستمرار حياتك، تنفُّس الهواء فرض، وتناول الطعام فرض، ومعرفة الأمر والنهيّ والحكم التكليفيّ، ومعرفة ربّك، ومعرفة كتابه، ومعرفة رسوله، ومعرفة منهجه، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة حقيقة الكون، ومعرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة ما بعد الموت، هذه معلوماتٌ يجب أن تعلم بالضرورة، فإذا كان يجب أن تعلمها أنت بالضرورة، فما القول في ابنك الصغير الذي لا يعلم شيئاً ؟ يجب أن تعلّمه إياها بالضرورة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفّقني أن أُوضّح لكم حقيقة العلم الضروري، أن تعرف لماذا خلقت، أن تعرف من خلقك، أحياناً إنسان ـ لا سمح الله ولا قدر ـ يسبّ الدين فقد كنت اليوم بمحل تجاري، اختلف صاحب المحل مع صانع فسبّ الدين فوراً، لا يعرف عن الله شيئاً إطلاقاً، فأحياناً يدمّر ويسوق الله عزَّ وجلَّ عليه من الشدائد، جهله سبب له هذه الشدائد.
إذاً ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإسلام ؛ الصوم والصلاة والحجُّ والزكاة، وما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان ؛ الإيمان بالله الموجود الواحد، الكامل، الخالق، المربّي، المسيّر، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العظمى، هذا أكبر موضوع في الدين، فكلّما زدت معرفةً بالله زدت قرباً منه.
الجهل أعدى أعداء الإنسان:
يجب أن تؤمن بكتبه، لماذا الكتاب ؟ لماذا النبيّ ؟ لماذا الإيمان بالملائكة لماذا ؟ تقول: السلام عليكم ورحمة الله، لماذا ؟ لماذا الإيمان باليوم الآخر ؟ لماذا الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى ؟ هذا ينبغي أن يعلم بالضرورة ؛ أركان الإسلام، وأركان الإيمان، والأحكام الشرعيّة، وأحكام البيع، وأحكام الزواج، أحكام عقد النكاح، أحكام الطلاق، تجده على أتفه وأبسط سبب يرمي عليها يمين الطلاق بالثلاثة، وإن حلها لك شيخ يحرّمها عليك عشرة، وهو ابن البارحة، و متزوّج حديثاً ولم ينجب من الولد بعد، يدمّر نفسه لسبب بسيط وهو الجهل.
أخواننا الكرام الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به، أنت تقول: أعداء الإنسان، يقول لك: من هم ؟ المرض لا، الفقر لا، القهر لا، العدو الخارجي لا، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل.
لا توجد صفة في الإنسان أبشع ولا أحقر من أن يكون جاهلاً، لكن الإنسان لم يولد عالماً، أقول دائماً كلمة: ليس العار أن تكون جاهلاً، ولكنّ العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ ولكنّ العار أن تبقى مخطئاً.
فلذلك أوّل نقطة في الدرس يجب أن تنزع من ذهنك أنه لي اختصاص بالحياة، أنا أستاذ فيزياء فما أريد من الدين ؟ بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك إذا جلس خلف المقود لا بدّ من مجموعة معلومات يتقنها وإلا وقع في الهاوية، كذلك في الدين ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والأحكام الشرعيّة التكليفيّة.
الأمل دائماً يعوَّل على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية:
إذا كان الأب مكلّفاً أن يعلم هذه الحقائق بالضرورة، فالابن من باب أولى أن يعلّمه إيّاها.
أنا ما أرى في الحياة شيئاً أعظم ولا أثمن من أن ينجب أخٌ مؤمنٌ ولداً يعلِّمه الأحكام الشرعيّة ويعرّفه بربّه، فإذا هذا الولد استمرارٌ له وذخرٌ له.
والله أحياناً أيها الأخوة تصدر منّي كلمات إن وجدتُ شاباً مؤمناً، منضبطاً، حييّاً، أخلاقياً، أقول لأبيه: والله هذا الابن أثمن من أن تملك ثروة الدنيا، لأن الثروة الكبرى إذا توقّف القلب فليست لها قيمة وانتهت، وليست لك كلّها، البعض شاهد ابناً قد تُوُفّي والده من أسبوع وسُئل: إلى أين ؟ فتفوّه بكلمةٍ قبيحةً جداً، أنّه سيسهر سهرةً ماجنة، حمراء، على روح والده، بالطبع لأنّ أباه لم يربّه، ترك له مالاً عريضاً ولكنّه لم يربّه، أمّا عندما يقوم الأب بتربية ابنه لو لم يخلِّف له شيئاً، فقد أعطاه كلَّ شيء، لو أعطاه العلم، بالعلم يرقى الإنسان، بالعلم يغتني أحياناً.
فلذلك المال ليس له قيمةٌ أبداً، فأنا والله أعلم علم اليقين أنّ هناك أُناساً تركوا لأولادهم ثروات طائلة، هذه لم تنفعهم إطلاقاً، أمّا إذا ترك الإنسان ولداً صالحاً فهذا الذي ينفعه، وهذا الكلام موجّه لكل أب.
مرة ثانية أقول لكم: إنني أحب كثيراً من الأخ أن يعتني بابنه، فإن جاء به إلى المسجد فهو ضيف المسجد، فنحن ليس لدينا تفرقة أبداً، فغلاوة الابن من غلاوة أبيه، و إن شاء الله قد أحدثنا هذا المعهد لتحفيظ القرآن والهدف البعيد منه أن ينجذب الطفل وينشدّ للمسجد ليتعلّم كتاب الله والفقه وأحكام الصلاة وسير الصحابة، مع وجود أنشطة إسلاميّة تشدُّ الطلاب إلى هذا المعهد يقولون: الكبار خشّبوا فلنعوّل على الصغار، كثير من المجتمعات إذا بلغ الشخص لما بعد الخمسين سنة أو الستين فقد انتهى، لأنّ من شبّ على شيءٍ شاب عليه، فالأمل على من يعقد ؟ على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية.
الفروض نوعان فرض عين وفرض كفاية:
إذاً تعلُّم الدين فرض عين، لكن سؤال: الطب فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الكل، أي اختصاص علمي يعود بالنفع على الأمّة في شأن الدنيا فرض كفاية.
فالفروض نوعان: فرض عين وفرض كفاية، فرض العين لا يعفى منه إنسان كائناً من كان، أمّا فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن لو فرضنا قرية، أو بلدة، أو مجتمعاً، أو أمّة، أو دولة تفتقر إلى اختصاص أساسي في الحياة، كلُّ أهل البلدة يأثمون، أمّا إذا تعلمه واحد زال الإثم عن الجميع.
فكلُّ اختصاصٍ علمي، أدبي، تكنولوجي، زراعي، صناعي، تجاري، أيّ اختصاصٍ حكمه في الشرع فرض كفايةٍ، إذا قام به البعض سقط عن الكل.
أخواننا، الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن فإنّ حملة القرآن في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه.))
[رواه الطبراني عن علي]
الإنسان يقرأ الحديث قراءة عابرة لا ينتبه إلى أعماقه، النبيُّ عليه الصلاة والسلام كما يقول بعضهم: سيّد المربّين وإمام المعلمين، وإذا أردّتم أن تتعمّقوا أكثر لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
هدفنا الأساسي أن يكون النبي الكريم قدوة أولادنا:
هذا الطفل الصغير ماذا ينفعه ؟ ينفعه القدوة الحسنة، لذلك في كلّ أنحاء العالم الأطفال يتعلّقون بالبطولات، لكن مع الأسف الشديد أحياناً نُري الأطفال بطولات مزيّفة، عمليّات الضرب وعمليات الاقتحام وعمليات الاحتيال، هذه ليست بطولات، الطفل الذي تُزمع أن تربّيه يجب أن تعلّمه أن تنشّئه على ثلاث خصال: حبِّ النبي اللهم صلِّ عليه، هل تظنون إذا قال أحدهم لابنه: أحب رسول الله أهكذا كلّفنا النبيّ ؟ ليس هكذا، من السذاجة أن تظنّ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تلقّن أولادك حبّه تلقيناً، لا، الحب لا يلقّن، لكن أنت مكلّف أن تعرض على أولادك طرفاً من سيرة النبيّ رحمته، تواضعه، عدالته، شجاعته، محبّته لأصحابه، إنصافه، عدله، الحقيقة فالأمر بالنتيجة يتضمّن مقدّمات، والمقدّمات أن تنشئ أولادك على حبِّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي أن يعرف الابن سيرة رسول الله، هذا أمرٌ نبويٌّ، لذلك البيت المسلم أكثر ما يدور فيه من أحاديث حول النبيّ عليه الصلاة والسلام وسيرته.
فما يمنع الأب أن يجلس مع أولاده في الأسبوع مرة يقرأ معهم كتاباً في السيرة ؟ كتاباً يكون ممتعاً ومنتقى انتقاء جيّداً، يجلس معهم ولو ساعة ويحدّثهم عن رسول الله حديثاً ممتعاً شائقاً، أحياناً ليس في الإمكان أن يتكلّم فتوجد أشرطة عن رسول الله وعن الصحابة، فيجب أن تجلس مع أولادك جلسة أسبوعية تعلّمهم أخلاق النبيّ من أجل أن يحبّوا النبيّ، إذاً قال النبيّ:
(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته.))
[رواه الطبراني عن علي]
آل بيته هم الصحابة الكرام، توجد كتبٌ كثيرةٌ عن سير الصحابة رائعةٌ جداً يجب أن تكون في كلّ بيت.
ابنك بمن يقتدي ؟ هل بلاعب الكرة اليهودي والمصاب بالشذوذ ومع مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز هذا الذي يحدث، فمن قدوة الشباب ؟ بطل عالمي بالكرة أو بالمصارعة أو أي شيء، قد يكون يهودياً، قد يكون مصاباً بمرض الإيدز أو شاذاً، هذا هو القدوة تملأ صوره كل مكان، نحن نريد أن يكون القدوة رسول الله اللهمّ صلِّ عليه. التغذية السيّئة تفعل فعل السمّ في الأبناء:
يجب عليك الانتباه، أولادك مَن قدوتهم ؟ أحياناً يكون قدوتهم الفنانون والمغنون أو لاعبو الكرة وليس الصحابة الكرام، فيجب أن تعرف فأنت المسؤول، فإن كان بالبيت تغذية سيّئة، توجد تغذية ثقافيّة غير صحيحة، أو تغذية ثقافيّة عن طريق أجهزة اللهو وهي غير صحيحة فهذه التغذية تربّي عندهم مثلاً هابطاً، مثلاً أدنى، والإنسان دائماً يقلّد المثل الأعلى.
فدائما عند كلّ إنسان شخصيّة عظيمة بنظره وهي قد تكون تافهةً جداً، لا يوجد إنسان ليس عنده شخصيّة يتمنى أن يكونها، وشخصيّة يكره أن يكونها، فإذا كانت التغذية فاسدة، التغذية الفاسدة الثقافيّة تصوّر الإنسان المؤمن إنساناً تافهاً والإنسان الفاسق الفاجر إنساناً عظيماً، فهذه تغذية سيّئة جداً على مستوى الشباب والفتيات، فيكفي أن تتغذّى الفتاة تغذية عن طريق أنّ المرأة المؤمنة المحجّبة إنسانة مهملة لأولادها وسخيفة وثرثارة، والمرأة المتفلّتة من الدين وغير المنضبطة أمٌّ مثاليّة، هذه هي التغذية السيّئة، يكفي في تصوير القصّة أن البطل الإيجابي في بيته مكان لشرب الخمر بار، وأن المعروف في الحارة بالصلاح والتقوى إنسانٌ فقيرٌ ومحرومٌ وسخيف وذو أفق ضيّق، هذه هي التغذية السيّئة وهي تفعل فعل السمّ في الأبناء.
طفل يشاهد رجل الدين إنساناً محدوداً متعالياً على الآخرين وكلامه غير منطقي، ويشاهد البطل الذي يلقي عليه الكاتب كل صفات البطولة يشرب الخمر، قد يأتي صديق الزوج إلى البيت يطرق الباب فتفتح له الزوجة وتخبره بأنّ زوجها ليس بالبيت وتأذن له بالدخول، فيتعلّم الطفل بأن هذا العمل ليس حراماً، أن يدخل صديق الأسرة إلى بيت صديقه في غيابه، ليس فيها مباشرة، فنحن نريد التغذية، إذا كانت التغذية السيّئة الثقافيّة موجودة فما بنيته أنت بشهر يهدم بساعة، أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً.

نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة:
ابنك وعاء، الوعاء له فتحةٌ من الأعلى وصنبورٌ من الأسفل، فما يوضع في الأعلى تأخذه من الأسفل، نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة، فمن يريد أن ينشأ أولاده نشأةً إسلاميّةً دينيّةً عليه أن يمنع عنهم التغذية الفاسدة الثقافيّة وإلا فلن يستفيد شيئاً.
تجد الأب بواد والأولاد بواد، والأولاد على طرف النقيض مع آبائهم، يكرهون كلّ ما يحبّه الآباء، يتعلّقون بكلّ النماذج الساقطة المعاصرة، ويكرهون كلّ النماذج الخيّرة، والإنسان في النهاية يشكّل كيفما تريد.
هذا الحديث أيّها الأخوة منهجٌ في تربية الأولاد، النبيّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، كلام النبيّ من عند الله، حتّى أنّ علماء التوحيد سمّوا كلام النبيّ وحياً غير متلو ؛ أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، أي يجب أن تعتني أكبر عنايةٍ بسيرة النبيّ، يجب أن تجلس مع أولادك كلّ أسبوع تحدّثهم عن رسول الله.
اقرأ كتب السيرة وتحليلاتها لكي تعرف كيف تتكلّم، فمن كان مؤمناً إيماناً عالياً كلّما تحرّك النبي بذهنه، وكيف فعل، فإذا دخل إلى بيته ألقى السلام، وإن لم يجد طعاماً يقل: إنّي صائم. نحن إذا تأخر الطعام ولو ربع ساعة يقيم القيامة على أهله، ليس لعدم وجود طعام إطلاقاً ولكن على التأخير فقط.
اللهمّ صلِّ عليه كان إذا دخل بيته لفَّ ثوبه، فتعلّم ماذا فعل النبي مع زوجته، مع أولاده، مع إخوانه، ومع أصحابه عندما كانوا في نزهة، أحياناً الشباب يذهبون إلى رحلة فتجد أحدهم لا يعمل شيئاً بل يأكل فقط، أين توجد المتاعب ينسحب من أمامها، وإن وضع الطعام يأتِ، هذه أخلاق تدعو للقرف، فعلّم ابنك كيف فعل النبي إن كانوا بمهمّة أو رحلة أو بسفر، اللهمّ صلِّ عليه كان مع أصحابه وأرادوا أن يأكلوا، فقال أحد أصحابه:
(( عليّ ذبحها (أي الشاة) وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها. فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب. فقالوا: نكفيك ذلك. قال: أعلم أنّكم تكفونني، ولكنّ الله يكره أن يرى عبده متميّزاً على أقرانه.))
[ ورد في الأثر ]
وهو أعلى إنسان ولكن لا، فأدّب ابنك هكذا، هذه القصّة تروى مئة مرّة وتُعلّق عليها، حتّى الطفل يتخلّق بها.
تلاوة القرآن تملأ فراغ ولدك لأن الفراغ هو أكبر مفسدة له:
النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بركة الطعام الوُضُوء قبلَه، والوضوء بعدَه.))
[الترمذي وأبو داود عن سلمان الفارسي]
وضوء الطعام: غسل اليدين والفم فقط، فأحياناً واحد يصافح إنساناً أو يمسك بحذائه أحياناً، أو يمسك آلة قذرة، ويأتي للغداء ويديه غير مغسولة، ويأكل ويضع الطعام في فمه، فتؤدّبه، وإذا جلس للأكل يسمّي وإذا انتهى يقول: الحمد لله.
أيّها الأخوة اقرؤوا السيرة فيجب أن تقرأ كلمةً كلمةً، واقرؤوا أدعية النبيّ وأذكاره، فالبيت الذي ليس به شيء من السيرة مخالف للنص، أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، فقد ذكر النتيجة، أمّا الأسباب، أن تعلّم أولادك أخلاق النبيّ، رحمة النبي، وعطف النبيّ، فقد كان النبيّ يملأ الإناء للهرّة إذا كانت عطشى، كان يرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويعجن خبزه، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، فاقرأ السيرة وانظر لأخلاقه وصفاته.
وحبّ آل بيته، فأنا لا أعتقد عصراً من عصور التاريخ اجتمعت فيه بطولات كما اجتمع في عصر النبيّ، فقد كان كلّ صحابيٍ بطلاً، ولدينا قصص عن مئات من الصحابة، قصص دقيقةٌ جداً ورائعة وبأسلوبٍ أدبيٍ، فكتاب سير الصحابة يجب أن يكون في كلّ بيت، هكذا التوجيه النبوي:
(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن))
[رواه الطبراني عن علي]
لا شيء يمتصّ نشاط الطفل الصغير، يملأ فراغه، كتلاوة القرآن، كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الكرام، أخطر شيء بالحياة فراغ الشباب، والفراغ أكبر مفسدة، والقاعدة معروفة عندكم: نفسك إن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر.
وابنك من باب أولى، فالأب العاقل يكافح الفراغ، ويحاول بقدر الإمكان أن يملأ وقت أولاده، حتّى لو أحضر لهم جهازاً يتعلّمون شيئاً به، أو مكتبة صغيرة، أو عدداً من المجلات الرصينة، مقالات علميّة مثلاً، مقالات اجتماعيّة، مجلة أو اثنتين من النوع الرّاقي، مكتبة صغيرة تحوي كتباً من السيرة، الحديث، الفقه، فلماذا أنت مسلمٌ، أي أنّك عالمٌ فما اتّخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلّمه.
لذلك كما قلت قبل قليل، وتلاوة القرآن، فلا يوجد نشاط يمتصّ وقت الأبناء والتنافس البريء بينهم والاعتزاز بحفظ كتاب الله، كتلاوة القرآن، أتمنّى على كلّ أب أن يحرص حرصاً لا حدود له على تحفيظ أولاده القرآن، وإن حفظوا جزءاً أعطاهم جائزة شجّعهم، أي اصطحبهم معه في بعض نزهاته، يعني الإنسان عبد الإحسان، كثيرٌ من الآباء من السلف الصالح عندما يحفظ الابن القرآن يصبح لديهم عيدٌ بكامله، فمن يُرِد عندما يكبر ابنه أن تقرّ عينه به عليه أن يعتني به وهو صغير.
حظُّ المرأة من العلم كحظِّ الذكر تمامً:
الآن ننتقل إلى موضوعٍ متعلّقٍ بالموضوع الأوّل، وهو أنّ المرأة كما قلت في درس الجمعة حظُّها من هذه العلوم كحظِّ الذكور تماماً. أي أنّ طلب العلم فرضٌ على كلِّ مسلم، وكلمة مسلم تعني: على كلِّ إنسانٍ مسلم أي ذكراً كان أم أنثى، فأنا أعتقد أنّ الإنسان المؤمن لا يفرِّق أبداً بين الذكر والأنثى من حيث العلم، تتعلّم و تسبق أخاها أحياناً، تتعلّم وترقى بعلمها، أعظِمْ من امرأة مسلمة تعرف ربّها وتعرف دينها.
هل تجد امرأةً تتمنى أن يكون لها ضرّةٌ على وجه الأرض ؟ فقد سمعت عن شابٍ أحبّ فتاةً ليست مسلمة ثمّ انصرف عنها، فلمّا انصرف عن هذه الفتاة غير المسلمة قالت له: والله إن تزوّجتني سأُعلن إسلامي وأتحجّب وأحفظ القرآن، ثمّ انصرف عنها، طبعاً أهله لم يرضوا وتزوَّج فتاةً كما يريد أهله، وهذه الفتاة مؤمنة، بعد حين من زواجه منها، أعلمها بقصّة الّتي وعدته أن تتحجّب وأن تحفظ القرآن وأن تسلم إن هو تزوّجها، فما كان من امرأته المؤمنة إلا أن قالت له: يجب أن تقترن بها إلى هذا البيت، وأنا أُعطيها هذه الغرفة!! هذا خلاف الطبيعة الإنسانيّة، هذا هو الإيمان !! أنّ إنسانة تعدك أنّك إذا تزوّجتها تسلم وتتحجّب وتحفظ القرآن وتنصرف عنها ؟ أنا أقبل أن تكون لي ضرّةً !! وتزوّجها وجاء بها إلى البيت، لا يوجد أعظم من فتاة مؤمنة.
المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة:
المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة، في أنّها مكلّفة في أركان الإيمان وأركان الإسلام وأنّها مسؤولة عن زوجها وعن أولادها.
سأُسمعكم نصّاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رواه عبد البِر في الاستيعاب ورواه مسلمٌ في صحيحه أنّ أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (هذه القصّة أيُّها الأخوة أُعوّل عليها أهمّيةً كبرى، يسمونها أحياناً قصّة مفصليّة) فقالت: إنّي رسول من ورائي جماعة من نساء المسلمين (مندوبة عن النساء) كُلُّهنّ يقلن بقولي وعلى مثل رأييْ، إنّ الله بعثك يا رسول الله إلى الرجال والنساء فآمنّا بك واتّبعناك ونحن معشر النساء مقصوراتٌ مخدّرات في البيوت قاعدين قواعد بيوت، وإنّ الرجال فضّلوا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربّينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ الجُمعة لهم شهود الجنائز لهم كذلك الجهاد، ونحن في البيوت قاعدات، وأنت الله بعثك لنا ولهم، فما وضعنا نحن ؟
فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه قال:
(( هل سمعتم مقالة امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه ؟. فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أنّ حسن تبعُّل إحداكُنّ لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت.))
[ ورد في الأثر ]
فانصرفت أسماءُ وهي تهلل وتكبّر استبشاراً بما قاله لها عليه الصلاة والسلام.
أي أنّ المرأة إذا أحسنت رعاية زوجها وأولادها وكانت زوجةً مثاليّةً، حفظت نفسها وحفظت مال زوجها، وقامت على شؤون بيتها وشؤون أولادها وربّت أولادها، النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى يقول: إنّ أجرها مثل أجر المجاهد في سبيل الله تماماً بتمام، فعند الله عدالة مطلقة، امرأةٌ في البيت لكنّها كالمجاهدة في سبيل الله.
لذلك أيُّما امرأةٌ قعدت على بيت أولادها فهي مع النبي في الجنّة. دائماً أروي حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها ))
[ ورد في الأثر]
كثير من النساء وهنّ في ريعان الشباب، ثلاثٌ وعشرون سنة، ويتوفّى زوجها بحادث وعندها ثلاثة أولاد منه، تؤثر تربية أولادها على حظّها من الرجال، قال: هذه المرأة تريد أن تدخل الجنّة قبل رسول الله.
آيات من القرآن الكريم تؤكد على مساواة المرأة بالرجل:
يبدو من خلال هذه الأحاديث أنّ تربية الأولاد أعظم عملٍ في الحياة الدنيا، فأنت تخرِّج أجيالاً، فإذا عرف ابنك الله عزَّ وجلَّ وكان ذا أخلاق عالية، الآن أقول لك: فلان، إذا كان الإنسان أخلاقياً ولا يؤذي أحداً يقولون عنه تربته المنزليّة عالية، أحياناً ليس عنده دين ولكن مربّى تربية عالية، تربيته المنزليّة عالية جداً. وطبعاً كلّكم تعرفون الآيات الّتي تؤكّد مساواة المرأة بالرجل، قال تعالى:
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) ﴾
( سورة آل عمران )
آيةٌ أُخرى، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾
( سورة النساء )
وقال أيضاً:
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) ﴾
( سورة الأحزاب )
بالطبع باللغة العربيّة أيُّ أمرٍ موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء هذه الآيات تؤكّد ذلك، فمثلاً قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) ﴾
( سورة النور )
تعليم الفتيات القرآن والسنة والفقه من أجلِّ الأعمال في الإسلام:
هذا خطاب موجّه للمؤمنين، وأيُّ خطاب موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء، فيمكن للمرأة أن تقول: هذا الأمر ليس لي، لكن الأوامر القرآنيّة الموجّهةَ للرجال موجّهةٌ للنساء حكماً. أمّا ربنا عزَّ وجلَّ في الآية الكريمة من سورة الأحزاب آية " 35 " ذكر النساء والرجال تكريماً للنساء، ولبيان أنّهُنّ كالرجال تماماً:
(( من كان له ثلاث بناتٍ أو ثلاث أخواتٍ أو بنتان أو أُختان فأدّبهنَّ وأحسن إليهنّ وزوّجهُن فله الجنّة.))
[رواه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري]
فأنا أعرف شابّاً لم يتزوّج حتّى زوّج كلّ أخواته، واختار لهم أزواجاً مؤمنين وأمّنهم ثمّ تزوّج، أي أنّه يوجد كثير من الأعمال الصالحة ضمن نطاق الأُسرة تكفي لدخول الجنّة، وفي روايةٍ:
(( مَن كَانَتْ له جارية فَعَالَها وأحسنَ إِليهَا، ثُمَّ أعْتَقَها وتزوجها: كان له أجران. ))
[الترمذي عن أبي موسى الأشعري]
وجاء في مقدّمة كتاب المعلّمين لابن سحنون أنّ القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليُعلّمهنّ القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صِقلية أسد بن الفرات لابنته أسماء الّتي نالت من العلم درجةً كبيرة.
تعليم الفتيات القرآن الكريم والحديث الشريف وأحكام الفقه هذا من أجلِّ الأعمال في الإسلام.
آيات تؤكد تحريم التعليم المختلط وعدم إبداء الزينة:
طبعاً الاختلاط محرّمٌ شرعاً، أي التّعليم المختلط وهذه هي الأدلّة، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (53) ﴾
( سورة الأحزاب)

قال:
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) ﴾

( سورة الأحزاب)
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾
( سورة النور )
عدم إبداء الزينة، ولا يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها أي طولها ولون ثوبها، وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) ﴾
( سورة الأحزاب )
تحريم الاختلاط في السنة النبوية:
في الأحاديث:
(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))
[ رواه الطبراني عن أبي أمامة]
و:
(( إِيِّاكُم والدخولَ على النساء، فقال رجل من الأنصارِ: أَفرأيتَ الحَمْوَ ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ. ))
[متفق عليه عن عقبة بن عامر]
هذه النصوص من آيات ومن أحاديث تؤكّد أنّ الاختلاط محرّم والمفاسد كلّها تتأتى عن طريق الاختلاط، فتعليم الفتاة لا يعني الاختلاط مع الرجال.
فإذا تحدّثنا عن مفاسد الاختلاط في المجتمعات الغربيّة فهو شيء لا يصدّق أبداً، الإحصائيّات في العام الماضي والكتاب مؤلّف من عشر سنوات، أي في عام ألف و تسعمئة و ثلاثة و ثمانين، قال: مئة وعشرون ألف طفل أنجبتهم فتيات قاصرات بصورة غير شرعيّة لا تزيد أعمارهنّ عن العشرين وإنّ كثيراتٍ منهن لازلنا طالبات، هذا الاختلاط.
أي توجد مخازٍ لا سبيل إلى ذكرها كلُّها من آثار الاختلاط، فنحن إذا دعونا إلى تعليم الفتاة فندعو أن يكون من دون اختلاط، من دون مفاسد، وأكبر تعليمٍ لها هو العلم الشرعيّ، فإذا تمكّن أبوها أن يعلّمها فهذا أفضل شيء، أو عن طريق أحد محارمها في البيت، فأخطر شيء على الفتاة الاختلاط ومع الاختلاط ينشأ الفساد.
على كلٍّ لا نريد أن نتوسّع في هذا الموضوع إلا بالقدر الذي يعنينا نحن جميعاً، الذي يهمُّنا أنّ تعليم الأولاد التعليم الشرعيّ وتربيتهم التربية العقليّة المناسبة هي مسؤوليّة الآباء.
نحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم:
توجد الآن حالات نادرة أو ليست نادرة، مثلاً: أب لم يتمكّن أن يتعلّم، فظروفه التي عاش بها لم تُعِنْه على طلب العلم، فماذا يفعل هذا الأب ؟ هذا الأب إذا علّم أولاده، النقص الذي كان يشعر به تلافاه في أولاده، ومن ينجب ولداً بدرجة عالية من العلم الشرعيّ هذا مما ينسيه تقصيره في هذا الحقل، وإذا كان الإنسان على مستوى عالٍ من العلم الشرعيّ يمكنه أن يجعل ابنه أو ابنته على شاكلته، أمّا إذا كان الأب مقصّراً سابقاً فالحل أن يحقق في ابنه ما فاته في شبابه.
لا زلنا في موضوع التربية العقليّة ومسؤوليّة الآباء عن هذه التربية، بقي علينا كما قلنا في مطلع الدرس: أنّ هذا البيت إذا تمكّن كلّ أب من أن يجلس جلسةً مع أولاده وبناته وتكون محورها تلاوة القرآن وسيرة النبيّ وأصحابه وتوجيه النبيّ، فهذا واجب قام به الآباء.
محور الدرس اليوم هو الحديث الشريف:
(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..))
[رواه الطبراني عن علي]
هذا الحديث منهج في التربية، فالموضوعات الثلاثة الأساسية: سيرة النبيّ، فهي قصّة والطفل يحبّ القصّة، وسير النبي و أصحابه، والقرآن قراءةً وتحفيظاً وتجويداً، فإذا تمكّنت أن تلقي على أولادك هذه الدروس فأنت قد رفعت عنك المسؤوليّة التي كان من الممكن أن تُسأل عنها إذا قصّرت في هذا الأداء.
الحقيقة يجوز أن يمرّ معنا في المستقبل أنّه من أبلغ وسائل التربية القدوة، أن تكون أنت عارفاً بالسيرة، عارفاً بسير الصحابة، متقناً لقراءة القرآن، فالأب القدوة أكمل بكثير، فنحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
على المؤمن أن يربي أولاده على الصلاة والذكر وحفظ القرآن:
فأنا ذكرت لكم مرّةً هذه القصّة ولن أنساها ؛ إنسان كنت بحاجة إلى التعامل معه فقلت له: متى تكون في المكتب ؟ قال لي: باكراً، فانصرف ذهني للساعة التاسعة، قال: لا، الساعة السادسة صباحاً !! بعضهم لا يفتح إلا ظهراً، الساعة التاسعة أو العاشرة، فعندما استغربت قال لي: عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أذهب مع والدي كلّ فجرٍ إلى المسجد، نشأت على صلاة الفجر في المسجد، وكنت قبل صلاة الفجر أُصلّي معه قيام الليل، وأنا حينما يؤذِّن الفجر أستيقظ، وهو الآن في الخامسة والخمسين، لا يستطيع بعد الفجر أن ينام فيبدأ عمله باكراً.
قلت هذا الأب الذي ربّى ابنه على صلاة الفجر في المسجد أصبحت عنده عادة واستمرّ بها فالطفل الصغير كيفما تنشّئه ينشأ، كيفما تعلّمه يتعلّم، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فربِّه على الصلاة والذكر وحفظ القرآن، وربِّه على أن يقرأ عن رسول الله وأصحابه، وربِّه على أن يتكلّم كلاماً مهذّباً ويتحرّك حركةً مهذّبة.
ذات مرّة النبيّ اللهمّ صلِّ عليه رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له: من هذا ؟ قال: هو أبي. قال له: أبوك لا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تناده باسمه، ولا تستسبّ له.
أربع آداب علمها لنا الرسول الكريم، تستسبّ له: أي تسبب له السباب.
ذات مرّة دخلت لأرى بيتاً لأحد أخواننا، لنرى غرفه، فدخلنا أحدها فوجدنا شاباً عمره تقريباً اثنتا عشرة سنة وهو مضطجع على ظهره وواضعٌ رجلاً فوق أخرى ويتابع فيلماً، دخل أبوه وأربعة أو خمسة أشخاص مع أبيه ولم يتحرّك ولا وقف قائماً، فما هذه التربية ؟!
لا توجد نسبةٌ ما بين الولد المربّى وغير المربّى، لذلك الله عزَّ وجلَّ يلهمنا أن نطبّق هذه الأحاديث، فيكفي أن نحفظ حديثاً واحداً في هذا الدرس:
(( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..))
[رواه الطبراني عن علي]
هذا منهج يكفينا كي نربّي أولادنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-07-2018, 04:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( العاشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 1 ) ظاهرة الخجل عكسها






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام مع الدرس العاشر من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام.
تربية الأولاد النفسية:
لقد تحدّثنا في دروسٍ سابقة عن مسؤوليَّة الآباء في تربية أولادهم الإيمانيّة، وفي تربية أولادهم الخلُقيَّة، والجسميَّة، والعقليّة، وها نحن ننتقل إلى أخطر موضوعٍ في التربية وهو تربية الأولاد التربية النفسيّة.
فالأب الواعي العاقل الموفّق يستطيع أن يجعل من أبنائه شخصيّاتٍ فذّةً في المجتمع، والأب غير الواعي والذي يرتكب أخطاء فادحة في حقّ أبنائه ـ بالتعبير المألوف يحطِّمهم ـ يجعلهم يشعرون بالنقص، يجعلهم يجبنون عن مواجهة الحياة، يجعلهم في صفةٍ ينبذها المجتمع، فلذلك أقول دائماً: الأُبوَّة مسؤوليَّة.
الإنسان بنيان الله، وملعونٌ من هدم بنيان الله، أحياناً الأب بكلمة غير واعية غير مدروسة متعجِّلة فيها ارتجال يحطِّم ابنه، وكلمة مشجِّعة أحياناً تبعثُّ الثقة في النفس، تجعل ابنه عظيماً، فالقضيَّة قضيَّة حكمة، الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة الآية " 269 " )
يعني مثلاً إذا أخطأ ابنك فبينك وبينه وبأسلوبٍ لطيفٍ ومقنع تقول له: يا بنيّ هذا العمل خطأ، هذا العمل له نتائج خطيرة، وهذا العمل يجعلك في المجتمع منبوذاً، وتأتي له بدليل وشاهد وقصَّة، وبآية وبحديث، فالابن يقتنع، أمّا لو قمت بتعنيفه أمام أصدقائه فقد حطَّمته، ولو عنَّفته أمام إخوته حطّمته، أو لو صببت على أُذنه سباباً مقذعاً فقد حطَّمته، لذلك الأب مسؤول عن تربية أولاده التربية النفسيّة، وتوجد قاعدة في علم التربية لا أريد أن أقولها كي لا يجترئ الأبناء على آبائهم، لكن معظم أخطاء الأبناء مردُّها إلى المربّي، فمثلاً عندما تكذب الأم على زوجها أمام بناتها، فهذا الكذب العملي على الزوج أمام البنات أسقط ألف محاضرة في الصدق، القدوة هي أساس التربية. هناك أخطاء يرتكبها الآباء وهم يظنون أنها رحمة ولكنها في الحقيقة نقمة:
لذلك أيُّها الأخوة، نقصد بالتربية النفسيّة أن يربَّى الابن على الفضائل، على الصدق، على الأمانة، على الاستقامة، على الجرأة، على الكرامة، على العزَّة، على الانفتاح على الناس، على القدرة على تحمُّل مشكلات الحياة، هناك أخطاء كبيرةٌ جداً يرتكبها الآباء وهم يظنُّون أنَّ هذه رحمة، وإنَّ هذه الرحمة التي توهّموها هي في الحقيقة نقمة على الأبناء.
طبعاً الموضوع واسع جداً لكن نختار من هذا الموضوع ظاهرة الخجل، وظاهرة الخوف، وظاهرة الشعور بالنقص، وظاهرة الحسد، وظاهرة الغضب، هذه الأمراض النفسيَّة المتفشِّية في الصغار.
الخجل: لا يستطيع الطفل أن ينبس ببنت شفة من شدَّة الخجل، الخجل ظاهرة مرضيَّة، طبعاً الحياء غير الخجل، فالحياء فضيلة، الحياء من الإيمان، الخجل ظاهرة مرضيَّة، الخجل نتيجة من نتائج التربية السيِّئة.
الخوف نتيجة من نتائج التربية السيِّئة، الشعور بالنقص، احتقار الذّات نتيجة من نتائج التربية السيِّئة، الحسد، الغضب، هذه بعض الظواهر المرضيَّة المتفشِّية في الأبناء.
الظاهرة الأولى التي يخطئ بها الآباء هي ظاهرة الخجل:
نبدأ بالظاهرة الأولى وهي الخجل، الطفل إذا ذهب مع أبيه إلى بيت لا يستطيع أن يتكلَّم بكلمة، ولا أن يجيب، ولا أن يتصرَّف، ولا أن يصافح، ولا أن يسلِّم، هذا الخجل يتنامى معه فيجعله إذا أصبح شاباً يخجل أن يطالب بحقّه ولو كان محقّاً، يخجل أن يقول: لا ولو كان مصيباً، تضعف شخصيّته، يصبح إمَّعة، كلُّ إنسان يسيطر عليه، من لوازم قوّة الشخصيّة كلمة (لا) في الوقت المناسب، فضعف شخصيَّة الإنسان حينما يصبح راشداً أساسها ظاهرة الخجل حينما كان صغيراً.
هناك فرق كبير بين الخجل كظاهرة مرضية وبين الحياء كفضيلة إنسانية:
مرةً ثانية أيُّها الأخوة نفرِّق دائماً بين الخجل كظاهرة مرضيَّة وبين الحياء كفضيلة إنسانيّة، الحياء من الإيمان، الذي يستحي أن يعصي الله عزَّ وجلَّ، الذي يستحي أن يتطاول على كبير، الذي يستحي أن يأخذ ما ليس له، الذي يستحي أن يفعل قبيحاً، أو أن يفعل فاحشةً، فهذه فضيلة ولعلّها من أرقى الفضائل لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر))
[متفق عليه عن عبد الله بن عمر]
والحديث المعروف عندكم:
(( إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا شِئْتَ ))
[أخرجه البخاري عن أبو مسعود]
لهذا الحديث معنيان متناقضان:
1.المعنى الأول إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب:
المعنى الأوّل أنَّك إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب، لأنّ أصل المسؤوليّة يسقط إذا اختلَّ الحياء عند الإنسان، المجنون لا يحاسب، وهذا الذي لا يستحي الناس يزهدون في معاتبته، يقولون: إنَّه إنسان وقح، إنسان فاجر، إنسان قذر، يبتعدون عنه.
2ـ المعنى الثاني إذا فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً:
والمعنى الآخر للحديث أنّك لو فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً، افعله ولا تلوِ على أحد، إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء، الأصل أن تكون على اتصالٍ بالله عزَّ وجلَّ، وأن يكون الله راضياً عنك.
أحياناً أخواننا الكرام يستنصحونني فأقول هذه الكلمة دائماً، فمرّة استنصحني موظّفٌ يعمل في التموين فقلت له: إذا كنت بطلاً فهيّئ لربّك جواباً عن كلّ ضبط تكتبه، جواباً لله عزَّ وجلّ. قال: كيف ؟ قلت له: هذا الذي يضع الموادّ الضارة في المواد الغذائيّة ـ فقد حدّثني أخ من يومين وجزاه الله خيراً أن بعض المواد الغذائيّة كالطحينة مثلاً يضعون بها مادّةً مبيِّضة (إسبيداج ) فقال لي: لا بل يضعون أكسيداً لمادّة سامّة وهم لا يعنيهم ذلك سوى أن يبيعوا هذه المادة الغذائيّة بربحٍ كبير، أحياناً يبيعون الصفيحة يضعون بها لحماً لدابّة ميّتة، وبعض أنواع اللحوم فيها لحم قطط، فإذا لم يأخذ الإنسان بيدٍ من حديد على أيدي هؤلاء المنحرفين فالمجتمع يتأخّر ـ فكنت أقول لهذا الموظّف دائماً: هيّئ لربِّك جواباً عن كلِّ ضبطٍ تكتبه، فإذا كان هذا الإنسان مسيئاً، يسيء لأولادنا ولمجتمعه فيجب أن يحاسب، فقد قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) ﴾
( سورة الشورى )
من حقك أن تنتصر إذا بُغي عليك ولكن بالقدر نفسه الذي بُغي عليك فيه:
فقد شرحت مرَّة هذه الآية ـ فهذه الآية تحيّر ـ فهل يا ترى أنّ الله عزَّ وجلَّ يثني على هؤلاء:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الشورى )
أم يثني على الذين:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾
( سورة الشورى )
فأوّلها:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الشورى )
وآخرها:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾
( سورة الشورى )
الله عزَّ وجلَّ على من يثني ؟!!
الجواب: أولاً من حقّك أن تنتصر إذا بُغي عليك، لكن إذا أردّت أن تنتصر ينبغي أن تنتصر بالقدر الذي بُغي عليك فيه:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(40) ﴾
( سورة الشورى )
إذا غلب على ظنّك أنّك إذا عفوت على خصمك الظالم تقرِّبه إلى الله، وتقرِّبه من الدين، فينبغي أن تعفو عنه وعندئذٍ أجرك على الله، أمّا إذا غلب على ظنّك أنّ خصمك إذا عفوت عنه تزيده جرأةً على الباطل وعدواناً على الآخرين ينبغي أن لا تعفو عنه وهذه هي الحكمة.
الإنسان أحياناً عندما ينشأ بمرض الخجل إذا أصبح راشداً يخجل أن يطالب بحقُّه وأن يقول: لا، يخجل أن يقول للمخطئ أنت مخطئ وهذه حالة مرضيّة لدى الإنسان، فيصبح كالإمّعة تنعدم شخصيته وتذوب وينتهي.
بعض النماذج عن ظاهرة الجرأة من السنة النبوية الشريفة:
سأُريكم بعض النماذج التي وردت في السنَّة المطهَّرة عن ظاهرة الجرأة.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان دون الحُلُم ـ صغيراً ـ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال:
(( إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وإنّها مثل المسلم فحدِّثوني ما هي ؟ فوقع النّاس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أَنّها النخلة فاستحييتُ ثمّ قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله ؟ فقال: هي النّخلة.))
[ البخاري عن عبد الله بن عمر]
وفي روايةٍ:
(( فأردّت أن أقول هي النَّخلة فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت. ))
وفي روايةٍ:
(( ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان فكرهت أن أتكلّم، فلمّا قمنا حدّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحبُّ إليّ من أن يكون ليَ حمر النَّعم. ))
فقد أحبّ سيّدنا عمر أنّ ابنه يجيب الإجابة الصحيحة أمام النبيّ عليه الصلاة والسلام فيكون جريئاً.
نجد أحياناً طفلاً جريئاً يتكلَّم بأدب، ويتكلم بثقة، ولا يستحي حياءً مرضيّاً، لا يخجل إذا عرف الحقيقة أن يقولها، هذه من آثار التربية الجيّدة.
(( رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أُتي بشرابٍ فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ ـ مسنّون ـ فقال للغلام: أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء؟ ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
فما هذه التربية ؟! النبيّ سنّ سنّة أنّك إذا أردْت أن تقدِّم ضيافةً فقدِّمها إلى كبير القوم أوّلاً، ثمّ الذي عن يمينه، هكذا السُّنة، فأحياناً هذا التوجيه النبوي أو هذا الأدب النبوي لا يعرفه معظم الناس، يقول لك على اليمين فإذا وجد إنساناً فاضلاً وله قيمته الكبيرة فينبغي أن تبدأَ الضيافة به ثمَّ من على يمينه أي يمين أكبر القوم وليس اليمين المطلق.
(( رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام - وفي رواية أصغَرُ القوم - وعن يساره الأشياخُ، فقال للغلام: أتأذَنُ لي أَن أُعطيَ هؤلاء ؟ فقال الغلامُ: ' والله يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحداً))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
جرأة ولكن أدب بالطبع هذا نموذج من نماذج الجرأة.
الجرأة هي وسط بين الخجل والوقاحة:

بالمناسبة قد توجد مسافة قليلة بين الجرأة والوقاحة، فالجرأة بين الخجل وبين الوقاحة، ودائماً وأبداً الفضيلة وسطٌ بين طرفين.
وروى البخاريّ أنّ ابن عباسٍ رضي الله عنهما وكان دون الحُلم درس من البلوغ أنّه قال: كان عمر رضي الله عنه يُدخُلني (أي في أيام خلافته) مع أشياخ بدر في المشورة، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه (أي غضب) فقال: لِمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله ؟؟ فقال عمر: من حيث قد علمتم. قال: فدعاني ذات مرّة فأدخلني معهم، فما رأيّتُ أنّه دعاني يومئذٍ إلا ليُريهم، فقال عمر لأشياخ بدر: ما تقولون في قوله تعالى:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ﴾
( سورة النصر)
قال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله وأن نستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم الآخر ولم يقل شيئاً، فقال لي: أهو كذلك يا ابن عبَّاس ؟ فقلت: لا، قال: فما تقول ؟ قلت: هو أجل النبيّ عليه الصلاة والسلام.
العظماء إذا حقّقوا رسالاتهم تنتهي آجالهم:
سيِّدنا عمر كان يستشير كبار الصحابة ـ هنا في الحديث سمّاهم أشياخ بدر ـ الذين شهدوا بدراً كان يستشير معهم سيِّدنا ابن عبّاس وقد كان دون الحُلُم، ولّما كانوا يرون ابن عبّاس وهو في سنِّ أبنائهم غضبوا وقالوا: هذا الذي معنا لنا أبناء في سنِّه، فقال لهم عمر: من حيث قد علمتم.. فما معنى ذلك ؟
أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام دعا له وقال:
(( اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين ))
[حديث صحيح عن علي بن عبد الله بن عباس]
ودعاء النبيُّ لا يردّ، فهذا ابن عبّاس ولو أنّه دون الحُلُم دعا له النبيّ بالفقه في الدين وبمعرفة التأويل، وقوله: هو أجل النبيّ عليه الصلاة والسلام.
أي أنّ العظماء حياتهم عظيمة جداً، همومهم كبيرةً جداً، فإذا حقَّقوا رسالتهم انتهى أجلهم، فالأنبياء والعظماء لا يمكن أن يعيشوا ليأكلوا كعامّة الناس، وتقريباً لذلك إذا زار رئيس دولةٍ ما دولة أُخرى فالمباحثات ثلاث ساعات وعند انتهائها يرجع لبلده ولا يقول: يومان آخران لنتنشّط، فهذا غير وارد إطلاقاً، فالمسؤوليّات كبيرةً جداً على عاتقه، وصل إلى الدولة الأخرى، أجرى المباحثات، أصبح هناك إنجاز، فيرجع إلى بلده، أمّا عامة الناس يمكث للسياحة، يتنشّطون، هذا مثل تقريبي، العظماء إذا حقّقوا رسالاتهم تنتهي آجالهم، فقال له ربُّنا عزَّ وجلَّ:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾
( سورة النصر)
الله عز وجل نعى نبيه محمد بسورة النصر:
فقال سيدنا ابن عبّاس: هو أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلَمهُ به بقوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ﴾
( سورة النصر)
وذلك علامة أجلك:
﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾
( سورة النصر)
فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول، هذه سورة أجل النبيّ.
رالله عزَّ وجلَّ نعى النبيّ بهذه السورة، أي يا محمّد:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾
( سورة النصر)
على المؤمن استغلال شبابه في طاعة الله:
أحياناً الله يتفضّل على إنسان فينشأَ في طاعة الله من أيام طفولته، طوال حياته يحضر مجالس العلم، يدعو إلى الله، يضبط جوارحه، ينفق ماله، هذا كلما تقدّمت به السّن اشتاق للقاء الله عزَّ وجلَّ، فتجد المؤمن متعلِّقاً بالآخرة ومنصرفاً عن الدنيا، أعتقد أنّه توجد ساعة هي أسعد ساعة للمؤمن حينما يطلُّ على ماضيه فإذا هو طاعةٌ لله، يطلُّ على ماضيه فإذا هو عملٌ صالح، يطلُّ على ماضيه فإذا هو دعوةٌ إلى الله، يطلُّ على ماضيه فإذا هو الإحسان للخلق، هذه النظرة إلى الماضي تملأ قلبه سعادةً.
فالإنسان لا يغترّ، الشباب يمضي سريعاً، فالشاب في مقتبل العمر لا يفكّر في أمراض القلب، ولا دسّام القلب، ولا مرض الضغط، ولا أمراض الكليَة، ويقولون لك: مثل الحصان يحرث حرثاً، ولكن هذا يمضي سريعاً ويأتي وقت تضعف أجهزة جسمه، فقد قرأت كلمة في مجلّة أنّ السعادة الماديّة للإنسان البعيد عن الله عزَّ وجلَّ الذي أراد الدنيا ولذاتها وشهواتها ومباهجها، أراد أموالها، أراد نساءها، مقاصفها، طعامها، شرابها فما الذي يحدث ؟ شيء مضحك لأن السعادة الماديّة في الدنيا تحتاج إلى ثلاثة شروط ؛ الأوّل: الصّحة، الثاني: الوقت، الثالث: المال.
العمر ثلاث مراحل:
1 ـ المرحلة الأولى تجد فيها الصحة والوقت ولا تجد المال:
الآن لاحظوا أنّ أوّل مرحلة بهذه الحياة صحّة ممتازة مثل الحصان ووقته فارغ لا يشغله شيء، ولكن مال لا يوجد ـ منتوف ـ لا يملك شيئاً، إذاً لا يسعد، أين يريد أن يذهب ؟ ليس معه شيء، صحّة طيِّبة ووقت متوافر.
2 ـ المرحلة الثانية تجد فيها الصحة والمال ولا تجد الوقت:
المرحلة الثانية: قام بتأسيس مشروع ففتح محلاً تجاريّاً، وانشغل بالتأسيس، بالمبيعات، بالمشتريات، بالحسابات، الآن لا يوجد وقت، توجد الصِّحة والمال، ولكن الوقت غير موجود، يقول لك: والله نحن مشغولون، وتجد بيتاً قد كلّف الملايين ولا يذهبون إليه إلا في العطلة الصيفيّة فقط ولمدّة أسبوع واحد لعدم الفراغ فالبيت مغلق، أصحابه عندهم مشاريع ومعامل وتجارة ولا يوجد عنده متسع من الوقت ليتنعّم، ويتساءل: هل تناولنا طعام الغداء اليوم ؟ والله قد نسينا ذلك من كثرة العمل بالأسواق والبيع ـ السوق حامي ـ فنسي الغداء وهذه هي المرحلة الثانية: يوجد المال والصّحة ولكن لا يوجد الوقت.
3 ـ المرحلة الثالثة تجد المال والوقت ولا تجد الصحة:
المرحلة الثالثة: قد كبر في العمر وسلّم المعمل لأولاده وأصبح عنده الوقت الكافي وأصبح عنده المال ولكن لا توجد الصِّحة بل أصبح يحمل في جسده خمسين علّة مرضيّة، هذه هي الدنيا: تغُرُّ.. وتضرُّ.. وتَمُر.
أمّا إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجلَّ وجعل هدفه ابتغاء مرضاته، فيصبح سعيداً وهو شابٌ، في الشباب من جامع إلى جامع، من درس إلى درس، من عمل صالح إلى عمل صالح، سعيد وهو كهل، سعيد وهو شيخٌ، فقد اختلف الأمر كلّياً منذ أن عرفت الله دخلت في السعادة وإلى الأبد، وما الموت إلا نقطةً على هذا الخط الصاعد.
بعض الأمثلة عن شباب شبّوا على طاعة الله:
أقول لكم قصّة تعرفونها وأقولها دائماً: عندما مرَّ سيّدنا عمر في المدينة وكان بعض الأولاد يلعبون، فلمّا رأوه تفرّقوا جميعاً من شدّة هيبته إلا واحداً منهم وهو سيدنا عبد الله بن الزبير، فعندما مرّ سيدنا عمر أمامه فقال له: يا غلام لمَ لمْ تهرب ؟! فقال له: أيُّها الأمير لستَ ظالماً فأخشى ظلمك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
الطريق واسع فلماذا أهرب ؟ أخاف من ذنب وأنا لست مرتكباً للذنب وأنت لست ظالماً، كلام بليغ، أي إذا كان واحد خائفاً وهو بريء فتلك والله مصيبة كبيرة جداً أن يخاف البريء، أمّا المصيبة الأكبر أن يطمئنّ المذنب، فإذا كنّا في مجتمع البريء فيه خائف والمذنب فيه مطمئن فهذه والله مشكلة كبيرة.
رأى سيّدنا عمر بن عبد العزيز ولداً له في يوم عيد وعليه ثوبٌ خرق ـ ابن سيّدنا عمر ـ فدمعت عيناه، فرآه ولده فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ قال: يا بنيّ أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخرق، فقال: يا أمير المؤمنين إنّما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه أو عقَّ أُمّه وأباه وإنّي لأرجو أن يكون الله تعالى راضياً عنّي برضاك.
أي إذا أنت راضٍ عني فأنا أرجو رضاء الله برضاك.
والله أيُّها الأخوة تجد إنساناً لا يملك من الدنيا شيئاً لما عنده من غنىً في نفسه والله لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، وتجد إنساناً آخر يملك الملايين ويشعر بالفقر وكأنّه أفقر الناس، يقول لك: خسرنا. ماذا خسرت ؟ كانت أرباحه اثني عشر مليوناً فأصبحت عشرة ملايين فقط فخسر مليونين، لا يوجد نموٌ بل تراجعٌ، وتجده متضايقاً، يائساً، هذا فقير، قيل: أنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها. إذا أردْت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردْت أن تكون أكرم النّاس فاتّقِ الله، وإذا أردْت أن تكون أقوى النّاس فتوكّل على الله. أمثلة أخرى عن الجرأة من كتب الأدب:
مما روت كتب الأدب: أنّ صبيّاً تكلّم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن الجواب، قال له المأمون: ابن من أنت يا غلام ؟! قال: أنا ابن الأدب يا أمير المؤمنين، ألم يقل الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب يغنيك محموده عن النسب
* * *
قال له: أنا ابن الأدب، فقال المأمون: نعم النسب ثم قال المأمون:
كـن ابن من شئت واكتسب يغنيـك محموده عـن النسب
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
* * *
ومرّة فيما أذكر أنّ غلاماً ناشئاً قام بعمل عظيم فأراد أحد الأشخاص أن يصغِّره وأن يحجِّمه، فقال له: كم عمرك يا غلام ؟؟ فقال له: أنا عمري كعمر أُسامة بن زيد حينما ولاّه النبيُّ قيادة جيش فيه أبو بكر وعمر. أي هذا عمري فأسكته.
قال: دخل المأمون مرّة بيت الديوان فرأى غلاماً صغيراً على أُذنه قلم، قال: من أنت ؟ قال: أنا الناشئ في دولتك، المتقلِّب في نعمتك، المُؤمّل في خدمتك، أنا الحسن بن رجاء. فعجب المأمون من حسن إجابته وقال: بالإحسان والبديهة تفاضلت العقول ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
بالإحسان والبديهة تفاضلت العقول.
وعندما دخل على سيّدنا عمر بن عبد العزيز وفد المُهنئين تقدّم غلام عمره اثنتا عشرة سنة، قال له: اجلس أنت وليقم من هو أكبر منك سنّاً. فقال له الغلام: أصلح الله الأمير المرء بأصغريه.. قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام، ولو أنّ الأمر كما تقول لكان في رعيتك من هو أحق منك بالخلافة.
جاءت وفود إلى هشام بن عبد الملك وكان بين هذه الوفود غلام صغير اسمه ورداس بن حبيب فغضب هشام وقال للحاجب: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل حتّى الصبيان !!!
فقال الصبيّ: يا أمير المؤمنين، إنّ دخولي عليك لم ينقص من قدرك لكنَّه شرَّفني، أصابتنا ثلاث سنين ؛ سنةٌ أذابت الشّحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنةٌ دقّت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها علينا فإنَّ الله يجزي المتصدِّقين ؟
فقال هشام: ما ترك لنا هذا الغلام في واحدةٍ عذراً، فأمر للبوادي بمئة دينار وله بمئة دينار. فقال الصبي: اُرددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة البوادي، فإنّي أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم ـ أي أعطِ حصَّتي إلى قومي ـ ورفض أن يأخذها. فقال هشام: أما لك حاجة ؟ فقال الصبيّ: ما لي حاجَة فيَّ خاصّة دون عامّة المسلمين.
أحياناً الإنسان يدخل على شخصٍ مهمٍّ فيطلب استثناء، وآخر يطلب خدمةً عامّةً للمسلمين مثل: رفع الحيف أحياناً أو تيسير أمور الناس أو تأمين حاجاتهم، فالإنسان متى يُقيَّم ؟!! إذا طلب حاجةً شخصيّة، استثناء شخصيّاً يكون إنساناً منتمياً إلى ذاته، أما إذا دخل إنسانٌ على شخصٍ مهمٍ وطلب منه حاجة عامّة فهذا شرف له.
على كلٍ هذه الظاهرة ظاهرة الجرأة إذا تطرَّفت وتفاقمت أصبحت وقاحةً، وإذا تطامنت أصبحت مرضاً نفسيّاً وهو الخجل.
لذلك يجب على الآباء إذا تكلَّم الابن أن يستمعوا له، والأب يشجعه، وإذا أخطأ لا تعنِّفه، ولكن إن انتهى قلْ له: هذه الكلمة خطأ أو غلط وصوابها هكذا.
الفرق بين كلمة خطأ وكلمة غلط:
كلمة (خطأ) غلط باللغة، فالخطأ متعلّق بالخطيئة، أمّا الغلط متعلِّق بالعلم، وقد أُلّف كتاب اسمه أخطاؤنا الشائعة وقد انتقد العنوان أحد الأشخاص قائلاً: العنوان خطأ شائع، والصواب: خطيئاتُنا الشائعة.. لأنّ الخطأ جمعها خطيئات، قال تعالى:
﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) ﴾
( سورة نوح )
فجاء شخص ثالث فقال لهم أنتما الاثنان غلطتما، فكلمة خطيئة متعلِّقة بالخطأ الأخلاقي، أمّا الصواب: أغلاطُنا الشائعة. أصبح عندنا في اللغة: خطأ وهو الشيء المتعلِّق بالأخلاق، والغلط هو الشيء المتعلِّق بالعلم.
الحياء في الدين:
لكن الحياء كما تعرفون من الفضائل يقول عليه الصلاة والسلام:
((اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ، قُلنا: إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه، والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى، والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى، وَمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ.))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنّه كان يدعو ويقول: اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتّبع فيه العليم، ولا يُستحيا فيه من الحليم.
وقد مرَّ معي حديث يقول:
(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
وقد روى الإمام أنس بن مالك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقاً وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ.))
[حسن عن أنس بن مالك]
أي أنَّ المؤمن يستحي، فشيء واضح جداً مثلاً إذا جلست مع إنسان يتكلَّم كلاماً بذيئاً، ويتكلَّم بالعورات، وكان مزاحه فاحشاً، فاعتقد جازماً أنّه ليس مؤمناً، لأنَّ الحياء من الإيمان، فلو كان مؤمناً لاستحيا أن يلفظ العورات بلسانه، وأن يمزح مزاحاً فاحشاً، وأن يغمز، وأن يلمز، وأن يغُشَّ الكلام، هذا الذي يغُشَّ الكلام دائماً ويتكلَّم بالعورات ومُزاحه فاحشٌ هذا إنسان لا حياء فيه، ومن لا حياء فيه لا إيمان فيه:
(( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر))
[متفق عليه عن عبد الله بن عمر]
وفي المقابل يوجد آباء يشجعون أبناءهم كثيراً إلى درجة أنَّ هذا الطفل الصغير يتكلَّم كلاماً قاسياً، كلاماً فيه تطاول، وكلُّهم يضحك من هذه الكلمات غير المألوفة من هذه السّن، هذا أيضاً يشجِع الابن على الوقاحة وعلى التطاول، فالأب يجب أن يكون موقفه حكيماً إن رأى فيه خجلاً شجّع، وإن رأى فيه تجاوزاً كبح، أنت بين التشجيع لمن يخجل وكبح جماح من يتواقح.
سيّدنا يوسف عندما قال:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴾
( سورة يوسف )
السجن ليس فيه خطرٌ على الحياة، لكن الجُبَّ كان فيه خطرٌ على الحياة، فمن أدبه العالي لم يذكِّر إخوته بالجُب لئلا يستحيوا بفعلتهم فقد قال:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي(100) ﴾
( سورة يوسف )
الظاهرة الثانية التي يخطئ بها الآباء هي ظاهرة الخوف:
توجد لدينا ظاهرة ثانية من الظواهر المرضيَّة التي تصيب الأبناء وهي: الخوف فتجده خائفاً خوفاً غير طبيعي.
أولاً الأمّ التي تخوّف ولدها بالأشباح أو بالظلام، أو كما يقولون: بالغول، أو البعبع مثلاً، هذه أمّ جاهلة، فإذا نشأ عند الابن عقدة الخوف فذلك من تربية أمّه له، لأنّ الأم عندما يبكي ابنها تحبّ أن تسكته فتخيفه بأشياء وهميّة، هذه الأشياء غرست فيه غرساً.
وقالوا: الدلال المفرط هذا يسبب الخوف، الحرص الشديد غير معقول، والدلال المفرط، وأي شيء يطلبه يلبّى له وتعطي الأم له، فهذا الطفل تخرّب شخصيّته ولا يستطيع أن يواجه أي شيء، ويخاف من كلّ شيء، لأنّ الأب قد أعطاه كلّ شيء، ومنعه من كلّ جهد، ومنعه من كل تحمُّل للمشقّة، فضعف.
دعونا من الأمور النفسيّة، جسميّاً إذا الإنسان ارتاح كثيراً فيصاب بضعف القلب لا يوجد جهد، لعدم بذل الجهد، فلو مشى خمسة أمتار يلهث نَفَسه، وكذلك لو صعد درجات قليلة لسلم فيلهث أيضاً، أما الرّياضيّون يدرّبون قلوبهم، فلو جلس مستريحاً تصبح دقّات قلبه خمساً وخمسين دقّة في الدقيقة لأنّه جُهزَ على بذل الجهد، وهذه قاعدة ماديّة ومعنويّة، فكل إنسان يبذل الجهد فقد مرّن قلبه على تحمُّل الجهد، وإذا لم يبذل الجهد يضعف قلبه.
وكذلك النفس الإنسانيّة، إذا توافر لها كلّ شيء وأُمّن لها، فإذا وفر الأب أو الأم للأبناء كلّ شيء و أصبح الطفل غير مكلف بشيء، دلال زائد أصبح كثير الخوف، فلا يستطيع شراء أي من الحاجات، يخاف أن ينتقل لبيت آخر.
قال وأسباب الخوف أيضاً: تربية الولد على العزلة الانطوائيّة والاحتماء بالمنزل فالعزلة تسبب الخوف.
أخواننا الكرام، كل إنسان يعيش بعزلة يبني أوهاماً وتكون كلّها بلا أصل، يبني عداوات، تصوّرات، تفسيرات مضحكة للأمور، قام العلماء بإجراء التجارب بعزل إنسان عن المجتمع، فلتهيئة روّاد الفضاء لرحلة فضائيّة تبقى في الفضاء لعدّة سنوات، ولتهيئتهم على هذه العزلة أقاموا بيتاً في الصحراء، وجعلوا هؤلاء الروّاد في هذا البيت وفرضوا عليهم عزلةً تامّةً عن العالم، فانهار نفسياً اثنان منهم، وأساساً في بعض السجون، في السجن الانفرادي قد يسبب مرضاً نفسيّاً، لأنَّ الإنسان اجتماعي، فكل إنسان يعزل نفسه عن المجتمع يصاب بأمراض نفسيّة، فالعلاج أن تكون مع الناس.
فقد قال النبيّ صلوات الله عليه وسلّم من خالط النّاس وصبر على أذاهم، خيرٌ له من مَن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم.
من أسباب الخوف الدلال المفرط والعزلة والقصص الخيالية والأوهام:
أحياناً قصص خياليّة أساسها الجن والعفاريت تروى للصغار قبل أن يناموا، بالطبع لا بدّ من أن يخافوا، قصص خياليّة وأوهام تخويف دلال مفرط، عزلة انطوائيّة، هذه كلّها تسبب مرض الخوف، والخوف مدمِّر.
الحقيقة غرس العقيدة الصحيحة في نفس الطفل تحميه من الخوف، الله موجودٌ والأمر بيده والله هو الحافظ، وكلّ شيء وقع أراده الله، هذه المعاني تبعثُّ في نفس الغلام الأمان فيبتعد عن الخوف، انظر فما أجمل هذه الآية:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾
(سورة المعارج )
الأصل أنّ الإنسان يخاف، أمّا المتصل بالله لا يخاف، فقد جاءه مدد من الله، فأخواننا الذين قد ذهبوا إلى الحج بعضهم نظر إلى موقع غار حِراء في رأس الجبل، والطريق إليه يحتمل عدّة ساعات مع الجهد الكبير جدّاً، أي أنّ الشباب وحدهم بإمكانهم أن يصلوا، كان النبيُّ الكريم يبقى هناك الليالي ذوات العدد، الآن الجبل فيه كثير من الأُنس، من الطرقات والسيّارات، فتصوّر جبل قاسيون قبل أن يكون آهلاً بالسكّان، لا أحد فيه، وتصعد إليه وحيداً وتنام ليلتين أو ثلاث بمغارة فهذا شيء فوق طاقة الإنسان فما تفسير ذلك ؟
النبيُّ عليه الصلاة والسلام لشدّة أُنسه بالله غلب أُنسه بالله على وحشة المكان، فكلّما اتصل الإنسان بالله عزَّ وجلَّ يأنس به ولا تفسير آخر لذلك، فالمكان موحش، لكن لشدّة أُنس النبيّ بربّه، أُنسه بالله عزَّ وجلَّ غلب على وحشة المكان.
العقيدة الصحيحة تخففُ من حدّةُ الخوف:
إذاً العقيدة الصحيحة تخففُ من حدّةُ الخوف، الآن يجب أن يعطى الطفل حريّة التصرُّف وتحمُّل المسؤوليّة، وأن يمارس بعض الأعمال التي يقدرُ عليها، أحيانا تجد الأب خائفاً من أن يغلط ابنه فلا يسلِّمه شيئاً أبداً، فيكبر وهو لا يحسن شيئاً، اجعله يستلم عملاً ويغلط وصحح له، فقد ذكرت لكم قبل قليل أنّ الذي لا يغلط هو الذي لا يعمل، فكل من يعمل يخطئ، والخطأ طريق الصواب، وليس العار أن تخطئ، لكنّ العار أن تبقى مخطِئاً، ليس العار أن تجهل، لكنّ العار أن تبقى جاهلاً.
أيضاً عندما يعلّم الإنسان مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه المغازي فيها من مواقف الصحابة وشجاعتهم وبأسهم وشدّتهم هذا مما يبثُّ في نفس الطفل الجرأة من باب التقليد، فقد قال سيّدنا سعد بن أبي وقّاص: كُنّا نعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما نعلِّمهم السورة من القرآن.
(( علّموا أولادكم الرماية والسباحة ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً.))
[الإصابة عن عمر، وانظر فتح الباري ]
أمثلة ونماذج في شجاعة أبناء الصحابة:
أيضاً توجد عندنا قصص رائعةٌ جداً، نماذج عُليا في شجاعة أبناء الصحابة، لما خرج النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أُحدٍ مع أصحابه استعرض الجيش فرأى فيه صغاراً لم يبلغوا الحُلُم فأشفق عليهم وردَّ من رآه منهم صغيراً، كان في من ردّه عليه الصلاة والسلام رافع بن خُديج وسمرة بن جُندُب ثمّ أجاز رافعاً لما قيل له: إنّه رامٍ يحسن الرماية، فبكى سُمرة وقال لزوج أُمّه: أجازَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فبلغ ذلك النبيّ فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سُمرة، فأجازه عليه الصلاة والسلام.
غلامان صغيران، ولعل حجم أحدهم أصغر من الآخر فأجاز النبي الكبير وردّ الآخر فبكى وقال: هذا الذي أجازه النبي أصرعه وبلغ ذلك النبي فجعلهما يتصارعان أمامه، فإذا بسمرة يصرع رافعاً.
ولمّا هاجر النبيّ عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبو بكر إلى المدينة وأقاما في غار ثور ثلاثة أيام عملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر في تهيئة الزّاد لهما وقطعت أسماء قطعةً من نطاقها فربطت به على فم وعاء الطعام فسمّيت بذلك: ذاتَ النطاقين، وعمل عبد الله بن أبي بكر على نقل الأخبار ـ عمل عظيم ـ النبي والصديق في غار ثور، وعائشة وأسماء تأخذان الطعام وعبد الله يتعقّب الأخبار.
علينا أن نحسن تربية أبنائنا لأنهم استمرار لنا
ربّما كان الابن امتداداً لأبيه، ولا تنسوا أنّ الابن الصالح صدقةٌ جارية:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له.))
[مسلم عن أبي هريرة]
فليكن همّ كُلّ أب أن يربّي أولاده تربيةً صالحة بحيث أنّ الأب لو ولّت عينه فابنه استمرارٌ له، و أنجح الآباء في تربية أولادهم هم أسعد الآباء، فلا تتصوّر شعور الأب إذا رأى أولادَه من حوله ديّنين، صائمين، مصلّين، في مراتب عالية، بنجاح وبسمعة طيّبة فهذا شيء لا يقدّر بثمن، وهذا الذي قاله الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) ﴾
( سورة الفرقان )
بالطبع التربية لا بدّ لها من الجهد، و من دون اهتمام فالابن يفلت لكن فليكن معك دائماً، راقبه، لاحظه، كن له قدوة، اسأله وجاوب على أسئلته، واجلس معه، وناقشه، وبيّن له ووضّح له وفي النهاية لعلّ الله سبحانه وتعالى يرحمُنا بتربية أولادنا.





والحمد لله رب العالمين

منال نور الهدى
07-07-2018, 06:21 PM
موضوع قيم وهادف للأسرة المسلمة
بارك الله بك وجزاك ألف خير أخي السعيد
في أمان الله وحفظه

السعيد
07-08-2018, 08:20 AM
تسلمين اختى منال على تشريفك الكريم للموضوع

السعيد
07-08-2018, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الحادى عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 2 ) عقدة الشعور بالنقص -1








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام: مع الدرس الحادي عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام. الشعور بالنقص مرض أساسه توبيخ الأهل الطفل أمام الناس:
بدأنا في الدرس الماضي موضوع التربية النفسيّة، وذكرت وقتها أنّه قد ورد في الأثر: أنّ الإنسان بنيان الله، وملعونٌ من هدم بنيان الله.
فالأب حينما يتّهم ابنه بأنّه سارق، أو بأنّه كاذب، أو بأنّه شيطان، أو بأنّه محتال، أو بأنّه كسول، هذه الكلمات الكبيرة إذا ألقاها الأب على مسمع ابنه ولاسيّما أمام إخوته، ولاسيّما أمام أصدقائه، أو أمام أقربائه، هذه الكلمات القاسية، هذه التهم الكبيرة، هذا القذع في القول، هذا يسبب مرضاً عند الصغار اسمه الشعور بالنقص، وقد تستمرُّ هذه العقدة، عقدة الشعور بالنقص إلى آخر عمر هذا الإنسان.
أي أنّ أخطر شيء يصيب الإنسان هي الفترة التي يكون فيها صغيراً، فالتحقير والتوبيخ والسباب والشتائم، وعدم مراعاة أنّ هذا الطفل له إخوة، ضربه وعنّفه ووبّخه واتهمه بتهمٍ كبيرة وحقّره وصغّره، هذا الأب القاسي الذي ينقع غُلّته حينما يرى تقصيراً من ابنه لا يدري أنّه حطّمه وهو لا يشعر.
أسباب الشعور بالنقص:
1 ـ نوع التربية التي يتلقّاها الإنسان حينما كان طفلاً صغيراً:
فلذلك المرض الثالث من الأمراض النفسيّة التي كثيراً ما يصاب بها الأبناء هو الشعور بالنقص، أوّل مرض قلنا هو: الخجل، والثاني: الخوف، واليوم نتحدّث عن: الشعور بالنقص.
الشعور بالنقص أحد أكبر أسبابه الآباء والمربّون.. هناك معلِّمون كلماتهم قاسيةٌ جدّاً فأقل كلمةٍ تذكر أمام رفاقه - حمار - توبيخ وتعنيف وتحقير، ولطم، وضرب، وركل، هذا الطفل الذي يتلقّى كلّ هذا يشعر بأنّه تافه وأنّه لا قيمة له، فماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: الشرف معوان.
عندما تجعل للإنسان قيمة، وتشعره أنه ذو قيمة، وأنّه ابن عائلةٍ كريمة، وتقول له: والدك كان رجلاً عظيماً، حينما تبثُّ في روع هذا الطفل الصغير أنّه ذو قيمة.. هذا الشعور بأنّه ذو قيمة يردعه عن أن يسقط، ويردعه عن أن يفعل الفواحش، ويردعه عن أن يسرق، أنا أرى أنّ حديث النبيّ عليه الصلاة والسلام حينما قال: الشرف معوان، خير موجّه نحو المكارم والفضائل، فالمربّي الحكيم يستعين على تربية أولاده ببث معنوياتٍ عاليةٍ لهم، ببث الثقة في نفوسهم، باحترامهم، هذا الذي يرفع من قيمة الابن.
لذلك إذا كذب مرّة سمّاه كذّاباً، وإذا لطم أخاه مرّة سمّاه شريراً، إذا كان أخذ من أخته حاجةً سمّاه محتالاً، وإذا أخذ من جيب أبيه شيئاً سمّاه سارقاً، إذا تقاعس عن تأدية عمل سمّاه كسولاً، مباشرةً يناديه تعالَ يا كسول. الكسول والمحتال والسارق وما إلى ذلك، الآباء الجاهلون يسببون لأولادهم عقداً نفسيّةً وأمراضاً لا يعلمها إلا الله، وهذه العقد والأمراض قد ترافقهم طوال حياتهم، يقول لك: عمري ثمانون سنة وعندي مركّب نقص.. أسبابه نوع التربية التي تلقّاها حينما كان طفلاً صغيراً.
2 ـ محاسبة الابن أمام الناس:
الشيء الثاني: أنَّ هذا الطفل الصغير إذا قمت بتوبيخه على انفراد شيء، وإذا وبَّخته أمام إخوته شيءٌ آخر، إذا وبّخته على انفرادٍ شيء، وإذا وبَّخته أمام أقربائه شيءٌ آخر، إذا وبّخته على انفرادٍ شيء، وإذا وبّخته أمام الجيران شيءٌ آخر، هذا الذي يحطِّمه.. كلّ إنسان له شعور بالأهمّية، كلّ إنسان يحرص على سمعته، على مكانته، على شخصيّته.. فالأب الحكيم لا يحاسب ابنه إلا فيما بينَه و بينَه أي على انفراد.
فالأب الحكيم يحفظ لابنه كرامته، ومكانته أمام الصغار، فأنت كأب كبير تقول إنّ هؤلاء رفاق ابني كلّهم صغار مثله أعمارهم ست سنوات أو ثمان فإذا غلط غلطة فيضربه ويعنّفه أمامهم.. أتعرف أنّك قد أحدثت جرحاً لا يندمل ؟ ولا في أكثر من خمسٍ وعشرين سنة، قمت بضربه ولطمه أمام رفاقه فليس له قيمة بالمرّة عنده ؟ فكم من أب يفعل هذا، فالتعنيف والضرب والسباب هذا يعدّ عملاً سيّئاً جداً ولكنّ هذا يتضاعف أضعافاً متضاعفة فيما لو فعلته أمام أصدقائه ورفقائه وجيرانه وأقربائه.. هذه هي النقطة الثانية.
حقوق الأبناء على الآباء هي:
1 ـ أن تحسن اختيار أمهم:
اسمعوا أنّ سيِّدنا عمر جاءه رجل يشكو له عقوق ابنه، فأحضره عمر رضي الله عنه الرجل وابنه ثمّ بدأ يعاتب الابن على عقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين.. أليس للولد حقوقٌ على أبيه ؟ قال عمر: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: أن ينتقي أمّه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه القرآن.
فقال الولد: يا أمير المؤمنين.. إنّ أبي لم يفعل من ذلك شيئاً، أمّا أُمّي فإنّها زنجيّةٌ كانت لمجوسيّ، وقد سمّاني جُعلاً (أي خُنفساء) ولم يُعِّلمني من الكتاب حرفاً واحداً.
فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعُقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
أن ينتقي أمّه: أوّل حق من حقوق أولادك عليك.. أن تحسن اختيار أمه، أوّل حق لأولادك قبل أن يروا ضوء الحياة، قبل أن يأتوا إلى الوجود لهم عليك حق، وهو يبدأ قبل أن تتزوّج أمّهم، فحقّهم عليك أن تحسن اختيار أمهم، أن تكون أماً ديِّنة طاهرة، ومن أسرة شريفة، وتربيتها عالية، وصاحبة حياء، حصاناً، رزاناً.
2 ـ أن تحسن اختيار اسمه:
الأمر الثاني أيُّها الأخوة: اختيار الاسم.. أن يكون اسماً راقياً، فالطفل عندما تناديه باسمٍ راقٍ فهذا شيء جميل جداً يعتزُّ به حتى النبيّ عليه الصلاة والسلام إذا سمع اسماً يثير السخرية كان يبدله فوراً، من أنت ؟ أنا فلان، فيقول له: بل أنت فلان، يعطيه اسماً محبّباً. قال للنبي: اسمي زيدُ الخيل. فقال له النبي اللهم صلِّ عليه: بل زيد الخير.
قال عمر: لقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.. فالأُبوّة مسؤوليّة.
ومن طرائف ما ذكر أنَّ أباً عيَّر ولده يوماً بأُمِّه وقال له: أَتُخالفني وأنت ابن أَمة (ابن جارية) !! فقال هذا الابن لأبيه: والله يا أبي إنَّ أُمِّي خيرٌ منك. قال: وكيف ؟! قال: لأنّها أحسنت الاختيار فولدتني من حُر، وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمة.
هي أحسنت أن تختار وأنت لم تحسن الاختيار، فالحقُّ عليك.
على الإنسان ألا يحاسب ابنه قبل أن يعلّمه:
أيُّها الأخوة... لا يوجد حل، واسمعوا هذا الكلام الدقيق، فبالطبع الابن قد يسيء، فعندما أذكر بأنّ الأب ليس له حقّ أن يتكلّم كلاما قاسياً، ويوبِّخ، ويُحقِّر، ويضرب أمام إخوة ابنه (أمام أولاده) ولا أمام أقربائه، ولا أمام جيرانه، ليس معنى كلامي هذا أنّه لا توجد إساءة من الابن، فالابن من شأنه أن يسيء، لأنّه حينما ينشأ فهو يحتاج إلى تعليم وإلى تربية، دائماً الآباء غير المتعمقين في أساليب التربية ينتظر ابنه من دون تعليم، من دون توجيه، من دون تثقيف، من دون عناية أن يكون كاملاً مكَمّلاً لا يغلط لا بكلمة ولا بحركة، ولا بإشارة، ولا بعبارة، إذاً فأنّى له أن يتعلّم ؟! فإذا لم تعلّمه أنت، فمن يعلِّمه ؟! فأنا أتمنّى أن الإنسان لا يحاسب ابنه قبل أن يعلّمه، يا بني: هكذا قُل.. هكذا تأكُل.. إذا كنت معي ودعيت إلى الطعام فكل هكذا، بعد ذلك فليحاسبه، لكن الطفل لا يعرف، فهو صفحة بيضاء، فلو طاشت يده في الإناء.
فالنبيّ أمسك يد الغلام وقال له:
(( يا غلامُ، سَمَّ اللَّه، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يلَيك))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة]
وقال صلوات الله عليه: علِّموا ولا تُعنِّفوا، فإنَّ المعلِّم خيرٌ من المُعنِّف.
قبل أن تبدأ السباب و اللّطم والشتم فلتكن ذا بال طويل، وعلِّمه وقل له: افعل هكذا، يا بني هذه الكلمة لا يجوز أن تقولها، أو ليست جيِّدة فهي كلمة قبيحة ولا تليق بك، وهي كلمة تعني كذا، ومن يتكلّم بهذا الكلام يسقط اعتباره بين الناس، فعلِّم، طبعاً أفضل مثال هو في التربية بالإسلام فيوجد في الإسلام منهجٌ تربويٌ كاملٌ، ولكن على المؤمنين الصادقين أن يُنقّبوا من خلال التراث الإسلامي عن هذا المنهج.
العاقل من يربي ابنه تربية تقوم على الخلق الحسن:
هل من المعقول أن يدخل إنسانٌ على سيِّد الخلق، على حبيب الحق، على سيِّد المربِّين، إمام المعلِّمين، نبيٍ، مرسل، عظيم فيقول له ائذن لي بالزنى. لازم يلطم لطمتين ويطرحوه أرضاً ويسوى بها فما هذا القول ائذن لي بالزنى، فأين نقعد نحن ؟
(( فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا ـ هل تسمّونها وقاحة ؟ فوالله هذه وقاحة، وإن سميتموها تطاولاً فهي كذلك، أو قلّة أدب فهي كذلك ومع من ؟ مع سيّد الخلق، ـ فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه، فقال: ' ادنه '، فدنا منه قريباً فقال: ' أتحبه لأمك ؟ ' قال: لا والله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ' قال: ' أفتحبه لابنتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لبناتهم ' قال: ' أفتحبه لأختك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لأخواتهم ' قال: ' أتحبه لعمتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لعماتهم ' قال: ' أتحبه لخالتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لخالاتهم ' قال: فوضع يده عليه وقال: ' اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه '. قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء))
[ أخرجه أحمد عن أبي أمامة الباهلي]
فقام من بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وليس شيءٌ أبغض إليه من الزنى.
هكذا تكون التربية.. فلو اعترض وقال: يا أبي من خلق الله ؟ فيثور الأب في وجهه ويلطمه كفّين ويقول له: كفرت.
الله عزَّ وجلَّ خالق، فإذا قلت من خلقه ؟ فلم يعد خالقاً، فتفهّمه بالحسنى أنّه خالق.
الطفل لا يقدر لذلك على الإنسان أن يستوعبه:
فلو سمع الإنسان سؤالاً كبيراً سؤالاً فيه تطاول، أو سؤالاً وقحاً، فالوقاحة عند الكبير وهو الذي قيَّمها وعدّها وقاحة، أمّا عند الصغير فهي براءة ولم يعرف أن يقيِّمها.
ألم تسمعوا هذا الذي قال لربِّه من شدّة فرحه: يا ربّي أنا ربُّك وأنت عبدي، فقد قال كلمة الكفر، قال صلّى الله عليه وسلّم: لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.
أحياناً الطفل لا يقدّر.. فقد قال لنا أحد قرّاء القرآن أنّ أحد الأشخاص أحبّ أن يتقرَّب منه فقال له: أَحِبُّ الصالحين ولستَ منهم. فانزعج وقال له: قم عنّي، وقبّحك الله. وهذا القائل لم يقصد ذلك أبداً بل قصد أن يتقرّب منك ولكنّه لم يعرف في اللغة فبدلاً من أن يقول: ولستُ منهم - بالضم - قال: ولستَ منهم - بالفتح - ممكن الابن أن يتكلَّم بكلمة لا يقصدها ولا يعنيها، فإذا تلقّـــى على قوله ردّاً عنيفاً جدّاً.
الرد العنيف يقطع خير العلم:
بالمناسبة يوجد تعليم قمعي.. فتوجد إجابة قمعيّة وإجابة تعليميّة علميّة، فإذا كان قد سأل سؤالاً غير معقول أو غير منطقي وأنت عنَّفت وزمجرت، فأنت بذلك قد قطعت خير السؤال، فيخاف أحد أن يسألك بعد ذلك، أمّا إذا كان لديك صدرٌ رحبٌ لأيّ سؤال ولو كان قاسياً و أو كان فيه جهل، وتلقيته بصدر رحب، فممكن أن تشجِع على السؤال بذلك، فيوجد أشخاص إن سُئِل سُؤالاً غير منطقي أو غير معقول فتجد عنده رداً قمعيّاً، رداً عنيفاً جدّاً، مثل هذا الرد العنيف يقطع خير العلم
(( بيناَ أنا أُصلّي مع رسول الله - أعرابي يصلّي مع رسول الله - إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أرجلهم فلمّا رأيتهم يصمِّتونني سكتت، فلمّا انتهى عليه الصلاة والسلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأُمّي ما رأيتُ معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما كفرني ولا ضربني ولا شتمني ولكن قال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنّما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن.))
[ رواه مسلم عن معاوية بن حكم السلميّ]
فقال له أثناء الصلاة يرحمكم الله فهو لا يعرف، فقد سمع عن تشميت العاطس فشمّته أثناء الصلاة.
((.فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقد زُوِر زَورة من الصحابة، فقلت: واثكلَ أُماه - أي الله يعينني على ذلك - ما شأنكم تنظرون إلي - أي لماذا تتكلّمون وتنظرون إليّ أثناء الصلاة ))
هناك طرفة: كان أحدهم يصلّي فمرّت من أمامه قطّة فقال لها: بِس. فقال له الذي يصلّي بجواره: لمَ تتكلّم وأنت بالصلاة ؟ فهو أيضاً قد تكلّم.
(( وجعلوا يضربون بأيديهم على أرجلهم ـ أي اسكت ـ فأوّلاً قال له: يرحمك الله.. فنظروا إليه بشكل حاد. فقال لهم: ما شأنكم تنظرون إليّ ؟ فجعلوا يضربون على أرجلهم أي أن اسكت فهذه صلاة ))
وبعدما فرغ الرسول صلّى الله عليه وسلّم من صلاته دعاني أي قال له تعالَ اقبل: وذكر له عن الصلاة وما يكون فيها ولم يعنِّفه، فهكذا يكون التعليم.. علِّموا ولا تُعنِّفوا.
الرحمة أحسن تعليماً من الشدة:
فأنت لا تعرف قيم أنّه عندما يغلط ابنك غلطة.. فقد ذكر لي في ذات مرّة شخص يبلغ من العمر الأربعين عاماً وقال لي: أبي قد عاملني معاملة وقد كان عمري الخامسة عشرة ولا أنساها إلى أن أموت.. فقد ركب سيارة أبيه وطرقها واختفيت من البيت ثلاثة أيام، ثمّ رجع فأين سينام، ولم يتكلّم الأب معه ولا كلمة ولا عنّفه وقال له: أنا قد بعت السيّارة فلا تأكل همّ ذلك، فهو قد توقّع أن يتلقّى تعنيفاً ويطرده من البيت أو يضربه ويعمل له مشكلة، ولكن بالعكس فقد فاجأه بالمعاملة اللطيفة.. وقال لي هذا الابن وقد كان باراً بوالده: أنَّ أباه يفيق ليلاً مرّتين أو ثلاثاً ويعدّ له كأساً من العصير.
هذه القصّة عندما كان عمره بالخامسة عشرة وإلى عمر الأربعين عاماً فهو لم ينسَها. ضرب لأبيه السيّارة ولم يتكلّم بأية كلمة (فهذا شيء قد وقع وانتهى الأمر) ولكن الابن كان مضطرباً كثيراً، والأب رحيماً فقال له لا تحمل هماً فقد بعت السيارة.
فلا تعرف ما تفعله الرحمة إذا غلط الابن غلطة ولم تفعل معه شيئاً معه.. فهو قد عرف ذنبه، وأنت لم تفعل معه شيئاً ولكنّك احتويته.
قال: فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما قهرني وما ضربني ولا شتمني ولكن قال: إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس إنما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن.
العاقل من يتبع النبي الكريم في تطبيق سنته:
إخواننا الذين يربّون أولادهم بالحسنى، تجد هدوءاً في البيت، فبجهد بسيط يقطفون ثماراً يانعة. وتجد بيتاً كلُّه صخب وصراخ وضرب وشتائم وهو كقطعةٍ من الجحيم، فهل رأيتم السُّنّة ؟ فالأولى أن يتّبعها الإنسان.. ليس الموضوع موضوع مبادئ ولكنَّه موضوع وقائع، هكذا فعل النبي.. قال له الشاب: ائذن لي بالزنى. والثاني في أثناء الصلاة يقول للآخر: يرحمكم الله وتكلّم قائلاً ما لكم تنظرون إليّ ؟! وكان قول النبيَّ له: يا أخا العرب إنّ الصلاة لا يصلح لها شيءُ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
من أجل أن تعرف مع من عاش النبي، النبي عاش مع أُناس لا يعرفون شيئاً وقد علّمهم.. فهل يمكن لأحد وبقدر ما كان بعيداً عن الذوق أن يدخل إلى جامع ويبول على السجاد وأمام الناس، وهو رجلٌ كبير ؟؟!
النبي عاش مع أشخاص أي كما قال عليه الصلاة والسلام: من بدا جفا.
الإسلام دين يسر لا دين عسر:
(( أعرابي بال في المسجد فثار الناس إليه ليمنعوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، أهريقوا على بوله ذنوباً من ماءٍ- أو سجلاً من ماءٍ- فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
فالإنسان إذا بدأ بالتبوّل ثمّ قطعه فجأةً يصاب بأمراض.. لا تزرموا عليه بوله.. لا أعتقد بوجود إساءة للمسجد ولمن في المسجد ولمن يلقي الدرس في المسجد، أكثر منْ إنسان بالغٍ عاقلٍ راشدٍ يَبُوْل بالمسجد ومع ذلك روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، بال أعرابيٌ في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه - والنبيُّ كذلك حكيمٌ فلو لحقوه وهو يبول فالبول سيمشي محلّ ما هو ماشي، فجعله بمحلٍّ واحدٍ - فقال لهم النبي: لا تزرموا عليه بوله، وصبّوا عليه ذنوباً من الماء.
وكذلك القصّة المعروفة لديكم عندما كان النبيّ مع أصحابه وأكلوا لحم جزور، وصدرت رائحةٌ كريهةٌ من أحد الموجودين، وأذّن العصر وعلى أصحابه أن يصلّوا مع رسول الله العصر فقال عليه الصلاة والسلام كُلُّ من أكل لحم جزور فليتوضّأ. قالوا: كُلُّنا أكلنا !! قال كلُّكم فليتوضأ.
ستراً لحال هذا الذي انتقض وضوءه. وكان يقول: لا تحمِّروا الوجوه.
المؤمن رفيق لطيف مُتَأنٍ ينتقي الكلمات و يمتصّ الصدمات:
لي قريبٌ أخذته ذات مرّة إلى طبيب أطفال فخلع له ثيابه ليكشف عليه وكان طفلاً عمره أشهر فبال على صدره، أبوه خجل خجلاً شديداً من الطبيب، ولكن ماذا قال الطبيب ؟ قال: هذه مهنتنا ونحن معتادون عليها فلا تنزعجوا من ذلك. فرأيت موقفاً من الطبيب لا يقدّر بثمن، والأب ذاب من خجله.. يوجد أشخاص مهذّبون كهذا الطبيب.
اسمعوا أيُّها الأخوة ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام في الرفق واللين ؟
(( إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرفقَ في الأمر كلّه ))
[ روى البخاريُّ ومسلم عن عائشة]
و:
(( إنَّ الرفقَ لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه ))
[رواه مسلمٌ عن عائشة]
و:
((من يُحرم الرفقَ يحرم الخير كلّهُ.))
[رواه مسلم عن جرير بن عبد الله]
المؤمن رفيق لطيف مُتَأنٍ ينتقي الكلمات، حليم، يمتصّ الصدمات، ردّ فعله لطيف مدروس، حكيم، هكذا المؤمن.
الإقناع والتعليم والحلم يحتاج إلى طاقة و جهد:
فيا أيُّها الأخوة الكرام.. التعنيف والتوبيخ والضرب والشتم وإلقاء الكلمات المقذعة على الأبناء والطلاب أمامهم أو أمام أصدقائهم أو رفقائهم أو جيرانهم أو أقاربهم، هذا مما يسبب لهم عقدةً نفسيّة، وهذه العقدة النفسيّة قد ترافقهم إلى نهاية عمرهم.
لذلك علِّموا ولا تعنّفوا، أقنعه، وبيّن، ووضّح.. بالطبع الضرب أسرع وأسهل.. لكن الإقناع يتطلّب الجهد، الإقناع والتعليم والحلم يحتاج إلى طاقة، أمّا إذا غضب الإنسان وضرب ابنه ففرّغ ما في قلبه فارتاح.. ولكنّك لم تعلِّمه بل حطَّمته.
ويوجد آباء يرتكبون خطأً أكبر من ذلك.. يضرب ابنه ولا يعلمه لماذا ضربه فيقع الطفل في حيرة، والأحقاد تتضاعف، فبيّن له بقولك: لأنّك فعلت ذلك ضربتك، لكن من كثرة غضب الأب.. يرتكب الابن غلطاً ولكن لا يعرف أين هو الغلط.. فيأتي أبوه ويضربه ضرباً مبرحاً ومن شدّة غضبه يبقى ساكتاً ولا يقول لماذا ضربه.. هذه واحدة.
3 ـ الدلال المفرط للابن يسبب شعوراً بالنقص:
العامل الآخر للشعور بالنقص ستُفاجؤون به، يوجد عاملٌ آخر على نقيض الأول - الذي بسببه يصاب الطفل من الشعور بالنقص بسبب الضرب والركل واللطم والشتم والتوبيخ والتعنيف – وهو الدلال المفرط، فالدلال المفرط يسبب شعوراً بالنقص.
دائماً الطفل لا نكلِّفه بعملٍ ما، وكلّ طلباته تنفّذ فوراً، لا نحمِّله مسؤوليّة، ينام لوقت الظهيرة، المهم أن يكون مرتاحاً، وتأمين حاجات البيت كلها تقع على عاتق الأب،. أي لا نكلِّفه بعمل، ولا بالاستيقاظ باكراً، ولا بأداء عمل ولكن فقط أن يرتاح.
من تعود على الرفاه إنسان ضعيف جداً ولا يستطيع عندئذٍ أن يتحمّل المسؤوليّة:
يوجد عند الأم والأب أحياناً حب مفرط، هذا الحب يسبب للابن مرضاً نفسيّاً هو: الشعور بالنقص.
فإذا لم تعلِّمه ولم تجعله يمارس عملاً ما ولم تحمِّله أي مسؤوليّة ولم تكلفه بشيء، ولم يتعوّد على الخشونة.. ولكن فقط قد تعوّد على الرفاه والنوم والأكل والشرب وجميع طلباته تستجاب.. هذا الإنسان ضعيف جداً ولا يستطيع عندئذٍ أن يتحمّل المسؤوليّة فيشعر أنّه دون الناس.
في بعض الأحيان يقولون لك: إنّ هذا الطفل يتيم وبالتعبير العامي (مجرود)، فإذا أتيح له أن يبذل جهداً كبيراً في صغره فيحضر الأكل لإخوته ولأسرته فهذا يعطيه دروساً كثيرةً جداً.
بعض الأشخاص دخل في قفص الزوجيّة ولا يستطيع شراء شيءٍ من الأسواق، ويوجد أشخاص من سنٍ مبكِّرة آباؤهم وأمّهاتهم حمّلوهم المسؤوليّة.. فالبنت المدللة زوجةٌ سيّئةٌ جداً فلا تنجح في زواجها، أمّا البنت التي تعلّمها أمّها على إدارة المنزل وعلى الطبخ وعلى تأمين حاجات البيت بشكل دقيق تنجح في زواجها، فالأب الذي يدلل أولاده هو يحطمهم دون أن يشعر.
الدلال الزائد يجعل الابن مكروهاً و منبوذاً في المجتمع:
توجد نقطة مهمّة كنت أقولها سابقاً ففي ذات مرّة معاوية بن أبي سفيان معروف بالحلم، فجاء غلام فغمزه وهو في المسجد، فقال له وقد كان كثير الذكاء: خذ الرهن يا غلام. يبدو أنّه توجد مراهنة على حلم معاوية، فهذا الطفل غمز أمير المؤمنين ولم يحدث له شيء، وقد أعادها مع خليفةٍ آخر فقتله، فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام. فالذي قتل الغلام ليس الخليفة الثاني بل الأوّل هو الذي قتله عندما تساهل معه.
أحياناً تجد ابناً يصعد فوق طقم جديد من الأرائك (كنبايات بحذائه) والأب لم يتكلّم ولا أي كلمة وكذلك الأم، فهو مدلل، فلو ذهب لزيارة بيتٍ آخر كبيت خالته أو عمّته ووقف على الطقم، فيصبح بسبب دلاله مكروهاً، فإذا أردتّ أن تجعل ابنك مكروهاً ومحتقراً ومنبوذاً فقم بتدليله، أمّا إذا وجدت التربية البيتيّة الحازمة وعرف حدوده وما يجوز فعله وما لا يجوز فهذا هو الطريق، يوجد كثير من الآباء في البيت أطلقوا لابنهم كلّ الصلاحيات، فيظن أنّ كلّ بيت مثل بيت أبيه، فيقوم بإتلاف وتكسير في كل ما حوله، فهل يكرهه الناس ؟ لا بل يكرهون الأب من أجل ابنه ويكرهون كلّ زياراتهم، فمن يحبّ أن يجعل ابنه منبوذاً ومكروهاً محتقراً فليدلل ابنه.. فيعوّده للنوم لمنتصف النهار ولا يعوّده على تحمّل المسؤوليّة ولا يكلّفه بتأمين غرضٍ من الأغراض.. فقد أمّن له كلّ شيء فأصبح عضواً فاشلاً في المجتمع لم يعمل له شيئاً.
على الإنسان أن يسمح لابنه القيام ببعض الأعمال أحسن من أن يظلّ جاهلاً:
سابقاً كان السلف الصالح غير دارسين لعلم التربية، ولكن كان عندهم وسائل تربويّة ناجحة جداً، أمّا الآن تجد الجيل الجديد يوجد عندهم وعيٌ تربويٌّ ودراسات تربويّة ولكن لا تجد تربيّة صحيحة، بل تسيُّباً، أي إذا لم يدرس الولد فلا شيء عليه وغير مهمٍ وإذا رسب لا يبالون - ويقولون: في السنة القادمة ينجح -.. فتجد رفاقه حصلوا على أعلى الشهادات وأصبحوا أطبّاء وهو من ورائهم، فيكبر أصدقاؤه ويتسلَّمون أعمالاً ويصبح لديهم دخلٌ ومكانةٌ اجتماعيّة وهو من وراء الناس، فعلى من ينقم ؟ ينقم على من أهمله وقام بتدليله، فالدلال المفرط ماذا يسبب ؟؟ الشعور بالنقص ومن أسباب الشعور بالنقص: القسوة ونقيضها وهو الدلال، فالحقُّ وسطٌ بين طرفين.. القسوة والدلال.
يوجد آباء وأمّهات أحدهم لا يسمح لابنه أن يقوم بعمل أبداً.. ويقول له: إنّك لا تعرف اتركه. لا يعرف !! ولن يعرف بالتالي طوال حياته، فلا بدّ من أن يوطّن الأب نفسّه من أنّ ابنه ممكن أن يغلط، فإذا غلط وأصلحت له غلطه هذا أحسن من أن يظلّ جاهلاً لا يعرف شيئاً.
على الإنسان أن يكلف ابنه ويبيّن له ويتحمّل غلطه لكي يتعلّم:
فقد أقول لكم كلمة.. فقد قلت مرّة لأحد الأشخاص يوجد هناك إنسانٌ واحدٌ لا يخطئ ؟ فقال لي: هو النبي اللهمّ صلِّ عليه. فقلت له: لا.. لم أقصد ذلك فما قلته هذا موضوعٌ آخر ولكنني قصدت الإنسان الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل، فكلّ من يعمل يخطئ.. والخطأ بالعمل شيء طبيعي جداً.. فأقول دائماً كلمات وهي:
ليس العار أن تخطئ.. بل العار أن تبقى مخطئاً، ليس العار أن تجهل.. العار أن تبقى جاهلاً... كلُّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوّابون.
وطِّن نفسك أنّ ابنك سوف يغلط.. أرسلته ليحضر أغراضاً فانتقى أسوأ خضارٍ وبأغلى الأسعار.. فقل له: هذه غالية يجب أن تنتقيهم، وفاصل البائع فأسعار السوق أقل من ذلك، أمّا أن تخاف أن يغلط فلا تكلِّفه فبالتالي لن يتعلّم في حياته شيئاً.. فيجب أن تكلِّفه، وتبيّن له وتتحمّل غلطه لكي يتعلّم.
علاج ظاهرة الدلال المفرط عن طريق:
1 ـ أن يتعمق الأب و الأم بعقيدة القضاء و القدر:
من علاج ظاهرة الدلال المفرط أن يتعمَّق الأب والأم بعقيدة القضاء والقدر، فيخاف الأب أن يمرض ابنه أو يرشِّح، فأنت آمن بالقضاء والقدر والله عزَّ وجلَّ هو الحافظ، يقولون: إنّه في يوم القيامة يقول ربنا عزَّ وجلَّ لعبدٍ من عبيده:
عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فقال: يا رب.. لم أُنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي. قال: ألم تعلم بأني أنا الرزّاق ذو القوّة المتين ؟ إنّ الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم. ويقول لعبدٍ آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول العبد: يا ربِّ أنفقته على كلّ محتاجٍ ومسكين، لثقتي بأنّك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين. قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
الله عز و جل هو الحافظ و على الإنسان أن يتوكل عليه:
إذا سافر الإنسان فلا يتوسوس... وليقل بتوكُّل: اللهمَّ أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد. فالله هو الحافظ ولا بد من التوكل عليه.
فيخاف أن يكلِّفه أو أن يبعثه لمشوار أو يرسله وحيداً.. الخوف ضروري، ولكن يوجد خوفٌ مرضيّ.
فالله عزَّ وجلّ قال:
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)
( سورة الحديد: آية " 22، 23 " )
أيُّها الأخوة الكرام.. أول شيء تعميق عقيدة القضاء والقدر في نفوس الآباء والأبناء والصغار حتّى يرتاح الإنسان من الوساوس ومن الخوف المفرط والدلال المفرط يرتاح منه.
2 ـ التدرج في التأديب:
شيء آخر.. التدرُّج في التأديب، فمثلاً إذا كان الابن يصلُح بالنُصح فيجب أن لا تهجره، وإذا كان يصلُح بالهجران فيجب أن لا تضربه وإذا يصلُح بالضرب فلا تطرده من البيت، فيجب أن تتدرّج.. يوجد آباء لأتفه سبب يقوم بطرده نهائيّاً من البيت ويجعله خارج البيت، إذا كان ينتصح معك فانصحه أولاً.. فالنصيحة أوّلاً والهجران ثانياً والضرب ثالثاً والطرد رابعاً.
عقوبة الطرد من المنزل لا يمكن أن تكون مقبولة لأنّ البديل أسوأ:
أمّا أنا الآن فموضوع الطرد من المنزل لا أُوافق عليه أبداً، وأَعُدّ أيَّ أبٍ يلجأ إلى طرد ابنه من المنزل لعلّة مشاكسته وانحرافه هذا كمن يطفئ النار بالزيت. فألف شخص يتلقون هذا الابن ويدلّونه على الانحراف والسرقة وارتكاب الفاحشة ويستغلون تشرُّده.. هذا كلام دقيق ولاسيّما في هذه الأيّام.. عقوبة الطرد من المنزل لا يمكن أن تكون مقبولة، لأنّ البديل أسوأ.
فيجوز في الأيام السابقة كان الناس مترابطين متكاتفين، هناك من يردُّه إلى أبيه.. الآن هناك من يستقبله ويدُلّه على المنكرات والمحرّمات والفواحش والسرقات.. فأنا أعرف رجلاً طرد ابنه فانضمّ إلى مجموعة من الأصدقاء ولكنّها منحرفة، أي عصابة سرقة، فكلَّفوه أن يقف في مكان ليراقب الطريق، وقاموا هم بسرقة بيتٍ، وعندما حُكموا بمحكمةٍ ميدانيّة ذكروا اسمه معهم.. والآن قد مرَّ عليه ست سنوات وهو مسجونٌ.
ذلك بسبب طرد الأب لابنه من المنزل وانضمامه لأصدقاء السوء ودلّوه على السرقة وأعطوه دوراً من أدوار السرقة بأن يراقب الطريق وهم يسرقون البيت ولم يعطوه شيئاً وعند التحقيق ذكروا اسمه فحبس معهم ست سنوات محكمة ميدانية.
فهذا الكلام أُعيده مرَّةً ثانية.. فمهما غضبت، ومهما أساء الابن، فتطرده من البيت فهذا شيء غير معقول إطلاقاً، فالبيت مأوى له، فإذا أردت أن تعاقبه فليكن بالبيت.. فالتدرُّج في تأديب الولد بالنصح أوّلاً والهجران ثانياً والضرب ثالثاً (والضرب غير المُبَرِّح).

3 ـ أن تُعوِّد ابنك على الخشونة والثقة بالنفس:

الشيء الثالث الذي هو علاج لموضوع الدلال المفرط: أن تُعوِّد ابنك على الخشونة والثقة بالنفس.
فالآباء العقلاء يعوِّدون أبناءهم على الطعام الخشن في بعض الأحيان، ففي طعام الغذاء يتناولون من الطعام ما قد حضر في البيت - حواضر - فماذا يحدث ؟؟
وقد روت كتب السيرة أنَّ سيّدنا خالداً بن الوليد أمسك ضبّاً وأكله لماذا ؟ والنبيّ نظر إليه وقال: خالدٌ سيفٌ من سيوف الله.. وهو يأكل الضّب ليعوّد جنوده على الأكل الخشن في الصحراء، في الفتوحات.
فيجب أن يتعوّد الابن على الأكل الخشن وعلى النوم الخشن وعلى الثياب الخشنة، ولا أقول دائماً ولكن من حينٍ لآخر.. فالخشونة تربّي النفس، والغنى مع الجهل يفسد النفس.. فأنت أطعم واسقِ ولكن من حين إلى آخر يجب أن يعرف الطفل بوجود أُناس جائعين، بعض النّاس يأكلون قطعة من الخبز مع كأسٍ من الشاي في الظهيرة، وبعضهم لا يتناولون الفواكه إلا في الشهر مرّة والبعض الآخر الحلو عندهم علبة من - الراحة فقط - فعوّد ابنك على الاخشِوشان ولو كنت غنيّاً، لأنّ المخشوشن تجد نفسه سويّة، وهذا الكلام كلام رسول الله: اخشوشنوا فإنّ النعم لا تدوم.
الاخشِوشان والثقة بالنفس من وسائل معالجة الشعور بالنقص:
في بعض الأيام يقل دخل الإنسان فإذا كان قد عوَّد أهله على الرفاه الزائد فعنده أحد احتمالين.. إمَّا أن يأكل مالاً حراماً، أو أن يُمالئ السلطان.. أمّا إذا كان قد عوّد نفسه على الخشونة فهذا هو دخله، فإذا أراد الإنسان أن يرفّه أهله عن طريق كسب المال الحرام، أفسدهم وأفسد نفسه وهو لا يشعر.
(( إيّاكم والتنعُّم فإنّ عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))
[روى الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل]
((علّموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً ))
[رواه البيهقي عن عمر]
أي أنّ الاخشِوشان والثقة بالنفس من وسائل معالجة الشعور بالنقص الذي أساسه الدلال المفرط.
الله عز وجل جعل حياة الأنبياء خشنة ليعلم الإنسان الصبر:
النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كان يعمل في صغره ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم.. نعم كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكّة.
نبيٌ سيّد الخلق، جعل الله عزَّ وجلَّ له حياته خشنة.. رعى الغنم في بطحاء مكّة.
والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان ينقل الحجارة مع غلمان في مكّة أي أعمال سخرة شاقّة، وكان يبني أي يقوم بأعمال البناء:
(( لمّا شبَّ صلّى الله عليه وسلّم وبنيت الكعبة ذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينقل الحجارة مع أشراف قريش لبنائها، فقال العبّاس لرسول الله اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، فالنبيّ استحيا من الله أن يكشف عن جسمه، فقال: إزاري إزاري.. فشدَّ عليه إزاره وقال: إنّي نُهيت أن أمشي عُرياناً ))
[ رواه البخاريُّ ومسلم عن جابر بن عبد الله ]
واستنبطوا من هذا الحديث أنّ الأنبياء معصومون قبل النبوّة.. فأثناء نقل الحجارة رفع الثوب أكثر راحة.. فقال: إزاري إزاري إنّي نُهيت أن أمشي عُرياناً. فلم يرض أن يرفع ثوبه كغيره حتى لا تظهر عورته.
النبي الكريم رعى الغنم ونقل الحجارة وساهم بالبنا:
وقد سافر النبيُّ إلى الشام قبل البلوغ.. الآن يقولون لك سافر إلى السعوديّة فقد ركب طائرة وفي خلال ساعتين أصبح في جدّة.. طائرة مكيّفة وأكلٌ ساخنٌ فأي سفر هذا !! أمّا أنه سافر من مكّة إلى الشام وعلى جمل خلال شهر وساعتها قل ما هو السّفر ؟.. فالنبي سافر قبل أن يبلغ.. وسافر أيضاً بعد البلوغ في تجارةٍ للسيّدة خديجة كشريك مضارب، وكان قد سافر قبل أن يبلغ مع عمّه أبي طالب.
فقد كانت حياته خشنة رعى الغنم، ونقل الحجارة، وساهم بالبناء، وسافر قبل البلوغ سفراً شاقاً، والسفر قطعةٌ من العذاب.
روت كتب السيرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم استحلف باللات والعُزّى وهو صبي فقال للمستحلف: لا تسألني بهما شيئاً، فو الله ما بغضْتُ شيئاً بغضي لهما.
وشارك في الحرب وهو دون الحُلُم.. فقد روت كتب السيرة أنّه عليه الصلاة والسلام كان ينبِل لأعمامه في حربِ الفُجّار، أي يعطي لهم النبل أثناء الحرب.
وكان يقول أدّبني ربّي فأحسن تأديبي.
4 ـ المفاضلة بين الأولاد من أكبر أسباب الشعور بالنقص:
من معالجة الشعور بالنقص.. أحد أكبر أسباب الشعور بالنقص المفاضلة بين الأولاد، لا شكّ بوجود ابنٍ ذكيٍّ وآخر أقلّ ذكاء، أو ابنٍ وسيم وابنٍ أقلّ وسامةً، ابن اجتماعي - أي بهلول- ابنٍ انطوائيٍّ، فالأب العاقل المؤمن لا يفرّق بين أبنائه، لأنّه لو أهمل الأقل ذكاء أو أهمل الأقل وسامة فقد سبب له بهذا الإهمال مرضاً نفسيّاً خطيراً وهو الشعور بالنقص.
فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام: رحم الله والِداً أعان ولده على برّه.
الأب الذي يتمنّى أن يكون أولاده في برّهم له سواء عليه أن يُسوّي بينهم:
الأب رزقه الله بولد فهيم وآخر محدود، أو ولد متفوّق في دراسته، والآخر غير ذلك، أو ولد جميل الصورة وجميل الخلق وآخر به عاهةٌ دائمة.. فإذا كان الأب مؤمناً فلا يمكن أن يشعر الأدنى أنّه أدنى أبداً.
يقول عليه الصلاة والسلام: رحم الله والداً أعان ولده على برّه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ساووا بين أولادكم في العطيّة.
(( عن النعمان بن بشير أنه قال إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: إنّي نحلت ابني هذا - أعطيته - غلاماً كان لي فقال عليه الصلاة والسلام: أَكُلّ ولدك نحلت مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فأرجعه ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن النعمان بن بشير ]
وفي روايةٍ:
(( قال عليه الصلاة والسلام: أفعلت هذا لولدك كلّهم ؟ قال: لا. قال: اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم. فرجع أبي فردّ تلك الصدقة ))
وفي روايٍة:
(( يا بشير، أَلَكَ وَلَد سِوَى هذا ؟ قال: نعم، قال: أكلَّهُمْ وهبت له مثل هذا ؟ قال: لا، قال: فلا تُشْهِدْني إِذَنْ، فإِني لا أشهد على جَور ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن النعمان بن بشير ]
(( ثم قال: أَيَسُرُّكَ أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء ؟ قال: بلى. قال: فلا، إِذن فسوِّ بينهم في العطاء ))
الأب الذي يتمنّى أن يكون أولاده جميعاً في برّهم له سواء عليه أن يُسوّي بينهم.
الأب العاقل لا يفرّق بين أولاده أبداً:
يوجد ما هو أدّقُّ من ذلك:
(( رجل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءته بنت له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' ألا سويت بينهم ))
[ رواه عن أنس بن مالك ]
فقد قبّل الابن ولم يقبّل الابنة، لمَ لم تسوّ بينهما ؟
هذه دقّة ملاحظة فأحياناً لا ينتبه الشخص.. عنده ولدان ودخل إلى البيت فحمل أحدهما وقبّله وقال للثاني: أهلاً يا أبي.. فما هذا ؟.. مثل ما قبّلت هذا فقبّل الآخر، أكرمت هذا فأكرم الآخر، حملت هذا فاحمل الثاني.. لا يجب أن يحدث هذا وإلا غرزت فيه مشكلة الشعور بالنقص.
فمثلاً إذا كان الأب يريد أن يأتيه الذكر فرزقه الله بالأُنثى، فأهمل الأب الأنثى، فما ذنبها ؟ هل هي التي خلقت نفسها أُنثى ؟ ليس لها أي ذنب في ذلك. أو الابن معه عاهة فما ذنبه ؟ بالعكس فصاحب العاهة يستدعي كُلّ الشفقة.. طيب ابن أقلّ ذكاء ليس متفوّقاً بل محدود فماذا تفعل هل تحطّمه ؟ وابن أقلّ وسامة، ابن ليس اجتماعياً، الأب العاقل لا يفرّق بين أولاده أبداً.
أيُّها الأخوة الكرام... أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحقائق المستنبطة من نصوص القرآن والسنّة الصحيحة، منهجاً لنا في تربية أولادنا، وأن يكون هذا الدرس مترجماً في البيوت إلى ممارساتٍ يوميّة، ولا يوجد أب ليس عنده أولادٌ.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 3 ) عقدة الشعور بالنقص -2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أسباب الشعور بالنقص عديدة منها:

أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى مرضٍ نفسيٍ خطير يصيب الأطفال والأبناء ألا وهو الشعور بالنقص، وقد بيّنا أنّه من أسباب هذا المرض الخطير التحقير والإهانة من قبل الأب والأمّ الجاهلين، التحقيرُ و الإهانة من قبل الأب والأم الجاهلين أو الدلال المفرط وله تأثيرٌ لا يقلُّ خطورةً عن التحقير والإهانة.
في الدلال المفرط تضَعّف شخصيّة الصغير، لا يقوى على مجابهة المجتمع، يشعر دائماً بالنقص أمام أقرانه، والمفاضلة بين الأولاد أيضاً من أسباب الشعور بالنقص، والعاهات الجسديّة التي قدّر الله لحكمةٍ أرادها على هذا الطفل، أيضاً هذه العاهات تسهم بشكلٍ أو بآخر بهذا المرض، الشعور بالنقص، واليتمُ أيضاً من أسباب هذا المرض، والفقر من أسباب هذا المرض.
تحدّثنا في الدرس السابق عن العنصر الأوّل والثاني وها نحن ننتقل إلى العنصر الثالث.
1 ـ عدم المساواة في العطيّة بين الأولاد:
أيُّها الأخوة الكرام، ليس من شأن المؤمن أن يظلم، النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
وأنا والله اطلعت على عشرات بل بضع عشرات من الحالات في هذا المسجد بالذات من أنَّ الآباء يفاضلون بين الأبناء، يخصّون ابناً بالعطاء ببيت، بتزويج، ويهملون الباقي، فإيّاك أن تدّعي أنّك تحبُّ رسول الله وأنت تخالف سُنّته، إيّاك أن تدّعي أنّك تحبُّ الله لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 31 " )
علامة حبّك لله عزَّ وجلّ اتّباع النبيّ في سنّته:
علامة حبّك لله عزَّ وجلّ اتّباع النبيّ في سنّته فقد قال عليه الصلاة و السلام:
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
أي إذا لم تتمكن من شراء بيتٍ لأحد أولادك، فهذا البيت يكتب باسم الجميع، ولعدم استطاعتك فاشتريت بيتاً للابن الأكبر، فهذا البيت ليس ملكه وحده، بل يسكنه مؤقّتاً لكنّه ملك الباقين بالتساوي، فالمؤمن لا يحيد، ولا يحيف، ولا يُحابي، ولا يظلم، ولا يعين الشيطان على أولاده، عليه أن يعين أولاده على الشيطان، عن طريق المساواة في العطيّة.
والحديث الذي تعرفونه جميعاً وهو من أُصول الأحاديث:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
أي إذا قلنا: رحم الله ولداً برّ أباه، فنقول بالتالي: رحم الله والداً أعان ولده على برّه، بعض الآباء لهم طباعٌ صعبةٌ، فتجده قاسياً جداً، أي مثلاً: فتاة مناسبة جدّاً وقد رآها هذا الشاب المؤمن مناسبةً له، لا، سوف أغضب عليك إن تزوّجتها، الزواج ليس لك بل له وقد أعجبته.. أعجبه دينها وأعجبها حفظها لكتاب الله، لكنّ الأب له طموحٌ آخر، فهل الزواج لك أم لابنك ؟
هذا الذي يدفع ابنه إلى أن يعصيه يحمل ابنه على أن يخالف أمره، ويحمل ابنه على أن يحتال في الإجابة، فليس هذا الأب أباً أعان ولده على برّه، إنّه أعان الشيطان على ابنه، بمعنى أنّه قد حمله على أن يكذب أو على أن يحتال، هذا الحديث: رحم الله والداً أعانه ولده على برّه. على كل أب أن يعين ابنه على برّه:
إخواننا الكرام، دائما توجد أحاديث متقابلة، أي مثلاً.. السارق سارق، ولكن هل تصدّقون أنّ الذي يتيح للسارق أن يسرق ليس أقلّ إثماً منه، فإنّكم لا تصدِّقون هذا الكلام، فهناك أحاديث بذلك.
فمثلاً المال بأحد الدروج ومفتاحه عليه وموجود بالمحل موظّفٌ، وعندما وجد الدرج مفتوحاً وفيه رزماً من النقود، وقد ذهب صاحب العمل للصلاة، هذا الموظّف قد يكون مستقيماً في الأساس ولكنّك قد أغريته كثيراً، وأنت قد حملته على أن يأخذ ما ليس له، أمّا لو كنت قد قفلت الدرج فلا شيء.
فكما أنّه السارق آثم، وكذلك الذي يعين السارق على السرقة، الذي يضع المال معرّضاً للسرقة ليس أقلّ إثماً من السارق.
الابن عليه أن يبرّ والده فهذا شيء جميل، لكن هذا الأب الذي يعدل بين الأولاد، والذي يرحم أولاده، الذي يعطي من ماله لأولاده، الذي يعينهم على الزواج، يهيّئ لهم.
فقد سمعت البارحة، إنسان على فراش الموت قالت له ابنته: يا أبتِ.. حرمك الله الجنّة كما حرمتني نعمة الزواج.
كلّما جاءها خاطب يقول عنه ليس مناسباً، إلى أن أصبحت عانساً، فانحرمت الأمومة، فلا أولاد عندها، وأبوها على فراش الموت، وتقول له: حرمك الله الجنّة كما حرمتني نعمة الأولاد.
فأيضاً التعنُّت في تزويج البنات، فأنت مستقر ومرتاح وعندك زوجة وسائر أمورك ميسّرة، والبنت تتقلّب وأنت تقول كلّما جاءها خاطب: هذا لم يعجبني، هذا بيته له مدخل مزري، فما تريد أنت من بيته ؟!! فتجد أسباباً مضحكة وسخيفة جدّاً حينما يتعنّت الآباء في تزويج بناتهم.
شرُّ الناس من عاش فقيراً ليموت غنيّاً:
على كلٍ هذا الحديث كثير الّدقة:

(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
بالعدالة، بالرحمة، والله يوجد آباء أبطال، يكون ساكناً بالشام ببيت فخم ويقوم ببيعه ويشتري بيتاً في أطراف المدينة ومساحته مئة مترٍ، ويأخذ لكل ابنٍ بيتاً، هذه بطولة.. فالأُبوّة الكاملة يمكن أن تكون سبباً لدخول الجنّة، الأولاد في ريعان الشباب وشهوتهم مّتقدة، والطرقات فاسدة، فلا يوجد أملٌ أن يتزوّج الابن، فقام ببيع البيت واشترى لكل واحد من أولاده بيتاً في أطراف المدينة وسكن هو معهم، فهذا بطل.
يوجد آباء أنانيّون، لا يطلع من بيته، يسكن في بيتٍ أربعمئة مترٍ هو وأمّ أولاده، وثمن هذا البيت عشرون مليوناً ببيعه تحل مشكلة خمسة أبناء، فلا يبيعه ولا بأي شكل أو حال من الأحوال، فهو مستقر، ويقول لأولاده: دبّروا أُموركم، فأنا قد أنشأت نفسي بنفسي، أنا عصامي. الآن لا يوجد عصامي فهذا في وقته والآن الوقت قد اختلف وقد توسع الهامش جداً فلا يستطيع أحد من الشباب أن يستقل بدون معونة.
وكذلك يوجد آباء أُثني عليهم، فكما أن هذا ابنه فكذلك هذه ابنته وهو في بحبوحة، فأمّن بيتاً لابنه كذلك يؤَمّن لابنته، وإذا وجد شاباً مؤمناً راقياً يقول له: هذه ابنتي ومعها بيتٌ. فتجد لابنتك أحسن شاب، أمّا غير مستعد أن يعطي شيئاً للغريب، وحتّى لو قلت له: سجّله باسم ابنتك وبذلك تحل مشكلة هذه البنت وهذا الشّاب.. فإذا لم يعرف الإنسان الله يصبح أنانياً، حريصاً وبخيلاً، وشرُّ الناس من عاش فقيراً ليموت غنيّاً، وأندمُ الناسُ رجلٌ دخل ورثته الجنّة بماله، ودخل هو النار بماله .
فالحديث أيُّها الأخوة والله لا أشبع من تكراره:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
المؤمن الصادق لا يستجيب لهوى نفسه بل يبذل عنايته التّامة بالأقل شأناً:
القصّة التي قرأتها عليكم في الدرس الماضي لمّا قال النعمان بن البشير: يا رسول الله.. إنّي نحلت ابني هذا، (أعطيته بستاناً)، فقال عليه الصلاة والسلام: أَكُلّ ولدِك نحلته مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فأرجعه. وفي رواية: أفعلت هذا لأولادك جميعهم ؟ قال: لا. قال: عليه الصلاة والسلام: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.. يا بشير ألك ولدٌ سوى هذا ؟ قال: نعم. قال: أكلُّهم وهبت لهم مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني، فإنّي لا أشهد على جور... ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: أيَسُرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ قال: بلى. قال: إذاً فلا تعطِ أحداً منهم دون الآخر.
وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده رجل، فجاء ابن هذا الرجل فقبّله وأجلسه على فخذه وجاءت ابنته فأجلسها بين يديه. فقال عليه الصلاة والسلام: ألا سوّيت بينهما في القبلة.
أيُّها الأخوة... والحديث الذي أختم به هذه الفقرة من الدرس: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
في كلّ شيء، لا تعطِ ابناً أزيد من ابن ولو لم يكونوا في البرِّ سواء، أنت إن عدلت بينهم أعنت الضعيف منهم، أعنت البعيد منهم على برِّك، أمّا إذا فرّقت في العطيّة بينهم أعنت البعيد بعداً على أن يزداد بعداً، وحملته على أن يتمنّى شيئاً لا ترضاه أنت.
2ـ العاهات:
الآن.. يوجد كثير من البيوت فيها أطفال، وهذا الطفل قد يكون محدود الإمكانيّات وأقل من أخوته، أو لديه عاهةٌ أو ضعفٌ في التفكير، أو دمامةٌ في الخلقة، فهل هو الذي صنع نفسه، أو خلق نفسه ؟ هنا تظهر الرحمة، فالأب المؤمن الرحيم لا يميّز بين ذكيٍّ وغبي، ولا بين وسيمٍ ودميم، ولا بين صحيحٍ وذي عاهة أبداً، في المعاملة، في الابتسام، في العناية، في الترتيب، في الاهتمام.
وبالطبع الإنسان بشرٌ، ويحبُّ الأكمل، ويحبُّ الأجمل، والأذكى، ويحبّ أكثرهم لباقة وهذا شيء طبيعيّ، ولكن أين البطولة ؟؟ لو أنّ الإنسان قد انساق مع هوى نفسه وقرّب الأكثر وسامةً أو الأكثر ذكاءً فقد أبعد ذاك، أمّا المؤمن الصادق لا يستجيب لهوى نفسه فيبذل عنايته التّامة بالأقل، بالأقل وسامة، بالأقل ذكاء، بالأقل سلامة، حتّى يرضى الله عنه.
أسعد الناس من أسعد الآخرين:
لا تنسوا أيُّها الأخوة كلمة: الراحمون يرحمهم الله، يوجد شخصٌ قد تبنّى طفلاً ليس له أب ولا أم وكان به تشوُّهٌ خلقي، فأجرى له سبع عشرة عمليّةً جراحيّة إلى أن استطاع أن يمشي هذا الطفل، وعندما آن الأوان أن يغادر إلى أقرباء له، فأبى هذا الطفل أن يغادر حتّى يودّع هذا الإنسان الذي قد تبنّاه وأكرمه، وعندما وجده أعطاه قطعةً من المسكة تعبيراً له عن شكره. طفل صغير أجريت له عدّة عمليّات ليبرأ من عاهات خلقيّة حتى استطاع أن يمشي فأبى أن يغادر قبل أن يودّع سيّد نعمته، فلمّا رآه أقبل عليه من شدّة محبّته له تعثّر فوقع، ثمّ وقف وأعطى هذا الإنسان قطعة مسكة تعبيراً عن مودّته، وقد قال لي هذا الرجل: والله هذه القطعة من المسكة لا أبيعها ببناية.
القيم الإنسانيّة عندما تضعف تصبح الحياة موحشة لا معنى لها، فعندما يكون الإنسان محسناً فيصبح أسعد الناس، إذا أردْت أن تسعد فأسعد الآخرين، فهنا النقطة الهامّة، فالطفل الجميل محبوبٌ كثيراً، الطفل الجميل، الذكي، و أنت أين بطولتك ؟ البطولة أن تعتني بالأقل ذكاء، وبالأقل وسامة تكون عنايتك ولو كان عنده عاهة، فهنا وفي هذه المواقف تكون البطولة العظيمة.. عناية واهتمام، والمؤمن يصبر، فالذي يرقى بك إلى الجنّة لا أن تعتني بالجميل والوسيم والذكي، لا.. فقد سمعت كلمة من رجل أُجلُّه وقد توفّي رحمه الله قال لي: الجيّد لا يريدك، الجيّد لنفسه، المؤمن أين بطولته ؟ بطولته تظهر مع الأشخاص السيّئين، بالرحمة وبالعناية وبالاهتمام.
الراحمون يرحمهم الله:
إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الراحمون يرحمهم الله، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))
[ ورد في الأثر]
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء:
(( لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبَّ لأخيه ما يحِبَّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ]
(( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً.))
[ من الدر المنثور عن السيدة عائشة ]
أحياناً الإنسان يكون أمامه طفل فيه عاهة، فلو ناداه بهذه العاهة، فيا لطيف، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنّ الرجل ليتكلّمَ بالكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنّم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
وإنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيّنُ ما فيها يزِلُّ إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وعندما قالت السيّدة عائشة عن أختها، عن ضرّتها صفيّة: إنّها قصيرة. قال:
(( يا عائشة لقد قلت كلمةً لو مُزجت في مياه البحر لأفسدته. ))
[ أبو داود ]
فأين نحن نعيش ؟ تجد إذا عند الزيارات النسائيّة يقمن بتفنيد إحدى النساء تفنيداً بشعاً، يكشفن ما خفى من العيوب، ويتكلّمن بها، ويفصّلنها أمام الرجال، أمام زوجها وأمام أولادها، هكذا طولها، وهكذا عرضها، و هكذا لونها، وعندها حول قليل في عينها، وعندها... أين تمشين أنت ؟ قالت السيّدة عائشة فقط عن ضرّتها: قصيرة. قال: يا عائشة.. لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
المؤمن إنسان كامل يضبط لسانه و لا يؤذي أحداً:
على الإنسان أن يمسك لسانه، فالإيمان شيء عظيم، والمؤمن إنسان كامل، أكثر شيء ضابط لسانه، فلا يتكلّم بكلمةٍ خلافاً للشرع، ولا يتأذّى من أحد إطلاقاً، رحمته تسع كلّ الناس، يوجد أشخاص يحبّون الذكي و يحبون الجريء، أمّا الآخر فيكيل له الإهانات والإعراض والتهكُّم والسخرية، فهذا الشخص وحشٌ.. أمّا المؤمن فغير ذلك.
أحياناً معلّمون إذا سأله أحد طلاّبه سؤالاً سخيفاً قليلاً فيقوم المعلّم بإهانته وبهدلته وغير ذلك من التسخيف، فبالتالي لن يسألك أحدٌ من الطلاب بعد الآن أيّ سؤال فقد حطّمت الطلاب تحطيماً، وبعد ذلك إن كان عند أحدهم سؤال وجيه فسيخاف ولن يسألك، فيظلَّ الجاهل جاهلاً، فأين بطولتك ؟ بطولة المعلّم أن يجيب على السؤال السخيف بكلّ اهتمام، وإذا الطلاب ابتسموا.. فيقول لهم: معه الحق في أن يسأل، فمفتاح العلم السؤال، ليس العار أن تكون جاهلاً، العار أن تبقى جاهلاً، ارفع معنويّاته، ولو كان سؤاله سخيفاً، يظهر بذلك فضل المؤمن.. فالنفس الإنسانيّة كثيرة الحساسيّة والدّقة.
إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها يزَلُّ إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، كما أنّه عندما يقع الإنسان بمصيبة تجد كثيراً من الأشخاص يتكلّمون بكلام أقسى من الصخر، نصحتك ولم تنتصح، كلمات في منتهى القسوة، منتهى العنجهيّة.
العاقل من لا يظهر الشماتة بأخيه بل يحتويه و يخفف عنه:
النبيّ الكريم قال:
(( لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك.))
[أخرجه الترمذي عن واثلة بن الأسقع ]
إيّاك، فأحياناً الإنسان يغلط ويدفع لذلك ثمن خطئه، فيجب عليك أنت أن تحتويَه، أن ترحمه. فمثلاً: سيّدنا حنظلة جلس في الطريق يبكي، فمرّ سيّدنا الصدّيق وسيدنا الصديق سيّد الصحابة وأعلاهم، قال له: ما لك يا حنظلة تبكي ؟ فقال: نافق حنظلة (أي أنا منافق) فقال له: لمَ يا أخي ؟! فقال له: نكون مع رسول الله ونحن والجنّة كهاتين (أي نعيش معه بأحوال جميلة جدّاً) فإذا غادرنا إلى البيوت ننسى (هذه الأحوال)، فقال له: أنا كذلك يا أخي فما هذا التواضع ؟. فإذا شكا أحد الأشخاص لك زوجته، فنقول له: لا.. الحمد لله أنا زوجتي ملاك.، فلا يجوز هذا الكلام هذا الكلام ليس له طعم، فقولك له: والله لا يوجد أحد مرتاحاً.. فبذلك تخفف عنه، وإن كان عنده ولدٌ سيئ، فيقول له: أنا ابني ما شاء الله، الأوّل، ملاك، من السماء منزَّل. فهذا الكلام فيه وقاحة.
فإن كان عنده ابن سيّئ فخفف عنه قليلاً بلواه وقل له هذه بلوى عامّة، وثلاثة أرباع الناس هكذا.. الطريق صعبةٌ والأصدقاء والرفقاء كذلك حتّى يشعر بالأنس فالله كان يؤانس رسول الله ويذكر له عن الأنبياء السابقين وكيف كُذِّبوا ولم يُصدَّقوا وأُوذوا حتى يرتاح.
إذاً لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك، وكلّكم تعرفون الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 11 " )
والله أيُّها الأخوة، قد يكون إنسانٌ بأعلى مرتبة، وقد يكون الحاجب المعيّن لديه أرقى منه عند الله ! فأنت لا تعرف، فقد يكون الحاجب المعين عندك أنت في أعلى مرتبة وهو في أدنى مرتبة !هذا في هذه الدنيا، لكن عند الله توجد مقاييس أُخرى.
3 ـ اليتم:
أمّا إذا كان الطفل يتيماً فهو كذلك يشعر بالنقص لذلك قال عليه الصلاة والسلام: أنا وكافل اليتيم كهاتين.
(( أوَّل من يمسك بحلق الجنّة أنا، فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخُل الجنّة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[ ورد في الأثر]
كم هذا اليتيم غالٍ على الله عزَّ وجلَّ، فهذه المرأة الشّابة وعمرها مثلاً ثلاثٌ وعشرون سنة وقد حرمت نفسها حظَّ الزواج إلى ما شاء الله من أجل تربية أولادها. لذلك قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) ﴾
( سورة الضحى: آية " 9 " )
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( أنا وكافل اليتيم في الجنّة ))
[‏ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن أبي هريرة]
وفيما رواه الإمام أحمد وابن حبّان أنّه قال:
(( من وضع يده على رأس يتيمٍ ترحماً كانت له بكُلِّ شعرةٍ تمر عليها يده حسنة ))
[رواه الإمام أحمد وابن حبّان ]
تجد اليتيم مقهوراً، فالأب عز، فاليتيم ليس له أب والأخ غير الأب فمن عنده يتيم فليرعه وله حق يربيه وهذا هو المناسب، سأل أحدهم النبي عن يتيم يربيه في بيته: أفَأضربه ؟ قال: نعم، مما تضرب منه ولدك.
فإذا كان عندك هذا المقياس الدقيق، لو أنَّ ابنك وهو فلذة كبدك فعل ذنباً ورأيت من الحكمة أن تضربه لك أن تضرب اليتيم، لكن كما لو أنّه ابنك.
(( اللهم إنّي أُحرِّج حقَّ الضعيفين اليتيم والمرأة.))
[رواه أحمد عن أبي هريرة ]
أي أنّ أموال اليتامى ينبغي أن يحافظ عليها، المرأة واليتيم، يروى أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام رأى طفلاً يتيماً يبكي بأحد الأعياد، فقال له: أما ترضى أن أكون لك أباً وأن تكون عائشة لك أُماً ؟ ففرح هذا اليتيم وصار يتباهى بهذا النسب الجديد.
4 ـ الفقر:

الحقيقة موضوع الفقر أيضاً يسبب الشعور بالنقص وكما تعلمون أيُّها الأخوة عندما قال ربّنا عزَّ وجلَّ: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾
( سورة التوبة: آية " 103 " )
التطهير في الزكاة: فقد يطهر الفقير بالزكاة من الحقد، لأن الحرمان يسبب حقداً، وإذا أردتم تأكيداً لهذا المعنى، فيمكن ما من عمل عنيف في العالم إلا وراءه الإحساس بالحرمان، ممكن أن ترجع أكثر أعمال العنف في العالم إلى أنّ فئةً محرومةً من كلّ شيء، لا تخسر شيئاً إذا فعلت أيّ شيء، لذلك تفعل أيّ شيء، وهذه قاعدة، فإذا أردْت أن تطهر المجتمع من الحقد والضغينة وأعمال العنف، أعطِ كُلّ ذي حقٍ حقّه، فإذا فرضنا شخصاً دينه قليل ولكنّه منصف، هذا ينصره الله على إنسان ينتمي إلى الدين انتماءً أشدّ ولكنّه غير منصف.
لن نذهب بعيداً، فلو فرضنا محلاً تجارياً وصاحبه غير مسلمٍ ويعطي موظّفيه حقوقهم الكاملة، ومحلاً ثانياً صاحبه مسلم وهو في بحبوحة كبيرة يعطي موظفيه أقلّ دخلٍ ممكن، فيجوز أن تجد أنّ صاحب المحل غير المسلم الذي يعطي من حوله حقوقهم الكاملة أن الله يوفقه أكثر من الآخر المسلم.
حتّى قال أحد العلماء ذات مرة: إنّ الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.
إعطاء كل ذي حقّ حقه يُطهر المجتمع من الحقد و الضغينة:
الأساس أن يكون العدل موجوداً، فلذلك الفقير عندما تدفع له الزكاة تطهّره من الحقد، هذا هو التطهير، والتزكية: النماء، كيف ينمو الفقير ؟ حينما يشعر أنّ المجتمع لم ينسه، حينما يشعر أنّ المجتمع مهتمٌ به، فيحسّ بقيمته.
فلو فرضنا في أيّام العيد وطرق محسنٌ على باب الفقير وقدم له من الحلويّات واللحم والفواكه والألبسة، فماذا يشعر هذا الفقير ؟ يشعر بعظم المجتمع المسلم، وأن لم ينسه أحد، والجماعة قد تذكّرتني، فيحبّهم.
فالغنيّ دائماً بين أن يعيش بين محبّين إذا كان كريماً، وبين أن يعيش بين أعداء إذا كان بخيلاً، لأنّك إذا أكرمت من حولك أصبحوا لك حرساً، وإذا بخلت عليهم أصبحوا لصوصاً، بين أن يكون حارساً لك وبين أن يكون لصّاً تخافه، البخل يقلب من حولك إلى لصوص، والكرم يقلب من حولك إلى حرّاس.
العاقل لا يعطي ابنه شيئاً يميزه عن بقية الأطفال
وبعد ذلك أيُّها الأخوة فهذا الحديث الشريف يمكننا أن نتكلّم حوله درساً بكامله.. نفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإيمان كلِّيّاً:
(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائعٌ إلى جنبه وهو يعلم به ))
[روى البزّار والطبراني عن أنس ]
فمن تطبيقاتنا العمليّة لا أحد منا ليس له أبناء في المدرسة، فإذا كان أحد منا في بحبوحة فليس له الحق في أن يعطي ابنه شيئاً ليس في متناول عامّة الأطفال.. طفلةٌ عمرها ستّ سنوات ذهبت إلى رحلة مع المدرسة للغوطة وأعطاها أبوها ألف ليرة ست سنوات بالابتدائي تعطيها ألف ليرة، وهي في الصّف الأوّل وقامت بصرفها وتوزيعها توزيعاً، فماذا تشعر زميلتها التي أعطاها أبوها خمساً وعشرين ليرة زائدين على أكلها وكلّ شيء معها ؟؟ فالبذخ الزائد على الأطفال ماذا يسبب ؟؟ يسبب الشعور بالفقر والحرمان من زملائهم.
عندك من الفواكه فأعطِها الفاكهة المألوفة، تفّاحة صغيرة مثل سائر الناس، فلو أعطيتها موزة !! فالموز الآن غالي السعر، وكذلك يوجد بعض الحلوى الأجنبيّة وثمنها أكثر من أربعين ليرة أو خمسين ليرة فأعطها شيئاً بخمس ليرات مثلها مثل رفيقاتها، وإذا أحببت أن تطعمها شيئاً ثميناً فأطعمها ذلك بالبيت.. والحديث معروف:
(( ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها))
[ من تخريج أحاديث الإحياء عن عمرو بن شعيب ]
أيضاً حتّى لا يشعر الطالب أو الطفل بالمدرسة بالحرمان والفقر، فلا ينبغي للموسرين أن يعطوا أبناءهم ما يميِّزهم عن بقيّة الأطفال.
من أفقر أسرة له عند الله حساب شديد:
توجد نقطةٌ ثانية مهمّة وهي في الحديث الشريف:
(( كاد الفقر أن يكون كُفراً ))
[رواه أحمدٌ والبيهقي عن علي]
أي أنّه إذا افتقرت أسرة فالذي أفقرها له عند الله حساب كبير، أحياناً إنسان يتعنّت تعنُّتاً أو يعمل عملاً فيتسبب في فقر أُسرة، كأن يصرف شخصاً من عمله هكذا لكي يغيظه، ويصبح هذا الإنسان بلا عمل وهذه مشكلة، فكاد الفقر أن يكون كفراً، وكان عليه الصلاة والسلام يتعوّذ فيقول:
(( اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر))
[ أخرجه أحمد عن مسلم بن أبي بكرة]
الكفر، والفقر، لكن الله عزَّ وجلَّ طيّب قلوب الفقراء بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
أي أنّ أبسط لباس، وأصغر بيت، وأقلّ أثاث، هذا عند الله ليس في الحساب إطلاقاً، الحساب عند الله بالقلب الطاهر، القلب السليم، والنيّة الطيّبة، إنّ الله لا ينظر لصوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

شأن الفقير عند الله عز وجل كبير جداً: الآن نروي حديثاً لسيّدنا الصدّيق له مغزى كبير، روى الإمام مسلم أنَّ أبا سفيان أتى إلى سلمان الفارسي وصهيب وبلال الحبشي في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدوِّ الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيّدهم !! فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره. فقال: يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك. فأتاهم سيّدنا الصدّيق فقال: يا إخوتي أغضبتكم ؟ قالوا: لا.. يغفر الله لك يا أخي.
سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدوِّ الله مأخذها.. وأبو سفيان سيّد قريش وزعيم مكّة، وهؤلاء يقولون عنه ما قالوا، فسيِّدنا الصدّيق ما رأى في هذا القول حكمةً، فقد فتحت مكّة وانتهى الأمر وأسلم أبو سفيان، وقال النبي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وهؤلاء ذكّروه بعداوته القديمة فلم يرض الصديق أن يقولوا هذا عنه، فقال لهم: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيّدهم !! كأنّه عنّفهم.. وقد استنبط العلماء من هذا الحديث: أنّ الفقير له عند الله شأن كبير.
عطاء الله عز وجل ابتلاء و حرمانه دواء:
إذا أغضبت فقيراً فكأنّما أغضبت ربّك، فالله قد أفقره لحكمةٍ يريدها ولو شاء لجعله غنيّاً.. مرّة أحد إخواننا الكرام محسن وتبرّع ببيت بكامله ويبلغ ثمنه ستة أو سبعة ملايين لجمعيّة خيريّة وأُقيم له حفل تكريم على هذه المبادرة الطيّبة، وقام أحد إخواننا الكرام بإلقاء كلمةٍ فاجأ بها الحضور، قال في كلمته لهذا المحسن: أُشكر الله عزَّ وجلَّ أن جعلك غنيّاً وقدّمت هذا البيت، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يجعلك أحد المنتفعين من جمعيَّتنا.
ممكن أن يحدث ذلك، فالغني لا يقول أنا غنيّ فيوجد من هو أذكى منك وهو فقير، فتركت هذه الكلمة في نفسه أثراً بالغاً، فالغني الله أغناه والفقير على ذكائه قد يكون الفقر له حكمة، فليس للغني الحق بأن يفتخر بغناه، ولا الفقير يشعر بأنّه أقلّ من غيره لا فقد قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الفجر )

كلا: ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، قال له: يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك. فأتاهم سيّدنا الصدّيق فقال: يا إخوتي أأغضبتكم ؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي. فاستأذنهم حتى لا يكون أغضبهم كذلك، كلمة تكلّمها.. فانظروا كم لهؤلاء الفقراء عند النبيّ شأنٌ كبير.
الحكم الشرعي عند دعوة الأغنياء و الفقراء إلى الطعام:
لذلك قال العلماء لو كان هناك دعوة والمدعو لها عشرون شخصاً، والموعد الساعة الثالثة، وفي الثالثة والنصف أحد المدعوّين لم يأتِ، يا ترى أنأكل أم ننتظره، فماذا نفعل ؟ وما الحكم الشرعي ؟ وهذا يحدث مع كلّ الناس فما العمل ؟ نأكل أم ننتظر ؟
والعلماء قالوا: الحكم الشرعي هو: إذا كان هذا المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره، أمّا إذا كان غنياً فنأكل ولا ننتظر.
فإذا كان فقيراً وأكلنا قبله فسيشعر بنقص، ويُجرح، أمّا إذا كان شخصاً من مستوى الحضور يقولون له: فلماذا تأخّرت يا أخي فنحن أكلنا. وهذا هو الحكم الشرعي أورده الإمام الغزالي، إذا كان المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره جبراً له.
والله عزَّ وجلَّ كما قال في كتابه العزيز:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) ﴾
( سورة التوبة)
(( إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديدا، ويعذبهم عذاباً أليما ))
[ من الدر المنثور عن علي ]
الله يسامح الناس في بعض البلاد، يصنعون وليمة تكلّف مئة ألف، لأمير مثلاً، جمل مكتّف سنّه صغير - قاعود - وهذه أفخر الأكلات، فيأكل الأمير منه أوقيّة من اللحم والباقي يلقى في المزابل، والله سبحانه وتعالى كبير فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: يا عائشة أكرمي جوار نعم الله، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
من حفظ نعمة الله عز ول رزقه الله من حيث لا يحتسب:
مرّةٍ حضرت عقد قران ومعه عشاء، والعشاء لا أعتقد أن يكون قد أُكل منه خُمسَه، وتكلّف كلّ مدعوٍ ألف ليرة وعدد المعزومين ثمانمئة شخصٍ، وقال لي أحدهم: والله دفع ثمناً للعشاء مليوناً من الليرات بالتمام والكمال. فسألت: ما مصير هذا الطعام بعد أن انصرف المدعوّون، وقد لاحظت أنه لا أحد أكل منه سوى الخمس بل أقل ؟ فقال صاحب الدعوة: والله ما ضاعت حبّة رزّ، كل هذا الطعام أُخذ إلى ميتم ووضع في أكياس من البلاستيك في البرّادات، وأكله هؤلاء الأيتام على فترة أسبوع أو عشرة أيّام، لم تضع لقمة سُدى. فوالله قد سررت بذلك، كما أنّ صاحب هذا الحفل جمع نفقات الحفل ودفع مثلها لتزويج الشباب غير القادرين ففي اليوم الثاني دفع مليون ليرة لتزويج بضعة شباب مقابلها.
فهذا شيء جميل وقد اطمأننت، فالطعام إذا أُهمل ووضع في المهملات، فهذه نعمةٌ كبيرةٌ جدّاً فالمؤمن لا يضيّع حبّةً من الأرز، ولا يضيّع قطعة من الخبز ولو صغيرةً، واضعاً كلَّ شيء بمحلّه، فأعرف إخواناً كراماً يضعون الأكل الزائد فوق الأسطحة لتأكله الطيور بعض الفُتات والأكلات التي لا تُؤكل معه ولا يلقيها في سلّة المهملات، بل يضعها على شرفة أو سطح فتأتي الطيور وتأكلها كلّها.
إذاً إنَّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا، إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإنَّ الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذّبهم عذاباً أليماً.
اجتماع أفراد الأسرة حول الطعام يطرح البركة به:
الحديث الشريف:
(( أفضل الأعمال إدخالُ السرور على المؤمن، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته ))
[رواه الطبرانُّي في الأوسط عن عمر رضي الله عنه]
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ، بسادس))
[ أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر]
وتوجد بعض الأُسر الأب يأكل وحده، وكذلك الابن، والبنت، فالساعة الثانية يُعدّون الطعام لأحدهم والثالثة يعدّونه للآخر وهكذا فتذهب البركة بالتالي، أمّا إذا وضع الطعام واجتمعوا جميعاً حوله لكفاهم هذا الطعام.
قصة النبي الكريم مع رجل من الأنصار يريد عطاء له و لأسرته:
استمعوا لهذه القصّة أيُّها الأخوة فهي من أدقّ القصص، و والله تعدُّ هذه القصّة أحد المفاصل الأساسيّة في السُنّة وهي تعلّم أشياء كثيرة، أوردها أبو داود والنسائي والترمذي، قال: جاء رجل من الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسأله عطاءً (يريد المساعدة) فقال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: أما في بيتك شيء ؟ قال: بلى.. يا رسول الله، حلسٌ نلبس بعضه ونبسُطُ بعضه (أي قماش)، وقعبٌ نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما. فأتاه بهما. فأخذهما عليه الصلاة والسلام وقال: من يشتري منّي هذين ؟ قال رجل: أنا آخُذُهما بدرهم. فقال عليه الصلاة والسلام: من يزيد على درهم ؟ - بالمزايدة - قال رجل: أنا آخُذهما بدرهمين. فأعطاهما إيّاه وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري وقال: اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قُدّوماً و ائتني به. فأتاه به.. فشدّ فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة عوداً بيده (عمل النبي الكريم له يداً) وقال: اذهب واحتطب وبع ولا أرينّك خمسة عشَر يوماً. فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها طعاماً فقال عليه الصلاة والسلام: هذا خيرٌ لك من أن تجيء والمسألة نكتةٌ في وجهك يوم القيامة.
باع له الحلس وباع له القعب بدرهمين وقال له: ادفع لأهلك بدرهم طعاماً واشترِ بالآخر قدوماً، وشدّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة عليه عوداً، وأعطى هذا الأنصاري القدّوم وقال احتطب به ولا أرينّك خمسة عشر يوماً ففعل.
من حفظ ماء وجهه يسر الله له رزقاً كبيراً:
رأيت مرّة أحد الأشخاص يسأل.. وهو شابٌ وقال: ليس عندي محلٌ، فقلت له: ألا تستطيع أن تشتري كيساً من الفول وتبيعه على الرصيف. قال لي: بلى. فقلت له: اذهب و أحضر كيساً من الفول، جعلته تاجراً ونمت معه الأمور. كيس من الفول اشتره وبعه، الإنسان حينما يريد أن يعمل فالله ييسر له، حينما يريد أن يحفظ ماء وجهه فالله ييسر له، والله هو الكريم، اجعل عطاءك من الله مباشرةً.
لا تسألنّ بُنيّ آدم حاجــةً وسل الذي أبوابه لا تغلـقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسأل يغضب
***
باع القعب والحلس واشترى طعاماً لأهلة وبالدرهم الآخر قدّوماً وذهب يحتطب وباع ما احتطبه وقال له الرسول: ولا أرينّك خمسة عشر يوماً. وبعدها جاء بعشرة دراهم، وقال له هذا خيرٌ لك من أن تجيء والمسألة نكتةٌ في وجهك يوم القيامة.
سيّدنا عمر أعطى لكُلّ مولود تعويضاً عائليّاً.. وكلّكم تعرفون القصّة.. عندما حرس قافلةً مع سيّدنا عبد الرحمن بن عوف، وطفلٌ وبكى، فذهب لأُمّه وقال: أرضعيه. ثمّ بكى، فقال: أرضعيه. وفي المرّة الثالثة بكى، قال: يا أمة السوء.. أصلحي شأن ابنك. فقالت له: لقد أضجرتني - ماذا تريد منّي - إنني أفطمه. فقال: ولمَ ؟ قالت: لأنّ عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام. فسيّدنا عمر يقال إنّه ضرب نفسه، ضرب جبهته وقال: ويحك يا بن الخطّاب كم قتلت من أطفال المسلمين. وأصدر أمراً أن يكون العطاء منذ الولادة وليس مع الفطام، وقف يصلّي، من شدّة بكائه ما سمع أصحابه صوته في الصلاة.
ما فهموا قراءته في الصلاة، وكان يقول: يا ربّ هل قبلت توبتي فأُهنّئ نفسي، أم رددتها فأُعزّيها.
بذل المال يرفع من شأن المسلم و يحببه بدينه و بربه:
يروي محمّد بن إسحاق أنّ أُناساً من المدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم.. يطرق الباب فيجدون من الخيرات، والأرز، واللحم، ولم يعرفوا من الذي يأتي لهم بالطعام. فلمّا مات زين العابدين بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنّه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به.
الليث بن سعد كان ذا غلّةٍ سنويّةٍ تزيد عن سبعين ألف دينار، يتصدّق بها كُلّها حتى قالوا: إنه لم تجب عليه الزكاة، واشترى مرّةً داراً بيعت بالمزاد، فذهب وكيله يتسلّمها فإذا فيها أيتام وأطفال صغار، سألوه أن يترك لهم الدار، فلمّا بلغ ذلك الليث أرسل إليهم: أنّ الدار لكم، ومعها ما يصلحكم كُلّ يوم.
بذل المال عمل عظيم، الإنسان المحتاج مجروح، فإذا بذلت له المال رفعت من شأنه، وحببته بربه، وجعلته يثق بهذا المجتمع المسلم، وإذا أهملته، يكفر بهذا المجتمع.
ويروى أنّ عبد الله بن المبارك الإمام الكبير المحدّثَ كان كثير الصدقات، كانت تبلغ صدقاته في السّنة أكثر من مئة ألف دينار، خرج مرّةً إلى الحجّ مع أصحابه، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمر بإلقائه على مزبلةٍ هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلّف هو وراءهم، فلمّا مرّ بالمزبلة، إذا جارية (أي بنتٌ صغيرةٌ) قد خرجت من دارٍ قريبةٍ منها فأخذت ذلك الطائر الميّت، وكما سألها، كيف تأخذينه وهو ميت ؟ فأخبرته أنّها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد ولا يجدان شيئاً يأكُلانه، فأمر ابن المبارك بردِّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال عّدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا عودتنا، وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجّنا هذا العام، ثمّ رجع فلم يحُجّ.
أرأيت الفقه.. فقيه وجد أنّ إنقاذ هذه الأسرة الفقيرة أفضل من حَجِّه.. هو ابن المبارك، وأحياناً تجد أباً أولاده يتحرّقون على الزواج، ويقول لك: أنا حججت ثمانٍ وثلاثين حجّة، يكفيك حجّةٌ واحدة وأنفق على أولادك، زوّجهم، فهذا هو الفقه.. أن تعلم ماذا ينبغي أن تفعل، أن تفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب، مع الرجل المناسب.
الدنيا درا امتحان و الآخرة دار جزاء و تشريف:
نلخّص الموضوع: بأنّ من أخطر الأمراض التي تصيب الأولاد الشعور بالنقص، هذا الشعور بالنقص أحد أسبابه تعنيف الآباء الجاهلين، أو الدلال المفرط الدرس الماضي، أو المفاضلة بين الأولاد، أو اليتم، أو العاهة، أو الفقر.. هذه أسباب الشعور بالنقص، والمؤمن الكامل لا يفرّق بين طفل وسيم الطلعة وطفل دميم، بين طفل ذكي وطفل أقلّ ذكاء، بين طفل اجتماعي وآخر انعزالي، يرعى الكّل ولا يفرّق بين أولاده فلعلّ الله سبحانه وتعالى يكرمه، والحياة دار امتحان، والآخرة دار تشريف، والحمد لله ربّ العالمين.. وسوف ننتقل في درسٍ قادم إلى ظاهرةٍ من أخطر الظواهر التي تصيب الأولاد وهي: الحسد والغيرة. هذه ظاهرة تعاني منها معظم الأُسر.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 4 ) ظاهرة الحسد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحسد و تمنّي زوال النعمة عن الآخرين:
أيُّها الأخوة الكرام، الظاهرة المرضيّة الثانية، ونحن في الدرس الثالث عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤوليّة الآباء حول تربية أولادهم التربية النفسيّة، وقد تحدّثنا في درسين أو ثلاثة سابقة عن ظواهر الشعور بالنقص عند الأطفال، وقد عُزيَت هذه الظاهرة إلى التعنيف والتقريع الشديدين، أو إلى الدلال المفرط، أو إلى عاهاتٍ جسديّة، أو إلى فقرٍ، أو إلى يتمٍ، وقد تمّ الحديث عن المعالجات في الدرس السابق، واليوم ننتقل إلى ظاهرةٍ مرضيّةٍ نفسيّةٍ جديدة هي ظاهرة الحسد.
قد لا يعبأ الأب أنّ ابنه يحسد، وهذا الابن الصغير الذي يرى أنّه مهمل وأنّ الاهتمام لأخيه، هذا الطفل الصغير يصاب بمرض يأكل قلبه ألا وهو الحسد، فلذلك كلُّكم يعلم أنّ الحسد في أدقّ تعاريفه هو: تمنّي زوال النعمة عن الآخرين.
ارتباط الحسد بالإنسان المقطوع الصلة عن الله عز وجل:
إذا رأيت نعمةً على أخيك وراقت لك هذه النعمة، وتمنّيت أن تكون لك من دون أن تزول عنه، هذا ليس حسداً هذه غبطة، وقد عبّر عنها النبيّ أحياناً بالحسد قال:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
إذا تمنيّت نعمةً أُخرويّةً على أخيك فهذا شيء طيّب وهذا من قبيل التنافس، لكن إذا تمنّيت زوال نعمةٍ عن أخيك لتصير إليك فهذا هو الحسد، والإنسان لا يحسد إلا إذا كان مقطوع الصلة عن الله عزَّ وجلَّ.
على كلٍ هذا الموضوع قد عالجته في خطبةٍ بشكلٍ تفصيلي قبل أشهر، إلا إنّي الآن أنتقل إلى الحسد لا عند الكبار، بل عند الصغار.
وكنت أقول لكم دائماً: إنّ الدعاةَ إلى الله إذا دعوا إلى الله مخلصين اتّبعوا ولم يبتدعوا، وتعاونوا ولم يتنافسوا، وأنصفوا ولم يجحدوا، أمّا إذا دعوا إلى ذواتهم دعوةً مغلّفةً بدعوةٍ إلى الله ففي الأعم الأغلب أنهم يبتدعون ولا يتبعون، ويجحدون ولا ينصفون، ويتنافسون ولا يتعاونون.
أسباب ظاهرة الحسد عند الأطفال :
1 ـ الطفل يخاف أنّ يخطف أخوه القادم الجديد منه اهتمام أُمّه وأبيه فيقع بالحسد:
أيُّها الأخوة، بعض العلماء حلل ظاهرة الحسد عند الأطفال، وأوّل أسباب هذه الظاهرة، أنّ الطفل إذا كان وحيداً بين أبويه ومعتنى به عناية كافية، وحين تحمل أُمُّه وسيأتي مولودٌ جديد يخشى هذا الطفل أن ينافسه المولود الجديد بالمحبّة، والعناية، والرعاية، والمودّة فيقع في الحسد، لذلك ماذا على الأب أن يفعل إذا أنجب ابناً آخر ؟
قال علماء النفس: ينبغي أن تُضاعف العناية بالأوّل، وأن تكرمه إكراماً شديداً حتّى لا يشعر بأنّ الأضواء قد خطفها الطفل الصغير، وأن الاهتمام توجّه إلى الصغير، وكذلك العناية إلى الصغير، والتقبيل إلى الصغير، والمداعبة إلى الصغير، لئلا تنصرف الأُمُّ والأبُ إلى الصغير فقط ينبغي أن نوجّه العناية إلى الكبير.
على الآباء ألا ينساقوا مع رغباتهم دون رقابة فكرية كيلا يؤاثرون طفلاً على آخر:
إخواننا الكرام، إذا انساق الإنسان مع رغبته من دون رقابة فكريّة فدائماً تجده يؤاثر الأفضل، والأصغر، والأجمل، والأذكى، والأكثر انطلاقاً، أمّا إذا آثر جانب الله عزَّ وجلَّ فيراعي الأب أنّه لا يُقبّل طفلاً أكثر من طفل، ولا يبتسم لطفلٍ أكثر من طفل، والحقيقة الإنسان من دون جهد يظلم، أمّا إذا أراد العدل فلابدَّ له من جهد يبذله.
وبالطبع الإنسان يوجد لديه أذكى ومن هو أقلّ ذكاء، وعنده أجمل والأقلّ جمالاً، عنده طفلٌ منطلقٌ وآخر أقلّ انطلاقاً، وقد يكون عنده طفلٌ عنده عاهةٌ من العاهات، فلو انساق مع رغبته من دون رقابةٍ فكريّة فيميل للصغير، ويميل للجميل، والذكي، ويهمل الثاني، فيكون بذلك قد حطّمه وعقّده، لكن المؤمن صاحٍ دائماً ويقظ، المؤمن صاحب رسالة، والله عزَّ وجلَّ جعله خليفته في الأرض، فأنت أبٌ لاثنين والكمال يتطلّب الجهد والمتابعة واليقظة، أمّا النقص لا يتطلّب الجهد وهو استرخاء وتحرُّك عشوائي عفوي يجعل النقص حاصلاً.
لذلك يرتكب الآباء والأُمّهات في حقِّ أولادهم جرائم وهم لا يشعرون، إهمال طفل.. ففي بعض الأحيان يتكلّم الطفل بالكلمة وجميع من حوله يقلّدونه فيها، ويتكلّم الطفل الآخر بكلمة فيقولون له: اخرس، فلماذا كلّ هذا اللطف والمودّة للأول والثاني لم يتكلّم سوى كلمةٍ واحدةٍ، فسمع كلمةً قاسيةً من الأب، هذه بحكم الأخلاق عمل في منتهى الفظاظة من الأب.
على المؤمن أن يتخلق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام:
إخواننا الكرام، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾
( سورة الزلزلة )
تخلّقوا بأخلاق رسول الله، ومن أخلاقه: العدل، وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( إنّما أهلك بني إسرائيل أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و ايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها ))
[ متفق عليه عن عائشة]
طلبت السيّدة فاطمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خادمةً منه فقال لها: والله يا بنيّتي لا أُؤثرك على فقراء المسلمين.
شيءٌ عميق النبي الكريم عدّ المؤمنين أسرة واحدة، فابنته لا تستحقّ خادماً مادام في المسلمين فقراء، فلم يعدّ نفسه من طبقةٍ أُخرى لها أن تستمتع بالحياة من دون بقيّة الناس.
إذاً أوّل سبب من أسباب الحسد أن الطفل يخاف أنّ يخطف أخوه القادم الجديد منه اهتمام أُمّه وأبيه وعنايتهم، وعطفهم، فيقع بالحسد.
2 ـ الموازنة بين الأبناء من قبل الأب والأُم باستمرار:
أخطر عمل يقوم به الآباء الموازنة بين الأبناء، أخوك أذكى منك، وأخوك أفهم منك، أنت لا تفهم، أنت كذا، هذه الموازنة تحطّم، فلا توازن أبداً، لذلك الموازنة بين الأولاد كوصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباء، وواحد بالاجتهاد والثاني بالكسل، وواحد بالنشاط والثاني بالخمول، وواحد بالتألُّق والثاني يقول له: اذهب من أمامي، اغرب عن وجهي، فلماذا هذا الكلام ؟ فهذا ابنك، ومن له غيرك.
أنا كنت أقول دائماً كلمة: الأشخاص الغرباء أنت لهم وغيرُك لهم، لكنّ ابنك من له غيرك ؟؟ إذا أنت لم تأخذه إلى نزهةٍ فمن سيأخُذه ؟ إذا أنت لم تطعمه أكلةً يحبُّها فمن سيطعمه إيّاها ؟ النبيّ علّمنا أشياء كثيرة عندما كانت تقدّم للنبيّ الكريم الفاكهة في أوّل الموسم، كان يقبِّلها ويطعمها لأصغر طفل. معنى ذلك أنّ الطفل يتعلّق بالفاكهة والأب يصبر على فقدها، أمّا الطفل لا يصبر.
الآن إلى أحد أسباب الحسد، فالسبب الأول هو: خوف الطفل أن يأتي أخٌ له يخطف منه الأضواء، والسبب الثاني هو: الموازنة بين الأبناء من قبل الأب والأُم باستمرار، فتجد بنتاً منطويةً على نفسها لأنها أقلّ جمالاً من أختها، لازم الأم دائماً تثني على الأولى أمام الضيوف وغيرهم وتهتم فيها زيادة ؟ وهذا خطأ كبير.
على الإنسان أن يعتني بابنه لأنه هدية من الله عز وجل:
أحياناً الأب، بالطبع من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، يُنشئ عقداً نفسيّة في نفوس بناته وأولاده، وهو لا يشعر، وأنتم كآباء أيُّها الأخوة انتبهوا، الأب مسؤول والله جعلك خليفته في الأرض، واستخلفك على هؤلاء الأولاد، فكن عادلاً.
الاهتمام بأحد الأولاد، كتقبيله ومداعبته وإكرامه، والابتعاد عن الثاني والازورار وعدم الاهتمام، يوجد أبلغ من ذلك، إذا تكلّم الابن غير المرضيّ عنه فيقرِّعه ويسكته، أو أحياناً يقول له: اخرج من هنا. واحد يمكث ويقعد والآخر يخرج للخارج، فأنت بذلك قد حطّمته تحطيماً من دون أن تشعر.
فأنا أقترح على إخواننا أن تفتخر بابنك، اجعله يتعلّم منك، وأن ينزل معك، وأن يجلس مع الضيوف إذا كان عندك دعوة، خذه معك واجعله معك، واجعله رفيقاً لك، لأنّه إذا لم يرافقك سوف يرافق رفقاء السوء، فلا تستحِ من ابنك أبداً، ولا تنحرج منه، فلا أحد له غيرك فحاول أن يكون معك دائماً، وكلّما كانت جلساتك راقية، ونزهاتك راقية، و لقاءاتك راقية فسيتعلّم منك، وينشأ على طاعة الله.
يوجد موقف غير شعوري، أنّ الأب يتسامح مع ولد محبوب وهو يؤذي، ويعنّف ولداً آخر غير محبوب وهو يحسن، فيكون يقوم بخدمتك ويحضر لك كأساً من الماء، فتقول له: لا أريد ماءً، من قال لك أن تحضر ماءً ؟ وهو قد توقّع أنّك عطشان فأحضر لك الماء فغضبت، هذا يحسن لك فتعنّفه، والآخر يسيء فتثني عليه، والله هذا الأب سوف يحاسب على ذلك، فليس الأمر أمراً سهلاً مع الله عزَّ وجلَّ، فهل حضّرت لله جواباً على فعلتك ؟ فالله قد اختار هذا الابن ابناً وجعله هديّةً لك، فيحتاج منك إلى عناية.
العاقل من يعدل بين أبنائه:
أنا لا أرى آباء أعقل ممن يبالغون في العدالة بين أولادهم، فلا يميّز بنتاً عن بنت ولا ابناً عن ابن، بكلِّ شيء بالتساوي وحتّى بالاهتمام والابتسامة والتقبيل.
وقد قلت لكم في دروسٍ سابقه أنّه أحياناً يكون الأب وضعه المادي متوسّطاً ويضع ابنه في مدرسة مستواها المادّي مرتفعٌ جدّاً، فبذلك يحطّم الابن، فانتبهوا فتوجد أشياء دقيقة، مع كلّ من رفاقه في المدرسة خمسمئة ليرة وأبوه يعطيه خمس ليرات، هذا معه خمسٌ والثاني معه خمسمئة فهذا غير معقول والتفاوت كبير، هذا محضر معه أشياء وحاجات وأكلات سعرها مرتفع، مئتان من الليرات، وهذا يحضر أشياء بسيطة جداً، فيعقد موازنة بينه وبين رفيقه فيتحطّم، فأنت لا تبحث عن من هو أعلى منك، ابحث عن مستواك فترتاح.
على المسلم ألا يقيم علاقات دنيويّة مع أُناس أغنى منه كي لا يحتقر نعمة الله عليه:
يوجد قول قد قرأته: لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له.
فصاحب إنساناً يحبّك، ويقدّرك، ويحترمك، ويقدّر علمك، ويقدّر أخلاقك، أحياناً يكون شخصٌ يعمل موظّفاً مثقّف ثقافةً عالية ويحمل شهادات عُليا، ويصاحب غنياً.. والغنيّ يقيّمه فقط بدخله، ويقول له كم تأخذ راتباً ؟ وبعد أن يضيف عليه التعويضات والبدلات ويكبّره، يقول له الغني: فقط ثمانية آلاف، ويقطب جبينه ويقول له: فقط ثمانية وهل يكفوك ؟ لا تصاحب الأغنياء، وبالطبع الأغنياء غير المؤمنين، فالغني المؤمن يوضع على العين والرأس، وتشتهي الغنى على المؤمن من تواضعه ومن تسامحه، وتشتهي الفقر على مؤمن فقير من تجمُّله، ومن أدبه، ومن صبره، ومن عفّة نفسه، وتشتهي كلّ حالة خاصّة على المؤمن لأنّه كاملٌ، أنا إذا قلت: غني فأقصد به غير المؤمن، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، لا تقم علاقات دنيويّة مع أُناس أغنى منك بكثير، دائماً انظر لمن هو أدنى منك فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك.
في الدنيا انظر لمن هو أدنى منك و في الدين وازن نفسك مع المؤمنين الكبار:
لكن القاعدة الذهبيّة في شؤون الدّين وازن نفسك مع المؤمنين الكبار، راقب عبادتهم، وإخلاصهم، وعلمهم، ودعوتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، وأعمالهم الجليلة، وما أجرى الله على أيديهم من خير، فقد قال تعالى:
﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾
( سورة المطففين )
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾
( سورة الصافّات )
أمّا في الدنيا لا تنظر إلى أُمور الدنيا، فدائماً انظر لمن هو أدنى منك، فإذا كان الإنسان في ضائقة، فيقوم بعمل زيارة لقريب أدنى منه معاشاً، يقطن هو وأولاده وزوجته في غرفة واحدة، ويقارن بينه وبين وضعه، فيجد أنّه أحسن منه حالاً لأنّه يعيش في غرفتين، فلذلك الموازنة في أمور الدنيا مع من هم دونك أفضل، والموازنة في الدين مع من هم فوقك أفضل.
على الإنسان أن يُعلّم ابنه على الخشونة حتّى يكون متواضعاً:
كذلك أيُّها الأخوة، عندما ذكرنا في الحديث الشريف الصحيح ؛ يقول النبي الكريم:
(( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ))
[ الجامع الصغير قريبا من هذا اللفظ عن ابن أبي حدرد ]
هذا أمر نبويّ، فلا تظن أن لو دللت طفلك كثيراً أو أطعمته كلّ شيء، أو ألبسته أفخر الثياب، تكون بذلك قد نفعته ؟؟ فيصبح يقرف ويُقرِّف، فعلّمه على الخشونة والأكل الخشن أحياناً، علّمه على نومةٍ خشنة أو يلبس بزة أخيه ولا يتكبّر، وأن يلبس ثياب أخيه الأكبر التي لم تصبح على مقاسه، فإن قال: لا ألبس ثياب أخي. فقل له: لماذا لا تلبس، فلا يوجد عندنا غير ذلك يا بني. علّمه على الخشونة حتّى يكون متواضعاً، لأنّ الإنسان إذا ترفّه زيادة فتجده يرفّس، اخشوشنوا فإنّ النعم لا تدوم، وتمعددوا، أي عوّد نفسك على الخشن من الطعام أحياناً.
على الإنسان أن يحب أولاده لأن الطفل غال على الله عز وجل:
الآن إلى السّنة:
رأيتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فحملهما ووضعهما بين يديه ثمّ قال صدق الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) ﴾
( التغابن: آية " 15 " )
[روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريده عن أبيه رضي الله عنهما]
نظرت إلى هذين الصبيّن، هكذا قال النبيّ، يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما.
فالنبيّ كان في هذا الموضع مشرّعاً، يجب أن تحبّ أولادك، وتدللهم وتضمّهم لصدرك، فالنبي أمام أصحابه، فهل سمعتم أنّ خطيباً فعلها وهو على المنبر نزل وحمل طفلاً، النبي فعلها، فعلها لكي يعلّمنا كم الطفل هو غالٍ على الله عزَّ وجلَّ.
المودة و المحبة سرّ سعادة الحياة البيتية:
أحياناًً تجد البيت جنّة أيُّها الأخوة الكرام، بما فيه من المودّة، وعلى قدر ما فيه من المحبّة، وقد يكون البيت متواضعاً وفقراء الحال، والأثاث من الدرجة الخامسة، ولكن فيه محبّةٌ بين الأب وأولاده والزوج وزوجته، هذا سرّ السعادة البيتيّة، هذه المودّة، والإنسان كما ورد في السنّة، جنّة المؤمن داره.
وأنت مسؤول، بالمناسبة مجموعة تصرّفات ذكيّة جداً، ومتتابعة تضمّ الناس إليك وتشدهم إليك، وتصرّف واحد أحمق تنفّر الناس منك، فيقول لك: لا يوجد في بيتي سرور.. فالحق على الأب، فعندما يكون الأب لا يسأل على أولاده، أمّا إذا جمعهم وجلس معهم وداعبهم وآنسهم، ومثلاً تواعدوا على تناول وجبة طعام مشتركة، وسأل أولاده، أمّا إذا لم يكن لديك الوقت الكافي للجلوس مع أولادك فتلك مشكلة كبيرة جدّاً.
وكان عليه الصلاة والسلام يداعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، فيمشي على يديه وركبتيه، هذا سيّد الخلق وحبيب الحق سيّدنا رسول الله والذي هو أعظم إنسان على الإطلاق، فانظروا ماذا كان يفعل في بيته.. كان يمشي على يديه وركبتيه ويتعلقان به من الجانبين فيمشي بهما، ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان عدلكما.
هكذا كونوا في بيوتكم يا إخوان، داعبوا أولادكم وتحبّبوا إليهم حتّى تصبح المودّة أغلى من الأكل والشرب، أغلى من الرفاه، بيوت المسلمين الآن جحيم، يطلبون المظاهر، ويريدون أثاثاً جديداً، دائماً تجد النفور فالزينة لغير الزوج، والأولاد ضائعون بين أُمّهم وأبيهم، هذا واقع المسلمين الآن، يجب أن يكون البيت جنّة.
وإنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم، المال لا يسعد، أخلاقك ومودّتك ومحبّتك واهتمامك وعدالتك هي التي تسعد.
(( جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أتُقبلون صبيانكم فما نقبّلهم نحن ؟!! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أَو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ))
[روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها]
أي أنّ محبّة الصغار رحمة، والطفل غذاؤه المحبّة، كيف ما كانت نومته أو أكله مقبول ولكن لا يجد نفوراً، ولا قسوة، ولا يجد ازوراراً من أبيه.
علامة نجاح الأب أن يكون في منتهى المودّة مع أولاده:
سوف أقول لكم نقطة: إذا كان دخولك إلى هذا البيت يملأ البيت فرحةً فأنت أب ناجح، وإذا كان دخولك إلى البيت فأصبح من في البيت عبوساً قمطريراً وكلٌ منهم هرب إلى غرفته وهذا خرج من البيت فمعنى ذلك أنّك أبٌ فاشلٌ، علامة نجاحك في بيتك أن يكون دخولك للبيت عيداً، وفرحةً كُبرى، أمّا إذا وجد النقد المستمر والتعليقات اللاذعة ويدك والضرب، ودائماً المشاكل والخناقات فهذا ليس أباً بل أباً فاشلاً، فعلامة نجاح الأب أن يكون في منتهى المودّة مع أولاده.
(( جاءت امرأةٌ إلى عائشة رضي الله عنها فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كُلّ صبيٍ لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيّان التمرتين ونظرا إلى أمّهما، مازالا جائعين، فعمدت الأم إلى التمرة فشقّتها فأعطت كُلّ صبيٍ نصف تمرة، فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فقال: وما يعجبك من ذلك ؟ لقد رحمها الله برحمتها صبيّهما ))
[روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي لا تظن أنّه إذا كانت الأم كاملة والأب كاملاً ليس لهما أجرٌ عند الله عزَّ وجلَّ، وإن كان الأب والأم يلبّون حاجةً أساسيّة، ومع تلبية حاجة الأُبوّة والأُمومة فإنّ للأب أجراً عند الله، كنت أقول لكم هذا النص الذي ورد في الأثر أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أوّل من يمسك بحلق الجنّة أنا، قال فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنّة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[ ورد في الأثر]
ففهمكم كافٍ، كم هي غالية على الله عزَّ وجلَّ لأنّها رعت أطفالها الصغار ؟
على كل أب أن يعدل بين أبنائه ليعينهم على برّه:
أيُّها الأخوة لو عالجنا موضوع الحسد نقطةً نقطةً، لو جاء مولودٌ جديدٌ، فإخواننا الآباء يجب أن يزيدوا عنايتهم واهتمامهم وحرصهم على الأولاد الموجودين.. أي يحضروا لهم بعض الهدايا وتغيير بعض الأشياء في غرفهم، وإحضار سريرٍ جديدٍ، والاهتمام الزائد بهم، ولو أحضرت للأخ الكبير هديّة رمزيّة من أخيه المولود، وأن هذه الهديّة من أخيك الذي جاءنا مجدّداً إليك، حتّى يزيل الأب هذا الحسد بينه وبين أخيه الذي جاء متأخّراً.
موضوع العدل بين الأولاد موضوع معروف عندكم، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
وكنت قد ذكرت لكم في درسٍ سابق، أنّ رجلاً كان عند النبي، فجاء ابنٌ له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنةٌ له فأجلسها بين يديه، فقال صلّى الله عليه وسلّم للرجل: ألا سوّيت بينهما ؟
طبعاً إذا كان في موضوع موازنة بين الأولاد، يجب أن يكُفَّ عنها الأب فوراً، لا توازن أبداً، اجعل الوضع متساوياً وطبيعياً، وأنت عندما تعدل بين أولادك، تعينهم على برّك، وعندما لا تعدل تعين الشيطان عليهم بعقوقك، وإذا عدلت بينهم أعنتهم على الشيطان وأعنتهم على برّك، وكلّ أب يجب أن يضع هذا الحديث الشريف شعاراً له:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
أنواع الحسد:
(( إيّاكم والحسد، فإنّ الحسد يأكُل الحسنات كما تأكُل النار الحطب ))
[رواه أبو داود عن أبي هريرة]
إذا تفشّى الحسد، فأنا أذكر أنني قد عالجت هذا الموضوع بدقّة وتفصيلات رائعة قبل أربعة أسابيع أو أكثر، في خطبة جمعة قد عالجت فيها موضوع الحسد بتفصيلٍ دقيقٍ جداّ..
1 ـ أسوأ أنواع الحسد عندما يحمل الحسد الإنسان على أن يتحرّك للإيقاع بخصمه:
أتذكّر أنّ أخطر أنواع الحسد: أن تتحرّك لإزالة نعمةٍ عن أخيك حتّى تصل إليك، فمثلاً إذا اشتكى أحدهم على جارٍ له وعنده بضاعة مهرّبة مثلاً، وحتّى يغلق له محلّه، هذه أصبحت جريمة، عندما يحمل الحسد الإنسان على أن يتحرّك للإيقاع بخصمه، ولتعطيله عن عمله، فهذا أسوأ أنواع الحسد.
2 ـ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك:
يأتي بعد النوع الأوّل، أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، حتّى من أجل أن تغيظه فقط، فقط التمنّي.
3 ـ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك على أن تصل إليك:
والأقل من ذلك، أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك على أن تصل إليك، أي يوجد شيء أو نوع من المصلحة.
لكن إذا أقررت أخاك على نعمةٍ أنعم الله بها عليه، ولم تتمنّ زوالها عنه ولكن تمنّيتها لك دون أن تزول عنه، هذه غبطَة فلا مانع في ذلك.
الأحاديث التي تبدأ بكلمة " ليس منّا " أحاديث تبين أن النبي تبرّأ من أحد أتباعه:
سوف أسألكم سؤالاً، توجد مجموعة أحاديث يقول عليه الصلاة والسلام: ليس منّا - والحقيقة كلمة ليس منّا فمعنى ذلك أنّها كبائر، لأنّ النبي عندما يتبرّأ من أحد أتباعه، معنى ذلك أنّه قد ارتكب كبيرة، فمن يذكر من الأحاديث تبدأ بكلمة ليس منّا - ؟؟
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ ))
[ مسلم والترمذي وابن ماجه واللفظ له ]
فالغش كبيرة من الكبائر.
ليس منّا من لم يوتر. أي صلاة الوتر.
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ ))
[ أخرجه الترمذي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ))
[ أبو داود عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ماذا أحضر لك زوجك على العيد ؟ فتجيبها: والله لم يحضر لي شيئاً. فتقول لها: هذا الزوج ليس عنده ذوق بالمرّة، يا خسارتك فيه، هذا إبليس نفسه.
(( إنّ الرجل ليتكلّم كلمةً لا يلقي لها بالاً من سخط الله تعالى يهوي بها في جهنّم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
ليس منّا من فرّق.
(( ليس منّي إلا عالمٌ أو متعلّم ))
[رواه الديلمي عن ابن عمر]
(( ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعان))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
الذي يلعن كلّ شيء ويطعن بالناس دائماً.
ليس منّا من تكلّم...؟
(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به..))
[رواه الطبراني عن أنس بن مالك]
اسمعوا هذا الحديث:
(( ليس منّي ذو حسد ))
[ من الجامع الصغير عن عبد الله بن بسر ]
إذاً الحسد، تبرؤ النبي من بعض المسلمين لذنبٍ اقترفه يُعدُّ هذا الذنب كبيرة.. ليس منّي ذو حسدٍ. فالمؤمن يغبط ولا يحسد، وإذا قلب الإنسان مليء بالحسد فليراجع حساباته لأنّ الله عزَّ وجلَّ لا يقبل عمله.
علامة إيمان المسلم أن يرى أنّ كلّ مكاسب المسلمين كسباً له:
سوف أقول لكم كلمةً ثانية ودقيقة جدّاً، امتحن إيمانك بما يلي: إذا كان لك أخ مؤمن أكرمه الله بحصوله على شهادة عُليا، أو تزوّج قبلك، ودعاك إلى بيته، فوجدّته مرتّباً به غرفة نوم وأُخرى للضيوف وأصبح عنده زوجة، وأصبح عنده من يعتني به في المساء، ويعد له طعام الغداء والعشاء، وأنت مازلت تمكث عند أهلك، وتنام فوق السقيفة فرضاً، فإذا كنت لم تفرح بأخيك بما أصابه من خير، فهذه علامة النفاق، يجب أن تفرح لأخيك بنيله للشهادة العليا، أو إذا أكرمه الله ببيتٍ، أو أكرمه بالزواج، أو إذا قام بتأسيس مشروعٍ ونجح فيه، علامة إيمانك أن ترى أنّ كلّ مكاسب المسلمين كسباً لك، فشعار المؤمنين:
كُلُّنا لواحدٍ، والواحد للجميع.
المؤمنون كُلُّهم لواحدٍ منهم، والواحد كلّ إمكاناته للجميع، هذا هو التعاون فقد قال الله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾
( سورة المائدة: آية " 2 " )
الحسد يفسد الإيمان:
لذلك هذا الحديث الشريف كما يقول بعضهم: يقصم الظهر، ليس منّي ذو حسد. فالذي يحسد تبرّأَ منه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(( لا يزالُ الناسُ بخير ما لم يتحاسدوا ))
[روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه ]
والحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل، فالحسد يفسد الإيمان.
ظاهرة الغضب ظاهرة نفسيّة مرضيّة خطيرة:
الآن عندنا ظاهرة ثانية نفسيّة مرضيّة خطيرة هي: ظاهرة الغضب.
تجد طفلاً شرّيراً، ينفجر انفجاراً غير معقولٍ لأتفه الأسباب، هذا الانفجار أسبابه الضغط.. فالطفل مضغوط..الغضب له حالة طبيعيّة، وحالة أُخرى مرضيّة.
فحالته الطبيعيّة: تغضب أنت من أجل أن تحافظ على نفسك، وعلى دينك وعلى عرضك وعلى مالك، فالغضب شعور نفسي سوي حينما يوظّف للحفاظ على الحياة والعرض والدين والمال.
أمّا حينما يتجاوز هذا الحدّ إلى العدوان على الآخرين، انتقل الغضب من حالة طبيعيّة إلى حالة مرضيّة، طبعاً يوجد قول:
من استُغضِبَ ولم يغضب، معناها إنّه إنسان غير سوي.
المؤمن عليه ألا يغضب إلا لله أمّا لنفسه لا يغضب ويسامح الآخرين:
النبي كان يغضب، لكن اسمعوا كيف كان يغضب، ثبت في الصحيح أنّه عليه الصلاة والسلام قد جاءه من يشفع عنده في حدٍ من حدود الله، فغضب النبيّ وظهرت على وجهه أسارير الغضب، وقال قولته الخالدة:
(( إنّما أهلك الذين من قبلكم، أنّه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ الله لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطعت يدها ))
[ متفق عليه عن عائشة]
امرأةٌ مخزوميّة سرقت فجاء من يشفع لها لئلا تقطع يدها، فغضب النبي غضبته.
(( ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انتقم لنفسه في شيءٍ إلا إذا انتُهِكَت لله حرمة، فإذا انتُهِكَت لله حرمة كان أشدّ النّاس غضباً، وما عُرِض عليه أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه سخط الله عزَّ وجلَّ، فإن كان فيه لله سخط، كان أبعد النّاس منه ))
[أخرج الطبراني عن أنسٍ رضي الله عنه ]
ماذا نستنبط من هذا الكلام ؟ المؤمن إذا اقتدى بالنبيّ يغضب أم لا يغضب ؟ يجب أن يغضب، لكن المؤمن لا يغضب إلا لله، أمّا لنفسه لا يغضب ويسامح، هذا شأن المؤمن، كما كان يفعل النبيّ عليه الصلاة والسلام.
أمّا الإنسان حينما يغضب لمصلحةٍ فاتته، أو لكسبٍ ضاع منه، أو لعلاقةٍ ينتفع بها قد ضيّعها، حينما يغضب من إنسان حال بينه وبين شهواته، هذا الغضب للذّات هو الغضب المذموم وهو الغضب الذي نهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(( أنّ رجلاً قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أوصني. قال: لا تغضب. فردَّد مراراً. قال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب ))
[ أحمد عن حميد بن عبد الرحمن]
والإنسان بالغضب ينتقل من حال إلى حال، والحلم سيّدُ الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبيّاً، والذي لا يغضب يكسب لنفسه الصّحة.
الشدّة النفسيّة وراء أي مرض يصيب الإنسان:
الآن، الشدّة النفسيّة، هي وراء أي مرض، أمراض القلب، والشرايين، والضغط المرتفع، وأمراض المعدة، والجهاز الهضمي، والقرحة، حتّى الأمراض الخبيثة، هذه الشدّة النفسيّة هي علّةُ العلل، وعندما يغضب الإنسان دخل في الشدّة النفسيّة، فقد قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 213 " )
معنى ذلك أن أحد أسباب القهر، والغضب، والشقاء، والعذاب، الشرك، فالموحّد لا يغضب لعلمه بأنّ الأمر كلُّه لله عزَّ وجلَّ.
قال أحد الصحابة وقد سرق ماله: يا رب إنّ هذا الذي أخذه، إن أخذه عن حاجةٍ فبارك له فيه، أي أنا مسامحه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه. وصحابيّ آخر قيل له: احترق محلّك. قال: لا لم يحترق. وأصر على ذلك، فلمّا ذهبوا إلى المحل وجدوا أن الذي احترق المحلّ الذي جانبه، فعادوا إليه وقالوا: كما قلت. قال: أعلم ذلك ما كان الله ليفعل، فهو واثق، فالمؤمن واثقٌ من حفظ الله عزَّ وجلَّ، ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة.

(( ما يباعدُني من غضب الله عزَّ وجلَّ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب، إنّما يباعدك من غضب الله عزَّ وجلَّ ألا تغضب ))
[ أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما]
لأنّ الإنسان عندما يغضب يتكلّم كلاماً فيه إساءة.. إذا غضب قسا كلامه، أصبح قاسياً، إذا غضب جحد نعمةً، إذا غضب مثلاً منع خيراً، أو اعتدى، وأكثر المعاصي أسبابها الغضب، فقال له لا تغضب.
(( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن يُنفِذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيره في أيّ الحور شاء فليأخذها ))
[ أبو داود عن سهل بم معاذ بن أنس الجهني]
أي أكرمه في الجنّة إكراماً كبيراً، من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه.
(( ما تعدُّون الصرعة فيكم (أي الشدّة، والقوّة، والبطولة) فقالوا: الذي لا تصرعه الرجال. فقال عليه الصلاة والسلام: ولكن الصرعة فيكم الذي يملك نفسه عند الغضب ))
[البخاريّ ومسلم عن ابن مسعودٍ]
أي يسيطر على نفسه.
الأخلاق الحميدة ترفع الإنسان عند الله وعند الناس:
بالمناسبة، الله عزَّ وجلَّ وصف النبيّ وقد قلت هذه الفكرة سابقاً.. النبي ألم يكن خطيباً لامعاً بل سيّد الخطباء، وكان عالماً وكلّ العلماء عالةٌ عليه، وكان مجتهداً، وكان مفتياً، وقاضياً، وقائداً، وسياسيّاً، وزعيم أُمّة، وكان في قمّة كلّ التفوّقات في العالم، ولكن عندما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يمدحه، بماذا مدحه ؟؟؟
قال تعالى له:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾
( سورة القلم: آية " 4 " )
الذي يرفعك عند الله لا طلاقة لسانك، ولا حدّة ذهنك، ولا جمع المعلومات الدقيقة في دماغك.. لا، الذي يرفعك عند الله وعند الناس الأخلاق الحميدة.
لي تعليقٌ آخر.. النبيُّ عليه الصلاة والسلام أليس في اعتقاد كلّ المسلمين أنّه سيّد الخلق، وحبيب الحق، ويوحى إليه، ومعصومٌ، وأكرمه الله بالنبوّة والرسالة والقرآن ؟ ومع ذلك قال له:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 159 " )
رغم كلّ هذه الميزات، أوّل إنسان يوحى إليه، رسول، ونبيّ، جاء بالقرآن، كلُّ هذه الميزات، ومع كلّ هذه الميزات يقول سبحانه وتعالى له: ولو كنت يا محمّد أنت بكلّ هذه المراتب العليّة التي وصلتها: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾
(سورة آل عمران)
البعد عن الانتماءات الضيقة بين المسلمين و محبتهم لبعضهم البعض:
توجد آيتان فما الفرق بينهما وهما:
قال تعالى:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 215 " )
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الحجر: آية " 88 " )
فما الفرق بينهما ؟ فالآية الأولى: النبيّ مأمورٌ بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، فأحياناً يعتني الشخص بأخيه زيادة ويقول هذا من إخواننا، ولو من جماعة ثانية، فما هذه التفرفة ؟ فالنبي خاطبه الله عزَّ وجلّ فقال له: واخفض جناحك للمؤمنين، للمؤمنين عامّة فأنت انتماؤك لمجموع المؤمنين، فأيّ مؤمن مستقيم، ويعرف ربّه، ومنهجه، ويطبّق الإسلام في بيته، وفي عمله، وسمته حسن، وعقيدته صحيحة، فيجب أن تحبّه وتتعاون معه كذلك، وتكرمه، أمّا هذه الانتماءات الضيّقة، الفقاعات، هذه ترضي الشيطان. العاقل من عالج كل سبب من أسباب الغضب على حدة ليعيش حياة هانئة مطمئنة:
أيُّها الأخوة ينبغي أن ننهي هذا الموضوع في هذا الدرس نفسه، كلّ سبب للغضب يعالج على حدة، فإذا كان أسباب الغضب، الجوع، فالبيت المسلم يجب أن يكون الطعام فيه منتظماً، أحياناً في الصباح لا تجد طعاماً، ويخرج الطفل بلا طعام، جائعاً، يتألّم، وتضطرب أوضاعه، أمّا إذا وجد الطفل الطعام جاهزاً في الصباح، أو جاء من المدرسة وكان الطعام جاهزاً، فتقديم الطعام بشكل منتظم هذا مما يخفف من أسباب غضب الصغار.. فقد قالت امرأة لابنتها:
وتعّهدي وقت طعامــه والهدوء عند منامـه
فإنّ حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة
***
فالنبي يقول: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت "، عندما يقدّم الإنسان لأولاده غذاءً معقولاً وضمن إمكاناته، ويقدّم بأوقات منتظمة، ووجد العناية بالأكل، هذا من العبادة، فقد أرحت الطفل، وإذا كان الغضب مرضاً فالمعالجة مهمّةٌ جدّاً، فإذا كان الطفل يشكو من لوزاته دائماً، أو من تراكب أسنانه مثلاً، فعندما يبذل الأب عنايته الفائقة بمعالجة أولاده معالجة جيّدة، فالله يعينه ويرزقه، فالله ربُّ النوايا، وهذا عمل عظيم، أحياناً لا يهتمّ ويتفاقم المرض كأن يكون اعوجاج في العظام، أو نقصٌ في الكلس، أو ضعفٌ في الأسنان، أو تراكمٌٌ بالأسنان، أو بعض الأمراض التي تحتاج للمعالجة في وقت مبكّر، أمّا أن يكون إهمال دائم ولا يقتنع الأب بأنّ ابنه مريض، فهذا أحد أسباب الذنب، فلذلك إذا كان أسباب الغضب المرض، فعلاجه المعالجة، فالنبي قال: لكلِّ داءٍ دواء فإذا أصاب الدواء الدّاء برئ بإذن الله عزَّ وجلَّ.
وإذا كان أسباب الغضب التقريع والإهانة يجب على الأب والأم أن يكفّا عن التقريع والإهانة حتّى لا يغضب الابن.
وإذا كان الغضب محاكاة للأب الغضوب، فإذا كان الأب غضوباً فيصبح نمط البيت كلّه غضب، إذا الأب ثائر وغاضب فأولاده سيكونون على شاكلته:
إذا كان ربُّ البيت بالطبل ضارباً فشيمة أهل البيت كلُّهم الرقص
***

فالأب الغضوب والأم الغضوبة يجعلان الولد أشدَّ غضباً منهما يصبحون عنيفين، أمّا الأب الهادئ والأم الهادئة يشيعان الهدوء بأولادهم فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
وإذا كان من دواعي الغضب الدلال المفرط حتّى تضعف شخصيّة الطفل، فقد نسب لسيّدنا علي هذا القول أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، و أبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما، والحديث الشريف:
(( إيّاك والتنعُّم فإنّ عباد الله ليسوا بالمتنعمين.))
[ رواه أحمد عن معاذ بن جبل]
علاجات الغضب:
1 ـ على الإنسان أن يغير الوضع الذي هو عليه و هو غضبان:
إخواننا الكرام، آخر قسم بالدرس النبيّ الكريم أعطانا أربعة علاجات للغضب.
أوّل علاج: تغيير الوضع الذي أنت عليه وأنت غضبان.
(( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ))
غيّر من وضعك
[أحمد عن أبي ذر]

2 ـ الوضوء:
توجد معالجة ثانية:
(( إن الغضب من الشيطان، وإنّ الشيطان خلق من النار، وإنّما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ.))
[أبو داود عن عطية ]
والبارحة قرأت مقالة عن هذا الموضوع، أنّه يوجد عصبٌ بالوجه له علاقة بالجملة نظيرة الودّيّة، فإذا تنبّه بالماء البارد خفف الغليان الداخلي، ولكنني لست متذكِّراً تفاصيل المقال، فهذا ملخّصه.
3 ـ السكوت عند الغضب:
ويوجد توجيه ثالث:
(( إذا غضب أحدكم فليسكت ))
[أحمد عن ابن عباس]
لأنّه إذا تكلّم فكل كلمة تخرج كاللغم أو متفجّرة أو كالقنبلة، اسكت إذا غضبت، أو اتفق مع زوجتك إذا أنت غضبت فلتسكت هي ولا تردّ عليك، وإذا هي غضبت اسكت أنت، فتنحلّ بذلك المشكلة، أمّا كل كلمة يرّد عليها بكلمةٍ أُخرى ينتج منها تفجُّر.
وجاء في الصحيحين:
[ صحيح عن سليمان بن صرد]
4 ـ الخروج من البيت:
يوجد حلٌ، إذا كان قد غيّر قعوده وبقي غاضباً، وتوضّأ وظلّ غاضباً، لا يستطيع السكوت، فماذا يفعل ؟؟ أنا أنصح أن يخرج من البيت ولا يظلّ به، فربّما يصل الموضوع إلى الطلاق، اخرج لئلا يتفاقم الأمر إذا لم تستفد مما سبق، فالشيطان قد دخل بينكما، لكن التعوُّذ هذا توجيه إلهي.
(( ألا إنّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم، أما رأيتم حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحسّ بشيء من لك فليلصق بالأرض ))
[مسلم عن أبي سعيد الخدري]
أي يلجأ إلى السكون، لا إلى الحركة، هذه ظاهرة الخجل والخوف، وهذان مرضان نفسيّان يصيبان الصغار.
أعظم مهمّة للأب تربية أولاده:
أغلب الظّن أنّ الأسباب من الكبار، لذلك تحتاج التربية إلى علم، المربّي يجب أن يكون عالماً، وأعظم مهمّة للأب تربية أولاده، وعندما يصبح ابنك إنساناً عظيماً فسوف تنسى كلّ تعبك، وتعيش عشرين أو ثلاثين سنة وتراه أمامك ملء السمع والبصر، فهيماً وأديباً، ومتعلّماً، ويخاف من الله عزَّ وجلَّ، وإذا أصبح عالماً صغيراً ودعا إلى الله، فهذا في صحيفتك، فمن عنده أولادٌ فهذا كنزٌ، فالطفل كنز، هذا الطفل يمكن أن يسعدك إلى أبد الآبدين، اعتنِ به واتعب والتعب محفوظ ولا يضيّع الله تعبك إطلاقاً.
فالموضوع أصبح على الشكل التالي، الأمراض الوبيلة التي تصيب الأطفال الشعور بالنقص، والحسد، والغضب، وهذه علاجها، مزيد من العناية، والاهتمام، والعدالة، والحكمة التي أكرم الله المؤمن بها، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 1 ) الاخوة - الرحمة - التقوى





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وننتقل اليوم إلى موضوعٍ جديد هو مسؤوليّة المربّين، أو مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة. العناية الفائقة بغرس أصول التربية الاجتماعية عند أولادنا:
كلُّكم يعلم أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيّ، وأراده الله أن يكون اجتماعيّاً من خلال أنّه جعله مفتقراً في معظم حاجاته إلى أخيه الإنسان، سمح له أن يتقن شيئاً يرتزق منه، وهو بحاجةٍ إلى خدمات أخيه الإنسان لذلك لا يعقل أن يعيش الإنسان وحده، أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون اجتماعياً، ولكن حينما يجتمع الإنسان بأخيه الإنسان يمتحن، فإمّا أن يرقى وإمّا أن يسقط، إمّا أن يستحقّ الجنّة لأنّه طبّق منهج الله عزَّ وجلَّ في تعامله مع الآخرين، وإما أن يستحق النار لأنه خالف منهج الله عز وجل.
قد ذكرت لكم كثيراً أنّ العبادات نوعين ؛ عباداتٍ تعامُليّة، وعباداتٍ شعائريّة، العبادات الشعائريّة كالصلاة والصيام والحجّ، بينما العبادات التعامُليّة العلاقة بينك وبين أخيك الإنسان، هل أقمتها وفق منهج الله ؟ هل أقمتها وفق ما يرضي الله ؟ هل ائتمرت بما أمر الله سبحانه ؟ هل انتهيت عما نهى الله، في زواجك، في عملك، في كسب المال، في إنفاق المال، في أفراحك، في أحزانك، في كلّ نشاطات حياتك ؟
أيُّها الأخوة الكرام، لا بدّ من أن يوجّه الأب أو المربّي عنايةً فائقةً لغرس أصول التربية الاجتماعيّة عند ابنه أو عند تلميذه، والحقيقة ما دام الإنسان في مجتمع فهو في حاجةٍ ماسةٍ إلى مجموعة خصائص، وإلا يشقى ويُشقي.
الخاصّة الأولى أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل كتاباً على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه منهج، فيه دستور، افعل ولا تفعل، المنهج كُلّي والسنّة تفصيليّة، أنت إن طبّقت منهج الله لن تؤذي أحداً بل سوف تنفع النّاس جميعاً، لن تكون مبغوضاً، لن تكون عدوّاً لأحد، وسيحبُّك الناس جميعاً، لأنّ منهج الله من عند خالق الكون، من عند الخبير، من عند الذي يعلم كلّ شيء، فمادام الإنسان وفق منهج الله فهو في بحبوحةٍ وفي أمنٍ وسلام، أمّا إذا خرج، أي لو مركبة تسير على طريق معبّد، ما دام الذي يقودها يطبّق تعليمات الصانع فهو على الطريق، تتحرّك المركبة بسلامةٍ ويسر وراحة، وتنطلق تطوي الأرض طيّاً، أمّا إذا غفل عن القيادة أو كان مخموراً أو أساء استخدام الأدوات الموجودة في هذه المركبة، هوى في الوادي، طبعاً هذا الذي حدث من خطأ ارتكبه.
اتسام حياة المؤمن بالسلام و حياة غير المؤمن بالهلاك:
أنت ما دمت في مجتمع، وما دمت تطبّق منهج الله في هذا المجتمع لن تجد إلا السلام، فقد قال ربُّنا عزَّ وجلَّ:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾
( سورة المائدة: آية " 16 " )
الله عزَّ وجلَّ يهدي الإنسان طريق السلام مع نفسه، طريق السلام مع أسرته، مع مجتمعه، مع أخوانه، مع من فوقه، مع من دونه، مع من في مستواه، لذلك تتسم حياة المؤمن بالسلام، وتتسم حياة غير المؤمن بالمفاجآت، بالمطبّات، بالهلاك أحياناً.
أولاً، ما لم يطبّق الإنسان وهو في جماعة منهج الله لن يَسعد ولن يُسِعد، هذا ما عبّر عنه ربُّنا جلّ جلاله بكلمة التقوى فقد قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 13 " )
أي أن تتقي أن تعصي الله، تتقي أن تخرج عن منهجه، فربّنا عزَّ وجلَّ يقول:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) ﴾
( سورة الطلاق: آية " 2 " )
هذه الآية يمكن أن يكتب عنها مجلّدات، مثلاً من اتّقى الله في تربية أولاده جعل الله له مخرجاً من عقوق الأولاد، من اتّقى الله في اختيار زوجته جعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجيّ، من اتقى الله في كسب المال جعل الله له مخرجاً من ضياع المال، من اتقى الله فآمن به جعل الله له مخرجاً من الشقاء الدنيويّ والأُخرويّ.
منهج خالق الكون أن تتقي الله في تعاملك مع أخيك:
إذاً حينما تتقي الله في تعاملك مع أخيك فهذا المنهج منهج خالق الكون، فتقف عند حدّك تأخذ مالك وتدع ما ليس لك، فمشكلات النّاس كلِّهم من أين تأتي ؟ لأنّهم يريدون أن يأخذوا ما ليس لهم، وأن يمتنعوا عن إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه، يمكن أن ترجع مشكلات المجتمع كلّها إلى هذا، إلى أنّ الإنسان يأخذ ما ليس له، يتجاوز الحدّ ويطغى.
إذاً قبل كلّ شيء يجب أن ترسّخ في ابنك أو في تلميذك أن يكون وقّافاً عند كلام الله، وقّافاً عند منهج الله، هذا حرام لا أقوله، هذا حلال أسمح لنفسي به، أما أن تقوم حياة اجتماعيّة بلا منهج، بلا دستور، بلا قانون، قضيّة كيفيّة، عشوائيّة، فلا بدّ من الخصومات، والعداوات، والمضايقات، ويلجأُ الناس إلى المحاكم، وترى عند كلّ قاضٍ آلاف الدعاوى ترحّل من عامٍ إلى عامٍ إلى عام إلى أن يموت أحد المتقاضيين، أساسها أن كلا الطرفين خرج عن منهج الله.
أخواننا الكرام، يمكن أن نتأكّد أنّه ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا ووراءها معصية، وما من معصيةٍ إلا ووراءها جهل، فأكبر عدوٍ لنا هو الجهل، وهو العدو الأوّل رقم واحد، لأنّ الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوُّه أن يفعله فيه، فقبل كلّ شيء: إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
ما عبد الله بأفضل من اتّباع ما افترض الله عزَّ وجلَّ، أعظم عبادة أن تقيم منهج الله عزَّ وجلَّ، إنَّ الله لا يقبل نافلةً ما لم تؤدَّ الفريضة.
إذاً عرّف بعض العلماء التقوى فقال: أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفقدك حيث نهاك.
أن يراك حيث أمرك، في ساعة الظهيرة يوم الجمعة أين تكون أنت ؟ في النزهة أم في المسجد ؟ في المسجد، وأنت في الطريق أمامك امرأةٌ سافرةٌ، ماذا تفعل ؟ تغضُّ البصر، أثناء محاسبة البائع ماذا ينبغي أن تفعل ؟ أن تعطيه حقّه ولو نسي بعض المال، أن يراك حيث أمرك وأن يفقدك حيث نهاك، هذا بعض تعريفات التقوى.
قال بعضهم: التقوى اتّقاء عذاب الله سبحانه وتعالى بصالح العمل، والخشية من الله في السّر والعلانية.
بعض تعريفات التقوى:
أخواننا الكرام، الآيات التي تحدّثت عن التقوى تربو عن ثلاثمئة آية، التقوى أن تتقي غضبه، أن تتقي عذابه، أن تتقي أن تعصيه، أن تتقي أن تخرج عن منهجه، أن تتقي أن تتجاوز حدوده، فأنت من أجل أن تسعد في الدنيا وفي الآخرة عليك بتقوى الله، ومن أجل أن تنشّئ ابنك تنشئةً صالحةً عليك أن تغرس في نفسه تقوى الله، يا بنيّ قف عند حدود الله، هذا منهج، هذا قانون، هذا من عند خالق الكون، افعل ولا تفعل، فأعظم شيء تصل إليه أن تصل إلى أمر الله ونهيِه، وأن تحمل نفسك على تطبيق أمر الله وترك نهيِه.
سيّدنا عمر بن الخطّاب عملاق الإسلام له تعريفات رائعة، فمرّة عرّف التقوى عن طريق سؤال وجواب، سأل سيدنا أُبيّ بن كعب سيّدنا عمر عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوكٍ ؟ قال: بلى، قال: فما عملت ؟ قال: شمّرت واجتهدت، قال: فتلك هي التقوى.
إذا كان أحد الأشخاص يمشي في طريق كلّه حفر وأشواك وأكمات وعثرات، وأفاعٍ مثلاً فكيف يمشي ؟ هل يغمض عينه أم يفتح عينيه، ويصبح كلُّه أعين، وكلُّه آذان، كلُّه حيطة، وكلُّه حذر، فشمّر واجتهد.
أنت راقب سائق سيّارة في الضباب وبالليل، تجده يقترب للأمام نحو الزجاج ولا يستند من قلقه، ويتفحّص الطريق شبراً شِبراً، ويتأهّب لأيّة مفاجأة، هذه هي التقوى، أن تسير وكلُّك أعين، وكلُّك آذان، وكلُّك توقُّع.
قال بعضهم: التقوى حساسيةٌ في الضمير، حساسيةٌ في الشعور، خشيةٌ مستمرّة وحذرٌ بيّن، توقٍ لأشواك الطريق، طريق الحياة.
أيُّها الأخوة، النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( التقوى ها هنا. وأشار إلى صدره الشريف ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
معنى التقوى: أنّها رغبة قويّة في ذات الإنسان أن يطيع الله، مادام قال: ها هنا وهنا القلب، والذي يرغب هو القلب، رغبةً قويّةً في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، وثانياً نورٌ يقذفه الله في قلب الإنسان يريه الحقَّ حقّاً والباطل باطلاً.
نماذج من المتقين: اسمعوا أيُّها الأخوة إلى نماذج من المتّقين. قال يروي الغزالي في إحيائه أنّه كان عند يونسَ بن عبيد حُللٌ مختلفة، أي ثياب، يبيع الثياب، مختلفة الأثمان منها نوعٌ قيمته بأربعمئة درهم ونوعٌ قيمته بمئتين، فذهب إلى الصلاة وخلَّف ابن أخيه في الدكّان، جاء أعرابيّ وطلب حُلَلاً بأربعمئة، فعرض عليه ابن أخيه حُلًّة بمئتين فاستحسنها الأعرابي ورضيها واشتراها بأربعمئة درهم، فمشى بها وهي على يديه، يونس صاحب الدكّان خرج من المسجد فإذا بأعرابيٍ يحمل حُلّةً من دكّانه، فعرف أنّها حُلّته فقال للأعرابيِّ: بكم اشتريت هذه الحُلَّة ؟ قال: بأربعمئة. قال: هذه الحُلَّة لا تساوي أكثر من مئتين فارجع حتّى ترُدّها، قال: هذه تساوي في بلدنا خمسمئة درهم، وأنا ارتضيتها، قال له يونس: انصرف معي، فإنّ النّصح في الدين خيرٌ من الدنيا وما فيها، ثمّ ردّه إلى الدكّان، وردّ عليه مئتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله، قال: أما استحييت، أما اتقيت الله ؟ تربح مثل الثمن وتدع النُصح للمسلمين، فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها، قال: هلا ارتضيت له أنت ما ترضاه لنفسك ؟ هذه هي التقوى، هكذا البائع المسلم لا يغش أو يدلّس أو يكذب، طاعة الله أغلى عليه من الدنيا وما فيها من ثروة الأرض، من أكبر غلّةٍ في الدنيا، طاعة الله، يجب أن نربّي أبناءنا هكذا.
قصّةً تعرفونها جميعاً أقولها كثيراً، قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطّاب إلى مكّة، فعرّجنا في بعض الطريق، أي استرحنا، فانحدر بنا راعٍ من الجبل فقال له: يا راعي بعني شاةً من هذا الغنم، قال: إنّي مملوك، قال له اختباراً: قل لسيّدك أكلها الذئبُ، فقال الراعي: فأين الله ؟
هذه ليس لها حلٌ، الآن مستعد أن يحلف يميناً كذباً غموساً حتّى يأخذ الدكّان، اختلف الوضع، فقد قال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم: آية " 59 " )
قد لقي المسلمون ذلك، كان السلف الصالح يقول: ألف غلبة ولا قلبة، أما الآن يقولون: ألف قلبة ولا غلبة، كان السلف الصالح يقول: المنيّة ولا الدنيّة، الآن يقولون: الدنيّة ولا المنيّة.
شاعر دخل السجن في عهد عمر لأنّه قال لرجل: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
***
هذا شعار كلّ إنسان في آخر الزمان.
البنت التي أرادت أن تنصح أمُّها عندما أقدمت على خلط الحليب بالماء في عهد عمر، وقالت الأم: إنّ عمر لا يرانا يا بنيّتي. فقالت: إنّ ربّ عمر يرانا، هذه التقوى.
غرس تقوى الله في نفوس أبنائنا:
أيُّها الأخوة، المربي أهمّ وظيفة له، المربّي أو الأب إذا أراد أن ينشّئ أولاده تنشئةً اجتماعيّةً عليه أن يغرس فيهم تقوى الله، أي الخوف من الله.
قد يسأل سائل: كيف نخاف من الله ؟ الجواب: يجب أن تؤمن أنّه يعلم وسيُحاسب، أن تؤمن باسم الله العليم، واسم الله القدير، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾
( سورة الطلاق: آية " 12 " )
أي إذا أيقنت أنّ الله يعلم وسيحاسب وهو قدير لا بدّ من أن تستقيم على أمره، لأنّك إن أيقنت أنّ إنساناً من بني جلدتك، من بني البشر، يحاسب ويقدر أن يوقع بك الأذى لا يمكن أن تعصيه أبداً، فكيف بخالق الكون ؟
طبعاً البحث طويلٌ، موضوع التقوى هو الدين كلُّه في الحقيقة، ولكن كلما غرست في نفس ابنك أنّه لا بد من أن يأتمر بأمر الله وإلا سيكون الثمن باهظاً، لا بد من أن ينتهي عن ما نهى الله عنه وإلا الثمن باهظ، إذا غرست في قلب ابنك أو تلميذك الخوف من الله انتهى كلّ شيء، فطبّق منهج الله فسعد وأسعد.
الأخوة الإيمانيّة تعني أن يشعر المسلم أنّه أخٌ لكلِّ مسلم:
العامل الثاني في التربية الاجتماعيّة موضوع الأخوة الإيمانيّة، فالعجب العجاب أنّ الإسلام ممتدّ الرقعة يشغل الآن معظم بعض القارّات، والعدد يزيد على خُمسِ سكّان العالم، لكن معنى الأخوة الإسلاميّة غير واضحٍ، أي أن توجد الخصومات والعداوات، حتّى بين من يعملون في الحقل الدينيّ، إلا أنّ الأخوة الإيمانيّة تعني، أن يشعر المسلم أنّه أخٌ لكلِّ مسلم، أخ بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى، إذا شعرت أنّك أَخٌ لأخيك لن تأكل ماله، لن تنال من عرضه، لن تحقره، لن تسلمه، لن تغتابه، لن تؤذيه أبداً، أشعِره أنّه أخ أقرب لك، إذا وجدت أسرةً متماسكةً جداً فكيف يكون شعور الأخ تجاه أخيه ؟ يتمنّى له كلّ خير، أولاً قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 10 " )
هذا التركيب اسمي أم فعلي ؟ أجيبوني، اسمي، ما معنى التركيب الاسمي ؟ إذا قلت: دخل أخٌ إلى الحرم، هذا التركيب فعلي، إذا قلت: فلان طويل، هذا التركيب اسمي فماذا يعني التركيب الاسمي ؟ يعني: الثبات والاستمرار، وماذا يعني التركيب الفعلي ؟ يعني: الحدوث والانقطاع.
العلاقة بين المؤمنين علاقة ثابتة ودائمة وأبديّة:
ربّنا عزَّ وجلَّ وصف العلاقة بين المؤمنين بجملةٍ اسميّة، أي أن هذه العلاقة ثابتة ودائمة وأبديّة قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (10) ﴾
(سورة الحجرات: آية " 10 ")
ما لم تشعر بهذه الأخوة فلست مؤمناً، وينبغي أن لا تنتمي إلى بعض المؤمنين، ولا إلى جماعةٍ، بل إلى مجموع المؤمنين، كُّل من عرف الله عزَّ وجلَّ وطبّق منهجه وسعى للدار الآخرة فهو أخوك حقّاً، لذلك قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 215 " )
والآية الثانية:
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الحجر: آية " 88 " )
الفرق بينهما الخصوص والعموم، أي تعليم، بالتبعيّة نحن نتعلّم، يجب أن تشعر بالأخوة تجاه كلّ مؤمنٍ على وجه الأرض كي تكون مؤمناً، وإلا فلست بمؤمن قال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخواناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 103 " )
نصوص من السُّنة الشريفة عن الأخوة في الله:
والله أيُّها الأخوة هذا الحديث الذي سأتلوه على مسامعكم لا أشبع منه:
(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمُه وماله وعرضه، التقوى ها هنا. وأشار إلى صدره الشريف ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
معنى العرض: موطن المدح والذمّ في الإنسان، أي أربى الربا أن تستطيل في عرض أخيك المسلم، تتكلّم عنه كلاماً غير صحيحٍ فقد بهتّه بقولك، ولو كان صحيحاً فقد اغتبته:
(( لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ))
[ متفق عليه عن أنس]
نصوص سهل علينا جداً أن نقرأها، وسهل أن نستمع إلى شرحها، لكنّ البطولة أن تعيشها، أن تحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه.
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، واللفظ لمسلم ]
وروى مسلمٌ في صحيحه أنّ الله تعالى يقول يوم القيامة:
(( أين المتحابّون في جلالي ؟ اليوم أُظِلُّهم في ظِلّي يوم لا ظِلّ إلا ظلّي ))
[ رواه أحمد عن أبي هريرة ]
أجمل ما في الحياة أن تنعم بأخ لك في الله يبادلك الود والوفاء والإخلاص:
أيُّها الأخوة الكرام، والله أنا العبد الفقير حينما أرى الأخوة الكرام متعاونين، ومتحابّين، ومتماسكين، ويدافع بعضهم عن بعض، ويعاون بعضهم بعضاً، والله أشعر أنّ الله يحبُّنا جميعاً، وحينما أرى من بعضهم الحسد، والغيرة، والعداوة، والبغضاء، والطعن، والازدراء والله أشعر أنّ كلّ عملنا يحبطه الله عزَّ وجلَّ، وأنّ يدَ الله مع الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار، عليكم بالجماعة، عليكم بالأخوة الصادقة.
والله لا أُبالغ إنّ أسعد ما في الحياة أن تنعم بأخٍ في الله يبادلك الود والوفاء والإخلاص والتعاون، وأنت قويٌ بأخيك والحياة بلا أُخوّة والله موحشة، الحياة لا تعاش بلا أخ في الله، كما أنّها لا تعاش بلا قيم فأجمل شيء في هذه الحياة أن ترى أخاً إلى جانبك، معك في السرّاء والضرّاء، واثقاً منك، يدافع عنك، يعينك.
نماذج من مجتمع الصحابة الكرام، روى الحاكم في المستدرك أنّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث بثمانين ألف درهم إلى عائشة رضي الله عنها وكانت صائمة وعليها ثوبٌ خَلِق، فوزّعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين ولم تبقِ منه شيئاً، فقالت لها خادمتها: يا أُمّ المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهمٍ تفطرين عليه ؟ ‍قالت: يا بنيّتي لو ذكّرتني لفعلت.
ثمانون ألف درهم أنفقتها على الفقراء والمساكين ونسيت نفسها، الآن معظم الناس يعيشون لذاتهم، كلّ نشاطه من أجل مصالحه الشخصيّة، لكن والله لا نسعد إلا إذا أسعدنا الآخرين، والله قد حدّثني طبيب قال لي كلمة أثّرت في نفسي: والله حينما أُجري عمليّة، أقسم بالله، وتنجح هذه العمليّة نجاحاً باهراً، وأرى البسمة والسعادة على فمّ أو على وجه المريض وأهله وأولاده من حوله، والله أشعر أنّي ملكت الدنيا.
والله المؤمن الصادق إذا أدخل السرور على قلب أخيه المؤمن، حلّ له مشكلته، أو أعانه في موضوع معيّن، أزاح عنه كآبة، نفّس عنه كُربة، يشعر بحاله قد صار في السماء، فقد قال لي أخ صديق: أنا كنت أقود سيّارتي قادماً بها من الزبداني إلى دمشق في أحد أيّام الصيف، في الساعة الثانية عشرة ليلاً كان في دمّر، فرأى امرأة تحمل صغيراً وإلى جانبها رجل وكأنّهما في قلقٍ وحيرة، فأوقف سيّارته وقال لهم: أية خدمة ؟ كانت حرارة الطفل 41 درجة مئويّة، وهذا الزوج والزوجة غريبان عن البلد أثناء أحداث لبنان، فأخذهما إلى طبيب، ثمّ إلى مستشفى من أجل الحقن، وقال لي: وما انتهيت من عملي إلا في الساعة الرابعة من فجر ذلك اليوم أي أربع ساعات، ويقسم هذا الأخ الكريم أنّه بقي أسبوعين مغموساً في سعادةٍ لا توصف.
نماذج من المجتمع الإسلامي عن الأخوة في الله:
قال النبيّ الكريم:
(( الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[رواه أبو يعلى عن ابن مسعود]
إنّك لا تعرف لو أنت قدّمت وعاونت أخوانك أو عاونت البشر جميعاً، أو عاونت حتّى المخلوقات العجماويّة، كم تسعد ؟ السيّدة عائشة أعطت ثمانين ألف درهمٍ ووزّعتها على الفقراء والمساكين، ونسيت نفسها وهي صائمة.
روى الطبرانيُّ في الكبير أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أخذ أربعمئة دينار فجعلها في صُرّةٍ وقال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، ثمّ تشاغل في البيت ساعةً حتّى تنظر ماذا يصنع ؟ فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال أبو عبيدة: وصل الله عمر ورحمه، ثمّ قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتّى وزّعها كلها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتشاغل في البيت ساعة حتّى تنظر ماذا يصنع ؟ فذهب بها إليه فقال الغلام: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ وقالت له: نحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرّ بذلك فقال: إنّهم إخوةٌ بعضهم من بعض.
أخ من أخواننا الكرام له باع طويل في الأعمال الصالحة حدّثني قبل يومين قال لي: قبل اثنين وعشرين عاماً كنت ذاهباً إلى بيتي الساعة الثانية عشرة ليلاً رأيت سيّارة كبيرة فيها حاجات منزل، شيء يلفت النظر، فالإنسان ينتقل في النهار وينقل حاجاته في النهار، فلماذا في الليل في الساعة الثانية عشرة ؟ قال: تقدّمت من سائق السيّارة فعرفته، فسألته: ما القصّة ؟ قال: والله رجل أُخلي من بيته ونفّذ الحكم فيه، وليس له بيت، فهذه أغراضه نقلناها إلى بيتِ أهل زوجته والبيت صغير جدّاً لا يتّسع لها، يقول هذا الأخ الكريم وأقسم بالله لي: أنّه في هذه الليلة ما ذاق طعم النوم، إنسان حكم عليه بالإخلاء، وحاجاته كثيرة وليس لها مكان، أين ينام ؟ أين تنام زوجته ؟ أين ينام أولاده ؟ قال لي: في الليل فكّرت إن فلاناً غني وفلاناً وفُلاناً، فكتب ثمانية أسماء، وفي اليوم التالي ذهب إليهم واحداً تلو الآخر وأخذ من كل واحدٍ منهم خمسة آلاف، والقصّة قديمة جداً، فأصبح المجموع أربعين ألفاً، وقد جمعهم في نصف ساعة، ذهب إلى دكّانه وكان عنده شخص يأتيه أحياناً فقال له: هل حولك بيتٌ في المهاجرين ؟ لأنّ الشخص مُخلى في المهاجرين، فقال له: نعم فقد حضرنا أمس بازار بيتٍ ودفع ثمناً له تسعة وثلاثين ألفاً ولم يرض صاحبه فهو يريد أربعين ألفاً، ولكن البيت ممتازٌ، فقال له: قم وخذني إليه الآن، ذهب إليه فقال له صاحب البيت: أقلّ من أربعين ألفاً بليرة لن أبيعه، فقال له: هذه أربعون ألفاً واكتب عقد البيع القطعي، كتب العقد وأُخذ المفتاح، وذهب للذي أُخلي من بيته، وقال له: اذهب إلى هذا البيت وهذا مفتاحه وهذا عقد شرائه، طبعاً الذي باع البيت عندما علم بالقصّة دفع خمسة آلاف، أرجعها من ثمن البيت، قال لي: في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، حوالي اثنتي عشرة ساعةً كانت قد حُلّت القضيّة.
فتح أصحاب النبي الكريم العالم بالرحمة التي في قلوبهم:
عندما يرى ربّنا عزَّ وجلَّ أنّ الإنسان يحبّ أخوانه ويحبّ أن يخدم الناس فالله يعينه، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، إذا كان في قلب الإنسان رحمة وأراد أن ينفع الناس، الله يمكّنه من نفعهم، يعطيك، لأنّه إذا أراد ربُّك إظهار فضله عليك، خلق الفضل ونسبه إليك، طبعاً سيّدنا عثمان بن عفّان الذي قال عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم.
سيّدنا عثمان بن عفّان في عهد عمر أصاب الناس قحطٌ وشدّة، وكانت قافلة من الشام مكوّنة من ألف جمل عليها من أصناف الطعام واللباس، وحينما وصلت تراكض التجّار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة فقال لهم: كم تعطونني ربحاً ؟ قالوا: خمسة في المئة، هذا عقد مرابحة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا: ما نعلم في التجّار من يدفع أكثر من هذا الربح ؟ قال لهم عثمان: إنّي وجدّت من يعطيني على الدرهم سبعمئة، إنّي وجدت الله عزَّ وجلَّ يقول:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾
( سورة البقرة: آية: "261 " )
أُشهدكم يا معشر التجّار أنّ القافلة، وما فيها من بُرٍ ودقيقٍ وزيتٍ وسمنٍ قد وهبتها لفقراء المدينة وأنّها صدقةٌ على المسلمين.
ماذا يعني ألف جمل ؟ أي ألف شاحنة، فهل ألف شاحنة عدد قليل ؟ أحياناً تكون مسافراً تجد مجموعة شاحنات حوالي الخمسين كلّهم، وتمشي بجوارهم ولا ينتهون، فما قولك بألف جمل، وسيّدنا عثمان كان من كبار أغنياء الصحابة، بماذا فتح أصحاب النبيّ العالم ؟ بهذه الرحمة التي في قلوبهم، ولو تراحمنا لرحمنا الله عزَّ وجلَّ.
الدين المعاملة:
توجد قصص مؤلمة جداً، كلّها قسوة، وتوجد قصص تنعشنا فيها رحمة، وهذه البلدة بلدةٌ طيّبة لا تخلو من أهل الخير.
(( لقد أتى علينا زمانٌ وما أحدٌ أحقُّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ))
[البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما]
أعرف بعض الأخوة الكرام لهم أخ فقير طالب علم، لم يجد عملاً، قاموا بزيارته، وطلبوا منه أن يشربوا، ذهب لإحضار الماء إليهم فوضعوا في جيبه بعضاً من المال ودون أن يشعر، ولا يدري من أين هذا المال ومن أين جاءه ؟ لم يقطعوه أبداً.
هل لنا أعمالٌ كهذه، هل كان أخوك بحاجة فعاونته وأمددته بالمال، الحقيقة الدين هكذا، الدين المعاملة.
يوجد عندنا شيء آخر، فأوّل شيء: يجب أن تغرس تقوى الله في نفس ابنك أو تلميذك، والشيء الثاني: يجب أن تغرس فيه الأخوة الصادقة مع أخوانه المؤمنين، فأنت عضو في جماعة، أنتم أُسرة واحدة ويؤكّد هذا أنّ فاطمة الزهراء رضي الله عنها طلبت من النبيّ خادماً لها فمن هو النبي ؟ سيِّدُ هذه الأمّة وأعلى إنسان فيها، أقوى إنسان، أي أنّه بإمكانه أن يعطيها أكبر بيتٍ وجيشاً من الخدم، فماذا قال لها ؟ قال: والله يا بنيّتي لا أؤثرك على فقراء المسلمين.
معنى ذلك أنّ النبيّ عدّ المسلمين أُسرة واحدة، ولم يعطِ فاطمة شيئاً يزيد على فقراء المسلمين، قال: والله يا بنيّتي لا أؤثرك على فقراء المسلمين، لهذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم.))
[رواه الطبراني عن ابن عباس]
حجم رحمتك بحجم اتصالك بالله:
في الحقيقة قد يسأل سائل: الأخذ فيه لذّة، والعطاء فيه لذّة، فافحص نفسك إذا كنت تسعد بالعطاء فأنت من أهل الآخرة، وإذا كنت تسعد بالأخذ فقط فأنت من أهل الدنيا، والمؤمن الصادق يسعد بالعطاء.
الشيء الثالث في التربية الاجتماعيّة: أن نغرس في نفوس أبنائنا أو طلاّبنا الرحمة، وكما أقول لكم دائماً إذا وجد للرحمة مؤشّر، وللإيمان مؤشّر، هذان المؤشّران يتحرّكان معاً، فمؤشّر الرحمة يتحرّك مع مؤشّر الإيمان، فأنت ترحم الناس بقدر ما في قلبك من الإيمان، وكلّما ضعف الإيمان ضعفت الرحمة، فإذا أردت أن تعرف مستوى إيمانك فانظر إلى الرحمة التي في قلبك.
سأستدرك عليكم هذه الحقيقة، فالرحمة ليست لأولادك فهذا شيء بديهي وفطرت عليه وقد أودعه الله فيك كي تستمرّ الحياة، فأي أم فاسقة أو فاجرة أو مستقيمة أو مؤمنة، متعلّمة أو جاهلة، مثقّفة أو غير مثقّفة، الأم أم، لكن الذي أتحدّث عنه لا أن ترحم أبناءك، بل أن ترحم الناس جميعاً، الرحمة العامّة، طبعاً هذه الرحمة تقتبس من الله في أثناء الاتصال به، فأنت رحيم بقدر اتصالك بالله عزَّ وجلَّ، أي أنّ حجم رحمتك بحجم اتصالك بالله:
((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))
[رواه الترمذيّ وأبو داوود أحمد عن عمرو بن العاص ]
الحديث الآخر المخيف يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً في ما رواه الإمام الترمذيّ وأبو داوود، فكلّما كانت القسوة موجّهة إلى إنسان ضعيف فالجرم أكبر، أي أنّ المرأة ضعيفة أحياناً فممكن أن تضربها ضرباً مبرحاً، أو أن تطردها من البيت ليلاً ولا أحد معها، فمعنى ذلك أنّ الإيمان معدومٌ، صفرٌ، المؤمن رقيق القلب، لا يحتمل أن يرى مشقّةً على إنسان، والحديث الثالث الدقيق رواه الإمام الطبراني:
(( لن تؤمنوا حتّى تراحموا. قالوا: يا رسول الله كُلُّنا رحيم. قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمةُ العامّة ))
[رواه الطبراني عن أبي موسى ]
من لا يَرْحم لا يُرحم:
أنت رحمتك ليست لابنك، بل للصانع الذي يعمل عندك في المحل، هل ترحمه وتريحه قليلاً من مشقّة العمل، هل تعطيه شيئاً من حقوقه ؟ هل تسمح له بأن يدرس ؟ أم تقول: إذا تعلّم الصانع يهرب من عمله، خيراً إن شاء الله، لماذا تريد أن يكون ابنك طبيباً وتعطيه دروساً خاصّة بثلاثين ألف ليرة، لا شيء عليك فهذا ابنك، إذا كان عندك إمكانيّة ترحم ابنك فقط وتقسو على الناس، إذاً أنت لست مؤمناً على الإطلاق ضع عباداتك بالحاوية وارتح، فما معنى مؤمن ؟ معناها أن يكون عندك رحمةٌ على الناّس كرحمتك على أولادك، هل عندك استعداد أن تعامل زوجة ابنك كابنتك في البيت ؟ إذا فعلت فأنت مؤمن، هل ترحمها وتقدّر ظروفها، تتغافل عن أخطائها، وتحسن الظّن بها، أم يكون حساباً عسيراً لزوجة الابن وتسامحاً لابنتك، فهذا الكلام ليس معقولاً، معنى ذلك لا توجد رحمةٌ إطلاقاً.
أخواننا الكرام حتّى لا يضيّع أحد وقته فليمتحن نفسه بالرحمة، فإذا لم توجد الرحمة فالطريق إلى الله مسدودة، إن لم ينفطر قلبك لرؤية منظر البؤس والشقاء والحرمان وأنت تعيش في بحبوحة فو الله ليس لك عند الله شيء، إلى أن تعطي، إلى أن ترحم، إلى أن تقدّم من ذات نفسك، لو أنّ المسلمين الذين كانوا في عهد النبيّ فعلوا كما يفعل النّاس اليوم، تجد شابّاً يتلوّى على غرفة ليتزوّج فيها، وتجد بالمقابل سبعمئة ألف بيتٍ مغلقاً، تجد قصراً أو فيلا في منطقة اصطياف كلّفت ثلاثين مليوناً من أجل أسبوعين فقط، وثلاثين ألف شابٍّ يتمنّون غرفة خارج دمشق ولا يجدون.
إذا لم نتراحم فالمشكلة ستصبح كبيرة جدّاً، الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي، فمن حرم مالي عيالي أذقته عذابي ولا أُبالي.
إذا لم نتراحم ونُؤمّن أولادنا وشبابنا، وزوّجناهم، وأمّنا الأعمال لهم وتساهلنا قليلاً، فقد ذكرت لكم مرّةً عن بنتٍ وقفت أمام أبيها وهو في النزع الأخير وقالت له: حرََمك الله الجنّة كما حرمتني من نعمة الأولاد، لم يكن يوافق على أي زوج يتقدم لها، فهو يريد زوجاً يفتخر به، فلم يجد ذلك الزوج فبقيت ابنته عانساً، فالأب يجب أن يرحم ابنته، وأن يرحم أولاده، يرحم من يعمل لديه في المعمل، أو إذا عنده موظّفون في المحل التجاري، فهذا إنسان له مشاعر ويحتاج إلى أشياء أساسيّة، تقول: يكفيه ما أعطيه من المال، فهل يكفيك أنت هذا الراتب ؟ قال لي أحدهم: والله أنا أشتري لصاحب العمل باليوم ما يساوي معاشات سنة، يعطيه معاشاً ثلاثة آلاف في الشهر، وأنا موكّل بشراء الحاجات له، فأنا أشتري له في يومٍ واحدٍ ما آخذه منه في عامٍ، فإذا الإنسان لم يرحم فالله لا يرحمه، كن منصفاً ورحيماً فالمكسب أن تكسب أخاك، فأخوك هو المكسب.
المغفرة ليست على حجم العمل بل على حجم النوايا:
هل تصدّقون أنّ امرأةً بغيّاً قد غفر الله لها لأنّها سقت كلباً، رحمت كلباً يأكل الثرى من العطش، قالت: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل ما بلغني، نزلت البئر وملأت خُفّها ماءً وسقت الكلب، فغفر الله لها، قد تقولون: هل يعقل ذلك ؟ المغفرة ليست على حجم العمل بل على حجم النوايا، فلقد رقّ قلبها لهذا الكلب فسقته، فكانت توبتها بهذا، وعند الله الصلحة بلمحة.
بالمقابل امرأةٌ حبست هرّةً حتّى ماتت، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، هذه المرأة استحقّت النار.
(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر رضي الله عنهما ]
رأى عمر رجلاً يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له سيّدنا عمر: ويلك، قُدها إلى الموت قوداً جميلاً، أحياناً تجد بعض القصّابين قاسياً جدّاً يسحب الشاة من رجلها ورأسها على الأرض ليذبحها، ويقول: سنذبحها وإن تألمت.
عندما رأى النبيّ عليه الصلاة والسلام رجلاً يذبح شاةً أمام أُختها وبّخه، وقال:
هلاّ حجبتها عن أُختها أتريد أن تميتها مرّتين.
من نماذج الرحمة التي في قلب المسلمين، كلّكم تعرفون سيّدنا صلاح الدين، جاءته امرأةٌ من العدو فقدت وليدها، فوقف ولم يجلس حتّى عاد وليدها فهي أم وإن كانت عدوة.
أيُّها الأخوة الكرام، من أمثلة الرحمة التي كانت في قلوب المسلمين ولعهم بالأوقاف الخيريّة، فمثلاً ماذا تعني كلمة المرجة ؟ كانت هذه الأرض مرجاً من الحشائش وكان المرج وقفاً لكلّ دابّةٍ مريضة تأكل وتشرب وتستريح، كذلك كان يوجد وقفٌ للكلاب الضّالة توضع في أماكن مخصوصة للرعاية استنقاذاً لها من عذاب الجوع حتى تستريح بالموت، وقف الأعراس، كان بعض رجال الخير يقفون ثياباً فخمة وحلياً للفقيرات حين الزواج، فترتدي أفخر الثياب وأجمل الحلي، وهذه تنتقل من فتاة إلى فتاة، وقف العصرونيّة كان كلّ غلام أو خادم سيده قاسٍ جدّاً، وكُسِر معه إناء فيأخذ قطعةً من الإناء المكسور للوقف فيعطوه إناءً جديداً وبذلك قد حُلّت مشكلة، فأحياناً كسر آنية يسبب مشكلةً كبيرة جدّاً.
توجد أوقاف كثيرة منها: إطعام الجياع، وسقاية الظمآن، وكسوة العاري، إيواء الغريب، ومعالجة المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميّت، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، ومواساة العاجز، والآن في الحقيقة عندنا مشاريع طيّبة جداً، فأنا في رمضان الماضي قد زرت ميتمين، والله شيء يدعو للفخر، وشيء جميل جدّاً، بناء حديث وأسرّة، وقاعات للطعام، وللتدريس، فيتلقّى هذا اليتيم أعلى درجةٍ من العناية , ويوجد أهل خير كثيرون، وهذا دليل الرّحمة فإذا نحن تراحمنا فالله يرحمنا جميعاً , وإذا لم نتراحم نستحقُّ سخط الله جميعاً.
أساس التربية الاجتماعية التقوى والأخوة الإيمانية والرحمة:
أيُّها الأخوة درس اليوم التربية الاجتماعيّة أساسها التقوى، وأساسها الأخوة الإيمانيّة، وأساسها كذلك الرحمة، فإذا توافرت التقوى أي طاعة الله، وأن يقف الإنسان عند أمر الله ونهيه، وأن يشعر بأُخوّته للمؤمنين، وأن يكون قلبه رحيماً، فشيء طبيعيّ جدّاً أن ترى الحياة الاجتماعيّة قطعةً من الجنّة، لذلك فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
لا تقل: إنّ كلّ الناس قد فسدوا، فمن قال هلك النّاس فهو أهلكهم، لا فالبُنية بخير، والله يوجد أُخوة كرام وطيّبون ينفقون أموالهم بالليل والنهار ـ وأعرف ذلك ـ ومتواضعون، ولا يحبّون أن يعلم بهم أحد، هذه بلدةٌ طيّبة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ))
[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]
(( الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة، ومن دخلها من غيرها فبرحمة ))
[الجامع الصغير عن أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد ضعيف]
(( فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ ))
[ رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي الدرداء]
طوبى لمن له فيها مربط شاة، فنحن بخير والحمد لله، لكن يجب أن ننمّي هذا الخير، ننمّي العلاقات، ننمّي الأخوة، أن نزيد اتصالنا بالله عزَّ وجلَّ حتّى تزداد الرحمة في قلوبنا، حتّى نتراحم، هذا الذي أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً عندكم.
لا زلنا في موضوع التربية الاجتماعيّة، وهناك موضوع الإيثار نبحثه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وموضوع العفو، وموضوع الجرأة، وهذه كلُّها تحت موضوعٍ واحد، غرس الأسس النفسيّة للطفل حتّى يكون أهلاً لأن يعيش الحياة الاجتماعيّة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علّمنا، وأن يُلهمنا تعليم النّاس الخير.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 2 )الايثار - العفو - الجراة






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في موضوع التربية الاجتماعيّة، أو مسؤوليّة الأب عن ابنه في موضوع التربية الاجتماعيّة. المؤمن يتمتّع بالإيثار وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة:
قد تحدّثنا عن خصائص هذه التربية وهي أن يغرس الأب أو المربّي في نفس ابنه الأخوة الصادقة، والرحمة، والتقوى، والآن ننتقل إلى موضوعاتٍ أُخرى متعلّقةٍ في التربيّة الاجتماعيّة، من هذه الموضوعات الإيثار
أيُّها الأخوة، إمّا أن تؤثر، إما أن تتمتّع بالإيثار، أو بالأَثَرة، الأثرة: الأنانية. لكنّ الأنانيّة مصدر صناعي غير صحيح.
لأنّ أيّ كلمة في اللغة العربية يمكن أن نضيف إليها ياء النسبة، فتصبح مصدراً مثال ذلك: شعب، شعبيّة، كتاب، كتابيّة، لكن لا يصاغ من الأدوات مصادر مثل: أنا، أنانيّة، هذه الكلمة غلط شائع، أو غير، غيريّة، الصواب: الأنانيّة صوابها الأثرة، والغيريّة صوابها المؤاثرة.
بادئ ذي بدء، المؤمن من صفاته الأساسيّة الإيثار، يؤثر أخاه المؤمن في كلّ شيء، وإذا أردْت أن تفرّق بين المؤمن وغير المؤمن، فالمؤمن يتمتّع بالإيثار، وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة، أي بأبسط حالة الكبيرة له ويأخذها، السرير بجوار النافذة له، المقعد إلى جنب النافذة بالسيّارة له، فدائماً يختار أحسن شيء، ويسبق إليه، المؤمن دائماً يفضّل أخاه عنه، فإن أردْت صفةً ثابتةً في المؤمن هي المؤاثرة، لأنّ الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
لو تتبّعت تاريخ الصحابة الكرام، لوجدْت أنّ كلّ أصحاب رسول الله يتمتّعون بهذه الصفة بل هي صفة المؤمنين عامّةً لكن هناك نقطة دقيقة جدّاً، لا مؤاثرة في الخير، والخير كلُّه في المؤاثرة، احفظوا هذه القاعدة السابق ذكرها أي أن تؤثر إنساناً على طاعة الله فهذه المؤاثرة مرفوضة، أن تؤثر كائناً من كان على طاعة الله، من أجل فلان من النّاس تركت الصلاة حتّى لا أُزعجه، هذا كلُّه مرفوض، من أجل أن أُرضي أمّي طلّقت زوجتي، لا، هذه ليست مؤاثرة، فالمؤاثرة لا يمكن أن تقبل إذا آثرت مخلوقاً وعصيت خالقاً، إذا آثرت مخلوقاً على حساب مخلوق آخر، آثرت مخلوقاً فأكرمته، وأسأت إلى مخلوقٍ آخر، هذا الإيثار مرفوض، فدققوا: لا مؤاثرة في الخير.
لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة:
أنا سأجلس مع هذه الفتاة من أجل أن أهديها إلى الله، أنت جالس في معصية، هذه ليست مؤاثرة، آثرتها على ربّك ؟ لها ربُّها، هناك أُناسٌ كثيرون يتوهّمون أنّهم يؤثرون وهم في الحقيقة مع الشيطان لأنّه قيل: دع خيراً عليه الشرُّ يربو، والقاعدة الشرعيّة تقول: ترك المفاسد مقدّمٌ على جلب المنافع، أريد أن أوضّح هذه القاعدة: لا مؤاثرة في الخير، أي لا يمكن أن يُقبل منك عملٌ تحابي به إنساناً على حساب طاعتك لله، أو على حساب اتصالك بالله، أو على حساب مرضاة الله، أو على حساب إقامة أمر الله، لا مؤاثرة في الخير.
أخوان قال أحدُهما: أنا لن أُقدّم خدمات لأُمّي حتّى أُفسح المجال لأخي أن يفعل ذلك فيرقى عند الله، هذا كلامٌ مضحكٌ، لا مؤاثرة في الخير، لا ينبغي أن تؤثر أحداً في مرضاة الله، وفي طاعة الله وفي القرب من الله، وفي إقامة أمر الله، لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة، أي أنّ الصفة الأساسيّة في المؤمن أنّه يؤثر.
مثلاً اثنان في سفر، المؤمن الصادق يعطي أفضل محل لأخيه، وأحسن سرير لأخيه، يقوم ويعمل ويقدِّم لأخيه، وبالتعبير الحديث: المؤمن يبني أي يبني حياته على أساس المؤاثرة، حتّى يرضي الله لأنّك إن آثرته فسيؤاثرك هو كذلك، ويصبح التنافس بالمؤاثرة لا بالأثرة، لا بدّ من تنافس، إمّا أن يقوم التنافس على المؤاثرة، وإمّا أن يقوم على الأثرة، وشتّان بين المتنافسين.
لو فرضنا على الطعام في مودّة، أي هذه القطعة الطيّبة من الخبز قدمها إلى أخيك، وهو كذلك بشر من لحم ودم فسيقدّم اللحم لك، قدّم له المكان المريح وأجلسه فيه، أي أنّك إذا أردت أن يرضى الله عنك فاجعل حياتك قائمةً على المؤاثرة.
الأثرة صفةٌ شهوانيّة لكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة:
إذا عوّدت أولادك أو تلاميذك أو من عندك في العمل أن يؤثر بعضهم بعضاً فأنت في خير، هذا هو الإيمان.
لكن إيّاك أن تفهم المؤاثرة على أن تؤثر أخاك وتعصي ربّك، أن تؤثر مخلوقاً وتعصي خالقاً، هذه مرفوضة، واحفظ هذه القاعدة: لا مؤاثرة في الخير، والخيرُ كلُّه في المؤاثرة.
سبحان الله عندما تكون المؤاثرة موجودة، تجد المحبّة موجودة، أينما جلست فدائماً قدّم أخاك على نفسك، ميّزه على نفسك، وعندما يختار الإنسان أحسن شيء، أحسن محل، وأحسن سرير، وأخذ الكبيرة سلفاً ووضعها بجواره وأمّن عليها هذا الإنسان مكروه، و يسمّونه أنانياً، أو يتمتّع بالأثرة، والأثرة صفةٌ شهوانيّة، ولكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة.
لا تنسَ أنّ الله سبحانه وتعالى أثنى على أصحاب رسول الله بآيةٍ كريمةٍ تتلى إلى يوم القيامة قال:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فهل كان لك صديق مؤمن في ضائقة ماديّة ذات مرّة وقدّمت له شيئاً من المال وأنت في أمسِّ الحاجة إليه ؟ هكذا يكون المؤمن، هل حاولت أن تؤاثر أخاك بشيء ثمين ؟ والله أعرف شخصاً له بيتٌ هيّأه للزواج وله أخ، فوجد أنّ أخاه أكثر حاجةً منه لهذا البيت، فأخوه متزوّجٌ وأُخلي من بيته وعنده أولاد، قال له: تعال وخذ هذا البيت، هل من المعقول أنّ الله عزَّ وجلَّ يضيِّع هذا الإنسان ويجعله بلا بيت ؟ ولكنه عملٌ يتطلّب الإيمان.
ابنِ حياتك على المؤاثرة وعلّمها لأولادك:
ابنِ حياتك على المؤاثرة، وعلّم أولادك المؤاثرة، فإذا لاحظتهم آثر بعضُهم بعضاً، فأثن ِعليهم وكافئهم، فمن يقدّم المحل الجيّد لأخيه، والأكلة الطيّبة لأخيه، أصبح البيت جنّة، تجد البعض أحياناً يتقاتلون ويتنازعون على قطعة من الحلوى، هذه لي، وهذه لك، فأنت إذا كنت بطلاً فعلّم أولادك أن يتشاحنوا على المؤاثرة لا على الأثرة، هذه لك فيعطيه الأحسن، ففي الآية السابقة التي ذكرناها قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
الله يقدّر، فكيف يقدّر ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ (20) ﴾
( سورة المزمل: " آية 20 " )
يقدّر كلّ شيء، يقدّر حجم تضحيتك، يقدّر شدّة احتياجك لهذا الشيء وقدّمته لأخيك، يقدّر أنّك بضائقة ماليّة شديدة، ومعك الخمسة آلاف فقط وأخوك على وشك الزواج فقدّمتها له، فالله يقدّر ويكافئ، وما أجمل مجتمع المؤمنين كلٌ منهم يؤثر أخاه وفي النهاية الله عزَّ وجلَّ يكافئ الجميع.
بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله:
هذا الإيثار الطوعي، التعاطف الاجتماعي، يتجلّى في أخلاق المؤمنين، والحقيقة لا تظن أن المؤمن هو الذي يصلّي ويصوم ويؤدّي الشعائر التعبُّديّة، المؤمن الحق هو الذي تجده في المؤاثرة، في البذل، فالله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾

( سورة آل عمران: آية " 133، 134 " )

ألا يلفت نظركم أنّ الله عزَّ وجلَّ بدأ بصفة الإنفاق ؟ لأنّ الإنفاق فيه بذل، الإنفاق يؤكَّد الإيمان، البذل والتضحية تؤكّد الإيمان، أمّا الكلام يظلَّ كلاماً، والمواقف غير الإيجابيّة أي السلبيّة هذه لا تؤكّد الإيمان في النفس.
الآن إليكم بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، ذكر الغزَاليُّ في الإحياء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أُهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأس شاةٍ فقال: فلان أَحوج إليه منّي، فبعث به إليه، فبعثه هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتّى رجع إلى الأوّل بعد أن تداوله سبعة.
أي لو فرضنا قطعة لحم جاءتك فقل: والله فلانٌ أحوج منّي، وأرسلتها له، وفلان قال: فلان أحوج منّي، إذاً يوجد إيمان، فالله عز وجل يرضى عن هؤلاء المؤمنين.
أذكر قصّة أنَّ أصحاب النبيّ رضوان الله تعالى عليهم كانوا في سفر وكانوا جائعين، وقفوا عند خيمةٍ ما عندهم إلا خبز، وبكمّية قليلة، فارتأى أميرهم أن يقسّم الرغيف إلى قطعٍ صغيرة وأن توضع بين أصحاب النبيّ ليأكلوا، فأكلوا، وأكلوا، وأكلوا ثمَّ أضاؤوا المصباح فإذا بالطعام كما هو، كان كلّ واحدٍ منهم يتظاهر بأنّه يأكل ليفسح المجال لأخيه أن يأكل، والثاني يفعل الشيء ذاته، هذا هو مجتمع الصحابة، مجتمع الإيثار.
الإسلام مواقف فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر:
الآن تجد عند السفر للحج والكل حجيج، مئتان من الركّاب لمئتين من المقاعد بالطائرة، وتجدهم يتقاتلون على الصعود للطائرة، ولو فكّروا ثانية واحدة فالكل له مكانه، وهم حجّاج، يتنافسون، ويتدافعون، ويتضاربون أحياناً من أجل أن يصعدوا مبكّرين إلى الطائرة مع أنّه لكلّ واحدٌ منهم مكانٌ في الطائرة.
لذلك أيُّها الأخوة الكرام الإسلام ليس كلاماً، ولا ثقافةً، ولا تبجُّحاً، ولا كلاماً جميلاً هكذا يلقى، لكنّ الإسلام مواقف، فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر، آثر أخاك، إذا أردت أن توجد محبّة حقيقيّة وتتغلغل إلى أعماق الإنسان، إذا أردْت أن تشعر بعظمة الإيمان عليك أن تؤثر حتّى يشدّ الناس إليك، فالذي يؤثر النّاس يحبُّه النّاس جميعاً.
هذه زينب الأسديّة أُمُّ المؤمنين التي كانت تلقّب بأُمِّ المساكين لإيثارها ومواساتها، فقد روى ابن سعد في طبقاته أنّ برزة بنت باتع حدّثت أنّه لمّا خرج العطاء أرسل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه نصيبها منه، فلمّا دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا منّي، ظنّت أنّها كلِّفت أن تقسم هذا المال بين أخواتها، فقالوا: هذا كلُّه لك، قالت: سبحان الله واستترت منه بثوبٍ ثمّ قالت: صبّوه واطرحوا عليه ثوباً، قالت راوية القصّة: ثمّ قالت لي أدخلي يدك فاقبضي منه قبضةً فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان، من أهل رحمها وأيتامها، فقسمت حتّى بقيت منه بقيّةٌ تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أُمَّ المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا حقّ، فقالت: فلكم ما تحت الثوب، فكشفنا الثوب فوجدنا خمسةً وثمانين درهماً، من كلّ هذا المبلغ الكبير الذي جاءها من سيّدنا عمر:
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (9) ﴾
( سورة الحشر)
من أعجب مواقف الإيثار وهذا الذي لا يصدّق ما روى القرطبي، قال: ذكر العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍ لي ومعي شيءٌ من الماء، وأنا أقول إن كان به رمقٌ سقيته فإذا أنا به، فقلت: أسقيك ؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا برجل يتأوه، فأشار إليَّ ابن عمّي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت أسقيك ؟ فأشار أن نعم برأسه، فسمع آخر يتأوه، فأشار هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات، ولم يشرب أحدٌ الماء لإيثار كلِّ واحدٍ منهم أخاه وهو في آخر لحظات حياته.
الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً:
أخواننا الذين يعرفون في الطب، الجريح يشعر بحاجةٍ إلى الماء تفوق حدّ الخيال فمن الممكن أن يشتري الجريح كأساً من الماء بخمسمئة ليرة لشدّة حاجته للماء، فعندما ينحجم الإنسان يشعر بعطشٍ لا يحتمل، والحجامة شيء بسيط، فنقص الدم يسبب عطشاً كبيراً.
قرأت قصّة كانت مقرّرة في الصفّ العاشر، باخرة من البواخر العملاقة غرقت في المحيط الأطلسي، وبعض ركابها الناجين ركبوا قارباً كبيراً للنجاة، وكان يوجد فيه كميّة من الماء، نصف برميلٍ فرضاً، فأمير هذا المركب أعطى أمراً أنّ كلّ إنسان ـ لأنّه في عرض المحيط الأطلسي المسافات طويلة جدّاً، فحتّى يكفي الماء للوصول إلى الشاطئ ـ له في اليوم ملعقة ماء فقط، وكان عدد الركاب يربو عن السبعين أو الثمانين راكباً، وصل إلى الشّاطئ منهم أربعة ركّاب فقط، لأنّهم قتلوا بعضهم بعضاً من أجل الماء، فعندما يغفل واحدٌ من الركّاب يلقون به في البحر، حتّى يأخذوا حصّته من الماء، وهي قصّة واقعيّة ومشهورة جداً، وهي مترجمة، ويرويها أدباء كبار، وهي مقرّرة في الكتب المدرسيّة، ثمانون راكباً قتل بعضهم بعضاً من أجل ملعقة من الماء حتّى ينالها قبل أخيه، وقد كانوا على وشك الموت وماتوا جميعاً ولم يشربوا ماءً.
القصّة الأولى تبيّن تربية الإسلام، الإسلام لو كان كما ينبغي أن يكون بين النّاس لوجدت مجتمعاً الحياة فيه جنّة، فقد قال النبيّ الكريم:
(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
بالطبع فكلُّكم يعلم أنّ أصحاب رسول الله من الأنصار كان أحدهم يقول لأخيه المهاجر: عندي بستانان خذ واحداً منهما، عندي بيتان خذ واحداً منهما، فكان يقول هذا المهاجر: بارك الله لك في بستانك، ولكن دُلّني على السوق.
الأوّل بذل والثاني تعفّف، الآن يوجد اختلافٌ كبير بين الماضي والحاضر.
إذاً الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً، فالذي يؤثر نفسه على الآخرين هذا ليس أهلاً أن يعيش في مجتمع، أمّا الذي يؤثر الآخرين على نفسه، هذا مؤَهّل أن يكون في المجتمع محبوباً.
سلوك العفو من الصفات التي ينبغي أن يبثها الآباء في نفوس أبنائهم:
قصّة أرويها دائماً، فلاح أعطوه أرضاً، حوالي عشرين دونماً، وأساسها لإقطاعي، ولهذا الفلاح شيخ، فقال له: يا سيّدي أعطوني هذه الأرض، وهي في الأصل لفلان، فقال له: لا يجوز يا بنيّ أن تأخذها فهذه أرض مغتصبة، عليك أن تردّها إلى صاحبها، أو أن تشتريها منه، وهو فرح فرحاً شديداً، وقد أذهب له شيخه هذا الفرح بقوله له: لا يجوز، وحاول أن تشتريها منه، فذهب إليه وقال له: يا سيّدي، أعطوني عشرين دونماً من أرضك، فسألت شيخي فقال: هذه حرام، فهل تبيعُني إيَّاها تقسيطاً وسأبيع حليّ زوجتي ؟ فقال له هذا الإقطاعي: والله لقد ذهب منّي مئتا دونم ولم يأتِ أحدٌ إلي ويقول مثل ما تقول إلا أنت، فهذه الأرض هديّةٌ منّي إليك، فتملّكها هنيئاً لك.
الورع جعله يسأل، وبسبب السؤال أعطاه الله عزَّ وجلَّ إيّاها حلالاً طيّباً، فالإنسان لا يتسرّع، بل يتريّث، ويتحرّى الحلال والله موجودٌ وكريمٌ.
الآن ننتقل إلى صفةٍ أُخرى ينبغي أن يبُثّها المربّون أو الآباء في نفوس أبنائهم وهو سلوك العفو، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
كلمة خذ ماذا تعني ؟ خذ من الله، فكلّما كان الإنسان عظيماً وقال لك: خذ هذا، يعني هذا أنها قطعة من الألماس، أو سبيكة من الذهب، أو ورقة تملُّك، خذ، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
العفو شيء ثمين جدّاً، هو يرقى بالإنسان، فالمنتقم صغير، والعفو كبير، سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام ماذا فعلت به مكّة ؟ ائتمرت على قتله، أخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، ونكّلت بأصحابه، لم تدع أسلوباً يضايق النبيّ وأصحابه إلا فعلته، ثمّ فتحت مكّة وكانت في قبضة النبيّ، وكانت عشرة آلاف سيف متوهّجة تنتظر أمر النبيّ في قريش، وقال عليه الصلاة والسلام: ما تظنّون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٌ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
العفو يرقى بالمؤمنين ويزيل الأحقاد بينهم:
يوجد كاتب للسيرة بريطاني أسلم وكتب كتاباً عن سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: لا يسمّى العفوّ عفوّاً إلا بحالة خاصّة جداً، أن يكون هناك شخصٌ قد بالغ في الإساءة إليك، بالغ، ونكّل بك، ثمّ تتمكّن منه بحيث يصبح في قبضتك، عندئذٍ تعفو عنه، هذا هو العفو الذي يرقى بك، أن يكون إنسان قد بالغ بالإساءة إليك، وتمكّنت منه وهو في قبضتك ثمّ تعفو عنه، هذا هو العفو، أمّا عفو الضعفاء ليس عفواً.
العفو أيُّها الأخوة، هو الذي يرقى بالمؤمنين، هو الذي يزيل الأحقاد بينهم، العفو دائماً عظيم، وكريم، ومحبوب، وليس له أعداء، أمّا لو أنّك انتقمت من عدوٍ لك، هذا الذي انتقمت منه لا ينام الليل وهو يكيد لك، أفقدك الأمن، وأورثته الحقد بانتقامك، وأورثك الحقد أيضاً بكيده لك، فالعفو يرقى، والمنتقم يسفل، العفو كبير، والمنتقم صغير، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) ﴾
( سورة البقرة: آية " 237 " )
أحياناً يخطب إنسان فتاة، فيعقد عقده عليها والمهر مئة ألف، فيبدو له شيء، فيندم على هذا العقد، ويقول: أريد أن أنسحب من هذا الزواج، والزواج لم يستمر سوى ليلتين، فقد سهر عندهم سهرة عشاء وكلّفه ذلك دفع خمسين ألفاً مهراً لها، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (237) ﴾
(سورة البقرة)
قد عفوا عنك وسامحوك، فالله عزَّ وجلَّ توجّه لهذا الذي عفي عنه، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (237) ﴾
(سورة البقرة)
أنت كذلك قدِّم هديّة لهم، فهم قد عفوا عنك، وأنت لا تنسَ هذا الفضل، فانظر إلى التوجيه القرآني، وجّه صاحب الحق أن يعفو، وطلب ممن عُفي عنه أن لا ينسى الفضل، فقدّم شيئاً مقابل هذا العفو.
النبي عليه الصلاة والسلام مثلنا الأعلى في الوفاء والرحمة والعفو:
الإنسان عندما يبذل ويكافئ على المعروف بمعروف آخر تتنامى هذه المودّة بين المؤمنين، فقد قال تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
هذه أخلاق المؤمنين، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، كلُّكم يعلم أنّ حاطب بن أبي بلتعة صحابيّ، لكن زلّت قدمه ووقع فيما يسمّى بالعرف اليوم الخيانة العظمى، أرسل كتاباً إلى قريش مع امرأة يقول في هذا الكتاب: إنّ محمّداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم، هذا العمل في أي عرف دولي يُعدُّ خيانة عظمى يستوجب الإعدام.
جاء الوحي الأمين إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، أخبره بهذه الواقعة، فاستدعى أحد أصحابه، وأمره أن يتبع المرأة، وأن يأخذ منها الكتاب , والقصّة طويلة، وجيء بالكتاب إلى النبيّ، وقد كتب فيه هذا الصحابيّ: إنّ محمداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم، فاستدعاه النبي وسيّدنا عمر واقف فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، سيّدنا رسول الله الوفاء الذي عنده عجيب، قال: يا عمر إنّه شهد بدراً، لم يهدر له عمله، فقال له: إنّه شهد بدراً، يا حاطب ما حملك على أن فعلت ما فعلت ؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكن أردت أن يكون لي عندهم يد، فليس لي هناك أهلٌ يحمونني، ولي عندهم مال، أردْت بهذا أن يكون لي عنهم يد.
النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو قمّة الوفاء والرحمة والعفو قال بالحرف الواحد: إنني صدّقته فصدّقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً. يروي كتّاب السيرة أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرأى لحظّة ضعفٍ طارئة ألمّت به، أراد أن ينهضه من كبوته، وأن يعينه على شيطانه، لكنّ عمر كما يروي كتّاب السيرة نظر إلى الذنب فرآه خيانة عظمى، والذي يثير العجب أنّ حاطب بن بلتعة، حسن إسلامه وصار مقرّباً من النبيّ عليه الصلاة والسلام وأرسله في مهمّةٍ خاصّة أي أصبح موفده الشخصيّ إلى بعض الملوك، فلو أنّه قطع رأسه بالحقّ قطعها ولكن بذلك أورده إلى النّار، لكن بعفوه جعل من هذا المذنب الخائن إنساناً عظيماً، وأنت لا تعرف أحياناً كم يكون العمل طيّباً إذا عفوت عن إنسان مذنب نادم، المذنب غير النادم له وضع آخر، أمّا المذنب النادم ينبغي أن تعفو عنه.
الكبير هو الذي يعفو والصغير هو الذي لا يعفو:
عندما تروي لأولادك، أو عندما يروي المعلّم لطلاّبه هذه القصص، عفو النبيّ عن أهل مكّة.
ذات مرّة ثمامة بن أثال وهو زعيمٌ لقبيلة وقتل عدداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع أسيراً، والذين أخذوه أسيراً لم يعرفوا أنّه ثمامة، وجاؤوا به إلى النبيّ وقيّدوه في سارية المسجد، والنبيّ مرّ به، فقال: هذا ثمامة، ما عندك يا ثمامة ؟ فقال ثمامة: إن تقتلْ تقتل ذا دم ـ أي يستحقّ القتل لأنّه قاتل ـ وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء، فتركه النبي لليوم الثاني وأمر بإحضار طعامٍ له من بيته، فأكل، وفي اليوم الثاني سأله: ما وراءك يا ثمامة ؟ فأعاد له الكلام: إن تقتل تَقتل ذا دم، وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء، وفي اليوم الثالث النبيّ أمر بإطلاق سراحه، فغاب مليّاً وعاد وقد اغتسل وأعلن إسلامه وذكر الشهادتين وقال: يا محمّد والله ما كان على وجه الأرض رجلٌ أبغض إليّ منك، واليوم ما على وجه الأرض رجل أحبُّ إليّ منك، وما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، واليوم ما من دينٍ أحبُّ إليّ من دينك، وذكر أشياء كثيرة.
ثمامة زعيم قبيلة على طريق الشام، ذهب إلى مكّة معتمراً، وهدّد قريشاً أن يقطع عنها القمح، لأنّها كانت تأخذ القمح من عنده، أي أنّ عفو النبيّ الكريم جعل من هذا الإنسان المجرم بطلاً، فأحياناً يغلط الإنسان معك ويسيء إليك، ولا تعلم كم يكون الخير لو عفوت عنه، مرّة ثانية: الكبير هو الذي يعفو، والصغير هو الذي لا يعفو، والعظيم هو الذي يعفو، والحقير هو الذي لا يعفو، فقد قال تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
بعض الصور عن العفو:
سيّدنا عمر عندما قال عن عمير بن وهب: دخل على رسول الله والخنزير أحبُّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليّ من بعض أولادي.
بالإسلام لا توجد عداوة أبداً، أحياناً الإنسان يكره عمل الآخرين، أمّا لو عادوا إلى الله عزَّ وجلَّ ينتهي كلّ شيء.
بعض الصور عن العفو، قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً، فنادى بالخادم يا غلام فلم يجبه أحد، ثمّ نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلامٌ تركيّ وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب، ضجر الغلام، كلّما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام، فنكس المأمون رأسه طويلاً، قال: فما شككت بأنه يأمرني بضرب عنقه لأنه تطاول، ثمّ نظر إليّ وقال: يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإنّا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا حتّى نحسن أخلاق خدمنا، أي مضطرّون أن نفعل ذلك.
تجد أحياناً شخصاً مضيافاً فيطلب من أهل بيته إحضار قهوة وشاي، حتّى يخرج أهل بيته عن طورهم ويتكلّمون بكلام لا يحكى، فإذا حسنت أخلاق الإنسان بالمقابل ساءت أخلاق أهله.
يروى أنّ زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما استدعى غلاماً له، فناداه مرّتين فلم يجبه، فقال له زين العابدين: أما سمعت ندائي ؟ فقال: بلى قد سمعت ؟ قال: فما حملك على ترك إجابتي ؟ قال: أمنت منك، وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت، فقال: الحمد لله الذي أمن منّي غلامي.
مرّة سيّدنا عمر قال له أحد الصحابة: إنّ النّاس خافوا شدّتك وبطشك، فبكى، قال: والله يا أبا ذر، لو علم النّاس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، لكنّ هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى.
على الإنسان أن يتصرف بحسب مكانته لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر:
الأمر يحتاج إلى شدّة ظاهرة، مما يروى عن زين العابدين أيضاً أنّه خرج مرّةً إلى المسجد فسبّه رجل، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه، فنهاهم زين العابدين وقال لهم: كفّوا أيديكم عنه، ثمّ التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا أنا أكثر مما تقول، وما لا تعرفه عنّي أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع له زين العابدين قميصه وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أنّ هذا الشّاب ولد رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فأنت تتصرّف بحسب مكانتك، لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر، بل بحسب مكانتك، اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
مرّة النبيّ الكريم، يبدو أنّ إنساناً تطاول على الإسلام فقال: من يقطع لسان هذا الرجل ؟ ماذا يفهم من كلمة: من يقطع لسانه ؟ أحدهم فهم أنّه يجب أن يقطع له لسانه، أمّا في الحقيقة أراد أن تقطع لسانه بالإحسان إليه.
أحياناً الإنسان يبتلى بجار سفيه، فإذا قدّم له هديّة وأكرمه فبذلك يقطع له لسانه ولا يوجد غير هذه الطريقة وهي ناجحةً جداً فالسفيه اقطع لسانه بالإحسان إليه.
يروى عنه أيضاً أنّ غلامه كان يصبُّ له ماءً بإبريقٍ مصنوع من الفخّار، وقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر وجرحت رجله، فقال الغلام على الفور: يا سيّدي يقول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال زين العابدين: لقد كظمت غيظي، فقال الغلام: ويقول:
﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال: قد عفوت عنك، فقال الغلام: ويقول:
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال له زين العابدين: اذهب أنت حرٌ لوجه الله:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
كسر الإناء، وجرح رجله، واعتقه لوجه الله، هذه أخلاق المؤمنين.
من عفا ساد ومن حلُم عظُم ومن تجاوز استمال إليه القلوب:
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمّا قدم عُيينة بن الحصين، نزل عند ابن أخيه الحرُّ بن قيس، وكان النفر الذين يدنيهم عمر إذا كان القرّاء أصحاب مجلس أمير المؤمنين كهولاً كانوا أو شبّاناً، فقال عيينة: استأذن لي على أمير المؤمنين، فاستأذن له فلمّا دخل قال: يا ابن الخطّاب والله ما تعطينا الجزل الكثير، ولا تحكم بيننا بالعدل ـ أي تطاول على سيّدنا عمر ـ فغضب عمر حتّى همّ أن يوقع به، فقال الحرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى يقول لنبيّه:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقّافاً عند كتاب الله عزَّ وجلَّ.
مرّة عبد الله بن الزبير بعث إلى سيّدنا معاوية كتاباً يقول فيه: أمّا بعد، فيا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام، وكان عند سيّدنا معاوية ابنه يزيد، قال له: يا يزيد ما ترى في هذا الكتاب ؟ فقرأ يزيد الكتاب فاضطرب، وقال: أرى أن ترسل له جيشاً، أوّله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه، وكان سيّدنا معاوية حليماً فقال: خيرُ ذلك أفضل، فجاء بالكاتب وقال له: اكتب، أمّا بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواريِّ رسول الله ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلُّها هيّنةٌ أمام رضاه، لقد نزلت له عن الأرض وما فيها، فأتى الجواب من عبد الله بن الزبير وفيه: أمّا بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك ولا أعدمك الرأي الذي أحلّك من قومك هذا المحل، فجاء بابنه يزيد وأطلعه على الجواب وقال له: يا بنيّ من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
ابن الزبير مواطن، ومعاوية خليفة، أرسل له كتاباً شديد اللهجة، قاسياً، فيه تطاول، وعبد الله بن الزبير ولد حواريِّ رسول الله سيّدنا الزبير بن العوّام فقد قال له رسول الله: أنت حواريُّ هذه الأمّة.
كان رأي يزيد أن يرسل له جيشاً ليأتوا برأس عبد الله بن الزبير، ولكن عفو سيّدنا معاوية عنه استمال قلب ابن الزبير إليه.
العفو من شيم الكرام:
كلمّا عفوت تكون كبيراً جدّاً، فالنّاس خضعوا وأحبّوا ووالوا وأيّدوا ونصروا بالعفو، العفو من شيم الكرام.
سيّدنا أبو بكر الصدّيق كان يعطي لمسطح عطاءً وفيراً وتكلّم عن ابنته السيّدة عائشة كلاماً قبيحاً، حديث الإفك، ما زاد عن أن أمتنع عن العطاء، ولكن الله عاتبه فقال:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) ﴾
( سورة النور: آية " 22 " )
إذا أحد الأشخاص تكلّم عن ابنتك وهي طاهرة أطهر من ماء السماء، تكلّم في عرضها، وأنت امتنعت عن مساعدته، فالله عاتبه من أجل ذلك، معنى ذلك فنحن مأمورون بالعفو، أمر، هذه المعاني تغيب عن بعض النّاس، تجد الحقد يأكل قلبه، ويتحرّك حركة عشوائيّة، ويبحث عن انتقام، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره في أيِّ الحور العين شاء.))
[أحمد عن سعد بن معاذ بن أنس]
انظر، كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذه، هذا مقام كبير جداً، فمن الداخل يغلي غلياناً ومن الخارج ضابطٌ لأموره، والنبي قال:
(( الإيمان قيد الفتك ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة، وأحمد و أبو داود عن معاوية ]
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبرانيّ:
(( ألا أُنبّئكم بما يشرّف الله به البُنيان ويرفع الدرجات. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[رواه الطبرانيّ عن عبادة بن الصامت]
هذا الخلق الخامس في الأخلاق الاجتماعيّة.
الجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية:
آخر خلق ينبغي أن يغرسه المربّي أو الأب في نفس ابنه الجرأة.
الحقيقة هناك فرق دقيق بين الجرأة والوقاحة، فهناك مواقف فيها وقاحة، لكن عندما يقدّم الإنسان رأيه الصحيح الصريح من دون خجل وبأدب فهذه جرأة، والجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية، فتوجد مواقف قد سجّلها التاريخ لبعض العلماء، ومن هذه المواقف:
أحد العلماء اسمه أبو حازم جرت بينه وبين سليمان بن عبد الملك محاورة، قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم: لأنّكم خرّبتم آخرتكم، وعمّرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ـ هذا أوّل جواب ـ قال سليمان: فكيف القدوم على الله غداً ؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأمّا المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه، قال سليمان: أيُّ القول أعدل ؟ قال أبو حازم: قول الحقِّ عند من تخافه أو ترجوه ـ أحياناً شخص تحبُّه حبّاً جمّاً وارتكب غلطة كبيرة أمامك، فأنت تميل إلى أن لا تتكلّم معه ولا كلمة، فالشخص كبير عظيم وله قيمته وارتكب غلطة كبيرة، وأنت تعلم أنّها سلوكٌ منحرفٌ، لكن لمكانته الكبيرة عندك، أو لخوفك منه، أو لطمعك بما عنده ترجو السلامة فتسكت، هذا السكوت خطأ كبير ـ قال سليمان: فأيّ المؤمنين أكيس ؟ ـ أي أعقل ـ قال: رجلٌ عمل بطاعة الله ودلَّ النّاس عليها، فقال سليمان: فأيُّهم أحمق ؟ قال: رجلٌ انحطَّ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره ـ أي أنّ أندم إنسان هو من باع آخرته بدنيا غيره ـ قال سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منّا، ونصيب منك ـ نحن نعطيك وأنت تعلّمنا ـ قال: أعوذ بالله، قال سليمان: ولمَ ذاك ؟ قال: أخشى أن أركن إليكم قليلاً فيذيقني الله ضِعف الحياة وضِعف الممات، قال له سليمان وقد قام ليذهب: أوصني يا أبا حازم، قال: سأوصيك وأوجز، عظِّم ربّك، ونزّه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك.
هذا موقف فيه جرأة.
الجرأة تنمّي الشخصيّة والخوف والسكوت يضعفها:
العزُّ بن عبد السلام قال مرّةً لسلطان مصر نجم الدين أيوب وكان في مجلسٍ حافل برجال الدولة: يا أيّوب ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثمَّ تبيح الخمور ؟ فقال: هل جرى هذا ؟ فقال: نعم، إحدى الحانات يباع فيها الخمور، وتستباح فيها المنكرات، وأنت تتقلَّب في نعمة هذه المملكة، فقال: هذا ليس عملي، هذا من زمان أبي، فقال العزُّ بن عبد السلام: أنت من الذين يقولون:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) ﴾
( سورة الزخرف: آية " 22 " )
أيضاً الأب والمربّي إن وجد من ابنه موقفاً فيه جرأة ينبغ ِأن يثني عليه لأنّ الجرأة تنمّي الشخصيّة، والخوف والسكوت يضعفها، فمن الجرأة أن تعوّد ابنك أن يقول الحق ولو كان مرّاً بدون وقاحة بالطبع.
قد ذكرنا: الجرأة والإيثار والعفو، مع الرحمة في الدرس الماضي والأخوة والتقوى، ستُّ صفاتٍ إذا غرستها في نفس ابنك أو نفس من تربّيه فقد أهّلته ليعيش في المجتمع، أصبح محبوباً، وأصبح إنساناً وعظيماً، وأصبح يستقطب الناس بجرأته وإيثاره وعفوه ورحمته وأُخوَّته وتقواه، ستّ صفات.
بالطبع الأولى أن نقول فاقد الشيء لا يعطيه، فالمربّي والمعلّم والأب عليه أن يتمثّل هذه الصفات أوّلاً، وأن يغرسها في نفس ابنه ثانياً، عندئذٍ يرى الثمار يانعةً والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذّة النظر إلى وجهك الكريم، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 3 ) بر الوالدين







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعية.
على المربي أن يغرس في أبنائه مراعاة الحقوق الأساسية:
اليوم ننتقل إلى موضوعٍ جديد، وهو أنّ الأب أو المربي مكلّفٌ أن يعرّف أبناءه أو تلاميذه الحقوق الأساسيّة التي عليهم أن يَرعَوها، من أولى هذه الحقوق: حقُّ الأبوين، وحقُّ الأرحام، وحقُّ المعلِّم، وحقُّ الرفيق، وحقُّ الكبير.
كنا في الدروس الماضية نتحدّث بشكلٍ عام عن وسائل التربية الاجتماعيّة، ولكننا اليوم ندخل في موضوعٍ خاص، أي أنّ المربّي ينبغي أن يعلّم وأن يربّي وأن يغرس في نفس تلميذه أو في نفس ابنه إذا كان أباً، أن يغرس فيهم مراعاة هذه الحقوق الأساسيّة، وقبل أن أخوض في تفاصيل هذا الموضوع، أُريد أن أقف وقفةً قصيرة عند سؤالٍ طرح عليّ قبل يومين حول فلسفة التربية، نحن لماذا نربّي أبناءنا ؟
السؤال الأوّل هو أنّ الإنسان في الأصل يتعلّم ذاتيّاً، ولكن إذا تركنا الإنسان يتعلّم ذاتيّاً ماذا يحصل ؟
قد يمضي كلّ حياته وكلّ عمره دون أن يصل إلى الحقيقة الكاملة يصل إلى بعضها، وأحياناً ترى شخصاً وهو في السبعين من عمره أو في الثمانين أو في الستّين يقول لك: الآن عرفت، عرفت أنّ المال ليس كلّ شيءٍ في الحياة، عرفت أنّ المرأة ليست كلّ شيءٍ في الحياة، متى عرفت ذلك ؟ بعد فوات الأوان.
الإنسان أحياناً عن طريق التجربة قد يعرف الحقيقة، أو لا يعرفها، أو قد يعرف بعضها، وأحياناً يعرف الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان، وأحياناً لا يبقى في حياته ثانية يستفيد من هذه الحقيقة التي عرفها.
لذلك كانت التربية، التربية يلقّن هذا المربّى أو هذا التلميذ أو هذا الابن تجارب الأمم السابقة، هذه التربية العاديّة، لكنّ التربية الإسلاميّة يلقّن هذا المربّىَ الحقائق القطعيّة الصحيحة التي وردت من عند خالق الكون.
العلم التجريبيّ قاصر يصيب ويخطئ:
مثلاً قبل حين كان الأطبّاء يقولون: إنّ زيت الزيتون يسهم في رفع نسب الكوليسترول في الدّم، ويرفع أيضاً نسب الشحوم الثلاثيّة، وقد ينصحون النّاس بعدم الإكثار من زيت الزيتون، الآن في السنتين الأخيرتين ثبت لدى الأطبّاء أنّ زيت الزيتون هو الذي يحافظ على مرونة الأوعية والشرايين وهو الذي يساهم في نقاء هذه الأوعية من الترسُّبات، مرّة يقولون: افعلوا، ومرّةً: لا تفعلوا، هذا هو العلم التجريبيّ يصيب و يخطئ.
أمّا النبيُّ الكريم فيقول:
((كلوا الزيت وادّهنوا به. ))
[الترمذي عن عمر بن الخطاب]
لا ينطق عن الهوى، هذا الكلام ليس عن تجربة، هذا عن وحي لا ينطق عن الهوى، فالعلم أحياناً يقدّم لك شيئاً ثمّ يكتشف أنّه خطأ، إنّ هذه المادّة مسرطنة، أحياناً يقول لك: لا بدّ لك من أن تشرب عصير الفاكهة، ثمّ يقول لك: لا , حينما لا تأكل السيلولوز الذي في الفواكه فإنّ هناك أخطاراً كبيرة تصيب الجهاز الهضمي، فلا بدّ من هذه المادّة السيلولوزيّة التي تمتص الشحوم والدهون وتعين على حركة الأمعاء وتقلل بقاء الطعام في الأمعاء، وكلّ إنسانٍ لا يأكل في اليوم كذا غرام من السليلوز فهو مهدد بأمراض وبيلة تصيب الأمعاء.
مرّة كلوا ومرّة لا تأكلوا، مرّة عصير ومرّة فواكه حقيقيّة، مرّة دعوا زيت الزيتون ومرّة كلوا زيت الزيتون، هذا التناقض ماذا يعني ؟
يعني أن العلم التجريبيّ قاصر، العلم التجريبي قاصر، لكن إذا قلنا أنّ الإنسان يتعلّم ذاتيّاً، فهذا كلام صحيح إلى حدٍ ما لأنّه لا يوجد في الحياة من لا تجارب له، ويقول لك: هذه لن أعيدها، وهذه تلقيت درساً لا ينسى، لكن هذه الدروس التي يتلقّاها الإنسان من خلال التجارب والممارسات، هذا الدروس لا تكفي، أولاً هي دروسٌ عشوائيّة وخاضعة للصدف، قد تجدي وقد لا تجدي، لكنّك إذا تلقّيت خبرة الأجيال السابقة عن طريق التربية العاديّة الطبيعيّة معنى ذلك أنّك أضفت إلى خبراتك خبرة ألف عام.
مثل بسيط، لو أردنا أن ننشئ معملاً للطائرات، من أين نبدأ ؟ هل نبدأ من تجربة العبّاس بن فرناس، أم من تجربة أحدث طائرة مصنوعة الآن ؟ هذه الطائرة التي صنعت حديثاً فيها خبرات مئة سنة أو مئتي سنة، كلُّ المشكلات قد حُلّت، فنحن إذا أردنا أن نبني طائرة الآن نستقدم هذه الخبرات الجاهزة، ونضيف عليها، أمّا أن نبدأ من الصفر فهذا عمل أحمق.
علّة التربية أنّها تنقل للأجيال الحاضرة خبرات الأجيال الماضية:
ذكر لي أخ كريم كان في جامعة، فقدّم خمس موضوعات لأطروحة الماجستير، هو يرى أنّ هذه الموضوعات فريدة ولم يسبق إليها، هذه الموضوعات أُدخلت في الحاسوب فجاء الجواب على الشاشة: كُّلها مطروقة، ابحث عن غيرها، وهذا شيء لطيف جدّاً أن تكون كلّ الجامعات مرتبطة بحواسيب بحيث أنّ كلّ الأطروحات التي يختارها الطلاب تدخل في الحاسوب بحيث أنّ الطالب إذا أراد بحث موضوع لا يبذل جهداً غير مُجدٍ، هذا الموضوع درس، ابحث عن موضوعٍ جديد، بل إنّ هناك من أخبرني أنّ بعض الجامعات تقول لك إنّ هذا البحث قد درس ووصل إلى هذا المكان، فإذا كنت مصراً على هذا الموضوع فمن هنا ابدأ، وتابع من هنا، بهذه الطريقة تنمو العلوم بشكل سريعٍ جداً.
الإنسان عندما يأخذ خبرات الآخرين معنى ذلك أنّه يتقدّم سريعاً هذه هي علّة التربية، علّة وجودها، أنّها تنقل للأجيال الحاضرة خبرات الأجيال الماضية.
بكل فرع، مثلاً باللغة العربيّة أين وصل علم النحو ؟ وصل إلى مستوى رفيع جداً، وهذه كلّها خبرات الأجيال السابقة، نعلّم الطلاب النحو والصرف والبلاغة والعروض والشعر والنثر في الآداب، في الطّب كذلك، وفي الفيزياء والكيمياء، وفي الفلك والرياضيّات، هذه هي التربية، التربية أن تقدّم خبرات مكثّفة لإنسان مبتدئ.
لا زلت أُفرّق بين التربية العاديّة، والتربية الإسلاميّة، التربية الإسلاميّة فيها وحي، ومعنى وحي أي أنّه من عند الخالق، فأنت أحضر آلة معقّدة وقم بفكّها، وحاول أن تفهم طريقة بنائها وطريقة عملها، تجدك تخطئ وتصيب، هذا هو العلم التجريبيّ، لكنّك إذا التقيت بمخترعها ومصممها، أعطاك نشرة أنّه صممها هكذا، وكلّ قطعة في هذه الآلة هذه وظيفتها، هذا العلم الذي تأخذه من صانع الآلة علم قطعي لأنّه علم المصمم، علم الصانع.
يا أخي الكريم، أنت إذا أردْت أن تربي ابنك تربيةً إسلاميّة فمعنى ذلك أنّك لقنته المنهج الذي من عند الخالق، أنت الآن تضمن لهذا الابن السلامة في كلّ المجالات، والنقطة الدقيقة وأنا أُلحُّ عليها أنّك إذا نفّذت أمر الله تقطف ثماره ولو لم تعرف وجه عظمته، والدليل سهل جداً، ممكن لإنسان أن يركب أرقى سيّارة ويستفيد من كلّ ميزاتها وهو لا يعلم كيف تعمل، ممكن أن تستفيد من مكيّف ولا تعلم كيف يعمل، ممكن أن تستفيد من حاسوب ولا تعلم كيف يعمل، فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به.
نحن عندما نربّي أبناءنا على تطبيق المنهج الإسلامي فلو أنّ هذا الابن طبّق المنهج فقد أخذ كلّ ثمراته، علم وجه عظمته أو لم يعلم، أدرك أو لم يدرك، وضع يده على دقائقه أو لم يضع، اُصدق فالصادق يقطف ثمار صدقه، كن مخلصاً فالمخلص يقطف ثمار إخلاصه، كن أميناً فالأمين يقطف ثمار أمانته، غضَّ بصرك فإن غاضّ البصر يقطف ثمار غضّ بصره.
خبرات الأجانب كلّها مادّية قيمهم مادّية وأساسها القوي يأكل الضعيف:
لنفرّق بين إنسانٍ يتعلّم ذاتيّاً، فقد ضربت مثلاً لأحد أخواننا كان عندي في البيت قبل قليل، أنّ شخصاً رأى قنبلة، فتساءل في نفسه هل يا ترى هذه قنبلة أم ليست قنبلة ؟ فإن كانت قنبلة فهل يا ترى منزوعة الفتيل أم غير منزوعة الفتيل ؟ فأراد أن يكشف الحقيقة بنفسه فاقترب منها وأمسكها وحرّكها، فانفجرت، ففي أقلّ من عشر الثانية يدرك أنّها قنبلة ولكن لم تُبق ِله الحياة ثانيةً واحدة ليستفيد من هذا الدرس.
أحياناً الإنسان يسقط في المخدّرات، وبعد ما سقط لا يوجد عنده مجال أن يخرج منها، يتألّم ويصبح مقهوراً ولكن قد انتهى الأمر، أحياناً يسقط في الخمر، أو يسقط في الزنا، فقد انتهى وهو يرتكب هذه المعصية ويذوب من شدّة الألم، لكنّه قد أدمن عليها، ولكن انتهى الأمر، فالمشكلة أنّ الإنسان لو تعلّم ذاتيّاً لا ينجو من أخطار كبيرة، ومتى يكشف الحقيقة ؟ يكشفها بعد فوات الأوان، ويكشفها ولم تبقِ له الحقيقة ثانية واحدة من حياته ليستفيد منها.
لذلك لو رأيت الذين يموتون وهم على المعاصي، لعرفت أنّ فيهم من الألم الذي يعتصر قلبهم الشيء الكثير، ويقول: لم يخبرني أحد، ولم يعلمني أحد، والآن لو علمته علماً عاديّاً نقلت له خبرة الأجيال فالآن توجد أجيالٌ بكاملها ضالّة، فخبرات الأجانب، خبرات كلّها مادّية، قيمهم مادّية، قيمهم أساسها القوي يأكل الضعيف، يحاسبون أنفسهم ضمن بلادهم حساباً دقيقاً جداً ويسمحون لأنفسهم أن ينهبوا حقوق الشعوب كما قال الشاعر:
قَتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتـل شعبٍ آمـنٍ مسألةٌ فيها نظر
***
أي يبنون أمجادهم على أنقاض الشعوب، هذه هي التربية الغربية، القوي يأكل الضعيف، الذكي يستغلُّ الغبيّ، الغني يستغلُّ الفقير، الأقوى هو الذي ينتصر، هذا أساساً مجتمع الغابة.
ربية الأولاد التربية الإسلاميّة أساسها الوحي و تعليمات الصانع:
نحن لا نسمح لأبنائنا أن يتعلّموا ذاتيّاً لأنّهم ربّما عرفوا الحقيقة بعد أن يدمّروا، كما أنّنا لا نسمح أن نعلّمهم التعليم العاديّ هذا التعليم مبني على أسس غير صحيحة، مبني على تجارب لا على حقائق، مبني على اتجاهات علمانيّة، اتجاهات دنيويّة، ليس مبنيّاً على حقيقة من عند خالق الكون، لذلك تربية الأولاد التربية الإسلاميّة أساسها الوحي، أساسها تعليمات الصانع، شيء دقيق جداً.
أنت عندما يكون لديك جهاز معقّد جداً لا يمكن أن تسأل إنساناً عاديّاً مع احترامي لكلّ المهن، فلو عندك جار بائع للخُضار وهو على مستوى من الأخلاق العالية وخلوقٌ، فهل تسأله عن كيفيّة عمل هذا الجهاز ؟ لا، فإنّك لا ترتاح إلا للصانع، إلا إذا كان يوجد مندوبٌ للشركة وزارك في المكتب وأعطاك التعليمات أو قرأت التعليمات.
أنت بالتربية الإسلاميّة بحاجة إلى الوحي الذي جاء به النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو الذي يبيّن، ومرّةً ثانية أقول لكم: قد لا تتوقعون أنّ في الإسلام منهجاً للتربية كاملاً، والله الذي لا إله إلا هو لو أمكن للآباء أن يتزوّدوا بخصائص التربية الإسلاميّة، وتوجيهات النبيّ عليه الصلاة والسلام وأن يلقنوها أبناءهم لكان مجتمع المسلمين في وضعٍ آخر غير هذا الوضع.
الشّاب مثل العجينة، فإن لم يتواجد أب عالم، ولا أم مؤمنة إيماناً عالياً، ولا مجتمع مثقّف ثقافة دينيّة تجده يتحرّك حركة عشوائيّة.
الآن ندخل في صميم الدرس، من مهمّة المربي أو الأب أو المعلّم أن يلقِّن، أحياناً الأب ينزعج من ابنه، ويقول: ابني غير مؤدب، فهل أنت قد علّمته، هل بيّنت له حقّ الأب، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يفعل، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يقول ؟ لم تبيّن له، لذلك قالوا: " لا معصية بلا تكليف "، هذه قاعدة ثمينة، لهذا الجامع ثلاثة أبواب، فإذا لم تجد تكليف ولا بيان ترى شخصاً قد خرج من هذا الباب وآخر من الباب الثاني والثالث من الباب الثالث، فلا يجوز أن نتّهم إنسانٌ قد خرج من هنا بأنّه عاصٍ، فلا يوجد تعليمات، ولا توجيهات، ولا أمر أو نهي، ولكن لو كتبنا لوحةً صغيرة فيها: يرجى الخروج من هذا الباب، فلو أن شخصاً خرج باب آخر يكون قد خالف التعليمات بذلك، لا معصية من دون تكليف.
أحاديث من السُّنة الشريفة عن احترام الوالدين:
ابنك لم تعلّمه، وفي المدرسة لم يعلّموه، والمجتمع غير مهذّب، ورفاقه غير مهذبين، وهو قد وقف منك موقفاً غير أخلاقي فأنت انزعجت وغضبت، ولكنّك لم تعلّمه، ولم تقل له: يا بنيّ هذا لا يصح، و دليلاً على ذلك الحديث الشريف، فقد رأى النبيّ الكريم شخصاً يمشي أمام رجل مسن فقال له: من هذا الذي معك ؟ قال له: هو أبي، فقال له:
(( لا تمشِ أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسبّ له.))
[ابن السني عن أبي هريرة]
بذلك قد انتهى الأمر، أعطى التوجيهات والآن أصبح معه قوّة، فإذا مشى شخص أمام أبيه فقد أساء، أو أمام أستاذه فقد أساء، أحياناً يُحرج الإنسان فيمشي متقدّماً عليك خطوة، فامشِ بجواري أو متأخراً عني ولو قليلاً، بخمسة سنتيمترات، وهو يتكلّم ويشاور بيديه، انتظر قليلاً، فلا بدّ للإنسان من أن يعلّم ابنه.
أولاً أيُّها الأخوة، روى البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال:
(( ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً، إلا فتح الله له بابين، يعني الجنّة، وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضيا عنه. قيل: وإن ظلماه ؟ قال: وإن ظلماه.))
[البخاري عن ابن عباس]
أي ظلماً خفيفاً، فأحياناً يكون الأب عصبياً قليلاً، أو متضايقاً من عمله، فيتكلّم كلمةً قاسيةً مع ابنه، ويوجد بعض الأبناء لا يتحمّلون ذلك وتجده يردّ بأقسى الكلام وعلى الفور، هذا أبوك ويوجد فارقٌ كبيرٌ في السّن، وربما كان يعاني مشكلّة ما، أو قد يكون ذا مزاج عصبي، وقد يكون عنده في العمل مشكلة وجاء إلى البيت وأعصابه تالفة وتكلّم كلمة قاسية يجب أن تصبر وإن ظلمك.
انظر لو كان الابن قد فهم هذا الحديث، ودخل الأب للبيت وتكلّم بكلمةٍ قاسية والابن لم يتكلّم وردّ عليه وقال: سامحك الله يا أبي فأنا لم أفعل شيئاً، وبأدب، أحياناً أجد الابن يثور على أبيه إذا أخطأ، والأب يخطئ فهو غير معصوم، لكن فارق السن ينبغي أن يجعل له ميّزة، وكذلك الفضل الذي صدر منه سابقاً.
أنا سبحان الله كلّما سمعت عن أب يرعى ابنه رعاية كاملة، أقول: سبحان من أودع محبّة الأبناء في قلوب الآباء، تجد ابناً من الدرجة الخامسة بل العاشرة لا يوجد عنده أدبٌ أو وفاء ومع ذلك فكلّ حياة الأب منوطة بهذا الابن، فسبحان الله لا تجد إنساناً إلا وهو يغار من إنسان آخر، فالغيرة من جبلّة الإنسان إلا الأب مع ابنه، فمهما علا شأن الابن تجد الأب مفتخراً به ولا يشعر بغضاضة أبداً، لذلك:
(( ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً، إلا فتح الله له بابين، يعني الجنّة، وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضيا عنه..))
[البخاري عن ابن عباس]

الأب والأم هما أصل وجودك وسبب وجودك كما أنّ الربّ يُعبد فالأب والأم يُحسن إليهما:
أنا والله أيُّها الأخوة أرى من خلال تجاربي المتواضعة أنّ أُناساً كثر موفقون في حياتهم توفيقاً عجيباً وسرُّ ذلك برّهم لآبائهم وأمّهاتهم، ويعبّر العوام عن ذلك بقولهم: يده خضراء، أي كيفما تحرّك فهو موفّق، ومحفوظ، وهناك من يدافع عنه، والسبب برّه بأمه وأبيه، والسبب لأنّ الأب والأم هم أصل وجودك وسبب وجودك، فلك خالقٌ خلقك عن طريق الأب والأم، فكما أنّ الربّ يُعبد فالأب والأم يُحسن إليهما.
أقول لكم دائماً: إنّ العطف يقتضي المشاركة، فعندما يعطف الإنسان شيئاً على شيء مع التناسب، فربُّنا قد قال:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )
أي جمع الإحسان إلى الوالدين مع عبادة الله عزَّ وجلَّ، وكلُّكم يعلم أنّ الأب الشّاب إرضاؤه سهلٌ جداً، فهو أبٌ شاب وواعٍ ومنطقي وواقعي، ويعرف أنّ ابنه في طور البناء، فلا يكلّفه فوق طاقته، لكنّ البطولة في الأب الكبير فقد قال تعالى:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )
أبٌ متقدِّم في السن ويسكن عندك بالبيت، كنت عنده فأصبح عندك، كنت إن سُئلت من عندك تقول: ابني الأول والثاني، أما إذا سألت ابنه الكبير من عندك ؟ فيقول: عندي أبي، قد كنت عنده فأصبح عندك، هكذا الحياة، كان الأب شاباً وقوياً وأولاده صغار ويلعبون في البيت، فأصبح الأب ضيفاً عند ابنه فقد قال تعالى:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )

البطولة بإرضاء والدين لست معهما في خندقٍ واحد:
أنا أعجب سبحان الله بأنّ باب الجنّة مفتوح، فالأب باب للجنّة، الأم باب للجنّة، أن تأخذ بيد زوجتك إلى الله باب للجنّة، أن تربي أولادك باب للجنّة، أن تحسن إلى جيرانك باب للجنّة، أن تتقن عملك باب للجنّة، أن تدعو إلى الله باب للجنّة، أن تعلّم القرآن باب إلى الجنّة، أبواب الجنّة مفتّحةٌ على مصارعها.
أحياناً يقول لي أحدهم إنّ الأسواق واقفة كلّها وكاسدة، فأقول له: لكن سوق الدعوة حامٍ كثيراً ورائج، فسبحان الله أحياناً تذهب لبلدٍ تجد فيه غنىً والأمور كلّها ميسّرة، ولكن بقدر هذا التيسير وتوافر الحاجات ورخص الأسعار وتوافر الأموال بأيدي الناس، كلّما رأيت الحاجات موفّرة والبيوت والأعمال والبضائع موفّرة وكلّ شيء ميسّر هذه الدنيا العريضة ربّما كانت حجاباً بين الناس وربّهم.
تجد في بلاد النفط الدعوة غير رائجة، يقول لك: لا تجد خطيباً أو عالماً، فكلّهم يستوردونه استيراداً في شهر رمضان، لا تجد منهم من يهتمّ بالعلم، مال وبيع وتجارة وشراء، وتجد بلاداً فيها من صعوبات الحياة الكثير ومن الأزمات، وتجد الناس ملتفتين إلى الله عزَّ وجلَّ، مرّة قلت: الدنيا حجابٌ بين الناس وربّهم، والمشكلات أحياناً دافعٌ إلى الله.
الحديث الثاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
(( رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.))
[الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
عملٌ عظيمٌ أن تكون باراً بأُمّك وأبيك، مرّةً ثانيةً أقول لكم الأب المنطقي سهلٌ إرضاؤه، أعباؤه خفيفة وظلّه خفيفٌ، وبطولتك مع أب أنت بوادٍ وهو بوادٍ آخر، أنت في جهة وهو في جهة، أو أمّ أنت في جهة وهي في جهة، فلا يوجد شيءٌ يجمع بينكما هي على أساس معيّن فتقول لك: هكذا تربيّنا يا ابني وهكذا أهلنا علّمونا، وأنت تتلقى العلم من المسجد وتعرف السنّة والكتاب، فأحياناً تحدث المصادمات بينكما، فبطولتك بإرضاء والدين لست معهما في خندقٍ واحد.
برُّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله:
الآن يوجد لدينا أربعة أحاديث، وأغلب الظن أنّكم تعرفونها ولكن شيء خطير جداً:
(( قال رجل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أُجاهد. قال النبي له: ألك أبوان ؟ قال: نعم. قال: فيهما فجاهد ))
[البخاريُّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]
هذا الكلام لا يحتمل معنى آخر أي برُّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله، والآن أُوجّه كلمةً لأخواتنا المؤمنات النبيّ الكريم قال أيضاً:
((انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ـ))
[ابن عساكر والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
أي أمٌ قاعدة على بيت أولادها، تهيئ لهم الطعام، وتنظّف الملابس، وتنظّف البيت، وتنتظر زوجها، وترتدي أحسن ثيابها أمامه، وتلبّي حاجاته وحاجات أولادها هذه الأم كالمجاهدة في سبيل الله، لو يعلم النساء ـ يعلمن علم اليقين ـ أنّ حسن التبعُّل يعدل الجهاد في سبيل الله لكانت بيوت المسلمين في وضعٍ غير هذا الوضع.
روى أحمد والنسائيُّ عن معاوية بن جاهم السلمي، أنّ جاهم رضي الله عنه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( يا رسول الله أردْتُ الغزوَ وجئت أستشيرُك، فقال: هل لك من أم ؟ قال: نعم قال: الزمها فإنّ الجنّة عند رجليها.))
[أحمد والنسائيُّ عن معاوية بن جاهم السلمي]
بعض الصور عن بر الوالدين:
حدّثني أخ عن قصّة لفتت نظره فقال لي: يوجد أب عاديّ جداً ـ أحياناً تجد آباء عندهم رحمة وعلم وغنى وعطف على أولادهم، ويوجد آباء يقولون لأبنائهم: يا بني أنا نشأت عصامياً فكن أنت مثلي ـ هذا الأب عادي جداً بل أقل من العادي له أولادٌ من الدرجة الخامسة وليسوا من الدرجة الثانية، مرض هذا الأب فجأةً مرضاً عضالاً أوقعه في الفراش فاندفع أولاده إلى خدمته اندفاعاً لا يمكن تفسيره ـ أحياناً يكون الأب في درجةٍ عاليةٍ جداً من العطاء، يستحق إكراماً منقطع النظير، وأحياناً يكون الأب عادياً لكن أولاده طلاب علم ويسلكون طريق الإيمان، يندفعون إلى برِّ أبيهم براً عجيباً ـ لكن يقول لي صديقي: لا الأب يستحق هذه المعاملة لأنّه أقلّ من عادي، ولا الأولاد تلقّوا علماً دينيّاً ولا عرفوا بالبرّ سابقاً، فتوجد بينهم وبين أبيهم مشكلات، والشيء الذي لا يفسّر أنّ هذا الأب الأقل من العادي وهؤلاء الأولاد الأقل من العاديين فجأةً اندفعوا إلى خدمة أبيهم اندفاعاً لا يصدّق، وظلّوا يخدمونه ليلاً نهاراً، صباحاً ومساءً أعلى خدمة، ويقول لي هذا الصديق لو أنّ الأب من الآباء النادرين في إحسانهم لأبنائهم، يصبح هذا الموقف معقولاً منهم، لو أنّ الأبناء طلبوا العلم ولهم اتجاه ديني عميق جداً فالأمر مفهوم، لكن لا الأب في هذا المستوى الراقي ولا الأبناء في هذا المستوى الراقي، فما الذي دفع الأبناء إلى خدمة هذا الأب الخدمة التي تفوق حدّ الخيال ؟ يقول لي هذا الصديق: بعد عامٍ وأكثر كان يجلس مع والدته وهو يعجب من هذه الأُسرة التي ظهرت فيها هذه الظاهرة ـ أنا لي قريبة أصابها مرض عضال ففي أول يوم خدموها أحسن خدمة، وكلّ يوم تتبدّل الشراشف كلّها، وبناتها يتناوبن في النوم عندها، وإذا قالت كلمة تقف البنت أمامها، هذه المعاملة في خلال أسبوعين أو ثلاثة، وبعد ذلك لو نادت عليهنّ ليلاً فلا أحد يرُدّ عليها، وقد استمرّت في هذه الحالة عدّة سنوات، وآخر سنة مستوى الخدمة تدنّى وهبط هبوطاً مفاجئاً، لذلك أنا أتمنّى من الله عزَّ وجلَّ أن لا يقعد عن الحركة كلّ مؤمن في آخر عمره، لأنّ الإنسان لو مات وهو خفيف الظل يبقى له أثر طيّب، والنبيّ كان يدعو والسلف الصالح كذلك كانوا يدعون بهذا الدعاء يا ربّ سنّة رسول الله، ثلاثة أيّام وكفى، فالأجل أجل لا يتغيّر ـ هذا الصديق الذي كان يعجب من خدمة الأبناء لأبيهم علم أخيراً أنّ هذا الأب كان أحد خمسة أولاد لأبيه المتوفّى وأربعةٌ من إخوته استنكفوا عن خدمة أبيهم عندما أصابه مرضٌ عضال إلا هذا الابن، الأب المريض في هذه القصّة، نهض وخدم أباه خدمةً تامّةً فالله عزَّ وجلَّ أكرمه حينما وقع في الفراش، بأن ألقى في قلوب أولاده الحرص الشديد على خدمة أبيهم.
معانٍ مستفادة من بر الوالدين:
قال لي أحد أخواننا الكرام: أب عنده خمسة أولاد وله إبهام قد اسودّ، أصيب بالغرغرينا، فالطبيب قال: لا بدّ من قطع هذا الإبهام. والأولاد قالوا: سبحان الله ماذا نفعل هذه إرادة الله، لكن لهم أخ برّه بأبيه شديد فأظهر ألمه الشديد للطبيب وقال له: ليس من المعقول أن نقطع الإبهام، فتعجّب منه الطبيب وقال: هذا شيء لا بدَّ منه فإذا اليوم لم نقطعه من بدايته سنقطعه غداً من نهايته، ولكن بسبب تألُّم هذا الابن تألُّماً شديداً احترم الطبيب تألّمه وقال له: يا بني يوجد احتمال ضئيل وقليل جداً ولكنّه يحتاج إلى جهد كبير، فهذا الإبهام يحتاج يوميّاً إلى ثلاثة حمّامات بماء ساخن وبمواد معيّنة، والاحتمال لتراجع هذا المرض عشرة بالمئة، أمّا لو تقدّم المرض ولو شيئاً ضئيلاً، واحد ميلي متراً، سوف أقطع هذا الإبهام، فقال له الابن: أنا حاضر، والابن موظّف يخرج من منطقة المزرعة، ويسكن أبوه في الجادّة الخامسة بالمصطبة حي المهاجرين، يذهب في الساعة السادسة صباحاً ويقوم بعمل حمام لإبهام والده، وكذلك ظهراً مع المواد الطبيّة والشاش، وفي المساء حمام ثالث، وقد روى لي هذه القصّة أحد أخواننا الكرام عن أقربائه، وقد بقي هذا الابن في خدمة أبيه ستّة أشهر بالتمام والكمال إلى أن تراجع الاسوداد وشفاه الله شفاءً تاماً، يقول لي هذا الأخ الكريم: هم خمسة إخوة وكلّهم من ذوي الدخل المحدود، وظلّ هؤلاء الأربعة على دخلهم المحدود، والخامس أكرمه الله إكراماً ووفقه توفيقاً كبيراً وأصبح الآن رصيده المالي أكثر من مئتي مليون ليرة، سبحان الله هذه أُجرة الإبهام أخذها بالدنيا قبل الآخرة.
1ـ رضا الله في رضاهما:
مفاد كلامي برُّ الوالدين شيء لا يصدّق، فالله عزَّ وجلَّ يكرم البار بوالديه إكراماً شديداً، وهناك آلاف القصص لذلك كما يقولون: يا رضا الله ورضا الوالدين.
لي ملاحظة دقيقة فبعض الشباب يقنع بهذا الكلام فيبادر إلى إرضاء أمه وأبيه ويتقاعس عن إرضاء ربّه، الله هو الأصل، لذلك برُّ الوالدين لا يقبل إذا كان بعيداً عن إرضاء الله عزَّ وجلَّ.
2ـ برّهما مقدّم على الجهاد في سبيل الله:
(( أقبل رجلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: أُبايعك على الهجرة والجهاد وأبتغي الأجر من الله. قال: هل من والديك أحد حي ؟ قال: بل كلاهما. قال: أفتبتغي الأجر من الله ؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ))
[رواه مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]
هذا المعنى الأول: رضا الله في رضاهما، الثاني: برّهما مقدّم على الجهاد في سبيل الله.
3ـ من البرِّ الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما:
من البرِّ الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 24 " )
بعض واجبات الأبناء تجاه آبائهم:
روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( ترفع للميّت بعد موته درجته، فيقول: أي ربي أيُّ شيءٍ هذا ؟ فيقول له: ولدك الذي استغفر لك.))
[رواه البخاري عن أبي هريرة]
الميّت في قبره ترفع درجته بسبب استغفار أبنائه له.
سأل أحد الصحابة النبيّ فقال:
(( يا رسول الله، هل بقي عليّ من برِّ والديّ شيء من بعدهما أبرهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما.))
[أبو داود وابن ماجة عن أبي أسيد الساعدي]
الصلاة عليهما: صلاة الجنازة، والاستغفار لهما: في كلِّ يوم خمس مرّات في الصلاة، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، هذه أيضاً من واجبات الأبناء تجاه آبائهم.
يروى أنّ عبد الله بن عمر لقيه رجلٌ بطريق مكّة، فسلّم عليه، عبد الله صحابي جليل، وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأعطاه عمامةً كانت على رأسه، قال ابن دينار قلنا له: أصلحك الله إنّهم الأعراب وإنّهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إنّ أبا هذا كان ودّاً لعمر بن الخطّاب، وإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
(( إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودِّ أبيه.))
[مسلم عن عبد الله بن عمر]
أحياناً إذا كان شخصٌ له علاقة بوالدي أينما كان ذاهباً أوصله، وأشعر بذلك شعوراً خاصاً، هذا له حقٌ عليك، وجاء في مجمع الزوائد عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( من البرِّ أن تصل صديق أبيك )).
[مجمع الزوائد عن أنس]
كلُّكم يعلم أيضاً أنّ الأم مقدّمةٌ بالبرّ على الأب:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحقُّ بحسن صحابتي ؟ قال أُمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أبوك.))
[متفق عليه عن أبي هريرة]
الأم مقدّمة، أحد الأشخاص تنازع مع زوجته بعد أن طلّقها على رعاية ولدٍ لهما فقال للقاضي: حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فقال: أجيبي أيّتها المرأة، قالت: حمله خفّاً وحملته ثقلاً، ووضعه شهوةً ووضعته ألماً، فقال له: دعني من سجعك، وخذي ابنك وربّيه.
بعض الآداب التي جاءت عن النبيّ صلّي الله عليه وسلّم في بر الوالدين:
يوجد فرق بين رعاية الأب ورعاية الأم، لذلك النبيّ قدّم برّ الأم على برّ الأب، ولا يوجد عيدٌ للأب ولكن يوجد عيد للأم، طبعاً ليس هذا نقصاً بحقّه ولكن الأم أمرنا النبيّ الكريم أن نبدأ ببرّها.
رجل قال للنبيّ الكريم:
(( يا رسول الله إنّي حملت أُمّي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة لو ألقيت فيها بضعة من لحم لنضجت فهل أدَّيت شكرها ؟ فقال: لعلّه أن يكون بطلقةٍ واحدة.))
[الطبراني في الأوسط عن بريدة]
كلُّ هذا العمل لا يوازي طلقة واحدة أثناء الولادة.
قصّة وردت في كتب السيرة، ذكر أبو الليث السمرقندي عن أنس رضي الله عنه أنّه قال:
(( شاب كان على عهد رسول الله يسمّى علقمة، فمرض واشتدّ مرضه، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فلم ينطق بها لسانه، فأُخبر بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبيُّ: هل له أبوان ؟ فقيل: أمّا أبوه فقد مات، وله أمٌ كبيرة، فأرسل إليها، فجاءت فسألها عن حاله فقالت: يا رسول الله كان يصلّي كذا وكذا، وكان يصوم كذا وكذا، وكان يتصدّقُ بجملة دراهم ما ندري ما وزنها وما عددها، قال لها: فما حالك وحاله ؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة واجدة، قال: ولم ؟ قالت: كان يؤثر عليّ امرأته ويطيعها في الأشياء، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: سَخَطُ أُمّه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله.))
[أبو الليث السمرقندي عن أنس]
هذه القصّة تفيد أنّ سخط الأُم كبيرة في حقِّ الابن، آداب برُّ الوالدين كما جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أن لا يمشوا أمامه، وأن لا ينادوهم بأسمائهم، وأن لا يجلسوا قبلهم، وأن لا يتضجّروا من نصائحهم، وأن لا يأكلوا من طعامٍ ينظرون إليه، وأن لا يرقوا مكاناً عالياً فوقهم، وأن لا يخالفوا أمرهم، هذه بعض الآداب التي جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما برَّ أباه من شدّ نظره إليه، أحياناً النظر الحاد للأب هذا من العقوق.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل ومعه شيخ، فقال له النبيّ: يا هذا من هذا الذي معك ؟ قال: أبي، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تمشِ أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسبّ له.))
[ابن السني عن أبي هريرة]
أي لا تسبب لأبيك السباب عن طريق العمل السيّئ.
قال صاحب عيون الأخبار: " قيل لعمر بن زيد: كيف برُّ ابنك بك ؟ قال: ما مشيت نهاراً قط إلا وهو خلفي، ولا مشيت ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سقفاً وأنا تحته ".
في النهار يمشي خلفي، وفي الليل يمشي أمامي، توقّعاً للخطر.
أنواع عقوق الوالدين:
أيُّها الأخوة من العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساوياً لأبيه، يريد أن يأخذ الميّزات كلّها، من العقوق أن يستحوذ الغرور على الولد فيستحي أن يعرف بأبيه.
أحياناً الابن يتفوّق، يصبح دكتوراً مثلاً أو ذا منصب رفيع جداً ويكون والده عنده بالمكتب، فأحد الأشخاص له ابن وصل لمنصب رفيع جداً وهناك أحد أخواننا له حاجة عند صاحب هذا المنصب، قلت له: إنّ أباه من أخواننا فقلت للأب: أريد أن أتكلّم مع ابنك لنقل طالب من جامعة إلى جامعة، فقال لي: لا مانع من ذلك، ولكنني رأيته متلكّئاً، دخلنا على ابنه والغرفة ممتلئة بالمراجعين، فقال لأبيه: أبا فلان اقعد هناك، لم يشعر أحداً أنّه أبوه، وهو شخص مرموق، أنيق في لبسه، وبهيّ الطلعة لا يستحيى بمثله، فلما خرجنا سألته: أين درس ؟ فقال لي: بأمريكا معه بورد، فقلت له: على حساب من ؟ فقال لي: والله على حسابي.
على حسابه الأب الشخصي، وهذا الابن استحيا أن يشعر أحداً في الغرفة أنّ هذا أبوه هذا من عقوق الوالدين، أن يستحي الابن ذو المنصب المرموق أن يعرِّف الناس بأبيه.
في قلعة دمشق قبل خمسين سنة، وبصدفة غريبة جداً، أب برتبة مساعد في الجيش والابن نقيب، وعلى هذا المساعد حسب النظام العسكري أن يقدّم الصّف لابنه، فكان هذا الابن بعد أن يُقدّم الصّف له من قبل أبيه يأتي أمام ستمئة جندي ويقبّل يد أبيه أمام كلّ هؤلاء، إشعاراً بقيمة الأب، الابن مهما كان بمرتبة عالية إذا بالغ في احترام أبيه فهذا لا ينقص من قدره بل يرفع من قدره، فهذا من العقوق.
من العقوق ألا يقوم الولد بحقِّ النفقة على أبويه الفقيرين فيضطرّا إلى إقامة الدعوى عليه لِيلزِمه القاضي بالإنفاق عليهما، هذا عقوق، لو لم يقيموا دعوى فقد يكون الابن في بحبوحة والأبوان يعانيان، فكل ابن يرفع مستوى معيشته عن مستوى والديه وقع في عقوق الوالدين.
أمّا أكبر أنواع العقوق أن يتأفف الولد من أبويه وأن يتضجّر منهما، ويعلو صوته عليهما، وهناك من يقرّع أبويه بكلماتٍ مؤذيةٍ جارحةٍ ويجلب الإهانة لهما والمسبّة لشخصهما، هذا منتهى العقوق، أن تتكلّم كلمةً قاسية أو تأخذ موقفاً قاسياً، وأقلّ من ذلك أن تحجم عن الإنفاق على والديك، والأقل أن تستحي من أبيك أو أمّك، والأقل من ذلك أن ترى نفسك مساوياً لهما، هذه كلّها من العقوق.
النبيّ الكريم يقول:
(( ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً ؟ قالوا: بلى. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متّكئاً فجلس قال: ألا وقول الزّور والعمل به.))
[متفق عليه عن أبي بكرة]
هذه ليست كبائر، بل أكبر الكبائر.
كلّ الذنوب قد تؤخّر إلى يوم القيامة إلا ذنب العقوق فيعجّل الله لصاحبه في الدنيا:
ثلاثةٌ حرّم الله عليهم الجنّة: مدمن خمرٍ، والعاقُّ لوالديه، والديُّوث.
الديّوث هو الذي لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله.
(( من الكبائر شتم الرجل والديه، أحد الصحابة قال يا رسول الله: وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال: نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبُّ أُمّه فيسبُّ أُمَّه.))
[البخاري عن عبد الله بن عمرو]
أما النقطة الدقيقة إنّ كلّ الذنوب قد تؤخّر إلى يوم القيامة إلا ذنب العقوق فيعجّل الله لصاحبه في الدنيا، لذلك فإيّاكم أن تتعاملوا مع عاق للوالدين، لو كان فيه خير لكان خيره لوالديه، ليس فيه خير أبداً، وهذا العاق لوالديه معرّض لنقمة الله في الدنيا، فإذا شاركه أحد أو تعامل معه فالخسارة كبيرة جداً، فشارك من يكون باراً بوالديه، وصاحب من يكون باراً بوالديه، لذلك كلُّ الذنوب يؤخّرها الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنّ الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات.
نلخّص هذا الدرس بأنّ من برّ الوالدين أن لا تستسبّ لهما، وأن ترحمهما، وأن تعطف عليهما، وأن تعظمهما، وأن تصل الرحم التي لم تكن لها صلةٌ إلا بهما، وأن لا تمشي قبلهما، وأن لا تمشي أمامهما، وأن لا تقعد قبلهما، وأن تكون في خدمتهما، لأنّ هذا جزءٌ يسير من فضلهما عليك، وبالطبع إذا عرف الأب قيمة أبيه عليه أن يعرّف ابنه بقيمة أبيه أيضاً، فلا معصية من دون تكليف، فأنت أظهر لأولادك حقوق الأب عليهم وبعدها حاسبهم ففي التربية عمل عظيم والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذّة النظر إلى وجهك الكريم، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 4 ) صلة الرحم







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيّها الأخوة الكرام مع الدرس السابع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا مع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة. تعريف الإسلام ليس عبادات وإنما هو معاملات:
قد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الأبناء بحقوق الوالدين، واليوم ننتقل لتعريف الأبناء بحقوق الأرحام.
موضوع الأرحام موضوعٌ دقيقٌ جداً لكثرة ما في النصوص النبويّة الصحيحة من حثٍ على صلة الرحم، وحسبكم أنّ النجاشي ملك الحبشة حينما سأل سيدنا جعفر بن أبي طالب عن الإسلام ؟ قال: أيُّها الملك كنا قوماً أهل جاهليّة نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء.
هذه هي الجاهليّة، وهذا هو الإسلام، بتعريفٍ بليغٍ موجزٍ جامعٍ مانعٍ، والعجيب أيُّها الأخوة أنّ تعريف الإسلام في نظر هذا الصحابيّ الجليل ليس عباداتٍ إنّما هو معاملات، فهل هذا واضح ؟ تعريف الإسلام ليس عبادات، إنما هو معاملات.
لذلك العبادات نوعان: عباداتٌ شعائريّة، وعباداتٌ تعامليّة، ولا قيمة للعبادات الشعائريّة ما لم تصحّ العبادات التعامليّة، أتحبون الدليل.
أدلة من القرآن والسُّنة على أنه لا قيمة للعبادات الشعائريّة ما لم تصحّ العبادات التعامليّة:
قال تعالى:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾
( سورة العنكبوت: آية " 45 " )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/01.jpg
في الحديث الشريف:
((مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.))
[تفسير ابن كثير عن ابن عباس مرفوعاً]
في الصيام قال تعالى:
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾
( سورة البقرة: آية " 183 " )
في الحديث الشريف:
((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))
[ أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
الزكاة قال تعالى:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾
( سورة التوبة: " 103 " )
وكذلك في الآية الشريفة قوله تعالى:
﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾
َ ( سورة التوبة: آية " 53 " )
في الحج قال تعالى:
﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 97 " )
في الحديث الشريف:
(( من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))
[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]
كلامٌ واضحٌ كالشمس.
الفرق بين الأسر المتماسكة والأسر المتباغضة كالفرق بين الجنة والنار:
العبادات الشعائرية لا قيمة لها إطلاقاً ما لم تصحَّ العبادات التعامليّة، صدق، أمانة، عفّة، استقامة، وفاء الوعد، إنجاز العهد، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ))
[رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وابن حبان عن أنس رضي الله عنه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/02.jpg
ليس عنده إيمان، المؤمن الصادق تأمنه على روحك، وعلى مالك، وعلى عرضك، هذا هو المؤمن، مطمئن إلى أقصى درجة، ولا دين لمن لا عهد له فأذكر لكم مثلاً أعيده كثيراً:
تسعة أشهر دراسة، وست ساعات فحص، وهذه الست ساعات هي الصلاة أو الصيام أو الحج، فإذا لم تكن الدراسة موجودة فلن ينجح، فلو أن طالباً معه ستة أقلام حبر احتياطاً ورغيفان من الخبز، ودواء مسكن، وقليلاً من الماء البارد، والسيّارة أوصلته لمكان الفحص والسائق في انتظاره ولكنه لم يقرأ من المقرر شيئاً، فما قيمة كلّ ذلك ؟ الامتحان ليس له قيمة أبداً.
يا أيُّها الأخوة، يجب أن نربّي أولادنا على رعاية حقِّ الأرحام، والشيء الملاحظ أنّ هناك أُسراً والله أعتزُّ بها لما عندهم من الترابط، تجد الأب والأولاد في محبّة وتعاون وتضحية ومؤاثرة، وسبحان الله في النهاية ترى هذه الأسرة بأكملها في المسجد، لشدّة الصلة بينهم، وللتعاون، فإذا انساق أحدهم إلى أهل الحقّ جرَّ معه الآخرين، وهناك أسر بالمحاكم، يقول لك: أربعون سنة ولم يتكلّم مع أخيه، وبالقضاء، أسر كثيرة جداً.
أي بين الجنّة والنار، أسرة متماسكة، ومتعاطفة، ومتعاونة، ومتآزرة، كأنّهم في جنّة، وأسرة متباغضة، متحاسدة، شقاق بينهم، عداوة، بغضاء، محاكم، طلب نفقة، فهل هذه الحياة حياة !
الرحم كلُّ من ترتبط بهم بالقرابة أو النسب:
لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جداً حضَّ على صلة الرحم، من هم الرحم ؟ الرحم كلُّ من ترتبط بهم بالقرابة أو النسب، بعض الناس يظنون الرحم فقط أقرباء الأم، لا، الرحم كلُّ أقربائك من جهة الأب أو من جهة الأم، والعلماء سلسلوا هؤلاء الأقرباء على الشكل التالي:
الآباء والأمّهات أي الأُصول، الأجداد والجدّات مهما علوا، الأخوة والأخوات، الأعمام والعمّات، أولاد الأخ وأولاد الأُخت، الأخوال والخالات، ثمّ من يليهم من الأقرباء الأقرب فالأقرب.
أي آباؤك، وأجدادك، وأولادك، وأحفادك، و(أُخوتُك) إخوتُك وأَخواتك، وأولاد إخوتك، وأولاد أخواتك، وأعمامك، وأخوالك، وأولاد أعمامك، وأولاد أخوالك، وعمّاتك، وخالاتك، أي كلّ أقربائك دخلوا في كلمة الرحم.
الحقيقة أنّ سبب تسمية الرحم هكذا قال: لاشتقاق الرحم من اسم الرحمن، وقد قال بعض علماء التوحيد: الرحمن اسم الله الأعظم والدليل قوله تعالى:
﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 110 " )
لذلك في المصاحف الشريفة في الطبعات الحديثة تجد مكتوباً بالأحمر الله، الرحمن، إله، هو، الرحمن اسم الله الأعظم.
الرحم مشتقّة من الرحمن:
الرحم مشتقّة من الرحمن، ربّنا عزَّ وجلَّ خلق الخلق ليرحمهم فقد قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾
( سورة هود آية: " 119 " )
خلق الخلق ليرحمهم:
(( أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ))
[رواه أبو داوود والترمذيّ عن عبد الرحمن بن عوف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/03.jpg
ألا يكفي هذا الحديث، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، مثلاً: له أخت متزوّجة بالمخيّم ومن سنتين لم يذهب لعندها لأنّها فقيرة، زوجها فقير، أمّا هو عنده ولائم وسهرات، وأدوار، وأشياء مرتّبة، وبيوت فخمة، وطعام نفيس، وهذه الأخت فقيرة، من وصلها فقد وصلته، ومن قطعها فقد قطعته، ألا تعرف أحياناً عندما تزور أختك فتنتعش وتسرّ بتلك الزيارة، وتعطيها حماساً وترفع شأنها أمام زوجها.
والله يوجد أخ من أخواننا كنت لا أعرفه سابقاً، قال لي: أنا أحضر عندك منذ ست سنوات، وسألني سؤالاً أنّ له أختاً معذّبة مع زوجها، فقال لي: أنا أزورها كل أسبوع مرتين أو ثلاث وأُواسيها، وأخفف عنها، وأحاول مساعدتها، والله يشهد أنّ هذا الأخ كبر في نظري إلى درجة لا تصدّق، فمن لها غير أخيها ؟ إذا زارها أخوها ونصحها، أحياناً يصبّرها ويخفف عنها، وأحياناً يمدح لها زوجها، قد لا يعجبها زوجها، لكن لم تنتبه لبعض المميزات والأشياء الجيدة فيه أنّه شريف مثلاً، ماله حلال، وأخلاقه عالية، وسمعته طيّبة، ولكن بيته صغير، ودخله قليل، أحياناً الأخ بعلمه يبيّن لأخته قيمة زوجها.
لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، وهي أفضل شفاعة على الإطلاق، أي تقنّع الزوجة بزوجها، وتقنِّع الزوج بزوجته.
صلة الرحم أولها زيارة وثانيها مساعدة وثالثها هدى:
يوجد أقرباء والعياذ بالله، قال لي أحدهم: شكوت زوجتي لأخيها فقال لي: طلَّقها فهذا أفضل لك، هذا الأخ ـ أخ الزوجة ـ نصح زوجها بتطليقها، هذا أخ ! ولكن يوجد أخ ثانٍ على مستوى راقٍ.
أنت عندما تزور أختك، أو تزور ابنة أخيك، أو ابنة أختك مثلاً، أو ابن عمك زرته، وطبعاً الكبراء يُزارون ولكن يوجد من ورائهم مكسب، بزيارتهم تزداد عزاً ويحتفل بك بضيافة من الدرجة الأولى، لكن بطولتك ليست مع الكبراء، أن تكون أنت كبير ولك قريب صغير، أو مهمل، أو على هامش الحياة فإذا زرته أنعشته.
إذاً:
(( أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ))
[رواه أبو داوود والترمذيّ عن عبد الرحمن بن عوف ]
هذا الحديث يجب أن يحضّنا جميعاً، على كل شخص أن يعيّن يوماً كالجمعة مثلاً وفي الشتاء الليل طويل، ومن المغرب حتى العاشرة مساءً لزيارة الرحم ولو ربع ساعة، فلا تستحِ من إعطاء القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه، أو أحياناً اتصالاً هاتفياً والسؤال عن صحة أختك وحالها وسؤالها عما تحتاجه ؟ وبثها شوقه، وأن يطلبها للمجيء لعنده، ثمّ يسلّم عليها ويودّعها، فهذه المخابرة منعشة، لأنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّنا أن نكون على قلبٍ واحد، يحبُّنا أن نكون يداً واحدة، صلة الرحم تدعم التكافل الاجتماعي.
بعد قليل سأقول لكم ما معنى صلة الرحم، أكثر الناس يظنون أنها زيارةٌ فقط، فأولها زيارة، وثانيها مساعدة، وثالثها هدى.
أوّل شيء تزور، فإن وجدت حاجة إلى مساعدة، أو دفع مبلغ من المال، فإنني أروي قصّة نموذجيّة لأحد أخواننا لعلي قلتها سابقاً، ذات مرّة زار أحد الأخوة أخته فوجد خصومة بينها وبين زوجها على مبلغ من المال تطلبه منه كلّ شهر وهو يأبى أن يعطيها إيّاه، هذا الأخ له دخل محدود لكن أراد أن يتقرّب إلى الله، فقال لها: يا أختي هذا المبلغ عليّ وأنهوا هذه المشكلة، وأصبح كلّ أول شهر يدفع لها ثلاثمئة ليرة وهذا المبلغ هو سبب خلافها مع زوجها كسوة لها، ولكن زوجها دخله محدود ولا يكفيه معاشه وليس معه وهي مصرّة على الثلاثمئة ليرة فتحمّل دفعها هذا الأخ، فطرق عليها في اليوم الأول من الشهر الأول ودفع لها المبلغ، وكذلك فعل في الشهر الثاني والثالث.
قال لي هذا الأخ الكريم: في الشهر السادس طلبت أخته منه درساً دينياً لبناتها، ثم بعد ذلك حضر كلّ من بنات الأخت وبنات الأخت الثانية، فقام بتدريس بنات أخواته كلهن درساً أسبوعياً، وقال لي: وأنا على قدر معلوماتي، أية آية سمعتها من أحد الدروس، أو حديثاً، أو حكماً فقهياً، أو قصّة عن الصحابة، فالدرس أنعشني، وشعرت بقيمتي.
العلم يزكو على الإنفاق وزكاة العلم نشره:
عندما يدعو الإنسان إلى الله عزَّ وجلَّ يشعر بقيمته، وأنا لا أكتمكم أنّ أول مستفيد من الدعوة هو الداعي نفسه، أول من يستفيد من الدرس هو المدرس، أول من يستفيد من الدرس هو المعلم، الموجه، المرشد، الداعي نفسه، لأنّ العلم أيُّها الأخوة زكاته بإنفاقه، فكلّ شيء إذا أنفقت منه يقل إلا العلم يزكو على الإنفاق، وزكاة العلم نشره، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/04.jpg
بلغوا عني، فأنا الآن أدعوكم، فأنت تحضر خطبة جمعة، وهي ساعة إلا ربعاً فلم يثبت بذهنك آيةٌ واحدةٌ أو حديث هل هذا معقول ؟ إلا إذا كان ـ لا سمح الله ـ النفاق موجوداً، فالمنافق عندما كان يحضر عند رسول الله إذا انفض من عنده قال كما ورد في القرآن الكريم:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) ﴾
( سورة محمد: آية " 16 " )
قد يقول أحد الأشخاص: والله لم أذكر شيئاً من الدرس، فأنا دائماً أقول: إذا لم يكن الإنسان صادقاً في طلب الحق يصبح مثل آلة التصوير من غير فيلمٍ بداخلها، ولو كانت غالية الثمن، ولو انتقى المنظر الجميل، وضبط كل من المسافة والسرعة والفتحة، وضغط على الزر ولكن لا يوجد فيلم بداخلها، لأنّه لا يطلب الحق فلا يظل أو يثبت شيء مما يستمع إليه، فلو حضر الإنسان واستمع إلى خطبة جمعة، أو درس في التفسير، أو درس في الحديث أو في السيرة فهل من المعقول أن لا يبقى شيء مما استمع له ؟!
اجعل هذا الشيء الذي استمعت له مدار الحديث طوال الأسبوع، إن دعيت لغداء فأخبر الموجودين أو المدعوين عن الخطبة وماذا قال فيها الخطيب، فهذا كلام جميل، وإن دعيت لسهرة، أحياناً يكون عقد للقران، أو حل لمشكلة، أو زيارات دوريّة للأصدقاء أو الأقارب، ففي كلّ لقاءاتك بلّغ، هكذا النبيّ قال:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
نشر الحق والتواصي به ركن من أركان النجاة:
أنت حينما تخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق تشعر بسعادة الداعية، فلا تصدّق، قد يبذل الدعاة جهداً جهيداً، ويعملون ليلاً ونهاراً ولكن والله هم أسعد الناس، يحس بإنسانيته وأنّه في خدمة الحق.
أقول دائماً الدعوة ليست حكراً على الدعاة، فكلّ مسلمٍ ينبغي أن يكون داعية.
أحد الأخوة أعجبني فقد قال لي: أنا لا أعرف أن أتكلّم ولكنني آخذ أشرطة وأقوم بتوزيعها، وبهذه الطريقة حضر للدروس حوالي عشرة إخوة يستمعون إليك.
هذا شيء جميل، فالآن الوسائل ميسّرة، فأنت لا تستطيع أن تتكلّم فيوجد من يتكلّم عنك، لكن يجب عليك أن تنشر الحق، لأن الحق إذا لم ينتشر فسينتشر الباطل وسيحاصر الحق، أنت ربما تظن الآن أنك تنشر الحق لكي ينمو، لا، بل للحفاظ على وجودك، والدليل: الله قد جعل نشر الحق والتواصي به أحد أربع أركان النجاة فقد قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
هذا اللسان يجب أن يكون طليقاً بذكر الله، عوّد نفسك أن يكون كلامك من عملك والعمل محاسب عليه أينما جلست، فالحديث عن الدنيا يفرِّق، والحديث عن الآخرة يجمع، قد يكون بالجلسة تاجر أو مهندس أو موظف أو طبيب، فإذا تكلّم التاجر عن تجارته ودخله وأرباحه، تجد الكل ساكتاً لأن بعض الجالسين راتبه لا يكفيه خمسة أيام بالشهر، وسمع من أحد الحاضرين أنّه بصفقة واحدة كسب أربعمئة ألف، فيتضايق، ويقول في نفسه ما هذا الراتب الذي أتقاضاه فأنا أعيش على هامش الحياة، فإذا كان الحديث الدائر عن الدنيا يحدث الانقباض، أما إذا كان الحديث عن الله عزَّ وجلَّ تجد كل القلوب تستمع إليه، لذلك اذكر الله دائماً، وليكن لسانك رطباً بذكر الله.
كيفية بر الوالدين بعد موتهما:
إذا أردت أن يكون لك ابن يصل رحمه أول شيء كن أنت قدوة له، قل له: قم يا بني لنزور عمّتك، أو خالتك، أو نزور أختك اليوم فمنذ شهر لم نرها، أو لنتحدث معها هاتفياً، فإذا رأى الابن أن أباه يزور أقاربه، وأساساً عندما سأل أحدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(( يا رسول الله، هل بقي عليّ من برِّ والديّ شيء من بعدهما أبرهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما.))
[الحافظ اللالكائي عن أبي أسيد]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/05.jpg
هذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما، أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما.
يجب أن نقول: أولاً زيارة، ثانياً تفقّد الأحوال، فاستمعوا إلى الآية الكريمة، فمن هو الذي يستحقُّ الصدقة ؟ هل هو السائل ؟ لا، الذي يلح كثيراًَ ؟ لا، اسمعوا القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) ﴾
( سورة البقرة: آية " 273 " )
الذي ينبغي أن تساعده لن يسألك، ولن يطلب منك، هو أعفُّ من ذلك، إذاً ماذا لزاماً عليك أنت أن تفعل ؟ عليك أن تتفقّده، فما دام هو لن يقول لك أعطني لأنّه عفيف وعزيز النفس، فماذا تعني صلة الرحم ؟ تعني تفقّد الأحوال، تسأل عن أخبارهم، وأوضاعهم، تسأل أختك: المدارس حان موعدها فهل يلزمك شيء ؟ بالطبع يلزمها ألبسة وخلافه، وإن كان الجو بارداً فيلزمها ثمن وقود للتدفئة، فاسألهم هل عبأتم خزان الوقود ؟ أنت في حالة ماديّة جيّدة وهي لم تعبئه.
الصلة تعني الزيارة، إنعاش اجتماعي، وتعني ثانياً التفقّد، فتوجد مواسم للمدارس، أو التدفئة بالوقود، أو الألبسة، أو في الأعياد، أما الصلة الثالثة هي: الهداية.
عندما تتفقدهم بالزيارات، وتتفقدهم بالمعونات أصبح لك مكانة كبيرة عندهم والآن أصبحت كلمتك مسموعة، وتوجيهك مقبولاً على العين والرأس، لكن لا يوجد أصعب من توجيه الغني للفقير، فالفقير يتلوّى من جوعه والغني يحدّثه بالقيم، شيء يغيظ تماماً، أما إذا عاونته وقدمت له المساعدة فالآن كلامك أصبح مسموعاً وتوجيهك مقبولاً، فوطّنوا أنفسكم على أنّ صلة الرحم تعني: الزيارة الإنعاشية، والتفقّد الاقتصادي، ثمّ الدعوة إلى الله هذا أعظم عمل، فيا ترى من أحقّ الناس بحسن صحابتك ؟ أقرباؤك.
اتقوا الله أن تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها:
أنا أقول دائماً كلمة: الناس العاديّون أنت لهم وغيرك لهم، أما أرحامك من لهم غيرك ؟ لهذا علماء الفقه قالوا: " لا تقبل زكاة المسلم وفي أقربائه محاويج ". فبادئ ذي بدء تفقّد أقرباءك الذين لا يعرفهم أحد إلا أنت، اسمعوا الآيات الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
أي اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها هكذا المعنى المراد، لكن توجد بالآية كلمة لطيفة جداً فما معناها وهي: واتقوا الله الذي تساءلون به، فأنت سائر في الطريق، ومرّ شخص هل تستطيع أن تمسك به وتطلب منه أن يعطيك مئتين من الليرات ؟ سوف ينظر لك بازورار، لماذا الابن يسأل أباه بإلحاح وجرأة ؟ لأنّه يعلم أنّ الله أودع في قلب أبيه رحمةً به، تجد شخصاً له مكانة كبيرة والجميع يهابونه إلا ابنه يطلب منه بإلحاح، فمن له غيرك ؟ فلولا أنّ الله أودع في قلب الآباء هذه الرحمة لما تجرّأ الابن وقال لأبيه: أعطني، دليل الرحمة فقد قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
لولا هذه الرحمة التي أودعها الله في قلوب الآباء والأمهات، فأحياناً يكون مع الأم في حقيبتها مبلغ من المال فيأخذ ابنها منه قسماً فلا ينشأ من هذا الفعل شيء يغضبها لأنها أمه، يوجد مودّة ورحمة ومحبّة، ويحسّ الإنسان أنّ الأم والابن شيء واحد وكذلك الأب والابن، فهذا معنى الآية:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
الدعوة إلى قطيعة الرحم من الكبائر:
الآية الثانية قال تعالى:
﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 26 " )
وقال تعالى:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36) ﴾
( سورة النساء: آية " 36 " )
بالمقابل تقول الآية:
﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) ﴾
( سورة الرعد: آية " 25 " )
أي الدعوة إلى قطيعة الرحم من الكبائر، وقطيعة الرحم من الكبائر، فإذا قلت لأحد الأشخاص: لا تزر. فهذه كبيرة، فالدعوة كبيرة والقطيعة كبيرة.
الإنسان كلّما كان عظيماً لا ينسى الفضل:
يقول لي أحدهم إن لي أقرباء غير منضبطين ؟ فأجيبه بقولي: إنّك إذا لم تزرهم سيزدادون تفلّتاً، فإذا زرتهم ونصحتهم بالحسنى والحكمة ربما انضبطوا، أو ربما أوقفتهم عند حد، إذاً زيارتك مهمة جداً قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة الرعد: آية " 25 " )
وقال تعالى:
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) ﴾
( سورة محمد: آية " 22 " )
والله أيها الأخوة لو قرأتم ما في السيرة النبويّة من إكرام النبي لمرضعته حليمة السعديّة لاقشعرّ جلدكم، كان يمدُّ لها الرداء، وقد أكرم قومها بأن أطلق كلّ أسراهم، أعطاهم كلّ سؤلهم لأنّ حليمة السعديّة أرضعته.
الإنسان كلّما كان عظيماً لا ينسى الفضل، ولا ينسى الفضل إلا عديم الأخلاق والإيمان.
ثمرات صلة الرحم:
الآن ثمرات صلة الرحم ودققوا فيها جيداً:
(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة ]
1ـ من لوازم الإيمان صلة الرحم:
أي أنّ من لوازم الإيمان صلة الرحم، أي إن لم تصل رحمك فهناك شكٌ في إيمانك، في أصل إيمانك أو في كمال إيمانك على اختلافٍ بين العلماء، فأحياناً تجد شخصاً ذا رزق وفير أي زائد، فدقق تجد أنّه يصل رحمه لأخته أو ابنة أخته عند زواجها أهداها غسالة أو برّاداً، وهذه أقرضها وهذه أعطى لابنها بدلاً، دفع الأموال إلى الأقرباء هذا مما يستدعي الرزق.
2ـ صلة الرحم تزيد في العمر وتوسّع في الرزق:
روى الشيخان أي البخاري ومسلم وهذا الحديث من أعلى درجات الحديث أي ما اتفق عليه الشيخان:
(( من أحبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ))
[ رواه الشيخان عن أنس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/06.jpg
أحد أسباب زيادة الرزق صلة الرحم، فإنّك عندما تنوي زيارة أقربائك وتقدّم لهم المساعدة فالله يحاسب عنك، يجعل المساعدة على حسابه، فيدفع لك.
أحد الأخوة قال لي: اتصلت بي أختي هاتفياً وطلبت مني خمسة آلاف ليرة، وكان الوقت صعباً جداً فلم يكن معي فالإنسان عسر ويسر، دخلت في صراع مع نفسي، معي مبلغ ولكن له مصارف ذات أهميّة كبرى، وبعد صراع طويل قررت أن أعطيها خمسة آلاف، فذهبت إلى بيتها وأعطيتها المبلغ، ونزلت إلى المحل التجاري بالبزورية، فجاءني تاجر من السعوديّة يريد شراء قمر الدين، والقصة قديمة، فقلت له: ليس عندي. فقال لي: دلني، فقلت له: في المحل الفلاني وكيلٌ للمعمل، فقال لي: خذني معك وأوصلني لعنده، فقلت له: تفضل، فأوصلته وقلت له هذا يريد شراء قمر الدين، وفي المساء بعث البائع لي ظرفاً به عشرة آلاف من الليرات وهو لا ينسى هذه القصة، طبعاً إذا أضافها على الزبون فهذا حرام، وذلك دون ذكر لتفاصيل الحكم الشرعي، أما إذا أعطاها من ربحه فلا شيء في ذلك.
إذا أعطيت إنساناً كان سبباً لصفقة ما، كان سبباً وبذل جهداً فأعطيته مبلغاً من ربحك فلا مانع في ذلك، أما إذا أضفته على الزبون فهذا العمل لا يجوز فعله.
أخ ثانٍ كان له صديقٌ مصاب بانزلاق غضروفي ويجب أن يستلقي على فراش خشبي لمدة شهر، وهو ذو دخل يومي وليس راتباً، فيحتاج إلى مبلغٍ طوال هذا الشهر، فألزم نفسه بتأمين المبلغ له أثناء فترة مرضه، ولكنه ظلّ مريضاً شهرين ودفع له فيهما عشرين ألفاً والقصة طويلة، فقال لي: والله كانت هناك عمليّة معيّنة خارج اهتمامي وخارج كل توقعاتي الله رزقني منها أربعين ألف ليرة، القصص كثيرة جداً:
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
إذاً صلة الرحم تزيد في العمر وتوسّع في الرزق، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان:
(( من أحبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ـ أي يزاد له في عمره ـ فليصل رحمه ))
[ رواه الشيخان عن أنس ]
3ـ صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء:
صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء، فذات مرّة كنت في طريقي إلى عملي فوجدت أمام القصر العدلي إنساناً ملقىً على الطريق ومغطىً بقطعة من القماش، فسألت ؟ فقالوا: والله مات هنا، فذهبت لفترة ثماني ساعات ورجعت وهو في مكانه والناس عليه وفوقه ينظرون.
أهذه ميتة !! ويوجد رجل من أهل العلم جلست معه في تعزية وخرجنا معاً، شاهد إنساناً له سيّارة خاصّة فطلب من هذا العالم أن يوصله، فما أن خرج من بيت التعزية حتى عرض عليه هذا الأخ الكريم وبالطبع العالم محترم فقال له: الله يرضى عليك شكراً، فأوصله لبيته، والبيت في الطابق الرابع، وصعد إليه، ودخل إلى غرفته، وخلع جبته، وقلع عمامته، واستلقى على الفراش، وأسلم الأمانة إلى بارئها، وهذا من تكريم الله له فلو أحبّ أن يأخذ تاكسي لمات فيه وأُخذ إلى المشفى ووضع في البراد أليس كذلك ؟ لكن الله ألقى في قلب هذا الأخ ـ وهو لا يعرفه ـ بأن يوصله، وهذا الأخ بيته بجانب البيت المقام فيه العزاء وليس على درب الشيخ وأراد أن يكرمه بهذا التوصيل، فقال لي ابن العالم: أنت آخر من كلّمه، ولم يكلّم أحداً بعدك، فصلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء لما روي عن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله أنّه قال:
(( إنّ الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة السوء، والمكروه والمحذور.))
[أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه]
كذلك هناك ميتة على قدر عالٍ، كأن يموت بين أهله وأولاده معززاً ومكرّماً، وتقام له تعزية رسميّة والدليل قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾
( سورة الجاثية: آية " 21 " )
هناك ميتة راقية جداً، ويوجد إنسان يموت بالمرحاض، فشخص بالهند ادّعى أنّه المسيح المنتظر وكان هناك وباء الكوليرا متفشياً وكان يقول: أنا من معجزاتي أنني لن أُصاب بهذا المرض، فلم يمت إلا مصاباً بهذا المرض وفي المرحاض، توجد ميتة سوء.
4ـ صلة الرحم تعمّر الديار وتثمّر الأموال:
صلة الرحم تعمّر الديار وتثمّر الأموال:
(( إنّ الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال. فقيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟‍‍‍‍ قال: بصلتهم الرحم ))
[ رواه الطبراني والحاكم عن ابن عبّاس ]
أحياناً تجد إنساناً ماله مبارك، يشتري بيتاً، أو يشتري محلاً، يشتري مزرعة أحياناً وترتفع الأسعار، ويزوّج أولاده ويسكّن أولاده بالبيوت وهو قد بدأ من الصفر، فمن أين له ذلك ؟ فيه بركة ونماء، وتجد إنساناً آخر أينما تحرّك لا يأتي بخير، يقول لك: جميع الطرق مغلقة أمامي.
(( إنّ الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال. فقيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟‍‍‍‍ قال: بصلتهم الرحم ))
[ رواه الطبراني والحاكم عن ابن عبّاس ]
هذا هو الحديث الرابع.
5ـ صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفِّر الخطايا:
صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفِّر الخطايا.
(( أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجل. فقال: إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة ؟؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل لك من أم ؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة ؟ قال: نعم. قال: فبرّها ))
[ رواه ابن حبّان والحاكم عن ابن عمر ]
معنى ذلك أنّ الخالة في منزلة الأم:
(( قال: هل لك من أم ؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة ؟ قال: نعم. قال: فبرّها ))
[ رواه ابن حبّان والحاكم عن ابن عمر ]
أي ببرها يغفر ذنبك.
6ـ صلة الرحم تيسّر الحساب وتدخل صاحبها الجنّة:
صلة الرحم تيسّر الحساب وتدخل صاحبها الجنّة:
(( ثلاثٌ من كنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنّة برحمته. قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنّة ))
[ رواه البزَّارُ والطبراني والحاكم عن أبي هريرة ]
7ـ لا يدخل الجنة قاطع رحم:
أما الشيء الخطير:
(( لا يدخل الجنّة قاطع رحم.))
[الطبراني وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جبير بن مطعم ]
ماذا ينبغي أن نفعل بعد هذا الدرس ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/07.jpg
قبل أن تعلّم أولادك كن أنت في هذا المستوى، اعمل جرداً لأقربائك، وحاول أن تعمل زيارة أسبوعيّة، فإذا لم تتمكن فلتكن الزيارة نصف شهرية، وإذا لم تتمكن فلتكن زيارة شهرية، أما أدنى حد على الإطلاق فبالأعياد الرسمية، عيدي الأضحى والفطر، هذا العيد للرحم، هذا الحد الأدنى، ولو بعدت المسافات، بطرف المدينة أو بقرية من قرى الغوطة.
ادع إلى الله تكن سبباً في هداية الناس:
لا بدّ من أن تزور رحمك أولاً، وأن تتفقد أحوالهم ثانياً، وأن تدلّهم على الله ثالثاً، والأكمل من ذلك أنت طالب علم ورائد من روّاد المسجد، وتحضر أربعة أو خمسة دروس أسبوعياً مع الخطبة، عليك أن تعطي درساً صغيراً لأخواتك البنات، وأولاد أخواتك البنات فهؤلاء مجموعة، أعطهم درساً وقم بتحضيره أولاً قبل يومٍ من اجتماعكم، تفسيراً لآية، وحديثاً له علاقة بالآية، وحكماً فقهياً وقصّة من قصص الصحابة، اجمعهم وقم بإكرامهم، فهذا الدرس ينعشك لأنّك كنت سبباً في هداية الناس، الآن يوجد ضياع فإن تركتهم فسيتربون بوسائل لا ترضي الله عزَّ وجلَّ.
أنا أقترح على كل أخ من أخواننا الكرام أن يدعو، فلا تقل أنا لست داعية، فمن قال لك أنّك داعية بل ينبغي أن تكون داعية شئت أم أبيت، فادع بناتك أو بنات أخواتك، أعطِ درساً للإناث إذا كان لك أخٌ مشغول، تاجر وغارق في تجارته وعنده عدد من الأولاد فيهم من الخير فادعهم لعندك وحدد لهم يوماً في الأسبوع، فإذا وجدوا درساً محضّراً وجيداً، آية، حديثاً، حكمة، قصة أحياناً، " صور من حياة الصحابة " سبعة أجزاء وهو كتاب لطيف جداً، اقرأ لهم قصّة عن الصحابة، تروي لهم حُكماً فقهياً، دعابة، تقدم لهم ضيافة، فالضيافة تجذبهم وهي لله عزَّ وجلَّ.
إذا تمكنت من أن تحيط هؤلاء الشباب أولاد أخيك بالرعاية وتوجّههم، وكذلك أولاد أختك، وبنات أختك هؤلاء رحمك، فأنت كن داعية لأقربائك، بعد عدة أشهر تجد بنات أخواتك قد تحجّبن بعدما اقتنعن بالدين، وأولاد أخواتك أصبحوا يصلون، ثم بعد ذلك حضروا معك إلى الجامع، ثمّ أصبحوا مؤمنين، وأصبحوا قرّة عين لأوليائهم هذا عمل عظيم.
صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العليا يوم القيامة:
هذا الذي قال عنه النبيُّ الكريم لسيّدنا علي كرّم الله وجهه:
(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
(( خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/08.jpg
إذا أراد أحدكم أن يترجم هذا الدرس إلى مجلس علم صغير ضمن أسرته فهم رحمك، وأقرب الناس لك هم أخواتك الذكور والإناث، وأولاد أخواتك ذكوراً وإناثاً، درس أسبوعي ثابت، آية وحديث وقصّة أو تحفيظ للقرآن، يقرأ كل واحد من الحضور نصف صفحة واستمع إليه، فإن كنت متقناً للتجويد علّمته التجويد، وتفسير آية أو اثنتين، وحديثاً اجتماعياً للنبي، وقصة قصيرة في خلال ساعة من الزمن، فشعرت بقيمتك وأنّك إنسان وصاحب لرسالة، وشعرت بأنّك أصبحت في قلوب الآخرين، هذا الذي أتمنّاه عليكم من هذا الدرس، هذا الدرس ينبغي أن يترجم عملياً.
ما من أحدٍ أصغر من أن يرشد الناس، وما من أحدٍ أكبر من أن يستمع إلى النصيحة، أي ما من أحد أصغر من أن يَنصح، وما من أحد أكبر من أن يُنصح، لذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مفتاح خير لنا جميعاً في دعوة أقاربنا ورحمنا إلى الله عزَّ وجلَّ، لكن الإحسان قبل البيان، افتح قلوبهم بالإحسان قبل أن تطالب آذانهم أن تفتح لك بالبيان، افتح قلوبهم بالإحسان، وكل شيء تقوم بإنفاقه في سبيل جلب القلوب لا يعلم إلا الله كم أجره ؟ فالهديّة رسول، فإذا كان لك ابن أخ وهو بحاجة إلى هديّة وقدّمتها له أحياناً قلم، وكلّ إنسان بحسب إمكاناته، فالقلم يفتح له قلبه تجاهك، أو دفتر، أو كتاب يكون بحاجة له، أو بذلة فتوّة أول موسم الدراسة، إذا أنت حاولت أن تهدي أقرباءك هدايا ثمينة وهم بحاجة لها فبذلك فتحت لهم قلوبهم، وهذا الدرس هذه هي ترجمته.
إذا استطاع كل منكم أن يقنع أحد أقاربه بالاستقامة ومعرفة الله يكون بذلك قد حقق هذا الدرس، صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العليا يوم القيامة:
فقد روى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( ألا أدُلُّكم على ما يرفع الله به الدرجات ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[ أخرجه البزَّار والطبراني عن عبادة بن الصامت ]
درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح:
الآن لنا تعليق لطيف جداً، حديث يقول فيه النبيّ الكريم:
(( ليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.))
[رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أي أن فلاناً زارك فتزوره، له عندي زيارة، هذه ليست صلة للرحم، أما صلة الرحم أن يكون الموصول إنساناً قطعك فوصلته، أو حرمك فأعطيته، ظلمك فأنصفته، هذه أخلاق المؤمن، أما المعاملة بالمثل هذا أسلوبٌ غريبٌ، لكن المؤمن لا يتقيّد بهذه القاعدة بل يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه.
فقد قال الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
يوجد تحفُّظ واحد إذا كان بيت خالته فيه بنات سافرات متفلّتات، فذهبنا لصلة الرحم فاستأنسنا بهؤلاء الفتيات، وجلسنا جلسة لطيفة جداً حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وخرجنا وقلنا: الحمد لله اليوم قمنا بصلة الرحم، لا، لا تصدّق نفسك، فالقاعدة الفقهيّة تقول: دع خيراً عليه الشرُّ يربو، وكذلك: درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح.
أحياناً تكون في النيّة صلة رحم ثم تصبح بعد ذلك صلة أُخرى من نوع آخر، فهذا غير مقبول على الإطلاق، هذه طاعة، والطاعة يجب أن تكون نظيفة من كلّ مخالفة.
أي لك خالة فخالتك فقط، فإذا كانوا لا يتقيّدون فلا نزور، ولكن يمكن مخابرتها هاتفيّاً، فإذا لم تتقيّد خالتك بعد إخراج بناتها أمامك، معنى ذلك أنهم لم يعتبروك أو يهتموا بك، عندئذٍ: دع خيراً عليه الشر يربو، فإذا لم تتقيّد بنات عمّتك ولم يتحجّبن منك وجلسن معك سافرات كاسيات عاريات وقُلن لك: أصبحت شيخاً يا فلان، كذلك يمزحن معك، هذه الصلة لا نريدها فاحفظ قدرك وامكث في بيتك، نحن نصل من يقدّر اتجاهك، من يقدّر دينك وورعك وعلمك، وهذه الصلة ليس فيها معصية أبداً، بل طاعة لله، فهي عمّتك أو خالتك، أما إذا وجد الاختلاط أو النظر فالآن دخلنا في موضوع آخر غير الصلة المشروعة وليس لنا علاقة به على الإطلاق.
لذلك ضع هذه القاعدة في ذهنك: درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المنافع، وكذلك: دع خيراً عليه الشرّ يربو.
كل إنسان له نقطة ضعف والكل له مأخذ:
عندئذٍ هذا ليس صلة رحم ولكنّه معصية، فالشيطان في بعض الأحيان يعمل لك مداخلات ويقول لك: ما هذا ألا يوجد عندك دين ؟؟ أليسوا هؤلاء بنات عمّتك وقاطعتهم إلى الآن شهراً ؟! هؤلاء نساءٌ أجنبيّات عنك ولا يحقُّ لك أن تنظر إليهنّ أبداً، والنظر إليهنّ مفسدة، والحديث معهنّ مفسدة أكبر، والسهرة معهن أكثر.
إذاً فلنا تحفُّظٌ وحيدٌ، لأنّ كثيراً من الأخوان يقولون لي: أثناء الزيارة حدثت المفسدة، فإذا كان هناك من الضمانات أن تزور خالتك من دون بناتها، وعمّتك من دون بناتها، ولا يوجد اختلاط ولا نظر، فلا مانع في ذلك بل بالعكس هو واجبٌ عليك، وإذا وجد الاختلاط ففي هذه الساعة تتصل بها هاتفيّاً، أو تدق على عمتك مثلاً الباب وتخبرها أنك مستعجلٌ وهل يلزمها شيء منك ؟ أي بحكمة، فقد قمت بالصلة وأعطيت درساً في الوقت نفسه، إذا وجدت الضمانات فلا مانع من الزيارة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-1/1601/ar-1601/09.jpg
بصراحة أقول لكم: إنّ كل إنسان له نقطة ضعف والكل له مأخذ، فالتجار ربما تكون نقطة ضعفهم المال، في عقد صفقة ربح ثلاثمئة في المئة، لو قلت له إن فيها شبهة، يقول لك: لا تدقق، فمن أين أُخذ ؟ من المال كان مأخذه.
أما الشاب في ريعان شبابه وفي مقتبل حياته من أين يؤخذ ؟ يؤخذ من النساء، لذلك أخطر شيء على الشاب، النساء، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ]
النساء حبائل الشيطان، اتقوا الله في النساء، هذا ليس تزمُّتاً ولكن مبالغة في الحيطة، فالشاب من هنا يؤخذ، وكثير من الشباب من قبل النساء زلّت أقدامهم، وبالطبع إذا لم تكن المرأة منضبطة فهي شيطانة، شيطانة في ثوب إنسان، لهذا ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾
( سورة النور: آية " 2 " )
قدّم الزانية على الزاني لأنّها أقدر على إغرائه من غيره.
هذا درس صلة الرحم، وإن شاء الله الدرس القادم عن حقوق الجار، وبعدها حقوق المعلمين، هكذا يجب أن تربي ابنك على معرفة حقوق الآباء والأمّهات، وحقوق الرحم، وحقوق الجيران، وحقوق المربيّن، هذا جزء من التربية الاجتماعيّة لأولادك، والحقيقة إنّ أبلغ تربية أن تكون أنت في هذا المستوى، عندئذٍ يتعلّم أولادك بالتقليد، فالقدوة هي أفعل طريقة تربويّة، كن أنت قدوةً عندئذٍ يأتمر أولادك بما تفعل.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 5 ) حق الجار - حق المعلم






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعية وقد بدأنا بمجموعة آدابٍ متعلقةٍ بالأبوين وبالأرحام واليوم ننتقل إلى الآداب المتعلقة بحسن الجوار.
أحاديث من السُّنة الشريفة في حقِّ الجار وحسن الجوار:
يا أيها الأخوة، لا يقبل من الجار أن يكفّ أذاه عن جاره فقط، ولا أن يدفع عنه بيده أو بجاهه أذى غيره، بل يدخل في حسن الجوار أن يجامل الجار بنحو التعزية عند المصيبة، والتهنئة عند الفرح، والعيادة عند المرض، والنصح له وإكرامه.
إذاً كفّ الأذى أن تكف أذاك عن جارك هذا موقف سلبي، أو أن تكُفّ أذى غيرك عنه إما بيدك أو بجاهك هذا أيضاً لا يُعدّ فقط من حسن الجوار، حسن الجوار أن تعزيه إذا أصابته مصيبة، وأن تهنئه إذا أصابه خير، وأن تعوده إذا مرض، أن تقرضه، أن توصله، أن تزوره، أن تبدأه بالسلام، وأن تنصحه في دينه ودنياه، وأن تكرمه، إضافة إلى كفّ الأذى عنه، وكفّ أذى الآخرين بيدك أو بجاهك، هذا مجمل ما يعني حسن الجوار.
(( من أغلق بابه دون جاره مخافةً على أهله وماله فليس ذلك الجار بمؤمن ))
[كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ‏الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو‏‏]
لمجرد أن تخاف من جارك فهذا الجار ليس مؤمناً، الجار المؤمن تأمنه على مالك وعلى عرضك، إذا يوجد خوف أو قلق ففي ذلك مشكلة.
(( من أغلق بابه دون جاره مخافةً على أهله وماله فليس ذلك الجار بمؤمن ))
[كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ‏الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو‏‏]
(( َلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))
[أحمد عن أنس بن مالك]
قال صلّى الله عليه وسلّم:
أتدرى ماحقّ الجار ؟ إذا استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته، وإن أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبةٌ، عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهةً فأهدِ له منها وإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتارِ قدرك إلا أن تغرف له منه. هذا الحديث أصل في الإحسان إلى الجار.
لكنّ الشيء الذي يلفت النظر أن النبي صلّى الله عليه وسلم عدَّ إكرام الجار من لوازم الإيمان:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة ]
الجيران لهم حقوقٌ ثلاثة على تباين:
أيها الأخوة الكرام، الجيران لهم حقوقٌ ثلاثة على تباين، فأيُّ جار ولو كان غير مسلمٍ، ولو كان مجوسياً، له عليك حقُ الجوار، لكنّ الجار المسلم له عليك حقّان حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، لكنّ الجار القريب المسلم له عليك ثلاثة حقوق: حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام وحقُّ القرابة.
(( الجيران ثلاثة، جارٌ له حق وهو المشرك، وجار له حقّان وهو المسلم، حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق مسلمٌ له رحم، فله حقُّ الجوار والإسلام والرحم ))
[روى الطبراني عن جابر رضي الله عنه]
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلامٌ له يسلخ شاةً، فقال: يا غلام إذا سلخت الشاة فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قال ذلك مراراً لأني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:
(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
تقول السيدة عائشة: " لا تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين إلا أن تنزل بين أبويها ".
أي لقدسية الجار، امرأة الجار كأنّها بنت أو أخت، أي إذا الإنسان تجاوز الحد مع أيّةِ امرأة فمع امرأة الجار الإثم مئة ضعف أو ألف ضعف أحاديث بهذا المعنى.
قال: من الإحسان إلى الجار أن تبذل له ما يطلب من نحو النار والماء والملح، وأن تعيره بعض الأواني وحاجات المنزل كالقدر والصفحة والسكين والقدوم والغربال وحمل مفسرون كثيرون قوله تعالى:
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ﴾
( سورة الماعون آية "7 " )
أي يمنعون هذه الحاجات عن جيرانهم، الحقيقة أن الإنسان الآن أصبح في تدابر وقطيعة، ولكن أحياناً تكون الأسرة منعقدة على الطعام ويلزمهم نصف ليمونة، أو شيء من الحاجات الأساسية بكمية قليلة، أو رغيف من الخبز أحياناً، أو وعاء، فإذا وجدت المودة بين الجيران فلا توجد مشكلة، أحياناً يكون عند الجيران ضيفٌ فتحتاج لطاولة طعام مثلاً.
حق الجار مقدس:
الإنسان إذا كانت علاقاته مع الجيران متماسكة ومتينة جداً هو في بحبوحة كبيرة جداً لأنّ الحياة أخذ وعطاء، دين ووفاء، فإذا الإنسان كانت علاقاته مع الجيران طيبة جداً، أحياناً يضطر يلبس ثيابه ويخرج من المنزل حتى يشتري ليمونة، فهناك أطعمة تحتاج إلى الليمون، وأحياناً يحتاج إلى سلم أو منضدة أو كرسي، جاءه ضيوف أكثر من عدد الكراسي الموجودة لديه فيحتاج إلى كرسيين، إذا كان هناك مودة ومحبة تجدهم متعاونين، أنا أعرف الجيران أحياناً يصبح البيتان بيتاً واحداً إذا كان عنده لازمة أو فرح يفتحون البيتين على بعض.
هذا الدرس في الحقيقة للصغار والكبار، فنحن نتعلّم ككبار مع الصغار، فالدرس عن تربية الأولاد لكننا إذا عرفنا حقوق الجار يمكن أن نلقنها إلى صغارنا.
كان لعبد الله بن المبارك وهو من كبار العارفين بالله جار يهودي، أراد هذا الجار أن يبيع بيته، فقيل له: بكم تبيع البيت ؟ قال: بألفين، قيل له: دارُك لا تساوي إلا ألفاً واحداً فلم طلبت الألفين ؟ قال: صدقتم لكن ألفاً للدار وألفاً لجوار عبد الله بن المبارك.
يريد سعراً عالياً لبيته بسبب جاره، هذا اليهودي جار كريم، طلب ألفاً لبيته وألفاً ثمن جيرة عبد الله بن المبارك، يقولون أُخبر ابن المبارك بذلك، فدعا جاره وأعطاه ثمن الدار وقال: لا تبعها.
لولا ما لقيه اليهودي من ابن المبارك من حسن الخلق وكرم المعاملة لما وقف من بيع الدار هذا الموقف.
رووا أيضاً عن عبد القادر الجزائري رحمه الله تعالى كان له جار مسلم ولكنَّه فقير، اضطر أن يبيع بيته فطلب فيه ثمناً، دفعوا له أقل فغضب قال: والله أنا لا أبيع جيرة الأمير بهذا المبلغ، أيضاً الأمير بلغه ذلك، ودفع لجاره ثمن بيته وقال: ابقَ جارنا.
الجار مقدس، والإنسان إذا كان بينه وبين جيرانه محبة ومودة تجده مطمئِناً، الحياة فيها مخاوف ومفاجآت ومتاعب، الإنسان يضطر أن يسافر أحياناً، وأنا سمعت عدداً من القصص من العجيب.
ابن الجار أصيب بحادث سيارة، والأب مسافر، الجار يعامله كابنه أخذه من مشفى إلى مشفى، ومن طبيب إلى طبيب، فحصه، وصوره، وحلل له كأنّه ابنه، جاء وعطل عمله يومين أو ثلاثة وهو يتنقل بابن جاره من طبيب إلى طبيب، ومن مشفى إلى مشفى، ومن تصوير إلى تحليل، وهو ينفق، هذا هو الجار، جاري مسافر وهذا ابنه وأنا أقرب الناس له، فعندما يسافر الإنسان ويكون له جيران ذوو أخلاق عالية، مؤمنون طيّبون يطمئن فكل الأمور تُحَل في غيبته.
أبواب حسن الجوار:
الحقيقة عندما يكون الإنسان محسناً لجاره فالمكسب معه، فقد دخل في عالم الأمن، عالم الحب، عالم المودة، عالم تبادل المنافع، عالم العطاء.
1ـ أول أبواب حسن الجوار أن تحتمل أذى جارك:
مرة ثانية أحد أبواب حسن الجوار أن تحتمل أذى الجار، أي يجب أن يكون عندك قدرة على امتصاص الإساءات، تجد شخصاً لا يتحمّل فوراً يرد على الإساءة بإساءة، لكنّ المؤمن عنده قدرة اسمها: امتصاص الإساءة، أي أنّ الجار أساء وكأنّه لم يسيء ولكن هذا لا يطيقه إلا مؤمن هدفه إرضاء الله عزَّ وجلَّ، هدفه إرضاء الله، فإذا أخطأ الجار أو تجاوز جهلاً أو خطأً أو غفلةً، فليس عنده هذا الحقد، تجده يمتصّ الإساءات وكأنّها لم تقع، هذا المؤمن، فأولى بنود حسن الجوار كفُّ الأذى عن الجار. 2ـ أعلى درجة في حسن الجوار أن تكف أذى الآخرين عن جارك:
الدرجة الأعلى أن تكُّفَّ عنه أذى الآخرين، فأحياناً يوجد جار آخر سفيه وأنت الجار الأقرب، فرأيت تطاولاً فدافعت عن جارك، أو عملت وساطة، أو أصلحت بينهما، وإذا كنت قوياً تمنع جارك الثاني السيّئ منعاً قطعيّاً.
3ـ الباب الثالث الإحسان إلى الجار:
الباب الثالث الإحسان إلى الجار.
4ـ الباب الرابع تجاوز أخطاء الجار:
الباب الرابع تجاوز أخطاء الجار، فإذا أخطأ فعليك أن تتجاوز عن هذا الخطأ، فإذا أخطأ عن غير قصد فمن باب أولى أن تتجاوز عنه، وإذا أخطأ عن غير قصد واعتذر منك فالأولى أن تعفو عنه.
أصبح هناك خطأ يجب أن تتجاوزه، وخطأ عن غير قصد أولى أن تتجاوزه، وخطأ عن غير قصد مع اعتذار فمن باب أولى أن تتجاوزه وأن تعفو عنه.
الحقيقة أعلى المراتب، أن تحلم على من جهل عليك، وأن تحسن إلى من أساء إليك، وأن تعفو عمن ظلمك، هذه بالكلام سهلة، لكن بعالم الواقع عندما يتلقّى الإنسان إساءة من إنسان يتمنى أن يقطّعه قطعاً، أو أن يحطمه، ويتمنى أن ينتقم منه أشدّ الانتقام، أو يكيل له الصاع عشرة، هكذا النفس البشريّة، فعندما ينتصر الإنسان على نفسه ويعفو عمن أساء إليه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من جهل عليه، هذه مرتبةٌ عاليةٌ جداً وقال العلماء: إنّها مرتبة الصدّيقيّة.
عليك بالإحسان إلى جارك لأن الإحسان يقطع اليد ويقصّ اللسان:
قال الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
بالمناسبة أنت لا تعلم ماذا يعني العفو عن جارك ؟ الإنسان بحكم غريزته وبهيميته يتمنى أن ينتقم، أما لو عفا، أي أنّ أحد وسائل معالجة المسيء أن تعفو عنه أحياناً ممكن بعفوك أن تقرّبه، فسيّدنا عكرمة بن أبي جهل أهدر النبي دمه ولو تعلّق بأستار الكعبة فلمّا طلب منه أن يعفو عنه عفا عنه، صار عكرمة من أقرب الناس لرسول الله ومن أشدّ الصحابة الكرام دفاعاً عن رسول الله، فأنت إذا كان لك جار خصم وتعفو عنه، قد لا تصدّق أنّ هذا الجار المزعج أصبح أقرب الناس إليك.
النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كان عنده قدرة كبيرة جداً أن يجلب إليه الناس، عنده قدرة يصبح بها أعداؤه الألدّاء أشدّ الناس حباً له، فالمؤمن من باب أولى، النبي الكريم عنده هذه القدرة وأنت مؤمن فيجب أن تحاول أن تستجلب الخصوم، ودائماً الإحسان هو الذي يجلب، فالجار السفيه بالإحسان إليه يسكت لسانه، الجار المؤذي الإحسان إليه يقطع يده، الإحسان يقطع اليد ويقصّ اللسان، فالموفّقون والأذكياء في الحياة يصلون إلى مآربهم بأسلوبٍ سهلٍ.
مثلما أخبرتكم من قبل عن سيّدنا معاوية عندما جاءه كتابٌ من عبد الله بن الزبير يقول فيه: أما بعد، يا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام، بالطبع كان يزيد فيه دم الشباب، فلما قرأ الكتاب قال: أرى أن ترسل له جيشاً أوّله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، ولكن سيّدنا معاوية كتب: أما بعد، لقد وقفت على كتاب ولد حواريّ رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلُّها هيّنة جنب رضاه، فجاء الجواب: أما بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلّك من قومك هذا المحل.
لاحظ لو كان قد أخذ سيّدنا معاوية برأي ابنه يزيد لحدثت حرب بينهم وقتلى وفتن لسنوات عدّة، وصلح ونقض لوقف إطلاق النار، وإطلاق نار من جديد، وتستمر لسنوات، لكن بهذا الموقف الحليم الذي فيه عفو قص به لسانه، فقط تطاول أولاً بقوله: أما بعد، يا معاوية، أما بعد ذلك قال: أما بعد، فيا أمير المؤمنين. فقد اختلف الكلام.
على الإنسان أن يجنح إلى العفو بدلاً من الانتقام:
أنت بالإحسان بإمكانك أن تقُصّ اللسان، مجازاً، وأن تقطع اليد بالإحسان.
((ألا أدلُّكم على ما يرفع الله به الدرجات. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تحلم على من جهل عليك، وتعفو على من ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[روى البزّار والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‏‏]
حدثني أخ من أخواننا الكرام يسكن في بلدة بعيدة عن دمشق عن حادث قتل بين أسرتين، وتفاقم الحادث إلى قتل مقابل أخذاً بالثأر، وتهيّأ الطرف الثاني للأخذ بالثأر، وهذه العملية سلسلة لا تنتهي فقد تستمر عشرين سنة أو ثلاثين سنة، فحضر الأخ إلى الشام واستمع لخطبة وموضوعها كان عن العفو وهي من الخطب الموفّقة، فاستمع لهذا الشيء فتأثّر، فأخذ شريط الخطبة إلى بلده وأسمعه للطرفين، فما كان من الطرف المعتدي إلا أن ذهب إلى المعتدى عليه مستسمحاً ومعه هدايا وتم الصلح بين الأسرتين، وانتهت سلسلة القتل والأخذ بالثأر، ومن شدّة فرحه اشترى عدداً كبيراً من هذه الأشرطة وقام بتوزيعها في حمص بلا مقابل، نظير أن يحل العفو محل الانتقام.
العنف لا يأتي إلا بالعنف، العنف طريق مسدود، فبعد عشرين سنة من العنف تخلّفنا مئة سنة، السِنون إلى الخلف ولا غالب أو مغلوب، فمن استفاد ؟ العدو.
لذلك موضوع العفو هام، فأحياناً بالعفو تبني أمّة، وبالعفو تؤسس وحدة وطنية، العفو شيء مهم جداً، فأنا أتمنى أن يجنح الإنسان إلى العفو بدلاً من الانتقام.
الانتقام يكون قد قرّب صاحبه من بهيميته، أمّا بالعفو قربه من إنسانيته، بالانتقام يصغر، أمّا بالعفو يكبر، بالانتقام يتفجر الشر، أمّا بالعفو ينطوي الشر، الشر يتفاقم بالانتقام أمّا بالعفو يتلاشى، بالانتقام تبتعد عن الله أمّا بالعفو تتقرب من الله، بالانتقام تشعر بالقلق لكن بالعفو تشعر بالأمن، فالعفو من نتائجه الأمن والطمأنينة والمحبة، وانقطاع الشر وإحلال الخير مكان الشر، طبعاً أصل هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
التربية لا تنجح إلا إذا اجتمع التوجيه النظري مع التطبيق العملي:
قال: أنت إذا ملكت نفسك عند الغضب تصبح أقوى الأقوياء، تجد أشخاصاً كثر تتفلت أنفسهم عند الغضب، ويرتكب الشخص منهم حماقات، وبعد الحماقات يضطر إلى أن يعتذر، كان بمرتبة عالية، فتحامق فأصبح بحاجة إلى أن يتذلل أمام الأقوياء، أقول لمثل هذا الإنسان أنت لا تطلع ولا تنزل، لك مستوى لو لم تتجاوزه إلى أعلى وانتقمت وتوعدت وبطشت، الآن كنت في غنى عن هذا الذل الذي وقفته أمام فلان.
أعرف شخصاً في ساعة غضب تكلّم بكلام من دون تفكير وبالطبع سيدفع الثمن باهظاً، فوقف أمام إنسان كأنّه طفل يرجوه وبكى أمامه، وقد كنت حاضراً فقلت: كان يغنيه لو تعقّل أن لا يتجاوز قدره والآن كان يغنيه أن لا يذل نفسه، لو استعمل عقله ما كان تجاوز قدره، ولو استعمل عقله ما كان وقف هذا الموقف الذليل.
لاحظت أن أكثر الناس المتسرعين يطلع وينزل، يتجاوز قدره، ثمّ يقف موقفاً أقل من قدره بكثير لذلك: رحم الله عبداً عرف حدّه فوقف عنده.
أيها الأخوة، حقوق الجار يجب أن تلقّن للصغار تلقيناً، ومع التلقين يجب أن يراها الصغير عمليّاً، التربية لا تنجح ولا تكون ذات تأثير بليغ إلا إذا اجتمع التوجيه النظري مع التطبيق العملي، فالابن الصغير يقول له الأب: يا بني الجار له حق كبير، النبي أوصانا بالجار.
(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
لكن الابن عندما يرى في اليوم التالي والده يسلّم على الجار ويعوده إذا مرض، ويعزّيه إذا أصابته مشكلة، ويشيّع جنازته، ويقدّم له بعض الطعام أحياناً، وإذا طرق الباب يريد شيئاً أو حاجةً أعطاها له على الفور، فأصبح درساً نظرياً ودرساً عملياً.
إذا أردت لابنك الصغير أن ينشأ على توقير الجار فلقنه مبادئ حسن الجوار، وأره من سلوكك ما يؤكّد هذه المبادئ.
احترام المعلّم حضارة وعدم احترامه تخلّف:
ننتقل إلى حقٍ آخر من الحقوق التي ينبغي أن تلقّن للصغار وهو حقُّ المعلّم، كلُّكم يعلم أنّه قبل عشرين أو ثلاثين سنة كان المعلّم إنساناً مقدّساً في الحياة، وتقديس المعلّم كان من نتائجه خير عميم، فلا يوجد أحد من هذا الجيل الذي نعيشه إلا وله أساتذة كبار أخلاقيّون، مرشدون، ناصحون، ورعون، فالأستاذ له مكانة كبيرة، ولكن حينما تزلزلت هذه المكانة وتضعضعت، وحينما تجرّأ الصغار على المعلّم انتهى بذلك التعليم.
أنا أقول: ما من شيءٍ يشُلّ التعليم كأن تهدر كرامة المعلّم، أو أن نسمح لطفلٍ أو لطالبٍ أن يتجاوز حدّه مع معلّمه.
قد سمعت أنّه في بعض البلدان إذا طفل تجاوز حدّه مع معلّمه هذا سجّل في صحيفته، وتنتقل هذه الصحيفة من مدرسة إلى أُخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، ترافقه طوال حياته، ويبنى على هذه الصحيفة قبوله أو رفضه في المدارس الأُخرى، أي أنّه شيء خطيراً جداً أن يسيء الطالب إلى معلّمه فثبت ذلك في صحيفته، وانتقل معه من مدرسة إلى مدرسة، ومن مرحلة إلى مرحلة، وكلّما طلب طلباً للانتساب إلى مدرسة أو معهد طُلب فيه صحيفة أعماله، فإذا كتب فيها إساءات يرفض.
ليس من صالح أحد أن تهدر كرامة المعلّم، بل ليس من صالح التعليم كلّه، ولا من صالح الأمّة، ولا من صالح جيلها الصاعد أن تهدر كرامة المعلّم، لذلك احترام المعلّم حضارة، وعدم احترامه تخلّف.
سمعت أنّه بألمانيا في الاحتفالات الرسميّة إذا وجد معلّم وعمدة البلدة فالمعلم يقدّم في كلّ شيء على عمدة البلدة، أي يوجد منصبان في هذه القرية، المعلم وعمدة القرية، والمعلّم مقدمٌ دائماً على العمدة، وفي هذا البلد ـ فيما سمعت ـ وفي أي مستوى إذا تواجد رئيس البلد ورئيس جامعة رئيس الجامعة مقدّم في التكريم على رئيس البلد، لأنّ العلم أساس التقدّم، وتكريم المعلّم حضارة، وعدم تكريمه تخلُّف، وليس من صالح أحد أن يساء للمعلّم لأن ابنك عنده.
النبي الكريم نفى انتماء من لا يعرف للعالِم حقه لأُمّته:
الآن سأنصحكم نصيحة لا أحد من الآباء يقوم بعمل بطولة أمام ابنه على المعلم، كأن يقول لابنه: معلّمك لا يفهم ؟ ما هذه الكلمة ؟ هذه كلمة كبيرة جداً أمام ابنك هذا معلّمه.
الأب العاقل لو شاهد أخطاء من معلّم ابنه يمتصُّها، ويبرّرها، ويغطيها، لكن لا يتجاوز حدّه مع المعلّم فهو يعد بالنسبة له أكبر كيان.
أقول لكم: إذا أردنا أن نبني أمّةً فلا يوجد طريق إلا أن نبدأ من التعليم، لأن هذا الجيل الصغير مستقبل الأمّة به، وهذا الجيل من يعلّمه ؟! فالمعلم الضائع، والمقهور، والذليل، والجاهل، هذا لا يُعلِّم، ففاقد الشيء لا يعطيه، لذلك مهما بذلنا من أجل إكرام المعلّم فالإكرام استثمار وليس هدراً لأنّه يعود بالنتيجة على سائر الأمة.
اسمعوا أيها الأخوة ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام في حقّ المعلّم:
(( ليس من أُمّتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه ))
[أخرج الإمام أحمد عن عبادة مرفوعاً]
ليس من أمّتي، أي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام نفى انتماء هذا الإنسان لأُمّة محمد، الذي لا يعرف لعالمنا حقّه، طبعاً المعلّم الذي يعلّمك.
(( تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
أي أن المعلّم يقدّم روحه، وكلّ خبراته، وكلّ طاقاته، وكلّ وقته، إذا وجد من الطالب الاستجابة والاحترام والتقدير والأدب، لكن لو تجاوز الحد معه بالمزاح أو الضحك أو بكلمة فيها تعليقٌ لاذعٌ فقد جرحته فلن يستطيع أن يعطيك شيئاً لأنّه بشر. إنّ المعلّم والطبيب كلاهما لا ينفعان أبداً ما لم يكرم
***
أي بإكرام المعلم أعطيته حافزاً لأن يعطيك كلّ ما عنده من علم.
أنا سابقاً كنت مديراً لمدرسة ثانويّة، وكان عندي مدرّسٌ للعلوم الطبيعيّة ومتفوّقٌ جداً في التدريس، في أحد المرّات تأخر ساعة لأسباب قاهرة، ومعنى ذلك ستشطب هذه الساعة من دوامه ويقابل هذا تأخير ترفيعه شهراً على مدى الحياة، وهو معلّمٌ مخلصٌ ومتفوقٌ ويقدم الشيء الكثير للطلاب، فطلب إجازة صحيّة لتغطية هذا الغياب أمامي، فقلت له: لا أراك مريضاً، فوقّع الساعة وكأنّك حضرتها وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق، والله أيُّها الأخوة أعطى هذا المعلم أكثر من ثلاثين ساعة إضافيّة بعد الدوام حباً وكرامة، فقد وجدها كبيرة، فقد كان من الممكن أن يتأخر ترفيعه بسبب هذا الغياب.
على الأب أن يوفّق بين ضجر الابن وبين توجيهات المعلّم:
إكرام المعلّم من مصلحة الأمّة، وتوفير حقوقه، وراحته، وكرامته، أنا لا أقول لكم أن تصدروا تشريعات فنحن مواطنون، ولكنّي أقول لك كأب أن لا تحاول أن تهين معلّم ابنك أمام ابنك، لا تحاول أن تتكلّم عنه كلاماً يهينه، أو أن تتأفف من مطالبه، فهذا المعلّم رمز للعطاء، فإن وجدت أخطاءً فيجب عليك أن تغطيها بطريقة ذكيّة جداً، بأن توفّق بين ضجر الابن وبين توجيهات المعلّم.
(( تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
(( ثلاثةٌ لا يستخفّ بهم إلا منافق ؛ ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمامٌ مقسط ))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
أي أنّ المعلم لا يستخفّ به إلا منافق، لأنّه يقدّم القيم والمعلومات، وهو يقدّم روح الأمّة.
(( اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتبعُ فيه العليم، ولا يُستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ))
[ روى أحمد عن سهل بن سعد الساعدي]
أرأيت إلى هذا الوصف الدقيق، العليم لا يُتّبع، والحليم لا يُستحيى منه، الآن تجد أحياناً طفلاً صغيراً إذا وجد رجلاً وقوراً ماشياً فيقوم بتقليده، أو يسلّم عليه سلاماً فيه استهزاء، وإذا كان ذا بصر ضعيف يحاول أن يزعجه، فالابن غير المربى كالوحش، أما إذا كان مربّى فتجده مؤدباً ويقدّم الكبير، أحياناً تجد بالسيارة العامّة طفلاً صغيراً جالساً على المقعد لا يتجاوز وزنه الثلاثين كيلو ورجلاً كبيراً في السن ويحمل في يديه أشياء فيتركه واقفاً دون أن يهمّه ذلك الأمر.
أنا عندما أرى شاباً يجلس في مكانٍ مريحٍ وجاء أخ أكبر منه سناً فوضعه في محله يكبر هذا الشاب بعيني كثيراً، إني أحب الأدب.
ذات مرّة كان يجلس سيّدنا رسول الله ويجلس سيّدنا علي على يمينه، فجاء سيّدنا الصدِّيق فقام له سيّدنا علي، فقال النبي:
(( إنما يعرف الفضل لأهل الفضلِ ذو الفضل.))
[ رواه الخطيب عن أنس مرفوعاً ]
أثنى عليهما جميعاً.
أحياناً تجد شاباً إذا رأى شخصاً يحمل أغراضاً كثيرة يحملها عنه ويعاونه فيها، فالشاب المربّى لا يقدّر بثمن، يحترم الكبير، والمعلّم، ويحترم ذا الشيبة في الإسلام، أما تجاوز الحدود والسفاهة والتهكُّم والكلام بصوتٍ مرتفع قال عنه النبي الكريم:
(( اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتبعُ فيه العليم، ولا يُستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ))
[ روى أحمد عن سهل بن سعد الساعدي]
مواقف لبعض العلماء من أساتذتهم:
كان عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري:
(( النبي صلى الله عليه و سلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهما أكثر أخذا للقرآن فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد ))
[رواه البخاري عن أبي هريرة ]
أي أن تكريم العلم حتّى في أثناء الدفن، الاثنان شهيدان وسيدفنان في قبرٍ واحدٍ، فيقول النبي: أيُّهما أكثر حفظاً لكتاب الله فقدموه، فحتى في أثناء الدفن كان معيار العلم هو الذي يؤخذ به.
الإمام الشافعي كان يوقّر أستاذه كثيراً فلمّا عوتب على تواضعه قال: أُهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولم تكرم النفس التي لا تُهينه
***
ألاحظ في كثير من الاحتفالات والموالد تجد عالماً جليلاً قبّل يد أستاذه، هذا الشيء يرفع مقامه عند الناس، تجد له لفّة وعمامة وجبّة وهو خطيب مسجد مشهور، ودخل أستاذه الذي علّمه فتجده يضعه في محلّه ويحترمه احتراماً بالغاً ويوقره في الكلام، فلا زلنا بخير إذا وقّرنا كبيرنا ورحمنا صغيرنا وعرفنا لعلمائنا حقّهم.
يقولون إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه على جلالة قدره وعلوّ منزلته أخذ بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، فلما قيل له: أتفعل هذا وأنت ابن عمّ رسول الله ؟ قال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا.
الركاب: مكان يصعد به على الدابة، فأمسك الركاب وقدّمه لزيد بن ثابت الأنصاري، وهو ابن عبّاس ابن عمّ رسول الله، هذه القصص ينبغي أن تلقّن للصغار حتى يحترموا معلّميهم، وفي احترام المعلّم نجاحٌ للتعليم.
الإمام أحمد بن حنبل قال لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلّم منه.
الإمام أحمد بن حنبل العالم الجليل، الفقيه الكبير، المجتهد بل أحد أربع كبار المجتهدين، يقول لأستاذه خلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلّم منه.
الإمام الغزالي يقول: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، العلم نفيس.
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبةً لئلا يسمع وقعها.
أحياناً تجد طالباً يقلّب الصفحات بصوت مسموع وعالٍ، وتجد طالباً آخر يقلّبها دون أن تسمع لها صوتاً أو جلبةً فهذا هو الأدب، وكان أدب الإمام الشافعي مع أستاذه بهذه الطريقة، فتقليب الصفحة بصوت مرتفع فيه إساءة، من الممكن أن تقلّب صفحات كتاب صفحة صَفحة دون أن تحدث صوتاً أو جلبةً.
الإنصات الكامل أهم شرط لإلقاء درس:
أحياناً تجد الطلاّب إذا قال لهم أستاذهم: ضعوا الكتب على الطاولات يلقوه بقوّة فيخرج صوتٌ مرعبٌ، لعدم الأدب فهو يريد شيئاً يتجاوز فيه الحد.
يقول الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبةً له.
أحياناً أحضر عقد قران، تجد المتكلّم يتكلّم وهم يجمعون صحون الضيافة مع صوت لا يحتمل، أو يصبون القهوة، وأحياناً وأثناء إلقاء الكلمة يتشاجرون ويرفعون أصواتهم، فهذا منتهى سوء الأدب، ما دام هناك إلقاء كلمة فيجب أن لا يكون تقديم للقهوة، ولا توزيع للماء، ولا توزيع للطعام، لأنّ القاعدة: لا يجتمع درسٌ وضرس، أي إما أكل وإما سماع، إذا لم يكن الإنصات كاملاً للخطيب فلا يكون إلقاء درس.
في الحقيقة المتكلّم إذا وجد تشويشاً وجلبة وتوزيع قهوة وماءً وتقديماً للطعام وجمعاً للصحون فقد ذهبت أفكاره كلّها، وكذلك ذهبت معنويّاته كلّها، وكذلك إبداعه، فإذا دعاك أحد إلى إلقاء كلمة فإيّاك أن تلقيها إلا وهناك إنصات تام، وإلا تفقد أربع أخماس قدراتك، وتفشل بالكلمة، وكلّ ذلك من سوء الأدب.
قيل مرّة إن أحد أولاد الخليفة المهدي حضر عند أستاذه شريك، فابن الخليفة استند إلى الحائط وسأل أستاذه سؤالاً، فلم يجبه عليه أبداً ولا التفت إليه، فعاد فسأله مرّة ثانية فما أجابه ولا التفت إليه، فقال: أتستخفُّ بأولاد الخلفاء هذا الاستخفاف ؟! أي معقول، لا تجاوبني ولا تنظر إلي ؟ قال: لا، ولكنّ العلم أجلُّ عند الله من أن أُضيّعه.
أي ما دمت آخذاً لراحتك فلن أجيبك، أنا والله يلفت نظري أحياناً أنه اللهمّ صلِّ عليه ما رُئي مادّاً رجليه قط، وهو سيّد العالمين، أحياناً تجد إنساناً ماداً لرجليه في الجامع من دون عذر، فلو كان بعذر فلا أتكلّم شيئاً، فالعذر على العين والرأس، والمعذور لا أحد يتكلّم به، أحياناً يكون عنده التهاب مفاصل، أو تكلُّس للمفاصل، أو حالات معيّنة، أو آلام بالفقرات فيحتاج إلى جدار ليسند نفسه، فهذا الموضوع لا دخل لنا فيه.
أنا أتكلّم عن إنسان لا يوجد به شيء على الإطلاق، ويحاول أن يجلس جلسة غير أديبة وفيها راحةٌ تامّة وبعد ذلك تجده قد غفل، ثم كبا على وجهه، ثمّ يعلو شخيره، أي على ثلاث مراحل، إذا جلسة مريحة يصاحبها نوم، وإذا كان النوم مريحاً يصاحبه الشخير.
ينبغي على الطالب أن يدعو لأستاذه ويُتأدّب بآدابه باعتباره الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة:
قيل: ينبغي أن لا يخاطب المعلّم بكاف الخطاب أو تاء الخطاب، كأن يقول: قلت لك، أو بدك الوظيفة، بل ينادى بـ: يا معلّمي ويا سيّدي ويا أستاذي.
أن لا يذكر اسم معلّمه بالذات في غيبته إلا مقروناً بما يُشعِر بالإجلال والتوقير كأن يقول: قال معلِّمنا، قال أستاذنا.
أحد الأشخاص من مصر وهو صاحب شركة ومسلم سأل أحد الأخوة الأصدقاء قائلاً: أين قبر محمد ؟ فقال له: من محمد ؟ قال له: النبي، فرد عليه قائلاً: إنه بمكة وليس بمصر !
شخص مسلم لا يعرف أين قبر النبيّ، ويقول: قبر محمد، نحن والله يوجد عندنا أدبٌ رفيعٌ نقول: سيّدنا محمد، وليس محمد فقط، هكذا المؤمن كلّما ازداد إيمانك ازداد أدبك.
قيل: ينبغي للطالب أن يدعو لأستاذه مدّة حياته كأن يقول: جزاه الله عنّا خيراً، ويرعى ذريّته وأقاربه من بعده وأهل ودّه، ويعتمد زيارة قبره، والاستغفار له، والصدقة عنه في كلِّ فرصةٍ سانحة، ويراعى في العلم والدين والأخلاق عادته، ويُقتدى بحركاته وسكناته، ويُتأدّب بآدابه باعتباره الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.
لكن توجد حالة نادرة، فأحياناً تجد معلّماً عصبي المزاج، فهو مخلص وعالم ولكنّه عصبي، فماذا يفعل المتعلّم ؟؟ هل يرفض المعلّم ؟ العصبيّة نقص في الإنسان، يضيق ذرعاً بالسؤال على الفور فقيل في ذلك: ينبغي على المتعلّم أن يصبر على سوء خلق معلمه وجفوته.
ليس معنى سوء خلق بهذا المعنى الدقيق، لكنّه يكون ذا نمط عصبي المزاج، يضيق ذرعاً ببعض الأسئلة، فإذا كنت تستفيد من المعلّم فتحمّل بعض طباعه التي لا تروق لك، هذه من آداب المتعلّم، أن يصبر على بعض طباع معلّمه.
مما ينقل عن بعض السلف: من لم يصبر على التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزَّ الدنيا والآخرة.
ابن عباس يقول: ذُللت طالباً فعُزِّزت معلّماً.
قيل لسفيان بن عيينة: إنّ قومك يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك ؟! فقال للقائل: هم حمقى إذا هم تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.
طبعاً في هذا الكلام مبالغة، من المستحيل أن يكون الإنسان عالماً وسيّئ الخلق، لكنني أقول: عالم عصبي المزاج، بعض العلماء عندهم عصبيّة فتجده يثور سريعاً، فإذا كان عالم جليل ويفيد وهو مخلص وأنت لك مصلحة عنده فتحمّله، لكن الأكمل أن يجمع الإنسان بين حسن الخلق وبين عمق العلم، وكلّ هذا الكلام يجب أن يعلّم للصغار حتى يتأدّبوا مع معلّميهم.
من آداب المتعلم:
قال: كذلك على المتعلّم أن يكون متجنّباً في حضرة معلّمه كلّ ما يخلّ بوقاره وينافي الأدب والحياء، فلا ينبغي أن ينظُر إليه أي يبحلق لمعلمه ولا يستحي، فمن شدّ نظره إلى معلّمه فقد ساء أدبه، وألا يعبث بيديه، أو رجليه، أو غيرهما من أعضائه، وألا يعبث بيده في أنفه، وألا يفتح فاه، وألا يقرع سنّه، وألا يضرب الأرض براحته أو يخطّ عليها بأصابعه، وألا يشبّك بيديه، أو يلعب بأزراره، أو يتكلّم مع جاره، وألا يتكلم ما يضحك بغير سببٍ فإذا غلبه تبسُّماً تبسّم من غير صوتٍ، وألا يكثر التنحنح من غير حاجةٍ، وإذا اضطر إلى العطاس فليخفض صوت عطاسه ما استطاع، ولا يضطرب لضجّةٍ، فلو فرضنا الدرس منعقد والناس كلّهم أبصارهم عند المعلّم، فلو حدث صوت تجد الكل ينظرون لمكان الصوت، وإذا حدث صوت ثانٍ من جهة أخرى لتحوّلوا إليه كذلك، معنى ذلك أنهم ليسوا ملتفتين للدرس، فمن تمام أدب الاستماع انصرافك للمعلّم وتشاغُلُك عن كلّ ضجيج أو اضطراب خارجي، وإذا اضطر إلى العطاس: تجد البعض يعطي العطسة أقصى مدى، فيرعب الحضور، كذلك يوجد فرق بي عطاس وعطاس، يوجد عطاس مع كاتم للصوت، وعطاس مع مكبّر للصوت، وإذا تثاءب وضع يده على فمه.
ماذا قال سيّدنا علي عن آداب المتعلّم ؟؟ قال: من حقِّ العالِم عليك أن تسلّم على القوم عامّةً وأن تخصّ المعلّم بالتحيّة خاصّة، وأن تجلس أمامه، وألا تشير عنده بيديك، وألا تغمز بعينيك، وألا تقول: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا تطلبنّ عثرته، وإن زلّ قبلت معذرته، وعليك أن توقّره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسارر أحداً في مجلسه، وألا تأخذ بثوبه، وألا تلِحّ عليه إذا اعتذر، وألا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء.
على الطالب أن يدخل على معلّمه كامل الهيئة متطهّر البدن نظيف الثياب:
يجب ألا تقول: قال فلان خلاف ما يقول، بعض طلاب العلم يترنمون فيها فقد يسمع فكرة فيقول: سيدي فلان قال عكس ما قلت، والله شيء يحيّر، يترنّم بعمل مشكلة، ويأتي بقول مخالف وفلان قال وذكر اسمه، وقد أعجبني عالم من علماء حمص الشهيرين أنّه إذا سُئل وقيل له: إنّ فلاناً قال كذا فلا يجيب السائل، ويقول له: لو قلت لي ما قولك في الفكرة الفلانيّة أجيبك أما وقد عزيتها إلى فلان لن أجيبك، حتى لا تكون فتنة، سيدي: فلان أفتى بكذا فما قولك في ذلك ؟ فلن أتكلم بأي كلمة، ولكن قل لي: ما قولك في ستر الوجه مثلاً ؟ فأقول لك الحكم الشرعي. أمّا أنت تذكر لي فلاناً وهكذا أفتى وما هو قولك ؟ فبذلك تعمل فتنة بيني وبينه. إن تكلّمت بخلافه فستقول له: سيدي فلان لم يعتبر فتواك فقد تكلّم بعكس ما قلت فتحدث الفتنة.
يجب ألا تسارر أحداً في مجلسه: وهو جالس نعطف أنت على صديقك أو على من يجلس بجوارك وتهمس في أُذنه، وبعد ذلك تتبسمان معاً، ماذا تكلموا بينهم لكي يتبسّما، إذا كان أحد يتكلّم واثنان تهامسا وتبسّما يظن أنهما يضحكان عليه فيتألّم، وقد يكون هذا ليس له علاقة بالموضوع كأن يكون قد سأله سؤالاً أو ذكّره بقضيّة فتبسّما، ولكن المتكلّم يكون حساساً فماذا يظن ؟ يظن أنّ الهمس عليه.
ينبغي أن يدخل على معلّمه كامل الهيئة متطهّر البدن نظيف الثياب، ولا سيّما إذا قصد مجلس العلم فإنّه مجلس ذكر واجتماع وعبادة.
قيل أن ابن عبّاس رضي الله عنه كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك ؟ فيقول: لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس قال: كذلك كان السلف يفعلون.
والله أحياناً أناس يتصلون بي في الساعة الواحدة والنصف ليلاً سؤالاً عاديّاً فما هذا ألا أنام ؟!! بأي وقت تتصل وبكل بساطة يطرق الباب، يقولون له: إنه نائم، فيقول: أيقظوه لنا. هذا الشيء غريب ويقع.
قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه، فأُريه من نفسي أني لا أُحسن منه شيئاً، وقال عنه: إنّ الشاب ليتحدّث بحديثٍ فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد.
أحياناً تعاد قصّة مرتين فيقول: هذه القصّة سمعناها، أنت سمعتها وغيرك لم يسمعها فهذا الدرس درس عام، فلا تكن شديد المحاسبة، السماع سهل والتكلُّم صعب.
أقوال في الأدب:
إنّ الشاب ليتحدّث بحديثٍ فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد، أحياناً شاب يحدّثك بحديث فالإصغاء أدب فلا تقل له: هذه نعرفها، يصغي له وكأنّه لا يعرفه، أبو تمام له وصف دقيق يقول:
مـن لي بإنسانٍ إذا أغضبته وجهلت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا طربت إلى المُدام شربته من أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعلّــــه أدرى به
***
آخر شيء نختم به الدرس، قال بعض السلف، قال الحبيب بن الشهيد لابنه: يا بني اصحب الفقهاء والعلماء وتعلّم منهم، وخذ من أدبهم، فإنّ ذلك أحبُّ إليّ من كثيرٍ من الحديث.
قال آخر لطالبٍ عن الأدب: نحن إلى كثيرٍ من الأدب أحوج إلى كثيرٍ من العلم.
كما قال بعض السلف: يا بني، لأن تتعلّم باباً من الأدب أحبُّ إليّ من أن تتعلّم سبعين باباً من أبواب العلم.
قال ابن سيرين: كان أصحاب النبي يتعلّمون الهدى والسمت الحسن كما يتعلّمون العلم.
الملحد والمبتدع لا يكرّم ولا يحترم ولا يلقى له بال:
الأدب قبل العلم، إلا أنّه قيل: إنّ المعلمين الملحدين والمربّين الذين لا دين لهم هؤلاء ليس لهم مكانة في القلوب إطلاقاً، معلّم ملحد أو لا ديني يقوم ببث الرذيلة، والاختلاط، والانحراف، هذا المعلّم لا يخضع لهذه المقاييس أبداً، فالحديث عن معلّم مؤمن ذي رسالة ينصح الأمّة ويقدّم لها الآداب الراقية ويبُثُّ الإيمان في قلوب أبنائها، أما الذي يخرّب القيم والمبادئ ويبُثُّ الإلحاد هذا لا ينبغي أن يحترم، بل بالعكس ينبغي أن يقاوم حتى يقف عند حدّه.
أحد المعلّمين قال: أين الله ؟!! فما دمنا لم نره فليس موجوداً، فقال له طالب: أين عقلك ؟ ما دمنا لم نره فليس موجوداً، فإذا تجرّأ المعلّم على بثّ الإلحاد فلا مانع لديك معك رخصة أن تردّ عليه بالمثل وأقوى منه عندئذٍ تغضب لله، فالمعلّم الملحد ليس له قيمة ولا شأن إطلاقاً، ولا يستحقّ الاحترام، ويجب أن يلقى الإهانة حتى يتراجع، باحترامك له تكون قد عززته، وكلّ إنسان مبتدع لو كرّمته تكون بذلك تدعم ابتداعه وإلحاده، فالملحد والمبتدع لا يكرّم ولا يحترم ولا يلقى له بال ولا ينبغي أن تسكت على خطئه.
إذا بثّ إنسان فكرة غير صائبة فوجد الطلاب قد هجموا عليه فيتلملم وليتحجم، أما إذا بثّ فكرةً غير صائبة والكل صامتون فسيتجاوز حدّه، كلّ شيء قلته عن التعليم والمعلّم لا ينطبق على معلّمٍ ملحدٍ يبُثُّ الفكر الإلحادي بين الطلاب، ولا على مدرّسة تشجع الاختلاط والفسق والفجور، لأنّ هذا الكلام لا يعقل.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 6 ) حق الرفيق



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيَّها الأخوة الكرام، لا زلنا في تربية الأولاد الاجتماعَّية وقد تحدَّثنا في درسٍ سابق عن حقّ الوالدين، وعن حقّ الأرحام، وعن حقّ الجار، وعن حقّ المعلم، ننتقل الآن إلى حقّ الرفيق الذي هو جزءٌ من الآداب التي ينبغي أن نلقنها للأطفال. أخطر شيء على الإطلاق في حياة ابنك صديقه:
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام أولاً الأثر يقول:
(( الصاحب ساحب.))
[ورد في الأثر]
لا تقل لي من أنا بل قل لي من تصاحب تعرفني من أنا. عن المرءِ لا تسل وسل عن قرينه فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يقتدي
***
أخطر شيء على الإطلاق في حياة ابنك صديقه، بعض الدراسات الاجتماعية تؤكد أن الطفل يأخذ من صديقه ستين بالمئة مما يأخذ من محيطه، أي لا أمه ولا أبيه يأخذ منهما كما يأخذ من صديقه، لذلك الأب يجب أن يهتم اهتماماً لا حدود له بأصدقاء أولاده، يجب أن يتعرّف إليهم، أن يتعرف إلى بيوتهم أي يتعرّف إلى أهلهم، أن يمتحنهم، أن يتفرس فيهم، أما أن يسيب هذا الأمر، قد يكون رفيق سوء يهلك ابنك، يدله على مفسدة، على انحراف، على شذوذ، على اقتراف ذنوب، على سرقة، على انحراف أخلاقي، على جريمة.
لا أنسى أخاً كريماً جاءني بأحد جيرانه، هذا الشاب شاب في مقتبل الحياة التزم الدروس هنا، لكن كان له علاقة مع رفقاء سوء، وكان هؤلاء الرفقاء عصابة سرقة، اقترفوا جرائم سرقة، ما فعل شيئاً ولا أخذ شيئاً إلا أنهم كلفوه أن يقف في مكان معين حتى يحمي ظهورهم، سرقوا بيتاً، وحينما ألقي القبض عليهم ذكروا اسم هذا الصديق، وواجهوا جميعاً محكمة ميدانية، والآن هم بالسجن، فقط لأنه وقف وحرسهم وهذه السنة الرابعة أو الخامسة له.
شيءٌ خطير أقول لكم ولا أبالغ أخطر شيء بحياة ابنك صديقه، قد يدله على معصية، على شذوذ، على انحراف، على انحراف أخلاقي، على عدوان، على سرقة، على جريمة، وقد تدفع الثمن أنت. لذلك عدّ للألف قبل أن تسمح له أن يصادق فلاناً، وأنت لا تطمئن إلا إذا شعرت أنّ أصدقاء ابنك طيبون مستقيمون على ما تريد وإلا يجب أن تبذل جهدك لتبعده عنهم أو تبعدهم عنه.
الجليس الصالح كبائع المسك والجليس السوء كنافخ الكير:
الشيء الإيجابي البديل أن تبحث لابنك عن أصدقاء في المستوى المطلوب، أي لا تنسَ ابنك، اجعله معك دائماً، وإذا صادق أبناء أخوانك فهذا جيد أيضاً، أخوك ربى ابنه وأنت ربيت ابنك إذاً اجعلهم يتصادقون، لأن الطفل يشعر بحاجة ماسّة إلى إنسان من عمره ولو جلس مع الكبار لا يستأنس بهم، لا بدّ من أن يجلس مع الصغار، لذلك هيئ له مجتمعاً يتناسب مع مداركه.
إذا المؤمنون لم يتعاونوا على تأمين أجواء لطيفة و طيبة و طاهرة و عفيفة لأولادهم والله المشكلة كبيرة، والله أستمع كل أسبوع إلى قصص يندى لها الجبين أساسها والله رفقاء السوء.
أيها الأخوة استمعوا إلى توجيه النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري و مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه و سلَّم قال:
(( مَثَلُ الجليسِ الصالح والسوءِ، كحامِلْ المسك ونافخِ الكِير، فحاملُ المسك إمَّا أن يُحْذِيَك وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة. ))
[البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]
هكذا النبي علمنا، هذا الحديث صحيح، الجليس الصالح كبائع المسك والجليس السوء كنافخ الكير.
لذلك قالوا: الوحدة خيرٌ من جليس السوء، بكل صراحة الانعزالية والتقوقع والبقاء بالبيت أفضل مليون مرة من الجليس سوء، لكن الجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، الوحدة خيرٌ من الجليس السوء لكن الجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، لك أخوان أطهار طيبون ورعون مستقيمون محبون مندفعون مؤاثرون وتعتزلهم !! هذا انحراف، لكن إن رأيت من حولك منحرفين، غير منضبطين، بذيئي اللسان، مزاحهم رخيص، والله اعتزلهم وأنت الموفّق.
(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ))
[ رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ]
الحقيقة النبي نهى بقوله: لا تصاحب إلا مؤمناً، لا يأكل طعامك إلا تقي.
مرة صديق لي دعا مجموعة من الأصدقاء على طعام نفيس، وأحد هؤلاء الأصدقاء علماني ـ شبه ملحد ـ فقال للداعي الذي قدّم أطيب الطَّعَام: والله أنت يجب تأميمك، هكذا قال له، فقلت له أنا: يا فلان ألم ينهك النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ تدعو مثل هؤلاء، ولا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيَّ.
عدم إقامة علاقات حميمة مع غير المؤمنين:
إذا دخل بيتك مؤمن يفرح لك، إن أنت أكرمته يشكرك، ويدعو لك بالخير والبركة، وإن وجد عندك مقتنيات يفرح لك، المؤمن علامته أنَّه يفرح بما عند أخوانه، أمَّا غير المؤمن يحسد، ولله درُّ الحسَّد ما أعدَّله بدأ بصاحبه فقتله.
لذلك قالوا: كثرة الظهور تقسم الظهور، لا تحاول أن تبرز ما عندك من إمكانيات وملكات وعطاءات ومقتنيات وإمكانات لغير المؤمنين، قارون:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) ﴾
( سورة القصص )
هذا حديث يجب أن نأخذه دائماً، لا تصاحب إلا مؤمناً.
أخواننا الكرام، علاقات حميمة، شراكة، نزهة، زيارات إلى البيت، هذه اسمها علاقات حميمة لا ينبغي إلا أن تكون مع المؤمنين، إنسان لا يصلي، إنسان منحرف الأخلاق، نزوره في بيته، تدخل زوجته لكي تصافحك، تجلب القهوة، هكذا هو نموذجه، تُحرَج وتتضايق ويعكر مزاجك، وقد تعصي الله عزَّ وجلَّ.
علاقات حميمة لا ينبغي أن تقيمها مع غير المؤمنين، أمّا علاقات العمل مباحة مع أي كان، حتى إذا كان أعلى منك في الدائرة، تأتي في الوقت المناسب وتقوم بواجبك وتحترمه ويحترمك.
علاقات العمل ليس فيها ما يخدش المروءة، لكن العلاقات الحميمة هي علاقات منهي عنها:
(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ))

[ رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ]

(( إياك وقرين السوء فإنك به تعرف ))

[ابن عساكر عن أنس]

من يصحب الأراذل مجروحة عدالته:
كلكم يعلم أيها الأخوة أن الإناء إمَّا أن يُكسَر وإمَّا أن يُشْعَر، والعدالة إمَّا أن تسقط وإمَّا أن تخدش:

(( من عامل النَّاس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته.))

[سلسلة الأحاديث الضعيفة]

الآن بالمقابل: من عامل النَّاس فظلمهم سقطت عدالته، من عامل النَّاس فأخلف وعده معهم سقطت عدالته، من عامل النَّاس فكذبهم سقطت عدالته، ما الذي يجرح العدالة ؟ إبريق من زجاج كسرته بالمطرقة أصبح محطماً إلى مئة قطعة، أحياناً الإبريق يخدش، أي يجرح أو يُشعَر، ما الذي يجرح العدالة ؟ صحبةُ الأراذل ومن يصحبهم لا تقبل شهادته، مجروحةٌ عدالته.
الأكل في الطريق، البول في الطريق، أن تمشي حافي القدمين، أن يكون حديثك عن النساء، صحبة الأراذل، تطفيفٌ بتمرة، أكل لقمة من حرام، من قاد برزوناً، من أطلق لفرسه العنان، أي السرعة الزائدة، تجرح العدالة، تربي كلباً عقوراً لتخويف النَّاس في الطريق، يجرح العدالة، التنزُّه في الطرقات يجرح العدالة لوجود نساء في الطريق كاسيات عاريات، ويتبع ذلك مقاهي الرصيف، أكثر الأماكن العامة والفنادق لها مقاهٍ على الرصيف، هذه المقاهي يقصد منها النظر للنساء الغاديات والرائحات، من علا صياحه في البيت، يوجد بيت ملائكي هادئ، ويوجد بيوت كل يوم عندهم مشاكل والجيران يعرفون كل مشاكلهم، أحياناً الأخ مع أخته، أو الزوج مع زوجته، يعرفون الأصوات، كلها تجرح العدالة.
(( إياك وقرين السوء فإنك به تعرف ))

[ابن عساكر عن أنس]

أنت قد تكون بريئاً، وقد تكون إنساناً راقياً، إذا شخص دعاك ولم يكن الداعي إنساناً مؤمناً راقياً لا ينبغي أن تستجيب الدعوة قد يكون هناك مطب، مشكلة، قد يكون اختلاط، غناء، أو قد يكون في هذه الدعوة أشياء لا ترضي الله عزَّ وجلَّ.
(( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

التعرف على أصدقاء ولدك وانتقاءهم معه:
قلت لكم في البداية أن الطفل يتأثر ستين بالمئة من أصدقائه هذه حقيقة علمية جاء بها علماء النفس وعلماء الاجتماع، أما هنا جاء بها النبيّ:

(( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

على دين صديقه فلينظر أحدكم من يخالل، لذلك بعض الصوفيين قالوا: لا تصحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله.
إذا كنت عاقلاً اصحب إنساناً أرقى منك قالاً وأرقى منك حالاً، أرقى منك قالاً تتعلم من علمه، وأرقى منك حالاً تتأثر بقلبه المفعم بحب الله، علامة الحال العالي أن تأنس به، أن تشعر بسعادة وأنت في قربه، أن تتمنى أن لا تقوم عنه، أي أنسك به دليل حاله العالي، لا تصاحب إلا من كان له حال ينهض بك ومن كان له قال يزيدك علماً.
الآن أقول لك أيها الأخ الكريم أو أيها الأب الكريم لا تستطيع أن تلغي من حياة أبناءك الأصدقاء لأنهم حاجة أساسية وحاجة اجتماعية، لكن تستطيع أن تنتقي له أصدقاء جيدين، أحيانا الطفل يُسَرُّ برحلة مع أصدقائه مليون ضعف عن أن يكون معك، أنت في سنّ الخمسين وهو في سنّ العشرين يريد أن يكون له صديق من عمره يتفاهم معه، يتكلمون في موضوعات مشتركة، أما معك يوجد مسافة كبيرة بينكما في السن.
لذلك قال سيدّنا عليّ: ربّوا أبناءكم وأدبوهم فإنّهم خلقوا لزمنٍ غير زمنكم.
لا تطالب ابنك أن يكون بعقلك فأنت من جيل وهو من جيل آخر، لكن طالبه أن تكون أخلاقه عالية، طالبه أن يكون له أصدقاء ذوو أخلاق جيدة، أصدقاء مؤمنون، أصدقاء مستقيمون.
إذاً موضوع درسنا اليوم أخطر شيء في حياة ابنك هو صديقه فيجب أن تتعرف إلى أصدقائه واحداً وَاحداً، تتعرف إلى آبائهم، تأخذ أرقام هواتفهم، تعرف أين هو ذاهب ؟ مع من يجلس ؟ مع من يسهر ؟ هل كان حاضراً ؟
حقوق الصديق على صديقه:
الآن ما هي حقوق الصديق على صديقه والرفيق على رفيقه والأخ على أخيه في الله ؟

1ـ إلقاء السلام:

السّلام إذا لقيه، عوِّد ابنك إذا دخل أن يقول السّلام عليكم، كلما التقى مع أخيه يسلم عليّه، كان الصحابة رضي الله عنّهم إذا كان الصحابيان يمشيان معاً ففرّقت بينهما شجّرة فإذا التقيا ثانيةً يقول له: السَّلام عليَّكم، أنت إذا دعيت لركوب سيارة مع أشخاص كنت معهم وجلس السائق وجلس شخص أمامك وأنت جلست خلفهم فقل لهم: السّلام عليكم، فعندما تدخل سيّارة فقل السلام عليكم، إذا دخلت إلى بيت فقل السلام عليكم، فالسّلام أولى آداب الطفل مع أصدقائه.
((رجلاً سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيُّ الإسلام خير ؟ قال: تطعم الطعام))
[رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]
قد يغفل الإنسان عن هذه النقطة، إطعام الطعام فيه مودة كبيرة، يؤلّف القلوب ويلينها، ويخلق مودة ومحبة وألفة، فالكريم لم يغلط، والله عزَّ وجلَّ كما ورد في الأثر:
(( الضيف يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم. ))
[ابن السني عن أبي الدرداء]
هل يوجد أرقى من ذلك ؟ الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم ؟ والكريم يعوّض الله عليه، ويطرح له برزقه البركة، إطعام الطعام يؤلف القلوب.
أحياناّ يأتي أخٌ مسّافر ـ لا يوجد أروع من ذلك ـ الأخوان يستضيفونه، هل يعقل أن يأتي أخ من منطقة بعيدة إلى الشام ويذهب ليأكل في المطعم ؟! إذا الإنسان أخذه إلى بيته وأطعمه دون أن يكلِّف نفسه هذا مما يزيد العلاقات الإيمانية متانةً، إطعام الطعام، فأنا أتمنى والله وأنا أقدّر وإن شاء الله أنا في هذا الموضوع أفعل كما أقول لك.
إذا أخ قادم من حلب أو من اللاذقية أو من مكان بعيد إلى جامع ووجد أخوانه محبين دعوه وأكرموه، إطعام الطعام هذا من الأعمال الصالحة، لكن النّاس كرهوا إطعام الطعام لأنه أصبح فيه تكلفة.
((يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه ولكن أطعميه مما تأكلين.))
[أبو عبد الله محمد بن باكويه الشيرازي والرافعي عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه]
أنت تريد طعاماً يكسر العين، لا، هذا عمل غير إسلامي، الموجود مع ترميمات بسيطة، هذا هو الموجود، الضيف لا يريد خمسين صنفاً لكنه يريد وجهاً رحباً، يريد ترحيباً، يريد استقبالاً، يريد أن يشعر أنّه بين أهله، لذلك إطعام الطعام من الإسلام.
تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
يوجد هنا تعليق بسيط هل يعقل أن الإنسان وهو يمشي في سوّق الحميديّة أن يلقي السلام على كل من في الطريق، السلام عليكم، السّلام عليكم، وإن كان هناك ازدحام ؟ هذا غير معقول، لكن في حيّك، وفي الشارع، وفي البيت، وفي البناء، أحياناً تجد مستأجر في العطلة الصيفية وفي البناية التي تقطن أنت فيها قل له السلام عليكم، شخص يسكن في بيت أجرة بالصيفية قل له السلام عليكم، والمقصود أن تلقي السلام على كل إنسان في الطريق لكن ضمن حيّك أو ضمن بنايتك أو ضمن حارتك، أو أنت في الطريق دخل زبون إلى المحل لم يلقِ السلام فألق ِأنت عليه السلام، هو لم يسلم ودخلت أنت على محل تجاري وأنت تعرف صاحب المحل وكان يوجد ثلاثة رجال ألقِ أيضاً عليهم السّلام، هذا على من عرفت وعلى من لم تعرف.
(( لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السّلام بينكم ))
[ رواه مسلمٌ عن أبي هريرة ]
نحن الآن نستعمل كلمة مرحباً، ويوجد كلمات أخرى يقول لك: باي بَاي، ما هذا ؟! السلام عليكم، سلّم بسلام الإسلام، والله اسمه السلام، أنت حينما تُسَلِّم تلفظ اسّم الله عزَّ وجلَّ.
2ـ عيادة المريض:
أول حقّ: إلقاء السلام، الحقّ الثاني: عيادته إذا مرض.
(( عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفُكّوا العاني، أي الأسير ))
[رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري]
عودوا المريض، عيادة المريض من حقوق أخيك عليك، أنا أقول لكم والله من عاد مريضاً فإنّما يخوضُ في الرحمة خوضاً، هكذا النبيّ قال والحديث القدسي:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ))
[ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لأن الله عزَّ وجلَّ لمّا سلب المؤمن بعض الصحة عوض له تجلّياً، عوض له سكينة، فأنت إذا زرت مريضاً مؤمناً شعرت بالأنس والقرب من الله، لأنّه هو قريب فقد قال تعالى: لوجدتني عنده.
(( عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفُكّوا العاني، أي الأسير ))
[رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري]
(( حقّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
المقصود من هذا الحديث عيادة المريض، لكن م‍ا الذي يحدث ؟ سوف أقول لكم ما الذي يحدث: يكون أخ من أخواننا الكرام في الأصل دوامه متقطّع، فإذا لم يحضر درسين أو ثلاثة، نتوهَّم نحن أنه مثل عادته في دوامه ولكنّه قد يكون مريضاً.
حدثني بعض الأخوان وهو يتألّم أشدّ الألم وقال لي: أربعة وعشرين يوماً لم يزرني أحد، والله كأنه مطعون بطعنة خنجر، وهو في الأساس دوامه متقطّع، عندما غاب هذه الفترة ماذا ظنّ أخوانه ؟ مثل عادته، أمّا إذا كان الإنسان دوامه جيد في المسجد وغاب درساً أو درسين يلفت النظر، يوجد إنسان إذا غاب يفتقد، فالذي دوامه جيد والثابت على حضور مجالس العلم إذا غاب درساً واحداً أو درسين ـ حتى نكون واقعيّين ـ إن سألت عنه يجيبوا: لا لم نره.
اليوم افتقدت شخصاً فخبرته، قال لي: كنت حاضراً في خطبة الجمعة والموضوع كان كذا وكذا، لكن أنا كنت في القاعة وذهبت فوراً، لكن الحمد لله أحسن من لا شيء.
جميل من الإنسان أن يتفقد أخوانه، هكذا النبيّ علمنا النبيّ كان يتفقد أخوانه.
روى الشّيخان هذا الحديث ذكرته قبل قليل:
(( حقّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
3ـ تشميت العاطس:
الآن الحق الثالث: تشميته إذا عطس.
(( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كلمة (صحة) التي يقولونها الآن غير واردة، صحة على قلبك، ما هذه الكلمة ؟! النبيّ قال له: قل الحمد لله، ويقول لك: يرحمك الله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم لأن الله تعالى قال:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد )
تجد أمهات يعلّمن أولادهنّ: صحة على قلبك، لا، نحن نريد كلاماً إسلامياً، الحمد لله، يرحمك الله، هداكم الله وأصلح بالكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، أمّا أثناء الصلاة لا يوجد تشميت عاطس.
بدوي صلّى مع النبيّ أول مرة، فعطس صحابيٌ فقال له: يرحمك الله، فالصحابة ضربوا على أرجلهم زجراً له فخاف، فلمّا انتهت الصلاة قال له النبيّ الكريم: يا أخي لا يكون في الصلاة، يقول البدوي: والله ما رأيت معلماً أرحم منه ولا أحكم منه، والله ما نهرني ولا شتمني. فهو قد خاف أن يضربه الصحابة بعد الصلاة.
إذاً الواجبات ثلاثة، أولاً: السلام، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، أمّا إذا كان الشخص مصاباً بالرشح فمرة واحدة فقط.
4ـ الزيارة في الله:
زيارته في الله:
(( من عاد مريضاً، أو زار أخاً في الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنّة منزلاً ))
[ابن ماجه والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لم يخسر شيئاً إلا في سبيل الله، هذه الزيارة التي أشار لها النبيّ عليه الصلاة والسّلام ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً:
(( أنّ رجلاً زار أخاً له في الله في قريةٍ أخرى، فأرسل الله تعالى له على مدرجته، أي على الطريق، ملكاً فلمّا أتى عليه قال: أين تريد ؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمةٍ هي عليك ؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى. قال: فإني رسول الله إليك لأنّ الله قد أحبك كما أحببته فيه ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يعني أنّ أجمل زيارة وأسعد زيارة أن تزور أخاً في الله لا تبتغي من هذا شيئاً إلا أن تصل هذا الإنسان المؤمن.
إن كان عندك وقت فراغ يوم الجمعة أحياناً بعد الصلاة ولك أخ مؤمن زرته على موعد، مكثت عنده ربع ساعة، آنسته، سألته عن صحته، عن أولاده، تذاكرتم في آيتين أو ثلاث آيات مع تفسيرهم، ورجعت، أو أي جلسة تجلسها مع أخوانك في أثناء الأسبوع تذاكر فيها دروس الجمعة والسبت والأحد والاثنين، شي من القرآن الكريم أو شي من الفقه مثلاً، هذه اللقاءات الأسبوعية بين الأخوان طيبةٌ وجيدة جداً وتثبت الدروس.
5 ـ الإعانة وقت الشدة:
من حقوق الأخ عليك وهذا ينبغي أن تعلّمه أولادك: إعانته وقت الشدّة.
روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
معنى يسلمه يتركه لمصيبته، لا يكفي العباد إلا ربُّ العباد، الحقّ عليه هو الذي قصَّر، هذا غلط، إذا أخ وقع وجب علينا أن نعينه جميعاً، أحياناً تقف السيارة من هو السبب ؟ لا نريد السبب، نريد أن نجعلها تسير ثم بعد ذلك نبحث عن من هو السبب، لا توزّع تهماً ولا تشمت بالنّاس وتقول الحقّ عليك، أخوك وقع يجب أن تخلّصه، هذا واجب الأخوة الإسلامية، هذه مروءة.
الإنسان حجمه عند الله بحجم عمله الصالح:
لذلك النبيّ الكريم يقول:
(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
لذلك كل إنسان يفرج عن مسلم كربة يفرّج الله عنه كربة يوم القيامة، والله اليوم سمعت عن شخص غلط غلطة بالتجارة، ودخل بسببها السجن وقد طلب منه المحامي مئة وخمسين ألفاً وهذا مبلغ ضخم جداً، ولا يوجد معه سوى خمسين ألفاً، أخذهم منه المحامي ولم يستكمل المرافعة، وتركه لخصمه، قابلوه فقال لهم: ليس معي وكذلك أهلي، ولكن أحد أخواننا الكرام محامٍ ـ والله لا أنسى ذلك له ـ قال لي: أنا يا أستاذ أي خدمة تريدها مني فأنا جاهز لها، فأخبرته اليوم وقلت له: رجاءً احسم الموضوع لوجه الله، فوافق وأخذ العنوان، فشتّان بين هذا المحامي والمحامي الآخر، هذا يعمل لله والآخر أخذ خمسين ألفاً ويريد مئة أخرى ولم يكمل عمله، لم يعودوا يملكون شيئاً.
مثل هذا الإنسان لا يوجد في قلبه رحمة، ولا خوف من الله، ولا فيه غيرة على أخوانه، فالإنسان حجمه عند الله بحجم عمله الصالح، فمن عنده اختصاص في المحاماة، اختصاص في الطب، أو مختصّ في اللغة الإنجليزيّة، فجزء من زكاة اختصاصه، يقدّم جزءاً من خبراته للفقراء للمؤمنين، للمصابين، للمنكوبين، يعني زكِّ عن اختصاصك، والله نحن والحمد لله أخواننا بالمسجد في كلّ الاختصاصات يقدّمون خدمات مجّانيّة للمؤمنين الفقراء. قدّم جزءاً من اختصاصك لوجه الله هذا زكاة اختصاصك
زكاة اختصاصك تقديم جزء منه لوجه الله:
قال لي طبيب ذات مرّة: أي أخ يحتاج إلى عمليّة فأنا حاضر فأرسلنا أول أخ، والثاني، والثالث وهو ممتن، هذا الطبيب الله سيوفقه، جزء من اختصاصه قدّمه للمؤمنين، أنا أتمنى من كلٍ واحد منكم أن يكون له مثل هذا العمل، وبحسب اختصاصك، قدّم جزءاً من اختصاصك لوجه الله، هذا زكاة اختصاصك، فالله عزَّ وجلَّ يحفظك به، ويكرمك، ويوفّقك.
عدل ساعةٍ أحياناً يفضل أن تعبد الله ثمانين عاماً، مثلاً إنسان لا أحد له ومُلقى في السجن، وأولاده صغار ولا يملكون مالاً، خمسون ألفاً مبلغٌ جيدٌ وكبيرٌ !! لا، يريد مئة وخمسين وإن لم تكملوا لي المبلغ فلن أكمل المرافعة، فترك الدعوى، أما الثاني فقال: أنا أكملها بدون مقابل ولوجه الله، فالله كبير وغني وهو يحفظك ويمدّك برزقٍ من عنده، إعانته وقت الشدّة.
(( َمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
6 ـ إجابة الدعوة إذا دعاه:
الآن الحق السادس: إجابة دعوته إذا دعاه.
(( حقُّ المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة َ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقال:
(( من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله))
[أبو داود، والبيهقي عن ابن عمر]
من دعاك وجب حقّه عليك، إذاً الحقوق هي: إلقاء السلام، عيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وزيارته في الله، وإعانته وقت الشدّة، وإجابة دعوته إذا دعاه.
7 ـ التهنئة في المناسبات والتعزية في المصائب:
الآن: تهنئته بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس، أي أن تهنّئه بالعيدين الفطر والأضحى، بقدوم رمضان، بنجاح ابنه أو بزواج ابنه، المناسبات والأعياد، يجب أن تهنّئ أخاك بها، من لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة فليقل له:
(( تقبّل الله منا ومنك ))
[رواه الديلمي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
روى صاحب المقاصد عن خالد بن معد أنّه لقيه واثلة بن الأصقع في يوم عيد فقال له:
(( تقبّل الله منا ومنك. فقال له واثلة مثل ذلك ))
[رواه صاحب المقاصد عن خالد بن معد]
جاء في الصحيحين أنّ طلحة قام لكعب بن مالك وهنّأه بتوبة الله عليه.
(( أتدرون ما حقُّ الجار ـ ويدخل في الجار الرفيق ـ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خيرٌ هنّأته، وإن أصابته مصيبةً عزّيته ))
[الجامع الصغير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً]
نهنّئ، ونعزّي، ونجيب الدعوة، ونعين وقت الشدّة، ونزوره، ونشمِّته إذا عطس، ونعوده إذا مرض، ونلقي عليه السلام إذا لقيناه.
8 ـ تقديم الهدية:
بقي شيء هو آخر واجب من واجبات الأخ تجاه أخيه:
(( تهادوا تحابوا ))
[البيهقي عن أبي هريرة]
تهادوا: فعل أمر، ماضيها: تهادى بعضهم بعضاً، وصيغة فاعلَ تفيد المشاركة أي أنت قدّمت له هديّة وهو قدّم لك هديّة فأصبحتم متعادلين، أي لم تدفع ولم تخسر ولكن أصبحت المحبة بينكما.
جاءه مولود فأهديته هديّة، جاءك مولود فردّها لك، سافر للحج قدمت له هديّة، سافرت أنت فرد لك الهدية فلم تخسر شيئاً ولكن صارت بينكم محبّة، فالهدية سلوك إسلامي راقٍ جداً:
(( تهادوا تحابوا ))

[البيهقي عن أبي هريرة]

قيمة الهدية وأهميتها:
بالمناسبة أجمل الهدايا هدايا الزواج، عندما يتزوج الشاب أحياناً يكون بأَمسّ الحاجة إلى كلّ شيء، فإذا اجتمع عدد من الأخوة وتعاونوا واشتروا له برّاداً، وأخ أخذ له سجّادة، والثالث ثريا، وآخر أخذ له غازاً، وأحدهم أخذ له غرضاً من أغراض المطبخ، فلا هديّة أثمن من هدايا الزواج، عندما يستقر في البيت بعد سنة تزوّج أحد الأخوة فأصبح من الممكن أن تردّ له هديّته، والثاني تزوّج وهكذا، فالعمليّة كما يقول عامّة الناس دَيْن ووفاء، لكنّ الهديّة تذهب بوغر الصدر، وتمتّن المودّة والأخوّة في الله.

(( يا نساء المؤمنين تهادَين ولو فِرسِنَ شاة، فرسن شاة، أي ظلف الشاة، أي مقادم، ولو فرسن شاة واحدة، فإنّه ينبت المودّة ويذهب بالضغائن ))
[رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها]
(( عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة وتذهب بالضغائن ))
[الديلمي عن أنسٍ مرفوعاً]

(( تصافحوا يذهب الغلُّ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ))

[مالكٌ في الموطّأ عن عطاء الخرساني]
ليس الأصل أن تكون الهدية غالية لكن الهدية رمز، أحياناً الإنسان يحضر معه باقة صغيرة من الزنبق لمريض يعوده ولكنها مودة، أو يحضر كيلو من الحلويات لأخته إذا زارها، أو كيلو فول، دائماً ادخل عليهم وبيدك شيء ولو كان قليلاً، فهذا الشيء يخلق المودة.
إذا أردت أن يحدث ميلٌ قلبي واحتكاك ويذهب الضغن والحقد ولاسيّما الأقارب والأرحام والأصدقاء في مناسبات الزواج، أحياناً توجد حالة ولادة عند أحد من الناس ويكون بأمسّ الحاجة لأقل شيء، فمن الممكن أن تكون الهدية شيئاً من الأشياء التي يحتاجها في البيت، وهذا توجيه النبي اللهم صلِّ عليه.
التعاون أمر إلهي:
كلّما وجدت أخواننا يتهادون بعضهم مع بعض، ويتعاونون في زواجهم وفي عملهم، أو في فتح محل تجاري أو تأسيس شركة، عاونه بشيء، قدم له هدية، أقرضه شيئاً فهذا التعاون أمرٌ إلهي فقد قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
( سورة المائدة )

أخواننا الكرام كلمة تهادوا فيها مشاركة، بالنهاية لا توجد خسارة، فكل أخ أهدى أخاه بالمناسبات الأساسيّة والأخ الثاني رد له الهدية عندها لا توجد خسارة، بل بالعكس وجدت المودة وربحت أخاك، وما قدمته جاء مقابله.
حقوق الصاحب بالجنب:
الآن يوجد فرع بسيط في هذا الموضوع فهناك صاحب مؤقّت، ذهبت للحج فكان معك بالخيمة أخوان أو ثلاثة، في الغرفة ثلاثة أو أربعة، ذهبت لتنام على السرير وكان في المهجع ثلاثة أو أربعة مثلاً، سافرت لحلب فركب بجوارك شخصٌ، فكثير من هذه المناسبات الطارئة هذا الصاحب يدعى الصاحب بالجنب أي المؤقت، صحبة طريق، وقد يقدّم الصاحب لصاحبه بالجنب خدمات كبيرة، وقد تكون هدايته على يديك إذا كلّمته بكلمة طيّبة أو عاونته، لذلك هذا الرفيق ينبغي أن ينال منك كلّ عطفٍ وإحسان بالحج، بالعمرة، بالطائرة، بالقطار، بالسيارة العامة، بالجندية، بالوظيفة، ذهبت لمهمة، أو سافرت لسفر ما معك شخص آخر، فهذا الصاحب بالجنب له حقوق.
أسند الطبري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين فدخل عليه الصلاة والسلام غيضةً فقطع قضيبين، أحدهما معوج فخرج وأعطى لصاحبه القويم، الجيد، فقال الرجل: كنت يا رسول الله أحقّ بهذا، قال: كلا يا فلان إنّ كلّ صاحبٍ يصحب آخر فإنّه مسؤولٌ عن صحابته ولو ساعةً من نهار.
وبيّن النبيّ كيف كان يؤاثر أصحابه وإخوانه بالشيء الجيد فهذه مؤاثرة، إنّ كلّ صاحبٍ يصحب آخر فإنّه مسؤولٌ عن صحابته ولو ساعةً من نهار.
يوجد قول لطيف لربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما مروءة السفر فبذل الزاد ـ أي إطعام الطعام ـ وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير ما سخط الله عزَّ وجلَّ، وأما مروءة الحضر فالإكثار من دخول بيوت الله، وتلاوة القرآن، وكثرة الأخوان في الله عزَّ وجلَّ، كثرة المزاح في غير ما يسخط الله عزَّ وجلَّ، السفر يلزم له المرح، البعض في السفر يكون عبوساً قمطريراً، يضع نفسه في مكانة كبيرة والسفر سيران في الأساس، السفر يلزم له المرح وروح الدعابة في الإنسان، مزاح لطيف، مرح مثلاً، وقلّة الخلاف على الأصحاب: تقول لهم كما تريدون، تمشون نمشي معكم، تنامون ننام كذلك، كما ترتاحون، قلّة الخلاف.
هذا الموضوع متعلّق بحق الأخ في الله، يجب عليك أن تعلّم ابنك هذه الحقوق، يسلّم، يبذل، يصافح، أحياناً يعود المريض، يهنّئ، يقدّم هدية بمناسبة، أو يعمل حفلات صغيرة للصغار، تأخذ ابنتك هدية لرفيقتها، هذه لها معنى كبير جداً، ولو علبة أقلام، مقلمة، دفتراً، كتاباً صغيراً، فالهدية لها أثر كبير، والمؤمن دائماً يعتمد على الهدية في تأليف القلوب، فكلما وجد نفوراً مع أقربائه، مع والدته، مع والده، أو مع أخيه، أو صديقه، تكلّم كلمة فغضب منه أخوه، الهدية تذهب بوغر الصدر، وتزيد في المودة.
موضوع الدرس اليوم: الهدية، والتهنئة، إجابة الدعوة، الإعانة وقت الشدة، الزيارة الخالصة لله عزّ وجل، تشميته إذا عطس، عيادته إذا مرض، إلقاء السلام عليه، هذه آداب الأخوان في الله عزَّ وجلَّ هذه يجب أن تلقن للصغار، فكلما خالفها ننبهه، والحقيقة إذا كنا قد عرفناها نحن وقمنا بتطبيقها، فبذلك نعلمه إياها بالتقليد وبالقدوة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 7 ) حق الكبير





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة.
النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم بيّن حقَّ الكبير في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة:
وصلنا إلى تلقين الصغار الحقوق المتعلّقة بالوالدين وذوي الرحم، والمعلّم والمربّي وها نحن أولاء ننتقل اليوم إلى حقِّ الكبير.
صدقوني أيّها الأخوة ما من طفلٍ أو صغيرٍ يرتكب عملاً قبيحاً أشدَّ من أن يتطاول على كبير، لذلك قد تعجبون أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تبرأ ممَن لا يوقر كبيرنا ولا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه.
الإنسان المتطاول على من هو أكبر منه في السن هو إنسانٌ بعيدٌ بعداً شديداً عن التربية الإسلامية لذلك النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة بيّن حقَّ الكبير.
أولاً من هو الكبير ؟ أحد تعاريف الكبير أنّه كبير السن، فالمتقدّم بالسن كبير، ولا يمكن لصغير في السن أن يتطاول على كبير مع أنّ العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، هذه حقيقة، العلم يكبِّر الإنسان والجهل يصغّره، ترى أشخاصاً كباراً في السن حول مهندسٍ شابٍ يأخذون منه التعليمات، الموافقة، التوجيهات، وقد يكون في سنِّ أولادهم، هم كبار ولكنّهم لم يدرسوا، فالعالم شيخٌ ولو كان حدثاً والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، لكن الكبير هو الكبير في السن مبدئيّاً، والكبير هو الكبير في العلم، والكبير هو الكبير في القدر.
في الحياة توجد ثلاث قوى: إمامٌ عادل، وعالم عامل، وإنسان كبير في السن، فالإنسان يُحترم إما لعلمه، أو إذا كان في منصب وهو يقوم بحقِّ هذا المنصب.
على كلٍ من كان أكبر منك سناً، أو أكثر منك علماً، أو أرفع منك تقوى وديناً، أو أسمى منك جاهاً وكرماً هذا هو الكبير.
ما رأيت أدباً أرفع من أدب أصحاب رسول الله، سيّدنا العبّاس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أيكما أكبر، أنت أم رسول الله ؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله، أرأيتم إلى هذا الأدب.
كما تدين تدان:
أيُّها الأخوة، روى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))
[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
شابٌ نكرة، أي شاب أكرم شيخاً ـ أي شيخ كبير في السن ـ بعضهم استنبط استنباطاً لا أدري مبلغه من الصحّة أي إذا أكرمت إنساناً في الثمانين فأبلغ الظن أنّك سوف تصل إلى الثمانين عاماً حسب الحديث ـ هذا استنباط لا أدري مبلغه من الصحّة ـ لكن الإنسان إذا أكرم شيخاً لسنّه قيض الله له من يكرمه عند سنّه.
هل لهذا الحديث معنى مخالف ؟ المعنى العكسي إذا تطاول إنسانٌ على إنسان كبير وهو شاب في ريعان الشباب، أو قوي، أو في منصب حسّاس، وإنسان في سنّ والده تطاول عليه، اعتدّ بقوّته، وبمنصبه، وبسلطته، تطاول عليه، الحديث له مفهومٌ معاكسٌ ويسمونه المفهوم المخالف، وما تطاول شابٌ على شيخٍ استخفافاً به إلا قيّض الله له من يستخفُّ به ومن يهينه في هذا السن.
حدّثني رجل أثق بحديثه، كان راكباً في قطار، وقبل أن ينطلق القطار من المحطّة، غرفته فيها شاب، صعد إلى هذه الغرفة شيخ وقور، كبير في السن، أناس غير مهذّبين أنزلوه بالقوّة وتطاولوا عليه، هذا الشيخ انكفأ على نفسه، تألم، وأظنُّ أنّه بكى، الذي حدّثني بهذه القصّة أخذ هذا الشيخ إلى غرفةٍ أخرى في القطار وأكرمه، وأراد أن ينسيه هذه المأساة، فما كان من هذا الشيخ إلا أنّ قال: والله في هذا المكان بالذات كنت شاباً وتطاولت على رجل كبير في السن.
العوام يروون قصصاً كثيرة جداً وأنا أصدّقها، مثلاً بهذا المكان ضرب والده، وبنفس المكان ابنه ضربه:
(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))
[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
بالمقابل لا يتطاول شاب على إنسان كبير في السن، على والده، بالكلام أو بالضرب إلا سوف يدفع الثمن باهظاً.
(( البرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان.))
[عبد الرزاق والبيهقى في الزهد عن أبى قلابة مرسلاً]
ذكرت لكم مرّة قصّة رجل عادي جداً بل أقل من العادي وله أولاد عاديّون وأقلّ من عاديين، ليس له ميّزة وليس لهم فضل، لكن هذا الرجل فقد حركته وأصيب بالشلل، فنهض أولاده الشباب الذين هم أبناؤه وخدموه خدمةً لا يمكن تصورها، وكان لهم قريبٌ يلحظ هذه الخدمة قال لي: بقيت سنة وأنا أعجب لهذه الخدمة، لا الرجل المخدوم من العلم والقدر والكرامة والعطاء والتضحية والمؤاثرة بحيث يستحقّ هذه الخدمة، ولا هؤلاء الشباب من العلم والتقى والورع بحيث ينطلقون من إيمانهم بهذه الخدمة، فقال لي هذا الرجل: والله بقيت عاماً وأنا أتساءل ما سرّ هذه الخدمة ؟!! ثم بعد ذلك اكتشف أنّ هذا الرجل المشلول رعى أمّه خير رعاية حينما أصيبت بفالجٍ أقعدها الفراش. ربّنا عزَّ وجلَّ تجاوزاً لطبيعة الشباب وطبيعة الأب دفع هؤلاء الشباب لخدمة أبيهم، أي بالتعبير الدقيق الحياة دينٌ ووفاء.
من الكبائر ألا ترحم الصغير وتعرف حقّ الكبير:
قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))
[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]
ليس منّا، وهذه الأحاديث كلمة (ليس منّا) تشير إلى أنّها كبيرة، من مقاييس الكبائر أن يتبرّأ النبيّ من نسبة هذا الإنسان إليه: (ليس منّا)، فإذا قرأتم في الجامع الصغير: (ليس منّا) اثنا عشر حديثاً تقريباً، عبارة (ليس منّا) خطيرة جداً، تعني أنّ هذا الشيء من الكبائر:
(( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية ))
[أبو داود عن جبير بن مطعم]
(( ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده ))
[أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن أبى هريرة]
(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))
[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]
(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))
[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]
من إجلال الله تعالى أن تكرّم كبيراً في السن، ذا شيبة، مسلم، طبعاً القصد مسلماً، أمّا إذا كان فاجراً، فاسقاً، غارقاً في الزنا، في شرب الخمر، فهذا موضوع ثان، أمّا الحديث فيما بين المسلمين.
يعني إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه، أي أنّ بعض الناس يحفظون كتاب الله ولكنّهم يحتقرون الآخرين، القرآن يهذّب الإنسان، الإنسان إذا حفظ كتاب الله، أو كان ماهراً به، أو فهمه فهماً عميقاً، أو فسّره فلا ينبغي أن يستعلي على خلق الله، وحامل القرآن غير العالي فيه ولا الجافي عنه، الجافي عنه: أي تركه وانشغل بأمور الدنيا.
إكرام ذي السلطان المقسط: أي أنت موجود في قريّة ومدير الناحية رجل مستقيمٌ ليس له أي عمل سيّء، فلا داعي إلى أن تتجاهله أو لا تبالي به، ما دام يقوم بعمله ويرعى أمور هذه القرية، قائم مقام مثلاً، أو أنت بمكان ودخل المحافظ مثلاً فلا مانع من أن تحترمه وتقف له، هذا شيء ضمن الآداب الإسلاميّة أن تكرم ذي السلطان المقسط.
الأخلاق الحميدة عماد المسلم:
بالمناسبة فقد ورد أن:
((العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن، السخاء حسن ولكن في الأنبياء أحسن، الورع حسن ولكن في العلماء أحسن، الصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، التوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، الحياء حسن ولكن في النساء أحسن. ))
[ الديلمي عن جابر بن عبد الله ]
أي أنّ ألزم صفة للأمير هي أن يكون عادلاً، العالم ورع، الأمير عدل، الغني سخاء، الفقير صبر، الشاب توبة، المرأة حياء، أي أجمل ما في المرأة حياؤها قال تعالى:
﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) ﴾
( سورة القصص )
من علامات قيام الساعة أن ترفع النخوة من رؤوس الرجال، وينزع الحياء من وجوه النساء، الآن يُعقد مؤتمر بمصر، هذا المؤتمر من اللائحة التي عقد من أجلها أن الدول الفقيرة عليها أن تصدر تشريعات تبيح الزنا واللواط والسحاق، وتمنع الأب من محاسبة أولاده قبل البلوغ من ممارسة الجنس، وتبيح الإجهاض بلا قيد أو شرط، وتلزم من يمارسون الجنس باستعمال الواقي، هكذا يريدون.
الإنسان إذا انحلّت أخلاقه انتهى، طبعاً قد قاطعت بعض الدول هذا المؤتمر الذي له ضجّة كبيرة، كي نحلّ مشاكلنا الاقتصاديّة يجب أن نسمح باللواط والسحاق والزنا والإجهاض لكي نحل مشاكلنا الاقتصادية، هكذا يريدون لنا.
تجاهل لديننا، تجاهل لهذا المنهج الإلهي، ولكن أنا والله متفائل هذا المؤتمر كاللقاح تماماً، أي يثير في المسلم نخوته، ويثير فيه تمسُّكه بدينه.
(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))
[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]
هناك أُسر تعيش وفق المنهج الإلهي، أسر نظيفة، أولاد ينشؤون في طاعة الله، ينشؤون على الحياء والعفّة، ينصرفون إلى طلب العلم، إلى بناء مستقبلهم، إذا في أزمةً اقتصاديّة تعالج بطريقة أخرى، تعالج بمضاعفة الدخل، تعالج بضبط النفقات، تعالج بإصلاح الأراضي، تعالج باستغلال الثروات الموجودة في باطن الأرض، فيوجد في أكثر من ألف حل، أيعقل أن يكون هذا الحل المعروض في المؤتمر هو حل لمشكلاتنا ؟!! هكذا أرادوا لنا لكنّهم لن ينجحوا.
من آداب الإسلام احترام الكبير و تبجيله: (( عائشة رضي الله عنها مرَّ بها سائل فأعطته كِسرةً ـ أي قطعة خبزٍ ـ ومرَّ بها رجل عليه ثيابٌ وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال عليه الصلاة والسلام: أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
وفي روايةٍ:
(( أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن ننزل الناس منازلهم ))
[أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ]
طبعاً بماذا ننزل هذا الكبير منزلته ؟ قال: أن يستشار في الأمور الاستشارية، وأن يقدَّم في المجلس، وأن يبدأُ به بالضيافة تحقيقاً لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
((أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
فقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم عليه وفدُ عبد قيس وهم يقولون: قدمنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشتدَّ فرحه، فلمّا انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحّب بنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ودعانا، ثمّ نظر إلينا فقال: من سيّدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائد، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقعد عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرحّب به وألطفه، وسأله عن بلادهم.
النبي قبل وفداً من دون رئيس، قبل وفداً ليس رئيسهم، جلس إلى يمين النبي، من زعيمكم ؟ من سيّدكم ؟ أشرنا إلى المنذر بن عائد، فلمّا دنا من النبيُّ عليه الصلاة والسلام قعد على يمين رسول الله تكريماً له.
معنى ذلك: من آداب الإسلام أن يحترم وأن يبجّل الكبير، الكبير في السن، الكبير في المنصب، الكبير في العلم طبعاً، وإكرام ذي السلطان المقسط، أي هذا الإنسان العادل المستقيم المتواضع هذا يُكَرَّم، وعالم وكبير في السن يُكَرَّم، لم يرد الغني هنا في هذا الحديث ولكن ورد فقط إمام مقسط، وعالم، وكبير في السن، هؤلاء يقدّمون في المجالس، يقدّمون في الضيافة، هؤلاء يُستشارون، هؤلاء يُحترمون، هؤلاء يجلسون في صدر المجلس.
من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير ويسيء إليه:
قال: الكبير ينبغي أن يقدّم في صلاة الجماعة، وفي التحدُّث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء، أحياناً نقوم بتوزيع الهدايا على الطلاّب، فإذا وجد إنسان ضيفٌ من ضيوف المسجد، عالم جليل، فنجعل التوزيع على يدِّ هذا العالم، إنسان له سابقة في الإسلام فنجعل التوزيع على يده.
(( كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ))
[مسلم عن أبي مسعود رضي الله عنهم ]
النبيّ عليه الصلاة والسلام كان يستقبل وفداً فتكلّم من هو صغيرٌ في السن فقال عليه الصلاة والسلام:
(( كبّر كبِّر ))
[البخاري، ومسلم، وأبو داود عن سهل بن أبى حثمة]
أي ليتكلّم الأكبر سنّاً، أحاديث كثيرة، النبيُّ عليه الصلاة والسلام نبّه إلى أنّه من الخطأ الكبير بل من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير، أن يسخر منه، أن يوجّه إليه كلاماً سيّئاً، أن يسيء الأدب في حضرته، أن ينهره في وجهه:
((ثلاثٌ لا يستخفُّ بهم إلا منافق الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمامٌ مقسط ))
[الطبرانيُّ في الكبير عن أبي أُمامة رضي الله عنهم ]
ألا تتذكرون أحياناً أطفال من المدارس ذوي تربية سيّئة جداً إذا مرَّ إنسانٌ كبيرٌ أمامهم يقلّدونه ويستهزؤون به، هذا الشيء وارد وهو من ضعف التربية ومن سوء التربية.
الحياء فضيلة أما الخجل نقيصة بالإنسان:
الآن يتفرّع عن توقير الكبير: الحياء، الحياء خلق في المسلم يمنعه من فعل القبيح، يمنعه من التقصير في حقِّ الكبير، يدفعه إلى إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( أنّ الحياءَ خيرٌ كُلُّه ))
[متفق عليه عن عمران بن حصين]
الحياء كلُّه خير، بالمناسبة هل يوجد فرق بين الحياء والخجل ؟ الخجل مرض وهو نقيصة بالإنسان، الإنسان يخجل من قول الحقيقة، مظلوم ولكنّه ليس مذنباً وخاف أن يتكلّم، فهذا خجل والخجل مرض، خجل أن يطالب بحقّه، خجل أن يبيّن الحقيقة، خجل أن يواجّه الناس، خجل أن ينصح، الخجل شعور بالنقص، هذا يجب أن يقاوم، أما الحياء شيء آخر، فالحياء فضيلة، أما الخجل نقيصة بالإنسان.
هناك أشخاص لا يطالبون بحقّهم فتكون الواقعة على عكس ما قيل ويظلّ ساكتاً، تكلّم ما دمت لم تفعل هذا لماذا سكتّ ؟ خاف، هذا خجل، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))
[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
بصراحة أقول لكم: والله هذا لا أصدقه أبداً، مؤمن يمزح مزاحاً جنسيّاً، يتكلّم بالعورات، يسبّ سباباً مقزعاً، مستحيل:
(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))
[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]
تعيش معه ثلاثين أربعين سنة فلا تلقى كلمة منه تجرح الحياء، فالنبيُّ قال: يا بنيّتي إنّ هذه الثياب تصفُ حجم عظامك.
تصف حجم عظامك، اختار كلمة لا تجرح الحياء أبداً، فالإنسان أحياناً يتكلّم عن أهله، يحكي اسم زوجته، قل: أهلي، أهل البيت، بناتي. يتكلّم عما يجري بينه وبين امرأته من حديث أحياناً، يصف أحياناً زوجته أمام الآخرين، طبعاً يصف عنايتها بطبخها عنايتها بالبيت، فمن عدم اللباقة والحكمة أن ينقل الإنسان للآخرين خصوصيّاته.
(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))
[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
المؤمن لا يستخدم عبارات تجرح الحياء لأن خلق الإسلام الحياء::
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))
[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
أنا ألاحظ ملاحظة أن أخواننا روّاد المساجد طلاّب العلم لهم سمتاً حسناً، أينما جلسوا، بأعمالهم، ببيوتهم، مع أصدقائهم، بنزهاتهم، بلقاءاتهم، باحتفالاتهم، يمزح ويتكلّم لبقاً ولطيفاً، ولكن لا توجد عنده كلمةً تجرح الحياء.
تجد البعض كلامه مقذعٌ، كلام فيه وقاحة، وكلام فيه سُباب، كلام ملغوم، كلام مغشوش، تجد أشخاصاً كيفما تكلّموا يغشوا الكلام، فأيّ عبارة يقولها يعني بها شيئاً آخر، هذا ليس من أخلاق المؤمن، ما أقوله لكم كلام دقيق فمؤمن يستخدم عبارات تجرح الحياء ؟ هذا شيء مستحيل، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))
[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
(( إنّ لكلّ دينٍ خلقاً، وخلُق الإسلام الحياء ))
[مالك وابن ماجة عن زيد بن طلحة]
تجد المؤمن ببيته غير متبذِّل، التبذُّل في البيت ليس من الإيمان في شيء، حتّى في الثياب، فهل من الممكن أن يقوم الإنسان بارتداء ثيابٍ داخليّة أمام بناته مثلاً ؟ أو أمام أخته ؟ الأخت أمام أخيها تكون بثياب متبذِّلة ؟ هذا كلُّه من قلّة الحياء.
الثياب دليل التحضُّر والرقيّ والتعرّي دليل التخلُّف:
المسلم منضبط، المسلم ضمن البيت وخارج البيت منضبط، فالتعرّي دليل التوحُّش، فكلّما كان التعرّي موجوداً فهذا دليل التوحُّش:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْأتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) ﴾
( سورة الأعراف )
معنى هذا الثياب دليل على التحضُّر والرقيّ، والتعرّي دليل تخلُّف.
(( الحياء شعبةٌ من الإيمان ))
[متفق عليه عن عمران بن حصين]
أي الحياء لا يأتي إلا بخير، فنحن نقول: توقير الكبير، التوقير من لوازمه الحياء، عندما يستحي الصغير من الكبير فقد وقّره أمّا لو استخفَّ فيه، تلاحظ أحياناً بالمركبات العامّة طفلاً جالساً على مقعد وإنساناً كبيراً واقفاً ومتمسّكاً وسوف يقع والطفل جالس،‍ فالطفل يجب عليه أن يقف على الفور، وحتّى لو قام بحمل حاجة الكبير فهذا أكمل.
((لقد كنت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أنّ هاهنا رجالاً هم أسنُّ منّي ))
[متفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه]
النبيّ يسأل سؤالاً والغلام يعرف الجواب لذاكرته القويّة لكنّه يخجل، يستحي أن يتكلّم لوجود من هو أسنّ منه في المجلس، هكذا كان يقول أحد الصحابة. الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له:
يروي البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( ما رأيت أحدا أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.))
[البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها]
هذا هو الأدب، قال: يا رسول الله ما هذا الأدب !! قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
الشيء الصارخ بالمؤمن هو أدبه، فالمؤمن إنسان كسائر البشر له عينان وأذنان وأنف ورأس وجذع وأطراف، لكن المظهر الصارخ له أدبه، أدبه في مشيه، أدبه في جلوسه، في شرب الماء، في طعامه، في نومه، حتى في قيادة مركبته، هناك جلسة فيها أدب وجلسة فيها كبر، تجد السائقين يسبون بعضهم من قلّة الأدب.
كان عليه الصلاة والسلام يحدّثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه دخل إلى بعض أزواجه.
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ.))
[أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له.
النبيّ عليه الصلاة والسلام كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه من الرضاعة ـ السيّدة حليمة السعديّة ـ فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام عليه الصلاة والسلام فأجلسه في مكانه، كلّهم من الرضاعة فكيف حقيقةً، والده من الرضاعة مدّ له طرف ثوبه، والدته من الرضاعة مدّ لها طرف ثوبه الآخر، جاء أخوه أجلسه مكانه.
(( سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا دنا إلى المسجد قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيّدكم أو خيركم ))
[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]
أي أنّ النبي أمر أصحابه في حضرته أن يقوموا لسيّدنا سعد، فهو سيّد الأنصار، حتى يجعل لكلّ إنسان مكانه.
النبي الكريم أعطى كلّ واحد من الصحابة حقّه:
الإنسان يتجاهل أي إنسان حوله أمّا العظماء، فسيّدنا رسول الله اللهمّ صلّي عليه مع أنّه سيّد العظماء لكنّه لم يتجاهل من حوله من الصحابة الكرام أعطى كلّ واحد منهم حقّه، فقد قال لسيدنا معاذ:
(( يا معاذ إنّي أحبُّك في الله. ))
[أبو داود عن معاذ]
وقال:
(( ارمِ سعد فداك أبي وأمّي. ))
[متفق عليه عن علي رضي الله عنه]
دخل سيّدنا سعد قال:
(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله.))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
وقال:
(( لكل أُمَّةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمَّة أبُو عبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ.))
[متفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
وقال:
(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله.))
[ البغوي عن عبد الله بن جعفر]
وقال: ما ساءني قط، وأيضاً:
(( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))
[كنز العمال عن أبي الدرداء]
سيدنا عمر:
(( لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر ))
[أحمد والترمذي عن عقبة بن نافع]
سيدنا عثمان:
(( ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة ))
[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]
وعن سيدنا عليّ قال:
(( أنا مدينة العلم وعليٌ بابها ))
[الطبراني في الكبير عن ابن عباس]
أي أنّه لا يوجد صحابي إلا والنبيّ الكريم أعطاه صفته الحقيقيّة، وهي من عظمة رسول الله، مع أنّ الأقوياء لا يذكر معهم أحد إطلاقاً، وكلّ إنسان معهم مطموس المكانة، لكن النبيّ الكريم مع أنّه أعظم خلق الله لكنّه أعطى كلّ صحابي حقّه.
تكريم المؤمن العالم أو الكبير من السنّة:
أحد الصحابة سيّدنا كعب بن مالك عندما قصّ علينا خبر تخلُّفه في تبوك وبعد أن تاب عليه الله عزَّ وجلَّ قال: انطلقت أتأمم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلقّاني الناس فوجاً فَوجاً يهنّئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّأني.
استدلّ العلماء من هذا أنّ تكريم المؤمن العالم، أو الكبير، تكريم ذي الشيبة المسلم، تكريم الإمام المقسط، أن تقوم له تكريماً فهذا مقبول وهذا العمل من السنّة، إلا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال:
(( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ))
[ أبو داود عن أبي أمامة ]
هذا الحديث له معنى آخر، قالوا: من أراد أن يتمثّل الناس له قياماً يجب ألا تقوم له، المتكبّر الذي يفرض على الناس أن يحترموه بالقوّة هذا متكبر، هذا يريد التكريم لذاته، هذا لا تقوم له، أو إنّهم ما قاموا إلى مرتبته العلميّة قاموا إلى ذاته خوفاً من بطشه، طمعاً بماله، فإذا كان التكريم طمعاً بالمال أو خوفاً من البطش هذا خلاف السُّنة، أمّا إذا كرّمت إنساناً حاملاً لكتاب الله، فو الله أنا ذات مرّة أخ أصغر مني في السنّ بكثير ولكنّه حافظٌ لكتاب الله ركب معي بالمركبة فلمّا أوصلته نزلت من الباب وودّعته واقفاً، وهو أصغر مني سناً فهذا يحمل كلام الله، فلا مانع من أن تكرّم إنساناً حافظاً لكتاب الله ولو كان أصغر منك سناً.
أما إن كرّمت إنساناً خوفاً منه أو طمعاً في ماله هذا قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[الخطيب عن ابن مسعود]
نظافة اللسان من سمات المؤمن:
ورد:
(( أنّ زيد بن ثابت قُرِّبت له دابّةً ليركبها فأخذ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما بركابها، فقال زيد: تنحّ يا ابن عمّ رسول الله. فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده فقبّلها فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ))
[ابن عساكر عن أبي عمّار]
الأول قدم ركاب الدابة لسيدنا زيد بن ثابت وهو ابن عباس ابن عم رسول الله، وقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا، والثاني قال له: أرني يدك فقبّلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
أي لو وجدّت مؤمنين يتعاملان دائماً تجد كلّ واحد منهما يقدّم للآخر أحسن كلمة وأجمل حركة، كأن يقدّم له محلّه، ويؤاثره، ويحترمه، ويصافحه، ويقبّله أحياناً إذا كان مسافراً، العلاقات الإيمانيّة علاقات راقية جداً.
أخواننا الكرام، الحياة جميلة بالمودّة والمحبّة والاحترام والأدب والعفّة وطهارة اللسان:
((لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.))
[أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
الشيء الذي يبدو في المؤمن نظافة لسانه، وكما قلت قبل قليل المؤمن يعيش ثلاثين سنة في سفر، في حضر، في بيته، في وليمة، في نزهة، في مسجد، في جامع، في لقاء، لا يمكن أن يتكلّم بكلمة فاحشة، أو بكلمة بذيئة، أو بكلمة ملغومة، أو بكلمة مغشوشة، أو يذكر اسم العورات بأسمائها الفاضحة، أمّا هذا الذي يتكلّم بكلمات فاحشة، ويسمّي الأشياء بأسمائها الوقحة السوقيّة هذا بعيد عن ذوق الإيمان:
(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))
[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]
صار معنى الكبير بحسب الدرس هو كبير السن، طبعاً من المسلمين، والحديث فيما بين المسلمين الكبير كبير السن، و الكبير كبير العلم، والكبير الإمام العادل، مدير مدرسة وأنت معلّم عنده هل يجب أن تتطاول عليه ؟ لم يبدر منه شيء، فهو رجل يقوم على خدمة الطلاّب، مدير مشفى وأنت طبيب ناشئ فإذا رأيته دخل عليك فقم وقف له، فهذا ضمن عملك، فاحترام مدير مشفى، مدير ثانويّة، مدير جامعة، أو أستاذ جامعة مثلاً، مدير معمل، مدير ناحية، احترام إنسان مستقيم منصف عادل هذا ليس فيه أي إهانة لك أبداً، فأحياناً بعض الناس يصنع لنفسه بطولات ويقول: استطعت أن أهينه، فإذا قلت له: هل عمل لك شيئاً ؟ يقول: لا، ولكنني أهنته. لماذا أهنته وما هذه الأخلاق الشرسة ؟!
من عظّم القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فقد أشرك:
إذا وجد إنسان له منصب، مكانة، و يسيء لك، أو يظلم، أو يتجاوز حدّه فهل تبني مجدك على إهانته ؟ كثيراً ما أسمع هذه البطولات بقولهم: لم أقف له، لم أسلّم عليه، فهل عمل معك شيئاً ؟ يقول: لا، لم يعمل معي شيء، إذاً لماذا لم تحترمه فهذا مدير عام ؟ بالمناسبة إذا كنت موظفاً في مؤسسة ولها مدير عام، فاحترامك له هذا ضمن إيمانك وضمن إسلامك، لا يخدش مكانتك أن تحترمه، فالله قد جعله مديراً عاماً، وهو أكبر سناً، أو أكثر علماً.
أما أن يعظّم الغنيُّ لماله فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ لقوّته فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ خوفاً من بطشه فهذا من الشرك، إذا عظّمت القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فهذا شرك.
أنا أتمنّى من أخواننا الكرام أنّ يربوا أولادهم على هذا الأدب، فإذا جاء به إلى المسجد، الطفل قد يركض في المسجد، يعلو صوته، يضحك، يضطجع على السجّاد، فأين والده ؟ المفروض أن يتعلّم الأدب، فو الله نحن نحبّ كلّ الصغار، فعندما أرى أخاً مع ابنه فو الله أسعد به، لأنّ هذا الابن عندما ينشأ على المجيء لبيوت الله عزَّ وجلَّ هذا مكانه الطبيعي، فأنا أتمنّى من كل أخ كريم أن يحضر معه ابنه حتّى يألف الطفل المسجد، وأحب أن يكون مكرّماً جداً، وأتمنى إذا حضر أحد مع ابنه أن تبتسموا في وجه الابن، وإذا كان معك شيء من الحلوى أعطها له، واسأله عن أبيه، فيشعر بمكانته في المسجد، فالنبيّ الكريم كان يسلّم على الصبيان ويقول:
(( السلام عليكم يا صبيان ))
[ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه]
أحياناً تكون سائراً بحارتك، تجد أحياناً طفلاً صغيراً هو الذي يسلّم على الكبار، فهذا شيء جميل ويجب عليك أن لا تتجاهله فقل له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ما اسمك يا بني ؟ ومن هو والدك ؟ بارك الله بك، فخذ اسمه واسأله عن والده فهو قد ألقى عليك السلام، وإذا كنت خارجاً من مدخل بناية ورأيت طفلاً فقل له: السلام عليكم، ولو كان صغيراً، هكذا الإسلام، من لوازم المؤمن السلام، سلّم على الصغير وعلى الكبير، على من تعرف ومن لم تعرف، مثلما تكلّمنا في الدرس الماضي هذا حقّ الكبير، من صفات المؤمن توقير الكبير وليس منّا من لم يوقّر كبيرنا.
على الإنسان أن يعلم أولاده احترام الضيف وحقه:
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق وتلك التوجيهات النبويّة، وهذه الأحاديث الشريفة، إلى واقعٍ نعيشه، ففي الحقيقة الأب إذا أراد أن يوجّه ففي ذلك جهد، تجد ابنه يرتكب غلط واثنان والأب ساكت لا يتكلّم، فالابن ليس له ذنب لأنّه لم يتعلّم، وإذا لم يتعلّم فمن يعلّمه غير أبيه ؟! أما إذا حضر الأب لمجلس علم وتلقّى هذه المبادئ ورأى ابنه لم يسلّم على الكبير فيقول له: سلّم يا بني، أحياناً يدخل الابن على ضيوف أبيه وينظر لهم دون مبالاة، لذلك يجب أن تسلّم وتقول: السلام عليكم.
أحياناً بالعكس يكون عند أبيه أكثر من ثلاثين شخصاً والحديث مهمٌّ فيصافحهم واحداً وَاحداً فمكن في هذه الحالة أن تقول له: يا بني سلّم واقعد، بأن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أو يكون عنده ست أولاد وكلّما دخل واحداً منهم يصافحوا الحضور واحداً وَاحداً والكل يقفوا لهم، لذلك يجب إذا دخل الابن أن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أما إذا وجد ضيف واحد ودخل الابن فعليه أن يسلّم عليه.
علّم ابنك أن يسلّم ويحترم ويقدّم الضيافة بنفسه، فبعض الأبناء عندهم نباهة وبدون إشارة من أبيهم يقومون على الفور بتقديم الضيافة للضيف، فهذا شيء جميل أن يعرف الابن حقّ الضيف.
أحياناً يكون الأب غير موجود في البيت ولك إخوة أكبر منك ويأتي صديق والدك أو زميله أو رجل معروف ولـه قيمته، يقول له: ليس موجوداً، وابن آخر يقول: تفضّل وانتظر، الآن سنخبره ليأتي سريعاً، ويقوم الابن بتقديم الضيافة له، يجب أن تعلّم ابنك كيف يستقبل الضيف ؟ كيف يودّع الضيف ؟ أحياناً يقدّم الضيافة من فوق رأس الضيف، أو يسلّم على الضيف فيوقع فوقه الشراب.
على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى:
القصد أن تعلّم أولادك الأدب مع الكبير، استقبال الضيف، أو إذا دخل عمّه للبيت فالعم كما قال النبي والد، فالمفروض أن تعرّف ولدك على أهله، وتأخذه معك في الأعياد، ويرى عمومه وأخواله كلّهم، وتذهب إلى كل بيت من بيوت أقربائه كأولاد خاله وأولاد خالته حتى يعرف الطفل من هم أهله، أحياناً يقول لي أحدهم: والله لا أعرف من هم أولاد عمّي، هذه قطيعة، لا يعرفون بعضهم البعض، ففي الحقيقة محبّة الآباء تورث محبّة الأبناء، وبصراحة إذا الإنسان أحبّ شخصاً يحبّ أولاده، فالأولاد مثل الشخص، فالنبي قد وجّهنا توجيهاً أن لا يقطع أحدنا أهل ودّ أبيه:
(( احفظ وُدَّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك.))
[البخاري والطبراني والبيهقي عن ابن عمر]
عندما سأل النبيّ أحد الصحابة قائلاً: أبقي عليّ من برِّ والديّ شيء ؟ قال له: نعم أن تصل صديقهما.
أصدقاء الوالد يجب أن تبقى على صلة بهم، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه التوجيهات مطبّقة في بيوتنا جميعاً، والطفل المؤدّب والله يا أخوان لا يقدّر بثمن، فهو ثروة، الطفل الأديب، والطفل المربّى، والطفل المعلّم، والطفل الذي يعرف حقّ الكبير، وطليق اللسان، شيء لا يقدّر بثمن، ولا يوجد أبشع من طفل وقح تجده يسبّ بعبارات بذيئة بالطريق، أُقسم بالله الحائط يخجل من كلامه، تجده من أبناء المدارس ويسب أخته وأخت أخته وأمّه بكلمات مقذعة، فأين تربى هذا ؟ وأين أبوه ؟ وأين أمّه ؟ ومن علّمه ؟ وتجد طفلاً يستحي من كلمة نابية، وطفلاً يتكلّم الكلمات النابية كأنّها كلمات طيّبة.
أحياناً تجد من يضع ويعلّق الشهادات ببيته يبرزها، فهذا معه البكالوريوس وهذا معه الليسانس، وهذا معه الدكتوراه، فأنا قناعتي ـ وأرجو أن تكون كلمة دقيقة ـ شهادتك أولادك، ويا أيّتها الأخت المؤمنة شهادتك العالية تربية أولادك، فإذا كان عندك أولاد وبنات على خلق وتربية عالية فهذه شهادة للأم، فشهادتك الحقيقيّة هي أولادك، فيجب على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى.
اليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية:
نحن في الدرس العشرين ولا زلنا بحاجة إلى المزيد، وأنا حريص جداً على أن تكون بيوتنا إسلاميّة، وعلى أن يكون الابن سائراً على منهج والده، ولكن هذا يلزمه جهداً كبيراً، أحياناً يتوفّى الأب وتقوم الأم بتربية أولادها تربية راقية جداً، وأحياناً يتوفى الأب ويكون العم مثل الأب، فأنا أعرف عماً قام بتزويج بنات أخيه، ولا تجد فارقاً ولو ضئيلاً بين ابنته وابنة أخيه، اختار لهنّ الأزواج الأطهار، وأقام الحفلات ببيته، وألبسهن، فأحياناً يكون العم مثل الأب.
من هو اليتيم ؟ اليتيم هو الذي له أمٌ تخلّت عن تربيّته، أو أبٌ مشغولٌ، أب مشغول وأم مسيّئة متخلّية عن مهمّتها، فاليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية، فقد قال النبيّ الكريم:
(( أيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنّة.))
[ابن بشران عن أنس]
أحياناً تجد العم أرقى من الأب، وأحياناً تجد الأم تقوم بدور الأب والأم معاً، فاليتيم الحقيقي هو الذي ليس له أبٌ يراعاه، أبوه مشغول وأمّه مقصِّرة في واجباتها تجاه أولادها.
الحقيقة هذا الدرس نحن في أمسّ الحاجة إليه صغاراً وكباراً، صغاراً نتأدّب بهذا الأدب، وكباراً نعلّم أولادنا هذا الأدب.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 8 ) غرس الاداب الاجتماعية عند الاطفال





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الواحد والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ولا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الاجتماعيّة. المؤمن يتأدّب بآداب الإسلام بإحدى طريقين:
ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب هذا القسم وهو غرس الآداب الاجتماعيّة عند الأطفال، والآداب الاجتماعيّة تشمل: آداب الطعام والشراب، وآداب السلام، وأدب الاستئذان، وأدب المجلس، وأدب الحديــث، وأدب المزاح، وأدب التهنئة، وأدب عيادة المريض، وأدب التعزية، وأدب العطاس والتثاؤب.
نبدأ بأدب الطعام والشراب، الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تحيّرت عقولهم في هذا الأدب الرفيع الذي كان عليه الصلاة والسلام متحلّياً به، فسألوه: ما هذا الأدب يا رسول الله ؟!! فقال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
أيّها الأخوة، قبل أن نمضي في الحديث عن آداب الطعام والشراب، وآداب السلام وما إلى ذلك، أريد أن أُوضّح لكم حقيقة كيف أنّ المؤمن يتأدّب بهذه الآداب ؟
هناك طريقان:
1ـ طريق التعلم:
الطريق الأول هو طريق التعلُّم، النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول لك:
(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
2ـ الاتصال بالله عز وجل اتصالاً حقيقياً:
يمكنك أن تتحلّى بهذه الآداب عن طريق التعلُّم، يوجد طريقٌ آخر أنّك إذا اتصلت بالله عزَّ وجلَّ اتصالاً حقيقياً، الكمال الإلهي قد سرى إلى نفسك، فمن دون أن تعرف الحكم تجد أنّك لا تفعل هذا ذوقاً، فإمّا أنّك لا تفعل هذا العمل معرفةً أنّه لا يجوز فهذا مستوى، والمستوى الثاني لا تفعله ذوقاً.
الحقيقة والأكمل أن تجمع بينهما، أن تجمع بين اتصالك بالله وسريان هذا الكمال الإلهي إلى نفسك، وأن تجمع بين تعلُّم السنّة، فإذا اتصلت بالله حققت جوهر الأدب، وإذا قرأت السنّة حققت تفاصيل الأدب، فإذا جمعت بين جوهر الأدب وتفاصيله كنت أديباً متأدّباً بآداب الإسلام .

المؤمن أدبه بيّن، لا تعرفه بصلاته وصيامه فقط، فلو كان بين الصلاتين، قاعدين في سهرة والعشاء قد أذّن له والكل قد صلّوا، أو لم تعرف من قد صلّى، يا ترى ألا تعرف المؤمن من حديثه فقط ؟ من حديثه، من نظراته، من طرقه للباب، لا يطرق الباب ويقف بوجهه نحو الباب، فإذا فتحت امرأةٌ الباب رآها كما هي !! لا، بل يدير ظهره للباب، وإذا كان جالساً عند صديقه لا ينظر، فإذا حدثت حركة خلف الجدار وكانت هناك نافذة فلا ينظر بل يدير وجهه، فالمؤمن لا تعرفه من صلاته وصيامه فقط، بل ينبغي أن تعرفه من آدابه، أدبه في المشي، أدبه في دخول البيت، أدبه في الجلوس، أدبه في تناول الطعام، أدبه في السلام. الصبغة اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله:
الحقيقة إن شاء الله لا أُبالغ أنّ هذا الفصل الذي بين أيدينا من أهمّ الفصول، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أدبه ظاهراً، ما هذا الأدب ؟ قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
شيءٌ جميلٌ جداً أن تكون أنت أديباً وتعلّم أولادك الأدب، تعلّم أولادك أن لا يتكلّموا بكلمةٍ نابية، وألا تكون لهم نظرة غير لائقة، فقد قال تعالى:
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ﴾
( سورة النجم: آية " 17 " )
أحياناً البصر يطغى، تنظر إلى شيء لا يحلُّ لك، إذاً الأدب له طريقان، طريق التعلُّم والتقليد، وطريق الصبغة، فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾
( سورة البقرة: آية " 138 " )
الآية واضحة، فالفطرة صفحة بيضاء لا يوجد فيها خيرٌ أو شرٌ، لكنّ الصبغة هي اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله والدليل دقيق جداً يوجد دليل قرآني نبوي، فالدليل القرآني قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
هذه الرحمة التي تراحم بها الناس وتراحم بها المؤمنين، والبادية بشكلٍ صارخ من تصرُّفاتك، من لينك، من محبّتك، من شفقتك، من رأفتك، هذه الرحمة من الله كما ورد في السنّة:
(( إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً. ))
[الحكيم عن العلاء بن كثير]
الأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله لأن أساسها حنكةٌ وذكاء وهدفها رخيص:
الخلق الحسن من الله، من خلال الاتصال بالله، لكن توجد عندنا حالة خاصّة يجب أن تعلموها وهذه الحالة أنّ الإنسان بحنكته وذكائه يقف موقفاً أخلاقيّاً، هو ليس أخلاقياً لكن هذا الموقف أخلاقي، فهذا الموقف موقف استعراضي، وهدفه تحقيق مصالح معيّنة، هذه الأخلاق برع بها الكفّار براعةً ما بعدها براعة.
سيّارة عامة لم تقف لطفل، حقوق المواطن غالية جداً، أهل هذا الطفل أقاموا دعوى على الشركة بخمسين ألف جنيهاً إسترلينياً، المركبة العامّة لم تقف لهذا الطفل وقت الغروب.
كن شعوباً بأكملها تموت فلا مانع، يفتعلون المشكلات في كل مناطق العالم، ما بين الهند والباكستان، لا يوجد دولتان متجاورتان إلا ولديهما مشكلة من فعل الغرب، وحروب، واعتداءات، وشراء أسلحة، وتدمير أسلحة، هم يفتعلون المشكلات ويسفكون دماء الشعوب وينهبون الثروات، وإذا لم تقف مركبة لطفل صغير تقام دعوى وتحصل من الشركة خمسون ألف جنيه في بلادهم، هذا الكلام قد قام بتلخيصه شاعرٌ ببيتٍ واحدٍ فقال:
قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
***
إذاً قد يقف الإنسان موقفاً أخلاقياً وهو غير أخلاقي، وهذا الموقف موقف استعراضي، هدفه تحقيق مصلحة ماديّة، هذا الموقف لا قيمة له عند الله إطلاقاً، فقد قال تعالى:
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ﴾
( سورة الكهف )
التحلي بأخلاق إسلامية أساسها الاتصال بالله لا الحنكة والذكاء:
لذلك يوجد موقف أخلاقي ويوجد إنسانٌ أخلاقيٌ، ولدينا مثالٌ أوضح من ذلك: مثلاً عليك سند بادرت بدفعه فهل أنت صاحب أمانة ؟ لا، لا وبأعلى صوت لأنّ هذا سند والذي بيده السند يقيم عليك دعوى ويحجز عليك، ويعمل لك مشكلة ويفضحك بالسوق، فمبادرتك إلى تأدية الحق هذا سلوك مدني، أما الأمانة أن يعطيك إنسان مئة ألف لتشغلها له عندك، ويموت أمامك فجأةً، ولم يبلغ أحداً إطلاقاً، لا إبلاغ، ولا إيصال، ولا إعلام، ولست مُداناً أمام أحد، طرقت باب الورثة وقلت لهم: هذه أمانة أودعها أبوكم عندي قبل أن يموت، هذه هي الأمانة.
يا أخواننا الكرام، الإنسان بذكائه وحنكته يستطيع أن ينتزع إعجاب الناس ولكن إلى حين، لكن وحشيته تظهر أحياناً بشكل يفضحه، فمثلاً بالخمسينات كان الناس مأخوذين بهذا العالم الغربي، بالعلم والحضارة والرقي والتقدُّم والقيم، الآن ابن الشارع، الطفل الصغير، عامّة الناس، الطبقة غير الواعية من المجتمع ترى وحشيّة الغرب، وازدواجيّته، وكيف أنّه يكيل بمكيالين، وكيف أنّه حاقد على الإسلام حقداً لا حدود له، أليس كذلك ؟ فالأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله، هي أخلاق أساسها حنكةٌ وذكاء هدفها رخيص، هدفها مكاسب دنيويّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر.
عندنا مثل عربي معروف: أنّ أحد الناس رأى صيّاداً يذبح عصفوراً وقد سقطت من عينه دمعة، فقال: ما أشدَّ رحمته، فقال له الآخر: انظر إلى السكين، لا تنظر إلى هذه الدمعة ولكن انظر إلى السكين التي يذبح فيها هذا العصفور.
أردت من هذا الكلام أن لا ينخدع الإنسان بألفاظ برّاقة، بكلمات يقولها الغرب مثل: حقوق الإنسان، حقوق الحيوان مقدّمةٌ عندهم على حقوق الإنسان، لأنّ ما يأكله الكلاب من لحوم في العالم الغربي أضعاف ما يأكله شعب الهند من اللحوم بأكمله، هذا شيء معروف.
نحن نريد أخلاقاً إسلاميّة، آداباً إسلاميّة، آداباً أساسها الاتصال بالله لا أساسها الحنكة والذكاء.
الصبغة هي الكمال و الفطرة حبُّ الكمال:
التعلُّم مطلوب، أتمنّى أن يضاف التعلُّم إلى الاتصال بالله، الاتصال بالله يحقق صبغة، فهذان التعبيران في القرآن الكريم دقيقان، الفطرة صفحةٌ بيضاء، قال تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾
( سورة الروم )
فطرة الله التي فطر الناس عليها، الفطرة أيُّها الأخوة أن تحبَّ الخير دون أن تكون خيّراً، أن تحبَّ العدل دون أن تكون عادلاً، أن تحبَّ الإحسان دون أن تكون محسناً، أما الصبغة: أن تكون عادلاً عدلاً أصيلاً، وأن تكون محسناً إحساناً أصيلاً.
فلان مصطبغ بصبغـة الله أي إنسان متصل بالله مع هذا الاتصال اكتسب كمالاً، هذا الكمال يمنعه أن يكذب، يمنعه أن ينظر إلى عورات المسلمين دون أن يعرف الحكم الشرعي، هذا الكمال يمنعه أن يستعلي، يمنعه أن يتكبّر، يمنعه أن يأخذ ما ليس له، هذه هي الصبغة:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾
( سورة البقرة: آية " 138 " )
الصبغة الكمال، أما الفطرة: حبُّ الكمال، فأنت مفطورٌ فطرةً عالية، أي أنّك تحبّ الكمال، تحبّ العدل، السارقون إذا سرقوا شيئاً يقسمونه فيما بينهم يقولون: اقسمه بالعدل، وكل العملية سرقة، محبّة العدل فطرة، فالسارقون لم يكونوا عادلين، أخذوا مالاً حراماً، أخذ المال المسروق هذا أكبر ظلم ولكنّهم بالعدل يريدون قسمته، لأنّ هذا فطرة، الفطرة محبّة العدل، الفطرة محبّة الرحمة، فقد يكون الأب فاسقاً لا يصلّي وليس فيه ديــنٌ إطلاقاً ولكنّه حريص أن يكون ابنه مربّى تربيةً إسلاميّة، فيضع ابنـه أو ابنته في مدرسة لها توجه إسلامي، لأنّ هذه من الفطرة، وهي موجودة في كلّ إنسان حتى في المجرم، حتى في المنحرف، حتى في الزاني، فإذا كان الإنسان له ماضٍ سيّئ وأراد الزواج يبحث عن امرأة شريفة، يقول لك: أنا أعرف كلّ شيء وأريد امرأة نظيفة، وهو في الأساس غير نظيف، فهذه فطرة والفطرة أن تحبّ الكمال.
الفرق بين الفطرة والصبغة:
الفطرة أن تحبّ الكمال، أما الصبغة أن تكون كاملاً، الفطرة ليس لك فيها أجر هكذا فطرك الله، أما الصبغة كسبيّة، أساسها جهد واتصال بالله وعملٌ صالحٌ وضبطٌ للنفس والشهوات، فالفطرة فطريّة من اسمها، أما الصبغة كسبيّة، الفطرة أن تحبّ الشيء، أما الصبغة أن تكون كذلك، لذلك الأدب أعظم مصادره الصبغة، أن تتصل بالله فتصطبغ نفسك بالكمال.
لن أكون مبالغاً بهذا الكلام: لو تصوّرنا إنساناً له صلة شديدة بالله ولم يقرأ أي حديث عن آداب الإسلام فأرجّح أنّه يفعل معظمها وهو لا يدري، عنده حياء من الله يمنعه أن يتواقح، أو أن يكذب، أو أن يسُبّ الناس بالألفاظ البشعة، عنده حياء يمنعه أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، هذا هو الحياء، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربّي، أي أنّ اتصالي بالله جعلني مؤدّباً.
أيُّها الأخوة الكرام، الشيء الذي ينبغي أن يبدو منك كمؤمن هو أدبك، أدب الطعام، الشراب، السلام، الاستئذان، المجلس، الحديث، المزاح، التهنئة، عيادة المريض، التعزية، العطاس، التثاؤب.
نبدأ بآداب الطعام، بالطبع الآن نتعلّم الآداب تعلُّماً بيانيّاً، وكما قلت سابقاً أنّ الأَولى أن نتعلّمها بيانياً أي شرحاً، وأن نتصل بالله حتى تشتق النفوس هذا الكمال الإلهي بحيث لا تفعل هذا الشيء لا لأنّه حرام ولكن نفسك تأبى أن تفعله، مثلاً أحد الأشخاص عند سفره إلى أحد المحافظات فتح سائق السيّارة العامّة إحدى الأغاني التي يحبُّها فيترنّم تماماً ولكنّه غير محاسب، هو لا يستمع ولكنّه سمع، والنبي قال: من استمع، لكن هذا الإنسان ذاته بعد أن تتعمّق صلته بالله، وبعد أن تطهر نفسه، بعد أن يرقى إلى الله، بعد سنة لو استمع إلى الأغنية نفسها يتمزّق، يقول في نفسه: ما هذا الانحطاط، ما هذه العبارات البذيئة مثلاً، ولكنّه لم يكن كذلك، ففي المرحلة الأولى كان منصاعاً لأمر الله، ولكن نفسه لم تصطبغ بالكمال، لكن بعد أن اصطبغت نفسه بالكمال يتأبّى هذه المعصية.
الفطرة أن تحب العدل، أما الصبغة أن تكون عادلاً، الفطرة ليس لك فيها أجر لأنّ الله خلقك هكذا، أما الصبغة لك فيها أجر لأنّها كسبيّة فقد بنيت على أساس إيماني واتصالٍ بالله وعمل صالح واستقامة وضبطٍ للجوارح وغير ذلك.
آداب الطعام:
الآن آداب الطعام، هذا الأدب سهلٌ جداً ففي اليوم الواحد لدينا ثلاث وجبات، يمكن أن تنفذوها على عشاء اليوم أولاً.
1ـ بركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم والوضوء بعده:
الأدب الأول:
(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ))
[رواه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه]
هل تصدّقون فقد ذكرت في إحدى الخطب أنّ ثلاثمئة مليون إنسان يصاب في العالم كلّ يوم بسبب عدم تنظيف اليدين عقب قضاء الحاجة وعقب الطعام والشراب، وتحت اسم أمراض القذارة أصدرت منظمة الصحّة العالميّة التابعة للأمم المتحدة نشرة بذلك.
وضوء الطعام ليس وضوء الصلاة وضوء الطعام غسل اليدين والفم فقط، فإذا أمسكت بشيء في يدك سابقاً، أو خلعت حذاءك، أو وضعت يدك على حائط قد يكون قذراً، أو قد يكون طفلاً لم ينظّف نفسه ووضع يده على الحائط، أو مسكت شيئاً غير نظيف، أثناء النهار يجوز أن يكون الفم مفتوحاً ويوجد غبار أو أشياء لا ترى، فبركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم، والوضوء بعده. هذه واحدة.
قال أحد الصحابة سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول:
(( من أحبَّ أن يكثر الله خير بيته فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع ))
[ رواه ابن ماجة والبيهقي عن أنسٍ رضي الله عنه ]
الآن يقولون عن تفشّي مرض الحمّى المالطيّة، حمّى البحر المتوسّط، بسبب عدم غلي الحليــب أو الأجبان، وأمراض العدوى معروفة عندكم، فغسل اليدين قبل الطعام تعتبر تقريباً حرزاً للإنسان من أن تنتقل له بعض الأمراض عن طريق اللمس، فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع، قبل الطعام وبعد الطعام، هذا أول أدب
2ـ التسمية في أوّل الطعام والحمد في آخره:
التسمية في أوّله والحمد في آخره، الأدب الثاني:
(( إذا أكل أحدُكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوّله فليقل: بسم الله في أوّله وآخره ))
[رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]
معنى التسميّة: بسم الله أشرب هذا الماء، أنّ هذا الماء من نعم الله، وللتسمية معنيان: الأول أن تذكر أنّ هذه نعمة من الله، أن تذكّرك بفضل الله عليك، والثاني أن تشرب وفق السنّة، أن تذكّرك بسنّة رسول الله في الشرب، تذكُّر النعمة، وتطبيق السنّة، هذه معنى التسمية، بسم الله أشرب يعني أشرب ماءً هو من نعمة الله، وأشرب ماءً وفق ما أمر الله، هذه معنى التسمية.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل وشرب يقول:
(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))
[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
عند زيارتي لبعض المياتم في شهر رمضان وجدت شيئاً جميلاً جداً، أنّ الأطفال جميعاً وبصوت واحد يبدؤُون بالتسميّة فإذا انتهى الطعام يقولون:
(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))
[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
هكذا علموهم، قال لي أحد الأخوة: وضعت ابني في مدرسة فيها توجيه إسلامي جيد، ذات مرّة صحا من نومه متأخراً فقلت له: يا بني خذ معك هذا الطعام، وكُلْه في الطريق، فقال لي: يا أبتِ قال عليه الصلاة والسلام:
الأكل في الطريق دناءة.
شيء جميل أن يتعلّم الطفل وهو صغير الآداب، كيف يأكل ؟ وكيف يشرب ؟
3ـ ألا يعيب طعاماً قدّم إليه ولا يمدحه:
الأدب الثالث: ألا يعيب طعاماً قدّم إليه، كما قالت السيدة عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام:
(( ما ذمّ طعاماً قط.))
[مسلم عن أبي أيوب]
بعض الأشخاص يشمئزون ويُشمَئز منهم، فلا بدّ من أن يعلّق على ما يقدّم له من الطعام، هذه قليلة الملح، أو لم تعقد كفاية، أو اللحم قاسي، لا بد من أن يعلّق، أما النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يعب طعاماً قط، قال:
(( ما ذمّ طعاماً قط لكن إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه.))
[مسلم عن أبي أيوب]
هذا الأدب الثالث، مرَّ معي أدبٌ رابعٌ غير مذكور هنا وهو: ما عاب طعاماً ولا مدحه.
كأن يقول: أكلة رائعة، طعمها كالقشطة، مثل كذا وكذا، أكلت فقم بشكر الله فقط، المبالغة في المدح أيضاً ليست من أخلاق المؤمن، فمعنى ذلك أنّه عبد بطنه، وقد قال النبي:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
4ـ أن يأكل بيمينه ومما يليه:
الأدب الرابع: أن يأكل بيمينه ومما يليه.
لما روى مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال:
(( كنت غلاماً في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
تطيش: أي تتحرّك في الإناء، حضرت طعاماً ووجدت طفلاً صغيراً، وكان الطعام كباباً هندياً، والطفل يأكل بأصابعه دون خبز وأبوه ساكت ولا يتكلّم، فشيء لا يحتمل أنّ ابنه سيأكل نصف الموجود من اللحم دون خبز ويترك الآخرين وأبوه لا يتحرّك وكأن لا مشكلة في ذلك أبداً.
لا بد أن تربّي ابنك وتقول له: كل مما يليك يا بني، أو كل مثل الناس مع الخبز مثلاً، أما أن يأكل الابن كيفما أراد فهذا لا يجوز، لا بد أن يكون له أب ليربّيه.
النبيّ لم يسكت عندما رأى يد الطفل تطيش في الإناء بل قال له:
(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
5ـ ألا يأكل متّكِئاً:ا
لأدب الخامس: ألا يأكل متّكِئاً لما فيه من الضرر الصحّي، وظواهر الكبر، بالطبع إلا المرضى في المستشفيات، أما غير المريض يجب أن يأكل وهو جالسٌ جلسة نظاميّة.
(( لا آكُلُ متّكِئاً ))
[رواه البخاري عن أبي جحيفة ]
الاتكاء يتنافى مع الأدب أمام شخص عظيم، فسيّدنا زيد الخيل كان رجلاً من وجهاء الجاهليّـة، فلمّا أسلم سمّاه النبيّ زيد الخير، ورحّب به وقال له: يا زيد ما رأيت رجلاً وكان قد وصف لي إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد، لله درُّك، وقد دعاه النبي إلى بيته وأعطاه متَّكَأً يتكئ عليه، سيّد الخلق ويجلس أمامه متّكئاً !! أسلم قبل ساعة فقال له: والله يا رسول الله لا أتّكئ في حضرتك.
هذا هو الأدب، رأيت مرّتين أو ثلاثاً في غير هذا الجامع أثناء الدرس من يجلس جلسةً لا أدب فيها على الإطلاق، إن كان معذوراً فلا يحق لي أن أتكلّم، أمّا إذا كان بلا عذرٍ وهكذا رجلاه ومرتاحاً على التمام فعليه أن يعلم أن هذا بيت الله، فو الله لو جلس هذه الجلسة أمام إنسانٍ كبيرٍ وله مكانته لطرده،
أنت في بيتٍ من بيوت الله، أما المعذور معذور ولا أتحدّث عنه أبداً، بعض الأشخاص مرضى بتصلُّب في المفاصل فهذا الله عزَّ وجلَّ يعذره ولا يحاسبه، لكن من دون سبب ؟! يجب أن نتأدّب بآداب الإسلام.
6ـ يستحبّ التحدُّث على الطعام:
قالوا: يستحبّ التحدُّث على الطعام، البعض يتحدثون بكلام ليس له معنى، فالنبي كان يتحدّث على الطعام، الحقيقة أعرف أسراً كثيرة أغبطها، الطعام عندهم متعة، الأولاد كلّهم يجلسون إلى مائدة الطعام ويتحدّثون، فالأب يحدثهم ويستمع إلى أولاده، بموعظة، بقصّة، بطرفة مثلاً، وقد يكون أحد أطفال العائلة في المدرسة فيقول: هكذا تكلمت المعلّمة، فهذا شيء جميل مع الطعام، فمن السنّة التحدُّث مع الطعام، أما كل واحد من الجالسين عينه على القصعة ويأكل بِنَهَم وكأنّهم في مسابقة، فهذا ليس طعاماً بل طعام الشياطين، لما روى مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه أنّ:
(( النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سأل أهله الأُدم فقالوا: ما عندنا إلا خل. فقال: فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل.))
[مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه]
قد صحّ عنه أنّه كان يتحدّث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة.
قال لي أحد الشباب عن والده: من عشرين سنة نأكل طعام الغداء مع رنين الساعة الثانيـة ظهراً، هكذا نظامه ولا يمكن أن لا نكون مجتمعين على الطاولة جميعاً في هذا الوقت، فهذا وقتٌ مقدّسٌ يجلسون ويأكلون مجتمعين.
هناك بيوتٌ مليئة بالفوضى كل ولد له وجبة طعام له وحده، فأولاً تذهب بركة الطعام، وثانياً تحدث مشقةٌ كبيرةٌ جداً، فإذا أمكن اجتماع الأهل كلّهم ودفعةً واحدة على الطعام، ويتحدّثون بحديثٍ ممتعٍ ومؤنسٍ ولطيفٍ فهذا من السنّة وهكذا النبي علّمنا.
7ـ الدعوة للمضيف:

يستحبُّ أن يدعو الضيف لمضيفه إذا فرغ من الطعام، فتجد البعض إذا انتهى من طعامه يطلب الذهاب، فأين يذهب ؟ ادعُ لصاحب الطعام بأن تقول له:
(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))
أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
قد دعاك وتكلّف فادعُ له كأن تقول له: اللهمّ بارك هذا البيت وبارك أهل هذا البيت، اللهمّ أعطهم ولا تحرمهم، ادعُ دعاءً لهم.
روى أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيت فأكل ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))
أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
هذه من السنّة، التسميـة في أوّله والحمد في آخره، وغسل اليدين قبل الطعام، والحديث على الطعام، وعدم الأكل متّكئاً، أن تأكل بيمينك ومما يليك، والدعاء للمضيف، وألا تعيب طعاماً قط وألا تمدحه.
آداب أخرى للطعام:
إذا سألك المضيف عن الأكل وجودته، فيجب أن تمدح له، فقد أراد أن يتقرّب منك وصنع لك طعاماً وقد بذل فيه جهداً، وسألك عن الأكلة وهل أحببتها ؟ فقل له: نعم جزاك الله الخير على هذا الطعام الطيّب، أكلة نفيسة، إذا سألك عن الأكل هل أعجبك ؟ فمدحه له جبراً لخاطره.
زارنا أخ له دعوته مع طلاّبه، مما لفت نظري أنّه لا يمكن أن يأكل أحد لقمة من الطعام قبل أن يأكل أكبر من في المجلس، هذا شيء جميل، أحياناً نكون في نزهة وثلاثة أو أربعة من الأصدقاء لم يحضروا بعد فقد كانوا في خدمة المجموع، وليس لهم مكان في غرفة الطعام، فتجد أن نصف الطعام قد أُكِل، أمير الجلسة يجب أن لا يأكل ولا لقمة من الطعام حتى يكون الكل مجتمعين، ليعد حتى الخمسة عشر مثلاً فإذا كان الكل حاضراً يبدأ بسم الله.
الصغار لا يأكلون قبل أن يأكل أكبر إنسان في الجلسة، والآن يُعمَل بهذا في المآدب الرسميّة، فإذا بدأ بالأكل أعلى شخصيّة بالمأدبة الكل بعده يأكل، هكذا السنّة، فإذا وجد أولاد يجلسون مع أبيهم، أو طلاّب مع أستاذهم بنزهة، ووضع الطعام، فالطالب ليس له الحق في أن يأكل قبل أن يأكل أستاذه، فإذا
ناول قطعة من الطعام فهذا خلاف للسنّة، فلا يأكل الكل إلا بعد أن يمدّ يده رئيس هذه الجلسة أو أمير هذه الجماعة ويأكل أول لقمة، وليس للأمير ـ أمير المائدة أو أمير النزهة ـ ليس له الحقّ في أن يبدأ الطعام إلا بعد أن يحضر كلّ من معه ويتأكّد من ذلك، فالكل بمكانه، والطعام موزّعٌ توزيعاً جيّداً، ثم يبدأ بالطعام وعازماً عليهم بأن يتفضلوا الطعام، وهم ليس من حقّهم أن يبدؤوا قبله فهذا من دقّة النظام.
تعلموا ذلك، كذلك بعض الناس لا يحلو له عمل الشاي أو غسل أسنانه أو قراءة شيء ما إلا والناس مجموعون حول المائدة، ويطلب منهم أن ينتظروه، هذا شيء صعب إذ لا بدّ أن تراعي كلّ النواحي، فإذا وضع الطعام فيجب أن يقبل عليه الجميع، والأب يجب ألا يبدأ حتى يكون الكل موجودين، والأولاد يجب ألا يبدؤوا بالطعام حتى يبدأ أبوهم.
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، هذه السنّة.
الحديث الأخير:
(( كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل طعاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث ))
[رواه مسلمٌ عن أنسٍ رضي الله عنه ]
متى يستطيع أن يلعق أحد أصابعه ؟ إذا غسل يديه قبل الأكل وإلا فلن يستطيع الإنسان أن يلعقهم، فإذا كان التغسيل جيداً وبأصابعه دسمٌ فهذه نعمة، وقال:
(( إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان))
[رواه مسلمٌ والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر]
أحياناً تقع على الأرض لقمة فتعلق عليها بعض الغبرة فنغسلها قبل أن نأكلها هذا من السنّة.
حفظ النعمة وعدم الاستهتار بها:
أخواننا الكرام، من الاستهتار بالنعمة أن تجد بالقمامة بعض الطعام، فالمؤمن الكامل لو رأى في القمامة بقايا من الطعام لاقشعرّ جلده، أحياناً يترك في وعاء الطبخ بقايا رز ويُوضع في المجلى ويذهب ما في الوعاء من الرز إلى القمامة، وأحياناً تجد كسرات من الخبز هذه تأكلها الطيور فقم ببلها بالماء وضعها على السطح فتؤكل كلّها، أو بقايا فتّة كذلك تأكلها الطيور، فإذا وجد شيء عافت نفسك أن تأكله يوجد من يأكله وبِنَهَم ولك فيه أجر، فكل شيء فيه طعام يجب أن لا ترمي به ـ ولو ذرة ـ إلى القمامة، فالطير يأكله، أرى بعيني كثيراً من الخبز يلقى فوق سطح البيت فلا تبقي منه الطيور شيئاً، الطير يأكل بقايا الخبز أو الفتّة أو الطبخ بنهم ولك أجر، فحاول أن لا تلقي ولو بذرّة واحدة إلى القمامة.
لكن ترى أحياناً أفخر الطعام ـ لطف الله بنا ـ يلقى في القمامة، فقد سمعت أنه في بعض البلاد يصنعون وليمة من الطعام بها جملٌ صغيرٌ مكتّفٌ ـ وهي من أنفس الأكلات ـ ضيف الشرف يأكل منه فقط نصف الأوقيّة، ولكن من التقاليد والعادات أن لا يأكل أحد بعد الضيف أبداً والباقي يلقى على القمامة.
أشعر أنّ الإنسان المؤمن إذا رأى طعاماً ملقى على القمامة يهتزّ من أعماقه، فقد قال رسول الله: يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
دُعيت مرّة إلى عقد قران وكان فيه الكثير من الطعام النفيس وبكميات كبيرة، لاحظت أنّه لم يؤكل منه خمسه، فاحترت، والداعي رجلٌ مؤمنٌ فسألته مستفسراً في اليوم الثاني، فقال لي: والله يا أستاذ ما ضاعت منه رزة واحدة، كل الطعام وضع في أكياس ووضع في البرّادات وأخذ إلى المآتم وأكل منه لمدة عشرة أيام، أراد أن يكرم الناس بذلك ولم يؤكل سوى خمس الأكل وقام على الفور بتوزيع الباقي.
كذلك ذات مرّة أقام أحد الأخوة وليمة، فقلت له: أين الأكل ؟ قال لي: قمت بتوزيعه كلّه، فبعض الناس يكون جائعاً والطعام جيّد ونفيس فيوزّع، وكذلك الثياب توزّع.
آداب الشرب:
أيها الأخوة الكرام، هذه الدروس دروسٌ أساسية، فإذا ضبط الإنسان سلوكه، ضبط طعامه وشرابه، حفظ نعمة الله هذه النعمة لن تفقدها أبداً، أما إذا كان هناك استهتارٌ فالله كبير وسيحاسبك.
الآن آداب الشرب.
1ـ استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً:
استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً لما روى الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم.))
[الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
قدّموا له زبديّة من شراب الليمون فشربها دفعة واحدة، فقالوا: السنّة أن تشربها على ثلاث دفعات !! فقال: هذه واحدة فأين الاثنتان الأخريان ؟
لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، فالأدب الأول أن تسمّي وتحمد الله عزَّ وجلَّ، وتشرب الكأس على ثلاث مرّات.
2ـ نهى الرسول الكريم عن الشرب من فِيْ القرب:
الأدب الثاني، نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشرب من فِيْ السقاء أو القُرب.
أي من فمها، من فم الزجاجة، أو الإبريق مباشرة، فقد نهى النبي أن يكون الشرب هكذا.
3ـ كراهية النفخ في الشراب:
الأدب الثالث، كراهية النفخ في الشراب، فمثلاً شرب أحد الناس ثلاثاً حسب السنّة ولكن في المرّة الثانية ترك الإناء على فمه وتنفّس بداخله، فأحياناً الزفير يحمل بعض الأمراض، فالسنّة ما بين الشربتين أبعِد القدح عن فيك، لذلك نهى النبيّ الكريم أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه لما في ذلك من الأمراض الصحيّة، والمنافاة للآداب الاجتماعيّة.
4ـ استحباب الشرب والأكل جالساً:
الأدب الرابع، استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس.
الآن درجت موضة الأكل والشرب واقفاً، سفرة بوفيه، وهذا خلافاً للسنّة، فإذا لم تجد لديك عدد كافٍ من الكراسي فلا مانع من ذلك، فيسكب الضيف الطعام ويعود لمكانه السابق الذي كان يجلس فيه لأنّ الأكل واقفاً منهيٌ عنه.
نهى عليه الصلاة والسلام أن يشرب الرجل قائماً قال قتادة: فقلنا لأنس: الأكل ؟ قال: ذلك أشرّ.
إذا كنت منهياً عن أن تشرب واقفاً فالنهي عن الأكل واقفاً أشدُّ نهياً.
وفي رواية أنّه قال:
(( لا يشربنّ أحدٌ منكم قائماً ))
[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
لكن النبي شرب قائماً، لماذا شرب قائماً ؟ في بعض الحالات، إذا كنت ماشياً في الطريق، والطريق مزدحم، وكنت عطشان، ووقفت على سبيل ماء فمن غير المعقول أن تقرفص لتشرب والناس يقفون أعلى منك، هذه حالة صعبة، فمثلاً إذا كنت في الكعبة ـ زادها الله شرفاً ـ والازدحام شديد فإذا أردت أن تشرب قاعداً فستجد الناس فوقك، فاشرب واقفاً، النبيّ الكريم شرب ماء زمزم واقفاً ـ وهي حالات قليلة ـ الأولى فيها أن تشرب قاعداً، فالنبي شرب قائماً لئلا يوجد حرجٌ عند الحالات الضروريّة.
5ـ النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة:
الأدب الخامس، النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة، ففي الحكم الشرعي حرامٌ أن تستعمل الآنية المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضّة الخالصة، أما المُذهّب والمفضض ففيه إجازة.
فإذا كان مطلياً بالذهب شيء لا يذكر، فالمذهّب شيء والذهب شيء آخر، وأيضاً المفضض شيء والفضّة شيء:
(( من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه من نار جهنم))
[مسلم عن أم سلمة]
أي أصبح فيه من الترف والاستعلاء والبذخ وتجميـد للمال كبير، فلينفع الناس بهذه الأواني من الذهب الخالص، فالآن تجد صنابير من الذهب الخالص، ومقابض للأبواب من الذهب الخالص، سمعت عن أحد الملوك أنّ مرحاض طائرته من الذهب الخالص.
6ـ النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب:
الأدب السادس، النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب.
(( ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ فاعلاً، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه ))
[رواه الإمام أحمد والترمذي عن المقدام بن معد يكرب]
هذه هي آداب الطعام والشراب، تنفيذها سهلٌ جداً، علّمها لأولادك وقم أنت بتطبيقها، وإذا دُعيت إلى طعام نفذها أمام أخوانك فتصبح جزءاً من حياتك.
إن شاء الله في درسٍ قادم ننتقل إلى آداب السلام، والموضوعات كما يلي:
أدب الطعام والشراب، أدب السلام، أدب الاستئذان، أدب المجلس، أدب الحديث، أدب المزاح، أدب التهنئة، أدب عيادة المريض، أدب التعزية، أدب العطاس والتثاؤب.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 9 )








الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وصلنا إلى موضوع الآداب، وتحدّثنا في الدرس الماضي عن آداب الطعام والشراب، وها نحن ننتقل اليوم إلى آداب السلام وآداب الاستئذان.
السلام بابٌ من أبواب الآداب الإسلاميّة:

(( أنّ رجلاً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيُّ الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ))
[رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
علَّقت في درسٍ سابقٍ على هذا الحديث، على من عرفت ومن لم تعرف وأنت في مدخل بنايتك خرج إنسان فقم بالسلام عليه، وأنت في حيِّك، وأنت في دائرة عملك، أما في الطريق العام المزدحم هذا غير مقبول وغير معقول، على من عرفت ممن حولك، ومن لم تعرف ممن حولك عليك أن تسلّم، في نطاق العمل، في نطاق السكن، في نطاق السفر، سافرت جلست إلى جانب إنسان لا تعرفه فقل له: السلام عليكم، هذا معنى الحديث، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾
( سورة النور: آية " 27 " )
السلام إذاً ورد في القرآن حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، وفي آيةٍ ثانية: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أخوانكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) ﴾
( سورة النور )
الحبُّ بين المؤمنين شرطٌ لصحّة إيمانهم:
إذاً السلام، الله جلّ جلاله اسمه السلام، فإذا قلت: السلام عليكم، ماذا تفعل ؟ إنّك تلفظ اسم الله السلام، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تدخلوا الجنـّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ))
[رواه الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
لا أدري ما إذا كان هذا الحديث يشكّل في حياة المسلم ركناً أساسياً، لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، فالحبُّ بين المؤمنين شرطٌ لصحّة إيمانهم، مؤمنان متباعدان، مؤمنان متباغضان، مؤمنان متحاسدان، هذان الرجلان لولا أنهما ضعيفا الإيمان لما فعلا ما فعلاه، فكلّما قلّ الحبُّ بين المؤمنين هذا يشير إلى ضعف الإيمان، وقد يشير أحياناً إلى انعدام الإيمان، فالأصل هو الحبّ والحبُّ يعبّر عنه بالمودّة:
(( لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ))
[رواه الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
قرأت مرة أنّ الصحابة الكرام كانوا إذا ساروا في طريق وفرّقت بينهم شجرة، فإذا التقوا مرةً ثانية يسلّم بعضهم على بعض، ويقاس على ذلك، كنّا مجتمعين وركبنا معاً سيّارة فلمّا دخلناها قلنا السلام عليكم، أي أنّه كلّما استطعت أن تكثر السلام على أخوانك فهذا مما يزيد الودّ والحبّ فيما بينكم، في الحقيقة هي " كلمة " لكن وراءها يوجد مودّة، يوجد طاعة، هي كلمة والله عزَّ وجلَّ هو الذي يخلق الحبّ بينك وبين أخيك، فأنت عليك أن تأخذ بالأسباب، السبب هو أن تسلّم، لكن الله عزَّ وجلَّ يتولّى أن يخلق في نفس أخيك الآثار الإيجابيّة لهذا السبب.
" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " الصيغة التامة للسلام:
أمّا الطريقة التي ينبغي أن يسلّم بها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تتصل هاتفيــاً بأحد الأشخاص وتقول: هنا فلان ؟ فيقولون لك: انتظر. وبعد أن تنتظر يأتي فلان ويقول لك مبادرةً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه سُنّة، مباشرةً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى لو كان الذي تسلّم عليه واحداً فتقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وليس السلام عليك ابدأ أنت بالسلام بهذه الصيغة التامّة، هذه الصيغة التامّة مستفادة من هذا الحديث الشريف.
(( جاء رجلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: السلام عليكم. فردّ عليه ثمّ جلس. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: عشر، الصحابــة الكرام لم يفهموا ماذا يعني النبيّ بهذه الكلمة، ثمّ جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمـــة الله. فقال النبيُّ الكريم: عشرون. فجاء آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فردّ عليه وجلس وقال: ثلاثون ))
[رواه أبو داود والترمذيّ عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما]
إذا قلت: السلام عليكم فالأجر عشرة، وإذا قلت: السلام عليكم ورحمة الله فالأجر عشرون، وإذا قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فالأجر ثلاثون.
أنت وطّن نفسك أن تبدأ السلام بهذه الصيغة أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(( قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هــــذا جبريلُ يقرأ عليكِ السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ))
[ رواه الشيخان عــن عائشة رضي الله عنها ]
هذا في الصحيحين، والله أيها الأخوة مجتمع المؤمنين مجتمعٌ متميّز، فريد، مجتمع متأدّب بآداب الإسلام، مجتمع يقيم أمر الله فيما بينهم، لذلك الله جلَّ جلاله بعليائه وبقدرته وبرحمته يلقي في قلوب المؤمنين الحب والمودّة.
يوجد تعليقٌ لطيفٌ لعلّي لم أوضّحه تماماً، هي كلمة السلام عليكم ؟ هي كلمة تقولها أنت لكنّك حينما تقولها امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ فالله يتولّى أن يلقي في قلب أخيك الحبّ لك، وأن يلقي في قلبك حبَّ أخيك، هذا من فعل الله، أنت معك المفتاح، أنت فتحت بالمفتاح، قد يقول قائل: ما تفعل كلمة ؟!! هي كلمة ومن دون الدعم الإلَهي لا تفعل شيئاً، أمّا السلام كلمة تقولها أنت، لكنّ الله يتولّى أن يلقي حبَّك في قلب أخيك، ويتولّى أيضاً أن يلقي حبَّ أخيك في قلبك، فحينما تقول له: السلام عليكم، لا تدري هذا الميل الذي وجد في قلبك تجاه أخيك.
السلام طرحه سنّة والردُّ عليه فرض عين:
السلام، اسم الله السلام، والسلام طرحه سنّة والردُّ عليه فرض عين.
لكن أيها الأخوة، يسلِّم الراكب على الماشي، أنت راكب مركبة ووقفت أمام شخص لم يسلّم عليك، بل أنت الذي يجب أن تسلّم عليه، طبعاً في عهد النبيّ كانت الركائب هي الحصان والناقة والدابة، الآن مركبة، فالراكب في مركبة يجب أن يسلِّم على غير الراكب، يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإنسان جالس على الكرسي أمام دكّانه وأنت ماشٍ، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، خمسة يمشون معاً وواجهوا ثلاثين في نزهة، فطبعاً الذوق والسنّة أن يسلّم هؤلاء الخمسة على الثلاثين لا أن نكلِّف الثلاثين أن يسلِّموا على هؤلاء الخمسة، فيسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، أنت أصغر سناً فيجب أن تبدأ أنت بالسلام.
(( يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير
وفي رواية البخاري ـ يسلّم الصغير على الكبير ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
أخواننا الكرام في الحياة الاجتماعيّة توجد سلامات غير إسلاميّة منتشرة وشائعة، فأنا لا أرضى لإنسان مسلم في بيت مسلم أن يربّي أولاده على طرح سلام غير إسلامي، الآن وبأكثر الأسر الإسلاميّة: (باي). ما هذه الكلمة ؟ أنت مسلم، وبيتك إسلامي، وزوجتك مسلمة، وأولادك مسلمون وتعلِّمه أن يقول: باي. ليس لها معنى السلام عليكم.
(( ليس منّا من تشبّه بغيرنا ))
[رواه الترمذيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ]
أحياناً يقول له: سعيدة، فما هذه السعيدة ؟ ساعة ! باي وساعة سعيدة:
(( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف ))
[رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم]
في هذا النهي تمييزٌ لخصائص هذه الأمّة الإسلاميّة من الأُمم الأخرى.
النهي عن التشبه بالأجانب:
أحياناً الإنسان يلبس على رأسه قبّعة يرتديها النصارى في بلادهم، طبعاً هذه مكروهة، لأنّك حينما ترتدي هذه القبّعة التي يرتديها النصارى في بلادهم فأنت بذلك معجبٌ بهم، وكأنّ هذه القبّعة تؤكّد أنّك تنتمي إليهم بالولاء:
(( من أحبَّ قوماً حشر معهم ))
[رواه الطبراني عن جابر]
(( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوى الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً".))
[رواه الطبراني عن جابر]
لا ينفعه عمله شيئاً، من أحب قوماً أي كفّار، حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، أي إذا الإنسان أحب الكفار، فالكفار فاسقون، فجّار، يشربون، يرقصون، يأكلون أموال الناس بالباطل، لكنّهم قد يكونون أذكياء، قد يسكنون في بيوتٍ فخمة جداً، علاقاتهم الاجتماعيّة مبنيّة على أصول معيّنة، فالإنسان حينما يحبُّ قوماً كفّاراً يحشر معهم يوم القيامة ولا ينفعه عمله شيئاً، من هذا المنطلق ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الدعاء الشريف: " اللهمّ لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق."
لأنّ الخير إذا جاءك على يديهم، القلب يميل لهم، ميل القلب إلى الكفّار شيء خطير جداً، أنا أُلاحظ عندما يتورّط الإنسان بإرسال ابنه إلى بلدٍ أجنبي، فيأتي الابن وهو لا يطيق بلده، ولا قومه، ولا أمّته، ولا تراثها، ولا حضارتها، ولا دينها، يقول لك: كلّه تخلُّف، فقد رأى التقدُّم هناك في بعض المظاهر الفارغة ونسي أنّ هؤلاء فُرِّغت حياتهم من كلِّ القيم.
من أحبّ قوماً حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً:
(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))
[الطبراني والبيهقى عن جرير]
إذا الإنسان أقام معهم وأحبّهم بعد قليل يعتقد اعتقادهم، بعد قليل تصبح قيمه قيمَهم، بعد قليل يُحبُّهم، وأناسُ كثيرون تنصّروا وأعلنوا ذلك صراحةً، لذلك الإنسان قبل أن يرسل ابنه إلى بلد أجنبي حتى يدرس، يجب أن يعدّ إلى المليون فقد يخسره نهائياً، قد يخسر الابن دينه، إذاً هناك نهيٌ عن التشبُّه بالأجانب.
العطف على الصغار من دلائل الرحمة:
أعياد الميلاد، ما الذي يمنعك أن تقيم في البيت عيداً للمولد النبوي الشريف بدلاً من عيد الميلاد، فأنت مسلمٌ، فإذا أردت أن تفرح أولادك الصغار، ودعوت أصدقاءهم الصغار للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، وتُليت على أسماع الصغار بعض مواقف النبيّ اللهمّ صلِّ عليه، بعض محبّته للصغار، تسليمه على الصغار، رأفته بالصغار:
(( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ))
[ أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمرو ]
هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
(( قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. فقالوا: لكنا والله ما نقبل !! فقال صلى الله عليه وسلم: وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة ))
[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
معنى ذلك أنّ من دلائل الرحمة العطف على الصغار، فنحن إذا جمعنا أصدقاء أولادنا بحفلة إسلاميّة بدل أن تكون عيد ميلاد، وعدد من الشموع، ونطفئ الشموع على قالب كاتو، نوزِّع الحلوى، ونتلو على هؤلاء الصغار سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وشمائله، التشبُّه بالأجانب دليل ضعف الإيمان، والدليل الإعجاب بهم، والدليل التقدير، وهذا لا ينفعنا إطلاقاً، وكلُّكم يعلم أنّ امرأة نوح حُشرت مع قومها، مع أنّه ما من امرأةٍ على وجه الأرض تُحِّبُّ الشذوذ، لأنّها إذا أحبّت الشذوذ ألغت وجودها، فالشذوذ يتناقض مع طبيعة المرأة، امرأة لوط لماذا أهلكها الله عزَّ وجلَّ ؟ لا لأنّها فعلت فعل قوم لوط، لكنّها أحبّت قومها ودافعت عنهم، وأعانتهم على انحرافهم فاستحقّت عقابهم، مع أنّها لم تفعل فعلهم.
من رضي بالمعصية فهو شريك في الإثم:
يوجد دليلٌ آخر، هؤلاء الذين عقروا الناقة، كم واحداً عقر الناقة ؟ واحد فقط، يقول الله تعالى:
﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) ﴾
( سورة الشمس )
يقول الله تعالى:
﴿ فَعَقَرُوهَا (14) ﴾
( سورة الشمس )
كيف والذي عقرها واحد ؟ قال: لأنّ أهل البلدة كلِّهم أقرّوه على فعله فكأنّهم عقروها جميعاً.
حتى قال سيّدنا عمر: " لو أنّ أهل بلدةٍ ائتمروا على قتل رجلٍ واحدٍ لقتلتهم به جميعاً "، لذلك:
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها ـ وقال مرة: فأنكرها ـ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها. ))
[أبو داود عن الْعُرْس بْنِ عَميرة الْكِندِيِّ]
الآن أنــت يكفيك أن تسمع عن سلوك منحرف في أوروبا وتقول كلمةً واحدة: بسيطة، والجماعة أعطوا نفوسهم هواها، فهل تدري ماذا قلت ؟؟ إذا قلت هذه الكلمة عن مجتمع يبعد عنك عشرة آلاف كيلو متر كأنّك شهدت هذه المعصية ورضيت بها وأنت شريكٌ في الإثم:
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها ـ وقال مرة: فأنكرها ـ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها. ))
[أبو داود عن الْعُرْس بْنِ عَميرة الْكِندِيِّ]
هذا ينقلنا إلى حديث رسول الله:
(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]
((الذنب شؤم على غير فاعله إن عَيَّره ابتلى به وإن اغتابه أثم وإن رضى به شاركه ))
[ الديلمي عن أنس ]
التعليم بالمواقف أبلغ من التعليم باللسان:
أخواننا الكرام، يجب أن تكون دقيقاً جداً، إذا ارتكب أخوك معصية، فإن ذكرتها فضحته واغتبته، وإن عيّرته بقولك مثلاً: أين عقله ؟! ابتليت بهذه المعصية عقاباً لك على هذا التجبُّر، وإذا قلت: ماشي الحال دبرّ حاله والعمل فيه معصية فقد شاركته في الإثم، فكلّما ارتكب أخوك ذنباً ينبغي عليك أن لا تقرّه، وينبغي ألا تشمت به، ألا تعيّره، وينبغي ألا تفضحه، وينبغي ألا ترضاه له، إن رضيته فقد شاركته، وإن عيّرته ابتُليت به، وإن ذكرته فقد اغتبته.
ينبغي أن تقول: هداه الله إلى الصواب وعصمني من الزلل، دائماً التعليم بالمواقف أبلغ من التعليم باللسان، المربّي ينبغي أن يبدأ الأولاد بالسلام، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يفعل ذلك، كان يسلّم على الصبيان إذا مرّ بهم، فقد روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه:
(( أنّه مرّ على الصبيان فسلّم عليهم وقال: كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يفعله ))
[متفق عليه عن أنس رضي الله عنه ]
(( أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ على غِلمانٍ فسلّم عليهم ))
[مسلم عن أنس رضي الله عنه]
(( أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مـرّ على غِلمانٍ يلعبون فسلّم عليهم ))
[أبـو داود عن أنس رضي الله عنه]
في روايةٍ أُخرى قال لهم:
(( السلام عليكم يا صبيان ))
[ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه]
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحملكم على أن تهتمّوا بالصغار، أحياناً السلام، ابتسامة بوجه طفلٍ صغيرٍ، أو قطعة من الحلوى تقدّمها له، أحياناً نصيحةً تنصحه إيّاها.
ذكر لي رجل وهو الآن ملء السمع والبصر في دينه وفي تقواه قال لي: عندما كنت صغيراً كان لي أستاذ، غبت عن المدرسة أحد الأيّام وتفقّد غيابي وكنت قد ذهبت إلى السينما، فعاقبني عقاباً شديداً ثم نصحني، ثم أعطاني هديةً على صلاتي، قال لي: والله منذ ذلك التاريخ وأنا أحترم هذا المعلّم وأُجلُّه، وحينما علم أنّه قد توفّاه الله عزَّ وجلَّ بكى، لأنّه أدّبه على المعصية، وكافأه على الطاعة.
قد لا تدري أنت بكلمة طيّبة ماذا تفعل ؟ يقول لي أحدهم: دخلت إلى مسجدٍ لأصلّي سرق حذائي، وهو طفلٌ صغيرٌ في ريعان صباه، تألّم ألماً لا حدود له إذ يبدو أنّه فقير والحذاء جديد، صار يبكي، فرآه رجلٌ من المصلّين يبكي، فقال له: ما لك يا بنيّ تبكي ؟ فقال له: سُرق حذائي يا عم، هذا الرجل يبدو أنه صالح، وكان ذلك في سوق الحميديّة، فأخذه إلى بائع الأحذية واشترى له حذاءً من فوره، هذا الحذاء الذي اشتراه هذا الرجل الكبير لهذا الطفل الصغير كان سبب محافظته على الصلاة طوال حياته، طفل فجع بحذاء له، فالمفروض أن نعينه.
البارحة أعلمني أخ بسرقة حذائه، وبالطبع الجامع مفتوح للجميع، وتوجد نفوس مريضة جداً، قدر الإمكان لا تحضروا بحذاء جيّد إلى المسجد، فقد ذكر لي أحدهم ذات مرّة أنّه قد حضر بحذاء ثمنه سبعة آلاف، ألم تجد غيره لتأتي به إلى الجامع ؟ احضر بحذاء رخيص الثمن، تألّمت ألماً شديداً لهذا الأخ الكريم الذي أتى ليحضر الدرس فسرق حذاءه، فانتبهوا وضعوا أحذيتكم بأماكن جيّدة، وسأكلّف بعض الأخوة بمراقبة أماكن الأحذية، فسارق الحذاء عمله هذا مضاعف لأنّه كان ضمن المسجد.
الشاهد أنّ هذا الطفل الصغير الذي فجع بسبب سرقة حذائه واشترى له هذا الرجل الكبير غيره، كان سبباً لمحافظته على الصلاة لفترة طويلة.
من الكبائر ألا تجيب السلام:
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يرسل كتاباً إلى غير المسلمين ماذا يقول في الكتاب ؟ يقول: السلام على من اتّبع الهدى، طبعاً هذا الكلام حق.
الشيء الآخر إنّ إجابة السلام فرض عين، طرح السلام سنّة، وإجابته فرض عين، روى ابــن السُنّيّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:
(( من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منّا ))
[ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل]
كلمة (فليس منّا) كلمة كبيرة جداً، أي أنّه من الدلائل على أنّه من الكبائر ألا تجيب السلام:
(( من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منّا ))
[ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل]
الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) ﴾
( سورة النساء: آية " 86 " )
توجد نقطة جديدة في السلام:
(( يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيُّهما يبدأُ بالسلام ؟ قال: أولاهما بالله تعالى))
[رواه الترمذي عن أبي أُمامة]
الأقرب إلى الله يبدأ بالسلام، الأكمل يبدأ بالسلام، الأكثر إيماناً يبدأ بالسلام وفي رواية:
(( إنّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ))
[رواه أبو داود عن أبي أمامة]
الآن، الذي يبدأ بالسلام أقرب إلى الله، الذي يبدأ بالسلام أكبر إيماناً، الذي يبدأ بالسلام أولى بالله.
حالات ينبغي ألا تلقي السلام فيها:
هناك حالات ينبغي ألا تلقي السلام فيها: مجلس علم منعقد بالمسجد ويدخل شخص ويلقي السلام: السلام عليكم، هنا السلام مكروه، هذه الأحوال ذكرها العلماء، الذي يتوضّأ لا يُسَلَّم عليه، لأنّ الوضوء عبادة، ومن في الحمّام لا يُسَلَّم عليه، ومن يأكل لا يُسَلَّم عليه، ومن يقاتل لا يُسَلَّم عليه، والذي يتلو القرآن لا يُسَلَّم عليه، والذي يذكر الله لا يُسَلَّم عليه، والذي يلبّي في الحج ويقول لبيك اللهمّ لبيك هذا لا يُسَلَّم عليه، وخطيب الجمعة لا يُسَلَّم عليه، والواعظ في المسجد لا يُسَلَّم عليه، ومدرِّس الفقه لا يُسَلَّم عليه، والمشتغل بالتدريس بشكلٍ عام لا يُسَلَّم عليه، والباحث في العلم لا يُسَلَّم عليه، والمؤذّن لا يُسَلَّم عليه، والذي يقيم الصلاة لا يُسَلَّم عليه، ومن يقضي حاجته لا يُسَلَّم عليه، والذي يشتغل بالقضاء بالحكم بين الناس لا يُسَلَّم عليه، هذه الأحوال كلّها السلام يسقط فيها.
هذه الأعمال أعظم من أن تطرح عليه السلام، وفي هذه الأحوال ينبغي أن تعلّموا أولادكم أنّه من الكراهة بمكان أن تطرح السلام، أحياناً الإنسان يكون ماشياً مع زوجته ومستحٍ، وتقول له: السلام عليكم، فإذا رأيته كذلك فابتعد عنه ولا شيء عليك، ولا تحرجه، بعض الأحوال تشعر أنّ السلام لا يناسب، من سلّم في هذه الحالة التي لا يستحب فيها السلام لم يستحق المسلّم جواباً، فإذا لم تردّ عليه فلا مانع، فأنت تُدَرِّس ويقول لك: السلام عليكم، أنت على المنبر، تذكر الله، تتلو القرآن، في هذه الأحوال لا ينبغي أن يسلّم عليه الإنسان، فإذا سلّم عليه جاهل ينبغي ألا يرُدّ عليه.
هذه بعض آداب السلام، الأحوال التي يكره فيها طرح السلام، وأنّ الذي يسلّم أولاً هو أعلى عند الله مقاماً، وأنّك إذا سلّمت على غير المسلمين قل: السلام على من اتّبع الهدى، وأنّك إذا سلّمت على تلاميذك أو أبنائك فقد علّمتهم درساً عملياً، ولا ينبغي أن نستخدم سلام الأجانب لأنّه تشبُّه بهم، وينبغي أن نتعلّم آداب السلام، الراكب على الماشي، الماشي على القاعد، القليل على الكثير، الصغير على الكبير، وينبغي أن نسلّم السلام الكامل بقولنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والذي يبدأ هو الأرقى.
آداب الاستئذان:
الآن ننتقل إلى آداب الاستئذان، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (59) ﴾
( سورة النور )
أي إذا كان الطفل دون الحلم له أن يستأذن ثلاث مرّاتٍ في اليوم، المرة الأولى من قبل صلاة الفجر، والمرّة الثانية وقت القيلولة، والمرّة الثالثة بعد صلاة العشاء.
أمّا إذا كبر هذا الطفل الصغير ينبغي أن يستأذن على أمّه وأبيه كلّما دخل عليهم، فلّما تعجّب أحد أصحاب رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: أتحبّ أن تراها عريانة.
(( رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي ؟ قال: نعم، قال: إني أخدمها ؟ قال: استأذن عليها، فعاوده ثلاثاً، قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها ))
[رواه الطبري عن عطاء بن يسار]
غرفة نوم الأم والأب فيها يخلعون ثيابهم، أيحبّ الابن أن يرى أُمّه عريانة ؟ إذاً ينبغي أن يستأذن دائماً، فإذا تجاوز سنّ الحُلم ينبغي أن يستأذن دائماً، أمّا دون سنّ الحُلم فثلاث عورات، من قبل صلاة الفجر، وفي القيلولة، وبعد صلاة العشاء.
عندما يكون الإنسان نائماً قد يكون مكشّفاً، فإذا كانت أمّه نائمة قد تكون مكشّفة، فالدخول على الأم ينبغي أن يكون وفق الاستئذان.
للاستئذان آدابٌ وهي مرتّبة كالتالي:
للاستئذان آدابٌ أخرى وهي مرتّبة كما يلي:
1ـ الاستئذان بقول " السلام عليكم أأدخل ":
(( أنّ رجلاً من بني عامر استأذن على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في بيتٍ فقال: أألج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام لخادمه: اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم أأدخـل ؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فدخل ))
[ رواه أبو داود عن ربعي ]
هكذا علّمنا النبيّ، السلام عليكم أأدخل ؟
2ـ الإعلان عن الاسم أو الصفة أو الكنية:
الأدب الثاني، أن يعلن عن اسمه أو صفته أو كنيته، لما جاء في الصحيحين في حديث الإسراء المشهور قال عليه الصلاة والسلام:
(( فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا ؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. ))
[متفق عليه عن مالك بن صعصعة]
وفي الصحيحين:
(( لمّا جلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على بئر البستان وجاء أبو بكر فاستأذن فقال أبو موسى: من ؟ قال: أبو بكر. ثم جاء عمر فاستأذن. قال: من ؟ قال: عمر. ثم عثمان))
[متفق عليه عن أبي موسى]
أي أنّ الأصول أن تقول ـ ولو على الهاتف ـ من حضرتك، أحياناً يقول لك: خمِّن، ما هذه الكلمة ؟ فلان الفلاني، السلام عليكم فلان يتكلّم، أعلن عن اسمك قبل الاستئذان، سلّم وقل أنا فلان، شيء جميل جداً يعني منتهى الأدب أن تقول أنا فلان، إمّا على الباب أو على الهاتف، جاء في الصحيحين:
(( أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فدققت الباب. فقال: من ذا ؟ فقلت: أنا. فقال عليه الصلاة والسلام: أنا، أنا، كأنّه كرهها ))
[متفق عليه عن جابر بن عبد الله]
أنا، من أنت ؟ فلان، إذاً الإشارة هنا إلى أنّه ينبغي أن تعلن عن اسمك.
3ـ الاستئذان ثلاث مرّات:
الاستئذان ثلاث مرّات، ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( الاستئذان ثلاث فإن أُذن لك وإلا فارجع ))
[مسلم عن أبي موسى وأبي سعيد]
قال: يحسن أن يكون بين استئذان المرّة الأولى والثانية انتظار مقدار صلاة أربع ركعات، فإذا كان يصلّي الظهر فمن غير معقول أن يسمع دقّات متلاحقة غير معقولة، فهو يصلّي، أطول صلاة بمقدار أربع ركعات، بعد القرعة الأولى أن تنتظر مقدار صلاة أربع ركعات، في المرّة الأولى وفي الثانية.
أيها الأخوة، فالإنسان يكون بقضاء حاجة، أو بالحمام، أو يتوضّأ، أو يصلّي، فتجد إنساناً أرعن يطرق الباب وكأنّ صاحب البيت واقفٌ خلف الباب ينتظره، هذه ليست من السنّة.
إذاً الاستئذان ثلاث مرّات والأفضل أن يكون بين المرتين مقدار صلاة أربع ركعات.
4ـ ألا يدق الباب بعنف:

من آداب الاستئذان ألا يُدقّ الباب بعنف، ولا سيّما إذا كان ربُّ المنزل أباه أي أبا الصغير، أو أستاذه، أو رجلاً ذا فضل، فقد أخرج البخاري عن أنسٍ رضي الله عنه:
((أَنَّ أَبْوَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تُقْرَعُ بِالْأَظَافِرِ. ))
[البخاري عن أنس رضي الله عنه]
لشدة أدب أصحاب رسول الله، وكان السلف يقرعون أبواب أشياخهم بالأظافر، وهذا يدلُّ على مبالغتهم في الاحترام والأدب، وهو حسن لمن قرُب محلّه من بابه، فإذا كان البيت كبيراً جداً يبلغ ثلاثمئة متر مثلاً فلن يسمعوك لو قرعته بالأظافر، أمّا إذا كان في البيت جرس فنقرعه مرّة واحدة، الآن ولّى زمن الأظافر واستحدثت وسائل أخرى، شرط ألا يطرق بعنف، أما إذا كان على الباب جرسٌ ـ كما جرى العرف اليوم ـ فيقرع المستأذن بقرعةٍ خفيفةٍ لطيفة تدّلّ على لطفه وكرم أخلاقه ومعاملته.
5ـ أن يتحوّل عن الباب عند الاستئذان:
الآن من آداب الاستئذان أن يتحوّل عن الباب عند الاستئذان، بعدما طرق الباب يعطي ظهره للباب خوفاً من وقوف امرأةٍ أجنبيّة أثناء فتح الباب، والاستئذان جعل من أجل النظر هكذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر ))
[أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد]
لئلا ترى.
(( لا تأتوا البيوت من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا، فإن أُذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا ))
[رواه الطبرانيّ عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه ]
(( إذا أتى باب قومٍ لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم ))
[رواه أبو داود عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه]
(( من اطّلع في بيت قومٍ فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينيه ))
[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
طبعاً لو فقؤوا عينيه يعاقبون، لكن هذا الحديث العلماء قالوا عنه: أن النبيّ أراد أن يبيّن عظم الذنب الحاصل من اطلاعك على بيت أخيك.
التلصص، النظر غير المقصود، النظر لمعرفة ماذا في داخل البيت، هذا لا يجوز.
(( من اطَّلع في بيت قومٍ ففقؤوا عينه فلا دِيَة ولا قصاص ))
[ النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
على المؤمن ألا يتألم إذا لم يُؤذَن له بالدخول:
المقصود أن لا يطلّع الإنسان، وقال الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى (28) ﴾
( سورة النور )
قال قتادة:
(( قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كلّه هذه الآية فما أدركتها، أن استأذن على بعض أخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط.))
[الطبري عن قتادة]
إذا أُبْلِغَ الشخص بوجود مشكلة ما، أو مشغولين، أو عدم إمكانيّة استقباله، فإن غضب من ذلك فهو لم يفهم الآية أبداً، فهو غير متفقّهٍ في الدين، مادام الله عزَّ وجلَّ يقول لك:
﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا (28) ﴾
( سورة النور )
جئت على غير موعد والشخص يقوم بعمل مهم جداً، هذا الشي يحدث، قد يكون هناك لقاء حاسم لقضيّة خطيرة، حل لمشكلة، أو توفيقٍ بين زوجين ويجب أن لا يتواجد شخصٌ ثالثٌ، فإذا جاء إنسان من غير موعد وقلت له: والله نحن مشغولون، فلا شيء في ذلك، لو كان هناك موعد معك كلّ الحق، أما لا يوجد موعد وأنا الآن أقوم بعملٍ خطيرٍ، كأن يكون الشخص يقوم بتحضير درس من الدروس والوقت حرج جداً، فالإنسان المؤمن إذا قيل له: ارجع، ينبغي أن يرجع دون أن يتألّم.
كلّما ارتقى الإنسان تجده أديباً:
إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم أتحدّث عن آداب المجالس، وعن أدب الحديث وعن آداب أُخرى، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بها لأنّ الإسلام كلّه أدب، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لمّا سئل: ما هذا الأدب ؟ قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
لفت نظري في السيرة أن سيّدنا زيد الخير وقد كان رجلاً جاهلياً، قدم المدينة واستمع إلى خطاب النبيّ يوم الجمعة، والنبيّ رحّب به وأخذه إلى بيته، وهو حديث عهد بالإسلام فقد أسلم من نصف ساعة تقريباً، وكان قد سمع الخطبة وقال: يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله وأسلم، والنبي أخذه إلى البيت، أعطاه متّكأً وقال له: اتكئ عليه فقال هذا الصحابي الجليل الذي أسلم منذ قليل: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك.
قضيّة ذوق، كيف يجلس متكئاً أمام النبي ؟ فكلّما ارتقى الإنسان تجده أديباً، والله أديب في جلوسه، فإذا جلس تجده جالساً بأدب، البعض يجلس مباعداً بين رجليه، والآخر يجلس دون ذوق إطلاقاً، أو يجلس جلسة غير مقبولة، غير مهذّبة، فالإنسان كلّما اتصل بالله عز وجل يصير مهذّباً في جلوسه، في كلامه، في حديثه، في حركته.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 10 )ادب المجلس







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام لازلنا مع تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في الآداب الخاصّة التي أدّب بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صحابته الكرام، ونحن مع الدرس الثالث والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وننتقل الآن إلى أدب المجلس. آداب المجلس:
المجالس لها آداب، ودائماً وأبداً كلّما رأى الصحابة الكرام من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك الأدب الرفيع وذلك الخلق الكريم كانوا يسألونه: ما هذا الأدب يا رسول الله ! فيقول عليه الصلاة والسلام:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
تأديب الله للنبي من خلال التوجيهات القرآنيّة، وقلت لكم في درسٍ سابق التأديب إمّا أن يلقى عليك توجيهٌ معيّن، وإمّا أنّ اتصالك بالله يكسبك هذا الخلق الرفيع، إمّا تنطلق من ذوق، أو من معلومات، هذه حرام لا تفعلها، أو إذا سمت نفسك باتصالها بالله عزَّ وجلَّ تتأدّب بالأدب الإسلامي الرفيع.
1ـ المصافحة:
نحن الآن مع أدب المجلس، الأدب الأول إذا دخلت إلى مجلس عليك أن تصافح من في المجلس.
((إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما ))
[رواه أبو داود عن البراء]
أي أنّك كلّما التقيت بأخيك المسلم وصافحته وسلّمت عليه باشّاً، طليق الوجه، الله سبحانه وتعالى يرضى عنكما ويغفر لكما، فالمصافحة جزءٌ أساسي من توجيهات النبيّ عليه الصلاة والسلام.
(( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا ))
[ رواه الترمذيّ عن البراء رضي الله عنه]
كأنّ الله سبحانه وتعالى يحبّنا مجتمعين، ويحبّنا متعاونين، ويحبّنا أصفياء وأخلاّء، يحبّنا مخلصين ومتسامحين، وهذا السلام الحار، المودّة البالغة التي تمنحها لأخيك هذا من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، وتعبيرك عن حبّك لأخيك يبدو بهذا السلام الحار، وفي حديـثٍ ثالث في الموطّأ:
(( تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابّوا وتذهب الشحناء ))
[ مالك عن عطاء الخرساني ]
المصافحة تنمّي المحبّة وتذهب الغل والحقد، والهديّة تزيل الحقد بين الأخوين، فهذه نصيحةٌ نبويّة، كلّما رأيت في قلبك غلاً لأخٍ ما أو رأيت في قلبه غلاً تجاهك، بادر إلى إكرامه:
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغرَ الصَّدْرِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
2ـ أن تجلس حيث أشار لك صاحب البيت:
الآن الأدب الثاني في المجلس أن يجلس الزائر في المكان الذي يخصصه له ربُّ البيت، وربُّ البيت أدرى ببيته، فيوجد مقعد ليس أمامه شيء، وآخر أمام نافذة والنافذة على ممشى، والممشى فيها نساء، فإذا قال لك صاحب البيت: تفضّل بالجلوس هنا، لا ينبغي أن تعترض أبداً لأنّ الأمكنة في البيت مدروسة، فكل مكان له ميزة، ربما جلس هو في مكان يرى خارج الغرفة، أمّا إذا جلست أنت مكانه كشفت أهـل البيت، فالأدب النبوي أن تجلس حيث يشير لك صاحب البيت، من دون مراجعته بقولك هنا أريح لي أو أنشط، فهذا ليس من أدب المسلمين، أينما أجلسك اجلس، فربُّ البيت أدرى بالذي فيه، أهل مكّة أدرى بشعابها وقد ورد في الحديث الشريف:
(( من دخل دار قومٍ فليجلس حيث أمروه، فإنّ القوم أعلم بعورة دارهم.))
[الطبراني في الأوسط، وابن عساكر عن أبى هريرة]
إذاً المصافحة، ثم أن تجلس حيث أشار لك صاحب البيت.
3ـ الجلوس في محاذاة القوم لا في وسطهم:
الأدب الثالث أن تجلس في محاذاة القوم لا في وسطهم، فأحياناً تكون المقاعد على شكل صفوف، أو على شكل حلقة، وهو يحب أن يجلس في مكان وجيه ولا يوجد محل فيجلس منفرداً في المنتصف، ظهره إلى النصف، ووجهه إلى النصف الآخر، هذا المكان منهي عن الجلوس فيه، لذلك على الإنسان أن يجلس في محاذاة الناس لا في وسطهم فقد روى أبو داود بإسنادٍ حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّ:
(( رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعن من جلس في وسط الحلقة.))
[أبو داود عن حذيفة بن اليمان]
روى الترمذيّ أنّ رجلاً قعـد وسط الحلقة فقال حذيفة:
(( ملعونٌ على لسان محمد صلّى الله عليه وسلّم من جلس في وسط الحلقة.))
[الترمذي عن حذيفة بن اليمان]
أي كن مع الناس، ولا تكن في الوسط، أحياناً تكون في ضرورة أو حرج، فإذا كانت هناك ضرورة فالضرورات تبيح المحظورات، فقد قال تعالى:
﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة ﴾
( سورة الحج: آية " 78 " )
4ـ ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما:
الآن الأدب الرابع، ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما، قد يكونا أخوين، أو شريكين، أو جارين، أو زميلين، وبينهما حديث فإذا جلست بينهما فقد أسأت، ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما، فقـد روي عـن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( لا يحلُّ لرجلٍ أن يفرّق بين اثنين إلا بإذنهما. ))
[رواه أبو داود والترمذي عن أسامة بن زيد الليثي]
(( لا يُجلَس بين رجلين إلا بإذنهما. ))
[أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
إذا كانا اثنين فليس لك أن تجلس بينهما ولاسيما إذا كانا أخوين أو قريبين أو شريكين أو صديقين أو جارين فبينهما حديث. 5ـ أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس:
الآن الأدب الخامس، أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس.
النبيّ عليه الصلاة والسلام من شمائله النبويّة أنّه إذا دخل يجلس حيث ينتهي به المجلس، فقد كان الشيخ بدر الدين رحمه الله يطبّق هذه السنّة، أينما دخل يجلس حيث ينتهي به المجلس.
(( كنّا إذا أتينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جلس أحدنا حيث ينتهي ))
[أبو داود والترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما ]
هذا إذا كان الشخص القادم شخصاً عادياً، لكن هناك استثناء، أنت كصاحب بيت الآن أي كمضيف، فإذا قدم عليك إنسان من أهل العلم ينبغي ـ وأنت صاحب البيت ـ أن تضعه في المكان الذي يليق به وهذا من السنّة لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
وفد عبد قيس قدموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رحّب بهم وأوسع لهم وقرّب زعيمهم المنذر بن عائد إليه وأقعده عن يمينه، بعد أن رحب به وألطفه، هذا من السنّة، أي إذا وجد شخصاً من علية القوم، ودائماً نقول لكم نحن لا نعظّم أرباب الأموال ولا الأقوياء غير المنضبطين، بل نعظّم الذين لهم اتصال بالله عزّ وجلَّ، الذين لهم أعمال طيّبة حتى إذا كان ميسوراً ولكن له أعمالاً طيّبةً جداً هذا إذا أكرمناه تشجيعاً له، فالتكريم هو تكريم أهل العلم والفضل وهذا من السنّة.
6ـ ألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه:
الآن من آداب المجالس أيضاً ألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه، مثلاً نحن ثلاثة، اثنان أسروا بينهم الحديث، فهذا الثالث ظن بأنهم يتحدثون عنه، أولاً هذا يحزنه يجعله خارج القوس، ثانياً لعلّهم يتحدثون عنه، فإذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه.
بالمناسبة أيّها الأخوة الكرام أنا أتألّم جداً حينما نكون في الصلاة أو في صلاة السنّة وتجد أخوين يتناجيان في الحرم وبصوت مرتفع فأقول: أين أدب المجلس ؟ فهذا بيت الله، حتى لو انتهى الدرس المفروض إذا تحادثنا أن نتحدث بصوت منخفض، والأكمل أن نتحادث خارج الحرم وفي الصحن، ونحن من فضل الله مسجدنا له ميزة، هذا الصحن يتسع لكل الحاضرين في الحرم، فلهم أن يقفوا وأن يتكلّموا وأن يتسامروا وأن يعدوا بعضهم بعضاً لكن في الحرم لا، فالحرم له قدسيّته، وبالطبع إذا أردتم الكلام بعد الدرس وبصوت منخفض فلا مانع، ولكن أثناء الصلاة أو أثناء قراءة القرآن والكلام بصوت مرتفع فهذا لا يجوز. 7ـ من خرج من مجلسه لحاجةٍ ثم رجع فهو أحقُّ بمجلسه:
من خرج من مجلسه لحاجةٍ ثم رجع فهو أحقُّ بمجلسه، فقد شاهدت مئات المرّات وبعقود قران وبحفلات كبيرة عندما قام الخطيب ليلقي كلمة جلسوا مكانه، فلمّا انتهت كلمته أحرج، فإذا قام من أحد من مجلسه ووجدت آخر سيجلس مكانه فقل له: هذا المكان لفلان، لا مانع، إذا قام رجل من مجلسه لحاجةٍ فهو أحقُّ بهذا المجلس إذا رجع، فالحديث النبوي الشريف:
(( إذا قام أحدكم من مجلسٍ ثم رجع إليه فهو أحقُّ به.))
[رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد]
8ـ الاستئذان قبل الخروج من المجلس:
الأدب الآخر من آداب المجالس أنّ على الإنسان أن يستأذن قبل انصرافه من المجلس.
فأنا أُعاني من قضيّة سأقولها لكم: يكون أحد الأخوة الكرام طالباً مني قضيّة أو حاجة وليس في بيته هاتف ولا أعرف عنوان بيته، ويأتي إلى الدرس، وعندي له مفاجأة سارّة ولا يسلّم، فكيف أتّصل به ؟ نحن جعلنا السلام سريعاً حتى لا يستغرق وقتاً، ولكن أحياناً أنت صاحب مصلحة وليس لديك عمل في هذا الوقت، ويريد أخ تركيب ألمنيوم مثلاُ، أو أخ يريد نجّاراً وأنت تعمل في النجارة ولا عمل لديك، وقد استنصحني إنسان، فأردت أن أنصحه فيك ولكنني لم أستطع أن أراك، فالسلام لو استغرق من الوقت عشر دقائق أفضل لأن كلمة أحياناً تحلّ مشكلة.
النبيّ الكريم هكذا علّمنا أنّ على الإنسان أن يستأذن قبل انصرافه من المجلس لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام كما روى الشيخان:
(( إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر ))
[أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد]
الحقيقة هذا المقصود به إذا كنت في بيت وأردت أن تخرج منه فهل من المعقول أن تخرج دون معرفة صاحب البيت ؟ فلعل النساء خارج الغرفة، أو عند الباب الخارجي، فليس لك الحق إطلاقاً أن تخرج من البيت إلا عن طريق صاحب البيت، إلا أن تستأذنه، وقد أضفت إلى هذا، إذا كنّا في المسجد والباب مفتوح، ولكن هذا السلام السريع يحلّ مشكلة كبيرة جداً، أليس لي الحق في أن أتفقّد أخواني ؟ أليس هذا من السنّة، فالنبي الكريم علّمنا أنّ الإنسان يجب أن يتفقّد أصحابه، ذات مرّة سألت أحد الأخوة عن عدم رؤيتنا له منذ شهر تقريباً ! فقال لي: أنا أحضر دوماً ولكنني أجلس في صحن المسجد وأنصرف على الفور، فما ذنبي ؟! أنا عندي علم بأنّه لم يحضر الدروس، فإذا جلس الإنسان في هذا الجو الحار خارج حرم المسجد وأراد أن ينصرف فالأولى أن يسلّم، والأكمل أن يسلّم، فأولاً السلام يحدث المودّة بيننا، والسلام يحدث الطمأنينة، ويحدث شعوراً بأن الأخ الفلاني مواظبٌ على الحضور، فهو يغيب عندي ولكنّه لا يغيب عن الدروس فلمّا عاتبته وجدته يحضر كلّ الدروس وذكر لي موضوعاتها ولكنّه يخرج على الفور، فالأكمل أن تصير هذه المودّة بهذا السلام.
9ـ دعاء كفارة المجلس:
الآن، إذا انتهى المجلس ووقفنا لنغادر فالنبي الكريم علّمنا دعاء كفّارة المجلس، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل يا رسول الله: إنّك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى. قال: كفّارةٌ لما يكون في المجلس.))
[أبو داود والنسائي والحاكم من طريق الحجاج بن دينار]
أي حدثت كلمة، أو إشارة، أو عبارة، أو تعريضٌ بإنسان، أصبح يوجد خطأ، فإذا قمنا ووقفنا قلنا: أستغفر الله، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنّ لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، هذا الدعاء كفّارة ما كان في المجلس.
إذاً آداب المجلس أن تصافح من تلتقي بهم في المجلس واحداً وَاحداً، أحياناً يكون مجلس العلم في بيت مثلاً والمتكلّم يتكلّم والجميع منصتون، الأكمل في هذه الحالة أن تدخل وتجلس من دون سلام لوجود مجلس العلم، أمّا إذا كانت الجلسة عاديّة والحديث مفتوح أو معايدة، ولا أحد يتكلّم فقل: السلام عليكم، وصافحهم واحداً وَاحداً، هكذا السنّة، وأن يجلس في المكـان الذي يشير إليه صاحب البيت، وأن يجلس في محاذاة الناس لا في وسطهم، ألا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس إذا كان إنساناً عاديّاً، وإذا كنت إنساناً غير عادي فاجلس أنت حيث ينتهي بك المجلس ولكن إذا أحبّ أن يكرّمك صاحب البيت بسبب فهذا كرم منه، ولا تفرض عليه أنت ذلك، كأن تقول: ألا يوجد مكان بصدر المجلس فالسلام عليكم أنا سوف أعود، فهذا ليس وارداً على الإطلاق، أنت اجلس حيث ينتهي بك المجلس، فلو أنّ صاحب البيت لم ينتبه لذلك فلا مانع وهكذا النبي علّمنا حتى لا تأخذ على خاطرك، فمن أنت أمام رسول الله ؟! فإذا دخلت فاجلس في المقعد الأوّل فإذا كان صاحب البيت يعرف قيمتك ولك مهمّة أو لك كلمة فوضعك في مكان آخر لائق فلا مانع فقد كرّمك وهو مكلّف أن يكرّمك من قبل النبي، السنّة علّمته، وأنت كزائر مكلّف أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس، وألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه، لكن قالوا إذا كانوا أربعة أشخاص أو ستّة فلا مانع من المناجاة، وأحياناً نكون بانتظار الطعام ولا يوجد حديث، وتكلّمت مع أخيك والحضور ثمانية فلا مانع من ذلك أمّا ثلاثة فلا يجوز أن تناجي من بجوارك.
ائتلاف القلوب و اجتماع النفوس عند التحدث عن الله عز وجل:
بالمناسبة أيّها الأخوة الكرام، لاحظت شيئاً له أثر سلبيّ كبير، فماذا تعمل ؟ فرضاً تعمل تاجراً فليس لك مصلحة أن تتحدّث عن عملك أمام جماعة لا يعملون في التجارة فقد تحزنهم بكلامك، أو أنت تحمل شهادة عليا وبالمجلس أناس لم يحصلوا على هذه الشهادات فليس لك الحق أن تتكلّم عن ميّزات شهادتك وعن علاماتك، أي أنّ كلّ كلام يسبب الحزن للآخرين هذا ليس من السنّة، أحياناً الإنسان يتكلّم بكلام يطيّب قلوب الحاضرين، أحياناً أرى شخصاً لم يدرس أبداً فأقول له: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله.
إنني أؤمن أنّ الإنسان لو كان مستقيماً فهذا يعتبر أكبر عالم ولا أقول هذا الكلام مجاملةً، فالإنسان المستقيم عالم، فكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، فلو كان أحدكم يحضر دروساً للعلم في المسجد ولمدّة عشر سنوات وثلاثة دروس في الأسبوع، والجامعة أربع سنوات وتأخذ الليسانس في أربع سنوات، فكل أسبوع تفسير وفقه وسيرة وتوجيهات عامّة ومكارم أخلاق فبالطبع هذا علم، فهل يجب أن تكون معك شهادة معلّقة على الحائط ؟ ليس هذا من شروط التعلّم.
إذاً يجب دائماً أن تتكلّم كلاماً يجبر خاطر الحاضرين، إذا كان الحديث عن الدنيا فالدنيا تفرّق ولا تجمع، أمّا عن الله الحديث يجمع، كلّما تحدّثت عن الله عزَّ وجلَّ ائتلفت القلوب واجتمعت النفوس، وظهر البشر على الوجوه، أمّا حدثهم عن دخلك، وأنّك قمت بنزهة لأوروبا وتكلّفت مبلغاً كبيراً من المال، فما فائدة هذا الكلام ؟! كلام فيه من التبجُّح، والعلو، والافتخار، فلا تحاول أبداً أن تعلو على الناس، استمع إلى هذه الآية الكريمة:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83) ﴾
( سورة القصص: آية " 83 " )
الحديث عن الدنيا يفرِّق بينما الحديث عن الله تعالى يجعلنا نرتقي ونسمو:
هناك أشخاص من حديثهم يحبّون العلو في الأرض، يفتخر بماله، بتجارته، بهندامه، بشكله، إذا كان يلبس لباساً أنيقاً ولم يتكلّم أحد بكلمة مديح له، أو يثنِ على ملابسه يتضايق ويتكلّم هو ويقول: هذه البذلة كلّفتني كذا من المال، أو هل لونها مناسب ؟ أو كيف وجدتموها ؟ يريد أن يستجدي المديح، واستجداء المديح من ضعف الإخلاص.
إذا أردت أن تكون بطلاً يجب أن تجعل كلامك كلّه تذكيراً بالله عزَّ وجلَّ، تكلّم عن رسول الله فالنفوس تشتاق إليه، تحدّث عن الصحابة الكرام نجعلهم قدوةً لنا، حدّثنا عن كتاب الله، عن سيرة رسول الله، حدّثنا عن العلماء المخلصين العاملين، فالموضوعات كثيرة، ولو تحدّثت بهذه الموضوعات يمكن أن نرتقي ونسمو، في بعض الموضوعات يحدث النفور، كقضيّة استعلاء، أو عرض للعضلات، أو قضيّة حبّ الظهور، أو قضيّة كبر، بهذه القضايا دخل الشيطان وانتهى الأمر.
في الحقيقة المتحدّث المؤمن يتحدث حديثاً يجمع كلّ الحاضرين، فلا يترك أحداً خارج الموضوع، فما هي الموضوعات التي تجمع ؟ الموضوعات التي عن الله عزَّ وجلَّ، أما عن الدنيا فتفرّق.
كنا ذات مرّة في جلسة فقال أحد الحضور للآخر: إذا كان معك عملة سوريّة فإيّاك أن تحتفظ بها وعلى الفور بدّلها بعملّة صعبة، وأغلب الموجودين لا يملكون قرشاً واحداً زائداً ليشتروا به عملةً صعبة، فما هذا الكلام الذي ليس له معنى ؟ هل هذه نصيحة ؟ نصيحة لاثنين ويوجد أكثر من خمسة عشر حاضراً في المجلس، ودخلهم على قدر مصروفهم، فهذا الكلام ليس له معنى.
تتمة آداب المجلس أن يستأذن قبل انصرافه، وأن يقرأ دعاء كفّارة المجلس.

آداب الحديث:
الآن ننتقل إلى أدبٍ آخر وهو أدب الحديث، الحقيقة الحديـث له آداب كثيـرة.
1ـ عدم قطع حديث المتكلم:
قد يقطع أحدهم حديثك أكثر من مئة مرّة ويقول لك، بلا مقطوع عن حديثك، لا يجعلك تتكلّم بكلمة واحدة، ويستلم الحديث طوال الجلسة.
ذات مرّة أراد أن يزورني أحد الأشخاص ليستمع إلي، ولكنني لم أستطع أن أتكلّم بكلمة واحدة وهو يتكلّم طوال الجلسة، ثم استأذن وخرج.
2ـ التحدث بلغة مفهومة وقريبة من الفصحى قدر الإمكان:
الحديث له آداب كثيرة جداً، ويجـوز هذا الشيء فوق طاقة أخواننا الحاضرين ولكن ممكن أن تتكلّم بلغة ليست هي بالفصحى، وليست بالمغرقة في العاميّة مثلاً: " خوش أنا ما بدي أروح "، فما هذه الكلمة ؟ أي بيد أنّه، أو لكنّه، قل: لكنني، أو لكن، وتوجد كلمات أخرى كثيرة، فالكلمات العاميّة والمغرقة في العاميّة تذهب برونق الكلام، فإذا تمكّن الإنسان من أن يتكلّم لغة فصحى مبسّطة فهذا شيء جميل جداً.
(( أقبل العبّاس رضي الله عنه إلـى النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليه حُلّتان وله ضفيرتان وهو أبيض فلمّا رآه تبسّم، فقال العبّاس: يا رسول الله ما أضحكك أضحك الله سِنّك ؟ فقال: أعجبني جمال عمِّ النبيّ. فقال العبّاس: ما الجمال ؟ قال: اللسان ))
[رواه الحاكم في مستدركه عن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما]
على عكس ما فهمنا نحن أنّ عليه حلّتين وله ضفيرتين وهو أبيض اللون، وعند العسكري: الجمال في الرجل فصاحة لسانه.
إذا حاول الإنسان أن يتكلّم بكلام فصيح، وأنا لا أُحمِّلكم فوق طاقتكم، لكن ابتعد عن العاميّة المغرقة، مثلاً: أين هي ؟ فيجيب قائلاً: ليكوك، كلمات غريبة جداً، وأحياناً تجد شخصاً مثقّفاً كبعض المدرسين يلقون درساً في الرياضيّات وباللغة العامية، أو بالفيزياء باللغة العاميّة، هذه مشكلة كبيرة، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى لغة، وتعلُّم اللغة من الدين أيها الأخوة، فقد قال سيّدنا عمر رضي الله عنه: "تعلّموا العربيّة فإنّها من الدين."
إذا كان عندك كتاب في النحو أو في الصرف، أو سمع درساً في النحو أو سأل سؤالاً، أو اقتنى معجماً صغيراً، أو قرأ نصاً أدبياً وتفاعل معه فهذا شيء جيّد وجميل، فإذا أراد الإنسان أن يتكلّم عن الله عزَّ وجلَّ فالعربيّة جزء من الدين، وأحياناً أسمع عن أخواننا بأنّهم يتدارسون معاً دروساً في اللغة العربيّة، فاللغة العربية هي الإطار، فهل تستطيع أن تشرب عصيراً أو أنفس الشراب في كيلة أو كأس صدئ، فالوعاء غير النظيف غير الجميل يُنَفِّرك من الشراب الذي بداخله، فإذا كان المعنى عميقاً، المعنى قرآنيّاً واللغة عاميّة فقد شوّهت المعنى، فبقدر الإمكان تعلّم اللغة العربيّة.
(( قلنا يا رسول الله ما رأينا أفصح منك ! فقال: إنّ الله تعالى لم يخلقني لحّاناّ، اختار لي خير الكلام كتابه القرآن ))
[رواه الشيرازي والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ذات مرّة:
(( أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش.))
[رواه السيوطي في المزهر]
بيد أنّي أي إلا أني وكأنّه سيذمُّ نفسه، وقريش أفصح قبيلة، قيل هذا الأسلوب أسلوب تأكيد المدح فيما يشبه الذّم، كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
***
كقولنا: فلان كريم لكن شجاع، هذا اسمه تأكيد المديح بما يشبه الذّم، هكذا النبي قال:
(( أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش.))
[رواه السيوطي في المزهر]
في الحقيقــة قد تعلّمنا في الجامعة أنّ أفصح كلامٍ على الإطلاق هو القرآن الكريم، وأفصح كلامٍ بعده على الإطلاق كلام النبيّ عليه الصلاة والسلام، فإذا قرأ الإنسان القرآن وقرأ الحديث فقد ملك بهما الفصاحة.
حينما كنّا ندرس في الجامعة كان عندنا أستاذ تفكيره غير إسلامي، وغير علمي إطلاقاً، وغير ديني، لكنّه كان يقول: لا تستقيم ألسنتكم إلا إذا قرأتم القرآن كلّ يوم بصوت جهوريّ.
القرآن يعلّم الفصاحة، والحديث الشريف يعلّم الفصاحة، فإذا أردت الفصاحة والبلاغة فعليك بكتاب الله وحديث رسول الله.
3ـ التمهُّل في الكلام حتى يفهم المستمع المراد منه:
من أدب الحديث التمهُّل في الكلام حتى يفهم المستمع المراد منه، فكل إنسان في بدايته يتكلّم كلاماً كثيراً في وقت قليل، كلام سريع، فالنصيحة أن تتكلّم نصف الذي ينبغي أن تقوله بهدوء وبإشارات وبتعليقات أفضل بكثير من أن تلقي كماً كبيراً بأسلوب سريع غير متروٍ، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنهـا قالـت:
(( ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدِّث حديثاً لو عادّه العادُّ لأحصاه ))
[ متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ]
كان عندنا أستاذ في الجامعة وقد كنا مئتين وعشرين طالباً، ففي بعض الدروس يكون الحضور خمسة طلاّب، وبدرسه كنا نحضر جميعاً وبعضنا على الواقف، إذا تكلّم الأستاذ فلا نحتاج أن نقرأ الدرس مرّة أخرى في البيت لوضوحه وبساطته وكلامه البليغ، تخرج من المحاضرة حافظاً لكل الدرس، ولا تحتاج أن تقرأه في البيت إطلاقاً، لذلك من السنّة أن تقول كلاماً متمهّلاً دون سرعة، حتى يحدث الاستيعاب:
(( ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدِّث حديثاً لو عادّه العادُّ لأحصاه ))
[ متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ]
(( كان كلامه صلّى الله عليه وسلّم فصلاً يفهمه كلُّ من سمعه ))
[ أبو داود عن عائشة أيضاً رضي الله عنها]
4ـ الابتعاد عن الثرثر والإطناب الممل والإيجاز المخل:
يوجد وصف من أمّ معبد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد مرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصاحبه أثناء طريق الهجرة بمنازل خزاعة ودخلا خيمة أمِّ معبد فاستراحا بها قليلاً ولما خرج من عندها قيل لها: صفيه لنا يا أُمّ معبد، فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخَلق، وسيماً قسيماً، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلّم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأجملهم من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزرٌ ولا هزرٌ، كأنّ منطقه خرزات نظمٍ يتحدّرن، ربعةٌ لا يأس من طولٍ ولا تقتحمه عينٌ من قصر، غصنٌ بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفودٌ محشود لا عابسٌ ولا مفنِّد، فقال لها زوجها أبو معبد: هو والله صاحب قريش، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.
لا نزرٌ: أي لا تسحب الكلام منه سحباً، بعض الأشخاص ذوو كلام نزر إذا قلت له: ماذا تمّ ؟ يقول لك: ماشي الحال، هل أخذت موافقة ؟ فيجيبك بالإشارة برأسه، ولا تفهم منه كلمة، قل: أخذت الموافقة، هذا النزر.
لا هزرٌ: أي كثير الكلام، لتّات، يعمل من الحبّة قبّة.
كأنّ منطقه خرزات نظمٍ يتحدّرن: أي كلامه مثل عقد اللؤلؤ، كان حلو المنطق لا نزرٌ ولا هزرٌ، البلاغة بين الإيجاز المخلّ، والإطناب الممل، فالإطناب الممل ليس من البلاغة ولا الفصاحة، والإيجاز المخلّ أيضاً عيبٌ في الكلام.
5ـ الابتعاد عن التقعُّر والتكلُّف:
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن التكلُّف في الفصاحة، التكلُف في الفصاحة: أي فيه تقعُّر، والتقعُّر هو تكلُّف الفصاحة، فأجمل شيء في الحياة الفصاحة، والشيء الطبيعي، أما من قال هذه العبارة:
ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكُئِكم على ذي جنّة، افرنقعوا عنّي.
هذا الكلام تكلُّف وليس من الفصاحة، تكأكأتم: أي تجمّعتم، وهذا من التكلُّف الذي ينهى عنه النبيّ، وكقول الشاعر: إن كنت كنتَ كتمت الحبَّ كنت كما كنّا ولكن ذاك لم يكُنِي
***
ألغاز وأحاجي وكلمات متكررة هذا التكلُّف نهى عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(( إنّ الله عزَّ وجلَّ، يبغض البليغ من الرجال الذي يتخللُ بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها ))
[ رواه أبو داود والترمذيّ عن ابن عمر رضي الله عنهما]
التكلُّف، والتقعُّر نهى عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(( كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلّم عليهم، وكان صلّى الله عليه وسلّم يتكلّم بكلامٍ فصلٍ لا هزرٍ ولا نزرٍ ويكره الثرثرة في الكلام والتشدُّق به أي التكلُّف ))
[ في الصحيحين عـن أنسٍ رضي الله عنه]
هذا من آداب الحديث، ابتعد عن اللغة العاميّة، وعن السرعة في الكلام، ابتعد عن الثرثرة والإطناب الممل والإيجاز المخل، وابتعد عن التقعُّر والتكلُّف هذا كلُّه نهى عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
6ـ التكلّم بكلامٍ يناسب ثقافة القوم:

من أدب الحديث أيضاً أن تتكلّم بكلامٍ يناسب ثقافة القوم، أنت تحمل مرتبة الدكتوراه وتجلس مع أناس بسطاء، وتتكلّم في النظريّة النسبيّة وعن رأي أينشتاين في الفراغ هل هو مستقيم أم منحنٍ ؟ والبعد الرابع للأجسام، وهم لا يفهمون شيئاً مما تقول، فهذه تعتبر كمن يعرض عضلاته على الغير، لكن البطولة أن تتكلّم بكلام يفهمه كلّ الحضور، فتأتي بمثل يوضّح هذه القضيّة المعقّدة، فأحياناً قضايا معقّدة جداً توضّح بمثال بسيط.
الابتعاد عن الكلام المليء بالشطحات و التجاوزات:
ذات مرّة سألني أحد الأخوة وقد كان واقعاً في إشكال بين العقل والنقل وقد دخل في متاهات، فأراد أن يفهم مني عن ذلك الموضوع فذكرت له مثالاً ألهمه الله لي فقلت له: نفرض أنّ لدينا بقّالية أو صيدلية وبها من الأصناف ما يربو عن العشرة آلاف صنف ولكن كلّ هذه الأصناف لا تقل عن الخمسين غراماً ولا تزيد عن الخمسة كيلو من الغرامات، فاشترى صاحب هذه البقاليّة أعظم ميزان وثمنه ثلاثمئة ألف وهو إليكتروني ومعه ذواكر، وأراد أن يزن سيارته، فهل من المعقول أن يستخدم هذا الميزان بوزن سيّارته ؟ فقال لي: لا، وإلا كسر الميزان، فإذا كسر الميزان فهل يكون ذلك خطأ من الشركة ؟ لا، الخطأ من سوء استعمالك للميزان، فقلت له: هذا العقل الله عزَّ وجلَّ خلقه وأعطاه مهمّة وقال لك: فكّر في هذا الكون فتعرف الخالق، أمّا إذا أردت أن تستخدم العقل فـي معرفة ذات الله، فهذا من المستحيل، فإذا أقحمت عقلك لمعرفة ذات الله فعقلك لا يستطيع، فكلّما دخلت في الغيبيّات كلّما حُلَّت مشكلة نشأت مشاكل، لأنّ عقلك ليس مجهّزاً لهذه المهمّة، فقد قال النبيّ الكريم:
(( تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله فتهلكوا ))
[ أخرجه ابن حبان عن أبي ذر ]
البطولة أن تفكّر وفق المنهج، أمّا إذا أردت أن تعرف وزن سيّارتك فاسأل المعمل، والمعمل لا يكذب، فكل شيء عجز عقلك عن إدراكه الله أخبرك به وانتهى الأمر.
نحن عندنا في الدين إخباريّات أو مسموعات وعندنا معقولات، فالإيمان بالله، والإيمان بالنبي، والإيمان بالكتاب من المعقولات، أمّا بالدار الآخرة مسموعات وكذلك بالأزل، وبذات الله، فقد ورد في الحديث:
(( حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله ؟ ))
[البخاري عن علي رضي الله عنه]
عندما قال الحلاّج: ليس في الجبَّة إلا الله، من أفتى بقتله ؟ الإمام الجنيد، وهو شيخٌ كبير، لأنّ هذا الكلام يسبب فتنة كبيرة، وقد يحتاج لشرح طويل، ولكن هذا الكلام غلط، فقد ترى شطحات في كتب التصوّف مثل: من وحّد فقد ألحد، فليس هذا معقولاً، أو معبودكم تحت قدمي، قيل أنّ تحت قدمه كان كنز من الذهب، فمن يعرف أنّ تحت قدمه كنزاً من الذهب فقد قال: معبودكم تحت قدمي، فهذا كلام يسبب الفتن، والنبي ما قال وما فعل مثل هذا أبداً، فكل كلام فيه شطحات أو صدمات أو تجاوزات هذا كلام ممنوع أن نقوله لذلك لا يجوز أن تقرأ كتاباً فيه مثل هذه الشطحات، لأنّك ستضيع وهذا خلاف السنّة.
على الإنسان أن يبقى وفق سنّة النبيّ فيتكلّم كلاماً واضحاً لا لبس فيه:
اقرأ سنّة النبي الكريم كلّ ما فيها واضح فقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ))
[رواه أحمد وابن ماجه عن العرباض بن سارية]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6) ﴾
( سورة البقرة: آية " 6 " )
في أحد التفاسير الذي به شطحات قال: هؤلاء هم المؤمنون، كفروا في الدنيا.
تجد أسلوباً فيه تكلُّف أما الآية واضحة، إن الذين كفروا أي الذين كفروا أما أن يطلعوا في هذا التفسير هم المؤمنين فهذه من الشطحات، وهذه التجاوزات، مثل قولهم: معبودكم تحت قدمي، وليس في الجبّة إلا الله، ومن وحّد فقد ألحد، هذا كلام خلاف السنّة، ونحن نقول أنّ هذا الكلام خلاف السنّة، ولعلّ من حسن الظن أنّ صاحبه لم يقله، لعلّ الذين عُزي إليهم هذا الكلام لم يقولوه، فالأولى أن تبقى وفق سنّة النبيّ أي تتكلّم كلاماً واضحاً لا لبس فيه.
(( رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا فلان هذه زوجتي صفية، فقال: يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.))
[البخاري و أبو داود عن أنس بن مالك]
كيف كان النبي حريصاً على سلامة صدر أصحابه، كذلك المؤلّف العالم ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً بالغاً على أن لا يقع القارئ في إشكال أو إرباك، بأن يخلق له مشكلة يحتاج حلّها إلى عشرين صفحة، فقد كنت غنياً عن إيراد مثل هذه المشكلة كلّها، فأنا أحاول وبفضل الله عزَّ وجلَّ أن لا آتي بشبهة أنتم في غنى عنها، ثمّ نقوم بتحليلها، فإذا سئل الإنسان فعليه أن يجيب عليهـا، أمّا أن يأتي هو بالمشكلة ويحللها ويشرحها فأنتم في غنى عن ذلك، يوجد جواب لكلّ قضيّة لو سألتم، إذاً المخاطبة على قدر الفهم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أُمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث الناس على قدر عقولهم.))
[روى نافع عن ابن عمر]
إذا قعدت مع أُناس بسطاء تجد أجمل شيء يذكر هو قصّة مؤثّرة تبيّن حكماً شرعياً، وكيف أنّ إنساناً قد جاوز حدّه فعاقبه الله.
السهولة دليل الرقيّ والدين لا يحتاج إلى تعقيد ولكن يحتاج إلى تبسيط:
أسلوب القصّة هو أبلغ أسلوب علـى الإطلاق، فالقصّة تستوعب كلّ الناس، كلّ الحاضرين، تروي مثلاً قصّة واقعيّة ومدروسة وذات مغزى واضح تماماً فيتأثّر الناس منها، فلست في حاجة أن تدخل في متاهات علم المنطق وعلم الكلام وأقوال الفلاسفة، فمن رأيي تبسيط الإسلام لأن الدين ليس معقّداً، الدين بسيط، فهو دين الله عزَّ وجلَّ.
انظر إلى المركبات كلّما كانت أرقى في الصنع كانت سهلة في القيادة، والسهولة دليل على الرقي الكبير، ويسمّى بالسهل الممتنع، فإذا كانت السيّارة ذاتيّة الحركة فتكون قيادتها ذات سهولة بالغة أمّا وراء هذه السهولة يوجد تعقيد بالغ، فالسهولة دليل الرقيّ، والدين لا يحتاج إلى تعقيد ولكن يحتاج إلى تبسيط.
مثال: من هم الأولياء ؟ يجيبك: يوجد أولياء أبدال ونقباء وأقطاب، لا، فقد قال تعالى:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾
( سورة يونس )
هذا تعريف القرآن الكريم، هذا هو الولي، فكل من عرف الله واستقام على أمره فهو ولي، فلا تتطلب لفّة خضراء، أو كرامات، أو أن يمشي على الماء، أو أن يطير في الهواء، فأعظم كرامة هي العلم، أن تكون عالماً، وأعظم كرامة كذلك هي الاستقامة، فالاستقامة عين الكرامة، فإذا كنت عالماً ومستقيماً فأنت مكرّم، لا تحتاج أن تعرف ماذا في بيت رفيقك أو ماذا يطبخ اليوم، وتقــول له: أنت طابخ الطعام الفلاني، فقد شممت رائحته ولا يحتاج ذلك إلى شطارة منك، أو ماذا أكل ؟ ويقولون: هذا كشف، أو أنت اليوم فعلت الشيء الفلاني في منزلك، فهذه ليست ولاية، فالولاية كما قال الله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾
( سورة يونس: آية " 63 " )
سُئل الجنيد: لعلّ الولي الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال: لا. قالوا: الذي يطير في الهواء ؟ قال: لا، الوليُّ كلُّ الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
لا تقبل شيئاً غير منطقي فالعقل أساس كل شيء:
نحن من أنصار تبسيط الدين، دين الله عزَّ وجلَّ لا يحتاج إلى تعقيد، بسّط الأمور فهي واضحة جداً، عقل وتطبيق تكن أكبر داعية في العالم.
بسّط الأمور واجعلها معقولة أي وعقلٍ، أي لا تقبل شيئاً غير منطقي، فالعقل أساس، وطبّقها تكن أكبر داعية.
(( حدّث الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله ؟ ))
[ صحيح البخاري عن عليّ موقوفاً ]
قال لي أحد الأشخاص أنّ الأستاذ فلان وليّ كبير في المغرب ذهب إلى الحجّ ولم يطف حول الكعبة، فقلت له: هل هذا معقول أن لا يطوف بالكعبة فطواف الإفاضة ركن ؟! قال لي: الكعبة هي التي طافت حوله.
هذه لا أعرفها ولا تقل ذلك لأحد حتى لا يضحك علينا، دائماً لا تتكلّم بكلام غير معقول، وأنصح أخواننا الكرام بترك الكرامات والمنامات، فالكرامات والمنامات يدخلوننا في متاهة كبيرة جداً، فنحن الكرامة لا نرويها ولا ننكرها، فالكرامات وردت في القرآن، ولكن لا أصدّق كرامة إلا إذا ورد بها نصّ صحيح.
السيّدة مريم لها كرامة عند الله فقد أنجبت من دون زوج، وأهل الكهف لهم كرامة عند الله فقد بقوا في كهفهم ثلاثمئة عام، فهذه كرامة ولكن فيها نص صحيح أمّا أنا لست مضطراً أن أصدّق كل شخص، فقد استمعت إلى كرامات بأشكال مختلفة وعجيبة ولست مضطراً أن أصدّقها، ولا مكلّفاً أن أقوم بتصديقها على الإطلاق والأولى كما قال العلماء: " الكرامة ليست خاضعةً للنشر." كثرة التكلم عن الكرامات توقع الناس في المتاهات:
من يتباهى بكرامته فقد كرامته، أمّا المعجزة للتحدّي، فهي للنبي والنبي معصوم أمّا أنت لست معصوماً، فإذا ذكرت كرامة وأقنعتهم بها ولكن سلوكك غير منتظم عندها تربكهم، ويظهر لهم أنّ الدين دجلٌ وتدجيل، فالكرامة لا ينبغي أن تروى إطلاقاً، فإذا كنت رويتها لأخ يحبّك فلا مانع من ذلك ولكن على انفراد، أمّا تتخذها دعاية وتقول: هكذا حدث معي، وهكذا فعلت، فهذا غير وارد، ولا تنكرها لعلّها وقعت، أوكل إلى الله ما إذا كانت وقعت أو لم تكن قد وقعت، قال:
(( حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله ؟ ))
[البخاري عن علي رضي الله عنه]
ذُكِر أنّه دخل أحد الأشخاص على الإمام الشعراني ليتفقد أحد أقاربه فقال له: أين فلان ؟ فقال له: الآن كان هنا، ووجدوا على الأرض بقعة من الماء، فقال له: هو هذا الماء، وبقدر ما صار له من الحب ذاب وأصبح ماء، هذه القصّة وردت في كتاب وربما لم يقلها إطلاقاً، وقد تكون من دسّ الزنادقة، ولا يمكن أن نقبل كلّ شيء ذكر في الكتب، فإذا بالغنا في ذكر الكرامات فقد أوقعنا الناس في متاهات، وفي مقدّمة صحيح مسلم:
(( ما أنت بمحدّثٍ القوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ))
[صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ]
(( لا تحدّثوا أُمّتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم فيكونُ فتنةً عليهم ))
[ الديلمي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما ]
إن شاء الله في درس قادم نتابع هذا الموضوع من آداب الحديث فهو موضوع دقيق لأنّ الحديث نشاط أساسي في حياة المؤمن، ولا سيّما المؤمن، وكلّ مؤمن يطمح أن يكون داعية، فالحديث له شروط وخصائص وله آداب، وكلّ هذا الذي ذكرناه في توجيهات نبويّة واضحة جداً، فدائماً يجب أن تبقى مع الكتاب والسنّة.
أكبر ناحية في هذا الدرس هي الحق يجب أن يجتمع فيه النقل الصحيح، مع العقل الصريح، مع الفطرة السليمة، مع الواقع المتوازن، فشروط الحق: العقل، والنقل، والفطرة، والواقع، الفطرة لا تأباه، والعقـل يقرّه، والواقع يؤكّده، والنقل يثبته، نقل، عقل، فطرة، واقع، فحاول أن تتكلّم بما يجمع بين هذه الصفات كلّها.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 11 ) متابعة ادب الحديث





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ونحن مع أدب الحديث.
البلاغة مراعاة الكلام لمقتضى الحال:
قد تحدّثنا في درسٍ ماضٍ عن أنّ المتحدّث ينبغي أن يختار اللغة العربيّة الفصحى أو البسيطة ليست المقعّرة، وأن يتمهّل بالكلام كما فعـل النبيّ عليه الصلاة والسلام، وأن يبتعد عن التقعُّر والتكلُّف، ويخاطب الناس علـى قدر عقولهم، وقد قالوا في البلاغة: إنّها مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فالذي يأتي كلامه مطابقاً لمقتضى الحال فهو البليغ، والله سبحانه وتعالى يقول للنبيّ عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) ﴾
( سورة النساء )
القول البليغ الذي يطابق مقتضى الحال، فقد تعلّمنا في درس البلاغة في الجامعة أنّه لو كلّفت طفلاً صغيراً أن يضع رسالة في البريد البلاغة تقتضي أن تقول له: أمسك هذه الرسالة واشترِ الطابع وضع عليه شيئاً من لعابك وضعه على الرسالة واضغطه جيداً وضعه في الصندوق الأحمر من الفتحـة اليمينيّة، تعطيه تفاصيل كثيرة، هذه التفاصيل هي عين البلاغة، أما إذا أعطيت هذه الرسالة لصديقٍ لك بالغٍ عاقلٍ راشد، تقول له: هذه من فضلك ضعها في البريد هذه هي البلاغة.
البلاغة مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فأحياناً يقتضي الحال أن تفصِّل، أحياناً يقتضي الحال أن توجز، أحياناً يقتضي الحال أن تؤكّد، أحياناً يقتضي الحال أن تضرب المثل، أن تأتي بالقصّة، أن تأتي بالدليل، أن تأتي بالشاهد، لو أنّك خاطبت إنساناً غير مسلمٍ تقول له: قال تعالى في كتابه العزيز ؟ فهو غير مؤمنٍ بالقرآن، يجب أن تأتيه بالدليل العقلي فقط، إذا خاطبت مسلماً تأتيه بالدليل النقلي، إذا خاطبت إنساناً لم تر عنده هذا العمق في الفهم تعطيه قصّة بسيطة لها مدلول عميق جداً، فمراعاة الكلام لمقتضى الحال هي البلاغة بعينها.
من آداب الحديث التحدُّث بما لا يخل ولا يمل:
الشيء الآخر في آداب الحديث التحدُّث بما لا يخل ولا يمل، دائماً البلاغة بين الإيجاز المُخِل، والإطناب الممل، الكلام يسمّى حشواً يفهمه السامع من دون أن تقوله ومثالاً على ذلك فقد قال تعالى:
﴿ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ (43) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (46) ﴾
( سورة يوسف )
قال الملك:
﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) ﴾
( سورة يوسف )
قال أحد رجال الحاشية:
﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
توجد فجوة كبيرة جداً في القصّة وتفاصيل وجزئيّات فقول أحد رجال الحاشية:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
التفاصيل: فأرسلوه فخرج من القصر وتوجّه إلى السجن وتقابل مع مدير السجن وقال له: عندك سجين اسمه يوسف يعلم تأويل الأحلام، وقد أرسلني الملك لألتقي به، كل ذلك الحديث مفهوم ولكن قال تعالى في الآية:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (46) ﴾
( سورة يوسف )
البلاغة بين الإيجاز المخل والإطناب الممل:
الكلام الذي يفهم من دون أن يذكر الأولى ألا يذكر هذا قول البلاغيين: البلاغة في الإيجاز، لذلك ورد عن سيّدنا الصديق: أن نضّر الله وجهه من أوجز في كلامه واقتصر على حاجته.
إذا كان كلامك موجزاً، بين الإطناب الممل، والإيجاز المخل بوضع دقيق جداً، دائماً التطرُّف سهل، الحديث الطويل المليء بالتفاصيل والجزئيّات والتحليلات السخيفة والتفاصيل المملّة هذا سهل على الإنسان.
يروى أنّهم سألوا رئيس جمهورية: كم يستغرق إعداد خطاب تلقيه في عشر دقائق ؟ قال: أُعدّه في عشر ساعات، عشر ساعات إعداد لخطاب يلقى في عشر دقائق، كل حرف منه يعني شيئاً، وكل كلمة منه تعني شيئاً، فقيل له كم تعدّ خطاباً تلقيه في ساعة ؟ قال: ساعة، فقيل له: كم تعدّ خطاباً تلقيه في خمس ساعات ؟ قال: لا أُعدُّ له إطلاقاً.
كلّما صار الوقت ضيّقاً تحتاج إلى دقّة في التعبير، لذلك البلاغة في الإيجاز، أما الإيجاز المخل ليس بلاغةً، والإطناب الممل ليس بلاغةً، فتريد كلاماً لا يملّه السامع من كثرة التفاصيل والجزئيّات، ولا يستعصي على فهم السامع لكثرة الإيجاز، البلاغة بين الإيجاز المخل، والإطناب الممل.
(( شهدتُّ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجمعة فقام متوكِئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه فكانت كلماتٍ خفيفاتٍ طيّباتٍ مباركات ))
j
إذا اهتمّ الإنسان بشيء تكفيه كلمات قليلة، أمّا إذا أعرض عن الشيء لو ألقيت عليه آلاف المحاضرات، فالإنسان الصادق تكفيه كلمات قليلة.
الكلام المنظّم والمركّز مع الأدلّة يخاطب العقل والقلب معاً:
تصوّروا عندما سأل أعرابي سيّدنا رسول الله فقال له: عظني ولا تُطِل. فقال له: فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره. فقال له: كُفيت. فقال النبيّ: فقه الرجل.
نحن نقرأ القرآن وعدد صفحاته ستمئة، وآيةٌ واحدة كانت كافية لهذا الأعرابي، وتوجد آلاف الآيات من هذا القبيل كآية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
هذه الآية تكفي، وكذلك الآية:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾
( سورة الفجر: آية " 14 " )
وآية:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر: آية " 92، 93 " )
آية واحدة من هذه الآيات تكفي الإنسان طوال حياته، فالبلاغة بين الإطناب الممل والإيجاز المخل.
(( كنت أصلّي مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً أي وسطاً ))
[ مسلمٍ عن جابر بن سمرة رضي الله عنه ]
ليس فيها إطالة ولا إيجاز، كلام معتدل يفهمه السامع ويحفظه، كلام منظّم ومركّز مع الأدلّة يخاطب العقل والقلب معاً، مثل هذا الكلام له أثر طيّب.
الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت مدلولها:
فـي الصحيحين كان ابـن مسعودٍ يذكّرنا فـي كلّ خميس فقـال لـه رجل: يا أبا عبد الرحمـن لوددت أنّك ذكّرتنا كلّ يوم، فقال: أما إنّه يمنعني من ذلك أنّي أكره أن أملّكم، وإنّي أتخوّلكم ـ أتعهّدكم ـ بالموعظة كما كان عليه الصلاة والسلام يتخوّلنا مخافة السآمة علينا.
يعني أنّ الإنسان يجب أن يتكلّم والنفوس مشتاقة إلى كلامه، وينبغي أن يسكت والنفوس مشتاقة إلى كلامه، هذا كما يقولون في الطعام: اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وابتعد عنه وأنت تشتهيه.
إذا تكلّمت تكلّم والناس مشغوفون بسماع كلامك، وتوقّف عن الكلام وهم مشغوفون لمتابعة كلامك، وعكس ذلك مخيف فإذا تمنّوا أن تسكت وأنت تتكلّم هذه مشكلة في الحديث، وهنا نكون قد خرجنا عن البلاغة وعن آداب الحديث.
النبيّ على عظمته وعلى علوّ شأنه وعلى فصاحته وعلى حكمته وعلى نورانيّته كان: يتخوّلنا بالموعظة. فالمواعظ إذا كثرت أعطت عكس المفعول، المواعظ كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، فإذا ربّى الإنسان أولاده فأكثر من التوجيهات والمواعظ ليلاً نهاراً وصباحاً مساءً فهذا الكلام لا معنى له، عندنا قاعدة في البلاغة: الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت مدلولها.
أصبح لا معنى لها، فالمواعظ يجب أن تكون معتدلة من حين لآخر، أما إذا أكثرت منها على الصغار أو على أبنائك أو على طلاّبك تفقد هذه الكلمات معناها.
يقول الإمام عليٌ كرّم الله وجهه: " إنّ القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة."
أي إذا جلس الإنسان مـع أولاده، طلابه وتكلّم كلاماً جادّاً ولمدّة ساعتين فهذا شيء ممل، يجب أن تمر بطرفة لطيفة، أو تسأل سؤالاً، أو تبتسم ابتسامة، أو تداعب أحد أولادك، أو تلقي بطرفة جميلة، إذا المجلس لم يكن فيه ذلك يصبح مملاً، فالنبي كان يمزح وكان لا يقول إلا حقاً، فالمجلس يجب أن يكون فيه روحانيّة، فيه طرفة، أحياناً الفكاهة تؤدّي دوراً لا يعلمه إلا الله، فيكون المجلس فيه من السآمة، فيه الملل، فيه الضجر، فتأتي الفكاهة اللطيفة الأديبة تشجع وتنشّط الجسم وتزيد من الانتباه.
من آداب الحديث الإصغاء التام إلى المتحدّث:
قد يكون الإنسان من أعظم العظماء ومرحاً، فالمرح أساساً من صفات العظماء، فإذا كان لديك طرفةٌ لطيفة، تعليقٌ لطيفٌ، لأنّ الدرس إذا كان مليئاً بالكهنوت ودائم الصرامة وكنت عبوساً قمطريراً، فتجد كلّ الموجودين يتثاءبون، ويملون، ويقولون في أنفسهم: ما كان أبانا ينتهي إلى الآن من كلامه، والله كل ذلك نعرفه فكفى، هذه كلّها مشاعر داخليّة.
أما إذا كان هناك تعليق وحوار وسؤال، أو قصّة أو مثل، أو طرفة أو فكاهة، فهذا مما يجذب النفوس، لذلك فالحديث فن ويعدونه قدرة من قدرات الإنسان الخاصّة، ويسمّونه متحدّثاً لبقاً، أي عنده القدرة أن يجذب النفوس بحديثه، فالحديث الذي يجذب له صفات سآتي عليها بعد حين.
الآن من آداب الحديث الإصغاء التام إلى المتحدّث، أي تعلَّم حسن الإصغاء كما تتعلّم حسن الكلام، من أعلى أنواع الأدب الإصغاء، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه، مثلاً إنسان تكلّمه وهو يمسك بمسبحته أنت هنا وهو ينظر من النافذة ويقول لك: أكمل الحديث، ماذا أكمل فأين أنت ؟!! أو يقوم بعمل ما، أو يكتب، أو يقرأ، ويقول لك: تكلّم فأنا أسمعك جيّداً، لا تقرأ ولا تكتب ولا تتشاغل ولا تمسك بالمسبحة ولا تنظر من النافذة، فإذا كلّمك أحد فانظر إليه وأصغ له فهذا من الأدب.
الإصغاء من الآداب الراقية فكان عليه الصلاة والسلام يصغي لمحدّثه، فبالطبع عندما يستمع الإنسان من رسول الله سيصغي له طبعاً، أما النبي يستمع لإنسان عادي ويصغي له !! هذا أدب عالٍ.
أحياناً تجد شخصاً يظنّ أنّه يفهم وهو يخطئ في كل ما يقول، لكن الأدب يقتضي أن تستمع إليه إلى أن ينتهي، فتقول له: يا أخي الكريم هذه الفكرة صوابها كذا، هذه الفكرة تحتاج إلى دليل، هذه الفكرة تتناقض مع هذه الآية، بأدب، لكن أصغ له، فإن أصغيت له ملكت قلبه، لذلك من آداب الحديث الإصغاء.
كان الصحابة رضي الله عنهم حينما يحدّثهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحديثٍ كأنّ على رؤوسهم الطير، من شدّة الأدب، من فرط المهابة، من شدّة الاهتمام، وفي مقابل هذا كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصغي كلّ الإصغاء إلى من يحدّثه أو يسأله، بل يقبل عليه بكلّيته ويلاطفه.

السؤال مفتاح العلم ونصف العلم أن تسأل:
روى أبو داود عن أنسٍ رضي الله عنه قال:
(( ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون هو الذي ينحي رأسه.))
[أبو داود وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه]
إذا اقترب أحد من النبيّ ووضع فمه في أُذنه وهمس له سراً فالنبي لا ينحّي نفسه عنه أبداً من شدّة الأدب، حتى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه.
مشى عديُّ بن حاتم ذات مرّة مع النبي في الطريق فاستوقفته امرأةٌ فوقف معها النبيّ يكلّمها في حاجتها، فقال: والله ما هذا بملك هذا نبيّ.
هذا التواضع الشديد، والإصغاء التام من آداب الحديث.
أيّها الأخوة الكرام يوجد بعض أمراض تصيب الأطفال في الكلام كالتأتأة، والثأثأة، والحبس، فإذا أراد أن يتكلّم فلا يستطيع، هذه الأمراض أسبابها نفسيّة، أسبابها ضعف الثقة، وأسباب ضعف ثقة الطفل الصغير بنفسه عدم اهتمام والديه به حينما يتكلّم، إذا لم يصغوا له وقالوا له: اسكت إنّك لا تفهم واخرج من هنا، هذا التصرف ليس من أخلاق المؤمنين، فهذا ابنك يتكلّم فاستمع له، إذا أنت أسكتّه ولم تبال بكلامه، وقمعته على الدوام، تضعف ثقته بنفسه، فإذا أراد أن يتكلّم يتهته، فالثأثأة والفأفأة والتأتأة وانحباس الكلام، هذه من أمراض الكلام قد درسناها في الجامعة، توجد مجموعة أمراض كل أسبابها نفسيّة، فالطفل ليس به أي عيب خلقي، جهازه النطقي تام وكامل مئة في المئة، لكن يوجد عنده ضعف ثقة بالنفس، توجد كثير من الأمراض أساسها نفسي.
عندما يقمع الإنسان أولاده، لا يصغي لهم، كلما تكلموا يسكتهم ـ اسكت أنت لا تتكلم هنا ـ يجب أن تجعل ابنك يتكلم، اجعله ينطلق بالحديث، اجعله يتكلم كلاماً ضعيفاً سخيفاُ، وأصغِ أنت له.
أخواننا الكرام التعليم من لا شيء يمنع العالِم من الاستهزاء بالسائل، كثير من الآباء يستهزئ بسؤال ابنه، استهزاؤه بسؤال ابنه يمنعه أن يسأله مرةً ثانية، فإذا أنت مؤمن ومطبّق للسنّة، وسألك ابنك سؤالاً ـ ولو كان سخيفاً جداً ـ يجب أن تصغي له وأن تجيبـه باهتمام، وأنا دائماً أقول هذه الكلمة، أنا أقول للطلاب حتى لا يخجل من السؤال أقول: ليس العار أن تسأل العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ العار أن تبقى مخطئاً، إذا تكلمت بهذه الكلمة لأبنائك أو طلابك، تشجعهم على أن يسألوا، فسيسألك، شجعه ولو كان سؤالاً سخيفاً، كيف يتعلم إلا بهذه الطريقة ؟ بالسؤال، السؤال مفتاح العلم، نصف العلم أن تسأل.
من آداب الحديث إقبال المتحدث على الجُلساء جميعاً:
من آداب الحديث، إقبال المتحدث على الجُلساء جميعاً، أنا ألاحظ أحياناً إمّا مدرس أو متحدث في جلسة يحضرها عشرون شخصاً، يجوز أن يكون شخصٌ على اليمين مهم أو طليق الّلسان، أو عنده قدرة على جلب الانتبـاه، تجد المتحدث جالساً ملتفتاً طوال الجلسة إلى شخصين أو ثلاثة وغافلاً عن الباقين، هذا ليس من أدب الحديث لا بد من أن تمرَّ على كل الحاضرين مروراً بشكل مستمر، لأن هذا المرور على كل الحاضرين اهتمامٌ بهم وهذا من فنّ الحديث.
لذلك من أدب الحديث أن يقبلَ المتحدِّث بنظراته وتوجيهاته على الجلساء جميعاً حتى يشعر كل فردٍ منهم أنه يريده ويخصه، دائماً انتبه وأنت تتكلم، غرفة الاستقبال مليئة فإيّاك أن تهتم بشخص أو شخصين فقط.
المعلمون دون أن يشعروا يوجد عدد من الطلاّب المتفوقين يجلسون على اليمين تجد المعلم طوال الدرس ملتفتاً إليهم فقط وكأنّ الباقي ليسوا طلاباً عنده، إهمال شديدّ، وعندما يهمل المعلِّم طلاّبه يهملونه فيتشاغلون عنه ويتصايحون، أما لو نظرَ نظرةً مستمرةً إلى كل هؤلاء شدّهم، فالنظرة كأنَّها ربط كهربائي، أحياناً يقولون لك: توجيه عن بعد، بجهاز صغير يكون معك وتضعه أمام الجهاز فيتحرك الجهاز الآخر وذلك يسمّونه توجيهاً عن بعد، فعندما تكون هناك نظرة شاملة لكل الجالسين هذه النظرة أصبحت توجيهاً عن بعد وبها ربطت الكل مع نفسك وهذا من آداب الكلام.
(( كان عليه الصلاة والسلام، يقبــل بوجهه وحديثه على شرِّ القوم يتألَّفه بذلك، وكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني خيرُ القوم ـ هذه من عظمة رسول الله، لا تجد إنساناً التقى معه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه ـ فقلـت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر ؟ قال: أبو بكر، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عمر ؟ قال: عمر، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان ؟ قال: عثمان، فلمّا سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدَّ عني فوددت أني لم أكن سألته ))
[روى الطبراني بإسناد حسن عن عمروِ بن العاص ]
أي على أيٍّ من كان، إذا تحدث أقبل على كل الجالسين، ولو كان بعضهم شريراً يتألفه بذلك، ومن شدّة إقبال رسول الله بوجهه وحديثه عليه ظن أنه خيرُ القوم أي أحسن صحابي.
من عظمة رسول الله، لا يوجد إنسان التقى معه إلا ظن أنه أقربُ النّاس إليه، من شدة إقبال النبيّ يقبل عليه بوجهه حتى يظنّ نفسه أنه أحسن صحابي.
الحديث له مغزى عميق، أي كل إنسان يجلس أمامك عليه أن يظنّ أنه أقرب النّاس إليك، لا بدَّ من الاهتمام إمّا بنظرةٍ حانية، وجه طليق، ابتسامة، ترحيب، أو سلام حار، هذه هي السنّة، فكيف يكون المجتمع متماسكاً وقوياً كالبنيان المرصوص ؟ بهذه الطريقة أي بالتآلف.
من أدب الحديث مباسطة الجلساء أثناء التحدث وبعده:
من أدب الحديث أيضاً مباسطة الجلساء أثناء التحدث وبعده، تعني المباسطة أن يكون الجو مرحاً، جواً لطيفاً، جواً غير كئيب، غير جاد، غير قاسٍ.
(( كان أبو الدرداء إذا حدَّث حديثاً تبسم، فقلت ـ أي زوجته: لا يقول النّاس إنك أحمق ـ أي بسبب تبسمك في كلامك ـ فقال أبو الدرداء: ما رأيتُ أو سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحدثُ حديثاً إلا تبسَّم، فكان أبو الدرداء إذا حدَّث حديثاً تبسَّم اتباعاً لسنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ))
[ أحمد عن أمِّ الدرداء رضي الله عنها]
(( قلـت لجابرٍ بن سمرة رضي الله عنه، أكنت تجالس رسول الله صلـّى الله عليه وسلّم ؟ فقال جابر: نعم كثيراً، كان عليه الصلاة والسلام لا يقـوم مـن مصلاَّه الذي فيه يصلّي الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدَّثون والنبيُّ جالس فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسَّمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ))
[مسلمٌ عن سِماكِ بن حـرب]
أحياناً في عقد قران مثلاً يتكلم خطيب، أيَّ خطيب يتكلم يوجد أنّاس تغمض عينيها، لماذا إغماض العينين ؟ انظر إليّه وشجعه على كلامه هكذا يكون الأدب، فالنبيّ كان يجلس مـع أصحابه ويستمع إلى حديثهم، فإذا كان حديثاً يدعو إلى الضحك يبتسم، ابتسامته لهم جبرٌ لخاطرهم، ولو شيء لم يعجبك لكن الكل ضحك فأنت تبسَّم ولو مجاملة.
أيها الأخوة أدب الحديث المقصود منه أدب الدعوة إلى الله، فالحديث المجدي الذي ترقى به عند الله أن تدعوَ إلى الله، أن تبين، أن تفصل، أن تقنع النّاس بأحقية هذا الدين، بالكتاب الكريم، بالحديث الصحيح.
من القواعد المتبعة في التأثير في الآخرين جلب انتباههم:
بعض القواعد المتبعة في التأثير في الآخرين أولاً: جلب انتباههم، أحياناً يكونون متشاغلين عنك لا بد من أن تجلب انتباههم، العلماء قالوا: الحركة بأوسع معانيها تجلب الانتباه.
أحياناً تجد المعلم جالساً في مكان لا يغيره، فلا يغير اتجاهه ولا حركة وجهه، فهو جالس مثل الصنم هذا ممل، لكن لو تحرّك حركة لطيفة كحركة اليد مثلاً أو حركة الرأس أو حركة العينين، العينان تتحركان، الرأس يتحرك، الجسم يتحرك، الحركة من شأنها أن تجلب الانتبـاه، فالمتحدث اللبق لا بد من أن يتحرّك التحرك اللطيف المعتدل، أحياناً تجد مدرساً يمشي ذهاباً وعودة فلا ينتبه إليه الطلاّب، هذا غير معقول، هذه ليست حركة معقولة، الحركة الشديدة أصبحت كالنوّاس، أو بندول الساعة، يريد الطلاب متابعته وهو يتحرَّك ذهاباً وإياباً ثم دخل من بينهم ثم رجع مرّةً أخرى، لا هذه حركة غير مقبولة، أمّا لو تحرك متراً أو نصف المتر أو حرك يده، حرك رأسه، حرك عينيه، فهذه الحركة اللطيفة تمدّهم بالحيوية.
من أجل أن تجلب انتباه المستمعين ينبغي أن تستعين بالحركة، الحركة المعتدلة، المنوَّعة.
الآن تستغربون، الحركة تكون بتحريك الجسم والرأس والعينين واليدين، وتحريك الصوت تلوينه، الصوت الرتيب يدعو إلى النوم، فإذا كان شخص نائماً عشر ساعات وقام بتشغيل مروحة كهرباء لها صوت رتيب فسوف ينام، الآن أكثر حوادث السيّر من النوم تجد براداً ثمنه خمسة ملايين سقط في الوادي بسبب نوم السائق، لماذا نام السائق ؟ لأن صوت المحرك رتيب، ولو كان نائماً خمس ساعات أو عشر ساعات، أي صوت رتيب يدعو إلى النوم.
لذلك المتحدث ذو الصوت الرتيب يدعو المستمع إلى النوم، إذاً أنت تحتاج إلى تلوين الصوت، ترفع الصوت تارةً وتخفضه تارةً، تجعل وقفات ـ أي سكون ـ تثير الانتباه، الوقفة تثير، رفع الصوت وخفضه يثير أيضاً، التلوين والصمت المفاجئ والصمت الذكي هذا مما يلفت انتباه المستمعين.
للأسلوب أثر كبير في جلب الانتباه:
الآن الأسلوب، يوجد أسلوب خبري، ويوجد أسلوب إنشائي، الخبري كلام تقريري، أما الإنشائي أمر، ونهي، واستفهام، وتمني، وترجّي، وحضّ، ونداء، فالسؤال كما ورد في الآية الكريمة:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) ﴾
( سورة النازعات: آية " 27 " )
فقد ورد في القرآن الكريم سؤال، حوار، تقرير، تحليل، فيجب أن تحرِّك الأسلوب بين الخبر والإنشاء، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والوصف والتحليل، والسرد والنقد، والقصَّة والمثل، والتقرير والتصوير، والترغيب والترهيب، والحوار والحدث، فهذه الحركة في الأسلوب تجلب الانتباه، مرّة حوار، مرة مثل، مرة قصّة، مرة تأكيد، مرة تحليل، مرة وصف، مرة سرد، مرة خبر، مرة إنشاء، تنوِّع أساليب المتكلِّم تجعل هناك حركة وجذباً للحديث.
هذا الكلام موجّه للآباء، فالحقيقة أفضل شيء في التربية هو القصّة، أحياناً تكون هناك قصّة نموذجيّة، مثلاً اليوم كنت في جلسة قبل الحضور إلى الدرس ورويت قصّة وأنتم تعرفونها ولكنّها شديدة الوضوح، أحد الأشخاص عليه زكاة ماله فرضاً عشرة آلاف وخمسمئة وثلاثين ليرة، وله زوجةٌ صعبة للغاية فأقنعته بعدم دفع الزكاة، فاستجاب لها ولم يدفع الزكاة، وهو يملك مركبة فاصطدمت وقام بإصلاحها، وكانت تكلفة إصلاح ما فيها من حديد وصاج ودهان ومصابيح إضاءة تبلغ عشرة آلاف وخمسمئة وثلاثين ليرة وهو مقدار ما عليه من الزكاة بالضبط ولم يدفعها، فأحياناً تكون قصّة بسيطة أبلغ من محاضرة طويلة في الزكاة، أي أنّه:
(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة.))
[الطبراني في الأوسط عن عمر]
أحياناً تكون القصّة شديدة التأثير فيكون الجالس أمامك طفل صغيرٌ أو إنسانٌ بسيطٌ فتدخل معه في متاهات العقيدة، ومتاهات الإيديولوجيّات، والأدلّة والنظريّات، فلو ذكرت له قصّة عن إنسان عندما تصدّق نما ماله، وعندما اشتغل بالربا محق الله له ماله تكون هذه القصّة كافية، أو عندما عفّت نفسه عن الحرام هيّأ الله له زواجاً ناجحاً، فهذه القصَّة مؤثِّرة جداً.
عدم توفيق المتكلّم يدل على معالجته لموضوعات لا تعني المستمعين:
المستمع الموجود أمامك هناك موضوعات تعنيه، وموضوعات لا تعنيه، فمن عدم توفيق المتكلّم أن يعالج موضوعات لا تعني المستمعين، فمثلاً عَتق العبيد الآن هل هو موضوع مثير للحاضرين، لأنّه لا يوجد عبيد، ولا عتق للعبيد، أو أنت جالس في حيّ غني وتتكلّم عن الصبر، فما هذا الصبر الذي لا يعنيهم ؟ فالجماعة أغنياء وكلّ شيء ميسّر لديهم، وكذلك مع الفقراء تكلّم عن الزكاة، فليس من المعقول أن يدفعوا الزكاة، أو مع التجّار وتتكلّم عن الأمور الثقافيّة معهم، وإذا كنت مع المثقفين وتكلّمت عن التجارة فهذا الموضوع خارج اهتماماتهم، فدائماً أنت كمتحدِّث لن تكون موفّقاً في الحديث إلا إذا اخترت وتكلّمت في موضوع يعني الحاضرين.
فالمستمع الذي يستمع إليك ما الذي يعنيه ؟ يعاني من قضيّة، لذلك الاستعانة بالرغبات والحاجات، فمثلاً انظر إلى شاب في مقتبل حياته وليس متزوِّجاً فما الموضوع الذي يعنيه ؟ يعنيه أن تقنعـه بأنّ طاعته لله عزَّ وجلَّ وعِفّته قبل الزواج أحد أسباب توفيق الله له بزواج ناجح، وهذا الكلام حق، وتوجد آيات وأحاديث تؤكِّد ذلك، ولأنّه يحتاج إلى الزواج، وهذا الزواج سبُلُه غير ميسّرة، فإذا بيّنت له أنّ طاعة الله عزَّ وجلَّ والعفّة قبل الزواج والاستقامة على أمره هذه تيسِّر له سبل الزواج من باب التوفيق الإلهي لقول النبيّ: حقٌ على الله أن يُعين الشاب إذا طلب العفاف.
فهذا الموضوع يعني الشباب، أما إذا جلست مع التجار فذكرت لهم أن الإنسان إذا أدّى زكاة ماله حفظ الله تعالى له المال، وكل إنسان خائف على رأس ماله من التلف والضياع، تغرق الباخرة المحمّلة ببضاعته، فإذا ذكرت له أنّ أداء الزكاة يحفظ له المال طمأنته، إذاً فأنت لا يمكن لك أن تؤثِّر في الآخرين إلا إذا عالجت موضوعات تعنيهم، فإذا تكلَّمت إيّاك أن تطرح موضوعاً لا يعني الحاضرين، الكلام يصبح لا معنى له إطلاقاً أنت في واد وهم في واد.
كل فرد منا له رغبات وله حاجات مشروعة، والإنسان حينما يستغل هذه الحاجات المشروعة فيوجه توجيهاً صحيحاً ينجح في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ.
مزج القديم مع الحديث من الأساليب المتبعة في التأثير:
عندما يتحدث الإنسان عليه مزج القديم مع الحديث يكون هذا المزج مفيداً جداً، أحياناً يكون كل الحديث عن القديم وهذا لا يجوز فأحياناً تجد خبراً له تأثير كبير، فقد قرأت ذات مرّة خبراً في إحدى الجرائد أعجبني كثيراً وهو عن عصابات في الصين تقوم بخطف الفتيات في سنّ الزواج، لماذا ؟ السبب هو تحديد النسل عندهم تحديد قسري فلا يسمح للأسرة الواحدة إلا بإنجاب طفلٍ واحدٍ، وبحكم محبّة كل الشعوب للذكور لا للإناث، فكلّما أنجبوا بنتاً يخنقونها إلى أن يأتي الصبيّ فيسجلوه في السجلات الرسميّة، وبعد حين تفاجؤوا بقرى بأكملها كل سكانها من الذكور، فنشأت عصابات لخطف الإناث، فعندما يشرِّع الإنسان تجده يرتكب الحماقات الكبيرة جداً.
أحياناً تجد خبراً تقرؤه في جريدة تخرج منه بفائدة، فقد قرأت مرّة في جريدة خليجيّة أنّه قد تم إعدام عشرين مليون رأس من الأغنام في أستراليا، أطلقوا عليها الرصاص ودفنت في مدافن جماعيّة، من أجل الحفاظ على سعر اللحم، وهذه الشعوب التي تموت من الجوع في بنغلاديش والسودان وأفريقيا، فإذا أردت أن تبيّن وحشيّة هذا الإنسان الكافر بالرغم من الدعاوى الكاذبة لحقوق الإنسان وحقوق الحيوان فاذكر هذا.
مرّة في أمريكا من أجل الحفاظ على البرتقال قاموا بوضع محاصيل وبكميّات كبيرة في أماكن مسوّرة لإتلافها، فتسلل بعض الفقراء الزنوج من أسفل السور وقاموا بخطف بعض الثمار وأكلها، فقاموا في العام التالي بتسميمها حتى الزنجي لا يأكل برتقالة دون دفع ثمنها، هذه تبيّن وحشيّة الكافر فهو وحش في صورة إنسان.
أحياناً تقرأ الخبر ويكون مهماً جداً، ذات مرّة ألقيت خطبة من على المنبر ثلاث خطب قرأتها في الصحف اليوميّة عن الإيدز، شيء مثير، مثلاً موظف كبير أرسلته الدولة في مهمّة للخارج وزلّت قدمه هناك، وعاد محملاً بالهدايا، بعد سنة زوجته الوفيّة أصيبت بالإيدز وابنتـه وكذلك هو، والثلاثة الآن قد ماتوا، وله ابنٌ أو بنتٌ أنجبه قبل السفر ما زال حياً، وهي قصّة واقعيّة، وقد ذكرت ثلاث قصص من هذا النوع.
أمثلة عن قصص فيها مزج بين القديم والحديث:
أحياناً الإنسان يلتقط قصّة ذات تأثير بالغ، فذكر كل شيء قديم يصبح الحديث مملاً، أما أن تذكر القديم والحديث كخبر معاصر ـ كزلزال مثلاً ـ وحوله موعظة بالغة، فقد قرأت ذات مرّة عن زلزالٍ وقع في المغرب في بلد تسمّى أغادير وهي مدينة ساحليّة، مدينة السيّاح، فيها نوادٍ للعراة، وفيها أشياء مخيفة، وفيها فندق شهير مكوّن من ثلاثين طابقاً، فهذا الزلزال ابتلعه، ولكن ليكون هذا الفندق شاهداً على دمار بلاد الفاسقين وعبرة للآخرين ظل الطابق الأخير ظاهراً فوق الأرض وعليه اسم الفندق وكأنّها شاهدة له، فقد قال تعالى:
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 145 " )
أحياناً خبر مهم جداً تقرؤه وتستوعبه وتحدّث به الناس، والقصد إحداث تأثير لدى المستمع فتنفِّره من هذه الحضارة الماديّة المبنيّة على الكفر والانحلال.
إذاً من الأساليب في التأثير مزج القديم مع الحديث، فلا يكون الحديث كلّه عن القديم، أحياناً آية معاصرة مثلاً كإعصار ضرب الساحل الشرقي لأمريكا وكانت الخسارة ثلاثين ملياراً من الدولارات، فلا تتكبّر فالله أكبر، من دون أي مشاكل عاقبهم الله فوراً، أو مركبة فضائيّة أطلقوا عليها اسم المتحدّي وبعد إطلاقها بسبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب فمن تتحدّون ؟ بالرغم من المراجعة الدقيقة، والعدّ التنازلي، والاحتياطات المتخذة فكل جهاز يوجد منه اثنان، وبعد سبعينَ ثانية أصبحت كتلة من لهب إنها المركبة (Challenger).
ربط الله عزَّ وجلَّ القديم مع الحديث في بعض الآيات القرآنية:
لذلك أحياناً القديم مع الحديث يعطي تأثيراً كبيراً، فأنت لا تعيش خارج العصر، أنت مع العصر، مع معطياته، مع فلسفته، مع ثقافته، مع أحداثه، وتعيش بين مشاكل الناس، همومهم، أحزانهم، أفراحهم، لك رأي إيجابي في الموضوع فلست تعيش من وراء التاريخ، فقد لاحظت أنّ الدعاة البعيدين عن العصر لا يؤثِّرون في الناس إطلاقاً، فلذلك مزج القديم مع الحديث مهم للتأثير في الآخرين، فانظر لقوله تعالى:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
لو انتهت الآية عند هذا المقطع من الآية الكريمة:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
وأنت تركب طائرة حديثة أسرع من الصوت كطائرة الكونكورد التي تقطع المسافة ما بين لندن ونيويورك في أقلّ من ساعتين، وأنت ترى سيّارة فخمة وقطاراً فخماً وتبلغ سرعته في الساعة الواحدة ثلاثمئة وخمسين كيلو متراً وتقرأ هذه الآية وقوله تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
كيف ربط الله عزَّ وجلَّ القديم مع الحديث ؟ فهذا كلام الله مغطىً، فلو كان الكلام من محمد فما كان ليكمل الآية، كان سيقول:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
ويتوقف، لأنّ سيدنا محمد لا يعلم ما سيكون، ولكنّ الله تعالى يعرف ما سيكون فقال:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
الإنسان الواقعي يجذب الناس إليه:
توجد نقطة دقيقة جداً فالله تعالى عندما وصف الأنبياء ماذا قال ؟ قال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) ﴾
( سورة الفرقان: آية " 20 " )
ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق معنى ذلك أنّهم شاركوا الناس، فمن يعيش في برج عاجي وبعيداً عن الناس لا يستطيع أن يخاطبهم بلغةٍ يفهمونها، فأخطر شيء في الداعية أن يعيش في برج عاجي، فإذا لم يعش مع الناس، ومع مشكلاتهم، ومع أحوالهم، ويشعر بما يزعجهم وما يؤلمهم وما يفرحهم، فهذه المعاناة والمشاركة فيها توفِّق إلى اختيار الأسلوب المناسب.
أحياناً يعاني أحد الأشخاص من شيء صعب أنت لا تعانيه فتحاسبه حساباً قد يخرج من جلده، ولكنّك إذا عانيت ما يعانيه فتعطيه عذراً وتلتمس له العذر، وإذا لم يكن الإنسان واقعياً فلن يجذب الناس إليه، وهذا كلّه من أدب الحديث وهو أدبٌ ذو أهميّة كبرى.
الحديث العابر لا يحتاج إلى إعداد، أما إذا كُلِّفت أن تلقي كلمة، أن تُدلي برأي، أن تقيم مناظرة، أن تطرح موضوعاً، أن تعالجه فلا بدَّ من أن تُعِدَّ له إعداداً جيّداً.
الكلام المركَّز الموجز والمُثير يشد الناس ويجذبهم إليه:
كلّ أخواننا الذين بدؤوا بالدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ لو فرضنا أنّك كنت بمجلسٍ ودُعيت إلى إلقاء كلمة فيجب عليك أن تعلم جيّداً ماذا ينبغي أن تقول من آيات، وأحاديث، وشواهد، وأدلّة عقليّة نقليّة، وهذه يجب أن تكون قبل هذه، وهذا الدليل بعد الآية، والآية بعد الدليل، فإذا لم يكن لديك إعداد علمي جيد فلن تؤثر بالآخرين، لأن الكلام المضطرب والارتجالي وغير المنظّم والعشوائي كأن تتكلّم عن كلّ ما يخطر في بالك فهذا لا يؤثِّر أبداً في الآخرين.
حدّثني شخص دخل إلى مسجد وحضر خطبة الجمعة أنّه قد قام بعدّ الموضوعات التي طرحها الخطيب من فوق المنبر فكانت ثمانيةً وعشرين موضوعاً، فقد طرح موضوعاً ولكنّه لم يعالجه، وكان كلّ شيء يخطر في باله يقوله، لأنّ الموضوع ارتجالي، الذي يرتجل كلاماً من دون إعداد فهو يحتقر الناس، هذا الجالس أمامك ترك بيته وأتى إليك ليستمع منك، والوقت ثمين فقد كان مع أولاده وأهله وجاء إليك ليستمع إلى كلام منظّم، وكلام عميق، ومصحوب بالأدلّة والشواهد، ومعروض عرضاً جيّداً وبأفكارٍ عميقة، فإذا لم تُعِدَّ الكلام جيداً فلن تنجح ولن تؤثّر في الآخرين، الحديث المضطرب لا يصغى إليه، الحديث غير المُعدّ، غير المنظّم، غير المدعَّم بالأدلّة والشواهد لا يصغى إليه.
هناك نقطة بالغة الأهميّة فإنّك لا تستطيع أن تؤثِّر في الآخرين وأن تتمثّل أدب الحديث إلا إذا اعتقدت الذكاء والنباهة في المستمعين، فإذا اعتقدّت أنّهم ليسوا كذلك فإنّك لن تؤثِّر فيهم، إذا لم تعتقد فيهم الذكاء والنباهة فستأتي بتفصيلات مملّة، محاكمات ساذجة، أفكار سخيفة، أما إذا اعتقدت فيهم الذكاء والنباهة فستأتي بأفكار عميقة، تختصر التفاصيل المملّة، كلّما كان كلامك أكثر إيجازاً وتركيزاً وأكثر إثارة فستشِدّ الناس أكثر وتجذبهم إليك.
من حسن الحديث أن يُمزج بفكاهةٍ أديبةٍ ذكيّة:
شيء آخر من حسن الحديث أن يمزج بفكاهةٍ أديبةٍ ذكيّة، دائماً الفكاهة لها تأثيرٌ كبيرٌ جداً في ثنيّات الحديث، وأحياناً ممكن أن تعبِّر عن أدقَّ الأفكار وعن أعمقها بفكاهة بسيطة، أحياناً تجد شخصاً يريد من هذا الصانع الصغير الذي يعمل لديه أن يتحلّى بالذكاء والفطنة والفهم والبديهة، وهذا ليس معقولاً، فصاحب المحل يبلغ من العمر الخمسين أو الستين سنة وقد عركته الحياة ويملك خبرات متراكمة ودفع ثمناً باهظاً لها، وينتظر من طفل صغير عمره لا يتجاوز العشرين عاماً أن يكون ذكياً ونبيهاً وفهيماً، لو كان كذلك لجلس في مكانك، ففي مثل هذا الموقف تحضرني طرفة:
دخل ملك ذات مرّة إلى بستان ليتفقّد رعيّته، وكان صاحب البستان يملك حصاناً يدور حول بئرٍ وهو معصوب العينين لاستخراج الماء، وعلّق في عنقه جلجُلاً ـ جرساً ـ وكان الملك ذكياً فسأل صاحب البستان: لمَ عصبت عينيه ؟ فقال له: لئلا يصاب بالدوار، فقال له: ولمَ وضعت هذا الجُلجُل ؟ فقال له: حتى إذا توقّف عن الدوران أعرف ذلك، وكان الملك كثير الذكاء فقال له: فإذا وقف وهزَّ رأسه ؟ فردَّ عليه قائلاً: وهل له عقلٌ كعقلك ؟!
دائماً عندما يتواجد معك أشخاص لا تظن أنّ عقولهم مثل عقلك، فإذا اعتقدت أن عقل الذي أمامك مثل عقلك فأنت إذاً لا تعرف شيئاً، فهذا أقل منك في الخبرة، فكل من طالب من حوله بأن يكونوا في أعلى درجات الذكاء والفهم والفطنة والبديهة والطلاقة فهو بذلك لا يفهم شيئاً، فهذا الصغير خبرته محدودة، أو يريد صهره أن يكون في نفس مستواه، فأنت عندك بيت مرتّب وواسع وأنت في الستين من العمر وصهرك خرج جديداً للحياة، يقول له: ألا تملك بيتاً ؟ يقول له: عندي، فيقول له: كم تبلغ مساحته ؟ هذه المساحة لا تكفي، انظر إلى نفسك عندما تزوّجت لم يكن لديك بيت ولا جدار من حائط، فدائماً لا تقس الناس بنفسك، وأعطِ كلّ إنسانٍ حجمه الحقيقي ـ قال الملك له: فإذا وقف وهزَّ رأسه ؟ فقال البستاني له: وهل له عقلٌ كعقلك ؟! ـ أحياناً تستطيع أن تعبِّر عن أعمق الأفكار الدقيقة وذلك بطرفة بسيطة.
صفات تسيء للحديث:
هناك نقطة هامّة، ما الذي يجعل الحديث غير مؤثِّرٍ ؟ قال: الجمود وعدم الحركة، البعد عن حاجات المستمع، عدم مزج القديم بالجديد، الارتجال، الإطناب الممل، الإيجاز المخل، عدم الوضوح، عدم وجود الإثارة، الوتيرة الواحدة، التكرار، المتكلِّم في واد والمستمع في واد فالموضوعات غير ذات أهميّة، اللف والدوران، التعميم، السرعة في إصدار الأحكام، المبالغة، التهويل، الحشو والتفصيل، هذه كلُّها تجعل الحديث مملاً.
الحشو والتفاصيل سخيفة تُفهَم دون أن تذكر فألغها من حديثك، ولو ذكرتها تجعل الحديث مملاً.
المبالغة والتهويل يضعف المصداقيّة في كلامك، قال لي أحدهم عن طريق يبلغ عرضه ستّة كيلو مترات، فقلت له: أتقصد طوله ؟ فقال لي: لا بل عرضه، فهذا كلامٌ غير معقولٍ، فعندما تبالغ فقد انتهيت عند الآخرين لذلك دائماً اجعل كلامك علمياً.
اللف والدوران بسبب غموض فكرة في ذهنك فتلف وتدور لتبيّنها، فإذا كان هناك فكرة غامضة فلا تقلها، أما إذا كانت الفكرة واضحة فتحدّث بها، فاللف والدوران يصيب المستمع بالسأم والضجر.
المتكلِّم في واد والمستمع في واد معنى ذلك أنّك لم تختر موضوعاً يمس بشغف قلوب الحاضرين.
التكرار يدعو للسأم، الوتيرة الواحدة في الصوت تدعو للسأم، عدم وجود الإثارة في الحديث تدعو للسأم، عدم الوضوح يدعو للسأم، الإيجاز الممل يدعو للسأم، الارتجال كذلك يدعو للسأم، عدم مزج القديم بالحديث، البعد عن حاجات المستمع، الجمود.
هذه كلُّها صفات تسيء للحديث، وقد دمجنا فيما بين آداب الحديث وبين عوامل التأثير في الحديث.
صفات تسيء للحديث:
كان درسنا اليوم آداب الحديث كما وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والعوامل التي تجعل من الحديث مؤثِّراً، فإذا جلس الإنسان مع أولاده، أو أراد أن يلقي كلمة، أو يدير حواراً، أو أن يوجِّه وأن يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ يستخدم هذه القواعد في حديثه.
الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ جاؤوا بالكلمة، فالدعوة أساسها الكلمة، يجوز المهندس أساس عمله مواد البناء من اسمنت وحديد وغيرها، والمعمل أساس عمله المواد الأوليّة من قوالب وخلافه، ولكن الداعية أساس عمله الكلمة، فإذا أحسن انتقاء الكلمة ونظمها وإلقاءها فقد أثَّر بالحاضرين، فأنت تعاملك مع الكلمة، والكلمة لها قوّة التأثير، وقد جاء الأنبياء بالكلمة، بكلمةٍ من عند الله عزَّ وجلَّ.
كل إنسان يحب أن يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ ولا أعتقد بوجود أحد من الأخوة الحاضرين معنا لا يطمح أن يدعو إلى الله لأنّ هذا أعظم عمل فقد قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾
( سورة فصلت: آية " 33 " )
حتى يلهمك الله عزَّ وجلَّ الصواب استعن بهذه الآداب النبويّة التي وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واستعن بهذه القواعد الفنيّة في جذب اهتمام المستمعين وإحداث التأثير القويّ فيهم عن طريق هذه القواعد.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 12 ) اداب المزاح





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخامس والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ننتقل إلى أدبٍ جديد وهو أدب المزاح. آداب المزاح:
الحقيقة حياة المؤمن ليست قاسية، فحياته فيها مرح وتفاؤل وسرور وثقة بالله عزَّ وجلَّ، وفيها تودد وحب، فالمزاح أحياناً يعبِّر عن هذه، المزاح والود له فوائد كثيرة فهو يؤلّف القلوب ويجمع الشمل ويجعل الجو لطيفاّ، فالأب الذي في بيته شيء من المرح وشيء من المزاح وشيء من التسامح يصبح بيته كالجنّة.
أما البيت الذي فيه قسوة وعبوس ومتابعة ونوع من السيطرة القمعيّة، هذا البيت أمنية الأولاد فيه أن يخرج أبوهم من البيت، فنجاحك في البيت مؤشّره أن يتمنّى أولادك أن تكون بينهم، وعدم نجاحك في البيت أن يتمنّى أولادك أن تكون بعيداً عنهم.
كان النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة في البيت كواحد منهم، في التواضع والعفويّة وعدم التكلُّف وعدم القمع وعدم التصنُّع وهذا يجعل البيت روضة من رياض الجنّة، أما إذا دخلت السيطرة والقمع والعبوس والجديّة المستمرّة، فهذا من شأنه أن يُنفّر الأولاد من أبيهم.
في الحقيقة المزاح له آداب، والمزاح شائع بين الناس جميعاً ولكنّه كالملح في الطعام ـ دققوا في هذا المثل ـ فالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.
قد تحدث أخطار كبيرة بسبب المزاح نحو ضعف الهيبة، والاستخفاف، وعدم المبالاة، والتساهل، والتسيّب، وهذه من آثار المزاح السلبيّة، لكن كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه. 1ـ أول أدب من آداب المزاح عدم الإكثار منه:
أول أدب من آداب المزاح عدم الإكثار منه، أي لو جلس الإنسان ساعة من الزمن وروى طرفة أو طرفتين فلا بأس، أما طرفة ووراءها أخرى فليس هكذا، فإذا أكثرت من المزاح ذهبت هيبتك، واستخفّ بك، وأقول مرّة ثالثة فهو كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.
(( لست من دَدٍ ولا دَدٌ منّي ))
[ رواه البخاري والبيهقيُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
ما معنى: دَدٍ ؟ قال: لست من أهل اللعب واللهو.
المؤمن له مهمّة وهدف كبير في الحياة، يحمل رسالة وهدفه أن ينشر الهدى، لذلك يأتي المزاح كواحة في الصحراء فالدرب شاق وطويل من الحرّ والرمال، لكن إذا اشتدّ التعب فيأتي المزاح كواحة وكاستراحة يرتاح بها المؤمن ليستأنف السير، فإذا كثر المزاح أصبح الأمر على خلاف ما هو مطلوب، إذاً:
(( لست من دَدٍ ولا دَدٌ منّي ))
[ رواه البخاري والبيهقيُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي لست من أهل اللهو والمزاح والفكاهة والضحك.
الجوانب المتنوِّعة من علامات الشخصيّة المتفوِّقة:
كيف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. ))
[أحمد عن معاذ رضي الله عنه]
المؤمن يتنعّم ولكن ليس التنعُّم هدفاً استراتجياً من أهدافه، لا فالهدف الأساسي مرضاة الله عزَّ وجلَّ ويأتي التنعُّم عرضاً، وهدفه نشر الحقّ وتأدية الرسالة وحمل الأمانة، لكن يأتي المزاح ليلطّف الجو جو الأسرة، فالمدرس الناجح يمزح مع طلاّبه، والطبيب الناجح تجده مرحاً، وقد تجده يصعب الأمر فيزداد المريض مرضاً، وتجد طبيباً مؤمناً بالله فيطرح طرفةً ويؤانس المريض ويطمئنه، ويعطيه أملاً فيشفي الله عزَّ وجلَّ المريض بسبب هذه المعنويّات المرتفعة، فالمزاح يجب أن يكون في كلِّ مجال ولكن كالملح في الطعام إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضدّه.
سأذكر لكم نقطة دقيقة، الحقيقة من السهل أن تكون متطرِّفاً، ومن السهل أن ترخي العنان، مزاح وضحك، ومن السهل أن تكون قاسياً جبّاراً في البيت، التطرُّف سهل ولكنّ البطولة أن تجمع بينهما، البطولة أن تكون بين الإفراط والتفريط، أن تكون بين القسوة والقمع وبين التسيُّب، كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يترامون أحياناً.
أحياناً يكون الثلج متساقطاً وترى الناس يتقاذفون به كنوع من المرح، لكن إذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال، فالإنسان العظيم يمزح ويكون مرحاً مع أصدقائه وأهله وأخوانه، لكن إذا جدّ الجد كان كما قال ابن المقفّع: " فهو الليث عادياً "، وقد ذكر أحد أصدقائه فقال: " من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيّه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلّم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً ".
أي أنّ الشخصيّة العظيمـة تجدهـا متنوّعـة الجوانب، ففي البيت وديعاً، ومع أصدقائه متواضعاً، وفي حديثه مزح وطرافة، وإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً، الجوانب المتنوِّعة من علامات الشخصيّة المتفوِّقة.
أخطر ما في المزاح أن يمسّ إنسان أو يجرحه:
النبيُّ عليه الصلاة والسلام نهانا عن الإكثار من المزاح.
سيّدنا عمر رضي الله عنه يقول: " من كَثُرَ ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استُخِفّ به ".
ولاسيّما المناصب القياديّة، كالمعلِّم في صفّه، أو الطبيب في المشفى، أو المدير العام، فإذا أكثر من المزاح استخفّ به، وقلّت هيبته، وإذا كان القمع هو ديدن هذا الإنسان نفر الناس منه، فإذا كان الإنسان قاسياً وقمعيّاً تجد في غيبته من يسخر منه ويتندّر به ويكال له الشتم، أما إذا كان مرحاً وواقعياً وطبيعياً وكانت معاملته فيها لطف ورحمة، تجد الثناء يكال له كيلاً في غيبته.
الحقيقة أنّ مقياس نجاحك في عملك وفي بيتك لا ما يقال في حضرتك، فأغلب الناس يجاملون، ولكن مقياس نجاحك هو ما يقال عنك في غيبتك لا في حضرتك.
الآن أخطر ما في المزاح هو أن يمسّ إنسان أو يجرح إنسان أو يوجّه المزح لشخص فيمزح على شكله، أو على عاداته، أو على ما فيه من طباع، أو على مهنة من المهن، ولذلك على المعلّمين أن يكونوا دقيقين جداً فليس من حقِّ المدرّس أن يتناول مهنة بالسخرية على الإطلاق، لأنّه ما من مهنة إلا ويمكن أن توظّف في طاعة الله، فليس للمعلّم أو المربّي أو الأب أن يتناول حرفةً بالسخرية، أو أن يتناول إنساناً ويذكر عيباً من عيوبه، فهذه أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي قالت عن أختها وضرتها أنّها قصيرة. فقال النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم:
(( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. ))
[أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها]
المزاح إذا مسّ إنساناً في شكله، أو طبعه، أو بعض صفاته، أو مسّ فئةً أو جهةً أو قطاعاً، فالإنسان يعظم عند الله بمعرفته وطاعته، وقد يوجد بعض الأشخاص الذين يتندّرون من فئات معيّنة، أو الذين يسكنون أماكن معيّنة، أو من حرف معيّنة، وهذا من الجاهليّة، وقد قال أحد الصحابة لغلامه: يا ابن السوداء، فقال له النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم:
(( إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة. ))
[متفق عليه عن أبي ذر رضي الله عنه]
الإنسان يعلو بطاعته ويسفل بمعصيته:
الإنسان إما رحماني أو شيطاني، فلمجرّد أن تقدح بإنسان أو بفئة أو بقطاع أو بطبقة أي قدح فهذه جاهليّة جهلاء، لذلك أنا أقول كلمة: المؤمن لا يمكن أن يضاف على اسمه ولا كلمة، مؤمن تحبُّه غنياً، تحبُّه فقيراً، تحبُّه متعلّماً، تحبُّه غير متعلّم، تحبُّه حرفياً، تحبُّه من المدينة، تحبُّه من الريف، لأنّه مؤمن وقد هذّبه الإيمان وارتقى وسما به، وتخلّق بأخلاق الإسلام، لذلك أيّ كلمةٍ تضاف إلى كلمة مؤمن جاهليّةٌ جهلاء، فقد قال عليه الصلاة والسلام له:
(( إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة. ))
[متفق عليه عن أبي ذر رضي الله عنه]
لأنّه قال له: يا بن السوداء، لا يكون القدح بلون ولا بجنس ولا بعرق ولا بشعب ولا بأمّة ولا بطبقة ولا بحرفة ولا بأهل حيّ ولا بأهل عشيرة، وأساس الحروب والمآسي والدماء عبارة عن افتخار لا أصل ولا وجود له، كان العرب في الجاهليّة يمدُّ أحدهم رجله ويقول: من كان أشرف منّي فليضربها، فيقوم إنسان فيضربها فتنشب حرب قد تدوم عشر سنين، الهدف سخيف والسبب أسخف.
يا أخوتي الكرام المؤمن الراقي يعيش عمره كلّه فلا يطعن بإنسان، ولا بحرفة، ولا بشعب، ولا بأُمّة، ولا بحقبة، ولا بمذهب ـ فلان كذا، ولا يطعن بطبقة من الطبقات فالإنسان يعلو بطاعته ويسفل بمعصيته فإذا لم يكن مقياسك قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكـُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 13 " )
إذا لم يكن مقياسك قوله تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
فأنت لست مؤمناً، لذلك فالمزاح مندوب بين الأهل والأقرباء، والأخوة والأصدقاء بشرط ألا يكون فيه أذىً لأحد، أو استخفاف بمخلوق، فأحياناً يمزح الأخ مع أخيه فيجرحه، فيجوز أن يضحك أخوه من ذكائه ويمتصّها، ولكن أنت هل تعلم ماذا أحدثت في نفسه ؟ أحدثت جرحاً عميقاً، ولو ابتسم أو جاملك فقد جرحته، لذلك سنعيد الحديث الشريف عن السيّدة عائشة رضي الله عنها قالت عن أختها صفيّة: إنّها قصيرة. فقال عليه الصلاة والسلام:
(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
انتبه: فلا تقل: فلان طويل أو فلان قصير أو أسمر أو أبيض أو فلان عيونه صغيرة أو جبهته عريضة فهذا كلّه من كلام الجهلة وقيمة الإنسان بأخلاقه وبعلمه، وقيمته بمعرفته بالله عزَّ وجلَّ، فلا تستخفّ بأحد.
معاملة الناس جميعاً بمقياس واحد وهو مقياس التقوى:
مثلاً في مصر إذا أرادوا أن يستخفّوا بإنسان يقولون عنه: صعيدي، أي من أهل الصعيد، فهذه من الجاهليّة الجهلاء، وفي كلّ بلد فيها من المناطق التي يستخفُّ بها، وهذه عنعنات جاهليّة ما أنزل الله بها من سلطان، جبلة بن الأيهم عندما داس بدوي على طرف ثوبه قام بضربه على أنفه ضربةً هشّمتها، فلما اشتكى إلى عمر بن الخطاب قال له: أصحيحٌ ما ادّعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟ قال له: نعم، لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدّبت الفتى أدركتُ حقّي بيدي، فقال عمر رضي الله عنه: أرضِ الفتى ـ لا بدَّ من إرضائه ـ ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمنّ الآن أنفك وتنال ما فعلته كفُّك ـ ليس من المعقول ذلك فجبلة ملك وهذا الفتى من عامّة الناس ودهمائها وسوقتها ـ فقال له جبلة: كيف ذاك يا أمير ؟! هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج !! ـ أي ما هذا الذي تقوله ؟ كيف ترضى أن يخرّ النجم أرضاً ـ فأجابه عمر رضي الله عنه قائلاً: نزوات الجاهليّة ورياح العنجهيّة قد دفنّاها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، فقال له: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني، فقال له عمر رضي الله عنه: عنق المرتدّ بالسيف تحز عالم نبنيه كلُّ صدعٌ فيه بشبا(أم بشذى) السيف يداوى، وأعزُّ الناس بالعبد وبالصعلوك تساوى.
أخواننا الكرام ما الذي يجمع الناس حولك ؟ نزاهتك، احترامك للناس، أدبك معهم جميعاً، إذا لم تعامل أي إنسان بمقياس واحد مقياس التقوى فلست مؤمناً فقد قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
إذا أدخلت مقياس المال فأنت لست مؤمناً، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
إذا كنت تعامل الأقوياء معاملةً خاصّة فأنت بذلك لم تعرف الله عزَّ وجلَّ، لم تر القوي، ولم تر أقوى الأقوياء.
عليك أن تعلم أن الناس كلهم سواسية وإلا فأنت بعيد عن الدين وعن أخلاق المؤمنين: قال تعالى:
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك، و ملك الملوك.))
[غريب من حديث مالك مرفوعاً تفرد به علي بن معبد عن وهب ابن راشد]
إن رآك مالك الملوك تعامل الأقوياء باحترام ولكن من دون نفاق، وتعامل الأغنياء باحترام ولكن من دون تملُّق، إذا لم يكن مقياسك:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
أنت بعيد عن الدين وعن أخلاق المؤمنين.
أخواننا الكرام حدّثني أخ كان معاراً لبلد عربي ليُدرّس بها، وفي المدرسة صبّ كأساً من الشاي ليشربه فقرع جرس الدرس، فوضعه كما هو وكاد ينطلق إلى غرفة الصف رأى آذِناً يقوم بمسح الأرض، فقال له: خذ هذا الكأس واشربه، وهذا الفَرَّاش من بلاد شرق أسيا، فلفت نظره هذا العمل، وفي اليوم التالي قال للأستاذ: لماذا قدّمت لي هذا الكأس فأنا هنا منذ سنتين ولم يسلّم عليّ أحد ولا قدّم لي شيئاً ـ فهو آذن أو فرّاش من الطبقة الدنيا ومن بلد فقير ـ ؟ فقال له: والله ديني يأمرني بذلك، فقال له: أتسمح لي أن أجلس معك في جلسة لكي أتعرّف على دينك، وقد كان مذهبه هندوكياً، عابداً للصنم، وقد دعاه إلى جلسة وكانت لغته الإنجليزيّة ضعيفة فدعا أخاً ذا لغة أقوى، فقال الفرّاش له: أنا أحمل بكالوريوس في الكيمياء، فتعجّب الأخ من ذلك وفي الأسبوع التالي أحضر معه معجماً باللغة الإنجليزيّة وافتعل أنّ ابنه سأله عن قضيّة كيميائيّة وطلب إليه أن يشرحها له واتضح فعلاً أنّه حاصل على البكالوريوس، لمدة شهرين في كلّ أسبوع جلسة حتى دلّه على الله وأقنعه بالدين فأسلم هو وخمسة من أصدقائه، والسبب هو كأس من الشاي.
احترم الآخرين فهذا الفرّاش يحمل بكالوريوس في الكيمياء، ومن فقره يعمل فرّاشاً، وعندما احترمته هديته إلى الله عزَّ وجلَّ، فأنا لا أعتقد أنّ مؤمناً لديه ذرّةٌ من الإيمان ويحتقر إنساناً، فحينما تحتقر أحداً فأنت لست مؤمناً، فما هذا الإيمان ! هذا عبد لله لو عرف الله لارتقى عند الله إلى أعلى عليين.
الذي أُحبّ أن أركّز عليه إيّاك ثم إيّاك ثم إيّاك أن تمزح مزاحاً يجرح إنساناً، فإذا كنت معلّماً وذكرت أنّ المهنة الفلانيّة كل من يعمل بها من الأراذل وكلّهم لصوص، وكان عندك في الصف تلميذ يعمل أبوه في هذه المهنة، فماذا حدث لهذا الابن ؟ لقد صغّرته وعقّدته، فهل أنت متأكد أنّ كلّ أصحاب هذه المهنة أرذال ولصوص ؟ هذا كلام فيه جهل. الإنسان بطاعته لله يرقى إلى أعلى عليين ويصبح فوق الناس أجمعين:
حدّثنا أستاذ لنا في الجامعة فقال: التعميم من العمى، فإذا عممت فأنت جاهل، حينما تعمم فأنت جاهل كأن تقول: أهل المدينة الفلانيّة كلّهم كاذبون، فما هذا الكلام !! ومن قال لك ذلك ؟ هذا هو الجهل بعينه فإيّاك أن تعمم، كل بلد فيها أناس طيبون ومستقيمون وفيها ورعون وأناس ذوو أخلاق عالية، وكذلك فيها أناس ذوو أخلاق سيّئة، فالتعميم على مدينة أو جهة أو منطقة أو طبقة أو على أصحاب حرفة هذا من الجهل والتعميم من العمى، حينما تعمم فأنت أعمى ولا تعرف، فلا تتناول أحداً بسخريتك فهذا ليس من أخلاق المؤمن.
أنت مؤمن وكلُّ مخلوقٍ عبدٌ لله يرقى عند الله بطاعته، فأنا لا أنسى ولن أنسى قوله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه وهو سيّدنا سعد بن أبي وقاص:
(( ارمِ سعد فداك أبي وأمّي. ))
[متفق عليه عن علي رضي الله عنه]
هذا ليس بقليل، النبيّ لم يفد أحداً بوالديه إلا سيّدنا سعد، وإذا دخل سيّدنا سعد كان يقول:
(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله.))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
أي أنّ المحبّة والود يفوق حدّ الخيال، فلما توفّي النبيّ عليه الصلاة والسلام ـ انظروا إلى هذا الفهم العميق ـ قال سيّدنا عمر رضي الله عنه: يا سعد لا يغُرنّك أنّه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، أنت بطاعتك لله ترقى إلى أعلى عليين، وتصبح فوق الناس أجمعين:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
لا نرقى، ولا نتقدّم، ولا يرضى الله عنّا إلا إذا حكّمنا بيننا مقياساً واحداً وهو التقوى.
نماذج من المزاح المؤذي:
الآن نماذج من المزاح المؤذي:
(( لا يأخُذنّ أحدُكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليرُدّها ))
[رواه الترمذي عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جدّه]
في بعض الأحيان يمزح أحدهم مزاحاً ثقيلاً، كأن يخفي سواراً أو غرضاً من الأغراض، أو يخفي حذاء طفل وهو يقوم بالبحث عنه وأبوه ينتظره في السيّارة وهو غاضب، هذا ليس من المزاح، والنبيّ نهى عن مثل هذا المزاح، أو الجندي بالثكنة العسكريّة يخفون عنه سلاحه، وفي ذلك محاكمة عسكريّة ميدانيّة فيمكن بسبب ذلك أن يصاب بالجلطة، فهذا ليس من المزاح كأن تخفي عنه سلاحه أو تخوّفه فهذا نوع من المزاح المؤذي، وقد نهى عنه النبيّ.
المزاح أحياناً أن يكلّفك أحد الأشخاص بقضيّة ما ويكون عصبي المزاج، فيقول لك: هل أنهيت هذه القضية ؟ فتقول له: لا لم أنته منها وقد نسيتُ، فيقوم منفجراً، وقد تكون أنهيتها وقدمتها له جاهزة ولكنّك أحببت أن تراه وهو منفجر أو غاضب أمامك، فلماذا تفعل مثل ذلك ؟ ما دمت قد أنجزت القضية قل له: نعم لقد أنجزتها، فيشكرك على عملك، أما بعملك السابق جعلته ينفجر ويتكلّم بكلمات قاسية، وربما بكلمات قبيحة، وبعد ذلك قلت له: لا تصدّق فهي جاهزة وتفضّل بأخذها، فهذا من المزاح الثقيل، فإذا كان الإنسان عصبي المزاج وطلب إليك خدمة ما وكنت قد أنجزتها فأخبره بأنّك قد أنجزتها.
أو إذا تكلّم بالهاتف فقلت له: من المتكلم ؟ يقول لك: خمِّن، ما هذا الكلام ؟ أحياناً يكون المخاطب مشغولاً أو مضطراً أو مستعجلاً قل له: على الفور أنا فلان.
حدّثنا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أنّهم كانوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
النبي لم ينْهَنا فقط عن ترويع مسلمٍ، بل نهانا أيضاً عن أن نحمّر وجهه فقال:
(( لا تحمّروا الوجوه ))
[ورد في الأثر]
لا تحرجه أو تضعه في موقف حرج، قال لك: بالأمس كانت الحرارة ستاً وخمسين، غلط في درجتين أو ثلاث، فتجاوز عن هذا الخطأ، أما أن تقول له: غلطان، دائماً تجد أشخاصاً يحبّون أن يفنّدوا الأقوال، ويحرجون من أمامهم، أما إذا كان الكلام بالعقيدة فهنا يجب عليك أن تردّ وتتكلّم، فكلّ ما يمسّ العقيدة أو يمس الحديث الشريف أو تفسيراً لآية، أما إذا كانت القضيّة لا علاقة لها بالعقيدة أو الحديث أو التفسير أو السنّة، فتجاوز عنها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
نهي النبي الكريم عن المزاح المؤذي:
يوجد مزاح شديد القسوة، كأن يختفي أحدهم عنك ثم يظهر فجأةً أمامك، بعض الأشخاص تُحدث الصدمة له أمراضاً وبيلة، فهل تصدّقون أنّ بعض أسباب السرطان ضعف جهاز المناعة، ومن أسباب ضعف جهاز المناعة الشدّة النفسيّة ـ الخوف ـ فأحياناً الخوف المفاجئ يسبب ضعفاً في جهاز المناعة فيصاب بالسرطان، أحدث بحثٍ في مرض السرطان هو حينما يضعف جهاز المناعة لدى الإنسان تنمو الخلايا نمواً عشوائياً، فما الذي يقوم بضبط نمو الخلايا ؟ جهاز المناعة، وهذا الجهاز تضعفه الشدّة النفسيّة أي الخوف، فقمت بإخافته، والإنسان أحياناً يخاف خوفاً شديداً:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
قد يكون أحد الأشخاص لا يجيد السباحة فيلقوه في مكان عميق، فيجوز أن يخاف أو يعلو صوته بالصراخ فأيضاً هذا مزاح منهيٌ عنه، الشيء الذي يخيف ويحدث صدمة منهيّ عنه، دققوا في هذا الحديث الشريف في يوم الخندق كان زيد بن ثابت ينقل التراب مع المسلمين فأصابته سنةٌ من النوم ـ أي نعس ـ فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه دون أن يشعر فنهاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فهذا ليس مزاحاً بأن يسحب له سلاحه.
رجلٌ أخذ نعل رجلٍ غيّبهـا وهو يمزح ـ أي أخفاها ـ فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تُروّعوا المسلم، فإنّ روعة المسلم ظلمٌ عظيم ))
[رواه البزّار والطبراني وابن حبّان عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه]
أحياناً اثنـان في السفر يخفي أحدهم للآخر جواز سفره، وأخطر شيء جواز السفر أو هويّته وبإخفائك له فقد أهلكته، وكذلك محفظته يكون بها كلّ وثائقه الرسميّة، فإخفاء الحاجات الخطرة ليس من المزاح، هذا من المزاح المنهي عنه.
أما الذي يستهزئ مازحاً، ويغتاب مازحاً، ويُحقِّر مازحاً، وينتهك حرمة الدين مازحاً فإنّه آثمٌ وواقع في الحرام من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم. 2ـ من آداب المزاح تجنّب الكذب وقول الزور:
الآن يوجد لدينـا أدب آخر من آداب المزاح وهو تجنّب الكذب وقول الزور فالنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يمزح ولا يمزح إلا حقاً.
(( ويلٌ ـ أي الهلاك ـ للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له ويلٌ له ))
[رواه أبو داود والترمذيّ والدارمي عن بُهزُر بن حكيم عن أبيه عن جدّه]
أي أنّ إضحاك الناس عن طريق الكذب لا يجوز، أحياناً يكون لدى بعض الناس خيال مبدع فيقوم بتركيب وتلفيق قصّة من عنده ويدخل فيها شخصاً من الحاضرين أو غائباً، ويقوم برواية هذه القصّة بحيث توحي إليك بأنّه صادق فيُضحك الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( ويلٌ للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له ويلٌ له.))
[الترمذي وأبو داود والدارمي عن بهزر بن حكيم عن أبيه عن جده]
يوجد شيء آخر في هذا الحديث وهو من أخطر الأحاديث، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كبُرت خيانةً أن تُحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق، وأنت له كاذب ))
[ رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه]
المستمع لك بريء ومصدّق لك، وأنت تقوم بالكذب عليه، أخواننا الكرام يقول صلّى الله عليه وسلّم:
((المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة.))
[البزار عن سعد بن أبى وقاص]
إذا كذبت فلست مؤمناً، وإذا خنت فلست مؤمناً، يمكن للمؤمن أن يقع في كثير من الأخطاء إلا الكذب والخيانة، كأن يكون مؤمناً عصبي المزاج، أو انطوائياً، أو اجتماعياً، أو مؤمناً أنيقاً، أو مؤمناً أقلّ أناقة، أو مؤمناً ينفق الأموال بغير حساب، أو مؤمناً أقلّ إنفاقاً، كلّ هذا على العين والرأس إلا أن تكذب أو أن تخون:
((المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة.))
[البزار عن سعد بن أبى وقاص]
(( كبُرت خيانةً أن تُحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق، وأنت له كاذب ))
[ رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه]
بالطبع من باب المزاح لاحظت أنّ بين طلاّب المدارس من يحدث الطفل بأشياء ليس لها أصل ولا وجود، أو أن تكون ذاهباً للنزهة فتقول له: لن نأخذك معنا، فيبكي الطفل ويُسَرّ أنّه أبكاه وقام بإزعاجه، هذا كلّه من المزاح المنهي عنه، أو يأتيه هاتف كاذب أو يسمع خبراً سيّئاً أو يكتبون نعوة ويطبعونها لأحد الأشخاص وهو ليس بميّت، أو أحد الجنود أراد أن يأخذ إجازة فيقوم بطبع نعوة كاملة بأن جدّه قد مات، فموضوع الوفاة المزاح فيه قبيح جداً.
الزواج والطلاق والعتق مزحُهنّ جد وجدّهُنّ جد:
بالمناسبة بالزواج والطلاق والعتق هذه الثلاثة مزحُهنّ جد وجدّهُنّ جد، كأن يقول: والله إني أفكر أن أتزوّج فلانة، مازحاً، أعوذ بالله من ذلك، فلانة عندما بلغها الخبر لم تنم ليلتها من فرحها، وهي تنتظر وتقول الآن سيأتي أو غداً، وأنت تمزح.
وإذا طلّق مازحاً فقد وقعت الطلقة وحسبت عليه وهو مازح، فإيّاك أن تقترب من هذه الموضوعات الثلاثة، أو أن تقـول إنّ فلاناً سيخطب فلانة، والقصّة لا أصل لها، يحدث للإنسان بذلك حالة تسمى الإحباط، فقد بلغ هذه المرأة أن فلاناً وهو شخص جيّد سيقوم بخطبتها، فهذه المسكينة تفرح من هذا الخبر ولا تنام من شدة الفرح وتنتظر يوماً ويومين وأسبوعاً وأسبوعين ولم يأت أحد لخطبتها، وبعد ذلك يقولون لها: هل صدّقتِ ما قلناه لقد كنا نمزح معك، هذا المزاح قبيحٌ بل من أقبح أنواع المزاح إذا تناول الخطبة أو الطلاق أو العتق.
قد يقول صاحب العمل لصانعه سوف أجعلك شريكاً لي في المستقبل، فيقول الصانع لأبيه فيمدحه الأب ويقول: جزاه الله كلّ الخير فهذا الإنسان صاحب أصل، وهم بذلك قد دخلوا بالأمل، وتكون هذه الكلمة كلّها مزاحاً فلا شريك ولا هم يحزنون.
لا تمزح مزاحاً كأن تقول: سأجعلك شريكاً لي أو سأقوم بتوظيفك في العمل، أو سأمنحك منحة، فهذا كلّه لا يجوز.
(( لا يؤمن العبدُ الإيمان كلّه حتى يترُكَ الكذب في المِزاحةِ والمراءِ وإن كان صادقاً ))
[رواه الإمام أحمد والطبرانيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
لا مزاح مع كذب، فهذا ليس في الدين، تمزح من دون كذب، كان يمزح ولا يمزح إلا حقاً، لذلك المؤمن كلمته مسجّلة، كلمته تصريح رسمي لأنّه لا يكذب أبداً، ووعده قطعي، وبشارته صحيحة، وتحذيره صحيح، وتصريحه صادق لأنّه مؤمن، فإذا مزح استُخِفَّ به، وهذه الكذبة التي يطلقون عليها كذبة نيسان ليس لها أصل عندنا فهي مستوردة من أوروبا.
مزاح النبي عليه الصلاة والسلام:
الآن كيف كان يمزح النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( رجل من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يُهدي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هديّةً من البادية، والنبيّ كما علّمنا كان يقبل الهديّة ويرُدُّ عليها، فيُجهّزه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج إلى البادية، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره. وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحبّه، وكان زاهرٌ رجلاً دميماً فأتاه النبيّ يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره. فقال زاهر: من هذا ؟ أرسلني ـ أي اتركني ـ فالتفت زاهر فعرف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره في صدر النبيّ. فقال: من يشتري هذا العبد ؟ فقال: يا رسول الله إذا تجدُني كاسداً. فقال عليه الصلاة والسلام: ولكنّك عند الله لست بكاسد..))
[رواه الترمـذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
أنت عند الله غالٍ، فإذا أحضر لك أحد من الريف هديّة فأنت مقابل ذلك قدم له علبة من الحلوى، فقد قدّم لك هديّة فأصبحت بينكما مودّة فبادر أنت بالردّ عليها، هو عنده الفاكهة بكثرة ومبتذلة ويهمّه علبة من الحلوى مثلاً، فهو قدّم لك فاكهة وأنت قدّم له من الحلوى الموجودة في المدينة، " إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره "، هذا من نوع المداعبة أي هو يجلب لنا من حاجات البادية ونحن نؤمّن له حاجات من المدينة.
(( إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره ))
[رواه الترمـذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
هذا من نوع المداعبة ونوع من المزاح اللطيف.
فقال: يا رسول الله إذا تجدُني كاسداً ـ أي لن يشتريني أحد ـ فقال عليـه الصلاة والسلام: ولكنّك عند الله لست بكاسد ـ أنت عند الله غالٍ ـ هذا هو مزاح النبي اللهمّ صلِّ عليه.
المزاح ينشّط المجلس بشرط أن يكون حقاً ولا يؤذي أحداً:

من المزاح ما يذوّب الإنسان وهو كثير اللطف فيقرّب القلوب، ويحبب الناس ببعضها، والآن يحضرني بعض هذه النماذج:
(( قال أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك وهو في قبّةٍ من أدم صغيرة - أي من جلد - فسلّمتُ فردَّ عليّ السلام وقال: ادخُل. فقلت: أَكُلّي. قال: نعم كُلُّك ادخل ))
[رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي]
الصحابي بدأ بالمزاح، فمزح معه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(( أتى رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلـّم يستحمله - أي يطلب منه دابّة - فقال عليه الصلاة والسلام: إنّي حاملك على ولد النّاقة. فظن الصحابي أنّه شيء صغير، قال: يا رسول الله ما أصنع بولد النّاقة ؟ قال: وهل يلد الإبل إلا النوق ؟ ))
[رواه الترمذيّ وأحمد عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه]
ولد الناقة: أي الجمل.
(( أنّ امرأةً يقال لها أمُّ أيمن الحبشيّة جاءت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ زوجي يدعوك. فقال: من هو، أهو الذي في عينه بياض ؟ فقالـت: ما بعينه بياض!!. فقـال: بلى بعينه بياض. فقـالت: لا والله. فقال عليه الصلاة والسلام: ما من أحدٍ إلا بعينه بياض ))
[رواه ابن بكّار عــن زيد بن أسلم]
هل يوجد أحد ليس في عينه بياض ؟!! (( أتت عجوزٌ إلى النبيّ صلّى الله عليـه وسلّم فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنـّة . فقال : يا أُمّ فلان إنّ الجنّة لا يدخلهـا عجوز . قـال : فولّت وحزنت . فقال عليه الصلاة والسلام : أخبروها لا تدخلها وهي عجوز إنّ الله تعالى يقول :إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً(35)فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً(36)عُرُباً أَتْرَاباً(37) ( سورة الواقعة ) ))
هذا نموذج من مزاح النبي اللهمّ صلِّ عليه، فقد كان يمزح مع أصحابه، ويلطّف الأجواء، والمزاح أحياناً ينشّط المجلس، ولكن أن يكون حقاً، وثانياً أن لا يؤذي إنساناً أو فئة أو طبقة أو أصحاب حرفة.
أتألم أحياناً إذا رأيت مزاحاً قاسياً، إذا ذهبوا مثلاً إلى نزهة فالمزاح القاسي، والكلمات النابية، وأحياناً تبادل الشتائم، أو تبادل الأوصاف غير اللائقة فهذا ليس من أخلاق المؤمن.
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[أحمد عن أنس بن مالك]
على كلٍ إذا كان الإنسان أحياناً في بيته وفي عمله ومع أصدقائه مرحاً ومازحاً كما مزح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهذا حسن، وكذلك يوجد نوع من المزاح بابتسامة وبطلاقة الوجه والتعليق اللطيف فهذا مما يجعل الجو مريحاً.
الإنسان الذكي الموفّق تأتي سعادته من سرعة تكيّفه مع الظروف:
تجد بعض أصحاب الأعمال دوام الموظفين عنده ثماني ساعات فإذا كان صاحب العمل مرحاً معه تجده يعمل بنشاط ولا يتعب، فما دام الجو مريحاً في العمل بمزاح بسيط، أو مداعبة أو تعليقات لطيفة بين ربِّ العمل والعامل أو الموظّف تجده سيعمل بنشاط ويؤدّي عمله أضعافاً مضاعفة، أما جو الكهنوت وجو العبوس والقسوة، وجو اللوم الدائم والنقد والتجريح كأن يقول للعامل: إنّك لا تفهم، فهذا ليس بالجو المريح للعمل، هذا الجو يبعد العامل عن تأدية واجبه، فإذا كان للإنسان عمل فيجب أن يكون لطيفاً، وإذا كان رباً للعمل فيجب أن يكون ألطف، لأن سعادة الإنسان تأتي من سرعة التكيُّف.
سمعت عن مدرّس كبير في العمر ووقور وأديب كبير وشاعر، ولسبب أو لآخر جعلوه مدرّساً في أحد المدارس الثانويّة، والمدير في عمر ابنه وذو عقل خفيف، أراد أن يزعجه فقرر له برنامجاً للدوام بحيث يكون بعد الظهيرة، وهذا الوقت للتعليم يكون متعباً ومرهقاً، فهذا الوقت وقت للنوم، يكون الطلاّب قد بدأت استراحتهم، فهذا المدرّس الذكي لم يتكلّم بكلمة واحدة، جاء بعد فترة وقال للمدير: والله إنّ هذا التعليم جيّد جداً، نذهب للسوق ونتسوّق ونأخذ أطيب الفاكهة والخضراوات من أعلى الصناديق ثمّ نعود إلى البيت مطمئنين ونأتي إلى المدرسة، لكن المدير لا يريد ذلك فانزعج كثيراً، وكان قصده أن يزعج الأستاذ بهذا الدوام الصعب فلم ينزعج، بعد حين افتعل مناسبة وقام بتغيير البرنامج وجعل دوام هذا الأستاذ في الصباح فلم ينطق بكلمة، وبعد أسبوع قال للمدير: والله التعليم جيّد جداً مثل الموظفين، نداوم ثم نأتي ظهراً نتناول طعام الغذاء ثم ننام، فلم يستفد المدير من إزعاجه بشيء، ولم يتبقّ من الحالات إلا حالة كثيرة الصعوبة وهي تدريس ساعة وراحة ساعة، أي فراغات بين الحصص، وهي أصعب شيء بالتعليم، فإذا انتهت الحصة الأولى الساعة التاسعة فالحصّة الثانية في الحادية عشرة، ماذا تفعل في الساعة العاشرة التي بينهما ؟ لا تستطيع الذهاب للبيت والعودة، فليس لك سوى الانتظار في غرفة المدرسين، فأعدّ له برنامجاً مليئاً بالنوافذ والفراغات، وبعد فترة قال له الأستاذ: والله التعليم جميل جداً، فلن تجد مهنةً كمهنة التعليم ساعة للعمل وساعة للراحة.
الإنسان الذكي يمتص الإجراءات الموجّهة ضدّه ويحولها إلى طرفة، أما من يظن أن كلّ شيء ضدّه ويخرج عن طوره فهو بذلك يعذّب نفسه ويشقيها ولا يستفيد شيئاً، وهذه يسميها العلماء التكيُّف، فالإنسان الذكي الموفّق المؤمن يتكيّف مع الظرف.
لا يرقى بالمجتمع إلا قيم أصيلة تستنبط من كتاب الله:
أكثر شيء أحبّ أن أُركّز عليه في هذا الدرس أن لا يؤذي المزاح الإنسان، فلا شكله أو طولـه أو أهله ولا صنعة والده ولا حرفة معيّنة ولا فئة ولا طبقة اجتماعيّة ولا إقليم مدني أو ريفي فهذا كلّه باطل في الدين، فإذا كانت هذه موجودة فيك فهي عنعناتٌ جاهليّة، هذه جاهليّةٌ جهلاء، وهذا يتناقض مع الدين، فأنت كمؤمن توقّر الناس جميعاً، فلا يوجد سوى مقياس واحد علمهم وعملهم فقط، وإذا لم نحكّم هذا المقياس كنا متخلّفين، وأساس العالم المتخلّف أن تحكمه مقاييس غير صحيحة، كمقاييس القرابة، والعشائريّة، والقبليّة، والإقليميّة، كل ذلك يفتت المجتمع، ولا يرقى بالمجتمع إلا قيم أصيلة تستنبط من كتاب الله:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
كذلك قوله تعالى:
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9) ﴾
(سورة الزمر: آية " 9 " )
إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى أدب مهم جداً هو أدب التهنئة، وأدب التهنئة أدبٌ يجب أن نحرص عليه في مناسبات الزواج، أو النجاح، أو في تأسيس عمل، أو نيل شهادة، فهذا أخوك له حق عليك، يحب أن تزوره، وأن تهنّئه، وأن تكرّمه، وأن تقدِّم له هديّة حتى يبقى المجتمع كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 13 ) ادب التهنئة





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس السادس والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الاجتماعيّة. الإنسان كائن اجتماعي:
لازلنا في موضوع الآداب العامّة التي حضّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تلقينها للصغار، وقد تحدّثنا في درسٍ سابق عن أدب المجالسة، وأدب المزاح، وها نحن ننتقل إلى موضوعٍ جديد وهو أدب التهنئة.
الحقيقة أنّ الإنسان كائن اجتماعي، وما دام كائناً اجتماعيّاً هكذا أراده الله، فكيف جعله اجتماعيّاً ؟ جعلك تتقن شيئاً، وجعلك بحاجة إلى مليون شيء، أن تتقن شيئاً واحداً، وجعلك بحاجة إلى عشرات بل ملايين الملايين من الأشياء.
هذا الزر المركّب على قميصك يحتاج إلى اختصاص، وإلى معامل، وباحثين، ومهندسين، وله تاريخ، وخبرات، وله أشكال عديدة، وكذلك هذا الطعام، وهذا الشراب، وهذا المسكن، فأنت بحاجة إلى ملايين وملايين الحاجات، وسمح الله لك أن تتقن حاجةً أو حاجتين، فأنت مضطّر لأن تعيش مع مجتمع، ولو أردت أن تعيش وحدك لكان لزاماً عليك أن تشتري أرضاً، وأن تحرثها، وأن تصنع محراثك، وأن تزرع قمحاً، وأن تحصده، وأن تخبزه، وأن تطحنه، ومن أجل أن تصل إلى رغيف الخبز تحتاج إلى عمل لا تستطيعه لذا أرادك الله أن تكون بين المجتمع.
ما دام الله سبحانه وتعالى أرادك كائناً اجتماعيّاً إذاً عليك أن تمتّن علاقتك بالمجتمع، لأن الإنسان من خلال المجتمع تظهر أخلاقه ومن خلال أخلاقه يرقى عند ربّه، فالفضائل لا تظهر وأنت وحدك في الجبل، فلو عاش أحد من الناس وحيداً في صومعة فلن تظهر فضائله ولا رذائله ولا يمتحن ولا يبتلى، فكيف يعبد الله عزَّ وجلَّ ؟ إنّك لن تستطيع أن تعبده إلا إذا قدّمت شيئاً للآخرين، هؤلاء خلقه فإذا نصحتهم، فإذا صدقتهم، فإذا خدمتهم ترقى عند ربّهم.
كأنّ الله سبحانه وتعالى جعل خدمة الخلق سبيلاً إلى الحق، فأنت كائن اجتماعي شئت أم لم تشأ، هكذا صممت، وصممت حاجاتك كي تكون كائناً اجتماعياً، وأرادك الله بهذا الابتلاء أن ترقى بعلاقاتك مع الناس إلى خالق الناس.
ما يرفع الإنسان عند الله هو مقدار ما ينفع به خلق الله:
إذاً الهروب من المجتمع والتقوقع والانزواء والسلبيّة والطعن ليست من صفات المؤمن، فصفات المؤمن الانفتاح، سيّدنا يوسف تعامل مع ملك وفي الأعم الأغلب كان الملك كافراً وقد قال تعالى عنه وهو يخاطب سيّدنا يوسف:
﴿ وَقَالَ اَلْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾
( سورة يوسف: آية " 54 " )
ماذا أجاب سيّدنا يوسف ؟ قال:
﴿ َقَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾
( سورة يوسف: آية " 55 " )
لم ينسحب لوثوقـه من خبراته، أراد أن يخدم المجتمع، طلب من الملك أن يكون على خزائن الأرض بقولـه إني حفيظ عليم، ومعنى ذلك أنّه إذا أوكل للإنسان موضوع أو عمل وبإمكانه أن ينفع الناس به فعليه أن يقبله، وعليه أن يتمنّاه وأن يبادر إليه، لأنّ خدمة الناس سبيلٌ إلى مرضاة ربّ الناس، فأنت ترقى عند الله بقدر نفعك للناس، وسوف ترى يوم القيامة كيف أنّ هناك مقياساً واحداً يرقى بك عند الله وهو مقدار ما حصّلته من معرفةٍ بالله ومقدار ما نفعت بهذه المعرفة خلق الله، مقياس المعرفة والنفع وما سوى هذين المقياسين لا قيمة لبقيّة الأعمال كلّها فقد قال تعالى:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً (23)﴾
( سورة الفرقان: آية " 23 " )
هذه الإنجازات الحضاريّة الضخمة، وهذه الأعمال العملاقة، والشركات ذات الجنسيّات المتعددة، هذا كلُّه لا يرفع أصحابها عند الله، فما يرفع الإنسان عند الله مقدار ما ينفع به خلق الله.
الله عز وجل خلق الإنسان كائناً اجتماعياً ليتواصل مع غيره وليمتحنه بهذه العلاقة:
نحن حينما بدأنا بأدب التهنئة، فأنت كائن اجتماعي وهكذا مصمم،خلقك الله لتكون كائناً اجتماعياً تتقن عملاً واحداً ولكنّك تحتاج إلى مدرّس يعلّم أولادك، وإلى طبيب، وإلى محامٍ، وإلى قاضٍ، وإلى مفتٍ، وإلى بائع خبز، وبائع لحم، وبائع للخضراوات، وإلى مزارع، وإلى تاجر، وإلى مستورد، فأنت تحتاج إلى ملايين الملايين.
أنت أحياناً من باب التأكُّد ادخل إلى بيتك، القفل له مصانع ومعامل، يقولون لك هذا المعمل له من الخبرة الكثير من السنوات، مئة عام للقفل فقط، والخشب كيف استورد ؟ وكيف عولج ؟ وكيف وضع في مستودعات خاصّة حتى لا يخرب ؟ والبلاط، والطلاء، والكهرباء، وجهاز التبريد والتكييف، والترطيب، والمكواة، فكل شيء في بيتك عبارة عن شركات عمرها مئة عام، وذات خبرات متراكمة، فأنت تأخذ خبرات البشر من مئة عام بدراهم قليلة، وأنت تقدم شيئاً للمجتمع، لو كنت تاجراً، أو معلّماً، أو مهندساً، أو طبيباً، أو صانعاً، فالله عزَّ وجلَّ أرادك أن تكون اجتماعياً، أراد ذلك من خلال ترابط المصالح، ثم أراد أن يمتحنك بهذه العلاقة، وجعل طريق الوصول إليه عن طريق هذه العلاقة، لذلك لا يتوافق الإيمان مع الانطواء، ولا مع الانعزاليّة، ولا مع التقوقع، ولا مع الهروب والانسحاب لا يتوافق، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.))
[الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن ابن عمر]
أولاً أحد أكبر أسباب تمكين علاقاتك مع الناس ومع المؤمنين التهنئة، فأيُّ خيرٍ أصاب أخاك المؤمن يجب أن تُهنّئه، والأكمل يجب أن تزوره مُهنّئاً، والأكمل من هذا وذاك يجب أن تذهب إليه ومعك هديّة، فإذا جاء من الحجّ، أو أنجب مولوداً، أو تزوّج، أحد الأخوة الأفارقة قال لي شيئاً لا أعرفه عن أفريقيا فقال: في التعزية ما من معزٍ يُعزّي هذه الأسرة إلا ويقدّم لها مبلغاً من المال بقدر إمكاناته، فهذه الأسرة فقدت الرجل فأصبح لديها عجز، فكل معزٍ يقدّم شيئاً من المال، وقد يتحصّل في أيّام التعزية مبلغاً ربما أعانهم على متابعة المسير.
إذاً أول شيء في التهنئة هو تمكين العلاقات الاجتماعية، والتعبير عن حبّك لأخيك المؤمن، وتعني نفي الحسد، لذلك التهنئة لأخيك المسلم إذا أصابه خير ولتدققوا فيما أقول فهذه التهنئة تُعدُّ من أعظم القربات إلى الله، فلا تستخِفّ بها.
إلى أين أنت ذاهب ؟ ذاهـب لزيارة صديقي لتهنئته بالنجاح، فهذا عمل عظيم، وسأزور صديقي الآخر لأهنّئه بمولوده الجديد، أو سأُلبّي دعوة صديق لي لعقد قران، فهذه كلّها أعمال صالحة، فأنت لا تعرف مقدار فرح الداعي لك إلى بيته بمناسبة ما كعقد قران أو احتفال أو تهنئة والجميع يلبّون دعوته لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( من دُعي فلم يُجب فقد عصى الله ورسوله ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ]
تلبيـة الدعوة فرض عين، دعاك، إلا إذا كان هناك عذر من قبلك أو من طبيعة الدعوة، إذا كانت الدعوة فيها معصية فلا تُلبّي ولا تعبأ بهذه الدعوة.
نصوص من السُّنة الشريفة عن أهمية التهنئة وإدخال السرور على المسلم:
الآن إلى النصوص قال عليه الصلاة والسلام:
(( من لقي أخاه بما يُحبُّ ليسُرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
إذا التقيت مع أخيك ودعَوته بأحبِّ الأسماء إليه، وبششت بوجهك، وبششت أمامه، وكان وجهك طليقاً، وصافحته بحرارة، وهنّأته على خيرٍ أصابه، والأكمل إذا كنت ميسوراً فمع هديّة، فما الذي يحدث بينكما ؟ يحدث ود وحب وهذا الذي يريده الله بين المؤمنين، المحبّة والمودّة والتعاون.
أحياناً تكرم ابن أخيك الصغير وهذا الإكرام إكرامٌ لأخيك، وهو إكرام مباشر لأخيك.
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
فالحديث الأول:
(( من لقي أخاه بما يُحبُّ ليسُرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
أما الحديث الثاني:
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
أيّها الأخوة الكرام من موجبات المغفرة أي إذا أردت أن يغفر الله لك فكر في الذي يدخل السرور على قلب أخيك ؟ أن تزوره، أن تُهنّئه، أن تواسيه، أن تُعزّيه، أن تُصبِّره، أن تخدمه، أن تُعينه، أن تكون عوناً له، لأن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم.
(( إنّ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم ))
[رواه الطبرانيُّ في الأوسط والكبير عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
بعد الفرائض: أي بعد الصلاة والصوم والحج والزكاة، معنى ذلك أنّ المؤمن الصادق يبحث عن طريقة يدخل بها السرور على أخيه المسلم، فهل نحن كذلك ؟ هل أصحاب النبي فعلوا مع بعضهم بعضاً كما نفعل اليوم، تجد الحسد، وتجده يقتنص الفرص ليحاسبك على الكلمة، ولا يقوم بزيارة أخيه حتى يبدأ الأول بزيارته، أي عمليّة تراشق زيارات، هذه المبالغة بالمحاسبة أو المعاتبة أو المبالغة بسوء الظن ليست من أخلاق المؤمنين.
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة ))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
أمثلة من الحياة العامة عن بعض الأعمل الصالحة:
أي إذا وجدت رجلاً فقيراً وأنت ميسور الحال وأمددته بمعونة على أيّام الشتاء، وأمَّنت له حاجاته الأساسيّة، أو كان مريضاً فأكرمك الله عزَّ وجلَّ بأن جعل شفاء هذا المرض على يديك، أو كان بحاجة إلى عمليّة جراحيّة فتكفّلت بنفقاتها، شيء سهل، فقد حدّثني أحد الأخوة ويبدو أنّه رقيق الحال وله مركبة يعيش منها، وضرب مركبته إنسان أرعن فاجر ومعتدٍ كذلك، وتحتاج مركبته إلى تصليحات تبلغ خمسين ألفاً من الليرات، وهو يقف بالطريق مرّ إنسانٌ محسنٌ كريمٌ نظر فرأى هذه السيّارة وما تحتاج إليه من تصليحات وصاحبها فقير يعيش منها، والضارب أرعن ظالم، فقال له: لا تحزن عليّ تصليحُها، فماذا فعل ؟ أدخل على قلبه السرور.
أيّها الأخوة الكرام كان السلف الصالح إذا مشوا في الطريق ووجدوا بائعاً للعنب ولم يبع شيئاً منها إلى ما بعد وقت العشاء والبضاعة من النوع السيّئ، فيقوم بشراء كل ما لدى البائع ويذهب إلى بيته فيتشاجر مع زوجته ويقول لها أحضرتهم لنصنع منهم الخل.
أوقف أحدهم وقفاً مفاده إذا رأى طفلاً معلّمه ظالم أو امرأة كسرت آنية من الأواني وزوجها ظالم فيأتوا بقطعة من هذا الإناء فيحصل على إناء جديد، وبهذا قد حلّ مشكلة، فقد كان السلف الصالح يتفننون بخدمة الناس، ويتفننون بإكرام الناس، وبحل مشاكل الناس، الآن يخلقون المشاكل لبعضهم البعض.
كلّما وجد في قلب الإنسان الرحمة وامتلأ بها تجده يعبّر عنها بالعمل الصالح ولذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
قد تكون أحد الأسر فيها شقاق، فالأولاد مشرّدون بين أمّهم وبين أبيهم، وكبر على الزوج أن يذهب إلى بيت أهل زوجته، وكبر على الزوجة أن زوجها لم يأت لأخذها إلى بيته، وهي تتلقى من أهلها تغذية شيطانيّة وهو كذلك يتلقّى من أهله، وهناك تباعد بينهما، فيأتي إنسانٌ ويتدخّل ويقرّب وجهات النظر ويقوم بزيارة أهل الزوجة ويقنعهم بالزوج، ويزور أهل الزوج ويقنعهم بالزوجة، ويتوسط بإحضار الزوجة إلى بيت زوجها وبنفسه، فتلتئم الأسرة بذلك ويدخل على قلب الأولاد السرور فقد أصبحوا بين أمّهم وأبيهم، فماذا فعل هذا الإنسان ؟ فعل كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل شفاعةٍ أن تشفع في نكاح.))
[ورد في الأثر]
أسرة تصدّعت تعيد التئامها، أو أخوان هجر بعضهما بعضاً تعيد المحبّة بينهما.
إرضاء الناس غاية لا تُدرك فعليك بإرضاء الله تعالى وحسب:
أيُّها الأخوة الكرام:
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
عاينت هذا الشيء بنفسي، ففي إحدى المرّات وجدت أخاً رقيق الحال ويحتاج إلى عمليّة جراحيّة، فتبرع أحد الأشخاص بأجر هذه العمليّة وكان المبلغ كبيراً، وزرت هذا الأخ بعد نجاح العمليّة فوجدْت أولاده فرحين، فقد نجحت العمليّة وكان أبوهم مريضاً فشفاه الله، كان دائماً يخيّم عليهم الهم والحزن، الزوجة كئيبة، والأولاد يرون أباهم وأمّهم في هذه الكآبة فيكتئبون، وهذا الإنسان الذي قدّم أجر هذه العمليّة الكبيرة وقد نجحت العمليّة وأدخل على قلب الأهل السرور لشفاء أبيهم فهذا ماذا فعل ؟ أليس هذا أفضل من أن يقيم ليلة عرس في فندق كبير، ويدفع في هذه الليلة مليون ليرة، وبعد ذلك يتكلّمون عليه، أحد الأشخاص وضع في كل علبّة من علب الملبس ليرة من الذهب، وبدل أن يُثنوا عليه، قالوا: لو وضع ليرتين بدلاً من هذه الليرة، فإرضاء الناس غايةً لا تدرك، فأنت أرضِ الله عزَّ وجلَّ.
كان الشيخ عطا الكسم مفتياً، وكان رجلاً عالماً كبيراً فإذا دعا كبراء القوم ـ الوالي مثلاً ـ إلى طعام وضع طعاماً خشناً نحو الكشكة أو المجدرة، وكان أولاده ينزعجون ويقولون له: ما هذا يا أبي فلقد أنزلت من قدرنا وشأننا. فيقول: هذا الأكل لا يأكلونه يا أبنائي لذلك يحبّونه، وكان إذا دعا الفقراء يصنع لهم لحماً، فالأصل أن ترضي الله عزَّ وجلَّ بأن تعلّم هؤلاء المترفين ماذا يأكل الفقراء، وتطعم الفقراء الطعام الطيّب، فدائماً ضع المظاهر تحت قدمك ولا تبالِ وأرضِ الله عزَّ وجلَّ.
من موجبات المغفرة إدخال السرور على قلب المسلم:
إذا تمكّن الإنسان أن يؤلّف بين زوجين ويفرّح الأطفال، كأن يكسو طفلاً على العيد بملابس جديدة يزهو بها، أو يؤمّن مساعدة لأسرة فقيرة، فعندما ينفق الأب على أهله وأولاده ويجدهم مسرورين سيفرح كثيراً، فإذا قدّمت المساعدة لأسرة فقيرة فهذا شيء جيّد.
أعرف رجلاً صالحاً يعمل في مهنة التعليم إذا رأى طفلاً فقيراً فلا يعطيه ولكن يطلب والده فيقدم له المساعدة ويقول له: اشترِ لابنك سترة، فيأتي الابن في اليوم التالي إلى المدرسة وهو يلبسها وهي ليست مساعدة من المدرسة ولكن من والده، فبعض الناس عندهم حكمة، فقد أراد أن يجمع بين كسوة الطفل وبين كرامته، فيدفع المبلغ لوالده ليشتري لابنه السترة، فهذا الطفل لا يرى أنّه فقير.
بعض المعلمين تجدهم يدخلون إلى الصفوف ويقولون: من منكم الفقراء، الفقير يرفع إصبعه لنكتب اسمه ؟ ما هذا الكلام، فقد جعلت طبقيّة بين الطلاّب، وقد أذللت الفقراء بهذا الكلام.
لذلك إدخال السرور على قلب المؤمن، وعلى قلب الأسرة المسلمة، وحل مشكلات الناس، هؤلاء الذين في قلوبهم رحمة لا يسعدون إلا إذا مسحوا دموع الأسى عن وجوه الصغار، وأكثر عنصر في المجتمع يؤلم النفس هو الطفل الصغير إذا كان جائعاً أو عارياً ليس عليه ثوب يقيه من البرد.
البعض يكون له أخت متزوّجة فيقول لك: والله لم أزرها من ستّة أشهر، أتعرف أيها الأخ الكريم إنّك لو قمت بزيارة أختك ستنتعش نفسها انتعاشاً ليس له حدود، فزوجها سيجدها مقطوعة من الأهل وليس لهـا أحد يسأل عنها، وقد روى لي أحدهم فقال: شكوت زوجتي لأخيها عن مشكلتي معها فقال لي: طلقها، ماذا تريد منها ؟ هذه نصيحة أخ الزوجة لزوجها أن يطلقها لأنّها غير حسنة وغير جيّدة.
يوجد لدينا أخ يحضر في هذا الجامع معنا وقد أكبرته كثيراً عندما قال لي: لي أخت معذّبة مع زوجها، أذهب لزيارتها مرتين في الأسبوع، فيخفف عنها، ويصبّرها، ويواسيها، ويقنعها بزوجها ويقول لها: كلّ الأزواج بهذا الشكل ويجب أن تتحمليه، ولك الجنّة، فزيارته لها تعينها على الصبر.
فمن له أخت أو قريبة من محارمه يجب عليه أن يزورها ويخفف عنها، يجب أن يكون لك سهم بإدخال السرور على قلب المسلم، هذا من موجبات المغفرة.
استطاعة الإنسان الرقي بماله عند الله إلى أعلى الدرجات:
سأذكر لكم الأحاديث مرة أخرى، قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( أحبّ الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم ))
[رواه الطبرانيّ عن ابن عباس رضي الله عنه]
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
(( من لقي أخاه بما يُحبّ ليسرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
قال لي أحدهم وحالته الماديّة جيّدة: يوجد شخص يقوم بالتنظيف في البناء ويبلغ من العمر السبعين عاماً، ولديه أولاد وله دخل قليل، فقال له: كم تأخذ من المال شهرياً ؟ فقال له: ثلاثة آلاف، فقال له: تعال وخذهم منّي واذهب لترتاح كفاك ذلك، فهو في السبعين من عمره ولا يتحمل مسح الأدراج.
هؤلاء الأغنياء لو عرفوا كم من أبواب الرحمة مفتّحة لهم لو أعانوا الناس، فالمال شقيق الروح، ويمكنك أن ترقى بمالك عند الله إلى أعلى الدرجات، فسبحان الله الغني ينفق الجاهل المال تبذيراً وإسرافاً للمباهاة، فإذا أنفقوه أَنفقوه إسرافاً وتبذيراً، وإن منعوه مَنعوه بخلاً وتقتيراً.
آداب التهنئة:
1ـ إظهار الفرح والاهتمام في مناسبة التهنئة:
الأدب الأول من آداب التهنئة إظهار الفرح والاهتمام في مناسبة التهنئة، فبعض الناس حتى لا يتكلّم عليه أحد يأتي للتهنئة وهو عابس كأنّه حاقد أو حاسد، فمن آداب التهنئة أن يبدو الفرح على وجهك.
أيها الأخوة الكرام يوجد مقياس للإيمان لا يخيب أبداً، فراقب نفسك هل تفرح إذا أصاب أخاك خير، فإذا اشترى أخٌ لك بيتاً جيّداً، أو تزوّج، أو استلم عملاً جيّداً، أو له أولاد نجباء كلّهم مثقفون ثقافة عالية فإذا حسدته فأنت لست مؤمناً، وإذا فرحت فرحاً حقيقياً لأنه اشترى البيت الجيد، أو تزوّج، أو وفقه الله في الدعوة وأطلق له لسانه وعزّه الله، فإذا أفرحك ذلك فأنت مؤمن، وإذا انزعجت من ذلك واصفر لونك فتساءلت متى كان ذلك !! وطعنت بعلمه وبأخلاقه فمعنى ذلك أنّك حسود والحسود لا يسود.
لذلك أيّها الأخوة علامة الإيمان أن تفرح بخيرٍ أصاب أخاك، أن تهنّئه، الإسلام ليس فيه بروتوكولات، قالوا عن الدبلوماسيّة: هي التعبير عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ، الإسلام ليس فيه ديبلوماسيّة، الإسلام فيه حب حقيقي، فعندما تزور أخاك مهنّئاً له بزواج ابنه أو ابنتـه، أو لنجاحـه بشهادة عُليا، أو بتأسيس عمل، أو بشراء بيت، أو بنجاحه في الدعوة، وقد زرته وأنت فرح حقيقةً، فرحاً من أعماق قلبك، وعلامة فرحك أن يبدو على وجهك، والحياة بين المحبّين جميلة جداً ولو كان الفقر موجوداً.
أحياناً تجد أسرةً تأكل أخشن الطعام ولكن يوجد بينهم محبّة، وأسرة أخرى تأكل من أفخر الطعام ولكن لا يوجد بينهم محبّة، فالسعادة لا تنبع ولا تأتي من الخارج، ولكنّها تنبع من الداخل، يكفيك أن تحبّ الذين من حولك فأنت أسعد الناس، فقد يكون الدخل قليلاً أو كبيراً، ويكون البيت كبيراً أو صغيراً، ويكون مرتفعاً أو قليل الارتفاع، أجرة أو ملكاً، ليس هذا شرطاً ولكن الشرط أنّك مع من حولك تحبّهم ويحبّونك، والحب أساسه الإيمان.
المؤمن متسامح ولا ينتقم ممن أساء إليه:
من هو العاجز ؟ العاجز هو من يعجز أن يتخذ صديقاً مؤمناً، فبعض الأشخاص يتجنبه الآخرون لأنه ذو أخلاق فظّة، حساس وسريع الغضب يحاسب على الكلمة، بينما المؤمن متسامح.
قيل عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه كان يمشي ليلاً في المسجد فداس على رِجل أحدهم وكان مستلقياً في المسجد فقال لأمير المؤمنين دون أن يعرفه: أأعمى أنت ؟ فقال له: لا. فقيل له: أنت أمير المؤمنين ؟! فقال: سألني فأجبته بأنني لست أعمى، فالمؤمن بسيط وليس معقّداً، ولا ينتقد، فالذي جرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من ثوبه وكان يلبس برداً يمنياً فأثّر على عنقه الشريف وقال له: أعطني من مال الله، فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك، فتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: صدق إنّه مال الله، وأعطاه دون أن يفعل له شيئاً.
العظماء لا ينتقمون من أحد بل يرحمون، العظماء سرورهم في إدخال الفرح على الناس، إذاً الشيء الأول إذا أردت أن تهنئ شخصاً فلا يكن وجهك مصفراً بل متورّداً بشوشاً فرحاً بنجاحه بالفعل.
لاحظت ذات مرّة شخصاً حضر ليهنّئ شخصاً بمجيئه من الحج فكأنّ له ثأراً معه جلس دقيقتين ووجه مصفر وعابس ثم انصرف، فهل هذه تهنئة ؟!!
جاء في الصحيحين في قصّة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه قال كعبٌ:
(( سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ...فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا... فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجًا فوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ فَكَانَ كَعْبٌ لاَ يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ: " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ".))
[متفق عليه عن كعب رضي الله عنه]
هكذا علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قاطعه النبي مع أربعة غيره، وعندما تاب الله عليه فرح له الصحابة جميعاً بهذه التوبة وتألّقت وجوههم وقام الصحابي الجليل سيّدنا طلحة مهرولاً وصافحه وهنّأه وبرق وجه النبي عندما هنّأه، إذا فالتهنئة من آداب الإسلام.
الهديّة تمتّن العلاقات وتوثّقها:
دائماً تفقّد أخاك واسأله عن أحواله وأخباره، إذا قال لك: والله نجحت، فقل له: بارك الله بك، هنيئاً لك النجاح، وإذا أنجب مولوداً فقم بزيارته وقدّم له هديّة، والهديّة دين أيها الأخوة ليس فيها خسارة تؤخذ وتُعطى، فالنبيّ كان يتلقى الهديّة ويرد عليها، فيكافئ على الهديّة بأخرى مثلها، فالهديّة تمتّن العلاقات وتوثّقها.
إذا جاء لأخيك مولود والولادة صعبة تتطلّب الكثير من النفقات، فإذا برفاقه ومن حوله يقدّم كل منهم شيئاً له، أتمنى الآن تغيير هذا الترتيب بترتيب آخر، فبدل أن يحضر كل واحد من المهنئين طقم من الملابس الخاصة بالمولود، ماذا يفعل بكل هذه الهدايا التي جاءت للمولود ؟ اسأله وقل له: أنا أريد أن أقدّم لك هديّة بهذا المبلغ فقل لي ما يلزمك ؟ ارفع الكلفة واسأله، فإذا جاء للإنسان هديّة وهو بحاجة لها فهذا شيء رائع، فقل له: أنت أخونا وحبيبنا وقد أردت أن أهديك هدية بهذا المبلغ، وتوجد طريقة أخرى هي أن يتعاون أربعة أو خمسة من الأخوة ويجمعوا مبلغاً قيّماً ويشتروا له ما يلزمه، فربما كان يلزمه سجادة في الشتاء ولا يملك سجادة، أو يكون طالباً للعلم وافداً إلينا من بلد آخر وفي هذا الشتاء لا يوجد في بيته سجادة، وأنت لديك سجادة فلم تشعر به.
إذا تعاون الأخوة على شراء سجادة، أو مدفأة، أو مواد تموينيّة، إذا كان الأخ فقيراً مواد تموينيّة جيدة جداً، فلا تقدّم هديّة للاحتفاظ بها في خزانته، أو تكون متكررة، بل قدم هديّة حقيقيّة مناسبة، فهذا عمل صالح، جزء من عملك الصالح هو أن تعاون أخاك، وأكبر هديّة ثمينة تقدّم أثناء الزواج، فو الله عندما أسمع عن تعاون أخواننا بأن قدّموا لأخيهم براداً مثلاً أو غسّالة أو سجادة أو غرفة نوم أحياناً، وقد يتعاون عشرة أشخاص مثلاً على ذلك فأشعر بفرح ليس له حدود، هكذا يريد الله من المسلمين أن يتعاون بعضهم مع بعض.
فلا تكن هديّتك هديّة بروتوكوليّة ودبلوماسيّة، أو هديّة متكررة، فأحياناً تكون الهدايا عينيّة وهي مفيدة جداً.
2ـ التلفُّظ في المناسبة بعباراتٍ لطيفةٍ وأدعيةٍ مأثورة:
النقطة الثانية التلفُّظ في المناسبة بعباراتٍ لطيفةٍ وأدعيةٍ مأثورة، مثلاً جاءه مولود فينبغي أن تقول له: بورك لك بالموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت برّه، وبلغ أشدّه.
بورك لك بالموهوب، أحياناً يكون الابن نقمة على أبيه، ففي آخر الزمان:
(( يوم يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ))
[ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ]
عبارات تستعمل للتهنئة بالمولود:
أحياناً أخرى يكون الابن بركةً على أهله، أثمن شيء في هذه الحياة ابن بار، وقد أقسم بالله واحد من الناس قائلاً: والله لو مات ابني دهساً أو قتلاً فسأحيي مولداً فرحاً بذلك، لشدة مضايقته لأبيه، كأنه وحش من الوحوش الكاسرة، قتل لأبيه وضرب وابتزاز أموال وصخب وانحراف، وهذه القصّة منذ اثنتي عشرة سنة، فهل هذا ابن ؟!!
تجد أباً آخر متعلقاً بابن له، كلّه خير لأبيه، فإذا رزق أحدهم مولوداً فالتهنئة أن تقول له: بورك لك بالموهوب، وشكرت الواهب ـ على ما وهب ـ ورزقت برّه، وبلغ أشدّه.
أحياناً تجد من يعتني كثيراً بابنه ولكن وهو في سن الخامسة عشرة توفاه الله، فلم يقطف ثمار هذا الاعتناء قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا ﴾
( سورة الصافات: آية " 102 " )
بلغ أشدّه أي أصبح في طول أبيه ويعتمد عليه، وسلّم له المحل، وابنه أصبح في المحل وهو أمين وكفء وموثوق به يحل محلّه، فيستطيع الأب أن لا يذهب بعد الظهيرة إلى العمل بالمحل، وهذا الابن الذي أعان أباه في عمله هو من إكرام الله له ومن نعمه الكبرى.
يوجد دعاء آخر يردّ به على من جاءه المولود على الداعي له بقوله: بارك الله لك وبارك عليك ورزقك الله مثله.
إذا لم تحفظ هذه العبارات يمكن أن تقول أيّة عبارة أخرى، كأن تقول: جعله الله من الأولاد الصالحين، أو جعله الله قرّة عين، وهذا الكلام طيّب ومأخوذ من القرآن قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً(74) ﴾
( سورة الفرقان )
أو أن تقول له: الله يقر عينك به، أو الله يجعله من الصالحين، أو أي عبارة فإذا نسيت الدعاء فهل تظل صامتاً، يوجد بدلاً منها ألف عبارة.
أدعية مختارة للتهنئة بمناسبات أخرى:
إذا جاء إنسان من سفر فتدعو له وتقول: الحمد لله الذي سلّمك، وجمع الشمل بك، وأكرمك، وهذا الدعاء مروي عن السلف.
يمكنك أن تقول: حمداً لله على السلامة، إن شاء الله سفراً مباركاً، إن شاء الله سالم غانم، فأعطيك مرونة ولكن يجب أن تختار عبارة أصلها من الكتاب والسنّة، فإذا جاء أخ من سفر أزوره وأهنّئه على عودته، أو قدم أحد من الجهاد فقل له: الحمد لله الذي نصرك وأعزَّك وأكرمك، أو جاء إنسان من الحج فقل له: قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك، الآن نقول: حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً:
(( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة.))
[رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى ]
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال:
(( جاء غلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني أُريد الحج، فمشى معه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: يا غلام زوّدك الله التقوى، ووجهك في الخير، وكفاك الهم، فلمّا رجع الغلام إلى النبيّ قال: يا غلام قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك.))
[ابن السني عن ابن عمر]
يقول الحاج لك: هذه الحجّة قد كلفتنا ثمانية وستين ألفاً، الله يعوض عليك ما أنفقته، فإذا استقبلت حاجاً فقل له:
(( قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك.))
[ابن السني عن ابن عمر]
عوّد نفسك إذا كان لك إخوة قد حجّوا زرهم واحداً وَاحداً، أو إذا جاؤوا من السفر ـ ليس سفراً قصيراً وقريباً ولكن سفراً طويلاً ـ أو إذا رزقوا مولوداً، أو تزوّج أحدهم.
في عقد النكاح يستحبُّ أن يقال لكلا الزوجين: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خير، كذلك من الكلام اللطيف: بالرفاء والبنين، فالرفاء: الاجتماع والوئام، والبنين: الإنجاب، لكن هذه التهنئة تهنئة جاهليّة، فالأولى أن نهنّئ تهنئة إسلامية بأن نقول:
(( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خير.))
[رواه أبو داود عن أبي هريرة]
التهنئة بالعيد: تقبّل الله منا ومنك، متى يأتي العيد ؟ يأتي عقب عبادة كبيرة، عقب الصيام، فقد صام وقام ثلاثين يوماً وقرأ القرآن فيهم وصلّى التراويح، فقد قام بتلك العبادات ثلاثين يوماً، وجاء العيد وأهم دعاء يقال له: تقبّل الله منك هذه الطاعة.. وهذه العبارة:
((تقبّل الله منا ومنك.))
[رواه البيهقي عن واثلة]
هذه مسندة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في يوم العيد.
تهنئة من صنع إليك معروفاً:
الآن تهنئة من صنع إليك معروفاً، صنع شخص إليك معروفاً، خدمك خدمة فماذا تفعل تجاهه ؟ تقول له: بارك الله لك في أهلك ومالك وجزاك الله خيراً.
أحياناً وبشكل لا شعوري كلّما دعوا الأخوان للتبرُّع لأحد المساجد في يوم الخطبة وأعرف أنّهم قد دفعوا مبلغاً كبيراً وضعف ما أتوقّع، ففي الخطبة التالية أقول لهم: بارك الله لكم في أهلكم وفي مالكم وحفظ الله مالكم ونمّى الخير في بيوتكم.
قد تأتي لجنة جمع التبرعات من أطراف حلب فيذهبون لجامع آخر فيجمعون ألفاً أو ألفين من الليرات، ولكن هنا يدفع لهم مبلغاً من المال كبيراً جداً فأصبح الجامع مقصوداً، وأصبح أخواننا مظنّة صلاح وسخاء ولهم سمعة طيّبة، فمن جعل الوجوه بيضاء سوى أخواننا المصلين، فبشكل لا شعوري أدعو لهم بالدعاء السابق.
قال سيّدنا عبد الله بن أبي ربيعة: استقرض النبيّ صلى الله عليه وسلم مني مالاً فلما ردّه قال:
((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ.))
[أحمد وابن ماجة والنسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه عن جده]
فإذا أقرضك أحدهم ديناً ورددته له فيجب أن يسمع منك ألطف العبارات كأن تقول له: جزاك الله الخير، تفضّلت علي، الله يبارك لك في أهلك وأموالك، فلقد خدمتني خدمةً لا تنسى. هكذا المؤمن، أما أن تقول له: تعالَ وخذ نقودك ما هذا ؟ فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) ﴾
( سورة البقرة: آية " 178 " )
أداء إليـه بإحسان أي اذهب إلى بيته، كما أخذت المبلغ من بيته يجب أن تؤديه إليه في بيته. الكلمة الطيبة صدقة:
أحياناً يستعير منك كتاباً كالقاموس، ويلقاك في الطريق فيعطيه لك، فأين تعطيه لي الآن فكما أخذته من البيت فرده لي في البيت ولا تجعلني أحمله في ذهابي.
بعض الناس ليس لديهم أيّة ملاحظة، فقد يحملك شيئاً أنت الآن في غنى عن حمله، فكما أخذته من البيت فأعده إلى البيت وهذا ما جاء في الآية الكريمة:
﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (178) ﴾
( سورة البقرة: آية " 178 " )
أي أوصله، فكلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية، و كلمة (بإحسان) أي بكلمة طيّبة كأن تقول له: جزاك الله الخير. فالكلمة الطيّبة صدقة، وبعض الناس كلامهم قاسٍ كثيراً أو قد يسكت، وقد ترى شخصاً ذا كلام لطيف ويأسِر، وقد قيل: إما اللسان وإما الإحسان والاثنان معاً أفضل.
(( من صنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد بلغ في الثناء ))
[ رواه الترمذي عن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما]
كلمة: جزاك الله خيراً، أي أنا أضعف من أن أجزيك فالله هو الذي يجزيك عني كلّ الخير. كلمة صادقة تقال من القلب تنسيك تعبك، فعوّد لسانك على الكلام الطيّب كأن تقول: جزاك الله خيراً.
إذاً توجد لدينــا التهنئة لمن قدّم لك خدمة، والتهنئة بالعيد، وبالنكاح، وبالقدوم من الحج، وللقادم من الجهاد أو السفر، وبالمولود، هذه هي أنواع التهنئة التي وردت عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم.
3ـ يستحبُّ المهاداة مع التهنئة:
قال يستحبُّ المهاداة مع التهنئة، أحياناً قد تقدم هديّة لا تكلف خمسين ليرة وتترك في النفس أثراً كبيراً، ليس شرطاً أن تكون الهديّة غالية الثمن فكلٍ على قدره، قد يزور أحدكم أخته في يوم الجمعة فيأخذ معه كيلو من الفول ثمنه خمس وعشرون ليرة، فأنا لا أدعو لهدايا فوق طاقة الإنسان، مثلاً كيلو من التفاح أو الفواكه يكفي، أو يكون مسافراً فيأتي ومعه شيء عادي جداً ولكن حاملاً بيده شيء فهذه تنشئ المودّة.
نهنئه بالقدوم من الحج ومع هديّة، بالمولود مع هديّة، وكذلك الزواج مع هديّة:
(( تهادوا وهاجروا، تورثوا أبناءكم مجداً وأقيلوا الكرام عثراتهم ))
[ رواه الطبراني والعسكري عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً ]
لم يقل: أهدوا، بل تهادوا ففيها مشاركة، أي أنّك تلقيت فكافئ، قدّمت فتلقَّ.
(( يا نساء المؤمنين تهادينَ ولو فِرسَنَ شاةٍ، فإنّه ينبت المودّة ويذهب بالضغائن ))
[الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها]
فِرسَنَ شاةٍ: أي يد شاة ـ مقدُم واحد ـ وليس زوجاً منه.
(( تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْر ِ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
وحر الصدر: أي غِشّه وحقده.
والد أحد أخواننا يحمل في جيبه قطعاً من الحلوى ـ سكاكر ـ وبكميّة كبيرة، فكلّما رأى طفلاً مع والده أعطاه منها، والطفل يجد هذه القطعة جيّدة جداً، وقد ذكرت لكم ذات مرّة بعد درس ممتع جاء ليسلّم عليّ أحد الأخوة ومعه ابنه فأعطيته قطعة من الحلوى كنت أحملها، وقلت لأبيه هذا الدرس له طعم عندك ولكن عند ابنك ليس له طعم ولكن بهذه الحلوى أصبح له طعم.
إذا كنت تريد أن تكرم ابنك فكلّما حضر معك إلى الجامع اشترِ له أكلاً طيّب المذاق فيقترن ذلك مع مجيئه للجامع، فهكذا يفهم الطفل، وفي العيد الماضي أحضرت قطعاً من الحلوى للصغار وكلما حضر طفل مع أبيه أعطيته قطعة منها، فحدثني أحد الآباء عن ابنه وهو يقول لأمّه في البيت: إنني قد أحببت هذا الشيخ كثيراً ودوماً سأذهب مع أبي إلى الجامع، فالطفل عبد الإحسان، فإذا أردت أن تجلب قلبه نحوك فاجلبه بشيء يسرّه فإذا ربطت بين مجيئه معك إلى المسجد وبين شيء يأكله كهديّة أو قطعة من الحلوى فسيحب المجيء دوماً.
بأحد احتفالات القرآن الكريم كان هناك طفل يبلغ من العمر الخمس سنوات ويحفظ جزأين أو ثلاثة، ولكل الحفّاظ قدموا كتاباً ثميناً ولهذا الطفل قدّموا علبة من الحلوى تناسب سنّه.
(( عليكم بالهدايا فإنّها تورث المودّة ))
[ الديلمي عن أنسٍ مرفوعاً ]
بعض الناس يخزنون الهدايا، فمن يريد تمتين علاقاته بالآخرين دائماً تجد عنده هدايا جاهزة ولو هديتين أو ثلاث، ولو كانت هدايا رمزيّة، كأن يحتفظ بعدد من الأقلام أو بدفتر هاتف أو بدفتر لحفظ الصور أو الأشياء اللطيفة والمهيَّأة مسبقاً، فإذا رأى شيئاً يستدعي ذلك أو مناسبة أو زاره شخص مع ابنه وأراد أن ينشئ أو يقيم مودة بينه وبين الزائر وابنه لا يحتاج إلى أن يفكر فيما يعطيه.
أساس التهنئة تمتين العلاقات الاجتماعيّة:
القسم الأول من آداب التهنئة، يجب أن تظهر الفرح في التهنئة، والقسم الثاني ماذا تقول في التهنئة، والقسم الثالث يستحبُّ المهاداة مع التهنئة.
أما أساس التهنئة هو تمتين العلاقات الاجتماعيّة، أن يكون المؤمنون كالبنيان المرصوص، وأساسها إرادة الله أن يكون الإنسان كائناً اجتماعياً، فقد قهره بذلك، فقد جعله مضطراً لأن يعيش مع مجتمع، وما دمت أنت مقهوراً أن تكون اجتماعياً فبقي عليك أن تعبّر عن كمالك الأخلاقي بهذه العلاقات النامية، فالتهنئة جزء من الدين.
إذا دعاك أحد إلى عقد قران، أو إلى مولد، أو إلى تهنئة بإنجاب مولود، أحد الأخوة أقام مولداً في بيته لأن سيارته سرقت ووجدها بعد شهر، فدعا بعض العلماء وقام بتوزيع الحلوى وألقوا الكلمات، فكلّما انحلّت مشكلة أقمنا احتفالاً فبذلك نعلّم الناس الدين بهذه الكلمات وكذلك نضيّفهم.
إذا نجح أحدهم في عمله أو تخلّص من مشكلة فأقام حفلة، فماذا يمنعك أن تدعو أحبائك وتطعمهم من الحلوى، وادعُ عالماً أو عالمين وقدمهم لإلقاء كلمات فيها من التوجيه المفيد، فهذا شيء جميل.
سمعت عن أحدهم كان شيوعياً أي ملحداً، ظلّ ابنه يدعو أباه أكثر من سنتين أو ثلاث حتى أقنعه بأن يصلي، وأول صلاة صلاّها أبوه عمل له مولداً وجمع أصدقاء والده الذين هم على شاكلته ودعا عدد من العلماء الكبار وألقوا الكلمات وأقنعوا الحضور، فإذا حفظ ابنك مثلاً القرآن أو حصل على الشهادة بتفوّق فقم بعمل مولد، واستغل المناسبات واجمع الناس وعرّفهم بالله عزَّ وجلَّ، فهذا عمل عظيم.
المناسبات وسيلة لدعوة الناس إلى الله عزَّ وجلَّ ونشر الحق:
كلّما كثرت المناسبات كمن سرقت سيارته، أو كشفاء مريض من مرضه العضال، أو عقد زواج، أو إنجاب مولود، أو نجاح في شهادة، أو تأسيس عمل، أو نجاح في العمل، أو مشكلة صرفت عنه، فالقصد هو جمعك للناس وأن تدُلّهم على الله إن كنت تقدر على ذلك أو يدلّهم غيرك على الله، فالقصد أن يكون لك عمل صالح لتساهم في نشر الحق.
المناسبة وسيلة والأصل هو الدعوة إلى الله، فأحياناً في عقود القران ألقي كلمات فأقول: هذه الكلمات في هذه المناسبات ليست جزءاً من الاحتفال، إنها جزءٌ من الدعوة إلى الله، لذلك إذا دعي الإنسان فعليه أن يُلبّي، وإذا طلب إليه كلمة فلا يتدلل بل يقوم ويبلغ الحق للناس ويلقي الكلمة.
توجد نقطة على كثير من الأهميّة يطبقها بعض أخواننا الكرام يكون لهم أقرباء كثر لا يصلّون ولا يتوجّهون إلى بيوت الله إطلاقاً، فيقوم بعمل مولد في بيته ويدعو من يثق بعلمه وإخلاصه ومنطقه السديد، ويلقي هذا الإنسان كلمة، ويقدم لهم الضيافة، وبذلك كأنّه دعاهم إلى أن يستمعوا إلى هذه الموعظة، فيجوز من المئة الحضور يهتدي إلى الله منهم أربعة أو خمسة، فليكن همّك نشر الحق، واجعل المناسبات وسيلة لدعوة الناس إلى الله عزَّ وجلَّ.
انتهينا من درس أدب التهنئة وننتقل في درسٍ آخر إن شاء الله إلى أدب عيادة المريض.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 14 ) ادب عيادة المريض





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون لازلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام ومع الدرس السابع والعشرين من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا مع مسؤولية الآباء في تربية أبنائهم التربية الاجتماعية، ولازلنا في موضوع الآداب الاجتماعية، وها نحن اليوم ننتقل إلى أدب عيادة المريض. حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض:
أيها الأخوة الكرام من الثابت أنَّه لا شيء يسعد المريض وهو في مرضه كأن يزوره أخوه في الإسلام، هذه الزيارة بلسمٌ لهذا المريض، وأتمنى عليكم جميعاً أن لا تقللوا من شأنها، أي قد يعين أحدكم أخاه على مرضه بزيارته، وقد يُعجِّل شفاءه بزيارته، قد يرفع معنوياته بزيارته، وهذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تقل لا يوجد عندي وقت، هذا واجبٌ عليك تجاه أخيك، هذا حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض، وأقول لكم مرةً ثانية المؤمن حينما يأتيه أخوانه يعودونه يشعر كأنَّ روح الحياة تودع في نفسه، فهذا واجب.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة:
(( عائد المريض يخوض في الرحمة فإذا جلس غمرته ))
[ابن عساكر عن أنس]
الأعمال التي فيها مصالح نحو قبض المال، أو عقد صفقة، أو استقبال زبون، أو بيع، أو قضيَّة هذه ليس لك فيها أجر فهذه من مصالحك، أما حينما تذهب لعيادة أخٍ في الله لا يحدوك لهذا العمل إلا إرضاء الله عزَّ وجلَّ هذا هو العمل الذي يرضيه، فلذلك:
(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))
[ متفق عليه عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما]
أمرنا أي أمر فقد قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
أي أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم ليس للمؤمن الخيار في قبوله أو رفضه:
أنت لك الخيار ماذا تأكل اليوم، و لك الخيار إلى أين تسافر، ولك الخيار أي عمل تعمل، هذا ضمن خيارك، أما إذا كانت قضية أمر إلهي في القرآن، أو أمر نبوي في السنة إذا كنت مؤمناً ليس لك الخيار، أما إن لم تكن مؤمناً فلك الخيار، أفعل أو لا أفعل أمراً أمر به النبي، إذا كنت قد أدخلت هذا الموضوع في مجال البحث والمداولة تفعل أو لا تفعل فإنك غير مؤمن، لا تكون مؤمناً إلا إذا أُلغِي اختيارك في أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم، قضية دقيقة جداً وهي الآية والدليل:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
آية قرآنية أخرى صريحة:
﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
( سورة الحجرات آية "12" )
أنا أغتاب بنيّة حسنة، كلام فارغ، من يقول أنه يزني بنية حسنة، الزنا محرم، لا يوجد نوايا هنا، ما دام يوجد أمر فيه تحريم لا يوجد اجتهاد، اسأل طالباً في الصف السابع الشرعي يقل لك: لا اجتهاد في مورد النص، إذا كان لا يوجد نص أو أن يكون النص ظنيَّ الدلالة، في النص ظني الدلالة يوجد اجتهاد، أما إذا وجد نص قطعي الدلالة:
﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
( سورة الحجرات آية "12" )
فإنَّ أقل طالب علم شرعي يقول لك: لا اجتهاد في مورد النص انتهى الأمر.
على المؤمن ألا يُدخِل موضوعاً بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:
أخواننا الكرام هناك نقطة دقيقة جداً، أنت كمؤمن هويتك مؤمن، ويظن أنك مؤمن، ومحسوب على الناس مؤمن، لك خلفية إسلامية، اتجاهك إسلامي، ما كان لك أن تُدخِل موضوعاً ما بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
أمرك الله عز وجل بغضِّ البصر انتهى هذا الأمر، أمرك بإمساك اللسان، أمرك بالصدق، أمرك بالاستقامة، أمرك بالأمانة انتهى الأمر، فهنا يوجد أمر بعيادة المريض استمعوا إلى الحديث مرّة ثانية الذي رواه الشيخان أي البخاري ومسلم، وإذا قلنا الشيخان أي أعلى درجات الحديث في الصِحَّة، روى الشيخان عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما:
(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرارِ القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))
[ رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما]
يحلف الزوج على زوجته بالطلاق، سبحان الله لا يحلو لهذه الزوجة إلا أن تذهب إلى مكانٍ قد حلف عليها زوجها بالطلاق أن لا تذهب إليه، يقول لي: حلفت عليها وراحت، أين عقلها ؟ طلقت، يقول لي: ذهبت، شيطان يوسوس لها، لا يحلو لها إلا أن تفعل شيئاً يوقع زوجها في الحرمة، إذا أقسم عليك إنسان يجب أن تبرَّ بقسمه، إنسان دعاك إجابة الداعي واجبة وإفشاء السلام كذلك.
الله يفرح بالمؤمنين لأنهم كتلة واحدة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( حقُّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميتُ العاطس ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه]
هذا حقّ المسلم على المسلم، أحياناً هناك شيء يؤلمني والله إلى أقصى درجة، أخ يمرض يوماً واثنين وثلاثة وخمسة حتى الشهر ولا أحد يزوره، أقول لكم الحقيقة جزء من الحق عليه وجزء من الحق على أخوانه، الجزء الذي عليه هو دوامه الغير منتظم في المسجد، فإذا غاب ظن الناس أنه لا يأتي اليوم وقد يكون مريضاً، فالذي دوامه منتظم إذا غاب درساً واحداً افتُقِد على الفور، وترى الناس يقولون لعله مريض، أما إن كان دوامه مخلخلاً لم يعرف مريضٌ هو أم غائب، فإذا أنت لزمت مسجداً الأكمل أن تداوم، الأكمل أن تواظب، الأكمل أن تكون أحد أركان المسجد، الأكمل أن تكون عنصراً فعَّالاً في المسجد بالحضور الدائم، الآن يوجد جامعات في العالم إذا كان الدوام كاملاً فالطالب ناجح، غير معقول طالب مقبول قبول انتقائي وحضر المحاضرات كلها، وداوم دواماً جيداً معنى ذلك أن الطالب حصَّل العلم، ما دام القبول انتقائياً في مستوى الفرع وداوم دواماً كاملاًَ، الدوام وحده يكفيه، كما توجد جامعات تغيب ثلاث حصص عن المقرر تحرم من تقديم الامتحان في المقرر، أصبح هناك خلخلة في تحصيل العلم.
الدروس كلها سلسلة، دروس التفسير، دروس الحديث، ودروس الفقه كلها سلاسل تتراكم، ومجيء الدرس فيه دعم للحق، حضور الدرس فيه دعم لمكانتك في المسجد فالذي له حضور قوي في المسجد إذا غاب ساعة واحدة عرف غيابه فيتفقدوه، أما إذا كان حضوره للدرس مرّة يأتي ويغيب عشرات المرّات ثم يقول: أنا مرضت ولم يزرني أحد، فو الله الحق عليك أنت بالأساس دوامك مخلخل، ونحن لا نعلم الغيب، ولم يخبرنا أحد.
الإنسان عضو في جماعة، عندنا درس في الطاووسيّة في أيام السبت، والأحد، والاثنين بعد صلاة الظهر، فكان يحضر عندنا أخ رحمه الله وكان يعمل في القضاء نائباً لرئيس محكمة النقض، وله كرسي خاص، وله سمت حسن ومحب ووجهه يشع نوراً، وكان دائماً كلّما انتهى الدرس سلَّم علي وأثنى على الدرس، وهو مثقف ثقافة عالية وقد توفي البارحة رحمه الله، وقد تكلَّمت عنه في الدرس وطلبت من أخواننا تعزية أهله فهذا واجب، وقد قلت لهم إننا أسرة واحدة، وأنت عضو بهذه الأسرة، وما يؤلمك يؤلمنا وما يفرحك يفرحنا، يفرح كلّ أخوانك، فالله يفرح بالمؤمنين، ونحن كتلة واحدة فآلامك آلامٌ لنا جميعاً لا سمح الله، أفراحك أفراحنا، فإذا تزوَّجت نحضر، لأنّ تلبية الدعوة واجب.
الإسلام صعَّد الدافع الاجتماعي وسما به ليصبح في خدمة الجماعة تقرباً إلى الله تعالى:
خطبة الجمعة القادمة إن شاء الله حول هذه المعاني، كيف أنَّ الإنسان كيانه اجتماعي، وكيف أنّ الله سبحانه وتعالى قد غرس فيه الطابع والدافع الاجتماعي، ولكن الإسلام صعَّد هذا الدافع وسما به، فقد يكون الدافع الاجتماعي عند عامَّة الناس مربوطاً بالمصالح، فما دام هناك مصالح فهناك دافع اجتماعي، فإذا تضاربت المصالح مع الدافع الاجتماعي آثر مصالحه الشخصيَّة، أما القرآن والإسلام قد هذَّب هذا الدافع عند المؤمن وسما به إلى درجة أصبحت خدمة الجماعة تقرُّباً إلى الله عزَّ وجلَّ، قال عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه:
(( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من شهد منكم جنازةً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من أطعم اليوم منكم مسكيناً. قال أبو بكرٍ: أنا. قال مروان أحد رواة الحديث: بلغني أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ما اجتمعت هذه الخِصال في رجلٍ إلا دخل الجنّة ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
صام، وعاد مريضاً، وشهد جنازةً، وأطعم مسكيناً في يومٍ واحد، فنحن كما قلنا أسرة واحدة، فإذا تزوَّج أخ يجب علينا تلبية دعوته، أو لا سمح الله مرض يجب أن نعوده، أو توُفّي أحد أقاربه يجب أن نعزّيه، هذا حقُّ المؤمن على المؤمن، هذه تمتِّن العلاقات، تجعل المؤمنين أسرة واحدة، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى.
لا تنسوا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث متواتر تواتراً معنوياً:
(( يدُ الله مع الجماعة ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
أنت في جماعة، فأنت في رحمة الله، في مظلَّة الله عزَّ وجلَّ.
آداب عيادة المريض:
1ـ المسارعة إلى عيادته:
أخواننا الكرام الأدب الأول في عيادة المريض المسارعة إلى عيادته، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(( وإذا مرض فعده ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
تعلمون حديث الجار:
(( إذا استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيَّعته، وإن أصابه خيرٌ هنّأته، وإن أصابته مصيبةٌ عزّيته، وإذا اشتريت فاكهةً أهديته، وإذا لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))
[ رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
هذا حقّ الجار على الجار، فكيف يكون حقُّ المسلم على المسلم ؟ أقوى، لو كان لك جار غير مسلم فله عليك حق، فكيف إذا كان الجار مسلماً فله عليك حقان، وإذا كان الجار مسلماً وقريباً فله عليك ثلاثة حقوق.
لكن قد يبدو لكم في الأحاديث مفارقة بين أن تعود أخاك فور سماعك بمرضه أو فور إصابته بالمرض، وبين أن تعوده بعد ثلاثة أيام.
(( كان عليه الصلاة والسلام لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث ))
[ رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
كيف نوفِّق بين هذا الحديث، وبين حديث:
(( وإذا مرض فعده ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
أحياناً تكون قد أجريت له عمليَّة خطيرة وبالعناية المشددة وممنوع زيارته وفي غيبوبة، فانتظر ليستفيق ويصحو، ففي بعض الحالات تمنع زيارة المريض والدخول عليه، ثانياً هو في غيبوبة، وثالثاً في العناية المشددة، ورابعاً ممنوع من التكلّم مع أحد بأي كلمة، فإذا كان المرض بهذه الدرجة فالأكمل أن تؤخِّر الزيارة يومين أو ثلاثة حتى يعي من حوله وإذا شاهدك يرحِّب بك، أما إذا كان في حالة الغيبوبة فلن يستفيد من زيارتك.
أما إذا كان مرضه مرضاً بسيطاً ويعي من حوله وصاحياً، فقم بزيارته على الفور، إذا مرض فعُده مباشرةً.
(( العيادة بعد ثلاثٍ سُنَّة ))
[رواه الطبراني عن ابن عباّسٍ رضي الله عنهما ]
هناك حديث ثالث يجمع بين هذين الحديثين، يروى عن الأعمش قال:
(( كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيّام سألنا عنه، فإن كان مريضاً عُدناه. ))
[البيهقي عن الأعمش]
في اليوم الأول لم يأتِ خيراً، واليوم الثاني والثالث لم يأتِ فمعنى ذلك هناك مشكلة، أو قد يكون مريضاً فالآن نزوره.
قصص من الحياة العامة عن التدابر والنفور بين الناس في العالَم الغربي:
سمعت ببعض البلاد الغربية أنّ موزِّع الحليب يضع كلّ يوم قارورة من الحليب أمام عتبة باب البيت، فإذا وجد القارورة الأولى والثانية والثالثة ما زالوا موضوعين أمام الباب فيعني ذلك أنّ صاحب البيت ميّت في الداخل، من هذا التدابر الشديد في العالم الغربي لا يعرفون بموت الإنسان إلا من قوارير الحليب.
حدَّثني أخ كان يعمل في إنكلترا قائلاً: كان لي صديق هناك طرقت بابه فلم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورة من الحليب، وفي اليوم الثاني طرقت الباب عليه ولم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورتين، وفي اليوم الثالث وجدت ثلاث قوارير فأخبرت الشرطة، فقاموا باقتحام البيت فوجدوه ميّتاً.
زارني مرّة شخص حاصل على الدكتوراه وطلب معادلة شهادته الثانويّة مني وقد كنت أفحص المتقدمين للغة العربيّة، فكان هناك قانون إذا لم يحصل المتقدِّم للعمل على الشهادة الثانويّة ولو معه أعلى شهادة فلا يُعيَّن في الدولة، وبعد ذلك تمّ تعديل هذا القانون بسبب أننا كدنا أن نخسر خبرات عديدة وكثيرة جداً، فأصبح يجرى للحاصل على الدكتوراه ولم يكن حاصلاً من قبل على الشهادة الثانويّة فحصاً ولو شكلياً ليعادل الشهادة الثانويّة حتى يُعيّن في بلده، فزارني هذا الطبيب وهو يعمل في بريطانيا بمقاطعة مانشستر، وقال لي: أنا عندي فيلا فخمة ودخلي كبير ومع ذلك آثرت أن أعود إلى بلدي ـ وقد يكون ما سيحصل عليه من الدخل يعادل عشر ما يحصل عليه هناك ـ فسألته عن السبب ؟ فقال لي: هناك بناء قريب من سكنه يرتفع ستة طوابق، ولندن ذات جوٍ بارد وكان في الطابق السادس من هذا البناء يسكن شخص قد مات منذ أكثر من ستة أشهر ولا أحد يعلم بموته، وبسبب سكنه في الطابق الأخير والغرف محكمة الإغلاق، والبرد الشديد، ثم خرجت الروائح النتنة فاقتُحم البيت فوجدوه ميّتاً من ستة أشهر.
هذه القصّة حملت هذا الطبيب على العودة إلى بلده ولو بدخلٍ قليل والسبب أنّ لهذا الإنسان ستة أولاد مقيمين في لندن، وما خطر في بال واحدٍ منهم أن يزور أباه في هذه المدةِ من الزمن مرّةً واحدة، تدابر، تقاطع، ووحشة، فالإنسان في بلاد الغرب إذا تجاوز الأربعين أو الخمسين عاماً فقد انتهى، وعاش في عزلة وأصبح على الهامش.
عندنا في الحالة الأولى أنّه قد بلغك مرض أخيك، ومرضه عادي فيجب أن تسارع إلى عيادته، وإذا كان ـ لا سمح الله ـ المرض خطيراً كأن يكون في غيبوبة أو في العناية المشددة، وممنوع من الزيارة أو الكلام، فبعد ثلاثة أيام، وبالأحوال العاديّة إذا غاب الأخ ثلاثة أيام يجب أن نسأل عنه، وقد كنت دائماً وأبداً أقول ومن أعماقي أرجو أن يتولّى كلّ أخ أخاً آخر واحداً فقط، تعاهده، فإذا غاب سألت عنه، خذ رقم هاتفه واختر أخاً قريباً من بيتك، أو يعمل معك في العمل، أو قريباً من سنِّك، أو جئتما معاً إلى المسجد، اختر أخاً من أخوانك وتآخيا في الله اثنين اثنَين كما قال عليه الصلاة والسلام، هو يتولّى أمرك وأنت تتولى أمره، أكون مسروراً جداً إذا أبلغني أحد الأخوة بوفاة والد أحد الأخوة للقيام بتعزيته، فإن كانت عندي إمكانيّة ذهبت، وإلا فالأخ يذهب بدلاً عني للتعزية، وأحياناً يكون عندي وقت فأقوم بالتعزية.
2ـ تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض:
الآن الأدب الثاني في العيادة تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض، فهناك حديث:
(( العيادة فُواقُ ناقة ))
[ رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي مقدار حلب ناقة، أي عشر دقائق أقصى شيء، لكننا نفصِّل في هذا الموضوع، أحياناً يكون المريض في حالة النقاهة، ولا يوجد لديه شيء، فقد تناول طعامه وفي راحة تامّة والورود حوله، وهو نظيف، وفراشه نظيف، وهو في حالة ملل وضيق خلق بسبب مكوثه في البيت وقال لك: امكث عندي، وأنت ليس لديك عمل، فاقعد عنده وآنسه نصف ساعة أو ساعة حسب حاله وتكلّم عن الله وذكِّره به، لكنك إذا رأيت السيروم معلّقاً والإبرة في يده، أو يريد أن يأخذ حقنة، أو لم يتناول طعامه بعد، وتجلس عنده وتنسى أنه مريض فهذا غير معقول أبداً، فالعيادة فواق ناقة عندما تكون هناك ظروف صعبة وإذا كان مرتاحاً فاقعد معه.
3ـ الدعاء للمريض عند الدخول عليه:
الأدب الثالث الدعاء للمريض عند الدخول عليه:
(( النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم كان يعودُ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: أذهب البأس ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شِفاء إلا شِفاؤك، شفاءً لا يُغادرُ سقماً ))
[رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها]
حدّثوني عن أخ طبيب، شديد الصلاح، قائم الليل وحافظ للقرآن، يقسمون بالله لمجرّد أن يدخل عليه المريض يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتجد المريض اطمأن وطاب فالمريض له معنويّات فإذا كان الطبيب مؤمناً فالشفاء يحصل بسبب كلامه الطيّب كأن يقول: بسم الله، لا شافي إلا الله، فتجد المريض هدأ وشعر براحة.
أما الأطباء الغير مؤمنين فقد يقيس الضغط للمريض ويقول: ضغطك يبلغ الثلاثة والعشرين أعوذ بالله هذا الضغط مميت، إلى الآن لم تمت ؟ فهناك طبيب يبني دخله على تخويف المريض وتحطيمه، أما المؤمن فيبني معالجته على إرضاء الله عزَّ وجلَّ فلا تهمّه المادّة ولكن يهمّه أن ترتفع معنويّات المريض، فالطبيب المؤمن التّقي الصادق الموصول بالله مجرّد حديثه مع المريض تجد أنّ أربعة أخماس مرضه شفي منه.
أذكر ذات مرّة أني أحضرت طبيباً لقريبة من أقربائي وكان مرضها خطيراً، وكان الطبيب عنده حكمةٌ بالغةٌ فقال لي: كنت من المفروض أن لا تحضرني فمرضها بسيط جداً وقد تكلّفت بأجرة السيارة وليس عندي وقتاً كافياً، وتشاجر معي ونهرني أمام المريضة، فأصبحت لا تشعر بشيء وانتعشت وكانت مريضة بمرض خطير، فالحكيم لماذا أسموه حكيماً ؟ لأنه أحياناً بكلمة بسيطة ولطيفة يرفع معنويات المريض.
على المؤمن أن يدعو لأخيه المؤمن بخشوع وإقبال والتجاء إلى الله:
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل على مريض يضع يده اليُمنى على جبينه ويقول:
((اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً ))
[رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها]
هكذا السنّة.
(( من عاد مريضاً لم يحضُره أجله، فقال عنده سبع مرّاتٍ: أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض ))
[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
الله يحب أن نتبادل الدعاء، يحب أن يظهر آياته وإكرامه للمؤمن أولاً، أنت ادعُ له بخشوع وإقبال وبالتجاء إلى الله، كأن تقول له كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
((أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض))
[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
أحياناً أخواننا يطلبون منا قراءة الفاتحة ليشفيهم الله، وأحد أخواننا طلب إلينا ذلك ذات مرّة وبعث إليّ برسالة بعد قراءتنا للفاتحة أخبرني بنجاح العمليّة نجاحاً باهراً، فقد ألهمه الله أنّ النجاح لهذه العمليّة بسبب دعاء أخوانك وهذا ممكن، ومن السنّة أيضاً:
(( أنّه اشتكى إلى النبيّ الكريم وجعاً يجدُه في جسده فقال عليه الصلاة والسلام: ضع يدك على الذي يؤلمُك من جسدك وقل ثلاثاً: بسم الله. وقل سبعة مرّات أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر ))
[رواه الإمام مسلم عن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص]
هذا إيمان بالله عزَّ وجلَّ، ضع يدك مكان الألم وتوجّه إلى الله بالشفاء منه، فالله تعالى هو الشافي، وبالطبع هذا لا يُغني عن سؤال الطبيب وأخذ الدواء، فهذا يعتبر اتجاهاً وهناك خطٌّ واتجاه آخر.
4ـ سؤال أهل المريض عن حاله:
الأدب الآخر من آداب عيادة المريض أن تسأل أهل المريض عن حاله، كأن تقول: كيف حالة الوالد، إن شاء الله يكون مرتاحاً، ومَن الطبيب الذي قام بعلاجه ؟ وهل يلزمكم مساعدة ؟ وما الأدوية وهل هي متوفِّرة ؟ هذا من السنّة.
(( أنَّ عليَّاً بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توُفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن.. كيف أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً ))
[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
كذلك سؤال أهله من السنَّة، وأن تدعو له من السنَّة، وأن تضع يدك على جبينه من السنّة.
من السنّة أيضاً أيّها الأخوة أن تقعد عند رأس المريض، فأحياناً يكون مضطجعاً على سريره وهناك كرسي عند أرجله وآخر بجواره، فالسنّة أن تجلس عند رأس المريض قريباً منه، ليس بآخر الغرفة.
(( كان النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك. فإن كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه ))
[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
يقولها سبع مرّات، وفي قول الشاعر:
إنّ الطبيب لـه علمٌ يُـدلُّ به إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيّام رحلته حـار الطبيب وخـانته العقاقير
***
ما دام هناك تأخير فالشفاء حاصل.
5ـ استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل:
استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل، هذا الأدب قلّما يخطئه أحد، كأن تقول له: إن شاء الله اللهُ يعافيك ربنا كريم، ونخرج معك للنزهة، فهناك كلمات تبُثُّ الأمل في الإنسان، فدائماً إذا عدْت مريضاً فينبغي أن تُنَفِّس له في الأجل ولو كان المرض خطيراً، فأعرف شخصاً كُتبت نعوته وطبعت، ورتّب كلَّ شيء، وقد علمت بأنّه قد تُوُفِّي، وخرجت إلى صلاة الفجر لأرى النعوة على باب المسجد فلم أجدها، فتعجّبت من ذلك، ففي البارحة اشترت النساء الثياب السوداء وسلِّمت غرفته بالمشفى، وطبعت النعوة، ولم أجدها على الحائط، فسألت عن ذلك ؟ فقالوا لي: والله قد تحسَّن تحسُّناً طفيفاً في الثالثة صباحاً، وقد بدأ النبض في التحسُّن وعاش المريض، والذي كتب النعوة مات قبله.
المرض لا ينهي عمراً قدّره الله فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله:
أحد أخواننا الكرام يسكن في بيت عربي يوم أن ولد كانت زوجة عمِّه بالغرفة الثانية ـ وقديماً كان الأقارب يسكنون معاً ـ وكانت مريضة مرضاً خطيراً جداً، وجاء الطبيب وقال لهم: انتهى أمرها ولن تستطيعوا معها، وهذا الأخ قد كبر وعمل في التجارة وانتقل إلى بيت في حي العدوي وسكنه وأصبح يبلغ من العمر خمساً وأربعين سنة وجاءت لزيارته زوجة عمِّه التي كانت في عداد الأموات، فقد عاشت خمسة وأربعين سنة بعد أن قال عنها الطبيب أنّها قد انتهت وليس هناك خيطاً من الأمل، فالآجال عند الله عزَّ وجلَّ.
أيها الأخوة الكرام المرض لا ينهي عمراً قدّره الله، فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله، تجد إنساناً صحيحاً وغير مريض مات من غير علّةً، وتجد آخر سقيماً عاش حيناً من الدهر، فلا أحد ينتظر أحداً، يمكن للمنتظِر أن يموتُ قبل المنتظَر، فبعض الناس يخططون من أجل الإرث ويحسب أنّه لو مات فلا يرثه فلان، فيموت قبله المخطط وتنعكس الآية وهناك قصص كثيرة جداً.
(( إذا دخلتم على مريضٍ فنفِّسوا له في أجله، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شيئاً ويُطيُّب نفسه ناقة ))
[رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه]
وهناك قولٌ آخر يقول:
(( لا بأس طهورٌ إن شاء الله. )).
[رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]
كما جاء في حديث ابن عبّاس.
أحياناً يقول المريض لأحد: ضغطي مرتفع يبلغ الثمانية عشر، فيقول له المستمع: إنّ هذا شيء خطير، وقد مات ابن عم لي بهذا المرض، وكذلك فلان وفلان ماتوا بهذا المرض، فهذا الكلام غير لائقٍ، ولا أقول أنّه يقولها قصداً ولكن أحياناً يسترسل الإنسان ناسياً أنّه مريض ويذكِّره بأناسٍ ماتوا بالمرض نفسه، فهذا سوء أدب من الإنسان.
بعكس ذلك هناك قصص أعدّها في منتهى الحكمة، فإذا كان الإنسان مريضاً وتعرف أنّه مريض به منذ ثلاثين سنة وإلى الآن ليس فيه من البلاء شيء، فاذكر مثل هذه القصّة تنفِّس في أجله كثيراً، وإذا عرفت عن مريضٍ كان مصاباً بالمرض نفسه وعافاه الله فاذكر له مثل هذه القصّة.
ذكر قصص للمرضى من الحياة العامة للرفع من معنويّاتهم:
عندي عدد من القصص ولكن من الدرجة الحادة والصارخة، فأحد الأشخاص مصابٌ بمرضٍ خبيثٍ ومن الدرجة الخامسة، والطبيب الذي يعالجه من أحسن الأطباء، وأُخذت خزعة من الورم للتحليل في مخابر بريطانيا، وقد قمت بزيارته أكثر من مرّة، ومثل هذه العمليّة في أمريكا تكلِّف مليون ليرة وهذه القصّة من اثنتي عشرة سنة، وكان بيته ممتازاً ويبلغ ثمنه مليوناً ويقع في الميدان، وله ابن صغير، وسيباع البيت، ونسبة نجاح العمليّة ثلاثون بالمئة فقط، ثمّ تراجع المرض دون أي تدخُّل من أحد، وهذا الشخص صديق لي وأعرفه كما أعرف نفسي، وقد قام بعلاجه كبار الأطبّاء، وحُلِّلت له الخزعات في أكثر من مكان، والتشخيص سرطان خبيث في الرئة، ولكنّه تراجع ذاتياً، وإلى الآن هذا الصديق حيُّ يرزق.
هناك عدد من القصص يمكن أن تذكر للمرضى لترفع من معنويّاتهم، وهناك أمراض مستعصية والله عزَّ وجلَّ يقيم آياته ويقيم حُجَّته، يقولون لك: شفاء ذاتي.
ذكر لنا أحد الأخوة عن مرضه الخطير جداً ونسبة حدوثه في العالم واحد على ستّة عشر مليوناً، ذهب إلى فرنسا وقام بمعالجته أشهر وأحسن مختص في العالم في هذا المرض، فقال له: أنا أعلى مستوى بالعالم ومرضك لا أمل في شفائه، عليك بالذهاب إلى الهند فهناك مهراجا لعلّه يخفف من آلامك، هكذا ذكر الطبيب في فرنسا، وفي الشام عاده سبعة وثلاثون طبيباً ولا أمل في الشفاء، وفي فرنسا أبلغوه أنّ ذهابه وإيابه وإقامته على حساب الحكومة الفرنسيّة لا حباً فيه ولكن لندرة المرض وليتعلموا ويجروا عليه التجارب، فظلَّ هناك ستّة أشهر وفقد الأمل من الشفاء، فجاء إلى الشام وحضر درساً من الدروس الدينيّة، وكان شاباً في ريعان شبابه وحاصلاً على شهادات عُليا واستمع إلى الدرس فتأثَّر وقال في نفسه: يا رب إن شفيتني سوف أُصلّي لك، فقد كان لا يصلّي إطلاقاً، وحضر درساً ثانياً فألهمني الله تعالى بالقول: أنّ الله لا يشترط عليه ولا يُجرَّب، فصلّى مرةً وأخرى وفي الثالثة أذن الله عزَّ وجلَّ له بالشفاء، وكان مرضه عصبياً وكاد أن يصعق من المفاجأة.
هناك آيات صارخات وقل ما شئت عن الأمراض أنّه مرضٌ خطير أو عُضال وليس له دواء وقد أجمع الأطباء على ذلك، وغير ذلك، فكل هذا الكلام كلام بشر وما عند خالق البشر ليس موجوداً عند البشر، فهذه القصص ترفع من المعنويّات عالياً، وتعطي أملاً في الشفاء، فانتقِِ من هذه القصص ومن أمثالها واذكرها للمريض حتى لا يظّنَّ أن مرضه كبير وخطير، ولكي يعرف أنّ الله شفى من كان مرضهم أخطر وأكبر. لا شيء يعين على الشفاء و رفع المعنويات كالثقة بالشفاء وإيمان المؤمن بالله:
ذكر لي مريض ذهب إلى بريطانيا لإجراء جراحة في القلب فقال لي: قبل إجراء العمليّة بساعتين أو ثلاث دخلت ممرّضة ولكن على مستوى رفيع جداً لتنسيق الأزهار فقط، وهي تقوم بتنسيق الأزهار تكلّمت معه دون أي اهتمام به قائلة: من هو طبيبك ؟ فقال لها: فلان، فدهشت وقالت له: فلان !!! فقال لها: نعم، فقالت له: وهل قبل أن يجري لك هذه الجراحة ؟! فقال لها: نعم فقد حضرت بناءً على موعد معه، فقالت: هذا غير معقول، فقال لها: ولماذا غير معقول ؟ فقالت له: ليس عند هذا الطبيب وقت كافٍ وهو أجرى أكثر من عشرة آلاف عمليّة كلّها ناجحة، وبعد انتهاء العمليّة ونجاحها وجد في الفاتورة مكتوباً: رفع معنويَّات.. ألفان من الجنيهات، ظهر أنّها ليست ممرِّضة بل طبيبة في علم النفس.
نحن لا نريد هذه المعنويَّات فإيماننا بالله يرفع هذه المعنويَّات، فقد ثبت للأطبّاء أنّه إذا ارتفعت معنويّات المريض تغلّب على عضويّته وغلب المرض، وعندما ينهار يزداد مرضه، فلا شيء يعين على الشفاء كالثقة بالشفاء، والمؤمن واثقٌ من الله عزَّ وجلَّ، فالعلماء الذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون به درسوا هذا العلم ووجدوا وعرفوا أنّ هذا الإنسان إذا كان عنده معنويات عالية فالعمليّة تتم بكل بساطة، فالممرّضة تكلَّمت عن الطبيب وعن عملياته وبراعته وكيف قبل إجراء العمليّة له، وكلّ ذلك الحديث وهي تنسِّق الأزهار ودون انتباه منها له، ثم دفع ألفين من الجنيهات لرفع المعنويّات، فالمؤمن لا يحتاج إلى رفع المعنويات فإيمانه بالله هو الذي يرفع له معنويَّاته.
أيها الأخوة الكرام يجب أن تذكر في حديثك للمريض قصّتين أو ثلاثاً من هذه النوعيّة بحيث يشعر أنّ مرضه بسيطٌ للغاية، والله هو الشافي وبيده كلَّ شيء، وليس هناك شيء صعب على الله تعالى فهو على كلَّ شيء قدير فقد قال تعالى:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
هذا الذي يذكر، لا أن تقول: فلان مات بهذا المرض، وفلان كذلك مات بهذا المرض، وأعوذ بالله هذا الضغط ضغط قاتلٌ، فهذا كلام بعض الناس.
6ـ طلب الدعاء من المريض لعله أقرب إلى الله منك:
الأغرب من ذلك أنّك إذا زرت مريضاً فاطلب منه الدعاء، لعله أقرب إلى الله منك، فعندما يأخذ الله عزَّ وجلَّ صحّة عبد مؤمن يُعوِّضه عن ذلك تجليّاتٍ كثيرة، والدليل:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]
قال ربنا عزَّ وجلَّ:
(( أوحى الله لموسى يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخر لله ساجداً، ثم قال: يا رب وكيف ذلك ؟ فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني.))
[رواه ابن شاهين عن جابر]
عندما تؤخذ من المريض بعض صِحَّته، فالله جبّار للخواطر فيُعوِّضه القرب، والتجلّي، والنورانيَّة، والرِقَّة، فتجده سريع البكاء، ويمكن وهو صحيح البدن مثل الحصان لو حدّثته خمسين محاضرة تجد قلبه قاسياً، وإذا مرض رقّت نفسه بهذا المرض ودمعت عينه واضطرب قلبه وتأثر وبكى، فالمريض في الأعمِّ الأغلب أقرب إلى الله من الزائر، لذلك قل له: أطلب منك الدعاء.
((إذا دخلت على مريضٍ فمره فليدعُ لك، فإنَّ دعاءه كدعاء الملائكة ))
[رواه ابن ماجة وابن السنيِّ عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ]
قل له: ادعُ لنا، كذلك فيها رفع للمعنويّات، الدعاء منك، أنت ينبغي أن تدعو لنا فأنت أقرب إلى الله منّا، وأنت رقيق الحال في هذه الساعة وفي حالٍ نفسيٍ من الشفافية.
7ـ تذكير المريض في حالة الاحتضار بلا إله إلا الله:
إذا كان مريضاً ـ لا سمح الله ـ في حالة الاحتضار فيجب عليك تذكيره بلا إله إلا الله.
(( لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله محمد رسول الله ))
[ رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]
إذا المريض يحتضر فينبغي أن تُلَقِّنه لا إله إلا الله، هذه آداب عيادة المريض.
آداب التعزية:
أما آداب التعزية:
(( ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عزَّ وجلَّ من حُلَلِ الكرامة ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده]
نعود المريض ونعزي أهل الميت، ما من مؤمنٍ يُعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز وجل من حُلَلِ الكرامة.
(( من عزَّى مصاباً فله مثل أجره ))
[رواه الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه]
هذا شيء دقيق من عزَّى مصاباً، المصاب المؤمن إذا عزَّيته فلك مثل أجره، ينبغي أن تكون التعزيةُ لجميع أهل البيت وأقاربه الكبار والصغار، والرجال والنساء، وقد استثنى العلماء المرأة الشابّة فهذه لا يُعزِّيها إلا محارمها.
إذا دخل أحد إلى بيت للتعزية فليقل: أين أولاد المرحوم ؟ وليعزهم واحداً وَاحداً وأين أخواته ؟ هكذا السنّة، أما المرأة الشابّة فهذه لها حكمٍ خاص لا يُعزِّيها إلا محارمها.
التعزية إلى ثلاثة أيّام، وتلك هي السنّة، إلا إذا كان المعزّي أو المُعَزَّى غائباً فلا بأس بالتعزية بعد ثلاث.
أحياناً يموت قريب لأخ من الناس، وهذا الشخص كان مسافراً فيذهب إلى بيته ويقدِّم له التعازي ولو بعد ثلاثة أيّام فترة التعزية، وأحياناً أنت لا تعلم أنّه توفّي ومضت الأيام الثلاثة، والتعزية واجبة، فبعد هذه الأيام الثلاثة اذهب إليه وعزِّهِ.
من مدة أبلغوني أنّ والدة أحد أخواننا وليس لدي علم توفِّيت، وكنت مسافراً، بعد يومين من انتهاء التعزية عزَّيته، فإن كان الخبر قد بلغك ضمن الأيام الثلاثة فالأكمل أن تُعزِّيه ضمن المكان المناسب وفي الوقت المناسب، أما إذا بلغك الخبر وقد كنت مسافراً فليس هناك مانع أن تُعزِّيه بعد الثلاثة أيّام.
1ـ أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن:
أول سنّة في التعزية أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن.
(( أرسلت إحدى بنات النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه أنّ صبياً لها في الموت. فقال لمن أرسلته: ارجع إليها فأخبرها أنَّ لله ما أخذ ولهِ ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مُسمّى، مُرها فلتصبر ولتحتسب ))
[صحيح البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما]
أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميِّتك، هذا التعبير النبوي المسنون.
الآن يقولون: عظَّم الله أجرك.
2ـ استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت:
استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت، وهذا عكس ما يفعله الناس الآن، وأتمنّى منكم ألا تستجيبوا لدعوة فيها طعام صنعها أهل الميِّت، فهذا لا يجوز وهو خلاف للسنَّة، فوق مصيبتهم وهمِّهم وبكائهم وعويلهم عليهم القيام بتأمين الطعام للناس وإطعامهم، لذلك من السنَّة أن تصنع لهم أنت طعاماً، وهذا عملٌ طيِّبٌ، فإذا كان أحد الناس ميسور الحال وله أقرباء توفيَ رجلهم في البيت وأحضرت لهم طعاماً للبيت هذه هي السنة، أما أن تذهب لتأكل فهذا خلاف السنة لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
(( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمرٌ يشغلهم ))
[عن عبد الله بن جعفر رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح]
اتفق الأئمّة على كراهة صنع أهل الميت الطعام لحديث جرير قال:
(( كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة ))
[رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه]
أي إذا أهل البيت أحضروا طعاماً إلى المعزين فهذه من النياحة التي حرمها النبي عليه الصلاة والسلام.
3ـ على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي:
على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي، طبّق السنة ولا تقل عيب يتكلمون علينا، كلام الناس تحت قدمك، طبّق السنة وانصر دين الله عزَّ وجلَّ.
4ـ إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم:
كذلك من السنَّة أيضاً إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم، فقد كنت سائراً ذات مرَّة خلف جنازة، ويمشي خلفي اثنان، والله الذي لا إله إلا هو كانوا يتكلَّمون عن مشروع تجاري يتعلق بالعمار من مكان انطلاق الجنازة إلى القبر، ولم أسمع أو أفهم كلام المؤذِّن من صوتهم العالي وهم يقولون نربح فيه أو نخسر والأحسن أن نلزمه لأحد المتعهدين، أو نبيعه على المخطط، ووصل النعش إلى المقبرة وهم يتابعون الحديث، وألقى أحد أخواننا كلمة لتأبين الميِّت ولم يتوقفوا عن الكلام وشوَّشوا على الحضور، اقعد في بيتك فهذا أحسن واعمل الاجتماعات في بيتك، فإذا كنت في تعزية فكن أديباً، وأول شيء يجب عليك فعله أن تصمت.
يقول سيِّدنا سعد رضي الله عنه: " ثلاثةُ أنا فيهنَّ رجل ـ من هذه الثلاثة ـ.. وما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها."
ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك: أنَّ هذه الجنازة لها كلام بالسرياني وليس باللغة العربية، أي معانٍ تسري إليك أن هذا الذي على النعش أين كان أمس ؟ على السرير، له زوجة وأولاد، ومهندم الثياب، وسيارته تنتظر أمام بيته، فأين هو الآن ؟!! كان يسكن في بيت أربعمئة وخمسين متراً، وفيه العديد من الصالونات وغرف الضيوف أو النوم وحمامان وحمام آخر خاص بغرفة النوم، فأين هو الآن ؟ هل هناك قبر خمس نجوم ؟ القبر فيه نجوم الظهر، وليس فيه خمس نجوم، فالجنازة تقول وتتكلَّم معك:
" ما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ؟"
تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه، فالهناء لكم والتبعة علي.
5ـ التنبيه إلى المنكرات إن وجدت:
إذا رأيت بالتعزية منكرات فعليك أن تُنبِّه إليها، هكذا السنَّة، أحياناً ترى لطماً للخدود، وشقّاً للجيوب، وشداً للشعر، وعويلاً، وصراخاً، ونواحاً، وأُناساً يقرؤون القرآن بالأجر كالمرتزقة، ومنكرات كدخول النساء على الرجال، فهذه كلَّها من المنكرات فعليك أن تُنبِّه إليها إن كانوا من أقربائك.
من تكلَّم بالحق رفع الله شأنه و أعزّه:
لندقق في هذا الحديث فهو حديث خطير:
(( لا يحقِرنَّ أحدكم نفسه. قال: يا رسول الله: وكيف يُحَقِّر أحدُنا نفسه ؟ قال النبي الكريم: يرى أنَّ عليه مقالاً ثم لا يقول فيه ))
[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
أي استحى أو خاف، فإذا كان معك كلمة حق وفيها شفاء ودواء وفيها موعظة وتبيين لحقيقة وجلاء ظلمة، فلماذا تسكت ؟ يقول لك: والله قد استحيت، أو خفت، فهم أحرار، ولا أريد أن أنصح أحداً، فمن يفعل هذا فقد احتقر نفسه:
(( لا يحقر أحدكم نفسه ! قالوا: يا رسول الله ! كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول: خشية الناس، فيقول الله عز وجل: فإياي كنت أحق أن تخشى. ))
[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
كان عليك أن تخشاني أنا أحق، أي معنى ذلك أن الإنسان إذا امتلك كلمة طيِّبة، أو حكماً شرعياً، أو تفسيراً لآية، أو بياناً للحق فلا يظل ساكتاً لأنَّ كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقرِّب أجلاً، فالله يعِزُّك.
كان أحد الأشخاص يتكلَّم مع الخليفة الذي جاء بعد سيِّدنا عمر بن عبد العزيز وهو يزيد، فقال له: جدّك قطعني أرضاً وعمر بن عبد العزيز رحمه الله أخذها منّي، فقال له: عجباً لك الذي أقطعك الأرض لم تترحَّم عليه، والذي نزعها منك تترحَّم عليه ! لأنَّ سيِّدنا عمر كان معه الحق في ذلك فنزعها منه، وهو قد ترحَّم عليه، ومن أعطاها له لم يترحم عليه، فالإنسان إذا تكلَّم بالحق فالله يرفع شأنه ويُعِزُّه.
(( بايعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على السمع والطاعة والنصحِ لكُلِّ مسلم ))
[رواه الشيخان عن جريرٍ رضي الله عنه]
في حديثٍ آخر أيضاً عن جرير سمعت النبيَّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:
((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلاّ أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ))
[رواه أبوا داود وابن ماجة عن جريرٍ رضي الله عنه]
أي إذا كنت بمركز وتقدر على منع أحد عن المعصية ولم تمنعه فالله يغضب عليك، فإذا قلت هو حر في عمل ذلك فقد غششتَه ولم تنصح له.
أيّها الأخوة الكرام إن شاء الله الكريم في درسٍ قادم نتابع هذه الآداب الإسلاميَّة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وأن تكون مترجمةً في سلوكنا.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 15 ) ادب العطاس





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وسنتابع الآداب التي أدّب بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، والآداب اليوم هي أدب العطاس والتثاؤب. للأدب طريقان طريقٌ تعلُّمي وطريقٌ ذوقي:
أريد أن أبيّن هذه الحقيقة وقد ذكرتها من قبل ولكن في إعادتها فائدة كبرى، الأدب له طريقان، طريقٌ تعلُّمي، وطريقٌ ذوقي، فكلّ إنسان اتصل بالله عزَّ وجلَّ ومن خلال هذه الصلة يكافئه ربنا بأن يمنحه خلقاً حسناً، فالأخلاق الأصيلة الحقيقيّة التي يمكن أن تكون سبباً في سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة هي أخلاقٌ مكتسبة من الله عزَّ وجلَّ، هذه الأخلاق لا علاقة لها إطلاقاً بالأخلاق التجاريّة.
الأذكياء دائماً وبحكم ذكائهم يسلكون سلوكاً مقبولاً محموداً لينتزعوا إعجاب الناس وليحققوا مصالحهم.
أي أنّ الشيء الذي تسمعونه أحياناً: فلان يفعل هذا من أجل الانتخابات، ليس عنده رغبة في الإصلاح، ولا في السلام مثلاً، ولكن من أجل الانتخابات يفعل هذا، معنى ذلك أنّ الأفعال البشريّة من الأشخاص الذين لا يعرفون الله سبحانه وتعالى أفعال معلولة بالمصالح، وهذه الأخلاق تتفوق أوروبا بها كثيراً، تتحدّث عن حقوق الإنسان وهي أكبر جهة في الأرض تنتهك حقوق الإنسان، تراعي حقوق الحيوان وهي تهضم حقوق الشعوب.
الإنسان أحياناً بذكائه يتصرَّف تصرُّفاً محموداً ومقبولاً، هذا التصرُّف أيها الأخوة لا علاقة له بالدين إطلاقاً، هذا التصرُّف أساسه الذكاء، وهدفه المصلحة، إما الإعجاب المعنوي كانتزاع إعجاب الآخرين، وإما المصالح الماديّة، وهذا خارج نطاق دروسنا كلّها، فالأذكياء دائماً لهم تصرُّفات مقبولة في انتزاع إعجاب الآخرين وهي ليست عبادة وليس هذا من الدين، الأخلاق الأصيلة التي تسعد صاحبها إلى الأبد أخلاقٌ اشتُقَّت من اتصال العبد بربّه هذه واحدة.
هناك أسلوب ذوقي أساسه الصلاة، وإذا كان الذوق العام ضعيفاً، والاتصال ضعيف تأتي هذه الدروس لنذكر فيها ما فعله النبي وما لم يفعله، وهذا أسلوب تعليمي أساسه التبيين، كان النبي إذا عطس مثلاً فعل كذا، أو إذا رأى من أصحابه شيئاً قال: كذا، هذا أسلوب تعليمي بياني، وهناك أسلوب إشراقي.
الكمال نوعان كمال إشراقي وكمال بياني:
يمكن لك أن تتأدّب بآداب الإسلام مرّتين، مرّةً باتصالك بالله عزَّ وجلَّ، وعندي في ذلك شواهد كثيرة، فأحياناً تجد إنساناً موصولاً بالله يوضع في ظرف معيّن فيتصرّف وفق الحكم الشرعي وهو لا يعلم الحكم الشرعي أصلاً، وأنا أعلم علم اليقين أنّه لا يعلم الحكم الشرعي لكنّ الكمال الذي اشتقّه من الله عزَّ وجلَّ أملى عليه أن يفعل كذا وكذا، ولا مجال لذكر كثير من الشواهد في ذلك.
الآداب إما انضباط ذاتي، أو انضباط خارجي، فالإنسان بوعيه يقول: هذه لا يجوز فعلها ولا أفعلها، وهذه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وهذا شيء جيّد أيضاً، فقد تلقيت دروساً في العلم وعرفت سلوك النبيّ الكريم، والأسلوب الصحيح الكامل، وبوعيك انضبطت، لكن لو اتصلت بالله عزَّ وجلَّ تشتقُّ من الله الكمال، وهذا الكمال هو الكمال الإشراقي.
هناك كمال بياني أساسه التعلُّم والتعليم والتذكُّر والوعي والسيطرة على الذات، وهناك كما ذكرنا كمال إشراقي، لكن المواقف التي تعجب الناس أحياناً من الأجانب والكفّار، وهذه بالتأكيد لا علاقة لها إطلاقاً بالدين، قضيّة ماديّة إما لهدف انتزاع إعجاب الآخرين، أو لهدف آخر هو تحقيق مصالح معيَّنة، والدليل على ذلك هذا الذي يتخلّق بأخلاق أساسُها الذكاء وحينما تضرب مصالحه ينقلب إلى وحش، فكلّ نعومته تختفي، وقد ذكرت هذا في خطبة الجمعة الماضية.
بدأت الخطبة هكذا، الإنسان له حاجات أساسيّة، فعنده حاجةٌ إلى الحب وهي حاجة أساسيّة أن تُحِب وأن تُحَب ويستوي في ذلك كلّ الناس ولو كانوا غير مؤمنين، وعندك حاجة إلى التقدير، أن يقدِّرك الناس، وعندك حاجة إلى الأُنس ؛ تأنس بالمجتمع، وعندك حاجة إلى التقوّي بالآخرين والاحتماء بهم، وعندك حاجة إلى الأمن، فهذه كلّها حاجات اجتماعيّة، وعندك حاجة إلى اقتباس أفكار الآخرين ومنجزاتهم ومعارفهم.
مجموع هذه الحاجات الحب، والتقدير، والأُنس، والأمن، والتقوّي، والاستنصار، واقتباس المعارف والعلوم والمكتسبات، كل هذه الحاجات وبمجموعها تولّد الدافع الاجتماعي.
الدافع الاجتماعي في الإسلام أساسه العبادة والتقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ بخدمة خلقه:
الإنسان بفطرته يميل إلى المجتمع، إلى أن ينخرط فيه، وأن يندمج مع المجتمع، ويميل إلى الالتقاء مع الناس، وفي الوقت نفسه هناك دافعٌ فرديّ، ونزعةٌ انعزاليّة.
لو أنّ هناك دافعاً اجتماعياً وآخر فردياً، واصطدم الدافع الاجتماعي بالمصالح الشخصيّة فتجد الإنسان المقطوع عن الله الذي لا يعرف الله يركل بقدمه كل دوافعه الاجتماعيّة ويغتصب هذا الشيء ليحقق مصلحته، فيأخذ بيتاً ليس له، فأين سمعته ؟!! فقد أعارك البيت يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين ومن غير أن تدفع له إيجاره فسكنت فيه ثماني سنوات، وقلت لصاحبه بعد ذلك: هذه المحاكم أمامك ؟ فأين هي سمعتك وخوفك على مكانتك ؟!! فعندما تحققت المصلحة الماديّة ركل سمعته الاجتماعيّة بقدمه، هذا هو الإنسان قبل أن يعرف الله.
لكن ماذا فعل الإسلام ؟ الإسلام غذّى الدافع الاجتماعي، غذّاه ولكنّه صعّده وسما به، فقد جعل الإسلام الدافع الاجتماعي أساسه العبادة، أساسه التقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ، وأساس الدافع الاجتماعي في الإسلام التقرُّب إلى الله بخدمة خلقه، فكل ما لدى المؤمن من اجتماعيّات وميول اجتماعيّة هدفها التقرُّب إلى الله بخدمة خلقه، إذاً الدافع الاجتماعي عند المؤمن هو الله فقد سما به وصعّده فأصبح دافعاً نبيلاً قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9) ﴾
( سورة الإنسان )
أصبح دافعه دافعاً سامياً هدفه أن تأخذ بيده إلى الله، فتلتقي مع أخيك وتقوم بدعوته وتأخذه لنزهة وتخدمه وتعاونه، من أجل هدفٍ واحد وهو أن تأخذ بيده إلى الله، فأين الثرى من الثريا، أين الدافع الاجتماعي عند الكافر وأين الدافع الاجتماعي عند المؤمن ؟
شيءٌ آخر النشاط الاجتماعي عند المؤمن وفق قنوات نظيفة، فلا يوجد اختلاط، ولا تبادل أو تجاوز للحدود، فالنشاط الاجتماعي أساسه القنوات النظيفة التي شرعها الله عزَّ وجلَّ، لا يوجد كذب، أو مجلس يسفك فيه دمٌ، أو يُنتهك فيه عِرضٌ، أو يُغتصبُ مالٌ فهذه المجالس محرَّم أن تجلس فيها، فقد جعل لك كلّ النشاط الاجتماعي نظيفاً وضمن قنوات نظيفة.
شيء آخر حينما يفسد المجتمع وتنحلُّ فيه القيم وتداس فيه المبادئ عندئذٍ يأمرك الإسلام أن تعتزل هذا المجتمع، قال عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه:
(( الوحدة خيرٌ من جليس السوء.))
[الحاكم والبيهقي عن أبي ذر]
إذاً قضيّة الآداب قضيّة مهمة جداً، أي أنّ الآداب هي المظهر الصارخ للمؤمن، فالمؤمن أديب في حركاته، وسكناته، وجلوسه، وطعامه، وشرابه، وسائر تصرُّفاته.
آداب العُطاس:
الآن ندخل في آداب العُطاس:
(( إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]

في رواية أخرى:
(( فليقُل هو يغفر الله لنا ولكم ))

[أبو داود والترمذيّ عن سالم بن عبيد الله الأشجعي]

كلمات: " الحمد لله "، "يهديكم الله ويصلح بالكم "، "غفر الله لنا ولكم "، كلمات طيّبة جداً تبعث الأُنس والمودّة.
العاطس يقول: الحمد لله، أو الحمد لله ربِّ العالمين، أو الحمد لله على كلِّ حال أي أنّ العاطس عليه أن يحمد، ويقول صاحبه: يرحمك الله، فيجيب العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم.
هنا سنذكر نقطة هامة جداً، قيل: لا يشمّت العاطس إذا لم يحمد الله، أي يوجد شيء اسمه تأديب، فيوجد أدب وهناك تأديب، فالإسلام يوجد فيه تصرُّفات واقية.
(( إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلا تُشَمِّتُوهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه]
(( عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الأخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ ))
[البخاري عَنْ أنسَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الأب أحياناً يعمل مكافأة لمن أدّى صلاة الفجر، أو لمن قرأ القرآن، أو يعمل مكافآت لمن حضر معه مجلس العلم، فيقدِّم له هديّة صغيرة فإذا اعترض الآخر قال له: لقد حضر معي الدرس أو حفظ جزءاً من القرآن، فالعطاء ينبغي أن يكون مرتبطاً بالإنجازات، على حين الأب الجاهل يعطي ويمنع بلا سبب، أي العطاء مِزاجي والمنع مِزاجي، فلا يوجد قيم للعطاء والمنع، أو يعطي لسبب يكتمه فلم نستفد من هذا العطاء، ولكن ينبغي أن يربط العطاء والإكرام والهديّة بسبب ديني.
كن إيجابياً فهذا أفضل أسلوب في التعامل:
سمعت عن سلفنا الصالح كانوا إذا حفظ الطالب القرآن أقاموا له احتفالاً ضخماً وقدّموا له الهدايا، فيقدم له أثمن الأشياء، والآن يوجد شيء من هذا القبيل.
فالابن يأتي بالمرغِّبات والمكافآت والتشجيع، ودائماً أيُّها الأخوة أسلوب التشجيع أعظم بكثير من أسلوب التقريع، فمثلاً الأب مع ابنه، يمكن للابن أن يغلط آلاف الأغلاط ولكن إذا رأى الأب من ابنه موقفاً جيّداً فقال له: والله لقد سررت منك يا بني وقد كبرت في عيني كثيراً، فخذ الموقف الجيِّد وقم بالثناء عليه تجد الطفل تشجّع وبادر إلى عمل موقف جيّد ثانٍ وثالثٍ، فأسلوب الترغيب أفضل بكثير من أسلوب الترهيب، أسلوب الثناء والمديح أفضل من أسلوب التقريع، أسلوب الهديّة والمكافأة أفضل من أسلوب العقاب والتأنيب، فدائماً كن إيجابياً.
ذكرت في إحدى المرّات أتمنّى أن أُعيده عليكم، فالدعوة إلى الله أرقى أسلوب لها هذا الأسلوب، لو فرضنا لدينا عشرة محلاّت تجاريّة، وهذه المحلاّت فيها بضائع ممنوعة، وبضائع مغشوشة، وأسعار غير معقولة، وأنت وزير للتموين فأرسلت الموظفين لكتابة الضبط ولقمع هذه المخالفات، فقاموا بإغلاق المحلاّت وبختمها بالشمع الأحمر وأرسلوا أصحابها إلى السجون، هذا الأسلوب اسمه أسلوب القمع.
هناك أسلوب آخر راقٍ جداً اسمه التدخُّل الإيجابي في السوق، قم بفتح محلٍ بجوار المحلاّت العشرة المخالفة وقم ببيع أحسن البضاعة ومن أجود الأنواع وبأرخص الأسعار، وبأطيب المعاملة، فستجد كلّ الزبائن جاؤوا إلى هذا المحل للشراء منه، وباقي المحلاَّت إذا لم يقلِّدوك سيخسرون ويفلّسون، هذا الأسلوب اسمه أسلوب التدخُّل الإيجابي فطبقّوه على الدعوة إلى الله.
لا تنتقد أحداً، ولا تطعن بأحد، دع الناس وقدِّم أنت الإسلام بشكل إيجابي فقط، كن مثالياً وطبِّق الدين تطبيقاً حقيقياً، وادعُ إلى الله بشكل إيجابي، من دون مهاترات، ومن دون طعن، ومن دون تقريع، ومن دون تحجيم، ومن دون غمز أو لمز، ومن دون عدوانيّة فكل هذه الأساليب في الدّعوة لا تُجدي، قدِّم الإسلام بالشكل الإيجابي وفي أبهى صورة، قدِّم أجمل ما في الدين، وانتقِ أجمل حديث واشرحه، اشرح آية وكن مثالياً وبذلك ينتهي الأمر.
توجد أساليب كثيرة أساسها العطاء لا النقد، فكذلك الأب أو المربّي يفلح كثيراً مع أولاده لو آثر الترغيب على الترهيب، والمكافأة على العقوبة، والثناء على التقريع، فليكن المربّي إيجابياً، حتى الرجل مع زوجته، أليست لها ميزة واحدة ؟!!
التعامل مع الآخرين يحتاج إلى صفة الموضوعيّة:
أحد ملوك الأندلس وهو ابن عبّاد له قصّة بالغة الشهرة، فقد أحبّ جارية وتزوّجها وأصبحت ملكة، وبعدما صارت حروب الطوائف وجاء ابن تاشفين من شمال إفريقيا، وردَّ الأعداء، ووحّد الدويلات الأندلُسيّة، وضع ابن عبّاد في السجن وكان ملكاً فافتقر، وكانت زوجته التي كانت جارية من قبل أن يتزوّجها وتصبح ملكة قد حنّت لحياتها الفقيرة، فطلبت منه طيناً لتمشي عليه وتخوض فيه، فعجن لها المسك والكافور وقت أن كان في عزّه وقال لها: دوسي في هذا الطين، هذا هو الطين، ولما افتقر أعرضت عنه وأهملت شأنه، فتألّم، وفي ذات مرّة قالت له: لم أر منك خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين ؟!!
vأحياناً تقول الزوجة لزوجها: لم أر منك يوماً طيباً أو أبيضَ، فيقول لها: ولا يوم ؟!! هذا كلام فيه مبالغة، يجب أن يكون الإنسان واقعياً، فأساساً التعامل مع الآخرين يحتاج إلى صفة الموضوعيّة، فلا تُلغِ ميزات الآخرين فتكون غير واقعي وتكون ملحفاً وظالماً، العوام وحدهم ليست عندهم حالة وسط، ليس عندهم سوى لونين الأبيض والأسود، فإذا أحبّوا بالغوا، وإذا كرهوا عادوا، أما المؤمن فوسطيّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.))
[الترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة]
يطلق الناس على ذلك: شعرة معاوية "، فقد كان شديد الذكاء، فقد وردته رسالة من عبد الله بن الزبير يقول له فيها: أما بعد فيا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام. ـ من يخاطب ؟ يخاطب أمير المؤمنين دون ألقاب وهو أحد أفراد الرعية ـ وكان ابنه يزيد بجواره فقال له: اقرأ. فلما قرأ غضب. فقال له سيّدنا معاوية: ما ترى يا يزيد ؟ فقال: أرى أن ترسل له جيشاً أوّله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال له: غيرُ ذلك أفضل يا بني، فكتب: أما بعد، لقد وقفت على كتاب ولد حواريِّ رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كُلُّها هيِّنة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض وما فيها. فأتى الجواب: أما بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلَّك من قومك هذا المحل. فقال لابنه يزيد: يا بني، من عفا ساد، ومن حَلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
على الإنسان أن يكون منصفاً:
أنت أحبب حبيبك هوناً ما، فمثلاً تجد أحد الأشخاص يأتي لخطبة فتاة فأسمع عنه مديحاً من أسرة الفتاة عن صفاته وكأنّه ولي وعارف بالله، وشديد الفهم، وورع، وبهذا المديح أصبح قطباً للأقطاب، وبعد ذلك يترك ابنتهم فيقولوا عنه إنّه لا يصلّي، وماله من حرام، وأهله ليسوا على ما يرام، وهو مصروع ويصاب بالإغماء، أصبحت كل العيوب فيه مرّة واحدة، فلا تجد حلاً وسطاً بالمرّة، فهل إذا أحببت انكببت عليه بكلياتك، وإذا أبغضت عاديته عداءً شديداً نعوذ بالله من ذلك، لذلك:
(( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.))
[الترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة]
كن موضوعياً، أيها الأخوة الكرام يقع بين اللونين الأبيض والأسود أكثر من مئة لون رمادي، فالنبي الكريم رأى صهره زوج ابنته أسيراً في صفوف المشركين، جاء ليحاربه، فكان يجب أن يقتله، فما تعني كلمة محارب ؟ أي جاء ليقتل، فماذا قال النبي عن صهره ؟
(( سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ صِهْراً لَهُ قَالَ: وَعَدَنِي فَوَفَى لِي ))
[البخاري عَنْ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
أي كان صهراً ممتازاً، وهو مشرك وجاء ليحارب، ووقع أسيراً، فيمكن كلمة: ما ذممناه صهراً أمالت له قلبه، ويمكن أن تكون هذه الكلمة سبب إسلامه، وقد أسلم بعد ذلك فهل الإنصاف قليل ؟ هذا مشرك جالس مـع الأسرى وجاء ليقتل ولم ينسَ النبي فضائله أنّه كان صهراً ممتازاً، وكان زوجاً رائعاً.
كن منصفاً، قد تجد موظفاً تحت إمرة رئيس دائرة من الدوائر وتأخر قليلاً فينهره قائلاً: اليوم تأخرت عن العمل. أليس لهذا الموظّف ميزة، فقط يتكلّم عن نواقصه، فهذا المدير العام الذي يتتبع نواقص الموظفين ويتغافل عن ميّزاتهم من أسوأ المديرين.
جَاءَ أَبَا بَكْرَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ رَاكِعٌ، فَرَكَــعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْــهِ وَسَلَّمَ صَلاتَهُ قَالَ:
(( أَيُّكُمِ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَـى الصَّفِّ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
هذا هو الأدب النبوي، فلماذا ركض ؟ لحرصه على الصلاة خلف رسول الله ولحرصه على العبادة، إذاً يثنى عليه.
إدارة الناس فن:
إذا كنت ربَّ أسرة، أو مدير مدرسة، أو مديراً لدائرة، أو مديراً لمشفى، أو معمل، وترأس عدداً من الموظّفين، فإيّاك أن تتغافل عن ميّزاتهم، فإذا أردت أن تحاسب إنساناً أو تلفت نظره لشيء أو توجّهه فقد يأتي كلّ يوم متأخّراً. فقل له: أنا معجب بأمانتك وإخلاصك ولكن هناك تأخر منك، أصبح هناك توازُن فقد عرِفت ميّزاته وحاولت أن تصلح له عيوبه، كذلك الأب مع أولاده، يكون الابن له عدّة مميزات وله عدّة نقائص، فيظلّ الأب دائماً مركّزاً على النقائص، بعد ذلك تجد الابن ضجراً ويقول: أليست لي ولو ميزة واحدة ؟!! فدائماً ذكِّر أولادك بميّزاتهم وقل لابنك: أنا معجب يا بني باستقامتك، أو معجب باجتهادك، أو أنا مسرور لطاعتك لوالدتك، فدائماً ذكِّر ابنك بميزاته حتى يميل لك، فلا تحاول انتقاده إلا بعد أن تذكِّره بميزاته فهذه من أروع وسائل التربية، وستجد هذا الابن قد لان، ويقول في نفسه: معنى ذلك أن أبي يعرف مميّزاتي، ولم يضع تعبي معه، فيعرف محبّتي وإخلاصي ولكن هناك تقصير، فهذه يا بني يجب أن لا تفعلها.
هكذا المعلِّم، والطبيب مع من حوله، إذا كان مديراً لمشفى، أو كان مسؤولاً عمن حوله، فقد قال النبيّ الكريم:
((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
ذكرت لكم عن كتاب أُلِّف في أمريكا عنوانه " كيف تؤثِّر في الآخرين وتكسب الأصدقاء "، للمؤلِّف دايل كارينجي، وطبع منه خمسة ملايين نسخة، وهو من أوسع الكتب انتشاراً، فقام عالم كبير من الأزهر من مصر وأخذ كل القواعد المذكورة في الكتاب وقام بتخريجها على آيات وأحاديث، أي أنّ كلّ هذه القواعد الذي استنبطها المؤلِّف بذكائه وتجربته هي أصول إسلاميّة.
أذكر هذا المثل لكم وهو مذكور في الكتاب أنَّه لا يحقُّ للمدير العام أن ينتقد موظّفاً قبل أن يثني على فضائله، فجاء العالم الأزهري بالحديث الشريف:
((.. زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
الحقيقة أيها الأخوة الكرام إنّ إدارة الناس فن، فقد تكون مديراً لمعمل وناجحاً في إدارتك ولكنّك غير ناجح في أسرتك، فالنجاح في الأسرة شيء هام جداً، فإدارة الأسرة فن، وإدارة مؤسسة فن، وإدارة الدوائر الحكوميّة فن، وأن تكون مديراً عاماً محبوباً ومرغوباً في الوقت نفسه لا بدَّ لها من الجهد والخبرات، ومن الأساليب التربوية.
لن يسعد الإنسان إلا إذا رأى ابنه كما يريد:
تحدثنا عن تربية الأولاد، وقلنا إنه يجب أن تعرف ميزات ابنك وأن تنمّيها له وبعد ذلك قم بمحاسبته، بعض الآباء يقولون: هذا شيء طبيعي أن يكون الابن أميناً، لا ليس طبيعياً أن يكون أميناً، فابنك أمين لم يأخذ قرشاً واحداً من دون إذنك فأثنِ على أمانته وأشعره بأنّك تعرف أنّه أمين، وامنحه الثقة بنفسه، فدائماً العظماء يمنحون الثقة للناس.
لكن من لديهم قيادة مركزيّة، ليس لديهم ثقة بأحد فلا ينجحون في إدارتهم، فكل شيء بداخله، فإذا قلت لابنك: أوصل هذا المبلغ لفلان من الناس وقد يكون مبلغاً كبيراً، وأنت قد غامرت بذلك لكن عندما يوصله يشعر بنشوة لوثوقك به، وأنّك واثق من أمانته وحرصه وحكمته، فأرجو أن يلهمنا الله سبحانه وتعالى الصواب.
إذا نجحنا في تربية أولادنا فهذا شيء عظيم جداً، فقد كنت منذ يومين مع بعض الأخوة وتكلّمت بكلمة دقيقة فقلت: لو وصل الإنسان إلى أعلى درجات النجاح المادي وكان ابنه شقياً فهو لن يسعد أبداً وسيشقى بشقائه.
سمعت عن شاب في مصر عمره دون الأربعين عاماً يملك مبلغاً من المال يحتفظ به في المصرف ويبلغ أربعة آلاف مليون دولار، وهو أغنى رجل في مصر، ولكن حتى لو وصل إنسان إلى هذا المستوى من الثروة، أو في المرتبة الثانية حصل على أعلى شهادة في العالم كالبورد في الطب بأمريكا، والأكريجيه بفرنسا، أف. آر. إس، بانكلترا وهي أعلى الشهادات، أو في المرتبة الثالثة حققت كلّ أهدافك الماديّة وكان ابنك شقياً فو الله تشقى أنت بشقائه، فلا تسعد ولن تسعد إلا إذا رأيت ابنك كما تريد، فانظر ما أعظم القرآن الكريم عندما ذكر دعاء المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) ﴾
( سورة الفرقان )
أي إذا كان ابنك منضبطاً بالشرع، يصلّي، ولا يكذب مثلاً، وكان باراً بك فهذا شيء جميل جداً، فتنام قرير العين، وتعرف كلّ رفاقه، فليس له رفيق سيئ الخلق، أو معصية ارتكبها، فهذا من نعم الله العظمى.
الأولاد أمانة في أعناق آبائهم:
أيُها الأخوة الكرام اجتهدوا في تربية أولادكم فالمكسب معكم كمن يضع ماله في خزانة، فلا تقل لم يتبقَ لي شيء، ففي أية لحظة تجد مالك محفوظاً، أو من عنده خزانة من الحديد ووضع فيها رزماً من المال، ويقول لك لا يوجد معنا شيء من المال فقد افتقرنا، لا لم تفتقر فخزانتك مليئة ومعك مفتاحها، وهذا كلّه ملكك، وكل إنسان يربّي ابنه فهذه التربية استثمار له، أحياناً أقوم بزيارة أحد أخواننا في محله التجاري فأجد ابنه ملء السمع والبصر، وهذا الأخ يذهب للمحل في الساعة الثانية عشرة ويعود للبيت الساعة الثانية ظهراً، وابنه في المحل من الساعة الثامنة صباحاً حتى آخر الدوام.
أعرف أخاً عنده محل للأقمشة، وفقه الله بابن أمين إلى أقصى درجة ومنضبط ويدرس الحقوق في الجامعة وله ميول أدبيّة وقائم بأعمال المحل، بنهاية الأمر لن تجد مثل ابنك ليحل محلّك وهذا الكلام لكل أصحاب المصالح، فمن يملك محلاً تجارياً عليه بتربية ابنه وتعليمه وأن يأتي به للعمل عنده، فالعلم لا يطعم خبزاً الآن ولكنّه ضروري.
كان عندي طالب حصل على مئتين وأربعين علامة في البكالوريا فسألته: هل دخلت كليّة الطب ؟ فقال لي: لا بل زراعة، فسألته: لماذا ؟ فقال لي: لا أريد الطب فأبي يملك أراضي زراعيّة فمن يقوم بها غيري، وأنا أولى الناس في رعايتها واستثمارها وزارعتها، لم أجد أعقل منه، فهو حاصل على مجموع كبير يؤهِّله لدخول الطب، والطب طريقه طويل جداً، ولكنّه رأى أن عمله مع والده بالأرض أفضل.
يجب أيها الأخوة الكرام أن تخططوا لأبنائكم، فيعاونك في مشروعاتك وعملك، فالإنسان يجب أن يأخذ ابنه جزءاً كبيراً من اهتماماته، وأن يفكر بتزويجه ولو في بيت صغير، وأن يعينه، لأنّ الأولاد أمانة في رقبة آبائهم.
كلمة أقولها دائماً لو ربى الإنسان أولاده تربية عالية وقام بتزويجهم واطمأنَّ عليهم ووضع رأسه ثمَّ مات فهو بهذا العمل سيدخل الجنّة، أحياناً تجد أماً صالحة ربّت خمس بنات على الحياء والأدب والخلق والصلاة، وزوّجتهم من أصهار ممتازين، واعتنت بهم، وكلّما ولدت بنت منهنّ مكثت عندها أسبوعاً لخدمتها ومعاونتها وتوجيهها، وبعد ذلك توفاها الله فهذه تذهب للجنة فقد قامت بمهمتها أعلى قيام، حتى لو لم يكن للإنسان أي عمل صالح فأسرته عمل صالح، إذا رعى أولاده وربّاهم تربيةً صحيحة وأنشأهم تربيةً إسلاميّة وزوّج أولاده ذكوراً وإناثاً فقد أدّى رسالته، وكأنّ الجنّة أصبحت مفتّحةً له، فهذا ليس كلامي أيّها الأخوة بل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال:
(( من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما حتى يزوجهما أو يموت عنهما فأنا كفيله في الجنّة. فقال له أحدهم: ومن كان عنده بنت واحدة ؟ فقال له: وبنتاً.))
[ورد في الأثر]
بعض آداب العطاس والتثاؤب:
من السنّة عند العطاس وضع منديل على الفم والتخفيض من الصوت ما أمكن:
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهَا صَوْتَه ُ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الثوب لخروج رذاذٍ من الفم، أو إذا كان بالفم أكل يشمئز الناس من ذلك، أو كان هناك إبريق من الماء أو صحن من الطعام، أو صحن فواكه، فيضع الإنسان يده والأولى أن يضع ثوبه أو منديلاً على فمه أثناء العطاس هكذا علمنا النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(( التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ ُ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
التثاؤب مع صوت شيء لا يحتمل إطلاقاً، أحياناً يكون في الصلاة ويفتح فمه ويتثاءب بصوت عالٍ لا يحتمل إطلاقاً وهو أمر قبيح للغاية وكما قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) ﴾
( سورة لقمان )
التثاؤب يجب أن يكون من دون صوت، صورة من غير صوت ويداً من فوقها، أما أن تحدث صوتاً عالياً فهذه مشكلة في التثاؤب، وكذلك مشكلة من عنده زكام ويعطس كثيراً.
(( أَنَّ رَجُلا عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. ثُمَّ عَطَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ ُ))
[أبي داود عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه]
أحياناً يحرج الأخ، فإذا عطس مرة يقولون له: يرحمك الله، ويعطس ثانيةً وثالثة ويقولون له: يرحمك الله، فليتمهلوا قليلاً عليه فهو مزكوم ومتضايق منها كثيراً.
مثل من يشرب كأساً من الماء ويكون معه أشخاص كثيرون والكل يقولون له: هنيئاً، هنيئاً، هنيئاً، فأراد أن يشرب مرّة أخرى فخرج بعيداً عنهم ورجع فقالوا له: شفيتم، شفيتم، شفيتم.
المرأةُ الشّابة الأجنبيّة لا تُشمّت:
هذه البروتوكولات إذا زادت عن الحد أصبحت مشكلة، فإذا لاحظت أنّ أخاك مزكوم فقل له مرّة واحدة وانتهى الأمر، أما أن تشمِّته في كلَّ مرّة فهذا غير معقول.
(( يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلاثاً فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ ُ))
[ابن ماجة عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنه]
لو كان أخوك مصاباً بالزكام وعطس ففي المرة الثالثة قل له: يرحمك الله، ثم اسكت، أو إذا كان بينهم فاصل زمنيّ فليُشمَّت مرَّةً واحدة فقط.
(( كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه]
كان صلّى الله عليه وسلّم فطناً فهذه ليست بعطسة ولكنها تعاطس من أجل أن يقول لهم يرحمكم الله وهو نبيُّ هذه الأمّة، فيقول لهم: يهديكم الله.
أخواننا الكرام المرأةُ الشّابة الأجنبيّة لا تُشمّت، فإذا كنت في دائرة حكوميّة وعطست امرأة فلا تقل لها يرحمك الله فهذا غير وارد على الإطلاق، فهذا جهل بالفقه، فقد قال ابن الجوزي: روي عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه كان عنده رجل من العُبّاد، فعطست امرأة، فقال لها العابد: يرحمك الله، فقال الإمام أحمد: عابدٌ جاهل، يقصد بأنّه جاهل بكراهية تشميت المرأة الأجنبيّة كراهة تحريميّة، فامرأة شابّة وعطست فليس لك أيّة علاقة بها على الإطلاق هذا عن العُطاس.
الله تعالى يحب العطاس لأنه ينشط الإنسان ويكره التثاؤب لأنه دليل تعب وملل:
أما التثاؤب:
(( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْـرَهُ التَّثـَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
التثاؤب دليل تعب ودليل ملل، أما العطاس فينشِّط الإنسان، فيصحو من نعاسه وتعبه، أنت تقول له: يرحمك الله، أما العوام فيقولون: صحّة، فما هذه الكلمة ؟ ليس لها أيّ معنى، فالأم الجاهلة تقولها لولدها، ولكن لو قالت له: يرحمك الله، فهذا شيء جميل جداً أن نتكلّم بكلمات المسلمين.
أحدهم عمل أُحجية فقال: عندما كان النبي الكريم يتثاءب هل كان يضع يده اليمنى أم اليسرى ؟ فأجابه الآخر: لم يمر علي ذلك، أي اليدين يضع ؟ فقال له: النبيّ لم يتثاءب قط، اللهمّ صلِّ عليه، ما تثاءب النبيّ قط، وقد قال العلماء: إذا غلب على الإنسان التثاؤب فليذكر أنّ النبي ما تثاءب، وإذا ذكر ذلك يذهب عنه التثاؤب، كما قال العلماء: لو تثاءبت في الصلاة ضع يدك على فمك أثناء الصلاة.
(( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلا يَقُلْ: هَاهْ هاهْ فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الفائدة التي قلتها قبل قليل: مما يروى عن السلف أنّه من ملكه التثاؤب وتخيّل بذاكرته أنّه عليه الصلاة والسلام لم يتثاءب قط يذهب عنه التثاؤب بإذن الله، وهذا هو علاج التثاؤب.
بعض أحاديث من السُّنة النبوية عن آفات اللسان:
بإنهاء موضوع العُطاس والتثاؤب تنتهي الآداب التي ينبغي أن تُلقِنها أبنائك وطلاَّبك ـ إن كنت معلِّماً ـ وهي أساسيّةً جداً في تربية الأولاد، وننهي هذا الدرس بحديثٍ سريعٍ عن آفات اللسان كما وردت في كتاب "منهج القاصدين " وهو ملخَّص " إحياء علوم الدين "، فقد شعرت أنّ هذا الموضوع لا يكفي لدرس فقمت بترميمه بموضوع آخر واخترته لكم من هذا الكتاب.
الإمام الغزالي يقول:" آفاتُ اللسان كثيرة متنوِّعة ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت ".
الآفات لها حلاوة، وأقول لكم دائماً إنّ التكليف مخالف للطبع، فمن الأشياء الممتعة أن تتحدَّثوا عن أشخاص وعن أعمالهم ومشاكلهم وفضائحهم، ولماذا طلّق زوجته ولماذا لم يطلِّقها وكيف ضبطها ؟ فالإنسان لديه رغبة في أن يستمع إلى القصص، فعندما يجلس الإنسان في المجلس ويكون فيه غيبة أو نميمة فهي ممتعة جداً، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت.
لنذكر أولاً فضيلة الصمت، تجد المؤمن صامتاً ليس صمتاً ينمَّ عن البلاهة، تجد شخصاً صامتاً لأنّه لم يفهم شيئاً من الحديث، ولكن صمت المؤمن صمت انضباط، وسكوت عبادة، فإذا كان هناك موضوع فيه غيبة فلا يتكلَّم بكلمة واحدة وهذا الصمت يربك المجلس، فألاحظ عندما يتكلَّم شخص على أحد الأشخاص ولم تتجاوب معه ولم تقل له أكمل الكلام أو معقول فعل ذلك فلان ؟ ولكن إذا بقيت صامتاً، فهذا السكوت من دون أي تعبير إطلاقاً يحرجه، ومعنى ذلك أنّه قد عرف ذنبه فيقوم بتغيير الحديث أو يسكت، فالصمت في مثل تلك الموضوعات فضيلة والحديث النبوي الشريف:
((من يضمن لي ما بين لحييه ـ أي لسانه ـ وما بين رجليه أضمن له الجنّة.))
[البخاري عن سهل بن سعد]
معنى ذلك أنّ الإنسان يؤتى من آفات اللسان، ومن آفات الفرج، الحديث الآخر أرويه لكم كثيراً:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أحمد والبيهقي عن أنس بن مالك]
هذا حديث أساسي، وعندما سأل سيِّدنا معاذ سؤالاً غريباً:
(( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ.... ثُمَّ قَالَ النبي: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِم إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
[الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
اللسان وحده يكفي لدخول النار، والحديث الآخر:
(( من كفَّ لسانه ستر الله عورته ))
[ابن أبى الدنيا عن ابن عمر]
(( ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ))
[رواه الطبراني عَنْ عبد الله بن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه]
أبو الدرداء يقول:" أنصت أُذُنيك من فيك، فإنّما جُعُلت لك أُذنان وفمٌ واحد، لتستمع أكثر مما تتكلّم ".
عوّد النفس أن تأخذ ولا تعطي، فالأذكياء يستمعون ولا يتكلّمون، ومن كثُر كلامه كثُر خطؤه.
من آفات اللسان:
1ـ الكلام فيما لا يعنيك:
أول آفة أيّها الأخوة الكلام فيما لا يعنيك.
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.))
[الترمذي عن أبي هريرة]
2ـ الخوض في الباطل:
الآفة الثانية الخوض في الباطل، فإذا كان الحديث عن المعاصي، والمقاصف، والحفلات، والأفلام، والسهرات، والأعراس، وعن الموبقات، فإذا تكلَّمت عن هؤلاء فهذه آفة كبيرة للسان، وسأذكر لكم الآفات باختصار شديد ففي الأصل حول كل آفة عدد كبير من الصفحات.
الآفة الأولى: أن تخوض فيما لا يعنيك، والآفة الثانية: أن تخوض في الباطل.
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللـَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنه]
أي كلمة واحدة.
3ـ التقَعُّر في الكلام والتشدُّق وتكلُّف السجع:
الآفة الثالثة: التقَعُّر في الكلام والتشدُّق وتكلُّف السجع، وقد تكلمنا سابقاً عن التقعُّر، فليس من الآداب النبويّة التكلُّف والتقعُّر والفيهقة.
4ـ الفحش والسبُّ والبذاءة:
الآفة الرابعة: الفحش والسبُّ والبذاءة.
(( إيّاكم والفُحش فإنَّ الله لا يُحبُّ الفُحش ولا التفحش ))
[ الطيالسي وأحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]
لا يمكن أن يكون مؤمن فاحشاً، يقول لك: عشت معه ثلاثين سنة ولم أسمع كلمة تجرح الشعور أو تُخجل أبداً، فممكن أن تعبِّر عن كل المعاني المشكلة بعبارات لطيفة ومهذّبة فالله تعالى أعاننا على البيان، فالقرآن يعلّمك، فهل ذكر القرآن وتكلَّم عن اللواط ؟ نعم فقد قال تعالى:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) ﴾
( سورة المعارج )
هذا هو الدليل أو كما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) ﴾
( سورة النساء)
كلام لا يجرح ولا يحرج، في بعض كتب الفقه تجد فيها الكثير من الألفاظ المحرجة، وعندما تُدرَّس لطلاَّب صغار أو لبنات يحدث إحراج كبير، فيها المسميات بأسمائها، ولكن القرآن الكريم والنبي كنّى والكناية من علامات الذوق الرفيع وكذلك البلاغة.
(( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]
5ـ الغناء:
الآفة الخامسة: الغناء، وهي من آفات اللسان، فالغناء والقرآن لا يجتمعان أبداً:
(( الغناء ينبت النفاق ))
[ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود]
6ـ المزاح:
الآفة السادسة: المزاح، أما اليسير منه إذا كان صادقاً فلا شيء عليه، وهو بعكس ذلك ضروريّ، فالنبي كان يمزح، كن مرحاً، وكن متفائلاً، ولطيفاً، واجعل الجو جواً ممتعاً، فيوجد جو كهنوت وآخر رحموت، الرحموت مليء بالرحمة والأُنس، والكهنوت فيه قسوة.
7ـ السخرية والاستهزاء:
الآفة السابعة: السخرية والاستهزاء، فالسخرية والاحتقار الاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك، قالت للنبي الكريم: قصيرة، فقال لها:
(( لقد قُلتِ كلمةً لو مزجت في مياه البحر لمزجته.))
[أبو داود عن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها]
فإيّاك أن تعير مخلوقاً، لأن من عيّرَ أخاه ابتلاه الله.
8ـ إفشاء السّر والكذب في القول واليمين:
الآفة الثامنة: إفشاء السّر، والكذب في القول واليمين.
9ـ الغيبة:
الآفة التاسعة: الغيبة:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ:... فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَ]
الأعراض: يعتقد بعض الناس أنّها النساء، ولكنّها هي موضع المدح والذّم من الإنسان أي سمعتك، فهذا هو عرضك، فكلمة عرض لا تعني امرأة، الإنسان له جانب اجتماعي وجانب معنوي، فإذا اعتديت على سمعته واتهمته بعدم الفهم مثلاً أو بعدم النظافة، أو قلت عنه إنّه حرامي دون أن تتأكّد من ذلك فماذا فعلت بقولك ؟ فقد اعتديت على عرضه، أي على سمعته.
(( صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ ولا تُعَيِّرُوهُمْ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنـَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنه]
هذا الحديث يقصم الظهر، فضحه الله في بيته، فالله ستّار.
الله ستار يحب الستر:
ذكرت لكم قصّة عن رجل تزوّج وبعد مدة قصيرة وجد امرأته حاملاً في خمسة أشهر، ومعنى ذلك أن الحمل ليس من صلبه، وكان خطيب المسجد الذي يصلّي فيه هذا الرجل قد رأى رسول الله في المنام وهو يقول له: قل لجارك فلان أنّه رفيقي في الجنّة، فما هذه البشارة ؟ فطرق باب جاره وكان سمّاناً، فقال له: عندي لك بشارة من رسول الله واستحلفه بالله ماذا فعلت ؟ فقال له: والله لقد تزوّجت امرأة وكانت في الشهر الخامس من حملها، وكان بإمكاني فضحها أو سحقها أو أن أطلقها أو أركلها برجلي إلى الطريق، ولكنني شعرت بأنني يمكنني أن أجعلها تتوب فأحضر لها قابلة في البيت لتوليدها، وحمل الطفل وذهب به إلى جامع الورد وعندما كان الإمام يصلّي وضعه خلف الباب، وبعد ما انتهت الصلاة بكى الولد وتجمّع من حوله الناس وكأنّه ليس له علاقة به فقال: خيراً ماذا هناك ؟ فقالوا له: انظر هذا طفل، فقال لهم: أعطوه لي فسأكفله، وكفله أمام الحي، وسترها وربّاها وحفظها وتركها عنده، فالله ستار، كثير الستر.
سيّدنا عمر سئل ذات مرّة، وقال السائل: لي أخت قد زنت مع شخصٍ وأُقيم عليها الحد وهو الجلد، وتابت توبة نصوح وحسن إسلامها، وقد جاءها الآن خاطب، أأذكر له ما كان منها ؟ فقال له: والله لو ذكرتَ له ما كان منها لقتلتك، لشدة تأثّر سيّدنا عمر.
لا تحمروا الوجوه:
الإنسان إذا تاب وتعرف عنه أنّ له قصّة سيّئة فلا تذكِّره بها أليس عندك أدب ؟ فقد تغيَّر وتبدَّل وتاب وارتقى ونسي ذلك العمل، وما زال يذكِّره بها، فتعلّموا من سيِّدنا يوسف عليه السلام عندما قال:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 16 ) الامر بالمعروف





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس التاسع والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولعلّنا في هذا الدرس ننهي التربية الاجتماعيّة وننتقل بعدها إلى موضوعٍ آخر. الفريضة السادسة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
اليوم الموضوع الأخير من مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة غرس روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأولاد.
الشيء الذي يلفت النظر أنّ علماء كثيرين سمّوا هذه الفريضة الفَريضة السادسة، كيف أنّ هناك صلاةً، وصياماً، وحجاً، وزكاةً، وشهادةً، هناك أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وفي اللحظة التي يتخلّى المسلمون عن هذه الفريضة السادسة يستحِقُّ عقاب الله عزَّ وجلَّ، حتى أنّ بعض العلماء يقول إنّ قوله تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) ﴾
( سورة الأنفال )
أي أنّ الصالحين إذا تخلَّوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصابتهم الفتنة، والسبب تقاعُسُهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نذكر مثلاً يقرِّب الحقيقة، أرض كُلُّها مستنقعات، وفي هذه المستنقعات بعوض، وحشرات، ومياه آسنة، وتفسُّخ، وحشائش متفسِّخة، وروائح كريهة، وتوجد بقعة خضراء غير مبتلّة وفيها حشائش خضراء نضرة، هذه البقعة ينبغي أن تتوسّع وينبغي أن تتقلَّص مساحة المستنقعات، فحينما لا ننمي هذه المساحة الخضراء تنمو مساحة المستنقعات، وقد تطغى المستنقعات على هذه المساحة الخضراء الصغيرة.
لذلك يجب أن نعتقد كلُّنا كباراً وصغاراً، آباءً وأبناءً، أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عِلَّة خيريَّة هذه الأمّة، حينما قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) ﴾
( سورة آل عمران )
ما علّة هذه الخيريّة ؟ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
التواصي بالحقِّ أحد أركان النجاة:
لاحظ لو كان في البيت مسلمٌ واحد، وإسلامه حقيقي، وكلّما رأى منكراً نبّه إليه ففي الأعمِّ الأغلب ينضبط كلَّ البيت، أو وجود موظف مسلم في دائرة ما وكلَّما رأى منكراً نبّه إليه بشكل لطيف وحكيم، فيصبح كلَّ من أراد فعل المنكر يحسب حساباً لهذا المسلم الذي سوف يبدي ملاحظة بأدب.
التواصي بالحقِّ أحد أركان النجاة، أي أن الإنسان لو رأى منكراً فلم يتمعَّر وجهه استحقَّ بلاء الله عزَّ وجلَّ، وقد ورد في الآثار النبويّة:
(( أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن اخسف بقرية كذا وكذا قال: يا رب إن فيهم فلاناً العابد، قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط ))
[رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه ]
الآية التي تعرفونها جميعاً:
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾
( سورة هود )
إذا كانوا صالحين يهلكهم الله عزَّ وجلَّ لأنّه صالح، أمّا إذا كانوا مصلحين فينجون من عذاب الله.
أنت ابن وتعمل مع والدك، وقد يرتكب الوالد خطأً في البيع والشراء، والله لم يكلِّفك أن تكون فظاً أو غليظاً ولكن بأدب جمّ قل له: يا أبتِ هذا العمل حرام ولا يجوز فعله، يجوز أن لا يلقي لكلامك بالاً، أو ربما ينهرك، ولكن مرة تلو المرة يحسب لك حساب، فإذا لم يتواجد إنسان يدافع عن الحق، تستحقُّ الأمّة كلُّها عذاب الله عزَّ وجلَّ.
على المؤمن أن يربّي أولاده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنك
ما معنى قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ﴾
( سورة محمد )
هذا هو المعنى، أي أنّك حارسٌ لدين الله، إذا رأيت منكراً اجتماعياً، أو منكراً بالعلاقات الاجتماعيّة، أو بالعلاقات الماليّة، أو رأيت منكراً باحتفالات معيّنة، ونبّهت له بلطف وبأدب وبحكمة بالغة، معنى ذلك أنّك نصرت دين الله عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
آخر فكرة نذكرها هي أنّ المؤمن ينبغي أن يربّي أولاده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾
( سورة آل عمران )
هناك آية أخرى يقول الله تعالى فيها:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) ﴾
( سورة التوبة )
ما معنى بعضهم أولياء بعض ؟ أي يتناصحون، ويتعاونون، ويسدي بعضهم لبعضٍ كلَّ الخير، هكذا المجتمع المؤمن.
مبايعة الصحابة للرسول الكريم:
ورد في الحديث الشريف:
(( دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بـْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقـَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ))
[ البخاري عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيــَّةَ]
على السمع والطاعة في العسر واليسر، أحياناً تجد أخاً ما دام فارغاً من الأعمال ونشيطاً ويمتلك المال تجده يرتاد بيوت الله، ولكن ولأتفه سبب ولأقلِّ مشكلة تنشأ تجده قد اختفى، ويقول لك: مهموماً اتركني وحيداً، أما الصحابي الكريم قال: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره. في حال نشاطك وفي حال مشكلة ألمّت بك، في حال عسرك، وفي حال يسرك، وعلى أثرةٍ علينا أي على أن نؤثر أخواننا، فالمؤمن دائماً ينطلق من إيثار أخيه في كلِّ شيء، وألا نُنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كُنّا، وألا نخاف في الله لومة لائم. هكذا كانت بيعة أصحاب رسول الله.
المعنى الموسّع للهجرة:
أيّها الأخوة هناك آية كريمة دقيقة جداً ونحن في أمسِّ الحاجة إليها، يقول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
الهجرة تعني مطلق الحركة، أي أنّك آمنت ولك مصلحة لا ترضي الله فينبغي عليك أن تتركها، وأنت آمنت ولك من الرفقاء من لا يرضي الله أن تبقى معهم فيجب أن تهجرهم، وأنت آمنت وتعيش وسط مجتمع فاسد يجب أن تبتعد عنه، فأنا أقول لكم المعنى الموسّع للهجرة، فهي حركة فلا تظلّ ساكناً، فقد آمنت فلا بدَّ من التحرُّك نحو الحقِّ ومن التحرُّك في هجرة الباطل.
﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾
أي أن تعاون أخوانك فأنت عضو نافع في الجماعة، فكن إيجابياً خيّراً ومعطاءً، دائماً تبحث عن إنسان تخدمه ابتغاء مرضاة الله.
﴿ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
آمن، وهاجر، وجاهد بماله ونفسه، وآوى، ونصر، قال: أولئك بعضهم أولياء بعض.
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
إذا لم يأخذ موقفاً فهذا لم يقدِّم شيئاً، وهو إنسان وعضو مشلول، إنسان سلبي، إنسان هارب من الحياة، بل إنسان انعزالي وقد نمت فيه الروح الفرديَّة الطاغية.
﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
ائتمار الكفار على إضعاف المسلمين وإيقاع العداوة والبغضاء فيما بينهم:
الآن دققوا في الآية التي بعدها قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) ﴾
( سورة الأنفال )
هم يتعاونون ضدّكم، ويأتمرون على إفقاركم، ويتعاونون على إفساد العلاقة بينكم، ويتعاونون على إضعافكم وعلى إيقاع العداوة والبغضاء فيما بينكم، يخططون ويعملون ليلاً ونهاراً للإيقاع بالمسلمين، ولتفتيت وحدة المسلمين، ولإيقاع العداوة بين المسلمين، يعملون ليلاً ونهاراً لإفقار المسلمين، ولأخذ الأموال من بين أيديهم، وذلك بنقل الكتل النقديَّة الكبرى من بلاد المسلمين إلى بلاد الغرب، ويفتعلون كلّ الأزمات من أجل أن تنقل هذه الأموال، ومن أجل أن يعيشوا وحدهم ونفتقر نحن فقد قال تعالى في الآية الكريمة:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (73) ﴾
( سورة الأنفال )
الآن أعيروني انتباهكم فقد قال تعالى بعد المقطع الأوّل من الآية ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
يوجد هاء في كلمة تفعلوه، هذه الهاء على أيّ شيءٍ تعود ؟ هذه الآية تعود على الآية السابقة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72) ﴾
( سورة الأنفال )
أي إذا لم تتعاونوا هم يتعاونون عليكم ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
الحدّ الأدنى للإسلام أن تنطق بالحق:
يقول أحدهم لك: لا أستطيع أن أربّي أولادي، أحياناً أصدِّقه فهناك أكثر من خمسين مفسدة في الطريق، وأينما ذهب مفاسد، فهناك المناظر المثيرة، والأفلام الساقطة، والمجلاَّت الداعرة، فأكثر المجتمعات غرقت في الانحراف عندما تخلّى المسلمون عن التعاون والتناصر والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دخل الفساد إلى كلِّ بيت ويسميه العلماء غزو ثقافي.
غزو ثقافي أي أنّك لا تملك شيئاً، فالفكر الملحد العلماني والاتجاه الإباحي يصل إلى كلّ بيت،
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
تفعلوا ماذا ؟ التعاون والتناصر أن يكون أحدكم ولياً للآخر، الجهاد بالمال، إنفاق المال، جهاد النفس والهوى، الإيمان، الهجرة ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
إلا تفعلوا هذا كلّهُ ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
أي تنتشر المخدِّرات، وتنتشر بيوت الدعارة، وينتشر المنكر، بل يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف.
القضيّة قضيّة بالغة الخطورة، فإذا المسلم لم ينصر الإسلام ولم يؤيِّد الدين ولم يأمر بالمعروف ولم ينصح، فالحدّ الأدنى أن تنطق بالحق، فهذه الفتاة التي تمشي في الطريق أليس لها أبٌ أو أخٌ أو عمٌ أو خالٌ ؟ وهي مسلمة، فكيف سمح لها أن تمشي هكذا ؟!! ألا يوجد في رأس أبيها نخوة أو برأس أخيها أو خالها أو عمّها.
أردتُ من هذه الآية
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
أحياناً يبحـث الإنسان عن شيء محسِّن لحياته، ولكن هناك أشياء مصيريّة لو لم تفعلها لانتهت حياتك ؛ نحو الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليسا شيئاً تحسينياً ولكنهما شيء أساسي إن لم نفعله تنامت دوائر الباطل وحاصرت دوائر الحق وقضت عليه، ونحن ـ والحمد لله ـ في أعظم بلد إسلامي وهذا ليس كلامي بل كلام سيّد الأنبياء والمرسلين:
(( إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ))
[الطبراني والحاكم وتمام وابن عساكر عن ابن عمر]
(( عليكم بالشام ))
[ ابن عساكر عن أبي هريرة]
لا يوجد إنسان إلا ويعرف نعمة هذه البلدة، بمجالس العلم فيها، وبصلاح أهلها، ومع ذلك نشكو الفساد، فكيف لو ذهبت إلى بيروت ؟ أو إلى أي بلد آخر فستجد شيئاً غير معقول على الإطلاق، مثلاً في قبرص تجد امرأة تدخل للمحل التجاري بلباس السباحة، لا يوجد حياء على الإطلاق.
المبادئ الهدّامة والنظريّات الملحدة والاتجاه العلماني ينتشر لأنّه مؤيِّد للشهوات:
أيُّها الأخوة يجب عليك أن تربي أولادك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعلت هذا تنامت دوائر الحق على حساب دوائر الباطل، وكم أتمنى أن تتناصح الأسر، فإذا وجد بكل أسرة شاب مؤمن فأقول له: إنّ لك مهمّة خطيرة في البيت، عليك أن ترعى أخواتك بناتاً وذكوراً، من كان أصغر منك عليك بالإحسان واللطف، والأكبر منك بالإقناع الهادئ، يجب إن كنت في أسرة أن تجرّها كلّها إلى المسجد، وتأتي بها كلّها، ولو كنت تعمل في دائرة من الدوائر فأخوانك الموظفون قم بتنبيههم إلى عظمة هذا الدين وبيّن لهم فضل الإسلام، ونبههم إلى سعادة المؤمن حينما يستقيم على أمر الله، نبّههم ولا تظلّ ساكتاً:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
هذا هو محور درسنا اليوم يجب أن تُرسِّخ عادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نفوس أولادك، وأنت في الأساس ينبغي أن تفعل هذا.
هناك تعبير حديث أسمعه وأقرؤه كثيراً، فنحن كلُّنا في بحر وفي قارب واحد، فأي خطر يصيب هذا القارب سيصيب المجموع، والنبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عن هذا المعنى بأعلى مثل قال:
(( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكـَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً ))
[البخاري عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمـَا]
هذا التعبير " نحـن في سفينةٍ واحدة "، فمن يريد القيام بعمل طائش كأن يخرق مكاناً بالسفينة حتى يستجلب الماء لنفسه من غير تعب إن أخذنا على يده نجونا جميعاً، وإن تركناه هلكنا جميعاً، فالباطل ينتشر وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾
( سورة إبراهيم )
الباطل يتنامى ويتوسّع، فالمبادئ الهدّامة والنظريّات الملحدة والاتجاه العلماني والفكر الإباحي ينتشر لأنّه مؤيِّد للشهوات، والإنسان حينما تُلبّي فكرة ما شهواته تجده يؤمن بها إيمان تملُّق لا إيمان قناعة.
إذا كثر الخبث يستحقُّ القوم الهلاك:
يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داود وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) ﴾
( سورة المائدة )
في الآية الثانية لماذا لعنهم الله عزَّ وجلَّ ؟﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) ﴾
( سورة المائدة )
استحقوا لعنة الله، أي أن أي أمّة إذا لم تتناهَ عن المنكر تستحقُّ لعنة الله عزَّ وجلَّ لذلك كما قلت في بداية الدرس حينما وصف الله جلَّ جلاله أمّتنا بأنّها خير أمّة لأنّها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حديثٌ آخر:
(( اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَعَقَدَ بِيَدَيْهِ عَشَرَةً قَالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[ابن ماجه عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رٍ رَضِي اللَّه عَنْهَا]
إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيتوسّع الخبث، وإذا كثر الخبث يستحقُّ القوم الهلاك كما قال عليه الصلاة والسلام.
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ))
[الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِي اللَّه عَنْه]
الحديث التالي يدفع على الاستقامة:
أحياناً أسمع أدعية رائعة جداً، وصوتاً وصياحاً، وفصاحة وسجعاً، وأدعية منتقاة ومختارة، ولكن ليس هناك استجابة لأنّ النبيّ الكريم قال:
(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه]
أي أن تخلص في عملك مـع عدم الغش ولا الكذب ولا التدليس ولا الإيهام وأن يكون بيعك بيعاً شرعياً، إذا ربحك شرعي ومالك حلال اشتريت به طعاماً والطعام طيّب وأكلته فأصبحت مستجاب الدعوة، هذا هو معنى الحديث.
صدِقوني أيها الأخوة ما من حديثٍ يدفع على الاستقامة كهذا الحديث، فإذا كان بعملك مخالفات شرعيّة كالغش والكذب والاحتقار والتدليس والإيهام والجهالة وفيه شبهة، أصبح ربحك من العمل فيه شبهة، فإذا اشتريت به طعاماً فالطعام ليس طيّباً وعندئذ لا تستجاب دعوتك، أما إذا كنت مستقيماً بعملك ولا سيّما بكسب المال، أصبح مالك حلالاً وطعامك طيّباً ومستجاب الدعوة.
(( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ خـَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَداً فَدَنَوْتُ مِنَ الْحُجُرَاتِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجـَلَّ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلا أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِي فَلا أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلا أَنْصُرُكُمْ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهـَا]
هذا شيء خطير، والعلماء معهم الحق أن يقولوا الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو الفريضة السادسة.
كيف تُصلّي، كيـف تصوم، كيف تَحُجّ البيت، كيف تشهد أنّ لا إله إلا الله إذا لم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ! فلا تخجل فهذا الخجل شيطاني والناس يسمون المنافق لبقاً أو مرناً، وهذا نفاق وخجل لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، فكن جريئاً. بعض القواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
نحن يكفينا أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في محكم القرآن الكريم:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
هو الدين ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾﴿ وَلْتَكُنْ ﴾
اللام لام الأمر.
أيها الأخوة الآن بعض القواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1ـ عليك تطبيق ما تقوله حتى يستمع الناس إليك:

لا تصدِّق أن يسمع لك إنسان كلمة أو حرفاً إن لم تكن أنت سبّاقاً إلى تطبيق ما تقول، وهذا هو أول شرط.
إذا أنت لم تكن مطبّقاً لما تقول فالأفضل أن تسكت لأنّك إذا تكلَّمت سخر الناس منك واستهزؤوا بدعوتك وشهَّروا بك، ولم تزدهم عن الدين إلا بُعداً، يا طبيب طُبَّ لنفسك. لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلـه عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
فهناك يُسمع ما تقول ويُرتجى بالقول منك ويَنفعُ التعلي
***
الشرط الأول قبل أن تطبِّق ما تقول إيّاك أن تقول كلمة، يروى ـ قصّة مشهورة ـ أنّ شيخاً جليلاً له تلميذ من كبار أغنياء البلدة وعند هذا التلميذ عبد، فعندما زار الشيخ تلميذه وكان التلميذ قد دعا شيخه إلى طعام، قال العبد لشيخ سيِّده: يا سيّدي لو لفتّ نظر سيّدي كي يُعتقني، فقال له الشيخ: خيراً إن شاء الله، مضى شهر وشهران وثلاثة أشهر ولم يعتقه سيّده، والدليل أنّ الشيخ لم يقل للسيّد كلمة واحدة، فزار الشيخ تلميذه مرّةً ثانية، فتقدّم هذا العبد بأدبٍ جم إلى الشيخ وقال: يا سيّدي لو لفتّ نظر سيّدي كي يُعتقني فأنت عنده ذو قدرٍ عظيم، فقال له: خيراً إن شاء الله يا ولدي، كذلك مضى ثلاثة شهور ولم يعتقه والدليل ما تكلَّم الشيخ، وفي المرّة الثالثة زاره وقال لهذا العبد: إن شاء الله آن الأوان وطلب من سيّده أن يُعتقه فأعتقه، ظلّ سؤال كبير في ذهن هذا العبد فقال للشيخ: يا سيدي كلمة وتسعة أشهر وأنا أنتظر، وما دام بكلمة من فمك يعتقُني فلِمَ أخّرت هذا ؟!! قال له: يا ولدي لقد أتعبتني كثيراً، فإنني قد وفّرت من مصروف البيت مبلغاً أعتقت به عبداً قبل أن أطلب من سيِّدك أن يُعتقك.
أن تبحث عن المال من خلال الدين فهذا لعبٌ بدين الله عزَّ وجلَّ:
لا تأمر بالمعروف وتنهَ عن المنكر قبل أن تكون سبّاقاً إلى ما تقول، إذا كنت سبّاقا فلكلامك فعل السحر، إذا كنت سبّاقاً فإنّك تستطيع أن تؤثِّر في الآخرين، أما أن تتخذ الدعوة إلى الله حرفة لترتزق منها فهذا أسوأ شيء تفعله، قال الإمام الشافعي:" والله لئن أرتزِق بالرقص أهون من أن أرتزِق بالدين ".
إيّاك أن تلعب بدين الله، إذا أردتّ المال فابحث عنه من مصادره فهناك زراعة، وصناعة، وتجارة، أو أي عمل آخر، فإذا أردت المال فابحث عنه من مصادره المشروعة أمّا أن تبحث عن المال من خلال الدين فهذا لعبٌ بدين الله عزَّ وجلَّ فقد قال تعالى:
﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾
( سورة يس )
أول شيء قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾
( سورة الصف )
أدلة من القرآن والسنة على ضرورة تطبيق ما تقوله:
قال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾
( سورة البقرة )
(( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهـْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
(( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاءِ ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
قبل أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فعدَّ للمليون هل أنت في مستوى هذا الأمر ؟ هل أنت في مستوى هذا النهي ؟
(( أوحى الله إلى عيسى بن مريم: عظ نفسك بحكمتي فإن انتفعت فعظ الناس، وإلا فاستحيى منى ))
[رواه الديلمي عن أبى موسى]
كان سيّدنا عمر إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصّته وقال: إنّي قد أمرت الناس بكذا ونهيّتُهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيمُ الله لأوتينّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه منّي.
كانت القرابة من عمر مصيبة، فمصيبةٌ كبرى أن تكون قريب عمر، لأنّك إذا فعلت شيئاً مخالفاً لأمره عُوقبت مرّتين، مرّةً لأنّك قريبه ومرّةً لأنّك خالفت الأمر.
2ـ أن يكون المنكر الذي تنهى عنه مجمعاً على إنكاره:
أول شرط أن تكون مطبّقاً لما تقول والشرط الثاني أن يكون المنكر الذي تنهى عنه مجمعاً على إنكاره.
أي أنت شافعي وأحد الأخوة الأحناف صلّى على مذهبه فتقوم بإنهائه بالمعروف وتنهاه عن المنكر ؟ فهذه القضيّة قضيّة خلافيّة في المذاهب، فلا تنه إلا عن المنكر المجمع على إنكاره، فليست القضيّة مِزاجيَّة وكل شيء لم يعجبك تنهى عنه، فما دام هذا الشيء مغطّى بأحد المذاهب فلا شيء في ذلك، شيء قد أجمع العلماء على صحَّته فهو صحيح، ولا تخترع أنت المنكر، فالمنكر هو المنكر المجمع على إنكاره.
لو قصر في الصلاة فهو حنفي والقصر في الصلاة واجب، فلو قلت: هذا ذاهب إلى نزهة وليس في سفر ؟ فليس على مزاجك فمطلق السفر عند الأحناف يجب فيه القصر. فما دام العمل على المذهب المعتمد وعلى رأس المذهب إمام كبير عدَّ القصر في الصلاة في السفر واجباً، وهو قصر فلا شيء عليه ولا يدخل هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاختلاف المذاهب ليس له علاقة بذلك.
لا تنكر إلا المنكر المتَّفق على أنّه منكر، الربا متّفق عليه، إطلاق البصر في الحرام متّفق عليه، الكذب متّفق عليه، أما قضيّةٌ خلافيّة بين المذاهب نقول فيها: نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا.
3ـ أن يكون المُنكِر للمنكر متدرِّجاً في إنكار المنكر:
الآن أن يكون المُنكِر للمنكر متدرِّجاً في إنكار المنكر،أي أن يكون هناك حكمة، إذا ارتكب صديق أمامك عشرة منكرات فذكره باثنين فقط، لأن العشرة دفعة واحدة يقول لك ما هذا الدين الذي تعتنقه، المفروض أن تكون حكيماً بإنكار المنكر، فدائماً عندنا قاعدة:
إذا نتج عن إنكار المنكر فتنةٌ أشدُّ وأخطر من المنكر الذي تنهى عنه فأصبح الإنكار غلطاً وأنت بهذا لست حكيماً، وأحياناً إنكار المنكر يجرّ إلى كارثة، فالله عزَّ وجلَّ لم يكلِّفك فوق ما تطيق، فإذا أنكرت المنكر فعليك أن تنكره بحكمة، وبالتدرُّج.
4ـ أن تكون لطيفاً رفيقاً حسن الخُلُق في إنكار المنكر:
شيء أخير بإنكار المنكر قال: أن تكون لطيفاً رفيقاً حسن الخُلُق.
(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))
[رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب رَضِي اللَّه عَنْه]
أنا لا يؤلمني شيء أكثر ممن ينهر طفلاً في المسجد بقسوة، فأنت المفروض أن يحبَّك الطفل، ممكن أن تنهاه عن عمل، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم عندما رأى صحابياً يركض في المسجد ليلحق الركعة مع رسول الله قال له:
(( زادك الله حرصاً ولا تعُد. ))
[رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن همام]
يجب عليك أن تختار أجمل عبارة من أجل أن تُنكر بها منكراً رأيته في المسجد، لا أن تكون فظاً غليظ القلب، فالنبي الكريم على ما فيه من الكمال، وعلى أنّه نبيُّ هذه الأمّة وهو الرسول الأمين، وسيِّد الأنبياء والمرسلين، والمعصوم الذي يوحى إليه، والمؤيّد بالمعجزات، النبي الكريم على كلّ هذه الخصائص الفريدة خاطبه ربه فقال تعالى:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
فما بال الآخرين ؟!!
(( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها]
أنا ضد العنف، كن لطيفاً وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر ولكن بأدب وباحترام وبترفُّق وبتدرُّج وبحكمة ومن دون فظاظة ولا قسوة ومن دون نهر، ومن دون سُباب.
(( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها]
بعض الأحاديث الشريفة عن الرفق واللين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أنت حين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يجب أن تكون رفيقاً ولطيفاً ومؤنساً.
(( قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ))
[البخاري عَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه]
هل هناك عملٌ فيه تحدٍّ وغلظة وفظاظة وقلّة ذوق كأن يبول في المسجد أمام الصحابة ومع ذلك حلم النبيّ وَسِعَه وقال للصحابة: دعوه.
الذي قال للنبي:
(( يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا ؟ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ))
[البخاري عَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه]
بالمنطق، فخرج من عنده وما شيءٌ أبغض إليه من الزنا.
(( بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمـُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْــتُ: وَا ثُكـْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكــُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكـَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ فَوَ اللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم ))
[البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه]
هكذا النبي اللهمّ صلِّ عليه، فلم يكفِ هذا الصحابي أن شمّت العاطس ولكنّه تكلّم في الصلاة، ولكن النبيّ وجّهه بلطف.
دخل واعظٌ على أبي جعفر المنصور أغلظ عليه في الكلام ولكن ظهر أنّ أبا جعفر المنصور أكثر فهماً منه فقال له: يا هذا ارفُق بي، أرسل الله سبحانه من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني ـ أي أنّك لست موسى وأنا لست فرعون ـ فقال الله تعالى له:
﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾
( سورة طه)
ظهر أنَّ المنصور أي الموعوظ أكثر فهماً وعقلاً من الواعظ.
على الإنسان أن يوطِّن نفسه على الصبر على من يؤذيه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر:
شيء آخر، عندما يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يوَطِّن نفسه على المتاعب ؟ لذلك قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾
( سورة البقرة )
وقال تعالى:
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ﴾
( سورة لقمان )
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحينما تأمر بالمعروف هناك من يُعاديك، وحينما تنهى عن المنكر هناك من يُعاديك، فيجب أن توطِّن نفسك على أن تصبر على من يؤذيك إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر.
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾
(( أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه إن كان دينه صُلباً اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة. ))

[ متفق عليه عَنْ سعد بن أبي وقاص رَضِي اللَّه عَنْه]

الإنسان يُبتلى على قدر دينه والبلاء ينتهي بالإنسان إلى الطهارة التامّة:
الإنسان يُبتلى على قدر دينه، والبلاء ينتهي بالإنسان إلى الطهارة التامّة، من مغادرة الدنيا إلى الجنّة مباشرةً.
(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))
[ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
بقيـت فقرةٌ واحدة في الدرس، يُروى أنّ أبا غياث الزاهد كان في بُخارى فدخل المدينة ليزور أخاً له وكان غِلمان الأمير معهم المُغنّون والملاهي يخرجون من داره وكان يوم ضيافة الأمير، فلمّا رآهم الزاهد: قال: يا نفسُ وقع أمرٌ إن سكتِّ عليه فأنت شريكةٌ فيه، فرفع رأسه إلى السماء واستعان بالله وأخذ العصا فحمل عليهم حملةً واحدة، فولوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان، وقصّوا على الأمير ما حدث، فدعا به وقال له: أما عَلِمتَ أنّه من يخرُج على السلطان يتغذَّ في السجن ؟ فقال له أبو غياث: أما علمت أنّه من يخرُج على الرحمن يتعشَّ في النيرانِ ؟ فقال له: من وَّلاك الحسبة ؟! قال: الذي ولاك الإمارة، فقال الأمير: ولاني الخليفة، فقال أبو غياث: أنا ولاني ربُّ الخليفة، فقال الأمير: ولّيتُك الحُسبة بسمرقند، قال: عزلت نفسي عنها، قال الأمير: العجـب في أمرك تحتسِبُ حين لم تؤمر، وتمتنع حينما تؤمر !! قال: لأنّك إن وليتني عزلتني، وإذا ولاني ربي لن ليعزلني أحد، فقال الأمير: سل حاجتك، قال: حاجتي أن ترُدَّ عليّ شبابي، قال: ليس ذلك لي، فهل لك من حاجة أُخرى ؟ قال: أن تكتُب إلى مالك خازن النار ألا يُعذِّبني، فقال: ليس ذلك لي، فهل لك من حاجة أخرى ؟ قال: أن تكتُب إلى رضوان خادم الجنان أن يدخُلني إلى الجنّة، ـ ما هذه الطلبات !! ـ قال: ليس ذلك لي، قال أبو غياث: فإنّها مع الربِّ الذي هو مالك الحوائج كلِّها ولا أسأله حاجةً إلا أجابني إليها، فأخلى الأمير سبيله وتخلَّص منه.
الأمر بالمعروف من أخطر الأوامر التي تأتي بعد الفرائض:
بالطبع يوجد في تاريخنا الإسلامي كثير من القصص تؤكِّد أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان فريضة سادسة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يُلهمنا الحكمة.
(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
زوجتك، بناتك، أولادك، أولاد أخيك، وأولاد أختك، فأنت خالهم أو عمّهم، شريكك بالعمل، زميلك بالوظيفة بجوارك في العمل وهو رجلٌ صالح ولكنّه مقصِّر فلا يصلّي مثلاً، فأنت مكلَّف أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، وأن تنَشّئَ أولادك على ذلك، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر توسَّعت دوائر الحق على حساب دوائر الباطل، أما إذا تقاعسنا نستحقُّ عندئذِ لعنة الله، وندعوه فلا يستجيب لنا، وقد ذكرنا في النصوص التي هي كثيرة الدقة، فقضيّة الأمر بالمعروف هي من أخطر الأوامر التي تأتي بعد الفرائض.
مرّة ثانية الأمر بالمعروف يحتاج إلى تطبيق أولاً، وثانياً إلى حكمة وإلى تدرُّج وإلى تلطُّف، ويحتاج إلى أن تعتقد أنّك إذا رأيت في إنكار هذا المنكر فتنةٌ أشدَّ من المنكر ينبغي أن تصمت، لأنّه يجب عليك أن تختار أهون الشرّين.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-08-2018, 09:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : (الثلاثون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 17 ) ادب الاستئذان





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثلاثين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، نحن في هذا الدرس مع مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الجنسية. على الآباء أن يعلموا أبناءهم الاستئذان:
من أدب الإسلام أن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه الكريم أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) ﴾
( سورة النور )
أي أن الطفل جعله الله عزَّ وجَّل كالصفحة البيضاء فإذا ربي تربية أخلاقيةً ولم ير ما ينبغي أن يعلمه بعد حين طويل ينشأ طاهر النفس سليم الصدر، فلو أن الآباء والأمهات تساهلوا في أمر غرفة النوم، لو أن الطفل دخلَ خطأً فرأى والديه في وضعٍ لا يفهمه أبداً ربما تحدث إلى أصدقائه ربما أثيرت مشكلات وتعليقات وكأن مخدع الزوجيَّة ليس مقدساً، لذلك على الآباء أن يكونوا دقيقين جداً في موضوع تعليم أبنائهم الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة ؛ من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، أي أن الأطفال لا ينبغي أن يدخلوا على آبائهم وأمهاتهم إلى غرف نومهم في هذه الأوقات إلا من بعد استئذان حقيقي لا شكلي، الاستئذان الشكلي ينقر الباب ويدخل، والاستئذان الحقيقي ينقر وينتظر الجواب أدخل ؟؟ والأحوط أن يكون مقفلاً في هذه الأوقات الثلاثة، بحيث لو حدث خطأ الباب مقفل، هذا من أدب الإسلام.
الطفل بعيد جداً عن ما بين الرجل وامرأته وهذه الغريزة التي أودعها الله فيه لا تستيقظ إلا بعد سن البلوغ فلماذا هذه التساؤلات وتلك الإحراجات وهذه التعليقات ؟!!
من آداب الإسلام التي يجب علينا أن نعلمها لأولادنا:
1ـ أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان:
أول أدب من آداب الإسلام أنه أمرنا أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان، فواجب على كل أب مسلم وأم مسلمة أن تعلم بناتها والأب أن يعلم أبناءه، أنه لا ينبغي أن يدخل على والديه في هذه الأوقات الثلاثة إلا بعد استئذان حقيقي، إلى أن يسمع الجواب عن سؤاله: أدخل ؟ الجواب: ادخل أو انتظر والأحوط أن يكون الباب مرتجاً.
2ـ أن نعلِّم أولادنا آداب النظر:
الأدب الثاني هو آداب النظر، كلكم يعلم أيها الأخوة أن المحارم على أصناف ثلاثة، في رأس القائمة الزوجة، هذه الزوجة ليس هناك قيد أو شرط، لكن الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت هذه المحارم محارم النسب قال الله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ(23)﴾
( سورة "النساء: أية " 23 ")
المحارم على ثلاثة مستويات ؛ الزوجة ومحارم النسب ومحارم المصاهرة:
هناك محارم بسبب المصاهرة مثل زوجة الأب قال الله تعالى:
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً (22) ﴾
(سورة النساء )
زوجة الابن قال الله تعالى: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) ﴾
(سورة النساء )
أم الزوجة قال الله تعالى:
﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ (23) ﴾
(سورة النساء" أية 23" )
بنت الزوجة قال تعالى:
﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (23) ﴾
(سورة النساء )
هذه المحارم أيها الأخوة على ثلاثة مستويات ؛ المستوى الأول هو الزوجة لا يوجد حرج إلا الحيض والدبر، هذا محرم تحريماً قطعياً ما سوى ذلك الأمور مباحة.
أما محارم النسب هنا الخطأ يتوهم المتوهمون أو الجهلاء أنه من الممكن أن تنظر إلى المحارم من دون قيد أو شرط، فهناك ألف قيد وشرط، فلا ينبغي أن تنظر إلى محارم النسب أو أمك أو ابنتك أو أختك أو بنت أخيك أو بنت أختك أو عمتك أو خالتك، لا ينبغي أن تنظر إلى هذه المحارم إلا بثياب الخدمة كما قال الفقهاء، وثياب الخدمة هو ثوب يكشف العنق والساعد والساق، أي نصف كم مسموح وتحت الركبة أعلى الصدر هذه ثياب الخدمة، أما هذا التبذُّل الذي يوجد في بيوت المسلمين من أن الأخت تظهر أمام أخيها بثياب النوم غير الساترة بثياب فاضحة أو بثياب متبذِّلة هذا لا يجوز أبداً.
للآية التالية ثلاثة معانٍ دقيقة جداً هي:
علماء التفسير حينما فسَّروا قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾
( سورة النور)
هذه الـ "من": من للتبعيض، ولهذه الآية ثلاثة معانٍ دقيقة جداً‍‍‍‍‍‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.
1ـ غضُّ البصر عن بعض النساء الأخريات الأجنبيات:
المعنى الأول: لك أن تنظر إلى بعض النساء وهنَّ المحارم، إذاً غضُّ البصر عن بعض النساء الأخريات الأجنبيات.
2ـ ينبغي أن تنظر إلى المحارم بعض النظر لا أن تدقق في التفاصيل:
المعنى الثاني: إنك إن نظرت إلى المحارم ينبغي أن تنظر بعض النظر، لا أن تدقق في التفاصيل، لا أن تتبع الخطوط، لا أن تنظر نظرةً مريبة، فالإنسان ينظر إلى أمه، وأخته، وابنته، ولكن نظرة إجمالية دون تدقيق في التفاصيل هذا قوله تعالى ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
لك أن تنظر إلى هذه المحارم ولكن دون النظر الذي يمكن أن يكون للزوجة مثلاً، لك أن تنظر إلى زوجتك بأية طريقة وبأية تفاصيل، أما أن تنظر إلى محارمك من النسب بتفاصيل ودقائق هذا أيضاً منهيٌ عنه بنصِّ الآية الكريمة.
3ـ أن ينظر النظرة الأولى إلى امرأة أجنبية فجأة ودون قصد:
المعنى الثالث للآية ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
لو أن الإنسان رأى فجأةً امرأةً أجنبيةً في منعطف نظر إليها النظرة الأولى.
إذاً المعنى الثالث هو التبعيض الزمني، والتبعيض الكيفي، والتبعيض النوعي، هناك نوع من النساء لك أن تنظر إليهم، وهناك نوع لا ينبغي أن تنظر إليهم، فهناك تبعيض نوعي، وتبعيض كيفي، وتبعيض زمني، هذا معنى الآية ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ أنه جعل حفظ الفرج مؤخراً عن غضِّ البصر من أجل أن نفهمَ أن طريق حفظ الفرج هو غضّ البصر، لكن المحرمات بسبب المصاهرة هنا يوجد حرج آخر أي أن زوجة الأب الشابَّة لا ينبغي أن يخلو بها ابن هذا الزوج الشاب، وزوجة الابن الشابَّة لا ينبغي أن يخلو بها والد الزوج، محارم المصاهرة يختلفنَ عن محارم النسب، محارم المصاهرة يضاف إلى أحكام محارم النسب أنه لا يجوز الخلوة بهنَّ، لكن إذا كان هناك نفسٌ مريضة وخطر من أن يحدث فساد لا يجوز أن يخلو الشاب بأخته النسبية إذا كانت عنده حالة مرضية ونفس منحرفة مريضة، ينبغي ألا يُسمح لهذا الشاب المنحرف المريض أن يخلو بمحارم النسب، لكن الأصل أنه لا ينبغي أن يخلو الإنسان بمحارم المصاهرة.
(( قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بِنْتِ حَمْزَةَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَب ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ]
أي أن الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة وبقيَّة المحارم من الرضاعة لهنَّ حكم محارم النسب في حرمة الزواج وفي إبداء الزينة.
آداب النظر إلى المخطوبة:
من مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربيّة الجنسية أدب النظر إلى المخطوبة.
1ـ الإسلام أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته:
أولاً الإسلام أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته.
(( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))
[الترمذي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ]
أحياناً تجد شاباً يقول لك: أنا أريدها صاحبة دين فقط ولا أريد أن أنظر إليها، هذا كلام غير واقعي.
هناك حالات كثيرة، أنا مطلع عليها، رفض أن ينظر إليها، ولم يقم أي وزنٍ للنّاحية الجمالية فلما عُقدَ العقدُ وتمَّ الدخولُ ندب حظه وبدأ يُهينها ويصفها بصفاتٍ لا تليق بها وبدأ يعكِّر صفوه وصفوها، الأولَى أن تنظر إليها بدلَ أن تجرح كرامتها، فهي في أهلها معززّةٌ مكرمةٌ أنت خطبتها واشترطت الدين فقط ولم تتبع السنة فوقعت في ندمٍ شديد، وهذا الندم انعكس كلاماً قاسياً وتجريحاً وندباً للحظ، الأولى أن لا تفعلَ هذا، الأولى أن تنظرَ إليها وأن تخطب التي تحصِّنك وتكون أغضَّ لبصرك من أن تشترط شرطاً واحداً وهو الدين ثم تهدر كرامتها وتجرح كبرياءها، المرأة لها كرامة غالية جداً وليست سلعةً تباع وتشترى وليست بضاعةً.
(( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))
[الترمذي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ]
2ـ لا يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته إلا بعد أن يعزم على الزواج منها:
في الأعم الأغلب وفي رأي الجمهور لا يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته إلا إلى وجهها وكفيها بعد أن يعزم على الزواج منها.
ما الذي يحدث الآن ؟ أول شيء يريد أن ينظر إليها، فعلى الزواج لم تتفقوا، وكذلك على البيت، وهناك مئة من البنود المختلف عليها، ومئة قضيّة معلَّقة، أما حينما تُذلل كلّ العقبات، كأن يتحدد البيت وكذلك المهر وتمَّت الموافقة، والسؤال تمّ، والدراسة تمّت، والاستقصاء تمّ، وكلّ شيء قد تمّ، بقيت عقبةٌ واحدة وهي أن ينظر إليها، أما أن نجعل النظر إليها بادئ ذي بدء فهل هي سلعة ؟!!
أول شيء يريد أن ينظر إلى هذه المخطوبة، فأنت مثلاً على سفر، والأهل لا يُزوِّجون على سفر، فموضوع السفر موضوع معلّق فقم بحلّه أولاً ثم انظر إليها، الأهل لا يزوّجون هذه البنت إلا في بيتٍ مستقّل مثلاً، فحل هذا الموضوع أولاً ثم اطلب النظر إليها، موضوع البيت معلّق، وموضوع السفر معلّق، وهناك موضوعات كثيرة جداً معلّقة وتبدأ بالنظر !!! هذا لا يجوز، النظر ينبغي أن يكون آخر مرحلة في مرحلة الخطوبة.
3ـ ليس لأب الخاطب الحق في أن يرى المخطوبة أو تدخُل على الخاطب هي وأمُّها:
قد يأتي ليخطب مع أبيه، فما علاقة الأب بها وهي أجنبية عنه ؟ فالخاطب وحده له أن ينظر إلى مخطوبته، وليس للأب الحق في أن يراها، أو تدخُل على الخاطب هي وأمُّها، وأمُّها أجنبيّة عنه.
4ـ يجوز تكرار النظر إذا دعت الحاجة حتى تنطبع الصورة الحسيّة في الذهن:
يجوز تكرار النظر إذا دعت الحاجة حتى تنطبع الصورة الحسيّة في الذهن، وفي الأعمِّ الأغلب تجد أنّ الشاب المؤمن حيي يقول لك: والله لم أرها. فقد وضع نظره في الأرض واستحيا أن ينظر إليها، ويقول والله لست متأكِّداً منها. فنقول له: انظر إليها مرّةً ثانيّة، لك أن تنظر إليه مرّةً ثانيةً وثالثةً.
5ـ يجوز أن تحدثه ويحدثها وأن ينظر لوجهها وكفيها ولا يجوز أن يصافحها:
ويجوز أن تُحدِّثه وأن يُحدِّثها، ولا يجوز أن يصافحها لأنّها أجنبيّة عنه، وأن ينظر إلى وجهها وكفّيها، وفي بعض الآراء الضعيفة: يجوز أن ينظر إلى أكثر من وجهها وكفّيها أي إلى شعرها.
6ـ لا يجوز أن يجتمعا إلا بوجـود أحد محارم المخطوبة:
لا يجوز أن يجتمعا إلا بوجـود أحد محارم المخطوبة لأنّ الإسلام يحرِّم الخلوة بالمرأة الأجنبيّة، وهذه المخطوبة إلى الآن امرأةٌ أجنبيّة، فإذا جاء هو وأمّه فليست هناك مشكلة.
(( لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ولا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ))
[ البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ]
أما خطوبة المتفلّتين من منهج الله يأتيهم الخاطب مرّاتٍ عديدة، ويخرج معها مرّاتٍ عديدة ليمتحن أخلاقها، ويمتحن طريقتها في الحياة، فتتصنَّع له ويتصنَّعُ لها ثم تقعُ الطامَّة الكبرى، ويختفي الخطيب، ويندب الأب حظّه، ويلطم وجهه، ويصرخ بويله، وبعد حين يكبر بطنها، لأنّهم قبل ذلك قالوا لك: هو خطيبها، الإسلام شديد الوضوح والحدود، وحدوده ليست قيوداً إنما هي حدود تضمن لك سلامتك.
صلاح البال يحتاج إلى إقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ:
أيها الأخوة الكرام صلاح البال عُطف على الهدى فقد قال تعالى:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد )
صلاح البال معطوف على الهدى، وكلُّكم يعلم أنّ العطف يقتضي المشاركة، أي شيء عظيم جداً وثمين جداً أن يتمتّع الإنسان بصلاح باله وصلاح البال يحتاج إلى إقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ.
أنا لا أقول كلاماً أنطلق به من الخيال، والله هناك مآسٍ اجتماعيّة جمة، فأخواننا القضاة يعرفون من الملفّات التي في محاكمهم الشيء الكثير، وأقول لكم بشكلٍ دقيق وعلى الإطلاق ما من مأساةٍ في المجتمع البشري إلا بسبب خروجٍ عن منهج الله، وما من خروجٍ عن منهج الله إلا بسبب الجهل.
يقولون لك: فتِّش عن المرأة، ضبّاط الأمن الجنائي إذا رأوا جريمة من الجرائم عندهم القاعدة الذهبيّة وهي: فتِّش عن المرأة، ولكنّي قمت بتعديل هذه القاعدة: فتِّش عن المعصية، إذا واجهت مشكلة، أو قضيّة، أو انهيار بيت الزوجيّة، أو فضيحة، أو انحراف فتاة ففتش عن المعصيّة، ترى أنّ كلَّ المشكلات وراء معصية، والمعصية وراء الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله عدوُّه به.
(( النظرة سهمٌ من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ))
[ الطبرانيُّ والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]
لعلَّكم تعجبون من كثرة إلحاح الدعاة إلى الله على قضيّة غضِّ البصر، الحقيقة غضُّ البصر مدرسة، لأنّ معظم الشرور مبدؤها من النظر، دائماً الإنسان عنده نقطتا ضعف ؛ فهو ضعيفُ أمام المال، وضعيفٌ أمام النساء، العفَّة عن المال، والعفَّةُ عن النساء يجعلان المؤمن في حصنٍ حصين، والإنسان لا يسقط إلا من قبل امرأةٍ، أو من قبل مبلغٍ من المال يسيل له اللُعاب، يسقط من هذين الإغراءين، فلذلك ترى أنّ معظم الأحكام الشرعيَّة تناولت موضوع النساء وموضوع كسب المال بالأحكام التفصيليّة، لذلك حينما تأتي آيةٌ في كتاب الله تأمر المؤمنين بغضِّ البصر، فمعنى ذلك أن هذا الأمر متعلِّق بسلامتك وبمصيرك.
حفاظاً على عفَّة الإنسان بدأ الله عزَّ وجلَّ بأسباب الانحراف:
كنت أضرب هذا المثل، لو دخلنا محطة للوقود وفيها مكان للوحة إعلانات فيمكننا أن نكتب في الإعلان ألف عبارة، وألف نموذج، ولكن ما العبارة التي تتعلَّق بمصير هذه المحطّة أو بسلامتها ؟ عبارة: ممنوع التدخين، مثلاً قد تنطلق شرارة من إنسانٍ يدخِّن فتحترق هذه المحطّة كلها، فحينما نستغلّ هذه اللوحة بكتابة هذا الإعلان فمعنى ذلك أنّ هذا الإعلان متعلِّق بسلامة ومصير هذه المحطّة.
حينما تجد في القرآن الكريم آية تأمرك بغضِّ البصر معنى ذلك أنّ هذا الأمر متعلّق بسلامتك وبمصيرك لأن موضوع النظر هام جداً، فإذا شبَّهنا الشهوة الجنسيّة بصخرةٍ كبيرةٍ عاتيةٍ مستقرّةٍ في رأس جبل، فما علاقة النظرة بهذه الشهوة ؟ النظرة هي التي تدفع هذه الصخرة من مكانها الذي تستقرُّ به، إذا دفعتها خرجت هذه الشهوة من سيطرتك، فهذه الصخرة لا تستقرُّ إلا في أعماق الوادي، وأنت مخيَّر أن تُزحزحها عن مكانها أو أن تبقيها في مكانها، لكنك إذا زحزحتها انتهى اختيارك فلا تستقر إلا في أعماق الوادي.
لذلك حفاظاً على عفَّة الإنسان بدأ الله عزَّ وجلَّ بأسباب الانحراف، لذلك أكثر الآيات ـ والشيء الذي يلفت النظر ـ أنّه ليس هناك نهيٌ عن الزنى أبداً، لكنّ هناك نهيٌ عن الاقتراب من الزنى، أي أنّك إذا دفعت الصخرة فقدتَ السيطرة على حركتها فلا تستقرّ إلا في أعماق الوادي، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( النظرة سهمٌ من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ))
[ الطبرانيُّ والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]
(( ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه ))
[الطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة]
أنت في النهار الواحد تتصل بالله خمس مرّات، لكنَّك إذا سرت في طريقٍ كُلَّما وقعت عينك على امرأةٍ وغضضت البصر عنها ترقى إلى الله عزَّ وجلَّ، والدنيا مؤقّتة والله هو المسعد، فعندما يغضَّ الإنسان بصره عن محارم الله فالله على كلِّ شيء قدير، فهو قدير على أن يجعل بيتك جنّةً من جنان الأرض لا باتساع مساحته، ولا بفخامة فرشه، ولا بتحفه الثمينة، ولكن بهذا الوفاق الزوجيّ وهذا الحبَّ بين الزوجين، هذا الوفاق الزوجي أساسه طاعة الله عزَّ وجلّ.
من أقام بيته على قواعد الدين أورثه الله حلاوةً في بيته:
حينما يطلـق الإنسان بصره في محارم الله يدفع الثمن باهظاً في حياته الزوجيّة، لذلك فالسعادة الزوجيّة بيد الله، والشقاء الزوجي بيد الله، فمن أقام بيته على قواعد الدين أورثه الله حلاوةً في بيته.
(( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنّة اُصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكُفّوا أيديَكم ))
[أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت]
وفي حديثٍ آخر:
(( كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]
معنى نصيبه من الزنى أنّه إذا زنى كُتب عليه عقاب الزنى، أي نصيبه من هذا الذنب، مدرِكٌ ذلك لا محالة، فهناك زنى بالعين، وزنى باللسان، وزنى بالآذان، وزنى بالرجل، وكلُّ أنواع الزنى لا محالة سيُعاقب الإنسان عليها في الدنيا وفي الآخرة.
لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن نظر الفجاءة قال عليه الصلاة والسلام:
(( اصرف بصرك ))
[مسلم عن جرير بن عبد الله]
أي الأولى لك والثانية عليك، الحقيقة أنّ غضَّ البصر وحجاب المرأة يجعلان المجتمع نظيفاً والقلوب نقيةً والحياة صافيةً، وكلِّ إنسان ينصرف إلى بناء مستقبله، وفي الوقت المناسب يدخل عالم الزواج، وهذا العالم إذا دخلته في الوقت المناسب وكُنت قبله عفيفاً فمن كرم الله على الإنسان أن يمتِّعه بهذا الجانب من متع الحياة إلى أمدٍ طويل، إلى أن ينتهي به الأجل، أما إذا استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولعن الله الذوّاقين والذوّاقات، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ثلاثةٌ لا ترى أعيُنهم النار: عينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ كفَّت عن محارم الله ))
[الطبراني عن معاوية بن حيدة]
لذلك الصفة التي تلفت النظر في الشاب المؤمن هي غضُّ بصره وأجمل ما في الشاب عِفَّته وأجمل ما في الفتاة حياؤها.
أدب نظر الرجُل إلى الرجل:
أجمل ما في الشاب عفَّته:
((العدل حسن ولكن في الإمام أحسن، والسخاء حسن ولكن في الأغنياء أحسن، والورع حسن ولكن في العلماء أحسن، والصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، والحياء حسن ولكن في النساء أحسن ))
[الديلمي عن علي رضي الله عنه]
كلُّ أحاديث غضِّ البصر تعني غضَّ البصر عن المرأة الأجنبيّة، لكنّ أدب نظر الرجُل إلى الرجل فقد قال: لا يجوز أن ينظر الرجُلُ إلى الرجلٍ فيما بين سُرَّته إلى ركبته، سواءٌ أكان هذا الرجل المنظور قريباً أم بعيداً، مسلماً أم كافراً، الرجل للرجل من سُرَّته إلى ركبته هذه المسافة وتلك المساحة من جسد الرجل لا يجوزُ أن ينظُرَ إليها رجلٌ آخر مسلم، كافر، قريب، أو بعيد، وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لا ينظُرُ الرجلُ إلى عورة الرجلِ، ولا المرأةُ إلى عورةُ المرأةِ ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
(( وما بين السُرَّة والركبة عورة ))
[الطبراني والحاكم وتعقب عن عبد الله بن جعفر ]
(( وغَطِّ فخذك فإنّ الفخذ عورة
))
[ الترمذي وأبو داود وأحمد عن جرهد]
وفي الحديث:
(( الفخذُ عورة ))
[ الترمذيّ عن جرهد]
لا في الرياضة، ولا في السباحة، ولا في التدريب، ولا في الحمام لأنّه لا طاعةً لمخلوقٍ في معصية الخالق.
هناك في مصر لاعبٌ للكرة وهو من أمهر لاعبي الكرة، اعتزل اللعب واتجه اتجاهاً دينياً رائعاً، ويبدو أنّ هناك مباراة دوليّة وتعلِّق الدولة عليها أملاً كبيراً في النجاح وهذا اللاعب من عوامل نجاحها، فجاء وزير الشباب إلى بيته راجياً منه أن يعود إلى الملعب وهو قد اتجه اتجاهاً دينيّاً، فقال للوزير: أنا ألعب بشرط أن أرتدي السروال الطويل، فقال له: كما تُريد، ثم سار هذا التقليد بين معظم اللاعبين لأنّ الفخذ عورة، وكلّ شيء له حلٌ.
جواز نظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة:
أما أدب نظر المرأة إلى المرأة لا يجوز أن تنظر المرأةُ إلى المرأةِ ما بين سُرَّتها إلى ركبتها، سواءً أكانت المرأة المنظورة قريبةً أم بعيدةً، مسلمةً أو كافرة، أيضاً هذه عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة.
معلوم لديكم أننا لو تساهلنا في عورة الرجل إلى الرجل، والمرأة إلى المرأة ربما وصلنا إلى شذوذين في العلاقات، اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وهذا مما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله من علامات قيام الساعة، فقضيّة الرجل للرجل من مضاعفات التساهل في هذا يصير هناك علاقة شاذّة، والمرأة للمرأة من مضاعفات التفريط في الأدب النبوي علاقات شاذّة، ومن علامات قيام الساعة كما صحَّ في الأحاديث: اكتفاءُ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.
أيها الأخوة الملاحظ أنّ الأب ولو كان مقصِّراً، ولو كان شارداً عن الله عزَّ وجلَّ إذا شعر بأنّ ابنه بدأ ينحرف يغلي دمه، فالمشكلة أنّ الآباء يتساهلون في البدايات فإذا اكتشفوا الانحراف خرجوا عن طورهم، فهذا السلوك خاطئ، والأولى أن تبدأ برعاية الأولاد في سنٍ مبكِّرة، وأن تحفظ أخلاقهم حفظاً دقيقاً وأن تراقبهم وأن تحول بينهم وبين أسباب الانحراف.
لكن النظر للأجنبيّة ـ وهذا من أدب الإسلام ـ يجوز أن ينظر الطبيبُ، لكن أيُّ طبيب ؟ إذا كان هناك طبيبة فالأفضل أن تذهب إلى الطبيبة، ليس هناك طبيبة نذهب إلى طبيبٍ مسلم، أما أن نختار طبيباً غير مسلمٍ بادئ ذي بدء فهذا مخالفٌ للحكم الشرعي، فتبدأ بالطبيبة، ثم بالطبيب، وفي الحالات النادرة والقصوى يمكن أن تلجأ إلى طبيبٍ غير مسلم إذا لم تجد الطبيب المسلم، والطبيب المسلم إن لم تجد الطبيبة المسلمة.
على كلٍ أن ينظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة جائز، وهناك أزواج متعنّتون جاهلون يرفضون أن يأخذوا زوجاتهم إلى الطبيب بدعوى الغيرة على عرضهم وهذا كلامٌ مردود، فلست أشدَّ غيرة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وللحياة قيمةٌ ثمينةٌ جداً ينبغي أن نحافظ عليها لأنّها رأس مال الإنسان، لا أن نفرِّط بها من أجل دعوى الغيرة على العرض فهذا كلامٌ فيه جهلٌ كبير.
جواز النظر بقصد المحاكمة والشهادة:

الملاحظ أيّها الأخوة أنّ الطبيب المسلم ـ سبحان الله ـ تشعر بعفّته وبالاحتياطات التي يأخذها إلى درجة رائعة جداً، فتجد عنده الملاءات البيضاء فلا ينظر إلا لمكان المرض فقط وبالحدود الدنيا، ويؤثر السؤال والجواب على النظر، وإذا اضطرّ أن يجس العضو يضع الملاءات البيضاء ويبالغ في العفّة هذا هو الطبيب المسلم، الذي يخشى الله عزَّ وجلَّ.
النظر بقصد المداواة يجوز، والنظر بقصد الخطبة يجوز فلك أن تنظر إليها، والنظر بقصد المحاكمة والشهادة يجوز.
يروى أنّ موسى بن إسحاق قاضي الريّ والأهواز في القرن الثالث الهجري كان ينظر في قضايا الناس، وكان بين المتقاضيين امرأةٌ ادَّعت على زوجها أنَّ عليه خمسمئة دينار مهراً لها، فأنكر الزوج أنّ لها في ذمَّته شيئاً، فقال له القاضي: هاتِ شهودك، فقال: قد أحضرتهم، فدعا القاضي أحد الشهود وقال: انظر إلى الزوجة لتشير إليها في شهادتك، فقام الشاهد وقال للزوجة: قومي، فقال الزوج: ماذا تريد منها ؟! قال: أريد أن أنظر إلى امرأتك وهي مسفرةٌ لتصِحَّ عنده معرفته بها، فكره الرجل أن تضطّر زوجته إلى الكشف عن وجهها أمام الناس فصاح: إني أُشهد القاضي أنّ لزوجتي في ذمَّتي هذا المهر الذي تدّعيه، ولن أسمح لها أن تسفر عن وجهها، كبر عليه أن ترفع الحجاب ويرى الشاهد وجهها ليقول هذه حقاً لها عنده خمسمئة دينار، فلما سمعت الزوجة ذلك أكبرت في زوجها أن يضِنَّ بوجهها على رؤية الشهود، وأن يصونها عن أعين الناس، فصاحت للقاضي: إنّي أٌشهدك أنّي قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.
كان هناك الشرف، الآن تجد الرجل جالساً في الشرفة والزوجة بثياب متبذِّلة وتقوم بنشر الثياب المغسولة والطريق مزدحم بالمارَّة، والأنظار كلُّها نحو الشرفة، والزوج يجلس مرتاحاً تماماً ولا شيء عليه.
من علامات قيام الساعة أن تنزع المروءة من رؤوس الرجال أي النخوة، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا رحمة في قلوب الأمراء، ولا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال.
فقال القاضي لمن حوله: اكتبوا هذا في مكارم الأخلاق.
على الآباء أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة:
بقي شيءٌ أخير في موضوع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجنسيّة أنّ على الآباء أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة، أي أنّ كلَّ شيء يثير هذه الغريزة يبعده عن ابنه، فالأب قد لا ينتبه إلى أنّ هذا الابن إذا أثير ماذا يفعل ؟ ليس أمامه إلا الانحراف، إما الانحراف مع ذاته أو الانحراف مع الآخرين، لأنّ هذا الضغط لا بدَّ له من أن يُفرَّغ، الإثارة تجعل هناك توتُراً عصبياً، وهذا التوتر كيف يصرَّف ؟ إما بالانحراف مع ذاته أو بالانحراف مع الآخرين، والأب لا يدري ماذا يفعل.
أقول لكم كلمة أتحرّج أن أقولها دائماً لكن الآن أقولها لكم وهي: عندما تركَّب هذه الصحون، إذا فوجئ الأب أنّ ابنه على ابنته، ذكر لي أحد الأخوة أنّ هذا بدأ يحدث في هذه البلدة كثيراً، من جرّاء هذه البرامج التي تبثّ خصيصاً للعالم الإسلاميّ كي تمزِّق الأسرة، وكي تفرَّغ القيم، وكي تنحلَّ الأخلاق، فالإنسان حينما يأتي بالمنكر باختياره ينبغي أن يتحمّل النتائج، والنتائج قد لا تحتملها أعصاب الإنسان، فقد استوقفني مرَّة أحدهم قد دلّوه على هذا المسجد فذكر لي مشكلة بين ابنه وابنته أسفرت عن حمل وكاد يبكي وهو يذكر لي ذلك.
الذي يفعله الناس بدافع التحضُّر والاطلاع على ما في الحضارة هو عبارة عن انغماس في أحطَّ أنواع الانحرافات، فالآباء المؤمنون عليهم أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة، فكيف أنّ هناك في الدولة مقصاً للرقيب، فيجب كذلك أن يكون عند كلَّ أب مقصٌ للرقابة، فالمجلات والجرائد التي تخصَّ الأم دائماً قد تحتوي على بعض الصور و الأشياء التي تثير الشهوة وعلى الأب أن يراقب ما في بيته ؟ ماذا يقرأ الأولاد ؟ وإلى ماذا يستمعون ؟ وماذا يشاهدون ؟ لا بدَّ من رقابة.
لا بدَّ من رقابة داخليّة وخارجيّة لأن كل راعٍ مسؤول عن رعيته:
لا بدَّ من رقابة داخليّة، ولا بدَّ من رقابةٍ خارجيّة، لا بدَّ من أن تراقب ماذا يجري في البيت لأنّك مسؤول وكلَّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيّته، ولا بدَّ من أن تراقب ماذا يفعل أولادك خارج البيت، قال النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ فَمَنْ ؟!!))
[متفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه]
هل من الممكن أن يكون هناك في باريس إنسان يهودي، يقبع في دارٍ للأزياء ويرسم خطوط الألبسة الفاضحة، ونساء المسلمين ينصعن إلى هذا المصمم، ويطبِّقن خطوطه بحذافيرها بدعوى السير مع أحدث الأزياء، أحياناً يعتبون بقولهم: إنّ الله لا يستجيب لدعائنا، أين السلوك الطيّب ؟!! فقد قال تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾
( سورة البقرة )
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الدروس مترجمةً عند الأخوة الكرام إلى توجيهات لأولادهم، إلى حرص، وإلى اهتمام، وإلى مجالس تلقى عليهم الحقائق، فالأب حينما يرى أولاده في المستوى الذي يريد يسعد أيَّما سعادة.
ليس أمامي في ختام هذا الدرس إلا أن أدعو الله سبحانه وتعالى أن يهبنا من أزواجنا وذريّتنا قرَّة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً.







والحمد لله رب العالمين

آفراح
07-08-2018, 01:02 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد
07-10-2018, 07:28 AM
تسلمين اختى افراح

السعيد
07-10-2018, 07:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 1 - : التربية بالقدوة - 1




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام سأبدأ في هذا الدرس إن شاء الله وبتوفيقه إن شاء الله تعالى سلسلة من الدروس تكمل دروس تربية الأولاد في الإسلام . تربية الأولاد ينبغي أن تتضاعف في عصرنا الحالي عن العصور السابقة لكثرة المعوقات :
قبل سنوات عدة سبق أنني ألقيت ثلاثين درساً في تربية الأولاد وهذه الدروس والفضل لله عز وجل لاقت قبولاً حسناً في الأوساط الإسلامية وأذيعت في عدد ليس بالقليل من الإذاعات ولمرات عديدة .
السلسلة السابقة كانت حول مضمون التربية ، فهناك التربية الإيمانية والتربية الخلقية والتربية العقلية والتربية الجسمية والتربية النفسية والتربية الاجتماعية والتربية الجنسية هذه عناوين السلسلة السابقة ، الآن في سلسلة أخرى تكمل السلسلة السابقة وهي وسائل التربية الفعالة وهذه الحقائق يحتاجها كل أب ويحتاجها كل معلم وقبل أن أدلي ببعض التفاصيل لابد من تذكيركم بالحقيقة الخطيرة وهي أن الإنسان مهما بلغ من نجاحات في الحياة الدنيا إن لم يكن ابنه كما يتمنى وكما يطمح فهو أشقى الناس يؤكد هذا المعنى قوله تعالى : ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
(سورة طه : الآية 117)
بحسب قواعد اللغة "ولا يخرجنكما من الجنة فتشقيا" في القرآن إيجاز بليغ شقاء الزوج شقاء حكمي للزوجة ، ويقاس على هذه الآية أن شقاء الابن شقاء حكمي للأب ، لن تجد أباً يسعد إذا كان ابنه منحرفاً .
يا أيها الأخوة من أجل أن يكون أبناؤنا استمراراً لنا ، ومن أجل أن نسعد بتربية أولادنا ، من أجل أن تقر أعيننا بهم ، من أجل أن تكون الأسرة الإسلامية متماسكة ، من أجل أن تنام قرير العين إن رأيت ابنك صالحاً ، والله الذي لا إله إلا هو يدخل على قلب الأب من السعادة والطمأنينة ما لا يوصف إن رأى ابنه صالحاً ، شيء دقيق ، والحقيقة إذا كان في العصور السابقة ينبغي أن نربي أولادنا ففي هذا العصر الاهتمام بتربية الأولاد ينبغي أن يتضاعف إلى ألف ضعف لكثرة المعوقات ولكثرة الصوارف ، يعني مئات الأبواب التي تصرف الابن عن طاعة الله ، الفتن كلها يقِظَة ، أينما نظرت ، إذا اشتريت جريدة أو مجلة أو نظرت إلى الشاشة أو سرت في الطريق أو استمعت إلى قصة تجد أن الفتن يقظة ، والشبهات مستعرة ، والشهوات في أوج اتقادها ، وقد ينجو الإنسان لكن نجاة الواحد منا لا تكفي إلا إذا نجا معه أولاده . مستقبلنا بتربية أولادنا :
أيها الأخوة الكرام ، والله الذي لا إله إلا هو لا أجد موضوعاً ينبغي أن يهتم به المسلمون كتربية الأولاد ، ذلك أن الأولاد ـ وهذه حقيقة خطيرة جداً ـ الأولاد الآن أولاد المسلمين هم الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا ، يعني بشكل واقعي وبلا مجاملات وبلا مبالغات لم يبقَ في أيدينا إلا أولادنا ، فحينما نعتني بهم معنى ذلك أننا نبني مستقبلنا ، حينما نعتني بهم معنى ذلك أننا ننتبه إلى مستقبلنا ، مستقبلنا بتربية أولادنا ، ومن منا يصدق أنه بالإمكان أن تصل إلى الجنان من خلال تربية أولادك ، طريق إلى الجنة سالك وأنت في البيت هذا الكلام أقوله وسوف آتي بتفاصيل إن شاء الله تعالى .
كنت قبل يومين أو قبل عدة أيام في بيروت ألقيت محاضرة في هذا الموضوع ، هذه المحاضرة هي التي دفعتني إلى أن أتمم هذه السلسلة ، قلت لهم : ـ وهذه عبارة أرددها كثيراً ـ مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطمح أن يكون ابنك صالحاً وأنت لست بصالح ، الطفل من خصائصه أنه يتعلم بالفكرة ، يتعلم بالصورة ، لا يستطيع الطفل أن يفرق بين المبدأ وبين الشخص ، الإنسان المتفوق الواعي المثقف عنده إمكانية أن يفرق بين المبدأ وبين معتنقي المبدأ ، لكن الطفل لا يستطيع ، يعني أبوه في أعلى مكان ، أما أن يقول : الإسلام عظيم لكن أبي مقصر ، هذه لا يستطيعها الطفل ، يرى أن أبيه هو الإسلام ، فإذا فعل الأب معصيةً فهذه مشروعة ، لذلك لا يمكن أن تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن أنت صالحاً ، ومن السخف والغباء والسذاجة أن يحرص الأب أن يكون ابنه مستقيماً وديّناً وصالحاً وهو ليس كذلك ، ومن السخف والغباء والسذاجة أن تحرص الأم على أن تكون ابنتها إنسانةً طيبةً طاهرةً عفيفةً وهي ليست كذلك ، لذلك لا يمكن أن تُقْدِم على وسائل التربية إلا أن تكون أنت قدوة .
كنت أروي قصة وهي أن إنساناً سافر إلى بلاد الغرب ، ورأى فتاةً تعلق بها أشد التعلق ، فاستأذن والده أن يتزوجها ، فكان الجواب قاسياً جداً إن تزوجتها فلست ابني ، ثم خطر في بال هذا الشاب الذي تعلق بهذه الفتاة تعلقاً شديداً أن يغير رأي والده ، يا أبتِ لو أنها أسلمت أتسمح لي بالزواج منها ؟ قال له : أسمح لك ، فأخبرها أن العقبة الوحيدة في الزواج أن تسلمي ، سألته : كيف أسلم ؟ اشترى لها كتباً باللغة الأجنبية عن الإسلام والقرآن ورسول الله والسيرة وما إلى ذلك ، كتب عديدة ، ودفعها إليها ، هي ذكية جداً اشترطت عليه أن تبتعد عنه أربعة أشهر كي تستوعب هذه الكتب ، وكي تقرأها بعيداً عن ضغوطه ، فحصل فراق أربعة أشهر ، هذا الشاب عد هذه المدة لا بالأشهر ولا بالأسابيع ولا بالأيام ولا بالساعات ولا بالدقائق بل بالثواني إلى أن مضت هذه الأشهر الأربعة فالتقى بها ، وكان الخبر الذي أفقده توازنه أنني أسلمت والإسلام حق لكنني لن أتزوجك لأنك لست مسلماً . الأب هو السقف والقدوة :
قد تجد أباً ليس مسلماً ، اسمه إسلامي ، وكنيته إسلامية ، وأبوه مسلم ، وأمه مسلمة ، لكن بالتعامل اليومي ليس مسلماً ، كيف يطمح هذا الأب أن يكون ابنه مسلماً تقياً ورعاً نقياً طاهراً عفيفاً وهو ليس كذلك ؟ لذلك الأب هو السقف ، ولا يمكن إلا في حالات نادرة جداً ـ وهذه ليست قاعدة في حالات نادرة ـ يفوق الابن أباه حتى في التدين ، هذه الحالات لا تعد قاعدةً ، القاعدة أن الأب هو السقف .
ما لم تكن أنت قدوةً لابنك ، ما لم تكن أنت صادقاً لن يكون ابنك صادقاً ، ما لم تكن أنت عفيفاً لن يكون ابنك عفيفاً ، ما لم تغض أنت بصرك عن محارم الله لن يغض ابنك بصره عن محارم الله ، ما لم تكن أميناً لن يكون ابنك أميناً ، وفي فكرة هي أن الآباء يتصورون بسذاجة أن أولادهم لا يعلمون ، والله من خلال بعض التجارب الابن ولو رأيته صغيراً لا ينتبه إلى كل شيء ولكنه في الحقيقة غير ذلك .
حدثني أخ مقيم في أمريكا سأل ابنه : هل نظفت أسنانك ؟ فسكت ، سأله ثانيةً فسكت ، سأله ثالثةً قال له : نعم ولا باللغة الإنكليزية ، قال له : كيف ؟ قال له : أنا أنظفها دائماً اليوم لا ، فعنفه الأب لماذا تكذب علي ؟ ـ إجابته لا تصدق ـ قال له : كلينتون يكذب في موضوع مونيكا ، الابن الصغير في المرحلة الابتدائية يتابع الأخبار ، هو كذب حينما أدلى بتصريحات غير صحيحة .
بنت ترى أمها تكذب على أبيها ، ابن يرى من أبيه كذباً في البيع والشراء ، أحياناً يكون ابنك في المحل والبضاعة مثلاً ليست من أصل معين ، من منشأ آخر ، وليس عليها المنشأ ، الشاري يسأل عن منشأ البضاعة ، يقول له : هذه بضاعة إنكليزية أو فرنسية ، وهي ليست كذلك ، الابن ينتبه .
الحقيقة الإنسان أيها الأخوة ماذا أقول ؟ لو كان في الدرجة السفلى من السلم الاجتماعي في حالة خطيرة جداً أن يسقط من عين نفسه ، الإنسان حينما يكذب أو حينما يتناقض أو حينما يخالف منهج الله أو حينما لا يكون كاملاً يسقط من عين نفسه ، في الدرجة الثانية الإنسان حينما يسقط من عين أهله يعني زوجته وأولاده ، قد تجد متاعب خارج البيت ، قد تجد صعوبات ، قد تجد خصومات ، قد تجد أعداء ، قد تجد مناوئين ، أما أن تسقط من عين زوجتك ومن عين أولادك هذه مشكلة كبيرة .
أنا والله كل يوم تقريباً ، أو كل أسبوع ، أو كل عدة أيام تأتيني مشكلة أن أبي فعل كذا ، الأب ساقط من عين ابنه ، قال لي : أبي شهواني ، يعني طلق أمه وتزوج امرأةً بعيدةً عن الدين ، متفلتة ، تلبس ثياباً فاضحة ، وهو بالستين ، واستغنى عن كل أولاده ، واستغنى عن زوجته ، واستغنى عن مكانته ، وهذه المرأة تأخذ منه كل أمواله ، وتبقي أهله بلا طعام ، والله ما رأيت مصيبة أكبر من أن يسقط الإنسان من عين أولاده ، وجدت الابن ناقماً نقمةً شديدة لا توصف على أبيه . أثر القدوة في البيت :
إذاً أول وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد أن تبقى ساكتاً أن تبقى صامتاً وأن تكون قدوةً حينما سئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : (( كان خلقه القرآن .))
[ مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
يقولون الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، قرآن متحرك ، إذا أردت أن تربي أولادك كن أنت قدوةً لهم ، كن أنت صادقاً ، كن أنت عفيفاً ، كن أنت أميناً ، والابن يدرك ويعلم .
والله بعض الأطفال الذين تربوا في أسر إسلامية متمسكة بالدين هو في سن قبل التكليف بكثير تراه يغض بصره عن امرأة لا يحل للكبير أن يراها ، سلوك رائع جداً ، في عفة وهو صغير لأنه يرى أباه يغض بصره ، وقد تجد فتاة عمرها سنوات تحب أن تضع الحجاب وأن تصلي ولو صلاةً شكلية ، هذا أثر القدوة في البيت .
أيها الآباء ، أيها المتزوجون ، أيها الناس الذين تطمحون إلى ابن صالح كن أنت صالحاً ، لذلك كنت أقول سابقاً يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله وأنت صامت ، هذه الدعوة الصامتة بليغة جداً ، دعوة بالمواقف ، بل ـ وأنا لا أبالغ ـ كل مؤمن شاء أم أبى ، علم أو لم يعلم ، انتبه أو لم ينتبه ، داعية مؤمن صادق ، هذا لا يكذب ، هذا لا يغش ، هذا لا يأكل مالاً حراماً ، هذا عفيف ، هذا أمين ، فالمؤمن مظنة ، صلاح المؤمن ينبغي أن يكون قبلة الأنظار ، طبعاً الأبيات المشهورة : يا أيها الرجل الـــمعلم غيره هــــلا لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لذي السقام ولذي الضنى كي ما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غـيها فإذا انتـــهت عنه فأنت حكيـم
***
النبي قدوة لنا في العبادة :
هذا أول درس ، أكبر وسيلة فعالة ، أكبر وسيلة مؤثرة لتربية أولادك أن تكون أنت قدوةً لهم ، ليس هناك من موقف يدعو إلى الاشمئزاز ، إذا كان الأب يدخن ثم علم خفيةً أن ابنه يدخن فأقام عليه النكير ، الدخان سيئ أم جيد ؟ سيئ ، لماذا أنت تدخن أيها الأب ؟ مادمت تدخن فهو من صفات الرجولة عند ابنك ، أراد أن يشعر بنفسه أنه رجل فدخن تقليداً لك ، هذه المشكلة ، فلذلك لن يكون الابن في الأعم الأغلب أو في الوضع الطبيعي فوق أبيه ، بل دونه ، فالأب هو السقف ، فكلما رفعت سقفك أنت رفعت مستوى تربية أولادك .
لذلك السيدة عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (( كان خلقه القرآن .))
[ مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن نفسه فقال : ((أدبني ربي فأحسن تأديبي .))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ أخ كريم كان له محل جانب المسجد قال لي : دخل عدة أطفال ، ودخل طفلان من سمتهما الحسن ومن أدبهما ومن وقوفهما المؤدب ومن غض بصرهما عن امرأة كانت في المحل بدا أن هذين الطفلين من طلاب المسجد ، والفرق واضح جداً بين طلاب متفلتين ، عيون زائغة ، تعليقات لاذعة ، مزاح رخيص ، وقاحة ، وبين طالب تأدب بأدب الإسلام . صدقوا أيها الأخوة أن الأدب الإسلامي يجعل للإنسان قيمة عند الله وعند الناس .
أيها الأخوة ، النبي قدوة لنا ، قدوة في العبادة ، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه ، ولما قيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً .
السيدة عائشة حينما سئلت عن عمله قالت : (( كان عمله ديمةً .))
[متفق عليه عن علقمة]
لا يوجد نوبات ، نوبة طاعة ثم تفلت ، معظم الناس تأتيه نوبات ، يحضر مجلس علم ، يُسَرُّ يومين ثلاثة أو أسبوعين ثلاثة ثم يغط ، تأتيه نوبة بعد شهرين ثلاثة ، كان عمله ديمةً مستمراً : (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ .))
[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
وكان يقول : (( أرحنا بالصلاة يا بلال .))
[رواه أبو داود وأحمد عن سالم بن أبي الجعد]
وقد جعلت قرة عينه صلى الله عليه و سلم في الصلاة . بعض الآيات القرآنية عن تعبد النبي الكريم :
كان في العبادة في أعلى مستوى ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2)نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)﴾
( سورة طه )
وقال : ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾
( سورة الإسراء : الآية 79 )
وقال : ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)﴾
( سورة الإنسان : الآية 25-26)
كان قدوة في عبادته وأنا أقول لكم أيها الأخوة : حينما يرى الابن أباه يصلي صلاة متقنة ، وصلاة في وقتها ، يتوضأ ويحسن الوضوء ، يجهر بالصلاة الجهرية ، يصلي مع أولاده ، هذا البيت فيه صلاة ، قال تعالى : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾
( سورة طه : الآية 132)
كأن الله يطمئن أهل البيت التي تقام فيه الصلوات الخمس لا نسألك رزقاً نحن نرزقكم . أحد أسباب زيادة الرزق الصلاة في البيت :
أحد أسباب زيادة الرزق الصلاة في البيت ، لكن النبي علمنا ، أحياناً أنا أصلي الفرض وركعتي السنة ولا أصلي الوتر ، الوتر يصلى في البيت ، اجعل الفرائض في المسجد والسنن الروافد في البيت ، صار البيت ليس قبراً ، ليس فندقاً ، ليس مكاناً للنوم والأكل ، صار مكاناً للعبادة .
إذاً كان قدوةً في العبادة ، يعني أب يغض بصره ، أب يصلي وقته ، أب لا يكذب ولا يغتاب ، هذا الأب قدوة ، لو لم ينصح ابنه وصل إلى الهدف .
النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً في الكرم : ((ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ، ولقد جاءه رجل فأعطاه غَنماً بين جبَلين ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلِمُوا ، فإن محمداً يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر.. ))
[مسلم عن أنس بن مالك]
كان قدوةً في الزهد : (( دخل عليه سيدنا عمر فرآه مضطجعاً على حصير أثر في خده الشريف فبكى ، قال : لِمَ تبكي يا عمر ؟ قال : رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ، قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً ، يا عمر أفي شك أنت يا عمر ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا .))
[أحمد وأبو يعلى عن أنس بن مالك ]
كان مثلاً أعلى في الزهد ، لذلك المبالغة في الترف تبعد عن الله عز وجل ولو كانت مباحة ، همه الأول الطعام ، همه الأول ينام ، همه الأول أن يكون في مكان جميل ، همه الأول أن يتمتع في الحياة : (( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين .))
[أحمد عن معاذ]
يتنعم لكن لا يقصد التنعم ، الله لا يحرمك شيئاً ، لا تحرم هذه الدنيا لكن لا تجعلها قبلةً لك ، اجعلها وسيلة ولا تجعلها غاية ، لذلك العلماء فرقوا بين أن تكون الدنيا بيديك وأن تكون في قلبك ، في القلب مشكلة في اليدين ليست مشكلة .
سئل فقال : ((مالي وللدنيا ، ما أََنا والدنيا إِلا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تحت شجرة ، ثم راحَ وتَركها.))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
مالي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها .
أحد أخواننا توفي قبل أيام ، وقفت على القبر ، أكل طعاماً ظهراً ، ثم جاءته أزمة عند العصر كان في القبر ، ساعتين فقط ، معنى هذا الإنسان بساعتين يكون شخصاً يمشي ، يصبح نعوة ، يصير خبراً .
قال : ((مالي وللدنيا ، ما أََنا والدنيا إِلا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تحت شجرة ، ثم راحَ وتَركها.))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
أشكال الفقر :
قال عليه الصلاة والسلام : (( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً .))
[ابن عساكر عن أبي هريرة]
إذا سألت شخصاً ما : كيف وضعك المالي ؟ وقال لي : مستورة ، أقول له : معنى هذا أصابتك دعوة النبي ، معنى كفاف غير الفقر ، أي حاجاتك مؤمنة ، مغطاة ، والآن ليس سهلاً أن تكون أمورك مؤمنة ، ليس من السهل أن يكون دخلك يغطي حاجاتك ، هذه نعمة كبيرة ، إن صحت هذه نعمة كبيرة ، وكنت في هذا المقام أقول : هناك فقر الكسل وهذا مذموم ، كسول ، إرجائي ، لا يوجد همة ، هذا فقر الكسل ، ويوجد فقر القدر ، ويوجد فقر الإنفاق ، فقر الإنفاق بطولة ، ماذا أبقيت يا أبا بكر ؟ قال : الله ورسوله ، أنفق كل ماله فصار فقيراً لكن فقر إنفاق ، ويوجد فقر القدر ، إنسان معه عاهة هذا صاحبه معذور ، وفقر الكسل صاحبه مذموم ، وعلمنا القرآن الكريم : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
( سورة طه : الآية 131)
النبي الكريم كان في خدمة أصحابه وكان مثلاً أعلى لهم :
كان قدوة في التواضع ، قال : (( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر ))
[القضاعي والديلمي عن أبي أمامة]
كان يجلس مع الضعيف والفقير ، يصغي إلى المرأة الضعيفة ، يكنس داره ، يخصف نعله ، كان في خدمة أهله ، كان يقف لأي إنسان إذا سأله في الطريق ، جاءه عدي ابن حاتم لا يدري أنبي هو أم ملك ؟ فلما انطلق به إلى البيت قال : استوقفته امرأة فوقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها ، فقلت : والله ما هذا بملك إنما هو نبي يقبل عذر المعتذر ، إذا إنسان صافحه لا يسحب يده منه إلا أن يسحبها من صافحه ، كان يجلس جلسة العبد يقول : (( إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ))
[ابن ماجة عن أبي مسعود]
كان في خدمة أصحابه ، وكان قدوة في الحلم : (( شَدّ أعربيٌّ بُردَه حتى أثّر في عاتقه ، ثم أغلظ له القول بأن قال له : يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك ! فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضحك ، ثم أمر له بعطاء . ))
[متفق عليه عن أنس رضي الله عنه]
كان قدوةً في العفو : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
كان شجاعاً : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا . ))
[البخاري عن أنس رضي الله عنه]
سبقهم إلى استطلاع الخطر ، وكان إذا حمي الوطيس ما كان من أحد أقرب إلى العدو منه من شدة شجاعته ، وكنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله وقال : (( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ))
[ ابن حبان عن أبي إسحاق ]
أنا أسوق لكم هذه المثل كي تعلموا أن اتباع أصحابه له وأنهم أحبوه وفدوه بأرواحهم لا لأنه ألقى عليهم مواعظ فقط بل لأنه كان معهم ، وكان مثلاً أعلى ، وكان قدوةً لهم ، قال الله عز وجل :﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21)﴾
( سورة الأحزاب : الآية 21)
قصة من السيرة النبوية عن حكمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام واجه مشكلة ، آخر معركة كانت معركة حنين ، وزع الغنائم : (( لما أعطي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ـ وزعها على حديثي عهد بالإسلام ولم يعطِ الأنصار منها شيئاً اعتماداً على إيمانهم ـ وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ ، حتى قال قائلهم : لقي واللّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه ، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء . قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ ـ ما موقفك أنت ناقم أم معهم ؟ ـ قال : يا رسول اللّه ، ما أنا إلا من قومي ـ متألم أيضاً ـ قال : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة . فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا . وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال : لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ـ والله هذه القصة رويتها مئات المرات بل عشرات مئات المرات فيها دقة بالغة ـ فأتاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه ، وأثني عليه ـ هنا الآن تصور إنسان على قمة المجتمع المسلم ، نبي الأمة ، بل هو سيد الأنبياء ورسول هذه الأمة ، بل هو سيد الرسل ، بل هو سيد ولد آدم قاطبةً ، بل إنه الإنسان الأول الذي أقسم الله بعمره ، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية من أقصاها لأقصاها ، يعني أقوى إنسان بالمفهوم المادي يأتيه قوم ينتقضونه في توزيع الغنائم ماذا يفعل الأقوياء في مثل هذا الموقف ؟ والله هناك أقوياء يلغون وجودهم ، يوجد في التاريخ البشري أناس وجهوا بعض النقد فألغي وجودهم نهائياً ، كان من الممكن أن يلغي وجودهم لكنه لم يفعل ، وكان من الممكن أن يهملهم ، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم ، لو قال كلمة واحدة عنهم منافقون انتهوا ، هو رسول الله وكان من الممكن أن يعاتبهم لصالحه ، كان من الممكن أن يلغي وجودهم ، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم ، ما الذي فعله وهو في أوج قوته وقد انتقدوه ؟ الذي فعله أنه ذكرهم بفضلهم عليه ـ ثم قال : يا معشر الأنصار ، مقَالَةٌ بلغتني عنكم ، وَجِدَةٌ وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه ؟ ـ ما قال فهديتكم ، رأيتم إلى أدبه الرفيع ـ وعالة فأغناكم اللّه ؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟ قالوا : بلى ، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفْضَلُ ، ثم قال : ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ورسوله المن والفضل . قال : أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ : أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسَيْنَاك ـ لو قلتم هذا لكنتم صادقين ولصدقكم الناس ـ أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شِعْبًا ، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللّهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار . فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا : رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظاً ، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وتفرقوا .))
[رواه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري]
هذه القصة توضع أين ؟ مع حكمته أم مع وفائه أم مع تواضعه أم مع حسن سياسته ؟ فعلاً شيء رائع ، فلذلك لأنه كان قدوةً الصحابة انصاعوا له . النبي الكريم قدوة لنا في الثبات على المبدأ :
أنا لا أنسى هذا الموقف ، حينما جاءت غنائم كسرى يروى أن رجلين لو وقفا حول الغنائم ورفع كل منهما رمحه لما رأى الأول الثاني لكثرتها ، كنوز كسرى كل ما في قصر كسرى من ذهب ، ومن فضة ، ومن ألماس ، جيء به إلى المدينة أكوام ، سيدنا عمر نظر إلى هؤلاء الذين جاءوا بهذه الغنائم شيء ثمين جداً فقال : سبحان الله إنهم أمناء . فأجابه سيدنا علي : يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا .
لا يوجد في هذا الدرس قضية خطيرة إلا القدوة ، كن قدوة لأولادك ، لاحظ أنهم يراقبونك ، يرون حركاتك وسكناتك ونظراتك وكلامك فينبغي أن تكون قدوةً لأولادك .
الثبات على المبدأ ، كان قدوةً في الثبات على المبدأ ، واجه مصاعب كثيرة حتى أنهم عرضوا عليه أن يزوجوه أجمل فتاة ، وأن يجعلوه أميراً عليهم ، وأن يعطوه مالاً حتى يغدو أغناهم ، فقال : (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .))
[السيرة النبوية]
أيها الأخوة ، لما قال أحدهم وهو أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ، يعني بالله عليكم إنسان على مشارف القتل ، أحد الصحابة بعد قليل سيُقتَل ، سأله أبو سفيان قال له : أتحب أن يكون محمّد مكانك ؟ هذا الصحابي الجليل أظنه خبيباً قال : لا والله ، والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي ـ في أهلي مع زوجته وأولاده ـ وعندي عافية الدنيا ونعيمها ـ البيت مكيف وفيه ورود وكل ما لذ وطاب في المطبخ يعني للتقريب ـ ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة . عندئذ قال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً .
نحن فقدنا الحب يا أخوان ، كل شيء يوجد عندنا لكن لا يوجد حب ، خصومات في الأسرة بين أخوين ، بين جماعتين ، بين داعيتين ، بين عالمين ، شيء مؤلم جداً ، بأسنا بيننا ، ممزقون ، لأن البغض له قانون قانونه قوله تعالى : ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14)﴾
( سورة المائدة : الآية 14)
(( والذي نفس محمد بيده ما توادّ اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما . ))
[أحمد عن ابن عمر]
الرسول قدوة لنا ووجهنا إلى أن نكون قدوةً لأولادنا :
أيها الأخوة ، موضوع القدوة موضوعان ، الأول : كان عليه الصلاة والسلام قدوة لنا ، الثاني : وجهنا إلى أن نكون قدوةً لأولادنا ، فالقسم الأول استغرقه هذا الدرس ، القسم الثاني إن شاء الله في درس قادم ، وبعدها ننتقل إلى التربية بالعادة ، والتربية بالتلقين ، والتربية بالعقاب ، والتربية بالموعظة ، موضوعات كبيرة جداً لو تأملناها لكان منهجاً للآباء في تربية أولادهم ، لكن التربية في القدوة تقع على رأس القائمة لذلك بدأت بها يكفي أن تكون قدوةً وانتهى الأمر .
أنت لاحظ بيت تقام به الصلوات ، الأطفال الصغار يقلدون آباءهم دون أن يشعروا ، دخل موجه تربوي إلى مدرسة ابتدائية ـ هذه طرفة ـ في منطقة حدودية فسأل طالباً : أنت حينما تكبر يا بني ماذا تحب أن تكون ؟ الجواب التقليدي : طبيب ، ضابط ، طيار ، قال له : مهرب أستاذ .
هذه المشكلة ، هكذا يرى الطفل ، هذا عمل والده ، فلذلك أنت حينما تكون في مستوى راقٍ جداً تجد أن الابن يطمح إلى أن يكون مثل أبيه ، فلا تطمح في نهاية المطاف ولن تستطيع أن تنال ابناً صالحاً وأنت لست بصالح ، لا تطمح ولن تستطيع أن تنتظر من ابنك أن يكون صادقاً وأنت لست صادقاً ، لا تطمح ولا تنتظر أن يكون ابنك عفيفاً وأنت لست بعفيف ، فإذا كنت صادقاً في تربية أولادك ، حريصاً على تأدبهم بآداب الإسلام ، حريصاً على أداء العبادات كن أنت قدوةً لهم وانتهى الأمر .
الدرس القادم إن شاء الله سوف يكون حول توجيهات النبي في القدوة أذكر توجيهاً واحداً كمثال : كان في بيت أقربائه امرأة قالت لابنها : تعال خذ ، فقال : ماذا أردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرةً ، قال: أما إنك لو لم تفعلي لكتب عليك كذبة .
لا تنسوا عالم الحديث الذي انتقل من المدينة إلى البصرة ليأخذ حديثاً عن رجل سمعه من رسول الله ، رآه يوهم فرسه أن في ثوبه طعاماً حتى أقبلت الفرس ، كذب على الفرس فعاد إلى المدينة ولم يسأله سؤالاً واحداً ، الذي يكذب على فرسه ليس أميناً على حديث رسول الله .
جاء صحابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً ، وفرح به النبي ، قال : يا رسول الله أمسَكوني في الطريق فقلت لهم : إن أطلقتموني والله لن أقاتلكم أبداً فأطلقوه ، الصحابي نسي بعد سنوات في غزوة انخرط بها فقال له النبي : ارجع ألم تعاهدهم . فالنبي قدوة في كل شيء .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 2 - : التربية بالقدوة - 2




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة، عدت إلى سلسلة أخرى من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام نظراً لأهمية هذا الموضوع وانطلاقاً من أن أولادنا بالتعبير الحديث هم الورقة الرابحة الوحيدة التي في أيدينا.
الحياة والحركة أقوى من أي فكر نظري:
إن أولادنا هم المستقبل فإن أردنا مستقبلاً يتميز عن حاضرنا فلنعتنِ بأولادنا، لأن هذا الموضوع ـ والفضل لله وحده ـ راج رواجاً كبيراً وتناقلته أكثر من جهة بالقبول، فأردت أن أتابع هذه السلسلة، فأنا في سلسلة ثانية من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام.
أعيد وأذكر أن السلسلة الأولى هي أهداف التربية لابدّ من أن نربي أولادنا تربيةً إيمانية وتربيةً أخلاقية وتربية عقلية وتربيةً جسمية وتربيةً اجتماعية وتربية جنسية هذا مضمون السلسلة الأولى من تربية الأولاد في الإسلام.
والله لا أقول هذا إلا للبيان عدد من الإذاعات في العالم العربي والإسلامي أذاعت هذه السلسة عشرات المرات، وتلقاه الناس بالقبول، وهذا من فضل الله علينا جميعاً.
السلسلة الثانية أيها الأخوة وسائل التربية، أول وسيلة أن تكون أنت قدوةً، وأقول بملء فمي لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك صادقاً إن لم تكن صادقاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أميناً، تكاد هذه الوسيلة تكون أخطر وسيلة، أن تكون أنت قدوةً لأن الأطفال يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، موقف فيه كذب يلغي ألف محاضرة، موقف فيه خيانة يلغي ألف محاضرة في الأمانة هذه المشكلة.
كأن الحياة والحركة في الحياة أقوى من أي فكر نظري، فيكفي أن يدرك الابن أن في دخل والده حراماً، وأن في بيعه كذباً، وأن في معاملاته انحرافاً، وهو والده، إذاً إذا انحرف الابن أصبح مغطى.
توجيهات النبي في القدوة:
في الدرس الماضي أيها الأخوة، بينت لكم كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً، تحدثت عن سيرة النبي العملية، الآن في موضوع القدوة توجيهات النبي في القدوة، الدرس الماضي سلوك النبي في القدوة، كان قدوةً في عبادته، وفي رحمته، وفي عدله، وفي علمه، وفي حسن معاشرته لمن حوله، أما اليوم هديه في أن نكون قدوةً لمن حولنا.
(( دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْراً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ))
[أحمد وأبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ]
لي قريبة توفيت رحمها الله جاءها ابنها من أمريكا ومعه أولاده، أحد أولاده أحدث جلبةً وضجيجاً كثيراً، قالت له: اسكت وفي المساء سآخذك إلى مكان جميل، فسكت وفي المساء لم تأخذه، طفل صغير قال لجدته: أنت كاذبة.
طفل يدرك فيا أيها الأخوة عد إلى المليون قبل أن تكذب أمام ابنك، وعد إلى المليار قبل أن تكذب أمام الله، لكن لن تطمح أن يكون ابنك صادقاً إذا كان في الحديث كذب، والإنسان أحياناً يكون ابنه معه في المحل التجاري، وهذه مشكلة، والابن يراقب، يعرف كيف اشتريت هذه البضاعة، وكم رأسمالها ؟ فحتى يبيع الأب هذه البضاعة يقوم بحلف الأيمان الكاذبة أمام ابنه، سقط الأب من عين ابنه.
والله أيها الأخوة، لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، لا تكذب، الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين، يرزقك وأنت صادق لا تكذب.
أحد أخواننا الكرام يبيع قطع سيارات، قال لي: إحدى هذه القطع بقيت عندي سبع سنوات، وثمنها كبير، وأنا أرحلها من ميزانية إلى ميزانية، ضقت ذرعاً بها، جاءني من يطلبها، وأنا على السلم لآتيه بها قال لي: أصلية ـ وهي ليست أصلية ـ قلت: لا والله قال: سآخذها.
كلمة لا والله أصبح البيع شرعياً، حديث آخر:
(( عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَاماً، فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْهُ))
[البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
في رواية قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ))
[البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
الله رحيم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل:
قد يتوهم الأب أنه إذا أعطى البار أكثر كافأه على بره، إن أعطيت البار أكثر زدت العاق عقوقاً، أما إن عدلت بينهما قربت العاق إليك، بر ابنك اجعل جزاءه عند الله وأنت اعدل بين أولادك لا تفرق بين بار وغير بار، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال: نعم، قال: أكلهم وهبت له مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور ))
[مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
وفي رواية:
(( أشهد على هذا غيري، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذاً ))
[مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
أنت حينما تعدل ترسخ مفهوم العدل عند أولادك، وأنت حينما ترحم ترسخ مفهوم الرحمة عند أولادك، وأنت حينما تصدق ترسخ مفهوم الصدق عند أولادك.
(( قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ))
[ متفق عليه عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
صدقوا أيها الأخوة أن الابن الذي تربى بين أبوين رحيمين، أشرباه الرحمة مع الحليب، هذا الابن إذا كبر لا يقسو أبداً، تجد أناساً ليسوا ملتزمين بأوامر الله، لكنهم شربوا الرحمة مع حليب أمهاتهم، تجد البيت كله رحمة، مودة، عطفاً، بذلاً، تضحية، إيثاراً، هذا البيت فيه رحمة، الأم رحمت والأب رحم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل.
(( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]
أحد أكبر علامات الإيمان الرحمة في القلب وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب:
إذا وجدت رحمة في البيت لا يوجد قسوة، لا يوجد ضرب، لا يوجد صوت مرتفع، لا يوجد إذلال، البيت الذي فيه رحمة الأولاد ينشؤون على الرحمة، هذا شيء واضح في الحياة العملية، تجد إنساناً لا يرحم أبداً يتلذذ في أن يوقع أشد الأذى في الناس، تجد إنساناً آخراً لا يستطيع أن يؤذي أحداً هذا نشأ في بيت فيه رحمة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من لا يرحم لا يُرحم. ))
[البخاري ومسلم عَنْ أبي هريرة]
وقال:
(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]
يعني ماذا أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ؟ مرة ثانية أحد أكبر علامات إيمانك الرحمة في قلبك وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب دائماً المنافق والكافر قلبه قاسٍ كالحجر لا يرحم.
قبل أن أقرأ الحديث ابنك حينما يرى أنك تحبه وترحمه وتعطف عليه يلتصق بك، وحينما يرى منك قسوةً ونفوراً وإبعاداً له عنك ينفر منك، فلذلك لأن تخسر الدنيا وتربح إنساناً أفضل عند الله من أن تربح الدنيا وتخسر إنساناً، الأب العاقل الموفق يربح أولاده، لا يربح أولاده بمحاضرة يلقيها بل يربح أولاده بقلب مفعم بالرحمة، حينما يرحمهم، حينما يسدي لهم كل ما يحتاجونه، حينما يجهد في العمل كي يكرمهم.
والله أعرف أحد أخواننا الكرام أولاده يقفون أمامه والله كجندي أمام أعلى رتبة من شدة إحسانه إليهم، أنا أقول لك دائماً: الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أولادك من لهم غيرك ؟ من لهم غيرك يطعمهم ما يشتهون ؟ من لهم غيرك يلبسهم ما يحبون ؟ من لهم غيرك يأخذهم إلى نزهة ؟ فأنت حينما تؤمن بالله الإيمان الحقيقي كل أفعالك مكتوبة عند الله أعمالاً صالحة.
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ فِيهِمَا، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطَعَ كَلَامَهُ فَحَمَلَهُمَا ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي فَحَمَلْتُهُمَا ))
[رواه الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]
كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك:
أحياناً بعض الأشخاص الأقوياء يقومون بفعل تمثيلي، أما هذا حقيقي، يعني رحمة حقيقية.
(( بينما كان عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا: لقد أطلت يا رسول الله السجود حتى ظننا أنه قد حدث أمر ؟ فقال: إن ابني قد ارتحلني ـ أي جعلني راحلة ـ فركب على ظهري فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته))

[النسائي والحاكم عن عبد الله بن شداد]
المؤمن إذا دخل بيته صدقوني أيها الأخوة وأنا لكم ناصح أمين إذا دخلت البيت ولم يكن عند دخولك عيد فأنت لست أباً ناجحاً، عيد إذا دخلت البيت، يجب أن يرقص الأطفال من الفرح، ويوجد آباء ـ والعياذ بالله ـ إذا خرج الأب الحمد لله تنفَّس أهله الصعداء، متعب، قاسي، كلام، سباب، ضرب، إهانة.
إذا كنت أباً ناجحاً إذا دخلت إلى البيت يجب أن يكون في بيتك عيد، لأنك واحد من أهل البيت، كان يكنس داره، ويرفو ثوبه، ويخسف نعله، ويصغي الإناء للهرة، وكان يحلب شاته، وكان في مهنة أهله.
لك عمل، لك رتبة عالية، لك منصب رفيع، أما في البيت أنت واحد منهم.
(( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشى على أربع، وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما ))
[ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه]
يعني إنسان سيد الخلق وحبيب الحق، يدير أكبر دعوة في العالم، يجابه ملوك الأرض، يجابه قريش، يغزو، يحل مشكلات، إذا دخل بيته يمشي على يديه وركبتيه ويدعو الحسن والحسين ليركبا على ظهره، ويقول وهو يمشي:
(( نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما ))
[ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه]
قلدوا رسول الله:
(( من كان له صبي فليتصاب له ))

[ ابن عساكر عن معاوية ]
هناك باب في الجنة لمن يدخل السرور على الأطفال، الأطفال أحباب الله، هذا الطفل بريء وذاتي وصافٍ حينما يشرب الحنان والعطف والمودة والحب منك، إذا كبر هذا الطفل وصار إنساناً عظيماً في صحيفتك، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (21)﴾

( سورة الطور)

يعني كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك.
حاجة الطفل إلى الحنان والابتسامة حاجة أساسية:
قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ]
وفي بعض الأحاديث الصحيحة:
(( مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ))
[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
كان عليه الصلاة والسلام يقول: مرحباً، السلام عليكم يا صبيان، من تواضعه الشديد، نحن في العيد نستقبل أخوتنا الكرام في القاعة وكل أب معه ابنه له هدايا وحلوى، جاء طفل صغير وحده، قلت له: أنت وحدك أم مع أبيك ؟ قال: وحدي، قلت له: من هو أستاذك ؟ وهو يمشي في الطريق علم أن هنا هدايا وحلوى فدخل، قلت له: من أستاذك ؟ قال: الشيخ راتب أستاذي.
طفل يحب الإحسان لا شك، يوجد طالب آخر جاء مع أبيه أيضاً أكرمته، قال لي والده أنه حدث أمه بعد أن وصلا إلى البيت، قال لها: لقد أحببت هذا الشيخ يا أمي.
الطفل تملك قلبه بهدية، تملك قلبه بابتسامة، تملك قلبه بقبلة أحياناً، إنسان أحياناً لا ينتبه يقبل ولداً ولا يقبل الثاني وقع في الظلم، أحياناً يبش لولد ويقطب للثاني وقع في الظلم اعدل حتى في القبل، اعدل حتى في الابتسامة، اعدل حتى في الضم، من المهم جداً أن يضم الإنسان ابنه إلى صدره، تعدها شيئاً سهلاً، يوجد آباء لا يفعلون هذا، يشتهي الطفل أن يضمه أي إنسان ـ انتبه إلى هذه النقطة وفهمك كفاية ـ لما الابن يجلس في حضن والده ويقبله ويضمه ويشمه يحقق له حاجة أساسية، حاجة إلى قلب يحبه، حاجة إلى إنسان يحتويه فإذا كان الأب قاسي القلب وابتعد عن أولاده أنا لا أظن السوء بل أخشى أن هذا الطفل يشعر بحاجة دائماً إلى من يعطف عليه، فيرمي نفسه في أحضان إنسان منحرف.
أمثلة عن محبة النبي الكريم للصغار:
والله أيها الأخوة، أنا حينما أستمع من بعض الأخوة الكرام إلى قصص عن تماسك الأسرة والله أقدر هذه الأسرة، يوجد أسر متماسكة فيها حب، فيها ود، فيها عطف، فيها تضحية، ويوجد أسر ـ والعياذ بالله ـ متعادية، خصومات، ومشاكسات، وقطيعة، وسباب، فأنت بطولتك أن تجعل من بيتك جنة ولو كان الأكل متواضعاً، ولو كان البيت صغيراً قد يغدو جنة وأنت لا تشعر، من محبة النبي للصغار:
(( أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، قَالَ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

أنت كبير قد تصبر عن الفاكهة أسبوعاً أما الطفل متعلق بالفاكهة، فأنت حينما تأتي له بفاكهة أنت كأب رحيم كأنك أنت الذي أكلت، وأنت كأم كأنك أنتِ التي أكلتِ، فكان عليه الصلاة والسلام ـ وهذا من توجيهه ـ يعطي الفاكهة لأصغر طفل في المجلس ولا يأكلها.
(( أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً، قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ ))

[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الإسلام فيه نظام، أنا جالس إلى يمينك من حقي أن أشرب بعدك قبل الأشياخ أرأيت إلى هذا النظام ؟
النظام رائع، بالدخول، بالتيمن، دخل إلى المسجد دخل برجله اليمنى، أثناء توزيع الضيافة بدأ من اليمين، هذا النظام مريح.
تذكير أولادنا بشمائل النبي وقصص أصحابه حتى يصبحوا قدوة لهم:
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
هذا توجيه نبوي، الآن أطفالنا وأطفال المسلمين من هم قدوتهم ؟ لاعبو الكرة، الفنانون قدوتهم، قدوتهم الرسوم المتحركة، قدوتهم هذه التماثيل الصغيرة التي تأتينا صورها من اليابان أو من أمريكا، لكن ألا يليق بالمسلمين أن يكون هؤلاء الصحابة الشباب قدوةً لأولادنا، من يعلمهم ذلك ؟ كم أباً من بين مئة أب يجلس مع أولاده ليعلمهم سير أصحاب رسول الله، أو ليقرأ معهم قصة صحابي جليل ؟ الطفل في سن مبكرة يتعلق بمثل شئت أم أبيت، يتعلق بمثل، فالمفروض أن تعلم أنت ابنك حب رسول الله، الآن قد يفهم الحديث فهماً مضحكاً يا بني أحبَّ رسول الله، لا ليس هذا الموضع، أن تذكر له شمائله، أخلاقه، محبته لأمته، نظافته، صدقه، أمانته، عفافه، ينبغي أن تذكر له شمائل النبي حتى يحب النبي وينبغي أن تذكر قصص أصحابه الكرام.
أنا درست كتاباً عدة مرات " صور من حياة الصحابة "، المؤلف رحمه الله ألَّف هذا الكتاب وهو في أعلى مستوى، حتى أنه كتاب مقرر في عدد من البلاد الإسلامية للتعليم الإعدادي والثانوي، فإذا كان في البيت " صور من حياة الصحابة " وكل يوم قرأ قصة صحابي وهو سبعة أجزاء أنت بهذا تكون قد نفذت وصية رسول الله.
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
قال سعد بن أبي وقاص: كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن.
محاورة النبي الكريم للفقراء:
مرة ذكرت في خطبة أن النبي عليه الصلاة والسلام عائد من غزوة ذات الرقاع، من شدة المشقة التي ألمت بالمسلمين، ومن شدة الآلام والدماء التي سالت منهم، لفوا أرجلهم بالرقاع فسميت غزوة ذات الرقاع، في طريق العودة كان النبي عليه الصلاة والسلام في مؤخرة الركب ليطمئن على جيشه، التقى بشاب فقير جداً اسمه سيدنا جابر، توفي أبوه في معركة أحد وترك له أخوات عدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى جمله ضعيفاً لذلك كان في مؤخرة الركب فسأله عن جمله، قال: هو ضعيف يا رسول الله، فقال: انزل عنه أناخه ثم وخزه النبي عليه الصلاة والسلام بقضيب كان معه، فعاد جملاً نشيطاً لعله من أنشط الجمال، في أثناء السير النبي عليه الصلاة والسلام سأل سيدنا جابراً قال: يا جابر أتبيعني هذا الجمل ؟ قال: بل أهبه لك يا رسول الله، قال: لا بعني إياه، قال: أبيعك إياه، قال: كم تريد ؟ قال: كم تدفع به ؟ قال له: أدفع درهماً، قال: إذاً يغبنني رسول الله ـ فمن غير المعقول أن يدفع به درهماً ـ قال له: درهمان، ومازال يرفع السعر حتى اشتراه منه بأوقية ذهب، وتم البيع واشترط سيدنا جابر أن ينتفع بالجمل إلى المدينة.
انظر قواعد البيع صار في مجلس بيع، وانتهى بسعر معين، واشترط أن يكون قبض المبلغ في المدينة وتسليم الجمل.
قال: يا جابر أأنت متزوج ؟ قال: نعم، قال: بكراً تزوجت أم ثيباً ؟ قال: بل ثيباً، قال: هلا تزوجت بكراً ؟ قال: توفي والدي وترك لي سبع أخوات أردت أن أتزوج امرأةً تجمعهم ـ يعني امرأة ناضجة همها إدارة منزلها ورعاية أخوات زوجها ـ قال: نِعْمَ ما فعلت.
حديث طويل لطيف، سيد الخلق وحبيب الحق النبي عليه الصلاة والسلام يحاور شاباً فقيراً، قال له: الآن حينما نعود إلى المدينة تكون زوجتك قد نفضت نمارقها ودهنت أطفالها، قال له: يا رسول الله ليس عندي نمارق، قال: سيكون لك إن شاء الله نمارق.
كان من عادة النبي إذا كان في غزوة أن يقيم يوماً قبل الدخول إلى المدينة لتستعد كل امرأة كي تستقبل زوجها.
المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل:
أيها الأخوة الكرام، لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وحدها بما يشبه الكتاب والسنة لأنها منهج، طبعاً أية أمة تعتني بسيرة عظمائها لكن عظيمنا هو رسول الله، سيد الخلق وحبيب الحق، وهو القدوة والمثل، فلذلك حينما نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام نتعلم منه الشيء الكثير، مثلاً من منا يعمل في منصب قيادي ؟ مدير مؤسسة، مدير مدرسة، مدير مستشفى وعنده موظفون، لو أن واحداً منهم أساء ماذا يفعل ؟ النبي ماذا فعل عندما أساء بعض المصلين ؟
دخل إلى المسجد وأحدث جلبة وضجيجياً فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال له:
(( زادك الله حرصاً ولا تعد.))
[عبد الرزاق وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبى بكرة]
كيف وجهه ؟ ذكر بعض إيجابياته ثم ذكر خطأه هذا منهجه، حينما تريد أن تعالج إنساناً يعمل معك وقد ارتكب خطأً ينبغي أن تذكر ميزاته حتى يطمئن إلى عدلك، هذا الموظف أمين لكنه يتأخر إن أردت أن تعالج تأخره ينبغي أن تذكر له أنه أمين وأنا معجب بأمانتك لكن التأخر مشكلة، عندما سمع أنك معجب بأمانته اطمأن وشعر أنك منصف لذلك يمكن أن يستجيب إلى توجيهك، أما إذا أنكرت كل ميزاته فلن يستمع إليك عندها.
أبناء كثيرون يشتكون إلي أن له مليون ميزة، الأب لا يتكلم إلا عن سيئاته ويتعامى عن كل ميزاته، هذا أكبر خطأ في تربية الأولاد، ابنك عفيف، حصّل علامات عالية، صادق، ارتكب خطأ وهو صادق ذكره أنه صادق، ذكره أنه متفوق، ذكره أنه يحب أخوته، فكل ميزة من ميزات ابنك يجب أن تذكرها له مسبقاً فإذا جاء التوجيه السلبي قبل منك هذا التوجيه.
الحقيقة أخواننا الكرام سهل جداً أن تتطرف، أن تكون قاسياً جداً، أو أن تكون ليناً أيضاً القضية سهلة، المواقف المتطرفة سهلة لا تحتاج إلى تفكير، غضبت ضربته ضرباً مبرحاً هؤلاء هم الجهلة، أرخيت له الحبل، هذه أسوأ تربية، أما حينما تضبط أعصابك فإذا أخطأ أعرض عنه، ينبغي أن يكون إعراضك عنه أكبر عقاب له، لذلك قالوا: من أطاع عصاك فقد عصاك، الذي يخاف أن تضربه هو لا يحبك، ينبغي أن يخاف أن تعرض عنه، مقياس مكانتك عند ابنك ليس أن يخاف أن تضربه، يجب أن يخاف أن تعرض عنه، وكلما المودة والمحبة والمكانة والهيبة كانت عند الأب موجودة يكفي أن يعرض عنه حتى يحترق وحتى يبكي بكاءً شديداً، فلذلك لا تُعوّد أولادك أن تضربهم، عوّد أولادك أن أشد عقاب تعاقبهم به هو إعراضك عنهم، بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ﴾
( سورة المطففين: الآية 15)
أكبر عقاب هو الحجاب أحياناً الله كيف يعاقب المؤمن ؟ يبقى في مكانته الاجتماعية، بصحته وأولاده في البيت، ليس عنده مشكلة لكن الله يعاقبه، يعاقبه بأن حجبه عنه، المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل.
الأم التي تعتني بأولادها قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها:
تروي بعض الكتب أن شاباً له شيخ أنبأه أنه يا بني لكل سيئة عقاب، يبدو أنه ارتكب خطأً وغلبته نفسه مرة فارتكب معصية، فبحسب كلام شيخه إذاً لا بد من عقاب أليم، هو ينتظر العقاب الأليم مضى يومان وثلاثة وأربعة لا يوجد شيء، ففي صلاته ناجى ربه قائلاً: يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فقال بعض علماء القلوب ـ هكذا يروون ـ وقع في قلبه أن: يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
إذا عندك حساسية ولك عند الله مكانة يمكن أكبر عقاب تعاقب به أن يحجبك عنه، وأكبر عقاب يعاقب الأب ابنه المقصر أن يعرض عنه فقط، أكبر عقاب نزل بالصحابة الثلاثة الذين خلفوا هو القطيعة، قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (118) ﴾
( سورة التوبة: الآية 118)
عندما تربي ابنك تربية عالية أكبر عقاب أن تعرض عنه، أما إذا كنت دائماً تضربه هذا الضرب كسر بالتعبير العامي، لم يعد لك هيبة، أَلِفَ الضرب وتعوَّد عليه: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
***
يوجد آباء يقولون لك والله بحياتي ما ضربت ابناً ولا بنتاً أبداً، عنده حكمة، وله هيبته، وله مركزه في البيت، ومحسن، ومنصف، ويربي أولاده، لا يحتاج إلى ضربهم إطلاقاً.
أخواننا الكرام أنا لا أنكر أن المجتمع فاسد والطفل يتعلم في المدرسة أشياء سيئة جداً أحياناً، وفي الطريق يستمع إلى كلمات بذيئة جداً، وأينما التفت هناك معصية، والآن الجهد ينبغي أن يكون كبيراً جداً في تربية الأولاد، لكن حينما يرى الطفل بيته جنة، يوجد ود ومحبة، يوجد عطف، يوجد طعام يؤكل، يوجد أم تعتني بأولادها، الأم التي تعتني بأولادها هي قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها، يوجد بيوت فيها إهمال شديد، فالطفل يلتصق بصديق غني، لا يوجد طعام جاهز في الصباح، الأم نائمة لا ترغب أن تستيقظ لتعتني بأولادها، فالبيت مقفر، أحياناً في أيام الشتاء الباردة لا يوجد مدفأة معدة البيت بارد جداً، يريد أن يتوضأ ويصلي ويأكل ويلبس وأمه نائمة، أما إذا كانت الأم تعتني بأولادها، المدفأة قد اشتعلت، والبيت دافئ، والطعام جاهز، والثياب جاهزة ونظيفة، هذا الابن عندها يلتصق بأمه وأبيه.
على المعلم أن يكون قدوةً كالأب والأم:
أنا أقول لكم أحياناً تعطي محاضرات لا قيمة لها تقول له: أنا أمك، وأنا أبوك، أنت أبوه فعلاً بحسب قيد النفوس فلان بن فلان، أما حينما يرى عطف الأب ورحمته وحلمه وعطاءه وكذلك الأم يلتصق هذا الابن بأمه وأبيه، سبحان الله الجنة أبوابها تبدأ من البيت، ممكن أن تسلك طريق الجنة وأنت في البيت، كل إنسان له بيت وزوجة وأولاد، فعليه أن يأخذ بيد أولاده إلى الله، أن يكون قدوةً لهم، أن يصلي معهم فرضاً، أن يشعر أن هذا البيت بيت مسلم، الطفل يحب هذا، لاحظ الأطفال الصغار قبل الوعي يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الصلاة، يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الحجاب، أحياناً تجد خاطب جديد دخل وجلس مع أخته الطفل لا يحتمل ذلك بحسب البرمجة أن هذا كيف نظر إلى أخته ؟ طفل حينما ينشأ في بيت فيه عفة، فيه صلاة، فيه ذكر، فيه قرآن، فيه صدق، فيه عطف، يكون وضعه مختلف.
أخواننا الكرام، تتميماً لموضوع القدوة هناك عدة أشخاص ينبغي أن يكونوا قدوة في حياة الطفل كالمعلم، الحديث عن الأب والأم الآن أما المعلم له دور خطير، فإذا كان المعلم يرتكب أخطاء كثيرة أو يعلو صوته أو يسب الطلاب أو يدخن أو يمزح مع أصدقائه مزاحاً رخيصاً على مسمع من الطلاب هنا يوجد مشكلة كبيرة جداً.
كما أن الأب ينبغي أن يكون قدوةً المعلم ينبغي أن يكون قدوةً، من أروع ما ذكر في هذا المقام أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال: إني قد أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيم الله لا أوتين في واحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة، يعني أكبر مصيبة أن تكون قريباً لعمر لأن العقاب مضاعف.
ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ أهم ولد عندك الكبير، الكبير حينما يستقيم يَستقيم أخوته الصغار، أما الكبير إذا انحرف والأب أهمل الكبير يتعلم الصغار من الكبير كل شيء سيئ، يجب أن تحسن تربية الكبير لأنه قدوة للصغار، فالمعلم قدوة، ينبغي أن تختار المدرسة الأصلح التي فيها معلم أجود وأكمل.
مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وأن يختار لابنه المعلم الجيد:
المعلم حينما لا يكون قدوة يسيء إلى الطلاب إساءة كبيرة جداً، والأخ الأكبر حينما لا يكون قدوةً، والأخت الكبرى حينما تكون متفلتة لا تستطيع الأم أن تربي بناتها الصغار على الآداب الإسلامية.
إذاً الآن مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وتربية الكبيرة، وأن يختار لابنه المعلم الجيد، والشيء الذي يؤلم أشد الألم ما رواه البخاري ومسلم:
(( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه]
الأقتاب: الأمعاء.
(( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ))
[ أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه]
قال تعالى:
﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾
( سورة الصف: الآية 3 )
لابدّ أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك فعالة وناجحة:
القضية قضية صدق مع الذات، أنت أب قدوة، أنت مُمَكن في هذه الأسرة فينبغي أن تكون في موضع كامل من الصدق والأمانة والعفاف، أما إذا كان في إطلاق بصر، تعليقات غير معقولة، تهجم، مزاح سيئ، كلام فيه كذب أمام الصغار، أعود وأقول الذي بدأته في هذا الدرس لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أنت أميناً، هذه الحقيقة الأساسية وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجَم هذا الدرس إلى سلوك، وكل واحد منا إما أخ أكبر لإخوته الصغار، وإما أب، وإما سيغدو أباً إن شاء الله، فلا بد من أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك تربية فعالة ناجحة.
أنت لاحظ أكثر الناس إن تحدثوا عن آبائهم والله أنا أحياناً أترنم، يقول لك: أنا والدي رحمه الله كان يصلي الفجر، والدي رحمه الله ما كان يكذب أبداً، كان يعطف علينا، كان يوفق بين المتشاكسين، فتجد الابن لخمسين عاماً بعد وفاة أبيه يتحدث عن أبيه.
أنا التقيت في ماليزيا بعريف المؤتمر، يتكلم اللغة الفصحى بشكل رائع وهو ماليزي، فالتقيت به وهو أستاذ في الجامعة قال لي: كان طموح والدي أن أتقن لغة القرآن، طموح والده الأول أن يتقن لغة القرآن والحقيقة كأنه مولود في بلاد عربية، كان عريف مؤتمر بأعلى درجة من الفصاحة والذكاء والبديهة، قال: رحمه الله كان يطمح أن أتقن لغة القرآن.
الابن حينما يرى من أبيه الكمال تجده طوال حياته يحدث عن أبيه، والعياذ بالله يوجد أطفال أو شباب يتحدثون عن آبائهم أسوأ حديث، الأب ليس صالحاً، منذ يومين أهمل زوجته وبناته وأولاده وبحث عن واحدة في عمر بناته لكن بشكل سيئ جداً، غير منضبطة، وثيابها فاضحة، هذا سقط أمام أولاده وبناته وزوجته ومن حوله، البطولة أن تكون أنت قدوةً لابنك، نحن في طريق مجموعة وسائل فعالة في تربية الأولاد لكن لا أكتمكم أن أكبر وسيلة فعالة في هذه السلسلة هو أن تكون قدوةً لأولادك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 3 - : التربية بالعادة - 1




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة تحدثنا عن أهداف التربية الإسلامية، تربية الأولاد في الإسلام، وبينت أن مضامين التربية الإسلامية التربية الأخلاقية والإيمانية والجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية والجنسية، وبدأنا قبل درسين في سلسلة جديدة حول وسائل التربية فتحدثت في درس سابق عن توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في شأن القدوة وكنت قبلها قد ذكرت أنماطاً من قدوة النبي عليه الصلاة والسلام. توافق فطرة الإنسان مع منهج الله:
اليوم ننتقل إلى وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد في الإسلام إنها التربية بالعادة، العادات مهمة جداً، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾
( سورة الروم )
أكبر معين لأي أب ولأي معلم أن فطرة الإنسان متوافقة تماماً مع منهج الله، أي أنت لا ترتاح إلا إذا أطعت الله، ولا ترتاح إلا إذا كنت صادقاً، لا ترتاح إلا إذا كنت أميناً، لا ترتاح إلا إذا كنت محسناً، لا ترتاح إلا إذا كنت منصفاً، فطرة الإنسان، جبلته، برمجته، توليفه، خصائصه متوافقة تماماً مع منهج الله، الإنسان حينما يتوب إلى الله يجد نفسه، ينسجم مع نفسه، ينسجم مع الكون، ينسجم مع كل المخلوقات:
﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾
( سورة الروم )
طبعاً قبل هذه الكلمات:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً (30) ﴾
( سورة الروم )
أي أن تقيم وجهك للدين حنيفاً: أن تشد بكل طاقاتك إلى الله، هذا العمل يتوافق مع فطرتك ومع جبلتك ومع خصائصك ومع فطرتك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هكذا مصمم تحب العدل، الصبغة أن تكون عادلاً أما الفطرة أن تحب العدل، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيء آخر، أن تحب الرحيم شيء وأن تكون رحيماً شيء آخر، حينما تتصل بالله تكون رحيماً أما حينما تولد تُولد على حب الرحمة، لذلك اجمع ألف إنسان من شتى المشارب والمذاهب والاتجاهات والالتزام أسمعهم قصة فيها رحمة كلهم يتأثرون، كلهم يحبون هذا الكلام، لذلك كل مولود يولد على الفطرة صفحة بيضاء لا خير فيها ولا شر، إلا أنها مبرمجة على حب الخير، على حب العدل، على حب الرحمة، على حب الإنصاف.
الإنسان حينما يعود إلى دينه يعود إلى فطرته:
لذلك الإنسان حينما لا ينصف يشعر بكآبة، حينما لا يرحم يشعر بصغر، وأكبر مرض في العالم الآن مرض الكآبة لأن الناس خرجوا عن فطرتهم، خرجوا عن مبادئ فطرتهم، عذبتهم أنفسهم، ائت بأرقى سيارة مصنوعة في أرقى بلد في العالم، أحدث موديل وأعلى مواصفات، الآن يوجد مركبات سعرها تقريباً يصل إلى أكثر من عشرين مليوناً، امش بها في طريق وعر لا تحتمل تفقد كل ميزاتها لأنها مصممة للطريق المعبد، ارتفاع هيكل السيارة عن الأرض، طبيعة الضواغط، طبيعة المكابح، طبيعة المحرك، كلها مصممة لطريق معبد، فإن سرت بها في طريق معبد قطفت كل ثمارها وميزاتها، أما إذا سرت فيها في طريق وعر كسرتها ولم تفلح لا في سرعة ولا في راحة ولا في هدوء بال، أما الوعر يحتاج إلى مدرعة، أي يحتاج إلى مجنزرة، فأنت مصمم أن تؤمن بالله، مصمم أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، نافعاً، منصفاً، هذا تمهيد أيها الأب أو أيها المعلم، أنت حينما تلفت نظر ابنك إلى قواعد الدين تلفته إلى طبيعته، تلفته إلى خصائصه، تلفته إلى برمجته، تلفته إلى توليفه، لذلك الراحة النفسية التي يجدها المؤمن بعد أن يصطلح مع الله لا توصف، لماذا لا توصف ؟ لأنه انسجم مع نفسه، تصور أنك تريد أن تفتح باباً بالمطرقة، تحتاج إلى جهد كبير ومضن وأصوات وإقلاق وإزعاج، أما هذا الباب مصمم أن يفتح بمفتاح صغير، إن كان معك هذا المفتاح بنعومة، بيسر، بلا صوت، بلا ضجيج، بلا شكوى الجيران تفتح الباب وتدخل، فأنت حينما تعود إلى دينك تعود إلى فطرتك، حينما تعود إلى دينك تعود إلى طبيعتك، إلى ما فطرك الله عليه، إذاً أكبر عامل يعين المعلم والأب على تربية ابنه أن الإنسان في أصل فطرته حينما يولد يُولد على الفطرة.
الحياء والإنصاف والخلق الكبير أكبر تقدمة تعطيها لابنك:
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
كل يوم لو تصدق بصاع من بر:
(( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
لأن تأديب الابن يقطف ثماره المجتمع كله.
قبل فترة جاء طفل من طرف إنسان يحمل ألبسة أعطيته الحساب، بعد دقيقة طرق الباب ثانية وقال لي: يوجد خطأ المبلغ يزيد أربعمئة ليرة، يوجد خمسمئة ظننتها مئة، أكبرته إكباراً، أكرمته إكراماً، هذا شيء جميل أنه طفل، يوجد خطأ بأربعمئة ليرة عاد وطرق الباب ودفع الباقي، فأنت عندما تربي ابنك على الأمانة والصدق تكون قدمت خدمة للمجتمع بأكمله، هؤلاء الذين يسرقون يسببون متاعبَ في المجتمع، هؤلاء الذين ينحرفون، هؤلاء الذين يعتدون يسببون متاعبَ لمجموع الناس، أما حينما تربي ابناً صالحاً لعل أي إنسان عامله يقول جزى الله أباه على هذه التربية، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً:
(( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَداً أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ ))
[ الترمذي عَنْ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
أكبر شيء تقدمه لابنك أن خلقه كبير، عنده حياء، عنده رحمة، عنده إنصاف، وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام:
((علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم )).
[ابن المنذر والحاكم عن علي كرم الله وجهه]
هذا يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى وقت، يحتاج إلى علم، ينبغي أن يكون الأب متعلماً، ينبغي أن يكون الأب مؤمناً، ينبغي أن يكون الأب مستقيماً، ينبغي أن يكون الأب متفرغاً، ينبغي أن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتربية أولاده، والله كنت البارحة في عقد قران العريس سافر إلى أمريكا ليتابع تعليمه في الطب أثنى عليه أكثر الخطباء، هو من أخواننا الكرام، فقلت لهم في كلمة ألقيتها: حينما كنت في أمريكا قلت لإخوتنا المغتربين لو جمعت أكبر ثروة في الأرض، وبلغت أعلى منصب، ونلت أعلى درجة علمية، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
المشكلة الأولى للأخوة المغتربين أولادهم، نقلت لهم كلمة قالها بعض العلماء في مؤتمر عقد هناك في ديتروي قال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابْن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد، فقال لي أحدهم بعد أن انتهى الحفل: أولادنا ليسوا مسلمين الآن، أنت تقول إن لم تضمن أن يكون ابن ابْن ابنك، الابن الحالي ليس ملتزماً ولا قانعاً ولا معتزاً بأمته ولا بدينه ولا بوطنه:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن.))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
الصديق هو العامل المؤثر الأول في حياة ابنك:
إذاً التربية بالعادة أنت معك يسمونها بالعادة سرعة ابتدائية، يوجد معك دعم من الله عز وجل، أن هذا الطفل الذي بين يديك فطرته سليمة وفطرته تتوافق مع الدين، فطرته تتوافق مع خوفه من الله، أنت ليس عليك إلا أن تصقل هذه الفطرة، أن تشحذ هذه الموهبة، أن تفجر هذه الطاقة، النقطة الدقيقة جداً أخواننا وقد لا تصدق، العامل المؤثر الأول في حياة ابنك لست أنت وليست الأم وليس الأخ إنه الصديق، فقبل أن تشرع في تربية أولادك يجب أن تعلم من هو صديق ابنك، في بعض التجارب أو الإحصاءات تبين أن الذي يتعلمه الابن من صديقه يزيد عن ستين بالمئة من مجموع ما يتعلمه، الأب والأم والأخوة الأربعين بالمئة أما الصديق ستين بالمئة، لذلك كيف عرف النبي هذه الحقيقة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي:
(( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يجب أن تبحث عن أصدقاء ابنك كما تبحث عن ابنك، لأن أكبر مغذٍ في العادات والقيم والسلوك هو صديق ابنك، وحينما توفق إلى صديق لابنك في مستوى رفيع فقد ضمنت لابنك الاستقامة والسداد.
البيئة أخطر شيء على الابن:
قضية البيئة مهمة جداً وللبيئة يوجد حديث:
((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ـ أي عابد ـ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مئة، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مئة نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
معنى هذا وهذا كلام دقيق والحديث صحيح ومن أصح الصحيح في الصحاح، معنى ذلك أنك لن تستطيع أن تعبد الله إلا إذا كنت مع المتقين:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
( سورة التوبة )
أخطر شيء على الابن البيئة، أحياناً تجد ابناً أخلاقه عالية جداً لأن أهله وبيته وبيت عمه وبيت خالته أسرة منضبطة حتى بفروعها، فأينما ذهب لا يوجد كلمة سيئة، لا يوجد عمل فاحش، لا يوجد تعليقات جنسية منحرفة، كل الكلام منضبط ويوجد أدب وحياء ولا يوجد اختلاط، وقد تجد طفلاً آخرَ عجيباً أي يفعل المنكرات القبيحة وكأنه لا يفعل شيئاً لأنه هكذا نشأ في بيئته، لذلك قال له:
(( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ))
[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
للحديث الطويل تتمة مغزاه هكذا ؛ أي ما لم تكن مع المؤمنين، ما لم تكن من رواد بيوت الله الحرام، ما لم يكن أصدقاؤك مؤمنين، ما لم يكن الذين تسهر معهم من أهل الصلاح، ما لم تكن نزهاتك مع المؤمنين، ما لم تكن مجالسك مع المؤمنين، الإنسان الفاسق الفاجر تماماً كالفاكهة الفاسدة، دع تفاحة فاسدة في كم كبير من التفاح هذه التفاحة الواحدة الفاسدة يمكن أن تفسد كل من حولها. من الأفضل ألا تعنف ولدك أمام أخواته البنات و أمام أصدقائه:
الجاحظ من كبار الأدباء، له كتاب يذكر في هذا الكتاب نصيحة عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب ـ إلى المعلم ـ قال: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك، ليكن إصلاح نفسك أولاً أو ليكن أول ما تبدأ به إصلاح نفسك، قال: فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء وتهددهم بي، الأم و الأب الموفقان في تربية أولادهما الأم دائماً تخوف أولادها بالأب، تجعل له هيبة، الأم الحمقاء تتطاول على زوجها أمام أولادها، لم يبق في البيت من يهاب، أما الأم العاقلة و لو يوجد خطأ من قبل زوجها تتهيب زوجها كثيراً أمام أولادها كي تحتمي و كي تتوعدهم به، أما إذا تطاولت عليه في حضرة أبنائه فقد وقعت مشكلة كبيرة، أتمنى والله أيها الأخوة أن لا يكون هناك مشاحنة بين الزوجين أمام الأولاد، ولا يكون هناك مهاترات، ولا يكون هناك نوع من التطاول، لأن هذا يفقد دور الأب والأم معاً، فكلما كان الانسجام بين الأبوين أمام الأولاد رائعاً كانت سلطة الأم والأب على أولادهما رائعة، بالمناسبة أيضاً يوجد آباء لا ينتبهون، قد يعنف ابنه أمام أخواته البنات فيهزؤون به طوال الأسبوع، والأشد من هذا أن يعنف ابنه أمام أصدقائه، إنك تسحقه دون أن تدري، فالأولى ألا تعنفه لا أمام أخواته البنات ولا أمام أصدقائه، مهما يكن تعنيفك شديداً إن كان فيما بينك وبينه يقبله منك، أحد العلماء سأل إنساناً قضى في السجن سنوات طويلة فقال له: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقال: ما فقدناه من تربية أبنائنا، والله أعلم قصصاً كثيرة أيها الأخوة عن أناس دخلوا السجون، أي أخطؤوا فدخلوا السجون فخرجوا من السجون وأولادهم في أشد أنواع الانحراف، الأم وحدها لا تستطيع أن تضبط أولادها لأنها في البيت لذلك لما سئلوا: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقالوا: ما فقدناه من تربية أبنائنا.
من وصية ابن سيناء في تربية الولد أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس، أخطر جهة في حياة ابنك صديقه، أخطر منك، أخطر جهة في حياة ابنتك صديقتها، أخطر من أمها، أخطر جهة يمكن أن تفعل فعلاً لا يوصف في حياة الطفل صديقه لذلك إذا كان هناك صديق صالح وزار ابنك يجب أن يُستقبل وأن يُرحب به وأن يفسح له المجال ليجلس معه، لا تتبرم بأصدقاء ابنك، الصداقة لا بد منها، يوجد أمهات والعياذ بالله اطرده، مباشرةً تطرد صديق ابنها وبقسوة، إذا جئت مرة ثانية سأكسر قدمك، أم حمقاء تحطم ابنها وتفضحه أمام صديقه، والآن حر أن يختار أي صديق آخر لكن طبعاً أصبح بالتهريب، صديق تهريب وليس صديقاً نظامياً، أنت ابحث عن صديق صحيح أخلاقه عالية له أب، له أم، له بيت علم واسمح لابنك أن يجلس معه، واسمح لابنك أن يختلط معه، لأنه لا بد من صديق شئت أم أبيت.
التناقض مع نصوص القرآن والسنة عند اليأس من إصلاح الصغار:
أيها الأخوة النقطة الدقيقة أن الإنسان يمكن أن يلقن كل خير، هذا كلام العوام "أن الإتاية عوجاء"، هذه آية أم حديث ؟ لا آية ولا حديث هذا كلام الشيطان، هذا كلام التيئيس، هذا كلام إبليس، هذا كلام الجاهل، هذا كلام الكسول، لا يوجد أمل، يوجد أمل كبير، و الله أناس في أشد حالات الانحراف الآن أولياء لله، لو لم يكن هناك من أمل في إصلاح الابن لا يوجد هناك داع للتربية، لا يوجد داع للتعليم، لا داع، أكبر ميزانية بمعظم البلدان ميزانية وزارة التربية، أكبر عدد موظفين في أي دولة إما الجيش أو التربية، لأن تربية الجيل من أجل إصلاحه، لماذا أنزل الله الكتب ؟ لإصلاح الناس، لماذا بعث الله الأنبياء ؟ لإصلاح الناس، فأنت حينما تقول لا يوجد أمل، عندما تيئس الناس من إصلاح الصغار معنى ذلك أنت تتناقض مع نصوص القرآن والسنة.
يقول أحد العلماء: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّدَ الشر، وأُهمِل إهمال البهائم شقي وهلك، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، أحياناً يتعثر طالب بدراسته وخلال شهر والده بغير حكمة يخرجه من المدرسة، دعه يعمل عملاً بمحل تجاري، أعرف إنسانة توفيت لها ابن رسب في الشهادة الثانوية أول سنة، هي مصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة ثانية، مصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة ثالثة، ومصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة رابعة، وهي مصرة أن يكون طبيباً، نجح في المرة الخامسة وهو الآن طبيب أسنان، أربع سنوات ولم تيئس، نحن إذا أخذ عدداً من الأصفار وشكوى من المدرسة يخرجونه، يوجد ظاهرة اسمها التسريب نصف الطلاب يخرجون من المدارس إلى أعمال حرة، طبعاً كدخل لا يوجد دخل من العلم، ولكن العلم له فائدة كبيرة جداً غير الدخل، نحن الآن أمام أداة فعالة من أدوات تربية الأولاد في الإسلام هي أداة العادة، لكن الحقيقة العادة لها خصائص عند الكبار ولها خصائص عند الصغار، ابنك بالحادي عشر، بكالوريا، سنة أولى جامعة له ترتيب ثان، ابنك بالحضانة والابتدائي له ترتيب آخر، سوف نقتصر في هذا الدرس عن منهج العادة عند الكبار.
تربية الأولاد عن طريق العادة له شروط:
1ـ يجب ربط العادات والتقاليد بالعقيدة وبالأمر والنهي:
أولاً: الربط بالعقيدة، يجب أن تربط العادات والتقاليد بالعقيدة، مثلاً لماذا لم يوافق الأب على عرس مختلط ؟ يجب أن تجيبه، هذه عادات تتناقض مع منهج الله، هذه الآية، هذا الحديث، لماذا فرضاً لا يخطب الإنسان فتاة سنة أو سنتان يألفها وتألفه، يخرج معها وتخرج معه ثم بعد ذلك يكون العقد ؟ هناك عادات الآن سيئة جداً فيجب أن تبين له علاقة هذه العادة بمنهج الله عز وجل، فالشاب لا يقنع أن هذا حرام، هذا الحرام من دون تعليل عقلي، من دون تعليل علمي، من دون تعليل واقعي، من دون تعليل فطري، من دون تعليل نقلي لا تعمل، كلما كان الأب أقدر على إقناع ابنه بالعادات الإسلامية، مثلاً يوجد وليمة مكانين أحدهما للنساء والآخر للرجال، لِمَ لا يكونون معاً هم أقرباء ؟ يجب أن تبين له الحمو الموت، يوجد تعليلات رائعة جداً، الشاب أن تقول له حرام وكفى، وهذه لا أفعلها وكفى هذا لا يكفي، فلا بد من ربط العادات التي تعوده عليها بالعقيدة، بالأمر، بالنهي، بالقرآن، بالسنة، فكلما تمكنت أن هذه حرام، أذكر مرة قال لي أخ أنه اشترى سمكاً من مسمكة مباشرة، الذي باعه إياها شرع في تنظيف السمك، والسمك لا يزال يتحرك، فالأب نهاه بقسوة، قال له البائع: لا يتوقفون عن الحركة قبل ساعة ونصف، قال له: أنتظر ساعة ونصفاً، لأنه يوجد توجيه إلهي:
﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (36) ﴾
( سورة الحج )
نهى عن تعذيب الحيوان، هذه السمكة لا يزال فيها حياة تفتح لها بطنها، تنزع أحشاءها، كل موقف يكون له تعليل، دليل، توجيه قرآني، توجيه نبوي، فالأب الذي آتاه الله إيماناً وعلماً فكلما فعل شيئاً أنكره أولاده ينبغي أن يبين لهم، فلا بد من ربط هذه العادات التي تفعلها، أو التي تلزمه أن يفعلها، أو التي ينكرها الابن، ينبغي أن تربطها بالعقيدة وبالأمر وبالنهي، يقول الله عز وجل:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾
( سورة المائدة)
من أحسن حكماً لقوم يوقنون ؟
آيات من الذكر الحكيم تبين أن تلقين العادات يحتاج إلى ربطها بالعقيدة وبالأمر والنهي:
أيها الأخوة، إذاً استخدام تلقين العادات مع الكبار يحتاج إلى ربطها بالعقائد وبالأمر والنهي، وأكبر دليل:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾
( سورة المائدة)
وقال:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾
( سورة الحشر )
وقال:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) ﴾
( سورة النساء)
2ـ لابدّ من تعرية الباطل:
الشيء الثاني: لا بد من تعرية الباطل، الباطل بيده وسائل نشر كبيرة جداً، الباطل بيده صحف، بيده مجلات، بيده إعلان، بيده أحياناً محطات فضائية، فالطفل أحياناً يؤخذ بما يقال، هناك دعوة إلى التفلت، دعوة إلى التحلل، دعوة إلى اعتبار الدين شيئاً من التراث، ولا يعد منهجاً صالحاً لكل زمان، فأنت ما لم تعر الباطل أمام ابنك، ما لم تظهر الأخطاء الجسيمة في الاعتقاد، الأخطاء الجسيمة في السلوك، لن تستطيع أن تصرفه عن أهل الباطل، في عصر الباطل قوى قوية جداً، قوى البغي كلها مع الباطل أو تأتمر بأمر الباطل، والذين عندهم الحق ضعفاء في هذا العصر، الباطل معه وسائل كبيرة جداً، معه وسائل فعالة، الآن أخطر شيء في العالم هو الإعلام، انتبهت الدول العظمى للإعلام، ممكن أن تغسل عقول شعوب بأكملها عن طريق الإعلام، وتلاحظون كيف تزور الحقائق وكيف تتكلم بالباطل، فأنت تكون سلبياً، هو يسمع كما تسمع، ويرى كما ترى، ويلتقي مع أصدقائه، فلا بد من توعيته بخطورة الباطل وأكبر دليل على ذلك:
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (256) ﴾
( سورة البقرة )
أي مستحيل أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، الأب الواعي يا بابا يوجد اختلاط، يوجد سهرات مختلطة، يوجد نوادٍ، يوجد رحلات فيها سباحة مع كشف العورات، يوجد سباحة مختلطة يعدها الشاب مظهر حضاري، شيء طبيعي جداً، فالأب ما لم يبين له أن هذا له أخطار قد تدمر أسَراً بأكملها، قد تشتت أسَراً، قد تُطلَّق نساء من خلال الاختلاط، لا بد من تعرية الباطل، بالمناسبة الأجانب لهم الفضل في شيء واحد أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، قبل الأحداث الأخيرة الباطل خطف أبصار العالم كله، بكلمات براقة جميلة، حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية، الرفق بالحيوان، فالناس مأخوذون، فلما استُفِزوا انقلبوا إلى وحوش، إذاً هم أعانونا على أن نكفر بهم، لأنه قبل أن نكفر بهم لا يمكن أن نؤمن بالله، فالأب الواعي مع ابنه الشاب يجب أن يعري الباطل أمامه، ليس هناك سعادة هناك حياة مادية محضة، والإنسان يلهث أمام هدف متحرك لا يستقر على حال، وأن الإنسان الذي بني وربي في بيوت الانحراف إنسان بلا هدف، إنسان ليس فيه خير لا لوطنه ولا لأمته ولا لدينه، طبعاً فهمكم كفاية ولكن لا بد من تعرية الباطل.
3ـ لابدّ من أن تحمله على تغيير بيئته:
الشيء الثالث و الأخير في تربية الأولاد عن طريق العادة: أولاً أن تربطها بالعقيدة والأمر والنهي، وثانياً: أن تعري الباطل، وثالثاً: أن تحمله على تغيير بيئته.
الابن مادام في بيئة سيئة مع رفقاء سوء لا يوجد أمل بالهداية أبداً، فينبغي أن تغير له البيئة، وأن تهيئ له أصدقاء مؤمنين موثوقاً بدينهم، موثوقاً بأمانتهم، موثوقاً بصلاحهم، هؤلاء يحرصون على أن يكون ابنك معهم في أعلى مستوى.
التلقين والتعويد مع الصغار وسيلة فعالة جداً لترسيخ الحق:
أيها الأخوة الكرام، إن شاء الله في درس قادم سأتحدث عن العادة مع الصغار، العادة مع الصغار تحتاج إلى تلقين وإلى تعويد فقط، الكبير يحتاج إلى ربط بالعقيدة والمنهج والكتاب والسنة، وإلى تعرية الباطل، وإلى تغيير البيئة، أما الصغير يحتاج إلى تلقين وتعويد، والتلقين والتعويد مع الصغار وسيلة فعالة جداً لترسيخ الحق، وهذا كله تجني ثماره حينما ترى ابنك يصلي قيام الليل، وحينما ترى ابنك يغض بصره عن محارم الله، وحينما تأتي الأخبار من كل حدب وصوب تثني على ابنك، وعلى شهامته، وعلى ورعه، وعلى دعوته إلى الله، حينما ترى ابنك عالماً جليلاً يدخل على قلبك من السعادة ما تنسى به كل جهد بذلته، والله البارحة كنت بعقد قران، يوجد عالِمان جليلان هما ابنان لعالم جليل توفي في هذه البلدة الطيبة، والله ما رأيت عملاً أعظم، لأن هذا العالم الذي توفي ترك هذين العالمين، شيء عظيم جداً أن يكون اسمك مستمراً من بعد موتك، فأنت حينما ترى ابنك صالحاً، ورعاً، مستقيماً، منصفاً، محباً، متفوقاً في عمله، يدخل على قلبك من السعادة والله ما لا يوصف.
والله مرة قلت لأحد الآباء يشكو أن ابنه يكثر المجيء إلى المسجد قلت له: والله لو تعلم كم هو الخير الذي سيأتيك من ابنك هذا لفعلت الشيء الذي لا يوصف، ابنك صالح، ابنك من رواد المسجد، ابنك ورع، ابنك أمين، صادق، فيا أيها الأب إن أردت أن تسعد حقيقة اهتم بابنك صغيراً، يحتاج إلى وقت وإلى جهد وإلى إنفاق مال وإلى حلم وإلى صبر لكن بعد أن ترى ابنك صالحاً يصلي، يصوم، يحسن لله، هو استمرار لك تنسى كل تعبك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 4 - : التربية بالعادة - 2









الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة، لازلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام وفي السلسلة الثانية المتعلقة بوسائل التربية الفعالة. العقل أثمن شيء أودعه الله في الإنسان:
تحدثنا من قبل عن وسيلة القدوة من خلال أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لأصحابه وأسوةً لهم، ومن خلال توجيهاته الشريفة في أن يكون كل أب أو كل معلم أو كل أم قدوةً لابنه.
ثم انتقلنا في الدرس الذي بعده إلى أداة العادة، التربية بالعادة، وقد فرقنا بين تربية الصغار وتربية الكبار، تربية الكبار تحدثت عن أن التلقين والتعويد ينبغي أن يرتبط بالعقيدة، الحقيقة أن الإنسان حينما تصح عقيدته مليون جزئية في حياته ترتبط بعقيدته، العقيدة كلية والجزئيات لا تعد ولا تحصى، ميزة المؤمن أن عقيدته الواضحة إيمانه بالله، إيمانه بالملائكة، إيمانه بالكتب، إيمانه بالرسل، إيمانه باليوم الآخر، إيمانه بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه كليات العقيدة يمكن أن ترتبط بالآلاف بل بمئات الألوف من جزئيات حياته، لذلك الشاب نمى عقله.
العقل أيها الأخوة، أثمن شيء أودعه الله في الإنسان، انظر إلى منجزاته المادية ستمئة راكب يركبون طائرة يأكلون ويشربون ويتابعون الأخبار ويأخذون من الشراب ويرتاحون وينامون وهم في الجو، ما تقطعه الطائرة في الساعة لا يقطعه الإنسان قبل مئات السنين في أشهر، إذاً الطائرة من إنجاز العقل البشري، الإنجازات لا تعد ولا تحصى هذا العقل حينما توجه إلى صنع آلات تريح صاحبه قدم إنجازات لا تصدق، من منا يصدق أنك عن طريق الفاكس يمكن أن ترسل رسالة إلى طرف الدنيا في ثانية واحدة، عن طريق هذا الجهاز المحمول يمكن أن تتصل بالعالم، هذا من إنجاز العقل، لو أن العقل توجه إلى الدار الآخرة كيف يكون ؟ والعقل البشري فيه من الطاقات ما لا يصدق والعباقرة لم يستخدموا من عقولهم إلا النذر اليسير.
أعظم ما في الدين الإسلامي التناغم والانسجام بين العقل والنقل:
أن تتجاهل العقل هذا شيء مستحيل، والشيء الثابت أيها الأخوة أن الحق فيما يبدو هو دائرة تتقاطع فيها خطوط العقل والنقل، والفطرة والواقع، ولكن سأضيف لكل كلمة صفة، دائرة تتقاطع فيها خطوط النقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة والواقع الموضوعي، مبدئياً لا بد من توافق العقل مع النقل، لابد لأن النقل وحي الله عز وجل ولأن العقل جهاز أودعه الله في الإنسان وما دام العقل والنقل فرعين لأصل واحد فلا بد من أن يكونا متشابهين متطابقين، لذلك لا تخشى أن يأتي في الشرع حكم شرعي والعقل لا يؤيده، لا تخشى ذلك بل إن بعض العلماء يرى أن تطابق العقل مع النقل أمر حتمي، بل إن أعظم ما في الدين الإسلامي هذا التناغم والانسجام بين العقل والنقل، لماذا في بعض الأديان الأخرى يقولون الإيمان فوق العقل ؟ لأن المقولات التي بين أيديهم ليست معقولة إطلاقاً فكيف حلوا هذه المشكلة ؟ حلوها بأن فصلوا العقل عن النقل.
بل إن كل العلماء الذين حاربوا الكنيسة في العصور الوسطى حاربوها من أجل أن يتحرر عقلهم من ضغطها، الإسلام ليس كذلك، مواءمة العقل والنقل في الإسلام شيء رائع جداً، مواءمة العقل مع النقل.
بالمناسبة أنت يمكن أن يكون إيمانك بالله قوي جداً لدرجة أنك لا تحتاج إلى تعليل لأمر الله، أعلى درجة في الإيمان أن تستسلم لأمر الله، حينما حرَّم الله الخنزير أنت لأنك آمنت بالله إيماناً من مستوى رفيع لا تحتاج إلى تعليل لهذا التحريم، أنت لاحظ نفسك مع طبيب متفوق جداً، يحمل أعلى الشهادات، هناك من يثني عليه في كل وسط، إن دخلت إليه وقال: لا تأكل الملح، تستسلم مباشرةً، وقد لا تسأله لماذا ؟ أنت مع إنسان تثق بعلمه لا تسأله، فلو أن إيمانك بالله الإيمان الصحيح المتين المبني على بحث وتأمل في الكون، لو أنك آمنت بعلمه المطلق وحكمته المطلقة ورحمته المطلقة ثم أمرك أن تجتنب هذا الشيء، لذلك قال بعض العلماء: علة أي أمر أنه أمر، علة الأمر لماذا حرمه الله ؟ الجواب لأن الله حرمه فقط. ولم أجد أروع من كلمة قالها عالم أمريكي التقى بعالم مسلم، طرح موضوع لحم الخنزير فهذا المسلم ـ جزاه الله خيراً ـ أفاض بالحديث عن مضار لحم الخنزير، بعد ساعة من الزمن قال له الأمريكي: يا دكتور كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرمه، نحن عبيد لله هذا التحريم من خالق الأكوان، من الواحد الديان، من العليم، من الخبير، من الحكيم، من القوي، نحن حينما ندعو إلى الله نحتاج إلى أن نعلل، نحتاج إلى أن نأتي ببرهان، والدليل والحكمة هذه يحتاجها الدعاة لكن العباد لا يحتاجونها.
ارتفاع مستوى التعبد في الأوامر الشعائرية و انخفاضه في الأوامر التعاملية الواضحة:
أيها الأخوة، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه التعبد، وكلما غابت عنا حكمة الأمر الإلهي ارتفعت فيه نسبة التعبد، حينما يأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام ألا نسرف في طعامنا وشرابنا، هذه الحقيقة يعلمها الأذكياء جميعاً والذين يحرصون على صحتهم والذين يحرصون على سلامة أجهزتهم، لذلك تجد إنساناً لا ينتمي إلى الدين بصلة ومع ذلك يأكل باعتدال، الأمر بعدم الإسراف واضح جداً، حكمته واضحة جداً، لذلك نصيب التعبد فيه ضعيف، أما حينما تكلف أن تطوف حول البيت سبعة أشواط والازدحام لا يحتمل وفي وقت واحد، وأن تذهب إلى عرفات في وقت واحد، هذه أوامر تعبدية العقل لا يستطيع تفسيرها، هنا يرتفع مستوى التعبد في أمر شعائري، في الأوامر الشعائرية يرتفع مستوى التعبد في الأوامر التعاملية الواضحة ينخفض مستوى التعبد.
لذلك شيء طبيعي جداً أن تجد أحياناً تناقضاً بين مصلحتك وبين الأحكام الشرعية، إنسان أخذ قرضاً، اشترى بيتاً، ووفى الأقساط على أنها من ثمن البيت، يقول لك: أين المشكلة ؟ قلت له: على مستوى فردي لا يوجد مشكلة، بالعكس أنت حللت مشكلتك عن طريق القرض الربوي، أما على مستوى أمة حينما نسمح للمال أن يلد المال، ارتفعت الأسعار، وتجمعت الأموال بأيدٍ قليلة، وحرمت منها الكثرة الكثيرة، لذلك قد لا تصدق أن كل ما يعانيه أهل الأرض الآن من التفاوت الطبقي، واحد يملك مليوناً، ومليون لا يملكون واحداً، واحد يكاد يموت من التخمة، وواحد يكاد يموت من الفقر، واحد يسكن في بيت ثمنه مئات الملايين، بالقاهرة أشير إلى بيت نظرت إليه قال: ثمنه ألف مليون ليرة سورية، عشرين مليون دولار تسكنه راقصة، ومئات الألوف من الشباب لا يجدون غرفةً يتزوجون بها.
يا أيها الأخوة، الإنسان ينبغي أن يستسلم لله، أما كداعية أنت بحاجة إلى تعليل كي تقنع الناس، بحاجة إلى تفسير، بحاجة إلى بيان الحكمة، هذا الشاب الذي تفتح عقله ونمت نفسه لا بد من أن تقنعه، وهنا تكمن بطولة الداعية في أن يقنع الشباب، مرة سألني أحدهم سؤالاً قال: يقول عليه الصلاة والسلام فيما معناه: أن الشياطين تقيد في رمضان، قال لي: لِمَ قيدها الله في رمضان ثم أطلقها بعد رمضان ؟ ليته قيدها طوال العام، كلام منطقي قلت له: من قال أن الله قيدها ؟ قال: الحديث، قلت له: معنى الحديث ليس كذلك، معنى الحديث أن المؤمن حينما يستقيم في رمضان يبطل عمل الشياطين، وكأنها مقيدة تقييداً حكمياً، لو أن محلاً فتح فيه ملهيات ولم يدخله إنسان، المحل بحكم المغلق، ما كان لله عز وجل أن يضل عباده، لكن استقامة المؤمن في رمضان تقيد الشيطان، حينما تأتي بالدليل يقول لك أحدهم:
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ظاهر الحديث ارتكب أي ذنب وإلا أنت هالك، ليس هذا معنى الحديث، معنى الحديث أن الإنسان حينما يذنب ولا يشعر أنه أذنب فهو ميت، لو لم تذنبوا بمعنى لو لم تحسوا بذنوبكم، أنت ملتهٍ تأكل المال الحرام، تطلق بصرك في النظر إلى المحرمات، تتكلم كما تشاء، تغتاب كما تشاء، تجلس في أي مكان تملأ عينيك من محاسن النساء، غيبة ونميمة، تقول: ماذا فعلت ؟ أنا مستقيم، حينما تذنب ولا تشعر أنك مذنب فأنت ميت، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيستغفر الله لهم.
ربط الأمور الدينية بالمنطق السليم والعقل السليم:
علامة المؤمن أنه إذا أذنب لا ينام الليل من شدة قلقه، من شدة خوفه من الله عز وجل، فالكبار أيها الأخوة يحتاجون إلى أن تربط الأمور الدينية بالمنطق السليم، بالعقل السليم، بالحكمة الراجحة، فكلمة (هكذا) من مربي ليس هذا من الحكمة إطلاقاً، هناك دعاة منفرون هكذا جاء في النص، مرة كنت في أمريكا، في مؤتمر في درس ديني جاءتني رسالة من امرأة تقول لي: أنا قرأت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حرَّم المصافحة، لكني في حرج شديد، وأنا أعمل طبيبة في مستشفى، والأطباء يأتون لا يعرفون أمر الدين، يمدون أيديهم لأصافحهم فلا أصافحهم، فتنشأ مشكلة، ما حكم المصافحة في الإسلام ؟ طبعاً يوجد جواب شرعي، كلمة واحدة المصافحة محرمة شرعاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إني لا أصافح النساء.))
[أحمد والترمذي والنسائي وابن سعد والطبراني والبيهقي عن أميمة بنت رقيقة]
وانتهى الأمر، يوجد جواب آخر مقنع قلت لها: المرأة في الإسلام كالملكة، كيف أن ملكة بريطانية لا يصافحها إلا سبعة رجال بحكم القانون البريطاني لعلو مقامها، سبعة رجال يسمح لهم أن يصافحوها، والباقي سلام من بعيد، وكذلك المرأة المسلمة لعلو مقامها لا يسمح أن يصافحها إلا سبعة رجال هم محارمها في القرآن الكريم، شعرت بنشوة أن المرأة المسلمة شيء مهم جداً، وهكذا ذكرت هذه التفاصيل كي أذكركم بأن ربط الجزئيات في العقيدة مهم جداً لا أفعل هذا لأن الله عز وجل حرم هذا.
أكثر الناس يستثمر ماله بنسب ثابتة، يأكل الربا دون أن يشعر، مادام النسبة ثابتة لا يوجد حسابات، ولا يوجد جرد ولا أرباح، على الألف مبلغ كذا في الشهر هذا ربا.
مناهج أساسية في توجيه الكبار:
1ـ ربط الجزئيات في العقيدة:
حينما تتعرف إلى الشرع، إلى العقيدة السليمة والمنهج السليم، كل جزئيات حياتك تربطها بهذه العقيدة وهذا المنهج، عندما تكون عقيدتك سليمة لا تسمح لنفسك أبداً أن تقرأ في المجلة حظك هذا الأسبوع، مجرد قراءتها فيه إثم كبير.
(( مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أما من كانت عقيدته سيئة جداً يمكن أن يدفع ثمناً باهظاً لضعفه في العقيدة، فتاة من أسرة غنية عندها سائق، رآها متعلقة بالأبراج، فذهب إلى المجلة ودفع لها مبلغاً كبيراً حتى كتبت في برج هذه الفتاة أن في حياتها سائقاً إذا تزوجته كانت أسعد النساء، ضحك عليها وتزوجها بهذه الطريقة، أما حينما تكون العقيدة سليمة لا تقبل أن تقرأ حظك هذا الأسبوع، ولا تقبل أن تقرأ شيئاً يخالف صحة العقيدة.
2ـ تعرية المنكر:
إذاً ربط الجزئيات في العقيدة منهج أساسي في توجيه الكبار، ثم تعرية المنكر، المنكر يجب أن يتعرى، مادام هناك منكر له شأن، وله مقام، ويخطف أبصار الناس، فالطريق إلى الله ليس سالكاً هذه قاعدة.
من فضل الله بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الغرب تعرى، صار وحشاً في نظر كل الشعوب، وحشيته ظهرت، ظلمه ظهر، كيله بمليون مكيال ظهر، كل شيء واضح لذلك قال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾
( سورة البقرة )
إذاً الشاب حينما تتفتح مداركه يرى منجزات الغرب، الغرب له أساليب في غسل العقول والأدمغة عجيبة، لا بد من أن تعري هذا الغرب، لا بد من أن تعري هذه الحضارة المادية التي لا ترحم، قلة قليلة يستمتعون بمنجزات الحضارة والكثرة الكثيرة شقية بها.
3ـ تغيير البيئة الاجتماعية للشاب اليافع:
الشيء الآخر لا بد من تغيير البيئة الاجتماعية للشاب اليافع، أخطر شيء على الشاب اليافع أصدقاؤه، الأب الموفق في تربية أولاده يحرص على معرفة أصدقاء ابنه حرصاً لا حدود له، لأن الابن يستقي من أصدقائه الشيء الكثير دون أن يشعر.
منهج التلقين والتعويد للصغار:
الآن ننتقل إلى منهج التلقين والتعويد للصغار، الصغار لا يحتاجون إلى ربط في العقيدة ولا يحتاجون إلى تعرية المنكر ولا يحتاجون إلى تغيير البيئة، بيئتهم ليس بمقدورهم تغييرها، الصغار يربون بالتلقين، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر المربين أن يلقنوا أولادهم كلمة لا إله إلا الله بما روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله.))
[الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما]
الطفل حينما ينشأ في جو أغانٍ، جو تمثيليات، جو موبقات، الطفل ليس عنده إدراك ليميز الخير من الشر، الطفل يقلد، لذلك أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، الطفل الصغير لا يفهم الأفكار بل يقلد ما يرى، لذلك أخطر شيء عند الصغير الصورة، والعالم الغربي كشف هذه الحقيقة، أنا قد أحطم الدين أمام الطفل بمنظر امرأة مسلمة لكنها تهمل أولادها، ومنظر آخر لامرأة متفلتة تعتني بأولادها انتهى الدين عنده، لا تحتاج إلى مناقشة.
مرة استمعت إلى قصة فيها كلمة واحدة لكن هذه الكلمة كالسم في الدسم، أن امرأة وقعت في الفاحشة، والذي ارتكب معها الفاحشة وعدها بالزواج، فلما لم يفِ بوعده طالبته بتنفيذ وعده، فقال لها: ليس معي مال لأطلبكِ للزواج، أعطني مفتاح صندوق الحديد لوالدكِ حتى آخذ منه مئتي ألف أقدمه مهراً لكِ، هذا الوحش أراد أن يضيف إلى الفاحشة التي ارتكبها السرقة، حتى الآن لا يوجد مشكلة في القصة، أعطته مفتاح من تحت الملاية فقط هذه الكلمة، كلمة واحدة في القصة ماذا تشعر ؟ أن هذه ترتدي زياً إسلامياً، هكذا أخلاقها وهكذا خيانتها لأبيها، طبعاً قصة باطلة، لكن أحياناً الطفل من كلمة من صورة يأخذ فكرة.
التلقين قد يكون صوراً أو أفكاراً أو كلمات إسلامية:
أيها الأخوة، الطفل يتعلم بالصورة، معلمه إذا دخن أمامه حالاً الدخان مشروع بطولة، معلمه قدوة له، أبوه إذا ارتدى ثياباً مبتذلة في البيت هذا هو الأصل، لم يعد هناك داعٍ للمناقشة، حينما يتجول الأب في بيته بثياب مبتذلة جداً، بثياب داخلية مبتذلة، عند ابنه الصغير هذا هو الصواب، لذلك القرآن الكريم نبه أن الأطفال لا ينبغي أن يدخلوا على آبائهم وأمهاتهم وقت الظهيرة وبعد صلاة العشاء إلا بالاستئذان، لئلا يقع الطفل في مشكلة، والآباء الذين لا ينتبهون لما يجري بينهم وبين زوجاتهم ربما ترك هذا أثراً سيئاً جداً في مستقبل الابن الصغير.
إذاً أول شيء التلقين والتعويد، التلقين قد تلقنه بكلمة، وقد تلقنه بصورة، والصور من التلقين، قد تلقنه بكلمة مسموعة، وقد تلقنه بصورة مرئية، يفهم كل شيء من دون حوار، من دون مناقشة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله.))
[الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما]
لمجرد أن يرى الابن أباه يصلي في البيت خمس صلوات هذا من التلقين، أنا أوسِّع معنى التلقين، لا تفهموا التلقين يا ابني قل كذا، لا، قد يلقن كلاماً، وقد يلقن صورةً، الأب يصلي، الأم تصلي، حينما تتحجب الأم عن أصدقاء زوجها هذا تلقين رأى، يوجد قصص لطيفة أنه حينما يخطب شاب بنتاً في بيت، حينما تجلس معه على مرأى من أخواتها الصغار، أو أخوتها الصغار يحتجون كيف تجلس أختنا فلانة مع فلان، لأنه يعرف أنه يوجد حجاب في البيت، هذا حادث طارئ، شاب ليس من أهل البيت يجلس مع أخته معنى التلقين نجح.
يكفي أن يكون بيتك مسلماً، يكفي أن تصلي أمام ابنك، يكفي أن تتحجب زوجتك عن الغريب، يكفي أن يذكر الله في البيت، يكفي أن يرى تلقيناً صوراً وأفكاراً وكلمات إسلامية، هذا الذي يكلف الأب به.
التلقين جانب نظري والتعويد جانب عملي:
الآن التعويد، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))
[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
دائماً عندنا قاعدة أن الأحكام الشرعية يكلف بها الشاب والشابة بعد البلوغ، لكن لا يعقل أن تسمح لابنتك أو ابنك أن يفطر، وفي رمضان السنة السادسة عشرة تأمرها بالصيام مستحيل، لا بد من أن تعود أولادك على أداء العبادات في وقت مبكر، قبل خمس سنوات من التكليف، سماه العلماء التكليف التأديبي لا التكليف الشرعي، طفلة صغيرة جداً حينما ترتدي ثياباً فاضحةً هي ليست بعورة، عمرها سنتان أو ثلاث أو أربع سنوات جسمها ليس بعورة، أما حينما تألف أن ترتدي ثياباً فاضحة كأنك تلقنها أن هذه الثياب لا شيء فيها، وهي في سن صغيرة ينبغي أن ترتدي الثياب الكاملة التي إذا كبرت ترى أن هذه الثياب الكاملة، الأمور دقيقة جداً.
ثياب ابنتك تلقين لها حينما تصلي وهي صغيرة جداً لم تبلغ الخامسة من عمرها هذا تلقين، الصلاة تلقن بها، التلقين جانب نظري، أنت ما تكلمت لكن أريتها صورة إسلامية، والتعويد جانب عملي، ما الذي يمنع الأب أن لا يصلي إلا ومعه أولاده، عودهم خمس سنوات، عودهم الصلاة تلقيناً:
(( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))
[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
الآن الحلال والحرام، الطفل يرى مع رفيقه لعبة يحبها، يأخذها ويضعها في جيبه، لا تسميه سارقاً أنت، هو ما سرق لكن لا يعرف ما هو الحلال والحرام، أعجبته هذه اللعبة، وضعها في جيبه، وجاء إلى البيت، أنت رأيتها معه، الآن يجب أن تلقنه أن هذا الشيء الذي ليس لك حرام أن تأخذه، لأن الله حرم ذلك، أتحب أن يفعل معك رفيقك هذا ؟ تحتاج إلى جهد لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لهم ولكم من النار ))
[عن ابن عباس رضي الله عنهما]
أحياناً طفل يأكل من رأس القصعة يجب أن تنبهه كُلْ مما يليك، نهى النبي على أن يأكل الطفل من رأس القصعة، رأى النبي طفلاً تطيش يده في القصعة فنهاه.
رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر:
أنا أتعجب هناك أطفال يرتكبون أخطاء كبيرة جداً، من ينزعج منهم ؟ إذا كنت مع أولادك في بيت، أنت ضيف، يحطمون الحاجات، يتلفون الأشياء، يضعون بقايا الطعام في أماكن غير مناسبة، فصاحب البيت يضجر، هذا من تقصير الأب والأم، يجب أن تعوده كيف تضع الأوساخ في سلة المهملات، أن تعوده أن لا يصعد بحذائه على الكراسي الفخمة الطفل لا يعلم، فالابن يحتاج إلى تلقين، وإلى تعويد، التلقين نظري والتعويد عملي، أذن المؤذن يجب أن تقول له حينما يؤذن المؤذن: هناك أذكار علمنا النبي أن نقولها، حينما تقولها أنت لقنته، حينما تطالبه أن يقولها عودته وهكذا، وفي بعض الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
أخواننا الكرام، الطفل في سن معين لا يرى إلا الذي أمامه، فالذي أمامه أبوه وأمه، أو أخوته الكبار إذا حدثوه عن رسول الله، إذا حدثوه عن رحمته، إذا حدثوه عن حبه للصغار، إذا حدثوه عن رعايته لهم، فالنبي يقول:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم...))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
عندنا حقيقة كبرى هي الله عز وجل، عندنا حقيقة بشرية كبرى هي رسول الله لذلك كلمتا الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله كلمة التوحيد، محمد رسول الله شهادة الرسالة، في إنسان واحد كامل الكمال البشري الذي ينتظر الله أن نجعله قدوة لنا لذلك قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21) ﴾
( سورة الأحزاب)
أنا أقول لك دائماً من هو الشخص العظيم في نظرك أقل لك من أنت ؟ المؤمن الصادق الشخصية العظيمة التي يتصورها دائماً، والتي يسعى أن يقلدها دائماً، والتي يسعى أن يمشي على منهجها هي رسول الله، إن كنت ترجو الله واليوم الآخر لك برسول الله أسوة حسنة.
القرآن الكريم أفصح كلام على الإطلاق وبعد فصاحته تأتي فصاحة النبي الكريم:
يجب بحسب ما أرى أن كلمة رسول الله في اليوم ترددها مئات المرات لأولادك، النبي فعل كذا يا بني، النبي كان حليماً، النبي دخل إلى البيت ففعل كذا، نام على جنبه الأيمن، استيقظ فسبح الله عز وجل، دخل إلى الخلاء فقال هذا الدعاء، هكذا يحب النبي، في كتاب الأذكار للنووي أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، لكن تحتاج إلى وقت، مشكلة المسلمين دنياهم أخذتهم، مشكلاتهم سحقتهم، أعمالهم استغرقت أوقاتهم، والعمل الذي يستغرق كل وقتك خسارة كبيرة، والله أحياناً أعجب بإخوة جاءهم عرض راتب ضخم جداً في بلد بعيد، نظر أولاده بلا أب، زوجته بلا زوج، فآثر أن يبقى إلى جانب زوجته وأولاده على دخل كبير، يشترطون عدم حضور الزوجة والأولاد، هؤلاء لا يقبلون مسلماً مع زوجته وأولاده، يحرمونه زوجته وأولاده سنتين بأكملهما، فلذلك الإنسان حينما يؤثر أن يبقى مع أهله وأولاده هذا دليل عقله ودليل إيمانه ودليل توفيقه.
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
أتمنى على كل أب أن يقتني كتاباً عن الصحابة الكرام، ويوجد كتب رائعة جميلة جداً، ما الذي يمنع أن تقرأ على أولادك قصة كل يوم ؟ تقرأ بنصف ساعة لكن فيها معاني من الكمال والسمو والبطولة، الطفل يحب البطولة، وكل صحابي يمثل نموذجاً، فأنت إذا قرأت على أولادك كل يوم قصة صحابي هؤلاء قدوته.
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..))
[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]
مرة كنا في الجامعة دخل علينا أستاذ من كبار الأساتذة لا علاقة له بالدين إطلاقاً ولا بالقرآن إطلاقاً، ولكنه أستاذ لغة، قال: إن أردتم للغتكم أن تقوى فاقرؤوا كل يوم عشر صفحات من القرآن قراءة جهرية، لا يوجد إنسان يقرأ القرآن إلا ويستقيم لسانه دون أن يشعر، لأن القرآن الكريم أفصح كلام على الإطلاق، أفصح كلام في اللغة العربية على الإطلاق، ويأتي بعد فصاحته فصاحة النبي عليه الصلاة والسلام، فكل مسلم حينما يقرأ القرآن وحينما يقرأ سنة النبي تتراكم عنده العبارات البليغة الأدبية.
الطفل الذي يقرأ القرآن ضمنت له أسلوباً رائعاً:
أحياناً ترى إنساناً عادياً يقرأ القرآن، انتهت حرب في مكان معين يقول لك: في السودان وضعت الحرب أوزارها، جاء بعبارة القرآن، هناك الكثير من العبارات القرآنية التي يستخدمها الناس دون أن يشعروا، وجئت على قَدَر يا موسى، إذا كان من غير ميعاد، فأنت حينما تقرأ القرآن تتراكم عندك عبارات فصيحة حينما تستخدمها، لذلك أنا أنصح الأخوة الكرام الذين يتمنون أن يقوى أسلوبهم أن يقرؤوا القرآن، وكل عبارة في القرآن يمكن أن يستخدمها في خطابه أو في كتابته يجب أن يختزنها، القرآن أفصح كلام على الإطلاق لأنه كلام الله عز وجل قال الله تعالى:
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ﴾
( سورة الشعراء )
لذلك الطفل الذي يقرأ القرآن ضمنت له أسلوباً رائعاً، يوجد كلمات عامية موغلة في العامية موغلة أين القلم بابا ؟ (شحوكة)، ما هذه (شحوكة) ؟ كلمات ليس لها معنى، مزعجة، قبيحة، أحياناً بابا فلان ضربلك تلفون، (ضربلك) ما هذه ؟ اتصل بك، بين (ضربلك) وبين (اتصل بك) يوجد فرق كبير، أنا أقول حتى الأب والأم إذا تكلما في اللغة لا أقول فصحى، بل الفصحى الميسرة، يوجد لغة فصحى ميسرة إذا الأب مثقف والأم مثقفة وتكلما بلغة فصحى ميسرة يكونان عوناً لأولادهما في تعلم اللغة الفصحى.
الآن يوجد مشكلة، تأتي بطالب يحمل ليسانس أو دبلوم أو ماجستير لا يستطيع أن يقرأ صفحة من القرآن بلا أخطاء أبداً، مع أنه كلام الله عز وجل ويوجد أخطاء فاحشة، مذيع سورة يس وهي سورة ياسين، الضعف في القرآن مخيف رجل أحب أن يتفاصح قال: ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلماً على أي جنب ألقى بالله مصرعي
***
إلى جهنم ذهب، أما هو البيت في فرق حركة واحدة.
ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلماً على أي جنب ألقى بالله مصرعي
***
ذهب إلى الجنة، اللغة دقيقة جداً.
الولد الصالح استمرار لأبيه:
يقول لك أنا ـ من باب التفاصح ـ تَجَارُب، ما التَجَارُب ؟ العدوى بالجرب، صوابها التَجَارِب، إذا قلت التَجَارُب أي العدوى بالجرب، طبيب يقول لك: أنا أَخِصائي في أمراض الدم، الأَخصائي هو الذي يخصي فقط، ينبغي أن يقول اختصاصي، اللغة العربية دقيقة جداً، يقول: أنا مُوَلع، المولع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول: مُوْلَع لا مُوَلَّع.
هناك أخطاء شائعة كثيرة جداً يقع فيها معظم الناس دون أن يشعروا، أنا أقول لكم أيها الأخوة قضية تربية الصغار أعظم عمل على الإطلاق، أكبر شهادة يحملها الأب أن يكون أولاده صالحين لذلك:
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.))
[مسلم عن أبي هريرة]
من هذه الثلاثة ولد صالح يدعو له، الولد الصالح استمرار، مرة توفي رحمه الله خطيب الجامع الأموي، رجل صالح وجريء ومستقيم، ولا أزكي على الله أحداً، فالتعزية أقيمت في الجامع الأموي، وجاء الناس إلى هذا المسجد زرافات ووحدانا، في اليوم الثالث كنت حاضراً، بعد أن انتهت التعزية أسمعونا إحدى خطبه مسجلة، ثم قام ابنه وألقى خطبةً رائعة جداً، أكبرته إكباراً عالياً لأنه ترك خطيباً، ترك ابناً عالماً، وهذه علامة طيبة أن ترى ابن العالم عالماً، لأن هذه رأى نوعان ؛ رأى قلبية، ونظرية، رأيت الشمس ساطعةً، ما إعراب (ساطعةً) ؟ حال، رأيت العلم نافعاً، (نافعاً) مفعول به ثان، رأى القلبية تنصب مفعولين به، بينما رأى البصرية تنصب مفعول به واحد، فإذا كان في اسم منصوب ثان صار حالاً.
روت كتب التاريخ والأدب أن المفضل بن زيد رأى مرةً ابن امرأة من الأعراب فأعجب لمنظره، فسألها عنه فقالت: إذا أتم خمس سنوات أسلمته إلى المؤدب، فحفظ القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه، ولقن مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل فتمرس وتفرس ولبس السلاح ومشى بين بيوت الحي وأصغى إلى صوت الصارخ.
التشجيع والترغيب أفضل من الترهيب:
التربية الإسلامية تصنع أبطالاً، كان الشباب قديماً في كفهم حفنة من الطحين، ويركبون جواداً، ويحملون سيفاً إلى ساحة الجهاد، سيدنا أسامة كان قائد جيش تحت إمرته كبار الصحابة وهو لا يزيد عن ثمانية عشر عاماً، الآن ترى الشاب يحمل البيبسي والهمبرغر وذاهب إلى الملعب، هذه عوض عن هذه، اختلف الأمر بين أن يربى الشاب على الفتوة والفروسية والنجدة والمروءة والشجاعة والقيم.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهم الآباء أن يعتنوا بأولادهم، أنا أقول لعل هذه السلسلة باعثها كلمة بدأت بها الدرس الأول في هذه السلسلة، أنني فيما أعتقد أن الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيت في أيدينا هي أولادنا، وأولادنا يعنون المستقبل، فإن أدبناهم وهذبناهم ملكنا المستقبل، وإن تركناهم على ما هم عليه وعلى التأثر بما يحيط بهم أوردناهم موارد التهلكة.
إذاً الصغير أيها الأخوة الأكارم تلقين وتعويد، التلقين نظري والتعويد عملي، لا تتوهم أن التلقين كلام فقط، ثياب الأب المحتشمة في البيت تلقين، صلاته تلقين، ذكره تلقين، تلاوته لكتاب الله تلقين، غضه البصر عن امرأة زائرة في البيت تلقين، حجاب زوجته عن أصدقائه تلقين، التعويد عملي قم صلِّ معي يا بني، التعويد عملي والتلقين نظري، والطفل الصغير يلقَّن ويعوَّد، وحينما ترى ملامح الصلاح على ابنك الصغير يدخل على قلبك من السعادة ما لا يعلمه إلا الله.
شيء أخير أن التشجيع أفضل من الترهيب، هناك آباء تعطي تعليمات، وكل مخالفة يوجد ضرب، لا بالعكس اعمل تعليمات إيجابية، وكل تطبيق لهذه التعليمات يوجد مكافأة، وشتان بين المكافأة والضرب، اسلك أسلوب التشجيع لا التعنيف يقول عليه الصلاة والسلام:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أبي هريرة ]









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 5 - : التربية بالموعظة - 1









الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سلسلة من دروس تربية الأولاد في الإسلام، بل لازلنا في السلسة الثانية التي تتعلق بالوسائل الفعالة التي يمكن أن تربي بها ابنك إن كنت أباً أو تلميذك إن كنت معلماً.
كلمة (موعظة) لا تبدو محببة إلى الناس أحياناً مع أنها جاءت في القرآن الكريم:
تحدثنا عن التربية بالقدوة، ثم تحدثنا عن التربية بالتلقين والتعويد، وها نحن أولاء ننتقل إلى أسلوب ثالث هو التربية بالموعظة، ولكن قبل أن أتابع الحديث لا بد من وقفة عند كلمة الموعظة.
أيها الأخوة، لا تبدو هذه الكلمة محببة إلى الناس أحياناً مع أنها جاءت في القرآن الكريم قال تعالى:
﴿ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) ﴾
( سورة النساء: الآية 63)
وقال:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (13) ﴾
( سورة لقمان)
ما الذي جعل هذه الكلمة تفقد بريقها في هذا العصر ؟ ولماذا كانت كلمةً رائعةً جداً في نصوص القرآن الكريم وفي السنة المطهرة ؟ السبب بسيط.
للكلمة الصادقة شأن كبير لأن الأنبياء جاؤوا بها:
أيها الأخوة، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، الطغاة جاؤوا بطائرات وصواريخ وقنابل نووية وأقمار صناعية وحاملات طائرات ومدمرات، الطغاة جاؤوا بأسلحة فتاكة فرضوا بها إرادتهم على بقية الشعوب، الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ بشكل مختصر جاؤوا بمخترعات ؟ لا، جاؤوا بالكلمة لكن بالكلمة الصادقة، بالكلمة التي تعبر عن واقع، بالكلمة التي تعبر عن معاناة، بالكلمة التي تعبر عن تجربة، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق والإخلاص، جاؤوا بكلمة ليس بينها وبين واقع المتكلم أية مسافة، المسافة منعدمة بين كلمة الواعظ وبين واقع الواعظ، لذلك كان لهذه الكلمة شأن كبير، والله عز وجل يقول:
﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (25) ﴾
( سورة إبراهيم)
بالمقابل يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية وكانت قصيرةً إنها قصيرة، قال:
(( لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لمزجته. ))
[أبو داود عن عائشة رضي الله عنها]
الأنبياء جاؤوا بالكلمة فقط، ولكن هذه الكلمة مشحونة بكم هائل من الصدق، من الإخلاص، من الواقعية، لذلك بالكلمة قلبوا وجه التاريخ، بالكلمة غيروا المفهومات في العالم، بالكلمة نشروا الفضيلة في شتى بقاع الأرض، الآن لعل الناس كفروا بالكلمة أصلاً لأنه يوجد حالات جديدة، الكلام عكس الواقع، الكلام في واد والواقع في واد، الذي يعظ لا يتعظ، والذي يلقي مواعظه لا يتأثر بها، والذي يأمر لا يأتمر، والذي ينهى لا ينتهي، نشأت حالة يمكن أن نسميها انفصال شخصية، في موقف معلن وموقف حقيقي، في شيء تفعله في خلوتك لا تفعله في جلوتك، في شيء تكنه في مكنونك لا تبوح به في كلامك، هذه الازدواجية سقطت معها الموعظة، لذلك أي متكلم في أي مكان، في الجامعة، في المسجد، في درس، في محاضرة، يقول لك: أنا لا أعظ، وكأنه يستحي بأن يعظ، أنا لا أعظكم أنا أتكلم بالواقع، أنا أتكلم بتفكير مفتوح، أنا أتكلم بتفكير مسموع.
فقدان الموعظة مدلولها القرآني في عصر النفاق والازدواجية والكذب والتزوير:
لأن كلمة الموعظة فقدت مدلولها، طبعاً هذه حقيقة، في اللغة الكلمة كالكائن الحي تولد وتنمو وتترعرع وتشيخ وتموت، وقد تولد في حالة وتنتقل إلى حالة، من منكم يطرب لكلمة استعمار ؟ لا أحد، لأن كلمة استعمار معناها أن قوة غاشمة احتلت أرضاً ونهبت الثروات وقهرت الأمة وأذلتها وجعلت أعزة أهلها أذلة، هذا معنى كلمة استعمار، لكن الله عز وجل قال:
﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) ﴾
( سورة هود)
الاستعمار يعني إعمار الأرض، أرض فيها منشآت، فيها مستشفيات، فيها معاهد، فيها جامعات، فيها طرق، فيها أبنية سكنية جميلة، فيها حدائق، فيها متنزهات، هذا معنى الاستعمار لغوياً، لكن هذه الكلمة ولدت رائعة، ثم أخذت مفهومات أخرى فأصبحت منفرة كذلك كلمة عصابة، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر رفع يديه إلى السماء داعياً ربه قال:
(( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ ))
[مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]
العصابة في أصل اللغة جماعة الخير، أما هي الآن جماعة اللصوص، اختلف المعنى، ما معنى كلمة جرثومة ؟ أصل الشيء، شاعر كبير يمدح خليفة عظيماً يقول له: أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب، لو أن الخليفة فهم معناها كما نفهمها اليوم لقطع رأسه فقبلها كمديح، الجرثومة أصل الشيء.
الكلمة أحياناً تولد وتنمو وتترعرع ثم تهرم وتشيخ وتموت، أنا فيما أرى ـ مع التحفظ ـ كلمة الموعظة كلمة قرآنية ونبوية ورائعة وعظيمة، وهي التي جاء بها الأنبياء، ولكن لأن الناس في هذا العصر، في عصر النفاق والازدواجية والكذب والتزوير فقدت الموعظة مدلولها القرآني، لذلك ينبغي أن نعود إلى المدلول القرآني.
أنا أقول لكم أشياء كثيرة، كلمة (إن شاء الله) فقدت مدلولها القرآني، يعني أنت حينما تريد أن لا تأتي تقول إن شاء الله، وحينما تريد أن لا تدفع ما عليك تقول تعال الخميس أدفع لك إن شاء الله، لكن معناه القرآني ليس كذلك، أنت حينما تكون جازماً في تلبية الدعوة أو في دفع ما عليك تقول إن شاء الله لأن الإنسان لا يملك الغيب، قيل من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، هذه مقدمة لا بد منها لموضوع الموعظة.
الصدق المطابق بين الأقوال والأفعال يعيد للموعظة ألقها و حيويتها:
الحقيقة الله عز وجل يقول:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ (13) ﴾
( سورة لقمان)
أنا أستمع إلى أخوة كرام يعتزون بآبائهم يقول لي: أبي وعظني مرةً يا بني إياك أن تفعل هذا، الموعظة كلمة لكنها مشحونة بطاقة من الإخلاص والحب، لذلك الموعظة يجب أن نعيد لها ألقها، أن نعيد لها حيويتها، عن طريق الصدق المطابق بين الأقوال والأفعال، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ (46) ﴾
( سورة سبأ)
قال:
﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ (34) ﴾
( سورة هود
إذاً الموعظة يقابلها كلمة النصح، والدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله ؟
(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
[متفق عليه عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ]
جمع الدين في كلمة واحدة النصيحة:
كلمة مضغوطة، جمع الدين في كلمة واحدة النصيحة، تنصح إذا بعت، تنصح إذا اشتريت، تنصح إذا تكلمت، تنصح إذا تحركت، في كل حركاتك وسكناتك أنت ناصح أمين، إني لكم ناصح أمين هذه صفة الأنبياء، لذلك من الأسماء المتداولة نصوح صيغة مبالغة لاسم الفاعل نصح، ناصح نصوح.
﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) ﴾
( سورة الأعراف)
القدوة أن تفعل شيئاً مطابقاً لقولك هذا أول درس، التلقين أن تلقن الصغير وأن تعوده على طاعة الله، أما الموعظة إلقاء كلام يسمى نصيحة، يسمى توجيهاً، يسمى إرشاداً، يسمى موعظة، تقدم حقائق أو خبرات أو حِكماً إلى من حولك، الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾
( سورة ق)
لذلك يوم القيامة أهل النار وهم في النار يقولون:
﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾
( سورة الملك)
كلمة صادقة يمكن أن تغير مجرى حياة إنسان:
مرة أخ من أخواننا قبل أن يهتدي إلى الله جاء به قريبه إلى درس علم، إلى هذا الدرس في جامع الحاجبية، قصة قديمة جداً، أقسم لي بالله بعد أن اهتدى إلى الله أنه حضر الدرس ولم يسمع منه كلمة واحدة، الدرس في واد وهو في واد آخر.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾
( سورة ق)
إلقاء السمع طريق الهداية أحياناً، لا تزهد بالموعظة لعلها تفت الصخر، لعلها تقلب إنساناً رأساً على عقب، يروى أن بشر الحافي أحد العارفين بالله كان تائهاً وشارداً، وكان قاطع طريق، وكان سارقاً، سبب هدايته رجل طرق بابه، فتح غلامه، قال له: قل لسيدك إن كان سيداً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تفعل العبيد، قال له: يا سيدي بالباب رجل يقول لك كذا، خرج فلم يجده فتبعه حافياً وكانت هدايته على يده.
أحياناً كلمة تغير مجرى حياة إنسان لكن كلمة صادقة، والله عندي عشرات القصص حول إنسان سبب هدايته نصيحة صادقة، أمام الناس فضيحة، لكن بينك وبينه نصيحة، إذا تكلمت بكلام صادق مخلص واضح مدلل بالأدلة من قلب حاضر بإخلاص شديد ربما فعلت هذه النصيحة فعلها الكبير لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾
( سورة ق)
وقال:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾
( سورة الذاريات)
فقدان الأمة خيريتها لتركها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لذلك هذه الأمة لماذا فقدت خيريتها ؟ هي بقناعتي أمة كأية أمة، وليس لها أي ميزة، لأن هؤلاء الذين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه بماذا أجابهم الله ؟ قال:
﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
( سورة المائدة)
نحن إذا عذبنا بذنوبنا إذاً نحن أمة كأية أمة شاردة عن الله عز وجل لذلك قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾
( سورة الذاريات)
لذلك هذه الأمة خيريتها من قوله تعالى:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾
( سورة آل عمران)
العلماء قالوا: علة خيريتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، فإذا آمن الإنسان بالدنيا ولم يؤمن بالآخرة، وإذا آمن الإنسان بزيد أو عبيد ولم يؤمن بالله رب العالمين، وثم لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر، علة الخيرية انتهت، علة الخيرية أخذت، إذاً فقدنا خيريتنا، شيء جميل أن نعتز بهذه الآية، هناك آيتان كبيرتان:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(110) ﴾
( سورة آل عمران)
وأيضاً:
﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْل الله جميعاً (103) ﴾
( سورة آل عمران)
معنى ذلك فقدنا خيريتنا لأننا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أمة محمد عليه الصلاة والسلام تقسم إلى قسمين ؛ أمة التبليغ وأمة الاستجابة:
قسم العلماء أمة محمد عليه أتم الصلاة والتسليم إلى أمتين أمة التبليغ وأمة الاستجابة، الأمة التي استجابت هي خير أمة أخرجت للناس والأمة التي لم تستجب تبلغ، فإما أن تستجيب وإما أن لا تستجيب، قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾
( سورة الذاريات)
وقال:
﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) ﴾
( سورة عبس)
وقال أيضاً:
﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) ﴾
( سورة ق)
وقال:
﴿ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) ﴾
( سورة هود)
قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (232) ﴾
( سورة البقرة)
عليك أن تعظ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس:
كيف تتعظ ؟ ما سبب اتعاظك ؟ إذا كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر، لذلك الذي لا يتعظ، ولا يتأثر، ولا يتحرك، ولا يعبأ، ولا يبالي، لأنه لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، آمَنَ بالدنيا، وآمن بالأشخاص، وآمن بالشركاء، وهذه الصفة الجامعة المانعة لأهل الفساد، لم يؤمن بالله لكنه آمن بأشخاص أقوياء، لم يؤمن بالآخرة ولكنه آمن بالدنيا فقط.
لا تستغرب أن أباً يجلس مع أولاده ويقدم لهم حقائق، كنت سأقول مواعظ بدلتها بحقائق لأنني أشعر أن هذه الكلمة الآن ضعيف تأثيرها، أما حينما تجلس إلى إنسان وتحدثه بحقيقة، وقد يتوقف على فهم الحقيقة سعادته، ونجاحه، وسلامته، إذاً ينبغي أن تعظ لا تسكت، لذلك قالوا: الساكت عن الحق شيطان أخرس.
يروى أن أحد حكام مصر خديوي كان دخل في حرب مع دولة، أظنها السودان، قصة قديمة قبل خمسين أو ستين عاماً، والحرب اشتدت، بلغه أنه إذا قُرئ كتاب ( صحيح البخاري) ينتصر، فاستدعى شيخ الأزهر وقال له: ماذا نفعل ؟ قال: لا بد من قراءة كتاب ( صحيح البخاري)، فاختار شيخ الأزهر عشرة علماء كبار ليقرؤوا (صحيح البخاري) فلعل الله سبحانه وتعالى ينصر المسلمين، قُرئ (صحيح البخاري)، والمعارك تزداد سوءاً، والخطر يزداد اقتراباً، فجاء الخديوي إلى الأزهر غاضباً فقال: إما أن هذا الكتاب الذي بين أيديكم ليس (صحيح البخاري) وإما أنكم لستم علماء، فقال له أحد الأشخاص: أنت السبب، ما سبق أن إنساناً تجرأ وقال للخديوي أنت السبب، فاضطرب الخديوي وخرج من الأزهر إلى قصره، هؤلاء العلماء الذين سمعوا ما قاله هذا الشخص أقاموا عليه النكير، بمعنى أنك أهلكتنا بهذه الكلمة، ماذا عليك لو بقيت ساكتاً، بعد ساعتين استدعي هذا الذي تكلم، وودعوه على أنه ميت مقتول، فلما استدعاه الخديوي قال له: أعد علي ما قلت، قال له: أنت السبب، قال: ولمَ ؟ قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري يقول: إن لم تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر يدعُ صلحاؤكم فلا يستجاب لكم.
كره بالحديث، قال له: ماذا أفعل ؟ قال: أغلق أماكن اللهو، أغلق حوانيت بيع الخمر، أغلق الملاهي، قال له: هكذا تريد أوروبا، قال له: ما ذنب علماء الأزهر وما ذنب صحيح البخاري إذاً ؟ المنكرات قائمة، لذلك يروى أنه استجاب له.
أساليب الموعظة:
1ـ أول أسلوب في الموعظة أسلوب فيه مودة واسمه النداء الإقناعي أو التحذيري:

أنت لا تعرف أحياناً كلمة بأدب، صالحة، صادقة، قد تفعل المستحيل، أول شيء بالموعظة يوجد أسلوب فيه مودة اسمه النداء الإقناعي أو التحذيري:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ (13) ﴾
( سورة لقمان)
لا تقلل من كلمة يا بُنَيَّ، يا أخي، يا حبيبي، يا بَنِيَّ، يا ابنتي، يا زوجتي، إذا بدأت بالنداء النداء يقرب القلب، لذلك الله استخدم النداء في آيات كثيرة جداً، قال تعالى:
﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (53) ﴾
( سورة الزمر)
وقال:
﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة العنكبوت)
وقال أيضاً:
﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) ﴾
( سورة هود)
وقال تعالى:
﴿ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً (5) ﴾
( سورة يوسف)
وقال:
﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) ﴾
( سورة البقرة)
أسلوب النداء يسهل دخول الموعظة إلى النفس:
أرأيت إلى أسلوب الموعظة أن يبدأ بالنداء إما تحذيراً أو إقناعاً، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين إقناع، يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك، يا بني اركب معنا، يا بني لا تشرك بالله. لذلك الواعظ، الأب، المعلم، الموجه، إن استخدم كلمات النداء المحببة يدخل إلى قلوب المستمعين، الآن أكثر الدعاة أيها الأخوة الأحباب، أيها الأخوة الأكارم، أيها الأخوة المؤمنون، هذا الكلام يسهل دخول الموعظة إلى النفس، سوف نسميه النداء الإقناعي أو التحذيري.
﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) ﴾
( سورة آل عمران)
وقال:
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) ﴾
( سورة الأحزاب )
في القرآن نداء للأقوام إما فردي أو جماعي:
أنت لاحظ الأب الشكور يكثر من النداءات نداء إقناعي أو نداء تحذيري، بالقرآن في نداء للأقوام، قال تعالى:
﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ (54)
( سورة البقرة)
وقال:
﴿ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (20) ﴾
( سورة المائدة)
وقال:
﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) ﴾
( سورة غافر)
يوجد نداء فردي ونداء جماعي.
﴿ يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (30) ﴾
( سورة الأحقاف)
الجن حينما خاطب صلحاؤهم عامتهم.
الله تعالى وجَّه نداءً إلى المؤمنين في القرآن وكذلك إلى أهل الكتاب:
الآن الله سبحانه وتعالى خاطب المؤمنين بثلاثمئة آية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (153)﴾
( سورة البقرة)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102) ﴾
( سورة آل عمران)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ (24) ﴾
( سورة الأنفال)
القرآن فيه نداء إلى أهل الكتاب:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (64) ﴾
( سورة آل عمران)
وقال:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ (15) ﴾
( سورة المائدة )
وقال:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (68) ﴾
( سورة المائدة )
توجيه الله سبحانه النداء في القرآن إلى الناس جميعاً:
خاطب الناس أجمعين:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾
( سورة البقرة)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)﴾
( سورة النساء)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) ﴾
( سورة الحج)
هذا أسلوب النداء الإقناعي أو النداء التحذيري، هذا النداء الإقناعي أو التحذيري يجعل مودة بين المتكلم والمستمع، والأب ينبغي أن يكثر من النداء الأبوي يا بني، يا ابنتي، ويخاطب أيضاً زوجته.
الله تعالى لم يخاطب الكفار إطلاقاً في القرآن إلا في آية واحدة يوم القيامة:
لكن لو لاحظتم لم يخاطب الكفار ولا بآية في القرآن الكريم، خاطب المؤمنين بثلاثمئة آية، خاطب أهل الكتاب، خاطب الناس عامةً، خاطب الأقوام، خاطب الأفراد، خاطب الأنبياء، لكن القرآن الكريم لم يخاطب الكفار إطلاقاً إلا في آية واحدة يوم القيامة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (7) ﴾
( سورة التحريم
لأنهم ليسوا أهلاً أن يخاطبهم الله عز وجل، قياساً على هذه الحقيقة يوجد شخص مجرم لمجرد أن تخاطبه فأنت تحترمه، هو أقل من أن تخاطبه، هو أحقر من أن تخاطبه، والدليل على ذلك قول الله عز وجل:
﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ (65) ﴾
( سورة يس)
الكذاب الدجال لا يخاطَب، يعاقب فقط.
2ـ الأسلوب الثاني في الموعظة هو الأسلوب القصصي:
بالموعظة عندنا أسلوب آخر هو الأسلوب القصصي، والله أيها الأخوة، أنا ما وجدت أسلوباً أفعل في النفس كأسلوب القصة، أنا أذكر أن إنساناً اتصل بي من مدينة اسمها لوس أنجلوس في أمريكا لا أعرفه قال لي: أنا اسمي فلان، قال: أنا لي عمل لا يرضي الله عز وجل من أشد الأعمال سوءاً، قلت: ما هو ؟ كان يعمل في تصنيع الأفلام الإباحية، قال لي: لكن تبت بسبب شريط لك استمعت إليه خمسين مرة، لما ذهبت إلى هناك بعد عام التقيت به في واشنطن، قلت له: ما هي النقطة في الشريط التي فعلت فيك فعل التوبة ؟ قال لي: قصة رويتها لنا. القصة أفعل أسلوب في التأثير و أفعل أسلوب في الإفساد:
القصة لها تأثير أيها الأخوة لأن القصة تتغلغل في خطوط دفاع الإنسان، كل إنسان يوجد عنده قناعات، وعنده أفكار، وعنده تصورات، وهذه الأفكار والقناعات والتصورات عبارة عن سدود لا يسمح لإنسان أن يخترقها، إلا القصة تستطيع أن تخترق هذه السدود وهذه الحدود اختراق تسلل، لذلك كما أنها أفعل أسلوب في التأثير فهي أيضاً أفعل أسلوب في الإفساد، أنت ممكن أن توصل إلى إنسان معين فكرة لا يمكن أن يقبلها مباشرةً أبداً، مستحيل أن يقبلها، أما من خلال قصة يقبلها.
الإنسان إذا قرأ القصة وتأثر بها، تسلسلت وراء خطوط دفاعه، لذلك يمكن أن تصلح إنساناً بقصة ويمكن أن تفسده بقصة، الله عز وجل خالق الأكوان المربي الحكيم قال:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ (3) ﴾
( سورة يس)
معنى أحسن القصص بالمقابل في أسوأ القصص، كما أن هناك قصصاً جيدة هناك قصص سيئة، قال تعالى:
﴿ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا (101) ﴾
( سورة الأعراف)
وقال:
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾
( سورة هود)
الله تعالى قصّ على سيد الخلق قصة نبي دونه ليزداد قلبه ثبوتاً:
سيد الخلق إذا قص الله عليه قصة نبي دونه يزداد قلبه ثبوتاً.
﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ﴾
( سورة الأعراف)
وقال:
﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) ﴾
( سورة طه)
وقال:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) ﴾
( سورة الذاريات)
وقال:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) ﴾
( سورة البروج)
إذاً القصة أيها الأخوة ـ أنا مضطر أن أقول هذه الكلمة ـ هناك آلاف القصص تعرفها لكنك تعرف القصة الأخيرة منها، وهذا خطأ كبير أن ترويها لأنها غير متناسبة، لا تروِ قصة إلا إذا عرفتها من بدايتها حتى نهايتها، تجد عظمة الله، عدل الله، رحمة الله، حكمة الله عز وجل. قصص تروي عدل الله عز وجل:
مرة استوقفني إنسان قال لي: يوجد رجل نزل إلى محله التجاري، تراشق اثنان بالرصاص، جاءته رصاصة طائشة، فدخلت في عموده الفقري فشلته فوراً، قال لي: ما ذنبه ؟ هذه قصة من آخر فصل، قال لي: جاء ليرتزق، جاء ليفتح محله التجاري، عنده أولاد، لكني لا أعلم الجواب أنا مؤمن بعدل الله، مؤمن بحكمة الله، مؤمن برحمة الله، أما هذه القصة لا أملك تفسيرها، أخ كريم يسكن تحت هذا الرجل الذي أصابته رصاصة وشلته، بعد عشرين يوماً من حديث إلى حديث قال لي: والله لنا جار مغتصب بيت أولاد أخيه، وما تركوا طريقاً ليستميلوه كي يرجع لهم البيت ولم يقبل، حتى وسطوا أحد علماء دمشق، توفي رحمه الله، استدعاه وقال له: يا بني هذا البيت لأولاد أخيك وهم أيتام، وهم في أمس الحاجة إليه، رفض أن يعطيه إياهم بتعنت، يقول لهم الشيخ: يا بني هذا عمكم لا تشتكوا عليه في القضاء، اشكوه إلى الله، هو نفسه في اليوم التالي نزل إلى محله التجاري في الساعة التاسعة تقريباً، استمع إلى إطلاق رصاص، مد رأسه ليرى فجاءت رصاصة طائشة شلته فوراً.
ألم يقل لهم اشكوه إلى الله عز وجل، هذه القصة عرفنا بدايتها ونهايتها، هذه عندما تُروَى تظهر عدل الله عز وجل.
سمعت قصة من أخ رجوته أن يرويها لي لكن لم تأتِني بعد، لكن يمكن أن أدلي لكم بمختصرها:
رجل على شيء من المال تبرع بمليون ليرة واشترى أرضاً ليقام عليها مسجد ودفع مليون ثاني، له زوجة، وله بنتان وثلاثة أولاد، اتفقوا جميعاً على أن يقيموا عليه دعوى في القضاء على أنه سفيه، ورتبوا شهادات كلها كاذبة، زوجته ادعت أنه فقير وأنه لا يعطيها، والابن ادعى والبنت، فالقاضي صدق هؤلاء، كلها شهادات متوافقة، فأصدر قراراً باسترداد المبلغين، القصة وقعت قريباً لا تصدق، كل ما عدا الأب خلال أربعة أشهر كانوا تحت التراب بين حادث سيارة وبين مرض خبيث وعاد المال له.
قصص تبين أن بطش الله شديد:
أحياناً الله يبطش، قال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
رجوته أن يأتيني بها بالتفصيل، فإذا جاءتني أرويها لكم بشكل مفصل، شيء لا يصدق، شباب في مقتبل العمر له ابن طبيب والثاني مهندس والأم والبنات تآمروا جميعاً على اتهامه بالسفه، والقاضي رأى الروايات كلها متقاربة فحكم باسترداد المبلغين، والله سبحانه وتعالى دمرهم جميعاً.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
على كل أنا أتمنى على كل أخ له دعوة إلى الله في قصص أحياناً تفعل فعل السحر، اكتبها واروها بشكل دقيق.
والله جاءني اتصال هاتفي من ألمانيا قبل أيام إنسان قاتل استطاع بشكل عجيب أن ينجو من عقوبة القتل بألمانيا، لا يوجد دليل، لكن كل من حوله يعلمون أنه قتل زوجته، انتقل إلى بيت جديد، في البيت يوجد شجرة يبدو أنها تعيق حركة أهل البيت، في البيت صحن مثل فتحة سماوية، جاء بمنشار كهربائي، داخل في الشجرة رصاصة من الحرب العالمية الثانية، المنشار الكهربائي دفع الرصاصة بعنف إلى صدره ودخلت في قلبه فقتلته فوراً، الرصاصة استقرت في هذه الشجرة منذ عام ألف وتسعمئة وأربعين، كل من حوله يعلم أنه هو الذي قتل زوجته لكن لا يوجد دليل قوي، ظنوا أنه موت طبيعي وهو ظن أنه نجا، انتقل إلى بيت والبيت فيه شجرة فيها رصاصة مستقرة منذ الحرب العالمية الثانية:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
الإنسان ينبغي أن يتعظ، والله أيها الأخوة لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت أفعال الله، لو تتبعتها في هدوء وبتقصٍ وتأمل لوجدتها كتاباً وسنة.
3ـ الأسلوب الثالث الوصايا:
الأسلوب الثالث الوصايا أن تقدم وصية، يعني أنا أَلِفت أن أقرأ لكبار العلماء وصية لبناته أو وصية لأولاده، فيمكن النداء الإقناعي والتحذيري، والقصة، والوصايا والتوجيهات التي يمكن أن تكون حقائق ثابتة من بعدك.اعتماد التنوع بين مخاطبة القلب والعقل أو الجمع بينهما في نص واحد:
أيها الأخوة، كلما ارتقى الإنسان ينبغي أن تأتي مع مواعظه أدلة مقنعة قطعية عقلية واقعية نقلية فطرية، يوجد أدلة فطرية، يوجد أدلة واقعية، يوجد أدلة نقلية، يوجد أدلة عقلية، كلما أكثرت من الأدلة النقلية والعقلية والواقعية والفطرية كلما كانت موعظتك أقوى، وكلما ابتعدت عن الخرافة والتهويل والتضخيم والمبالغة تكون الموعظة أقوى، وكلما وافقت بين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب كانت الموعظة أولى، ينبغي أن تخاطب العقل تارةً والقلب تارةً أخرى لكن الله سبحانه وتعالى في آية واحدة خاطب القلب والعقل معاً بقوله:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) ﴾
( سورة الانفطار)
ما غرك بربك الكريم خاطب قلبه، الذي خلق فسواك فعدلك خاطب عقله، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، ولا يعقل أن تكتفي بمخاطبة عقله، كما أنه لا يعقل أن تكتفي بمخاطبة قلبه، لا بد من أن تجمع بين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب، إذاً من أساليب الموعظة أن تستخدم النداء الإقناعي أو النداء التحذيري، وأن تستخدم القصة بكل فصولها، وأن تكون واقعية، ثم أن تستخدم أسلوب الوصية، ومع كل هذه الأساليب ينبغي أن تعتمد الدليل والتعليل، وكلما كان الدليل أقوى ومتنوعاً من نقلي إلى عقلي إلى فطري إلى واقعي كان التأثير أقوى، وأن تعتمد التنوع بين مخاطبة القلب والعقل أو الجمع بينهما في نص واحد كما فعل القرآن الكريم.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 6 - : التربية بالموعظة - 2





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني وهو الوسائل الفعالة في تربية الأولاد.
القصة سلاح فعال وخطير ولها تأثير متعاكس:
بدأنا هذه الوسائل بالقدوة، ثم بالتلقين والتعويد، ثم بالموعظة، وكان الدرس الأول في الموعظة النداء الإقناعي، والنداء التحذيري، ونداء الأفراد، ونداء الجماعات، ونداء الرجال، ونداء النساء، ونداء الناس عامة، ثم تحدثنا عن أسلوب القصة، وكيف أن القصة من أفعل وسائل التربية، ذلك أنها تعرض قضية الإنسان في ارتفاعه، وانحطاطه، وتماسك المجتمع في تألقه، وتخلفه، وتبين حقيقة النفس البشرية من خلال تفاعلها مع الأحداث، وكيف أن القصة من أنجع الأساليب التربوية في إقناع الإنسان بشيء ما، كما أنها من أخطر الوسائل التي يستخدمها أهل الكفر والإعراض، ببث الرزيلة والانحراف والعقيدة السيئة بين الناس، ذلك أن الإنسان أمام القصة تسقط خطوط دفاعه، فأفكار القصة تتسلل إلى الإنسان من دون أن يشعر، وقيم القصة تتسلل إلى القارئ من دون أن يشعر، فإذا أردت أن تهدم مبدأ فدع مهاجمته مباشرةً واسلك سبيل قصة تعرض نماذج سيئةً جداً في أصحاب هذا المبدأ، إذاً هي سلاح فعال، وسلاح خطير، وللقصة تأثير متعاكس، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى (111) ﴾
( سورة يوسف )
يكفي أن الله سبحانه وتعالى بين أن سيد الخلق وحبيب الحق يزداد قلبه ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، حيث يقول:
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾
( سورة هود)
التوجيه القرآني المصحوب بأدوات التوكيد:
أيها الأخوة الكرام لا زلنا في الأساليب التي بيَّنها الله سبحانه وتعالى في الموعظة الآن ننطلق إلى موضوع الدرس الجديد، التوجيه القرآني المصحوب بأدوات التوكيد، أنت حينما تؤكد إنك حريص شديداً على أن تقنع المستمع.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) ﴾
( سورة النحل)
وقال:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾
( سورة النحل)
ماذا تفيد (إن) ؟ تفيد التوكيد.
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾
( سورة العنكبوت)
وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾
( سورة الأنفال)
(إن) تفيد التوكيد، الله عز وجل غني عن أن يؤكد لنا، القوي لا يحتاج إلى توكيد يبطش، يسحق، يدمر، لكن الرحيم يقنع ويؤكد، أنت حينما تحرص على ابنك حرصاً لا حدود له تقنعه بالفضيلة، تقنعه بالحق وتؤكد له ذلك.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ (52) ﴾
( سورة الزمر)
قضية التوكيد أحد أساليب القرآن الكريم:
أيها الأخوة الكرام قضية التوكيد أحد أساليب القرآن الكريم، الآن الاستفهام الإنكاري.
﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) ﴾
( سورة الطور)
من أساليب القرآن الكريم في الموعظة النداء:
أحد أساليب التأثير الاستفهام الإنكاري، لو قلت لواحد محترم جداً هل سرقت هذه الساعة، ماذا ينبغي أن يقول ؟ لا، أيعقل أن أسرقها ! أتعتقد أني سرقتها ! أيليق بي أن آخذها ! من شدة التأثر لا تقبل أن تقول لا، لا بد من أن تستخدم أسلوب الاستفهام الإنكاري، لو قرأتم آيات القرآن الكريم لوجدتم كيف أن الله وهو خالق الإنسان يخاطب هذا الإنسان، مرةً بنداء.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا (8) ﴾
( سورة التحريم)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾
( سورة البقرة)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) ﴾
( سورة الانفطار)
أساليب أخرى للقرآن الكريم في الموعظة:
مرةً عن طريق القصة، ومرة عن طريق الوصية والموعظة، ومرة عن طريق النداء، وعن طريق التوكيد، وعن طريق الاستفهام الإنكاري، أنت قد لا تنتبه، الذي يلقي المواعظ بشكل رهيب من دون تنوع، من دون تطوير، من دون أساليب بلاغية لا يؤثر.
﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) ﴾
( سورة الطور)
هذه أساليب القرآن الكريم في الموعظة، أسلوب الاستفهام الإنكاري هناك أسلوب آخر أسلوب الإقناع، بالدليل العقلي، يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾
( سورة آل عمران)
عدم نجاح الدعوة إلا إذا خاطبت الإنسان بكل جوانبه:
أنت ينبغي أن تخاطب القلب تارةً، وينبغي أن تخاطب العقل تارةً أخرى، والأعظم من ذلك أن تخاطب القلب والعقل معاً، فالله تعالى يخاطب القلب بقوله:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) ﴾
( سورة الانفطار)
ويخاطب العقل بقوله:
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) ﴾
( سورة الانفطار)
أية دعوة أيها الأخوة تخاطب القلب وحده فهي دعوة عرجاء، وأية دعوة تخاطب العقل وحدة فهي دعوة عرجاء، لأن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، ولن تستطيع أن تحدث فيه تأثيراً إلا إذا اتجهت إلى عقله تارةً وإلى قلبه تارةً أخرى، والدعوة لا تنجح إلا أن تخاطب الإنسان بكل جوانبه، الإنسان مادة، الإنسان جسم، ينبغي أن يأكل، حينما تتجاهل حاجاته المادية لا يمشي معك إلى الله، ينبغي ألا تتجاهل حاجاته المادية إلى الطعام، إلى الشراب، إلى الزواج، إلى الكساء، إلى المأوى، لذلك حينما تبني الإنسان ينبغي أن تبنيه بناء متوازناً، أن يسعى لإصلاح دنياه وأن يعمل لآخرته، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل إلا من واحد أن يأخذ ماله كله، من الصديق رضي الله عنه، لم يقبل من عمر، لأن المال قوام الحياة، فحينما لا تهتم بالمال إطلاقاً تصاب بأزمة قد لا تنجو منها، فالنبي قال: "لكن عافيتك أوسع لي ".
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (22) ﴾
( سورة الأنبياء)
آيات الله في خلقه:
الآن يخاطب عقلنا بالدليل.
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) ﴾
( سورة الأنبياء)
وقال:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾
( سورة الذاريات)
هل فكرتم مرةً أن المحاصيل تنضج في يوم واحد، لو أن المحاصيل تنضج كالفواكه على ثلاثة أشهر ماذا يحدث ؟ عندك خمسين دونم قمح، يجب أن تتجه إلى سنبلةٍ سنبلة تجثها إن نضجت تقطعها، إن لم تنضج تتركها هذا شيء مستحيل، رأيت إلى رحمة الله، المحاصيل القمح الشعير الحمص العدس ينضج في وقت واحد، ويحصد مرة واحدة، أما البطيخ، حقل البطيخ يستمر إنتاجه تسعين يوماً طول الصيف، هذا البطيخ لو دخلت إلى حقل بطيخ لوجدت كل الثمار في لون واحد، أين التي تقطعها ؟ يعني حسب الطريقة التقليدية يجب أن تنبطح إلى جانبها وأن تحملها، هذا مستحيل، جعل الله لك علامة للبطيخ، حلزون بعد مأخذها بخمسة سنتيمتر يمسكه الفلاح ويضغطه فإذا انكسر البطيخة ناضجة إذا لم ينكسر فالبطيخة لم تنضج بعد، الله قال:
﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) ﴾
( سورة النحل)
الفواكه كالتفاح الدراق الإجاص الكرز التوت ينضج تباعاً خلال شهر أو شهرين، شيء آخر هذه الفواكه مبرمجة تبدأ بالكرز، بعده اللوز، بعده الإجاص، بعده الدراق، بعده التفاح، بعده العنب، على مدار الصيف الفواكه مبرمجة ونضجها مبرمج، تدخل إلى حقل بندورة، أو ليس حقلاً، تدخل إلى بيت محمي تجد آلاف الثمرات الخضراء، أما الحمراء كأنها تقول لك أنا نضجت تعال خذني، فكل صاحب بيت محمي يملأ تقريباً صندوقين باليوم من هذا الحقل بسهولة، هي لونها حمراء تناديك أنني جاهزة للقطاف، والباقي أخضر.
تعلق معظم ما نعيش به بالوهم:
الله تعالى قال:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾
( سورة الذاريات)
تذهب إلى فنلندا الحرارة سبعين تحت الصفر، ترتدي قفازات، ترتدي جوارب صوف، ترتدي أجهزة داخلية صوفية، ترتدي معطفاً ثقيلاً، ترتدي قطعة قماش صوفية، ترتدي قبعة صوفية، ماذا تفعل بعينيك ؟ إنهم على تماس مع سبعين تحت الصفر، وفي العين ماء لا بد من أن يتجمد هذا الماء فيفقد الإنسان البصر، من وضع في ماء العين مادة مضادة للتجمد ؟ من ؟ الله جل جلاله، لكن الشيء بالشيء يذكر سمعت قصة لها دلالة كبيرة جداً، قال: رياضي من أبطال كرة القدم يجول بلاد العالم ويشترك في مباريات دولية، لكن هذا الرياضي لا يمكن أن ينام صيفاً أو شتاءً أو ربيعاً أو خريفاً إلا في غرفة مفتوحة النوافذ، لا يستطيع، لا يمكن أن تغمض له عين في غرفة مغلقة نوافذها، في مباراة في فنلندا ودرجة الحرارة 69 تحت الصفر، والفنادق هناك نوافذها لا تفتح يسمونها نوافذ بلور، فجاء هذا اللاعب لا يمكن أن ينام، الفندق ليس عنده حل، برد شديد، ففكر أنه لا بد من أن أكسر هذا الزجاج حتى أنام، وفي الصباح أدفع ثمن البلور، ليس عنده حل ثاني، فجاء بحذائه وضرب به النافذة فانكسر البلور، ونام نوماً عميقاً كعادته، فلما استيقظ وجد أن النافذة فيها لوحان من البلور، فكسر واحداً منهما، معنى ذلك أن الوهم أحياناً يفعل فعله بالإنسان، هو لما كسر البلور توهم أن النافذة مفتوحة فنام، أما عملياً كسر القسم الأول، القسم الثاني لم يكسر، إذاً الجو ما تغير، ومعظم ما نعيش به متعلق بالوهم.
الإنسان يؤمن بالله عن طريق خلقه ويعبده عن طريق قرآنه:
إذاً التوجيه القرآني المصحوب بالإقناع بالأدلة:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾
( سورة الذاريات)
الإنسان عاقل، والإنسان كائن مفكر، تتجاهل العقل ؟ لا، هناك توجيه قرآني في الموعظة أساسه شمولية الإسلام.
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) ﴾
( سورة البقرة)
يعني الإسلام شامل، التقى بي إنسان قبل يومين أو ثلاثة، قال لي: أنا من الجهة الفلانية هل أنا مخطئ في أنني ولدت في هذا المكان ؟ قلت له: لا، الانتماء التاريخي لا قيمة له عند الله إطلاقاً، القضية وما فيها أن الله خلقنا وهذا الكون يدل عليه، ويشير إليه، هذا الكون يؤكد أن له خالقاً مربياً مسيراً، إلهاً موجوداً وواحداً وكاملاً، هذا الكون يدعوك أن تؤمن أن لهذا الكون إلهاً، أما كتاب الله يدعوك إلى أن تعرف إرادة الله، ماذا يريد منك ؟ المنهج في القرآن، والدليل في الكون، تؤمن بالله عن طريق خلقه وتعبده عن طريق قرآنه، فأي إنسان تعرف على الله واستقام على أمره يبلغ أعلى مرتبة عنده، بصرف النظر عن انتمائه التاريخي أو عن مكان ولادته، هذه كلها جاهلية، عنعنات جاهلية.
التنوع في التوجيهات القرآنية:
الآن هناك توجيه قرآني تصاحبه قواعد التشريع، في توجيه قرآني تصاحبه أدلة عقلية، في توجيه قرآني تصاحبه عموميات الإسلام، عالمية الإسلام، في توجيه قرآني تصاحبه أحكام شرعية، يقول الله عز وجل:
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) ﴾
( سورة النساء)
وقال:
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
في خطاب قرآني يشعرنا بالمساواة:
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة الحجرات )
أساليب القرآن متعددة والذي يُوفق في توجيه الناس ينبغي أن يستخدم هذه الأساليب:
أيها الأخوة الكرام إذاً القرآن فيه تنويع، فيه نداء والنداء فيه مودة
﴿ يا بني ﴾
﴿ يا أيها الذين أمنوا ﴾
﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾
في نداء، القرآن فيه وصايا:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) ﴾
( سورة لقمان)
القرآن فيه توجيه معين، القرآن فيه استفهام إنكاري، فيه توكيد، فيه بيان تشريعي، فيه بيان شمولية، أساليب القرآن متعددة، والذي يوفق في توجيه الناس ينبغي أن يستخدم هذه الأساليب، أما توجيه النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ))
[ مسلم عن تميم الداري ]
ورد في صحيح مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
[ مسلم عن تميم الداري ]
أيعقل أن يعرف الدين بكلمة واحدة، الدين النصيحة، إن لم تنصح فلست ديناً، الشاردون عن الله ينصح لمصلحتهم، يعني قصة أرويها دائماً للطرفة أردت أن أشتري ستارة لغرفة في البيت، دخلت إلى أحد المحلات وقد دُللت عليه، قلت له: أريد ستارة من أجل غرفة الضيوف، قال لي: لا تكون الستارة رائعة إلا أن يكون عرضها ضعف عرض الغرفة مع زيادة متر، كلام مقنع، حتى تأتي جميلة متداخلة، حتى تشعر بالجمال يجب أن يكون عرض الستارة ضعف عرض الغرفة زائد متر، أعجبني ثوب على الرف قلت: أريد من هذا الثوب، فقاسه فإذا هو أقل من الضعف بمتر، الغرفة ثلاثة أمتار، والثوب الذي اخترته خمسة أمتار، قال لي هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل، رأساً فبرك قاعدة جديدة، الإنسان ينطق عن الهوى دائماً مصلحته، ينبغي أن يبيع هذا الثوب، بعد ما عمل محاضرة ماذا ينبغي أن تكون عليه الستارة، ضعف عرض الغرفة زائد متر فالثوب الذي اخترته أقل من الضعف بمتر، ففي قاعدة جديدة فبركها فوراً، قال لي هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل.
الدين النصيحة:
إذاً: الدين النصيحة، اسأل إنساناً يبيع أقمشة أو ألبسة، قل له: أنت اختر لي اللون المناسب، يختار لك اللون الكاسد عنده، إذاً ليس النصيحة، على هذا المستوى ليس النصيحة، الدين النصيحة، إن لم تنصح المسلمين فلست مؤمناً، الدين النصيحة لله، يعني انصح الناس أن يتبعوا منهج الله، ولكتابه، وانصح الناس أن يطبقوا القرآن، ولرسوله، وانصح الناس أن يتبعوا سنة النبي العدنان، ولأئمة المسلمين، انصح أئمة المسلمين، ليس الشرط أن تنصحهم بغلظة، قال أحدهم لأحد الأمراء: سأعظك بغلظة، قال له: ولمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، لا أنت موسى ولا أنا فرعون، فقال له:
﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44) ﴾
( سورة طه )
ولمَ الغلظة ؟ من قال لك أن النصيحة ينبغي أن تكون قاسية، من قال لك أن النصيحة ينبغي أن تكون فيها غلظة، سيد الخلق وحبيب الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق قاطبة، وأرحمهم، وأكرمهم، وأحلمهم، وأعدلهم، وأنصفهم، وأجملهم، وأفصحهم، خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء، ويوحى إليه وهو سيد الخلق، وسيد ولد آدم، وأوتي القرآن، وبلغ سدرة المنتهى، وأقسم الله بعمره، ولم يخاطبه باسمه إطلاقاً، لا يوجد يا محمد بالقرآن، يوجد يا موسى، يا عيسى، يا زكريا، لا يوجد يا محمد، تجد يا أيها النبي، يا أيها الرسول، ومع كل هذه الميزات قال له:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
معالجة القضية من أسبابها لا من نتائجها و هذا من توجيه النبي الكريم:
إن كان شخص لا هو نبي ولا رسول، ولا يوحى إليه، ولم يؤت قرآناً، ولم يؤت معجزة، ولم يؤت فصاحةً، ولا كمالاً، ولا جمالاً، وغليظ، ما هذه ؟
(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.))
[الديلمي عن ابن عمرو]
((عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شي إلا زانه ولا يُنْزَع من شي إلا شانه.))
[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
إنسان دخل بستان أنصاري ليأكل، هذا الأنصاري ألقى عليه القبض وقيده وساقه إلى النبي وقد أحرز إنجازاً كبيراً، ألقى القبض عليه وساقه إلى النبي، هذا دخل بستاني من دون إذن، وأكل من فاكهة بستاني فهو سارق، قال له النبي:
(( ما علمته إذ كان جاهلاً ولا أطعمته إذا كان ساغباً ـ أي جائعاً.))
[أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عباد بن شرحبيل]
والله هذه القصة تفعل فعل السحر في نفسي، علمنا النبي أن نعالج القضية من أسبابها لا من نتائجها، وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه يودع أحد نوابه على بعض أقاليم الدولة فقال له: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده ـ هذا هو الشرع ـ قال إذاً: إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، اشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية ".
ما أروع هذا الكلام، النبي يعالج المشكلة من أسبابها لا من نتائجها، يقول لك أبٌ ابني يسرق مني، طبعاً هذا عمل سيئ جداً، لكن يجب أن يفكر الأب لماذا ! لعلي مقصر في تأمين حاجاته، أنا لا أقول لك يُسمح للابن أن يأخذ من أبيه من دون علمه، مستحيل، لكن دائماً فكر بأسباب المشكلة ولا تفكر بمعالجتها من نتائجها، قال عليه الصلاة والسلام:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.))
[ مسلم عن تميم الداري ]
اتباع النبي عليه الصلاة والسلام أسلوب الحوار في الموعظة:
روى الشيخان قال:
(( بايعت رسول صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ))
[ متفق عليه عن الجليل بن عبد الله رضي الله عنه ]
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ))
[مسلم عن أبي مسعود الأنصاري]
والله شيء جميل، الذي فعله ينال أجراً، والذي دله على الخير ينال مثل أجره، يعني إن لم تملك مالاً لكن دللت غنياً على مساعدة فقير فلك مثل أجر الغني، إن لم تملك علماً فدللت طالب علم على عالم مخلص ورع فلك أجر مثل هذا الطالب، إن لم تكن طبيباً ودللت مريضاً على طبيبٍ مؤمن لك مثل أجر الطبيب، حديث آخر:
(( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً )).
[ مسلم عن أبي هريرة]
أيها الأخوة، هذا كله من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
الآن نأتي على بعض الأمثلة لهذه القواعد في الموعظة، القصص في القرآن كثيرة جداً، وأطول قصة في القرآن هي قصة يوسف عليه السلام، ومن براعة القصة أو من إحكامها أن الله ذكر مغزاها صراحة ذكر فقال:
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) ﴾
( سورة يوسف )
الآن في أسلوب اتبعه النبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة أسلوب الحوار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( أتدرون من المسلم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ثم قال: أتدرون من المؤمن، قالوا الله ورسوله أعلم قال: المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، أتدرون من المهاجر ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال المهاجر من هجر السوء فاجتنبه ))
[أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
سؤال وجواب، ببعض الجلسات الخاصة الحوار ممتع، الحوار يجذب القلوب، إياك أن تكون المتكلم الوحيد، الكلام مناوبة لا مناهبة فإذا كنت في مجلس، في سهرة، في ندوة، في لقاء، في وليمة، في مناسبة، اجعل الكلام حوراً بين الحاضرين، الحوار يجمع القلوب، أما التفرد بإلقاء الكلمة يدفع إلى السقم. القسم فيه تعظيم للموضوع:
يقول عليه الصلاة والسلام من أساليب الحوار:
(( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا ))
[البخاري عن أبي هريرة]
حوار آخر:
(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))
[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
الآن في موعظة بالقسم أحياناً يكون في مشكلة كبيرة يقول: والذي نفس محمد بيده، والله الذي لا إله إلا هو، القسم فيه تعظيم للموضوع.
(( والذي نفسي بيده، لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
(( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ! ـ قسم وتكرار ـ قيل: من يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ؛ أي شروره ))
[متفق عليه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
استخدام النبي عليه الصلاة والسلام الدعابة في موعظته:
أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يستخدم الدعابة في موعظته يعني:
(( روِّحوا القلوبَ ساعة، فإنّها إذا أُكرِهت عمِيت ))
[الخطيب والسمعاني عن علي]
المؤمن ظله خفيف، عنده روح دعابة، حديثه لبق ومحبب، يحبه الناس ويحبون استماع حديثه، لا تكن ثقيلاً، إن وعظت فاقتصد في الموعظة، يقال اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وقم عنه وأنت تشتهيه، وأنا أقول للدعاة ابدؤوا بالموعظة والناس يشتهون موعظتكم وقفوا والناس يشتهون أن تتابعوا، إذاً كان عليه الصلاة والسلام يستخدم الدعابة أحياناً.
(( إن رجلاً جاء إلى رسول الله صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستحمله بعيراً من الصدقة ليحمل عليه متاع بيته، فقال عليه الصلاة والسلام: إني حاملك على ولد الناقة، فقال الرجل: يا رسول الله ماذا أصنع بولد الناقة، فقال عليه الصلاة والسلام: وهل تلد الإبل إلا النوق ؟))
[ أبو داود والترمذي عن أنس رضي الله ]
مهما كان الجمل كبيراً هو ولد الناقة، يعني أفهمه النبي الكريم عن طريق هذه المداعبة أن الجمل مهما كان كبيراً هو في الأصل ولد الناقة، يعني في حديث والله أنا ما قرأته على أخوتي في أحد الخطب مخافة ألا يصدقوه مع أنه في الصحاح، سيدنا ابن مسعود دخل على رسول الله في المسجد فرآه يصلي فاقتدى به، طبعاً يصلي النبي وحده، افتتح بالبقرة، يقول أنه مئة آية ويركع بعدها، وكمل إلى أن انتهت البقرة، قال الآن يركع بدأ بآل عمران، إلى أن انتهت آل عمران، الآن يركع، بدأ بالنساء إلى أن انتهت النساء ثم ركع، فبقي بالركوع بقدر ما قرأ في القيام، ثم في السجود حتى انسحب قبل أن يسلم ما تحمل، هذا إذا صلى وحده كان هكذا، أما إذا صلى بأصحابه:
(( كان أخف الناس صلاةً في تمام.))
[مسلم عن أنس رضي الله عنه]
تحدث النبي الكريم عن هموم الناس:
كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً، وحده صل ما شئت، في أعلى درجات السعادة، في قمة السرور، أما مع الناس فيهم الضعيف، فيهم المريض، فيهم الصغير، فيهم المرأة، فيهم الشيخ الكبير كان إذا صلى بالناس كان أخف الناس صلاةً في تمام، أما إذا صلى وحده البقرة وآل عمران والنساء ويركع ويسجد بمقدار ما وقف وركع.
(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة مخافةَ السآمة علينا.))
[الترمذي والبخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]
كان إذا جلس مع أصحابه تحدث بحديثهم، تجد أحياناً شخص يُظهر هيمنة وهيبة لا يتكلم إلا بالدين، قالوا: والله في موجة فيضانات، قال: هذا شيء لا يعنيني، في ارتفاع حرارة مفاجئ، في أسعار مرتفعة، كان عليه الصلاة والسلام يتحدث عن هموم الناس، إذا أنت كنت داعية موفقاً وهناك مشكلة تقض مضاجع الناس ينبغي أن تستمع إليهم، وأن تدلي بدلوك في هذا الموضوع، كان عليه الصلاة والسلام يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة، وكان إذا وعظ عليه الصلاة والسلام مهيمناً في موعظته، طبعاً لصدقه وإخلاصه وغزارة أفكاره وتركيز أفكاره.
قال وعظنا النبي عليه الصلاة والسلام موعظة احترقت منها الجلود، وذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا هذه موعظة مودع يا رسول الله فماذا تعهد إلينا، قال:
((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))
[أحمد والترمذي وأبو داود من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه]
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ﴾
( سورة الزمر )
(( ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز،أنا الكريم، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا إنه ساقط به وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
[أحمد ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما]
الموعظة بضرب المثل :
من صدقه وانفعاله وحرصه وإخلاصه كان إذا تكلم ملك زمام الحاضرين.
قال عمر بن ذر لأبيه: يا أبتِ مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم، فقال: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
كلام دقيق، أحياناً تكون نائحة مستأجَرة، الآن امرأة فقدت زوجها، وتحبه حباً جماً، تَبكي بكاءً يُبكي كل من حضر، أما إذا امرأة ليس لها علاقة بالموضوع إطلاقاً لكن يجب أن تتباكى أمامها ذوقاً، أو مستأجرة، فبكاء هذه غير بكاء هذه.
قال له: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
(( مَنْ تَعَلّمَ صَرْفَ الْكَلاَمِ لِيَسِبِيَ بِهِ قُلَوبَ الرّجَالِ أو النّاسِ لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً ))
[أبو داود عن أي هريرة ]
إذا الهدف أن تنتزع إعجاب الحاضرين أنت لست بمؤمن ولا داعية إذا كان هذا هو الهدف، الموعظة بضرب المثل:
(( مَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأتْرَجّةِ رِيحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا طَيّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرّيْحَانَةِ رِبْحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلةِ طعْمُهَا مُرّ وَلا رِيحَ لَها، وَمَثَلُ جَلِيسِ الصّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ أَنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَيْء أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَمَثَلُ جَلِيسِ السّوءِ كَمَثَلِ صَاحِب الكِبرِ إِنْ لَمْ يُصِبُكَ مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ ))
[أبو داود عن أنس رضي الله عنه ]
الموعظة بالمثل، الموعظة بتحريك اليد، أحياناً الحديث الناجح في معه حركات يد، وحركات رائعة فيها تمثيل رائع.
(( كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
الموعظة أنواع:
هناك أحاديث كثيرة فيها إشارة:
(( يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم، قال: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ ؟ فأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه وقال هذا ))
[الترمذي عن سفيان بن عبد الله البجلي رضي الله عنه]
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأسا فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً ))
[(الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبى هريرة]
هناك موعظة بالرسم، رسم النبي مستطيلاً وقال: هذا أجل الإنسان ورسم خطاً خارجاً عنه وقال: هذا أمله، ورسم خطوطاً عرضية قال: هذه حوادث الدهر، حوادث الدنيا، في موعظة بالفعل التطبيقي.
(( جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله كيف الطهور ؟ ـ الوضوء ـ فدعا النبي بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً حتى استوفى ثم قال: فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم.))
[أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
ومرة توضأ أمام أصحابه، قال:
((من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه.))
[عبد الرزاق، والنسائي عن عثمان]
الآن الموعظة بانتهاز المناسبة: مرّ النبي بشاة ميتة فقال لأصحابه:
(( أترون هذه هينة على صاحبها ؟ فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها.))
[ابن ماجة عن سهل بن سعد]
ما لها قيمة إطلاقاً، مرةً رأى امرأةً تقبل ابنها وهي تخبز على التنور، قال:
(( أترون هذه طارحةً ولدها في النار لَلَّهُ أرحمُ من عباده من هذه بولدها.))
[البخاري ومسلم عن عمر]
هذه موعظة مع المناسبة، في موعظة مع الالتفات للأهم.
(( رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله ؟ ـ هذا اسمه أن ترد الإحراج بإحراج مثله ـ قال: وماذا أعددت لها ؟.))
[البخاري عن أنس
أساليب أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة:
يروى أن أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى دخل على المنصور وكان عنده قاضٍ من أعدائه، فالقاضي انتهزها مناسبةً كي يوقع بين المنصور وبين أبي حنيفة، قال: يا إمام جئتنا، إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث ـ الخليفة جالس، إن قال له: لا ترد على الخليفة، يقطع رأسه، وإن قال له: اقتله، سقط من عين الله ـ قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته، هذا أسلوب، قال له: متى الساعة، أثناء الخطبة، قال له: وماذا أعددت لها ؟ هذا أسلوب.
هناك موعظة بأن تظهر الشيء المحرم:
(( أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَهَبًا بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لإِنَاثِهَا.))
[مسند البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه]
هذه بعض أساليب النبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة، منوعة جداً، إن أردت أن تعظ، وأن تؤثر، وأن تشكل موقفاً، وأن تحمل على فعل، وأن تبعد عن فعل، فاستخدم الأساليب التي اتبعها النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أسميها أيها الأخوة سنة النبي الدعوية، النبي له سنة افعل ولا تفعل، له سنة في الدعوة إلى الله هكذا كان يفعل، وما من داعية، وما من أب، وما من معلم يقلد النبي في سنته الدعوية إلا ينجح ويتألق، وما من داعية، أو معلم، أو أب يخالف منهج النبي بالدعوة إلى الله إلا ويثير حوله جدلاً كبيراً.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 7 - : التربية بالملاحظة - 1





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في السلسلة الثانية، وفي الوسائل الفعالة في تحقيق أهداف التربية.
أولاد الإنسان هم قدره شاء أم أبى:
تحدثنا في دروس سابقة عن التربية بالقدوة، وعن التربية بالتلقين والعادة، وعن التربية بالموعظة، وها نحن ننتقل إلى التربية بالملاحظة، قد لا أبالغ إذا قلت إن الملاحظة من أخطر وسائل التربية، فالأب الغافل عن حالة ابنه، عما يقرأ ابنه، عمن يصاحب ابنه، عن ذهاب ابنه وإيابه، الغافل عن أحوال ابنه قد تنتهي به الأمور إلى ضياع الولد، والذي يضبط هذا الموضوع أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (6) ﴾
(سورة التحريم )
بالمناسبة أولاد الإنسان هم قدره، شاء أم أبى، رضي أم لم يرضَ، أعجبه أم لم يعجبه، هم قدره، فإما أن يسعد بهم وإما أن يشقى بهم، أشياء كثيرة في حياة الإنسان يتخلى عنها، يلغيها من حياته، أتعبته فألغاها، أزعجته فألغى وجودها، وابنك يبقى ابنك، ماذا تعمل ؟ فإما أن تربيه فتسعد به، وإما أن تهمله فيكون سبب شقاء والديه، وهذه الآية تنطلق من هذا المعنى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) ﴾
(سورة التحريم )
علينا تربية أولادنا وفق منهج الله تعالى:
الآن سيدنا علي بن أبي طالب ماذا فهم من هذه الآية ؟ قال:
﴿ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (6) ﴾
أي أدبوهم وعلموهم.
قال سيدنا عمر رضي الله عنه: " أي تَنْهَونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به، فيكون بذلك وقاية بينهم وبين النار."
أتيتكم بفهم سيدنا علي وفهم سيدنا عمر، أي أن تربيهم وفق منهج الله، الآن حينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
(سورة طه)
معنى ذلك أنه قد يُفهم أن هناك تقصيراً في أداء الصلوات، وأن سيدنا عمر حينما طعن قبل أن يتوفاه الله عز وجل من قبل هذا العدو (ابن ملجم) وغاب عن الوعي، ثم صحا، قال رضي الله عنه: هل صلى المسلمون الفجر ؟ ما الذي أقلقه ؟ صلاة المسلمين !! وأنا دائماً أتساءل قد يأتي الأب إلى البيت مساءً يسأل زوجته: هل تناول الأولاد طعام العشاء ؟ تقول له: نعم. هل كتبوا وظائفهم ؟ تقول له: نعم. أكلوا وأدوا واجباتهم المدرسية، كم أباً من مئة أب يسأل زوجته: هل صلى الأولاد العشاء قبل أن يناموا ؟ هنا المشكلة !!
بعض أسباب زيادة الرزق:
قال تعالى:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
(سورة طه)
لم يقل واصطبر عليهم، أي واصطبر حتى تكون صلاتهم مقبولة عند الله، واصطبر على الصلاة حتى تصبح صلاة حقيقية، واصطبر على الصلاة حتى تؤدى كما أمر الله، واصطبر على الصلاة حتى تكون أداة اتصال بينهم وبين الله:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
(سورة طه)
يوجد بالآية ملمح قد يغفل عنه معظم الناس:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ (132) ﴾
(سورة طه)
أي بيت يصلي فيه أفراد الأسرة هذا بيت مرزوق، البيت إما أن يكون قبراً، وإما أن يكون مسجداً، إما أن يذكر الله فيه، وإما أنه سيذكر الشيطان فيه، بيت فيه أدوات اللهو، فيه مسلسلات، وتمثيليات، وفضائيات وما إلى ذلك، وليس فيه ذكر لله، احرص على أن يكون بيتك بيتاً تؤدى فيه العبادات، هذا الكلام أتمناه لكل واحد منكم، وأتمناه لنفسي، من حين لآخر ما الذي يمنع أن تؤدى الصلاة جماعة في البيت ؟ أن يستيقظ أهل البيت جميعاً ليؤدوا الصلاة، هذا هو الكمال، فكلما أديت الصلاة في البيت كان هذا البيت أقرب إلى الله، وكان هذا البيت مشمولاً برعاية الله، محفوفاً بعناية الله، بيت مرزوق، بين قوسين الإنسان يتمنى الرزق الوفير، فمرة سألني أخ: كيف أرفع مستوى رزقي ؟ قلت له: بأن تؤدَّى الصلوات في البيت ! طبعاً صلوات الفرض تؤدى في المسجد، أما النوافل فتؤدى في البيت، ويؤدى السنن والوتر، أن تصل رحمك يزيد الله في رزقك، أن تكون أميناً فالأمانة غنىً، أن تكثر الاستغفار فالاستغفار يزيد في الرزق، أن تكثر الصدقة فالصدقة تزيد في الرزق.
أسباب أخرى تزيد في الرزق:
هناك أسباب كثيرة تزيد في الرزق:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (16) ﴾
(سورة الجن)
الاستقامة تزيد في الرزق:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96) ﴾
(سورة الأعراف)
تقوى الله والوقوف عند حدود الله يزيد في الرزق:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾
(سورة نوح)
الاستغفار يزيد في الرزق، والصدقة تزيد في الرزق، صلة الرحم تزيد في الرزق، إتقان العمل يزيد في الرزق، أداء الصلوات في البيت يزيد في الرزق:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ (132) ﴾
(سورة طه)
الفرق بين الأمر التكليفي والأمر التأديبي:
أيها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما من حديث طويل من هذا الحديث:
(( والرجلُ راعٍ في أهلِهِ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ))
[ متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما ]
مداخلة طريفة: أحياناً يترنم الإنسان بكلمة مسؤول كبير، لو دقق في معناها لانخلع قلبه خوفاً، لو دقق في معناها لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير أي سوف تسأل سؤالاً كبيراً، سوف تسأل عن كل شيء:
((لا تزول قدما عبد حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه ))
[الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه]
هذه أسئلة لا بد منها، من هذه الأحاديث أيضاً:
(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ ))
[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
لدينا أمر تكليفي وأمر تأديبي، الأمر التأديبي أن تأمر ابنك بالصلاة لسبع سنين، حتى إذا كلف بها كان قد ألفها، أن تأمر ابنتك بالحجاب قبل أن تكلف بالحجاب، هذه سماها العلماء عبادة تأديبية، تؤدب أولادك على الصلاة والصيام، وتؤدب بناتك على الحجاب قبل سن التكليف، فإذا جاء سن التكليف كان الأولاد متقبلين لهذا الذي أمر الله به، وهذا الدرس، أيضاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]
تعلق الصغار بمثل عليا شيء حتمي:
لا زلنا في الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى التربية، يقول عليه الصلاة والسلام:
((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن.))
[الطبراني عن علي]
لعل معاهد تحفيظ القرآن التي أكرمنا الله بها تنطلق من هذا الحديث:
((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن.))
[الطبراني عن علي]
آل بيته أولئك الذين كانوا حول النبي من قرابته ومن صحابته، كيف كانت أخلاقهم، لا بد من أن تقص على أولادك سير أصحاب رسول الله، وسير أهل بيت رسول الله، لأنهم فعلاً أبطال، هناك كتب كثيرة حول أصحاب رسول الله، لا أقبل بيت مسلم ليس فيه كتاب من سير صحابة رسول الله، كتاب السيرة يبعث في النفس القدوة، الطفل أيها الأخوة في سن معينة يبحث عن مثل أعلى، فإن لم تقدم له أصحاب رسول كمثل عليا، تلقف ما على الشاشة من مثل ليست عليا ولكنها دنيا، قد يجعل لاعب كرة مثله الأعلى، قد يجعل ممثل أو ممثلة قدوته الكبرى، هذه مشكلة كبيرة، تعلق الصغار بمثل عليا شيء حتمي، هذا قدر الصغار، حتى بعض الأمثلة في الجاهلية (كل فتاة بأبيها معجبة ) طبيعة الطفل يتعلق بمثل أعلى، فأنت إن قدمت له مثلاً أعلى تعلق به فكان قدوته، وإن أهملت أن تقدم له المثل الأعلى هو يختار عشوائياً مثلاً أعلى، ما من خطر على الطفل يفوق صاحباً سيئاً، هذا الصاحب السيئ مدمر، ليس للابن وحده بل للأسرة كلها، فإما أن تقدم له مثلاً أعلى وإما أن يتعلق هو عشوائياً بمثل أعلى.
مرة التقيت مع أخ في مكان معه ابنه وصديقا ابنه، فسألته عن ذلك فقال: أنا اخترت له صديقيه لأنه لا بد من صديق، أنا أحسنت اختيار صديق ابني، حتى يتلقف ابنه من صديقه الكمال، انتقى صديقين منضبطين من تربية أسرية جيدة، فجعلهما صديقي ابنه، لذلك أهم شيء عند الأب أن يختار هو صديق ابنه، الطفل يحتاج إلى صديق، الطفل يحتاج إلى رفيق، الطفل يحتاج إلى مثل أعلى، لذلك حينما يكون في المناهج قصص بطولات في التعليم الإعدادي لا تصدق كم هي تؤثر في الطفل، أن هناك مثلاً أعلى أمامه يقتدي به، والحقيقة علامة إيمان المؤمن أن مثله الأعلى رسول الله، والدليل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ﴾
(سورة الأحزاب )
النبي عليه الصلاة والسلام واقعي:
أنا أقول دائماً الإنسان له شخصية يحبها، ويتمنى أن يكونها، وفي حياته شخصية يكرهها، ويكره أن يكونها، وفي حياته شخصية يكونها، أي هو نفسه، أنت لك شخصية، وهناك نموذج من الشخصيات تتمنى أن تكونها، وهناك نموذج من الشخصيات تشمئز أن تكونها، البطولة أن تسأل ابنك ماذا تتمنى أن تكون ؟ بالتعليم الابتدائي دائماً الموجه التربوي إذا زار مدرسة ودخل إلى أحد الصفوف هناك سؤال تقليدي منذ خمسين سنة، يوقف أحد الصغار ويسأله: يا بني ماذا تتمنى أن تكون ؟ بحسب قيم المجتمع يقول له: طبيب، أستاذ، أو طيار. مرة زار موجه تربوي مدرسة قريبة من الحدود، وأوقف طالباً وسأله: ماذا تتمنى أن تكون ؟ فقال له: مهِّرب يا أستاذ، هذا مثله الأعلى، أخطر شيء المثل الأعلى، هذا معنى حديث رسول الله:
((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن.))
[الطبراني عن علي]
من الأحاديث أيضاً ما رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد:
(( أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة (أي شبيبة أي شباب ) متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، (كان عليه الصلاة والسلام مضيافاً ) فظن أننا اشتهينا أهلينا ))
[البخاري عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ]
أدرك كيف أن النبي واقعي، أتاه شاب وأقام عنده عشرين يوماً لا شك أنه حنَّ إلى أهله.
(( فسألنا عمن تركنا في أهلينا فأخبرناه ))
[البخاري عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ]
قال له: مثلاً هل أنت متزوج يا بني ؟ قال نعم. قال له: كم ولداً عندك ؟ فالإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( المرء حيث أهله، والمرء حيث رحله ))
[البخاري عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ]
أي معلق بأهله ومعلق بماله، إن كان ماله بالميناء تجده مشوشاً، يا ترى البضاعة سليمة ؟ هل عليها من خطر مثلاً ؟ لم يستطع تخليصها عنده مشكلة أيضاً:
(( المرء حيث أهله، والمرء حيث رحله، فظن أننا اشتهينا أهلينا فسألنا عمن تركنا في أهلينا فأخبرناه، وكان رفيقاً رحيماً، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
[البخاري عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ]
هذا توجيه النبي.
جوانب من عظمة شخصية النبي عليه الصلاة والسلام:
الحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام كماله في أعلى درجة، النبي الكريم يسع الكبار والصغار، وهذا من جوانب عظمة شخصيته عليه الصلاة والسلام، ما دنا منه أحد إلا ظن أنه أقرب الناس إليه، أنت لا تستطيع أن تفعلها، كلما التقيت بإنسان يظن هذا الإنسان أنه أقرب الناس إليك، بل إن من جوانب عظمة رسول الله أن الطفل إذا جلس معه النبي الكريم تنازل إليه، النبي كان يمشي في الطريق يرى صبيان يقول السلام عليكم يا صبيان، كان إذا أطفال يلعبون دخل معهم في اللعب، جرى معهم، كان يدعو الصبيان إلى ركوب ناقته، هذا أمر عجيب، الشخصية العظيمة التي قادت أمة كانت ترعى الغنم فأصبحت تقود الأمم، هذا الشخص العظيم كان مؤنساً للصغار، لقد أخبرنا أنه في الجنة باب يدخله من يفرح الصبيان، لأن الصبيان يعنون المستقبل، فلذلك:
(( صلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
[البخاري عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ]
هكذا وجههم، الأب في هذا الدرس ينبغي أن يكون دقيقاً في ملاحظته لابنه، يلاحظ ذهابه وإيابه، في التأخر، أين كنت ؟ تحدث الابن رواية يجب أن يتحقق صدقها، ولو كلفه التحقيق أن يذهب إلى مكان معين، وجد مع ابنه قلماً من أين هذا القلم ؟ أعطاني صديقي إياه ينبغي أن يتصل الأب بوالد صديق ابنه، هل ابنك أعطى ابني هذا القلم أم أخذه خلسة ؟ الإنسان إن لم يحقق تقدم له روايات مقبولة، والأطفال يكونون أحياناً أذكياء، يعرف نمط أبيه فيقدم له روايات مقبولة دائماً، يتعلم الكذب والأب يقبل لأنه لا همة له كي يحقق !!
التربية تحتاج إلى جهد، لو وجدت مع ابنك خمس ليرات وأنت لم تعطه إياها، وقدم لك فجأة رواية، فإذا حققت والتحقيق كلفك أن تذهب إلى مدرسته، وتسأل أستاذه أو زميله، فهذا يحتاج إلى جهد، أما إذا قبلت هذه الرواية فعندها سيألف الكذب ويعتاد عليه، لا بد من التحقيق، الابن إذا علم أن أية رواية تقدم لأبيه لا بد من أن يحقق فيها ساعة إذاً سوف يعد للمئة قبل أن يكذب على أبيه، هذه هي الملاحظة، يجب عليك أنت أن تكون أعيناً !! أن تكون أعيناً وآذاناً، وأن تستشف ماذا يخبئ ابنك.
عدم وجود الانحراف ضمن الأسرة إلا بسبب غفلة الآباء :
أحياناً تذهب البنت إلى المدرسة، أنا أقول كلاماً يعتصر له القلب، وتعود ظهراً، لو أن الأب ذهب إلى المدرسة لاكتشف أن البنت لم تداوم منذ خمسة أيام، الآن يوجد مشكلة كبيرة جداً، يوجد تسيب، يوجد إهمال، يجب أن يكون هناك اتصال مستمر بين البيت والمدرسة، ينبغي أن يكون هناك ملاحظة، جاء ولم يأكل إطلاقاً، لماذا لم يأكل ؟ معنى هذا أنه أكل بالطريق، من أطعمه ؟ مع من ذهب ؟ من دفع ثمن الطعام ؟ من هو صديقه ؟ أو جاء متعباً !! أو الشمس أثرت في وجهه، مع أنه كان في المدرسة، معنى هذا أنه لم يكن في المدرسة بل كان في ملعب ؟ لو لم أكن أعلم أن هناك آلافاً بل عشرات الآلاف من حالات الانحراف الخطير عند الأبناء والآباء في غفلة، أساساً لا انحراف في أسرة إلا بسبب غفلة الآباء، لا يوجد انحراف ضمن الأسرة إلا بسبب غفلة الآباء، لا يوجد انحراف مالي أو أخلاقي أو جنسي إلا بسبب غفلة الآباء، والله أيها الأخوة في هذه الأيام يحتاج الأب إلى دقة تفوق أية دقة، يقلب المحطات فظهرت محطة فالأب فوراً قلبها إلى محطة ثانية، الطفل جالس !! بعد الثانية عشرة أوى الأب إلى فراشه والأم كذلك، هناك من استيقظ وفتح وقلَّب ووصل إلى هذه المحطة، ثم انتهى الأمر إلى فاحشة في البيت، هذا بسبب غفلة الآباء، طبيب يعالج مريضاً أصابته أزمة قلبية، رأى الساعة الواحدة، معنى هذا أن أولاده عادوا إلى البيت، وفي غرفة النوم فيلم لا يرضي الله فضرب نفسه من شدة القلق، فذهب فوجد الفاحشة في البيت.
أنا لا أقول لكم كلاماً من فراغ، من قصص عرضت علي، من اتصالات هاتفية وصلتني، قد يكون هناك انحراف خطير جداً والأب غافل، والأم غافلة، فلا بد من دقة بالغة، لا بد من حرص شديد، لا بد من متابعة.
من ملاحظات النبي في التربية الاجتماعية:
الآن من ملاحظات النبي في التربية الاجتماعية، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قـَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
هذا توجيه اجتماعي، إن وجدت ابنك يطرق باباً ويقف أمامه هكذا أي مواجهة، قل له: لا يا بني ليس هذا من أدب رسول الله، ضع يدك على المنبه وأعطِ ظهرك للبيت، لو فتحت امرأة الباب فجأة لا ترى إلا ظهر رجل أو ظهر شاب، أنت مع ابنك، أكل بشماله نبهه، أحياناً يوم الجمعة يأتي الأطفال مع آبائهم، يأتي طفل بثياب قصيرة، هذا شيء مخالف:
(( الْفَخِذُ عَوْرَةٌ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ]
أحياناً تأتي بنت بثياب غير محتشمة، لكنها صغيرة جداً، لا بد من أن تؤدبها بأدب الإسلام، وإن كانت صغيرة يجب أن تتكلم لا أن تسكت، أحياناً تطيش يد الغلام في الطبق فالنبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن ذلك وسيأتي هذا بعد قليل، النبي عليه الصلاة والسلام رأى خاتماً في يد رجل فنزعه فطرحه:
(( أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
انظر إلى هذا الأدب والورع، لما انتقده النبي نزع الخاتم وألقاه في الأرض، يوجد ملاحظة، تجد الشخص جالساً وبنت أخيه تلبس الثياب الضيقة !! كيف حالك يا عماه ؟ كيف حال أبيكِ ؟ يتحدث معها مطولاً، أما الثياب الضيقة فلا مشكلة بها أبداً، لا يوجد ملاحظة أبداً، ولا حديث ولا نصح، لا يا عماه فأنتِ ابنة أخي وهذا الشيء خلاف الشرع، هذا الأمر غير مناسب، وأنتِ الآن آثمة لأن الله عز وجل قد أمرك بالحجاب، لما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق غضب الله:
لما أرسل الله ملائكة لإهلاك قرية قالوا: يا ربنا إن فيها رجلاً صالحاً قال: به فابدؤوا !! قالوا: ولمَ ؟ قال: لأن وجهه لا يتمعر إذا رأى منكراً.
حينما نكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ننتهي عند الله.
معنى التربية بالملاحظة:
أخواننا الكرام أريد أن ننتبه لمعنى التربية بالملاحظة، أي أن تكون يقظاً متنبهاً تلاحظ كل شيء على ابنك، وأن تقدم له الملاحظات، والتوجيهات، أن تلاحظ، وأن تقدم له ملاحظات، أن تنتبه، وأن تقدم لفت نظر، أن تكون يقظاً وأن توقظ ابنك، أن تتلقى معلومات عن ابنك، وأن تقدم له معلومات، هذا معنى التربية بالملاحظة، نشاط مزدوج، تراقب فتقع على شيء، تقدم له العلاج والتوجيه والنصح، هناك أكثر من ذلك !! ثم تتابع هل استجاب أم لم يستجب ؟ ثم تكافئ إذا استجاب، أو تؤدب إذ لم يستجب، محور الدرس أن تتلقى معلومات، وأن تقدم توجيهات، وتتابع الأمر فتكافئ أو تعاقب، هذا محور الدرس.
((سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ ابْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلاماً فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكـَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ (أي في وعاء الطعام، كأن يكون هناك قطعة لحم مثلاً فيأخذها ويأكلها ) فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ))
[البخاري عن وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ ]
مرة كنا في دعوة، ابن غير منضبط، والأب غافل، واضعين أكلة اسمها كباب هندي، فهذا الابن لقطهم جميعاً وأكلهم، كم هو الأب محاسب ؟ وكيف أن الابن لا يتلقى أي توجيه ؟ صاحب البيت يكاد يذوب، طعام الضيوف، القضية سهلة أكلهم واحدة تلو الأخرى:
(( وَكـَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ))
[البخاري عن وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ ]
النبي وجهه ولم يكن غافلاً.
سبب خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قد يكون طفل مثلاً ذاهباً إلى بيت فيه النظافة بالغة، وقد يكون أثاث هذا البيت فاتحاً، يصعد إلى الأثاث بحذائه غير النظيف، صاحب البيت يفور ويتمزق والأب غافل، يجب أن تلاحظ ويجب أن تقدم ملاحظة، يجب أن تنتبه وأن تلفت النظر، أن تَعلَم وأن تُعلِّم، وفي حديث آخر:
(( أَنَّهُ قَالَ دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْراً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ))
[أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ]
معنى هذا أن النبي واعٍ، يقظ، يتابع كل شيء، والله سمعت قصة مؤثرة جداً، لعلي قلتها لكم، سائق سيارة على خط الشام يريد أن يذهب إلى الشام، جاءه شاب وشابة ركبا معه وقالا له: انتظر قليلاً ستأتينا حقيبة، انتظر هذا السائق، بعد حين جاء رجل رث الهيئة يحمل حقيبة كبيرة على رأسه، فالشاب ضربه على صدره !! لأنه قد تأخر قليلاً، لماذا تأخرت ؟ فأخذ الحقيبة ووضعها ثم انطلقوا، بعد حين ربما في عاليه قالت له الشابة: (ربما زوجته ) كيف ضربت أباك ؟ فأوقف السائق السيارة وقال له: يا ولد هذا أبوك ؟ انزل هذا مالك، لربما يحدث معنا حادث، انظر إلى هذا الإنسان، انظر إلى هذا الإنسان على بساطته وقف موقفاً رائعاً.
مرة كنت في فندق في رحلة عمل، فجاء رجل مع فتاة يريد أن يحجز فقال له: من هذه ؟ فارتبك، قال له: معي. قال له: ما معنى معك ؟ أين دفتر العائلة ؟ والله هذا شيء جميل، لو كان كل الناس بهذه الدقة، كل الناس ينضبطون، كل الناس يحاسبون، نكون بخير، لما قال الله عز وجل:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (110) ﴾
(سورة آل عمران)
سبب خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ارتكبت المعاصي في وضح النهار، وعلى قارعة الطريق ولا أحد يتكلم، ترتكب المعاصي في وضح النهار وهذا من علامات آخر الزمان، على قارعة الطريق ولا أحد يتكلم، إذاً فقد فقدت الأمة خيريتها، وأصبحت أمة كأي أمة لا وزن لها عند الله، وأوضح دليل قوله تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
(سورة المائدة )
على الإنسان ألا يمدح شخصاً لا يعرف عنه شيئاً إطلاقاً:
إذا قال المسلمون على شاكلة ما قال أهل الكتاب نحن أمة محمد فالجواب:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
(سورة المائدة )
أيضاً روى البخاري:
(( أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَاراً، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَداً قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ وَيْلَكَ ))
[البخاري عَنْ عَبْد ِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ]
أحياناً تحضر عقد قران يقوم أحد المتكلمين فيثني على هاتين الأسرتين التقيتين الورعتين العريقتين، وهو لا يعلم عنها شيئاً، هذا عقد قران عقد في دمشق، عقد الرجال في مكان ما، فتكلم المتكلمون عن هاتين الأسرتين العريقتين الدمشقيتين، عرس النساء كان في فندق، وزعت فيه الخمور، وأُتي بالراقصات، وجاء المصورون، وصوروا الناس شبه عرايا، والصور نشرت في بيروت، هاتين الأسرتين العريقتين التقيتين، لا تمدح يا أخي إن لم تعرف فلا تمدح، والله مرة كنت فني عقد قران أثنى فيه المتكلم على العريس ثناء يفوق حد الخيال، وأنا بحكم قرابتي أعرف أنه يزني، وله انحراف خطير جداً، أين تضع مكانتك الدينية وتمدح شخصاً لا تعرف عنه شيئاً إطلاقاً ؟
(( وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَاراً إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَاَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَداً ))

[البخاري عَنْ عَبْد ِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ]
إن كان أحدكم مادحاً لا محالة لو مدحت إنساناً ملَكاً، تقياً وورعاً وصاحب دين، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، سيدنا الصديق لما استخلف سيدنا عمر جاء من يخوفه بالله عز وجل: كيف تولي علينا رجلاً شديداً قاسياً ؟ قال: أتخوفونني بالله ؟ إن سألني الله عز وجل أقل: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن غير وبدل فلا علم لي بالغيب.
بعض ملاحظات النبي الكريم في التربية الدعوية وأخذ الناس بالرفق:
والله أنا أُسأل كثيراً بأمور الزواج، أقول له أخ يحضر في المسجد، لا يوجد عندي خبر سيئ عنه أبداً، هذا علمي به، أنا لا علم قطعي لي، من خلال علاقتي معه لهذه السنوات لا خبر سيئ له عندي، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، بل يريد أبلغ من ذلك، لا يوجد عندي أبلغ من ذلك، فإذا مدحت فقل هكذا. أيضاً ما روى الإمام أحمد في مسنده:
(( قَالَ: حَمَلَنِي أَبِي بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا شَيْئاً سَمَّاهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ الَّذِي نَحَلْتَ النُّعْمَانَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَشْهِدْ غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً، قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذاً ))
[أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
النبي لم يسكت، نحن لا نتكلم أي كلمة، مجاملات، ومجاملات، يأتي إنسان ويحرم البنات: والله نعم ما فعلت، ما هذا الكلام ؟ أنت خالفت السنة، خالفت منهج الله عز وجل، خالفت منهج المواريث.
(( لَا تَشْرَبُوا وَاحِداً كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
اشرب في الإناء ثلاث مرات، في جلسة كانت الأدوات قليلة فوضعوا شراب الليمون في وعاء كبير، فجاء أحدهم وشربهم كلهم وحده، فقالوا له: أين السنة ؟ ثلاث دفعات !! فقال لهم: أعطوني اثنتين أخريين فيصبحوا ثلاثاً، فالنبي لاحظ أن الشرب دفعة واحدة كالبعير تماماً، هل تلاحظون كيف أن النبي يلاحظ ؟ يلاحظ ويوجِّه، درسنا تلقٍّ وإلقاء، أخذ معلومات وإعطاء معلومات، ملاحظة دقيقة وإبداء ملاحظة، هذه تربية فعالة جداً مع أولادك، ومع من حولك من أخوانك، مع أصحابك وأصدقائك، من ملاحظاته في التربية الدعوية وأخذ الناس بالرفق:
(( قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم]
هل رأيتم الرفق، وفي رواية (فإنه ليس مالك ولا مال أبيك ) فالنبي قال: حق فإنه مال الله.
بعض حقوق المرأة في الإسلام كما وردت في السُّنة الشريفة:
الحلم:
(( أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَى عائشة فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ وَأَنَا كَارِهَةٌ، قَالَتِ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا فَدَعَاهُ فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ الِنِّسَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))
[ابن ماجه عَنْ عَائِشَةَ]
سيد الخلق وحبيب الحق لما زوج فاطمة سألها فإن لم توافق لا ينعقد زواج، أرأيت إلى حقوق المرأة في الإسلام، أنتم تحضرون عقود قران، ماذا يفعل كاتب المحكمة ؟ ينتقل إلى غرفة أخرى ليسأل الفتاة، هل أنت راضية عن هذا الزوج وهذا المهر، فإن قالت: لا، لا يتم هذا الزواج، فهذه أدبت أبيها:
((... قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ الِنِّسَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))
[ابن ماجه عَنْ عَائِشَةَ]
إن لم تقل نعم لا ينعقد العقد:
(( أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
مما ورد في الأثر أن:
(( امرأة أخرى جاءت النبي عليه الصلاة والسلام قالت: أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال فإن أصيبوا أثيبوا، وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك الأجر، فقال عليه الصلاة والسلام: أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج والاعتراف بحقه يعدل ذلك.))
[البزار والطبراني عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
أي يعدل أجر المجاهدين في سبيل الله، وقليل منكن من تفعله.
الطفل مرآة أهله:
أيها الأخوة الكرام هذا بعض ما ورد في السنة النبوية الصحيحة من أسلوب في التربية، الملاحظة، يلاحظ ويقدم ملاحظة، وهذا شأن الأب وشأن الأم وشأن المربي، قد تجد طفلاً صدقوني عندما أوزع يوم الجمعة هذه الحلوى على الصغار أشاهد العجب، طفل تأبى نفسه، عفيف لا يأخذها، ألح عليه، أدعوه وقد يذهب، فأكلف من يتبعه ليعطيه هذه القطعة، هذا نموذج، طفل ثان ٍيأخذها ويبتسم ويشكرني، أيضاً مؤدب يشكرني، طفل ثالث عينه بها لا يرى أحداً يأخذها ويمشي، طفل رابع لا يهتم للشخص بل يريد فقط أن يأكلها، طفل خامس يأتي مرتين أو ثلاثاً، هذه هي التربية، الفرق كبير جداً، الفرق صارخ، طفل مربى على العفة، والله عندما أجد طفلاً يأبى أن يأخذ هدية أو يأخذ شيئاً أتأكد أن له أماً وأباً صارمين، وقويين، وربوه تربية عالية، أما من حقه أن يتأبى ولكن إن أخذ فلا شيء عليه، وطفل ثان ٍلطيف رقيق يثني ثناء طيباً، شكراً يا أستاذ سلمت يداك، الثالث عينه بالأكلة لا يرى أحداً، الرابع محتال، والله لقد مر قبل الآن، أحياناً يأتي ثلاث مرات، هل ترون الفرق بين التربيتين ؟ فهذا الطفل مرآة أهله، الحقيقة أن الطفل سفير أهله حتى لباسه، حتى انتقاء ألوان ثيابه، حتى نظافته، حتى سلوكه، حتى أدبه، فهو مرآة أهله، فأنا أقول هنيئاً لأسرة تربي أبنائها، والله أيها الأخوة ليس على وجه الأرض شيء أثمن من طفل مربى:
(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ.))
[أحمد عن عقبة بن عامر]
ما من شيء أحب إلى الله من شاب نشأ في طاعة الله، مرة دخل أحد أخواننا إلى بقالية قرب الجامع، وقد وقف طفلان من طلاب المعهد والله إن وقفتهم وأدبهم واضح جداً، وطفلان آخران كلام وضحك وحركات غير معقولة، يمد يده على البضاعة، قال لي: الفرق واضح جداً بين طفل منضبط وطفل غير منضبط، والله أحياناً بالمعهد نجد أمّاً تسأل عن ابنها وقد توصله بنفسها، وتنتظره ساعتين أو ثلاثاً على الباب لتعيده إلى البيت بإشرافها، هذه أم مثالية، وهناك أمهات والله يلفتن النظر بحرصهن على أولادهن، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون في هذا الدرس النفع لكل المؤمنين.
في الدرس القادم نتابع ماذا على المربي أن يفعل كي يلاحظ وكي يقدم الملاحظة ؟ وهذا الدرس عنوانه التربية بالملاحظة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 8 - : التربية بالملاحظة - 2





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في السلسلة الثانية التي تتحدث عن الوسائل الفعالة في تربية الأولاد.
مهام الأب أو المربي:
سبق أن تحدثنا عن التربية بالقدوة، وعن التربية بالتلقين والتعويد، وعن التربية بالوعظ، وعن التربية بالملاحظة، ولا زلنا في الملاحظة.
1ـ مهمة الأب الأولى ملاحظة الجانب الإيماني في الولد وأن يصحح له عقيدته:
أيها الأخوة الكرام مهمة الأب أو المربي الأولى ملاحظة الجانب الإيماني في الولد، ماذا يتلقى هذا الولد، أو هذا الطفل، أو هذا الابن، أو هذا الطالب، من الأفكار والمبادئ والتصورات والاعتقادات ؟ أخطر شيء في حياة الإنسان فلسفته، أو عقيدته، فإما أن يتلقاها من مصادر صحيحة:
(( ابن عمر، دينك دِينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
[ كنز العمال عن ابن عمر ]
وإما أن يتلقاها من مصادر مشبوهة، أو منحرفة، أو ضالة، أو مضللة، وهذا جانب خطير جداً في حياة الابن، فهذا الأب الغافل عن ابنه قد يستقي فكراً إلحادياً، وقد يستقي فكراً فيه إنكار لجوانب الدين الأساسية، وقد يستقي فكراً أساسه التفلت من منهج الله عز وجل، فلا بد من أن يجلس الأب مع ابنه وأن يحاوره، ليرى كيف يفكر ؟ كيف يحكم ؟ ما المبادئ التي ينطلق منها ؟ ما القيم التي تتحكم فيه ؟ من أين استقى هذه الفكرة ؟ من خالط حتى كانت هذه أفكاره ؟ ما المؤثر الثقافي ؟ ما المورد الفكري ؟ ما التغذية العقائدية التي تغذيه ؟ يعني الإنسان حينما يعتقد خطأ يتصرف خطأ، هكذا سمعت عن إنسان أنكر السنة، فلما أنكر السنة خالف كل توجيهات النبي لأنه لم يعتقد أنها صحيحة، لأن السنة فيها أحاديث ضعيفة فأنكر السنة بأكملها، وسلك سلوكاً غير صحيح، لا بد من أن تلاحظ عقيدة ابنك، جانبه الإيماني، هل هو مؤمن بأن الله كامل، واحد، موجود، عدل، حكيم، أم أن له اعتراضاً على الذات الإلهية، قد يرى إنسان بنظر قاصر أن هناك مجاعات في الأرض، وأن هذه الدول الإسلامية فقيرة جداً، ومقهورة، وذليلة، وثرواتها منهوبة، مع أنها مسلمة، وأن الطرف الآخر غني، قوي، متعجرف مع أنه كافر، قد يختل توازنه.
على الآباء والأخوة المربين أن يجلسوا مع أولادهم وأن يحاوروهم:
أنا أنصح الأخوة الآباء والأخوة المربين أن يجلسوا مع أولادهم وأن يحاوروهم، فلعل عقائد زائغة تسربت إليهم، لعل تصورات خاطئة اعتقدوها، لعل فكراً هجيناً على الإسلام صدقوه، لعل ضلالاً براقاً مزيناً اعتقدوه، هذه مهمة الأب الأولى أن يصحح عقيدة ابنه، الحقيقة أن الأب أب، لكن في مصادر تغذية كثيرة في حياة الابن، المدرسة، الأصدقاء، المعلم أحياناً، المعلم التائه، أحياناً وسائل الإعلام، أحياناً المجلات والصحف، أدوات النشر، أدوات نقل المعرفة، هذه كلها ربما تضلل، ربما تقلل من قيمة الدين، ربما تعظم الانحراف، ربما تطرح أطروحات لا علاقة لها بمنهج الله عز وجل، يكفي أن يعتقد الابن أن الاختلاط ضروري، هذه مشكلة كبيرة، يكفي أن يعتقد الابن أن إطلاق البصر في الفتيات لا شيء فيه، إنسانة أين أذهب ببصري ؟ حينما ترى أن ابنك يعتقد شيئاً ليس في الكتاب ولا في السنة فهذه بادرة خطيرة، ربما تلقاها من صديق، من معلم، من مجلة، من مقالة، من فيلم أحياناً، من مسلسل، قد تستقي فكراً أو عقيدة دون أن تشعر، إذاً مهمة الأب الأولى أن يلاحظ ما المبادئ والأفكار التي يعتنقها ابنه ؟ ما الكتب والمجلات والنشرات التي يقرؤها ابنه ؟ ما الرفقاء والقرناء الذين يصاحبهم ؟ هل ينتمي إلى جماعة معينة، أو إلى فئة ضالة، أو إلى أصدقاء لهم فكر شاذ ؟ يجب أن تلاحظ عقيدته، أن تلاحظ كتبه، أن تلاحظ انتماءاته، وأن تلاحظ أصدقاءه، وهذه هي التربية بالملاحظة، يعني ينبغي أن يكون للأب عشر أعين، أن يكون للأب عيوناً يلاحظ بها ابنه، هذا الذي لا بد من أن يكون في هذا الدرس.
الآن فضلاً عن أن يلاحظ عقيدة ابنه، مبادئ الابن، التصورات، الأصدقاء، الكتب، المجلات، النشرات، الجماعات التي ينتمي إليها، مع من يجلس، مع من يعتقد، قد يكون الأب في غفلة عن ابنه صدقوني فإذا هو ينتقل من دين إلى دين، وهذا حدث، وقد يكون في غفلة عن ابنه فإذا هو ينتقل من جهة إسلامية صحيحة إلى جهة إسلامية أخرى منحرفة أثناء الغفلة فلا بد من أن تلاحظ، أول شيء ينبغي أن تلاحظ الجانب الإيماني، العقيدة، هل ظنه بالله ظن حسن ؟ هل يعتقد بالآخرة ؟ هل يعتقد أن الدنيا دار ابتلاء أم دار جزاء ؟ هل يرى الغني هو السعيد أم يرى المؤمن هو السعيد ؟
2ـ ملاحظة الجانب الأخلاقي عند ابنه:
الشيء الثاني أيها الأخوة ينبغي أن يلاحظ الجانب الأخلاقي، هل يكذب الابن ؟ هل يدلس ؟ هل يلف ويدور ؟ هل يحتال ؟ ماذا يفعل ؟ هل هو صادق وواضح أم يسير سيراً منكسراً ؟ واضح أم يكذب ؟ واضح أم يبالغ ؟ واضح أم يتملق ؟ أيضاً ينبغي أن تلاحظ الجانب الأخلاقي، ولاسيما الصدق، ثم ينبغي أن تلاحظ الجانب الأخلاقي ولاسيما الأمانة، الأمانة أيها الأخوة لا تتجزأ، يعني أعطيته مبلغاً من المال ليشتري شيئاً ينبغي أن يرد لك الباقي مهما يكون صغيراً، هذه الأمانة، تعطيه أنت المبلغ الذي تريد، لكن إذا كلفته بعمل ينبغي أن يأتي بالحساب الدقيق وبالبقية الباقية، هل وجدته يصرف مصروفاً لم تعطه إياه، قد يشتري حاجة ثمينة غالية، قد يأتي كل يوم من المدرسة ولا يأكل، حسناً أين تأكل إذاً ؟ تناول الطعام في مطعم، أنت لم تعطه المبلغ الذي يتيح له أن يأكل كل يوم في مطعم، معنى هذا عنده دخل آخر، هو طالب من أين هذا الدخل ؟ هذه مهمة الأب، أن يلاحظ أنه كل يوم يأتي ليأكل وهو جائع جداً، له أيام ثلاثة لا يأكل في البيت، بقي لأيام ثلاثة يتأخر، اسأل المدرسة هل داوم ؟ لعله لم يداوم، هذا الذي أتمناه، يجب أن تلاحظ الجانب الإيماني، عقيدته، أفكاره، تصوراته، حسن ظنه بالله، ينبغي أن تلاحظ الكتب التي يستقي منها، الأشخاص الذين يأخذ منهم، الجمعيات التي ينتمي إليها، هذا الفكر الذي لم يعجبك من أين استقاه ؟ من غذاه به ؟ هذا الجانب الإيماني، ثم الجانب الأخلاقي أن تلاحظ صدقه، وأن تلاحظ أمانته، هل يأخذ ما ليس له.
3ـ ملاحظة ضبطه للسانه:
الشيء الثالث: ينبغي أن تلاحظ ضبطه للسانه، لو عنده صديق هل في كلامه انحراف ؟ هل في كلامه كلمات بذيئة ؟ هل في كلامه مزاح رخيص ؟ هل إذا كان يتحدث مع أخوته له كلمات لا تستعملها هذه الأسرة ؟ يعني هل هو منضبط في لسانه ؟ ينبغي أن تلاحظ أمانته، وصدقه، وضبط لسانه.
4ـ ملاحظة الجانب الإرادي لابنه:
الآن ينبغي أن تلاحظ إرادة ابنك، هل يستطيع، أو هل يملك إرادة قوية تعينه على تطبيق ما يتعلم ؟ أم أنه يجاملك ويتملق إليك و يثني على توجيهاتك ولا يطبقها ؟ والحقيقة مع الأسف الشديد النفاق فيما مضى كان يظهر عند الراشدين، أما الغريب الآن بدأ النفاق يظهر عند الصغار، وجدت هذا في بلاد بعيدة جداً، الابن يعرف نمط أبيه، أبوه متدين، إذاً يوهمه أنه يقرأ القرآن، يوهمه أنه يستقي فكراً إسلامياً من صديق له، وهو عكس ذلك، بدأ النفاق يتسرب إلى الصغار، يتملق أباه، يثني على أبيه، يصلي أمامه فقط، يوهمه أنه يحب الله، متدين، وهو على النقيض من ذلك.
والله أخ أطلعني على دراسة أجراها في جالية إسلامية بعيدة جداً، التقى مع الصغار وبطريقة ذكية جداً وصل إلى خبايا نفوسهم، ثم كشف أن نسباً متفاوتةً بينهم بعضهم ينحرف، بعضهم يشرب الخمر، بعضهم يدخن، بعضهم يتلقى المخدرات أحياناً، والآباء في غفلة ولا يعلمون شيئاً، لم أجد أباً أو معلماً أضعف من هذا الذي ينحرف ابنه وهو لا يدري.
والله مرة سافرت إلى الخليج، وأب كريم من أصدقائي المخلصين أوصاني أن أتفقد ابنه هناك، والله وصلت إلى هناك، وشاهدت الذي لا يسر أبداً، غارق في المخدرات، لا يعمل إطلاقاً، له صويحبات، والله لو علم الأب حال ابنه لمات من توه من شدة حرصه عليه، في غفلة.
من استقام على أمر الله حفظ الله له صحته ومستقبله وشبابه:
أنا أقول لكم أيها الأخوة كلاماً والله لن تسعدوا، ولن تستقروا، ولن تقر أعينكم إلا إن كان أولادكم كما تتمنون، وأسباب الانحراف كثيرة وواسعة جداً، أسباب الانحراف في كل مكان، أقول لكم هذه الكلمة لا يمكن أن يضبط الإنسان من خارجه الآن، أينما تحرك هناك الفساد والانحراف، لابدّ من أن يضبط من داخله، لابدّ من أن تقوي إيمانه، لابدّ من أن تقوي خشيته من الله، لابدّ من أن تقوي عقيدته، أنه كلما استقام على أمر الله ارتقى عند الله، وحفظ الله له صحته ومستقبله وشبابه وعمله وما إلى ذلك.
هل يضعف أمام الشهوة ؟ هل تضعف إرادته أمام معصية أو شهوة يعني تسره ؟ بعد أن لاحظ جانبه الإيماني، وبعد أن لاحظ جانبه الخلقي، ولاسيما الصدق والكذب وضبط العين والجوارح، لا بد من أن يلاحظ الجانب الإرادي، هل يفعل ما يعتقد ؟ هل عنده إرادة على أن يطبق الذي سمعه ؟ ما الذي يمنع، وأقول لكم هذا بصراحة أن تدخل إلى غرفة ابنك وأن تتفقد حاجاته، أنت أب لك مطلق الصلاحية ماذا يقرأ ؟ ماذا تحت الفراش من مجلات ؟ وجدت عنده قرصاً مدمجاً شاهد هذا القرص، وجدت له دفتراً انظر ما كتب، من يراسل ؟ ماذا يقرأ قبل أن ينام ؟ يعني لا بد من أن تتفقد أحواله، كتبه، دفاتره، محفظته، خزانته، مقتنياته، يعني والله في هذين الأسبوعين عدة آباء شكوا إلى بعض المعاهد أنهم يجدون في ثنايا حاجيات أولادهم أشياء لا تسر أبداً أخذوها من أصدقائهم، أين الأب ؟ يجب أن تكون يقظاً، واعياً، مدققاً، محققاً، لا ينبغي أن تخفى عليك خافية من أحوال ابنك، لأنه ابنك ينبغي أن تلاحظ أيضاً تحصيله العلمي، أن تتصل بالمدرسة، علامات المذاكرات، في أي مادة مقصر، لا بد من أستاذ خاص أحياناً، أما أن تنسى أن تتابع أموره التحصيلية إلى نهاية العام حتى يقول لك المدرس والله رسب، وما في أمل أبداً بالنجاح، ومن الصعب أن تتلافى هذا الخطأ، ينبغي أن تتابع تحصيله من أول العام، لا بد من زيارات كل شهر مرة إلى المدرسة على الأقل، لا بد من أن تتصل بها الهاتف يحل مشكلة كبيرة، اسأل المدير ليعطيك مستوى الطالب عند معلميه ولو بالهاتف، يجب أن يشعر الطالب أنه مراقب من أهل.
أعظم عمل أن تقدم لهذه الأمة شباباً مؤمنين صادقين ومتفوقين:
والله حدثني شخص له أخ يدرس في ألمانيا، تأتي الرسائل أنه نجح إلى الصف الثالث والرابع والخامس، ثم فاجئهم أنه حصل على الشهادة العليا، يعني له أخ على شيء من الحكمة والذكاء، فتح الإنترنت على نتائج هذه الجامعة فإذا أخاه لم ينجح إطلاقاً، كل هذه الرسائل غير صحيحة، كلها كذب، الأب يفرح ويبلغ أقرباءه ابني نجح الحمد لله، وهو في سذاجة وسعادة فارغة، فعن طريق المعلوماتية الإنترنيت وجد أن ابنه لم ينجح، الآن القضية سهلة جداً، تفتح موقع الجامعة، قسم الطلاب، أسماء الناجحين، قد تجد أن هذا الذي أوهم أهله أنه ناجح لم ينجح، وفي آباء سذج يصدقون كل ما يقال لهم، ثم يذيعون، ثم يبالغون، والابن غارق في المعاصي والآثام هناك، ويبتز أموال أبيه وحقوق أخوته دون أن يشعر، لا تكن ساذجاً، يجب أن تدقق، وأن تحقق، وأن تراقب، وأن تتابع.
موضوع هذا الدرس الملاحظة، يجب أن تلاحظ ثم أن تقدم ملاحظة، أن تلاحظ أحوال ابنك الإيمانية، أحوال ابنك الخلقية، أحوال ابنك الإرادية، أحوال ابنك العلمية، ثم أن توجه، يعني أحياناً يعطيك الابن معلومات كلها مغلوطة عن وضعه في المدرسة، واليوم الأستاذ أثنى علي كثيراً، وسألني من أبوك ؟ كله كذب، واليوم أخذت علامة تامة، واليوم صفقوا لي مثلاً، والأب في سذاجة يصدق ويفرح ويتحدث للناس، لو أن الأب انتقل إلى المدرسة فجأةً وسأل عن علامات ابنه يجده أخذ أصفاراً، أنا الذي ألاحظه أن الحقيقة تأتيهم بعد فوات الأوان، خلال سنة بأكملها لم يخطر في بال الأب أن يزور مدرسة ابنه، ولا أن يسأل، ما الذي يمنع أن تأخذ هاتف أستاذ ابنك، الآن الحياة معقدة جداً، لكن الهاتف يحل مشكلات كثيرة، ما الذي يمنع أن تأخذ هاتف أستاذ ابنك، بكل لطف تسأله من حين لآخر عن أحواله ؟ كيف انضباطه ؟ كيف أخلاقه ؟ كيف دراسته ؟ كيف وظائفه ؟ كيف تحصيله ؟ كيف تسميعه ؟ كيف مذاكراته ؟ عندما يشعر الطفل أن الأب يتابع، في معهدنا ـ والفضل لله عز وجل ـ نرسل استمارة للأب، هذه الاستمارة فيها جدول الصلاة، يجب أن يملأ الأب الأوقات التي صلاها ابنه، الأب مضطر أن يراقب ابنه هل صلى الفجر ؟ هل صلى العشاء ؟ هذه السبعة أيام كل يوم في خمس فراغات، ثم يسأل كيف يعامل أمه وأباه ؟ ثم يسأل كيف يعامل أخوته وأخواته ؟ ثم يسأل هل يقدم خدمات لأسرته ؟ ثم يسأل ما الأعمال الصالحة التي فعلها هذا الأسبوع ؟ هذه الاستمارة ينبغي أن تكون متبادلة بين الأهل وبين المعلم، ليس هناك من عمل أعظم من أن تقدم لهذه الأمة شباباً مؤمنين، صادقين، متفوقين.
التعاون مع الزوجة ضروري لملاحظة ما يفعله الابن وحده في الغرفة:
وبعاداته الخاصة، وبعلاقاته الحميمة.
طفل صغير لا أذكر في اللاذقية أم في إدلب أم في بيروت قال لي: أنا يا أستاذ لا أحتمل ما أشاهد في الأخبار، ماذا أفعل ؟ يا الله طفل عمره إما ست أو سبع سنوات، لا يحتمل ما يشاهد، من قهر، ومن قتل، ومن ضرب، قال: ماذا أفعل ؟ قلت له: إن أعداءنا تعلموا فغلبوا وأنت اجتهد وخذ الدرجة الأولى كي تكون قوياً تنتصر أمتك على أعداءها، كل إنسان له مهمة بالحياة، فالأعداء اعتمدوا على العلم، وعلى التعاون، وعلى القوة، فأملوا إرادتهم على الضعفاء، ونحن ما لم نعتمد على الإيمان أولاً، أنا أتكلم مع طفل صغير، أقول له اجتهد وخذ الدرجة الأولى كي تكون متفوقاً، كي تسهم في بناء هذه الأمة.
5ـ الانتباه لعادات ولده الخاصة ولعلاقاته الحميمة:
أيها الأخوة ينبغي أيضاً أن تلاحظ كل شيء، يعني يجب أن تتعاون مع زوجتك على ملاحظة ما يفعله الابن وحده في الغرفة، في غرف لها نوافذ والبلور شفاف هذا شيء له هدف تربوي، كنت مرة في تركيا، في مبيت طلاب ضخم جداً، ما في باب يمكن أن يقفل أبداً بكل البناء، يعني أي باب يفتح بأي لحظة، هذه لها معنى، يعني أحياناً في بعض الصفوف بالمدارس لها نوافذ بلور شفاف، يعني أي إنسان يمر أمام الصف يرى ما بداخل الصف هل يوجد فوضى ؟ هل الأستاذ يدرس أم لا يدرس ؟ يعني أيضاً يجب أن يكون وضع الطفل تحت المراقبة، أما أن يكون له غرفة ويقفل الباب قبل أن ينام، ماذا يفعل بالليل ؟ أنا أقول لكم أشياء دقيقة جداً من أجل أن تكون يقظاً، يجب أن تلاحظ أن ابنك هو ثمرة فؤادك، أن ابنك هو استمرارك، أن ابنك هو خليفتك، أن ابنك هو ثروتك، أن ابنك هو جنتك ونارك أحياناً قد يسبب شقاء الأسرة بأكملها، والله تأتيني اتصالات من بعض الأمهات يعني طفل منحرف أربك الأسرة بأكملها، طفل منحرف أشقى أسرة بأكملها، منحرف، ولا ينصاع، ويأتي بعد منتصف الليل، ويتطاول على أمه وأبيه، ويضرب أخوته، ولا يصلي، ولا يداوم في المدرسة، والعياذ بالله، هذا هو البلاء الأكبر، كيف قلت لكم في دروس سابقة ينبغي أن تكتشف الانحراف قبل أن يتفاقم، لكن الأب الساذج متى ينتبه ؟ بعد أن تقع الطامة الكبرى، بعد أن يخسر ابنه، وبعد أن ينحرف ابنه انحرافاً شديداً عندها يصيح، ويستجير، ويدعو.
6ـ الاهتمام بالجانب الصحي لابنه:
أيها الأخوة قال لي أخ: ابني شرب كأس عصير أو كأس حليب مع أطعمة أخرى قال لي: ذهب إلى المستشفى فوراً، قد يكون في محلات بضاعتها سيئة في بيض فاسد، في طعام غير جيد، فينبغي أن تلاحظ أيضاً وضع ابنك الصحي، يجب أن ترشده إلى أن يأكل في البيت، طعام البيت لا يعلو عليه طعام، طعام البيت نظيف، والله في معلومات، والله لو اطلعتم عليها ماذا يجري في المطاعم، مثلاً يكفي أن موظفاً في مطعم يحمل فيروس التهاب الكبد الوبائي، هذا مرض مميت، وحتى الآن ما له دواء، وهذا الإنسان بالمطعم ليس مصاباً بهذا المرض ولكن يحمل هذا الجرثوم، ويكفي أن يذهب إلى دورة المياه، ثم لا ينظف يديه تماماً وتبقى آثار فضلاته تحت أظافره، ويكفي أن يقدم الطعام لرواد المطعم يمكن أن يصاب ثلاثمئة إنسان من رواد هذا المطعم لوجود جرثوم يحمله هذا الموظف الذي لا يعتني بنظافة يديه، يعني أحياناً تجد الابن يزداد وزنه بشكل غير معقول في سن مبكرة، قد يلتهم من الطعام ما يؤذيه، قد يتعود أن يأكل في الطريق دائماً، وطعام الطريق فيه مشكلات كثيرة جداً، يعني الأب الناجح يهيئ لأولاده الطعام الذي يحبونه في البيت ويأكل مع أفراد أسرته، والله حدثني أخ توفي رحمه الله، قال لي: لمدة عشرين أو ثلاثين سنة مع دقات ساعة الإذاعة البريطانية يتناولون طعام الغداء مجتمعين، شيء جميل جداً أن يكون الاجتماع على مائدة الطعام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أذيبوا طعامكم بذكر الله ))
[ شعب الإيمان باب في المطاعم والمشارب عن عائشة رضي الله عنها ]
من أروع ما يكون في الأسرة أن يجتمع أفراد الأسرة على طعام على وجبة واحدة الحد الأدنى، هي الظهر أو المساء، يتبادلون أطراف الحديث، يسأل الأب ابنه عن أحواله، عن دارسته، عما رأى في المدرسة، يستمع إلى أولاده، إلى زوجته، يأكلون بهدوء، يعني هذه الحياة المعقدة كل شيء سريع هذا مزعج، أنا أتمنى أن يكون هناك وعي صحي، يعني مثلاً في شراب كيميائي، وفي كأس لبن، وفي شيء طبيعي، يمكن أن تستبدل كل شيء كيميائي بشيء طبيعي، أن تشرب الشراب الطبيعي، والأسعار متقاربة، يمكن أن تستبدل كل شيء محفوظ بالعلب بشيء طازج، ينبغي أن تهتم ماذا تأكل، في مأكولات مؤذية، في مأكولات مسرطنة، في أطعمة تدعو إلى السمن بشكل غير معقول، فلا بد من توعية صحية في البيت، والوعي الصحي لا يحتاج إلى طعام غالٍ، لكن يحتاج إلى طعام مدروس، أيضاً الأب مهمته أن يعتني بصحة أولاده، أكثر الأمراض الذي يعاني منها الإنسان في مستقبل أيامه بدأت معه في سن مبكرة من أخطاء في التغذية، في أطفال لا يهتمون بالرياضة إطلاقاً والرياضة لها أثر كبير في صحة الإنسان، كنت أقول دائماً ينبغي أن تعتني بإيمانه، وبعقله، وبنفسه، وبعلاقاته الاجتماعية، وبإرادته، وبتحصيله العلمي، وبصحته، وبعاداته الخاصة، وبعلاقاته الحميمة.
7ـ الاهتمام بالجانب النفسي لابنه:
الجانب النفسي هل عنده خجل ؟ الخجل مرض، الحياء فضيلة، لكن الخجل مرض، الخجول لا يستطيع أن يعبر عن حاجاته، ولا عن أفكاره يضطرب، لكن الحياء، قد يستحي الإنسان من معصية، يستحي أن يراه أحد في شيء لا يرضي الله عز وجل، فالحياء من الإيمان، لكن الخجل من الشيطان، هل يخاف ؟ هذا الأب وهذه الأم، يعني أقول سامحها الله تخيف ابنها إما من المجهول، أو من عفاريت، أو من شياطين، أو من بعبع، هذا كله كلام لا أصل له، فينشأ الطفل يخاف من الظلام، أحياناً تسجنه في الحمام يخاف من كل شيء مغلق، فأساليب الأم الجاهلة في التخويف بأشياء موهومة هذه تورث الخوف العام، إذاً ينبغي أن تنتبه الأم إلى أنها حينما تخيف ابنها بأشياء موهومة قد تغرس فيه عقدة الخوف، أحياناً الطفل عنده شعور بالنقص، لا يستطيع أن يتكلم، لأنه كلما تكلم يقول له أبوه اخرس، اخرس أنت لا تفهم، على مرتين ثلاث لا يستطيع أن يتكلم ولا بكلمة، أياماً المعلم يقول له أنت غبي مثلاً، أنت لا تفهم، هذه الكلمات تحطم، فالتوجيه الخاطئ، والقمع، والكلام السيئ، والوصف الشنيع للطفل يجعله يتحطم، الطفل يحتاج إلى تشجيع، تكلم كلمة لا مانع هذا الصواب، أنا عندي قاعدة بالتربية ليس العار أن تكون جاهلاً العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ العار أن تبقى مخطئاً، فأنت حينما تقمع وتقسو بالكلام، تتهم بالغباء، تقمعه أمام أخوته البنات، أمام أقربائه، أمام أمه أحياناً، فالطفل ينشأ على الشعور بالنقص، ليس واثقاً من نفسه أبداً، دائماً خائف.
في أخطاء كثيرة جداً يرتكبها المربي أحياناً، الأم والأب والمعلم، أكثر الصفات التي تبغضها في الابن أحياناً بسبب الأب، في أب قمعي ويقسو بالكلام ولا يعبأ بكرامة ابنه، ولا بشخصيته، قد يقسو عليه أمام أخوته، أمام أخواته البنات، قد يضربه ضرباً مبرحاً أمام أخواته، فبعد أن ينتهي الضرب يشمتون به، يتألم أشد الألم، من الخطأ الشنيع أن تؤدب ابنك أمام أحد، فيما بينك وبينه، وقد يقبل الابن أن يؤدب فيما بينه وبين أبيه، فالشعور بالنقص سبب القمع، التحقير والإهانة، أو الدلال المفرط كل شيء يأتيه إلى الفراش لا يفعل شيئاً، ينشأ اتكالياً، قد يتلقى خدمات من أمه وأبيه لكن بعد أن يكبر تعود أن يتلقى خدمات باستمرار، لا أحد يخدمه، يصبح اتكالياً، عبئاً على الناس، فيجب أن تربيه تربية استقلاليةً يعتمد على نفسه، أحياناً الدلال المفرط يسبب شعوراً بالكسل والقعود، أحياناً اليتم، فقد الأب فقد الدعم، أو يتم الأم، أحياناً الفقر الشديد، الفقر قدر، لكن في فقر كسل بصراحة، فقر القدر أنا أحترم هذا الفقر، فقر الكسل، لما الأب يتقن عمله تماماً ويربح ويطعم أولاده، ويلبسهم ويلبي حاجاتهم يكون قد رفع معنوياتهم، وأحياناً الطفل يسلك سلوك غضب شديد جداً بسبب الضغط، الإنسان كلما ضغط ينفجر في النهاية.
8ـ الاهتمام بالجانب الاجتماعي لابنه:
ثم إن هناك جانباً اجتماعياً، يعني علاقته مع الآخرين طيبة، مواعيده صحيحة، صادق معهم، مؤنس أم انعزالي، اجتماعي، لطيف، يراعي شعور الآخرين ويحترم مشاعرهم أم لا يعبأ بأحد، يجب أن تلاحظ الجانب الاجتماعي.
9 ـ الاهتمام بالجانب الروحي لابنه:
ثم يجب أن تلاحظ الجانب الروحي، له خشية من الله، هل يصلي بخشوع ؟ هل يقرأ القرآن ؟ جوانب لا تعد ولا تحصى، جانب الخشوع، جانب الإرادة، والجانب النفسي، والجانب الاجتماعي، وجانب الدين، وجانب الخلق، وجانب التحصيل العلمي، هذه هي الملاحظة، يعني الأب كله أعين، كله إدراك، كله متابعة، ويعطي التوجيهات، وعلى الله الباقي، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك.
كلما ارتقى الأب في جانب المعرفة كان أقدر على الملاحظة:
أيها الأخوة، يعني أنا والله أحياناً أتألم، يأتينا طفل إلى المعهد بأخلاق سيئة جداً يكذب، ويضرب، ويؤذي، أين أمه وأبوه ؟ ما في اهتمام، عاداته سيئة جداً، يعني قد يرتكب أخطاء فاحشة جداً عند الآخرين، ولا يعبأ، قد يلقي بحاجاته الخاصة جداً في مكان عام، أو في بيت كان في ضيافته، فأين الأب والأم ؟ أين التوجيه المستمر ؟ أين المتابعة ؟ أين الملاحظة ؟ فضلاً عن كل ذلك ينبغي أن تلاحظ عبادته، صلواته، صيامه، قد تكتشف أنه لم يصم برمضان، لم يكن جائعاً، والصيام طويل، معنى ذلك أنه غير صائم، هل تابعت السبب ؟ ناقشته، بينت له حكم الشرع، الصيام فريضة، الله عز وجل يثيب الصائم، يغفر له ذنوبه، يعني أرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجم هذا الدرس إلى واقع، ينبغي أن تلاحظ عقيدته، كتبه، مجلاته، أصدقاءه، مصادره الثقافية، مصادر التغذية عنده، ينبغي أن تلاحظ أيضاً أخلاقه، صدقه، أمانته، ضبطه لعلاقاته، ينبغي أن تلاحظ إرادته، ينبغي أن تلاحظ تحصيله العلمي، ينبغي أن تلاحظ واقعه الاجتماعي مع الآخرين، ينبغي أن تلاحظ نفسيته، عنده شعور بالنقص، عنده كآبة، عنده عدم ثقة بنفسه، ينبغي أن تلاحظ صحته، عبادته، كل شؤون حياته.
كلما ارتقى الأب في جانب المعرفة كان أقدر على الملاحظة، يعني لو فرضنا مثلاً للتوضيح أن أباً ضعيفاً جداً في اللغة قال لابنه: اقرأ لي هذه الصفحة، قد يرتكب الابن عشر أخطاء والأب لا يعرف أنه أخطأ، فكلما ارتقت ثقافة الأب العلمية، والدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، صار مربياً، هذا الكلام موجه للمعلم والأب معاً.
سمعت عن أم بكندا أعطت ابنها قطعة سكاكر، بعد ثلاثمئة متر سألته: أين الورقة ؟ قال: رميتها، فعادت معه ثلاثمئة متر، إذا كل عمودين في خمسين متر كم عمود قطعت ؟ ستة عواميد، قالت له: خذها وضعها في سلة المهملات.
والله دخلت بيتاً في أستراليا يعني شيء لا يصدق، الحذاء على الطاولة، شيء العقل لا يصدقه، أشياء غير معقولة إطلاقاً لا يوجد تربية، ولا نظام، ولا ترتيب للثياب، ولا ترتيب للحاجات، قد يكون إهمال من الأب والأم، فهذه العادات السيئة تزعج جداً، البيت المضطرب يوتر الأعصاب، الحاجات الكثيرة بالبيت توتر الأعصاب، الفوضى بالبيت توتر الأعصاب، دائماً في ضغط نفسي، في ضجر، أما البيت المرتب مريح جداً، البيت النظيف مريح، الحاجات المتناسقة مريحة جداً.
أيها الأخوة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس معبراً عن حاجة أساسية لنا جميعاً في تربية أولادنا، لا حظ كل شيء، واضبط كل شيء، وفاجئ ابنك في أي حين وتابع كتبه، ورسائله، وحاجاته الأساسية، ومقتنياته، استمع إليه أحياناً، ماذا يقول على الهاتف ؟ كيف يحادث أصدقاءه على الهاتف ؟ هذا كله أنت مطالب به لأنك أب، ولأن الله سبحانه وتعالى منحك سلطة على ابنك ليس فوقها سلطة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 9 - : التربية بالعقوبة - 1







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون لا زلنا في سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في الجزء الثاني وهي الوسائل الفعالة في تربية الأولاد. هناك نمط من الناس لا يمكن أن يستجيب إلا بدافع الخوف من العقاب:
تحدثت عن التربية بالقدوة وعن التربية بالتعويد والتلقين وعن التربية بالموعظة والملاحظة، واليوم ننتقل إلى التربية بالعقوبة.
أيها الأخوة الكرام من الثابت أن جزءاً من بني البشر لا يمكن أن يرتدع إلا بالعقوبة، ولأن الله خالق البشر وهو الخبير بهم قال في كتابه الكريم:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (179) ﴾
(سورة البقرة)
الأصل أن تكون ليناً وتتخذ من الموعظة والقدوة والملاينة والملاطفة والإقناع والتوجيه ولفت النظر الوسائل التي تحمل المربى على أن يستجيب لك، أما حينما لا يستجيب بهذه الوسائل عندئذ لا بد من العقاب.
أيها الأخوة الكرام من خلال تعاملي مع الناس هناك نمط لا يمكن أن يستجيب إلا بدافع الخوف من العقاب، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ (60) ﴾
(سورة الأنفال)
قد تحوز سلاحاً ولا تستخدمه، لكن لمجرد أنه معك سلاح فتّاك الذين حولك يهابونك، لا بد في بعض الأحيان ومع بعض الأشخاص من أن تستخدم أسلوب العقاب.
هل تتصورون في الأرض قانوناً يصدر من دون رادع ؟ هل يصدر قانون للسير من دون عقوبات ؟ لا قيمة له إطلاقاً.
القرآن الكريم شرّع العقوبات ونبهنا إلى أن الرحمة في موضع إقامة الحد خطأ كبير:
أيها الأخوة، في الغرب رأوا أن العقاب شيء تقليدي أو غير حضاري أو همجي ووحشي فألغوا عقوبة الإعدام، واضطرت معظم الدول إلى أن تعود إليه مقهورة لأن الجريمة استشرت، والقتل استحل، والتجاوزات شاعت، ولا يمكن أن ينضبط الإنسان إلا حينما يخاف من الواحد الديان، لذلك في القرآن الكريم وهو كلام الله عز وجل ومنهج خلق البشر شرّع العقوبات، نبهنا إلى أن الرحمة في موضع إقامة الحد خطأ كبير.
﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾
(سورة النور)
سابقاً وليس الآن بلد بعيد بعد الأرض عن السماء عن أساليب الحضارة، لمجرد أن يطبق قانون السرقة ترى فيه العجب العجاب، الذي يبيع النقد يذهب ليصلي وصندوق النقد مفتوح تحت أعين الناس وأيديهم، ولا أحد يجرؤ أن يمد يده إلى شيء، في بلد بعيد عن التحضر بمقياس العصر، ومع ذلك حين أقيم حد السرقة ترى فيه العجب العجاب، وبلد آخر هو قمة في الحضارة المادية، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو جريمة سرقة، أو جريمة اغتصاب، وهذا الإحصاء عام خمسة وستين ! كل ثلاثين ثانية، جُمعت جرائم القتل والسرقة والاغتصاب وقسمت على ثواني العام فكان كل ثلاثين ثانية لا بد من جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب !!
أن يكون هناك رادع يمنع الإنسان من أن يرتكب إثماً هذا الشيء لا بد منه، المدرسة الناجحة والمؤسسة والجامعة والمستشفى وأي عمل ناجح لا بد من أن يكون العقاب رادعاً للموظفين حتى لا يتجاوزوا حدودهم.
مقاصد الشريعة الكلية أن يسلم دينك وعقلك و حياتك وعرضك ومالك:
أخواننا الكرام عندنا خمسة مقاصد للشريعة أساسية في حياة المسلمين، المقاصد هي الحفاظ على الدين وعلى الحياة وعلى العِرض وعلى العقل وعلى المال، أن يسلم دينك وحياتك وعقلك وعرضك ومالك هذه مقاصد الشريعة الكلية، ولكل مقصد من هذه المقاصد حد رادع، فالذي يعتدي على دين الأمة، أن يكفر فيما بينه وبين نفسه لا شيء عليه ! لأن الإنسان حر ولا إكراه في الدين، وله أن يعتقد ما يشاء، أما حينما تريد أن تسفه دين الأمة بلسانك أو بقلمك أو بأعمالك الفنية أو بقصصك فلا بد من عقاب رادع وهو القتل، حد القتل، لكن هذا الذي يرتدّ عن دينه من السذاجة أن تظن أنه يحاسب فوراً، لا بد من أن يستتاب ويجلس معه عالم كبير ويقنعه إلى أمد طويل، فإذا أقيمت عليه الحجة ولم يرتدع ويسكت وبقي يطعن في دين الأمة ومقدساتها هذا إنسان يخرب عقائد الناس ومقدساتهم.
الاعتداء على دين الأمة له حد ولكن لا يطبق فوراً بل بعد الإصرار والإقناع وبعد إقامة الحجة، والعدوان على حياة الناس حده القتل.
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (179) ﴾
(سورة البقرة)
المؤمن حينما يرى أنه إذا قتل نفساً لا بد من أن يُقتَل لا يَقتُل وفر لهذا الإنسان حياته ووفر له حياته، فضمنَّا حياة المقتول والقاتل حينما نضع للقتل حداً، لذلك العرب في الجاهلية قالت: القتل أنفى للقتل، لكن القرآن يقول:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (179) ﴾
(سورة البقرة)
نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، أقول لكم هذا: لي صديق جاء من أمستردام إلى دمشق على طائرة هولندية ـ قصة قديمة ولا تزال قائمة ـ فألقيت رسالة باللغة الإنكليزية للركاب، هذه الرسالة كما يلي: أنتم راكبون إلى أأمن بلد في العالم، بمعنى أنه بإمكانك أن تتجول أنت وزوجتك إلى ساعة متأخرة من الليل دون أن تخشى شيئاً، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، لا تستطيع في معظم الدول بعد غياب الشمس أن تتجول بحريَّة لأن هناك من يعتدي على حياتك وزوجتك.
ليس هذا كلاماً عاماً، هناك أماكن كثيرة وفي مراكز المدن الإنسان ليس آمناً على نفسه، لكن نعمة الأمن التي يوفرها الدين هذه نعمة لا تقدر بثمن، بل إن الإقامة ببلد لست آمناً فيها محرمة ! لأن الأمن قوام الحياة، رأيتم فيما مضى في بلاد تجاورنا الإنسان ثمنه رصاصة، ولا شيء يدفعه القاتل إذا قتل قتيلاً حتى لخلافات بسيطة ولديون بسيطة، كان الإنسان يقتل غريمه وينتهي الأمر.
نعمة الأمن من أكبر النعم:
من أكبر النعم نعمة الأمن قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ﴾
(سورة قريش)
حد الاعتداء على الدين والحياة واضح جداً، هناك حد الاعتداء على العرض، يكفي أن تقذف امرأة محصنة لا بد من أن تجلد ثمانين جلدة ولا تقبل لك بعدها شهادة أبداً، لأن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
أيضاً سمعة الإنسان شيء مهم جداً سماه العرب في الجاهلية العِرض، نحن إذا قلنا عرض فلانة نتصور أن ينتهك عرضها، لكن العِرض سمعة الإنسان وموطن المدح والذم في الإنسان، وكما أن المرأة إذا اعتدي على سمعتها يستحق الذي يقذف المرأة ثمانين جلدة كذلك إذا اعتديت على سمعة رجل بالباطل الحكم الشرعي نفسه يجلد ثمانين جلدة، فلان حرامي أو زاني بلا دليل لا بد من أن يُرجَم الذي يقذف المحصن والمحصنة ثمانين جلدة.
العدوان على الدين والحياة والعرض والعقل بشرب الخمر لكل منهم حد، حدثني أخ كان بسفر دعي إلى طعام، هو يعمل في مجال التربية، وحضر الطعام نخبة من كبار رجال التربية في تلك المحافظة، وموجهون تربويون ومدرسون قدماء لكن شربوا الخمر، فسمع منهم كلاماً لا يمكن أن يقوله الذي قاله في صحوته مستحيل ! وصل لمناطق حميمة جداً ولذكر أسماء ولعلاقات شائنة لا يمكن أن يقولها إذا كان في صحوته قالها في سكرته، فلذلك الذي يشرب الخمر يعتدي على عقله.
العقوبات شرعية مئة بالمئة لأن خالق الإنسان والخبير والعليم هو الذي شرعها:
تروي بعض القصص: إنسان خُيّرَ بين أن يزني بامرأة وبين أن يقتل طفلاً وبين أن يشرب خمراً، فتوهم هذا الإنسان أن أهون شيء شرب الخمر، فشرب الخمر فزنى بالمرأة وقتل الغلام، لذلك ورد أن الشر كله جمع في بيت ثم أرتج عليه فكان مفتاحه شرب الخمر، فحد الارتداد والقتل والقذف وحد فقد العقل بالخمر وحد السرقة بقطع اليد.
والله أيها الأخوة لي أقرباء كثر كانوا في بلد إسلامي يقام فيه حد السرقة والله سمعت قصصاً ولا يمكن أن تكون بالخيال، حتى سمعت من برنامج من إذاعة بعيدة جداً في أقصى الغرب عن هذا البلد الذي يقيم حد السرقة، إنسان يحمل كيساً فيه ملايين ليشتري حاجات على ظهره، رواتب موظفين محافظة بعيدة جداً تبعد ألفين كيلو متر توضع في شاحنة ورق، في أوروبا قطارات مصفحة ومسلحة ومع ذلك تسرق، فحينما يقام حد السرقة في بلد يصبح الناس آمنين على أموالهم، أما حينما يكتفي بالسجن فقط، وقد يخرج بكفالة وقد وقَد وقد... يوجد ألف حل، أما حينما يوقن الذي سيسرق أن يده سوف يفقدها، بلد فيها عشرون مليوناً لو أقيم حد السرقة لا تقطع إلا عدة أيادي في السنة كلها ! لكن ضمنّا بقاء الأموال لأصحابها، فالمال قوام الحياة، هذه العقوبات شرعية مئة بالمئة لأن خالق الإنسان والخبير والعليم هو الذي شرعها.
حد الارتداد وحد القتل وشرب الخمر والسرقة والقذف، لكن في الإسلام عقوبات أخرى اسمها التعزيرات تبدأ بالتوبيخ وقد تتطور إلى الضرب والسجن، لكن لا يجوز أن تصل إلى الحد الذي رسمه الشرع.
لي أمر المسلمين قد يضع لكل مخالفة عقاباً لها، من هذا العقاب السجن أو كتاب توبيخ أو ضرب، فهذه تعزيرات إن لم تكن حدوداً، حرية حركة بها يرى من المناسب أن يفعل كذا وكذا.
حينما نهون من قيمة العقاب تنشأ مشكلات ليس لها حلول:
يوجد حد سادس هو حد الإفساد في الأرض.
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ﴾
(سورة المائدة)
لا أريد أن أطيل عليكم، لكن البلاد التي قللت من العقوبات تعاني ما تعاني من الويلات، كل حين نسمع عن إنسان دخل وقتل ثمانية، خمسة عشر، أو أكثر، بلبنان قبل شهر دخل إنسان قتل ثمانية، حينما نهون من قيمة العقاب تنشأ مشكلات ليس لها حلول.
أقول لكم مرة ثانية بدأت بعض الدول التي منعت عقوبة الإعدام بإعادة هذه العقوبة كرادع كبير للمجتمع من أن تشيع فيه الجريمة.
مرة سمعت تصريحاً لرئيس من رؤساء أميركا السابقين أن أمريكا مهددة بأربع مشكلات خطيرة ! فقبل أن يتابع كلامه تصورت أن هذه المشكلات هي الصين أو التجمع الأوروبي أو اليابان أو ما شاكل ذلك، ثم فوجئت بشيوع الجريمة وتفكك الأسرة وانتشار المخدرات.
سيدنا عمر مرة قيل له: يا أمير المؤمنين إن الناس هابوا شدتك فبكى وقال: والله لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، أيها الناس: كنت خادم رسول الله وجلواده وسيفه المسلول، وتوفي وهو راض عني، والحمد لله على هذا كثيراً وأنا به أسعد، ثم كنت خادم أبي بكر وسيفه المسلول وجلواده، وتوفي وهو عني راض والحمد لله على هذا كثيراً وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إلي فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على أهل المعصية والفجور، أما أهل التقوى والصلاح فأنا ألين لهم من أنفسهم، وسأضع خدي على الأرض ليدوسوه بأقدامهم، أيها الناس: لكم علي خمس خصال خذوني بهن: لكم علي أن لا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، وألا أنفقه إلا بحقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، ولكم علي ألا أجمركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا.
لا بد من الشدة، هل تصدقون أن سيدنا عمر كان وزير عدل في عهد سيدنا أبي بكر الصديق ؟! وجلس في مجلس القضاء سنتين دون أن يختصم إليه اثنان !
كلما طبق المسلمون منهج الله عز وجل قلَّت الخصومات:
لآن ستون ألف دعوة بقسم وثلاثون ألفاً بقسم وأربعون ألفاً بقسم، عدد الدعاوى التي ترفع إلى محاكم المسلمين فلكي، وأكثرها كيدي، وأكثرها أساسه العدوان على الحقوق والأموال والأعراض والعلاقات الشخصية، المشكلة كلما طبق المسلمون منهج الله عز وجل قلت الخصومات، الأصل أن الله حينما شرع لك منهجاً من أجل أن تتفرغ لعبادته، لو دخل اثنان القضاء الأسرتان ومن حولهما تتوتر أعصابهما وتضطرب حياتهما لسنوات عديدة، أما البطولة ألا تدخل إلى القضاء.
سيدنا عمرو بن العاص سأله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: يا عمر ما بلغ من دهائك ؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال: لست بداهية يا عمرو، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه !
البطولة اكتب إيصالاً فهو يلغي دخولك القضاء، اكتب عقداً وصدِّقه بمحكمة البداية، اربط أخاك بعقد فإنك بهذا تمنع عنه الشيطان، أما إن لم يكن عقد بينكما فالشيطان جاهز، وكم من اغتصاب شركة وبيت بسبب تسيب الأمور بلا عقد، أكثر المنازعات اليوم اشترى بيتاً من ثلاثين سنة ولم يسجله في السجل العقاري بسبب كسله كان ثمنه ثلاثين ألفاً الآن ثمنه ثلاثة عشر مليوناً، مالك البيت هل يعقل أن يسجله بالسجل العقاري ؟ لا يسجله لأنه يريد فرق مئتي ألف أو نصف مليون أو مليون، المال الحرام، لو سجلته في ذلك الوقت لما وصلت لما وصلت إليه، أكثر المنازعات سببها طمع، والطمع سببه لا يوجد قيد، فإذا كل قرض بإيصال وبشاهدين، وكل اتفاق بعقد، وكل عقد بيع كبير بعقد مكتوب فيه كل الشروط لا نصل إلى القضاء.
أحياناً تسمع إنساناً يمدح نفسه قائلاً: أنا لا أعرف المخفر والقضاء وقصر العدل لو أنصف الناس لاستراح القاضي وبات كل عن أخيه راضٍ، لذلك ورد:
(( عج حجر إلى الله تعالى فقال: إلهي وسيدي عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف فقال: أو ما ترضى أن عدلت بك عن مجالس القضاة.))
[ رواه تمام وابن عساكر عن أبي هريرة ]
لأن يكون هذا الحجر في أس كنيف أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاض ظالم.
العدل أساس الملك
روى أنه عقب الحرب العالمية الثانية زعيم بريطانية سأل وزراءه واحداً وَاحداً فسأل وزير الصناعة: كيف الصناعة عندك يا مستر فلان ؟ قال: المعامل كلها مدمرة، سأل وزير الزراعة: كيف الزراعة عندك يا مستر فلان ؟ قال: الحقول كلها محروقة، سأل وزير الخزانة: كيف الخزانة عندك يا مستر فلان ؟ قال: خاوية على عروشها، سأل وزير العدل: كيف العدل عندك يا مستر فلان ؟ قال: العدل بخير، فقال هذا الزعيم: كلنا إذاً بخير، أنت حينما تجلس في مجتمع بإمكانك أن تقاضي أي إنسان وتنال حقك فأنت في مجتمع الخير والعدل أساس الملك.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (58) ﴾
(سورة النساء)
في محكمة الجنايات لوحتان رائعتان، لوحة فوق رأس القاضي يراها المتهمون في قفص الاتهام كُتِب عليها:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (179) ﴾
(سورة البقرة)
هذه الآية القرآنية يقرؤها المذنبون، وكتب فوق رأس المذنبين آية قرآنية يقرأها القاضي:
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (58) ﴾
(سورة النساء)
العقوبة لا بد منها لأن الشرع قررها لكن الأصل هو اللين واللّطف والتوجيه والتعليم:
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.))
[البخاري عن عائشة رضي الله عنها]
(( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا]

كمقدمة للتربية بالعقوبة قلنا: العقوبة لا بد منها لأن الشرع قررها، والشرع قرر حدوداً متعلقة بمقاصد الشريعة الخمسة، وقرر تعزيرات تركت لولي المسلمين، عقوبات تبدأ بالتوبيخ وتنتهي بالسجن، لكن ينبغي أن تكون دون الحدود التي شُرِّعت في القرآن الكريم.
مرة ثانية أيها الأخوة الأصل اللين واللّطف والتوجيه والتعليم.
(( علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
[الحارث والطيالسي وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة]
(( إن الله رفيق يحب الرفق ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجة عن أبي هريرة]
(( عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شي إلا زانه ولا يُنْزَع من شي إلا شانه))
[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
هذا الأصل، ولأن معظم النفوس تستجيب للتوجيه والإرشاد، أنت كأب أو كأخ كبير أو كمعلم نبِّه ووضِّح بلطف، هذا الشيء حرام ويُغضِب الله ويُفسِد حياتك ويُسِيء إلى سمعتك ويكون عقبة أمام نجاحك بيِّن، وضِّح، فَصِّل، ائتِ بالدليل العقلي والواقعي والفطري والطبيعي والعاطفي فالأصل:
(( علموا ولا تعنفوا ))
[الحارث والطيالسي وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة]
(( عليك بالرفق ))
[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
(( يسرا ولا تعسرا ))
[متفق عليه عن أبي موسى ومعاذ ]
لكن أحياناً آخر الطب الكي، فقد لا يجدي الرفق ولا التوجيه ولا الإرشاد ولا الموعظة لا بد من العقاب.
البطولة أن تعرف الفروق الفردية بين الصغار:
يوجد طفل مزاجه لطيف ومسالم، هذا الطفل إذا ضربته تحطمه، أنا أستخدم كلمة قاسية جداً، الطفل الذي له مزاج لطيف وعنده رقة وحياء هذا لو ضربته أنت في حقه مجرم ! وتجد طفلاً ـ والعياذ بالله ـ لا يمكن أن يرتدع إلا بالضرب، فالبطولة أن تعرف الفروق الفردية بين الصغار، يوجد طفل إذا أعرضت عنه فقط يحترق، لو صرفت وجهك عنه.
أيها الأخوة الحقيقة من أطاع عصاك فقد عصاك، هذا الذي يخاف من ضربك لا يحبك وأنت لست ناجحاً معه، ومرة ثانية من السهولة بمكان أن تكون عنيفاً، ومن السهولة أن تكون ليناً، لا تكن ليناً فتعصر ولا تكن قاسياً فتكسر، البطولة أن تحيِّر الذي تربيه، بينما أنت في أعلى درجات الرحمة أنت في أعلى درجات الشدة، هذا معنى الآية الكريمة:
﴿ رَغَباً وَرَهَباً (90) ﴾
(سورة الأنبياء)
رجاء وخوفاً.
أخواننا الكرام هناك حقيقتان خطيرتان في هذا الدرس ؛ أول حقيقة أنت أب أو معلم أو أخ أكبر إذا قدمت شيئاً ثميناً لابنك، قدمت له حاجاته ومتطلباته ووفرت له كرامته، وكنت لطيفاً معه، ويوجد ود بينك وبينه، فالابن أو التلميذ يعد للمليون قبل أن يزعجك في شيء ثمين أخذه منك، أما إذا كانت حاجاته كلها غير مؤمنة وقسوة بالغة، فلم يعد هناك رغبة عند المتعلم أن يرعى رغبات المعلم، فعندما تقدم شيئاً ثميناً مثلاً لو فرضنا موظف يتلقى من محل تجاري مبلغاً أقل بكثير من حاجته، وفي قسوة، ولا يوجد معاملة طيبة ورحمة، لا تجد هذا الموظف حريصاً على تنفيذ تعليمات صاحب المحل، أما إذا كان الراتب مجزياً، والمعاملة طيبة، والمكافئات كثيرة فهذا الموظف يعد للمليون قبل أن يزعج صاحب العمل.
بقدر ما تقدم تكتسب هيبة وبقدر ما تكتسب هيبة لا تحتاج إلى العقوبة:
معلم بصف عندما يعلم بإخلاص، ونفسه لطيفة، ومرح مع الطلاب، وهو أخ أكبر لهم أو أب، فهذه المعاملة الطيبة، والعلم الغزير، والتوجيه الرقيق، والقيم الأخلاقية العالية هذه تجعل الطالب حريصاً على طاعة المعلم، والأب كذلك، فالأب المثالي قلما يجرؤ ابنه على التطاول عليه، لا يجرؤ لأنه أخذ حقه، والله أعرف أخاً من أخواننا عنده أولاد أكرمهم إكراماً بالغاً، زوَّجهم وهيأ لهم عملاً واشترى لهم بيتاً ضمن إمكانيته، فكلما زرته والله أرى احترام أولاده له يفوق الخيال، بعض الآباء يقولون دبر حالك أنا رُبِّيت عصامياً، دبر حالك، لا يساعده أبداً، ولا يوجد كلام طيب، ولا إنصاف، ولا أي شيء آخر أحياناً يتطاول، فهذه النقطة مهمة جداً حينما تقدم شيئاً ثمينا جداً لمن تعلمه أباً كنت أو معلماً فهذا الذي يتعلم منك حريص حرصاً ليس له حدود على إرضائك وعلى طاعتك، لا تحتاج لعقوبة بعدها، أما إذا كان لا شيء منك غير القسوة والكلام القاسي والسباب والشتائم والقهر والإذلال ولم تقدم شيئاً لمن تعلمه، طبعاً لا قيمة لك عنده ولا يهمه غضبك أو رضاك، فبقدر ما تقدم تكتسب هيبة وبقدر ما تكتسب هيبة لا تحتاج إلى العقوبة، أقسم لي أحد الآباء أنه ربى كل أولاده لم يسبهم مرة، ولا كلمة قاسية، ولم يضرب أحداً، الحاجات مؤمنة في توجيه سديد، الأب مثالي حريص على تقديم كل شيء لأولاده، فبالتربية قاعدة تقول: خطأ الابن سببه الأب، فإذا قدمت الشيء الجيد قلما تحتاج لاستخدام عقوبة.
شيء آخر لو تصورنا أسرة فيها قسوة، الأب يقسو ويسب الأم أمام الأولاد وقد يضربها، والأخ الأكبر يتلقى الإهانة تلو الإهانة من الأب، هذا الجو جو عنف، فتجد الأخ الأكبر ضرب الأخ الأصغر وسبَّه سباباً قاسياً، إذا كان رأس البيت قاسياً أفراد البيت يتمثلون هذه القسوة بأبشع صورها، تجد البيت هادئاً قلما يعلو صوت، كله ابتسامة، واعتذار، ومؤاثرة، والله أكاد أبلغ درجة من الإعجاب ببعض البيوت من شدة الانضباط الذي فيها، فيها مؤاثرة وتضحية وكلام لطيف وصون للحقوق.
عندما جاءت لسيدنا عمر كنوز كسرى كان إلى جانبه سيدنا علي، فقال سيدنا عمر: يا سبحان الله، سبَّح الله على هذه الأمانة، شخص أتاه بكل هذه الملايين وتاج كسرى لو ذهب إلى أنطاكية والقسطنطينية وباع التاج واشترى بيوتاً وأراضي وقصوراً لعاش برفاهية إلى آخر حياته، فجاء بكل هذه الكنوز لأمير المؤمنين ولم يأخذ منها شيئاً، فقال سيدنا عمر: يا سبحان الله، فقال سيدنا علي: يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانته ؟ لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا.
معظم أمراض الكلام نفسية تأتي من قسوة الأب أو المعلم:
إذا كان الأب مثالياً هذا يكفي، وأن يكون أخلاقياً وورعاً وعفيفاً وصادقاً، تجد الابن صادقاً ويصلي، بيت تقام فيه الصلوات الخمس الأولاد يصلون بشكل طبيعي، فالقدوة سلاح فعال في التربية لا يقدر بثمن، أحد كبار المربين المسلمين ابن خلدون يقول: إن من يعامَل بالقهر يصبح حملاً على غيره.
الابن إذا قسوت عليه قسوة شديدة يفقد ثقته بنفسه، فيصبح عبئاً عليك ولا يحسن شيئاً، أضعفت له ثقته بنفسه، إذا تكلم تقول له أن يصمت، أراد مساعدتك تخبره بعدم معرفته، لم يعد يفعل شيئاً أبداً، ضعيف الثقة بنفسه مهزوز الشخصية، إذا جلس بمكان لا يستطيع أن يتكلم كلمة، وبعض أمراض الكلام تتأتى من قسوة الأب مثل التأتأة والفأفأة والحبسة، أمراض الكلام مخيفة أسبابها نفسية فقط، معظم أمراض الكلام نفسية تأتي من قسوة الأب أو المعلم.
أخ كريم زوج ابنته لزوج قاس ٍجداً، فالبنت تركت بيت زوجها وجاءت لبيت أبيها، وفي هذا البيت جاء الزوج غاضباً وطرق الباب ودخل وهجم على زوجته أمام طفل صغير فأصيب فوراً بالحبسة من خوفه، وعانى منها حوالي اثنتي عشرة سنة، تذكروا هذا الحديث:
(( عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شي إلا زانه ولا يُنْزَع من شي إلا شانه))
[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
البيت الذي فيه رفق، ولا يوجد فيه صياح، ولا ضرب، ولا قتل، ولا تخبيط أبواب، ولا كسر بلور، ولا أعمال عنف، هذا البيت فيه ملائكة وراحة نفسية، فبقدر ما تكون هادئاً بقدر ما يكون الذين معك هادئين، الحلم سيد الأخلاق وكاد الحليم أن يكون نبياً.
يقول ابن خلدون: إن من يعامل بالقهر يصبح حملاً على غيره، إذ هو يصبح عاجزاً عن الذود عن شرفه وأسرته لخلوه من الحماسة والحمية.
البنت أساسها الحياء والخجل ومحبة الأب والأم:
إذا بنت مهانة في بيتها، أمها تشتمها، وأبوها كذلك، ودائماً محتقرة، هذه تصبح لينة مع أي أجنبي، من تسمع منه كلاماً معسولاً تلين معه، لأنها فقدت العطف من بيتها، أنا لا أعطي مبرراً، لكن البنت لا تُضرَب فلها مكانة كبيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقف لفاطمة وهذا شيء غريب جداً، لما جاءته قال:
(( ريحانة أضمها وعلى الله رزقها ))
[ ورد في الأثر ]
لا يوجد أقرب من البنت لأبيها، فالذي تسول له نفسه أن يضرب ابنته مشكلة كبيرة، البنت أساسها الحياء والخجل، ومحبة الأب والأم، فالأب والأم القاسيان على ابنتهم دائماً كلام قاسي وتوبيخ، لو فرضنا تكلم إنسان غريب على الهاتف كلاماً لطيفاً تجدها مالت هذه مشكلة كبيرة جداً، فعندما تعطي أولادك العطف الكافي تكسب ودهم، والله حدثنا أساتذة في التربية أنهم عملوا تجربة أم أرضعت ابنها بقسوة ـ عندهم التجارب تستمر ثلاثين سنة ـ وأم أرضعتهم بلين اختلفت طباع الطفلين، كيف الإنسان يحب ؟ يتغذى من حنان أمه وأبيه، الحنان غذاء غير الطعام والشراب، أحياناً الخادمة تقدم للطفل كل شيء لكن لا يوجد عندها حنان، أو بنت تربى عند زوجة أبيها لا يوجد رحمة، تنشأ عندها صفات غريبة جداً.
أيها الأخوة البيت الذي فيه رحمة وحب وهدوء وحلم ورفق هذا البيت كل أفراده يطبعون بهذا الطابع، الموضوع عن العقوبة لكن نعتبر التوجيه والرفق والملاطفة والملاينة.
إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى تفاصيل كيف تستخدم العقوبات ؟ يوجد إنسان يستخدم أقصى عقوبة أول شيء، يجب أن تبدأ بأخف عقوبة ثم تضاعف العقوبة بالتدريج، فالموضوع التدرج في المعالجة من الأخف إلى الأشد، ممكن أن تبدأ بالتوجيه وبالملاطفة وكله فيه إشارات من النبي عليه الصلاة والسلام، ممكن بالإشارة أو بالتوبيخ أو بالهجر أو بالضرب، هذا كله إن شاء الله سنقف عنده في الدرس القادم بالتفصيل، وسنذكر الأساليب التي علمنا إياها النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الأخوة أرجو الله عز وجل لمن عندهم أولاد ولمن يعملون في حقل التربية والتعليم ولمن هم مقدمون على الزواج أن يرعوا هذه الأساليب، لا يوجد أسعد من بيت يسوده الود والتفاهم والوئام.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 08:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 10 - صفات المربى







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
أيها الأخوة الكرام لازلنا في سلسة تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني منها، ولقد أنهينا في الدروس السابقة بفضل الله عز وجل الوسائل الفعالة في تربية الأولاد من القدوة الصالحة، إلى التعويد والتلقين، إلى الملاحظة، إلى العقوبة، إلى الوعظ والإرشاد.
الإخلاص من الصفات الأساسية للمربي:
ها نحن ننتقل إلى صفات المربي، ننطلق من قاعدة تربوية أساسية أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا تنتظر أن يكون المتعلم على خلق إن لم يكن هذا الخلق موجوداً عند المعلم، لذلك نبدأ بصفات المربي الأب، أو المعلم، أو من تصدى لتربية الأجيال، ينبغي أن يعلم علم اليقين أن نجاحه في عمله لا يتحقق إلا إذا كان متصفاً بصفات أساسية، منها الإخلاص.
حينما يخلص المعلم أو الأب في تربية ابنه أو تلميذه فالله سبحانه وتعالى يلهمه الأساليب الفعالة، يجب أن تعتقد دائماً أن الإنسان ضعيف، وفقير، وجاهل، لكن إذا استعان بالله ألهمه الله رشده وصوابه، ما من إنسان نجح في تربية أولاده، وما من معلم نجح في تربية تلاميذه، وما من شيخ نجح في تربية أخوانه إلا لأنه أخلص في خدمتهم، ثمن إخلاصه أن الله يلهمه الصواب.
الله عز وجل قد يؤتي الحكمة، وقد يعلمك كيف تؤثر بمن حولك، وقد يعطي لكلامك قوة تأثير لا يعلم سببها، نحن أحياناً نجد إنساناً لا يملك وسائل تربية، لكن تقواه وصلاحه وإخلاصه لله ألهمه الله رشده.
ثمة قصة لا أستطيع أن أذكر تفاصيلها، لكن إنساناً يعمل في أقل عمل تتصوره، ينقل الرمل والأسمنت على ظهره، وهو غير متعلم، مر أمام مسجد، وسمع درس علم، فطرب له، تمنى أن يحوز شريطاً لهذا الدرس، فلما حاز هذا الشريط كأنه ملك الدنيا، بدأ يسمعه، ثم حاز بعض الأشرطة، هو يعمل حيناً في لبنان، ثم ينتقل إلى بلده في أقصى الشمال الشرقي من بلدنا، بدأ يدعو إلى الله بحسب ما سمع، واستمر في الدعوة، فإذا لفيف كبير حوله، وإذا به يُلهم أساليب ناجحة جداً في تربية من حوله، ثم بدأ يقطف ثمار هذه الدعوة، طبعاً على مدى سنوات عديدة، قد تقترب من عشر سنوات، مرة التقيت به، وأصغيت إلى قوله، وإلى أساليبه في الدعوة، والله الشيء الذي لا يكاد يصدق أن الأساليب التي ألهمها يفتقر إليها كبار الدعاة، ثم طلب العلم، وطلب العلم، وهو الآن على مشارف التخرج من مدرسة تعلم العلم الشرعي.
العمل الصالح مقيد بأن يرضى الله عنه:
أنت حينما تخلص تأتيك طاقات كبيرة جداً، في الأساس لا تملكها، لكن هذه الطاقات التي مكنك الله منها، والتي زودك الله بها هي إكرام إلهي لإخلاصك الشديد، لذلك أول صفة من صفات المربي أن يخلص، القاضي إذا أخلص يلهم الصواب، المعلم إذا أخلص يلهم الصواب، الطبيب إذا أخلص يلهم تشخيص الداء التشخيص الصحيح، ثم وصف الدواء الجيد، المحامي إذا أخلص، أخذ الحق من الظالم، يُلهم المرافعة التي تقنع القاضي، هذه قاعدة من أجلّ القواعد، أنك إذا أخلصت كان الله معك، إذا أخلصت ألهمك رشدك، إذا أخلصت منحك الحكمة، إذا أخلصت أعطاك الوسائل الفعالة لتحقيق أهدافك، هذا كلام عام، إذا أخلصت في الكسب الحلال يلهمك الله الأساليب الفعالة في كسب المال الحلال، إذا أخلصت في أن تحصن نفسك من الحرام ألهمك الله أساليب كسب المال، وأساليب اختيار الزوجة، فإذا أنت بعد حين حققت المراد الذي كنت تسعى إليه.
أيها الأخوة قال تعالى:
﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ (5) ﴾
( سورة البينة الآية: 5 )
بالمناسبة أحد كبار العلماء يقول: " العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به الله، وصواباً ما وافق السنة "، وكلاهما شرط لازم غير كافٍ، يعني أنت لا يمكن أن يقبل عملك إلا إذا جاء وفق السنة كما إنه لا يقبل عملك إلا إذا كان مخلصاً، إن أخلصت ولم يكن عملك وفق السنة لم يقبل العمل، وإن جاء عملك وفق السنة ولم تكن مخلصاً لم يقبل العمل، لذلك قال تعالى في بعض أدعية القرآن الكريم:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
( سورة النمل الآية: 19 )
العمل الصالح الذي طلبه النبي الكريم مقيد بأن يرضى الله عنه.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾
( سورة الكهف )
علامات الإخلاص:
أيها الأخوة الإخلاص هذا بينك وبين الله، لا يطلع عليه أحد من أهل الأرض، لكن العمل إذا رافقه الإخلاص يقبل كثيره وقليله، والعمل إن لم يرافقه الإخلاص لا يقبل لا قليله ولا كثيره، درهم أنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أنفق في رياء.
سمعت أن إنساناً صلى أربعين عاماً في الصف الأول في صلاة الفجر وراء الإمام، وفي يوم سها، فتألم ألماً شديداً، وقال: ماذا يقول الناس عني ؟ انتبه، ماذا يقول الناس عني ؟ معنى ذلك أن هذه الصلوات في المسجد ليس فيها إخلاص، الهدف أن يكسب مكانة فيمن حوله.
1ـ أول علامات الإخلاص أن يكون عملك في السر كما في العلانية:
ليس غريباً أن تعلموا أن علامة الإخلاص ألا يختلف عملك في السر والعلانية، عملك في خلوتك كعملك في جلوتك، إتقان عبادتك في خلوتك كإتقان عبادتك في جلوتك.
من علامة الإخلاص أن العمل الذي تعمله لا يزداد بالمدح، كما أنه لا ينقص بالذم، إذا كنت مخلصاً فلا يزداد العمل الصالح بالمدح، كما أنه لا ينقص بالذم، المدح والذم لا يؤثران في عملك لأنك تبتغي وجه الله، ولا يختلف العمل لا في الخلوة ولا في الجلوة، يبقى كما هو.
2ـ عدم ازدياد العمل بالثناء وعدم نقصانه بالذم:
العلامة الأولى عملك في السر كما في العلانية، في العلانية كما في السر، لا يختلف العمل بين السر والعلانية، بين الجلوة والخلوة، كما أن العمل لا يتأثر بالمديح، ولا يتأثر بالذنب، إذاً أنت مخلص.
3ـ حينما تكون مخلصاً فعملك الذي يرفع إلى الله يعود من الله ثوابه سكينة في قلبك:
الشيء الآخر أنك إذا كنت مخلصاً حقيقةً، فهذا الإخلاص يتيح لك أن تقبل على الله، إقبالك على الله يعني أن الله سيتجلى عليك، لذلك المخلص كأنه قبض أجرته، سعيد، أما الذي يعمل أعمالاً صالحة ويقول: يا أخي الناس لا يتأثرون، الناس ما فيهم خير، لا يشكرون، معنى ذلك أنك تنتظر شكرهم، وتنتظر ثناءهم ومديحهم، كما قلت: حينما تكون مخلصاً فعملك الذي يرفع إلى الله يعود من الله ثوابه، والثواب: من ثاب أي رجع، ماذا يرجع من الله إذا رفع العمل إليه ؟ يرجع سكينة في قلبك، هذه علامة الإخلاص.
التقوى أي طاعة الله هي الصفة الثانية التي يجب أن يتحلى بها المربي:
إذاً عدم تأثر العمل بين السر والعلانية، عدم ازدياد العمل بالثناء، وعدم نقصانه بالذم، شعور الإنسان المخلص أنه قبض أجرته من الله، لذلك لا ينتظر ثناء أحد، ولا مديح أحد، ولا يعلق كبير أهمية على ذم الناس له، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
الحقيقة الصفة الثانية: التقوى أي طاعة الله، إخلاص وطاعة، كما يقول العلماء الربانيون: ألا يراك الله حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك، أنت عند الأمر والنهي، أنت وقاف عند كتاب الله.
يروى أن حواراً جرى بين سيدنا عمر بن الخطاب وأبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال: بلى، قال: فما عملت ؟ قال: شمرت، واجتهدت، قال: كذلك التقوى.
من توهم أن الطريق إلى الله طريق مفروش بالرياحين والزهور فهو مخطئ، الطريق إلى الله طريق محفوف بالمكاره، طريق القمم طريق صعبة.
(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثاً، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
[أحمد عن ابن عباس]
سميت طاعة الله تكليفاً، لأن التكليف ذو كلفة:
((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثاً، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
الاسترخاء، وأن تعطي نفسك ما تريد وما تشتهي، هو طريق النار، عمل النار سهل بسهوة، وعمل الجنة حزن بربوة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ))
[ مسلم عن أبي سعيد ]
مرة افتتح مسجد في بعض أطراف دمشق، ودعي إليه علماء دمشق، وألقوا كلمات رائعة في هذا الحفل، وتناولوا الطعام، وخرجنا من هذا، في الضفة الثانية من الطريق ملهى ـ والعياذ بالله ـ فيه كل أنواع الموبقات، مسجد في طرف، وملهى في طرف، الذي أسس الملهى مات بعد أسبوع من افتتاحه، والذي أسس المسجد استقبل هؤلاء المدعوين ووجهه كله بشر، أنا خرجت من الحفل قلت: سبحان الله ! لو وقف هذان الرجلان أمام الله عز وجل، الأول أراد إفساد الناس وحملهم على الزنا والخمر والموبقات، والثاني أراد تعريف الناس بالله من خلال هذا البيت العظيم الذي بناه لله.
الإنسان حينما قَبِل حمل الأمانة ميّزه الله بأن سخر الله له السماوات والأرض:
أحيانا تجد قارئ قرآن توفي وقراءته تملأ الخافقين، ومغنِّياً توفي وأغانيه تملأ الخافقين، وكلاهما ميت، فلذلك:
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا الذي له عمل صالح عند الموت ينقطع عمله فما قولكم بالذي ليس له عمل إطلاقاً ؟ سبحان الله ! في القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾
( سورة الملك )
أحياناً نجري امتحاناً من أجل أن نعرف الناجحين من الراسبين، هناك رسوب ونجاح، لكن لو أن الطلاب جميعاً ناجحون، الامتحان مهمته أن نعرف المتفوقين، أن نعرف التفوق، فدائماً وأبداً ينبغي أن يكون التفوق هو الأصل، كل هذا الكون مخلوق من أجل الإنسان، فما خلق الله هذا الكون من أجل أن ترسب أو تنجح، من أجل أن تتفوق.
بالمناسبة لأنك إنسان أنت متفوق، والدليل حينما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
أيْ إن الإنسان قبل حمل الأمانة، إذاً ميزه الله، فلما قبل حمل الأمانة سخر الله له السماوات والأرض، لماذا الإنسان متفوق ؟ لأنه بإمكانه أن يعصي الله فلم يعصه، لماذا يثاب الصادق ؟ لأنه بإمكانه أن يكذب فلم يكذب، لماذا يثاب الأمين ؟ لأنه بإمكانه أن يخون فلم يخن، لماذا يثاب العفيف ؟ لأنه بإمكانه أن يزني فلم يزنِ ينقلنا هذا إلى موضوع الأمانة.
أكبر سببٍ لدخول الجنة طاعة الله وحسن الخلق:
إذا وضعت مئة ألف عند إنسان، وكتب لك إيصالاً دقيقاً، هذا المبلغ ليس أمانة، هذا إيداع، لأن الذي أعطاك هذا الإيصال يمكن أن تقاضيه، لو شاهدت عليه شاهدين، أما حينما يعطيك مئة ألف، ولا يأخذ منك إيصالاً، وأنت بإمكانك أن تعطيه أو لا تعطيه، فأعطيته، أنت إذاً أمين، هذه الأمانة، أنت مخير، الآن بإمكانك أن تأتي إلى ملهى أو إلى مسجد، بإمكانك أن تصلي أو لا تصلي، بإمكانك أن تغض البصر أو أن تطلق البصر، بإمكانك أن تطلب العلم أو تطلب الجهل:
(( سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ النّاسَ الْجَنّةَ، قالَ: تَقْوَى الله، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ))
[ رواه الترمذي عن أَبِي هُرَيْرَةَ]
أكبر سببٍ لدخول الجنة طاعة الله وحسن الخلق، قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
(( إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوّجُوهُ ))
[ رواه الترمذي عن أَبِي هُرَيْرَةَ]
طاعة الله وحسن الخلق، والحديث الصحيح عن أبي ذرّ ومعاذ رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:
(( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَة تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))
[ رواه الترمذي عن أبي ذرّ ومعاذ رضي اللّه عنهما]
إذاً تقوى الله هي معين المعلم، الأب المستقيم هو أب مربٍّ ناجح، لأن استقامته دعوة، المعلم المستقيم استقامته دعوة، معه وسائل النجاح، إذاً الإخلاص والاستقامة، هذان الشيئان الأساسيان في نجاح العلمية التعليمية والتربوية.
بطولة الأب والمعلم لا في الابن الناجح بل في الابن المقصر:
قال عليه الصلاة والسلام:
(( اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم ))
[ رواه الطبراني عن النعمان بن البشير رضي الله عنه]
الأب العادل له مكانة، أما إذا انحاز إلى أحد أولاده، أو انحاز إلى ولد من زوجة دون ولد من زوجة أخرى سقطت مكانته، العدل أساس الملك.
رئيس جمهورية فرنسا حينما انتخب، خطب أقصر خطاب في تاريخ فرنسا، قال: أنا أشكر من انتخبني، وأحترم من لم ينتخبني، وأنا لكل الفرنسيين، دقق في هذه الكلمة، هو أب لكل الناس.
أنت كمعلم أنت لكل الطلاب، فإذا انحزت إلى مجموعة طلاب معينة، لعلاقات معينة، لانتماءات معينة، لأسباب معينة، للطلاب الأغنياء فرضاً، للطلاب الأذكياء، إذا انحزت لهم أنت فقدت العدالة، وحينما تفقدها تفقد قوة التأثير، أما حينما ترعى كل الأولاد وكل الطلاب، بصرف النظر عن مستوياتهم الاجتماعية، وعن مستوياتهم الاقتصادية، وعن انتماءاتهم، وعن اتجاهاتهم، ترعاهم جميعاً لك مكانة كبيرة.
يروى أن النبي الكريم وقف في جنازة، فقيل: هو يهودي يا رسول الله، قال: أليس إنساناً ؟ معنى ذلك أن الإنسان أي إنسان ينبغي أن تحترمه.
دخلنا في التفاصيل: معلم مع طلاب متفوقين، عينه عليهم، اهتمامه لهم، ابتسامته لهم، يقرأ وظائفهم، يثني عليهم، يهش لهم، يبش لهم، والطلاب الضعاف مهملون يُعرِض عنهم، عنيف معهم، قاسٍ عليهم، هذا ليس مربياً، هو الطالب الجيد لا يحتاج إلى كبير عناية، من هذا الذي يحتاج إلى كبير عناية الطالب السيئ، الابن الناجح لا يحتاج إلى عناية بالغة، بطولة الأب والمعلم لا في الابن الناجح، بل في الابن المقصر.
أيها الأخوة الكرام الصفة الأولى هي الإخلاص، الصفة الثانية التقوى والصلاح والاستقامة والعدل والإنصاف والرحمة واللطف وغيرها.
التمكن من العلم هي الصفة الثالثة التي يجب أن يتحلى بها المربي:
الصفة الثالثة هي العلم، أنت حينما لا تكون متمكناً من العلم، إن تكلمت خطأً، والذين تحدثهم أقل منك علماً ضحكت عليهم، وإن كانوا أكثر يقظة ضحكوا عليك، إن لم تكن متمكناً من العلم لا تنجح في تربية من حولك.
أيها الأخوة الكرام التمكن من العلم أساسي جداً، يروى أن بعض العارفين أخطأ في كلمة في درس، فغاب سبع سنين حتى تمكن من العلم الذي أخطأ فيه، العلم ما فيه حل وسط، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، بالتعليم، الأب غير متعلم، أحياناً الابن يكذب عليه، أما الأب المتعلم واليقظ الابن يخشى أن يكذب عليه.
حدثني إنسان عن ابن يدرس في أوروبا، فبعث إلى أهله أنه نجح بتفوق، فرحوا وهنأ بعضهم بعضاً، عنده أخ له إمكانيات كشف الكذب، فتح موقع الجامعة بالإنترنت، وطلب الكلية، وطلب أسماء الناجين فلم يكن أخوه مع الناجحين، فالطالب يكذب، إذا كان في الإنسان سذاجة أو بساطة، والذي يتولى أمره كذب عليه، ضعفت مكانته، أما كلام سيدنا عمر رائع: " لست بالخبّ، ولا الخبُّ يخدعني ".
المعلم ينبغي ألا يكون من الخبث حيث يَخدع، وألا يكون من السذاجة حيث يُخدع، الأب كذلك والمعلم كذلك، والآية الكريمة:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 )
أخواننا الكرام عليكم بالإخلاص والتقوى والعلم، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمسُ فِيِه عِلْماً سَهّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنّةِ، وَإِنّ المَلاَئِكَةَ لتَضَعُ أَجْنَحِتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ ))
[ رواه الترمذي عن أَبي هُرَيْرَةَ]
الحلم الصفة الرابعة التي يجب أن يتحلى بها المربي:
الشيء المألوف أن تتعلم وأن تعلم، وهذه فريضة عين على كل إنسان، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
(( بَلّغُوا عَنّي وَلَوْ آيَةً ))
[ رواه الترمذي عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو]
تعلمت شيئاً من درس علمه لمن حولك، لأن هذا الوهم أنني لا أستطيع أن أتكلم كلمة حتى أتقن العلم، لا، إذا سمعت معنى آية، أو معنى حديث، أو قضية إشراقية في الإسلام واستوعبتها وفهمتها انقلها إلى الآخرين، اطلب العلم وتعلم، ودائماً الإنسان يتعلم ويعلم.
(( ألاَ إِنّ الدّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلاّ ذِكْرُ الله، وَمَا وَالاَهُ، وَعَالِمٌ، أَو مُتَعَلّمٌ ))
[ رواه الترمذي عن أَبي هُرَيْرَةَ]
(( مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ الْعِلْمِ كان في سَبِيلِ الله حَتّى يَرْجِعَ ))
[ رواه الترمذي عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ]
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[أخرجه ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أيها الأخوة الكرام مع الإخلاص، ومع التقوى، ومع العلم يوجد الحلم، وكاد الحليم أن يكون نبياً، المربي والمعلم والأب إذا كان غضوباً وقاسياً في كلماته لا يستطيع أن يربي أولاده، كما لا يستطيع المعلم أن يربي تلاميذه، قال تعالى:
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران )

أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية عن الحلم:
قال تعالى:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
(سورة الأعراف)وقال أيضاً:
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )
(( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ))
[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
أوصى النبي بعض أصحابه ألا نغضب:
(( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( يَسِّرُوا، وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا ))
[متفق عليه وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]
كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، والصبر عند الصدمة الأولى.
الصفة الأخيرة التي يجب أن يتحلى بها المربي هي شعوره بالمسؤولية:
آخر شيء من صفات المربي فضلاً عن إخلاصه، وفضلاً عن طاعته لله، وفضلاً عن علمه، وفضلاً عن حلمه، ينبغي أن يشعر بالمسؤولية، لأن الله سوف يسأله عن هؤلاء الصغار، يقول عليه الصلاة والسلام:
((... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا..))
[ البخاري عن عبد الله بن عمر ]
يقول علي رضي الله عنه: "علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم."
(( ما نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا من نَحْلٍ أفضل من أدبٍ حَسَنٍ ))
[الترمذي عن سعيد بن العاص]
(( إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: حفظ أم ضيع ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.))
[ابن حبان عن أنس رضي الله عنه]
إذا لم يلقح الأب ابنه وأصاب ابنه مرض عضال سوف يسأل، الأبوة مسؤولية، تلقيح الأولاد، العناية بصحتهم، أخذهم إلى طبيب مثلاً، متابعة العلاج، هذا من مهمات الأب.
أيها الأخوة الكرام فاقد الشيء لا يعطيه، إن أردت أن تكون أباً ناجحاً، أو معلماً ناجحاً، أو موجهاً ناجحاً لا بد من أن تجمع الإخلاص، والطاعة لله، والعلم، والحلم، واستشعار المسؤولية، هذه صفات تؤهل المربي، وتؤهل المعلم، والأب، ومن يدعو إلى الله عز وجل، كي يدع بصمات واضحة في نفوس أخوانه وتلاميذه وأولاده وأصحابه.





والحمد لله رب العالمين

عاشقة الأنس
07-10-2018, 10:55 AM
موضوع هادف جدا
في موازين حسناتك وبارك الله فيك

السعيد
07-10-2018, 03:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الواحد و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 11 - قاعدة الربط -1- ربط الأبناء بالله والعقيدة الصحيحة




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام لا زلنا في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في قواعد هذه التربية الأساسية.
الارتباط علاقة مستمرة:
موضوع اليوم القواعد الأساسية في التربية تتركز في قاعدتين ؛ الأولى قاعدة الربط، والثانية قاعدة التحذير.
أيها الأخوة لأوضح لكم معنى الربط، كيف أن بعض الناس اليوم مربوطون بالشاشة فرضاً أو بالرياضة أو بالسياسة، هواجسهم واهتماماتهم متابعة الأخبار أو متابعة أخبار الرياضة أو متابعة الشاشة، هذا ربط.
الحقيقة أن قاعدة التربية الإسلامية تقوم على ربط الإنسان بدينه وبقرآنه وبصلاته وبالعبادات الشعائرية والعبادات التعاملية، قضية الربط تحتاج لجهد كبير، قد تؤدى بعض الشعائر، لكن الارتباط العام ليس بالدين بل بالدنيا وبجمع المال وبالتجارة، فكما قال الله عز وجل:
﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة النور الآية: 37 )
هم يتاجرون ويكسبون أموالهم ويتصدقون، ولكن أن يكون العمل صارفاً لهم عن ذكر الله هذا مستحيل، فالبطولة في تربية الأبناء أن تربطهم بالله وبالعقيدة الصحيحة وبالعبادة الصحيحة وبمعناها الواسع وبالقرآن وبالعمل الصالح وبالذكر وبالنوافل، فالارتباط يحتاج لجهد كبير، قد تقيم علاقة عابرة، أما الارتباط علاقة مستمرة، قد تقيم علاقة عابرة بالمسجد، معظم المسلمين يأتون للمسجد يوم الجمعة، لكن يأتي وارتباطه العام بغير المسجد، توجهه العام لغير المسجد، نشاطه العام في غير ما يمليه عليه المسجد، فيأتي وقد يتابع الخطبة أو لا يتابعها، وقد يصلي ركعتين وينصرف، هذا لا يسمى مرتبطاً بالمسجد هذه علاقة عابرة، أما حينما تريد لجيل أن ينهض بأمة، وتريد لولدك أن يكون صالحاً، ينبغي أن يرتبط بالمسجد ارتباطاً كلياً. الربط الإيماني ربط المتعلم بالعقيدة الصحيحة يحتاج لمتابعة ومثابرة وتكرار:
أيها الأخوة أول ارتباط لا ينبغي أن أفصِّل فيه لأنه معلوم عندكم، الارتباط بالعقيدة الصحيحة، الله عز وجل خالق مربٍّ ومسير، وموجود وواحد وكامل، وأسماؤه حسنى، وصفاته فضلى، وخلق الإنسان ليسعده، الدنيا عابرة وهي دار ممر وليست دار مقر، الآخرة هي الأصل، الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذا يحتاج لتلقين في الصغر وتعليم في الكبر وربط كل شيء بهذه العقيدة.
كلمة الربط دقيقة جداً، تقع أحداث هناك من يربطها ربطاً أرضياً، أما المؤمن يربطها ربطاً توحيدياً، المؤمن لا يفهم ما يجري بعيداً عن الله عز وجل، لا يفهم الأحداث الكبرى على أنها وقعت بإرادات أرضية، لا يفهمها إلا على أنها وقعت بإرادات علوية، يرى يد الله تعمل في الخفاء، فالربط العقائدي هذا العمل الذي حصل بقضاء من الله وقدر، حكمة الله سمحت به، علم الله وعدله سمح به، فأنت ممكن من خلال حديثك مع أولادك أو حديث المعلم مع طلابه يمكن أن يربط كل حدث بالعقيدة الصحيحة، يمكن أن يربط الحدث بالتوحيد، ويمكن أن يربط الأحداث بقوى الشر في الأرض، وأن تنسى الله عز وجل، فالربط الإيماني ربط المتعلم بالعقيدة الصحيحة يحتاج لمتابعة ومثابرة وتكرار، كي يعرف المتعلم أن ما يجري في الكون يجري بحكمة بالغة وبعدل وبعلم وبرحمة قد ندركها وقد لا ندركها.
مثلاً يكون هناك موجة جفاف ببلد تأتي الأمطار، الإنسان المشرك بالشرك الخفي يربطها بالمنخفضات وبنشرة الأخبار وأن هناك خطوط مطر، هذا كله صحيح، لكن المؤمن يربط الأمطار برحمة الله وبفضله ويراها إمداداً من الله عز وجل، فشتان بين من يربط الأمور ربطاً أرضياً وبين من يربطها ربطاً توحيدياً، الربط دائماً كل شيء مربوط بشيء، والمربي الناجح والأب الناجح كل الجزئيات يربطها بالكليات، صار في منظومة وفهم عميق لما يجري في الكون، أما المربي غير الناجح يربط الأحداث بمن يسببها أرضياً فيضيع الإنسان، يجد قوى متعددة تتنازع وتتنافس على بلد معين، فأنت لا تدري ماذا يحدث ؟ الربط الاعتقادي، تربط الأشياء بفعل الله وبعلمه وقدرته ورحمته وعدله وبالقضاء والقدر وبأن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء.
لو أن إنساناً أصابته في الأرض مصيبة لو ربطها ربطاً أرضياً يقول إنسان يموت من التخمة وإنسان يموت من الجوع، هذا كلام يعطي معنى الاعتراض، وأن الله ليس فعالاً، هو خلاق وليس فعالاً، أما حينما تعلم أن هناك آخرة وأن هذا العطاء ابتلاء، وأن الابتلاء قد ينجح فيه الإنسان أو لا ينجح، هذا فهم آخر.
علة وجود الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله:
العبرة أن تفهم كل الأحداث فهماً مرتبطاً بالعقيدة الصحيحة، هذا لا يتم بجلسة واحدة، هذا يتم بمحادثة مستمرة بينك وبين أولادك، هذا الذي وقع أراده الله، إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، وهو في السماء إله وفي الأرض إله.
بحسب الشيء المنظور أن دولة قوية طاغية أرادت أن تتحكم بالعالم كله وتخضعه لسيطرتها وتنهب ثرواته، هذا الفهم فهم القهر، لكن فهم التسليط ليس كذلك بل أن الله سبحانه وتعالى سمح لهذه القوة الغاشمة أن تسيطر تأديباً لمن يعرفه ثم يحيد عن طاعته.
هذا الفهم فهم السيطرة، وفهم التسليط فهم فيه أمل كبير، أنت حينما تعود لله عز وجل يفرج عنك الله، القضية أعقد من أن تلقي على ابنك كلمة، القضية أن كل شيء نسمعه في الأخبار وكل الأحداث التي تصل لأسماعنا ينبغي أن نحللها تحليلاً إسلامياً وتوحيدياً وقرآنياً، هذا هو الربط، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
الآن نحتاج إلى ربط من نوع آخر: ربط بالعبادة.
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
(سورة الذاريات)
الإنسان مهمته الأولى العبادة، بل إن علة وجود الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله ! فلذلك الأصل هو العبادة، يوجد إنسان يؤدي العبادات من فضلة وقته، بعد أن يؤدي كل شيء يؤديها أو لا، على شروطها أو على غير شروطها، يؤديها بما يرضي الله أو بما لا يرضي الله، أما إذا ربط الإنسان بالعبادة، الأصل الصلاة أن نصلي الصلاة التي أمرنا الله بها، الأصل أن نغض البصر ونكون صادقين، فارتباط الإنسان يجب أن يكون بالعبادة الشعائرية التي هي شحنات لهذا الإنسان.
اتصال المصلي بالقوة المطلقة في الكون:
التقيت مع إنسان قبل حين يغيب عن الدروس طويلاً، قلت له: ألا تملك هاتفاً محمولاً ؟ قال: نعم، قلت: هذا الهاتف ما حاله إن لم تحشنه ؟ قال: يسكت، قلت: وكذلك أنت، لا بد من شحن، من دون شحن ينتهي الإنسان، فالصلاة شحنة روحية، صلاة الجمعة شحنة أسبوعية، صوم رمضان شحنة سنوية، الحج شحنة العمر، يوجد شحنات صغيرة كالأدعية والأذكار وتلاوة القرآن، هذه كلها شحنات روحية، الإنسان بالشحنة الروحية يقوى ويصمد أمام الأخطار ويتماسك أمام الزلازل، وتصح رؤيته أمام الضباب، الآن يوجد رؤية ضبابية ! لا أحد يعلم ما سيكون، يا ترى يعتدون أو لا يعتدون، يقسمون لا يقسمون، الناس في متاهة، وكل شيء مجمد، في الضباب يرى رؤية صائبة، في الخوف تتماسك نفسه، في اليأس يشرق في نفسه نور الأمل، هذا المصلي، والدليل:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾
(سورة المعارج)
المصلي لا يتأثر بالأمراض النفسية، فالشح مرض نفسي وشدة الحرص والهلع والجزع والحرص على ما في يديك والقلق والتردد هذا كله مرض نفسي، قال تعالى:
﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾
(سورة المعارج)
المصلي متصل بالقوة المطلقة في الكون، للتقريب قد يكون سائق عند ملك، والملك بيده مقاليد البلاد، وهذا السائق في موقع قوي عند الملك يحبه ويعطف عليه، هذا السائق تراه أنت سائقاً، أما هو أقوى من أكبر موظف في المملكة، له اتصال مباشر مع من بيده مقاليد المملكة، فقد تراه سائقاً لكن عند من يفهم له مركز كبير جداً.
ربط الابن بالعبادات الشعائرية ثم بالعبادات التعاملية:
أنت لو كنت مؤمناً مرتبط مع خالق الكون ومع القوة المطلقة، لذلك المؤمن معه سلاح قوي هو الدعاء، الدعاء سلاح المؤمن، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))
[سنن أبي داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]
الصلاة شيء أساسي في البيت:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً (132) ﴾
(سورة طه)
استنبط بعض العلماء أن البيت الذي يصلي أهله بيت مرزوق.
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) ﴾
(سورة طه)
يقاس على الصلاة أن تأمرهم بالصوم وبالصدقة وتأخذهم معك للعمرة والحج، هذه أركان الإسلام ينبغي أن تربطهم بها، لو ارتبط إنسان بالغرب لا يعبأ بالحج أو العمرة، يرى بلاداً حارة ومتخلفة يذهب لأوروبا هذا المرتبط بالغرب، أما الذي تربطه العبادات العمرة عنده شيء ثمين جداً والحج شيء أثمن، وإذا أردت أن توسع مفهوم العبادة، فالاستقامة من العبادة، والعمل الصالح من العبادة، وبذل المال من العبادة، ومساعدة الفقير من العبادة، ومعاونة الضعيف من العبادة، وعيادة المريض من العبادة، والصدق في الأقوال من العبادة، والصدق في الأعمال من العبادة، قد نضيق العبادة فنجعلها العبادة الشعائرية ونوسعها فنجعلها العبادة التعاملية.
ربط الطفل بالقرآن الكريم:
شيء آخر لا بد من ربط الطفل بالقرآن الكريم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه)
[الديلمي وابن النجار عن علي]
لذلك بالعالم الإسلامي ـ وهذا برأي كبار المربين ـ أن أفضل شيء للطفل أن تعلمه القرآن وتحمله على حفظه، ففي هذا تقويم للسانه وتقوية لإيمانه، والعلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، فالطفل الصغير عنده قدرة عجيبة على التلقي، قدرة على التلقي قد لا نصدقها، ينبغي أن نستغل هذه القدرة في تعليمه القرآن، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه))
[الديلمي وابن النجار عن علي]
العالم الاجتماعي الكبير ابن خلدون صاحب أول كتاب في علم الاجتماع يرى أن تعليم القرآن الكريم للصغار أساسه جميع المناهج التربوية، وأنا أعلم أنه في المغرب العربي الطفل يعلم القرآن أولاً لأنه أساس العلم، وابن سينا الفيلسوف الكبير يرى أيضاً أنه ينبغي أن يعلم الطفل القرآن في صغره، والحمد لله معاهد تحفيظ القرآن في بلدنا الطيب كثيرة جداً، وصار قناعة عند الأولياء أنه لا بد من أن يدفع ابنه إلى معهد من هذه المعاهد ليحفظ كتاب الله وليتقن تلاوته وفهم معانيه وأحكامه، والإمام الغزالي كذلك حضّ على تعليم الطفل القرآن الكريم وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار ثم بعض الأحكام الدينية.
أيها الأخوة كان السلف الصالح ينصحون بتعليم أولادهم القرآن الكريم وتحفيظهم إياه حتى تتقوم ألسنتهم وتسمو أرواحهم وتخشع قلوبهم وتدمع عيونهم ويترسخ الإيمان والإسلام في نفوسهم وبالتالي لا يعرفون سوى القرآن والإسلام دستوراً ومنهجاً وتشريعاً.
أيها الأخوة أنتم حينما تقرؤون قول الإمام مالك رحمه الله: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، بماذا صلح به أولها ؟ بتعليم القرآن تلاوة وعملاً وتطبيقاً وبالاعتزاز بالإسلام فكراً وسلوكاً ومنهجاً، وآخر هذه الأمة لا يصلح حالها إلا بما صلح به أولها.
ربط الطفل ببيوت الله:
لا زلنا في الربط، ربط الابن بقواعد الإيمان ثم بالعبادات الشعائرية ثم بالعبادات التعاملية ثم بالقرآن، لا بد من أن تربطه ببيوت الله.
المؤمن ابن المسجد، هو في المسجد كالسمك في الماء ! المسجد جزء أساسي من حياته، الآخرون ابن ملهى أو مقهى أو مقصف، ابن الطريق، ابن منتديات الرصيف، ابن الأفلام والشاشة غير المؤمن، المؤمن ابن المسجد وأماكن العبادة.
(( إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ ))
[سنن الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
أحياناً يدخل إنسان ضعيف الإيمان للمسجد يتضايق ويطول عليه الوقت ويتأفف ويبحث عن نقطة ضعف وسلوك غير جيد ويكبره، فيما أعلم قد يأتي الإنسان بأهله لدرس من دروس العلم أو قد يأتي بأصدقائه أو بأولاده، فإذا كانوا على غير ما يرضي الله لا يفهمون كلمة ألقيت في المسجد، بل يتأملون الذين في المسجد وهمهم أن ينتقدوا ما رأوا، همه الأول الانتقاد لأنه انزعج، فهو يمضي الوقت في تأمل الثغرات ونقاط الضعف ويكبرها ويحدث الناس بها.
أحد الأخوة الكرام جاء بزوجته للمسجد لتحضر الدرس مع النساء، في اليوم التالي فاجأني بنقد لمجلس النساء لا يعقل، وأنا متأكد أن الذي قالته زوجته ليس له أصل، ليس هناك من شيء إطلاقاً، كل شيء مريح، والصوت واضح، والمكان نظيف، والمرافق العامة جيدة، والموجودات بمستوى راقٍ، هكذا سمعت بمن يلوذ بي، لكن هذه الزوجة أرادت أن تشوه صورة المسجد لأنها تضايقت، فالمؤمن في المسجد كالسمك في الماء، وغير المؤمن كالعصفور في القفص، أنا أرفض هذه العبارة ! يجب أن نختار عبارة غير العصفور، يتضايق فينتقد نقداً لاذعاً دون أن يشعر وبشكل غير موضوعي.
(( إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ ))
[سنن الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
من باب الطرفة أقول أن المؤمن يفضِّل البقاء في البيت، والكافر يحب الطريق، المؤمن جنته بيته، أهله اهتمامه، مكانه الأساسي بيته، فقد يعتني ببيته، أما غير المؤمن ابن مقاهٍ ودور سينما ومقاصف ونوادٍ، بيته كالفندق يأتيه بعد منتصف الليل ويغادره صباحاً، والله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (18) ﴾
(سورة التوبة)
أين يلقى العلم ؟ في المسجد، أين تلقى التوجيهات ؟ في المسجد، أين نتعلم أحكام الشرع ؟ في المسجد، أين نأخذ قصص السلف الصالح ؟ في المسجد، أين نفهم أحكام القرآن ؟ في المسجد، لا يوجد كيان من دون أرض، ولا دعوة من دون مكان، مكانه الإسلامي هو المسجد، لذلك قالوا: خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها.
في بيوت الله تجلٍّ وسكينة ورضا وشعور بالأمل:
أيضاً من باب الطرفة يأتي الرجل بزوجته للمسجد فيستمع لحقوق الزوجة فيحاول أن يطبق التوجيهات، وتأتي الأخت للمسجد وتستمع لحقوق الزوج فتحاول أن تطبق هذه التوجيهات، فهذا المسجد جمع بينهم على خير، قرب بينهما، أما إذا ذهبت للسوق ورأت شيئاً لا يستطيعه، دخل زوجها فطلبته منه فاعتذر نشأت مشكلة ! خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها.
(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ ))
[سنن الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أنت هنا تذكر الله، إما أن تستمع لكتاب الله، أو لسنة رسول الله، أو لأحكام الشرع، أو لسير الصحابة والتابعين ودلائل الإيمان على الله عز وجل، هنا حلق الذكر، وإما أن نكون في حلق الشهوات.
(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ ))
[سنن الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
الحديث المشهور:
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَءُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
[مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يوجد نقطة أتمنى أن أوضحها لكم، أنت حينما تأتي بيت الله عز وجل، هذا المكان ليس مكاناً عادياً هذا بيت الله، والذي يحدث في بيت الله قد لا تصدقه ! دخلت لمكان وجلست من إكرام الله لك في هذا المكان أنه يملأ قلبك طمأنينة وسعادة ورضا، ليس إنساناً عادياً دخل لبيت عادي، هذا بيت الله فيه تجلٍّ وسكينة ورضا وشعور بالأمل.
دخول المسجد يبعث على الطمأنينة والتفاؤل وهذا من إكرام الله لنا:
أحياناً إنسان يقول: عجيب دخلت للمسجد فارتاحت نفسي واطمأنت، شعرت بالتفاؤل والتماسك، هذا من إكرام الله لك، ما من إنسان يدخل بيت الله إلا والله عز وجل يكرمه، لا يكرمه بطعام أو شراب بل بالسكينة والحكمة والتوازن.
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَءُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
يقول مرتاح الحمد لله، ما الذي حصل ؟ أن الله أنزل على قلبك السكينة فأنت في سعادة كبيرة.
(( حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))
(( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ))
[صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الحديث الذي تسمعونه كثيراً:
((إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره. ))
[أخرجه أبو نعيم من حديث أبي سعيد بسند ضعيف]
أنا لا أصدق ولا أقبل أن تأتي بيت الله طائعاً ثم لا يكرمك الله عز وجل، إكرام الله عجيب فهو مستمر مدى الحياة.
(( بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[سنن الترمذي عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ]
ينبغي أن تربط ابنك أو تلميذك بعقيدة التوحيد الأولى، وبمفردات العقيدة الصحيحة، وينبغي أن تربطه أيضاً بالعبادة الشعائرية، والعبادة التعاملية، وبالقرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً وفهماً وعملاً، وينبغي أن تربطه بالمسجد وبذكر الله عز وجل:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
(سورة البقرة)
ربط المتعلم طالباً كان أو ابناً بذكر الله مطلقاً:
أيها الأخوة لا بد من ربط هذا المتعلم طالباً كان أو ابناً بذكر الله مطلقاً لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
(سورة البقرة)
وقال:
﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) ﴾
(سورة الأحزاب)
وقال أيضاً:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ (103) ﴾
(سورة النساء)
وقال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
(سورة البقرة)
أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية عن أهمية الذكر:
مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (21) ﴾
(سورة النحل)
قال:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾
(سورة الفرقان)
وقال:
﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) ﴾
(سورة المنافقون)
وقال:
﴿ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) ﴾
(سورة المدثر)
(( ليبعثن الله أقـواماً يوم القـيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله جلهم لنا نعرفهم، قال: هم المتحابون فـي الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكـر الله يذكرونه ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء ]
معنى الذكر:
يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح:
(( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ))
[متفق عليه عن أبي هريرة]
الذكر استحضار عظمة الله عز وجل في جميع الأحوال التي يكون عليها المؤمن استحضار ذهني وقلبي ونفسي ولساني وفعلي، في القيام والقعود والاضطجاع والسعي في مناكب الأرض، أو في تدبر آيات القرآن، أو سماع الموعظة، أو الاحتكام إلى شريعة الله، أو ابتغاء عمل يقصد به وجه الله، هذا معنى الذكر.
﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة النور الآية: 37 )
وقال:
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾

(سورة الرعد)
((.. أَنَّ رَجُلاً قَـالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ))
[سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]
وفي الحديث القدسي:
((أنا مع عبدي ما ذكرني و تحركت بي شفتاه ))
[السيوطي عن أبي هريرة ]
ربط الطفل بالنوافل :
الذكر باب واسع جداً، فيمكن أن تذكره دعاءً واستغفاراً وتسبيحاً وحمداً وثناءً وتهليلاً وتوحيداً وتكبيراً، ذكر الله عز وجل ينبغي أن يدور مع الإنسان حيث ما دار.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (9) ﴾
(سورة الجمعة)
صلاة الجمعة ذكر.
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾
(سورة طه)
وقال:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ (45) ﴾
(سورة العنكبوت)
ينبغي أن تربط الطفل بالعقيدة الصحيحة وبالعبادة الشعائرية والتعاملية وبالقرآن الكريم وبالمسجد وبذكر الله عز وجل وبالنوافل مثل صلاة الضحى، والأوابين، وقيام الليل، والتهجد، وتحية المسجد، وصلاة ركعتي سنة الوضوء، فضلاً عن صلاة التراويح في رمضان، وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، كان عليه الصلاة والسلام إذا ألمت به نازلة فزع إلى الصلاة.
(( قَالَ رَجُلٌ: قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))
[سنن أبي داود عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ]
ربط الطفل بمراقبة الله تعالى:
ينبغي أن تربط الطفل بنوافل الصوم، يوم عرفة ويوم عاشوراء وثلاثة الأيام البيض وصيام الاثنين والخميس، وينبغي أن تربطه بمراقبة الله تعالى الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، فالله تعالى معكم أينما كنتم:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) ﴾
(سورة آل عمران)
(( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))
[سنن الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))
[صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم]
هذه أيها الأخوة بعض ما ينبغي أن نربط أبناءنا به، كلام سهل وسماعه سهل وفهمه سهل لكن تطبيقه صعب يحتاج لهمة عالية.
من أجل أن يكون ابنك قرة عين لك ينبغي أن تربطه بأصول الدين وفروعه وقيم الدين وبطولاته، أما الآن صدقوني ولا أقول مبالغاً الشباب مربوطون بغير الدين، مربوطون بلاعبي الكرة، والشابات مربوطات بالممثلات، هذا كلام مؤلم جداً، مربوطون بالشاشة والأفلام وبالإعلام والقصص والمسرحيات والتمثيليات، هذا هو الربط، لذلك ماذا تنتظر من إنسان يعمل كل يوم أعمالاً لا ترضي الله، هذا إذا تكلم وتحرك لا يفعل إلا بالباطل والمعصية بحسب التغذية، فأنت لا تفاجأ إن رأيت من الابن شيئاً لا يحتمل، انظر للتغذية اليومية، بِمَ تغذيه كل يوم ؟ التغذية الشائعة بين الناس تغذية لا تبنى على إيمان بل تبنى على أن تغفل عن وجود الله إن لم أقل أن تلحد بالله، ما يسمعه الإنسان وما يراه عبر الوسائل المألوفة والفضائيات، الغفلة عن الله والابتعاد عن قضايا الإيمان والالتصاق بقضايا الدنيا، أما السلوك فلا ضابط له وليس فيه حرام أو حلال ولا ممنوع ولا عار ولا فحشاء، تفعل ما تشاء، وهذا الذي يراه الناس كل يوم لا يؤكد لا عقيدة صحيحة ولا انضباط، فلذلك سلوك الناس يتناسب مع التغذية التي يتلقونها، فإن أردت لابنك إيماناً وعلماً واستقامة ينبغي أن تربطه بقواعد الدين وبسلوك سيد المرسلين وببطولات الصحابة والتابعين وتربطه بالقرآن وبذكر الله وبالنوافل والمسجد، هذا الربط هو الذي يؤكد أن يكون ابنك قرة عين لك.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 12 - القواعد الأساسية في التربية : قاعدة الربط - 2-





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، لا زلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام ، ولا زلنا في القسم الثاني في الوسائل الفعالة في تربية الأولاد ، وكان موضوع الدرس الماضي ربط المربى ، الطفل الناشئ ، طالب العلم ، بالإيمان ، بالقرآن ، بالإسلام ، بالسنة .
ثقة النبي الكريم بنصر الله عز وجل :

ننتقل اليوم إلى ربط آخر هو الربط الفكري ، الحقيقة في ساحة الفكر تطرح أطروحات كثيرة جداً ، معظمها ما أنزل الله بها من سلطان ، هذه الأطروحات إن لم تدرس ، وإن لم تصنف ، وإن لم يستبعد منها ما كان مُخالفاً للكتاب والسنة فنحن في مشكلة كبيرة .
يعني مثلاً لو أن معلماً أو لو أن أباً يغلب عليه التشاؤم ، ويغلب عليه ضعف الإيمان ، ويغلب عليه جهله بما في القرآن الكريم ، وهو كلام خالق البشر ، وهو كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، حينما يغلب عليه التشاؤم فيقول انتهى المسلمون ، كلمة (انتهى المسلمون)تلفظها ولا تعني مدلولها البعيد ، لكن إن سمعها منك ابنك ، أو سمعها منك تلميذك ربما ثُبِّطت عزائمه ، ربما خارت قواه ، لذلك الله قال : ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
كلام رائع ، إذا كنت مؤمناً لا تشعر بالهوان ولا بالحزن فأنت الأعلى ، وهذا كلام خالق الكون ، أنا أحياناً أشعر أن الإنسان بحاجة ماسة إلى أن يثق بعظمة هذا الدين ، ما من مثلين صارخين يؤكدان ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله كهذين المثلين .
لما كان في الطائف ، كذبته قريش ، وحاربته ، وعزلته ، وسخرت منه ، فعلق الأمل على أهل الطائف ، فلما ذهب إلى هناك مشياً على قدميه لقيه أهل الطائف بالتكذيب وبالسخرية وبالإيذاء ، فعاد إلى مكة ، قال له سيدنا زيد وكان رفيقه في هذا السفر : كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله ناصر نبيه ، هذه ثقته بنصر الله عز وجل .
حينما تبعه سراقة ليقتله ، وليأخذ المئة ناقة جائزة من يأتي به حياً أو ميتاً ، قال له : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى .
قد تقرأ هذه الجملة ولا تقف عند مدلولاتها العميقة ، إنسان مهدور دمه ، أي إنسان يقبض عليه يأخذ مئة ناقة ، الناقة تقريباً تساوي مئتي ألف ، يعني مئة ناقة تساوي مئة مئتي ألف ، يعني مليوني ليرة تقريباً ، أكثر من عشرين مليوناً الآن ، عشرين مليون ليرة ، قال له : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى .
يعني أنا ذاهب إلى المدينة بحفظ الله ، وسوف أنشئ دولةً ، وسوف أحارب أكبر دولتين في العالم ، وسوف أنتصر عليهما ، وسوف تأتي إلى المدينة كنوز كسرى ويا سراقة سوف تلبس سواري كسرى ، هذا حصل في عهد عمر ، إذاً أرأيت إلى ثقة النبي بنصر الله . المعركة بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية :

أيها الأخوة الكرام أنا أشعر أن معظم المسلمين كادوا أن يقعوا في اليأس ، يرون قوة وعظمة لا سبيل إلى أحد أن يجابهها ، وهو متمكن من أطراف الدنيا ، متمكن من الأرض كلها رصداً ، وقصفاً ، وإفساداً ، وكذباً .
رجل من جلدتهم ، من ثقافتهم ، من جبلتهم ، يقنص الأبرياء ، وهذا عمل لا يقره إنسان ، وأول رسالة كتبها يعني بها أنا إله ، ثم ظهر أن هذا الشخص مسلم ، اسمه جون إيلي محمد ، ألغوا جون ، وألغوا إيلي ، وبقي اسمه محمد ، محمد فعل ، محمد قنص ، انظر إلى كيدهم ! ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
( سورة إبراهيم )
يأتي المؤمن يرى القوة بيدهم ، والإعلام بيدهم ، والرأي العالمي بيدهم وفي أي مكان ، فمن ضعف إيمانه تخور قواه ، فالمربي حينما ينطق بلسانه لتلاميذه ، أو الأب حينما يتحدث أمام أولاده أن المسلمين انتهوا ، ولن تقوم لهم قائمة بعد اليوم ، هذا كلام يعد في نظام التربية جريمة ينبغي أن تربطه بالحقائق ، لا بالرأي العام السائد المستنبط من إعلام موجه ، أو من إعلام مزور ، أو من إعلام يقبع على رؤوسه أعداء الدين .
من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة وقد استولى الفرنجة على معظم بلاد المسلمين ، واستولوا على المسجد الأقصى ما يقارب مئة عام وبعدئذٍ هذه الجيوش الجرارة سبعة وعشرين جيشاً من الفرنجة اكتسحوا الشرق الأوسط وأقاموا فيها مئة عام ، ثم أزيحوا وعاد المجد للمسلمين على يد صلاح الدين رحمه الله تعالى .
من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لما خرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، نحن في دمشق نستمع إلى أحياء قد لا ننتبه إلى معناها ، يقول لك برج الروس ، معنى برج الروس أن هولاكو أمر بذبح خمسين ألف إنسان ، وضعت جماجمهم على شكل برج ، وجاء وتكلم وقال ساخراً : استغفروا لنا فقد كنا سبب استشهادكم .
من كان يظن أنه بعد هولاكو وتيمورلنك والتتار تقوم للمسلمين قائمة ، وقد أزيح التتار والمغول على يد الظاهر بيبرس ، فاليأس نوع من الجهل ، هذا الإسلام لأنه دين الله ، لأنه يمثل وحي السماء ، لأنه يمثل الحق يحارب ، لأن المعركة بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، فأي شيء تسمعه أو تراه يندرج تحت هذه المعركة . الربط الفكري :
1ـ ينبغي أن تربط أولادك أو طلابك بالحقائق الناصعة المستنبطة من الكتاب والسنة :
يا أيها الأخوة الشيء الأول الذي ينبغي أن نلاحظه أن هذا الطفل ، وأن هذا الطالب ، وأن هذا الابن ، وأن هذا المريد إن صح التعبير يعيش قيماً ، ويعيش تاريخاً ، فإذا شوهت تاريخه ، أو شوهت قيمه ، أو أظهرت له العدو على أنه عدو لا يقهر فهذه ليست تربية ولكنها تسليط وتشويه ، فينبغي أن تربط هذا الطالب بالحقائق الناصعة المستنبطة من الكتاب والسنة : ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
وقال : ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
( سورة آل عمران )
وقال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
من لم يدعُ إلى الله على بصيرة لا يكن متبعاً لرسول الله ولا محباً لله تعالى :
الآن ينبغي أن تربط ابنك ، أو أن تربط تلميذك بمنابع أصيلة للإسلام ، في منابع أصيلة ، في منابع صافية ، في تغذية صحيحة ، وفي منابع عكرة ، في منابع مياهها ليست كما يتمنى الإنسان ، فأن تبحث عن مسجد تثق بنظافته ، وتثق بإخلاص القائمين عليه ، وتثق بالعلم الذي يطرح فيه ، هذه مهمة الأب ، فحينما ينسى الأب أن يختار لابنه المسجد المناسب ، والأصدقاء المناسبين ، والأصحاب المناسبين أيضاً يكون قد ربطهم بجهات ليست كما ينبغي ، حينما يقول عليه الصلاة والسلام : (( بلغوا عني ولو آية .))
[البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]
كل مؤمن ينبغي أن يختار مسجداً يثق بالقائمين عليه ، يثق بالعلم ، ويثق بالإخلاص ، ويثق بالصحة والصواب ، فإذا لزمت هذا المسجد ينبغي أن تنقل ما تسمعه من حق إلى من حولك ، هذه هي الدعوة إلى الله التي هي فرض عين ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108)﴾
( سورة يوسف )
من لم يدعُ إلى الله على بصيرة لا يكن متبعاً لرسول الله إطلاقاً ، والذي لا يتبع رسول الله لا يمكن أن يكون محباً لله لقوله تعالى : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾
( سورة آل عمران )
يعني أنا من باب الطرفة أعرف صديقاً يوم الجمعة يحب أن يشتري الفول من مكان من طرف المدينة الجنوبية ، وهو يسكن في طرفها الشمالي ، وفي أيام الشتاء الباردة يهيئ مركبته وينطلق بها من طرف المدينة الشمالي إلى طرفها الجنوبي ليأتي بطبق من الفول ليأكله مع أولاده صباحاً ، قد يكلفه هذا ساعتين أو أكثر ، أما حينما يريد أن يصلي الجمعة يختار أقرب مسجد دون أن يعبأ لا بخطيبه ، ولا بطريقة خطبته ، ولا بدعوته ، يعني عليه أن يركع هاتين الركعتين ليقول صلينا الجمعة والحمد لله ، وسقط عنه الوجوب وانتهى ، أنا أقول لهذا الإنسان أطبق من الفول أغلى عليك من دينك ؟!! بعض أساليب تربية الأولاد الناجحة :
ينبغي أن تبحث لابنك عن مسجد يرتاح له ، يقنع بخطيبه ، يقنع بمدرسيه ، يقنع بمعهده ، أما أن نلحقه بأي مكان ، بأي مسجد ، بأي معهد ، من دون الدراسة والتحقق ، هذا أيضاً ليس من أساليب تربية الأولاد الناجحة ، ولا من أساليب تربية الأولاد المثمرة .
تكلمنا في الدرس الماضي عن الربط الإيماني ، الإيمان بالقرآن والإسلام والسنة والتاريخ الإسلامي والسيرة ، الآن إلى الربط الفكري ، يعني الآن يطرح فكر في المكتبات ، في الأسواق ، ما كل كتاب يقرأ ، ولا كل دار نشر يشترى منها ، هناك دور نشر تبث السم في الدسم ، لأنه أحياناً كلمة تهز أعماق الإنسان ، لو أنها تمكنت منه دون أن يستطيع أن يردها بدليل تفعل فعلاً خبيثاً في نفسه .
أحياناً قصة تقرؤها ، قد لا تشعر ماذا فعلت ؟ قرأت قصة من عدة أيام أن فتاة متفلتة لا يضبطها شيء ، استغلت جمالها للحصول على كل مآربها ، سواء في الدراسة ، أو في التجارة ، أو في المناصب ، وحصلت على ما تريد ، فتاة زميلتها لأنها ملتزمة ، ولأنها تخاف الله ، وهي محجبة ، بقيت من دون أن تتزوج ، ثم جاءها زوج فقير جداً بالغ في إهانتها ، وبعد عشرين عاماً وازنت بين نفسها وبين هذه التي وصلت إلى أعلى مقام ، وأعلى ثروة ، وأعلى مكانة ، فأيقنت أنها كانت مخطئة أشد الخطأ حينما التزمت منهج الله عز وجل فانتكست ، هذه القصة بمثابة سم يدس في الدسم ، هل تعتقد أنت أن فتاة تؤمن بالله ، وتخشى الله ، وترجو رحمة الله ، وهي وقافة عند حدود الله ، وهي تخشى أن تسخط الله ، هذه تعامل كما تعامل الفاسقة ، إنك إن ظننت ذلك فإنك لا تقرأ القرآن الكريم . على المؤمن أن يكون حكيماً في دعوته إلى الله :
قال تعالى : ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
هذا الحكم سيسوءهم ، وهذا الحكم سيدمرهم ، وهذا الحكم سيثبط عزيمتهم ، وهذا الحكم سيصرفهم عن الحق ، والله أيها الأخوة زوال الكون أهون على الله من أن يعامل مسيئاً كما يعامل المحسن ، أو أن يعامل محسناً كما يعامل المسيء ، المطروح أحياناً في بعض الحلقات أن الله عز وجل طليق الإرادة ، هذا الكلام صحيح ، يمكن أن يضع هذا الذي عبده طوال حياته وأفنى عمره في طاعته في النار ، ويمكن أن يضع هذا الذي ناصبه العداء وغرق في المعاصي والآثام في الجنة أتستطيع أن تسأله لماذا ؟ لا ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
( سورة الأنبياء )
لأننا جميعاً ملكه إذاً يفعل بنا ما يشاء ، هذا الكلام ليس دعوة إلى الله ، هذا الكلام إبعاداً عن الله ، الله عز وجل قال : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
الله عز وجل يقول : ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة إلزاماً ذاتياً :
الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة إلزاماً ذاتياً ، قال : (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا .))
[مسلم عن أبي ذر]
قال : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
( سورة القلم )
قال : ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة )
قال : ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
( سورة سبأ )
قال : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء )
الله تعالى لا يُسأل عما يفعل من حيث القدرة لا من حيث الرحمة :
هذا قرآن ، أن تقول له إن الله لا يسأل عما يفعل ، قد نفهم هذه الآية فهماً راقياً جداً ، حينما يكون عدله مطلقاً لا يسأل عما يفعل ، يعني ـ تقريباً ولله المثل الأعلى ـ لو أجريت مذاكرة وكتبت على السبورة السلم ، وكيف وزعت العلامات وفق هذا السلم ، وأنت قد صححت الأوراق بدقة بالغة ، وأعطيت كل ذي حق حقه ، ثم وزعت الأوراق على الطلاب ، ثم سألتهم هل من سؤال ؟ هل من اعتراض ؟ فلزم الجميع الصمت ، ماذا يعني صمتهم ؟ أنك عدلت معهم ، ماذا يعني عدم اعتراضهم ؟ أنك كنت عادلاً معهم ، لمَ لا تفهم قوله تعالى لا يسأل عما يفعل من هذا القبيل ؟ لمَ لا تقول مع بعض العلماء عدله يسكت الألسنة ؟ شيء آخر ، ضربت مثلاً أن أباً لا ينجب ، بعد سنوات عشر أنجب طفلاً وتعلق به تعلقاً يفوق حدّ الخيال ، يخاف عليه من الهواء ، هذا الأب من حيث القدرة ألا يستطيع أن يذبحه ، من حيث القدرة فقط ، أليس عنده عضلات وسكين حادة ؟ من حيث القدرة هل بإمكانه أن يذبحه ؟ تقول : نعم ، سؤال ثانٍ : أيفعلها ؟ تقول : لا مستحيل ، مستحيل وألف ألفُ مستحيل أن يفعلها ، فإذا قلنا لا يسأل عما يفعل من حيث القدرة لا من حيث الرحمة : ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
أنت حينما تبث في نفوس الطلاب ونفوس الأبناء الأفكار التي تثبط العزائم ، مرة قرأت قصة في كتاب مدرسة للصف الثامن أن موظفاً مستقيماً لا يأكل مالاً حراماً ، راتبه لا يكفي ، دخلنا إلى بيته لا وقود عنده ، ولا زيت ، ولا سكر ، ولا يوجد شيء في البيت ، بيته قطعة من الشقاء ، حسناً هذا الذي يقرأ هذه القصة بماذا يشعر ؟ ماذا تعني الاستقامة ؟ الفقر المدقع هكذا قال الله عز وجل ؟! الله عز وجل قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾
( سورة فصلت )
يعني أحياناً يكون عند المعلمين أو الأساتذة أو الآباء فكر مشوه ، أو ضعف في فهم كتاب الله ، أو تشاؤم ، أو سوداوية ، فإذا بثوا أفكاراً لا تنهض بنفوس الطلاب ، فقد تصنف تربيتهم بأنها تربية مدمرةٌ وليست بناءة .
2ـ ينبغي أن تربط أولادك أو طلابك بالفكر الصحيح المستنبط من الكتاب والسنة :
إذاً الربط الثاني ينبغي أن تربط أولادك أو طلابك بالفكر الصحيح المستنبط من الوحيين الكتاب والسنة ، لا أن تربطه بأطروحات وتساؤلات وتصورات ما أنزل الله بها من سلطان ، حدثني أخ أنه سمع في بعض المحطات من دكتورة مختصة في التغذية ترى أن أسباب الحروب في العالم كلها تعزى إلى أكل اللحم ، الإنسان إذا أكل اللحم يصبح متوحشاً ، أما إذا أكل النبات يصبح مسالماً ، القضية سهلة جداً نوقف أكل اللحوم ونأكل خضراوات ، ما كل شيء يطرح في الساحة صحيح . الربط الاجتماعي :
الآن ننتقل إلى الربط الاجتماعي ، الإنسان كائن اجتماعي ، الإنسان لا يعيش وحده ، هذه حقيقة ثابتة في الإنسان ، وأساساً الله عز وجل قهر الإنسان أن يكون في مجتمع ، السبب يعني مكَّنك أن تتقن حاجة ، أن تتقن عملاً واحداً أو عملين ، أنت بحاجة إلى مليار حاجة ، تحتاج إلى زر هذا له معامل وله خبراء ، تحتاج إلى خيوط لتثبيت هذا الزر في القميص ، تحتاج إلى خياط ، تحتاج إلى معلم ، تحتاج إلى حلاق ، تحتاج إلى خباز ، تحتاج إلى شواء ، تحتاج إلى مكتبة ، يعني حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى ، لأن الله سمح لك أن تتقن حاجة واحدة ، فهو قهرك أن تكون في جماعة ، أنت تشتري الخبز صباحاً من الفرن فهل تعرف كيف صار هذا الخبز رغيفاً ؟ بدأنا بحرث الأرض ، وتسميدها ، وتعقيمها ، ثم بزرعها ، وسقايتها ، والعناية بها ، وتعشيبها ، ثم بمتابعتها ، ثم بمكافحة الأوبئة فيها ، ثم بحصاد القمح ، ثم بدراسته ، ثم بسلقه ، ثم بتيبيسه ، ثم بطحنه ، يعني لو أنك مكلف أن تأكل الخبز من صنعك من أول مرحلة شيء فوق طاقة البشر ، لو أنك مكلف أن تعلم ابنك الرياضيات وأنت لا تقرأ ولا تكتب هذا شيء مستحيل ، إذاً سمح لك أن تتقن حاجة وأنت محتاج إلى مليار حاجة ، إذاً أنت مقهور أن تكون في مجتمع والمجتمع مجال للعمل الصالح ، هل يمكن أن يكون لك عمل صالح من دون مجتمع ؟ إطلاقاً .
الآن إذا شخص سكن في قمة جبل ماذا يفعل ؟ يخاطب من ؟ يطعم من ؟ يحل مشكلة من ، لما الله عز وجل قال : ﴿ سَابِقُواْ (21)﴾
( سورة الحديد )
سابقوا هذا معنى المسابقة ، هل سمعت في الدنيا أن سباقاً يكون فردياً ، والله عملت سباقاً رائعاً كنت الأول ، مع من ؟ مع نفسي ، هذا مستحيل ، لا يستطيع أن يتسابق لوحده ، سابقوا في مجموعة ، إذاً الإنسان كائن اجتماعي ، مقهور بأن يكون اجتماعياً . الطالب أو الابن يحتاج إلى مرجعية دينية :
الإنسان بحاجة إلى مجتمعه ، بل في الدرجة الأولى هو بحاجة إلى مجتمع ليعمل العمل الصالح الذي هو علة وجوده في الأرض بدليل أن الإنسان حينما يقارب الموت يقول : ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً (100)﴾
( سورة المؤمنون )
كأن أعظم شيء تفعله في الدنيا أن تعمل صالحاً ، والعمل الصالح يحتاج إلى جماعة ، ويد الله مع الجماعة : (( ومن شذَّ شذ في النار . ))
[الترمذي عن ابن عمر]
((عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد))
[الترمذي عن ابن عمر]
(( عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .))
[أبو داود عن أبي الدرداء]
أول شيء اجتماعياً الطالب أو الابن يحتاج إلى مرجعية دينية ، يعني لا يوجد إنسان إلا وله موجه ، فإما أن يكون الموجه شيطاناً أو ملاكاً ، إما أن يوجهه إنسان من أهل الدنيا ينصحه بالمعاصي والآثام ، أو إنسان من أهل الآخرة ، فأنت تحتاج إلى من يوجهك ، إلى من يرشدك ، إلى من يدلك على الطريق ، إلى من يحذرك ، إلى من يشجعك ، إلى من يأخذ بيدك ، فالطالب يحتاج إلى مرجع ديني ليسأله أحياناً ما حكم هذا الشيء ؟ فأنت دون أن تشعر في البيت تنتقد الدعاة إلى الله ، وقد تسخر أحياناً ، أنت ماذا تفعل ؟ حطمت المثل العليا في حياة الصغير ، أو أنت حينما تنتقد معلم ابنك ماذا تفعل ؟ حطمت مثله الأعلى ، فمن الخطأ الكبير أن تنطلق في البيت تتحدث بشكل صحيح أو غير صحيح عن هؤلاء الذين هم في نظر الناس قدوة ، فالذي يحصل الآن ما من مجلس إلا وينهش في أعراض الدعاة لماذا ؟ في سبب عميق ، هذا السبب يقبع في العقل الباطن .
أخواننا الكرام الإنسان حينما يعصي الله يختل توازنه ، إنسان مستقيم لما قبض أول مبلغ حرام اختل توازنه ، دون أن يشعر لا يصدق أن أحداً أمين ، أنت قبل أن تأكل المال الحرام كنت تعتقد أن هناك أناساً طيبين ، نزيهين ، صادقين ، أمناء ، تثني عليهم وتعتز بهم ، لماذا بعد أن أكلت المال الحرام أنكرت أن يكون إنسان مستقيماً ، صار في عقلك الباطن اختلال توازن ، هذا الاختلال في التوازن لا بد من أن يصحح ، لا بد من أن يستعيد توازنه . حينما يعصي الإنسان ربه يختل توازنه :
يستعيد المنحرف توازنه بإحدى طرائق ثلاث : أول طريقة أن يتوب إلى الله هذا أفضل شيء ، أن يرجع إلى الله ، أن يعقد مع الله الصلح ، لكن حينما لا يرجع إلى الله وقد شذ ، وعصا ، وانتهك حرمات الله ، وخرق استقامته ، الآن يحاول أن يعيد توازنه عن طريقين فاسدين ؛ إما أن يبحث عن فتاوى ضعيفة تغطي انحرافه ويتمسك بها ، ويثني على من أفتى بها ، ويتهم من لم يُفتِ بها أنه متزمت ، لأن هذه الفتاوى تغطيه ، أو أن يتهم كل الصالحين بأنهم سيئون ، فهناك شيء شائع الآن أينما جلست هناك من ينتقد ، أنا لا أقول هؤلاء معصومون ، أما أن يكون الضغط عليهم وحدهم ، وكل هؤلاء المنحرفين ، والزناة ، وشاربي الخمر ، والمنافقين ، والكذابين كلهم في منجاة من لسان المتكلم ، أما لسانه يخوض في أعراض هؤلاء الذين توخوا الحقيقة ودعوا إلى الله ، هذا خطأ كبير ، فإذاً نقد الصالحين هو عملية غير ناجحة لاستعادة التوازن الذي ينشأ من خلل سببه معصية الله عز وجل ، والدليل أنت حينما تستقيم تحب أهل الدين وتثني عليهم ، أقوى دليل في عهد النبي ، السيدة عائشة روج بعض الناس أنها زنت ، الخبر سار في الناس كالنار في الهشيم ، ماذا قال الله عن المؤمنين ؟ قال : هؤلاء يظنون بأنفسهم خيراً ، وقالوا : معاذ الله هذا بهتان عظيم ، أما الذي ليس مستقيماً أعجبه الخبر ، الخبر غطاه ، قال هؤلاء المنحرفون : نحن من ؟ زوجة رسول الله وقعت في الحرام ، نحن من ؟ فكلما سمع خبراً فيه انحراف ، من يصدقه ؟ المنحرف ، من يأباه ؟ المستقيم ، فحينما يعصي الإنسان ربه يختل توازنه ، الأولى أن يستعيده بطاعة الله ، بالاستقامة على أمر الله ، لكنه يفعل أحياناً على خلاف ذلك ، يستعيده بالطعن بصالحنا ، ويستعيده أحياناً بالتعلق بفتاوى ضعيفة شاذة تغطيه .
إذاً الربط الاجتماعي يحتاج إلى مرجعية لك ، مثل أعلى ، طبعاً أنا لا أقول أن هناك إنسان معصوم إلا النبي ، لكن العلماء قالوا : الأنبياء معصومون والأولياء محفظون ، ومعنى محفوظون أن معصيتهم لا تضرهم ، بمعنى أنها ليست كبيرة ، كما أنها ليست عن قصد وتصميم ، يعني سريعاً ما يتوبون ، سريعاً ما يرجعون ، إذاً هم محفوظون وليسوا معصومين ، والمعصوم هو سيد الخلق وحبيب الحق . الربط الاجتماعي يحتاج إلى أصدقاء صالحين :
الآن الربط الاجتماعي يحتاج إلى أصدقاء صالحين ، إذاً الأب والمعلم ينبغي أن يختار لتلميذه ولابنه أصدقاء صالحين ، لا بد من صداقة ، ينبغي أن تربطه بالصديق الناصح، بالصديق المؤمن ، بالصديق الذي يصلي ، بالصديق الذي تربى في بيت مسلم ، أما إذا ربطته بصديق تربى في بيت غير مسلم يذهب إلى بيت صديقه يرى اختلاطاً وأفلاماً وتفلتاً تعجبه هذه الطريقة ، يكره بيته ، لا يعجبه بيته ، فأنت ينبغي أن تربطه بمرجع ديني ، أو بمرشد ورع ، عالم ورع ، وينبغي أن تربطه بأصدقاء صالحين تربوا في بيئة صالحة ، ثم ينبغي أن تربطه بزملاء في العمل ، قد تكون موظفاً يعني أنت قد تكون عاملاً ، أنت بحاجة إلى أصدقاء وزملاء ، الصديق قد لا يكون من جنسك ، لكن بكل دائرة ، بكل معمل ، بكل مؤسسة ، بكل مدرسة ، بكل جامعة تجد أناساً صالحين ، فينبغي أن تربط له صديقاً من جواره أو مدرسته ، وصديقاً من عمله ، فلا بد من مرجعية ، ولا بد من أصدقاء صالحين ، هؤلاء هم الربط الاجتماعي للإنسان .
أنا أحياناً تأتيني بعض المشكلات ، أجد أن إنساناً هو وزوجته وأولاده على استقامة رائعة ، لكن كل أعمام هذا الغلام ليسوا على منهج أبيه ، فإذا زار هذا الغلام أعمامه وقع في إشكال كبير ، الأمور غير منضبطة ، والكلام ليس منضبطاً ، والأجهزة ليست منضبطة ، لكن لو تخيلنا أن خمسة أعمام على منهج واحد ، ومن جامع واحد مثلاً ، والبيوت كلها منضبطة سواء في الحجاب ، أو في الكلام ، لو هذا الابن زار أي بيت من بيوت أعمامه لا يتأثر إطلاقاً ، لأن الجو موحد ، عندما يأتي الأخ بأخيه إلى المسجد أصبح هناك اثنين في الأسرة ، لو حاول أن يأتي بالأخ الثالث أصبحوا ثلاثة ، لو جاء بالأخ الرابع أصبحوا أربعة ، يعني أصبحوا أكثرية في البيت منضبطين بالشرع ، فصار الأول استقامته أسهل بكثير لأن هناك من يسانده ، هناك من يدعمه ، هناك من يدافع عنه ، أما إذا كان فريداً وحده يعني في دعوة مختلطة ، هذا الشاب الملتزم أكل لوحده يأتيه التقريع والاستهزاء والسخرية ، أما إذا كل أخواته ملتزمون مثله اختلف الأمر .
إذاً الربط الاجتماعي أن تربطه بمسجد ، أن تربطه بمرشد ، بإنسان صالح يعد مرجعاً له ومثلاً أعلى ، وأن تربطه بأخوة في المسجد ، وأن تربطه بأصدقاء في الحي ، وبأصدقاء في المدرسة ، وأصدقاء في العمل ، يريد في العمل صديقاً ، بالمدرسة صديقاً ، بالحي صديقاً ، بالمسجد صديقاً ، براعة الأب تتأتّى من اختيار الأصدقاء الصالحين لابنه ، أو المعلم لطلابه .





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 13 - قاعدة الربط -3- الربط بالدعوة والداعية





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
لا زلنا في سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني في الوسائل الفعالة في تربية الأولاد، وقبل رمضان كنا في موضوع الربط، ربط الطفل بدينه، ربطه بقرآنه، ربطه بالمسجد، ربطه بالمرشد الرباني، ربطه بالصحبة الصالحة، واليوم ننتقل إلى ربط الولد بالدعوة والداعية.
نجاح تربية الأولاد في الإسلام مرتبط بربط الطفل مع الدعوة الإسلامية:
أيها الأخوة الكرام من أجل أن ترى جيلاً يحمل همَّ المسلمين، من أجل أن ترى جيلاً يحمل همَّ أمته، من أجل أن ترى جيلاً يخرج من ذاته إلى الخلق، هناك نموذج معاصر هو إفراز تراكمات كثيرة، النموذج المعاصر تراه صارخاً في الغرب، وموجوداً في الشرق، الإنسان همه شهوته، همه دخله، همه مصلحته، ولا يعبأ بأحد، هذا الإنسان لا يمكن أن ينصر أمته، ولا أن ينهض بمجتمعه، ولا أن يحمل همَّ المسلمين، ولا أن يكون عنصراً فعالاً في رقي أمته، إفرازات التربية السيئة، إفرازات التربية التي لا تعتني بالقيم الإسلامية، إفرازات التربية العلمانية، إفرازات التربية التي ألفها أهل الكفر، هذه التربية تفرز إنساناً لا ينتمي إلا لنفسه، لا ينتمي لأحد إطلاقاً، هذا النموذج كما قلت قبل قليل تجده صارخاً في الغرب.
أضرب لك مثلاً: إنسان مضطجع تحت شجرة تفاح، والمثل تركيبي، رأى تفاحة زاهية اللون في أعلى الشجرة، وبيده منشار كهربائي فمن أجل أن يأكل هذه التفاحة قطع جذع الشجرة وأخذ التفاحة وأكلها، همه هذه التفاحة، أما قطع الشجرة وإلغاء خيرها فهذا لا يهمه.
الإنسان إذا ربي تربية علمانية، أو ربي تربية مادية، أو ربي تربية على نمط أهل الغرب لا يهمه إلا ذاته، لا يهتم بأحد، هذا الشعار رفعه من ؟ رفعه نيرون، قال: من بعدي الطوفان، والذي همه نفسه، وهمه دخله، وهمه مصلحته، لا يمكن أن تقوم أمة على هذا النموذج، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ))
[الترمذي عن أنس والطبراني عن ابن عباس]
إن أردت لهذا الجيل أن ينهض بهذه الأمة، إن أردت أن تستمع الأخبار السارة للمسلمين لا بد من أن تبدأ بالصغار، وأعود وأكرر الأطفال أطفالنا هم الورقة الرابحة الوحيدة التي في أيدينا، إنهم المستقبل، المتقدمون في السن هم الماضي، والكهول هم الحاضر، والصغار هم المستقبل، فمن أجل أن تنجح تربية الأولاد في الإسلام لا بد من أن تربط الطفل مع الدعوة الإسلامية.
أحد أكبر وسائل الدعوة تعرية الكفر والعلمانية والعولمة والغرب:
الحقيقة أول شيء يجب أن تعري هذه الحضارة المادية، يجب أن تبين سلبياتها لئلا يتعلق الطفل بها، قد يتعلق الطفل بها فينسى دينه، الطفل همه السيارة، والمركبات، والطائرات، والآلات، والكمبيوتر، وآلات التصوير، يعني كيان الطفل كله هذه المخترعات، أما حينما تربيه تربية دعوية، تربيه أن يلتفت إلى الكون، وما فيه من آيات باهرات، تربيه أن يلتفت إلى القرآن وما فيه من منهج قويم، إلى سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، حينما تربط هذا الطفل بالدعوة العامة، الدعوة العامة فيها هدم وفيها بناء، ولن يقوم بناء إلا على هدم، يعني مثلاً: أنت حينما تسمح أن يشاهد ابنك عملاً فنياً فيه بطل إيجابي، هذا البطل يشرب الخمر، ويختلط مع النساء، وزوجته تمشي بلا حشمة إطلاقاً، وهو البطل الأول في القصة، فالطفل ماذا يصنع ؟ يعظمه على ما به من انحراف، فالحقيقة أن مناهج التعليم ينبغي أن تكون مدروسة، الأعمال الفنية ينبغي أن تكون مدروسة، لأن الطفل أحياناً يتغذى بها، فإن أردت جيلاً ينهض بأمته، يحمل همَّ أمته، يسعى للنهوض بأمته لا بد من أن تربطه بالدعوة الإسلامية، فالدعوة أحد أكبر وسائلها تعرية الكفر، تعرية العلمانية، تعرية العولمة، تعرية الغرب، طبعاً في إيجابيات، والخمر فيها إيجابيات.
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (219) ﴾
( سورة البقرة)
ما في إنجاز حضاري سيئ إلا وفيه إيجابيات، نحن نبتعد عن الشيء إذا غلب شره على خيره. على الإنسان بث الأمل بعد تعرية مجتمع الكفر:
الآن بعد أن تعري مجتمع الكفر، مجتمع النفاق، مجتمع المادة، مجتمع القسوة، مجتمع الكذب، مجتمع الإباحية، مجتمع الاختلاط، مجتمع ترك العبادات، مجتمع تعظيم الغرب:
(( كل نفس تحشر على هواها فمن هوى الكفرة فهو مع الكفرة و لا ينفعه من عمله شيئاً.))
[أخرجه السيوطي عن جابر]
بعد أن تعري هذا المجتمع لا بد من أن تبث الأمل، أخطر مرض يصيب الأمة اليأس.
بربكم الفرنجة أقاموا في الشرق قرابة كم سنة ؟ تسعين عاماً واحتلوا القدس، واحتلوا أنطاكية، وحمص، وحلب، والشام، ولو أننا أيقظنا أناساً من قبورهم عاشوا هذا الاحتلال، وهذا القهر، وهذا الطغيان ماذا يقول ؟ انتهى المسلمون، لم يعد في أمل، فلو علموا أن هؤلاء الفرنجة رحلوا معناها في أمل، والآن الأعداء احتلوا، كم مضى على احتلالهم ؟ ستون عاماً تقريباً، خمسة وستون عاماً، الفرنجة جلسوا تسعين عاماً وانتهوا، التتار اقتحموا هذه البلاد، يقول لك: برج الروس، هل أنت منتبه لمعنى الاسم ؟ هولاكو بنى برجاً من الجماجم خمسين ألف جمجمة كانت على شكل هرم، هذا هو برج الروس في منطقة القصاع، جاء على هذه البلاد طغاة، تيمورلنك، هولاكو، التتار، الفرنجة، الفرنسيون، ورحلوا في النهاية، والإسلام باقٍ، والإسلام شامخ، أهم شيء ألا ننهزم من الداخل، الله له امتحانات عديدة، من أصعب امتحاناته حينما يقوي الكافر، يفعل ما يريد، يملي إرادته على كل الشعوب، معه قوة كبيرة جداً، يملي عولمته، يملي إباحيته، يملي ثقافته، يمنع الثقافات الدينية، حينما يقوي الله الكافر لحكمة يريدها، يقول ضعيف الإيمان أين الله ؟ هذا امتحان صعب جداً، ففي مثل هذا الامتحان الصعب ينبغي أن يكون جزء من الدعوة إلى الله بث الأمل في النفوس، يعني بعد تسعين سنة صعد الخطيب المسلم منبر المسجد الأقصى، وألقى خطبة اهتزت لها رمال البيض، بدأ بخطبته:
﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) ﴾
(سورة الأنعام )
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يقطع دابر هؤلاء مرة ثانية.
اليأس دليل الكفر والجهل:
اليأس دليل الكفر، اليأس دليل الجهل، اليأس هو يأس من رحمة الله.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) ﴾
( سورة آل عمران )
وقال:
﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140) ﴾
( سورة آل عمران)
لمَ لم يجعل الله المؤمنين أقوياء على مدى التاريخ ؟ قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140) ﴾
( سورة آل عمران)
لو كان الأمر كلك لأصبح أهل الأرض منافين للمؤمنين، لكن في وقت إن أعلنت إسلامك تحاسَبْ ومع ذلك أنت مسلم، هناك علماء يقولون: الإنسان يتدين عند الفقر فقط، أو عند المرض، أو عند القهر، هناك أناس أقوياء متدينون، هناك أناس أصحاء متدينون، هناك أناس أغنياء متدينون، فالله عز وجل يجعل الأيام دولة بين الناس:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 140 )
مهمة الداعية والأب والمربي أن يبث روح التفاؤل والثقة بالله عز وجل:
في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لم ينتصر في أحد، ولم ينتصر في حنين، فمن سنة الله الكونية أنه ينصر المؤمنين تارةً والكفار تارةً أخرى، نحن جاء ترتيبنا في الحياة الكفار أقوياء جداً، لذلك الأخبار من دون إيمان باليوم الآخر تسبب جلطة، يموت الواحد سريعاً من دون إيمان باليوم الآخر، الأخبار مزعجة جداً، لكن أنا مهمتي كداعية، مهمتي كمعلم، مهمتي كأب أن أبث روح التفاؤل والثقة بالله عز وجل، الأمر بيد الله وحده.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (123) ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
هذا الطفل ينبغي أن يعتز بدينه، أن يرى أن الأمر بيد الله لا بيد زيد أو عبيد، الأمر بيد الله لا بيد وحيد القرن، بيد الله وحده، والله عز وجل حينما خلقني لم يسلمني إلى أحد، لماذا يأمرني أن أعبده، لماذا يقول لي:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ َاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
لأن أمري بيده فقط لا بيد سواه، لو ذهبنا إلى بلد إسلامي، يعني أراد بعض من كان على سدة الحكم أن ينهي الإسلام كلياً، هل انتهى الإسلام ؟ لا، لم ينتهِ الإسلام لأن الله عز وجل يقول:
﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (32) ﴾

( سورة التوبة )

أنت إذا رأيت إنساناً يحاول إطفاء الشمس بنفخة من فمه، بماذا تتهمه ؟ الشمس ! إذا كان من سابع المستحيلات، ولا واحد بالمليار، ولا واحد بمليار مليار مليَار مليار يمكن أن يطفئ الشمس، فكيف بإنسان يريد أن يطفئ نور الله عز وجل، الإسلام باقٍ، والإسلام يتنامى، وعظمة هذا الدين أنه كلما قمعته ازداد قوة. الإسلام أسرع دين في النمو في العالم اليوم:
والله حدثني أخ قال لي: والله جاءتنا كمية مصاحف، كمية غير معقولة، وجاهزة، محل كبير جداً بمركز إسلامي بأمريكا، وفي عندنا مشكلة، نحن في أمس الحاجة إلى مكان، هذه المصاحف ليس عليها طلب بالمرة، بعد أحداث أيلول لو عندنا عشرة أضعاف لم يبقوا، لو عندنا مئة لم يبقوا، إقبال على كتاب الله وعلى كتاب إسلامي بشيء لا يصدق.
الآن أخواننا الكرام في الظاهر الإسلام يحارب في كل مكان، أما في الحقيقة الإسلام يتنامى في كل مكان، الآن أسرع دين في النمو في العالم هو الإسلام، كنت أستمع قبل يومين لإذاعة وأنا بمركبتي، أن الإسلام في فرنسا ثاني دين، ثلاثة وزراء مسلمين، خمسة أعضاء بالمجلس، بالبرلمان، والعالم الفلاني مسلم، والعالم الفلاني مسلم، والله شيء جميل، لكن هذا الذي يتكلم قال: وراقصة الباليه الفلانية مسلمة أيضاً، يعني يتباهى أنها مسلمة، لم ينتبه إلى ما يقول، بفرنسا الدين الثاني، بأمريكا في عشرة ملايين مسلم يتزايدون، لا يوجد دين ينمو بسرعة كالإسلام، يقدم لك صورة دقيقة متناسقة عن الكون والحياة والإنسان، يعطيك منهجاً موضوعياً، منهجاً لا يقوم على التعصب، منهج الإسلام إنساني، ليس عنصرياً، يعني أحياناً أنت تؤخذ بدولة تعتني بشعبها عناية تفوق حد الخيال، لكنها تذبح الشعوب، هل تحترمها ؟ لا والله، هذه دولة عنصرية، يزرع للكلب مفصل، الآن عندنا زراعة مفصل شيء غالٍ جداً، يعني بمئات الألوف، المفصل ثمنه مئة ألف، يزرع للكلب مفصل، يزرع للكلب سن، يبدل شريان لقلب كلب، للكلب طبيب نفسي لأن معه كآبة.
دخل واحد إلى سوق، سوق فخم جداً، لم يصدق هذه المعلبات الفخمة، فملأ سلته من هذه المعلبات، وهو يحاسب، سألته الموظفة: أعندك كلب ؟ قال: لا، قالت: أرجعه هذا كله طعام للكلاب.
في تفوق كبير، فينبغي أن تبث في روح أولادك إن كنت أباً، وروح طلابك إن كنت معلماً، وروح أخوانك إن كنت داعية أن هذا الإسلام هو دين الله، وأن الله لا يتخلى عنه أبداً، وأنه ينصره بطريقة عجيبة.
يجب ربط الطفل بالدعوة لأن أحد أساليب كيد الشيطان تحطيم المثل كلها و ذلك بـ:
لابدّ من أن تربط ابنك ربطاً دعوياً.
1ـ يجب أن تعري هذه الحضارة الإباحية التي أساسها المال والجنس:

أولاً: يجب أن تعري هذه الحضارة، يعني مثلاً أنا قرأت في الانترنت أن سفير دولة عظمى هي قطب العالم الأول، سفيرها في بوخارست لا بد من أن يقام له حفل لوداعه وإعطائه أوراق الاعتماد ليقدمها للدولة التي هو فيها سفير، والعادة أن هذا الحفل مختلط، يعني المدعو مع زوجته، فالمفاجأة أن هذا السفير لدولة عظمى معه شريكه الجنسي، رجل شاذ، فهذا ينبغي أن يعرى، لا بد من أن تقول: الوزير الفلاني يقول عن نفسه أنه شاذ جنسياً، لا بد من أن تعري هذه الحضارة، حضارة إباحية، حضارة أساسها المال والجنس، يعبدون المال والجنس من دون الله، هذه الحضارة، هذه الحضارة صالحة للدنيا فقط، عند الأغنياء من الناس، لا عند الضعفاء والفقراء، لكن الذي يفعل فعلهم سوف يلقى حساباً عسيراً يوم القيامة.
شيء ثانٍ: ماذا يعني أن تربط هذا الطفل إن كان طالباً في المدرسة، أو كان ابناً في البيت، أو كان طالب علم في المسجد، ماذا يعني أن تربطه بالدعوة، يعني لا بد من قدوة، لا بد من مرجعية، لذلك أحد أساليب كيد الشيطان تحطيم المثل كلها، يعني في محطات فضائية بالنهاية ما في إنسان إلا خائن، ما في إنسان إلا عميل، هذه المحطة تُمَوَّل بمال الموساد من أجل تحطيم المثل، لا يبقَ مثل أعلى، لا بالحقل السياسي ولا بالديني ولا أبداً، كله سلسلة فضائح، فما لم يكن للمجتمع رأس مرجعية، قدوة.
أنا أضرب مثلاً من واقع الحياة، أب جالس فجاء ابنه الصغير وقال له: بابا هكذا قالت المعلمة، فقال الأب: معلمتك لا تفهم، أنا أقول أن الأب قد أجرم بحق الابن فهي معلمته، الطفل يشاهد معلمته كبيرة جداً، الأب لم ينتبه، هذه القصص كثيراً ما تحدث، لا ينتبه يسب فلاناً، يسب فلاناً والأب مرتاح، أنت حطمت مُثلاً، أنا لا أقول لك المعلمة معصومة، لا، ولا المعلم معصوم، أحياناً قد يكون شاباً طائشاً شارداً غارقاً بالمعاصي والآثام، الله يهديه لجامع، أي جامع أنتم ؟ الجامع الفلاني لا يفهمون شيئاً، هؤلاء كلهم مجانين، هكذا حطمه، والله في آباء يتكلمون كلمات والله هي كلمات الشيطان دون أن يشعروا، أنا لا أضرب أمثلة كثيرة لكن فهمكم كفاية، تحطيم المثل كلها من عمل الشيطان، في أناس صالحون، في أناس مخلصون، وفي أناس كرماء، وفي أناس ورعون، وفي أناس منضبطون، تقول لا أحد جيد ؟ هذا كلام فارغ، كلام الشيطان، أنا بهذا لا أدافع ولا أمدح لكني لا أصدق أن تخلو الأرض من صالح، ولا تخلو الأرض من جهة مخلصة، ولا تخلو الأرض من جهة مضحية، بكل زمان من قال: هلك الناس فهو أهلكهم، هو أشدهم هلاكاً، هم ليسوا هالكين، لكن أهلكهم هو.
ما جرى من أحداث جسام في هاتين السنتين أعاننا على أن نكفر بالطاغوت:
يا أيها الأخوة ربط الطالب في المدرسة، والابن في البيت، وطالب العلم في المسجد، ربطه أولاً بالدعوة الإسلامية، هذه الدعوة تقوم على تعرية الطرف الآخر، لا بد من هدم قبل البناء والدليل:
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾
( سورة البقرة )
أساساً ما جرى من أحداث جسام في هاتين السنتين من أجل أن نكفر بالطاغوت، لأن الطاغوت كان بيننا وبين الله، كان حجاباً بيننا وبين الله، لقد أعانونا على أن نكفر بهم، وهذا أكبر إنجاز، أعانونا على أن نكفر بهم، لقد سقطوا في الوحل، هذا أول شيء أن تعري الطرف الآخر الطرف الكافر.
2ـ يجب أن تبث روح الأمل:
الشيء الثاني: أن تبث روح الأمل، التتار دحروا، والفرنجة دحروا، والفرنسيون دحروا، وكل طاغية له بضعة أيام وتنتهي، والكتلة الشرقية انتهت، بمعجزة انتهت، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن تتبعها هذه الجهة الغربية أيضاً لتكون عبرة للناس، يعني الله عز وجل لا يسمح لأحد أن يتأله، لا يسمح لأحد أن يقول:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾
( سورة النازعات )
لا يسمح لأحد أن يقول:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾
( سورة القصص)
الأخطاء الفاحشة لا تأتي إلا من اجتهاد شخصي:
في جهة بشرق آسيا عندها سلاح نووي، طردت المفتشين ونزعت الكاميرات، وقالت: عندي سلاح نووي، ولن ألغيه وافعلوا ما شئتم، انضمت إليها دولة عظمى فأصبحت في وضع محرج الآن، يعني ما في إنسان يتأله الله كبير.
فيا أيها الأخوة بث روح الأمل، الله عز وجل:
﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾
( سورة الكهف )
وقال:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم )
وقال:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) ﴾
( سورة آل عمران )
الشيء الثاني: التعرية، وبث روح التفاؤل، ثم الربط بمرجعية معينة، الإنسان له مرجع، الأخطاء الفاحشة من أين تأتي ؟ من اجتهاد شخصي.
(( الجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))
[ رواه الإمام أحمد والطبراني عن النعمان بن بشير]
(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))
[أخرجه أحمد والترمذي والحاكم عن عمر ]
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))
[رواه أبو داود عن أبي الدرداء ]
على الأب الواعي ألا يحطم المُثل العليا أمام أولاده:
ليس من صالحك أيها الأب أن تحطم المثل أمام ابنك، لو في خطأ من المعلم اجعله بينك وبينه، اذهب إليه، والتمس منه أن لا يفعل هذا مع ابنك، أما كلما بلغك عن معلم، أو عن داعية، أو عن مرشد شيء ما راق لك، أو نقل لك خطأ، أو لم تستوعبه، ألقيت عليه حمماً من السباب والشتائم، أنت ماذا فعلت ؟ أنت حطمت المرجعية، حطمت المثل الأعلى، أنا لا أدافع عن هؤلاء الذين يخطئون، أنا دقيق جداً، لا أدافع عنهم لكن لا أرضى عن هذا السلوك، كلما نقل لي خبر ما راق لي أصب جام غضبي على هذا الإنسان.
شيء آخر مثلاً الطبيب يظهر أنه إنسان أولاً، دخل الجامعة بمجموع عالٍ جداً، معناها على مستوى عالٍ من الذكاء، ودخله كبير، ويسمح له دخله أنه يكون بيته فخماً، ومركبته جيدة وله مكانة، ودكتور ودَكتور، فكلما سألت طفلاً بالحضانة: ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل ؟ يقول لك: دكتور، المجتمع يقدِّر هذه المهنة.
مرة موجه تعليم ابتدائي ذهب إلى بلدة حدودية، فحسب السؤال التقليدي سأل أحد الطلاب قائلاً: يا بني أنت ماذا تحب أن تكون حينما تكبر ؟ قال له: مهرب يا أستاذ، يبدو المهرب هناك ذو شأن كبير.
هذا الطفل ما الذي يطمح إليه ؟ أنت حينما تربطه بالدعوة ربما قال لك: أحب أن أكون داعية يا أستاذ، إذا ربطته بالدعوة ورأى الدعاة شخصيات فذة، شخصيات نزيهة، واعية جداً، مطبقة جداً، مخلصة، بعيدين عن الدنيا، همهم نشر هذا الدين، حمل هم المسلمين، في أناقة، في ثقافة عصرية، في فهم، في لطف، يعني أنا أقول لكم هذه الكلمة سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، سيد الرسل، يوحى إليه، معه المعجزات، خاتم الأنبياء والمرسلين، أجمل خلق الله أجمعين، أفصح خلق الله أجمعين، أشدهم خشية لله، أشدهم رحمة لله، وهو على كل هذه الخصائص والميزات والفضائل قال له: يا محمد:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
على كل هذه الخصائص، فإذا كان واحد لا هو نبي، ولا رسول، ولا معه وحي، ولا معه معجزات، ولا هو فصيح، ولا هو جميل، ما عنده رحمة، وغليظ، لمَ هذه الغلظة ؟!! ذلك أن أنصاف الدعاة تختلط عندهم أخلاق الدعوة مع أخلاق الجهاد في سبيل الله. الله تعالى أمر نبيه الكريم بالشدة والغلظة في ساحة المعركة وباللين واللطف في الحياة المدنية:
الله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) ﴾
( سورة التوبة الآية: 73 )
هذه أين ؟ في ساحة المعركة، في ساحة المعركة ما في عفواً أكون قد أزعجتك للعدو، أرجو أن تسامحني، في قتل، ساحة المعركة ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
هذا في ساحة المعركة فقط، أما في الحياة المدنية:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
[سورة فصلت]
(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))
[ أخرجه البيهقي عن ابن عمرو ]
قال تعالى:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
قال تعالى:
﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) ﴾
( سورة طه )
فرعون وما أدراكن ما فرعون، الذي قتل أبناء بني إسرائيل، الذي استحيا نساءهم، الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾
( سورة النازعات )
الذي قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
بعض النصوص القرآنية عما يجب أن تكون عليه أخلاق الدعوة:
قال تعالى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾
( سورة طه )
قال تعالى:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ (22) ﴾
( سورة النور)
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ (22) ﴾
( سورة النور)
أخلاق الدعوة غاية اللطف، غاية الود، غاية التواضع.
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ﴾
( سورة سبأ )
بعض وصايا القرآن الكريم للداعية في التعامل مع غير المسلمين:
الآن مع الطرف الآخر، دققوا:
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 7 )
الطرف الآخر ينبغي أن تزوره، أن تقدم له هدية، أن تهنئه بالمولود، أن تعاونه، فإن كان غير مسلم ! هكذا القرآن:
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 7 )
قال تعالى:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ﴾
( سورة الممتحنة )
هذه آية ثانية:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾
( سورة المائدة )
ليس في الأرض من هو أفضل عند الله ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً:
هذه أخلاق الدعوة، الداعي كله لطف وأدب وتواضع وموضوعية ومسامحة وعفو، فينبغي أن تظهر فضيلة الدعوة إلى الله، ينبغي أن تعلم أبناءك، وأن تعلم طلابك، وأن تعلم أخوانك، أنه ما من إنسان أعظم عند الله على الإطلاق:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾
( سورة فصلت )
والدليل آية: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾
أي ليس في الأرض من هو أفضل عند الله: ﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
(( فَوَ اللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن سهيل بن سعد رضي الله عنه ]
(( لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
ينبغي أن تبين لهذا الطفل حتى لا يقول: أريد أن أصبح مهرّباً، بل يقول: سأصبح داعية، يجب أن تبين له عظم هذه المهمة.
أخواننا الكرام، بشكل دقيق جداً هذا أهم ما في الدرس، الحقيقة هناك دعاة إلى الله متفرغون ومتعمقون ومتبحرون، هؤلاء تحت قوله تعالى:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (104) ﴾
( سورة آل عمران الآية: 104 )
لن تكون مسلماً حقاً إلا إذا دعوت إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف:
لكن هناك دعاة ليسوا متفرغين ولا متعمقين ولا متمكنين، هؤلاء طلاب العلم، هؤلاء يجب أن يكونوا دعاة إلى الله ولكن في حدود ما يعلمون ومع من يعرفون، هذه الدعوة إلى الله هي فرض عين على كل مسلم، الدليل:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر )
التواصي بالحق أحد أركان النجاة.
(( بلغوا عني ولو آية ))
[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]
إذاً ينبغي أن تبين لابنك أو لطالبك أو لأخيك في المسجد، لن تكون مسلماً حقاً إلا إذا دعوت إلى الله " بلغوا عني ولو آية " في حدود ما تعلم ومع من تعرف.
إذا حضر أحدكم خطبة وتأثر فيها لو جعل لقاءاته مع أقربائه مع أصدقائه مع جيرانه في هذا الأسبوع موضوع اللقاء هذه الخطبة، نشر الحق، كلما نمت دوائر الحق ضيَّقتْ على دوائر الباطل، وكلما نمت دوائر الباطل ضيقت على دوائر الحق.
لكن أيها الأخوة، والله هذه كلمات مهمة جداً، لا يمكن أن تكون داعية جاهلاً، ما لك متمكن، قال له طلعوا على الشمس، كلهم يتكلمون بالعلم، وأنا أحكي بالعلم، قال له طالب: سيدي الشمس لسان اللهب طوله مليون كم، كيف طلعوا على الشمس ؟ قال له: بالليل طلعوا.
يجب أن تكون متمكناً من العلم الذي تلقيه، بالعلم ما في حل وسط يجب أن تكون متمكناً من العلوم الدينية والعصرية، أما طالب متفوق يقول لك عما يخبص، كل أرقامه غلط، ما له فهمان الموضوع، انتهيت عنده أنت، لو كنت ولياً انتهيت عنده، فكل داعية ينبغي أن يكون عالماً لكن ما كل عالم بداعية، الدعوة فن، لكن موادها الأساسية العلم، الدعوة كسوة بناء، قد يكون رخاماً، قد يكون بلوراً، قد يكون، أما الأساس هيكلها الأسمنتي، هذا هو العلم، ممكن العلم ينقل بأسلوب أدبي، بقصة، بفكرة بحكمة، بتسلسل معين، بلغة فصيحة، بعبارات أدبية ممكن، الدعوة يمكن أن تلبس ثوباً أدبياً جميلاً، أما لا بد للداعية من أن يكون عالماً.
على الداعية أن يطبق علمه بعد أن يكون عالماً:
الشيء الثاني، لا بد للداعية بعد أن يكون عالماً أن يكون مطبقاً لعلمه، حدثني طالب علم شرعي سمع درساً عن التواضع، يعني شيء رائع جداً، تسلسل الموضوع والآيات والأحاديث والسيرة، وشيء من أفعال الصحابة، وشيء من العلماء، محاضرة قيِّمة جداً، بعدما انتهت المحاضرة، الذي ألقى المحاضرة جلس جلسة كبر، هذه المحاضرة سقطت، لأن الذي تحدث عن التواضع لم يكن متواضعاً، فلا بد من أن تكون عالماً، وأن تكون مع العلم عاملاً، عالماً عاملاً.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾
( سورة الصف )
وقال:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (44) ﴾
( سورة البقرة الآية: 44 )
قال له: أثناء الأذان شربت، قال له: لقد فطرت، عليك إعادة صوم هذا اليوم، فلمحه وهو يشرب أثناء الأذان، قال له: في فتوى، يجب أن تأخذ بالعزائم وأن تفتي بالرخص، ليس العكس، ليست الرخص لك والعزائم للناس، يجب أن تأخذ بالعزائم وأن تفتي بالرخص.
الآن أن يكون المنكر مجمعاً على إنكاره، يعني أنت مثلاً تعتقد أن مس يد المرأة يفسد الوضوء، عند أختك مثلاً قام صهرك ليصلي مس يد زوجته وهي تناوله شيئاً ما، تقول له: صهري عليك إعادة الوضوء، أنت شافعي هو ليس شافعياً، لا تنكر إلا ما أجمع العلماء على إنكاره، إذا في أراء مختلفة، قضية خلافية لا ينبغي أن تنكرها، هذا خطأ كبير جداً، هو يعتقد أن هذا الشيء سنة مؤكدة، بغير مذاهب سنة عادية، فإذا رأى إنساناً ليس على شاكلته ينكر عليه أشد الإنكار، ضيق أفق، تفرقة بين المؤمنين.
على الداعية أن يسكت أحياناً عن بعض حقوقه حفاظاً على الدعوة:
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159) ﴾
( سورة الأنعام الآية: 159 )
لا تنكر إلا ما أجمع المسلون على إنكاره، أما قضية خلافية ينبغي ألا تنكرها، وأن يكون الداعية إلى الله لطيفاً، رقيقاً، رقيق الحاشية، لطيف المعشر، يألف ويؤلف:
(( ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ))
[الحاكم والبيهقي والخطيب عن أبي هريرة]
يعني مثلاً وهو يتعلم التجويد الغنة لم يعرف كيف يلفظها جيداً فإذا بمن يعلمه يضربه، هذا لا يجوز، لا يجوز أن تستخدم العقاب الجسدي إذا لم تتقن حكماً بالتجويد:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ أخرجه الحرث ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة ]
هذا الداعية أيضاً يجب أن يصبر على الأذى، للإنسان حقوق، أحياناً يجب على الداعية أن يسكت عن بعض حقوقه حفاظاً على الدعوة.
أيها الأخوة أعيد وأكرر إن أردت لهذه الأمة أن ترتقي، إن أردت لهذه الأمة أن تنهض يجب أن تربط هذا الجيل لا بلاعبي الكرة، ولا بالممثلين ولا الممثلات الأحياء منهم والأموات، يجب أن تربطه بالدعاة، وبأصحاب رسول الله، وبالعلماء العاملين، وأبطال الأمة الميامين، هذا هو الربط، فيجب أن تربط ابنك بالدعوة حتى إذا كبر أو حتى إذا أصبح رجلاً يطمح أن يكون داعية.
إن شاء الله في اللقاء القادم والدرس القادم نتحدث عن ربط الطفل بقواعد الرياضة وقواعد الصحة العامة لأنها أساس الجسم السليم الذي هو وعاء للعقل السليم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 14 - قاعدة الربط -4- الربط الرياضى





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في السلسلة الثانية في الوسائل الفعالة في تربية الأولاد في الإسلام. العقل السليم في الجسم السليم:
تحدثنا عن أسلوب القدوة، وأسلوب التلقين والتعويد، وأسلوب الموعظة، وأسلوب العقاب، وأسلوب الملاحظة، ثم وصلنا إلى أسلوب الربط، واليوم حديثنا عن الربط الرياضي.
الشيء المؤلم أشد الألم أن تجد إنساناً منحرفاً، فاسداً، غارقاً في المعاصي والآثام لكنه يعتني بجسمه أشد العناية، يعتني بلياقته، يعتني بأعضائه، يعتني بصحته، وأن تجد إنساناً آخر مسلماً، يحمل رسالة كبيرة، أمامه مهمات جسيمة، حياته ثمينة جداً، مع كل هذه الخصائص التي مكنه الله بها مهمل لجسمه، فهذا الابن الذي ينشأ في أسرة لا تعتني بصحتها، تأكل ما يحلو لها، لا تأكل ما ينبغي أن يؤكل، لا شك بأنه سيصاب بأمراض وبيلة، والشيء المؤلم أشد الألم أن القسم النسائي أشد خطراً، تجد المرأة غير المؤمنة بأعلى لياقة جسمية، بينما المرأة المؤمنة مقصِّرة، مترهلة، لا تعتني بصحتها، لا تقيم للتدريب أي قيمة، فالأمراض تتسارع إليها، والوهن، والعجز، فأنا أرى أن العقل السليم في الجسم السليم، أعلم علم اليقين أن هناك أمراضاً وبيلة، مزمنة، خطيرة، أسبابها من عادات سيئة في الطفولة، هناك أمراض مدمرة أسبابها الإرضاع الصناعي، وجد أن أعلى نسبة ذكاء في العالم في جزر الباسيفيك، هذه الجزر لا تعرف الإرضاع الصناعي إطلاقاً، إذاً أحد أكبر أسباب التفوق الإرضاع الطبيعي، لأن حليب الأم لا يعدله حليب آخر، لأن حليب الأم متناسب كماً ونوعاً وتدريجاً مع حاجة الطفل، بل إن الحليب الذي لا يشربه الأطفال من أمهاتهم فيه خمسة أضعاف حموض أمينية لا تقوى أجهزة الطفل على هضمها، وهذه تسبب له أمراضاً وعائية مستقبلية، تكاد ـ بحسب البحوث العلمية الحديثة ـ تكون أكثر الأمراض الوبيلة أسبابها تعود إلى سوء تربية الطفل، وإلى عادات غذائية ليست نافعة إطلاقاً، فأنت حينما تربي ابناً على طاعة الله، وعلى محبته، وعلى الإقبال عليه، وعلى خدمة الناس، ينبغي أن تربي جسمه أن يكون وعاءً قوياً لهذه النفس السامية، لذلك تجد أنه عليه الصلاة والسلام كان بأعلى لياقة صحية، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "سابقني رسول الله فسبقته "، قال بعض شراح الحديث أنه جبراً لها مكَّنها أن تسبقه، قالت: " فلما ركبني اللحم سبقني ".
معنى ذلك أن لياقته عالية جداً، وأنه ما ركبه اللحم أبداً، فهذا يعود إلى عادات جيدة جداً في تناول الطعام والشراب.
سوء التغذية من الأسباب الأولى للأمراض الوبيلة:
أخوتنا الكرام، تكاد الأمراض الوبيلة تعود في أسبابها الأولى إلى سوء التغذية، أو إلى تناول طعام عشوائي وفق المزاج والرغبة والشهوة لا وفق الأسس الصحية، لذلك هذا الشاب الذي تعلمه، إن كان ابناً، أو كان تلميذاً، أو كان أخاً في المسجد، لا بد من أن تعلمه بعض القواعد الصحية، الناس الآن ضحية الإعلام الغذائي، أكثر الطعام معلبات، أكثر الشراب شراب غازي، أكثر ما نُشّدُّ إليه ليس طعاماً صحياً، فلذلك أنا أتمنى أن يكون في كل مسجد ثقافة صحية عالية جداً، وإن شاء الله إذا انتهينا من هذه السلسلة هناك سلسلة محاضرات عن الوسائل الناجحة في التغذية، وفي اللياقة، على كلٍ هذا الذي تربيه إن كان ابناً أو كان طالباً ينبغي أن تعتني بصحته.
أولاً عند الطفل أو عند الشاب فراغ كبير، هذا الفراغ ينبغي أن يملأ إذا ملئ بتدريبات رياضية، وبألعاب رياضية نظيفة، وبريئة، ومشروعة، هذا سبيل لملء فراغه أولاً وتقوية جسمه ثانياً، والغريب أن الذي يألف الرياضة في وقت مبكر يتابعها لآخر حياته والذي لا يألفها في وقت مبكر يبغضها ويعاديها إلى آخر حياته، على كلٍ الجسم القوي يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
رجل في بعض المعارك قال: أين محمد ؟ ـ من أعداء المسلمين ـ لا نجوت إن نجا، فأمسك النبي رمحه ووكزه فيه، فولّى هارباً، قيل له: لماذا فررت ؟ قال: والله لو بصق علي لقتلني، من شدة قوته صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
((كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين ـ انتقاله من هدف إلى هدف في أثناء الرمي ـ وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة ))
[ رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي رباح ]
هذه ليست من اللهو ولا من السهو، أن يتعلم السباحة، أن يؤدب فرسه، أن يؤنس أهله، أن يمشي بين الغرضين أي الهدفين في الرمي.
(( ألا إن القوة الرمي ؛ ألا إن القوة الرمي ؛ ألا إن القوة الرمي ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
قوة السلاح في دقة رميه، وهذه قيمة ثابتة حتى الآن، يعني أشد الأسلحة فتكاً هي الأسلحة التي تأتي إصابتها دقيقة جداً، وهذه صفة الأسلحة المتفوقة جداً.
(( ألا إن القوة الرمي ؛ ألا إن القوة الرمي ؛ ألا إن القوة الرمي ))
النبي الكريم أقرَّ أصحابه على التنافس في الرمي:
سيدنا عمر كتب إلى الولاة: " أما بعد، فعلموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل "، هذه القيم الرياضية التي كانت في عصر سيدنا عمر، علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل.
(( مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالقوس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان ))
[البخاري عن سلمة بن الأكوع]
انضم النبي عليه الصلاة والسلام إلى فريق يتنافس مع فريق في الرمي، فأمسك الفريقان عن الرمي، لأن النبي أصبح طرفاً.
" فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لكم لا ترمون ؟ فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم ".
[البخاري عن سلمة بن الأكوع]
الطرف الثاني هل يعقل أن يرموا والنبي في الطرف الثاني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( ارموا وأنا معكم كلكم )).
أنا معكم جميعاً، يعني أقرهم على التنافس في الرمي، وتروي كتب السيرة أن ركانا كان مصارعاً من أشد المصارعين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، علَّق إيمانه بالنبي على أن ينتصر النبي عليه في مصارعة، فقد روى أبو داود عن محمد بن علي بن ركانا، أن ركانا صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي، وفي رواية مرة ومرتين وثلاثاً، والله عز وجل وصف أحد الأنبياء فقال:
﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (247) ﴾
(سورة البقرة)
التدريب الرياضي أفضل شيء ينشغل به الطفل بعد حفظ القرآن الكريم:
أفضل شيء ينشغل به الطفل بعد حفظ القرآن الكريم، طبعاً بعد أداء واجباته المدرسية، وبعد أداء خدمات لأهله، حفظ كتاب الله أولاً، والتدريب الرياضي ثانياً.
(( ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا ))
[البخاري وأحمد عن عقبة بن عامر]
يعني الذي يحسن ركوب الخيل شيء، والذي يحسن إصابة الهدف شيء أكبر، وللنبي عليه الصلاة والسلام ناقة تسمى العضباء، وكانت هذه الناقة لا تُسبَق أبداً، يعني من الطراز الأول، فجاء أعرابي على قعود له، قعود يعني ناقة فتية، فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، كيف تسبق هذه الناقة القعود ناقة رسول الله العضباء، فقال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث:
(( إن حقاً على الله تعالى أن لا يرتفع شيء من أمر الدنيا إلا وضعه )).
[البخاري عن أنس]
يعني إذا الناس عظموا شيئاً، واحتفلوا بشيء، وكرَّموا شيئاً، ومجدوا شيئاً حتى بالغوا في ذلك، الله عز وجل يضعه، قال عليه الصلاة والسلام: إن حقاً على الله تعالى أن لا يرتفع شيء من أمر الدنيا، أما من الآخرة معاذ الله، إذا كنت متعلقاً بالآخرة، وسمت نفسك، حق على الله أن يزيدك هدى، وأن يزيدك قوة.
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
أما إذا عظَّم الناس شيئاً من الدنيا هذا الشيء ربما، يعني بلد إسلامي أنشؤوا مسجداً فوق البحر كلف مليار دولار، ألف مليون، استوحيت فكرته أنك وأنت في الحرم تصلي ينبغي أن ترى الموج، وكان عرشه على الماء، هكذا قرأت خبراً قبل أيام، أن الأمواج بدأت تَحِتُّ في أساساته، وظهرت بعض التصدعات، لمَ يكون فوق البحر ؟ لمً لا يكون على صخر ؟ الألف مليون ينبغي أن تكون على الصخر، هذا بيت من بيوت الله، فالناس إذا عظموا شيئاً وضعه الله عز وجل، هذه قاعدة، يعني في حدود البيئة التي عاش فيها أصحاب النبي، في حدود معطيات البيئة، في حدود الأجواء التي عاشها النبي وأصحابه هذه نصوص كافية كي تؤكد أن هؤلاء الشباب الذين نعلمهم ونربيهم ينبغي أن نعتني بأجسامهم، والعناية بالجسم لا تتناقض مع التدين، لا أدري من أين جاءتنا هذه المفهومات البالية، يعني أن هذا ولي مهمل لجسمه، مهمل لأناقته، مهمل لنظافته، لا يعتني بصحته، لا يأكل أكلاً جيداً، أكلاً متوازناً، ليس هناك نظام بعاداته إطلاقاً، هل هذا هو المؤمن ؟ أيعقل أن يكون أهل الدنيا أكثر انضباطاً، وأكثر عناية بصحتهم من المؤمن، ومرة ثانية الصحة للمؤمن لها دور خطير لأن جسمه وعاء نفسه، ونفسه طموحة إلى عمل صالح، إلى دعوة، إلى خدمة، ونفسه وجسمه ملك أمته وملك أهله، فالذي لا يعتني بصحته لا يعبأ بقوانين الله عز وجل.
من تمام الأدب مع الله عز وجل أن تحترم قوانين الطبيعة وأن تطبقها تطبيقاً دقيقاً:
بالمناسبة أيها الأخوة في قاعدة مهمة جداً أنك إن أنكرت قانوناً، أو سخرت منه، أو استهزأت به، لن تستطيع أن توقف عمله، العمل نافذ فيك ولو لم تؤمن به، يعني راكب طائرة عسكرية لم يعبأ بقانون السقوط، السقوط له قانون يتناسب مع الوزن، مع المسافة، ومع الضغط وغير ذلك، لذلك تصمم المظلات بحسب وزن المظلي، وبحسب مقاومة الهواء ومساحتها مدروسة، والمساحة متناسبة مع جسم المظلي، والحبال مدروسة، وأشياء دقيقة جداً، يعني المظلة متوافقة تماماً مع قوانين السقوط، لو أن إنساناً يركب طائرة عسكرية، بمعنى أنه يمكن أن يلقي بنفسه منها بمظلة، ولم يعبأ بقوانين السقوط، ولم يكترث بها، بل سخر منها، وألقى بنفسه من دون مظلة، هل يستطيع أن يمنع نفوذ هذه القوانين فيه ؟ ينزل ميتاً، إذاً إن لم تهتم بقوانين الصحة لن تستطيع إيقاف عملها، إنها تعمل.
من تمام الأدب مع الله عز وجل أن تحترم هذه القوانين وأن تطبقها تطبيقاً دقيقاً، بعد أن بينت لكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط هذا الطفل، أو هذا الشاب، أو هذا الطالب، أو هذا الابن، أو هذا طالب العلم الشرعي، ربطه بالتدريبات الرياضية، بركوب الخيل، بالسباحة، بالرماية، ربطه بالإعداد الجسمي، هناك ملاحظات.
أول ملاحظة الرياضة ضرورية جداً، لكن لا يمكن أن تكون بديلاً للدين، أما إذا اتخذت ديناً كل مشاعرنا، وكل حماسنا، وكل هياجنا، وكل فرحنا بدخول كرة في مكان، أصبحت ديناً، كنت مرةً بين مكة والمدينة في بعض العمر، فالسائق سمعته يتحمس إلى فريق رياضي حماساً لدرجة تفوق حد الخيال، عجبت وقلت: والله أصبحت هذه ديناً جديداً، لما أحد خطباء مصر افتقد المصلين يوم الجمعة: أين هم ؟ قال: والله في لاعب كبير، في مباراة الآن وقت صلاة الجمعة آخر مباراة له، لأنه اعتزل اللعب، فزحفت القاهرة كلها لحضور هذه المباراة، من هذا اللاعب ؟ قال: اسمه زيزو، فقال: اللهم اجعلنا في بركات زيزو، اللهم احشرنا مع زيزو، ماذا فعل زيزو ؟ حرر فلسطين ؟ قالوا: لا، أعاد القدس ؟ قالوا: لا، هو يتساءل ماذا فعل زيزو الذي ترك الناس الصلاة من أجله ؟!! والله في مشاهد أراها وأستمع إليها ليست معقولة إطلاقاً، أصبحت الرياضة ديناً، دين، وهذا خطأ كبير، لذلك إذا حضضنا على الرياضة لا بد من التوازن، يعني جانب من جوانب حياتنا لتقوية أجسامنا، لا لنعبدها من دون الله، المثل العليا الصحابة الكرام وليسوا لاعبي الكرة، الحماس الشديد لخير أصاب المسلمين لا لكرة دخلت في مكان، يعني دولة متخلفة، متعسرة، أمرها ليس بيدها، تعاني الأمرين، تعاني من ضعف الثروات، تعاني من ضعف التقدم العام، وهي الأولى في كرة القدم، والناس جميعاً يعظمونها، لا بد من مقاييس حقيقية للتقدم.
بعض التحفظات على الرياضة:
1ـ أن تضع الرياضة في حجمها الحقيقي لا أن تكبرها حتى تمتص كل وقتك:
أولاً: لابدّ من التوازن، يعني أن تضع الرياضة في حجمها الحقيقي، وسيلة لتدريب الجسم وتقويته، ليس غير، تحتاج إلى اعتدال، إلى توازن، سمعت عن رئيس دولة قام رقص عندما نجح فريقه أمام الناس، لا يصح هذا، هذا أعلى مقام في الأمة، أن يختل توازنه إذا الفريق فاز، هذا غير معقول.
(( إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقا ً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه ))
[البخاري والترمذي والدار قطني عن أبي جحيفة]
جسمك يحتاج إلى تدريبات، إلى نوم كافٍ، إلى غذاء متوازن، أعطِ كل ذي حق حقه، أول تحفُّظ أن تضع الرياضة في حجمها الحقيقي لا أن تكبرها حتى تمتص كل وقتك، كم من طالب رسب لأنه توافقت أوقات مشاهدة المباريات الدولية مع الامتحانات ؟ فآثر متابعة هذه المباريات على مذاكرة دروسه، إذاً ما أعطاها حقها، أعطاها فوق حقها، كم من طالب أعجب بلاعب إلى درجة تفوق حد الخيال، وهذا اللاعب منحرف أخلاقياً، هناك لاعبون يتعاطون المخدرات أحياناً، لاعبون شاذون أحياناً، هو لا ينتبه إلى هذا الانحراف الخطير ينتبه إلى أنه لاعب، ودخله فلكي مثلاً، وانتقل من فريق لفريق، ومن دولة إلى دولة، ودخله بملايين الدولارات، معجب به، مثل زيزو يعني.
2ـ لا يمكن أن نعتني بالرياضة إلا ونراعي حدود الله:
التحفظ الثاني أيها الأخوة، لا يمكن أن نعتني بالرياضة إلا ونراعي حدود الله، كشف العورات، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الفخذ عورة ))
[الترمذي عن ابن عباس وجَرْهَد بن خويلد]
كشف العورات محرم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل السرة من العورة )).
[أخرجه البيهقي عن أبي أيوب ]
يجب أن يكون اللباس الرياضي فوق السرة إلى تحت الركبة، إذا عندك ابن بالمدرسة يجب أن تجعل لباسه الرياضي هكذا، وأنت معك الحق، ولا أحد يستطيع أن يسائلك، أما إذا قال المعلم: ارتدوا ثياباً قصيرة جداً هذا اجتهاده، أما أنا ابني أرسله بثياب تحت الركبة.
التعري سلوك شيطاني والتستر سلوك رحماني:
سمعت قصة أن لاعب كرة متفوق جداً في مصر اعتزل اللعب، والتزم بالشرع تماماً، فاضطروا إليه لمباراة دولية مهمة جداً، فطلب منه أن يشترك فاعتذر، فلما أصروا عليه قال: أنا أرتدي الثياب الشرعية، فسمح له أن يرتدي الثياب الشرعية في أثناء اللعب فأصبح قدوة لغيره، وصار في عدة فرق رياضية ترتدي الثياب الشرعية، الآن بالسباحة أيضاً ارتدِ ثياباً شرعية بالسباحة، السباحة مطلوبة، لكن الفخذ عورة، في حديث آخر:
(( ما بين السرة والركبة عورة ))
[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن جعفر ]
وفي حديث ثالث:
(( لا تبرز فخذيك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ))
[ أخرجه أبو داود عن علي ]
إذاً الرياضة مطلوبة، والإسلام حض عليها بشرط أن يلتزم الطالب أو اللاعب حدود منهج الله عز وجل، والآن والحمد لله معظم اللباس الرياضي لباس شرعي، هكذا أرى أكثر البدلات الرياضية بدلات شرعية سابغة، وإذا كان هذا يجب أن يراعيه الذكور فالإناث في المدارس يجب أن تراعيه أكثر وأبلغ، يعني قضية دقيقة، هذه ابنتك لا تسمح لها بارتداء ثياب إلا سابغة في درس الرياضة، ولا أحد يستطيع أن يكرهها على ذلك، هذا كلام دقيق، موضوع عالجناه من سنتين، التوجه الجيد والحمد لله، كما أن الفتاة حرة في أن تتعرى، حرة في أن تتحجب، هذا التوجه الجديد، وهذه نعمة كبيرة جداً، لا أحد يستطيع أن يلزم ابنتك أن تتعرى بالمدرسة بداعي درس رياضة، يعني إذا قلنا رياضة ضرورية للذكور والإناث معاً، ضرورية وفق منهج الله، وفق هذه الحدود، الفخذ عورة، يعني التعري من الشيطان، والتستر من الرحمن، فالإنسان كلما اقترب من الشيطان يظهر أجزاء من جسمه، وكلما اقترب من الرحمن يتستر، فالتعري سلوك شيطاني، والتستر سلوك رحماني، التعري له أخطار كبيرة جداً، وقد ينتهي بالفاحشة.
مهمة الشيطان الأولى أن ينزع عن المؤمن ثيابه:
قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً (26) ﴾
(سورة الأعراف)
يعني أكمل شيء أن ترتدي ثياباً سابغة، لكن:
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾
(سورة الأعراف)
في ثياب أخرى ترتديها ثياب العفة، ثوب الأمانة، ثوب الصدق، ثوب الإخلاص، هذه ثياب أخلاقية، هذه أفضل، يجب أن تجمع بين نوعين من الثياب.
﴿ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) ﴾
(سورة الأعراف)
الآن دقق:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) ﴾
( سورة الأعراف )
معنى ذلك مهمة الشيطان الأولى أن ينزع عن المؤمن ثيابه، بحجة حر، بحجة ثياب خفيفة أجمل، بحجة مثل أختي، هي ليست أخته، ففي حجج اجتماعية وصحية وطقسية ومناخية
﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾
ومع نزع الثياب تبدأ الفتن، وتبدأ المعاصي، وتنتهي بالفواحش، مئة حالة فاحشة أنا متأكد 90 % من هذه الحالات حينما بدأت لم يكن يخطر في بال من فعل الفاحشة أن يفعلها، ولكن التعري هو الذي ساقه إليها، فالتعري سلوك شيطاني، والتستر سلوك رحماني
﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾
متابعة التحفظات على الرياضة:
أول تحفظ أن توضع الرياضة في مكانها الصحيح، نشاط من أنشطتنا، سلوك من أجل صحتنا وقوتنا، ولياقة أجسامنا، وتدريبنا، والإعداد لعدونا، وليست ديناً يتبع، وليست إلهاً يعبد من دون الله، وليس أبطالها مُثلاً عليا، هكذا.
التحفظ الثاني أن تراعى بالرياضة حدود الشرع، لا كشف عورات، ولا سماع أغنيات، ولا اختلاط محرم، ولا سباحة مختلطة، رياضة ! رياضة لكن ما في اختلاط بالمسبح، رياضة لكن في تستر، رياضة لكن في أداء صلوات.
3ـ ألا تكون هذه التدريبات في أماكن مشبوهة:
التحفظ الثالث أن لا تكون هذه التدريبات في أماكن مشبوهة، يعني أحياناً في نوادي فيها اختلاط، مسابح فيها اختلاط، هذه أماكن مشبوهة، أنت إذا ارتديت ثياباً كاملة شرعية لكن في مكان لا يرتدي من حولك ثياباً شرعية فأنت آثم، يقاس على هذا البحر في أيام الصيف، أخي أنا أرتدي لباساً شرعياً، والآخرون ؟! والآخرون يرتدون ثياباً غير شرعية، إذاً المعصية ليست من عندك، بل من الذي أمامك، فأنت آثم إذا كنت معه في هذا المكان، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام ))
[ متفق عليه عن الشعبي عن النعمان بن بشير]
لا ترتد أماكن مشبوهة، وعن علي رضي الله عنه: "إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره "، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ))
[ رواه أبو داود وصححه الحاكم عن عائشة]
إذاً التحفظات حول الرياضة أن توضع في مكانها الصحيح من دون مبالغة، من دون أن تكون ديناً يعبد من دون الله، من دون أن يكون أبطالها مثلاً عليا لنا، من دون أن تكون الرياضة إلهاً يعبد من دون الله، هذا كله محرم في مكانها الصحيح.
الشيء الثاني مراعاة منهج الله، بحرمة كشف العورات، وحرمة ارتياد الأماكن المشبوهة، مسابح مختلطة، مسابح فيها كشف عورات، ساحل بحر بالصيف بداعي الرياضة والسباحة هذا كله محرم.
4ـ أن تحرر النية من هذا اللعب:
شيء آخر أن تحرر النية من هذا اللعب، أنت إذا نويت التقوي على طاعة الله فلك أجر، إذا نويت أن تكون قوي الجسم لك أجر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يحب الجسم السليم والعقل السليم، لأن الله عز وجل أثنى على بعض أنبيائه أنه زاده بسطة بالعلم والجسم، ولا شك أن تقوية الجسم ينطوي تحت قوله تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾
( سورة الأنفال)
يعني أنا أعلم أنه بالتدريب العسكري في مصارعة أحياناً، في فرق الكومندس، فرق المغاوير، هذه تتقن المصارعة والملاكمة، يعني الأعمال الرياضية العالية جداً، إذاً هذا من الدين، أنا حينما أقوي جسمي لأكون قوياً أمام أعدائي فهذا من الدين.
النية أن يكون هذا المؤمن قوياً حتى يستطيع أن يقوم بالمهمة التي أوكلت له، أتمنى والله أن يكون في درس آخر متعلق بالتغذية، دائماً الرياضة تحتاج إلى نظام غذائي معين، والغذاء الجيد ليس هو الغذاء الغالي أطمئنكم، الغذاء الجيد قد يكون أرخص غذاء، لكن يحتاج إلى دراسة وإلى وعي، يعني أحياناً هناك غذاء كله فيتامينات، كله سيليلوز، يملأ الأمعاء، يحركها، ينشطها، يمتص الكولسترول، يعطيه طاقة، تشعر بخفة ونشاط وفي طعام.
أجنبي جاء كخبير فدعي إلى طعام دمشقي ثمين جداً، أكل كبب حتى شبع، لم يعد قادراً على الوقوف، في اليوم الثاني في فتح طريق يحتاج إلى ديناميت، وضعوا الديناميت فلم ينفجر، قال: ضعوا كبة، يبدو أنه كاد ينفجر بعدما أكل، يوجد الكثير من الطعام الطيب لكنه مؤذي، كذلك يوجد طعام خفيف يبقيك نشيطاً، فإذا أنت علمت أسرتك أن تأكل أكلاً خفيفاً خضار مثلاً، سلطات، طعام غير مرهق، أما الطعام الدسم تجد أن كل الأسرة مترهلة، وكلها كسولة، وكلها تريد النوم، وكلها تريد شرب الماء، يريدون الراحة فقط ولا يستطيعون العمل أبداً.
اتقاء الأمراض عند العلم بأسبابها:
أنا ألاحظ أشخاصاً يريدون الذهاب لشراء بعض الأشياء على بعد خمسين متراً، يذهب بالسيارة، خمسين متراً ولا يستطيع أن يمشي، تعلم على الراحة، هذه الراحة لها مضاعفات في القلب خطيرة جداً، لها مضاعفات في الرئتين، مضاعفات في الجسم، يعني هذه الأمراض الوبيلة لها أسباب، قضية منظمة حينما تعلم أسباب الأمراض يجب أن تتقيها، أنا أتمنى على كل إنسان أن يعمق ثقافته الرياضية، ثقافته الغذائية، ثقافته الصحية، يعكسها على أولاده وبيته، يجب ألا نبقى على عادات وتقاليد قديمة، والله في أطعمة تسبب المرض يأكل حفاتي وسجق وكبب وكبة مشوية، كلها دهون، طبعاً هذا طعام لذيذ، لكن مشكلته أنه مؤذٍ جداً، فإذا كان نمط الغذاء لطيف، خضار مثلاً، أكل يعطي طاقة، طبيب له نصيحة يراها جامعة مانعة يقول: كُلْ كُلَّ شيء، لا شيء خلقه الله إلا وله دور كبير:
أولاً: يجب أن تأكل كل شيء.
ثانياً: أن تأكل باعتدال.
ثالثاً: أن تبذل جهداً.
رابعاً: أن تكون مرتاح النفس، فالشدة النفسية أخطر من المرض.
أحد أخواننا ـ قصة طريفة ـ التقى مع طبيب قلب متفوق جداً، يبدو أنهم اشتهوا طعاماً كله دهن، لحمة شرحات وعليها دهن، فالطبيب أكل الكثير من الدهن، طبيب القلب، دهش صديقه، فقال له الطبيب: هذه الدهون أخف من ضغط نفسي بسيط، ولا هزة بدن تعادلهم.
إذا وحد الإنسان يرتاح، إذا استقام يرتاح، إذا صدق يرتاح، ليس عنده مواقف حرج أبداً، فأحياناً الضغوط النفسية تأتي من الكذب والنفاق والاحتيال والسرقة، هناك ضغوط نفسية تحطم، فأفضل وضع هو الراحة النفسية مع بذل جهد، الحد الأدنى من الرياضة أن تخدم نفسك في البيت، تخدم نفسك يعني ذهبت إلى المطبخ وعدت، وضعت حاجتك في مكانها الصحيح، رتبت بيتك، كل شيء رتبته هذه حركة، هذا حد أدنى من الرياضة، بعدها المشي، سألني أحد الأشخاص: هل للرياضة علاقة مع العمر ؟ قلت له: أبداً، العمر ثابت، الرياضة تجعلك تعيش عمرك وأنت بخير دون أمراض، العمر لا يتغير، فقط يتغير وضع الإنسان بهذه الحياة، إما أن يعيش عبئاً على الناس، كل من حوله يتمنى موته، أو يكون نشيطاً، يعيش بقوته وكرامته، فالرياضة مهمة جداً.
في حياة الإنسان ثلاثة أشياء هامة دينه وعمله وصحته:
والله أتمنى أن أستطيع ذكر تفصيلات بالرياضة والتدريبات والمشي لأن الصحة والله كبيرة جداً، نحتاج لدرس أهم وهو كيف تأكل الوجبات ؟ النبي الكريم قال:
(( أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ))
[ أخرجه الطبراني وابن عدي وابن السني وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها ]
الآن معظم الناس تأكل عشاء دسماً، ويذهب وينام بسرعة:
(( ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ))
قرأت مقالة أن أفضل طعام أن تأكل نصفه صباحاً، و35% منه ظهراً، و15% مساء، الطعام يجب أن يتناسب مع الجهد بعده، ما دام في 8 ساعات جهد بعد الصباح، تأكل وجبة دسمة في الصباح، وأنواع الغذاء، يوجد غذاء مفيد جداً، وهناك غذاء كله مواد حافظة، مواد مسرطنة، وهناك أشياء مزعجة، هناك أطعمة لذيذة لكنها غير نافعة، هناك أشياء نافعة لكنها ليست ذات طعم عالٍ، لا بد من ثقافة.
أنا عندي كتاب مؤلفه أمريكي، مكتوب فيه الغذاء يصنع المعجزات، يمكن أن تعالج نفسك بالغذاء.
سأقول لكم كلمة أخيرة، في حياة الإنسان ثلاثة أشياء، في علاقته بربه، هذه مهمة جداً، إذا هذه العلاقة اضطربت تنعكس على جسمه وعلى عمله، في علاقته بربه وفي عمله وفي صحته، وأي خلل في واحدة من هذه الثلاث ينعكس على الاثنتين، إذا في مشكلة بصحتك تنعكس على دينك وعلى عملك، وإذا في بعلمك مشكلة تنعكس على دينك وعلى صحتك، وإذا في بدينك مشكلة تنعكس على صحتك وعلى عملك، دينك وعملك وصحتك، ثلاثة يجب أن تعتني بها إلى أعلى درجة، إنها إن صحت صَحَّت الجوانب الأخرى، أتمنى مرة ثانية أن يكون للأخ ثقافة صحية، ثقافة غذائية، ثقافة رياضية، وأن ينشأ على عادات جيدة حتى يتمتع بصحته، وحتى تكون صحته في خدمة أهدافه، والصحة تأتي بعد نعمة الإيمان.
(( من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ))
[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 15 - التربية بالتحذير -1





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في تربية الأولاد في الإسلام، لازلنا في الجزء الثاني في الوسائل الفعالة لهذه التربية، من تعويد وتلقين، إلى موعظة، إلى ملاحظة، إلى عقاب، إلى ربط، إلى تحذير. التحذير وسيلة فعالة من وسائل التربية في الإسلام:
محور الدرس اليوم التحذير، كوسيلة فعالة من وسائل التربية في الإسلام.
أيها الأخوة، هناك أب يصمت، لا يحذر، لا يبين، لا يوضح، يأتي يأكل ويشرب وينام، أما هذا الابن لم يسمع من أبيه كلمة واحدة أن هذا الشيء يا بني مؤذٍ، أن هذا الشيء حرام، وأن هذا الشيء مدمر، وأن هذا الشيء يخدش سمعتك، وهذا الشيء يغضب ربك، فالمربي ينبغي أن يحذر، والمعلم ينبغي أن يحذر، والأب ينبغي أن يحذر، والداعية ينبغي أن يحذر، ينبغي أن تنطق، أن تنبه، لأن الإنسان يحتاج لمن يعلمه، ومفتاح العلم السؤال، وأن هذا الابن لم يسألك، لم ينتبه إلى هذا الشيء أنه حرام، هذا ميسر مثلاً، يلعب مع رفاقه بالميسر دون أن يشعر، على شيء بسيط، لكن هذا الشيء ينمو ! وصف
أحدهم داء القمار قال:
هو الداء الذي لا برء منه وليس لذنب صاحبه اغتفار
تشاد له المنازل شاهقات وفي تشييد ساحتها الدمار
نصيب النازلين بها سهاد وإفـلاس فيـأس فانتحار
***
يبدأ القمار من لعب الشدة على مبلغ معين، ويكبر، فإن لم يتلقَ الابن تحذيراً من والده، لم ينبهه، هذه الجلسة لا تليق بك يا بني، المؤمن الكامل لا يجلس هذه الجلسة، هذه النظرة، السير بهذه الطريقة، فالأب المؤمن دائماً وأبداً يحذر ابنه من شيء لا يرضي الله عز وجل، الحقيقة مرة كنت في بلد بعيد باستراليا فالتقى بي إنسان مقيم هناك، والله أيها الأخوة يكاد يذوب قلبه ألماً وكمداً من ابنه، يا بني هذا حرام، فيقول له: why حرام ؟ لأنه غفل عنه لفترة طويلة، فلما بدأ يبين له كان قد تجاوز حد التربية، إلى عادات ألفها وأصبحت جزءاً من حياته، فالأولى من الأب أو الداعية أو المرشد أن يكون عنده تحذير دائم لمن حوله، من أشياء هي محرمة، مؤذية، مؤلمة، لا تليق، لا تجوز، ليست مقبولة.
الدليل والتعليل مهم جداً في شأن التربية:
لكن دائماً إذا قلت له هذا حرام ! أنا أرى أنه لا يكفي أن تقول حرام، حرام لأن الله نهى عنه، هذا دليل نقلي، وقد يحتاج إلى دليل عقلي، أنت لاحظ النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ فَتًى شَابّاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
إن كان الله في عليائه يُعَلِّم، يقول مثلاً:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ (103) ﴾
(سورة التوبة )
الإله يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾
(سورة البقرة )
الذي من شأنه أن نعبده فقط، ومن شأنه أن يأمر، ومع ذلك يعلل لنا أحكامه، فأنت حينما تحذر ينبغي أن تأتي بالدليل، والدليل فيه احترام للشخص، فإن لم يكفِ الدليل النقلي بالنسبة لهذا الذي تربيه ادعمه بالدليل العقلي، والدليل الواقعي، والدليل الفطري، فكلما أكثرت من الأدلة تحترم هذا الإنسان، تحترم عقله، تحترم فطرته، تحترم إمكاناته، لذلك الدليل والتعليل مهم جداً في شأن التربية.
القرآن الكريم كله يقوم على التحذير:
أيها الأخوة، التحذير مع التعليل، التحذير مع الدليل، التحذير مع تنوع الدليل، أحياناً أقول لك هذا السلوك محرم بدليل قول الله عز وجل، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام، بدليل أن الفطرة تأباه، أضرب لكم مثلاً، بدليل أن العقل يرفضه، بدليل أن الذي يفعل هذا يسقط من عين الناس، فلذلك الأبوة مسؤولية، والتعليم مسؤولية، والمدرس مسؤول، والموجه مسؤول، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته، هناك من يتفلسف ويقول: يا أخي منهج التربية الحديث يقوم على التحذير، من قال لك ذلك ؟ القرآن كله يقوم على التحذير قال تعالى:
﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾
(سورة الإسراء )
وقال:
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) ﴾
(سورة الإسراء )
وقال:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
(سورة الإسراء )
التحذير منهج قرآني:
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) ﴾
وقال:
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (36) ﴾
(سورة الإسراء )
هذا تحذير، النهي تحذير، مثلاً بشكل مبسط جداً إذا وجد تيار عالي التوتر من واجب الدولة أن تكتب: ممنوع الاقتراب من التيار، خطر الموت، يرسمون جمجمة وعظمتين، هذا الشيء طبيعي، أحياناً يقول لك منعطف خطر، تقاطع خطر، يوجد مئات التحذيرات في الطرقات العامة، هذه رحمة، والمربي رحيم أيضاً، كما أن الدولة تحذر المواطنين من تقاطع خطر، من منحدر خطر، احذر انزلاق مثلاً راجع المكابح، بالنشرات الجوية احذروا الصقيع، انتبه إلى مسَّاحات الزجاج، هذه كلها تحذيرات، الدنيا كلها تقوم على التحذير، حتى في الآلات، مثلاً آلة 110 فولت يكتب عليها تنبيه: انتبه 110 فولت، لئلا تحرقها مثلاً، لذلك التحذير منهج قرآني:
﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً(37) ﴾
(سورة الإسراء )
إذا تناقض الإنسان سقط من عين من يربيه:
سيدنا أَبَا بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ ".
والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته المطهرة يقول:
(( إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ]
(( يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا أخواناً، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: " إياكم وزي الأعاجم."
وقد ورد أيضاً:
(( إياك وقرين السوء فإنك به تعرف ))
[رواه ابن عساكر عن أنس]
(( اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ))
[أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
إذاً منهج الله عز وجل في قرآنه، ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في سنته قائم على التحذير، ولكن أنت حينما لا تأتمر بما تأمر، ولا تنتهي عما تنهى، لا وزن لتحذيرك ولا لتوجيهك، لسان حال من يقول لك احذر يقول لك: يا طبيب طب لنفسك، حالات كثيرة الطفل يراها، الطفل يرى أباه يكذب ثم ينهاه عن الكذب، يرى أباه يدخن ثم ينهاه أن يمسك هذه اللفافة، يرى أباه ينظر ملء عينه لامرأة لا تحل له ثم يأمر زوجته أن تغض بصرها، التناقض يراه الابن، وإذا تناقض الإنسان سقط من عين من يربيه، سقوط الإنسان من عين الناس شيء كبير، لكن سقوط الإنسان من عين الله شيء أكبر، لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه خيرٌ له من أن يسقط من عين الله، إذاً القرآن مفعم بألوان وعدد كبير جداً من التحذيرات، إذا كان هذا منهج الله في معاملة عباده فأنت أيها الأب وأنت أيها المعلم وأنت أيها الداعي ينبغي أن تحذر، أي إنسان أتى بموظفة مثلاً والموظفة متفلتة، وهي راغبة في أن تلفت نظر من حولها إلى مفاتنها، وعندك شباب، وجاءك إنسان محب ينبغي أن يحذرك من هذا، هذه مظنة، فتنة كبيرة في المعمل، أو في المكتب، فإذا بقي ساكتاً فهو شيطان أخرس.
أول قضية تحذيرية تعد من أول مقومات هذا الدرس هي التحذير من الردة:
يجب أن تأمر بالمعروف لكن بلطف، من دون فضيحة، بينك وبينه، على انفراد بيِّن له مضاعفات هذا العمل، أديت الذي عليك وبقي لك الذي عند الله، أديت الذي عليك سواء استجاب أم لم يستجب، ارعوى أم لم يرعوِ، أنت أديت الذي عليك، لك ابن وجهه، بيِّن له بأدب، بلطف، بترفق، لكن إن لم يستجب هذه مشكلته.
لنبدأ بأول قضية تحذيرية هي تعد من أول مقومات هذا الدرس، التحذير من الردة والعياذ بالله، كلمة الردة كلمة كبيرة جداً، تقابل الهلاك، لكن يوجد أنواع مخففة لا تعد ولا تحصى كلها ارتداد عن الدين، دون أن تشعر، وأنت صائم مُصلٍّ، وأنت ترتاد المساجد، لأن الله عز وجل قال:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾
(سورة يوسف)
هذا الشرك الخفي، وأخطر شيء الشرك الخفي، أخطر مرض الذي لا أعراض له، أما أي مرض له أعراض تتنبه بوقت مبكر جداً، أما المرض الذي ليس له أعراض فهذا أخطر الأمراض، فلذلك الردة بالمعنى الضيق توجب عقاباً أليماً عند الله، بل إن الردة بمعناها الواسع تشمل أشياء كثيرة، مثلاً المناداة بأفكار ومبادئ تصرف المسلم عن أن يكون الله سبحانه وتعالى هو مقصوده ومعبوده، يقول لك: التنمية، أصبحت التنمية إلهاً يعبد من دون الله، العمل العَمل، قضية صلى أم لم يصلِّ، ضبط أموره، أكل حراماً، أودع ماله ببنك ربوي، أخذ فائدة، عمل اختلاطاً، عمل إعلانات فاضحة على الشاشة، المهم أن يعمل لأن العمل عبادة، أنت الآن طرحت ديناًَ جديداً، بدل أن تعبد الله تعبد كسب المال، تعبد التنمية، تعبد العصرنة مثلاً، أشياء لم تكن من قبل، فحينما تنادي بقيم جديدة، وشعارات جديدة، ومبادئ جديدة تصرف الإنسان عن أن يكون عبداً لله، وعن أن يكون الله مقصوده ورضاه مطلوبه، فهذا نوع من الارتداد المخفف، أصبح هناك هموماً أخرى غير همّ أن تكون مؤمناً، صار هناك همّ كسب المال، لو أن همّ كسب الله فقط وفق منهج الله لا شيء عليه، المال قوام الحياة، لكن كسب المال دون أن تنتبه إلى منهج الله إطلاقاً، يقول لك: لا تدقق، العبرة أن ننجح، ذكرت منذ يومين فكرة أرجو أن تكون واضحة اليوم، أنا أقول الطرف الآخر كعبارة ملطفة عن الكافر، الطرف الآخر لا منهج له، ولا يوجد عنده حرام، ولا يوجد عنده لا يجوز، فلذلك مناورته واسعة جداً، ومناورته واسعة جداً حتى أنه يبدو أقوى من المؤمن، وهذه القوة ليست وسام شرف له بل وصمة عار عليه، أي أنت ممكن أن تغش الناس جميعاً من أجل أن تربح، الغش عنده ليس بمشكلة، يغشهم، ممكن أن تكذب لتربح، الكذب ممكن أن يكون في سبيل الربح، ولا سيما من يؤمن أن الغاية تبرر الوسيلة، المؤمن لا يطرح فكرة، لا يضع هموماً غير الهموم التي جاءت في القرآن والسنة.
طرح الشعارات والمبادئ ينبغي أن يكون من القرآن الكريم والسنة النبوية:
الآن إذا طرحنا أفكاراً ليست إسلامية، مبنية على التعصب، على الإقليمية، مبنية على قيم أخرى لم تكن من قبل، هذه الشعارات، وهذه المبادئ ينبغي أن تكون من جو القرآن الكريم، من جو السنة النبوية، حينما تطرح مثلاً موضوعاً آخر، مرة أحد الشعراء قال:
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
***


هذا قد أصبح فكراً آخر، والدين لا قيمة له، في مطلع عصر النهضة الناس مأخوذون بالغرب، منبهرون به، إلى درجة أنهم نسوا دينهم، ونسوا قيمهم، إذاً من مظاهر الارتداد غير الصارخ المعلن أن يكون لك همّ آخر، ومبدأ آخر، وقيم أخرى بعيدة عن جو الإسلام، أحياناً تكون هناك مبادئ براقة جداً، الإنسانية مبدأ براق جداً، لكن هذا المبدأ قد يصرفك عن شؤون دينك، أنا إنساني، لكن مؤمن إنساني أم فاسق إنساني !! لا يوجد عنده شيء اسمه حلال أو حرام، والآن يوجد فكرة عجيبة، يقول لك: إيمانه بقلبه، والله من أيام حدث أن رأيت امرأة ترتدي أشد أنواع الثياب فضحاً ولا يفوتها فرض صلاة، حتى أن التي ترقص تقول: الله وفقني بهذه الرقصة، يوجد تناقضات عجيبة جداً، أشياء تدعي أنها إنسانية وهي ليست كذلك، والله سمعت خبراً من أغرب الأخبار، أنه بدولة إسلامية قريبة من العراق قواعد تابعة لدولة كبرى، يستعد من فيها ويعملون ليلاً نهاراً استعداداً لضربة قاسمة، النساء نشأ عندهن وقت فراغ كبير فأردن أن يشغلنه بعمل إنساني، أنا كلمة إنساني استوقفتني ما هذا العمل الإنساني الذي أرادت النساء أن تستهدفه ؟ إنه تعلم الرقص الشرقي، هذا هو العمل الإنساني الذي أرادت النساء أن يملأن به أوقات فراغهن لأن أزواجهن مشغولون في الإعداد لضربة قادمة.
العبرة ليست لما يقوله الإنسان بل لما يفعله:
الشعار سهل جداً، أي لا يوجد إنسان مجرم في الأرض إلا ويرفع كلام مقبول، قال:
﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) ﴾
(سورة غافر)
الإنسان منطقي ممكن أن يعبر عن أسوأ نواياه، وعن أكبر جرائمه بغطاءٍ ثانٍ، فالعبرة ليست لما يقوله الإنسان بل لما يفعله، لو أن الصياد وهو يذبح العصفور سقطت من عينه دمعة فيقول الإنسان: ما شاء الله ما هذه الرحمة ؟!! عينه على الدمعة، انظر إلى السكين !! لا تنظر إلى دمعة عينه بل انظر إلى السكين التي يقطع بها أضلاع هذا الطائر، هذا أول شيء، أي أن تطرح فكراً آخر، أساساً يوجد آية دقيقة جداً:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) ﴾
(سورة الإسراء )
إذاً كل جهد الطرف الآخر هو لشيء آخر غير ما جاء الله به، هذا التقييد غير معقول، لا بد من إعطاء الوقت قيمة في الربح، كلام منطقي، لا بد من التفريق بين الربا الاستغلالي، والربا الاستثماري، الله عز وجل لم يفرق:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276) ﴾
(سورة البقرة )
مادام لم يفرق فيوجد تحريم مطلق، لأنه لو جاء بالتحريم مع علة فالتحريم يدور مع العلة، فإن وجدت وجد، وإن اختفت اختفى، تحريم مطلق، إذاً هذا أول نوع من أنواع الارتداد، هذا يحتاج إلى توجيه، قال لي أحدهم اليوم: أنا لا أؤذي أحداً، هو في جامعة ونجح، قلت له: بربك لو أمضيت أربع سنوات في الجامعة ولم تؤذِ أحداً حولك هل تنجح ؟ القضية ليست سلبية، لا أؤذي أحداً، ولكن لا بد من إيجابيات، أنت معد لمهمة، فإن أنت من دون مهمة وهدف وقلت لا أؤذي أحداً يكفي، ولكن طالما أن لك هدفاً ومهمة وأنا لا أؤذي أحداً هذا غير كافٍ.
من مظاهر الارتداد إعطاء الولاء والمحبة والطاعة لغير الله:
الآن هنالك شيئان، أنا لا أؤذي أحداً وإيماني بقلبي افعل ما تشاء، طبعاً نحن في عصر الدبلوماسية، عصر اللطف، عصر الاعتذار، ابتسامة صفراء، مصافحة حارة وفي الداخل يوجد كيد، عصر نفاق، عصر ازدواجية، يبتسم لك ويكيد لك، يراوغ كما يراوغ الثعلب، يصافحك بحرارة وقد يعانقك، ويدبر لك خطة مدمرة، فلا يكفي أن تقول: لا أؤذي أحداً، أنت بمهمة، أنت بمدرسة، لا يكفي أن لا تؤذي رفاقك، لا بد من أن تدرس.
الآن من مظاهر الارتداد إعطاء الولاء والمحبة والطاعة لغير الله، الولاء أي الإتباع، الولاء يعني حباً، الولاء يعني الاسترشاد، الولاء يعني اهتداء، من هو وليك ؟ من تراه كبيراً ؟ من تراه مفلحاً ؟ أهل الدنيا ؟ الغرب ؟ بإباحيتهم، بشذوذهم، بانحرافهم، بأكلهم الربا، بعدوانهم على الشعوب، هؤلاء عندك كبار ؟ لا والله ليسوا كباراً أبداً، هم صغار لأنهم عبء على البشرية وليسوا في خدمتها، فالولاء الحب، الولاء الإتباع، الولاء التقدير:
(( من هوى الكفرة فهو مع الكفرة و لا ينفعه من عمله شيئاً ))
[السيوطي عن جابر]
إعطاء الولاء والمحبة والطاعة لغير الله، لكن حتى أكون دقيقاً معكم لا بد من استثناء واحد، لو إنسان غير مسلم أحسن إليك، أو كان منصفاً معك، أو خدمك، فأنت بحكم إنسانيتك، وبحكم فطرتك تحبه، أنا أطمئنك أن هذا الحب لا علاقة له بالولاء والبراء، هذا حب فطري، وفي الحديث القدسي الوارد في الأثر:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.))
[ورد في الأثر]
لو أن لك قضية عند قاضٍ غير مسلم وكان حكمه عادلاً، وكان خصمك قوياً جداً وغنياً جداً، وأغراه بأشياء كثيرة، وحكم بالعدل، أنت تحبه قطعاً وإذا أحببته لست مخطئاً، إنك تحب الكمال الذي فيه، تحب عدله، تحب إنصافه، تحبه لأنه رفض الإغراءات، هو له مواقف معينة، هو يرى ذلك، هو قاضٍ، فإن جاءك خير من إنسان غير مسلم وبغير قصد فتنك، أي بريء.
أحياناً يكون هناك مطب أو طُعم، إذا كان هذا الخير طعماً أو مطباً هذا موضوع آخر، أما إن كان خيراً عادياً مبنياً على كرم الأخلاق فلا مانع، إن الله يحب معالي الأمور.
آيات من القرآن الكريم عن الارتداد:
شيء آخر:
﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) ﴾
(سورة الجاثية)
وقال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإخوانكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) ﴾
(سورة التوبة)
وقال:
﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22) ﴾

(سورة المجادلة)
مظاهر أخرى للارتداد:
أخواننا الكرام عندي موضوع أرجو الله أن أوفق إلى توضيحه، أول شيء الولاء والبراء، إن كنت موالياً للمؤمنين ولأهل الحق، وجاءتك شبهة كبيرة لأنك توالي أهل الحق، توالي القرآن، تراجع نفسك لعل هذه التهمة غير صحيحة، لعلها افتراء، لعلها كيدية لا تقبلها فوراً، من كان ولاؤه للطرف الآخر يقبل أية شبهة، يقبل أي تهمة، يقبلها من دون دليل، فالدليل على ولائك للدين أنك لا ترضى أن يكون هناك سلبيات في الدين، تبحث عنها وتحاول أن تزيلها، تحاول أن ترد عليها، تحاول أن تحقق في الأمر، رجل قيل عن والده أنه مخطئ، والابن بار، فيتأكد، يطلب الدليل، يسأل والده، أما قبل عن والده تهمة كبيرة ولم يسأل ولم ينفيها عنه، فرح، فهذا معناه أنه ليس ابنه، معنى هذا أنك لست ابنه، رجل اتهم والدك بالسرقة، ووالدك محترم جداً، وأنت لم تُبال ِ، يجب أن تخرج من جلدك، تدافع عنه، تحقق، تطلب الدليل، تسأل والدك، هذا هو الولاء، لكن لا يوجد ولاء أبداً، أي تهمة ألصقت بالدين تقبلها ببساطة، إذاً لا يوجد ولاء، من مظاهر الارتداد الموسعة أن تعلن أنك لست مسلماً، لكن من مظاهر الارتداد المخفف كراهية شيء في الإسلام، أنا أكره الحجاب، هذا ارتداد، لكن موسع، أنا أكره نظام الزكاة، أنا أكره صلاة الفجر، يا أخي صعبة، رجل ينام في منتصف الليل استيقِظ وتوضأ وصلّ، هناك من يقول ذلك، أنا أكره غض البصر، أنا أكره الحج، كثير من الناس قد حجوا فيقول لك: والله لو مدوا لي السجاد فلن أعيدها، هذا ارتداد لكن مخفف، أن تكره شيئاً في الإسلام:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) ﴾
(سورة محمد)
من مظاهر الارتداد الاستهزاء بشيء من الدين أو بإحدى شعائر المسلمين:
أخواننا الكرام هذا الدرس تحذيري، تكره شيئاً في الإسلام ؟! يا أخي ما هذه الأسرة ؟ متزمتة، مكان مخصص للرجال وآخر للنساء، هل سنأكل له زوجته لو جلست معنا !؟ يكره أن يكون هناك فصل، يريد أن يجلس مع الكل، يريد أن يمزح مع الكل، يريد أن يملأ عينيه من محاسن كل النساء، إذا كنت تكره شيئاً في الإسلام، تكره الحجاب، تكره غض البصر، تكره صلاة الفجر، تكره الحج مثلاً، مشكلة، هذا نوع من الارتداد:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) ﴾
(سورة محمد)
أخواننا الكرام أيضاً من مظاهر الارتداد الاستهزاء بشيء من الدين، أو بشعيرة من شعائر المسلمين، هناك من يحاكي عباده محاكاة شكلية، هناك من يستهزئ بإنسان ورع بغض بصره، هنالك الكثير من حالات الاستهزاء، رجل ورع فيفاجئونه مثلاً، فأي استهزاء أو استخفاف بمظهر إسلامي، أو بعبادة إسلامية، أو بشعيرة إسلامية، أو بشيء إسلامي، هذا دليل الارتداد:
﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) ﴾
(سورة التوبة )
من مظاهر الارتداد تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله:
عدَّ إلى المليار قبل أن تستهزئ بعبادة أو بشعيرة، هذا دين الله عز وجل، هذه شعائر الله:
﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) ﴾
(سورة الحج)
أحياناً أشخاص كثيرون لا يحلو لهم المزاح إلا على أهل الدين، يقلدونهم في صلاتهم، وفي سلامهم، وفي ورعهم، وفي غض بصرهم، وفي ضبطهم لألسنتهم، يقلدونهم ويستهزئون، يقول الله عز وجل:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾
(سورة المطففين)
من مظاهر الارتداد عن الدين، تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله:
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) ﴾
(سورة النحل)
من مظاهر الارتداد عن الدين أن تؤمن ببعض هذا الدين وأن تكفر ببعضه الآخر:
من مظاهر الارتداد عن الدين أن تؤمن ببعض هذا الدين وأن تكفر ببعضه الآخر هذه غير معقولة، لا تقنعني، من أنت ؟! هل أنت مشرِّع ؟ هل أنت مخير بالقبول أو بالرفض ؟ يأخذ ما يطرب له، قضايا العبادات تعجبه، أما قضايا ترك الربا لا تعجبه، العبادات تعجبه، أما قضايا عدم الاختلاط لا تعجبه، فلذلك هذا الذي يأخذ ما يعجبه، يأخذ ما كان هيناً عليه، يأخذ ما كان سهلاً، ويرفض ما كان صعباً، هذا نوع من الارتداد المخفف عن الدين، قال تعالى:
﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ (85) ﴾
(سورة البقرة)
من يقتصر على القرآن الكريم دون السُّنة يخالف القرآن الكريم دون أن يشعر:
يوجد عندنا الآن مظهر خطير جداً لا أدري كيف ينتشر الآن، بشكل مخيف، هذا المظهر الاقتصار بالإيمان بالقرآن الكريم وحده، وجحود السنة النبوية، بدعوى أن هناك أحاديث موضوعة، حسناً إن وجدت أحاديث موضوعة، ووجدت أحاديث ضعيفة هل هذا مبرر أن تنكر السنة ؟ ألم يقل الله عز وجل:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾
(سورة الحشر)
ألم يقل الله عز وجل:
﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (80) ﴾
(سورة النساء)
هذا الذي يقتصر على القرآن الكريم يخالف القرآن الكريم دون أن يشعر، هذا الاتجاه بدأ ينتشر، يسمون الآن القرآنيين، القرآن فقط لا يوجد سنة، حسناً، كيف تصلي من دون سنة ؟ كيف تدفع الزكاة، أنصبة الزكاة، أعطيك ألف سؤال لا جواب له إلا في السنة، يوجد حالات بالفقه النبي حرمها، النبي حرمها والنبي مشرِّع عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل قال:
﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (23) ﴾
(سورة النساء )
ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟
(( قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
معنى هذا أن العمة من الرضاعة لا تجوز، والخالة من الرضاعة لا تجوز، وبنت الأخ من الرضاعة لا تجوز، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هذا تشريع النبي عليه الصلاة والسلام.
كلام النبي عليه الصلاة والسلام مصدر تشريعي:
يقول الله عز وجل:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) ﴾
(سورة النساء)
القرآن قال:
﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (23) ﴾
(سورة النساء)
(( لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
النبي نهاك عن أن تجمع بين البنت وخالتها، والبنت وعمتها، هذا من تشريع النبي عليه الصلاة والسلام، كلام النبي مصدر تشريعي، والله عز وجل يقول:
﴿ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾
(سورة الحشر)
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالاً اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَاماً حَرَّمْنَاهُ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ))
[الترمذي عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ]
هذا كلام النبي، وفي كلام آخر قاله النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَاناً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوا ))
[أحمد عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ]
مثله معه السنة المطهرة، مثله معه الحديث، لأنه لا ينطق عن الهوى:
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾
(سورة النجم)
من مظاهر الارتداد والاستهزاء الغمز بفعل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم:
من مظاهر الارتداد والاستهزاء الغمز بفعل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يقول لك: لا يمكن أن يأخذ السيدة عائشة التي عمرها تسع سنوات، هناك من قال لي ذلك !! من قال لك أنه دخل بها في التاسعة ؟ قال هذا أعداء الدين، حينما تفكر أن تنتقص من قيمة النبي عليه الصلاة والسلام، حينما تفكر أن تنتقض بعض أفعاله، فهذا باب فتح على صاحبه من أبواب الارتداد، اسأل يا أخي، يوجد موقف أثار شكوكك، اختل توازنك معه، اسأل يا أخي، لعل الحديث لا أصل له، كثير من قصص باطلة ليس لها أصل إطلاقاً، كقصة أن النبي عليه الصلاة والسلام مر فرأى باباً مفتوحاً، ورأى امرأة تغتسل، وهي عارية، وهي جميلة جداً، وقعت في قلبه وقال: سبحان الله، فجاء الأمر الإلهي بتطليقها ليتزوجها النبي، هذه قصة من وضع الزنادقة، ولا أصل لها إطلاقاً، والله مئات القصص أيها الأخوة، لا أصل لها إطلاقاً، اسأل ما صحة هذه القصة ؟
إذاً من مظاهر الارتداد الاستهزاء والغمز بفعل من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، كأمثال من يغمز على النبي في تعدد زوجاته، وقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) ﴾
(سورة الحجرات)
من مظاهر الارتداد أن تدعي أن للقرآن باطناً وظاهراً وأن الباطن يخالف الظاهر:
من مظاهر الارتداد أيضاً أن تدعي أن للقرآن باطناً وظاهراً، والباطن يخالف الظاهر، الذي أمره واضح وصريح، الله عز وجل لا يريد هذا من هذه الآية بل يريد شيئاً آخر، هل من المعقول أن تقول لإنسان ائتني بكأس ماء، فجاءك بكأس ماء، وهو بريء ومطيع، فتقول له: ليس قصدي أن تأتي بالماء أصلحك الله، ماذا قلت لي أنت يا سيدي ؟ قلت لي كأس ماء، لا أنا أقصد شيئاً آخر، أنت لم تفهم، هذا الشيء فوق طاقة البشر، أن يقول الله كلاماً له معنىً آخر، له معنىً يخالف ظاهره، لا هذا كلام مرفوض، المطلق على إطلاقه، والظاهر على ظاهره، إلا إذا كان هناك قرينة مانعة من المعنى الحقيقي، أقول في بيتنا زهرة، ليس هذا قصده، بل قصده أن في البيت عالماً يزوره مثل الوردة يا أخي، لا قال لك: في بيتنا زهرة، لو قال لك: في بيتنا زهرة تلعب، معنى هذا الطفل، لأن الزهرة لا تلعب، ( تلعب ) قرينة تمنع ورود المعنى الحقيقي، فإذا كان الكلام له ظاهر واضح نأخذه على ظاهره، لا نأخذه على باطنه، أو على باطن تدعيه أنت، وليس للقرآن الكريم باطن، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))
[ابن ماجة عَنْ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ]
من أنواع الارتداد أيضاً ابتغاء الفتنة وإشاعتها في الذين آمنوا:
أخواننا الكرام من يبتغي الفتنة فهو نوع من الارتداد، يرتاح إذا أشاع الفاحشة في الذين آمنوا، روج قصصاً لا أصل لها، هذا استنساخ ! وكأنه منتصر، ماذا حدث ؟ هذا استنساخ، ها قد ولد طفل من دون أب، كأن الدين قد انتقض، الله قد سمح بذلك، وإذا سمح بشيء على خلاف تصميمه ليكون هذا السماح تأكيداً لتمام تصميمه، إذا سمح بشيء على خلاف تصميمه يثبت بعد حين كمال تصميمه، الله عز وجل حفظ كتابه، وليس معنى حفظ كتابه أنه لا تجري محاولة لتغييره، جرت آلاف المحاولات، ولكن لم تنجح، إذاً عدم نجاحها تأكيد لحفظ الله لكتابه، قرأت خبراً عن بعض البلاد العربية أن تسعة ملايين شاب في الخامسة والثلاثين لا يستطيعون الزواج، بلد فقير، وتعداد سكانه كبير جداً، ويوجد ستة ملايين فتاة تجاوزن الخامسة والثلاثين ولم يتزوجن، أما طفل الاستنساخ، يوجد مقال لأحد الأطباء ـ وأظنه صادقاً فيما يقول ـ أنه يكلف مئتي ألف دولار، يوجد الكثير من البنات والشباب يريدون الزواج ولا إمكانيات لديهم، ونريد أن ندفع مئتي ألف دولار من أجل طفل بالاستنساخ، وأنا مع ذلك أتمنى بالأخوة الدعاة جميعاً أن يتريثوا، لا تتسرعوا بإصدار الأحكام، أي أن هذا الشيء سوف يكشف خلله بذاته، لا تتسرعوا بإصدار الأحكام، لكن أنا أتألم حينما أرى إنساناً مؤمناً تزلزل إيمانه بالاستنساخ:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ (255) ﴾
(سورة البقرة)
وقال:
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) ﴾
(سورة الإنسان)
يوجد تمازج بين الجينات المذكرة والجينات المؤنثة، بين جينات الحوين وجينات البويضة، وحينما تمتزج الجينات المذكرة والمؤنثة يكون الجنين قد جمع أقوى الصفات:
(( اغتربوا لا تضووا ))
[قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا معتمدا. قلت: إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب "قد أضويتم فأنكحوا في النوابغ" رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وقال معناه تزوجوا الغرائب قال: ويقال: اغربوا لا تضووا]
أما إذا أخذنا من ثدي المرأة السحاقية من دون مواربة قطعة من ثديها وزرعناه في رحمها هذه التي ولدت ليست ابنتها إنها أختها، وكل الصفات السلبية الموجودة في الأم تزداد في أختها، لأنهم يغيرون خلق الله عز وجل، طبعاً حرمه المسلمون وغير المسلمين والأنظمة العلمانية.
آخر مظهر من مظاهر الارتداد عدم معرفة الله المعرفة الصحيحة:
هناك أخطار لا يعلمها إلا الله، لكن قضية تحدٍّ، فابتغاء الفتنة، يا أخي تقول: أنه يعلم ما في الأرحام، ها قد عرفوا الآن على الإيكو ذكر أم أنثى، الله قال:
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ (34) ﴾
(سورة لقمان)
لم يقل من في الأرحام، يوجد ألف صفة في الخارطة الجينية لا يعلمها إلا الله، مرة قال لي أحدهم: يعرفون ماذا في الجنين، ذكر أم أنثى ؟ قلت له: أنا أعرف. قال: ما هذا الكلام ؟ قلت له: والله أنا أعرف. قال: كيف ؟ قلت له: إما ذكر أو أنثى.
من مظاهر هذا الارتداد أيها الأخوة ـ وهذا آخر بند وقد أطلت عليكم ـ عدم معرفة الله المعرفة الصحيحة، أن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، أن تعرف ما يليق به وما لا يليق به، أن تعرف شيئاً عن كمالاته، شيئاً عن كمالات الأنبياء، معك تفاصيل، أحياناً الإنسان يترضى عن عنترة أحياناً، كم هو جاهل حينما يترضى عن عنترة، لو قال: عنترة العبسي رضي الله عنه !! هل هو متعمق بالدين ؟ يوجد أشخاص هكذا، رجل أدى فريضة الحج، وهو راجع في الطائرة وهو ذو مكانة مرموقة في بلده قال: والله شيء ممتاز يوجد خدمات رائعة، ولكن لو فعلوه ـ أي الحج ـ على خمسة دورات لكان أكثر راحة، أي كل شهرين موسم، هل هذا متعمق بالدين ؟ وهل يعرف أحكام الحج، وأحكام فرضية الحج، وأحكام مناسك الحج، مثلاً:
﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ﴾
(سورة آل عمران )
التحذير يقابل الربط:
هناك من يقول ذلك، قالها اليهود:
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (181) ﴾
(سورة آل عمران )
فهم ضيق:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (11) ﴾
(سورة البقرة)
ظن أن الله فقير يطلب منا القرض الحسن، فإن كان الإنسان غير متبحر، أو ضعيف الإدراك، يرى وجود متناقضات كثيرة جداً، فأيها الأخوة هذه أشياء ينبغي أن نُحذِّّر منها طلابنا، وأن نحذر منها من نعلمهم، وأولادنا، فالأب ينبغي أن لا يسكت لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ناقش ابنك، اسأله، أما إن تركته فوعاؤه فارغ يملأ بالباطل، ملئ بالضلال، ثـم تفاجأ أن ابنك ليس على ما ينبغي أن يكون، أو تلميذك ليس على ما ينبغي أن يكون، لا تحذره إطلاقاً، فالتحذير يقابل الربط، كما أنني في الدرس السابق دعوت إلى أن تربطه بالدعوة والدعاة، أن تربطه بشيء يشغله وينفعه، أن تربطه بالدين والقرآن، الآن أن تحذره من أكبر شيء يهدد هذا الدين هو الارتداد.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 16 - التربية بالتحذير -2





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، و لازلنا في القسم الثاني أي في الوسائل الفعالة في تربية الأولاد، وقد تحدثنا عن التربية بالقدوة والملاحظة والتلقين والتعويد والعقاب والربط، وتحدثنا عن أنواع من الربط وها نحن ننتقل إلى نوع من أنواع التربية ألا وهو التحذير. المعركة بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية هكذا شاءت حكمة الله:
بادئ ذي بدء الإنسان يتحرك وفق تصوراته وقناعاته، فإذا تسربت إلى نفس الابن أو الطالب عقيدة غير صحيحة، عقيدة تتناقض مع القرآن الكريم، الذي يحصل أن هذا الطالب أو أن هذا الابن عن وعي أو عن غير وعي يتصرف وفق ما يتصور، لو فرضاً لم تكن هناك من علاقة بين ما يعتقده الشاب وبين ما يفعله ليعتقد ما شاء، وليكن في أي مدرسة وفي أي مجتمع ومع أي إنسان، ولكن لمجرد أن تتسرب إليه عقيدة زائغة هذه العقيدة الزائغة تنعكس على سلوكه بشكل قطعي، الحقيقة المعركة التي بين الحق والباطل معركة أزلية أبدية هكذا شاءت حكمة الله لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (112) ﴾
(سورة الأنعام)
أي لو تصورنا أنه ليس هناك باطل، وليس هناك مكر للباطل، وليس هناك قوة للباطل، كيف يدفع المؤمن ثمن الجنة ؟ نحن في دار ابتلاء، نحن في دار فيها صراع والمؤمن يملك أسباب النصر، يملك كل أسباب النصر، فإذا قصر في معرفة دينه، وفي الدفاع عن دينه، كانت النتيجة ما ترون وما تسمعون، نتيجة لا ترضي ولا نغبط عليها ولا نقبلها لخصومنا، أن يكون أمرنا ليس بيدنا، وأن نغذى ثقافياً وفكرياً، وأن نغزَى غزواً مادياً وهذا الذي حصل.
الأولاد هم الورقة الرابحة الأخيرة بيد المسلمين لذلك علينا أن نحسن تربيتهم:
يا أيها الأخوة أنا أقول وأكرر ما من قضية أخطر في حياة الأمة الإسلامية من تربية أولادها، لأن الأولاد هم الورقة الرابحة الأخيرة التي بيد المسلمين، لا نملك إلا أولادنا فإذا قنع هذا الابن في مدرسته ومن خلال كتاب العلوم أن الحياة تطور بلا خالق، تطور غازات، كتل، مياه، أمواج، حت، ذرة مادية بطفرة معينة أصبحت خلية حية، هذه الخلية الحية تطورت من متحول زحاري ومرت بعدة أطوار إلى أن أصبحت إنساناً، هذا يدرَّس في الجامعات، يدرَّس في التعليم الثانوي، هذا كلام يتناقض مع القرآن، يتناقض مع وحي السماء، فضلاً عن أنه لا يقبله عقل على الإطلاق.
أنا أقول لك كلمة، أيهما أكثر تعقيداً كتاب مؤلف من مئتي صفحة فيه موضوعات متسلسلة، يوجد فيها فهرس، يوجد مراجع، يوجد مصادر، يوجد ترقيم صفحات، فيه مقدمة، فيه خاتمة، هل تقبل أن انفجاراً وقع في مطبعة، والمطبعة فيها ورق، ويوجد بها حبر، وفيها حروف، فكان من نتيجة هذا الانفجار هذا الكتاب ؟ لا يمكن أن تقبله، كيف تقبل إنساناً بدماغه يوجد أربعة عشر مليار خلية قشرية سمراء تجري فيها نشاطات الفكر من استقراء واستنتاج ومحاكمة وتصور وتذكر، وهذه الخلايا التي تزيد عن أربعة عشر ملياراً مركبة على مئة وأربعين مليار خلية، وأن عصب العين يزيد عن خمسمئة ألف عصب، وأن شبكية العين يوجد بها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، وأن في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة لكل شعرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغدة دهنية وغدد صبغية، وأن هذه العين فيها مطابقة والمطابقة أعقد ما يمكن أن تفهمه في الحياة، جسم بلوري له محرق هي الشبكية، ولا ينطبع على الشبكية إلا جسم يقف أمام العدسة بمسافة ثابتة، أنت كيف ترى كرة القدم تنتقل من لاعب إلى لاعب وتراها على الشبكية بشكل دقيق بالغ ؟ عملية المطابقة يعجز عن أن يفعلها أكبر عالم فيزياء في العالم، لو العدسة قطرها متر المطابقة، التفكر، التذكر، الاستنباط، يعجز الأطباء عن أن يزرعوا رئتين لاستحالة توصيل الأعصاب بحيث أن من له رئة مزروعة لا يستطيع أن يسعل، والسعال عملية حيوية بالغة الدقة، لاستحالة أن يعود السعال كما كان يستحيل أن تزرع الرئة، والقلب الذي يضخ ثمانية أمتار مكعبة باليوم، أما كم يضخ في عمر متوسط إنسان عاش ستين سنة، كم يضخ من الدم ؟ قد تعجبون، يضخ القلب الذي يعيش صاحبه عمراً متوسطاً ما يملأ مركز التجارة العالمي الذي دمر في الحادي عشر من أيلول، القلب الذي يضخ ثمانية أمتار مكعبة في اليوم يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، هذا القلب بلا كلل وبلا ملل.
على المؤمن أن ينشئ أولاده على التفكر في خلق السموات والأرض:
الآن العظام، المعدة بكل سنتمتر مربع خمسة وثلاثين ألف عصارة، الرئتان الكليتان مليون نيفروناً، طول النيفرونات مع بعضها بعضاً مئة كيلو متراً يقطعها الدم في اليوم خمس مرات وأنت لا تشعر، أي شيء في جسمك آية، هكذا تطور، من دون خالق:
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) ﴾
(سورة الطور)
هذه الآية أصل في العقيدة، فكيف يدرس الطلاب تقليداً للغرب ؟ وتقليداً للغرب الملحد أن الحياة تطور، والله أيها الأخوة لو لم تنشئ ابنك على التفكر في خلق السماوات والأرض، لو لم تحذره من عقائد زائغة لخسرته، أنت حينما تعتقد أن هذا الإنسان مخلوق صدفة، هل تصدقون أيها الأخوة ـ والله أنا لا أصدق ـ أن ذرة من الحمض الريبي النووي الموجود في كل خلية حية بدءاً من أبسط مخلوق وهو المتحول إلى أعقد مخلوق هو الإنسان الحمض الريبي النووي فيه ثلاثة وعشرون مورثاً أو ستة وأربعون، وفيه تقريباً خارطة جينية تقترب من مئة، وفيه تقريباً خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، مبرمجة كيف ؟ أي هذا الشاب في الثامنة عشرة من عمره يخشن صوته، من خَشَّن له صوته ؟ يوجد بالمورثات معلومة مبرمجة بوقت معين، أنت أحياناً تعجب أن هذا الجهاز يعمل ذاتياً بوقت معين، يوجد ساعة والساعة مرتبطة بالتشغيل، فممكن أن تشغل أي جهاز على توقيت معين، أما الإنسان مبرمج لعشرين أو ثلاثين سنة، هذه المعلومات تتغير في الوقت المناسب، فأنا أقول كلاماً دقيقاً الآن أي أنت من السذاجة بمكان أن تظن الطرف الآخر طرفاً بسيطاً له كيد كبير، بل إن كيد هؤلاء شبهوا في القرآن الكريم بإزاحة جبل عن مكانه، كما أنه يستحيل استحالة مطلقة أن ينقل أصغر جبل في العالم مثل جبل قاسيون إلى درعا، هل ينقل ؟ لو جئنا بجيوش الأرض، بأقوى الدول في العالم، هل بالإمكان أن يزاح هذا الجبل بكامله من شمال دمشق إلى درعا ؟ الله عز وجل قال:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾
(سورة إبراهيم)
الإسلام محاط بنظريات علمانية أساسها الجهل وإلغاء وجود الله عز وجل:
الأب الغافل عن تربية أولاده، ذهبوا إلى المدرسة، علموا أن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، أن الكون أصله غازات، والغازات تحولت إلى كتل بفعل الضغط، ومن الضغط نشأت الكواكب، والكواكب أصبح فيها ماء، والماء سبَّب حتّاً، والحت صنع خلايا، وبعد ذلك أصبح هناك نبات، وبعد ذلك حيوان في البحر، وبعد ذلك انتقل إلى البر، والله شيء مضحك، وبعد ذلك تحول السمك إلى دلفين وحوت، والحوت إلى تمساح، والتمساح إلى مخلوق آخر وهكذا حتى أصبح قرداً، وبعد ذلك إنساناً وهكذا، هذه قصة آدم ليس صحيحة، قصة آدم وحواء الحقيقة أنها ألغيت.
أنا أقول لكم كلاماً أيها الأخوة، نحن محاطون بنظريات كافرة، بنظريات ألطف اسم تنعت به أنها علمانية، وهي نظريات جهلانية أساسها الجهل، أساسها إلغاء وجود الله عز وجل، فإذا اقتنع الابن أنه لا يوجد دين فهذه قضية، الدين نحن اخترعناه لضعف الإنسان أو لإحباطه، يقولون لك أن الإنسان حينما يفتقر يأتي إلى المساجد، من فقره، من إحباطه، خبثاء جداً، يشهد العالم الآن صحوة عند الأغنياء يملكون ملايين كثيرة ويأتون إلى المساجد، ويتعرفون إلى الله، وقد تجد تديناً في صفوف علية القوم لا يقل عن ضعفاء القوم.
قصدي من هذا الدرس المتعلق بالتحذير أنه لا يوجد أب يسعد بابنه إلا بعد أن يراقبه، يناقشه، ويحاوره، حدثني أخ له أخ جاء من بلاد بعيدة، ويعتقد اعتقادات كلها تتناقض مع القرآن الكريم، قال لي: أربعة أسابيع سيغير مجرى الأسرة كلها لو لم يكن له أخ إيمانه قوي، جلس معه، وحاوره، وأقام عليه الحجة، وتأثر الأخ الذي جاء من هذه البلاد، وعاد إلى صوابه، مشكلة كبيرة، قد نكون في غفلة إذا لم يوجد تغذية دينية من قبل الأب أو الأم أو الأخ الأكبر أو الجامع أو الشيخ أو المرشد، إذا لم نجد تغذية دينية علمية.
الغزو الثقافي أساسه الإلحاد والإباحة، الاعتقاد إلحاد والسلوك إباحة:
أقول لكم هذه الكلمة أيها الأخوة، من دعا إلى الله بمضمون سطحي، غير متماسك، متناقض، وبأسلوب غير علمي، وبطريقة غير تربوية، أو دعا إلى الله بأسلوب عميق، وبمضمون عميق، وبأسلوب علمي، لكن اكتشف المدعو بأن الذي يدعوه ليس عنده مصداقية، أي لا يفعل ما يقول، فهذا المدعو بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب وبهذا المضمون لا يكون عند الله مبلغاً، ويقع إثم تفلته من الدين على من دعاه بهذه الطريقة.
أيها الأخوة لا يوجد إسلام سكوني، لا يوجد إسلام أساسه إعجاب سلبي، ما في أب يدخل إلى البيت يأكل وينام، أولاده ممن تعلموا ؟ ماذا تعلموا ؟ ماذا يعتقدون ؟ بماذا يفكرون ؟ كيف يقيِّمون الدين ؟ كيف يقيِّمون سيد المرسلين ؟ هل يقرؤون القرآن ؟ هل يظنون أنه كلام الله ؟ هذا كله خارج اهتمامهم، يكتشف الأب فجأةً أن ابنه لا يعرف شيئاً عن الدين، والمعصية والطاعة عنده سواء، بل لا ينتمي لهذه الأمة إطلاقاً، هذا الاكتشاف مرعب، هذا الاكتشاف صاعق، والسبب هو التقصير، فأنت حينما تأتي إلى مجلس علم، وحينما تطلب العلم، وحينما تقرأ القرآن، ألا ينبغي أن تتنبه إلى حال ابنك ؟ ألا تذكرون أنه توجد طريقة فعالة من طرق التربية هي الملاحظة، أن تلاحظ عليه فكراً غير صحيح، طرحاً غير صحيح، تعليماً غير صحيح، انتماء غير صحيح، فالتحذير من الطرف الآخر بثقافته الإلحادية، وبثقافته الإباحية، كلمتان تعبران عن الغزو الثقافي على خطورته، أن هذا الغزو الثقافي أساسه الإلحاد والإباحة، الاعتقاد إلحاد، والسلوك إباحة، وهذا الفساد في العقيدة وفي السلوك عمَّ الأرض، لذلك لا نحتاج إلى شيء كما نحتاج إلى واحة إيمان نكون فيها الآن، لا شيء يؤثر أو يعد فعالاً في سلامة الإنسان وأولاده وزوجته من أن يأوي إلى الكهف، قال تعالى:
﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ (16) ﴾
(سورة الكهف)
الكهف بيتك والكهف مسجدك:
﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16) ﴾
(سورة الكهف)
أخطر شيء في الدين العقيدة إن صحت صحّ العمل وإن فسدت فسد العمل:
قال تعالى:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾
(سورة الروم)
بما كسبت أيدي الناس، فساد في العقيدة، فساد في السلوك، فساد في التعامل، فساد في البيئة، فساد في الهواء، فساد في الماء، فساد في الغذاء، فساد في الخضراوات، فساد في كل شيء.
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾
(سورة الروم)
أخواننا الكرام، أخطر شيء في الدين العقيدة، إن صحت صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، وأخطر شيء عند ابنك عقيدته، لكن المشكلة أيها الأخوة أن الابن لا يتعامل بالفكر بل يتعامل بالصور، والغرب عرف كيف يفسد هذا الطفل، الغرب لا يطرح على الصغار أفكاراً بكتاب، يطرح عليه أفلام كرتون لو دققت فيها لوجدتها مبنيةً على فكرتين فكرة الإلحاد والإباحية، فما لم يتحرك المسلمون لإنقاذ أولادهم من الغزو الثقافي الغربي والشرقي، من طرح قصص تشف عن قيم إباحية، أو عن قيم إلحادية، فالأمر خطير جداً، لا تظن الأمر سهلاً، لا تظن أن إنساناً يكتشف أن ابنه لا يؤمن بالدين وهو سعيد، مثل هذا الإنسان انتهى أمام نفسه، لأن ابنه استمرار له، هذه السلسلة سلسلة تربية الأولاد في الإسلام مهمتها أن نكون يقظين من أن تتسرب إلى عقول أبنائنا عقيدة تتناقض مع القرآن.
القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله:
حينما قال الله عز وجل:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من احتكام لغير الله، وسلم من عبادة غير الله، هم يتحدثون عن الماضي السحيق السحِيق، يقول لك: قبل خمسين مليار سنة، تاريخ البشر لا يزيد عن عشرة آلاف سنة، السيد المسيح ولد قبل ألفي عام، وقبل الميلاد يوجد ستة قرون أو سبعة، يقول لك: قبل خمسين مليار سنة، الله ماذا قال ؟
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ (51) ﴾
(سورة الكهف)
أضرب مثلاً للتقريب، رجل تاجر كبير في السن، عنده شاب، جالس مع أخوانه في جلسة بسهرة، قال لهم: أنا أخذت محلاً تجارياً عام ثلاثة وثلاثين بخمسة آلاف ليرة، ابنه ولد في عام خمسة وأربعين، قال له: لا يا أبي ليس بخمسة، نظر إليه الأب وقال: وهل كنت وقتها ؟ لم يكن موجوداً، هذا مثل بسيط، إله قال: بدأ الله خلق البشر بآدم وحواء فهذا الذي يقول: قبل خمسين مليار سنة كان في مياه، وصخور، وحت، والحت جعل خلية حية، والخلية الحية عاشت في الماء بعد هذا إلى أن أصبحت إنساناً، هذا الكلام كلام تكهن من إنسان لم يكن موجوداً وقتها، ولكن عمل سلسلة منطقية مفادها أن الله عز وجل غير موجود، أم أن كتاباً فيه مليون ملْيون دليل قطعي على أنه كلام الله، يخبرنا أن الله بدأ الخليقة بآدم وحواء.
أيها الأخوة، قصة أرويها لكن أرويها على حذر، أخ كريم من أخواننا سابقاً منع ابنه أن يكون له علاقة مع أي إنسان من البيت إلى المدرسة، نشأ هذا الابن بتعتيم كامل وبقطيعة لكل من حوله، الأب اضطر أن يسافر إلى أمريكا سفرة طارئة، والابن كبر واستلم محله في المعمل، لكن الأب لم يعلمه، قمعه، هذا الابن بغياب والده انحرف انحرافاً شديداً وتقريباً أنفق معظم ما يدخره والده من مال على فتاة ساقطة.
هذا الكلام ما مؤداه ؟ أنت لو حاصرت ابنك، وبقي بحجرك، لكن بعد ذلك كبر وما علمته، وما بينت له، يمكن أن ينحرف انحرافاً لا تقوى على سماع أخباره، أما إذا نورته بأن تقول له: هذه الفكرة غير صحيحة يا بني، هذه الفكرة ينقضها القرآن، ينقضها الميزان الصحيح، ينقضها العقل، ينقضها الواقع، البديل هذه الفكرة وهذا دليلها، في حالات كثيرة جداً في قمع ومنع بسن معين، فلما شب عن الطوق انحرف انحرافاً لا حدود له.
أحد أسباب اللامبالاة عند الطفل أنه في صراعات مستمرة مزمنة بين جهة وأخرى:
إذاً أيها الأخوة، هذا الدرس المتعلق بالتحذير أنا أعلق عليه أهمية كبيرة، يعني ما الذي يمنع أن تمسك كتاب العلوم للصف الثامن أو التاسع أو العاشر وتقرأ فقرات منه، هذا الكتاب يدرسه ابنه، هل فيه نظرية تتناقض مع القرآن، ألا تملك أيها الأب حجة قوية لنقض هذه النظرية، أم أن الأمور سائبة، العالم الغربي هكذا يعتقد، افتح أي موسوعة علمية، افتح أي موسوعة من دون استثناء، الإنسان الحجري، والإنسان الذي كان يشبه الغوريلا، والإنسان الذي يشبه الشمبانزي، والإنسان الذي قبل والذي بعد، محصلة الموسوعات كلها أن الخليقة ما بدأت بآدم وحواء بدأت بهذا التسلسل العشوائي التطوري، فأين أنت أيها الأب ؟ أين حجتك ؟ أين قوله تعالى:
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83) ﴾
(سورة الأنعام)
في ردود قوية جِداً جداً، ناصعة جِداً جداً ينبغي أن تعرفها، وأن تقنع ابنك بها، أنا لا أتمنى أن يكون في انفصام شخصية، يعني طفل يتعلم في المسجد شيء وفي المدرسة شيء آخر، يتمزق أيهما أصح ؟ الصحيح ما تعلمه في المدرسة، أم ما تعلمه في المسجد ؟ أم أن هذا الطفل ينبغي أن يكون منافقاً، إذا التقى بأهل الدين أرضاهم باعتقاده السليم، وإذا التقى بهؤلاء أساطين الكفر والشرك أرضاهم بكلام يقنعهم، أنت إما أن تعمل انفصام شخصية عند ابنك، أو تعمل صراعاً مريراً، وهذا الصراع إذا استمر ينتقل إلى اللامبالاة، تجد شخصاً لا يبالي إطلاقاً، أحد أسباب اللامبالاة أنه في صراعات مستمرة مزمنة بين جهة وأخرى.
المبادرة إلى الحوار والسؤال والجواب دائماً حتى نحصِّن أولادنا:
أعلم علم اليقين خطورة هذا الدرس، تتسرب إلى عقول أبنائنا عقائد تتناقض مع القرآن، مثلاً يقول لك: شعوب الهند متوسط أعمارهم أربعون سنة، الشعوب المتقدمة مادياً والتي عندها وعي صحي عمرها المتوسط ثمانون سنة، خمسة وسبعون للرجال، وخمسة وثمانون للنساء، معنى هذا أن العمر ليس بيد الله، وليس ثابتاً، بحسب الوعي الصحي ونوع الطعام يتغير العمر، هذه الفكرة تتناقض مع القرآن الكريم، كيف توفق بينها وبين القرآن الكريم ؟ إحصاءات أيضاً، فالأمر الآن لا يتم بسهولة، اعتقاداً بسيطاً، ساذجاً، سطحياً، هكذا قال الشيخ، تجد نفسك أمام مقالات، ندوات، أمام محاضرات، أمام كتب، أمام أشرطة كلها تناقض القرآن، ماذا تفعل أنت ؟ الآن الباطل قوي، الباطل قوي جداً، فإن لم تحصن أولادك من هذه العقائد الزائغة في خطورة كبيرة، وأنا أقول دائماً كعادتي أن المجتمعات القديمة تشبه حديقة حيوان تقليدية، الوحوش في الأقفاص، والزوار طلقاء، بؤر الفساد الفكري والسلوكي كان محصوراً، أما الوضع العام جيد، حينما كنا في الخمسينات هكذا كان الوضع، الآن وضع المجتمع الإسلامي يشبه حديقة حيوان حديثة جداً، إفريقية، الوحوش طلقاء، والزوار إن لم يلجؤوا إلى مركبة مصفحة يؤكلون، لا تقدر الآن إلا أن تحصن ابنك تحصيناً ذاتياً داخلياً، توعيه، تبين له مكر الشرك، مكر الكفر، هذه النظريات ليس لها أساس من الصحة، صممت لضرب دين يحارب العلم في غير بلادنا، هذه مصممة لغير الإسلام، مصممة لدين يحارب العلم أشد المحاربة.
نحن حينما نوقن أن هذه العقائد إذا تسربت إلى عقول أولادنا نشأ عنا خطورة كبيرة جداً، ينبغي أن نبادر إلى الحوار والسؤال والجواب دائماً، المؤمن له من كل آية متعلقة بنبي نصيب، حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ (83) ﴾
(سورة الأنعام)
حينما نفعل هذا نكون قد حصَّنّا أولادنا، أما شاب متردد بين ما في القرآن وبين ما في الكتب، بين ما يلقيه عليه الشيخ في درس علم وبين ما يلقيه عليه أستاذه في الصف، هذا التناقض في تفسير نشأة الخليقة، هذا التناقض يسبب إما حالة لامبالاة صار في صراع مرير مستمر، أو انفصام شخصية، إما نفاق أو كفر، طبعاً هذا الدرس أيضاً درساً تحذيرياً أي أنا أعلم علم اليقين أن معظم أخواننا الكرام على عقيدة سليمة ومتينة، وأولادهم إن شاء الله على شاكلتهم، ولكن قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾
(سورة الذاريات)
المسلم بتقصيره في فهم دينه لا يعلم ما هي أسس العقيدة الصحيحة:
الحقيقة المسلم بتقصيره في فهم دينه لا يعلم ما هي أسس العقيدة الصحيحة، فقد يلتقي بإنسان، قد يقرأ مقالة، قد يقرأ كتاباً، قد يستمع إلى ندوة، فتتسرب إليه أفكار يظنها أنها من الدين و الدين منها بريء.
إذاً حوارك مع أولادك، سؤالك عن عقيدتهم، عن تصوراتهم، والأجوبة تعلم ابنك أن لا يقبل شيئاً إلا بالدليل العلمي، ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل، وتعرفه بمصداقية القرآن، وبأدلته الناصعة، وبإعجازه، وبأن هذا الكلام كلام الله، وما هو الوحي ؟ وكيف جاء الوحي ؟ وعصمة النبي عليه الصلاة و السلام، هذه بديهيات يجب أن تعلم أولادك إياها وإلا الطرف الآخر جاهز، يغزو عقول أبنائنا غزواً فكرياً، إن في المدارس أو في الشاشة، هذه الشاشة الآن ليست تابعة لمكان معين، بهذا التنوع الكبير في المحطات الفضائية أصبح هناك خلاط، كيف خلاط الفواكه، الكل يختلط في هذا الخلاط، وهذا التواصل الإعلامي، تنوع الفضائيات سبب عملية خلط، فكل الشبهات التي في الغرب انتقلت إلينا، وكل أنواع الفساد المنتشر في الأرض انتقل إلينا، فما لم نحصن أولادنا من هذا الغزو الثقافي، الآن أخوانا الكرام يوجد شيء لخطورته لا يصدق، خطورة الغزو الثقافي أخطر بكثير من الغزو العسكري، لأن الغزو الثقافي زعزع لك ثقتك بدينك، زلزلك، جعلك إنساناً حائراً، إنساناً مشككاً، إنساناً ضائعاً، إنساناً شارداً، فالأب الحريص على سلامة أبنائه، وسلامة عقيدة بناته، والمعلم الحريص على عقيدة طلابه، ينبغي أن يكون حذراً إلى درجة عالية جداً من أن ينزلق مع هذه الأفكار التي تبث بشكل مركز جداً من قبل الطرف الآخر لتفسد عقيدتنا وثقتنا بإسلامنا.
أنت ممكن أن تستمع إلى أفكار كثيرة جداً، أي مثلاً النظام الاقتصادي العالمي هذا المهيمن، أي بنوك ربوية، استثمار المال عن طريق الفائدة، المكان الآمن الوحيد هو البنك، وحتى المال لا يتجمد يجب أن تأخذ ربحاً، أي أكبر معصية في القرآن والتي تَوَعَد الله مرتكبها بالحرب، هي بديهية جداً، في التعامل المالي في العالم الإسلامي، وفي كل بلاد المسلمين بنوك ربوية وإيداع بالبنوك وفوائد، أين:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾
(سورة البقرة)
أين:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾
(سورة البقرة)
أين الآيات كلها ؟
الخلط بين التعايش والتوافق بفعل العقائد الزائغة:
شيء آخر ؛ نحن أحياناً بفعل هذه العقائد الزائغة نخلط بين التعايش وبين التوافق، التعايش مطلوب، الطرف الآخر الله عز وجل قال:
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ (7) ﴾
(سورة التوبة)
وقال:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (8) ﴾
(سورة الممتحنة)
وقال أيضاً:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾
(سورة المائدة)
هذا تعايش، ممكن أن تزوره، وتقدم له هدية، وتعود مريضه، وتعاونه، وتكون لطيفاً معه، هذا اسمه تعايش لا يسمى توافقاً، يوجد فرق كبير جداً بين العقائد، كذلك مفهوم اختلاط التعايش مع التوافق هذا أيضاً إحدى مشكلات العصر، أو بالطرف الآخر الله عز وجل قال:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
(سورة فصلت)
هذه أخلاق الدعوة تختلط أحياناً مع أخلاق الجهاد:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (9) ﴾
(سورة التحريم)
أخلاق المعركة شيء وأخلاق الحياة المدنية شيء آخر، فكل هذه المعطيات تتداخل حينما يكون هناك غزو ثقافي كبير.
من نتائج العلمانية رفض أحكام القرآن الكريم:
أي مثلاً من لوازم التفكير العلماني الإلحادي الإباحي أن يظهر الإنسان هذا العلماني الإباحي بعاطفة عجيبة، أي هل يعقل أن تقطع يد السارق ؟ هذا توحش، ضعه في السجن، من قال لك أنه لو طبق هذا الحد لما احتاج المسلمون إلا ليد أو يدين في العام، في أكبر بلد إسلامي ما الذي يحصل ؟ كم جريمة سرقة انقلبت إلى جريمة قتل ؟ اسأل الإحصاءات ؟ هل تصدق والله عندي إحصاء في أمريكا عن عام خمسة وستين، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب، كل ثلاثين ثانية، أي قسموا جرائم القتل والسرقة والاغتصاب على مجموع الشعب وعلى أيام السنة وعلى ثواني السنة فكان كل ثلاثين ثانية جريمة:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
***
فقال الإمام الشافعي:
عز الأمانة أغلاها و أرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
عندما كانت أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت.
مرة قرأت تحقيقاً صحفياً عن بلد إسلامي يطبق قطع اليد ـ شيء لا يصدق سابقاً ليس الآن ـ الآن تساهلوا في قطع اليد فغزتهم الجرائم والسرقات، أي ترسل رواتب أقصى محافظة بالجنوب بسيارة شاحنة مكشوفة، وفيها أكياس الأموال الطائلة، وتقطع عشرات ومئات الكيلومترات دون أن تخشى شيئاً، هذا نظام إلهي، فلمجرد أن تعقد ندوة بمحطة فضائية ويقال هذا قطع اليد ينبغي أن يستبدل بردع آخر، كأن الله عز وجل حكمه غير صحيح، هذه من نتائج العلمانية رفض هذا الحكم، رفض تحريم المصافحة، معقول، يقول لك المرأة نصف المجتمع، الاختلاط، فحينما تطرح أساليبَ للحياة، وأنماطاً لكسب المال، وأنماطاً لاستثمار المال، وأنماطاً للعلاقات الاجتماعية بخلاف ما جاء في القرآن والسنة فأنت قد غُزيت فكرياً وأنت لا تشعر، غُزيت فكرياً وشوهت عقيدياً وسلوكياً وأنت لا تشعر، الكبار إذا كانوا كذلك فكيف الصغار ؟!!
أكبر عمل تقدمه لهذه الأمة أن تخرج من بيتك أولاداً صادقين عندهم قيم أخلاقية تحكمهم:
الآن يوجد اتجاه قوي جداً في العالم كله من أجل تعميم العولمة ـ على وزن حيونة ـ اعتمدت الصورة لا الفكرة، لأن الصورة لها قوة تعبير ألف كلمة، والصورة لا تحتاج إلى شخص يقرأ ويكتب، لو نشرنا كتاباً من يقرؤه ؟ المثقفون، أما غير المثقفين لا يقرؤونه، أما إذا اعتمدنا الصورة نستطيع أن نصل إلى كل إنسان، وأخطر شريحة تتأثر بالصورة الطفل، أنت أطلع الطفل على بيت فخم جداً، جميل جداً، نظيف جداً، والأم بأعلى درجة من الأناقة واللطف، والبيت فيه بار، وفيه اختلاط، وفيه كل وسائل الرفاهية، وكل وسائل المعصية والفجور، وبيت إسلامي صغير، غير مرتب، الأب غضوب، والزوجة مهملة لأولادها، أولادها في الطريق فقط، أنت لم تهاجم الدين أبداً، ولكن أعطيت صورة مشرقة مع الإباحية والخمر، وصورة قاتمة جداً مع التدين والتزمت، انتهى الطفل، الفتاة انتهت، تشمئز من هذا النموذج وتحب هذا النموذج، هذا الذي يحدث، هذا التوجيه، المكر الغربي هكذا، قال تعالى:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾
(سورة إبراهيم)
أي إذا أنت كنت أنيقاً ونظيفاً وهناك نظافة وترتيب، وهناك مسحات جمالية بالبيت، وهناك صلاة وذكر وورع وعفة وأم تعتني بأولادها ويوجد أب صادق وفي، ويوجد تفاهم زوجي، هذا الذي يغير نمط الأطفال، فأنا بنفسي كلام كبير جداً بهذا الموضوع ما كل ما يعلم يقال ولكن فهمكم كفاية، نحن الآن أمام غزو ثقافي غربي خطير جداً يستهدف أبناءنا، بالنسبة لهم الكبار انتهوا، الأولاد هم المستهدفون، فلذلك عندما يكون الأب واعياً جداً وحريصاً جداً وورعاً جداً ومثقفاً جداً ويرعى أولاده يكون قد قدم عملاً للأمة لا يقدر بثمن، أي أكبر عمل تقدمه لهذه الأمة أن تخرج من بيتك أولاداً أبطالاً، أولاداً صادقين، أولاداً عقيدتهم سليمة، فكرهم سليم، تصورهم صحيح، عندهم قيم أخلاقية تحكمهم وهو المطلوب.
أيها الأخوة الكرام، لا أحب أن أطيل عليكم ولكن الأب الذي يغفل عن تربية أولاده يغفل عن عقيدتهم، عن تصوراتهم، يجهل التغذية الخطرة التي يغذى بها الطفل وهو لا يشعر، مصيره أنه خسر ابنه خسارة نهائية، وصار هذا الأب حزيناً دائماً على أن هذا الابن لم يكن استمراراً له بل كان شارداً وضائعاً.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 17 - التربية بالتحذير -3- التحذير من اللهو الحرام





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني أي في الوسائل الفعالة لتربية الأولاد، ولا زلنا في قسم التحذيرات.
اللهو المباح واللهو المحرم:
موضوع درس اليوم التحذير من اللهو المحرم، وكلمة لهو محرم تعني أن هناك لهواً بريئاً مباحاً، فكان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يمزح إلا حقاً، جو المؤمن مرح، المؤمن يحب الدعابة أحياناً، هذا من منهج الله عز وجل.
(( روحوا القلوب ساعة وساعة فإنها إن كلت عميت ))
[ رواه الديلمي عن أنس ]
ألوان لا تعد ولا تحصى من اللهو المباح، أن يجلس الإنسان مع أهله ومع أولاده ويتجاذبون أطراف الحديث هذا من اللهو المباح، أن تكون هناك مسابقة علمية أدبية ودينية، وفي القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، أن تكون هناك مسابقات في شؤون العلم هذا كله لهو مباح، أن يمارس الإنسان ألوان الرياضة، مباحة لتقوية جسمه ما من شيء حرمه الله عز وجل، وأقول كلاماً دقيقاً، ما من شيء حرمه الله عز وجل إلا وله بديل، الحقيقة الدقيقة أنه ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، في الإسلام نظافة، في الإسلام نظام، في الإسلام رقي، في الإسلام حياة للقلب، وحياة للروح، وحياة للعقل، وحياة للجسم، أما الذين قصروا اهتمامهم على الجسم فقط هؤلاء ضلوا سواء السبيل، العالم الغربي لا يحفل إلا بالعناية بالجسد، أمَّن له كل ما يريحه، ولكن غفل عن نفسه، فكانت أعلى نسبة انتحار في العالم في أعلى بلد يتمتع بأعلى دخلٍ لمواطنيه، الدنيا تغر وتضر وتمر.
الحقيقة موضوع درس اليوم التحذير من اللهو الحرام، وقد تشتد الحاجة إلى هذا الدرس في آخر الزمان، لأن معظم اللهو حرام، لأن معظم اللهو قائم على المرأة التي لا تحل لك، لأن معظم اللهو قائم على لعب حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، لأن معظم اللهو قائم على جلسات فيها غيبة ونميمة ولا ترضي الله عز وجل، مثلاً من اللهو المحرم اللعب بالنرد، وقد تجد أسراً إسلامية وترتاد بيوت الله عز وجل ويمضون الساعات الطوال وقد يبقون يلعبون إلى منتصف الليل بالنرد، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( مَنْ لَعِبَ بِالنّرْدَشِيرِ ـ أي بالزهر ـ فَكَأَنّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ))
[ مسلمٌ ‏عَنْ ‏‏سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ]
من صفات المؤمن أنه يحافظ على وقته:
هناك فكره دقيقة جداً متعلقة باللعب، يعني إنسان عنده مكتبة غنية جداً، وعنده امتحان بعد يومين، وفي هذه المكتبة الكتاب المقرر، ويبنى على امتحانه نجاحه، وعلى نجاحه تعينه في وظيفة عالية الدخل، وفي تعينه في وظيفة عالية الدخل زواجه، فهل يعقل أن يمسك كتاباً غير الكتاب المقرر ؟ مستحيل، لو قرأ كتاباً علمياً غير الكتاب المقرر يعد مخطئاً، لو قرأ قصة أدبية غير الكتاب المقرر يعد مخطئاً، لو فعل أي شيء في هذا الوقت الحرج ولم يقرأ الكتاب المقرر يعد مخطئاً، فكيف إذا فعل شيئاً سيئاً ؟ لو قرأ كتاباً أدبياً، لو قرأ قصة، مسرحية، ديوان شعر لو قرأ كتاباً في العلوم ولم يقرأ الكتاب المقرر يعد مخطئاً، فكيف إذا فعل شيئاً يحاسب عليه، ويعاقب عليه، ويحجب عن الله به ؟!!
أيها الأخوة، قضية اللعب، هذا الذي غفل عن سر وجوده وغاية وجوده، غفل لماذا خلقه الله عز وجل، سبحان الله من أعجب العجب أن تجد إنساناً ما عنده شيء يفعله.
مر أحد علماء الشام الكبار بمقهى فرأى رواده يلعبون النرد فقال: يا سبحان الله، لو أن الوقت يُشتَرى من هؤلاء لاشتريناه منهم، الوقت هو أنت، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، الوقت هو رأس مالك الوحيد، الوقت هو أثمن شيء تملكه، وجه التحريم في هذا اللهو أنه يستهلك الوقت من دون فائدة، أرأيت إلى الذين نالوا الدرجات الأولى في الامتحانات، لو سألتهم لوجدت أهم صفة من صفاتهم أنهم حافظوا على أوقاتهم، وأهم صفة من صفات المؤمن أنه يحافظ على وقته، وأشهد الله أن المؤمن الصادق يشعر أنه بحاجة أن يكون النهار سبعين ساعة، ليحقق ما في ذهنه من أعمال، هذا هو الوقت، فاللعب بالنرد فضلاً عن أنه يثير الشحناء والبغضاء، وقد ينقلب إلى قمار أول ما فيه استهلاك تافه للوقت.
كنت أضرب مثلاً في طرفة، طالب امتحانه الساعة الثامنة صباحاً والمادة رياضيات، ويحتاج إلى أن يستغل كل دقيقة، لو اشتهى أن يأكل شطيرة طعام في طرف المدينة الآخر، وركب أول سيارة، وثاني سيارة، وانتظر في الدور حوالي ربع ساعة أو نصف ساعة، وعاد في نصف ساعة، ضيَّع ساعتين، بميزان الشرع ما فعل شيئاً، اشترى طعاماً وأكله، والطعام حلال بمال حلال، لكن لأنه استهلك ساعتين وهو في أمس الحاجة إلى دقيقة يعد هذا العمل خطأ كبيراً.
إدارة الوقت علم:
قضية اللهو، عندما تعرف لماذا أنت موجود في الدنيا تحافظ على وقتك، لذلك مرةً ألقيت خطبة إذاعية عنوانها إدارة الوقت، يعني ما في بالمئة شخص واحد يحسن إدارة وقته، يحسن استغلال وقته، إدارة الوقت علم، سمعت عن برنامج كمبيوتري للمهندسين، إن أردت أن تنشئ بناء، الأمور مرتبة بالبرنامج ترتيباً بأنه لا تضيع منك ساعة، محسوب مدة جفاف الأسمنت، في أثناء الجفاف ماذا يمكنك أن تفعل بالبناء ؟ مبرمج الأمر بدرجة أنه تستطيع أن تستغل كل دقيقة لإنشاء البناء، هذا برنامج، لذلك إدارة الوقت مهمة جداً، لأنك وقت، ولأن الوقت يستهلكك، ولأنك خاسر لا محالة إن لم تستثمر الوقت، الوقت يُستَهلك ويُستَثمر، فاللعب بالنرد يقاس عليه اللعب بالشدة، يقاس عليه اللعب بالبرسيس، يقاس عليه أي لعب فيه حظ، يوجد فتوى ليست قوية للإمام الشافعي حول الشطرنج لكن الأولى ألا تستهلك الوقت إلا فيما خلقت له، كلامي لا يعني أن تبتعد عن كل ما هو ممتع، هناك أصناف من اللهو محللة، والله أيها الأخوة أنا برأيي الشخصي لا أجد أجمل من جلسة مع أخ مؤمن في مذاكرة للعلم، مذاكرة العلم ممتعة جداً، هواية، ما من هواية أجمل منها، مذاكرة العلم، أخ تحبه ويحبك تجلس معه، تنتفع بأفكاره وينتفع بأفكارك، مع شيء من الطرفة، مع شيء من المزاح الحق، شيء من الوداعة، شيء من الابتسامة، طبعاً الأصل في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ))
[متفق عليه عن ابن عباس ]
من باب التحذيرات أن توجه ابنك أو طالبك أو أخاك الذي في المسجد، أنا أتوجه بكلامي إلى الأب لأنه المربي الأول، أو إلى المعلم، أو إلى المرشد في المسجد، يعني أماكن التعليم البيت والمدرسة والمسجد هذه مظنة التعليم الديني، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كل ميسر لما خلق له ))
[ متفق عليه عن عمران بن الحصين]
الاستماع إلى الأغاني والموسيقا يثير كوامن الغريزة والشهوة:
أنت هل تعلم لماذا خلقت ؟ يعني تصور إنساناً في باريس أمامه خيارات أن يفعل مليون عمل، قد يذهب إلى السينما، أو إلى مسرح، أو إلى دار لهو، أو إلى نادٍ ليلي، أو إلى مكتبة، أو إلى جامعة، أو إلى صديق، أو إلى نزهة بحرية، أو إلى نزهة في الغابة، لو كان أمامه مئة خيار في خيار واحد يتوافق مع سر وجوده في باريس، إن كان طالب علم في عنده خيار واحد أن يذهب إلى الجامعة، أو إلى المكتبة، أو أن يجلس مع صديق يتقن اللغة الفرنسية كي يتدرب في الحديث معه على التمكن من هذه اللغة.
الاستماع إلى الأغاني والموسيقا قال هذا يثير كوامن الغريزة والشهوة، طبعاً أكثر الغناء فيه وصف للمرأة، وصف للعلاقة بين العاشق والمعشوق، فيه إثارة للغرائز والشهوات، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ))
[ أخرجه الترمذي عن علي ]
ألستم بحاجة إلى تحليل ما نحن فيه، التحليل مهم جداً، ما نحن فيه لا يخفى على أحد، ما نحن فيه من مشكلات، من أوضاع مؤلمة جداً لا يخفى على أحد لكن أين بطولتك ؟ في التحليل، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات ـ المغنيات ـ والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها ؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، أو خسفاً، أو مسخاً ))
[ أخرجه الترمذي عن علي ]
لست في معرض شرح هذا الحديث، إلا في فقرة واحدة منه " واتخذت القينات والمعازف " أحد أسباب أن يحيق بالأمة غضب الله عز وجل " واتخذت القينات والمعازف " وسوق المغنين رائجة جداً الآن، ما من مقصف إلا ويحتاج إلى مغنٍّ وراقصة، ما من مقصف تحت سمع الناس وبصرهم، مع الإعلانات الصارخة عند مداخل هذه الدور، أو هذه الأماكن.
مستحيل أن يجمع في جوف الرجل قرآن وغناء:
كلما قل ماء الحياء قل ماء السماء، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير، قيل: يا رسول الله ! ويشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ويصومون ؟ قال: نعم، قيل: فما بالهم يا رسول الله ؟ قال: يتخذون المعازف والقينات والدفوف ويشربون الأشربة، فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير ))
[ أخرجه أبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
يعني إن أردت أن تفهم هذا الحديث فهماً واقعياً، يقول لك واحد فلان وجهه كالقرد، شهواني، مادي، لئيم، قاسٍ، حاقد، آماله كلها في طعامه وشرابه، فقد يمسخ الإنسان قرداً حقيقةً، وقد يمسخ قرداً مجازاً بمعنى أن طباعه طباع قرد، طبعاً حديثان يقسمان الظهر، حينما ترى مؤمناً يستمع إلى الغناء ويطرب له، وله أغنياته المفضلة، فهذا خلل كبير في إيمانه.
(( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يجمع في جوف الرجل قرآن وغناء، يجب أن تختار، والله الذي لا إله إلا هو ولا أحنث بيميني أن أشد الناس في الدنيا استمتاعاً بالأغاني لا يرقون إلى طرب مؤمن بكتاب الله، هذا الكتاب كلام خالق الكون، كلام معجز، قراءته عبادة، فإذا سمح الله لك أن يلقي عليك السكينة في أثناء قراءته تشعر أنك في حال غير حال الناس، يعني لو أن المرأة أذنت لحرم عليها ذلك لأن صوتها عورة، أذنت لم تقل أحبك وتحبني، لا، لو لم تقل أحبك، لو أنها أذنت لكان أذانها محرماً لأن صوتها عورة، لكن لها أن تشتري من إنسان، كلام عادي بكم هذه السلعة ؟ بكذا، أعطني إياها وخذ الثمن، هذا كلام ليس محرماً، أما حينما تُحَسِّن المرأة صوتها لتنتزع إعجاب الناس فهذا شيء محرماً قولاً واحداً، لأن الصوت ينقلك إلى شيء آخر.
ليس هناك ما يحرم أن تنظر إلى مسحة جمال أودعها الله في شيء:
هناك ملاحظة ينبغي أن تكون واضحة لديكم، ليس هناك ما يحرم أن تستمتع بمنظر وردة أبداً، لو أنك تأملتها ملياً ساعات وساعات، لو أنك نظرت إلى جبل أخضر، أو إلى ساحل بحر، أو إلى باقة ورد، أو إلى وجه صبي صغير، يعني ليس هناك ما يحرم أن تنظر إلى مسحة جمال أودعها الله في شيء، إلا أنك إذا نظرت إلى امرأة في شيء آخر يحدث تبدل في كيمياء دمك، هذا التبدل يدفعك إلى شيء، والشيء إلى شيء، وقد تنتهي هذه الأشياء بالفاحشة، النظر إلى المرأة فيه قوة جذب، وقد ركب فيك حب المرأة:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (14) ﴾
(سورة آل عمران)
معنى ذلك أن الله الذي ركب محبة المرأة في قلوب الرجال هو الذي أمرهم بغض البصر، هو الذي أمرهم بالابتعاد عن أسباب الزنى، هو الذي أمرهم أن يدعوا بينهم وبين المحرمات هامش أمان كبير، فلذلك صوت المرأة في الغناء عورة، وهذا الصوت قد يعطي تصوراً لصاحبة الصوت على غير ما هي عليه، أحياناً في أسماء جمالية تعطي الإنسان رغبة أن يرى صاحبة هذا الاسم، وقد تكون دميمة، لكن في كلمات "سحر" مثلاً، هناك كلمات جمالية لو أنك تأملتها لتصورت أن صاحبتها تسحر الناس، هي تنفرهم أحياناً، فالأسماء لها أثر أحياناً، والصوت له أثر، في أحد الشعراء وصف مغنياً لكنه مغنّ سيئجداً، قال: عواء كلب على أوتار مندفة في قبح قرد وفي اسـتكبار هامان
وتحسب العين فكيه إذا اختلافا عند التنغم فكي بغل طـــحان
***
أحد الأخوة الدعاة ـ كنا في الحج مرة وقد ركب إلى جانبي ـ قال لي: هناك منشد لا ينشد إلا بدرهم، ولا يسكت إلا بدينار.
الآن لو أن رجلاً مدح رسول الله، لا شيء عليه، وكان شجي الصوت، هذا مباح، لو أن رجلاً ابتهل إلى الله بأنغام عذبة لا شيء عليه أبداً، لو أن قارئ قرآنٍ أشجاك صوته بتلاوته وأعطاك من أداء القرآن ما يلفت النظر، لا يوجد مشكلة أبداً.
الإحساس بالجوع يبدأ من الداخل أما إثارة الشهوة الجنسية يبدأ من الخارج:
المشكلة أن المرأة صوتها محرم، الرجل بموضوع يثير الغرائز محرم، رجل بموضوع يثير القسم الأعلى من الإنسان مباح، في كلمة لبعض الأدباء أنه إذا حركت القصة أو القصيدة مشاعرك العليا حب الفضيلة، حب التضحية، حب البطولة، الرغبة في معرفة الحقيقة، يعني خدمة المجتمع، أحياناً تقرأ قصة أو تقرأ قصيدة تشعر أنك تحب أن تكون بطلاً، تقول هذا الأدب حرك مشاعرك العليا وتفكيرك المرتفع أنت إذاً أمام فن رفيع، أما إذا لم يحرك إلا المبتذل من مشاعرك، والتافه من تفكيرك، فأنت أمام فن رخيص، وقد أعجبني قول بعضهم أن الأديب أو الشاعر من حقه أن يصور الرذيلة، ممكن، لكن يمكن أن يصورها على نحو نشمئز منها، أما إذا صورها على نحو نعجب بها فإن مجتمعاً بأكمله يسقط، هذا كلام أيضاً دقيق جداً، حينما تكون الأفلام كلها، والأعمال الفنية كلها، والمسارح كلها تركز على تحريك الجانب الأسفل في الإنسان، إثارة غرائزه وتفكيره السطحي المادي فإن مجتمعاً بأكمله يسقط، أما إذا حركت القصة أو القصيدة مشاعرك العليا وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فن عظيم، فلذلك الآن الأعمال الفنية هدفها إثارة الغرائز، بل الحقيقة لا تروج إلا بالإثارة.
حدثني أخ كريم يعمل بالإعلام قال لي: إن لم يكن الفلم مثيراً لا يلقى قبولاً، الإثارة مطلوبة وغاية من كل عمل فني، الإثارة يعني إثارة الغرائز التي تؤدي إلى المعاصي والآثام، يعني مثلاً هذا افتراض ونرجو أن يحقق ذلك لو كنت في مجتمع منضبط، وأنت شاب في مقتبل حياتك، أمامك بناء لمستقبلك، وكان هناك انضباط في الطريق، وانضباط في المجلات، وانضباط في الشاشة، وانضباط في كل شيء، هذه الشهوة لا تثار إلا خارجياً كيف ؟ يعني أنت بغرفة لا تشتهي الشهوة المحرمة أبداً، أما إن كنت بغرفة ولم تأكل لو ما في أي رائحة لطعام، ولا أي صورة لطعام تجوع، يعني أثر الجوع يأتي من الداخل، الإحساس بالجوع يبدأ من الداخل، أما إثارة الشهوة الجنسية من أين يبدأ ؟ من الخارج لذلك:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (30) ﴾
(سورة النور)
وقال:
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ (31) ﴾
(سورة النور)
أعداء المسلمين أول شيء يروجونه أن يشغلوا الناس بالغرائز:
قال عليه الصلاة والسلام تأكيداً على تحريم المعازف والأغاني:
(( إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكنارات والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية ))
[ أخرجه أحمد عن أبي أمامة ]
والله أحياناً تحس أن أمةً تلهو بأكملها، أمةٌ يحركها الطرب، وتحركها المسلسلات، وهي جالسة تتلقى هذه الموبقات، تلقيت حسناً ماذا فعلت ؟ ماذا قدمت ؟ أحياناً تطور هذه الأجهزة ـ وأسميها أجهزة اللهو ـ هذا التطور الشديد يمكن أن يمتص كل وقتك، ويمكن أن يمنعك أن تفعل شيئاً، لذلك يعني ما من طريقة مثلى في إضعاف أمة، ما من طريقة مثلى في تجميد أمة، ما من قوة مثلى في تعطيل طاقات أمة من أن تغريها باللهو، وأعداء المسلمين أول شيء يروجونه أن يشغلوا الناس بالغرائز، ومرةً قلت في خطبة إذاعية أن الطرف الآخر فيما مضى كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، أما الآن فلا، الآن يجبروننا بالقوة الناعمة بالمرأة على أن نريد ما يريدون، يعني إنسان من أشد الناس مقاومة للمخدرات، لو بدأ بشم المخدرات بعد أن يألفها قليلاً هو يلهث وراءها تماماً، فالخطورة أن تذيقه طعمها من أجل أن يألفها وأن يلهث وراءها، وهذه خطة خبيثة ماكرة.
أنتم تعلمون بالأربعينات من وعى ذلك الوقت، إذا شاب ارتاد دار سينما وعلم أبوه بذلك لأقام الدنيا ولم يقعدها، فكيف إذا كان أصبح كل بيت ملهىً ليلياً، كل بيت والدليل على السطح، اصعد إلى جبل قاسيون وانظر إلى بيوت الشام، أنا أختصر وما كل ما يعلم يقال وفهمكم كفاية، الإنسان حينما يتبع شهوته انتهى، لا يقوى على مقاومة نملة، كالخرقة، طبعاً الحديث طويل ومنوع لكن محوره واحد، أية شهوة محرمة إذا سمحت بها ينتهي ابنك وتنتهي ابنتك، وتنتهي القيم، وينتهي التدين، وتنتهي قوة الأمة، وتصبح ضعيفة وأشلاء ليست قادرة على أن تفعل شيئاً، وهذا كيد الشيطان، يعني أي مكان إما مجلة، أو الشاشة، أو الانترنيت، أو جريدة، أو لقاء، أو حديث ماجن كله واحد، المؤدى واحد، أو قرص ليزري، كل شيء يثير غريزة الإنسان هذا ينبغي أن ينتبه الآباء والمربون والموجهون بالمساجد من التساهل فيه، لأن الإنسان فيه غرائز، يعني فيه كمية بارود، الإنسان يحتاج إلى شعلة نار كي ينفجر البارود، طبعاً أغبى الناس وأحقر الناس بإمكانه إشعال هذه المتفجرات، لا تحتاج إلى ذكاء، عمل تخريبي ليس عملاً بنائياً، يعني لو فرضنا أنه في أشياء إباحية، في مجلة، أو في شريط، أو في قرص مدمج، أو في شاشة، أو في انترنيت يعني أي إنسان مهما كان وضيعاً، مهما كان دنيئاً بإمكانه أن يثير الغرائز، كما أنه أي إنسان بإمكانه أن يفجر البارود، البارود في طبيعته الانفجار، يحتاج إلى شرارة، فالغرب كله معني بمحاربة العالم الثالث لا عن طريق القوة المسلحة، بل عن طريق المرأة، في واحد افتتح ملهى ما من موبقة، وما من معصية صارخة، وما من عمل شائن إلا وكان في هذا الملهى، بعد مضي سبعة أيام من افتتاحه مات الذي أسسه، وكل ما يجري فيه الآن من موبقات في صحيفته إلى يوم القيامة، هذه صدقة جارية بالمعنى المعاكس.
أعظم عمل ما استمر بعد موت صاحبه:
أخواننا الكرام، أعظم عمل صالح ما كان مستمراً بعد وفاة صاحبه، رجل أسس معهداً شرعياً، ومضى على وفاته عشرون عاماً والمعهد قائم، رجل أسس مسجداً، رجل أسس جامعة، أسس دار أيتام، رجل ألَّف كتاباً نافعاً جداً، أعظم عمل ما استمر بعد موت صاحبه، هذه الصدقة الجارية، وأخطر عمل ما استمر بعد موت صاحبه.
كنت مرة في لبنان في إذاعة إسلامية فتحت، فإذا في درس تفسير لعالم جليل توفي من سنة، قلت: سبحان الله يمكن أن تبث دروسه لمئة عام قادمة، وينتفع الناس بها، ويرقون إلى الله عز وجل وهو ميت في قبره، وفي مغنون توفوا أيضاً وأغنياتهم تلهب الغرائز وهي يستمع إليها لمئة عام قادمة.
مرة افتتح مسجد وكان إلى جانبي مدير أوقاف، فقلت له: أشكر الله عز وجل على أن مكنك أن تستفتح مسجداً وأن تعين خطيباً بينما هناك أناس يفتتحون ملهى ويعينون راقصة، فرق كبير، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، أجمل كلمة إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، أحياناً يكون الإنسان عمله مشروع كأن يبيع أغذية للناس، يبيع أقمشة، يعلم، يبني بيوتاً، يعالج مرضى، في مهن راقية جداً وشريفة، أساسها خدمة الناس، في مهن أساسها إفساد الناس، أساسها تبنى على إفساد الناس، كملاهٍ، دور اللهو والسينما والمجلات الداعرة، هذه كلها مبنية على إفساد الناس، المواقع الإباحية في الانترنيت أساسها إفساد الناس، فهنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً لمن كان عمله في مرضاة الله، بالمناسبة لو فرضنا أننا تمكنا من إذاعة برنامج ديني على الشاشة، وهذا البرنامج يراه الملايين، ما في مانع أبداً، يعني ليس الجهاز حراماً بل ما يعرض فيه هو الحرام، المضمون، إنه إذا غلب عليه أنه يفسد الأخلاق ففي مشكلة الآن، أما نحن لسنا ضد جهاز، في قفزة نوعية في عالم العلم ليس هذا القصد، القصد المضمون، يعني أنا ذكرت من أيام أن العولمة اعتمدت الصورة، مثلاً دولة فيها مئة مليون الذين يقرؤون ويكتبون ثلاثون مليوناً فرضاً، والذين يعنون بمطالعة الكتب من ثلاثين مليوناً عشرة ملايين، والذين يعنون بمطالعة كتب مفيدة مليونان، بلد فيه مئة مليون إذا اعتبرنا التوجيه عن طريق الكلمة المقروءة يستفيد من هذا البلد مليون واحد، أما الصورة بإمكان أي إنسان يراها، متعلم، غير متعلم، رجل، امرأة، كبير في السن، شاب صغير، هذه الصورة لكل الناس، والصورة فيها قوة تعبير ألف كلمة، الآن يمكن أن نطرح قيماً وأن نحطم قيماً عن طريق الصورة، ذكرت هذا في درس سابق يمكن أن ندعم قيماً وأن نحطم قيماً عن طريق الصورة، فالصورة خطيرة جداً، لو أنها استغلت لتركيز القيم الدينية والأخلاقية لكان فعلها فعل السحر، أما إذا استغلت من قبل الطرف الآخر لتحطيم القيم الدينية فلها فعل كفعل المتفجرات، طبعاً الفقرة الثانية في الدرس.
التحرش بالرجال عن طريق الثياب والتحرش بالنساء عن طريق الكلام:
الفقرة الأولى من الدرس عن النرد وما يشبهه، أي لعب مبني على الحظ هذا محرم، مضيعة للوقت أولاً، وقد يسبب متاعب، مشاحنات، عداوات، وأهم شيء أنه يستهلك الوقت استهلاكاً سخيفاً.
الفقرة الثانية متعلقة بالمرأة إن كانت في ملهى، أو في دار سينما، أو في قرص مدمج، أو في انترنيت، أو في مجلة، أو في الطريق، أو في بيت، أو في أي مكان، المرأة التي تبرز مفاتنها من أجل لفت النظر إليها هذا اسمه بالمصطلح الجديد تحرش المرأة بالرجل.
والله حدثني أخ هو عندي صادق، أنه رأى ندوة بمحطة فضائية، شاب في مقتبل العمر طبعاً كان يغتصب الفتيات ويقتل الفتاة بعد اغتصابها، أي عدد كبير يزيد عن عشرين فتاة قتلها، طبعاً قبض عليه وحكم بالإعدام وكان السجن بالقاهرة، فهناك صحفية ملتزمة طلبت من مدير النيابة أن تلتقي به، فكانت هذه المقابلة التي بثتها محطة فضائية، فالذي حدثني عن هذا اللقاء أنها سألته: هل أنت مسلم ؟ قال لها: نعم، قالت: هل تصلي ؟ قال لها: لا، قالت له: لماذا لا تصلي ؟ قال لها: لا أعرف الصلاة، ما علمني أحد كيف أصلي، هل تقرأ القرآن ؟ قال: لا، لماذا ؟ قال: أنا لا أقرأ ولا أكتب أميّ، هل تشهد أنه لا إله إلا الله ؟ قال: ماذا لا إله إلا الله شهادة ! قال: أعيديها، يقسم من شاهد هذه الحلقة أنه حتى أتقن لفظها حوالي الخمس دقائق، كلمة كلِمة، قالت له: لا إله إلا، قال لها: واحدة وَاحدة، حتى أتقنها إله، سُقْت هذا التفصيل لأجل أن تعلموا أن هذا الشاب جهل مطبق، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يصلي، ولا يعلم ما الشهادة، فلما سألته: كيف تغتصب هذه الفتيات وتقتلها ؟ فكان جوابه: هن السبب، من ثيابهن، إذاً هن تحرشن بالشباب، قالت له هذه الصحفية: لو أنك رأيت فتاة محجبة ماذا تفعل ؟ قال: والله لو أن أحداً كلمها لقتلته، انظر إلى الفطرة، كتلة جهل، هي السبب، ثيابها تدعوني إليها، أما المحجبة لو أن أحداً كلمها لقتلته، لأنها مقدسة، يعني أجهل الجهلاء، جاهل مجرم، بالفطرة أدرك أن هذه الفتاة بثيابها الفاضحة، وبإغرائها لسان حالها يدعو الناس إلى التحرش بها، فصار التحرش بالرجال عن طريق الثياب، والتحرش بالنساء عن طريق الكلام، تحرش بتحرش.
اللعب بالميسر:
لا بد من أن ننتقل إلى ما يسمى اللعب بالميسر، قال: هو كل لعب بين فريقين تتحقق الخسارة من فريق والربح من فريق على سبيل المصادفة والحظ.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾
(سورة المائدة)
قرأت مرة خبراً أن رجلاً مسلماً من بلد مجاور كان بأمريكة، يملك اثنين ونصف مليون دولار، دخل إلى دار قمار ولعب في ليلة واحدة خسرها كلها، فعاد إلى البيت وأطلق النار على زوجته وخمسة أولاد له، وقال ليغفر الله لي وقتل نفسه. هـو الـداء الذي لا بـرء منه وليس لذنب صاحبه اغتفار
تشاد له المنازل شاهقــــات وفي تشييد ساحتها الـدمار
نصيب النازلين بها ســــهاد وإفلاس فيأس فانتـــحار
***
الميسر أيضاً يلعبون على خمس ليرات، تبدأ بخمس ليرات، هكذا بداية القمار، بخمس ليرات، ثم يصبح مُقامراً كبيراً، ولا يخفى عليكم بعض أثرياء العالم يخسرون في ليلة واحدة في مونت كارلو أحياناً ملايين الدولارات، خمسين مليون دولار، مئة مليون بليلة واحدة.
القمار يهدم البيوت العامرة، ويفرغ الجيوب الممتلئة، به تفتقر الأسر الغنية، وتذل النفوس العزيزة، القمار يورث العداوة والبغضاء بين المتلاعبين، لأنهم أكلوا أموالهم بالباطل، القمار يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام:
(( مرَّ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد، فقال: قلوب لاهية وأيدٍ عاملة وألْسِنة لاغية ))
[ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير]
من أضرار القمار:
القمار آية الإثم، تلتهم الوقت والجهد، وتعَوِّد على الخمول والكسل، حدثني أخ أن البقالية في بعض البلاد الغربية إن لم يكن فيها آلة قمار لا تبيع، بقالية عادية وقمار مع نفسه الإنسان، حدث أحد أصحاب البقاليات في أمريكة أنه جاء رجل ليشتري حليباً لأولاده فلعب القمار فخسر كل أمواله فعاد من دون حليب، جاء ليشتري حليباً طعام أولاده، الآن يضعون بكل بقالية آلة قمار صغيرة، يعني الآن القمار ليس أن اثنين يلعبون، آلة فردية تضع أرقاماً تغير مفاتيح تربح أو تخسر، فشيء مغرٍ، ما في مقامر إلا ونيته أن يربح، ومعظمهم يخسرون، هواية آثمة تلتهم الوقت والجهد.
القمار يدفع صاحبه إلى الإجرام، شيء غير معقول أن واحداً يخسر ثروته بليلة واحدة بلا سبب، يسمونها المائدة الخضراء، والله كلمة خضراء تضيع بهم، مائدة خضراء، أي خضراء هذه ؟
القمار أيضاً يعني اليانصيب، نحن بالإسلام عندنا قاعدة عميقة جداً، أي علاقة مالية بين شخصين فيها منفعة متبادلة فهو مشروع، قاعدة أساسية، وأي منفعة بنيت على مضرة فهو محرم، واحد دفع ما أخذ وواحد أخذ ما دفع، أو أخذ مبلغاً كبيراً دفع شيئاً قليلاً، إذا ما في تعويض أو مكافأة في العلاقة المالية فالعلاقة محرمة، إلا أن المسابقات العلمية والعسكرية هذه مسموح بها، مسابقة، نرصد جائزة لمن يجيب عن هذه الأسئلة، قد تكون في القرآن الكريم، قد تكون في العلم، بالفقه، قد تكون بعلوم الدنيا المفيدة، قد تكون بأمور عسكرية، فالمراهنة من جهة ثالثة مشجعة ولتكن هي الدولة هذا لا شيء فيه، أي ليسا اثنين يربح واحد ويخسر واحد، جهة ثالثة، دولة، مركز بحوث فرضاً، جهة علمية، وزارة دفاع، تقيم مسابقة من أجل تنشيط الخبرة العسكرية، مسابقة في الرمي مثلاً، مسابقة في الجري، مسابقة رياضية هذه لا شيء فيها ما دام الدافع جهة ثالثة، أما لو كان اثنين تراهنوا على شيء وأحدهما خسر هذه محرمة، مسابقات الجري هذه مشروعة، المصارعة لتقوية العضلات وإظهار القوة العضلية أيضاً مشروعة.
(( النبي عليه الصلاة والسلام صارع أبا ركانة فصرعه النبي أكثر من مرة، وفي رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام صارعه وكان شديداً فقال له: شاة بشاة فصرعه النبي، قال له: عادوني بأخرى فصرعه النبي، قال: عاودني، فصرعه النبي ثالثة، فقال ركانة: شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت ـ أي هربت ـ فماذا أقول بالثالثة ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك ))
[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن الحارث]
حتى بالمصارعة كان النبي رقم واحد.
ألعاب السهام والحراب والفروسية مشروعة:
مرة قال أحدهم: أين محمد لا نجوت إن نجا، بالقتال، فالصحابة دعوه إلى القتال، قال: لا محالة غلبني، أمسك رمحاً ووكزه فولا هارباً يولول، قال: والله لو بصق علي لقتلني.
ألعاب السهام والحراب والفروسية أيضاً مشروعة فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله ـ يعني أولاده ـ وتعليم السباحة ))
[ رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي رباح ]
أثر عن عمر رضي الله عنه: "علموا أولادكم السباحة والرماية وأمروهم فليثبوا على ركوب الخيل وثباً ".
أيها الأخوة الكرام، هذا درس متعلق بتربية الأولاد يحتاج المعلم والآباء والدعاة إلى الله عز وجل، وأعود وأكرر ليس في الإسلام حرمان، الإسلام نظيف يلبي حاجات الإنسان كلها المادية والمعنوية، ولكن الطرف الآخر يريد أن يدنس الإنسان ويغرقه في المعاصي والآثام.
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه التوجيهات إلى حقائق يعيشها أبناؤنا، والأبناء كما أقول دائماً هم الورقة الوحيدة الرابحة في أيدينا.
في أخ جزاه الله خيراً ذكرني أنه بالمسابقات الرياضية والألعاب الرياضية المباحة هناك محظور أن تكشف العورات لأن الفخذ عورة، سمعت عن لاعب كرة من الطراز الأول في مصر اعتزل اللعب وأراد أن يمضي حياته في عمل آخر، في مباراة دولية هم في أمس الحاجة إليه هو اصطلح مع الله أيضاً، فلما جاء وزير الشباب إلى بيته ليحمله على أن يعود إلى المباراة أصر على الرفض فلما ألح عليه، قال له: أنا لا ألعب إلا بثياب إسلامية طويلة فوافق، فصار هذا تقليداً، ممكن أن تلعب كرة والعورة مستورة، أما مكشوفة في معصية، فالأخ جزاه الله خيراً ذكرني وقد نسيت أن أوضح ذلك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 18 - التربية بالتحذير -4- التقليد الأعمى ورفقاء السوء





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام في القسم الثاني منها وهو الوسائل الفعالة في التربية، وكانت من وسائل التربية الفعالة أسلوب التحذير. آفة المجتمع هي التقليد الأعمى:
التحذير أنواع كثيرة وننتقل اليوم لبعض أنواع التحذير، أولاً من أكبر الآفات الاجتماعية التي تسبب ضياع الأمة التقليد الأعمى للأقوياء والأغنياء، التقليد الأعمى قد ينسي الإنسان هويته كما ترون، نحن أمة خصها الله بوحي السماء، نحن أمة معنا منهج، وأمة قال الله عنا:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ (110) ﴾
(سورة آل عمران)
أي أصبحتم خير أمة حينما اختص الله هذه الأمة ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك تجد الناس يلهثون وراء التقليد، مصمم أزياء رئيسي في غرب أوروبا هو الذي سيحدد ما ينبغي أن تبديه المرأة وما تخفيه من جسمها، أما منهج الله عز وجل وتوجيهات رسول الله هذه تأتي في المرتبة الثانية، آفة المجتمع هي التقليد الأعمى، لذلك التقليد الأعمى دليل انهيار القيم الدينية في المجتمع، ودليل ضعف العقيدة، وعدم وضوح الهدف، والجهل بالمنهج، فهذا التقليد الأعمى ربما ساق الإنسان فرداً وساق المجتمع إلى الويلات، أنا أؤكد لكم أنه كم من بيت تهدم من التقليد الأعمى، وكم من امرأة طلقت بسبب التقليد الأعمى، وكم من أولاد تربوا مشردين بسبب التقليد الأعمى، فلذلك المربي معلماً كان أو أباً أو مرشداً ينبغي أن يحذر.
الآن بحياتنا المدنية يوجد تحذير يقال: تقاطع طرق، أكثر الحوادث المروعة بسبب تقاطع الطرق، انتبه تقاطع طرق أو انتبه منعطف خطر أو جليد، فبحياتنا اليومية باستعمال الطرق، والأدوية، ضع هذا الدواء بعيداً عن أيدي الأطفال سام، تيار كهربائي احذر خطر الموت، حياتنا اليومية بنظام السير أو الكهرباء أو الأدوية فيه آلاف التحذيرات، والتحذير دليل رقي.
كل المنهيات في الدين تحذيرات:
وجدت في مركبة حديثة مكتوب باللغة العربية على المرآة أن هذه المرآة لا تعطيك الأبعاد الحقيقية مقعرة ! فالذي يقود المركبة قد يظن أن المسافة كبيرة بينه وبين المركبة التي قبله يراها في المرآة، يأتي التحذير انتبه، هذه المسافة ليست صحيحة، حتى تأتي الصورة واضحة وواسعة قد لا تكون المرآة مستقيمة، قد تأتي مقعرة أو منحنية، هذا التقعر أو الانحناء يبعدها عن الحقيقة، لو أن حادثاً وقع ولم تكتب الشركة على المرآة هذا التحذير قد يقام عليها قضية، وقد تربح القضية.
لاحظ حياتنا المدنية في الطرقات وفي المطارات وفي توزيع الأدوية وفي مجالات عديدة جداً هناك تحذيرات، من باب أولى الإنسان يتلقى تحذيرات من الله عز وجل، أساساً كل المنهيات في الدين تحذيرات، الأمر الإلهي نوعان أمر تكليفي وأمر تكويني، الأمر التكويني فعله، أما التكليفي أمره ونهيه، فالله عز وجل يأمر وينهى، والنهي تحذير، فإذا كان الله جل جلاله هو الذي يحذر، والنبي إياكم كذا وإياكم كذا، إياك وما يعتذر منه، ولا تقربوا مال اليتيم، ولا تقربوا الزنى، فكل منهيات القرآن والسنة تحذير، فالمربي من باب أولى أن يسلك أسلوب التحذير مع من يربيه، والحقيقة التحذير في معنى الرحمة والحكمة والعلم، الذي يحذر عالم.
مثلاً الإنسان يشعر كأن معه بوادر مرض إنتاني يشتري دواء ليكافح الإنتان، هذا الدواء تسعة وتسعون بالمئة من الناس عندما يشعر أنه تحسن يوقف الدواء، هذا الدواء إذا أوقفه، الجرثوم الذي دخل لجسمه بكميات الدواء القليلة يصنع مضاداً، يصبح هذا الجرثوم ممتنعاً عن أن يعالج، يقول لك الطبيب استعمل هذه الحبوب حتى نهايتها ولو شعرت بالتحسن من الحبة الثانية، حتى يقضي الدواء على الجرثوم قضاء مبرماً، أما إذا أعطيته جرعة مخففة الجرثوم يبقى حياً، ويصنع مصلاً مضاداً فعندئذ لا تستطيع أن تصنع مصلاً مضاداً في المستقبل، باب التحذير باب رائع جداً، الإله، والنبي، وكل إنسان، عالم، وحكيم، ورحيم كل حياته تحذيرات لمن حوله، فلذلك أولى بالمربي وبالمدرس وبالمعلم وبالموجه وبالأب وبالأم أن يحذروا.
التشبه بالغير تقليد أعمى وليس المُقلِّد كالمُقلَّد:
الحقيقة موضوع الدرس أول شيء ينبغي أن نحذر من حولنا ممن نعلمهم التقليد الأعمى، الإنسان المقلد أحمق، وهناك أحاديث كثيرة تتحدث عن التقليد الأعمى:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
عندنا قاعدة التشبه بالغير تقليد أعمى، ليس المُقلِّد كالمُقلَّد، لمجرد أنك سلكت سلوك التقليد العمى فأنت دون من تقلد، لماذا قنعت أن تكون دونه ؟ الطاقات التي أودعها الله في الإنسان طاقات مفتوحة وليست مغلقة، فالذي يقلد لمجرد أنه يقلد وضع سقفاً فوق رأسه وارتضى أن يكون محدوداً، ولن يستطيع مقلد أن يقلد تقليداً تاماً، وضع سقفاً وهو دون هذا السقف، لذلك الذين تفوقوا في الحياة ما قلدوا ولكنهم ابتدعوا، بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي، بحثوا عن شيء جديد وأسلوب جديد في الحياة، بحثوا عن حرفة نادرة، لكن بلاء الناس حتى في التقليد في التجارة، أي حرفة تنجح تقلد تقليداً غير معقول إلى أن تصبح حرفة غير مربحة، من كثرة التقليد والمنافسة، لذلك ما من مشروع نجح نجاحاً كبيراً إلا لأنه كان رائداً، ولأن الذين قاموا عليه ما قلدوا ولكنهم بحثوا عن شيء جديد.
لذلك من الزاوية الدينية والدنيوية الذي يفكر بأسلوب جديد يربح، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
أنت لك هوية وتاريخ، مرة كنت بقارة، هذه قارة بجنوب شرق آسيا، قارة أستراليا، قالوا لي: هذه القارة ليس لها تاريخ ! قلت: كيف ؟ قالوا: هذه القارة أول من سكنها من غير سكانها الأصليين العتاة والمجرمون الذين أبعدوا من بريطانيا إلى أستراليا، فأجداد هذه الأمة مجرمون، أنت لك أجداد عظام وأبطال، أنت من أمة راقية واصطفاها الله لتكون بينه وبين الخلق، أنت لك تاريخ، هذا الإنسان له تاريخ، له منهج، معه هدف، لماذا يقلد ؟ أبسط شيء (باي) ! ما هذه ؟ السلام عليكم، هذا سلام المسلم، عوِّد نفسك أن تكون إسلامياً حتى في كلامك وفي عباراتك اليومية.
التقليد الأعمى يلغي شخصية الإنسان وهويته وطموحه ويدل على ضعف فيه:
أول بند في هذا اللقاء الطيب يجب أن تحذر من تربيه من طلابك أو من أبنائك أن تحذرهم من التقليد الأعمى الذي يلغي شخصية الإنسان وهويته وطموحه، ويدل على ضعف فيه، غير الإلغاء قد ينقله للفساد والهلاك.
مثلاً تجد أسرة فيها تفاهم وود لأن المرأة تريد أن تقلد جارتها أو قريبتها أو أختها التي تزوجت من غني تصبح حياة الأسرة جحيماً، تريد أن تظهر بمظهر لا تملك ثمنه، مع أن زوجها جيد، والدخل يغطي المصاريف الأساسية، والأمور جيدة، لكن لمجرد أن تقلد هذه الأسرة دخلت في متاهة.
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
(( لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
أحياناً تحتار أن هذه الأزياء غير مقبولة، وغير معقولة، وغير منطقية، لأن الأقوياء الذين نعظمهم ارتدوا هذه الثياب ينبغي أن نفعل مثلهم.
مرة اشتكى لي أحد أصحاب معامل الجوارب أن صرعة انتشرت بين الناس وهي عدم ارتداء الجوارب في الصيف، شكا لي همه ! أننا عبيد لما يأتينا من الغرب.
حدثني أخ تاجر يعمل في الكلف النسائية قال: يكون عندنا بضاعة بالملايين، بعد شهر أو شهرين تأتي في مجلات الأزياء أنماط جديدة، كل هذه البضاعة لا تباع ولا بعشر قيمتها، المسلمون يلهثون وراء ما يستحدث في الغرب.
طبعاً هذا يستهلك طاقات، الإنسان حينما يلهث وراء أحدث الصرعات في الحياة لا يعجبه شيء وهو بالمقابل لا يعجب أحداً ! الحديث الأول فيه تشديد كبير:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا ))
[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]
الحديث الثاني فيه وعيد:
(( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ))
[أبي داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أحاديث من السنة الشريفة عن الوعيد:
لفت نظري مرة في بلاد على المستوى الرسمي الخمر ممنوعة، ولأن بعض الشاردين معجبون بالخمر يضعون على الطاولة زجاجات التفاح، لكن تشبه زجاجات الخمر تماماً، لون الشراب والقارورة مشابه تماماً، أليس هذا مرضاً في الإنسان ؟ إذا كان محرماً عليه الخمر يجب عليه أن يضع على الطاولة قارورة تشبه الخمور حتى الكؤوس، فكلما كان إيمانك قوياً تبتعد عن هذه المظاهر التي تجدها عند الطرف الآخر، (ليس منا) هذا وعيد كبير جداً، والوعيد الثاني:
(( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ))
[أبي داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
والحديث الثالث:
(( لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
يوجد تقليد لجنس آخر، قد يقلد المؤمن غير المؤمن، الآن التقليد ضمن المسلمين لكن الرجل يتشبه بالمرأة في حركاتها وسكناتها ونعومتها وكلامها الرقيق وكأنه امرأة، ويوجد امرأة كالرجال يعلو صوتها وتحد نظرتها في الآخرين ولا تستحي لذلك:
(( لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]
أنا أقول هذه الكلمة المرأة حينما تقلد الرجال تفقد أثمن ما تملك، هي تبقى امرأة وفي هويتها أنثى، لكنها تفقد أنوثتها وأجمل ما في المرأة أنوثتها وحياؤها لذلك:
((ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يرفع الحياء من وجوه النساء...))
[ورد في الأثر ]
تحد النظر إليك، وتدخن، وقد يعلو صوتها:
(( وتنزع النخوة من عقول الرجال، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء ))
[ورد في الأثر ]
لا رحمة في قلب الأمير، ولا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة وهذه علامات من علامات آخر الزمان.
تحريم تقليد الأجانب إلا بما يفيد:
قال النبي الكريم:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
[الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ]
الناس يقولون مثل هذا القول، أنت مع الناس ماذا يقولون ماذا أفعل بلوى عامة:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
حينما أشعر أن إنساناً يقابل السيئة بالسيئة يسقط من عين المجتمع لماذا ؟ لك جار أساء لك إساءة بالغة، أنت إذا أسأت له إساءة بالغة من نوع إساءته أنت مثله وليس لك فضل عليه أبداً، لذلك قالوا:
(( لَا ضرر وَلَا ضرار ))
[رواه ابن ماجة عن عبادة بن الصامت]
أي أن الضرر لا يزال بضرر مثله،إن فعلت كما فُعل بك، أنت مثل الذي فُعل بك، مرة ثانية:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
معاذ الله، لكن يوجد استثناء من هذه القاعدة، لكن لو قلدت الأجانب بشيء من النظام مثلاً رائع، لو قلدتهم بدقة مواعيدهم أروع، لو قلدتهم بإتقان صنعتهم أروع وأروع، المؤمن منفتح يمكن أن يقتبس من كافر أسلوباً جيداً في التعامل أو في الصناعة ممكن.
قال بعض الأدباء: ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء لأنها بمثابة عسل استُخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال.
ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء:
هل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟ يوجد حديث كبير عن مقاطعة البضائع التي تأتينا من بلاد تدعم أعداءنا، نحن جميعاً مع المقاطعة، لكن مع مقاطعة ماذا ؟ مقاطعة البضائع الاستهلاكية أو الضارة كالدخان أو المركبات، لكن لسنا مع مقاطعة البرامج أو مقاطعة الأدوات الطبية العالية جداً، هذه تنفع المسلمين، لكنهم من لؤمهم يحظّرون علينا ما ينفعنا ويبذلون لنا ما يضرنا، فلذلك قضية تقليد الأجنبي بدقة المواعيد فرضاً، بإتقان الصنعة، وبالنظام، يوجد في النظام شيء رائع جداً، هذا شيء ينبغي أن نقلدهم فيه، ولأن هذه الثقافة ربما كانت من عندنا في الأساس !
دخلت لمتحف في شيكاغو، متحف علمي كبير جداً، تقريباً ثلثه متعلق بالعالم الإسلامي، علماء المسلمين وعلماء الجغرافية وعلماء الفلك والرياضيات، إنتاجهم، أشكالهم وأشكال بحوثهم ومخترعاتهم كلها موجودة وباللغة العربية ! إذا أعجبك شيء من الأجانب قد يكون أصله من عندنا.
أعيد وأكرر ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال، فكل شيء جيد من عند هؤلاء ينبغي أن نأخذه، أحد الأدباء سئل: ماذا نأخذ وماذا ندع من الغرب ؟ قال: نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، بعضهم قال: أوروبا عقلها من ذهب وقلبها من حديد، قاسية قسوة الحديد، لكن إنتاجها ينم عن ذكاء وتفوق علمي كبير، فحينما نهاجم التقليد الأعمى لا نمنع أن تقلد ما هو جيد ووفق منهج المسلمين ومتوافق مع منهج القرآن والسنة لا مانع.
مرة كنت في مصر، عندهم تقليد رائع، شاب مقدم على الزواج له أصحاب، نحن ماذا نفعل ؟ نأتي بقطعة للبيت قد يأتيه مثلها عشر قطع لا يحتاجها ! هو يضع عند صديق حاجاته، وكل واحد يريد أن يقدم هدية لهذا الشاب يسأل هذا الذي اعتمده والذي سيهدى عليه، فيتعاونوا على تأمين حاجاته التي رتبها وصممها، فتأتي الهدايا كلها متوافقة مع حاجاته، إذاً يوجد تنسيق، أنت ينبغي أن تدفع له ألف ليرة، ويلزمه شيء بخمسة آلاف وأنتم خمسة لو تعاونتم على شراء هذه الحاجة حلت مشكلته ! والله شيء جميل !
الإنسان ينبغي عليه أن يعتز بدينه:
من باب الأشياء اللطيفة دعيت مرة لإلقاء محاضرة في بلدة جنوب شيكاغو اسمها أنديانا مدينة كبيرة، فالذي دعاني طبيب متفوق، المسجد عندهم رائع جداً، أما الطابق الأرضي ثلاثة أبهاء متساوية، يقطع هذه الأبهاء أبواب أكورديون، فإذا أغلقت هذه الأبواب أصبح هناك ثلاثة أبهاء كاملة، فطبعاً الدعوة لإلقاء محاضرة، وكان هناك حفل عشاء، الطاولة في البهو الأوسط، وعليه من الطعام مالا يصدق، حوالي أربعين خمسين ستين نوع من الطعام وكله من الدرجة الأولى، من طبخ هذا الطعام ؟ من أي مطعم جاءوا به ؟ إكرام منقطع النظير، ثم جاء الرجال كل واحد معه صحن أخذ من هذا الطعام ما يكفيه، وجاء للبهو الأول، ثم جاءت النساء وأخذت من الطعام ما يكفي كل واحدة واتجهت للبهو الثالث، فالرجال والنساء أكلوا معاً، والطعام نفيس وبكميات كبيرة جداً، لفت نظري بعد الانتهاء من الطعام كل امرأة جمعت حاجتها لسيارتها، مع العلم أنه لم يشترِ أحد هذا الطعام، كل أسرة جاءت بنوع من أنواع الطعام ! سبعين أسرة سبعين طبخة، استهلك من الطبخة واحد بالعشرة جاءت ربة البيت أخذت هذه العبوة لمركبتها، لم يدفع أحد قرشاً وقدموا طعاماً نفيساً جداً وسيأكلونه بعد يومين من الوليمة، والصحون والأدوات كلها كرتون أو بلاستيك.
وجدت وليمة فخمة جداً، الطعام طيب وثمين، والجميع أكل بوقت واحد، وفي النهاية لا يوجد جهد ولا دفع !
حضرت درساً صباحياً بمنطقة اسمها ديترويت، عندهم تقليد أن الدرس الصباحي يوم الأحد، وعقب الدرس عندهم فطور، من أحضر الطعام ؟ كل واحد يحضر شيئاً، تجد مائدة بما لذّ وطاب، صار في درس وطعام محبب وشيء يجذب.
يوجد أشياء تعجب بقضية الطعام والنظام، فإذا اطلع الإنسان على نماذج لطيفة في العلاقات العامة لا مانع من أن يقلدها، أنت لست ضد كل شيء، أنت ضد المعصية والانحراف، التقليد بكل شيء محرم فهو محرم، وكل شيء غير محرم لكنه يشير إلى الطرف الآخر، التقليد يعني محبة وولاء للطرف الآخر:
(( فمن هوي الكفرة فهو مع الكفرة ولا ينفعه من عمله شيئاً.))
[السيوطي عن جابر]
الإنسان ينبغي أن يعتز بدينه لقد قال الله عز وجل:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾
(سورة فصلت)
الكثير من العادات والتقاليد ليست من الدين في شيء:
في حياتنا تجد لكي تستطيع أن تحل مشكلة بعد الساعة الحادية عشرة، إن كان بمحل تجاري صاحب المحل لا يأتي حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وفي بعض الدوائر لا تحل قضية قبل الحادية عشرة، الساعة الثانية انصراف ! يأكلون وينامون ويعودون للعمل وينتهون في الساعة العاشرة من العمل، العالم الغربي كله وفي تركية الساعة الخامسة فجراً تجد الطرق مزدحمة، ينطلقون لأعمالهم باكراً، الساعة الثانية عشرة عندهم راحة نصف ساعة، ثم يتابعون للساعة السادسة، تجد الجميع في المنازل ! الغذاء الساعة السادسة، ويجلس الزوج مع زوجته وأولاده، لاحظ النمط الحالي السهرة بالمحل التجاري، الزوجة وأولادها بعيدون عن الزوج، ووقت الظهيرة مستهلك، وشيء ثان ٍ يوجد استهلاك مواصلات وازدحام، عندهم ذهاب وإياب، ذهاب للعمل وعمل جاد، ثماني ساعات من الثامنة حتى السادسة ويوجد نصف ساعة راحة الظهر، المسلم يصلي ويأكل شطيرة، أولاً لم نستهلك المواصلات، وثانياً كل إنسان جاء لبيته وجلس مع أولاده وزوجته، إذا قلدنا النظام هل هذا خطأ ؟ نحن مستهلكون بالمواصلات ذاهبون وعائدون وازدحام، ووقت الظهر عندهم الوجبة الأساسية مساء الساعة السادسة، بينها وبين النوم مرحلة كبيرة، نحن نأكل الساعة الثانية عشرة ونذهب للنوم فوراً !!
إذا تكلمنا عن التقليد لا نقلد الشيء الحرام، ولا الشيء الذي فيه اعتزاز بالطرف الآخر، أما الشيء الجيد نقلده، هذا تعليق على موضوع التقليد.
حتى بعلاقاتنا الاجتماعية يوجد عشرات العادات والتقاليد ليست من الدين في شيء مثلاً: يتوفى للمرأة أخوها لا تعرف سنة، سنتين، ثلاثة ترتدي الأسود، وكل أربعاء تأتي النساء لمواساتها، كما تأتي النساء لمواساتها بعد مرور أربعين يوماً على موته، وكذلك الحال عند مرور سنة، تجد هذا الحزن مشى وانتهى.

(( قَالَتْ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ))
[البخاري عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ]
هذه كلها عادات ليست من الدين، المتوفى وفاته فجيعة، وأهل البيت في مصاب كبير، وفوق مصابهم وحزنهم وألمهم يأتون بالطعام ليطعموا الذين شاركوهم في العزاء وفي تشييع الجنازة.
بعض التقاليد والعادات المحرمة في الإسلام:
سمعت عن شابة توفي زوجها في شبابه، فلما جاء الطعام للبيت كي يأكل من اشترك في العزاء والجنازة طردتهم من شدة ألمها. لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
(( اصْنَعُوا لِأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرٍ]
في الإسلام ممنوع الأكل عند الميت، أنت مكلف أن تأتي له بالطعام، أما في تقاليدنا فوق المصيبة والفاجعة والموت يجب أن تأتي بطعام يليق بمقام البيت، وتأتي بالذين شاركوا بالجنازة كي يأكلوا، والله أعتذر دائماً عن تناول الطعام بمناسبة وفاة، هذا مخالف للسنة، هذه عادات، والأفراح أيضاً العادات لا بد من أن يجلس العريس والعروس على المنصة وأمامه النساء الكاسيات العاريات وهذا كله محرم في ديننا، فإذا امتنع شاب لأنه مؤمن هذا يعني أنه أعور عنده مشكلة، فوراً يتهم أن عنده عيباً خلقياً كبيراً، إذا امتنع أن يجلس جانب زوجته في العرس.
من التقاليد التصوير، هذا فيلم ينطبع عليه مئات النسخ، والنساء كلهن كاسيات عاريات ! فإذا رأى زوج إحدى المدعوات هذا الشريط وسأل زوجته عن كل واحدة وهي في الطريق محجبة وضمن الحفلة متبذلة، وهذا الفيلم صورها، وهذا من أشد أنواع التحريم ومن تقاليد المجتمع.
حدثني أخ قال: لا أقوى على منع التصوير، هو في آخر حياته، ومكانته في أسرته ضعيفة، وزوجته قوية جداً، وحفلة، جاء للمصورة وسألها: كم تأخذين على الفيلم ؟ قالت: ألفين، قال: خذي فوقهم ألفين لكن لا تضعي فيلماً بالآلة ! استطاع بهذه الطريقة أن يمنع التصوير، وعندما عرفوا بهذا الأمر أقاموا عليها النكير لكن لم يحصل التصوير !
هذه من تقاليدنا وعاداتنا، التصوير، والعريس، ما أنزل الله بها من سلطان، وحزن على الميت بعد مرور أربعين يوماً، وبعد سنة، وكل أربعاء، حتى يمل الزوج منها بسبب حزنها الطويل على أخيها، الخنساء عندما مات أخوها ملأت الدنيا بكاء، لما أسلمت وماتوا أربعة أولاد لها ما زادت عن أن قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم ! كلمة واحدة فقط !
التحذير من رفقاء السوء:
أخواننا الكرام الدرس حول التقليد الأعمى، ولاسيما تقليد الطرف الآخر في المعاصي والآثام، أو فيما يدل عن الولاء لهم ومحبتهم:
(( فمن هوي الكفرة فهو مع الكفرة ولا ينفعه من عمله شيئاً.))
[السيوطي عن جابر]
أما أن تقلد ما هو جيد ونافع، وما هو وفق منهج الله لا مانع، حينما تقف مركبة المدرسة في بلاد الغرب ويرفع السائق إشارة ممنوع السير قبل ثلاثين متراً يقف، طفل ينطلق بالاتجاه الآخر نزل من الباب الأيمن بيته بالجهة اليسرى حتى ينتقل من الجهة اليسرى مطمئن لا تستطيع مركبة أن تمشي ولا متر، ثلاثين متراً قبل الباص وثلاثين متراً بعده، نحن كم طفلاً يموت ؟ يكون مندفعاً للطرف الآخر تمشي سيارة تدهسه ؟! هذا جيد أن تعتني بسلامة الصغار، أمور كثيرة ينبغي أن نأخذها، وأمور كثيرة ندعها، لكن المصيبة نأخذ ما يفسدنا وندع ما ينفعنا، فلما سئل هذا الأديب: ماذا نأخذ وماذا ندع ؟ قال: نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم.
أخواننا الكرام: يجب أن نحذر من رفقاء السوء، لا أرى خطراً يهدد أولادك كرفيق السوء، ولا أرى رجلاً أعقل ممن اختار هو لأولاده رفقاء صالحين، الطفل يحتاج لرفيق شئت أم أبيت، فإما أن يختار هو رفيقاً صدفة سيئاً، وإما أن تختار له أنت الرفيق، وهذا الرفيق ينبغي أن يكون رفيقاً ويأتي للبيت ويجلس مع ابنك، لا ترفض ما هو كائن حقيقة ولا ترفض ما لا بد أن يكون، وإذا قبلت أنه لا بد من رفيق اختر أنت لأبنائك رفقاء صالحين فالكذب قد يتعلمه الطفل من الرفيق السوء، والسرقة يتعلمها الطفل من الرفيق السوء، وبذاءة اللسان والانحلال والتدخين والعادات السيئة جداً حينما تثور شهوته، حتى الانحراف الخطير كله من رفيق السوء، الطفل يتعلم من رفيقه ستين بالمئة، وأبوه وأمه وإخوته وأساتذته أربعين بالمئة، يعني تأثير رفيق السوء كبير جداً، والآباء والأمهات العاقلون والعاقلات يتخذون أبناءهم أصدقاء وصديقات حتى يشعر أن الأب مع ابنه، والأب يستشار ويباح له ببعض الأسرار والأم كذلك، فكلما اقتربت من ابنك وكنت قريباً منه ويمكن أن يتكلم لك عن أسراره ويأخذ رأيك ويستنصحك تكون أقدر على توجيهه، بينما الحاجز الكبير بين الأب وابنه والعنف الشديد، هناك أمراض كثيرة حتى في النطق يوجد حبسة لسان وتأتأة وفأفأة هذه أمراض اللسان سببها قسوة الأب فيجب أن يكون الأب وديعاً ولطيفاً.
قاعدة: علامة نجاح أبوتك أنك إذا دخلت للبيت كان عندهم عيد، وعلامة إخفاقك في تربية أولادك إذا دخلت للبيت كان البلاء الأعظم، يتمنون ألا تكون بينهم، أما الأب الصالح يتمنى الأولاد أن يكون أبوهم معهم ليأنسوا به، فعلامة نجاح أبوتك أن يفرح أهلك بدخولك عليهم، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذا الموضوع.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 19 - تشويق المتعلم إلى أشرف الكسب





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مازلنا في تربية الأولاد في الإسلام ولازلنا في الوسائل الفعالة التي تعد القسم الثاني من هذه السلسلة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وينفع المسلمين بها.
الفرق بين التطرف والتفوق:
موضوع الدرس اليوم تشويق الطفل أو المتعلم إلى أشرف الكسب، لا بد من مقدمة أبين فيها أن هناك تطرفاً وأن هناك تفوقاً، فالتفوق يعني أن تتحرك في الخطوط الأساسية معاً ؛ فأنت عقل يدرك والعقل يحتاج إلى غذاء، وأنت قلب يحب والقلب يحب وأنت تحتاج إلى محبوب، وجسم يتحرك والجسم يحتاج إلى غذاء وإلى رياضة وما إلى ذلك.
حينما تعتني بعقلك تغذيه بالعلم والحقائق والعقيدة الصحيحة والتصور الصحيح، وحينما تعتني بقلبك تختار له محبوباً لا يفنى ولا يزول وهو الله عز وجل، وحينما تعتني بجسمك تجعله قوام حياتك وتجعله أداة عملك الصالح فتتفوق، أما إذا نما العقل على حساب القلب، أو نما القلب على حساب العقل، أو نما الجسم على حساب القلب والعقل معاً، فهذا اسمه تطرف، التطرف شيء والتفوق شيء آخر.
هناك دعوات إلى الله عز وجل، يهتمون أن يمتلئ عقل طالب العلم بالمعلومات، أما كسب حرفته ؟ كيف يؤمِّن حياته ؟ كيف يكسب رزقه ؟ كيف يبني أسرته ؟ هذا لا يهمهم، فلذلك الإنسان حينما يمتلئ عقله بالحقائق ويغفل عن كسب الرزق يختل توازنه.
أقول لكم هذه الحقيقة وأرجو من الله أن تكون واضحةً لديكم يوجد بحياتك مرتكزات ثلاثة ؛ علاقتك بالله، وعلاقتك بعملك، وعلاقتك بجسمك، أي خلل في أحد هذه المرتكزات ينعكس خللاً على المرتكزين الباقيين شئت أم أبيت، إنسان بلا دخل راقٍ جداً، إيمانه قوي جداً لكنه جائع، لكنه لا يجد ما يستر عورته، أصبح عالةً على الناس، أصبح متذللاً لهم:
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.))
[الخطيب عن ابن مسعود]
اكسب رزقك حلالاً وارفع رأسك يا أخي، لماذا الكسل ؟ لماذا لا تعمل ؟ مهما يكن إيمانك كبيراً إن لم يكن لديك عمل تحفظ به ماء وجهك فأنت لا بد من أن تضع نفسك في موضوع مذلة وإهانة شئت أم أبيت، فعملك أحد مقومات شخصيتك، وعلاقتك بالله الطيبة أحد مقومات شخصيتك، وعلاقتك بجسمك، جسم عليل فيه إهمال شديد في قواعد الصحة وقواعد الغذاء، دائماً تميل إلى الراحة، إلى النوم، دائماً تسوف، تؤجل، هذا الجسم العليل لا يمكن أن يحمل قضية ولا أن ينهض برسالة، فلذلك التطرف أن ينمو جانب على حساب جانب، والتفوق أن تغذي الجوانب الثلاثة تغذية جيدة معقولة فتتفوق.
المربي الصادق هو الذي يضع في نفوس الذين يربيهم رغبة الكسب الحلال:
الآن لفت نظري أن معهداً شرعياً في بلد إسلامي مؤلف من عشرة طوابق، قيل أن الطوابق الثلاثة الأولى لتعليم طلاب العلم حرفاً راقيةً يحفظون بها ماء وجوههم، في توازن، تعلم طالب علم ليس له دخل أبداً، فدون أن يشعر بعقله الباطن ينافق للأغنياء، ويمدح الأغنياء، ويستجدي منهم العطاء، أين ماء وجهه ؟ أين كرامة العلم وعزته ؟ فهذا المعهد لفت نظري أن فيه طوابق ثلاثة لتعليم طلاب العلم حرفاً يحفظون بها ماء وجوههم.
أخواننا الكرام هذا درس في التربية، يجب أن تربي ابنك على كسب الرزق، أن يكون له عمل يرفع رأسه، يكون له عمل يجعل يده هي العليا، يكون له عمل يستغني عن أن يتضعضع أمام غني، وأن يستذل أمامه، وأن يخنع.
لذلك أيها الأخوة درس اليوم متعلق أن المربي الموفق، والمعلم الموفق، والمرشد الموفق هو الذي يبني نفوس الذين يعلمهم تربيةً متوازنة، يعني لا بد من أن تكون دنياك صالحة لأنه فيها معاشك، دققوا في هذا الدعاء: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا."
إنسان له دخل ـ أنا أتحدث عن الحد الأدنى ـ يسكن في مأوى صغير، له زوجة، حقق مقومات الحياة، لا يهم مستوى طعامه لكنه يأكل، لا يهم مستوى ثيابه، لا يهم مستوى بيته سواء أكان بعيداً أم قريباً، جيداً أو غير جيد، واسعاً، صغيراً، هذا بيت، مأوى، أنا من باب الدعابة أقول له: معك مفتاح بيت عالٍ، قبو، أرضي، ملك، أجرة، كبير، صغير، معك مأوى: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له "، عندك قوت يومك ؟ طعام خشن لكن طعام يملأ المعدة، ويقيم الأود، عندك ثوب تلبسه انتهى الأمر، فكلما حققت الشروط الأساسية تفرغت إلى الله عز وجل، فالمربي الصادق هو الذي يضع في نفوس الذين يربيهم رغبة الكسب الحلال، النبي عليه الصلاة والسلام أمسك يد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل رفعها وقال: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
الآن سأسمعكم بعض النصوص القرآنية والنبوية التي تحض على العمل، أنا لا أقول لكم إنني أُكْبر الذين لهم أعمال إلا من زاوية واحدة أنهم رفعوا اسم المسلمين، يعني مثلاً أجد مسلماً ملتزماً، قائماً بالعبادات، وقّافاً عند حدود الله، وصناعياً كبيراً، أجد مسلماً آخر متفوقاً في اختصاصه، طبيباً لامعاً، مهندساً متفوقاً، فرضاً مدرس أول، هذا الإنسان إذا تفوق في عمله أولاً حفظ ماء وجهه، ثانياً أعطى ولم يأخذ، ثالثاً اتسعت أمامه أبواب الخير.
في الحياة ثلاث قوى:
أخواننا بشكل دقيق يوجد ثلاث قوى في الحياة ؛ قوة العلم، وقوة المال، وقوة المنصب، هؤلاء الأقوياء الثلاثة سواء بعلمهم أو بمنصبهم أو بمالهم هؤلاء فرص العمل الصالح أمامهم كبيرة جداً، لماذا أنت في الدنيا ؟ من أجل أن تعمل صالحاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.))
[مسلم عن أبي هريرة]
المؤمن الغني الذي بإمكانه أن يحل مشكلات مئات المؤمنين، هذا حجمه عند الله أكبر، كَسب المال الحلال وكفى أهله، دققوا في هذا الكلام والله لا أبالغ حرفتك التي ترتزق منها إن كانت في الأصل مشروعةً، وسلكت بها الطرق المشروعة، لا كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا احتكار، ولا إيهام، ولا أي شيء آخر، سلكت بحرفتك الطرق المشروعة، ما غششت، ولا حابيت، ولا كذبت، مشروعة، والتحرك من خلالها مشروع، ونويت كفاية نفسك وأهلك، ونويت خدمة المسلمين، عندك ابن يحتاج إلى معطف في الشتاء وليس معك نقود يحترق قلبك، لكن معك ثمن معطف، معك ثمن طعام، معك ثمن كساء، معك ثمن تدفئة، فهذا الطفل نشأ في رعاية أبيه، التصق بأبيه لأن أباه أمَّن له حاجاته.
أيها الأخوة كلام دقيق أقوله، أنت حينما تعمل وحينما تجهد لتأمين حاجات أسرتك أنت في جهاد، لذلك حرفتك التي ترتزق منها إن كانت في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطرق المشروعة، ونويت بها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن مجلس علم، ولا عن فريضة، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة، وأنت في حرفتك تعبد الله، والحياة تحتاج إلى مال، وإلى علم، وإلى قوة، فلذلك إذا كنت أباً، أو إذا كنت معلماً، أو إذا كنت مرشداً ينبغي أن تحض طلابك على أن يكسبوا أرزاقهم بعزة نفس، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( ابتغوا الحوائج بعزة النفس فإن الأمور تجري بالمقادير. ))
[تمام وابن عساكر عن عبد الله بن بسر المازني]
في هذا العصر إن لم تتفوق في دنياك لا يُحتَرم دينك:
كنت أقول وهذا مثل دقيق أن هذه التفاحة في الغصن الرابع، في الفرع الأول، في الشجرة الخامسة، في البستان الفلاني، في المنطقة الفلانية هي لفلان، يمكن أن يأكلها ـ لا سمح الله ولا قدر ـ سرقةً، ويمكن أن يأكلها تسولاً، ويمكن أن يأكلها ضيافةً، ويمكن أن يأكلها شراءً، يمكن أن يأكلها هديةً، طريقة انتقال رزقك إليك باختيارك، أما التفاحة فهي لك لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.))
[ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود]
اختر حرفة راقية، أنا حينما أتوجه إلى شاب في مقتبل حياته أقول له: اهتم بصحتك، واهتم بحرفتك، واهتم بدينك، أشياء ثلاثة تقوم عليها حياتك، أما إذا اعتنيت بجهة على حساب جهة عرجت، وأي خلل في بعض الجهات ينعكس على الجهتين الثانيتين.
الآن إلى النصوص، درس اليوم أيها المعلم وأيها الأب وأيها المرشد في المسجد يجب أن تحض أخوانك أو طلابك على الكسب الحلال، أنا أقول لكم هذه الكلمة ولا تطالبوني بالدليل: الآن في هذا العصر إن لم تتفوق في دنياك لا يُحتَرم دينك، جراح الأعصاب الأول بينما المريض مضطجع في غرفة العمليات ـ وهذا الجراح الأول الذي أجرى عشرات ألوف العمليات الناجحة في الدماغ ـ يصلي ركعتين ويسجد أمام المريض، ويقول: يا رب وفقني لإنجاح هذه العملية، أول طبيب، وأول مهندس، وأول معلم، أنت حينما تستعين بالله تمتلك قوى غير محدودة، وأنا أقول دائماً: إما أن تقول الله فيتولاك، وإما أن تقول أنا فيتخلى الله عنك، لا تقل: أنا، حتى في العبادة، قال تعالى:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
(سورة الفاتحة)
وقال:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾
(سورة يوسف)
استعن بطاعة الله، استعن بالله على طاعة الله، عوِّد نفسك أن تستعين بالله في عملك.
من يطلب العلم يتكفل الله له برزقه:
والله أخ زارني البارحة يتكلم كلاماً لفت نظري، قال لي: أنا أعمل بالتجارة، ولي محل تجاري، وعملي أصبح رتيباً، نفتح المحل صباحاً، نبيع، نشتري، للساعة السابعة نأتي إلى البيت نأكل وننام، أنا لماذا مخلوق ؟ أخذ قراراً أن يطلب العلم، والتزم بمسجد، التزم بجامعة، قال لي: سبحان الله قسمت اليوم إلى نصفين ؛ من الصباح وحتى الرابعة للدنيا، ومن الرابعة حتى ساعة متأخرة من الليل لطلب العلم، أقسم لي ـ وهو صادق ـ أن غلته تضاعفت، قال لي: كنت أملك دراجةً أما الآن فأنا أملك سيارةً، وبحسب حركة الحياة يجب أن ينخفض الدخل إلى النصف، ولكن وكما ورد في بعض الأحاديث أنه:
(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه.))
[الخطيب والديلمي وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائي]
أخواننا الكرام دققوا، أنت تأتي من بيتك، وقد يكون بيتك في الغوطة، أي الطريق من الغوطة إلى هذا المسجد ساعة، وساعة للعودة، وساعة للدرس، ثلاث ساعات اقتطعتها من وقت فراغك، من وقت راحتك، كان من الممكن أن تكون في البيت بين أهلك جالساً على كنبة وثيرة بمكان مريح، وأهلك حولك، وأولادك حولك، لكن آثرت أن تطلب العلم:
(( ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة.))
[الترمذي عن أبي هريرة]
عندما تتوجه إلى بيت من بيوت الله لتطلب العلم هذا الطريق يوصلك إلى الجنة:
(( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع.))
[أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن أبي الدرداء]
أنت حينما تطلب العلم ـ والذي يطمئنك هو رسول الله ـ تكفل الله لك برزقك، أي يلهمك عملاً مريحاً ومعقولاً ومجزياً.
سوء فهم المسلمين جعلهم في الحضيض:
درس اليوم يجب أن تحض أخوانك إن كنت مرشداً، وأن تحض أولادك إن كنت أباً، وأن تحض تلاميذك إن كنت معلماً على أن يتقنوا حرفتهم، والله الفضائل التي تتأتى من إتقان حرفة لا تعد ولا تحصى، أولاً امتلأ وقتك الذي كان من الممكن لا سمح الله ولا قدر أن يمتلئ بالغفلة عن الله، شيء آخر النجاح بالعمل مريح جداً، والنجاح يقود إلى النجاح، ولا شيء يعين على النجاح كالنجاح، ونجاح الإنسان بعمله إنجاز كبير، أولاً كوَّن شخصية، ثانياً أصبح محترماً، ثالثاً يده هي العليا، رابعاً حفظ ماء وجهه، خامساً شد أولاده إليه وربطهم به، فالأب الذي يعمل وله دخل معقول وينفق على أولاده وزوجته أب محترم، وكلمته نافذة، ومحبوب، أما الأب الذي يقول دائماً: ليس معي نقود، عندما يسأل ابنه: أين كنت ؟ يقول له الابن: في أي مكان أشاء، لا يكلمه، الابن يصبح متفلتاً.
إذا أنت ما عندك إمكان أن تغطي حاجات الأسرة المعقولة، أنا لا أقول غير المعقولة، مثلاً بحاجة إلى لباس، إلى طعام، إلى شراب، هذه الأشياء بحاجة إلى مال، والمال بحاجة إلى عمل، فحينما تعمل من أجل أن تشد أهلك إلى الله، وأن تربطهم بك ارتباطاً وثيقاً فأنت في عبادة، لا نريد مسلماً بمهن يزدريها الناس، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طلب النخبة، قال: " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين "، ما الذي يمنع أن يكون مسلم في المسجد صناعياً ؟ تاجراً لامعاً صالحاً يتقي الله، والتاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، ما الذي يمنع أن تكون أستاذاً متخصصاً باختصاص نادر، مهندساً بارعاً، طبيباً حاذقاً مثلاً، لماذا ترضى أن تكون في الدرجة السفلى ؟ لماذا هذه الدونية ؟ لماذا هذا الموقف الضعيف ؟ لماذا أعداء الله في القمم قوةً وعلماً وجامعاتٍ وسيطرةً ؟ لماذا نحن في الحضيض؟ هذا سوء فهم للمسلمين.
بعض أمراض المسلمين:
سيدنا عمر سأل أناساً شاردين: " من أنتم ؟ " قالوا: " نحن المتوكلون على الله " قال: " كذبتم، المتوكل على الله من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله ".
" لِمَ جملك أجرب يا أخا العرب، ماذا عملت من أجله ؟ " قال: " أدعو الله أن يشفيه "، قال: " هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ".
أخواننا الكرام شيء يدمى له القلب، في الحضيض، هذا الكلام لمليار ومئتي مليون مسلم ـ والله شيء مؤلم ـ ليس أمرهم بيدهم، وليست كلمتهم هي العليا، وللكفار عليهم ألف سبيل وسبيل، وهان أمر الله عليهم فهانوا على الله، تسمعون وترون لا تحتاجون إلى أدلة أكثر من ذلك، لأننا قعدنا، وتواكلنا، وتنازعنا، وتنافسنا، وكان بأسنا بيننا، هذه أمراض المسلمين.
أيها المعلم، أيها المرشد، أيها الأب يجب أن تخطط لأولادك أعمالاً تحفظ لهم ماء وجوههم، أن توفر لهم أعمالاً ترفع ذكرهم في المجتمع، ذات مرة كنت أودع قريباً لي في المطار، فقال: هذا الطيار ابني، نظرت فشاهدت طائرة أكبر قياس ( جامبو )، متوجهة إلى الخليج في الليل، وشاب صغير وزنه خمسة وثلاثون كيلو سوف يقلع ليلاً بالطائرة، كم ينطوي على علم ؟ طائرة عملاقة، وأربعمئة راكب، وبالليل سوف يصعد على المدرج، ويحلق، ويمشي على خطوط، العلم شيء ثمين جداً، لماذا ترضى أن تكون هملاً من سَقْطِ المتاع ؟ لمَ لا تكون علماً في الدنيا ؟ لمَ لا تكون علماً في الدين ؟ مالك شركة (مايكروسوفت) يدفع ثمانية مليارات لأطفال أفريقيا، أنى له أن يدفع هذا المبلغ ؟! الله أعلم بنيته، أنى له أن يدفع هذا المبلغ الضخم من أجل صحة أولاد أفريقيا المعذبين ؟ حينما تكون ناجحاً في عملك تنفق، أنت كمسلم أولى بك أن تفعل هذا.
أعمال بعض الأنبياء كما وردت في القرآن الكريم:
الأنبياء العظام وهم قمم البشر عملوا أعمالاً حرة قال تعالى:
﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا (37) ﴾
(سورة هود)
اصنع الفلك، نحن كل حاجاتنا مستوردة:
﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) ﴾
(سورة هود)
وقال:
﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) ﴾
(سورة هود)
سيدنا داود قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) ﴾
(سورة الأنبياء)
وقال أيضاً:
﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) ﴾
(سورة سبأ)
سيدنا موسى:
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ (27) ﴾
(سورة القصص)
نبي كريم كان يرعى الغنم:
(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
هذا سيد الخلق وحبيب الحق والذي أنقذ البشرية كان يعمل راعياً لغنم، أنا لا أعتقد أنه يوجد الآن عملاً أقل شأناً من راعي غنم، هل يوجد إنسان يكتب على بطاقة راعي غنم ؟ يكون دكتور ومعه بورد، ما هذه راعي غنم ؟ سيد الخلق وحبيب الحق كان راعي غنم فالعمل شرف يا أخوان.
أفضل الكسب عمل الرجل بيده:
مرة زرت مركز صيانة سيارات، رأيت أخاً يرتدي ثياباً زرقاء يتقن عمله، مساءً هو يُدَرِّس القرآن الكريم فيرتدي ثياباً أنيقة، والله لفت نظري، هذا العمل يحتاج إلى هذه الثياب، بعد الظهر مدرِّس في معهد يرتدي ثياباً أنيقة، ويدرِّس القرآن الكريم، ما الذي يمنع أن يكون لك عمل تقتات منه، وترفع رأسك، وتجعل يدك هي العليا، وتحفظ ماء وجهك، ولا تتضعضع أمام أحد ؟ سبحان الله، الصحابة كان أحدهم يقول: تعال يا أخي خذ نصف مالي، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي حانوتان خذ أحدهما، الرد: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق.
الآن إذا أُعطيت ميزة إلى الفقراء يأخذها الأغنياء، إذا في تسهيلات طبية من ينتفع منها بالدرجة الأولى ؟ الأغنياء، بينما كان الصحابة بأعلى درجة من البذل، وبأعلى درجة من التعفف في وقت واحد.
النبي عليه الصلاة والسلام أول شريك مضارب في الإسلام تاجر بمال السيدة خديجة على حصة له من الربح، شريك مضارب، كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إن أفضل الكسب عمل الرجل بيده ))
[الطبراني عن أبى بردة بن نيار]
مرة كنت في محل تصليح سيارات، أصلحه الله صاحب المحل، يريد أن يضع من قيمة أخ يعمل عنده ويحمل ليسانس، فلان معه ليسانس وعنده، قلت له: أليس فلان يحمل ليسانس ويعمل عندك، نبي كريم كان يأكل من عمل يده وهذا شرف، هذا شرف عند أهل الشرف، نبي كريم كان يأكل من عمل يده:
(( نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ))
[البخاري عن أبي هريرة]
(( إن أفضل الكسب عمل الرجل بيده ))
[الطبراني عن أبى بردة بن نيار]
(( إن الله يحب العبد المحترف ))
[ابن أبي الدنيا عن ابن عباس]
العمل شرف وعبادة:
أجدادنا لهم كلمة شهيرة: "صنعة في اليد أمان من الفقر ".
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
اذهب واحتطب، بل إن الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة، أنا أدعوك أن تتقن عملك، في أيام الرواج مهما كان العمل غير متقن فهناك بيع، أين المشكلة ؟ المشكلة في أيام الكساد، المتقن لا يقف أبداً، الذي يتقن عمله لا يقف عن العمل أبداً مهما كان الكساد مستشرياً، أما في أيام الرواج كل شيء يباع، إذا أتقنت عملك إتقاناً دقيقاً ضمنت دوام العمل، سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق "، ويقول: " اللهم ارزقني ـ وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ـ ويا معشر الفقراء استبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على المسلمين ".
أنت في عملك، وأنت في دكانك، وأنت في مكتبك، وأنت في عيادتك، وأنت تعمل عملاً يومياً، تبيع أشياء على الرصيف، أنت في شرف وفي عبادة لأنك تبتغي من هذا كسب الرزق الحلال، وكفاية أهلك ونفسك، وهذا عبادة، كان الشافعي يقول: " لنقل الصخر من قمم الجبال أحب إلي من منن الرجال، يقول الناس: كسب فيه عار، فقلت: العار في ذل السؤال ".
ألم يقل سيدنا علي: " وَالله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين ونقل بحرين بمنخلين وكنس أرض الحجاز بريشتين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ".
هل من الممكن أن تغسل إنساناً أسود حتى يصبح أبيض ؟ هذا مستحيل، هل من الممكن أن تنقل بحراً بمنخل ؟ هل من الممكن أن تكنس أرض الحجاز بريشة ؟ مستحيل، هل من الممكن أن تحفر بئراً بإبرة ؟!!
على المؤمن أن يطلب الحلال بعزة الأنفس:
أيها الأخوة، الذي أتمناه عليكم إن كنتم آباء أو معلمين أو دعاة إلى الله أن تحضوا من تعلمونهم على الكسب الحلال، وعلى العزة، وعلى طلب الحوائج بعزة الأنفس، وأن تبلغوهم أنه لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، وما من إنسان يسأل الله من فضله إلا استجاب له إن عاجلاً أو آجلاً.
مرة زارني أخ متقدم بالسن في التسعين من العمر، فقدمت له ضيافة، أول لقمة دعا دعاء والله أعرفه، لكن أصابتني هزة نفسية، قال: سبحان من قسم لنا هذا ولا ينسى من فضله أحداً. والله دمعت عيني، لا ينسى من فضله أحداً، أنت عبد لك حق عليه، لكن ابتغِ الحوائج بعزة الأنفس، اطرق البيوت من أبوابها، لا تستعجل طلب الرزق، من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فكن هادئاً، لا ينسى الله من فضله أحداً، اعمل تسكن في بيت وتتزوج ويأتيك الأولاد، كن مع الله، عبدي كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
هذا الدرس أتمنى على كل واحد منكم أن يستوعبه شاباً كان أو أباً أو داعيةً إلى الله، ابنِ نفوس أخوانك على الكسب الحلال.
حدثني أخ، إنسان له درس بجامع في الغوطة، هو عنده بقالية، صادق لدرجة غير معقولة، لو قال له إنسان: هذه الحاجة طازجة ؟ قال: لا، والله من ثلاثة أيام، أما جاري عنده طازج، لا يكذب أبداً، قوة تأثيره في الدرس عجيبة، قوة تأثيره من استقامته.
أرجو الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، مفروض عليك أن تصلي، ومفروض عليك أن تطلب الحلال وبعزة الأنفس، واختر حرفة راقية ترضي الله عز وجل، إياك ثم إياك ثم إياك أن يكون عملك في معصية، ماذا تعمل ؟ أبيع أشرطة تسجيل، ما نوعها ؟ أغانٍ كلها، هذا عمله، وهذا يصلح تلفزيونات وهذا... انظر إلى عملك هل فيه معاونة على فسق، على معصية، قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) ﴾
(سورة المائدة)
والله مرة جاءني اتصال من بلد بعيد جداً قال لي: أنا يا أستاذ عملي أقذر عمل ـ أخذ رقم هاتفي من أخيه من أمريكا من لوس أنجلس ـ ماذا عملك ؟ قال: والله أستحي أن أقول لك، قال: مونتاج للأفلام الإباحية، قلت له: الله يعطيك العافية، قال لي: سمعت شريطاً لك، سمعته خمسين مرة وتبت، والآن أعمل عملاً شريفاً، قلت له: أي شريط بعد أن التقيت به في واشنطن، وأية آية ؟ قال: إن بطش ربك لشديد، خاف.
الحلال صعب والحرام سهل:
أنت أولاً ابحث عن عمل، عمل بخمسة آلاف مشروع، عمل بخمسين ألفاً غير مشروع، اركله بقدمك لأن الخمسة آلاف يبارك الله لك فيها والخمسون ألفاً تخسرها وتخسر دينك وآخرتك، سبحان الله لحكمة بالغة الحلال صعب والحرام سهل، يعني أبسط مثال: تعمل إنسانة في بيت ثماني ساعات بثلاثمئة ليرة، هذه الثلاثمئة ليرة تأخذهم مومس بخمس دقائق، تنقل كيلو حشيش تأخذ عليه مئة ألف ليرة، تشتغل سنة بمئة ألف ليلاً ونهاراً وتحصيلاً وبيعاً، لكن لحكمة بالغة العمل الحلال صعب ودخله قليل والحرام سهل ودخله كبير لماذا ؟ لو كان الحلال سهلاً لأقبل الناس على الحلال، لا حباً بالله، ولا طلباً للآخرة، ولكن لأنه أهون، لأن الحلال صعب والإنسان يخاف من الله، فاختر عملاً حلالاً، صعباً، شاقاً، متعباً، بدخل قليل، لكنك تنام قرير العين، تنام مالك الدنيا، تنام والله راض عنك، ابحث عن عمل مشروع.
هناك أعمال أساسها إيذاء الناس، أو إلقاء الرعب في قلوبهم، أو ابتزاز أموالهم، أو إفساد أخلاقهم، وما أكثرها، وهذه أروج الأعمال الآن.
حدثني أخ اشتغل بمقصف فيه خمور ومغنون وراقصات قال: ثمانية ملايين ربح بخمسة وأربعين يوماً.
تبني عملك على إفساد الأخلاق، العمل رائج جداً، الآن تبني عملك على تهريب مادة محرمة كالمخدرات بالمليارات، أساساً أغنى الأشخاص في العالم تجار المخدرات.
أنا أضرب مثلاً لكن الحقيقة فيه مفارقة كبيرة، مطعم بقرية في حمص، كم نجمة هذا ؟ ولا نجمة، دخله لا يكفي صاحب المطعم خمسة أيام، لكن لو فرضنا صاحب المطعم صائم، مصلٍّ، ورع، مستقيم، قائم بعباداته، عقيدته سليمة، الآن مطعم خمس نجوم يبيع الخمر غلته في اليوم مليون ليرة أحياناً، خمسمئة ألف، ثمانمئة ألف، من أربح ؟ بالدنيا هذا أربح، لكن عندما يأتي الموت يكون صاحب المطعم في حمص أذكى بكثير، لأنه في طاعة الله، أنت لا يهمك حجم العمل، العمل يكون في طاعة الله، التعليم أشرف مهنة، ما في عمل أشرف منه، وما في عمل دخله أقل من دخله، ماذا تأخذ ؟ طبشورة تضعها في جيبك ؟ لا شيء في تعليم صغار.
دائماً ابحث عن عمل تسمو نفسك به، الله يبارك لك في صحتك ورزقك وشبابك وأهلك، وهناك أعمال دخلها كبير جداً اركلها بقدمك ولا تعبأ بها أبداً.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 20 - مراعاة الفروق الضرورية بين الصغار







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام ولازلنا في القسم الثاني وهو الوسائل الفعالة في تربية الأولاد.
على الآباء محاولة اكتشاف خصائص أولادهم:
وصلنا إلى بعض التوجيهات في شأن تربية الأولاد من هذه التوجيهات مراعاة الفروق الفردية بين الصغار.
الأب أيها الأخوة يتمنى أن يكون ابنه على شاكلة معينة، فيحمله عليها، ويضغط عليه، ويقسو عليه ولا يفلح، لو أن هذا الأب حاول أن يكتشف خصائص ابنه، من الثابت أن الصغار يمكن أن يفرزوا إلى زمر، يوجد طفل عنده استعداد للعلوم المجردة ؛ رياضيات، فيزياء، كيمياء، طب، هندسة، علوم مجردة أي يستمتع إذا قرأ، ويستوعب، ويحفظ، ويبتدع، يوجد طفل آخر ذكاؤه عملي، يفكك آلة ويركبها، ويوجد طفل ثالث محدود الذكاء هذا شيء مسلَّم به، يوجد طفل يتمتع بذكاء نظري، ويوجد طفل يتمتع بذكاء عملي، ويوجد طفل محدود الذكاء، فالذي يتمتع بذكاء نظري ينبغي أن توجهه إلى كليات جامعية للدراسة النظرية، وقد تكون مجرماً في حقه لو دفعته إلى حرفة، لا يصلح أبداً، لا يصلح إلا بالتفوق في العلوم النظرية، ويوجد إنسان يتمتع بذكاء عال جداً في الأمور العملية، فلو وجهته لفرع نظري لا يفلح.
أنا أعلم علم اليقين أن هناك إخفاقات كبيرة جداً، وتسبب دماراً للأسر، بسبب عدم معرفة الأب لهذه الحقيقة، يريد ابنه طبيباً وقد يفلح ابنه في عمل يدوي، ويجمع ثروة أضعاف ما يجمعها الطبيب، فإذا أجبرته على أن يكون طبيباً لا تُفلِح ولا يُفلِح ولا يَنفع ولا يتفوق، طبعاً هذا الكلام في بعض البلاد حلّ على الشكل التالي ؛ الطفل في سن معينة تفحص إمكاناته عن طريق دورات عالية المستوى، فيصنفوا الطلاب إلى: قسم متفوق نظرياً، وقسم متفوق عملياً، وقسم ضعيف التفكير، هؤلاء الضعاف لهم مناهج بسيطة لا تتعبهم ولا يتعبونك، مناهج بسيطة لطيفة، معلومات بالحد الأدنى، ويُعطَى شهادة ويسمى مثقفاً، لكن بشكل يتناسب مع إمكاناته، لا أرهقناه، ولا ضغطنا عليه، ولا حطمناه، ولا شعر بالإخفاق هذه حالة.
كل عمل أو حرفة تبتغي بها وجه الله توصلك إلى الجنة:
الحالة الثانية ابن يتفوق بالعمل، أعطهِ حدّاً أدنى من الثقافة النظرية وادفعه إلى العمل، وطفل آخر يتفوق بالنواحي النظرية، فما لم يكتشف الأب خصائص ابنه، واستعدادات ابنه، وفروق ابنه الفردية عن بقية الأولاد لا يفلح في تربيته، الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:.. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى إِلَى قَوْلِهِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ))
[متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ]
نحن جميعاً خلقنا للجنة ـ وأنا مضطر أن أذكر هذا المثل ـ نحن جميعاً خلقنا للجنة والدليل قوله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾
(سورة هود)
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، ولكن الجنة التي خلقنا من أجلها لها طرائق بعدد أنفاس الخلائق، فقد تدخل الجنة بدعوة إلى الله، أو بتأليف، أو بخدمة، أو بطب تبتغي به وجه الله، أو بهندسة تبتغي بها وجه الله، أو بتعليم تبتغي به وجه الله، أو بحرفة تبتغي بها وجه الله، تصميم المجتمع المسلم أيها الأخوة رائع، كل حرفة إذا كانت في الأصل مشروعة، وسلك صاحبها الطرق المشروعة، وابتغى بها كفاية نفسه وأهله وخدمة المسلمين والتخفيف عنهم، ولم تشغله عن طاعة، ولا عن فريضة، ولا عن عبادة، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة، فيمكن أن تصل إلى الجنة من أي طريق، فالذي يتفوق بالأمور العملية ينبغي أن يطلق إلى أمر عملي، والذي يتفوق في الأمور النظرية ينبغي أن يدفع إلى اختصاص نظري، والذي نجد به ضعفاً عاماً ينبغي أن لا نزعجه ولا نتعبه في ضعفه وفي تقصيره، المقصر نزعجه، أما إذا كانت الإمكانيات ضعيفة جداً لا ينبغي أن نحمله ما لا يطيق وهذا من الرحمة.
كل إنسان ميسر لما خُلق له:
أيها الأخوة، لا نفلح في تربية أولادنا، ولا في تربية طلابنا، ولا في تربية طلاب العلم في المسجد إلا إذا عُرِفت الفروق الفردية، هناك ملمح دقيق في السنة، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكلف صحابياً بعمل فعرضوا عليه اسم أحد الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس هناك ـ أي لا يصلح لهذا العمل ـ وكأن النبي المربي الخبير يعرف إمكانيات كل صحابي، مثلاً هناك إنسان عنده ذكاء اجتماعي هذا إذا أرسلته بمهمة اجتماعية يفلح، لطيف، لبق، مرن، يعتذر، يرضي من حوله، لا يزعجهم، يوجد إنسان عنده تفوق مالي هذا ينفق وذاك يفاوض، هناك إنسان عنده خبرة عملية هذا نستعين بخبرته، إنسان عنده وجاهة نستعين بوجاهته، إنسان عنده مال نستعين بماله، فكل إنسان يُمكِّنُه الله من شيء، وهذا الشيء يمكن أن يُبتغى به وجه الله عز وجل.
لذلك أن تكتشف ميول ابنك في وقت مبكر، أو أن تكتشف إما مباشرةً، أو عن طريق اختصاصيين أن هذا الابن ما بنيته الفكرية ؟ ما بنيته النفسية ؟ ما قدراته الخاصة ؟ هناك قدرات خاصة عالية جداً، درسنا في الجامعة مئة قدرة خاصة بالإنسان، تجد شخصاً عنده قوة إقناع عجيبة يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، هذه قدرة.
مرة أب جاء ابنه من بلاد الغرب وقد حمل شهادة عليا في الفلسفة، فالأب مع الأم جالسان على مائدة وعليها فروجان، فقال ابنهما: يا أبت أنا أستطيع أن أقنعك بالدليل أن هذين الفروجين هم ثلاثة، فقال له الأب: أنا سآكل واحداً، وستأكل أمك واحداً، وكل أنت الثالث.
هناك إنسان عنده قوة إقناع، وآخر عنده ذكاء اجتماعي، وثالث عنده قوة بلاغية، أحياناً تجد طفلاً صغيراً يلقي كلمة بشكل ارتجالي صحيح، هذه قدرة خاصة بيان القدرة، وحسن التصرف قدرة، وحسن التخلص قدرة، هناك إنسان يستطيع أن يظهر بحجم أكبر من حجمه بكثير، فقير جداً ويسكن في الحجر الأسود، قال له شخص: أين تسكن ؟ قال: في بلاك ستون سيتي.
أنا أتمنى أن تكشف قدرات ابنك، ابنك له قدرات، له فوارق، له خصائص، طبعاً ينبغي أن تكون هذه الخصائص كلها وفق منهج الله هذا حديثنا، أتكلم مع أب مؤمن ومع أولاد مؤمنين، لكن لا تطمع أن يكون ابنك طبيباً دائماً، من قال إن الطبيب أعلى حرفة، هكذا الناس يتوهمون، هناك حرف أرقى منها بكثير وأريح وأربح، فلذلك لا تحاول أن يكون ابنك كما تريد ينبغي أن يكون كما يريد، إذا كانت إرادته وفق منهج الله عز وجل هذه نقطة، اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
أحياناً تجد إنساناً يتمتع بذاكرة عجيبة جداً، إنساناً يتمتع بطلاقة لسان عجيبة جداً، إنساناً يتمتع بحسن التخلص، إنساناً يتمتع بقوة إقناع، إنساناً يتمتع بأن يبدو بحجم أكبر من حجمه، فكل إنسان مكنه الله من شيء، هذا الشيء إذا كان في الأصل مشروعاً، مقبول شرعاً، فينبغي أن نوجهه إلى التفوق في هذا الشيء.
مهمة المربي أن يكتشف الطاقات الكامنة عند ابنه:
أنا أذكر قصة رجل من رجال الأدب في مصر اسمه توفيق الحكيم، كان أبوه قاضياً، وأراد الأب أن يكون ابنه قاضياً مثله، وحمله على أن يكون قاضياً، فدرس الحقوق في فرنسا، وعاد إلى مصر ليكون قاضياً، ولكن هواية هذا الابن لا علاقة لها بالقضاء إطلاقاً، هو يحب الأدب، فعلى الرغم من أنه لم يدرس الأدب، ولم يدرس اللغة، صار قبل أن يموت عميد الأدب العربي في مصر، ميله أدبي.
أحياناً الطاقات الكامنة في نفس الطفل قد لا تظهر، أو قد تحتاج إلى بيئة عالية المستوى كي تظهر، مثلاً من يصدق أن أينشتاين أكبر عالم فيزياء كانت علاماته في التعليم الثانوي في مادة الفيزياء قليلة جداً، إنسان قد يخفق في دراسته، وينجح في جانب آخر ويكون الأول، أنا أؤمن أن الإنسان عنده طاقات مخبوءة، فالبيئة أو الأب أو المدرسة إما أن تفجرها، وإما تقمعها، مهمة المربي أن يكتشف الطاقات الكامنة عند ابنه أو عند تلميذه، وهذه الطاقات قد تظهر، وقد يكون منها الخير الكثير.
يقول ابن سينا: " ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، ولكن ما شاكل طبعه وناسبه "، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرامي دون المشاكلة والملاءمة ما كان أحد غفلاً من الأدب ".
مرة كنا بجلسة علمية، وكان أحد الحاضرين شاعراً، وكانت الضيافة حلويات، فأحد الحاضرين داعبه وقدم له قطعة من هذه الحلويات، وقال له: مبرومة بالفستق.
فأجابه الشاعر:
مبرومة بالفستق تصيح أين نلتقـي
في حـلب لذيذة وحلوة فـي جلـق
غرب إذا أكلتها في نشوة وشــرق
مبرومة كأنها سوارة الخورنـــق
***
أي على البديهة جاء بأربعة أبيات، هذه شاعرية، شيء فطري، أحياناً القصة أيضاً ميل فطري، تجد إنساناً يتكلم بقصة بشكل رائع، يأتي إنسان آخر يعيدها فلا تجد لها أي جمال، يشوهها إذا أعادها، إنسان يصنع من قصة تافهة قصة رائعة، هذه كلها قدرات، فإن أردت أن تربي ابنك يجب أن تكتشف قدراته التي أودعها الله فيه، وأن تنميها، يفلح وينجح ويتفوق، أما أن تحمله قسراً على اختصاص لا يحبه، أو على حرفة لا يحبها، هذا من سلوك المجتمعات المتخلفة.
التفوق يحتاج إلى أن تختار لابنك اختصاصاً أو حرفةً تتوافق مع ميوله:
أنا أقول ـ ونحن في مسجد أنا أتحدث عن القدرات المشروعة ـ لا تقل لي: رقص باليه مثلاً، أتحدث عن القدرات المشروعة التي يقرها الدين والشرع، هذه القدرات حاول أن تنميها، حتى التعليم الثانوي مهمته الأولى اكتشاف طاقات الطلاب، وقد تبدو هذه الطاقات في التعليم.
أحياناً في احتفالات معاهد القرآن الكريم ـ قد لا تصدق ـ طفل عمره خمس سنوات قبل أن يدخل المدرسة يحفظ كتاب الله، كله طاقة هائلة جداً، والحقيقة يحتاج إلى توافق ميول، التفوق يحتاج إلى أن تختار لابنك اختصاصاً، أو دراسةً، أو حرفةً تتوافق مع ميوله عندئذ يتفوق، وفي الحديث الشريف يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أعينوا أولادكم على البر ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]
أحياناً تجد أباً يضع ابنه معه في المحل التجاري ويمنعه أن يدرس وعنده رغبة جامحة إلى الدراسة، أنا أقول هذا الأب مجرم في حق ابنه، وكم من ابن يتوق إلى العمل وأجبره أبوه على اختصاص مجرد فأتعبه وتعب الأب كثيراً، فالعبرة أن تكتشف ميولك طبعاً ضمن الحدود الإسلامية، نحن عندنا عبارة في الأخبار المياه الإقليمية والأجواء الإقليمية، فأنت تسبح بالمياه الإقليمية الإسلامية، مادمت في هذه المياه نختار لك أي حرفة، أما أن تسبح بمياه غير إسلامية مرفوض هذا أصلاً، تقريباً في مثل ذكره النبي ؛ أحياناً نربط حصاناً بحبل طويل، والحبل مغروس في الأرض بوتد، فهذا الحصان بإمكانه أن يتحرك، لو أن الحبل طوله خمسون متراً بإمكانه أن يتحرك بدائرة قطرها مئة متر، وهو آمن هكذا، في الإسلام المئة متر هي المنهج الإلهي، فخلِّ الابن يتحرك بالمئة متر كما يريد حتى يتفوق، لكن نصف القطر خمسون متراً، خمسون شرقاً، خمسون غرباً، خمسون شمالاً، وخمسون جنوباً، لا يستطيع أن يتجاوز، قال تعالى:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا (229) ﴾
(سورة البقرة)
المؤمن كل طاقاته مجمعة في الدراسة ولا يوجد عنده انحرافات أما غير المؤمن فهو مشتت:
لو كان يميل إلى شيء فيه معصية مرفوض ولو صار في مشادة، لأن أمر الله أحق أن يتبع.
(( أعينوا أولادكم على البر ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]
أحياناً يتعلق شاب بجامع، والجامع نظيف، منهجه قويم، والأخوة مؤمنون، فالأب هكذا من أجل دراسته يمانع، أنا أؤمن أن المتفوق في دينه متفوق في دراسته، والفضل لله عز وجل أننا أقمنا حفلاً تكريمياً للمتفوقين في الشهادتين الثانوية والإعدادية، كان عدد المتفوقين في الثانوية الفرع العلمي الذين حصلوا على علامات فوق المئتين والثلاثين حوالي عشرة طلاب، هذه نسبة عالية جداً من طلاب المعهد، فالمتفوق في دينه ماذا يشبه ؟ بالضبط إذا أتيت بورقة ووضعتها في الشمس، هل يمكن أن تحترق هذه الورقة في الشمس ؟ مستحيل، ولكن بإمكانك أن تحرقها عن طريق أشعة الشمس فقط بعدسة، ماذا تفعل هذه العدسة ؟ تجمع الأشعة في بؤرة واحدة هي المحرق فتحترق، القضية سهلة جداً، ائتِ بعدسة، وقف في مكان فيه شمس، ضع العدسة إلى أن يأتي محرقها على الورقة فتحترق الورقة، فالمؤمن كل طاقاته مجمعة في الدراسة، لا يوجد عنده انحرافات، أما غير المؤمن مبعثر الطاقات، مشتت، غير مجموع، وفي حديث شريف يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))
[ الترمذي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
(( أعينوا أولادكم على البر ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]
سمعت في بعض البلاد أن التعليم عندهم تعليم مزدوج ؛ تعليم نظري، وتعليم عملي، حتى يكتشف الطفل ميوله هناك تعليم نظري وهناك عشر حرف يمر عليها الطالب جميعاً، في أية حرفة تعلق بها وانغمس فيها وأتقنها يكون هذا ميله، هذا التعليم يسمى التعليم العشري ومهمته اكتشاف ميول الطفل.
هناك إنسان يحب الزراعة، رغبته أن يعيش في الفلاة، أن يزرع نبتة، أن يتابع نموها، أن يعتني بها، إنسان يحب الصناعة، إنسان يحب التجارة، إنسان يحب الدراسة، إنسان يحب الشيء الجميل، قد يكون خطاطاً، قد يكون بحرفة لها طابع جمالي، على كل هذا التوجيه ضمن تربية الأولاد وضمن تربية طلاب العلم في المسجد، طالب يحب المعلوماتية، طالب يحب الطب، طالب يحب الهندسة، طالب يحب أن يكون في الزراعة، مرة التقيت بطالب من طلابي مجموعه مئتان وأربعون، طبعاً سوف يختار الطب، قال: لا اخترت الزراعة، أنا أحب الزراعة، فأنا ثمنت عمله لأنه اختار فرعاً يحبه حتى يبدع فيه.
على الطفل أن يعيش سنه لأن اللعب من خصائص الأطفال:
هذا جانب في الدرس أيها الأخوة، هناك جانب ثانٍ أيها الأخوة، الجانب الثاني أن يعيش الطفل سنه لأن اللعب من خصائص الطفل، البيت القاسي، ممنوع اللعب، ممنوع الضحك، ممنوع التسلية، كله ممنوع، هذا بيت بالنسبة للطفل الصغير كالقبر تماماً، أعيد وأكرر أنا أخاطب المؤمنين، يختار الطفل معصية ممنوع، أنت في بيت مسلم ومعك منهج ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أنا حينما أتحدث عن المرونة، وأن تتماشى مع رغبات الطفل، وأن تكتشف ميول الطفل، أنا أقصد مادامت هذه الرغبات وتلك الميول وفق منهج الله فقط، أما إذا كانت تبنى على معصية ـ والعياذ بالله ـ مرفوضة أشد الرفض، وعلى الأب أن يكون واعياً، وحازماً، وقوياً، وعليه أن ينصح أولاده بالإقناع، والإقناع أولى من القمع، لكن أنا حينما أقول ينبغي أن تتماشى مع ابنك لا أقصد إلا في ميوله المشروعة.
مرة سمعت أن هناك وقفاً في بعض البلاد الإسلامية، هذا الوقف مهمته تحبيب المطالعة للصغار، والمطالعة من أرقى الهوايات لأنك تشتري عقل إنسان بدريهمات، تشتري كتاباً هذا الكتاب فيه عقل المؤلف، خبرته، تجاربه، مبادئه، هذا الوقف يطبع قصصاً إسلامية، هادفة، ممتعة، لطيفة، بطباعة أنيقة جداً، ويوزعها على البيوت مجاناً، فإذا قرأها الصغار وأعجبوا بها سألوا عنها في الهاتف بعد حين، حب المطالعة يسري في نفوس الصغار عن طريق هذا الوقف، بيت بلا مكتبة مشكلة كبيرة جداً، البيت يحتاج إلى مكتبة فيها كتب علمية، موسوعات ضمن الإمكانيات، الآن العلم ميسر جداً.
حدثني صديق لي قال: كنا نبيع موسوعة علمية بخمسة وعشرين ألفاً، الآن ثمنها مئة وخمسون ليرة عن طريق قرص ليزري بصورها، وألوانها، وتفاصيلها، ودقائقها، شيء لا يصدق، بعض الأقراص المدمجة فيها كتب ثمنها مئتا ألف ليرة، كل هذه الكتب في هذا القرص، وتطالعها بخطوط رائعة، والخطوط مضبوطة بالشكل، وفيها إمكانية بحث، قضية ثورة المعلومات شيء لا يصدق، عندي قرص فيه تقريباً خمسمئة كتاب فقه بقرص واحد، قرص آخر للتفاسير، قرص آخر للحديث، قرص آخر للتاريخ، العلم الآن ميسر بشكل لا يصدق، دائماً وأبداً ينبغي أن يكون في البيت زاد ثقافي، بيت ليس فيه كتاب، ليس فيه شيء يعرفك بالله عز وجل، ليس فيه كتاب حديث ولا تفسير ولا كتاب سيرة مشكلة، الأب الواعي يعمل مكتبة في البيت.
ينبغي أن يكون في البيت شيء من اللهو البريء:
القسم الثاني من الدرس ينبغي أن يكون في البيت شيء من اللهو البريء.
" سيدنا حنظلة كما تعلمون حينما رآه الصّديق يبكي سأله: مالك يا حنظلة تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولمَ ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين ـ الآن دقق ـ فإذا عافسنا الأهل ننسى."
جاء إلى البيت، جلس مع أولاده، استمع إلى زوجته، ما ارتكب معصية، أما هذا التألق الذي كان مع رسول الله فتر، ذاك التألق فتر، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) ﴾
(سورة الشرح)
(( عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مالك يا حنظلة؟" قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة على مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة".))
[مسلم عن حنظلة]
بصراحة أنت أب يجب أن تكون مرحاً في البيت:
(( أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات.))
[أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر]
كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، أعطيك مقياساً علامة أنك أب ناجح أو زوج ناجح أنك إذا دخلت البيت أصبح الأهل في عيد، بينما الأب غير الناجح إذا دخل البيت صار هناك مأتم، كلهم سكتوا، هربوا من وجهه، ذهبوا إلى غرفهم، علامة أنك أب سيئ، وجودك يجب أن يكون محبباً في البيت، فالوجود المحبب يحتاج إلى مرح، عوِّد نفسك أن تكون صاحب دعابة في البيت، لطيفاً، أن يكون هناك جو من المرح، من اللهو البريء، هذا شيء يقوي الإنسان ويشده، في الجامعة درسنا مادة اسمها الفكاهة في التعليم، الفكاهة في التعليم لها أثر كبير جداً، الدرس الذي فيه طرفة يبعث النشاط في الحاضرين، نجدد النشاط، أنت كنت معلماً، كنت مديراً بمؤسسة، أباً في البيت، مرشداً في المسجد، يجب أن تكون مرحاً وأن يأنس بك من حولك، ظلك خفيف، لطيف، لا تفوت فرصة لدعابة، أنا أرى أن من لوازم النجاح في القيادة أن تكون صاحب دعابة.
أحاديث من السنة الشريفة عن أخلاق النبي الكريم ومداعبته للأولاد:
كان النبي يمزح مع أصحابه ولا يمزح إلا حقاً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع ؛ مشي الرجل بين الغرضين ـ للرمي ـ وتأديبه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة))
[الطبراني عن عطاء بن رابح]
من الممكن إجراء سباق بين الأولاد إذا كان البيت واسعاً، أو في بستان، النبي كان يجري مع الأولاد.
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُفُّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيراً مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]
يوقفهم في صف واحد بعيداً ويقف هو كهدف ويقول: من سبق إلي له كذا وكذا:
(( فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]
هذا سيد الخلق، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
(( رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال عليه الصلاة والسلام: ونعم الفارسان هما ))
[أبو يعلى وابن شاهين عَنْ عمر]
(( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فدعينا إلى طعام فإذا الحسين رضي الله عنه يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يده فجعل يفر ها هنا وها هنا فيضاحكه رسول الله حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبله وقال: حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط ))
[الطبراني عن جابر رضي الله عنه ]
يعني ولد الولد، هذا الإنسان العظيم سيد الخلق يداعب الصغار في الطريق، يجري معهم، يسلم عليهم، يدعوهم لركوب الناقة، يقول أحد الصحابة الكرام:
(( والله لقد خدمت رسول الله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئاً قط ))
[سعيد بن أبي بردة عن أنس]
من أنسه ومن عفوه ومن طيبه، ومرة أرسل خادماً غاب طويلاً فلما عاد غضب النبي معه سواك فقال النبي الكريم:
(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))
[ابن سعد عن أم سلمة]
للأولاد قواعد وخصائص فاستغل هذه الخصائص ودلّهم على الله:
المواقف الجادة المستمرة مملة كهنوت، ولا كلمة، ولا حركة، ما هذه الحياة ؟ طفل يريد أن يلعب، أن يمزح مع أبيه، أجمل شيء في الأسرة في حدود، في مودة، في لعب، في مضاحكة، في ملاعبة، في مقام، أما ولا كلمة بوجود الأب ليس هذا ناجحاً، لذلك ورد عن رسول الله أنه قال:
(( من كان له صبي فليتصابَ له.))
[ابن عساكر عن معاوية]
الآن تعقيب متعلق بوضع المسلمين ؛ أخواننا الكرام، بشكل مختصر مفيد لا نملك الآن من شيء إلا أولادنا، هم ثروتنا، هم مستقبل هذه الأمة، تسمعون وترون لا أذيع سراً، هذا الذي أقوله الآن قيل في مؤتمر القمة، لا نملك شيئاً، نملك أولادنا هم الورقة الرابحة الوحيدة بين أيدينا، أي إذا كنت عاجزاً عن كل شيء فلا تعجز عن تربية أولادك، إذا أصبت بالإحباط في كل شيء فلا تكن محبطاً من أولادك، أولادك لهم قواعد وخصائص فاستغل هذه الخصائص، ودلهم على الله، وحببهم إليك، عندما يعمل الإنسان ويأتي بدخل يلبي حاجات أهله المشروعة فهو في عبادة، ولا أنسى كلمة قالها بعض الصحابة: "حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي."
الطفل حينما تطعمه، حينما يرتدي ثوباً جيداً، يرتدي حذاء جيداً، يأكل ما يشتهي ضمن الشيء المشروع، فأنت صار عملك عبادة، لا يمكن أن يكون عملك غير مشروع وتقول لي عملي عبادة، أيضاً في مبالغات، والعياذ بالله يكون عمله أساسه معصية ويقول: العمل أليس عبادة، لا العمل ليس عبادة، العمل عبادة إذا كان مشروعاً، وإذا سلكت به الطرق المشروعة، وإذا ابتغيت به كفاية نفسك وأهلك ونفع المسلمين ينقلب إلى عبادة، وما شغلك عن درس، ولا عن فريضة، ولا عن طاعة، ولا عن عمل صالح، انقلب إلى عبادة، فإذا أتقنتم أعمالكم وكان لكم من هذه الأعمال دخل معقول، وهذا الدخل أنفقته على أولادك، وعلى زوجتك، وشدوا إليك، وارتبطوا بك، فكنت معقد آمالهم، وكان في البيت ود وانسجام ومحبة فهذا كله من جوهر الدين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-10-2018, 03:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 21 - التعاون بين المسجد والمدرسة والبيت - التبسم - الهدية - الاهتمام - الملاطفة





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الوسائل الفعالة لتربية الأولاد:
أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني منها حول الوسائل الفعالة لتربية الأولاد، وانتهينا للقواعد الأساسية في تربية الأولاد، والآن ننطلق حول موضوع جديد ينطوي تحت الوسائل الفعالة.
أولاً: هناك ميمات ثلاثة، ميم المنزل، وميم المسجد، وميم المدرسة، هذا واقع في حياتنا، فما لم يكن هناك تعاون بين المنزل وبين المدرسة وبين المسجد لن تكتمل شخصية من نربي.
الإنسان عقل يدرك و قلب يسمو و جسم يتحرك:
أخوتنا الكرام: في الدرجة الأولى المنزل في المجتمع الإسلامي مهمته الأولى العناية بنمو الطفل، وتأمين حاجاته الأساسية من الطعام، والشراب، والملبس، والعناية بصحته، ومتابعة تصرفاته، وأخلاقه، العبء الأول في تربية الطفل في البيت ينصب على جسمه وأخلاقه.
بينما العبء الأول في المدرسة ينصب على التربية العلمية.
والعبء الأول في المسجد ينصب على التربية الروحية، فالإنسان عقل يدرك، غذاؤه العلم، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً جلياً في المدرسة، وقلب يسمو، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً جلياً في المسجد، وجسم يتحرك، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً جلياً في المنزل، وأي تقصير في أحد هذه الأطراف الثلاثة ينعكس على الطرفين الأخريين.
الأب الكامل هو الذي يعتني بصحة أولاده ونموهم وأخلاقهم وتحصيلهم:
في المنزل:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبي داوود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
لهذا الحديث معنيان: المعنى الأول: من كان قوته مرتبطاً برب المنزل، فإذا ضيع رب المنزل هذه المهمة الأولى فقد وقع في إثم كبير، " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ".
وهناك معنى آخر يلمح: أنك تطعمه، وتسقيه، لكن لا تعتني بدينه ولا بأخلاقه أنت ضيعته ! فلا تقتصر مهمة الأب على إطعام أولاده والعناية بصحتهم فقط بل تتجاوز للعناية بأخلاقهم ودينهم.
وهناك حديث آخر:
(( كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ قَالَ لَا قَالَ فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ ))
[ مسلم عَنْ خَيْثَمَةَ ]
فالأب الكامل هو الذي يعتني بصحة أولاده ونموهم، ويعتني بأخلاقهم، وبتحصيلهم، لكن التحصيل العلمي يقع في الدرجة الأولى في المدرسة، والتحصيل الروحي يقع في الدرجة الأولى في المسجد، فإذا أدى كل حقل من هذه الحقول تأدية كاملة صار تكامل في شخصية الطفل، عقله غذّي في المدرسة، وقلبه غذّي في المسجد، وجسمه غذّي في البيت، أما إذا علّم في المدرسة تعليماً خاطئاً، عُلّم أن أصل الإنسان قرد، وأن هذه المادة نشأت نشوءاً عفوياً ومن قبيل الصدفة، ثم انتقلت في طفرة للحياة الطبيعية وأصبحت مادة حية، وتطورت إلى أن وصلت للإنسان، فالذي يبني المسجد يخربه التعليم العام.
ضرورة التوافق و التكامل بين المسجد و المنزل و المدرسة:
أيها الأخوة: المشكلة كبيرة جداً، ذلك أن هذه الأطراف الثلاثة المسجد والمنزل والمدرسة ينبغي أن تتكامل لا تتعارض، فإذا تعارضت وجد في شخصية الطفل ما يسمى بانفصام في الشخصية.
هناك كلام يقال في البيت ولا يقبل في المدرسة، وكلام يقال في المسجد ولا يقبل في المدرسة ولا يقبل في البيت، تمزق الطفل، أحياناً يكون البيت غير منضبط يكون هناك تفلت، فالأب قد لا يعبأ بتوجيهات المعلم بل يسخر منها و، قد يتهمه بالجهل، ماذا يفعل هذا الصبي الصغير؟ أستاذه له مكانة كبيرة عنده وأبوه الذي أنجبه ؟
أيها الأخوة: أخطر شيء يواجه الطفل حينما يكون هناك تناقض بين مدرسته وبين مسجده وبين منزله، وقد عقد مؤتمر فيما أعلم لتطوير التعليم ما قبل الجامعي وتطوير التعليم الجامعي قبل عشر سنين فيما أذكر، أبرز شيء قيل في هذا المؤتمر: إن مناهج التعليم ينبغي أن تنبع من عقائد الأمة، فإذا نبعت المناهج من فكر غربي بعيد عن عقائد الأمة كان هناك انفصام في شخصية الطفل.
الصراع المستمر بين المنزل و المسجد و المدرسة يسبب حالة لا مبالاة عند الإنسان:
أخواننا الكرام: الصراع المستمر يسبب حالة لا مبالاة عند الإنسان، المدرسة تطرح شيئاً، والمنزل يطرح شيئاً، والمسجد يطرح شيئاً آخر، والطفل واحد هذا أبوه وهذا معلمه وهذا شيخه ! أما لو وجد انسجام لوجدت جيلاً آخر غير هذا الجيل، ميمات ثلاثة، عن المسجد يقول عليه الصلاة والسلام:
(( صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ))
[البخاري عن أَبي ُرَيْرَةَ رضي الله عنه ]
يوجد ملمح لطيف عن صلاته في بيته وسوقه، معظم التجار يصلون في محلاتهم التجارية، ولو صلوا في المسجد لكان أفضل.
(( صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ))
[البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ]
وفي حديث آخر:
((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ ))
[البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ]
الراحة النفسية التي يجدها المصلي هي من إكرام الله تعالى له:
أيها الأخوة: لا زلنا في الحديث عن رسالة المسجد، لمجرد أن تصلي مع إخوانك هذه رحمة، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب.
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه ]
أيها الأخوة الكرام: الجماعة حصن ! يحدثني بعض الأخوة: قد يأتي للدرس متأخراً، مع أنه فاته كلام كثير كان ينبغي أن يتعلمه، لكن لمجرد أن يلتقي بإخوانه ويحبهم ويحبونه يشعر براحة، الإنسان في الأصل اجتماعي، فإذا كان أخوانه من المؤمنين هي راحة ما بعدها راحة، فلذلك صلاة الجماعة لو لم يكن في المسجد إلا صلاة الجماعة لكفى، فإذا كان فيه درس علم، درس العلم تشحن فيه شحنة علمية، وشحنة روحية، الإنسان يحتاج لشحنتين، لابد من حديث، آية، حكمة شرعية، سيرة، موعظة، تضاف لمعلوماتك الدينية، ولابد من شعورك بالأنس في المسجد، وإذا قرأت الحديث القدسي: " إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبد تطهر ثم زارني، وحقّ على المزور أن يكرم الزائر"، هذه الراحة النفسية التي يجدها المصلي هي من إكرام الله له لأنه ضيف الله عز وجل، يؤكد هذا:
((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))
[مسلم عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ]
هذا كلام سيد الخلق، كلام من لا ينطق عن الهوى، وكلام الصادق المصدوق، السكينة إن منحتها سعدت بها ولو فقدت كل شيء، وإن حرمتها شقيت بفقدها ولو ملكت كل شيء.
الرحمة مطلق عطاء الله عز وجل، سعادة على أمن على تفاؤل على ثقة بالله عز وجل، والملائكة تلهمك الخير وتبعدك عن الشر: "وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " هل بعد هذا العطاء من عطاء؟
من اقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله ولطاعته أدى زكاة وقته فيبارك الله له فيه:
أخوتنا الكرام: الآن هذا واقع أعجبنا أو لم يعجبنا، المسجد هو المكان الوحيد الذي يعلم العلم الشرعي، وأصول الدين، وطريق السلوك لله عز وجل، وإليكم بعض هذه الأحاديث:
(( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ]
أنا أؤكد لكم ولا أتألّى على الله، أحدكم يسكن في مكان ما في دمشق، أو أطرافها، أو خارجها، يأتي لمسجد ليس فيه مغنم، ولا عطاء، ولا هدية، ولا ضيافة، ولا شيء، إنه يأتي للمسجد ليطلب العلم، أو ليشحن شحنة روحية، هذا الإنسان الذي لا يخرجه من بيته إلا طلب معرفة الله ورضوانه مشمول في هذا الحديث:
(( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ]
أنت في مهمة مقدسة، وفي رعاية الله، وتوفيقه، ظله، وقد اقتطعت من وقتك وقتاً لطلب العلم فقد أديت زكاة وقتك، ومن أبسط المكافآت من الله أن يبارك لك في وقتك، ويمكنك من أن تفعل الشيء الكثير في الوقت القليل.
كلام دقيق جداً حتى تزداد بالله ثقة واتصالاً عليك أن تؤدي زكاة وقتك، و مكافأة لك الله جلّ جلاله يبارك لك في وقتك، ومعنى هذا أنك تمكن من فعل الشيء الكثير في الوقت القليل، وقد تعجب لعلماء المسلمين، لا يوجد كومبيوتر، ولا مكتبات، ولا فهارس، والله أسباب المعرفة الآن متوفرة بشكل العقل لا يصدقها، السلف الصالح كل هذه الأسباب كانت منقطعة عنده، لا يوجد مطابع، ولا كتب، ولا مكتبات عامة، ولا معلوماتية، خمسمئة كتاب ثمنها مئتا ألف ليرة تشترى الآن بخمسين ليرة ! قرص فيه خمسمئة كتاب ثمنها مئتا ألف ليرة تشتريها بخمسين ليرة، وتقرأها بكاملها في بضع ثواني.
تسأل سؤالاً الجهاز يقرأ لك كل هذه الكتب كلمة كلمة، حرفاً حرفاً، في بضع ثواني ويعطيك النتائج، شيء لا يصدق ! أسباب المعرفة لا تصدق، أما السلف الصالح لا يوجد معلوماتية، ولا كمبيوتر، ولا مراجع، ولا فهارس، ولا كتب، ولا شيء، وبعضهم ألف في اليوم الواحد ما يزيد عن مئة صفحة، وأنت لا تستطيع أن تقرأ في اليوم الواحد خمس صفحات، أن تقرأ لا أن تؤلف ! حينما تقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة الله ولطاعته أديت زكاة وقتك، فيبارك الله لك في وقتك، ويمكنك من أن تفعل الشيء الكثير في الوقت القليل.
العالم و العابد:
لذلك: (( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ]
(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[الترمذي عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه ]
هذا الطريق من بيتك للمسجد هذا طريق طويل ينتهي بك إلى الجنة إن شاء الله.
(( أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ قَالَ لَا قَالَ أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ قَالَ لَا قَالَ مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ))
[الترمذي عَنْ رضي الله عنه ]
الفرق بين العالم والعابد: كنت مرة في عمرة ـ أرجو الله أن يمكنكم جميعاً من أداء العمرة ـ فسمعت في مكة أن في المدينة أنواراً ساطعة ! عجبت أنوار ساطعة لمسافات شاسعة في السماء هذه أنوار قبر النبي، والله أنا لا أدري صحة هذا الكلام ! النبي سيد الخلق وحبيب الحق، لما وصلت للمدينة كان يوجد درس في المسجد النبوي الشريف حضرته فإذا في نهاية الدرس يقول المدرس جزاه الله خيراً: أنه قد أعلمه أمير المدينة أنه أنشئ فوق قبر النبي أشعة ليزر من أجل أن تكون إرشاداً للطائرات إلى أن هذه الأشعة في كبد السماء مكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام هذا تفسير علمي، العابد يبالغ، العالم يعطي الشيء حقه، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، العالم مسلح، أما العابد مقاومته هشة أي خرافة يصدقها، وأي دجل ينطوي عليه، وأي فكرة مغلوطة يقبلها، لا يوجد عنده ميزان، وإذا كانت العبادة في عصور سابقة تكفي، الآن لا بد من العلم لأن فيه الشبهات لا يعلمها إلا الله، وضلالات، وطموحات، ومنزلقات، وأفكار خاطئة ومغرضة، وتفجير الدين من الداخل، هذا كله لم يكن من قبل، فيجب أن تكون مسلحاً بالعلم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ...))
[ أخرجه الدارمي عن أبي الدرداء ]
أروع حالة في التربية التعاون والتكامل والانسجام بين المدرسة والمنزل و المسجد:
أول شيء و الذي أتمنى أن يحصل أن يكون هناك تناغم بين المدرسة و المسجد والمنزل، ألا يكون هناك ازدواجية ولا تناقض، وأي تقصير في مؤسسة ينعكس على المؤسستين، مثلاً: لو أهمل المعلم واجبه تضطر الأم لأن تدرس ابنها الرياضيات واللغة والإملاء والقراءة، صار عبء على الأب والأم إذا وجد إهمال في المدرسة، وإن وجد إهمال في المدرسة من النواحي الدينية يضطر الأب لأن ينبه ابنه من كل خطأ يسمعه ابنه من المدرسة، وإذا في أخطاء في المسجد لا سمح الله صار العبء ينصب على الأب لتصحيح أخطاء المسجد، أما صدقوا أن أروع حالة في التربية أن يكون هناك تعاون وتكامل وانسجام بين المدرسة و المنزل و المسجد، هي ميمات ثلاثة وكلمة ميمات ثلاثة تذكرني بطرفة تروى في مصر: أن الطبيب حينما يتخرج يحتاج لعينات أربع، عيادة وعروس وعربية وعيّان ! الدرس الآن بدأنا فيه ثلاثة ميمات المدرسة والمنزل والمسجد.
أيها الأخوة، هذا التعاون أحد قواعد التربية الصحيحة إن شاء الله، فإذا دعيت لمجلس آباء ساهم، القطيعة بين أولياء الأمور والأساتذة مشكلة كبيرة، دعيت ساهم، سمعت عن مدرس فيه تفوق وإخلاص أثني عليه كي تشجعه، نحن الآباء نهتم بمصير أولادنا، إذا دعيت لحفل في المسجد لتخريج الطلاب لبِّ هذه الدعوة، كي تشعر أنك مهتم بحضوره إلى المسجد.
الحب جوهر العملية التربوية:
الآن هناك حقيقة أسأل الله عز وجل أن أمكن من شرحها.
نحن عندنا معلم ومتعلم، ومربي ومربى أي طفل لا تفهموها فهماً آخر، فممكن أن تكون علاقة علم فقط، إلقاء درس واستماع، هذه العلاقة العلمية الجافة لا تصنع بطلاً، القاعدة هنا: لا بدّ من صلة روحية بين المعلم والمتعلم، من وسائل هذه الصلة أنت كمعلم، أو كأب، أو كشيخ، ممكن إنسان يحضر الدرس بالمسجد، وممكن طالب يكون بالمدرسة، ممكن أب يكون مشغولاً وغارقاً في عمله حتى النهاية، لا يهتم بأولاده إطلاقاً، فإن لم يكن هناك صلة متينة وحارة وأساسها الود والحب بين المعلم والمتعلم العملية التربوية لن تنجح، هذه الحقيقة من ذكرها ؟ أرسطو، استدعى أحد أولياء طلابه قال له: خذ ابنك عني إنه لا يحبني ! إذا لم يحب المتعلم المعلم، وإذا لم يحب الابن أباه أنا لا أقول شيئاً من فراغ، هناك أبناء لا يحبون آباءهم بسبب القسوة، والضرب، والإهانة، والإهمال، والتمييز بين الأخوة، لا يمكن أن يستفيد ابن من أبيه إلا إذا أحبه، ولا متعلم من معلم إلا إذا أحبه، ولا طالب علم في المسجد إلا إذا أحب المرشد، والحب جوهر العملية التربوية، أنت بالحب تصنع المعجزات، القمع يسبب شرخاً كبيراً، والنبي قال:
(( علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه البيهقي عن أبي هريرة ]
القاعدة الأساسية: لابدّ من علاقة ود بين المعلم والمتعلم، يجب أن تصنعها أيها الأب عندما تدخل للبيت، فإذا كان في البيت عيد بمناسبة مجيئك فأنت أب ناجح، وإذا خرجت من البيت ينبغي أن يكون هناك حزن، أما إذا عكست الآية: الراحة وتنفس الصعداء إذا خرجت من البيت، والقلق والوجوم إذا دخلت البيت، لست أباً ناجحاً أبداً.
على كل إنسان أن يكون هناك صلة ود بينه وبين من يعلمه:
لابد من الحب، فالحب له أسباب، كلمة يا فلان أحب أباك هذا كلام.
الحقيقة النفس لها قوانين، لو أن هناك منحدراً، وجئنا بكأس ماء، وسكبناه على هذا المنحدر، قوانين الجاذبية والأواني المستطرقة وسيولة الماء بالمئة مليون تدعو لانحدار الماء نحو الأسفل، فلو قلت للماء مليون مرة اصعد نحو الأعلى لا يصعد، ولو قلت له: انزل سينزل ؟ كلامك ليس له معنى، يوجد قواعد ثابتة، فهذه النفوس جبلت على حبّ من يحسن إليها، إذا أسأت لن يحبك من أسأت إليه ولو كنت في أعلى مقام، ولو كنت أباً له، لن يحبك تلميذك ولو كنت معلماً له، لن يحبك طالب العلم ولو كنت شيخه !
قواعد: يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، فأنت كأب، أو كمعلم، أو كشيخ، لابدّ من أن تكون هناك صلة ود بينك وبين من تعلمه، وبينك وبين ابنك، وبينك وبين تلميذك، وبينك وبين طالب العلم في مسجدك. بعض النماذج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام:
1 ـ التبسم:
مثلاً: أقدم لكم بعض النماذج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام:
(( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ ))
[الترمذي عن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
كم تكلف البسمة ؟ لا تكلف شيئاً هي صدقة، يوجد إنسان وجهه طليق وباش يكلم ويبتسم، يكلم ويظهر وده في كلامه، هذا واجب:
(( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ ))
هذه وسيلة.
2 ـ الهدية:
الوسيلة الثانية:
(( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[مالك عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ]
عندك طالب تفوق، قدم له هدية و لو كانت رمزية، في بعض المدارس ما شاء الله الهدايا شيء ثابت بسلوك المعلمين، طفل لو أعطيته قلماً أو مسطرة أو دفتراً أو أكلة يأكلها يسعد، العبد الفقير بالأعياد ويوم الجمعة نقدم للأطفال، قال لي أحد الآباء: بعد أن زرناكم في العيد، وقدمتم لابني أكلة و عيدية ذهب للبيت، وقال لأمه: هذا الشيخ أحببته ! ودائماً يضغط على أبيه أن يأتي يوم الجمعة لهذا المسجد، إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها.
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وكلما ارتقيت تكثر من الهدية لمن تعلم وتربي، الهدية محببة ورمزية، قيمتها في معناها لا في ثمنها، يقول عليه الصلاة والسلام: " تَهَادَوْا تَحَابُّوا ".
تهادوا فعل على وزن المشاركة، تقدم له هدية ويقدم لك هدية، ليست من طرف واحد، تقدم له هدية ويقدم لك هدية، هذا معنى تهادوا فعل مشاركة، والهدية دين لكنها تصنع المودة، هذا أسلوب ثانٍ، التبسم أسلوب والهدية أسلوب.
إنسان أحياناً ينشأ بينه وبين زوجته مشكلة تحلها الهدية ! حل جذري، ينشأ مع أخوه مشكلة تحلها هدية أيضاً، النبي قال: " تَهَادَوْا تَحَابُّوا "، والتهادي فعل مشاركة، الهدية دين.
3 ـ الاهتمام:
يوجد سلوك ثالث يقرب المعلم من المتعلم الاهتمام، طالبك يده مربوطة، خير يا بني ؟ يدي كسرت يا أستاذ، معافى إن شاء الله، كم يوم مضى عليك ؟ ثلاثة أيام، ماذا كلفك السؤال ؟ سؤالك عن يده التي هي ملفوفة بشاش أبيض هذا اهتمام، دخلت للبيت وجدت ابنك حزيناً يدل أن له حالة صحية غير طبيعية، سألته ما به، بحثت له عن دواء، أمنت له ما يريحه، الاهتمام له شيء عجيب، التبسم، الهدية، الاهتمام.
علامة إيمانك وقربك من الله أنك تحمل همّ المسلمين:
من أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم، لا يكفي أن يكون لا مشكلة لديك أنت، أي أنك تعاني أكبر مشكلة، إذا كنت لا تعاني ولست مهتماً بمشكلات المسلمين هذه أكبر مشكلة تعاني منها أنك أناني ولا تهتم بالناس، علامة إيمانك وقربك من الله أنك تحمل هم المسلمين، فحينما تهتم بإنسان مريض، أو يعاني مشكلة، يجب أن تشاركه ألمه وحزنه، هذا يقربك منه ويقربه منك، فعن المعاملة بحسن الخلق: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والله مضطر لأن أقول هذه الكلمة، وشيء مؤلم أشد الألم تجد إنساناً له سمعة طيبة، محبوب في المسجد، وفي عمله، تستمع لشكوى من زوجته و كأنه وحش في البيت ! يا رب كيف يتوازن هذا الإنسان ؟ استمعوا لهذه الحقيقة وسأقدم لها بمثل: بفحص القيادة كيف يكون الفحص في قيادة السيارات ؟ أن ترجع للوراء والطريق ملتوٍ على شكل s، وضيق على عرض السيارة، وهناك علامات موضوعة على طرفي الطريق، فلو مسست علامة واحدة ترسب، هذا أصعب شيء في القيادة أن ترجع بشكل صحيح، والطريق ضيق، وفيه علامات متحركة، فإذا أحسنت الرجوع بطريق ضيق وملتوٍ مع علامات متحركة الباقي كله سهل.
4 ـ الخلق الحسن:
النبي عليه الصلاة والسلام جعل مقياس الخيرية أخلاقك في البيت، الدليل:
(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أكثر الناس والعياذ بالله في البيت دبور وخارج البيت شحرور، لا يوجد ألطف منه مع رفاقه، ولا أنعم منه مع تجار السوق، ولا أرحم منه بعلاقات خارجية، فإذا دخل للبيت وحش كاسر، يده بالضرب، والسباب، والكلام البذيء، والعبوس والعياذ بالله، والله لولا أنني أستمع لشكاوى كثيرة جداً ممن يرتادون المساجد، ويحضرون دروس العلم، ما قلت كلاماً كهذا ! طبعاً عند أهل الدنيا شيء طبيعي جداً، من هو الإنسان الغافل الفاجر ؟ دابة فلتانة، أما إنسان له مجلس علم، وجامع، وقاسٍ جداً، و كلامه بذيء، ويده بالضرب.... دققوا في هذا الحديث: " وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا "، علامة الخيرية أخلاقك في البيت.
طبعاً في السوق يوجد مراقبة، وسمعة، ومصلحة، ومكانة، ورغبة تأكيد بالذات، وفي المسجد لك أخوان، ومكانة تحرص عليها، وشخصيتك، وسمعتك، لكن في البيت لا يوجد رقابة، في البيت أنت فرعون، البيت لا يوجد أحد يردك، قيل: يا فرعون من فرعنك ؟ قال: لم أجد من يردني، فبطولتك في البيت لا في الطريق، ولا في الأسواق، ولا في المسجد.
5 ـ إعانة الابن على برّ أبيه:
لا تنسوا موضوع الشواهد، أهم شيء أن تقيم علاقة بين المعلم والمتعلم أساسها الحب والود، بين معلم وتلميذه، بين أب وابنه، بين مرشد علم وطلاب العلم في المسجد، رحم الله والداً أعان ولده على بره، رحم الله والداً أي أن هذا الابن يحتاج لصبر، وسماحة، ومعاونة، وتسامح، فكلما كان الأب أكثر رحمة، وحلماً، وأفقاً بعيداً، ونظراً ثاقباً، يتقرب لابنه أكثر.
علموا أولادكم و هذبوهم فإنهم خلقوا لزمن غير زمانكم، مثلاً أنت لست مقتنعاً بجهاز حديث جداً لكن ابنك بحاجة له، هذا لا داعي له ! جهاز لا معصية منه فما المانع ؟ لكن له فائدة بروح العصر، ينبغي أن تسمح له، خلق لزمن غير زمنك.
6 ـ التصابي للأبناء و مداعبتهم:
يوجد شيء آخر: بدأنا بالبسمة والهدية واللطف والملاطفة، والخلق الحسن وانتقلنا إلى أب يعين ابنه على بره، الآن من كان له صبي فليتصابَ له، له حاجات باللعب، يوجد آباء عظام، ولهم شأن كبير في المجتمع، إذا دخل لبيته لاعب أولاده وكأنهم أصدقاؤه أو رفاقه وفعل هذا النبي.
كان النبي عليه الصلاة والسلام يضع الحسن والحسين على ظهره يركبا ظهره، ويمشي في البيت ويقول:
(( نعم الجمل جملكما، ونعم الحملان أنتما، ونعم العدلان أنتما. ))
[ كنز العمال عن جابر]
شخص عظيم سيد الخلق وحبيب الحق، نبي هذه الأمة، ببيته يلاعب الحسن والحسين، يجب أن تهبط لمستوى ابنك، يجب أن تداعبه، وتضمه، وتشمه، وتضعه في مكان تريد إطعامه، أو تمزح معه، تضحك له، هذه حاجة أساسية.
(( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال تقبلون الصبيان ؟ فما نقبلهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ))
[ أخرجه مسلم في الفضائل عن عائشة]
مهما تكن مكانتك كبيرة خارج البيت، بالبيت أنت صديق أولادك.
البيت يجمل بالود ويقبح بالعداوة والبغضاء:
والله يا أخوان أتمنى عليكم أن يكون بيتكم قطعة من الجنة، قد يكون البيت صغيراً، والدخل قليل، والأثاث قديم، لكن البيت يجمل بالود، ويقبح بالعداوة والبغضاء، يوجد بيوت ثمنها ثمانين مليوناً لكن العلاقات العائلية صفر، العنكبوت قال تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ﴾
(سورة العنكبوت)
قد لا تصدقون أن متانة خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ بخمس مرات ! الفولاذ أمتن عنصر على وجه الأرض، المصاعد تستخدم الفولاذ المضفور، والتل فريك يستخدم الفولاذ المضفور، وخيط العنكبوت أمتن من الفولاذ بخمس مرات، خيط من العنكبوت لو سحب ثلاثين ميلي يحمل مئة وخمسين سيارة سياحية، لو كبرنا العنكبوت لطول الإنسان لكان بيت العنكبوت ارتفاعه مئة وخمسين متراً، كالبرج العالمي للتجارة، بيت العنكبوت يوقف اقتحام طائرة ! شيء لا يصدق والله عز وجل قال:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾
(سورة النحل)
قال العلماء: إنه ضعف اجتماعي، علاقات سيئة جداً، الأنثى تأكل الذكر كلياً ليس حقه بل كله ! وتقتل أولادها، ضعف هذا البيت ضعف اجتماعي.
تجد بيتاً متماسكاً مثل الصخر، الأب والأم والأولاد والبنات على قلب واحد و تعاون، وبيوت العياذ بالله بالمحاكم، الأخوة بالمحاكم، الأب والابن، البنت وأخوها، البنات والأخوات، فهذا يحتاج لود بين الصغار.
الإنسان يملك القلوب بالابتسامة والملاطفة:
التبسم:
(( سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثًا تَبَسَّمَ فَقُلْتُ: لَا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّكَ أَيْ أَحْمَقُ، فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَوْ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا ))
[أحمد عَنْ أبي عبد الصمد ]
ويقول جرير بن عبد الله: ما رآني النبي إلا تبسم، بالابتسام تملك القلوب، وكان عليه الصلاة والسلام يمسح رؤوس الصبيان ويقبلهم.
لو قدمت فاكهة له في بواكيرها كان يقبلها شكراً لله على هذه النعمة، ثم يعطيها لطفل صغير ليأكلها، الطفل متعلق بالفاكهة، الكبير يصبر لكن الصغير لا يصبر، كان إذا أوتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان.
((حَدَّثَنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ ))
[البخاري عَنْ قَتَادَةُ ]
جاء في الصحيحين:
((عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ))
[البخاري عَنْ أَنَسٌ ]
و قوله أيضاً:
(( فمَا ضَرَبَنِي ضَرْبَةً، وَلاَ سَبَّنِي سَبَّةً، وَلاَ انْتَهَرَنِي، وَلاَ عَبَسَ فِي وَجْهِي، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أَوْصَانِي بِهِ أَنْ قَالَ: يَا بُنَيَّ، اكْتُمْ سِرِّي تَكُ مُؤْمِنًا. فَكَانَتْ أُمِّي وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلْنَنِي عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلاَ أُخْبِرُهُمْ بِهِ، وَمَا أَنَا بِمُخْبِرٍ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا أَبَدًا ))
[البخاري عَنْ أَنَسٌ ]
خلق النبي الكريم:
والسيدة عائشة سئلت: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ؟ قالت:
(( كان ألين الناس، بساماً، ضحاكاً، لم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه وذلك لعظيم أدبه "))
[ورد في الأثر]
مرة حدثني أخ كان بدرس علم في أحد المساجد، فجالس رجل ومادٌّ رجليه للآخر، صار يسحب ويسحب حتى نام ! هكذا أفضل !! ما رئي النبي ماداً رجليه قط وهو سيد الخلق.
أحياناً تجلس في مركبة عامة يجلس إنسان بكل راحة ويترك لك مكاناً ضيقاً ! فكلما جلست متضامناً أكمل.
(( جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ ]
أخوك يحب هذا الاسم سمّه به، كان هناك أستاذ بالتعليم ـ رحمه الله ـ كان يغير اسم الطالب إن كان هذا الاسم يخلق له مشكلة بالصف، بالسجلات حسب القيود، أما في العام الدراسي يعطيه اسماً آخر كي يبعد أي تعليق من الطلاب عنه، أو كان يختار أيهما أحب للطالب ؟ اسمه أم كنيته ؟.
كان عليه الصلاة والسلام إذا التقى بأحد أصحابه يقول له: يا فلان كيف أنت ؟
سألته عن أحواله، صحته طيبة، أهله، أولاده بخير، كيف العمل ؟ بارك الله بك.
كان سيدنا عمر إذا التقى بأحد أمراء البلاد يقول له: كيف الأمطار عندكم ؟ إذا التقى بولاته كيف الأسعار عندكم ؟ اسأله عن الأمطار، والأسعار، وأولاده، وزوجته، وأهله، وعمله، هذا كله ود.
(( النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْقَى رَجُلًا فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ كَيْفَ أَنْتَ ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللَّهَ، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَعَلَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
(( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ))
[ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
الإحسان قبل البيان:
الإحسان قبل البيان، كان عليه الصلاة والسلام يأنس بأصحابه:
(( سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ كُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيَتَحَدَّثُ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ وَيُنْشِدُونَ الشِّعْرَ وَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[ النسائي عن سماك بن حرب]
يوجد شخص لا يسمح لأحد حوله أن يتكلم كلمة في الدنيا ! سيد الخلق من أنت أمامه ؟ يوجد مرونة ونوع من التلطف، طفل صغير كان عنده عصفور يقول:
(( إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ))
[البخاري عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ]
ما الذي حصل ؟ الود، اللطف، والأدب، والتباسط، والتواضع، والمحبة، والنزول لمستوى أصحابه، هذا أثمن محبة تفوق كل محبة.
الله عز وجل أثنى على أصحابه الكرام فقال: " لا يرغبون بأنفسهم عن نفسه " يحبونه.
سيدنا علي كان يقول: " كان عليه الصلاة والسلام أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا، وآبائنا، وأمهاتنا، وأحب إلينا من الماء البارد على الظمأ ".
علامة إيمان الإنسان أن يحبه من حوله:
اسمحوا لي بكلمة أرجو الله أن أكون دقيقاً بها: إن لم يحبك الناس لدرجة العشق فلست مؤمناً ! متواضع، مؤمن، رحيم، منصف، لطيف، طبعاً ينبغي أن يحبك من حولك، علامة إيمانك أن يحبك من حولك.
شيء لا يصدق بلغ المرأة أن النبي قتل في أحد فخرجت فإذا ابنها مقتولاً، قالت: ما فعل رسول الله ؟ فوجدت أخوها مقتولاً قالت: ما فعل النبي ؟ فإذا زوجها مقتولاً، قالت: ما فعل النبي ؟ فإذا أبوها مقتولاً فلما وقعت عينها على النبي قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، هذا الحب.
أحد الصحابة الكرام اسمه ثوبان قال: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من أهلي، ومالي، وإني أذكرك فما أصبر حتى أجيئك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك أبداً، ماذا أفعل ؟ مقامي غير مقامك، الآن أنا في الدنيا أراك أشتاق إليك فآتيك، بالجنة لا شيء يجمعنا، أنت مع النبيين وأنا مع عامة المؤمنين، الله عز وجل أنزل وحياً من أجل هذا الصحابي، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ﴾
(سورة النساء)
وإذا لم تطع الله ورسوله هل تعرف مع من تجلس ؟ مع شارون في جهنم طبعاً !!!!
عن عاصم بن محمد رضي الله عنه قال: ما سمعت ابن عمر ذكر رسول الله صلى الله عليه وسمل إلا ابتدرت عيناه تبكيان من شدة الحب.
الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم:
أقول: دائماً الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس جميعاً أتباع قوي أو نبي، فمن سلاحه ما معه من سلطة هذا أتباع الأقوياء، ومن سلاحه كماله هذا من أتباع الأنبياء، سلاحك كمالك، لطفك، إنصافك، أدبك، أنت من أتباع الأنبياء، سلاحك معك دفتر ضبط تعال إلى هنا أنت من أتباع الأقوياء.
ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي صلى الله عليه وسلم ثم يبكي.
روى ابن عساكر بسند جيد في شرح هذا الحديث أنه لما نزل بداريا ـ اسم قريب من الشام ـ قال هنيئاً لأهل داريا زارهم بلال و:
(( إن بلالاً رأى في منامه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال، فأنتبه حزناً وجلاً خائفاً فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يبكي عنده ويمرغ وجه عليه، فأقبل الحسن والحسن فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازداد رجتها، فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله خرجن العوائق من خدورهن، وقالوا: بعث رسول الله، فلما رئي يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك اليوم ))
ملخص الدرس:
أيها الأخوة: لعل ملخص هذا الدرس أنه لا بدّ من تعاون المدرسة مع المسجد مع المنزل، ولابد من تناغم، وانسجام، وتوافق، وتعاون، وأي تقصير في أحد هذه المؤسسات ينعكس على المؤسستين.
النقطة الثانية في الدرس: لا يمكن أن تحدث أثراً في إنسان إلا إذا أحببته وأحبك، والحب وسائله: ابتسامة، هدية، اهتمام، تواضع، ملاطفة، مداعبة، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
هذا الكلام موجه للأب، ينبغي أن تدخل بيتك وعند أطفالك عيد، وهذا الكلام موجه للمعلم في الصف، ولكل داعية في الإسلام، مضطر لأن أقول: سيد الخلق، حبيب الحق، وسيد ولد آدم الذي يوحى إليه، أفصح العرب معه معجزات، أنزل عليه الوحي، معه بيان، أكمل خلق الله قاطبة، هو نفسه خاطبه الله قائلاً: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَِ ﴾
(سورة آل عمران)
بعده ليس هناك نبي، ولا رسول، ولا إنسان يوحى إليه، وليس معه معجزات، وفيه غلظة، لماذا هذا ؟
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )






والحمد لله رب العالمين